جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 20


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء العشرون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ علي الآخوندي الناشر دار الكتب الاسلامية تهران - بازار سلطاني الطبعة السابعة تلفن 20410 تمتاز هذه الطبعة عما سبقها بعناية تامة في التصحيح الشيخ محمد الاخوندي 1392 ه‍ ق حقوالطبع والتقليد محفوظة للناشر

[ 2 ]

جواهر الكلام جلد 20 ناشر: دار الكتب الاسلامية تيراژ: 2000 جلد چاپ: مروى نوبت چاپ: سوم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (القول في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود) (ف‍) اعلم أنه (إذا قضى الحاج) ما عرفته من (مناسكه بمكة من طواف الزيارة والسعي وطواف النساء فالواجب العود إلى منى للمبيت بها، ويجب عليه أن يبيت بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر) مطلقا والثالث عشر على تفصيل تسمعه إنشاء الله بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن أكثر العامة موافقتنا عليه، مضافا إلى النصوص التي إن لم تكن متواترة فهي مقطوعة المضمون، منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى، فان بت في غيرها فعليك دم، وإن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلا وأنت بمنى إلا أن يكون شغلك بنسكك أو قد خرجت من مكة وإن خرجت نصف الليل فلا يضرك أن تصبح بغيرها، قال: وسألته عن رجل زار عشاء فلم يزل في طوافه ودعائه في السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر قال. ليس عليه. شئ كان في طاعة الله تعالى " وغيره من النصوص، بل في المروي من طرق العامة عن ابن عباس (2) " انه لم يرخص النبي صلى الله عليه وآله لاحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته " نحو المروي عن العلل بسنده عن مالك بن أعين (3) عن ابي جعفر عليه السلام " ان العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبيت بمكة ليالي منى فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل سقاية


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث 9. (2) سنن البيهقى ج 5 ص 153. (3) الوسائل الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث 21.

[ 4 ]

الحاج " فما عن تبيان الشيخ من القول باستحباب المبيت نادر كالمحكي عن الطبرسي من القول باستحباب جميع مناسك منى السابقة واللاحقة، وقد تقدم سابقا بعض الكلام في ذلك، ويمكن أن يكون نحو المحكي عن بعض الكتب من جعله المبيت من السنة أو حصر واجبات الحج في غيره أو الحكم بأنه إذا طاف للنساء تمت مناسكه أو حجه أو نحو ذلك مما لا ينافي الوجوب ولو من جهة السنة وكونه خارجا عن الحج، وإن حكي عن الحلبي التصريح بكونه من مناسكه، قيل: ولذا اتفقوا على وجوب الفداء لو أخل به، وإن كان فيه أن ذلك لا ينافي خروجه عن الحج. وكيف كان فتجب فيه النية التي هي الأصل في كل مأمور به، وقد نص عليه في الدروس وغيرها، ولكن عن اللمعة الحلية أنه يستحب، وضعفه واضح، نعم يكفي فيها الداعي الذي قد تكرر لك ذكره وإن كان المحكي عن الفخرية ينوي أنه يبيت هذه الليلة بمنى لحج التمتع حج الاسلام مثلا قربة إلى الله تعالى، إذ يمكن إرادته تحليل الداعي، وحينئذ فان أخل بالنية عمدا اثم، وفي الفدية وجهان كما في المسالك بل نفى فيها البعد عن عدم الفدية، ولعله للأصل وعدم معلومية شمول إطلاق ما دل على لزوم الفدية بترك المبيت لمثله لانصرافه بحكم التبادر إلى الترك الحقيقي لا الحكمي، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. وعلى كل حال (فلو بات) الليلتين (بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة) وفاقا للمشهور، بل عن صريح الخلاف والغنية وغيرهما وظاهر المنتهى وغيره الاجماع عليه، وما عن المقنعة والهداية والمراسم والكافي وجمل العلم والعمل من - أن على من بات ليالي منى بغيرها دما نحو صحيح

[ 5 ]

معاوية (1) السابق وما تسمعه في صحيح علي بن جعفر (2). محمول على إرادة الجنسية لا إرادة التسوية بين ليلة وليلتين وثلاث، أو لا يجب الدم إلا بثلاث وإلا كان محجوجا بما عرفت وبعض المعتبرة الدالة على أصل الحكم، منها صحيح معاوية السابق الذي قيل مقتضى إطلاقه وجوب الشاة لليلة، فلليلتين شاتان، وإن كان فيه نظر، إلا أنه لا بأس به جمعا بينه وبين ما دل على ذلك من النص ومعاقد الاجماعات وغير ذلك، وخبر جعفر بن ناجية (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن بات ليالي منى بمكة قال: عليه ثلاث من الغنم يذبحهن) وصحيح صفوان (4) عنه عليه السلام ايضا أو عن أبي الحسن عليه السلام (سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من لبالي منى بمكة فقلت لا أدري، فقلت له جعلت فداك ما تقول فيها. قال: عليه دم إذا بات، فقلت إن كان حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذة أعليه شئ مثل ما على هذا، قال: ليس هذا مثل هذا، وما أحب أن ينشق له الفجر إلا وهو في منى) وصحيح علي بن جعفر (5) عن أخيه عليه السلام (عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح قال: إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه) بناء على إرادة الجنس من الدم لا الوحدة، وعن قرب الاسناد روايته بزيادة (وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شئ) وصحيح جميل (6) عن أبي عبد الله عليه السلام (زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شئ وإن أصبح دون


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث 8 - 2. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث 6 - 5 - 2 - 16 - والثانى عن أبي الحسن عليه السلام.

[ 6 ]

منى) وخبر علي (1) عن أبي ابراهيم عليه السلام (سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم رجع فغلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح قال: عليه شاة) إلى غير ذلك. لكن في صحيح العيص بن القاسم (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى قال: ليس عليه شئ وقد أساء) وصحيح سعيد بن يسار (3) (قلت له أيضا: فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل قال لا بأس) بعد قصورهما عن المعارضة من وجوه، فلا باس بطرحهما أو حملهما على التقية المفهومة من الصحيح السابق أو غير ذلك مما لا ينافي الاول. ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي ما صرح به بعض من عدم الفرق في ذلك بين الجاهل والناسي والمضطر وغيرهم على إشكال في الاخير، بل قيل إن فيه وجهين، أظهرهما العدم، للاصل وانتفاء العموم في النصوص، ولان الفدية كفارة عن ترك الواجب، ولا وجوب عليه، وفيه أن الاصل مقطوع بالاطلاق الذي هو بمنزلة العموم، ولعل الفدية جبران لا كفارة، نعم قد يقال بانسياق غير المضطر من الاطلاق المزبور، إلا أن الاحوط ثبوتها، بل عن الحواشي المنسوبة للشهيد أنه لا شئ على الجاهل، وربما مال إليه بعض الناس قال: ويمكن حمل خبري العيص وسعيد السابقين عليه، بل لولا تخيل الاجماع على هذا الحكم لامكن القول بمضمونهما وحمل ما تضمن لزوم الدم على الاستحباب وإن كان هو كما ترى بعدما سمعت من قصورهما عن المعارضة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 10 - 7 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 12.

[ 7 ]

من وجوه نحو النصوص (1) الدالة على عدم شئ عليه لو خرج من مكة وإن نام في الطريق اختيارا أو أصبح دون منى التي منها ما سمعته في صحيح جميل (2) السابق وحسن هشام بن الحكم (3) أو صحيحه (إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاوز بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شئ عليه) وصحيح محمد بن اسماعيل (4) عن ابي الحسن عليه السلام (في الرجل يزور فينام دون منى فقال: إذا جاوز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام) المحكي عن أبي علي والشيخ في كتابي الاخبار الفتوى به، وخبر عبد الغفار الجازي (5) سأل الصادق عليه السلام (عن رجل خرج من منى يريد البيت فأصبح بمكة قال: لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دما) وخبر أبي البختري (6) المروي عن الحميري في قرب الاسناد عن الصادق عليه السلام (في رجل أفاض إلى البيت فغلبته عيناه حتى أصبح قال: لا باس عليه ويستغفر الله ولا يعود) إلا أنه - مع الطعن في سند بعضها ولا جابر بل والدلالة إذ لم نجد من أفتى بشئ منها عدا ما سمعته من أبي علي والشيخ في كتابي الاخبار - لا تقاوم تلك النصوص المعتضدة بالعمل، وإن توقف لاجلها في المدارك حتى قال: إن المسألة قوية الاشكال، بل في الرياض (لا يخلو القول بها عن قوة إن لم ينعقد الاجماع على خلافه، لوضوح دلالتها مضافا إلى صحتها وكثرتها وموافقتها الاصل مع عدم وضوح معارض لها إلا إطلاق بعض الصحاح السابقة ويقبل التقييد بها، وخبر علي بن ابراهيم السابق (7) وفي سنده ضعف، ويحتمل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث. - 16 - 17 - 15 - 14 - 22. (7) لم يتقدم لعلي بن ابراهيم خبر، والظاهر انه سهو من قلم الناسخ والصحيح خبر علي عن أبي ابراهيم عليه السلام المتقدم في ص 6.

[ 8 ]

تقييد الطريق فيه بطريق في حدود مكة لا خارج عنها، ولا بعد فيه سيما بعد ملاحظة الصحيح السابق) لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه سيما عمل الاصحاب. وحينئذ فالمتجه وجوب الشاة على من بات في غيرها ولو الطريق (إلا ان يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة) كما هو المشهور، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبت إلا بمنى إلا أن يكون شغلك في نسكك) وصحيحه الآخر (2) ايضا المتقدم آنفا الذي مقتضى قوله عليه السلام فيه: (ليس عليه شئ كان في طاعة الله عزوجل) العموم لكل عبادة واجبة أو مندوبة، خلافا للمحكي عن ابن ادريس فأوجب الدم للعموم المخصص بما عرفت، بل قيل مقتضاه أيضا ما نص عليه الشهيدان من لزوم استيعاب الليل إلا ما يضطر إليه من غداء أو شرب أو نوم يغلب عليه، وإن كان فيه منع واضح باعتبار كون ذلك في سئواله، اللهم إلا أن يكون لقاعدة الاقتصار على المتيقن فيما خالف ما دل على وجوب الدم، ولعل وجه استثناء الاولين حملا لاطلاق النص على الغالب بل لعل الثالث أيضا كذلك، واحتمل في الدروس كون القدر الواجب ما كان يجب عليه بمنى، وهو أن يتجاوز نصف الليل، ولكنه كما ترى ايضا. نعم له المضي في الليل إلى منى كما صرح به غير واحد، لظاهر النصوص السابقة، بل قد يستفاد من صحيح صفوان (3) السابق كراهية عدم العود إليها إلى الصبح، لقوله عليه السلام فيه: (وما أحب أن ينشق الفجر له إلا وهو بمنى) كقول أحدهما عليهما السلام في صحيح ابن مسلم (4) (إذا خرجت من منى قبل غروب


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1 - 9 - - 5 - 3. الجواهر - 1

[ 9 ]

الشمس فلا تصبح إلا بمنى) ونحوه صحيح جميل (1) عن الصادق عليه السلام، وفي صحيح العيص (2) عنه عليه السلام أيضا (ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى) بل قد تؤمي هذه النصوص إلى إدراك المبيت بمنى بذلك فلا تجب الشاة حينئذ إلا بالمبيت تمام الليل في غيرها، ولكن لم أجد من أفتى به. بل اقتصروا في الاستثناء على الاشتغال بالنسك (أو يخرج من منى بعد نصف الليل) ولم يدخل مكة إلا بعد الفجر بلا خلاف أجده فيه، لقول الصادق عليه السلام في خبر عبد الغفار الجازي (3): (فان خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيئ) وفي خبر جعفر بن ناجية (4) (إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا باس أن يصبح بغيرها) وفي صحيح العيص (5) (ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى، وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة) بل قد يدل عليه أيضا صحيح معاوية السابق (6). بل صريح بعض هذه النصوص وظاهر غيره كالفتاوى جواز دخول مكة قبل الفجر، خلافا للمحكي عن النهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر والجامع من أنه إذا خرج من منى بعد الانتصاف فلا يدخل مكة قبل الفجر، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل بشرط ان لا يدخل مكة الا بعد طلوع الفجر) ولكن لم نعرف له مأخذا معتدا به كما اعترف به في الدروس


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى الحديث 19 - 4. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 14 - 20 - 4 - 9.

[ 10 ]

وإن قبل لعلهم استندوا إلى ما مر من الاخبار الناطقة بأن الخارج من مكة ليلا إلى منى يجوز له النوم في الطريق إذا جاز بيوت مكة، لدلالتها على أن الطريق في حكم منى، فيجوز أن يريدوا الفضل لما مر من أن الافضل الكون إلى الفجر والوجوب اقتصارا على اليقين، وهو جواز الخروج بعد الانتصاف من منى لا مما هو في حكمها: ولا يعارضه ما في قرب الاسناد من قول الكاظم عليه السلام لعلي بن جعفر (1): (وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيئ) ولا صحيح العيص (2) المتقدم لاحتمالهما، بل يمكن أن يكونوا استظهروا منهما ما ذكروه، إلا أنها كما ترى مجرد تهجس لا يصلح مدركا فضلا عن أن يعارض ما عرفت. وعلى كل حال يكون القدر الواجب من المبيت بناء على ما عرفت هو الكون بها ليلا حتى يتجاوز نصف الليل، بل في الرياض (أن ظاهر الاصحاب انحصاره في النصف الاول فأوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب إلى النصف الثاني) بل صرح به ثاني الشهيدين في المسالك والروضة، وزاد وجوب مقارنة النية لاول الليل، نعم قد يستفاد من خبر ابن ناجية (3) وخبر معاوية (4) السابقين تساوي نصفي الليل في تحصيل الامتثال كما عن الحلبي، بل قد عرفت سابقا أن أقصى ما يستفاد من النصوص ترتب الدم على مبيت الليالي المذكورة في غير منى بحيث يكون خارجا عنها من أول الليل إلى آخره كما اعترف به بعض، واستحسنه أخر إلا أن الشهرة بين الاصحاب إن لم يكن الاجماع على الوجه المزبور يجبر دلالة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 23 - 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 20 - 8.

[ 11 ]

الاخبار عليه، بل في كشف اللثام نفي الاشكال عن وجوب استيعاب النصف من الليل أو كله، وأنه لا يكفي المسمى، مضافا إلى الاحتياط. بل الأفضل الكون بها إلى الفجر كما صرح به غير واحد، لما سمعته من النصوص، بل ظاهر خبر أبي الصباح (1) سأل الصادق عليه السلام (عن الدلجة إلى مكة أيام منى وهو يريد أن يزور البيت قال: لا حتى ينشق الفجر كراهية أن يبيت الرجل بغير منى) وعن الوسيلة التصريح بذلك، وإن قال الفاضل في محكي المختصر ان خبر الجازي (2) ينفيها وان كان الأفضل المبيت بها إلى الفجر، ومما ذكرنا يظهر لك انه لا وقع لما قيل من أن الكلام في أن الأصل أهو المبيت جميع الليل فلا يستثنى منه إلا ما قطع باستثنائه، ويبقى الباقي على الوجوب ام الاصل الكون بها ليلا فلا يجب إلا ما قطع بوجوبه، وهو النصف، وهو مبني على معنى البيتوتة ؟ فعن الفراء (بات الليل كله إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية) وفي العين (البيتوتة دخولك في الليل، تقول: بت اصنع كذا إذا كان بالليل وبالنهار ظللت) وعن الزجاج (كل من أدرك الليل فقد بات) وعن ابن عباس (من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين فقد بات لله ساجدا وقائما) وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى (3): (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما): (البيتوتة خلاف الظلول، وهي أن يدركك الليل، نمت أو لم تنم وقالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وقيل هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود الى منى - الحديث 11 - 14. (3) سورة الفرقان الآية 65.

[ 12 ]

والظاهر أنه وصف لهم باحياء الليل أو أكثره، يقال: يظل فلان صائما ويبيت قائما) ويجوز أن يكون انما استظهر هذا للمقام، وكلام المنتهى يعطي فهم الاستيعاب، لقوله لأن المتجاوز عن النصف هو معظم ذلك الشئ، ويطلق عليه اسمه، قال امرء القيس. فبات عليه سرجه ولجامه وبات بعين قائما غير مرسل. وظاهره الاستيعاب، ضرورة أن ذلك كله لا يوافق ما سمعت، بل يمكن دعوى الاجماع على عدم وجوب الاستيعاب وعلى عدم كفاية المسمى، فالأحوط والأولى مراعاة ما سمعته من الأصحاب من الكون بها قبل الغروب الى نصف الليل. هذا كله في المختارين، وأما ذوو الأعذار فلا أجد خلافا بين الأصحاب في جواز المبيت لهم بغير منى، ولعله لنفي الحرج في الدين، وفحوى الرخصة للرعاة والسقاية، فان العامة روت ترخصهم (1)، وعن الخلاف والمنتهى نفي الخلاف عنه، وفي خبر مالك بن أعين (2) عن أبي جعفر عليه السلام المروي عن كتاب العلل (ان العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجل سقاية الحاج) ولعله لذا كان المحكى عن مالك وأبي حنيفة قصر الرخصة على اولاد عباس، وإن كان ذلك خصوصا من الثاني منهما الذي شرع القياس وغيره غريبا على أن مقتضى الجمود الأقتصار على العباس لا إلحاق أولاده به. نعم ربما قيل إن للرعاة ترك المبيت ما لم تغرب الشمس عليهم بمنى، فان غربت وجب عليهم، بخلاف السقاة، لاختصاص شغل الرعاة


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 150 و 153. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود الى منى - الحديث 21.

[ 13 ]

بالنهار بخلاف السقاة، بل عن التحرير والدروس الفتوى بهذا الفرق، وفي كشف اللثام وهو حسن، قلت: المدار على ارتفاع العذر وعدمه، وإلا فلو فرض احتياج الرعاة الى الرعي ليلا كان لهم ذلك وان غربت الشمس لهم بمنى، ومن هنا ألحقنا جميع ذوي الأعذار بهم، قال في محكي الخلاف: (وأما من له مريض يخاف عليه أو مال يخاف ضياعه فعندنا يجوز له ذلك، لقوله تعالى (1): (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وإلزام المبيت والحال ما وصفناه حرج، وللشافعي فيه وجهان) ونحوه عن المنتهى، بل قيل هو فتوى التحرير والدروس ومقرب التذكرة، بل في الدروس وكذا لو منع من المبيت منعا خاصا أو عاما كنفر الحجيج ليلا، قال: (ولا إثم في هذه المواضع، وتسقط الفدية عن أهل السقاية والرعاة، وفي سقوطهما عن الباقين نظر) قلت: لعل الفرق ظهور خصوص الرخصة فيهما بذلك أما غيرهم فلعموم نفي الحرج الذي مقتضاه عدم الاثم دون الفدية التي عرفت سابقا ظهور النصوص (2) في وجوبها، ولا ريب في أنه الأحوط، وعن بعض العامة تعليل الفرق بأن شغل الأولين ينفع الحجيج عامة وشغل الباقين يخصهم، ولكنه كما ترى، والله العالم. (و) كيف كان فقد (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية وابن إدريس بل في المدارك نسبته الى جمع من الأصحاب غيرهما (لو بات الليالي الثلاث بغير منى لزمه ثلاث شياه) لاطلاق ما سمعته من خبر جعفر بن ناجية، بل وغيره من النصوص (و) لكن (هو محمول على من غربت) عليه الشمس (في الليلة الثالثة وهو بمنى أو) من (لم يتق الصيد


(1) سورة الحج الآية 77. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العود الى منى -.

[ 14 ]

والنساء) في إحرامه، لاختصاص وجوب مبيت الثالثة فيها بهما دون غيرهما كما ستعرف تحقيق الحال في الثاني منهما إنشاء الله، أما الأول فلا أجد فيه خلافا، بل عن المنتهى وظاهر التذكرة الاجماع عليه، لقول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (1): (فان أدركه المساء بات ولم ينفر) وفي خبر ابن عمار (2) (إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح) وفي خبر أبي بصير (3) (فان هو لم ينفر حتى يكون غروبها فلا ينفر وليبت بمنى، حتى إذا أصبح وطلعت الشمس فلينفر متى شاء) بل قيل ولأن الآية (4) انما سوغت التعجيل في يومين، وبالغروب ينقضي اليومان وإن كان فيه ما فيه، إلا أن ما تقدم كاف في إثبات المطلوب الذي هو وجوب المبيت عليه وإن كان متقيا للصيد والنساء. ولو رحل فغربت قبل خروجه من منى فعن المنتهى لم يلزمه المقام على إشكال، وعن التذكرة الاقرب ذلك مستندا فيها الى المشقة في الحط والرحال، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا لما سمعته من ظواهر النصوص، ولذا قال في الدروس الأشبه المقام، وتبعه في المسالك وغيرها ضرورة كون المراد بغروب الشمس هنا هو الغروب المعتبر في حل الصلاة والافطار، من غير فرق بين من تأهب للخروج وغربت عليه قبل أن يخرج وغيره، وبين من نفر ولم يتجاوز حدود منى وغيره، لصدق الغروب عليه بمنى، فان أجزائها متساوية في وجوب المبيت بها.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب العود الى منى - الحديث 1 - 2 - 4. (4) سورة البقرة الآية 199.

[ 15 ]

نعم لو خرج منها قبله ثم رجع بعده لأخذ شيئ نسيه مثلا لم يجب عليه المبيت، بل وكذا لو عاد لتدارك واجب عليه بها، ولو رجع قبل الغروب فغربت عليه بها ففي المسالك في وجوب الاقامة عليه وجهان وقرب العلامة الوجوب، والوجهان آتيان في وجوب الرمي، قلت: لا ريب في أن الأقوى الوجوب، كما أنه لا إشكال في الوجوب عليه لو غربت في أثناء التأهب كما عن المنتهى والتحرير الجزم به وإن قال في محكي التذكرة إنه أقرب، إلا أنه لا ريب في ضعف احتمال عدم الوجوب مع فرض كون رجوعه على غير الوجه الذي ذكرناه سابقا وقول أحدهما (عليهما السلام) في خبر علي (1): (في رجل بعث ثقله يوم النفر الأول وأقام هو الى الأخير انه ممن تعجل في يومين) لا دلالة فيه على عدم وجوب المبيت على من خرج وغربت عليه الشمس قبل الخروج من حدود منى، فضلا عن غيره، وإن احتمله بعض الناس. وعلى كل حال فلا يجب مبيت الثالثة إلا عليهما، وتجب الفدية حينئذ لو أخلا بها، بل ظاهر المصنف حمل القول المزبور على ذلك أيضا ولعله للاجماع وغيره على جواز النفر في اليوم الثاني عشر لغيرهما، فلا يجب مبيت ولا رمي في اليوم الثالث عشر، والله العالم. (ويجب أن يرمي كل يوم من أيام التشريق) اي الحادي عشر والثاني عشر (الجمار الثلاث كل جمرة بسبع حصيات) بلا خلاف محقق أجده فيه كما اعترف به بعضهم، قال في محكي السرائر لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا ولا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه، وإن الأخبار به متواترة، وفي محكي الخلاف (الاجماع على وجوب الترتيب


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب العود الى منى - الحديث 12.

[ 16 ]

بين رمي الثلاث وتفريق الحصا ووجوب القضاء) وفي محكي التذكرة والمنتهى لا نعلم فيه مخالفا، قال الصادق عليه السلام في حسن ابن أذينة (1) (الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار) بل في خبر عبد الله بن جبلة (2) (من ترك رمي الجمار متعمدا لم تحل له النساء، وعليه الحج من قابل) وإن كان هو محمولا على المبالغة في الوجوب، إذ لم نجد قائلا به كما اعترف به في محكي الذخيرة بعد أن نسبه الى الشذوذ. بل وكذا يجب الرمي أيضا في اليوم الثالث عشر إن أقام ليلته فيها كما صرح به الفاضل وغيره، بل في كشف اللثام لعله لا خلاف فيه ولعله للتأسي وإطلاق بعض النصوص (3) وعلى كل حال فما عن التبيان من عده الرمي من المسنون محمول على إرادة ثبوت وجوبه بالسنة، وكذا ما عن الجمل والعقود في الكلام في رمي جمرة العقبة في يوم النحر أن الرمي مسنون، كما عن السرائر والمنتهى الاعتراف به، والله العالم (ويجب هنا زيادة على ما تضمنه شروط الرمي الترتيب، يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منه صريحا وظاهرا مستفيض كالنصوص التي منها خبر معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (ارم في كل يوم عند زوال الشمس، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، وقل كما قلت يوم النحر،


(1) و (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب العود الى منى الحديث 1 - 5. (3) المستدرك الباب - 5 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1. (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 12 - من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 وذيله في الباب 10 منها الحديث 2. الجواهر - 2

[ 17 ]

ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية، واصنع كما صنعت بالأولى، وتقف وتدعو الله كما دعوت، ثم تمضي الى الثالثة وعليك السكينة والوقار فارم ولا تقف عندها) فان الأمر بالبدأة والعطف بثم ظاهر في الترتيب، ونحوه غيره، مضافا الى التأسي. (و) حينئذ ف‍ (لو رماها منكوسة) عمدا أو جهلا أو سهوا (أعاد على الوسطى وجمرة العقبة) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه تحصيلا لايقاع المأمور به على وجهه، وفي صحيح معاوية أو حسنه (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل نسي رمي الجمار يوم النحر فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى قال: يؤخر ما رمى بما رمى ويرمي الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة) أي يؤخر ما قدم رميه نسيانا ولو بقرينة صحيحه الآخر (2) عنه عليه السلام أيضا (قلت له: الرجل يرمي الجمار منكوسة قال: يعيدها على الوسطى وجمرة العقبة) والله العالم. (ووقت الرمي) للمختار (ما بين طلوع الشمس الى غروبها) وفاقا للمشهور، ولعله يرجع إليه ما في محكى الوسيلة (أن وقت الرمي طول النهار) وما عن الاشارة أنه من أول النهار، خصوصا بعد ما عن بعض كتب أهل اللغة من كون النهار من طلوع الشمس الى الغروب، بل وما عن رسالة علي بن بابويه أنه مطلق لك أن ترمي الجمار من أول النهار الى الزوال، وقد روي من أول النهار الى آخره بناء على العمل منه بما أرسله، وإلا كان مخالفا كالمحكي عن مقنع ولده (وارم الجمار في كل


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب العود الى منى الحديث 2 - 1 والأول عن مسمع وفيه " في رجل نسى رمي الجمار يوم الثاني ".

[ 18 ]

يوم بعد طلوع الشمس الى الزول، وكلما قرب منه فهو أفضل) ومن لا يحضره الفقيه مع زيادة الرواية المرسلة، وعن الغنية والاصباح والجواهر (أن وقته بعد الزوال) وفي الخلاف (لا يجوز الرمي أيام التشريق إلا بعد الزوال، وقد روي رخصة قبل الزوال في الأيام كلها، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال: وإن رمى يوم الثالث قبل الزوال جاز استحسانا، وقال طاووس: يجوز قبل الزوال في الكل، دليلنا إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، فان من فعل ما قلناه لا خلاف أنه يجزيه وإذا خالفه ففيه الخلاف) ونحوه الجواهر. ولا ريب في أن الاقوى الاول لصحيح منصور بن حازم وأبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها) وصحيح جميل (2) عنه عليه السلام أيضا في حديث (قلت له متى يكون رمي الجمار فقال: من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس) وصحيح زرارة أو حسنه (3) عن أبي جعفر عليه السلام (أنه قال للحكم بن عيينة ما حد رمي الجمار فقال عند الزوال، فقال أبو جعفر عليه السلام أرأيت لو كانا رجلين فقال أحدهما لصاحبه احفظ علينا متاعنا حتى أرجع كان يفوته الرمي، هو والله ما بين طلوع الشمس إلى غروبها) وصحيح صفوان (4) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: رمي الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها) وهي مع اعتبار أسانيدها وعمل الطائفة بها قديما وحديثا لا محيص عن العمل بها، خصوصا بعد سلامتها عن معارضة ما عدا الاجماع المحكي الموهون بمصير معظم من تقدمه كابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد والصدوقين والمرتضى وجميع


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 13 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 6 - 1 - 5 - 2.

[ 19 ]

من تأخر عنه إلى خلافه، بل هو قد رجع عنه في مبسوطه ونهايته، ولذا قال في المختلف (انه شاذ لم يعمل به أحد من علمائنا، حتى أن الشيخ المخالف وافق أصحابه، فيكون إجماعا، لان الخلاف إن وقع منه قبل الوفاق فقد حصل الاجماع، وإن وقع بعده لم يعتد به، إذ لا اعتبار بخلاف من يخالف الاجماع) وإن كان لا يخلو من نظر، وأما الاحتياط فهو معارض بالنصوص المعتبرة المعمول بها بين الطائفة، على أن التحقيق العمل بأصل البرائة مع فرض الشك في أمثال ذلك، وعدا صحيح معاوية (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (ارم في كل يوم عند زوال الشمس) القاصر عن المعارضة من وجوه الذي لا بأس بحمله حينئذ على الندب، ومنه حينئذ يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من الاصحاب من كون الافضل وقوعه عند الزوال، مضافا إلى كونه المحكي من فعل النبي صلى الله عليه وآله الذي كان يبادر إلى الأفضل، نعم لا دلالة فيه بل ولا في غيره على ما ذكره في محكي الهداية والفقيه والمقنع من أنه كلما قرب إلى الزوال كان أفضل وإن توهمه بعض الناس، بل وما عن المقنعة والمراسم ما قرب من الزوال أفضل فضلا عما عن الكافي من أنه قبل الزوال، وما عن بعض نسخ المبسوط من أن الافضل بعد الزوال، نعم يحكى عن الكتاب (2) المنسوب إلى الرضا عليه السلام أنه قال: (وأفضل ذلك ما قرب من الزوال) ولم تثبت نسبته عندنا، فالأولى الاقتصار في الفضل على ما في الصحيح المزبور، ومن الغريب ما في القواعد من امتداد الفضل من حين الزوال إلى الغروب، ولم أجده لغيره، ولا ما يدل عليه، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1. (2) المستدرك الباب - 12 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

[ 20 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا يجوز ان يرمي ليلا) لما عرفت (إلا لعذر كالخائف والمريض والرعاة والعبيد) بلا خلاف أجده فيه، لقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (1): (لا باس أن يرمي الخائف بالليل ويضحى ويفيض بالليل) وفي موثق سماعة (2) (رخص للعبد والخائف والراعي في الرمي ليلا) وفي حسن زرارة ومحمد بن مسلم (3) (في الخائف لا بأس أن يرمي الجمار بالليل ويفيض بالليل) وسأله عليه السلام أبو بصير (4) ايضا (عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو قال: الحاطب والمملوك الذي لا يملك من أمره شيئا والخائف والمدين والمريض الذي لا يستطيع أن يرمي يحمل إلى الجمار، فان قدر على أن يرمي وإلا فارم عنه وهو حاضر) وفي خبر أبي بصير الآخر (5) عنه عليه السلام أيضا (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله لرعاة الابل إذا جاؤا بالليل أن يرموا). ولا فرق في الليل بين المتقدم والمتأخر لعموم النصوص والفتاوى كما اعترف به في كشف اللثام، ولكن في المدارك (والظاهر أن المراد بالرمي ليلا رمي جمرات كل يوم في ليلته، ولو لم يتمكن من ذلك لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة، لانه أولى من الترك أو التأخير، وربما كان في إطلاق بعض (6) الروايات المتقدمة دلالة عليه) قلت: هو العمدة وإلا فسابقه مجرد اعتبار، بل ظاهر النصوص المزبورة ذلك وإن لم يعلم حاله فيما يأتي من الليالي، والله العالم. (ومن حصل له رمي أربع حصيات ثم رمى على الجمرة الاخرى حصل الترتيب) وإلا فلا بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض إلا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) (6) الوسائل الباب - 14 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 - 2 - 4 - 7 - 6 - 6.

[ 21 ]

من ظاهر المحكي عن علي بن بابويه، بل عن صريح الخلاف وظاهر التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، لصحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل رمى الاولى بأربع ورمى الاخيرتين بسبع سبع قال: يعود فيرمي الاولى بثلاث وقد فرغ، وإن كان رمى الأولى بثلاث ورمى الأخيرتين بسبع سبع فليعد فليرمهن جميعا بسبع سبع، وإن كان رمى الوسطى بثلاث، ثم رمى الاخرى فليرم الوسطى بسبع، فان كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث) والصحيح الآخر (2) عنه عليه السلام أيضا (في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث والثانية بسبع والثالثة بسبع قال: يعيد فيرميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فان رمى الأولى بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع قال: يرمي الجمرة الاولى بثلاث والثانية بسبع، ويرمي جمرة العقبة بسبع، قلت: فان رمى الجمرة الاولى بأربع والثانية بأربع والثالثة بسبع قال: يعيد فيرمي الاولى بثلاث والثانية بثلاث، ولا يعيد على الثالثة) وخبر علي بن أسباط (3) قال أبو الحسن عليه السلام: (إذا رمى الرجل الجمار أقل من أربع لم يجزه أعاد عليها وعلى ما بعدها وإن كان قد أتم ما بعدها، وإذا رمى شيئا منها بنى عليها ولم يعد على ما بعدها إن كان قد أتم رميه) بل وإطلاق حسن الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام على ما في الكافي (في رجل رمى الجمار منكوسة قال: يعيد على الوسطى وجمرة العقبة) وزاد في المدارك (فان كان قد رمى الجمرة الأولى أقل من أربع حصيات وأتم الأخيرتين فليعد على الثلاث


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 6 - من ابواب العود إلى منى الحديث 1 - 2 - 3. (4) الوسائل الباب - 5 - من ابواب العود إلى منى الحديث 3.

[ 22 ]

جمرات، وإن كان قد رمى من الأولى أربعا فليتم ذلك ولا يعيد على الأخيرتين، وكذلك إن كان قد رمى من الثانية ثلاثا فليعد عليها وعلى الثالثة، وإن كان قد رماها بأربع ورمى الثالثة بسبع فليتمها ولا يعيد الثالثة) إلا أن الظاهر كون هذه الزيادة من كلام الشيخ لا من الرواية كما يظهر لك بالتأمل فيما في الكافي وما رواه في التهذيب عنه ولعله لذا لم تذكر في الوافي والوسائل، والامر سهل، ضرورة كفاية النصوص السابقة في المطلوب الذي هو البناء مع الاتيان بالأربع وعدمه بدونه، وما سمعته من ابن بابويه لم نعرف له دليلا سوى فوات الموالات التي لم نجد عليها دليلا، بل ظاهر الأدلة خلافه بل مقتضاه حينئذ عدم الاكتفاء باكمال ما زاد على الأربع لفوات الموالات فيه، مع أنه لا يقول به، إذ المحكي من عبارته في المختلف (فان جهلت ورميت الأولى بسبع حصيات والثانية بست والثالثة بثلاث فارم على الثانية بواحدة وأعد الثالثة ومتى لم تجز النصف فأعد الرمي من أوله، ومتى جزت النصف فابن على ما رميت، وإذا رميت الجمرة الأولى دون النصف فعليك أن تعيد الرمي إليها والى ما بعدها من أوله). وعلى كل حال فالنصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات حجة عليه بل ظاهرها عدم الفرق في ذلك بين العامد والجاهل والناسي، بل قيل هو ظاهر المتن والنافع والمحكي عن المبسوط والخلاف والسرائر والجامع والتحرير والتلخيص واللمعة، خلافا للفاضل في القواعد والتذكرة والمنتهى والشهيدين في الدروس والروضة، وربما عزي إلى الشيخ والاكثر وربما جعل اشهر فقيدوه بالناسي، بل في الحدائق نسبة تقييده به وبالجاهل إلى الأصحاب، وإن كنا لم نتحققه في الثاني، نعم ألحقه الشهيدان

[ 23 ]

منهم بالناسي. وعلى كل حال فعن الفاضل الاستدلال له بأن الاكثر انما يقوم مقام الكل مع النسيان، ورد بأنه إعادة للمدعى، وفيه أن المراد الاشارة إلى ما سمعته في الطواف بمعنى أن الأصل عدم قيام غير ذلك مقامه بالنسبة إلى الترتيب، ولذا استدل له في الروضة بأنه منهى عن رمي اللاحقة قبل إكمال السابقة فيفسد، وإن ضعف ايضا بأن المعلوم انما هو النهي عنه قبل الاربع لا مطلقا، ولو سلم فهو اجتهاد في مقابلة إطلاق النص، ولكنه كما ترى، ضرورة عدم شموله للعامد لندرته فلا ينصرف إليه السؤال المعلق عليه الجواب، مضافا إلى حمل فعل المسلم على الصحة، وإلى إطلاق ما دل على وجوب الترتيب المقتضي لفساد اللاحق قبل إتمام السابق المعتضد بما سمعته من فتوى الأصحاب. ثم إن ظاهر ما سمعته من الاعادة في بعض النصوص أو صريحه كصريح معظم الفتاوى وجوب الاستئناف بالاتيان بدون الأربع، فلا يكفي إكمالها مع إعادة ما بعدها في الأولى أو الثانية، لكن في القواعد والتحرير والتذكرة والمنتهى ومحكي السرائر يكمل الناقص ويعيد ما بعده، للأصل، والأصح الأول، لما سمعته من النصوص معتضدا بفتوى المعظم كالشيخ وبني الجنيد وحمزة والبراج وعلي بن بابويه وغيرهم وبه ينقطع الأصل، وهو خيرته في المختلف، ودعوى إرادة الاكمال من الاعادة لان كل رمية لاحقة إعادة للرمي كما ترى، نعم لو كان الناقص في الثالثة أكملها واكتفى به من غير فرق بين الأربع وغيرها لعدم ترتيب عليه بعدها، ولعله لا خلاف فيه إلا ما سمعته من ابن بابويه بناء على اعتبار الموالات الذي لم نجد له دليلا بالخصوص، بل ظاهر

[ 24 ]

الأدلة سابق خلافه، وكونه المعهود في العمل للعادة لا يقتضي الاعتبار خصوصا بعدما سمعته من النصوص، والله العالم. (ولو نسى رمي يوم) أو تركه عمدا (قضاه من الغد مرتبا يبدأ بالفائت ويعقب بالحاضر) بلا خلاف أجده بيننا في أصل وجوب القضاء، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت له: الرجل ينكس في رمي الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى قال: يعود ويرمي الوسطى ثم جمرة العقبة وإن كان من الغد) نعم عن الشافعي قول بالسقوط، وآخر بأنه في الغد أداء، وكذا من فاته رمي يومين قضاهما في الثالث مقدما للأول على الثاني ويختم بالأداء، فيما تسمعه من حسن عمار (2) الفصل بين كل رميين ساعة، وإن فاته يوم النحر قضاه بعده، ولا شئ عليه غير القضاء عندنا في جميع الصور للاصل. وأما الترتيب فلا خلاف أجده فيه أيضا بل في المدارك هو مقطوع به في كلام الأصحاب بل عن الخلاف الاجماع عليه، مضافا إلى ما قيل من تقدم سببه والاحتياط، وإن كان فيه ما فيه، وصحيح ابن سنان (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس قال: يرمي إذا


(1) الوسائل الباب - 5 - من ابواب العود إلى منى الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2 عن معاوية بن عمار وهو الصحيح كما يأتي في ص 26. (3) الوسائل الباب - 15 - من ابواب رمى جمرة العقبة الحديث 2 ولكن الصدوق (قده) رواه عن عبد الله بن سنان أيضا. الجواهر 3

[ 25 ]

أصبح مرتين، إحداهما بكرة وهي للأمس، والأخرى عند زوال الشمس) ورواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله، والشيخ في الصحيح عنه أيضا إلا أنه قال (يرمي إذا اصبح مرتين، مرة لما فاته، والأخرى ليومه الذي يصبح فيه، وليفرق بينهما، يكون إحداهما بكرة، وهي للأمس) الحديث. بل في كشف اللثام الآستدلال عليه بالأخبار وإن كان لم يحضرنا الآن إلا ما سمعت، بل في الرياض (لم نجد الأخبار المفيدة لوجوب التقديم، لأنها ما بين مطلقة للأمر بالقضاء وبين مصرحة بالتقديم، لكنه مقيد بقيد هو للاستحباب - إلى ان قال: وظاهرهم عدم الخلاف في الاستحباب وإن أشعر بوجوده عبارة الدروس حيث جعله أظهر، وهو كذلك جمعا بينه وبين الصحيح المتقدم الآمر بالفصل بينهما بساعة المنافي لما في هذا الصحيح قطعا، والجمع بالحمل على تفاوت مراتب الاستحباب، فأدناها ما سبق وأعلاها ما هنا، لكن ظاهر الأصحاب الاعراض عن الحديث السابق، فيلحق بالشواذ، ويتوجه حينئذ وجوب ما في هذا الصحيح إن لم ينعقد الاجماع على جواز الاتيان بهما في وقت واحد، وان انعقد كما صرح به بعض الأصحاب حيث قال بعد الحكم بجوازه بلا خلاف بشرط الترتيب فالوجه الاستحباب ومما ذكرنا ظهر انه لا مستند لوجوب الترتيب سوى الاجماع) وإن كان فيه نظر من وجوه، منها دعوى عدم دلالة الصحيح المزبور على وجوب التقديم، فانه يمكن دعوى ظهوره فيه ولو بملاحظة الشهرة أو الاجماع، ولا ينافيه استحباب القيد، وعلى كل حال فما عن قول لبعض العامة من عدم وجوب تقديم الفائت واضح الفساد، هذا.

[ 26 ]

(ويستحب أن يكون ما يرميه لأمسه غدوة، وما يرميه ليومه عند الزوال) كما صرح به الفاضل وغيره، بل قد سمعت دعوى ظهور عدم الخلاف فيه، لكن في المدارك (وينبغي إيقاع الفائت بعد طلوع الشمس وإن كان الظاهر جواز الاتيان به قبل طلوعها لاطلاق الخبر) وفيه أن المراد من (بكرة) في الخبر المزبور طلوع الشمس كما اعترف به في كشف اللثام ومحكي السرائر لا طلوع الفجر، ولو لما عرفت من تحديد الرمي بما بين طلوع الشمس إلى غروبها الشامل للاداء والقضاء، وأن الرمي في غيره لذوي الأعذار، بل عن المنتهى التصريح بمساواة القضاء للاداء في ذلك، فلا ريب في أن الأحوط إن لم يكن الاقوى مراعاته، وفي المسالك في بعض الأخبار دلالة عليه. ولو فاته جمرة وجهل تعينها أعاد على الثلاث مرتبا، لامكان كونها الأولى فتبطل الأخيرتان، وكذا لو فاته أربع حصيات من جمرة وجهل تعينها، ولو فاته دون الأربع من جمرة وجهل تعينها كرره على الثلاث ولا يجب الترتيب هنا، لان الفائت من واحدة ووجوب الباقي من باب المقدمة، كوجوب ثلاث فرايض عن واحدة مشتبهة من الخمس، ولو فاته من كل جمرة واحدة أو ثنتان أو ثلاث وجب الترتيب لتعدد الفائت ولو فاته ثلاث وشك في كونها من واحدة أو أكثر رماها عن كل واحدة مرتبا لجواز التعدد، ولو كان الفائت أربعا استأنف، والله العالم. (ولو نسي رمي الجمار حتى دخل مكة رجع ورمى) مع بقاء أيام التشريق هي زمان الرمي بلا خلاف أجده، لحسن ابن عمار (1)


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2.

[ 27 ]

عن الصادق عليه السلام (قلت رجل نسي أن يرمي الجمار حتى أتى مكة قال: يرجع فيفصل بن كل رميتين بساعة، قلت: فاته ذلك وخرج قال: ليس عليه شئ) وصحيحه (1) عنه عليه السلام أيضا (سألته ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت إلى مكة قال: فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، والرجل كذلك) وصحيحة الآخر (2) عنه عليه السلام أيضا (قلت له: رجل نسي رمي الجمار قال: يرجع فيرمي قلت: فانه نسيها حتى أتى مكة قال: يرجع فيرمي متفرقا يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فانه نسي أو جهل حتى فاته وخرج قال: ليس عليه أن يعيد) لكن في المدارك بعد أن ذكر الحسن والصحيح قال: (وإطلاق هاتين الروايتين يقتضي وجوب الرجوع من مكة والرمي وإن كان بعد انقضاء أيام التشريق، لكن صرح الشيخ وغيره ان الرجوع انما يجب مع بقاء أيام التشريق، ومع خروجها تقضى في القابل، واستدل عليه في التهذيب بخبر عمر بن يزيد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فان لم يحج رمى عنه وليه، فان لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، وأنه لا يكون رمي الجمار إلا في أيام التشريق) وهذه الرواية واضحة، لكن في طريقها محمد بن عمر بن يزيد ولم يرد فيه توثيق ولا مدح يعتد به، ولعل ذلك هو السر في إطلاق المصنف وجوب الرجوع من مكة والرمي). وفيه أن إطلاق المصنف منزل على قوله متصلا بما سمعت:


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العود إلى منى الحديث 1 - 3 - 4.

[ 28 ]

(وإن خرج من مكة لم يكن عليه شئ إذا انقضى زمان الرمي) كما عن التهذيب والخلاف والكافي والغنية والسرائر والاصباح والقواعد وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل عن الغنية منها الاجماع عليه. وبذلك كله مضافا إلى ما حكاه غير واحد من شهرة الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا - ينجبر سند الخبر المزبور، ولعل عدم ذكر فوت الزمان في النافع ومحكي النهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب والجامع والتلخيص وانما في المهذب والوسيلة الرجوع إلى أهله، وفي الباقية الخروج من مكة بناء على الغالب من خروج وقت الرمي، وبذلك يظهر لك أنه لا وجه للتوقف في سقوط الرمي بعد خروج زمانه، بل يمكن دعوى عدم تناول الاطلاق لهذه الصورة. انما الكلام في قول المصنف (فان عاد في القابل رمى، وإن استناب فيه جاز) الذي استظهر منه في المدارك أن العود في القابل لقضاء الرمي أو الاستنابة على الاستحباب كما صرح به في النافع، قال: (ولو حج في القابل استحب له القضاء، ولو استناب جاز) ومال إليه في المدارك للأصل بعد ضعف الخبر المزبور المعارض بنفي الشئ والاعادة في الصحيحين (1) السابقين الشامل للقضاء، ولكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعدما عرفت من انجبار سند الخبر المزبور بالشهرة العظيمة، بل في كشف اللثام نفي الخلاف فيه، بل لم نجد مصرحا بالندب غير المصنف في النافع والفاضل في محكي التبصرة، وأما باقي الأصحاب فهم على ما في الرياض بين مصرح بالوجوب كالشيخ في التهذيبين


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2 و 3.

[ 29 ]

والخلاف والشهيدين في الدروس والمسالك والروضة، وباللزوم كالحلبي وآمر به كالشيخ في النهاية والحلي في السرائر والفاضل في التحرير والقواعد وابن زهرة في الغنية مدعيا عليه الاجماع، وإن كان فيه أن المحكي عن الخلاف في كشف اللثام أنه قال: (إن فاته دون أربع حصيات حتى مضت أيام التشريق فلا شئ عليه وإن أتى به في القابل كان أحوط، قال: ونحوه التحرير والتذكرة والمنتهى، ولكن على كل حال بما عرفت ينجبر سند الخبر المزبور، وينقطع به الأصل بعد الاغضاء عن احتمال عدم جريانه، لاشتغال ذمته به ويخص به الصحيحان المحمولان على ما يجامعه بأن يراد نفي الكفارة ونحوه والاعادة في تلك السنة التي مضى فيها زمان الرمي، بل قد يحتمل أن يكون انما أراد السائل أنه نسي التفريق، ويؤيده لفظ (يعيد) بل قيل إن في الطريق النخعي، فلا يكون صحيحا إلا إذا كان أيوب بن نوح، ولا يقطع به، وأما عبارة المصنف هنا فلا ظهور فيها في الندب، بل قوله فيها (رمى) ظاهر في الوجوب، بل في المسالك دعوى ظهور قوله: (وان استناب جاز) فيه أيضا، بل فيها بعد أن جعل الأقوى وجوب القضاء في القابل في أيامه (لكن إذا كان اتفق حضوره وجبت عليه المباشرة، وإلا جازت الاستنابة وإن أمكن العود) والظاهر ان مراد المصنف ذلك ولكن العبارة مجملة. وكيف كان فلا شئ عليه من كفارة عندنا للأصل، وعن الشافعي وجوب هدي ولا دليل عليه، ولا يختل بذلك احلاله عندنا وإن تعمد الترك للاصل، ولكن في محكي التهذيب وقد روي أن من ترك الجمار متعمدا لا تحل له النساء وعليه الحج من قابل مريدا بذلك خبر عبد الله بن جبلة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (من ترك رمى الجمار متعمدا لم تحل له النساء، وعليه الحج من قابل) ونحوه


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب العود إلى منى الحديث 5.

[ 30 ]

عن أبي علي، ولم نعرف قائلا به غيره، ولذا حمله غير واحد على الندب، على أنه ضعيف بل قيل إنه يحتمل تعمد الترك لزعمه عندما أحرم أو بعده أنه لغو لا عبرة به، فانه حينئذ كافر لا عبرة بحجه، وأن يكون إيجاب الحج عليه من قابل لقضاء الرمي فيه، فيكون بمعنى ما في خبر عمر بن يزيد (1) من ان عليه الرمي من قابل إن أراده بنفسه، وإذا جاء بنفسه فلابد من أن يحرم بحج أو عمرة، والله العالم. (و) لا خلاف أجده في أنه (يجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض) إذا لم يزل عذره وقت الرمي، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص، ففى حسن معاوية وابن الحجاج (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (الكسير والمبطون يرمي عنهما، والصبيان يرمى عنهم) وفي موثق اسحق بن عمار (3) (سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن المريض يرمى عنه الجمار قال: نعم يحمل إلى الجمرة ويرمى عنه) وفي خبره الآخر (4) أنه سأل أبا الحسن موسى عليه السلام (عن المريض يرمى عنه الجمار قال نعم يحمل إلى الجمرة ويرمى عنه، قلت: فانه لا يطيق ذلك قال: يترك في منزله ويرمى عنه) وغيرها من النصوص التي ظاهرها ذلك وإن لم يكن مأيوسا من برئه كالفتاوى، كما أن مقتضى قاعدة الاجزاء عدم وجوب الاعادة بعد الرمي وإن كان الوقت باقيا كما عن التحرير والمنتهى القطع به، وقربه في محكي التذكرة، لكن استشكله بعض الناس بمنع السقوط ما دام وقت الأداء باقيا، وهو محتمل ما في القواعد ويجوز الرمي عن المعذور كالمريض إذا لم يزل عذره وقت الرمي، ولعل الأقوى


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العود منى الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 17 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 3 - 4 - 2.

[ 31 ]

ما سمعت للقاعدة المزبورة وإطلاق النص والفتوى الذين مقتضاهما أيضا عدم بطلان النيابة بالاغماء بعد الاستنابة، فما عن بعض الناس من البطلان قياسا على الوكالة واضح المنع، بل في المدارك (منع ثبوت الحكم في الاصل إن لم يكن إجماعا على وجه لا تجوز مخالفته لانتفاء الدليل عليه) وإن كان فيه ما فيه كما بيناه في محله. بل عن المنتهى والتحرير استحباب استئذان النائب، ومقتضاه عدم توقف النيابة على الاذن المعتبر في التوكيل، ولعله كذلك لاطلاق النصوص، خلافا لما عن المبسوط من أنه لابد من اذنه إذا كان عقله ثابتا، بل ينبغي الجزم بعدم اعتبارها مع فرض عدم قابلية المنوب عنه لها باغماء ونحوه، ولذا قال في محكي المنتهى: إن زال عقله قبل الاذن جاز له أن يرمى عنه عندنا عملا بالعمومات وصحيح رفاعة بن موسى (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أغمي عليه فقال: يرمى عنه الجمار) بل في المدارك ربما ظهر منه وجوب الرمي عنه كفاية وإن كان لا يخلو من نظر بل منع، وفي الدروس لو أغمي عليه قبل الاستنابة وخيف فوات الرمي فالأقرب رمي الولي عنه، فان تعذر فبعض المؤمنين، لرواية رفاعة (2) عن الصادق عليه السلام (يرمى عمن أغمي عليه). نعم قد يقال بوجوب الأستنابة عليه مع بقاء عقله واختياره، وإن كان لو فعل من غير إذنه جاز وسقط عنه ذلك، لما سمعته من إطلاق النص والفتوى مؤيدا بالاجزاء عن المغمى عليه، وباجزاء الحج متبرعا عن الميت، ولعل استحباب الاستئذان الذي سمعته من المنتهى والتحرير إغناء للمنوب عنه عن الأستنابة الواجبة عليه، وإبراء لذمته عنها، كما أن ما في المحكي عنهما ايضا من استحباب وضع المنوب الحصي في يد النائب تشبيها بالرامي، ولايماء حمله


(1) و (2) الوسائل الباب 17 - من ابواب رمى جمرة العقبة الحديث 5.

[ 32 ]

إلى الجمار إليه أيضا، بل في محكي التذكرة استحباب وضع النائب الحصى في يد المنوب يعني والرمي بها وهي في يده كما عن المنتهى أو ثم أخذها من يده ورميها كما عن المبسوط، بل قيل هو الموافق لرسالة علي بن بابويه، والسرائر والوسيلة والتحرير وغيرها، والأمر سهل، والله العالم. (ويستحب أن يقيم الانسان بمنى أيام التشريق) بلا خلاف أجده فيه لصحيح العيص بن القاسم (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الزيارة بعد زيارة الحج أيام التشريق فقال: لا) وخبر ليث المرادي (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي مكة أيام منى بعد فراغه من زيارة البيت فيطوف بالبيت أسبوعا فقال: المقام بمنى أفضل وأحب الي) ولا ينافي ذلك صحيح جميل (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (لا بأس أن يأتي الرجل مكة فيطوف بها في أيام منى ولا يبيت بها) وصحيح رفاعة (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزور البيت في أيام التشريق قال: نعم إن شاء) وصحيح يعقوب بن شعيب (5) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن زيارة البيت أيام التشريق فقال: حسن) ونحوها من النصوص الدالة على أصل الجواز الذي لا ينافي الاستحباب، بل قوله في الأخير (حسن) لا ينافي كون الأحسن منه المقام بها، بل وكذا ما في موثق إسحق بن عمار (6) (قلت لأبي ابراهيم عليه السلام: رجل زار فقضى طواف حجه كله أيطوف بالبيت أحب اليك أم يمضي على وجهه إلى منى ؟ فقال: أي ذلك شاء فعل ما لم يبت) المحتمل مع ذلك للتقية، والأمر سهل. والمراد من النص والفتوى استحباب ما زاد على زمن الرمي الذي عرفت وجوبه ولو بتقدير مضاف أي بقية أيام التشريق، أو بالحمل على إطلاق اسم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 2 - من ابواب العود إلى منى الحديث 6 - 5 - 1 - 2 - 3 - 4. الجواهر - 4

[ 33 ]

الجزء على الكل فان الاقامة في باقي الأجزاء مستحبة، أو يكون الاستحباب متعلقا بالمجموع من حيث هو مجموع، فلا ينافي وجوب بعض أجزاء المجموع المغايرة له من تلك الحيثية. وعلى كل حال فالظاهر إرادة النهار من الأيام هنا حتى على القول بشمولها الليالي. إلا أن يكون على أحد الوجوه السابقة أيضا، والله العالم. (و) يستحب (أن يرمي الجمرة الأولى) التي هي أبعد الجمرات من مكة وتلي مسجد الخيف (عن يمينه) أي يمين الرامي ويسارها كما هو المعروف في النص والفتوى، قال الصادق عليه السلام (1): (ابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل) إذ المراد بيسارها جانبها اليسار بالاضافة إلى المتوجه إلى القبلة، فيجعلها حينئذ عن يمينه، فيكون ببطن المسيل، لأنها عن يسارها ويرميها منه، واليه يرجع قول الرضا عليه السلام في صحيح إسماعيل (2): (ترمي الجمار من بطن الوادي) وبذلك كله صرح المصنف في النافع، قال: (ويستحب الوقوف عند كل جمرة ورميها عن يسارها مستقبل القبلة، ويقف داعيا عدا جمرة العقبة، فانه يستدبر القبلة ويرميها عن يمينه) ولكن في القواعد (ويستحب رمي الأولى عن يساره) نحو ما عن بعض نسخ الكتاب عن يمينها، فانه يكون عن يسار الرامي لمستقبل القبلة، وربما أولت الأولى في عبارة القواعد بالمذكور وعلى كل حال فالموافق للنص والفتوى ما عرفت، ولعله يشهد لما سمعته من الرمي مستقبل القبلة يوم النحر، فلاحظ وتأمل. (و) يستحب أيضا أن (يقف) عن يسار الطريق مستقبل القبلة ذاكرا لله تعالى بالحمد والثناء مصليا على النبي وآله صلوات الله عليهم ثم يتقدم قليلا (ويدعو


(1) و (2) الوسائل الباب - 10 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 2 - 5.

[ 34 ]

وكذا) يصنع في (الثانية، ويرمي الثالثة مستدبر القبلة مقابلا لها ولا يقف عندها) كل ذلك عدا الأخير لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (ارم في كل يوم عند زوال الشمس، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، وقل كما قلت يوم النحر ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله ثم تقدم قليلا فتدعو وتسأله أن يتقبل منك، ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية، واصنع كما صنعت بالأولى، وتقف وتدعو الله تعالى كما دعوت، ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار، فارم ولا تقف عندها) بل النصوص بعدم الوقوف على الثالثة كثيرة، نعم ليس فيها الاستدبار، لكن قد عرفت الحال في رمي يوم النحر، فلاحظ وتأمل، مضاف إلى أنه المحكي من فعل النبي صلى الله عليه وآله، والله العالم. (و) المشهور أن (التكبير بمنى مستحب) كما صرح به في صحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام (سألته عن التكبير أيام التشريق أواجب أولا ؟ قال: مستحب، وإن نسي فلا شئ عليه) ومنه يعلم إرادته من الأمر بالتكبير وبالذكر في أيام معدودات في الكتاب العزيز (3) بناء على أن المراد بها منى كما في صحيح ابن مسلم (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 وذيله في الباب 10 منها الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 21 - من ابواب صلاة العيد الحديث 10 - من كتاب الصلاة. (3) سورة البقرة الآية 199. (4) الوسائل الباب - 21 - من ابواب صلاة العيد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 35 ]

الله عزوجل (واذكروا الله في أيام معدودات) قال: التكبير في أيام التشريق صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، وفي الأمصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار ومن أقام بمنى فصلى الظهر والعصر فليكبر) وصحيح منصور بن حازم (1) عنه عليه السلام أيضا في قول الله عزوجل (واذكروا الله في أيام معدودات) قال: (هي أيام التشريق، كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم: كان أبي يفعل كذا وكذا فقال الله عزوجل، (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) (2) - قال -: والتكبير الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله اكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام). (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل المرتضى وابن حمزة فيما حكي عنهما (واجب) محتجا عليه أولهما بالاجماع الموهون بمصير غيره إلى خلافه، وبالأمر المراد منه الندب كما عرفت، والله العالم. (وصورته) المشهورة بين الأصحاب (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله


(1) الوسائل الباب - 21 - من ابواب صلاة العيد الحديث 3 من كتاب الصلاة. (2) هكذا في الوسائل والكافي ج 4 ص 516 إلا أنه سهو فان ما يتلو قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات) هو قوله عزوجل: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام... الخ) وأما الجملة الثانية فهي بعد قوله عز من قائل: (فإذا قضيتم مناسككم) ولعله كان الصحيحة هكذا " فإذا أفضتم من عرفات - إلى قوله - فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) فسقط كلمة (إلى قوله) من قلم الناسخ.

[ 36 ]

والله أكبر الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام) وقد سمعت ما في صحيح ابن حازم، وفي صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (والتكبيران يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما أبلانا) وقد تقدم تحقيق ذلك وغيره من مباحث التكبير في صلاة العيد، وتأمل، ولعل هذا الاختلاف يؤمي إلى الاستحباب، بل في صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام (سألته عن التكبير بعد كل صلاة فقال: كم شئت إنه ليس شئ موقت) والله العالم. (ويجوز النفر في الأول، وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لمن اجتنب النساء والصيد في احرامه) كما هو المشهور أو ساير ما يحرم عليه فيه كما عن ابن سعيد أو خصوص ما يوجب الكفارة كما عن بني ادريس وأبي المجد فهو في الجملة لا خلاف معتد به أجده فيه، بل الأجماع بقسميه عليه، بل في محكي المنتهى نسبته إلى العلماء كافة، والأصل فيه قول الله عزوجل (3): (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) بناء على كون المراد اتقاء الصيد والنساء كما في النافع ومحكي النهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب، وفي خبر حماد بن عثمان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله


(1) الوسائل الباب - 21 - من ابواب صلاة العيد الحديث 4 من كتاب الصلاة. (2) الوسائل الباب - 24 - من ابواب صلاة العيد الحديث 1 من كتاب الصلاة. (3) سورة البقرة الآية 199. (4) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2.

[ 37 ]

عزوجل (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد يعني في إحرامه، فان أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول) وخبره الآخر (1) عنه عليه السلام أيضا (إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول، ومن نفر في النفر الأول فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس، وهو قول الله تعالى فمن تعجل، الآية، قال: اتقى الصيد) وفي خبر جميل (2) عنه عليه السلام ايضا في حديث (ومن أصاب الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول) وفي خبر محمد بن المستنير (3) عنه عليه السلام أيضا (من أتى النساء في إحرامه فليس له أن ينفر في النفر الأول) وبه مضافا إلى الاجماع يقيد مفهوم الخبر الأول كالعكس، وعدم ذكر غير رواية الصيد في محكي التبيان والمجمع وروض الجنان وأحكام القرآن ليس خلافا. والمناقشة بضعف السند - كما في المدارك، وباجمال المراد بالاتقاء المحتمل ما سمعت، وما قيل من أن معناه أن التخيير ونفي الأثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كي لا يتخالج قلبه اثم منهما، أو أن هذه المغفرة انما تحصل لمكان متقيا قبل حجه، لقوله تعالى (4) (انما يتقبل الله من المتقين) أو لمن كان متقيا من المحظورات حال اشتغاله في الحج، أو ما في صحيح معاوية بن عمار (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول في قول الله عزوجل. (فمن تعجل الآية) يتقي الصيد حتى ينفر أهل منى في


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 3 - 8 - 1. (4) سورة المائدة الاية 30. (5) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 6.

[ 38 ]

النفر الأخير) أو ما في خبر إسماعيل بن نجيح الرماح (1) قال: (كنا عند أبي عبد الله عليه السلام بمنى ليلة من الليالي فقال ما يقول هؤلاء فيمن تعجل في يومين فلا إثم عليه - الاية - قلنا: ما ندري قال: بلى يقولون من تعجل من أهل البادية فلا إثم عليه ومن تأخر من أهل الحضر فلا إثم عليه، وليس كما يقولون، قال الله عزوجل: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) ألا لا إثم عليه (ومن تأخر فلا إثم) ألا لا إثم عليه (لمن اتقى) انما هي لكم، والناس سواد، وأنتم الحاج) أو ما في المرسل (2) عن الصادق عليه السلام في قول الله عزوجل فمن تعجل في يومين الخ قال: (يرجع مغفورا لا ذنب له) أو ما في رواية علي بن عطية (3) لمن اتقى الله عزوجل، أو ما في خبر سفيان بن عيينة (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله تعالى فمن تعجل الخ يعني من مات فلا إثم عليه (ومن تأخر) أجله (فلا إثم عليه لمن اتقى) الكبائر) وفي خبره الآخر (5) عنه عليه السلام أيضا قال: (سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف فقال: أترى يخيب الله هذا الخلق كلهم ؟ فقال: أبي ما وقف هذا الموقف أحد إلا غفر الله له مؤمنا كان أو كافرا، ألا انهم في مغفرتهم على ثلاث منازل، مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعتقه من النار، وذلك قوله عزوجل (6) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) ومؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه


(1) و (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب العود إلى منى الحديث 5 - 8. (3) و (4) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 9 - 12 والأول عن علي بن عطية عن أبيه. (5) الوسائل الباب - 18 - من ابواب احرام الحج الحديث 1. (6) سورة البقرة الاية 197 و 198.

[ 39 ]

وقيل له أحسن فيما بقى من عمرك، وذلك قول الله تعالى: (فمن تعجل) الآية يعني من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الكبائر، وأما العامة فيقولون فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه يعني في النفر الأول، ومن تأخر فلا إثم عليه يعني لمن اتقى الصيد أفترى الصيد يحرمه الله بعدما أحله في قوله عزوجل (1) (وإذا حللتم فاصطادوا) وفي تفسير العامة معناه وإذا حللتم فاتقوا الصيد، وكافر وقف هذا الموقف يريد زينة الحياة الدنيا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إن تاب من الشرك فيما بقي من عمره، وإن لم يتب وفاه أجره ولم يحرمه أجر هذا الموقف، وذلك قوله عزوجل (2) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) ومنه يعلم أن ما في أخبار معاوية بن عمار (3) والحلبي (4) من أن (من نفر في النفر الأول لا يصيب الصيد حتى ينفر الناس النفر الآخر أو إذا زالت الشمس من اليوم الثالث) موافقا للعامة، ولذا لم نجد أحدا أفتى بذلك من أصحابنا، بل ولا من ذكر كراهته أو استحباب تركه أو غير ذلك. مدفوعة بالانجبار بما سمعت، وبمرجوحية المنافي منها، لما ذكرنا


(1) سورة المائدة - الآية 3. (2) سورة هود عليه السلام الآية 18 و 19. (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 4 و 5 و 6. (4) هكذا في النسخة الأصلية والظاهر ان الصحيح هكذا (ما في اخبار معاوية بن عمار وحماد) حيث أنه ليس للحلبي في المقام ما يدل على ذلك وقد تقدم لحماد خبرين في ذلك في ص 36 و 37 ذكرهما في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2 و 3.

[ 40 ]

من وجوه، على أنه لو سلم الاجمال في المراد بالآية كان فيما سمعته من الاجماع على الحكم مؤيدا بما سمعته من النصوص كفاية، كما هو واضح، وعلى كل حال فما عن الكافي والغنية والاصباح من كون الضرورة كغير المتقي لا أعرف شاهدا له، بل ظاهر الأدلة السابقة خلافه، بل وخلاف القولين الآخرين، بل لم نجد للأول منهما شاهدا، نعم في خبر سلام بن المستنير (1) عن أبي جعفر عليه السلام (لمن اتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرم الله في إحرامه) وهو وإن كان شاهدا للآخر منهما مؤيدا بما قيل من ظاهر الآية التي قد عرفت الحال فيها، لكنه قاصر عن المعارضة لما عرفت من وجوه إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، والمنساق من عدم اتقاء الصيد اصطياده، ولعله المراد مما في المسالك والمدارك من قتله وفي كشف اللثام قتله وأخذه، ومن عدم إتقاء النساء وطؤهن الظاهر من الاتيان في خبر محمد بن المستنير. وفي المسالك (وفي إلحاق باقي المحرمات المتعلقة بها كالقبلة واللمس والعقد وشهادته نظر) وفي المدارك وفي إلحاق باقي المحرمات المتعلقة بالقتل والجماع بهما كأكل الصيد ولمس النساء بشهوة وجهان، ولا ريب في أن الأحوط الالحاق، كما أن الأحوط إن لم يكن الأقوى عدم الفرق بين العامد والناسي والجاهل، وربما فرق بين الصيد وغيره لوجوب الكفارة في الاول على كل حال، وكذا الأحوط إن لم يكن الأقوى اعتبار الاتقاء في عمرة حج التمتع لارتباطها به ودخولها فيه.


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب العود إلى منى الحديث 7 عن محمد بن المستنير إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 288 الرقم 1416 عن سلام ابن المستنير. الجواهر 5

[ 41 ]

وكيف كان فقد ظهر لك من جميع ما ذكرنا أن المراد من الآية التخيير في النفر بين اليومين لمن اتقى الصيد والنساء ولم يكن قد غربت عليه الشمس وهو فيها كما عرفت، أما غير المتقي فلا ينفر إلا في النفر الثاني، نعم ربما أشكل بأن نفي الاثم عن الثاني يعطي كونه مظنة له، مع أنه أفضل باعتبار اشتماله على الاتيان بمناسك اليوم الثالث، فلا يتوهم تقصيره كي يحتاج إلى نفيه عنه كالنفر الأول، ويدفع باستعمال نحو ذلك فيما لا يراد منه هذا المعنى نحو رفع الحرج والجناح في التقصير والطواف مع إرادة العزيمة منهما، وبأن المراد الرد على أهل الجاهلية القائل بعضهم بالاثم على المعجل وبعضهم بالاثم على المؤخر، وبأن المراد عدم الاثم عن المؤخر لمن زاد على مقام ثلاثة على معنى أن القيام بمنى ينبغي أن يكون ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة لا إثم عليه، وبأن ذلك رعاية للمقابلة نحو قوله تعالى (1): (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وبأن المراد عن ذلك دفع ما يتوهم من المفهوم الأول المقتضي ثبوت الاثم على غير المعجل، كما يؤمي إليه صحيح أبي أيوب (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام إنا نريد أن نعجل السير وكانت ليلة النفر حين سألته فأي ساعة ننفر ؟ فقال: أما اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس وكانت ليلة النفر، وأما اليوم الثالث فإذا ابيضت الشمس فانفر على بركة الله تعالى، فان الله جل ثناؤه يقول: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه، ولو سكت لم يبق أحد إلا تعجل، ولكنه قال: ومن تأخر فلا إثم عليه) وبغير ذلك مما لا فائدة مهمة تترتب عليه، والله العالم. (والنفر الثاني هو اليوم الثالث عشر) بلا خلاف نصا وفتوى ولا إشكال (فمن نفر في) اليوم (الأول لم يجز إلا بعد الزوال) إلا لضرورة أو حاجة


(1) سورة الشورى الآية 38. (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب العود إلى منى - الحديث 4.

[ 42 ]

كما صرح به غير واحد، بل نفى الخلاف عنه جماعة، بل في المدارك الاجماع عليه، لكن في محكي التذكرة أنه قرب فيها استحباب التأخير، ووجه بأن الواجب انما هو الرمي والبيتوتة، والاقامة في اليوم مستحبة كما مر، فإذا رمى جاز النفر متى شاء، قال: ويمكن حمل كثير من العبارات عليه، ويؤيده قول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (1): (لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الأول قبل الزوال) وإن حمل على الضرورة أو الحاجة، وفيه أنه كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى وما سمعته من الاجماع المعتضد بنفي الخلاف، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): (إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس، وإن تأخرت إلى آخر أيام التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا شئ عليك أي ساعة نفرت، ورميت قبل الزوال أو بعده) وسأل أيضا في صحيح الحلبي (3) (عن الرجل ينفر في النفر الأول قبل أن تزول الشمس فقال: لا ولكن يخرج ثقله إن شاء ولا يخرج هو حتى تزول الشمس) إلى غير ذلك من النصوص التي منها ما سمعته في صحيح أبي أيوب (4) مضافا إلى ضعف الخبر المزبور ولا جابر، وإلى احتماله الضرورة أو الحاجة، فلا وجه للجمع بالكراهة أو الندب بعد عدم المقاومة، واستحباب الاقامة على وجه يجوز له النفر قبل الزوال محل منع، فالمتجه حينئذ ما عليه الأصحاب. (و) أما النفر (في الثاني) فلا خلاف كما اعترف به في محكي المنتهى وغيره في أنه (يجوز قبله) للأصل والنصوص السابقة والاجماع المحكي عن التذكرة والغنية، مع أنه في الأخير لم يجوز الرمي إلا بعد الزوال كالمحكي عن الاصباح، فيعلم من ذلك اتفاق الجميع هنا على القول المزبور، نعم ظاهر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب العود إلى منى - الحديث 11 - 3. (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب العود إلى منى - الحديث 6 - 4.

[ 43 ]

المصنف وغيره عدم الفرق في ذلك بين الامام وغيره، لكن عن التهذيب والنهاية والمبسوط والمهذب والسرائر والغنية والاصباح أنه يجوز يوم النفر الثاني المقام إلى الزوال وبعده إلا للامام خاصة، فعليه أن يصلي الظهر بمكة، ولعلهم يريدون الندب كما في محكي التحرير والتذكرة، لقول الصادق عليه السلام في حسن ابن عمار (1) (يصلي الامام الظهر يوم النفر بمكة) وخبر أيوب بن نوح (2) (كتبت إليه أن أصحابنا قد اختلفوا علينا فقال بعضهم: إن النفر يوم الأخير بعد الزوال أفضل، وقال بعضهم: قبل الزوال، فكتب عليه السلام أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الظهر والعصر بمكة، فلا يكون ذلك إلا وقد نفر قبل الزوال) بل ظاهره استحباب ذلك لغير الامام أيضا. ثم إنه لا يخفى عليك سقوط الرمي في اليوم الثالث عمن نفر في النفر الأول وفي محكي المنتهى نفي الخلاف عنه، لكن قال: يستحب أن يدفن الحصى المختصة بذلك اليوم، وأنكره الشافعي، وقال: إنه لا يعرف فيه أثرا، بل ينبغي أن يطرح أو يدفع إلى من لم يتعجل، ولم يذكر الأثر الدال على ما ذكره من الدفن، ولم نعثر عليه، نعم في الدعائم (3) عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (من تعجل النفر في يومين ترك ما يبقى عنده من الجمار بمنى) ولا دلالة فيه على الدفن، والأمر سهل. وينبغي للمقيم بمنى أن يوقع صلاته كلها في مسجد الخيف فرضها


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب العود إلى منى الحديث 1 عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام وكذلك في الكافي ج 4 ص 520 الطبع الحديث، ولكن الشيخ (قده) رواه عن الكليني بالاسناد عن معاوية بن عمار بدل (حماد عن الحلبي) في التهذيب ج 5 ص 273 الرقم 934. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 2. (3) المستدرك - الباب - 7 - من ابواب العود إلى منى الحديث 2.

[ 44 ]

ونفلها، وأفضله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله منه، وهو من المنارة إلى نحو من ثلاثين ذراعا من جهة القبلة، وعن يمينها ويسارها وخلفها كذلك، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (صل في مسجد الخيف وهو مسجد بمنى، وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده عند المنارة التي في وسط المسجد، وفوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا، وعن يمينها ويسارها وخلفها نحوا من ذلك، فان استطعت أن يكون مصلاك فيه فافعل، فانه قد صلى فيه ألف نبي، وانما سمي مسجد الخيف لأنه مرتفع عن الوادي وما ارتفع عن الوادي يسمى خيفا). مضافا إلى ما دل على فضل الصلاة فيه مائة ركعة وست ركعات والتسبيح والتحميد والتهليل، قال أبو جعفر عليه السلام في خبر الثمالي (2): (من صلى في مسد الخيف من منى مائة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما ومن سبح الله تعالى فيه ماءة تسبيحة كتب الله له كأجر عتق رقبة، ومن هلل الله فيه ماءة تهليلة عدلت أجر إحياء نسمة، ومن حمد الله فيه ماءة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين يتصدق به في سبيل الله) وقال الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (3): (صل ست ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة) ولعل المراد عند المنارة. وأسماء أيام منى على الراء: العاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم النفر (4) والثاني عشر يوم النفر، والثالث عشر يوم النفر ويوم الصدر، وتسمى ليلته ليلة


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب احكام المساجد الحديث 1 - 2 من كتاب الصلاة. (4) وفي الدروس والمدارك (يوم القر).

[ 45 ]

التحصيب، وعن المبسوط هي ليلة الرابع عشر كما تقدم الكلام فيه سابقا، وأيام التشريق أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر هي المراد بالمعدودات في قوله تعالى (1): (واذكروا الله في أيام معدودات، فمن تعجل) الآية، كما أن المراد بالمعلومات في قوله تعالى (2): (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) أيام العشر في المشهور بل عن روض الجنان أنه مذهبنا، وعن مجمع البيان أنه المروي عن أئمتنا عليهم السلام، وعن الخلاف نفي الخلاف عن الأول الذي ربما يؤيده إشعار اللفظ بالقلة، وقوله تعالى: (فمن تعجل) كما أنه يدل على الأمرين صحيح حماد (3) عن الصادق عليه السلام قال علي عليه السلام في قول الله عزوجل: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات): أيام العشر) وقوله: (واذكروا الله في أيام معدودات): أيام التشريق) وبتفسير المعدودات خاصة حسن محمد بن مسلم (4) عن الصادق عليه السلام وخبر الحميري (5) المروي عن قرب الأسناد، والعياشي في المحكى عن تفسيره عن رفاعة (6) عنه عليه السلام، لكن أرسل في محكي التبيان عن الباقر عليه السلام العكس وهو المحكي عن الشيخ في النهاية والزجاج والفراء لأن الذكر يدل على التسمية على ما ينحر ويذبح من البهائم، بل هو المحكي عن التذكرة أيضا، قال قال الصادق عليه السلام في الصحيح: (قال أبي قال علي عليهما السلام اذكروا الله في أيام معدودات


(1) سورة البقرة الآية 199. (2) سورة الحج الآية 28 و 29. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 8 من ابواب العود إلى منى - الحديث 5 - 4 - 8 - 7.

[ 46 ]

عشر ذي الحجة، وأيام معلومات أيام التشريق) وعن الخلاف عن ابن جبير اتحادهما، وفي الدروس عن الجعفي أنهما أيام التشريق، وبه خبر الشحام (1) عن الصادق عليه السلام، وعن معاني الأخبار للصدوق في خبر أبي الصباح (2) عنه عليه السلام (ان المعلومات أيام التشريق) والأمر سهل وإن كان الأظهر الأول، والله العالم. (و) في النافع والقواعد وغيرهما (يستحب للامام أن يخطب) وعن التحرير بعد صلاة الظهر، وعن المنتهى بعد العصر من اليوم الثاني (ويعلم الناس ذلك) أي وقت النفر الأول والثاني، وفي الدروس وغيرها (وينبغي أن يعلمهم أيضا كيفية النفر والتوديع، ويحثهم على طاعة الله تعالى وعلى أن يختموا حجهم بالاستقامة والثبات على طاعة الله تعالى، وأن يكونوا بعد الحج خيرا منهم قبله، وأن يذكروا ما عاهدوا الله عليه من خير) ولا بأس بذلك كله. (ومن كان قضى مناسكه بمكة جاز أن ينصرف حيث شاء) بلا خلاف ولا إشكال، بل الظاهر الاجماع عليه، للأصل والنصوص، كخبر الحسين بن علي السري (3) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما ترى في المقام بمنى بعدما ينفر الناس ؟ فقال: إن كان قضى نسكه فليقم ما شاء، وليذهب حيث شاء) وقال أيضا في خبر إسحاق بن عمار (4): (كان أبي عليه السلام يقول: لو كان لي طريق إلى منزلي من منى ما دخلت مكة) وغيرهما (نعم من بقي عليه شئ من المناسك) كطواف ونحوه (عاد وجوبا) لتداركه بلا إشكال ولا خلاف. (مسائل: الأولى من أحدث ما يوجب حدا أو تعزيرا أو قصاصا ولجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم والمشرب) بأن لا يمكن من ماله، بل يطعم ويسقى مالا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب العود إلى منى الحديث 3 - 2. (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب العود إلى منى الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب العود إلى منى الحديث 1.

[ 47 ]

يحتمله مثله عادة أو ما يسد الرمق كما عن بعض (حتى يخرج، ولو أحدث في الحرم قوبل بما تقتضيه جنايته فيه) كل ذلك مع أنه لا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام، للنصوص التي وإن لم تكن مشتملة على لفظ التضييق المزبور لكن يمكن إرادته منها ولو بمعونة الفتاوى ومراعاة بعض العمومات، بل الأولى تفسيره بما فيها، بل في المسالك حكايته عن بعض واستحسنه، قال معاوية بن عمار (1) في الصحيح: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل في الحرم فقال: لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق ؟ قال: يقام عليه الحد في الحرم صاغرا، لأنه لم ير للحرم حرمة، وقد قال الله تعالى (2): (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فقال: هذا في الحرم، وقال (3): لا عدوان إلا على الظالمين) وسأله عليه السلام الحلبي (4) ايضا في الحسن عن قول الله عزوجل (5): (ومن دخله كان آمنا) قال: (إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثم فر إلى الحرم لم يسع لاحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فانه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم ير للحرم حرمة) وقال عليه السلام أيضا في خبر علي بن أبي حمزة (6) في قول الله عزوجل: (ومن دخله كان آمنا): (ان سرق سارق


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1. (2) و (3) سورة البقرة - الآية 190 - 189. (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2. (5) سورة آل عمران الآية 91. (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 3.

[ 48 ]

بغير مكة أو منى جناية على نفس ففر إلى مكة لم يؤخذ ما دام في الحرم حتى يخرج منه، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ. وإذا أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه) ولكن أرسل في الفقيه (1) عن الصادق عليه السلام (ان من بال في الكعبة معاندا أخرج منها ومن الحرم وضربت عنقه) ولعله محمول على ضرب من الندب. وكيف كان ففي المسالك عن بعض إلحاق مسجد النبي ومشاهد الأئمة عليهم السلام به، ولعله لا يخلو من وجه وإن نسبه إلى الندرة فيها، واستضعفه سبطه في المدارك، وتمام الكلام في المسألة قد ذكرناه في كتاب الحدود، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثانية) المشهور أنه (يكره أن يمنع أحد) الحاج والمعتمرين (من سكنى دور مكة، وقيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه: (يحرم) لما عن الفخر من أن مكة كلها مسجد، لقوله تعالى (2): (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) وكان الاسراء به من دار أم هاني، وإن كان هو كما ترى مناف للاجماع بقسميه على عدم كونها مسجدا، مع منع كونه في الدار المزبورة، على أنه يمكن أن يكون أسري به منها إلى المسجد الحرام ثم منه إلى المسجد الأقصى، وعن ابن إدريس الاستدلال بالاجماع والأخبار المتواترة، قال: (وإن لم تكن متواترة فهي متلقاة بالقبول) وفيه منع واضح، والأولى الاستدلال بظاهر قوله تعالى (3): (سواء العاكف فيه والباد) مؤيدا بما تسمعه من النصوص المفسرة له بذلك، فلا يرد ما عن السرائر


(1) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 3. (2) سورة الاسراء الآية 1. (3) سورة الحج الآية 25. الجواهر - 6

[ 49 ]

من أن الضمير فيه للمسجد الحرام، بل منها يعلم كون المراد به الحرم أو مكة كما في آية الاسراء، وبما ورد من ذم معاوية حيث كان أول من علق المصراعين ومنع الحاج حقه، قال الصادق عليه السلام في حسن الحسين بن أبي العلاء (1): (إن معاوية أول من علق على بابه المصراعين بمكة، فمنع حاج بيت الله ما قال الله عزوجل: (سواء العاكف فيه والباد) وكان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضي حجه، وكان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله تعالى (2): (في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) وكان فرعون هذه الامة) وقال أيضا في حسنه الآخر (3) في قوله تعالى (سواء) إلى آخره (كانت مكة ليس على شئ منها باب، وكان أول من علق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان، وليس ينبغي لأحدأن يمنع الحاج شيئا من الدور والمنازل) وقال عليه السلام أيضا في خبر يحيى بن أبي العلاء (4): (لم يكن لدور مكة أبواب، وكان اهل البلدان يأتون بقطراتهم فيدخلون فيضربون بها، وكان أول من بوبها معاوية لعنه الله) وقال عليه السلام أيضا في صحيح البختري (5): (ليس ينبغي لأهل مكة أن يجعلوا على دورهم أبوابا، وذلك أن الحاج ينزلون معهم في ساحة الدار حتى


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 4 ص 244. (2) سورة الحاقة الآية 32 و 33. (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 4 - 2. (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الطواف الحديث 5 عن حفص بن البختري وهو الصحيح كما في التهذيب ج 5 ص 463 الرقم 1615.

[ 50 ]

يقضوا حجهم) وقال عليه السلام في صحيح الحلبي (1) المروي عن العلل بعد أن سأله عن قول الله عزوجل (سواء) الآية: (لم يكن ينبغي أن يوضع على دور مكة أبواب، لأن للحاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار حتى يقضوا مناسكهم، وأن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية لعنه الله) وفي خبر الحسين ابن علوان (2) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام المروي عن قرب الأسناد (انه نهي أهل مكة أن توجر دورهم وأن يغلقوا أبوابا، وقال: (سواء العاكف فيه والباد) قال: وفعل ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام حتى كان في زمن معاوية) وفي خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام (ليس ينبغي لأهل مكة أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها) إلا أن شهرة الأصحاب والتعبير بلفظ (لا ينبغي) ونحوه رجح الكراهة. (و) لذا كان (الأول أصح) وكونها مفتوحة عنوة لا يمنع من الأولوية واختصاص الآثار بمن فعلها، وحينئذ فيجوز أخذ الأجرة خلافا لابي على فحرمها، ولعله لما سمعته من خبر قرب الاسناد الذي لا جابر له، فليحمل على الكراهة، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه، ولعله لذلك استحب للحاج أن يدفع ما يدفع لأجرة حفظ رحله لا أجرة ما ينزله، وربما كان في حرمة الأجرة لو قلنا بها إيماء إلى حرمة المنع عن النزول، وقد ذكرنا في كتاب المكاسب بعض ما يشهد لما هنا فلاحظ وتأمل. المسألة (الثالثة) قال الشيخ وجماعة على ما في المدارك: (يحرم أن يرفع أحد بناء فوق الكعبه) لا ستلزامه الاهانة لها، وفي كشف اللثام حكاه عن الشيخ وابن إدريس، ثم قال: ولم أره في كلامهما، نعم نهى عنه القاضي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الطواف الحديث - 3 - 6 - 8.

[ 51 ]

وهو يحتمل الحرمة (وقيل) والقائل المشهور كما في كشف اللثام: (يكره وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده، وما يشعر به قول أبي جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (1): (لا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة) ثم البناء يشمل الدار وغيرها حتى حيطان المسجد، وظاهر رفعه أن يكون ارتفاعه أكثر من ارتفاع الكعبة، فلا يكره البناء على الجبال حولها مع احتماله، خصوصا مع التسامح في الكراهة، والله العالم. المسألة (الرابعة لا تحل) عند المصنف وغيره تملك (لقطة الحرم قليلة كانت أو كثيرة، وتعرف سنة، ثم إن شاء تصدق بها ولا ضمان عليه، وإن شاء جعلها في يده أمانة) وقد أشبعنا الكلام في المسألة وجميع أطرافها وفروعها في كتاب اللقطة، والحمد لله تعالى، فلاحظ وتأمل. المسألة (الخامسة إذا ترك الناس زيارة النبي صلى الله عليه وآله أجبروا عليها) لقول الصادق عليه السلام في صحيح حفص وهشام وحسين الأحمسي وحماد ومعاوية بن عمار وغيرهم (2): (لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي صلى الله عليه وآله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فان لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين) وظاهره وجوب الاجبار على ذلك وعلى الحج وعلى المقام في الحرمين ولكن على الكفاية، والمناقشة بأن ذلك لا يدل على الوجوب الذي عقابه أخروي بخلافه فان عقابه - وهو الاجبار - دنيوي واضحة الفساد، ضرورة عدم مشروعية الاجبار على غير الواجب. نعم قد يقال: إنه لا بعد في الجبر بترك الكل المندوب بعد ورود الصحيح المعتضد بالعمل به، فهو حينئذ نحو الجبر على


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2.

[ 52 ]

الأذان الذي ذكره الشهيدان، قال ثانيهما: (قد اتفقوا على أن إجبار أهل البلد على الأذان بل على قتالهم إذا أطبقوا على تركه). وفي المتن والنافع ومحكي المختصر والتذكرة والمنتهى الاستدلال لذلك (بما يتضمن من الجفاء المحرم) وذكر غير واحد أنهم أشاروا بذلك إلى النبوي (من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة جفاني) ففى خبر ابي حجر الأسلمي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام المروي في الكافي قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة ومن أتاني زائرا أوجبت له شفاعتي ومن أوجبت له شفاعتي وجبت له الجنة، ومن مات في أحد الحرمين مكة والمدينة لم يعترض ولم يحاسب، ومن مات مهاجرا إلى الله عزوجل حشر يوم القيامة مع أصحاب بدر) ولكنه كما ترى لا دلالة فيه على المطلوب. بل قيل في حرمة الجفاء نظر، على أنه لو تم لوجب اجبار كل واحد من الحاج عليها، وهو مناف لكونها مندوبة على الآحاد، وعلى كل حال فهو ليس نصا في الوجوب، ونحوه المحكي عن النهاية والمبسوط والجامع، وعن ابن إدريس حمله على تأكد الندب، وحينئذ فالظاهر عدم إرادة من علل الاشارة إلى الخبر المزبور، ويمكن إرادته أنها وإن كانت مندوبة على الاحاد ولكن إذا اتفق الجميع أو الحاج على تركها كان جفاء له، ولا ريب كما في الرياض أنه حرام، فيجب على الوالي إجبارهم على تركه، وفيه إمكان منع الحرمة في مثل هذا الجفاء الذي هو ترك الزيارة المفروض استحبابها، على أنه فرض المسألة في النافع في ترك الحاج لها لا الناس، ودعوى تحقق الجفاء المحرم بترك الزيارة المندوبة واضحة المنع، على أنه يأتي في جميع زيارات الأئمة


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب المزار - الحديث 3.

[ 53 ]

عليهم السلام، فالعمدة في المسألة الصحيح المزبور الذي حمله على ما هو المنساق منه من وجوب ذلك كفاية فيجبرون عليه لو تركوه أولى من حمله على ندب يجبرون عليه للدليل مراعاة لقاعدة الاجبار، ولعل التزامه في الأذان بعد تسليم الاجماع المزبور أولى من تخصيص قاعدة عدم جواز الاجبار على ما يجوز للعبد تركه، ومع فرض تسليمه فهو مخصوص به للاجماع المفروض، فلا يتعدى منه للمقام. ثم إنك قد عرفت سابقا جواز المضي حيث شاء لمن نفر من منى إذا لم يكن عليه شئ من المناسك (النسك خ ل) في مكة (و) لكن لا خلاف عندنا في أنه (يستحب العود إلى مكة لمن قضى مناسكه) لطواف (وداع البيت) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص الواردة في توديع البيت، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (إذا أردت أن تخرج من مكة فتأتي أهلك فودع البيت وطف أسبوعا، وإن استطعت أن تستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط فافعل، وإلا فافتح به واختم، فان لم تستطع ذلك فموسع عليك، ثم تأتي المستجار فتصنع عنده مثل ما صنعت يوم قدمت مكة، ثم تخير لنفسك من الدعاء، ثم استلم الحجر الأسود، ثم ألصق بطنك بالبيت، واحمد الله واثن عليه وصل على محمد وآله، ثم قل: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك وحبيبك ونجيبك وخيرتك من خلقك، اللهم كما بلغ رسالتك وجاهد في سبيلك وصدع بأمرك وأوذي فيك وفى جنبك وعبدك حتى أتاه اليقين اللهم أقلبني مفلحا منجحا مستجابا لي بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك من المغفرة والبركة والرضوان والعافية مما يسعني أن أطلب أن تعطيني مثل الذي


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1.

[ 54 ]

أعطيته أفضل من عبدك تزيدني عليه، اللهم إن أمتني فاغفر لي، وإن أحييتني فارزقنيه من قابل، اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك، اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على دابتك وسيرتني في بلادك حتى أوصلتني حرمك وأمنك، وقد كان في حسن ظني بك أن تغفر لي ذنوبي، فان كنت قد غفرت لي ذنوبي فازدد عني رضى، وقربني اليك زلف، ولا تباعدني، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن فاغفر لي قبل أن تنأى من بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن كنت أذنت لي غير راغب عنك ولا عن بيتك ولا مستبدل بك ولا به، اللهم احفظني من بين يدي وعن خلفي وعن يميني وعن شمالي حتى تبلغني أهلي، واكفني مؤونة عبادك وعيالي، فانك ولي ذلك من خلقك ومني، ثم ائت زمزم فاشرب منها، ثم اخرج فقل آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون إلى ربنا راغبون إلى ربنا راجعون، فان أبا عبد الله عليه السلام لما أن ودعها وأراد أن يخرج من المسجد خر ساجدا عند باب المسجد طويلا، ثم قام فخرج) وفى خبر ابراهيم بن أبي محمود (1) قال: (رأيت أبا الحسن عليه السلام ودع البيت فلما أراد أن يخرج من باب المسجد خر ساجدا ثم قام فاستقبل الكعبة فقال: اللهم اني أنقلب على لا إله إلا الله) وفي خبر الحسين بن علي الكوفي (2) (قال: رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام في سنة خمس عشرة وماءتين ودع البيت بعد ارتفاع الشمس وطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلما كان الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ومسح بيده ثم مسح


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى الحديث 3 عن الحسن بن علي الكوفي وهو الصحيح إذ ليس في الرواة الحسين بن علي الكوفي، هذا ولكن الموجود في الكافي ج 4 ص 532 والتهذيب ج 5 ص 281 الرقم 959 عن الحسن بن علي الكوفي عن علي بن مهزيار قال: (رأيت... الخ).

[ 55 ]

وجهه بيده ثم أتى المقام فصلى خلفه ركعتين، ثم خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم فالتزم البيت وكشف الثوب عن بطنه ثم وقف عليه طويلا يدعو ثم خرج من باب الحناطين وتوجه قال: ورأيته في سنة تسع عشرة وماءتين ودع البيت ليلا يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل شوط، فلما كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريبا من الركن اليماني وفوق الحجر المستطيل وكشف الثوب عن بطنه ثم أتى الحجر فقبله ومسحه وخرج إلى المقام فصلى خلفه، ثم مضى ولم يعد إلى البيت، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط وبعضهم ثمانية) وفي خبر قثم بن كعب (1) قال: (قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إنك لتدمن الحج قلت: أجل، قال فليكن آخر عهدك بالبيت أن تضع يدك على الباب وتقول: المسكين على بابك فتصدق عليه بالجنة) وفي خبر أبي إسماعيل (2) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هو ذا أخرج جعلت فداك فمن أين أودع البيت ؟ قال: تأتي المستجار بين الحجر والباب فتودعه من ثم، ثم تخرج فتشرب من زمزم، ثم تمضي، فقلت أصب على رأسي فقال: لا تقرب الصب) إلى غير ذلك من النصوص، إلا أنه ليس واجبا عندنا، للأصل والنصوص (3) التي تقدم بعضها، وفي خبر هشام بن سالم (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن نسي زيارة البيت حتى يرجع إلى أهله قال: لا يضره إذا كان قد قضى مناسكه) وفي خبر علي (5) عن أحدهما عليهما السلام (في رجل لم يودع البيت قال:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 4 - 5. (3) الوسائل باب - 13 - و 14 من ابواب العود إلى منى الحديث 1 والباب 2 من أبواب اقسام الحج الحديث 3. (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1 - 2.

[ 56 ]

لا بأس به إذا كانت به علة أو كان ناسيا) ومنهما يفهم شدة تأكد الاستحباب، وعن أحمد والشافعي في قول وجوبه حتى أوجبا في تركه دما. (ويستحب أمام ذلك) في يومه أو قبله وإن قال المفيد في المحكي عنه إذا ابيضت الشمس يعني يوم الرابع (صلاة ست ركعات بمسجد الخيف) بمنى كما عن المقنعة والنهاية والمبسوط، لخبر أبي بصير (1) المتقدم، لكن لا دلالة فيه على استحباب ذلك أمام العود، بل ظاهره استحباب الصلاة في المكان المزبور لشرفه، كخبر الثمالي (2) المتقدم المشتمل على صلاة ماءة ركعة فيه، وغير ذلك، إلا أن أمر الاستحباب مما يتساهل فيه. (و) كيف كان ف‍ (آكده استحبابا عند المنارة) المعبر عنها في خبر الثمالي (3) بالصومعة (التي في وسطه، وفوقها إلى جهة القبلة بنحو ثلاثين ذراعا وعن يمينها ويسارها كذلك) بل وخلفها كما سمعته في الخبر (4) ولكن تركه المصنف وغيره إلا الشيخ في المحكي من مصباحه، فقال: من كل جانب، ولم أعرف له وجها، وربما تكلف إرادتهم ذلك من قولهم (عند المنارة) خصوصا إذا تعلق قولهم بنحو من ثلاثين ذراعا به وبالفوق، والأمر سهل، ولعل وجه التأكد حمل ما في خبر أبي بصير (5) من الأمر بصلاة الست في مسجد منى في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 - 1 من كتاب الصلاة. (3) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة وهو خبر أبي بصير. (4) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة. (5) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة. الجواهر - 7

[ 57 ]

الصومعة على التأكد وإن كنا لم نعثر على رواية مطلقة بصلاتها فيه، نعم في خبر الثمالي ما يدل على استحباب الصلاة في مسجد الخيف مائة ركعة كما سمعته سابقا، والله العالم. (ويستحب التحصيب لمن نفر في الأخير) أي النزول في وادي المحصب (وأن يستلقي فيه) كما صرح بذلك كله غير واحد من الأصحاب، بل نسبه بعضهم إليهم مشعرا بالاجماع عليه، قال معاوية بن عمار (1): (إذا نفرت وانتهيت إلى الحصبة وهي البطحاء فشئت أن تنزل قليلا فان أبا عبد الله عليه السلام قال: كان أبي عليه السلام ينزلها ثم يرتحل فيدخل مكة من غير أن ينام فيها، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما نزلها حيث بعث بعائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت لمكان العلة التي أصابتها فطافت بالبيت ثم سعت ثم رجعت فارتحل من يومه) وفي خبر أبي مريم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الحصبة فقال: كان أبي عليه السلام ينزل الأبطح قليلا ثم يجئ فيدخل البيوت من غير أن ينام بالأبطح، فقلت له أرأيت من تعجل في يومين إن كان من أهل اليمن عليه أن يحصب ؟ قال: لا) ورواه الصدوق باسقاط قوله (إن كان من أهل اليمن) وزيادة (كان أبي عليه السلام ينزل الحصبة قليلا ثم يرتحل وهو دون ذو خبط وحرمان) وعلى كل حال فمنه خص الأصحاب التحصيب بالنفر الأخير، ولم نعثر على غير هذين الخبرين فيما وصل الينا من النصوص، نعم عن الفقه المنسوب (3) إلى الرضا عليه السلام (فإذا رميت الجمار يوم الرابع ارتفاع النهار فامض منها إلى مكة، فإذ بلغت مسجد الحصبة دخلته واستلقيت فيه على قفاك على قدر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 2 - 3. (3) فقه الرضا عليه السلام ص 29.

[ 58 ]

ما تستريح) وفي دعائم الاسلام (1) عن جعفر بن محمد عليهما السلام (انه قال: يستحب لمن نفر من منى أن ينزل بالمحصب، وهي البطحاء فيمكث بها قليلا ثم يرتحل إلى مكة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك فعل وكذلك كان أبو جعفر عليه السلام يفعله) ولكن في الدروس ويستحب للنافر في الأخير التحصيب تأسيا بالرسول صلى الله عليه وآله، وهو النزول بمسجد الحصبة بالأبطح الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وآله ويستريح فيه قليلا ويستلقي على قفاه، وروي (2) أن النبي صلى الله عليه وآله يصلي فيه الظهرين والعشائين وهجع هجعة ثم دخل مكة، وليس التحصيب من سنن الحج ومناسكه، وانما هو فعل مستحب اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وقال ابن إدريس: (ليس للمسجد أثر الآن فتتأدى هذه السنة بالنزول بالمحصب من الأبطح، وهو ما بين العقبة وبين مكة، وقيل: هو ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة والجبل الذي يقابله مصعدا في الشق الأيمن لقاصد مكة، وليست المقبرة فيه، واشتقاقه من الحصباء وهو الحصى المحمول بالسيل) وقال السيد ضياء الدين بن الفاخر شارح الرسالة: (ما شاهدت أحدا يعلمني به في زماني، وانما أوقفني أحد على أثر مسجد بقرب منى على يمين قاصد مكة في مسيل واد قال وذكر آخرون أنه عند مخرج الأبطح إلى مكة) وروى الصدوق (3) أن الباقر عليه السلام كان ينزل بالأبطح قليلا ثم يدخل البيوت، وأكثر الروايات ليس فيها تعيين مسجد، ولعله عثر على ما لم نعثر عليه من النصوص، أو أن ما ذكره من روايات العامة. وعلى كل حال فقد اعترف غير واحد بأنه ليس لهذا المسجد أثر،


(1) المستدرك - الباب - 13 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1. (2) سنن البيهقي - ج 5 ص 160. (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 4.

[ 59 ]

ولكن قيل ظاهر كلام الصدوق والشيخين وجوده في زمنهم، وقد عرفت أن المستفاد من النصوص استحباب النزول في المحصب الذي هو الوادي لا المسجد وإن ذكر ذلك غير واحد إلا ما سمعته من الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام الذي لم تثبت عندنا نسبته، ولعل ما ذكره ابن إدريس من تأدي السنة بالنزول في الوادي لعدم معرفة المسجد مبني على الجمع بينهما على فرض وجود الأمر به في المسجد بالحمل على التأكد فيه لا أصل السنة، وقد نص الجوهري وغيره على ما قيل انه الشعب الذي يخرجه إلى الأبطح، وقد سمعت ما في خبر أبي مريم أنه دون خبط وحرمان، والظاهر أنهما اسمان ثم زالا وزال اسمهما، وفي المدارك (لم أقف في كلام أهل اللغة على شئ يعتد به في ضبط هذين اللفظين وتفسيرهما) وفي الوافي (لعل المراد بما دون خبط وحرمان أن لا ينام فيه مطمئنا ولا يجاوزه محروما من الاستراحة فيه، فان الخبط بالمعجمة والموحدة طرح النفس حيث كان للنوم، وفي بعض النسخ (ذو خبط) يعني يرتحل وهو طارح نفسه للنوم ومحروم من النوم) انتهى، وعن الأزرقي (حد المحصب من الحجون متصعدا في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى إلى حايط حرمان مرتفعا عن بطن الوادي) وهو يشهد لما قلناه، كقوله أيضا في المحكي عن تاريخه (كان أهل مكة يدفنون موتاهم في جنبي الوادي يمنة وشامة (يمنة وشامية خ ل) في الجاهلية وفي صدر الاسلام، ثم حول الناس جميعا قبورهم إلى الشعب الأيسر لما جاء فيه من الرواية ففيه اليوم قبور أهل مكة إلا آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وآل سفين بن عبد الأسد بن هلال ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فهم يدفنون بالمقبرة العلياء بحائط حرمان) وعن السيد تقي الدين المالكي في مختصر المقدمة (قلت حائط حرمان هو الموضع

[ 60 ]

الذي يقال له الحرمانية عند المعاندة) والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (إذا عاد إلى مكة فمن السنة أن يدخل الكعبة) بغير حذاء (ويتأكد ذلك في حق الصرورة، وأن يغتسل ويدعو عند دخولها وأن يصلي بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء ركعتين يقرأ في الأولى الحمد وحم السجدة، وفي الثانية) الحمد و (عدد آيها، ويصلي في زوايا البيت ثم يدعو بالدعاء المرسوم، ويستلم الأركان ويتأكد في اليماني) بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك. قال معاوية بن عمار (1) في الصحيح: (رأيت العبد الصالح عليه السلام دخل الكعبة فصلى فيها ركعتين على الرخامة الحمراء ثم قام فاستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي فرفع يده عليه ولصق به ودعا، ثم تحول إلى الركن اليماني فلصق به ودعا، ثم أتى الركن الغربي ثم خرج) وفي خبر أبي القداح (2) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (سألته عن دخول الكعبة فقال: الدخول فيها دخول في رحمة الله تعالى، والخروج منها خروج من الذنوب، معصوم فيما بقي من عمره، مغفور له ما سلف من ذنوبه) وفي مرسل علي بن خالد (3) عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان يقول: الداخل في الكعبة يدخل والله راض عنه، ويخرج عطلا من الذنوب) وفي مرسل الصدوق (4) (من دخل الكعبة بسكينة ووقار وهو أن يدخلها غير متكبر ولا متجبر غفر له) وقال الصادق عليه السلام في خبر سعيد الأعرج (5) (لابد للصرورة أن يدخل البيت قبل أن يرجع، فإذا دخلته فادخله بسكينة ووقار ثم ائت كل زاوية من زواياه،


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1 - 2 - 3. (5) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 6.

[ 61 ]

ثم قل: اللهم إنك قلت: ومن دخله كان آمنا فآمني من عذابك يوم القيامة وصل بين العمودين يليان الباب على الرخامة الحمراء، وإن كثر الناس فاستقبل كل زاوية في مقامك حيث صليت وادع الله وسله) وفى مرسل أبان بن عثمان (1) (يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام، وأن يدخل البيت) وفي خبر حماد ابن عثمان (2) المحمول على ذلك (سألته عليه السلام أيضا عن دخول البيت فقال: أما الصرورة فيدخله، وأما من حج فلا) وكذا خبر سليمان بن مهران (3) عنه عليه السلام أيضا في حديث (قلت له: وكيف صار الصرورة يستحب له دخول الكعبة دون من قد حج ؟ قال: لأن الصرورة قاضي فرض مدعو إلى حج بيت الله تعالى، فيجب أن يدخل البيت الذي دعي إليه ليكرم فيه) وكذا خبر علي ابن جعفر (4) المروي عن قرب الأسناد (سألت أخي موسى بن جعفر عليهما السلام عن دخول الكعبة أواجب هو على كل من قد حج، قال: هو واجب أول حجة، ثم إن شاء فعل وإن شاء ترك) وفي مرسل المقنعة (5) عنه عليه السلام أيضا (أحب للصرورة أن يدخل الكعبة وأن يطأ المشعر الحرام. ومن ليس بصرورة فان وجد إلى ذلك سبيلا وأحب ذلك فعل وكان مأجورا، وإن كان على باب الكعبة زحام فلا يزاحم الناس) وفي صحيح معاوية (6) عنه عليه السلام أيضا (إذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخل، ولا تدخلها بحذاء، وتقول إذا دخلت: اللهم إنك قلت ومن دخله كان آمنا فآمني من عذاب النار، ثم تصلي ركعتين بين الاسطوانتين على الرخامة الحمراء، تقرأ في الركعة الأولى حم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2 - 3 - 4 - 5 - 6. (6) الوسائل - باب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1.

[ 62 ]

السجدة وفي الثانية عدد آيها من القرآن، وتصلي في زواياه، وتقول: اللهم من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله وفواضله فاليك يا سيدي تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك ونوافلك وجائزتك، فلا تخيب اليوم رجائي يا من لا يخيب عليه سائل، ولا ينقصه نائل، فاني لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته ولا شفاعة مخلوق رجوته، ولكن أتيتك مقرا بالظلم والاسائة على نفسي، فانه لا حجة لي ولا عذر، فأسألك يا من هو كذلك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعطيني مسألتي وتقيلني عثرتي، وتقبلني برغبتي، ولا تردني مجبوها ممنوعا ولا خائبا، يا عظيم يا عظيم أرجوك للعظيم، أسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم، لا إله إلا أنت، قال ولا تدخلها بحذاء ولا تبزق فيها، ولا تمتخط فيها، ولم يدخلها رسول الله صلى الله عليه وآله إلا يوم فتح مكة) وفي خبر محمد بن إسماعيل بن همام (1) قال أبو الحسن عليه السلام (دخل النبي صلى الله عليه وآله الكعبة فصلى في زواياها الأربع، وصلى في كل زاوية ركعتين) وقال الحسين بن أبي العلاء (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام وذكرت الصلاة في الكعبة قال: بين العمودين تقوم على البلاطة الحمراء فان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى عليها ثم أقبل على أركان البيت، وكبر إلى كل ركن منه) إلى غير ذلك من النصوص المشتملة أيضا على السجود فيها والدعاء بالمأثور قال ذريح (3) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام في الكعبة وهو ساجد وهو يقول: لا يرد غضبك إلا حلمك، ولا يجير من عذابك إلا رحمتك، ولا ينجي منك إلا التضرع اليك، فهب لي يا الهي فرجا بالقدرة التي بها تحيي أموات العباد، وبها تنشر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2 - 3 والأول عن أحمد بن محمد عن اسماعيل بن همام (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1.

[ 63 ]

ميت البلاد، ولا تهلكني يا الهي حتى تستجيب لي دعائي وتعرفني الأجابة، اللهم ارزقني العافية إلى منتهى أجلي، ولا تشمت بي عدوي ولا تمكنه من عنقي، من ذا الذي يرفعني إن وضعتني، ومن ذا الذي يضعني إن رفعتني، وإن أهلكتني فمن ذا الذي يعرض لك في عبدك ويسألك عن أمره، فقد علمت يا الهي أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة، وانما يعجل من يخاف الفوت ويحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا الهي عن ذلك، الهي فلا تجعلني للبلاء عرضا، ولا لنقمتك نصبا، ومهلني ونفسني، واقلني عثرتي، ولا ترد يدي في نحري، ولا تتبعني بلاء على أثر بلاء، فقد ترى ضعفي وتضرعي اليك، ووحشتي من الناس وأنسي بك، وأعوذ بك اليوم فأعذني، وأستجير بك، فأجرني وأستعين بك على الضراء فأعني وأستنصرك فانصرني، وأتوكل عليك فاكفني وأومن بك فأمني، وأستهديك فاهدني وأسترحمك فارحمني، وأستغفرك مما تعلم فاغفر لي، وأسترزقك من فضلك الواسع فارزقني، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويستحب البكاء فيها وحولها من خشية الله، فان الصادق عليه السلام (1) قال: (انما سميت الكعبة بكة لبكاء الناس فيها وحولها). وقد سمعت ما في صحيح معاوية (2) من الأمر بالغسل لدخولها، والظاهر ثبوته للنساء أيضا لقاعدة الاشتراك، وقال الحلبي (3): (سألت أبا عبد الله عليه السلام أيغتسلن النساء إذا أتين البيت قال: نعم ان الله عزوجل يقول طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فينبغي للعبد أن لا يدخل


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1

[ 64 ]

إلا وهو طاهر قد غسل عنه العرق والاذى ويطهر). ويستحب التكبير ثلاثا وهو خارج من الكعبة قال عبد الله بن سنان (1) (سمعت أبا عبد الله وهو خارج من الكعبة وهو يقول الله أكبر الله أكبر حتى قالها ثلاثا، ثم قال: اللهم لا تجهد بلاءنا ربنا ولا تشمت بنا أعداءنا، فانك أنت الضار النافع، ثم هبط فصلى إلى جانب الدرجة جعل الدرجة عن يساره مستقبل القبلة ليس بينها وبينه أحد، ثم خرج إلى منزله). ومنه يستفاد صلاة ركعتين عن يمين الدرجة، وقال يونس (2): (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إذا دخلت الكعبة كيف أصنع ؟ قال: خذ بحلقتي الباب إذا دخلت ثم امض فائت العمودين فصل على الرخامة الحمراء، ثم إذا خرجت من البيت فنزلت من الدرجة فصل عن يمينك ركعتين) نعم الظاهر عدم تأكد الدخول للنساء وإن كن صرورة للنصوص الدالة على وضع ذلك عنهن وإن دخلنه كان أفضل، قال عبد الله بن سنان (3) (سئل الصادق عليه السلام عن دخول النساء الكعبة قال: ليس عليهن، وإن فعلنه فهو أفضل) وقال عليه السلام أيضا في مرسل فضالة بن أيوب (4): (ان الله وضع عن النساء أربعا وعد منهن دخول الكعبة) ونحوه غيره، ولا يخفى عليك بعد التأمل في هذه النصوص ما فيها من كيفيات الدخول والصلاة وغير ذلك مما أمر به ونهي عنه، وفي صحيح هشام بن الحكم (5)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 40 من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1 - 2. (5) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1. الجواهر - 8

[ 65 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (ما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله الكعبة إلا مرة وبسط فيها ثوبه تحت قدميه وخلع نعليه) وقال معاوية بن عمار (1) في دعاء الولد قال عليه السلام: (أفض عليك دلوا من ماء زمزم، ثم ادخل البيت، فإذا قمت على باب البيت فخذ بحلقة الباب ثم قل: اللهم إن البيت بيتك، والعبد عبدك، وقد قلت ومن دخله كان آمنا فآمني من عذابك، وأجرني من سخطك، ثم ادخل البيت فصل على الرخامة الحمراء ركعتين ثم قم إلى الأسطوانة التي بحذاء الحجر وألصق بها صدرك، ثم قل: يا واحد يا أحد يا ماجد يا قريب يا بعيد يا عزيز يا حليم لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، هب لي من لدنك ذرية طيبة، إنك سميع الدعاء، ثم در بالاسطوانة فألصق بها ظهرك وبطنك وتدعو بهذا الدعاء فان يرد الله شيئا كان) والله العالم. (ثم يطوف بالبيت) طواف الوداع (أسبوعا ثم يستلم الأركان والمستجار، ويتخير من الدعاء ما أحب) وقد تقدم صحيح معاوية بن عمار (2) وغيره المشتمل على كيفية ذلك والدعاء، وفيه (ثم يأتي زمزم فيشرب منها ثم يخرج وهو يدعو) بأن يقول (آئبون تائبون) الخبر، ومثله في الشرب من ماء زمزم قبل الخروج خبر أبي إسماعيل (3) المتقدم آنفا ايضا لكن عن صريح الصدوق والمفيد وسلار أنه يقول ما سمعت إذا خرج من المسجد، وظاهر غيرهم حين الأخذ في الخروج، ولعله ظاهر الخبر المزبور، وقد تقدم أيضا ما قال الصادق عليه السلام لقثم بن كعب (4) وظاهره باب الكعبة كما عن القاضي، قال: (وإن قدر أن يتعلق بحلقة الباب فليفعل، ويقول: المسكين) إلى آخره،


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 5. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 18 من ابواب العود إلى منى - الحديث 1 - 5 - 4.

