جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 23


[ 1 ]

جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء الثالث والعشرون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ علي الآخوندي ناشر: دار الكتب الاسلامية نوبت چاب: هشتم تيراژ: 1600 نسخة / بهار 1365 چاب از: چاپخانة حيدري آدرس ناشر: تهران، بازار سلطاني، تلفن 520410 حقوق الطبع والتقليد محفوظة للناشر

[ 2 ]

هو الله تعالى شأنه العزيز هذا جواهر كهف المسلمين ومن * إذا تعصب أمر عنده هانا محمد الحسن السامي المقام ومن * طابت سريرته سرا واعلانا محيى شريعة طه والذي شهدت * بفضله كل أهل العلم اذعانا ومرجع الخلق من عرب ومن عجم * خيرا جزاه إله العرش رضوانا وكعبة للهدى غراء تقصدها * كل الانام رجالا وركبانا كتبها أقل الاقلين وأذل الاذلين داود بن أبي الحسن بن أبي طالب الرضوي الهمداني سنة 1256 ه‍ وجدنا هذه الابيات مكتوبة وراء صفحته الاولى من نسخة الاصل فأردنا إثباتها تذكارا

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الغر الميامين الفصل الثالث مما بنى عليه كتاب التجارة (في الخيار) الذي هو بمعنى الخيرة أي المشيئة في ترجيح أحد الطرفين، إلا أن المراد به هنا ملك اقرار العقد وازالته بعد وقوعه مدة معلومة، ولا ريب في ثبوته في الجملة، بل هو كالضروري، وإن كان الاصل في البيع اللزوم، أي بناؤه عليه لا على الجواز وإن ثبت في بعض أفراده وفي جامع المقاصد أو أن الارجح فيه ذلك، نظرا إلى أن أكثر أفراده عليه، ومرداه أن الاصل حينئذ بمعنى الراجح، كما أن مرجع الاول إلى ما يناسب المعنى اللغوي ويمكن كونه بمعنى القاعدة، أما الاستصحاب فبعيد إلا بتكلف نعم هو دليله مضافا إلى الاية (1) في وجه وظاهر النصوص (2): (والنظر في أقسامه وأحكامه، أما أقسامه) فقد ذكر المصنف هنا منها (خمسة) وآخر سبعة، وثالث، ثمانية، ورابع، أربعة عشر. وليس ذلك خلافا وانما هو مجرد جمع واستقصاء. (الاول خيار المجلس) أي عدم التفرق حقيقة عرفية أو تجوزا في بعض أفراد الحقيقة، لعدم اعتبار محل الجلوس في هذا الخيار، بل ولامكان العقد في شئ من النصوص والفتاوى،


(1) سورة المائدة الاية 1، (2) الوسائل الباب 1 و 6 من ابواب الخيار.

[ 4 ]

(ف‍) حينئذ (إذا حصل الايجاب والقبول إنعقد البيع و) كان (لكل من المتبايعين خيار الفسخ ما داما في المجلس) أي لم يتفرقا، إجماعا منا بقسميه، ونصوصا مستفيضة أو متواترة. منها - قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن مسلم وصحيح زرارة (1) عن رسول الله صلى الله عليه و آله " البيعان بالخيار حتى يفترقا " وقوله عليه السلام في صحيح الفضيل (2) لما قال له ما الشرط في غير الحيوان: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " وفى صحيح الحلبي (3) " أيما رجل إشترى بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع " وفى صحيح عمر بن يزيد (4) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا التاجران صدقا بورك لهما وإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما وهما بالخيار ما لم يفترقا فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا " إلى غير ذلك من النصوص التى لا بأس بدعوى تواترها. فما في خبر غياث (5) عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام " قال: قال: إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وإن لم يفترقا " مطرح أو محمول على اشتراط السقوط، أو على إرادة حصول الملك، أو على الافتراق البعيد، أو غير ذلك، والاجود حمله على التقية من أبى حنيفة وأتباعه في هذه الفتوى الملعونة التى أقدم فيها على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله على علم منه، ولذا عدت في مطاعنه، وإطلاق النص والفتوى شامل لكل من المالكين، ومن في حكمهما والوكيلين والمختلفين بل في الرياض ثبوته للمتبايعين سواء كان العقد لهما أو لغيرهما أو على


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 1 و 2 (2) و (3) الوسائل - الباب 1 - من ابواب الخيار الحديث 3 و 4 (4) و (5) الوسائل الباب 1 - من ابواب الخيار الحديث 6 و 7

[ 5 ]

التفريق على بعض الوجوه بالاجماع القطعي، والمستفيض الحكاية، وإن كان فيه نوع مناقشة، إلا أن الوجه في ذلك واضح للصدق، سواء قلنا بأن البيع هو الصيغة، أو النقل، أو الانتقال، فالبايعان المتلبسان بالصيغة، أو الناقلان، أو موجدا سبب الانتقال، والكل صادق على الكل فثبوته حينئذ للوكيلين من الشرع باعتبار الصدق المزبور والتبعية، كما صرح به في الحدائق، لا من نص الموكل وإذنه فيه، بل قد يتوقف في ثبوته لهما مع حضورهما معهما، لعدم الصدق إلا توسعا، ولذا يقال عند التحقيق: ما باعا وإنما باع وكيلهما، بل مال إليه في الحدائق اللهم الا أن يدعى ثبوت الخيار لهما باعتبار كونه حقا متعلقا في مالهما فيتبعه في الانتقال اليهما، الا أن ذلك لا ينافى ثبوته للوكيلين مع ذلك، ومال إليه في المسالك والمحكى عن التذكرة، بل لعل مدته حينئذ افتراق الوكيلين لا افتراقهما الذي لم يجعل غاية في شئ من النصوص بعد فرض كونهما غير بيعين، وليس هذا اختلافا بين الضمير ومرجعه، إذ ليس ثبوت الخيار لهما من الخبر المزبور كى يرد ذلك، بل لما قلناه وهو يقتضى فرعيته على ما للوكيلين فيتبعه حينئذ فتأمل هذا. ولكن في المسالك بعد اعترافه أن اطلاق المتن يقتضى التعميم المزبور وأن العرف يشهد على الصدق المذكور في الوكيلين قال: " لكن الحكم في المالكين واضح، وأما الوكيلان فان لم ينص لهما الموكل على الخيار لم يكن لهما الفسخ. فينتفى الحكم عنهما، وان وكلهما فيه، فان كان قبل العقد بنى على التوكيل فيما لا يملكه الموكل هل يصح بوجه حينئذ أم لا وسيأتى في بابه انشاء الله فان لم نجوزه لم يكن لهما ذلك أيضا، وان جوزناه، أو كان التوكيل فيه بعد العقد في المجلس كان لهما الخيار ما لم يفترقا، عملا باطلاق الخبر، وهل يثبت مع ذلك للموكلين إذا حضرا

[ 6 ]

المجلس قيل: نعم لان الخيار لهما بالاصالة، ولانهما بيعان عرفا، إذ يصدق على البايع عرفا أنه باع متاعه إذا كان قد وكل في بيعه وباعه الوكيل، وكذا المشتري، ويحتمل العدم لانهما ليسا بايعين بمعنى موقعي الصيغة، ولا ناقلين للملك إنما أوقعها ونقله الوكيلان، ويحتمل أن لا يكون الخيار إلا لهما لانهما المالكان حقيقة المستحقان للخيار إذ الاصل في الوكيلين ان لا يستحقان خيارا، ولا يتناولهما الخبر ثم على تقدير ثبوت الخيار للجميع أو للمالكين فهل المعتبر تفرق الوكيلين أم المالكين أم الجميع كل محتمل، ويشكل بسبب ضمير تفرقا في بعض الموارد، ومن ثم قيل: ان المراد بهما المالكان والضمير لهما، ودخول الوكيلين في الحكم بأمر خارج، والوجه ثبوته لكل واحد منهما واعتبار تفرق كل في خيار نفسه لا في خيار الاخر، والمسألة من المشكلات " وكأنه أشار بقوله أخيرا قيل: إلى ما في جامع المقاصد في مسألة ثبوت الخيار مع اتحاد الموجب والقابل. قال: " والذي يجب أن يحقق في معنى الحديث أن البيعين ان أريد بهما العاقدان لانفسهما لم يعم الوكيلين ولا الموكلين، وإن أريد بهما مالك المبيع ومالك الثمن لم يطابق أول الحديث إلا إذا كان المالكان هما العاقدين لان قوله ما لم يفترقا لا يصدق في المالكين إذا كان العاقد غيرهما، لانه يصير معناه حينئذ البيعان بالخيار ما لم يفترق المتعاقدان. وهو غير ظاهر، إلا أن يدعى وجود القرينة الدالة على مرجع هذا الضمير وهى ذكر الافتراق المقتضى بسبق الاجتماع للعقد، أو يقال: أن الحديث دال على حكم المالكين المتعاقدين لانه الغالب، وحكم ما إذا كان العاقد وكيلاهما يستفاد من أمر خارج " قلت: قد يصعب إقامة دليل معتبر على ثبوته للوكيلين صالح لقطع أصالة اللزوم مع فرض عدم ارادتهما من لفظ الحديث، ولذا قال

[ 7 ]

في الحدائق: ما سمعت، ومقتضاه أن لا يحتاج معه إلى نص الموكل بل لا عبرة بمنعه في وجه، ولا يخفى عليك ما في قوله وإن جوزناه الخ، ضرورة أنه إذا كان مستند خيارهما التوكيل لا لفظ الحديث لم يتجه تأجيله بالافتراق الذي هو أجل للخيار الشرعي الثابت للبيعين، ولا فرق بين توكيلهما وتوكيل أجنبي. اللهم إلا أن يدعى كون المراد أن البيعين بالخيار ولو من اذن الموكل ما لم يفترقا. وهو كما ترى، وما تسمعه في أخر المبحث، ومن الغريب قوله وهل يثبت مع ذلك إلى آخره إذا كان المراد باسم الاشارة ما ذكره من صورتي ثبوت الخيار لهما. تجويز التوكيل قبل العقد أو فرض وقوعه بعده، إذ لا وجه حينئذ لاحتمال عدم الخيار لهما، بعد أن كان التوكيل فيه مقتضيا لثبوته لهما، والوكالة في شئ لا تزيل تسلط الموكل، وكذا لا وجه لعدم الخيار للوكيلين مع فرض أنهما قد وكلا فيه، بل لا وجه لجميع ما ذكره بعد ذلك، ويمكن أن يريد باسم الاشارة ما ذكره أولا من اقتضاء الاطلاق ثبوته للوكيلين، ويكون الاحتمالات حينئذ لحال اجتماع حضور المالكين معهما خاصة، لا إذا لم يجتمعا، فان الخيار للوكيلين حينئذ على مقتضى الاطلاق المزبور، أو يقال: ان المراد ثبوت الخيار لهما من حيث حضورهما مضافا إلى ثبوته لهما من جهة عقد الوكيلين، فيكون لهما الخيار من جهتين احديهما من حيث اجتماع الوكيلين، ويبطله تفرقهما، والثانية من جهة حضورهما، ويبطله تفرقهما دون الوكيلين، بل الظاهر أن مراده ذلك وإن كان فيه ما فيه، ولا يخفى عليك أيضا ما في قوله ثم الخ، كقوله والوجه مع ما سلف، وبالجملة كلامه أشكل من المسألة، هذا كله. ولكن الانصاف - إن لم يكن اجماع - عدم ثبوته للوكيلين إلا بالتوكيل فيه لا إصالة، والخبر حينئذ إنما هو في البيعين الموجب اجتماعهما فيه في

[ 8 ]

مجلس العقد للخيار وتفرقهما سقوطه، وثبوته للمالكين في عقد الوكيلين إنما هو لما دل من تنزيل عبارة الوكيل منزلة عبارة الموكل المقتضى ثبوت الخيار للموكلين، اجراء لحكم عقدهما على العقد من وكيلهما بالتنزيل المزبور، ولكن يسقطه تفرق الوكيلين باعتبار ظهور دليل الخيار في اعتبار دوام مجلس العقد، سواء كان منهما أو من وكيلهما، ومع تفرق الوكيلين لم يثبت الخيار باعتبار فوات مجلس العقد الذى لا دليل على تنزيل مجلس الموكل منزلته، كى يكون المدار عليه لا على مجلس عقد الوكيلين، فان عمومات الوكالة لا تقتضي ذلك، وحينئذ فلا اختلاف في مرجع الضمير في البيعين بعد أن كان مورده غير الوكيلين، وإنما ثبت الخيار للموكلين في بيعهما من الطريق الذي ذكرنا لا من الخبر، أو يقال ان المراد بكون البيعين بالخيار كونهما مع الخيار، وإن كان ثبوته لمن له العقد، بل لو أريد كونه لهما كان نحو قولهم الخيار في الحيوان للمشترى مثلا الشامل للوكيل مع أن من المعلوم كونه للموكل، كما هو واضح، وحينئذ فلا يكون اختلاف بين الضمير ومرجعه وعلى تقديره فهو للقرينة. ومن ذلك يظهر لك الوجه فيما سمعته من كلام جامع المقاصد فلاحظ وتأمل وتدبر. فان ذلك هو التحقيق الذي لا ينبغي المحيص عنه في المسألة، وحاصله ثبوته للمالكين في عقد الوكيلين حضرا معهما أو لم يحضرا، ويسقطه تفرق الوكيلين، نعم لو كانا وكيلين على مجرد اجراء الصيغة، وقلنا بصحته. وكان الاصيلان حاضرين أمكن كون المدار على تفرقهما دون الوكيلين، لصدق البيعين عليهما دونهما، ويحتمل كونه كالاول لكون الوكالة فيه مشتملة أيضا على انشاء النقل وقصده، فهما كالمستقلين

[ 9 ]

من هذه الجهة، وأما الوليان فالخيار للمولى عليه أيضا ولكن للوليين النظر فيه، لعموم الولاية، وكيف كان فالفضوليان غير بايعين بناء على ما هو التحقيق من أنه النقل، سواء قلنا بأن الاجازة كاشفة، أو ناقلة فلا خيار في عقدهما حينئذ، نعم قد يحتمل خصوصا على النقل دوران ثبوته على مجلس الاجازة إذا فرض اجتماعهما فيه، ويحتمل سقوط الخيار هنا من أصله، ويحتمل كونهما كالوكيلين لانهما ناقلان أيضا وإن كان مشروطا بالرضا ولا يخلو من قوة. (و) على كل حال ف‍ (لو ضرب بينهما حائل) أو حفر نهر لا يتخطى أو نحو ذلك مع بقائهما على حال العقد (لم يبطل الخيار) قطعا، لعدم صدق التفرق به سواء كان غليظا أو رقيقا ثوبا أو جدارا من طين أو جص، بلا خلاف أجده بيننا بل وبين غيرنا، عدا ما في التذكرة عن الشافعية في الاخير قولان: أصحهما عدم السقوط، قال: والحقه الجويني بما إذا حمل أحدهما و أخرج، لكن في المسالك انه نبه المصنف بما ذكره على خلاف بعض العامة حيث أبطله ولعله يريد ما سمعت والامر سهل. (وكذا) لم يبطل (لو اكرها) معا (على التفرق) باختيارهما أم لا، بلا خلاف أجده، بل في الغنية وعن تعليق الشرايع الاجماع عليه، للاصل بعد تبادر الاختيار من النصوص، ولذا يصح في التحقيق أن يقال لم يفترقا، ولكن فرقا، معتضدا بأنه شرع للارفاق المفقود مع الاجبار، و بما في صحيح الفضيل السابق (1) من الاشعار، بل لو أريد منه بعد الرضا منهما بالافتراق كان نصا في المطلوب، (و) بغير ذلك فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين من نوع توقف فيه في غير محله، سيما إذا كان الاكراه رافعا للاختيار من رأسه.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 10 ]

نعم قد اشترط جماعة بما إذا (لم يتمكنا) مع ذلك (من التخاير) أي اختيار الفسخ أو العمل على مقتضى الخيار، بأن سد أفواهما أو هدد عليه، بل صرح في الروضة وغيرها بلزوم العقد مع تمكنهما منه ولم يختارا وإن أكرها على التفرق، وفيه ان ترك اختيار الفسخ مع التمكن منه بعد الاكراه على الافتراق الذي نزله الشارع منه منزلة العدم بالنسبة إلى الاسقاط كالسكوت في المجلس - لا دلالة فيه عليه - ولا وضع شرعا له كما هو واضح، ولو أكره أحدهما على المفارقة فان أكره الاخر على المكث كانا معا مكرهين، وإلا فقد يظهر من تعليق عدم البطلان في المتن والمحكي عن الشيخ وغيرهما على اكراههما معا البطلان فيه حتى في حق المكره. ومثله لو حبس أحدهما وفارقه الاخر اختيارا، ولعله لما تعرف من سقوطه في حال الاختيار بتخطي أحدهما عن الاخر وهو موجود في الفرض، فلا يقدح اكراه الثاني، وفيه صدق المفارقة باختيارهما معا في الاول، وإن كان المتخطي واحدا والاخر اختار المكث على المصاحبة، كما أن الاول اختار التخطي على المكث مع صاحبه، بخلاف ما نحن فيه الذي يمكن لولا الاكراه لجلس معه في الاول و صاحبه في الثاني، والمدار في السقوط التفرق المستند إلى اختيارهما معا، لانه المتبادر من النصوص، حتى صحيح فضيل السابق، والموافق لاصالة بقاء الخيار، بل قيل: أنه مقتضى اجماع الغنية، المعتضد بفتوى جماعة منهم الشهيد الثاني والمحقق الثاني في الروضة وجامع المقاصد بل لم أقف على الفتوى صريحا في الاكتفاء بذلك، فيما عدا القواعد قال: " ولو حمل أحدهما ومنع من الاختيار لم يسقط خياره على إشكال. أما الثابت فان منع من التخاير أو المصاحبة لم يسقط، وإلا فالاقرب سقوطه فيسقط خيار الاول " وفيه - مع منافاة اشكاله هنا لما جزم به

[ 11 ]

قبل ذلك من بقاء الخيار لو أكرها على التفرق - بل ولما جزم به أيضا في الثابت لان التفرق إن كان صادقا سقط خيارهما معا وإن انتفى أو شك فيه فهو كذلك فيهما - انك قد عرفت عدم السقوط فيهما في الاخير فضلا عن سابقه لعدم تحقق التفرق المستند إلى اختيارهما معا وهو المدار كما عرفت، ومنه يعلم ضعف احتمال بقاء خيار المكره خاصة، وإن كان هو أقوى مما استقربه، بل هو ظاهره أو صريحه في التذكرة فلاحظ وتأمل، ولو زال الاكراه ففي فورية الخيار وتراخيه إلى حصول الافتراق قولان، أقواهما الثاني، للاصل ولان خيار المجلس موضوع على التراخي وهذا منه أو بدل عنه، بل إن لم يقم إجماع على أن غاية الافتراق بعد الزوال، أمكن القول ببقائه مطلقا في بعض الصور التي لم يبق معها بعد الزوال صدق الافتراق فيكون الخيار حينئذ ثابتا بقوله البيعان الخ، ولم تحصل الغاية حال امكانها وبعد الاكراه لم يبق لها مصدقا فتأمل جيدا. ولو زال الاكراه وهو مار ففي التذكرة انقطع خياره ببقائه سائرا قال: " وليس عليه الانقلاب إلى مجلس العقد ليجتمع مع العاقد الاخر إن طال الزمان، و إن لم يطل ففيه احتمال عند الجويني " قلت: لا ريب في ضعفه لعدم الدليل على الوجوب في الفرض، كما انه لا دليل على تحري الاقصر لو أراد العود، ولا تضر مفارقته مجلس الزوال له، فمن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك الحال في كثير من الفروع المتصورة في المقام منها - ما لو تناديا بالبيع في سفينتين مثلا ففرقتهما الريح التي لا يتمكنا من الاصطحاب معها، فان الظاهر كما في جامع المقاصد عدم السقوط أيضا كالاكراه، بل قال: " لو دهشا فلم يختارا حينئذ ففي السقوط نظر والله أعلم ". (و) كذا (يسقط) الخيار (باشتراط سقوطه) منهما أو من أحدهما بلا خلاف أجده فيه، بل في الغنية الاجماع عليه لاصالة اللزوم مع الشك في تناول

[ 12 ]

الادلة له، وعموم الامر بالوفاء بالعقود (1) وصحيح " المؤمنون عند شروطهم " (2) الذي هو أرجح مما دل على الخيار من وجوه فيحكم عليه وإن كان التعارض من وجه، وليس الخيار من مقتضى العقد، بل هو مقتضى اطلاقه، بل قد يقال: إنه ليس من مقتضياته أصلا، بل هو حكم شرعي ثبت للعاقدين على انه أولى من إشتراط الخيار في العقد، والمراد من المتن وغيره مما عد فيه ذلك أحد الامور الاربعة المسقطة للخيار سقوطه بنفس الشرط، لا اشتراط الاسقاط الذي يحصل بأحد مسقطاته، إذ ليس هو حينئذ اسقاطا بالشرط، بل اقصاه استحقاق الاسقاط عليه، فان لم يف له به تسلط على الخيار كباقي الشرايط، وليس مما نحن فيه، كما أن اشتراطه بالمعنى الذي ذكرناه أولا لا يرجع إلى نفي استحقاق ثبوت الخيار شرعا كي يكون باطلا، بل مرجعه إلى ايجاب اختيار لزوم العقد عليه، فمع قبوله كذلك لا بأس به، وعدم حصوله إلا بعد تمام العقد لا ينافي اشتراط سقوطه عند حصول سببه، فما عن بعض الشافعية من عدم صحة هذا الشرط كخيار الشفعة لا ريب في بطلانه. كل ذلك مع الشرط (في العقد) أما قبله فلا يلزم كغيره من الشروط الخارجية، للاصل، بعد القطع بعدم ارادته من قوله: " المؤمنون عند شروطهم " لان المراد منه ما يلتزمونه بالملزم الشرعي وإلا لوجب الوفاء بكل كلام يقع بينهم من الوعد وغيره، وهو معلوم البطلان، قيل: وإليه أومأ في جملة من النصوص (3) في النكاح التي هي بفحواها أو عمومها شاهدة علي المقام أيضا خلافا لظاهر المحكي عن الخلاف والجواهر فأوجبه به. وهو ممكن التنزيل


(1) سورة المائدة الاية 1. (2) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4. (3) الوسائل الباب 33 من ابواب المتعة و 20 من ابواب المهور

[ 13 ]

على صورة بناء العقد عليه لا ما إذا وقع سابقا من دون بناء. ومن الغريب ما في الرياض من أن قول الشيخ غير بعيد، لولا نصوص النكاح، للشك في شمول دليل الخيار، إذ فيه أنه لا شك بعد القطع بصدق البيعين عليهما، والدليل غير منحصر في المتيقن كما هو واضح والله أعلم (و) كذا يسقط الخيار (بمفارقة كل منهما صاحبه) إجماعا بقسميه ونصوصا مستفيضة أو متواترة (1) وتحصل ببعد أحدهما عن صاحبه (ولو بخطوة) بلا خلاف يعتد به أجده فيه، لعدم تحديدها بالشرع فيكتفى بمسماها المتحقق بالخطوة قطعا، بل هي في كلامهم مثال لمطلق البعد بينهما زائدا على ما كان حال العقد، ولا ينافي ذلك صحيح الخطى (2) الذى لا يأتي حصوله بما دونها. بل قد يستفاد منه ارادة المعنى اللغوى من الافتراق، بناء على أن له معنى عرفيا لا يتحقق بالخطوة ونحوها بل في الرياض " لولا المعتبرة المستفيضة التي منها الصحيح المزبور، لاشكل إثبات اللزوم وسقوط الخيار بالافتراق بنحو من الخطوة باطلاق مفهوم نصوص الافتراق، لاختصاصها بحكم التبادر في الافتراق المعتد به الغير الصادق على الافتراق بنحو الخطوة عرفا و عادة " وإن كان قد يناقش فيه بمنع عدم الصدق عليه عند التحقيق لا التوسع المبنى على تنزيل القليل منزلة العدم، بل الشك كاف لاصالة عدم النقل إلى معنى جديد، وبأنه لا تعرض في المعتبرة للخطوة إذ في صحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام " ان أباه اشترى أرضا يقال لها العريض فلما استوجبها قام فمضى فقال له: يا ابه لم عجلت ؟ فأجابه بأني أردت أن يجب البيع " ونحوه غيره ولا دلالة فيه على أنه كان خطوة أو أكثر ولا إطلاق فيه، نعم في صحيح ابن مسلم (4)


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب الخيار الحديث 3. (3) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الخيار الحديث 1، 3.

[ 14 ]

عن الباقر عليه السلام " بايعت رجلا فلما بايعته قمت فمشيت خطا ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا "، وهو مع أنه ليس فيه خطوة، حكاية فعل لا إطلاق فيه ولم يعلم حاله، فالعمدة حينئذ ما ذكرنا معتضدا بفتوى الاصحاب، وببعض ما يستفاد منه المراد بالمجلس من نصوص الصرف (1) فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فظاهر النص والفتوى عدم اعتبار قصد الاسقاط بالافتراق فلا فرق فيه بين حصوله من الجاهلين أو العالمين أو المختلفين، ولا بين الناسيين للبيع أو الخيار وغيرهما، ولا بين الافتراق له أو لغرض آخر، وفعل الباقر عليه السلام لا يقتضي حصر الاسقاط به، فما عساه يتوهم من عبارة الحدائق من اعتبار ذلك في غير محله، ومنه يعلم أنه لا يعتبر دلالته عرفا على الرضا، و إن كان قد يتوهم من صحيح الفضيل (2). نعم صريح الصحاح المزبورة حصول افتراقهما بما ذكرناه من انتقال الواحد، ولا يشترط ذلك منهما كما أوضحناه فيما تقدم، وكذا لا فرق عندنا بين قرب المكانين، وبعدهما، حتى لو تساويا من مكان بعيد اعتبر التفرق من مكانهما لسقوط الخيار، وعن بعض العامة اسقاطه لمقارنة المسقط ولا ريب في سقوطه، أما إذا لم يحصل مسماه كما لو مشيا مصطحبين أو تقاربا أو نحو ذلك لم يسقط الخيار، ولو هرب أحدهما ففارق الاخر ولو بخطوة اختيارا، عالمين أو جاهلين أو مختلفين، ففي القواعد وجامع المقاصد السقوط أيضا، بل في الاخير وإن فعل ذلك حيلة في لزوم العقد، وهو لا يخلو من نظر إذا لم يحصل صدق التفرق باختيارهما، والله أعلم. (و) كذا يسقط الخيار في العقد (بايجابهما إياه أو أحدهما ورضا


(1) الوسائل - الباب 2 - من ابواب الصرف الحديث 1، 3، 8 (2) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 15 ]

الآخر) وهو المسمى بالتخاير، وصورته أن يقولا اخترنا العقد أو الزمناه أو اسقطنا الخيار أو نحو ذلك، مما يدل على اختيار لزوم العقد والرضا به، ولا يختص به، بل كل ما دل على الرضا فهو كاف، ولذا لزم بالايجاب من أحدهما مع رضا الاخر، وعلى كل حال فالسقوط بذلك مما لا خلاف فيه، بل في الغنية والتذكرة ومحكي الخلاف الاجماع عليه، بل ولا إشكال، ضرورة معلومية كون الخيار مما يسقط بالاسقاط، وأن المدار في لزوم العقد على ما يدل على الرضا من الافعال، فضلا عن الاقوال، كما أومأ إليه في صحيح الفضيل وبعض نصوص خيار الحيوان (1) وغيره، ولما قيل من أن فسخ اللازم بالتقابل يقتضي لزوم الجايز بالتخاير، ولانه سقط بالافتراق، لدلالته على الرضاء، والتخاير صريح فيه، وإن كان فيه نوع تأمل، وفحوى خبر السكوني (2) عن الصادق عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل اشترى ثوبا شرط إلى نصف النهار فعرض له ربح فأراد بيعه فقال: ليشهد أنه قد رضيه أو استوجبه، ثم ليبعه إن شاء فان أقام في السوق ولم يبع فقد وجب عليه " ونحوه خبر الحلبي والشحام (3). لكن في الحدائق " ولقائل ان يقول ان ذلك لا يزيد على ما يقتضيه العقد من اللزوم، وأقصاه التأكيد، ونصوص الخيار مطلقا شاملة للعقد المؤكد وغيره، ضرورة صدق عدم الافتراق معه وهو مدار بقاء الخيار، إلا أن يقال ان هذه الالفاظ في قوة اشتراط سقوط الخيار فيرجع إليه " وهو من غرائب الكلام إذ الفرق بينه وبين الشرط في متن العقد واضح، كوضوح أن المراد به ما دل على اسقاط الخيار لا ما دل على أصل


(1) الوسائل الباب 1 و 4 ؟ من ابواب الخيار. (2)، (3) الوسائل الباب 12 - من ابواب الخيار الحديث 1 و 2 و 3.

[ 16 ]

وقوع العقد الذي مقتضاه اللزوم. (ولو التزم أحدهما) به (سقط خياره) لما عرفت (دون صاحبه) لاصالة بقائه، وعدم ارتباط أحدهما بالآخر، وكونهما بالتفرق كذلك بناء على ما قلناه لا يقتضي مساواة غيره له كما هو واضح، والتثنية في ثبوت الخيار لهما بعد معلومية ارادة ثبوته لكل منهما كما أومأ إليه في صحيح الفضيل المتضمن رضاهما معا، لا يقتضي الارتباط. (ولو خير) أحدهما الآخر بأن قال له: اختر (فسكت فخيار الساكت باق) اجماعا، للاصل وإطلاق الادلة، والسكوت أعم من الرضا، نعم لو اقترن بما يدل عليه سقط كما ستعرف، (وكذا) خيار (الآخر) لان أمره بالخيار لخصوص المأمور أو لهما معا لا يدل على اسقاط خيار نفسه باحدى الدلالات، (وقيل فيه) ولكن لم نعرف القائل وإن نسب إلى الشيخ إلا أن المحكي عن مبسوطه وخلافه خلاف الحكاية (يسقط) للنبوي (1) " البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقل لصاحبه اختر " (والاول أشبه) لما عرفت، وعدم ثبوت هذه الزيادة من طرقنا، مع أن مقتضاها سقوط خيارهما معا، ولعله لذا حملها في المختلف على ما إذا خيره فاختار اللزوم، لكن في الحدائق " إن فيه ما لا يخفى، لان محل الكلام إنما هو المخير بصيغة اسم الفاعل وان تخييره لصحابه يدل على اختياره الامساك وظاهر كلامه ان الذى اختار إنما هو المخير بصيغة اسم المفعول، وهو ليس محل البحث " وفيه أنه صرح الشيخ، وابن زهرة والعلامة والشهيد وغيرهم على ما حكى عن البعض بأنه لو قال أحدهما لصاحبه اختر فاختار الامضاء بطل الخياران، أما لو سكت فهو ما نحن فيه، بل قد استدل بعض الاساطين للسقوط بأنه ملك


(1) المستدرك ج 2 ص 473

[ 17 ]

صاحبه ما ملكه من الخيار، وإن كان فيه منع دلالة التخيير على التمليك، ولو قصد سقط خياره، كما صرح به في التذكرة وإن سكت المخير بالفتح كما أنه لا يسقط وإن أمضى المأمور إذا كان القصد الاستكشاف، أما إذا قصد التفويض سقط مع الامضاء، دون السكوت، قيل: وهو الظاهر من التخيير، ولذا فرقوا بين السكوت والامضاء، ولو سلم عدم الظهور فهو أعم من التمليك قطعا، فلا يحكم بالسقوط بمجرده، ولو صرح بالمتعلق فان قال: اختر الامضاء فالحكم كما لو اطلق، ولو قال: اختر الفسخ فخيار الاخر باق وإن أمضى المخير، وظاهر الدروس سقوطه وهو بعيد. ثم إنه قد يظهر من اقتصار المصنف وغيره على ما ذكر من المسقطات عدم سقوطه بغير ذلك حتى التصرف، بل هو كالصريح منه فيما يأتي، بل قصره في الغنية والمحكي عن المبسوط وابني سعيد وادريس في موضع من السرائر على التفرق والتخاير، بل عن جماعة قصره على الاول، لكن صرح جماعة من المتأخرين - بل الظاهر عدم الخلاف فيه بينهم كما اعترف به بعض الاساطين - بسقوط خيار المشتري بالتصرف في المبيع، بل حكاه بعضهم عن خلاف الشيخ، والكافي و الجواهر والسرائر أيضا، بل عن الاول انه نقل اجماع الفرقة على ان المشتري متى تصرف في المبيع سقط خياره، قال: وورد الاخبار به عنهم عليهم السلام مشيرا بذلك إلى ما أورده في كتاب الحديث، إلا أنه لم نجد ما يدل على ابطال التصرف لمطلق الخيار بعد الاجماع المزبور المؤيد بتخصيص الاصحاب خيار الغبن بالبقاء مع التصرف من بين الخيارت، مع احتمال ارادتهم فيه ايضا ما قبل ظهور الغبن وثبوت الخيار، فلا تخصيص حينئذ لذلك إلا ما قيل من التعليل بالرضا المستفاد من صحيح الفضيل السابق (1) وصحيح ابن ريأب في خيار الحيوان (2)، وفيه فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة فذلك رضا منه فلا شرط له، ومنه


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 3. (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 18 ]

يظهر الوجه في سقوط خيار البايع لو تصرف بالثمن المعين، للاشتراك بالعلة و هي الدلالة على الرضاء بالبيع. أما ما ذكروه فيما لو انعكس الامر - فتصرف البايع في المبيع أو المشتري في الثمن - من أنه يكون فسخا، ويبطل به الخياران - بل في الغنية نفى الخلاف عنه - فلا أجد له دليلا سوى دعوى دلالة التصرف عليه، ولا ريب فيه ان تمت الدلالة ولو بمعونة قرينة، وإلا فهو محل مناقشة كما في الرياض " لمنع الدلالة مع أعمية التصرف من الفسخ وغيره، فيحتمل السهو والغفلة فان تم اجماع على الاطلاق، وإلا فالمسألة محل ريبة، لاصالة بقاء صحة المعاملة والخيار فيها " قلت: بل ان لم يتم اجماع على الاول. أي اللزوم بالتصرف كان محلا للنظر، إذ دعوى دلالته عليه عرفا مطلقا محل منع، خصوصا وقد يصدر منه التصرف مع الغفلة عن البيع أو الخيار أو نحو ذلك. نعم يمكن دعوى وضع ذلك للدلالة شرعا وتعميمه لما نحن فيه، إلا أنه إن لم يحصل اجماع كما ترى، بل قد يناقش في الدال منه عرفا إذا لم تكن دلالته رافعة لاحتمال عدم ارادة الفسخ، بناء على اعتبار خصوص الظاهر من الاقوال في امثال ذلك لا الاعم منها والافعال. وعلى كل حال فهل المدار على حصول الدال على الرضا باللزوم أو الفسخ، أو يكفي حصول ذلك في النفس وإن لم يصدر منه ما يدل عليه، فيحرم عليه فيما بينه وبين ربه العمل على خلاف ما وقع فيها، ظاهر الاصحاب الاول، ويؤيده الاستصحاب، وقد يظهر من بعض النصوص (1) الثاني. وكذا لا خيار للبايع والمشتري في شراء من ينعتق على المشتري، كما صرح به جماعة، بل في الحدائق انه المشهور، لدخوله في ملك المشتري


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 19 ]

بنفس العقد، فينعتق بمجرد الملك، والعتق لا يقع متزلزلا، والحر لا يعود رقا، وفي الصحيح (1) " فيمن ينعتق من الرجال والنساء انهم إذا ملكوا اعتقوا، وانهن إذا ملكن اعتقن " بل في كثير من النصوص والعبارات نفي الملك، وحقيقة النفي وأقرب مجازاته ينفيان الخيار. نعم يثبت على القول بانتقال المبيع بعده، إذ لا مانع فيه، وهو خلاف التحقيق كما ستعرف، واحتمل في الدروس ثبوته للبايع، لسبق تعلق حقه فيقف العتق على التفرق، أو يثبت الخيار في القيمة دون العين، جمعا بين الحقين وتنزيلا لها منزلة التلف الذي لا يمنع الخيار، بل في الحدائق " التوقف في سقوط خيار المشتري، فضلا عن البايع، لان التعارض بين ما دل على العتق وعلى الخيار، تعارض العموم من وجه ولا ترجيح " ولا ريب في بعد الجميع خصوصا مع علم البايع، ودعوى تقدم حقه ممنوعة، فان الخيار بعد الملك كالعتق، وهو مبني على التغليب وادلته أنص على هذا المورد من أدلة الخيار، ومعتضدة بالشهرة، فيترجح عليها وتخصص بها، والقيمة بدل العين، فيمتنع استحقاقها دون المبدل. نعم لو تصرف المشتري فيه بالعتق اختيارا سقط حقه قطعا، بناء على ما عرفت، أما البايع فالظاهر بقاء خياره لسبق حقه، إلا أنه يقوى في خصوص العتق الانتقال إلى القيمة، لما عرفت من عدم التزلزل فيه، ودعوى عدم عود الحر رقا، اللهم إلا أن يدعى توقف نفوذ العتق على انقضاء خيار البايع، وهو مناف لاطلاق ما دل على حصوله باجراء الصيغة على الملك، لكن في المسالك الاشكال في صحة سائر تصرفات المشتري الناقلة مع خيار البايع، وربما يأتي للمسألة تتمة في المباحث الاتية انشاء الله، ولو اشترى العبد نفسه بناء على جوازه كالكتابة فكالانعتاق


(1) الوسائل - الباب 4 - من ابواب بيع الحيوان الحديث 1.

[ 20 ]

عند الفاضل، وفي جامع المقاصد " ان مثلهما لو كان المبيع جمدا في زمان الحر، لانه يذوب شيئا فشيئا إلا أن يقال التلف لا يسقط الخيار " قلت: وهو كذلك والله اعلم. (ولو كان العاقد واحدا عن اثنين) هو أحدهما أو غيرهما (كالاب أو الجد) أو الوصي لطفلين، (كان الخيار ثابتا ما لم يشترط سقوطه، أو يلتزم به عنهما بعد العقد. أو يفارق المجلس الذي عقد فيه على قول) لم نعرف قائله قبل المصنف، نعم صرح بالخيار في الفرض جماعة من الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا بيننا، وإن حكى الفاضل قولا بالسقوط، إلا أن الظاهر كما اعترف به بعض الاساطين كونه من العامة، نعم احتمله بعض أصحابنا أو مال إليه، بل في الحدائق " انه الاقرب، لقاعدة اللزوم، والشك في ثبوت الخيار في الفرض، إن لم يكن ظاهر الادلة خلافه " وفيه انه يمكن ان يكون دليله - بعد الاجماع في الغنية. على دخول خيار المجلس كل بيع، معتضدا بالشهرة العظيمة في المقام، و ظاهر الاصحاب في بيان محله التنقيح، لان المقتضى له في التعدد - هو البيع، وقد وجد في الواحد، والنص وإن كان ظاهره التعدد، إلا انه بوروده مورد الغالب، وظهور ارادة قصد التنصيص به على الاشتراك، والتوطئة لذكر التفرق، يضعف ارادة اعتبار ذلك في الخيار، ولو اثر فيه، لاثر في غيره مما ابتنى عليه، فيسقط مع الاتحاد اكثر الاحكام، وهو معلوم العدم، فيكون الظاهر من تعليق الخيار بالبيع في قوله " البيعان " هو ثبوته لهما من حيث هما بيعان ويرجع بعد اسقاط التثنية من الحيثية، لكونها في قوة التكرار بالعطف إلى ثبوته للبايع من حيث هو بايع، والمشتري من حيث هو كذلك، والعاقد الواحد بايع ومشتر، فيثبت له الخيار بالاعتبارين. ولا ينافي ذلك قوله " ما لم يفترقا " إذا كان المراد من النفي حقيقته التي

[ 21 ]

هي السلب المطلق، فلا فرق فيه بين المتعدد والمتحد، بل لو أريد منه الملكة أي عدم الافتراق عمن شأنه ذلك، أمكن حينئذ القول بأنه لا يقتضي تخصيص مورد الخيار به، بل أقصاه السقوط بذلك فيما يحصل به من افراده، فلا ينافي ما دل باطلاقه على ثبوت الخيار للبايع مثلا، من الخبر المزبور، بعد ما ذكرناه فيه وغيره كقول الرضا عليه السلام (1) في خبر ابن اسباط " الخيار في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري وفي غير الحيوان ان يفترقا " أي الخيار ثابت في غير الحيوان إلى أن يفترقا إن كان لطرفيه عاقدان بل قيل: انه قد يتمسك للمطلق بعموم النص، بدعوى ارادة الحقيقة من النفي والحمل للتثنية على عموم المجاز، كما ينبه عليه سوق النصوص (2) و الاقتران بخيار الحيوان في أكثرها، والعموم فيه معلوم بالنصوص، منها صحيح الفضيل (3) المتقدم سابقا، وفي الصحيح (4) " ما الشرط في الحيوان ؟ فقال: ثلاثة أيام للمشتري، قلت: وما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " الذي هو مع تضمنه لما ذكرنا عم المتحد سؤالا، فينبغي ان يعمه جوابا وتعليلا، ينشأ من التنبيه على علة السقوط بالافتراق، فيعمه حكما. كل ذلك مضافا إلى معلومية بدلية المتحد عن الاثنين في سائر الاحكام الثابتة للمتبايعين، والى استبعاد ثبوته لو وكل الولي عن أحد الطفلين ثم عقد معه إذ دعوى السقوط فيه أيضا كما ترى، فلا مناص بعذ ذلك بل بعضه عما عليه


(1) الوسائل الباب 1 - من ابواب الخيار الحديث 5. (2) الوسائل الباب 1 و 2 من ابواب الخيار. (3) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 3 (4) الاستبصار ج 3 ص 72

[ 22 ]

الاصحاب، كما انه لا مناص بعد القول بثبوته، عن القول بعدم سقوطه في التأخر عن مجلس العقد، للاستصحاب وعدم ما يدل على تنزيله منزلة افتراقهما كما هو المشهور بين الاصحاب بل لم يظهر فيه خلاف بينهم. نعم عن المبسوط كالمتن حكايته، واحتمله العلامة، ويحتمله عبارة الدروس على بعد، وعن الصيمري اعتماده، نظرا إلى ان خيار المجلس يسقط بمفارقته من غير اصطحاب ولا مصاحبة بين الشخص ونفسه، وفيه ان افتراقهما ايضا مستحيل، والمسقط هو الافتراق، وربما انتصر له بلزوم الضرر، ومخالفة الفرع للاصل، وبالاطلاق ما دل على جواز بيع الوكيل ماله من موكله، ومال موكله من نفسه، ولو دام الخيار مع الاتحاد وجب التفصيل، و الضرر يندفع بالاشتراط، والفسخ والمخالفة مقلوبة، ضرورة عدم اللزوم بمفارقة المجلس خاصة في المتبايعين، بل لابد من افتراق البدنين، وتصرف الوكيل منوط بالمصلحة مطلقا، فان وجدت مع استمرار الخيار، وإلا بطل لهذا الاعتبار. هذا ولعل اقتصار المصنف على هذين المسقطين، لعدم ذكره التصرف أما غيره ممن ذكره ولم يذكره هنا، فمقتضاه انه لا يحصل به في المقام باعتبار اشتراك المتصرف، إلا أن يضم إليه قصد التصرف عن احدهما، ولو جاءا مصطحبين فقال أحدهما: تفرقنا ولزم البيع، وأنكر الاخر، فعلى المدعى البينة، إن لم يطل الوقت، للاصل، بل وإن طال ترجيحا له على الظاهر، ويحتمل العكس، بل قواه في جامع المقاصد، نظرا إلى شدة استبعاد بقاء الشخصين مجتمعين مدة طويلة، مع كون الاصطحاب منسوبا اليهما معا، حتى لو أراد أحدهما المفارقة احتيج في منعه إلى الالتزام والقبض، وذلك من الامور النادرة، قال: " ولكن هذا الظاهر يتفاوت قوة وضعفا بافراط طول

[ 23 ]

المدة وعدمه " قلت: هو ان لم يصل في القوة إلى صلاحية قطع الاصل، يشكل تقديمه عليه، ولو اتفقا على التفرق، واختلفا في الفسخ، فالقول قول منكره بيمينه. وفي القواعد " احتمال تقديم مدعيه، لانه أعرف بنيته " وهو كما ترى، ولعله يريد ما لو اختلفا في فعل مدعي الفسخ، مع أن ظاهر جامع المقاصد تقديم قول المنكر فيه، ولو قال أحدهما: تفرقنا قبل الفسخ، وقال الآخر: فسخنا قبل التفرق، احتمل تقديم الاول، لاصالة بقاء العقد، وتقديم الثاني، لانه يوافقه عليه ويدعي فساده، والاصل صحته، لان الفسخ فعله، واصالة تأخر كل منهما عن الآخر مع جهل التاريخ يقتضي الاقتران، وهو - مع انه خلاف الظاهر، بل والاصل، كما حقق في محله ولذا لم يعتبره أحد من الاصحاب يقتضي ترجيح الاخير، لاستصحاب الخيار حتى يتحقق الافتراق فتأمل والله اعلم. القسم الثاني - خيار الحيوان (خيار الحيوان) الذي هو في الجملة اجماعي. بل ضروري عند علماء المذهب (والشرط فيه) أي الخيار في الحيوان (كله) أنسيه وغيره (ثلاثة ايام) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل في ظاهر الانتصار والتذكرة و المحكي عن الخلاف والتحرير وصريح السرائر الاجماع عليه، لاطلاق النصوص

[ 24 ]

بل العموم في بعض الصحاح منها، وخصوص صحيح ابن رئاب (1) وغيره، مما تسمعه خلافا للحلبيين على ما حكي عن ابي الصلاح منهما، وربما يوافقهما ظاهر الشيخين، والمحكي عن الديلمي، حيث حكموا بضمان البايع مدة الاستبراء، وليس إلا لانها مدة الخيار المضمون ما يحدث فيها على البايع. لانه لا خيار له، و الحمل على عدم القبض بعيد. بل المفروض في المقنعة والنهاية. وضع المشتري اياها عند غيره، وهو قبض وايداع، بل فيهما، والوسيلة ومحكي المراسم والجامع ان نفقة تلك المدة على البايع، قيل: وهو يؤذن بذلك، وإلا لوجبت على المشتري بالملك قبل انقضائها. قلت: يمكن القول بالضمان والنفقة مع انقضاء مدة الخيار، للادلة كما هو مقتضى الجمع بين اطلاقهم الثلاثة في خيار الحيوان، وذكرهم ذلك، وعلى كل حال فلا نعرف له مستندا صالحا لمعارضة اطلاق الادلة وعمومها فضلا عن خصوصها، إذ اجماع الغنية - بعد معارضته بمثله، ورجحانه عليه من وجوه - غير صالح لذلك قطعا كما هو واضح. وكيف كان فهذا الخيار (للمشتري خاصة دون البايع على الاظهر) الاشهر فتوى ورواية. بل المشهور شهرة عظيمة فيها، بل في الغنية وظاهر الدروس أو صريحها الاجماع عليه، بل لا أجد فيه خلافا إلا من المرتضى في انتصاره، والمحكي عن ابن طاووس، بل لم نعرف النسبة إلا لاولهما، لقاعدة اللزوم المستفادة من الآية (2) والرواية، وخصوص صحيح ابن رئاب (3) المروى عن قرب الاسناد


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1. (2) سورة المائدة الاية 1. (2) ذكر صدره في الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 9 وذيله في الباب 4 منها الحديث 3

[ 25 ]

" سئل الصادق عليه السلام عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار للمشتري أو البايع أو لهما كليهما ؟ فقال: الخيار لمن اشترى، ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء، قلت له: أرأيت إن قبلها المشتري أو لامس فقال: إذا قبل أو لامس أو نظر فيها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزمته " الحديث. بل وصحيح الفضيل (1) قال للصادق عليه السلام: " ما الشرط في الحيوان ؟ فقال: ثلاثة أيام للمشتري، قلت: وما الشرط في غير الحيوان ؟ فقال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا " الحديث، الذي يقرب منه في الصراحة بالعدول بالجواب في غير الحيوان، والاقتران باللام المفيدة للاختصاص، وظهور ارادة القيد من الوقوع في بيان السؤال، فهو بمنزلة ما يذكر في الحدود والحصر بتعريف المبتدأ بناء على أن للمتشتري خبرا، أو كالخبر بالنسبة إلى ذلك ونحو خبر ابن اسباط (2) " سمع الرضا عليه السلام يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، وفي غير الحيوان ان يفترقا " وإن لم يجتمع فيه جميع ما ذكرنا، كصحيح الحلبي (3) " عن الصادق عليه السلام في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري، وهو بالخيار فيها ان شرط فيها أو لم يشترط "، وصحيح ابن رئاب (4) " عن الصادق عليه السلام الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، اشترط فيها أو لم يشترط، فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيام فذلك رضا منه، فلا شرط، قيل له: وما الحدث ؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما يحرم عليه قبل الشراء " وسمع الحسن بن علي بن فضال


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 3. (2) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 5 (3) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 1 (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 26 ]

في الموثق " أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: صاحب الحيوان المشترى بالخيار ثلاثة ايام ". فمن الغريب ما في المسالك من الاقتصار في الاستدلال له على صحيح الحلبي (2) وقال: " انه لا يدل على نفيه عن البايع إلا من حيث المفهوم المخالف وهو ضعيف، فالقول بما عليه المرتضى في غاية القوة، إن لم يثبت الاجماع على خلافه " وتبعه في هذا الميل الكاشاني وهو كما ترى، مع انه لم نقف له على دليل سوى ما ادعاه من الاجماع الموهون بالتتبع لفتاوى من تقدمه كالمفيد والصدوقين، ومن تأخر عنه المعارض بمثله صريحا و ظاهرا، وسوى صحيح محمد بن مسلم (3) عن الصادق عليه السلام " المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا " و صحيحه الآخر (4) " عنه أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " كصحيح زرارة (5) عن الباقر عليه السلام مع أن المراد بصاحب الحيوان في الاخيرين المشتري، بقرينة موثق ابن فضال (6) الذي هو إن اريد منه بيان الموضوع أو التخصيص في الحكم كان كافيا في المطلوب، ونافيا لاصل الدلالة فيهما على الاول، الذي يمكن دعوى انه المنساق المتبادر، إذ هو الصاحب فعلا، على أنه لو اريد به الاعم ثبت لكل منهما الخيار، متى كان أحد العوضين. وهو مما لم يقل به أحد، لان من صوره كون الثمن للدار مثلا حيوانا ولا خيار فيها للمشتري قطعا، كما ان العدول في الجواب فيهما صريح أو


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 3 - من ابواب الخيار الحديث 2 - 1 - 3 (4) الوسائل الباب 1 - من ابواب الخيار الحديث 1 (5) و (6) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 6 - 2

[ 27 ]

كالصريح في ارادة احدهما من الصاحب، وتخصيصه بالبايع فيما إذا كان المبيع حيوانا مما لم يقل به احد، فوجب ارادة المشترى منه، فانحصر الدليل في الصحيح الاول (1) القاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، بل ربما احتمل فيه بقرينة إتحاد الراوي والمروي عنه للصحيح الذي بعده، انه نقل من الرواى بالمعنى، بزعم الموافقة، واحتمل فيه ايضا ارادة الخيار لمجموعهما الصادق بالمشترى خاصة، أو أن الخيار للمشترى وعلى البايع فهو لهما أو نحو ذلك من الاحتمالات البعيدة التي لا بأس بها بعد القصور عن المعارضة، وانها أولى من الطرح. نعم احتمل الفاضل تنزيله على ما إذا كان كل من الثمن والمثمن حيوانا، وكأنه علق قوله في الحيوان فيه بالمبتدأ، وهو مبنى على ثبوت الخيار لهما في هذه الصورة، وعده في جامع المقاصد ثالث الاقوال، ونفى عنه البعد لما فيه من الجمع، بل عن جماعة منهم الصيمري اختياره لذلك، ولاتحاد وجه الحكمة في ثبوت هذا الخيار للمشترى، وهي خفاء حال الحيوان المحتاج إلى ضرب هذه المدة، وفيه بعد اعتبار التكافؤ في الجمع، أنه لا شاهد عليه في اللفظ ولا من خارج، وقاعدة أولويته من الطرح غير ثابتة كما تحرر في الاصول، والحكمة ما لم يكن منصوص علة أو تنقيح مناط لا يجوز اطرادها عندنا. ومن ذلك كله يظهر لك ضعف ما احتمله الفاضل ايضا من ثبوته لذى الحيوان مطلقا، فيشتركان فيه مع كون العوضين حيوانين، ويختص به المشترى في بيع الحيوان بغيره، ويختص به البايع في بيع غيره به، وإن مال إليه أو توقف فيه في الرياض، وقواه في الروضة، واختاره في المسالك، ومجمع البرهان و


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 3

[ 28 ]

الحدائق، وعن غيرها، إلا انه لا مستند له سوى الصحيح المزبور بعد التنزيل المذكور، وإطلاق صاحب الحيوان في الصحيحين، بناء على ارادة المنتقل إليه منه، لا ما كان صاحبه، والاشتراك في وجه الحكمة، وفي الجميع ما عرفت خصوصا بعد غلبة كون الحيوان مقابل بغيره، فصاحبه المشترى، سيما ولا عموم معتد به في هذه الاضافة إذ ليست من إضافة المصدر. فتأمل جيدا. ثم إن ابتداء الخيار من تمام العقد، كما صرح به جماعة وهو ظاهر الباقين، لا من حين التفرق، لتبادر الاتصال من النصوص (1) وانه كخيار المجلس، بل هو متعين الارادة في كثير منها، لعدم سبق غيره، وبه ينقطع الاستصحاب والتأسيس مع انه خلاف وضع العقد غير لازم، والخيار واحد بالذات مختلف بالاعتبار، فلا يجتمع المثلان وفائدته البقاء باحد الاعتبارين مع سقوط الاخر، فلا يتداخل السببان والاسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات، فلا استحالة في اجتماعهما كما اجتمعت في المجلس والعيب، وخيار الرؤية باعتراف الخصم، والبيع يتم بالايجاب والقبول على الاصح، فلا يمتنع الخيار قبل التفرق، وارتفاع الخيار المخصوص لا يقتضي اللزوم مطلقا، بل اللزوم اللازم من رفعه، فيصح تعلقه بالجايز، ولو قيل بالسببية في المجموع، دون الجميع اندفع اكثر ذلك إلا انه خلاف الظاهر نصا وفتوى، ويلزمه سقوط الاثر بالكلية مع استمرار المجلس طول المدة، وهو بعيد. كما أن احتمال سقوط خيار المجلس في الحيوان، لظهور بعض النصوص الجامعة بينهما في اختلاف موضوعهما بعيد ايضا، لظهور الفتاوى وجملة من النصوص في خلافه، ويلزمه عدم الخيار بعد الثلاثة لو زاد المجلس عليها، والبحث في ثبوته للوكيل نحو ما سمعته في خيار المجلس، لكن من المعلوم هنا اختصاصه بالمالك ومن يوكله فيه، كما ان من المعلوم ابتداؤه في الفضولي


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار

[ 29 ]

من حين الاجازة بناء على النقل، أما على الكشف فان كانت بعد الثلاثة سقط، وإلا ثبت فيما بقى منها والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يسقط باشتراط سقوطه في العقد وبالتزامه بعده) لما تقدم في خيار المجلس (وباحداثه فيه حدثا، كوطي الامة وقطع الثوب وبتصرفه فيه سواء كان تصرفا لازما كالبيع أو لم يكن كالهبة قبل القبض والوصية) لصحيحي ابن رئاب السابقين (1) ومكاتبة الصفار (2) إلى ابي محمد عليه السلام " في الرجل اشترى من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من اخذ الحافر أو أنعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في الثلاثة الايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها ؟ فوقع عليه السلام إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء انشاء الله " وصرح جماعة بل لا خلاف فيه يعرف بينهم أنه لا فرق بين الناقل وغيره، لصدق اسم الحدث، وذكر بعض أفراد العام أو المطلق للتمثيل لا يقضي بالتخصيص والتقييد لهما، سيما إذا كان في كلام السائل كالمكاتبة، والمناقشة بظهور صحيحي ابن رئاب في اختصاص الحدث بما لا يشمل التصرف الناقل إذ المثال إنما هو لما ماثله ضعيفة، ضرورة أن ذلك وإن لم يكن من صنف المذكور، ولكنه أولى قطعا، نعم قد يظهر من بعض النصوص الاتية في خيار الشرط (3) عدم دلالة مثل ذلك على الرضا ولذا اشترط على المتصرف الذي له الخيار أن يستوجب البيع أولا، لكن لم أجد عاملا بها، فهي بالنسبة إلى ذلك شاذة. وعلى كل حال فقد قيل أن الظاهر من صحيح الرضا (4) الذي هو كالتعليل


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 2 (3) الوسائل الباب 12 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2 (4) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 30 ]

كون المناط حصول الرضا بسببه، فلو علم انتفاؤه وان قصده بالحدث اختباره أو غيره، بقى خياره، ولعله لذا قيده بعض الافاضل بما إذا لم يكن للاختبار ونحوه ويؤيده الاصل، والاطلاقات وبعض النصوص، كالخبرين أحدهما الصحيح (1) " عن رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها، قال: إن كان تلك الثلاثة أيام شرب لبنها، رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ " لكن عن بعضهم سقوط الخيار به أيضا بل مال إليه في المسالك، ولعله للاطلاق وارادة التنزيل منزلة الرضا في السقوط شرعا، لا أنه كاشف عنه، وإلا لم يتم في مشكوك الحال فضلا عن معلوم العدم، اللهم إلا أن يقال أن الشرع كاشف عن العرف، فيتبع فيما لم يعلم عدمه، بل ذلك هو الموافق لاصلى الخيار واللزوم، وستسمع انشاء الله تمام البحث فيه من الاحكام. ويسقط أيضا بانقضاء المدة وهي ثلاثة أيام كما عرفت قال، بعض الافاضل: بلياليها تحقيقا، لانه الاصل في التحديد والظاهر دخول الليلتين اصالة، فتدخل الثالثة، وإلا اختلف معنى الاحاد في استعمال واحد، وفيه نظر، لان الظاهر دخول الليلتين المتوسطتين في الحكم، دون الاسم، إذ ليس اليوم لغة وشرعا وعرفا إلا البياض المقابل لليل، الا أنه لما فهم اتصال الخيار بالعقد في جميع أزمنة وقوعه ليلا أو نهارا إلى أن تحقق مصداق مضي ثلاثة أيام، دخل الليلتان وغيرهما، بل الظاهر دخول المنكسر من اليوم كذلك أيضا. فإذا وقع العقد مثلا ظهر يوم الخميس، فالخيار متصل إلى أن يتحقق مصداق مضى ثلاثة أيام، ولا يكون ذلك إلا بانتهاء يوم الاحد، وهو غروب الشمس منه، ولو وقع في أول ليلة الخميس مثلا، فالخيار فيه إلى مضى الثلاثة، فتدخل الليلة في الحكم لا في اسم اليوم.


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 31 ]

بل هذا كاد يكون صريح قوله عليه السلام في صحيح ابن رئاب (1) " فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب البيع " إذ مفهومه ان العقد على الخيار إن لم تمض، فالمنكسر في النهار والليل حينئذ داخلان في حكم البقاء على الخيار إلى حصول الغاية، لا في مفهوم الايام المنافي للغة والشرع والعرف، كدعوى صدق اليوم على الملفق من يوم آخر أو من الليل المنافية للثلاثة أيضا، وحينئذ فالخيار في الزيادة على الايام الثلاثة مستفاد من دليل الخيار بالتقريب الذي ذكرناه - فتأمل جيدا فانه دقيق نافع في كثير من المقامات لم أجد من تنبه له، مع أنه بالتأمل في المقام وغيره يمكن القطع به لمن رزقه الله تعالى اعتدال الذهن. نعم لا اشكال في ثبوت مشروعية التلفيق في الجملة، ضرورة أن الكسر كما يكون في الايام، يكون في الشهور والسنين، وفى غير واحد من النصوص (2) في قوله تعالى (3) " براءة من الله ورسوله إلى قوله فسيحوا في الارض أربعة أشهر " قال: فهذه أشهر السياحة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من ربيع الاخر وهو كالصريح في التلفيق في الاشهر، بل وانه يجبر الاولين من الاخر وان ذلك كله مصداق أربعة أشهر فتأمل جيدا والله العالم، ولا يسقط هذا الخيار بالتبرى من العيوب، وإن كان الحكمة في شرعه خفاء العيب غالبا، إلا أنه يجب انعكاسها. ويعم هذا الخيار كل حيوان الصامت والناطق ممن لا ينعتق عليه، على ما سمعته في خيار المجلس، وفى اشتراط استقرار الحياة في صحة البيع وثبوت الخيار وجهان، أشبههما العدم، ويثبت في حيوان البحر وان اخرج من الماء واشترطنا امكان البقاء، لامكان عوده إلى ما يعيش فيه، فلو تركه المشترى على الجدد حتى مات فلا ضمان على البايع، لانه هو الذى اتلفه، والله اعلم.


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 9. (2) تفسير برهان جلد 2 ص 101 الطبع الحديث. (3) سورة البرائة الاية - 1.

[ 32 ]

القسم الثالث - خيار الشرط (خيار الشرط) بالضرورة بين علماء المذهب، والكتاب والسنة عموما، و خصوصا في بعض أفراده، ولا يقدح منافاته لمقتضى اطلاق العقد، كما في كل شرط، و دعوى أن اللزوم من مقتضياته، لا مقتضى إطلاقه - يدفعها مشروعيته بأسبابه، ولو أنه كذلك لم يشرع اصلا كالملك بالنسبة إلى البيع كما هو واضح، (و) حينئذ ف‍ (هو) عندنا (بحسب ما يشترطانه أو احدهما) لا يتقدر بمدة مخصوصة، خلافا للشافعي وابى حنيفة، فلم يجوزا اشتراط أزيد من ثلاثة، ولا يعتبر فيها الاتصال بالعقد، كما هو صريح بعض وظاهر اطلاق آخرين، للعموم، خلافا لما عن بعض العامة فمنعه، واحتمله الفاضل تفاديا من انقلاب اللازم جائزا، وفيه انه جائز و واقع في خيار التأخير وغيره، ومتى جاز الانفصال جاز التعاقب لعموم المقتضى، لكن في المسالك احتمال العدم بعد قطعه بجواز الانفصال، ولعله لاستظهار الاتحاد من الاطلاق، وفيه منع واضح. ولو شرط الخيار شهرا يوما، ويوما لا، صح بناء على ارادة خمسة عشر من الشهر العددى، كما عساه المنساق من العبارة، ومع التصريح بذلك لا اشكال في الصحة، واليوم المتصل بالعقد أول الايام، فظهر أن المدار على الشرط. (لكن يجب أن يكون) ما يشترطانه من مدة الخيار (مدة مضبوطة و) لذا (لا يجوز أن يناط بما يحتمل الزيادة والنقصان كقدوم الحاج) ونحوه قولا واحدا، للغرر حتى في الثمن لان له قسطا منه، فيدخل فيما نهى النبي صلى الله عليه وآله (1) فاشتراطه مخالف للسنة، وما دل على وجوب اتباعها من الكتاب (2) على أن مشروعية


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الحديث 3 الدعائم ج 2 ص 19 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 5

[ 33 ]

العقود لقطع الاختلاف فلا تناط بما هو مثاره. (ولو شرط كذلك بطل البيع) ايضا لا الشرط خاصة، كما ستسمعه فيما يأتي انشاء الله تعالى محررا، أما لو أطلق اشتراط الخيار من غير ذكر مدة أصلا، فالمشهور بين المتقدمين الصحة، والانصراف إلى الثلاثة، بل في الانتصار والغنية ومحكي الجواهر والخلاف الاجماع عليه، بل في الاخير نسبته إلى أخبار الفرقة أيضا، و إن كنا لم نقف على شئ منها فيما وصل الينا من النصوص، سوى ما قيل من فحوى قوله عليه السلام في الصحيح السابق (1) " الشرط في الحيوان ثلاثة للمشترى اشترط أو لم يشترط) فانه يدل بالفحوى على أن الشرط في غيره ثلاثة مع اشتراط الخيار، لا اشتراطها، لعدم اختصاصه بها إذ ضرورة صحة اشتراط أي عدد، فالمختص بها حينئذ إطلاق اشتراط الخيار وفيه ما فيه، والنبويين (2) " الخيار ثلاث " " قال: لا خلابة ولك الخيار ثلاثا " وهما مع انهما من غير طرقنا - لا دلالة فيها، لما في التذكرة من أن قول لا خلابة عبارة في الشرع عن اشتراط الخيار ثلاثا فاطلاقها مع العلم بمعناها كالتصريح، الا أن ارسال الشيخ الاخبار المزبورة لا تقصر عن المراسيل في كتب الحديث التى من المعلوم عدم بنائها على الاستقصاء التام، فعدم الوجود فيها غير دال على العدم، فهى حينئذ مع الاجماعات المزبورة كافية في اثبات المطلوب، سيما مع عدم الموهن لها بين المتأخرين فضلا عن غيرهم، إذ لم نعرف مصرحا بالبطلان بعد الشيخ في أحد قوليه الا الفاضل وثاني الشهيدين والصيمري فيما حكي عنه. نعم نسب إلى المرتضى وظاهر الديلمى، والمعلوم من الاول خلافه، وعبارة المتن كاللمعة والنافع والوسيلة ومحكى التحرير لا دلالة فيها، لان اشتراط التعيين


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 1 (2) سنن البيهقى ج 5 ص 273

[ 34 ]

في المدة غير اشتراط المدة المعينة، ولذا لم يشر في شئ منها إلى الخلاف، مع أن الغالب في بعضها الاشارة إلى شواذ الاقوال فضلا عن مثل هذا. فمن الغريب ما في بعض المصنفات من حكاية القول المزبور على وجه يكون به من الشواذ، علي أنه ليس في الادلة ما ينافيه، إذ الغرر مندفع بتحديد الشرع وإن لم يعلم به المتعاقدان، كخيار الحيوان الذى لا اشكال في صحة العقد مع الجهل به أو بمدته من الزمان، ومن ذلك يعلم ما في دعوى أولويته بالمنع، من ذى المدة الغير المعينة، كالتعليل بانه لو صح فأما أن يدوم الخيار وهو باطل بالاجماع أو يخص من غير مخصص، إذ قد عرفت أن التخصيص بالثلاثة إما لانصراف الاطلاق عرفا، لكونها أقل مدة يتروى بها في مثله والشرع كاشف، أو لتعيين الشارع، والشرط سبب لا مناط، كالوصايا المبهمة، ولذلك كله مال إليه في الدروس بل جزم به العلامة الطباطبائي في مصابيحه وهو لا يخلو من قوة. (و) كيف كان ف‍ (لكل منهما أن يشترط الخيار لنفسه) في الكل والبعض المعين (ولاجنبي) متحدا أو متعددا مع التعيين، وإلا لم يجز للغرر، كالتعيين في المخير فيه، فلا يكفى في شئ منهما أحدهما ونحوه (وله مع الأجنبي) كذلك بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، للعموم، لكن إن اتحد ذو الخيار فالامر إليه، وإلا قدم الفاسخ ولو أجنبيا، لعدم معارضة اختيار اللزوم له كما هو واضح. فما في الوسلية - من أن الخيار إن كان لهما واجتمعا على فسخ وإمضاء نفذ، وإن لم يجتمعا بطل، وإن كان لغيرهما ورضي نفذ البيع، فان لم يرض كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والامضاء - لا وجه له. كما أن ما في الدروس - من أنه يجوز اشتراطه لاجنبي منفردا ولا اعتراض عليه ومعهما أو مع احدهما، ولو خولف أمكن اعتبار فعله، وإلا لم يكن لذكره فائدة - في غير محله، بل ينبغى الجزم بتقديم الفاسخ ولو الاجنبي كما ذكرناه، واشتراط

[ 35 ]

الخيار للاجنبي خاصة تحكيم لا توكيل وليس له الفسخ دونه، الا أن الظاهر وجوب اعتماد المصلحة لانه امين، فلو بان الخلاف لم يمض الفسخ، بل قد يقال: إن المنساق عرفا من مثل ذلك ما يشبه التوكيل، فيمكن احتمال مراعاة الاصلح لذلك، بناء على اعتباره فيها، كما أنه يعتبر فيه ايضا غير ذلك مما يعتبر فيها من البلوغ و العقل ونحوهما، (و) كذا (يجوز) لكل منهما (اشتراط المؤامرة) أي الاستيمار بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، للعموم، خلافا للشافعي (1) في أحد قوليه فيلزم العقد بامضاء المستأمر وسكوته إذا كان المراد منها اشتراط الخيار له بأمره لانتفاء المشروط حينئذ بانتفاء شرطه، والاصل في العقد اللزوم، أما لو أمر بالفسخ فلا يتعين عليه امتثال أمره به قطعا. نعم له العمل به على ما هو مقتضى الشرط، وليس له الفسخ قبل أمره به، لعدم حصول الشرط فما عن التحرير - كما عن أحد قولى الشافعية من جواز الرد من غير أن يستأمر لانه ذكر الاستيمار احتياطا - واضح البطلان، بل عن الاول التصريح فيه بعد ذلك بالمنع من الرد قبله، ولذا حمله بعض الافاضل على ما إذا حصل الامر بالفسخ قبل الاستيمار (فان الاقوى فيه ذلك نظرا إلى حصول القرض من الاستيمار) خلافا لظاهر المبسوط والخلاف والتذكرة وكنز الفوائد و تعليق الارشاد والمسالك على ما حكى عن بعضها، فينتفى لانتفاء الشرط، لكن يمكن تنزيل عباراتهم على الغالب من ترتب الامر على الاستيمار ولا باس به، ولابد من ضبط مدة الاستيمار، كما هو صريح جماعة، وظاهر آخرين تحرزا من الغرر، خلافا للمحكي عن المبسوط والخلاف وأحد قولى الشافعي، فيثبت على التأبيد مع انتفاء التحديد وهو كما ترى. ولا ينصرف الاطلاق هنا إلى الثلاثة التى خيارها، متصل بالعقد، بخلاف خيار


(1) التذكرة ج 1 ص 521.

[ 36 ]

المؤامرة الذي لا يحصل إلا بعد الامر، وصرف اطلاق الخيار إليها لا يقتضي كونها ظرفا لشرايط الخيار قطعا، إذ لا تزيد على خيار الحيوان ولا يشترط تعيين المستأمر لعدم الغرر فيه، بخلاف الخيار للاجنبي، وبذلك - وعدم الخيار للمستأمر بالفتح وإنما له الامر به - افترقت المؤامرة عن اشتراط الخيار للاجنبي، فيصح إناطة الاول بأمر أحد الرجلين دون الثاني، ومع الاختلاف يقدم الفاسخ، وفى المتحد إذا اختلف رأيه في المدة يحتمل ذلك مطلقا أو بشرط التأخر، والاخذ بالمقدم مطلقا والمؤخر كذلك، وقد اختار بعض الاساطين الثاني. هذا كله بناء على معلومية ارادة ما عرفت من اشتراط الاستيمار، أما إذا أريد منه غير ذلك من المشاورة. وإجالة الرأى معه، لا اتباع أمره أو نحو ذلك، اتبع عملا بالشرط، ولعل إطلاق اشتراط الاستيمار ظاهر فيما ذكره الاصحاب، والامر سهل بعد وضوح المأخذ، لعدم خروج المؤامرة بنص مخصوص، فالمرجع في المراد منها إلى ما يرجع إليه في غيرها من العرف واللغة، بل استقصاء البحث فيها ليس من وظائف الفقيه. (و) كذا يجوز (اشتراط) الخيار مدة معينة - لا مجهولة ولا مطلقة، بل إطلاق الخيار هنا لا ينصرف إلى الثلاثة كما سمعته في المؤامرة نعم لا يعتبر فيها الاتصال و ان انصرفت إليه عند الاطلاق - وان كان الخيار فيها بشرط (أن يرد البايع فيها) بالثمن (ويرتجع بالمبيع انشاء) مطلقا أو موزعا عليها نجوما، متساوية أو مختلفة مع اشتراط الخيار بنسبة الرد وبدونه، وإن كان إذا اطلق توقف على رد الجميع اجماعا في أصل المسألة بقسميه. ونصوصا عموما وخصوصا (1) فيه الصحيح وغيره ولا يقدح لفظ الوعد في سؤال الاول بعد أن كان الجواب أرى أنه لك إن لم يفعل، اي يرد الثمن، وان جاء بالمال للوقت فرد عليه قال فيه: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نخالط أناسا من


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 37 ]

اهل السواد وغيرهم فنبيعهم فنربح عليهم العشرة باثنى عشر أو العشرة بثلاثة عشر، ونوجب ذلك فيما بيننا وبينهم السنة ونحوها، فيكتب لنا الرجل على داره أو على أرضه بذلك الذي فيه الفضل الذى اخذ منا بشراء وقد باع وقبض الثمن منه، فبعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينه أن نرد عليه الشراء، فان جاء الوقت ولم يئتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في الشراء، فقال: أرى أنه لك إن لم يفعل، وإن جاء بالمال للوقت فرده عليه " وفى موثق إسحاق بن عمار (1) " حدثنى من سمع أبا عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل وأنا عنده فقال له: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى اخيه فقال: أبيعك دارى هذه، وتكون لك أحب إلى من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردها علي ؟ قال: لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت: فانها كانت فيها نخل كثير فأخذ الغلة لمن تكون الغلة ؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى لو احترقت كانت من ماله " إلى غير ذلك من النصوص، ونحوه اشتراط المشتري رد الثمن برد المبيع في مدة معلومة، لعموم المقتضى، فلكل منهما حينئذ ذلك، إتحدت المدة أو اختلفت، كما ان لكل منهما اشتراط الرجوع في الكل برد الكل أو البعض، وفى البعض برد البعض الخاص وما دونه، ولو اشترط الكل أو اطلق الرد لم يتخير برد البعض وإن قل الباقي، ولو اشترط البعض تخير برده كملا دون البعض منه، واللزوم من أحدهما لا ينافيه الجواز للاخر. لكن قد يظهر من النصوص وجملة من العبارات عدم احتياج الانفساخ إلى أزيد من الرد، وهو إما لانه المشروط، أو لان به يحصل اختيار الفسخ، وفى الاول أن القدرة إنما تتعلق بالفسخ دون الانفساخ. فلا يصلح اشتراطه الا بواسطته، اللهم الا أن يستند في الجواز إلى ظاهر صحيح سعيد بن يسار (2) وخبر معاوية بن ميسرة (3) وموثق اسحاق (4) مؤيدا بعموم " المؤمنون عند شروطهم " القاضى بصحة ما لم


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1 (2) الوسائل الباب 7 من الخيار الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 3 و 1 (5) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 2

[ 38 ]

يعلم فساده من الشرائط، وأن الشرط بنفسه من المؤثرات لذلك، ونحوه مما يؤثر غيره إلا أن يعلم العدم، كالنكاح والطلاق ونحوهما، بل هو لا يزيد على اشتراط انتقال عين مخصوصة من غير ناقل عداه. نعم هو مبني على أن المشروط هو الانفساخ لا الخيار، كما هو ظاهر اكثر الاصحاب إذ هذا القسم المسمى عندهم ببيع الشرط، وهو عندهم ما اشترط فيه الخيار بعد الرد - فالذي يحصل به حينئذ التسلط على الفسخ، لا الانفساخ. نعم قد يقال: بعد معلومية عدم توقف الفسخ على لفظ مخصوص بل يكفى فيه كل ما دل عليه من فعل أو قول - أنه دال عليه ويحصل به، والغالب دلالته عليه فيحصل به الفسخ، وعلى هذا ينزل اطلاق النصوص وبعض الفتاوى، وفيه منع دلالته عليه، وإنما هو دال على ارادة الفسخ والعزم عليه لا انشاء الفسخ به خصوصا إذا حصل الرد تدريجا، والذى يؤثر الفسخ الثاني لا الاول. ومن هنا صرح بعضهم بعدم انقطاع البيع بمجرد رد الثمن، بل قيل: انه ظاهر كلام الباقين، واطلاق النصوص وبعض الفتاوى يمكن تنزيله على الغالب من تعقيب الرد بالفسخ، لا على ذلك، الا أن الانصاف عدم خلوه عن النظر بعد، إذ من المحتمل كون المراد من اشتراط الخيار بالرد أن له الفسخ في هذه المدة بهذا الطريق منه، والا كان ابتداء الخيار مجهولا فيكفى حينئذ في حصول الفسخ نفس الرد فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالظاهر أنه لا فرق في الاحتياج إلى الفسخ بين القول بانتقال المبيع بنفس العقد، والقول بانتقاله بمضي الخيار معه، بناء على شمول كلامهم لمثل هذا الخيار المسبوق باللزوم، إذ العقد عندهم وإن لم يكن ناقلا من حينه، الا أنه يفيد الملك إذا انقضى زمن الخيار فمع عدم فسخه لا يستقر ملك ذي الخيار عليه، فهو لابد منه على القولين وان افترقا بكونه على الاول لعود الملك وعلى الثاني لاستقراره، نعم قد يتوقف في اندراج هذا الخيار في كلامهم بمسبوقيته باللزوم. وانتقاله

[ 39 ]

- بمجرد جهة الرد عن المشترى إلى البايع وإن لم يحصل به الفسخ، وإنما حصل به الخيار خاصة من غير ناقل شرعا - لا يخلو من اشكال، ومن هنا امكن أن يقال: بأن النماء هنا للمشترى إلى حين الفسخ مطلقا على القولين، لانه ملكه. والتزام - عوده إلى البايع بالخيار على الثاني، وعدم انتقال خصوص النماء للمشترى ما بين الرد إلى حين الفسخ وإن لم ينتقل الاصل إلى البايع الا به - كما ترى. وكما أن النماء له فالتلف منه بلا خلاف اجده فيه، للصحيح (1) والموثق (2) بل هو كذلك وان كان بعد الرد الا انه مضمون عليه، لانه وقع في زمن خيار البايع فله حينئذ الفسخ ثم الرجوع عليه بالمثل أو القيمة، بخلاف التلف قبل الرد الذى هو ليس زمان خيار، كى يستحق الرجوع به عليه بعد الفسخ، بل المتجه فيه سقوط الخيار، الا ان يشترط عليه الرجوع به عينا أو قيمة، فيلزم بناء على صحة هذا الشرط، وبدونه لا يلتزم حتى لو تصرف فيه باختياره تصرفا ناقلا، فضلا عن التلف السماوي، للاصل، وظاهر الصحيح والموثق. وكيف كان فمورد النص نماء المبيع وتلفه إذا كان الخيار للبايع، لكن يعلم منه حكم نماء الثمن وتلفه في هذه الصورة، وحكم نماء العوضين وتلفهما إذا كان للمشرى ويسقط هذا الخيار بانقضاء المدة ولما يحصل الرد والايجاب من ذى الخيار، والتصرف والاذن فيه كما في مطلق خيار الشرط على ما ستعرف انشاء الله تعالى عند تعرض المصنف، فانه نوع منه، وإنما يغايره في زيادة قيد الرد، فلا يخالفه الا فيما يقتضيه القيد وقد يستظهر عدم سقوط هذا القسم من خيار الشرط بالتصرف، لان المدار عليه في هذا الخيار، ولانه شرع لانتفاع البايع بالثمن، والمشترى بالمبيع فلو سقط به سقطت الفائدة في وضعه. وللموثق (3) المفروض في بيع الدار لاحتياج البايع إلى الثمن المصرح فيه


(1) (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1 بطريقين. 3 - الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 40 ]

بكون الغلة للمشترى ورد بأنه - مع مخالفته لاطلاق النصوص السقوط بالتصرف لان المدار عليه - أن التصرف المسقط ما كان في زمن الخيار وهو لا يحصل هنا الا بعد الرد ولا ينافى شئ مما ذكر لزومه به بعده، لان ذلك زمنه لا قبله. وان كان قادرا على ايجاد سببه فيه، إذ المدار على الفعل لا القوة، على انها لا تتم فيما اشترط فيه الرد في وقت منفصل عن العقد، كيوم بعد سنة. ولا فرق على الظاهر في التصرف في المردود بين كونه عين مال المشترى مثلا، و بين كونه مثله أو قيمته، لصدق الرد ودلالة التصرف فيه بعده على الالتزام شرعا أو عرفا على الوجهين السابقين، وقد يحتمل في الاخيرين العدم، لعدم صدق التصرف فيه، ضرورة تغاير البدل للاصل، الا أن الاول اقوى، هذا. ولكن قد يناقش في دعوى أن زمن الخيار بعد الرد، باقتضائها جهالة الابتداء حينئذ اولا، وبصدق زمن الخيار عليها جميعها عرفا، ثانيا، وبمنافاتها لما تسمعه منهم في غير مرة من جعل هذه المدة زمن خيار، ثالثا، منها - ما اعتمدوه في رد قول الشيخ بالملك بعد انقضاء الخيار، بهذه النصوص (1) المصرحة بان المبيع ملك المشترى والثمن ملك البايع قبل انقضاء مدة الخيار، فلولا انها مدة خيار ما اتجه لهم ذلك الا على تكلف بعيد، فلاحظ وتأمل. ثم أن المعتبر في رد المبيع رد العين مع الاطلاق، خلاف الثمن الذى مبنى هذا النوع على التصرف فيه غالبا، فيكفى فيه المثل، بل قد يحتمل ذلك في المبيع إذا كان مثليا لصدق الرد عرفا، ولا اعتبار بالقيمة في ذوات الامثال، نعم قد يحتمل الاكتفاء بها مطلقا في خصوص الثمن، لكن يقوى اعتبار رد العين نفسها الا أن تقوم قرينة معتبرة على ارادة الاعم فتتبع، هذا. واعلم أن جميع ما ذكرناه في خيار المؤامرة والخيار برد الثمن جريا على


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار

[ 41 ]

ما ذكره الاصحاب، وظاهرهم أنها على مقتضى العمومات، بل هو صريح غير واحد منهم، بل هو مقتضى ما ذكروه من التعدي عن محل النص في الخيار برد الثمن، لكن قد يشكل ذلك بانهما معا من التعليق الممنوع في البيع ونحوه، من غير فرق فيه بين كونه في نفس العقد، وبين كونه في متعلق العقد كالشرط ونحوه، فلو باع واشترط شرطا مثلا قد علقه على مجيئ زيد في مدة معينة مثلا، لم يجز بلا خلاف أجده فيه والفرق بينه وبين تعليق الخيار على رد الثمن أو على أمر زيد به غير واضح، والتعبير بعبارة لا تعليق فيها في اللفظ، لا يرفع التعليق في المعنى، فان اشتراط الخيار حال رد الثمن أو حال أمر زيد به كاشتراطه حال قدوم الحاج أو مجيئ زيد في مدة معينة مثلا. فالتحقيق حينئذ الاقتصار في خيار الرد على النصوص، وما يمكن إلحاقه بما فيها، وأما خيار المؤامرة فلم نجد فيه نصا بالخصوص، فان كان اجماعا فذاك والا اشكل بما ذكرناه إلا إذا فرض على وجه لا تعليق فيه والله اعلم. (القسم الرابع) (خيار الغبن) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، عدا ما يحكى عن المصنف من انكاره في حلقة درسه، والموجود في كتابه خلاف هذه الحكاية، واستظهره في الدروس من كلام الاسكافي، لان البيع مبني على المغالبة، ولا ريب في ضعفه، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا، وفي الغنية الاجماع عليه، وهو بعد التتبع الحجة مضافا الى ما قيل من النهي عن أكل مال الغير " الا أن تكون تجارة عن تراض " في الكتاب (1) والسنة (2) والنصوص " غبن المسترسل سحت " كما في احدها (3) " والمؤمن " في آخر (4) وفي ثالث " لا يغبن


(1) سورة النساء الاية 29. (2) الوسائل الباب 3 من ابواب مكان المصلى الحديث 1 - 3. (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 1. (4) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 42 ]

المسترسل فان غبنه لا يحل " (1) وما ورد من النهي عن تلقي الركبان وأنهم مخيرون إذا غبنوا (2) وخبر الضرار (3). وفى الجميع نظر، ضرورة حصول التراضي، والا كانت المعاملة باطلة، لا أن فيها الخيار، وعدمه على تقدير العلم لو سلم، لا ينافى الرضا الفعلى الذي عليه المدار، وإن كان الداعي له الجهل، والمراد من النصوص المزبورة، كراهة خدع المؤمن المطمئن اليك الواثق، و زيادة الربح عليه، وعن مجمع البحرين " الاسترسال: الاستيناس والطمأنينة إلى الانسان والثقة فيما يحدثه، واصله السكون والثبات ومنه الحديث " إلى آخره. على أن مقتضى الحكم بانه سحت - البطلان، لا الخيار، كما أن مقتضى عدم الحل الاثم، بل ما ثبت من الخيار عند الاصحاب أعم مما فيه الغبن بمعنى الخدع، وخبر الركبان لم نقف عليه في كتب الاصول، بل في الحدائق ولا في كتب الفروع، وإن كان فيه انه يكفي ارسالهم له، بل لعله اقوى من ذكر المتن، وفي الغنية " نهى عليه السلام عن تلقى الركبان " وقال: " فان تلقى متلق فصاحب السلعة بالخيار إذا دخل السوق " وحديث الضرار (4) مع قطع النظر عن كلام الاصحاب لا يشخص الخيار بل لا يقتضى الا الاثم ان اريد منه النهي. نعم قد يستفاد منه المطلوب إذا اريد منه عدم مشروعية ما فيه ضرر، مضافا إلى اصالة صحة البيع وحليته، وجبر كثير من محال الضرر بالخيار وفتوى الاصحاب وأن الخيار وجه جمع بين الحقين ورافع للضرر من الجانبين، بخلاف الالزام بالارش ونحوه، والامر سهل بعد ما عرفت من الاجماع المزبور، نعم يشترط فيه أمران أحدهما - جهل المغبون القيمة وقت العقد بلا خلاف، ضرورة تسلط الناس على اموالهم (5) فله أن يقدم على بيع ما يساوي مأة بواحد، فمع العلم والاقدام لا خيار قطعا، كحدوث الزيادة والنقيصة بعده، و في التذكرة والمسالك الاجماع عليه، بل في الثاني منهما وغيره التصريح بعدم الفرق بين


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب آداب التجارة الحديث 7 (2) المستدرك ج 2 ص 469 كنز العمال ج 2 ص 306 (3) (4) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 و 4 و 5 (5) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 43 ]

من تمكن من المعرفة ولو بالتوقف وغيره، لكن قد يشكل الاول إن لم يكن اجماعا بانه هو أدخل الضرر على نفسه فلا خيار له، كمن أقدم على البيع بالمسمى وإن فرض مساواته أضعافه، فان الظاهر عدم الاعتبار بجهله والاصل اللزوم فتأمل. ومن الجاهل الناسي كحدوث القيمة للمبيع ولما يعلم بها ويقبل قوله في الجهل مع إمكانه في حقه كما في الجامع وجامع المقاصد والمسالك لاصالة عدم العلم، ولانه مما يخفى ولا يعلم الا من قبله، واحتمل في الثاني العدم، لاصالة لزوم العقد فيستصحب إلى ثبوت المزيل، وأشكله بأنه ربما تعذر اقامة البينة ولم يتمكن الخصم من معرفة الحال، فلا يمكنه الحلف على عدمه، فيسقط الدعوى بغير بينة ولا يمين، ثم قال: كالاول، نعم لو علم ممارسته لذلك النوع في ذلك الزمان والمكان بحيث لا يخفى عليه قيمته لم يلتفت إلى قوله وهو كذلك، أما النسيان فقد يقوى عدم قبوله بقوله. الثاني - الزيادة والنقيصة التى لا يتسامح الناس بمثلها عادة فلا يقدح التفاوت اليسير، والمرجع في ذلك - بعد ان لم يكن له مقدر في الشرع - إلى العرف، وهو مختلف بالنسبة الى المكان والزمان ونحوهما. ولو اختلفا في القيمة وقت العقد فعلى مدعي الغبن البينة، لاصالة اللزوم، والظاهر ثبوت خيار الغبن من اول العقد لا حين ظهوره، فلو اسقطه حاله سقط وإن لم يكن عالما به، كما أن الظاهر كونه على التراخي ما لم يحصل ضرر على الاخر، للاصل خلافا لبعضهم منهم ثاني المحققين والشهيدان مع أن الاخير منهما قد استوجه الاول في بحث تلقي الركبان بعد أن حكاه عن المصنف. وكيف كان فلعل الفور اقتصارا على موضع اليقين، ولاقتضاء التراخي الاضرار بالمردود عليه، لتغير السعر بتغير الزمان، ولان قوله تعالى " أوفوا بالعقود " (1) ونحوه مما يقتضى اللزوم كما أنه عام في الافراد كذلك في الاوقات والا لخلي عن الفائدة فلا يتصور حينئذ استصحاب في الخارج لبقاء غيره على مقتضى العام، والاصل عدم تخصيصه،


(1) سورة المائدة الاية - 1

[ 44 ]

وفيه عدم انحصار الحكم الشرعي في اليقين، وقد عرفت تقييده بعدم الضرر، والاية وغيرها مطلقة بالنسبة إلى الزمان لا عامة فلا تنافى الاستصحاب. ومن ذلك كله ظهر لك المراد من قول المصنف - (من اشترى شيئا ولم يكن من اهل الخبرة) مثلا (وظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به) في مثل هذا البيع والزمان والمكان (كان له فسخ العقد إذا شاء) - ودليله، أنه كما يثبت للمشترى يثبت للبايع، لاتحاد الدليل بل لو فرض تصور الغبن فيهما كما إذا وقع البيع على شيئين في عقد واحد وكان كل منهما بثمن معين في احدهما الغبن على البايع وفى الاخر على المشتري ثبت الخيار لهما معا هذا. وربما استفيد من التعليق على المشيئة في المتن أنه على التراخي، وقد عرفت الحال فيه والله اعلم. (ولا يسقط ذلك الخيار بالتصرف) السابق على ظهور الغبن (إذا لم يخرج عن الملك أو يمنع مانع من رده كالاستيلاد في الامة والعتق) كما في القواعد وغيرها من غير فرق بين البايع والمشترى، وإن كان المصنف لم يذكر الخيار الا للثاني، الا أن الظاهر ارادته المثال ضرورة عدم اختصاصه بالمشترى، بل خبر تلقي الركبان في البايع (1) مضافا إلى الاشتراك بحديث الضرار (2) وغيره. وحينئذ فالمراد عدم سقوط هذا الخيار مطلقا بالتصرف الا الناقل أو المانع من الرد، كما أن الظاهر ارادة التصرف من ذى الخيار، ضرورة عدم السقوط بالتصرف من غيره وإن كان ناقلا، للاستصحاب وحديث الضرر وغيره، واحتمال عدم الفرق - فيبطل الخيار وإن كان النقل من غير ذى الخيار لتعلقه بالعين فيفوت بانتقالها - لا ينبغى صدوره ممن له ادنى خبرة بالنصوص والفتاوى. نعم ظاهرهم عدم الفرق فيما ذكرنا بين البايع والمشترى كما هو مقتضى الدليل


(1) المستدرك ج 2 ص 469 كنز العمال ج 2 ص 306 (2) الوسائل الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 3 - 5

[ 45 ]

لكن في اللمعة " ولا يسقط بالتصرف الا ان يكون المغبون المشترى وقد اخرجه عن ملكه، ثم قال: و " فيه نظر، للضرر مع الجهل بالغبن، فيمكن الفسخ والزامه بالقيمة أو المثل، وكذا لو تلفت العين أو استولد الامة، وظاهره بل كاد يكون صريح الروضة في اول كلامه عدم سقوط خيار البايع لو كان هو المغبون وقد تصرف فيه تصرفا مخرجا، وهو كما ترى لا نعرف له وجها ولا دليلا، بل ولا موافقا. نعم في جامع المقاصد " لو تصرف البايع في الثمن فهل يسقط خياره ام لا ؟ وهل يفرق بين التصرف المخرج عن الملك، وغيره ؟ لا أعلم في ذلك تصريحا " لكن في عبارة التذكرة ما يقتضى عموم سقوط الخيار هنا بالتصرف إذا كان مخرجا عن الملك، فانه قال: " ولا يسقط هذا الخيار بتصرف المغبون، للاستصحاب إلا أن يخرج عن الملك ببيع وعتق وشبهه، لعدم التمكن من استدراكه " هذا لفظه، وهو شامل لما قلناه، مع احتمال أن يريد به تصرف المشترى خاصة إذا كان هو المغبون، لكن ما استدل به بعينه قائم فيما ذكرناه. قلت: لا ينبغى التأمل في عدم الفرق كما هو مقتضى إطلاق القواعد وغيرها والادلة وصريح الروضة في آخرها والمسالك وغيرها، بل الظاهر ضعف ما ذكره من النظر الذى قد اعترف في الروضة بأنه لم يقف على قائل به، لاصالة اللزوم في العقد، ولان المعلوم من ثبوت الخيار ما دامت العين على ملكه، وقيام قيمتها مقامها في ذلك مع التصرف فيه محتاج إلى الدليل، وفرق واضح بين المقام وبين الانتقال إلى القيمة لو كان المتصرف غير ذي الخيار الذى هو تصرف في حق غيره، فيتجه الانتقال إلى القيمة بخلاف المقام الذى كان التصرف فيه من ذي الحق، فسقوطه في الحقيقة مستند إلى فعله، بخلاف الاول الذى مبناه معلومية عدم سقوط حق شخص بتصرف آخر، فاطلاق الاصحاب حينئذ عدم السقوط بالتصرف الا المخرج منه في محله، فتأمل جيدا. وحاصل البحث في المسألة وفروعها أن التصرف مع ثبوت الغبن إما أن يكون

[ 46 ]

في المبيع المغبون فيه أو في ثمنه أو فيهما، ثم إما أن يخرج عن الملك، أو يمنع من الرد مانع كالاستيلاد أو يرد على المنفعة خاصة كالاجارة، أو يوجب تغير العين بالزيادة العينية كغرس الارض، أو الحكمية كقصارة الثوب أو المشوبة كصبغه، أو النقصان بعيب ونحوه، أو بامتزاجها بمثلها بما يوجب الشركة بالمساوى أو الاجود أو الاردى أو بغيرها أو بهما على وجه الاضمحلال، كالزيت يعمل صابونا، أو لا يوجب شيئا من ذلك، ثم إما أن يزول المانع من الرد قبل الحكم ببطلان الخيار أو بعده، أو لا يزول، والمغبون إما البايع، أو المشترى، أو هما، فهذه اكثر اقسام المسألة، و مضروبها يزيد على مأتى مسألة وهي مما يعم بها البلوى وحكمها غير مستوفى في كلامهم. وجملة الكلام فيه أن المغبون إن كان هو البايع لم يسقط خياره بتصرف المشترى مطلقا، فان فسخ ووجد العين باقية على ملكه لم تتغير تغيرا توجب زيادة القيمة ولا يمنع من ردها أخذها، لعودها إلى ملكه بالفسخ، بل وكذا إن وجدها متغيرة بصفة محضة كالطحن والقصارة ونحوهما، لكن في المسالك " في استحقاق المشترى أجرة عمله، وجه قوى " وفى الروضة الجزم به بل قال فيها: " وان زادت قيمة العين شاركه في الزيادة بنسبة القيمة " وفيه أن العمل قد وقع في ملكه فلا يستحق به عوضا، وزيادة القيمة إنما كانت بصفة راجعة إلى المال بنفسه، وإن كانت بعمله فلا يستحق بها شركة. فمن الغريب جزمه بذلك خصوصا بعد رجوعه باجرة العمل كما هو واضح، نعم إن كان التغير صفة من جهة وعينا من اخرى كالصبغ صار شريكا بنسبته إذا فرض زيادته بذلك، مع احتماله مطلقا، ولو كانت الزيادة عينا محضة كالغرس أخذ المبيع وتخير بين القلع بالارش والابقاء بالاجرة، لانه مقتضى الجمع بين الحقين، إذ الوضع كان بحق، ولو رضى ببقائه بها واختار المشترى قلعه، فالظاهر انه لا ارش له بل كان عليه تسويته، ولو كان زرعا وجب ابقاؤه إلى أوان بلوغه بالاجرة، وليس له

[ 47 ]

القلع بالارش لان له أمدا ينتظر، وإن وجدها ناقصة ففى الروضة " اخذها مجانا كذلك انشاء " وفى المسالك " ان لم يكن النقص بفعل المشتري، وإن كان بفعله فالظاهر انه كذلك " أي ياخذها مجانا ولا شئ له، لانه تصرف في ملكه تصرفا مأذونا فيه فلا يتعقبه ضمان. وفيه أن النقصان بفعل الله أو بفعله كتلف العين وإتلافها فكما أنه لو فسخ ووجدها تالفة أو متلفة يرجع بالقيمة فكذا هنا، واحتمال سقوط الخيار هنا مناف لاستصحابه والعين كالمضمونة في يد من لا خيار له لذى الخيار، نحو العكس الذى ستسمع التصريح من الروضة بضمانها كلا وبعضا وإن كان من قبل الله تعالى، وإن كان فيه ما فيه، وإن وجدها ممتزجة بغيرها ففى الروضة والمسالك " انه إن كان بمساو أو أردى صار شريكا إن شاء، وإن كان بأجود، ففى سقوط خياره أو كونه شريكا بنسبة القيمة أو الرجوع إلى الصلح أوجه، وفى ثانيهما أن الثالث لا يخلو عن قوة، لبقاء ماله وأصالة بقاء خياره ". وفيه مضافا إلى عدم ذكر الارش إذا فرض النقص بالمزج بالاردى، وعدم تقييد الشركة بنسبة القيمة، أن الثاني هو الاقوى وأنه لا فرق بينه وبين المزج بالاردى، لكن على معنى الشركة في الثمن لا العين، للزوم الربا في الربوي بناء على عمومه لكل معاوضة ولعدم المعاملة بينهما والامتزاج أعم من ذلك كما هو واضح، وكأن الاول مبنى على سقوط الخيار بالتلف ولو كان من فعله، وهو غريب. ومنه يعلم ما في قوله فيهما ايضا متصلا: " ولو مزجه بغير الجنس بحيث لا يتميز فكالمعدومة " إن أراد بذلك سقوط الخيار، فتأمل جيدا، فانه يمكن ارادته سقوط الخيار في العين على معنى الانتقال إلى المثل أو القيمة، وإن وجدها منتقلة عن ملكه بعقد لازم كالبيع ونحوه، ففى الروضة والمسالك وغيرهما، رجع بالمثل أو القيمة، و لعله للجمع بين ما يقتضى بقاء الخيار، وعموم ما دل على صحة العقد ولزومه، وهذا و

[ 48 ]

إن لم يذكروا غيره في المقام بل لا يخلو عن قوة، إلا أنه يمكن أن يتحصل من كلامهم في غيره وهو بيع من لا خيار له، أن فيه وجوها أخر ايضا. منها - البطلان، نظرا إلى أن حق الخيار كحق الرهانة لا يصح معه التصرف الا بالاذن، ومنها - الصحة لكن متزلزلة كالاصل، لعدم زيادة الفرع عليه، وفيه قوة ايضا ومنها - التفصيل بين العتق ونحوه وغيره، فينفذ في الاول وينتقل إلى المثل والقيمة دون غيره، ولتحرير ذلك محل آخر، كما أن ما فيهما ايضا من أنه كذلك يرجع بالمثل أو القيمة لو وجدها على ملكه مع عدم امكان ردها كالمستولدة، يحتمل ايضا احتمالا آخر تقدم في بيع ام الولد، وهو انه تنقل إليه لسبق حقه على الاستيلاد فلا يؤثر منعا. وكيف كان فإذا استمر المانع استمر السقوط، وفى الروضة " وإن زال قبل الحكم بالعوض بأن رجعت إلى ملكه أو مات الولد اخذ العين مع احتمال العدم، لبطلان حقه بالخروج فلا يعود، ولو كان العود بعد الحكم بالعوض ففى رجوعه إلى العين وجهان، من بطلان حقه من العين، وكون العوض للحيلولة وقد زالت " وفيه أولا أنه لا يعقل للحكم بالعوض بعد الفسخ معنى معتبر يترتب عليه ما ذكره، بل المدار على حال الفسخ الذى به يتشخص ما للفاسخ من العين أو المثل أو القيمة، فلو رجعت العين أو زال المانع قبله، اتجه فيه ما ذكره، مع احتمال الفرق بين الاستيلاد وغيره، فيرجع العين فيه دون المبيع ونحوه. نعم يمكن الحاق فسخ البيع بالاقالة به، لا ما إذا تملكه جديدا بسبب آخر، ومن ذلك يعلم الحال فيما لو رجعت أو زال المانع بعده، ولعل الاقوى عدم الرجوع بالعين إذا فرض عودها إلى الملك بسبب آخر، وفسخ الخيار انما يقتضى ابطال ملكه لها بذلك السبب لا مطلقا فتأمل جيدا. وان وجد العين منتقلة بخيار ففى الروضة والمسالك ايضا " الزم بالفسخ، فان امتنع فسخه الحاكم، فان تعذر فسخه المغبون " وفيه أنه لا دليل على شئ من ذلك، بل مقتضى كون الفسخ بالخيار ابطال المعاوضة الاولى ورجوع كل عوض إلى صاحبه إن كان موجودا وإلا

[ 49 ]

فبدله الانتقال إلى القيمة وعدم الالزام بالفسخ هنا، ضرورة أنه حال الفسخ ينبغى انتقال شئ إليه في مقابلة ما رده من العوض وليس الا القيمة لا الالزام بفسخ البيع، ولعله لذا اطلق المصنف وغيره السقوط بالتصرف المخرج فتأمل جيدا. وإن وجدها منقولة المنافع ففى الروضة والمسالك " جاز له الفسخ وانتظار انقضاء المدة ويصير ملكه من حينه وليس له فسخ الاجارة، وتظهر الفائدة في ملك ما لا يدخل في ملك المنفعة المنقولة من حمل وثمرة واستخدام وعتق ونحوها " وعلى كل حال فليس له عوض المنفعة التى استوفاها المالك بالاجارة، كما ان الظاهر وجوب رد العوض لو فسخ قبل انقضاء المدة لعود الملك إليه بالفسخ، واحتمال العدم - كما في المسالك لعدم التمكن من الانتفاع التام - ضعيف، ولو كان النقل جائزا كالسكنى المطلقة ففى الروضة له الفسخ وفيه اشكال خصوصا بناء على عدم جواز فسخ الاجارة الجائزة باشتراط خيار له اللهم إلا أن يكون مدار فسخ السكنى على من انتقل إليه الملك. هذا كله إن لم يكن التصرف في الثمن تصرفا مخرجا أو مانعا من الرد و إلا سقط خياره كما عرفت، والنظر السابق الذى عرفته وعرفت ما فيه آت هنا، والظاهر أن الاتلاف أقوى من التصرف في الاسقاط هنا كما اعترف به في جامع المقاصد قال: " اما لو تلف بنفسه ففى سقوط الخيار تردد، ينشأ من عدم التمكن من رد العين، ومن عدم التقصير من المشتري فلا يسقط حقه " ومقتضى ما تسمعه من الروضة الجزم بعدم السقوط، بل ظاهره ذلك مع الاتلاف ايضا وأنه يرد المثل أو القيمة حينئذ، ولكنه كما ترى، ضرورة أن الوجه في السقوط بالتصرف المخرج عن الملك ليس الا لتعذر الرد الذى هو الاصل في اقتضاء الفسخ، لا للدلالة على الرضا، والا لم يفرق بين سائر التصرفات، ولا ريب في أنه أقوى تعذرا من التصرف، بل لعله كذلك أيضا بالتلف بآفة، وعدم التقصير لا ينافى السقوط لتعذر الرد هو مقتضى الفسخ بالخيار، وان خرج منه تصرف غير المغبون ولو باتلاف للاجماع على عدم سقوط خيار المغبون بذلك هذا. وكان رد القيمة أو المثل مبني على عدم

[ 50 ]

اندراج ما نحن فيه فيما ذكروه من قاعدة " التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " والا كان المتجه عدم رد المثل أو القيمة، والانفساخ من غير حاجة إلى بقاء الخيار. وان كان المغبون هو المشترى لم يسقط خياره بتصرف البايع بالثمن مطلقا، بل يفسخ ويرجع بالمثل أو القيمة على نحو ما عرفت إذا لم يكن تصرف في المثمن بما يسقط خياره ولو اتلافا، لكن في الروضة " انه ان تصرف فيما غبن فيه فان لم يكن ناقلا عن الملك على وجه لازم ولا مانع من الرد ولا منقص للعين فله ردها، وفى الناقل و المانع ما تقدم، ولو كان قد زادها فأولى بجوازه، أو نقصها أو مزجها أو آجرها فوجهان، وظاهر كلامهم أنه غير مانع. لكن إن كان النقص من قبله ردها مع الارش، وإن كان من قبل الله تعالى فالظاهر أنه كذلك كما لو تلف، وكذا لو كانت الارض مغروسة فعليه قلعه من غير أرش إن لم يرض البايع بالاجرة، وفى خلطه بالاردى، الأرش، وبالاجود إن بذله له بنسبة فقد الصفة والا فاشكال " وفيه أن بعضه لا يجامع ما تقدم فيما إذا كان المغبون البايع، ونحوه ما وقع له في المسالك ايضا فلاحظ وتأمل، ليتضح لك الحال في ذلك وفي صورة اجتماعهما وفى كثير من الفروع المتصورة هنا التى لا تخص المقام في الحقيقة والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (لا يثبت به) إي الغبن (ارش) مطلقا قبل التصرف وبعده، للاصل وحرمة القياس على المعيب ومحكى الاجماع بل محصله. نعم استشكل الفاضل في ثبوت الخيار لو بذل الغابن التفاوت، من انتفاء الضرر الموجب للخيار، ومن ثبوته فلا يزول الا بدليل. بل جزم بالاول في الحدائق وهو غير ثبوت الارش الذى سمعت الاجماع عليه، و قد يناقش في الثاني بأنه مصادرة، إذ الكلام في ثبوته مع البذل وقد يفرض مقارنته للعقد، كما انه قد يناقش في الاول بعدم انحصار الدليل بحديث الضرار (1) على أن الظاهر منه ارادة


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 و 4 و 5

[ 51 ]

عدم مشروعية، ما فيه ضرر إلا أنه لما لم يكن معلوما لنا هنا بالخصوص، لتكثر تصور ما يندفع به الضرر، قوي في الظن مشروعيته على الخيار، للاجماع، ولانه المعلوم من جبر الشارع ضرر العقود بالخيار، والجامع بين الحقين وغير ذلك مما لا يخفى، لا أن المراد تكليف الضار بدفع ما وقع منه من الضرر، كى يتخير فيما يدفعه من بذل التفاوت، أو التسليط على الفسخ. لكن روى الحلبي (1) " انه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ثوبا ثم رده على صاحبه فابى أن يقبله الا بوضيعة ؟ قال: لا يصلح له أن يأخذه فان جهل وأخذه باكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول ما زاد " فتأمل جيدا. القسم الخامس خيار التأخير أي (من باع ولم يقبض الثمن ولا سلم المبيع ولا اشترط تأخير الثمن) و لو ساعة ولا تأخير قبض المثمن (فالبيع لازم ثلاثة ايام. فان جاء المشترى بالثمن) فيها استحق (والا كان البايع أولى بالمبيع) منه انشاء الفسخ بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه بل حكي الاجماع عليه مستفيضا أو متواترا. وقال زرارة للباقر عليه السلام في الصحيح: (2) " الرجل يشترى من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول: حتى آتيك بثمنه ؟ فقال: ان جاء فيما بينه وبين ثلاثة ايام، والا فلا بيع له ". وسأل على بن يقطين ابا الحسن عليه السلام في الصحيح (3) " عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن ؟ فقال: الاجل بينهما ثلاثة أيام فان جاء قبض بيعه،


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب احكام العقود الحديث 1 (2) (3) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3

[ 52 ]

والا فلا بيع بينهما " وقال العبد الصالح عليه السلام في موثق ابن عمار (1) " من اشترى بيعا فمضت ثلاثة ايام ولم يجئ فلا بيع له " وقال عبد الرحمان بن الحجاج: (2) " اشتريت محملا فأعطيت بعض ثمنه وتركته عند صاحبه ثم احتبست أياما، ثم جئت إلى صاحب المحمل لاخذه فقال: قد بعته فضحكت ثم قلت: لا والله لا ادعك أو أقاضيك، فقال لى: ترضى بابى بكر بن عياش ؟ قلت: نعم فأتيناه وقصصنا عليه قصتنا، فقال أبو بكر: بقول من تريد أن أقضي بينكما أبقول صاحبك أو غيره، قال: قلت: بقول صاحبي، فقال: سمعته يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة ايام، والا فلا بيع له " لكن قد يوهم ظاهر هذه النصوص خصوصا صحيح ابن يقطين منها الانفساخ قهرا الذى هو اقرب الى نفى الحقيقة من نفى اللزوم، وبلفظها عبر الصدوق، بل ترك الاسكافي الظرف منها بل في المبسوط (3) " روى اصحابنا أنه إذا اشترى شيئا بعينه بثمن معلوم، وقال للبايع: أجيئك بالثمن ومضى فإن جاء في مدة الثلاث كان البيع له وإن لم يجئ في هذه المدة بطل البيع " الا أنه يمكن ارادته بطلان اللزوم بقرينة كلامه في غيره من كتبه، خصوصا الخلاف الذى نسب فيه الخيار إلى اجماع الفرقة وأخبارهم، كما أنه يمكن ارادة ذلك من النصوص ولو بمعونة الشهرة والاجماع المستفيض أو المتواتر، وأصالة الصحة وعدم المبطل وغير ذلك. على أنه هو المناسب للارفاق للبايع، إذ قد يدخل عليه الضرر بنقصان القيمة في هذه المدة، بل قد يدعى انصراف الاطلاق إليه ولو بقرينة المقابلة في الشرطية، مضافا إلى ظهور التقييد بالظرف في ثبوت البيع للبايع، واللزوم قابل للتبعيض بخلاف الصحة، ولا ينافيه صحيح ابن يقطين (4) لصدق نفى اللزوم بينهما ولو بنفيه للبايع منهما. فمن الغريب بعد ذلك كله جزم المحدث البحراني بالانفساخ.


(1) (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 4 و 2 (3) المبسوط ج 2 ص 87 الطبع الحديث (4) الوسائل الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 53 ]

وعلى كل حال فشرطه عدم قبض الثمن، وعدم اقباض المبيع، والحلول فيهما إجماعا بقسميه، وفى الغنية نسبته إلى رواية أصحابنا ولولا ذلك لامكن المناقشة في اشتراط الثاني، لاطلاق الموثق (1) وغيره الذى لا يقيده ما في سؤال صحيح ابن يقطين، بل قد يظهر من سؤال صحيح زرارة (2) اقباض المبيع وتركه عند البايع، وقد اعترف بعض الافاضل بعدم ظهور النصوص في الشرط المزبور، بل ظاهرها خلافه، لكن قال لعل استناد الاصحاب إليها مبنى على كون القبض عندهم في نحو المتاع النقل لا مجرد قبض اليد. وفيه أن ذلك مذهب جمع منهم، والظاهر اتفاقهم هنا على الشرط المزبور، و لكن الامر سهل بعد الاجماع المذكور، فلو وجدا أو احدهما فلا خيار وإن ابقاه عند صاحبه خلافا للمحكي عن الشيخ من ان للبايع الفسخ متى تعذر الثمن، وقواه في الدروس، ولم يستبعده في المسالك، وهو مع أنه غير ما نحن فيه من خصوص هذا الخيار - ضعيف لانه هو أدخل الضرر على نفسه بتسليم المبيع، ولان فائدة الفسخ التسلط على العين، فان تمكن منها اخذها مقاصة كغيرها والا فلا فائدة له. وعلى كل حال فلو انتفى القبض منهما ولو للبعض فالخيار باق في الكل بلا خلاف وفى خبر ابن الحجاج (3) دلالة عليه، وكذا لو قبض فبان مستحقا كلا أو بعضا لانه كعدم القبض، بخلاف قبض المعيب فانه صحيح ويسقط به خيار البايع، قيل: ويكفى في الثمن مطلق القبض بخلاف المبيع فيشترط فيه اذن البايع، كما صرح به جماعة، ولوح إليه آخرون، لان قبض الثمن من فعل البايع كاقباض المبيع فيسقط حقه بهما، وقبض المشترى ليس فعلا له فلا يسقط حقه بفعل غيره، وهو جيد لو أن السقوط بالقبض المأذون فيه، لدلالته على اسقاط الحق، أما إذا لم يكن لذلك بل لتغير الصورة الثابت فيها الخيار فيبقى على اصل اللزوم، ففيه ان النصوص أدل هنا على كون القبض للثمن بالاذن فيها على غيره،


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 4 (2) (3) الوسائل الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 1 و 2

[ 54 ]

بل لا دلالة فيها على المثمن كما عرفت. اللهم الا أن يقال ان النصوص لا دلالة في شئ منها على اعتبار شئ منها إذ جاء و نحوه مجرى الغالب في دفع الثمن إلى المالك، لا ان المراد منه الشرطية بل العمدة الاجماع، وهو ثابت في الاقباض كما عرفت دون قبض الثمن، بل قد يدعى تحققه في عدم اعتباره، لاطلاقهم القبض فيه والاقباض في المثمن، أو يقال: إن الاذن معتبرة في اقباض المبيع دون الثمن، كما يظهر من بعض كلماتهم في باب القبض، وإن كان فيه ما فيه، لكن مع ذلك كله أطلق في الروضة وغيرها اعتبار الاذن في القبض، وقد ينزل على ارادة الاقباض، فتأمل نعم لو أجاز البايع لزم، خلافا للمحكى عن الشيخ لعدم الاقباض، وهو ضعيف ولو مكنه منه فعن التحرير سقوط الخيار وهو جيد بناء على أنه التخلية، والا فالاشبه البقاء وإن اسقطنا الضمان به، لمنع عموم البدلية، فالاصل بقاء الحق. وأما الحلول فمستنده - بعد الاجماع - الاصل السالم عن معارضته المنساق من النصوص. مؤيدا بأن الواجب مع الشرط مراعات الاجل طال أو قصر فلا يتقدر بالثلاثة، وإثباتها بعد الحلول خروج عن ظاهر الفتوى والدليل، ولو شرط التأجيل في البعض فأخر الباقي فالاقرب السقوط، وفاقا للفاضل والمحكي عن ولده وغيره، للاصل ايضا السالم عن معارضة النصوص، بعد ما عرفت من ظهور سياقها في حلول الجميع، مؤيدا بأنه ساقط في المؤجل بالشرط، فيسقط في الكل لئلا يثبت التبعيض. والعمدة ما عرفت، بل عن التحرير اشتراط خلو الثلاثة عن الخيار للبايع كالحلي في خصوص الشرط منه ولا بأس به، بعد استثناء خيار المجلس لو قلنا بأن مبدئها من حين العقد، للاصل المزبور المؤيد باندفاع ضرر التاخير، وظهور النصوص و الفتاوى على سبق اللزوم ثلاثا فينتفى الخيار مطلقا. قيل: وليس المراد به نفى الخيار المخصوص لان الثابت بالتأخير أصل الخيار و الحكم لا يتقيد بالسبب، وإن كان في الاخير ما فيه، كالمحكى عنهما ايضا من اشتراط

[ 55 ]

خلوها عنه مطلقا، أو خصوص الشرط للمشترى ايضا، للاصل ايضا ولان شرط الخيار في قوة اشتراط التاخير، وتاخير المشترى بحق الخيار ينفى خيار البايع، ضرورة منافاته لاطلاق الادلة، واللزوم - المفهوم من النص والفتوى في الثلاثة - إنما هو للبايع دون المشترى، فلا مانع من خياره بوجود أسبابه، بل مقتضى كلام الفاضل عدم هذا الخيار في الحيوان مطلقا، وهو مناف لعموم الادلة التى منها يعلم فساد ما عن الحلى ايضا، لعدم الفرق بين الاصلى والمشترط، وفى الدروس " يحتمل ثبوت الخيار مطلقا، فلو اشترط المشترى فسخ البايع بعد الثلاثة ولو شرطاه وخرج الخيار فكذلك " وفيه - مضافا إلى ما عرفت من سقوطه في اشتراط الخيار للبايع، - انه يلزمه تأخير الثلاثة عن محلها المستفاد من النص والفتوى. ولا يشترط كون الثمن معينا قطعا، أما المبيع فعن ابى العباس والصيمري و ظاهر المبسوط والمراسم والوسيلة والتحرير ذلك، وفى الانتصار وعن الخلاف اشتراط تعيينها، لكن الظاهر ارادة الاحتراز به عن النسية ونحوها، بل هو محتمل الكتب المزبورة، فينحصر القول حينئذ بالاولين خلافا لاطلاق الاكثر وصريح المحكي عن القاضي بل عنه الاحتجاج له بالاجماع فهو - مع اطلاق معقد غيره وعموم النصوص - الحجة في الخروج عن الاصل، وتغير الصورة وانتفاء العلة ممنوعان، ويظهر من بعض الاساطين اشتراط التغاير بين البايع والمشترى بالذات في هذا الخيار، ولعله لانه هو المستفاد من النصوص، فيبقى غيره على اصل اللزوم، لكن يمكن أن يستفاد مما سمعته في مثل ذلك في خيار المجلس ثبوته في المقام، وفرض تصوره واضح، الا انه يقوى في النفس الاول هنا، ويعرف البحث في الوكيل ونحوه مما تقدم سابقا فلاحظ وتأمل ثم ان ظاهر النص والفتوى اختصاص هذا الخيار بالبيع والبايع كما هو مقتضى الاصل، بل نفى بعض الاساطين الخلاف في الاول وحكى الاجماع في الثاني الذى نص عليه المفيد والمرتضى حاكيا ثانيهما الاجماع عليه ايضا، وعن الدروس أنه استشعر الخيار له من عدم

[ 56 ]

حكمهم باجباره على النقد، لكن فيما حضرني من نسختها " لا خيار للمشترى بعد الثلاثة ولا فيها في ظاهر كلامهم مع أنه يلوح منه جواز تأخير الثمن إذ لم يحكموا باجباره على النقد " قلت: لعل وجهه احتباس المبيع والرضا بالتأخير كما هو الظاهر. ولا فرق في اعتبار الثلاثة في هذا الخيار في النصوص السابقة والفتاوى بين الحيوان وغيره، والانسي من الاول وغيره، الا ما ينعتق على المشترى فان الظاهر سقوط الخيار فيه وتعين المطالبة بالثمن لما سمعته في خيار المجلس، وليس هو كالتلف والتصرف الذي لا يسقط الخيار، بل يفسخ وينتقل حقه للمثل والقيمة ضرورة كون التعارض في الادلة في نحو الفرض في اصل ثبوت الخيار، فمع فرض ترجيح ادلة الانعتاق يرتفع اصل الخيار، ولا وجه للانتقال إلى المثل أو القيمة إذ هو فرع الاستحقاق. وكيف كان فلا فرق في تقدير المدة المزبورة بين افراد المبيع، خلافا للصدوق حيث قدر المدة في الامة بشهر، للخبر (1) " فيمن اشترى جارية وقال: اجيئك بالثمن، إن جاء فيما بينه وبين شهر، والا فلا بيع له " الذى رماه في الدروس بالندرة وفى المختلف بالقدح بالسند، وإن كان فيه ما فيه، وعن الاستبصار احتمال حمله على الندب، ولا يخفى أن الخبر واضح الدلالة، نقى السند، مؤيد باصل اللزوم الا أن شذوذه - وغرابة اختصاص الامة بهذا الحكم ولزوم الضرر بطول المدة - يمنع من تخصيص تلك العمومات به، فالعمل على المشهور وحمله على بيان منتهى الصبر طريق الجمع. وكيف كان فقد قيل: إن مبدء المدة من حين التفرق، وأنه ظاهر الشيخين والسيدين والقاضي والديلمي والحلي والعلامة في المختلف والتحرير، لما عرفت من ظهور النص والفتوى في لزوم البيع في تمام المدة، ولو كانت من حين العقد لاشتملت على خيار المجلس فينتفى اللزوم في المجموع، بل الجميع في بعض الصور، بل لعل المتبادر من قوله عليه السلام (2) " إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة ايام " مجيئه من وقت المفارقة، إذ لا يعقل المجيئ حال


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 9 - 1

[ 57 ]

الاجتماع الا إذا اريد به مجرد دفع الثمن وهو خلاف الظاهر، فهو حينئذ من الافتراق و إن اشترط في العقد سقوط خيار المجلس لعموم المقتضى. نعم بناء على أن المنساق ما ذكرناه اولا، إتجه حينئذ كون الابتداء من حين العقد مع اشتراط السقوط، لانتفاء المانع حينئذ هذا. ولكن قد يقال: إن المنساق من النص و الفتوى كونه من حين البيع، وخيار المجلس بعد ندرة طوله غير قادح في ارادة اللزوم في اكثر الثلاثة، على أن المراد اللزوم من حيث التاخير، لا من كل وجه فتأمل. وفى فورية هذا الخيار وتراخيه ما عرفت سابقا، بل القول بالثاني هنا اولى، وعن الشهيد في قواعده التصريح به، كما انه ظاهر التذكرة لاطلاق الادلة، بل لم أجد قائلا بالاول هنا، وإن كان محتملا نظرا إلى تعليل الفورية في غيره، بالاقتصار على المتيقن فيما خالف اصل اللزوم. نعم تردد المحقق الكركي في الفورية هنا مع جزمه بها في خيار الغبن والرؤية، وكان منشأه احتمال كون المقتضى هنا اطلاق الادلة لا الاستصحاب ونحوه. بل لا يسقط بالمطالبة بالثمن بعد الثلاثة، لاعميتها من الدلالة على الرضا بلزوم العقد، أما لو فرض ذلك ولو لقرينة، إتجه السقوط كما في غيره من الخيارات، وقد سمعت في خيار المجلس والحيوان ما يومئ إليه من النصوص (1) والاستصحاب بعد صدور الدال على الالتزام لا وجه له، إذ احتمال عدم سقوط هذا الخيار بنحو ذلك كما ترى، ولعله على ذلك يحمل ما عن ظاهر المشايخ والديلمي والحلى من السقوط بالمطالبة، وكذا يسقط باشتراط السقوط كما عن الشهيد وغيره النص عليه، عملا بالشرط، وبالاسقاط بعد الثلاثة ايضا كما هو شأن الحقوق أما لو أسقطه فيها فقد قال: بعض الاساطين لا يسقط، لعدم ثبوت الحق، وقد يحتمل السقوط باعتبار حصول سبب الاستحقاق وهو العقد، ولا يسقط ببذل المشترى الثمن بعدها قبل الفسخ للاستصحاب وإطلاق الادلة، ولم يثبت كون العلة فيه الضرر فيثبت ويزول بزواله مع أن البذل بعدها، قد لا يدفعه في بعض الاحوال، خلافا للفاضل ولم يسوغ له الفسخ والاقوى الاول. (و) كيف كان ف‍ (لو تلف) المبيع (كان من مال البايع في الثلاثة وبعدها على


(1) الوسائل الباب 2 و 3 من ابواب الخيار

[ 58 ]

الاشبه) بل لا خلاف فيه في الثاني، بل حكي الاجماع مستفيضا أو متواترا عليه لقاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " المعلومة بالنص (1) والاجماع والخبر (2) " في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجب له، غير أنه ترك المتاع ولم يقبضه، وقال: أتيك غدا فسرق المتاع من مال من يكون ؟ فقال: من صاحب المتاع الذى هو في بيته، حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله ". و " قاعدة التلف في مدة الخيار ممن لا خيار له " لا تشمل المقام، ولو لانها مخصوصة بما بعد القبض، ووفاقا للمتأخرين في الاول، بل عن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الخبرين، خلافا للمفيد والسيدين والمحكي عن سلار، فمن المشترى، وربما مال إليه الشهيد في المحكي عن نكته، بل في الانتصار والغنية الاجماع عليه، لانه ملكه ولا تقصير من البايع إذ لا طريق له إلى الفسخ، وبه افترق عن التلف بعدها، ولان النماء له فالضمان عليه، كما يستفاد من بعض نصوص خيار الشرط (3)، والنقض بالتلف بما بعد الثلاث مدفوع بالاجماع ثمة دون المسألة، إلا أن ذلك كله كما ترى، بعد الخبرين المزبورين المعتضدين بفتوى المتأخرين وبعض من تقدمهم، الموهون بها الاجماعان المذكوران. وفى الوسيلة " أنه من ضمان البايع وإن كان بغير تفريط، الا أن يكون عرض التسليم ولم يتسلم المبتاع، فان تلف بتفريطه كان من ضمانه على كل حال " ونفى عنه الباس في المختلف بعد تخصيص الدعوى بالثلاث قال: " وكلام ابى الصلاح يدل عليه، فانه قال: فان كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه ونقصه من ماله " قلت: لا يخفى ما فيه بناء على عدم تحقق اسم القبض بمثل الفرض المزبور، ولم يثبت ارتفاع الضمان به وإن لم يسم قبضا، و المنقول عن الحلى موافقة المفيد، وعبارة الوسيلة مطلقة في الثلاث وغيرها، على ان الظاهر


(1) الوسائل الباب 8 و 10 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3

[ 59 ]

كون مبناها تنزيل التمكين منزلة القبض في نقل الضمان، وهو يقتضى ضمان المشترى مع حصوله مطلقا، فلا وجه للتخصيص، بل نقل الضمان من البايع بالتمكين المزبور مذهب الشيخ وجماعة، بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه، وحينئذ فشكل إطلاق القول بضمان البايع في الثلاثة كما هو المشهور وفيما بعدها من الجميع ان ثبت الاجماع، ومن خصوص القائل إن لم يثبت ولا يندفع الا باشتراط عدم التمكين في أصل الخيار كما عن التحرير أو تخصيص محل النزاع بما إذا انتفى كما عن السرائر، فيكون ما في الوسيلة موافقا للمشهور لا أنه قول ثالث كما وقع من غير واحد، والله اعلم. هذا كله فيما لا يفسده البقاء. (و) أما (إن اشترى ما يفسد من يومه) وقد تركه عند البايع حتى ياتيه بالثمن (ف‍) قد روى محمد بن ابى حمزة مرسلا عن الصادق عليه السلام وابى الحسن عليهما السلام) (1) انه (إن جاء بالثمن) فيما بينه وبين الليل " أي (قبل الليل " والا فلا بيع له ") ولا يقدح ارساله بعد اعتضاده بما في ذيل مرسل ابن رباط (2) عن الصادق عليه السلام على ما في الفقيه " والعهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل " وإن احتمل أنه من كلام الصدوق بل لعله الظاهر، وانجباره بعمل الاصحاب وموافقة الاعتبار و حديث الضرار (3). نعم اختلفت عباراتهم في تادية المراد بعد اشتراكها في التحديد بالليل ففى جملة نحو ما في المتن من الامتداد إليه من دون تعرض للمبدء وفى اخرى تقدير المدة بيوم وفى ثالثة جعل الخيار إلى الليل، الا أنه مناف لما في النص وأكثر العبارات من أنه مبدأه لا منتهاه فيجب رده إليه وإن بعد، والامر سهل بعد وضوح المراد. نعم قد يشكل الحديث والفتاوى بأن الغرض من الخيار دفع الضرر بالفسخ قبل فساد المبيع، وإذا كان مما يفسده ليومه كما هو المفروض، وجب ان يكون الخيار قبل


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الخيار الحديث 1 (2) الوسائل الباب 11 من ابواب الخيار الحديث 2 (3) الوسائل الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 3 و 4 و 5

[ 60 ]

الليل، ليتأتى فسخه، ودفع الضرر عن نفسه، وبأن البيع يقع في طرفي النهار وفى الاثناء، وقد يقع في الليل ايضا، والتحديد بالنهار كلا أو بعضا لا يطرد في الجميع، و الحمل على مقدار اليوم خروج عن ظاهر النص والفتوى، ولا يتاتى معه الغرض المطلوب في الاكثر، ومن هنا حمل الشهيد في الدروس النص على ما يفسده المبيت، نظرا إلى الغالب في نحو الخضر والفواكه واللحوم والالبان، وإلى شيوع استعمال اليوم فيما يشمل الليل، فيثبت الخيار حينئذ فيما هو كذلك، وقد بيع في النهار عند انقضائه ودخول الليل ورد ما سواه إلى ما يقتضيه الاصل، وحديث الضرار ودلالة الايماء، وهو جيد جدا، وارتضاه المحقق الكركي ومال إليه الشهيد الثاني وغيره، ومقتضاه ثبوت الخيار في غير مورد النص عند خشية فساده مطلقا، فلو كان مما يتسرع إليه الفساد في بعض يوم فالخيار فيه قبل الليل، ولو كان مما لا يفسد في يوم، تربص به البايع إلى خوف فساده، فيتخير حينئذ، وإن مضى عليه يومان وأكثر، واحتمل العلامة في هذا انتظار الليل لورود التحديد به شرعا، ويضعف بما عرفت، وبأن مورد النص الفاسد ليومه، وليس هذا منه، فيستمر فيه اللزوم إلى خوف الفساد، بمقتضى الاصل السالم عن المعارض. وقد يحتمل فيه وفى غيره ملاحظة النسبة لما يفسده المبيت فيفسخ مع بقاء زمان يعدمه الفساد كزمانه، فتأمل ويكفى الفساد في تغير العين ونقص الوصف وإن لم يبلغ حد التلف، كما في الدروس وجامع المقاصد وظاهر المسالك، وهل ينزل فوات السوق منزلة الفساد ؟ إحتمله الشهيد، للزوم الضرر بنقص السعر، وهو قوى، وإن احتمل العدم ايضا، إقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن. ثم إن الظاهر إتحاد البحث في تلفه كذى الثلاث، لاتحاد الطريق وهو صريح الغنية أو كصريحها مدعيا عليه الاجماع، وربما احتمل كونه من البايع هنا مطلقا عند غير من صرح من المفصلين ايضا، لاقدامه على التاخير فيما هو مظنة التلف، كما أن الظاهر من الماتن وغيره، بل عن جماعة التصريح به، بل في الغنية الاجماع عليه كون هذا الخيار من

[ 61 ]

جملة افراد خيار التاخير، فيشترط فيه، ما يشترط فيه من الامور الثلاثة، ويجرى فيه ايضا كثير من الفروع السابقة، والله أعلم هذا تمام الكلام في الخيارات الخمسة (و) أما (خيار العيب) ف‍ (يأتي) البحث فيه (في بابه انشاء الله تعالى) لكثرة فروعه (وأما احكامه) أي الخيار. فتشتمل على مسائل (الاولى) المشهور أن (خيار المجلس لا يثبت في شئ من العقود عدا البيع) بل في الغنية ومحكى الخلاف الاجماع عليه للاصل السالم عن المعارض خلافا للمحكى عن المبسوط والقاضي والحلي فأثبتوه في نحو الوديعة والعارية والقراض والوكالة و الجعالة، وهو ضعيف لما عرفت، مؤيدا بان الخيار فيها عام ايضا لا يقبل السقوط، فلا تأثير للمجلس، إلا أن يقصد منع التصرف فيه معه، كما احتمله في الدروس ولا دليل عليه، ولا يصح في الوديعة لامتناعة فيها مطلقا بل ولا في غيرها، لوجود الاذن المسوغ كذلك ومنع في المختلف إجماع الخلاف، لان ثبوت الخيار مطلقا يستلزم ثبوته في المجلس، و فيه أن الممنوع خيار المجلس دون الخيار فيه، فان أراد الثاني كان النزاع لفظيا. و كيف كان فلا دليل على ثبوت حق فيها مغاير لحق الجواز الثابت بأصل الشرع. (و) أما (خيار الشرط) فيثبت في كل بيع لا يستعقب العتق، سلما كان أو صرفا أو غيرهما، لعموم المقتضى، خلافا للفاضل في موضع من التذكرة فيهما، وللغنية ومحكى المبسوط والخلاف والسرائر في الثاني، لاقتضاء إعتبار القبض في المجلس فيهما، الافتراق بلا علقة، وإشتراط الخيار علقة، وهو كما ترى، ودعوى الاجماع من الثلاثة

[ 62 ]

على الثاني - التى منعها غير واحد من الاصحاب - على مدعيها، بل في المسالك " أطبق المتأخر على منعها، مؤيدا ذلك، بأن من عدا المدعي ممن تقدم عليه، أو تأخر عنه، بين مطلق ثبوته في البيع، وبين مصرح به " بل في موضع آخر من التذكرة التصريح بثبوته لكن على إشكال. نعم قد يظهر من إقتصار الدروس على حكاية الشيخ الاجماع، ومنعه من الفاضل نوع توقف فيه، بل في التحرير والقواعد في ثبوته إشكال، إلا أن ذلك لا يقدح في دعوى منع الاجماع، خصوصا مع شهرة الصحيح المثبت بعمومه الخيار، بين الفقهاء و المحدثين، وقد رواه أئمة الحديث (1) والاقدمون من فقهاء أصحاب الائمة عليهم السلام، ولا راد له ولا معارض له يخصصه، بل لعل مبنى الاجماع المدعى، على الاجماع على اشتراط القبض الذي ظن المدعي منافاته لاشتراط الخيار، فيكفى في رفعه حينئذ وضوح عدم التنافى. وكذا (يثبت في كل عقد) لازم، معاوضة كان أو لا، (عدا النكاح والوقف) بلا خلاف أجده في المستثنى منه، إلا في الضمان من الفاضل في أحد قوليه، والصلح مطلقا من المحكي عن المبسوط والخلاف، وخصوصا ما يفيد منه فائدة الابراء من الكركي، تبعا للفاضل في التحرير، وخصوص الصلح عن المجهول، والدعوى الغير الثابتة بالاقرار من المحكي عن الصيمري، والكل شاذ ضعيف، لعموم المقتضى، وعدم ثبوت أن ما في الذمة إذا انتقل لا يعود، بل هو ينتقض بجملة من المقامات. وكذا دعوى إسقاط الحق، أو أن الصلح لا يقبل الخيار، فان ذلك كله لا مانع من حصوله على جهة التزلزل، وبلا خلاف أيضا في الاول من المستثنى، بل في جامع المقاصد والمسالك والمحكي عن الخلاف والمبسوط والسرائر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد تأيده بمشاكلته العبارة، وابتنائه على الاحتياط التام وسبق التروي فيه وتوقفه على رافع مخصوص، فلا يرتفع بغيره.


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب الخيار.

[ 63 ]

أما اشتراطه في الصداق فلا باس به، كما صرح به الفاضل والكركي، للعموم، وفي المتعة اشكال إن لم تكن مندرجة في النكاح الذي هو معقد الاجماع، وعلى المشهور في الثاني بل في المسالك أنه موضع وفاق، وهو الحجة، وإن كان فيه أنه نبه في الدروس وغيرها على أنه موضع خلاف. نعم هو لا يقدح في الاجماع الكاشف فان تم كان هو الحجة، والا كان للنظر فيه مجال، وان كان قد علل باشتراط القربة فيه، وهو مناف لاشتراط الخيار، وبأنه فك لا إلى عوض، فلا يقبله كالعتق، لكن فيهما معا منع. ومنه ينقدح النظر في الحاق العمرى والحبس وما في معناهما به في جامع المقاصد للاشتراك في المعنى المذكور، بل وينقدح ايضا في عدم دخوله في الهبة قربة إلى الله تعالى، مع أنه قال في التذكرة: " وأما الهبة فان كانت لاجنبي غير معوض عنها ولا قصد بها القربة ولا تصرف المتهب يجوز للواهب الرجوع فيها، وإن اختل أحد القيود لزمت،. وهل يدخلها خيار الشرط الاقرب ذلك " وظاهره تناولها خصوصا وقد نفى الباس عما ذهب إليه الشافعي من عدم دخوله في الوكالة والقراض والشركة والوديعة والجعالة، قال " لانها عقود جائزة لكل منهما فسخها سواء كان هناك شرط خيار أو لا " فحمل كلامه هنا على الهبة الجائزة لا يخلو من منافاة له، فالاولى بناء دخوله في ذات القربة على التنافى بينهما، وعدمه، والحكم بجواز الدخول في اللازمة منها للعوض أو القربة، كما هو مقتضى تعميم المصنف وغيره للعموم، وبناؤه في غير ذلك على دخوله في العقود الجائزة وعدمه. فعن الشيخ والقاضي والحلي: دخوله فيما سمعته عن الشافعي استنادا إلى العموم المقتضى إطراده في كل عقد جائز، ويقتضيه إطلاق المتن والغنية والارشاد والقواعد و الدروس، ومنعه العلامة في المختلف والتحرير والكركي والشهيد الثاني، وقد سمعت نفي الباس عنه في التذكرة لعدم تأثير الشرط في الجائز بالاصل، ويضعف بعدم اشتراط التأثير في الشروط، فان منها ما يؤكد مقتضى العقد، فان أريد خصوص المؤثر هنا عاد النزاع إلى اللفظ، على أنه قد يؤثر فيهما لو لزم الجائز كالهبة بالتصرف مثلا، فان له الفسخ حينئذ بالشرط، وكذا

[ 64 ]

المعاطاة لو كان التصرف من ذي الخيار. فتأمل هذا. وقد علم مما ذكر، حكم الشرط فيما اختلف في لزومه وجوازه كالسبق والرماية، أو يلزم من أحد الطرفين دون الاخر كالرهن، واستشكل في التحرير جوازه من الراهن وإن لزم العقد من جهته، لان الرهن وثيقة الدين، والخيار ينافى الاستيثاق، ورد بمنع المنافاة، فان الاستيثاق في المشروط بحسب الشرط، فتحصل من جميع ذلك أنه لا يثبت في النكاح والوقف خاصة من العقود. (وكذا) لا يثبت في (الابراء والطلاق) وفى الاقالة ما ستعرف (والعتق) من الايقاعات (إلا على رواية شاذة) (1) لا يلتفت إليها كالقول بها بعد الاجماع في المحكى عن المبسوط على الاخيرين، وفى المسالك على الاولين، وعن الحلي نفى الخلاف في الثالث الذى ينافى اشتراط الخيار فيه اعتبار القربة ايضا بناء على المنافاة، كما أنه ينافيه في الثلاثة، انها من الايقاعات لا العقود، ولذا احتج - في المحكي عن السرائر - على عدمه في الثاني بخروجه عن العقود، ومقتضاه إطراد الحكم في الجميع، وعدم اختصاصه بالثلاثة، كما يوهمه الاقتصار في المتن وغيره عليها، ولعلها كذلك، لابتناء الايقاع على النفوذ بمجرد الصيغة فلا يدخله الخيار، والمفهوم من الشرط ما كان بين اثنين كما ينبه عليه الصحيح " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز على الذى اشترط عليه " فلا يتاتى في الايقاع المتقوم بالواحد، وقد يلحق بالطلاق الاقالة بناء على عدم تعقل العود بعد الفسخ من غير سببه وفيه بحث، سيما بعد اطلاقهم دخوله في العقود بناء على أنها منها، وسيما بعد حكمهم في الشفعة، بقابلية الاقالة للفسخ، كالبحث في إلحاق الكتابة المطلقة به في التحرير، وعن التذكرة وان كنت لم أتحققه فيما حضرني من نسختها، ودعوى أن الحر لا يعود رقا لا دليل عليها على الاطلاق، بحيث يشمل الحرية المتزلزلة كما في جملة من المقامات المذكورة في كتاب العتق وغيره وحينئذ، فتتفرع على ذلك فروع جليلة لا تخفى بادنى تأمل. منها - حكم المال الحاصل له في زمن الحرية إذا عاد إلى الرقية، أما المشروطة ففى جامع المقاصد دخوله بالنسبة للمولى قال: " وفى العبد قولان اختار الثبوت الشيخ،


(1) المستدرك ج 2 ص 473

[ 65 ]

والعدم المصنف في التحرير، نعم قد يلحق بالطلاق الخلع والمبارات " وفى التذكرة و جامع المقاصد دخوله في القسمة سواء كان فيها رد أو لا، وفيه بحث ايضا. ثم إن الظاهر دخول خيار الشرط بجميع أقسامه كخيار المؤامرة ورد الثمن ونحوهما، لكن فيما يتصور فيه ذلك كعقود المعاوضة، للعموم المقتضى عدم الفرق فيه بين البيع وغيره، واحتمال قصرهما على البيع - للدليل والا فلا يجوز للجهالة - ضعيف جدا كما هو واضح. وأما الغبن فثبوته في ساير عقود المعاوضة بناء على أن مدركه حديث الضرار (1) - متجه. المسألة (الثانية التصرف) من المشترى في المبيع (يسقط خيار الشرط) له (كما يسقط خيار الثلاثة) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في الغنية وجامع المقاصد ومحكي الخلاف وكنز الفوائد الاجماع عليه، وهو - بعد شهادة التتبع له - الحجة مضافا إلى ما عن الشيخ والقاضي من ورود الاخبار من طريق الاصحاب بذلك محتجين بها عليه، وكفى بهما ناقلين، والى دعوى الاولوية، فانه متى سقط به الخيار الاصلي كالحيوان، فالشرط أولى، وإن كان فيها ما فيها، كدعوى العموم من العلة المنصوصة في الصحيح (2) في خيار الحيوان، ضرورة أن الفاء فيه رابطة، لا تعليلية، نعم بعد تعذر ارادة الحقيقة من الحمل فيه، وجب حمله على ارادة دلالته على الرضا، وحينئذ لا تفاوت بين الحيوان وغيره، ضرورة اعتبار ما دل عليه من الافعال والاقوال، والمناقشة فيما لم يصل إلى حد العلم في الاول، يدفعها حينئذ هذا الصحيح وغيره، واحتمال قصره على خصوص الحيوان كما ترى. وعلى ذلك عول من قيد السقوط بالتصرف بما إذا لم يكن للاختبار ونحوه فيما علم عدم ارادة الالتزام به، بل المتجه حينئذ أن ما كان ظاهره ذلك كذلك ايضا بل ينبغي عدم السقوط بالمشكوك فيه.


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار. الحديث 1

[ 66 ]

ومن هنا وقع خبط في كلام المتأخرين، وربما مال بعض متاخريهم إلى دعوى ما سمعته في الحيوان من أصالة الدلالة في التصرف حتى يعلم العدم، جمعا بين ما دل على السقوط به ووبين خبر الامداد (1) ونحوه مما يقضى بعدم السقوط به، إلا أن الجميع كما ترى، مناف لاطلاق الفتاوى ومعقد بعض الاجماعات السابقة، وما ذكروه في مسقطات الخيار من عد التصرف قسما آخر مقابلا للرضا، وليس في قوله عليه السلام " فذلك رضا منه " ظهور في أن السقوط بالتصرف للدلالة، خصوصا مع ملاحظة كون الفاء فيه رابطة للشرط لا تعليلية، وإن بيان الدلالة ليس وظيفة الشارع، لاختلافه باختلاف الازمنة والامكنة والاحوال، فيمكن ارادة قيامه مقام الرضا في الاسقاط، بل يمكن دعوى أنه المنساق من أمثاله، أو إرادة أنه بعد إقدامه على المسقط شرعا وفعله فهو رضا منه بالالتزام إذا كان عالما بأنه مسقط متنبه له، وكان الاطلاق لغبلة العلم بالحكم الشرعي، وعدم معذورية الجاهل وندرة الغفلة والسهو، فالقول بأنه مسقط تعبدا مطلقا لا يخلو من قوة، وتعديته لغير الحيوان بالاجماع المحكي عن الخلاف ان لم يكن المحصل، وظهور عدم ارادة خصوص المورد في الصحيح (2) وغيره وحينئذ لا ينبغى التوقف فيه هنا، بل ولا في سقوط خيار البايع بالتصرف في الثمن كما صرح به جماعة وعلم من رأى الباقين لذلك، ولعدم الفرق بين العوضين، وخبر ابى الجارود (3) - القاضى بعدم سقوط خيار البايع في التصرف بالثمن في خيار الرد - محمول على ما عرفت سابقا من كون التصرف فيه قبل تحقق الخيار، لانه إنما يحصل بعد الرد كما عرفته سابقا، والمدار حينئذ على صدق الحدث فيه ناقلا كان أو غير ناقل. نعم قد يتوقف في الحدث فيه خطا - بل أو غفلة أو نسيانا أن فيه الخيار أو


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث 1 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1 (3) الوسائل الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 3

[ 67 ]

لظن أنه الخالى منه - من صدق اسم الحدث فيه، ومن أن المنساق من قوله " احدث فيه حدثا " قصد الاحداث فيه، خصوصا بعد ان لم يكن عمومه لغويا، وقد يؤيده في الجملة عدم سقوط خيار الغبن بالتصرف غير الناقل إذا لم يعلم بالغبن، ولكن لا يخفى عليك الفرق عرفا بين الحدث خطئا وبين الغفلة والنسيان، فهو من ذى الخيار مسقط لخياره، من غير فرق بين الاختبار وغيره، وخبر رد الامداد مع الشاة (1) القاضي بعدم سقوط الخيار بالحلب، مع الطعن في سنده وشذوذه، وعدم ظهوره في الرد بالخيار بل قد يظهر منه عدمه، ومنافاته لما دل على أن النماء في زمن الخيار للمشترى، - يمكن القول بأن استخراج الحليب الذى هو ملكه ليس إحداثا فيها، كما أن اشتراط بيع ما فيه الخيار بالايجاب قبل البيع في خبرى الحلبي والسكونى الاتيين (2) من الشواذ التى لم يعمل بهما احد فيما اعلم. ومن ذلك كله يظهر لك ما في جامع المقاصد والمسالك والرياض وغيرها، فلاحظ وتأمل. نعم قد يتوقف فيما ذكره غير واحد - بل نسبه بعض الاساطين إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، بل في الغنية نفى الخلاف عنه - من الفسخ بتصرف كل منهما فيما انتقل عنه، إذا لم يكن دالا على ارادة الفسخ فضلا عما علم منه عدم الدلالة أو كان ظاهرا لعدم الدليل إن لم يكن اجماعا على الحاقه بالتصرف الملزم بناء على السقوط به تعبدا، ودعوى الدلالة عليه - كدلالته في المنتقل إليه على الامضاء - يدفعها ما عرفت من عدم دوران السقوط في المقيس عليه على الدلالة، وليس في الادلة، ما يقتضى التعبد هنا، بل ليس فيها ما يقضى باعتبار غير مقطوع الدلالة عليه من الافعال، الا فحوى ما دل عليه في الامضاء، ويمكن منعها إن لم ترجع إلى التنقيح ومنعه لعدم المنقح إن لم يكن اجماعا كما هو مفروض المسألة. وأما الاستدلال عليه - بأن هذا التصرف لو لم يكن فسخا لكان ممنوعا منه شرعا


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث 1 (2) الوسائل الباب 12 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2

[ 68 ]

لمصادقته ملك الغير على المشهور من الانتفال بنفس العقد، والاصل في تصرفات المسلمين وقوعها على الوجه السائغ الصحيح فيكون فسخا - كما ترى، ضرورة عدم انحصار وجه الصحة في ذلك، ولا يتم في إجراء العقد خاصة عليها، وكون الفضولي على خلاف الاصل، لا ينافى قدحه في الدلالة على أن المراد الفسخ به تعبدا كالامضاء، فلا تتنقح دلالته على ارادة عدم الفسخ به. نعم لا بأس بذكر هذه الامور مؤيدة بعد دعوى الاجماع على الفسخ بكل ما لو وقع في المنتقل إليه كان اجازة ويكون هو العمدة حينئذ، لكن في فساد التصرف لو كان بيعا و نحوه، وصحته وجهان، بل قولان ينشآن من حصول الملك به، فلا يحصل شرط الصحة الذى هو سبق الملك، ومن أن الفسخ يحصل بالقصد المقارن للتصرف، فيتقدم ويحصل الشرط، وهو الذى اختاره الكركي وعليه فرع جواز الوطئ له، وفيه أنه حصل بالقصد لا بالفعل كما هو المفروض، بل لا بد من الالتزام في البيع ونحوه، كون وقوع تمام الصيغة الذى يحصل به مسمى التصرف، شرطا كاشفا عن حصول الانفساخ قبله آنا ما، وهذا وان ارتكبناه في غير المقام، الا أنه لمكان الدليل المخصوص الدال على الصحة، والحصر طريق الجمع بينه وبين ما دل على اعتبار سبق الملك بدعوى التقدم الذاتي، بخلاف المقام الذى لا يتوقف الحكم بالفسخ على صحة التصرف، بل يكفي ولو كان فاسدا أي لم يترتب عليه أثره، هذا إذا كان التصرف بالبيع ونحوه. أما إذا كان بالانتفاع كاللمس والتقبيل والوطئ ونحوها، فيمكن القول بحصول الفسخ بها، وأنه مقارن للدخول في الملك من غير اثم، تحكيما لما دل على أن له الفسخ باي فاسخ، يكون المستفاد من نفس ثبوت الخيار له على ما دل على حرمة التصرف في مال الغير، بحمله على ما لا يقارنه الملك من التصرف، خصوصا مع خفاء اندراج هذا الفرد، فزمان الفسخ حينئذ والدخول في الملك واللمس واحد. ولا باس به. فتأمل جيدا فانه دقيق نافع.

[ 69 ]

وربما ظهر من الدروس التردد في الجواز، بل صريح التحرير الحرمة، وهو ضعيف لما عرفت، بل يمكن القول به في البيع ونحوه، بناء على منع اعتبار سبق الملك فيه ونحوه لعدم الدليل، بل مقتضى اطلاق الادلة خلافه، وقوله عليه السلام " لا بيع الا في ملك " (1) لا يقتضى ازيد من اعتبار اصل الملك في البيع، على وجه يشمل المقارن في مثل الفرض لا اقل من الشك، وقد عرفت أن مقتضى الاطلاق الصحة في مثل الفرض الذي هو من باب ترتب المعلولات الغير المتنافية بعللها، وان كانت العلة في وجود الجميع واحدة، فيترتب حينئذ على التصرف الفسخ، المقتضى لعود الملك للفاسخ، المقتضى لانتقاله عنه إلى المشترى، المقتضى للانعتاق لو فرض كونه ابا له. وربما يؤيده ما ذكروه في الوكالة، من حصول عقدها بالقبول فعلا من الوكيل، بأن يفعل ما وكل فيه من تزويج أو بيع أو نحوهما، فان الوكالة والبيع حصلا بعلة واحدة، و الظاهر عدم زيادة اعتبار الملك في مضى البيع على اعتبار الوكالة فيه، فان بيع الوكيل و المالك سواء في ذلك، وبالجملة لا مانع من تسلسل العلل المترتب على كل منها معلولها، وإن اتحد العلة الاولى معها، نعم لا يعقل حصول المعلولات المتنافية لعلة واحدة كما هو واضح، ومما يؤكد المقام ظهور ارادة القائل - بكون البيع مثلا فاسخا - الصحيح منه، لا الفاسد الذى يكون فسخه من الدلالة على ارادته، لا أنه فسخ بالتصرف، بل هو صريح استدلالهم على الفسخ باصالة الصحة في العقد، والله العالم. (ولو كان الخيار لهما وتصرف احدهما) فيما انتقل إليه من المبيع أو الثمن (سقط خياره) بايعا كان أو مشتريا وسواء كان التصرف جائزا كالانتفاع بغير الوطئ أو غيره كالوطئ ونحوه، إذ لا تلازم بيع حصول الالتزام وحلية التصرف، إذ لا ريب في صدق اسم الاحداث في العين وان كان حراما، لان الاثم حكم شرعي لا مدخلية له في صدق الاسم كما صرح به في الدروس.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث 1

[ 70 ]

نعم قد يتوقف في صدق الاحداث بالبيع ونحوه بناء على عدم نفوذه على الخيار للاخر، بل لعل صدق عدم الاحداث عليه اولى، خصوصا بعد تفسير الاحداث في الصحيح (1) بمثل التقبيل واللمس، واحتمال كون التهيأ للصحة ولو بالاجازة احداثا بعيد. ولكن التحقيق الجواز في الجمع من غير فرق بين العتق وغيره " لان الناس مسلطون على اموالهم " (1) ولم يثبت مانعية تعلق حق الخيار، وليس فيه إبطال لحق صاحبه، لانتقاله إلى القيمة حينئذ أو المثل، أو أن له التسلط على فسخ العقد الاخر على اختلاف الوجهين أو القولين الذين أقواهما الاول، لاطلاق ما دل على اللزوم، وانقطاع الملك الحاصل له بالعقد الاول بما وقع له من العقد الثاني، فيقع الفسخ من ذي الخيار على ما ليس بملك له، إلا أنه لما كان الحق متعلقا بالعقد الذى وقع على العين التى نقلها الشارع إلى القيمة أو المثل، فالفسخ يفيد انتقالها إليه كما لو تلف، ولا فرق بين الوطئ وغيره من الانتفاعات كما هو ظاهر المحكى عن المبسوط وصريح التحرير، و احتمال الحبل - فتكون أم ولد فيمتنع رد عينها بعد تسليم امتناع الرد به كما هو الاصح - غير صالح لتخصيص ما دل على تسلط الناس على أموالهم، وإلا لامتنع الانتفاع بها في غيره، لاحتمال التلف به إيضا، كما أنه لا فرق بين العتق وغيره، وبناؤه على التغليب غير صالح للفرق هنا بعدما عرفت. ومن ذلك كله ظهر لك ما في كلام الفاضل في القواعد فانه جزم بعدم نفوذ بيع المشترى ووقفه وهبته إذا كان الخيار لهما أو للبايع إلا باذن البايع، واستشكل فيه في العتق وجزم بجواز الوطى له، كباقي وجوه الانتفاع تارة، وتردد فيه بالخصوص من بينها أخرى، بل والشهيد في الدروس حيث أطلق التردد في جواز تصرف المشترى إذا كان الخيار مختصا بالبايع، وفى تصرفه ايضا، والبايع مع اشتراك الخيار بينهما، إذ لا إشكال


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3 (2) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 71 ]

في جواز تصرف المشترى إذا لم يكن وطيا ولا ناقلا. وكيف كان فالتحقيق ما عرفت، ويؤيده في الجملة ما سلف لهم في الغبن من صحة التصرف، وانتقال ذى الخيار إلى المثل أو القيمة، واحتمال الفرق - بفرض كلامهم هناك في التصرف مع الجهل بالخيار - غير مجد، لان الظاهر تعلق الخيار فيه حال العقد وإن لم يكن معلوما، فلو كان حق الخيار مانعا، أبطل التصرف وإن كان المتصرف جاهلا وهو واضح. ثم إنه على كل حال يسقط خيار المشترى بالوطئ وإن أثم كما عرفت، ولو فسخ البايع بعد الاستيلاد إنتقل إلى القيمة عندنا، وعن الشيخ والقاضى أنه يرجع بقيمة الولد والعقر، و هو جيد بناء على عدم الانتقال إلا بعد انقضاء الخيار وكان الوطئ شبهة، لكن ستعرف ما في المبني عليه. ولا فرق فيما ذكرنا بين اشتراك الخيار بينهما أو اختصاصه بأحدهما، فللبايع التصرف في ثمنه وإن كان الخيار مختصا بالمشترى كالعكس، ولو تصرف كل منهما أو أحدهما فيما انتقل عنه كان فسخا كما عرفت، ولو كان الخيار لاحدهما ونقلهما معا دفعة ببيع ونحوه بطل، للتدافع بين الفاسخ والملزم من الشخص الواحد، والظاهر البقاء على اصل الخيار، و احتمال تقديم الاول أو الثاني هنا ضعيفان، وان جزم بالاول في التحرير ولو كان التصرف فيهما من غير ذى الخيار وقف على الاجازة، بناء على جريانها في نحو حق الخيار ومع حصولها لهما معا يسقط الخيار، وله - على اشكال - ابطال التصرف في المنتقل إليه واجازة الاخر مع إبقاء حق الخيار والرجوع بالقيمة حينئذ، وليس له ابقاؤه مع اجازة التصرف في ماله، ولو كان الخيار مشتركا بينهما فتصرف المشترى مثلا فيهما ففى القواعد " صح ما تضمن الفسخ من التصرف، بخلاف الاخر الذي فيه ابطال حق البايع " وفيه اولا أنه لا يتم على المختار، وثانيا - أنه وإن كان باطلا بناء على منع حق خيار البايع الا - أنه يحصل به الالتزام وسقوط الخيار، كما صرح به في التحرير وجامع المقاصد في غير المقام فيتدافع حينئذ مع ما يقتضى الفسخ المتوقف صحته على عدم الالتزام، فالاقوى اتحاد

[ 72 ]

الحكم فيها مع الاولى. والله اعلم، (ولو أذن احدهما) بالتصرف فيما انتقل إليه (وتصرف الاخر) فيما انتقل إليه ايضا (سقط خيارهما) قال في الشرح: " أما خيار المتصرف فواضح، واما الاذن فوجه سقوط خياره دلالة الاذن على الرضا، فيكون التزاما من البايع بالبيع، واما من المشتري فلان تصرف البايع يبطل البيع، فلا يبقى لخيار المشترى أثر، ولو لم يتصرف المأذون لم يبطل خياره. وفي بطلان خيار الآذن نظر من دلالته على الرضا المزيل لحقه، ومن عدم منافاة الرضا بزوال الخيار، لان غايته قبل وقوعه أن تكون الازالة بيده، وهى لا تقتضي الزوال بالفعل، وأطلق جماعة كونه مبطلا، وعدم البطلان أوضح. ولو كان التصرف غير ناقل للملك، ففى إبطاله الخيار الآذن نظر، لعين ما ذكر " وفيه - بعد تسليم ارادة كون التصرف والاذن في المبيع من كل منهما من العبارة وما ضاهاها - أن الاذن فيما إذا كان المتصرف البايع لا مدخلية لها، ضرورة استناد الفسخ حينئذ إلى تصرف البايع، أذن له المشترى أو لم يأذن، أما الثاني فواضح، كالاول مع فعل المأذون، بل لعله كذلك وإن لم يفعل، لدلالة الاذن بفعل الملزم، على إرادة الالتزام واسقاط الخيار، بل لعل نفس الاذن بالتصرف من الاحداث فيه، ويحتمل العدم، لمنع الدلالة في الاول، للفرق بين انشاء الالتزام، وبين ارادة ما يحصل به الالتزام، وصحة السلب في الثاني، وكانه لا يخلو من قوة خصوصا مع ملاحظة استصحاب الخيار. وفى تعليق الارشاد " واعلم أن مجرد الاذن في هذه التصرفات من دون فعل لا يكون اجازة ولا فسخا كما هو مصرح به في كلامهم " قلت: ومن ذلك ينقدح الاشكال في الالتزام بالعرض على البيع، إذ هو أعم من انشاء الالتزام، لامكان حصوله مع التردد في الفسخ والاجازة، ودعوى الظهور في الالتزام ممنوعة، على انه - بعد التسليم - مبنى على حجية ظواهر الافعال في مثل ذلك، وإن كان قد يؤيد القول بها

[ 73 ]

هنا الاجماع على سقوطه بالتصرف الذى هو غير قاطع، لكنه لا يتم بناء على أن السقوط به تعبدي، لا من حيث الدلالة كما سمعت قوله فيما تقدم. نعم يمكن الاستدلال على الالتزام بالعرض بخبر السكوني (1) " فيمن اشترى ثوبا بشرط، فعرض له ربح فاراد بيعه ؟ قال: فليشهد أنه قد رضيه واستوجبه، ثم ليبعه إن شاء، فان اقامه بالسوق ولم يبعه فقد وجب عليه البيع " وهو - مع اشتماله على ما لا يقول به، من اشتراط بيع ذى الخيار، بالاستيجاب قبل البيع - يمكن منع دلالته، لاحتمال إرادة إقامة المستوجب في السوق منه، فيكون حاصله أنه مع الاستيجاب يسقط الخيار إن لم يبعه، ومتى قام الاحتمال، بطل الاستدلال، بعد منع الظهور فلاحظ وتأمل. ثم لا يخفى عليك أن ذلك كله يجري في الاذن بما يقتضى الفسخ، والعرض الذى يقتضيه ايضا، ولو أذن أحدهما للآخر في نقل ما انتقل إليه - بناء على عدم الجواز مع تعلق حق الخيار، وفعل المأذون - سقط خيار المتصرف قطعا، وأما الاذن فقد جزم الكركي وثاني الشهيدين وغيرهما بالسقوط ايضا بل قد يظهر من التذكرة الاجماع عليه، وعلله في الجامع بعدم امكان فسخ العقد الواقع باذنه، قال: " أما إذا لم يبع ففى كون مجرد الاذن اجازة إشكال، ومثله الاذن في ساير التصرفات الغير الناقلة للملك ". قلت: يظهر وجه الاشكال في الاول مما ذكرناه أولا، لان مرجعه إلى أن الاذن في الملزم ملزم أو لا، وقد سمعت الكلام فيه، إلا أنه غير جار فيما ذكره من التصرفات الغير الناقلة التى هي إذا وقعت إنما تلزم بالنسبة إلى المتصرف، فالاذن فيه لا يستفاد منه التزام الآذن بوجه من الوجوه، إلا إذا كان المراد من الاذن رفع ما حصل بسببه المنع أي الخيار، وحينئذ لا ينبغى التوقف في السقوط. وإن لم يفعل


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 74 ]

المأذون، الا أن في دلالة الاذن بالتصرف - خصوصا إذا كان خاصا على ذلك - منعا واضحا. اللهم الا أن يدعى أن حجر الخيار لا يرتفع شرعا مع بقائه، فالاذن في أي تصرف تستلزم رفعه، وهو أوضح منعا، وكان الوجه - في الالتزام بالاذن بالتصرف الناقل مع وقوعه - أن حق الخيار متعلق بالعين وهو الذى أذن في نقلها، والاصل برائة الذمة من الانتقال إلى المثل أو القيمة، وينبغي أن يلحق به الاذن بالوطي المتعقب للاستيلاد، بل كل تصرف يمنع من الرد، وفى إلحاق الاذن في النقل المتزلزل كالبيع بالخيار والهبة إشكال، قد يظهر من التذكرة الاول وأنه متفق عليه بيننا. ومن ذلك كله يظهر لك ما في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما فلاحظ و تأمل. كما أن منه يظهر وجه النظر فيما ذكره العلامة الطباطبائى في مصابيحه من وجوه قال: " وكما يسقط الخيار بالتصرف فكذا بالاذن فيه كما في الشرايع والتذكرة والقواعد والارشاد والتنقيح لدلالته على الالتزام في المنقول عنه، والفسخ في المنقول إليه، فان تصرف المأذون سقط خيارهما، والا فخيار الآذن، واستشكله المحقق الكركي والشهيد الثاني وغيرهما، لعدم ظهور الدلالة، ولان التمكن من الازالة غير الزوال بالفعل، ويضعف بأن مقتضى الاذن رفع الحجر من قبل الآذن، ولا مانع غير الخيار فيرتفع بالاذن، ولا يتوقف على وجود التصرف، وإلا لكان السقوط بالتصرف المأذون فيه، دون الاذن، كما اعترفوا به، فان الآذن لم يوجد منه سوى الاذن، فان لم يسقط الخيار به لم يسقط بالتصرف الذى هو فعل غيره " فتأمل جيدا. والظاهر ان التصرف من المتعاقدين لا يسقط خيار الاجنبي، بل ولا خيار المؤامرة قبل الامر بالفسخ، للاصل، ولا خيار تأخير الثمن قبل الثلاثة إذا فرض إمكانه قبل القبض على اشكال. المسألة (الثالثة: إذا مات من له الخيار انتقل إلى الوارث من أي انواع الخيار

[ 75 ]

كان) بلا خلاف معتد به، بل ظاهرهم الاجماع، بل عن بعضهم دعواه صريحا، للنبوي (1) المنجبر بالعمل " ما ترك ميت من حق فهو لوارثه " المؤيد بعموم غيره كتابا وسنة وما في القواعد من احتمال سقوط خيار المجلس بالموت - فيما لو مات احدهما، لاولوية مفارقة الدنيا من مفارقة المجلس - ليس خلافا في المسألة عند التأمل، على أنه في غاية الضعف، ضرورة إرادة التباعد بالمكان الظاهر في الجسم من الافتراق، لا في الروح التى لم يعلم مفارقتها للمجلس، فلا ريب حينئذ في انتقاله إلى الوارث. نعم في القواعد " إن كان الوارث حاضرا في المجلس إمتد الخيار ما دام الميت والآخر في المجلس، وإن كان غائبا إمتد إلى أن يصل إليه الخبر إن أسقطنا اعتبار الميت، وهل يمتد بامتداد المجلس الذى وصل فيه الخبر ؟ نظر " وفيه أنه إذا سقط اعتبار الميت امتنع الحكم ببقاء الخيار، لانتفاء متعلقه، وهو عدم تفرق المتبايعين، بل الحكم ببقائه دعوى لا مستند لها، وأبعد من ذلك إمتداده بامتداد المجلس الذى وصل فيه الخبر الذى هو ليس مجلس البيع، خصوصا مع تعدد الوارث القاضى بمراعاة مجلس كل واحد منهم، بل إما أن يجعل على الفور أو على التراخي، ومن ذلك يعلم ما في المسالك قال: " ولو كان الوارث غائبا عن المجلس، ففى ثبوته له حين بلوغه الخبر فوريا، أو إمتداده بامتداد مجلس الخبر، أو سقوط الخيار بالنسبة إلى الميت، أوجه ". نعم ما فيها ايضا من أنه لو قيل بثبوت الخيار للوارث إذا بلغه الخبر وامتداده إلى أن يتفرق الميت ومبايعه كان وجها جيدا، بناء على اعتبار الميت حال حضور الوارث في المجلس، وأقرب من ذلك كله - وإن لم اجد من ذكره - ثبوته للوارث مطلقا، للاصل


(1) لم نعثر على هذه الرواية في كتب الاحاديث من العامة والخاصة بعد الفحص عنها في مضانها وان استدلوا بها في الكتب الفقهية كالرياض ومفتاح الكرامة وغيرها. (2) سورة البقرة الاية 180 وسورة النساء الاية 7. (3) الوسائل الباب 1 من موجبات الارث.