[ 66 ]

ولكن عن المقنعة والمراسم أنه إذا خرج من المسجد وضع يده على الباب وقال ذلك، وظاهره باب المسجد، وفيهما أيضا قبل إتيان زمزم صلاة ركعتين أو أكثر نحو كل ركن آخرها ركن الحجر ثم إتيان الحطيم مرة أخرى والألتصاق به والحمد والصلاة ومسألة أن لا يجعله آخر العهد، ولا بأس به، والله العالم. (ويستحب) ايضا (خروجه من باب الحناطين) تأسيا بما سمعته في خبر الأحمسي (1) من خروج أبي جعفر الثاني عليه السلام منه، وعن ابن إدريس أنه باب بني جمح، وهي قبيلة من قبائل قريش، وفي القواعد وغيرها أنه بازاء الركن الشامي على التقريب، وسمي بذلك لبيع الحنطة عنده، أو الحنوط، وعن الكركي لم أجد أحدا يعرف موضع هذا الباب، فان المسجد قد زيد فيه، فينبغي أن يتحرى الخارج موازاة الركن الشامي ثم يخرج، ولا بأس به. كما لا بأس باكثار الشرب من ماء زمزم وحمله وإهدائه، قال في الدروس ورابعها الشرب من زمزم، والاكثار منه والتضلع منه أي الامتلاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله (2) (ماء زمزم لما شرب له) وقد روى حماد أن جماعة من العلماء شربوا منه لمطالب مهمة ما بين تحصيل علم وقضاء حاجة وشفاء من علة وغير ذلك فنالوها، والأهم طلب المغفرة من الله تعالى، فليسم ولينو بشربه طلب المغفرة والفوز بالجنة والنجاة من النار وغير ذلك، ويستحب حمله ووإهداؤه، قال عليه السلام في


(1) لم يتقدم للأحمسي خبر يدل على ذلك وانما ذكر في خبر الحسن ابن علي الكوفى عن علي بن مهزيار الذي ذكره في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 3 وقد تقدم في ص 54. (2) سنن البيهقي ج 5 ص 148.

[ 67 ]

رواية معاوية (1) (أسماء ماء زمزم ركضة جبرائيل، وسقيا إسماعيل، وحفيرة عبد المطلب، وزمزم، والمصونة، والسقيا، وطعام طعم وشفاء سقم) انتهى، وأرسل الصدوق (2) عن الصادق عليه السلام (ماء زمزم لما شرب له) قال وروي (3) (ان من روى من ماء زمزم أحدث به شفاء وصرف عنه داء) قال (4): (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستهدي ماء زمزم وهو بالمدينة) إلى غير ذلك من النصوص الواردة فيه. (و) كيف كان ف‍ (يخر ساجدا ويستقبل القبلة ويدعو) قبل الخروج من المسجد كما سمعته في صحيحي معاوية (5) وإبراهيم بن أبي محمود (6) ولعل عبارة المتن لا تنافي ذلك وإن قيل إن ظاهرها أن محل هذا السجود بعد الخروج من المسجد. لكن فيه منع واضح، وعن الصدوق (خر ساجدا واسأل الله أن يتقبله منك ولا يجعله آخر العهد منك) وعن المفيد والقاضي (يقول: سجدت لك تعبدا ورقا، ولا إله إلا انت ربي حقا حقا، اللهم اغفر لي ذنوبي وتقبل حسناتي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، ثم ترفع الرأس) ولا بأس بقول ذلك جميعه وغيره مما يخطر، والله العالم (و) يستحب أيضا أن (يشتري بدرهم) مثلا (تمرا ويتصدق به) قبضة قبضة (احتياطا ل‍) ما وقع منه في (إحرامه) وحرم الله عزوجل، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (7): (يستحب للرجل والمرأة أن لا يخرجا من مكة حتى يشتريا بدرهم تمرا فيتصدقا به لما كان منهما في إحرامهما، ولما كان منهما في حرم الله عزوجل) وقال عليه السلام أيضا في صحيحه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 6 - 2 - 3 - 4 مع الاختلاف في الأول والثاني. (5) و (6) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1 - 2. (7) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب العود إلى منى الحديث - 1

[ 68 ]

وحفص بن البختري (1): (ينبغي للحاج إذا قضى مناسكه وأراد أن يخرج أن يبتاع بدرهم تمرا فيتصدق به فيكون كفارة لما لعله دخل في حجه من حك أو قملة سقطت أو نحو ذلك) وقال عليه السلام أيضا في خبر أبي بصير (2): (إذا أردت أن تخرج من مكة فاشتر بدرهم تمرا فتصدق به قبضة قبضة فيكون لكل ما كان حصل في إحرامك، وما كان منك في مكة) بل جزم الشهيدان وغيرهما بأنه لو تصدق بذلك ثم ظهر له موجب يتأدى بالصدقة أجزأ، لظاهر هذه النصوص لكنه لا يخلو من نظر، وعن الجعفي الصدقة بدرهم. ويستحب التطوع بطواف بعد الحج عن سائر أرحامه وأهل بلده، لخبر إبراهيم الحضرمي (4) قال: (رجعت من مكة فأتيت أبا الحسن موسى عليه السلام في المسجد وهو قاعد فيما بين المنبر والقبر فقلت يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله: اني إذا خرجت إلى مكة ربما قال لي الرجل طف عني أسبوعا وصل عني ركعتين فربما شغلت عن ذلك فإذا رجعت لم أدر ما أقول له قال فإذا أتيت مكة فقضيت نسكك فطف أسبوعا وصل ركعتين، وقل: اللهم إن هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وأمي وزوجتي وعن ولدي وعن خاصتي وعن جميع أهل بلدي حرهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا بأس أن تقول للرجل اني قد طفت عنك وصليت عنك ركعتين إلا كنت صادقا) والله العالم. (ويكره الحج) والعمرة (على الابل الجلالة) لخبر إسحاق بن عمار (5) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (ان عليا عليه السلام كان يكره الحج والعمرة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1 - 2 - 3. (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب العود إلى منى - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 من كتاب الحج

[ 69 ]

على الابل الجلالات). (ويستحب لمن حج أن يعزم على العود) لانه من أعظم الطاعات المعلوم كون العزم عليها من قضايا الايمان وقد سمعت ما في أخبار الدعاء بأن لا يجعله أخر العهد به، وقال الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن سنان (1): (من خرج من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره) بل الظاهر كراهة عدم إرادة العود إليها، لقول الصادق عليه السلام في مرسل حسين بن عثمان (2): (من خرج من مكة وهو لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنى عذابه) وقال عليه السلام أيضا في خبر الحسن بن علي) (3): (ان يزيد بن معاوية قد حج فلما انصرف قال: إذا جعلنا ثافلا يمينا * فلا نعود بعدها سنينا * للحج والعمرة ما بقينا. فنقص الله من عمره وأماته قبل أجله، هذا. وفي الدروس استحباب إتيان مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الآن مسجد في زقاق يسمى زقاق المولد، وإتيان منزل خديجة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسكنه وخديجة: وفيه ولدت أولادها منه، وفيه قد توفيت، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله مقيما به حتى هاجر، وهو الآن مسجد أيضا. وزيارة خديجة بالحجون، وقبرها هناك معروف بسفح الجبل. وإتيان مسجد راقم، ويقال للدار التي هو بها دار الحروانة، فيه أنشر (استتر خ ل) النبي صلى الله عليه وآله أول الاسلام. وإتيان الغار بجبل حرا الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله في ابتداء الوحي يتعبد فيه وإتيان الغار الذي بجبل ثور استتر به النبي صلى الله عليه وآله عن المشركين، والله العالم.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 2 - 5.

[ 70 ]

(والطواف أفضل للمجاور من الصلاة، وللمقيم بالعكس) كما صرح به غير واحد، لخبر حريز أو صحيحه (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطواف لغير أهل مكة ممن جاور بها أفضل أو الصلاة قال: الطواف للمجاورين أفضل، والصلاة لأهل مكة والقاطنين بها أفضل من الطواف) وصحيح حفص، وحماد وهشام (2) عنه عليه السلام أيضا (إذا أقام الرجل بمكة سنة فالطواف أفضل، وإذا أقام سنتين خلط من هذا وهذا، وإذا أقام ثلاث سنين فالصلاة أفضل) الى غير ذلك من النصوص التي ظاهرها تحديد المجاورة بسنة، وأما الثانية فالخلط، وأما الثالثة فالصلاة، وهو مناف لاطلاق المصنف وغيره الحكم في المجاور والمقيم، وعلى كل حال فالظاهر إرادة غير الرواتب من الصلاة، لزيادة الحث عليها بل قد سمعت قطع الطواف لخوف فوات الوتر منها، بل قد يقال إن المراد أفضلية الطواف من النوافل المبتدأة، أما المخصوصة كنوافل ليلة القدر ونحوها فلا، والأمر سهل بعد كون الأمر مستحبا. (وتكره المجاورة بمكة) في المشهور كما في الدروس وعلى المعروف من مذهب الأصحاب كما في المدارك معللين له بخوف الملالة وقلة الاحترام أو بالخوف من ملابسة الذنب، فان الذنب فيها أعظم، وبأن المقام فيها يقسي القلب، وبأن من سارع الى الخروج منها يدوم شوقه إليها، وذلك المطلوب لله عزوجل، بل في المدارك أن هذه التعليلات كلها مروية. لكن أكثرها غير واضحة الأسناد، قلت: قد عرفت مكررا التسامح في أدلة الكراهة، مضافا الى قول الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (3) (لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكة سنة، قلت: كيف يصنع ؟ قال: يتحول عنها) والى صحيح الحلبي (4)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الطواف - الحديث 4 - 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 5 - 1.

[ 71 ]

(سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل) (1): (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) فقال: كل الظلم فيه إلحاد حتى لو ضربت خادمك ظلما خشيت أن يكون إلحادا، فلذلك كان الفقهاء تكره سكنى مكة) وخبر أبي الصباح الكناني (2) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (ومن يرد فيه بالحاد) الى آخره فقال: كل ظلم يظلمه الرجل بنفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شئ من الظلم فاني أراه إلحادا، ولذلك كان يتقي الفقهاء سكنى الحرم) وخبر داود الرقي (3) عنه عليه السلام أيضا (إذا فرغت من نسكك فارجع فانه أشوق لك الى الرجوع) ونحوه خبر أبي بصير (4) عنه عليه السلام أيضا والمرسل (5) عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا قضى أحدكم نسكه فليركب راحلته وليلحق بأهله، فان المقام بمكة يقسي القلب) وعنه (6) عليه السلام ايضا (انه كره المقام بمكة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج منها) وفي الحدائق استنباط كراهة سكنى الأماكن المشرفة والمشاهد المعظمة من هذه النصوص، وهو استنباط قبيح يمكن دعوى منافاته لما هو كالضروري، انما الكلام في خصوص مجاورة مكة، قيل والمراد به هو المسافر بعد نية إقامة عشرة أيام، وفي المسالك في شرح العبارة يعني الأقامة بها بعد انقضاء المناسك وان لم يكن سنة، ويمكن أن يريد به سنة، وكلاهما مروي في الصحيح، ومع الثاني أنه المتعارف. وعلى كل حال فقد سمعت ما ورد فيه لكن في صحيح ابن مهزيار (7) (سألت أبا الحسن عليه السلام المقام بمكة أفضل أو الخروج الى بعض الأمصار


(1) سورة الحج الآية 26. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 3 - 7 - 7 - 9 - 8 - 2.

[ 72 ]

فكتب عليه السلام المقام عند بيت الله أفضل) مؤيدا بما عن علي بن الحسين عليهما السلام (1) (من ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وآله ويرى منزله من الجنة، وتسبيحة بمكة تعدل خراج العراقين ينفق في سبيل الله، ومن صلى بمكة سبعين ركعة فقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد وانا أنزلناه وآية السخرة وآية الكرسي لم يمت إلا شهيدا، والطاعم بمكة كالصائم فيما سواها وصوم يوم بمكة يعدل صيام سنة فيما سواها، والماشي في مكة في عبادة الله عزوجل) الى غير ذلك من النصوص التي لا تنافي عند التأمل كراهة المجاورة خصوصا بعد احتمال كون الطاعم فيها كالصائم والماشي كالعابد خصوص من نويا بكونهما التقرب الى الله تعالى بأداء المناسك أو غيرها من العبادات، على أنه غير مناف لكون الخارج منها لتشويق نفسه إليها والتحرز من الالحاد والقسوة والاندراج في الحاج والوافدين على الله تعالى ونحو ذلك مما لا يحصل للمقيم كذلك أيضا، أو أفضل منه، قال أبو جعفر عليه السلام في المرسل (2) (من جاور بمكة سنة غفر الله له ذنوبه ولأهل بيته ولكل من استغفر له ولعشيرته ولجيرته تسع سنين قد مضت، وعصموا من كل سوء أربعين ومائة سنة) وقال بعد ذلك: (والأنصراف والرجوع أفضل من المجاورة) وان احتمل كون ذلك من الصدوق، وجمع الشهيد بين الخبرين باستحباب المجاورة لمن يثق من نفسه بعدم المحذورات المذكورة، وحكى قولا باستحبابها للعبادة وكراهيتها للتجارة ولم يستوضحه في المدارك، قال: إذ مقتضى الروايتين كراهة المجاورة على ذينك الوجهين، وتبعه بعض من تأخر عنه، ويمكن منعه عليه، كما أنه يمكن


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2. الجواهر - 9

[ 73 ]

كون مراد القائل استحباب الجوار من حيث كونه جوارا لا من حيث العبادات الأخر من طواف ونحوه، وبذلك يظهر لك عدم التنافي بين النصوص، ولعل صحيح ابن مهزيار محمول على خصوص القادم للحج والعبادة، فان مقامه بالبيت أفضل له من مقامه في غير مكان، والله العالم. (ويستحب النزول بالمعرس) بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة، ويقال بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الراء لمن رجع (على طريق المدينة) ليلا أو نهارا، وإن كان أصل التعريس في آخر الليل للاستراحة كما نص عليه أهل اللغة (وصلاة ركعتين به) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك للنصوص التي منها حسن معاوية بن عمار (1) عن الصادق عليه السلام (إذا انصرفت من مكة على المدينة فانتهيت الى ذي الحليفة وأنت راجع الى المدينة من مكة فائت معرس النبي صلى الله عليه وآله فان كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه وإن كان في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلا، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعرس فيه ويصلي) وفي الموثق (2) (قال علي بن أسباط لأبي الحسن عليه السلام ونحن نسمع إنا لم نكن عرسنا فأخبرنا أبو القاسم بن الفضيل أنه لم يكن عرس وأنه سألك فأمرته بالعود الى المعرس ليعرس فيه، فقال له: نعم، فقال له فإذا انصرفنا فعرسنا فأي شي ء نصنع ؟ قال: تصلي فيه وتضطجع، وكان أبو الحسن عليه السلام يصلي بعد العتمة فيه، فقال محمد فان مر به في غير وقت صلاة مكتوبة قال: بعد العصر، قال سئل أبو الحسن عليه السلام عن ذا فقال: ما رخص في هذا إلا في ركعتي الطواف، فان الحسن بن علي عليهما السلام فعله، فقال: يقيم حتى


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) الكافي ج 4 ص 566 وفيه (فأخبرنا ابن القاسم بن الفضيل)

[ 74 ]

يدخل وقت الصلاة، قال: فقلت له جعلت فداك: فمن مر به بليل أو نهار يعرس فيه وانما التعريس بالليل، فقال إن مر به بليل أو نهار فليعرس فيه) وخبر عيسى بن القاسم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الغسل في المعرس فقال: ليس عليك غسل، والتعريس هو أن تصلي فيه وتضطجع فيه ليلا أو نهارا) وخبر علي بن أسباط (2) (قلت لعلي بن موسى عليهما السلام إن الفضيل بن يسار روى عنك واخبرنا عنك بالرجوع إلى المعرس ولم نكن عرسنا فرجعنا إليه فأي شئ نصنع ؟ قال: تصلي وتضطجح قليلا، وقد كان أبو الحسن عليه السلام يصلي فيه ويقعد، فقال محمد بن علي بن فضال قد مررت في غير وقت صلاة بعد العصر فقال: سئل أبو الحسن عليه السلام عن ذلك فقال: صل، فقال له الحسن بن علي بن فضال: إن مررت به ليلا أو نهارا نعرس وانما التعريس بالليل فقال: نعم إن مررت به ليلا أو نهارا فعرس فيه، لأن رسول الله كان يفعل ذلك) وخبر معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال لي في المعرس معرس النبي صلى الله عليه وآله إذا رجعت إلى المدينة فمر به وانزل وأنخ فيه وصل فيه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله فعل ذلك، قلت: فان لم يكن وقت صلاة قال: فأقم، قلت: لا يقيمون أصحابي قال: فصل ركعتين وامض وقال انما المعرس إذا رجعت إلى المدينة ليس إذا بدأت) ومن الأمر بالعود إليه والصلاة في الوقت المكروه مع العذر والانتظار مع عدمه يفهم كمال تأكده، وعن أبي عبد الله الأسدي (بذي


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب المزار الحديث 2 عن العيص ابن القاسم وهو الصحيح كما في الفقيه ج 2 ص 336 الرقم 1561. (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب المزار الحديث 4 - 3 وأسقط في الوسائل عن الأول جملة وذكر تمام الحديث في التهذيب ج 6 ص 16 الرقم 37.

[ 75 ]

الحليفة مسجدان لرسول الله صلى الله عليه وآله، فالكبير الذي يحرم الناس منه، والآخر مسجد المعرس وهو دون مصعد البيداء بناحية عن هذا المسجد) وفى الدروس أنه بازاء مسجد الشجرة إلى ما يلي القبلة، والله العالم، وكذا يستحب للراجع على طريق المدينة الصلاة في مسجد غدير خم والاكثار فيه من الدعاء، وهو موضع النص (1) من رسول الله صلى الله عليه وآله على أمير المؤمنين عليه السلام وفي الدروس والمسجد باق إلى الآن جدرانه والله العالم. (مسائل ثلاث: الأولى للمدينة حرم) بلا خلاف فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين (وحده من عائر إلى وعير) بفتح الواو على ما في الدروس، لكن في حاشية الكركي أنه وجدها في مواضع معتمدة بضم الواو وفتح العين، وفي كشف اللثام (كذا وجدته مضبوطا بخط بعض الفضلاء) وفي المسالك وغيرها هما جبلان يكتنفان المدينة من المشرق والمغرب) وعن خلاصة الوفا (عير ويقال عائر جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة) وكيف كان فهو لا يعضد شجره قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله (إن مكة حرم الله تعالى شأنه حرمها ابراهيم عليه السلام، وان المدينة حرمي ما بين لابتيها حرمي، لا يعضد شجرها، وهو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، وليس صيدها كصيد مكة، يؤكل هذا ولا يؤكل ذلك، وهو بريد) ولعل المراد بظل وعير فيئوه كما رواه الصدوق (3) مرسلا، قيل: والتعبير بظلهما للتنبيه على أن الحرم داخلهما بل بعضه، وقال عليه السلام ايضا في خبر الصيقل (4): (كنت جالسا عند زياد بن عبد الله وعنده ربيعة الرأي، فقال له زياد يا ربيعة ما الذي حرم


(1) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب احكام المساجد من كتاب الصلاة. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 1 - 7 - 2 مع الاختلاف في الثالث وذكره بعينه في التهذيب ج 6 ص 13 الرقم 26.

[ 76 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة، فقال بريد في بريد، فقال أبو عبد الله عليه السلام فقلت لربيعة وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أميال فسكت فلم يحسن، فمال علي زياد، فقال يا أبا عبد الله فما تقول أنت ؟ قلت حرم رسول الله من المدينة من الصيد ما بين لابتيها فقال وما لابتيها قلت: ما أخاطت به الحرتان، قال: وما الذي يحرم من الشجر قال من عائر إلى وعير) قال ابن صفوان قال ابن مسكان قال الحسن فسأله رجل فقال: وما بين لابتيها قال: ما بين الصورين إلى الثنية، وفي خبر معاوية بن عمار (1) المروي عن معاني الأخبار (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما بين لابتي المدينة ظل عائر إلى ظل وعير حرم قلت: طايره كطاير مكة، قال: ولا يعضد شجرها) والظاهر اتحاد المراد مما ورد في تفسير لابتيها كظهور الاتحاد فيما بين ما سمعته من التحديد وبين ما في خبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حد ما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة من ذباب إلى واقم والعريض والنقب من قبل مكة) وذباب كغراب وكناب جبل بشامي المدينة، يقال كان مضرب قبة النبي صلى الله عليه وآله يوم الأحزاب، والعريض بالتصغير واد في نثرتي الحرة قرب قناة، وهي أيضا واد، والنقب الطريق في الجبل، وخبر أبي العباس (3) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام حرم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة فقال: نعم حرم بريدا في بريد غضاها، قال: قلت: صيدها قال لا يكذب الناس) وجمع بينهما في خبر زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام قال: (حرم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة ما بين لابتيها صيدها وحرم حولها بريدا في بريد أن يختلى خلاها أو يعضد شجرها إلا عودي الناضح) وقال أبو عبد الله عليه السلام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 10 - 3 (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 4 - 5.

[ 77 ]

في خبر عبد الله بن سنان (1): (يحرم من صيد المدينة ما صيد بين الحرتين) وفي خبر الفضيل بن يسار المروي (2) عن بصائر الدرجات قال: (سألته عليه السلام إلى أن قال ان الله تعالى أدب نبيه فأحسن تأديبه، فلما ائتدب فوض إليه فحرم الله الخمر وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر، فأجاز الله له ذلك، وحرم الله مكة وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، فأجاز الله ذلك كله له) (و) نحوه خبر عبد الله ابن سنان (3) المروي عنه عليه السلام أيضا، إلى غير ذلك من النصوص المتفقة على أن (لا يعضد) أي يقطع (شجره) كما هو ظاهر الأكثر، بل عن التذكرة أنه المشهور، بل عن المنتهى أنه لا يجوز عند علمائنا، بل لم أجد من نص على الكراهة قبل الفاضل في القواعد وإن جعله في المسالك من معقد الشهرة على الكراهة، لكن لم نتحققه، بل هو حكى فيها عن بعض الأصحاب القطع بتحريم قطع الشجر، وجعل الخلاف في الصيد، قال فيها بعد أن حكى ذلك وظاهر الاأخبار يدل عليه، فانه لم يرد خبر بجواز قطع الشجر، وانما تعارضت في الصيد، إلا أن الأصحاب نقلوا الكراهة في الجميع واختاروها، وهو غريب نعم عن التذكرة والمنتهى والتحرير استثناء ما يحتاج إليه من الحشيش لخبر عامي وللحرج لأن بقرب المدينة أشجارا وزروعا كثيرة، فلو منع من الاحتشاش للحاجة لزم الحرج المنفي بخلاف حرم مكة، وهو كما ترى بعد ما سمعت من النصوص المفسر ما فيها من الخلا بالرطب من النبات، واختلاؤه قطعه، وعن ابن سعيد استثناء ما سمعته في خبر زرارة من عودي الناضح، ولا بأس به، بل لا يبعد استثناء ما سمعته سابقا في الحرم للمساواة ولاولويته والله العالم.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 9 - 12 - 13.

[ 78 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا بأس) عند المصنف والفاضل (بصيده إلا ما صيد بين الحرتين، وهذا) أيضا (على الكراهة المؤكدة) والمراد حرة واقم، وهي شرقية المدينة، وتسمى حرة بني قريضة، وواقم اسم صنم لبني عبد الأشهل بني عليها، أو اسم رجل من العماليق نزل بها (وحرة ليلى، وهي غربيتها، وهي حرة العقيق) ولها حرتان أخريان جنوبا وشمالا يتصلان بهما، فكأن الأربع حرتان، وهما حرة قبا وحرة الرجلى ككسرى، ويمد، يترجل فيها لكثرة حجارتها، ووافقه عليه الفاضل، ولعله للأصل وما سمعته سابقا في خبر معاوية (2) وخبر أبي العباس (3) وخبر معاوية (4) أيضا المروي عن معاني الأخبار المؤيد بخبر يونس بن يعقوب (5) سأله عليه السلام (يحرم علي في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله ما يحرم علي في حرم الله قال: لا) إلا أنها - بعد الاغضاء عن السند ولا جابر، واحتمال خبر أبي العباس منها نفي الكذب عن الناس أي العامة في روايتهم ذلك، كظهور خبر يونس في إرادة نفي الكلية لا خصوص الأمرين، واحتمال خبر ابن عمار نفي حرمة الأكل لا الاصطياد - قاصرة عن معارضة غيرها مما دل على الحرمة فيما بين الحرتين سندا وعملا، فان المحكي عن الأكثر الحرمة، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليها، كظهور المنتهى، ومن هنا جمع بين النصوص بالفرق بين صيد ما بين الحرتين وبين صيد غيره، فيحرم الأول دون الثاني، ولعله لا يخرج من قوة مع أنه أحوط، فما في المتن من الكراهة غير واضح، وإن نسبه


(1) ما بين القوسين وان لم يكن في النسخة الأصلية أيضا إلا أنه مما لابد منه فانه قده في مقام تفسير الحرتين فلا وجه لذكر إحداهما وترك الأخرى مضافا إلى أنه بعينه كلام الرياض وما أثبتناه موجود فيه. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 1 - 4 - 10. (5) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المزار الحديث 8.

[ 79 ]

في المسالك إلى الشهرة أيضا، إلا أنا لم نتحققه، بل لعل المتحقق خلافه، بل رجع المصنف عنها في النافع إلى الحرمة، نعم ظاهر النافع عدم الكراهة في غير ذلك من الحرم الذي سمعت أنه بريد في بريد، ولا بأس به لظاهر النصوص وإن كان لو قيل به لكان وجها للتسامح فيها. ثم اعلم أنه لا كفارة في صيد الحرم المزبور، ولا في قطع شجره، ولا يجب إحرام في دخوله كحرم مكة كما صرح بذلك بعضهم للأصل وغيره، بل عن الفاضل في المنتهى أن من أدخل صيدا المدينة لم يجب عليه إرساله، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول ما فعل النفر وهو طائر صغير رواه الجمهور وظاهره إباحة إمساكه، والا لأنكر عليه، وكأنه أراد بذلك تأييد الأصل المقتضي للجواز، والله العالم. المسألة (الثانية يستحب زيارة النبي أبي القاسم رسول الله محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف صلى الله عليه وآله، ولد بمكة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد طلوع الفجر سابع عشر شهر ربيع الأول عام الفيل، وكان حمل أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن مرة بن كلاب به أيام التشريق في منزل أبيه عبد الله بمنى عند الجمرة الوسطى، والاشكال فيما بين الولادة والحمل يدفعه أن أيام التشريق في ذلك الزمان كانت في رجب، لأن حجهم كان فيه، أو أن المراد ظهور حملها به فيها. وعلى كل حال فقد صدع بالرسالة في اليوم السابع والعشرين من رجب لأربعين سنة، وقبض بالمدينة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل لاثنى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وفي التحرير قبض مسموما.

[ 80 ]

خصوصا (للحاج استحبابا مؤكدا) إجماعا وضرورة من الدين، ولذا يجبر الأمام الناس عليها لو تركوها كما سمعت، قال هو صلى الله عليه وآله (1): (من زارني بعد موتي كان كمن هاجر الي في حياتي، فان لم يستطيعوا فابعثوا الي بالسلام فانه يبلغني) وقال صلى الله عليه وآله (2): (من زارني أو زار أحدا من ذريتي زرته يوم القيامة، فأنقذته من أهوالها). ومنه يستفاد استحباب زيارة غير المعصومين من ذريته وقال: صلى الله عليه وآله أيضا (3) لعلي عليه السلام: " (يا علي من زارني في حياتي أو بعد موتي أو زارك في حياتك أو بعد موتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد مماتهما ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيره معي في درجتي) وقال صلى الله عليه وآله للحسن عليه السلام (4) (من زارني حيا أو ميتا أو زار أباك حيا أو ميتا أو زار أخاك حيا أو ميتا أو زارك حيا أو ميتا كان حقا علي أن أستنقذه يوم القيامة) وقال صلى الله عليه وآله للحسين عليه السلام (5) (يا بني من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائرا بعد موته فله الجنة ومن أتى أخاك زائرا بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنة) إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة أن له الجنة وأنه في جواره وأنه شفيعه في يوم القيامة، وأن زيارته تعدل حجة معه، بل زيارته زيارة الله في عرشه، قال عبد السلام بن صالح الهروي (6) (قلت لعلي بن موسى الرضا عليهما السلام: يا بن رسول الله ما تقول بالحديث الذي يرويه أهل الحديث ان المؤمنين يزورون الله في منازلهم في الجنة ؟ فقال يا أبا الصلت: إن الله تعالى فضل نبيه محمدا على جميع خلقه من النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومتابعته متابعته وزيارته في الدنيا


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 23 - 16 - 19 - 17 - 11. الجواهر - 10

[ 81 ]

والآخرة زيارته، فقال (1) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال (2): (ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله، ودرجة النبي صلى الله عليه وآله أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجة في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى) وقال علي عليه السلام في المروي (3) عن الخصال في حديث الأربع مائة: (أتموا برسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام، فان تركه جفاء، وبذلك أمرتم، وأتموا بالقبور التي ألزمكم الله حقها وزيارتها، واطلبوا الشرف عندها) وفي خبر الشحام (4) (قلت ما لمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: كمن زار الله فوق عرشه) إلى غير ذلك من النصوص. بل في خبر العيص بن القاسم (5) ما يقتضي استحباب البدأة بزيارته وتقديمها على إتيان مكة، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحاج من الكوفة يبدأ بالمدينة أفضل أو بمكة ؟ قال: بالمدينة) وأفتى به الفاضل في القواعد فقال: ويستحب تقديمها على مكة، وإن كان يعارضه خبر غياث بن إبراهيم (6) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (سألت أبا جعفر عليه السلام أبدأ بالمدينة أو بمكة ؟ قال: ابدأ بمكة واختم بالمدينة فانه أفضل) ونحوه خبر أحمد بن أبي عبد الله (7)


(1) سورة النساء الآية 82. (2) سورة الفتح الآية 10. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 10 وفيه (واطلبوا الرزق عندها) وكذلك في الخصال ج 2 ص 158 الطبع القديم. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب المزار الحديث 6. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المزار الحديث 1 - 3 - 4.

[ 82 ]

عن أبيه عنه عليه السلام أيضا مؤيدا بخبر سدير (1) عنه عليه السلام أيضا (ابدأوا بمكة واختموا بنا) وبغيره من النصوص (2) الآمرة بلقاء الامام عليه السلام بعد الحج وأنه المراد من قوله تعالى (3) (ثم ليقضوا تفثهم) وأنه تمام الحج، بل قال أبو حمزة الثمالي (4): (دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو جالس على الباب الذي يلي المسجد وهو ينظر إلى الناس يطوفون، فقال يا أبا حمزة: بما أمر هؤلاء فلم أدر ما أرد عليه، فقال: إنما أمروا أن يطوفوا بهذه الأحجار ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم) وقال جعفر بن محمد عليهما السلام في خبر إسماعيل بن مهران (5): (إذا حج أحدكم فليختم بزيارتنا، لأن ذلك من تمام الحج). بل الظاهر رجحان زيارته على إتيان مكة مجردا عنها (6) ففي المروي عن مزار ابن قولويه بسنده إلى الحسن بن الجهم (7) قال: (قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام ايهما أفضل: رجل يأتي مكة ولا يأتي المدينة، أو رجل يأتي النبي صلى الله عليه وآله ولا يبلغ مكة ؟ قال: فقال أي شئ تقولون أنتم ؟ فقلت: نحن نقول في الحسين عليه السلام فكيف النبي صلى الله عليه وآله فقال: أما لئن قلت ذلك لقد شهد أبو عبد الله عليه السلام عيدا بالمدينة فدخل على النبي صلى الله عليه وآله فسلم ثم قال لمن حضره لقد فضلنا أهل البلدان كلهم مكة فما دونها بسلامنا على رسول الله


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 12. (3) سورة الحج الآية 30. (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 9 - 7. (6) في النسخة الأصلية المبيضة (مجردا عنه) والصحيح ما أثبتناه كما في المسودة فان الضمير يرجع إلى الزيارة. (7) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب المزار الحديث 1.

[ 83 ]

صلى الله عليه وآله) بل قد سمعت ما في الخبر السابق (1) من أن السلام عليه من بعد يبلغه، وفي خبر عبد الله بن مسعود (2) المروي عن المجالس قال رسول الله صلى الله عليه وآله (ان لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) كقوله صلى الله عليه وآله أيضا في خبر الأمالي (3) مسندا إلى أمير المؤمنين عليه السلام (من سلم علي في شئ من الأرض أبلغته، ومن سلم علي عند القبر سمعته) وقول الصادق عليه السلام لأبي بكر الحضرمي (4): (تأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وآله قلت نعم، قال: أما أنه يسمعك من قريب، ويبلغه عنك إذا كنت نائيا) ونحوه خبر عامر بن عبد الله (5) عنه عليه السلام أيضا وغيره من النصوص. واما كيفية زيارته صلى الله عليه وآله على ما رواه معاوية بن عمار (6) في الحسن عن الصادق عليه السلام قال: (إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها ثم تأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله فتسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تقوم عند الأسطوانة المقدمة من جانب القبر الأيمن عند رأس القبر عند زاوية القبر وأنت مستقبل القبلة ومنكبك الأيسر إلى جانب القبر ومنكبك الأيمن مما يلي المنبر، فانه موضع رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وتقول) إلى آخره، وفى خبر علي بن جعفر (7) عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام عن جده عليه السلام قال: (كان علي بن الحسين عليه السلام يقف على قبر النبي صلى الله عليه وآله فيسلم عليه ويشهد له بالبلاغ، ويدعو بما حضره ثم يسند ظهره إلى المروة الخضراء الدقيقة العرض مما يلي القبر ويلتزق بالقبر، ويسند ظهره إلى القبر ويستقبل القبلة ويقول) إلى آخره، وفي خبر محمد بن مسعود (8): (قال رأيت


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب المزار الحديث 1 - 4 - 5 - 6 - 7. (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب المزار الحديث 1 - 2 - 5.

[ 84 ]

أبا عبد الله عليه السلام انتهى إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فوضع يده عليه وقال: أسأل الله الذي اجتباك واختارك وهداك وهدى بك أن يصلي عليك، ثم قال إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) ولا بأس بالجميع، وقال أبو عبد الله عليه السلام في حسن معاوية (1): (إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وآله فائت المنبر فامسحه بيدك وخذ برمانتيه وهما السفلوان، وامسح عينيك ووجهك، فانه يقال إنه شفاء للعين، وقم عنده واحمد الله واثن عليه وسل حاجتك، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة، والترعة هي الباب الصغير. ثم تأتي مقام النبي صلى الله عليه وآله فتصلي فيه ما بدا لك) وزاد في خبر الحضرمي (2) فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله (وقوائم منبري رتب في الجنة، قال: قلت: هي روضة اليوم قال: نعم إنه لو كشف الغطاء لرأيتم). وفي الدروس (وليدخل المسجد من باب جبرائيل عليه السلام ويدعو عنه دخوله فإذا دخل المسجد صلى التحية ثم أتى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله فزاره مستقبلا حجرته الشريفة مما يلي الرأس، ثم يأتي إلى جانب الحجرة القبلى فيستقبل وجهه مستدبر القبلة ويسلم عليه ويزوره بالمأثور أو بما حضر ثم يستقبل القبلة ويدعو بما أحب. ثم يصلي ركعتي الزيارة بالمسجد ويدعو بعدهما، وليكثر من الصلاة بالمسجد، وخصوصا الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر) قلت لا يخفى عليك المأثور من كيفية زيارته بعد الاحاطة بما ذكرناه من النصوص التي لا بأس بالعمل بما فيها أجمع وأما الروضة فقد روى أبو بصير (3)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب المزار الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب أحكام المساجد الحديث 3 -

[ 85 ]

عن الصادق عليه السلام (ان حدها من مسجد الرسول إلى طرف الظلال) وعن البزنطي (أنه قال بعضهم هي ما بين القبر والمنبر إلى طرف الظلال) وقال أبو بصير: (حد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأساطين يمين المنبر إلى الطريق مما يلي سوق الليل) وقال مرازم (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يقول الناس في الروضة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فيما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة، فقلت له جعلت فداك ما حد الروضة ؟ فقال بعد: أربع أساطين من المنبر إلى الظلال، فقلت: جعلت فداك من الصحن فيها شئ قال: لا) والله العالم. المسألة (الثالثة) لا خلاف في أنه (يستحب أن تزار فاطمة عليها السلام) بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أم الحسن والحسين عليها السلام حليلة أمير المؤمنين وسيد الوصيين استحبابا مؤكدا، بل هو من ضروريات المذهب بل الدين، وفي خبر زيد بن عبد الملك (2) عن أبيه عن جده قال: (دخلت على فاطمة فبدأتني بالسلام ثم قالت ما غدا بك ؟ قلت: طلبت البركة، قالت أخبرني أبي وهو ذا أنه من سلم عليه وعلي ثلاثة أيام أوجب الله له الجنة، قلت في حياته وحياتك قالت: نعم وبعد موتنا). وقد ذكر المصنف وغيره كون ذلك (عند الروضة) لقول الصادق عليه السلام


- وفيه (حد الروضة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله... الخ) إلا ان الموجود في التهذيب ج 6 ص 14 الرقم 27 كما في المتن. (1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب المزار الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب المزار الحديث 1 وفيه يزيد ابن عبد الملك كما في التهذيب ج 6 ص 9 الرقم 18.

[ 86 ]

في مرسل ابن أبي عمير (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة لأن قبر فاطمة عليها السلام بين قبره ومنبره وقبرها روضة من رياض الجنة، واليه ترعة من ترع الجنة) وظاهر اقتصاره على ذلك اختياره له، لكن في صحيح البزنطي (2) الذي رواه المشائخ الثلاثة بل رواه الصدوق منهم في الفقيه والعيون ومعاني الأخبار (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قبر فاطمة عليها السلام فقال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد) وهو الذي اختاره الصدوق، وقال الشيخ) في التهذيب بعد أن ذكر الاختلاف في ذلك: وهاتان الروايتان كالمتقاربتين، والأفضل أن يزور الانسان في الموضعين جميعا، فانه لا يضره ذلك ويحوز به أجرا عظيما، فأما من قال: إنها دفنت في البقيع فبعيد من الصواب وكذلك استبعده ابنا سعيد وإدريس والفاضل في التحرير وغيره، وفي المسالك أبعد الأحتمالات كونها في الروضة، والأولى زيارتها في المواضع الثلاثة، وكيف كان ففيها وفي المدارك والروضة جزء من مسجد النبي صلى الله عليه وآله وهي ما بين قبره ومنبره إلى طرف الظل، ولعل ذلك يكون وجه جمع بين الخبرين. وكيف كان فينبغي أن تكون زيارتها بما رواه العريضي (3) قال: (حدثنا أبو جعفر عليه السلام ذات يوم قال إذا صرت إلى قبر جدتك فقل: يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك كما امتحنك صابرة، وزعمنا انا لك أولياء، ومصدقون وصابرون لكل ما أتانا به أبوك صلى الله عليه وآله وأتى به وصيه عليه السلام فانا نسألك ان كنا صدقناك إلا ألحقتنا بتصديقنا لتبشر أنفسنا بأنا قد طهرنا بولايتك). وولدت على ما في الدروس بعد المبعث بخمس سنين وقبضت بعد أبيها صلى الله عليه وآله


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب المزار الحديث 5 - 3 - 2.

[ 87 ]

بنحو مائة يوم، ويستحب الصلاة لزيارتها ثمان ركعات أو ستا أو أربعا أو ركعتين كما ستعرفه إنشاء الله، وفي صحيح هشام بن سالم (1) (عاشت فاطمة عليها السلام بعد أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين: الاثنين والخميس) والله العالم. (و) كذا تستحب زيارة (الأئمة عليهم السلام بالبقيع) إجماعا أو ضرورة من المذهب أو الدين، مضافا إلى النصوص المتواترة التي قد تقدم بعضها، وقيل للصادق عليه السلام (2): (ما لمن زار واحدا منكم فقال: كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله) وقال الرضا عليه السلام في خبر الوشا (3): (إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة) وقال الحراني (4) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما لمن زار الحسين عليه السلام ؟ قال من أتاه وزاره وصلى عنده ركعتين كتبت له حجة مبرورة، فان صلى عنده أربع ركعات كتبت له حجة وعمرة، قلت: جعلت فداك وكذلك كل من زار إماما مفترضة طاعته قال: وكذلك كل من زار إماما مفترضة طاعته) إلى غير ذلك. وعلى كل حال فمنهم الحسن بن علي عليهما السلام أبو محمد سيد شباب أهل الجنة ولد بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة إثنين من الهجرة، وعن المفيد سنة ثلاث، وقبض بها مسموما يوم الخميس سابع صفر سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة عن سبع أو ثمان وأربعين سنة، وقد سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في زيارة أبيه وأخيه عليهم السلام جميعا، وفي خبر أبي


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 15 - 5 - 20.

[ 88 ]

البختري (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام (ان الحسين بن علي عليهما السلام كان يزور قبر الحسن بن علي عليهما السلام في كل عشية جمعة). ومنهم الامام أبو محمد زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام ولد بالمدينة يوم الأحد خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين، وقبض بها يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة خمس وتسعين عن سبع وخمسين سنة، وأمه شاه زنان بنت شروية ابن كسرى اپرويز، وقيل ابنة يزدجرد. ومنهم الأمام الخامس أبو جعفر محمد بن علي الباقر لعلم الدين ولبطن الباطل حتى استخرج منه الحق بعد أن أشرف على الاندراس، ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث صفر سنة سبع وخمسين، وقبض بها يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشر ومائة وروي (2) سنة ست عشر، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي عليهما السلام فهو علوي بين علويين. ومنهم الامام السادس أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ولد بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقبض بها في شوال وقيل في منتصف رجب يوم الاثنين سنة ثمان وأربعين ومائة عن خمس وستين سنة، أمه أم فروة ابنة القاسم الفقيه بن محمد النجيب بن أبي بكر، وعن الجعفي أن اسمها فاطمة وكنيتها أم فروة، وقبورهم أجمع بالبقيع في مكان واحد، بل في بعض الروايات (3) ان فاطمة بنت أسد جدتهم معهم في تربتهم، وعن أبي محمد


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) البحار - ج 46 ص 217 المطبوعة في ايران عام 1385. (3) التهذيب - ج 6 ص 78 (باب نسب أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام). الجواهر - 11

[ 89 ]

الحسن بن علي العسكري عليهما السلام (1) (من زار جعفرا أو أباه عليهما السلام لم يشك عينه ولم يصبه سقم ولم يمت مبتلى) وعن الصادق عليه السلام (2) من زارني غفرت له ذنوبه ولم يمت فقيرا) وقال عليه السلام أيضا في خبر أبان المروي (3) مسندا عن مزارا بن قولويه (من أتى قبر أبي فقد وصل رسول الله صلى الله عليه وآله ووصلنا وحرمت عيناه وحرم لحمه على النار، وأعطاه الله بكل درهم أنفقه عشرة آلاف مدينة له في كتاب محفوظ، وكان الله له من وراء حوائجه، وحفظ في كل ما خلف، ولم يسأل الله شيئا إلا أعطاه وأجابه فيه، إما أن يعجله، وإما أن يؤخره) وفي خبر هشام بن سالم (4) المروي عنه عليه السلام أيضا في حديث (ان رجلا قال له هل يزار والدك ؟ قال: نعم ويصلى عنده ويصلى خلفه ولا يتقدم عليه، قال فما للمنفق في خروجه إليه والمنفق عنده ؟ قال: الدرهم بألف درهم) هذا، وفي الدروس (والروايات في زيارة الحسن عليه السلام تدل على فضيلة زيارتهم عليهم السلام) قلت: مضافا إلى ما سمعته وتسمعه من الروايات في زيارة كل إمام مفترض الطاعة، بل هو من ضروريات المذهب. ومن المستحبات المؤكدة زيارة أمير المؤمنين عليه السلام وسيد الوصيين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأبو طالب وعبد الله أخوان للأبوين، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهو وإخوته أول هاشمي ولد بين هاشميين، ولد يوم الجمعة ثالث عشر رجب، وروي (5) وسابع شعبان بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وآله بثلاثين سنة، وقبض قتيلا بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة، ودفن بالغري من نجف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 79 - من ابواب المزار الحديث 3 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب المزار الحديث 1 - 3. (5) البحار ج 35 ص 7 الطبع الحديث.

[ 90 ]

الكوفة بمشهده الآن الذي هو أول طور سيناء، وقطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما، وقدس عليه عيسى تقديسا، واتخذ عليه ابراهيم خليلا، واتخذ محمدا صلى الله عليه وآله حبيبا، وجعله للنبيين مسكنا، وأنه ما سكن فيه بعد أبويه الطيبين آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين عليه السلام، وقبره ما بين صدر نوح ومفرق رأسه، ومن زاره عارفا بحقه غير متجبر ولا متكبر كتب الله له أجر مائة ألف شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبعث من الآمنين، وهون عليه الحساب، واستقبله الملائكة، فإذا انصرف شيعوه إلى منزله، فان مرض عادوه، وإن مات شيعوه بالاستغفار إلى قبره، ومن زاره عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حجة مقبولة وعمرة مبرورة، وانه ما تطعم النار قدما تغبرت في زيارته ماشيا كان أو راكبا، وقال يونس بن أبي وهب القصري (1) (دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له أتيتك ولم أزر قبر أمير المؤمنين عليه السلام فقال بئسما صنعت، لولا أنك من شيعتنا ما نظرت اليك، ألا تزور من يزوره الله تعالى مع الملائكة، وتزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون، قلت: جعلت فداك ما علمت ذلك، قال: فاعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام عند الله تعالى أفضل من الأئمة كلهم، وله ثواب أعمالهم، وعلى قدر أعمالهم فضلوا) الحديث. ومنه يستفاد كراهة ترك زيارته لمن تمكن منها، وقال الصادق عليه السلام (2) (ما خلق الله خلقا أكثر من الملائكة، وأنه لينزل كل يوم سبعون ألف ملك ويأتون البيت المعمور فيطوفون به، فإذا هم طافوا نزلوا فطافوا بالكعبة، فإذا طافوا بها أتوا قبر النبي صلى الله عليه وآله فسلموا عليه ثم أتوا قبر أمير المؤمنين عليه السلام فسلموا عليه ثم أتوا قبر الحسين عليه السلام فسلموا عليه ثم عرجوا، وينزل مثلهم إلى يوم القيامة) الحديث، وقال عليه السلام أيضا (3): (لا يلوذ بقبره ذو عاهة إلا شفاه الله)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب المزار الحديث 2 - 1 - 5.

[ 91 ]

و (1) (ما أتاه مكروب قط فصلى عنده ركعتين أو ركعات إلا نفس الله كربه وقضى حاجته) و (2) (إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام فلا تكن عن الخير نوما). ومنه يستفاد استحباب صلاة أربع ركعات لزيارته، بل هو كذلك بالنسبة إلى كل إمام، بل في المرسل (3) عن الصادق عليه السلام (انه صلى عنده ست ركعات بعد أن خر على القبر وعلا نحيبه، وكان صفوان معه، وقد صلى كما صلى، ثم سأله عن القبر فقال هذا قبر جدي علي بن أبي طالب عليه السلام) وقال عليه السلام أيضا (4): (من زاره ماشيا كتب الله له بكل خطوة حجة وعمرة، فان رجع ماشيا كتب الله له بكل خطوة حجتين وعمرتين) وقيل للرضا عليه السلام (5): (أيما أفضل: زيارة قبر أمير المؤمنين عليه السلام أو زيارة الحسين عليه السلام ؟ قال: إن الحسين عليه السلام قتل مكروبا فحقيق على الله عز وجل أن لا يأتيه مكروب إلا فرج الله كربه، وفضل زيارة قبر أمير المؤمنين عليه السلام على زيارة الحسين عليه السلام كفضل أمير المؤمنين على الحسين عليهما السلام) وقال الصادق عليه السلام (6) أيضا: (زيارة الحسين عليه السلام تعدل حجة وعمرة، وزيارة أبي علي عليه السلام تعدل حجتين وعمرتين) وقال عليه السلام أيضا في خبر أبي عامر واعظ اهل الحجاز (7) قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (والله لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها، قلت يا رسول الله: ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها ؟ فقال: يا أبا الحسن ان الله قد جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وان الله


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب المزار الحديث 6 - 11 - 9. (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب المزار الحديث 1. (5) و (6) الوسائل - الباب - 25 من ابواب المزار الحديث 2 - 1. (7) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب المزار الحديث 1.

[ 92 ]

تعالى جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن اليكم، وتتحمل المذلة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله صلى الله عليه وآله، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي وهم زواري غدا في الجنة، يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان ابن داود عليهما السلام على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الاسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه، فابشر وبشر أولياءك ومحبيك من النعيم وقرة العين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعير الزانية بزناها، أولئك شرار أمتي لا أنالهم الله شفاعتي، ولا يردون حوضي) وقال الصادق عليه السلام (1): (إذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي طالب عليهم السلام). قلت: وينبغي أيضا زيارة هود وصالح معه، لما روي (2) عنه أنه قال عليه السلام: (ادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح عليهما السلام) وقد سئل الحسن بن علي عليهما السلام (3) (اين دفنتم أمير المؤمنين عليه السلام فقال: على شفير الجرف، ومررنا به ليلا على مسجد الأشعث وقال: ادفنوني في قبر أخي هود عليه السلام). بل في خبر مبارك الخباز (4) (ان الصادق عليه السلام لما قدم الحيرة ركب وركبت معه حتى دخل الجرف، ثم نزل فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا آخر فصل ركعتين ثم ركب ورجع، فقلت له: جعلت فداك ما الأوليتين وما الثانيتين وما الثالثتين ؟ قال: الركعتين الأوليتين


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب المزار الحديث 1 - 2. (4) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب المزار الحديث 1.

[ 93 ]

قبر أمير المؤمنين عليه السلام والركعتين الثانيتين موضع رأس الحسين عليه السلام والركعتين الثالثتين موضع منبر القائم عليه السلام) ونحوه خبر أبان بن تغلب (1) عن الصادق عليه السلام وفي مرفوع ابن أسباط (2) عنه عليه السلام ايضا (انك إذا أتيب الغري رأيت قبرين قبرا كبيرا وقبرا صغيرا، فأما الكبير فقبر أمير المؤمنين عليه السلام، وأما الصغير فرأس الحسين عليه السلام) وقال يونس بن ظبيان (3) (ان الصادق عليه السلام ركب وركبت معه حتى نزل عند الذكوات الحمر، وتوضأ ثم دنى إلى أكمة فصلى عندها وبكى، ثم مال إلى أكمة دونها ففعل مثل ذلك، ثم قال: الموضع الذي صليت عنده أولا موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام والآخر موضع رأس الحسين عليه السلام وان ابن زياد لعنه الله لما بعث برأس الحسين بن علي عليهما السلام إلى الشام رد إلى الكوفة، فقال: أخرجوه منها لا يفتتن به أهلها، فصيره الله تعالى عند أمير المؤمنين عليه السلام فدفن، فالرأس مع الجسد، والجسد مع الرأس). لكن عن ابن طاووس (4) ان رأس الحسين عليه السلام أعيد فدفن مع بدنه بكربلاء وذكر أن عمل العصابة على ذك، ولعله لا منافاة لامكان دفنه مدة ثم نقل إلى كربلاء، ولا بأس بالصلاة وزيارته بمكان وضعه، قال مفضل بن عمر (5) (جاز الصادق عليه السلام بالقائم المائل في طريق الغري فصلى عنده ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة ؟ فقال: هذا موضع رأس جدي الحسين عليه السلام وضعوه هنا) ويمكن أن يكون هذا المكان موضع دفن الرأس الشريف بعد سلخه، فانهم لعنهم الله تعالى نقلوه بعد أن سلخوه. وعلى كل حال فينبغي حينئذ أن تكون الصلاة عند أمير المؤمنين عليه السلام اثنى عشر ركعة، ثمانية لزيارته عليه السلام، وركعتان لزيارة الرأس الشريف،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب المزار الحديث 4 - 7 - 8 - 9 - 6.

[ 94 ]

وركعتان لمنبر القائم أو منزله، بل لو قلنا باندراج آدم ونوح وهود وصالح عليهم السلام تحت قوله عليه السلام (1) (وكذا كل إمام مفترض الطاعة) ينبغي صلاة أربع ركعات لزيارة كل واحد منهم، فيكون المجموع ثمانية وعشرين ركعة، بل قال الصادق عليه السلام في خبر حنان بن سدير الصيرفي (2) المروي عن مزار ابن قولويه وعن الحميري: (ان صلاة الزيارة ثمانية أو ستة أو أربعة أو ركعتان، وأفضلها ثمان) وحينئذ تكون الركعات عند أمير المؤمنين عليه السلام ستا وخمسين ركعة، ولا بأس بذلك كله. وتتأكد زيارته عليه السلام يوم الغدير الذي قال الرضا عليه السلام فيه على ما في خبر محمد بن أبي نصر (3) الذي رواه الشيخ وغيره: (أنه في السماء أشهر منه في الأرض، وإن الله تعالى بنى في الفردوس الأعلى قصرا لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ثم ذكر وصف ذلك القصر وما يجمع فيه يوم الغدير من الملائكة وما ينالون من كرامة ذلك اليوم، ثم قال يا بن أبي نصر أينما كنت فاحضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين عليه السلام، فان الله يغفر فيه لكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة ذنوب ستين سنة، ويعتق من النار ضعف ما أعتق في شهر رمضان وفي ليلة الفطر، والدرهم فيه بألف درهم لأخوانك العارفين، فأفضل على إخوانك في هذا اليوم، وسر فيه كل مؤمن ومؤمنة، ثم قال يا أهل الكوفة: لقد أعطيتم خيرا كثيرا وانكم لممن امتحن الله قلبه للايمان، مثقلون مقهورون ممتحنون، يصب عليكم البلاء صبا، ثم يكشفه كاشف الكرب العظيم،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المزار الحديث 20. (2) الوسائل - الباب - 96 - من ابواب المزار الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب المزار الحديث 1 عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر.

[ 95 ]

والله لو عرف الناس فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهم الملائكة في كل يوم عشر مرات، ولولا أني أكره التطويل لذكرت من فضل هذا اليوم وما أعطى الله من عرفه ما لا يحصى بعد) قال علي بن الحسن بن فضال قال لي محمد بن عبد الله لقد ترددت إلى احمد بن محمد أنا وأبوك والحسن بن جهم أكثر من خمسين مرة، وسمعناه منه، إلى غير ذلك من النصوص الواردة في مطلق زيارته وفي خصوص الأيام وفي خصوص الزيارات كالجامعة الصغيرة وغيرها وفي آداب زيارته من الغسل والمشي مع تقصير الخطى ولبس أنظف الثياب وشم شئ من الطيب والسكينة والوقار، بل قال الصادق عليه السلام (1): (يا صفوان أنخ الراحلة فهذا قبر جدي أمير المؤمنين عليه السلام فأنختها ثم نزل فاغتسل وغير ثوبه وتحفى فقال: افعل كما أفعل، ثم أخذ نحو الذكوات، ثم قال: قصر خطاك، وألق ذقنك إلى الأرض يكتب لك بكل خطوة مائة ألف حسنة، ويمحى عنك مائة ألف سيئة، وترفع لك مائة ألف درجة، وتقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كل صديق وشهيد مات أو قتل، ثم مشى ومشيت معه وعلينا السكينة والوقار نسبح ونقدس ونهلل إلى أن بلغنا الذكوات إلى أن قال وأعطاني دراهم وأصلحت القبر) بل لا يبعد استعمال هذه الآداب مع كل إمام مفترض الطاعة. وكذا يستحب زيارة الامام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام بن أمير المؤمنين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة، وفي الدروس ولد بالمدينة آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وقيل يوم الخميس ثالث عشر من شهر رمضان وقال المفيد: لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقتل بكربلاء يوم عاشوراء سنة إحدى وستين عن ثمان وخمسين سنة، بل تأكد استحبابها من


(1) الوسائل - الباب 29 من ابواب المزار الحديث 7.

[ 96 ]

ضروريات المذهب أو الدين حتى ورد (1) (ان زيارته فرض على كل مؤمن) و (2) (واجبة على الرجال والنساء) و (3) (من تركها ترك حق الله تعالى ورسوله) بل (4) (تركها عقوق رسول الله صلى الله عليه وآله) و (5) (انتقاص في الايمان والدين) (6) (فان حقا على الغني زيارته في السنة مرتين، والفقير في السنة مرة) و (7) (ان من أتى عليه حول ولم يأت قبره نقص من عمره حول) بل في مضمر منصور بن حازم (8) (ولو قلت إن أحدكم يموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقا، وذلك انكم تتركون زيارته، فلا تدعوها يمد الله في أعماركم ويزيد في أرزاقكم، وإذا تركتم زيارته نقص الله من أعماركم وأرزاقكم، فتنافسوا في زيارته، ولا تدعوا ذلك، فان الحسين بن علي عليهما السلام شاهد لكم عند الله وعند رسوله وعند علي وعند فاطمة صلوات الله عليهم أجمعين) و (9) (انها تطيل العمر) و (10) (أن أيام زيارته لا تعد من الأجل) و (11) (تفرج


(1) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب المزار الحديث 1 و 4. (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب المزار الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المزار الحديث 1 و 14. (4) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المزار الحديث 2. (5) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المزار الحديث 5 و 10. (6) الوسائل - الباب 40 من ابواب المزار الحديث 1. (7) و (8) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المزار الحديث 4. (9) و (10) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب المزار الحديث 8 - 9. (11) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب المزار الحديث 2. الجواهر - 12

[ 97 ]

الغم) و (1) (تمحص الذنوب، ولكل خطوة حجة مبرورة) بل (2) (له بزيارته عشرون حجة) و (3) (أجر عتق ألف نسمة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله) و (4) (له بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم) و (5) (ان من أتى قبره عليه السلام عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) و (6) (انه كمن يزور الله في عرشه) و (7) (أن بقبره أربعة آلاف أو سبعين ألف ملك شعثا غبرا يصلون عليه منذ يوم قتل إلى ما شاء الله، ويدعون لزواره) إلى غير ذلك من النصوص التي لا يمكن استقصاء ما تضمنته من ثواب زيارته ومن كراهة الترك مع الامكان، وخصوصا زيارته في الايام المعروفة عند الشيعة وخصوص الزيارات المأثورة المطلقة وغيرها، بل ينبغي لذوي الأماكن القريبة زيارته كل جمعة أو كل شهر، وإلا كان جفاء له، فضلا عن النصوص (8) المتضمنة للبكاء عليه وللشعر فيه إنشاء وإنشادا، وما في تربته الشريفة من أكل أو صلاة عليها أو تسبيح بها أو غير ذلك من الأمور المتعلقة بحرمه وروضته، فان ذلك يحتاج إلى كتب متعددة، وقد كفانا مؤنة معظم ذلك أصحابنا رضوان الله عليهم. وكذا يستحب مؤكدا زيارة الامام السابع الكاظم لغيظه موسى بن جعفر الصادق عليهما السلام أبي الحسن وأبي إبراهيم وأبي علي، أمه حميدة البربرية، ولد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب المزار الحديث 2 - 0. (3) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب المزار الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب المزار الحديث 2. (5) و (6) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب المزار الحديث 6 - 5. (7) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب المزار الحديث 1 و 2 و 12. (8) الوسائل - الباب - 66 و 72 و 75 و 104 - من ابواب المزار والباب 16 من ابواب ما يسجد عليه من كتاب الصلاة.

[ 98 ]

بالأبواء بين مكة والمدينة ثمان وعشرين ومائة، وقيل سنة تسع وعشرين ومائة يوم الأحد سابع صفر، وقبض مسموما ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى وثمانين ومائة، ودفن في مقابر قريش في مشهده الآن، وزيارته كزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقبر أمير المؤمنين وقبر الحسين عليهما السلام، ولزائره الجنة وينبغي زيارته بالمأثور. وكذا يستحب مؤكدا خصوصا في رجب زيارة الامام الثامن الرضا أبي الحسن علي بن موسى عليهما السلام، أمه أم البنين أم ولد، ولد بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة، وقيل يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة، وقبض بطوس في صفر، ودفن فيها بمشهده الآن سنة ثلاث ومائتين، ومن زاره عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وله الجنة، وكان كمن زار الله في عرشه وزار رسول الله صلى الله عليه وآله، وبنى الله له منبرا حذاء منبر محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، وأعطاه الله أجر من أنفق قبل الفتح وقاتل ويخلصه الرضا عليه السلام من أهوال ثلاث: إذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا، وعند الصراط، وعند الحساب، ويشفع فيه يوم القيامة، وزيارته تبلغ عند الله ألف ألف حجة، بل قيل للجواد عليه السلام (1): (زيارة الرضا عليه السلام أفضل أم زيارة أبي عبد الله الحسين عليهما السلام ؟ فقال: زيارة أبي أفضل، وذلك ان أبا عبد الله عليه السلام يزوره كل الناس، وأبي لا يزروه إلا الخواص من الشيعة) وقال الكاظم عليه السلام (2): (إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمان أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين، فأما الأربعة الذين هم من الأولين فنوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام،


(1) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 86 - من ابواب المزار الحديث 1.

[ 99 ]

وأما الأربعة من الآخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام، ثم يمد الطعام فيقعد معنا زوار قبور الائمة عليهم السلام، إلا ان أعلاهم درجة وأقربهم حبوة زوار قبر ولدي علي عليه السلام). وكذا يستحب مؤكدا زيارة الامام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام أمه الخيزران أم ولد، كانت من أهل بيت مارية القبطية، ولد بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين ومائة، وقبض ببغداد في آخر ذي القعدة، وقيل يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، ودفن في ظهر جده الكاظم عليه السلام، قال ابن عقبة (1) (كتبت إلى أبي الحسن الثالث الهادي عليه السلام أسأله عن زيارة أبي عبد الله الحسين وعن زيارة ابي الحسن وأبي جعفر عليهم السلام وعن الائمة عليهم السلام فكتب الي أبو عبد الله عليه السلام المقدم، وهذا أجمع وأعظم أجرا). وكذا يستحب زيارة الامام الهادي المنتجب أبي الحسن علي بن محمد الجواد عليهما السلام أمه سمانة أم ولد، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجة سنة اثنى عشر ومائتين وقبض بسر من رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بها. وكذا يستحب زيارة الامام النقي الهادي ولي المؤمنين أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام أمه حديثة أم ولد، ولد بالمدينة في شهر ربيع الآخر، قيل يوم الاثنين رابعة سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وقبض بسر من رأى يوم الأحد، وقال المفيد: يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، ودفن إلى جانب أبيه، وثواب زيارتهما يعلم مما تقدم من النصوص وأنه كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال العسكري عليه السلام (2): (قبر بسر من رأى أمان لأهل الجانبين) لكن عن المفيد


(1) الوسائل - الباب - 89 - من ابواب المزار الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 90 - من ابواب المزار الحديث 2.

[ 100 ]

أنهما يزاران من ظاهر الشباك ومنع من دخول الدار، بل عن الشيخ أنه أحوط، لأنها ملك الغير، فلا يجوز التصرف فيها إلا باذنه، قال: ولو أن أحدا دخلها لم يكن مأثوما، وخاصة إذا تأول في ذلك ما روي عنهم أنهم جعلوا شيعتهم في حل من مالهم، ولكن الآن من ضروري مذهب الشيعة جواز ذلك ولعله لان قبورهم عليهم السلام بقع من بقاع الجنة، وأنها مشاعر ومختلف أوليائهم ومجمع شيعتهم وغير ذلك مما يكون التوقف فيه من الوساوس. وكذا يستحب مؤكدا زيارة الامام المهدي الحجة صاحب الزمان أبي القاسم محمد بن الحسن عليه السلام عجل الله فرجه وسهل الله مخرجه، ولد بسر من رأى ليلة الجمعة، وقيل ضحى خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، أمه صقيل، وقيل نرجس، وقيل مريم بنت زيد العلوية، وهو الذي يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، أسأل الله تعالى به وبآبائه الطاهرين أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يرزقني رضاه، ويعرف بيني وبينه، ويعدني في أوليائه وشيعته وأنصاره، فانه أرحم الراحمين، ويستحب زيارته في كل مكان وكل زمان، والدعاء بتعجيل الفرج في زيارته، وتتأكد زيارته في السرداب المعروف بسر من رأى. ويستحب زيارة النبي وفاطمة والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من بعد بمعنى الايماء إلى قبورهم بالسلام، ويستحب أن يكون ذلك على سطح الدار أو في فلاة من الأرض بعد الغسل ولبس أطهر الثياب وصلاة الزيارة الثمانية أو الست أو الأربعة أو الركعتين مؤميا بالسلام إلى قبورهم، وينبغي أن يكون بالمأثور، ويتأكد ذلك في كل جمعة، والظاهر جواز تأخير الصلاة بعد الايماء بالسلام. وليزر علي بن الحسين في زيارة الحسين عليهما السلام من بعد والعباس وجميع الشهداء عليهم السلام

[ 101 ]

إلى غير ذلك مما ورد في زيارات الائمة عليهم السلام من قرب ومن بعد من الأقوال المخصوصة والآداب كالغسل قبل دخول المشهد، والكون على طهارة وقد تقدم البحث في انتقاض الغسل بالحدث أو النوم خاصة وعدمه، بل تستحب إعادته مطلقا أو في النوم خاصة، والاتيان بخضوع وخشوع في ثياب نظيفة جديدة أو غسيلة، والوقوف على الباب والدعاء والاستئذان بالمأثور، بل قيل إن وجد خشوعا ورقة دخل، وإلا فالأفضل أن يتحرى زمان الرقة لأن الغرض حضور القلب لتلقي الرحمة النازلة من الرب، وتقديم الرجل اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج والمشي الهوينا بسكينة ووقار مسبحا ومهللا ومقدسا. والوقوف على الضريح ملاصقا له أو غير ملاصق، ودعوى أن البعد أشد أدبا وهم، فقد روي (1) الاتكاء على الضريح وتقبيله. وأما تقبيل الأعتاب ففي الدروس لم نقف له على نص يعتد به، ولكن عليه الامامية، ولو سجد لله تعالى قاصدا الشكر على توفيقه وبلوغه تلك البقعة كان أولى، وفي خبر حسن بن حسين البغدادي (2) المروي عن فرحة الغري (ان زين العابدين عليه السلام ورد الكوفة ودخل مسجدها وبه أبو حمزة الثمالي وكان من زهاد أهل الكوفة ومشائخها فصلى ركعتين وذكر دعاء إلى أن قال فتبعته إلى الكوفة فوجدت عبدا أسود معه نجيب وناقة فقلت يا أسود من الرجل فقال: أو تخفى عليك شمائله، هو علي بن الحسين عليهما السلام، قال أبو حمزة فأكببت على قدميه أقبلهما فرفع رأسي بيده، وقال يا أبا حمزة: انما يكون السجود لله،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب المزار الحديث 2 والباب 30 منها الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب المزار الحديث 1 عن حسن ابن حسين بن طحال المقدادي.

[ 102 ]

فقلت يا بن رسول الله ما أقدمك الينا ؟ قال: ما رأيت، ولو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبوا). وعلى كل حال فينبغي استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة ثم يضع عليه خده الأيمن عند الفراغ من الزيارة، ويدعو متضرعا، ثم يضع خده الأيسر، ويدعو سائلا من الله بمنه وبحق صاحب القبر أن يجعله من أهل شفاعته، ويبالغ في الدعاء والالحاح، ثم ينصرف إلى ما يلي الرأس، ثم يستقبل القبلة ويدعو، والزيارة بالمأثور، وصلاة الزيارة في الروضة عند النبي وعند الرأس في غيره إلى القبر، ويجوز في غير ذلك، بل لعل الأولى الصلاة في الخارج مع الازدحام، والدعاء بعدها بالمأثور أو بما يسنح له من أمور الدنيا والدين، وتلاوة شئ من القرآن عند الضرائح وإهداؤه إلى المزور، وإن كان المنتفع بذلك الزائر على ما في الدروس، وإحضار القلب في جميع أحواله بما يمكن، والتوبة من الذنب والأستغفار، والاقلاع وتعجيل الخروج عند قضاء الوطر لتعظيم الحرمة ويشتد الشوق، وليخرج القهقري حتى يتوارى، بل عد في الدروس من آداب الزيارة التصدق على السدنة والحفظة للمشهد. وإكرامهم وإعظامهم فان فيه إكرام صاحب المشهد، قال: وينبغي لهؤلاء أن يكونوا من أهل الخير والصلاح والدين والمروة والاحتمال والصبر وكظم الغيظ خالين من الغلظة على الزائرين، قائمين بحوائج المحتاجين مرشدي الغرباء والواردين، وليتعهد أحوالهم الناظر فيه، فان وجد من احد منهم تقصيرا نهاه عنه، فان أصر زجره عنه، فان كان من المحرم جاز ردعه بالضرب إن لم يجد التعنيف من باب النهي عن المنكر، وجعل منها أيضا انه إذا انصرف إلى منزله من الزيارة استحب له العود إليها ما دام مقيما، فإذا حان الخروج ودع ودعا بالمأثور وسأل الله تعالى العود إليه، وأن يكون الزائر بعد الزيارة خيرا منه قبلها، فانها تحط

[ 103 ]

الأوزار إذا صادفت القبول، والصدقة على المحاويج بتلك البقعة، فان الصدقة مضاعفة هنالك، وخصوصا على الذرية الطاهرة ولا بأس بذلك وإن كان هو ليس من آداب الزيارة وكذا يستحب زيارة منتجبي الصحابة كسلمان بالمدائن، وعمار بصفين وأبي ذر بالربذة، وحذيفة ونحوهم والشهداء سيما جعفر بن أبي طالب بموتة ونحوه، والأنبياء حيث كانوا، وجميع الصلحاء من المؤمنين، قال الكاظم عليه السلام (1) (من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي إخوانه يكتب له ثواب زيارتنا، ومن لم يقدر أن يصلنا فليصل صالحي إخوانه يكتب له ثواب صلتنا). وكذا يستحب زيارة عبد العظيم بالري فانها كزيارة الحسين عليه السلام، وقبر فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما السلام بقم، فان من زارها له الجنة، وجميع قبور العلماء والصلحاء والأولياء وكافة إخوانه أحياء وأمواتا، ولكل ذلك آداب ووظائف قد تكفلت بها الكتب المعدة لذلك، والرجاء بالله تعالى شأنه أن يوفقنا بعد إتمام هذا الكتاب إلى تأليف كتاب يجمع جميع ما ورد عنهم عليهم السلام في ذلك، والله الموفق والمؤيد والمسدد. (خاتمة) لا خلاف ولا إشكال في أنه (تستحب المجاورة بها) أي المدينة، بل في الدروس الاجماع عليه، للتأسي ولما ورد (2) في مدحها ودعاء النبي صلى الله عليه وآله لها، ولما تستتبعه من العبادات فيها، بل قال الصادق عليه السلام في خبر الزيات (3): (من مات فيها بعثه الله تعالى في الآمنين يوم القيامة) وقال ابن الجهم (4) (سألت أبا الحسن عليه السلام أيهما أفضل: المقام بمكة أو بالمدينة ؟ فقال: أي شئ تقول أنت ؟ قال: فقلت وما قولي مع قولك، قال: إن قولك


(1) الوسائل - الباب - 97 - من ابواب المزار الحديث 10. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب المزار الحديث 0 - 3 - 1.

[ 104 ]

يرد إلى قولي، فقلت له أما أنا فأزعم أن المقام بالمدينة أفضل من الاقامة بمكة، فقال: أما لئن قلت ذلك لقد قال أبو عبد الله عليه السلام ذلك يوم فطر، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسلم عليه ثم قال: لقد فضلنا الناس بسلامنا على رسول الله صلى الله عليه وآله) وقال مرازم (1): (دخلت أنا وعمار وجماعة على أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة فقال: ما مقامكم ؟ فقال عمار: قد سرحنا ظهرنا وأمرنا أن نؤتي به إلى خمسة عشر يوما، فقال: أصبتم المقام في بلد رسول الله صلى الله عليه وآله والصلاة في مسجده واعملوا لآخرتكم وأكثروا لأنفسكم، ان الرجل قد يكون كيسا، فيقال ما أكيس فلانا، وإنما الكيس كيس الآخرة) وفي النبوي (2) (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا) وإن نفرا كانوا يريدون الخروج منها إلى أحد الأمصار فقال صلى الله عليه وآله (3) (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وان احتمل الاختصاص بهم، وعلى كل حال فلا معارض هنا لما عرفت كما في مكة وان حكي عن بعض العامة تعدية العلل إلا أنه في غير محله، خصوصا بعد قوله صلى الله عليه وآله في المرسل (من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاءها وقلبه مشرب جفوة). (و) يستحب (الغسل عند دخولها) لما سمعته من قول الصادق عليه السلام في خبر عمار (4): (إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب المزار الحديث 2. (2) المستدرك - الباب - 12 - من ابواب المزار الحديث 16. (3) صحيح مسلم ج 4 ص 122. (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب المزار الحديث 1. الجواهر - 13

[ 105 ]

ثم تأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله فتسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله) الحديث، نعم ظاهره الاكتفاء بهذا الغسل لها ولدخول المسجد وللزيارة، ولو أراد تكراره جاز، بل لعله أفضل وأولى، وقد مر في كتاب الطهارة تفصيل ذلك، فلاحظ. (وتستحب الصلاة) في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فانها تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وخصوصا (بين القبر والمنبر، وهو الروضة) التي هي بقعة من بقاع الجنة وإن كنا لم نقف في الصلاة فيها على نص بالخصوص، وقال الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (1) (حدها إلى طرف الظلال، وحد المسجد إلى الأسطوانتين عن يمين المنبر إلى الطريق مما يلي سوق الليل) وقال ابن مسلم (2) في الصحيح (سألته عليه السلام عن حد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: الأسطوانة التي عند رأس القبر إلى الأسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة، وكان وراء المنبر طريق تمر فيه الشاة، ويمر الرجل منحرفا، وكان ساحة المسجد من البلاط إلى الصحن) وكيف كان فظاهر المصنف وغيره التأكد هنا، ولكن قال جميل ابن دراج (3) لأبي عبد الله عليه السلام: (الصلاة في بيت فاطمة عليها السلام مثل الصلاة في الروضة قال: وأفضل) وقال يونس بن يعقوب (4) (قلت له عليه السلام أيضا: (الصلاة في بيت فاطمة أفضل أو في الروضة قال: في بيت فاطمة عليها السلام) وقال الصادق عليه السلام (5): (وبيت علي وفاطمة عليهما السلام ما بين البيت الذي فيه النبي صلى الله عليه وآله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب احكام المساجد الحديث 3 - 1 من كتاب الصلاة. (3) و (4) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 - 1 من كتاب الصلاة. (5) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب احكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 106 ]

إلى الباب الذي يحاذي الزقاق إلى البقيع، وقال: لو دخلت من ذلك الباب والحائط مكانه أصاب منكبك الأيسر، ثم سمى سائر البيوت) والله العالم. (و) يستحب أيضا (أن يصوم الانسان بالمدينة ثلاثة أيام للحاجة) وغيرها وإن كان مسافرا وقلنا بعدم جواز صوم الندب في السفر، إلا أن ذلك مستثنى نصا (1) وفتوى كما عرفته في كتاب الصوم، وينبغي أن تكون الأربعاء والخميس والجمعة، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): (إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء وتصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة، وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء، وتقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصلاه ليلة الجمعة، فتصلي عندها ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة، فان استطعت أن لا تتكلم بشئ في هذه الأيام فافعل إلا ما لابد لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل، فان ذلك مما يعد فيه الفضل، ثم احمد الله في يوم الجمعة واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسل حاجتك، وليكن فيما تقول: اللهم ما كانت لي اليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فاني أتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها، فانك حري أن تقضى حاجتك انشاء الله) وقال عليه السلام أيضا في صحيحه (3) الآخر: (صم الأربعاء والخميس والجمعة وصل ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء عند الأسطوانة التي تلي رأس النبي صلى الله عليه وآله وليلة الخميس ويوم الخميس عند أسطوانة أبي لبابة، وليلة الجمعة ويوم الجمعة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المزار الحديث 0 - 1 - 4.

[ 107 ]

عند الأسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله، وادع بهذا الدعاء لحاجتك، وهو اللهم اني أسألك بعزتك وقوتك وقدرتك وجميع ما أحاط به علمك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا) وقال عليه السلام أيضا في خبر مرازم (1): (الصيام بالمدينة والقيام عند الأساطين ليس بمفروض، ولكن من شاء فليصم فانه خير له، انما المفروض صلواة الخمس وصيام شهر رمضان فأكثروا الصلاة في هذا المسجد ما استطعتم، فانه خير لكم، وأعلموا أن الرجل قد يكون كيسا في أمر الدنيا، فيقال ما أكيس فلانا، فكيف من كاس في أمر آخرته) وقال عليه السلام أيضا في صحيح الحلبي (2): (إذا دخلت المسجد فان استطعت أن تقيم ثلاثة أيام: الأربعاء والخميس والجمعة فتصلي بين القبر والمنبر يوم الأربعاء عند الأسطوانة التي عند القبر، فتدعوا لله عندها وتسأله كل حاجة تريدها من آخرة أو دنيا، واليوم الثاني عند أسطوانة التوبة، ويوم الجمعة عند مقام النبي صلى الله عليه وآله مقابل الأسطوانة الكثيرة الخلوق، فتدعو الله عندهن بكل حاجة، وتصوم تلك الثلاثة الأيام) إلى غير ذلك من النصوص. ومنها يستفاد ما ذكره المصنف بقوله (وأن يصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة) بشر بن عبد المنذر الأنصاري شهد بدرا، وتسمى باسطوانة التوبة أيضا (وفي ليلة الخميس عند الأسطوانة التي تلي مقام رسول الله صلى الله عليه وآله) وغيره من الأمور أيضا حتى ما أومأت إليه من الأعتكاف الذي صرح به غير واحد. (و) كذا يستحب (أن يأتي المساجد بالمدينة كمسجد الأحزاب ومسجد الفتح ومسجد الفضيخ وقبور الشهداء بأحد خصوصا قبر حمزة عليهم السلام) ومشربة أم إبراهيم أي غرفتها التي كانت فيها، وهي مارية القبطية، ويقال إنها ولدت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المزار الحديث 2 - 3.

[ 108 ]

إبراهيم فيها، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (لا تدع إتيان المشاهد كلها: مسجد قبا فانه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، ومشربة أم إبراهيم، ومسجد الفضيخ وقبور الشهداء، ومسجد الأحزاب وهو مسجد الفتح، قال: وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أتى قبور الشهداء قال: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وليكن فيما تقول عند مسجد الفتح: يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين اكشف همي وكربي وغمي كما كشفت عن نبيك همه وغمه وكربه وكفيته هول عدوه في هذا المكان) وقال عليه السلام أيضا في خبر الحلبي (2): (هل أتيتم مسجد قبا أو مسجد الفضيخ أو مشربة أم إبراهيم فقلت: نعم، فقال: إنه لم يبق من آثار رسول الله صلى الله عليه وآله شئ إلا وقد غير غير هذا) وقال عليه السلام أيضا في مرسل حريز (3) المروي عن مزار ابن قولويه: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أتى مسجد قبا فصلى فيه ركعتين رجع بعمرة) وعن القاضي أنه يصلى فيه عند الأسطوانة التي تلي المحراب، وقال الصادق عليه السلام أيضا في خبر الفضيل بن يسار (4): (زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارة قبور الشهداء وزيارة قبر الحسين عليهم السلام تعدل حجة مبرورة مع رسول الله صلى الله عليه وآله). بل ينبغي ملاحظة الترتيب الذي رواه عقبة بن خالد (5) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام أنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدأ قال: ابدأ بقبا فصل فيه وأكثر فيه، فانه أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه العرصة، ثم ائت مشربة أم ابراهيم فصل فيها فانها مسكن رسول الله صلى الله عليه وآله ومصلاه، ثم تأتي مسجد الفضيخ فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك، فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحيرة، فصليت فيه،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب المزار الحديث 1 - 3 - 5 - 6 - 2.

[ 109 ]

ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطلب فسلمت عليه، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم، فقلت: السلام عليكم يا أهل الديار، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون ثم تأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينك حين تأتي احد، فتصلي فيه، فعنده خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى أحد حين لقى المشركين ولم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلى فيه، ثم مر أيضا حين ترجع فصل عند قبور الشهداء ما كتب الله لك، ثم امض على وجهك حتى تأتي مسجد الأحزاب فتصلي فيه وتدعو الله تعالى، فان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا فيه يوم الأحزاب، وقال يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين ويا مغيث الملهوفين اكشف همي وكربي وغمي فقد ترى حالي وحال أصحابي). ثم لا يخفى عليك ظهور الخبر في كراهة الترك، وفي أن مسجد الأحزاب هو مسجد الفتح كما عن العلامة القطع به في جملة من كتبه والشهيد في الدروس فالعطف في عبارة المصنف والقواعد حينئذ على الأحزاب دون المسجد، وانما سمي بذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله دعا فيه يوم الأحزاب فاستجاب الله تعالى بالفتح على يد أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليه السلام بقتله عمرو بن عبد ود، وانهزم الأحزاب، وسمي الفضيخ بالمعجمات لأنهم كانوا يفضخون فيه التمر قبل الاسلام أي يدخرونه، وفي خبر ليث (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مسجد الفضيخ لم سمي مسجد الفضيخ قال: نخل يسمى بالفضيخ) أو لما يقال من أنه كان إذ حاصر بني النضير ضربت قبته قريبا منه وكان يصلي هناك ست ليال، وحرمت الخمر هناك، وجماعة من الأنصار كانوا يشربون فضيخا فحلوا وكاء السقاء فهرقوه فيه، أو للجميع.


(1) التهذيب ج 6 ص 18 - الرقم 40 والكافي ج 4 ص 561 المطبوعين حديثا.

[ 110 ]

وعلى كل حال فالظاهر أن هذا المسجد هو الذي ردت فيه الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام حتى صلى العصر حين فاته الوقت بسبب نوم النبي صلى الله عليه وآله في حجره فلما فرغ من الصلاة انقضت انقضاض الكوكب كما صرح به في الدروس، بل رواه الكليني (1) عن عمار عن الصادق عليه السلام. وينبغي أن يأتي أيضا مقام جبرائيل عليه السلام، قال الصادق عليه السلام في خبر معاوية بن عمار (2): (ائت مقام جبرائيل وهو تحت الميزاب، فانه كان مقامه إذا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقل: أي جواد أي كريم أي قريب أي بعيد أسألك أن تصلي على محمد وأهل بيته وأن ترد علي نعمتك قال: وذلك مقام لا تدعو فيه حائض بدعاء الدم إلا رأت الطهر). وكذا يستحب له زيارة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وعبد الله بن جعفر وفاطمة بنت أسد وجميع من بالبقيع من الصحابة والتابعين، والله العالم. (ويكره النوم في) جميع (المساجد) كما عرفته في أحكامها (وتتأكد الكراهة في) المسجد الحرام و (مسجد النبي صلى الله عليه وآله) لحسن زرارة (3) المحمول على ذلك، قال: (قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما تقول في النوم في المساجد قال: لا بأس به إلا في المسجدين مسجد النبي صلى الله عليه وآله والمسجد الحرام، قال: كان يأخذ بيدي في بعض الليل ويتنحى ناحية ثم يجلس ونتحدث في المسجد الحرام فربما نام، فقلت له: الكراهة في ذلك فقال: انما يكره أن ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأما الذي في هذا الموضع فليس به بأس).


(1) الكافي ج 4 ص 562 الطبع الحديث. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب المزار الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب احكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة.

[ 111 ]

وربما استفيد مما في ذيله عدم الكراهة أصلا في غيرهما، بل في المدارك لا يبعد عدم تأكدها فيهما أيضا لصحيحة معاوية بن وهب (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام ومسجد الرسول قال: نعم أين ينام الناس) ولعل المراد به حال الضرورة، وإلا فالنوم في مسجده صلى الله عليه وآله أشد كراهة من المسجد الحرام كما يؤمي إليه اقتصار المصنف عليه، لخبر علي بن جعفر (2) المروي عن قرب الاسناد، سأل أخاه عليه السلام (عن النوم في المسجد الحرام قال: لا بأس، وسأله عن النوم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله قال: لا يصلح) وفي النبوي (3) (لا ينام في المسجد أحد ولا يجنب فيه) نعم يستثنى ذلك والجنابة لهم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ان الله أوحى إليه أن أتخذ مسجدي مسجدا طهورا لا يحل لأحد أن يجنب فيه إلا أنا وعلي والحسن والحسين عليهم السلام) وقد روى (4) ذلك أو ما يقرب منه جم غفير من العامة والخاصة، والله العالم. (الركن الثالث في اللواحق) (وفيه مقاصد) (الأول في الاحصار والصد) (الصد بالعدو والأحصار بالمرض لا غير) كما هو المعروف بين الفقهاء


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب احكام المساجد الحديث 1 - 6 - 3 - من كتاب الصلاة. (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الجنابة والمستدرك - الباب 7 منها.

[ 112 ]

بل في المسالك اختصاص الحصر بالمرض هو الذي استقر عليه رأي أصحابنا ووردت به نصوصهم، بل ظاهر المنتهى الاتفاق على إرادة ذلك من اللفظين المزبورين بل عن صريح التنقيح وكنز العرفان ذلك، وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (1): (المحصور غير المصدود، فان المحصور هو المريض، والمصدود هو الذي رده المشركون كما ردوا رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس من مرض، والمصدود تحل له النساء، والمحصور لا تحل له النساء) بل في المسالك هو أي الحصر بمعنى المرض مطابق للغة، قال في الصحاح: (حصر الرجل على ما لم يسم فاعله) قال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، قال الله تعالى (2) (فان أحصرتم) الآية، وربما حكي عن تغلب أيضا، بل عن الفراء هذا كلام العرب وإن كان المحكي عن غيرهم من أهل اللغة خلاف ذلك كما تسمع، بل وكون المراد من الآية الأعم أيضا. وعلى كل حال فالمراد منهما هنا في النص والفتوى ذلك وإن كان الحصر لغة مطلق الضيق والحبس عن السفر وغيره، والصد المنع كما في القاموس والصحاح ومقتضاه الترادف، بل في المدارك هو قول أكثر الجمهور، بل فيها أيضا أنه نقل النيسابوري وغيره اتفاق المفسرين على نزول قوله تعالى (فان احصرتم) إلى آخره في حصر الحديبية ولذلك احتج بها الأصحاب على مسائل من أحكام الصد وفي المسالك عند العامة الحصر والصد واحد من جهة العدو، ونحوه عن المنتهى إلا أن ذلك كله كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرناه، بل في كشف اللثام (المصدود الممنوع بالعدو نصا واتفاقا، وكل من يمنع الناسك من إتمام


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) سورة البقرة الآية 192. الجواهر 14

[ 113 ]

نسكه فهو عدو له من هذه الجهة، وإن كان منعه لافراط في المحبة) وإن كان ما ذكره أخيرا لا يخلو من نظر، وستسمع إنشاء الله تمام الكلام في الاحصار. وكيف كان فالحصر والصد يشتركان في ثبوت أصل التحلل عند المنع من إكمال النسك في الجملة، ويفترقان في أمور تعرفهما في تضاعيف الباب إنشاء الله وإن قيل هنا إن جملتها ستة: عموم تحلل المصدود بمحلله لكل ما حرم عليه بالاحرام حتى النساء، بخلاف المحصر الذي يحل له ما عدا النساء المتوقف حلهن له على طوافهن، والاجماع على اشتراط الهدي في المحصور بخلاف المصدود، فان فيه خلافا، وتعين مكان ذبح هدي المحصور بمكة في إحرام العمرة وبمنى في إحرام الحج، بخلاف المصدود الذي يذبح حيث وجد المانع، وافتقار المحصور إلى الحلق أو التقصير مع الهدي بخلاف المصدود، فان فيه قولين، وتعين تحلل المصدود بمحلله في مكانه بخلاف المحصور الذي هو بالمواعدة التي قد تتخلف، وكون فائدة الشرط في عقد الاحرام للمحصور تعين تعجيل التحلل بخلاف المصدود الذي فيه ما تقدم من الخلاف في أنه هل يفيد سقوط الهدي أو كون التحلل عزيمة لا رخصة أو مجرد التعبد، لكن من المعلوم أن اختلاف هذه الأحكام مع وقوع كل واحد من السببين منفردا عن الآخر، أما إذا اجتمعا على المكلف بأن مرض وصده العدو ففي المسالك (في ترجيح أيهما أو التخيير بينهما فيأخذ حكم ما اختاره أو الأخذ بألأخف فالأخف من أحكامهما أوجه أجودها الأخير، لصدق اسم كل واحد عند الأخذ بحكمه، ولا فرق في ذلك بن عروضهما دفعة أو متعاقبين إذا كان قبل الشروع في حكم السابق، فلو عرض الصد بعد بعث المحصر أو الاحصار بعد ذبح المصدود ولما يقصر احتمل ترجيح السابق، وهو خيرة الدروس، وبقاء التخيير لصدق الاسم قبل التحلل) قلت: لا يخلو القول بترجيح السابق مطلقا أو على الوجه الذي

[ 114 ]

ذكره الشهيد من وجه، وفي الدروس (لو اجتمح الاحصار والصد فالأشبه تغليب الصد لزيادة التحلل به، ويمكن التخيير، وتظهر الفائدة في الخصوصيات والأشبه جواز الأخذ بالأخف من أحكامهما، ولا فرق بين عروضهما معا أو متعاقبين، نعم لو عرض الصد بعد بعث المحصر أو الاحصار بعد ذبح المصدود ولما يقصر فترجيح جانب السابق قوي) قلت هو كذلك. وكيف كان (فالمصدود إذا تلبس) باحرام حج أو عمرة وجب عليه الاكمال إجماعا بقسميه، مضافا إلى الكتاب والسنة، نعم هو كذلك مع الاختيار أما إذا تلبس باحرام الحج (ثم صد تحلل) بمحلله (من كل ما أحرم منه إذا لم يكن له طريق غير موضع الصد، أو كان له طريق وقصرت نفقته) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الأجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (1) السابق، وفى رواية أخرى (2) له أيضا (ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين صده المشركون يوم الحديبية نحر وأحل ورجع إلى المدينة) كرواية حمران (3) عن أبي جعفر عليه السلام (ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر ثم انصرف منها) وخبر زرارة (4) عنه عليه السلام أيضا (المصدود يذبح حيث شاء ويرجع صاحبه فيأتي النساء) ونحوها غايرها في الدلالة على ذلك، وما عن ظاهر الوسيلة وغيرها من اعتبار الاشتراط في التحلل معلوم الفساد نصا وفتوى، نعم لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (يستمر)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 5 وفيه (المصدود يذبح حيث صد... الخ)

[ 115 ]

على إحرامه (إذا كان له مسلك غيره ولو كان أطول مع تيسر النفقة) بل ليس هو من المصدود (و) من هنا (لو خشي الفوات) حينئذ (لم يتحلل وصبر حتى يتحقق) الفوات (ثم يتحلل بعمرة) نحو غيره ممن يفوته الحج بدون الصد، نعم لو قصرت نفقته بسلوكه جاز له التحلل لأنه مصدود، ولا طريق له سوى موضع المنع لعجزه عن غيره، فيتحلل ويرجع إلى بلده إن شاء، بخلاف من لم تقصر نفقته ولكن فاته الحج من جهة طول الطريق فانه من أفراد من فاته الحج فيتحلل بالعمرة، وبذلك ظهر لك أنه لا يجوز له التحلل بخوف الفوات ضرورة ظهور الأدلة في انحصاره بالصد وبالفوات فعلا، نعم في قواعد الفاضل الاشكال في التحلل بعلم الفوات، ولعله من الضرر بالاستمرار كما في الصد، وأنه أولى بالتسويغ منه، فانه يسوغ به وان احتمل الادراك كما ستعرف إنشاء الله بل قيل انه خيرة السيد والشيخ وابن إدريس، ومن الامر بالاتمام والأصل إلا فيما عرفت، مع أنه إذا فات الحج انقلب عمرة وأتمها فلا إحلال قبل إتمام النسك، ولا دليل هنا على الانقلاب ولا العدول، ولا ريب في أن الأخير أقوى لما عرفت، ولا ضرر في استمراره إلى تحقق الفوات، ولعل من العلم بالفوات نفاد النفقة، لكن عن الشهيد أنهم نصوا على التحلل عنده، ومع التسليم قيل يمكن الفرق بالضرر والخروج عن التكليف بالاتمام، ولكنه كما ترى. وكيف كان فيتحلل في الفرض بالعمرة عند الفوات (ثم يقضي) أي يأتي بالفعل (في القابل واجبا إن كان الحج واجبا) عليه وجوبا مستقرا أو كان مستطيعا في السنة القابلة (وإلا) أتى به (ندبا) وألحق في المسالك بالأول من قصر في السفر بحيث لولاه لما فاته الحج، كأن ترك السفر مع القافلة الأولى ولم تصد، وفي المدارك هو انما يتم إذا أوجبنا الخروج مع الأولى أما إذا جوزنا التأخير إلى سفر الثانية مطلقا أو على بعض الوجوه سقط وجوب

[ 116 ]

القضاء، لعدم ثبوت الاستقرار وانتفاء التقصير) قلت: قد عرفت التحقيق في المسألة في محلها، فلاحظ. (و) كيف كان ف‍ (لا يتحلل) المصدود (إلا بعد) ذبح (الهدي) أو نحره كما صرح به غير واحد، بل نسبه بعض إلى الأكثر، وآخر إلى المشهور، بل في المنتهى (قد أجمع عليه أكثر العلماء إلا مالكا) لاستصحاب حكم الأحرام إلى أن يعلم حصول التحلل، ولما سمعته من النصوص السابقة المعتضدة بالمرسل (1) عن الصادق عليه السلام (المحصور والمضطر يذبحان بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه) بل وبقوله تعالى (2) (فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) بناء على أن المراد من الاحصار فيها ما يشمل الصد، بل عن الشافعي لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، بل في المدارك عن النيشابوري وغيره اتفاق المفسرين على نزولها في حصر الحديبية، وقد سمعت أنه صلى الله عليه وآله نحر وأحل، والمناقشة بأعمية فعله صلى الله عليه وآله من الوجوب واضحة الضعف، خصوصا بعد ظهوره في امتثال ما نزل إليهم من الله تعالى، فما عن ابن إدريس وظاهر المحكي عن علي بن بابويه من سقوط الهدي وربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين للأصل الممنوع أو المقطوع بما عرفت، وما عساه يظهر من المحكي عن الفقه (3) المنسوب إلى الرضا عليه السلام الذي لم تثبت حجيته عندنا، قال: (وإن صد رجل عن الحج وقد أحرم فعليه الحج من قابل، ولا باس بمواقعة النساء، لأن هذا مصدود وليس كالمحصور) على أنه مطلق يقيد بما سمعت،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2. (2) سورة البقرة الآية 192. (3) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3.

[ 117 ]

ثم إن صريح بعض ما سمعته من النصوص والفتاوى وظاهر غيره ذبح المصدود أو نحره في محل صده وإن كان خارج الحرم، ولا يجب عليه البعث، خلافا للمحكي عن أبي الصلاح من إنفاذه كالمحصور، ويبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ويذبح يوم النحر، وعن الاسكافي من التفصيل في البدنة بين إمكان إرسالها فيجب، وعدمه فينحرها في مكانه، وفي كشف اللثام عن الأحمدي نحو ما عن أبي الصلاح فيمن ساق هديا وأمكنه البعث، ولم يعين يوم النحر، بل ما يقع فيه الوعد، ونحوه الغنية، لكن نص فيها على العموم للسائق وغيره، وللحاج والمعتمر، والجامع لكن نص فيه على العموم للحاج والمعتمر، ولم نجد لهم دليلا على ذلك، بل ظاهر ما سمعته من النصوص وصريح بعضها خلافه، نعم قد يستدل لبعضهم بعموم قوله تعالى (4) (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) وظهور اختصاصه بالمحصور الذي هو المريض كما مر ويأتي غير مناف بعدما عرفت من كون المراد به في خصوص الآية الأعم منه ومن المصدود، ويدفع بأن الآية وإن كانت ظاهرة في ذلك على التقدير المزبور ولكن النصوص (5) صرحت باختصاص الحكم المزبور فيها بالمحصور الذي هو المريض دون أصل الهدي الواجب عليهما، ولا بأس بذلك بعد أن كانوا عليهم السلام هم المرجع في المراد من القرآن، فالمتجه عدم الوجوب. نعم لا يبعد القول بالتخيير بين العبث والذبح عنده كما عن الخلاف والمنتهى والتحرير والتذكرة، بل في الأول أن البعث أفضل، وفي الثاني أولى، هذا، وفي كشف اللثام (لابد من الأستنابة فيما صد عنه من الطواف أو السعي أو كليهما إن أمكن لعموم ما دل عليهما مع التعذر، فإذا فعل النائب ذلك ذبح


(1) سورة البقرة الآية 192. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 - من ابواب الاحصار والصد.

[ 118 ]

الهدي) ولم يحضرني غيره ممن تعرض لذلك على الاطلاق، بل ظاهرهم خلافة فان كان إجماع عينه بالخصوص فذاك، وإلا فمقتضى إطلاق النص والفتوى في المصدود خلافه، وتسمع إنشاء الله تفصيل الحال في ذلك. وأما زمان النحر فمن حين الصد إلى ضيق الوقت عن الحج إن صد عنه ولا يجب عليه التأخير إلى الضيق وإن ظن انكشاف الصد قبله كما صرح به غير واحد، لأصالة عدم التوقيت، ولظهور النصوص أو صراحتها في عدمه، ولذا قال الشهيد: ويجوز التحلل في الحل والحرم بل في بلده، إذا لا زمان ولا مكان مخصوصين فيه، خلافا للمحكي عن الخلاف والمبسوط والكافي والغنية فوقتوه بيوم النحر، بل عن الشيخ وابن زهرة تفسير الآية به، وبه مضمر سماعة (1) ولا ريب في أنه أحوط، ولكن الأصح عدمه. (و) كيف كان فيجب (نية التحلل) عند ذبح الهدي كما صرح به الشيخ وابن حمزة والحلي ويحيى بن سعيد والفاضل وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، قيل لأن الأعمال بالنيات، ولأنه عن إحرام فيفتقر إلى نية كمن يدخل فيه، ولأن الذبح يقع على وجوه، فلا يتخصص إلا بالنية، واعتبارها فيه دون غيره ممن يتحلل باتمام الرمي من دون نية باعتبار تمحض الرمي للنسك الذي يحل من عليه باكماله من غير احتياج إلى نية، بخلاف الذبح الذي يقع على وجوه، وإن كان قد يناقش بأن الأول لا يدل على اعتبار نية التحلل، وإلا لاقتضى في غيره، والثاني مجرد مصادرة، مع وضوح


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2 وهو مضمر زرعة على ما رواه عن التهذيب ج 5 ص 423 الرقم 1470 ومضمر سماعة على ما رواه عن مقنع الصدوق قدس سره إلا ان الموجود فيه سأل سماعة أبا عبد الله عليه السلام وليس بمضمر.

[ 119 ]

الفرق بين الابتداء والانتهاء، وبأنه كما يتحلل غير المصدود باتمام المناسك فكذا المصدود باتمام ما عليه، وكما أن الذبح يقع لغوا لا يفيد تحللا ويقع نسكا فكذا الرمي، ودعوى الاكتفاء بنية ما عليه من الرمي في الحج كسائر المناسك بخلاف هدي التحلل الذي لا يتعين إلا بنية التحلل، وإن لم ينوه كان كاللغو من الرمي والذبح لا شاهد لها، بل هي عند التأمل مصادرة محضة، ضرورة الاكتفاء بقصد القربة بعد أن لم يكن الأمر مشتركا بينه وبين غيره بذبح الهدي في الفرض، بل الأمر به انما هو للتحلل خاصة، ونية التعيين انما يحتاج إليها مع التعدد كما عرفته غير مرة، وكون الأصل الذبح بمكة أو منى لا يقتضي الاحتياج إلى نية التعيين كما هو واضح، لكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط في مراعاتها، سيما بعد تغير حكم المصدود ولم يبق على نسكه الذي يحل بمجرد إكماله، مضافا إلى استصحاب بقائه على الاحرام، وإن كان يكفي في قطعه إطلاق الدليل. ثم إن ظاهر المتن وغيره بل قيل الأكثر عدم اعتبار غير الذبح أو النحر على الوجه المزبور للأصل وإطلاق الأدلة السابقة الظاهرة في حصول التحلل بذلك من دون توقف على شئ آخر، خلافا للفاضل في القواعد، فاعتبر مع ذلك التقصير، وللمراسم والكافي والغنية فخيروا بينه وبين الحلق في أحد النقلين عن الأخيرين، وفي آخر تعين الحلق واختار الشهيدان التخيير بينهما، ولكن لا دليل معتبر على التعيين لأحدهما ولا على التخيير عدا رواية عامية (1) بحلقه صلى الله عليه وآله يوم الحديبية، مع أن ما سمعته سابقا من الرواية (2) بتقصيره صلى الله عليه وسلم ترده، ولكن في سندها كالمرسلة ضعف، ولا دليل على تعين التقصير غيرها


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 214. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1.

[ 120 ]

بل ربما كان في خبر الفضل بن يونس (1) سأل أبا الحسن عليه السلام (عن رجل حبسه سلطان يوم عرفة بمكة فلما كان يوم النحر خلى سبيله قال: يلحق بجمع ثم ينصرف إلى منى ويرمي ويذبح ولا شئ عليه، قال: فان خلى عنه يوم الثاني قال: هذا مصدود عن الحج إن كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت أسبوعا وليسع أسبوعا ويحلق رأسه ويذبح شاة، وإن كان دخل مكة مفردا للحج فليس عليه ذبح ولا حلق) فانه لا محالة يعدل إلى العمرة المفردة، ولا شبهة أن عليه التقصير أو الحلق دلالة على عدمه وإن كان الخبر المزبور كما ترى، نعم ربما استدل عليه بثبوته أصالة، ولم يظهر أن الصد أسقطه، فالاحرام مستصحب إليه، وفيه بعد تسليم بقاء وجوبه مع تغير الحال الأول أنه يكفي إطلاق الأدلة كتابا وسنة في قطع الاستصحاب المزبور، إلا أن الاحتياط مع ذلك لا ينبغي تركه والله العالم. (وكذا البحث في المعتمر إذا منع عن الوصول إلى مكة) على معنى أن ما سبق في حكم المصدود من إكمال الحج على الوجه الآتي يأتي مثله في المعتمر عمرة مفردة أو غيرها إذا منع من الوصول إليها، بل الظاهر أنه بحكم ذلك أيضا من وصل ومنع من فعل الطواف والسعي والله العالم. (ولو كان ساق) هديا ثم صد أو أحصر (قيل) والقائل الصدوقان (يفتقر إلى هدي التحلل) مع ذلك، لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب، وللمحكي من فقه (2) الرضا عليه السلام (فإذا قرن الرجل الحج والعمرة فأحصر


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2. (2) ذكر ذيله في المستدرك في الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 وتمامه في فقه الرضا عليه السلام ص 29. الجواهر 20

[ 121 ]

بعث هديا مع هديه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ محله أحل وانصرف إلى منزله، وعليه الحج من قابل، ولا يقرب النساء حتى يحج من قابل وإن صد رجل عن الحج وقد أحرم فعليه الحج من قابل، ولا بأس بمواقعة النساء، لان هذا مصدود وليس كالمحصور) ولعله إليه يرجع ما عن ابن الجنيد من أنه إن أحصر ومعه هدي قد أوجبه الله تعالى بعث بهدي آخر عن إحصاره، فان لم يكن أوجبه بحال من إشعار ولا غيره أجزأه عن إحصاره، ضرورة عدم صدق الهدي المسوق قبل الاشعار مثلا، ومن هنا استحسنه في المختلف واختاره المصنف في النافع والفاضل في القواعد وثاني الشهيدين وغيرهم لقاعدة عدم التداخل في غيره، وعدم صدق الهدي عليه في التحلل، والعزم على سوقه لا يجعله هديا فعلا قبل الاشعار وقبل النذر له بعينه أو كلي وقد عينه به بناء على تعينه بمثل ذلك. (وقيل) والقائل المشهور (يكفيه ما ساقه) مطلقا وإن وجب باشعار أو غيره، بل في السرائر نسبته إلى ما عدا الصدوق من أصحابنا، بل عن الغنية الاجماع عليه (وهو الأشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها أصل البراءة بعد صدق قوله تعالى (فما استيسر من الهدي) عليه، وبعدما قيل من أنه لم نقف على دليل يدل على إيجاب الحصر والصد هديا مستقلا، وانما المستفاد من الأدلة كتابا وسنة انما هو ما استيسر من الهدي كما في الأول أو هديه كما في الثاني ولا ريب في صدقهما على المسوق مطلقا في محل البحث، وإن كان لا يخلو ما ذكره أولا من نظر أو منع، وخبر رفاعة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث (قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر قال: يبعث بهديه، قلت يتمتع من قابل قال: لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) وصحيحه (2) عنه عليه السلام ايضا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 - 2.

[ 122 ]

وصحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني قال ايبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل ؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) وصحيح رفاعة (2) عن الصادق عليه السلام (خرج الحسين عليه السلام معتمرا وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها ثم أقبل حتى جاء فضرب الباب) الخبر، وفي آخر (3) (انه جاء إليه أمير المؤمنين عليه السلام وفعل ذلك به) والمناقشة في الأخير باحتمال عدم إحرامه عليه السلام واضحة الضعف كالمناقشة في الجميع بأنها في المحصور دون المصدود بعد الاتفاق ظاهرا على عدم الفرق بينهما في هذا الحكم، وكذا المناقشة في الأولين باحتمال كون الاكتفاء لما فيها من الاشتراط أي قوله (فحلني) إلى آخره بناء على أن فائدته ذلك، ضرورة عدم مدخلية تلك المسألة فيما نحن فيه، ولذا لم يحك عن أحد التفصيل فيها بذلك. نعم في الدروس قول بعدم التداخل إن وجب بنذر أو كفارة أو شبههما يعني دون ما وجب بالاشعار أو التقليد، ولعل الفرق أنه واجب بالاحرام فاتحد السبب، مضافا إلى ظهور فتاوى الأصحاب ببعث هديه أو ذبحه فيه وفيما يجب للصد أو الحصر لا الواجب بكفارة ونحوها، وإن كان فيه أيضا أنه لا مدخلية للنذر ونحوه بعد صدق اسم الهدي عليه الذي به يندرج فيما سمعته من الأدلة، وأما ما عن الفاضل من احتمال أن يكون المراد أن هدي السياق كاف لكن يستحب هدي آخر للتحلل ففيه ما لا يخفى من أنه لا دليل له، مع أنه لا يخلو إما أن يحل بما ساقه، فلا معنى لذبح هدي آخر للتحليل، أو لا فيجب الآخر، وإن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1.

[ 123 ]

قدمه على ما ساقه أشكل نية الاحلال به، ويشكل تقديم ما ساقه بلا نية إحلال بناء على وجوبها، اللهم إلا أن يريد الاحتياط من الاستحباب، فينوي بهما التحلل للاحتياط، وعلى كل حال فقد ظهر أن الأقوى ما عليه المشهور لما عرفت، وبه ينقطع استصحاب البقاء على الاحرام، كما أنه بالتأمل فيما ذكرنا تندفع كثير من المناقشات. هذا كله فيمن ساق هديا، أما من لم يسق هديا فلا ريب في وجوب هدي التحلل عليه على معنى إن أراده فلا يحل بدونه حينئذ اتفاقا (ولا بدل لهدي التحلل) لا اختيارا ولا اضطرارا، بخلاف هدي التمتع ونحوه الذي قد عرفت الكلام فيه سابقا بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاستصحاب والاحتياط وظاهر الآية وأصالة عدم بدل له بعد عدم الدليل، لكن عن الاسكافي انه يتحلل حينئذ بدون دم، لقوله تعالى (فما استيسر)، ولم يستيسر ولم أجد من وافقه عليه، نعم في القواعد الاشكال في ذلك، ولعله مما عرفت ومن العسر والحرج وقول الصادق عليه السلام في خبر زرارة (1): (إذا أحصر الرجل فبعث بهديه فأذاه راسه قبل أن يذبح هديه فانه يذبح في المكان الذي أحصر فيه أو يصوم أو يتصدق، والصوم ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين نصف صاع لكل مسكين) وقوله عليه السلام أيضا في حسن ابن عمار (2) في المحصور ولم يسق الهدي: (ينسك ويرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام) وكذا في صحيحه (3) إلا أن فيه قيل له: (فان لم يجد هديا


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2 مع الاختلاف. (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2 - 1.

[ 124 ]

قال: يصوم) وقول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (1) (إذا أحصر الرجل فبعث بهديه ثم أذاه رأسه قبل ان ينحر فحلق رأسه فانه يذبح في المكان الذي أحصر فيه أو يصوم أو يطعم ستة مساكين) وما عن الجامع عن كتاب المشيخة لابن محبوب أنه روى صالح عن عامر بن عبد الله بن جذاعة عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل خرج معتمرا فاعتل في بعض الطريق وهو محرم قال: فقال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، فإذا برئ من وجعه اعتمر إن كان لم يشترط على ربه في إحرامه، وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلا أن يشاء فيعتمر) وإذا ثبت البدل للمحصور فالمصدود أولى لأن الحرج فيه أشد غالبا، لكن لا يخفى عليك منع الأولوية المزبورة، كما لا يخفى عليك إعراض الأصحاب عنها، مضافا إلى اختلافها، وإلى عدم اجتماع شرائط الحجية في أكثرها، بل في المدارك دعوى إجمال متن حسن معاوية، قال ولا يبعد حمل الصوم الواقع فيه على الواجب في بدل الهدي، ولذا قال في المسالك وروي أن له بدلا وهو صوم ثمانية عشر يوما، لكن لم نعلمه على وجه يسوغ العمل به، وربما قيل بأنه عشرة كهدي التمتع، لكن لا يجب فيها المتابعة وكونها في أيام الحج وغيرها لانتفاء المقتضي، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، خصوصا في المحصور، وسيما مع احتمال عدم عثور الأصحاب على مجموع هذه الروايات كما يظهر من بعضهم، فلم يتحقق إعراض عنها حينئذ، وإن كان الأصح ما عرفت. وحينئذ (فلو عجز عنه وعن ثمنه بقي على احرامه) إلى أن يقدر عليه أو على إتمام النسك ولو عمرة، بل لا مدخل هنا للعجز عن ثمنه وإن وقع في المتن والقواعد إلا على القول ببعثه حتى في المصدود عينا أو تخييرا، أللهم إلا أن يريدا بذلك بيان وجوب الشراء مع التمكن من الثمن وإرادة الاحلال.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1.

[ 125 ]

(و) على كل حال ف‍ (لو تحلل) حينئذ بغير ما ذكرنا (لم يحل) إلا مع الاشتراط بناء عليه، والله العالم. (و) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يتحقق الصد) عن الحج (بالمنع عن الموقفين) بل يتحقق أيضا بالمنع عما يفوت الحج بفواته منهما كما عرفت الحكم فيه في الأقسام الثمانية، ولا يجب عليه الصبر حتى يفوته الحج للأصل وإطلاق النصوص، ولأنه لا فوات حقيقة إلا بالموت وخصوصا العمرة المفردة، مع أنه صلى الله عليه وآله تحلل بالحديبية، والفرق بين عام وعام ترجيح بلا مرجح، وربما نوقش بالمنع من إطلاق النصوص، فان الصد عن الوقوف انما يتحقق بالصد عنه إلى فوات وقته، إذ لا صد عن الشئ قبل وقته، ولا عن الكل بالصد عن بعضه، والأصل معارض بالاستصحاب والاحتياط، والفارق بين عام وعام مع لزوم الحرج فعله صلى الله عليه وآله، أو يفرق بين العمرة والحج، لا فتراقهما بالفوات وعدمه، ولا حرج ولا عسر بالبقاء على الاحرام مدة لو لم يصد بقي عليه، ولكن لا يخفى عليك اندفاعها، بل لا تستأهل أن تسطر، ضرورة كونها كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى، فالحكم حينئذ لا إشكال فيه. بل في المسالك ومن هذا الباب ما لو وقف العامة بالموقفين قبل وقته لثبوت الهلال عندهم لا عندنا، ولم يمكن التأخير عنهم لخوف العدو منهم أو من غيرهم، فان التقية هنا لم تثبت، ولعله لأنها في موضوع، وربما يؤيده ما ورد (1) من الأمر بقضاء يوم العيد الذي ثبت عندهم وأفطر فيه تقية، اللهم إلا أن يفرق بينهما بشدة المشقة في الحج دون صوم اليوم، فيلحق الموضوع حينئذ فيه بحكم التقية، ويجزيه الوقوف معهم بخلاف الصوم، ولكن هو في غاية الاشكال، وقد


(1) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك.