[ 76 ]

بعد تعذر حصول الافتراق الاختياري بين البيعين، كما عرفته مفصلا فيما لو اكره احدهما على الافتراق، وأنه لا يسقط خيار المكره والآخر ايضا وإن فارقه اختيارا. فلاحظ وتأمل، فلا حاجة حينئذ إلى اعتبار تفرق الوارث، وأنه على تقديره لو فارق أحد الورثة لم يؤثر، لعدم صدق افتراق المتبايعين، نظرا إلى قيام الجميع مقام الموروث، مع احتماله ايضا نظرا إلى ثبوت الخيار لكل من الوارث على جهة الاستقلال، فافتراقه يؤثر في سقوط خياره، الا انه لو فسخ الآخر مضى عليه، كما لو تعدد ذو الخيار، ولا ينزل على حصته لعدم اشاعة حق الخيار في العين، ولذا لم يجز للمورث أن يفسخ في البعض، وليس للوارث، إلا ما كان للمورث. ومن ذلك يتضح لك الحال في كل خيار ورثه متعددون، وأنه يقدم الفاسخ منهم على الملزم، لانه لما علم عدم قابلية الخيار للتوزيع في نفسه - ضرورة عدم معقولية نصف الخيار وربعه مثلا، وعدم تبعيته ايضا قسمة العين، لما عرفت من عدم الاشاعة، وكان يمكن إبقاء النبوي وغيره مما دل على انتقال الحق كان لكل واحد من ورثته على ظاهره لتعقل تعدد من لهم الخيار، بخلاف المال الذى لابد من تنزيل نحو ذلك فيه على ارادة الاشتراك، لعدم تعدد الملاك شرعا لمال واحد بخلاف محل البحث - اتجه القول بثبوته حينئذ لكل واحد منهم، وأنه يقدح الفاسخ منهم على الملزم، كذوى الخيار فتأمل جيدا فانه دقيق. ثم لا يخفى أنه لا فرق في ارث الخيار بين حصوله فعلا للميت، وبين حصول سببه، فينتقل خيار التاخير، وإن مات البايع في الثلاثة، كخيار رد الثمن وخيار الشرط بعد شهر مثلا ونحو ذلك، إذ هو حق ايضا ينتقل بالارث كخيار المؤامرة، فإذا مات المستأمر بالكسر انتقل حقه لورثته، اما المستأمر بالفتح فالظاهر عدمه، لظهور ارادة المباشرة من اشتراط استيماره، ولانه لا حق له عند التأمل، إذ لزوم العقد عند أمره بالالتزام لاصالة اللزوم في العقد، ولا يجب اتباع أمره بالفسخ، وإن كان للمستأمر بالكسر الفسخ

[ 77 ]

عنده، إلا أن ذلك يقضى بكونه حقا له، لا للمستأمر بالفتح كما هو واضح. بل لا يبعد ذلك في المشترط له الخيار إذا كان الشرط على جهة المباشرة، فإذا مات لم ينتقل لورثته، لسقوط الحق بعد فرض اشتراطها بموته، وليس ذا شرطا لعدم الارث كى يكون باطلا، بل يمكن رد إشتراط عدم الارث إليه في بعض الاحوال فيصح. أما إشتراط الخيار للاجنبي لا على جهة المباشرة، فقد يقوى انتقاله ايضا إلى وارثه لاطلاق النص والفتوى وبه صرح الفاضل في التحرير خلافا له في القواعد، ودعوى أنه انما يورث تبعا للمال لا شاهد عليها، بل يكفى فيه تعلقه بالمال كالشفعة، بل قد يورث ما لا تعلق له بالمال، كحق القذف ويقرب منه حق القصاص. ومن ذلك يظهر لك قوة القول بارث الزوجة غير ذات الولد، للخيار فيما إذا اشترى ارضا وله الخيار، أو باعها كذلك، وإن استشكل في أحدهما الفاضل في القواعد على أن حق الخيار في الثاني منهما قد تعلق بالثمن الذى إنتقل إليها بالارث، فيتبعه الخيار، وإن كان لو فسخت حرمت، الا أن ذلك لم يثبت مانعيته من الارث، كعدم ثبوت اشتراط ارثه بالتبعية لعين، فلها أن تفسخ في الاول ايضا وترث من الثمن. والله اعلم بحقيقة الحال. (ولو جن) ذو الخيار (قام وليه مقامه) كما في غيره من امواله وحقوقه ويجري في خيار المجلس ما يقرب مما سمعته في الموت، وفى المسالك ومثله ما لو خرس ولم يمكنه الاشارة المفهمة والا اعتبرت اشارته كاللفظ (و) على كل حال ف‍ (لو زال العذر لم ينقض تصرف الولى) الجامع لشرائط الصحة التى منها مراعاة الغبطة والمصلحة، أو عدم المفسدة على ما هو محرر في محله. (ولو كان الميت) الذى له الخيار (مملوكا مأذونا ثبت الخيار لمولاه) إذا كان البيع أو الشراء للمولى، إذ ذلك له قبل موته ضرورة تبعيته للمال. أما لو فرض ثبوته للعبد نفسه، كما لو اشترط مثلا فالاقرب عدم انتقاله

[ 78 ]

للمولى كما سمعته في الأجنبي ولو كان ذلك في ماله، ولو كان البيع لاجنبي وشرط الخيار للعبد ففى التحرير هو للمولى ايضا على اشكال، قلت: لعله من عدم الدليل على ثبوت كل ما للعبد حتى الفرض للمولى، وفيه أن الاية (1) وغيرها مما استدل به على ذلك يشمل الاموال والحقوق، فلا يبعد حينئذ انتقاله للمولى حال الحيوة، فضلا عن الموت، بل لعل ذلك هو المدار في الانتقال بالموت، ومنه حينئذ يظهر أنه لا مدخلية للموت في ذلك، إذ في مصابيح العلامة الطباطبائي الاجماع على أن الحر لا يرث العبد، وفى الصحيح (2) المروى بطرق متعددة عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام " أنه لا يتوارث الحر والعبد " كما أن منه يظهر ما في القواعد ايضا قال: " ولو كان الميت مملوكا مأذونا فالخيار لمولاه ولو شرط المتعاقدان الخيار لعبد احدهما ملك المولى الخيار، ولو كان لاجنبي لم يملك مولاه، ولا يتوقف على رضاه إذا لم يمنع حق المولى، ولو مات لم ينتقل إلى مولاه " فتأمل والله اعلم. المسألة (الرابعة) المشهور نقلا وتحصيلا بل في التذكرة الاجماع على أن (المبيع يملك‍) - ه المشترى في زمن الخيار (بالعقد) كالمحكي عن ابن ادريس نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، ويؤيده تعريف الفقهاء البيع بنقل الملك، أو انتقاله، أو الايجاب والقبول الناقلين للملك، واتفاقهم على كونه من الاسباب المملكة، وثبوت الخيار الظاهر في التملك وجواز التصرف بالمستلزم له. (وقيل) والقائل ابن الجنيد في المحكى عن ظاهره وابن سعيد في جامعه (به وبانقضاء) مدة (الخيار) مع عدم الفسخ، وجعل الشيخ الافتراق في كتابي الاخبار شرطا في إستباحة الملك. بل صرح في الاستبصار منهما باشتراطه في صحة العقد، وكلامه في النهاية لا يأبى التنزيل على المشهور كالمقنعة، بل عن الشهيد احتماله ايضا في كلامه في الخلاف، الا


(1) سورة النحل الاية 75 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب موانع الارث الحديث 1 و 5

[ 79 ]

أنه بعيد، قال فيه: " العقد يثبت بنفس الايجاب والقبول، فان كان مطلقا فانه يلزم بالافتراق بالابدان، وإن كان مشروطا يلزم بانقضاء الشرط، فان كان الشرط لهما أو البايع فإذا انقضى الخيار ملك المشترى بالعقد المتقدم، وإن كان الخيار للمشترى وحده زال ملك البايع بنفس العقد لكنه لم ينتقل إلى المشترى حتى ينقضى الخيار، فإذا انقضى ملك المشترى بالعقد الاول " وذكر اللزوم أولا، ومعروفية بقاء الملك بلا مالك، لابي حنيفة، ومالك، لا يقتضى بارادة اللزوم من الملك المستلزمة لبطلان التفصيل حينئذ. نعم كلامه في بيع المبسوط لا يأبى التنزيل عليه، بل ما ذكره في كتاب الفلس منه ظاهر في ذلك إن لم يكن صريحا. وسلار وإن كان قد جعل تفرق المتبايعين شرطا، لكنه قال: " ولو تقابضا ولم يفترقا بالابدان كان البيع موقوفا، كما أن أبا الصلاح نص في المحكي عنه على أنه شرط في الصحة " ثم قال: " واعتبرنا الافتراق بالابدان لتوقف مضيه عليه ". وكيف كان فالذي تحصل من كلام الاصحاب اقوال ثلاثة، المشهور، والتوقف على انقضاء الخيار، والتفصيل بين خيار المشترى وحده، وغيره فيخرج عن ملك البايع في الاول دون غيره، (و) لا ريب في أن (الاول اظهر) وأصح لصدق التجارة عن تراض قبله، وعدم معقولية غير ترتب الاثر من التحليل للبيع الصادق عليه قبل انقضاء الخيار قطعا ولان المقصود للمتعاقدين والذي وقع التراضي عليه بينهما انتقال كل من الثمن والمثمن حال العقد، فهذه المعاملة إما صحيحة كذلك عند الشارع و يثبت المطلوب، أو باطلة من أصلها، لا أنها صحيحة على غير ما قصداه وتراضيا عليه، وإثبات الخيار منهما أو من الشارع إن لم يؤكد ذلك لا ينافيه، فالمقتضى للملك حينئذ موجود والمانع منه مفقود.

[ 80 ]

وموثق إسحق بن عمار (1) وخبر معاوية بن ميسرة (2) المتقدمين في خيار تأخير الثمن، المصرحين بكون المبيع ملكا للمشترى والثمن ملكا للبايع في السنة التى اشترط فيها الرد برد الثمن، بناء على أن ذلك مدة الخيار وقد عرفت الحال فيه سابقا ويمكن تنزيلهما على ارادة اشتراط سلطنة الفسخ بالطريق المخصوص الذى هو رد الثمن، فيكون حينئذ ذلك كله مدة خيار ولا يحتاج إلى فسخ زائد على الرد كما هو ظاهرهما، الا أنه ينافيه ما ذكرناه سابقا. فلاحظ وتأمل. وموثق غياث بن ابراهيم (3) عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام " إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وإن لم يفترقا " وموافقة ذيله للتقية غير مانع من الاستدلال باطلاقه، وخبر عقبة بن خالد (4) المتقدم في خيار تأخير الثمن وصحيح بشار بن يسار (5) " سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع، ويشتريه من صاحبه الذى يبيعه منه ؟ قال: نعم لا باس به، قلت، أشتري متاعي ؟ فقال: ليس هو متاعك و لا بقرك ولا غنمك ". وحسنة الحسين بن منذر (6) قال: للصادق عليه السلام: " يجيئنى الرجل فيطلب العينة، فأشترى له المتاع من أجله، ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه مكاني ؟ فقال: إذا كان له الخيار إنشاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت ايضا بالخيار، إن شئت إشتريت وان شئت لم تشتر فلا بأس " وصحيح محمد بن مسلم (7) " سئل أبا جعفر عليه السلام عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا لعلي أشتريه منك بنقد أو نسية، فابتاعه الرجل من أجله قال: ليس به بأس إنما تشتريه


(1) (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1 و 3 (3) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 7 (4) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1 (5) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 3 (6) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 4 (7) الوسائل الباب 8 من ابواب احكام العقود الحديث 8

[ 81 ]

منه بعدما يملكه " وصحيح منصور بن حازم (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل أمر رجلا أن يشترى له متاعا، فيشتريه منه ؟ قال: لا بأس بذلك، انما البيع بعد ما يشتريه " والنصوص (2) المتضمنة لكون مال العبد للمشترى مطلقا، أو مع الشرط و علم البايع من دون تقييد بانقضاء الخيار، والنبوي (3) " الخراج بالضمان " الذى معناه أن الربح في مقابلة الخسران، فإن الخراج إسم للفائدة الحاصلة في المبيع، والمراد انها للمشترى، كما ان الضرر الحاصل بالتلف عليه، فهو دال على المطلوب، وإن كان مورد الحديث خيار العيب، والحكم ثابت فيه بلا خلاف كما قيل، بل لا يبعد أن يكون الخلاف في خصوص خيار الحيوان، والمجلس والشرط الذى لم يسبق بلزوم العقد، وأما هو فقد عرفت الحال فيه سابقا. كل ذلك مع عدم دليل معتبر للمخالف، خصوصا التفصيل، عدا دعوى قصور العقد فلا يفيد الملك وهو كما ترى. نعم قد يستدل له بصحيح ابن سنان (4) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى الدابة أو العبد يشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة، أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك ؟ فقال: على البايع حتى ينقضى الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشترى، شرط له البايع أو لم يشترط، قال: وإن كان بينهما شرط أيام معدودة فهلك في يد المشترى فهو من مال البايع " وخبر عبد الرحمن بن ابى عبد الله (5) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوما أو يومين، فماتت عنده وقد قطع الثمن على من يكون


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب احكام العقود الحديث 6 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الحيوان (3) المستدرك ج 2 ص 473 (4) و (5) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 2 و 1

[ 82 ]

الضمان ؟ فقال: ليس على الذى اشترى ضمان حتى يمضى شرطه " ومرسلة ابن رباط (1) عن الصادق عليه السلام " إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة ايام فهو من مال البايع " الا أنها لا تصلح لمعارضة الروايات المتقدمة، لرجحانها بالكثرة والمطابقة للاصول، والاجماع المنقول، وظاهر الكتاب، والشهرة بين الاصحاب ومخالفة اكثر الجمهور، فتعين التأويل في هذه، بحمل الصيرورة فيها على اللزوم جمعا بين الاخبار. وأما ضمان البايع (و) هو وإن كان على خلاف الاصل الا أنه قد ثبت بالدليل في صورة اختصاص المشتري بالخيار كضمان البايع المبيع قبل القبض، وقد ظهر لك من ذلك كله أنه (لو تجدد له) أي المبيع (نماء) بين العقد وانقضاء الخيار (كان للمشتري) لانه نماء ملكه (و) حينئذ ف‍ (لو فسخ) المشترى (العقد) مثلا (رجع على البايع بالثمن ولم يرجع البايع) عليه (بالنماء) الذى هو له على المختار. نعم هو للبايع على القول الاخر إن فسخ، بل وان لم يفسخ، بناء على الملك من حين الانقضاء كما هو ظاهر القول المحكي في المتن وغيره. أما على احتمال ارادة الكشف في كلام الشيخ فهو للمشتري ايضا، واحتمله الشهيد في كلام الشيخ في الخلاف، ولعله أخذه من قوله بالعقد الاول، ويمكن ارادة حصوله به بحمل السببية على الناقصة، و حينئذ يشكل تبعية النماء فيما إذا كان الخيار للمشترى خاصة على كلام الشيخ، لعدم ملكية الاصل عنده لاحد المتعاقدين، ولعله يلتزم دخوله في ملك المشترى إن لم يفسخ، والبايع إن فسخ كالاصل. وعلى كل حال فهذا من فائدة الخلاف في المسألة كالاخذ بالشفعة، وابتياع الزوجة، وبيع من ينعتق على المشتري وجريان المبيع في حول الزكاة إن كان زكويا، وغير ذلك، والثمن في ذلك كله كالمبيع، إجماعا محكيا إن لم يكن محصلا، لاستحالة انتقال


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 5

[ 83 ]

أحد العوضين دون الاخر، بخروجه عن حقيقة المعاوضة واستلزامه الجمع بين العوض والمعوض. والله اعلم. المسألة (الخامسة إذا تلف المبيع) الشخصي (قبل قبضه) بآفة سماوية في غير الثلاثة في تأخير الثمن (فهو من مال بايعه) إجماعا بقسميه، إذا لم يكن بامتناع من المشتري أو برضا منه بالبقاء في يد البايع، بعد تمكينه منه وعرضه عليه، للنبوي (1) المنجبر بعمل الاصحاب كافة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " المعتضد مع ذلك بخبر عقبة بن خالد (2) المتقدم في خيار تأخير الثمن. أما التلف في الثلاثة فقد عرفت البحث فيه سابقا، وأن الاقوى فيه ذلك، كما أن الظاهر كونه من مال المشتري إذا كان عدم القبض لامتناع منه، بلا خلاف أجده فيه، للاصل السالم عن معارضة القاعدة المزبورة بعد انصرافها إلى غيره، بل قد يقال: بذلك ايضا فيما إذا كان التأخير بالتماس منه بعد العرض عليه والتمكين منه، وفاقا لجماعة، إما لان مثله يسمى قبضا، أو لان المراد من النبوى غيره، بل في الغنية والمحكي عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه، لكن دعوى صدق اسم القبض بذلك فيما لا يكفى فيه التخلية ممنوعة، كمنع قيام ذلك مقام القبض الرافع للضمان الذى هو مقتضى الاستصحاب مطلقا أو في بعض الاحوال، وخبر عقبة الظاهر في أن المشترى هو الذى تركه في يد البايع، فالقول بالضمان لا يخلو من قوة إن لم يكن اجماعا، ولم نقل بأن مثله قبض. نعم يمكن دعوى إنسياق التلف بالآفة السماوية، فلو أتلفه أجنبي لم يضمنه البايع، واستحق المشتري عليه المثل أو القيمة، وقيل: بالتخيير بين ذلك والفسخ والرجوع بالثمن، بل هو المشهور بينهم، بل لا خلاف أجده بينهم، لكن لا دليل عليه،


(1) المستدرك ج 2 ص 473 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 84 ]

بل لعل مقتضى الدليل خلافه، بل لعله كذلك إن أتلفه البايع أيضا، لاصالة اللزوم، لكن قد يظهر من خبر عقبة بن خالد أنه من ضمان البايع مطلقا حتى يقبضه المشتري الا أنه محتاج إلى الجابر في تخصيص القاعدة، لتعبير اكثر الاصحاب أو جميعهم بمضمون النبوي الظاهر فيما عرفت، ويمكن حمل السرقة في خبر عقبة على الآفة السماوية، باعتبار عدم تعين من يرجع إليه بالمثل أو القيمة، ولو أتلفه المشتري فالظاهر أنه بمنزلة القبض، ونظر فيه في الرياض، ولعله لظهور خبر عقبة فيما عرفت، فينفسخ العقد ويرجع البايع عليه بالمثل أو القيمة، وستسمع لهذا البحث تتمة انشاء الله تعالى في باب القبض وفى باب بيع الثمار، بل قد يقال إن الانصاف شمول النبوي لجميع صور التلف بآفة أو بغيرها، الا أن يكون اجماع على البعض، أو شهرة عليه بحيث يضعف الظن بارادته منه. وكيف كان فالنماء بعد العقد قبل التلف للمشتري كما في المسالك وغيرها، بل قيل انه يظهر منه دعوى الوفاق عليه، لانه نماء ملكه فالقاعدة واستصحاب الحالة السابقة يقضيان بأن الفسخ من حينه فاحتمال كون الفسخ من الاصل - كما عن التذكرة حكايته - ضعيف. لكن في الرياض " أنه ينافى الفسخ من حينه ظاهر النص وفتوى الجماعة، فيحتاج إلى تقدير دخوله في ملك البايع آنا ما ويكون التلف كاشفا، مثل دخول الدية في ملك الميت، والعبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه " قلت: قد لا يحتاج إلى هذا التقدير، ويكون المراد من النص والفتوى أن حكم هذا التالف حكم ما لو كان مالا للبايع، أي لا يستحق بالعقد ثمنا على المشترى، بمعنى أنه يبطل أثر العقد بالنسبة إلى ذلك وإن كان قد تلف وهو على ملك المشتري، وأقصاه تحكيم النبوى المنجبر بعمل الاصحاب على غيره مما يقتضى خلافه، وكان مقصود المقدر مراعات رجحان الجمع على الطرح. والامر سهل.

[ 85 ]

ثم إن مقتضى الاصل بعد اختصاص النص والفتوى بالمبيع، كون تلف الثمن من البايع، لكن عن ظاهر بعض الاصحاب إلحاقه بالاول مشعرا بدعوى الوفاق عليه وعلى ارادته من المبيع وارادة المشتري من البايع، التفاتا إلى صدقهما عليهما لغة، وفى الرياض " إن تم والا فالمسألة محل إشكال لكن ظاهر الخبر الثاني أي خبر عقبة العموم فلا باس به " قلت: لا إجماع قطعا، وارادته من النبوي كما ترى، وخبر عقبة إنما يدل بعد القبض، ويمكن حمله على كون الثمن كليا كما هو الغالب، والضمان فيه أعم من الانفساخ الحاصل بتلف المبيع، على أنه لا جابر له بالنسبة إلى ذلك فتأمل جيدا. وتلف بعض المبيع من مال بايعه كتلف الجميع، والظاهر ثبوت الخيار في الباقي لتبعض الصفقة، ولو كان المبيع كليا وتصور تشخصه بغير القبض، لحقه الحكم مع صدق اسم المبيع عليه، ولو كان كليا من جهة، شخصيا من أخرى، كصاع من صبرة وقد تلفت اجمع فهو كالشخصي والله اعلم. (وإن) كان قد (تلف) المبيع (بعد قبضه) بآفة أو بغيرها (وبعد انقضاء) مدة (الخيار فهو من مال المشترى) بلا خلاف ولا إشكال، ويرجع على من له الرجوع عليه بالمثل أو القيمة (وإن كان) تلفه بعد القبض بآفة (في زمن الخيار من غير تفريط) من المشترى (وكان الخيار للبايع) خاصة (فالتلف من) مال (المشتري) أيضا لانه ملكه على المختار، وللنصوص السابقة (1) في بحث خيار رد الثمن بناء على أنها من مدة الخيار. (وإن كان الخيار للمشترى) خاصة (فالتلف من) مال (البايع) إجماعا بقسميه، للنصوص المتقدمة (2) في دليل القائل بعدم الملك حتى ينقضى الخيار، و الصحيح منها صريح (3) في خيار الشرط والحيوان، ولعلهما المرادان من المتن و


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار (3) الوسائل الباب 8 و 5 من ابواب الخيار الحديث 1 - 3

[ 86 ]

غيره، بقرينة ذكر المدة والزمن ونحوهما، لعدم ضبط مدة معلومة لغيرهما من الخيارات كما أشار إليه العلامة الطباطبائى في مصابيحه في خيار تأخير الثمن، حتى خيار المجلس، على أن الخيار فيه لهما معا، وستعرف أن الحكم على القواعد مع اشتراك الخيار، فلا ريب في عدم ارادة غيرهما من المتن ونحوه، سيما على القول بالفورية في كثير منها، فيقتصر فيما خالف الضوابط كالصورة الاخيرة عليهما خاصة، فيحكم حينئذ بانفساخ العقد فيها ورجوع الثمن إلى المشترى، كالتلف قبل القبض. نعم لا فرق فيها بين كون الخيار للمشترى خاصة، أو له مع الأجنبي من طرفه كما صرح به غير واحد، بل كانه إجماع عملا بالاطلاق، بل قد يظهر من تعليق الارشاد أن الخيار للاجنبي من طرف المشترى كخياره، ومقتضاه أن التلف من البايع أيضا لو كان للاجنبي من طرفه خاصة، وفيه أنه بعد البناء على أنه تحكيم لا توكيل - لا يشمله الصحيح المزبور، فيشكل الحكم المذكور المخالف للقواعد من وجوه فيه، بل إن لم ينعقد إجماع على إلحاق خيار الأجنبي معه بخياره خاصة - كان المتجه حينئذ الاقتصار على المتيقن من الصحيح وهو ما إذا كان الخيار للمشترى خاصة، سيما مع عدم سوق اطلاقه، لتناول مثل الفرض الذى ليس له في النصوص أثر بالخصوص، وإنما سوغه الاصحاب لعموم دليل جواز الشرط وإلا لشمل الاطلاق المزبور ما إذا كان الخيار للبايع معه ايضا، مع أنه لا خلاف بينهم على ما قيل: في كون تلف المبيع فيه من المشتري وأن الثمن من البايع كما هو مقتضى القواعد، بناء على الملك بالعقد، بل لم يذكر احد منهم كون التلف فيه من البايع فيه احتمالا، مع أنه اولى بتناول الاطلاق المزبور، فالوجه الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن من النص والفتوى. نعم لا بأس بضم الأجنبي في الصورة الاولى التى كون تلف المبيع فيها من المشتري على القواعد كما هو واضح. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن المراد في المتن وغيره بل

[ 87 ]

والنص بكون التلف من البايع في الصورة الاخيرة، إنفساخ العقد ورجوع الثمن إلى المشتري نحو التلف قبل القبض، ويقابله ما فيها من كون التلف من المشترى في الصورة الاولى اي لا ينفسخ العقد بذلك، بل يكون التالف من مال المشتري. نعم لا ينافى ذلك بقاء الخيار للبايع فيها كما صرح به جماعة منهم الفاضل و الكركي بل لا خلاف أجده فيه، للاصل وعدم ثبوت اشتراط بقاء الخيار ببقاء العين، بل الثابت خلافه، فله الفسخ حينئذ والمطالبة بالمثل أو القيمة، لان يد المشتري يد ضمان بالثمن لا مجانا، وكون التلف بالآفة لا ينافى الاستحقاق بالفسخ الجديد المقتضى رجوع كل عوض بعينه أو بدله إلى صاحبه، بل لو تلف الثمن بالآفة في يد البايع لم يسقط خياره، فله الفسخ ايضا مع رد المثل أو القيمة والمطالبة بالمبيع أو بدله كما هو واضح، وإن تقدم في الغبن ما عساه يتوهم منه المنافات لذلك، الا أن العمدة الاجماع هناك ظاهرا. وقول الاصحاب - إن تلف المبيع في زمان الخيار ممن لا خيار له، بعد تنزيله على خيار الشرط والحيوان - لا ينافى شيئا مما ذكرناه، والدليل عليه واضح، إذ مع فرض أن الخيار للمشترى خاصة كان تلفه من البايع، للنصوص السابقة (1) الدالة بصريحها على ذلك والمراد به كما صرح به في جامع المقاصد إنفساخ العقد به كالتلف قبل القبض، لاتحادهما في لفظ الدليل المفهوم منه ذلك بعد القول بالملك بالعقد، فما عساه يظهر مما ستسمعه من الدروس - من الفرق بينهما في ذلك، فيبطل في التلف قبل القبض، دون محل البحث - واضح الضعف، ومع فرض ان الخيار للبايع خاصة كان التلف من المشتري، أي لا ينفسخ العقد كما هو مقتضى القواعد، لانه ملكه وقد تلف في يده الا أنه يبقى مع ذلك خيار البايع على حسب ما ذكرناه. ومن ذلك يظهر لك خطاء بعض الاعلام الناشئ من الوهم في المراد من قاعدة


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار

[ 88 ]

" التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " وأنها أعم من الثمن والمثمن، وخيار الشرط والحيوان وغيرهما، قال: " ولو تلف المبيع أو الثمن بالآفة الالهية بعد قبضه. وقبل انقضاء خيار المشتري أو البايع، فالتالف ممن لا خيار له بلا خلاف أجده، لما مر في كل من خياري الشرط والحيوان من المعتبرة المستفيضة (1) وأخصيتها من المدعى مندفعة بعدم القائل بالفرق بين الطائفة، مع أن هذا الحكم غير محتاج إلى دلالة من كتاب أو اجماع أو سنة على حدة في بعض صور المسألة، وهو على المشهور ما إذا تلف المبيع بعد القبض والخيار للبايع وبالعكس، لكون المتلف مال من لا خيار له، المنتقل إليه بمجرد العقد، فيكون الحكم في الصورتين موافقا للقاعدة، مع تأيد أولهما بأخبار خيار الشرط (2)، و إنما المحتاج إلى الدلالة ما إذا تلف المبيع بعده والخيار للمشترى وبالعكس لمخالفة الحكم فيهما للقاعدة المتقدمة جدا ولا إشكال فيه أصلا بعد قيام النص والفتوى باثباته فيهما، فيكون كل منهما بهما عن القاعدة مستثنى ". وهو من غرائب الكلام ضرورة كون النص والفتوى في خصوص المبيع دون الثمن، بل ظاهر خبر معاوية بن ميسرة (3) من أخبار اشتراط الخيار برد الثمن، أن تلف الثمن من البايع وأنه ملكه وإن كان الخيار له. فمن العجيب دعوى أن النص والفتوى على كون الثمن من المشتري إذا كان الخيار للبايع خاصة، ومقتضاه الانفساخ كتلف المبيع إذا كان الخيار للمشترى خاصة الذى قد عرفت أنه مدلول النص والفتاوى. وأغرب من ذلك كله إن أراد تعميم هذا الحكم لسائر الخيارات في الثمن والمثمن، هذا كله على المختار من الملك بالعقد. أما على القول الآخر فالصورة المخالفة عندنا للضوابط التى دلت عليها النصوص في الحيوان والشرط، موافقة للضوابط، لعدم انتقال المبيع حينئذ إلى المشترى، فتلفه


(1) الوسائل - الباب 5 و 8 من ابواب الخيار (2) و (3) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 3

[ 89 ]

حينئذ من البايع وإن كان الخيار للمشترى، بل هو كذلك وإن كان الخيار للبايع، ولم يعلم منهم أنه على هذا التقدير من المشترى، كى يحتاج إلى دليل خاص من إجماع أو غيره، كما أنه لم يعلم منهم كون تلف الثمن من البايع إذا كان الخيار للمشترى خاصة ليحتاجوا فيه إلى الدليل الخاص، إذ لعله عندهم من المشتري كما هو مقتضى قاعدتهم. ومن العجيب ما وقع في الرياض هنا من الخبط والخلط الناشئ من توهم عموم قاعدة المزبورة، مع انا لم نجدها في شئ من كتب المتقدمين ولا الاساطين من المتأخرين، بل هم بين مصرح في خصوص خيار الحيوان والشرط للمشترى أن تلف المبيع من البايع، كما هو مضمون النصوص، وبين من زاد على ذلك بأنه من المشترى إذا كان الخيار للبايع، كما هو مقتضى القواعد بناء على الملك بالعقد فلاحظ وتأمل لتعرف حقيقة الحال: وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا يسقط الخيار مطلقا بعد القبض في التلف بالآفة في غير الصورة المنصوصة بل يفسخ ويرجع العين أو البدل كما أنه يرجع بذلك. اما الاتلاف فان كان ممن له الخيار لما هو ملكه، فهو مسقط لخياره خاصة دون خيار الآخر، وإن كان لغير ملكه المنتقل إليه، فهو فسخ للعقد ويسقط خيار الاخر حينئذ بالانفساخ، وإن كان ممن ليس له الخيار، فلا يسقط خيار من له الخيار مطلقا، بل له الفسخ والرجوع بالمثل أو القيمة، وهل يتعين حقه في ذمة المتلف دون من كانت في يده العين، أوله الرجوع عليه، أو يتعين وهو يرجع على المتلف وجوه، أصحها الاول لان فسخ العقد يقتضى عود ملك العين أو بدلها، فهى كما لو كانت العين في يد شخص آخر غير من انتقلت إليه، فان الظاهر عدم تكليفه بتحصيلها منه مع الفسخ، مع احتماله فتأمل جيدا. ولا فرق في ذلك بين سائر أقسام الخيار، لكن في القواعد في باب المرابحة " أن في سقوط خيار المشتري فيما لو اكذبه بالاخبار برأس المال مع التلف نظر " و

[ 90 ]

في جامع المقاصد " وفى بقاء خيار الغبن بعد التلف تردد، سواء كان التلف من البايع، أم من اجنبي، أم بآفة، الا أن يكون بالآفة قبل القبض، فانه من ضمان البايع، و على اطلاق كثير منهم ينبغى أن يكون بعد القبض كذلك، لاختصاص الخيار بالمشتري، فينفسخ العقد في الموضعين، الا أن التردد فيما سبق له في المرابحة ينافى الحكم بانفساخ العقد لانه من المشترى ايضا ". قلت: لا ريب في ضعف التردد المزبور المبني على احتمال تعلق حق الخيار بالعين خاصة وهو واضح الضعف، بل يمكن القطع بعدمه، بملاحظة كلام معظم الاصحاب، كما أنه لا ريب في عدم ارادة خيار الغبن ونحوه من اطلاق الاكثر كون التلف في يد المشتري إذا كان الخيار له من البايع، لما عرفت من أنه لا دليل عليه وانما خاص بالشرط والحيوان، فتأمل جيدا، فإنه قد وقع خبط في المقام لجملة من الاعلام في عدة من الامور، والتحقيق ما عرفت أنه لا انفسساخ الا في صورتين إحديهما التلف للمبيع قبل القبض - والاخرى بعد إذا كان الخيار للمشتري في الحيوان والشرط خاصة، ولا ينفسخ في غيرهما. نعم يبقى الخيار لصاحبه على حسب ما سمعته، وقد يظهر من الدروس الخلاف في الصورة الثانية، وأن الحكم فيها بقاء الخيار كغيرها، قال: " لو تلف المبيع قبل قبض المشترى بطل البيع والخيار، وبعده لا يبطل الخيار وإن كان التلف من البايع، كما إذا اختص المشترى بالخيار فلو فسخ البايع رجع بالبدل في صورة عدم ضمانه، ولو فسخ المشترى رجع بالثمن وغرم البدل في صورة ضمانه، ولو أوجبه المشتري في صورة التلف قبل القبض لم يؤثر في تضمين البايع المثل أو القيمة، وفى انسحابه فيما لو تلف بيده في خياره نظر " وهو غريب. وأغرب منه احتماله أخيرا عدم الرجوع بالمثل أو القيمه لو أوجب العقد ولم يفسخه، فيكون معنى كونه من مال البايع عنده فيما لو فسخ خاصة فانه يرجع بالثمن حينئذ ويذهب المبيع من البايع، ولم أجد شيئا من ذلك لغيره، وإن كان قد يؤيده استصحاب بقاء العقد ونحوه. والتحقيق ما قلناه، والله اعلم.

[ 91 ]

(فرعان الاول) قال الشيخ في المحكي عن مبسوطه وخلافه وابنا زهرة و ادريس على ما حكي عن الثاني منهما: أن (خيار الشرط يثبت من حين التفرق) لنحو ما سمعته في خيار الحيوان (وقيل من حين العقد وهو أشبه) وأشهر بل هو المشهور، لنحو ما سمعته هناك ايضا وتزيد هنا، أن البحث في المقام راجع إلى قصد المشترط وما يظهر من عبارته ولا ريب في انسياق الاتصال منهما كما في غير المقام، مما نذكر فيه أحد المتعاقدين مدة، بل لا يبعد البطلان لو كان القصد من حين التفرق، للجهالة نحو ما لو صرح به، بل ربما حكي عن الشيخ الاعتراف به، كما أنه والحلي اعترفا في المحكي عنهما بالصحة مع التصريح بالاتصال، بل في التذكرة صح عندنا، خلافا لبعض العامة، وبه تسقط حججهم القاضية بالامتناع، إذ الممتنع لا ينقلب بالشرط إلى الجواز. بل قد يشكل تصور أصل نزاعهم في المسألة، لما عرفت من الصحة مع قصد الاتصال، والبطلان مع قصد التفرق، اللهم إلا أن يفرض خلوه عن القصد الخاص، ويكون الابتداء من حين التفرق شرعيا حينئذ، نحو ما قيل في خيار الحيوان، لا أنه من قصد المتعاقدين وإن كان المنع عليه مع هذا الفرض واضحا ايضا، لعدم الدليل الصالح لاثبات ذلك، بل ما ذكروه من الادلة ظاهر في عدم بناء المسألة على الفرض المزبور، كما أنه ظاهر في اقتضاء التأخير بعد الثلاثة في خيار الحيوان، وهو بعيد من قصد المتعاقدين، بل صحيح ابن سنان (1) السابق شاهد على خلافه، بناء على ظهوره في دخول ما شرطه من اليوم و اليومين في الثلاثة وأظهر منه خبر عبد الرحمان (2) بل منهما يعلم بناء على ذلك - فساد ما وقع من بعض الاعلام من أنه يشكل الحكم بالاتصال مع العلم بالخيار وتساوى المدتين أو قصور مدة الشرط، بل لعل الظاهر التأخر عملا بشاهد الحال، أما لو زاد الشرط احتمل


(1 و 2) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 1 - 3

[ 92 ]

التاخر مطلقا والاتصال كذلك، والتفصيل بمقتضى العرف فيتأخر في مثل الاربعة و الخمسة، ويتصل في نحو الشهر والسنة ولا بأس به، وفيه منع اقتضاء العرف ذلك ثم قال: ولو أطلق الخيار فالقول في الثلاثة كالمدة المشترطة والصحيح الشاهد بصحته، يشهد باتصاله، قلت: كانه أراد الصحيح المتقدم سابقا (1) في البحث عما لو اشترط الخيار و أطلق، ومنه يعلم حينئذ زيادة تأييد لما قلناه من ظهور الاتصال ولو كانت المدة المشترطة مساوية للمدة المضروبة من الشارع فتأمل جيدا والله اعلم. (الثاني) لا اشكال ولا خلاف في أنه (إذا اشترى شيئين وشرط الخيار) له أو لغيره (في أحدهما على التعيين صح) فله الفسخ فيه حينئذ وليس للبايع ذلك بالتبعض الذى قد أقدم عليه (و) أنه (إن ابهم بطل) للغرر، كالابهام فيمن له الخيار كما هو واضح والله اعلم. (ويلحق بذلك خيار الرؤية) إذ هو قسم من اقسام الخيار (و) لكن (هو) لا يثبت الا في (بيع الاعيان) الشخصية (من غير مشاهدة) رافعة للغرر والجهالة، فانه لا ريب في صحة البيع كذلك، نصا وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه، وما في مرسل عبد الاعلى (2) عن ابي جعفر عليه السلام " أنه كره شراء ما لم يره " لا بد من حمله - بعد ارادة الحرمة من الكراهة فيه - على عدم الوصف مع ذلك أو على ما لا يمكن رفع جهالته به، كبعض اللئالي أو غير ذلك، ضرورة أن ما نحن فيه اولى بالصحة من السلم (و) إن كان (يفتقر ذلك) حينئذ (إلى ذكر الجنس ونريد به هنا) النوع المصطلح كما في المسالك أي (اللفظ الدال على القدر الذى تشترك فيه افراد الحقيقة) النوعية (كالحنطة مثلا أو الارز أو الابريسم) لا الجنس (المصطلح والى ذكر الوصف، وهو اللفظ الفارق بين أفراد ذلك الجنس كالصرابة في الحنطة) أي خلوها من الخليط


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1 - 3 (2) الوسائل الباب 18 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 93 ]

(والحدارة، أو الدقة) مقابلة للحدارة) ويجب أن يذكر كل وصف تثبت الجهالة في ذلك المبيع عند ارتفاعه) وهو مختلف ولا يلزم الاستقصاء، بل قيل إنه ربما يكون مخلا في بعض الاحوال، والا بطل اجماعا بقسميه، للنواهي عن بيع الغرر (1) والجهالة المقتضية للفساد كما هو معلوم في محله. نعم لا يبعد جوازه بعد الاناطة بالوصف، وإن لم يوثق بوجوده، لارتفاعه به على كل حال، وجبر الخلاف بالخيار، وضبط ذلك بعضهم بما صح فيه السلم. بل قيل ربما ادعى الاجماع على اشتراط جميع شروط السلم، وفيه أن الجهل في الموجود قد يرتفع عرفا بما لا يرتفع في المعدوم، وربما افضى فيه إلى عزة الوجود، فيبطل لذلك، بخلاف ما نحن فيه المرتفع عنه هذا المحذور بوجوده، فالاولى الاناطة بما عرفت من أنه لا بد من ذكر كل وصف تتفاوت الرغبة بثبوته وانتفائه، وتتفاوت به القيمة تفاوتا ظاهرا لا يتسامح بمثله، ولو زاد على ذلك امكن ثبوت الخيار بفقده ايضا وإن كان لا يتوقف صحة البيع عليه. (و) على كل حال ف‍ (يبطل العقد مع الاخلال بذينك أو احدهما) أي الجنس والوصف ما لم تكن رؤية قديمة يستغنى بها عن الذكر، وإن كان حكم الخيار ثابتا ايضا مع البيع على تلك الرؤية، فاتفق أنه قد تغير بزيادة أو نقصان أو بهما من جهتين (و) لا ريب في أنه (يصح مع ذكرهما، سواء كان البايع رآه دون المشتري، أو بالعكس، أو لم يرياه جميعا، بأن وصفه لهما ثالث) لكن قد يتوقف في البطلان مع رؤية المشترى له، و جهل البايع به، للاصل بعد تنزيل ادلة الغرر على ما لا تشمل ذلك، فان لم يقم اجماع عليه، فللنظر فيه مجال، وإن كان الاصح البطلان، لعموم ما دل على اعتبار المعلومية في البايع والمشترى (2) وعلى كل حال فلا اشكال في أنه يثبت له الخيار ايضا مع ذكر الوصف، وإناطة البيع به.


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب التجارة الحديث 3 الدعائم ج 2 ص 19 (3) الوسائل الباب 12 من ابواب البيع وشروطه

[ 94 ]

وكيف كان (فان كان المبيع على ما ذكر، فالبيع لازم) كتابا وسنة واجماعا بقسميه (والا كان المشترى) خاصة (بالخيار بين فسخ البيع وبين التزامه) إذا كان ناقصا عن الوصف، إن اختص البايع بالرؤية دونه (و) بالعكس ب‍ (ان كان المشترى رآه دون البايع كان الخيار للبايع) دونه مع الزيادة في الوصف إذا فرض ملاحظة عدمها والا فلا خيار للاصل (وإن لم يكونا رأياه كان الخيار لكل واحد منهما) إذا كان ناقصا من جهة زائدا من اخرى، كما لو وصف بهما الثوب بأن طوله عشرون ذراعا وعرضه ذراع فظهر خمسة عشر طولا، في عرض ذراع ونصف مثلا، أو العبد بأنه كاتب خاصة فظهر خياطا خاصة بلا خلاف في المشترى، كما في الرياض ومحكى مجمع البرهان، بل في الحدائق أنه موضع وفاق فيهما، وفى شرح شيخنا المعتبر، الاجماع بقسميه عليهما. لكن قد يناقش في ذلك أولا بأنه قد يظهر من اطلاق جماعة كالمصنف وغيره، تخير المشترى حتى مع الزيادة، بل قيل أنه كصريح ايضاح النافع، وان كان هو في غاية الضعف لعدم ما يصلح حينئذ لقطع ما دل على اللزوم من الكتاب والسنة، الا ما عساه يتوهم من اطلاق الخبر الاتى (1) الذى يقطع بعدم ارادة مثل ذلك منه، وكذا الكلام في العكس، ونحو ذلك الوصف بغير المقصود الذى لم يرد منه القيدية، فظهر الخلاف، كالبسط في الشعر، فبانت الجعودة أو الجهل فبانت المعرفة فيتخير البايع دون المشترى، مع فرض ارادة القيدية من ذلك، لا ما يتعارف من ارادة البرائة من الالتزام بها. وثانيا بما في المقنعة والنهاية من البطلان من ظهور خلاف الوصف، لا الخيار كالمحكى عن المراسم في خصوص الاعدال المحزومة وعن الاردبيلى التأمل فيه، وان كان هو ضعيفا كالاول ايضا ضرورة ابتنائه على عدم الفرق بين وصف المعين والوصف المعين وبين الذاتي والعرضي. واضعف منه ما عن ابن ادريس من تخيير المشترى بين الرد والاخذ بالارش، لعدم


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 و 4

[ 95 ]

الدليل عليه فيما لم يعد فقده عيبا، فتعين كون التحقيق الخيار لحديث نفى الضرار (1) و للصحيح " عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلما أن نقد المال وصار إلى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه، فلم يقله فقال عليه السلام: لو أنه قلب منها أو نظر إلى تسعة وتسعين قطعة، ثم بقى قطعة ولم يرها، لكان له في ذلك خيار الرؤية. ومنه يعلم الوجه فيما ذكره غير (و) احد من الاصحاب من انه (لو اشترى ضيعة رأى بعضها ووصف له سائرها) أي ما فيها (ثبت له الخيار فيها أجمع إذا لم يكن على الوصف) إذ الظاهر ارادة المجموع من اسم الاشارة في الصحيح لا خصوص من لم يرها الذى يحصل التضرر فيه، بتبعض الصفقة على البايع، مع احتماله وانجباره بثبوت الخيار له بذلك، لكن عن بعضهم الاجماع على الاول ولا بأس به، بل لا ينافيه لو جعل اسم الاشارة لخصوص غير المرئى إذ أقصاه ثبوت الخيار فيه الذى هو أعم من الاقتصار على فسخه خاصة، فتأمل وفى فورية هذا الخيار وتراخيه وجهان، بل قولان أشهرهما الاول، بل ربما أسند إلى ظاهر الاصحاب، للاصل، ولزوم الضرر لولاه، والاستصحاب لا يحكم على العموم الزمانى، المستفاد من لزوم العقد، إلا أنك قد عرفت المناقشة في جميع ذلك، مما مر من نظير المسألة، على أن اطلاق النص في المقام كاف. اللهم الا أن ينكر ظهوره في ارادة الاطلاق المفيد في المقام، والضرر مندفع بأنه يلزم بالاختيار حينئذ معه، وعلى الفورية لو اخر لعذر، من حصول مانع أو نسيان للعقد أو للصفقة السابقة، أو عدم ظهور اللاحقة، أو زعم صدور الفسخ منه، أو جهل بحكم الخيار، ففى شرح الاستاد بقى خياره قال: " وجهل حكم الفورية ليس بعذر " وفيه - بعد الاغضاء عن وجه الفرق بين حكم الخيار و الفورية - أنه قد يشكل عدم السقوط في بعض ما ذكره أو جميعه بناء على التوقيت في الفورية كما هو الظاهر من القائل بها هنا، وإن قال: بغيره في نحو الاوامر، لوضوح الفرق بين المقامين فتأمل جيدا.


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 96 ]

ولا ريب في صحة اسقاط هذا الخيار بعد تحققه كما في غيره من الحقوق، بل و بعد العقد قبل التحقق، خلافا للمحكى عن التذكرة وغيرها للاكتفاء في صحة الاسقاط بوجود السبب، فانه حق ايضا يسقط بالاسقاط، وقد يقال: بأنه إن صادف المخالفة في الواقع أثر، لعدم اعتبار العلم بذلك قطعا، والا كان العقد لازما بدونه. ودعوى - أن الحق لا يثبت الا بظهور المخالفة لا بوجودها في نفس الامر - يمكن منعها، كما سمعت نحوه في خيار الغبن، وحينئذ فلا ريب في صحة اشتراط سقوطه بالعقد كخيار المجلس، ونحوه، بل لا يبعد ذلك وإن قلنا بعدم ثبوته الا بعد ظهور المخالفة، خلافا لجماعة منهم الكركي فانه - بعد ان استظهر الصحة في غيره حتى الغبن والتأخير - قال: " فان شرط رفعه بطل الشرط والعقد، للزوم الغرر، لان الوصف قام مقام الرؤية، فإذا شرط عدم الاعتداد به، كان غير مرئي ولا موصوف " واليه يرجع ما في الدروس من التعليل بالغرر، لكن قال: " وكذا خيار الغبن ثم احتمل الفرق بينهما " قلت: يمكن منع عدم صدق التوصيف معه، وليس لثبوت الخيار مدخل في رفع الغرر، وإنما الذى رفعه نفس الوصف، ضرورة عدم كون المدار على مطابقة الواقع، إذ قد تخطى المشاهدة بل المدار على صدق الاقدام على معلوم غير مجهول. نعم قد يقال: بعدم صحة اشتراط الاسقاط فيما لو اشترى مثلا مع عدم الاطمينان بالوصف، فإن ثبوت الخيار فيه له دخل في رفع الغرر الذى هو الخطر، مع ان الاقوى الصحة فيه ايضا، لصدق تعلق البيع بمعلوم غير مجهول، ولو أن الغرر ثابت في البيع نفسه لم يجد في الصحة ثبوت الخيار، والا لصح ما فيه الغرر من البيع مع اشتراط الخيار، وهو معلوم العدم، وإقدامه على الرضا بالبيع المشترط فيه السقوط مع عدم الاطمينان بالوصف إدخال للغرر عليه من قبله، ولا يسقط الخيار بالابدال قطعا ولا ببذل التفاوت ولو شرط الاول في العقد إن ظهر الخلاف فسد كما في الدروس للجهالة والغرر، و الظاهر أن شرط الثاني كذلك، وسقوطه بالتصرف قبل العلم به نحو ما سمعته في الغبن وبعده يسقط إن دل على الرضا، والا فلا، حتى في الناقل والمتلف منه، الاعلى

[ 97 ]

احتمال ذكرناه في خيار الغبن. ولو اشتري ما على صفة نساج على أن ينسج الباقي مثله بطل في الاشهر، ويمكن الصحة وفاقا للمختلف، للاصل وعدم ثبوت بطلان البيع المتحد المتعلق بشخصي و كلي في الذمة، بعد فرض ضبطه بالوصف، ودعوى عدم الضبط بذلك ممنوعة، على أن الفرض حصول الضبط، وثبوت خيار الرؤية في غير المنسوج دون ما شاهده بعد التسليم غير مانع، على أن الظاهر منع الخيار من هذه الجهة وإن قلنا بثبوته بناء على الصحة من حيث فوات الشرط، والظاهر أن ذا ليس من الكلى الذى يجب فيه الابدال. نعم يمكن القول ببطلان البيع فيه، وثبوت الشركة في القيمة بالنسبة، كما أنه يمكن القول بالخيار للتبعض، أو لان ذلك من الشرط أو الوصف في المرئي ايضا. وكيف كان فلا يقصر ذلك عن بيع ما في البيت الذى قد رأى أنموذجا منه مع إدخال الانموذج معه في البيع، بل قد يقال بالصحة فيه وإن لم يدخله معه، لان لا يقصر عن الوصف في رفع الجهالة، خلافا لاول الشهيدين وثاني المحققين، واستشكل فيه الفاضل في القواعد، والظاهر ثبوت خيار الرؤية في غير البيع مما يعتبر فيه المشاهدة أو الوصف كالاجارة ونحوها، لان العمدة فيه حديث الضرار، بل يمكن القول بثبوته فيما لا يعتبر فيه ذلك كالصلح تنزيلا للخيار في خلاف الوصف في المعين منزلة الابدال في الوصف المعين فتأمل جيدا والله أعلم. (الفصل الرابع في احكام العقود) (والنظر في أمور ستة الاول في النقد) اي الحال باعتبار كونه منقودا ولو بالقوة (و) يقابله (النسيئة) التي هي اسم مصدر بمعنى التاخير، يقال: أنسأت الشئ انساء،

[ 98 ]

وينقسم البيع باعتبار وجودهما في كل من الثمن. والمثمن، والتفريق، إلى أربعة أقسام، فالاول النقد، والثانى الكالى بالكالى، اسم فاعل أو مفعول من المراقبة، لمراقبة كل من الغريمين صاحبه لاجل دينه، ومع حلول المثمن وتأجيل الثمن، النسيئة، وبالعكس، السلف، وكلها صحيحة، عدا الثاني، فقد ورد النهى عنه بلفظ " بيع الدين بالدين " وانعقد الاجماع بقسميه على فساده كما ستعرفه انشاء الله تعالى في محله. وكيف كان ف‍ (من ابتاع شيئا مطلقا) من دون تقييد بالتأجيل للثمن وخلافه (أو اشترط) عليه (التعجيل) منه (كان الثمن حالا) وكذا المثمن، أما الاطلاق فللانصراف عرفا وقال الصادق عليه السلام في الموثق (2) " في رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم افترقا: وجب البيع والثمن إذا لم يكونا شرطا فهو نقد " ومنه يعلم حينئذ ما ذكره بعضهم وغيره من أن اشتراط التعجيل مؤكد، بل في الروضة أنه المشهور، وفى الدروس " وأفاد التسلط على الفسخ إذا عين زمان النقد فاخل المشترى به مثلا " واحتمل في المسالك قويا ذلك مع الاطلاق أيضا، وفى الروضة " لو قيل بثبوت الخيار مع الاطلاق ايضا لو أخل به عن أول وقته كان حسنا ". قلت: قد يمنع أولا التأكيد بناء على أن الاطلاق يفيد استحقاق المطالبة في كل وقت، كما هو مقتضى الحلول في كل دين، أما وجوب الدفع فعلى المطالبة فعلا، وحينئذ فاشتراط التعجيل يفيد وجوب الدفع بدونها، فهو امر غير ما يقتضيه العقد، اللهم الا ان يمنع ذلك ويقال: باقتضاء العقد التقابض من دون مطالبة كما تعرفه انشاء الله في النظر الثالث. وثانيا قد يناقش في صحة الشرط باعتبار تعدد افراد التعجيل واختلافها، فلا يصح مع الشرط عدم التعيين للجهالة، وعلى تقدير الصحة، فدعوى التسلط على الخيار بالاخلال به في أول وقته يمكن منعها، لعدم صدق الاخلال بالشرط حتى تنتفى ساير الافراد، نحو التكليف بالمطلق.


(1) الوسائل الباب 15 من أبواب الدين الحديث 1 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب العقود الحديث 2

[ 99 ]

وثالثا لابد من تقييد الخيار بعدم امكان الاجبار كما في المسالك " وإلا اجبر على الوفاء به " وقد يحتمل الاطلاق كما ستسمع البحث في ذلك وفى اصل ثبوت الخيار في الشرط في محله نعم لو قال: إن لم تعجله في كذا فلي الخيار صح، كما في القواعد لما عرفته من اشتراطه برد الثمن، بل في التحرير في أحكام الخيار " إذا قال بعتك على أن تنقدني الثمن بعد شهر والا فلا بيع بيننا صح البيع " وفى القواعد " وفى صحة البيع نظر فان قلنا به بطل الشرط على اشكال ". وفي جامع المقاصد كما عن الايضاع " الاصح بطلان الشرط والعقد، للتعليق على المجهول، وامتناع اقتضاء صحة الشئ بطلانه، فهو شرط مناف لمقتضى صحة العقد لانه يقتضي ارتفاعه بعد وقوعه، وفرق واضح بينه وبين الخيار، لامكان انفكاك اللزوم عن الصحة ويمتنع انفكاك الصحة عن نفسها، ويمكن الصحة للعموم، ولانه يجرى مجرى الخيار، لان دفع المشترى الثمن وعدمه من افعال المشتري الاختيارية، فهو تخيير له في فعل الممضى والفاسخ " لكنه كما ترى وحينئذ لا ينبغى الاشكال في بطلان الشرط ضرورة عدم صحته مع فساد العقد، كما أنه لا إشكال في فساد العقد مع بطلان الشرط، بناء على أن بطلانه يقتضى بطلان العقد والله اعلم. (و) أما (ان اشترط التاجيل للثمن) جميعه أو بعضه ولو نجوما متعددة (صح) إجماعا بقسميه ونصوصا عموما وخصوصا (1) في البعض وهو المسمى بالنسيئة، من غير فرق بين طول المدة وقصرها، خلافا للاسكافي فمنع فيما حكي عنه أكثر من ثلاث سنين في السلف وغيره، وهو مع مخالفته للادلة لا شاهد له، نعم قال أحمد بن محمد لابي الحسن عليه السلام: (2) " إنى أريد الخروج إلى بعض الجبال إلى أن قال: إنا إذا بعناهم نسيئة كان أكثر للربح فقال: بعهم بتأخير سنة، فقلت: بتأخير سنتين ؟ قال: نعم قلت، ثلاث ؟ قال: لا " وهو غير ما سمعته منه، أللهم إلا أن يريد ثلاث فصاعدا كما عساه يؤمى إليه المروي عن قرب الاسناد عن أحمد إيضا قال لابي الحسن الرضا عليه السلام " إن هذا الجبل قد فتح


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العقود (2) (3) الوسائل الباب 1 من ابواب العقود الحديث 1 و 3

[ 100 ]

على الناس منه باب رزق فقال: إذا أردت الخروج فاخرج، فانها سنة مضطربة، وليس للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب، فقلت: إنهم قوم ملاء، ونحن نحتمل التاخير فنبايعم بتأخير سنة قال: بعهم قلت: سنتين، قال: بعهم قلت: ثلاث ؟ قال: لا يكون لك شى أكثر من ثلاث سنين " بناء على إرادة المنع من بيعه ثلاثا بذلك، إلا أنهما كما ترى مع قصورهما عن المعارضة من وجوه، يمكن حملهما - بل لعله الظاهر - على إرادة الارشاد بذلك، وبذل النصيحة، لا النهى المترتب عليه الاثم أو الفساد كما هو واضح. فلا ريب في الجواز حينئذ، بل لا يبعد جواز ذكر المدة التى يعلم المتعاقدان، عدم إدراكها عادة كالتاخير إلى ألف سنة مثلا، وإن نظر فيه في الدروس أولا، ثم استقرب الجواز بعده، لوجود المقتضى، وارتفاع المانع، والحلول بموت من عليه الدين غير مانع، إذ هو بعد أن كان حكما شرعيا لا يورث جهالة، بخلاف ما لو جعل الاجل إلى أن يموت، و عدم انتفاع صاحب الدين به مدفوع بقيام الوارث مقامه، بل الظاهر عدم تسلط الوارث للمشترى بذلك على الخيار، وإن احتمله في المسالك تبعا للتذكرة، لاصالة اللزوم مع عدم التقصير من البايع في فوات الاجل الذى له قسط من الثمن، فهو كفوات المدة المحتملة بالموت، وإن كان قد يقال: بجريان الاحتمال فيه، إلا أنه ضعيف جدا. نعم قد يقال في محل البحث: إنه إن لم يتسلط بذلك على الخيار، أو ينقص من الثمن بنسبة ما فات من الاجل، كان اشتراطه ممن عليه الدين لا فائدة به، بل هو كالسفه، إذ الفرض حلوله بالموت فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (لابد أن يكون مدة الاجل) المضروبة للثمن، أو المثمن، أو لهما (معينة لا يتطرق إليها إحتمال الزيادة والنقيصة) بلا خلاف أجده بل يمكن تحصيل الاجماع عليه (و) أن المسامحات العرفية في بعض الافراد لا عبرة بها، ف‍ (لو اشترط التاجيل) حينئذ (ولم يعين أجلا أو عين أجلا مجهولا كقدوم الحاج) ونحوه مما هو محتمل للزيادة والنقيصة (كان البيع باطلا) قطعا، بل ربما أدى ذلك إلى الجهالة في

[ 101 ]

الثمن، لان الاجل له قسط منه، بل يظهر - من الدروس وغيرها - اعتبار معرفة المتعاقدين تعيين المدة، فلو أجل بالنيروز - والمهرجان الذى هو عيد الفرس، والفضيح عيد النصارى، والفطير عيد اليهود، بناء على أنه يوم معين مضبوط عندهم ولم يعلمه المتعاقدان أو احدهما لم يصح ايضا، للجهالة ايضا، وقد يناقش فيه باحتمال الاكتفاء فيه بانضباطه في نفسه كأوزان البلدان مع عدم معرفة المصداق، فله شراء وزنة مثلا بعيار بلد مخصوص، و إن لم يعرف مقدارها، الا أن للنظر فيه مجالا، وربما ظهر من التذكرة الاكتفاء به. ولو أجل بالمشترك بين أمرين - أو أمور كالنفر من منى، أو ربيع أو جمادى - بطل كما نص عليه غير واحد، للجهالة، لكن في اللمعة " قيل: يصح " ويحمل على الاول، و لم نظفر بقائله، وعلله في الروضة - بعد أن ساوى في الحكم بينه، وبين التأجيل بيوم من الاسبوع - بأنه علقه على إسم معين، وهو يتحقق بالاول، قال: " لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى اجل مضبوط، فلا يكفى ثبوت ذلك شرعا مع جهلهما أو أحدهما به، ومع القصد لا اشكال في الصحة، وإن لم يكن الاطلاق محمولا عليه، ويحتمل الاكتفاء في الصحة بما يقتضيه الشرع في ذلك، قصداه أم لا، نظرا إلى كون الاجل الذى عيناه مضبوطا في نفسه شرعا، واطلاق اللفظ منزلا على الحقيقة الشرعية ". وفيه أولا انه من الواضح عدم حمل اللفظ من غير الشارع واتباعه في الاستعمال على الحقيقة الشرعية، وتخصيص محل البحث بما إذا قصد المتعاملان ما يراد من الاطلاق عند الشارع - بعد فرض علمهما انه منصرف عنده إلى زمان معين وعدمه - موقوف على الاكتفاء بمثل ذلك، والظاهر عدمه، لوضوح الجهالة فيه. وثانيا انه لا حقيقة شرعية في المقام، ضرورة أن الشارع هنا لو حكم بالانصراف إلى اولهما، فليس الا لاقتضاء العرف فيه ذلك، وحينئذ فمع الانصراف عرفا متجه، كما اعترف به في التذكرة نعم قال فيها: " لو قال إلى الجمعة حمل على الاقرب

[ 102 ]

في الجمع وكذا في غيره من الايام، قضية للعرف المتداول بين الناس، بخلاف جمادى وربيع " ولعله كذلك اما المكسر من ايام الاسبوع فقد يمنع فهم العرف منه الاول، بخلاف المتواطي من أسماء الشهور كرجب وشعبان، فانه لا ريب في فهم شهر سنة العقد منه، فجعل المعيار العرف هو المتجه والله اعلم (ولو باع بثمن حال، وبأزيد منه إلى أجل) بأن قال: بعتك هذا بدرهم نقدا وبدرهمين إلى شهرين (قيل) والقائل الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر (يبطل) وتبعهما الفخر، وأبو العباس، والمقداد والابى، والفاضل، والشهيدان في اللمعة والروضة وجماعة من متأخري المتأخرين، للغرر و الابهام الناشي من الترديد، القاضى بعدم وقوع الملك حال العقد على أحدهما بالخصوص، وهو مناف لمقتضى سببية العقد وإنشائيته وللنهى " عن البيعين في بيع واحد " (1) المفسر بذلك أو بما يشمله. وذيل خبر محمد بن قيس الآتى (2) (و) لكن (المروى) عن علي عليه السلام، بطريق حسن، بابراهيم بن هاشم، عن محمد بن قيس الثقة، بقرينة عاصم بن حميد، عن ابى جعفر عليه السلام - (انه يكون للبايع أقل الثمنين في أبعد الاجلين) - قال: " قال امير المؤمنين عليه السلام: من باع سلعته فقال: إن ثمنها كذا وكذا، يدا بيد وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأي ثمن شئت، وجعل صفقتها واحدة، فليس له الا اقلهما وإن كانت نظرة " وزاد في الكافي " قال: وقال عليه السلام: من ساوم بثمنين أحدهما عاجل والآخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة " والمناقشة بأن غايتها الدلالة على وقوع الايجاب بها خاصة - وبأن الذى فهما الجماعة كما ستعرف، ترتب الحكم المذكور فيها على فساد المعاملة، وبمنافاة الزيادة المزبورة لها، بناء على أن الظاهر منها عدم جواز الترديد، بل لا بد من تعيين أحدهما قبل العقد وإيقاعه عليه، لا تعيين مقدار الثمنين، أي الثمن والاجل - مدفوعة بظهورها في ارادة


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 4 - 5 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 1 و 2

[ 103 ]

تمام البيع، لا ايجابه خاصة، ومنع ترتب الحكم فيها على الفساد كما ستعرف، وعدم انحصار الجمع بين الصدر والزيادة بذلك، على أنه لم يعلم كونها رواية واحدة. وفى خبر السكوني (1) عن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام " أن عليا عليه السلام قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الاجلين " يقول: ليس له الا أقل النقدين إلى الاجل الذي أجله بنسيئة وظاهر جماعة من الاصحاب العلم بهما في الجملة، ففى المقنعة " لا يجوز البيع بأجلين على التخيير، كقولهم المتاع بدرهم نقدا، وبدرهمين إلى شهر أو سنة أو بدرهم إلى شهر وباثنين إلى شهرين، فان ابتاع انسان شيئا على هذا الشرط كان عليه أقل الثمنين في آخر الاجلين " وفى المحكي عن ناصريات المرتضى المكروه ان يبيع الشئ بثمنين، بقليل إن كان الثمن نقدا وباكثر منه نسيئة وعن الاسكافي روى عن النبي صلى الله عليه وآله (2) أنه قال: " لا تحل صفقتان في واحدة " وذلك أن تقول: إن كان بالنقد فبكذا وإن كان بالنسيئة فبكذا وكذا، ولو عقد البايع للمشترى كذلك وجعل الخيار إليه، لم اختر للمتشرى أن يقوم على ذلك، فان فعل واستهلكت السلعة لم يكن للبايع الا أقل الثمنين، لاجازته البيع به، وكان للمشترى الخيار في تأخير الثمن الاقل إلى المدة التى ذكرها البايع بالثمن الاوفر من غير زيادة على الثمن الاقل. وفى النهاية " فإن ذكر المتاع باجلين، ونقدين مختلفين، بأن يقول ثمن هذا المتاع كذا عاجلا، وكذا أجلا، ثم امضى البيع كان له أقل الثمنين وأبعد الاجلين " وعن القاضي من باع شيئا باجلين على التخيير مثل أن يقول بعتك هذا بدينار أو بدرهم عاجلا، أو بدينارين أو درهمين إلى شهر، أو شهور، أو سنة، أو سنتين، كان البيع باطلا، فإن امضى البيعان ذلك بينهما كان للبايع أقل الثمنين في آخر الاجلين. وفى موضع من الغنية " وللجهالة بالثمن والاجل ايضا نهي عن بيعتين في بيعة


(1 و 2) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 2 - 4

[ 104 ]

نحو أن يقول بعتك كذا بدينار إلى شهر، وبدينارين إلى ثلاثة اشهر، فيقول المشترى قد قبلت به " وفى آخر " وقد قدمنا أن تعلق البيع باجلين وثمنين كقوله بعت إلى مدة كذا بكذا، وإلى ما زاد عليها بكذا يفسده، فإن تراضيا بانفاذه كان للبايع أقل الثمنين في أبعد الاجلين، بدليل اجماع الطائفة ". وعن صاحب البشرى أنه قال: " لو عملنا برواية السكوني كان قريبا " وعن الراوندي " أن على المشترى الثمن الاقل في الاجل الاول، لانه رضى بالاقل في الزمن الاقل، فإن لم يؤد المشتري فليس له في ذمته الا الاقل سواء أداه عاجلا، أو آجلا " وكأنه يرجع إلى ما تسمعه من المختلف، أو ما في الدروس فإنه بعد ان ذكر الخلاف في الصورتين قال: " والاقرب الصحة ولزوم الاقل، ويكون التأخير جائزا من جهة المشتري، لازما من طرف البايع لرضائه بالاقل، فالزيادة ربا، ولاجلها ورد النهى وهو غير مانع من صحة البيع ". وكأنه أخذه مما احتمله الفاضل في المختلف جوابا عما يقال: من أن وجوب الاقل إلى الابعد ليس تجارة عن تراض، قال: " ويمكن ان يقال: أنه رضى بالاقل فليس له الاكثر في البعيد، وإلا لزم الربا، إذ تبقى الزيادة في مقابلة تأخير الثمن لا غير، فان صبر إلى البعيد لم يجب له اكثر من الاقل " لكنه لا الزام فيه للبايع بالاجل البعيد، كما سمعته من الدروس الذى هو واضح الضعف، إذ الاجل قد وقع في مقابلة الزيادة الفاسدة فلا يلتزم به البايع، فلا ريب في أن ما ذكره في المختلف أولى منه، بل يمكن تنزيل الخبرين المزبورين حتى الثاني منهما عليه بمعنى كان على المشتري في آخر الاجلين أقل الثمنين، لا أن له إلزام البايع بذلك، ضرورة كون الثمن فيه الاقل بلا أجل على هذا التقدير، وأن الزيادة في مقابلة التاخير إلى المدة قد وقعت على نحو الشرطية، فتختص حينئذ هي مع الاجل بالنهي والفساد، كما ذهب إليه أبو حنيفة في أصل بيع الربا، وإن كان هو واضح الضعف، مع عدم تشخيص الثمن أما معه، فان لم يذكر شرطا في العقد، فلا ريب في الصحة

[ 105 ]

وإن ذكر فيه كما هو في محل البحث أمكن القول هنا باختصاص الفساد بالشرط دون العقد، لهذه النصوص وإن قلنا بفسادهما معا في غيره، وتقل مخالفتهما حينئذ للقواعد، وربما احتمل تنزيلهما على ما لا ريب في صحته من ذكر الزيادة بعد العقد، إلا أنه بعيد عن ظاهر الخبرين. فما ذكرناه أولى حينئذ، بل يمكن حمل عبارة المقنعة وما ضاهاها عليه، بل و عبارة النهاية، وبه يجمع بين هذين الخبرين، وبين ما دل على النهى عن البيعين في بيع، كموثق عمار (1) عن الصادق عليه السلام في حديث " أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث رجلا إلى أهل مكة، وأمره أن ينهاهم عن شرطين في بيع " وقال هو أيضا في خبر سليمان بن صالح (2) " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك " الحديث. وفى خبر الحسين بن زيد (3) عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في مناهى النبي صلى الله عليه وآله قال: " ونهى عن بيعين في بيع " بناء على أن المراد منه ذلك، أو ما يشمله، بحمل النهى على حرمة الشرط وقبوله، لا على ما يقتضى فساد العقد بل قد يؤيد ذلك أنه مقتضى الجمع بين ذيل خبر محمد بن قيس (4) الذي زاده في الكافي، وصدره. وأما طرح الخبرين - مع اعتبار سند الاول منهما لانه حسن كالصحيح، بل هو صحيح بناء على المختار من الظنون الاجتهادية، والعمل بهما معا ممن عرفت، - فغير لايق بصناعة الفقه، خصوصا مع قلة مخالفتهما للقواعد على ما سمعت، بل لعلهما لا يخالفان شيئا، على القول بعدم فساد العقد بفساد الشرط فتأمل. ويحتمل الجمع بالحرمة مع الصحة كما أومى إليه الحر، في وسائله، وربما تقبله عبارة المقنعة، وما شابهها، وإن كان فيه ما فيه، إلا أنه أولى مما في الرياض قطعا، فانه بعد أن جزم بالفساد - واقتصر على خبر السكوني وأورد عليه بوجوه، منها ضعف السند، وعدم المكافأة،


(1) (2) (3) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 3 و 4 و 5 (4) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 106 ]