[ 126 ]

تقدم منا سابقا بعض الكلام في ذلك وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد وضوح منع تحقق الصد في ذلك سيما في بعض الأفراد، وحينئذ يتجه إدراجه في حكم من فاته الحج لا في حكم المصدود. ولو صد بعد إدراك الموقفين عن نزول منى خاصة استناب في الرمي والذبح كما في المريض، ثم حلق وتحلل وأتم باقي الأفعال، فان لم يمكنه الاستنابة فالأقوى جواز التحلل بالهدي في مكانه، لصدق الصد، وفي المسالك والمدارك وغيرهما احتمال البقاء على إحرامه، بل حكي عن بعض للأصل المقطوع باطلاق الأدلة المعتضد بقاعدة نفي الحرج، وبأولوية البعض بالاحلال من الكل، ودعوى ظهور أدلة الصد فيما يفوت به الحج أو العمرة بالكلية لا بعض أفعالهما المتأخرة يدفعها ظهورها ولو من الفحوى في الأعم من ذلك، حتى ما يمكن فيه الاستنابة، لكن خرج بالنص والاجماع، وليس من لوازم المصدود قضاء الحج وجوبا أو ندبا من قابل، وانما ثمرته اللازمة له جواز الاحلال من الاحرام ووجوب الهدي، ونحن نقول بهما هنا، وإن توقف في الأخير منهما بعض، قال: (لفقد العموم فيه، وعدم مساعدة الفحوى لايجابه بعد فرض اختصاصه بصورة الصد عن الحج أو العمرة من أصله، فان غاية الأولوية إفادة جواز الاحلال لا وجوبه، لاحتمال خصوصية في الصد عن كل الحج في إيجابه، ولا يوجد في الصد عن أبعاضه) وفيه أن ظاهر الأدلة كتابا وسنة وفتوى ثبوت الهدي بتحقق موضوع الصد، لا أقل من الشك، والأصل البقاء على الاحرام، فايجابه الشرطي حينئذ للاصل لا للفحوى، وهو كاف في ذلك، وحينئذ يكون الحاصل تحقق الصد الموجب للتحلل والهدي بالمنع عن الحج والعمرة ولو أبعاضهما، وسقوط ما صد عنه بعد التحلل في عامه إلا ما يقبل النيابة فيجب، ولا ثمرة للصد فيه إلا إفادة جواز التحلل فيما

[ 127 ]

لا تحلل فيه إلا بفعله أو بالصد، فلا إشكال في تحقق الصد حينئذ في الفرض. وأولى من ذلك لو كان الصد عن منى ومكة، ولذا جزم به الفاضل في محكي التذكرة والمنتهى نظرا إلى أن الصد يفيد التحلل من الجميع، فمن بعضه أولى واستحسنه في المدارك، وجعله في المسالك أجود الوجهين، لعموم الآية والأخبار، قال: (ويحتمل أن يحلق ويستنيب في الرمي والذبح إن أمكن، ويتحلل بما عدا الطيب والنساء والصيد حتى يأتي بالمناسك) ولا يخفى عليك ما في الاحتمال المزبور مع عدم إمكان الأستنابة بعد عدم الدليل، بل ظاهر الأدلة خلافه، كما أنه لا يخفى عليك ما في إشكال الفاضل في القواعد في ذلك قال: ولو لم يدرك سوى الموقفين فاشكال أي في تحقق الصد وأحكامه وإن قال في كشف اللثام: من الاشكال في أنه إن أحل حينئذ بنيته مع الهدي فهل سبب الاحلال ذلك وحده أو مع الوقوفين، للشك في أن المحلل أهي مناسك منى وحدها أو مع الوقوفين ؟ ولا تصغ إلى ما في الشرحين فلا ارتباط له بالمقام، لكنه كما ترى لا حاصل معتد به له، ولذا قال بعد ذلك والمتجه التحقق لما عرفت اي من الاطلاق وغيره. ولو صد عن الذبح خاصة قيل فهو ممن لا يستطيع الهدي، فعليه الصيام بدله إن لم يمكنه إيداع الثمن ممن يذبحه بقية ذي الحجة، ولكنه لا يخلو من نظر بعد الاحاطة بما ذكرناه. ولو صد عن مكة خاصة بعد الاتيان بأفعال منى فان أتى بالطواف والسعي في تمام ذي الحجة ولو بالاستنابة كما صرح به في الروضة صح حجه، وإلا ففي المبسوط والسرائر والقواعد والتذكرة والتحرير والمنتهى والدروس وحواشي الكركي وظاهر التبصرة والتلخيص على ما حكي عن بعضها بقي على إحرامه بالنسبة للنساء والطيب والصيد، لأن المحلل للاحرام إما الهدي للمصدود

[ 128 ]

والمحصور أو الاتيان بأفعال يوم النحر والطوافين والسعي، فإذا شرع في الثاني وأتى بمناسك منى يوم النحر تعين عليه الاكمال، لعدم الدليل على جواز التحلل بالهدي حينئذ، فيبقى على إحرامه إلى أن يأتي بباقي المناسك، وبالجملة التحلل من الجميع إما بأداء المناسك أو بنيته للصد مع الهدي، ولا دليل على التبعيض مع الأصل والاحتياط، ولكن قد يدفع ذلك كله إطلاق النص المؤيد بالحرج والأولوية، فيتحلل بهدي حينئذ كما في كشف اللثام، وخصوصا بعد مضي ذي الحجة كما جزم به في المدارك، بل الظاهر تحقق الصد بالمنع عن أحدهما أيضا، ومن هنا قال المصنف: (وكذا) اي يتحقق الصد (بالمنع من الوصول إلى مكة) مطلقا ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لا يتحقق) الصد (بالمنع من العود إلى منى لرمي الجمار الثلاث والمبيت بها) بلا خلاف أجده فيه (بل) الاجماع بقسميه عليه وحيئنذ ف‍ (يحكم بصحة الحج ويستنيب في الرمي) في تلك السنة مع الامكان وإلا ففي القابل، وإن كان المصدود معتمرا بعمرة التمتع تحقق صده بمنعه من دخول مكة، وبمنعه بعد الدخول من الاتيان بالأفعال، وفي المسالك (في تحققه بالمنع من السعي خاصة بعد الطواف وجهان من إطلاق النص، وعدم مدخلية الطواف في التحلل وعدم التصريح بذلك في النص والفتوى) وفيه مالا يخفى بعد وضوح صدق اسم الصد عليه. ثم قال: (الوجهان آتيان في العمرة المفردة مع زيادة إشكال فيما لو منعه بعد التقصير عن طواف النساء، فيمكن أن لا يتحقق حينئذ الصد بل يبقى على إحرامه بالنسبة اليهن) وفيه منع واضح أيضا بعد عدم توقف تحقق الصد على عدم إمكان الاتيان بالنسك، بل ظاهر النص والفتوى تحققه وإن كان يمكن فيما بعد ذلك الاتيان بالمصدود عنه مع البقاء على الجواهر 16

[ 129 ]

إحرامه، ومن ذلك يظهر لك النظر فيما في حاشية الكتاب للكركي من دعوى عدم صدق الصد على المعتمر عمرة إفراد بالشروع في بعض أفعالها، فيبقى على إحرامه إلى أن يأتي بالباقي، نعم لو منع من دخول مكة أو المسجد تحقق الصد، وفيه منع واضح بعد الأحاطة بما ذكرنا. ثم إن الأمر بالاحلال في النص والفتوى وإن أفاد الوجوب إلا أن الظاهر إرادة الاباحة منه لأنه في مقام توهم الحظر كما صرح به غير واحد، بل ظاهرهم الاتفاق عليه كما عن بعض الاعتراف به، فإذا بقي على إحرامه حينئذ للحج حتى فات الحج كان عليه التحلل بعمرة إن تمكن منها كما هو شأن من يفوته الحج، ولا دم عليه لفوات الحج كما صرح به المصنف في الفرع الثاني والفاضل وغيرهما، بل في كشف اللثام أنه المشهور للأصل وغيره، لكن في محكي الخلاف عن بعض الأصحاب أن عليه دما لخبر داود الرقي (1) قال: (كنت مع أبي عبد الله عليه السلام بمنى إذ دخل عليه رجل فقال: قدم اليوم قوم قد فاتهم الحج فقال: نسأل الله العافية، ثم قال: أري عليهم أن يهريق كل واحد منهم دم شاة ويحلق وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا إلى بلادهم، وإن أقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا إلى بعض مواقيت أهل مكة فأحرموا منه واعتمروا فليس عليهم الحج من قابل) بدعوى أن الظاهر كون الدم للتحلل، لعدم تمكنهم من العمرة، ولكنه كما ترى لا دلالة فيه على أنه للفوات من حيث كونه كذلك، وعلى كل حال فهل يجوز له التحلل بعمرة قبل الفوات ؟ عن المنتهى والتذكرة إشكال، وبه قال بعض الجمهور، لجواز العدول بدون الصد، فمعه أولى، وهو متجه حيث يجوز له العدول، لاطلاق دليله الشامل لحال الصد، لكن عن الشهيد القطع بعدم جواز التحلل له بعمرة إلا أن


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5.

[ 130 ]

يكون إفرادا ندبا، لجواز التحلل بلا بدل، فبه أولى، وفيه أن غيره مثله وان وجب، بناء على جواز التحلل منه بلا بدل في عامه، وكيف كان فالوجه جواز التحلل له بالعمرة في كل مقام يجوز له ذلك بدون صد، والله العالم. (فروع: الأول إذا حبس بدين فان كان قادرا عليه) ولم يدفعه (لم يتحلل) بالهدي بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة عدم كونه من المصدود الذي شرع فيه ذلك (و) حينئذ فاستصحاب بقاء الاحرام بحاله حتى يأتي بالمحلل لمثله، نعم (إن عجز) عن أدائه (تحلل) بالهدي لكونه مصدودا عن الحج حينئذ، لأن الصد هو المنع الصادق على مثله، ودعوى إرادة خصوص المنع للعداوة منه التي لم تتحقق في الفرض وإن كان ظالما له يدفعها منع كون المراد منه ذلك، بل هو مطلق المنع كما عساه يشهد له ما سمعته في خبر الفضل بن يونس (1) عن أبي الحسن عليه السلام الذي حكم فيه بالصد بمطلق حبس السلطان له، بل وما تقدم أيضا من تحقق الصد بالمنع عن طريق مخصوص ولم تكن عنده نفقة لغيره، أو كان الوقت ضيقا، بل في المسالك (أن حصر الصد فيما ذكروه في موضع النظر، فقد عد من الأسباب فناء النفقة وفوات الوقت وضيقه والضلال عن الطريق مع الشرط قطعا ولا معه في وجه، لرواية حمران (2) عن الصادق عليه السلام حين سأله (عن الذي يقول حلني حيث حبستني فقال: هو حل حيث حبسه الله تعالى قال أو لم يقل) وفي إلحاق أحكام هؤلاء بالمصدود أو بالمحصر أو استقلالهم نظر، من مشابهة كل منهما، والشك في حصر السبب فيهما، وعدم التعرض لحكم غيرهما، ويمكن ترجيح جانب الحصر، لأنه أشق وبه يتيقن البراءة) وإن كان لا يخفى عليك ما فيه، بل هو من غرائب الكلام


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الاحرام الحديث 4.

[ 131 ]

ضرورة عدم صدق كل منهما على أمثال هؤلاء، كضرورة عدم لحوق حكم كل منهما لشئ منهم بعد عدم اندارجهم، بل يبقون على الاحرام أو إلى الاتيان بالنسك ولو العمرة المفردة، وقد ذكر الأصحاب حكم من فاته الحج غيرهما مكررا، وأغرب شئ احتماله أخيرا ترجيح جانب الحصر باعتبار كونه أشق وأن به يتيقن البراءة، فانه واضح المنع، فالتحقيق ما ذكرناه، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بمراعاة محلل غير المصدود أيضا. ثم إن الظاهر تحقق الصد بالحبس ظلما على مال وإن قدر على دفعه للاطلاق والحكم على المحبوس عند السلطان بأنه مصدود فيما سمعته من خبر الفضل (1) ولانه لا يجب عليه بذله وإن كان غير مجحف للأصل وغيره، والأمر بالاتمام بعد تحقق اسم الصد لا يقتضي البذل مقدمة، ولذا جزم به الفاضل في القواعد من غير إشارة إلى خلاف، بل حكاه في المسالك أيضا عن ظاهر جماعة أيضا. بل لعله مراد المصنف بقوله: (وكذا لو حبس ظلما) بناء على أن المراد التشبيه بالجزء الأخير من حكم المديون وهو قوله (تحلل) فيكون الحاصل حينئذ أن المحبوس ظلما يتحلل مطلقا، لأنه مصدود سواء قدر على دفع المطلوب منه أم لا، وسواء كان مجحفا أم لا، وربما احتمل في عبارة المتن كون المشبه به المشار إليه بذا مجموع حكم المحبوس بدين بتفصيله، فيكون الحاصل حينئذ أن المحبوس ظلما إن قدر على دفع ما يراد منه لم يتحلل، وإن عجز تحلل نحو ما سمعته في المديون، واختاره في المسالك، وربما يشهد له ما تقدم له في الشرائط فيما لو كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بمال، حيث قال: ولو قيل يجب التحمل مع المكنة كان حسنا، بل وما تسمعه منه في الفرع الخامس من أنه لو طلب أي العدو مالا لم يجب بذله، ولو قيل بوجوبه إذا كان غير


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2.

[ 132 ]

مجحف كان حسنا. لكن لا يخفى عليك ما في اختلاف عبارة المصنف في المواضع الثلاثة، مع أنها متقاربة الموضوع، وبينها اختلاف يسير، إذ الأول منها فيما لو طلب منه المال في الطريق قبل الشروع في الحج، والأخريان بعده، إلا أن هذه مفروضة في كونه قد حبس بالفعل، والثانية في كونه ممنوعا من المسير إلى أن يؤدي لهم مالا، فعلى الاحتمال الأخير في عبارة المتن هنا لا اختلاف في الحكم ضرورة اشتراك الثلاثة في وجوب الدفع مع الامكان إلا أن في الأخيرة التقييد بعدم الاجحاف فيحتاج حينئذ إلى توجيه الفرق بين ذكر القيد وعدمه إن كان أو دعوي تغير الحكم، وأما على الاحتمال الأول في العبارة المقتضي لعدم وجوب دفع المال للظالم مطلقا، فلا ريب في اختلاف الحكم حينئذ، ومن هنا تكلف للفرق بين هاتين العبارتين هنا بأن الأولى مفروضة في كونه محبوسا على مال ظلما، لا لخصوص المنع من الحج بل بسبب المال خاصة، حتى أنه لو أعرض عن الحج رأسا لم يندفع عنه المال، بخلاف منع العدو في الثانية، فانه لخصوصية الحج حتى لو أعرض عن الحج خلى سبيله، وحينئذ فيجب بذل المال في الثانية لأنه بسبب الحج دون الأولى، ولكن في اختلاف الأحكام بسبب هذا الفرق منع واضح، خصوصا بعد عدم ظهوره من الكلام بل والمقام، هذا. وربما قيل إنه كان الأولى للمصنف العكس، فيجب بذل جميع ما يتمكن ويقدر مع التلبس بالاحرام لوجوب الاتمام عليه وجوبا مطلقا، فيقتضي وجوب مقدمته، بخلاف ما إذا لم يتلبس بالحج فان الوجوب فيه مشروط بتخلية السرب، وهو منتف، وشرط الواجب لا يجب تحصيله، ولكن فيه مالا يخفى أيضا، فان مقتضاه عدم الوجوب وإن كان غير مجحف، على أنه قد تقدم سابقا أن الوجوب للمقدمة قد يعارضه قاعدة نفي الحرج ونفي الضرر وغيرهما، ولذا

[ 133 ]

قيد بعضهم وجوبها بما إذا لم يستلزم ضررا، وكيف كان فذلك كله خارج عن المقصود الذي هو تحقق الصد بالحبس ظلما من غير فرق بين كونه على الحج أو على المال، والله العالم. الفرع (الثاني إذا صابر) المصدود لما عرفته من كون الأمر بالتحلل له للاباحة (ففات الحج لم يجز له التحلل بالهدي) لعدم صدق اسم المصدود حينئذ عليه من غير فرق بين كون ذلك منه رجاء لزوال العذر قبل خروج الوقت أم لا (و) حينئذ (تحلل بعمرة) مفردة كغيره ممن يفوته الحج (ولا دم) عليه للفوات، خلافا لما سمعته من المحكي مرسلا عن خلاف الشيخ، لخبر داود الرقي (1) الذي لا دلالة فيه على ذلك (وعليه القضاء) أي تدارك الحج (إن كان واجبا) عليه مستقرا ولو للتفريط في عدم المبادرة بناء عليه أو مستمرا على الاستطاعة، وإلا فان كان ندبا بالأصل فلا وإن كان قد وجب بالشروع، وكذا ما وجب عليه في عامه ولم يتحقق التقصير وذهبت استطاعته كما تقدم الكلام في ذلك كله آنفا، ولو استمر المنع عن مكة بعد الفوات تحلل من العمرة بالهدي كالأول كما في المسالك والمدارك بل في الدروس وعلى هذا لو صار إلى بلده ولم يتحلل وتعذر العود في عامه لخوف الطريق فهو مصدود، فله التحلل بالذبح في بلده والتقصير وتبعه عليه في المدارك، ولكنه لا يخلو من نظر، ضرورة عدم صدق اسم الصد على مثله عرفا، والله العالم. الفرع (الثالث إذا غلب على ظنه انكشاف العدو قبل الفوات جاز له التحلل) كما في القواعد وغيرها، بل لا أجد فيه خلافا معتدا به فضلا عمن كان يرجوه، لصدق اسم المصدود، بل عن بعض ولو علم ذلك، ولم يستبعده الأصبهاني لو تم الدليل على الظن، وكأنه أشار بذلك إلى ما سلف منه من


(1) الوسائل - 27 - من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5.

[ 134 ]

المناقشة في تحقق الصد قبل فوات الوقت، وإلى ما في المدارك من المناقشة بأن ما وصل الينا من الروايات لا عموم فيه بحيث يتناول هذه الصورة أي صورة غلبة الظن، ومع انتفاء العموم يشكل الحكم بالجواز، أو يلوح من كلام الشهيد في الروضة وموضع من الشرح أن التحلل انما يسوغ إذا لم برج المصدود زوال العذر قبل خروج الوقت، ولا ريب في أنه أولى، وفيه ما لا يخفي عليك من كونه كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى، ويكفي في العموم ما سمعته من النصوص السابقة، بل والآية بناء على إرادة الأعم من الحصر فيها كما سمعته سابقا، نعم قد يشك في صورة العلم التي يمكن دعوى ظهور كلمات الأصحاب في خلافها ولولا ذلك لكان إلحاقها متجها أيضا. و (لكن) مع ذلك فلا ريب في أن (الأفضل) والأولى بل والأحوط (البقاء على إحرامه) كما في غير المقام من ذوي الأعذار، أو تخلصا من احتمال توقف تحقق اسم الصد على الفوات في جميع الوقت كما سمعته من بعض الأفاضل وغير ذلك مما يكفي في إثبات مثله، وحينئذ (فإذا) لم يتحلل و (انكشف) العدو ولم يفت الوقت (أتم) نسكه المأمور باتمامه (ولو اتفق الفوات تحلل بعمرة) كما هو حكم من يفوته الحج وسمعته مكررا، ولو تحلل فانكشف العدو والوقت متسع للاتيان به وجب الاتيان بحج الاسلام مع بقاء الشرائط بناء على ما سمعته سابقا من وجوب المبادرة على من جمع الشرائط، ولا يشترط في بقاء وجوبه الاستطاعة من بلده حينئذ وإن كان في حج الاسلام، لعموم النصوص، لصدق الاستطاعة، والله العالم. الفرع (الرابع لو أفسد حجه فصد) فتحلل جاز، لعموم الأدلة أو إطلاقها الرافع لاحتمال اختصاص الصد بالحج الصحيح، وحينئذ (كان عليه بدنة) الافساد (ودم التحلل) للصد (والحج من قابل) للافساد وإن كان

[ 135 ]

الحج مندوبا وسقط عنه وجوب الاتمام بالصد بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، لعموم الأدلة، فان كانت الحجة حجة الاسلام وكان استقر وجوبها أو استمر إلى قابل وقلنا فيما على المفسد من الحجتين التي أفسدها وما يفعله في قابل إن الأولى حجة الاسلام والثانية عقوبة لم يكف الحج الواحد، إذ لم يأت بشئ مما عليه من العقوبة وحجة الاسلام وقد وجبا عليه، لأن المفروض تحلله بالصد، وما عن الأردبيلي من الشك في شمول دليل القضاء لمثل هذا الفاسد في غير محله بعد إطلاقه أو عمومه كما تعرفه إنشاء الله فيما يأتي، نعم إن قلنا إن الأولى عقوبة كان المتجه وجوب حجة واحدة كما عن المبسوط والايضاح وغيرهما، للأصل بعد كون المعلوم وجوبه عليه عقوبة إتمام ما أفسده والفرض سقوطه عنه بالصد فليس عليه إلا حجة الاسلام بعد أن لم يكن دليل على قضاء حجة العقوبة، إلا أن ظاهر المصنف كون الأولى حجة الاسلام والثانية عقوبة، ولذا أطلق وجوبها عليه، ولعله لأنه حج واجب قد صد عنه، وكل حج واجب قد صد عنه يجب عليه قضاءه، ولما تسمعه فيما يأتي إنشاء الله من الخبر (1) الدال صريحا على ان الأولى حجة الاسلام والثانية عقوبة، إلا أنه لا يخفى عليك وضوح منع كلية الكبرى في الأول بعد ما عرفت من عدم اقتضاء الصد نفسه من حيث هو كذلك قضاء حج، بل إن كان وجوبه مستقرا أو مستمرا وجب لدليله، وإلا فلا وجوب، وأما الثاني فستعرف الكلام فيه إنشاء الله، وعلى كل حال فبناء على وجوب الحجتين عليه ينبغي تأخرها حينئذ عن حجة الاسلام لتقدم وجوبها، بل عن الايضاح الاجماع عليه. (و) كيف كان ف‍ (لو) تحلل المصدود قبل الفوات و (انكشف العدو في وقت يتسع لاستيناف القضاء وجب) القضاء في عامه إن كان واجبا من أصله


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 9.

[ 136 ]

ضرورة تناول الخطابات له مع فرض بقاء الوقت (وهو) حينئذ (حج يقضى) بل عن المبسوط والسرائر والمنتهى أنه ليس في غير هذه الصورة حج فاسد يقضى لسنته، ولعله لأنه في غير الصد والحصر يجب عليه إتمام الفاسد، فلا يتصور قضاؤه في تلك السنة، نعم الظاهر إرادة التدارك من القضاء في هذه السنة، ضرورة كونها حجة الاسلام، وهذا العام عامها، لا أنها قضاء فيه، ولكن في القواعد في مفروض المسألة (وهو حج يقضى لسنته على إشكال) وفي كشف اللثام (من الاشكال في أن الأولى حجة الاسلام) فتكون مقضية في سنتها، أو لا فلا، فان السنة حينئذ سنة العقوبة، وهي إما أن لا تقضى أو تقضى من قابل، فان قيل العام في الأصل عام حجة الاسلام والذي كان أحرم له كان ايضا حجة الاسلام وقد تحلل منها والآن يقضيها قلنا: انقلبت إلى عام العقوبة بناء على كون الأولى عقوبة، وإن قيل ان القضاء ليس في شئ من هذا العام وما بعده بالمعنى المصطلح لامتداد الوقت بامتداد العمر وإن وجبت المبادرة فانما هو بمعنى الفعل والأداء قلنا: المراد به فعل ما تحلل منه، نعم لا طائل تحت هذا البحث). قلت لا يخفى عليك ضعف الوجه الثاني من الاشكال على هذا التقدير، ضرورة عدم اقتضاء كون الأولى عقوبة عدم صحة حجة الاسلام فيها، خصوصا بعدما عرفت من الأجماع على تأخرها عن حجة الاسلام على القول بوجوبها وكذا ما حكاه في كشف اللثام أيضا (من أن معنى كونه حجا يقضى لسنته أنه ليس عليه حج آخر، والاشكال مما تقدم من الاشكال في وجوب حجتين وعدمه) ولعله الذي فهمه الشهيد وعميد الاسلام، إلا أنه كما ترى واضح الفساد، ويمكن أن يكون مراد الفاضل الاشكال في صدق كونه حجا يقضى لسنته على الفرض وذلك للاشكال في كون الأولى حجة الاسلام والثانية عقوبة وبالعكس، فعلى الجواهر - 17

[ 137 ]

الأول يصدق ضرورة أنه قضاء عن الفاسد الذي كان هو حجة الاسلام، بخلاف الثاني فانها تكون هي حجة الاسلام لا قضاء عن الفاسد وإن قلنا بكونه موجبا للقضاء، لما عرفت من الاجماع المحكي على تقديم حجة الاسلام عليه، فهو حينئذ حج إسلام لا قضاء عنه لسنته وحج العقوبة بعده، والأمر سهل، فانه لا ثمرة لذلك كما سمعت الاعتراف به في كشف اللثام. هذا كله في حج الأسلام المستقر أو المستمر، أما إذا كان مندوبا وقد أفسده ثم صد وتحلل ثم انكشف العدو قضى أيضا واجبا لأن الفرض بقاء الوقت واحتمال اختصاص مشروعية القضاء في القابل لظاهر النصوص واضح الضعف بعد ظهور النصوص في غير صورة الصد التي يجب فيها إتمام الفاسد، ولذا اطلق فيها أن عليه الحج من قابل، بل الظاهر أنه على هذا التقدير حج يقضى لسنته بل قد يقال لا صورة يتصور فيها القضاء للفاسد في سنته غير هذه الصورة، ضرورة وجوب الاتمام عليه في غير الفرض. ولعله لذا أطلق المصنف، ولكن قوله متصلا بما سمعت: (وعلى ما قلناه فحجة العقوبة باقية) يقتضي كون مراده في مفروض المسألة حجة الاسلام وأن مختاره ما عرفت من كون حجة الأسلام الأولى والثانية عقوبة، وحينئذ يتجه له القضاء بمعنى التدارك عن الفاسد مع فرض سعة الوقت، وكونه حجا يقضى لسنته، وييقى حج العقوبة في ذمته، ولا يشكل ذلك بعدم سبق ما يدل على أن مختاره كون الاولى هي الفرض والثانية عقوبة، لامكان استفادته من إطلاق قوله وعليه الحج من قابل الشامل لصورة انكشاف العدو بعد التحلل مع سعة الوقت، فانه لا يتم إلا على ذلك، ضرورة عدم وجوبه عليه من قابل لو كان غير حج الاسلام وقد تداركه في تلك السنة، بل لا ينافيه أيضا كون حج العقوبة على التراخي، فلا يتعين كونه من قابل، لامكان

[ 138 ]

عدم إرادته الفورية أو عدمها، وانما مقصوده عليه حج بسبب الافساد، وربما ذكر كونه من قابل تبعا للنصوص الواردة التي يمكن أن يكون محلها الفساد في حج الاسلام أو غير ذلك، بل قد يندفع بالتأمل في ذلك ما عساه يقال على عبارة المصنف من كونها موهمة للتناقض باعتبار ظهور قوله وعليه الحج من قابل في كون الواجب حجا واحدا مع تصريحه بقوله ولو انكشف إلى آخره بوجوب حجتين. وعلى كل حال فمما ذكرناه يظهر لك النظر فيما في التنقيح حيث قال: (إذا أعتق العبد في الحج الفاسد قبل الوقوف أجزأه مع القضاء عن حج الاسلام ولو كان العتق بعد الوقوف وقلنا الأولى فرضه لم يجزه ويجب حج الاسلام بعد حج القضاء، وإن قلنا إنها العقوبة أجزأ القضاء عن حجة الاسلام، لصدق عتقه قبل الوقوف) إذ فيه أولا ما لا يخفى عليك بعد ما عرفت من الاجماع على وجوب تأخير حج القضاء عن حج الاسلام، نعم عن الشيخ الاجتزاء بحجة القضاء لو قدمها غفلة، لأن الزمان متعين لها، والمشهور البطلان، لعدم دليل على التعيين على وجه يقع لها وإن لم تنو، وهو الأصح، وثانيا ما في قوله: (وان قلنا إنها العقوبة) إلى آخره فان مراده على الظاهر كون عتقه قد حصل قبل وقوف القضاء، وقد قلنا إن الثانية هي حجة الاسلام، وهو قد أعتق قبل وقوف حجة الاسلام فيجزيه لعموم قولهم عليهم السلام (1): (إذا أعتق العبد قبل الوقوف أجزأ عن حجة الاسلام) وفيه أن القضاء انما يجزي عن حج الاسلام على القولين في موضع لو سلم من الافساد لأجزأ عن حج الاسلام، وفي الفرض لو سلم عن الافساد لم يجز عن حج الاسلام، لكون المفروض وقوع العتق بعد الموقفين، ولأن القضاء قد صار عليه بسبب الافساد، فلا يجزي عن حج الاسلام الذي لا يجزي عنه


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب وجوب الحج.

[ 139 ]

الفاسد على تقدير عدم فساده، ضرورة أن الصرورة مثلا لو حج قبل الاستطاعة ندبا ثم أفسد كان عليه الاتمام والقضاء، فلو استطاع قبل القضاء لم يجز القضاء عن حج الاسلام، لأن الفاسد لو سلم لم يجز عن حج الاسلام، ومن هنا صرح الحلي والفاضل والشهيد فيما حكي عنهم بعدم الاجزاء على القول بكون الأولى عقوبة والثانية حجة الاسلام، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (لو) انكشف العدو و (لم يكن قد تحلل مضى في) إتمام (فاسده وقضاه) واجبا وإن كان الفاسد ندبا (في القابل) كما عرفت وتعرف إنشاء الله، فان فاته تحلل بعمرة وقضى واجبا وإن كان ندبا، وعليه بدنة الافساد لا دم الفوات، لما سمعته سابقا، ولو فاته وكان العدو باقيا يمنعه عن العمرة فله التحلل من دون عدول إلى العمرة، تنزيلا لاطلاق النص والفتوى على العمرة المقدورة، وعليه دم التحلل كما كان عليه قبل الفوات للعمومات، وبدنة الافساد والقضاء على حسبما عرفت، ولو صد فأفسد جاز التحلل أيضا لأطلاق الأدلة الذي لأ فرق فيه بين الافساد وعدمه، ولا بين التقدم والتأخر كما عرفته سابقا، وحينئذ فعليه البدنة للافساد والدم للتحلل والقضاء، وإن بقي محرما حتى فات تحلل بعمرة، والله العالم. الفرع (الخامس لو لم يندفع العدو إلا بالقتال لم يجب سواء غلب على الظن السلامة أو العطب) بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك الاتفاق عليه، وفي المدارك هو مقطوع به في كلام الأصحاب، ولعله للاصل السالم عن معارضة باب المقدمة الساقطة هنا باستلزامها حرجا ومشقة ونحوهما مما تسقط بمثله كما في غير المقام، ولا فرق في ذلك بين المسلم والكافر، خلافا للشافعي في قول فأوجب القتال إذا كانوا كفارا ولم يزد عددهم على ضعف المسلمين، ولا ريب في ضعفه، وفي محكي المبسوط الأعداء إن كانوا مسلمين

[ 140 ]

فالأولى ترك القتال إلا أن يدعوه الامام عليه السلام أو نائبه إلى القتال، فيجوز لأنهم تعدوا على المسلمين بمنع الطريق، فأشبهوا سائر قطاع الطريق، وإن كانوا مشركين لم يجب أيضا قتالهم لأنه انما يجب للدفع عن النفس أو الدعوة للاسلام، وإذا لم يجب فلا يجوز أيضا سواء كانوا قليلين أو كثيرين، والمسلمون أكثر أو أقل، مع أنه قال في المسلمين إن الأولى ترك قتالهم، وهو مشعر بالجواز، ومن هنا قال في المسالك الظاهر إرادته التحريم لأنه أولى، وتعليله باذن الامام عليه السلام يدل عليه ولكن فيه المنع من اشتراط اذن الامام في ذلك، ضرورة كونه من الدفاع إذا كان قد أراد السير في الطريق المباح فمنعه، أو من النهي عن المنكر، ولذا صرح الفاضل والشهيد بالجواز في الكفار إذا ظن الظفر بهم، بل عن المنتهى استحباب قتالهم، لما فيه من الجهاد وحصول النصر وإتمام النسك ودفعهم عن منع السبل، وأشكله في المسالك بمنع عدم توقف النهي المؤدي إلى القتال أو الجرح على اذن الامام وقد اعترفا به في بابه، وبأن ذلك لو تم لم يتوقف الجواز على ظن الظفر بل متى جوزه كما هو الشرط فيه، وأيضا إلحاقه بباب النهي عن المنكر يقضي إلى وجوبه لا إلى جوازه بالمعنى الأخص وهم قد اتفقوا على عدم الوجوب مطلقا، وفيه أن إطلاق الأدلة يقتضي عدم التوقف في نحو الفرض، خصوصا بعدما سمعت أنه من الدفاع مع فرض إرادة السير ومنعهم، بل هم من قطاع الطريق الذين لا إشكال في جواز دفاعهم، والظاهر إرادة ظن السلامة من ظن الظفر، وعدم الوجوب للمعارضة بما فيه من الخطر على النفس كما حررناه في نظير ذلك في كتاب الحدود. وعلى كل حال فلو ظن العطب أو تساوى الاحتمالان ففي المسالك أن ظاهرهم الاتفاق على عدم الجواز، وهو إن تم كان الحجة، وإلا أمكن القول بالجواز مع تساوي الاحتمالين، ولو بدأ العدو بالقتال فان اضطر إلى الدفاع

[ 141 ]

وجب، وكان جهادا واجبا من غير حاجة إلى اذن الامام عليه السلام، بل في كشف اللثام (وهو كذلك أيضا مع ظن الظفر والعلم بعدم المخاطرة وإن لم يضطر إلى الدفاع، وإلا استحب) وإن كان لا يخلو من نظر، ولقد أجاد أبو علي فيما حكي عنه بقوله: ولو طمع المحرم في دفع من صده إذا كان ظالما له بقتال أو غيره كان ذلك مباحا له ولو أتى على نفس الذي صده سواء كان كافرا أو ذميا أو ظالما، ولذا نفى البأس عنه في محكي المختلف، هذا، وفي المسالك فان لبس جنة للقتال ساترة للرأس كالجوشن أو مخيطة فعليه الفدية، كما لو لبسها للحر والبرد، ولو قتل نفسا أو أتلف مالا لم يضمن، ولو قتل صيدا للكفار كان عليه الجزاء لله ولا قيمة للكفار، إذ لا حرمة لهم، قلت: ستسمع إنشاء الله تمام الكلام في ذلك في الكفارات. (ولو طلب) العدو (مالا لم يجب بذله) إن لم يكونوا مأمونين إجماعا كما عن التذكرة والمنتهى قليلا كان أو كثيرا، بل عن المبسوط ذلك أيضا وإن أمنوا، بل عنه أيضا وعن التذكرة والمنتهى الكراهة مع كونهم مشركين لان فيه تقوية لهم وصغارا على المسلمين، وإن كان قد يناقش بمنافاة ذلك لوجوب المقدمة، ولعله لذا قال المصنف: (ولو قيل بوجوبه إذا كان غير مجحف كان حسنا) ونحوه عن المنتهى، بل قد سمعت ما ذكره المصنف سابقا من وجوب التحمل مع التمكن قبل التلبس بالحج فضلا عن الفرض المأمور فيه باتمام الحج والعمرة، ومن هنا قال في المسالك والمدارك كان حقه التسوية بين المقامين أو عكس الحكم، وإن كان فيه أن الظاهر إرادته عدم الاجحاف من التمكن في السابق، ضرورة كونه المناسب لسقوط باب المقدمة بقاعدة نفي العسر والحرج، وغيرها، وكأنه يرجع إليه ما عن التذكرة من عدم وجوب بذله مع كثرته مطلقا، بل عنه ايضا انه جعل بذله مكروها للعبد والكافر،

[ 142 ]

لما فيه من الصغار وتقوية الكافر، وان كان فيه ما عرفت ما لم يرجع إلى قاعدة نفي الحرج ونحوها. هذا كله في المصدود (و) أما (المحصر) اسم مفعول من أحصره المرض إذا منعه من التصرف، ويقول للمحبوس حصر بغير همز فهو محصور، ولكن عن الفراء جواز قيام كل منهما مقام الآخر، وربما يؤيده استعمال الفقهاء لهما هنا خلافا لما عن الزجاج والمبرد من اختصاص الحصر بالحبس: والاحصار في غيره، وكذا عن يونس، قال: (إذا رد الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، وإذا حبس فقد حصر) وعن أبي إسحاق النحوي (الرواية عن أهل اللغة أن يقال للذي منعه الخوف والمرض أحصر، ويقول للمحبوس حصر) وعن أبي عمرو الشيباني (حصر بي الشئ وأحصر بي أي حبسني) وعن التبيان والمجمع عن أهل البيت عليهم السلام (أن المراد بالآية من أحصره الخوف أو المرض ولكن بلوغ هدي الأول محله ذبحه حيث صد وهدي الثاني ذبحه في الحرم) وكذا عن ابن زهرة انه عمم الاحصار في الآية واللغة، وقال الكسائي والفراء وأبو عبيدة وتغلب وأكثر أهل اللغة: يقول: أحصره المرض لا غير، وحصره العدو وأحصره أيضا، وكذا الشيخ في محكي الخلاف إلا أنه حكى هذه العبارة عن الفراء خاصة، والأمر في ذلك كله سهل بعد التوسع في التعبير. وعلى كل حال ف‍ (هو الذي يمنعه المرض عن الوصول إلى مكة أو عن الموقفين) على حسب ما سمعته في المصدود (ف‍) إذا تلبس (هذا) بالاحرام لحج أو عمرة تمتع أو مفردة ثم أحصر كان عليه أن (يبعث ما ساقه) إن كان قد ساق (ولو لم يسق بعث هديا أو ثمنه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله وهو منى ان كان حاجا، ومكة إن كان معتمرا) بلا خلاف أجده في تحلله بالهدي بل توقته بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب والسنة، نعم

[ 143 ]

ما سمعته من البحث في الاجتزاء في التحلل بالهدي المسوق في المصدود يجري هنا، وكذا الكلام في اعتبار النية وعدمها، وانما الخلاف في البعث وعدمه، فالمحكي عن ابني بابويه والشيخ وأبي الصلاح وبني حمزة والبراج وإدريس ما ذكره المصنف، بل حكى غير واحد عليه الشهرة، وهو كذلك، نعم عن الأكثر تقييد مكة بفناء الكعبة، وابن حمزة بالحزورة، وعن الراوندي في فقه القرآن تخصيص مكة بالعمرة المفردة، وجعل منى محل المتمتع بها كالحج، خلافا للاسكافي فخيره بين الذبح حيث أحصر والبعث، وجعله أولى، وسلار ففصل بين التطوع وحجة الاسلام، ففى الأول يذبح الهدي حيث أحصر، وعن المفيد روايته (1) مرسلأ، بل ظاهره العمل به لأنه قال: قال الصادق عليه السلام: (المحصور بالمرض إن كان ساق هديا أقام على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ثم يحل، ولا يقرب النساء حتى يقضي المناسك من قابل، هذا إذا كان في حجة الاسلام، فأما حجة التطوع فانه ينحر هديه وقد حل ما كان أحرم منه، فان شاء حج من قابل، وان لم يشاء لا يجب عليه الحج) وعن المقنع (2) (والمحصور والمضطر ينحران بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه) ورواه في الفقيه (3) مرسلا عن الصادق عليه السلام، وعن الجعفي أنه يذبح مكان الاحصار ما لم يكن ساق، وهو خلاف ما فعله الحسين عليه السلام (4) على إحدى الروايتين إن كان أحرم، ولكن ظاهر الآية والأخبار حجة على الجميع، والمناقشة في الأول باحتمال كون معناه حتى تنحروا هديكم حيث حبستم كما هو المنقول من فعل النبي صلى الله عليه وآله يدفعها ظاهر النصوص التي منها الخبر الطويل (5) في حج الوداع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 6 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 - 2. (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أقسام الحج الحديث 13.

[ 144 ]

المشتمل على احتجاجه صلى الله عليه وآله بالآية على عدم الاحلال حتى يبلغ محله يعني منى، بل وصحيح معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام الدال على الحكم في المسألة والمشعر بكون محل الهدي ما ذكرناه، قال: (سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي قال يواعد أصحابه ميعادا إن كان في الحج، فمحل الهدي يوم النحر فإذا كان يوم النحر فليقصر من رأسه، ولا يجب عليه الحلق حتى يقضى المناسك، وإن كان في عمرة فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكة والساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصر وأحل، وإن كان مرض في الطريق بعدما يخرج فأراد الرجوع رجع إلى أهله ونحر بدنة أو أقام مكانه حتى يبرئ إذا كان في عمرة، فإذا برئ فعليه العمرة واجبة، وإن كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج فان عليه الحج من قابل، فان الحسين بن علي عليهما السلام خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو في المدينة فخرج في طلبه وأدركه بالسقيا وهو مريض بها فقال: يا بني ما تشتكي ؟ قال أشتكي رأسي فدعى علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما برئ من مرضه اعتمر، قلت: أرأيت حين برئ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة أحل له النساء قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، قلت: فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رجع من الحديبية حلت له النساء ولم يطف بالبيت ؟ قال: ليسا سواء كان النبي صلى الله عليه وآله مصدودا والحسين عليه السلام محصورا) وخبر زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام (إذا أحصر بعث بهديه) الحديث، وخبره الآخر (3)


(1) ذكر صدره في الوسائل - في الباب 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1 وذيله في الباب 1 منها الحديث 3 مع اختلاف يسير. (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1 - 2. الجواهر 18

[ 145 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا أحصر الرجل فبعث بهديه فأذاه رأسه) الحديث، وخبر رفاعة (1) عنه عليه السلام أيضا (قلت رجل ساق الهدي ثم أحصر قال: يبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) وصحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر عليه السلام ورفاعة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني، قال: يبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل ؟ قال: لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) وموثق زرعة (4) (سألته عن رجل أحصر في الحج قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه، ومحله أن يبلغ الهدي محله، ومحله منى يوم النحر إذا كان في الحج، وإن كان في العمرة نحر بمكة، وانما عليهم أن يعدهم لذلك يوما، فإذا كان ذلك اليوم فقد وفى، وإن اختلفوا في الميعاد لم يضره إنشاء الله). وهو مع أنه صريح في الحكم صريح أيضا في المراد من الآية، ولا ينافي ذلك فعله صلى الله عليه وآله بعد إحتمال إرادة ظاهرها في خصوص المحصور وان اشترك معه المصدود في اعتبار الهدي كما أشرنا إليه سابقا، بل في المسالك (كان الأولى للمصنف ترك ذكر المحل، لأن كل موضع يذبح فيه الهدي أو ينحر فهو محله سواء كان أحد الموضعين المذكورين أو محل الصد كما يقتضيه تفسير الآية عندنا، فانها شاملة للمصدود والمحصر وإن عبر فيها بلفظ المحصر، فيراد حينئذ بالمحل فيها الأعم، وليس في ذكره فيها ما يفيد الاختصاص بالموضعين بل هو حكم مشترك بين المصدود والمحصر، وانما يمتازان بمكان الذبح، وهو أحد الموضعين في المحصر، وموضع الصد في المصدود) وإن كان لا يخلو من


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 - 1 - 2. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2.

[ 146 ]

نظر يظهر مما ذكرناه، وعلى كل حال فالمناقشة واهية. نعم قد يعارض ذلك في الجملة ما سمعته في ذيل صحيح ابن عمار (1) المعتضد بصحيحه الآخر وحسنه عن الصادق عليه السلام (إن الحسين بن علي عليهما السلام خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام وهو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا وهو مريض، فقال يا بني ما تشتكي ؟ قال: أشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة) وصحيحه الآخر عنه عليه السلام (2) أيضا (إنه قال في المحصور ولم يسق الهدي قال: ينسك ويرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام) وخبر رفاعة أو قويه (3) عنه عليه السلام أيضا قال: (خرج الحسين عليه السلام معتمرا وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه ثم أقبل حتى جاء فضرب الباب فقال علي عليه السلام ابني ورب الكعبة افتحوا له، وكان قد حموه الماء فأكب عليه ويشرب ثم اعتمر بعده) ومرسل الفقيه (4) والمفيد (5) المتقدمين، ولكن المرسل منهما لا حجة فيه بعد عدم الجابر، فضلا عن أن يعارض ما سمعت، مع احتمال الأول منهما الضرورة، والآخر أن منتهى قول الصادق عليه السلام فيه إلى قوله (هذا) والباقي من المفيد، وصحيح ابن عمار وحسنه وقوي رفاعة محتملان بل قيل ظاهران في الضرورة التي يحتملها كلام الصدوق أيضا، بل قد يحتملان عدم إحرام الحسين عليه السلام وانما نحر هو أو علي عليهما السلام تطوعا وخصوصا إذا كان قد ساق، بل ربما أيد بما سمعته من صدر حسنه الآخر


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2 - 3. (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 6.

[ 147 ]

المروي (1) في التهذيب صحيحا، لكن مكان (بعدما يخرج) (بعدما أحرم) إلا أن السياق يؤيد الأول وإن ظن عكسه وحينئذ فالسقيا هي البئر التي كان النبي صلى الله عليه وآله يستعذب ماءها فيستسقى له منها، واسم أرضها الفلجان، لا السقيا التي يقال بينها وبين المدينة يومان، وما في المدارك من احتمال الجمع بين صدره وذيله بحمل الأول على الهدي المتطوع به إذا بعثه المريض من منزله - كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرناه من النصوص والفتاوى، وبذلك وغيره يظهر لك أنه لا وجه للجمع بين النصوص بالتخيير المتوقف على التكافؤ المعلوم عدمه من وجوه، فالتحقيق حينئذ ما عليه المشهور. نعم قال الشهيد رحمه الله: وربما قيل بجواز النحر مكانه إذا أضربه التأخير وهو في موضع المنع، لجواز التعجيل مع البعث يعني تعجيل الاحلال قبل بلوغ الهدي محله، فانما فيه مخالفة واحدة لأصل الشرع، وهو الحلق قبل بلوغ محله، بخلاف ما إذا نحره مكانه ففيه مع ذلك مخالفة بأنه لم يبلغ الهدي محله أصلا، ولكن قد يقال إن الضرورة التي قد عرفت ظهور بعض النصوص فيها واحتمال آخر لها ظاهرة في ذلك أو في الأعم منه، بل لعل قول ابي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (2): (أحصر الرجل فبعث هديه وأذاه رأسه قبل أن ينحر فحلق رأسه فانه يذبح في المكان الذي أحصر فيه أو يصوم، أو يطعم ستين مسكينا) كالصريح فيه، اللهم إلا أن يحمل على إرادة أن المحصور قبل بلوغ الهدي محله إذا احتاج إلى حلق رأسه لأذى به ساغ له ذلك ووجب عليه الفداء كما عن المنتهى التصريح به، مستدلا عليه بالخبر المزبور، وحينئذ يكون الذبح


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. وفيه (أو يطعم ستة مساكين).

[ 148 ]

كفارة لا للتحلل. هذا كله في مكانه، وأما زمانه ففي الحج يوم النحر كما عن الأصحاب الاقتصار عليه، ولعله لقصره عليه في صحيح ابن عمار وحسنه (1) ومضمر زرعة (2) المتقدمة سابقا، ولكن في القواعد (وأيام التشريق) ولعله إليه أشار الشهيد بنسبة ذلك إلى القيل، ولا ريب في أن الأحوط الاقتصار على يوم النحر وإن كان الذي يقوى خلافه، لكون أيام التشريق أيام ذبح الهدي، بل يمكن إرادة ذلك من يوم النحر، والله العالم. وكيف كان (فإذا بلغ) الهدي (قصر) لما سمعته في صحيح معاوية (3) عن الصادق عليه السلام، مضافا إلى قول أبي جعفر في خبر حمران (4). (فأما المحصور فانما يكون عليه التقصير) إلى غير ذلك (وأحل) من كل شئ على المحرم (إلا من النساء خاصة حتى يحج في القابل إن كان واجبا، أو يطاف عنه طواف النساء إن كان تطوعا) بلا خلاف معتد به أجده في شئ من ذلك، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، بل في كشف اللثام نسبة ذلك إلى النصوص والاجماع على كل من المستثنى والمستنثى منه، وهو كذلك، إذ قد سمعت ما في صحيح معاوية بن عمار (5) المتقدم المشتمل على الفرق بين المصدود والمحصور بذلك، وصحيحه (6) الآخر المشتمل على إحصار الحسين عليه السلام، مضافا إلى النصوص (7) المتقدمة فيمن نسي طواف النساء الدالة على جواز الاستنابة فيه وإن تمكن من


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1 - 2 - 1. (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1 - 3. (7) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب الطواف.

[ 149 ]

الرجوع بنفسه كما مر الكلام فيه مفصلا، ومنه يعلم ما في المدارك فانه - بعد أن ذكر عن الفاضل في المنتهى أنه أسند الاكتفاء بالاستنابة فيه إلى علمائنا مؤذنا بالاجماع عليه ولم يستدل عليه بشئ، واستدل عليه جمع من المتأخرين بأن الحج المندوب لا يجب العود لاستداركه، والبقاء على تحريم النساء ضرر عظيم، فاكتفي في الحل بالاستنابة في طواف النساء قال: وهو مشكل جدا، لاطلاق قوله عليه السلام (1): (لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة) وتبعه المحدث البحراني، لكنه اختار سقوط طواف النساء فيه بعد أن حمل ما في النص هنا على الواجب، للأصل ومرسل المفيد، ولكنه كما ترى ضرورة انقطاع الأصل بالاطلاق المعتضد باستصحاب حرمتهن عليه، والمرسل بعد تسليم ظهوره في ذلك على وجه لا يقبل التخصيص بغيرهن لا حجة فيه، وكذا ما في المدارك، فان الاطلاق المزبور لا ينافي التقييد بطواف النائب فيه بعد معلومية مشروعية النيابة مع التمكن من الرجوع في غير المقام حتى في الحج الواجب، ومن هنا صح للفاضل فيما يحكى عنه إلحاق الواجب غير المستقر هنا بالمندوب في النيابة بل والواجب المستقر مع عجزه عنه في القابل، وإن نسبه في الدروس إلى القيل مشعرا بتمريضه، لكنه في غير محله، لما عرفت من مشروعية النيابة فيه مؤيدا بدليل نفي الحرج ونحوه، كل ذلك مع ضعف دلالة الصحيح المزبور على ذلك، لكونه في مقام بيان الفرق بين المصدود والمحصور لا لبيان إجزاء الاستنابة وعدم إجزائها كما هو واضح، ومنه يعلم ضعف الاستدلال به على عدم إجزائها في الواجب حال العجز كالاستدلال بالأصل المقطوع بما عرفت. فالأقوى حينئذ الاجتزاء بها، ولعله هو مقتضى إطلاق ما عن الخلاف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3.

[ 150 ]

والغنية والتحرير (لا يحللن للمحصور حتى يطوف لهن في قابل أو يطاف عنه) من غير تفصيل بين الواجب وغيره، بل وما عن الجامع (إذا استناب المريض لطواف النساء وفعل النائب حلت له النساء) ولم يقيد بالقابل، بل وما عن السرائر (إنهن لا يحللن حتى يحج في القابل أو يأمر من يطوف عنه للنساء) وما عن الكافي (ولا يحللن له حتى يحج أو يحج عنه) بناء على إرادة الطواف عنه من الحج عنه. نعم لو كان قادرا على الاتيان به والفرض استقرار وجوبه أو استمراره لم يتحلل إلا بالاتيان بالنسك، فلا يجديه الطواف فضلا عن الاستنابة فيه كما هو ظاهر الكتاب والنافع والقواعد ومحكي النهاية والمبسوط والمهذب والوسيلة والمراسم والاصباح والمنتهى والتذكرة والارشاد والتبصرة والتلخيص، للأصل وما سمعته من قول الصادق عليه السلام (1): (لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة) الظاهر في الاتيان بالنسك كقوله عليه السلام في مرسل المفيد (2) (ولا يقرب النساء حتى يقضي المناسك) وإطلاق العبارات المزبورة وإن اقتضى جواز الاستنابة في الواجب مع القدرة إلا أنه يمكن دعوى الاجماع على خلافه، مضافا إلى الأصل والصحيح (3) وغيره، مع احتمال إرادتهم بالاطلاق المزبور التنويع لا الاجزاء مطلقا على كل حال، ومنه يعلم ما في احتمال مدافعة الاطلاق المزبور لما سمعته من إجماع المنتهى على الفرق بين الواجب والمندوب، ومن هنا قال بعض الناس: يتوجه حينئذ القول باطلاق الصحيح المقتضي لعدم الاجتزاء بالاستنابة من غير فرق بين الواجب والمندوب، لكنه كما ترى، ضرورة إمكان كونه بعد التسليم خرقا للاجماع المركب، إذ الأصحاب


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 - 6 - 3.

[ 151 ]

بين مفصل بينه وبين الواجب بما عرفت، وبين مطلق لجوازها فيه وفي الواجب وبين قائل بالتحلل بالندب من غير توقف على شئ كما عن المراسم وظاهر المفيد أو محتمله، للمرسل الذي عرفته. فالقول بمساواة الندب للواجب في توقف الاحلال منه على أداء المناسك خلاف ما اتفقت عليه الأقوال أجمع، فلا مناص حينئذ عن القول بالمشهور ضرورة عدم المستند لما سمعته عن المراسم ومحتمل المفيد، كما أنه لا مستند لاطلاق المزبور بناء على عدم إرادة التنويع منه، بل ظاهر الأدلة خلافه، ومنه يقوى احتمال إرادة التنويع منه فيختص الواجب حينئذ بتوقف الاحلال منه على فعل النسك مع القدرة، ومع العجز أو الندب أو عدم استقرار الوجوب يكفي الحج عنه، بل يقوى إلحاق المستأجر والمتبرع عن الغير بذلك، وبذلك كله يظهر لك النظر فيما ذكره غير واحد من متأخري المتأخرين، والله الموفق والمسدد، هذا. وفي الدروس ولو أحصر في عمرة التمتع فالظاهر حل النساء له، إذ لا طواف لأجل النساء فيها، واستحسنه بعض من تأخر عنه، بل استدل له بصحيح البزنطي (1) سأل أبا الحسن عليه السلام (عن محرم انكسرت ساقه أي شئ حل له وأي شئ عليه ؟ قال: هو حلال من كل شئ، فقال من النساء والثياب والطيب فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم) لكن فيه أنه مطلق شامل للعمرة المفردة والحج بأقسامه، ولا قائل به حينئذ، وإخراج ما عدا العمرة المتمتع بها بالاجماع وإن أمكن جمعا بين الصحيح والاجماع إلا أنه غير منحصر في ذلك، إذ من المحتمل حمله على التقية، فان من العامة من يرى الاحلال حتى من النساء مطلقا، ومنهم من لا يرى الاحلال إلا أن يأتي بالأفعال، فان فاته الحج تحلل بالعمرة، خصوصا مع كون زمان الامام عليه السلام المروي عنه في شدة التقية، أو


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1.

[ 152 ]

إذا استناب وطيف عنه كما ذكره بعض المحدثين، على أنه معارض بما سمعته من قضية الحسين عليه السلام وغيره مما لا فرق فيه بين عمرة التمتع وغيرها، مضافا إلى الاستصحاب، ومن هنا مال جماعة منهم ثاني المحققين والشهيدين إلى توقف الاحلال منه عليه أيضا، والتعليل بعدم الطواف لهن في خصوص النسك المفروض انما يتم لو علق الاحلال منهن على طوافهن، وليس، إذ ليس فيما وصل الينا من الروايات تعرض لذكر طواف النساء، وانما المستفاد من الصحيح المتقدم توقف حلهن على الطواف والسعي، وهو متناول للحج بأقسامه والعمرتين، اللهم إلا أن يقال إن سياقه غير متناول لها، فلا إطلاق فيه، ولكنه غير كاف في إخراجها، إذ أقصاه نفي الاطلاق، وحينئذ فينبغي الرجوع إلى الأصول التي مقتضاها البقاء على الاحرام بالاضافة اليهن حتى يثبت المحلل، وليس إلا الطواف لانعقاد الاجماع على الاحلال به منهن دون غيره، ولكن لا يخفى عليك انسياق اعتبار الطواف في حلهن مع الحصر عن النسك الذي يتوقف حلهن عليه، أما إذا لم يكن معتبرا فيه ذلك فالمحلل للنساء وغيرهن متحد، وهو الاتيان بالنسك أو ما جعله الشارع محللا في الحصر، وهو الهدي، ولعل هذا هو الأقوى وإن كان الأحوط الاتيان به مباشرة أو استنابة في الحال الذي تجوز فيه، كما عرفت، والله العالم. (ولو بان أن هديه) الذي بعثه أو أرسل دراهم لشرائه (لم يذبح) وكان قد تحلل (لم يبطل تحلله) فلا إثم عليه ولأ كفارة فيما فعله من منافيات الاحرام (وكان عليه ذبح هدي في القابل) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك كما اعترف به غير واحد بل ولا إشكال، لأن تحلله قد كان باذن من الجواهر - 19

[ 153 ]

الشارع، ولقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (1) المتقدم، لكن زاد فيه في التهذيب (فان ردوا الدارهم عليه ولم يجدوا هديا ينحرونه وقد أحل لم يكن عليه شئ، ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا) وقول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (2): (المصدود يذبح حيث صد، ويرجع صاحبه فيأتي النساء والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما، فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه، قلت أرأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحل فأتى النساء قال: فليعد وليس عليه شئ، وليمسك الآن عن النساء إذا بعث) وموثق زرعة (3) السابق. انما الكلام في وجوب الامساك عليه إلى يوم الوعد كما هو مقتضى الخبرين، بل لعله المشهور كما اعترف به ثاني الشهيدين وغيره، وعدمه كما هو خيرة المصنف في النافع والفاضل في المختلف والمقداد والحلي على ما حكي عنهم، بل هو ظاهر المتن وغيره للأصل بعد أن لم يكن محرما ولا في الحرم، فيحمل الخبران على الندب، ولكن فيه أنه متجه بناء على عدم حجيتهما عند الحلي لكونهما من الآحاد، أما على المختار فلا يصلح الأصل لمعارضتهما، مع احتمال كون الأصل بالعكس، باعتبار ظهور الآية في اعتبار بلوغ الهدي محله في التحلل في نفس الأمر، ولا فرق بين الحلق وغيره، فلو تحلل ولم يبلغ كان باطلا، ولا يستفاد من النصوص المتقدمة إلا عدم الضرر بالتحلل يوم الوعد ولعله من جهة الاثم والكفارة، لكونه وقع باذن الشارع، فلا يتعقبه شئ من ذلك، ولكن ذلك لا يقتضي حصول التحلل في أصل الشرع ولو مع الانكشاف بل لعل الأمر بالامساك في الخبرين لذلك، فهو حينئذ محرم، فينبغي له الامساك


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2.

[ 154 ]

من حين الانكشاف، خصوصا بعد عدم تصريح أحد من القائلين بوجوب الامساك بخلافه، لسكوتهم عن بيان وقته، فيمكن إرادتهم ما ذكرناه كالنصوص، ودعوى عدم الخلاف في صحته أو عدم بطلانه يمكن منعها بالنسبة إلى ما زاد على ما ذكرناه من الاثم والكفارة، ونفي الضرر في الموثق (1) لا ينافي وجوب الامساك، لكونه ضررا بعد ظهوره في إرادة أن الخلف لا يوجب ضررا فيما فعله من منافيات الاحرام، ووجوب الامساك انما هو من الاحرام السابق لا من الخلف كي يتوجه نفيه، إذ احتمال وجوبه تعبدا وإن كان هو غير محرم كما ترى، على انه بعد تسليم تناول نفي الضرر له يتجه حينئذ تخصيصه بالخبرين، هذا. ولكن قد يقال بظهور خبر زرارة في كون الامساك عن النساء حين البعث لا من حين الانكشاف، فلو بعثه بعد مدة لم يجب عليه الامساك قبل البعث ولو بعد الانكشاف، وهو ظاهر في تحقق الاحلال في الواقع، وأن الأمر بالامساك ليس للاحرام السابق معتضدا بما سمعته من دعوى جماعة عدم الخلاف في عدم بطلان الاحلال المراد به ظاهرا انتفاء الاحرام السابق، كما عصاه يشهد لها عبارة المتن وغيرها، فالمتجه حينئذ وجوب الامساك مقيدا من حين البعث وإن كان الأحوط من حين الانكشاف، هذا، وفي المدارك (واعلم أنه ليس في الرواية ولا في كلام من وقفت على كلامه من الأصحاب تعيين وقت الامساك صريحا وإن ظهر من بعضها أنه من حين البعث، وهو مشكل، ولعل المراد انه يمسك من حين إحرام المبعوث معه الهدي) ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من وجوه، خصوصا ما ذكره أخيرا، فانه يمكن تحصيل الاجماع على خلافه.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 2.

[ 155 ]

بقي الكلام في شئ، وهو أن ظاهر الموثق المزبور حلية النساء للمحصور ببلوغ الهدي، وقد عرفت عدم حلهن إلا بالطواف بنفسه أو نائبه على الوجه الذي تقدم، ومن هنا قال الكاشاني: لعل المراد باتيانه النساء إتيانه إياهن بعد الطواف والسعي، وفيه أنه خلاف صريح الخبر كما اعترف به في الحدائق، لكن قال: اللهم إلا أن يحمل إتيانه النساء على الخطأ والجهل بتوهم حلهن له بالمواعدة كما في ساير محرمات الاحرام، ويكون قوله عليه السلام (ليس عليه شئ) يعني من حيث الجهل، فانه معذور كما في غير موضع من أحكام الحج، وأنه بعد العلم بذلك فليمسك الآن عن النساء إذا بعث، وفيه بعد الاغضاء عما في دعواه من معذورية الجاهل مطلقا في الحج من غير فرق بين الكفارة وغيرها أنه أيضا خلاف ظاهره، ولعل الأولى حمله على عمرة التمتع التي قد عرفت أن الأقوى عدم احتياج حل النساء فيها إلى الطواف، كما سمعت الكلام فيه مفصلا والله العالم. (ولو بعث هديه ثم زال العارض) قبل التحلل (لحق بأصحابه) في العمرة المفردة مطلقا، وفي الحج إن لم يفت، لزوال العذر وانحصار جهة إحلاله حينئذ في الاتيان بالمناسك المأمور باتمامها (فان) كان حاجا و (أدرك أحد الموقفين في وقته) على وجه يصح حجه كما عرفته سابقا (فقد أدرك الحج، وإلا تحلل بعمرة) مفردة كما هو فرض كل من فاته الحج وإن كان قد ذبحوا (وعليه في القابل قضاء الواجب) المستقر أو المستمر (ويستحب قضاء الندب) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، ضرورة كونه محرما حينئذ بأحد النسكين اللذين يجب عليه إتمامهما مع التمكن كما هو الفرض، مضافا إلى صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام (إذا أحصر بعث


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1.

[ 156 ]

بهديه، فإذا أفاق ووجد من نفسه خفة فليمض إن ظن أنه يدرك الناس، فان قدم مكة قبل أن ينحر الهدي فليقم على إحرامه حتى يفرغ من جميع المناسك وينحر هديه، ولا شئ عليه، وإن قدم مكة وقد نحر هديه فان عليه الحج من قابل أو العمرة، قلت: فان مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة قال: يحج عنه إذا كان حجة الاسلام ويعتمر، انما هو شئ عليه) والظاهر أن قوله عليه السلام (من قابل) قيد للحج خاصة دون العمرة، وانما الحج من قابل إذا نحر هديه وفات وقت مناسكه، وقوله عليه السلام (أو العمرة) يعني إن كان إحرامه للعمرة، نعم بناء على ما عن بعض النسخ من العطف بالواو لا (أو) يتجه إرادة عمرة التحلل، وحينئذ يكون صريحا في اعتبارها وإن وقع الذبح كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب، بل وإطلاق ما دل على أن ذلك حكم من فاته الحج، لكن في الدروس بعد أن قرب ذلك قال: وجهان، اعتبارا بحالة البعث، أو حالة التحلل، يعني أنه أتى حالة البعث بما عليه فيجزيه، وفيه أنه لم يأت بنية التحلل ولا التقصير، فالأصل حينئذ يقتضي البقاء على الاحرام، خصوصا بعد عدم مقتضي (ما يقتضي خ ل) التحلل ببلوغ الهدي محله بحيث يشمل الفرض، إذ غايته الاطلاق المنساق بحكم التبادر إلى غيره، فيبقى حينئذ عموم حكم من فاته الحج، وهو التحلل بالعمرة بحاله. ولو علم الفوات أو فات بعد البعث وزال العذر قبل التقصير فالأحوط والأقوى وجوب المضي إلى مكة للتحلل بعمرة، لما عرفت من أن ذلك حكم من فاته الحج إذا أمكنه العمرة، ولأن سبب التحلل منحصر في أداء المناسك والحصر أو الصد، ولكن في القواعد (الاشكال في ذلك، ولعله مما عرفت ومن أن إيجاب ذلك عليه يجمع عليه التكليفين اللذين أحدهما عوض عن الآخر، مع أن العدول خلاف الأصل، والأصل البراءة) ولا يخفى عليك ما فيه بعد

[ 157 ]

الاحاطة بما ذكرناه من أنه لا عموم يقتضي التحليل (التحلل خ ل) ببلوغ الهدي على وجه يشمل الفرض ونحوه، فالأصل بقاؤه على الاحرام حتى يأتي بالعمرة، والله العالم. هذا كله في الحاج (و) أما (المعتمر) مفردة فلا خلاف ولا إشكال في مساواته له في الأحكام، بل قد سمعت النص المشتمل على العمرة، نعم (إذا تحلل يقضي عمرته) أي يتدارك واجبا (وجوبا خ ل) مع استقرار وجوبها أو استمرارها، وإلا فندبا (عند زوال العذر) من غير تربص زمان كما في القواعد، بناء على التوالي كما عن الدروس وغيرهما، أو على بطلان ما أحصر فيه، فلا توالي فيه بين عمرتين، واحتمال اعتبار مضي الزمانين بين الاحرامين كالعمرتين لا دليل عليه (و) لكن (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والمبسوط وبنو حمزة والبراج وإدريس: يقضيها (في الشهر الداخل) بناء على اشتراط فصل شهر بين عمرتين على معنى أن لكل شهر عمرة، بل في المدارك ظاهر الأصحاب أن الخلاف هنا كالخلاف في أصل المسألة في الزمان الذي يجب كونه بين عمرتين، قال في الدروس: المعتمر إفرادا يقضي عمرته في زمان يصح فيه الاعتمار ثانيا، فيبنى على الخلاف، ولكن قد عرفت إمكان الفرق بين المقام وغيره كما يؤمي إليه إطلاق المصنف في النافع القضاء عند زوال العذر مع اشتراطه فيه مضي الشهر بين العمرتين، والله العالم. (والقارن إذا أحصر فتحلل لم يحج في القابل إلا قارنا) وفاقا لمحكي النهاية والمبسوط والتهذيب والمهذب والجامع، بل الأكثر بل المشهور، لصحيحي محمد بن مسلم (1) ورفاعة (2) عن الصادقين عليهما السلام أنهما قالا: (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني، قال: يبعث بهديه قلنا: هل يتمتع في قابل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1 - 2.

[ 158 ]

قال: لا ولكن يدخل بمثل ما خرج منه) وخبر رفاعة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر قال: يبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل ؟ قال: لا ولكن يدخل في مثل ما خرج منه) وما في كشف اللثام - من احتمال أن فرضه القران، قال: وكذا كلام الشيخ والقاضي وصاحب الجامع لا قرينه عليه، كاحتمال حمل النصوص المزبورة على الندب لعدم وجوب قضاء الاصل فضلا عن الكيفية، وفيه أن غاية ذلك عدم الوجوب النفسي الذي لا يلزم منه نفي الوجوب الشرطي التعبدي، بمعنى أنه لا يجب عليه القضاء ولكن إن قضى فليقضه مماثلا، وهذا الوجوب أقرب إلى الحقيقة من الاستحباب والتقييد السابقين، على أنه لا يتم في الواجب التخييري، فان المتجه على ما ذكرناه من العمل بالنصوص تعين الفرد المزبور عليه، بخلافه على القول الآخر الذي مرجعه إلى عدم تعين القران عليه بالدخول فيه، بل إن كان قبله مخيرا بينه وبين غيره فهو الآن مخير، وإن كان أحدهما متعينا عليه تعين، وإن كان المتعين عليه التمتع وانما قرن للضرورة أتى بالتمتع، والأصل في هذا القول ابن إدريس، قال في المحكي من سرائره قال شيخنا أبو جعفر في نهايته (والمحصور إن كان قد أحصر وقد أحرم بالحج قارنا فليس له أن يحج في المستقبل متمتعا، بل يدخل بمثل ما خرج منه) قال محمد بن إدريس: (وليس على ما قاله دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، بل الأصل براءة الذمة، وبما شاء يحرم في المستقبل) وتبعه في النافع وإن زاد في تفصيل ما أجمله قال: (وقيل لو أحصر القارن حج في القابل قارنا، وهو على الأفضل إلا أن يكون القران متعينا عليه بوجه) ونحوه الفاضل وغيره. والى ذلك أشار المصنف بقوله: (وقيل: يأتي بما كان واجبا) ولكن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3.

[ 159 ]

لم أجد لهم دليلا على ذلك سوى الاستصحاب المقطوع بظاهر النصوص المزبورة الذي لا قرينة على تقييده أو على إرادة الندب منه، بل ينبغي القطع بعدمه لو أريد من إطلاق الحلي ما يشمل صورة التعين الذي مقتضى الأصول والنصوص والفتاوى وجوب مراعاته، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا ما توهم من إطلاق الحلي الممكن (الذي يمكن خ ل) تنزيله على التفصيل المزبور، وإلا كان مقطوعا بفساده، وبذلك ظهر لك ان المشهور مع كونه أحوط أقوى. نعم قد يشك فيمن فرضه التمتع وقرن للضرورة ثم صد أو أحصر ثم تحلل، لانسياق النصوص المزبورة إلى خلافه، فيبقى على مقتضى الأصول. ثم إن مفروض المتن وغيره بل والنصوص هو خصوص من حج قارنا، إلا أن بعض الأصحاب كما قيل عمم وجعل فرض المسألة أعم، فان تم الاجماع على ذلك وإلا فالمتجه الرجوع إلى التفصيل المزبور الموافق للأصول السالمة هنا عن المعارض، اللهم إلا أن يقال بظهور إرادة المماثلة منها وإن كان المورد القران، بل لعله في خبر رفاعة منها لا يخصص الوارد، ومن هنا كان الاحتياط لا ينبغي تركه وإن كان الأول أقوى (وإن كان ندبا حج بما شاء من أنواعه وإن كان الاتيان بمثل ما خرج منه أفضل) والله العالم. (وروي) عن الصادق عليه السلام بعدة طرق فيها الصحيح وغيره (أن باعث الهدي تطوعا يواعد أصحابه وقتا لذبحه أو نحوه ثم يجتنب ما يجتنبه المحرم، فإذا كان وقت المواعدة أحل) و (لكن هذا لا يلبي) قال معاوية بن عمار في الصحيح (1): (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبعث بالهدي تطوعا وليس بواجب قال: يواعد أصحابه يوما فيقلدونه، فإذا كان تلك الساعة اجتنب ما يجتنبه المحرم إلى يوم النحر، فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه، فان رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 5.

[ 160 ]

حين صده المشركون يوم الحديبية نحر وأحل ورجع إلى المدينة) وقال الحلبي (1) في الصحيح أيضا: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث بهديه مع قوم سياق وواعدهم يوما يقلدون فيه هديهم ويحرمون، فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتى يبلغ الهدي محله، قلت: أرأيت إن اختلفوا عليه في الميعاد وأبطؤا في المسير عليه وهو يحتاج إلى أن يحل في اليوم الذي واعدهم فيه قال: ليس عليه جناح أن يحل في اليوم الذي وعدهم فيه) وقال هارون بن خارجة (2): (إن أبا مراد بعث ببدنة وأمر الذي بعث بها معه أن يقلد ويشعر في يوم كذا وكذا فقلت له إنه لا ينبغي أن تلبس الثياب فبعثني إلى أبي عبد الله عليه السلام وهو بالحيرة فقلت له إن أبا مراد فعل كذا وكذا وانه لا يستطيع أن يدع الثياب لمكان أبي جعفر فقال عليه السلام: مره أن يلبس الثياب ولينحر بقرة يوم النحر عن لبسه الثياب) وقال ابن مسكان (3) في الصحيح أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (ان ابن عباس وعليا عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثم يتجردان، وإن بعثا به من أفق من الآفاق واعد أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوما معلوما، ثم يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كل ما يمسك عنه المحرم، ويجتنبان كل ما يجتنبه المحرم إلا أنه لا يلبي إلا من كان حاجا أو معتمرا)


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاحصار والصد الحديث 3 عن عبد الله ابن سنان وفيه (ثم ينحران) بدل (ثم يتجردان) إلا أن الموجود في التهذيب ج 5 ص 424 الرقم 1473 كما في الجواهر. الجواهر 20

[ 161 ]

وخبر أبي الصباح الكناني (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث بهدي مع قوم وواعدهم يوما يقلدون فيه هديهم ويحرمون فيه فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتى يبلغ الهدي محله، فقلت: أفرأيت إن اختلفوا في ميعادهم وأبطأوا في المسير عليه جناح في اليوم الذي واعدهم ؟ قال: لا، ويحل في اليوم الذي واعدهم) بل عن الشيخ روايته صحيحا عن الحلبي (2) وخبر سلمة (3) عنه عليه السلام أيضا (ان عليا عليه السلام كان يبعث بهديه ثم يمسك عما يمسك عنه المحرم غير أنه لا يلبي، ويواعدهم يوما ينحرون فيه، فيحل). ومن الغريب بعد هذه النصوص المروية في كتب المشائخ الثلاثة وعمل الشيخ والقاضي بها، بل في المختلف نسبة ذلك إلى الأكثر، وغيره إلى المشهور وتعاضدها رد ابن ادريس لها قائلا (إنها أخبار آحاد لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها، وهذه أمور شرعية يحتاج مثبتها ومدعيها إلى أدلة شرعية، ولا دلالة من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، فأصحابنا لا يوردون هذا في كتبهم ولا يودعونه في تصانيفهم، وإنما أورده شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتاب النهاية ايرادا لا اعتقادا لان الكتاب المذكور كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر، كثيرا ما يورد فيه أشياء غير معمول عليها، والأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية) ورده في المختلف بأن هذه الأخبار ظاهرة مشهورة صحيحة السند عمل بها أكثر العلماء، فكيف يجعل ذلك شاذا من غير دليل، وهل هذا إلا جهل منه بمواقع الادلة ومدارك الأحكام الشرعية، وتبعه على ذلك غير واحد.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 9 من أبواب الاحصار والصد الحديث 1 - 4 - 2.

[ 162 ]

وأغرب منه احتمال بعض متأخري المتأخرين أن هذه النصوص عدا صحيح ابن خارجة منها في المصدود والمحصور، حتى الصحيح الأول منها المشتمل على الارسال تطوعا، قال لقبوله التنزيل على ما يوافق التعليل في ذيله بأن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخره، ويلائمه من الاختصاص بالمصدود، ولا كلام في الحكم فيه ولا في المحصور، بل قال أيضا منكرا على من نسب العمل بذلك إلى الكليني والصدوق: (إن ذلك مبني على ظهور الأخبار عندهما في محل البحث، وهو محل نظر) إذ هو كما ترى، فانه لم ينكر ابن ادريس دلالتها على المطلوب، وانما منعه من العمل بها أصله المعلوم بطلانه، وبه نفى أكثر الأحكام الشرعية، أو زعمه الفاسد أنها أخبار آحاد وإن تعاضدت وتعددت في حكم ندبي يتسامح في مثله، مع أنه لا زال يعمل بأحكام واجبة ومحرمة بورود بعض النصوص مدعيا خروجها عن الآحاد بالتعاضد ونحوه من القرائن التي هي أضعف مما في المقام بوجوه، فما أدري ما الذي يقع في نفسه بعد معلومية حرمة التشهي والهوى في الأحكام الشرعية، وعلى كل حال فلا مناص عن العمل بها، بل عن ظاهر الشيخ والقاضي وجوب التكفير لو فعل ما يحرم على المحرم، لما سمعته من الأمر في صحيح هارون بذبح البقرة لللبس نفسه المؤمي إلى التكفير في سائر المحرمات، بل هو المنساق من التصريح بوجوب اجتناب ما يجتنبه المحرم. لكن قال المصنف وتبعه الفاضل وغيره: (ولو أتى بما يحرم على المحرم كفر استحبابا) ولعله للأصل، واختصاص الصحيح المزبور بالبقرة لللبس نفسه، مع أنهم لا يقولون به في كفارة غيره من الاحرام الحقيقي، ولا يشكل ذلك بأنه لا دليل حينئذ على الندب الذي ذكروه، إذ يمكن أن يكون وجهه بعد التسامح الخروج عن شبهة الخلاف، إلا أن ذلك كما ترى، مضافا إلى

[ 163 ]

أن الاستحباب المزبور إن كان لعدم وجوب ما يجب على المحرم كما صرح به ثاني الشهيدين وحكم بالكراهة الشديدة كانت النصوص المزبورة صريحة في خلافه، والتصرف فيها بلا قرينة مناف للقواعد الشرعية، وإن كان مع القول بوجوب ما يجب على المحرم عليه ففيه أن المنساق من الوجوب المزبور جريان حكم المحرم عليه من الكفارة ونحوها، ولذا لم يستثن في بعضها إلا التلبية، فلا ريب في أن الأحوط إن لم يكن أقوى اعتبار كفارات الاحرام. نعم ينبغي اختصاص مورد المسألة ببعث الهدي نفسه لا ثمنه، لأن هذه الكيفية المتلقاة من الشارع ومن فعل أمير المؤمنين عليه السلام الذي يجب التأسي به، خلافا لثاني الشهيدين فساوى بينهما في ذلك للمرسل (1) في الفقيه عن الصادق عليه السلام (ما يمنع أحدكم أن يحج كل سنة ؟ فقيل: لا تبلغ ذلك أموالنا فقال: أما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن يبعث معه بثمن أضحية ويأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت ويذبح عنه، فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه وتهيأ وأتى المسجد ولا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس) وفيه أن الظاهر كون ذلك صورة أخرى غير الصورة السابقة كما اعترف به غير واحد، لعدم ذكر المواعدة فيه ولا إشعار الهدي ولا اجتناب ما يجتنبه المحرم، والثياب المأمور بها في يوم عرفة الثياب التي تلبس يوم الجمعة والعيد، واحتمال تقييد النصوص الأولى به بالنسبة إلى هذا الحكم فرع اتحاد الموضوع، وقد عرفت أنه مختلف فيها، ففي تلك الهدي وفي هذا الثمن، وأحدهما غير الآخر، ومن هنا جعله غير واحد كيفية أخرى، ولا بأس به بعد التسامح في أدلة السنن. ثم إن إطلاق النصوص الهدي يقتضي التخيير بين النعم الثلاثة، نعم ينبغي إحراز الشرائط التي سمعتها من السن وغيره، وإن كان هدي البعيد لا يصل


(1) الوسائل - الباب 9 من أبواب الاحصار والصد الحديث - 6.

[ 164 ]

منه إلا البدن التي قد سمعت إهداء أبي مراد لها، ولعل المنساق من المواعدة في النصوص التقدير التخميني لبلوغ الميقات الذي يحرمون منه ويشعرون ويقلدون، ولكن في المسالك (لا فرق في يوم المواعدة باشعاره أو تقليده بين كونه وقت إحرامهم وغيره، لاطلاق النص، ولا بين كونه بعد تلبسهم بالحج أو قبله، ولا بين كون الزمان الذي بينه وبين يوم النحر طويلا أو قصيرا، للاطلاق في ذلك كله، وينبغي أن يكون قبل زوال عرفة ليتهيأ للتعريف محرما، ولو كان بعدها فالظاهر الاجزاء، ويمكن استفادته من قوله عليه السلام في الخبر السابق: (فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه) فان الثياب عرفا شاملة للمخيط أو يمكن أن يريد بها ثياب الاحرام، وهو الأولى) ولا يخفى عليك ما فيه، خصوصا ما ذكره أخيرا، فانه مبني على إدراج المرسلة في روايات المسألة، وقد عرفت ما فيه، وكذا ما فيها أيضا من أنه (لو اقتصر على مواعدتهم لذبحه أو نحره من غير إشعار ولا تقليد ففى تأدي الوظيفة به وجه، لعدم ذكره في الخبر السابق وإن ذكر في غيره من الأخبار، وعبارة المصنف هنا تدل عليه، فانه اقتصر على ذكر المواعدة للذبح، وعلى هذا يكون (يمكن ظ) سقوط أحكام الاحرام من التجرد من المخيط وغيره، ويمكن الاجتزاء بالتحرم متى شاء قبل وقت المواعدة للذبح ولو لحظة، والموجود في الفتاوى الاحرام عند المواعدة بالتقليد) قلت هو المنساق من النصوص، بل هو صريح صحيح هارون بن خارجة الذي يجب الاقتصار على ما فيه من الكيفية التي هي المتيقن ثبوتها من الأدلة، بل هو مقتضى الجمع بينها وبين إطلاق غيرها من النصوص التي قد عرفت خروج المرسل عنها. بل من الصحيح المزبور يستفاد لبس ثوبي الاحرام واجتناب ما يجتنبه المحرم إلى وقت المواعدة بالذبح، فما في المسالك من احتمال الاجتزاء

[ 165 ]

باجتناب تروك الاحرام من غير أن يلبس ثوبيه، لأن ذلك هو مدلول النصوص، وتظهر الفائدة فيما لو اقتصر على ستر العورة أو جلس في بيته عاريا ونحو ذلك أما الثياب المخيطة فلابد من نزعها وكذلك كشف الرأس ونحوه - لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد ملاحظة الانسياق في النصوص والفتاوى، بل الظاهر اعتبار النية في هذه العبادة وإن كانت هي الداعي عندنا. وأما مصرفه الذي لا ريب في سقوط الأكل منه فيه ففي المسالك هنا بعد أن ذكر مصرفه الفقراء والمساكين بتلك البقعة قال: (ويمكن اعتبار الاهداء والصدقة لامكانهما والاكتفاء بالذبح خاصة كهدي القران غير الواجب بنذر وشبهه لأصالة البراءة مما زاد على الذبح، والنصوص والفتاوى خالية من بيان مصرفه وزمانه ومكانه) قلت: لعل الأخير هو المتجه عملا باطلاق النصوص، كما أن مقتضاه في الزمان يوم النحر المصرح به في النصوص المنساق منها كون مكانه منى، كما أنك قد سمعت التصريح من بعضهم بعدم البأس مع الخلف في الميعاد نحو ما سمعته في المحصور، والله العالم. ((المقصد الثاني في أحكام الصيد)) المحرم على المحرم وفي الحرم والمحلل له وجملة مما يتعلق به من أحكام الكفارات، فنقول: (الصيد هو الحيوان الممتنع) حلالا أو حراما كما في القواعد مع زيادة بالأصالة التي يمكن إرادة المصنف لها أيضا ولو بدعوى انسياقها من إطلاق الممتنع، فلا يرد حينئذ دخول ما توحش من الأهلي وامتنع كالابل والبقر ونحوهما مما قتله جائز إجماعا محكيا في المسالك وغيرها بل ومحصلا، ولا خروج ما استأنس من الحيوان البري كالظبي ونحوه مما

[ 166 ]

لا يجوز قتله إجماعا محكيا في المسالك وغيرها بل ومحصلا بل عن الراوندي هو أي التعريف بما سمعت مذهبنا مشعرا بالاجماع عليه، وما عن المبسوط والتذكرة من الاتفاق على عدم حرمة قتل الذئب والفهد والنمر لا ينافي دخولها في اسم الصيد وإن حلت، كما أنه لا ينافيه أيضا اقتصار المصنف على حرمة الثعلب والارنب والضب واليربوع والقنفذ والزنبور من غير المأكول، إذ أقصاه أن ما عداها صيد حلال، لا أنها ليست بصيد فيكون تخصيصا لقوله تعالى (1) (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) كما عساه يشهد له ما ينسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: صيد الملوك ثعالب وأرانب * وإذا ركبت فصيدي الأبطال - وقول العرب: (سيد الصيد الأسد) وقول شاعرهم (ليث تردى زبية فاصطيدا) مضافا إلى خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى (3): (ومن عاد فينتقم الله منه) قال: إن رجلا انطلق وهو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار إلى وجهه وجعل الثعلب يصيح ويحدث من استه، وجعل أصحابه ينهونه عما يصنع، ثم أرسله بعد ذلك فبينما الرجل نائم إذ جائته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلته) ولا قائل بالفرق، ولعله لذا عد الحلبي فيما حكي عنه مما يجتنبه المحرم الصيد والدلالة عليه وقتل شئ من الحيوان عدا الحية والعقرب والفأرة والغراب ما لم يخف شيئا منه. (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط، بل عن بعض نسبته إلى الأكثر، بل اختاره المصنف في النافع: (يشترط أن يكون


(1) سورة المائدة الآية 96. (2) الوسائل - الباب 8 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1. (3) سورة المائدة الآية 96.

[ 167 ]

حلالا) ولا ينافيه إيجاب الكفارة في الثعلب والارنب والقنفذ واليربوع والضب لامكان كون ذلك لخصوص نصوصها لا لأنها صيد، بل قد يشهد له أن المتبادر من قوله تعالى (1): (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) أكله، ولا اختصاص لحرمة المحرم منه بالمحرم، وكذا قوله تعالى (2): (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فان المحرمات ليست كذلك مع أصل الحل والبراءة، بل لا ينكر ظهور سياق الآية الأخيرة في التلازم بين حرمة قتل الصيد ولزوم الكفارة، وأنه مسبب عنها وكذلك ظاهر الأخبار الكثيرة المعتبرة، كالصحيح (3) (لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام، ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده، ولا تشر إليه فيستحل من أجلك، فان فيه الفداء لمن تعمده) وفي الآخر (4) (المحرم لا يدل على الصيد، فان دل فعليه الفداء) وهذا التلازم لا يتم إلا على تقدير تخصيص الصيد بالمحلل منه، فانه الذي وقع الاجماع نصا وفتوى على التلازم فيه كليا دون غيره، فلم يثبت التلازم كذلك بل صرح الشيخ في محكي المبسوط بأنه لا خلاف أي بين العلماء في عدم وجوب الجزاء في قتل الحيلة والعقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب والذئب، وانه لا يجب الجزاء عندنا في الجوارح من الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحو ذلك والسباع من البهائم كالأسد والنمر والفهد وغير ذلك، وقال: (في قتل المتولد بين ما يجب الجزاء فيه وما لا يجب فيه ذلك كالسمع وهو المتولد بين الضبع والذئب، والمتولد بين الحمار الأهلي وحمار الوحش يجب الجزاء فيه عند من خالفنا، ولا نص لأصحابنا فيه، فالأولى أن نقول لا جزاء فيه، لأنه


(1) و (2) سورة المائدة الآية 97 - 96. (3) و (4) الوسائل - الباب 1 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1 - 3 وفى الثاني (فان دل عليه فقتل فعليه الفداء).

[ 168 ]

لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة) انتهى، فلو كان صيد هذه الأنواع المحرمة محرما للزم فيه الفداء بمقتضى ما مر من التلازم الظاهر من الآية والأخبار، والتالي باطل لما عرفت من الاجماع، فتعين أن المراد بالصيد المحرم عليه إنما هو المحلل منه دون المحرم، وإلا للزم إما الفداء فيه مطلقا، وهو خلاف الاجماع كما مضى، أو رفع اليد عن التلازم بين الأمرين الظاهر من الآية والأخبار كما قدمناه، ولا سبيل إليه أيضا، فان تخصيص الصيد فيهما بالمحلل أولى من رفع اليد عن التلازم المستفاد منهما، سيما وأن التخصيص ولو في الجملة لو عم الصيد لازم أيضا قطعا، والخبر المتقدم في تفسير الآية المشتمل على الثعلب ضعيف، وإشعار عبارة الراوندي بالاجماع موهون بما عرفت من الحكاية عن الأكثر التخصيص بالحلال، فلا مستند حينئذ لدعوى العموم في الصيد. لكن قد يناقش في ذلك كله بأنه لا ينافي العموم في مفهوم الصيد لغة وعرفا بعد تسليم كون المنساق من الكتاب خصوصا الآية الأخيرة إرادة خصوص المأكول منه، إذ أقصاه ثبوت الجزاء له على الاطلاق، بخلاف غيره فانه يتوقف على الدليل وإن كان اصطياده محرما على المحرم، لاندراجه في مفهوم الصيد المحرم عليه بغير الآية من معقد إجماع ونحوه، كما أنه بعد تسليم عدم اندراجه في الصيد يمكن الاستناد في حرمته إلى نحو قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) الذي عبر بمضمونه في محكي المقنع (إذا أحرمت فاتق الدواب كلها إلا الأفعى والعقرب والفأرة، فأما الفأرة فانها توهي السقا وتحرق


(1) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4 والكافي ج 4 ص 363. الجواهر - 21

[ 169 ]

أهل البيت، وأما العقرب فان نبي الله صلى الله عليه وآله مد يده إلى الجحر فلسعته عقرب، فقال: لعنك الله لا برا تدعين ولا فاجرا، والحية إذا أرادتك فاقتلها، وإن لم تردك فلا تردها، والكلب العقور والسبع إذا أراداك فاقتلهما، فان لم يريداك فلا تردهما، والأسود الغدر فاقتله على كل حال، وارم الحدأة والغراب رميا عن ظهر بعيرك) وفي صحيح حريز (1) (كلما خاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرهما فليقتله، ولو لم يردك فلا ترده) وفي خبر محمد بن الفضيل (2) سأل أبا الحسن عليه السلام (عن المحرم وما يقتل من الدواب فقال: يقتل الأسود والأفعى والفأرة والعقرب وكل حية، وإن أرادك السبع فاقتله، وإن لم يردك فلا تقتله، والكلب العقور إن أرادك فاقتله، ولا بأس للمحرم أن يرمي الحداة) وفي خبر حنان بن سدير (3) عن أبي جعفر عليه السلام الذي رواه مع سابقه في الفقيه قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل الفأرة في الحرم والأفعى والعقرب، والغراب الأبقع ترميه، فان أصبته فأبعده الله، وكان يسمي الفأرة الفويسقة، وقال: إنها توهي السقا وتضرم البيت على أهله) وفي حسن الحلبي (4) (تقتل في الحرم والاحرام الأفعى والأسود الغدر وكل حية سوء والعقرب والفأرة، وهي الفويسقة، وترجم الغراب والحدأة رجما، فان عرض لك اللصوص امتنعت منهم) وحسن ابن أبي العلاء (5) عن الصادق عليه السلام أيضا (يقتل المحرم الأسود الغدر والأفعى والعقرب والفأرة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله سماها الفاسقة والفويسقة، ويقدف الغراب، وقال: أقتل كل واحد منهن يريدك) وخبر أبي البختري (6) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام (يقتل المحرم ما عدا عليه من سبع وغيره، ويقتل الزنبور والعقرب والحية والنسر والذئب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 10 - 11 - 6 - 5 - 12.

[ 170 ]

والأسد، وما خاف أن يعدو عليه من السباع والكلب العقور) ومرسل المقنعة (1) قال: (سئل عن قتل الذئب والأسد فقال: لا بأس بقتلهما للمحرم إن أراداه، وكل شئ أراده من السباع والهوام فلا حرج عليه في قتله) وخبر غياث بن إبراهيم (2) عن الصادق عليه السلام (يقتل المحرم الزنبور والنسر والأسود الغدر والذئب وما خاف أن يعدو عليه، وقال: الكلب العقور هو الذئب) إلى غير ذلك مما يفهم ولو من جهة القرائن الرخصة فيها دون غيرها. بل ربما استدل بقوله عليه السلام - في خبر عمر بن يزيد (3) (واجتنب في إحرامك صيد البر كله) إلى آخره، وقوله عليه السلام في حسن الحلبي أو صحيحه (4) (لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام، ولا وأنت حلال في الحرم) - على تناول الصيد للمحرم وإن كان لا يخلو من نظر، كالاستدلال بما ورد من النصوص في الكفارات لأنواع المحرمات كالثعلب والأرنب كما ستعرف إنشاء الله، نعم قد يستأنس له بما ذكرناه في كتاب الصيد من احتمال جريان حكمه بالكلب وبالآلة الجمادية في الممتنع من غير المأكول على معنى الاستفادة بذلك خروجه عن الميتة، كما عساه يشهد له موثق سماعة (5) (عن جلود السباع ينتفع بها قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده) مضافا إلى عدم


(1) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 13. (2) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 8 وفيه غياث بن ابراهيم عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 1. (5) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب النجاسات الحديث 2 من كتاب الطهارة.

[ 171 ]

اختصاص منفعة الصيد بالأكل، ضرورة إمكان إرادة الانتفاع بجلده ونحوه، فلاحظ وتأمل، هذا، وقد سمعت ما عن الحلبي، وفي محكي النهاية أنه لا يجوز له قتل شئ من الدواب ثم استثناء ما يخافه على نفسه كالسباع والهوام والحيات والعقارب، ونحوه السرائر، وفي محكي الخلاف (أنه لا كفارة في جوارح الطير والسباع صالت أم لا إلا الأسد ففيه كبش على ما رواه بعض أصحابنا (1)) وفي محكي التهذيب (لا بأس بقتله جميع ما يخافه من السباع والهوام من الحيات والعقارب وغيرها، ولا يلزمه شئ، ولا يقتل شيئا من ذلك إذا لم يرده) قلت قد سمعت بعض النصوص الدالة على ذلك الذي يحمل عليه إطلاق الرخصة في غيره، ويأتي فيها وفي جوارح الطير بعض الكلام إنشاء الله. وفي محكي المبسوط (الحيوان على ضربين مأكول وغير مأكول، فالمأكول على ضربين إنسي ووحشي، فالانسي هو النعم من الابل والبقر والغنم فلا يجب الجزاء بقتل شئ منه، والوحشي هو الصيود المأكولة مثل الغزلان وحمر الوحش وبقر الوحش وغير ذلك، فيجب الجزاء في جميع ذلك على ما نبينه بلا خلاف، وما ليس بمأكول فعلى ثلاثة أضرب: أحدها لا جزاء فيه بالاتفاق، وذلك مثل الحية والعقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب والذئب والثاني يجب فيه الجزاء عند من خالفنا، ولا نص لأصحابنا فيه والأولى أن نقول لا جزاء فيه، لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة، وذلك مثل المتولد بين ما يجب الجزاء فيه وما لا يجب فيه ذلك كالسمع، وهو المتولد بين الضبع والذئب، والمتولد بين الحمار الأهلي وحمار الوحش، والضرب الثالث مختلف فيه، وهو الجوارح من الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحو ذلك والسباع من البهائم كالأسد والنمر والفهد وغير ذلك، فلا يجب الجزاء


(1) الوسائل - الباب 39 - من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 172 ]

عندنا في شئ منه، وقد روي أن في الأسد خاصة كبشا، ويجوز للمحرم قتل جميع المؤذيات كالذئب والكلب العقور والفأر والعقارب والحيات وما أشبه ذلك، ولا جزاء عليه، وله أن يقتل صغار السباع وإن لم يكن محذورا منها، ويجوز له قتل الزنابير والبراغيث والقمل إلا أنه إذا قتل القمل على بدنه لا شئ عليه، وإن أزاله عن جسمه فعليه الفداء، والأولى أن لا يعرض له ما لم يؤذه - ثم ذكر - أن من قتل زنبورا أو زنابير خطأ لا شئ عليه، فان قتل عمدا تصدق بما استطاع - وذكر أيضا - أن من أصاب ثعلبا أو أرنبا فكمن أصاب ظبيا، وإن أصاب يربوعا أو قنفذا أو ضبا أو شبهه كان عليه جدي) قلت: ستعرف إنشاء الله تفصيل الكلام في ذلك كله. وفي محكي الوسيلة (والصيد حلال اللحم وحرامه، والحرم اللحم مؤذ وغير مؤذ، فالمؤذي لا يلزم بقتله شئ سوى الأسد إذا لم يرده، فان قتله ولم يرده لزمه كبش، وغير المؤذي جارحة وغير جارحة، فالجارحة جاز صيدها وبيعها في الحرم وإخراجها منه، وغير الجارحة يحرم صيدها ويلزم بالجناية عليها الكفارة، والحلال اللحم صيد بحر، ولا حرج فيه بوجه، وصيد بر وخطأه في حكم العمد في الكفارة) وفي الدروس هو أي الصيد الحيوان المحلل إلا أن يكون أسدا أو ثعلبا أو أرنبا أو ضبا أو قنفذا أو يربوعا الممتنع بالأصالة البري، فلا يحرم قتل الضبع والنمر والصقر وشبهها والفأرة والحية، ولا رمي الحدأة والغراب عن البعير ولا الحيوان الأهلي ولو صار وحشيا، ولا الدجاج وإن كا حبشيا، ولا يحل الممتنع بصيرورته إنسيا) ولا يخفى عليك الموافق من هذه الكلمات لما ذكرناه والمخالف، وتسمع إنشاء الله تمام الكلام والله الموفق والهادي. (و) من هنا كان (النظر فيه يستدعي فصولا: الأول الصيد قسمان فالأول

[ 173 ]

منهما ما لا يتعلق به كفارة) لكونه جائزا (كصيد البحر) المعلوم جوازه كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا بقسميه، بل هو كذلك بين المسلمين كما في المنتهى فضلا عن المؤمنين (وهو ما يبيض ويفرخ) بضم حرف المضارعة وكسر العين أو فتح الفاء وتشديد الراء (في الماء) معا، وبحكم ذلك التوالد كما تقدم الكلام فيه مفصلا، ومن المعلوم أن ذلك ميزان لما يعيش فيهما، أما ما لا يعيش إلا في أحدهما فهو من صيده من غير إشكال. (ومثله) في الجواز عندنا (الدجاج الحبشي) المسمى بالسندي والغرغر، وفي المسالك قيل: إنه طائر أغبر اللون في قدر الدجاج الأهلي، أصله من البحر، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض كالنصوص منها صحيحا معاوية (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدجاج الحبشي فقال: ليس من الصيد، إنما الطير ما طار بين السماء والأرض وصف) ومنها صحيح جميل ومحمد بن مسلم (4) قالا: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الدجاج السندي يخرج به من الحرم فقال: نعم، لأنها لا تستقل بالطيران) إلى غير ذلك من النصوص العامة لاباحة كل ما لا يصف والخاصة للدجاج الحبشي، بل منها يستفاد أنه ليس بصيد، لعدم امتناعه، خلافا للمحكي عن الشافعي فحرمه، قال: لأنه وحشي يمتنع بالطيران وإن كان ربما يألف البيوت وهو الدجاج البري قريب من الأهلي في الشكل واللون يسكن في الغالب سواحل البحر، وهو كثير ببلاد المغرب يأوي مواضع الطرفاء ويبيض فيها، ويخرج فراخه كيسة كاسبة


(1) سورة المائدة الآية 97. (2) الوسائل - الباب 6 من أبواب تروك الاحرام. (3) الوسائل - الباب 40 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 و 7. (4) الوسائل الباب 40 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 174 ]

تلتقط الحب من ساعتها كفراخ الدجاج الأهلي، ولا يخفى عليك ما فيه بعد ما سمعته عن الصادقين عليهما السلام، وعن الأزهري (كانت بنو إسرائيل من أهل تهامة أغنى الناس على الله تعالى فقالوا قولا لم يقله أحد، فعاقبهم الله بعقوبة ترونها الآن بأعينكم، جعل رجالهم القردة، وبرهم الذرة، وكلابهم الأسود، ورمانهم الحنظل، وعنبهم الاراك، وجوزهم السرو، ودجاجهم الغرغر، وهو دجاج الحبش، لا ينتفع بلحمه لرائحته) وعن التهذيب لاغتذائه بالعذرة. (وكذا) لا كفارة ولا حرمة في ذبح (النعم) وأكلها إجماعا أو ضرورة، بل (ولو توحشت) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه منا عليه، بل عن المنتهى نسبته إلى علماء الأمصار، مضافا إلى الأصل وإطلاق النصوص (1) الدالة على جواز ذبحها وذبح الدجاج في الحرم وللمحرم، وبالعكس ينعكس الحكم بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل قد سمعت الاجماع عليه، بل هو محصل، مضافا إلى الأصل والاطلاق، فما عن مالك من عدم الجزاء للمستأنس منه في غير محله، كالمحكي عن المزني من عدم الجزاء أيضا في المملوك منه، ضرورة منافاته لاطلاق الأدلة الذي لا فرق فيه بين المملوك منه وغيره، بل يزداد المملوك إذا أتلفه القيمة لمالكه مع الجزاء، أو ما بين قيمته حيا ومذبوحا، ولا فرق في حرمة الاتلاف بين الجميع وأبعاضه، فكما يحرم إتلافه يحرم إتلاف بعضه ككسر قرنه أو يده أو نحو ذلك للنصوص (2) ولحرمة تنفيره الذي هو دون ذلك، والله العالم. (ولا كفارة) أيضا (في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة) أرادتك أو لم تردك (إلا الأسد فان على قاتله كبشا إذا لم يرده على رواية فيها ضعف)


(1) الوسائل - الباب 82 من أبواب تروك الاحرام. (2) الوسائل - الباب 28 من أبواب كفارات الصيد.

[ 175 ]

بلا خلاف أجده في المستثنى منه، بل عن صريح الخلاف وظاهر المبسوط والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الأصل، وأما المعتبرة المستفيضة المبيحة لقتلها إذا أرادته أو خشيها على نفسه التي منها ما سمعته سابقا، ومنها قول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر عبد الرحمان العرزمي (1) (يقتل المحرم كلما خشيه على نفسه) وفي خبر أبي البختري (2) المروي عن قرب الاسناد للحميري (يقتل المحرم ما عدا عليه من سبع أو غيره، ويقتل الزنبور والحية والنسر والذئب والأسد وما خاف أن يعدو عليه من السباع والكلب العقور) وقول الصادق عليه السلام في خبر غياث بن إبراهيم (3) (يقتل المحرم الزنبور والأسود الغدر والذئب وما خاف أن يعدو عليه) - فلا دلالة فيها على نفي الكفارة، ضرورة عدم التلازم بين الجواز ونفيها لو كان هناك دليل يقتضيها، بل لا دلالة فيها على الاباحة مطلقا، فالاستدلال بها على المطلوب لا يخلو من نظر، بل ربما استدل أيضا بصحيح معاوية أو حسنه (4) (أتى الصادق عليه السلام فقيل له إن سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شئ من حمام الحرم إلا ضربه، فقال: انصبوا له واقتلوه، فانه ألحد في الحرم) ولكن قد يشكل بأن تعليله يقتضي التخصيص وبالصحيح (5) ان ابن أبي عمير أرسل عن الصادق عليه السلام أنه سئل (عن رجل أدخل فهده إلى الحرم فقال: هو سبع، وكلما أدخلت من السبع الحرم أسيرا فلك أن تخرجه) وعن حمزة بن


(1) و (2) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 7 - 12. (3) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 8 عن غياث بن ابراهيم عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الوسائل - الباب 42 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (5) الوسائل - الباب 41 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 176 ]

اليسع (1) صحيحا أنه سأله عليه السلام (عن الفهد يشترى بمنى ويخرج به من الحرم فقال: كلما أدخل الحرم من السبع مأسورا فعليك إخراجه) ويشكل أيضا بعدم دلالتهما على المفروض، ونحو ذلك ما عن التذكرة والمنتهى من الاستدلال بقوله في صحيح حريز (2) (كلما يخاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله، وإن لم يردك فلا ترده) وبما روته العامة (3) من أمر النبي صلى الله عليه وآله بقتل خمس في الحرم أو نفي الجناح عن قتلهن: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور، قال: (نص من كل جنس على صنف من أدناه تنبيها على الأعلى، ودلالة على ما في معناه، فنبه بالحدأة والغراب على البازي والعقاب وشبههما، وبالفأرة على الحشرات، وبالعقرب على الحية، وبالكلب العقور على السباع) فانه لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، بل لا يبعد كون الثاني جريا على مذاق العامة، فالعمدة حينئذ في نفي الكفارة ما عرفت. وأما الجواز وعدمه فلا ينبغي التأمل فيه مع الخشية على النفس، لما سمعته من النص والفتوى، وأما مع عدمها فمقتضى ما سمعته من النصوص من النهي الحرمة، ولا داعي إلى حمله على الكراهية بعد عدم ثبوت الاعراض عنه سيما بعدما سمعت من الصدوق وغيره مما ظاهره العمل به، وفي محكي المقنعة وسئل أي الصادق عليه السلام (4) (عن قتل الذئب والأسد فقال: لا بأس بقتلهما


(1) الوسائل - الباب 41 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6. (2) الوسائل - الباب 81 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1. (3) سنن البيهقي ج 5 ص 209. (4) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 13. الجواهر 22

[ 177 ]

للمحرم إذا أراداه، وكل شئ أراده من السباع والهوام فلا حرج عليه في قتله) وفي محكي المراسم (فأما قتل السباع والذئاب والهوام وكل مؤذ فان كان على جهة الدفع عن المهجة فلا شئ عليه، وإن كان خلافه فلا نص في كفارته، فليستغفر الله منه). ومن ذلك مضافا إلى ما قدمناه سابقا يظهر لك النظر فيما في الرياض من وجوه، قال: (بقي الكلام في حرمة قتله، ولا ريب فيها على القول بلزوم الكفارة، ويشكل فيها على القول بالعدم، من الأصل بناء على المختار من اختصاص الصيد المحرم في الكتاب والسنة بالمحلل، ومن ورود النهي عن قتله إذا لم يرده فيما مر من الصحيح وغيره، لكنه فيهما يعم الأسد وغيره، ولم أعثر بقائله، مضافا إلى ورود مثله في الحية، وقد عرفت أنه محمول على الكراهة فالقول بها أيضا هنا لا يخلو من قوة، سيما ان ظاهر جماعة التلازم هنا بين نفي الكفارة وثبوت إباحة القتل وبالعكس كالفاضل في المنتهى والمختلف وغيره) إذ قد عرفت منع اختصاص الصيد بالمحلل، وأنه بعد تسليمه لا ينافي تحريمه للنصوص وإن لم يكن صيدا، وأنه لا تلازم بين نفي الكفارة وبين الجواز، بل ولا بينها وبين الحرمة، فقد يكون الشئ جائزا وإن وجبت به الكفارة كما عرفت وتعرف إنشاء الله، ومنه يعلم أنه لا دلالة في نفي الكفارة في المتن على الجواز، خصوصا بعد أن سبق منه تعميم الصيد للمحرم، وعدم الكفارة والجواز في سابقه لا يقضي بمساواة السباع له، فلا ريب في أن الأحوط والأقوى عدم قتل شئ منهن إذا لم يردنه، كما أن الأحوط والأقوى عدم قتل شئ من سباع الطير مع عدم إيذائهن في الحرم. هذا كله في المستثنى منه أما المستثنى فقد ذكر المصنف أن فيه رواية

[ 178 ]

فيها ضعف مشيرا بذلك الى خبر أبي سعيد المكاري (1) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل قتل أسدا في الحرم قال: عليه كبش يذبحه) وهو - مع ضعفه واختصاصه بالحرم، ولذا اقتصر عليه في الدروس محلا كان أو محرما - خال عن التقييد بعدم الارادة وإن قيده الشيخ بذلك جمعا بينه وبين غيره المجوز لقتله مع الارادة، وفيه أنه لا تنافي بينها وبين الجواز وإن وافقه على ذلك القاضي وابن حمزة وغيرهما على ما حكي، بل عن ابن زهرة الاجماع على الكفارة إذا لم يرده، وعن المبسوط والخلاف أن عليه كبشا، بل عن الأخير الاجماع عليه، ولعله لذا أسقطه الفاضل في محكي المنتهى مطلقا كالمحكي عن ابن إدريس واستحبها في محكي المختلف. ولكن قد يناقش بأن الخبر وإن كان ضعيفا ولكنه معتضد بالمحكي عن الفقه المنسوب (2) إلى الرضا عليه السلام (وإن كان الصيد أسدا ذبحت كبشا) وبما سمعته من الاجماعين في الغنية والخلاف، وبما قيل من أن كل ما يحرم قتله في الحرم يحرم قتله على المحرم، وإن كان فيه بعد تسليمه أنه لا يقتضي التلازم في الكفارة التي هي محل البحث، فالعمدة حينئذ في ثبوتها الاجماعان المزبوران مع عدم الارادة، وإطلاق إجماع الخلاف معها أيضا، إذ لم نعثر على غير الخبر المزبور كما اعترف به غير واحد وإن أرسله المصنف والفاضل، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى، وخصوصا إذا كان في الحرم للخبر المزبور، والله العالم. (وكذا لا كفارة) عند الشيخ (فيما تولد بين وحشي وإنسي أو بين ما يحل للمحرم وما يحرم) عليه، وقد سمعت عبارة المبسوط ولعله للأصل


(1) الوسائل - الباب 39 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) المستدرك - الباب 28 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 179 ]

ونحوه (و) لكن لا يخفى عليك أنه (لو قيل يراعى الاسم كان حسنا) بل جزم به الفاضل ومن تأخر عنه، بل الظاهر ذلك أيضا في المتولد بين المتفقين، ضرورة كونه المدار بعد أن كان هو العنوان ما لم يعارضه غيره، نعم لو انتفى عنه الاسمان وكان له اسم آخر كالسمع المتولد بين الذئب والضبع والمتولد بين الحمار الوحشي والأهلي ففي القواعد وكشفها (إن دخل فيما امتنع جنسه بالأصالة كالسمع حرم، وإلا فلا، دخل في غيره أم لم يعهد له جنس) وإليه أشار في المسالك بقوله: (إن لم يكن ممتنعا فلا شئ، وإن كان ممتنعا قيل يحرم، وفيه نظر، لانه ليس بمحلل، فلا يكفي وصف الامتناع فيه، فان التحريم مشروط بامتناع المحلل والمحرمات المذكورة، وهذا ليس منها) قلت: من ذلك يعلم أن المتجه بناء الحكم فيه على المسألة السابقة، بل منه يعلم الحرمة وإن لم يكن ممتنعا بناء على حرمة قتل كل دابة على المحرم إلا ما استثني وإن لم يطلق عليه اسم الصيد لعدم إمتناعه، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (ولا بأس بقتل الأفعى والعقرب والفأرة) كما صرح به غير واحد، بل عن الغنية إجماع الطائفة، بل عن المبسوط اتفاق الأمة، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1) في الثلاثة، وفي الدعائم (2) عن جعفر بن محمد عن علي عليهم السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله أباح قتل الفأرة في الحرم والاحرام) فما في محكي السرائر من إطلاق عدم جواز قتل المحرم شيئا من الدواب في غير محله، نعم قد سمعت سابقا قول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (3) (كلما خاف المحرم


(1) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام. (2) المستدرك - الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

[ 180 ]

على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله وإن لم يردك فلا ترده) وفي خبر ابن عمار (1) (والحية إن أرادتك فاقتلها، وإن لم تردك فلا تردها) بل وغيرهما من النصوص السابقة الناهية صريحا وظاهرا عن قتل ما لم يرده، ولكن التدبر فيها أجمع يقتضي الجواز في هذه الثلاثة والأسود الغدر الذي هو قسم من الحيات المصرح في النص بقتله على كل حال، مع أنه لا قائل بالتفصيل في الحيات، فلابد حينئذ من الجمع بينها بحمل النهي عن القتل مع عدم الارادة على الكراهة، ضرورة أولويته من تقييد إطلاق النهي الذي هو كالصريح في بعض النصوص السابقة بعدم إرادة المقيد منه ولو من جهة الاقتصار في التقييد فيه على السباع خاصة، خصوصا بعد عدم المقاومة من وجوه، منها الشهرة العظيمة على الاطلاق، بل لعل إطلاق ابن إدريس عدم جواز قتل شئ من الدواب من الشواذ، لمعلومية إباحة القتل مع الخوف على النفس نصا وفتوى، والله العالم. (و) كذا يستفاد أيضا من النصوص السابقة أنه لا بأس أن (يرمى الحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال مع الهمز المحرك نحو عنبة (والغراب رميا) في الحرم والاحرام فضلا عن غيرهما، بل وعن ظهر البعير وغيره كما هو مقتضى إطلاق المتن وغيره، وإن ذكر الأول في صحيح معاوية (2) لكنه غير مناف لاطلاق غيره، فما عن المنتصر من التعبير بالرمي عن ظهر البعير في غير محله إن أراد التقييد، نعم ظاهر النصوص المزبورة جواز رميهما لا قتلهما إلا إذا اتفق إفضاء الرمي إليه، خلافا للمحكي عن المبسوط فجوز قتلهما، بل يظهر منه الاجماع عليه، وإن كان ربما يؤيده ما سمعته من قول


(1) و (2) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 - 2.

[ 181 ]

الصادق عليه السلام في خبر حنان بن سدير (1) في الغراب الأبقع الذي دعا عليه بالابعاد، بل في فوائد الشرائع للكركي تقييد جواز الرمي للغراب بالمحرم الذي هو من الفواسق الخمس دون المحلل الذي هو محترم، وليس من الفواسق بل في الرياض (لا بأس به إن لم نقل بحرمته مطلقا، لاطلاق ما دل على حرمة الصيد من الكتاب والسنة المتواترة الشامل لما حل من الغراب، وتقييده بما عدا الغراب لهذين الصحيحين وإن أمكن لكنه ليس بأولى من تقييد إطلاقهما بما عدا المحلل، فان التعارض بينهما وبين نحو الكتاب من وجه، بل هو أولى لقطعية الكتاب ونحوه، وإشعار بعض النصوص السابقة باباحة القتل وآخر بالتقييد أيضا، على أن الجمع الأول مبني على عدم القول بتحريم الغراب مطلقا، ولكنه كما سيأتي خلاف التحقيق، وأن الأصح تحريمه مطلقا، وحينئذ فالأظهر إباحة رمي الغراب مطلقا، لعدم التعارض بين الأدلة ضرورة كونهما متباينين، فلا موجب لتقييد أحدهما بالآخر، مضافا إلى إمكان التأمل في دعوى تعارض العموم من وجه، بل النسبة بينهما إما التباين الكلي، أو العموم والخصوص المطلق، الأول في الكتاب، والثاني فيهما، فتدبر وتأمل) وفيه أنه تطويل بلا حاصل، لما عرفت سابقا من عموم الصيد للمحلل والمحرم، ومقتضاه عدم الفرق بين الحدأة والغراب وغيرهما، كما أن مقتضاه عدم الفرق بين القتل والتنفير وغيرهما من أنواع الأذى، لكن للنصوص السابقة جاز رمي الغراب والحدأة بأفرادهما عن ظهر البعير أو مطلقا، ولا ريب في أنه خاص بالنسبة إلى ذلك مطلقا، بل إن قلنا إن المحرم في الكتاب خصوص أكل الصيد أو قتله كان بينهما التباين، فلا تعارض، فالمتجه حينئذ إطلاق جواز الرمي للحدأة والغراب مطلقا، كما هو مقتضى عبارة المتن وغيره، بل لا فرق بين


(1) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 11.