وشذوذ القائل به وهو الطوسي في نهايته، مع رجوعه عنها في مبسوطه - قال: " ثم على المختار هل لهذا البيع حكم البيع الفاسد، فيرجع مع تلف المبيع إلى المثل أو القيمة، ام لا ؟ بل يرجع البايع معه إلى ما في هذه الرواية، من أقل الثمنين، إلى أبعد الاجلين، قولان، أشهرهما بين المتأخرين الاول عملا بالاصل في البيع الفاسد، وبين المتقدمين المتقدم ذكر جمع منهم كالمفيد والمرتضى والاسكافي والقاضي وابن زهرة في الغنية مدعيا عليه الاجماع الثاني، ولعله لصحيح محمد بن قيس، ولا بأس به لاعتضاد صحة سنده بمصير كثير من القدماء إلى العمل به ". إذ هو كما ترى من غرائب الكلام، بل لم نعرف أحدا ممن تقدم عليه عنون هذا الخلاف، كما أنه ليس في شئ من الخبرين الاشارة إلى تخصيص الحكم بتلف السلعة مع أن مخالفتهما للقواعد أشد حينئذ مما فر منه، ومن العجيب نقله عن الجماعة ما عرفت، مع أنه ليس في كلام أحد منهم عدا الاسكافي الايماء إلى تخصيص الحكم بالتلف، بل لعل ظاهر قول الاسكافي لم اختر الصحة على التقديرين، وأنه يكره للمشتري القيام على هذا البيع نحو ما سمعته عن المرتضى، بناء على ارادة المعنى المصطلح من الكراهة في كلامه. وكيف كان فمن ذلك كله ظهر لك ضعف ما استدل به للبطلان، بناء على تنزيل القول بالصحة على ما عرفت، إذ لا غرر فيه ولا جهالة بعد تعيين ثمنه، وأن الزيادة وقعت في مقابلة التاخير، على جهة الشرطية، فتفسد، بل عن الاردبيلى انكار اندراج مثل ذلك في الغرر والجهالة المنفيين بالشرع، على تقدير كونهما ثمنين فضلا عن الثمن والشرط، قال: " لان الاختيار إليه، وعلى كل من التقديرين فالثمن معلوم. وربما يؤيده الحكم بالصحة من غير واحد، فيما لو قال للخياط، خط هذا الثوب اليوم أو فارسيا بدرهم، وبأقل منه أو اكثر إن خطته في غد أو روميا، مع اشتراك الاجارة والبيع في اعتبار عدم الغرر والجهالة، لكن قد يمنع الصحة فيها ايضا أو يلتزم تصحيح ذلك على أنه جعالة، لا اجارة لعدم اعتبار المعلومية فيها أو يفرق بين الاجارة والبيع، بأن العمل الذي

[ 107 ]

يستحق به الاجرة لا يمكن وقوعه الا على احد الصفتين، فتعين الاجرة المسماة عوضا له، فلا يقتضى التنازع بخلاف البيع. إلا أن الجميع كما ترى. نعم قد يقال انه وإن كان لا جهالة في صفة الثمن، ولكنها متحققة في أصل الثمنية، بمعنى أنه لم يعلم بعد قبول المشتري ذلك ما صار ثمنا للجميع، وهو مناف لسببية العقد ايضا، لا أقل من الشك في تأثيره على هذا الحال، ودعوى تعيينه حينئذ باختيار المشتري ينافى انشائية العقد، وسببيته المقتضية ترتب الاثر عليه بالفراغ منه، ودعوى الكشف حينئذ - مع أنه لا شاهد عليها - لا تجدي في رفع الجهالة حين العقد، ولا فرق في ذلك بين البيع والاجارة وغيرهما من عقود المعاوضة، ومن ذلك يظهر أن محل النزاع فيما لو قبله المشتري على تخيير البايع آت كما هو ظاهر الايجاب، وظاهر قوله خذه بأيهما شئت في صحيح محمد بن قيس (1) فحينئذ على القول بالصحة، إن اختار ألزم باختياره، ولو قبله على الترديد ولم يعين كان عليه أقل الثمنين في أبعد الاجلين للخبرين، واحتمال أن ذلك عليه - وإن اختار عملا باطلاقهما - ممكن لانه بتمام العقد صار حكمه شرعا ذلك، فلا اثر لاختياره حينئذ، بل ولا للبايع مطالبته بالاختيار، ومنه يعلم شدة مخالفة الخبرين، على هذا التقدير. أما لو قال: قبلته نقدا أو نسيئة فخارج عن محل النزاع، ويحتمل فيه الصحة، لوجود المقتضى من الاطلاقات وغيرها، وارتفاع المانع، ويحتمل البطلان، للشك في تأثير نحو هذا الايجاب الذى لم يجزم موجبه بأحدهما بالخصوص، والاول لا يخلو من قوة، بناء على عدم منع مثل هذه الجهالة، وإلا فالثاني أقوى، وكذا يخرج عن محل النزاع، لو قبله على جهة التخيير للبايع، وإن كان هو واضح البطلان ايضا، والغرض من ذلك كله، أن المتجه - بناء على العمل بالخبرين المزبورين - الجمود لعدم المنقح من إجماع وغيره (و) لذا قال المصنف: (لو باع كذلك إلى وقتين متأخرين كان باطلا) جازما به


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 108 ]

غير مظهر للتردد فيه كالاول، بل في التحرير بطل قولا واحدا. فمن الغريب ما في الرياض من أن ظاهر الاصحاب عدم الفرق في الحكم صحة و بطلانا بين الصورتين، وإن أشكله - هو إن لم يكن إجماعا، - بأن البطلان في الثانية أقوى، لفقد المعارض فيه، لاختصاص النص مطلقا بالصورة الاولى، قلت: لا ريب في قوة البطلان في الثانية، بناء عليه في الاولى، ضرورة أولويتها بذلك. نعم يتجه الفرق بينهما باحتمال الصحة في الاولى، دونها، للخبرين المزبورين. أللهم إلا أن يدعى التنقيح، ودونه خرط القتاد بعدما سمعت، وإن كان هو مقتضى ما سمعته من عبارة المقنعة وإجماع الغنية، والله اعلم. (وإذا) باع شيئا شخصيا طعاما أو غيره و (اشترط: تأخير الثمن إلى أجل) معلوم (ثم ابتاعه البايع) أو غيره من المشترى بعد قبضه (قبل حلول الاجل، جاز بزيادة كان) على الثمن الأول (أو نقصان،) أو مساواة بالجنس أو بغيره، (حالا و مؤجلا) بما يساوي الاجل الاول، أو يزيد عليه أو ينقص عنه، بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في الرياض، والمحكم عن مجمع البرهان، بل في الاخير كان دليله الاجماع. نعم في مفتاح الكرامة خاصة عن المراسم إن باع ما ابتاعه إلى أجل قبل حلول الاجل فبيعه باطل، معترفا بأنه لم يجد أحدا نقل عنهما الخلاف قبله. قلت: قد يريد السلف أو الاعم منه ومن غيره، لا ما نحن فيه، بل لعله الظاهر منه. وعلى كل حال فلا ريب في الحكم المزبور، لاطلاق الادلة وعمومها، أو خصوص خبر على بن جعفر المروى عن كتاب مسائله (1) قال: " سألت أخى موسى عليه السلام عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم نقدا أيحل، قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس " كاطلاق خبره المروى عن قرب الاسناد (2) المحذوف فيه لفظ


(1) (2) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 6

[ 109 ]

الاجل والنقد وصحيح بشار (1) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع نسيئا، فيشتريه من صاحبه الذى يبيعه منه ؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: أشترى متاعى ؟ فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك " وخبر الحسين بن منذر (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: يجيئ الرجل فيطلب العينة، فاشترى له المتاع من أجله، ثم أبيعه إياه، ثم اشتريه منه مكاني ؟ فقال: إذا كان بالخيار إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت إشتريت، وإن شئت لم تشتر ؟ فلا بأس قلت: فان أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون: إن جاء به بعد اشهر صلح، فقال: إنما هذا تقديم و تأخير فلا باس به " بناء على أن العينة، شراء ما باعه نسيئة، كما حكاه عن بعضهم في الدروس، لكن فيها قبل ذلك، أنه لغة وعرفا شراء العين نسيئة، فان حل الاجل فاشترى منه عينا اخرى نسيئة ثم باعها، وقضاه بالثمن الاول كان جائزا، وتكون عينة على عينة، وعليه ايضا يتم الاستدلال، ضرورة عدم اعتبار كون بيع القضاء على غير البايع فيها. نعم عن ابن ادريس، أن اشتقاقها من العين وهو النقد، وفسرها بشراء عين نسيئة لمن له عليه دين، ثم يبيعها عليه بدونه نقدا ويقضى الدين الاول، تخرج عما نحن فيه، مع إحتمال عدم اعتبار كون العين من غير البايع وحينئذ يتم الاستدلال عليه ايضا ولو بالاطلاق، على أن المحكي عنه في الدروس أنه فسرها بشراء عين نسيئة ممن له عليه دين ثم يبيعها عليه بدونه نقدا ويقضى الدين الاول فيكون حينئذ مما نحن فيه، إلى غير ذلك مما لا حاجة إليه، بعد ما عرفت من عدم الاشكال في المقام. وخبر منصور بن حازم (3) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر، أو غنم، أو غير ذلك فاتى الطالب المطلوب ليبتاع منه شيئا ؟ فقال: لا يبعه، نسيئا وأما نقدا فليبعه بما شاء " يمكن أن يكون المراد منه أن الطالب


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 3 و 4 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8

[ 110 ]

أراد شراء المطلوب مما له عليه من الطعام فعلا بعد حلوله فقال: لا يبعه عليه نسيئة لانه يكون بيع دين بدين على بعض الوجوه، أما نقدا فلا باس، ولعل شيئا فيه مصحف نسيئا وحينئذ يكون خارجا عما نحن فيه. فتأمل جيدا، وفى الرياض أنه مجمل، محتمل الحمل على الكراهة جمعا بينه وبين غيره من عدم مكافأته قطعا. وعلى كل حال فلا ينبغى التوقف في شئ من شقوق المسألة. نعم يستفاد من خبر ابن المنذر وخبري على بن جعفر (1) أن ذلك جائز (إذا لم يكن شرط) البايع الاول على المشترى (ذلك في حال بيعه) عليه، ولذا نص على اشتراط ذلك في الجواز جماعة، بل نسبه في الرياض إلى الاصحاب، وأنه لا خلاف فيه، وفى المحكي عن الكفاية لا أعلم خلافا بينهم في البطلان عند الشرط، والمفاتيح الظاهر اتفاقهم على بطلانه قلت: قد يظهر الخلاف من اطلاق الجواز في المقنعة والنهاية ومحكي السرائر بل قد يظهر من جامع المقاصد والمسالك وغيرهما عدم اعتباره، لاقتصارهم على الاستدلال له بما في التذكرة من الدور، وبانه لم يقصد النقل معه، وإفساده بما لا مزيد عليه، وهو كذلك سواء قرر الدور بأن انتقاله إلى المالك موقوف على حصول الشرط، وحصوله موقوف على انتقال الملك، أو بأن بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه وعلى كل حال فيه ان المتوقف على حصول الشرط هو اللزوم، لا الانتقال وتوقف تملك البايع على تملك المشتري لا يستلزم توقف تملك المشتري على تملك البايع كما هو واضح، و الا لما صح في باقى الشرائط من العتق ونحوه خصوصا شرط بيعه للغير الصحيح اجماعا محكيا ان لم يكن محصلا، على أن تملك المشترى - فيما لو جعل الشرط بيعه من البايع بعد الاجل - قبل الاجل واضح، واشتراط البيع يؤكد قصد النقل إلى المشتري، لا أنه ينافيه، وإلا لنافاه إذا كان من قصدهما ذلك، وإن لم يشترطا، مع أن العقود تتبع القصود، والاتفاق كما في الروضة وغيرها على الصحة، وما هو الا لان قصد رده بعد ملك المشترى له غير مناف لقصد البيع بوجه، وإنما المانع عدم القصد إلى ملك المشترى اصلا بحيث لا يترتب عليه


(1) الوسائل الباب 5 من أبواب احكام العقود الحديث 4 و 6

[ 111 ]

حكم الملك وهو غير ما نحن فيه كما أن احتمال كون الدور لو كان الشرط ملكه للبايع بالثمن المعين بهذا العقد، مناف للمفروض في كلامهم على أنه قد يقال: بصحته، و ترتب ملك البايع على ملك المشتري آنا ما، نحو اعتق عبدك عنى، بمعنى الترتب الذاتي لا الزماني. فانحصر الدليل حينئذ في النصوص المزبورة. لكن قد يناقش فيها بالطعن في السند، وكون المفهوم فيها البأس الذى قد يمنع استفادة الحرمة منه عرفا، فضلا عن الفساد، مضافا إلى اشتمال خبر ابن منذر منها على اعتبار عدم اشتراط المشتري على البايع ذلك ايضا، ولم نعرف قائلا به، بل قد يستفاد منه لزوم الشرط لو شرط، وأن به يرتفع الخيار للبايع أو المشتري، وإن كان يحرم البيع الثاني أو هو و البيع الاول بالشرط، ويكون الحاصل حينئذ حرمة الاشتراط، وإن كان لو فعل التزم به، وهو غير اشتراط المحرم الذى يفسد ويفسد العقد على قول فتأمل. على أن ظاهر خبر على بن جعفر (1) اشتراط البيع بنقيصة، بل لعله المراد من خبر ابن منذر (2) فالتعدية إلى المساوى والزائد تحتاج إلى دليل، وثبوت اجماع معتد به هنا على عدم الفصل محل منع، إذ لم يحك عن احد التعرض لاصل الشرط المزبور قبل المصنف الا عن المبسوط خاصة في باب المرابحة، ولعله لذلك وغيره أومأ أول الشهيدين إلى التردد في ذلك في المحكي عنه في غاية المراد بقوله " إن كان في المسألة اجماع فلا بحث " ثم لا يخفى أن المتجه بناء على العمل بالنصوص المزبورة الجمود عليها، فلا يتعدى لغير البيع من العقود ولا له إذا كان الثمن عينا في وجه، أو كان الشرط بيعه من غير البايع، أو نقله إليه بغير البيع ولا لاشتراطه في عقد آخر ونحو ذلك مما لا دلالة فيها عليه، كى يتجه تخصيص عموم أدلة الشرط بها، ودعوى التنقيح مع عدم المنقح كما ترى، بل لو لا مخافة المخالفة لاجماع الاصحاب لامكن حمل هذه النصوص على الاثم بالاشتراط كما عرفت، أو على ارادة الكراهة مع شرط البيع بنقيصة، لانه كالحيلة


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 6 و 4

[ 112 ]

في تبريته الدراهم أو غير ذلك. والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (ان حل الاجل) ولم يقبض الثمن (فابتاعه بمثل ثمنه من غير زيادة) ولا نقيصة (جاز) بلا خلاف (وكذا ان ابتاعه بغير جنس ثمنه بزيادة أو نقيصة حالا أو مؤجلا) للاصل، وإطلاق الادلة السابقة، وإطلاق خصوص صحيح منصور بن حازم (1) قال للصادق عليه السلام: " رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه، وأتى الطالب المطلوب يتقاضاه، فقال له المطلوب: أبيعك هذا الغنم بدراهمك التى لك عندي، فرضي ؟ قال: لا باس بذلك " وموثق يعقوب بن شعيب وعبيد بن زرارة (2) أو صحيحها (سألا أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع طعاما بماءة درهم إلى أجل، فلما بلغ ذلك الاجل، تقاضاه، فقال: ليس عندي دراهم، خذ مني طعاما، فقال: لا بأس به فإنما له دراهم يأخذ بها ما شاء " إلى غير ذلك. (و) أما (إن ابتاعه بجنس ثمنه بزيادة أو نقيصة ففيه روايتان) اشبههما و (اشهرهما) ما سمعته من روايات (الجواز) بل لم أجد من عمل برواية المنع غير الشيخ في النهاية بالنقيصة، وفي التهذيبين بالزيادة، وهى خبر خالد بن الحجاج (3) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى، فلما جاء الاجل أخذته بدراهمي فقال: ليس عندي، ولكن عندي طعام فاشتره منى ؟ فقال: لا تشتره منه فانه لا خير فيه " وخبر عبد الصمد بن بشير (4) قال: سأل الصادق عليه السلام ايضا محمد بن القاسم الحناط " فقال: أصلحك الله أبيع الطعام الرجل إلى أجل، فاجيئ وقد تغير الطعام من سعره فيقول: ليس لك عندي دراهم ؟ قال: خذ منه بسعر يومه قال: افهم أصلحك


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 11 من ابواب السلف الحديث 10 (3) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف الحديث 3 (4) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف الحديث 5

[ 113 ]

الله إنه طعامي الذى اشتراه منى قال: لا تأخذ منه حتى يبيعه ويعطيك قال: أرغم الله أنفي رخص لي، فرددت عليه، فشدد علي " وخبر الحلبي (1) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ثوبا ثم رده على صاحبه، فأبى أن يقبله الا بوضيعة، قال: لا يصلح له أن ياخذه، فإن جهل وأخذه باكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول ما زاد " وهى جميعا كما ترى غير مكافئة لغيرها من وجوه، خصوصا بعد الطعن في السند ولاختصاص الاولين بالطعام، واحتمال الاول منهما الارشاد أو الكراهة كما يومئ إليه التعليل، و عدم التصريح فيه بأنه طعامه الذى باعه إياه، ولا بزيادة الثمن أو نقيصة، والثانى - مضافا إلى كثير من ذلك - أن السائل لما طمع أن يرخص له أخذ طعامه الذى دفعه إليه، مع أن القيمة قد زادت، وهو لا يستحق إلا دراهم، لم يرخص له الا أن يأخذ بسعر يومه، بل لعل ذلك هو الظاهر منه، كظهور الثالث في الاقالة بالنقيصة المجمع على عدم جوازه، كالزيادة بحسب الظاهر فلا ينبغى التوقف حينئذ في الحكم المزبور في الطعام، فضلا عن غيره، وإن حكى عن بعضهم موافقة الشيخ في الاول، ولا ريب في ضعفه وأضعف منه ما عن خلاف الشيخ من أنه لا يجوز شراء طعام ممن باعه طعاما قبل نقد الثمن ولو غير ما باعه اياه بزيادة عن ثمنه، لادائه إلى بيع الطعام بطعام بزيادة، وفيه أن العوض دراهم لا طعام، هذا كله إذا لم تتغير السلعة. أما إذا تغيرت عن حالة البيع، كالهزالة، أو نسيان الصنعة، أو تمزيق الثوب، ففى التحرير " جاز شراؤه إجماعا وإن كان لا يخلو إطلاقه من بحث في الجملة، وقد بان لك من ذلك كله أن شراء المبيع المؤجل ثمنه، إما أن يكون قبل حلول أجله، أو بعده، وعلى التقديرين، فاما أن يكون البايع قد اشترط شرائه في نفس العقد أو لا، وعلى كل تقدير فاما أن يشتريه بجنس الثمن وقدره، أو بزيادة، أو بنقيصة، أو بغير جنس، إما حالا، أو


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 114 ]

مؤجلا، فيكون الحاصل من ذلك كما في حاشية الكركي على الارشاد أربع وعشرون صورة، يظهر بأدنى تأمل بطلان اثنتى عشرة منها والخلاف في أربع إلى أن قال: وفى شرح الارشاد للشهيد أن الحاصل من ضرب صورتي اشتراط شراء المبيع في نفس العقد وعدمه، في الشراء بزيادة أو نقيصة، أو بمساواة الجنس الثمن أو بغير جنسه، حالا أو مؤجلا، ستة عشر، وهو غير ظاهر، بل اثنتا عشر صورة، لان الشراء بالجنس لا يخرج عن الزيادة والنقصان والمساواة فهى ثلاث وبغير الجنس والحلول والتأجيل ثلاثة اخرى، ومضروب الست، في إثنتين اثنتا عشرة وإذا ضربت في صورتي الشراء قبل حلول الاجل أو بعده، تبلغ أربعا وعشرين لا اثنين وثلاثين كما ذكره فليتأمل " قلت: لعل الشهيد نظر إلى الحلول والتأجيل لكل من الاربعة، أي البيع بغير الجنس وبه زائدا أو ناقصا أو مساويا، وعليه تكون ستة عشر فإذا ضربت في صورتي الشراء قبل حلول الاجل وبعده، تبلغ اثنين وثلاثين. والامر سهل. نعم عن الشهيد في شرحه المزبور احتمال الحاق البيع بالجنس مساويا مؤجلا في صور الخلاف، لان للاجل زيادة: وفيه أن العكس أقوى منه احتمالا، إذ المفروض ان المبيع كان مؤجلا، فبيعه بمقدار ثمنه حالا مخالف لثمنه، بل هو كذلك مع نقصان الاجل عن أجله، أو زيادته، والله اعلم. (ولا يجب على من اشترى مؤجلا أن يدفع الثمن قبل الاجل وإن طولب) اجماعا أو ضرورة (وإن دفعه تبرعا لم يجب على البايع أخذه) وإن لم يكن ضرر عليه بذلك، بلا خلاف أجده بيننا، بل في الرياض " الاجماع عليه كالاول " وفى جامع المقاصد " نسبة الخلاف فيه إلى بعض العامة " ولكن قد يتخيل الوجوب، وأنه كالدين الحال في ذلك، لان فائدة التأجيل الرخصة للمشترى بالتأخير، لا عدم وجوب الاخذ لو دفعه إليه قبله، فمصلحته مختصة به، ولذا يزداد الثمن عليه من أجله وله طلب النقصان في مقابلة التعجيل، وعقد البيع بلا اجل يقتضى وجوب الدفع والاخذ، واشتراط الرخصة للاول لا يستلزمها للثاني، بل الظاهر أن المراد من الاجل التوسعة في ذلك الزمان إلى نهاية

[ 115 ]

الاجل، أي لا يضيق الا في ذلك الزمان كالواجب الموسع، وقد يتفرع على ذلك أن للمشترى اسقاط حق التأجيل كما في غيره من الحقوق. لكن في القواعد " أنه لو أسقط المديون أجل الدين الذى عليه لم يسقط وليس لصاحبه المطالبة في الحال " وعلله في جامع المقاصد " بأن ذلك قد ثبت بالعقد اللازم لانه المفروض، فلا يسقط بمجرد الاسقاط، ولان في الاجل حقا لصاحب الدين ولهذا لا يجب قبوله قبل الاجل، أما لو تقايلا في الاجل فانه يصح، ولو نذر التأجيل فانه يلزم، وينبغى أن لا يسقط بتقايلهما إذا التقايل في العقد لا في النذر " وفيه أن ثبوته بالعقد اللازم، لا يمنع من سقوطه بالاسقاط، كاشتراط الخيار و نحوه، ويمكن منه حقيقة صاحب الدين فيه، وإتفاق وجود مصلحة له في ذلك، لا ينافى كونه من حقوق المشترى، كالخيار المشروط له، كما أنه يمكن منع مشروعية التقايل فيه خاصة دون أصل العقد، ولو صح رجع إلى الاسقاط، ومع فرض أنه من حقوق المشترى خاصة، لم يعتبر اتفاق البايع معه على الاسقاط الذى هو بمنزلة الابراء، بل هو منه، كما أومى إليه هو في حاشية الارشاد في مسألة التعجيل بالنقيصة، بل لعله الظاهر من القواعد في باب السلم. وما في الرياض - من أنه نمنع استلزام انحصار فائدته في الرخصة للمشترى بعد تسلميه وجوب الاخذ على البايع مع مخالفته الاصل الخالى عن المعارض من النص و الاجماع، لاختصاصه بغير صورة الفرض - يدفعه ما عرفت من اقتضاء العقد ذلك، وأن الشرط المزبور حق للمشترى خاصة، فيسقط باسقاطه كغيره من الشرائط التي له على البايع، فالعمدة حينئذ الاجماع المزبور. والله اعلم. (وإن حل) الاجل (فمكنه) المشترى (منه) بعد المطالبة أو قبلها (وجب على البايع أخذه) إذا كان مساويا لما في الذمة قدرا وجنسا ووصفا، بلا خلاف

[ 116 ]

اجده فيه ايضا، بل في الرياض عليه، وهو الحجة بعد حديث الضرار (1) الشامل للمقام، ضرورة تحقق الضرر على المشترى ببقائه مشغول الذمة، وقد يناقش في الوجوب من حيث الدفع بارتفاع الضرر بقبض الحاكم مع الامتناع أو بتشخص المدفوع للمشترى بحيث يكون الضمان منه معه، والعقد إنما يقتضى ملك الثمن على المشترى لا وجوب قبضه فهو كما لو كان الثمن عينا، فانه لا يجب عليه القبض من حيث الدفع، بل هو إن كان من حيث حرمة الاتلاف، وتدفع بأن الثابت من الادلة ذلك خصوصا قوله تعالى (2) " أوفوا بالعقود " فان وجوب الوفاء بها يتبع وجوب الدفع ووجوب القبول وحينئذ فإذا انتفى سقط اعتباره، إذ هو كالدفع من المديون يجب عليه أولا فإذا امتنع جاز التقاص من ماله. وكيف كان (فان امتنع) البايع (من أخذه ثم هلك من غير تفريط ولا تصرف من المشترى كان من مال البايع على الاظهر " بل لا أجد فيه خلافا مع تعذر الحاكم، لان في هلاكه من المشترى ضررا عظيما، فيكون منفيا بالنص (3) وتعيين الدين بالقبض ممن له أو من يقوم مقامه - ولذا كان للمديون تغييره ما لم يقبض - إنما هو في غير الفرض، ضرورة أن التعيين كما يتوقف على قبض المالك يتوقف على تعيين المديون، فإذا امتنع أحدهما في محل الوجوب وجب أن يسقط اعتباره، حذرا من لزوم الضرر إنما الكلام في اعتبار الحاكم وظاهر الاصحاب قصر الحكم هنا عليه، إذ لم أجد في كلام من وقفت عليه منهم ذكر غيره إلا في الحدائق فجعل عدول المؤمنين مرتبة أخرى هنا، وهو موقوف على عموم ولايتهم لمثل المقام، وفيه بحث، بل قد يظهر من إطلاق الشيخين وابن حمزة في المقنعة والنهاية والوسيلة والمتن والنافع والمحكي عن


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 و 5 (2) سورة المائدة الاية 1 (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4

[ 117 ]

الديلمى والقاضي وكذا التقى عدم اعتبار الحاكم في التلف من البايع، ولعله لعدم ثبوت ولايته في المقام، وإطلاق حديث الضرار، خلافا للفاضل في جملة من كتبه والشهيدين والكركي ومحكي المبسوط والسرائر، بل ربما قيل: إنه المشهور فخصوه بما إذا تعذر الحاكم، ومقتضاه، كون المقاصة من المساوى للدين كذلك، إقتصارا فيما خالف الاصل الدال على عدم تعيين الثمن للبايع حيث كان كليا إلا بقبضه على محل الوفاق، والتفاتا إلى اندفاع الضرر عن المشتري بالدفع إلى الحاكم، فلو قصر كان كالمفرط في المال، - من حيث تمكنه من دفعه إلى مستحقه أو نائبه، فيكون من ماله، وإلى أن الحاكم كما أنه قائم مقام الغائب، يقوم مقام الممتنع عمن يجب عليه، ولذا يأخذ الزكاة منه قهرا، ويتولى النية، ويؤدي ديونه وما يجب عليه من نفقة ونحوهما من ماله. نعم هل يجب ذلك على الحاكم بمجرد الامتناع، أو مع تعذر جبره على الواجب وسؤال البايع القبض ؟ قد يقوى الثاني، ومنه يعلم حينئذ وجوب جبر الحاكم له على ذلك كما هو وظيفته، لكن في الدروس عن ابن إدريس وجوب القبض على الحاكم، ولا يجب عليه الاجبار على القبض أو الابراء، واستبعده فيها، وهو كذلك. نعم يمكن القول بعدم إجباره إن لم يسأله الدافع، كما في سلم جامع المقاصد قال: " لان يده يد رضي بها المدفوع له، ولم يصدر منه ما ينافيها " وقال فيه ايضا: " إن للحاكم قبضه وإن لم يجبره على قبضه، وأنه لو لم يسأله الدافع لم يجب عليه قبضه، وإنه يجوز ذلك له وإن لم يسأله " وفيه بحث في الجملة يعرف مما ذكرنا. ثم إن من الواضح عدم وجوب الدفع إلى الحاكم بعد الامتناع، بناء على اعتباره، لعدم تشخيص المدفوع للبايع، بل هو باق على ملك المشتري، فله التصرف فيه وإبقاء الحق في ذمته. نعم إذا أراد إبراء ذمته من الحق دفعه إلى الحاكم، إذ الظاهر الاتفاق على تشخصه بقبضه له، وربما ظهر من بعض مشايخنا عدمه.

[ 118 ]

نعم يكون تلفه منه خاصة، وبناء على التشخيص بالامتناع من غير حاجة إلى قبض الحاكم يمكن القول بوجوب دفعه إليه، لانه مال مسلم محترم يتمكن وصوله من وليه فيجب، والاقوى عدم الوجوب، للاصل، لكن هل يبقى أمانة في يده يجب حفظها أو لا ؟ قد يظهر من المتن والدروس وغيرهما الاول، بل هو صريح اللمعة، والثانى لا يخلو من وجه بل قوة، قال في جامع المقاصد: " إذا امتنع المالك من القبض وتعذر الحاكم، زال الضمان عن الدافع بالتعيين لكن هل هو مشروط بالحفظ بمجرى العادة فيكون أمينا أم لا ؟ فلا يكون الحفظ واجبا عليه، لم أجد به تصريحا للاصحاب، لكن قوة التأمل في كلامهم تشهد للثاني حيث أطلقوا نفى الضمان عنه، دفعا للضرر، ولو وجب الحفظ الدائم لبقى الضرر المحذور، وألزم بالضمان بالتقصير فيه، ويتجه الفرق بينما إذا عرضه على المالك بعد تعيينه ولم يأت به لكنه أعلم بالحال، وبين ما إذا أتاه وطرحه عنده، فينتفى وجوب الحفظ في الثاني، دون الاول، وإن اشتركا في عدم الضمان " ونحوه في حاشية الارشاد له، ولعل مراده بالاشتراك في عدم الضمان على تقدير عدم التفريط، لا مطلقا، فلا ينافى ما تقدم من قوله لو وجب ألزم بالضمان. وعلى كل حال ففى جريان مثل ذلك في الحاكم لو قبضه إشكال، لكن في المسالك في باب السلم في شرح قول المصنف، ولو امتنع قبضه الحاكم إذا سأل المسلم إليه ذلك قال: " هذا مع إمكانه، ومع تعذره يخلى بينه وبينه، وتبرأ ذمته وإن تلف، وكذا يفعل الحاكم لو قبضه، إن لم يمكن إلزامه بالقبض " كالاشكال في أصل ثبوت التشخيص بالامتناع مطلقا أو مع تعذر الحاكم على اختلاف القولين وإن كان ظاهر الاصحاب ذلك، بل هو صريح جماعة منهم، وقد يحتمل العدم، وإن كان لو تلف يكون من مال البايع على كل حال، إذ به يتحقق رفع الضرر، ويحصل الجمع بين قاعدة عدم التشخيص إلا بقبض ذي الدين، وبينه

[ 119 ]

وربما أومئ إليه في الدروس قال: " ولو امتنع البايع أثم، ولو هلك بعد تعيينه فمن ماله، ما لم يفرط فيه المشتري أو يتعدى، وللمشتري التصرف فيه، فيبقى في ذمته، ضرورة ان جواز تصرف المشتري فيه مستلزم لبقاء ملكه عليه، و حينئذ فالنماء بين التعيين والتلف له، أللهم إلا أن يقال: يمكن التزام الشهيد بأنه ملك البايع متزلزلا، فله الرجوع فيه، فالنماء حينئذ له، إلا إذا أعاده المشتري إلى ملكه وفى الروضة " إنه ربما قيل ببقائه على ملك المشتري وإن كان تلفه من البايع " ثم إنه قد ينقدح بناء على التشخيص القول بمثله فيمن أجبره الظالم على دفع نصيب شريكه الغائب في مال على حكم الاشاعة، بحيث يتعين المدفوع للشريك ولا يتلف منهما معا، وكذا لو تسلط الظالم بنفسه، وأخذ قدر نصيب الشريك، لكن في جامع المقاصد وحاشية الارشاد لم أجد تصريحا للاصحاب بنفى ولا إثبات، مع أن الضرر قائم هنا، وفى الاول إن المتجه العدم، وفى الثاني إن الحكم مشكل، قلت: ويؤيده الاصل وعدم التقصير من الشريك فلا ضرر من قبله. والله أعلم. (وكذا) البحث بتمامه (في طرف البايع إذا باع سلما) لكن صرح المصنف هناك بقبض الحاكم، ولا فرق بين المقامين على الظاهر (وكذا كل من كان له حق، حال أو مؤجل، فحل ثم دفعه، وامتنع صاحبه من أخذه، فإن تلفه من صاحبه الذي يجب عليه قبضه على الوجه المذكور) لاتحاد الجميع في المدرك كما هو واضح لكن لا يخفى أنه قد ذكرنا ذلك كله موافقة لكلماتهم التى جملة منها مجرد دعوى بلا دليل، فضلا عن أن يصلح قاطعا لاصالة عدم تشخص الدين وعدم ملك المستحق، وعدم برائة ذمة المستحق عليه في جملة من الصور المفهومة من كلامهم، كذا دعوى ملك المستحق لما يعينه المديون متزلزلا على وجه يجوز للدافع الرجوع به أو دعوى أنه باق على ملك الدافع ولكن التلف يكون من مال الديان. نعم قد يقال: في خصوص ما لو مكنه منه على وجه يدخل به تحت

[ 120 ]

يده عرفا، وتحت سلطانه وتحت قبضته برأت ذمة المديون وصيرورة المال ملكا للديان لانه قبض أو كالقبض، ضرورة صدق الاداء والوفاء والاعطاء ونحوها مما هو مستفاد من خطاب الديان، وكذا بالنسبة إلى أداء الامانة، وإيصال المغصوب، وخروج المبيع عن ضمان البايع، وربما يشهد لذلك في الجملة ما ذكروه في غير المقام، من صدق الوفاء وإيصال الحق إلى مستحقه، بالدس في المال على وجه يدخل في قبضته وتحت سلطانه، ويمكن تنزيل عبارة المتن ونحوها على هذه الصورة، ولذا لم يعتبروا اذن الحاكم، بخلاف غيرها من الصور التى لا يصدق معها التمكين فعلا، وإن قال له: إن حقك موجود هو في الدار ونحو ذلك، مما هو طلب للتمكين منه، لا أنه مكنه فعلا، فان الظاهر عدم تشخص الحق بذلك ولو مع تعذر الحاكم والعدول، للاصل بل الاصول، ومشروعية المقاصة لا تقتضي مشروعية ذلك. نعم هنا بحث في ولاية الحاكم عنه في القبض حينئذ أو في حال الغيبة، وأراد المديون فراغ ذمته وهو شئ آخر، غير ما نحن فيه، من تعيين من عليه الحق، و بذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، حتى ما سمعته من الكركي، فانه وإن كان قد حام حول الحمى فيما ذكره من مسألة وجوب الحفظ وعدمه، إلا أن ظاهره الاكتفاء بتعيينه في الصورة الاولى، وإن وجب عليه الحفظ، فلاحظ وتأمل والله العالم. (ويجوز بيع المتاع حالا ومؤجلا، بزيادة عن ثمنه) ونقصان جوازا لا خيار فيه (إذا كان) كل من البايع و (المشترى عارفا بقيمته) ما لم يكن سفها، و الا بطل العقد إن كان بعد تحجير الحاكم أو قبله، بناء على عدم الحاجة إليه في منع تصرفه، كما أن للمغبون منهما الخيار مع الجهل بالقيمة، بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، وإن كان في عبارة المتن وغيرها من عبارات الاصحاب خلل ما في تادية ذلك، إلا أنه سهل بعد وضوح الحال ومعلومية الحكم. وكذا لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (لا يجوز تأخير ثمن المبيع ولا شئ من

[ 121 ]

الحقوق المالية بزيادة فيها) لانه ربا محرم كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا، فلا يجوز سواء وقع على جهة البيع، أو الصلح، أو الجعالة، أو غيرها، ولو اشترط في عقد آخر فسد وأفسد، إذ هو لا يحلل الحرام. نعم لا باس بجعل الزيادة المبذولة في ثمن مبيع آخر، لا في مقابلها، مع اشتراط التاخير في الدين الحال إلى الاجل المسمى، كما صرحت به النصوص والفتاوى قال محمد بن إسحق بن عمار (3) للرضا عليه السلام: " الرجل يكون له المال، فدخل على صاحبه، يبيعه لؤلؤة بألف درهم، تساوى ماءة درهم ويؤخر عليه المال إلى وقت ؟ فأجابه لا بأس قد أمرنى أبى ففعلت ذلك " وقال لابي الحسن عليه السلام (4): " يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: أخرني بها وأنا أربحك، فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم، بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألف وأؤخره بالمال ؟ قال: لا بأس " وقال عبد الملك (5): " سألته عن الرجل أريد أن أعينه المال ويكون لي عليه مال قبل ذلك، فيطلب مني مالا أزيده على مالي الذي لي عليه، أيستقيم أن أزيده مالا وأبيع لؤلؤة، تساوي ماءة درهم بألف درهم، فأقول أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخر بثمنها وبمالي عليك بكذا وكذا شهرا ؟ فقال: لا بأس " إلى غير ذلك مما هو صريح في الجواز على الوجه المزبور وظاهر في عدمه مع جعل الزيادة في مقابل التأخير، ولا يقدح في ذلك كونها حيلة للتخلص من الربا، بعد أن وردت بها النصوص وأفتى به الاصحاب، بل هي على مقتضى الضوابط الشرعية، ونعم الحيلة، ما يفر بها من الباطل إلى الحق. (و) كذا (يجوز تعجيلها) أي سائر الحقوق المالية المؤجلة (بنقصان منها)


(1) سورة البقرة الاية 278 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب الربا (3) الوسائل الباب 9 من ابواب احكام العقود الحديث 6 (4 و 5) الوسائل الباب 9 من ابواب احكام العقود الحديث 4 - 5

[ 122 ]

بلا خلاف أجده فيه على جهة الصلح، وهو المسمى بالحطيطة أو الابراء من كل منهما، ويدل عليه - مضافا إلى الاصل - مرسل أبان (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين، فيقول له قبل أن يحل الاجل: عجل النصف من حقي على أن أضع عنك النصف أيحل ذلك لواحد منهما ؟ قال: نعم " وقال ابن أبى عمير (2): " سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى، فيأتيه غريمه، فيقول له أنقدني كذا وكذا، وأضع عنك بقيته، أو يقول: انقدنى بعضه وأمد لك في الاجل فيما بقى عليك ؟ فقال: لا أرى به بأسا، إنه لم يزد على رأس ماله، قال الله جل ثنائه (3) " ولكم رؤس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " ونحوه صحيح محمد بن مسلم (4) ومنهما يعلم جواز الصلح عن التأخير بغير الزيادة، لعدم تحقق الربا فيه هنا. فتأمل جيدا وستسمع في باب القرض تمام البحث في هذا المسألة. انشاء الله تعالى والله أعلم. (ومن ابتاع شيئا بثمن مؤجل وأراد بيعه مرابحة) أي بازيادة على رأس المال بما يتراضيان به، كما أن التولية، البيع بما يساويه، والوضيعة بالانقص، والمساومة بما يقع الرضا به من غير اعتبار لرأس المال، والواجب في الاول الاخبار بقدر الثمن و جنسه ووصفه، فمع فرض أنه مؤجل (فليذكر الاجل) لان له قسط من الثمن (فإن باع) حالا أو إلى أجل دون أجله (ولم يذكره) صح البيع بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه للعموم وخصوص النصوص (5) ووجود المقتضى، مع عدم ما يصلح للمانعية، سوى التدليس المزبور الذى هو كالداعي إلى تعلق الرضا والقصد إلى البيع المخصوص. نعم (كان المشتري بالخيار بين رده، وإمساكه بما وقع عليه العقد) للتدليس،


(1 و 2) الوسائل - الباب 7 من ابواب الصلح الحديث 1 - 2 (3) سورة البقرة الاية 279 (4) الوسائل الباب 32 من ابواب الدين الحديث 1 (5) الوسائل الباب 25 من ابواب احكام العقود

[ 123 ]

ولفوات ما هو كالشرط والوصف، ولحديث الضرار (1) المنجبر هنا بفتوى كثير، بل في تعليق الارشاد الاكثر، بل في الرياض أنه الاشهر بين الطائفة، سيما متأخريهم بل ظاهرهم الاتفاق عليه كافة، إلا من الشيخ في النهاية والقاضي وابن حمزة، بل في موضع آخر منه أنه المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا من متأخرى الطائفة، مع رجوع الشيخ في الخلاف والمبسوط عما في النهاية مؤيدا ذلك كله بثبوته فيما هو مثله في المعنى، من الكذب والخطاء بمقدار الثمن من غير خلاف يعرف فيه بينهم الا من المحكي عن الاسكافي، فله الاخذ بحط الزيادة وربحها والمبسوط حيث يظهر غلطه وعن الخلاف أنه قواه مع أنه لا دلالة في كلام الاسكافي على سقوط الخيار، ولعله يثبته له مع ذلك. (و) لكن (المروي) هنا (أنه) يصح البيع و (يكون للمشتري من الاجل مثل ما كان للبايع) ففى صحيح هشام (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يشترى المتاع إلى أجل فقال: ليس له ان يبيعه مرابحة الا إلى الاجل الذى اشتراه فان باعه مرابحة ولم يخبره كان للذى اشتراه من الاجل: مثل ذلك " وخبر أبى محمد الوايشى (3) الذى لا تقدح جهالته بعد ان كان الراوي عنه ابن محبوب في وجه في معقد الاجماع على تصحيح ما يصح عنه قال: " سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل اشترى من رجل متاعا بتأخير إلى سنة، ثم باعه من رجل آخر مرابحة، أله أن يأخذ منه ثمنه حالا والربح ؟ قال: ليس عليه إلا مثل الذى اشترى، إن كان نقد شيئا فله مثل ما نقد، وإن لم يكن نقد شيئا فالمال عليه إلى الاجل الذى اشتراه ". وخبر ميسر بياع الزطي (4) الذى هو كالصحيح في الوجه المزبور، لان في السند صفوان قال لابي عبد الله عليه السلام: " إنا نشترى المتاع بنظرة، فيجئ الرجل، فيقول:


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4 (2 و 3) الوسائل الباب 25 من ابواب احكام العقود الحديث 2 - 3 (4) الوسائل الباب 25 من ابواب احكام العقود الحديث 2

[ 124 ]

بكم يقوم عليكم، فأقول: بكذا وكذا فأبيعه بربح ؟ فقال: إذا بعته مرابحة كان له من النظرة مثل مالك قال: فاسترجعت وقلت: هلكنا " الحديث والمراد منه بقرينة الخبرين السابقين، أنه إذا باعه مرابحة ولم يذكر الاجل، لا أن المراد بيان وجوب الاخبار خاصة فهو واضح الدلالة كالسابقين. وأما السند فقد عرفت حاله في جميعها فالعمل بها متجه خصوصا بعد ان لم تكن مهجورة، بل عمل بها الاسكافي والشيخ في النهاية والقاضى وابن حمزة، و المحدث البحراني على ما حكي عن بعضهم، ومال إليه الاردبيلى، أو قال به في المحكي عنه، ولم يعلم حال من لم يتعرض لذلك منهم، كالصدوق والمفيد، وأبى يعلى، وعلم الهدى والراوندي على ما قيل، وعن صاحب الرموز التوقف، كالشهيد في غاية المراد، وظاهر الدروس والمحقق الثاني في تعليق الارشاد، بل قيل أن التوقف ظاهر شرح الارشاد لفخر الاسلام. والتنقيح والمقتصر، والتوقف من جهتها، كالعمل بها في الخروج عن الشذوذ والهجر، بل عمل بها في المختلف في الجملة قال بعد ان ذكرها دليلا للشيخ: " والجواب انها محمولة على ما إذا باعه بمثل ما اشتراه وأخفى عنه النسيئة ولم يشترط النقد، فانه والحال هذه، يكون له من الاجل مثل ما كان للبايع على إشكال ". وان كان قد يناقش فيه بأنه - مع كونه إحداث قول في المسألة - لا فرق في ظاهرها بين التصريح بالنقد وعدمه، بعد أن كان الاطلاق منصرفا إليه، خصوصا بعد ما عرفت من تصريحهم بأنه مؤكد، على أن الظاهر إتحاد محل النزاع في كلام الاصحاب مع مضمون النصوص، والظاهر أن مراد المختلف بقوله باعه بمثل ما اشتريه، التصريح بتعيين الثمن، وأنه هو الذى اشتراه به واخفى النسيئة، لا أنه عقد البيع كذلك، ضرورة بطلانه حينئذ، فضلا أن يكون له من الاجل مثله. لكن في حاشية الارشاد للكركي " ظاهر الاخبار يقتضي ثبوت مثل الاجل،

[ 125 ]

لكن ليس فيها تصريح بكون البايع عين الثمن وأهمل الاجل، أو باع بمثل ما اشتراه ولم يعين شيئا، والمصنف في المختلف حمل الروايات على المعنى الثاني وأشكله، وأكثر الاصحاب على أنه يلزم المشتري الثمن حالا " ثم قال: " وأقول: إذا عين البايع الثمن وأهمل ذكر الاجل وجرى العقد على ذلك ينبغى الجزم بالصحة من غير أجل إذ ليس في الاخبار ولا غيرها ما ينافى ذلك، غاية ما في الباب ثبوت الخيار للمشترى للتدليس، فإن للاجل قسطا من الثمن، وإذا باع بمثل ما اشتراه ولم يعين شيئا وكان مؤجلا إستحق مثل الاجل إن صححنا البيع، وهذه مدلول الروايات، لكن نحن في صحته من المتوقفين، لما فيه من الغرر " وهو كما ترى، بل الخبر الثالث كالصريح في خلافه. وكيف كان فالعمل بالنصوص متوجه، سيما مع عدم شدة مخالفتها للقواعد، إذ ليس إلا اقتضاء إطلاق العقد الحلول وقد يمنع في مثل المقام، المبنى على البيع مرابحة، بل لو صرح فيه بذلك، بزعم أن رأس المال كذلك أمكن عدم الالتفات إليه. نعم يمكن القول بثبوت الخيار مع ذلك، إن لم ينعقد الاجماع على خلافه إذ ربما يكون مقصوده الشراء حالا، لعدم المنافات بينهما وبين ما دل عليه، والظاهر إرادة ثبوت مقدار أجل البايع للمشتري من النصوص المزبورة. لا ما بقى من أجل البايع، إذ قد يبيعه بعد حلول أجله عليه، كما أن الظاهر مساواة هذا الاجل للاجل المذكور في العقد في جميع الاحكام المذكورة، من الحلول بالموت، وعدم وجوب القبض على البايع، لو دفعه إليه المشتري قبل الحلول ونحو ذلك، ولا يسقط هذا الخيار بناء عليه ببذل البايع الاجل، ولا بتلف المبيع من المشترى، ولا بتصرفه فيه قبل العلم به، بل يفسخ ويرد القيمة أو المثل نحو ما سمعته في خيار الغبن، وفى القواعد النظر في السقوط بالاخيرين وقد مر في الغبن وفى بحث تلف المبيع مدة الخيار ما يعلم منه الحال هنا، فلا نعيده فلاحظ وتأمل. ولو باعه وضيعة أو تولية ولم يخبره ففى تعدية المبحث المزبور قوة كالقوة

[ 126 ]

فيما لو باعه مؤجلا دون الاجل الذى اشترى به، ولو باعه مؤجلا مرابحة بمقداره لكن لا على أن رأس المال كذلك، ففى تسلط المشترى على الخيار وجه ايضا والله اعلم. (النظر الثاني) من الستة (فيما يدخل في المبيع و) المعروف بينهم أن (الضابط الاقتصار على ما يتناوله اللفظ. لغة أو عرفا) لكن قال ثانى الشهيدين منهم: " المراد بالعرف ما يشمل الخاص الذى منه الشرعي، بل هو مقدم عليهما إذا لم تتفق، ثم العرفي، ثم اللغوي " و تبعه في الحدائق، فقال " إن الاظهر أن يقال إن الواجب هو حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية إن وجدت، وإلا فعلى عرفهم عليهم السلام، لانه يقدم على عرف الناس، وإلا فعلى ما هو المتعارف في ألسن المخاطبين، والمتبادر في محاوراتهم، وإن اختلفت في ذلك الاصقاع والبلدان، ثم مع تعذر ذلك فاللغة، وربما قدم بعضهم اللغة على العرف ". وهو من غرائب الكلام، إذ فيه ما لا يخفى إذا أراد تقديم الشرعي على العرف الخاص للمتعاقدين، ضرورة تبعية عقدهما لقصدهما، بل لو قصدا غيره مع الجهل به بطل ولو الشرعي، نعم لو علماه وقصداه صح وإن كان غير عرفهما، من غير فرق بين الشرعي والعرفي، بل وفيه إيضا فيما إذا لم يكن لهما عرف خاص، بل كان للعرف العام الشامل لهما معنى مغاير للشرعي - أن الظاهر إرادة ذلك من لفظهما، لا الحقيقة الشرعية التى يحمل عليه لفظ الشارع ومن تبعه في الاستعمال، وبعض

[ 127 ]

النصوص الواردة في بعض الالفاظ في النذر والوقف والوصية، مع أنها واردة في موارد خاصة، بل قيل إنها في الالفاظ التى لم يعلم لها معان معينة في العرف واللغة، وإنما هي مجملة، أو مبهمة غير متفق عليها بين الطائفة في موردها، فضلا عن غيره، والبحث في تقديم العرفية على اللغوية، أو العكس إنما هو في الاستعمال الذى لم يعلم حصوله قبل هجر اللغة أو بعده، لا في مثل المقام الذى فرض ذلك فيه نادر. وظني أن الاشتباه نشأ من ذكر هذا الترتيب في الالفاظ الواردة في خطاب الشارع فزعموا أن المقام مثله والفرق بينهما في غاية الوضوح. نعم قد يقال: بتقدم الحكم الشرعي على ما هو مقتضى العرف كما تسمعه في دخول ثمرة النخل قبل التأبير في ملك المشتري وإن لم يكن هو على مقتضى العرف، بل و إن كان العرف على خلافه، وهو - مع أن فيه من الاشكال ما تسمعه - غير محل البحث لكن قد يريده الشهيد أو نحوه مما لا يكون به مخالفا. ثم ينبغي أن يعلم أن ما يدخل في المبيع قد يكون من جهة تناول اللفظ، وقد يكون من جهة غيره، وكلام معظم الاصحاب هنا في بيان الاول، وإن شمل بعض كلماتهم ولو من حيث تعلق البيع التوابع في المبيع التى يقطع بعدم تناول لفظ المبيع لها، كطريق الدار، وثياب العبد، إلا أن الامر سهل. بعد أن كان المرجع في حكم التبعية الشرع، أو العرف إذ الفرض عدم ذكر ما يدل عليها في العقد الناقل، وقد لا تكون حاضرة في ذهن المتعاقدين، ودعوى أن الدلالة إلتزامية، يدفعها منع اللزوم بينها، وبين متعلق البيع من أن المحكي عن قطب الدين الرازي، أن المراد بتناول اللفظ بالدلالة المطابقية والتضمنية لا الالتزامية، فلا يدخل الحائط لو باع السقف واستحسنه في المسالك. لكن في الحدائق بعد أن حكى ما سمعت عن القطب، حكى عن الاردبيلى أن المراد بالمعاني ما يفهم منها بحسب التخاطب إرداة اللافظ ذلك مطابقا، أو تضمنا، أو

[ 128 ]

التزاما، ثم قال: " وهو الاظهر بالنظر إلى ما قدمنا نقله عنهم من الحوالة على العرف، قلت: الدلالة الالتزامية المصطلحة هي الانتقال من اللفظ الدال على الملزوم إلى اللازم، بواسطة اللزوم بينهما عقلا أو عرفا، أراده اللافظ أو لم يرده، فتعليق صيغة البيع باللفظ الدال على الاول، لا يقتضى إرادة نقل الثاني قطعا، وإن دل عليه أي صار سببا لحظوره في ذهن السامع عند ذكر الدال على الملزوم، وبينهما بون بعيد، وفرضه لازما للارادة بمعنى أن قصد نقل أحدهما يلزمه قصد نقل الاخر في الدلالة الالتزامية المصطلحة يمكن منع تصوره، فلم يبق في مثل التوابع المزبورة الا التبعية شرعا أو عرفا، لنقل ذلك المبيع، لا أنه قصد بالعقد نقلها، وأنه هو الذى أثر انتقالها كالمتبوع، وحيث كان الناقل في الفرض لفظ صيغة البيع، أمكن اندراجه حينئذ في الضابط المزبور بهذا الاعتبار، بناء على إرادة ما يشمل ذلك من اللفظ فيه، وإلا فهى تابعة للنقل، ولو كان بالفعل بناء على حصوله بالمعاطاة، فتأمل جيدا فإنه دقيق. ثم إن الظاهر كون محل البحث في اللفظ الذى صار موردا للعقد حال غفلة المتعاقدين عما شك في دخوله فيه، وعما اختلف فيه، إذ مع تنبههما لذلك ولم يتعرضا للدخول والخروج، ولا كان العرف عندهما منقحا، يقوى بطلان البيع للجهالة، إذ إناطة البيع بمعنى اللفظ، مع فرض عدم معرفته لا ريب في كونه منها، بخلاف ما إذا كانا غافلين واكتفيا في علم المبيع بمعظم أجزائه، ولم يتنبها لاستحضار تمامها، فإن الصحة فيه واضحة ويتجه حينئذ نزاعهما في دخول بعض الاشياء وخروجها، والمرافعة للحاكم، فيحكم بينهما بحسب ما يراه من الدخول والخروج ولو من جهة الشك، وقد يقال: بالصحة في الاول إيضا، بناء على عدم قدح مثل هذه الجهالة في أمثال ذلك في الصحة بعد ان كان معظم المراد من اللفظ معلوما. فتأمل جيدا. كما أنه يمكن القول بالبطلان فيهما، هذا كله مع الجهل في أجزاء مسمى مورد العقد، أما الجهل بالتوابع فغير قادح، إذ قد عرفت أن مرجعها إلى الشرع، لا إلى

[ 129 ]

ألفاظ المتعاملين، والمسألة غير منقحة في كلام الاصحاب، وظن المجتهد الذى يترافعان إليه في الدخول والخروج كاف، لانه من ظن الموضوع، بل لا يبعد الاكتفاء به في ظن التبعية. وكيف كان فقد تعارف بين الاصحاب البحث في ألفاظ مخصوصة لكثرة دورانها، فمنها لفظ البستان والباغ (فمن باع بستانا دخل) فيه (الشجر) والنخل والارض بلا خلاف ولا إشكال، من غير فرق بين ما قصد منه الثمر من الشجر وغيره، بل الظاهر دخول الميت من النخل فيها، إذا لم تكن مقطوعة، فضلا عن المشرف، وكذا الشجر على إشكال فيه، والسعف اليابس في النخلة، والاغصان اليابسة في الشجرة، لكن في القواعد " لا يدخل الغصن اليابس، ولا السعف اليابس على إشكال، وفى ورق التوت نظر " إلا أن ضعفه واضح، والقطع عادة لا يخرجه عن الجزئية. (و) أما (الابنية) فلا ريب في دخول سورها (فيه) كما نص عليه في جامع المقاصد ومحكي التذكرة، وكذا غيره مما يعد من توابعها ومرافقها، ويدخل في نحو إطلاق باع فلان بستانه. ولكن في القواعد الاشكال فيه وفى المسالك وجهان، من ذلك، ومن عدم دخوله في مسماه لغة، ولذا يسمى بستانا وإن لم يكن فيه بناء، بخلاف ما إذا لم يكن فيه شجر، فتنتفى دلالة المطابقة والتضمن، وأما انتفاء دلالة الالتزام فلعدم كونه لازما بحيث يلزم من تصوره تصوره، وفيه أنه يمكن كونه جزء من الفرد المبيع، لا من مفهوم البستان الصادق مع عدمه، كصدقه مع قطع بعض الاشجار منه، ولعل الاقوى. الرجوع فيه إلى العادة المختلفة باختلاف الامكنة، و أوضاع البناء وغيرهما، وإليه أومى في الدروس بقوله يدخل فيه الجدار والبناء الذى جرت العادة بكونه فيه دون غيره، لكن في التذكرة " عندنا لا يدخل " ولا ريب في تبعية المجاز، لانه من ضرورات الانتفاع بها، بل والشرب إيضا لذلك، كما جزم به في الدروس وجامع المقاصد، لكن في القواعد والتذكرة الاشكال فيهما،

[ 130 ]

ولا وجه معتد به للاول، بل والثانى مع الانحصار، لامتناع الانتفاع المطلوب من البستان بدونه كما هو واضح. واحتمال كون الاشكال من حيث المفهوم - وإن كان داخلا بوجه آخر - فيه ما لا يخفى، كاحتمال كونه مع التمكن من مجاز وشرب أعزلها، وكذا يتبعها العريش الذى يوضع عليه الغضبان إذا كان ثابتا دائما أو غالبا، دون المنقول دائما أو غالبا، مع أن في الدروس وجها في الدخول، وأطلق في القواعد الدخول على إشكال، كإطلاقه في التذكرة أن الاقرب عدم الدخول، وليس لفظ الكرم كالبستان قطعا، خلافا للمحكى في التذكرة عن الشافعية قال: وليس جيدا، فإن العادة والعرف والاستعمال يقتضى عدم دخول الحائط في مسمى الكرم، ودخوله في البستان، وفى المسالك أن المرجع في دخول الارض والعريش والطريق والشرب والبناء، لو باعه بلفظ الكرم العرف، فإن أفاد دخولها في مسماه دخل، وإلا فلا، ولو أفاد دخول بعضها خاصة أختص به وكذا القول في باقى الاشجار الثابتة معه، ومع الشك في تناول العرف لها لا تدخل. و أوضح من ذلك ما في الدروس " ولو باعه بلفظ الكرم تناول العنب لا غير إلا مع القرينة ". ومنها الدار التى أشار إليها المصنف بقوله (وكذا من باع دارا دخل فيها الارض والابنية الاعلى والاسفل) بلا خلاف ولا إشكال (إلا أن يكون الاعلى مستقلا بما تشهد العادة بخروجه مثل أن يكون مساكن منفردة) لها طريق مخصوص ونحوه، كما في بعض البلدان، والظاهر إشتراك السقف حينئذ بينهما، وعليه يحمل إطلاق المكاتبة الصحيحة (1) " في رجل إشترى من رجل بيتا في دار له بجميع حقوقه، و فوقه بيت آخر، هل يدخل البيت الاعلى في حقوق البيت الاسفل أم لا ؟ فوقع عليه السلام ليس له إلا ما اشتراه باسمه وموضعه إنشاء الله " مع أنها في البيت لا في الدار. وكذا لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (تدخل الابواب) المنصوبة، والحلق، والمغالق، والسلاسل، والعتبات (والاغلاق المنصوبة) عليها (في بيع الدار وإن


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 131 ]

لم يسمها) بل الظاهر دخولها فيها لا في بيعها خاصة، كما هو ظاهر العبارة (وكذا الاخشاب المستدخلة في البناء) بل (والاوتاد المثبتة فيه، والسلم المثبت في الابنية على حذو الدرج) بل والحمام المعد لها والحوض والخوابى المثبتة في الارض والحيطان بحيث تصير من أجزائها وتوابعها، خلافا للفاضل في التذكرة كما حكاه في المسالك، فنفى دخول السلالم المسمرة، والرفوف الموضوعة على الاوتاد من غير سمر، والاوتاد المثبتة، لخروجها عن اسم الدار، وفى اكثر كتبه كما حكاه في المسالك إيضا الخوابى مطلقا، وقد يحمل على ما لا تعد من أجزائها. قال في التذكرة: " ما أثبت في الدار لا على وجه الدوام والبقاء فيها كالرفوف والدنان و الاجانات المثبتة والسلالم المسمرة والاوتاد المثبتة في الارض والجدران والتحتاني من حجري الرحا، وخشب القصار ومعجن الخباز، الاقرب عدم دخوله، لانها ليست من أجزاء الدار، وإنما أثبتت لسهولة الارتفاق بها كيلا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال " وقال في الدروس: " لا يدخل فيها ما بها من آلة ولو كانت مدفونة " ثم بعد أن حكى عن الشيخ دخولها، لانها كالخزاين قال: " نعم لو كانت الخابية مثبتة في الجدران، قرب دخولها " وفى المسالك " لو كان السلم غير مثبت لم يدخل قطعا " قلت: قد يناقش فيه على إطلاقه. وكيف كان فلا يدخل فيها الكنوز المذخورة، والاحجار المدفونة، وما ليس بمتصل كالفرش، والستور، والحبل، والدلو، والبكرة، والقفل، ونحو ذلك، ويقوى دخول ألواح الدكاكين، كما في المسالك، واستشكل فيه في القواعد، وفى التذكرة " أن الاقرب الدخول، لانها أبواب لها، فأشبه الباب المثبت، ويحتمل عدم الدخول، لانها تنقل وتحول فكانت كالفرش " قلت: لا ريب في دخول الالواح التى هي أبواب لها وإن لم تكن ثابتة لسهولة الارتفاق بسعة الباب، أما الالواح المسماة بالخوان، في عرفنا، فالظاهر عدم الدخول، لانها من الآلات فتأمل جيدا.

[ 132 ]

(وفى دخول المفاتيح) للاغلاق المنصوبة (تردد، ودخولها أشبه) لانها من التوابع للاغلاق التى عرفت دخولها (ولا تدخل الرحى المنصوبة) قطعا (إلا مع الشرط) خلافا للمحكي عن المبسوط، وضعفه واضح، وإثباتها لسهولة الانتفاع بها، لا لادخالها في الدار، ويدخل في بيع الدار المجاز، ولو قال بحقوقها وتعدد دخل الجميع، ولو لم يقل، ففى القواعد إشكال، قال: " فإن قلنا بدخول الجميع فلا بحث، وإلا وجب التعيين " وكذا يدخل فيه البئر، بل والماء الذي فيه، كما نص عليه في التذكرة ولا تقدح جهالته بعد أن كان من التوابع، خلافا للمحكي عن المبسوط، فلم يدخله لان له مادة مجهولة تمنع من صحة بيعه، فتمنع من دخوله، وتبعه القاضى كما في الدروس والله أعلم. (ولو كان في الدار نخل أو شجر لم يدخل) في الدار ولا (في المبيع) بلا خلاف كما عن التنقيح الاعتراف به في بيع الارض التى هي كالدار في ذلك، وفى التذكرة " لو كان وسطها أشجار لم تدخل عندنا " (فإن قال بحقوقها قيل) والقائل الشيخ كما في المسالك (يدخل) بل فيها أنه يفهم منه الدخول وإن لم يقل بحقوقها محتجا بأنه من حقوقها، وفى الدروس عن المبسوط دخول الشجر والنخل في بيع الدار، وضعفه المصنف فقال: (ولا أرى هذا شيئا، بل لو قال وما دار عليه حائطها أو ما شاكله، لزم دخوله،) والذى حكاه الفاضل وغيره عن الشيخ، الدخول في بيع الارض إذا قال ذلك، لا الدار، بل قيل إنه وافقه عليه القاضى وابن حمزة وابن زهرة أللهم إلا أن لا يفرق بينهما. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف الدخول، سيما مع كونه على خلاف الاصل، و دعوى كونه من الحقوق ممنوعة في الغالب، بل لو فرض ذلك في بعض الاشجار والزرع المقصود منها نزهة الدار وحسنها كان خارجا عن محل النزاع، ويكون من قبيل الدخول بالقرائن، بل لا يحتاج فيه إلى التصريح بالحقوق. ومكاتبة الصفار (1) في الصحيح إلى أبى محمد عليه السلام " في رجل اشترى من رجل


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 133 ]

أرضا بحدودها الاربعة وفيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها، و الخارجة منها، أيدخل النخل والاشجار في حقوق الارض أم لا ؟ فوقع عليه السلام، إذا ابتاع الارض بحدودها وما أغلق عليه بابها، فله جميع ما فيها انشاء الله " أوضح دلالة على العدم منها على الدخول، من حيث تعليق الدخول فيها على ذكر ما أغلق عليه بابها، الدال بالمفهوم على العدم، مع عدم ذكره، والمنطوق لا خلاف فيه نقلا وتحصيلا لدلالة العرف. (وإذا استثنى نخلة) مثلا (فله الممر إليها والمخرج منها ومدى جرائدها) وعروقها (من الارض) وليس للمشترى منع شئ من ذلك، لانه من حقولها التابعة لها، كما أنه للبايع ذلك لو انعكس الامر. نعم لا يدخل نفس الارض في بيع النخل أو الشجر، للاصل، لكن يستحق من منفعتها ما يتوقف الانتفاع بالشجرة وثمرتها من الحرث والسقي وجمع الثمرة ونحو ذلك من حقوها. قال الصادق عليه السلام في خبر السكوني (1): " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل باع نخلا واستثنى نخلة، بالمدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائدها " كخبر عقبة بن خالد (2) " عن النبي صلى الله عليه وآله قضى في هرائر ؟ ؟ النخل ان تكون النخلة والنخلتان للرجل في حائط آخر، فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى أن لكل نخلة من أولئك من الارض مبلغ جريدة من جرائدها حين يعدها ". ولعل الاصل في الخبر حريم النخل، ثم اعتراه التصحيف، وعلى كل حال فالمراد واضح، وليس أنه يملك مقدار ذلك من الارض، بل المراد كون ذلك من الحقوق، فليس للمالك حينئذ أن يثنى الجرائد، أو يقطع العروق، بل ليس له العمل في الارض بما يضر بالعروق، أو النخلة، أما إذا لم يضر فالظاهر جوازه، وفى


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الحديث 2 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام احياء الموات الحديث 1

[ 134 ]

المسالك " أن في الجواز إحتمالا وجيها، لانه مالك الارض، وإنما استحق مالك الشجرة ما يحتاج إليه بطريق الاستتباع لتوقف الانتفاع عليه، لا الملك، فيقتصر فيه على موضع اليقين " ثم قال: " وكذا لا يجوز لمالك الشجرة الانتفاع بما يخرج عن متعلقاتها، من الزرع تحتها، والاقامة عندها زيادة على المعتاد في أمثالها، مع احتماله ايضا " قلت: لا وجه للاحتمال المزبور إذا لم يتوقف عليه مصلحة النخلة. وكيف كان فلا ينبغى التأمل فيما ذكرناه من الاحكام المزبورة، لكن قال محمد بن الحسن الصفار (1) " كتبت إليه في رجل باع بستانا له فيه شجر وكرم، واستثنى منها شجرة، هل يمر إلى البستان إلى موضع شجرته التى استثناها، وكم لهذه الشجرة التى استثناها من الارض التى حولها، بقدر أغصانها، أو بقدر موضعها التى هي ثابتة فيه فوقع عليه السلام، له من ذلك على حسب ما باع، فلا يتعدى الحق في ذلك، إنشاء الله " ولعل مراده نفى الملكية، لا الاستحقاق بالمعنى الذى ذكرناه والله أعلم. (و) قد ظهر لك مما ذكرنا اولا أنه (لو باع أرضا وفيها نخل أو شجر، كان الحكم كذلك " الذى سمعته أي لا يدخل ما لم يأت بالعبارة السابقة ونحوها مما تدل على الشمول (وكذا لو كان فيها زرع) لم يدخل ايضا في بيع الارض، ولو كان بذرا لما عرفت (سواء كانت له أصول تستخلف أو لم يكن، لكن يجب تبقيته في الارض حتى يحصد) لانه أوانه الذي ينتظر، والمراد باستخلاف الاصول، أنه يجز مرة بعد أخرى، ويجب تبقيته حينئذ إلى أن تنتهى جزاته، ويستقلع، والجميع للبايع، للاصل، لكن في الدروس " عن الشيخ والقاضي أنه ان كان مجزورا فهو للمشترى، وإلا فالجزة الاولى للبايع، والباقى للمشترى " ولا ريب في ضعفه.


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 135 ]

نعم لو شرطه المشترى، أو دلت القرينة، دخل كغيره من الزروع سنبلا، وقطنا مفتحا وغيره كان أو غيرهما، خلافا للمحكى عن المبسوط فلا يصح في السنبل والقطن، للجهالة له، مع أنه جوز بيع السنبل والبذر مع الارض، وعن المختلف إن كان البذر تابعا دخل بالشرط، وإن كان أصلا، بطل، قلت: الصحة مطلقا لا تخلو من قوة، بل في الدروس انه الوجه، ومنها النخل والشجر، ويدخل فيه ولو بالتبعية، الكبيرة، والصغيرة، والعروق، والمجاز، والشرب، على حسب ما عرفته سابقا في بيع البستان، ولا تدخل الارض كما سمعته حينئذ إيضا، بل ولا الافراخ المتجددة، وإن كانت هي ملكا للمشتري، باعتبار كونها نماء ملكه، وتظهر الثمرة في عدم وجوب إبقاؤها على البايع كالاصول، بل له الازالة، لان البيع إنما اقتضى إبقاء الشجرة وما يعد من أجزائها، وليس الفروخ شيئا منهما. نعم قد يقال إن الازالة عند صلاحية الاخذ، وإمكان الانتفاع كما في الزرع و الثمرة إذا اشتراهما، بل في جامع المقاصد " أنه لا يستحق أجرة على ذلك، لان البقاء إلى أوان الانتفاع من مقتضيات العقد، وربما أشكل أصل الحكم، بأنه إن شملهما اسم الشجر وجب الابقاء دائما، كالشجرة وإن لم يشمله لم يجب إبقاؤه وقتا ما، كما لو نبت حب الغير في أرض آخر، وأجيب بأن اسم الشجرة لا يتناوله فلا يجب إبقاؤه دائما، لكن لا يجوز إزالته حالا، لانه من نماء الشجرة فهو كثمرتها التى لم تدخل في مسماها، لكن يجب إبقاؤها إلى أوان البلوغ عرفا، ثم تسوغ الازالة " قلت: قد يحتمل وجوب بذل الاجرة جمعا بين الحقين ولو شرط البقاء فلا بحث في الوجوب. هذا وفى الدروس " قيل: ولا تدخل الافراخ الا بالشرط " وهو مشعر بتردده، ولعله نظر إلى الجزئية باعتبار حصولها من أصول الشجر، وفيه أنه وإن نمت من أصوله، إلا أن العرف اقتضى خروجها عن الجزئية، وعدها شجرا آخر، لكن في جامع

[ 136 ]

المقاصد " هذا، إذا لم يكن نابتة في نفس المغرس، أما إذا إنبتت فيه فاشكال ". وكيف كان فلا ريب في استحقاقه البقاء في الاصول، ولو انقلعت سقط حقه، وليس له غرس غيرها فيه، كما أنه ليس له الابقاء في المغرس مثبتة، لانها حطب حينئذ لا شجرة، بل الظاهر عدم وجوب بقاء أصلها، لرجاء أن ينبت، لان استبقاء الاصول إنما كان بالتبعية لها وقد زالت، وربما احتمل الوجوب، لوجوب إبقاء المجموع، فلا يسقط بزوال بعضه، ولا ريب في ضعفه، بل الظاهر كون الحكم كذلك وإن اشترط بقاء الافراخ إذا لم يكن فرخ حال الموت نعم لو كان موجودا. وبقاء الاصل له مدخلية في بقائه، إتجه حينئذ وجوب الابقاء. والله أعلم. (ولو باع نخلا قد أبر ثمرها) أي لقح بذر طلع الفحل من النخل في طلع الاناث بعد تشقيقه، (فهو للبايع) للاصل والاجماع المحكي إن لم يكن المحصل (لان اسم النخلة لا يتناوله، ولقول امير المؤمنين عليه السلام) في خبر غياث بن ابراهيم (1) عن الصادق عليه السلام (" من باع نخلا قد أبره فثمرته للبايع الا أن يشترط) المبتاع " أي (المشترى) " ثم قال: قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله " كقول الصادق عليه السلام في خبر يحيى بن ابى العلا (2): " من باع نخلا قد لقح، فالثمرة للبايع، إلا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك " وقال ايضا في خبر عقبة بن خالد (3): " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله أن ثمرة النخل للذي أبرها، إلا أن يشترط المبتاع " فما عن ابن حمزة من أنها للمشتري مع عدم بدو الصلاح، شاذ لا مستند له، (و) لكن (يجب على المشتري تبقيته) إلى أوان بلوغه من غير أجرة، (نظرا إلى العرف وكذا لو اشترى ثمرة كان للمشتري تبقيتها على الاصول، نظرا إلى العادة) بلا خلاف في شئ من ذلك، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه إذ هو من مقتضيات العقد عرفا، فكأنه مشترط، ويأتى في باب الخيار له تتمة انشاء الله.


(1) (2) (3) الوسائل الباب 32 من ابواب احكام العقود الحديث 3 - 2 - 1

[ 137 ]

(و) من المفهوم من النصوص المزبورة علم أنه (إن باع النخل ولم يكن مؤبرا، فهو للمشتري على ما أفتى به الاصحاب) بل في المختلف والتذكرة ومحكى الخلاف الاجماع عليه، بل هو مقتضى ما تسمعه من عبارة المصنف، فضلا عن نسبته هنا إلى الاصحاب، الظاهر في الاجماع أيضا، كظاهر الصيمري والمحكى عن المقداد، وبه يخرج عن مقتضى الاصل، لكن قد يشكل العمل بذلك، إذا فرض كون العرف على الخروج عن المشترى، كالاشكال في الاول، إذا فرض تعارف الدخول في ملك المشتري، ضرورة أنه معه يكون كالمصرح به، ودعوى شمول النصوص لذلك، يمكن منعها خصوصا في الاول الذي دليله المفهوم. (و) على كل حال ف‍ (لو انتقل النخل بغير البيع، فالثمرة للناقل سواء كانت مؤبرة أو لم تكن) عند علمائنا كما في التذكرة (وسواء انتقلت بعقد معاوضة ك‍) - وقوعه ثمنا (للاجارة و) مهرا في (النكاح أو بغير عوض كالهبة وشبهها) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل في ظاهر التذكرة أنه من معقد إجماعه، للاصل السالم عن معارضة النصوص والاجماعات السابقة، ودعوى التنقيح ممنوعة على مدعيها، كدعوى أن النصوص السابقة، إنما كشفت عن العرف في التبعية، خصوصا بعد ما صرح بما ذكرنا، غير واحد من الاصحاب، بل عن بعضهم الاجماع عليه، خلافا للمحكى عن المبسوط والقاضي فعمما الحكم، وعن السرائر أنه لا دليل لهما سوى القياس، ولو ظنها المشترى غير مؤبرة، فظهرت مؤبرة فعن الشيخ أنه له الفسخ، لفوات بعض المبيع في ظنه، وعن الفاضل عدمه، لعدم العيب وتفريطه، وهو قوى، لكن في الدروس " أن الوجه الأول، لان فوات بعض المبيع أبلغ من العيب، ولا تفريط، لانه بنى على الاصل " وفيه منع الفوات، ومنع كون البناء على الاصل عذرا يسلط على الخيار. ولو ظن البايع التأبير فظهر خلافه، ففى الدروس " أن له الفسخ إذا تصادقا على الظن " وفيه نظر يعلم مما عرفت، وعليه فلو ادعى أحدهما على صاحبه علم الحال، فانكر، احتمل كما في الدروس إحلاف المنكر، ويقضى

[ 138 ]

بما ظنه ولعله الظاهر. والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (الابار) الذى عليه المدار (يحصل ولو تشققت من نفسها فأبرتها للواقح) لاطلاق الخبرين الاولين، ومعاقد الاجماعات، ولا ينافيه خبر عقبة (1) بل في المسالك " أن العادة الاكتفاء بتأبير البعض، والباقى يتشقق بنفسه، و ينشب ريح الذكور إليه، وقد لا يؤبر شئ، ويتشقق الكل بتأبر الرياح، خصوصا إذا كانت الذكور في ناحية الصبا، فهب الصبا وقت التأبير " ونحوه في التذكرة (وهو معتبر في الاناث، ولا يعتبر في فحول النخل) لما عرفت من أن مسماه ذلك، فثمرتها على كل حال للبايع، للاصل السالم عن معارضة المفهوم، الظاهر في الذى عادة صنفه التأبير. (و) كذا (لا) يعتبر هو أو شبهه (في غير النخل من أنواع الشجر، إقتصارا على موضع الوفاق، فلو باع شجرة فالثمرة للبايع على كل حال) إلا أن يكون عرف يقتضى الخروج، للاصل السالم عن المعارض بعد حرمة القياس، ولعل ما في النهاية غير مناف لذلك قال: " إذا باع نخلا قد أبر ولقح، فثمرته للبايع، إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، فإن شرط كان على ما شرط، وكذلك الحكم فيما عدا النخل من شجر الفواكه " ونحوه قال المفيد وعن ابن إدريس أنه ما قصد الشيخ من ذلك إلا أن الثمرة للبايع، لانه ما ذكر إلا ما يختص بالبايع، ولا اعتبار عند أصحابنا بالتأبير إلا في النخل، فأما ما عداه متى باع الاصول وفيها ثمرة فهي للبايع، إلا أن يشترطها المشتري، سواء لقحت أو لم تلقح، وهو كما ذكر، وإلا كان ضعيفا لا شاهد عليه. ثم إن المدار على التأبير فعلا، كما هو ظاهر النصوص والفتاوى، لا وقته كما عن الشافعي، فلو باعه النخل بعد صلاح الثمرة، لكنها لم تكن مؤبرة، كانت للمشترى للصدق، إلا أن يكون هناك عرف يقتضى الخروج، فإن فيه الاشكال المزبور حينئذ. (و) على كل حال ف‍ (في جميع ذلك له تبقية الثمرة حتى تبلغ أوان أخذها) و


(1) الوسائل الباب 32 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 139 ]

هو مختلف كما تسمعه في الفروع (وليس للمشترى إزالتها إذا كانت قد ظهرت، سواء كانت ثمرتها في كمام كالقطن والجوز، أو لم تكن، إلا أن يشترطها المشترى) على البايع " فإن المؤمنين عند شروطهم " (وكذا لو كان المقصود من الشجر ورده، فهو للبايع تفتح أو لم يتفتح) بلا إشكال ولا خلاف أجده في شئ من ذلك، إلا من المحكى عن المبسوط وبعض أتباعه، فقال: " إذا باع القطن وخرج جوزه، فان كان تشقق فالقطن للبايع، إلا أن يشترطه المشتري، وإن لم يكن تشقق فهو للمشتري " ثم قال: " وما عدا النخل والقطن فعلى أقسام أحدها - ما يكون ثمرته بارزة، لا في كمام ولا ورد كالعنب والتين وما أشبه ذلك، فان باع أصلها، فان كانت الثمرة قد خرجت فهى للبايع، وإن لم يكن قد خرجت فهى للمشتري. الثاني - أن تخرج الثمرة في ورد، فإن باع الاصل بعد خروج وردها، فان تناثر الورد وظهرت الثمرة فهي للبايع، وإن لم يتناثر وردها ولم يظهر الثمرة، ولا بعضها فهي للمشترى. الثالث - أن تخرج في كمام كالجوز واللوز، مما دونه قشر يواريه إذا ظهر ثمرته فالثمرة للبايع - الرابع ما يقصد ورده كشجر الورد والياسمين، فإذا بيع الاصل، فان كان ورده قد تفتح فهو للبايع، وإن لم يكن تفتح فهو للمشترى. ونحوه عن ابن البراج، ولم أعرف له شاهدا صالحا لقطع الاصل في الورد والقطن، بل ظاهر التذكرة أن المخالف في الثاني الشافعي، قال ؟ فيها: " القطن ضربان، أحدهما له ساق ويبقى سنين، ويثمر كل سنة، وهو قطن الحجاز والشام والبصرة. والثانى - ما لا يبقى أكثر من سنة واحدة، وكلاهما لا يدخل الجواز الظاهر في بيع الاصل، سواء تفتح أو لا، خلافا للشافعي، ثم حكى قوله في القسمين " والتحقيق عدم الخروج عن مقتضى الاصل إلا في النخل كما عرفت، بل في الدروس أنه لا يدخل في ملك المشترى ورد الثمار فضلا عن الجنبذ والله أعلم. ومنها - القرية، والدسكرة، والضيعة في عرف أهل الشام، ويدخل فيه دورها

[ 140 ]

وساحاتها وطرقها، وفى دخول الاشجار الثابتة وسطها إشكال، كما في القواعد، وجزم في الدروس بالخروج الا مع الشرط، أو القرينة كالمزارع التى حولها، فانه لا ريب في خروجها، بل في القواعد وان قال بحقوقها. ومنها - لفظ الكتاب ويدخل فيه أجزائه وجلده وخيوطه، وما به من الاصول والحواشي والاوراق المثبتة فيه، ولا يدخل فيه كيسه ولا ما به من أوراق منفردة لا تتعلق به، الا إذا كان عرف يقتضيه، وفى دخول ما يعلم به من الاوراق نظر كما في الدروس. ومنها - لفظ الحمام ويدخل فيه بيوته، و موقده، وخزانة مائه، وحياضه، ومسلخه، وبئره وماؤها، بل في الدروس أنه لو كان ينتزع من مباح دخلت الساقية فيه، والاقرب دخول قدره المثبت فيه، ولا يدخل فيه سطله، ولا أقدامه، ووقوده ومأزره، وعلى البايع تسليمه مفرغا من الرماد و كثير الغمامة. ومنها - لفظ العبد والامة ولا يبعد إقتضاء العرف دخول ثيابهما الساترة للعورة في بيعهما، كما نص عليه في الدروس، وياتى الكلام في غيرها في بيع الحيوان، ومنها - لفظ الدابة ويدخل فيه النعل، دون المقود والرحل إلا مع الشرط كما في الدروس، و لعل العرف الان على خلافه، خصوصا في المقود. إلى غير ذلك من الالفاظ التى لا فائدة في التعرض لتفصيلها، بعد أن كان الضابط ما سمعته أولا. والله أعلم. فروع (الاول: إذا باع) النخل (المؤبر وغيره) صفقة (كان المؤبر للبايع والاخر للمشترى) بلا خلاف فيه بيننا، إتحدت البستان أو تعددت واتحد نوع المؤبر أو اختلف، خلافا للشافعي (وكذا لو باع المؤبر لواحد، وغير المؤبر لاخر) بل لو باع نخلة واحدة أبر بعضها دون الاخر، كان لكل حكمه، لان تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فيدور الحكم مدارها وجودا وعدما، خلافا للتذكرة فالجميع للبايع، لصدق بيع نخل قد أبر، واقتصارا فيما خالف الاصل - عن دخول غير المؤبر في ملك المشترى - على المتيقن، ولعسر التميز إذا أبر المشترى ما انتقل إليه، والمشقة

[ 141 ]

في اعتبار تأبير الجميع في بقاء الثمرة على ملك البايع. والجميع كما ترى بعد ما عرفت، على أن صدق التأبير ليس بأولى من صدق عدم التأبير، بل يمكن منع صدق الاول بظهور النصوص في تأبير الجميع، و الاقتصار على المتيقن لا يعارض الدليل ولو كان ظنيا، وعسر التميز - مع أنه لا يشخص ملكية البايع - يمكن رفعه حينئذ بالصلح، كما في الدروس " إذا لم يعلما قدر ما لكل منهما، نحو ما لو كانت مؤبرة للبايع، فتجددت أخرى للمشتري قال في القواعد: إن لم يتميزا فهما شريكان، فان لم يعلما قدر ما لكل منهما إصطلحا، ولا فسخ لامكان التسليم، وكذا لو اشترى طعاما فامتزج بطعام البايع قبل القبض فله الفسخ ولعله أراد الانفساخ من قوله لا فسخ، اي لا يتوهم ذلك لعدم القدرة على التسليم، لامكانه ولو بتسليم الجميع، فلا ينافى حينئذ ما ذكره أخيرا من أن له الفسخ بالتعيب بالشركة قبل القبض. فتأمل جيدا. فلا ريب حينئذ في قوة ما ذكرناه أولا، وأضعف من ذلك احتمال كون الجميع للمشترى لصدق عدم التأبير، ولم أجده لاحد من أصحابنا نعم في جامع المقاصد أنه ربما ظهر من عبارة التذكرة - وهو مع ضعفه - يمكن منع ظهورها فيه. فلاحظ وتأمل. الفرع (الثاني) قد عرفت أن (تبقية الثمرة على الاصول) إلى بدو الصلاح مستحقة لمالكها مجانا، ولو مع الضرر اليسير، للاصول بايعا كان أو مشتريا، ولكن بعد أن لم يكن لها مقدر شرعا (يرجع) إليه كان المرجع (فيها إلى العادة في تلك الشجرة) كما في نظائره خصوصا في نحو المقام الذى مبناه حديث الضرار (1) ونحوه (فما كان) من الشجر حينئذ (يخترف) ويجتني (بسرا) ينبغى أن (يقتصر على بلوغه) وانتهاء حلاوته (وما كان لا يخترف في العادة إلا رطبا فكذلك، وما يوخذ تمرا فالى أن ينشف نشافا تاما، وهكذا. ومع اضطراب العادة يرجع إلى الاغلب فيها، ومع التساوى يحتمل الحمل على الاقل، إقتصارا فيما خالف أصل تسلط


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4

[ 142 ]

المشتري على ملكه - ومنع غيره من الانتفاع به - على المتيقن والاكثر لثبوت أصل الحق، فيستصحب إلى أن يثبت المزيل، ووجوب التعيين للاختلاف المؤدى إلى الجهالة، وتسمع في باب الثمار تتمة لهذا. انشاء الله تعالى. ولو اتفق في التبقية الضرر الكثير على مشترى الاصول، فالاقرب - كما في القواعد وجامع المقاصد - جواز القطع. فله اجباره عليه كما عن المختلف والدروس وحواشي الشهيد وغيرها، لوجوب التسليم مفرغا عليه، ولنفى الضرر، ولا يقدح رضاه بالعقد المقتضى للتبقية بعد تنزيله على الغالب من عدم الضرر الكثير، بل في الاول النظر في دفع الارش، للاصل بعد أن كان القطع مستحقا، بل عن الدروس الجزم بعدمه له أولا، وان كان فيه من الضعف ما لا يخفى. للمنع من جواز القطع بلا ارش، ولعدم، زوال الضرر بالضرر، ولانه نقص دخل على مال غيره لنفعه. نعم قد يحتمل البقاء بالارش، والاولى مراعات أكثرهما ضررا، ومع التساوى والتشاح القرعة. ومن ذلك يعلم ما في التذكرة من أنه لا يجب القطع مع خوف الضرر على الاصل وان كان كثيرا على اشكال، وما عن التحرير من عدم الترجيح، بل عنها في موضع آخر والمبسوط وعميد الدين الجزم بعدم القطع وان كثر الضرر، بل ربما احتمل في عبارة المبسوط ذلك وان أدى إلى تلف الاصول، وفيه ما لا يخفى. الفرع (الثالث يجوز) ال‍ (سقى) لذى (الثمرة) لصلاحها لانه من حقوقها المستحقة له باستحقاق تبقيتها (و) سقى (الاصول) كذلك لصاحبها (فان امتنع أحدهما) فمنع الاخر من السقى (أجبر الممتنع) لعدم تسلطه على منع تصرف الاخر لصلاح ماله. نعم لو تضررا معا منعا منه. (فان كان السقي يضر أحدهما) بالفعل و الاخر بالترك (رجحنا مصلحة المبتاع) - كما عن الفاضل والشهيدين، بل نسبه ثانيهما إلى الاشهر، لان البايع هو الذى أدخل الضرر على نفسه بتسليطه عليه. ويحتمل البايع كما في الدروس لسبق تعلق حقه الذى لا يزيله تسليط المشتري،

[ 143 ]

وقد يحتمل بل لعله الاقوى مراعات أكثرهما ضررا، ومع التساوى القرعة، إلا على كل حال ينبغى بذل الارش للمتضرر منهما جمعا بين الحقين، خلافا لظاهر المتن وغيره من التقديم مجانا، وأما احتمال جواز فسخ العقد - بينهما مع التشاح كما حكاه في المسالك عن بعض الاصحاب، وغيره عن المبسوط - ففى غاية الضعف لعدم المقتضى له، وعليه لا يسقط البحث، لانه يمكن فرض المسالة فيما لا خيار فيه من العقود أو غيرها وكيف كان فليسق من تقدم فيه (لكن لا يزيد عن قدر الحاجة فان اختلفا فيها رجعا إلى أهل الخبرة) كما في غير المقام. الفرع (الرابع: الاحجار المخلوقة في الارض والمعادن تدخل) عرفا (في بيع الارض) بلا خلاف أجده فيهما، مما عدا ثاني الشهيدين (لانهما من أجزائها و) لكن قال المصنف (فيه تردد) مما سمعت، ومن عدم صدق اسمها على الحجارة عرفا، وخروج المعادن عن الحقيقة، وعدم دلالتها عليها بأحد الدلالات الثلاث. و في المسالك (أن الاقوى، دخول الحجارة، دون المعادن، لان الحجارة من الاجزاء بخلاف المعادن الخارجة عن الحقيقة والطبيعة) والاقوى عدم الفرق، إذ لا ريب أن أرض المعدن قطعة من الارض المخصوصة، لها خصوصية فتدخل في بيعها، وأضعف من ذلك، احتمال الخروج في الاحجار نعم هو كذلك في الاحجار المدفونة فبها كما في التذكرة والقواعد والدروس وغيرها، لتميزها، وكونها كالكنوز ونحوها من الامور المودعة فيها للنقل ولكن للمشترى حينئذ أمره بالمبادرة باخراجها، لتفريغ ملكه، وإن لم يكن عليه ضرر في الابقاء، ولا أجرة له مدة الاخراج و إن كان كثيرا، واحتمله في التذكرة بعد اختيار اللزوم، فان الظاهر ثبوت الخيار له إذا لم يكن عالما، وفات ما يعتد به من المنافع مدة الاخراج أو نقصت العين، ولو بذل له الدفين لم يجب عليه القبول، كما أن له الخيار في الاحجار المخلوقة فيها إذا كانت مانعة من الغرس والزرع ولم يكن عالما بها وان قلنا بدخولها في ملكه والظاهر انه

[ 144 ]

لا خيار للبايع لو ظهر فيها صفة زائدة على وصفها، كما لو ظهرت مصنعا أو معصرة للزيت أو العنب أو نحوهما، لدخولها في ملك المشتري على كل حال، خلافا للمسالك، فخيره، ونحوه ياتي في المعدن، بناء على دخوله وعدم علم البايع به. وبه جزم في الدروس قال: " ويدخل المعدن على الاقرب، فلو جهله البايع تخير، وكذا البئر والعين وماؤهما، ولو ظهر فيها مصنع أو صخرة عظيمة معدة لعصر الزيتون أو العنب فكذلك، وللبايع الخيار مع عدم العلم، والحجارة المخلوقة تدخل " قلت: قد يمنع دخول الاخيرين في ملك المشتري إذا لم يكونا مخلوقين فيها، و خيار البايع إذا كانا كذلك كما عرفت، لانها على الاول كالمدفونة التى اعترف بعدم دخولها وعلى الثاني داخلة في بيع الارض كيف ما كانت، بل قد يمنع الدخول في سابقيهما، لعدم تناول اسم الارض لهما، والغرض عدم كونهما من التوابع لها، والا لم يتسلط البايع على الخيار إذا لم يكن عالما، كما أنه لا تسلط له مع فرض الدخول في الارض ولو بالقصد الاجمالي. فتأمل جيدا. والله اعلم. (النظر الثالث في التسليم) لا خلاف في أن (إطلاق العقد) وتجريده عن اشتراط التاخير (يقتضي) (وجوب تسليم المبيع والثمن) عرفا فيتبعه الوجوب شرعا، لعموم قوله تعالى (1) " أوفوا " وغيره بل الظاهر ذلك، وإن لم يطالب كل منهما الاخر بذلك، فلا يجوز لاحدهما التاخير الا برضاء الاخر، ضرورة أنه بتمام العقد، يتم ملك كل منهما للعوض، فابقاؤه في اليد محتاج إلى الاذن. نعم الظاهر باعتبار كون العقد عقد معاوضة، - وجوب التقابض معا دفعة، كما أنه حصلا لهما الملك به كذلك.


(1) سورة المائدة الاية 1

[ 145 ]

(فإن امتنعا) معا عنه عصيا و (أجبرا) على التقابض، كما في كل ممتنع عما وجب عليه، (ولو امتنع أحدهما أجبر الممتنع) خاصة، لاختصاصه بالعصيان، وكان للاخر حبس العوض حتى يجبر الآخر على التقابض، كل ذلك لتساوي الحقين في وجوب إيصال كل منهما المال إلى مالكه، ولا رجحان لاحدهما على الآخر بالتقدم، (وقيل) والقائل الشيخ في محكي عن خلافه ومبسوطه، وابن زهرة والقاضي والحلي على ما حكي عنهما: (يجبر البايع أولا) إذا تمانعا، وهو أحد أقوال الشافعي، لان الثمن تابع للمبيع، ولانه بتسليمه يستقر البيع ويتم، إذ لو تلف قبل القبض كان من مال البايع وينفسخ العقد. (و) لا ريب أن (الاول أشبه) بأصول المذهب، بل لا أجد فيه خلافا بين المتأخرين (سواء كان الثمن عينا أو دينا) لاستواء العقد في إفادة الملك لهما، و تبعية الثمن للمبيع على وجه يقتضى ذلك، ممنوعة كمنع اقتضاء الثاني له، بل لعل ما عن أبى حنيفة ومالك والشافعي - من القول الآخر له، وهو العكس إي يجبر المشتري على تسليم الثمن - أولى منه، لان حقه متعين في المبيع، فيؤمر بدفع الثمن ليتعين حق البايع، فان للبايع حقا آخر، وهو التسلط على الخيار بعد الثلاثة وقد يفوته ذلك بالقبض وأولى منهما معا القول الثالث للشافعي وهو لا يجبران معا، لكن يمنعان من التخاصم، فان سلم أحدهما عليه، أجبر الآخر، وكأنه لحظ أن الوجوب على كل منهما مشروط بعدم امتناع الاخر فإذا امتنعا معا إرتفع الوجوب عنهما، فلا عصيان من أحدهما حتى يجبرهما الحاكم، لكن قد عرفت أن وجوب التقابض عليهما مطلق غير مشروط بشئ ولا ينافيه جواز الامتناع لاحدهما، إذا عصى الآخر في عدم التقابض. والرابع له أيضا أنهما يجبران معا وهو المختار، لكن أقواله الاربعة إذا كان الثمن في الذمة فان كان معينة فقولان له خاصة، عدم الاجبار وبه قال أحمد للشبهة السابقة، والاجبار لهما، وقد عرفت أنه الاقوى على كل حال، ومن ذلك كله ظهر لك أن المراد

[ 146 ]

بوجوب التسليم على كل منهما التقابض، وإلا فيجوز لاحدهما الامتناع عن التسليم، إن سبقه الآخر بالامتناع، كما هو مقتضى المعاوضة، والمعلوم من بناء المتعاقدين، بل إطلاق العقد بالنسبة إلى ذلك كالتصريح به. لكن عن الاردبيلي بعد أن حكى عن الاكثر أنه إنما يجب عليهما معا الدفع بعد أخذ العوض، ويجوز لكل المنع حتى يقبض - أشكله بعدم النص، وثبوت الانتقال بالعقد يقتضى وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الآخر، وعدم جواز الحبس حتى يقبض حقه، وجواز الاخذ لكل حقه من غير إذن الاخر، لان ذلك هو مقتضى الملك، ومنع احدهما حق الاخر وظلمه لا يجوز الظلم للآخر ومنعه حقه، واستجوده المحدث البحراني، لكن قال: إن في فهم ذلك من عباراتهم في هذا المقام إشكالا، إذ غاية ما يفهم منها أن إطلاق العقد يقتضى وجوب تسليم المبيع والثمن، فالواجب حينئذ على كل منهما التسليم من غير أولوية تقديم، خلافا للشيخ. فالغرض بيان تساويهما في وجوب التسليم ردا على ما سمعته من الشيخ، وأين هذا من المعنى الذى ذكره وأشكله، قلت: لا ينبغى التأمل في أن المفهوم من عبارات الاصحاب أن لاحدهما الامتناع بعد امتناع الاخر، وأن بناء المعاوضة على ذلك، وهو المراد مما في الدروس من أن حكم العقد تقابض العوضين، إلى أن قال: " فإن تنازعا في التقدم تقابضا " ونحوها غيرها لا أن الوجوب على كل منهما مستقل على كل حال وأن المالين بمنزلة الوديعتين فليس لاحدهما الامتناع عن التسليم مع عدم إرادة المقاصة مثلا بعد امتناع الاخر. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه لا شكال الاردبيلي بعد الفهم العرفي من إطلاق العقد، وفتاوى الاصحاب - بعد الاغضاء عما نقله عنهم - مما حاصله يرجع إلى ما ذكرناه في القول الثالث للشافعي، وربما حكي عن بعض الفسخ أو بعد الخلاف، وحينئذ يكون على وفق المشهور. فتأمل جيدا. فأن المقام لا يخلو من دقة. وربما ظهر منه أيضا أن وجوب التسليم الذى اقتضاه العقد بعد الطلب، فلا تجب حينئذ قبله، وفيه أن ظاهر الاصحاب ما قدمناه سابقا من اقتضاء إطلاق العقد وجوب

[ 147 ]

التسليم، كما أن العرف والقواعد الشرعية كذلك أيضا، فالتأخير يحتاج إلى الاذن لا الدفع فلاحظ وتأمل جيدا فيه وفى أن حق الحبس حيث يكون لاحدهما حق متعلق بالعين فيأثم حينئذ بالقبض بغير إذن، وساير تصرفاته فيها وإن لم يضمن له قيمة المنافع للملك بالعقد، أو أنه لا تعلق له بالعين، بمعنى، أن الاثم يحصل بالقهر على القبض خاصة، وأما التصرف في العين فلا إثم فيه، وجهان لم أقف على تنقيح لاحدهما في كلام الاصحاب. والذى يناسب الارفاق وحديث الضرار (1) الاول، فلا تصح الصلوة فيه مثلا، كما أنه لم أقف على تنقيح في كلامهم، لكون الاثم يحصل بالقبض بلا إذن، أو أنه مع المنع خاصة، مع أن الوجهين قائمان فيه ايضا، (و) المناسبة المذكورة لاولهما ايضا. هذا كله مع عدم الشرط لا معه. ف‍ (لو اشترط البايع) خاصة (تأخير التسليم) للمثمن (إلى مدة معينة جاز) سواء كان كليا في الذمة أو عينا مشخصة، للعموم الذى مقتضاه عدم استحقاق التسليم عليه (كما لو اشترط المشتري تأخير الثمن) ولو اشترطا معا جاز أيضا إذا لم يكن كل من الثمن والثمن كليا في الذمة، والا كان من بيع الكالي بالكالي كما في الدروس، وتسمع انشاء الله تعالى تحقيق الحال في ذلك ايضا، وليس لغير مشترط التأخير الامتناع عن التسليم حينئذ، لبقاء اقتضاء العقد بالنسبة إليه سالما كما هو واضح، ولو فرض إتحاد الاجل منهما، ففى بقاء حكم ما اقتضاه العقد من التقابض بعد حلول الاجل وجهان: ولو كان الشرط لاحدهما، فلم يقبض العوض حتى حل الاجل، ففي عود حكم التقابض إشكال، أقواه العدم، لعدم بطلان ؟ ؟ للعقد بقبضه بعد أن كان مستحقا لتقدم التسليم على الآخر ولو كان الثمن تدريجيا كعمل من المشترى، فالظاهر عدم اعتبار التقابض لعدمه، بل الواجب دفع المبيع كما لو كان الثمن نسيئة. نعم لو كان منفعة عين مملوكة، كدابة أو دار أمكن اعتباره بدفع العين ذات

[ 148 ]

المنفعة. فتأمل. فإنه قد ينافيه كلامهم في كتاب الاجارة. ثم إن الشرائط التابعة للثمن والمثمن تتبعهما أيضا في اعتبار التقابض لاتحاد إقتضاء الاطلاق في الجميع. نعم لو فرض خروجهما عن ذلك، أمكن دعوى عدم إقتضاء الاطلاق التقابض وإن استحق كل منهما على الاخر، نحو الوديعتين، فليس لاحدهما الحبس بامتناع الاخر، كما في بعض الشروط في النكاح التى يراد منها أصل الاستحقاق، لا معنى المعاوضة الملحوظ فيها التقابض. فتأمل. والظاهر أن حق الحبس ثابت بالامتناع من بعض العوض بل الظاهر عدم وجوب التقابض على النسبة لانه خلاف مقتضى العقد، مع احتماله فيما يتحقق منه. والله العالم. (وكذا) يجوز (لو اشترط البايع) مثلا (سكنى الدار أو ركوب الدابة مدة معينة كان أيضا جائزا) بلا خلاف ولا اشكال في أصل جواز ذلك، وظاهر المصنف عدم استحقاق التسليم عليه حينئذ، ولعله لاقتضاء العرف، وإلا فلا منافاة بين استحقاق الركوب والسكنى، ووجوب التقابض، (و) لكن البحث فيما يتحقق به (القبض) الذى يتوقف عليه الصحة في بعض العقود، ويرتفع به ضمان البايع وخياره بعد الثلاثة في بعض الاحوال، والحرمة أو الكراهة في بيع ما لم يقبض، إلى غير ذلك من الاحكام المترتبة في البيع وغيره، وهو في النهاية الاثيرية: القبض بجميع الكف ومحكى المصباح المنير: الأخذ. وفى الرياض عن جماعة من أهل اللغة: أنه القبض باليد. وفيه في غيره أنه في العرف كذلك ايضا. لكن ذلك لا يوافق ما عند الاصحاب، إذ قيل: أنه (التخلية) مطلقا (سواء كان المبيع مما لا ينقل كالعقار، أو مما ينقل ويحول كالثوب والجوهر والدابة، وقيل فيما ينقل، القبض باليد، أو الكيل فيما يكال، أو الانتقال به في الحيوان) وقريب منه ما في المحكي عن المبسوط، بل لعله هو الذى أراده، وإن كان لم يحكه بتمامه قال فيه على ما في المختلف: " أنه التخلية فيما لا ينقل ويحول. وأما فيه فإن كان مثل الدراهم والدنانير والجوهر وما يتناول باليد، فهو التناول، وإن كان حيوانا

[ 149 ]

كالعبد والبهيمة، فالقبض في الاول أن يقيمه في مكان آخر، وفى الثاني أن يمشي بها إلى مكان آخر، وإن كان اشتراه جزافا، فالقبض أن ينقله من مكانه، وإن كان مكايلة فالقبض أن يكيله " قال: وتبعه ابن البراج وابن حمزة. وقيل: أنه التخلية فيما لا ينقل، وفي المنقول نقله، واختاره أبو المكارم مدعيا عليه الاجماع، وتبعه الشهيدان في اللمعة والروضة، وفى الدروس " في غير المنقول التخلية بعد رفع اليد، وفى الحيوان نقله " وفى المعتبر " كيله أو وزنه، أو عده، أو نقله، وفى الثوب وضعه في اليد " قال: وقيل: التخلية مطلقا، ولا بأس به في نقل الضمان، لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض. نعم لو خلى بينه وبين المكيل فامتنع حتى يكتاله، لم ينتقل إليه الضمان وفى المختلف " أنه إن كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الاخذ باليد، وإن كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك الكيل أو الوزن، وإن لم يكن منقولا فالتخلية، وفى التحرير " الاقرب عندي أن القبض: الكيل أو الوزن فيما يكال أو يوزن، و القبض باليد فيما ينقل ويحول، والنقل في الحيوان، والتخلية فيما لا ينقل ويحول ومنه الثمرة على رؤوس النخل " وفى المسالك " التخلية في غير المنقول، وفيه إستقلال اليد عليه، سواء نقله أم لا، وفى المكيل والموزون كيلهما ووزنهما " إلى غير ذلك من الاقوال المتفقة، على أنه التخلية في غير المنقول، واختلافها إنما هو في المنقول، ومرجعها مع ملاحظة ساير القيود إلى سبعة، كما أن منشأها منحصر في دعوى العرف. وصحيح معاوية بن وهب (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن، فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلا أن


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 11

[ 150 ]

توليه " وخبر عقبة بن خالد (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل اشترى متاعا وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، وقال: آتيك غدا إنشاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته، حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " فبين جامع بين مضمونهما والعرف، وبين مقتصر على الثاني، لضعف سند الثاني منهما، واعتباره الاخراج المخالف للاجماع، وارادة النقل منه ليس بأولى من ارادة التخلية أو الاستيلاء أو نحو ذلك، ولا تصريح في الاول بأن الكيل قبض، ويمكن ارادة النهى عن بيعه قبل كيله ووزنه، وإن تحقق القبض فيه بالنقل، ولعل الاكتفاء به في جواب السؤال عن البيع قبل القبض، لاستلزامه حصول القبض مع زيادة الاعتبار المزبور، فالمراد حينئذ أن اشتراط ذلك في بيعه مستلزم لحصول القبض، وفرض حصوله أي الاعتبار بدونه نادر لا ينافى الاطلاقات، فانحصر الامر حينئذ في اللغة. لكن قد عرفت أن ما فيها لا (يوافق ما أجمع عليه الاصحاب في غير المنقول، والذى يقوي في النفس، أن المراد به في جميع المقامات التى إعتبره الشارع في صحتها أو لزومها أو غيرهما من الاحكام، تحويل السلطنة العرفية من المنقول منه إلى المنقول إليه، سواء حصل له السلطنة الشرعية قبله بالعقد، كما في البيع ونحوه، أو لا كالوقف والهبة ونحوهما. ولا ريب في حصولها بالتخلية في غير المنقول، بمعنى رفع المنافيات للمنقول إليه مع رفع يد الناقل والاذن منه، ضرورة صيرورته بذلك كالناقل في قبضه لعقاره ولا يحتاج حينئذ وصول المنقول إليه بنفسه أو وكيله إلى المنقول أو تصرفه فيه بل لا يحتاج إلى مضى زمان وان كان بعيدا عن المنقول إليه، لصدقها بدونه قطعا، كصدق دخوله في قبضته واستيلائه وتحت يده بذلك كالمنقول منه، وليس الاذن المزبورة


(1) الوسائل الباب 10 من أبواب الخيار الحديث 1

[ 151 ]

لتوقف جواز قبض المشتري للمبيع عليها، كى يرد أنه لا دليل عليه بعد أن ملكه بالعقد بل لتوقف تحقق التخلية المعتبرة في حصول السلطنة العرفية في مثله عليها، وإلا فالاقوى عدم اعتبار الاذن فيما كان قبضه بغير التخلية، حيث لا يكون له الحبس لتسلم الثمن أو المثمن. نعم هي معتبرة حيث يكون له ذلك، على الوجه الذى عرفته سابقا، وكذا لا ريب في حصولها في غير المنقول بالاستيلاء على العين استيلاء يستطيع به النقل و الاخذ وغيرهما من أحوال المالك، من غير حاجة إلى وقوع ذلك منه فعلا، ضرورة صدق تحقق المراد من القبض بطرح العين بين يدي المنقول إليه على وجه يتمكن من الفعل فيها كيف شاء نقلا وأخذا ونحوهما، إذ ليست أمواله التى بيده ويصدق عليها أنها مقبوضة له وتحت قبضته وفى يده إلا كذلك، من غير حاجة إلى المماسة والتصرف الحسيين، وليس ذا كالتخلية المزبورة في غير المنقول، إذ من الواضح الفرق بين تحقق السلطنتين عرفا في ذلك، فان أراد القائل بالتخلية مطلقا ما يشمل ذلك، بدعوى انها في المنقول غيرها في غيره فمرحبا بالوفاق كما انه إن كان المراد بما في المسالك ذلك أختص البحث معه حينئذ في خصوص القبض في المكيل والموزون، لكن في كلامه بعد ذلك ما ينافى حمله على ما ذكرناه، بل فيه ما يقضى بالتشكيك في اعتبار القبض في المكيل والموزون بالكيل والوزن. قال: " التحقيق أن الخبر الصحيح (1) دل على النهي عن بيع المكيل والموزون قبل اعتباره بهما، لا على أن القبض لا يتحقق بدونهما، وكون السؤال فيه وقع عن البيع قبل القبض لا ينافى ذلك، لان الاعتبار بهما قبض وزيادة، فلو قبل بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما بالنقل، عملا بمقتضى العرف والخبر الاخر (2) ويتوقف البيع ثانيا على الكيل والوزن، أمكن إن لم يكن إحداث قول في المسألة " إنتهى فتأمل


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 11 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 152 ]

جيدا، فان كلامه لا يخلو من اضطراب في الجملة، كالفاضل في الرياض. والتحقيق ما عرفت، وليس مرادنا حصر مصداق القبض بما ذكرنا، بل المراد عدم اعتبار القبض باليد أو النقل حسا ولو كان المبيع بيد المشترى قبل الابتياع، ففى المسالك " إن كان بغير إذن البايع، فلابد من تجديد الاذن في تحققه، أي القبض بالنسبة إلى رفع التحريم أو الكراهة، وأما بالنسبة إلى نقل الضمان فيحتمل قويا تحققه بدونه، كما لو قبضه بعده بغير إذن البايع " قال: " ويحتمل توقف الامرين على تجديده، لفساد الاول شرعا، فلا يترتب عليه أثره، ولو كان باذنه كالوديعة و العارية، لم يفتقر إلى تجديد إذن ولا تخلية ". وفيه أنه لا وجه لاعتبار الاذن في المنقول، حيث لا يكون له الحبس، كما لو باعه بثمن في ذمة البايع مثلا، لانتقاله إلى ملكه بالعقد، والفرض أنه في يده وفي قبضته وكون اليد سابقا عدوانا لا ينافى انتقال استمرارها إلى غير العدوان، وليس ذا كالقبض المتوقف صحة العقد عليه، فان اعتبار الاذن في ذلك مطلقا متجه، بخلاف المقام المتجه فيه على الظاهر عدم الفرق. نعم لا يبعد بقاء حق الحبس له إذا لم يكن الثمن واصلا إليه، فيحرم عليه التصرف، بناء على اقتضائه ذلك، ويبقى له الخيار بعد الثلاثة، أما انتقال الضمان، وزوال الحرمة أو الكراهة، فالوجه تحققها به لصدقه، ودعوى ارادة الصحيح منه - بدعوى أنه يشترط فيه شرعا الاذن وبذلك ينقسم حينئذ إلى الصحيح والفاسد دعوى في دعوى لا شاهد على شئ منهما، خصوصا مع أن الاصل ضمان المشترى. فتأمل. ولو كان المبيع مشغولا بملك البايع، فان كان منقولا كالصندوق المشتمل عل أمتعة البايع، كفى في قبضه على المختار حصول تلك السلطنة عليه ولو قبل تفريغه. بل لو اعتبرنا نقله، ونقله المشتري بالامتعة كفى في نقل الضمان وغيره

[ 153 ]

حتى مع عدم إذن البايع في نقل الامتعة، بعد أن يكون آذنا في المبيع، أو كانت إذنه غير معتبرة لوصول الثمن إليه، إذ الاثم في ذلك لا ينافى صحة القبض، وترتب أحكامه عليه، واحتمل في المسالك توقفه - فضلا عن غيره من أحكام القبض - على إذن البايع في نقل الامتعة، وفيه من الضعف ما لا يخفى. وإن كان غير منقول فلا ريب في تحقق التخلية قبل نقل الامتعة، فيكتفى. بها، واحتمل في المسالك عدم الاكتفاء بها قبل النقل أيضا وهو أضعف من سابقه. ولو كان المبيع مشتركا بين الناقل وغيره ففى المسالك " إنه على ما اخترناه إن كان منقولا فلا بد من إذن الشريك في تحقق القبض لتوقفه على اثبات اليد والتصرف في حصة الشريك " إلى ان قال فان " أذن الشريك والا نصب الحاكم من يقبضه أجمع، بعضه أمانة وبعضه لاجل البيع " واختار العلامة في المختلف الاكتفاء حينئذ بالتخلية، لان المانع الشرعي من النقل كالمانع العقلي في العقار، ذكر ذلك في باب الهبة، والحكم واحد بل فيها أقوى. قلت الظاهر تحقق القبض بنقله وقبضه وإن كان عصيانا، لما عرفت من أن الاثم في ذلك لا ينافى تحقق القبض عرفا، بل وشرعا، بل قد يقال: بتحققه وإن لم يحصل له النقل الحسى، بل بمجرد حصول سلطنة البايع له وهي تامة، والمنع من جهة الشريك أمر خارجي عنها لا ينافى تسلط المشتري على ذلك كتسلط البايع، وحينئذ يرفع أمره إلى الحاكم في استيفاء المنفعة من التشاح، وأولى من ذلك غير المنقول الذي يكتفى فيه بالتخلية، واستجوده في المسالك بعد أن احتمل التوقف على الاذن ايضا، قال: " لان حقيقة قبض ما هذا شأنه رفع يد المالك وتخلية المشتري بينه و بينه، وهذا لا يقتضى التصرف في مال الشريك " ثم قال: " ووجه الاشتراط أن وضع اليد والتسليط على التصرف لا يمكن بدون التصرف في حصة الشريك " قلت: هو كما ترى بعد عدم اعتبار مثل ذلك في التخلية التى يكفى فيها رفع المانع عرفا وشرعا من قبل البايع. ومن ذلك ظهر لك الحال فيما لو كان المبيع مختصا بالبايع، أو مشتركا بينه وبين

[ 154 ]

غيره أو المشتري، إذ المدار عندنا على حصول تلك السلطنة المزبورة، والاستيلاء المذكور وفى المسالك " أنه ان كان في مكان لا يختص بالبايع، كفى في المنقول نقله من حيز إلى آخر، وإن كان في موضع يختص به، فإن نقله فيه من مكان إلى آخر بإذنه كفى أيضا، وإن كان بغير إذنه كفى في نقل الضمان خاصة كما مر، ولو اشترى المحل معه كفت التخلية في البقعة، وفيه وجهان أصحهما الافتقار إلى النقل، كما لو انفرد بالبيع، ولو أحضره البايع، فقال له المشترى ضعه ففعل تم القبض لان البايع حينئذ كالوكيل فيه، وإن لم يقل شيئا، أو قال لا أريده ففى وقوعه بذلك وجهان، وينبغى الاكتفاء به في نقل الضمان، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك دون غيره ". وأنت إذا أحطت خبرا بما ذكرناه لا يخفى عليك مواقع النظر من هذا الكلام. كما أنه لا يخفى عليك ما في قول المصنف (والاول) من الاقوال الذى لم نعرف قائلا به قبله (أشبه) وإن استدل له - بعد دعوى العرف - بأنه استعمل فيها إجماعا فيما لا ينقل ويحول، فيجب أن يكون كذلك في غيره، ويكون حقيقة في المعنى المشترك، إذ لو استعمل في المنقول بمعنى آخر لكان إما حقيقة فيهما، فيلزم الاشتراك، أو مجازا في الاخر فيلزم المجاز، وكلاهما على خلاف الاصل. ونظر فيه في الرياض " بوجوب المصير إلى أحدهما، بعد قيام الدليل عليه، مع أن استعمال القبض في التخلية في المنقول، خلاف المفهوم والمتبادر منه في العرف واللغة، بل المتبادر منه عرفا عند الاطلاق هو القبض باليد، وبه صرح جماعة من أهل اللغة، فاللازم الاقتصار عليه، إلا ما قام الاجماع على إرادة التخلية منه، وهو إنما يكون في غير المنقول خاصة، وكذا لا يجب اعتبار شئ زائد عليه من النقل، إلا ما قام الدليل على اعتباره فيعتبر إن تم. فتأمل جيدا. ومع ذلك يرده المعتبرة (1) فلا وجه لهذا القول أصلا ". قلت: قد عرفت أنه يمكن إرادة المعنى الشامل للتخلية وغيرها من القبض،


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 155 ]

وهو السلطنة العرفية، بل ظاهر الاصحاب أن المذكورات أفراد للقبض، لامعان، فلا حاجة حينئذ إلى ارتكاب دعوى الاشتراك أو المجاز، للدليل، كما أنك عرفت إمكان إرادة القائل بالتخلية ما قلناه، وحينئذ دعوى منافاته للعرف كما ترى، ولو سلم فالمراد شرعا لا يزيد على ذلك قطعا، بل قد يحتمل إرادة ذلك من القبض باليد والنقل في عبارات الاصحاب، ضرورة عدم الاجتزاء بذلك مع عدم حصول السلطنة به، فهو كناية عما ذكرناه، لغلبة حصولها معه. والمعتبرة قد عرفت الحال فيها، إذ هي الخبران المزبوران (1) خاصة الذى على تقدير القول بالاول منهما، قال في المسالك: " لا يخلو المبيع إما أن يكون قد كيل قبل البيع ووزن، أو لا بأن أخبر البايع المشتري بكيله أو وزنه، أو باعه قدرا منه معينا من صبرة مشتملة عليه، فان كان الاخير فلابد في تحقق قبضه من كيله أو وزنه، للنص المزبور، وإن كان الاول ففى الافتقار إلى اعتباره ثانيا لاجل القبض، أو الاكتفاء بالاعتبار السابق وجهان، من إطلاق توقف الحكم على الكيل والوزن وقد حصلا، وقوله عليه السلام " لا تبعه حتى تكيله أو تزنه " لا يدل على أزيد من حصولهما الشامل لما كان قبل البيع. ومن كون الظاهر ذلك لاجل القبض، لا لاجل صحة البيع، فلابد له من اعتبار جديد بعد العقد، وبه صرح العلامة والشهيد وجماعة، وهو أقوى، ويدل عليه قوله عليه السلام في الخبر السابق " إلا أن تولية " فان الكيل السابق شرط لصحة البيع أو ما قام مقامه، فلا بد منه في التوليه وغيرها، ومقتضى قوله عليه السلام " إلا أن توليه " أنه معها لا يتوقف على كيل أو وزن، فدل ذلك على أنهما لاجل القبض لا لاجل صحة البيع. وأما الثاني فان اكتفينا بالاعتبار الاول، في الاول، كفى الاخبار فيه، و اختارهما في التذكرة وإن لم نكتف في السابق في الاول، لم يكتف حينئذ بالاخبار في


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 11 وباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 156 ]

الثاني بطريق أولى. وقد روى محمد بن حمران (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إشترينا طعاما فزعم صاحبه أنه كاله، فصدقناه وأخذناه بكيله ؟ فقال عليه السلام: لا بأس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل ؟ قال: لا، أما أنت فلا تبعه حتى تكيله " انتهى وفيه أولا ما عرفت من عدم دلالة النص، وثانيا أنه لا ينبغى التأمل في تحقق القبض في الاول، لو وهبه مثلا ما بقى من الصبرة، ثم نقل الجميع، وبه صرح بعض المحققين، وثالثا أن السيرة القطعية، بل يمكن دعوى الضرورة على خلاف ما جعله الاقوى كما هو واضح، خصوصا إذا كاله المشتري قبل الشراء ونقله، فانه لا حاجة حينئذ إلى قبض، لانه اشترى ما هو مقبوض له فتأمل جيدا. وستعرف إنشاء الله تحقيق أنه لا فرق فيه، بين البيع تولية وغيره في الكراهة أو الحرمة قبل القبض. ولعل المراد من خبر محمد بن حمران (2) أنه لا يباع ثانيا مخبرا بكيله، على حسب ما أخبر به الاول، ضرورة ظهور الاخبار في مباشرة المخبر الاعتبار، والفرض أنه كذلك، فهو حينئذ تدليس محرم، أو أن المراد به ما يراد من غيره من حرمة بيع المكيل أو الموزون قبل اعتبارهما، أو كراهته مطلقا، أو إذا كان طعاما كما ستعرف ذلك في محله، من غير مدخلية لتحقق معنى القبض، وإن كان ينافيه ظاهر كلامهم الاتى الذى هو ظاهر في أن المدار على تحقق القبض فلاحظ وتأمل. وكيف كان فلا ينبغى إلحاق المعدود بالمكيل والموزون، في أنه لا يكتفى بعده سابقا عن العد بعد العقد، لعدم النص، وتحقق القبض عرفا بما يتحقق في غيره خلافا للدروس فألحقه فيها، وهو لا يخلو من وجه، والتحقيق في ذلك كله ما سمعت، ومنه يعلم الغرابة هنا في بعض ما وقع لبعض الاصحاب. والله أعلم بحقيقة الحال.


(1) (2) الوسائل الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث 4

[ 157 ]

(و) كيف كان ف‍ (إذا تلف المبيع) بآفة سماوية (قبل تسليمه إلى المشتري) وقبل تمكينه منه، إنفسخ العقد و (كان من مال البايع) وعاد الثمن إلى المشتري بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة والدروس حتى لو أبراه المشتري من الضمان كما تقدم البحث فيه، وفيما لو مكنه منه، فامتنع من تسلمه أو أنه يتركه عند البايع باختياره والظاهر أن إتلاف المشتري بمنزلة القبض، سواء كان عالما أو جاهلا، للاصل السالم عن معارضة الخبر (1) المنساق منه غير الفرض، بقرينة ظهوره في إرادة الارفاق بالمشتري، واحتمل الشافعي عدم كونه بمنزلة القبض في الاول، فضلا عن الثاني، بل في التذكرة " هذا إذا كان المشتري عالما، أما إذا كان جاهلا بأن قدم البايع الطعام المبيع إلى المشتري فأكله، فالاقرب أنه ليس قبضا وأنه كإتلاف البايع " وهو كما ترى. ولو أتلفه البايع ففى القواعد والدروس وغيرهما أنه يتخير المشتري، بين الفسخ ورد الثمن، وبين الالتزام ومطالبة البايع بالمثل أو القيمة، كما لو أتلفه أجنبي، وعن الشيخ الفرق بينهما، فجعل الاول كالتلف بآفة سماوية، ووافق على الخيار في الثاني الذى ظاهرهم الاتفاق على الخيار فيه، لكن قد يحتمل الانفساخ فيهما معا، عملا باطلاق الخبر (2) وعدم جواز الاتلاف للبايع - فضلا عن الأجنبي، لان ليس له الفسخ فيكون عاديا فيه، فيترتب عليه المطالبة بما أتلفه - لا ينافى تحقق الانفساخ به، للخبر المزبور، وإن كان قد أثم بالفعل، على أنه لو فرض عدم تناول الخبر المزبور له، أشكل ثبوت أصل الخيار له، بل المتجه اللزوم ومطالبة البايع أو الأجنبي بالمثل أو القيمة، وتعذر التسليم على هذا الوجه لم يثبت سببيته للخيار، وخبر الضرار (3) يدفعه ما وضعه


(1 و 2) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1 (3) الوسائل الباب 17 من أبواب الخيار الحديث 3 و 5

[ 158 ]

الشارع من الضمان لمن أتلف مال غيره (1) فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالظاهر عدم جريان حكم المبيع على المثل أو القيمة في التلف من البايع قبل القبض، بل في جواز حبسها على الثمن إشكال. ولو كان المبيع متعددا فتلف بعضه قبل القبض، إنفسخ ورجع بقسطه من الثمن بلا خلاف، بل في التذكرة نسبته إلى كل من أبطل البيع بالاتلاف، وفيها وفى الدروس كان له خيار التبعض في المقبوض، وفيه نوع تأمل، لكنه ضعيف، وأضعف منه احتمال عدم الانفساخ في التالف، لتعليق الحكم على تلف المبيع الذى لا يصدق إلا بتلف الجميع، فيبقى حينئذ غيره على الاصل، فيكون تلفه حينئذ من المشتري، لانه أمانة في يد البايع، وتسمع في باب الثمار تتمة لهذا إنشاء الله تعالى. (وكذا إن نقصت قيمته) إى المبيع (بحدث فيه) من الله أو البايع، أو الأجنبي (كان للمشترى رده) بلا خلاف، بل في الروضة عن كشف الرموز الاجماع عليه، ولاصالة صحة العقد، والضرر بإلزامه بقبوله على هذا الحال - وقد علم من حكم التلف قبل القبض ارفاق الشارع بالمشترى خاصة دون البايع - وجبر ضرره - المشابه للانفساخ إنما هو بالخيار. (وفي الارش) مع الالتزام لو كان التعيب من قبل الله كما في المسالك (تردد) ينشأ - من أصالة البراءة بعد جبر الضرر بالخيار، على أنه إذا كان من الله تعيب على ملكه، لا من قبل أحد، وهو خيرة الشيخ في المحكى عن مبسوطه وخلافه، وابن ادريس بل نفى الخلاف فيه في الثاني، بل ربما ظهر منهم ذلك حتى لو كان من قبل البايع - ومن أنه مضمون على البايع بأجمعه، فكذا أجزائه وصفاته، واختاره الشيخ في نهايته، والفاضل والشهيدان، بل في المختلف حكايته عن ابن براج وأبى الصلاح، وفيه ان ضمان البايع له بمعنى انفساخ العقد لو تلف، لا انه يغرم


(1) قاعدة مستفادة من مضامين الاخبار ومن اراد الاطلاع على مداركها فليراجع القواعد الفقهية ج 2 للسيد البحنوردى.

[ 159 ]

المثل أو القيمه، ومثله يمنع سريانه للاجزاء، والا لاقتضى إنفساخ العقد في الجزء المقابل له من الثمن، حتى لو اراد دفع الارش من غيره لم يجب عليه القبول، و لا ريب في بطلانه خصوصا على ما هو الظاهر من عدم مقابلة اجزاء الثمن لاجزاء المبيع اللهم إلا ان يدعى ان إعطاء الارش مشابه للرجوع بالثمن في تلف الجميع، فيستفاد حكمه منه، لكن الاكتفاء في الحكم الشرعي بمثل ذلك في نحو هذه المسألة الخلافية كما ترى. نعم لا ريب في ثبوت الارش لو كان التعيب من أجنبي، لعموم من اتلف و الضرروة على عدم هدر جناية الجاني وتناول البايع لها - مع كون المال لغيره - لا وجه له، فانحصر في المشترى، لكن الظاهر بناء على ذلك إنما هو تفاوت ما بين القيمتين من غير ملاحظة النسبة إلى الثمن، وإن كان اطلاق لفظ الارش تقتضي ذلك لانه جزء من الثمن، ولو كان التعيب من قبل البايع، فالظاهر التزامه بالارش، لنحو ما سمعته في الأجنبي. فيتجه منه ما ذكرناه فيه. اللهم إلا أن يدعى إنفساخ العقد فيما قابل الجزء الفائت من الثمن، وقد عرفت ما فيه، وقد يناقش في أصل ثبوت الارش على البايع، بأن الضرر الناشئ منه سلط المشترى على الخيار، فكان تزلزل العقد صار عوض جنايته، فلا يستحق معه أرش، الا أن الاول أقوى. ومن ذلك ظهر أن المشتري يرجع على الأجنبي بالارش حيث يكون التعيب منه كما هو صريح بعضهم، وظاهر آخر وليس له الرجوع على البايع، باعتبار أنه مضمون عليه كالمغصوب، وهو في الجملة مؤيد لما ذكرنا من عدم كون العين مضمونة على البايع بالمعنى المزبور. فتأمل جيدا. والله أعلم.

[ 160 ]

(ويتعلق بهذا الباب مسائل) (الاولى): لا خلاف بناء على الملك بالعقد في أنه (إذا حصل للمبيع نماء كالنتاج أو ثمرة النخل أو) ما في حكمه ك‍ (اللقطة) للعبد (كان ذلك للمشترى) لانه من التوابع لملكه (فإن تلف الاصل) قبل قبضه (سقط الثمن عن المشترى لانفساخ العقد (وله النماء) لان التحقيق كون الفسخ من حينه، لا من اصله، وليس من ذلك أرش جناية الأجنبي مثلا، فمتى فسخ بها كانت للبايع، لانه عوض جزء عاد إلى ملك المالك كما هو واضح (ولو تلف النماء من غير تفريط، لم يلزم البايع دركه) - لانه امانة في يده، ولا يجرى عليه حكم المبيع، للاصل السالم عن المعارض. المسألة (الثانية: إذا اختلط المبيع بغيره في يد البايع إختلاطا لا يتميز، فإن دفع الجميع إلى المشتري جاز) وعن الشيخ انه يجب عليه القبول، لانه زاده فضلا، وفيه منع، بل الظاهر عدم سقوط الخيار الاتى بالبدل، كما صرح به في جامع المقاصد والمسالك (وان امتنع البايع قيل) والقائل الشيخ فيما حكى عنه: (ينفسخ البيع، لتعذر التسليم) ولانه كالتلف قبل القبض، وفيه منع واضح إذ أقصاه صيرورته كبيع المشاع. (و) الاقوى (عندي ان المشتري بالخيار، إنشاء فسخ وان شاء كان شريكا للبايع، كما إذا اختلطا بعد القبض) فإنه لا ريب في تحقق الشركة قهرا، ولا فرق في الاختلاط بين كونه من فعل البايع، أو غيره غير المشتري ولا بين كونه بالمماثل أو الاجود أو الاردى. نعم في المسالك " ينبغى - في الامتزاج بالاجود بغير اختياره - ثبوت الخيار

[ 161 ]

له، أي البايع أيضا لتضرره بذلك، مع اختيار المشتري الشركة " وفيه إشكال ينشاء من عدم مراعاة حاله قبل القبض، وإنما هي مختصة بالمشترى، ولذا لو تعيب من قبل الله في يده، تسلط المشتري خاصة على الخيار، وفى الارش ما عرفت، على إن المتجه بناء على ما ذكره، ثبوت الخيار له مطلقا، لا في خصوص الاختلاط بالاجود، لان الشركة مطلقا ضرر عليه أيضا. فتأمل. وحكم الاختلاط بغير مال البايع، حكم الاختلاط بماله. ثم إنه حيث تفتقر القسمة إلى مؤنة فهى على البايع، لان هذا العيب مضمون عليه، والتخليص واجب عليه، لوجوب تسليم المبيع إلى المشتري بعينه. المسألة (الثالثة: لو باع جملة فتلف بعضها) بآفة سماوية (فان كان للتالف قسط من الثمن)، لانه لا يبقى مع فواته أصل المبيع، بل بعضه، وضابطه ما كان صالحا للبيع منفردا، إنفسخ العقد فيه، ورجع ما يخصه من الثمن، لصدق تلف المبيع قبل قبضه، وكون الثمن موزعا عليه و (كان للمشتري فسخ العقد) في الباقي، لتبعض الصفقة (وله الرضا بحصة الموجود من الثمن كبيع عبدين، أو نخلة وفيها ثمرة لم تؤبر، و إن لم يكن له قسط من الثمن) لبقاء أصل المبيع بفواته، (كان للمشتري الرد) لما تقدم (أو أخذه بجملة الثمن، كما إذا قطعت يد العبد). وظاهره هنا الجزم بعدم الارش، مع أنه تردد فيه سابقا، واحتمال تغاير موضوع المسألتين في غاية السقوط، ووجهه ما سمعته من عدم مقابلة الثمن للاجزاء، حتى يفوت ما يخصها منه بفواتها، فليس إلا الخيار، كما لو فات الوصف الذى صرح في القواعد وجامع المقاصد والمسالك بعدم الارش فيه، قالا في الاخيرين: " فلو كان العبد كاتبا فنسى الكتابة قبل القبض، فللمشترى الرد خاصة، فإن الفائت ليس بعضا من المبيع، و من ثم لو شرط كونه كاتبا، فظهر بخلافه لم يستحق سوى الرد " لكنهما فرقا بينه وبين الجزء الفائت، كاليد ونحوها، وجزما بعد التردد بالارش فيه، معللين له بأن القيمة تزيد بوجوده، وتنقص بعدمه، وفواته من أظهر العيوب وأبينها، وللقطع بأن المبيع

[ 162 ]

هو مجموع بدن العبد، وقد فات بعضه، بل صرح في الاخير منهما أن الخيار فيه تبعض الصفقة، وأنه كفوات ماله قسط من الثمن من أحد العبدين ونحوه. وقد عرفت سابقا قوة القول بعدم الارش في الجزء، فضلا عن الوصف لو كان الفوات من قبل الله، أما لو كان من أجنبي فلا ريب في ضمان الجناية، وأن الاقوى كون المضمون تفاوت القيمتين من غير ملاحظة الثمن، بل وكذا البايع، وعليه فقد يقوى عدم الفرق بين فوات الجزء والوصف، ضرورة تفاوت القيم بتفاوت الوصف، بل يمكن التزام مقابلته بالثمن، بناء على مقابلته الاجزاء. فتأمل جيدا. والله أعلم. المسألة (الرابعة: يجب تسليم المبيع مفرغا) من أمتعة البايع وغيرها مما لم يدخل في البيع بمعنى وجوب التسليم والتفريغ (فلو كان فيه متاع وجب نقله، أو زرع قد أحصد، وجب إزالته) وإن لم يكن قد أحصد، وجب الصبر إلى أوانه إن اختاره البايع، ولا أجرة عليه على الظاهر. نعم للمشتري الخيار إذا لم يكن عالما به للضرر. (ولو كان للزرع عروق تضر) بالانتفاع (كالقطن والذرة، أو كان في الارض حجارة مدفونة، أو غير ذلك) مما يمنع الانتفاع أو كماله (وجب على البايع إزالته، وتسوية) الحفر في (الارض) لوجوب تسليم المبيع إليه متمكنا من الانتفاع به (وكذا لو كان فيها دابة، أو شئ لا يخرج، إلا بتغير شئ من الابنية، وجب إخراجه واصلاح ما يستهدم) وفى القواعد وجامع المقاصد والمسالك والروضة، وجب الارش ويمكن رجوعهما إلى معنى واحد، وإن اريد بالارش رجوع جزء من الثمن، كان فيه بحث يعرف مما تقدم، وله الفسخ مع الجهل بالحال، كما صرح به في الجامع والمسالك. ثم إن التفريق وإن كان واجبا، إلا ان القبض لا يتوقف عليه، فلو رضي المشتري بتسلمه مشغولا، تم القبض، ويجب تفريغه بعده، وفى جواز الامتناع عن القبض قبله وجه. المسألة (الخامسة: لو باع شيئا فغصب من يد البايع) قبل القبض (فإن أمكن إستعادته في الزمان اليسير) وجبت و (لم يكن للمشتري الفسخ)، للاصل السالم

[ 163 ]

(وإلا) يمكن ذلك أصلا، أو بعد الزمان الكثير (كان له ذلك) للضرر، وله حينئذ الانتفاع بما لا يتوقف على القبض، كعتق العبد ونحوه، وتلفه في هذه المدة من مال البايع، وإن كان قد رضى المشتري بالصبر، واحتمال أن هذا الرضا قبض ضعيف، بل لو تصرف في المبيع، بنظر أو لمس أو نحوه، وهو في يد الغاصب لم يكن قبضا عرفا، بل الرضاء بالبقاء في يد البايع، ليس قبضا، فضلا عن الغاصب، كما صرح به خبر عقبة بن خالد (1) المتقدم. نعم قد يقال: بعدم الانفساخ قهرا بالتلف السماوي في يد الغاصب بكونه مضمونا عليه للمشتري، فهو حينئذ كما لو ضمنه الأجنبي بالاتلاف في يد البايع، خصوصا مع كون الانفساخ على خلاف القواعد، فيجب الاقتصار فيه عليه المتيقن، وهو فيما إذا كان غير مضمون للمشترى، كما إذا كان في يد البايع. فتأمل جيدا، فانه دقيق، لكن لا يحضرني في الآن من احتمله. (و) كيف كان ف‍ (لا يلزم البايع أجرة المدة على الاظهر) لان المضمون عليه إنما هو العين وما كان من توابعها الداخلة في البيع، وليست المنفعة من هذا القبيل وانما هي نماء المبيع فلا تكون مضمونة، ولذا قال: في جامع المقاصد: " لا ريب في ضعف احتمال الضمان، وقد سبق من قريب فله النماء. غير مضمون، والمنفعة نماء. نعم قد يقال: إن النماء المتصل محل تردد، فان المبيع لو سمن في يد البايع، ثم هزل جاء فيه الوجهان، إلا أذا كان السمن موجودا وقت العقد، فانه مضمون قطعا " قلت: يمكن دعوى كون المنفعة فيه من قبيل النماء المتصل، فيكون الاحتمال حينئذ في محله، لان فواتها حينئذ بمنزلة النقص قبل القبض. نعم يضعف الاحتمال المزبور ما عرفته سابقا من أن النقص الداخل على المبيع من أجنبي، ضمانه - مع اختيار المشتري اللزوم - على الأجنبي لا على البايع، فيختص حينئذ الغاصب بالرجوع عليه، على أن التحقيق عدم دخول المنافع في المبيع، و إنما هي نماء.


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 164 ]

(فأما لو منعه البايع عن التسليم، ثم سلم بعد مدة، كان له الاجرة) لانه غاصب إذا لم يكن امتناعه بحق، كقبض الثمن، بل في جامع المقاصد احتمال الضمان أيضا، لان جواز الحبس غير سقوط حق المنفعة، ولا يلزم من ثبوت الاول الثاني و إن كان الاقوى الاول. ثم إن الظاهر جريان حكم الغاصب عليه في صورة عدم كون الحبس بحق، ينافيه الاحتمال السابق، في عدم الانفساخ قهرا لو تلف في يده بآفة سماوية. ولو طلب المشتري الانتفاع بالمبيع في يد البايع بنفسه وبغيره إلى حين تسليم الثمن ففى جامع المقاصد الظاهر أن للبايع المنع، وفيه نظر، وكيف كان فالنفقة في مدة الحبس على المشتري، لان العين ملكه، فان امتنع منها رفع البايع أمره إلى الحاكم، فان تعذر أنفق بنية الرجوع ورجع بها كما في نظائره، لكن في جامع المقاصد ما أشبه هذه المسألة، بمثل منع الزوجة نفسها قبل الدخول إلى أن تقبض المهر، فان في استحقاقها النفقة تردد، قال: ويحتمل الفرق بين المؤسر والمعسر، وفيه أنه يمكن الفرق بين المقامين. والله أعلم. (ويلحق بهذا) أي النظر الثالث (بيع ما لم يقبض وفيه مسائل الاولى: من ابتاع متاعا ولم يقبضه ثم أراد بيعه) جاز إن لم يكن مكيلا أو موزونا إجماعا بقسميه ونصوصا (1) ولا يشمله النهى عن بيع ما ليس عنده (2) قطعا، كما أنه لم يثبت حديث النهى عن بيع مطلق ما لم يقبض (3) كما اعترف به في الروضة، ولئن ثبت كان حمله على الكراهة بالنسبة إلى ذلك متعينا، فما حكاه في التذكرة عن بعضهم من القول بالمنع - مع أنا لم نتحقق القائل به - فاسد قطعا. نعم (كره) له (ذلك) مطلقا كما عن بعضهم، للمرسل المزبور (4) وإشعار بعض النصوص (5) أو (إن كان) المبيع (مما


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود (2) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 4 (3 و 4) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الحديث 6 سنن البيهقى ج 5 ص 313 (5) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 1 و 9 و 18

[ 165 ]

يكال أو يوزن) وفقا للمفيد والنهاية ومحكي القاضى، بل هو المشهور بين متأخري الاصحاب، نقلا وتحصيلا، لاصالة الجواز وعموماته، وإطلاقاته، سيما التعليل في نحو الصحيحين اللذين في أحدهما (1) " في رجل أمر رجلا يشترى متاعا، فيشتريه منه، قال: لا باس بذلك، إنما البيع بعد ما اشتريته " وفى ثانيهما (2) " لا بأس إنما تشتري. بعدما اشتريته ". وخصوص خبر الكرخي (3) قال للصادق عليه السلام: " أشتري الطعام إلى أجل مسمى، فيطلبه التجار منى بعدما اشتريته قبل أن أقبضه، فقال: لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت، وليس لك أن تدفع قبل أن تقبض، قلت: فإذا قبضته جعلت فداك، فلي أن أدفعه بكيله ؟ قال: لا بأس بذلك إذا رضوا " وزاد فيما رواه عنه في الفقيه، (4) قال: " وقلت: له أشتري الطعام من الرجل، وأبيعه من رجل آخر قبل أن اكتاله، فأقول: إبعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته ؟ قال: لا بأس " والمراد أجل الثمن، والبيع مرابحة، ولذا قيد الامام عليه السلام نفى البأس بما سمعت. وخبر جميل بن دراج (5) عن الصادق عليه السلام أيضا " في رجل اشترى الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشترى منه بكيله وقبضه ؟ قال: لا بأس " وخبر أبى بصير (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى طعاما ثم باعه


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب احكام العقود الحديث 6 وفيه بعدما يشتريه: بدل ما اشتريه (2) الوسائل الباب 8 من ابواب احكام العقود الحديث 8 وفيه انما يشتريه منه بعدما يملكه (3) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 19 (4) الفقيه ج 3 ص 131 الطبع الحديث النجف (5) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 6 (6) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 16 مع نقصان يسير فيه

[ 166 ]

قبل أن يكيله ؟ قال: لا يعجبنى أن يبيع كيلا أو وزنا، قبل أن يكيله أو يزنه، إلا أن يوليه كما اشتراه، فلا بأس أو يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، وما كان من شئ عنده ليس بكيل ولا وزن، فلا بأس ان يبيعه قبل ان يقبضه " وصحيحي (1) محمد بن مسلم الواردين في بيع الثمرة المشتراة قبل قبضها، بناء على شمولها للمكيل والموزون منها، لا أنه لخصوص ما كان على الشجر والنخل. وخبر إسحق المدائني (2) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن القوم يدخلون السفينة، يشترون الطعام، فيتساومون بها، ثم يشتريه رجل منهم، فيسألونه فيعطيهم ما يريدون من الطعام، فيكون صاحب الطعام هو الذى يدفعه إليهم، ويقبض الثمن ؟ قال: لا بأس ما أرايهم إلا وقد شركوه "، مضافا إلى النصوص (3) الدالة على جواز بيع السلم بعد حلوله وقبل قبضه، بل لا خلاف أجده فيه هناك إلا من بعضهم إذا كان البيع بجنس الثمن مع الزيادة، بناء على أن المسألتين من واد واحد، كما صرح به في الروضة والمسالك واختار فيهما معا الحرمة، إلا أن النصوص شاهدة بخلافه، ولذا فر المحدث البحراني من القول بالحرمة فيها من قوله بها في المقام. نعم يمكن حمل تلك النصوص على غير صورة البيع، وأنه كان وفاء بصلح ونحوه. فلاحظ وتأمل. وقيل ؟ كما عن العماني: لا يجوز، ومال إليه ثانى الشهيدين والمحدث البحراني (وقيل) كما عن المبسوط والخلاف والغنية والصدوق والقاضى في أحد كتابيه أنه (إن كان طعاما لم يجز) بل في الثلاثة الاول الاجماع عليه وإن كان موهونا بمصير بعض من تقدمه، ومعظم من تأخره إلى خلافه، بل قد سمعت أن خيرته في النهاية


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 و 2 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 7 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود وباب 11 من ابواب السلف

[ 167 ]

الكراهة، فلا ريب في قصوره عن معارضة أدلة الجواز، كالنصوص (1) التى ما بين قاصرة الدلالة، أو السند، ومشتمل على ما لا يقول به المعظم منهم من الفرق بين التولية وغيرها، وناه عن البيع قبل الكيل والوزن الذى لا يدل على المقام، بناء على التحقيق من عدم توقف القبض عليه، على أن مقتضى عدم التعارض بينهما ما اختاره العماني، وهو شاذ، فمفاد النصوص لا قائل به إلا نادر، وما قالوه من خصوص الطعام غير مفادها. (و) حينئذ فلا ريب أن (الاول أشبه) وعليه يحمل لفظ لا يصلح في صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام قال: " في الرجل يبتاع الطعام، ثم يبيعه قبل أن يكال ؟ قال: لا يصلح له ذلك " ومثله خبر البصري (3) وأبى صالح (4) مع زيادة " لا تبعه حتى تكيله " وخبر على بن جعفر (5) " سأل أخاه عليه السلام عن الرجل يشترى الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه، قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وإن كان توليه فلا بأس " خصوصا بملاحظة خبر أبى بصير (6) المتقدم الظاهر في الكراهة. بل هو القرينة على إرادتها من النهي في الزيادة المزبورة. كالنهي في صحيح منصور بن حازم (7) عن الصادق عليه السلام أيضا " إن اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن، فلا تبعه حتى تقبضه، إلا أن توليه، فإذا لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه " وخبر محمد بن قيس (8) عن أبي جعفر عليه السلام " من احتكر طعاما أو علفا، أو ابتاعه بغير حكرة، وأراد أن يبيعه، فلا يبعه حتى يقبضه ويكتاله " وخبر حزام المروي عن مجالس الطوسي (9) قال: " ابتعت طعاما من طعام الصدقة، فاربحت فيه قبل أن أقبضه، فأردت


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود (2) الوسائل - الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 5 (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 14 و 9 (6 و 7 و 8) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 16 و 1 و 17 (9) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 21

[ 168 ]

بيعه، فسألت النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال: لا تبعه حتى تقبضه " مع أنه استثنى في الثاني: التولية، كما أن الاول لا يدل على المطلوب، إلا بناء على إرادة القبض من الكيل، وفيه منع. وأولى من ذلك في احتمال إرادة الكراهة، صحيح الحلبي (1) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قوم إشتروا بزا فاشتركوا فيه جميعا ولم يقسموه، أيصلح لاحد منهم بيع بزة قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس به، وقال: إن هذا ليس بمنزلة الطعام، إن الطعام يكال " الذى أقصى مفهوم التعليل فيه ثبوت البأس الذى هو أعم من الحرمة. كخبر منصور (2) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يكن كيل ولا وزن فإن هو قبضه فهو إبراء لنفسه " إلى غير ذلك من النصوص - التى هي مع قطع النظر عما ذكرناه من أدلة الجواز - ظاهرة في الكراهة. وقد عرفت أن مقتضاها - خصوصا مع ملاحظة التعليل في صحيح الحلبي - تعميم الحكم في كل مكيل وموزون، لا خصوص الطعام، وهو خلاف المعروف بين القائلين بالحرمة، كما أن المعروف بينهم، عدم الفرق في ذلك بين التولية وغيرها، ولذا نسبه المصنف إلى الرواية، فقال: (وفى رواية يختص التحريم بمن يبيعه بربح، فأما التولية فلا) بل عن المهذب البارع، أنه لم يقف على عامل بها، وإن كان فيه أنه قال: به بعض من تقدمه كالفاضل في التحرير والقواعد وتبعه الشهيد الثاني في المسالك والروضة، للنصوص المزبورة التى ظهر لك أن الاولى الجمع بينها بالقول بالكراهة في مطلق ما لم يقبض للمرسل، (3) وتشتد في خصوص المكيل والموزون، وتشتد في خصوص الطعام منه، وتشتد في خصوص بيعه مرابحة،


(1 و 2) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 10 و 18 (3) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الحديث 6

[ 169 ]

وفى إلحاق الوضيعة بها، أو بالتولية، وجهان - من لزوم الاقتصار فيما خالف إطلاق المنع على ما تضمنه الروايات - ومن مفهوم الصحيح إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، واحتمال ورود الاطلاقات، واستثناء التولية خاصة. مورد الغلبة، لكون المعاملة بالوضيعة نادرة، إلا أنه وارد في مفهوم الصحيح، ومع ذلك يؤيد الاول، ذيل خبر أبى بصير (1) السابق، بناء على عطف يضع فيه على لفظ يربح، لكن قد يقوى في النفس خفة الكراهة فيها بالنسبة إلى التولية، إذ الظاهر أن المراد من النصوص أنه مع البيع مرابحة ينبغى الكيل والوزن، وعدم الاكتفاء بالاخبار كما هو المناسب لاخذ الربح ودفعه، أما إذا لم يكن له فيه ربح، فاللائق أخذه منه كما اشتراه بالاخبار ونحوه، و لا ينبغى مداقته لعدم حصول ربح له، فلا ريب في أولوية المواضعة حينئذ، فلاحظ النصوص وتأمل ما ذكرناه تجده واضحا. كما أنك تجد أوضح من ذلك، وما أومأنا إليه سابقا من أنه على المختار من عدم توقف القبض على الكيل والوزن، ينبغى جعل موضع الكراهة، بيع ما لم يكل أو يوزن وان كان مقبوضا، بل الاولى تحرير محل النزاع كذلك، لما عرفت من الاختلاف في تحقق القبض، واحتمال عدم البأس كراهة وحرمة في بيع الطعام - فضلا عن غيره إذا كان قد قبضه بنقل أو وضع يد أو نحوهما وإن لم يكن قد كاله ووزنه - ينافيه ظاهر النصوص، ضرورة وضوحها في أن المدار على عدم كيله ووزنه. نعم عبر في بعضها عن ذلك بعدم القبض لغلبة حصول الكيل والوزن معه، واحتمال العكس ضعيف بالنسبة إلى ذلك فيها، وإن كان يؤيده ظاهر تحرير محل النزاع في كلام الاصحاب فلاحظ وتامل. وكيف كان، فالظاهر البطلان على القول بالحرمة، كما عن العماني التصريح به، وتبعه بعض المتأخرين، لما تحقق في الاصول من اقتضائه الفساد عرفا، إذا تعلق بالمعاملة، فما في المختلف من أنه يأثم خاصة - بناء على عدم اقتضاء النهى الفساد في


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 16

[ 170 ]

المعاملة - قد تبين ضعفه في الاصول. هذا كله إذا أراد بيع ما انتقل إليه بالبيع قبل قبضه. (و) أما (لو ملك ما يريد بيعه بغير بيع كالميراث والصداق للمرأة والخلع جاز وإن لم يقبضه) بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه، لعموم الادلة وإطلاقها السالمين عن المعارض، حتى لو كان انتقاله إلى المورث والمصدق والمختلعة ببيع لا قبض معه، كما هو مقتضى إطلاق المتن وغيره وصريح بعض، ضرورة ظهور أدلة المنع فيما لا واسطة بين الابتياع والبيع، وفى الفرض قد تخلل الارث و الاصداق وعوض الخلع بين الابتياع والبيع، فما عن بعضهم من تقييد الاطلاق بذلك في غير محله، وكذا لا إشكال في جواز نقل ما ابتاعه ولم يقبضه بغير البيع حتى الصلح، بناء على ما هو التحقيق من كونه عقدا مستقلا، للعموم والاطلاق السابقين (1) فالمنع حينئذ من الاجارة بناء على أنها ضرب من البيع، فيه منع واضح - ومن الكتابة لانها بيع للعبد من نفسه، وهو أوضح منعا، فصار المنع والكراهة فيما لم يقبض مشروطة بشرطين، أحدهما - انتقاله إليه بالبيع، والثانى - نقله بلا واسطة مبيع، والظاهر إختصاص الحكم بالمبيع كما صرح به بعضهم، دون ثمنه، فيجوز نقله ببيع وغيره و إن لم يكن مقبوضا، إقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن. والله أعلم. ومما ذكرنا يظهر لك. أن المسألة (الثانية) التى ذكرها المصنف وغيره، وهى أنه (لو كان له على غيره طعام من سلم، وعليه مثل ذلك، فأمر غريمه أن يكتال لنفسه من الآخر) ليست مما نحن فيه، إذ هي إما حوالة أو وكالة، وعلى كل حال ليست من بيع المبيع قبل قبضه فلا ياتي فيها البحث السابق فما (ف‍) - ى المتن وغيره - من أنه (على ما قلناه) في


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود

[ 171 ]

المسألة السابقة (يكره، وعلى ما قالوه) فيها (يحرم) معللا (ل‍) - ه ب‍ (أنه قبضه عوضا عما له قبل أن يقبضه صاحبه) في غير محله، كالتعليل الذى من الواضح عدم اقتضائه كونه بيعا قبل قبضه، إذ المعاوضة أعم من البيع، ودعوى أن الحوالة قسم من البيع كما ترى، بل هي قسم مستقل برأسه، ومن هنا قال في المحكى عن الخلاف: " يجوز الاحالة، سواء كان الطعامان قرضين، أو أحدهما قرضا والآخر سلما بلا خلاف أو كانا سلمين عندنا، لان الاصل جوازه والمنع يحتاج إلى دليل ". ومن ذلك يعلم أن ما حكاه في المسالك عن الخلاف في غير محله، نعم حكى ذلك عن المبسوط والقاضى وظاهر المتن وبعض، موافقته على بناء هذه المسألة، على المسألة السابقة، بل نفى الخلاف عنه في المبسوط، قال: " وإن كانا سلمين لا يجوز بلا خلاف لان بيع السلم لا يجوز قبل القبض إجماعا لا لعلة " لكن قد عرفت ما فيه، على أنه قد روى المشايخ الثلاثة في الصحيح (1) في بعض والموثق في آخر، عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه كر من طعام فاشترى كرا من رجل آخر، فقال للرجل: إنطلق فاستوف كرك، قال: لا بأس به ". وكيف كان فقد ظهر لك أن بناء هذه المسألة على ما تقدم لا وجه له. وما عن الشهيد في بعض تحقيقاته - وأنه من لطائف الفقه، وربما كان التعليل في المتن وغيره موميا إليه - " من أن مورد السلم لما كان ماهية كلية ثابتة في الذمة، منطبقة على أفراد لا نهاية لها، فأي فرد عينه المسلم إليه، تشخص ذلك الفرد، وانصب العقد عليه، فكأنه لما قال له الغريم: إكتل من غريمي فلان، قد جعل عقد السلم معه. وارادا على ما في ذمة غريمه المستسلف منه، ولما يقبضه بعد، ولا ريب أنه مملوك له بالبيع، فإذا جعل مورد السلم الذي هو بيع، يكون بيعا للطعام قبل قبضه فيتحقق الشرطان، ويلحق بالباب " - لو سلم فإنما هو في الفرد الذي يتشخص بالدفع والقبض، أما الذى تشخص


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 2

[ 172 ]

بعقد الحوالة كما في المقام، فقد يمنع صدق اسم المسلم عليه، إذ هي عقد مستقل يحصل به ملك ما في الذمة، ولا ينصب عقد السلم، ولو فرض موضوع البحث وكالة في القبض، زال الاشكال من هذه الحيثية قطعا. نعم يبقى إشكال تولى الواحد طرفي القبض إذا أراد قبضه لنفسه، بعد القبض عن موكله كما تسمعه في المسألة الآتية، ولعل ما ذكرناه أولى مما في المسالك من مناقشة الشهيد " بان مورد السلم ونظائره من الحقوق الثابتة في الذمة، لما كان أمرا كليا، كان البيع المتحقق به هو الامر الكلى، وما يتعين لذلك من الاعيان الشخصية بالحوالة وغيرها ليس هو نفس المبيع، وإن كان الامر الكلى إنما يتحقق في ضمن الافراد الخاصة، فإنها ليست عينه، ومن ثم لو ظهر المدفوع مستحقا أو معيبا رجع الحق إلى الذمة، والمبيع المعين ليس كذلك، ونظير ذلك ما حققه الاصوليون من أن الامر بالكلى ليس أمرا بشئ من جزئياته الخاصة، وإن كان لا يتحقق إلا بها، وحينئذ فانصباب العقد على ما قبض وكونه حينئذ مبيعا غير واضح، فالقول بالتحريم عند القائل به في غيره غير متوجه، نعم لا بأس حينئذ بالكراهة، خروجا من خلاف الشيخ وجماعة، و تحرزا مما هو مظنة التحريم ". إذ فيه أن ما ذكره من ظهور الاستحقاق والعيب، يقتضي الفرق بين المبيع المعين وغير المعين لا أنه يقتضى كونه غير مبيع، ولم يدع الشهيد ولا غيره، أنه عين المبيع أولا وبالذات، بل صار بعد التعيين مبيعا، ولا ينبغى إنكار صدق وصف الكلى على الشخصي المدفوع عنه في البيع والاجارة وغيرهما، وقد صرح به الاصحاب في غير المقام، كالاجارة والصرف، والعرف شاهد عليه. نعم قد يتوقف في نحو الدفع بالحوالة كما ذكرناه: والامر سهل بعد أن كان الحكم الكراهة المتسامح فيها عندنا في أصل المسألة، إذ ما نحن فيه إن لم يكن من البيع قبل القبض، فهو شبيهه كما عبر به في الدروس ثم على التحريم فلا ريب في البطلان كما

[ 173 ]

قلناه في المسألة السابقة، وحينئذ لا يبرأ ذمة كل من المحول والمحول عليه بقبض المحتال، وما عن التذكرة - من أن براءة ذمة الدافع، أصح الوجهين ضعيف، ضرورة كون الدفع والقبض بعنوان صحة العقد، والفرق فساده، نعم هو صحيح على المختار وتبرأ ذمة كل منهما. (وكذا) يصح الشراء قطعا (لو دفع إليه مالا، وقال: إشتر به طعاما) لي (فإن قال: إقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح الشراء) والقبض عن الموكل قطعا، بل عن غاية المرام نفى الخلاف فيه (دون القبض) له عند الشيخ والقاضى فيما حكي عنهما (لانه لا يجوز أن يتولى) الواحد (طرفي القبض) ولان الحلبي (1) سأل الصادق عليه السلام في الصحيح " عن رجل أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي عليه، بعث إلي بدارهم، فقال اشتر لنفسك طعاما واستوف حقك ؟ فقال: أرى أن يولى ذلك غيرك، وتقوم معه حتى تقبض الذي لك، ولا تتول أنت شرائه " وسأله أيضا عبد الرحمان البصري (2) في المرسل " عن الرجل أسلف دراهم في طعام، فحل الذى له، فأرسل إليه بدراهم، فقال اشتر طعاما واستوف حقك هل ترى به بأسا ؟ قال: يكون معه غيره يوفيه ذلك ". ومن هنا قال المصنف كظاهر غيره (وفيه تردد) لكن لا ريب أن الاقوى الجواز للاصل، فيكفى المغايرة الاعتبارية في القابض والمقبوض منه، كما تقدم في تولي طرفي العقد، ولان يعقوب بن شعيب (3) سأل الصادق عليه السلام في الصحيح " عن الرجل يكون له على الآخر أحمال من رطب وتمر فبعث إليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه و استوف منه الذى لك ؟ فقال: لا بأس إذا ائتمنه ". ومنه يعلم أن المراد بالخبرين الاولين الارشاد إلى رفع التهمة، ومن هنا جزم


(1 و 2) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف الحديث 1 - 2 (3) التهذيب ج 7 ص 42 الحديث 180 الطبع الحديث

[ 174 ]

الفاضل في بعض كتبه والشهيدان والمحقق الثاني بصحة القبض له، على أن إقباضه لا يزيد على إذنه وقد حصلت، فهو كما لو أذن لغريمه في قبض مال مخصوص له، عوضا عما له عليه. بل الظاهر الصحة أيضا لو دفع له دراهم، وقال: اشتر لي بها طعاما، ثم اقبضه لنفسك، وإن لم يقل إقبضه لي ثم اقبضه لنفسك. بل صحيح شعيب (1) أدل على صحة ذلك من الاول، ولا يحتاج إلى أن يقبض أولا بنية أنه لذي الدراهم، ثم يقبض بعد ذلك بل يكفى قبضه لما اشتراه إذا كان مشخصا بنية أنه وفاء عما له في ذمته، وأقصاه أنه يكون إستيفاء مما لم يقبضه بإذنه، بل لو كان ما اشتراه كليا، يمكن الاكتفاء بقبض الغريم عوضا عما له في ذمته، عن القبض أولا بعنوان أنه لذي الدراهم، وإطلاق الخبر المزبور شاهد عليه، ولو دفع إليه دراهم وقال: خذها بدل الطعام جاز، لانه إستيفاء من غير جنس، بل لو قلنا أنه بيع للطعام على من هو عليه قبل قبضه جاز أيضا بناء على المختار من كراهة ذلك، لكن عن المبسوط أنه لم يجز لانه بيع المسلم فيه قبل قبضه، وهو غير جائز، وفيه أن الدفع بدله أعم من البيع ولو سلم فقد عرفت التحقيق. (ولو) دفع إليه دراهم و (قال: اشتر لنفسك لم يصح الشراء و) حينئذ ف‍ (لا يتعين له بالقبض) بلا خلاف أجده فيه، لامتناع الشراء بمال الغير لغيره ما دام على ملك الغير ولو باذنه، إقتصارا على المتيقن من إطلاق ادلة البيع، فيبقى اصالة عدم النقل بحالها، إلا ان الانصاف عدم خلو ذلك عن البحث إن لم يكن إجماعا، و لو علم بقرينة - إرادة قرض الدراهم من ذلك، أو القضاء لما عليه من الطعام بجنس الدراهم أو الاستيفاء بعد الشراء والقبض له، ويكون التعبير المزبور باعتبار ما يئول إليه، أو لانه السبب في هذا الشراء - خرج عن موضوع البحث. والله اعلم.