[ 182 ]

رميهما عن ظهر البعير وغيره، خلافا لظاهر المحكي من عبارة المقنع فعبر به، بل في كشف اللثام احتماله أيضا احتياطا واقتصارا على المنصوص خصوصا، بل قال: (ويحتمل أن يكون المراد عن ظهر بعير به دبر، فيجوز رميهما عنه لا يذائهما البعير) وفيه ما عرفت من إطلاق بعض النصوص الذي لا تنافي بينه وبين الآخر بعد التوافق في الاباحة، بل ما ذكره من الاحتمال أخيرا واضح الضعف بعد ما سمعت، نعم يجب الاقتصار على الرمي دون القتل وإن تقدم عن الحلبي جواز قتل الغراب، لكنه خلاف ظاهر الأدلة، وعلى كل حال فلا جزاء بقتلهما، بل عن المبسوط اتفاق الأمة على ذلك، والله العالم. (و) كذا (لا بأس بقتل البرغوث) كما في القواعد وعن موضع من المبسوط للأصل، وقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن فضال (1) (لا بأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم) وما في محكي السرائر عن نوادر البزنطي عن جميل (2) أنه سأله (عن المحرم يقتل البقة والبراغيث إذا أذاه قال: نعم) وخبر زرارة (3) سأل أحدهما عليهما السلام (عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا رآه قال: نعم) فما عن الجامع والتذكرة والتحرير والمنتهى وموضع من المبسوط من الحرمة على المحرم، بل يعطيه ما سمعته من الحلبي والسرائر واضح الضعف ولعله لما سمعته في صحيح ابن عمار (4) وحسنه وخبر زرارة (5) سأله (هل


(1) الوسائل - الباب 84 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4 عن ابن فضال عن بعض أصحابنا عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) الوسائل - الباب 78 من أبواب تروك الاحرام الحديث 7. (3) الوسائل - الباب 79 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3. (4) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 و 3 و 4. (5) الوسائل - الباب 73 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

[ 183 ]

يحك المحرم رأسه ؟ قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة) لعمومها البرغوث وفيه بعد تسليم دلالة الثاني أنهما مخصصان بما سمعت، ومنه يعلم ما في محكي التهذيب والنهاية والمهذب والغنية والسرائر من الحرمة على المحرم في الحرم، بمعنى أنه لا يحرم على المحل وإن قيل كأنهم جمعوا به بين الدليلين، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، والله العالم. (وفي) جواز تعمد قتل (الزنبور تردد) من الأصل وكونه من المؤذيات، وخبري غياب بن أبراهيم (1) وأبي البختري (2) السابقين، ولا ينافيهما وجوب الكفارة التي وجبت في قتل الصيد خطأ، ولذا جوز في محكي المبسوط قتله مع التكفير كما عن جماعة على ما في المسالك، ومن صحيح (3) معاوية بن عمار وحسنه وفحوى الأمر بالكفارة التي لا ينافيها التخلف في بعض الأفراد (و) من هنا تردد أولا في محكي المنتهى ثم ذكر أن أصحابنا رووا أن فيه شيئا من الطعام، فبان أن (الوجه المنع) كالمصنف إذا لم يرده، لما سمعته من النهي في النصوص السابقة عن قتل ما لم يرده من المؤذيات، ولصحيح معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن محرم قتل زنبورا قال: إن كان خطأ فليس عليه شئ، قلت: لا بل متعمدا قال: يطعم شيئا من الطعام، قلت: إنه أرادني قال: إن أرادك فاقتله) ونحوه خبره (5) الآخر أيضا إلى قوله عليه السلام (قلت) وكذا خبر يحيى الأزرق (6) وبذلك ينقطع


(1) و (2) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 8 - 12 والأول عن غياث بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الوسائل - الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 و 3 و 4. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 8 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2 - 3.

[ 184 ]

الأصل وينزل الخبران مع ضعفهما على ما إذا أراده أو خاف منه، فانه لا إشكال ولا خلاف في الجواز حينئذ، بل الظاهر سقوط الكفارة كما صرح به بعضهم للأصل بعد دعوى انسياق نصوصها لغير الفرض، وإن كان يحتمل ثبوتها للاطلاق الذي لا ينافيه الرخصة في القتل، فتأمل. (و) كذا من النصوص المزبورة مع الأصل يعلم أنه (لا كفارة في قتله خطأ) وكأنه لا خلاف فيه وإن حكي عن جماعة إطلاق التكفير، كما أن منها يعلم الوجه في الجملة أيضا في قوله: (وفي قتله عمدا صدقة ولو بكف من طعام) وفي القواعد ومحكي المقنع والفقيه والغنية والكافي والوسيلة والمهذب والجامع التكفير بكف من طعام، كما عن الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام، وفي دعائم الاسلام (2) عن جعفر بن محمد عليهما السلام (من قتل عظاية أو زنبورا وهو محرم فان لم يتعمد ذلك فلا شئ عليه فيه، وإن تعمده أطعم كفا من طعام، وكذلك النمل والذر والبعوض والقراد والقمل) ولعله إليه أشار في كشف اللثام بقوله: وفي بعض الكتب إرساله عن الصادق وفي الأول منها زيادة (وشبهه) وفي النافع التكفير بشئ من الطعام نحو ما سمعته في النصوص، وعن النهاية التكفير بشئ، ويمكن ولو على بعد إرجاعها أجمع عدا ما في المتن إلى ما في النصوص، نعم ما في السرائر، وكذا التلخيص من التكفير بتمرة، بل عن الأخير والغنية والمهذب (في الكثير منه شاة) وعن الكافي (فان قتل زنابير فصاع، وفي قتل الكثير دم شاة) وعن المقنعة تصدق بتمرة، فان قتل زنابير كثيرة تصدق بمد من طعام أو مد من تمر) ونحوه عن جمل العلم والعمل، وعن التحرير (هو حسن) ونحوه عن المراسم إلا في مد من طعام، فلم


(1) و (2) المستدرك - الباب 8 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1. الجواهر - 23

[ 185 ]

يذكره - لم أعرف له دليلا معتبرا وإن قيل كان القول بالتمر لكونه من الطعام وأنه ليس خيرا من الجراد، إلا أنه كما ترى، اللهم إلا أن يقال إن قوله عليه السلام (يطعم شيئا من طعام) ظاهر فيما يتناوله، بل من ذلك يعرف ما في زيادة (وشبهه) في القواعد كما سمعت بناء على كون المراد به التمر والزبيب وغيرهما، وكذا ما قيل كان إيجاب الشاة لكثيره للحمل على الجراد. نعم قد يقال إن إيجاب المد والصاع بضم فداء بعضه إلى بعض مع أنه كما ترى أيضا، فالوجه الاقتصار على النصوص المستفاد منها أنه ليس من الصيد، كما هو مقتضى العرف أيضا، وإلا لتساوي خطأه وعمده، بل قيل إن موردها كبعض العبارات الزنبور المتحد، فالمتعدد والكثير خال عن النص، فيجب الرجوع فيهما إلى الأصل، ويحتمل إلحاقها بالواحد في كفارته إن لم يثبت بالأصل الزيادة عليها، قلت: لعل المنساق تعددها بقدر كل واحد، كما أنه قد يقال بانسياق الندب منها إن لم يكن إجماع، لكن هي متفقة على شئ من الطعام لا مطلق الصدقة بكف من طعام كما هو ظاهر المتن، اللهم إلا أن يريد الصدقة بطعام ولو بكف منه، ولعل التقدير بها لأنه أقل ما ينتفع به الفقير، وأقل ما قدر به ذلك من الطعام في غيرها، مضافا إلى ما سمعته من المرسل عن الصادق عليه السلام وإلى الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام وإلى خبر الدعائم، لكن في المسالك اكتفى بالأقل للاطلاق، هذا، ولا دلالة في المتن على المنع في صورة الخطأ وإن عقبه بذكر الكفارة لأرادة ذكر ما في النصوص، وللفرق بينه وبين الصيد الذي تترتب الكفارة على خطأه وعمده. (ويجوز شراء القماري) جمع قمرية بالضم ضرب من الحمام، والقمرة بالضم لون الخضرة أو الحمرة فيه كدرة (والدباسي) جمع أدبس من الطير الذي لونه بين السواد والحمرة، ومنه الدبسي لطائر أدكن يفرفر (وإخراجهما

[ 186 ]

من مكة على رواية) العيص بن القاسم بل حسنه بل صحيحه (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء القماري يخرج من مكة والمدينة قال: لا أحب أن يخرج منها شئ) وبه صرح في النافع والقواعد بل ومحكي المبسوط لحكمه بالكراهة كالدروس، بل والنهاية والجامع لحكمهما بالكراهة في القماري وشبهها. خلافا للحلي والفاضل في المختلف وولده وجماعة من متأخري المتأخرين للنصوص الدالة على عدم جواز إخراجهن من مكة، قال علي بن جعفر عليه السلام (2) في الصحيح (سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل أخرج حمامة من حمام الحرم إلى الكوفة أو غيرها قال: عليه أن يردها، فان ماتت فعليه ثمنها يتصدق به) وقال يونس بن يعقوب (3) (أرسلت إلى أبي الحسن عليه السلام أن أخا لي اشترى حماما من المدينة فذهبنا بها إلى مكة فاعتمرنا وأقمنا إلى الحج ثم أخرجنا الحمام معنا من مكة إلى الكوفة فعلينا في ذلك شئ، فقال للرسول: إني أظنهن كن فرهة، فقال: قل له يذبح مكان كل طير شاة) وسأل زرارة (4) أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل أخرج طيرا من مكة إلى الكوفة قال: يرده إلى مكة) وسأل أيضا أبا جعفر عليه السلام (5) (عن رجل أخرج طيرا من مكة إلى الكوفة فقال: يرده إلى مكة) ونحوه خبر علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى عليه السلام وزاد (فان مات تصدق بثمنه) وفي مرسل يعقوب (7) عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا أدخلت الطير المدينة فجاز بذلك أن تخرجه منها، فإذا أدخلته مكة فليس لك أن تخرجه) بل في خبر مثنى (8) (خرجنا إلى مكة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 - 2 - 9 - 8 - 8 - 1 - 5. (8) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 10.

[ 187 ]

فاصطاد النساء قمرية من قماري أمج حيث بلغنا البريد فنتفت النساء جناحها ثم دخلوا به مكة فدخل أبو بصير على أبي عبد الله عليه السلام فأخبره فقال: ينظرون امرأة لا بأس بها فيعطونها الطير تعلفه وتمسكه حتى إذا استوى جناحاه خلته) بل نحوه غيره (1) في إطعام طير الحرم وسقيه إذا كان منتوف الجناح، فإذا استوى خلى عنه، وإن كان مسافرا أودعه عند أمين، ودفع إليه ما يحتاج من الطعام حتى يستوي جناحاه فيتخلى عنه، بل والروايات الدالة (2) على عدم جواز التعرض لطير الحرم فضلا عن قوله تعالى (3) (ومن دخله كان آمنا) على أن الصحيح (4) المزبور بعد الاغضاء عن المناقشة في صحته كما في كشف اللثام مختص بالقماري، ولا صراحة فيه بالجواز، بل قيل ولا ظهور، بل عن ظاهر الشيخ في التهذيب وغيره دلالته على التحريم، ولعله لدوران الأمر فيه بين ابقاء لفظ (لا أحب) على ظاهره من الكرامة وتخصيص الشئ المنفي في سياق النفي بخصوص القماري والدباسي أيضا، وبين إبقاء العموم بحاله وصرف (لا أحب) عن ظاهره إلى التحريم أو الأعم منه والكراهة، والأول خلاف التحقيق وإن كان التخصيص أولى من المجاز بناء على اختصاص الأولوية بالتخصيص المقبول، وهو ما بقي من العام بعده أكثر أفراده، وليس هنا كذلك، فاختيار الثاني لازم، هذا إن سلم ظهور لفظ (لا أحب) في الكراهة وإلا فهو أعم منها ومن الحرمة لغة، لكن مقتضى هذا عدم دلالته على الحرمة أيضا، بل تكون الرواية حينئذ مجملة لا تصلح حجة لأحد القولين ولكن الأصل


(1) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 و 2 و 13. (2) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد. (3) سورة آل عمران الآية 91. (4) الوسائل - الباب 14 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 188 ]

عدم الجواز للعمومات، لكن ذلك كله كما ترى مناف لما يقتضيه الانصاف من دلالة الصحيح على جواز الاخراج من مكة ولو بملاحظة حكم المدينة المعلوم أنه الجواز، ودعوى إرادة القدر المشترك بين الكراهة والحرمة من قوله (لا أحب) لا دليل عليها، فلا إشكال في دلالته على ذلك. نعم هو خاص بالقماري ويمكن إتمامه بعدم القول بالفصل، فمن الغريب عن المختلف والتذكرة من الاستدلال بالصحيحة على الحرمة، وأغرب من ذلك ما في كشف اللثام من أنه ليس فيها أي الصحيحة ولا في شئ من الفتاوى إلا الاخراج من مكة لا الحرم، فلا يخالفه منع ابن إدريس من الاخراج منه ونصوص المنع من إخراج الصيد أو الحمام منه والأمر بالتخلية، نعم نص الشهيد على جواز الاخراج من الحرم، ولم أعرف جهته، إذ هو كما ترى ضرورة ظهور النص فضلا عن الفتاوى في الأخراج من مكة الشامل للخروج عن الحرم ولو بترك الاستفصال، ومن هنا تحقق التعارض والتنافي بينه وبين ما سمعته من ابن إدريس كما فهمه الأصحاب حيث ذكروا الحلي مخالفا للشيخ هنا، فمنهم من وافقه، ومنهم من خالفه، بل قيل إن مورد السؤال في النص الذي ينطبق عليه الجواب هو الاخراج منها ومن المدينة بمقتضى الواو المفيدة للجمعية في الحكم الذي هو هنا الاخراج، والاخراج منهما معا يستلزم الاخراج من الحرم، وإن كان لا يخلو من نظر أو منع، نعم في قواعد الفاضل الاقتصار في جواز الاخراج من مكة على المحل، قال: وفي المحرم إشكال، قيل من عموم الخبر، ومن عموم نصوص حرمة الصيد على المحرم من الكتاب والسنة، مع احتمال اختصاص الخبر بالمحل بل ظهوره فيه، قلت: قد يمنع ظهوره في ذلك، وحينئذ فاطلاقه كالفتاوى يقتضي جواز الاخراج مطلقا، بل الظاهر أن مكة فيه مثال لغيرها، نعم قد يقال إن مقتضاهما جواز إخراجهما

[ 189 ]

لا صيدهما، فيقتصر عليه، بل لعل خبر مثنى شاهد لذلك. (و) من هنا (لا يجوز قتلهما ولا أكلهما) للمحرم ولغيره في الحرم اتفاقا على ما في كشف اللثام، بل ظاهر غيره المفروغية من ذلك، للعمومات المقتصر في الخروج عنها على ما عرفت، وما تسمعه من خبر سليمان بن خالد (1) ولذا قال في الدروس والقماري والدباسي مستثنى من الصيد، فيجوز على كراهة شراؤهما وإخراجهما من الحرم للمحل والمحرم على الأقوى لا إتلافهما، ثم قال: (ولو كان الصيد مملوكا فعليه الجزاء لله تعالى والقيمة للمالك، وفي القماري في الحرم نظر، أقربه وجوب جزاء وقيمة للمالك، فعلى هذا يجب جزاء لله تعالى أيضا - ثم قال فيها -: وروى سليمان بن خالد (2) في القمري والدبسي والسماني والعصفور والبلبل القيمة، فان كان محرما في الحرم فعليه قيمتان، ولا دم عليه، وهذا جزاء الاتلاف) وفيه تقوية تحريم إخراج القماري والدباسي، وفي كشف اللثام لدلالته على أنها كسائر الصيود، قلت: لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه عدم الوقع لهذا الكلام بعد أن كان المستثنى الشراء والاخراج دون القتل والاتلاف في الحرم أو في الاحرام، بل احتمل في المسالك تحريم الاتلاف والأكل لو خرج بهما المحل من الحرم، لتحريمهما في الحرم ابتداء خرج منه الاخراج فيبقى الباقي، وإن كان فيه ما لا يخفى، والله العالم. القسم (الثاني ما يتعلق به الكفارة وهو ضربان: الأول ما لكفارته بدل على الخصوص، وهو كل ما له مثل من النعم) في الصورة تقريبا لأنه المنساق من المماثلة لا القيمة، نحو البدنة في النعامة، والبقرة الأهلية في بقرة الوحش


(1) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 7. (2) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 7.

[ 190 ]

والشاة الأهلية في الظبي، والأصل فيه قوله تعالى (1): (فجزاء مثل ما قتل من النعم) لكن المصنف وغيره عدوا البيض من ذوات الأمثال، ولا مماثلة بينه وبين فدائه لا صورة ولا قيمة، ومن هنا كان المدار على الثابت شرعا، والأمر في التسمية سهل بعد وضوح الحكم في نفسه كما ستسمع تفصيله إنشاء الله. (و) كيف كان ف‍ (أقسامه خمسة: الأول النعامة، وفي قتلها بدنة) مع فرض شمول البدنة للجزور كما ستعرف الحال فيه بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع حينئذ بقسميه عليه، بل هو المحكي عن أكثر المخالفين أيضا، لأنه أظهر أفراد المثل المأمور به في الكتاب، قال الصادق عليه السلام في صحيح حريز (2) في قول الله عزوجل (فجزاء مثل ما قتل) إلى آخره: (في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وفي البقرة بقرة) وقال أيضا في صحيح زرارة وابن مسلم (3): (في محرم قتل نعامة عليه بدنة، فان لم يجد فاطعام ستين مسكينا، فان كان قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة) وقال له عليه السلام أيضا يعقوب بن شعيب (4): (المحرم يقتل نعامة قال: عليه بدنة من الابل قلت: يقتل حمار وحش قال: عليه بدنة، قلت: فالبقرة قال: بقرة) وقال عليه السلام أيضا في صحيح سليمان بن خالد (5): (في الظبي شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار بدنة، وفي النعامة بدنة، وفيما سوى ذلك قيمته)


(1) سورة المائدة - الآية 96. (2) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 7. (4) و (5) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 - 2.

[ 191 ]

وقال أبو بصير (1): (سألته عليه السلام أيضا عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش قال: عليه بدنة، قلت: فان لم يقدر على بدنة قال: فليطعم ستين مسكينا. قلت فان لم يقدر على أن يتصدق قال: فليصم ثمانية عشر يوما، والصدقة مد على كل مسكين) هذا، ولكن في خبر أبي الصباح (2) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل في الصيد (من قتل) إلى آخره قال: في الظبي شاة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي النعامة جزور). وبه أفتى في محكي النهاية والمبسوط والسرائر إلا أن في طريقه محمد بن الفضيل، بل في كشف اللثام لا مخالفة بينه وبين النصوص السابقة ولا بين القولين كما يظهر من المختلف، إذ لا فرق بين الجزور والبدنة إلا أن البدنة ما يحرز للهدي والجزور أعم، وهما يعمان الذكر والأنثى كما في العين والنهاية الأثيرية وتهذيب الأسماء للنووي، وفي التحرير له والمعرب والمغرب في البدنة، وخصت في الصحاح والديوان والمحيط وشمس العلوم بالناقة والبقرة، لكن عبارة العين (كذا البدنة ناقة أو بقرة، الذكر والانثى منه سواء، يهدى إلى مكة) فهو مع تفسيره بالناقة والبقرة نص على التعميم للذكر والأنثى، فقد يكون أولئك أيضا لا يخصونها بالأنثى، وإنما اقتصروا على الناقة والبقرة تمثيلا، وإنما أرادوا تعميمها للجنسين ردا على من يخصها بالابل، وهو الوجه عندنا، ويدل عليه قوله تعالى (3): (إذا وجبت جنوبها) قال الزمخشري: (وهي الابل خاصة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله ألحق البقر بالابل حين قال (4): (البدنة عن


(1) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (3) سورة الحج الآية 37. (4) سنن البيهقي ج 5 ص 234.

[ 192 ]

سبعة، والبقرة عن سبعة) فجعل البقر في حكم الابل صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الابل، وعليه تدل الآية) انتهى، قلت: وفي المحكي عن مصباح المنير (الجزور من الابل خاصة يقع على الذكر والأنثى) بل فيه أيضا (وإذا أطلقت البدنة في الفروع فالمراد البعير ذكرا كان أو أنثى) وإن كان ظاهر هذه العبارة كونه مرادا شرعيا لا وضعا لغويا، لكن في المحكي عن مجمع البحرين بعد ذكر البدنة (وإنما سميت بذلك لعظم بدنها وسمنها، وتقع على الجمل والناقة عند جمهور أهل اللغة وبعض الفقهاء) وفي محكي التذكرة (يجب في النعامة بدنة عند علمائنا أجمع، فمن قتل نعامة وهو محرم وجب عليه جزور) ونحوه عن المنتهى، وهو مشعر أو ظاهر في إرادة الجمع بين القولين، وربما يؤيده ما عن ابن زهرة من نفي الخلاف عن وجوب البدنة، نعم في الرياض مناقشة الاصبهاني فيما حكاه من ظهور الاتحاد وعدم المخالفة بين الروايات والقولين بأن الذي وقفنا عليه من عبارته تفيد العكس، وهو كذلك، لكن يمكن أن يريد المخالفة لا نفيها، وعبر بذلك غير مرة، والأمر سهل. وكيف كان فان تم ذلك فذاك وإلا فالترجيح للبدنة، لصحة نصوصها وتعددها واعتضادها بمعقد نفي الخلاف والاجماع، وأكثر الفتاوى، بل هو المشهور في التعبير نقلا وتحصيلا، ودعوى الجمع بالتخيير يدفعها عدم دخول البقرة فيها وإن سمعت التصريح به عن العين بل تقدم سابقا ما في الصحاح والقاموس من أن البدنة إسم للناقة والبقرة التي تنحر بمكة كما عن صريح شمس العلوم، قال: (البدنة الناقة والبقرة تنحر بمكة) ولكن المنساق منها عرفا الابل خاصة، والاطلاق أعم، مضافا إلى ما سمعته من الزمخشري في الجواهر 24

[ 193 ]

الآية، وإن كان قد حكي ما سمعته عن أبي حنيفة وأصحابه، بل مقابلة البدنة للبقرة فيما سمعته من النصوص السابقة أوضح شاهد على مغايرتها لها أيضا. ثم لما كانت البدنة اسما لما يهدى اعتبر فيها السن المعتبر في الهدي، نعم مقتضى إطلاق النص والفتوى إجزاؤها معه وافقت النعامة في الصغر والكبر وغيرهما أم لا، خلافا للمحكي عن التذكرة فاعتبر المماثلة بين الصيد وفدائه ففي الصغير من الابل ما في سنه، وفي الكبير كذلك، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، ولم نقف له على دليل سوى دعوى كونه المراد من المماثلة في الآية، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص المقتضي كون مسمى البدنة مثلا مماثلا للنعامة على كل حال، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (مع العجز) عن البدنة (تقوم البدنة) قيمة عدل (ويفض ثمنها على البر، ويتصدق به لكل مسكين مدان، ولا يلزم ما زاد عن ستين) إن زاد البر ولا الاتمام لو نقص كما صرح بذلك كله غير واحد، بل في الحدائق حكايته عن الشيخ وابن إدريس وأنه المشهور بين المتأخرين، بل في المدارك نسبته إلى الأكثر، ونسبه في كشف اللثام إلى الشيخ وبني حمزة وإدريس والبراج وسعيد، لكن قال: إلا أن في المبسوط والخلاف والوسيلة والجامع مكان البر الطعام، وفي التذكرة والمنتهى الطعام المخرج الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب، قال: (ولو قيل يجزي كل ما يسمى طعاما كان حسنا، لأن الله تعالى أوجب الطعام) قلت: ومقتضى ذلك قلة القائل بالبر وإن كان فيه قول علي بن الحسين عليهما السلام للزهري (1) فيما رواه الصدوق في محكي


(1) الوسائل - الباب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 من كتاب الصوم عن الكليني (قده) والمقنع ص 56 والهداية ص 49 المطبوعين جديدا وروى في المستدرك عنهما أيضا في الباب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 2.

[ 194 ]

المقنع والهداية: (أتدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري ؟ قال: قلت: لا أدري، فقال: يقوم الصيد قيمة عدل ثم تفض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر أصواعا، فيصوم لكل نصف صاع يوما) ونحوه عن الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام، وهو وإن أمكن حمل إطلاق الكتاب والسنة عليه، بل ربما قيل بانصراف الطعام إلى البر إلا أنه بعد وضوح منع الانصراف المزبور قاصر عن ذلك من وجوه، نعم هو أحوط، فالمتجه الاجتزاء بغيره مما يجزي في الكفارة كما أن المتجه الاجتزاء بالمد كغيره من الكفارة وإن كان بالمدين خبر الزهري السابق وصحيح أبي عبيدة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا أصاب المحرم الصيد ولم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما). إلا أن غيره من النصوص بين مطلق - كصحيح زرارة ومحمد بن مسلم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في محرم قتل نعامة قال: عليه بدنة، فان لم يجد فاطعام ستين مسكينا، قال: فان كان قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا، وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة) ونحوه مرسل جميل (4) عنه عليه السلام أيضا بلا تفاوت، وخبر علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى عليه السلام (سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه قال عليه بدنة، فان لم يجد فليتصدق على ستين مسكينا، فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما) ومرسل تحف العقول (6) عن الجواد عليه السلام


(1) المستدرك - الباب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 7 - 2 - 6. (6) الوسائل - الباب 3 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 195 ]

(وإن كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة، فكذلك في النعامة بدنة، فان لم يقدر فاطعام ستين مسكينا، وإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوما) وعن المقنع والمقنعة وجمل العلم والعمل والمراسم الاطلاق كالنصوص المزبورة وبين مقيد بالمد، كخبر أبي بصير (1) (سألته عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش قال: عليه بدنة قلت فان لم يقدر على بدنة قال: فليطعم ستين مسكينا قلت: فان لم يقدر على أن يتصدق قال: فليصم ثمانية عشر يوما، والصدقة مد على كل مسكين، قال: وسألته عن محرم أصاب بقرة قال عليه بقرة، قلت: فان لم يقدر على بقرة قال: فليطعم ثلاثين مسكينا قلت: فأن لم يقدر على أن يتصدق قال: فليصم تسعة أيام) الحديث وصحيح ابن عمار (2) عن الصادق عليه السلام (من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فان لم يجد ما يشتري به فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا، لكل مسكين مد، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام) وخبر عبد الله بن سنان (3) المروي عن تفسير العياشي عنه عليه السلام أيضا قال: (سألته عن قول الله عزوجل فيمن قتل صيدا متعمدا وهو محرم (فجزاء)... إلى آخره ما هو ؟ قال: ينظر الذي عليه جزاء ما قتل فاما أن يهديه وإما أن يقوم فيشتري به طعاما فيطعمه المساكين، يطعم لكل مسكين مدا وإما أن ينظر كم يبلغ عدد ذلك من المساكين فيصوم لكل مسكين يوما). والجمع بينهما يقتضي حمل الأول على الندب، خصوصا بعد أن كان إطعام المسكين في غير المقام من الكفارات مدا على الأصح كما حررناه في محله، ولعل هذا الاختلاف راجع إلى ذلك، لا أنه شئ مخصوص بهذه الكفارة، وإن كان المصنف قد اختار المد هناك، ولعله للفرق بين المقام وغيره بتعارض حق


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 11 - 12.

[ 196 ]

الفقراء هنا، إذ هو تفريق للموجود، بخلاف غيره فانه دفع ممن عليه الكفارة فلا بأس باستحباب دفعه للمدين بخلاف ما هنا، ومن هنا يمكن ترجيح نصوص المدين بالفتاوى، وفي كشف اللثام احتمال الجمع بينها باختلاف القيمة، فان وفت بمدين تصدق بهما، وإلا فبمد على كل أو على البعض، ولكن لا أعرف به قائلا بالتنصيص، ويحتمله كلام من أطلق إطعام الستين، وفيه ما لا يخفى من عدم شاهد له، مضافا إلى ما اعترف به من عدم القائل. وأما عدم وجوب الزائد ولا إكمال الناقص فلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع على الأول، مضافا إلى ما سمعته من النصوص الدالة على الحكمين التي لا ينافيها إطلاق غيرهما من النصوص إطعام الستين بعد تنزيله على ذلك، بل لعله كذلك أيضا في كلام من أطلق كالمفيد وابني بابويه وابن أبي عقيل والمرتضى وسلار على ما حكي عنهم، نعم عن أبي الصلاح وابن زهرة إطلاق أن من لم يجد البدنة تصدق بثمنها، كقول أبي جعفر عليه السلام لمحمد بن مسلم (1) في الصحيح (عدل الهدي ما بلغ يتصدق به) ويمكن تنزيله على إرادة الصدقة به على الوجه المزبور، بل يمكن تنزيل إطلاقهما أيضا على ذلك وإلا كان لا دليل له، نحو المحكي عن الحلبيين أيضا من الانتقال إلى الصوم مع العجز عنها، بل هو مناف للكتاب والسنة والاجماع، ومن هنا يمكن حمله على إرادة العجز عنها عينا وقيمة، وإلا كان واضح البطلان، كما أن خبر داود الرقي (2) عن الصادق عليه السلام (فيمن عليه بدنة واجبة في فداء إذا لم يجد بدنة فسبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما) لا عامل به هنا وإن حكي عن المقنع والجامع الفتوى بمضمونه، لكنهما وافقا المشهور في المقام. ولو فقد العاجز عن البدنة مثلا البر وقلنا بتعينه دون قيمته فأقوى


(1) و (2) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 8 - 4.

[ 197 ]

الاحتمالات عند الفاضل وضع قيمة عادلة عند ثقة ليشتريه إذا وجده إذا أراد الرجوع، وإلا أبقاها عنده مترقبا لوجوده، لعدم صدق العجز مع القدرة على القيمة وعدم فورية الاخراج، ثم أقواها شراء غيره من الطعام، وحينئذ ففي الاكتفاء بالستين مسكينا لو زاد إشكال، فان تعدد احتمل التخيير، والأقرب إليه، ثم يحتمل الانتقال إلى الصوم، قلت: قد يقال إن الأخير أقواها، لصدق عدم القدرة عليه مع رجحان المسارعة، ثم قال: (والأولى إلحاق المعدل بالزكاة أي المعزولة في عدم الضمان بالتلف بغير تفريط لاتيانه بالواجب، وأصالة البراءة من الاخراج ثانيا ونفي الحرج) وفيه أن الأقوى عدم الالحاق، لعدم الدليل بعد وضوح الفرق ين الزكاة التي هي في العين والفداء الذي هو في الذمة. بقي شئ، وهو أن ظاهر الآية اعتبار حكم العدلين في مثلية الجزاء، ومن هنا قال الطبرسي في جامع الجوامع والمقداد في آيات الاحكام: (يحكم به رجلان عدلان فقيهان) وكذلك في الوجيز، وحكاه في مجمع البيان عن ابن عباس، إلا أني لم أجد له أثرا في كلام الفقهاء، ولذا قال الأردبيلي في آيات الأحكام: (إن اعتبار التعدد ينافي اعتبار الحكم إذ ليس بعد شهادة العدلين شئ إلا ما جاء من الحلف في دعوى الدين على الميت، فلا يبعد إرادة الشهادة من الحكم في الآية) قلت: ولكن فيه أنه لا أثر في كتب الفروع لاعتبار شهادة العدلين في المثلية أيضا إلا ما تسمعه في آخر الكفارات ضرورة أن المنصوص حكمه ما جاء في النص وغير المنصوص حكمه ضمان القيمة، وذلك كله يشهد لكون القرائة ذو عدل، كما في الصافي عن المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام، قال (وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام (1)


(1) الكافي ج 4 ص 397 - باب النوادر من أبواب الصيد من كتاب الحج الحديث 5 وتفسير العياشي ج 1 ص 343 سورة المائدة الرقم 197.

[ 198 ]

(والعدل رسول الله صلى الله عليه وآله والامام من بعده، ثم قالا هذا مما أخطأت به الكتاب) وزاد العياشي (يعني رجلا واحدا يعني الامام عليه السلام) (1) أقول يعني أن رسم الألف في ذوا عدل من تصرف نساخ القرآن خطأ والصواب عدم نسخها، وذلك أنه يفيد أن الحاكم إثنان، والحال أنه واحد وهو الرسول في زمانه ثم كل إمام في زمانه على سبيل البدل، وفي التهذيب عن الباقر عليه السلام (2) العدل رسول الله صلى الله عليه وآله والامام من بعده يحكم به، وهو ذو عدل، فإذا علمت ما حكم به الرسول والامام فحسبك، ولا تسأل عنه) قلت: وفي الموثق (3) (ان زرارة سأل أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: (يحكم به ذوا عدل) فقال: العدل رسول الله صلى الله عليه وآله والامام من بعده، ثم قال: هذا مما أخطأت به الكتاب) ونحوه حسن إبراهيم ابن عمر اليماني (4) عن الصادق عليه السلام، وفى الحسن عن حماد بن عثمان (5) قال: (تلوت عند أبي عبد الله عليه السلام ذوا عدل منكم فقال: ذو عدل، هذا مما أخطأت فيه الكتاب) وفي المحكي عن تفسير العياشي عن زرارة (6) (سمعت


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 344 سورة المائدة الرقم 198 وهذا في رواية أخرى. (2) الوسائل - الباب 7 من أبواب صفات القاضي الحديث 26 والتهذيب ج 6 ص 314 الرقم 867. (3) الكافي ج 4 ص 397 - باب النوادر من أبواب الصيد من كتاب الحج الحديث 5. (4) الكافي ج 4 ص 396 - باب النوادر من أبواب الصيد من كتاب الحج الحديث 3. (5) روضة الكافي ص 205 الرقم 247 الطبع الحديث. (6) تفسير العياشي ج 1 ص 344 سورة المائدة الرقم 200.

[ 199 ]

أبا جعفر عليه السلام يقول: يحكم به ذوا عدل منكم، قال: ذلك رسول الله والامام من بعده صلوات الله عليهما، فإذا حكم به الامام فحسبك) وفيه عن محمد بن مسلم (1) عنه عليه السلام في الآية (يعني رجلا واحدا يعنى الامام عليه السلام). فإذا عرفت ذلك يمكن أن يكون المراد من ذوا عدل النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام على معنى الاجتزاء بحكم أحدهما، وأن المراد من الحكم بيان المثل للمقتول من الصيد، وهو حينئذ ما ذكره الفقهاء في كتبهم من الخمسة أو العشرة، فتكون الآية دليلا على اعتبار النص الشرعي في المثلية، لأنه منوط بنظر العدلين من سائر الناس كما توهمه بعض العامة، حتى أنه جعل الآية من الأدلة على جواز القياس، وفي دعائم الاسلام (2) بعد أن ذكر الآية ذو عدل قال: (هكذا يقرؤها أهل البيت عليهم السلام ذو عدل على الواحد، وهو الامام عليه السلام أو من أقامه الامام، وقد روينا أن رجلا من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام وقف على أبي حنيفة وهو في حلقة يفتي الناس وحوله أصحابه، فقال: يا أبا حنيفة ما تقول في محرم أصاب صيدا ؟ قال: عليه الكفارة، قال: ومن يحكم عليه بها ؟ قال أبو حنيفة ذوا عدل كما قال الله تعالى، قال الرجل: فان اختلفا قال أبو حنيفة: يتوقف عن الحكم حتى يتفقا، قال الرجل: فأنت لا ترى أن تحكم في صيد قيمته درهم وحدك حتى يتفق معك آخر وتحكم في الدماء والفروج والأموال برأيك، فلم يحر أبو حنيفة جوابا غير أن نظر إلى أصحابه فقال: مسألة رافضي) وفي قوله (يتوقف عن الحكم) إبطال للحكم، لأنا لم نجدهم اتفقوا على شئ من الفتيا إلا وقد خالفهم فيه آخرون، ولما علم أصحاب أبي حنيفة بفساد هذا القول قالوا يؤخذ بحكم أقلهما قيمة، لأنهما


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 344 سورة المائدة الرقم 198. (2) دعائم الاسلام - ج 1 ص 306.

[ 200 ]

قد اتفقا على الأقل، وهذا قول يفسد عند الاعتبار، وإنما يكون ما قالوه على قياسهم لو كانت القيمة بدنانير أو دراهم وما هو في معناهما، فيقول أحدهما قيمته خمسة، ويقول الآخر عشرة، فكأنهما اتفقا على خمسة عندهم، وليس ذلك باتفاق بالحقيقة، لأنه إذا جزى بخمسة لم يكن عند من قال به بعشرة جزاء مع أن جزاء الصيد يكون بأعيان متفرقة من النعم، ويكون باطعام مساكين، ويكون بصوم، وليس في هذا شئ متفق فيه على الأقل، ولا يكون قد جزى عند كل واحد منهما إلا أن يجزى بما أمره به ان اتفق فيه قوم وخالفهم آخرون، وهذا بين لمن تدبره ووفق لفهمه. قلت: لعل أصحاب أبي حنيفة بنوا ذلك على المحكي من مذهب أبي حنيفة من إرادة القيمة من المماثلة في الآية. فالاختلاف فيها حينئذ من الاختلاف في شغل الذمة بالأقل والأكثر، يثبت الأقل وينفى الزائد بالأصل، ولكن فيه أن الفرض أشبه شئ بقاعدة وجوب البراءة اليقينية من الشغل اليقيني، ومن هنا حكي عن بعضهم وجوب الأزيد، وعلى كل حال فهو كما ترى، ضرورة عدم مورد له، كضرورة ذلك على تقدير تفسيرها بارادة شهادة العدلين كما سمعته من بعض أصحابنا، ومن العجب أن جماعة من الخاصة رووا قرائة السيدين الامامين المعصومين من الزلل ذو عدل وأنه النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام من بعده ثم يذكرون بعد ذلك من التفسير ما ينافيه، مع أنه لا مورد له، بل العامة قد حكوا قرائتهما عليهما السلام كذلك، فلابد حينئذ من اتباعهما وإرجاع قرائة ذوي عدل إليها على الوجه الذي ذكرناه. والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو عجز) عن إطعام الستين (صام عن كل مدين يوما) وفاقا للمشهور، بل عن التبيان أنه مذهبنا، كما عن المجمع الجواهر - 25

[ 201 ]

وفقه القرآن أنه المروي عن أئمتنا عليهم السلام، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد ما سمعته من خبر الزهري (1) وصحيح أبي عبيدة (2) وصحيح ابن مسلم (3) نعم عن الخلاف أنه يصوم عن كل مد يوما، وهو مبني على إعطاء المسكين مدا، ويوافقه قول الصادق عليه السلام في مرسل ابن بكير (4) (بثمن قيمة الهدي طعاما، ثم يصوم لكل مد يوما، ثم إنه يصوم إلى أن يتم شهرين، فإذا ازدادت الأمداد على شهرين فليس عليه أكثر منه) وحينئذ فالمدار في عدد الأيام التي تصام على عدد الأمداد أو نصف الصاع على القولين كما أومي إليه في صحيح ابن مسلم (5) (فان لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ، لكل طعام مسكين يوما). نعم لو فرض زيادتها على الستين كما لو كانت أربعين صاعا مثلا فانها زائدة على كل حال لم تجب غير الستين كما سمعته في مرسل ابن بكير، بل صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الأصل ومعلومية كون الستين منتهى الكفارة صوما وإطعاما، أما لو نقص عن الستين كما لو كان خمسة وعشرين صاعا بناء على كون المدين إطعام المسكين ففي قواعد الفاضل الأقرب الصوم ستين بل، هو مقتضى إطلاق محكي المقنعة والمراسم وجمل العلم والعمل صيام شهرين متتابعين أو ستين يوما، قيل للاحتياط لاحتمال عدل الصيد أو الجزاء لا الطعام، ولا يعلم أن عدلهما يتناول ما دون الستين، وفيه أنه كالاجتهاد في مقابلة ما سمعته من النصوص الدالة على كون الصوم بمقدار نصف الصاع أو المد، ومنه يعلم أنه


(1) الوسائل - الباب 1 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 8 - 5 - 8 مع زيادة في الحديث الثالث في الجواهر.

[ 202 ]

المراد بالعدل في الكتاب، ولعله لذا كان ظاهر غير من سمعت ذلك، بل هو المحكي عن صريح الغنية والكافي والتذكرة والمنتهى والتحرير، وهو الأقوى، نعم لو انكسر نصف الصاع أو المد على القولين صام عنه يوما كما صرح به الفاضل أيضا وغيره، بل في محكي التذكرة والمنتهى لا نعلم فيه خلافا، لأن صيام اليوم لا يتبعض، والسقوط غير ممكن، لشغل الذمة، فيجب كمال اليوم، وإن كان فيه أن المتجه السقوط، لاشتراط صوم اليوم باطعام المسكين، وهو منتف، فالعمدة ما ذكره من عدم علم الخلاف إن كان مراده الاجماع، وإلا كان محلا للنظر بل المنع أيضا، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه. (فان عجز) عن صوم الستين مثلا (صام ثمانية عشر يوما) كما صرح به غير واحد، بل هو المشهور، لما سمعته من النصوص التي هي وإن لم يكن فيها اشتراط العجز المزبور - بل أطلقت صومها عند العجز عن الصدقة، بل عن الحسن والصدوق التعبير بمضمونها - إلا انه بالحمل على العجز عن عدل أمداد الطعام يحصل الجمع بينها وبين ما مر مع الاحتياط ورعاية المطابقة لسائر الكفارات وما سمعته من الشهرة، وبذلك يرجح على احتمال الجمع بحمل الأولى على الفضل والثانية عل الاجزاء كما في غير المقام الذي يحصل فيه التعارض بين الأقل والأكثر، على أن الجمع الأول من باب التقييد والثاني من المجاز، والأول أرجح، بل قيل مع فرض تساوي احتمالي الجمع يجب الأخذ بما تحصل به البراءة اليقينية، للاجماع على ثبوت اشتغال الذمة بشئ من الصوم في الجملة بعد العجز عن الصدقة، وإن كان فيه ما لا يخفى من أن المتجه في مثله الاجتزاء بالأقل مع نفي الزائد بالأصل، اللهم إلا أن يدعى أن الأقل هنا لا تحصل به براءة عن التكليف حتى عن نفسه إلا مع إكمال الستين، فهو حينئذ كركعات الصلاة، إلا أنه كما ترى، ضرورة كونه كالديون

[ 203 ]

والضمانات ونحوهما. ولو تمكن من أكثر من الثمانية عشر كالعشرين ونحوها ففي القواعد في وجوبه إشكال، ولعله من الأصل وإطلاق النصوص والفتاوى، ومن الاحتياط وأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولكن لا يخفى عليك أن الأول أقوى وإن كان الثاني أحوط، كما أن الأقوى السقوط أيضا لو عجز بعد صيام شهر عن الشهر الآخر، ولكن في القواعد أقوى الاحتمالات وجوب تسعة، ثم ما قدر، ثم السقوط، ولعل الأول لان المعجوز عنه شهر، وبدله تسعة وإن قدر على الأكثر كما يؤمي إليه ما تسمعه في البقرة، والثاني للاحتياط مع قاعدة الميسور، وخروج الفرض عن إطلاق الأخبار والفتاوى بثمانية عشر عن شهرين فانه إذا كان يصوم لم يكن عاجزا، ولأنه والآن عاجز عن شهر لا عن شهرين، ولا يدخل بهذا في عموم الأخبار والفتاوى بتسعة عن شهر، فانها فيمن تكليفه شهر من أول الأمر لا من بقي عليه شهر، والثالث لأنه يصدق عليه من أول الأمر إلى آخره أنه ممن عليه شهران وقد عجز عنهما، فتشمله أدلة الثمانية عشرة وقد صامها، ويؤيده أن الله تعالى عليم بعجزه عنهما قبل شروعه في الصوم، فعجزه كاشف عن أنه تعالى لم يكن كلفه إلا ببدل الشهرين، وهو الثمانية عشر، ومن هنا قلنا إن الأقوى السقوط، وربما عورض باحتمال كون التكليف منوطا بعلم المكلف لا المكلف، وحينئذ فما لم يعلم عجزه كان مكلفا بالشهرين، وإنما انتقل تكليفه إلى البدل من حين علمه بالعجز، فعليه تسعة أو ما قدر، ولكنه كما ترى، ضرورة ظهور الأدلة في كون التكليف على الوجه المزبور ولا أقل من الشك، والأصل براءة الذمة، كما هو واضح، والله العالم. (وفي فرخ النعامة روايتان: إحداهما مثل ما في النعامة) وهي صحيحة

[ 204 ]

أبان بن تغلب (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في قوم حجاج محرمين أصابوا فراخ نعام فأكلوا جميعا قال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها على عدد الفراخ وعلى عدد الرجال) مؤيدة بعموم ما دل (2) على أن في النعامة بدنة (و) الرواية (الأخرى) أن فيها (من صغار الابل) كما عن النهاية والسرائر والمبسوط إرسالها وإن كنا لم نقف عليها كما اعترف به غير واحد (و) لكن (هو أشبه) بأصول المذهب وقواعده، وفاقا لمحكي الأحمدي والمقنعة والخلاف والكافي والمراسم وجمل العلم والعمل والسرائر، بل في الأخيرين والمقنعة والمراسم في سنه للمماثلة التي في الآية، وبها مضافا إلى الشهرة ترجح هذه المرسلة على الصحيحة المزبورة المحتملة مضاعفة الفداء بذلك، لحصول جنايتين: القتل والأكل، بل يخص العموم المزبور لو سلم شموله للفرض، ولكن لا ريب في أن الأحوط الكبير كما اعترف به الاسكافي والشيخ والفاضل، بل قال الأول: من تطوع بالأعلى سنا كان تعظيما لشعائر الله تعالى، ومن ذلك يعلم عدم تعين الصغير في الاجزاء عند القائل به، بل لم نجد قائلا بتعيين الكبير عدا بعض متأخري المتأخرين للصحيحة المزبورة، وإطلاق بعض أن في النعامة بدنة منصرف إلى غير الفرض، بل لعل التعليل بالمماثلة يؤمي إلى ذلك، بل عن المهذب في صغار النعام مثل ما في كبارها، مع أنه ذكر أن الصغير منها يجب فيها الصغير من الابل في سنه، وكذلك في البقر والغنم، والكبار أفضل، فيعلم كون مراده أن الواجب الصغير، ومع العجز يساوي بدل فدائه من الاطعام أو الصيام بدل فداء الكبير، إلا أنه يقوم هنا الصغير من الابل الذي في سنه. ثم إن ظاهر النصوص المزبورة الترتيب في هذه الكفارة كما هو المحكي


(1) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 9. (2) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 205 ]

عن الاكثر بل لعله المشهور، بل عن المبسوط نسبته إلى أصحابنا مشعرا بالاجماع عليه، وحينئذ فاطلاق الآية وخبر العياشي (1) منزل على ذلك، لا أن المراد من النصوص الندب ومن الآية التخيير كما عن الفاضل في جملة من كتبه، بل ربما حكي عن ابن إدريس وعن الشيخ في الجمل والخلاف وإن كنا لم نتحققه، فالأول مع كونه أحوط وأشهر أظهر، نعم قد يقوى عدم اعتبار التتابع في الصوم منها، للاطلاق وحصر التتابع في غيرها في صحيح سليمان بن جعفر الجعفري (2) قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أيقضيها متفرقة ؟ قال: لا بأس بتفريقه قضاء شهر رمضان إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار وكفارة اليمين) خلافا للمحكي عن المفيد والمرتضى وسلار فأوجبوه لظهور الكتاب والسنة والفتاوى في أنه كفارة والأصل فيها اعتبار التتابع، وفيه منع، وإن كان أحوط، والله العالم. (الثاني بقرة الوحش وحمار الوحش، وفي قتل كل واحد منهما بقرة أهلية) وفاقا للمشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، بل لا أجد خلافا في الأول منهما، للنصوص (3) التي سمعت جملة منها المعتضدة بالمماثلة المستفادة من الكتاب والاجماع المحكي وغير ذلك، بل والثاني إلا ما عن الصدوق من وجوب بدنة فيه، وربما حكي عن الشيخين، ولم نتحققه، لبعض (4) المعتبرة السابقة


(1) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 12. (2) الوسائل - الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8 عن سليمان بن جعفر الجعفري. (3) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد والباب 2 منها الحديث 10 والباب 3 منها أيضا. (4) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4.

[ 206 ]

الذي حمله بعض على الفضل كما يعطيه كلام أبي علي، أو على إرادة البقرة من البدنة لما مر من عمومها لها عند الحنفية وجماعة من اللغويين، وإن كان فيه منع الفضل بعد منع الاجزاء، لعدم كونه المأمور به، وبعد قصور ما تضمنه عن الجمع بينه وبين غيره بذلك من وجوه، مضافا إلى عدم إرادة البقرة من البدنة في خصوص بعض النصوص المزبورة، وإلا (1) ما عن الاسكافي وبعض متأخري المتأخرين من التخيير جمعا بين الأدلة، وفيه أنه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه. (و) كيف كان (مع العجز تقوم البقرة الأهلية ويفض ثمنها على البر ويتصدق به لكل مسكين مدان ولا يلزم ما زاد على ثلاثين) بلا خلاف أجده للمعتبرة المستفيضة (2) التي تقدم بعضها، ومنها في خصوص الثلاثين صحيح معاوية (3) عن الصادق عليه السلام (من كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام) إلا في تعين البر الذي قد ذكره في المتن ومحكي السرائر، والمدين فان فيهما البحث السابق الذي عرفت فيه أن الأقوى عدم تعين البر والاكتفاء بالمد، والثمرة في ذلك خصوصا الأخير واضحة، ولا يلزم الاكمال لو نقص ثمنها، للأصل وظاهر النص، كما أنه لا يجب عليه بذل الزائد لذلك أيضا، بل عن الخلاف الأجماع عليه في البقرة. (ومع العجز يصوم عن كل مدين) أو عن كل مد على البحث السابق (يوما) الذي مر أن الصوم يوما عن طعام كل مسكين، وهو مدان أو مد كما عرفت (وإن عجز صام تسعة أيام) للمعتبرة المستفيضة (4) التي منها


(1) عطف على قوله: (إلا ما عن الصدوق). (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 0 - 11 - 0.

[ 207 ]

ما سمعت، ولكن فيها الأمر بذلك بعد العجز عن الصدقة كما عن جماعة إلا أنها محمولة على ما ذكرناه من التفصيل كما سمعته في البدنة وفاقا للأكثر، بل عن الغنية الاجماع عليه، وبذلك يرجح هذا الجمع بينها على غيره كما عرفته مفصلا، بل عرفت أيضا جملة من الفروع التي لا يخفى جريانها في المقام، منها البحث في الاكتفاء في الصغير بمماثله، فلاحظ، وعن ابن حمزة عدم إثبات بدل لفداء الحمار، ولكن عموم النصوص وخصوصها والفتاوى حجة عليه والله العالم. (الثالث في قتل الظبي شاة) بلا خلاف أجده فيه كما عن ابن زهرة الاعتراف به، بل عن المنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة، بل ظاهر الآية (1) والمعتبرة المستفيضة منها خبر أبي بصير (2) عن الصادق عليه السلام (قلت فان أصاب ظبيا قال: عليه شاة، قلت: فان لم يقدر قال: فاطعام عشرة مساكين، فان لم يجد ما يتصدق به فعليه صيام ثلاثة أيام) ومنها قوله عليه السلام أيضا في خبر سليمان بن خالد (3) (في الظبي شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار بدنة، وفي النعامة بدنة، وفيما سوى ذلك قيمته) إلى غير ذلك من النصوص التي لا فرق فيها بين الضأن والمعز والذكر والأنثى (ومع العجز تقوم الشاة ويفض ثمنها على البر) أو غيره على حسبما عرفت (ويتصدق) به (لكل مسكين مدان) أو مد على البحث السابق (ولا يلزم ما زاد عن عشرة) إجماعا محكيا عن الخلاف، مضافا إلى الأصل وخلو النصوص التي منها ما سمعته من خبر أبي بصير،


(1) سورة المائدة - الآية 96. (2) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (3) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 208 ]

ومنها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (ومن كانت عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام) ولا إكمالها لو نقصت القيمة عنها كما نص عليه محكي النهاية والمبسوط والسرائر والوسيلة والمهذب والجامع، ولعل إطلاق المصنف هنا والنافع والفاضل في القواعد بل ومحكي المقنع والمقنعة وجمل العلم والعمل والمراسم منزل على ذلك، لما سمعته سابقا من الأصل وخبري أبي عبيدة (2) وابن مسلم (3) المصرح فيهما بالقيمة لا غيرها، وربما احتمل في كلام المصنف والفاضل أنهما احتاطا بترك عدم الاكمال، ولا بأس به إن أريد الأحتياط ندبا، وعن الحلبيين أنهما أطلقا أن على من لم يجدها القيمة كخبري أبي عبيدة وابن مسلم المنزلين على التفصيل المزبور نحو ما سمعته في النعامة وغيرها (فان عجز صام عن كل مدين) أو مد (يوما) على البحث السابق، ولا يزيد على العشرة لما عرفت من أن الصيام بدل الاطعام الذي قد سمعت عدم زيادته على العشرة، لكن عن ظاهر الوسيلة يصوم عشرة أيام وإن لم تف القيمة بعشرة مساكين، وإن كان فيه ما عرفت في نظائره، فان البحث هنا في ذلك نحو البحث السابق فيه وفي نظائره، فلاحظ (فان عجز صام ثلاثة أيام) للنصوص المنزلة على ذلك وإن أطلق فيها صومها بعد العجز عن الصدقة كالمحكي عن المقنع والمقنعة والمراسم وجمل العلم والعمل، لكنه منزل على ذلك لما سمعته من أخبار أبي عبيدة وابن مسلم وابن بكير، وبالحمل على العجز عن عشرة أيام أو ما يفي به القيمة يجمع بينها كما سمعته في نظائره، لا أن الواجب الثلاثة والزائد ندب كما اختاره بعض متأخري


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 11 - 1 - 8. الجواهر 26

[ 209 ]

المتأخرين جمعا بين الأدلة، وقد عرفت ما فيه، والله العالم. (وفي الثعلب والأرنب شاة) بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر الغنية الاجماع عليه كنسبته إلى علمائنا في الأرنب في محكي التذكرة والمنتهى (و) مع ذلك (هو المروي) في صحيح الحلبي (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأرنب يصيبه المحرم فقال: شاة هديا بالغ الكعبة) وفي صحيح أحمد بن محمد (2) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن محرم أصاب أرنبا أو ثعلبا فقال: في الأرنب شاة) وخبر أبي بصير (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل ثعلبا قال: عليه دم، قلت فأرنبا قال: مثل ما في الثعلب) بل النصوص في الأرنب كثيرة، أما الثعلب فلم أعثر فيه إلا على خبر أبي بصير، وهو بعد انجباره والمماثلة في الآية كاف في إثبات حكمه، والمناقشة في سنده مدفوعة بالانجبار، ولا ينافيه تخصيص الأرنب بالشاة في الصحيح الأول بعد احتمال الترك وجوها منها الاكتفاء بذكر الأرنب لمعلومية التساوي بينهما، بل لعل الثعلب أولى بالشاة حينئذ من الأرنب لأنها أتم بالمماثلة فيه، فوسوسة بعض متأخري المتأخرين حينئذ في حكم الثعلب بالنسبة إلى الشاة في غير محله، نعم ظاهر المصنف أو صريح عدم بدل لفدائهما، كالمحكي عن ظاهر الصدوقين وابني الجنيد وأبي عقيل للأصل من غير معارض بعد اقتصار النصوص على الشاة خاصة. (و) لكن (قيل) والقائل الشيخان وسلار والقاضي وابن حمزة والحلي ويحيى بن سعيد على ما حكي عنهم (فيه ما في الظبي) لما سمعته من قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4) السابق الشامل لهما، كأخبار أبي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 - 3 - 4. (4) الوسائل - الباب 2 من أبواب كفارات الصيد الحديث 11.

[ 210 ]

عبيدة وابني مسلم وبكير المتقدمة سابقا المعتضدة بظاهر الآية وغيرها في البدلية الشاملة للفرض، ومن هنا كان هو الأصح، ومن الغريب ما في المسالك من اختياره القول الأول، لعدم وضوح مستند القول الثاني بعد اختصاص الروايات بوجوب الشاة، ثم قال: (فعلى الأول وهو الأقوى يجب مع العجز عن الشاة إطعام عشرة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام لصحيح معاوية بن عمار بوجوب ذلك في كل شاة لا نص في بدلها - على أن قال - والفرق بين مدلول الرواية وبين إلحاقهما بالظبي يظهر فيما لو نقصت قيمة الشاة عن إطعام عشرة مساكين، فعلى الالحاق يقتصر على القيمة، وعلى الرواية يجب إطعام العشرة) وفيه ما لا يخفى، ضرورة ظهور النصوص السابقة أو صراحتها في أن الاطعام يتبع القيمة وإن كان لا يزيد على الستين في قيمة البدنة، ولا الثلاثين في قيمة البقرة، ولا العشرة في قيمة الشاة، كما أن الصيام يتبع ذلك على الوجه الذي ذكرناه، فلاحظ وتأمل كي تعرف أنه لا وجه لفرقه بين الظبي الذي مستنده تلك النصوص وبينهما، على أنه يقتضي زيادة فداء الثعلب والأرنب على الظبي، ويمكن القطع بعدمه، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (الأبدال) المتقدمة (في الأقسام الثلاثة على التخيير) عند جماعة، لظهور (أو) في الآية فيه ولو لقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (1): (كل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء وكل شئ في القرآن فمن لم يجد فعليه كذا فالأول الخيار) (وقيل) والقائل الأكثر بل المشهور (على الترتيب، وهو الأظهر) لظاهر النصوص المنزل عليه ما في الآية والرواية، بل منه يظهر كون (أو) في الآية للتقسيم كما تقدم تحقيق ذلك كله في بدل فداء النعامة، إذ لا فرق بين الجميع في ذلك، هذا،


(1) الوسائل - الباب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1.

[ 211 ]

وفي المسالك أن الصوم الأخير في الثلاثة وهو الثمانية عشر والتسعة والثلاثة لا خلاف في أنه مترتب على المتقدم، وهو كذلك بناء على وجوب المتقدم كما سمعت الكلام فيه، نعم قد اكتفى بعض الناس بالمتأخر عملا بظاهر بعض النصوص المنزل على عدم التمكن من المتقدم كما عرفت البحث فيه مفصلا، والله العالم. (الرابع في كسر بيض النعام إذا تحرك فيه الفرخ) فتلف بالكسر (بكارة من الابل لكل واحدة واحد) إذ البكارة جمع بكر، والأنثى بكرة، وجمعها بكرات كما عن الجمهرة والقاموس وغيرهما، والبكر هو الفتى كما صرح به بعضهم، بل لعله المعروف في اللغة، وإليه يرجع ما عن العين (البكر من الابل ما لم يبزل، والأنثى البكرة، فإذا بزلا فجمل وناقة) بل وما عن ابن الأعرابي (البكر ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع، فإذا أثنى فهو جمل وهو جلة وهو بعير حتى يبزل، وليس بعد البازل سن يسمى، ولا قبل الثني سن يسمى) وعن الأزهري (أن ما قاله ابن الأعرابي صحيح، وعليه كلام من شاهدت من العرب) وحينئذ فالبعير عندهما هو الثني خاصة، وكأنه يرجع إليه ما عن المحيط من أنه الجذع، وكذا يرجع إلى ما ذكرنا أيضا ما عن السرائر والجامع من أن فيه صغار الابل، بل وما عن الكافي والغنية فصيل، نعم عن المهذب والاصباح بدنة، وعن الوسيلة ماخض، ولعلهما احتاطا بالكامل من البكر، مع أنه سيأتي أن في بيض القطا ماخضا. وعلى كل حال فالمشهور ما عرفت، بل في المدارك وصريح محكي المختلف وظاهر الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد خبر سليمان بن خالد (1) عن الصادق عليه السلام (إن في كتاب علي عليه السلام في بيض القطا بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم مثل ما في بيض النعام بكارة من الابل) وصحيح علي بن جعفر (2) سأل


(1) و (2) الوسائل الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 - 1.

[ 212 ]

أخاه عليه السلام (عن رجل كسر بيض نعام وفي البيض فراخ قد تحرك فقال: عليه لكل فرخ تحرك بعير ينحره في المنحر) بناء على كون المراد منه الكامل في الأجزاء كما أنه يراد من إطلاق خبر سليمان ما إذا كان فيه فراخ تحرك للصحيح المزبور وما سمعته من الاجماع المحكي، أو أن المراد من البعير في الصحيح البكر كما سمعت، والتعبير في المتن والنص بالجمع باعتبار فرض المكسور البيض لا البيضة، ولذا قال المصنف (لكل واحدة واحد) لكن عن النهاية والمبسوط والتحرير والمختلف والتذكرة والمنتهى التعبير بأن في كل بيضة بكارة من الابل، ولعل المراد بكرة، أو أن المراد في البيض البكارة، وإلا فلا وجه له كما هو واضح. (و) في كسره أي البيض (قبل التحرك) ومع عدم فرخ فيه (إرسال فحولة الابل) وإن زادت على عدد البيض (في اناث منها بعدد البيض فما نتج فهو هدي) وفاقا للمشهور، بل في المدارك الاجماع عليه، ويدل عليه صحيح الكناني (1) عن الصادق عليه السلام أنه قال في حديث (في رجل أوطأ بيض نعام ففدغها وهو محرم قال: قضى فيه علي عليه السلام أن يرسل الفحل على مثل عدد البيض من الابل، فما لقح وسلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ الكعبة) ونحوه صحيحه الآخر (2) مع زيادة قول الصادق عليه السلام فيه: (ما وطأته أو وطأه بعيرك أو دابتك وأنت محرم فعليك فداؤه) والمرسل (3) الذي رواه الشيخان في التهذيب والمقنعة (أن رجلا سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له يا أمير المؤمنين إني خرجت محرما فوطأت ناقتي بيض نعام فكسرته هل علي كفارة ؟ فقال له: امض فاسأل ابني الحسن عنها وكان بحيث يسمع كلامه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 23 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6 - 2 - 4.

[ 213 ]

فتقدم إليه الرجل فسأل فقال له الحسن عليه السلام: يجب عليك أن ترسل فحولة الابل في أناثها بعدد ما انكسر من البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله تعالى، فقال له أمير المؤمنين: يا بني كيف قلت ذلك وأنت تعلم أن الابل ربما أزلقت أو كان فيها ما يزلق، فقال عليه السلام يا أمير المؤمنين: والبيض ربما أمرق أو كان فيه ما يمرق، فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: صدقت يا بني، ثم تلى (1) ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم) وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (من أصاب بيض نعام وهو محرم فعليه أن يرسل الفحل في مثل عدد البيض من الابل، فانه ربما فسد كله، وربما خلق كله، وربما صلح بعضه وفسد بعضه، فما نتجت الابل فهديا بالغ الكعبة) وخبر علي بن أبي حمزة (3) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن رجل أصاب بيض نعامة وهو محرم قال: يرسل الفحل في الابل في عدد البيض، قلت: فان البيض يفسد كله ويصلح كله قال: ما نتج من الهدي فهو هدي بالغ الكعبة، وإن لم ينتج فليس عليه شئ، فمن لم يجد إبلا فعليه لكل بيضة شاة، فان لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين، لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثلاثة أيام). وهذه النصوص وإن كانت مطلقة في البيض إلا أن ما سمعته من الحسن والصادق عليهما السلام ظاهر أو صريح في كسر البيض المجرد عن الفرخ المتحرك، بل ربما يستفاد من كلامهما انصراف إطلاق كسر البيض إلى ذلك أو المجهول حاله، بخلاف ذي الفرخ المتحرك الذي يقتل بسبب الكسر، بل لعل مراد أبي علي والمفيد وسلار والسيد والصدوق في المقنع حيث عبروا بمضمونها أيضا ذلك، لا أنهم مخالفون في المسألة لاختلاف النصوص كما ظنه صاحب الحدائق


(1) سورة آل عمران الآية 30. (2) و (3) الوسائل - الباب 23 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 5.

[ 214 ]

حتى أنكر على سيد المدارك دعواه الاجماع، نعم عن الصدوقين في الرسالة والفقيه النص على الارسال إذا تحرك، وأنه إذا لم يتحرك فعن كل بيضة شاة، ولعله للمحكي عن الفقه (1) المنسوب إلى الرضا عليه السلام (فان أكلت بيض النعامة فعليك دم شاة، وكذلك إذا وطأتها، فان وطأتها وكان فيها فرخ يتحرك فعليك أن ترسل فحولة من البدن على عددها من الأناث قدر عدد البيض، فما نتج منها فهو هدي لبيت الله تعالى) وما تسمعه من خبر محمد بن الفضيل (2)، أو أنهما استندا إلى الجمع بين أخبار الارسال وقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (3) (في بيضة النعامة شاة، فان لم يقدر فصيام ثلاثة أيام، فمن لم يستطع فكفارة إطعام عشرة مساكين إذا أصابه وهو محرم) وقول أبي جعفر عليه السلام لأبي عبيدة (4) في الصحيح وغيره، إذ سأله عن محرم أكل بيض نعامة: (لكل بيضة شاة) ولكن ذلك كله كما ترى بعد ما عرفت، خصوصا بعد عدم ثبوت نسبة الكتاب المزبور إليه عليه السلام عندنا، وعدم المكافأة من وجوه، وعدم الشاهد، فوجب حمل الخبرين على صورة العجز عن الارسال التي ستعرفها إنشاء الله أو غير ذلك، على أنه في محكي المقنع أيضا (إذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض، فان لم يجد شاة فعليه صيام ثلاثة أيام، فان لم يقدر فاطعام عشرة مساكين، وإذا وطأ بيض نعام ففدغها وهو محرم فعليه أن يرسل الفحل من الابل على قدر عدد البيض، فما لقح وسلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ


(1) المستدرك الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الآتي في ص 215. (3) الوسائل - الباب 23 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (4) الوسائل - الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5.

[ 215 ]

الكعبة) وهو مضمون خبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام (1) (وإذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض، فان لم يجد شاة فعليه صيام ثلاثة أيام، فان لم يقدر فاطعام عشرة مساكين، وإذا وطأ بيض نعام ففدغها وهو محرم وفيها أفراخ تتحرك فعليه أن يرسل فحولة من البدن على الأناث بقدر عدد البيض، فما لقح وسلم حتى ينتج فهو هدي لبيت الله الحرام، فان لم ينتج شيئا فليس عليه شئ) فكان الصدوق عنى بالاصابة الأكل ففرق بينه وبين الكسر، لاختصاص خبر أبي عبيدة بالأكل، ولما سمعته من خبر ابن الفضيل، مع أن المحكي عن والده التصريح بتساويهما، بل ظاهر غيره أو صريحه ذلك أيضا، بل لم نعرف أحدا وافقه عليه، بل ذلك ونحوه منه أعظم شاهد على إرادة تعبيره بمضمون بعض النصوص التي عثر عليها من غير إلتفات إلى تحقيق حالها وتنقيح المراد منها والجمع بين مضامينها كما هو عادة أهل الأخبار في الأصول والفروع. ولولا ما سمعت من النص والفتوى بل الاجماع لكان المتجه في تحقيق المثلية في الآية الكريمة التي يشهد بها ذو عدل ما رواه في دعائم الاسلام (2)


(1) الفقيه ج 2 ص 234 - الرقم 1117 والظاهر أنه من عبارة الصدوق (قدس سره) في ذيل خبر محمد بن فضيل وليس منه، حيث أن صاحب الوسائل (قدس سره) لم يتعرض لهذا الذيل مع ذكره صدر الخبر الوارد في قتل حمامة الحرم، وكذلك الشيخ (قدس سره) روى عن محمد بن فضيل صدر الحديث في التهذيب ج 5 ص 345 الرقم 1198 والاستبصار ج 2 ص 200 الرقم 679 ولم يذكر له ذيلا أبدا، والله أعلم. (2) ذكر صدره في المستدرك في الباب 17 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 وذيله في الباب 18 منها الحديث 1.

[ 216 ]

عن علي عليه السلام أنه قال: (في محرم أصاب بيض نعام قال: يرسل الفحل من الابل في البكارة منها بعدة البيض، فما نتج مما أصاب كان هديا، وما لم ينتج فليس عليه فيه شئ، لأن البيض كذلك منه ما يصح ومنه ما يفسد، فان أصابوا في البيض فراخا لم تجر فيها الأرواح فعليهم أن يرسلوا الفحل في الابل حتى يعلموا أنها لقحت، فما نتج منها بعد أن علموا أنها لقحت كان هديا، وما أسقطت بعد اللقاح فلا شئ فيه، لأن الفراخ في البيض منها ما يتم ومنها ما لا يتم، وإن أصابوا فراخا قد انشأت فيها الأرواح في البيض أرسلوا الفحل في الابل بعدتها حتى تلقح وتتحرك أجنتها في بطونها، فما نتج منها كان هديا، وما مات بعد ذلك فلا شئ فيه، لأن الفراخ في البيض كذلك منها ما ينشق عنه فيخرج حيا، ومنها ما يموت في البيض) إلا أني لم أجد قائلا بهذا التفصيل وإن كان هو ألصق بالمماثلة، والله العالم، والموفق والهادي. (ومع العجز) ف‍ (عن كل بيضة شاة، ومع العجز إطعام عشرة مساكين فان عجز صام ثلاثة أيام) على المشهور، بل في المدارك ظاهر الأصحاب الاتفاق على مضمون خبر علي بن أبي حمزة المتقدم، ولعله الحجة، وكذا عن ظاهر الغنية، بل ينبغي الجزم بذلك بعد انجباره بما عرفت، فما عن الصدوق من العكس فجعل على من لم يجد شاة صيام ثلاثة أيام فان لم يقدر أطعم عشرة لخبري أبي بصير (1) وابن الفضيل (2) السابقين اللذين لا جابر لهما والمخالفين للمعهود من الترتيب في نظائره، وعن ابن زهرة عدم ذكر الاطعام أصلا، ولعله ليس خلافا، وإلا كان محجوجا بما عرفت، هذا، وقد


(1) الوسائل - الباب 23 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) راجع التعليقة (1) في ص 215. الجواهر - 27

[ 217 ]

نص في محكي التحرير والتذكرة والمنتهى والمختلف والدروس على أن لكل مسكين مدا كما في الخبر، وهو موافق لما قلناه سابقا في نظائره، لكن عن القاضي إطلاق أن من وجب عليه شاة فلم يقدر عليها أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وفيه أنه لا دليل عليه بعد أن كان صحيح أبي عبيدة السابق في إصابة الصيد الذي لا يدخل فيه البيض، مضافا إلى ما عرفته سابقا من إرادة الندب منه، وعن ابن إدريس أنه حكى عن المقنعة أن على من عجز عن الارسال أطعم عن كل بيضة ستين مسكينا، فان لم يجد صام شهرين متتابعين، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، لكن في كشف اللثام لم نجده في نسخها، ولا حكاه الشيخ في التهذيب. ولو كسر بيضة مثلا فيها فرخ ميت لم يلزمه شئ كما صرح به بعضهم للأصل، بل وكذا لو كانت البيضة فاسدة، بل وكذا لو كسرها فخرج منها فرخ فعاش. ثم إن الظاهر ما صرح به غير واحد من كون الاعتبار في الارسال بعدد البيض من الأناث، فيجب لكل بيضة أنثى، وأما الفحل فلا بأس بتعدده، بل لعله أحوط وأولى، نعم يشترط صلاحية الأنثى للحمل، بل في المدارك لا يكفي مجرد الارسال حتى يشاهد كل واحدة قد طرقت من الفحل، ولا بأس به، ولا فرق بين كسره بنفسه أو بدابته كما سمعت التصريح به في صحيح أبي الصباح بل في الحدائق نسبته إلى الأصحاب. والأظهر أن مصرف هذا الهدي كغيره من جزاء الصيد مساكين الحرم، لاطلاق اسم الهدي عليه في الكتاب وفحوى إبداله باطعام المساكين وغير ذلك ولا يجب ترتيبه للأصل وغيره، بل يصرفه في ذلك الوقت، لكن في المسالك ظاهر الأخبار والفتاوى أنه يصرف لمصالح الكعبة لا للمساكين، وفي عبارة

[ 218 ]

الكتاب أطلق كونه هديا، وهو لا يقتضي كونه للكعبة، بل ظاهره جواز تفرقته على المساكين، ويمكن جواز ذلك بناء على أن ما وجب للكعبة يجوز صرفه لمعونة الحاج والزائرين كما يحقق إنشاء الله في باب النذر، وفيه ما لا يخفى، ضرورة كونه كغيره، والله العالم. (الخامس في كسر بيض القطا والقبج) بسكون الباء الحجل (إذا تحرك الفرخ) فيه (من صغار الغنم) كما في النافع بل والقواعد ومحكي الجامع وإن زاد فيهما الدراج، بل ومحكي الخلاف وإن اقتصر على القطاة وذكر البكارة من الغنم، لكن الظاهر إرادته الصغار منها للمماثلة في الآية وما سمعته من صحيح سليمان بن خالد (1) بناء على إرادة الصغار من البكارة فيه، بل صحيحه الآخر (2) في بيض القطاة كفارة كما في بيض النعام وإن اقتصر فيهما على بيض القطاة، إلا أنه يمكن إرادة المثالية منه للحجل والدراج للمشابهة، وكذا مرسل ابن رباط (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن بيض القطاة قال: يصنع فيه في الغنم كما يصنع في بيض النعام في الابل) وقد عرفت الحكم في المشبه به وما تسمعه إنشاء الله تعالى من أن فيهما حملا. (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل الشيخ وابنا حمزة وإدريس: (عن البيضة مخاض من الغنم) بل قيل يوافقهم التذكرة والمنتهى والتحرير والمختلف والارشاد والدروس، وهو كما في السرائر والقواعد ما من شأنه أن يكون حاملا لا الحامل، لمضمر سليمان بن خالد (4) سأله (عن رجل وطأ بيض قطاة فشدخه قال: يرسل الفحل في عدد البيض من الغنم كما يرسل الفحل في عدد البيض من الابل، ومن أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم) وهو - مع


(1) و (2) الوسائل - الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 - 2 (3) و (4) الوسائل - الباب 25 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 4.

[ 219 ]

إضماره، وعدم ذكر تحرك الفرخ فيه، وظهوره في الفرق بين الوطئ والاصابة المفسرة بالأكل، وكون المذكور فيه بيضة لا بيض قطاة، فيحتمل بيضة النعام، كما يحتمل في المخاض إرادة بنت المخاض من الابل لان فيها فرخا يتحرك بناء على أنها من البكارة، واستبعاد كون الجزاء في البائض حملا فطيما وفي البيض مخاضا - معارض بما سمعت من صحيحه وغيره، وفي كشف اللثام (لا تعارض، لأن المخاض تكون بكرة، ولذا استدل الفاضل في التذكرة والمنتهى والمختلف عليها بخبر البكارة، فلولا أن في نفس القطاة حملا لحملنا البكارة على المخاض، والآن نحمل المخاض على الفضل، ولو تباينتا كليا جاز الحمل على الفضل فكيف وإنما يتباينان جزئيا، واحتمل الشهيد أن يراد بالمخاض بنت المخاض) انتهى، وإن كان قد يناقش بأنه إن لم يرد بالبكرة ما يشمل الحمل بل وما دونه من الصغار لم يكن دليل على الحكم الأول، لانحصاره بما عرفت، بل لو أريد من البكرة الأكبر من الحمل لزم أن يكون فداء البيض أعظم من البائض نحو ما عرفته سابقا في قول الخصم، فالمتجه حينئذ إرادة الصغار من البكارة فيه وإن شملت الحمل أيضا، إذ أقصاه اتحاد الفداء للبيض والبائض، ولا بأس به، على أن الحمل كما ستعرف إنشاء الله الفطيم الذي يرعى الشجر، والصغير أعم منه، نعم لا يبعد إرادة الصغار فصاعدا على وجه يشمل المخاض، ويكون ذلك أفضل الأفراد نحو ما سمعته فيما ورد في بيض النعام من أن فيه البعير على بعض الوجوه، هذا، وعن المهذب والاصباح أن في بيضة الحجلة شاة، وقد عرفت أنا لم نعثر على بيض الحجلة في شئ من النصوص، وإنما ألحقناه ببيض القطاة الذي قد سمعت ما ورد (1) فيه من بكارة الغنم، وخبر المخاض (2) منها، ويمكن إرادتهما ما يرجع إلى


(1) و (2) الوسائل - الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 - 3.

[ 220 ]

ذلك بعد إرادة ذات الفرخ المتحرك من البيضة. ثم إن المتجه هنا بدلية الطعام ثم الصيام مع تعذر ذلك، لأنهما إذا صارا بدلا عن الأعلى قيمة فصيرورتهما بدلا عن الأقل بالأولى، وأولى من ذلك لو قلنا بأن الواجب مخاض، ضرورة كونهما حينئذ شاة، فما دل على بدليتهما عنها شامل للمقام، كما هو واضح. هذا كله في البيض ذي الفرخ المتحرك (و) أما حكمه (قبل التحرك) لعدم فرخ فيه أو كان فيه ولم يتحرك بعد ف‍ (إرسال فحولة الغنم في أناث منها بعدد البيض، فما نتج فهو هدي) نحو ما سمعته في بيض النعام الذي سمعت تشبيه كفارته به بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه كما اعترف به غير واحد، لصحيح سليمان بن خالد ومنصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قالا (سألناه عن محرم وطأ بيض القطاة فشدخه فقال: يرسل الفحل في مثل عدة البيض من الغنم كما يرسل الفحل في عدة البيض من الابل) المحمول على غير ذي الفرخ المتحرك بقرينة ما سمعته في بيض النعام، وما تقدم آنفا في مرسل ابن رباط (2) بل وذيل خبر محمد بن الفضيل (3) المتقدم (فان وطأ بيض قطاة فشدخه فعليه أن يرسل فحولة من الغنم على عددها من الأناث بقدر عدد البيض، فما سلم فهو هدي لبيت الله الحرام). ومنه يعلم ما في كشف اللثام من خلو النصوص عن ذكر كونه هديا لبيت الله، كما أنه مما قدمناه سابقا في بيض النعام يعلم الوجه فيمن أطلق هنا


(1) التهذيب ج 5 ص 356 الرقم 1237 ورواه في الوسائل في الباب 25 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 مع إختلاف في السند وذيل المتن فراجع. (2) الوسائل - الباب 25 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (3) الفقيه ج 2 ص 234 الرقم 1117 راجع التعليقة (1) في ص 215.

[ 221 ]

كاطلاق هذه النصوص وهو الصدوق والمفيد وسلار والحلبيان، ويمكن إرادتهم كسر البيض من حيث كونه بيضا لا مع قتل فرخ، وكذا النصوص، ومن هنا صح نفي الخلاف المعتد به، نعم عن علي بن بابويه تقييد ذلك بما إذا تحرك الفرخ وبالمعز، فان لم يتحرك فالقيمة، ولعله للفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام (في بيض القطا إذا أصبته قيمته، فان وطأتها وفيها فرخ يتحرك فعليك أن ترسل الذكران في المعز على عددها من الأناث على قدر عدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله) وقد ذكرنا غير مرة عدم ثبوت نسبة الكتاب المذكور، وأما احتمال الجمع بين النصوص بالفرق بين الاصابة باليد والأكل ففيه البكارة وبين الوطئ ففيه الارسال، فهو مع أنه لا شاهد له لا قائل به، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، وإن مال إليه في الحدائق تبعا للكاشاني، لكنه في غير محله. ثم لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه في بيض النعام جريان جملة مما سمعته هناك هنا، ضرورة اتحاد الحكم في المقامين، وإن كان ذلك في الابل وهذه في الغنم كما سمعت التصريح به في النصوص، ولعله لذلك قال المصنف هنا: (فان عجز كان كمن كسر بيض النعام) كما في محكي النهاية، وقال ابن إدريس: هكذا أورده شيخنا في نهايته، وقد وردت بذلك أخبار، ومعناه أن النعام إذا كسر بيضه فتعذر الارسال وجب في كل بيضة شاة، والقطا إذا كسر بيضه فتعذر إرسال الغنم وجب في كل بيضة شاة، فهذا وجه المشابهة بينهما، فصار حكمه حكمه، ولا يمنع ذلك إذا قام الدليل عليه، وحكي عن المفيد أيضا أنه إن عجز عنه ذبح عن كل بيضة شاة، فان لم يجد أطعم عن كل بيضة عشرة مساكين، فان عجز صام عن كل بيضة ثلاثة أيام، وظاهر


(1) المستدرك - الباب 19 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 222 ]

المصنف في النافع والفاضل في القواعد متابعته على هذا التعبير، لتصريحهما بوجوب الشاة مع العجز، بل حكاه في كشف اللثام عن النهاية والمبسوط وإن كان فيه أن عبارة النهاية المحكية ما سمعته، بل هو المناسب لما تسمعه من الفاضل في تفسيرها، لكن عن المصنف في النكت أن وجوب الشاة عن كل بيضة إذا تعذر الارسال شئ ذكره المفيد في المقنعة، وتابعه عليه الشيخ، ولم ينقل به رواية على الصورة، بل رواية سليمان بن خالد (1) في كتاب علي عليه السلام في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام، وهذا فيه احتمال، قيل وكذا قول الصادق عليه السلام في مرسل ابن رباط (2) وإن كان فيه أبعد، وفيه أنه صريح في غير ذلك، وقال في محكي المنتهى: عندي في ذلك تردد، فان الشاة تجب مع تحرك الفرخ لا غير، بل ولا تجب شاة كاملة بل صغيرة على ما بيناه، فكيف تجب الشاة الكاملة مع عدم التحرك وإمكان فساده وعدم خروج الفرخ منه، قال: والأقرب أن مقصود الشيخ مساواته لبيض النعام في وجوب الصدقة على عشرة مساكين والصيام ثلاثة أيام إذا لم يتمكن من الاطعام، ونحوه محكي التحرير والتذكرة والمختلف، وفيه القطع بأنه لا يجوز المصير إلى ما ذكره ابن إدريس رحمه الله، قال وكيف يتوهم إيجاب الأقوى وهو الشاة التي لا تجب مع المكنة حال العجز، فان ذلك غير معقول. ثم لما كان ظاهر كلام ابن إدريس أن الأخبار وردت به رده بأنها لم ترد بما قاله، نعم روى سليمان بن خالد، وذكر ما في النكت، وقال: ولكن إيجاب الكفارة كما يجب في بيض النعام لا يقتضي المساواة في القدر، وتبعه على ذلك غيره ممن تأخر عنه، وحاصله منع تناول التشبيه لذلك مع الاستبعاد المزبور، وفيه منع واضح إن أراد منع الظهور الكافي في المقام وأمثاله، وإن


(1) و (2) الوسائل - الباب 25 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 3.

[ 223 ]

أراد الصراحة فهو كذلك، لكن من المعلوم في أغلب الأحكام عدم اعتبار الصراحة في حجية أدلتها على أنه إن لم يفهم من هذا ونحوه المساواة الشاملة للفرض فلا دليل حينئذ على ما ذكره من الانتقال مع العجز إلى الاطعام ثم إلى الصيام، ضرورة ظهور باقي النصوص في المساواة لبيض النعام بالنسبة إلى خصوص البدل من الأنعام ففي المتحرك البكارة فيهما لكن في النعام من الابل وفي القطا ونحوه من الغنم، وفي غير المتحرك الارسال، فلا محيص حينئذ عن إرادة مساواتها في الأبدال التي منها وجوب الشاة مع العجز، وأما الاستبعاد فمع أنه غير حجة يمكن منعه، ولا ينافي ذلك، فان الشاة وإن كانت أقوى في الشبه ولكن الارسال أشق منها على الحاج، لأنه يتوقف على تحصيل الفعل الكثير والانتظار حتى تلد ثم يهدي، بخلاف ذبح الشاة وتفريقه على فقراء الحرم، فانه سهل غالبا، بل من ذلك ينقدح عدم إجزائها أي الشاة عنه مع التمكن وإن احتمله في المسالك، بل جزم به في الروضة جاعلا له أقل أفراد الواجب، وإلا فالشاة مجزية عنه، لكن فيه بعد ما عرفت من أشقية الارسال منها أنها لا تجزي، لأن المراد من الفداء أن يذوق وبال أمره، ومع الاغضاء عن ذلك يتجه ما يحكى عن ابن حمزة من أنه إن عجز عن الارسال تصدق عن كل بيضة بدرهم، بل في المختلف ما أحسنه إن ساعده النقل، بل قيل ربما استند إلى خبر سليمان (1) مع ما يأتي إنشاء الله من صحيح أبي عبيدة (2) (في محل اشترى لمحرم بيض نعام فأكله أن على المحل قيمة البيض، لكل بيضة درهما) أو حمله على بيض الحمام الذي ستعرف إنشاء الله أن فيه درهما، إذ الظاهر أن وجهه مع فرض خلو النصوص عن هذه المرتبة الرجوع إلى القيمة التي هي درهم لهذا الخبر وغيره، وحينئذ فلا حاجة إلى النقل الذي شرط


(1) و (2) الوسائل - الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 5.

[ 224 ]

الفاضل استحسانه به، وتبعه في المسالك، نعم شذوذ هذا القول - بل يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافه، مضافا إلى ظاهر النص السابق - منع من موافقته، فليس حينئذ إلا ما عليه الشيخان على الوجه الذي ذكرناه. وقد أطنب في المسالك ولكن لم يأت بشئ يعتد به، وملخصه ما ذكره في الروضة فانه بعد أن منع تفسير الفاضل وغيره لما سمعته من عبارة الشيخ بما تقدم وافقهم في المذهب، قال: لا لذلك بل لأن الشاة يجب أن تكون مجزية هنا بطريق أولى، لأنها أعلى قيمة وأكثر منفعة من النتاج، فيكون كبعض أفراد الواجب، والارسال أقله، ومتى تعذر الواجب انتقل إلى بدله، وهو هنا الأمران الأخيران يعني الاطعام ثم الصيام من حيث البدل العام لا الخاص، لقصوره عن الدلالة، لأن بدليتهما عن الشاة تقتضي بدليتهما عما هو دونهما قيمة بطريق أولى) وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه من منع إجزائها مع التمكن من الارسال الذي قد عرفت أنه أشق ولو من حيث العمل ليذوق وبال أمره، على أن المعروف في الفتوى الانتقال إليها بعد تعذر الارسال، وبدلية الأخيرين عند المتأخرين مع إمكانها لا مع تعذرها الذي هو شرط البدل العام كما هو واضح، فمن الغريب وقوع ذلك منه، ومن هذا وغيره مما قدمناه يظهر أن التحقيق ما صرح به المفيد وغيره من وجوب شاة مع تعذر الارسال، وإلا فالاطعام ثم الصيام على حسب ما سمعت في بيض النعام الذي قد سمعت النص على أن كفارته كفارته، والله العالم. الضرب (الثاني فيما لا بدل له على الخصوص، وهو خمسة أقسام) أيضا بخلاف الأول الذي لكفاراته بدل على الخصوص بالنصوص على كل بدل منها كما عرفت، أما هذا الضرب فان للشاة من أبدالها فيه بدلا بنص عام، الجواهر - 28

[ 225 ]

وهو الاطعام أو الصيام، ثم لها ولغيرها الاستغفار والتوبة، وذلك بدل يعم الكل ومن هنا ذكر بيض القطا والقبج من الأول، وبائضهما من الثاني، نعم يشترك القسمان في أن لهما أمثالا من النعم بالنصوص والفتاوى، بل الظاهر عدم اختصاص هذه الخمسة بذلك، كما ستعرف إنشاء الله. (الأول الحمام، وهو اسم لكل طائر يهدر) ويرجع صوته ويواصله مرددا (ويعب الماء) ويشربه كرعا أي يضع منقاره في الماء ويشرب، وهو واضع له فيه، لا بأن يأخذ الماء بمنقاره قطرة قطرة ويبلعها بعد إخراجه كالدجاج والعصافير كما في النافع والتحرير والتذكرة ومحكي المنتهى والمبسوط بل في الأخير (أن العرب تسمي كل مطوق حماما) وظاهره أن المراد به هنا ذلك وإن لم يكن في اللغة كذلك، فما في المدارك - من المناقشة فيه بعد أن حكاه عن الشيخ وجمع من الأصحاب بأنه لم أقف عليه فيما وصل إلينا من كلام أهل اللغة، بل قد يوافقه ما عن الأزهري من أنه أخبرني عبد الملك عن الربيع عن الشافعي أنه قال: (كلما عب وهدر فهو حمام يدخل فيه القماري والدباسي والفواخت سواء كانت مطوقة أو غير مطوقة ألفة أو وحشية) بل عن الكركي (أنه أعرف بين أهل اللغة) بل عن الرافعي (الاكتفاء بالاقتصار على العب) قال: كما نص عليه الشافعي في عنوان المسائل، قال: (وما عب في الماء عبا فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة فليس بحمام - في غير محله، ولعله إلى ذلك أشار في القواعد بعطف العب على الهدر بأو على معنى الاكتفاء بأحدهما وإن كان فيه أنه خلاف المعروف بين من ذكر ذلك، بل قد سمعت ما عن الشافعي من الضابط فيمكن أن يكون ما ذكره في العنوان اتكالا عليه بل ربما أورد عليه بقول الشاعر: على حوضي نغر مكب * إذا فترت فترت يعب - فانه وصف النغر بالعب مع أنه لا يهدر، وإلا كان حماما، وهو نوع من

[ 226 ]

العصفور، وإن كان قد يدفع - بعد تسليم كون الواقع أن النغر الذي هو نوع من العصفور يعب - بأنه على ضرب من التجوز، بل عن المحكم أنه إنما يقال في الطائر عب ولأ يقال شرب، فللعب حينئذ معنى آخر، وهو شرب الطائر. (و) كيف كان فقد (قيل) كما في الصحاح والقاموس ومحكي فقه اللغة للثعالبي وشمس العلوم والسامي والمصباح المنير وغيرها: ان الحمام (كل مطوق) من الطيور، بل عن الأزهري عن أبي عبيد عن الأصمعي قال: (مثل القمري والفاختة وأشباه ذلك) نحو ما عن الجوهري من أنه (نحو الفواخت والقماري وساق حر والقطا والوراشين وأشباه ذلك - ثم قال - وعند العامة أنها الدواجن فقط - قال قال حميد بن ثور الهلالي: وما هاج هذا الشوق إلا حمامة * دعت ساق حر ترحة وترنما - والحمامة هنا القمرية، وقال الاصمعي في قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت * إلى حمام سراع وارد الثمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت * تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطا فقالت ذلك، وقال الأموي: والدواجن التي تستفرخ في البيوت حمام أيضا وأنشد قواطنا مكة من ورق الحما يريد الحمام) انتهى كلام الجوهري، وعن الأزهري أبو عبيد عن الكسائي (الحمام هو البري الذي لا يألف البيوت، وهذه التي تكون في البيوت هي اليمام - قال -: وقال الأصمعي: اليمام ضرب من الحمام بري، ونحوه عن الصحاح، وعن أدب الكاتب إنما الحمام ذوات الأطواق وما أشبهها مثل الفواخت والقماري والقطا، قال ذلك الأصمعي ووافقه عليه الكسائي - ثم قال - وأما الدواجن التي تستفرخ في البيوت فانها وما شاكلها من طير الصحراء اليمام) قلت: لا ريب في أنها من

[ 227 ]

الحمام وإن سميت مع ذلك باليمام، وعن الدميري في حياة الحيوان عن كتاب الطير لأبي حاتم (أن أسفل ذنب الحمامة بما يلي ظهرها بياض، وأسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه) ثم عن الدميري (المراد بالطوق الخضرة أو الحمرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة) قلت: أو بياض كذلك، وفي المصباح المنير (والحمام عند العرب كل ذي طوق من الفواخت والقماري والقطا والدواجن والوراشين وأشباه ذلك، ويقال للواحدة حمامة، وتقع على الذكر والأنثى، والعامة تخص الحمام بالدواجن، وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري، واليمام هو الذي يألف البيوت، وقال الأصمعي اليمام حمام الوحش، وهو ضرب من طير الصحراء). وكيف كان فلا ريب في أن المعروف في اللغة تفسير الحمام بذي الطوق واختاره الشهيدان في الدروس والمسالك، وعند الفقهاء بما يهدر ويعب الماء، ولكن في اللمعة (الحمامة هي المطوقة أو ما تعب) وفي الروضة (الظاهر أن التفاوت بينهما قليل أو منتف، وهو يصلح لجعل المصنف كلا منهما معرفا) قلت: وكذا القواعد، قال: (الحمام كل مطوق أو ما يهدر أي يرجع صوته أو يعب أي يشرب كرعا) لكن قد يناقش بمنع عدم التفاوت، ضرورة أن جملة مما يهدر ويعب لا طوق له وبالعكس، فيمكن أن يراد بالواو التقسيم جمعا بين ما سمعته من الفقهاء واللغة أو الترديد باعتبار ما سمعته من الاختلاف، وفي الرياض (يحتمل أن يكون الترديد إشارة إلى ثبوت الحكم الآتي للحمامة بأيهما فسرت، وذلك لعدم انحصار ما دل عليه من الأخبار فيما تضمنت لفظها خاصة، بل فيها ما تضمن لفظ الطير بقول مطلق أو الفرخ أو البيض كذلك، وجميع هذه يعم الحمامة بالتفسيرين، فلا يحتاج هنا إلى الدقة في تعيين أحدهما، ولا تعارض بين الأخبار ليحتاج إلى حمل مطلقها على مقيدها، والحمد لله) وفيه أن

[ 228 ]

المناسب لذلك جعل العنوان الطير حماما أو غيره لا الترديد بين تفسيري الحمام اللذين هما على كل حال أخص من مطلق الطير والفرخ والبيض، كما هو واضح، واحتمال كون المتجه في النصوص ذلك يدفعه ظهور اتفاق الأصحاب على كون العنوان الحمام بأحد تفسيريه لا مطلق الطير والفرخ والحمام، نعم لابد من إخراج القطا قيل والحجل من حكم الحمام كما صرح به غير واحد لما ستعرف من أن لهما كفارة معينة غير كفارة الحمام وإن اشتركت معه في التعريف، فالتحقيق جعل عنوان الحكم ما عند الأصحاب لقوة الظن بذلك، ولما تسمعه من كون الفداء فيها الشاة التي هي أقل أمثالها من النعم في الكرع، ولغير ذلك، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط. (و) على كل حال ف‍ (في قتلها شاة على المحرم) في الحل على المشهور بين الأصحاب بل في التذكرة ومحكي الخلاف والمنتهى الاجماع عليه، بل في الأول أيضا وبه قال علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن عمر، بل روى العامة (1) أن ابن عباس قضى في الحمام حال الاحرام بالشاة، ولم يخالفه أحد من الصحابة، كل ذلك مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، منها قول الصادق عليه السلام في حسن (2) حريز: (المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة، وإن قتل فراخه ففيه حمل، وإن وطأ البيض فعليه درهم) وفي موثق الكناني (3) (في الحمام وأشباهها إن قتله المحرم شاة، وإن كان فراخا فعدلهما من الحملان) وخبر أبي بصير (4) عنه عليه السلام أيضا، قال: (سألته عن محرم قتل حمامة من حمام الحرم خارجا من الحرم قال: فقال: عليه شاة - إلى أن قال -: قلت: فمن قتل فرخا من حمام


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 205. (2) و (3) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 3. (4) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 9.

[ 229 ]

الحرم وهو محرم قال: عليه حمل) وخبر عبد الله بن سنان (1) عنه عليه السلام أيضا قال: (سمعته يقول في حمام مكة الطير الأهلي من غير حمام الحرم من ذبح طيرا منه وهو غير محرم فعليه أن يتصدق بصدقة أفضل من ثمنه، فان كان محرما فشاة عن كل طير) وخبره الآخر (2) عنه عليه السلام أيضا (سمعته يقول: في حمام مكة الأهلي غير حمام الحرم من ذبح منه طيرا وهو غير محرم فعليه أن يتصدق إن كان محرما بشاة عن كل طير) وخبره الثالث (3) عنه عليه السلام أيضا أنه قال (في محرم ذبح طيرا أن عليه دم شاة يهريقه، فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن) وخبر سليمان بن خالد (4) (قلت له أيضا رجل أغلق بابه على طائر فقال: إن كان أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة، وأن عليه لكل طائر شاة، ولكل فرخ حملا، وإن لم يكن تحرك فدرهم، وللبيض نصف درهم) إلى غير ذلك من النصوص التي لا ريب في إرادة الحمام من الطير في خبري ابن سنان الأولين منها بل لا يبعد ذلك في غيرهما أيضا وإن لم يكن تعارض، بل لما عرفته من عدم العنوان في كلام الأصحاب إلا الحمام. إلا أنه مع ذلك كله قال في محكي المقنعة: (إن على المحرم في الحمامة درهما) لكن ذكر أن المحرم إذا صار في الحل كان عليه الفداء، وإذا صار في الحرم كان عليه الفداء، والقيمة مضاعفة، وأن في تنفير حمام الحرم شاة بالتفصيل الآتي فيمكن أن لا يكون مخالفا، وفي محكي المراسم (أن مما لا دم فيه الحمام ففي كل حمامة درهم) ولم يذكر مما فيه الدم إلا تنفير حمام الحرم، وذكر أن في الصيد على المحرم في الحرم الفداء والقيمة، وعلى المحرم في الحل الفداء، وعلى المحل في الحرم القيمة، وعن جمل العلم والعمل (أن على المحرم في الحمامة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 9 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5 - 10 - 6 - 11.

[ 230 ]

وشبهها درهما) وعن المهذب والاصباح (أن مما فيه شاة أن يصيب طائرا من حمام الحرم أو يخرجه من الحرم وينفره) ثم في الأخير أن (في قتله على المحرم في الحرم دما والقيمة) وفي المهذب (أن على المحرم في الحرم في كل صيد الجمع بين الجزاء والقيمة) وفي محكي الوسيلة أن على المحرم في صيد حمامة في الحرم دما مطلقا، وكذا في قتل المحل الصيد في الحرم وعلى المحل في إصابة حمامة في الحرم درهما وان الشاة على من أغلق الباب على حمام الحرم حتى يموت أو أطارها عن الحرم) وعن الكافي والغنية والاشارة (في حمامة الحرم شاة وفي حمامة الحل درهم) وعن الحسن (ان على المحرم في الحرم شاة) ولا يخفى عليك أن ما أمكن من هذه العبارات أو غيرها رجوعه إلى المختار ولو بحملها على ما ستمسع إنشاء الله فذاك، وإلا فهو محجوج بما عرفت، والله العالم. (و) يجب (على المحل) في قتلها (في الحرم درهم) وفاقا للمشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، لقول الرضا عليه السلام في صحيح صفوان (1): (من أصاب طيرا في الحرم، وهو محل فعليه القيمة درهم يشتري به علفا لحمام الحرم) وخبر محمد بن الفضيل (2) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن رجل قتل حمامة من حمام الحرم وهو غير محرم قال: عليه قيمتها، وهو درهم يتصدق به أو يشتري به طعاما لحمام الحرم، وإن قتلها وهو محرم في الحرم فعليه شاة وقيمة الحمامة) وصحيح منصور بن حازم (3) قال: (حدثني صاحب لنا ثقة قال: كنت أمشي في بعض طرق مكة فلقيني إنسان فقال لي: اذبح لنا هذين الطيرين فذبحتهما ناسيا وأنا حلال، ثم سألت أبا عبد الله عليه السلام قال: عليك


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 6 - 8.

[ 231 ]

الثمن) وصحيح عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في حمام مكة من ذبح منه طيرا وهو غير محرم فعليه أن يتصدق بصدقة أفضل من ثمنه) بل وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات قال: يتصدق بدرهم أو يطعم به حمام الحرم) وخبر حماد ابن عثمان (3) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل أصاب طيرين واحدا من حمام الحرم والآخر من غير حمام الحرم قال: يشتري بقيمة الذي من حمام الحرم قمحا فيطعمه حمام الحرم، ويتصدق بجزاء الآخر) وصحيح معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أهدي له حمام أهلي جئ به وهو في الحرم فقال: إن أصاب منه شيئا فليتصدق بثمنه نحوا مما كان يسوى في القيمة) ورواه في الفقيه (فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه) وصحيح صفوان (5) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (من أصاب طيرا في الحرم وهو محل فعليه القيمة درهم يشتري به علفا لحمام الحرم) وصحيح محمد بن مسلم (6) سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل أهدي له حمام أهلي وجئ به وهو في الحرم ومحل قال: إن هو أصاب منه شيئا فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه) وصحيح معاوية بن عمار (7) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أهدي له حمام أهلي وهو في الحرم فقال: إن أصاب منه شيئا


(1) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5. (2) الوسائل - الباب 16 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 22 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6. (4) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5. (5) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (6) و (7) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 5.

[ 232 ]

فليتصدق مكانه من ثمنه نحوا مما كان يساوي في القيمة) وصحيحه الآخر (1) عنه عليه السلام أيضا (سألته عن طائر أهلي أدخل الحرم حيا فقال: لا يمس، إن الله تعالى يقول: ومن دخله كان آمنا) إلى غير ذلك من النصوص التي تقدم بعضها وتسمع الآخر إنشاء الله، وهي بين ناص على الدرهم، وناص على القيمة مفسرا لها به وغير مفسر، وناص على الدرهم وشبهه وعلى الثمن وعلى مثل الثمن وعلى أفضل من الثمن. وفي محكي التذكرة (لو كانت القيمة أزيد من درهم أو أنقص فالأقرب الغرم عملا بالنصوص، والأحوط وجوب الأزيد من الدرهم والقيمة) وكذا عن المنتهى مع احتمال لكون الدراهم قيمة وقت السؤال في الأخبار، واستشكل في وجوب الأزيد مع إطلاق الأصحاب وجوب الدرهم من غير إلتفات إلى القيمة السوقية، وفي المدارك (أن المتجه إعتبار القيمة مطلقا) قلت: لكنه مخالف لكلام الأصحاب المقطوع فيه بعدم إرادة كون ذلك قيمة سوقية له، ضرورة اختلافها باختلاف الأزمنة والطيور وغيرهما من الأحوال، بل لعله كذلك في النصوص، خصوصا مع ملاحظة سؤال السائل لهم عن ذلك وجوابهم عليهم السلام له مع أن مرجع ذلك إلى غيرهم، فلا يبعد كون ذلك قيمة شرعية له، بل ربما كان قرائن في النصوص تشهد له، كما أنه يمكن اجتماع النصوص عليه، فيتفق النص والفتوى حينئذ، وكيف كان فعن الكركي (ان إجزاء الدرهم في الحمام مطلقا في غاية الاشكال، لأن المحل إذا قتل المملوك في غير الحرم تلزمه قيمته السوقية بالغة ما بلغت، فكيف يجزي الأنقص في الحرم) وفيه أن هذا إنما يتم إذا قلنا بكون فداء المملوك لمالكه، لكن سيأتي إنشاء الله أن الأظهر كون الفداء لله تعالى، وللمالك القيمة السوقية، فلا بعد


(1) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 11. الجواهر - 29

[ 233 ]

في أن يجب لله تعالى في حمام الحرم أقل من القيمة مع وجوبها للمالك، والله العالم. (و) يجب (في) قتل (فرخها للمحرم) أي عليه في الحل (حمل) بالتحريك وفاقا للمشهور أيضا، لما سمعته من حسن حريز (1) أو صحيحه وخبر أبي بصير (2) وخبر أبي الصباح الكناني (3) وغيرها من النصوص، نعم في صحيح ابن سنان (4) منها (فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن) ومن هنا اجتزى به سيد المدارك إلا أني لم أجد له موافقا، والمعروف بين الأصحاب كالنصوص تعين الحمل، نعم عن الكافي والغنية (في فرخ حمام الحرم حمل، وفي فرخ حمام غيره نصف درهم) وعن سلار إطلاق أن في فرخ الحمامة نصف درهم، وعن المفيد والمرتضى ذلك أيضا في فرخ الحمامة وشبهها، ولعلهم لا يريدون ما نحن فيه، وإلا كانوا محجوجين بالنصوص المعتضدة بالفتاوى، هذا. وعن بني بابويه وحمزة والبراج والفاضل وصف الحمل بأن يكون فطم ورعى الشجر كما تسمعه إنشاء الله في القطا، وعن جماعة الاطلاق، ولعله لكون الحمل لا يكون إلا كذلك، ففي محكي التذكرة والمنتهى والتحرير أن حده أن يكمل له أربعة أشهر قال: فان أهل اللغة بعد أربعة أشهر يسمون ولد الضأن حملا، وكذا عن السرائر، وعن ابن قتيبة في أدب الكاتب (فإذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه فهو حمل وخروف، والأنثى خروفة ورخل) وبمعناه ما عن الثعالبي في فقه اللغة (فإذا فصل عن أمه فهو حمل وخروف) وعن الميداني في السامي موافقة ابن قتيبة على الاختصاص بالذكر، بل قيل كأنه بمعناه ما في العين والمحيط وتهذيب اللغة من أنه الخروف، وأن الخروف هو الحمل الذكر، فما عن المطرزي - من أن الحمل ولد الضائنة في السنة الأولى، وعن


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 9 - 3 - 6.

[ 234 ]

الدميري الحمل الخروف إذا بلغ سنة أشهر، وقيل هو ولد الضأن الجذع فما دونه - موهوم بالنسبة إلى ما عرفت، وعن الراغب أن الحمل سمي به لكونه محمولا لعجزه أو لقربه من حمل أمه به، والله العالم. (وللمحل) أي عليه (في الحرم نصف درهم) وفاقا للمشهور أيضا، للنصوص التي منها صحيح ابن الحجاج (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فرخين مسرولين ذبحتهما وأنا بمكة محل فقال لي: لم ذبحتهما ؟ قلت: جائتني بهما جارية من أهل مكة فسألتني أن أذبحهما فظننت أني بالكوفة ولم أذكر الحرم فقال: عليك قيمتهما، قلت كم قيمتهما قال: درهم، وهو خير منهما) المنزل عليه صحيحه (2) الآخر عنه عليه السلام أيضا (في قيمة الحمامة درهم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيض ربع درهم) وصحيح حفص (3) عنه عليه السلام (في الحمامة درهم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيض ربع درهم) والله العالم. (ولو كان محرما) وقتل شيئا من ذلك (في الحرم اجتمع عليه الأمران) وفاقا للمشهور، بل عن شرح الجمل للقاضي الاجماع عليه، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، فانه قد هتك حرمة الحرم والاحرام، فيجتمع عليه في قتل الحمامة في الحرم شاة ودرهم أو قيمتها، وفي الفرخ حمل ونصف درهم، بل يجب عليه مع ذلك القيمة للمالك لو كان مملوكا ولم يأذن المالك في أحد القولين كما ستعرف إنشاء الله، مضافا إلى ما سمعته من قول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي أو صحيحه (4) (إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة وثمن الحمامة درهم أو شبهه يتصدق به أو يطعمه حمام الحرم) كقوله عليه السلام في خبر


(1) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 7. (2) و (3) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 5. (4) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 235 ]

محمد بن الفضيل (1): (وإن قتلها وهو محرم في الحرم فعليه شاة وقيمة الحمامة) وقول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (2): (إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة إلى أن يبلغ الظبي فعليه دم يهريقه ويتصدق بمثل ثمنه أيضا، وإن أصاب منه وهو حلال فعليه أن يتصدق بمثل ثمنه) وخبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل قتل طيرا من طيور الحرم وهو محرم في الحرم فقال: عليه شاة وقيمة الحمامة درهم يعلف به حمام الحرم، وإن كان فرخا فعليه حمل وقيمة الفرخ نصف درهم يعلف به حمام الحرم) وموثقه الآخر (4) عنه عليه السلام أيضا (سأله عن محرم قتل حمامة من حمام الحرم خارجا من الحرم قال: عليه شاة، قلت: فان قتلها في جوف الحرم قال: عليه شاة وقيمة الحمامة، قلت: فان قتلها في الحرم وهو حلال قال: عليه ثمنها ليس عليه غيره، قلت: فمن قتل فرخا من فراخ الحمام وهو محرم قال: فعليه حمل) إلى غير ذلك من النصوص. فما عن ظاهر العماني من وجوب الشاة خاصة واضح الضعف، بل لم أجد له دليلا إلا الاطلاق المقيد بما سمعت، كالمحكي عن المرتضى في أحد قوليه من وجوب الفداء والقيمة مضاعفة، نعم قوله الآخر بوجوب تضاعف الفداء وهو المحكي عن الاسكافي قد يستدل له بقول الصادق عليه السلام في الحسن أو الصحيح (5) (إن أصبت الصيد وأنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، وإن أصبته وأنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فانما عليك


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 4 - 5. (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 وبعده في الباب 10 منها الحديث 9 وذيله في الباب 9 منها الحديث 9. (5) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5.

[ 236 ]

فداء واحد) وقوله عليه السلام في الموثق (1) (وإن أصبته وأنت محرم في الحرم فعليك الفداء مضاعفا). ولكن يمكن تنزيلهما على ما عرفت بارادته من المضاعفة ولو مجازا أو على غير المقام، فان المحكي عن الشيخ في النهاية والمبسوط والتهذيب وجوب تضاعف الفدية فيه للمحرم في الحرم ما لم يبلغ بدنة، فلا يجب عليه غيرها، لخبر الحسن بن علي بن فضال (2) (عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام في الصيد يضاعفه ما بينه وبين البدنة، فإذا بلغ البدنة فليس عليه التضعيف) ومرسله الآخر (3) عنه عليه السلام أيضا (إنما يكون الجزاء مضاعفا مما دون البدنة حتى يبلغ البدنة، فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف، لأنه أعظم ما يكون، قال الله عز وجل (4): ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب) خلافا للمحكي عن ابن إدريس فأوجبه مطلقا، بل قال: إن باقي أصحابنا أطلق التضعيف، ولعله لاطلاق الخبرين، وتقييدهما بما سمعت من الخبرين الأخيرين لو صلحا للتقييد الموافق للأصل جيد، لكنهما مرسلان، فلا ريب في أن الأحوط ما ذكره ابن إدريس، والله العالم. (و) يجب (في بيضها إذا تحرك الفرخ حمل) لاندارجه في نصوص الفرخ الشامل للخارج عنها والحاصل منها ولو لشهادة صحيح علي بن جعفر (5) سأل أخاه عليه السلام (عن رجل كسر بيض الحمام وفي البيض فراخ قد تحركت قال: عليه أن يتصدق عن كل فرخ قد تحرك بشاة، ويتصدق بلحومها إن


(1) الوسائل - الباب 31 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5. (2) و (3) الوسائل - الباب 46 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1. (4) سورة الحج الآية 33. (5) الوسائل - الباب 26 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 237 ]

كان محرما، وإن كان الفراخ لم تتحرك تصدق بقيمته ورقا يشتري به علفا يطرحه لحمام الحرم) بارادة الحمل من الشاة فيه، وخبر يونس بن يعقوب (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض قال: إن كان أغلق عليها بعدما أحرم فان عليه لكل طائر شاة، ولكل فرخ حملا، وإن لم يتحرك فدرهم، وللبيض نصف درهم) بل وصحيح الحلبي (2) عنه عليه السلام أيضا، قال: (حرك الغلام مكتلا فكسر بيضتين في الحرم، فسألت أبا عبد الله عليه السلام فقال: جديين أو حملين) بناء على إرادة تحرك الفرخ فيهما، إنما الاشكال في أن ظاهر المصنف وغيره عدم الفرق في ذلك بين المحرم والمحل خصوصا بملاحظة تفصيله بينهما في غير ذي الفرخ، وكذا عن المنتهى والتذكرة وفي القواعد ومال إليه سيد المدارك، قال: (وعبارة المصنف كالصريحة في التعميم حيث أطلق وجوب الشاة بعد تحرك الفرخ وفصل الحكم قبله وصرح الشهيدان بأن حكم البيض بعد تحرك الفرخ حكم الفرخ، ومقتضاه اختصاص هذا الحكم بالمحرم في الحل ويجب على المحل في الحرم نصف درهم ويجتمع الأمران على المحرم في الحرم وهو غير واضح، لاختصاص الرواية الثانية أي صحيح الحلبي بحمام الحرم وظهور الرواية الأولى أي صحيح علي ابن جعفر في التعميم) وفيه أن ذلك يقتضي زيادة فداء المحل البيض ذي الفرخ المتحرك في الحرم على فداء الفرخ نفسه فيه الذي قد عرفت وجوب نصف درهم له، وهو مستبعد نحو ما سمعته في بيض القطا، على أنه يمكن جعل الشرط في الخبر الأول للحكم بالحمل، فيكون مفهومه عدم كون حكمه كذلك، وليس إلا بقاؤه حينئذ على حكمه في الفرخ، وكذا الكلام في خبر يونس، مضافا إلى صدق قتل الفرخ الذي قد عرفت ما دل على التفصيل بين المحرم في الحل والمحرم في الحرم فيه بالنسبة إلى وجوب الحمل والدرهم،


(1) الوسائل - الباب 16 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 26 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 238 ]

فالمتجه حينئذ الجمع بين النصوص بحمل المطلق فيها على المقيد، ومنه يعلم أن الأقوى حينئذ ما سمعته من الشهيدين. هذا كله مع التحرك (و) أما (قبل التحرك) سواء كان قد تصور أولا ف‍ (على المحرم) في الحل (درهم) لما سمعته من قول الصادق عليه السلام في حسن حريز (1) المتقدم في أصل المسألة المحمول عليه هنا ما سمعته في صحيح علي بن جعفر المتمم بعدم القول بالفصل المحمول ما في آخره من نصف الدرهم على كسر المحل له إذا كان فيه فرخ قد تحرك وإن كان بعيدا جمعا بين النصوص التي منها ما سمعته في صحيح حفص (2) وابن الحجاج (3) المراد منهما المحل في الحرم ولو بقرينة غيرهما أيضا، فيستفاد منهما ما ذكره المصنف (و) غيره من أن (على المحل) في الحرم في كسر البيض ولم يكن فيه فرخ قد تحرك (ربع درهم) كما أنه مما قدمنا يعلم الوجه في قوله: (ولو كان محرما في الحرم لزمه درهم وربع) ضرورة كونه كقتل المحرم الحمامة أو الفرخ في الحرم الموجبين للشاة ودرهم، وللحمل ونصف درهم بالنصوص وقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، فما عن سلار - من إطلاق ربع درهم في البيضة، والمفيد والمرتضى في بيض الحمامة وشبهها وأبي الصلاح وابن زهرة في بيضة من حمام الحرم درهم، ومن غيره نصف درهم - لا يخفى عليك ما فيه إن لم ينزل على ما ذكرناه والله العالم. (ويستوي الأهلي و) الوحشي من (حمام الحرم في القيمة) التي هي الفداء بسبب الجناية (إذا قتل في الحرم) كما يستويان في الحل أيضا في الفداء (لكن يشتري بقيمة الحرمي علفا لحمامه) كما في القواعد وغيرها


(1) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5 - 1.