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب السلف لكن عن الحلبي في ذيل حديث الاول.

[ 175 ]

المسألة " الثالثة: لو كان المالان قرضا أو المال المحال به قرضا، صح ذلك قطعا) بل في التحرير قولا واحدا، للاصل بعد انتفاء شرطى المنع في الاول الذى نفى الخلاف عن الصحة فيه في المحكي عن المبسوط والخلاف، وانتفاء تحقق بيع ما لم يقبض في الثاني، لكن لا وجه لتخصيص القرض بالمحال به، كما في الكتاب والقواعد والتحرير، بل متى كان أحدهما قرضا صح كما نص عليه في المبسوط والتذكرة و الدروس وجامع المقاصد والمسالك على ما حكى عن بعضها، إذ التحقيق ان الحوالة ليست بيعا، وربما وجه تخصيص ذلك بأن المحال يشبه المبيع، من حيث تخيل كونه مقابلا بالاخر، وفيه ان شبهه بالثمن أظهر لمكان الباء. نعم قد يقال: ان الغرض: من التخصيص الرد على ما عن الشافعية في احد الوجهين من عدم صحة الحوالة إذا كان المحال به قرضا، بل ربما استظهر من التذكرة احتماله أيضا حيث انه حكاه ساكتا عليه. موجها له بأنه بيع سلم بدين. والامر سهل بعد ما عرفت. المسألة (الرابعة: إذا قبض المشترى المبيع) مثلا (ثم ادعى نقصانه. فإن لم يحضر كيله ولا وزنه) فلا خلاف أجده الا ما ستعرف (ف‍) - ى أن (القول قوله فيما وصل إليه مع يمينه، إذا لم يكن للبايع بينة) بل في الرياض قولا واحدا لاصالة عدم وصول حقه إليه، السالمة عن معارضته، الظاهر وغيره، كما صرح به غير واحد فيكون منكرا، والبايع مدع، " والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر " (1) من غير فرق بين دعوى كثرة النقصان وقلته هنا، واحتمال أن القول قول البايع بيمينه - إن ادعى المشتري نقصانا كثيرا لا يخفى مثله على القابض، بخلاف القليل الذى يمكن خفائه، نحو ما تسمعه من التحرير في صورة الحضور ناشأ من ملاحظة معارضة الظاهر، للاصل في الاول، بخلاف الثاني - يدفعه منع الظهور


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى الحديث 3

[ 176 ]

مطلقا، مع عدم الحضور أولا، ومنع حجيته - بحيث يعارض الاصل - ثانيا، ودعوى - أنه به يكون البايع منكرا، بناء على أنه ما وافق الظاهر، فيقدم حينئذ بيمينه يدفعها - مضافا إلى ما عرفت - منع تسليم كون المنكر ذلك، بل القول بأنه ما وافق قوله الاصل أقوى منه. نعم لو فرض قرائن تشهد بكذب المدعي على وجه يحصل العلم للحاكم، لم تسمع دعواه لذلك، كما لو ادعى قبض حقه بعنوان أنها وزنة وكان من أهل الخبرة هذا. ولكن قد يقال: إن الاقوى منهما إيكال المدعي والمنكر إلى العرف، ولعل صدقه على ما لو ترك، لترك أتم، ولا ريب في أن المشتري هنا يصدق عليه ذلك، فيكون مدعيا وعليه البينة، وعلى البايع اليمين، وقد يؤيده أصالة الصحة في دفع المسلم وقبضه، إذ الفرض أنه قبض على أنه تمام الحق، وصحة كل شئ بحسبه، ونحو ذلك بل أظهر منه، لو ادعى المشتري عيب المقبوض. ولذا حكي عن التذكرة أنه فصل فقال: " يقدم قول مدعي التمام إن اقتضى النقص بطلان العقد، كالصرف بعد التفرق والسلم، وإلا فمدعي النقص " واحتمله في الدروس ولعله لاندراج الاول في مدعى الصحة والفساد، بخلاف الثاني وإن كان قد يناقش بمنع كون الاول كذلك، بعد فرض عدم اعترافه بما يقتضى الحكم عليه بالصحة، كما لو قال: قبضته باخبار البايع أنه تام، والفرض تسليم البايع ذلك، فإن مجرد ذلك لا يقتضى الحكم عليه بصحة العقد المشترط فيه التقابض الذي مقتضى الاصل عدم حصوله، وإن كان قد وقع العقد بمعنى الايجاب والقبول، إذ ذلك بمجرده لا يقتضى حصول الشرط المتأخر، كما هو واضح، خصوصا بعد ملاحظة نظائره مما يشترط في صحته القبض كالرهن والهبة ونحوهما، ولعله لذا أطلق الاصحاب الحكم في المقام. ولكن يرد عليه ما ذكرناه، ويمكن دفعه بعدم قبضه بعنوان الاذعان بالتمامية، على وجه يكون كالاعتراف، بل المفروض أنه قبضه على إخبار البايع مثلا،

[ 177 ]

ولعل فرق الاصحاب بين الحضور وعدمه لذلك، على معنى، أن الحاضر منفصل بعنوان وصول تمام حقه إليه، على وجه يكون كالمعترف فعلا، بخلاف غير الحاضر ولذا كان القول قول البايع مع الحضور والمشترى مع عدمه، ولعل هذا تحقيق المسألة إن لم يكن إجماعا على غيره. وكيف كان فمما ذكرنا ينقدح الوجه فيما ذكره غير واحد، بل هو المشهور، بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل في الرياض نفى الخلاف، (و) أنه هو الحجة من أنه (إن كان) المشترى قد (حضر) الكيل والوزن (فالقول قول البايع مع يمينه، والبينة على المشتري) خصوصا مع اعتضاد قول البايع هنا بظهور الحضور، في تمامية المقبوض، واحتمال السهو والغلط ونحوهما لا ينافى الظهور المزبور، بل قبضه مع حضوره، بمنزلة اعترافه بتمامية الفعل، فلا يسمع منه دعوى النقصان من دون ذكر وجه معتد به لما وقع منه، نحو ما إذا وقع الاعتراف منه بذلك، والاصل براءة ذمة البايع بعد حصول ذلك منه، فيتفق حينئذ الاصل والظاهر، والترك لو ترك في المقام، ولا فرق في ذلك بين دعوى كثرة النقصان وقلته. ولكن في التحرير وإن حضر فالقول قول البايع إن ادعى نقصانا كثيرا، والوجه قبول قوله في قليل يمكن وقوعه في الكيل، وكأنه لحظ عدم الظهور في الاخير، بخلاف الاول، وفيه منع، مع أن العمدة ما عرفت، ومنه يعلم أنه لا وجه لتوقف بعضهم في الحكم المزبور، وأنه لا دليل على اعتبار الظهور ورجحانه على الاصل أولا، ومنع الظهور ثانيا، لاحتمال الغلط والسهو وغيرهما، فان لم ينعقد إجماع كان الوجه تقديم قول المشتري على كل حال، إذ قد عرفت أن الوجه ما ذكرناه، ولا يرد مثله في الاول، لان المفروض عدم حضوره، بل كان قبضه مبنيا على إخبار البايع، بل لو اعترف كان المراد من اعترافه البناء على ظاهر الاخبار. هذا كله إذا أبرز الدعوى بما ذكرنا. أما لو ادعى المشتري عدم قبض جميع حقه كان القول قوله وإن كان حاضرا،

[ 178 ]

للاصل السالم عن معارضة غيره، وحضوره أعم من قبض جميع حقه كما هو واضح، و هذه من الحيل التى يترتب عليها الحكم الشرعي الذى هو مبني على القواعد الظاهرة، والظاهر إتحاد الحكم المزبور في المعدود، ولو مزروعا كالمكيل والموزون وان اقتصر بعضهم على الثاني، وحضور الوكيل كحضور الموكل في وجه، وكذا حضوره الكيل لغيره، خصوصا إذا كان هو المباشر له، وإن كان ظاهر بعض العبارات حضور الكيل للنفس، والمدار في الظاهر الذى يترتب عليه الحكم هو ما كان متحققا في غالب الافراد، لا ما اتفق باعتبار فرد خاص قد انضمت إليه بعض القرائن الحالية أو المقالية. فتأمل جيدا. والله أعلم. المسألة (الخامسة: إذا أسلفه في طعام بالعراق) مثلا وقلنا بانصراف إطلاق العقد إلى بلده (ثم طالبه بالمدينة) مثلا (لم يجب عليه دفعه) بلا خلاف أجده فيه، للاصل، وكون الانصراف كالشرط الذى قد جعل الله المؤمن عنده (1) من غير فرق بين تساوى القيمة وتفاوتها، كما أنه لو دفعه إليه لم يجب على ذى الحق قبوله لذلك أيضا نعم لو تراضيا عليه لا بأس به قطعا (و) أما (لو طالبه بقيمته قيل) والقائل الشيخ وجماعة (لم يجز لأ) ن دفعها عوضا ع‍ (- نه) من (بيع الطعام على من هو عليه قبل قبضه) وقد عرفت أن مذهبهم فيه الحرمة، بل البطلان (و) فيه أولا أن المتجه (على ما قلناه) نحن هناك أنه (يكره) هنا، وثانيا منع كون ذلك منه، إذ هو وفاء للحق بغير جنسه، لا بيع، وأقصى ما يسلم أنه معاوضة أعم من البيع، على أن ابن فضال (2) قد كتب إلى أبى الحسن عليه السلام " في الرجل يسلفني في الطعام، يجئ الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم ؟ قال: نعم " وأرسل ابن أبان (3) عن بعض أصحابنا " عن الصادق عليه السلام في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4 (2) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 8 (3) الوسائل الباب 11 من أبواب السلف الحديث 5 لكن ؟ عن ابان بن عثمن مع اختلاف يسير

[ 179 ]

الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ منى ؟ قال: لا بأس بذلك ". ولا ينافيهما صحيح العيص بن القاسم (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة، حتى إذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا و رقيقا ومتاعا أيحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ قال: نعم يسمى كذا وكذا، بكذا وكذا صاعا " إذ المراد منه أنه حيث كانت القيمة عروضا، لا دراهم، فلابد من تشخيصها في مقابلة الطلب الذى له، ليحصل بذلك استيفاء حقه، فلا ينبغي التوقف حينئذ في الجواز مع التراضي. إنما البحث في أن له حينئذ جبره على القيمة في بلد السلم ؟ المشهور نقلا العدم للاصل، ولان القيمة فرع استحقاق ذيها، لانها لم يجر عليها عقد، ولا دل دليل على استحقاقها، وعن التذكرة أن له ذلك لان الطعام الذى يلزم دفعه معدوم، فكان كما لو عدم الطعام في بلد يلزمه التسليم فيه، وفيه منع ظاهر، ولان الطعام قد حل، والتقصير من المسلم إليه، حيث أنه لم يحضره في مكان التسليم عند الحلول، ولا مانع من التسليم إلا كونه ليس في مكان التسليم الذى هو حق عليه، فإذا أسقطنا حق المسلم من المطالبة بالطعام، إرتفاقا بحال المسلم إليه، إنتقل حق المسلم له إلى القيمة في مكان التسليم، جمعا بين الحقين، وفيه أن الحلول أعم من ذلك، والتقصير مع إمكان فرض عدمه، هو أعم منه أيضا ولا تعارض بين الحقين، حتى يجمع بينهما بذلك، على أن الله قد جمع بينهما " بأن المؤمنين عند شروطهم " (2) قال: " ولان فيه من الضرر ما لا يخفى إن لم يكن له ذلك، إذ ربما لا يريد العود إلى بلد السلف وربما احتاج في عوده إلى أضعاف السلم، وربما كان المسلم إليه لا يوثق بعوده إليه و الظفر به هناك، بل ربما يكون هرب من السلف، فيكون منعه من مطالبته مفضيا إلى


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 6 (2) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 180 ]

ذهاب حقه أبدا، وطريقا إلى مدافعة الغريم عن الحق الحال عليه " وفيه أن الضرر لا يدفع بالضرر، على أنه يمكن فرضه خاليا عن ذلك كله، ولا نقول أنه ليس له مطالبته أصلا، بل له المطالبة في المدينة بالزامه بالتادية في العراق، والاحتمالات المزبورة بعد أن كانت إتفاقية الحصول، إتجه الرجوع فيها بعد ثبوتها إلى الحاكم ليلزمه بوجه تخلو عنه. ومن ذلك يعلم ما في جامع المقاصد من أن التحقيق أن يقال: له المطالبة بالطعام مع المساوات لبلد السلم أو النقصان، والا فله المطابلة بقيمة بلد السلم، لتعذر المثل، بل قال: ولو أتاه برهن أو ضمين وتهيأ للمسير معه مع اول رفقة، فالظاهر عدم وجوب الصبر، لما فيه من الضرر وتاخير الدين الحال، إذ لا يخفى أن المساواة أو النقصان، لا تسوغ له المطالبة في غير البلد الذى انصرف إليه العقد الذي بمنزلة الشرط، على أن المسلم إليه قد يكون تحصيل عين الحق في تلك البلد سهلا عليه، بخلاف غيره، كما أن حلول الدين لا يسوغ خلاف الشرط، والفرض انصارف العقد إلى البلد المخصوص، بل لو قلنا أنه يجب عليه في ذلك اليوم التسليم في العراق، وهو متعذر فالمتجه فيه السقوط، لقبح التكليف بما لا يطاق، ومنه خطاب الوضع وهو ثبوت لا أنه ينتقل إلى القيمة قياسا على تقدير المسلم فيه في بلد السلم، بعد بطلان القياس عندنا، والله أعلم. (ولو) فرض أنه (كان) ما في الذمة من الطعام مثلا (قرضا) في العراق لا سلما (جاز أخذ العوض) أي القيمة (بسعر العراق) قولا واحدا، لعدم كونه بيعا لما اشتراه قبل القبض. إنما الكلام في أن له المطالبة بالمثل ؟ الاظهر العدم، وفاقا للفاضل وثاني الشهيدين، للاصل بعد انصراف عقد القرض إلى بلده فليس له المطالبة بالاداء في غيره، كما أنه لو دفع إليه فيه، لم يجب قبوله، فإذا لم يكن له ذلك، لم يكن له

[ 181 ]

المطالبة بالقيمة التى لم يجر عليها عقد، ولا دليل عليها، خلافا للتحرير والتذكرة ومحكي المبسوط والقاضى وغاية المرام، بل ربما لاح من الاخير عدم الخلاف فيه، فيجبر على دفع قيمة العراق ولم نعرف له وجها، سوى ما سمعته في السلم وسمعت بطلانه، وللمختلف فيجب دفع المثل بالمطالبة، فان تعذر فالقيمة بسعر العراق، و كأنه مبني على منع الانصراف المزبور، كما مال إليه في الحدائق، إلا أن المتجه حينئذ القيمة في ذلك الوقت. وعلى كل حال فضعفه واضح، وخبر سماعة (1) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل لى عليه مال فغاب عنى، فرأيته يطوف حول الكعبة، فأتقاضاه ؟ فقال له لا تسلم عليه ولا ترعه حتى يخرج من الحرم " مع أنه لم يعلم كونه قرضا أو غيره، إنما هو مساق لبيان حرمة الحرم، على أن له المطالبة في غير ذلك المكان، بالتادية في بلد القرض، وربما كان هاربا منه. فتأمل. (وإن كان) الطعام (غصبا) وقد تلف فعن المبسوط والقاضي أنه (لم يجب) عليه (دفع المثل) لو طالبه به في غير بلد الغصب (و) إن لم يكن فيه مانع السلم (جاز) له (دفع القيمة بسعر العراق) مثلا لا القيمة وقت الاعواز، بل يجبر عليها مع المطالبة (و) فيه أن (الاشبه) بعموم " من اتلف " (2) و " على اليد " (3) وغيرهما، (جواز مطالبة الغاصب بالمثل حيث كان و) إن تعذر فليطالبه (بالقيمة الحاضرة عند الاعواز) لانه وقت الانتقال إليها، فما في المختلف - من أنه يجبر على دفع المثل فان تعذر فقيمة بلد الغصب، نحو ما سمعته عن المبسوط في القيمة، لانه غصبه هناك،


الوسائل - الباب 26 من ابواب الدين الحديث 1 (2) قاعدة مستفادة من مضامين الاخبار ومن اراد الاطلاع على مداركها فليراجع القواعد الفقهية ج 2 للسيد البجنوردى. (3) سنن البيهقى ج 6 ص 90 وكنز العمال ج 5 ص 257

[ 182 ]

فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمته فيه - كما ترى. المسألة (السادسة: لو اشترى عينا بعين، وقبض أحدهما ثم باع ما قبضه وتلفت العين الاخرى في يد بايعها) بعد البيع الثاني (بطل البيع الاول) من حينه، لحصول التلف قبل القبض (ولا سبيل إلى إعادة ما بيع ثانيا) لوقوعه مصادقا للملك ضرورة كون الفسخ بالتلف من حينه (بل يلزم البايع قيمته لصاحبه) إن كان قيميا، كما لو كان تالفا، بل الظاهر عدم وجوب فسخ البيع الثاني عليه لو كان له خيار مثلا، مع احتماله كالهبة قبل التصرف، وعلى الاول، فلو فسخ بعد دفع القيمة أو قبلها، ففى وجوب دفع العين عليه وجه قوي، لانه وإن كان للفسخ مدخل في الملك من حينه، إلا أن المملك الاول له قد انفسخ، ففسخ العقد الثاني يرجعه على مقتضى العقد الاول الذى فرضنا إنفساخه، فيعود الملك إلى مالكه الاول بمجرد فسخ العقد. نعم لو كان انتقاله إليه بعقد جديد كهبة ونحوها، إتجه عدم وجوب دفع العين عليه، و يحتمل عدم الوجوب خصوصا لو كان قد دفع القيمة التى هي بمنزلة العوض عنه، بل وإن لم يدفعها، بناء على أن دخوله في الملك بالفسخ بمنزلة الملك الجديد. فتأمل جيدا وكيف كان فهل المعتبر قيمته يوم البيع، أو يوم تلف العين الاخرى ؟ يحتمل الاول، لانه وقت تعذر المثل، والثانى لان القيمة حينئذ لم تكن لازمة للبايع، وإنما لزمت بتلف العين الاخرى، الموجب لبطلان العين، وهو الاجود، ولو جهل تاريخ كل من البيع الثاني، والتلف، إتجه البطلان، بناء على أن مقتضى تعارض الاصلين الاقتران الذى لا ريب في البطلان مع تحققه، وأما إذا قلنا بعدم الاقتران، وأن الاصل يقتضى عدمه أيضا، فيمكن الصحة تمسكا بأصالتها الناشئة من إطلاقات البيع وعموماته فتأمل. والله أعلم.

[ 183 ]

(النظر الرابع: في اختلاف المتبايعين) لكن ينبغى أن يعلم أولا أنه (إذا عين المتبايعان نقدا) مخصوصا أو عروضا كذلك (وجب) الوفاء بما عيناه في العقد (وإن أطلقا) النقد مثلا، وكانا من أهل بلاد واحدة (إنصرف إلى نقد البلد) ف‍ (إن) لم يكن فيه إلا نقد واحد أو (كان فيه نقد غالب) صح قطعا، إذا وقع العقد في بلدهما المنصرف فيه إليه، ضرورة كون الانصراف من التعيين، بل وإن كانا في غيره، ترجيحا لعرف المخاطبين على مكان الخطاب، ولو انضم عرف بلد العقد إلى أحدهما دون الاخر، أمكن ترجيحه عليه، سيما إذا كان البايع الذى يمكنه ترجيح عرفه على المشترى إذا وقع العقد في محل لا يعضد أحدهما، لان ابتداء الخطاب منه والمشترى قابل للمراد من خطابه على الظاهر واحتمال - الخروج عن عرفهما معا، لاختلافه، والرجوع إلى بلد العقد إذا فرض فيه نقد غالب - ضعيف، وقد تحقق في الاصول في بحث تقديم عرف المخاطب على المتكلم أو العكس، ما يشهد للمقام في الجملة، وإن كان يمكن الفرق بينهما، ولذا كان الاولى التعيين في المقام المقصود منه ما يرتفع به النزاع والشقاق في جميع صور الاختلاف المزبورة، ولا ينبغى الاعتماد على مطلق الظن فيه. (و) كيف كان ف‍ (إ) ن (لا) يحصل تعيين ولا غلبة ونحوهما مما يكفى، فيه (كان البيع باطلا) للجهالة الا إذا علم كل منهما قصد الاخر فانه يكفى، إذ احتمال الذكر تعبدا لقطع النزاع ضعيف، وأضعف منه ما عن الاردبيلى من احتمال الصحة إذا تساوت النقود، إن لم يكن خلاف الاجماع، مع أنه لم نجده لغيره، وخلاف علم الهدى والشيخ فيما حكي عنهما في المشاهدة وكفايتها مقام آخر، كالمحكي

[ 184 ]

عن ابى علي من تجويزه البيع بسعر ما باع، ودعوى الملازمة يمكن منعها، فانحصر التأمل فيه، مع إحتمال أن يريد ما يحكى عن بعضهم من صحة البيع إذا تعددت النقود، وتساوت في القدر والقيمة والمالية، وإن اختلفت الافراد بحسب الرغبة، فان القول به حينئذ لا يخلو من قوة إن لم يؤد التفاوت إلى الغرر والجهالة والنزاع والمشاجرة، و لم يعلق البيع بالمشترك اللفظى. مريدا به مفهوم احدهما على جهة الترديد لعدم معقولية الملك على هذا الوجه، ومن ذلك كله يعلم الحال في الذرع والكيل (وكذا الوزن) ولو تعارف ذرع غير بلد العقد فيها، أو وزنها، أو كيلها لمبيع خاص، إنصرف إليه فيها من العالم بالحال، وإلا بطل العقد مع اختلاف القصد، ويقدم قوله في الجهل بذلك، إذا لم يكن هناك ظاهر ينفيه، وإلا تعارض الاصل والظاهر. (و) كيف كان ف‍ (إن اختلفا) أي المتبايعان (فهيهنا مسائل: الاولى: إذا اختلفا في قدر الثمن) سواء كان في الذمة، أو معينا في وجه تسمعه إنشاء الله تعالى، (ف‍) ادعى البايع زيادته، والمشترى عدمها، كان (القول: قول البايع مع يمينه إن كان المبيع باقيا، وقول المشتري مع يمينه إذا كان تالفا) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل عن ظاهر الغنية وكشف الرموز الاجماع عليه، بل هو صريح محكي الخلاف، وآخر مبحث الشرائط من السرائر وإن أنكره في موضع آخر منها غاية الانكار، لكن عن كشف الرموز أن المناقضة منه ليس ببدع ؟ ؟، ويدل عليه مضافا إلى ذلك، مرسل البزنطى (1) الذى رواه المشايخ الثلاثة عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يبيع الشئ فيقول المشتري: هو بكذا وكذا، بأقل مما قاله البايع، القول قول البايع إذا كان الشيئ قائما بعينه، مع يمينه " المنجبر بما سمعت، بل عن إيضاح النافع أن الرواية مقبولة عند أهل الحديث. وعن الكفاية أنها مشهورة ومتكررة في الكتب معمول بها بين الاصحاب، مع


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 2

[ 185 ]

ما عن عدة الشيخ من أن البزنطى لا يروي إلا عن ثقة، وكشف الرموز أن الاصحاب عملوا بمراسيل البزنطى، والرواية مقبولة عند أهل الحديث، فلا مناص عن العمل بها منطوقا ومفهوما، خصوصا بعد تأيدها في الجملة، بإطلاق الصحيح (1) " فإن اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا " الظاهر في بقاء العين أيضا، والنبوى (2) " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البايع، والمبتاع بالخيار " وبما أرسله في الخلاف من أخبار الفرقة، و المناقشة في مفهومه - بأنه أعم من كون القول قول المشترى مع التلف، لامكان التحالف - يدفعها بعد أن كان دعوى أنه خلاف المنساق الاجماع المركب إن لم نقل انه مقتضى الاصل، وإلا كنا في غنية عن المفهوم كما أنا في غنية بما عرفت من الخبر المنجبر بالعمل، عن تكلف جريان ذلك على القواعد بوجوه تصلح مؤيدة للدليل لا دليلا، لوضوح عدم تماميتها، كما لا يخفى على من لاحظها. ومن ذلك ظهر لك أن ما عن الاسكافي - من تقديم قول البايع إن كانت في يده لكن للمشتري الخيار، وقول المشتري إن كان العكس، أو أحدث بها حدثا إذ هو يؤيد أيضا، وربما حكي عن أبى الصلاح وإن كنا لم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه - في غاية الضعف لما عرفت على أنه مع قطع النظر عنه غير موافق للضوابط، وإن احتجوا له، بأنه إذا كان في يد البايع، فالمشتري يريد انتزاعه من يده، فالقول قوله، بخلاف ما لو كان في يد المشتري، فان البايع حينئذ يدعي زيادة على ما أقر به المشتري، والاصل عدمها، لكنه كما ترى، ضرورة عدم أثر ليد البايع بعد اعترافه بأنها يد أمانة، والمشتري بعد اعترافه بأنها مبنية على يد البايع، وكذا ما عن بعضهم - من أن القول قول المشترى بيمينه، لانه منكر للزيادة المدعاة بعد اعتراف البايع بأن العين ملكه، فهو كمن ادعى عليه بماءة مثلا فاعترف بخمسين، إلا أنه لم نعرف قائله، قبل الفاضل


1 - الوسائل الباب 11 - من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 3 2 - سنن البيهقى ح 5 ص 332

[ 186 ]

في المختلف، بل في المسالك " لم يذكره أحد من أصحابنا في كتب الخلاف، وذكره العلامة في القواعد احتمالا، وحكاه في التذكرة عن بعض العامة وقواه، لكن الذى يظهر أنه أقوى الاقوال إن لم يتعين، العلم بالاول نظرا إلى الخبر والاجماع، غير أن فيهما ما قد عرفت " قلت: بل إليه يرجع ما في المختلف وإن أطال فيه إلا أنه لا يخفى عليك ضعفه في خصوص المقام لما سمعت. نعم لا بأس به في غيره لو أبرزت الدعوى باشتغال الذمة بالزائد وإنكاره، أما لو أبرزت في تشخيص سبب الشغل بحيث يكون الاستحقاق تبعيا، فقد يمنع تقديم قول المشترى فيه ضرورة كون كل منهما مدعيا ومنكرا، ففى المقام مثلا يدعى البايع أن ما وقع ثمنا في عقد البيع المخصوص ماءة والمشترى خمسون، فنزاعهما في تشخيص العقد المشخص في الواقع، ولا ريب في كون كل منهما مدعيا فيه ومنكرا، ولعله لذا احتمل التحالف الفاضل في كثير من كتبه، بل عن ولده أنه صححه، والشهيد الاول اختاره في قواعده، وإن نسبه في دروسه إلى الندرة. بل مال إليه هنا في جامع المقاصد قال ما حاصله: إن البايع لما لم يكن إعترافه بالملك مطلقا، بل كان على وجه إن ثبت، ثبت به الثمن المخصوص، كان منكرا لما يدعيه المشتري أيضا، ومدعيا عليه ثمنا مخصوصا إقتضاه عقد آخر، والمشترى ينكره ويدعي عليه ثمنا مخصوصا اقتضاه عقد آخر، فلا قدر مشترك بينهما محقق قد اتفقا عليه، كى تتوجه الدعوى حينئذ إلى الزائد عليه وينتفى التحالف الذى ضابطه تنافى الدعويين، وجمع الدعويين، وإثبات ما اتفقا عليه وأقر به المشتري للبايع فيبقى الزائد الذى ينكره المشتري فيقدم قوله بيمينه - لا وجه له، بعدما عرفت من تشخيص كل من الدعويين بما ينافى الاخرى، وصيرورتهما به بمنزلة دعوى كل منهما عقدا غير عقد الاخر التى لا ريب في التحالف فيها، كما لو قال المالك: آجرتك العين، فانكر الاخر وقال بعتنيها أو بالعكس، ولا وجه لاحتمال كون القول قول منكر دخول ملك العين لاتفاقهما على ملك المنفعة، فيكون النزاع في الزائد، فالقول قول منكره كما لا يخفى،

[ 187 ]

ومن ذلك يعلم أن الوجه التحالف فيما لو قال: وهبتني، فقال: بل بعته بألف، كما جزم به في التذكرة، وإن كان في القواعد احتمله وتقديم قول مدعى الهبة مع اليمين، وفى جامع المقاصد لا ريب في أرجحية التحالف، إلا أن المتجه طرده في جميع المسائل أي التى منهما ما في. المسألة (الثانية:) وهى ما (لو اختلفا في تأخير الثمن وتعجيله، أو في قدر الاجل، أو في اشتراطه الرهن من البايع على الدرك أو ضمين عنه) فإن الجميع متحدة في المدرك إلا أن المصنف وغيره حكموا (ف‍) يها بأن (القول قول البايع مع يمينه) وقد عرفت اختلاف إبراز الدعوى، فقد تبرز على وجه التحالف، أو إنكار البايع أو المشترى، فتأمل جيدا. بل قد يقال: إن القول قول مدعى الاقل على أي حال أبرزت الدعوى، إذا كان المراد اشتغال الذمة بالاكثر، ضرورة أن أقصاه الاختلاف في السببين، أي السبب الموجب للاقل، والسبب الموجب للاكثر، ولا ريب في موافقة الاصل للاول، فيكون هو المنكر ومن هنا أفتى به الاصحاب من غير خلاف يعتد به في سائر المقامات، حتى في الجنايات الموجبة للمال، لو وقع النزاع في السبب الموجب للاقل منها أو الاكثر فلاحظ وتأمل فإن ذلك هو التحقيق في المسألة، بل هو الذى يوافق صدق المدعى فيها عرفا. وكيف كان فمحل البحث وثمرته في اصل المسألة إنما هو إذا لم ينفسخ العقد ضرورة، أنه معه - بإقالة أو فسخ بأحد وجوهه أو بتلف قبل القبض - لا يظهر للنزاع ثمرة إن لم يكن البايع قبض الثمن، بل وإن كان قد قبضه إذ هو حينئذ كالدين في ذمته أو الامانة عنده، فيقدم قوله في قدره فيه بلا خلاف أجده هنا، وإن كان يمكن فرض صورة للنزاع بحيث تأتى الوجوه السابقة أو بعضها، إلا أنها خارجة عن البحث، كخروج فرض النزاع في تعيين الثمن أنه العبد أو الجارية عنه أيضا ضرورة تعيين التحالف فيه، بل لفظ القدر ونحوه في النص (1) والفتوى ظاهر في خلافه، ومن هنا خص بعضهم


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 2

[ 188 ]

محل البحث بما إذا كان في الذمة، وان كان قد يناقش فيه بأعمية ذلك من المطلوب، إذ يمكن فرضه في الذمة مع وقوع الاختلاف في تعيينه، بحيث يتعين التحالف فيه، وبأنه يمكن فرضه في المعين أيضا مع فرض الاختلاف في القدر، كما لو قال بعتك بهذين الدينارين أو الثوبين مثلا، فقال: بل بأحدهما معينا، فان الحكم فيه كالذمة في جريان ما سمعت ومنه يظهر رجوع تفصيل المختلف إلى ما في التذكرة كما عرفت فلاحظ وتأمل، لكن الانصاف ان المتجه في هذا الفرض ما تقتضيه الاصول، لبعد اندراجه في المنساق من النص والفتوى، كما ان المنساق منهما ايضا اعتبار قيام العين في يد المشتري في تقديم قول البايع، فلو انتقلت عنه انتقالا لازما كالعتق والبيع والوقف ونحوها، لم يكن القول قوله، ضرورة كون المفهوم حينئذ بناء على ما ذكرنا عدم اعتبار قوله إذا لم تكن العين قائمة في يد المشترى، فيندرج فيه الفرض لذلك، لا لان الانتقال اللازم تلف حكمي، حتى يرد عليه منع كونه كذلك، وإن من الجائز كون العلة، التلف الحقيقي الذى يمتنع معه الرجوع إلى العين في اعتبار ما يدعيه، من ان الحكم إنما تعلق في تقديم قول البايع على قيام العين من غير اعتبار بالعلة، وهو متحقق مع انتقالها عن ملكه بأى وجه فرض. لكن قد عرفت اندفاع ذلك كله، بناء على ما ذكرنا، بل منه يظهر الحال في غير اللازم من الانتقال كالبيع في زمن الخيار ونحوه نعم لو كان قد فسخ قبل التنازع إتجه حينئذ تقديم قول البايع، لصدق القيام في يده، أما مع عدمه فالمتجه ما ذكرناه إقتصارا على المتيقن فيما خالف الاصل، ولذا كان المتجه كما في المسالك فيما لو تلف بعض المبيع تنزيله منزلة تلف المجموع، لا بقاؤه، ولا إلحاق كل جزء باصله، ويؤيده عدم صدق قيام عين المبيع الذى هو مناط تقديم قول البايع. ولو امتزج المبيع بغيره فان بقى التميز، فعينه قائمة، وإن لم يتميز ففى المسالك احتمل بقاؤه كذلك لانه موجود في نفسه، وإنما عرض له عدم التميز من

[ 189 ]

غيره، والمفهوم من قيام عينه وجوده، خصوصا عند من جعل التلف في مقابلته، فانه ليس بتالف قطعا، وفيه أن المنساق من القيام غيره مما يظهر عينه للحس ويمكن إرجاعه، فالمتجه الاقتصار عليه، هذا مع مزجه بجنسه بحيث لا يخرج به إلى حقيقة أخرى، كالزيت يخلط بمثله، والنوع الواحد من الحنطة بمثله، أما لو خلط بغير جنسه بحيث صارا حقيقة أخرى كالزيت يعمل صابونا، فإنه حينئذ بمنزلة التالف. والله أعلم. المسألة (الثالثة: لو اختلفا في) قدر (المبيع فقال البايع: بعتك ثوبا) بدرهم مثلا (فقال) المشترى: (بل ثوبين) أو قال البايع: هذا الثوب بكذا، وقال المشتري: ذلك مع ثوب آخر معين به (فالقول: قول البايع أيضا) لاصالة عدم انتقال غير ما اعترف به، ولذا كان القول قول المشتري في قلة الثمن، والبايع في كثرته عند من عرفت لو لا الخبر المزبور (1) المفقود في الفرض، والتحقيق إتيان البحث السابق هنا إذ لا نص في المقام يعارض ما يقتضيه الاصل، فيبقى البحث في تعيين مقتضاه من تقديم مدعى الاقل أو التحالف أو غيرهما، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا. نعم هذا إذا كان الاختلاف في المبيع من حيث القدر (ف‍) أما إذا كان من حيث التعيين كما (لو قال) البايع: (بعتك هذا الثوب) بكذا (فقال) المشتري: (بل هذا فهنا دعويان) لا قدر مشترك بينهما (فيتحالفان) على نفى كل من قولهما (ويبطل دعواهما) لحصول ضابط التحالف، ويترادان، كما في النبوي (2) " المتبايعان إذ اختلفا، تحالفا وترادا " وكذا لو نكلا معا ويبتدء باليمين من ادعي عليه أولا، كما في المسالك في نحو ذلك، بل هو مقرب التذكرة، ونفى عنه البعد في جامع المقاصد، ولو تساويا في إبراز الدعوى، فإن قلنا بتقديم من كان على يمين صاحبه،


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 2 (2) سنن البيهقى ج 5 ص 333

[ 190 ]

إتجه، حينئذ اليمين على الآخر، وإلا فالقرعة، لكن في الدروس البادى باليمين من يتفقان عليه فان اختلفا عين الحاكم، وفى القواعد في نحو المقام إحتمال استحباب تقديم البايع، والمشترى، والتساوي فيقرع، ولعل ما ذكرناه أولى. وعلى كل حال فالظاهر أن اليمين على النفى لا جامعة بينه وبين الاثبات، وإن احتمله في القواعد، ووجه بأنه أفصل للحكم وأسهل للحاكم، إذ قد ينكل أحدهما فيغنى عن ردها تلك اليمين، مضافا إلى ما ورد من النهى عن تكرارها (2) وفيه ان يمين الاثبات بعد النكول فلا تتقدم عليه كى تجدى في السقوط عند التوجه. وعلى كل حال فإذا حلفا سقطت الدعويان عندنا كما في التذكرة قال: " كما لو ادعى على الغير بيع شئ أو شرائه، فأنكر وحلف، سقطت الدعوى، وكان الملك باقيا على حاله، ولم يحكم بثبوت عقد حتى يحكم بانفساخه، ومن ذلك نسب إليه في المسالك القول بالبطلان من الاصل بعد التحالف، وأنه ينزل البيع منزلة المعدوم، خلاف ما اختاره في القواعد والدروس، من أنه حين التحالف، أو الفسخ، لا من الاصل. وكيف كان فيشكل باتفاقهم على وقوع عقد ناقل للثمن أو المثمن، وإن اختلفا في تعيين الاخر منهما، ومن هنا إتجه جعل البطلان من الحين في المتفق عليه ثمنا أو مثمنا، وأما المختلف فيه منهما فالمتجه فيه ما ذكره من البقاء على الملك وحينئذ فكل من إطلاقه في التذكرة والقواعد غير جيد، وتظهر فائدة القولين في النماء، و فيما لو وقع التحالف بعد انتقال العين بعقد لازم كالبيع وشبهه، أو الخروج عن الملك بعتق أو وقف ونحوهما، فعلى الاول يبطل العقود وغيرها، ويرجع العين إلى صاحبها، وبه قطع في التذكرة تفريعا على أصله، وعلى الثاني يرجع إلى القيمة يوم الانتقال، وبه قطع في القواعد تفريعا على أصله، وأما التلف فيرجع معه بالقيمة. وعلى كل حال ولعل الذى ألجأ الفاضل في التذكرة إلى ذلك، هو تلازم حال


(1) المستدرك ج 3 ص 199

[ 191 ]

الثمن والمثمن، فإذا فرض أن أحدهما باق على حكم الملك، كان الآخر كذلك، ويدفعه جواز اختلافهما في الحكم الظاهرى، وإن تلازما في الحكم الواقعي، و كيف كان فالمراد من البطلان من الاصل أو من الحين، وهو جريان حكم ذلك عليه، وأنه يكون حينئذ بمنزلة ما لم يجر عليه العقد، لا أنه كذلك حقيقة، ولكن قال في المسالك بعد البحث في ذلك: " الظاهر أن العقد يبطل بمجرد التحالف وإن لم يفسخه فاسخ وبه قطع في التذكرة محتجا بما تقدم، من أن يمين كل منهما يسقط دعوى الاخر، فيكون الملك باقيا على حاله، ولم يحكم بثبوت عقد، حتى يحكم بانفساخه وهذا على القول ببطلانه من أصله، وأما على القول ببطلانه من حينه، فالظاهر أنه كذلك، لانتفاء دعوي كل منهما بيمين صاحبه، فينفسخ حينئذ، ولان إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر، وعلى وفق أحدهما تحكم، وهو ظاهر فتوى القواعد " قلت: ذلك كله لا يقتضى الانفساخ باطنا للعقد اللازم الذي أقرا به وتوافقا عليه، وتعذر تسليم الثمن أو المثمن ظاهرا أخيرا لا يقضى به. نعم قد يقال: بتسليط المحق منهما على الخيار في وجه تسمعه إنشاء الله تعالى ومما يؤيد ذلك ما ذكر في التذكرة وغيرها قال فيما نحن فيه: " إذا حلف البايع على نفى ما يدعيه المشتري بقى على ملكه، فان كان في يده، وإلا انتزعه من المشتري، وإذا حلف المشتري على نفي ما يدعيه البايع، وكان الثوب في يده، لم يكن للبايع مطالبته به لانه لا يدعيه، وإن كان في يد البايع لم يكن له التصرف فيه، لانه معترف بانه للمشتري، وله ثمنه في ذمته فإن كان قد قبض الثمن رده على المشتري وله أخذ الثوب قصاصا، كما أن له ذلك أيضا إذا لم يكن قد قبض الثمن، فان زادت قيمته فهو مال لا يدعيه أحد " وهو كالصريح في خلاف ذلك كله، ضرورة انه لا وجه للمقاصة مع فرض الانفساخ، وظاهر الدروس التردد، في ذلك، كالمحكي عن الشافعي قال: " إذا حلفا أو نكلا إحتمل أن ينفسخ العقد إذ إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر، وعلى وفق أحدهما تحكم، أي فيكون ذلك بمنزلة عدم وقوع البيع على أحدهما واقعا، تنزيلا للظاهر منزلة الواقع، كما هو مقتضى

[ 192 ]

قوله صلى الله عليه وآله " ترادا "، ويحتمل أن يتزلزل فيفسخه المتعاقدان أو أحدهما أو يرضى احدهما بدعوى الاخر، أو يفسخ الحاكم إذا يئس من توافقهما وامتنعا من فسخه، لئلا يطول النزاع " إلى أن قال: " ثم إن توافقا على الفسخ، أو فسخه الحاكم، إنفسخ ظاهرا وباطنا، وإن بدر أحدهما فان كان المحق فكذلك، وإلا إنفسخ ظاهرا ". قلت: لا ريب أن المتجه على مقتضى الضوابط الشرعية عدم الانفساخ بالتحالف بل ولا يتسلط الحاكم على ذلك. نعم إن توافقا عليه، وإلا فالظاهر إنحصار الخيار في المحق على إشكال في بعض الاحوال، وهو حال ما بعد القبض، بل قد يقوى عدمه. فيتجه حينئذ المقاصة على احكامها، هذا كله بحسب الواقع، والا فالحكم الظاهرى قد عرفت الحال فيه. نعم قد يقال: إن للغير التصرف في كل من الثوبين مثلا وشرائهما، بل والثمن الذى يرجع إلى المشتري منهما أيضا وإن علم ان الواقع ينافي ذلك، إلا ان الظاهر عدم اعتبار مثل هذا العلم في المنع عن العمل بما يقتضيه الحكم في الظاهر، وله نظائر كثيرة في الفقه، منها - العين المقسومة بين اثنين، لتعارض البينتين مثلا. بل ومع العلم بأنها لواحد منهما، إذا لم نقل بالقرعة، فان للغير شراء الجميع من كل واحد منهما وإن علم أن أحدهما غير مالك للنصف، إجراء للحكم الظاهرى، بل إن لم يكن إجماع جرى مثله في النكاح لو فرض التداعي بين السيد مثلا وآخر في تزويج أمته، فقال السيد: هذه وقال الاخر: بل هذه، وتحالفا، فإن للغير التزويج بهما، وإن علم أن إحداهما ذات زوج عملا بالحكم الظاهري. وكيف كان فلا ينبغي منع كل واحد منهما من التصرف فيما وصل إليه بعد التنازع، وإن تردد فيه في الدروس من قيام الملك وتوقع زواله، فهو كالزائل قال: " وأولى بعدم الجواز بعد التحالف، لتاكد سبب الزوال " وفيه ما عرفت، اللهم إلا أن يريد بحسب ظاهر الحال، وقلنا: بعدم الحاجة إلى حكم الحاكم بعد التحالف و إلا فلو تصرف المحق منهما فيما له على وجه لا يكون فيه هتك للحكم الظاهري، أمكن القول بالجواز، للعمومات التى لا ينافيها ذهاب اليمين بما فيها في الظاهر.

[ 193 ]

نعم لو قلنا بالانفساخ منعا قطعا، كما أنه مما قدمنا يظهر لك الحال فيما ذكره فيها ايضا من أنه لو تحالفا بعد هلاك العين، ضمن مثلها أو قيمتها يوم الهلاك على الاقرب ولو عابت فأرشها، ولو أبق فالقيمة للحيلولة، ثم يترادا إذا عاد، وإن رهن أو آجر أو كوتب فالعقود باقية، وينتقل إلى القيمة في الكتابة، وفى الرهن والاجارة وجهان، مبنيان على الحمل على الكتابة، أو الاباق، ولو رضى صاحب العين بتأخير الاخذ إلى فك الرهن، أو فراغ الاجارة، احتمل إجابته إن تسلم العين أو أسقط الضمان وجوزناه والا لم يجب وفى المسالك " أنه لو وجد العين أي التى وقع التحالف على ثمنها مستأجرة أو مرهونة، انتظر انقضاء المدة أو الفك، وفى تخيره بينه وبين القيمة معجلة، وجه " و في القواعد " لو كان المبيع أي الذى اختلف في ثمنه تالفا وجبت القيمة عند التحالف يوم التلف، ويحتمل يوم القبض، ولو تلف بعضه أو تعيب، أو كاتبه المشتري أو رهنه أو ابق أو آجره، رجع بقيمة التالف وأرش المعيب وقيمة المكاتب والمرهون والآبق والمستأجر، وللبايع استرجاع المستأجر، لكنه يترك عند المستأجر مدة الاجارة والاجرة المسماة للمشتري، وعليه أجرة المثل للبايع، ولو زالت الموانع - بأن عاد الآبق أو فك أو بطلت الكتابة بعد دفع القيمة، - فالاقرب عود ملك البايع إلى العين، فيسترد المشتري القيمة " وبعض ما ذكره لا يخلو من بحث، كما أن ما ذكره فيها من أنه لو اختلفا في قيمة التالف بعد التحالف رجعا إلى قيمة مثله موصوفا بصفاته،. فإن اختلفا في الصفة قدم قول المشتري مع يمينه، أي إن كان هو المنكر كذلك أيضا، بل في المسالك " أنه قد أغرب في ذلك وهو بأصول العامة أليق، نظرا إلى أن الوصف تفيد أهل الخبرة الظن بالقيمة، فيكون مناسبا لرفع النزاع ". قلت: لا ريب أن المتجه على أصولنا كما في الغصب وغيره تقديم منكر الزيادة، لعموم قوله " واليمين على من أنكر " (1) ولان للاعيان خصوصيات لا تعرف إلا بالمشاهدة،


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث 3

[ 194 ]

ولا تفى الاوصاف بالقيمة كما هو واضح. ثم إن الظاهر جريان التحالف في زمن الخيار المشترك، واحتمل في الدروس عدمه، لانهما يملكان الفسخ، لكن إستوجه الاول ما لم يفسخ أحدهما، قال: " و الغرض من اليمين نكول الكاذب، ودوام العقد باحلاف الصادق، فان حلفا فالفسخ أمر ضروري، شرع لتعذر إمضاء العقد، وعليه يتفرع التحالف في المضاربة، ويجرى التحالف في ساير العقود الجارية على هذا النمط، وتنقيح هذه المباحث محتاج إلى إطناب تام. فلعل الله يوفق له ". (ولو اختلف ورثة البايع وورثة المشتري) في القدر (كان القول: قول ورثة البايع في المبيع وورثة المشتري في الثمن) وإن كانت عين المبيع قائمة لما عرفت من كون القول: قول مدعي الاقل في الثمن والمثمن، خرج من ذلك للنص والفتوى صورة ما لو كان النزاع بين البايع نفسه والمشترى كذلك مع قيام عين المبيع، دون غيرها من الصور التى منها محل البحث، حتى صورة النزاع بين أحدهما ووارث الاخر، ودعوى أن كل ما كان للمورث ينتقل للوارث مسلمة في المال والحقوق التى تنتقل، بخلاف محل الفرض الذى هو من الاحكام لا من الحقوق، فما عن جماعة من أن حكم الوارث حكم المورث مطلقا في غير محله، وإن استحسنه في المسالك. والله العالم. المسألة (الرابعة: إذا قال) البايع مثلا: (بعتك) مالى (بعبد) وشبهه مما يصح ثمنا (فقال) المشترى: (بل بحر أو) قال: (بخل فقال: بل بخمر) أو نحو ذلك مما لا يصح ثمنا (أو قال) البايع مثلا: (فسخت قبل التفرق وانكر الاخر، فالقول: قول من يدعي صحة العقد) وبقائها (بيمينه) للاصل: بمعنى الظاهر، أو القاعدة، أو الاستصحاب، (و) حينئذ فيكون (على الاخر البينة) بلا خلاف معتد به اجده، لكن في الكفاية فيه نظر، ولعله لاعمية أصالة الصحة من كون المبيع عبدا، و

[ 195 ]

لاصالة عدم العقد الصحيح، فيكون كانكار البيع، ولان أصالة صحة العقد إنما هي بعد استكمال أركان العقد ليتحقق وجوده، أما قبلها فلا وجود له، والشك في المثال إنما هو في المعقود عليه الذي هو أحد أركان العقد، وفيه إن ذلك من توابع العقد الصحيح الذي شخصه الاصل في المقام، فهو في الحقيقة من لوازم خصوص هذا العقد من البيع، لا مطلق عقده، ومن الواضح الفرق بين المقام المعلوم وقوع العقد فيه، و بين إنكار البيع فلا يقاس أحدهما على الاخر والعقد للاعم من الصحيح والفاسد، فتحققه لا يتوقف صدقه على كون المعقود عليه مما يصح العقد عليه، وإنما يتوقف عليه الصحيح منه لا أصله، فمع التنازع فيه كما في المثال لا إشكال في جريانها كما هو واضح بأدنى تأمل. ومن ذلك يعلم ما في الحواشي المنسوبة للشهيد على القواعد قال في الشرح نحو المتن: " هذا مخالف لما قاله الاصحاب والمصنف، من قبول قول المشتري في مثل ذلك وإنما هذا من فروع المخالفين، حتى لو أراد دعوى الفسخ، إذ الفاضل والمصنف وغيره قدموا قول منكره للاصل، وإن كان قد احتمل في القواعد في بحث خيار المجلس تقديم قوله، لانه أعرف بنيته، ولا ريب في ضعفه بعد حمل النية في كلامه على الفعل، بقرينة وضوح عدم مدخلية النية ". وكيف كان فالتحقيق ما عرفت نعم قد يتجه تقديم مدعي الفساد لو كان الاختلاف في حرية المعين ثمنا أو مثمنا ورقيته، ولم يكن سبيل إلى معرفتها، فإن أصل الصحة لا يشخص الرقية هنا قطعا، وكذلك الخلية والخمرية، فيبقى أصل عدم النقل وأصل البرائة معاضدا لمدعي الفساد، فيكون القول: قوله بيمينه، ولعل هذا هو مراد ثانى الشهيدين في مسالكه، قال: (وربما يستشكل الحكم مع التعيين، كبعتك بهذا العبد، فيقول: بل بهذا الحر، فإن منكر نقل العبد إن كان هو المشتري فهو ينفى ثبوت الثمن في ذمته وإن كان هو البايع فهو ينفى إنتقال عبده عنه، فالاصل معهما في الموضعين،

[ 196 ]

ولانه يرجع إلى إنكار البيع، فيقدم قول منكره). نعم لو لم يعينا في الصورتين توجه ما ذكره وإن كان لا يخلو من بعد، إلا أنه أولى من حمله على إرادة الفرق بين الكلي والمعين، ولو مع اختلاف المتبايعين فيه، بأن قال البايع مثلا: بعتك بهذا العبد مشيرا إلى معلوم العبودية، وقال المشتري: بل بهذا الحر مشيرا أيضا إلى معلوم الحرية، لعدم ما يصلح فارقا كما هو واضح بأدنى تأمل. ولو قال البايع مثلا: بعتك وأنا صبى. فأنكر المشتري وقال: بعتني وأنت بالغ ففي القواعد (احتمل تقديم قول مدعي الصحة مع يمينه، وتقديم قول البايع، لاصالة البقاء) ثم قال: (ولو قال: كنت مجنونا ولم يعلم له سبقه، قدم قول المشترى بيمينه والا فكالصبى) وظاهر التوقف، كالتذكرة والتحرير، والدروس في المقام والاقرار، وإقرار جامع المقاصد بل في إقرار الثاني (أن الصبى يحلف) لكن في الجامع هنا (أن الاحتمال الثاني في غاية الضعف، لان أصالة البقاء مندفعة بالاقرار بالبيع المحمول على البيع الصحيح شرعا، فإن صحته تقتضي عدم بقاء الصبوة فلا يعد معارضا، كما لا يعد إحتمال الفساد معارضا لاصالة الصحة في مطلق الاقرار بوقوع عقد البيع، فإن قلت: أصلان قد تعارضا، للقطع بثبوت وصف الصبوة سابقا قلت: قد انقطع هذا الاصل بالاعتراف بصدور البيع المحمول على الصحيح، كما يحكم بانقطاع أصالة بقاء ملك البايع، بالاعتراف بصدور البيع لو اختلفا في صحته وفساده، ولو ثبت في هذه المسألة تعارض الاصلين، لثبت تعارضهما فيما لو قال: تبايعنا وادعى أحدهما الفساد، والفرق غير واضح، وكون الصبوة مستمرة لا دخل له في الفرق) ثم قال في شرح قوله ولو قال: كنت مجنونا إلى آخره: (أي فيجئ فيه إحتمال تقدم جانب الصحة، لانها الاصل، والفساد لاصالة بقاء مقتضيه، وليس بشئ، لانقطاع هذا الاصل كما قررناه في المسألة السابقة). قلت: هو مناف لما ذكره في شرح قول الفاضل في باب الضمان، لا يصح ضمان

[ 197 ]

الصبي وإن أذن له الولي، فإن اختلفا قدم قول الضامن، لاصالة براءة الذمة وعدم البلوغ، وليس لمدعى الاهلية أصل يستند إليه، ولا ظاهر يرجع إليه، بخلاف ما لو ادعى شرطا فاسدا، وكذا البحث فيمن عرفت له حالة جنون، قال: أي (فإن اختلف الضامن والمضمون له في وقوع الضمان حال الصبا أو حال الكمال. قدم قول الضامن في أنه كان صبيا وقت الضمان، لان الاصل براءة الذمة، فيستصحب، وكذا أصل عدم البلوغ، وليس لمدعي أهلية الضمان حال وقوعه أصل يستند إليه، ولا ظاهر يرجع إليه يكون معارضا للاصلين السابقين، فإن قيل: له أصالة الصحة في العقود، وظاهر حال العاقد الآخر أنه لا يتصرف باطلا قلت: الاصل في العقود الصحة بعد استكمال أركانها، ليتحقق وجود العقد، أما قبله فلا وجود للعقد، فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحر أو العبد، حلف منكر وقوع العقد على العبد، وكذا الظاهر إنما يثبت مع الاستكمال المذكور، واعترف شيخنا الشهيد في حواشيه بوجود أصالة الصحة في العقود، لكن بمعارضة أصالة الصبى يتساقطان، ويبقى أصل البراءة تسليما عن المعارض، فكأنه لا أصل له، و ما ذكرناه أثبت). ثم إنه في شرح قوله بخلاف إلى آخره قال: (لان الظاهر أنهما لا يتصرفان باطلا، وحيث كان المتعاقدان كاملين تحقق الظاهر المذكور. وأصالة صحة العقود) وشرح قوله وكذا البحث إلى آخره (أي ما سبق في الاختلاف في وقوع الضمان حال الصبا والبلوغ آت فيما عرف له حال جنون بعين ما ذكر، لكن لو حصل الاختلاف في وقوع العقد في يوم الجمعة وكان فيه كاملا، وفي يوم الخميس قبله وكان باتفاقهما صبيا أو مجنونا، فهل هو كما سبق ؟ أو يحتمل بأصالة عدم التقدم، كل ممكن) إنتهى وهو كما ترى. والتحقيق عدم الفرق بين البيع والضمان في تقديم مدعي الصحة، لاصالتها القاطعة جميع هذه الاصول، بل هو كذلك وإن لم يعترف بأنه باع ثم ادعى أنه كان صبيا، ويكفى ثبوت أصل الفعل فيه ولو ببينة، ثم يصححه الاصل،

[ 198 ]

ومن الغريب دعوى تخصيصه أصالة الصحة بما بعد استكمال الاركان التى منها المعقود عليه، مع أنه لم يعرف خلاف في أن القول: قول مدعي الصحة فيما لو تنازع المتعاقدان الكاملان في وقوع العقد على ما يصح، أو ما لا يصح، وقد كان ما هو فيه من تقديم قول الصبى في مسألة الضمان مستغنيا عن هذه الدعوى، وكان يكفى فيه دعوى عدم تحقق موضوع أصالة الصحة، وهو فعل المسلم الكامل، وإن كان يدفعه منع كون الموضوع ذلك، بل الاصل في الفعل نفسه الصحة، وإنما يمنع منها عدم الكمال فمع عدم تحققه والفرض وقوع الفعل، يحكم بصحته حتى يتبين خلافه، إلا انه لا يخلو من نظر فتأمل جيدا. (النظر الخامس: في الشروط) المذكورة في متن العقد دون ما بعده بل وما قبله، إذا لم يكن بناء العقد عليه و إلا فالصحة فيه قوية جدا، وعلى كل حال فالمراد بها المرسومة فيه زائدا على الثمن و المثمن على وجه الالتزام، دون التعليق الذى لا إشكال في البطلان معه وإن كان بلفظ الشرط، من غير فرق بين كون المعلق عليه محقق الوقوع في مستقبل الازمنة أولا، لا لانه ينافى قصد إنشاء النقل والانتقال والرضا بهما لامكان منعه، خصوصا بعد مشروعية التدبير والنذر ونحوهما من الانشاء المعلق بل لانه مناف لما هو المعلوم من الشرع من تسبيب هذه الصيغ وترتب الاثار عليها بمجرد تمامها، فالتعليق المقتضى لتأخر الاثار، وعدم إعمال السبب مقتضاه مناف لذلك. ومنه يعلم أنه لا يقدح صورة التعليق بعد العلم بإرادة الالتزام منها، لا حقيقته المنافية لما عرفت، بل ولا يقدح منه ما كان نحو بعتك إذا كانت الشمس طالعة مع

[ 199 ]

العلم بالطلوع، وإن كان هو ظاهر بعضهم، لكونه تعليقا في الظاهر وللشك في السببية معه، إلا أنه كما ترى. نعم لا يبعد البطلان مع الشك، لاقتضائه توقف عمل السبب بعد تمامه على غيره مما لا مدخلية له في تسبيبه مع احتمال الصحة لكون التعليق فيه للعلم بترتب الاثر، لا للاثر نفسه، فتأمل جيدا. ولا خلاف كما لا إشكال في قبول عقد البيع وغيره من العقود اللازمة، الشرائط في الجملة، والنصوص مستفيضة فيه أو متواترة (1) بل لعل إطلاق الامر بالوفاء بالعقود (2) (والتجارة عن تراض) (3) كاف إلا أن منها ما ليس بسايغ، ومنها ما هو سايغ (وضابطه) كما في القواعد واللمعة والروضة وغيرها، بل عن ابى العباس نسبته إلى علمائنا، (ما لم يكن مؤديا إلى جهالة المبيع أو الثمن) كاشتراط تأجيل أحدهما مدة مجهولة (ولا مخالفا للكتاب والسنة) ضرورة وضوح بطلان الثاني، وكذا الاول بعد ما عرفت من اعتبار المعلومية فيهما، بل هو مندرج في الثاني، ولذا إقتصر في النصوص على استثنائه ففى الصحيح (4) (المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله تعالى فلا يجوز) وآخر (5) (من اشترط مخالفا لكتاب الله عزوجل فلا يجوز على الذي اشترط عليه والمسلمون عند شروطهم فيما يوافق كتاب الله عزوجل) والخبر (6) (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما) لكن يظهر من جماعة منهم الفاضل في القواعد أن من المخالف للمشروع إشتراط ما ينافى مقتضى العقد، كشرط عدم البيع أو الهبة أو العتق أو الوطي أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، أو نحو ذلك، بل في الغنية من الشروط الفاسدة بلا خلاف،


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار والباب 15 من ابواب الحيوان والباب 2 من ابواب المكاتبة وغيرها. (2) سورة المائدة الاية 1 (3) سورة النساء الاية 29 (4) (5) (6) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 2 - 1 - 5

[ 200 ]

أن يشترط ما يخالف مقتضى العقد، مثل أن لا يقبض المبيع ولا ينتفع به. وعن جماعة أن ضابط المنافي كل ما يقتضى عدم ترتب الاثر الذى جعل الشارع العقد من حيث هو هو يقتضيه ورتبه، وقد يشكل باشتراط عدم الانتفاع بالمبيع مثلا زمانا معينا، فان مقتضى إطلاق العقد إطلاق التصرف في كل وقت، وباشتراط إسقاط خيار المجلس، والحيوان، وما أشبه ذلك مما أجمع على صحة إشتراطه كما في المسالك، واحتمال إرادة ما لم يجعل العقد إلا لاجله من المقتضى كانتقال العوضين في البيع الذي هو الاثر الحقيقي له، ينافى منع إشتراط عدم البيع ونحوه مما سمعت منعه، لانه مناف. ومن هنا قال في جامع المقاصد (الحاسم لمادة الاشكال أن الشروط على أقسام، منها - ما انعقد الاجماع على حكمه من صحة وفساد، فلا عدول عنه، ومنها - ما وضح فيه المنافاة للمقتضى، كشرط عدم الضمان عن المقبوض بالبيع، أو وضح مقابله، ولا كلام في إتباع ما وضح، ومنها - ما ليس واحدا من النوعين، وهو بحسب نظر الفقيه) لكن لا يخفى عليك أن ما ذكره غير حاسم، والاولى الاعراض عن هذه العبارة، والرجوع إلى ما سمعته من الكلية المنصوصة التى يندرج فيها جميع ما يشك في جوازه، فيكون ذلك حينئذ هو المدار. لا يقال: إن فيها إجمالا ايضا إذ لا يدرى ما المراد بالحلال والحرام، أهو ما كان كذلك بأصل الشرع من دون توسط العقد، أو ما يعم ذلك ؟ فان أريد الاول، نافى ما نصوا عليه من بطلان اشتراط عدم البيع ونحوه، إذ لا مانع في الشرع من كون الشئ مملوكا ولا يباع أو لا يوهب مثلا، وإن أريد الثاني، ففيه أولا أنه مناف لما ذكروه، بل قد عرفت دعوى الاجماع عليه في المسالك من صحة اشتراط عدم الانتفاع مدة، وإسقاط خيار المجلس وإسقاط خيار الحيوان ونحوها مما عرفت، مضافا إلى ما تسمعه من النصوص الآتية في جواز بيع الامة بشرط عدم البيع والهبة، المستلزم لحرمتها بعد

[ 201 ]

الشرط، مع أنهما حلال بواسطة العقد، بل ظاهر هذا النصوص جواز اشتراط المنع من غيرهما إلا الارث خاصة من بينها، وثانيا المنع من الهبة مثلا الباطل اشتراطه، لكونه محرما، حلالا بواسطة العقد، وإن أريد به بالنسبة إلى العقد المعرى عن الشرط، فهو وارد في كل شرط، لانه مخالف لمقتضى العقد الخالي منه، وإن أريد بالنسبة إلى العقد المتضمن له فهو غير واضح، لانا نقول: لا يخفى رجحان إرادة الاول، لانسياق حصول صفة الحل والحرمة قبل العقد ذى الشرط منه، فالمراد تحريم ما كان حلالا بأصل الشرع، أو بالعكس كاشتراط عدم الارث ممن يرثه أو شرب الخمر أو الزنا و نحوها، بل التأمل الجيد يقضى بكون المراد بذلك بيان ان الشرط من الملزمات بكل ما هو جائز للمكلف فعله أو تركه، وأنه ليس مؤسسا للحكم الشرعي ومثبتا له، حتى يكون محللا للحرام أو بالعكس، فيكون الضابط حينئذ في السايغ منه ما كان جايزا للمشترط عليه قبل الاشتراط وانما اريد بالشرط الالزام به وغيره ما لم يكن كذلك، ومقتضى ذلك جواز إشتراط عدم البيع أو الهبة أو الواطئ أو نحو ذلك ضرورة أن للمشترط عليه مع قطع النظر عن الشرط ترك ذلك كله. اللهم إلا أن ينعقد إجماع على عدم الجواز وهو محل شك، بل قد يقوى الظن بخلافه، خصوصا بعد استدلال جماعة على البطلان بالمنافاة بمقتضى العقد الذي هو كما ترى، وخصوصا بعد أن سئل الصادق عليه السلام في الصحيحين (1) (عن الشرط في الامة لا تباع ولا توهب فقال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، لان كل شرط خالف الكتاب باطل) وفى الاخر (2) (وهو مردود) ونحوهما غيرهما، وهما مع صراحتهما بجواز اشتراط عدم البيع والهبة، قد اشتملا على الاستثناء المشعر بما ذكرنا من تفسير الحلال والحرام. نعم لا ريب في بطلان منافي مقتضى العقد بمعنى عوده عليه بالنقص، كاشتراط عدم الملك في المبيع، بل هو عند التأمل راجع إلى الضابط الذى عرفت، كما أن


(1) (2) الوسايل الباب 15 من ابواب الحيوان الحديث 1 - 2

[ 202 ]

البطلان في الشرط العائد إلى جهالة المبيع أو الثمن لا إشكال فيه، بعد النهى عن بيع الغرر (1) الشامل لمحل الفرض قطعا. نعم قد يتوقف في بطلان المجهول من الشرط مع الاول إلى العلم إذا لم تكن جهالته مؤدية إلى جهالة الثمن أو المثمن، لعموم دليل الشرطية بلا معارض، ضرورة إختصاص دليل المنع بغير الشرط ودعوى - إلحاق أحكام المبيع والثمن له، لاندراج كل شرط في اسم كل عقد وقع فيه - واضحة المنع، بعد صحة السلب عنه، ولا دليل على المساوات في الحكم، كدعوى استلزام جهالة الشرط، الجهالة فيهما لان له مدخلية فيهما، إذ لا شاهد لها في العرف واللغة والشرع، ومدخليته التى هي بمنزلة الداعي لا تقضى ذلك قطعا، ولا يندرج بسببها في دليل منع الجهالة في الثمن والمثمن كما هو واضح، فهو حينئذ قسم من الملزمات مستقل برأسة وإن اعتبر في إلزامه وقوعه في ضمن عقد لازم، ولذا صح اشتراط ما لا يصح وقوع العقد المشترط فيه عليه، كاشتراط المنفعة ونحوها في عقد البيع، والعين في عقد الاجارة وتصفح ما ذكره الاصحاب من صحة اشتراط الرهن والضامن والعتق ونحو ذلك، مع أن في مطلقها جهالة لا تغتفر في نظيره في البيع. أما إذا كان جهالة لا تئول إلى العلم، إتجه البطلان لانه مثار النزاع، ولم يعهد نظيره في الشرع بل المعلوم منه خلافه، بل قد يقال - إن لم يكن إجماع على مثل هذا التسامح في الاول - بعدم الجواز أيضا، لان دليل المنع وهو النهى (2) عن الغرر في البيع، شامل لعقد ذى الشرط المفروض فيه الغرر، وإن لم يصدق على الشرط أنه مبيع أو منه، أو ثمن أو منه، ضرورة كون المراد النهى عن الغرر في عقد البيع، ولو بالنسبة إلى ما فيه من الشرط، كما هو واضح، نعم لا يثبت في الشرط الاحكام الثابتة للمبيع مثلا من حيث كونه كذلك لعدم صدقه عليه، لا الثابتة للعقد الشامل للمشروط وغيره والله العالم. (و) كيف كان فقد بان لك من ذلك كله أنه لا إشكال في أنه (يجوز أن يشترط


(1) (2) الوسائل الباب 20 من ابواب آداب التجارة الحديث 3

[ 203 ]

ما هو سائغ داخل تحت قدرته، كقصارة الثوب وخياطته)، وحياكته إلا أنه بناء على اعتبار المعلومية، لابد من بيان الثوب وكيفية الخياطة (و) نحو ذلك مما يرتفع به الجهالة، كما أنه لا إشكال في أنه (لا يجوز اشتراط ما لا يدخل في مقدوره، كبيع الزرع على أن يجعله) المشتري أو الله (سنبلا والرطب على أن يجعله تمرا، ولا بأس باشتراط تبقيته) لدخولها تحت القدرة، وفى المسالك وغيرها، وهل يشترط تعيين المدة أم يحال على المتعارف من البلوغ ؟ لانه مضبوط عرفا كما إذا لم يشترط، الظاهر الاكتفاء بالثاني، وإطلاقهم يدل عليه، قلت: كما أنه يدل على ما ذكرنا من التسامح في الشرط، وربما فرق بين أخذها شرطا وعدمه، فيعتبر ضبط المدة في الاول دون الثاني، وهو جيد بناء على عدم اغتفار الجهالة في الشرط، وعلى أن التبقية عند عدم الاشتراط من دليل آخر، لا من انصراف إطلاق العقد وإلا كان كالشرط مع إمكان منعه، ضرورة وضوح الفرق بين ما يستفاد من الانصراف وبينه من الشرط، في صدق الغرر في عقد البيع ولو بالنسبة إلى ما فيه من الشرط في الثاني، بخلاف الاول. وعلى كل حال فالتبقية مقدورة يصح اشتراطها، ولعل من ذلك اشترط حصول الاثر المعلوم توقفه على عقد أو إيقاع من دونه، كاشتراط طلاق الزوجة - وحليته الوطئ من دون صيغتهما، ضرورة عدم دخول ذلك تحت قدرته، لكون المرجع فيه الشرع، بل قد عرفت فيما سبق أن دليل الشرطية لا يفيد إلا أن الشرط من الملزمات للجائز، كالنذر والعهد، ومقتضاه حينئذ أن كل شئ شك في حكمه شرعا فضلا عما علم لم يصح اشتراطه. نعم كل شئ علم حكمه شرعا وشك في جواز اشتراطه كان مقتضى العموم جوازه، وفرق واضح بين المقامين، فيجوز اشتراط الصيغة المقتضية للطلاق وحل الوطى ونحوهما، ويجوز اشتراط الاعمال وإن لم يذكر صيغة، بل يستحق العمل عليه بنفس الشرط، لعدم توقف حل استيفائه منه عليها، إذ لا ريب في جواز تبرعه به وقبوله منه، بل ربما

[ 204 ]

قيل أيضا بجواز اشتراط ملك عين مخصوصة، ويملكها بنفس الشرط، من غير حاجة إلى تجديد عقد الهبة لانها من العقود الجائزة التى لا يعتبر فيها لفظ مخصوص، فيكفى حينئذ عبارة الشرطية مع القبول في تحقق أثرها، كاشتراط الوكالة وغيرها، إلا أنه قد يشكل حصول الملك قبل القبض، لاعتباره فيها، وحينئذ يكون المراد بما في الشرط من الملك ملك أن يملك. اللهم إلا أن يقال أنها في الفرض كالهبة المعوضة، بناء على عدم اشتراط الملك فيها بالقبض، فتأمل جيدا فإن ذلك كله كما ترى، ضرورة عدم وفاء دليل الشرطية بصحة اشتراط آثار العقود على وجه يلحقه حكم العقد الذى لا يتناول الشرط. نعم قد يقال: بصحة اشتراط أثر العقد الذي لا دليل على انحصار سببه في العقد الذى هو من أسباب حصوله، كالملك الذي ليس في الادلة ما يقتضى انحصار سببه في الهبة ونحوها، وإن كان الهبة تفيده، لا أنها منحصر فيها، فهو حينئذ ملك شرطي، لا ملك الهبة التي هي اسم للعقد المخصوص، المعلوم عدم كون الشرط منه، بل لعل الحرية كذلك أيضا، فيصح اشتراطها على وجه يكون هو السبب في حصولها، وليس ذلك من العتق الذي هو عبارة عن الايقاع المخصوص، وحينئذ فالضابط في الامر الذى يجوز اشتراطه، هو ما لا دليل على انحصاره في سبب خاص من عقد أو إيقاع، وإن كان يحصل بهما، فيشمله حينئذ عموم (المؤمنون) (1) وأما ما دل على انحصاره في السبب المخصوص الذى هو عقد أو إيقاع فلا يصح اشتراطه، للتعارض من وجه ولا ترجيح، و الاصل عدم ترتب الاثر. وأما اشتراط العقود والايقاع فلا إشكال فيه، فيجوز اشتراط البيع والهبة والتزويج والقرض وغيرها، لكن لو شرط عليه البيع مثلا من زيد بكذا فلم يقبل زيد


(1) الوسائل الباب 6 - من ابواب الخيار الحديث 1 - 2

[ 205 ]

فهل يتسلط من له الشرط على الخيار لعدم الشرط أولا ؟ لان المراد من هذا الاشتراط ما هو مقدور له، وهو بذله له بذلك، والا كان من غير المقدور الذى يبطل اشتراطه - وجهان ينقدح من أولهما أن المدار في غير المقدور الفاسد اشتراطه العرف وتجدد العجز لا يخرجه عن القدرة، وإن سلط من له الشرط على الخيار، نعم يمكن القول بالبطلان، لو انكشف عدم القدرة عليه حال الاشتراط. وعلى كل حال فالظاهر عدم خروج المثال بامتناع زيد عن وصف القدرة، فيصح اشتراطه لذلك مرادا به البيع حقيقة لا بذله، ويتسلط على الخيار مع عدمه، ولو كان شرط البيع مثلا في عقد فاسد بجهالة ثمن ونحوه، فباع المشترط عليه، فلا ريب في صحة بيعه، ولزومه مع علمه بالفساد بل الظاهر ذلك وإن لم يعلم، وإن كان يقوي ثبوت الخيار له، وقد يحتمل الفساد، لانه كدفع ثمن العقد الفاسد، إذ دفع كل شئ بحسب حاله والاول أقوى، بل لولا غروره وحصول الغرر، أمكن القول بعدم الخيار له والله أعلم. وكيف كان فمن ذلك أي اشتراط الايقاع في العقد ما نبه المصنف بقوله (ويجوز ابتياع المملوك بشرط أن يعتقه) عن المبتاع بلا خلاف أجده فيه، كما عن بعضهم الاعتراف به، بل في المسالك الاجماع عليه، وعلى صحة اشتراطه غير مقيد به، كما عن المبسوط والمهذب البارع وإيضاح النافع الاجماع على صحة اشتراط عتقه، لكن صريح بعضهم وظاهر آخر ان جوازه لذلك، ولانه مبني على التغليب الذى منه ومن غيره يعلم عناية الشارع بفك الرقبة بأدنى سبب، وإلا فهو مناف لمقتضى العقد، فينبغي بطلانه، وفيه ما عرفت من أنه لا دليل على البطلان بمثل هذه المنافاة بل ظاهر الادلة خلافه. بل في التذكرة يجوز اشتراط عتقه عن البايع عندنا خلافا للشافعي، لانه شرط لا ينافى الكتاب والسنة لكن ظاهره في القواعد عدم الجواز كما هو خيرة الشهيدين في

[ 206 ]

الدروس والروضة والفاضل المقداد (لانه لا عتق إلا في ملك) (1) وفيه أنه في الملك لكون المعتق هو المشتري، ولا دليل على اشتراط ملكية المعتق عنه على أنه لو سلم فهو اشتراط لادخاله في ملكه، ثم عتقه عنه، ولا بأس به، بعد إن لم يكن الشرط بيعه عليه الذى قد عرفت منعه فيما تقدم، لعدم توقف العتق المشترط عليه، فالصحة حينئذ أقوى: ولو شرط في عتقه عن المشتري التبرع لزم الشرط، وكذا المجانية، أما لو شرط عتقه عن كفارة المشتري، ففي المسالك (صح، وفائدة الشرط التخصيص لهذا العبد بالاعتاق) قلت: بل فائدته عدم إجزاء العتق تبرعا عن الشرط إذا كان للبايع غرض بذلك، ومثله اشتراط العوضية في العتق بالخدمة ونحوها، فلا - تجزى المجانية حينئذ، وإن كان قد يندر فرض مصلحة للبايع في ذلك، لغلبة كونها للمشتري، فله حينئذ إسقاطها وعتقه مجانا. ثم إن ظاهر الشرط يقتضى إيقاعه مباشرة إختيارا، بل في المسالك مجانا أيضا، فلو شرط عليه عوضا من خدمة وغيرها لم يات، وقال: (وحيث يفوت الشرط يتخير البايع بين فسخ البيع والامضاء، لكن لو فسخ هنا رجع إلى القيمة، كالتالف أيضا، لبناء العتق على التغليب، مع احتمال فساده، لوقوعه على خلاف ما وجب، ويحتمل ضعيفا سقوط الشرط هنا ونفوذ العتق). قلت: لا ريب في ضعفه إن أراد من الشرط الخدمة ونحوهما المشترطة في العتق و كذا إن أراد به شرط البايع بناء على الظهور المزبور نعم يمكن منع ظهور الاطلاق في ذلك، لصدق تحقق العتق ولو مع الشرط: ثم قال: (وهل يشترط وقوعه من المشتري مباشرة أم يكفى وقوعه مطلقا ؟ وجهان، وتظهر الفائدة فيما لو باعه بشرط العتق، فعلى الاول يحتمل بطلان البيع، لان شرط العتق مستحق عليه، فلا يجوز نقله إلى غيره، وصحته مع تخير البايع، ثم إن أعتق المشتري الثاني قبل فسخه نفذ، وقدر كالتالف وإلا أخذه، وعلى الثاني يصح كما لو أعتقه بوكيله، والذى يدل عليه الاطلاق والحكم


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب كتاب العتق الحديث 1 - 5

[ 207 ]

في باقى الشروط أنه لا يقتضى مباشرتها بنفسه إلا مع التعيين، وهذا الشرط لا يزيد على غيره) وفيه أولا - أنه خلاف ما استظهره سابقا بناء على اتحاد المراد بالمباشرة في العبارتين، وثانيا - أنه لا ريب في ظهور الاطلاق في المباشرة بالمعنى المزبور، أي عتقه في ملكه ولو بوكيله، فلا يندرج حينئذ فيه المثال المزبور، وثالثا - أنه لا وجه لاحتمال البطلان على الاول، وإن كان هو خيرة محكي التحرير والتذكرة ومهذب البارع، إذ لا ينقص عن بيعه من دون اشتراط العتق الذى صرح هو وغيره في أنه للبايع إمضائه. قال في القواعد والدروس ومحكي التذكرة وجامع المقاصد والروضة: أنه لو باع العبد المشروط عليه عتقه، أو وقفه تخير البايع بين الفسخ والامضاء، أي فإن فسخ بطلت هذه العقود، بل قد يقال: بالصحة حتى مع الفسخ، فتكون له القيمة حينئذ نحو ما سمعته في الخيار اللهم إلا أن يقال إن ذلك إذا لم يكن الشرط في العين المتصرف بها، أما هي كالعبد المشروط عتقه مثلا، فقد يفرق بينه وبين الخيار بتعلق الحق فيه بالعين، كالرهن بخلافه، وحينئذ فعلى ذلك يتجه ما في المسالك من البطلان، بناء على إرادة عدم النفوذ منه كالرهن، فتأمل جيدا، فإنه قد يقال: إنه لا دليل على اقتضاء تعلق حق الشرط بالعين، عدم تأثير البيع الذي يقتضى الاطلاق صحته وترتب أثره عليه. نعم باعتبار ثبوت الحق في العين بعده لاستصحابه، يتجه تسلط من له الشرط على فسخ التصرف المزبور المنافى لنفوذ الشرط الذي جعل الشارع المؤمن عنده، وقال: إن شرطه له، فيفسخه حينئذ ويطالب المشتري بانفاذ شرطه، كما في غيره من الحقوق السابقة على العقود المتعلقة بها، كالشفعة وأرش الجناية وتعلق حق الدين بالتركة ونحو ذلك، وبه يرجح حينئذ على ما دل على لزوم التصرف اللاحق الذى حصل في العين مستحقا فيها ذلك، وحينئذ فيتجه بقاء البيع الاول على اللزوم بناء على اعتبار تعذر

[ 208 ]

الوفاء بالشرط في تزلزله، لا مجرد عدم الوفاء به، وربما كان ما ذكرناه محتمل عبارة الدروس قال: (ولو أخرجه أي العبد المشترط عتقه ببيع أو هبة أو وقف، فللبايع فسخ ذلك كله، بناء على كون المراد أن له فسخ هذه التصرفات دون البيع الاول، وله إمضائها باسقاط حقه من الشرط. نعم ظاهر غيره بل صريح بعض أن له فسخ هذه التصرفات بفسخ البيع الاول، فيترتب عليه فسخها إن لم يسقط حقه من الشرط، وهو لا يخلو من وجه، بناء على ثبوت الخيار للبايع في البيع الاول بمجرد عدم وفاء المشتري بالشرط، وحينئذ فالمتجه كونه مخيرا على الوجهين فتأمل جيدا، فإن ذلك عين التحقيق في المسألة، وهو الموافق للقواعد وإن لم أجده محررا. ورابعا - لا يخفى ما في قوله: والذي إلى آخره: من وضوح منع كون الحكم في باقى الشرائط ذلك، مع إرادة المعنى المزبور من المباشرة نعم هو كذلك بالنسبة إلى مباشرة الوكيل مثلا فتأمل جيدا. ثم إن الظاهر جواز عتق المشتري له عن كفارته من الاطلاق، لصدق امتثال كل منهما، ضرورة ظهور إرادة المشترط عتقه كيف ما كان، فهو كما لو صرح له بذلك إذ لا ريب حينئذ في الجواز، لكن بنى في المسالك جوازه على أن العتق حق الله تعالى، لان فيه معنى القربة والعبادة أو للبايع لتعليق غرضه به، ولان الشروط من جملة العوضين أو للعبد لاستلزامه زوال الحجر عنه وتحريره، أو للجميع لعدم المنافاة بينها، فيجوز اجتماعها، ثم قال بعد أن جعل الاخير هو التحقيق: (ويتفرع على ذلك المطالبة بالعتق، فمن كان الحق له، فله المطالبة به، وأما عتقه عن الكفارة، فإن قلنا الحق فيه لله تعالى لم يجز كالمنذور وإن قلنا: إنه للبايع فكذلك إن لم يسقط حقه، وإن أسقطه جاز، لسقوط وجوب العتق حينئذ، وكذا إن قلنا: إنه للعبد، وعلى ما اخترناه لا يصح مطلقا، وشرط العتق مستثنى من الشروط القابلة لاسقاط مستحقها)

[ 209 ]

وفيه أنه لا ريب في كون الحق من حيث الاشتراط للبايع، وإن كان المشترط من حقوق الله، كصوم أو صلوة ونحوهما، ولذا يجرى عليه ما يجرى على باقى الشرائط كالتسلط على الخيار عند عدم الوفاء به ونحوه، وكون العتق حقا لله لا ينافي كون اشتراطه حقا للبايع، فالاقوى جواز عتقه عن الكفارة مع الاسقاط بل ومع عدمه. بناء على ما ذكرناه من ظهور إرادة العتق كيف ما كان، وكذا لو كان حقا للعبد وما ذكره أخيرا من أن شرط العتق مستثنى من الشروط القابلة لاسقاط مستحقها وإن تبع به الشهيد في الدروس، قال فيها: (ولو أسقط البايع الشرط جاز إلا في العتق لتعلق حق العبد وحق الله تعالى به، لكن فيه نظر واضح، ضرورة تبعية حق الله والعبد لحق الاشتراط كما عرفت، وإحبال الامة، بل إيلادها لا يمنع من عتقها المشترط، ويجزى عنه بخلاف التنكيل وإن كان يحصل به العتق، إلا أن للبايع الفسخ والرجوع بالقيمة أو الامضاء والمطالبة بأرش الشرط في وجه على ما ستعرف. لكن في القواعد (وفى التنكيل إشكال) ولعله لصدق العتق، ولا ريب في ضعفه، ضرورة ظهور الشرط في غيره خصوصا بعد عدم صحة اشتراطه لكونه معصية نعم لو صرح المشترط بأن المراد حصول الحرية كيف ما كان، أمكن القول بالاجتزاء، وإن عصى المشترط عليه باختياره كما هو واضح، وكسب العبد قبل العتق للمشتري، كما أن قيمته لو قتل له، لكن يقوم مشروط العتق، كما في التذكرة، وإن كان فيه نوع تأمل، بناء على رجوع البايع عليه لو فسخ بقيمته مطلقا، لعدم حصول الشرط له، وبما اقتضاه شرط العتق من النقصان لو أمضى، ولو اطلق اشتراط العتق من غير تعيين كونه عن المشتري صح وحمل عليه بناء على عدم صحته عن البايع، أما عليها فيحتمل الصحة والاجتزاء بالمسمى حينئذ بناء على عدم قدح مثل هذه الجهالة، خصوصا مع علم إرادة المشترط العتق كيف ما كان وإلا بطل إن لم يعين والله أعلم. (أو) بشرط أن (يدبره) بلا خلاف مطلقا أو معينا، ويتخير الاول بين

[ 210 ]

المطلق والمقيد، إلا أنه إذا اختار الثاني ولم يتفق في تلك السنة وجب عليه التدبير ثانيا، لان الغرض ترتب العتق ولم يحصل، واحتمل في المسالك العدم، للقيام بالشرط المطلق، ولا ريب في ضعفه كضعف ما فيها أيضا من احتمال جواز رجوع المشتري في هذا التدبير نظرا إلى أصله، ضرورة عدم صدق الوفاء بالشرط الظاهر في كون الغرض منه العتق بعد الموت (أو) بشرط أن (يكاتبه) بلا خلاف أيضا كتابة مطلقة أو مشروطة بقدر أو أجل معلومين، ولو أطلق تخير المشتري بين المطلقة والمشروطة، كما في المسالك، وهو مؤيد لما ذكرناه من اغتفار نحو هذه الجهالة. ولو تشاح المشتري والعبد في القدر والاجل، رجع إلى القيمة السوقية، ولا يجب على المشتري النقصان عنها، ولو طلب الزيادة أجبر على القيمة إن أمكن، والا تخير البايع بين الفسخ والامضاء، والظاهر جواز رجوعه في المشروطة عند عجزه، ضرورة إرادة الكتابة على حكمها من عبارة الشرط، واحتمل في المسالك العدم، ولا ريب في ضعفه والله أعلم. (ولو شرط) المشتري (أن لا خسارة) عليه أو أن يكون تلفه من البايع متى تلف أو إن غصبه غاصب رجع على البايع بالثمن (أو شرط) البايع في الامة على المشتري (أن لا يعتقها أو لا يطأها) أو لا يهبها أو لا يبيعها (قيل يصح البيع ويبطل الشرط) لكن قد سمعت المعتبرة (1) المتضمنة للجواز في الجملة، إلا أنه في المحكي عن كشف الرموز ما رأيت أحدا عمل بها، بل في مفتاح الكرامة أنى لم أجد من تأمل أو خالف في بطلان الشروط الخمسة المتأخرة، إلا الفاضل في التذكرة، فإنه استشكل في بطلان اشتراط عدم البيع والعتق، وظاهر النافع التأمل فيهما، حيث قال: المروي الجواز، وفى إيضاحه إن الجواز غير بعيد، لان بقاء الامة عند المالك الصالح مطلوب اشتراط بقاء ملكه عليها، وذلك لا ينافى كما في أم الولد، ومنذور التصدق


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الحيوان 1 - 3

[ 211 ]

به وهو جيد جدا إن لم يثبت إجماع، وقد سمعت ما في الرياض من حكايته الجواز عن بعض وميله إليه، وأما الثلاثة الاول فلا ريب في البطلان مع إرادة اثبات الاستحقاق شرعا بالشرط لما عرفت من أنه ملزم لا مثبت لحكم. وسأل عبد الملك بن عتبة الرضا عليه السلام (1) " عن الرجل ابتاع منه طعاما أو متاعا على أنه ليس منه على وضيعة هل يستقيم ذلك وكيف يستقيم وما حد ذلك ؟ قال: لا ينبغى " ويمكن إرادة الكراهة منه إذا لم يكن المراد من الشرط ما يرجع إلى إثبات حكم شرعي، وقلنا: بعدم قدح مثل هذه الجهالة فيه بل هذا التعليق، إلا أن الجميع كما ترى، ومنه يعلم الحال في الشرطين الاخيرين. وكيف كان فقد عرفت الضابط في الشرائط السائغة وغيرها، وأنه لا يخرج عنه إلا بدليل كما هو مقتضى عموم قوله عليه السلام (2) " المؤمنون عند شروطهم " وأن ما طفحت به عباراتهم من البطلان المنافي لمقتضى العقد، أقصى ما يمكن تسليمه فيه اشتراط أن لا يملك ونحوه مما يعود عليه بالنقص، وقد يلحق به مثل أن لا يتصرف به أصلا، قال في الغنية " من الشروط الفاسدة بلا خلاف أن يشترط ما يخالف مقتضى العقد، مثل أن لا يقبض المبيع ولا ينتفع به " وهو جيد إن أراد من الامرين أمرا واحدا، أما غيره مما هو في الحقيقة مناف لمقتضى إطلاق العقد لا لنفسه، فلم يثبت بطلانه بل الثابت خلافه كما عرفت، فلاحظ وتأمل. إنما الكلام في صحة البيع المشتمل على الشرط الفاسد، وبطلانه، فالاول خيرة الاسكافي والشيخ والقاضى والعجلي وابن سعيد وأبى الاعلى ما حكي عن بعضهم وعن ابن زهرة موافقتهم، والرياض وفي خصوص الشرط المخالف لمقتضى العقد أو للسنة، محتجا عليه بالاجماع، وابن المتوج في الشرط الفاسد الذى لا يتعلق به غرض، كما لو شرط أكل الطعام بعينه أو لبس ثوب ونحوه، والثانى خيرة الفاضل وولده والشهيدين والعليين وأبى العباس والاردبيلى والخراساني على ما حكي عن بعضهم، ووافقهم أبو المكارم في خصوص غير المقدور من الشرط، كأن يشترط عليه أن يجعل الرطب تمرا بل قال: " إنه فاسد مفسد بلا خلاف " وظاهر جماعة منهم المصنف التوقف، وكان الاول لا يخلو من


(1) الوسائل الباب 35 من أبواب احكام العقود الحديث 1 - 3 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2

[ 212 ]

قوة للعموم وإجماع الغنية. وصحيح الحلبي (1) الذى رواه المشايخ الثلاثة عن أبى عبد الله عليه السلام " أن بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة فاشترتها عايشة فأعتقتها، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إنشائت تقر عند زوجها، وإن شائت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها شرطوا على عائشة أن لهم ولائها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الولاء لمن أعتق ". ومثله صحيحة عيص بن القاسم (2) مؤيدين بما ورد في النكاح من الاخبار الدالة على صحة عقده وفساد الشرط فيه كصحيحة محمد بن قيس (3) بل وخبر الوشا (4) الذى اعترف في المحكي من نهاية المرام بدلالته على عدم فساد العقد بفساد الشرط، وحمل الصحيحين الاولين على ما عند العامة من بطلان الشرط مطلقا مع صحة العقد، يدفعه وقوع الخلاف عندهم في ذلك، حتى أنه من طريف ما يحكى عن محمد بن سليمان الدهلى (5) قال: " حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: دخلت مكة زادها الله شرفا فرأيت فيها ثلاثة كوفيين، أحدهم أبو حنيفة وابن أبى ليلي وابن شبرمة، فصرت إلى أبى حنيفة فقلت: ما تقول فيمن باع بيعا وشرط شرطا فقال: البيع فاسد والشرط فاسد فأتيت ابن أبى ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع والشرط جائزان، فرجعت إلى أبى حنيفة، فقلت له: إن صاحبيك قد خالفاك فقال: لست أدري ما قالا، حدثنى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع وشرط، فأتيت ابن أبى ليلى فقلت له: إن صاحبيك قد خالفاك، فقال ما أدري ما قالا، حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما اشتريت بريرة جاريتي شرط علي


(1) الوسائل الباب 37 من ابواب العتق الحديث 2 (2) الوسائل الباب 37 من ابواب كتاب العتق الحديث 1 (3) (4) الوسائل الباب 38 و 39 من ابواب المهور الحديث 1 - 4 (5) المستدرك ج - 2 - ص 474

[ 213 ]

مواليها أن أجعل ولائها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وقال: الولاء لمن أعتق، فأجاز البيع وأفسد الشرط، فأتيت ابن شبرمة فقلت له: إن صاحبيك قد خالفاك، فقال: لست أدرى ما قالا، حدثنى مشعر بن محار بن زياد عن جابر بن عبد الله قال: ابتاع النبي صلى الله عليه وآله مني بعيرا بمكة فلما نقدني الثمن، شرطت أن يحملنى إلى المدينة، فأجاز النبي صلى الله عليه وآله البيع والشرط " فحملها على التقية مع هذا الاختلاف كما ترى، بل ما رواه ابن أبى ليلى مؤيد لهما، وإن توهم منه البطلان في سائر الشرائط، كما أنه يؤيدهما أيضا ما أرسله في الغنية، من خبر بريرة (1) بل الظاهر أنه من المستفيض بين العامة و الخاصة، وهو ظاهر في المطلوب واحتماله أمرا آخر لا يرفع الظهور الذى هو مناط الاحكام، كل ذلك مضافا إلى أن مدخلية الشرط في الترضى لا تزيد على مدخلية الثمن والمثمن، وبطلان العقد في أبعاضها لا يسري إلى بطلان الآخر حتى فيما كانت الهيئة الاجتماعية مطلوبة وملحوظة، بل أقصاه ثبوت الخيار للتضرر، ولا بأس بالتزامه هنا مع الجهل بالفساد، بل لعل القائلين ببطلان الشرط خاصة يلتزمون بذلك وإن لم يصرحوا به، ولعله لمعلوميته. ودعوى أن الشرائط في العقود ملحوظ فيها معنى الشرطية يدفعها معلومية بطلان التعليق فيها، سواء كان للزوم أو الصحة أو للرضا، مع أن مقتضى الاول انتفاؤه بانتفائه لا الصحة، ومرجعه إلى اشتراط الخيار بشرط ولو سلم صحته، فمن المعلوم عدم إرادته كمعلومية عدم صحة التعليق عليه في الاخيرين، ولذا حكي عن فخر المحققين أنه قال: إن كون هذه شروطا مجاز، لانها تابعة للعقد، والعقد سبب فيها، فلا يعقل كونها شرطا له، وإلا دار، بل هي من صفات البيع، تختلف الاغراض باختلافها، لكن في جامع المقاصد " لا محصل لهذا الكلام، فإنها شروط للبيع الذى هو انتقال المبيع من البايع إلى المشتري، لا شروط العقد، وقد عرفت فيما سبق أن البيع ليس هو نفس العقد، حتى لو كان نفس العقد امتنع كونها مشروطا له، بل للانتقال الذى هو أثره


(1) الوسائل الباب 37 من ابواب كتاب العتق الحديث 2

[ 214 ]

وكيف يعقل أن هذه الشروط شروط للعقد الذى هو الايجاب والقبول. ثم قوله إن هذه صفات للبيع ليس بجيد، إلا بناء على أن البيع هو العقد، فكونها صفات له لا ينافى كونها شروطا لاثره، وأما إن فقدها لا يستلزم أرشا فلا دخل له فيما نحن فيه، بل هذا ملتفت إلى أن الامور المشترطة، لما لم تكن داخلة في نفس مسمى البيع، لم يكن بازائها شئ من الثمن، لان الثمن في مقابل المبيع وأجزائه وإن كان قد يزيد بوجود بعض الصفات، لان زيادته على أنه في مقابل المبيع ملحوظا فيه مقابل الصفة المعينة، فإن الثمن للمبيع باعتبار المقابلة، وليس في مقابلة الصفة منه شئ. وفيه أن كونها شروطا لاثر العقد مستلزم للتعليق المنافي لسببية العقد أللهم إلا أن يريد كون الشرط ملك المشروط، وهو أمر مقارن لاثر العقد يحصل معه بحصوله فليس من التعليق المنافى، لكن فيه أن ذلك حكم الشرط المستفاد من قوله عليه السلام (1) " المؤمنون عند شروطهم " لا نفس الشرط، ضرورة كون الفعل المشترط لا ملكه، وارتكاب هذا التجوز - مع أنه خلاف قصد المتعاقدين - ليس بأولى من إرادة الالزام من الاشتراط، كما هو معناه لغة، وإليه أومى الفخر، ومراده أن العقد إذا صار سببا في لزومه، لم يعقل كونه شرطا له ولو لتأثيره الذى ذكره المحقق الثاني، على أن المرجع في تأثير العقد الادلة الشرعية التى دلت على تسببه، فلا يعقل اشتراط حصول أثره بشئ من غير الشارع، وأدلة الشروط قاصرة عن إفادة ذلك، بل هي ظاهرة في إرادة أن كل ما يلتزمه المؤمنون في عقد من العقود اللازمة يلتزم به، ردا على ما عن بعض العامة من بطلان الشرط في القعد خاصة، أو هو مع العقد كما سمعته من أبى حنيفة وابن أبى ليلى. وإليه يرجع ما عن المهذب البارع في الجواب عن الدور المقرر على تقدير


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2

[ 215 ]

القول ببطلان العقد مع بطلان الشرط، من أن لزوم الشرط وصحته فرع على صحة البيع، فلو كانت موقوفة على صحته لزم الدور، وقال في الجواب عن ذلك: " إن تسويغ الشرط ليس شرطا في الحقيقة لصحة البيع حتى يلزم الدور، بل هو من صفات البيع، فما كان منها سائغا داخلا تحت القدرة لزم باشتراطه في العقد، كما لو شرط صفة كمال في البيع وإن لم يكن سائغا بطل العقد لا من حيث فوات شرطه، بل من حيث وقوع الرضا عليه، وشروط الصحة إنما هي الامور المذكورة في أوائل الكتاب كاكمال المتعاقدين ونحو ذلك " و مرجع ما ذكره أخيرا إلى ما قيل من أن التراضي إنما وقع على المبيع مع الشرط، فمع إنتفائه ينتفى فلا يكون تجارة عن تراض، فيبطل لكونه شرطا في الصحة إجماعا. وفيه - بعد الغض عن اقتضائه البطلان إذا لم يوف بالشرط السائغ - أن التراضي وقع معه، لا مقيدا به، كما لو شرط كون العبد كاتبا مثلا، أو اشترى العبدين جميعا، فتبين أنه غير كاتب أو أن أحد العبدين ليس ملكا له، كان البيع صحيحا كما صرح به غير واحد، بل قد يظهر من جامع المقاصد الاجماع عليه، وإن كان يثبت له الفسخ، مع أن التراضي لم يتحقق إلا على الوجه الذي ليس بواقع، والفرق بين المقامين غير واضح بل قد اعترف في جامع المقاصد أن فيه عسرا، ودعوى - أن الاوصاف والاجتماع إذا أخذت قيدا كالشرئط يبطل البيع أيضا بانتفائها، وإنما يثبت له الخيار إذا كانت لا على وجه القيدية - سفسطة لا محصل تحتها، كالقول بأن منشأ البطلان في المقام أن الشرط له قسط من الثمن، فإنه قد يزيد باعتباره وينقص، فإذا بطل، بطل ما بازائه من الثمن، وهو غير معلوم فتطرق الجهالة إلى الثمن فيبطل البيع، إذ هو بعد معلومية عدم توزيع الاثمان على الشرائط، وأنها كالاوصاف التى يزيد الثمن وينقص بها كما ترى، خصوصا بعد ما سمعته من جامع المقاصد في توضيح عدم مقابلة الشرط للثمن. نعم قد عرفت إنا نقول بثبوت الخيار له، لفوات الشرط كفوات الوصف من غير فرق في ذلك وفى غيره مما ذكرنا من جميع الشرائط الباطلة، سواء كان البطلان

[ 216 ]

لعدم القدرة أو غيره، ونفى الخلاف عن بطلانه خاصة في الغنية لم نتحققه، كظهور الاجماع من محكي إيضاح النافع، حيث قال: عليه الفتوى، وسواء كان المقصود بالذات الشرط الفاسد، وجيئ بالبيع تبعا أو بالعكس، وسواء كان مما لا يتعلق به غرض كأكل الهريسة وغيره، بل في المحكي عن التذكرة أن الاول لا يقتضى فساد العقد عندنا. نعم قد يتجه البطلان فيهما معا لو كان البطلان لجهالة في الشرط، بحيث تؤدي إلى أحد العوضين، فيبطل العقد حينئذ للجهالة لا لبطلان الشرط، بل كل شرط باطل يستلزم إنتفاء شرط من شرائط العقد المعلومة، أو وجود مانع يقتضى بطلان العقد معه، ولعل منه ما يعود على العقد بالنقص، أما غير ذلك، فالاقوى فيه ما سمعت، وقد ظهر لك من جميع ما ذكرناه حجة القول المقابل وجوابها، وأضعفها الاستناد إلى أصالة عدم الانتقال التى يكفى في قطعها عموم الادلة، فضلا عما عرفت هذا. وقد يستفاد من مجموع ما ذكرنا خصوصا ما سمعته في الرد على ما في جامع المقاصد أنه ينبغى أن يكون النزاع في الشرط المطلق، أما إذا علم إرادة مجرد الالزام به من غير تعليق، فلا إشكال في عدم اقتضاء فساده فساد العقد، كما أنه لا إشكال في اقتضائه ذلك إذا علم إرادة تعليق الصحة على ملكه على النحو الذى سمعته من ثانى المحققين لو سلمنا صحته بل التحقيق عدمها، فمحل البحث في الشرط المطلق الذى لم يعلم ارادة المشترط منه أحد الامرين، ولا كان في العبارة دلالة على أحدهما فتأمل جيدا والله أعلم. (ولو شرط في البيع) مثلا (أن يضمن إنسان بعض الثمن) معينا أو مطلقا إن قلنا بصحته (أو كله صح البيع والشرط) بلا خلاف، للعموم، وكذا لو اشترط الرهن أو الكفيل أو الشهادة، إلا أن في القواعد الاقرب وجوب تعيين الرهن المشروط إما بالوصف أو المشاهدة، وتعيين الكفيل بالاسم والنسب والمشاهدة، أو الوصف كرجل موسر ثقة ولا يفتقر إلى تعيين الشهود، بل الضابط العدالة، فلو عينهم فالاقرب

[ 217 ]

تعينهم وتبعه على ذلك كله غيره، وقد يمنع وجوب التعيين للرهن والكفيل والضامن، خصوصا بناء على ما ذكرنا من اغتفار نحو هذه الجهالة في الشرط، بل وعلى غيره ايضا، فيصح الاطلاق حينئذ، لكن يحمل على الصالح للاستيفاء، كما صرح به في الدروس و غيرها بناء على الاجتزاء بالاطلاق، لا أنه يجتزى بمسماه، وإن احتمله في المحكي عن الايضاح إلا أنه كما ترى. واختلاف الرغبات في الاعيان، والناس في الاستفياء وسهولة البيع وشدة حاجة الراهن إلى الفك ونحو ذلك لا يوجب جهالة قادحة، وإلا لجاء مثله في الشهور وعدم صحة رهن المجهول، لا ينافى الجهل به حال اشتراطه وإن علم حال ارتهانه، فالمراد كونه مجهولا حال الاشتراط، لا حال الارتهان، وهما غيران و يجوز رهن المبيع على الثمن من غير شرط قطعا، بل ومعه على الاقوى خلافا للمحكى عن الشيخ والحلي للعموم، وليس من رهن ما لا يملك، ولا قبل ثبوت الدين، إذ هو اشتراط لرهنه بعد الملك، كهبته، والموجود في العقد اشتراط رهنه لا رهنه كى يشترط فيه ثبوت الدين وملكية الرهن. وليس البيع يقتضى ايفاء الثمن من غير ثمن المبيع، بل أقصاه أنه لا يقتضى إيفاؤه من ثمن المبيع، وهو أعم، فلا يناقض اشتراط الرهن المقتضى لايفاء الثمن منه، كما أن رهانته عند البايع تخرجه عن كونه مضمونا على البايع، فلا يتنافيان، و ليست صحة البيع موقوفة على رهنه لو اشترط. نعم ملكية رهنه موقوفة على صحة البيع فلا دور حتى لو قلنا بتوقف لزومه على الرهن إذ الصحة غير اللزوم. وكيف كان فلو اخل المشتري بما اشترط عليه من الرهن أو الكفيل أو الضامن أو غير ذلك، تخير البايع بعد تعذر الاجبار كما ستعرف، وكذا يتخير لو هلك الرهن أو تعيب قبل القبض، بناء على اشتراط القبض في الرهن أو وجد به عيبا قديما وليس له المطالبة بالابدال أو الارش اما لو هلك أو تعيب بعد القبض فلا خيار، لاصالة اللزوم بعد الوفاء بالشرط كما هو واضح، ولو اختلفا في زمن حدوث العيب ففى تقديم قول الراهن وقول

[ 218 ]

المرتهن وجهان. والله أعلم. (تفريع: إذا اشترط العتق في بيع المملوك، فإن أعتقه، فقد لزم البيع) بلا خلاف ولا إشكال، (وإن امتنع، كان للبايع) إجباره كما في كل شرط على الاقوى، إن كان مما يجبر عليه، لا ما إذا كان من صفات المبيع، كما لو اشترط كونه كاتبا وشاعرا، لوجوب الوفاء به عليه كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا محكيا عن الغنية والسرائر إن لم يكن محصلا، خصوصا بعد ملاحظة كلامهم في باب القرض، من أنه لو أجله في عقد لازم لزم، لكن قال الشهيد في اللمعة: " لا يجب على المشترط عليه فعله، وإنما فائدته جعل البيع عرضة للزوال بالفسخ، عند عدم سلامة الشرط، و لزومه عند الاتيان به " وهو كما ترى. ونحوه ما عنه أيضا في بعض تحقيقاته، من أن الشرط الواقع في العقد اللازم، إن كان العقد كافيا في تحققه، ولا يحتاج بعده إلى صيغة فهو لازم لا يجوز الاخلال به، كشرط الوكالة في العقد، وإن احتاج بعده إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد، كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا، وجعل السر فيه أن اشتراطه في العقد كاف في تحققه كجزء من الايجاب والقبول، فهو تابع لهما في اللزوم والجواز، واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد، وقد علق عليه العقد، والمعلق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزا، وإن كان هو أجود مما في اللمعة، إلا أنهما معا مشتركان في اقتضاء الادلة خلافهما، ولعل منشأهما معا تخيل التعليق في الشرط هنا، بل كاد يكون الثاني كالصريح في ذلك. وقد عرفت أن ليس المراد منه هنا إلا الالزام، ولو سلم فقد سمعت ما ذكره المحقق الثاني من أن الشرط حينئذ هو أن يملك عليه الامر المشترط، وهو حاصل بنفس العقد من غير حاجة إلى أمر آخر، وليس هو معلقا على أمر ممكن، بل قد علق على شئ حصل بتمام العقد، فالممكن حينئذ متعلق الشرط لا هو فتأمل جيدا.


(1) سورة المائدة الاية 1 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2 - 3

[ 219 ]

بل لولا الاجماع - ظاهرا على ثبوت الخيار في حال تعذر الاجبار، مضافا إلى حديث الضرار (1) وخبر أبى الجارود (2) عن أبى جعفر عليه السلام " إن بعت رجلا على شرط، فإن أتاك بمالك، وإلا فالبيع لك " بناء على أن المراد منه لزومه لك، نحو قولهم عليهم السلام في غيره " فلا بيع له " - لامكن عدم القول بثبوت الخيار أصلا، لما عرفت ولان الشرط من طرف البايع مثلا كالثمن، فإن الامتناع منه في غير التأخير ثلاثة أيام بالشروط السابقة لا يؤثر خيارا على الاصح، لاصالة اللزوم، ومن ذلك يعلم أن المتجه الاقتصار على المتيقن من ثبوت الخيار، ولعله حال تعذر جبره على الحاكم لا على من له الشرط، وإن كان قد يظهر من بعض الاصحاب سهولة الامر في ثبوت الخيار، حتى لو احتاج إلى رفع أمره إلى الحاكم والمراجعة والانتظار ونحو ذلك لم يجب عليه، وربما يشهد له خبر أبى الجارود، وحديث الضرار، إلا أن الاحوط ما عرفت. وعلى كل حال فله أي البايع إذا تعذر إجبار المشتري على العتق (خيار) في (الفسخ) ورد المبيع مثلا، والامضاء بالثمن، وليس له أرش الشرط على المشهور بين الاصحاب لانه وصف في المعنى، ولا يقابل بالثمن (و) كذا (إن مات العبد قبل عتقه كان البايع بالخيار) المزبور (أيضا) إلا أنه إذا فسخ يرجع بالقيمة وقت الموت، لانه وقت الانتقال أو حين القبض، أو منه إلى الموت وجود أقواها عندهم الاولى، لانه وقت قيام القيمة مقام العين في تعلق الحق الذى كان متعلقا بالعين، و لو كان معلقا على تعذر الفسخ، ولم أجد من احتمل حال الفسخ هنا، كما ذكروه في بعض المباحث السابقة. وعلى كل حال فالخيار بين الفسخ والامضاء بالمسمى، لكن في القواعد ولو مات أو تعيب بما يوجب العتق أي قهرا، رجع البايع بما نقصه شرط العتق، فيقال كم


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5 (2) الوسائل الباب 7 - من ابواب الخيار الحديث 2

[ 220 ]

قيمته لو بيع مطلقا وبشرط العتق فيرجع بالنسبة من الثمن، وله الفسخ فيطالب بالقيمة، وفي اعتبارها إشكال، بل احتمل في التحرير أن له الارش المزبور خاصة من غير خيار، ولا ريب في ضعفه، بل قد يظهر من المسالك الاجماع على خلافه، كاحتمال عدم الخيار والارش أصلا، حتى لو كان عدم الشرط بتفريط من المشتري، أما الاول وإن قال الشهيد في حواشيه: إنه المنقول، بل قيل إنه حكاه في المبسوط قولا، ووجه بأن الشرط يقتضى نقصانا ولم يحصل، ومقتضاه ثبوت الحكم في كل شرط تعذر الوفاء به. ففيه - مضافا إلى أن الشروط لا يوزع عليها الثمن، وإن حصل باعتبارها نقصان، كالاوصاف والتدليس الذى صرحوا بعدم الارش فيه - أنه الارش لا يدرك به مصلحة الشرط، ضرورة أنه برجوعه زائدا على المسمى على نسبة التفاوت بين القيمتين، يصير كأنه باعه من دون اشتراط عتقه، فلم يحصل به مصلحة الشرط، ولعل هذا هو السر في عدم الارش للشرائط والاوصاف، بخلاف العيوب التى ثبت الارش فيها ايضا بالادلة. نعم قد يقال: بالقيمة للشرائط القابلة للتقويم، قال في التذكرة: " لو شرط على البايع عملا سائغا تخير المشتري بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته، وكان مما يتقوم كما لو شرط تسليم الثوب مصبوغا، فأتاه به غير مصبوغ وتلف في يد المشتري ولو لم يكن مما يتقوم تخير بين الفسخ والامضاء مجانا، ولو كان الشرط على المشترى مثل ان باعه داره بشرط أن يصبغ له ثوبه، فتلف الثوب تخير البايع بين الفسخ والامضاء بقيمة الفائت إن كان مما له قيمة وإلا مجانا وهو لا يخلو من وجه والله أعلم.

[ 221 ]

(النظر السادس في لواحق من احكام العقود) (الصبرة لا يصح بيعها إلا مع المعرفة ب‍) ما يرفع جهالتها من (كيلها أو وزنها) أو عدها أو نحو ذلك مما هو شرط صحة البيع كما عرفته سابقا، فإذا عرفها صح بيعها أجمع وبيع جزء منها مشاع ثلث أو ربع، وبيعها كل قفيز منها بدرهم، وبيع قفيز منها، أما بيع كل قفيز منها بدرهم، فلا يصح، للجهل بقدر المبيع المستلزم للجهل بقدر الثمن، خلافا للاسكافي، فأجازه في المجهولة (ف‍) ضلا عن المعلومة كما ستسمع و (لو باعها) إي الصبرة (أو جزءا منها مشاعا) أو كل قفيز منها بدرهم (مع الجهالة بقدرها لم يجز، وكذا لو قال: بعتك قفيز منها بدرهم، أو بعتكها كل قفيز بدرهم) خلافا للاسكافي في الجميع وظاهر الشيخ في الثالث، إلا أن الاول حكى الفاضل في المختلف عنه بالنسبة إلى الصورة الاولى، جواز بيع الصبرة تارة اكتفاء بالمشاهدة عن اعتبارها، واخرى أنه لا بأس ببيع الجزاف بالجزاف مما اختلف جنساهما، لان المقتضى وهو البيع موجود، والمعارض منتف، لانه إما مانع، الجهالة و هو منتف بالجهالة، هكذا وجد في المختلف والصواب " بالمشاهدة " أو مانع تطرق الربا وهو منتف باختلاف الجنس، لكن لا ريب في ضعفه على كل حال، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، فضلا عن محكيه في المختلف عليه، إذ الجهالة نفسها مانعة، للنهى عن الغرر (1) والمشاهدة غير كافية في ذلك قطعا. وأما الصورة الثالثة ففى المختلف " أنه أطلق الصحة فيما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، ولم يتعرض لكونها معلومة أو مجهولة " وعن ابن جنيد " أنه لو وقع البيع على صبرة بعينها، كل كر بكذا أو ماءة كر منها بكذا فقبض المشتري


(1) الوسائل الباب - 40 - من ابواب آداب التجارة الحديث - 3

[ 222 ]

البعض أو لم يقبض، ثم زاد السعر أو نقص، كان باقى الصبرة أو الماءة للمشتري بالسعر الذي قاطعة عليه، وأما إذا اشترى كل كر منها بكذا ولم يشترط جميع الصبرة، ولا مقدارا معلوما، كان بقدر ما وزن بسعر يوم الشراء " وظاهره الصحة فيهما. وفى المختلف " إن التحقيق الصحة إذا كانت معلومة المقدار، وإلا احتمل البطلان في الجميع، والصحة في قفيز واحد كما قاله أبو حنيفة، أما بطلان البيع في الجميع، فلانه مبيع مجهول المقدار، والثمن فيه غير معلوم فكان باطلا، وأما صحته في قفيز فلان بيع كل قفيز يستلزم بيع قفيز ما، فيصح، لتعينه وتعيين ثمنه " وقول الشيخ يقتضى الصحة في الجميع، لانه نقل كلام أبى حنيفة ولم يرتضه، واختار كلام الشافعي، ومذهبه صحة الجميع، وعلى كل حال فضعف الجميع واضح، وإن اختلفت مراتبه، ضرورة صدق الغرر فيه، الذي لا يزول بالتقدير المزبور قطعا، والصحة في الواحد بعد أن لم يكن مقصودا لهما كما ترى، نحو الصحة في الصورة الرابعة التى لم يعلم قدر المبيع (و) لا قدر الثمن. نعم (لو قال: بعتك قفيزا منها، أو قفيزين مثلا صح " كالمعلومة بلا خلاف ولا إشكال إذا علم اشتمالها عليه، بل ظاهر اللمعة ذلك وإن لم يعلم إلا أنه يجبر نقص المبيع لو تحقق بالخيار، وفيه أنه لا غرر أعظم من الشك في الوجود، ولعله لذا كان خيرة الاكثر العدم إلا أنه ينبغى تقييده بما إذا لم يكن هناك طريق شرعي يقتضى وجوده من أصل أو غيره، ولعل من اعتبر العلم أراد ما يشمل ذلك، بل يمكن إرادة ما يشمل الاطمينان منه والامر سهل. إنما الكلام في أنه هل ينزل على الاشاعة في الصورتين، أو يكون المبيع ذلك المقدار في الجملة وتظهر الفائدة فيما لو تلف بعضها، فعلى الاشاعة يتلف من المبيع بالنسبة، و على الثاني يبقى المبيع ما بقى قدره، ويرجح الاول، عدم معهودية ملك الكلى في غير الذمة لا على وجه الاشاعة، بل ينحل إلى جهالة المبيع وإبهامه، وما تسمعه في بيع الثمار من أن

[ 223 ]

استثناء البايع أرطالا معلومة ينزل على الاشاعة من غير خلاف فيه بينهم قالوا: فلو خاست الثمرة بأمر من الله تعالى مثلا، وزع على النسبة وهو مثل المقام كما اعترف به في الدروس. لكن في الصحيح (1) " رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من أجمه واحدة والانبار فيه ثلاثون ألف طن، فقال البايع: بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتري: قد قبلت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع في القصب نار فاحترق منه عشرون ألف طن، وبقى عشرة آلاف طن، فقال عشرة آلاف التى بقيت هي للمشتري، والعشرون التي احترقت من مال البايع " وهو يؤيد الثاني وبه يفرق بين ما هنا، وبين ما في بيع الثمار، إلا أنه قد يشكل صحة أصل البيع فيه بجهالة عين المبيع فيه الموجبة للضرر المنفى (2) الموجب لفساد المعاملة، وصرح الاصحاب - فيما لو باع شاة غير معلومة من قطيع - بالبطلان وإن علم عدد ما اشتمل عليه من الشياة لتفاوت أثمانها، بل صرحوا بالبطلان فيما لو فرقت الصبرة صيعانا متمايزة، واشترى مقدارا منها، فالاطنان إن كانت قيمية فمن الاول، وإلا فمن الثاني. اللهم إلا أن يلتزم الاخير ويكون البيع غير ملاحظ فيه خصوص ذلك التميز، وإنما المراد مقداره، حتى لو أراد البايع تغيير الاطنان من غير نقصان للمقدار كان له ذلك لان المفروض أن الجميع من أجمة واحدة، فيصح حينئذ لانه كبيع المقدار المعلوم من الصبرة. ولكن على كل حال فالمتجه الجمود على النص في خصوص البيع بالفرض المزبور ولا يتعدى منه إلى غيره، كالصلح وثمن الاجارة ومهر النكاح ونحو ذلك بناء على ما سمعت من أن ملك الكلى في العين الخارجية لا يكون إلا على الاشاعة وفرض المسألة


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 1 (2) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5

[ 224 ]

كون المبيع في الذمة، وشرط التأدية من الصبرة خروج عن موضوع البحث ومقتضاه عدم البطلان، حتى لو تلفت الصبرة أجمع، وإن تسلط على الخيار بانعدام الشرط. بقى شئ وهو أن منشأ الوجهين على الظاهر، الاختلاف في تعيين مراد المتعاملين من العبارة التى هي مورد العقد، لا أن ذلك حكم شرعي وإن لم يقصداه، فيخرج عن محل البحث حينئذ ما صرح فيه بقصد الاشاعة أو الكلي، إلا أنه قد يشكل صحة الثاني، بناء على عدم ملك الكلي في غير الذمة لا على وجه الاشاعة وخبر الاطنان (1) لا دليل فيه على صحته، بل هو أعم منه ومن الاشاعة، وإن كان قد خولف مقتضاها بجعل التالف عن البايع خاصة، فيكون حكما شرعيا تعبديا لا يقاس عليه غيره. بل قد يقال: إن هذا المعنى حكم مطلق بيع الصاع من الصبرة، أما لو صرح به فلا دليل على جوازه وقد يحتمل في أصل المسألة أن منشأ الوجهين الاختلاف فيما تقتضيه الادلة الشرعية في بيع مطلق الصاع من الصبرة من غير مدخلية لتعرف قصد المتعاملين، بل لو علم خلوهما عن الامرين معا، جاء الوجهان أيضا ولم يحكم بفساد المعاملة، فتأمل جيدا، فإن التحقيق التنزيل على الاشاعة، ضرورة كونه كالمالين المختلطين، أو كالمال الذى اشترى أبعاضه، هذا كله فيما يتوقف رفع جهالته على الاعتبار. (و) أما (بيع ما تكفى فيه المشاهدة) فإنه (جائز) مع حصولها بلا خلاف ولا إشكال، لحصول المقتضى وانتفاء المانع (كأنه يقول: بعتك هذه الارض) أو هذا الثوب، (أو هذه الساجة) بالجيم (أو جزء منها مشاعا) من غير مسح لها، بناء على كفاية المشاهدة في الثلاثة كما هو الاقوى، خلافا للشيخ في المحكي من ظاهر خلافه، فمنع في الاولين من دون مسح، ولا ريب في ضعفه، سيما بعد اقتضاء العمومات الجواز ولا معارض وكذا ما لا يكون العد معتبرا في معرفته، كقطيع الغنم، وجملة النخيل والشجر وصبرة الكتب ونحو ذلك، فيصح شراؤه بعد مشاهدة كل واحد مثلا


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 1 -

[ 225 ]

على وجه يعلم به، وإن لم يعرف عده ضرورة عدم كونه كالدراهم (و) نحوهما مما يتوقف معرفته على عده كما هو واضح. نعم (لو) أراد بيعها ذرعانا ف‍ (قال: بعتكها كل ذراع بدرهم لم يصح إلا مع العلم بذرعاتها) بجملتها، لحصول الجهالة في الثمن، وإن كانت هي معلومة بالمشاهدة على وجه يصح بيعها، وهذا هو الفارق بينها، وبين الصبرة المعلومة حيث صح بيعها كل قفيز بدرهم لان معلوميتها انما تكون من جهة الكيل، فيستلزم العلم بقدر الثمن، ولو اكتفينا بالمشاهدة فيها كما ذهب إليه ابن الجنيد اشترط في بيعها كل قفيز بدرهم معرفة ما تشتمل عليه منه ليحصل بذلك العلم بقدر الثمن. (ولو قال بعتك عشرة أذرع منها وعين) ابتداء (الموضع) ومنتهاه (جاز) قطعا بل في المسالك ومحكي التحرير الاجماع عليه، لكونه معلوما بالحد والمشاهدة، فهى عين مشخصة لا جهالة في شئ منها، ولو عين المبتدأ أو المنتهى، فقال: من هنا إلى حيث ينتهى، أو إلى هنا من حيث يبتدى، صح ايضا مع فرض تشخص المبيع بدايته ونهايته في الواقع، وإن جهل ذلك المتشخص، إلا أن جهله ليس لصدقه على كثيرين، بحيث تكون أفرادا له حتى يكون المبيع كليا من بعض الجهات بل كان الجهل لعدم العلم بخصوص المجمل الذي تنتهى إليه العشرة، ومثله غير قادح للاصل سواء كانت اجزاء الارض أو الثوب متساوية أو مختلفة لان الفرض مشاهدته لها أجمع، فارتفع الغرر من هذه الجهة، وليست هي بأعظم غررا من بيع الثوب والارض برؤية بعضها الذى لا خلاف في جوازه، ولا من بيع شئ مع عدم العلم بدخول ما يدخل فيه عرفا، مما يجوز معه النزاع، بل هذه الجهالة عند التأمل، كالجهالة بوزن العشرة أقفزة مثلا أو بعلو الصبرة التى تحصل منها أو نحو ذلك، ما لا تعد جهالة في العرف ولذا استمر العمل على مقدار الاذرعة من الثياب - من دون علم بما ينتهى إليه ذلك المقدار من المذروع منه - استمرارا يمكن تحصيل العلم بتقرير المعصوم منه.

[ 226 ]

فما في الدروس وعن المبسوط والخلاف وابن ادريس والقاضى والمقدس الاردبيلى من الصحة حينئذ قوي جدا، بل قيل إنه خيرة الارشاد وشرحه لولده، لكن عن غاية المراد أنه حكى ولد المصنف عن والده إصلاح صح " بلم يصح " حتى يوافق ما في كتبه وفى المسالك " إن الاجود الصحة مع تساوي الاجزاء أو تقاربها، وإلا فالبطلان أجود " وكأنه أخذه مما عن غاية المراد من أنه قد ينصر الشيخ بأن هذا الاختلاف غير قادح لانه اختلاف مقاربة لا مفارقة مع غلبة تساوى الاجزاء المتجاوزة، وحينئذ فالاولى أن يحمل قوله تساوي أجزاء الارض غالبا أو تقاربها، وفيه أنه بناء على ما ذكرنا لا فرق بين تساوي الاجزاء واختلافها، لان جهالتها تتبع الكلى إذا لم يكن مشاعا منها، أما إذا كان شخصيا مشاهدا فلا جهالة فيه. فالاولى بناء كلام الشيخ على ذلك، لا على ما ذكراه وإلا لاتجه الصحة وإن لم يعين المبدأ ولا المنتهى كما في الصبرة، لكون الفرض التساوى، أو التقارب، وقد صرح غير واحد بعدم الجواز بناء على عدم تساوي الارض وكذا الثوب، ولذا قال: في المتن (ولو أبهمه) أي الموضع (لم يجز لجهالة المبيع، وحصول التفاوت في أجزائها، بخلاف الصبرة) نعم في الدروس أنه لو باعه ذراعا من ثوب معلوم المساحة وقصدا معينا أو أن يختار أحدهما ما شاء، بطل، وإن قصد الاشاعة صح، وهو كذلك، إلا أنه غير ما نحن فيه. ومن ذلك كله ظهر لك أنه لو عين المبدأ وكان المبيع عشرة أذرع كلية بالنسبة إلى غير محل الابتداء لم يصح قطعا كما إذا لم يعين مبدأ المبيع، وإن عين ما فيه المبيع بداية ونهاية بناء على اختلاف أجزاء الارض على وجه لا يمكن رفعها بالكلى، وإن شوهد جميع أفراده الدائرة بينها، أللهم إلا أن يقصد الاشاعة، فقد يقال: بالصحة، كما سمعته من الدروس وإن لم يعلم مساحة الارض، إذا كان المبيع أذرعا معلومة، لكون المبيع حينئذ حصة مشاعة مقدرة بالعشرة أذرع مثلا، والجهل

[ 227 ]

بنسبتها إلى المجموع حال العقد غير قادح، بعد الضبط بالاذرع، فيملك حينئذ في كل جزء من الثوب على حسب نسبته العشرة إلى المجموع، نحو ما سمعته في بيع الصاع من الصبرة، على تقدير التنزيل على الاشاعة، واختلاف الاجزاء وتساويها لا مدخلية لها في علم المبيع وجهالته، فإذا صح بيع الصاع من الصبرة منزلا على ملك حصة من الصبرة مشاعة تعلم بنسبة الصاع إلى المجموع، ولا يقدح جهالتها حال العقد، فكذلك المقام. بل قد ينقدح من ذلك ومما سمعته سابقا في بيع الصاع من الصبرة من انصراف مطلقه عندنا إلى الاشاعة، صحة نحو ذلك في المقام، وإن لم يصرح بقصدها، فينزل حينئذ على الاشاعة المزبورة، ويكون صحيحا، وما عساه يوهمه إطلاق بعض العبارات من عدم جواز مثل ذلك، بل والصورة السابقة، يمكن دفعه بظهور الاطلاق في غير ذلك، وأن المراد منه بيع مقدار مخصوص لا على جهة الاشاعة، ولا ريب في بطلانه خصوصا في مختلف الاجزاء فتأمل جيدا. فإن الظاهر البطلان مع قصد النسبة بما ذكره من العدد على وجه يكون المبيع الكسر الذي يطابق النسبة المزبورة في الواقع، لجهالة المبيع التى لا يرفعها ضبط النسبة المزبورة، وإلا لصح ذلك في القيمي كأنه يبيعه من العبد مثلا ما يقابل عشرة من النسبة إلى مجموع قيمته، وهو معلوم الفساد، ولا ينافى ذلك القول بتنزيل الصاع من الصبرة على الاشاعة، فإنه لا يراد منه وقوع البيع على الكسر الذي يكون نسبة الصاع إلى مجموعة، بل المراد منها أن المبيع كلي شايع في مصاديقه في الصبرة كشيوع كلي الشاة في الزكاة في الاربعين في وجه، وهذا وإن لم يكن من الاشتراك على اشتراك الكسور كالنصف ونحوه، ولكن حكمه حكمه بالنسبة إلى توزيع التالف على المجموع باعتبار عدم تعيين كلي كل من المالكين في فرد مخصوص، بل هو مصداق لكل منهما و حينئذ فالتحقيق صحة بيع الكلى في الشايع في الافراد الخارجة، ولكن مع تساوى

[ 228 ]

الاجزاء كالصاع من الصبرة على الوجه الذي ذكرنا، وكذا الارض والثوب مع فرض تساوى الاجزاء، ولا يصح مع اختلافها، أما بيعه على وجه النسبة بمعنى كون المبيع الكسر من الصبرة أو الارض المقدر بنسبة الصاع أو الذراع إلى المجموع فغير جائز في متفق الاجزاء ومختلفها، ولعله بذلك تعرف الوجه في إطلاقهم والله أعلم. (ولو باعه أرضا) مثلا (على أنها جربان معينة) مصرحا بذلك أو بنى العقد عليه (فكانت أقل فالمشترى بالخيار) بلا خلاف ولا إشكال، إلا أن الاكثر نقلا و تحصيلا بل في الرياض أنه حكى الشهرة عليه جماعة على كون الخيار (بين فسخ البيع) واسترجاع الثمن إن كان قد قبضه البايع (وبين أخذها بحصتها من الثمن، وقيل: بل بكل الثمن) كما هو خيرة الشيخ والقاضى والفاضل وولده وأبى العباس والصيمري على ما حكي عن بعضهم، بل هو ظاهر الوسيلة والنافع وجامع المقاصد، وقواه في الميسية على ما قيل، واستوجهه في المسالك (والاول أشبه) بأصول المذهب و قواعده، إذا المذكور وإن كان بصورة الوصف والشرط الذين لا يوزع عليهما الاثمان لكنهما أجزاء من المبيع حقيقية خارجية فيفوت بفواتها بعض المبيع حينئذ فيثبت الخيار المزبور لتخلف الوصف الذى هو بعض من المبيع، وبذلك افترق عن بعض الاوصاف التى لا ترجع إلى أجزاء من المبيع، فكان الخيار فيها بتخلف الوصف بين الفسخ والقبول بتمام الثمن، لكون الفائت ليس جزء مبيع يقابل شيئا من الثمن، بل وصفه، وما نحن فيه ليس من ذلك قطعا، بل هو لا ينقص عن وصف الصحة الذى يثبت الخيار بفقدها بالعيب بين الرد والقبول بالارش، مضافا إلى خبر عمر بن حنظلة (1) المنجبر بما سمعت قال فيه: " رجل باع أرضا على أن فيها عشرة أجربة، فاشترى المشترى منه بحدوده، ونقد الثمن، وأوقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض، فإذا هي خمسة أجربة، قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الارض، وإن شاء رد المبيع و


(1) الوسائل الباب 14 - من ابواب الخيار الحديث - 1

[ 229 ]

أخذ ماله كله، إلا أن يكون إلى جنب تلك له ايضا أرضون، فليوفيه، ويكون البيع لازما، وعليه الوفاء بتمام المبيع، فإن لم يكن له في ذلك المكان غير الذى باع، فان شاء المشتري أخذ الارض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الارض وأخذ المال كله " واشتماله على ما نقول به مع إمكان تأويله، لا يمنع من العمل بالباقي، وإشكال ذلك كله - بأن ما فات لا قسط له من الثمن، لاستحالة تقسيط الثمن على الاجزاء أو العلم، لعدم الفائت، وعدم المماثل له، فاستحال تقومه، فاستحال ثبوت قسط له، خصوصا إذا كانت الارض المشتراة مختلفة الاجزاء، وفرض الفائت من الجيد أو الردي تحكم، فاتضح أن الفوات هنا كفوات صفة كمال، وهو كم، والكم عرض فكان كالتدليس، وفرق بينه وبين ما إذا باع عبدين، فبان أحدهما مستحقا، لانه في هذه لم يسلم المبيع وهو مجموع العبدين، وهنا قد سلم المبيع وهو مجموع الارض، وإنما فقد منها كونها بقدر الجريب الواحد عشر مرات مثلا، وهذا وصف يعد كمالا، ولا يعد نقصه عيبا، و بأن التقسيط يؤدي إلى جهالة الثمن في الجملة والتفصيل - يدفعه إمكان كون طريق التقويم بأن هذه الارض المشخصة من غير زيادة عليها ولا نقيصة على فرض أنه عشرة اذرع، ولو للاشتباه فيها، قيمتها كذا وعلى فرض أنها خمسة قيمتها كذا، فينسب إحدى القيمتين إلى الاخرى، ويؤخذ من الثمن بنسبته، فلا يحتاج حينئذ إلى إضافة شئ إليها كى يستشكل بأنه يستحيل تقويمه لعدم المماثل، حتى يجاب عنه بأن الغالب في الارض التساوي، فيفرض كونه مساويا لها، مع أنه قد يستشكل بأنه قد يفرض كونها مختلفة، فيلتزم كون الفائت مختلفا على نسبة اختلافها، إذ الجميع كما ترى، ولا جهالة حال العقد بعد الاقدام منهما على مقابلتها بالثمن على أنها عشرة، كما أنه لا يقدح الجهالة في التقسيط بعد معلومية المقابلة في الجملة. ومن ذلك ظهر لك الوجه في قول المصنف (ولو زادت كان البايع بالخيار بين الفسخ والاجازة بجميع الثمن، وكذا كل ما لا يتساوى أجزاؤه) لعدم موجب التقسيط

[ 230 ]

هنا ضرورة اختصاص ايجاب التبعيض ذلك بالمشتري، فلم يبق إلا جهة تخلف الوصف الموجب ضررا على البايع لو كان البيع لازما فثبت له الخيار بالطريق المزبور، وإلزام المشتري هنا بإعطاء ما يخص الزيادة على نسبة الثمن - أو تخيره بين ذلك وبين الفسخ - لا يوافق الضوابط الشرعية، كاحتمال بطلان البيع كما في القواعد. وعن المبسوط بل عن التبصرة أنه الوجه عندي لجهالة المبيع، لكون الزيادة غير معينة، إذ فيه أن المبيع بحسب الصورة هو المجموع، وقد تجدد كون الزائد ليس منه بعد الحكم بصحة العقد، على أن ذلك مبنى على كون الزيادة للبايع، وهو خلاف التحقيق كما ستعرف، بل قد عرفت أن مبنى كلام المصنف ومن عبر كعبارته على ذلك، ومن هنا كان لا يرد على المتن - بقرينة ذيله - أن ايجابه التقسيط في الاول قاض بالتبعيض، وإثباته الخيار المزبور هنا قاض بأنه من تخلف الوصف فيتدافع، إذ قد عرفت اجتماع الحيثيتين في الاول بخلاف الثاني. لكن قد يناقش بأنه وإن كان التبعيض لا يوجب تقسيطا بالنسبة إلى البايع، إلا أن مقتضاه كون الزيادة للبايع كما صرح به بعضهم، واحتمله آخر ولا يكون له خيار حينئذ واحتماله - حينئذ للتضرر بعيب الشركة - يدفعه أو لا أنه هو الذى غرر بنفسه، وثانيا عدم الضرر عليه بعد أن كان قادما على مقابلة الجميع بالثمن، فظهور الشركة في الحقيقة نفع لا ضرر عليه، والتسلط بمثله على الخيار محل شك، بل منع لاصالة اللزوم. نعم لا بأس به بالنسبة للمشتري حينئذ لانه أقدم على كون الجميع له، فظهور الشركة فيه عيب بالنسبة إليه، بل لا يسقط حتى لو بذل البايع الزيادة، لعدم وجوب القبول عليه، فلا ريب حينئذ في ضعف الاحتمال المزبور، وأضعف منه حمل المتن عليه، ضرورة ظهوره في كون متعلق الخيار مجموع الارض، بجميع الثمن. فالتحقيق كون الزيادة والنقيصة من واد واحد، والظاهر أنه من تخلف الوصف

[ 231 ]

فيهما، لان المفروض كون المبيع عينا مشخصة محدودة غير قابلة للزيادة والنقيصة إلا أنه وصفها البايع بمقدار مخصوص، وأخذها المشتري على ذلك الوصف فتخلف، فحصل الضرر منه على البايع أو المشتري، فيثبت الخيار، فليس في الحقيقة فواته مفوتا لجزء من المبيع، لما عرفت من أنه محدد مشخص غير قابل للزيادة والنقيصة. لكن الخبر المزبور (1) الذى عمل به جماعة من الاصحاب أوجب التوزيع في صورة النقصان، ولا محيص عن العمل به إن لم يحمل بقرينة ذيله على كون المبيع عشرة معينة الابتداء إلى أن تنتهي، بناء على صحة ذلك، فبان قصورها عن العشر، فإن التوزيع هنا متجه، ضرورة كون مورد البيع المعدود من حيث العدد، إلا أنه خلاف الظاهر، وذيله - بعد أن انفرد الشيخ بالعمل به في النهاية التى لم تعد للفتوى، فلا جابر له بالنسبة إلى ذلك - لا بأس بطرحه أو تنزيله على ما يوافق الضوابط وإن بعد، ولا يمنع من العمل بما تضمنه من التوزيع المزبور. (و) منه يعلم حينئذ الحال فيما (لو نقص ما يتساوى أجزاؤه) فإنه (ثبت الخيار للمشتري بين الرد وأخذه بحصته من الثمن) وفاقا للشيخ والفاضل في بعض كتبه والشهيدين في الدروس واللمعة وغاية المرام على ما حكي عن بعضها، بل عن الاخير أنه المشهور، بل هو لازم لجميع من عرفته ممن قال به في مختلف الاجزاء ضرورة أولويته منه بذلك، ولذا أرسله بعضهم في ضمن الاستدلال إرسال المسلمات، بل ظاهر المقداد في التنقيح أو صريحه، أنه لا كلام فيه لامكان توزيع الثمن فيه على أجزائه، فلا مانع فيه من هذه الجهة، بل إذا كان منه ما لا يضبط إلا بالوزن ونحوه، ولا تكفي فيه المشاهدة، كما هو الغالب فيه بكون التقدير فيه ملاحظا في المبيع أولا وبالذات، فكأنه باعه المقدر من حيث التقدير، فيفوت البعض بفواته.


(1) الوسائل الباب 14 - من ابواب الخيار الحديث 1

[ 232 ]

إلا أن الانصاف كون العمدة إلحاقه بمضمون الخبر المزبور (1) وإلا فمتساوي الاجزاء، وإن كان يمكن توزيع الثمن عليه، وليس فيه المانع المزبور، لكن بعد أن كان عينا مشخصة لا تزيد ولا تنقص صار التقدير المفروض فيها وصفا أيضا، حتى لو كان وزنا ونحوه، إذ هو طريق إلى المعلومية المسوغة للاقدام على البيع كالوصف، لا أنه بعض مبيع، ولذا كان خيرة الفاضل في القواعد التخيير فيه بين الرد والاخذ بالثمن، بل هو المحكي عن ولده في الايضاح وعن الشهيد في حواشيه، والميسية والكفاية أنه أقوى، وفى المسالك أنه متجه، ومال إليه في جامع المقاصد، إلا أن فيه إعراضا عن الخبر المزبور، المنجبر بما عرفت، فالتوزيع هو الاقوى. نعم هو متجه فيما لو زاد، فيتخير البايع بين الرد والقبول بالثمن المسمى، كما سمعته في مختلف الاجزاء وفاقا للفاضل في القواعد، والمحكي عن ولده في شرح الارشاد ومال إليه المحقق الثاني والمقدس الاردبيلى على ما حكي عنه، بل ربما قيل إنه لازم لكل من قال به في مختلف الاجزاء ممن عرفت، فحينئذ يكون الزيادة للمشتري، ولا خيار له حينئذ، لان المتضرر بفوات الوصف البايع دونه، خلافا للمبسوط والتحرير والارشاد والتبصرة والتنقيح وظاهر موضع من الدروس، فجعلوا الزيادة للبايع على ما حكي عن بعضها، بل في مجمع البرهان لا شك في أنها له، بل في التنقيح لا كلام فيه، ولعله لا يخلو من قوة، فيما يعتبر فيه الوزن والكيل والعدد، إذ التزام دخول الصبرة المبيعة بعنوان أنها وزنة في ملك المشتري وإن كانت وزنتين لا يخلو من صعوبة. وعلى كل حال فالمتجه ثبوت الخيار للمشترى، لانه خلاف ما قدم عليه، وللتضرر بالشركة دونه، نحو ما سمعته في مختلف الاجزاء فمن الغريب ما في القواعد والتحرير من عدم الخيار له على هذا التقدير، ولعله لعدم التضرر، فهو كالصاع من الصبرة إلا أنه


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 233 ]

كما ترى، فتأمل جيدا في جميع ما ذكرنا، فإن منه يظهر لك الخلل في جملة من كلمات الاصحاب في مواضع متعدده والله أعلم. (ولو جمع بين شيئين) مثلا (مختلفين) في كون كل منهما مورد عقد مخصوص (في عقد واحد بثمن واحد كبيع وسلف) فقال: بعتك هذا العبد وعشرة اقفرة حنطة موصوفة بكذا مؤجلا إلى كذا بمأة درهم (أو إجارة وبيع) فقال: آجرتك الدار وبعتك العبد بكذا (أو نكاح وإجارة) فقال: أنكحتك نفسي وآجرتك الدار بكذا (صح) بلا خلاف أجده فيه، وإن أوهمه نسبة بعضهم إياه إلى الاكثر، بل قيل صح في المبسوط بأن فيه خلافا عندنا، لكنه احتمل إرادته من العامة. نعم عن الاردبيلى أنه تأمل فيه، ولعله للشك في نقل مثل هذا العقد الذى لا يدخل في اسم كل منهما، وإلا اعتبر فيه ما يعتبر فيهما، ولان الجهالة والغرر وإن ارتفعا بالنسبة إلى هذا العقد، إلا أنهما متحققان بالنسبة إلى البيع والاجارة، وقد نهي الشارع عنهما في كل منهما (1) وارتفاعها بالنسبة إلى مجموع العقد غير مجد، وليس هو كالمبيعين الذين فسد البيع بالنسبة إلى أحدهما، للاكتفاء فيه بمعلومية ثمن المجموع الذى هو مبيع والجهل بالتقسيط غير قادح بعد أن كان بالنسبة إلى جزء المبيع لا إلى مجموعه، بل لعل مثل ذلك غير قادح حتى مع العلم بالفساد من أول الامر، لصدق معلومية ثمن المبيع، ولو كان البيع في بعضه فاسدا بخلاف المقام الذي ثمن تمام المبيع فيه مجهول، وإن كان هو معلوما بالنسبة إلى مجموع العقد. اللهم إلا أن يقال: إن المعلوم من قدح الجهالة ما إذا كان البيع عقدا مستقلا لا جزء عقد، فاطلاق الادلة بحاله، كما أن عموم قوله تعالى (2) " أوفوا بالعقود " كاف في ثبوت مشروعيته، بعد ظهور اتفاق الاصحاب عليه، الذي يكفى في ثبوت معهوديته، فتشمله الآية


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الحديث 4 المستدرك ج 2 ص 470. (2) سورة المائدة الاية 1

[ 234 ]

وإن قلنا بأن اللام إشارة إلى العقود المتعارفة، إذ لا طريق لنا إلى ذلك إلا كلام الاصحاب، فيكفى حينئذ معلومية العوض لهذا العقد الذي هو في الصورة عقد واحد. وفى المعنى عقدان أو عقود، ولذا يجري عليه حكم كل منها لنفسه من غير مدخلية للاخر نحو خيار المجلس وغيره، كما هو واضح، إلا أنه من حيث اتحاد القبول فيه - باعتبار عدم الدليل على اعتبار القبول بعد العقد على وجه لا يشاركه غيره في معناه - واحد. (و) حينئذ فإن احتيج إلى أن (يقسط العوض) لتعدد المالك أو غيره قسط (على قيمة المبيع وأجرة المثل) بلا خلاف ولا إشكال (و) على (مهر المثل) بلا خلاف أيضا إلا أنه أشكل بأن المفوضة ترجع إلى مهر السنة لو زاد مهر المثل عنه، وهنا لما لم يتعين لها مهر مقدر ابتداء، أشبهت المفوضة، فلا يتم إطلاق مهر المثل، ويدفع بأنها هنا ليست مفوضة بل مسماة المهر، غايته عدم العلم بقدر ما يخصه ابتداء، على أن الرجوع إلى مهر السنة على تقدير زيادة مهر المثل محل تأمل أو منع. نعم هو مسلم بالنسبة إلى مفوضة البضع، وهذه ليس منه قطعا كما هو واضح، ولو كان أحد الاعواض مؤجلا قسط عليه كذلك، فلو باعه عبدا يساوى عشرة حالا، وعشرين مؤجلا فباعه مؤجلا، وأجره داره مدة سنة بعشرين، والعوض عشرون، فإنه يقسط بينهما بالسوية (وكذا يجوز) بلا خلاف بل ولا إشكال (بيع السمن بظروفه) مع العلم بوزن المجموع الكافي عن معلومية وزن كل منهما، بعد اقدام المشترى على الرضا بكون سعر الظرف سعر الدهن، فإذا احتيج إلى التقسيط قسط على ثمن مثلها، بأن يقال: قيمة الظرف مثلا درهم، وقيمة السمن تسعة فيخص الظرف عشر الثمن (ولو قال: بعتك هذا السمن بظروفه كل رطل بدرهم) بعد العلم بوزن المجموع (كان جائزا) أيضا لما عرفت

[ 235 ]

من وجود المقتضى وارتفاع المانع، والتقسيط فيه بأن يوزن الظرف منفردا وينسب إلى الجملة، ويؤخذ له الثمن بتلك النسبة، وبذلك افترق هذا المثال عن الاول كما هو واضح والله أعلم. (الفصل الخامس: في احكام العيوب) (من اشترى مطلقا أو بشرط الصحة إقتضى سلامة المبيع من العيوب) بلا خلاف ولا اشكال في الثاني بل والاول إن كان المراد الاقتضاء شرعا، أما عرفا فلا يخلو من إشكال، خصوصا بعد عدم الانصراف في مثل التكاليف والوصايا ونحوهما وأصالة السلامة لا تقتضي إرادة السالم من الاطلاق، وإلا لاقتضت في الجميع، بل لم يكن المعيب بعض أفراد المبيع لو كان كليا. اللهم إلا ان يفرق بينها وبين البيع بل جميع عقود المعاوضات، والاطلاق إنما يقتضى السلامة في المبيع، لا أن المبيع السالم، فلا ينافى كون المعيب فردا هذا. ولكن مع ذلك لا يخلو الانصراف المزبور عرفا من تأمل في بعض الاحوال، خصوصا بالنسبة إلى بعض العيوب والامر سهل، لكن صريح جماعة أن الشرط المزبور بعد تسليم الانصراف المذكور مؤكد بل لم أجد قائلا بغيره. نعم في المسالك " وربما قيل: إن فائدة اشتراط الصحة جواز الفسخ وإن تصرف لو ظهر عيب، فيفيد فائدة زائدة على الاطلاق كاشتراط الحلول " وهو متجه، وإن قال بعض مشايخنا إنى لم أجد هذا القول لاحد من العامة والخاصة، ضرورة أنه لا باس باجتماع الجهتين عملا بالدليلين الغير المتنافيين، نعم قد يتوقف في أصل صحة اشتراط ذلك كسائر الصفات في الاعيان الشخصية، لظهور أدلة الشرط في أنه مما يكلف المشترط عليه بالوفاء به، وفي الفرض لا يتصور ذلك على تقدير عدم الانصاف، إلا أنه قد يمنع اعتبار ذلك في الشرط، وإن كان فائدته حينئذ أنه في مثل ذلك قلب اللازم جايزا،

[ 236 ]

فتأمل جيدا والله أعلم. وكيف كان (فان ظهر به عيب سابق على العقد فالمشتري خاصة بالخيار، بين فسخ العقد وأخذ الارش) اجماعا محصلا، ومحكيا مستفيضا، صريحا وظاهرا، وهو الحجة مضافا إلى ما أرسله - في محكي الخلاف من الاخبار وخبر الضرار (1) و فقه الرضا (2) بناء على حجيته " إن خرج في السلعة عيب وعلم المشتري فالخيار إليه إن شاء رد وإنشاء أخذ أو رد عليه بالقيمة أرش المعيب " والظاهر زيادة أو فيه كما عن بعض الاجلة، ولعل المراد " الهمزة " - والى المعتبرة التى منها مرسل جميل (3) عن أحدهما عليه السلام " في الرجل يشترى الثوب أو المتاع فيجد به عيبا قال: إن كان قائما رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب " وغيره إلا أنه ليس فيها جميعا ذكر الامضاء مع الارش، بل ظاهرهما الرد خاصة كما اعترف به في الرياض، لكن قال: " إن الاجماع ولو في الجملة كاف في التعدية ". قلت: إن لم يثبت أولوية ثبوت الارش قبل التصرف المزبور منه بعده، لوضوح منعها، أو أن ثبوته - لانه عوض جزء من المبيع - قد فات، فهو كمقابل أحد المبيعين من الثمن لو بطل البيع فيه، بناء على مقابلة أجزاء المبيع بأجزاء الثمن، ويكون إستحقاق المشتري له على القاعدة، كما في تبعض الصفقة، وفيه أنه أوضح منعا من الاولوية المزبورة لعدم ثبوت التوزيع المزبور قصدا ولا شرعا على وجه يتناول الحكم المذكور، بل تصريحهم بأنه يسقط بالاسقاط بعد العقد، بحيث لا يصح الرجوع منه بعده كما ستعرف ينافيه ضرورة عدم صحة تسلطه على الاعيان، ولو كان بمنزلة الهبة جاز الرجوع فيها، فالعمدة حينئذ في ثبوته ما عرفت. وقد يظهر من المتن وغيره، أن الخيار المزبور عند ظهور العيب، لا أنه كاشف عن


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5 (2) المستدرك ج 2 ص 478. (3) الوسائل الباب 16 من ابواب الخيار الحديث 3

[ 237 ]

ثبوته حال العقد، لكن يمكن عدم إرادة ذلك منها، وإن اقتضاه ظاهر التعبير المساق إلى بيان أن ثمرته عند الظهور، لعدم تصور فائدة له قبل العلم غالبا، لكن فيه إن له ثمرات منها - إسقاطه بالتصرف قبل ظهوره، ولولا أنه ثابت لم يتصور سقوطه به، إلا أن يكتفى بوجود سببه وكذا إسقاطه، ومنها. أنه لو فسخ قبل ظهوره أثر الانفساخ حينه ولو تأخر الظهور عن ذلك فتأمل جيدا، والظاهر ثبوت الخيار المزبور في العيب في الثمن، وإن خلت عنه اكثر النصوص والفتاوى إن لم يحمل المبيع فيها على ما يشملهما، وهو كما ترى، ولا ينافى ذلك قول المصنف خاصة ضرورة كون المراد ذلك بالعيب في المبيع والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يسقط الرد) والارش (بالتبرى من العيوب) بأن يقول: بعتك هذا بكل عيب، أو وأنا برئ من كل عيب، أو نحو ذلك مما لا يفرق فيه بين العيوب ظاهرة أو باطنة، معلومة أو غير معلومة، حيوانا كان المبيع أو غيره، إجماعا محكيا صريحا عن الخلاف والغنية والتذكرة، وظاهرا في غيرها إن لم يكن محصلا، ضرورة كون المراد البرائة مما رتب الشارع عليه من الحكم، وهو الرد أو الارش، فهو حينئذ شرط مندرج فيما دل على الشرائط، حتى لو ذكره قبل العقد، وبنياه عليه بناء على أنه حينئذ كالمصرح به فيه، ولان المشتري حينئذ راض به على ذلك، فهو كما لو علم به وأقدم عليه، بل يشمله دليل ذلك، بل قد يقال: إن في شمول أدلة الخيار المزبور لمحل الفرض محل شك، بل ظاهرها خلافه، فيبقى أصالة لزوم العقد وأصالة برائة الذمة من الارش بلا معارض. مضافا إلى مفهوم الحسن أو الصحيح (1) " أيما رجل اشترى شيئا فيه عيب أو عوار، ولم يتبرء إليه منه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا وعلم بذلك العيب وذلك العوار أنه يمضى عليه البيع، ويرد عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به " وخبر جعفر بن عيسى (2) قال: " كتبت إلى أبى الحسن عليه السلام جعلت فداك المتاع


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب الخيار الحديث 2 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب احكام العيوب الحديث 1

[ 238 ]

يباع فيمن يزيد فينادى عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلا نقد الثمن، فربما زهد فإذا زهد فيه ادعى عيوبا وأنه لم يعلم بها، فيقول: له المنادي قد تبرئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البرائة منها، أيصدق ؟ فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق فيجب ؟ فكتب عليه الثمن " الذى يمكن تقرير الدلالة فيه على المطلوب بوجهين. ويصح التبري من العيوب المتجددة، بل ظاهر التذكرة الاجماع عليه، لان المراد التبري من الخيار الثابت بسببها بمقتضى العقد، فليس براءة مما لم يجب، على أنه يمكن منع عدم صحته على جهة الشرطية. ثم على الصحة فالظاهر شمول إطلاق البراءة من العيوب لها، وإن كان المنساق أولا إلى الذهن العيوب الموجودة حال العقد. (و) كذا يسقطان (بالعلم بالعيب قبل العقد) بلا خلاف أجده، لان إقدامه معه رضا منه به، ولا خلاف في الغنية في سقوط خيار العيب به حينئذ، مضافا إلى أصلي لزوم العقد وبراءة الذمة من الارش، ضرورة ظهور أدلة الخيار المزبور في غير الفرض وإلى مفهوم خبر زرارة (1) المتقدم المتمم بعدم القول بالفصل بين عدم الارش والرد معه، بل قد يقضى إطلاقه كالفتاوى السقوط به فيما لو علم به ثم نسيه، وهل يصح شرائة من العالم مصرحا ببقاء خيار العيب له ؟ ونحو ذلك مما يرفع دلالة العلم على الرضا به معيبا ؟ الاقوى ذلك، لانه كالشرط حينئذ، بل لو اقتصر على خصوص الرد من مقتضى العيب صح أيضا لذلك، وأما لو اقتصر على الارش فقد يحتمل البطلان، لتجهل الثمن حينئذ، ويحتمل الصحة اكتفاء بعلم الثمن بالجملة كما لو باع ما يصح و ما لا يصح مع العلم به. (و) يسقط الخيار المزبور أيضا (باسقاطه بعد العقد) بلا خلاف، لانه من الحقوق التى تسقط بالاسقاط، كما عرفته في الخيارات السابقة، فيسقط الرد حينئذ


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب الخيار الحديث - 2

[ 239 ]

(وكذا الارش)، لانهما هنا متعلقاه، فإسقاطه إسقاطهما معا، ولو اقتصر على إسقاط أحدهما صح وإن اتحد سبب استحقاقهما كما هو واضح، ويمكن استفادته من العبارة. (ويسقط الرد) خاصة (باحداثه فيه حدثا كالعتق وقطع الثوب) بلا خلاف معتد به بل في المختلف وعن شرح الارشاد للفخر الاجماع عليه (سواء كان قبل العلم بالعيب أو بعده) على نحو ما سمعته في الخيارات السابقة، ضرورة أشتراكه معها في أن له الفسخ وإن زاد عليها بالارش، فيسقط ما به الاشتراك ما يسقطها، ولذا كان البحث السابق في التصرف المسقط آتيا هنا مضافا، إلى مرسل جميل (1) وخبر زرارة (2) السابقين الدالين على ثبوت الارش لعدم دلالة التصرف على اسقاطه شرعا ولا عرفا، خلافا لما عن ابن حمزة في الوسيلة فاسقط الارش به إذا كان بعد العلم به، ولا ريب في ضعفه للاصل وإطلاق النص (3). بل في صريح الغنية أو ظاهرها الاجماع عليه، مؤيدا بالتتبع لفتاوى الاصحاب صريحها وظاهرها، بل عن شرح الارشاد للفخر الاجماع على ثبوت الارش، على أن فيما حضرني من نسخة الوسيلة " وإن علم بالعيب ثم تصرف فيه لم يكن له الرد والارش، لان تصرفه ليس بموجب لرضاه " وتعليله إنما ينطبق على أن له الارش، ولعل الاسقاط من النساخ، أو لا فلا ريب في ضعفه، كضعف ما عن المبسوط من أن التصرف قبل العلم لا يسقط الخيار، للاصل المنقطع بما عرفت، ومفهوم خبر زرارة المحتمل لان يكون المراد منه أنه لو أحدث فيه شيئا ثم علم به لم يكن له الخيار، لا أن الحدث إذا كان بعد العلم ينفى الخيار، حتى يستدل بمفهومه على أن الحدث قبله لا ينفيه، بل لعل المراد منه أنه لا يتحقق ثبوت الخيار إذا لم يكن علم به، فتأمل جيدا، وما عنه أيضا من أنه إن كان بيع المشتري له قبل علمه بالعيب وعاد إليه فله رده، وما عنه أيضا والمقنعة و النهاية من أن الهبة والتدبير لا يمنعان من الرد لان له الرجوع فيهما بخلاف العتق، لما عرفت من إطلاق النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات والله أعلم.