[ 239 ]

بل لا خلاف فيه كما عن المنتهى والتذكرة الاعتراف به إلا من داود، فلا جزاء لصيد الحرم، ويمكن القطع بفساده بملاحظة النصوص السابقة والفتاوى والاجماعات، نعم في بعضها التخيير بين الصدقة به وبين علفه لحمام الحرم، كصحيح الحلبي (1) وخبر محمد بن الفضيل (2) وغيرهما، وعليه يحمل الأمر بالعلف في غيرها حتى خبر حماد (3) المشتمل على التفصيل، قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل أصاب طيرين واحدا من حمام الحرم والآخر من غير حمام الحرم قال: يشتري بقيمة الذي من حمام الحرم قمحا فيطعمه حمام الحرم ويتصدق بجزاء الآخر) لقصوره في إفادة الوجوب التعيني سندا وعددا عن مقاومة غيره، كقصوره عن ثبوت وجوب كونه قمحا أي حنطة على وجه يقيد إطلاق غيره، فلا بأس بحمل ذلك فيه على الندب، كحمل الأمر فيه على أفضل فردي الواجب التخييري، أما غير الحرمي فالنص والفتوى متوافقان على الصدقة بثمنه، وفي كشف اللثام - بعد أن ذكر أخبار حماد وأبي بصير وصفوان وعلي بن جعفر دليلا للعلف لحمامه - قال: (وما خلا خبر حماد مطلقة، وهو المفصل المخصص ذلك بالحرمي والعلف والقمح، وفي حسن الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام (ان الدرهم وشبهه يتصدق به أو يطعمه حمام مكة) فيحتمل التفصيل بالحرمي وغيره، والتخيير مطلقا) قلت: لا يخفى عليك التحقيق في ذلك بعد الاحاطة بما ذكرناه. بقي الكلام فيما ذكره المصنف وغيره من التعبير بالأهلي المشعر بكونه مملوكا، وقد صرح الكركي بعدم تصور ملك الصيد في الحرم إلا في القماري


(1) و (2) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 1. (3) الوسائل - الباب 22 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6. (4) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 240 ]

والدباسي لجواز شرائهما وإخراجهما وتبعه في المسالك، وفي المدارك وغيرها (هو مبني على ما هو المشهور من عدم دخول الصيد وإن كان أهليا في الملك إذا كان في الحرم كما تقدم سابقا، وأما على ما ذهب إليه المصنف في النافع من دخوله في الملك وإن وجب عليه إرساله فلا) قلت: يمكن القول بعدم اعتبار الملك في الأهلي منه، ضرورة صدقه على اليمام الذي يسكن الدور وإن لم يتولد في الحرم، والحكم المزبور لا يعتبر فيه الملكية، كما أنه يمكن تملكه بتملك بيض خارج من الحرم، فيضعه تحت حمام الحرم ويكون فرخا وبغير ذلك، ومن هنا قال في كشف اللثام مازجا به عبارة القواعد: (يستوي الأهلي أي اليمام أو المملوك من حمام الحرم تولد منه أو أتاه من الحل، وهو لا ينافي الملك وإن لم يكن قمريا أو دبسيا كما يأتي، ولا بأس إن نافاه هنا أيضا) ومرجعه إلى ما ذكرنا. وكيف كان ففي المسالك (أن المراد بالقيمة ها هنا ما يعم الدرهم والفداء ليدخل حكم بيضه وفرخه وغيرهما) وفيه منع واضح، ثم قال: (وإنما يستويان في ذلك مع اذن المالك في إتلاف الأهلي أو كان المتلف هو المالك، أما لو كان غيرهما افترق الحكم على الأقوى، إذ يجتمع على المتلف في الأهلي القيمة للمالك والفداء كما سيجئ - إلى أن قال -: وأما الأهلي فقد أطلقوا وجوب الصدقة بقيمته على المساكين، وينبغي أن يكون ذلك في موضع لا يضمنه للمالك، وإلا كان فداؤه للمساكين وقيمته للمالك، فينبغي تأمل ذلك، فان النص والفتوى متطابقان) قلت لا ريب في أن ما ذكره أحوط، وإن كان الأصل وظاهر النص والفتوى خلافه، اللهم إلا أن يدعي انسياقهما إلى غير المملوك وإن عبروا عنه بالأهلي ونحوه المراد منه كما عرفت الذي يألف البيوت الجواهر - 30

[ 241 ]

ويسكنها في مقابل الوحشي، هذا. وفي الرياض (وهل يختص الاستواء المزبور بالمحل أم يعمه والمحرم حتى لو قتل المحرم الحمام الأهلي في الحرم لم يكن عليه غير القيمة على الثاني، ومع الفداء على الأول ؟ إشكال من إطلاق النص والفتوى باجتماع الأمرين إذا جنى على الحمامة في الحرم من غير فرق بين الأهلي منها والحرمي، ومن أن ظاهر تعليلهم الاجتماع المزبور بهتكه حرمة الحرم والاحرام فيلزمه الأمران كل بسببه، وهذا إنما يتوجه في الحرمي خاصة، لكونه صيدا منع عنه المحرم، وأما الأهلي منها فلا منع فيه إلا من جهة الحرم، لأن من دخله كان آمنا، ولم أر من الأصحاب من تعرض لهذا الفرض فضلا عن الحكم فيه بأحد الطرفين أو التوقف فيه والاشكال، والأقرب من وجهي الاشكال الأول، لقوة دليله) إلى آخره. قلت لا إشكال في وجوب الشاة على المحرم في قتل الحمامة من غير فرق بين الأهلي منها وغيره، وبين اصطيادها وعدمه، وبين الحرم وغيره، وإن زاد الأول مع ذلك قيمتها التي هي الدرهم الواجب على المحل، بل الظاهر جريان ما سمعته من الشراء بها علفا لطيور الحرم، أو يتخير بين ذلك والصدقة بها، وقد سمعت التصريح في خبر عبد الله بن سنان (1) عن الصادق عليه السلام بالفرق بين المحرم وغيره في حمام مكة في الطير الأهلي غير حمام الحرم بوجوب الشاة على الأول، والقيمة على الثاني، فلاحظ، نعم لم يذكر وجوب القيمة فيه مع الشاة لو كان القتل في الحرم اتكالا على ما ذكره في غير الخبر المزبور الذي لم يسق لبيان ذلك، وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى بيان بعد إطلاق النص والفتوى حكم الحمام الذي قد سمعت الحال فيه، بل لا يبعد إرادة


(1) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5 و 10.

[ 242 ]

المصنف وغيره من الاستواء هنا ما يشملها أيضا على معنى وجوب القيمة من حيث الحرم، ولكن يشتري بقيمة الحرمي علفا لحمامه أو يتخير، بخلاف غيره فانه يتصدق بها، والله العالم. (الثاني في كل واحد من القطا والحجل والدراج حمل قد فطم ورعى) الشجر بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، لصحيح سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (وجدنا في كتاب علي عليه السلام في القطاة إذا أصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن وأكل من الشجر) وخبر المفضل بن صالح (2) عنه عليه السلام أيضا (إذا قتل المحرم قطاة فعليه حمل قد فطم من اللبن ورعى من الشجر) متممين بعدم القول بالفصل بينها وبين الآخرين بخبر سليمان بن خالد (3) عن أبي جعفر عليه السلام (من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم) بعد حمل الدم فيه على الحمل ولو لقاعدة التقييد، فلا جهة للاشكال في الاستدلال بالنصوص المزبورة التي قد عرفت وصف الحمل فيها بما سمعت، لكن في المسالك (كون المراد أنه قد آن وقت فطامه ورعيه وإن لم يكونا قد حصلا بالفعل) ولا داعي له، كما تقدم الكلام مفصلا في المراد بالحمل لغة، بل وفي الاشكال بوجوب ذلك ووجوب المخاض لبيضها ذي الفرخ، وإن كان قد يدفع بأن الشرع مبني على اختلاف المتماثلات واتفاق المختلفات، فجاز أن يثبت في الصغير أزيد مما يثبت في الكبير، أو بأن المراد من المخاض بنت المخاض، بل ربما دفع أيضا بالتزام وجوبها فيها دون الحمل أو بالتخيير بين الأمرين، ولكن يمكن تحصيل الاجماع على خلاف الأول منهما، فليس حينئذ إلا ما سمعته سابقا من وجوب الحمل فيه، وأقصاه مساواة الكبير للصغير


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 5 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 3 - 2.

[ 243 ]

في الفداء ولا بأس به، فلاحظ وتأمل، هذا، وظاهر المصنف وغيره الاقتصار على الثلاثة، ولكن قد سمعت ما في الخبر الأخير من إلحاق نظيرهن، بهن والاحتياط لا ينبغي تركه. (الثالث في قتل كل واحد من القنفذ والضب واليربوع جدي) على المشهور بين الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا بين المتأخرين، خلافا للحلبيين فأوجبوا فيها حملا قد فطم ورعى من الشجر، بل عن ابن زهرة الاجماع عليه، وإن كان فيه أنه لم نجد موافقا له على ذلك لا سابقا ولا لاحقا عدا من عرفت بل صريح كلام من عثرنا عليه ممن تقدمه خلافه، ومن هنا كان الأقوى الأول لحسن مسمع أو صحيحه (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في اليربوع والقنفذ والضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي، والجدي خير منه، وإنما جعل عليه هذا لكي ينكل عن قتل غيره من الصيد) المعتضد بما عن التذكرة والمنتهى من الاستدلال عليه بالمماثلة، وبما في المختلف من أنه قول أكثر أصحابنا، فيكون راجحا على قول الأقل، فيتعين العمل به، إذ ترك النقيضين أو العمل بهما أو بالمرجوح محال، فتعين ما قلناه، وعن نسخة أخرى وإلا لزم العمل بالنقيضين أو تركهما أو العمل بالمرجوح، والكل محال، وإن كان فيه ما لا يخفى، فالعمدة ما عرفت. ثم إن ظاهر المصنف وغيره كالخبر الاقتصار عليها، لكن عن السيد والشيخين وبني إدريس وحمزة وسعيد وغيرهم إلحاق أشباهها بها، ولعله لما سمعته في الخبر من ثبوت ذلك في الثلاثة وكونه خيرا منه، وأنه إنما جعل لكي ينكل به عن صيد غيره، بل في الرياض لا يخلو من وجه، ولذا مال إليه من المتأخرين المحقق الثاني في شرح القواعد، بل أفتى به صريحا، ولكن لا يخفى عليك ما فيه من عدم صلاحية مثل ذلك لاثبات حكم شرعي كما هو واضح.


(1) الوسائل - الباب 6 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 244 ]

والجدي الذكر من أولاد المعز في السنة الأولى كما عن المغرب المعجم وعن أدب الكاتب (أنه جدي من حين ما تضعه أمه إلى أن يرعى ويقوى) ولعل العرف يساعده، ولكن عن السامي (أنه جدي من أربعة أشهر إلى أن يرعى) بل قيل ويظهر من بعض العبارات أنه ابن ستة أشهر أو سبعة، ومن المصباح المنير احتمال عدم اختصاصه بالسنة الأولى لنسبته إلى بعض، ولكن الجميع على خلاف العرف، والله العالم. (الرابع في كل واحد من العصفور والقبرة) بضم القاف وتشديد الباء (والصعوة) التي هي على ما قيل عصفور صغير له ذنب طويل يرمح به (مد من طعام) وفاقا للمشهور، لمرسل صفوان (1) المنجبر بالشهرة إن لم نقل باعتباره في نفسه عن أبي عبد الله عليه السلام (القبرة والصعوة والعصفور إذا قتله المحرم فعليه مد من طعام) خلافا للصدوقين فأوجبا لكل طائر عدا النعامة شاة لصحيح ابن سنان (2) عنه عليه السلام أيضا أنه قال: (في محرم ذبح طيرا إن عليه دم شاة يهريقه، فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن) الذي هو مع أن عمومه بترك الاستفصال مخصص بالمرسل الأول المنجبر بما عرفت، وللمحكي من الفقه المنسوب (3) إلى الرضا عليه السلام الذي لم تثبت نسبته عندنا، وللاسكافي فأوجب في العصفور والقمري وما جرى مجريهما قيمته، وفي الحرم قيمتين لخبر سليمان بن خالد (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عما في القمري والدبسي والسماني والعصفور والبلبل قال: قيمته، فان أصابه وهو محرم فقيمتان، ليس عليه فيه


(1) الوسائل - الباب 7 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6. (3) المستدرك - الباب 10 و 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 7.

[ 245 ]

دم شاة) وفي طريق آخر (الزنجي) مكان الدبسي، وهو قاصر سندا، فلا يصلح للعمل فضلا عن المعارضة، والله العالم. (الخامس في قتل الجرادة تمرة) كما عن الفقيه والنهاية والمقنع والخلاف والمهذب والنزهة والجامع ورسالة علي بن بابويه والسرائر وإن عبروا في الجرادة تمرة، لصحيح زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في محرم قتل جرادة قال: يطعم تمرة، وتمرة خير من جرادة) وصحيح معاوية (2) عنه عليه السلام أيضا (قلت: ما تقول في رجل قتل جرادة وهو محرم، قال تمرة خير من جرادة) ومرسل حريز (3) عنه عليه السلام أيضا (في محرم قتل جرداة قال: يطعم تمرة، والتمرة خير من جرداة) (و) لكن مع ذلك (الأظهر) عند المصنف (كف من طعام) كما في النافع والقواعد ومحكي المقنعة هنا والغنية بل والمراسم وإن عبر بما هو أعم من القتل، فقال في الجرادة، وجمل العلم والعمل مع زيادة قتل القملة، لما قيل من صحيح ابن مسلم (4) عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن محرم قتل جرادة قال: كف من طعام، وإن كان كثيرا فعليه شاة) وجمع غير واحد بينهما بالتخيير كما عن المبسوط والتهذيب والتحرير والتذكرة مع احتمالها التردد، ولا بأس به لو كان الخبر صحيحا، لكن هو خبر ضعيف كما اعترف به في كشف اللثام، نعم في خبره الصحيح (5) (قتل جرادا) بل عن بعض النسخ (قتل جرادا كثيرا) ومن هنا يشكل العمل به ولو على التخيير، كما أنه يشكل العمل بخبر الحناط (6) عن الصادق عليه السلام (في رجل أصاب جرادة فأكلها قال: عليه دم) لضعف سنده واحتمال إرادة الجنس من الوحدة فيه، وفي محكي السرائر عن علي بن بابويه أن علي كل من أكل جرادة شاة، قال في المختلف


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 37 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1 - 7 - 6 - 3 - 5.

[ 246 ]

(والذي وصل إلينا من كلام ابن بابويه في رسالته (وإن قتلت جرداة تصدقت بتمرة، وتمرة خير من جرادة، فان كان الجراد كثيرا ذبحت شاة، وإن أكلت منه فعليك دم شاة) وهذا اللفظ ليس صريحا في الواحد - قال: - وقال ابن الجنيد: في أكل الجراد عمدا دم، كذلك روى ابن يحيى عن عروة الحناط عن أبي عبد الله عليه السلام، ومعناه إذا كان على الرفض لاحرامه، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر، فان قتلها خطأ كان فيها كف من طعام، كذا روى ابن سعيد عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن قتل كثيرا فشاة) - قال -: وحديث ابن الجنيد في طريقه صالح بن عقبة، وهو كذاب غال لا يلتفت إليه، وعروة لا يحضرني الآن حاله) قلت: لا ريب في عدم صلاحية الخبر المزبور للعمل به وإن حكى عن الفقه (2) المنسوب إلى الرضا عليه السلام ما يوافقه أيضا إلا أنه لم تثبت النسبة عندنا، فالمتجه إلحاق أكل الجرادة بقتلها في التصدق بتمرة، خصوصا بعد قوله عليه السلام (وتمرة خير من جرادة) الظاهر في العموم، وعن كفارات المقنعة (فان قتل جرادا كثيرا كفر بمد من تمر فان كان قليلا كفر بكف من تمر) ولم أجد ما يشهد له، اللهم إلا أن يراد من الكف من الطعام الكف من التمر، وعن ابن حمزة (وإن أصاب جرادا وأمكنه التحرز منها تصدق لكل واحدة بتمرة) وهذا مع قوله (في الكثير شاة) يدل على أنه يريد بالكثير ما لا يحصيه أو الكثير عرفا. (وكذا) يجب الكف من الطعام (في القملة يلقيها من جسده) كما في المقنعة والنافع والقواعد ومحكي الغنية وجمل العلم والعمل مع زيادة قتلها أيضا، كقوله في محكي المهذب (في القملة يرميها أو يقتلها) لخبر حماد بن


(1) الوسائل - الباب 37 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6 و 3. (2) فقه الرضا عليه السلام ص 29.

[ 247 ]

عيسى أو صحيحه (1) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها قال: يطعم مكانها طعاما) ونحوه خبر ابن مسلم (2) عنه عليه السلام أيضا بناء على إرادة الكف من إطعام الطعام مكانه إذ هو أقل مقدر منه أو لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحسين بن أبي العلاء (3) (المحرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمدا، وإن قتل شيئا من ذلك خطأ فليطعم مكانها طعاما قبضة بيده) ولكنه في القتل، وأولى منه بذلك خبر ابن مسكان عن الحلبي (4) قال: (حككت رأسي وأنا محرم فوقع منه قملات فأردت ردهن فنهاني، وقال: تصدق بكف من طعام) لكن صحيح ابن عمار (5) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يحك رأسه فيسقط عنه القملة والثنتان فقال: لا شئ عليه ولا يعود) ظاهر في عدم الكفارة، اللهم إلا أن يخصص بما عدا الكف أو يحمل على غير التعمد، بل قيل إنه ظاهره، وأنه يعضده قوله عليه السلام في صحيحه (6) أيضا (لا شئ في القملة، ولا ينبغي أن يتعمد قتلها) بل ربما احتملا معا إرادة عدم العقاب عليه وعدم الكفارة المعينة، كما أن خبر مرة مولى خالد (7) أنه سأله (عن المحرم يلقي القملة فقال: ألقوها أبعدها الله تعالى غير محمودة ولا مفقودة) لا ينافي التكفير، إذ أقصاه الرخصة في إلقائها مع إيذائها وإن وجبت الكفارة حينئذ، وقد يجمع بين النصوص بكون الكفارة في ذلك على الندب، خصوصا مع صحة سند النافي لها، وضعف المثبت لها، فلا يصلح لاثبات الوجوب، ولكنه مناف للاحتياط، خصوصا بعد العمل بظاهر الأمر ممن عرفت، بل في المسالك وحكم قتلها حكم إلقائها على المشهور خلافا للشيخ في المبسوط حيث جوز قتلها وأوجب الفداء


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 15 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6. (7) الوسائل - الباب 78 من أبواب تروك الاحرام الحديث 6.

[ 248 ]

في رميها دون قتلها. والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (في قتل الكثير من الجراد دم شاة) كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا محققا عدا ما سمعته من المحكي عن كفارات المقنعة مع قوله فيها هنا بما في المتن، بل عن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد صحيح ابن مسلم (1) وخبره (2) عن الباقر والصادق عليهما السلام المتقدمين، بل ظاهر الخبر أو الصحيح تحقق الكثرة بالزيادة على الواحد، ولكنه خلاف ظاهر الأصحاب بل صريح جملة منهم كثاني الشهيدين والمحققين، فقالا: إن المرجع في الكثرة إلى العرف، ويحتمل اللغة، فتكون الثلاثة كثيرا، وكيف كان فيجب لما دونه في كل واحدة تمرة أو كف طعام، وهو حسن، للأصل مضافا إلى ما عرفته من اختلاف نسخة الخبر المزبور، فالتحقيق الرجوع في الكثرة إلى العرف. هذا كله مع إمكان التحرز (وإن لم يمكنه التحرز من قتله بأن كان في طريقه) على وجه يتعذر أو يتعسر عدم قتله (فلا إثم ولا كفارة) لقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (3) (على المحرم أن ينكب الجراد إذا كان على طريقه، فان لم يجد بدا فقتل فلا بأس) وقال معاوية (4) له عليه السلام أيضا في الصحيح (الجراد يكون على ظهر الطريق والقوم محرمون فكيف يصنعون ؟ قال: يتنكبون ما استطاعوا، قلت فان قتلوا منه شيئا ما عليهم ؟ قال: لا شئ عليهم) والله العالم. (وكلما لا تقدير لفديته ففي قتله قيمته) بلا خلاف أجده فيه كما


(1) و (2) الوسائل - الباب 37 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 6. (3) و (4) الوسائل - الباب 38 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2. الجواهر - 31

[ 249 ]

اعترف به غير واحد، لقاعدة الضمان مع عدم ما يخالفها من نص ونحوه، ولقول الصادق عليه السلام في صحيح سليمان بن خالد (1) (في الظبي شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار بدنة، وفي النعامة بدنة، وفيما سوى ذلك قيمته). (وكذا القول في البيوض) التي لا تقدير لفديتها كما عرفت، نعم قد عرفت سابقا أن هذا ونحوه حكم المحرم في الحل والمحل في الحرم، أما المحرم في الحرم فتتضاعف عليه القيمة ما لم تبلغ البدنة كما صرح به في المسالك هنا، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، وربما يأتي له تتمة إنشاء الله. (وقيل) كما عن المبسوط والوسيلة والاصباح (في البطة والأوزة والكركي شاة) ولعله لما تقدم من صحيح ابن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في محرم ذبح طيرا أن عليه دم شاة يهريقه، فان كان فرخا فجدي أو حمل من صغير الضأن) ولوجوبها في الحمام وهو أصغر منها، والغالب أن قيمتها أقل من الشاة، لكن لا يخفى عليك ما في الأخير من عدم موافقته لقواعد الامامية، كما أن مقتضى الأول عدم الفرق في الطيور. ولعله لذا قال المصنف (وهو تحكم) فان تخصيصها من بين الطيور بذلك كذلك، بل قيل إنه خاص بالذبح، مع أنه لا فرق بينه وبين غيره وإن كان قد يدفع الأخير بأنه يتم بعدم القول بالفصل، وعلى كل حال فما عن ابن حمزة من دعوى الرواية في الكركي خاصة لم نعثر عليها، نعم عن ابن بابويه العمل بمضمون الصحيح المزبور حيث لم يستثن إلا النعامة، ولكنه لندرته قاصر عن معارضة ما سمعت، فما في المدارك - من أنه ينبغي العمل به فيما لم يقم دليل خارج على خلافه، وحينئذ يكون الطير بأنواعه من المنصوص في غير -


(1) الوسائل - الباب 1 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 9 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6.

[ 250 ]

محله، إلا أن الاحتياط حيث لا تكون القيمة أزيد من ذلك لا ينبغي تركه، والظاهر من التقويم هنا كغيره من المقامات، فيجري البحث في إجزاء العدل الواحد لكونه من باب الاخبار، أو لابد من التعدد لكونه من باب الشهادة، لكن في القواعد وغيرها يجب أن يحكم في التقويم عدلان عارفان، ولو كان أحدهما القاتل أو كلاهما فان كان عمدا لم يجز، وإلا جاز، واستدلوا له بظاهر الآية التي هي المماثل من النعم دون التقويم، ولعدم الاجزاء في حال العمد بالفسق المخرج عن العدالة، إلا أن تفرض التوبة، وأما الاشكال بعدم جواز حكم الانسان لنفسه كما عن النخعي فيدفعه أنه لا مانع منه بعد عموم الآية وبعد كونه مالا يخرج في حق الله، فيجوز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه كالزكاة. ولو حكم عدلان بأن له مثلا من النعم وآخران بخلافه ففي كشف اللثام (أمكن ترجيح حكم نفسه، قال: وإن لم يحكم بشئ ولا وجد آخر يرجح أحدهما فالظاهر التخيير) وفي التذكرة عن بعض العامة (أن الأخذ بالأول أولى) قلت: قد سمعت سابقا المراد بالعدل في الآية، وأن منه يعلم خروج هذا الكلام من أصله عن الصواب كما أنه علم أيضا مما ذكرناه سابقا الوجه في أن هذه الخمسة لا بدل لكفارتها على الخصوص اختيارا ولا اضطرارا، وإنما ورد في بدل الشاة عموما إطعام عشرة أو صيام ثلاثة، قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (1) (من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وفي غيرها الاستغفار والتوبة) والله العالم. (فروع خمسة: الأول إذا قتل صيدا معيبا كالمكسور والأعور فداه بصحيح) على الأفضل كما في القواعد ومحكي الخلاف، والأولى كما عن


(1) الوسائل - الباب 23 و 24 و 25 و 26 من أبواب كفارات الصيد.

[ 251 ]

التحرير، والأحوط كما عن التذكرة والمنتهى (و) على كل حال ف‍ (لو فداه بمثله جاز) بلا خلاف أجده إلا من أبي علي لظاهر الآية، نعم ينبغي مراعاة المماثلة في العيبية، فيفدي الأعور باليمنى بمثله، والأعرج بها كذلك لكن في القواعد (ويجزي أعور اليمنى عن أعور اليسار) ولعله لاتحاد نوع العيب، وكون الاختلاف يسيرا لا يخرجه عن المماثلة، ولا بأس به، وكذا يجزي المريض عن مثله إذا كان مريضا بعين مرضه لا بغيره، لمثل ما عرفت، أما مع إختلاف نوع العيب كالعور والعرج فلا يجزي أحدهما عن الآخر كما صرح به غير واحد، لعدم صدق المماثلة، وكذا الحكم في مختلف نوع المرض، وعلى كل حال فلا ريب في أن الصحيح أفضل وأولى، لأنه زيادة في الخير وفي تعظيم الشعائر، ومن ذلك يعلم إجزاء الكبير عن الصغير الذي لا خلاف عندنا في إجزاء الصغير من النعم الذي هو مماثل عنه للآية ونصوص الحمل والجدي ونحوهما، خلافا لمالك، والله العالم. (ويفدي الذكر بمثله وبالأنثى وكذا الأنثى) كما في القواعد ومحكي المبسوط والخلاف لصدق المماثلة المراد منها في الخلقة لا في جميع الصفات حتى اللون ونحوه، وعن بعض الشافعية عدم الاجزاء بالذكر عن الأنثى، بل عن ظاهر التحرير والمنتهى والتذكرة التوقف فيه والقطع بالعكس، قال: لأن لحمها أطيب وأرطب، وقال: لو فدى الأنثى بالذكر فقد قيل إنه يجوز، لأن لحمه أوفر فتساويا، وقيل لا يجوز لأن زيادته ليست من جنس زيادتها فأشبه فداء المعيب بنوع آخر، ولعله لذا قال المصنف: (وبالمماثل أحوط) وإن كان الأقوى ما عرفت للآية وما تقدم من النصوص في البدنة والشاة والحمل وغيرها، والله العالم. (الثاني الاعتبار بتقويم الجزاء وقت الاخراج) لأنه حينئذ ينتقل إلى

[ 252 ]

القيمة، فتجب، والواجب أصالة هو الجزاء (وفيما لا تقدير لفديته وقت الاتلاف) لأنه وقت الوجوب، والعبرة في قيمة الصيد الذي لا تقدير لفديته بمحل الاتلاف، لأنه محل الوجوب، وفي قيمة البدل من النعم بمنى إن كانت الجناية في إحرام الحج، وبمكة إن كانت في إحرام العمرة، لأنهما محل الذبح، وربما كان لمسألة ضمان المثلي بمثله - فان تعذر فقيمته، وللضمان القيمي بقيمته وقت الاتلاف أو وقت الاداء أو غير ذلك - مدخلية في الجملة لما هنا، والله العالم. (الثالث إذا قتل ماخضا مما له مثل) من النعم (يخرج ماخضا) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالشيخ والفاضلين والشهيدين وغيرهم، لشمول معنى المماثلة لذلك، نعم عن الشافعي لا يذبح الحامل من الفداء، لأن فضيلتها لتوقع الولد، وقال: يضمنها بقيمة مثلها، لأن قيمة المثل أكثر من قيمة اللحم، وفيه أنه عدول عن المثل مع إمكانه، ولا وجه له، كما لا عبرة بالقيمة مع إمكان المثل، وربما أشعر نسبة ذلك إلى الشيخ في محكي التحرير والمنتهى بنوع توقف فيه، بل في المدارك إحتمال إجزاء غير الماخض قويا لعدم تأثير هذه الصفة في زيادة اللحم، بل ربما اقتضت نقصه، فلا يعتبر وجودها كاللون ولكنه في غير محله. (ولو تعذر يقوم الجزاء ماخضا) لأنه هو المثل المتعذر الذي بتعذره ينتقل إلى قيمته، هذا، ولكن في التحرير والتذكرة والمنتهى أنه لو أخرج عن الحامل حائلا ففي الاجزاء نظر، لانتفاء المماثلة، ومن أن الحمل لا يزيد في اللحم بل ينقص فيه غالبا، فلا يشترط كاللون والعيب، وكأن هذا التوقف مبني على التوقف في أصل وجوب فداء الماخض بمثلها الذي قد عرفت أني لم أجد فيه خلافا بيننا، وإلا فلا وجه له، وفي الدروس (لو لم تزد قيمة الشاة حاملا عن قيمتها حائلا ففي سقوط اعتبار الحمل هنا نظر) وفيه أن عدم اعتباره

[ 253 ]

حيث يراد القيمة، بخلاف ما لو أريد المثل المفروض توقف صدقه عليه، وفيها أيضا (لو زاد جزاء الحامل عن إطعام المقدر كالعشرة في شاة الظبي فالأقرب وجوب الزيادة بسبب الحمل إلا أن يبلغ العشرين، فلا يجب الزائد) وفي كشف اللثام يعني على العشرين، إذ لا يزيد قيمة الحمل على قيمة أمه، ويحتمل وجوبه، لأن الحمل إنما يقوم وحده إذا انفرد، والآن فانما المعتبر قيمة الحامل، ويحتمل أن لا يعتبر الزائد عن العشرة بسبب الحمل أصلا للأصل والعمومات، ولو كانت حاملا باثنين فالأحوط إن لم يكن أقوى اعتباره في الفداء إذا أمكن، قال في الدروس: (لو تبين أنها حامل باثنين فصاعدا تعدد الجزاء والقيمة لو كان محرما في الحرم) وهو موافق لما ذكرناه، نعم لا شبهة في إعتباره في القيمة، وفي كشف اللثام (إذا لم يزد على العشرة في الشاة والثلاثين في البقرة والستين في البدنة) وفيه أن ذلك لا مدخلية له في أصل التقويم، والله العالم. (الرابع إذا أصاب صيدا حاملا فألقت جنينا حيا ثم ماتا) بالاصابة (فدى الأم بمثلها والصغير بصغير) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المدارك نفيه بين العلماء، بل ولا إشكال، لوجوب الأمر بالفداء ملاحظا للذكورة والأنوثة والصحة والعيب على حسب ما عرفت (ولو عاشا) معا أثم ولكن (لم يكن عليه فدية) لأحدهما (إذا لم يعب المضروب، ولو عاب) كل منهما أو أحدهما وقد عاش (ضمن أرشه) لقاعدة الضمان التي لا تفاوت فيها بين الجزء والكل والصفة وغير ذلك مما يتعلق به الضمان (ولو مات أحدهما فداه) لتحقق الموجب (دون الآخر، ولو ألقت جنينا) ظهر أنه كان (ميتا) قبل الضرب والأم حية كما في كشف اللثام (لزمه الأرش، وهو) تفاوت (ما بين قيمتها حاملا ومجهضا) قيل كما يضمن ما ينقصه من عضو كالقرن والرجل على

[ 254 ]

ما يأتي، ولا يضمن الجنين لكون المفروض موته بغير الجناية، بل في كشف اللثام (قيل: ولا يضمنه ما لم يعلم أنه كان حيا فمات بالضرب، لأصل البراءة - ثم قال - ولا بأس به وإن عارضه أصل الحياة) وكأنه أشار بذلك إلى ما في المسالك من أنه لا يعتبر الولد هنا للشك في حياته، والحكم إنما يتعلق بالحي بعد الولادة، حتى لو علم تحركه قبلها لم يعتد به، لعدم تسميته حينئذ حيوانا واستحسنه في المدارك، ولعله كذلك، وأصالة الحياة لا محل لها هنا، ضرورة أن مقتضى الأصل عدمها، نعم يستفاد من نصوص البيض الضمان للمستعد فضلا عن مجهول الحال بالنسبة إلى الحياة وعدمها زيادة على استعداده، اللهم إلا أن يقال إن ذلك كله داخل في الأرش الذي هو التفاوت المزبور، فتأمل جيدا. ولو ضرب ظبيا فنقص عشر قيمته احتمل وجوب عشر الشاة كما عن الشيخ والشهيدين والمزني لوجوبها في الجميع، وهو يقتضي التقسيط، ويحتمل وجوب عشر ثمنها كما عن الشافعي، للحرج المفضي إلى العجز عن الأداء غالبا، والأقرب وجوب الجزء مع الامكان ولو بوجود مشارك، ومع التعذر فالقيمة. ولو أزمن صيدا وأبطل امتناعه وجب كمال الجزاء عند أبي حنيفة، بل والشافعي في وجه كالفاضل في القواعد لأنه كالهالك، ولذا لو أزمن عبدا لزمه تمام القيمة، بل هو المحكي عن المبسوط، وفيه أنه إنما يضمن ما نقص لا ما ينقص ولعله لذا لم يستجوده في المنتهى، فيتجه حينئذ ضمان الأرش كما يشهد له أنه لو قتله محرم آخر ضمن قيمة المعيب المزمن، ولو أبطل أحد امتناعي مثل النعامة والدراج ضمن الأرش قطعا، لأنه لبقاء امتناعه الآخر ليس كالهالك. (الخامس إذا قتل المحرم حيوانا وشك في كونه صيدا لم يضمن)

[ 255 ]

للأصل، وكذا لو شك في قتله في الحرم ليتضاعف عليه الفداء إن كان محرما أو تعلق به الحكم إن كان محلا، بل وكذا لو شك في الاصابة وعدمها بلا خلاف أجده فيه إلا ما عن المهذب من ضمان الجزاء، لدعوى أن الأصل الاصابة الواضح منعها، وكذا إذا شك في كونه صيد البر، لكن هذا إذا التبس عليه المقتول بأن احتمل أن يكون شيئا من النعم أو الحيتان مثلا، أما إذا علم عين المقتول وشك في كونه صيدا أو صيد البر ففي كشف اللثام عليه الاستعلام كما قد يرشد إليه قوله عليه السلام (1) في الجراد (ارمسوه في الماء) وفيه نظر لأصالة البراءة، والخبر إنما هو في مقابل من قال إنه صيد بحري لا في مثل الفرض، وأما الشك في تأثير الاصابة بعد العلم بحصولها فستعرف البحث فيه إنشاء الله. ((الفصل الثاني في موجبات الضمان)) (وهي ثلاثة: مباشرة الاتلاف واليد والسبب) وفي جملة من كتب الفاضل أنها أمران: المباشرة والتسبيب، بل نص في بعضها على دخول اليد في التسبيب، وفيه توسع، والأمر سهل (أما المباشرة فنقول: قتل الصيد موجب لفديته) بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال بعد تطابق الكتاب والسنة والاجماع بقسميه عليه (فان أكله) أو شيئا منه (لزمه فداء آخر) عند الشيخ والحلي والفاضل والشهيدين على ما حكي عن بعضهم، بل نسب إلى الأكثر بل إلى المشهور (وقيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف والفاضل في القواعد


(1) الوسائل - الباب 7 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

[ 256 ]

ومحكي الارشاد: (يفدي ما قتل ويضمن قيمة ما أكل وهو الوجه) عند المصنف وفاقا لمن عرفت، قيل للأصل وقول الصادق عليه السلام في موثق ابن عمار (1) (وأي قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فان على كل انسان منهم قيمته، فان اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك) وحسن منصور بن حازم أو صحيحه (2) عنه عليه السلام أيضا قال له: (أهدي لنا طائر مذبوح بمكة فأكله أهلنا فقال لا يرى به أهل مكة بأسا، قال: فأي شئ تقول أنت ؟ قال: عليهم ثمنه). ولكن فيه أن الأصل لا موقع له بعد العلم بوجوب شئ عليه بذلك إما الفداء أو القيمة، وربما زادت القيمة على الفداء أو ساوت أو نقصت، ومع التسليم يجب الخروج عنه بما دل على الأول من النصوص المعتضدة بما سمعت من الشهرة، منها المعتبرة المستفيضة (3) التي فيها الصحيح والموثق وغيرهما الآتية في مسألة اضطرار المحرم إلى الميتة والصيد أنه يأكله ويفديه، ومنها صحيح أبي عبيدة (4) الآتي المشهور في مسألة مالو اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله المحرم، فانه سأله (عن محل اشترى المحرم بيض نعام فأكله المحرم فقال: على الذي اشتراه للمحرم فداء، وعلى المحرم فداء، قال: وما عليهما قال: على المحل جزاء قيمة البيض، لكل بيضة درهم، وعلى المحرم الجزاء لكل بيضة شاة) ومنها صحيح زرارة (5) عن أبي جعفر عليه السلام (من أكل طعاما


(1) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 43 من أبواب كفارات الصيد. (4) الوسائل - الباب 24 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5. (5) الوسائل - الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1. الجواهر - 32

[ 257 ]

لا ينبغي له أكله وهو محرم متعمدا فعليه دم شاة) ومرفوع محمد بن يحيى (1) (عن رجل أكل من لحم صيد لا يدري ما هو وهو محرم قال: عليه دم شاة) وصحيح علي بن جعفر (2) سأل أخاه عليه السلام (عن قوم اشتروا ظبيا فأكلوا منه جميعا وهم حرم ما عليهم فقال على كل من أكل منهم فداء صيد، على كل انسان منهم على حدته) وخبر يوسف الطاطري (3) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام صيد أكله قوم محرمون قال: عليهم شاة شاة، وليس على الذابح إلا شاة). بل ربما استدل بالنصوص الدالة على تضاعف الفداء بالجناية والأكل، منها مرسلة ابن أبي عمير (4) التي هي كالصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت له المحرم يصيد الصيد فيفديه أيطعمه أو يطرحه قال: إذا يكون عليه فداء آخر، قلت: فما يصنع به ؟ قال: يدفنه) ونحوها روايته الاخرى (5) وفيها (قلت أيأكله ؟ قال: لا، قلت: فيطرحه ؟ قال: إذا طرحه فعليه فداء آخر، قلت: فما يصنع به قال: يدفنه) ومنها خبر الحرث بن المغيرة (6) عن أبي عبد الله عليه السلام (عن رجل أكل من بيض حمام الحرم وهو محرم قال: عليه لكل بيضة دم، وعليه ثمنها أو سدسها - إلى أن قال - إن الدماء لزمته لأكله، والجزاء لزمه لأخذ بيض حمام الحرم) وإن كان لا يخلو من نظر. نعم قد يستدل بصحيح أبان بن تغلب (7) سأله عليه السلام (عن محرمين أصابوا فراخ نعام فذبحوها وأكلوها فقال: عليهم مكان كل فرخ أصابوه وأكلوه بدنة


(1) الوسائل - الباب 54 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 8. (4) و (5) الوسائل - الباب 55 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1. (6) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4. (7) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4.

[ 258 ]

يشتركون فيهن، فيشترون على عدد الفراخ وعدد الرجال، قال: فان منهم من لا يقدر على شئ فقال: يقوم بحساب ما يصيبه من البدن، ويصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما) لكن ظاهره الاكتفاء بجزاء واحد، ولم نعرف به قائلا كما اعترف به غير واحد، بل عن ظاهر المنتهى الاجماع على خلافه، وعن فخر الاسلام (لو تضاعف الفداء لكان عليهم أي على كل واحد منهم عن كل جزء أكله من كل فرخ بدنة كاملة، فلو أكل جزئين من فرخين من كل فرخ جزء كان عليه بدنتان) وفيه أنه يمكن دعوى ظهور قوله عليه السلام (على عدد الفراخ والرجال) في ذلك، بل وقوله عليه السلام (يصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما) فيكون معنى قوله عليه السلام (عليهم مكان كل فرخ أصابوه وأكلوه بدنة) أن على كل منهم مكان كل فرخ أصابوا منه وأكلوا منه بدنة، وعلى كل حال فهو دال على المطلوب الذي هو وجوب الفداء بالأكل لا القيمة، خصوصا مع روايته بمتن آخر، وهو في قوم حاج محرمين أصابوا فراخ نعام فأكلوا جميعا فقال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها فيشترونها على عدد الفراخ وعدد الرجال، وهو كما ترى ليس فيه (ذبحوها) وإنما فيه (أكلوها) خاصة، فيكون مما نحن فيه، وبذلك كله أو بعضه يخرج عن الأصل المزبور بعد تسليم جريانه. بل ينبغي حمل الموثق (1) المذكور على إرادة الفداء من القيمة فيه، كما أريد منها في آخره، بل ربما كان في قوله (مثل ذلك) إشارة إلى إرادة الفداء من الأول حتى يصح التشبيه، إذ من المعلوم إرادة الفداء في المشبه، لكونه صيدا لا أكلا، بل قد يشهد له أن الموثق المزبور مروي بطريق (2)


(1) و (2) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 1 وفي الثاني (أو أكلوا منه) كما في التهذيب ج 5 ص 351 الرقم 1219 والكافي ج 4 ص 391.

[ 259 ]

صحيح هكذا (إذا اجتمع قوم محرمون على صيد في صيده وأكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته) ولا ريب في إرادة الفداء من القيمة في القتل، فكذا في الأكل، بل في الرياض (والفرق بينه وبين الموثق تأدية الجزاء في الصيد والأكل هنا بلفظ الفداء، ولا كذلك الموثق، لذكر الفداء في خصوص الصيد بلفظه، وفي الأكل بالاشارة بلفظ مثل ذلك المحتملة لارادة المماثلة في نفس الجزاء لا خصوص الفداء، فيحتمل حينئذ إرادة القيمة، وهو وإن بعد أيضا فان الظاهر من المماثلة ثبوتها في الأمرين إلا أنها ليست نصا فيه، بخلاف الصحيح، فانه نص فيه، وبعد ضمه إلى الموثق يجعله كالنص، فان أخبارهم عليهم السلام سيما مع اتحاد الراوي والمروي عنه كما هنا يكشف بعض عن بعض، وحينئذ فسبيل هذين الخبرين سبيل الأخبار المتقدمة للمختار بلزوم الفداء بالأكل، فهي لنا لا علينا) انتهى، وإن كان لا يخلو من نظر يظهر بأدنى تأمل إلا أنه على كل حال تتفق الأخبار جميعا على وجوب الفداء بالأكل لا القيمة. وأما الحسن أو الصحيح فالظاهر خروجه عما نحن فيه من أكل المحرم، خصوصا بعد ملاحظة الصحيح الآخر (1) بهذا المضمون المصرح فيه بكون الآكل محلا، قال فيه (عن رجل أهدي إليه حمام أهلي جئ به وهو في الحرم محل، قال إن أصاب منه شيئا فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه) بل لعل المراد من قوله عليه السلام (ان أهل مكة) إلى آخره إذا كانوا محلين، بل ربما قيل هو الظاهر، ولعله لذلك لم يستدل الأكثر لما في المتن بالأخبار، بل اعترف في المدارك بعدم الوقوف فيه على دليل يعتد به. وإنما ذكروا له بعض الوجوه الاعتبارية، ومن الغريب ما في المدارك فانه - بعد أن ذكر القولين وذكر


(1) الوسائل - الباب 12 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 260 ]

بعض النصوص دليلا للأول واستضعفه واعترف بعدم دليل للثاني - قال: (ولولا تخيل الاجماع على ثبوت أحد الأمرين لأمكن القول بالاكتفاء بفداء القتل تمسكا بمقتضى الأصل، ويؤيده صحيح أبان الذي قد سمعته باعتبار عدم ذكره شيئا غير الفداء في مقام البيان) وقد سبقه إلى هذا أستاده الأردبيلي، بل منع الاجماع، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الا حاطبما ذكرناه، مضافا إلى قاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب بل وافقنا عليه من العامة عطا وأبو حنيفة، وإن فرق الثاني منهما بين الأكل بعد الفداء وقبله، فيضمن القيمة في الأول، ولا يضمن في الثاني، وعن الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد عدم الضمان أصلا، والجميع كما ترى، وليعلم أن موضوع المسألة على ما صرح به بعض كون القتل والأكل للمحرم في الحل، لا في الحرم وإلا فيتضاعف الجزاء لو كانا في الحرم وهو محرم، فيأتي على قول المصنف إذا قتل في الحرم وأكل وهو محرم فداء وقيمتان، وإن كان في الحل فداء وقيمة، وعن الوسيلة إطلاق أن على المحرم في الحل قيمتين، وفي الحرم الجزاء وقيمتين. ثم إن الظاهر ما صرح به بعض متأخري المتأخرين من كون الفداء شاة على كل حال للأكل، وصحيح البدنة (1) في البيض محتمل كما في كشف اللثام أن يكون لتضاعف الجزاء، والله العالم. (ولو رمى) المحرم (صيدا) بلا شريك معه في الرمي (فأصابه و) لكن علم أنه (لم يؤثر فيه) أثرا لا جرحا ولا كسرا ولا غيرهما (فلا فدية) ولكن يستغفر الله تعالى بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر جماعة


(1) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 وهذا هو الذي استدل به في كشف اللثام إلا أنه دل على لزوم البدنة في الفراخ لا في البيض.

[ 261 ]

الاجماع عليه، بل ولا إشكال للأصل السالم عن معارض المعتضد بخبر أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام سأله عليه السلام (عن محرم رمى صيدا فأصاب يده فعرج فقال: إن كان مشى عليها ورعى وهو ينظر إليه فلا شئ عليه، وإن كان الظبي ذهب على وجهه وهو رافعها فلا يدري ما صنع فعليه فداؤه، لأنه لا يدري لعله قد هلك) وعن بعض نسخ التهذيب (وجرح فعرج) وعن بعض آخر كالاستبصار الاقتصار على قوله (فعرج) ولعلها الصواب، ولعل في قوله (وهو ينظر إليه) إشارة إلى ما ذكرناه من التقييد بالعلم بعدم التأثير لما ستعرفه من الحكم في صورة الشك، كما أن الظاهر من المتن وغيره بل والنص كون الرامي متحدا فلا يحتاج إلى إستثناء حكم الراميين إذا أخطأ أحدهما وأصاب الآخر الذي ستعرفه إنشاء الله. (ولو جرحه ثم رآه سويا) صحيحا بلا عيب أو مطلقا (ضمن أرشه) زمن الجرح كما في القواعد، لانها إصابة مضمونة دون الاتلاف، ولا مقدر لها شرعا (وقيل) كما عن النهاية والمبسوط والمهذب والاصباح والسرائر والجامع (ربع القيمة) بل في النافع ربع الفداء، لصحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام (سألته عن رجل رمى صيدا وهو محرم فكسر يده أو رجله فمضى الصيد على وجهه فلم يدر الرجل ما صنع الصيد قال: عليه الفداء كاملا إذا لم يدر ما صنع الصيد، فان رآه بعد ان كسر يده أو رجله وقد رعى


(1) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 إلى قوله عليه السلام (إذا لم يدر ما صنع الصيد) وأما الذيل فليس في الوسائل وإنما هو من كلام الشيخ (قده) في التهذيب بعد ذكر الصحيحة ج 5 ص 359 الرقم 1246.

[ 262 ]

وانصلح فعليه ربع قيمته) وخبره الآخر (1) عنه عليه السلام أيضا (سألته عن رجل رمى صيدا فكسر يده أو رجله فتركه فرعى الصيد قال: عليه ربع الفداء) وخبر أبي بصير (2) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل رمى ظبيا وهو محرم فكسر يده أو رجله فذهب الظبي على وجهه فلم يدر ما صنع فقال عليه فداؤه، قلت: فانه رآه بعد ذلك مشى قال: عليه ربع ثمنه). إلا أنها كما ترى في كسر اليد والرجل خاصة، ولا صراحة فيها على البراءة فضلا عن انتفاء التعيب، على أن في الأول والأخير ربع القيمة والثمن، وفي الثاني ربع الفداء، لكن يمكن إرجاعه إليها كارجاع ما في النافع من التعبير بذلك إليه أيضا، بل في الرياض (أن الفداء بنفسه لا يوجب تربيعه بل قيمته، فعلى هذا المراد ربع قيمة الفداء لا ربع قيمة الصيد كما ربما يتوهم من نحو الصحيحين، لأن مرجع الضمير المجرور فيها إنما هو الفداء المذكور فيهما بعد الصيد قبيل الضمير لا الصيد، وإن احتمله لبعده وقرب المرجع الأول، لكن ظاهر بعض (3) الأخبار الأخر الرجوع إلى الصيد، لكنه قاصر السند) وإن كان فيه ما لا يخفى من انسياق ربع قيمة الصيد من النص والفتوى بل كاد يكون صريح ما حكاه في المنتهى عن الشيخ، وقصور سند بعض الأخبار المزبورة لا ينافي تأكد الظن بارادة ذلك من الضمير على وجه يكون من الظن بالمراد من اللفظ. وعلى كل حال فقد عرفت عدم نص الجرح، ولعله لذا كان المحكي


(1) الوسائل - الباب 28 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 وذيله في الباب 28 منها الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4.

[ 263 ]

عن والد الصدوق والمفيد والحلبي والديلمي وابن حمزة التصدق بشئ، بل عن الفاضل في المختلف اختياره في الادماء، قال (لأنه جناية لا تقدير فيها) وفيه أن المتجه الأرش إن أوجبنا الضمان في أجزاء الصيد كما حكي عليه الاجماع في المنتهى لا التصدق بشئ، واحتمال إرادة الأرش من الشئ في العبارات المزبورة مع أنه خلاف الظاهر يدفعه تصريح المفيد منهم بالتصدق بشئ مع انتفاء العيب، وإلا فالأرش، كما أن دعوى الاجماع المركب على عدم الفرق بين الجرح والكسر - وإن اختلفوا في الفداء وربع القيمة كما عساه يظهر من المسالك وغيرها فلابد إما من العمل بقاعدة الأرش وطرح النصوص المزبورة أو العمل بالنصوص وتخصيص القاعدة بها في الكسر والجرح - واضحة المنع بعد ظهور كثير من العبارات كما في الرياض في اختصاص إلحاق الجرح بالكسر بالشيخ، فالتحقيق الاقتصار على مضمونها وإبقاء الجرح على قاعدة الأرش، بل ربما أيد ذلك بما عن الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام (فان رميت ظبيا فكسرت يده أو رجله فذهب على وجهه لا يدري ما صنع فعليك فداؤه، فان رأيته بعد ذلك يرعى ويمشي فعليك ربع قيمته، وإن كسرت قرنه أو جرحته تصدق بشئ من طعام) بناء على الأرش من الشئ فيه جمعا بينه وبين القاعدة المزبورة، وإن كان هو كما ترى، نعم قد يقال بالتصدق بشئ يحتمل انطباقه على الأرش في حال عدم العلم بالأرش كما هو الغالب بعد العلم ببقائه، ضرورة أصالة براءة الذمة من التكليف بالزائد كما حققناه في كتاب الديات وغيره من نظائر المقام، والله العالم. هذا كله مع علمه بحاله بعد جرحه إياه (وإن) كان (لم يعلم حاله) بعد جرحه فضلا عن كسر يده أو رجله (لزمه الفداء) كما صرح به الصدوق والسيد والشيخان وابنا حمزة والبراج وغيرهم على ما حكي عن


(1) المستدرك - الباب 22 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 264 ]

بعضهم، بل لا أجد فيه خلافا بينهم، بل في المنتهى بل عن الانتصار والخلاف والجواهر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد ما سمعته من النصوص وغيرها المشتملة على التعليل بأنه لا يدري لعله هلك الذي منه مضافا إلى الاجماع المزبور يظهر عدم البأس في اختصاص موردها بالكسر هنا، على أنه في المنتهى روى خبر أبي بصير (1) السابق (فأصاب يده وجرح) بل في قوي السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام (في المحرم يصيب الصيد فيدميه ثم يرسله قال: عليه جزاؤه) بناء على أن المنساق من الجزاء الفداء الكامل، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من الوسوسة في هذا الحكم بأخصية الروايات من المدعى في غير محله، كالمحكي عن العامة من القول بأن الجراحة إن كانت موجبة أي لا يعيش معها المجروح غالبا ضمن جميعه، وإلا ضمن ما نقص والله العالم. (وكذا) يضمن الفداء كاملا (لو) أصابه و (لم يعلم أنه أثر فيه أولا) كما في القواعد وغيرها ومحكي النهاية والسرائر والجامع ومحتمل كلام الحلبيين الذي منه ما عن الغنية من الاجماع على أنه إذا أصاب فغاب الصيد ولم يعلم حاله ضمن فداءه، وما عن الجواهر من الاجماع على أنه يضمن الجزاء بل عن ابن فهد في المهذب ما يفهم منه الاجماع على ذلك، بل ربما يفهم من غيره أيضا، ولعله لما سمعته من التعليل في النصوص المزبورة المعتضد بما قيل من غلبة التأثير مع فرض حصولها، بخلاف الشك فيها فانه لا غلبة في الاصابة، اللهم إلا أن يفرض كون الرمي كذلك، وعلى كل حال فإذا بني على التأثير رجع إلى المسألة الأولى، وإن كان قد يناقش بأن غاية ذلك بعد تسليمه


(1) و (2) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 5. الجواهر - 33

[ 265 ]

حصول الظن، واعتباره في نحو المقام من موضوعات الأحكام يحتاج إلى دليل، وليس، وموضوع المسألة الأولى في ظاهر النصوص والفتاوى صورة القطع به لا الظن ولعله لهذا عزاه المصنف في النافع والفاضل في التحرير إلى القيل مشعرين بتمريضه، لأصلي البراءة وعدم التأثير مع انتفاء نص فيه، بخلاف المسألة الأولى التي لولا النص لكان المتجه فيها عدم الضمان أيضا، ولكن فيه أن التعليل المزبور المعتضد بما سمعته من محتمل الاجماع المحكي وغيره بل وبما يفهم من الأدلة من شدة الاحتياط في مراعاة الحرم والاحرام كاف في إثبات الحكم المزبور، ومما ذكرنا ظهر لك الحال في الصور الخمسة، والله العالم. (و) لا خلاف أجده بيننا في أن ضمان أبعاض الصيد كجميعه، بل قد سمعت سابقا من المنتهى دعوى الوفاق عليه، بل هو مقتضى ضمان الجملة، بل عنه أيضا وعن التذكرة والخلاف أنه لم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، نعم (روى) أبو بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في كسر قرني الغزال نصف قيمته، وفي كل واحد ربع) قيمته (وفي عينيه كمال قيمته، وفي كسر إحدى يديه نصف قيمته، وكذا في إحدى رجليه) قال: ما هذا لفظه (قلت: ما تقول في محرم كسر إحدى قرني الغزال في الحل ؟ قال: عليه ربع قيمة الغزال، قلت فان كسر قرنيه قال: عليه نصف قيمته يتصدق به، قلت فان هو فقأ عينيه قال: عليه قيمته، قلت: فان هو كسر إحدى يديه قال: عليه نصف قيمته، قلت: فان هو كسر إحدى رجليه قال: عليه نصف قيمته، قلت: فان هو فعل به وهو محرم في الحل قال: عليه دم يهريقه، وعليه هذه القيمة إذا كان محرما في الحرم) وعمل به في القواعد وفوائد الشرائع ومحكي النهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب والسرائر والجامع والارشاد بل والمختلف في خصوص العين، بل نسبه


(1) الوسائل - الباب 28 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 266 ]

غير واحد إلى الشهرة الجابرة لما في الخبر من الضعف، مضافا إلى عمل نحو الحلي الذي لا يعمل بأخبار الآحاد المعتبرة فضلا عن الضعيف منها إلا بعد القرائن القطعية. (و) لكن مع ذلك قال المصنف (في الرواية ضعف) وهو إن كان كذلك لما في المدارك من أن في طريقها عدة من الضعفاء منهم أبو جميلة المفضل ابن صالح، وقيل إنه كان كذابا يضع الحديث، وتبعه على ذلك غيره، فاختاروا الأرش كالمحكي عن ظاهر الخلاف بل في كشف اللثام وبه قال المفيد وسلار وكذا الحلبيان في الكسر، بل ربما عورض بخبري أبي بصير (1) وصحيح علي بن جعفر (2) المتقدمة، إلا أنك قد عرفت انجبار الضعف بما سمعت، وخبرا أبي بصير أحدهما في العرج، والآخر في الكسر، وصحيح علي بن جعفر في الكسر الذي قد برئ منه لأن المفروض فيها أنه قد صلح ورآه يرعى، فلا تنافي حينئذ بين النصوص، ولذا حكي عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر أنه إن أدماه أو كسر يده أو رجله ثم رآه صح فعليه ربع الفداء، بل عن الفاضل في المختلف موافقتهم على ذلك، وإن قال إنا لم نقف على حجة على التسوية بين الادماء والكسر، ولكن قد سمعت ما رواه السكوني (3) في القوي عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعن سلار إن فقأ عين الصيد أو كسر قرنه تصدق بصدقة وفي كشف اللثام لكنه حكم بالأرش في الجرح مطلقا إذا بقي معيبا، فيجوز أن يريد بالصدقة الأرش كما صرح به المفيد، وإن كان هو كما ترى.


(1) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 و 3. (2) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 راجع التعليقة (2) من ص 261. (3) الوسائل - الباب 27 من أبواب كفارات الصيد الحديث 5.

[ 267 ]

ومن ذلك يظهر لك أن دعوى معارضة ما سمعته في ترجيح الأول بالمثل - باعتبار دعوى جماعة كون ذلك خلاف مذهب الأكثر من تعين الأرش كما هو مقتضى الأصل بناء على ما ظاهرهم الاتفاق عليه من ثبوت ضمان أجزاء الصيد - في غير محلها وإن قال ذلك في المدارك والحدائق، إلا أن التتبع يشهد بخلافها، وكذا دعوى زيادة وهن الرواية بفتوى من عرفت من الديلمي وغيره ممن لا يعمل بالآحاد بخلافها، مع أنها بمنظر منهم، بل رواها في الغنية بعد الفتوى بالأرش، وهذا مما يوهنها زيادة على ما فيها من الضعف، إذ لا يخفى عليك أن إعراض هؤلاء عنها لعدم قرائن دلتهم على صحتها بناء منهم على عدم جواز العلم بخبر الواحد الصحيح، وعلى كل حال فالمتجه العمل بها، ولكن ينبغي الاقتصار على مضمونها، وفي غيره الأرش، وفى خبر آخر لأبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن محرم كسر قرن ظبي قال: يجب عليه الفداء، قال: قلت: فان كسر يده قال: إن كسر يده ولم يرع فعليه دم شاة) ولعل المراد بالفداء فيه الربع الذي في خبره السالف، وبوجوب الشاة باعتبار أنه لم يره يرعى ولعله هلك كما عرفت الكلام فيه سابقا، وحينئذ يكون مؤيدا للمختار، بل لعل صحيح الحلبي (2) وخبر عبد الغفار الجازي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا كذلك، قال في الأول: (إذا كنت حلالا فقتلت الصيد في الحل ما بين البريد إلى الحرم فان عليك جزاؤه، فان فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة) وقال في الثاني (سألت أبا عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل - الباب 28 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4. (2) الوسائل - الباب 32 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 43 من أبواب كفارات الصيد الحديث 12 وذيله في الباب 32 منها الحديث 2.

[ 268 ]

عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة - إلى أن قال وذكر - انك إذا كنت حلالا وقتلت الصيد ما بين البريد والحرم فان عليك جزاؤه، فان فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة) بحمل الصدقة فيه بالنسبة إلى القرن والعين على ما ذكر في الخبر السابق، وبالنسبة إلى غيره على الأرش، والله العالم. (ولو اشترك جماعة في قتل صيد ضمن كل واحد منهم فداء) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه صريحا وظاهرا مستفيض كالنصوص، منها صحيح عبد الرحمان (1) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان الجزاء بينهما أم على كل واحد منهما جزاء، قال: لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد، قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالأحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا) وصحيح زرارة وبكير (2) عن أحدهما عليهما السلام (في محرمين أصابا صيدا فقال: على كل واحد منهما الفداء) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الحكم المزبور، ومثله الاجتماع في الأكل الذي تقدم من النصوص ما يدل (3) عليه أيضا، مضافا إلى خبر (4) الذي رواه المشائخ الثلاثة (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم محرمين اشتروا صيدا فاشتركوا فيه فقالت رفيقة لهم اجعلوا لي فيه بدرهم فجعلوا لها فقال: على كل إنسان منهم فداء) وفي محكي الفقيه والتهذيب شاة، بل صرح الفاضل والشهيدان بعدم الفرق في ذلك بين المحرمين والمحلين والمختلفين، فيلزم كل منهم حكمه لو كان منفردا، فيجتمع على المحرم منهم في الحرم الفداء والقيمة، وعلى المحل القيمة، ولو اشتركا فيه الحل لم يكن على المحل شئ، وعلى المحرم الفداء


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الصيد الحديث 6 - 7 - 0 - 5.

[ 269 ]

بل في الرياض أن مورد النصوص وإن كان جماعة محرمين إلا أن إطلاق الفتاوى يشملهم وغيره من المحلين في الحرم والمتفرقين، وبه صرح جماعة منهم الشهيدان في الدروس والمسالك تبعا للعلامة في التحرير والمنتهى، وظاهرهم سيما الأخير أنه لا خلاف فيه بيننا إلا من الشيخ في التهذيب في المحل والمحرم إذا اشتركا في صيد حرمي فأوجب على المحرم الفداء (كاملا) وعلى المحل نصف الفداء، وعن بعض العامة فيه أيضا فأوجب فداء واحدا عليهما، وإن كان قد يناقش بمنع شمول إطلاق الفتاوى لمثل الفرض بعد أن كان المذكور فيها الفداء الذي هو خاص بالمحرمين، واحتمال إرادة ما يشمل القيمة منه ليس بأولى من إرادة خصوص المحرمين، بل هو أولى باعتبار غلبة تعبير الأصحاب بمضمون النصوص ورجحان التخصيص على المجاز مع التعارض، وخصوصا هنا، لانصراف الاطلاق في كلامهم المنساق في بيان ما يجب على المحرم من الكفارات إليه دون المحل ولو في الحرم، وإنما ذكر سابقا تبعا له، ودعوى ثبوت الحكم باطلاق ما دل على الحكم في كل منهما يدفعها إنصراف الاطلاق المزبور إلى استقلال كل منهما بالقتل لا في صورة استناد القتل إليهما على وجه الشركة المقتضية خلاف ذلك، ولعله لذا توقف في التعميم بعض متأخري المتأخرين، اللهم إلا أن يقال إنه يستفاد من نصوص المقام ترتب الفداء بالاشتراك المزبور الذي مقتضاه أن الجزء المنضم من المحرم كاف، ولا فرق فيه بين كون الشريك محرما أو محلا، كما أنه يستفاد بمعونة ما سمعت من التصريح من جماعة من الأساطين أن الجزء المنضم من المحل كذلك، وحينئذ فإذا قتل المحلون في الحرم كان على كل منهم قيمته، وإذا اشترك المحرم والمحل ترتب على كل منهما حكمه كما لو كان مستقلا، أما إذا كان محلا ومحرما في غير الحرم لم يكن على المحل شي ء.

[ 270 ]

وكيف كان فما سمعته من الشيخ شاذ وإن كان قد يشهد له خبر إسماعيل ابن أبي زياد أو قويه (1) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: (كان علي عليه السلام يقول في محرم ومحل قتلا صيدا فقال: على المحرم الفداء كاملا، وعلى المحل نصف الفداء) لكن يمكن إرادة القيمة من نصف الفداء فيه، وإلا كان شاذا، إلا أنه يعلم منه عدم هدر جناية المحل بغرامة المحرم الفداء كاملا) وليس إلا القيمة، إذ احتمال نصفها وإن كان لا يخلو من وجه لانه مقتضى التوزيع في جنايته، بل يمكن إرادته من نصف الفداء على معنى نصف قيمته إلا أنه لأقائل به، اللهم إلا أن يكون هو المراد ممن منع التعميم من متأخري المتأخرين، ولا ريب في أن الأحوط إن لم يكن أقوى وجوب تمام القيمة على المحل، والله العالم. (ومن) كان محرما في الحرم ف‍ (ضرب بطير على الأرض) فقتله بعد أن اصطاده فيه (كان عليه دم وقيمتان: إحداهما للحرم وأخرى لاستصغاره) كما في القواعد وغيرها ومحكي النهاية والمبسوط والسرائر والجامع وغيرها الأصل فيه خبر معاوية بن عمار (2) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في محرم اصطاد طيرا في الحرم فضرب به الأرض فقتله قال: عليه ثلاث قيمات قيمة لاحرامه، وقيمة للحرم، وقيمة لاستصغاره إياه) المنجبر بالشهرة بل عدم الخلاف، وإن اختلفوا في التعبير عن ذلك، فمنه ما عرفت، وفي النافع التعبير بلفظه، وفي محكي الوسيلة والمهذب التعبير بالجزاء وقيمتين، ولعله أولى من غيره، إذ يشكل الأخذ بظاهره مع ما عرفت من ثبوت الدم في بعض الطيور التي يمكن دعوى انصراف الحمام من مفردها هنا، وقد تقدم أن فيه شاة، ومن هنا عبر من عرفت بالدم وقيمتين حاملا للقيمة الأولى على الدم، خصوصا


(1) الوسائل - الباب 21 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 45 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 271 ]

بعد ملاحظة التعليل في الخبر بأن إحدى القيم للاحرام الذي قد سمعت إيجابه في الحمام أو في مطلق الطير الدم، إلا أنه بعد منع دعوى انصراف خصوص الحمام وجب إرادة الجزاء منها الشامل للدم والقيمة، وحينئذ فالدم في عبارة من سمعت مثال، ولا استبعاد في إرادة الجزاء من القيمة، بل ربما ادعى شيوعه في ذلك، وأما قوله عليه السلام فيه (لاستصغاره إياه) فيحتمل عود الضمير فيه للحرم من حيث الاستخفاف بجاره وللطير، وحينئذ فينسحب فيما إذا فعله في الحل، وعن الشهيد في بعض تحقيقاته أن استصغاره يرجع إلى قصده، فان قصد استصغاره بالحرم لزمه دم وقيمتان إن كان الفعل بالحرم، وإن كان في غير الحرم فعليه القيمة لا غير، وإن قصد الاستصغار بالصيد لزمه مطلقا القيمتان سواء كان في الحل أو الحرم، ولكن لا يخفى عليك ما فيه من الخروج عن النص بغير دليل، إذ من الجائز أن تكون العلة استصغار الطير في الحرم، فلا يتعدى الحكم إلى غير محل الفرض، بل لعل قوله (وإن قصد الاستصغار بالصيد) إلى آخره إحداث قول ثالث خارج عن مدلول النص وفتوى الاصحاب، على أنه لم يذكر حكم عدم قصد شئ من الأمرين، مع أنه أشكل الأقسام، بل لعله الظاهر من النص، فان القصد غير محرز عنه، والاستصغار يمكن أن يكون نشأ من الفعل لزوما وإن لم يقصده، بل لعل الأقوى اختصاص الحكم بموضع اليقين، وهو قتل الصيد بالضرب في الأرض في الحرم سواء قصد الاستصغار أم لم يقصد، ورجوع ما عداه إلى الأحكام المقررة ثم إن ظاهر النص والفتوى القتل بالضرب، وربما احتمل أنه ضربه ثم قتله بذبح أو غيره، ولكنه كما ترى، نعم ربما كان مقتضى التعليل المزبور وجوب الكفارة أيضا في غير هذا الفرد من الاستصغار إلا أنه لا جابر له بالنسبة إلى ذلك، ومن هنا يتجه الجمود على ما فيه من خصوص الطير وخصوص هذا الفرد من

[ 272 ]

الاستصغار، بل الظاهر عدم اندراج الجراد سيما الدبا منه في المنساق من الطير وإن قلنا بلحوق فرخ الطير في الحكم به على إشكال، وبالجملة ينبغي الاقتصار على مدلول الخبر ملاحظا فيه الانجبار، فلا يلحق غير الطير لو ضرب به الأرض فقتله وإن احتمل، لكنه في غير محله، نعم قد زاد الأكثر التعزير مع ذلك، ولعله لثبوته على كل معصية، مضافا إلى تأييده بخبر حمران (1) قال لأبي جعفر عليه السلام: (محرم قتل طيرا فيما بين الصفا والمروة عمدا قال: عليه الفداء والجزاء ويعزر، قال: قلت: فانه قتله في الكعبة عمدا قال: عليه الفداء والجزاء ويضرب دون الحد ويقام للناس كي ينكل غيره) والله العالم. (ومن) كان محرما و (شرب لبن ظبية في الحرم) بعد أن اجتنذبها واحتلبها (لزمه دم وقيمة اللبن) لخبر يزيد بن عبد الملك (2) عن الصادق عليه السلام (في رجل مر وهو محرم في الحرم فأخذ عنز ظبية فاحتلبها وشرب لبنها قال: عليه دم وجزاء للحرم عن اللبن) وضعفه منجبر بعمل الأصحاب به إلا الحلي، فانه أفتى به أيضا، ولكن قال على ما روي في بعض الأخبار، نعم وقع اختلاف بينهم في التعبير عنه، لأنه اشترط فيه الاحرام والحرم جميعا، وأغفل في النافع ومحكي الوسيلة الحرم، وأغفل المصنف والفاضل الاحرام، والمتجه اعتبار الجميع، للقطع حينئذ بحصول الانجبار، بل في محكي التذكرة والمنتهى زيادة الاستدلال بأنه شرب ما لا يحل شربه، إذ اللبن كالجزء من الصيد، فكان ممنوعا منه، فيكون كالاكل لما لا يحل أكله، فيدخل في قول


(1) الوسائل - الباب 44 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 54 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 مع الاختلاف. الجواهر - 34

[ 273 ]

الباقر عليه السلام (1) (من نتف إبطه - إلى أن قال - أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) إذ لا فرق بين الأكل والشرب، ثم قال: (وأما وجوب قيمة اللبن فلانه جزء صيد، فكان عليه قيمته) وإن كان ما ذكره لا يخلو من نظر أو منع، كقوله في القواعد وينسحب الحكم في غيرها أي الظبية من بقرة ونحوها بالتقريب الذي سمعته منه، فان الحكم مخالف للأصل، فينبغي الاقتصار فيه على النص في محل الانجبار، وكذا ما عن الشهيد من احتمال وجوب القيمة على المحل في الحرم والدم على المحرم في الحل، واحتمال القول بأن قوله عليه السلام: (وجزاء للحرم عن اللبن) يرشد إلى ذلك يدفعه أولا عدم الجابر له بالنسبة إلى ذلك، وثانيا احتمال أن المقتضي لوجوب كل من الأمرين اجتماع الوصفين: الاحرام والوقوع في الحرم، ولا ينسحب الحكم فيمن حلب فشرب غيره أو تلف اللبن لما عرفت، وإن احتمل أيضا أن يكون عليه أحد الأمرين من الدم أو القيمة، قيل: وكذا إذا حلب فأتلف اللبن لكون الاتلاف كدفن المذبوح، ويمكن كونه كالشرب، ولا يخفى عليك ما في الجميع بعد ما عرفت، والله العالم. (ولو رمى الصيد وهو حلال فأصابه وهو محرم لم يضمنه) بلا خلاف أجده بين من تعرض له كالشيخ والفاضل وغيره، بل ولا إشكال، لافتتاح الجناية على عدم الضمان فيتبعها ما تولد منها كما حررناه في كتاب القصاص والديات، ولا ينافي ذلك حكمهم بوجوب الفدية فيما لو رماه في الحل فمات في الحرم، إذ هو إن سلم فالدليل المخرج له عما يقتضيه الأصل المزبور. (وكذا) الكلام (لو جعل في رأسه ما يقتل القمل ثم أحرم فقتله) كما صرح به من عرفت، نعم قيده الكركي بما إذا لم يتمكن من الازالة


(1) الوسائل - الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1.

[ 274 ]

حال الاحرام، وإلا ضمن، ولا بأس به كما اعترف به في المدارك، ضرورة عدم كونه مع التمكن من التوليد الذي يتبع الابتداء ومع ذلك هو أحوط، وكذا الكلام لو نصب شبكة للصيد محلا فاصطادت محرما أو احتفر بئرا كذلك، ولو لم يقصد الصيد بها لم يضمن للأصل وغيره، والله العالم. (الموجب الثاني اليد) التي إثباتها على الصيد حرام على المحرم اجماعا ونصا (1)، بل هي سبب الضمان إذا تلف قبل الارسال ولو حتف أنفه كالغصب، فان أخذه ضمنه بالأخذ، وإن كان معه ضمنه باهمال الارسال. (و) كيف كان ف‍ (من كان معه صيد فأحرم زال ملكه عنه) كما صرح به الشيخ والقاضي والفاضلان وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل ظاهر غير واحد منهم الفاضل في محكي المنتهى اتفاق الأصحاب عليه، بل عن الخلاف والجواهر الاجماع عليه صريحا، ولعله العمدة في إثبات ذلك لا ما قيل من أنه لا يملكه إبتداء فكذا استدامة، وعموم الآية (2) فان صيد البر فيها ليس مصدرا (و) لأنه (وجب) عليه (إرساله) كما في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي المبسوط والغنية والاصباح، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه ولو كان باقيا على ملكه كان له تصرف الملاك في أملاكهم، ولقول الصادق عليه السلام في خبر أبي سعيد المكاري (3): (لا يحرم أحد ومعه شئ من الصيد حتى يخرجه من ملكه، فان أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه، فان لم يفعل حتى


(1) كنز العمال ج 5 ص 257 الرقم 5197 وسنن البيهقي ج 6 ص 90. (2) سورة المائدة - الآية 97. (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 34 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 وتمامه في التهذيب ج 5 ص 362 الرقم 1257.

[ 275 ]

يدخل الحرم ومات لزمه الفداء) وخبر بكير بن أعين (1) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أصاب ظبيا فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم فقال: إن كان حين أدخله الحرم خلى سبيله فلا شئ عليه، وإن أمسكه حتى مات فعليه الفداء) لوضوح منع التلازم في الأول بعد تسليم الحكم في الابتداء الذي يمكن منعه إن لم يكن إجماعا لاطلاق الأدلة، وخصوص النصوص (2) الآتية في مسألة الاضطرار إلى أكل الميتة أو الصيد المصرحة بأولوية أكل الصيد لأنه ماله بخلاف الميتة، فلاحظ، وعدم دلالة الآية بعد تسليم إرادة غير المصدر من الصيد فيها إلا على حرمة الابقاء، قيل فلا يفيد فساده إلا إذا اقتضاه النهي وكان ذاكرا، ويمكن منع الاقتضاء المزبور، ولو سلم فالدليل أخص من المدعى، فانه قد ينسى، على ان المنساق منه حرمة الأكل ونحوه من التصرفات لا ما يشمل بقاء الملكية، ووضوح بطلان كل من الملازمة واللازم، مضافا إلى ضعف الخبر وعدم الجابر، خصوصا بعد ما قيل من عدم ظهور ما في الغنية ظهورا يعتد به، وأن مفاد الخبر الأول وجوب الارسال بعد دخول الحرم لا بعد الاحرام، وعدم دلالة الخبر الثاني على المطلوب بوجه، وإنما فيه الفداء وعدمه ومن هنا قد مال غير واحد من متأخري المتأخرين إلى المحكي عن الاسكافي والشيخ من عدم الخروج عن الملك، للأصل الذي عرفت انقطاعه بالاجماع المعتضد بشهرة الأصحاب المؤيد بما سمعت من الأمور المزبورة، بل يمكن دفع هذه المناقشات كلها ولو بملاحظة الاجماع المزبور كما تسمع إنشاء الله فيما يأتي ما يستفاد منه ذلك، وتظهر الفائدة فيما لو أخذه آخذ أو جنى عليه جان، فعلى المختار لا ضمان بخلاف القول الآخر، ولعل الأمر بالارسال مشعر


(1) الوسائل - الباب 36 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 43 من أبواب كفارات الصيد.

[ 276 ]

بلحوقه بالوحوش، والله العالم. وكيف كان (فلو مات) حتف أنفه فضلا عما لو أتلفه (قبل إرساله) الممكن له (لزمه ضمانه) كما صرح به غير واحد، بل في محكي المنتهى الاجماع عليه منا ومن القائلين بوجوب الارسال، قال: لكونه حينئذ مضمونا بالدخول تحت اليد العادية، فكان كالمغصوب، بل ظاهر إطلاقه كالمتن وغيره عدم الفرق في ذلك بين الحرم وغيره، لكن الخبرين السابقين دلا على ذلك في الحرم، بل ظاهر أولهما اختصاص الحكم به إلا أنه ضعيف لا يصلح معارضا للاجماع المحكي المعتضد باطلاق الأصحاب. نعم لو لم يمكنه الارسال حتى تلف فلا ضمان كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف في الرياض، ولعله للأصل السالم عن معارضة الخبرين بعد انسياقهما إلى صورة الامكان، بل والاجماع المحكي بعد اعتراف حاكيه بعدم الضمان في الفرض، وإن كان مقتضى تعليله الضمان كما هو المحكي عن العامة، بل عن التذكرة أن فيه وجهين، بل قد يدعى تناول إطلاق المتن ونحوه له، ولا ريب في أنه الأحوط وإن كان الأقوى الأول. ولو لم يرسله حتى أحل ولم يكن قد أدخله الحرم فلا شئ عليه سوى الاثم، للاصل وغيره، ولكن في وجوب إرساله بعد الاحلال قولان أحوطهما إن لم يكن أقواهما ذلك إذا كان قد وجب عليه حال الاحرام بأن كان متذكرا فأهمل، بل الأحوط ذلك مطلقا، بل عن ظاهر الشهيد وجوبه، وإن كان القول بالعدم فيه لا يخلو من قوة، وعلى القول بعدم الوجوب كما جزم به الفاضل في القواعد جاز له ذبحه كما عن المنتهى والتذكرة التصريح به، لكن قال في الأخير: وفي الضمان إشكال من حيث تعلقه به بسبب الامساك بل عن المنتهى الوجه لزوم الضمان لذلك، وفيه أنه لا دليل على الضمان، ولو أرسله ثم

[ 277 ]

اصطاده لم يضمن قطعا، وعن المنتهى والتحرير (أنه لما زال ملكه عنه فلا يعود إليه بعد الاحلال إلا بسبب آخر) ومراده إما بأن يرسله ثم يصطاده أو يأخذه ممن يصطاده أو يكتفي بنية التملك ثانيا. ولو أرسله من يده مرسل فلا ضمان عليه، خلافا لأبي حنيفة، لأنه فعل ما يلزمه فعله، فكان كمن دفع المغصوب إلى مالكه من يد الغاصب، ولو أدخله الحرم ثم أخرجه ففي المسالك وجب إعادته إليه للرواية، فان تلف قبل ذلك ضمنه) ونوقش بمنع كونه من صيد الحرم بمجرد الادخال، على أن النصوص مختصة بالطير كما تسمع إنشاء الله. ولو كان الصيد بيده وديعة أو عارية أو شبههما وتعذر المالك ففي المسالك أيضا (دفعه إلى وليه، وهو الحاكم أو وكيله، فان تعذر فالى بعض العدول، فان تعذر أرسله وضمن) ولا يخلو من نظر أيضا. هذا كله إذا كان الصيد معه (ولو كان الصيد نائيا عنه لم يزل ملكه) كما في النافع والقواعد وغيرهما، بل محكي المبسوط والخلاف وإن قالا في منزله تبعا لما تسمعه من النص كالمحكي عن الجامع من عدم وجوب التخلية إذا كان في منزله للأصل وصحيح جميل (1) سأل الصادق عليه السلام (عن الصيد يكون عند الرجل من الوحش في أهله أو من الطير يحرم وهو في منزله قال: وما به بأس لا يضره) وصحيح ابن مسلم (2) سأله عليه السلام (عن الرجل يحرم وعنده في أهله صيد إما وحش وإما طير قال: لا بأس) وحينئذ فله البيع والهبة وغيرهما كما في المنتهى والتحرير التصريح به، بل في المسالك وغيرها وكما لا يمنع الاحرام استدامة ملك البعيد لا يمنع ابتدائه أي للبعيد، فلو اشترى صيدا أو اتهبه أو ورثه انتقل إلى ملكه أيضا، ولعله للأصل وإطلاق الأدلة،


(1) و (2) الوسائل - الباب 34 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 4.

[ 278 ]

لكن عن بعض المنع في الأول، وعن ظاهر الشيخ المنع في الثاني، ولعله لتحريم الصيد بناء على إرادة غير المصدر منه، وفيه منع خصوصا بملاحظة قوله تعالى (1) (وإذا حللتم فاصطاوا) نعم سأل أبو الربيع (2) الصادق عليه السلام (عن رجل خرج إلى مكة وله في منزله حمام طيارة فألفها طير من الصيد وكان مع حمامه قال: فلينظر أهله في المقدار أي الوقت الذي يظنون أنه يحرم فيه، ولا يعرضون لذلك الطير ولا يفزعونه ويطعمونه حتى يوم النحر ويحل صاحبهم من إحرامه) لكن لضعف سنده حمله غير واحد على الاستحباب، على أنه ليس من الصيد للمحرم مع صيد أهله له، وطيوره ليست آلة صيد له، كما هو واضح، والله العالم. (ولو أمسك المحرم صيدا) في الحل (فذبحه محرم) آخر (ضمن كل منهما فداء) كاملا بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف والتذكرة الاجماع عليه، بل ولا إشكال قطعا في الثاني بل والأول، لأولويته من الضمان بالدلالة والمشاركة في الرمي بدون إصابة، فما عن الشافعية من أن فيه وجهين أحدهما أن الفداء على القاتل، والآخر أنه بينهما في غير محله. (ولو كانا في الحرم تضاعف الفداء) بوجوب القيمة معه (ما لم يكن) يبلغ (بدنة) كما مضى ويأتي إنشاء الله. (ولو كانا محلين في الحرم لم يتضاعف) لعدم هتكه غير حرمة الحرم. (ولو كان أحدهما) أي الذابح أو الممسك (محرما) والآخر محلا (تضاعف الفداء في حقه) لوجود سببه دون المحل الذي لم يهتك حرمة الاحرام، كما هو واضح (و) من هنا (لو أمسك المحرم الصيد في الحل


(1) سورة المائدة - الآية 3. (2) الوسائل - الباب 34 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 279 ]

فذبحه المحل) فيه (ضمنه المحرم خاصة) دون المحل. (ولو نقل) المحرم أو المحل في الحرم (بيض صيد عن موضعه ففسد) بالنقل ونحوه (ضمنه) كما صرح به غير واحد، بل عن الشيخ نسبته إلى الأخبار، ولعله يريد أخبار الكسر، بل في المسالك الأقوى ضمانه ما لم يتحقق عدم خروج الفرخ منه سليما، فلو جهل الحال ضمنه أيضا، وهو ظاهر كلام الدروس، قلت: لعله يؤمي إليه ما سمعته فيمن رمى صيدا فأصابه فغاب فلم يعرف حاله وغير ذلك مما تقدم في نصوص بيض النعام. (ولو أحضنه) طير آخر (فخرج الفرخ سليما لم يضمنه) كما صرح به غير واحد للأصل، وكذا لو كسره فخرج فاسدا على الأقوى، وربما احتمل الضمان، لعموم أخبار الكسر، وكونه جناية محرمة، وعليه فيحتمل ضمان قيمة القشر كما عن بعض العامة، أو ما ورد من الفداء، وهما معا كما ترى. (وإذا ذبح المحرم صيدا) مختارا (كان ميتة ويحرم على المحل) كما تقدم الكلام فيه سابقا (ولا كذا لو اصطاده) المحرم (وذبحه محل) فانه ليس ميتة قطعا، بل هو حلال للمحل بلا خلاف ولا إشكال، بل هو موضع وفاق كما في المدارك للأصل والصحاح المستفيضة (1) بل ربما يستفاد منها إباحته له مطلقا وان ذبحه محرم في الحل، ولكن قد عرفت الحال فيه والله العالم. (الموجب الثالث السبب، وهو يشتمل على مسائل: الأولى من أغلق على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض ضمن بالاغلاق) الذي يتعقبه هلاك، للتسبيب القائم مقام المباشرة في صدق الاتلاف (فان زال السبب) بنفسه أو بغيره (وأرسلها سليمة سقط الضمان) وفاقا للمشهور للأصل (و) فحوى


(1) الوسائل - الباب 3 من أبواب تروك الاحرام.

[ 280 ]

ما سمعت من عدم الضمان بالأخذ ثم الارسال، نعم (لو هلك ضمن الحمامة بشاة والفرخ بحمل والبيضة بدرهم إن كان محرما، وإن كان محلا ففي الحمامة درهم وفي الفرخ نصف) درهم (وفي البيضة ربع) درهم كما صرح بذلك كله غير واحد، لما سمعته من صدق الاتلاف المحرم الذي يترتب عليه ذلك بالنسبة للمحرم والمحل في الحرم، مضافا إلى خبر يونس أو موثقه (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض فقال: إن كان أغلق عليها قبل أن يحرم فان عليه لكل طير درهما، ولكل فرخ نصف درهم، ولكل بيضة ربع درهم، وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم فان عليه لكل طائر شاة، ولكل فرخ حملا، وإن لم يكن تحرك فدرهم، وللبيض نصف درهم) والصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني وسليمان بن خالد (2) قالا: (قلنا لأبي عبد الله عليه السلام رجل أغلق بابه على طائر فقال: إن كان أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة، وإن كان أغلق الباب قبل أن يحرم فعليه ثمنه) ورواه الصدوق بزيادة (فمات) في السوال، وخبر الواسطي (3) عن أبي إبراهيم عليه السلام (سألته عن قوم أغلقوا على طير من حمام الحرم الباب فمات قال: عليهم قيمته كل طير درهم يعلف به حمام الحرم) المنزل على المحل، كصحيح الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات قال: يتصدق بدرهم أو يطعم به حمام الحرم). (و) لكن (قيل) وإن كنا لم نعرفه لمن تقدم على المصنف وإن نسبه في الحدائق إلى الشيخ إلا أنا لم نتحققه، بل المتحقق خلافه: (يستقر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 16 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 2 - 4 - 1. الجواهر - 35

[ 281 ]

الضمان بنفس الاغلاق) ولو مع السلامة، نعم هو ظاهر المصنف في النافع وصريح المحكي عن التلخيص (لظاهر الرواية) المزبورة المؤيدة بأنه لو أريد منها الموت لاتجه وجوب الفداء والقيمة كما صرح به في المنتهى والتحرير ومحكي السرائر لأ الأول خاصة كما هو ظاهرها وظاهر الفتاوى، وحملها على غير الحرم يبعده أنه لا شئ فيه حينئذ على المحل، اللهم إلا أن يكون ذلك حكم حمام الحرم وإن لم يكن في الحرم، ولكن يتجه حينئذ وجوبهما أيضا عليه لحصول السببين كالحرم، اللهم إلا أن يقال بعدم وجوبهما عليه في هذا القسم من الاتلاف، فيبقى الخبر على ظهوره في الحرم وإن كان فيه منع واضح، ضرورة صدق اجتماع السببين فيه الموجب للفداء أيضا، ولكن فيه ما عرفت من أن الاغلاق مع السلامة أولى بعدم الضمان من الرمي مع عدم الاصابة ومن الأخذ ثم الارسال فلابد من حمل الخبر على حال الهلاك، خصوصا بعد ما سمعته في صحيح سليمان في الفقيه وخبر الواسطي وصحيح الحلبي في المحل، مضافا إلى الشهرة بين الأصحاب قديما وحديثا أو الاعم منه ومن حال عدم العلم بالحال الذي هو أظهر من الاطلاق، وعدم ذكر القيمة لكون المراد بيان الحكم من حيث الاحرام كما في غيره من حيث الاحرام كما في غيره من النصوص (و) لعله لذا قال المصنف: (الأول أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها أصالة البراءة من الضمان وإن كان الأحوط الاطلاق، والله العالم. المسألة (الثانية قيل) والقائل الشيخان وبنو بابويه والبراج وحمزة وإدريس وسلار فيما حكي عنهم: (إذا نفر حمام الحرم فان عاد فعليه شاة واحدة، وإن لم يعد فعن كل حمامة شاة) بل في كشف اللثام ذكره أكثر الأصحاب، وفي المسالك اشتهر بينهم حتى كاد يكون إجماعا، وبه صرح الفاضل وغيره لكن في التهذيب في شرح عبارة المقنعة المتضمنة للحكم المزبور ذكر

[ 282 ]

ذلك علي بن الحسين بن بابويه في رسالته، ولم أجد به حديثا مسندا، ولعله لذا نسبه المصنف إلى القيل هنا والنافع مشعرا بتمريضه، لكن قد يفهم من عبارة التهذيب أن فيه خبرا غير مسند، فيكون منجبرا بفتوى الأكثر الذين فيهم من لا يعمل إلا بالعلم كابن إدريس، مضافا إلى ما هو المعروف من أن الأصحاب كانوا إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إلى رسالة علي ابن بابويه، قال في المسالك: (ولقد كان المتقدمون يرجعون إلى فتوى هذا الصدوق عند عدم النص إقامة لها مقامه بناء على أنه لا يحكم إلا بما دل عليه النص الصحيح عنده) بل في الحدائق أن ما فيها مأخوذ من الفقه الرضوي (1) (وإن نفرت حمام الحرم فرجعت فعليك في كلها شاة، وإن لم ترها رجعت فعليك لكل طير دم شاة) وإن كان قد عرفت غير مرة عدم ثبوت النسبة إليه عليه السلام عندنا، وإلى احتمال التلف في حال عدم الرجوع، فهو كمن رمى صيدا ولم يعلم حاله، بل في المنتهى الاستدلال عليه بأن التنفير حرام، لأنه سبب للاتلاف غالبا، ولعدم العود، فكان عليه مع الرجوع دم لفعل المحرم، ومع عدم الرجوع لكل طير شاة لما تقدم أن من أخرج طيرا من الحرم وجب عليه أن يعيده، فان لم يفعل ضمنه ونحوه عن التذكرة، وعلى كل حال فما عن ابن الجنيد من أن من نفر طيور الحرم كان عليه لكل طائر ربع قيمته لم نعرف له مستندا، وإن كان الظاهر منه كما اعترف به في المختلف حال الرجوع لا عدمه. ثم التنفير والعود يحتملان عن الحرم وإليه، بل هو الظاهر وعن الوكر وإليه وعن كل مكان يكون فيه وإليه، وعن الشهيد في بعض تحقيقاته وظاهر التذكرة أن المراد منه خروجها من الحرم إلى الحل، والمراد بعودها رجوعها إلى محلها من الحرم، وفي اشتراط الاستقرار مع ذلك وجه، ولا يخفى عليك أنه لا نص يرجع إليه في المقام،


(1) المستدرك - الباب 40 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 283 ]

وإنما هو مضمون الفتاوى الذي لا إشكال في عدم اعتبار شئ من ذلك فيه. والشاك في العدد يبني على الأقل، وفي العود على العدم، وهل يختص الحكم بالمحل كما قيل فان كان محرما كان عليه جزاءان وجهان أقواهما التساوي، للأصل من غير معارض، بل هو مقتضى إطلاق الفتاوى، على أن عدم وجوبهما مع العود واضح، بل ومع عدم العود، لعدم كون مثل ذلك إتلافا كما هو واضح، ولكن أطنب في المسالك في ذلك بما لا يعود إلى حاصل معتد به. والأقرب أنه لا شئ في الواحدة مع الرجوع للأصل، واختصاص الفتاوى بالجمع سواء قلنا إن الحمام جمع أم لا خصوصا بملاحظة قولهم فعن كل حمامة شاة الذي هو قرينه على ارادة الجمع من الحمام، وان حكي عن المحققين أنه إسم جنس، على أنه يمكن كونه إسم جنس جمعي، ولأنه لو وجب فيها شاة لم يكن فرق بين عودها وعدمه بل تلفها، وربما احتمل المساواة للكثير كما يتساوى ثلاثة منها وألف وكما يتساوى حمامة وجزؤها في الفداء عند الأكل لتحصيل يقين البراءة، ومنع اختصاص الفتاوى بالجمع إنما يعطيه ظاهر قولهم فعن كل حمامة شاة، وهو لا يعينه، وأما بحسب اللغة فالمحققون على أنه إسم جنس، ولا بعد في تساوي التنفير والاتلاف، ولكن هو كما ترى. ولو اشترك في التنفير جماعة فان كان فعل كل واحد منهم موجبا للنفور لو انفرد ففي المسالك (الظاهر تعدد الجزاء عليهم، لصدق التنفير على كل واحد، مع احتمال وجوب جزاء واحد عليهم، لأن العلة مركبة وخصوصا مع العود، أما مع عدمه فالاحتمال ضعيف جدا، لأن سبب الاتلاف كاف في الوجوب، وكذا الشركة) وفيه أنه لا فرق بين العود وعدمه مع فرض عدم الصدق باعتبار تركب العلة، ودعوى الاكتفاء بالاشتراك يمكن منعها في المقام

[ 284 ]

وإن قلنا بها في الاتلاف للدليل، بخلاف الفرض الذي مقتضى إطلاق الفتوى عدم الفرق فيه بين المتحد والمتعدد، ومن ذلك يعلم الحال في قوله أيضا: لو كان فعل كل واحد لا يوجب النفور فان لم تعد فالحكم كما مر، وإن عادت قوي احتمال عدم التعدد، لأن التنفير استند إلى الجميع لا إلى كل واحد، ولم يتحقق الاتلاف ليثبت الحكم مع الاشتراك، ثم إن كانوا جميعا محلين أو محرمين في الحرم أو في الحل فالحكم واحد، ولو اختلفوا فعلى القول بالتعدد لا إشكال، فيجب على كل واحد ما أوجبه فعله لو كان منفردا، وعلى الاتحاد ففي المسالك يشكل الحال، فيحتمل حينئذ أن يجب على كل واحد بنسبته من العدد مما وجب عليه، فيجب على المحرم في الحل لو كانوا ثلاثة ثلث شاة وعلى المحل في الحرم ثلث القيمة، وهكذا، ويحتمل هنا عدم وجوب شئ. لأنه خلاف الحكم المذكور) قلت إن المسألة غير منصوصة، والعمدة فيها الفتاوى التي مقتضاها ترتب الحكم المذكور على المنفر متحد أو متعدد، محل أو محرم أو مختلف نعم قد يقال إن المنساق منها كون ذلك في الحرم، ومن هنا يتجه الاقتصار فيه على خصوص طير الحرم دون غيره من الصيد المحرم كالظباء وإن احتمله بعضهم لكنه في غير محله، ومنه يعلم وضوح منع كون عدم العود إتلافا. ولو عاد البعض خاصة ففي كل واحدة لم تعد شاة، وأما العائد فالمتجه عدم وجوب شئ له للأصل بعد عدم النص، ويحتمل وجوب جزء من شاة بنسبة الجمع، فلو كان الجمع أربعة مثلا وعاد اثنتان فنصف شاة، وفي المسالك (إن كان العائد أزيد من واحدة ففيه شاة واحدة - إلى أن قال -: ولو كان العائد واحدة ففي وجوب شاة لها أو جزء من شاة أو عدم وجوب شئ الأوجه المتقدمة، وأولى بالعدم لو قلنا به ثم) وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، ويجب على المنفر السعي في إعادتها مع الامكان، حتى أنه لو افتقر إلى مؤونة وجبت

[ 285 ]

أيضا، ولو لم تخرج عن الحرم ولم تبعد كثيرا عن محلها الذي نفرها منه وقلنا بايجابه الجزاء ففى وجوب إعادتها إلى الأول نظر، من تحريم التنفير الموجب لخروجها عن محلها، فيجب ردها إليه، ومن انتفاء الفائدة مع القرب خصوصا لو كان المحل الأول ليس هو موضع إقامتها والثاني مساو له أو أقرب إليه، ولعله الأقوى، ومن الغريب الأطناب في الفروع في المقام مع أنك قد عرفت الكلام في الأصل، والله العالم. المسألة (الثالثة إذا رمى إثنان) صيدا (فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فعلى المصيب فداء بجنايته، وكذا على المخطئ لاعانته) التي بها يكون سببا بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال عدا ما عن الحلي فلا شئ على المخطئ بل وإن لم تتحقق إعانته لصحيح ضريس بن أعين (1) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجلين محرمين رميا صيدا فأصابه أحدهما قال: على كل واحد منهما الفداء) وخبر إدريس بن عبد الله (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن محرمين يرميان صيدا فأصابه أحدهما الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما قال: عليهما جميعا، يفدي كل واحد منهما على حدة) وما عن بعضهم من قصر الحكم على صورة الاعانة منزلا للخبرين عليها لا داعي له، كما أن ما عن ابن إدريس من عدم شئ على المخطئ إلا أن يدل فيجب للدلالة للرمي في غير محله، وفي كشف اللثام بعد أن حكى التعليل بالاعانة عن المصنف والفاضل في المنتهى والتذكرة قال: (ولا أفهمه إلا أن يكون دله عليه بالرمي أو أغراه أو أغواه) قلت حينئذ يكونان موافقين لابن إدريس، ولعل المراد بالاعانة إرادة صيده للرامي، والأولى التعبير بمضمون النص الذي هو مدرك الحكم، نعم يتجه الاقتصار على مورده والفتوى، فلا يجري الحكم على المحلين في الحرم مع


(1) و (2) الوسائل - الباب 20 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2.

[ 286 ]

فرض عدم السبب من أحدهما، أما إذا تعدد الرماة ففي تعدي الحكم وعدمه وجهان أقواهما وأحوطهما وجوبه على كل واحد منهم، ويحتمل الاجتزاء بفداء واحد لجميع المخطين، والله العالم. المسألة (الرابعة إذا أوقد جماعة نارا فوقع فيها صيد لزم كل واحد منهم فداء إذا قصدوا) بالايقاد (الاصطياد، وإلا لزمهم فداء واحد) بلا خلاف أجده بين من تعرض له كالشيخ والفاضلين والشهيدين وغيرهم، لصحيح أبي ولاد الحناط (1) قال (خرجنا ستة نفر من أصحابنا إلى مكة فأوقدنا نارا عظيمة في بعض المنازل أردنا أن نطرح عليها لحما نكببه وكنا محرمين فمر بنا طير صاف مثل حمامة أو شبهها فاحترق جناحاه فسقط في النار فمات، فاغتممنا لذلك فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام بمكة فأخبرته وسألته فقال: عليكم فداء واحد تشتركون فيه جميعا ان كان ذلك منكم على غير تعمد، ولو كان ذلك منكم تعمدا ليقع فيها الصيد فوقع ألزمت كل رجل منكم دم شاة، قال أبو ولاد وكان ذلك منا قبل أن ندخل الحرم) ولكن ظاهر المصنف الاطلاق، بل في الدروس التقييد بالحرم، قال: (ولو أوقدوا نارا في الحرم فوقع فيها صيد تعدد الجزاء إن قصدوا، وإلا فواحد) ولعله يريد التمثيل، وذكر ما ليس في الخبر لخفائه، نعم صرح جماعة بوجوب القيمة على المحل لو فعل ذلك في الحرم، وهو متجه مع فرض القصد، كما أنه يتجه تضاعف الجزاء لو فعله المحرم حينئذ، ضرورة كونه مع القصد بحكم الاشتراك في القتل مباشرة أما مع عدم القصد فقد يشكل وجوب القيمة على المحل في الحرم بعدم الدليل اللهم إلا أن يستفاد من فحوى هذا الصحيح ونصوص التضمين بالدلالة للمحرم والمحل في الحرم التسبيب الذي لا فرق فيه بين المحل والمحرم، ولا بين القصد


(1) الوسائل - الباب 19 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 287 ]

وعدمه، فتتجه مضاعفة الجزاء فيه حينئذ أيضا. ولو قصد بعضهم دون الآخر وجب على كل قاصد الجزاء وعلى مجموع الباقين فداء واحد إذا لم يكن واحدا، وإلا أشكل بمساواته القاصد حينئذ مع أنه أخف حكما منه، ويمكن الالتزام به، ويحتمل كما في الدروس وغيرها مع اختلافهم في القصد أن يجب على من لم يقصد ما كان يلزمه مع عدم قصد الجميع، فلو كانا إثنين مختلفين فعلى القاصد شاة وعلى الآخر نصفها لو كان الواقع كالحمامة، نعم لا إشكال في وجوب الشاة على الموقد الواحد قصد أو لا والله العالم. المسألة (الخامسة إذا رمى صيدا ف‍) قتله أو جرحه ولم يعلم حاله ولكن (اضطرب فقتل فرخا أو صيدا آخر كان عليه فداء الجميع) بلا خلاف ولا إشكال في الصيد المرمي بل والآخر (لأنه سبب الاتلاف) كالدلالة، ولا فرق في ذلك بين المحرم في الحل والمحل في الحرم بناء على اتحاد حكمهما في المباشرة والتسبيب، فيضمن حينئذ كل منهما ما عليه، ومن جمع الوصفين كان ضامنا للأمرين كما هو واضح. المسألة (السادسة السائق للدابة يضمن ما تجنيه دابته) بأي جزء منها، لقوة السبب على المباشر (وكذا الراكب إذا وقف بها و) أما (إذا سار ضمن ما تجنيه بيديها) ورأسها كالقائد لقوله ص (1): (الرحل جبار) أي هدر إلا إذا جنت وهو عالم في غير الجراد ونحوه مما لا يمكنه التحرز منه لما تقدم من النصوص، وبالجملة فالمقام نحو الجناية في غير الاحرام الذي ذكرنا الكلام فيه مفصلا في كتاب الديات بل ذكرنا فيه وفي كتاب الغصب ما له مدخل في المقام، ضرورة الاتحاد في أسباب الضمان وهي المباشرة واليد والتسبيب، فلاحظ وتأمل، لكن في صحيح


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 343.

[ 288 ]

أبي الصباح الكناني (1) أنه قال أبو عبد الله عليه السلام (ما وطأته أو وطأه بعيرك أو دابتك وأنت محرم فعليك فداؤه) ونحوه في حسن معاوية (2) عنه عليه السلام أيضا، وهما مطلقان في الضمان من غير فرق بين اليدين والرجلين، إلا أني لم أجد عاملا بهما على إطلاقهما وإن كان محتملا، لخصوصية في الاحرام، لكن ظاهر الأصحاب مساواة المقام لغيره، ومنه عدم الضمان لو أتلفت الدابة بلا تفريط من صاحبها، للأصل، ولقوله صلى الله عليه وآله (3) (العجماء جبار). هذا كله في المحرم، وأما المحل ففي المدارك (لم أقف على رواية تتضمن تضمينه بجناية دابته إلا أن الأصحاب قاطعون بأن ما يضمنه المحرم في الحل يضمنه المحل في الحرم، ويتضاعف الجزاء في اجتماع الأمرين) ولا بأس به إن تم إجماعا أو استفيد من النصوص اتحاد حكمهما في التسبيب ولو بمعونة فهم الأصحاب، كما هو كذلك في الظاهر، خصوصا بملاحظة نصوص الضمان بالدلالة للمحرم والمحل في الحرم، والله العالم. المسألة (السابعة إذا أمسك) المحرم (صيدا) في الحل أو في الحرم وكان (له طفل) في الحل أو الحرم (فتلف) الطفل (بامساكه ضمن) الطفل ولو مع مضاعفة الجزاء بلا خلاف ولا إشكال، للتسبيب فضلا عن الأم لو فرض تلفها بامساكه الذي هو مباشرة (وكذا لو أمسك المحل صيدا) في الحل (له طفل في الحرم) فتلف الطفل بامساكه للتسبيب أيضا بناء على ما سمعت من مساواة المحل للمحرم في الضمان به أيضا لما كان في الحرم، نعم لا يضمن الأم لو تلفت لكونه محلا، أما إذا فرض كونها في الحرم وتلفت بالامساك ضمنها


(1) و (2) الوسائل - الباب 53 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 - 1. (3) الوسائل - الباب 32 من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات الجواهر - 36

[ 289 ]

ايضا مع الطفل كالمحرم، ولو أمسك المحل الأم في الحرم فمات الطفل في الحل ضمن الأم لو فرض تلفها قطعا، وأما الطفل ففي القواعد وغيرها وجهان، من كون الاتلاف بسبب في الحرم فصار كما لو رمى من الحرم، ففي خبر مسمع (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل حل في الحرم رمى صيدا خارجا من الحرم فقتله قال: عليه الجزاء، لأن الآفة جاءت الصيد من ناحية الحرم) ومن كونه قياسا، ولكن لا يخفى عليك ضعف الوجه الثاني، خصوصا بعد ما سمعته من العلة المنصوصة، ومن هنا كان خيرة ثاني الشهيدين الأول، والله العالم. المسألة (الثامنة إذا أغرى المحرم كلبه بصيد فقتله ضمن سواء كان في الحل أو في الحرم، لكن يتضاعف إذا كان في الحرم) بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة كون إغراء الكلب نحو رمي السهم، بل إن أغراه المحل في الحل فدخل الصيد الحرم فتبعه الكلب فأخذه فيه ضمنه كما عن المنتهى لذلك أيضا، وعن الشافعي وأحمد في رواية لا يضمن، وعن مالك وأحمد في رواية أخرى إن كان قريبا من الحرم ضمنه، وإلا فلا، نعم لا يضمن إن أغرى الكلب بصيد في الحل فدخل الحرم فأخذ غيره، لأنه باسترسال نفسه لا بالاغراء فليس كسهم رمى به صيدا في الحل فأخطأ فاصاب آخر في الحرم، مع احتماله للتسبيب، خصوصا بعد ما ذكره غير واحد من أنه بحكم الاغراء في الضمان حل الكلب المربوط في الحرم، أو وهو محرم والصيد حاضر أو بقصد الصيد فقتل صيدا لأنه شديد الضراوة بالصيد، فيكفي في التسبيب حل الرباط، وكذا لو حل الصيد المربوط فتسبب ذلك لأخذ الكلب أو الغير له على إشكال إن لم يقصد به الأخذ، من التسبيب ومن الاحسان، خصوصا مع الغفلة، ولو انحل رباط الكلب لتقصيره في الربط فكذلك يضمن ما صاده للتسبيب إذا كان هو الذي أتى بالكلب، قيل:


(1) الوسائل - الباب 33 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 290 ]

ولا ضمان لتقصيره في ربط كلب غيره وإن أمره الغير، بل الآمر حينئذ مقصر حيث اكتفى بالأمر، ولا يخلو من نظر، ولو لم يقصر في ربط كلبه فلا ضمان عليه بمجرد الأستصحاب، للأصل والربط المانع من التسبيب مع احتماله، نعم لا يحتمل إن لم يكن هو المستصحب بل تملكه في الحرم، أو محرما وقد أتى به غيره. ولو حفر بئرا في محل عدوان فتردى فيها صيد ففي القواعد ضمن، ولو كان في ملكه أو موات لم يضمن، ولو حفر في ملكه في الحرم فالأقرب الضمان لأن حرمة الحرم شاملة فصار كما لو نصب شبكة في ملكه في الحرم، وفيه أن مثله متجه في المحرم لو حفر في ملكه أو موات من الحل، لأن حرمة الاحرام شاملة كالحرم الذي قيل يضمن المحل والمحرم بالحفر فيه ولو للحاجة إليه لمنفعة الناس أو غيرها، فان الضمان هنا يترتب على المباح والواجب، بل مقتضى ذلك الضمان حتى مع سبق الحل على الاحرام، وإن كان ذلك كله لا يخلو من نظر فان السبب المذكور في الديات الذي قد دلت النصوص (1) على الضمان به لا يقتضي ترتب الحكم هنا عليه، ضرورة عدم عنوان في النصوص على وجه يشمله مضافا إلى الأصل والاباحة، بل عن المنتهى والتحرير الوجه عدم الضمان فيما لو حفر في ملكه في الحرم، نعم كلما كان نحو الدلالة على الصيد يتجه إلحاقه به دون غيره، ولو أرسل الكلب أو حل رباطه ولا صيد فعرض له صيد ففي القواعد والمسالك وغيرهما ضمن للتسبيب أيضا وفيه النظر السابق، ولعله لذا احتمل في محكي التذكرة والمنتهى العدم وإن استوضح ضعفه في كشف اللثام لكنه لا يخلو من وجه، وإن كان الاحتياط يقتضي الضمان، والله العالم. المسألة (التاسعة لو نفر صيدا فهلك بمصادمة شئ أو أخذه جارح


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب موجبات الضمان من كتاب الديات.

[ 291 ]

ضمن) بلا خلاف بل في المدارك نسبته إلى القطع به في كلام الأصحاب، بل ولا إشكال للتسبيب الذي لا فرق فيه بين من نفره وبين من تلف أيضا بمصادمته من الصيد لو فرض، نعم لو عاد إلى وكره أو جحره أو فيما نفر عنه وتلف بعد ذلك لا ضمان، بل وكذا إذا سكن في غير ذلك إذا لم يستند التلف إلى ما سكن فيه، لزوال السبب، وإن استند إليه ضمن، كما انه لو تلف قبل ذلك بآفة سماوية يضمنه أيضا على الأقوى، وفاقا للفاضل وغيره، لقول الكاظم عليه السلام لأخيه (1) علي (في رجل أخرج حمامة من الحرم عليه أن يردها، فان ماتت فعليه ثمنها يتصدق به) فينحصر حينئذ سبب خروجه عن الضمان في عوده إلى السكون وإن لم تشتمل يده عليه، ويحتمل العدم لعدم استناد التلف إليه مباشرة ولا تسبيبا مع الأصل، وفيه أنه يمكن كون ضمانه كضمان المغصوب وإن لم يكن في يده لما عرفت من ضمانه بالسبب المزبور حتى يعود، واحتمال كون المراد من الخبر الاخراج المشتمل على كونه في يده لا داعي له، والله العالم. المسألة (العاشرة لو وقع الصيد في شبكة فأراد تخليصه فهلك أو عاب) بالتخليص المفروض (ضمن) كما في محكي الخلاف والمبسوط والجامع وجميع كتب الفاضل إلا التبصرة فلم يتعرض فيها له، لصدق قتل الصيد ولو خطأ، لكن عن الشهيد الاشكال فيه من ذلك ومن قاعدة الاحسان، وتبعه على ذلك غيره، بل في المدارك (ينبغي القطع بعدم الضمان مع انتفاء التعدي والتفريط لأن تخليصه على هذا الوجه مباح بل إحسان محض، وما على المحسنين من سبيل، ومثله ما لو خلص الصيد من فم هرة أو سبع أو من شق جدار وأخذه ليداويه ويتعهده فمات في يده بما ناله من السبع) وفيه أن قاعدة الاحسان لا تنافي الضمان بعد عموم مقتضيه، وأما الأخذ للتداوي ففي القواعد الضمان


(1) الوسائل - الباب 14 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 292 ]

به أيضا لكن قال: على إشكال، ولعله من أن إثبات اليد عليه مضمن، بل عن الشهيد رحمه الله القطع به، بل والفاضل في غير القواعد، ومن الأصل وقاعدة الاحسان والأمر (1) بحفظ ما نتف ريشه حتى يكمل، لكن الجميع كما ترى لا ينافي الضمان بعد فرض عمومه لمحل الفرض، نعم قد يشك في ذلك، ضرورة كون المتيقن من الضمان بوضع اليد مع العدوان دون غيره، فالمتجه عدم الضمان، وفرق واضح بين ذلك وبين سابقه، والله العالم. المسألة (الحادية عشر من دل على صيد) من المحرمين في الحل والحرم أو المحلين في الحرم (فقتل ضمنه) بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد قول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (2) وصحيحه (لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام، ولا وأنت حلال في الحرم ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده، ولا تشر إليه فيستحل من أجلك، فان فيه فداء لمن تعمده) واحتمال كون الفداء فيه على المستحل لا الدال كما ترى، خصوصا بعد ما سمعته من الاجماع المحكي وغيره، بل وقوله عليه السلام أيضا في خبر ابن حازم (3) (المحرم لا يدل على الصيد، فان دل فقتل فعليه الفداء) والظاهر إلحاق الجرح بالقتل، وكذلك الأخذ أيضا، نعم لا ضمان مع عدم ترتب أخذ أو جرح أو قتل على الدلالة للأصل السالم عن معارضة ما عرفت بعد ظهوره في غير الفرض، لكن عن جمل العلم والعمل وشرحه والمراسم والمهذب إطلاق الفداء، بل ربما استدل لهم بخبر ابن حازم بحذف قوله عليه السلام (فقتل) منه، ولكن فيه أن القيد موجود في نسخ الكافي والتهذيب بل لعل القيد مراد للمطلقين، خصوصا مع التصريح بلفظي الضمان والتسبيب، ضرورة معلومية


(1) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد. (2) و (3) الوسائل - الباب 17 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2.

[ 293 ]

اعتبار ترتب التلف على ذلك في الضمان، وعلى كل حال فما عن الشافعي من عدم الضمان مطلقا وأبي حنيفة إذا كان الصيد ظاهرا وأحمد من كون الجزاء بين الدال والمدلول واضح الضعف. نعم لا ضمان إن كان رآه المدلول قبل الدلالة، لعدم التسبيب والدلالة حقيقة فالأصل بحاله حينئذ، وكذا إن فعل ما فطن به غيره ولم يكن قصد به ذلك، لخروجه عنها أيضا، ومن الغريب ما عن التحرير والمنتهى من التوقف في ضمان المحل لو دل محرما أو محلا على صيد في الحرم مع ما سمعته من خبري الحلبي. نعم إن دل محل محرما على الصيد في الحل لم يضمن كما عن التذكرة لأنه لا ضمان عليه بالمباشرة فضلا عن التسبيب، وعن المنتهى التردد في ذلك، لأنه أعان على محرم فكان كالمشارك، وهو كما ترى. ومما ذكرنا يظهر لك الحال في جميع صور المسألة المرتقية إلى إثنين وثلاثين صورة، لأن الدال والمدلول إما أن يكونا محلين أو محرمين أو بالتفريق وعلى كل تقدير فاما أن يكونا في الحل أو في الحرم أو بالتفريق، فهذه ست عشرة صورة، وعلى كل تقدير فاما أن يكون الصيد في الحل أو في الحرم، بل لو لوحظ مع ذلك اتحاد الدال والمدلول وتعددهما زادت على ذلك والله العالم. (الفصل الثالث في صيد الحرم) وهو ما أحاط بمكة من جميع جوانبها، وتسميته بذلك إما لأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشيطان فبعث الله ملائكة تحرسه فوقفوا في مواضع أنصاب الحرم فصار ما بينه وبين مواقفهم حرما، وإما لأن

[ 294 ]

الحجر الأسود لما وضعه الخليل عليه السلام في الكعبة حين بناها أضاء الحجر يمينا وشمالا وشرقا وغربا فحرم الله من حيث انتهى نوره، أو غير ذلك، وعن السيد القاسي أن له علامات مبئنة، وهي الأنصاب من جميع جوانبه خلا جهة جدة وجهة الجعرانة، فانه ليس فيهما أنصاب، وأول من وضع الأنصاب على حدود الحرم ابراهيم الخليل عليه السلام بدلالة جبرئيل عليه السلام ثم قصي بن كلاب، وقيل نصبها إسماعيل عليه السلام بعد أبيه، وقيل عدنان، وقلعتها قريش في زمن النبي صلى الله عليه وآله فاشتد ذلك عليه فجاءه جبرئيل وأخبره أنهم سيعيدونها فرآى رجال منهم في المنام قائلا يقول: حرم أعزكم الله به، نزعتم أنصابه سيحطمكم العرب فأعادوها، فقال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله يا محمد قد أعادوها، فقال هل أصابوا فقال ما وضعوا فيها إلا بيد ملك، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفتح تميم بن أسيد فجددها ثم بعث عمر لتجديدها مخزمة بن نوفل وسعيد بن يربوع وخويطب بن عبد العزى وأزهر بن عبد مناف فجددوها، ثم جددها عثمان، ثم معاوية ثم الخلفاء والملوك إلى عهدنا هذا. وكيف كان فلا خلاف بيننا في أنه (يحرم من الصيد على المحل في الحرم ما يحرم على المحرم) منه (في الحل) والحرم، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى النصوص (1) التي منها ما تقدم آنفا من صحيح الحلبي وحسنه (2) بل لعله كذلك عند العامة إلا ما يحكى عن داود منهم من عدم ضمان المحل إذا قتل صيدا في الحرم، ولا ريب في فساده، وحينئذ (فمن قتل صيدا في الحرم) من المحلين (كان عليه فداؤه) أي قيمته لما عرفته سابقا من كون


(1) الوسائل - الباب 1 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1 والباب 4 منها الحديث 2 والباب 5 منها الحديث 1 و 3 و 4. (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 295 ]

الأصح ذلك عند المصنف وغيره، وأما المحرم فتجب هي عليه مع الفداء إذا كان مما له فداء، وإلا تضاعفت القيمة للاحرام والحرم كما تقدم الكلام فيه مفصلا (ولو اشترك جماعة) من المحلين أيضا (في قتله فعلى كل واحد فداء) كما في القواعد وغيرها، وعن ظاهر الخلاف وجماعة نحو ما سمعته في المحرمين قيل: لصدق القتل والأصابة على كل، ولقول الصادق عليه السلام في خبر ابن عمار (1) (أي قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فان على كل انسان منهم قيمته، فان اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك). (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) مما عرفت ومن الأصل بعد منع صدق القتل على كل، وضعف الخبر سندا ودلالة باحتمال اختصاصه بالمحرمين كأكثر النصوص، وكونه ليس بأعظم من الأشتراك في قتل مؤمن إذا لزمت الدية، ولعله لذا قال في محكي المبسوط إن قلنا يلزمهم جزاء واحد لكان قويا ولكن قد تقدم سابقا في مسألة اشتراك المحرمين في القتل ما يستفاد منه قوة القول بمساواة المحلين لهم في ذلك أيضا، بل نفى الخلاف فيه بعضهم، بل ظاهر محكي المنتهى اختصاص الخلاف فيه بالعامة والشيخ في التهذيب، قال: (لو اشترك الحلال والحرام في قتل صيد حرمي وجب على المحل القيمة كملا وعلى المحرم الجزاء والقيمة معا) وخالف فيه بعض الجمهور فأوجب جزاء واحدا عليهما، وقال الشيخ في التهذيب: على المحرم الفداء كاملا وعلى المحل نصف الفداء لما رواه إسماعيل بن أبي زياد (2) إلى آخر الخبر الذي ذكرناه في المسألة السابقة عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: (كان علي عليه السلام يقول في محرم ومحل قتلا صيدا على المحرم الفداء كاملا وعلى المحل نصف الفداء) وقد


(1) الوسائل - الباب 18 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 21 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 296 ]

ذكرنا هناك احتمال كون المراد بالفداء الكامل هو المضاعف الذي على المحرم في الحرم، ونصفه القيمة وحدها، فالخبر حينئذ شاهد لتساوي المحلين والمحرمين في ذلك، ولا ريب في أنه الأحوط إن لم يكن أقوى. نعم الظاهر عدم الخلاف في جواز قتل المحل في الحرم القمل والبراغيث والبق والنمل، بل في المدارك الاجماع عليه، مضصافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (لا بأس بقتل البق والقمل في الحرم وقال: لا بأس بقتل القملة في الحرم) كصحيحه الآخر عنه عليه السلام (2) أيضا (لا بأس بقتل النمل والبق في الحرم) وقد تقدم الكلام في حكم ذلك بالنسبة للمحرم، بل في المسالك استثناء قتل القمل والبراغيث من نحو إطلاق المتن، كما أن فيها أيضا التساوي بين المحرم والمحل في الحرم في اسباب التلف من الدلالة والاعانة وغيرهما كما تقدم لنا بعض الكلام في ذلك، والله العالم. (وهل يحرم) على المحل قتل الصيد (وهو يؤم الحرم) ويقصده (قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف والتهذيب والنهاية والمبسوط: (نعم) يحرم، بل في المدارك نسبته إلى الشيخ وجمع، بل في الأول الاجماع عليه لمرسل ابن أبي عمير (3) عن الصادق عليه السلام (كان يكره أن يرمي الصيد وهو يؤم الحرم) بناء على إرادة الحرمة من الكراهة فيه، وخبر علي بن عقبة (4)


(1) و (2) الوسائل - الباب 84 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 1 وفي الأول (لا بأس بقتل النمل والبق في الحرم). (3) الوسائل - الباب 29 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 عن علي ابن عقبة عن أبيه عقبة بن خالد كما يشير إليه فيما يأتي في الجواهر. الجواهر - 37

[ 297 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا (سألته عن رجل قضى حجته ثم أقبل حتى إذا خرج من الحرم فاستقبله صيد قريبا من الحرم والصيد متوجه نحو الحرم فرماه فقتله ما عليه ؟ قال: يفديه على نحوه) وصحيح الحلبي (1) عنه عليه السلام أيضا، قال: (إذا كنت محلا في الحل فقتلت صيدا فيما بينك وبين البريد إلى الحرم فان عليك جزاؤه، فان فقأت عينه أو كسرت قرنه تصدقت بصدقة). (وقيل) والقائل الصدوق في محكي الفقيه والشيخ أيضا في محكي الاستبصار والحلي في محكي السرائر بل المتأخرون كافة: (يكره، وهو الأشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها الأصل السالم عن معارضة الخبرين بعد ضعفهما سندا ولا جابر بعد تبين وهن الاجماع المحكي بمصير معظم من عرفت إلى خلافه، بل ودلالة، ضرورة أعمية الكراهة من الحرمة إن لم نقل بظهورها في المصطلح، وعدم التلازم بين الضمان والحرمة، ولذا قال به من قال بالكراهة، على أنه معارض بصحيح ابن الحجاج (2) في العلل وحسنه (3) في الفقيه (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل رمى صيدا في الحل وهو يؤم الحرم فيما بين البريد والمسجد فأصابه في الحل فمضى برميته حتى دخل الحرم فمات فيه برميته هل عليه جزاء ؟ فقال ليس عليه جزاء، انما مثل ذلك مثل من نصب شركا في الحل إلى جانب الحرم فوقع فيه صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات، فليس عليه جزاؤه، لأنه نصب حيث نصب وهو له حلال ورمى حيث رمى وهو له حلال، فليس عليه فيما كان بعد ذلك شئ، فقلت هذا القياس عند الناس، فقال انما شبهت لك الشئ لتعرفه) بل وصحيحه الآخر (4) أيضا


(1) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 - 3 - 4.

[ 298 ]

سأل أبا الحسن عليه السلام (عن رجل رمى صيدا في الحل فمضى برميته حتى دخل الحرم فمات أعليه جزاؤه ؟ قال: لا، ليس عليه جزاؤه) الشامل لما أم الحرم وغيره، وخبره أيضا (1) عن الصادق عليه السلام (في الرجل يرمي الصيد وهو يؤم الحرم فتصيبه الرمية فيتحامل بها حتى يدخل الحرم فيموت فيه قال: ليس عليه شئ، انما هو بمنزلة رجل نصب شبكة في الحل فوقع فيها صيد فاضطرب حتى دخل الحرم فمات فيه) وخبر دعائم الاسلام (2) عن جعفر بن محمد عليهما السلام (فيمن رمى صيدا في الحل فأصابه فيه فتحامل الصيد حتى دخل الحرم فمات فيه من رميته فلا شئ عليه فيه) فلا ريب حينئذ في أن الأقوى الكراهة (لكن) في محكي التهذيب والنهاية والاستبصار والمبسوط والمهذب والاصباح والجامع أنه (لو أصابه ودخل الحرم فمات ضمنه) لما سمعته من صحيح الحلبي (3) وخبر عقبة بن خالد (4) الخالي عن ذكر الموت في الحرم، ولذا أطلق في محكي التهذيب والاستبصار مؤيدا ذلك بما في المسالك من حرمة اللحم وأنه ميتة على القولين، ولما تسمعه من النصوص (5) المشتملة على الضمان للصيد فيما بين البريد والحرم (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) وإشكال كما في القواعد مما عرفت، ومن صحيح ابن الحجاج وغيره مما تقدم الذي لا يخفى قصور المعارض له بعد الاعتضاد بالأصل


(1) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) المستدرك - الباب 23 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (5) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد والباب 30 منها الحديث 1.

[ 299 ]

والشهرة وصحة السند وكثرة العدد من وجوه، ومن الغريب احتمال إرادة عدم العقاب من النفي فيها للكراهة، أو لكونه ناسيا أو جاهلا مع التصريح في الفقيه والكافي بنفي الجزاء، ومنه يعلم إرادة ذلك من نفي الشئ في رواية التهذيب فالمتجه حينئذ حمل خبر عقبة وصحيح الحلبي على ضرب من الندب، خصوصا بعد خلو خبر عقبة عن الموت في الحرم، والقائل بالضمان لا يقول بعمومه إلا ما سمعته من إطلاق التهذيب والاستبصار، وحرمة لحمه وكونه كالميتة يمكن كونهما تعبدا لحسن مسمع (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل حل رمى صيدا في الحل فتحامل الصيد حتى دخل الحرم فقال: لحمه حرام مثل الميتة) الذي حكي الفتوى به عن الشيخ في التهذيب والنهاية والمبسوط والقاضي وابن سعيد بل قد سمعت ما في المسالك من دعوى اتفاق القولين عليه لا لكونه مضمونا، ونصوص (2) ضمان ما بين البريد والحرم - سواء مات في الحرم أو لا التي منها صحيح الحلبي المزبور - انما هي في مسألة أخرى تسمع الكلام فيها إنشاء الله خارجة عما نحن فيه من ضمان مطلق الصيد المضروب في الحل ثم مات في الحرم كما هو واضح. ولذا أشار إليه المصنف بقوله: (ويكره الاصطياد بين البريد والحرم) كما في النافع والقواعد وغيرهما أي خارج الحرم إلى بريد من كل جانب، ويسمى بحرم الحرم (على الأشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها الأصل وما يفهم من الأدلة من انحصار المانع من الاصطياد في الحرم والاحرام، وفحوى


(1) الوسائل - الباب 29 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد والباب 30 منها الحديث 1.

[ 300 ]

صحيح ابن الحجاج (1) السابق، بل وإطلاق (2) صحيحه وخبره (3) الآخرين المتقدمين السالمين عن المعارض عدا صحيح الحلبي (4) وخبر عقبة (5) السابقين المتضمنين لثبوت الجزاء الذي هو أعم من الحرمة، مع أنهما معارضان بنفيه في النصوص (6) السابقة، فيتجه حينئذ حملهما على الندب كما صرح به غير واحد من المتأخرين جمعا بين النصوص، فما عن الشيخين وابن حمزة والقاضي من المنع عنه واضح الضعف، ومن الغريب ما في المدارك فانه بعد أن حكى عن المتأخرين الحمل على الندب قال: وهو مشكل لانتفاء المعارض، مع أنه نفسه قد ذكر الصحيح المزبور وأفتى به، فليس إلا الغفلة عنه، وإلا فالعمل بهما مما لا يمكن بل لابد من صرف هذا إلى الندب أو الآخر إلى ما سمعته سابقا من الشيخ أو غيره، ولا ريب في أولوية ما ذكرناه من وجوه، خصوصا بعد اعتضاده بمفهوم قوله تعالى (7): (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) المقتضي عدم الحرمة ما دمتم محلين، كقوله تعالى (8): (وإذا حللتم فاصطادوا) خرج منه صيد الحرم للاجماع والنصوص، وبقي الباقي، ومنه ما نحن فيه. (و) حينئذ ف‍ (لو أصاب صيدا فيه ففقا عينه أو كسر قرنه كان عليه صدقة استحبابا) للأمر به في الصحيح (9) والخبر (10) المزبورين المحمول على ذلك، بل وعلى استحباب الفداء والجزاء لو قتله وإن لم يذكره المصنف


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 - 4 - 2. (4) و (9) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (5) و (6) الوسائل - الباب 30 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 0 - (7) و (8) سورة المائدة الآية 97 - 3. (10) الوسائل - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 301 ]

مكتفيا بذكر الصدقة المزبورة بالحكم بالكراهة، خلافا لمن عرفت فأوجبوا الفداء له، بل عن الشيخ في الخلاف ما سمعته من الاجماع على ذلك، وفيه ما عرفته سابقا في الصيد الذي أم الحرم وإن كان في البريد، نعم لا تعرض في المتن وغيره لغير الجناية المزبورة، ولعله لعدم النص وأصالة البراءة المقتضية لعدم ترتب الكفارة في غير ذلك وإن قلنا بحرمة الجناية، إذ لا تلازم بينها وبين لزوم الكفارة، اللهم إلا ان يقال باستفادة معاملته معاملة صيد الحرم ولو استحبابا من فحوى الصحيح والخبر المزبورين، خصوصا بعد التسامح في أدلة السنن، هذا. وقد عرفت أن البريد المزبور خارج الحرم يحيط به من كل جانب، والحرم في داخله، وفي المسالك (أنه بريد في بريد، فيكون مكسرا ستة عشر فرسخا، لأن البريد أربعة فراسخ فإذا ضربت في أربعة بلغت ذلك وإلا فالواحد إذا ضرب في مثله لا يتعدد، ومعنى الاصطياد بين البريد والحرم الاصطياد في منتهى البريد وغايته وطرف الحرم، وإلا فلا واسطة بين البريد والحرم حتى يتعلق به حكم، ففي العبارة حينئذ تجوز) قلت: قد صرح غيره أيضا بأن الحرم بريد في بريد، قال في المنتهى: وحد الحرم الذي لا يجوز قتل صيده ولا قطع شجره بريد في بريد، رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: حرم الله حرمه بريدا في بريد ان يختلى خلاه ويعضد شجره إلا الأذخر ويصطاد طيره، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة ما بين لابتيها، وحرم ما حولها بريدا في بريد أن يختلى خلافها، ويعضد شجرها إلا عودي الناضح) إذا ثبت هذا فصيد وج وشجره مباح، وهو واد بالطائف،


(1) الوسائل - الباب 87 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4.

[ 302 ]

قاله علماؤنا واختاره أحمد، وقال أصحاب الشافعي: هو محرم إلى آخره. وعلى كل حال فالظاهر أن التحديد المزبور هو المروي عن أئمة الهدى عليهم السلام وأفتى به علماؤنا ولكن في كتب العامة اختلاف فيه، فعن القاسي والطبري ضبط الحرم بالذراع، فان المسافة من باب الشبيكة إلى أعلام العمرة التي هناك عشرة آلاف ذراع وثمانمأة ذراع وإثنى عشر ذراعا، فتزيد على الثلاثة أميال ثلاث مائة ذراع وإثنى عشر ذراعا، ومن باب الشبيكة إلى باب المسجد المعروف بباب العمرة ألف وستمائة ذراع وثمانية أذرع، ومن جهة اليمن من جدار باب المسجد المعروف بباب إبراهيم إلى علاقة حد الحرم في تلك الجهة أربعة وعشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع بتقديم التاء ونحو نصف ذراع، ومن جهة العراق من عتبة باب العلا إلى العلمين الذين هما الحرم خمسة وعشرون ألف ذراع وخمسة وعشرون ذراعا، ومن جهة عرفة من عتبة باب السلام سبعة بتقديم السين وثلاثون ألف ذراع إلا ذراع وعشرة أذرع وسبعا ذراع، ومن جهة الجعرانة إلى شعيب عبد الله بن خالد إثنى عشر ميلا، ومن جهة جدة إلى البئر المعروفة ببئر شمس وبقاعها الحديبية عشرة أميال، ومقتضى ذلك عدم كونه بريدا في بريد، وعن العلامة القاسي أنه قال: لم أر من تعرض لمقدار دور الحرام إلا ابن خرداد، فانه قال: طوله حول مكة سبعة وثلاثون ميلا، وهي التي يدور بها أنصاب الحرم، وعن جمع المناسك للملا أعلم أن معرفة حدود الحرم من أهم ما ينبغي أن يعتنى به فانه تتعلق به أحكام كثيرة، وقد اختلفوا في ذلك، فقال الامام الهندواني ومقدار الحرم من المشرق قدر ستة أميال، ومن الجانب الثاني إثنى عشر ميلا، ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا، ومن الجانب الرابع أربعة وعشرون ميلا، وهذا شئ لا يعرف إلا نقلا، قال الصدر الشهيد: فيه نظر، فان من الجانب الثاني التنعيم، وهو قريب من ثلاثة أميال

[ 303 ]

كذا في فتاوى الظهرية، وفي السراجية أن الجانب الثاني قيل ثلاثة أميال وهو الأصح، وقال السروجي: حد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت تعابر على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعيب أبي عبد الله بن خالد على تسعة أميال، ومن طريق جدة لتقطع الاعشاش عليه عشرة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل على سبعة أميال أيضا، هكذا ذكر هذه الحدود جماعة كثيرة كالأزرقي والنووي وغيرهما، وانفرد الأزرقي فقال: حده من طريق الطائف أحد عشر ميلا، وقال الجمهور: سبعة فقط، ولم يذكر الطرابلسي فيما نقل عن السروجي حده من طريق العراق، وقد ذكره النووي وغيره كما مر، قلت: المدار الآن على النصب المعلومة المأخوذة يدا عن يد إلى أهل بيت الوحي عليهم السلام، والله العالم. (ولو ربط صيدا في الحل فدخل) برباطه في (الحرم لم يجز إخراجه) بلا خلاف أجده فيه، للعمومات التي منها قوله تعالى (1): (ومن دخله كان آمنا) الذي استدل به الصادق عليه السلام (2) لما سأله محمد بن مسلم (عن ظبي دخل في الحرم فقال: لا يؤخذ ولا يمس، إن الله تعالى يقول: ومن دخله كان آمنا) وخصوص خبر عبد الاعلى بن أعين (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب صيدا في الحل فربطه إلى جانب الحرم فمشى الصيد بربطه حتى دخل الحرم والرباط في عنقه فاجتره الرجل بحبله حتى أخرجه والرجل في الحل من الحرم، فقال ثمنه ولحمه حرام مثل الميتة) بل في المدارك الاستدلال عليه بأنه


(1) سورة آل عمران - الآية 91. (2) الوسائل - الباب 36 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 15 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 304 ]

بعد الدخول يصير من صيد الحرم، فيتعلق به حكمه، وإن كان فيه منع واضح بل مقتضاه وجوب الجزاء بقتله، ولم أجد من صرح بذلك، وأنما اقتصروا على حرمة الفعل، بل لم يذكروا ما في متن الخبر من حرمة الثمن ولكونه ميتة الله إلا أن يقال باستفادة مساواة حكمه لحكم صيد الحرم من الاستدلال بالآية في خبر ابن مسلم السابق، ولا ريب في أنه أحوط. (ولو كان في الحل فرمى) بسهم مثلا (صيدا في الحرم فقتله فعليه فداؤه) أي جزاؤه ولو بقيمته بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى عموم أدلة الجزاء على القاتل في الحرم الذي هو الامان المقيد لحل الصيد سواء كان الرامي في الحل أو الحرم، قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (1): (وما دخل من الوحش والطير في الحرم كان آمنا من أن يهاج ويؤذى حتى يخرج من الحرم) وبمعناه إرسال الكلب عليه، أما إذا أرسله على صيد في الحل فدخل الكلب بنفسه إلى الحرم فقتل صيدا آخر على وجه لا يكون صاحبه سببا في ذلك فلا ضمان كما لو استرسل من غير أن يرسله صاحبه للأصل بعد انتفاء المباشرة والتسبيب واليد، بل ربما احتمل العدم أيضا فيما لو أرسله على صيد في الحل فدخل الصيد الحرم فتبعه الكلب فقتله في الحرم، للأصل، لكن عن الفاضل في المنتهى أن الأقرب الضمان، لأنه قتل صيدا حرميا بارسال كلبه عليه، ونحوه أو أقرب منه ما عن التذكرة من أنه لو رمى وهو والصيد في الحل ولكن دخل الصيد الحرم ثم أصابه السهم ضمنه أيضا، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى، وعلى كل حال فما عن أحمد من عدم الضمان في أصل المسألة واضح الضعف، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. الجواهر - 38

[ 305 ]

(وكذا) يجب عليه الجزاء (لو كان في الحرم فرمى صيدا في الحل فقتله) بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر المدارك وغيرها وصريح محكي المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد حسن مسمع (1) أو صحيحه السابق عن الصادق عليه السلام (في رجل حل في الحرم رمى صيدا خارجا من الحرم فقتله فقال: عليه الجزاء لان الآفة جائت الصيد من ناحية الحرم) خلافا للشافعي والثوري وأبي ثور وابن المنذر وأحمد في رواية فلا ضمان، وهو واضح البطلان، وربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين لضعف السند المنجبر بعد التسليم بما عرفت مما هو حجة في نفسه، والله العالم. (ولو كان بعض الصيد في الحرم فأصاب ما هو في الحل أو في الحرام منه فقتله ضمنه) أيضا بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف والجواهر الأجماع عليه، وهو الحجة بعد تغليب جانب الحرم، بل ربما كان في صحيح ابن سنان (2) السابق إشارة إليه أيضا، بل وما تسمعه من صحيح الشجرة (3). (ولو كان الصيد على فرع شجرة في الحل فقتله ضمنه إذا كان أصلها في الحرم) وبالعكس بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض، بل عن الخلاف والجواهر الاجماع عليه، وعن التذكرة والمنتهى في العكس، مضافا إلى قوي السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (انه سئل عن شجرة أصلها في الحرم وأغصانها في الحل على غصن منها طير رماه رجل فصرعه قال: عليه جزاؤه إذا كان أصلها في الحرم) المؤيد بصحيح معاوية (5) (سألت


(1) الوسائل - الباب 33 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 90 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2 - 1.

[ 306 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحل قال: حرم فرعها لمكان أصلها، قال: قلت: فان أصلها في الحل وفرعها في الحرم فقال: حرم أصلها لمكان فرعها) وظاهره تحريم الأصل الذي هو في الحل لمكان كون الفرع في الحرم، وهو مناف في الظاهر للمفهوم في خبر السكوني، وفي المسالك (الضابط أن أصل الشجرة متى كان في الحرم فما كان عليها مضمون مطلقا، ومتى كان في الحل فأغصانها تابعة لهواء ما هي فيه، فما كان منها في الحرم بحكمه وما كان في الحل بحكمه، والثاني لا إشكال فيه، والأول مروي عن علي عليه السلام) ومقتضاه اختصاص الاحترام لما كان أصله في الحل بما إذا كان الفرع في الحرم دون غيره، كما هو مقتضى مفهوم خبر السكوني، ولكن قد سمعت صحيح معاوية الظاهر في تغليب جانب الحرم لمكان كون بعض الفرع فيه وإن كان الأصل في الحل، بل ظاهر المنتهى الفتوى به، بل ربما يستفاد منه عدم الخلاف فيه عندنا، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى، والله العالم. (ومن دخل بصيد) حي (إلى الحرم وجب عليه إرساله) إجماعا بقسميه (و) نصوصا بل (لو أخرجه) من الحرم (فتلف كان عليه ضمانه سواء كان التلف بسببه أو بغيره) بل مات حتف أنفه بلا خلاف أيضا أجده فيه، لكون يده عادية نحو يد الغصب، قال بكير بن أعين (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ظبيا فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم فقال: إن كان حين أدخله خلى سبيله فلا شئ عليه، وإن كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء) وقال معاوية (2) أيضا: قال الحكم بن عيينة: (سألت أبا جعفر عليه السلام ما تقول في رجل أهدي إليه حمام أهلي وهو في الحرم من غير الحرم فقال: أما إن كان


(1) الوسائل - الباب 36 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد الحديث 12.

[ 307 ]

مستويا خليت سبيله، وإن كان غير ذلك أحسنت إليه حتى استوى ريشه خليت سبيله) وقال الحلبي (1) في الصحيح أيضا: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الصيد يصاد في الحل ثم يجاء به إلى الحرم وهو حي فقال: إذا أدخله الحرم فقد حرم عليه أكله وإمساكه، فلا يشترين في الحرم إلا مذبوحا قد ذبح في الحل ثم جئ به إلى الحرم مذبوحا، فلا باس به للحلال) وفي الصحيح (2) عن شهاب بن عبد ربه (قلت لأبي عبد الله عليه السلام، إني أتسحر بفراخ أوتي بها من غير مكة فتذبح في الحرم فأتسحر بها قال: بئس السحور سحورك، أما علمت أن ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه وإمساكه) إلى غير ذلك من النصوص التي منها ما دل على أمان الحرم مضافا إلى الآية وأن من دخله لا يمس ولا يؤذى ولا يهاج. نعم إن سلمه غيره فأرسله وعلم بالارسال ثم مات فلا ضمان، كما أنه لا ضمان أيضا لو كان سبعا كالفهد ونحوه إذا أخرجه، ففي الصحيح (3) (ان ابن أبي عمير أرسل عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن رجل أدخل فهده إلى الحرم أله أن يخرجه فقال: هو سبع، وكلما أدخلت من السبع الحرم أسيرا فلك أن تخرجه) وعن حمزة بن اليسع (4) أنه سأله عليه السلام (الفهد يشترى بمنى ويخرج به من الحرم فقال: كل ما دخل الحرم من السبع لا مأسورا فعليك إخراجه) بل ظاهر الأخير الوجوب، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. (و) كيف كان فقد ظهر من بعض (5) النصوص السابقة ما ذكره


(1) الوسائل - الباب 14 من ابواب كفارات الصيد الحديث 6. (2) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4. (3) و (4) الوسائل - الباب 41 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 6 (5) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد.

[ 308 ]

المصنف وغيره من أنه (لو كان طائرا مقصوصا وجب حفظه حتى يكمل ريشه ثم يرسله) بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به بعضهم، مضافا إلى صحيح حفص البختري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (فيمن أصاب طيرا في الحرم قال: إن كان مستوي الجناح فليخل عنه، وإن كان غير مستو نتفه وأطعمه وأسقاه، فإذا استوى جناحاه خلى عنه) وصحيح زرارة (2) (ان الحكم سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل أهدي له في الحرم حمامة مقصومة فقال: انتفها وأحسن علفها حتى إذا استوى ريشها فخل سبيلها) وخبر مثنى (3) قال: (خرجنا إلى مكة فاصطاد النساء قمرية من قماري امج بلغنا البريد فنتف النساء جناحيها ثم دخلوا به مكة فدخل أبو بصير على أبي عبد الله عليه السلام فأخبره فقال: ينظرون أمرأة لا بأس بها فيعطونها الطير تعلفه وتمسكه حتى إذا استوى جناحاه خلته) وخبر كرب الصيرفي (4) قال: (كنا جماعة فاشترينا طيرا فقصصناه ودخلنا به مكة فعاب ذلك علينا أهل مكة، فأرسل كرب إلى أبي عبد الله عليه السلام فسأله فقال: استودعوه رجلا من أهل مكة مسلما أو امرأة مسلمة فإذا استوى ريشه خلوا سبيله). ومنهما يستفاد جواز الاستيداع ولو من امرأة، لكن عن المنتهى اعتبار العدالة في الودعي، لقوله عليه السلام في خبر مثنى: (امرأة لا بأس بها) وفيه أنه أعم من ذلك. نعم يستفاد منها ومن غيرها وجوب المؤونة على الممسك زمان بقائه، بل الظاهر وجوب دفع الاجرة لمن لم يقبله إلا بها. ولو أرسله قبل ذلك فقد صرح غير واحد بضمانه مع تلفه أو اشتباه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2 - 10 - 13.

[ 309 ]

حاله، ولا بأس به. كما لا بأس بالحاق غير الطير به في ذلك مع احتمال برئه حتى الفرخ ونحوه مما لا يمتنع، فان إرساله بمنزلة إتلافه وإن توقف فيه غير واحد، لعدم النص، بل قال بعضهم: يقوى الاشكال إذا كان زمنا مأيوسا من عوده إلى الصحة لما في الالتزام بحفظه ومؤونته دائما من الحرج، وفيه أنه اعتبار لا يعارض المستفاد من الأدلة. ولو كان هو الذي نتف ريش الطير كان عليه الأرش بين كونه منتوفا وكونه صحيحا، لأن ضمان الكل يوجب ضمان الأبعاض مع تحقق النقص في القيمة، ولا يسقط مع ذلك وجوب حفظه إلى أن يكمل ريشه، خلافا لبعض العامة، والله العالم. (وهل يجوز) للمحل (صيد حمام الحرم وهو في الحل ؟ قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن صيد الخلاف والمبسوط والحلي: (نعم) يحل وتبعه بعض متأخري المتأخرين (وقيل) والقائل هو أيضا في محكي النهاية والتهذيب وحج المبسوط (لا) يحل وتبعه الفاضل في محكي التحرير والمنتهى والتذكرة وثاني الشهيدين وسبطه وغيرهما (وهو) وإن كان (أحوط) إلا أن الأول أقوى، للأصل السالم عن معارضة ما دل على تحريم صيد الحرم بعد انصرافه إلى غير الفرض، خصوصا بعد ما في الصحيح (1) عن قول الله عزوجل (ومن دخله كان آمنا) قال: (من دخل الحرم مستجيرا كان آمنا من سخط الله تعالى، ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج ويؤذى حتى يخرج من الحرم) فان مفهومه كغيره من النصوص جواز الايذاء بعد الخروج مضافا إلى العمومات، سيما ما تقدم فيما يؤم الحرم من الصيد، وإلى كون الموافق


(1) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 310 ]

لحكم الانسان الملتجئ إليه، بل والى قول الكاظم عليه السلام لأخيه في المروي (1) عنه في مسائله وفي قرب الاسناد للحميري، سأله (عن الرجل هل يصلح له أن يصيد حمام الحرم في الحل فيذبحه فيدخل الحرم فيأكله ؟ قال: لا يصلح أكل حمام الحرم على كل حال) بعد انسياق الكراهة منه المحمول عليها قوله عليه السلام لاخيه أيضا في الصحيح (2) (لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم أنه من حمام الحرم) وعلى الندب قول الصادق في خبر عبد الله بن سنان (3) (الطير الأهلي من حمام الحرم من ذبح منه طيرا فعليه أن يتصدق بصدقة افضل من ثمنه) ولا ريب في أنه أولى من الجمع بحمل النهي فيه على الحرمة، وتخصيص الصحيح وغيره بما عدا الحمام، خصوصا مع تضمن الصحيح الطير الغالب فيه الحمام، ولو سلم التساوي فأصل البراءة باق على حاله ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط. (ومن نتف ريشة من حمام الحرم كان عليه صدقة) بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك وغيرها نسبته إلى القطع به في كلام الأصحاب لخبر ابراهيم ابن ميمون (4) المنجبر بما عرفت (قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل نتف ريشة حمامة


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4. (3) الوسائل - الباب 9 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5 وفيه (الطير الأهلي من غير حمام الحرم..... وهو غير محرم فعليه.... الخ) وكذا في التهذيب ج 5 ص 347 الرقم 1204 والكافي ج 4 ص 235 إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 169 الرقم 742 كما ذكره في الجواهر. (4) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5 ولم يذكر فيه قوله عليه السلام في ذيله: (فانه قد أوجعه) وقد ذكر ذلك في الفقيه ج 2 ص 169 الرقم 739 والكافي ج 4 ص 236.

[ 311 ]

من حمام الحرم قال يتصدق بصدقة على مسكين ويعطي باليد التي نتف بها، فانه قد أوجعه) ولو تعدد نتف الريشة تكررت الفدية كما عن المنتهى والتذكرة وربما احتمل الأرش كغيره من الجنايات، ويدفعه ظهور النص في خلافه، نعم لو نتف الأكثر من ريشة دفعة فعن التذكرة والمنتهى الأرش، مع أنه قد يشكل فيما إذا لم يحصل النقص بذلك، فلا أرش ولا صدقة كما هو الفرض مع القطع بأولوية نتف الأزيد من نتف الواحدة، على أن الخبر في الكافي والفقيه فيمن نتف حمامة لا ريشة، ولعله لذا احتمل الشهيد التكرر مطلقا، وهو جيد، كالمحكي عنه أيضا من أنه لو حدث بالنتف عيب ضمن الأرش مع الصدقة، وأجود منه احتمال كون المراد من الخبر على الطريقين أن نتف الحمامة ولو ريشة موجب للصدقة. أما إذا نتف غير الريش كالوبر أو الريش من غير حمام الحرم فالمتجه الأرش مع النقص، وقد يحتمل إلحاق غير حمام الحرم من طيوره به، بل عن المقنعة والمراسم وجمل العلم والعمل نتف ريش من طاير من طيور الحرم، وعن الجامع نتف ريشة من طير الحرم، خصوصا مع ملاحظة التعليل بأنه قد أوجعه بل منه يستفاد حكم التعدية إلى غير النتف أيضا مما يوجعه، ولا يسقط الصدقة ولا الأرش بالنبات، خلافا لبعض العامة. (و) على كل حال فلا خلاف أيضا في أنه (يجب) على الناتف (أن يسلمها) أي الصدقة (بتلك اليد) الجانية التي نتفها بها إن نتف باليد بل ظاهر غير واحد الاجماع عليه لما سمعته من النص المنجبر بما عرفت، نعم في الدروس (الأقرب عدم وجوب تسليم الأرش باليد الجانية) ونحوها في غيرها أيضا، ولعله للأصل السالم عن معارضة الخبر المزبور الظاهر في وجوب تسليم الصدقة لا الأرش ولا ما يشمله، بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بذلك

[ 312 ]

فيها أيضا بعد حمل الخبر المزبور على ضرب من الندب، بل لولاه لأمكن القول بالندب في اصل الصدقة مع فرض عدم العيب، خصوصا بعد إطلاق الصدقة الذي مقتضاه الاكتفاء بمسماها، والله العالم. (ومن أخرج صيدا من الحرم وجب عليه إعادته) إليه بلا خلاف أجده فيه، نعم في القماري والدباسي ما عرفته سابق (و) لا في أنه (لو تلف قبل ذلك) ولو حتف أنفه (ضمنه) لصحيح علي بن جعفر (1) (سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل أخرج حمامة من حمام الحرم إلى الكوفة أو غيرها قال: عليه أن يردها، فان ماتت فعليه ثمنها يتصدق به) ونحوه صحيحه (2) الآخر عنه عليه السلام أيضا، وخبر زرارة (3) سال أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل أخرج طيرا من مكة إلى الكوفة قال: يرده إلى مكة) وخبر يونس بن يعقوب (4) قال: (أرسلت إلى أبي الحسن عليه السلام أن أخا لي اشترى حماما من المدينة فذهبنا بها معنا إلى مكة فاعتمرنا وأقمنا إلى الحج ثم أخرجنا الحمام معنا من مكة إلى الكوفة هل علينا في ذلك شئ ؟ فقال للرسول: أظنهن كن فرهة، قل له: يذبح عن كل طير شاة) وربما جمع بينه وسابقه بارادة الشاة من الثمن، وهو بعيد، لكن ليس فيه النص على التلف بخلاف الأول، وفي التهذيب (ولا يجوز أن يخرج شيئا من طيور الحرم من الحرم، ومن أخرج وجب على من أخرجه أن يرده، فان مات فعليه قيمته يتصدق بها) واستدل عليه بخبر علي بن جعفر السابق، ثم قال: (وإذا أدخل المحرم طيرا الحرم فليس له إخراجه منه، وإذا أخرجه فعليه دم) واستدل عليه بخبر يونس، ومقتضاه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 14 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1 - 8 - 9. الجواهر - 39

[ 313 ]

كونهما عنوانين، وقد يقال إن مقتضى الجمع بينهما وجوب الشاة بالاخراج والصدقة بالثمن لو تلف، كما أنه قد يحتمل وجوب الشاة لعدم إمكان الاعادة، والاحتياط لا ينبغي تركه وإن كان الأقوى الصدقة بالثمن مع التلف قبل العود، والله العالم. (ولو رمى بسهم في الحل فدخل الحرم ثم خرج إلى الحل فقتل صيدا لم يجب الفداء) عندنا، للأصل السالم عن المعارض حتى خبر مسمع (1) السابق المشتمل على التعليل بأن الآفة قد جائت إلى الصيد من قبل الحرم، بعد الشك في تناوله لمحل الفرض، وعدم الجابر له، مضافا إلى ما عن المنتهى من الاستدلال عليه بأنه لو عدا فسلك الحرم في طريقه ثم خرج منه وقتل صيدا لا يضمنه إجماعا، فالسهم أولى، وإن كان لا يخلو من نظر، وإن استحسنه في المدارك خلافا لبعض الشافعية فيضمن، نعم لو قلنا بالضمان في حرم الحرم اتجه حينئذ ذلك كما صرح به في محكي المبسوط لكن عن التذكرة التوقف في الضمان، ولعله لصدق خروج السهم من الحرم المقتضي للضمان، كما لو كان أصل الرمي منه، فيشمله التعليل في خبر مسمع، وفى المسالك (مثله ما لو ارسل كلبا في الحل إلى صيد فيه لكن قطع في مروره إليه جزأ من الحرم) قلت: لا يخفى عليك أن المتجه عدم الضمان في الجميع، والله العالم. (ولو ذبح المحل) فضلا عن المحرم (في الحرم صيدا كان ميتة) بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك والحدائق الاجماع عليه، لخبر وهب بن وهب (2) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحرام والحلال وهو كالميتة، وإذا ذبح الصيد فهو ميتة، حلال ذبحه أو حرام) وخبر


(1) الوسائل - الباب 33 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 10 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4.

[ 314 ]

إسحاق (1) عن جعفر عليه السلام أيضا (ان عليا عليه السلام كان يقول إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم، وإذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم) المنجبرين بما عرفت، مضافا إلى غيرهما من النصوص المتقدمة في تروك الاحرام، بل تقدم سابقا الكلام في ذبح المحرم ولو في غير الحرم، والكلام أيضا في استعمال جلده وغيره من الاستعمالات بل (و) تقدم أيضا أنه (لو ذبحه) المحل (في الحل فأدخله الحرم لم يحرم على المحل) بلا خلاف نصا وفتوى ولا إشكال، نعم فيه خبران بالتصدق بثمنه (و) لكن (يحرم على المحرم) كذلك أيضا فلاحظ وتأمل (ولا يدخل في ملكه) أي المحل (شئ من الصيد) في الحرم (على الأشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها أصالة عدم دخوله بعد الشك في تناول سبب الملك له، لصحيح معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله عليه السلام سأله (عن طائر أهلي أدخل الحرم حيا فقال: لا يمس، إن الله عزوجل يقول: ومن دخله كان آمنا) وصحيحه الآخر (3) قال: (قال الحكم بن عيينة سألت أبا جعفر عليه السلام ما تقول في رجل أهدي له حمام أهلي وهو في الحرم، فقال: أما إن كان مستويا خليت سبيله) وغيرهما من النصوص، مضافا إلى ما دل على وجوب إرساله المتفق عليه نصا وفتوى، بل عن بعض دعوى الاجماع، وهو مناف لملكيته المقتضية لجواز التصرف بجميع أنواعه، ولكن الجميع كما ترى ضرورة عدم اقتضاء النهي عن مسه عدم تملكه بسبب من أسباب التملك، كعدم اقتضاء تخلية السبيل ووجوب الارسال ذلك أيضا، خصوصا أسباب الملك القهرية كالارث، وخصوصا في الصيد النائي عنه، بل عدم جواز التصرف فيه لو كان معه


(1) الوسائل - الباب 10 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5. (2) و (3) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد الحديث 11 - 12.

[ 315 ]

باعتبار وجوب إرساله عليه لا ينافي تملكه، إذ الرهن مملوك، ولا يجوز التصرف فيه لمالكه، وكذا أم الولد والمال المحجور عليه لسفه أو فلس، ودعوي الفرق بين المقام وبينها بتصور فائدة للملك في الرهن وفي أم الولد وفي المال المحجور عليه بخلاف الفرض خالية عن الحاصل، خصوصا بعد تصور أمور كثيرة لملكه في المقام أيضا وإن وجب عليه إرساله. (و) من هنا (قيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه (يدخل) في ملكه بأسبابه حتى الصيد (و) لكن (عليه إرساله إن كان حاضرا معه) واختاره المصنف في النافع، بل عن أبي العباس وغيره نسبته إلى المشهور، بل لم نعرف قائلا بما ذكره المصنف هنا على إطلاقه وإن حكي عن بعض الناس نسبته إلى الأكثر، بل ينبغي القطع بعدمه في الصيد النائي عنه الداخل في ملكه بارث أو شراء وكيل أو اصطياد أجير أو مملوك، لما سمعته في المحرم وإن كان في الحرم فضلا عن المحل فيه، نعم قد يشك في تملكه الصيد في الحرم معه باصطياد أو شراء أو نحو ذلك باعتبار كون الصيد في الحرم أخرجه الله تعالى عن التملك كما أومأ إليه الصادق عليه السلام (1) بقوله (لا يمس) وبالأمر بتخلية السبيل وغير ذلك مما يظهر منه خروجه عن قابلية التملك لمكان حرمة الحرم، ويمكن إرادة المصنف باطلاقه ذلك، بل ربما احتمل رجوع قوله: (إن كان حاضرا معه) إلى الأول أو ما يشمله، وإن كان هو كما ترى، فالتحقيق حينئذ التفصيل بين ما كان في الحرم من الصيد مع المحل وبين غيره، فلا يدخل الأول في ملكه بخلاف الثاني، بل قد يقال بزوال ملكه عنه لو كان معه نحو ما سمعته في المحرم، فتأمل جيدا فان المقام لا يخلو من تشويش بالنسبة للمحل والمحرم وبالنسبة إلى ابتداء الملك واستدامته، وبالنسبة إلى السبب الاختياري والقهري


(1) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الصيد الحديث 11.

[ 316 ]

وقد تقدم سابقا بعض الكلام في بعض ذلك، ويأتي إنشاء الله بعض الكلام أيضا في تملك المحرم، ومنه يعلم الحال فيما لو أخذه آخذ في الحل لو أرسله المحرم أو المحل في الحرم، فانه يملكه الآخذ بناء على زوال ملك المرسل له عنه، ضرورة صيرورته كغيره من المباحات، نعم لو قلنا ببقاء ملك الأول لم يملكه الآخذ، والله العالم. (الفصل الرابع في التوابع) (كلما يلزم المحرم في الحل من كفارة الصيد) فدائه أو بدله أو قيمته (أو المحل في الحرم) من القيمة على الأصح (يجتمعان على المحرم في الحرم) فيجب الفداء والقيمة أو القيمتان على المشهور، بل عن شرح الجمل للقاضي الاجماع عليه، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب وللمعتبرة المستفيضة (1) المتقدمة في الحمام والطير والفرخ والبيض، بل هو المراد من المضاعفة في قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية بن عمار (2): (وإن أصبت الصيد وأنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، وإن أصبته وأنت حلال في الحرم فقيمة واحدة وإن أصبته وأنت حرام في الحل فانما عليك فداء واحد) ولو بقرينة السياق، وموثقه (3) الآتي والاجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة ونصوص الحمام


(1) الوسائل - الباب 44 من ابواب كفارات الصيد والباب 3 منها الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 44 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5. (3) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5.

[ 317 ]

والفرخ والبيض، بل وخبر أبي بصير (1) عنه عليه السلام أيضا في الغزال (فان هو قتله قال: عليه قيمته، قال: فان فعل وهو محرم في الحل فعليه دم يهريقه، وعليه هذه القيمة إن كان محرما في الحرم) بناء على كون المراد منه أن عليه هذه القيمة أيضا، واحتمال الجمع باعتبار المضاعفة في الفداء في غير الحمام ونحوه مما تقدم في النصوص السابقة فان المضاعفة فيها الفداء مع القيمة يدفعه عدم القائل إذ الأصحاب كما عرفت وتعرف بين قائل بما ذكرناه، وهو المشهور، وبين قائل بتضاعف الفداء مطلقا كما عن الاسكافي والمقنع وأحد قولي المرتضى، ومخير أو مردد كما عن المفيد والديلمي وابن زهرة، والتخصيص المزبور خارج عن الأقوال كلها، فتعين ما ذكرناه. وعلى كل حال فما عن ابن أبي عقيل من أنه ليس على المحرم في قتل الحمامة في الحرم إلا شاة واضح الفساد، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه فضلا عن محكيه الذي سمعته عن شرح الجمل وتسمعه عن الانتصار والغنية، بل قد سمعت النصوص في خصوص الحمام وفرخه وبيضه فضلا عن النصوص العامة، وقد تقدم الكلام في ذلك وغيره سابقا، كما أنه قد تقدم أيضا ما يظهر لك منه وهن ما في محكي النهاية والمبسوط والسرائر من أنه إذا قتل إثنان في الحرم صيدا أحدهما محرم والآخر محل فعلى المحل القيمة، وعلى المحرم الفداء والقيمة وإذا ذبح المحل صيدا في الحرم كان عليه دم لا غير، بل لم يعرف لما ذكره من الفرق بين المحل مشتركا ومنفردا ما يدل عليه، وربما يتكلف له الاستدلال بخبر الطاطري (2) سأل الصادق عليه السلام (عن محرمين أكلوا صيدا قال: عليهم شاة شاة وليس على الذي ذبحه إلا شاة) لكنه كما ترى خال عن الفرق


(1) الوسائل - الباب 28 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 18 من ابواب كفارات الصيد الحديث 8.

[ 318 ]

المزبور، وكذا ما عن الحلبي أيضا قال: فأما الصيد فيلزم من قتله أو ذبحه أو شارك في ذلك أو دل عليه فقتل إن كان محلا في الحرم أو محرما في الحل فداء بمثله من النعم، وإن كان محرما في الحرم فالفداء والقيمة، وروى الفداء مضاعفا) إذ فيه أولا وجوب الفداء على المحل، وقد عرفت وجوب القيمة عليه وثانيا إيجاب القيمة مع ذلك على المحرم في الحرم، وكان المتجه ما ذكره من رواية المضاعفة إعمالا لكل من السببين عمله، وكأنه أشار بالرواية إلى ما سمعته سابقا من حسن ابن عمار، وأصرح منه قول الجواد عليه السلام في مسألة يحيى بن أكثم القاضي (1) (ان المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير وكان الطير من كبارها فعليه شاة، وإن أصابة في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل فطيم من اللبن، وإذا قتله في الحرم الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبيا فعليه شاة، وإن كان قتل من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة) فان قوله عليه السلام هديا بالغ الكعبة نصب على معنى مضاعفة الجزاء، قيل: ويجوز أن لا يكون حينئذ فرق بين الفداء والقيمة إلا في الفرخ، فلذا فرق بينهما فيه دون غيره، وفيه أنه - بعد الاغماض عن السند وعدم المكافأة لما مر - فرع وجود قائل به، ولم نجده. وكذا يظهر لك أيضا ما في كلام ابن زهرة، قال: (فمن قتل صيدا له مثل أو ذبحه وكان حرا كامل العقل محلا في الحرم أو محرما في الحل فعليه فداؤه بمثله من النعم بدليل الاجماع من الطائفة وطريقة الاحتياط، وأيضا قوله تعالى (2) فجزاء) إلى آخره فأوجب مثلا من النعم، وذلك يبطل قول


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (2) سورة المائدة الآية 96.

[ 319 ]

من قال الواجب قيمة الصيد، وإن كان محرما في الحرم فعليه الفداء والقيمة أو الفداء مضاعفا بدليل الاجماع المشار إليه، وطريقة الاحتياط، واليقين لبراءة الذمة، وأيضا فالجزاء إذا لزم المحل في الحرم والمحرم في الحل وجب اجتماع الجزاءين باجتماع الأمرين: الاحرام والحرم) بل فيه نظر من وجوه، وأما ما عن المفيد والمرتضى في الجمل من أن المحل إذا قتل صيدا في الحرم فعليه جزاؤه فيمكن إرادة القيمة من الجزاء فيه المتعارف إطلاقه على ما يشملها والفداء، بخلاف الفداء كما عن المحقق القطع به، فلا يكون مخالفا للمختار كقول المفيد: (والمحرم إذا صاد في الحل كان عليه الفداء، وإذا صاد في الحرم كان عليه الفداء والقيمة مضاعفة) بناء على إرادته من المضاعفة اجتماع الفداء والقيمة، ونحوه المحكي عن سلار، وحينئذ يكون موافقا للمختار، وأظهر منهما في ذلك ما عن المرتضى في الجمل (كان عليه الفداء والقيمة أو القيمة مضاعفة) وهو نص فيما قلناه، ثم عن المفيد في الزيادات وقال (1) يعني الصادق عليه السلام: (المحرم لا يأكل الصيد وإن صاده الحلال، وعلى المحرم في صيده في الحل الفداء، وعليه في الحرم القيمة مضاعفة) ويحتمل قوله (وعلى المحرم) إلى آخره أن يكون من كلامه ومن الخبر. وعلى كل حال فيجوز أن يراد بالقيمة ما يعم الفداء كما في موثق ابن عمار (2) عن الصادق عليه السلام (ليس عليك فداء شئ أتيته وأنت محرم جاهلا به إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد، فان عليك الفداء بجهل كان أو عمد، ولأن الله قد أوجبه عليك فان أصبته وأنت حلال في الحرم فعليك قيمة واحدة، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فعليك القيمة، وإن أصبته وأنت


(1) المقنعة ص 71. (2) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5.

[ 320 ]

حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا) نعم عن سليمان بن خالد (1) أنه سأله عليه السلام (ما في القمري والدبسي والسمان والعصفور والبلبل قال: قيمته، فان أصابه المحرم في الحرم فعليه قيمتان ليس عليه دم) ويمكن أن يكون لعدم المثل لها من النعم كما عن التذكرة والمنتهى، فلا يكون مخالفا، نعم ظاهر المقنع المضاعفة في الفداء، قال: (إن على المحرم في الحرم الفداء مضاعفا) وأظهر منه ما عن الانتصار (أن عليه فداءين للاجماع، ولان على المحرم في الحل فدية، وعلى المحل في الحرم فدية) ويمكن إرادتهما القيمة وإن بعد، وإلا كانا محجوجين بما عرفته سابقا من وجوب القيمة على المحل، وكذا ما عن خلاف الشيخ (أن قاتل صيد الحرم إن كان محرما تضاعف الجزاء، وإن كان محلا لزمه جزاء واحد) بل هو أظهر في الموافقة لما سمعته من إطلاق الجزاء على ما يشمل القيمة، نعم من الغريب ما عن الوسيلة (إن المحرم إذا قتل في الحل على بريد لزمه القيمة، وإن قتل في الحرم فالجزاء والقيمة، والمحل إذا قتل في الحرم أو على بريد لزمه الفداء) إذ هو عكس ما سمعته في النصوص، ولعل ذلك من النساخ أو من القلم، وعن الانتصار والناصرية (ان المحرم إذا تعمد الصيد كان عليه جزاءان) وزاد في الناصرية (قاصدا به نقض الاحرام للاجماع والاحتياط، ولان عليه مع النسيان جزاء والعمد أغلظ فتجب له المضاعفة) وعن ابن إدريس (فان كان ذلك منه في الحرم وهو محرم عامدا إليه تضاعف ما كان يجب عليه في الحل) وفيه أنه لا فرق في دليل المضاعفة في الحرم بين العمد وغيره، كما أنه لا نجد لها دليلا في الحل من حيث العمدية، بل لم يحضرني الآن موافق له فضلا عن كونه مجمعا عليه، فالتحقيق ما عرفته سابقا ولاحقا من


(1) الوسائل - الباب 44 من ابواب كفارات الصيد الحديث 7. الجواهر - 40

[ 321 ]

وجوب القيمة على المحل في الحرم، ووجوب الفداء على المحرم في الحل إن كان له فداء، ووجوبه مع القيمة عليه في الحرم، وإلا فقيمتان. نعم قد ذكر الشيخ وابنا حمزة والبراج وابن سعيد والفاضلان وغيرهم بل في المسالك أنه المشهور أن ذلك كذلك (حتى تنتهي) المضاعفة (إلى البدنة، فلا تتضاعف) بمعنى أن ما تجب فيه البدنة لا تجب معها القيمة أو البدنتان، للأصل وقول الصادق عليه السلام فيما تقدم من مرسل ابن فضال (1) (انما يكون الجزاء مضاعفا فيما دون البدنة حتى يبلغ البدنة، فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف، لأنه أعظم ما يكون) ونحوه مرسله (2) الآخر، فيخص أو يقيد بذلك ما دل عليها، إلا أنه قد يناقش بانقطاع الأصل بما عرفت، وقصور المرسل سندا عن التقييد والتخصيص، ومعارضة خصوص ما سمعته من قول الجواد عليه السلام المروي (3) بعدة طرق المشتمل على قرائن عديدة تدل على صحته، ولعله لذا مال غير واحد من متأخري المتأخرين إلى ما عن ابن إدريس من التضعيف مطلقا، بل هو المحكي عن الأكثر، بل عن ابن إدريس نسبته إلى ما عدا الشيخ من الأصحاب مؤذنا بالاتفاق عليه، وهو مع كونه أحوط لا يخلو من قوة، وإن أمكن القول بانجبار المرسلين بما سمعته من الشهرة في المسالك، مضافا إلى تبين ما في الكتب الاربع، فيصلحان للتخصيص والتقييد، بل والمعارضة التي يمكن الجمع فيها بالحمل على ضرب من الندب، فتأمل، نعم ما في المسالك من أن المراد ببلوغ البدنة بلوغ نفس البدنة أو قيمتها غير واضح، إذ المستفاد من النص والفتوى تعلق الحكم بنفس البدنة، وكذا لا يلحق بها أرشها قطعا، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب 46 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 و 2 والمستدرك الباب 3 منها الحديث 1.

[ 322 ]

(وكلما تكرر) من الجناية على (الصيد من المحرم نسيانا) للاحرام (وجب عليه ضمانه) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، وهو الحجة بعد العموم كتابا (1) وسنة (2) وخصوص ما تسمعه من النصوص (3) وكذا لو كان خطأ بأن أراد قتل غير الصيد فقتله أو ضرب من غير قصد للضرب الذي هو من معقد إجماع المدارك، بل وإن كان عن جهل بالحكم الشرعي في أقوى الوجهين (ولو تعمد وجبت الكفارة أولا) إجماعا بقسميه وكتابا (4) وسنة (5) بل هو كالضروري (ثم لا يتكرر وهو ممن ينتقم الله منه) لو فعل عمدا أيضا كما في الفقيه والمقنع والنهاية والتهذيب والاستبصار والمهذب والجامع وغيرها على ما حكي عن بعضها بل عن كنز العرفان نسبته إلى أكثر الأصحاب، بل في محكي التبيان (أنه ظاهر مذهب الأصحاب) والمجمع (أنه الظاهر في روايتنا) (وقيل) والقائل ابنا الجنيد وإدريس والشيخ في المبسوط والخلاف والسيد والحلبي في ظاهرهما على ما حكي عنهم (تتكرر، والأول أشهر) فتوى ورواية، بل عن الخلاف نسبته إلى كثير من الاخبار، للأصل السالم عن معارضة ظاهر النصوص بعد ظهور قوله تعالى (6) (ومن عاد فينتقم الله منه) في أن الجزاء مع العود انتقام الله تعالى في مقابل جزاء الابتداء من الفدية، ومرجعه إلى أن الجزاء للتكفير لا للعقوبة، ولا تكفير بالفدية مع العود، مضافا إلى ما في النصوص من التصريح بكون المراد من الآية ذلك، قال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (7) (المحرم


(1) و (4) و (6) سورة المائدة - الآية 96. (2) و (5) الوسائل - الباب 1 من ابواب كفارات الصيد. (3) الوسائل - الباب 47 و 48 - من ابواب كفارات الصيد. (7) الوسائل - الباب 48 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1.

[ 323 ]

إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، ويتصدق بالصيد على مسكين، فان عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاء، وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة) وفي حسنه (1) (إذا أصاب آخر فليس عليه كفارة، قال الله عزوجل: ومن عاد فينتقم الله منه) وفي خبر حفص الأعور (2) (إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له هل أصبت قبل هذا وأنت محرم فان قال: نعم فقولوا له إن الله منتقم منك فاحذر النقمة، وإن قال لا فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد) وفي مرسل ابن أبي عمير (3) عن بعض أصحابه الذي هو كالصحيح للاجماع على قبول مراسيله (إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه ابدا في كل ما أصاب الكفارة، فان عاد فأصاب ثانيا متعمدا فليس عليه فيه الكفارة، وهو ممن قال الله عزوجل ومن عاد فينتقم الله منه) ورواه في الكافي عن ابن أبي عمير (4) عن بعض أصحابه غير مسند له إلى الصادق عليه السلام، وفي دعائم الاسلام (5) عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال في قول الله عزوجل: (ومن عاد فينتقم الله منه) قال: (من قتل صيدا وهو محرم حكم عليه أن يجزي بمثله، فان عاد فقتل آخر لم يحكم عليه، وينتقم الله منه) وفي حديث الجواد عليه السلام (6) مع المأمون المنقول في جملة من الأصول (كلما أتى به المحرم بجهالة فلا شئ عليه إلا الصيد، فان عليه الفداء


(1) الوسائل - الباب 48 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4 وليس فيه (ولم يكن عليه كفارة). (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 48 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 - 2 - 5 مع اختلاف في الثالث والرابع. (5) المستدرك - الباب 32 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 عن أبي جعفر عليه السلام. (6) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2.

[ 324 ]

بجهالة كان أو بعلم أو بخطأ إلى أن قال وإن كان ممن عاد فهو ممن ينتقم الله منه وليس عليه كفارة، والنقمة في الآخرة). والمناقشة في الأول بأنه متروك الظاهر - لكون مقتول الحرم (المحرم ظ) من الصيد ميتة، فلا يتصدق به على المسكين، فيحمل على بطلان امتناعه، فلا يدل على القتل المكرر، وفيه ايضا وفمرسل ابن أبي عمير بالحمل على أنه ليس عليه الجزاء وحده بل يعاقب - كما ترى لا ينبغي أن تسطر ولا تستأهل دفعا، كالمناقشة بأن مقتضى إطلاق بعض النصوص المزبورة عدم الفرق بين العمد وغيره، ضرورة اندفاعها بتحكيم المقيد عليها، مضافا إلى ظهور قوله (فينتقم الله منه) في حال العمد، كاطلاق بعض النصوص المزبورة وجوب التكرار مطلقا المحمول على ذلك أيضا. ومنه يعلم ما في الاستدلال للأول بالآية، وبعموم نحو قول الصادق عليه السلام في حسن ابن عمار (1) (عليه الكفارة في كل ما أصاب) وفي صحيحه (2) (عليه كلما عاد كفارة) إذ أقصاه تحكيم الخاص على العام، بل إن كانت (ما) موصولة في الأول خرج عما نحن فيه ضرورة كونه في أفراد الصيد الذي لا كلام فيه، بل الاجماع منعقد عليه، وانما الكلام في تكرر الاصابة الذي لم يرد بالعموم، وعلى كل حال فلا تنافي بين النصوص. وأولى من ذلك بذلك ما في صحيح البزنطى (3) سأل الرضا عليه السلام (عن المحرم يصيب الصيد بجهالة أو خطأ أو عمدا هم فيه سواء قال: لا، قال جعلت فداك ما تقول في رجل أصاب الصيد بجهالة وهو محرم قال: عليه الكفارة قال: فان


(1) و (2) الوسائل - الباب 47 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 3 (3) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 والتهذيب ج 5 ص 360 الرقم 1253.

[ 325 ]

أصاب خطأ قال: عليه الكفارة، قال: فان أخذ ظبيا متعمدا فذبحه قال: عليه الكفارة، قال جعلت فداك: ألست قلت إن الخطأ والجهالة والعمد ليس سواء فبأي شئ يفضل المتعمد الجاهل الخاطئ ؟ قال: بأنه أثم ولعب بدينه) بتقريب أن العامد لو فضل بغير ذلك لبينه لأنه وقت الحاجة، فانه يكفي في البيان ما سمعته من النصوص، على أنه في بيان فضله في المرة الواحدة، بل لعل إطلاق جميع النصوص منساق إلى بيان ذلك لا إلى إرادة التكرير. وأغرب من ذلك الاستدلال بأنه يلزم أن يكون من قتل جرادة ثم نعامة عليه كفارة الجرادة دون النعامة وهو لا يناسب الحكمة، وبأنه يلزم أن يكون ذنب من يقتل جرادة أو زنبورا عقيب نعامة أعظم من قتله النعامة، وليس كذلك إذ هو كما ترى لا يوافق أصول الامامية، ضرورة كونه كالاجتهاد في مقابلة النص، ونحو ذلك ما وقع من مثل الفاضل من التأويل في النصوص المزبورة مما هو كالمقطوع بفساده معللا ذلك بأنه وإن بعد لكن الجمع بين الأدلة أولى، إذ هو كما ترى ليس بأولى من الجمع بينها بما هو مستفاد منها من التفصيل الذي يحمل عليه الاطلاق في كل من الطرفين، سيما بعد موافقة هذه النصوص لظاهر الكتاب، ومخالفتها لما عليه العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، فان المحكي عنهم عدا النادر منهم تكرار الكفارة بتكرار الفعل مطلقا، فلا محيص حينئذ بعد الاحاطة بما ذكرنا عن القول بالتفصيل. نعم الظاهر اختصاص ذلك بالمحرم دون المحل في الحرم كما صرح به ثاني الشهيدين وغيره، واحتمال إرادة من في الحرم من المحرم بل ومن قوله تعالى: (ما دمتم حرما) في غاية البعد إن لم يكن الفساد في الاحرام الواحد دون الاحرامين وإن تقارب زمان التكرار بينهما بأن كان في آخر الأول وأول الثاني فضلا عن مثل الاحرامين في عامين الذي لا خلاف في تعدد الكفارة فيه

[ 326 ]

ولا فرق أيضا بين ارتباط أحدهما بالآخر كحج التمتع وعمرته، وعدمه كحج الافراد وعمرته اقتصارا فيما خالف ما يقتضي التكرير ولو قاعدة وجود المسبب بوجود السبب على المتيقن، وهو ما عرفت، فما في غاية المراد من خلاف ذلك - حيث أنه بعد أن اعترف بأن ظاهر كلامهم التكرار في إحرام واحد وإن تباعد الزمان قال: (أما لو تكرر في احرامين ارتبط احدهما بالآخر أولا فيحتمل انسحاب الخلاف لصدق التكرار، وعدمه لتغايرهما بتحقق الاحلال، ويقوى صدق التكرار لو تقارب الزمان بأن يصيد في آخر المتلو وأول التالي مع قصر الزمان) كالمحكى عن غيره من صدق التكرار إذا ارتبط أحدهما بالآخر وعدمه مع عدمه - واضح الضعف، إذ الجميع كما ترى، ودعوى أن المرتبطين بمنزلة إحرام واحد على أنه لا دليل على اعتبار الوحدة في الاحرام إلا الاتفاق الذي لم يعلم تحققه في الفرض - واضحة المنع بعد انسياق الواحد وقاعدة الاقتصار وغير ذلك، نحو المحكي عن أحمد من الفرق بين تخلل التكفير وعدمه، ضرورة ظهور الآية في عدم الفرق، وكذا ما عن بعض من عدم الفرق في عدم التكفير بالعود بين كونه عقيب عمد أو سهو، إذ الظاهر من الآية ومرسل ابن أبي عمير إن لم يكن صريحهما وصريح محكي النهاية والمهذب كون العمد عقيب العمد، أما هو عقيب الخطأ أو بالعكس فلا خلاف كما عن بعض بل ولا إشكال في وجوب التكرير فيه، نعم في كشف اللثام كان جهل الحكم هنا كالسهو ولعله كذلك، لانسياق العالم المتذكر من الاية والنصوص دون الجاهل لا أقل من الشك، فيبقى على مقتضى التكرير، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه أي المحرم بل والمحل في الحرم (يضمن الصيد بقتله عمدا) بأن يعلم أنه صيد فيقتله ذاكرا لاحرامه عالما بالحكم أو لا، مختارا أو مضطرا سوى ما تقدم من الجراد الذي يشق التحرز عنه

[ 327 ]

وما صال عليه من السباع (وسهوا) بأن يكون غافلا عن الاحرام أو الحرمة أو عن كونه صيدا، أو خطأ بأن قصد شيئا فأخطأه إلى الصيد فأصابه، بل أو قصد تخليصه من سبع ونحوه فأدي إلى قتله على الأصح، بل الاجماع بقسميه على ذلك كله عدا الأخير، بل في كشف اللثام على الجميع، خلافا للمحكي عن الحسن البصري ومجاهد، فلم يضمنا العامد، وهو خلاف نص القرآن والاجماع بل الضرورة من المذهب، وللأوزاعي فلم يضمن إن اضطر إليه، ولآخرين فلم يضمنوا الخاطئ، مضافا إلى النصوص كقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك الفداء فيه بجهل كان أو بعمد) وفي صحيح مسمع (2) (إذا رمى المحرم صيد فأصاب إثنين فان عليه كفارتين جزائهما) وصحيح البزنطي (3) سأل الرضا عليه السلام (عن المحرم يصيد الصيد بجهالة قال: عليه كفارة، قلت: فان أصابه خطأ قال: أي شئ الخطأ عندكم قلت: يرمي هذه النخلة فيصيب نخلة أخرى، قال: نعم هذا الخطأ وعليه الكفارة) وغيرها من النصوص. (فلو رمى صيدا فمرق السهم فقتل آخر كان عليه فداءان وكذا لو رمى غرضا فاصاب صيدا ضمنه) لما عرفت، ثم إن ظاهر النصوص والفتاوى عدم الفرق بين العامد وغيره في مقدار الكفارة، خلافا للمرتضى في محكي الانتصار والناصريات فالتضاعف في العمد إما مطلقا كما في الأخير أو مع قصد نقض الاحرام كما في الأول، مستدلا عليه بالاجماع والاحتياط، وبأن عليه مع النسيان جزاء، والعمد أغلظ، فيجب له المضاعفة، وفيه أن الأول موهون بعدم موافق له عليه كما اعترف به في الرياض، والثاني ليس بدليل شرعي على


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 6 - 2.

[ 328 ]

الوجوب كما هو محرر في محله، والثالث اجتهاد في مقابلة النص المصرح بأن الفارق بين العمد وغيره ليس إلا الاثم الموجب للعقاب، وبه يثبت الغلظ، فلا يحتاج إلى تعدد الكفارة، كما هو واضح، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، والله العالم. (ولو اشترى محل بيض نعام لمحرم فأكله كان على المحرم عن كل بيضة شاة، وعلى المحل عن كل بيضة درهم) بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك الاتفاق عليه، لصحيح أبي عبيدة (1) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل محل اشترى لمحرم بيض نعام فأكله المحرم فما على الذي أكله ؟ فقال على الذي اشتراه فداء لكل بيضه درهم، وعلى المحرم لكل بيضة شاة) وظاهره كالفتاوى ترتب ذلك على المحل وإن كان في الحل، ولا استبعاد فيه بعد النص والفتوى وإن لم يكن كفارة على المحل لو اشترك مع المحرم في قتل الصيد في الحل، لكن في المسالك (يمكن وجوب أكثر الأمرين عليه من القيمة والدرهم لو كان في الحرم، لأن حكم البيض المذكور يقتضي تغليظا، فلو اقتصر على الدرهم مع وجوب القيمة في غيره مع فرض زيادتها عليه لكان أنقص منه والواقع خلافه) إلا أنه كما ترى مجرد اعتبار، وكذا ما فيها أيضا (من أن الأكل إن كان في الحل فالحكم كما ذكر وإن كان في الحرم ففي تضاعف الفداء بحيث يجتمع عليه الشاة والدرهم نظر، من إطلاق القاعدة الدالة على الاجتماع، ومن إطلاق النص هنا على وجوب الشاة، ويمكن هنا قويا أن يجمع بين المطلقين بالتضاعف لعدم المنافاة إلا أن الأصحاب هنا لم يصرحوا بشئ) قلت: قد يقال بظهور الفتاوى في عدم وجوب غير الشاة، لذكرهم هذه


(1) الوسائل - الباب 24 من ابواب كفارات الصيد الحديث 5. الجواهر - 41

[ 329 ]

المسألة مستقلة عن مسألة المضاعفة بالاجتماع على وجه يظهر منهم انفرادها بالحكم المزبور للنص المذكور. ومن ذلك يظهر لك النظر أيضا فيما ذكره غير واحد من أن كسر بيض النعام قبل التحرك موجب للارسال، فلا يتم إطلاق وجوب الشاة هنا بل إن كسره ثم أكله وجب الجمع بين الارسال بسبب الكسر والشاة بسبب الأكل تقريرا للنصين، وانما يتم وجوب الشاة خاصة إذا اشتراه المحل مكسورا أو كسره هو إذ يمكن إخراج هذه المسألة بالنص والفتوى عن ذلك الاطلاق، وأولى منه ما لو اشتراه مطبوخا ثم كسره المحرم، فان الواجب الشاة خاصة، لزوال منفعة البيض بالنسبة إلى الفرخ الذي هو حكمة الارسال، ومثله ما لو ظهر البيض بعد الكسر فاسدا، وفي المسالك ويمكن الجمع لصدق الكسر، وضعفه واضح. ولو طبخه المحرم ثم كسره وأكله فالظاهر وجوب الشاة خاصة وإن قلنا بوجوب الارسال بالكسر، لعدم تناوله وإن شاركه في منع الاستعداد، لكن في المسالك (الأقوى وجوب الارسال مع الشاة، لمساواة الطبخ للكسر في منع الاستعداد للفرخ، ولصدق الكسر بعد ذلك، ولا يقصر الأمران عن الكسر ابتداء) وفيه ما لا يخفى، قيل: وأولى بالعدم لو طبخه ولم يكسره لو قيل به ثمة، وفيه أنه لا مدخل للكسر بعد فرض قيام الطبخ المذهب للاستعداد مقام الكسر، وحينئذ فلو كسره له محل بعد ذلك وأكله المحرم وجبت الشاة بالأكل وفي الارسال ما عرفت، ولا يجب على المحل الكاسر شئ، للأصل السالم عن معارضة النص، ولو كان الكاسر محرما ففي المسالك في وجوب الشاة أو القيمة أو الدرهم نظر، قلت: قد يقال بعدم وجوب شئ عليه للأصل السالم عن معارضة النص بعد فرض ذهاب استعداد البيض للفرخ بالطبخ المفروض من غيره، ولو فرض شمول تلك النصوص لاتجه الارسال لا أحد الثلاثة.

[ 330 ]

ولو كان المشتري للمحرم محرما ففي المسالك احتمل قويا وجوب الدرهم خاصة، لأولويته من المحل بذلك، مع أصالة البراءة من الزيادة ووجوب الشاة لمشاركته للمحرم، كما لو باشر أحدهما للقتل ودل الآخر) واستجوده في المدارك، وفي المسالك أيضا (ويقوى الاشكال لو اشتراه صحيحا فكسره الآخر وأكله حيث يجب الارسال إذ ليس المشتري بكاسر ولا آكل ولكنه سبب فيهما) قلت: قد يقال بعدم ترتب شئ على المحرم غير الاثم للأصل بعد الخروج عن النص، وعن فحوى التسبيب الذي هو نحو الدلالة على الصيد، ومنع الأولوية بالنسبة إلى الدرهم، فتأمل. ولو اشترى المحرم لنفسه من محل وباشر الأكل ومقدماته ففي المسالك أيضا (في وجوب الدرهم والشاة والارسال معهما نظر، من وجوب الأخيرين عليه بدون الشراء، ووجوب الدرهم على المحل، فعلى المحرم أولى، ومن خروجه عن صورة النص، والأول أقوى لأن حكم الأخيرين منصوص، والأول يدخل بمفهوم الموافقة) وفيه منع الدخول بالمفهوم المزبور كما جزم به في المدارك، نعم يتجه عليه ما يقتضيه الكسر والأكل. ولو انتقل إلى المحل بغير الشراء وبذله للمحرم ففي المدارك في وجوب الدرهم على المحل وجهان، أظهرهما العدم، وقوى ابن فهد في المهذب الوجوب لأن السبب إعانة المحرم، ولا أثر لخصوصية سبب تملك العين، وفي المسالك (لو انتقل إلى المحل أو المحرم بغير الشراء ففي لحوق الاحكام نظر من المشاركة في الغاية، وعدم النص مع مخالفته في المحل للقواعد الدالة على عدم وجوب شئ في غير هذه الصورة من مسائل الصيد، ويمكن أن يجب على المحرم ما كان يجب بالشراء ولا يجب على المحل) قلت قد يقال: إن المتجه وجوب قيمة البيض على المحرم بسبب الأكل والارسال مع الكسر صحيحا

[ 331 ]

أخذا من القواعد السابقة خاصة، كما أن المتجه أيضا عدم ترتب شئ على المحل لو كان المشترى غير البيض وإن كان أعظم كالنعامة والظبي، نعم يتجه وجوب القيمة أو المنصوص على المحرم، ومما ذكرنا يظهر لك ما في كشف اللثام من الموافق والمخالف، قال: (وهل الأخذ بغير الشراء كالشراء احتمال قريب وإن كان المشتري أيضا محرما وكان مكسورا أو مطبوخا أو فاسدا لم يكن عليه إلا درهم، لاعانته المحرم على أكله، وإن كان صحيحا فدفعه إلى المحرم كذلك كان مسببا للكسر، فعليه ما عليه إن باشره، وإن كسره بنفسه فعليه فداء الكسر، وكان الطبخ مثله، ثم عليه لدفعه إلى الآكل الدرهم، وإن اشتراه المحرم لنفسه لم يكن عليه للشراء شئ، كما لا شئ على من اشترى غير البيض من صيد أو غيره وإن أساء، للأصل وبطلان القياس ومنع الأولوية) وإن تبعه في أكثره في الرياض، والله العالم. (ولا يدخل الصيد في ملك المحرم) في الحل وفي الحرم (باصطياد ولا ابتياع ولا هبة ولا ميراث) ولا غير ذلك من أسباب التملك كما في النافع والقواعد وغيرهما بل في المدارك نسبته إلى القطع به في كلام الأصحاب، بل عن المنتهى الاجماع عليه في الاصطياد، لظهور الكتاب والسنة والفتاوى في التنافي بين الاحرام وتملك الصيد، فان قوله تعالى (1): (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ظاهر في إرادة حرمة سائر الانتفاعات المنافية حقيقة للتملك، خصوصا إذا لوحظ كون تملكه من جملة الانتفاع، كظهور خبر أبي سعيد المكاري (2) عن الصادق عليه السلام (لا يحرم أحد ومعه شئ من الصيد حتى يخرجه


(1) سورة المائدة - الآية 97. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 34 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 وتمامه في التهذيب ج 5 ص 362 الرقم 1257.

[ 332 ]

عن ملكه، فان أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه، فان لم يفعل حتى يدخل ومات لزمه الفداء) في ذلك ايضا مضافا إلى ظهور وجوب إرساله وضمانه المقتضي لخروجه عن ملكه، وإلا فلا يعقل ضمانه مال نفسه فيه أيضا، بل والى ظهور الاجماع المحكي عن الخلاف والجواهر وظاهر المنتهى على زوال ملكه عنه بالاحرام فيه أيضا، ضرورة كون ذلك ليس إلا لمنافاة الاحرام تملك الصيد الذي هو أثر سبب من أسبابه الاختيارية من الاصطياد والابتياع ونحوهما أو القهرية كالارث ونحوه، فإذا أبطل الاحرام أثر السبب علم منه عدم تأثير السبب معه أثره، لكن ناقش في ذلك كله غير واحد من متأخري المتأخرين حتى مال سيد المدارك منهم إلى ما أرسله عن الشيخ من الدخول في الملك ثم وجوب الارسال، وإن كنا لم نتحقق ذلك عن الشيخ، بل في كشف اللثام عنه أنه لا يدخل بالاتهاب في ملكه وأطلق، ولا يجوز له شئ من الابتياع وغيره من أنواع التملك، وأن الأقوى أنه يملك بالميراث، ولكن إن كان معه وجب عليه إرساله وإلا بقي في ملكه، ولا يجب إرساله، والذي حكاه عنه في المختلف أنه قال: (إذا انتقل الصيد إليه بالميراث لا يملكه ويكون باقيا على ملك الميت إلى أن يحل، فإذا حل ملكه - قال -: ويقوى في نفسي أنه إن كان حاضرا معه فانه ينتقل إليه ويزول ملكه عنه، وإن كان في بلده يبقى في ملكه، ولي في الانتقال الذي قواه الشيخ إشكال، لنا قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) انتهى ما في المختلف. وفي كشف اللثام بعد أن حكى عن الشيخ ما سمعت قال: (وهو قوي لأن الملك هنا ليس بالاختيار ليدخل في عموم الآية بالتحريم فيرثه لعموم أدلة الارث، وانما الذي باختياره الاستدامة، فلذا وجب الارسال إن كان معه - قال - وهو مقرب التذكرة وفيها وفي المنتهى أن الشيخ قائل به في الجميع، والذي في

[ 333 ]

المبسوط يختص بالارث، وهو المنقول في المختلف والشرحين) قلت ظاهر القائلين بعدم الدخول في الملك عدم الفرق فيه بين أسبابه القهرية والاختيارية بل لعل وجوب الارسال لكونه غير مالك له كما لو صاده وهو محرم، وليس إلا لتنافي الاحرام وملكية الصيد ابتداء واستدامة، بل سمعت ما حكاه في المختلف عن الشيخ من أنه يملكه ثم يزول عنه. وعلى كل حال فليس له القبض من البايع أو الواهب أو نحوهما، بل ولا من التركة لحرمة إثبات اليد على الصيد، فان قبض وتلف في يده فعليه الجزاء لله تعالى والقيمة للمالك الذي هو البايع ونحوه، لكونه مقبوضا بالمعاملة الفاسدة وإن أذن المالك، ضرورة كون القبض عدوانا باعتبار عدم المشروعية وما في كشف اللثام من التوقف في ذلك في غير محله وإن حكى عن المبسوط أنه قال: لا قيمة عليه للواهب ثم قال: وهو الوجه لأنه إباحة له فلا يضمن إذا تلف، وفيه أنه يمكن أن يكون ذلك من الشيخ لقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده بناء على تسليمها، ولنا فيها نظر ذكرناه في محله إن لم يكن إجماع، ضرورة اقتضاء قاعدة اليد الضمان، والاذن الحاصلة من العقد الفاسد لا ترفع الضمان. ثم بناء على عدم التملك بالارث إذا كان معه قال في كشف اللثام أيضا (يبقى الموروث على ملك الميت إذا لم يكن وارث غيره، وإذا أحل دخل الموروث في ملكه إن لم يكن في الحرم، وإن كان معه مثله في الارث فان أحل قبل قسمة التركة شارك في الصيد أيضا، وإلا فلا، وإن لم يكن معه إلا وارث أبعد اختص بالصيد وهو بغيره) انتهى، ولا يخلو من نظر، ولو أحرم بعد بيع الصيد وأفلس المشتري أو ظهر عيب في الثمن أو باعه بخيار لم يكن له حالة الاحرام أخذ العين، لما عرفت من عدم دخولها في ملكه حالته، وفي كشف اللثام (وللمشتري

[ 334 ]

رده بعيب أو غيره من أسباب الخيار ولكن ليس له الأخذ) وفيه أن الرد بالعيب إذا لم يترتب عليه تملك البايع للعين يمكن منع مشروعيته، بل حقيقة الرد رجوع العين إلى ملك البايع، فلا يبعد تعين الأرش له أو الانتظار إلى أن يحل. ولو استودع صيدا محلا ثم أراد الاحرام سلمه إلى المالك ثم إلى الحاكم إن تعذر المالك، فان تعذر الحاكم فالى ثقة محل لما عرفت من حرمة استيلائه على الصيد حال الاحرام، فان تعذر الثقة ففي القواعد إشكال أقربه الارسال والضمان، ولعل وجه الاشكال من تعارض وجوب حفظ الأمانات أو ردها، ووجوب الارسال عند الاحرام، كما أن وجه الأقربية الجمع بين الحقين والتغليب للاحرام، ويحتمل الحفظ وضمان الفداء إن تلف تغليبا لحق الناس وقد يقال بعدم جواز الاحرام له حتى يرده إلى صاحبه، فتأمل. ولو كان عنده إلى أن أحرم ففي كشف اللثام (في كل من الحفظ والتسليم إلى المالك أو الحاكم أو ثقة إشكال أقربه الارسال وضمان القيمة لهذا الدليل، فان سلم إلى أحدهم ضمن الفداء إلا أن يرسله المستسلم كما نص عليه في التذكرة) وفيه أنه بناء على ترجيح ما دل على وجوب الحفظ والتسليم للمالك أو وليه على ما دل على وجوب الارسال يتجه عدم الفداء بالاهمال، ضرورة تخصيص تلك الأدلة بغير الفرض. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه أن المحرم حال إحرامه لا يدخل ملكه الصيد بسبب من أسبابه، لكن (هذا) كله (إذا كان) الصيد (عنده و) أما (لو كان في بلده) أو غيرها مما لا يصدق عليه كونه عنده أو معه (ففيه تردد) من وجود الاحرام المانع عن الملك بدليل الآية (1) وغيرها ومن البعد الموجب لعدم خروج الصيد فيه عن الملك، فيقبل دخوله فيه


(1) سورة المائدة - الآية 97.

[ 335 ]

(والأشبه) وفاقا للفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما (أنه يملك) بل لا أجد فيه خلافا صريحا، نعم ربما كان ذلك مقتضى إطلاق بعض الفتاوى، والتحقيق خلافه، لما عرفته في الاستدامة التي يظهر هنا من النص والفتوى تلازمها مع الابتداء، وبه يخرج عن عموم الآية، فيبقى حينئذ عموم التملك بأسبابه حينئذ بحاله. ثم إن ظاهر المصنف وغيره عدم الفرق في ذلك بين كون المحرم في الحرم أو في الحل، وعن التذكرة والمنتهى والتحرير التفصيل بذلك في أصل التملك معللا بأن له استدامة الملك فيه فكذا ابتداءه، وقد يناقش بأنه مناف لقطعه فيها بزوال ملكه عنه بالاحرام واحتجاجه له بأن استدامة الامساك كابتدائه وهو يعم المحرم في الحرم وفي الحل، وبما سمعته سابقا من تملك المحل في الحرم النائي عنه، نعم لو كان الصيد في الحرم زال ملك المالك عنه، فلا يدخل في ملك أحد، فالوجه حينئذ تملك المحرم في الحل والحرم النائي عنه، بخلاف ما كان معه، وقد تقدم بعض الكلام في المسألة في المحرم، والله العالم. (ولو اضطر المحرم إلى أكل الصيد) لمخمصة جاز (أكله) إجماعا بقسميه ونصوصا (1) (و) لكن (فداه) إجماعا بقسميه ونصوصا (2) أيضا (ولو كان عنده) مع الصيد (ميتة أكل الصيد إن أمكنه الفداء، وإلا أكل الميتة) كما في القواعد، بل ومحكي النهاية والمبسوط والمهذب، إلا أن فيها وإلا جاز له أكل الميتة لصحيح ابن بكير وزرارة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل اضطر إلى ميتة أو صيد وهو محرم قال: يأكل الصيد ويفدي) وصحيح الحلبي (4) عنه عليه السلام أيضا (سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة والصيد أيهما


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 43 من ابواب كفارات الصيد الحديث 0 - 0 - 3 - 1.

[ 336 ]

يأكل قال: يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله، قلت: بلى قال: انما عليه الفداء فليأكل وليفده) وخبر منصور بن حازم (1) عنه عليه السلام أيضا على ما عن المنتهى بخط العلامة والمضمر في التهذيب (سألته عن محرم اضطر إلى أكل الصيد والميتة قال: أيهما أحب اليك أن تأكل من الصيد أو الميتة قلت: الميتة، لأن الصيد محرم على المحرم، فقال: أيهما أحب اليك أن تأكل من مالك أو الميتة قلت: آكل من مالي، قال: فكل الصيد وافده) وخبر يونس ابن يعقوب (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المضطر إلى الميتة وهو يجد الصيد قال: يأكل الصيد قلت: إن الله عزوجل قد أحل له الميتة إذا اضطر إليها ولم يحل له الصيد، قال: أتأكل من مالك أحب اليك أو الميتة ؟ قلت: من مالي، قال: هو مالك وعليك فداؤه، قلت: فان لم يكن عندي مال قال: تقضيه إذا رجعت إلى مالك) وفي كشف اللثام وكذا قال عليه السلام لمنصور بن حازم (3) فيما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى عن منصور مؤيدا ذلك بالانجبار بالفداء واختصاص الميتة بالحرمة الأصلية، وبالخبث وفساد المزاج وإفسادها المزاج والمخالفة لما عليه أكثر العامة ورؤساؤهم ومنهم اصحاب الرأي وهم أصحاب أبي حنيفة، بل في الانتصار الاجماع على اختيار الصيد مع فدائه ولا يأكل الميتة، وإن كان لم يتعرض لحكم من لا يقدر على الفداء كاطلاق المفيد


(1) الوسائل - الباب 43 من ابواب كفارات الصيد الحديث 9 عن الشيخ بالاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام والظاهر أنه أخذه عن الاستبصار ج 2 ص 209 الرقم 713 حيث أن الشيخ قدس سره رواه في التهذيب ج 5 ص 368 الرقم 1282 مضمرا. (2) و (3) الوسائل - الباب 43 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 - 10 الجواهر - 42

[ 337 ]

والمحكي عن سلار ومقنع الصدوق يأكل الصيد ويفدي، وكذا النصوص. وظاهر المصنف في النافع أنه قول مقابل للسابق، قال فيه: (ولو كان عنده مع الصيد ميتة ففيه روايتان، أشهرهما أنه يأكل الصيد ويفديه) وقيل إن لم يكن الفداء أكل الميتة، ومفهومه أنه يأكل الصيد مع الفداء إن أمكنه ووجه الفرق بين القولين حينئذ أنه يأكل الميتة مع عدم التمكن من الفداء على القول الثاني ولا على الأول، بل يرجع فيه إلى القواعد المقررة كما عن المهذب في شرح النافع قال: (وهي أن الصيد إن كان نعامة انتقل إلى أبدالها حتى ينتهي إلى ما يلزم العاجز، وهو الصوم، وكذا إن كان ظبيا أو غيرهما، فهذا فرق ما بينهما، فاعرفه) وحاصله أن الأول الأكل ووجوب الفداء لا الأكل بشرط التمكن من الفداء الذي هو القول الثاني، وفي التنقيح - بعد أن حكى القول بالتفصيل بامكان الفداء فلا يضطر إلى الميتة وعدمه فيضطر - قال: (وفي هذا الترجيح نظر، فانه على تقدير تمامه أي فارق بينه وبين الوجه الأول، وهو الأكل والفداء، فان جواز الأكل إذا كان مشروطا بالمكنة من الفداء لا يكون هناك قول آخر فيه تفصيل، بل يكون القولان قولا واحدا، والذي يظهر من كلام المصنف وغير أنهما قولان أحدهما الأكل مطلقا ولزوم الفداء في الذمة سواء قدر عليه في الحال أولا، وثانيهما جواز الأكل مع إمكان الفداء، ويمكن أن يجاب بأن الفرق بينهما ما بين الرخصة والعزيمة، فان الأكل في الأول رخصة، وفي الثاني عزيمة). ولا يخفى عليك ما في السؤال والجواب، والتحقيق أن الفرق بينهما شرطية التمكن في جواز الأكل وعدمها بل الأكل سبب في وجوبه في الذمة، بل قد يقال إن ظاهر الفتاوى عدم اعتبار الابدال، وأن المتعين الفداء على معنى وجوبه في ذمة الآكل، ولا يخلو من إجمال، وفي الرياض بعد أن حكى ما

[ 338 ]

سمعت قال: (وظاهرهما بل وغيرهما أن المعتبر من التمكن وعدمه انما هو وقت الاضطرار إلى الأكل كما عن الاسكافي الذي هو أحد القائلين بالقول الثاني وفيه نظر، بل الأظهر أنه مع عدم التمكن وقت الاضطرار يأكل الصيد ويقضي الفداء إذا رجع إلى ماله، كما في الموثق (1) ونحوه الصحيح (2) المروي عن المحاسن) قلت: لا ظهور في كلامهم في ذلك، نعم هو ظاهر الاسكافي، لقوله: (فان كان في الوقت ممن لا يطيق الجزاء أكل الميتة) وأما غيره فقد أطلق الامكان الشامل للحال ولحال الرجوع إلى ماله. وعلى كل حال ففي مقابل النصوص المزبورة خبر عبد الغفار الجازي (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها ووجد صيدا قال: يأكل الميتة ويترك الصيد) وخبر إسحاق (4) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (ان عليا عليه السلام كان يقول: إذا اضطر المحرم إلى الصيد والميتة فليأكل الميتة التي أحل الله له) إلا أنهما قاصران عن المعارضة من وجوه، بل لم أجد عاملا باطلاقهما من أصحابنا، فأحسن شئ حملهما على التقية، بل قد يحتمل في ثانيهما أن لا يكون واجدا للصيد وإن اضطر إليه كما عن الشيخ، بل احتمل فيهما الاضطرار إلى ذبح صيد لعدم وجدان مذبوح منه، فان المحرم إذا ذبحه كان ميتة، ونفى البأس عنه في المختلف بل عن أطعمة الخلاف والمبسوط والسرائر اختيار ذلك، ففرقوا بين أن يجد صيدا مذبوحا ذبحه محل في حل فيأكله ويفديه، وبين أن يفتقر إلى ذبحه وهو محرم، أو يجده مذبوحا ذبحه محرم أو ذبح في الحرم فيأكل الميتة. وعن ابن إدريس انه قواه لأنه مضطر إليه، ولا عليه في أكلها كفارة،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 43 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 - 10 - 12 - 11.

[ 339 ]

ولحم الصيد ممنوع منه لأجل الاحرام على كل حال، لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة، وزاد بعضهم أن تحريم الصيد في الفرض من وجوه: تناوله وإمساكه وقتله وأكله بخلاف الميتة التي ثبت التحريم فيها من وجه واحد، وربما نوقش بأنه يمكن حرمتها من وجوه في بعض الأفراد، كما لو غصب شاة وضربها حتى ماتت، ولا قائل بالفصل، وبامكان وجه واحد في الصيد إذا كان قد ذبحه غيره وهو محل في حل، بل قد يرجح الصيد عليها بأن حرمة أكله عارضية بسبب الاحرام والحرم بخلاف الميتة فانها أصلية، وبأن الصيد له بدل وهو الفداء الموجب للعفو عن إثمه في غير المقام فضلا عنه، بخلاف الميتة وبأن الميتة مشروط أكلها بالضرورة، ولا ضرورة مع وجود الصيد والالتزام بالفداء كما أشارت إليه الرواية، وبالشهرة فتوى ورواية وبغير ذلك. وعن الصدوق في الفقيه التخيير بين أكل الصيد والفداء وأكل الميتة، قال: إلا أن أبا الحسن عليه السلام (1) قال: (يذبح الصيد ويأكله أحب الي من الميتة) وعن ابن سعيد موافقته مصرحا بأنه يذبح الصيد ويأكله، ولكن قال في محكي المقنع يأكل الصيد ويفدي، وقد روي (2) في حديث آخر انه (يأكل الميتة لانها قد حلت له ولم يحل له الصيد) وظاهره اختيار القول الأول وهو كذلك، ضرورة أن الجمع بالتخيير فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه، بل ونحوه الجمع بالامكان وعدمه مع عدم الشاهد له. وقد تلخص من ذلك أن الأقوال في المسألة أربعة أو خمسة: الأول الأكل والفداء، والثاني الأكل إن تمكن من الفداء حال الأكل في قول، أو ولو مع الرجوع إلى ماله كما في آخر، والثالث التخيير، والرابع التفصيل


(1) و (2) الوسائل - الباب 43 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4 - 8.

[ 340 ]

الذي سمعته عن أطعمة الخلاف وغيره، والخامس ترجيح الميتة مطلقا، وقد حكاه ابن إدريس، إلا أنا لم نتحققه، وأقواها الأول لما عرفته من النصوص المؤيدة بما سمعت المحمول ما خالفها على التقية أو غيرها، من غير فرق بين الصيد المذبوح في الحل وغيره حتى لو تمكن المحرم من الاصطياد، بل وإن كان في الحرم فيصيده ويذبحه ويأكله مقدما له على الميتة وإن كانت مباحة الأكل بالذكاة فضلا عن غيرها، ولكن عليه الفداء ولو بعد الرجوع إلى ماله، ولا يناقش بأن ذبح المحرم له وخصوصا في الحرم لا يفيده تذكية بل هو ميتة أيضا، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص، مع إمكان منع كونه ميتة هنا وإن قلنا به في غير المقام الذي هو حال الضرورة، بل قد سمعت احتمال كونه غير ميتة مطلقا، والله العالم. (وإذا كان الصيد مملوكا ففداؤه لصاحبه) كما في النافع والقواعد وغيرهما، بل في المسالك هكذا أطلق الأكثر، ثم قال: (والمفهوم من الفداء ما يلزم المحرم بسبب الجناية على الصيد من مال أو صوم أو إرسال، وهو شامل أيضا لما إذا زاد عن قيمة الصيد المملوك أو نقص، ولما إذا كانت الجناية غير موجبة لضمان الأموال كالدلالة على الصيد مع المباشر، ولما كان للمالك فيه نفع وغيره كالارسال إذا لم ينتج شيئا والصوم، ولما إذا كانت الجناية من المحرم في الحل أو في الحرم أو من المحل في الحرم فيشمل ما يجتمع فيه القيمة والجزاء ومقتضاه أنه لا يجب لله تعالى سوى ما يجب للمالك، مع أن القواعد المستقرة تقتضي ضمان الأموال بالمثل أو القيمة كيف كان، وكما قد يقتضي الحال في هذه المسألة ضمان ما هو أزيد من ذلك كما إذا زاد الجزاء عن القيمة أو اجتمع عليه الأمران قد يقتضي ضمان ما هو أقل، بل ما لا ينتفع به المالك فلا يكون الاحرام موجبا للتغليظ عليه زيادة عن الاحلال، فيتحصل في المسألة مخالفة

[ 341 ]

في أمور، منها لزوم البدنة عوضا عن النعامة مع أنها قيمته، والواجب على غاصبها المتلف ضمان قيمتها، وهي قد تكون أزيد من البدنة، وقد تكون أقل، ومنها فض ثمنها على البر وإعطاؤه للمالك على الوجه الذي سمعته في فضه على المساكين، ومنها أن الصيام مع العجز عنه يقتضي ضياع حق المالك المالي مع أن الصوم من جملة الفداء الشرعي وإيجابه لله تعالى، وبقاء ضمان الصيد للمالك خروج عن القاعدة المذكورة، ومنها لو كان المتلف بيضا موجبا للارسال فأرسل الجاني ولم ينتج شيئا يلزم ضياع حق المالك، وإن أوجبنا القيمة هنا ونفينا الارسال لزم الخروج عن النص المعلوم، ولو عجز عن الارسال فالكلام في الصوم بدله كما مر، ومنها لو كان المحرم مثلا دالا ضمن أيضا مع المباشر، ومنها اجتماع الفداء من المباشر المتعدد والسبب كذلك وإعطاؤه للمالك، وربما يزيد على ماله أضعافا مضاعفة، ومنها الضمان لو كان المملوك حماما في الحرم كالقماري فنفره ثم عاد إلى المالك، إلى غير ذلك من المخالفات للأصل المتفق عليه من غير موجب يقتضي المصير إليه. وقد ذهب جماعة من المحققين منهم العلامة في التذكرة والتحرير والشهيد في الدروس والمحقق الشيخ علي إلى أن فداء المملوك لله تعالى وعليه القيمة لمالكه، وهذا هو الأقوى لأنه قد اجتمع في الصيد المملوك حقان لله تعالى باعتبار الاحرام والحرم، وللآدمي باعتبار الملك، والأصل عدم التداخل، فحينئذ ينزل الجاني منزلة الغاصب والقابض بالسوم، ففي كل موضع يلزمه الضمان يلزمه هنا كيفية وكمية، فيضمن القيمي بقيمته والمثلي بمثله، ومثله الأرش في موضع نوجبه للمالك، ويجب عليه ما نص الشارع عليه هنا لله تعالى. ولو كان دالا ونحوه ضمن الفداء لله تعالى خاصة، وتبعه على ذلك كله غير واحد ممن تأخر عنه، ولا ريب في قوة مختاره إن لم نقل بتعارض الأدلة

[ 342 ]

من وجه باعتبار إطلاق ما دل على ضمان المال لصاحبه بمثله أو قيمته، وإطلاق ما دل على ضمان النعامة مثلا بالبدنة سواء كانت مباحة أو مملوكة، ولكن في الأول تكون لله تعالى باعتبار عدم مالك غيره، بخلاف الثاني الذي كان المالك فيه غيره، فيكفي حينئذ دفع البدل له، للأصل وحصول امتثال ما في الكتاب والسنة، نعم ما ذكره من أبدال الفداء من الصوم ونحوه مما يمكن القطع بعدم إرادة القائل ما يشمل، خصوصا والقائل مثل المصنف والفاضل ونحوهما الذين هم أساطين هذا الفن، بل هم الذين لخصوه، ولذا اقتصر الفاضل في القواعد على زيادة الفداء على القيمة ونقصه، فقال: وفداء المملوك لصاحبه وإن زاد على القيمة على إشكال، وعليه النقص، وكأن وجهي الاشكال أنه بدل قدره الشارع مثلا للمتلف، فلا عبرة بغيره، ولا زيادة حقيقة، وأنه ليس بدلا منه مطلقا، لأنه لو لم يكن محرما لم يكن عليه سوى القيمة، فالزايد انما وجب لحرمة الاحرام فلا يتعلق به ملك المالك، كما أن الوجه في جزمه بأن عليه النقص أن الاحرام لا يصلح سببا للضرر على المالك والتخفيف عن المتلف مع كونه سببا للتغليظ، ولأن النصوص لا تنفي وجوب الزايد بسبب آخر، ولأن كلا من الاحرام والتعدي على مال الغير سبب للضمان، فلئن لم يتعدد المسبب فلا أقل من دخول الناقص في الزايد، وربما قيل بأن مراده كون النقص على المالك، كما أن الزيادة له، ولكنه كما ترى في غاية البعد. وأما ما ذكره في البيض فقد يدفع بمنع اندراجه في نحو العبارة، لعدم صدق الصيد عليه، وكذا تنفير الحمام، ومع التسليم فان لم ينتج شئ أو نتج ما ينقص عن القيمة فعليه القيمة، كما أنه يمكن القول فيما لو كان التكليف الصيام بعدم اندراجه في نحو العبارة، لعدم صدق الفداء عليه، وانما هو بدل الفداء فيتعين الضمان للمالك، وكذا الكلام في الاطعام المختص في النصوص

[ 343 ]

كما سمعت بالمساكين، ويحتمل الصبر إلى القدرة على الفداء أو الاصلاح مع المالك، ولعل المتجه في صورة جناية المحرم في الحرم التي يجتمع فيها على الجاني القيمة والفداء تعين الأولى للمالك والفداء لله تعالى، كما أن المتجه فيما لو اجتمع دال ومباشر تعين فداء المباشر للمالك، وغيره لله تعالى، وإذا تعدد مباشرون فالمالك شريك المساكين كما صرح به بعضهم، ويحتمل أن يكون له واحد منها والباقي للمساكين، والمراد من ذلك كله نفي ما سمعته من المسالك مما لا ينبغي التزامه من مثل الفاضلين وإن كان الأقوى خلاف ما ذكراه لعموم ما دل على ضمان الأموال بالمثل أو القيمة، وظهور الكتاب والسنة في كون الفداء المزبور انما هو من جهة الاحرام والحرم، خصوصا بملاحظة قوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) ونحوه مما أمر فيه بالصدقة به على المساكين ونحو ذلك، فتبقى حينئذ جهة المالية على حالها في الاقتضاء كما وكيفا، ولا يلحقها شئ من حكم الاحرام والحرم، والله العالم. (وإن لم يكن) الصيد (مملوكا تصدق به) بعد ذبحه إن كان حيوانا بلا خلاف ولا إشكال، قال أبو جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (1): (إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة إلى أن يبلغ الضبي فعليه دم يهريقه ويتصدق بمثل ثمنه فان أصاب منه وهو حلال فعليه أن يتصد بمثل ثمنه) وقال الصادق عليه السلام في حسنة الحلبي (2): (إن قتل المحرم حمامة من حمام الحرم فعليه شاة وثمن الحمامة درهم أو شبهه يتصدق به) إلى غير ذلك مما تقدم، نعم تضمن بعض (3) النصوص إطعام حمام الحرم في بعض أفراد الجزاء، والأحوط ما عن العلامة وغيره من أن مستحق هذه الصدقة فقراء الحرم ومساكينه، كما أن الأحوط اعتبار الايمان


(1) و (2) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الصيد الحديث 4 - 3 (3) الوسائل - الباب 22 من ابواب كفارات الصيد.

[ 344 ]

فيهم وإن قال في المدارك لم أقف للأصحاب على تصريح باعتبار الايمان ولا بعدمه، وإطلاقه النصوص يقتضي العدم، والله العالم. (وكل ما يلزم المحرم من فداء يذبحه أو ينحره بمكة إن كان معتمرا وبمنى إن كان حاجا) كما في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي الخلاف والمراسم والاصباح والاشارة والفقيه والمقنع والغنية، بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، وهو كذلك في الأخير، أما الأول فقد سمعت من صرح فيه بما ذكره، ولكن عن النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع التصريح بأن للمعتمر أن يذبح غير كفارة الصيد بمنى، وكذا عن روض الجنان وعن المهذب التصريح بجوازه في العمرة المبتولة، وعن السرائر والوسيلة وفقه القرآن للراوندي وظاهر الخلاف (ان العمرة المبتولة كالحج في ذبح جزاء الصيد بمنى) وعن الكافي أن العمرة المتمتع بها كالمبتولة في ذبح جزاء الصيد بمكة) ونحوه عن الغنية، وإن كان الأقوى الأول، لقول الجواد عليه السلام للمأمون فيما رواه المفيد في محكي الارشاد عن الريان بن شبيب (1) عنه عليه السلام (وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة) وفي المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن محمد بن الحسن عن محمد بن عون النصيبي (2) وفيما أرسله الحسن بن علي بن شعبة في محكي تحف العقول (3) (والمحرم بالحج ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس، والمحرم بالعمرة ينحر الفداء بمكة) وفي خصوص جزاء الصيد مضافا إلى الآية (4) والاطلاق المزبور قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (5)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 2 - 2 (4) سورة المائدة - الآية 96. (5) الوسائل - الباب 49 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. الجواهر - 43

[ 345 ]

(من وجب عليه فداء صيد أصابه محرما فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى، وإن كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة) وقول أبي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (1) (في المحرم إذا أصاب صيدا فوجب عليه الهدي فعليه أن ينحره إن كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس، وإن كان في عمرة نحر بمكة وإن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه فانه يجزي عنه). والمراد بالأخير ما عن الشيخ من أنه لا يجب عليه الشراء من حيث صاده والسياق إلى مكة أو منى وإن كان أفضل خلافا لما عن الحلبيين فاوجباه، لمقطوع ابن عمار في الصحيح (2) (يفدي المحرم فداء الصيد من حيث صاد) ولكنه ظاهر في إرادة ذبح الفداء حيث صاد، ولم أجد قائلا به إلا ما حكاه في الدروس عن الشيخ، ولعله ظاهره في التهذيب ومن هنا يكون شاذا، بل لو سلم عدم ظهوره في ذلك فهو قاصر عن معارضة الأصل والاطلاق نصا وفتوى، فلا بأس حينئذ بحمله على الندب بالمعنى الذي ذكره الشيخ، فما عن الأردبيلي رحمه الله من الفتوى بظاهره، وهو جواز فداء الصيد في موضع الاصابة وإن كان الأفضل التأخير إلى مكة ومنى، حاملا للآية على ذلك أيضا، محتجا عليه زيادة على ما في المضمر المزبور بقول الصادق عليه السلام في كفارة قتل النعامة (3) (إذا أصاب المحرم الصيد ولم يكفر في موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاءه) الحديث بل وبقوله عليه السلام أيضا في خبر محمد (4): (فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه) إلى أن قال: (ولا يبعد الأفضلية في مكان الاصابة في غير كفارة الصيد) في غير محله


(1) الوسائل - الباب 51 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 51 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الصيد الحديث 10.

[ 346 ]

ضرورة أنه يمكن دعوى الاجماع على خلافه، مضافا إلى ظاهر الكتاب والسنة التي منها ما عرفت، ومنها ما مر في نصوص المباحث السابقة، كقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (1) في كفارة الأرنب: (شاة هديا بالغ الكعبة) ومنها ما مر (2) في نصوص الارسال فما نتج منها فهو هدي بالغ الكعبة أو هدي لبيت الله الحرام وغير ذلك، فالمتجه حمل المضمر المزبور على ما سمعت بعد قصوره عن المعارضة من وجوه، ولعل المراد بصحيح أبي عبيدة (3) تقويم الجزاء بعد صدق عدم الوجدان لا ذبح الهدي في ذلك المكان، وكذا خبر محمد (4) انما هو في الثمن لا في الهدي، على أنها قاصرة عن معارضة غيرها من وجوه، فلا يخرج عنه لها، خصوصا بعد ملاحظة فتاوى الأصحاب. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك النظر فيما في المدارك تبعا للمحكي عن شيخه، فان بعد أن ذكر ما سمعت وذكر صحيح ابن سنان وخبر زرارة قال: وهذه الروايات كما ترى مختصة بفداء الصيد، أما غيره فلم أقف على نص يقتضي تعين ذبحه في هذين الموضعين، فلو قيل بجواز ذبحه حيث كان لم يكن بعيدا، للأصل وما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد (5) عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام (من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلا فداء الصيد، فان الله تعالى يقول: هديا بالغ الكعبة) إذ قد عرفت أن النصوص والفتاوى على خلاف ذلك بالنسبة إلى فداء الحج صيدا وغيره، فلا يخرج عنها


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 23 من ابواب كفارات الصيد. (3) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1. (4) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الصيد الحديث 10. (5) الوسائل - الباب 49 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3.

[ 347 ]

بالمرسل المزبور، نعم في صحيح ابن حازم (1) سأل الصادق عليه السلام (عن كفارة العمرة المفردة أين تكون، قال: بمكة إلا أن يشاء صاحبها أن يؤخرها إلى منى، ويجعلها بمكة أحب الي وأفضل) ويمكن حمل المرسل المزبور عليه، كما أنه يمكن تقييد الصحيح المزبور بغير فداء الصيد لما عرفته من ظاهر الآية وغيره وحينئذ فينحصر الاشكال في خصوص كفارة غير الصيد في العمرة المفردة دون الحج، ودون فداء الصيد في العمرة بالنسبة إلى عدم تعين أحد الموضعين، لأنه يجوز ذبحه في كل مكان، ودفعه ممكن بالجمع بين النصوص بحمل الأولة على تعين مكة لفداء الصيد فيها، دون غيره فانه أفضل وإن جاز وقوعه بمنى، فانه بذلك تجتمع جميع النصوص، ولعله أولى من الجمع بينها بالندب في العمرة مطلقا بالنسبة إلى الصيد وغيره. والظاهر إلحاق عمرة التمتع بالعمرة المبتولة في الحكم لا بالحج كما عن ابني حمزة وإدريس وغيرهما ممن عرفت، بل ربما حكي عن والد الصدوق أيضا للمحكي عن الفقه (2) المنسوب إلى الرضا عليه السلام الذي قد تكرر منا عدم ثبوت نسبته، فلا يصلح معارضا لهذه الأدلة فضلا عن أن يقاومها، فالتحقيق مساواتها لها في الحكم لا للحج، كما أن الأحوط تعين مكة لفداء العمرة المبتولة مطلقا، والله العالم، هذا. (وروى) معاوية بن عمار (3) في الصحيح (أن كل من وجب عليه شاة في كفارة الصيد وعجز عنها كان عليه إطعام عشرة مساكين، فان عجز صام ثلاثة أيام) وزاد المصنف والفاضل فيها (في الحج) وإن لم نجدها


(1) الوسائل - الباب 49 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4. (2) فقه الرضا عليه السلام ص 28. (3) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الصيد الحديث 11.

[ 348 ]

فيما حضرنا من نسخة التهذيب كما اعترف به في كشف اللثام والمدارك، بل في الأول نفيها في نسخ التهذيب، قال: ولا ظفرنا بها في خبر آخر، ولفظه قال أبو عبد الله عليه السلام: (من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الابل فان لم يجد ما يشتري بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستين مسكينا، كل مسكين مدا، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، ومن كان عليه شئ من الصيد فداؤه بقرة فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام) بل ليس فيه كون الشاة كفارة الصيد، إلا أن السياق يقتضيه، وعلى كل حال فعن القاضي والفاضل في التحرير والتذكرة وظاهر المنتهى الفتوى به، ولا بأس به بعد أن كان جامعا لشرايط الحجية، بل في المسالك وكذا غيرها أن العمل به متعين، نعم قد عرفت عدم وجوب كونها في الحج كما عن التحرير وإن كان هو أحوط، بل ربما احتمل عدم اعتبار كونها في خصوص كفارة الصيد، فيشمل الشاة الواجبة لغيره من المحظورات، لأن العبرة بعموم اللفظ والجواب لا خصوص المحل والسؤال، لكن قد عرفت شهادة السياق بذلك، بل لعل عموم (من) الموصولة مشروط بما إذا لم يتقدمه معهود، وقد تقدمه هنا. والطعام المخرج عوضا عن المذبوح تابع له في محل الاخراج كما في القواعد ومحكي المبسوط لأنه عوض عما لمساكين ذلك المكان، فيدفع إليهم، وقد يشمله قول الصادق عليه السلام (1) فيما أرسله المفيد في المحكي عنه (من أصاب صيدا فعليه فداؤه من حيث أصابه) ومضمر ابن عمار (2) (يفدي المحرم فداء الصيد من حيث أصابه) نعم لا يتعين الصوم بمكان للأصل من غير معارض حتى


(1) و (2) الوسائل - الباب 51 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 - 1.

[ 349 ]

الصحيح المزبور على تقدير زيادة (في الحج)، فانه لا يعين مكة ولا منى كما هو واضح، والله العالم. (المقصد الثالث في باقي المحظورات) التي تترتب عليها الكفارة (وهي سبعة: الأول الاستمتاع بالنساء ف‍) نقول (من جامع زوجته) محرما (في الفرج قبلا أو دبرا عامدا) للجماع ذاكرا للاحرام (عالما بالتحريم فسد حجه وعليه إتمامه وبدنة والحج من قابل سواء كان حجته التي أفسدها فرضا أو نفلا) بلا خلاف أجده فيه في الجملة بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، ففي صحيح معاوية (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل محرم وقع على أهله فقال: إن كان جاهلا فليس عليه شئ، وإن لم يكن جاهلا فان عليه أن يسوق بدنة، ويفرق بينهما حتى يقضى المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا وعليهما الحج من قابل) وصحيح زرارة أو حسنه (2) (سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة فقال: جاهلين أو عالمين، فقلت أجبني على الوجهين جميعا، قال: إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ومضيا على حجهما وليس عليهما شئ، وإن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا مناسكهما ويرجعا إلى المكان الذي اصابا فيه ما أصابا، قلت: فأي الحجتين لهما، قال: الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأخرى عليهما عقوبة) وصحيحه الآخر (3) (قلت لأبي جعفر عليه السلام رجل وقع على أهله وهو محرم قال:


(1) و (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 - 9 (3) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 350 ]

أجاهل أو عالم قلت جاهل قال: يستغفر الله ولا يعود) وصحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في المحرم يقع على أهله قال إن كان أفضى إليها فعليه بدنة والحج من قابل، وإن لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة) وخبر علي ابن أبي حمزة (2) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل محرم واقع أهله فقال: قد أتى عظيما، قلت: قد ابتلى قال: استكرهها أو لم يستكرهها، قلت أفتني فيهما جميعا فقال: إن كان استكرهها فعليه بدنتان، وإن لم يكن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة، ويفرقان من المكان الذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة، وعليهما الحج من قابل لابد منه، قال: قلت: فإذا انتهيا إلى مكة فهي امرأته كما كانت فقال: نعم هي امرأته كما هي، فإذا انتهيا إلى المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتى يحلا، فإذا أحلا فقد انقضى عنهما، إن أبي كان يقول ذلك) وفي التهذيب وفي رواية أخرى (3) (فان لم يقدر على بدنة فاطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما، وعليها أيضا كمثله إن لم يكن استكرهها) وصحيح جميل بن دراج (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن محرم وقع على أهله قال: عليه بدنة، قال: فقال له زرارة قد سألته عن الذي سألته عنه فقال لي: عليه بدنة، قلت: عليه شئ غير هذا قال: نعم عليه الحج من قابل) وصحيح معاوية (5) عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2. (2) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3 والتهذيب ج 5 ص 318 - الرقم 1094. (4) و (5) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3 - 1

[ 351 ]

(إذا واقع الرجل بامرأته دون المزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل) ونحوه حسنه (1) أيضا، ومرسل الصدوق (2) عن الصادق عليه السلام (إن وقعت على أهلك بعد ما تعقد للاحرام وقبل أن تلبي فلا شئ عليك، وإن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر فعليك بدنة والحج من قابل، وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، وإن كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليك) إلى غير ذلك من النصوص التي إطلاقها كالفتاوى يقتضي عدم الفرق في الزوجة بين الدائم والمنقطع والحرة والأمة كما صرح به غير واحد لصدق الزوجة والأل والأمرأة، لقوله تعالى (3) (إلا على أزواجهم) وإن كان ربما يحتمل اختصاص الدائمة لدعوى الانصراف وأصلي الصحة والبراءة إلا أن الأصح ما عرفته. بل يقتضي أيضا ما صرح به المصنف وغيره ممن تأخر عنه بل ومن تقدمه كالمحكي عن المبسوط وابن إدريس من عدم الفرق بين القبل والدبر كما في غير المقام مما جعل فيه العنوان الجماع والاتيان والمواقعة والوطئ والدخول ونحو ذلك مما لا ريب في صدقه بكل منهما، فان الدبر أحد المأتيين، خلافا للمحكي عن بعض الأصحاب وإن كنا لم نعرفه، وانما أرسله الشيخ في محكي الخلاف من اختصاص الحكم بالقبل محتجا له بأصل البراءة المقطوع بما سمعت


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 10 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 ووسطه في الباب 6 منها الحديث 2 وذيله في الباب 2 منها الحديث 5. (3) سورة المؤمنين - الآية 6.