(1 - 2 - 3) الوسائل الباب 16 - من ابواب الخيار الحديث 3 - 2

[ 240 ]

(و) كذا يسقط الرد (بحدوث عيب بعد القبض) غير مضمون على البايع بلا خلاف أجده فيه، بل عن شرح الارشاد للفخر الاجماع عليه، وفى محكي الخلاف الاجماع والاخبار على انه ليس له رده إلا أن يرضى البايع بأن يقبله ناقصا فيكون له رده، وأنه يكون له الارش إن امتنع البايع من قبوله معيبا، وعن موضع من المبسوط " إذا باع عبدا وقطع طرف من أطرافه عند المشتري، ثم وجد به عيبا قديما سقط حكم الرد إجماعا ووجب الارش " وعنه أيضا " نفى الخلاف عن أن له الارش إذا امتنع البايع من قبوله " ولعل مراده من الشرط أن له رده إن أراده إذا لم يمتنع البايع من قبوله، لا نفى الارش حينئذ وإن اختاره. لكن في التحرير " لو تعيب عند المشتري لم يكن له رده، فلو اختاره البايع جاز ولو أراد المشتري الارش حينئذ قال الشيخ: ليس له ذلك، والوجه عندي أن له الارش إن اختاره ولو امتنع البايع من قبوله معينا كان للمشتري حق الارش قولا واحدا " وفى الدروس " وثاني الامور المسقطة للرد دون الارش، حدوث عيب عند المشترى مضمون عليه، إلا أن يرضى البايع برده مجبورا بالارش أو غير مجبور، ولا يجبر البايع على الرد وأخذ الارش، أي أرش العيب الحادث، ولا يتخير المشتري بينه وبين المطالبة بأرش السابق، ولو قبل البايع الرد لم يكن للمشتري الارش بالعيب الاول عند الشيخ " وقد فهما منه الخلاف في ذلك، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، للاصل وإطلاق الادلة والاجماع السابق المعتضد بفتاوى الاصحاب، بل إن لم يثبت إجماع على سقوط الرد به مطلقا لامكن المناقشة فيه، إذا لم يكن من جهته بحيث يعد تصرفا فيه، لعدم معارض للادلة المزبورة، خصوصا مع عدم سقوط غيره من الخيار بذلك، بل قد عرفت عدم سقوطه فيما لو تلف بآفة سماوية في وجه، فضلا عن التعيب، وتعليل غير واحد من الاصحاب السقوط هنا بأنه لما كان مضمونا عليه كان بمنزلة إحداثه فيه حدثا، ولو كان من غير جهته فنقصانه محسوب عليه، فيمنع الرد (ويثبت الارش) حينئذ لذلك كما ترى، وإلا لجري في غيره من الخيارات.

[ 241 ]

نعم يتجه جبره بالارش لو أراد رده لنفى الضرر، ولعله لذا قال في الغنية: " فان لم يعلم بالعيب حتى حدث فيه عيب آخر كان له أرش العيب المتقدم دون الحادث إن اختار ذلك وإن اختار الرد كان له ذلك ما لم يحدث هو فيه حدثا " وظاهره عدم سقوط الرد بذلك وهو جيد على الوجه الذي قلنا ان لم يثبت إجماع على خلافه أو يدعى دلالة مرسل جميل (1) المشتمل على اشتراط الرد بقيام الثوب بعينه، أنه متى قطع أو خيط أو صبغ تعين الارش أو يدعى أن مفهوم الرد لا يتحقق إلا مع عدم تعيب العين، والجبر بالارش لا يصيره ردا حقيقة مضافا إلى أصالة لزوم العقد التى يجب الاقتصار في خلافها على المتيقن وهو غير الفرض. نعم يمكن القول ببقاء الرد بالعيب السابق إذا كان العيب الحادث من البايع، وإن كان قد يشمله المتن ونحوه، بل ومن وصف العيب بكونه غير مضمون على البايع، ضرورة كون المراد إخراج صورة الخيار ونحوها مما كان العيب فيه مضمونا عليه، لا مثل الفرض الذى كان الضمان فيه عليه نحو ضمان الاجنبي لو كان جانيا، إلا أن المتيقن من إطلاقها معاقد الاجماعات السابقة غير ذلك، فيبقى على أصالة الرد هذا وفى القواعد لو كان العبد كاتبا أو صائغا فنسيه عند المشتري لم يكن له الرد بالسابق ولعله لان نسيان الصنعة عيب، أو أنه مغير للعين تغييرا يمنع من ردها، ومثله نسيان الدابة الطحن والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (لو كان العيب الحادث قبل القبض لم يمنع الرد) بالعيب السابق قطعا، بل يمكن تحصيل الاجماع فضلا عن محكيه، لكونه مضمونا على البايع، ولذا كان للمشترى الرد به، فضلا عن العيب السابق بلا خلاف، بل حكى الاجماع عليه غير واحد. نعم اختلفوا في ثبوت الارش به، وقد تردد المصنف فيه سابقا، وذكرنا التحقيق فيه فيما تقدم فلاحظ، إنما البحث الآن في العيب السابق ولا إشكال في ثبوت الرد والارش


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب الخيار الحديث - 3

[ 242 ]

به معه، كما عرفت، ومثله حدوث العيب من غير جهة المشتري في الثلاثة لو كان المبيع حيوانا، لانه أيضا مضمون على البايع، فلا يمنع حكم العيب السابق، وكذا كل خيار مختص بالمشتري، بناء على إلحاقه في ثلاثة الحيوان في الضمان لما يحدث فيه، كما تقدم تحقيق الحال فيه، والظاهر تعدد سبب استحقاق الرد حينئذ، وتظهر الثمرة في أمور، فما عن المصنف - من أن له الرد بأصل الخيار، لا بالعيب الحادث، وابن نما بالعكس - في غير محله، بل مقتضى الجمع بين الدليلين الحكم بالسببين كما هو واضح، على أنه لم نتحقق هذه الحكاية عنهما في المقام. نعم ستسمع كلامهما في حدوث العيب في ثلاثة الحيوان وتحقيق الحال فيه، وهو غير المقام، اللهم إلا أن يراد جريان نظيره هنا، لكنه لا يتم في المحكي عن ابن نما هناك من ايجاب الرد والارش، لكن يمكن البحث في المسألة لنفسها، بفرضها في العيب المتجدد قبل القبض مثلا، وكان معيبا سابقا، فهل يتعدد سبب الخيار في الرد بهما لكونهما سببين، أو يخص بالاول، لانه المؤثر، ولا أثر للثاني لكونه تحصيل الحاصل لان جنس العيب اتحد أو تعدد هو السبب، أو يخص بالثاني باعتبار انقطاع حكم الرد بحدوث العيب، وإن كان مضمونا على البايع لاطلاق دليله، ويبقى حكم الرد للثاني، إلا أنه لا يخفى عليك ضعف الاخير، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه كما عرفت. وأما الثاني فله وجه لو كان دليل الخيار به مستفادا من دليل الخيار بالاول، ضرورة كونه حينئذ كتعدد القديم في ظهور عدم تعدد الخيار به، على وجه يصح إسقاطه من جهة واحد دون الآخر، لكون المجموع بعد وجدانها دفعة أو تدريجا سبب واحد. نعم قد يقال: لو وجد أحدهما ثم رضي به ثم وجد آخر كان له الرد به، لظهور الادلة في سببية الثاني حينئذ، ضرورة كونه كما رضي بالعيب قبل العقد فوجد غيره، لكن

[ 243 ]

من المعلوم عدم ظهور هذه الادلة في المتجدد، بل هي كالصريحة في السابق، وحينئذ يكون السابق صنفا، والمتجدد آخر فيعمل كل مقتضاه، وسقوط الرد من أحدهما لا يقتضى سقوطه من آخر، فتأمل جيدا فإن المسألة محتاجة بعد إلى تنقيح. فقد تلخص لك من ذلك ما يسقط الرد والارش، والاول خاصة، لكن كان عليه ذكر الانعتاق قهرا من القسم الثاني، كما لو اشترى أباه ثم وجد به عيبا فإنه يتعين الارش هنا لعدم التمكن من الرد أللهم إلا أن يتكلف إدراجه في التصرف أو غيره أو يقال بثبوت الرد فيه، لكن بدفع القيمة عوضا عنه لمعلومية بدليتها، وإن كان قد يدفع الاخير ما ستعرف من أن التلف هنا مسقط للرد بالعيب، ويبقى الارش، فالانعتاق قهرا منزل منزلته والامر سهل. وقد يسقط الارش ويبقى الرد فيما لو اقتصر على إسقاطه دون الرد، وفيما لو زادت قيمة المعيب عن الصحيح أو ساوتها، كما لو ظهر العبد خصيا، فإن المشتري يتخير بين الرد والامساك مجانا، لعدم الاطلاع على قدر نقص القيمة الذي هو المدار في نقص المالية، بل أصالة براءة الذمة كافية في نفيه، بعد ظهور أدلة ثبوته أو صراحتها في غيره من العيوب التي تنقص القيمة، ولا يجرى مثله في الرد بعد فرض كونه عيبا بلا خلاف أجده فيه. بل ظاهر التذكرة وجامع المقاصد الاجماع على ثبوت الخيار به، بل هو مقتضى ما رواه ابن مسلم (1) لابن أبى ليلى في الشعر على الركب، فالرد به حينئذ لا إشكال فيه، وإن احتمل بعض متأخري المتأخرين عدمه، كالارش للاصل، وظهور نصوص الرد (2) في العيب المنقص للقيمة لا ما زاد فيها، لكن فيه منع واضح بعد ما عرفت، بل قد يظهر من إطلاق الفتاوى كون العيب ما زاد عن الخلقة أو نقص، وأن فيه الرد والارش ثبوته فيه، ولذا استشكل فيه غير واحد من المحققين، ولعل طريق تأريشه حينئذ الغاء


(1) الوسائل الباب 1 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1 (2) الوسائل 1 - 8 من ابواب احكام العيوب

[ 244 ]

ما يترتب على الخصا من المنفعة التى هي بالنسبة إلى بعض أفراد الناس. كالحكام والسلاطين، ثم تقويمه فحلا صالحا للنسل، ولما يقدر عليه الفحول من الاشغال، ولا ريب في حصول النقص حينئذ وإن كان قد يناقش بأن ذلك إضرارا على البايع خصوصا إذا كان حيوانا يراد منه كثرة لحمه وشحمه، وحرمة الفعل في الآدمي - بل وفي غيره كما عن نهاية الاحكام، نسبته إلى علمائنا - لا تنافي زيادة المال من جهته، وربما لا يكون البايع فاعلا له، بل قيل أن المصرح بجوازه في غير الآدمي كثيرون، خلافا للقاضي والتقى خاصة فلم يجوزاه. وكيف كان فالارش محل نظر، سيما في شعر الركب ونحوه مما لا طريق إلى الفرض المزبور فيه. نعم يمكن القول بعدم سقوط الرد هنا بالتصرف قبل العلم فيه، وبحدوث عيب لا من جهته للضرر معه، ومن هنا قال في الدروس: " لو زادت قيمة المعيب عن الصحيح كما في الخصى احتمال سقوط الارش، وبقاء الرد لا غير، وقد يشكل مع حصول مانع من الرد كحدوث عيب أو تصرف، فإن الصبر على العيب ضرار، والرد ضرار " ونحوه في المسالك " وزاد ويمكن ترجيح البقاء اعتبارا بالمالية وهى باقية " قلت لا طريق بعد عدم السبيل إلى تأريش لعدم معرفته، إلا القول بعدم سقوطهما الرد هنا، بعد جبر العيب الحادث بالارش من المشتري أو الالتزام كما هو واضح. ومما يسقط فيه الارش، خاصة ما لو اشترى ربويا بجنسه وظهر عيب فله الرد دون الارش حذرا من الربا، ومع التصرف أو حدوث عيب، فيه البحث المذكور، وقال في الدروس هنا: " لو اشترى ربويا بجنسه وظهر فيه عيب من الجنس فله الرد لا الارش حذرا من الربا، ومع التصرف فيه الاشكال، ولو حدث عنده عيب آخر احتمل رده، وضمان الارش كالمقبوض بالسوم، واحتمل الفسخ من المشترى أو من الحاكم ويرتجع الثمن ويغرم قيمة ما عنده بالعيب القديم، كالتالف من غير الجنس، والاول أقوى، لان تقدير الموجود معدوما خلاف الاصل " وهو جيد جدا، إلا أن الاول يجرى في

[ 245 ]

التصرف - وفى الخصى أيضا لا في خصوص حدوث العيب في الربوي كما هو واضح. واعتبر في المغرم من القيمة كونه من غير الجنس حذرا من الربا، وقد سبقه في ذكر الاحتمالين، الفاضل في القواعد " ولو كان المبيع حليا من أحد النقدين بمساويه جنسا وقدرا، فوجد المشتري عيبا قديما، وتجدد عنده آخر لم يكن له الارش ولا الرد مجانا، ولا مع الارش، ولا يجب الصبر على العيب مجانا، فالطريق الفسخ والزام المشتري بقيمته من غير الجنس، معيبا بالقديم سليما عن الجديد، ويحتمل الفسخ مع رضا البايع، ويرد المشتري العين وأرشها ولا ربا، فإن الحلي في مقابلة الثمن، والارش للعيب المضمون كالمأخوذ للسوم ". لكن فيه أن الفسخ لا يتقيد برضا البايع، وإنما المشترط به رد العين مع الارش، لامكان عدم وجوب قبول ذلك عليه، كما نص عليه بعضهم. نعم قد يقوى الوجوب بعد الفسخ لعود المال إليه، والعيب يجبر بالارش الذى قد سمعت عدم الربا بعد الفسخ، وأنه كأرش عيب المقبوض بالسوم إذا كان ربويا، ضرورة أن الربا في المعاوضات لا الغرامات. وقد ينقدح من ذلك وجه آخر حكاه في التذكرة عن بعض الشافعية، ونفى عنه البأس، بل عن جامع الشرايع حكايته عن بعض أصحابنا، وهو رجوع المشتري بأرش العيب ولا ربا، لان المماثلة في ماله إنما تعتبر في ابتداء العقد، وقد حصلت، والارش حق ثبت بعد ذلك ودعوى أن الارش لفوات مقابلة من المبيع واضحة المنع، ضرورة اقتضائها انفساخ العقد بالنسبة إلى ذلك، وأنه يستحق خصوص الثمن، وأن نماؤه له، إلى غير ذلك مما لا يمكن التزامه، بل لا بأس حينئذ بأخذ الارش من الجنس، ولا يشترط كونه من غير الجنس فتأمل جيدا والله أعلم. (و) وكيف كان ف‍ (إذا أراد بيع المعيب، فالاولى) والافضل (إعلام المشتري بالعيب أو التبري من العيوب مفصلة) من غير فرق بين الخفى منه والظاهر،

[ 246 ]

لاصاله براءة الذمة من وجوب الاخبار بعد انجبار الضرر بالخيار، لكن قيده جماعة من المتأخرين بالظاهر الذي يمكن للمشتري الاطلاع عليه من دون إعلام البايع. أما الخفى فيجب الاخبار به، وإلا كان غشا وتدليسا، بل ينبغى بطلان البيع في نحو شوب اللبن بالماء، لان المبيع المقصود غير معلوم القدر للمشتري، وعليه نزل ما عن الخلاف " من باع شيئا وبه عيب لم يبينه فقد فعل محظورا وكان للمشتري الخيار " و المبسوط وفقه القرآن للراوندي " وجب أن يبين للمشتري عيبه، أو يتبرئ إليه من العيوب والاحوط الاول " والتحرير " وجب الاشعار أو التبرئ من العيوب " لكن ظاهر الاخيرة أو صريحها سقوط وجوب الاعلام حتى بالخفي إذا تبرئ من العيوب، كما هو صريح الدروس قال: " يجب على البايع الاعلام بالعيب الخفى على المشترى إن علمه البايع، لتحريم الغش، ولو تبرئ من العيب سقط الوجوب " قال الشيخ: " والاعلام أحوط " بل عن إيضاح النافع أنه المشهور، وكان وجهه الاصل بعد عدم صدق الغش معه. وعلى كل حال فلا خلاف في عدم وجوب الاخبار بالظاهر بعد تنزيل العبارات المزبورة على ما سمعت، ولعله لذا قال في الرياض: " ويجوز بيع المعيب وإن لم يذكر عيبه مع عدم الغش بلا خلاف في الظاهر " بل قد يظهر من إطلاق المتن والقواعد وغيرها عدم وجوبه حتى في الخفى، ولعله للاصل وعدم كونه غشا بعد ان لم يكن من فعله، ولا أخبر بسلامته. نعم هو كذلك في مزج اللبن، ولعل كلامهم في غيره. ثم على الوجوب فالظاهر صحة البيع، لان النهى عن أمر خارج، بل لا يبعد ذلك حتى في اللبن الممزوج، كما احتمله في المسالك قال: " ولا جهالة بعد علم مقدار الجملة، فهو كما لو باع ماله ومال غيره وله الخيار حينئذ " وفيه أنه مناف لما فرضه أولا من كون عنوان المبيع اللبن منه لا -

[ 247 ]

المشاهد، ولذا أبطله كالجهالة، ولا يجدى العلم بالجملة بعد أن كانت مبيعا وغير مبيع، فالوجه الصحة في الفرض إلا أن الظاهر كونه خيار عيب لا تبعض لصدق اسم اللبن على الممزوج، وإلا كان خارجا عن موضوع المسألة التى هي بيع ذى العيب الخفي المنافي صدق اسم العنوان عليه، ويتجه فيه البطلان مع فرض جعل العنوان اللبن منه للجهاله، ولو جعل المشاهد صح للعلم بالجملة حينئذ ولو كان بعنوان أنه لبن. (ولو اجمل) في البراءة بأن قال: برئت من عيبه أو من جميع العيوب أو من العيوب، (جاز) وكان كالتفصيل في الحكم، لعموم المقتضي الذى قد عرفته فيما مضى من الاجماع وغيره، فليسقط به حينئذ الخيار في الرد والارش، ويسقط به أيضا وجوب الاخبار بالخفي، بناء على سقوطه بالبراءة المفصلة، خلافا لما عن بعض الاصحاب فأوجب التفصيل فلا يبرء حينئذ بالاجمال ولا يسقط به الخيار، بل قضيته ما استدل له به في المسالك " من أنه بيع مجهول البطلان، إلا أنه كما ترى، إذ لا جهل مع المشاهدة، واعتبار ما يجب اعتباره في صحة البيع، والعيب الحاصل فيه غير مانع من صحة البيع ولا يشترط معرفة الباطن، لا أنه يعتبر ويكفى فيه أصل السلامة، حتى يقال: يذهب الوثوق به بالتبرى، فيكون كبيع المجهول، على أنه قد عرفت في اشتراط سقوط خيار الروية ما يؤكد ذلك، فلاحظ وتأمل كل ذا مع ضعف الخلاف المزبور، وإن حكى عن ابن ادريس إلا أنه غلط قطعا. نعم حكاه في المختلف عن أبى علي وحكي فيه عن القاضى ما يقتضى ذلك ويمكن دعوى مسبوقيتهما بالاجماع وملحوقيتهما به، فما في الدروس " من أن في التبرى مجملا قولين أشهرهما الاكتفاء سواء علم البايع بالعيب أم لا " مما يوهم أنه قول مشهور في غير محله والله أعلم. (وإذا ابتاع شيئين صفقة) من مالك واحد بثمن واحد (ثم علم بعيب في

[ 248 ]

أحدهما، لم يجز رد المعيب منفردا و) لكن (له ردهما) معا (أو أخذ الارش) بلا خلاف أجده فيه، بل في الغنية الاجماع عليه، كما عن الخلاف أن دليله إجماع الفرقة وأخبارهم، لا لان رده خاصة موجب للتبعيض الذى يتضرر به البايع، إذ يمكن جبره بتسلط البايع على الخيار حينئذ، بل لظهور الادلة في تعلق حق الخيار بالمجموع لا في كل جزء منه، لا أقل من الشك، ضرورة عدم الوثوق بإطلاق فيها على وجه يشمل الفرض والاصل اللزوم، ومنه يعلم حينئذ عدم الفرق في الحكم المزبور بين ما ينقصه التفريق كمصراعي باب أولا، ولا بين حصول القبض وعدمه. نعم لو تصرف فيهما أو في أحدهما مثلا، سقط الرد وتعين الارش، لانهما بمنزلة مبيع واحد، بالنسبة إلى ذلك، ولا يقاس الخيار على الشفعة التى قيل انهم صرحوا في بابها فيما لو باع حصة من الدار والبستان صفقة بأن لشريكه فيهما أخذ أحدهما بالشفعة وإن تبعضت الصفقة، والظاهر اتحاد الحكم في باقى الخيارات، فليس له في خيار المجلس رد بعض المبيع والالتزام بالباقي، لما عرفت، وإثباته لكل من الورثة في حقه على القول به لمدرك آخر كما أشبعنا الكلام فيه فيما تقدم. وعلى كل حال فقد ظهر عدم التفريق في الصفقة الواحدة، ومنه ما لو اشترى حاملا وشرط الحمل أو قلنا بدخوله فوضعت، ثم ظهر على العيب، فليس له إفرادها بالرد، لا لتحريم التفرقة، بل لاتحاد الصفقة، من غير فرق بين الامة والدابة، ولو كان الحمل عنده لا بتصرفه فالحمل له وإن فسخ ففى الدروس " رد الام ما لم تنقص بالحمل أو الولادة " وأطلق القاضي " أن الحمل بمنع من الرد، إما بفعله أو باهماله المراعاة حتى ضربها الفحل وكلاهما تصرف " قلت: لا ريب في قصور حملها على وجه لا يعد تصرفا، إلا أنه يمكن القول بمنعه مطلقا من الرد إذا كان في غير زمن الخيار، لانه عيب حدث عنده، لما ستعرفه من عدم الحمل عيبا، وعدم نقصها به لا يرفع كونه عيبا فتأمل والله أعلم.

[ 249 ]

(وكذا) في عدم جواز الاختلاف (لو اشترى إثنان شيئا) متحدا أو متعددا على جهة الشركة فيهما بثمن كذلك نعم (كان لهما) معا (رده أو إمساكه مع الارش وليس لاحدهما رد نصيبه دون صاحبه) على المشهور بين الاصحاب، نقلا وتحصيلا من غير فرق بين علم البايع بتعدد المشتري وجهله، ولا بين إتحاد العين وتعددها، ولا بين اقتسامها قبل الفرق وعدمه، لا للتضرر بتبعض الصفقة والشركة مع المشترى الآخر، إذ قد عرفت إمكان دفعه بجبره بالخيار، مع أنه لا يتم في صورة علم البايع بالتعدد، بل لما سمعت من أصالة عدم الخيار على هذا الوجه، بعد انصراف ادلته إلى غيره. ودعوى تنزيل تعدد المشتري منزلة تعدد العقد واضحة المنع بالنسبة إلى ذلك خلافا للمحكي عن شركة المبسوط والخلاف وأبى على والقاضى والحلي وصاحب البشرى وفخر الاسلام، فجوزوا اختلافهما في ذلك، واستوجهه في المسالك، ونفى عنه البعد في التذكرة، لاطلاق الادلة وكونه بمنزلة عقدين وإقدام البايع على الشقص، وللتحرير والكركي فيجوز مع علم البايع بالتعدد لا مع جهله، واستحسنه صاحب المسالك، وضعفهما معا واضح بعد ما عرفت من انصراف الاطلاق إلى غيره، ومنع التنزيل وتأثير الاقدام، بل الاخير منهما أوضح ضعفا، ضرورة عدم مدخلية العلم والجهل في تعدد العقد واتحاده نعم لهما مدخلية في ثبوت الخيار للبايع بالتبعيض وعدمه كما هو واضح. ولو كان المبيع عينين لكل واحد من المشتريين واحدة منهما معينة ولو بما يخصها من الثمن لو كان كليا، فالظاهر جواز التفريق، لتعدد حقيقة، مع احتمال العدم، بل في المسالك " إمكان تمشى الخلاف فيه نظرا إلى اتحاد العقد إلا أن الاول أقوى " ولو ظهر العيب في الاول في الثمن فإن كان في جميعه فلا إشكال في التخيير، وإن كان في بعضه فالظاهر عدم جواز رده حتى على القول بجواز

[ 250 ]

التفريق في المشتريين، لوضوح الفرق بينهما، بأن المشترى الذى يرد إنما يرد تمام حصته، فيكون كأنه رد تمام المبيع نظرا إلى تعدده بالنسبة إليه، وهذا لا يأتي في الثمن لان البايع إذا رده، إنما يرده عليهما معا إذ الفرض كونه مشتركا بينهما فإذا رد المعيب فقد رد على مستحقه بعض حقه وبقى البعض الآخر عنده، فهو في التحقيق من قبيل المسألة الاولى التى قد عرفت عدم الخلاف في عدم جواز التفريق فيها. فما عن بعض الاصحاب - من جواز التفريق فيه فيرد المعيب منه ويبطل ما قابله من المبيع حينئذ نظر إلى كون العقد بمنزلة المتعدد باعتبار تعدد المشتري فيه - واضح الضعف، وإن جعله في المسالك وجها، نعم لو دفع كل من المشتريين جزأ من الثمن متميزا، واشتريا بالمجموع شيئا مشتركا فظهر بأحدهما عيب، وكان المعيب مساويا لحصة صاحبه، أمكن جواز رده خاصة لمالكه، لتحقق التعدد حينئذ، كما أن الظاهر إن لم يكن مقطوعا به جواز التفريق لو اشتريا عينين كل منهما بثمن مستقل لا على وجه الشركة، وإن كانت الصفقة واحدة في الصورة، إلا على احتمال تسمعه من المحقق الثاني هذا كله في تعدد المشتري. أما لو تعدد المستحق مع اتحاد المشتري ابتداء كما لو تعدد وارث خيار العيب، ففى القواعد " أنه لا إشكال في وجوب التوافق " ولعله لاتحاد العقد، لكن قال فيما تقدم في الخيارات: " وهل للورثة التفريق ؟ نظر أقربه المنع " واحتمله في المسالك هنا، وقد عرفت التحقيق في ذلك فيما تقدم، فلاحظ وتأمل. ولو تعدد البايع واتحد المشترى جاز التفريق، سواء اتحد العقد أو تعدد، بل في الدروس وعن ظاهر التذكرة وتعليق الارشاد الاجماع عليه، حيث قالوا جاز له له الرد قطعا، ولعله لان تعدد البايع يوجب تعدد العقد، ولعدم التبعيض على المردود عليه، لكن في جامع المقاصد " قد يقال: إذا اتحد العقد، جاء الاشكال السابق في المشتريين صفقة، لصورة الصفقة هنا أيضا، قيل: وفيه أن الفرق بين تعدد المشتريين

[ 251 ]

وتعدد البايعين واضح، لانه يلزم في الاول تبعض الصفقة على البايع ولا كذلك الثاني. نعم يجئ الاشكال في بعض الصور، منها ما إذا اشترى اثنان من اثنين دفعة في صفقة واحدة، لان كل واحد من المشتريين قد اشترى ربع العبد مثلا من كل واحد من البايعين فلو رد الربع على أحدهما تبعضت الصفقة عليه ". قلت: بعد الاغضاء عما ذكره يمكن القول بكون الوجه في عدم جواز الرد في في تعدد المشترى عدم تناول الادلة له، فتبقى أصالة اللزوم بلا معارض، ونحوه يأتي هنا أي تعدد البايع مؤيدا بدعوى ظهور الادلة في كون الخيار في نفس العقد، فمع اتحاده لا يتصور التفريق فيه إلا أن الاقوى ما ذكرناه أولا فتأمل جيدا والله أعلم. (وإذا وطئ الامة ثم علم بعيبها) الذى هو ليس بحبل (لم يكن له ردها) عندنا وتعين له الارش بلا خلاف إلا من الجعفي كما في الدروس، ولا اشكال نصا (1) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه (فإن كان العيب حبلا جاز له ردها ويرد معها نصف عشر قيمتها لمكان الوطئ) إجماعا محكيا في الاستبصار والغنية إن لم يكن محصلا، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة أو المتواترة في ردها وأنه لا يمنع منه الوطئ وفى صحيح ابن سنان (2) ومعتبر عبد الملك بن عمرو (3) وخبري سعيد بن يسار (4) وفضيل مولى محمد بن راشد (5) " يرد معها نصف العشر " وفى خبر عبد الرحمان (6) " يرد معها شيئا " وفى صحيح محمد (7) " يكسوها " وتأولهما الشيخ بمطابقة نصف العشر، ولكن روى عبد الملك بن عمرو (8) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يشترى الجارية وهى حبلى


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب احكام العيوب. (2، 3، 4) الوسائل الباب 5 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1 - 3 - 9 (5، 6، 7، 8) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 8 - 5 - 6 - 7

[ 252 ]

فيطأها قال: يردها ويرد معها عشر ثمنها إذا كانت حبلى " وحمله في التهذيبين على الغلط من الناسخ أو الراوي بإسقاط لفظ نصف ليطابق ما رواه هذا الراوي بعينه، وغيره. وقد يؤيده ما في الدروس " من أنه ذكر الصدوق (1) هذا الخبر برجاله، وفيه نصف العشر " كما أنه يمكن حمله على كون عشر الثمن نصف عشر قيمتها، أو على البكر بحمل الحمل من السحق أو وطئ الدبر بناء على أن له منفذا، مويدا بما في الكافي بعد أن ذكر خبر عبد الملك المتضمن للنصف قال: في رواية اخرى (2) " إن كانت بكرا فعشر قيمتها، وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها " وبالمعلوم من وضع الشارع العشر لوطئ البكر في غير المقام. وعلى كل حال فقد عرفت من ذلك مستند ما عن الحلبي من إطلاق رد العشر، وما عن ابن ادريس والفاضل والكركي والقطيفى والميسى والشهيد الثاني وبعض متأخرى المتأخرين من رد ذلك إذا كانت بكرا أو نصفه إن كانت ثيبا، إلا أن الاول - مع اتحاده واحتماله ما عرفت، وذكره عشر الثمن، لا القيمة، وظهوره في كون الوطئ مع العلم بالحبل الذى ستعرف خروجه عما نحن فيه، ومخالفته للمعلوم من وضع الشارع نصف العشر لوطئ الأجنبي، فضلا عن المقام الذى كان الوطئ فيه من المالك - قاصر عن معارضة النصوص السابقة المعتضدة بعمل الاصحاب من وجوه، فلا ريب حينئذ في ضعف القول. أما التفصيل فإنه وإن أمكن حمل الخبر المذكور عليه، ويشهد له المرسل المزبور (3) المؤيد بمعلومية وضع هذا التقدير للوطئ في غير المقام، إلا أن إطلاق النصوص (4) الكثيرة والفتاوى على خلافه، اللهم إلا أن يدعى إنصرافه للحامل


(1) الفقيه ج 3 ص 139 الحديث 50 الطبع الحديث النجف. (2، 3) الوسائل الباب 5 - من ابواب احكام العيوب الحديث 4 (4) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العيوب

[ 253 ]

التى ذهبت بكارتها كما هو الغالب، وفيه بعد إمكان منع عدم تناول الحامل له وإن ندر سببه بالسحق ونحوه، أن المتجه حينئذ خروج البكر الحامل عن موضوع المسألة كما احتمله في القواعد في الحامل بالمساحقة فتبقى حينئذ على القواعد، لان الجرءة على إخراجها عنها بالمرسل المزبور - الذى لا جابر له، مع أنه بأضعف وجوه الارسال - كما ترى خصوصا مع إمكان دعوى عدم جواز الرد فيها بفوات جزء من العين وهى البكارة فهى كما لو تصرف فيها بغير الوطئ معه، فإنه لا إشكال في خروجها عن موضوع المقام حينئذ وبقائها على مقتضى القواعد، كالتى وطأها المشتري في دبرها، بناء على انصراف الوطى في النصوص والفتاوى إلى الغالب من الوطئ بالفرج، فلا ترد حينئذ، وعلى تقديره فالظاهر رد نصف العشر لو كانت بكرا وفاقا لجماعة، لظهور توظيف العشر لزوال البكارة، والفرض بقاؤها، مضافا إلى إطلاق النص بنصف العشر مع احتماله، لصدق وطئ البكر، إلا أنه ضعيف كضعف احتمال ردها بلا شئ، لترتب العشر ونصفه على الوطى المنصرف إلى القبل، وطريق الاحتياط في جميع ذلك غير خفي. وكيف كان فلا إشكال في الرد بالحبل مع الوطئ بنصف العشر في الجملة، خلافا للمحكي عن أبى علي فمنعه مطلقا، ووافقه الفاضل في المختلف والسيد في الرياض، وحملوا إطلاق النصوص والفتاوى على الحامل من المولى، فيكون بيعها باطلا، ورد العقر حينئذ عوض وطى ملك الغير، فلا مخالفة فيها لقاعدتي " عدم رد المعيب بالتصرف، وعدم العقر للوطى في الملك " على أن الموظف منه للبكر العشر، وقد أطلق في النص والفتوى نصف العشر، والمعتضد أولهما بالمعتبرة المستفيضة الدالة على عدم جواز رد الجارية إذا وطئت بالعيب السابق وإنما له الارش وفى صحيحي محمد بن مسلم (1) " معاذ الله أن يجعل له أجرا " قال في أولهما " سئل أحدهما عليه السلام عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليهما فيجد فيها عيبا بعد ذلك، قال: لا يردها على صاحبها، ولكن تقوم ما بين العيب والصحة ويرد على المبتاع معاذ الله أن يجعل لها أجرا " وفى الآخر (2) عن


(1 و 2) الوسائل الباب 4 من ابواب احكام العيوب الحديث 4 و 8 لكن الثاني عن محمد بن ميسر.

[ 254 ]

الصادق عليه السلام " قال: كان علي عليه السلام لا يرد الجارية بعيب إذا وطئت، ولكن يرجع بقيمة العيب، وكان علي عليه السلام يقول: معاذ الله أن أجعل لها أجرا ". وفيه أنه يشبه أن يكون اجتهادا في مقابلة النصوص والفتاوى بلا شاهد، بل اقتصارهما على خصوص الوطئ شاهد بخلافها، ضرورة عدم الفرق في رد الحامل من المولى بين التصرف فيه بوطئ وغيره، لفساد البيع، ودعوى تخصيصه لكونه الغالب في مشترى الامة واضحة المنع كما أن تعبير اكثر الاصحاب بجواز الرد شاهد على الخلاف أيضا، إذ على الفرض المزبور يجب الرد. نعم عن نهاية الطوسي يلزمه الرد ونحوهما عن المراسم والوسيلة، إلا أنها في جنب غيرها من إطلاق الاصحاب وتصريحهم كالعدم، والنصوص وإن اشتمل بعضها على الامر بالرد إلا أنه في مقام توهم الحظر، لمعلومية عدم رد المعيب إذا تصرف فيه و خصوصا الجارية إذا وطئت، والاجر في الصحيحين للرد على بعض العامة القائلين برد الجارية غير الحلبي مع الاجر إن وطئت، لا أن المراد به ما يشمل العقر المزبور، كما أن المراد بالعيب فيهما غير الحبل، بل كاد يكون صريح صحيحي ابن سنان (1) وزرارة (2) منها، مع أنه لا استنكار في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات بمثل هذه النصوص المستفيضة المعمول بها عند الاصحاب قديما وحديثا. ومنه يعلم أنه لا حاجة إلى ما في الدروس وغيرها من تكلف كون الفسخ هنا لو رد كاشفا عن الفساد من الاصل حينئذ، فيكون الوطئ بغير الملك، فيتجه إعطاء العقر، مع أن الكشف خلاف الاصل أولا وخلاف المعهود في باقى الخيارات ثانيا، فالتزام رد العقر وإن كان الوطئ في الملك لهذه النصوص أولى قطعا، وقد ورد مثله في التصرية كما ستسمع، وإطلاق نصف العشر في النص والفتوى مشترك الالزام، ضرورة عدم تمامية على تقدير كون الحمل من المولى، كما أنه الجواب عنه - بانصراف الحامل إلى فاقدة البكارة على ما هو الغالب - مشترك بينهما. (1 - 2) الوسائل الباب - 4 من ابواب احكام العيوب الحديث 1 - 5 -

[ 255 ]

بل ربما يجاب عنه على المشهور، باستثناء هذه البكارة من وطئ البكر لمكان الحمل الذي بسببه كانت بكارتها بمنزلة العدم، وإن كانت من سحق ونحوه فأرشها حينئذ على البايع على أن ذلك إنما يتم على من أطلق، أما من فصل بين البكر وغيرها فلا يرد عليه ذلك، فلا ريب حينئذ في ضعف الحمل المذكور، مع أن المحكي عن ابن الجنيد الذى هو الاصل في الخلاف، أنه قيد الحمل بكونه من المولى، وهو أعم من بطلان البيع، إذ يمكن حمله على حمل منه بحيث لا يقتضي ذلك، كما لو حملت من رائحة منيه مثلا قال في الدروس: (وقيد ابن الجنيد بكون الحمل من المولى، ويلوح من النهاية، وحينئذ يتوجه لزوم الرد، للحكم ببطلان البيع، ويتوجه وجوب العقر، ولو حمل على حمل لا يلزم منه بطلان البيع لم يلزم الرد وأشكل وجوب العقر لانها ملكه حال الوطئ، إلا أن يقول: الرد يفسخ العقد من أصله، أو يكون المهر جبرا لجانب البايع كما في لبن الشاة المصراة أو غيرها عند الشيخ، والاخبار مطلقة في الحمل وهو الاصح) قلت: بل ما فيها من شبه التفصيل بين عيب الحبل وغيره، كالصريح في إرادة الحمل من غير المولى والله أعلم. هذا (و) قد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لا ترد) الامة (مع الوطى) قبلا أو دبرا (بغير عيب الحبل) وأنها ترد به إذا وطئت، لكن قد يظهر من المتن وغيره اشتراط ذلك بعدم العلم بالحبل حال الوطئ، فلو وطأها عالما لم يكن له الرد، وبه صرح في الدروس والمحكي عن غيرها فقال: (ولو وطئ بعد العلم بالحبل تعين الارش، ويظهر من التهذيب جواز الرد، ويلزمه العشر عقوبة وجعله محملا لرواية العشر، واكثر الاخبار مقيدة بعدم العلم) قلت هو كذلك إلا أنه في أسئولتها، بل في صحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام (قال على عليه السلام لا ترد التى ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، ويوضع عنها


1 - الوسائل الباب 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1.

[ 256 ]

من ثمنها) إلى آخره، وفى خبر زرارة (1) عن الباقر عليه السلام (كان على بن الحسين عليهما السلام لا يرد التى ليست بحبلى إذا وطأها) ومفهومها مطلق، بل خبر عبد الملك (2) كالظاهر في الوطى مع العلم وعدم القول بما تضمنه من رد العشر لا ينافى العمل به بالنسبة إلى ذلك، إلا أن الحكم لما كان مخالفا للعمومات والاطلاقات، وجب الاقتصار فيه على المتيقن. وهل يلحق بالوطئ مقدماته من اللمس ونحوه، ففى الدروس (نظر من التنبيه ومن النص على إسقاطها خيار الحيوان، ولان الوطئ مجبور بالمهر بخلاف المقدمات) وفى المسالك بعد ان ذكر الوجهين أيضا من الاقتصار فيما خالف الاصل على مورد النص، ومن الاولوية واستلزامه لها غالبا قال: (وتوقف في الدروس وله وجه إن كان وقوع تلك الاشياء على وجه الجمع بينها وبين الوطئ، ولو اختص التصرف بها فالالحاق به من باب مفهوم الموافقة وإن كان استثناؤها مطلقا متوجها للملازمة). قلت: قد تمنع الاولوية إذا اختص التصرف بها لا على ارادة الوطئ، بل وعلى إرادته ولم يقع، ولا تلازم بين العقوبتين، أما إذا وقع فقد يقوى عدم منعها من الرد، لفحوى الرد بالوطئ الذى يقارنه غالبا هذه المقدمات مع ترك الاستفصال. ثم إن ظاهر نصوص المقام وفتاواه كون الحمل عيبا في الامة، بل الظاهر ذلك وإن قلنا بتبعيته للمبيع، إذ الزيادة حينئذ للمشتري من هذا الوجه لا تنافى النقيصة من آخر وإلا لم يجز رد المبيع المعيب إذا كان فيه صفة اخرى لم يشترطها المشتري على البايع، وهو مخالف لاطلاق النصوص، لكن قد سمعت فيما سبق ما في الدروس، وعن الخلاف والغنية والتحرير أنه لو حملت الامة عند المشتري ردها بالعيب السابق دون الولد، بل مدعيا في الاولين الاجماع عليه، ونحوه عن المبسوط والتذكرة إلا أنهما قيداه بما إذا لم تنقص بذلك، إلا تعين له الارش.


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 5 (2) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العيوب الحديث 3

[ 257 ]

وفى القواعد (لو كان المبيع غير الامة فحمل عند المشتري من غير تصرف، فالاقرب أن للمشترى الرد بالعيب السابق، لان الحمل زيادة) ومقتضى تعليله كون الحكم كذلك في الامة أيضا، بل لو اشتراها حاملا غير عالم بذلك، وقلنا بتبعية الحمل للمبيع كان المتجه أيضا عدم الرد به وإطلاق النصوص حجة عليه، بل لا يبعد كونه عيبا في الدابة فضلا عن الامة، فلا يرد معه بالعيب السابق، لحدوث العيب إذا فرض حملها في غير زمن الخيار، كما عن فخر المحققين وأول الشهيدين في الحواشى، والكركي لانتقاص الانتفاع بها، وكونها معرضا للتلف بما يخشى منه على الحامل، بل قد يقال باندراجه في الضابط الآتى لكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد عن الاشكال، فلا ينبغى ترك الاحتياط فيها. بقى شئ وهو أن الحامل التى وطأها المشتري ولما يعلم إذا وجدها معيبة بغير الحمل أيضا فقد ينساق إلى الذهن أنها أولى بالرد من المعيبة بالحمل خاصة، بل إطلاق النص شامل لها، لكن قد يقال: إن المتجه لقاعدة الاقتصار عدم الرد بعد انسياق غير المعيبة الا بالحبل من نصوص الرد بالوطئ. ولعله لذا قال المصنف: فإن كان العيب الحبل مضافا إلى اطلاق غير واحد من النصوص، عدم الرد مع الوطئ إذا كانت معيبة، والمتيقن في الخروج منه ما إذا لم تكن معيبة إلا بالحبل فتأمل جيدا. ولو اشتبه الحمل - فلم يعلم كونه عند البايع أو المشتري، فاخرج بالقرعة بناء على ذلك وألحق بمن كان وطأه من زوج أو غيره عند البايع - ففى جواز الرد نظر، من اقتضاه اللحقوق السبق، ومن أنه حكم شرعي لا يقتضي تنقيح عنوان فوجدها حاملا، وقاعدة الاقتصار تقضى الثاني. (القول في أقسام العيوب والضابط) فيها على ما طفحت به عباراتهم مع اختلاف يسير، بل عن مجمع البرهان الاجماع وفى الرياض الظاهر الاتفاق

[ 258 ]

عليه (أن كل ما كان من أصل الخلقة، فزاد أو نقص فهو عيب، فالزيادة كالاصبع الزائدة والنقصان كفوات عضو) والاصل في ذلك، واقعة ابن أبى ليلى مع محمد بن مسلم، ففى الكافي (1) عن الحسين بن محمد عن السيارى قال: (روي عن ابن أبي ليلى أنه قدم إليه رجل خصما له، فقال: إن هذا باعنى هذه الجارية فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعرا (أي العانة) وزعمت أنه لم يكن لها قط، فقال ابن أبى ليلى إن الناس ليحتالون إلى هذا بالحيل حتى يذهبوا به، فما الذي كرهت، فقال: أيها القاضى إن كان هذا عيبا فاقض لى به، فقال: اصبر حتى أخرج إليك، فإنى أجد أذى في بطني، ثم دخل وخرج من باب آخر حتب اتى محمد بن مسلم الثقفى، فقال له: أي شئ تروون عن أبى جعفر عليه السلام في المرأة لا يكون على ركبها شعرا، يكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصا فلا أعرفه، ولكن حدثنى أبو جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، قال له ابن أبى ليلى: حسبك، ثم رجع إلى القوم، فقضى لهم بالعيب) ولا يقدح ضعف سنده بعد الانجبار بعمل الاصحاب الذين عبر كثير منهم بلفظه، وآخر بما يرجع إليه من أنه الخروج عن المجرى الطبيعي لزيادة أو نقصان، ومراد الجميع كما قيل عدم الزيادة، والنقيصة ذاتا أو صفة عن أكثر نوع ذلك المعيب. نعم قيده الفاضل في بعض كتبه، بالموجب لنقصان المالية كالمحكي عن يحيى بن سعيد، وأطلق غيره بل صريح ثانى الشهيدين وغيره، بأنه لا يجب أن يكون موجبا للنقص للاتفاق على أن الخصى عيب مع إيجابه زيادة، وكذا عدم الشعر على الركب، ومن هنا اعترضه في جامع المقاصد بأنه كان عليه أن يقيد بقوله غالبا، ليندرج فيه الخصا والجب، فإنهما يزيدان في المالية، مع أنهما عيبان، فيثبت بهما الرد قطعا، وفي الارش إشكال.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب العيوب الحديث - 1

[ 259 ]

ولعل الذى دعاه إلى التقييد بالنقص، القطع بعدم العيب فيما لو زاد بحيث لا يعد عيبا عرفا، كزيادة بعض الاسنان وبعض الثالول ونحو ذلك، بل ربما يزيد زيادة تزيد في حسنه كالشعر في الاهداب والحواجب، وكذا لو نقص نقيصة لا تعد عيبا عرفا كبعض الاجزاء، إلا أنه كان الاولى ايكال ذلك إلى العرف، لا الاحتراز عنه بنقص المال، لما عرفت من أن بعض العيوب عرفا كالخصا ونحوه لا تنقص قيمة المال، بل لعله يغنى عما في جامع المقاصد (من أنه ينبغى أن يكون المراد بالمجرى الطبيعي ما جرت به العوائد الغالبة، ليندرج فيه الامور التى ليست مخلوقة أصلا، ليكون على نهج مقتضى الطبيعة أم لا، ككون الضيعة ثقيلة الخراج ومنزلة الجنود). قلت: إذا جعل المدار على العرف استغنى عن ذلك كله، ضرورة أن عيب كل شئ بحسبه، (و) لا حاجة إلى تخلف دخول (نقصان الصفات كخروج المزاج عن مجراه الطبيعي، مستمرا كان كالممراض، أو عارضا ولو كحمى يوم) في الخلقة، مع أنه يمكن دعوى غير ذلك منها، ولا تكلف غير ذلك، على أنه لا ظهور في الخبر في حصر العيب بذلك، والمراد بحمى اليوم المحكي عن التذكرة الاجماع عليه يوم البيع أو قبل القبض مثلا فضلا عن حمى الود والغب. وقد ظهر من ذلك كله أنه لا إشكال بل ولا خلاف في أن الجذام والبرص والجنون والعمى والعرج والقرن والفتق والرتق والقرع والصمم والخرس وأنواع المرض و الاصبع الزائد والحول والخوص والسبل، وهو زيادة الاجفان والتخنيث وهو كونه خنثى والجب والخصا ونحوها عيوب، والمشهور أن بول الكثير أي الذي لا يبول مثله في العادة عيب، خلافا للشيخ، واعتياد الزنا والسرقة، بل ترك بعضهم الاعتياد، وعن المبسوط إذا وجده سارقا كان له الخيار اجماعا، وفى جامع المقاصد (ظنى أن الاعتياد غير شرط، لان الاقدام على القبيح مرة يوجب الجرءة، ويصير للشيطان عليه سبيل، ولترتب وجوب الحد الذي لا يؤمن معه الهلاك) وعلى هذا يكون شرب الخمر والنبيذ عيبا كما في التحرير والدروس، بل في الجامع ايضا (ولو حصلت التوبة الخالصة المعلوم

[ 260 ]

صدقها، ففى الزوال نظر) وإن كان هو كما ترى. لكن على كل حال فلا ريب في أن اعتياد السرقة والزنا ونحوهما من المفاسد عيوب، أما المرة الواحدة فيشكل ثبوت العيب بها، وقد يحمل عليه ما عن الخلاف من أن العبد والامة إذا وجدهما زانيين لم يكن له الخيار، والفسق ليس عيبا قطعا لكن مقتضى ما سمعت قد يقال: إنه إذا كان بارتكاب الكبائر يكون عيبا، لانه يقتل صاحبها في الثالثة أو الرابعة كما أنه قد يقال بعدم العيب من حيث استحقاق الحد بكل ما يوجبه، بناء على حرمة إقامته في هذا الزمان أو قلنا بجواره وقطعنا بعدم وقوعه، ومنه يعلم الاشكال في عدهم استحاق الحد عيبا بلا خلاف كما تسمعه. وأطلق جماعة كون البخر والصنان عيبا، وقيده في القواعد بما لا يقبل العلاج، ولعل التقييد بالزائد على المعتاد منه أولى، إلا أنه ومع ذلك لا يخلو من إشكال في بعض افراد العبيد، وعن الخلاف والمبسوط أنه لا يثبت بالبخر الخيار، وعن المختلف أنه عيب في الجارية دون العبد، لكن يثبت به الخيار فيه، لانه خارج عن الامر الطبيعي كالعيب، وفيه ما لا يخفى، ولعل ما ذكرناه من الاحالة إلى العرف يغنى عن تحقيق ذلك، كما أنه يغنى عما ذكره في القواعد، وعن التذكرة من كون الضيعة منزل الجنود وثقيلة الخراج عيبا، وليس عدم الختان في الصغير والامة والمجلوب من بلاد الشرك مع علم المشتري بجلبه عيبا قطعا، أما الكبير فقد صرح الفاضل والشهيد بكونه عيبا، خلافا لما عن المبسوط والخلاف، ولا خلاف أجده في أن استحقاق القتل أو القطع أو غيره من انواع الحد والتعزير المخوف، والاستسعاء في الدين عيب، بل عن التذكرة الاجماع عليه في الجملة وفى الدروس (الاقرب كونه لزنية أو اعسر أي يعمل بيساره عيب، ويقوى ذلك في الكفر) واستشكل في القواعد في الثاني، وجزم بالعدم في الاول والثالث، بل ربما قيل إنه المشهور في الاخير ولعل من عده عيبا نظر إلى الخروج عن الطبيعي به للولادة على الفطرة.

[ 261 ]

أما التزويج والاحرام والصيام والحجامة والحياكة والاعتداد ومعرفة الغناء و النوح والقمار ونحوهما، وعدم معرفة الصنايع والطبخ والخبز ونحوها فليس عيبا، و لو ظهر تحريم إلا أنه على المشترى بنسب أو رضاع أو مصاهرة ففى الدروس (في كونه عيبا نظر، من نقص انتفاعه، وعدم صدق الحد عليه مع بقاء القيمة السوقية ولو كانت الامة مستحاضة قيل إنه عيب أيضا، وقيل منه أيضا الحمق البين، ونجاسة ما يحتاج تطهيره إلى مئونة أو كان منقصا للعين وكثرة السهو والنسيان). وبذلك كله وغيره يظهر لك الاحتياج إلى مراعاة العرف، وصعوبة الاكتفاء بالخبر المزبور (1) اللهم إلا أن يقال لا بأس بالتعويل عليه وخروج بعض الامور التى لا تنطبق عليه بالاجماع ونحوه، واحتمال أن له موضوعا شرعيا، أو مرادا كذلك و أنه لا عبرة بالعرف كما ترى، هذا. وقد يقال: بعد ملاحظة اتفاقهم ظاهرا على جعل مضمون الخبر الزبور ضابطا للعيب وعدمه، وملاحظة عدم اندراج جملة مما ذكروا فيه الخيار للعيب فيه، وملاحظة جملة مما سمعته من كلماتهم المشوشة التى في بعضها ثبوت الخيار مع نفى المعيبية، أن الضابط المزبور للعيب الذى يثبت به الخيار، وإن لم ينقص به قيمة المال، كالجب والخصا وعدم الشعر على الركب، وغير ذلك مما هو نقص في الخلقة أو بزيادة فيها، بمعنى الخروج عن مستوى الخلقة بنقصان أو زيادة، فإنه عيب يثبت به الرد وإن زادت قيمة المال. وأما الزيادة التى يزداد بها حسنا كشعر الاهداب ونحوها، فهى من الكمال في مستوى الخلقة لا الخروج عنها، فلا يرد على الضابط المزبور، أما غير ذلك من العيوب التى لا تندرج في الضابط المزبور نحو كون القرية ثقلية الخراج ومنزل الجنود، و كون العبد قاتلا أو سارقا أو نحو ذلك مما يوجب الحد والقصاص، فمدار الخيار فيه على نقص المالية الموجب للتضرر، ولعل اطلاق اسم العيب عليه باعتبار اللغة، لانه


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العيوب الحديث 1

[ 262 ]

فيها لمطلق الوصمة، أو لانه عيب في المعاملة باعتبار اشتمالها على الضرر، أو غير ذلك، بل قد يناقش في ثبوت الارش لجملة منها كما يفصح عنه حكمهم بثبوت الخيار في العبد الجاني، وفى الدار المستأجرة لو بيعت من دون ذكر أرش، وبذلك يتم الامر، ويظهر لك ما في جملة من الكلمات، والله الهادي هذا كله فيما يعد عيبا. (و) أما فوات ما لم يكن كذلك فقد عرفت في بحث الشرائط أن (كل ما يتشرطه المشتري على البايع مما يسوغ، فأخل به) أو لم يحصل (يثبت به الخيار وإن لم يكن فواته عيبا، كاشترط الجعودة في الشعر والتأشير) بالشين المعجمة (في الاسنان، والزجج في الحواجب) والاسلام، والبكارة ومعرفة الطبح أو غيره، وكونها ذات لبن، أو كون الفهد صيودا، ولو شرط غير المقصود، وظهر الخلاف ولم يكن غرض يعتد به، فلا خيار على الاقوى، وليس منه شرط الكفر أو الثيوبة أو كون الدابة حائلا فبانت حاملا لتعلق الاغراض بذلك، ولو شرطها حاملا صح ولو شرط الحلب كل يوم شيئا معلوما، أو طحن الدابة قدرا معينا، ففى القواعد لم يصح. وكيف كان فالمراد من الخيار المزبور الرد والالتزام بلا أرش إذا لم يكن فواته عيبا كما عرفت البحث فيه فيما تقدم، كما أنك عرفت كون المقصود من اشتراط هذه الصفات التى لا ترجع إلى فعل المشترط تعريض العقد للجواز إذا لم تحصل فلاحظ و تأمل جيدا كى يظهر لك جملة مما له تعلق بالمقام. والله أعلم (وها هنا مسائل) (الاولى: التصرية تدليس) إذ المراد بها جمع اللبن في الضرع أياما ليظن الجاهل بذلك أنها حلوب، وفى المحكي عن نهاية الاثيرية المصراة: الناقة أو البقرة

[ 263 ]

أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها أي يجمع ويحبس، ثم قال: أيضا قد تكررت هذه اللفظة في الاحاديث منها قوله عليه السلام (1) (لا تصروا الابل والغنم) فان كان من الصر فهو بفتح التاء وضم الصاد وإن كان من الصري فيكون بضم التاء وفتح الصاد وروي أيضا (2) من اشتري مصراة فهو بخير النظرين) والمصباح المنير (صريت الناقة، فهى صرية من باب تعب إذا اجتمع لبنها في ضرعها، ويتعدى بالحركة والتضعيف مبالغة و تكثيرا فيقال: صريتها تصرية إذا تركت حلبها) والصحاح (صريت الشاة تصرية إذا لم تحلبهما أياما، والشاة مصراة فلم يذكر غير الشاة) والقاموس (ناقة صريا محفلة والصرى: كربى المصراة والشاة المحفلة) انتهى وحفلت الشاة بالتثقيل، تركت حلبها حتى اجتمع اللبن في ضرعها فهى محفلة، وكان الاصل حفلت لبن الشاة، لانه هو المجموع فهو محفل هذا. ولكن لم أجد هذه اللفظة في شئ مما وصل إلينا من النصوص، إلا ما عن الصدوق في معاني الاخبار (3) (عن محمد بن هارون الزنجانى عن على بن عبد العزيز عن ابى عبد الله عليه السلام رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله لا تصروا الابل والغنم، فإنه خداع، ومن اشترى مصراة فإنه يتخير بأحد النظرين، إن شاء ردها ورد معها صاعا) وقد قيل: الظاهر أن الصدوق نقل هذا الخبر من طريق الجمهور، لعدم وجوده في كتب الاخبار، بل وكذا ما عن هداية الحر لا تصروا الابل والغنم من اشترى مصراة فهو باخرى النظرين إن شاء ردها ورد معها صاعا تمرا وروي ايضا (4) (من اشترى محفلة فليرد معها صاعا بل لم اعثر في النصوص على


(1 و 2) النهاية الاثيرية ج 3 ص - 284 الطبعة الخيرية بمصر (3 و 4) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث - 2 و 3 مع اختلاف يسير في الاول

[ 264 ]

ما يفيد معناها وإن لم يكن بهذا اللفظ، سوى حسن الحلبي (1) عن ابى عبد الله عليه السلام (في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها، قال: إن كان في تلك الايام يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ) ولا دلالة فيه على أنها كانت مصراة، وبذلك يظهر أن إستناد بعض الاصحاب في بعض أحكام التصرية إلى إطلاق النصوص انما يراد به النصوص العامية (2) المروية في كتب فروع الاصحاب التى قد سمعت بعضها، وتسمع فيما ياتي الباقي لكن يهون الخطب أنه لا إشكال في كونه تدليسا محرما إجماعا محصلا و محكيا في المسالك (و) وغيرها كما أنه لا إشكال في كونه في الشاة (يثبت به الخيار بين الرد والامساك) بل الاجماع محصله ومحكيه مستفيضا جدا إن لم يكن متواترا عليه، بل في محكي الخلاف. أن أخبار الفرقة عليه أيضا، فذلك مضافا إلى خبر الضرار (3) الذى هو مستند أصل الخيار في التدليس، بعد اتفاق الاصحاب ظاهرا كاف فيه، ولا أرش فيه كما صرح به بعضهم، بل الاجماع إن لم يكن محصلا فهو محكي عليه، مضافا إلى الاصل بعد ان لم يكن عيبا، واندفاع الضرر بالخيار. نعم لو كان المدلس عيبا اتجه الارش فيه من حيث العيب، كما أن المتجه حينئذ تعدد جهة الخيار كما هو واضح، (و) أما أنه إذا رد الشاة (يرد معها لبنها) الموجود حال العقد فهو على مقتضى الضوابط لكونه بعض المبيع، ولذا نفى الخلاف عنه في المحكي عن كشف الرموز بل فخر الاسلام الاجماع عليه، لكن عن المبسوط " أنه إذا كان لبن التصرية باقيا لم يشرب منه شيئا، فإن أراد رده مع الشاة لم يجبر البايع عليه، وإن قلنا أنه يجبر عليه لانه عين ماله كان قويا " بل في المختلف " عن ابن البراج الجزم بأنه لا يجبر على أخذه، وأن له أخذ الصاع من التمر أو البر، فإن تعذر فقيمته


(1) (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث 1 - 3 (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5

[ 265 ]

وإن بلغت قيمة الشاة، بل عن المهذب البارع أن فيه أقوالا ثلاثة، الاول رده، والثانى رده ورد صاع معه من حنطة أو تمر، ونسبه إلى أبى على، الثالث أنه يرد صاعا من بر ونسبه إلى القاضى في المهذب وإن كان فيه أن المحكي عن أبى علي في المختلف (1) أنه قال: حكم النبي صلى الله عليه وآله في المصراة إذا اكرهها المشتري فردها بأن يرد معها عوضا عما حلب منها صاعا من حنطة أو تمر، وقد سمعت ما حكاه فيه عن ابن البراج، وتنزيل هذه على صورة التعذر لا يخلو من بعد، ولعل مستندها إطلاق النصوص العامية، وفيه - مع أنه لا تعرض فيها لللبن الموجود حال العقد، بل بمكن بناء إطلاقها على الغالب من تلفه. وأن الصاع عوضا كما سمعته من مرسل أبى على (2) - لا جابر لها بالنسبة إلى ذلك فالقول حينئذ برد الصاع عوضا عنه وإن كان موجودا أو رده معه، كما ترى، بل المتجه رد اللبن نفسه من دون شئ لاصالة البراءة، وليس للبايع حينئذ عدم قبوله (و) المطالبة بالصاع كما هو واضح. أما لو تلف فقد قال المصنف: إنه (يرد معها مثل لبنها، أو قيمته مع التعذر) وهو المشهور بين المتأخرين، بل عن ظاهر مجمع البرهان الاجماع عليه، لان اللبن من المثلي فمع تلفه ووجوب رده يضمن بمثله، كما في غيره، ومع تعذر المثل ينتقل إلى القيمة، لانها أقرب حينئذ إلى العين، وبالجملة فحكمه حكم المثليات، فلا ينبغى إطالة الكلام في ذكر أحكامها هنا، خلافا للاسكافي والشيخ والقاضي وأبي المكارم وابن سعيد على ما حكي عن بعضهم، فيرد صاعا من تمر أو بر، بل عن الخلاف أن عليه إجماع الفرقة وأخبارهم، كما في الغنية الاجماع عليه أيضا. (وقيل) كما عن الشيخ بل في التحرير أنه نسبه إلى جماعة ولم نجد واحدا منهم، ولعله من العامة (يرد ثلاثة أمداد من طعام) إلا أنه لم نجد له شاهدا سوى حسن الحلبي المتقدم الذي قد عرفت عدم الدلالة فيه على التصرية، مع أنه معارض بأدلة


(1) (2) المختلف الجزء الثاني ص 194 (3) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الحديث - 1

[ 266 ]

الطرفين كما أنه لم نجد لسابقه شاهدا بعد الاجماعين الموهونين، بخلاف المتأخرين، بل قيل والشيخ في النهاية سوى الجمع بين خبري أبى هريرة (1) وعبد الله بن عمر (2) اللذين - مع ما في إطلاقهما من المخالفة كما عرفت - لا جابر لهما في المقام سوى الاجماع المزبور الذى قد عرفت حاله، ويمكن حملهما على التراضي بكون ذلك قيمة له. هذا كله في اللبن الموجود حال العقد. أما المتجدد فقد يظهر من المتن مساواة حكمه للموجود، بل قيل إنه ظاهر المقنعة و النهاية والسرائر والتحرير والمفاتيح أو صريحهما أو صريح اللمعة وإيضاح النافع، بل عن الفخر نسبته إلى إطلاق الاصحاب كما عن الاردبيلى أنه ظاهر عبارات المتون، وقد استشكل فيه جماعة، لكن لم أجد ما يقتضى مخالفة قاعدة كون النماء للمالك التى قد عرفت عدم الكلام فيها في ساير مباحث الخيار وغيره، سوى دعوى إطلاق الاخبار العامية التى ليس في شئ منها تعرض لللبن الموجود والمتجدد ودعوى أن الفسخ رافع للعقد من أصله المخالفة للقواعد أيضا ولما عليه الاصحاب في غير المقام أيضا. فقد ظهر لك من ذلك أن المشهور أقوى فحينئذ، إذا امتزج مع الموجود حال العقد، اشتركا بالسوية إذا لم يعلم زيادة أحدهما على الآخر، وإلا اصطلحا ولو تعيب اللبن المبيع عنده، وجب رده مع الارش كما في القواعد والدروس وجامع المقاصد والروضة والمسالك، لكونه مضمونا عليه، إذ هو جزء المبيع، وربما احتمل رده مجانا والانتقال إلى البدل وهما معا ضعيفان. نعم قد يتجه أولهما إذا كان لا من قبل المشتري، باعتبار أن العيب في مدة الخيار مضمون على البايع إذا فرض بقاء خيار الحيوان في الشاة المصراة، وأنه لا يسقط بالاختبار، ومثله يجرى في التلف الذى قد ذكرنا ضمانه بالمثل ومع التعذر بالقيمة. فينبغي تقييده بما إذا كان من قبل المشتري، وإلا فلا ضمان عليه كغيره مما تلف في


(1 و 2) سنن البيهقى ج 5 ص 318 و 319

[ 267 ]

زمن الخيار، ولو اتخذ اللبن جبنا أو سمنا ففى الدروس " الظاهر أنه كالتالف " وفيه أن عين المال موجودة، فالمتجه حينئذ ردها إليه، وإن استحق المشتري عليه الاجرة. لكن فيها أيضا إنه على تقدير الرد له ما زاد بالعمل، ووافقه ثانى الشهيدين مصرحا بصيرورته معه شريكا بنسبة الزيادة، ولعل ما ذكرناه أولى، ضرورة احتياج ما ذكره إلى الدليل وليس، بل لعل الدليل على خلافه قائم، ولو تحفلت الشاة بنفسها لنسيان المالك حلبها أو غيره ففى القواعد وغيرها أنه لا خيار له، ولعله لانتفاء التدليس، و الاصل اللزوم، وقد يقوى ثبوته، لان ضرر المشتري لا يختلف، فكان بمنزلة ما لو وجد بالمبيع عيبا لم يعلمه البايع، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (تختبر) المصراة للعلم بتصريتها التى لم يقربها البايع و لا قامت بها البينة (بثلاثة أيام) كما في القواعد والتذكرة واللمعة والارشاد، فإنها غالبا بها ينكشف حالها وأنها مصراة أولا ؟ بل اغلب أحوال عيوب الحيوان تنكشف فيها، فضلا عن التصرية، ولذا وضع الشارع ارفاقا بالمشترى ثلاثة أيام للخيار فيه، ولعل إطلاق المصنف ومن عبر كعبارته ظاهر في عدم تحديد الاختبار فيها بحد مخصوص، فربما كانت معرفتها مصراة، متوقفة على النقصان عن الحلبة الاولى في تمام الثلاثة، و ربما كانت باقل من ذلك، كما أن معرفة عدم تصريتها تارة يحصل بمساواة حلبها في الثلاثة للاولى أو زيادته، وأخرى بأقل من ذلك، فالمراد أن الثلاثة حينئذ غالبا بها ينكشف الحال، ويرتفع الاجمال، وإلا فقد تعرف التصرية أو عدمها قبل الثلاثة. وإليه أومى الشهيد في المحكي عن غاية المراد قال: " إن التحديد بالثلاثة في النص لمصلحته، لتجويز أن تحلب في اليومين حلبا متساويا ثم تنقص عنه في الثالث، فانه يثبت له الخيار " وقال في المسالك: " إن اتفقت الحلبات في الثلاثة، أو كان ما عدا الاولى أزيد لم تكن مصراة، وإلا بأن كانت ما عدا الاولى أقل فهى مصراة، وكذا لو

[ 268 ]

كان بعضها ناقصا والآخر زائدا " وقال في الدروس: " وتثبت باعتراف البايع ونقص حلبها في الثلاثة عن الحلب الاول، فلو تساوت الحلبات في الثلاثة أو زادت اللاحقة فلا خيار، ولو زادت بعد النقص في الثلاثة لم يزل الخيار " فانه مع تعليق الظرف الاخير فيه بزادت يكون ظاهرا في ثبوتها قبل انقضاء الثلاثة، بل هو ظاهر ما تسمعه من عبارة المصنف والقواعد وغيرهما، إذ حملهما على خصوص الاقرار أو البينة خلاف الظاهر. بل لعله على ذلك يحمل ما في التذكرة قال: " وتختبر التصرية بثلاثة أيام، ويمتد الخيار بامتدادها، كما في الحيوانات للخبر، لان الشارع وضع هذه الثلاثة لمعرفة التصرية، فانه لا يعرف ذلك قبل مضيها لجواز استناد كثرة اللبن إلى الامكنة فإنها تتغير، أو إلى اختلاف العلف، فإذا مضت ثلاثة أيام ظهر ذلك، فيثبت الخيار حينئذ على الفور، ولا يثبت الخيار بالتصرية قبل انقضائها، لعدم العلم بالتصرية. لكن في جامع المقاصد استظهر من نحو عبارة الكتاب اعتبار استمرار النقصان إلى الثالث بل جعله صريح التذكرة، ثم قال: " وهل يعتبر نقصان اليوم وحده ؟ أي عند العلامة في التذكرة تعليله بامكان زيادة اللبن حيث زاد لاختلاف الامكنة والمرعى يقضى بعدم اعتباره، لان ظاهر هذه أنه لابد من التكرار، ليوثق بكون النقصان لا لامر عارض، وقوله بعدم الثبوت قبلها لانها هي المدة المضروبة، وقد يقتضى الثبوت بالنقصان في اليوم الثالث ". قلت: قد عرفت أن التحقيق عدم انضباط ذلك، إلا أن الغالب انكشاف حالها في ضمن الثلاثة، ومنه يعلم ما في جامع المقاصد من الميل إلى النقصان في الثلاثة مطلقا مثبت للتصرية، مدعيا أن المفهوم من النص وإطلاق كلامهم أن نقصان اللبن في جزء من الثلاثة موجب للخيار، إذ هو واضح المنع، بل لا يبعد عدم انحصار معرفتها بالثلاثة، إذ ربما عرض لها فيها ما يمتنع معه معرفة التصرية، ولعل إطلاق كلام الاصحاب مبني على الغالب، قال في التذكرة " لو عرفت التصرية في آخر الثلاثة أو بعدها، فالأقرب ثبوت

[ 269 ]

الخيار، لانه عيب سابق، والتنصيص على الثلاثة لمكان الغالب، بل قيل: إن ظاهر المقنعة والنهاية والسرائر والغنية والمفاتيح عدم اعتبار الثلاثة، لعدم ذكرهم لها فتأمل جيدا. وكيف كان فقد قيل: إنه - بناء على عدم اشتراط استمرار النقصان - ينحصر معرفة التصرية بالاختبار، إذ لا أثر للبينة والاقرار ما لم يتحقق النقصان، لانه هو الموجب للتخيير، ضرورة سقوط الخيار لو رد اللبن بعد التصرية هبة من الله تعالى على وجه صار لها عادة مثلا، وإذا تحقق النقصان لم يكن لهما أثر، للاكتفاء به حينئذ عنهما في ثبوته. أما على اشتراط الاستمرار، فيمكن القول بثبوتها بهما إذا اقترن بنقصان ما، وإن كان بدونهما لابد من الاستمرار، وفيه أنه يمكن القول بثبوتها بهما على الاول من غير حاجة إلى تحقق نقصان، فيفسخ حينئذ بذلك، بناء على اصالة عدم تغير حالها، وان كان ينكشف عدم اثر الفسخ لو اتفق صيرورة ذلك عادة لها، فانه حينئذ مانع من صحة الفسخ، لا أن النقصان شرط له، وفرق واضح بين الامرين، على أنه يمكن المناقشة في الاكتفاء بنقصان ما، بثبوتهما بعد ان كان ذلك غير مثبت لها بنفسه، لاحتمال كونه من عارض العلف ونحوه، فهو أعم منه، وربما كان ما في التحرير مبنيا على ما ذكرنا قال: " لو علم بالتصرية قبل حلبها، إما بالاقرار أو بالبينة ردها من غير شئ " إذ لم يقيده باشتراط النقصان، ونحوه ما تسمعه من عبارة التذكرة، فتأمل جيدا، فانه بذلك يظهر لك ما في كلام بعض الاساطين، منهم الشهيد الثاني في المسالك، وإن كان يمكن تنزيله بتكلف على ما ذكرناه. والامر في ذلك كله سهل. إنما الكلام في أمور بها ينكشف جملة من كلمات الاصحاب، الاول أن المصراة التى أريد معرفة تصريتها بالاختبار يبقى فيها خيار الحيوان لكونها أحد أفراده، أو أنه يسقط بالتصرف الذي هو اختبار التصرية، قد يظهر من عبارة التذكرة السابقة الاول، بل هو أيضا ظاهر التحرير، قال " فيه مدة الخيار في المصراة ثلاثة أيام كغيرها من الحيوان، ويثبت على الفور ولا يسقط بالتصرف، ولا يثبت قبل إنقضاء الثلاثة على إشكال " بل وكذا ما عن المبسوط والخلاف من أن مدة الخيار فيها ثلاثة أيام مثلها في ساير الحيوان، مستدلا في الثاني

[ 270 ]

منهما على ذلك بإجماع الفرقة على ثبوت الخيار في الحيوان ثلاثة أيام شرط أو لم يشرط وهذا داخل في ذلك. قال: وخبر أبي هريرة (1) وابن عمر (2) صريح في ذلك مشيرا به إلى ما رووه من قوله عليه السلام (3) من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إنشاء أمسكها وإنشاء ردها، وصاعا من تمر وفى الآخر أو بر بل قد يظهر منهما من الكتابين الاخيرين أنه لا خيار من حيث التصرية، وإنما هو خيار الحيوان، - وخصوصية التصرية حينئذ عدم سقوط خيار الحيوان بإختبارها، ولعله إليه أومى في الدروس بقوله " يتقيد الخيار بالثلاثة لمكان خيار الحيوان " صرح به الشيخ ومن هنا إحتاج بعض متأخر الاصحاب إلى ذكر الفرق هنا بين خيار الحيوان والتصرية فقال إن خيارها بعد الثلاثة إذا كان ثبوتها بالاختبار بخلافه، فإنها فيها وان ثبتت قبل الثلاثة بالاقرار مثلا وقلنا بفوريته كان هو الفارق حينئذ بينهما، وإلا لم يتقيد بالثلاثة، على أنه لا مانع من تعدد الاسباب، وتظهر الثمرة حينئذ بالاسقاط ونحوه، وهو جيد إذ احتمال عدم الخيار بالتصرية بعدما سمعت من الاجماعات السابقة وأنه تدليس وغير ذلك مما دل على الخيار من هذه الحيثية كما ترى بل ينافيه إطلاق الاختبار ثلاثة، ضرورة أنه لا يجامعها حيث لا تثبت بدونه، والحكم بكونه يتخير في آخر جزء منها يوجب المجاز في الثلاثة، بل قد يقال: بسقوط خيار الحيوان إن لم ينعقد إجماع على خلافه، وبقاؤه من حيث التصرية، بناء على سقوطه بمثل هذا التصرف، إذ استثناؤه من بين التصرفات لا دليل معتد به عليه، خصوصا مع شرب اللبن الموجود حال العقد الذى هو بعض المبيع، خلافا لجامع المقاصد حيث قال: " والذى ينبغى علمه هنا هو إمتداد الخيار بامتداد الثلاثة، لانه خيار الحيوان كما صرح به الشيخ، وتصرف الاختبار مستثنى دون غيره فمتى علم بالتصرية فشرط بقاء الخيار عدم التصرف، فإذا انقضت الثلاثة فالخيار على الفور " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة


(1) و (2) و (3) سنن البيهقى ج 5 ص 318 و 319

[ 271 ]

بما مضى ويأتى. نعم لا يسقط خيار التصرية باختبارها بشرب اللبن، للاجماع وغيره، لا مطلق الخيار، ولذا لو كان فيها عيب واختبر تصريتها لم يكن له الرد بذلك العيب، وكان له الارش خاصة، ومن هنا قال في الدروس " لو رضي بالتصرية فوجد بها عيبا قبل الحلب فله ردها عند الشيخ مع الصاع، ولو حلبها غير مصراة ثم اطلع على العيب فله ردها عنده، إن كان اللبن باقيا والا فلا، لتلف بعض المبيع، أما اللبن الحادث فله، ولا يمنع حلبه من الرد، ومنع الفاضل من الرد في الصورة الاخيرة، لمكان التصرف ويحتمل المنع في الاول أيضا لان الحلب إنما يغتفر في الرد بالتصرية وعلي كل حال فالمتجه حينئذ استقلال خيار التصرية عن خيار الحيوان. الثاني - الظاهر عدم مدة مخصوصة لهذا الخيار للاصل السالم عن المعارض، إلا الخبر العامي (1) السابق الذى لم يجمع شرائط الحجية بالنسبة إلى ذلك، لكن في التذكرة لو عرف التصرية قبل الثلاثة أيام بإقرار البايع أو بشهادة الشهود ثبت به الخيار إلى تمام الثلاثة لانه كغيره من الحيوان، أما لو أسقط خيار الحيوان فإن خيار التصرية لا يسقط، وهل يمتد إلى الثلاثة أو يكون على الفور إشكال، وللشافعية وجهان، وفيه ما عرفت وإليه أومى في الدروس " فإنه قال بعد العبارة السابقة آنفا: وروى العامة الثلاثة، لمكان التصرية، ويظهر الفائدة لو أسقط خيار الحيوان. نعم يتجه في هذا الخيار البحث في أنه على الفور أو التراخي كغيره من الخيارات التى لم يظهر من الادلة المخصوصة توسعته بالخصوص، وقد قدمنا سابقا أن القول بالتراخى ما لم يؤد إلى الضرر على البايع لا يخلو من قوة، وقد يظهر من عبارة التذكرة السابقة وغيرها التفصيل هنا بين ثبوته في ثلاثة الحيوان أو ثبوته بعدها، ففى الاول يمتد إلى انتهائه، وفى الثاني على الفور، واليه أومى في الدروس بقوله " هذا الخيار على الفور


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 318

[ 272 ]

إذا علم به، والظاهر امتداده بامتداد الثلاثة إن كانت ثابتة، وإلا فمن حين العلم وكانه بناه على أن منشأ الفور الاقتصار على المتيقن في مخالفة ما يقتضى لزوم العقد، أما إذا كان جايزا كما في الفرض فلا مقتضى للفور، وفيه أن التوسعة من جهة أخرى لا تقتضي التوسعة من غير تلك الجهة كما هو واضح، فالمتجه حينئذ فوريته بناء عليها وإن كان في الثلاثة، فأن لم يفعل سقط، وإن بقى الخيار من الجهة الاخرى وستسمع ما في القواعد. الثالث: قد ظهر لك مما ذكرنا أنه تثبت الخيار متى تثبت التصرية، ولا يتوقف على مضي الثلاثة، وما في التحرير من أنه لا تثبت قبل انقضاء الثلاثة علي إشكال يمكن أن يكون مبنيا على امكان ثبوت التصرية قبلها وعدمه، لا أنه يشترط مضى الثلاث وإن عرف التصرية، ولذا صرح فيه قبل ذلك بأنه لو علم بالتصرية قبل الحلب بالاقرار أو البينة ردها من غير شئ وقال في القواعد " ولو كان المشترى عالما بالتصرية فلا خيار، ولو علم بها قبل الثلاثة تخير على الفور. لكن في الدروس " لو علم المشترى بالتصرية فلا خيار بها، ولو علم بها بعد العقد قبل الحلب تخير، قاله الفاضل مع توقفه في ثبوت الخيار قبل الثلاثة لو حلبها " قلت لعل وجهه ما عرفت، وقد تلخص من جميع ما ذكرناه ان خيار التصرية يستقل عن خيار الحيوان، ولا مدة له، بل هو على البحث في نظائره أنه على الفور أو التراخي، من غير فرق بين الثلاثة وما بعده، وأن الاختبار المذكور لا دليل شرعا عليه حتى يترتب الحكم على