[ 352 ]

وبصحيح ابن عمار (1) سأل الصادق عليه السلام (عن رجل وقع على أهله فما دون الفرج قال: عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل) الظاهر في غير الدبر، بل الممنوع عدم شمول الفرج فيه للدبر لا لأنه مأخوذ من الانفراج وهو متحقق فيه، بل للصدق عليه لغة، لأنه لما بين الرجلين كما صرح به في النهاية والقاموس والمصباح، بل وعرفا فانه أحد الفرجين، ودعوى انسياق القبل منه على وجه يكون مخصصا للعموم السابق حتى في مثل المقام الذي قد عرفت عدم القائل فيه بالاختصاص واضحة المنع، هذا، وفي المدارك نقل عن الشيخ في المبسوط أنه أوجب بالوطئ في الدبر البدنة دون الاعادة، ولكن لم نتحققه، بل عبارته المحكية عنه في المختلف صريحة في الموافقة، وأن الذي فيه البدنة خاصة انما هو الوقاع فيما دون الفرج يعني القبل والدبر لا القبل خاصة كما صرح به في صدر عبارته المحكية عنه، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه لما عرفت وكذا يقتضي ما صرح به الشيخ والقاضي والحلي والمصنف والفاضل وغيرهم على ما حكي عن بعضهم من عدم الفرق بين الحج الواجب والندب الذي يجب إتمامه بالشروع فيه. وكذا يقتضي عدم الفرق بين الانزال وعدمه بعد صدق العنوان المزبور في النصوص، نعم لابد من صدقه بغيبوبة الحشفة، وإلا كان من الاتيان دون الفرج الذي هو كالملاعبة، فما عن المنتهى من التردد فيه فاحتمل عمومه حاكيا عن إطباق الجمهور أن عليه شاة إذا لم ينزل في غير محله قطعا. وكذا يقتضي تعلق الحكم بمن جامع قبل المشعر بعد عرفة، مضافا إلى


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. الجواهر - 44

[ 353 ]

ما سمعته من التصريح به في الصحيح (1) وغيره، وهو خيرة الشيخ والصدوقين وبني الجنيد والبراج وحمزة وإدريس وزهرة والسيد والمصنف في النافع والفاضل وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل عن الشيخ والسيدين والقاضي في شرح الجمل والجواهر الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن المفيد وسلار والحلبي والسيد في الجمل فاعتبروا تقدمه على عرفة لما روي (2) من أن الحج عرفة، وهو مع ضعفه محتمل لكون المراد به أنه أعظم الأركان، وكقوله صلى الله عليه وآله (من وقف في عرفة فقد تم حجه) المحتمل لارادة أنه قارب التمام، نحو قوله عليه السلام (3) (إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة فقد تمت صلاته) وعلى كل حال فقصورهما عن معارضة ما عرفت من وجوه واضح، خصوصا بعد ما قيل من موافقتها للمحكي عن العامة من فوات الحج بفوات عرفة مطلقا. ثم إن ظاهر المصنف وغيره ممن عبر بفساد الحج بل في المختلف نسبته إلى إطلاق الفقهاء، بل في صحيح سليمان بن خالد (4) عن الصادق عليه السلام (والرفث فساد الحج) ما صرح به في محكي الخلاف والسرائر من كون الأولى الفاسدة والثانية هي الفرض، بل عن الفاضل حكايته عن أبيه، بل هو خيرته في القواعد ومحكي المنتهى والمختلف فلا يكون حينئذ مبرءا للذمة، وإتمام الأداء إما عقوبة أو لأنه


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (2) المستدرك - الباب 18 من ابواب احرام الحج الحديث 3. (3) الوسائل - الباب 13 من ابواب التشهد الحديث 2 من كتاب الصلاة وفيه " الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير، فقال: تمت صلاته.... الخ " (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 8

[ 354 ]

من قبيل خطاب الوضع بأنه لا محلل من الاحرام إلا التحلل بعد قضاء المناسك أو للاحصار (أو الاحصار خ ل) والمناقشة بمنع الفساد لخلو النصوص عنه واقتصارها على الاتمام والاعادة، وهو أعم بل لعل الاتمام مشعر بالصحة مدفوعة بما سمعت من التصريح به في النص والفتوى، واحتمال إرادة نقصه من فساده على معنى أنه لا يبرئ الذمة مجردا بل المبرئ هو مع القضاء كما ترى ضرورة أنه بناء على أن الأولى الحج والثانية عقوبة تبرئ ذمتة من التكليف وان اشتغلت بالعقوبة، وتظهر الثمرة فيما لو مات قبل التمكن من امتثال أمر العقوبة، فان المتجه حينئذ سقوطه وبراءة ذمته بالأول، بخلاف القول بفساده نعم قد يقال إن المراد بالفساد كونها كالفاسدة باعتبار وجوب الاعادة ولو عقوبة لا تداركا، والدليل على ذلك ما سمعته من التصريح في صحيح زرارة (1) بأن الأولى هي الحج والثانية عقوبة، والمناقشة باضماره يدفعها معلومية كونه الامام عليه السلام ولو بقرينة كون المضمر مثل زرارة المعلوم عدم نقله عن غير الامام عليه السلام، على أن الظاهر كون الاضمار قد وقع في تأليف الشيخ لا في أصل الخبر كما هو مذكور في محله، ودعوى القطع زيادة على الاضمار ممنوعة، فيتعين حينئذ حمل الفساد في الصحيح السابق على ما ذكرناه، خصوصا بعد ما ورد من إطلاقه فيما أجمعوا على صحته كما تقدم في حديث حمران بن أعين (2) (فيمن جامع بعد أن طاف ثلاثة أشواط قال: قد أفسد حجه وعليه بدنة) مع الاجماع على صحة الحج في هذه الصورة، وما في التنقيح من دعوى الاجماع على الفساد لا يراد منه إلا ما سمعته من إطلاق الفتاوى، خصوصا بعد أن حكى هو فيه القول بعدم الفساد، ولعله لذا كان المحكي عن النهاية والجامع أن الفرض الأول


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 9. (2) الوسائل - الباب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1.

[ 355 ]

والثاني العقوبة، بل لعله ظاهر المصنف في النافع بل وفي الكتاب في أحكام الصيد بل اختاره غير واحد من متأخري المتأخرين، والعمدة ما عرفت مؤيدا باستصحاب الصحة ونحوه، لا ما قيل من أن الفرض لو كان القضاء لاشترط فيه من الاستطاعة ما اشترط في الأداء، ضرورة ظهور ضعفه باستقراره في ذمته لتفريطه بالافساد ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، بل قد تقدم منا في حجة النيابة أن التحقيق كون الثاني الفرض لا الأول. وتظهر الفائدة في النية، فينوي على الأول في الاحرام مثلا حجة الاسلام مثلا، وعلى الثاني ما وجب عليه بالافساد، وفي الأجير للحج في سنته وفي الناذر له فيها بالنسبة إلى عود الأجرة والكفارة للنذر وفي المفسد المصدود إذا تحلل ووجب القضاء، فعلى الأول لم يكف القضاء الواحد، لوجوب قضاء حجة الاسلام بالتحلل منها، وبقاء حجة العقوبة في ذمته، ويقدم حجة الاسلام في القضاء، وإن قلنا بالثاني كفى القضاء الواحد لسقوط حجة العقوبة بالتحلل منها كما تقدم سابقا، وفي غير ذلك. ثم إن الظاهر وفاقا للفاضل وغيره ترتب الحكم على الزنا ووطئ الذكر لا لأنهما أفحش فالافساد والعقوبة أولى، إذ لعل أفحشيته تمنع من التكفير له بناءا على أن البدنة والحج ثانيا أو أحدهما تكفير، بل لصدق الجماع، وجماع النساء المفسر به الرفث المصرح بافساده الحج، وما في النصوص من التعبير باتيان الأهل مبني على الغالب أو المتعارف أو الذي ينبغي وقوعه لا أن المراد خصوص وطئ الأهل مع احتماله، للأصل وقاعدة الاقتصار على المتيقن، ولعله لذا لم يوجب الحلبي فيما حكي عنه في اللواط إلا البدنة، وعن الشيخ وابن زهرة حكايته أحد القولين، لكن فيه أن المتجه عدم وجوبها أيضا بناءا على عدم تناول هذه النصوص، وإلا وجبت والاعادة أيضا، مع أنه لا خلاف في وجوب البدنة به،

[ 356 ]

فتلخص من ذلك كله أن الأحوط والأقوى ترتب الحكم عليهما، وحينئذ فلو وطأ الخنثى المشكل في الدبر ترتب الحكم بخلاف ما لو وطأها في القبل خاصة للأصل، أما وطئ البهيمة فظاهر بعض أن حكمه حكم وطئ الدبر، لكن يمنعه عدم إتيان ما ذكرنا فيه، فيبقى الأصل فيه بحاله، فلا بدنة ولا إعادة كما هو أشهر القولين على ما في المسالك. ولا خلاف في اعتبار العلم والعمد في ترتب الأحكام المزبورة، فلا شئ على الجاهل بالحكم والناسي للاحرام والساهي، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه في الناسي مضافا إلى الأصل وما سمعته من النص، وكذا لا شئ على المكره بلا خلاف بل ولا إشكال لذلك أيضا، نعم تسمع الكلام إن شاء الله في تحمل الكفارة، والله العالم. (وكذا) في وجوب البدنة وإعادة الحج (لو جامع أمته وهو محرم) كما صرح به في القواعد وغيرها، لصدق الأمرأة والأهل، ولكن لا يخفى عليك وضوح إمكان المنع، نعم لو قلنا بأن المدار على صدق الجماع والمواقعة ونحو ذلك وإن ذكر الأهل لكونه المعهود اتجه حينئذ ذلك، وهو مؤكد لما ذكرناه سابقا، وإلا كان مقتضى الأصل عدم شئ منهما، والله العالم. (ولو كانت امرأته محرمة مطاوعة لزمها مثل ذلك) أي إتمام الحج والبدنة والحج من قابل بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص، والى خصوص خبر خالد الأصم (1) قال: (حججت ومعنا جماعة من أصحابنا وكان معنا امرأة فلما قدمنا مكة جاءنا رجل من أصحابنا فقال يا هؤلاء اني قد ابتليت، قلنا بماذا ؟ قال: سكرت بهذه الامرأة


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 7

[ 357 ]

فاسألوا أبا عبد الله عليه السلام فسألناه قال: عليه بدنة، فقالت الأمرأة فاسألوه لي فاني قد اشتهيت فسألناه فقال: عليها بدنة) على أن المستفاد من النصوص المزبورة كون المدار في هذه الاحكام على الجماع مع العلم والعمد من غير فرق بين الرجل والمرأة وبين الزوج وغيره، فلو أدخلت ذكر زوجها مثلا في فرجها عالمة عامدة وهو غير عالم أو غير عامد ترتب عليها الأحكام دونه، أما إذا أدخلت ذكر بهيمة في فرجها ففيها الكلام السابق، ويقوى في النظر العدم فيهما، والله العالم. (و) يجب (عليهما أن يفترقا) في حجة القضاء (إذا بلغا ذلك المكان حتى يقضيا المناسك إذا حجا على تلك الطريق) كما صرح بذلك الصدوقان والفاضل والشهيد وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل هو ظاهر كل من عبر بعبارة المتن بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، ولعله كذلك، إذ لا أجد فيه خلافا محققا وإن عبر عنه في محكي النهاية والمبسوط والسرائر والمهذب بلفظ (ينبغي) فانه يمكن إرادة الوجوب منه، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لما سمعته من الأمر به في المعتبرة المستفيضة (1) مؤيدا ذلك بأنه محل غلبة الشيطان لهما فينبغي التفريق فيه حذرا منه أو رغما لأنفه. نعم ظاهر المصنف ومحكي التذكرة ما عن الصدوق والشهيد من التصريح باعتبار سلوك ذلك الطريق، وإلا فلا يجب وإن اشترك معه في الطريق، ولعله للأصل بعد ظهور النصوص فيه، بل في صحيح عبيد الله وحسنه (2) عن الصادق عليه السلام (يفرق بينهما حتى ينفر الناس ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، قال: قلت أرأيت إن أخذا في غير ذلك الطريق إلى أرض أخرى


(1) و (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 0 - 14.

[ 358 ]

أيجتمعان، قال: نعم) ونحوه موثق ابن مسلم (1) المروي عن نوادر البزنطي سأل أبا جعفر عليه السلام (أرأيت من ابتلى بالرفث ما عليه، قال: يسوق الهدي ويفرق بينه وبين أهله حتى يقضيا المناسك وحتى يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، قال: أرأيت إن أراد أن يرجعا في غير ذلك الطريق قال: فليجتمعا إذا قضيا المناسك) بناءا على عدم الفرق في ذلك بين الأداء والقضاء. وكيف كان فالموجود في النصوص أن غاية الافتراق هو ما سمعته في هذه الأخبار، وفي حسن معاوية وصحيحه (2) عن الصادق عليه السلام (حتى يبلغ الهدي محله) كما عن الجامع على معنى حتى يحل بالذبح كما صرح به في خبر آخر وفي صحيح آخر (3) له عنه عليه السلام أيضا وخبر سليمان بن خالد (4) وحسن زرارة (5) (حتى يقضيا المناسك ويعود إلى موضع الخطيئة) وفي خبر علي بن أبي حمزة (6) عن الكاظم عليه السلام (ويفترقان من المكان الذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة وعليهما الحج من قابل لابد منه، قلت: فإذا انتهيا إلى مكة فهي امرأته كما كانت فقال: نعم هي امرأته كما هي، فإذا انتهيا إلى المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتى يحلا، فإذا أحلا فقد انقضى عنهما، فان أبي عليه السلام كان يقول ذلك).


(1) و (3) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 15 - 2. (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 5 و 12 (4) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (5) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 9 (6) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 359 ]

وفي الحدائق والرياض (أن الذي يقتضيه النظر في الجمع بين هذه الأخبار حمل تعدد هذه الغايات على تفاوت مراتب الفضل والاستحباب، فأعلاها الرجوع إلى موضع الخطيئة وإن أحلا وقضيا المناسك قبله، ثم قضاء المناسك، ثم بلوغ الهدي محله كما في الصحيحين، وهو كناية عن الاحلال بذبح الهدي كما وقع التصريح به في بعض الأخبار المتقدمة، ولكن الاحتياط يقتضي المصير إلى المرتبة العليا، ثم الوسطى سيما في الحجة الأولى لكثرة أخبارها واشتهارها) وفيه أن الذي يقتضيه النظر في النصوص بعد تقييد المفهوم في بعضها بالمنطوق في آخر إن لم يكن إجماع كون الغاية العليا في الأداء والقضاء، وهي محل الخطيئة، نعم يمكن تحصيل الاجماع على وجوب الافتراق في حجة القضاء إلى قضاء المناسك لا أزيد، واليه يرجع جعل الغاية بلوغ الهدي في الصحيح وفي معقد محكي إجماع الغنية، بناءا على كون المراد به ذلك وإن عبر به لحصول الاحلال به في الجملة، ولأنه غاية المعظم فيتعين القول باستحباب الافتراق أيضا بعد ذلك إلى محل الحدث إذا رجعا على ذلك الطريق لمضمر زرارة (1) (إن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا) المشتمل مضافا إلى ذلك على التفريق في الأداء والقضاء كخبر ابن أبي حمزة (2) كما صرح بالأداء خاصة في صحيح معاوية (3) عن الصادق عليه السلام، قال: (ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحج من قابل) عكس حسنه (4)


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 9 - 2 - - 12. (2) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 360 ]

الآخر عنه عليه السلام أيضا المصرح بالقضاء خاصة، قال: (سألته عن رجل وقع على امرأته وهو محرم قال: إن كان جاهلا فليس عليه شئ، وإن لم يكن جاهلا فعليه سوق بدنة وعليه الحج من قابل، فإذا انتهى إلى المكان الذي وقع بها فرق محملاهما، فلم يجتمعا في خباء واحد إلا أن يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محله). ومن ذلك يظهر لك النظر فيما عن علي بن بابويه من وجوب الافتراق في الأداء والقضاء إلى قضاء المناسك وإن نفي عنه البأس في محكي المختلف واستحسنه في محكي التحرير واستجوده في محكي التذكرة والمنتهى، إذ قد سمعت ما في النصوص من كون الغاية أزيد من ذلك، وأقصى ما يخرج عنها للاجماع إن تم في خصوص القضاء دون الأداء، ومن هنا يظهر لك أنه قد أجاد أبو علي فيما حكي عنه حيث أفتى بالافتراق في الأداء إلى بلوغهما محل الخطيئة وإن أحلا قبله، وفي القضاء إلى بلوغ الهدي محله، وكذا ابن زهرة وإن لم ينص على الاحلال بناء على ارادة قضاء المناسك من بلوغ الهدي محله، لما عرفت من كونه مقتضى الجمع بين النصوص المقتصر في الخروج عنه على القضاء، اللهم إلا أن يدعى أن المفهوم من النصوص اتحاد الغاية فيهما، والفرض الاجماع على عدم وجوب الزايد على قضاء المناسك في القضاء، فيكون الأداء مثله مؤيدا ذلك بأنه لا إحرام بعد قضاء المناسك، فليس إلا التعبد المحض فالأولى حمله على الندب فيهما. وكذا قيل أيضا إن إطلاق النصوص كالفتاوى يشمل صورتي الاكراه والمطاوعة، وربما يوجد في بعض الفتاوى تقييده بالمطاوعة، ولا وجه له، نعم الجواهر - 45

[ 361 ]

قد يدل مفهوم مضمر زرارة (1) على عدم الافتراق بينهما إذا لم يكونا عالمين سواء كانا جاهلين كما في صدر الرواية أو أحدهما عالما والآخر جاهلا والمكره بحكم الجاهل، لكنه مقطوع السند، فلا يقيد به إطلاق الأخبار السابقة إلا أن يقال: إن الغالب الذي ينصرف إليه الاطلاق انما هو صورة المطاوعة دون الاكراه، فليحمل عليها، وبنحوه يمكن الجواب عن إطلاق الفتاوى سيما نحو العبارة مما ذكر فيه الحكم بالتفريق بعد حكم صورة المطاوعة دون المكرهة، ولا يخلو عن وجه، إلا أن الاحتياط يقتضي التفريق مطلقا، سيما مع عدم وضوح صحة دعوى الغلبة في ذلك، قلت: قد يقال بناء على عدم صحتها بظهور العبارة وما شابهها المشتملة على قول وعليهما وعلى وجوب الحج عليهما مما هو صريح أو كالصريح في المطاوعة، ضرورة عدم وجوب ذلك على غيرهما، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (معنى الافتراق أن لا يخلوا إلا ومعهما ثالث) كما في القواعد ومحكي النهاية والمبسوط والسرائر والمهذب وغيرها، لما سمعته من صحيح ابن عمار وحسنه (2) ومرفوع أبان بن عثمان (3) عن أحدهما عليهما السلام، قال: (معنى يفرق بينهما أي لا يخلوان إلا ويكون معهما ثالث) ومرفوعه (4) الآخر إلى أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: (المحرم إذا وقع على أهله يفرق بينهما يعني بذلك لا يخلوان إلا أن يكون معهما ثالث) ومنهما يعلم المراد بذلك، وإلا فمعنى الافتراق عدم الاجتماع، نعم الظاهر كونه كناية عن المانع من المواقعة ولو بحضور ثالث يمتنع معه حصولها، فلا عبرة بغير المميز


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 9 - 11 - 6 (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 5 و 12

[ 362 ]

والزوجة والأمة ونحوهم ممن لا يمنعها حضورهم، والله العالم. (ولو أكرهها كان حجها ماضيا) ولا تحتاج إلى قضاء بلا خلاف أجده بل ولا إشكال، للأصل وظاهر النصوص عموما وخصوصا، وكذا لو أكره هو كما صرح به في محكي التذكرة والمنتهى مشعرا بالاجماع عليه، وهو كذلك ضرورة عدم الفرق وإن ذكرت النصوص صورة المكرهة باعتبار غلبة وقوعها (و) تعارف حصولها لأ العكس. نعم (كان عليه) أي الزوج المكره المحرم (كفارتان) بدنتان بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع على لزوم كفارتين بجماعها محرمين مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل محرم واقع أهله فيما دون الفرج قال: عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل، وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، وإن كان استكرهها فعليه بدنتان، وعليهما الحج من قابل) وخبر ابن أبي حمزة (2) المتقدم المجبور بالعمل ولا ينافي ذلك ما في صحيح سليمان بن خالد (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 وفي ذيله (وعليه الحج من قابل) إلا أن الموجود في التهذيب ج 5 ص 318 الرقم 1097 (وعليهما الحج من قابل) وأورد العلامة القمشهي قدس سره هنا تعليقة في هامش النسخة الاصلية ما لفظه (وعليه كذا في الوسائل المصحح على أربع نسخ وهو الصواب إذ ليس على المرأة المستكرهة حج من قابل وقد استدل به لذلك المصنف قدس سره ولو كان كما في الجواهر لدل على وجوب الحج من قابل عليها أيضا وهو خلاف الاجماع نصا وفتوى ولكن في المسودة ايضا كالمبيضة بلفظ عليهما). (2) و (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 - 1

[ 363 ]

رجل باشر امرأته وهما محرمان ما عليهما ؟ قال: إن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعا، ويفرق بينهما حتى يفرغا من المناسك وحتى يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها فليس عليها شئ) وإن قال في المدارك: (وربما ظهر من هذه الرواية عدم تعدد الكفارة على الزوج مع الاكراه) إلا أنه كما ترى ضرورة عدم دلالة نفي الشئ عنها على ذلك بوجه من الوجوه، فيكون غيره مما دل على ذلك سالما عن المعارض، وحينئذ فما في المدارك من الدغدغة في هذا الحكم في غير محله، نعم يتجه الاقتصار في ذلك على محل النص والفتوى كما اختاره في المسالك، وهو إكراه الزوج لأهله لا غيره حتى صورة العكس فضلا عن إكراه الأجنبي لهما، فلا شئ على المكره إلا الاثم، للأصل السالم عن معارضة النص بعد فرض ظهوره في غير الفرض، بل لعله لا يتحمل لو أكرهها وهو محل لما عرفته، مع احتماله لأن إحرامه لا يؤثر إلا في وجوبها عن نفسه، ولعل الأول أقوى، ثم إنه هل لبدنة الافساد بدل أم لا ؟ تسمع الكلام فيه إنشاء الله. (و) على كل حال فلا إشكال ولا خلاف في أنه (لا يتحمل عنها شيئا سوى الكفارة) للأصل السالم عن المعارض، فلا يجب عليه تعدد قضاء الحج، والله العالم. (ولو جامع) عالما عامدا (بعد الوقوف بالمشعر ولو قبل أن يطوف طواف النساء أو طاف منه ثلاثة أشواط فما دون أو جامع في غير الفرج) كالتفخيذ ونحوه (قبل الوقوف كان حجه صحيحا وعليه بدنة لا غير) بلا خلاف أجده في الأول، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى أصل الصحة

[ 364 ]

ومفهوم قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل) وحسنه (2) الآخر عنه عليه السلام ايضا (سألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء قال: عليه جزور سمينة، وإن كان جاهلا فليس عليه شئ) ونحوه خبر زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام وعبر بمضمونه في محكي المقنع، ولعل المراد به البدنة، وغير ذلك كمرسل الصدوق (4) السابق ونحوه. وكذا لا خلاف أجده كما اعترف به غير واحد في الثاني أيضا الذي هو مندرج فيما سمعته من الحسن، إذ المركب لا يتم إلا بجميع أجزائه، نعم ظاهر خبر حمران (5) عن أبي جعفر عليه السلام الفساد، قال: (وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثم خرج فغشي فقد أفسد حجه) إلا أن الاجماع بقسميه على خلافه مع ضعفه، فوجب إرادة مطلق النقص منه، وفي خبر القلانسي (6) عن الصادق عليه السلام (ان على الموسر بدنة، وعلى المتوسط بقرة، وعلى الفقير شاة) ولكن لم نجد من أفتى به. وعلى كل حال فلا شئ على الجاهل والناسي لما عرفت من أنه لا شئ عليهما قبل الوقوف وقبل طواف الزيارة، فهنا أولى، وخصوص حسن معاوية (7) في الجاهل هنا، كخبر سلمة بن محرز (8) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع على أهله قبل أن يطوف طواف النساء قال: ليس عليه شئ، فخرجت


(1) و (4) الوسائل - الباب 6 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 2 (2) و (7) الوسائل - الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 (3) و (6) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3 - 1 (5) الوسائل - الباب 11 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 (8) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2

[ 365 ]

إلى أصحابنا فأخبرتهم فقالوا: اتقاك، هذا ميسر قد سأله عن مثل هذا فقال: عليك بدنة، قال: فدخلت عليه فقلت: جعلت فداك اني أخبرت أصحابنا بما أجبتني به فقالوا: اتقاك، هذا ميسر قد سأله عن ذلك فقال: عليه بدنة، فقال: إن ذلك كان بلغه فهل بلغك ؟ قلت: لا، قال: ليس عليك شئ) ورواه الشيخ (1) في الصحيح إليه، قال: (انه كان تمتع حتى إذا كان يوم النحر طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم رجع إلى منى ولم يطف طواف النساء فواقع أهله، فذكر لأصحابه فقالوا فلان قد فعل مثل ذلك فسال أبا عبد الله عليه السلام فأمره أن ينحر بدنة، قال سلمة: فذهبت إلى أبي عبد الله عليه السلام فسألته فقال: ليس عليك شئ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما قال، فقالوا: اتقاك وأعطاك من عين كدرة، فرجعت إلى أبي عبد الله عليه السلام فقلت اني لقيت أصحابي فقالوا اتقاك وقد فعل فلان مثل ما فعلت فأمره أن ينحر بدنة، فقال: صدقوا، ما أتقيتك ولكن فلان قد فعله متعمدا وهو يعلم، وأنت فعلته وأنت لا تعلم، فهل كان بلغ ذلك ؟ فقلت: لا والله ما كان بلغني، فقال: ليس عليك شئ) إلى غير ذلك من النصوص. بل وكذا لا خلاف أجده في الثالث، المراد بالفرج فيه ما يشمل الفرجين كما انك قد سمعت ما في صحيح معاوية بن عمار (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع على أهله فيما دون الفرج قال: عليه بدنة، وليس عليه الحج من قابل، وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، وإن كان استكرهها فعليه بدنتان، وعليهما الحج من قابل) ولا يقدح عدم القائل بما في ذيله خصوصا إذا كان المراد حكم هذا الجماع الذي هو التفخيذ، أما ما فيه


(1) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 5 (2) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 راجع التعليقة (1) ص 362.

[ 366 ]

من وجوب البدنة عليها مع المطاوعة وتحمله عنها مع الاكراه فكذلك لم أجد مصرحا به هنا، ويمكن حمله على الجماع الحقيقي لا مثل الفرض، أو أنه تطرق بعض التحريف من النساخ، وصحيحه (1) الآخر عنه عليه السلام ايضا (في المحرم يقع على أهله قال: إن كان أفضى إليها فعليه بدنة والحج من قابل، وإن لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة وليس عليه الحج من قابل) على أنك قد عرفت عدم الفساد بالجماع الحقيقي بعد الوقوف فضلا عن التفخيذ ونحوه بعده. نعم قد يتوقف في وجوب البدنة معه إذا لم يكن أنزل ولكن في المدارك (وإطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في لزوم البدنة بالجماع في غير الفرج بين أن ينزل وعدمه، وتردد العلامة في المنتهى في وجوب البدنة مع عدم الانزال، ولا وجه له بعد إطلاق النص بالوجوب وتصريح الأصحاب بوجوب الجزور بالتقبيل والشاة بالمس بشهوة كما سيجئ بيانه) قلت: لعل وجهه انسياق غيره من الاطلاق المزبور، فيبقى الأصل سالما، فتأمل جيدا، بقي شئ وهو أن ظاهر التعبير في المتن بلو الوصلية يقتضي وجوب البدنة بعد الطواف ولا ريب في فساده، ضرورة حلهن له بعده، فكان الأولى ترك ذكرها، اللهم إلا أن يراد بذلك بيان وجوبها قبل ذلك لا بعده، والله العالم. (تفريع إذا حج في القابل بسبب الافساد فأفسد لزمه ما لزم أولا) وهكذا، للعمومات الشاملة له، إذ هو حج صحيح سواء قلنا عقوبة أو فريضة لكن لا يتعدد القضاء، فإذا أتى في السنة الثالثة بحجه صحيحة كفاه عن الفاسد ابتداء وقضاء ولا يجب عليه قضاء آخر وإن أفسد عشر حجج، كما نص عليه الفاضل في جملة من كتبه وغيره، لأنه انما كان يجب عليه حج واحد صحيح وكذا لو تكرر الجماع في الاحرام الواحد لم يتكرر القضاء، وأما البدنة ففي


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 367 ]

تكررها أوجه يأتي الكلام فيها إنشاء الله. (وفي الاستمناء) أي استدعاء المني بالعبث بيديه أو بملاعبة غيره أو غير ذلك، والفرق بينه وبين الاستمتاع بغير الجماع تجرده عن قصد الامناء بخلافه، وقيده غير واحد منهم المصنف في النافع والفاضل في القواعد بكونه بيده ولا دليل عليه (بدنة) بلا خلاف أجده فيه مع الانزال كما اعترف به في المدارك وغيرها (و) لكن الكلام في أنه (هل يفسد به) مع ذلك (الحج ويجب القضاء قيل) كما في التهذيب والمهذب والوسيلة والجامع: (نعم) يجب به القضاء، واختاره في المختلف بل في التنقيح نسبته إلى الأكثر، بل ظاهره اختياره كالشهيدين والكركي لموثق إسحاق بن عمار (1) عن أبي الحسن عليه السلام (قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى قال: أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم بدنة والحج من قابل) والمناقشة في السند مدفوعة بما حررناه في الأصول من حجية الموثق، على أنه معتضد هنا بما في التنقيح قال: قال ابن الجنيد: هي في حديث الكليني عن مسمع بن عبد الملك (2) عن الصادق عليه السلام، ومسمع ممدوح مدحه الصادق عليه السلام يلقب بكردين بكسر الكاف فانجبر ضعف رواية ابن عمار بهذه، مع أن القائل بها أكثر، والعمل بها أحوط وفي المختلف وقال أبو علي بن الجنيد: وعلى المحرم إذا أنزل الماء إما بعبث بحرمته أو بذكره أو بادمان نظره مثل الذي يجامع في حديث الكليني عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام، مضافا إلى ما قيل من أنه أقبح من إتيان أهله، فيكون أولى بالتغليظ، بل في المختلف زيادة الاستدلال بصحيح


(1) الوسائل - الباب 15 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 12 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

[ 368 ]

ابن الحجاج (1) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن المحرم يعبث بأهله وهو محرم حتى يمني من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما ؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) وإن كان فيه أنه لا يدل على وجوب القضاء، نعم فيه إشعار بكون ذلك كالجماع الذي قد عرفت أيجابه القضاء فضلا عن إيجابه ذلك في الصوم. (وقيل لا) يجب القضاء كما عن ابن إدريس والحلبي وجماعة، وربما نقل عن الشيخ في الخلاف والاستبصار (وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها الأصل المعتضد بما في صحيحي ابن عمار (2) السابقين من عدم القضاء على من جامع فيما دون الفرج الذي هو أغلظ من الاستمناء أو أنه فرد منه، بل ربما كان شاملا لما إذا أراد الاستمناء بوضع الحشفة بالفرج من غير إدخال على أن الموثق المزبور الذي هو الأصل في المسألة لا دلالة فيه على حكم الاستمناء على الاطلاق، بل على الفعل المخصوص المذكور فيه المجامع للاستمناء تارة، والمتخلف عنه أخرى، ولذا اقتصر على مورده الشيخ الذي هو الأصل في القول به، وفي الرياض وهو الأقوى، ولا موجب للتعدية هنا حتى رواية مسمع المتقدمة، فان متنها كما في المختلف عن الاسكافي هكذا (إذا أنزل الماء إما بعبث بحرمته أو بذكره أو بادمان نظره مثل الذي جامع) قال في المختلف بعد نقله: وليس هذا صريحا منه بالافساد لاحتمال المساواة في البدنة فان النظر لا يقتضي الافساد، قلت: ولعله لذا لم يستدل بها أحد سوى المقداد في التنقيح، ومع ذلك ينبغي تقييدها بما إذا وقع ذلك قبل أحد


(1) الوسائل - الباب 14 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 و 2 الجواهر - 46

[ 369 ]

الموقفين مع ما مر من أحد الوصفين لا مطلقا اتفاقا، فلا يبعد أن يكون المراد بها ما في صحيح ابن الحجاج المصرح بالكفارة مثل الذي جامع، فينحصر الدليل في الموثق الذي قد عرفت عدم صراحته في الاستمناء وإن جامعه في بعض الأحوال، ولكنه معارض بما سمعته في الصحيحين الذي قد يجامع الاستمناء أيضا في بعض الأحوال، ولا ريب في رجحانهما عليه، ومن هنا حمل على الندب وبه يعلم ما في كلام الشهيد من دعوى عدم معارض للموثق، وبعد تسليم التكافؤ فالاصل عدم القضاء به من غير فرق بين الاستمناء بيده وبغيره، إذ قد عرفت أنه لا دليل على التقييد الواقع من غير واحد، والله العالم. (ولو جامع أمته محلا) عالما بانه لا ينبغي له ذلك عامدا مختارا (وهي محرمة باذنه تحمل عنها الكفارة بدنة أو بقرة أو شاة) مخيرا بينها مع قدرته عليها (وإن كان معسرا) لم يقدر إلا على الشاة (فشاة أو صيام ثلاثة ايام) بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه غير واحد إلى قطع الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، وإن كان لم يحك إلا عن والد الفاضل ويحيى بن سعيد، بل عن النهاية عليه بدنة، فان لم يقدر فشاة أو صيام ثلاثة أيام، وعن المبسوط والسرائر كان عليه كفارة يتحملها عنها، فان لم يقدر على البدنة كان عليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام، وعلى كل حال فالأصل فيه موثق إسحاق بن عمار أو صحيحه (1) (قلت لأبي الحسن عليه السلام أخبرني عن رجل محل وقع على أمة محرمة قال: مؤسرا أو معسرا، قلت: أجبني عنهما، قال: هو أمرها أو لم يأمرها وأحرمت من قبل نفسها، قلت: أجبني عنهما، قال: إن كان مؤسرا وكان عالما أنه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالاحرام كان عليه بدنة، وإن شاء بقرة، وإن شاء شاة، وإن لم يكن أمرها بالاحرام فلا شئ عليه مؤسرا كان


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2

[ 370 ]

أو معسرا، وإن كان أمرها وهو معسر فعليه دم شاة أو صيام) وعن البرقي (1) روايته في المحاسن بسنده عن صباح الحذاء، وفي آخره (أو صيام أو صدقة) والظاهر أن المراد باعسار المولى الموجب للشاة والصيام إعساره عن البدنة والبقرة وبالصيام صيام ثلاثة أيام التي هي المعروفة في بدل الشاة مع احتمال الاكتفاء باليوم الواحد. وعلى كل حال فلا محيص عن العمل بالموثق المزبور بعد اعتباره في نفسه بل قيل وانجباره بفتوى الأصحاب، وأما ما سمعته من الشيخ وابن إدريس فلم أجد لهما دليلا عليه فضلا عن أن يكون معارضا، نعم في كشف اللثام كأنهما حملا الخبر على الاكراه للأصل، مع ضعفه ومعارضته بصحيح ضريس (2) سأل الصادق عليه السلام (عن رجل أمر جاريته أن تحرم من الوقت فأحرمت ولم يكن هو أحرم فغشيها بعد ما أحرمت قال: يأمرها فتغتسل ثم تحرم ولا شئ عليه) وهو كما ترى، مع أنه حمله في المحكي من كتابي الأخبار على أنها لم تكن لبت، كما أن المراد من خبر وهب بن عبد ربه (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل كانت معه أم ولد له فأحرمت قبل سيدها أله أن ينقض إحرامها ويطأها قبل أن تحرم ؟ قال: نعم) صورة عدم الاذن لها، فانه حينئذ يكون لغوا لا أثر له. ثم إن ظاهر الموثق المزبور ما صرح به غير واحد من عدم الفرق بين المطاوعة والمكرهة، لكن ذكر الفاضل ومن تبعه أن عليها مع المطاوعة الاثم والحج من قابل، وعلى المولى اذنها فيه إن كان قبل المشعر، والصوم ستين يوما أو ثمانية عشر يوما عوض البدنة إن قلنا بالبدل لهذه البدنة، لعجزها عنها،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 8 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 - 3 - 1

[ 371 ]

وإن لم نقل بالبدل توقعت العتق والمكنة، وتوقف فيه غير واحد من متأخري المتأخرين، وفيه أنه يمكن أن يكون ذلك لاطلاق النصوص السابقة، خصوصا بعدما ذكره هناك من عموم الأهل والمرأة للأمة، وإن كان فيه ما عرفت، قيل: ولا ينافيه إطلاق هذا الموثق لأنه بالنسبة إلى المولى خاصة دون حكم الأمة فهو مجمل فيه لا تعرض فيه لشئ منه، ولم يقيد في الفتوى والرواية الجماع بوقت، فيشمل سائر أوقات إحرامها التي يحرم الجماع بالنسبة إليه، أما بالنسبة إليها فيختلف الحكم كالسابق، فلو كان قبل الوقوف بالمشعر فسد حجها مع المطاوعة والعلم، قلت: لكن الانصاف مضافا إلى كون مورد تلك النصوص المحرمين أن الموثق المزبور ظاهر في كون الكفارة على المولى باعتبار إحرامها، وإلا فهو محل لا كفارة عليه، ففي الحقيقة ذلك كفارة عنها ولا شئ عليها من غير فرق بين المطاوعة والمكرهة، ولا استبعاد بعد الأصل وظهور الموثق في عدم الفساد الموجب لاعادة الحج، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد إمكان دعوى انسياق الموثق المزبور إلى ما هو الغالب من علم الجارية بتقديم طاعة مولاها على كل شئ، فهي غير عالمة بالحال، فلا يترتب عليها شئ. ولو كان المحرم باذنه عبدا فالظاهر عدم إلحاقه بالأمة في الحكم، لأصالة البراءة من الكفارة، والاشتراك في المملوكية وكونه أفحش لا يقضيان بترتبها بعد حرمة القياس، وإن حكي عن بعض المتأخرين اختياره، ولكنه أحوط. ثم إن المنساق من النص والفتوى حرمة وطئ الأمة المحرمة باذنه عليه بل قوله عليه السلام في الموثق: (وكان عالما أنه لا ينبغي له) كالصريح في ذلك، ولولاه لأمكن القول بعدم الحرمة عليه وإن وجب على الأمة الامتناع، فان أكرهها لا إثم على أحد منهما نحو ما قيل في الزوج الذي حكمه الافطار مع الزوجة التي حكمها الصيام، اللهم إلا أن يستفاد الحرمة عليه أيضا من فحوى

[ 372 ]

المقام كما جزم به بعض مشائخنا وإن كان انطباقه على القواعد لا يخلو من إشكال ثم إنه قد يستفاد من فحوى المقام وجوب الكفارة أيضا لو جامع المحل زوجته المحرمة مكرها لها أو مطاوعة نحو ما سمعته من الكلام في الأمة، بل قد يستفاد حكم العكس أيضا، وهو ما لو كان الرجل محرما والأمة أو الأمرأة محلة فأكرهته على المواقعة أو طاوعها، وإن كان ذلك كله لا يخلو من نظر، والله العالم. (ولو جامع المحرم قبل طواف الزيارة لزمه بدنة) كما عرفته سابقا فيمن جامع بعد الوقوف بالمشعر قبل طواف النساء، إذ هو شامل للفرض وانما أعاده للتنبيه على حكم الأبدال، فقال: (فان عجز فبقرة أو شاة) كما في النافع والقواعد ومحكي التهذيب وعن المهذب والارشاد والتلخيص، فان عجز فبقرة، فان عجز فشاة، وعن النهاية والمبسوط والسرائر والتحرير والتذكرة والمنتهى عليه جزور، فان عجز فبقرة، فان عجز فشاة، ولكن لا خلاف بين الجميع في صحة الحج، وقد عرفت أن المراد من قول أبي جعفر عليه السلام في خبر حمران (1): (فقد أفسد حجه) النقص، كما أنك قد سمعت اتحاد المراد من الجزور والبدنة كما عن المنتهى والتذكرة، وسمعت أيضا سابقا ما يدل على وجوب البدنة أو الجزور، مضافا إلى حسن ابن عمار (2) سأل الصادق عليه السلام (عن متمتع وقع على أهله ولم يزر قال: ينحر جزورا وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالما، وإن كان جاهلا فلا شئ عليه) وهو نص في السقوط عن الجاهل، ومثله الناسي إن لم يكن أولى منه بالعذر، كأولوية العفو عنها كما عرفت قبل الوقوف فضلا عما بعده. إنما الكلام في البدل عنها حالة العجز، ولم أجد ما يدل عليه من


(1) الوسائل - الباب 11 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1.

[ 373 ]

النصوص كما اعترف به غير واحد لا على جهة التخيير المذكور في المتن ولا الترتيب المذكور في غيره، بل لعل خبر أبي بصير (1) يدل على عدم البدل، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته وهو محرم قال: عليه جزور كوما فقال: لا يقدر، قال: ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له ولا يفسدوا حجه) وصحيح العيص بن القاسم (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع أهله حين ضحى قبل أن يزور البيت قال: يهريق دما) لا دلالة فيه على أحدهما بل مقتضاه الاجتزاء بمطلق الدم أو خصوص الشاة بناء على أنها المفهوم منه عند الاطلاق من أول الأمر، وهو مخالف للاجماع ولغيره من النصوص، على أن المتجه حمل مطلق الدم فيه على البدنة لقاعدة التقييد، وأولى بعدم الدلالة خبر أبي خالد القماط (3) سأله عليه السلام (عمن وقع على أهله يوم النحر قبل أن يزور فقال: إن كان وقع عليها بشهوة فعليه بدنة، وإن كان غير ذلك فبقرة، قال: قلت: أو شاة قال: أو شاة) إذ هو كما ترى مشتمل على تفصيل لم يعرف قائل به، ومخالف للنصوص المعمول عليها بين الأصحاب، فهو حينئذ من الشواذ المطروحة وخبر داود بن فرقد (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل يكون عليه بدنة واحدة في فداء قال: إذا لم يجد بدنة فسبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما) انما هو في فداء الصيد لا مطلق الكفارة. وكذا لا دلالة في خبر خالد بياع القلانس (5) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أتى أهله وعليه طواف النساء قال: عليه بدنة، ثم جاء آخر فسأله


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 13. (2) و (3) الوسائل - الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 - 3 (4) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4. (5) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1.

[ 374 ]

عنها فقال عليك بقرة ثم جاء آخر وسأله عنها فقال: عليك شاة، فقلت بعد أن قاموا: أصلحك الله كيف قلت: عليه بدنة ؟ فقال: أنت موسر عليك بدنة وعلى الوسط بقرة، وعلى الفقير شاة) إذ هو - بعد الاغماض عن السند بالجهالة، وعدم انطباقه على القول بالتخيير بين الشاة والبقرة، وإثباته البقرة على الوسط الذي هو أعم من العجز عن البدنة، وإيجاب الشاة على الفقير الذي هو أعم من العجز عن البقرة - فيمن طاف طواف الزيارة وعليه طواف النساء، وهذا غير مفروض المسألة الذي هو من كان عليه طواف الزيارة، وإلحاق أحدهما بالآخر من غير موجب قياس فاسد، اللهم إلا أن يدفع ذلك كله بعدم الخلاف، بل بالاتفاق ظاهرا على ثبوت البدل حال العجز، وأصالة الشغل تقتضي تعين الترتيب، مؤيدا ذلك في الجملة بصحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (فلا رفث) قال: (الرفث الجماع - إلى أن قال -: فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، وإن لم يجد فشاة) بل وبما تقدم من تحمل المحل كفارة الأمة المحرمة باذنه وواقعها. ثم لا فرق في وجوب الكفارة بين من لم يطف شيئا من الاشواط أو طاف أقل من النصف أو أكثر، لعموم الأخبار والفتاوى، لصدق أنه قبل الطواف وأنه لم يزر فانه بمعنى لم يطف، وخصوص قول الصادق عليه السلام لعبيد بن زرارة (2) (فان كان طاف بالبيت طواف الفريضة فطاف أربعة أشواط فغمزه بطنه فخرج فقضى حاجته فغشي أهله أفسد حجه، وعليه بدنة، ويغتسل ثم يرجع فيطوف


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 32 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 وذيله في الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 4 عن التهذيب ورواه عن قرب الاسناد في الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 16 (2) الوسائل - الباب 11 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2

[ 375 ]

أسبوعا) ولعل المراد بافساد الحج ثلمه ونقصه، لعدم قائل بفساده شرعا بذلك أو الحج بمعنى الطواف تسمية للجزء باسم الكل أو رجوعا إلى اللغة، وبطواف الاسبوع الاستيناف كما عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر وجوبا أو استحبابا أو الاكمال، وقد تقدم الكلام في قطع الطواف عمدا لا لحاجة وزاد هذا الجماع في أثنائه. بقي الكلام في أن البدنة الواجبة للافساد بالجماع قبل المشعر هل لها بدل ؟ ظاهر الاقتصار عليها ممن عرفت بل والنصوص عدمه، بل وعن ابن حمزة وسلار عدمه وانه لا بدل لها إلا في صيد النعامة، وإنما عليها الاستغفار والعزم عليها إذا أمكن، ويؤيده مضافا إلى الاصل ما سمعته من خبر أبي بصير (1) لكن في محكي الخلاف (من وجب عليه دم في إفساد الحج فلم يجد فعليه بقرة، فان لم يجد فسبع شياه على الترتيب، فان لم يجد فقيمة البدنة دراهم أو ثمنها طعاما يتصدق به، فان لم يجد صام عن كل مد يوما، ونص الشافعي على مثل ما قلناه، وفي أصحابه من قال هو مخير، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط) وعن الفاضل في التذكرة الفتوى بذلك، بل استدل فيها وفي محكي المنتهى على الترتيب بأن الصحابة والأئمة قضوا بالبدنة في الافساد، فتتعين والبقرة حسا وشرعا دونها، فلا تقوم مقامها، ولذا ورد (2) في الرواح إلى الجمعة (ان من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة) وقد سمعت ما في التهذيب بعد أن ذكر خبر ابن أبي حمزة (3)


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 13 (2) المستدرك - الباب 21 من ابواب صلاة الجمعة الحديث 6 من كتاب الصلاة. (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 376 ]

من قوله: وفي رواية أخرى (1) (فان لم يقدر على بدنة فاطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما) ونحوه الكافي، ولكن لم أجد العامل بها، مضافا إلى إرسالها، وعن السرائر (من وجب عليه بدنة في نذر أو كفارة ولم يجدها كان عليه سبع شياه) وعن الفقيه والمقنع (إذا وجبت على الرجل بدنة في كفارة ولم يجدها فعليه سبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في منزله) قيل وبذلك خبر داود الرقي (2) في الفداء لكن قد عرفت أن ظاهره فداء الصيد، وعن القاضي أنه أطلق إذا وجبت بدنة فعجز عنها قومها وفض القيمة على البر إلى آخر ما مر في النعامة، ولا يخفى عليك ما في الجميع من عدم الدليل إلا ما سمعته من إجماع الخلاف وما أرسله من الأخبار ولا ريب في أن الأحوط العمل به وإن كان في تعينه نظر يعرف مما ذكرناه والله العالم. (وإذا طاف المحرم من طواف النساء خمسة أشواط ثم واقع) ولو عالما عامدا (لم تلزمه الكفارة وبنى على طوافه) بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى عن الحلي من وجوبها عليه قبل تمامه ولو شوطا، لعموم الأخبار (3) بأنه إذا لم يطف طواف النساء فعليه بدنة، قال: ولأن الاجماع حاصل على أن من جامع قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة، وهو متحقق في الفرض وقواه في كشف اللثام، ولكن فيه مضافا إلى الاغضاء عما في سند كثير من


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3 والتهذيب ج 5 ص 318 الرقم 1094. (2) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4. (3) الوسائل - الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع. الجواهر - 47

[ 377 ]

تلك النصوص أنها ظاهرة في الجماع قبل الشروع فيه لا ما يشمل الفرض، ومخصصة بخبر حمران بن أعين (1) عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنقض ثم غشي جاريته قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان بقي عليه من طوافه، ويستغفر الله ربه ولا يعد، وإن كان طاف طواف النساء وطاف منه ثلاثة أشواط ثم رجع فغشي فقد أفسد حجه وعليه بدنة ويغتسل ثم يعود فيطوف أسبوعا) والمناقشة في سنده يدفعها الانجبار بما عرفت على أنه من الحسن، بل في سنده من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وفي الدلالة بأنه لا ينفي الكفارة لأعمية عدم الذكر من ذلك يدفعها أنه في مقام البيان وقت الحاجة، على أن ذكر وجوبها بالجماع بعد الثلاثة في مقابل الخمسة كالصريح في نفيها، ومن هنا لم تعرف المناقشة في دلالة الخبر المزبور، ونحو ذلك يجري في معقد ما حكاه من الاجماع، وإن أراد منه المحصل فهو واضح المنع، كل ذلك مضافا إلى ما تسمعه من عدمها في مجاوزة النصف، فظهر أن القول المزبور مع كونه شاذا واضح الضعف. (وقيل) والقائل الشيخ وأتباعه: (يكفي في ذلك) أي سقوط الكفارة (مجاوزة النصف) واختاره الفاضل في المختلف لمفهوم الشرط في الخبر المزبور المقتصر في الخروج عنه للاجماع على ما إذا لم يتجاوز النصف، ولا يعارضه نقصها عن الخمسة في الصدر بعد أن كان ذلك من كلام الراوي المعتضد بقول الصادق عليه السلام لأبي بصير (2): (إذا زاد على النصف وخرج ناسيا أمر من يطوف عنه، وله أن يقرب النساء إذا زاد على النصف) إذ لا معنى للكفارة على الفعل المرخص فيه، وبما


(1) الوسائل - الباب 11 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 10.

[ 378 ]

سلف من أن مجاوزة النصف كالاتمام في الصحة. ولكن مع ذلك كله قال المصنف: (والأول مروي) مشعرا باختياره كالفاضل في القواعد والمنتهى والتحرير والارشاد والتبصرة والتلخيص، ولكن فيه أن الرواية المزبورة تدل على نفي الكفارة عمن طاف خمسة لا أن ذلك مخصوص به، فلا تنافي حينئذ سقوطها عمن تجاوز النصف مع ذلك لما عرفت، ولعله الأقوى، والله العالم. (وإذا عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل بها المحرم فعلى كل واحد منهما كفارة) بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه غير واحد إلى قطع الأصحاب به مشعرا بدعوى الاجماع، بل عن ابن زهرة دعواه عليه صريحا، وهو الحجة، مضافا إلى فحوى الموثق (1) الآتي، بل إطلاق المتن وغيره بل قيل الأكثر يقتضي تساوي علمهما بالاحرام والحرمة والجهل ووجوب الكفارة وإن كان دخول المعقود له بعد الاحلال، ولكن عن بعض القيود اشتراط علمهما بهما، وفي كشف اللثام ولعله الوجه، وهو كذلك، خصوصا مع فحوى الموثق الآتي لولا إطلاق معقد الاجماع المعتضد بما عرفت وبالاحتياط، والمراد بالكفارة البدنة كما يشير إليه الموثق الآتي، وصرح به غير واحد وبعدم الكفارة أيضا إذا لم يدخل، للأصل السالم عن المعارض، والاثم أعم من وجوب الكفارة كما هو واضح. (وكذا) الكلام (لو كان العاقد محلا على رواية سماعة) الموثقة به أو الصحيحة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوج محرما وهو يعلم أنه لا يحل له، قلت: فان فعل فدخل بها المحرم قال: إن كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة، وعلى المرأة إن كانت محرمة بدنة، وإن لم تكن محرمة فلا شئ عليها إلا أن تكون قد علمت أن الذي تزوجها


(1) و (2) الوسائل - الباب 21 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

[ 379 ]

محرم، فان كانت علمت ثم تزوجت فعليها بدنة) وظاهر المتن والقواعد التوقف فيه في الجملة، بل في محكي المنتهى وفي سماعة قول، وعندي في هذه الرواية توقف، بل عن الايضاح الأصح خلافه للأصل، ولأنه مباح بالنسبة إليه، وتحمل الرواية على الاستحباب، وفيه أن الرواية من قسم الموثق أو الصحيح، وكل منهما حجة سيما مع الاعتضاد هنا بالشهرة المحكية من غير واحد، بل في التنقيح نسبته إلى عمل الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، فالعمل به حينئذ متعين، وظاهره لزوم البدنة للمرأة المحرمة والمحلة إذا كانت عالمة باحرام الزوج، بل عن الشيخ وجماعة منهم الكركي العمل به، خلافا للشهيد في الدروس فجزم بالعدم، وهو في غير محله بعد العمل به في الحكم الأول. ولو كان الثلاثة محرمين وجبت على الجميع، ولو كانت المرأة والعاقد محرمين والزوج محلا وجبت الكفارة على المرأة مع الدخول والعلم بسبب الدخول لا بسبب العقد، وفي وجوبها على العاقد نظر، أقواه العدم للأصل، وفي المسالك (والضابط أن الزوجين لا يجب عليهما إلا مع إحرامهما والدخول والعلم، والعاقد لا يجب عليه شئ إلا مع إحرام الزوج ودخوله) ففيه ما مر، ولا يخلو من نظر، وهل يلحق بالمحلة المزوجة محرما عالمة بذلك المحل المزوج محرمة عالما بذلك ؟ وجهان لا يخلو أولهما من قوة. هذا كله في حكم الكفارة، وأما وجوب الاتمام والقضاء فهو مختص بالمجامع على ما صرح به الكركي في حاشيته، وفي الحدائق هو مبني على ما هو المشهور من إلحاق الزنا في هذا الحكم بالزوجة كما تقدمت الاشارة إليه وفيه إمكان الفرق بشبهة العقد، كما أنه يمكن دعوى ظهور النص ولو من حيث الاقتصار على الكفارة في مقام البيان في عدم القضاء بناء على اختصاصه بجماع الأهل، وأنه لا يلحق به الزنا ولا اللواط وإن كان أغلظ، والله العالم.

[ 380 ]

(ومن جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته وعليه بدنة وقضاؤها) كما صرح بذلك غير واحد، بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، بل ظاهر عبارة المنتهى أنه موضع وفاق، وما عن ابن أبي عقيل - من أنه إذا جامع الرجل في عمرته بعد أن طاف لها وسعى قبل أن يقصر فعليه بدنة وعمرته تامة، فاما إذا جامع قبل أن يطوف لها ويسعى فلم أحفظ عن الائمة عليهم السلام شيئا أعرفكم به، فوقفت عند ذلك ورددت الأمر إليهم - ليس خلافا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه في العمرة المفردة التي حكي التصريح بها عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر والجامع فضلا عن إطلاق غيرها، مضافا إلى المعتبرة، ففي صحيح بريد العجلي (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه قال: عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة مفردة) وحسن مسمع أو صحيحه (2) عنه عليه السلام أيضا (في الرجل يعتمر عمرة مفردة ثم يطوف بالبيت طواف الفريضة ثم يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة قال: قد افسد عمرته وعليه بدنة وعليه أن يقيم بمكة محلا حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه، ثم يخرج إلى الوقت الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله لأهله فيحرم منه ويعتمر) وخبر أحمد بن أبي علي (3) عن أبي جعفر عليه السلام (في رجل اعتمر عمرة مفردة ووطأ أهله وهو محرم قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه قال: عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه أن يقيم شهرا آخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم منه ثم يعتمر). نعم لم أعثر على نص في المتمتع بها كما اعترف به غير واحد، ولعله


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 12 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 2 - 4.

[ 381 ]

لذا قال في القواعد: (ولو جامع في إحرام العمرة المفردة أو المتمع بها على إشكال قبل السعي عامدا عالما بالتحريم بطلت عمرته ووجبت إكمالها وقضاؤها وبدنة) لكن في المدارك (أن ظاهر الأكثر وصريح البعض عدم الفرق بينهما وربما أشعر به صحيحة معاوية بن عمار (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل متمتع وقع على امرأته ولم يقصر قال: ينحر جزورا، وقد خشيت أن يكون ثلم حجه إن كان عالما، وإن كان جاهلا فلا شئ عليه) فان الخوف من تطرق الفساد إلى الحج بالوقاع بعد السعي قبل التقصير ربما اقتضى تحقق الفساد بوقوع ذلك قبل السعي) وفيه أولا انا لم نعرف إطلاقا لغير المصنف بل قد يظهر من قوله: (والأفضل) إلى آخره إرادة المفردة، نعم عن أبي الصلاح التصريح بفساد المتعة بالجماع قبل طوافها وسعيها وأن عليه بدنة، وثانيا ما قيل من أن الوقاع بعد السعي قبل التقصير لا يوجب الفساد بل البدنة خاصة بمقتضى الصحيحة وغيرها، فكيف يثلم به الحج، والفحوى لو تمسك بها إنما تكون حجة لو قلنا بحجية أصلها، وإلا فلا كما هنا، وكذا إن ادعي تناول إطلاقها لما إذا لم يسع، لأن المتبادر منه الوقاع بعد السعي قبل التقصير، وإن كان لا يخلو من مناقشة، فان المراد الاشعار بالفساد من حيث الخوف في هذا الحال، أما قبل هذا الحال فالفساد محقق، نعم هو ليس دلالة يعتد بها. وعلى كل حال فقد قيل إن وجهي الاشكال الذي سمعته من الفاضل التساوي في الأركان وحرمتهن قبل أدائها، وإنما الاختلاف باستتباع الحج ووجوب طواف النساء وعدمهما، والأصل والخروج عن النصوص، ولزوم أحد أمرين إذا لم يسع الوقت إنشاء عمرة أخرى قبل الحج إما تأخير الحج إلى قابل أو الاتيان به مع فساد عمرته، وهو يستلزم إما فساده مع الاتيان بجميع


(1) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 4.

[ 382 ]

أفعاله والتجنب فيه عن المفسد، أو انتقاله إلى الافراد، وإذا انتقل إلى الافراد سقط الهدي وانتقلت العمرة مفردة، فيجب لها طواف النساء، وفي جميع ذلك إشكال، وفيه أنه لا مانع من التزام انقلاب الحج إلى الافراد مع عدم سعة الوقت وإن انقلبت العمرة إلى إفراد نحو ما لو ضاق الوقت عنها ابتداءا، كما لا مانع من التزام عمرة مستأنفة مع سعة الوقت، ولعله لذا حكي عن ثاني المحققين وفخر الاسلام حاكيا له عن والده أنه لا إشكال في فساد العمرة، وإنما الاشكال في فساد الحج بفسادها من ارتباطه بها ومن انفراده باحرام آخر، والاصل صحته والبراءة من القضاء، ثم رجح الفخر الفساد يعني إن لم يسع الوقت إنشاء عمرة أخرى، قيل: وهو ظاهر الحلبيين لقولهما بفساد المتعة بالجماع فيه قبل الطواف أو السعي، هذا، وفي الرياض وكان عدم إشكالهم في الفساد لعدم الخلاف فيه، وإلا فالنصوص مختصة بالمفردة كما عرفت، وحينئذ فالتعميم أقوى، وهو كما ترى تهجس. ثم إنه لا يخفى عليك ضعف وجه الاشكال على هذا التقدير، ضرورة عدم تعقل صحة حج التمتع مع فساد عمرته، اللهم إلا أن يراد بالفساد النقص وعدم الكمال نحو ما سمعته سابقا في الحج، وفي المسالك (ولو كانت عمرة التمتع ففي وجوب إكمال الحج أيضا ثم قضاؤهما والافتراق كما مر قولان أجودهما الوجوب) وحكاه في المدارك عنه مع التعليل له بما بينهما من الارتباط، ثم قال: وهو ضعيف، لأن الارتباط انما ثبت بين الصحيح منهما لا الفاسد، قلت: لعل وجهه إطلاق تلك النصوص أن الجماع قبل الوقوف بالمشعر مقتض لوجوب الاكمال والقضاء من قابل مع التكفير، وهو شامل لحج التمتع الذي دخلت العمرة فيه على وجه صارت منه كبعض أفعاله، وإن كان الانصاف عد انسياق ذلك من النصوص السابقة، ضرورة كون المنصرف منها نفس الحج، اللهم

[ 383 ]

إلا أن يقال إنه لو فرض حصول الجماع في حج التمتع بعد إتمام عمرته قبل الوقوف بالمشعر وجب عليه قضاء حج التمتع في القابل. وكيف كان فلم نجد دليلا معتدا به في المسألة، ومقتضى الأصول عدم الفساد في عمرة التمتع بالجماع فيها بعد ما عرفت من اختصاص تلك النصوص في المفردة، ودعوى التنقيح بعد عدم إجماع ونحوه غير مسموعة، ومع التسليم يتجه اختصاصها بالفساد، فينشئ عمرة أخرى غيرها مع سعة الوقت، وإلا انقلب الحج إلى إفراد، ولكن الاحتياط مع ذلك لا ينبغي تركه. هذا كله في الجماع قبل السعي، أما إذا كان بعده فلا فساد في عمرة التمتع قطعا، لصحيح معاوية بن عمار (1) السابق وغيره، نعم في القواعد ومحكي النهاية والتهذيب والمبسوط والمهذب والسرائر والوسيلة والجامع وجب عليه بدنة للموسر، وبقرة للمتوسط، وشاة للمعسر، ولعله لتنزيل الصحيح المزبور وصحيح الحلبي (2) سأل الصادق عليه السلام (عن متمتع طاف بالبيت وبين الصفا والمروة وقبل امرأته قبل أن يقصر من رأسه قال: عليه دم يهريقه، وإن كان الجماع فعليه جزور أو بقرة) ونحوه صحيح عمران الحلبي (3) وحسن ابن مسكان (4) عنه عليه السلام أيضا، سأله عن ذلك فقال: (عليه دم شاة) على مراتب العسر واليسر جمعا واحتياطا، بل قد يرشد إليه التنصيص عليه فيمن أمنى بالنظر إلى غير أهله، وفي الجماع قبل طواف النسا، وعن الحسن إيجاب البدنة لا غير، لصحيح معاوية، واحتمال (أو) في الأولين أن يكون من كلام الراوي، وعن سلار وجوب بقرة لا غير، قيل للتخيير بينها وبين الجزور، فهي الواجبة، والجزور


(1) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 4 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 5 - 3.

[ 384 ]

أفضل، وعن الصدوق في المقنع الاقتصار على الفتوى بمضمون صحيح التخيير، ولعل الأول لا يخلو من قوة، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه، ولولا مخافة خرق الاجماع كان المتجه التخيير مترتبة في الفضل. وكيف كان فقد جزم ثاني الشهيدين وغيره بمساواة العمرة المفردة لها في عدم الفساد بذلك أيضا، بل لعله ظاهر المصنف وغيره ممن قيد الفساد بما إذا كان قبل السعي، ولكن في المدارك هو محتاج إلى دليل، وفيه أنه يكفي أصل الصحة بعد أن كان دليل الفساد منحصرا فيما سمعته من النصوص المفروض فيها قبل السعي، مضافا إلى ما سمعته من ابن أبي عقيل مما يظهر منه أن ذلك محفوظ له عن الأئمة عليهم السلام، ولذا لم يتوقف فيه، هذا، وقد ذكر غير واحد أنه ليس في كلام الأكثر تعرض لوجوب إتمام العمرة الفاسدة، ولا وجوب التفريق، ولكن قطع الفاضل والشهيدان وغيرهم به، ومستندهم غير واضح، لخلو الأخبار عنه، بل ربما أشعرت بالعدم، للتصريح فيها بالفساد، وعدم التعرض فيها للأمرين بالكلية مع كون المقام مقام حاجة، وربما استدل لهم بأنه لا يجوز إنشاء إحرام آخر قبل إكمال الأول كما مر، وفيه نظر، لقوة اختصاص ذلك بالاحرام الصحيح دون الفاسد، قلت: يمكن أن يكون دليله استصحاب بقاء حكم الاحرام والأمر باتمام الحج والعمرة، بناء على أن المراد ما يشمل إتمام الفاسد منهما على معنى وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما وإن فسدا في الاثناء، لأن التحليل من الاحرام لا يكون إلا بتمام الافعال، كل ذلك مضافا إلى قوة احتمال كون المراد في النصوص المزبورة الاشارة إلى ما ورد في الحج، بل لعل الأمر بالانتظار إلى الشهر الآخر للعمرة قرينة على مراعاة تلك العمرة حتى لا يكون اقتران بينهما، بل قد يشعر ذلك بأن الأولى هي الجواهر - 48

[ 385 ]

الفرض والثانية عقوبة نحو ما سمعته في الحج، وحينئذ فاطلاق اسم الفساد على ضرب من التجوز لا الفساد بالمعنى المصطلح، والله العالم. (و) كيف كان ففي المتن وغيره أن (الأفضل أن يكون) قضاء العمرة (في الشهر الداخل) حملا للأمر به في النصوص السابقة عليه، ولكن فيه أنه لا داعي له، فالأولى والاحوط تعين إيقاع القضاء في الشهر الداخل هنا وإن قلنا بجواز توالي العمرتين، أو الاكتفاء بالفرق بينهما بعشرة أيام في غير هذه الصورة، والله العالم. (ولو نظر إلى غير أهله فأمنى كان عليه بدنة إن كان موسرا، وإن كان متوسطا فبقرة، وإن كان معسرا فشاة) كما في النهاية والمبسوط والسرائر والمهذب والجامع والنافع والقواعد وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل هو خيرة الأكثر كما اعترف به غير واحد، بل هو المشهور، لموثق أبي بصير (1) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى قال: إن كان موسرا فعليه بدنة، وإن كان متوسطا فعليه بقرة، وإن كان فقيرا فعليه شاة ثم قال فيه أما اني لم أجعل عليه لأنه أمنى، إنما جعلته عليه لأنه نظر إلى ما لا يحل له) وعن المفيد وسلار وابن زهرة أنه إن عجز عن الشاة صام ثلاثة أيام، ولم نجد له ما يدل عليه بالخصوص، ولعله لفحوى قيامها في كفارة الصيد ولو بعد العجز عن إطعام عشرة مساكين، إلا أنها كما ترى لا يوثق بمثلها في الحكم الشرعي، لكن في الرياض الحكم به معللا له بأنه أصل عام، وفيه بحث خصوصا بعد ظهور النص هنا والفتوى في أن الغاية الشاة لا غيرها كما هو واضح، وأما ما عن ابن حمزة من ترك الشاة أصلا فهو في غير محله بعد ما سمعت من النص والفتوى، فالتحقيق حينئذ ما عليه المعظم للموثق


(1) الوسائل - الباب 16 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2.

[ 386 ]

المزبور، والمناقشة في سنده بعد أن كان من قسم الموثق ومنجبرا بما عرفت واضحة الفساد، كالمناقشة فيه بمعارضته بصحيح زرارة (1): (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل محرم نظر إلى غير أهله فأنزل قال: عليه جزور أو بقرة، فان لم يجد فشاة) كما عن المقنع الفتوى به، وتبعه بعض متأخري المتأخرين، إذ هي كما ترى، ضرورة قصوره بعد شذوذ العمل به عن معارضة الأول المعتضد بما سمعت، على أنه يمكن تنزيله على الأول بحمل (أو) فيه على التخيير المجامع للترتيب، بل لعل قاعدة الاطلاق والتقييد تقضي بذلك، كل ذلك مع صراحة الموثق واحتمال الصحيح، وكذا الكلام فيما ذكره بعض الناس من قوة احتمال الاكتفاء بشاة مطلقا لحسن معاوية بن عمار (2) (في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل قال: عليه دم لأنه نظر إلى غير ما يحل له، وإن لم يكن أنزل فليتق الله تعالى ولا يعد وليس عليه شئ) إذ هو أيضا قابل للتنزيل على الموثق سواء أريد من الدم فيه الشامل للثلاثة أو خصوص الشاة، بل هو مقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيد. ثم إن الظاهر الرجوع في المفاهيم الثلاثة إلى العرف كما في نظائرها، وقيل ينزل ذلك على الترتيب فتجب البدنة على القادر عليها، فان عجز عنها فالشاة، بل عن الفاضل والشهيد القطع به، إلا أن الموثق ظاهر في الأول، نعم هو ظاهر في أن الكفارة للنظر لا للامناء كما سمعته في الحسن المصرح فيه ايضا بعدم الكفارة مع عدم الانزال، وبه يصرف هنا ظاهر التعليل في الموثق ثم إن ظاهر النص والفتوى عدم الفرق في الحكم المزبور بين ما لو قصد الامناء أو لا، وبين النظر بشهوة أو لا، ومعتاد الامناء وعدمه، لكن في المسالك هذا كله إذا لم يكن معتاد الامناء عند النظر أو قصد الامناء به، وإلا كان


(1) و (2) الوسائل - الباب 16 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 5

[ 387 ]

حكمه حكم مستدعي المني، وفيه مع أنه مناف لاطلاق النص والفتوى هنا ما عرفته سابقا من عدم دليل على الاستمناء إلا ما سمعت مما لا يصلح معارضا للمقام، والله العالم. (ولو نظر إلى امرأته لم يكن عليه شئ ولو أمنى) بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه غير واحد إلى قطع الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، بل عن المنتهى دعواه صريحا، بل لعله كذلك وهو الحجة بعد الأصل وصحيح معاوية ابن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم قال: لا شئ عليه) وزاد في الكافي (ولكن يغتسل ويستغفر ربه، وان حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى فلا شئ عليه، وان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم، وقال: في المحرم ينظر إلى امرأته وينزلها بشهوة حتى ينزل قال: عليه بدنة) وغيره كمفهوم التعليل في خبر أبي بصير (2) السابق ونحوه. (نعم لو كان) قد نظر إليها (بشهوة فأمنى كان عليه بدنه) كما صرح به غير واحد، بل في المدارك وغيرها نسبته إلى قطع الأصحاب أيضا، بل عن المنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد حسن مسمع أبي سيار (3) عن الصادق عليه السلام (ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور) المعتضد بما سمعت بناء على اتحاد المراد بالجزور والبدنة كما هو مقتضى الجمع بينه وبين ذيل الصحيح الأول الذي هو دليل آخر عى المطلوب أيضا خلافا للمحكي عن المفيد والمرتضى من إطلاق نفي الكفارة، ولعله للأصل المقطوع بما عرفت، واطلاق


(1) الوسائل - الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 16 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3.

[ 388 ]

الصحيح المزبور أو عمومه المقيد أو المخصص به ايضا، خصوصا بعد الالتفات إلى ما في ذيله بناء على ما قيل من أن قوله عليه السلام فيه (بشهوة) إن خص به الانزال تباين الصدر والذيل تباينا كليا، فليرجع إلى النظر أيضا ليمكن الجمع بينهما إما بحمل الذيل على الاستحباب أو تقييد الصدر بالنظر بغير شهوة، وهو الوجه لرجحان التخصيص على المجاز وإن وافق الأصل، وإن كان لا يخلو من نظر، ولكن عليه لم يبق إلا موثق اسحاق بن عمار (1) عن الصادق عليه السلام (في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى قال: ليس عليه شئ) القاصر عن معارضة الأول من وجوه، ولذا حمله الشيخ في التهذيب على السهو، هذا، وفي المسالك (ينبغي تقييد عبارة المتن بعدم اعتياده الامناء عند النظر أو قصده، وإلا وجبت الكفارة كما لو نظر بشهوة فأمنى) ونفى عنه البأس بعضهم بالنسبة إلى الأول، بل قال: إنه لا ينفك نظره عن الشهوة، وهو جيد، وعلى كل حال فما عن الحلبي - من أن في النظر بشهوة والاصغاء إلى حديثها وحملها أو ضمها الاثم، فان أمنى فدم شاة - كما ترى، وفي كشف اللثام وكأنه حمل الدم في حسن ابن عمار على الشاة كما هو المعروف والبدنة على الفضل، فان النظر دون المس، وفيه أنا لم نعثر على حسن لأبن عمار مشتمل على الدم في النظر، ولذا اعترف غيره بعدم الدليل له، وعلى تقديره فهو قاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، كما هو واضح. (ولو مسها) أي امرأته (بغير شهوة لم يكن عليه شئ) وإن أمنى إذا لم يكن معتاد الامناء ولا قصده بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم نصا وفتوى، ففي حسن الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن المحرم


(1) الوسائل - الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 7. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 وذيله في الباب - 18 - منها الحديث 1.

[ 389 ]

يضع يده من غير شهوة على امرأته قال: نعم يصلح عليها خمارها ويصلح عليها ثوبها ومحملها قلت: أفيمسها وهي محرمة ؟ قال: نعم، قلت: المحرم يضع يده بشهوة قال: يهريق دم شاة، قلت: قبل قال: هذا أشد، ينحر بدنة) وخبر محمد بن مسلم (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حمل امرأته وهو محرم فأمنى أو أمذى قال: إن كان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو لم يمن أمذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه) وعن الفقيه (فعليه دم شاة يهريقه، فان حملها أو مسها بغير شهوة فأمنى أو لم يمن فليس عليه شئ) وفي صحيح مسمع (2) من مس امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شئ عليه) وقد سمعت ما في صحيح ابن عمار (3). (و) من هذه النصوص يعلم الوجه فيما ذكره المصنف وغيره بل الأكثر بل المشهور من أنه (لو مسها بشهوة كان عليه شاة ولو لم يمن) ولاطلاق الدم في بعض النصوص جعل ابن حمزة فيما حكي عنه الفرض من قسم ما فيه الدم المطلق الذي جعله قسيما لما فيه بدنة أو بقرة أو شاة أو حمل أو جدي، ولكن فيه مضافا إلى انسياق الشاة من الدم أنه قد صرح بها في خبر ابن مسلم على ما عن الفقيه المعتضد بفتوى الأصحاب، ومنه يعلم ما في المحكي عن ابن ادريس من تخصيص الشاة بما إذا لم يمن، وإلا فالبدنة مع الامناء وإن استدل له بأنه أفحش من النظر الذي فيه بدنة، فيحتمل إطلاق الدم فيما سمعت على ما إذا لم يمن كما هو الغالب في المس ولو بشهوة، مضافا إلى ما في ذيل صحيح ابن عمار (4) السابق من البدنة (فيمن ينظر إلى امرأته وينزلها حتى ينزل) وإلى ضعف الخبر المزبور، فلا يعارض الصحيح المذكور، وفيه أولا انسياق الشاة من الدم، بل في خبر ابن مسلم على ما في الفقيه (فعليه دم شاة)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 6 - 3 - 1 - 1.

[ 390 ]

وثانيا ما عرفت من انجبار الخبر بفتوى المشهور شهرة كادت تبلغ الاجماع، فيرجح على الصحيح، بل قيل مع أن في العمل بالخبر ابقاء لاطلاق الصحيحين بل عموم أحدهما الناشئ عن ترك الاستفصال على حاله، فليطرح الصحيح أو يحمل على الاستحباب أو الاستمناء، وهو الوجه، وربما يشعر به قوله عليه السلام (ينزلها حتى ينزل) قلت: بل ظاهر الصحيح المزبور اعتبار النظر والنزول بشهوة حتى ينزل لا النزول خاصة، وحينئذ فالبدنة للنظر، ودعوى أفحشية المس من النظر لا توافق مذهب الامامية من حرمة القياس، وبالجملة فالعمل على المشهور، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. (ولو قبل امرأته) بغير شهوة (كان عليه شاة، ولو كان بشهوة كان عليه جزور) كما في النهاية والمبسوط والقواعد والتحرير والدروس وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل نسبه بعضهم إلى الأكثر، لما سمعته سابقا من قول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (1) (ينحر بدنة) الظاهر بمقتضى سياقه في كون التقبيل بشهوة ان لم نقل بانصراف التقبيل إلى ذلك ولو بملاحظة الغلبة، وخبر ابن أبي حمزة (2) عن الكاظم عليه السلام (في رجل قبل امرأته وهو محرم قال عليه بدنة وإن لم ينزل) وحسن مسمع أو صحيحه (3) عنه عليه السلام أيضا (فمن قبل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة ومن قبل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور ويستغفر ربه) إلا أنه ظاهر في اعتبار الامناء كما عن سلار وابن سعيد وإن أطلق أولهما وجوبها بالتقبيل وقيد ثانيهما بالشهوة كالمحكي عن ابن ادريس (من قبل امرأته بغير شهوة كان عليه دم، فان قبلها بشهوة كان عليه دم شاة إذا لم يمن، فان أمنى كان عليه جزور) قيل: ونحوه الحلبي،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 18 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 4 - 3.

[ 391 ]

لقوله: في القبلة دم شاة للأصل المقطوع بما سمعت، وضعف الخبر المنجبر بما عرفت، وظهور التقييد بالامناء في خبر مسمع المحمول على عدم ارادة التقييد بقرينة التصريح في الخبر المنجبر بما عرفت تقديما للنص على الظاهر، واطلاق الصادقين عليهما السلام في خبري زرارة (1) والعلاء بن الفضيل (2) بأن عليه دما مع ظهوره في الشاة المحمول على ارادة حال غير الشهوة. وبذلك كله ظهر لك أن المتجه في الجمع بين النصوص هو ما ذكره المصنف وغيره دون ما سمعته من ابن ادريس وغيره. ونحو ما عن الصدوق في الفقيه من إطلاق وجوب الشاة بالتقبيل وكذا ما عن المفيد والسيد والصدوق في المقنع من اطلاق البدنة مع إحتمال إرادة مع الشهوة، خصوصا الأول منهم لقوله: وإن هوت المرأة ذلك كان عليها مثل ما عليه) فان ظاهر قوله (وان هوت) الشهوة، ضرورة منافاة كل من هذه الأقوال لبعض النصوص بخلاف المختار. ولو قبلها بعد أن طاف هو طواف النساء دونها ففي صحيح ابن عمار أو حسنه (3) عليه دم يهريقه، قال: (سألته عن رجل قبل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي قال: عليه دم يهريقه من عنده) ولم يحضرني أحد عمل به على جهة الوجوب، فلا باس بحمله على ضرب من الندب، لأن الفرض كونه قد أحل، فلا شئ عليه إلا الأثم إن كان، وأما خبر العلاء بن فضيل (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وامرأة تمتعا جميعا فقصرت امرأته ولم يقصر فقبلها قال: يهريق دما، وإن كانا لم يقصرا جميعا فعلى كل واحد منهما أن يهريق دما) فالحكم فيه ظاهر لما عرفت كما أنك عرفت سابقا في محرمات الاحرام


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 7 - 6 - 2 - 6.

[ 392 ]

حكم قبلة الأم ونحوها مما لم تكن قبلة بشهوة ولذة، وأنه لا شئ عليها، قال الحسين بن حماد (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقبل أمه قال: لا بأس هذه قبلة رحمة، انما تكره قبلة الشهوة) بل استظهر منه اختصاص التحريم والكفارة بقبلة الشهوة دون غيرها، فلا شئ فيها، وإن كان فيه أن المراد منه إخراج قبلة الأم ونحوها من ذي المحارم ممن تكون قبلته لغير تلذذ وشهوة نكاح ومقاربة، وهو واضح، كوضوح حكم ما يحضر في الذهن هنا من قبلة الاجنبية والغلام المحرمين وغير المحرمين مع كون المقبل محرما، وحكم التقبيل بغير الوجه من النحر والبطن وتقبيل الأمرأة للرجل وغير ذلك بعد الاحاطة بنظائرها في الجماع، ومعلومية ملاحظة العنوان في الحكم على حسب ما تقتضيه الضوابط التي يخرج بها عن القياس المحرم، ومن هنا لم يكرر الأصحاب التفريع في كل موضوع خاص، والله العالم. (وكذا) يجب الجزور عليه (لو أمنى عن ملاعبة) بامرأته، بل وعلى الأمرأة لو كانت مطاوعة لصحيح ابن الحجاج (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألت عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان فقال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) بل في المدارك وغيره أن مقتضاه وجوب البدنة، لأنها الواجب في الجماع، ويمكن أن تكون هي المراد من الجزور كما سمعته مكررا، والله العالم. (ولو استمع على من يجامع فأمنى من غير نظر لم يلزمه شئ) بلا خلاف أجده فيه، للأصل وموثق سماعة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:


(1) الوسائل - الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 5. (2) الوسائل - الباب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 20 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 4. الجواهر - 49

[ 393 ]

(في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى قال: ليس عليه شئ) وغيره من النصوص، وكذا لا شئ عليه لو سمع كلام امرأة أو وصفها فأمنى، للأصل وخبر أبي بصير (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سمع كلام امرأة من خلف حائط وهو محرم فتشاهى حتى أنزل قال: ليس عليه شئ) نعم قد صرح غير واحد ومنهم ثاني الشهيدين في المسالك باستثناء معتاد الامناء بذلك، لأنه حينئذ من الاستمناء أي فتجب فيه البدنة كما عرفت سابقا، ولكن فيه ما تقدم أيضا من الاشكال خصوصا مع إطلاق النص والفتوى هنا، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، واحترز بقوله: (من غير نظر) عما لو نظر إلى الأمرأة المجامعة بالفتح فأمنى، فانه قد سمعت وجوب الكفارة حينئذ أما إذا نظر إلى المجامع دونها أو إلى المتجامعين وهما ذكران أو ذكر وبهيمة فلا شئ للأصل وإن قيل إنه أطلق الأصحاب شرط انتفاء النظر إليهما، وفي المهذب من غير أن ينظر إلى الذي يفعل، وجعل الحلبي في الأصغاء إليها مع الامناء شاة، ولكن لا يخفى أن الدليل لا يقتضي أزيد مما ذكرناه، بل يمكن تنزيل الاطلاق وغيره عليه، بل لعله الظاهر، والله العالم. (فرع لو حج) أو اعتمر (تطوعا فأفسده ثم أحصر كان عليه بدنة للافساد) لما تقدم من النص (2) المعتضد بالفتوى (ودم للاحصار) لذلك أيضا كما عرفته في محله، ولا تسقط بدنة الافساد بالاحصار لتحقق الهتك (و) لاطلاق الأدلة، كما أن الافساد لا يمنع التحلل بالاحصار للعمومات نعم (كفاه قضاء واحد) في سنته أو (في القابل) وإن قلنا في فساد حجة الاسلام إن الثانية الفريضة والأولى عقوبة، للفرق بأن المفروض فيما نحن فيه


(1) الوسائل - الباب 20 من أبواب الاستمتاع الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 3 و 12 من أبواب كفارات الاستمتاع.

[ 394 ]

أنه تطوع غير واجب، وإنما وجب بالاحرام الذي لا يتحلل منه إلا بأداء المناسك أو بالاحصار، وقد حصل الأخير، فخرج عن العهدة، ولم يبق عليه إلا حج العقوبة، واحتمال أنه بالاحرام وجب عليه حجة أو عمرة صحيحة ولم يأت بها فلا فرق بينه وبين حجة الاسلام واضح المنع بعد أصالة البراءة وانكشاف عدم وجوب الاتيان بها بالاحصار فضلا عن وجوب الاتيان بها صحيحة وقد تقدم تحقيق الحال في ذلك في بحث الاحصار. ثم ان ظاهر النصوص المتقدمة وجوب القضاء في القابل، والمنساق منه السنة الأولى مما بعد هذه السنة من السنين لا أي سنة كانت منها، كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق في ذلك بين حجة الاسلام وغيرها وبين ما كان الفاسد فوريا أولا، بل عن ظاهر المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، وفي محكي الخلاف القضاء على الفور إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم التي تضمنت أن عليه الحج من قابل، واحتمال إرادته إجماعهم على مضمون النصوص الذي يمكن منع انحصار القابل فيه في أولى ما بعد هذه السنة من السنين كما ترى، نعم قال بعد ذلك: ولا ناقد بيننا أن حجة الاسلام على الفور دون التراخي، وهذه حجة الاسلام، وهذا يفيد أنه على الفور إن كان الفاسد كذلك كما هو نص الفاضل في القواعد، لكن يمكن أن يكون ذلك دليلا على بعض أفراد الدعوى ولذا قال بعد ذلك أيضا وأيضا: فلا خلاف في أنه مأمور بذلك والأمر عندنا يقتضي الفور، وإن كان فيه منع واضح، كقوله أيضا: وما ذكرناه مروي عن عمر وابن عمر، ولا مخالف لهما يعني فكان اجماعا كما عن التذكرة والمنتهى، وزيد فيهما أنه لما دخل في الاحرام تعين عليه، فيجب أن يتعين عليه القضاء، ولعله يريد تعين عليه فورا وإن كان هو أيضا كما ترى، والعمدة ما ذكرناه من النصوص ومحكي الاجماع، ولولا ذلك لكان المتجه الفور إن كان القضاء فرضه وكان فوريا،

[ 395 ]

وإلا فالأصل العدم، والله العالم. (المحظور الثاني الطيب فمن تطيب) أي استعمل الطيب (كان عليه دم شاة سواء استعمله صبغا) بالكسر أي اداما أو بالفتح (أو إطلاءا ابتداء أو استدامة) بأن كان مستعملا له قبل الاحرام ثم أحرم (أو بخورا) أي تبخيرا (أو في الطعام) بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى الاجماع عليه، بل زاد في محكي التحرير (سواء استعمله في عضو كامل أو بعضه، وسواء مست الطعام النار أو لا) كما عن التذكرة بزيادة (شما ومسا، علق به البدن أو عبقت به الرايحة، واحتقانا واكتحالا واستعاطا لا لضرورة، ولبسا لثوب مطيب وافتراشا له بحيث يشم الريح، أو يباشر بدنه أو ثياب بدنه) بل قال: (لو داس بنعله طيبا فعلق بنعله وجبت الفدية) مستدلا على الجميع بالعمومات، والذي يحضرنا من النصوص صحيح زرارة (1) (من أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه شاة) وخبر علي بن جعفر (2) عن أخيه المروي عن قرب الاسناد (لكل شئ خرجت من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت) وصحيح زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام (من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسيا فلا شئ عليه، ويستغفر الله ويتوب إليه) والصحيح المضمر (4) (في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج فقال: إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه) ولكن في مرسل


(1) و (2) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 5. (3) و (4) الوسائل - الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 5.

[ 396 ]

حريز وصحيحه (1) عن الصادق عليه السلام (لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به ولا بريح طيبة، فمن ابتلى بشئ من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع قدر شبعه) وفي صحيح ابن عمار (2) عنه عليه السلام أيضا (اتق قتل الدواب كلها، ولا تمس شيئا من الطيب ولا من الدهن في إحرامك، واتق الطيب في زادك، وامسك على أنفك من الريح الطيبة، ولا تمسك من الريح المنتنة فانه لا ينبغي أن يتلذذ بريح طيبة، فمن ابتلى بشئ من ذلك فعليه غسله، وليتصدق بقدر ما صنع) وسأله عليه السلام الحسن بن هارون (3) (قلت له: أكلت خبيصا فيه زعفران حتى شبعت، قال: إذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكة فاشتر بدرهم تمرا ثم تصدق به يكون كفارة لما أكلت ولما دخل عليك في إحرامك مما لا تعلم). وعن الصدوق في المقنع الاقتصار على الفتوى بمضمونهما مع صحيح زرارة ولعل الأولى حمل هذه النصوص علي حال السهو أو الضرورة كما عن المنتهى، بل ربما يشعر به قوله عليه السلام (فمن ابتلى) والعمدة ما سمعته من النصوص ومحكي الاجماع المعتضد بما عن الخلاف من أنه (لا خلاف في أن في الدهن الطيب الفدية على أي وجه استعمله، وأن ما عدا المسك والعنبر والكافور والزعفران والورس والعود لا كفارة فيه عندنا للاجماع والأخبار وأصل البراءة، وأن في أكل طعام فيه طيب الفدية على جميع الأحوال، وقال مالك: (إن مسته النار فلا فدية) وقال الشافعي: (إن كانت أوصافه باقية من طعم أو لون أو رائحة ففيه الفدية، وإن بقي له وصف ومعه رائحة ففيه الفدية قولا واحدا، وإن لم يبق غير لونه وما


(1) الوسائل - الباب 18 من ابواب تروك الاحرام الحديث 6 و 11 (2) الوسائل - الباب 18 من ابواب تروك الاحرام الحديث 9 (3) الوسائل - الباب 3 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 397 ]

بقي ريح ولا طعم فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه والثاني لا فدية عليه قال: دليلنا عموم الأخبار في أن من أكل طعاما لا يحل له أكله وجبت عليه الفدية، وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه، وإن كان قد يشكل بأنه مع عدم بقاء الرائحة له لم يكن طعاما لا يحل له أكله وقال أيضا: إذا مس طيبا ذاكرا لاحرامه عالما بالتحريم رطبا كالغالية أو المسك أو الكافور إذا كان مبلولا بماء ورد أو دهن طيب فعليه الفداء في أي موضع كان من بدنه ولو بعقبه، وكذلك لو تسعط به أو حقن به، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: (لو ابتلع الطيب فلا فدية) وعندنا وعند الشافعي ظاهر البطن وباطنه سواء وكذلك إن حشى جرحه بطيب فداه، دليلنا عموم الأخبار التي وردت فيمن استعمل الطيب أن عليه الفدية، وهي عامة في جميع المواضع، وطريقة الاحتياط أيضا تقتضيه - قال: - وإن كان الطيب يابسا مسحوقا فان علق ببدنه منه شئ فعليه الفدية، فان لم يعلق بحال فلا فدية، وإن كان يابسا غير مسحوق كالعود والعنبر والكافور فان علق ببدنه رائحته ففيه الفدية، وقال الشافعي: إن علق به رائحته ففيه قولان، دليلنا عموم الأخبار وطريقة الاحتياط) ونحوه ما في محكي المبسوط بالنسبة إلى حكم الطيب، نعم ليس في محكي النهاية كالمهذب والسرائر سوى أكل ما لا يحل له فشاة، واستعمال دهن طيب فعن المهذب شاة وفي النهاية والسرائر دم وإن اضطر إليه، لكن ذلك ليس خلافا كعدم ذكر المفيد له في باب الكفارات، ولا في باب الكفارة عن خطأ المحرم كفارة إلا ما ذكره من (أن أكله طعاما لا يحل له متعمدا فعليه دم شاة) ونحوه عن ابن حمزة، بل قيل لم يذكر له سلار كفارة أيضا ولا السيد في الجمل، ولكنه قال أخيرا (فاما إذا اختلف النوع كالطيب واللبس فالكفارة واجبة علي كل نوع منه) ولا ابن

[ 398 ]

سعيد إلا قوله: روي (1) فيمن داوى قرحة له بدهن بنفسج بجهالة طعام مسكين) وقوله: (في الدهن الطيب مختارا دم) نعم عن النزهة (إذا استعمل المحرم المسك أو العنبر أو العود أو الكافور أو الزعفران مختارا وجب عليه شاة ولم أقف في التهذيب على خبر يتضمن وجوب الشاة في استعمال الكافور، والمعتمد في ذلك على عمل أصحابنا، وكذا ما عن الحلبي من الاقتصار على الشم والأكل قال: (في شم المسك والعنبر والزعفران والورس وأكل طعام فيه شئ منها دم شاة، وفيما عدا ذلك من الطيب الأثم دون الكفارة) وبالجملة فالعمدة ما سمعته من المنتهى والخلاف بل وغيرهما أيضا مضافا إلى ما سمعته من النصوص ولا يقدح سكوت هؤلاء، كما لا يقدح ما سمعته من الصدوق المحجوج على تقدير خلافه بما عرفت، كما هو واضح، ولكن قد تقدم سابقا في تروك الاحرام تحقيق الحال، فلاحظ وتأمل. ثم إنه قد عرفت حرمة الاستدامة كحرمة الابتداء فان كان عليه أو على ثوبه طيب وسهى عن إزالته إلى أن أحرم أو وقع عليه وهو محرم أو سهى فتطيب وجبت إزالته بنفسه أو بغيره، ولا كفارة عليه بغسله بيده، لأنه بذلك تارك للطيب لا متطيب كالماشي في الأرض المغصوبة للخروج عنها، ولقوله صلى الله عليه وآله (2) لمن رأى عليه طيبا: (اغسل عنك الطيب) وعن المبسوط والمنتهى والتذكرة استحباب الاستعانة فيه بحلال، بل لعل الأولى استقلاله (3) بازالته، لما سمعته من التذكرة من ترتب الفدية عليه لو داسه بنعله فضلا عن غسله بيده، بل لا يبعد تعين الحلال عليه إذا كان غسله بيده يستلزم بقاء الطيب بيده، والله العالم


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5 (2) صحيح مسلم ج 4 ص 4 (3) هكذا في النسخة الأصلية ولعل الصواب (عدم استقلاله)

[ 399 ]

(ولا باس بخلوق الكعبة وإن كان فيه زعفران، وكذا الفواكه كالاترج والتفاح، والرياحين كالورد والنيلوفر) أي لا بأس بشمها كخلوق الكعبة، لكن احتمل في المسالك كونه معطوفا على الطيب للرواية الصحيحة (1) الدالة على تحريمه، قال: (وهو الأقوى، لكن يستثنى منه الشيح والخزامي والأذخر والقيصوم للرواية (2)) قلت: تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا في التروك، فلاحظ وتأمل، والله العالم. المحظور (الثالث القلم، وفي كل ظفر مد من طعام) إلى أن يبلغ العشرة أو العشرين (و) حينئذ ف‍ (في أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد) إذا لم يتخلل التكفير (دم) واحد (ولو كان كل واحد منهما في مجلس لزمه دمان) وفاقا للمشهور في ذلك كله، بل عن الخلاف والغنية والمنتهى الاجماع عليه، بل هو كذلك في الأخير، وأما الأول فهو الحجة فيه بعد المعتبرة المستفيضة، ففي صحيح أبي بصير (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قلم ظفرا من أظفاره وهو محرم قال: عليه مد من طعام حتى يبلغ عشرة، فان قلم أصابع يديه كلها فعليه دم شاة، قلت: فان قلم أظفار يديه ورجليه جميعا فقال: إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، وإن كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان) وعن نسخة بدل (مد من طعام) قيمته، إلا أن النسخة الأولى هي الموافقة لفتوى المعظم ومحكي الاجماع والاحتياط، ولخبر الحلبي (4) المنجبر ضعفه بما سمعت، (سألته عن محرم قلم أظافيره قال: عليه مد في كل اصبع،


(1) الوسائل - الباب 25 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 و 3. (2) الوسائل - الباب 25 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب 12 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 2.

[ 400 ]

فان هو قلم أظافيره عشرتها فان عليه دم شاة) خلافا للمحكي عن الاسكافي ففي الظفر مد أو قيمته حتى يبلغ خمسة فصاعدا فدم إن كان في مجلس واحد فان فرق بين يديه ورجليه فليديه دم ولرجليه دم وعن الحلبي (في قص ظفر كف من طعام، وفي أظفار إحدى يديه صاع، وفي أظفار كلتيهما دم شاة، وكذا حكم أظفار رجليه، وإن كان الجميع في مجلس فدم) وهما محجوجان بما سمعت، بل في المدارك (لم نقف لهذين القولين على مستند) وهو كذلك بالنسبة إلى تمام الدعوى، أما بعضها فقد يشهد للاسكافي في التخيير ما سمعته من نسختي المد والقيمة، وللدم في الخمسة صحيح حريز (1) عن الصادق عليه السلام (في المحرم ينسى فيقلم ظفرا من أظافيره قال: يتصدق بكف من الطعام، قال: قلت: اثنين قال: كفين، قلت: فثلاثة قال: ثلاثة أكف حتى تصير خمسة فإذا قلم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان) ومرسله (2) عن أبي جعفر عليه السلام (في محرم قلم ظفرا قال: يتصدق بكف من طعام، قال: قلت: ظفرين قال: كفين، قال: ثلاثة قال: ثلاثة أكف، قال: أربعة قال: أربعة أكف، قال: خمسة قال: عليه دم يهريقه، فان قص عشرة أو أكثر من ذلك فليس عليه إلا دم يهريقه) ولكن الأول في الناسي الذي لا شئ عليه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، على أنه والثاني الذي لا جابر له قد تضمنا التقدير بالكف من الطعام، ويمكن تحصيل الاجماع على خلافه، فيكون من الشواذ إن لم تحمل على الندب، مع احتمال الاأخير اتحاد المجلس والتقية، فان المحكي عن أبي حنيفة إيجاب الدم لها، بل لعل الأول كذلك إن لم يكن في الناسي، وأما صحيح ابن عمار وحسنه (3) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 12 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 3 - 5 - 4. الجواهر - 50

[ 401 ]

تطول أظفاره أو ينكسر بعضها فيؤذيه قال: لا يقص شيئا منها إن استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصها وليطعم، مكان كل ظفر قبضة من طعام) فحمله على الضرورة متجه، وإلا فقد عرفت الاجماع على عدم التقدير بذلك. وأما الصاع فلم نجد له أثرا في شئ مما وصل الينا من النصوص، ولعله أراد به صاع النبي صلى الله عليه وآله الذي هو خمسة أمداد، وحينئذ يكون موافقا للمشهور كالمحكي عن ابن أبي عقيل (من انكسر ظفره وهو محرم فلا يقصه، فان فعل فعليه أن يطعم مسكينا في يده) بناء على إرادة الكناية عن المد بذلك، وعن ابن حمزة أنه جعل تقليم أظفار اليدين في مجلس مما فيه شاة، وتقليم أظفار اليدين والرجلين في مجلس مما فيه دم مطلق، وفي مجلسين مما فيه دمان، للتصريح بالشاة للأول في خبري الحلبي وأبي بصير بخلاف الثاني وفيه أن الظاهر إرادة الشاة من الدم، هذا. وفي اليد الناقصة إصبعا فصاعدا أو اليدين الزائدتين إشكال أما الناقصة فمن صدق اليدين، ومن الأصل والنص على العشر في الأخبار، وأما الزائدة من اصبع أو يد فللشك في دخولهما في إطلاقهما وعن فخر الاسلام الأقوى عندي أنها كالأصلية، وتبعه في الدروس ولعل المنساق من النص والفتوى خلافه، فالأصل حينئذ بحاله وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، كما أن المنساق منهما أيضا ما صرح به غير واحد من أن وجوب الدم والدمين إذا لم يتخلل التكفير عن السابق قبل البلوغ إلى حد يوجب الشاة، وإلا تعدد المد بحسب تعدد الأصابع. ولو كفر بشاة لليدين أو الرجلين ثم أكمل الباقي في المجلس وجب عليه شاة أخرى وإلا لزم خلو الباقي عن الكفارة مع تحريمه قطعا، وهو باطل ولا ينافيه الاطلاق المزبور بعد تبادر غير الفرض منه، هذا، وفي المسالك وكما

[ 402 ]

تجب الشاة لليدين والرجلين في مجلس واحد كذا تجب لأحدهما مع بعض الآخر نعم لو قلم إحدى اليدين وإحدى الرجلين بل لو قلم عن كل منهما ما ينقص عن المجموع بيسير فالفدية لكل ظفر لا غير، وهو كذلك بالنسبة إلى الأخير، أما الأول فقد يشكل بأن المتجه حينئذ المد للزائد على عشرة اليدين أو الرجلين، ثم فيها أيضا وفى غيرها أن بعض الظفر كالكل، نعم لو قصه في دفعات مع اتحاد المجلس لم تتعدد الفدية، ولو تغاير ففى التعدد وجهان، من وجوب الفداء بالسابق فلا يسقط ومن صدق قص ظفر واحد، قلت: قد ينقدح الشك من الأخير في إلحاق حكم البعض بالكل بعد فرض عدم صدق قص الظفر المفروض كونه عنوانا للحكم، وقد يحتمل توزيع المد والسقوط، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. (ولو أفتاه) مفت خطأ (بتقليم ظفره ف‍) قلمه و (أدماه لزم المفتي شاة) بلا خلاف أجده فيه، لخبر إسحاق (1) عن أبي ابراهيم عليه السلام (ان رجلا قلم أظفاره فكانت إصبع له عليلة فترك ظفره لم يقصه فأفتاه رجل بعد ما أحرم فقصه فأدماه قال: على الذي أفتاه شاة) المنجبر بعمل الأصحاب كما اعترف به غير واحد مشعرين بالاجماع عليه، بل في موثقه (2) سأله عليه السلام أيضا (أن رجلا أفتاه أن يقلمها وأن يغتسل ويعيد إحرامه ففعل قال: عليه دم) بناءا على عود الضمير فيه إلى المفتي، ولكن ينبغي تقييده بالادماء حينئذ ليوافق الخبر الأول المفتى بمضمونه، ولقاعدة الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقن نعم الظاهر أنه لا يشترط إحرام المفتي ولا كونه من أهل الاجتهاد لترك الاستفصال كما صرح به في الدروس والمسالك وغيرهما، لكن قد يقال باشتراط


(1) الوسائل - الباب 13 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 77 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2

[ 403 ]

صلاحيته للافتاء بزعم المستفتي ليتحقق كونه مفتيا كما استظهره في المسالك خلافا للمحكي عن ظاهر جماعة على ما في الرياض من اعتبار الاجتهاد في المفتي، لأنه المتبادر منه دون غيره، وفيه منع واضح، بل لولا ظهور الاتفاق أمكن تنزيل الخبر على المفتي من العامة الذي هو الغالب في ذلك الزمان، ولو تعمد المستفتي الادماء فلا شئ فيه على المفتي، وفي الدروس الأقرب قبول قول القالم في الادماء، ولا يخلو من نظر، وكذا قوله فيها: (ولو أفتى غيره فقلم السامع فأدمى فالظاهر الكفارة أيضا) ولو أفتاه بالادماء فأدمى أو بغيره من المحظورات ففي الدروس احتمل الضمان لما روى (1) أن كل مفت ضامن والأقوى خلافه للأصل بعد معلومية عدم إرادة ما نحن فيه من الضمان، ولذا قال هو قبل ذلك: إنه لو أفتاه مفت بالحلق فلا شئ عليه، والأقرب عدم ضمان المفتى، هذا، وفي القواعد وغيرها (ولو تعدد المفتى تعددت الشاة) وظاهره عدم الفرق بين الفتوى دفعة وعلى التعاقب، ولكن قد يحتمل الاتحاد معه لأصل البراءة واستناد القلم إلى الجميع أو الاتحاد إذا أفتوا دفعة، وإلا فعلى الأول خاصة، لاستناد القلم إليه، والتعدد إن كان كل منهم بحيث يكتفى بفتياه القالم، وإلا فلا، ولو كان بعضهم كذلك دون بعض كانت الشاة عليه دونه، وإن كان كل منهم يكتفى بفتواه فان تعاقبوا كانت على الأول خاصة، وإلا فعلى كل واحد، ولعل الأقوى وجوب الشاة الواحدة على الجميع إذا كان قد استند القلم إلى فتواهم التي هي من باب التسبيب المقدم على المباشر، خصوصا إذا كان الافتاء دفعة، وفي الرياض (وفي تعدد الشاة بتعدد المفتي مطلقا أو وحدتها كذلك موزعة عليهما أو مع الافتاء دفعة وإلا فعلى الأول خاصة أوجه: أحوطها الأول وأوجهها الثالث لاطلاق النص في


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب آداب القاضي الحديث 2 من كتاب القضاء.

[ 404 ]

المفتي الأول، لدخوله فيه بيقين بخلاف الثاني، لعدم وضوح دخوله فيه بعد اختصاصه بحكم التبادر بالمفتي الأول، هذا إن قلنا بعدم اعتبار الاجتهاد في المفتي أو كان الأول مجتهدا ولو انعكس واعتبرنا الاجتهاد فيه انعكس الأمر فتجب الشاة على الثاني دون الأول) وفيه نظر من وجوه تعرف مما ذكرناه، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. المحظور (الرابع) لبس (المخيط حرام على المحرم) مع الاختيار كما عرفت الكلام فيه مفصلا في التروك وحينئذ (فلو لبس) عالما عامدا مختارا (كان عليه دم) شاة بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص التي منها صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام (من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا أو ساهيا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) وخبر سليمان (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يلبس القميص، متعمدا قال: عليه دم) (و) غيرهما من النصوص، بل (لو اضطر إلى لبس ثوب يتقي به الحر أو البرد جاز وعليه) دم (شاة) أيضا بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد النصوص أيضا التي منها مضافا إلى إطلاق الأولى صحيح ابن مسلم (3) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها قال: عليه لكل صنف منها فداء) بل استدامة اللبس بعد الاحرام وعلمه كابتدائه في لزوم الفدية كما صرح به بعضهم للصدق، بل ربما استدل زيادة على ذلك بقوله تعالى (4): (فمن


(1) و (2) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب 9 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1. (4) سورة البقرة الآية 192.

[ 405 ]

كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) بتقدير كون المراد منه من كان منكم مريضا فلبس أو تطيب أو حلق، وإن كان فيه منع واضح باعتبار ظهور السوق في إرداة الحلق منها، لتفريعها على قوله تعالى (1): (ولا تحلقوا رؤوسكم) فيكون المراد من كان منكم مريضا محتاجا إلى الحلق وإلا لكان فدية اللبس مخيرة، ولم أعرف قائلا به، فالأولى الاقتصار في الاستدلال على ما عرفت. نعم عن الخلاف والتذكرة والمنتهى استثناء السراويل، فلا فدية فيها مع الضرورة للأصل وخلو النصوص والفتاوى عن ذكرها لها، بل عن ظاهر الثاني الاجماع عليه، وفيه أن النصوص المزبورة تشملها ضرورة كونها من الثياب واحتمال أنه عند الضرورة ينبغي له لبسه يدفعه أولا عدم اختصاصها حينئذ بالحكم وثانيا قوله عليه السلام: (ففعل ذلك ناسيا) على أنه لا يتم في صحيح ابن مسلم، فالعمدة حينئذ الاجماع المزبور إن تم، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، فلاحظ، هذا. وفي القواعد وكذا لو لبس الخفين أو الشمشك وإن كان مضطرا أي كان عليه شاة وإن انتفى التحريم في حقه، ولعله لما قيل من أن الأصل في تروك الاحرام الفداء إلى أن يظهر المسقط، ولا دليل على سقوطه هنا، وعموم الخبرين - وفيه منع - دليل على الأصل المزبور حتى في المخيط، وعدم عموم الثوب في الخبرين لهما، ولعله لذا كان المحكي عن التهذيب والخلاف والتذكرة عدم الفدية إذا اضطر للأصل وتجويز اللبس في صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام من غير إيجاب فداء مع أنه وقت حاجة، وعن ابن حمزة جعلهما مما فيه الدم المطلق الذي


(1) سورة البقرة الآية 192. (2) الوسائل - الباب 51 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2.

[ 406 ]

جعله قسيما للشاة والبقرة والبدنة إذا لبسهما مختارا، ولا دليل عليه أيضا، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أيضا، كما أنه تقدم أيضا في شمول اللبس للتوشح ولذا قال في القواعد: والتحريم في المخيط متعلق باللبس، ولو توشح به فلا كفارة على إشكال أي من الاشكال في كونه لبسا، وفي أن المحرم اللبس مطلقا أو مع الاحاطة، وربما يؤيد العدم تجويز لبس القباء مقلوبا عند الضرورة من غير إدخال اليدين في الكمين، وطرح القميص على العاتق إن لم يكن رداء، وقول أحدهما عليهما السلام في صحيح زرارة (1): (يلبس كل ثوب إلا ثوبا يتدرعه) وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار وحسنه (2) (لا تلبس ثوبا له أزرار وأنت محرم إلا أن تنكسه ولا ثوبا تدرعه) وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، بل تقدم أيضا ما في المسالك هنا من أن الظاهر أن ما ألحق بالمخيط من الدرع المنسوج ونحوه بحكمه، وكذا القباء إذا لبسه المضطر غير مقلوب، والطيلسان إذا زره، فلاحظ وتأمل، ويأتي الكلام إنشاء الله في تعدد اللبس ولبس عدة ثياب في وقت واحد، والله العالم. المحظور (الخامس حلق الشعر، وفيه شاة أو إطعام عشرة مساكين، لكل منهم مد، وقيل ستة لكل منهم مدان أو صيام ثلاثة أيام) بلا خلاف أجده في وجوب أحد الثلاثة في حلق شعر الرأس للمحرم، بل في المنتهى ومحكي التذكرة لا فرق بين شعر الرأس في ذلك والبدن عند أهل العلم عدا أهل الظاهر وإن كان المحكي عمن قبل المصنف ذكر الرأس، بل ينبغي على الاول استثناء حلق الابطين أو نتفهما أو نتف أحدهما من العموم، لما ستعرفه، وعلى كل


(1) الوسائل - الباب 36 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5. (2) الوسائل - الباب 35 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1.

[ 407 ]

حال فالذي يدل على الفداء المزبور مضافا إلى ظاهر الآية (1) والاجماع في غير تقدير الصدقة مرسل حريز (2) عن الصادق عليه السلام (مر رسول الله صلى الله عليه وآله على كعب بن عجزة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال له: أتؤذيك هوامك ؟ فقال: نعم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله أن يحلق وجعل الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين مدان والنسك شاة، قال أبو عبد الله عليه السلام: وكل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، وكل شئ في القرآن فمن لم يجد كذا فعليك كذا فالأول بالخيار) أي الأول المختار والثاني بدل عنه ورواه الشيخ في التهذيب بطريق لا يبعد صحته عن حريز عن الصادق عليه السلام، وخبر عمر بن يزيد (3) عنه عليه السلام أيضا قال: (قال الله تعالى: (فمن كان) - الآية - فمن عرض له أذى من رأسه أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وانما عليه واحد من ذلك). ولا ينافى ذلك ما في صحيح زرارة (4) (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) وصحيحه (5) الآخر عنه عليه السلام أيضا (من نتف إبطه أو قلم


(1) سورة البقرة الآية 192. (2) و (3) الوسائل - الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 2. (4) الوسائل - الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1. (5) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1.

[ 408 ]

أظفاره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) ولعله لذا كان المحكى عن سلار أنه اقتصر على قوله: (من حلق رأسه من أذى فعليه دم) ولكن يمكن في الصحيحين إرادة احد الأفراد بالنسبة إلى حلق الراس، وانما ذكره لكونه القدر المشترك بينه وبين الأمور المذكورة معه وإن اختص هو بفردين آخرين أو ان ذلك مخصوص بمن تعمد حلق راسه من غير اذى كما ستعرف. انما الكلام في أن ظاهر الآية والرواية اختصاص ذلك بحلق الرأس، لكن قد سمعت ما في المنتهى والتذكرة من الاجماع على عدم الفرق بين الراس وغيره، بل عن الأخير وغيره أن المراد بالحلق هنا وبالنتف في الابطين مطلق الازالة كما عنون به بعضهم مؤيدا بالاعتبار الذي هو عدم التنظيف والرفاهة الحاصلة بمطلق الازالة، بل لعل خبر ابن يزيد أيضا يعم غير الحلق وغير الرأس نعم عن النزهة (أن التخيير انما هو لمن حلق رأسه من أذى، فان حلقه من غير أذى متعمدا وجب عليه شاة من غير تخيير) ومال إليه غير واحد من متأخري المتأخرين، ولعله لاختصاص دليل التخيير بالأول دون الثاني، فان ما سمعته من صحيح زرارة ظاهر في التعيين، ولا بأس به إن لم يكن إجماع على عدم الفرق في خصال الفدية بين الضرورة وغيرها كما عساه يظهر من المنتهى ونحو إطلاق المصنف فيحمل الصحيح المزبور على ما ذكرناه أولا ولكن الاحتياط باختيار الفرد المخصوص منها لا ينبغي تركه. ثم الأشهر في الرواية والفتوى على ما في كشف اللثام كون الصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين مدان، وأما العشرة فقد سمعت خبر عمر بن يزيد الجواهر - 51

[ 409 ]

عن الصادق عليه السلام إلا أن فيه (يشبعهم) وخير بينهما في التهذيب ومحكي الاستبصار والجامع والدروس، وفي النافع بين عشرة أمداد لعشرة وإثنى عشر لستة، وعن النهاية والمبسوط الاحتياط باطعام عشرة، وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما سمعته، بل عن المختلف الأحوط الستة لكل واحد مدان، وفى القواعد ومحكي الوسيلة نحو ما في الكتاب عشرة لكل واحد مد، ولعل تعيين ذلك لكونه الذي يشبع به المسكين غالبا، وعن المقنعة والنهاية والمبسوط والسرائر ستة أمداد لستة، ولم نعرف له مستندا إلا ما أرسله (1) في الفقيه، قال: (والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين صاع من تمر) وروي (2) ومد من تمر، على أن المحكي في التهذيب من عبارة المقنعة (لكل مسكين مدان) ولعل الأقوى الستة لكل مسكين مدان، لصحة مستنده، بل في المدارك أفتى به الشيخ وأكثر الأصحاب، مضافا إلى ما سمعته من كونه الأشهر فتوى ورواية، مع ضعف رواية العشر على وجه تكافؤه كي يجمع بينهما بالتخيير بين ذلك وبين إشباع العشرة خصوصا بعد اشتماله على ما لا يقول به الأصحاب من الأكل من الفداء، بل عن الغنية نفي الخلاف عن الستة وان كان لم يصرح بالمد والمدين، ودعوى انجبار الخبر المزبور بالشهرة المحكية في المسالك يدفعها عدم تحقق ذلك، بل لعل المتحقق خلافه إذ لم نعرفه إلا لمن سمعت، وكذا القول بالتخيير فانه وإن ذكره من عرفت إلا أنه بين إثنى عشر مدا وإشباع العشرة أو عشرة أمداد لكل واحد مد، وهو موقوف على المكافأة، وبالجملة فلا ريب في أن الأقوى الستة لكل واحد مدان، هذا. وقال الحلبيان فيما حكي عنهما في قص الشارب أو حلق العانة أو الابطين


(1) و (2) الوسائل - الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 4 - 5.

[ 410 ]

دم شاة، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان لم أجد في الأول خبرا مخصوصا، بل والثاني إلا أنه يمكن استفادته من فحوى نتف الابطين، كما أني لم أجد هنا عاملا بما في خبر الحسن الصيقل (1) (إذا اضطر إلى حلق القفا للحجامة فليحلق وليس عليه شئ) لكن قد تقدم في التروك بعض الكلام في ذلك فلاحظ وتأمل ثم إن الظاهر كون المدار على صدق مسمى حلق الرأس وإن لم يكن جميعه كما إذا ابقى في قنته شيئا، نعم لو حلق منه ما لا يصدق معه مسمى حلق الرأس أمكن القول بوجوب دم عليه إذا كان مساويا لنتف الابط أو أزيد وإن كان لا يخلو من نظر، وفي المنتهى والكفارة عندنا تتعلق بحلق جميع الرأس أو بعضه قليلا كان أو كثيرا، لكن يختلف، ففي حلق الرأس دم، وكذا فيما يسمى حلق الرأس، وفي حلق ثلاث شعرات صدقة بمهما كان، ولعله لما تسمعه فيمن مس لحيته أو رأسه فوقع منهما شئ، وحينئذ يتجه اعتبار ما تسمعه. ولا فرق في ترتب الفدية على الحلق بين فعله بنفسه أو بغيره مع الاذن له سواء كان الحالق محلا أو محرما، أما إذا لم يأذن فحلق راسه غيره على وجه لا يستند الفعل إليه ولو بالرضا منه فالظاهر عدم ترتب الفدية على أحد منهما للأصل السالم عن المعارض ولو قلنا بالاثم على الحالق في بعض الأحوال، إذ هو أعم من ترتب الكفارة، كما انها لا تترتب على المحرم الحالق للمحل بل ولا إثم أيضا، والمنساق من قوله تعالى (2) (ولا تحلقوا) ما هو المتعارف من كون الحلق بنفسه أو بطلب منه ونحوه فتترتب الفدية عليه دون المباشر الذي قد عرفت عدم ثبوتها في حقه حتى في صورة الاكراه، والله العالم. (ولو مس لحيته أو راسه فوقع منهما شئ أطعم كفا من طعام) كما


(1) التهذيب ج 5 ص 306 الطبع الحديث. (2) سورة البقرة الآية 192.

[ 411 ]

في النافع والقواعد ومحكي الغنية والسرائر، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب بل عن ظاهر المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد قول الصادق عليه السلام في صحيح هشام بن سالم (1) (إذا وضع أحدكم يده على رأسه أو لحيته وهو محرم فيسقط شئ من الشعر فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق) وفي صحيح (2) آخر له (بكف من كعك أو سويق) والشئ يعم الشعرة والأكثر كنحو عبارة المصنف، وعن السيد وسلار سقوط شئ من شعره بفعله من غير تخصيص بشعر الرأس واللحية، وعن النهاية والمبسوط كف أو كفان ولعله لقول الصادق عليه السلام في صحيح منصور (3) (في المحرم إذا مس لحيته فوقع منها شعرة قال: يطعم كفا من طعام أو كفين) ولكن لا يخفى عليك ان المتجه في مثله الحمل على الندب كما في غيره من أفراد التخيير بين الأقل والأكثر فما عن الوسيلة والمهذب من الكفين احتياطا بالأخذ بالأكثر في غير محله إلا ان يريد ما ذكرناه، وعن المقنع (إذا عبث المحرم بلحيته فسقط منها شعرة أو ثنتان فعليه ان يتصدق بكف أو كفين من طعام) وهو كما ترى يحتمل معنيين وعن الجامع صدقة لقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (4) (يطعم شيئا) وفي حسن الحلبي (5) (ان نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئا فعليه ان يطعم مسكينا في يده) ولكن يمكن تقييدهما بأخبار الكف، وإن كان الانصاف إن لم يكن إجماع ظهور هذه النصوص في إرادة الندب، خصوصا بعد قول الصادق في خبر الحسن بن هارون (6) وسأله عليه السلام (انه مولع بلحيته وهو محرم


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 16 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5 - 2 - 9 - 4 (2) الوسائل - الباب 16 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5 بسند الصدوق والكليني قدس سرهما.

[ 412 ]

فتسقط الشعرات قال: إذا فرغت من إحرامك فاشتر بدرهم تمرا وتصدق به فان تمرة خير من شعرة) بل سأله عليه السلام ليث المرادى (1) (عمن يتناول لحيته وهو محرم يعبث بها فينتف منها الطاقات يبقين في يده خطأ أو عمدا فقال لا يضره) واحتمال إرادة عدم استحقاق العقاب من عدم الضرر باعتبار الصدقة بالكف كما ترى، وعن جعفر بن بشير والمفضل بن عمر النباحي (2) سأله عليه السلام (عن محرم مس لحيته فسقط منها شعرتان فقال عليه السلام: لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان علي شئ) ودعوى ظهوره في غير المتعمد يدفعها أنه مثل نصوص الكف والكفين. (و) كيف كان فالمشهور أنه (لو فعل ذلك في وضوء الصلاة لم يلزمه شئ) للأصل والحرج ومنافاة إيجاب الكفارة فيه لغرض الشارع، وصحيح الهيثم ابن عروة التميمي (3) قال: (سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يريد إسباغ الوضوء فيسقط من لحيته الشعرة والشعرتان فقال: ليس بشئ، ما جعل عليكم في الدين من حرج) بل ظاهره عدم اختصاص ذلك بالوضوء للصلوة ولعله لذا كان المحكي عن بني زهرة وإدريس والبراج الطهارة التي تعم الغسل المصرح به في محكي الخلاف والمبسوط والدروس، بل في غيرها التصريح بالحاق التيمم وإزالة النجاسة والحك الضروري، لكن عن الصدوق والسيد وسلار إطلاق


(1) و (3) الوسائل - الباب 16 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 8 - 6 (2) الوسائل - الباب 16 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 7 عن جعفر بن بشير والمفضل بن عمر قال: (دخل الساجبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال: ما تقول في محرم مس... الخ) وكذلك في التهذيب ج 5 ص 339 الرقم 1173 وفيه (النباجي)

[ 413 ]

التكفير من غير استثناء، بل عن المفيد التصريح بأن على من أسبغ الوضوء فيسقط شئ من شعره كفا من طعام، وإن كان الساقط من شعره كثيرا فعليه دم شاة، وكذا عن سلار، وكأنهما ألحقاه بالحلق، ولكن لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا، والله العالم. (ولو نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين، ولو نتفهما لزمه شاة) بلا خلاف أجده في الثاني منهما، لصحيح حريز (1) (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من حلق راسه أو نتف إبطيه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) بل والأول إلا من بعض متأخري المتأخرين، لخبر عبد الله بن جبلة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في محرم نتف إبطه قال: يطعم ثلاثة مساكين) والمناقشة بضعف السند يدفعها الانجبار بالعمل خصوصا من مثل من لا يعمل إلا بالقطعيات كابني زهرة وإدريس، على أنه معتضد بمفهوم الشرط في الصحيح الاول المقتضي عدم الدم في نتف أحد الابطين، بل


(1) الوسائل - الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 وهو صحيح زرارة المتقدم قريبا وفيه (أو نتف إبطه) وليس لحريز في المقام إلا رواية واحدة نقلها الشيخ في الاستبصار ج 2 ص 199 الرقم 675 عن أبي جعفر عليه السلام، وفي التهذيب ج 5 ص 340 الرقم 1177 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا نتف الرجل إبطيه بعد الاحرام فعليه دم) ونقلها الصدوق قدس سره في الفقيه ج 2 ص 228 الرقم 1079 عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه (إبطه) بدل (إبطيه) وقد تعرض لهما في الجواهر ج 18 ص 377 (2) الوسائل - الباب 11 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2

[ 414 ]

من ذلك يعلم أن المراد بالابط فيما مر من صحيح زرارة (1) الذي أوجب فيه الدم الابطين، بل وكذا ما في صحيح حريز (2) السابق على ما رواه في الفقيه من الافراد، بل قد يقال إن الغالب نتف الابطين معا فينصرف إطلاق الابط إليه، وإن كان مقتضى ذلك عدم الوثوق بالمفهوم المزبور، لخروج الشرط حينئذ مخرج الغالب، بل وإطلاق خبر ابن جبلة، لكن في الرياض لا ضير في ذلك بعد الاجماع على لزوم شئ في نتف الابط الواحدة إما الاطعام أو الشاة، ولا دليل على الثاني مع مخالفته لأصل البراءة، فتعين الأول، ويمكن جعل هذا الاجماع قرينة على رجوع الاطلاق في الرواية إلى خصوص غير الغالب تخصيصا أو تجوزا، وهما شائعان، ولا بأس في المصير اليهما بعد تعذر الحقيقة، وإن كان فيه من المناقشة ما لا يخفى، نعم قد يقال إن شهرة الأصحاب ترجح على الغلبة التي تقتضي صرف إطلاق الابط في خبر ابن جبلة إلى الابطين، خصوصا بعد عدم القائل به، بل الاجماع على لزوم الشاة فيهما، هذا. وقد ألحق جماعة حلق الابطين بنتفهما، وكذا نتف الابط الواحدة ولا بأس به، وعلى كل حال فالحكم هنا مستثنى مما سمعته سابقا من التخيير في الفداء بين الصيام والصدقة والنسك في إزالة الشعر. ثم إن الظاهر عدم كون بعض الابط كالكل للأصل، وإرشاد الفرق بين الواحدة والاثنتين، وحينئذ فلو نتف من كل إبط شيئا لا يتحقق به صدق اسم نتف الابط لم تترتب الكفارة، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط فيه، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 11 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 وتقدم في ج 18 ص 377

[ 415 ]

(وفي التظليل سائرا شاة) كما في النافع والقواعد وغيرهما، ومحكي الكافي والغنية والمهذب والجامع، بل في المدارك مذهب الأصحاب عدا ابن الجنيد وجوب الفدية بالتظليل، وانما اختلفوا فيها فذهب الأكثر إلى أنها شاة، وهو كذلك، بل هو المشهور للمعتبرة المستفيضة (1) الدالة على ذلك، بل في بعضها تفسير الفدية بها، قال إبراهيم بن أبي محمود (2) (قلت للرضا عليه السلام المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضره قال: نعم، قلت: كم الفداء قال: شاة) وقال ابن بزيع (3) (سأله عليه السلام رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع فأمره أن يفدي شاة يذبحها بمنى) وغير ذلك من النصوص المنجبر ضعف السند في بعضها بالعمل، فيجب حينئذ حمل إطلاق الفدية والدم في غيرها على الشاة لقاعدة الاطلاق والتقييد نعم في صحيح علي بن جعفر (4) (سألت أخي موسى عليه السلام أظلل وأنا محرم فقال: نعم وعليك الكفارة قال - أي الراوي عن علي بن جعفر -: فرأيت عليا أي علي بن جعفر كما فهمه الأكثر على ما قيل: إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل) وربما كشف ذلك عن فهم علي بن جعفر كونها الكفارة أو ما يعمها، ولكن فهمه وفعله ليس حجة تصلح معارضا للنصوص المزبورة، خصوصا بعد عدم القائل به، وإن حكي عن المقنعة وجمل العلم والعمل والمراسم والنهاية والمبسوط والسرائر التعبير بدم كبعض (5) النصوص إلا إن المنساق


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 0 - 6 - 2 - 1 (2) الوسائل - الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5 وفيه (يضران به) وفي التهذيب ج 5 ص 311 الرقم 1066 والاستبصار ج 2 ص 187 الرقم 626 (يضر به)

[ 416 ]

منها الشاة خصوصا بعد التصريح بذلك في جملة من النصوص (1) ولعله لذا حمله بعضهم على الندب، ولكن لا يخلو من إشكال، والمتجه العمل على النصوص الأولة، مع أنه الأحوط. وعلى كل حال فما عن المقنع من الصدقة كل يوم مد لخبر أبي بصير (2) سأله عليه السلام (عن المرأة يضرب عليها الظلال وهي محرمة قال: نعم، قال فالرجل يضرب عليه الظلال وهو محرم قال: نعم إذا كانت به شقيقة، ويتصدق بمد كل يوم) الذي لا جابر له كي يصلح معارضا للنصوص المزبورة، وكذا ما عن الحسن بن ابي عقيل فان حلق رأسه لأذى أو مرض أو ظلل فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصوع بين ستة مساكين والنسك شاة بناء على إرادته تخيير كل من الحالق والمظلل، لخبر عمر بن يزيد (3) عن الصادق عليه السلام المتقدم في تفسير الآية (فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيام، والصدقه على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وانما عليه واحد من ذلك) ولكنه مع قصوره عن المعارضة واشتماله على الاكل من الفداء أقصاه العموم المخصص بغير الظلال للنصوص المزبورة. ثم إن الظاهر عدم الفرق في لزوم الفدية بين المختار والمضطر كما صرح به غير واحد، بل في كشف اللثام (نص عليه الشيخ والحلبيان وغيرهم والأخبار) وإن كان فيه أن ظاهر النصوص في المضطر، نعم هي مساقة لبيان الرخصة في


(1) و (2) الوسائل - الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 0 - 8 (3) الوسائل - الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2 الجواهر - 52

[ 417 ]

التظليل له دون المختار وإن كفر، فان الكفارة لا ترفع الاثم عنه، فما وقع من بعض الناس من اختصاص الفدية بالمضطر دونه في غير محله، بل يمكن دعوى ظهور الاتفاق على خلافه، بل عن ظاهر المفيد والسيد وسلار الاختصاص بالمختار، وإن كان هو في غير محله، لاستفاضة النصوص المعمول بها أو تواترها بخلافه، نعم عن ابي الصلاح وابن زهرة أنها على المختار، لكل يوم شاة، وعلى المضطر لجملة الأيام شاة، ولكن لم أجد لهما موافقا على التفصيل المزبور، بل ظاهر الأصحاب اتحادهما في الكيفية التي لا ينكر ظهور النصوص في عدم تكريرها للمضطر، بل كاد يكون صريح مضمر علي بن راشد (1) قال: (قلت له عليه السلام جعلت فداك انه يشتد علي كشف الظلال في الاحرام لأني محرور تشتد علي الشمس فقال: ظلل وارق دما، فقلت له دما أو دمين قال: للعمرة قلت إنا نحرم بالعمرة وندخل مكة فنحل ونحرم بالحج قال: فارق دمين) ولكنه صرح بالفرق بين العمرة والحج، وهو كذلك كما عن الشيخ وغيره التصريح به أيضا لكونهما نسكين متباينين، بل قد يقال بتعددها في المضطر إذا تعدد السبب بأن أصابه صداع مثلا فظلل ثم ارتفع فكشف ثم أصابه سبب آخر اقتضى التظليل، بل لو عاد عليه ذلك السبب، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، خصوصا إذا كان قد كفر، بل لو تعدد المختار على هذا الوجه بأن ظلل ثم تاب فكشف ثم بعد مدة مثلا عاد، ولعل النصوص لا تشمل ذلك، إذ المنساق منها التظليل المستدام بعذر مستمر، ويلحق به العصيان كذلك، وبالجملة المتجه الاقتصار على المتيقن في تخصيص قاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، بل يمكن أن يدعى أن مورد النصوص عدم تعدد السبب باعتبار كون التظليل المستمر سببا


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 عن أبي علي بن راشد.

[ 418 ]

لا كل آن منه، والله العالم. (وكذا) تجب الشاة (لو غطى رأسه بثوب) مثلا (أو طينه بطين يستره أو ارتمس في الماء أو حمل) على رأسه (ما يستره) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك كما عن المنتهى والمبسوط والتذكرة الاعتراف به، بل في المدارك وغيرها هو مقطوع به في كلام الأصحاب، بل عن الغنية الاجماع عليه صريحا، بل ظاهر محكي الخلاف وجود رواية فيه قال: إذا حمل مكتلا أو غيره لزمه الفداء إلى أن قال: دليلنا ما روي (1) فيمن غطى رأسه أن عليه الفداء، وحينئذ فيكفي هذا المرسل المنجبر بما عرفت مع الاجماع المحكي صريحا وظاهرا دليلا في الحكم، خصوصا بعد اعتضاده بنفي الخلاف الذي يشهد له التتبع وإن قيل إنه خلا عن فداء الساتر المقنع والنهاية وجمل العلم والعمل والمقنعة والمراسم والمهذب والسرائر والجامع، إلا أن ذلك ليس خلافا، وأولى من ذلك ما عن ابن حمزة من الاقتصار على الارتماس وأنه مما فيه الدم المطلق إذ يمكن أن يريد به المثال، نعم هو مخالف في تعيين الشاة، ولكنه نادر. كل ذلك مضافا إلى ما سبق في صحيح زرارة (2) من أن على من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه متعمدا دم شاة، وقول الكاظم عليه السلام لأخيه في المروي (3) عن قرب الاسناد: (لكل شئ خرجت به من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت) هذا، وقد ذكر الحلبيان فيما حكي عنهما تغطية رأس الرجل ووجه المرأة جميعا، وأن على المختار لكل يوم شاة، وعلى المضطر لكل المدة شاة، بل عن ابن زهرة منهما الاجماع على ذلك، وإن كان التتبع يشهد بخلاف الاجماع


(1) الخلاف - كتاب الحج المسألة 82 - ج 1 ص 436 (2) و (3) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 5

[ 419 ]

المزبور، فالأصل حينئذ عدم الفرق بينهما، وفي الدروس الأقرب عدم تكررها بتكرر تغطيته، نعم لو فعل ذلك مختارا تعددت، ولا تتعدد بتعدد الغطاء مطلقا ووافقه ثاني الشهيدين إلا أنه حكم بعدم التكرار لو اتحد المجلس، وربما نوقشا بعدم نص أو إجماع على ذلك، فالأصل حينئذ بحاله، ولكن قد عرفت سابقا في التظليل ما يستفاد منه صحة ذلك في الجملة، فلاحظ وتأمل. وكأن المصنف احترز بقوله (يستره) عما يستر بعض الرأس بحيث لا يخرجه عن كونه حاسرا عرفا كنقطة من الطين، وكذا مثل عصام القربة والخيط ونحوهما، لا عن نحو طين رقيق يحكي ما تحته لتحقق الستر حينئذ به كما عن التذكرة والمنتهى، قال فيها: (لو خضب راسه وجبت الفدية سواء كان الخضاب ثخينا أو رقيقا لأنه ساتر، وبه قال الشافعي: وفصل أصحابه بين الثخين والرقيق فأوجبوا الفدية بالأول دون الثاني، وليس بمعتمد، وكذا لو وضع عليه مرهما له جرم يستر رأسه - قال -: ولو طلى رأسه بعسل أو لبن ثخين فكذلك، خلافا للشافعي) واختلف كلامه في التلبيد فجوزه فمحكي المنتهى، قال: (لو طلى رأسه بعسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يقع فيه الدبيب جاز، وهو التلبيد، روى ابن عمر (1) قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يهل ملبدا) ونسبه في محكي التذكرة إلى الحنابلة، وقد تقدم الحال في التروك، فلاحظ وتأمل. بل منه يعلم أنه لا شئ لو غطى راسه بيده أو شعره أو نحو ذلك مما لا يثبت له حكم الستر المنصرف إلى غير المتصل به قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (2): (لا بأس أن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس، ولا


(1) صحيح مسلم - ج 4 ص 8 (2) الوسائل - الباب 67 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3

[ 420 ]

بأس أن يستر بعض جسده ببعض) وفي خبر المعلى بن خنيس (1) (لا يستر المحرم من الشمس بثوب، ولا بأس أن يستر بعضه ببعض) ولا ينافي ذلك ما في خبر أبي سعيد (2) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يستر من الشمس بعود أو بيده فقال: لا إلا من علة) بعد حمله على ضرب من الكراهة أو غير ذلك كما تقدم الكلام فيه سابقا، بل في كشف اللثام هنا لا تنافي، فان المحرم من التظليل الاستتار من الشمس بحيث لا يضحى، ويحصل باليد ونحوها عرفا وشرعا، ولذا إذا استتر من يبول حذاءها بيده زالت الكراهية، فلذا نهي عنه في هذا الخبر، والمحرم من التغطية ما يسمى تغطية وتخميرا كما ورد في الأخبار، ولا يصدق بنحو اليد عرفا، فلذا نفي عنه البأس في نحو الخبرين الأولين، واستشكل فيه في التحرير، بقي أنه نفي البأس في الأول عن الاستتار من الشمس بالذراع مع صدق التظليل، فليحمل على الضرورة، ويرشد إليه لفظ الحر، فلعل المراد لا بأس لمن لا يطيق حر الشمس، كخبر إسحاق بن عمار (3) سأل أبا الحسن عليه السلام (عن المحرم يظلل عليه وهو محرم فقال: لا إلا مريض أو من به علة والذي لا يطيق حر الشمس) ولكن فيه ما لا يخفى، ضرورة عدم صدق التظليل بنحو ذلك ولا إرشاد إليه في الخبر المزبور، والله العالم. المحظور (السادس الجدال) الذي مر الكلام في المراد منه في التروك (و) المشهور بين الأصحاب بل قيل لا خلاف يعتد به أن (في الكذب منه مرة شاة، ومرتين بقرة، وثلاثا بدنة، وفي الصدق) منه (ثلاثا شاة، ولا كفارة فيما دونه) ولكن في استفادة ذلك كله مما وصل الينا من النصوص إشكال، إذ


(1) و (2) الوسائل - الباب 67 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 5 والثاني عن سعيد الأعرج (3) الوسائل - الباب 64 من ابواب تروك الاحرام الحديث 7.

[ 421 ]

هي صحيح الحلبي ومحمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (2) (الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) إلى أن قالا له: (أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه ؟ قال: لم يجعل الله له حدا يستغفر الله ويلبي، فقالا: ومن ابتلى بالجدال فقال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه شاة، وعلى المخطئ بقرة) وصحيح ابن مسلم (3) أيضا عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن الجدال في الحج فقال: من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم، فقيل له الذي يجادل وهو صادق قال: عليه شاة، والكاذب عليه بقرة) وخبر أبي بصير (4) عن أحدهما عليهما السلام (إذا حلف ثلاث أيمان متتابعات صادقات فقد جادل، وعليه دم، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبا فقد جادل، وعليه دم) وصحيح معاوية بن عمار (5) عن الصادق عليه السلام (ان الرجل إذا حلف ثلاث أيمان في مقام ولاء وهو محرم، فقد جادل وعليه حد الجدال دم يهريقه ويتصدق به) وخبر أبي بصير (6) عنه عليه السلام أيضا (إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل، فعليه دم يهريقه) وخبر أبي بصير (7) أيضا (إذا جادل الرجل وهو محرم فكذب متعمدا فعليه جزور) وموثق يونس بن يعقوب (8)


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 32 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 وبعده في الباب 2 من بقية كفارات الاحرام الحديث 2 وذيله في الباب 1 منها الحديث 2 والفقيه ج 2 ص 212 الرقم 968 (2) سورة البقرة الآية 193 (3) الوسائل - الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 6 (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 4 - 5 - 7 - 9 - 8

[ 422 ]

(سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقول لا والله وبلى والله وهو صادق عليه شئ فقال: لا). وهي كما ترى لا دلالة فيها على تمام التفصيل المزبور، ولكنها تدل على الشاة في الصدق ثلاثا، وفي الكذب مرة، بل الأولان يدلان على البقرة في الثلاث كذبا لا الجزور، اللهم إلا أن يراد بها الجزور بمعنى البدنة، بل خبر أبي بصير الاخير دال على الجزور بالكذب أولا، نعم في خبر إبراهيم بن عبد الحميد (1) عن أبي الحسن موسى عليه السلام (من جادل في الحج فعليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع إن كان صادقا أو كاذبا، فان عاد مرتين فعلى الصادق شاة وعلى الكاذب بقرة) وعدم العمل بصدره لا يخرج ما في ذيله عن الحجية، خصوصا بعد انجباره بالعمل وبالرضوي (2) لاحتمال صحة النسبة (واتق في إحرامك الكذب واليمين الكاذبة والصادقة، وهو الجدال الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه - إلى أن قال - فان جادلت مرة أو مرتين وأنت صادق فلا شئ عليك وان جادلت ثلاثا وأنت صادق فعليك دم شاة، وإن جادلت مرة وأنت كاذب فعليك دم شاة، وإن جادلت مرتين كاذبا فعليك دم بقرة، وإن جادلت ثلاثا وأنت كاذب فعليك بدنة) وهو مشتمل على تمام التفصيل المذكور في كلام الأصحاب، بل هو المحكي أيضا من رسالة علي بن بابويه التي كان الأصحاب إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إليها، بل إن لم يقطع بكونه مضمون نص وصل إليه وإلا فهو مظنون قويا، فيقيد به حينئذ إطلاق تلك النصوص، بل صحيح الجزور والمراد به البدنة كما عرفته في المباحث السابقة وإن كان مطلقا يشمل


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 10 (2) ذكر صدره في المستدرك في الباب 23 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 وذيله في الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2

[ 423 ]

المرة الأولى والثانية، لكنه مناف للنصوص السابقة، مضافا إلى إمكان دعوى الاجماع على خلافه، فيتعين تقييده بالمرة الثالثة. نعم اختلفت النصوص في الصدق بالنسبة إلى اعتبار التتابع في الثلاث في مقام واحد كما سمعته في بعضها بل أكثرها (1) والاطلاق في الآخر (2) وقاعدة الجمع بين الاطلاق والتقييد تقتضي حمل المطلق على المقيد كما مال إليه بعض متأخري المتأخرين حاكيا له عن العماني إلا أنه نادر يمكن دعوى اتفاق الأصحاب على خلافه، خصوصا بعد أن كان المحكي عنه يعم الصادق والكاذب قال: (من حلف ثلاث أيمان بلا فصل في مقام واحد فقد جادل، وعليه دم) ولم يفصل، وقد سمعت تصريح النصوص والفتاوى بخلافه في الكاذب، وكذا ما عن الجعفي (الجدال فاحشة إن كان كاذبا أو في معصية فإذا قالها مرتين فعليه شاة) لا دليل عليه، بل الأدلة بخلافه، نحو المحكي عن العماني الذي لم نجد له دليلا على إطلاقه. ومن ذلك يظهر قوة النصوص المطلقة على وجه لا تكافؤها المقيدة كي يحكم بها عليها، فاذن المتجه العمل بالمطلقة وحمل المقيدة على إرادة كونها أحد الأفراد أو على إرادة بيان اتحاد الجدال وتعدده بالنسبة إلى المجادل فيه أو نحو ذلك، كما أن المتجه حمل موثق يونس (3) على ما دون الثلاث ولو لقاعدة الاطلاق والتقييد، أو على ما قيل من أنه لو اضطر إلى اليمين لاثبات حق أو نفي باطل فلا كفارة ولا إثم بناء على ما عن الدروس وغيرها من أن الأقرب جوازه وانتفاء الكفارة، أو على ما كان في إكرام أخيه ونحوه لا في


(1) و (3) الوسائل - الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 0 - 8 (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 3 و 5

[ 424 ]

معصية الله تعالى، قال أبو بصير (1) في الصحيح: (سألته عليه السلام عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول له صاحبه: والله لا تعمل، فيقول: والله لاعملنه، فيحالفه مرارا يلزمه ما يلزم صاحب الجدال، قال: لا انما أراد بهذا إكرام أخيه انما ذلك ما كان لله فيه معصية) أو غير ذلك مما تقدم في الجدال. ثم إن المنساق مما في النص والفتوى من عدم الشئ في المرة والمرتين مع الصدق عدم الدم ونحوه مما يتحقق به اسم الكفارة، أما الاستغفار والتوبة فالظاهر وجوبهما كما عن الشيخين وغيرهما التصريح به، لصدقه، وهو منهي عنه كتابا وسنة، فلابد فيه من الاستغفار والتوبة، وظهور بعض النصوص السابقة في عدم صدق الجدال بالواحدة يراد منه بالنسبة إلى ترتب الكفارة، ضرورة صدقه لغة وشرعا، كما هو واضح، ومن ذلك كله يظهر لك النظر فيما في المدارك وغيرها، فلاحظ وتأمل، هذا. والمحكي عن صريح جماعة من غير خلاف يظهر فيه (أنه انما تجب البقرة بالمرتين والبدنة بالثلاث إذا لم يكن كفر عن السابق، فلو كفر عن كل واحدة فالشاة ليس إلا أو ثنتين فالبقرة، والضابط اعتبار العدد السابق ابتداء أو بعد التكفير، فللمرة شاة، وللمرتين بقرة، وللثلاث بدنة، على معنى أنه لو حلف يمينا كاذبة فكفر لها بشاة، ثم الثانية وكفر لها بشاة أيضا، ثم الثالثة أما إذا لم يكفر وكانا اثنتين فبقرة، أو ثلاثا فبدنة، ولو كن أزيد من ثلاث ولم يكن قد كفر فليس إلا بدنة واحدة، وكذا في ثلاث الصدق) قلت: إن لم يكن إجماع أمكن كون المراد من النص والفتوى وجوب الشاة بالمرة، ثم هي مع البقره بالمرتين، ثم هما مع البدنة في الثلاث إلا أن يكون قد كفر عن السابق


(1) الوسائل - الباب 32 من ابواب تروك الاحرام الحديث 7 الجواهر - 53

[ 425 ]

فتجب البقرة خاصة أو البدنة، كما أنه يمكن أن يقال إن الشاة في ثلاث الصدق دون ما دونه، أما ما زاد فان بلغ الثلاث وجب شاة أخرى وإن لم يكن قد كفر عن الأول، وإلا فليس إلا الشاة الأولى، وكذا الكلام في ثلاثة الكذب الشاة والبقرة والبدنة، وهكذا، فتأمل جيدا. هذا كله في الجدال، وأما الفسوق فلم أجد من ذكر له كفارة، بل قيل ظاهر الأصحاب لا كفارة فيه سوى الاستغفار، بل عن المنتهى التصريح بذلك، للأصل وما سمعته في صحيح الحلبي وابن مسلم (1) (أنه لم يجعل الله له حدا، يستغفر الله ويلبي) لكن قال الصادق عليه السلام في صحيح سليمان بن خالد (2) (في الجدال شاة، وفي السباب والفسق بقرة، والرفث فساد الحج) وفي صحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه عليه السلام المروي عن قرب الاسناد أيضا (فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، وإن لم يجد فشاة، وكفارة الفسوق يتصدق بها إذا فعله) وعن نسخة عن قرب الاسناد (وكفارة الجدال والفسوق شئ يتصدق به) وقد أطنب في محكي المنتقى في هذا الصحيح، واحتمل التصحيف فيه، والأولى حمله وحمل صحيح سليمان بن خالد على ضرب من الندب، والله العالم. المحظور (السابع قلع شجر الحرم) غير المستثنى الذي قد مر الكلام فيه وفي حكم المستثنى منه وغير ذلك في التروك، فلاحظ (و) في محكي المبسوط والخلاف والغنية والوسيلة أن (في الكبيرة بقرة ولو كان) القالع (محلا، وفي الصغيرة شاة، وفي أبعاضها قيمته) بل حكى غير واحد الشهرة


(1) الفقيه ج 2 ص 212 الرقم 968 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 وذيله في الباب 2 منها الحديث 1 (3) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 4 و 16

[ 426 ]

عليه، بل عن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد ما رواه الشيخ (1) عن موسى بن القاسم، قال: روى أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: (إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع، فإذا أراد نزعها نزعها وكفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين) معتضدا بقول ابن عباس فيما روى عنه صلى الله عليه وآله (في الدوحة بقرة، وفى الجزلة شاة) المظنون أنه عن رواية ولكن مع ذلك قال المصنف نحو ما عن المنتهى والتحرير: (وعندي في الجميع تردد) مما عرفت ومن كون الخبر مرسلا متروك الظاهر، بل عن ابن إدريس الجزم بالعدم، قال: ولم يتعرض في الأخبار عن الأئمة عليهم السلام لكفارة لا في الكبيرة ولا في الصغيرة، ولكن الشيخ ادعى الاجماع، إلا أنه لا يخفى عليك إمكان دفع المناقشة المزبورة بالانجبار بما سمعته من الاجماع المحكي المعتضد بالشهرة المحكية بل المحصلة إن لم تكن إجماعا على الكفارة في الجملة، على أن إرساله بالعبارة المزبورة التي تلحقه بالصحيح على قول، وبالتخصيص أو التقييد بغير ما غرسه وأنبته أو نبت في داره بعد اتخاذ الدار الذي قد عرفت استثناءه سابقا، على أنه معتضد بما في صحيح منصور بن حازم (2) سأل الصادق عليه السلام (عن الأراك يكون في الحرم فأقطعه قال: عليك فداؤه) بناء على إرادة البقرة أو الشاة من الفداء وإلا كان دليلا لحكم الأبعاض كالموثق أو الصحيح (3) عنه عليه السلام أيضا (عن الرجل يقطع من الأراك الذي بمكة قال: عليه ثمنه يتصدق به) بل لعل الظاهر إرادة قطع الأبعاض منهما، على أن الجملة إذا كانت مضمونة فالأبعاض


(1) و (2) الوسائل - الباب 18 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 3 - 1 (3) الوسائل - الباب 18 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2

[ 427 ]

كذلك، نعم عن المنتهى والتذكرة الأرش، ويمكن اتحاد المراد، وبذلك كله يتضح لك الدليل على الأحكام الثلاثة لا عدم الكفارة مطلقا كما سمعته من ابن إدريس ولا البقرة مطلقا كما عن القاضي عملا بالمرسل المزبور، ولا القيمة مطلقا كما عن الاسكافي للصحيح والموثق المزبورين، بل عن الفاضل في المختلف اختياره مع ظهور ضعفه، ضرورة ظهورهما أو صراحتهما في القطع لا القلع، ولا ما يتيسر من الصدقة في قطع الابعاض كما قاله الحلبيان على ما حكي عنهما والله العالم. (ولو قلع شجرة منه) وغرسها في غيره أو لم يغرسها (أعادها) كما في القواعد، وظاهرهما إرادة إلى مكانها كما عن المبسوط وعن التحرير والمنتهى والدروس إلى الحرم، واستجوده في المسالك إلا أن يكون محلها الأول أجود فيتعين أو مساويه وإلا فأرض الحرم متساوية في الاحرام، وربما احتمل إرادة ذلك من مكانها وإن بعد، وعلى كل حال لم نجد دليلا معتدا به على أصل وجوب الاعادة المنافي للأصل إلا دعوى قاعدة الضمان الذي لا يرتفع إلا بالتأدية التي مصداقها هنا عودها إلى مكانها أو الحرم الذي به تثبت حرمتها، ولعله إلى ذلك أشار في محكي التذكرة والمنتهى بالاستدلال عليها بأنه أزال حرمتها، فكان عليه إعادتها إليها، بل ربما يؤيده في الجملة مضافا إلى الاحتياط أيضا خبر هارون بن حمزة (1) عن الصادق عليه السلام (ان علي بن الحسين عليهما السلام كان يتقي الطاقة من العشب ينتفها من الحرم، قال: ورأيته قد نتف طاقة وهو يطلب أن يعيدها مكانها) وإن ضعف سنده بل ودلالته، بل ربما كان منافاة بين اتقائه ونتفه، بل لا يتصور عود المنتوف، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو جفت) على وجه لم تفدها الاعادة العود إلى ما كانت


(1) الوسائل - الباب 86 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3

[ 428 ]

عليه (قيل) كما عن المبسوط والتحرير والمنتهى والتذكرة (يلزمه ضمانها) معللين له بالاتلاف، وفى القواعد قيل يلزمه ضمانها ولا كفارة، ومقتضاه كون الضمان بالقيمة لا البقرة والشاة، لكن فيه أن مقتضى ما سمعته سابقا) في قلع الكبيرة منها بقرة والصغيرة شاة إرادة ضمان الكفارة التي وجبت بالقلع ولم يعرض مسقط لها، فانها انما تسقط إذا أعادها، فعادت إلى ما كانت عليه، ويمكن إرادة ذلك من التعليل بالاتلاف لا ضمان القيمة، بل ربما احتمل في عبارة القواعد أن يكون مجموعه أي ضمانها ولا كفارة قولا لبعض الأصحاب وانما نسب إلى القيل الجمع بينهما، ويكون المختار لزوم الكفارة، وإن كان هو كما ترى، بل ربما احتمل قويا لزومها على التقديرين، لاطلاق النصوص بها إذا قلع، ولا دليل على السقوط بالاعادة مع العود، ولكن فيه أن المنساق من النصوص المزبورة القلع المؤدي إلى تلفها لا القلع المفروض عدم ترتب ضرر عليه، بل ربما كان فيه نفع. (و) كيف كان ف‍ (لا كفارة في قلع الحشيش وإن كان فاعله مأثوما) إلا ما استثني كما مر في التروك للأصل السالم عن المعارض، فان نصوص النهي عن ذلك لا تقتضي ترتب الكفارة حتى ضمان القيمة، خلافا للفاضل في القواعد فانه حكم بضمان قيمته لو قلعه، كالمحكي عن المبسوط، وقال الحلبيان فيما حكي عنهما عليه ما تيسر من الصدقة، ولكن لم أعرف لشئ منهما دليلا سوى الحمل على أبعاض الشجر وعلى ساير المحرمات من الصيد ونحوه وغير ذلك من الاعتبارات التي لا تصلح دليلا لاثبات حكم شرعي، ولذا جزم المصنف بعدمها وتحقق الاثم الذي لا خلاف فيه، وإن قيل ظاهر الدروس يعطي إحتمال العدم إلا أنه في غير محله، لما عرفته مفصلا في التروك فلاحظ، وفي المسالك لا فرق في ذلك بين الأخضر واليابس، نعم يجوز قطع اليابس مع بقاء أصله

[ 429 ]

في الارض لينبت ثانيا، وقد تقدم أيضا الكلام فيه، والله العالم. (ومن استعمل دهنا طيبا في إحرامه ولو في حال الضرورة) ظاهرا أو باطنا كالحقنة والسعوط به (كان عليه شاة على قول) محكي عن النهاية والسرائر والمبسوط والخلاف وغيرها، بل في الأخير نفي الخلاف فيه، بل عن المنتهى الاجماع على لزوم الفدية به، مضافا إلى ما سمعته سابقا من مضمر ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار (1) المشتمل على دهن البنفسج إذا داوى به قرحة، والمناقشة بكونه مقطوعا يدفعها الانجبار بالعمل، كاندفاع الاضمار بظن إرادة الامام عليه السلام منه إن لم يكن القطع، وكذا دعوى أخصيته من المدعى واشتماله على ما لا يقول به الأصحاب من الكفارة على الجاهل يدفعها عدم القول بالفصل، وعدم خروج الباقي عن الحجية، وحينئذ فلا مناص عن القول بوجوبها فيه، بل هو من أفراد مسألة استعمال الطيب السابقة التي جزم بها المصنف هناك وإن تردد في خصوص المقام، نعم عن الشيخ في الجمل كراهة استعمال الأدهان الطيبة قبل الاحرام بحيث تبقي الرائحة بعده، وعن ابن سعيد تخصيص وجوب الدم باستعماله مختارا، وقد سمعت تحقيق الحال فيه، اللهم إلا أن يدعى الفرق بين استعمال الطيب والدهن الطيب، ولكنه كما ترى، ضرورة بناء المسألة على حرمة استعماله كالطيب، وانما الكلام في الكفارة، والمتجه وجوبها لما عرفت. (وكذا قيل) يضمن شاة (فيمن قلع ضرسه) كما عن الكافي والمهذب وعن النهاية والمبسوط دم، وعن الجامع دم مع الاختيار، وعليه حمل إطلاق الشيخ في محكي المنتهى، والأصل في ذلك خبر محمد بن عيسى عن عدة من أصحابنا (2) عن رجل من أهل خراسان (ان مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه عليه السلام فيها


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5 (2) الوسائل - الباب 19 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 430 ]

شئ محرم قلع ضرسه فكتب يهريق دما) ولكن قال المصنف (وفي الجميع) مشيرا بذلك إلى ما هنا والمسألة السابقة (تردد) مما عرفت، ومن إضمار الخبرين، بل عن المختلف هنا الاستناد إلى البراءة الأصلية أولى، فان الرواية غير مسندة إلى إمام عليه السلام، بل احتمل فيها أن يكون أدمى بالقلع، ويكون الدم لأجله، وقد قيل في الادماء شاة، وعن الكافي فيه طعام مسكين، وعن الغنية مد من الطعام والمعنى واحد، مع أن الحسن الصيقل (1) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يؤذيه ضرسه أيقلعه قال: نعم لا باس به) وعن ابني بابويه والجنيد نفي البأس عن قلع الضرس ولم يوجبا شيئا، ولكن عرفت سابقا أن الأقوى وجوبها، بل وكذا هنا عملا بالمضمر الذي تشهد القرائن أنه عن الامام عليه السلام خصوصا بعد عمل من عرفت به، بل قيل إنه المشهور، ثم في المسالك هذا كله مع عدم الحاجة، أما معها فلا كفارة، وفي إلحاق السن بالضرس على قول الوجوب وجه بعيد، وفيه أولا أن النص والفتوى مطلقان، وثانيا لا بعد في الالحاق، بل يمكن إرادة ما يعم السن من الضرس، والله العالم. (و) لا خلاف في أنه (يجوز) للمحرم (أكل ما ليس بطيب من الادهان كالسمن والشيرج) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السيرة والأصل (و) غيرهما، نعم (لا يجوز الادهان به) على قول تقدم الكلام فيه، وعليه فهل فيه كفارة ؟ مقتضى الأصل العدم، كما عن الشيخ وابن إدريس والفاضل التصريح به، لكن قد سمعت قول الكاظم عليه السلام لأخيه في خبر (2) قرب الاسناد (لكل شئ خرجت من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت) وقول الصادق عليه السلام


(1) الوسائل - الباب 95 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 (2) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5

[ 431 ]

في خبر عمر بن يزيد (1) السابق المشتمل على التخيير بين الصدقة والصيام والنسك لكل من عرض له أذى أو وجع، فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا ولا ريب في أن الأحوط التكفير بالدم له وإن كان الذي يقوى العدم، والله العالم (خاتمة تشتمل على مسائل: الأولى إذا اجتمعت أسباب) للكفارة، (مختلفة كا) لصيد وا (للبس وتقليم الاظفار والطيب لزم عن كل واحد كفارة) به بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب (سواء فعل ذلك في وقت واحد أو وقتين، كفر عن الأول أو لم يكفر) لوجود المقتضي وانتفاء المسقط. المسألة (الثانية إذا كرر) السبب الواحد وكان كالصيد و (الوطئ) ونحوهما مما لم يفرق الشرع ولا العرف في صدق السبب من مسماه بين اتحاد المجلس والوقت وتعددهما وتخلل التكفير وعدمه (لزمه) أيضا (بكل مرة كفارة) على الاأشهر، بل المشهور بين الأصحاب قديما وحديثا، بل عن المرتضى وابن زهرة الاجماع عليه، نعم أوردا بعد دعوى الاجماع على ذلك في الوطئ بأن الجماع الأول قد أفسد الحج، فترتبت عليه الكفارة، بخلاف الثاني الذي تعقب الفساد، وأجابا بأن الحج وإن كان قد فسد لكن حرمته باقية، ولهذا وجب المضي فيه، فجاز أن تتعلق به الكفارة، ونحوه عن الجواهر، ولكن ليس فيه الاجماع، وناقشه في المدارك بمنع دليل على تعلق الكفارة، لمنع الاجماع، ومنع دلالة النص الذي اقصاه الدلالة على أن من جامع قبل الوقوف بالمشعر يلزمه بدنة وإتمام الحج والحج من قابل، ومن المعلوم أن مجموع هذه الأحكام الثلاثة انما تترتب على الجماع الأول خاصة، فاثبات بعضها في غيره محتاج إلى دليل، وفيه أن إتمام الحج والحج من قابل لا يتصور


(1) الوسائل - الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2

[ 432 ]

تكررهما، بخلاف البدنة، ولذا تكررت دونهما، مضافا إلى ما سمعته من الاجماع المحكي المؤيد بظاهر ما دل على أن ماهية الجماع توجب ذلك، ولا ريب في تكرر إيجادها بتكرر الجماع من غير فرق بين اتحاد المجلس وتعدده وسبق التكفير وعدمه، ودعوى أن مقتضى أصالة البراءة كون الجماع مرة أو مرتين أو أزيد سببا في ترتب الكفارة يدفعها ظهور النص والاجماع المحكي في خلافها. وبذلك يظهر لك النظر فيما عن ابن حمزة من التفصيل، قال: الاستمتاع ضربان جماع وغيره، والجماع ضربان، إما أن يفسد الحج أو لا يفسد، فان أفسد الحج لم تتكرر فيه الكفارة، وإن لم يفسد الحج إما تكرر منه فعله في حالة واحدة أو في دفعات، فالأول لا تتكرر فيه الكفارة بتكرر الفعل والثاني تتكرر فيه الكفارة، وإن مال إليه في المدارك واستحسنه في محكي المختلف لاصل البراءة المقطوع بما عرفت، ونحوه عن الخلاف، بل في المدارك أن ظاهر الشيخ في الخلاف عدم التكرار مطلقا، ولم يستبعده وإن كنا لم نتحقق شيئا من ذلك، بل المحكي عنه أنه ذكر تكررها بتكرر الوطئ كفر عن الأول أو لم يكفر لاطلاق النصوص، لكن قال وإن قلنا بما قال الشافعي -: (إنه إن كان كفر عن الاول لزمته الكفارة، وإن كان قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة) - كان قويا لأن الأصل براءة الذمة يعني أن النصوص انما أفادت أن على المجامع بدنة، وهو أعم من المجامع مرات، وأيد بما سمعته سابقا، وعرفت ما فيه. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه لما تقدم، مضافا إلى ما ذكرناه سابقا من عدم فساد الحج بالجماع وإن وجبت الاعادة عقوبة كما هو أحد القولين في الجواهر 54

[ 433 ]

المسألة، نعم ربما مال بعض الأفاضل إلى عدم تكرر السبب بتكرر الايلاج والاخراج في الموطوءة الواحدة في مجلس واحد، لعدم تعدد الوطئ عرفا فيه، بل الاطلاقات الموجبة للبدنة وما بعدها مرة الغالب فيها الذي ينصرف إليه بحكم العادة والغلبة تكرر الأمرين فيه مرارا عديدة، وإن أمكن فرض وقوعهما مرة ومع ذلك حكم فيها بوجوب البدنة مثلا مرة، فالوجه عدم تكرر الكفارة في هذه الصورة لا لمنع الحكم بل لمنع تكرر الموضوع والسبب عرفا، فليس فيه مخالفة للاجماعات المزبورة بوجه، وأما عدم تكررها في المفسد فلظهور النص المثبت لها فيه بما يترتب عليه الأمور الثلاثة حقيقة، وليس هو إلا الأول، ولا يدخل فيه الثاني مثلا، لعدم تصور ترتب الثلاثة عليه، وبذلك يظهر لك قوة ما سمعته من ابن حمزة. ولكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله، ضرورة صدق التعدد بذلك، خصوصا مع الانزال والفصل في الجملة، فيقال جامعها مرة ومرتين وأزيد، ويترتب عليه سائر الأحكام، نعم لو تعدد الايلاج من دون نزعه من الفرج بل والانزال في إيلاج واحد كان جماعا واحدا، ودعوى غلبة الايلاج والنزع في الاطلاق المزبور واضحة المنع، بل الأمر بالعكس، كدعوى تقييد السبب بما يترتب عليه الثلاث، ضرورة كون السبب ماهية الجماع، والترتب حكم شرعي لا وصف للسبب، كما هو واضح، والتسامح العرفي في صدق وحدة الجماع مع تعدد الايلاج والنزع في المجلس الواحد غير معتبر كما في نظائره مما هو كذلك في بادئ النظر لا في ثانيه وثالثه، ومن هنا صرح غير واحد بصدق التعدد بما ذكرناه في المقام وفي كتاب الصوم وإن كان سبق لنا بعض الكلام في ذلك، فلاحظ وتأمل، والله العالم. هذا كله في الوطئ (و) أما (لو كرر الحلق فان كان في وقت

[ 434 ]

واحد لم تتكرر الكفارة) لعده في العرف حلقا واحدا، بل المنساق مما ورد فيه كتابا وسنة اتحادها بحلق الرأس أجمع على ما هو المتعارف فيه (و) لا ريب في تعدد مصداق الحلق لكل جزء منه، نعم (إن كان) الحلق (في وقتين) بأن حلق بعض رأسه غدوة والآخر عشية (تكررت) الكفارة لصدق تعدد الحلق الذي هو السبب، فيتعدد المسبب بتعدده بلا خلاف أجده فيه إلا من بعض متأخري المتأخرين، فأشكله بأن ما ذكر في الأول يأتي هنا، وبأن أقصى ما يستفاد من الأدلة ترتب الكفارة على حلق الرأس كله للأذى، وما عدا ذلك يستفاد حكمه من باب الفحوى أو من انعقاد الاجماع على تعلق الكفارة به في بعض الموارد، فلو قيل بالاكتفاء بالكفارة الواحدة في حلق الرأس كله سواء وقع في وقت واحد أم في وقتين كان حسنا، وفيه أن محل البحث إذا تكرر سبب الحلق الموجب للكفارة في وقتين، كما إذا حلق بعض رأسه على وجه يوجب الكفارة في وقت ثم حلق البعض الآخر الذي هو أيضا بانفراده سبب أيضا للكفارة، فانه لا إشكال في تعددها، خصوصا إذا كفر عن الأول أو حصل للثاني سبب غير السبب للاول، لا أن المفروض كون السبب حلق الرأس جميعه بحيث لو حصل البعض لم تترتب الكفارة، لعدم حصول سببها، فان ذلك ليس من باب تكرر السبب بل من عدم تمامه، ودعوى أن السبب في المقام ذلك يدفعها ما عرفته سابقا من الاجماع على عدم اعتبار حلق جميع الرأس في ترتب الكفارة، نعم لو فرض حصول الجميع في وقت واحد عد في العرف حلقا واحدا بل المنساق من دليل ترتب الكفارة به الاجتزاء بكفارة واحدة له، فتأمل جيدا، على أنك قد عرفت سابقا الكلام في أن السبب حلق الشعر أو حلق الرأس وعلى كل حال فالتعدد عرفا والاتحاد فيه يتبع اتحاد الوقت وتعدده، ومع الشك في بعض الأفراد يتجه الرجوع إلى أصل البراءة، فتأمل جيدا، وأما قلم

[ 435 ]

الأظفار فقد كفانا الشرع فيه عن ملاحظة العرف، لما سمعته من النصوص المفرقة فيه بين الاجتماع والافتراق، والله العالم. (ولو تكرر منه اللبس أو الطيب فان اتحد المجلس لم تتكرر، وإن اختلف تكررت) كما عن النهاية والوسيلة والمهذب والغنية والسرائر، بل في المسالك هكذا أطلق الأصحاب، ولعله لأن إليه يرجع ما عن المبسوط والخلاف قال في الأول: (الثالث الاستمتاع باللباس والطيب والقبلة، فان فعل ذلك دفعة واحدة بان لبس كل ما يحتاج إليه أو تطيب بأنواع الطيب أو قبل وأكثر منه لزمه كفارة واحدة، فانفعل ذلك في أوقات متفرقة لزمه عن كل دفعة كفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر) قيل ونحوه التحرير والمنتهى والتذكرة، وقال في محكي الخلاف (تتكرر الكفارة بتكرر اللبس والطيب إذا فعل ثم صبر ساعة ثم فعل ثانية وهكذا كفر عن الأول أولا) واستدل بأنه لا خلاف أنه يلزمه بكل لبسة كفارة، فمن ادعى تداخلها فعليه الدلالة، وبالاحتياط بناء على اتحاد المراد من المجلس والوقت وإلا كانا قولين كما فهمه في المدارك، ثم حكى عن بعض التكرر مع اختلاف صنف الملبوس كالقميص والسراويل وإن اتحد الوقت، قال وبه جزم في المنتهى، فقال: ومن لبس قميصا وعمامة وخفين وسراويل وجب عليه لكل واحد فدية، لأن الأصل عدم التداخل، خلافا لاحمد وربما ظهر من كلامه في موضع آخر من المنتهى تكرر الكفارة بتكرر اللبس مطلقا، فانه قال: (لو لبس ثيابا كثيرة دفعة واحدة وجب عليه فداء واحد، ولو كان في مرات متعددة وجب عليه لكل ثوب دم، لأن لبس كل ثوب يغاير لبس ثوب آخر، فيقتضي كل واحد منهما مقتضاه) قلت: قد سمعت ما في صحيح ابن مسلم (1) سأل أبا جعفر عليه السلام (عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب


(1) الوسائل - الباب 9 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 436 ]

من الثياب فقال: عليه لكل صنف منها فداء) ولا محيص عن العمل به بعد أن كان جامعا لشرائط الحجية، وهو يعم لبسها دفعة ودفعات، بل قد يمنع كون لبسها دفعة واحدة لبسا واحدا، ولو سلم فقد يمنع أن سبب الكفارة اللبس كي يعتبر اتحاده وتعدده، لما سمعته في صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام (من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه) ولا ريب في صدقه على المتعدد ولو كان من ضرب واحد ولبسه دفعة واحدة. ومن ذلك يتجه وجوب الكفارة لكل ثوب، مع أنه الأحوط من غير فرق بين اتحاد المجلس وعدمه الذي لم نجد له في النصوص أثرا، بل يمكن القطع بعدم اعتباره مع فرض سبق التكفير، كما أنه لم نعرف الفرق بين التعبير به هنا والتعبير بالوقت في الحلق، اللهم إلا أن يراد باتحاد المجلس الكناية عن حصول سبب اللبس له وتعدده، ولكنه على كل حال لم نجد له أثرا فيما وصل الينا من النصوص، بل ظاهرها خلافه كما عرفت. وفى المسالك والمصنف اعتبر المجلس، والأكثر اعتبروا الوقت، وهو أجود، فعلى هذا لو طال زمان المجلس بحيث يحصل منه تعدد الوقت عادة تكررت، وفيه ما عرفت سابقا من احتمال اتحاد المراد منهما، كما أن الظاهر إرادة صدق الاتحاد عرفا وعدمه وإن قصر التعبير، ثم قال فيها أيضا: (الذي يقتضيه الدليل أنه لو لبس المتعدد أو تطيب به دفعة واحدة بأن جمع من الثياب جملة ووضعها على بدنه لم تتعدد الكفارة وإن اختلفت أصنافها، وإن لبسها مترتبة تعددت وإن اتحد المجلس والوقت العادي، لأن كل واحد منها سبب في الكفارة بانفراده، فلا يزيل الاجتماع في الوقت ما ثبت لها من السببية، فان الأصل عدم التداخل إلا لعارض، وهو مختار العلامة في التذكرة، ولعله أقوى


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 437 ]

ومثله ينبغي القول في ستر ظهر القدم ولم يفرقوا هنا بين المضطر وغيره كما في تغطية الرأس، ويمكن الفرق بينهما كما هناك) ولا يخفى عليك ما فيه من محال النظر أولا وآخرا، نعم ما حكاه عن الفاضل واختاره هو جيد لما عرفت، بل الأقوى كون الحكم كذلك حتى في لبس المتعدد دفعة، لما سمعته من صحيح زرارة (1) الذي منه يعرف الحكم في المضطر، وفي غيره بالأولوية وغيرها كما سمعت الكلام فيه سابقا. وعلى كل حال فمن ذلك كله ظهر لك الحال فيما ذكره المصنف من التكرر في خصوص بعض الأسباب وغيره مما لم يذكره، ضرورة كون الضابط فيما لو تكرر سبب واحد أنه إن كان إتلافا مضمنا للمثل أو القيمة تعددت بحسبه اتفاقا، لأن المثل انما يتحقق بذلك، وإلا فان لم يفصل العرف أو الشرع فيه بين مجلس واحد ومجلسين أو وقت ووقتين وكان السبب مسماه كالوطئ الذي قد عرفت تعدده بتعدد الايلاج حقيقة وعرفا وشرعا تعددت الكفارة أيضا بتعدده ولو في مجلس واحد، وكذا اللبس إذا لبس ثيابا واحدا بعد واحد، أو ثوبا واحدا لبسا بعد نزع، بل أو الثياب المتعددة ولو دفعة بناء على المختار، وكذا التطيب إذا فعله مرة بعد أخرى، والتقبيل إذا نزع فاه ثم أعاد فقبل، أما إذا كثر منه ولم ينزع فاه أمكن أن يكون واحدا، وكأنه مراده في محكي التذكرة والمنتهى حيث حكم وفاقا لما سمعته عن المبسوط باتحاد الكفارة إذا كثر منه في وقت واحد، بل قيل وكذا ستر الرأس والتظليل وإن كان لا يخلو من نظر، لصدق تعدد القبلة عرفا في مثله، فمع فرض كون مصداقها السبب في الكفارة اتجه تعددها بتعددها، وقد سمعت الكلام في التظليل، فلاحظ وتأمل ولو تكرر ما يفصل العرف أو الشرع فيه بين مجلس ومجلسين أو الوقت والوقتين


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 438 ]

مثل الحلق والقلم تعددت الكفارة إن تغاير الوقت أو المجلس، وإلا فلا إذا كان المدار على وحدة تحققه ولو عرفا، والله العالم. المسألة (الثالثة كل محرم لبس أو أكل) عالما عامدا (ما لا يحل له أكله أو لبسه) ولم يكن له مقدر شرعي بخصوصه كأكل النعامة (كان عليه دم شاة) كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا لصحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام (من نتف إبطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) نعم قد سمعت سابقا عدم تناوله للبس الخفين والشمشك ونحوهما مما لا يعد ثوبا، فكان ينبغي التقييد بذلك لكن أطلق المصنف وغيره، ولا ريب في أنه أحوط، بل لعل ذكر الثوب مثال لكل ما يحرم عليه لبسه، والله العالم. المسألة (الرابعة تسقط الكفارة عن الجاهل والناسي والمجنون إلا في الصيد، فان الكفارة تلزم) فيه (ولو كان سهوا) أو جهلا على المشهور بين الاصحاب في المستثنى منه، بل لا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم في الجاهل والناسي، للاصل ورفع القلم ونحو قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الصمد ابن بشير (2) (أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) وفي حسن ابن عمار (3) (وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد) وفي حسن آخر له وصحيح (4) (اعلم أنه ليس عليك فداء شئ أتيته وأنت محرم جاهلا به إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد، فان عليك


(1) و (2) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 3 (3) و (4) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 4

[ 439 ]

الفداء بجهالة كان أو عمد) وقول أبي جعفر الجواد عليه السلام فيما أرسل عنه علي بن شعبة في المحكي عن تحف العقول (1) (كل ما أتى به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شئ عليه إلا الصيد، فان عليه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد، وكل ما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه) مضافا إلى ما سمعته سابقا من نصوص (2) مواقعة الاهل وصحيح زرارة (3) المتقدم آنفا، وفي صحيحه (4) الآخر أيضا (من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسيا فلا شئ عليه، ويستغفر الله ويتوب إليه). نعم قد سمعت خبر معاوية بن عمار (5) (في القرحة التي داواها بدهن بنفسج وأن عليه مع الجهالة طعام مسكين) وخبر الحسن بن زياد (6) قال: للصادق عليه السلام (وضأني الغلام ولم أعلم بدستشان فيه طيب فغسلت يدي وأنا محرم فقال: تصدق بشئ لذلك) وصحيح حريز (7) (في المحرم ينسى فيقلم ظفرا من أظافيره قال: يتصدق بكف من الطعام) وسمعت أيضا أخبار سقوط الشعر (8) وأنها ظاهرة في غير المتعمد، وقول الصادق عليه السلام للحسن بن هارون (9) وذكر أنه أكل خبيصا فيه زعفران: (إذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 (2) الوسائل - الباب 2 من ابواب كفارات الاستمتاع (3) الوسائل - الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 5 - 4 (7) الوسائل - الباب 12 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 3 (8) الوسائل - الباب 16 من ابواب بقية كفارات الاحرام (9) الوسائل - الباب 3 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1

[ 440 ]

مكة فاشتر بدرهم تمرا ثم تصدق به يكون كفارة لما أكلت ولما دخل عليك في إحرامك مما لا تعلم) الذي ذكرنا أنه محمول على الندب، بل وغيره من النصوص، نعم قد استثنى بعض الناس من ذلك سقوط الشعر فاكتفى في وجوب الكفارة فيه بتعمد المس المسقط مع تذكر الاحرام والعلم بالحرمة، قال: (والأخبار لا تنافيه ولا هي ظاهرة في خلافه) ولكن لا يخفى عليك ما في قوله (تعمد المس المسقط) ضرورة كون ذلك من تعمد الاسقاط، وإن كان تعمد المس الذي قد يتعقبه السقوط فهو ليس من العمد، لكن الظاهر عدم ترتب الكفارة عليه، لما ذكروه هنا على وجه لم يعرف فيه خلاف، فلابد من حمل النصوص المزبورة على ما هنا أو على ضرب من الندب. وأما المستثنى فلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى الاجماع على ثبوت الكفارة فيه على الناسي والجاهل، مضافا إلى النصوص (1) التي قد سمعت بعضها، فما عن ابن أبي عقيل من عدم الكفارة في الصيد على الناسي واضح الفساد، وأما المجنون فقد صرح به الشيخ في محكي الخلاف والمصنف والفاضل وغيرهم، لأن عمده وإن كان كالسهو لكن قد عرفت أن السهو هنا كالعمد، وحينئذ فالكفارة في ماله يخرجه بنفسه إن أفاق، وإلا فالولي، نعم لو كان مجنونا أحرم به الولي وهو مجنون فالكفارة على الولي على ما في الغنية وغيرها كالصبي الذي لم يذكره المصنف، ولعله لأن كفارته على الولي لا عليه كما سلف، وقد سمعت ما في مرسل تحف العقول، وفي خبر الريان بن شبيب (2) (والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة) كما أنه تقدم سابقا الكلام فيه وفي المجنون، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب 31 من ابواب كفارات الصيد (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 الجواهر - 55

[ 441 ]

(كتاب العمرة) وهي لغة الزيارة أخذا من العمارة، لأن الزائر يعمر المكان بزيارته وشرعا اسم لمناسك مخصوصة واقعة في الميقات ومكة زادها الله تعالى شرفا (وصورتها) المشتركة بين المتمتع بها والمفردة (أن يحرم من الميقات الذي يسوغ له الاحرام منه) لها (ثم يدخل مكة فيطوف ويصلي ركعتيه ثم يسعى بين الصفا والمروة ويقصر) كما تقدم الكلام في هذه الأفعال كلها مفصلا لا أن المراد صورة المفردة، وإلا لوجب ذكر طواف النساء والتخيير بين القصر فيها والحلق، ولا المتمتع بها خاصة، لعدم ذكر لها بالخصوص، وعدم ملائمته لما بعد من الضمائر، فوجب إرادة قدر المشترك بينهما، والأمر في ذلك سهل. (و) على كل حال فلا خلاف في أن (شرائط وجوبها شرائط وجوب الحج و) أنها (مع الشرائط تجب في العمر مرة) كالحج بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى (1): (وأتموا الحج والعمرة لله) وقال زرارة (2) في الصحيح (قلت لأبي جعفر عليه السلام الذي يلي الحج في الفضل قال: العمرة المفردة ثم يذهب حيث شاء، وقال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، فان الله تعالى يقول: وأتموا الحج والعمرة لله، وانما نزلت العمرة في المدينة، فأفضل العمرة عمرة رجب، وقال: المفرد للعمرة ان اعتمر في رجب


(1) سورة البقرة الآية 192 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 2 من ابواب العمرة الحديث 1 وبعده في الباب 1 منها الحديث 2 وذيله في الباب 3 منها الحديث 2

[ 442 ]

ثم أقام للحج بمكة كانت عمرته تامة، وحجته ناقصة مكية) وقال الصادق عليه السلام (1) في قول الله عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: (هما مفروضان، وقال عمر بن أذينة (2) في الحسن (كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العباس فجاء الجواب باملائه عليه السلام سألت عن قول الله عزوجل: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا يعني به الحج والعمرة جميعا، لأنهما مفروضان، وسألت عن قول الله عزوجل: وأتموا الحج والعمرة لله قال: يعني بتمامهما أداءهما واتقاءهما ما يتقي المحرم فيهما، وسألت عن قول الله: الحج الأكبر فقال: الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والحج الأصغر العمرة) وقال الصادق عليه السلام في حسن معاوية بن عمار (3) أو قويه (العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع، لأن الله عزوجل يقول: وأتموا الحج والعمرة لله، وانما نزلت العمرة بالمدينة، قال: قلت فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أيجزي ذلك عنه ؟ قال: نعم) وقال الصادق عليه السلام أيضا في خبر أبي بصير (4) (العمرة مفروضة مثل الحج) وقال أمير المؤمنين عليه السلام (5) (أمرتم بالحج والعمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم) إلى غير ذلك من النصوص التي مقتضاها الوجوب في العمر مرة كالحج، مضافا إلى الاجماع بقسميه عليه، فلذا تسقط بفعلها مع حجة الاسلام كما ستعرف إنشاء الله. ولا خلاف أيضا أجده في أنها على الفور كما صرح به الشيخ والحلبي


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب العمرة الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب وجوب الحج الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب 1 من ابواب العمرة الحديث 3 - 5 (5) الوسائل - الباب 1 من ابواب العمرة الحديث 6 والمستدرك الباب 1 منها الحديث 2

[ 443 ]

والفاضلان وغيرهم، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه، بل عن التذكرة الاجماع عليه، بل هو واضح في عمرة التمتع التي هي جزء من الحج الذي قد عرفت فوريته على من يجب عليه، بل والمفردة أيضا المشبهة بالحج في الوجوب مضافا إلى ما سمعته من الاجماع المحكي، نعم ربما كان في بعض كلماتهم تشويش في المقام، وذلك لأن ظاهر النصوص المزبورة والفتاوى كالمتن ونحوه أنه لا يشترط في وجوب العمرة المفردة الاستطاعة للحج معها بل لو استطاع لها خاصة وجبت كما أنه لو استطاع للحج خاصة دونها وجب، بل صرح في القواعد بالثاني، قال: ولو استطاع لحج الافراد دون عمرته فالأقرب وجوبه خاصة، ولعله لكون كل منهما عبادة برأسه، فلا يسقط شئ منهما بسقوط الآخر، ولا يجب لوجوبه، بخلاف التمتع الذي تطابقت النصوص والفتاوى على كونه ثلاثة أطواف بالبيت وطوافين بالصفا والمروة، دون القران والافراد فانهما طوافان بالبيت وسعي واحد، وأكثر نصوص (1) حجة الوداع ظاهرة في عدم اعتماره صلى الله عليه وآله بل جملة من نصوص أخر (2) ناصة على أنه صلى الله عليه وآله انما اعتمر ثلاث عمر كلها في ذي القعدة، نعم عن الصدوق في الخصال عن عكرمة عن ابن عباس (3) (أنه صلى الله عليه وآله اعتمر أربعا رابعتها مع حجته) ولا دلالة فيه على ارتباطها به، وما عساه يتوهم مما ذكره المصنف وغيره في كيفية حج الافراد من الاعتمار بعد الفراغ من الحج من دخول العمرة في الحجين معا يدفعه أنه مساق لبيان كيفية تأدية من وجبا معا عليه، مع أنه قد تقدم سابقا منا المناقشة في وجوب الترتيب المزبور إن لم يكن إجماع كما ادعاه ضرورة بعضهم، ضرورة اقتضاء ما سمعته من الاطلاق


(1) الوسائل - الباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 3 و 13 و 31 و 32 (2) الوسائل - الباب 2 من ابواب العمرة الحديث 2 و 3 و 4 (3) الوسائل - الباب 2 من ابواب العمرة الحديث 6

[ 444 ]

كتابا وسنة بل صريح المرسل (1) أنه مخير في تقديم أيهما شاء، كما سمعت الكلام فيه سابقا في محله. وحينئذ فالقول بأن كلا منهما لا يجب إلا عند الاستطاعة للآخر كما أرسله غير واحد ولكن لم أعرف القائل به واضح الفساد، لما عرفته من ظهور الأدلة بخلافه، وكذا القول بأن العمرة لا تجب إلا مع الاستطاعة للحج بخلاف الحج كما اختاره في الدروس، وان احتج له بالأصل المقطوع بما عرفت، وظهور حج البيت في الآية بغير العمرة الممنوع على مدعيه، خصوصا بعد ما سمعته من النصوص، وعدم ظهور إتمامهما في وجوب إنشائهما، ومنع استلزامه له الذي قد عرفت عدم انحصار الدليل فيه أولا ودلالة النصوص عليه ثانيا، وأنها لو وجبت لكان من استكمل الاستطاعة لها فمات قبل أدائها وقبل ذي الحجة يجب استيجارها عنه من التركة، ولم يذكر ذلك في كتاب ولا خبر، وان المستطيع لها وللحج إذا أتى الحرم قبل أشهر الحج نوى بعمرته عمرة الاسلام، لاحتمال أن يموت أو لا تبقى استطاعته للحج إلى وقته، ورده في كشف اللثام بأن المستطيع لهما فرضه عمرة التمتع أو قسيميه وليس له الاتيان بعمرة الاسلام إلا عند الحج، فما قبله كالنافلة قبل فريضة الصبح مثلا، واحتمال الموت أو فوت الاستطاعة غير ملتفت إليه، وكأنه مبني على ما ذكره سابقا من أنه لو استطاع للعمرة دون الحج وجبت خاصة لذلك أي لأن كلا منهما نسك مستقل برأسه، ثم قال: نعم لا تجب المبادرة إليها قبل أيام الحج، لاحتمال أن يتجدد له استطاعته أيضا، وهو كما ترى كلام خال عن التحصيل بعد ظهور ما سمعته من الأدلة في وجوبها، وأنها كالحج حتى في الفورية، فالمتجه التزام إخراجها من التركة مع الاستطاعة لها والتمكن من أدائها ولو قبل أشهر الحج


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب العمرة الحديث 6

[ 445 ]

ونية كونها عمرة الاسلام، بل لا وجه لدعوى وجوبها وعدم وجوب المبادرة إليها قبل أيام الحج للاحتمال المزبور. نعم لو أمكن القول بعدم وجوبها على النائي الذي فرضه حج التمتع اتجه حينئذ سقوطها بالموت قبل أشهر الحج، فلا تخرج من التركة، واتجه عدم نية عمرة الاسلام بها، وربما تشهد له السيرة على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج، وعدم الحكم بفسقه لو أخر الاعتمار إلى أشهر الحج. وبذلك يتجه عدم وجوب عمرة على النواب النائين في سنة النيابة وإن استطاعوها استطاعة شرعية، بل قد يشهد له قول المصنف وغيره فيما يأتي على وجه لم يعرف فيه خلاف بينهم إنها قسمان متمتع بها ومفردة، والأولى فرض النائي، والثانية فرض حاضري مكة، ضرورة ظهوره في اختصاص وجوب المفردة بغير النائي، كظهور كلامهم في غير المقام في عدم وجوب غير حج التمتع على النائي، لا أنه يجب عليه مع ذلك العمرة، والاجتزاء بحج التمتع عنها لا ينافي وجوبها الذي تظهر ثمرته في الاستطاعة لها دونه، فتأمل جيدا، فانك تسمع إنشاء الله عند تعرض المتن له من ثاني الشهيدين ما يظهر منه عدم وجوبها على النائي من رأس، ولم أجد للأصحاب في ذلك كلاما منقحا، وقد قال في كشف اللثام أيضا سابقا: (إن المراد بالفورية انما هي المبادرة بها في وقتها ووقت المتمتع بها أشهر الحج، ووقت المفردة لمن يجب عليه حج الافراد أو القران بعد الحج، ولا تجب عمرتان أصالة حتى تجب المبادرة إليها أول الاستطاعة لها إلا إذا لم يستطع إلا لها، فان ذلك أول وقتها، ولا تستقر في الذمة إذا استطاع لها وللحج إذا أخرها إلى الحج أو أشهره فزالت الاستطاعة) ولا يخفى عليك ما فيه أيضا بعد الاحاطة بما ذكرناه، ضرورة اقتضاء تلك الأدلة وجوب

[ 446 ]

المبادرة إليها قبل أشهر الحج مع فرض الاستطاعة لها، لأنها تصح في جميع السنة بخلاف الحج الذي لا يصح إلا في وقت مخصوص. نعم لا خلاف في إجزاء عمرة التمتع عنها كما اعترف به غير واحد، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا كافة، وهو الحجة بعد قول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (1) (إذا تمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة) وسأله عليه السلام أيضا يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح عن قول الله عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال: (يكفي الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة، قال: كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله) وقال أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن العمرة أواجبة، قال: نعم، قلت فمن تمتع يجزي عنه قال: نعم) وقال الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (4): (العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا أدى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة) إلى غير ذلك من النصوص، إلا أن أقصاها الاجتزاء بها عنها، لا أن وجوبها الفوري ساقط عمن استطاع إليها، كما هو واضح. بل قد يقال إن وجوب حج التمتع على النائي لا ينافي وجوبها عليه أيضا لاطلاق تلك الأدلة وإن سقطت عنه به، ولكن لو أداها امتثالا لأمرها الفوري قبل أشهر الحج امتثله وإن بقي مخاطبا مع ذلك بحج التمتع إذا كان مستطيعا بل ولا ينافيه قولهم عمرة التمتع فرض النائي، والمفردة فرض الحاضر، لاحتمال كون المراد أن النائي المخاطب بحج التمتع يلزمه عمرة التمتع فرضا له، لدخولها في الحج الذي هو فرضه، وهذا لا ينافي وجوب المفردة عليه ايضا الذي تظهر ثمرته فيما ذكرناه سابقا، أما الحاضر فليس عليه إلا المفردة بناء على عدم


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 1 - 4 - 3 - 6

[ 447 ]

المتعة له، لا أن المراد عدم وجوب غير المتعة على النائي، لكن قد سمعت ما في ذلك من المفاسد، بل تسمع ما في المسالك الظاهر في عدم وجوبها على النائي، بل لا تخلص مما ذكرناه إلا بذلك كما عرفت وتعرف إنشاء الله، ومن ذلك ونحوه يظهر لك التشويش في كلامهم. ومنه أيضا ما ذكره غير واحد منهم من أنه لو حج المفرد والقارن أو المتمتع الذي لم يتمكن من التمتع أتى بالعمرة إن شاء بعد أيام التشريق بلا فصل أو في استقبال المحرم، بل ذكر بعضهم وغير المحرم، ومن المعلوم منافاة ذلك للفورية التي ذكروها، اللهم إلا أن يريدوا بذلك الصحة والاجزاء وإن أثم بالتأخير، إلا أنه لا ينبغي التخصيص بالمحرم حينئذ كما وقع من بعضهم، بل قال في الدروس وليس هذا القدر منافيا للفورية، وفيه ما لا يخفى، بل أشكله ثاني الشهيدين أيضا بوجوب إيقاع الحج والعمرة المفردة في عام واحد إلا أن يراد بالعام إثنا عشر شهرا، ومبدؤها زمان التلبس بأيام الحج وإن أمكن دفعه بعدم دليل يدل على ذلك، بل ظاهر الأدلة خلافه، نعم هو كذلك في عمرة التمتع دون غيره، بل قد يقال بعدم اعتبار ذلك فيها أيضا إذا اضطر المتمتع إلى تأخير العمرة عن الحج، فانه حينئذ يكون له حكم الافراد فتصح عمرته في جميع السنة. نعم تجب الفورية التي هي ليست بتوقيت عندنا، واحتمال كون المراد بالفورية المبادرة إليها في عامها أي عام استطاعتها أو عام حجها - فلا ينافي التأخير إلى المحرم وما بعده وانما اقتصروا على استقبال المحرم لما في التهذيب أن الأصحاب رووا عن الصادق عليه السلام (1) أنه قال: (المتمتع إذا فاته عمرة المتعة وأقام إلى هلال المحرم اعتمر، فأجزأت عنه وكان مكان عمرة المتعة) وفي


(1) الوسائل - الباب 21 من ابواب أقسام الحج الحديث 5

[ 448 ]

التهذيب أيضا (من فاتته عمرة المتعة فعليه أن يعتمر بعد الحج إذا أمكن الموسى من رأسه) فوقت عمرة الافراد بامكان الموسى، واحتج له بخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) سأل الصادق عليه السلام (عن المعتمر بعد الحج فقال: إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن) بل وفي صحيح ابن عمار (2) سأل (عن رجل أفرد الحج هل له أن يعتمر بعد الحج ؟ قال: إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن) كما ترى مناف لظاهر الفورية وأقصى ما في رواية الأصحاب الاجزاء لا عدم وجوب الفورية، نعم قد يقال بعدم منافاتها للتأخير عن أيام التشريق، لقول الصادق عليه السلام لابن عمار (3) في الصحيح: (لا عمرة فيها) وقد تقدم سابقا بعض الكلام في ذلك، ومنه مضافا إلى ما سمعت يتحقق التشويش المزبور وإن كان الذي يقوى في النظر سقوطها عن النائي الذي يجب عليه أن يتمتع بها إلى الحج ولا عمرة مفردة عليه لما عرفت وتعرف إنشاء الله، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (قد تجب) العمرة أيضا (بالنذر وما في معناه) من العهد واليمين (وبالاستيجار والافساد والفوات) أي فوات الحج فان من فاته وجب عليه التحلل بعمرة، ومن وجب عليه التمتع مثلا فاعتمر وفاته الحج فعليه حج التمتع من قابل، وهو انما يتحقق بالاعتمار قبله (وبالدخول إلى مكة) بل الحرم للدخول إلى مكة فيجب عليه العمرة أو الحج تخييرا إن وجب الدخول، وإلا كان من الوجوب الشرطي نحو الوضوء للنافلة، وعلى كل حال انما يجب أحدهما (مع انتفاء العذر) كقتال مباح ومرض لا يمكنه الاحرام معه ولا به أورق لم يأذن له سيده في قول أو رمد


(1) و (2) الوسائل - الباب 8 من ابواب العمرة الحديث 2 - 1 (3) الوسائل - الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 الجواهر - 56

[ 449 ]

كذلك كما تقدم الكلام فيه (و) مع (عدم تكرار الدخول) كالحطاب والحشاش ومن أحل ولما يمض شهر كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا، فلاحظ. (ويتكرر وجوبها بحسب) تكرر (السبب) ووقتها عند حصوله. (وأفعالها) أي العمرة المفردة التي هي الواجبة بأصل الشرع (ثمانية: النية والاحرام) من الميقات الذي قد عرفته (والطواف وركعتاه والسعي والتقصير) أو الحلق (وطواف النساء وركعتاه) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك فتوى ونصا إلا في وجوب طواف النساء فيها، فانه قيل بعدمه كعمرة التمتع وقد عرفت أن الأصح ما هو المشهور من وجوبه، بل عرفت أيضا تفصيل الكلام في غيره من الأفعال. (وتنقسم) العمرة بالمعنى الأعم (إلى متمتع بها) إلى الحج (ومفردة فالأولى تجب على من ليس من حاضري المسجد الحرام) وهو من بعد عنه بثمانية وأربعين ميلا أو باثنى عشر ميلا من كل جانب على ما تقدم من الخلاف إذ هي جزء من الحج الذي قد عرفت أنه فرض من كان كذلك (و) لذا (لا تصح إلا في أشهر الحج، وتسقط المفردة معها) بلا خلاف أجده فيه كما عرفت الكلام فيه آنفا، لكن في المسالك يفهم من لفظ السقوط أن العمرة المفردة واجبة بأصل الشرع على كل مكلف، كما أن الحج مطلقا يجب عليه وأنها انما تسقط عن المتمتع إذا اعتمر عمرته تخفيفا، ومن قوله: (والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام) إلى آخره عدم وجوبها على النائي من رأس، وبين المفهومين تدافع ظاهر، وكأن الموجب لذلك كون عمرة التمتع أخف من المفردة، فكانت المفردة بسبب ذلك أكمل وهي المشروعة بالأصالة المفروضة قبل نزول آية التمتع، وكانت عمرة التمتع قائمة مقام الاصلية مجزية عنها، وهي منها بمنزلة الرخصة من العزيمة، ويكون قوله: (والمفردة تلزم) إلى آخره

[ 450 ]

إشارة إلى ما استقر عليه الحال، وصار هو الحكم الثابت الآن باصل الشرع، ففي الأول إشارة إلى ابتدائه، والثاني إلى استقراره، وهو كالصريح في المفروغية من عدم وجوب عمرة مفردة على النائي، ويؤيده ما ذكرناه مضافا إلى صراحة النصوص أو ظهورها الواردة في حج التمتع في وجوب المتعة بها إلى الحج على النائي، بل هو ظاهر قوله تعالى (فمن تمتع) الآية، وحينئذ يظهر لك ما في المعروف الآن في عصرنا من العلماء وغيرهم من وجوب عمرة مفردة على النائبين عن غيرهم مع فرض استطاعتهم المالية معللين له بأن العمرة واجبة على كل أحد والفرض استطاعتهم لها، فتجب وإن وجب عليهم الحج بعد ذلك مع حصول شرائط وجوبه، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يلزم فيها التقصير) الذي هو أحد المناسك فيها عندنا على وجه يكون تركه نقصا فيها، بل في المنتهى إجماع علمائنا عليه وإن حصل الاحلال له منها، خلافا للشافعي في أحد قوليه، فجعله إطلاق محظور كالطيب واللباس، ولا ريب في فساده عندنا بعد ما سمعت من الاجماع بقسميه عليه، والنصوص التي منها خبر عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (سمعته يقول: طواف المتمتع أن يطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر من شعره، فإذا فعل ذلك فقد أحل) وخبر عمر بن يزيد (2) عنه عليه السلام أيضا (ثم ائت منزلك وقصر من شعرك وحل لك كل شئ) وقال الصادق عليه السلام أيضا في صحيح معاوية بن عمار (3) (ليس في المتعة إلا التقصير) إلى غير ذلك من المعتبرة المستفيضة التي مقتضاها كاطلاق الاكثر الاجتزاء بتحقق مسماه بالازالة للشعر


(1) و (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب التقصير الحديث 2 - 3 (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب التقصير الحديث 2

[ 451 ]

أو الظفر بحديد أو نتف أو قرض بالسن أو نحو ذلك، قال عبد الله بن سنان (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن متمتع قرض أظفاره وأخذ من شعره بمشقص قال لا بأس، ليس كل أحد يجد جلما) وقال الحلبي في الموثق (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة متمتعة عاجلها زوجها قبل أن تقصر فلما تخوفت أن يغلبها أهوت إلى قرونها فقرضت منها بأسنانها وقرضت بأظافيرها هل عليها شئ ؟ فقال: لا، ليس كل أحد يجد المقاريض) وفي حسنه (3) (قلت له عليه السلام أيضا جعلت فداك: اني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم أقصر قال: عليك بدنة، قال: قلت: اني لما أردت ذلك منها ولم تكن قصرت امتنعت، فلما غلبتها قرضت بعض أشعارها بأسنانها، فقال: رحمها الله كانت أفقه منك، عليك بدنة، وليس عليها شئ) وفي حسن حفص بن البختري وجميل وغيرهما وصحيحهم (4) عن الصادق عليه السلام (في محرم يقصر من بعض ولا يقصر من بعض قال: يجزيه) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الاكتفاء بمسماه، بل في المنتهى وعن التحرير والتذكرة أدنى التقصير أن يقص شيئا من شعر رأسه، وأقله ثلاث شعرات ناسبا له في الأول إلى اختيار علمائنا وإن كان هو إن لم يتم الاجماع المزبور محل نظر، للشك في تحقق مسماه بذلك، واليه يرجع ما عن المبسوط من اشتراط كون المقطوع جماعة من الشعر. وعلى كل حال فما في صحيح معاوية وحسنه (5) عن الصادق عليه السلام أيضا (تقصر من شعرك من جوانبه ولحيتك، وخذ من شاربك وقلم أظفارك، وأبق


(1) الوسائل - الباب 2 من ابواب التقصير الحديث 1 عن معاوية بن عمار (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب التقصير الحديث 4 - 2 - 1 (5) الوسائل - الباب 1 من ابواب التقصير الحديث 1 و 4

[ 452 ]

منها لحجك) محمول على ضرب من الندب، وإن حكي عن جمل العلم والعمل (قصر من شعر رأسه ومن حاجبه) والفقيه (قصر من شعر رأسك من جوانبه ومن حاجبيك ومن لحيتك، وخذ من شاربك وقلم أظفارك وأبق منها لحجك) قيل: وكذا المقنع إلا أنه ترك فيه اللحية، والهداية والمصباح ومختصره إلا أنه ترك فيها الحاجب، لكن لعلهم عبروا بذلك تبعا لما سمعته من قول الصادق عليه السلام لا أن مرادهم الوجوب، وإلا كانوا محجوجين بالنصوص المزبورة التي لا يكافؤها الصحيح والحسن المزبوران خصوصا بعد اعتضاد النصوص السابقة باطلاق الفتاوى نعم ظاهر المتن والقواعد ومحكي الجمل والعقود والسرائر والتبصرة الاجتزاء ببعض الاظفار أو الشعر من اللحية أو الرأس أو الشارب أو الحاجب أو غيرها، وعن النهاية والتحرير والارشاد الاقتصار على شعر الرأس، وعن الاقتصاد والغنية والمهذب والاصباح والاشارة على شعر الرأس واللحية، وعن المفيد زيادة الحاجب أو الاقتصار عليه وعلى شعر الرأس، وعن الحلبي وابن سعيد زيادة الشارب، وفي التهذيب والمنتهى ومحكي التذكرة (أدنى التقصير أن يقرض أظفاره ويجز من شعره شيئا يسيرا) وعن الوسيلة (أدناه أن يقص شيئا من شعر راسه أو يقص أظفاره، والأصلع يأخذ من شعر اللحية أو الشارب أو يقص الأظفار) ونحوه عن المبسوط والسرائر إلا أن فيهما الحاجب مكان الشارب، وليس في المبسوط قص الأظفار لغير الاصلع، ولكن الظاهر أن ذلك كله ليس خلافا في المسألة، وانما هو ذكر بعض أفراد ما يتحقق به المسمى. وكيف كان فما عن الخلاف من إطلاق أن المعتمر إن حلق جاز والتقصير أفضل واضح الضعف بعد الاحاطة بما ذكرناه إن أراد المتمتع أو ما يعمه، وإن حكي عن المختلف أنه قال: كان يذهب إليه والدي، بل قيل كان دليله أنه إذا أحل من العمرة حل له كل ما حرمه الاحرام، ومنه إزالة الشعر بجميع أنواعها

[ 453 ]

فيجوز له الحلق بعد التقصير وأول الحلق تقصير، بل عن التهذيب من عقص شعر رأسه عند الاحرام أو لبده فلا يجوز له إلا الحلق، ومتى اقتصر على التقصير كان عليه دم شاة، وظاهره العموم للحج وعمرة التمتع والمفردة، بل في عمرة التمتع أظهر، واستدل عليه بقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (1) (وإذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدته فقد وجب عليك الحلق، وليس لك التقصير، وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج، وليس في المتعة إلا التقصير) وصحيح العيص (2) سأله عليه السلام (عن رجل عقص شعر رأسه وهو متمتع ثم قدم مكة فقضى نسكه وحل عقاص رأسه فقصر وأدهن وأحل قال: عليه دم شاة). ولكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله، ضرورة منع كون أول الحلق تقصيرا ولذا كان مقابلا له، فلا يتحقق امتثال فيه، وصحيح معاوية صريح في أنه ليس في المتعة إلا تقصير، ومن المحتمل تعلق قوله عليه السلام فيه (في الحج) بالجميع، وأما (نسكه) في صحيح العيص فيحتمل الحج، وإياه والعمرة، والدم يحتمل الهدي أو الندب كما عن الشهيد، ومما ذكرنا يظهر لك ضعف ما عن المنتهى من أن الحلق مجز وإن قلنا إنه محرم، لكونه عن أمر خارج عن التقصير الحاصل بأول الحلق، فيكون المحرم ما زاد عليه، ضرورة عدم تحقق التقصير به، على أنه ينبغي حينئذ اعتبار النية التي لا أثر لها في النص ولا الفتوى، بل ظاهر إطلاق النص خلافه. كما أنه يظهر لك الوجه فيما ذكره المصنف (و) غيره إلا النادر من أنه (لا يجوز) فيها (حلق) جميع (الرأس، ولو) خالف ف‍ (حلق لزمه دم) كما صرح به غير واحد من الأصحاب، بل هو المشهور مستدلين عليه


(1) و (2) الوسائل - الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 8 - 9

[ 454 ]

بخبر أبي بصير (1) سأل الصادق عليه السلام (عن المتمع أراد أن يقصر فحلق رأسه قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمر الموسى على رأسه حين يريد ان يحلق) وصحيح جميل (2) عنه عليه السلام أيضا (في متمتع حلق رأسه بمكة إن كان جاهلا فليس عليه شئ، وإن تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شئ، وإن تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه) ومرسله (3) عن أحدهما عليهما السلام (إن كان ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ وإن كان متمتعا في أول شهور الحج فليس عليه شئ إذا كان قد أعفاه شهرا). لكن قد يناقش في الأول مضافا إلى ضعف سنده بظهوره في غير العامد الذي حكي الاجماع ممن عدا الماتن على عدم وجوب ذلك عليه، للأصل والصحيح والمرسل المزبورين، فلابد من حمله على ضرب من الندب، وفي الصحيح بعدم ظهوره في الحلق بعد الاحرام، بل لعل الدم فيه لترك توفير الشعر المستحب عند الأصحاب، والواجب عند الشيخين، بل عن المفيد منهما التصريح بوجوب الدم فيه كما سمعت البحث فيه في بحث الاحرام، بل استدل له به وسمعت الكلام فيه هناك، على أنه مشتمل على التفصيل في العمد المنافي لاطلاق الأصحاب ومن هنا يقوى الاحتمال المزبور، وإلا كان من الشواذ المطرحة، وحينئذ فلا دليل على وجوب الدم، ولذا جزم بعدمه بعض متأخري المتأخرين إلا أن يكون إجماعا أو شهرة تجبر الدلالة على وجه يثبت بها المطلوب، ولا ريب في أنه أحوط حتى في صورة السهو التي هي مقتضى إطلاق المصنف هنا وفي النافع. والأحوط أن يكون شاة وإن أطلق في النصوص السابقة، بل هو المحكي عن إطلاق الأكثر أيضا، بل عن ابن حمزة جعله مما يوجب الدم المطلق لكن


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب التقصير الحديث 3 - 5 - 1

[ 455 ]

في القواعد ومحكي التهذيب والمهذب والسرائر تعيينه بالشاة لا لقاعدة الاقتصار على الأقل لأصالة البراءة، ضرورة ثبوت أقل منها كالجدي ونحوه، بل لدعوى الانصراف إليها، مضافا إلى الاحتياط. نعم قد يقال باختصاص الدم بحلق جميع الرأس المنصرف من الأدلة السابقة ومن الفتاوى دون البعض، كما عن التهذيب التصريح به، بل يوافقه محكي التحرير والمنتهى والدروس، بل قد صرح بجوازه في القواعد والمنتهى ومحكي النهاية والمبسوط والتهذيب والسرائر، بل في الثاني منها (أنه يجزي عن التقصير ولا دم عليه) بل في كشف اللثام (لأنه تقصير لما عرفت من عمومه لأنواع الازالة طرا، ولا حد لأكثره والأصل الاباحة والبراءة من الدم، فلتحمل الأخبار على حلق الكل، قال الشهيد: ولو حلق الجميع احتمل الاجزاء لحصوله بالشروع، وهو جيد) وإن كان لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا من مقابلة الحلق للتقصير في النص والفتوى، فلا يتحقق به مسماه، ولكن لا دم بحلق البعض الذي لا يتحقق به مسمى حلق الرأس، للاصل بعد ما سمعت من كون العمدة الاجماع أو الشهرة الجابرة، وهما في الكل دون البعض. بل قد يناقش في الاثم به لذلك أيضا بعد ظهور نصوص الدم المستفاد منها الاثم في الجميع، بل قد يناقش في تحريمه أجمع أيضا بعد التقصير فضلا عن ثبوت الدم فيه وإن حكي التصريح به عن الشهيد وفاقا لابني حمزة والبراج، لا يجابهما الكفارة بالحلق قبل الحج، بل في كشف اللثام (لأنه لو لم يحرم بعده لم يحرم أصلا، لأن أوله تقصير، إلا أن تلحظ النية) ولكن فيه أن ظاهر خبر أبي بصير (1) الموجب للدم في الحلق قبل التقصير، ولعله لذا قال في النافع


(1) الوسائل - الباب 4 من ابواب التقصير الحديث 3

[ 456 ]

ولو حلق قبله لزمه شاة مشعرا بعدمها فيه بعده، بل وبعدم الاثم للأصل والعموم في النصوص والفتاوى أنه يحل له كل شئ حرم عليه بالاحرام بعد التقصير، فدعوى اختصاص الاحلال بغيره منافية لذلك، واحتمال الاستدلال لها بالصحيح المتقدم الذي هو في قوة تخصيص الاحلال بما عداه - كما عن بعض المحدثين التصريح به، فقال: إنه يحل له بالتقصير كل ما حرم عليه بالاحرام إلا الحلق وهو ظاهر الأصحاب - يدفعه ما عرفته من خروج الصحيح عن محل الفرض كي يصح به الاستدلال على الحكم المزبور المنافي للعمومات المذكورة، ولا ظهور في كلام الأصحاب فيما ذكره، وانما ظاهره حرمة الحلق بدل التقصير على معنى الاحلال به دونه كالحج، لا أن المراد حرمته عليه حتى بعد الاحلال بالتقصير وإن بقي مدة طويلة لانتظار الحج، بل يمكن القطع بعدمه، كما هو واضح هذا وقد تقدم سابقا في أفعال الحج حكم من حلق رأسه قبل محله، والأصلع بالنسبة إلى وجوب إمرار الموسى على رأسه في الأول دون الثاني، فلاحظ. ولو ترك التقصير حتى أهل بالحج سهوا صحت متعته بلا خلاف أجده فيه لصحيح معاوية وحسنه (1) سأل الصادق عليه السلام (عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل في الحج قال: يستغفر الله ولا شئ عليه وتمت عمرته) بل ظاهره عدم دم عليه أيضا كما في القواعد والمحكي عن سلار وابن إدريس، وهو مقتضى الأصل، لكن سأل إسحاق بن عمار (2) أبا إبراهيم عليه السلام (عن الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج فقال: عليه دم يهريقه) بل عن الشيخ وبني زهرة والبراج وحمزة العمل به، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى لقاعدة التخصيص التي هي أولى من الحمل على الندب إن لم يكن المراد من


(1) و (2) الوسائل - الباب 6 من ابواب التقصير الحديث 1 - 2 الجواهر - 57

[ 457 ]

نفي الشئ في الأول العقاب، بل ينبغي أن يكون شاة كما عن الغنية والمهذب والاشارة لما سمعته مكررا من الانصراف وللاحتياط، وعن ابن حمزة إدراجه فيما فيه دم مطلق، والأول أحوط إن لم يكن أقوى. ولو ترك التقصير عمدا حتى أهل بالحج بطلت متعته وصارت حجته مبتولة كما عن الشيخ وابني حمزة وسعيد والفاضل في المختلف والارشاد والتحرير والتذكرة والمنتهى بل في الدروس أنه المشهور، لقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (1): (المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى قبل أن يقصر فليس له أن يقصر وليس له متعة) وخبر محمد بن سنان (2) عن العلاء بن الفضيل قال: (سألته عليه السلام عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل ان يقصر قال: بطلت متعته وهي حجة مبتولة) والمناقشة في السند مع وصف أولهما بالصحة في المنتهى مدفوعة بالانجبار، فما عن ابن إدريس - من بطلان الثاني، لأنه لم يتحلل من عمرته مع الاجماع على عدم جواز إدخال الحج على العمرة قبل إتمام مناسكها، والتقصير من مناسكها عندنا، فهو حج منهي عنه فيفسد، خصوصا وقد نوى المتعة دون الافراد - واضح الفساد بناء على أصولنا من العمل بمثل الخبرين المزبورين اللذين لا وجه لاحتمال اختصاصهما بمن نوى العدول بعد إطلاقهما أو ظهورهما في عدمه، فمن الغريب موافقة الفاضل والشهيد له على ذلك في محكي التلخيص والدروس مع مخالفتهما له في أصله الذي هو عدم العمل بأخبار الآحاد وإن صحت، والله العالم. ويستحب للمتمتع بعد التقصير التشبه بالمحرمين في ترك المخيط وغيره لقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن البختري (3) (ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى


(1) و (2) الوسائل - الباب 54 من ابواب الاحرام الحديث 5 - 4 (3) الوسائل - الباب 7 من أبواب التقصير الحديث 1

[ 458 ]

الحج إذا أحل أن لا يلبس قميصا وليتشبه بالمحرمين). وكذا يستحب لأهل مكة التشبه بالمحرمين أيام الحج لخبر معاوية (1) عنه عليه السلام (لا ينبغي لأهل مكة أن يلبسوا القميص، وأن يتشبهوا بالمحرمين شعثا غبرا، قال: وقال عليه السلام وينبغي للسلطان أن يأخذهم بذلك) والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا يجب فيها طواف النساء) بخلاف المفردة إلا على قول نادر في كل من المستثنى والمستثنى منه، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا (والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام) غير البعيدين بالمقدار المزبور، كما يلزمهم أيضا الحج بأحد قسميه، ولو وجبا معا فقد قطع الأصحاب بوجوب تأخير العمرة حينئذ عن الحج، بل ظاهر غير واحد كالعلامة الطباطبائي وسيد الرياض الاجماع عليه، بل في كشف اللثام الاجماع قولا وفعلا عليه، بل عن المنتهى ذلك أيضا وقد ذكرنا سابقا أن الاجماع المزبور هو العمدة في إثبات ذلك، ولولاه لكان للنظر فيه مجال، إذ في استفادته من النصوص نظر كما في المدارك، بل ظاهرها خلافه، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف في أن العمرة المفردة (تصح في جميع أيام السنة و) إن كان (أفضلها ما وقع في رجب) فانها فيه تلي الحج في الفضل كما عن الشيخ إرساله عنهم عليهم السلام في المصباح (2) وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): (المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء، وأفضل العمرة عمرة رجب) وفي صحيحه الآخر (4) عنه عليه السلام أيضا (سئل عليه السلام أي العمرة أفضل عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان ؟ قال: لا بل في رجب أفضل) كقول الباقر عليه السلام


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب التقصير الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب العمرة الحديث 16 - 13 - 3

[ 459 ]

في صحيح زرارة (1) في حديث (وأفضل العمرة عمرة رجب) والظاهر أنه يكفي في كونها رجبية الاهلال بها فيه وإن وقع باقي أفعالها في شعبان، قال الصادق عليه السلام في صحيح أبي أيوب الخزاز (2) في حديث (اني كنت أخرج الليلة أو الليلتين يبقيان من رجب فتقول أم فرورة أي أبة ان عمرتنا شعبانية، فأقول لها أي بنية انها فيما أهللت وليس فيما أحللت) وقال عليه السلام ايضا في صحيح عبد الله بن سنان (3) (إذا أحرمت وعليك من رجب يوم وليلة فعمرتك رجبية) بل قال عليه السلام أيضا في خبر عيسى الفرا (4) (إذا أهل بالعمرة في رجب وأحل في غيره كانت عمرته لرجب، وإذا أهل في غير رجب وطاف في رجب فعمرته لرجب) ولكن كتب علي بن حديد (5) إلى أبي جعفر عليه السلام (عن الخروج في شهر رمضان أفضل أو يقيم حتى ينقضي الشهر ويتم صومه، فكتب إليه كتابا قرأه بخطه سألت رحمك الله عن أي العمرة أفضل عمرة شهر رمضان أفضل يرحمك الله) ويمكن إرادته الفضل على الصوم في شهر رمضان واختصاصه بالسائل، نحو ما في خبر الوليد بن صبيح (6) قال للصادق عليه السلام (بلغنا أن عمرة في شهر رمضان تعدل حجة فقال: انما كان ذلك في امرأة وعدها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: اعتمري في شهر رمضان أفضل، فهو لك حجة) والله العالم. (ومن أحرم بالمفردة) في أشهر الحج (ودخل مكة) ولم تكن متعينة عليه بسبب من الأسباب على ما في المسالك، وإن نوقش بأن مقتضى إطلاق الأدلة خلافه، وقد يدفع بأن المراد إذا كان هناك سبب يقتضي تعين المفردة على وجه لا يكفي في امتثاله المتمتع بها، وعلى كل حال فمتى كان كذلك


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 3 من ابواب العمرة الحديث 2 - 10 - 4 - 11 (5) و (6) الوسائل - الباب 4 من ابواب العمرة الحديث 2 - 1

[ 460 ]

(جاز أن ينوي التمتع ويلزمه دم) كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا، للمعتبرة التي منها قول الصادق عليه السلام في قوي عمر بن يزيد (1) (من دخل مكة معتمرا مفردا للحج فيقضي عمرته كان له ذلك، وإن أقام إلى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة، قال: وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج) وسأله عليه السلام أيضا يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح (عن المعتمر في أشهر الحج فقال: هي متعة) بل الظاهر استحباب ذلك له خصوصا إذا أقام إلى هلال ذي الحجة، ولا سيما إذا أقام إلى التروية تنزيلا للنصوص على ذلك، ففي مرسل موسى بن القاسم (3) (من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع) وفي صحيح عمر بن يزيد (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس) وفي صحيحه (5) الآخر عنه عليه السلام أيضا (من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلا أن يدركه خروج الناس يوم التروية) ولهذا الصحيح حكي عن القاضي وجوب الحج على من أدرك التروية إلا أنه قول نادر، فالمتجه حمله على ضرب من الكراهة، خصوصا بعد قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (6) (لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله) وفي خبر اليماني (7) بعد أن سأله عليه السلام (عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم رجع إلى بلاده قال: لا بأس وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، فان الحسين بن علي عليهما السلام خرج قبل التروية بيوم، وقد كان دخل معتمرا) بل في التهذيب خرج يوم التروية،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 5 - 4 - 8 - 6 مع اختلاف في لفظ الثالث (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 9 - 1 - 2

[ 461 ]

ولعله الأصح لصحيح معاوية (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام من أين افترق المتمتع والمعتمر، فقال: إن المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين عليه السلام في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج) ومنه يعلم أنه لا وجه لاحتمال الضرورة في خروج الحسين عليه السلام، ضرورة كون الاستدلال بما ذكره عليه السلام من الفرق مستدلا عليه بفعل الحسين عليه السلام، وقال أبو جعفر عليه السلام في حسن (2) نجية (إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وصلى الركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام فليلحق بأهله إن شاء وقال: انما أنزلت العمرة المفردة والمتعة، إلا أن المتعة دخلت في الحج ولم تدخل العمرة المفردة في الحج) وإن كان قد يظهر من ذيله عدم جواز الدخول في حج التمتع بالمفردة وإن كانت في أشهر الحج، ولذا حكي عن الشيخ حمله على المفردة في غير أشهر الحج، ولعل حمله على إرادة كون الامر له فيها أولى، وقال الصادق عليه السلام في موثق سماعة (3) (من حج معتمرا في شوال ومن نيته أن يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة، ومن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة، وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع، وانما هو مجاور وأفرد العمرة، فان هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب العمرة الحديث 3 (2) الوسائل - الباب 5 من ابواب العمرة الحديث 5 (3) الوسائل - الباب 10 من ابواب أقسام الحج - الحديث 2

[ 462 ]

فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها) إلى غير ذلك من النصوص المتجه الجمع بينها بما ذكرناه لا بالمحكي عن القاضي، فانه وإن كان يوافق قاعدة حمل المطلق على المقيد في بعضها إلا أنه لمكان ندرته لا يكافؤ المطلق، فيتجه الحمل على الكراهة والندب بالمراتب المزبورة، كما أن المتجه إرادة التمتع بها بالنية لا أنها تكون قهرا وإن لم ينو وإن أفاده بعض النصوص السابقة، إلا أنه لم نجد قائلا به، بل الاصل يقتضي خلافه أيضا. (و) من النصوص المزبورة وغيرها ظهر لك الوجه فيما ذكره المصنف وغيره من أنه (لو كان) العمرة المفردة (في غير أشهر الحج لم يجز) التمتع بها، مضافا إلى ما عرفته سابقا من دخول عمرة التمتع في الحج، فلا يجوز وقوعها في غير أشهره (و) كذا ظهر لك ايضا من بعضها مضافا إلى ما تقدم ما ذكره المصنف وغيره من أنه (لو دخل مكة متمتعا لم يجز له الخروج حتى يأتي بالحج لأنه مرتبط به، نعم لو خرج بحيث لا يحتاج إلى استئناف إحرام) بأن عاد قبل الشهر (جاز، ولو خرج) ولم يعد حتى مضى الشهر (فاستأنف عمرة تمتع بالأخيرة) دون الأولى، فانها تكون حينئذ مفردة وإن قيل أن في افتقارها إلى طواف النساء حينئذ وركعتيه وجهين كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا، فلاحظ وتأمل. (وتستحب المفردة في كل شهر) بلا خلاف أجده فيه إلا من العماني فاعتبر السنة بين العمرتين، لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (1) (العمرة في كل سنة مرة) وقوله وأبي جعفر عليهما السلام في صحيح حريز وزرارة (2) (لا يكون عمرتان في سنة) ولكنهما لندرة القائل بهما حتى من العماني فان العبارة


(1) الوسائل - الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 6 (2) الوسائل - الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 7 و 8

[ 463 ]

المحكية عنه غير صريحة في ذلك، قال: (وقد تأول بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص، فزعمت أنها في التمتع خاصة، فأما غيره فله أن يعتمر في اي الشهور شاء وكم شاء من العمرة فان يكن ما تأولوه موجودا في التوقيف عن السادة آل الرسول صلى الله عليه وآله فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظن فذلك مردود عليهم، وأرجع في ذلك كله إلى ما قالته الائمة عليهم السلام) قلت: يكفي في وجوده استفاضة النصوص بها في الأقل من ذلك، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (كان علي عليه السلام يقول لكل شهر عمرة) وفي صحيح ابن الحجاج (2) عنه عليه السلام أيضا (في كتاب علي عليه السلام في كل شهر عمرة) وفي الموثق (3) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عليا عليه السلام كان يقول: في كل شهر عمرة) وفي آخر (4) (كان علي عليه السلام يقول: لكل شهر عمرة) وفي خبر علي بن أبي حمزة (5) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يدخل مكة في السنة المرة أو المرتين والاربعة كيف يصنع ؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبيا، وإذا خرج فليخرج محلا، قال: ولكل شهر عمرة، فقلت يكون أقل قال: لكل عشرة أيام، ثم قال: وحقك لقد كان في عامي هذه السنة ست عمر، قلت: ولم ذاك ؟ فقال: كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف فكان كلما دخل مكة دخلت معه) وقال الصادق عليه السلام أيضا في الموثق (6): (السنة إثنا عشر شهرا، يعتمر لكل شهر عمرة، قال: فقلت له: أيكون أقل من ذلك قال: (لكل عشرة أيام عمرة) وقد عمل بها الشيخ في التهذيب وابنا حمزة وزهرة وأبو الصلاح والمصنف في النافع


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 4 - 1 - 2 - 5 - 3 (6) الوسائل - الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 9 و 10 والصدر من رواية اسحاق بن عمار والذيل من خبر علي بن أبي حمزة

[ 464 ]

والفاضل في المختلف والشهيد في الدروس على ما حكي عن بعضهم، وأيد بأن من دخل مكة بعد خروجه منها لم يجب عليه الاحرام إذا لم يكن مضى شهر وبما سمعت من إطلاق الأصحاب أن من أفسد عمرته قضاها في الشهر الآتي، وقال الحلبيان فيما حكي عنهما في كل شهر أو في كل سنة مرة، وهو يحتمل التردد والتخيير، ولعل الثاني أظهر، بل عن الاسكافي والمهذب والجامع ما في المتن: (وأقله) أي الفصل بين العمرتين (عشرة أيام) بل هو خيرة محكي التحرير والتذكرة والمنتهى والارشاد والتبصرة لما سمعته من الخبرين اللذين لا يعارضهما ما في باقي النصوص من أنه لكل شهر أو في كل شهر عمرة بعد عدم دلالته على عدم ذلك في الأقل، بل ما سمعته من سؤال الراوي عن الأقل كالصريح في عدم فهمه من العبارة المزبورة المنع عن غيره، خصوصا بعد أن أقره الامام عليه السلام على ذلك، وقال: (لكل عشرة عمرة) بل لعل المتجه (و) الموافق للضوابط في السنن القول بأن المراد من قوله عليه السلام (لكل عشرة عمرة) أنه (يكره أن يأتي بعمرتين بينهما أقل من عشرة أيام) كما في كشف اللثام ومحكي المنتهى كراهة عبادة جمعا بين ذلك وبين ما دل على استحباب العمرة على الاطلاق (و) إن كان (قيل) كما عن صريح الحسن والاصباح والنافع وظاهر الوسيلة وكتب الشيخ (يحرم) عدم الفصل بأحد ما ذكر، وأنها لا تصح بدونه لأنها عبادة لا تصح إلا متلقاة من الشارع ولم تتلق إلا مشروطة بالفصل به (و) لكن (الأول أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها التسامح في المستحباب، وعدم صراحة نصوص الشهر والعشر في التحريم، بل وظهورها، خصوصا بعد ما سمعته في الشهر والعشر، بل إليه يرجع ما عن الجمل والناصريات والسرائر والمراسم والتلخيص واللمعة من جواز التوالي بين العمرتين الجواهر - 58

[ 465 ]

بل نسب إلى كثير من المتأخرين، بل في الناصريات نسبته إلى أصحابنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، للاطلاق المزبور الذي منه أنها الحج الأصغر بل في النبوي (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) ونحوه، واحتمال المناقشة فيه - بعد الاغماض عن السند أنه بالنسبة إلى تحديد المدة مجمل غير واضح الدلالة، فان إطلاقه مسوق لبيان الفضيلة لا لتحديد المدة، بل بذلك يمكن الجواب عن الاطلاق الآخر في الندب إليها إن وجد - يدفعه أنه ظاهر بمقتضى إطلاقه في عدم اعتبار المدة لا أنه مجمل بالنسبة إليها، وكذا ما دل على طلبها والحث عليها حتى شبه غيرها من العبادات بها وبالحج كما لا يخفى على ذي مسكة، ولا ينافيه نصوص الشهر والعشر التي أقصاها عدم ترتب الاستحباب المخصوص أو الكراهة، نعم في صحيحي حريز (2) وزرارة (3) النهي عنهما قبل سنة وقد عرفت الاجماع على خلاف ذلك من غير العماني، فليحمل على التقية من بعض العامة أو على إرادة عمرة التمتع، أو على إرادة مرتبة من مراتب الكراهة، أو على أن المراد اني لا أعتمر في كل سنة إلا مرة كما أن المراد من الصحيح الآخر تأكد استحباب الاعتمار في كل سنة أو غير ذلك مما هو أولى من الطرح وإن بعد، وإن أبيت فلا بأس به بعدما عرفت من شذوذ القول به، بل يمكن القطع بفساده ولو للسيرة والعسر والحرج، ضرورة شدة احتياج الدخول إلى مكة والخروج منها لجملة من الناس في السنة مرارا متعددة، بل وفي الشهر الواحد، ومن الغريب بعد هذا كله ما وقع من بعض متأخري المتأخرين من دعوى كون المسألة مشكلة، لعدم وضوح دليل على شئ مما فيها من الأقوال، فلا يترك الاحتياط فيها على حال.


(1) كنز العمال - ج 3 ص 22 - الرقم 487 و 488 (2) و (3) الوسائل - الباب 6 من ابواب العمرة الحديث 7 - 8

[ 466 ]

نعم ينبغي القطع بجوازها في كل شهر، ويبقى الكلام في العشر فما دونها لضعف المستند فيهما، فتركها فيهما أحوط وأولى، ولا تجوز المسامحة هنا في الفتوى باستحبابها فيهما، لوجود القول بالتحريم والمنع عنهما، إذ هو كما ترى لأن القول بالتحريم الناشئ من دعوى التشريع في العبادة لا ينافي القول بثبوتها بأدنى دليل صالح لاثبات الاستحباب فيها، فضلا عما عرفت من المطلقات وغيرها، على أن نصوص الشهر تحتمل إرادة جوازها في كل شهر على وجه لا يحصل الفصل بينها بغيره، كما إذا كانت إحداهما في آخر شهر والأخرى في أول آخر، وبالجملة فالأقوى جواز التوالي بين العمرتين على الوجه الذي ذكرناه، بل لا يبعد جوازه في كل يوم وإن كان قد توهم بعض العبارات أن أقل الفصل يوم على معنى أن لكل يوم عمرة، لكن مقتضى ما ذكرنا عدم الفرق بين اليوم وغيره، فتأمل جيدا. (ويتحلل من) العمرة (المفردة بالتقصير) والحلق بلا خلاف أجده بل ولا إشكال بعد قول الصادق عليه السلام في الصحيح (1): (المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصر) وفي آخر (2) (في الرجل يجيئ معتمرا عمرة مبتولة قال: يجزيه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أن يطوف طوافا واحدا بالبيت وإن شاء أن يقصر قصر) وغيرهما من النصوص (و) لكن (الحلق أفضل) بلا خلاف أيضا بل ولا إشكال بعد قول الصادق عليه السلام في الصحيح (3) (قال: رسول الله صلى الله عليه وآله في العمرة المبتولة اللهم اغفر للمحلقين، فقيل يا رسول الله:


(1) و (3) الوسائل - الباب 5 من ابواب التقصير الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 9 من ابواب العمرة الحديث 1

[ 467 ]

وللمقصرين فقال: وللمقصرين) وحسن سالم بن الفضيل (1) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام دخلنا بعمرة فنقصر أو نحلق ؟ فقال: احلق فان رسول الله صلى الله عليه وآله ترحم على المحلقين ثلاث مرات، وعلى المقصرين مرة) مشيرا بذلك إلى ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (اللهم اغفر للمحلقين فقيل يا رسول الله: و للمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقيل يا رسول الله: وللمقصرين فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقيل يا رسول الله: وللمقصرين فقال: وللمقصرين). (و) كيف كان ف‍ (إذا قصر أو حلق حل له كل شئ إلا النساء، فإذا أتى بطواف النساء حل له النساء) بلا خلاف أجده في ذلك إلا ما يحكى عن أبي الصلاح فقدم طواف النساء على الحلق أو التقصير، والنصوص المتقدمة في المقام وغيره حجة عليه (و) حينئذ ف‍ (هو) أي طواف النساء (واجب في المفردة بعد السعي) والحلق أو التقصير (على كل معتمر من امرأة وخصي وصبي) خلافا لما سمعته سابقا من ظاهر العماني من عدم الوجوب فيها، وقد مر الكلام فيه مفصلا، وإن كان المراد من الوجوب بالنسبة إلى الصبي الثبوت، لعدم التكليف عليه، فيمتنع حينئذ من مباشرة النساء ولو بعد البلوغ حتى يأتي بطوافهن، كما تمتنع الصبية والنساء عن الرجال حتى يطفن كما سمعت الكلام في ذلك فيما مضى (و) كذا مر ان (وجوب العمرة على الفور) والحمد لله الذي يسر لنا هذا القدر من مسائل الحج، وله الشكر على ذلك أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وإلا فمسائل الحج أجل من أن تستقصى، قال زرارة (2) في


(1) الوسائل - الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 13 عن سالم أبي فضل إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 276 الرقم 1346 سالم بن الفضيل (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب وجوب الحج الحديث 12

[ 468 ]

الصحيح للصادق عليه السلام: (جعلني الله فداك إني أسألك في الحج منذ أربعين عاما فتفتني، فقال يا زرارة: بيت يحج قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاما) وكتب بيده مؤلفه العبد العاثر المقصر القاصر محمد حسن بن المرحوم الشيخ باقر تغمدهما الله برحمته في يوم الأحد سادس وعشرين من شهر رمضان المبارك سنة الألف والمأتين وست وخمسين من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله الطيبين الطاهرين ألف ألف صلاة وسلام وتحية. قد تم الجزء العشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه المشتمل على الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود والاحصار والصد وأحكام الصيد وما يتعلق به الكفارة والضمان وباقي المحظورات والعمرة، وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه وقد خرج بعون الله ولطفه خاليا عن الأغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، ويتلوه الجزء الحادي والعشرون في الجهاد إن مهاجرها وآله الطيبين الطاهرين ألف ألف صلاة وسلام وتحية. قد تم الجزء العشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه المشتمل على الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود والاحصار والصد وأحكام الصيد وما يتعلق به الكفارة والضمان وباقي المحظورات والعمرة، وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه وقد خرج بعون الله ولطفه خاليا عن الأغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، ويتلوه الجزء الحادي والعشرون في الجهاد إن شاء الله تعالى عباس القوجاني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية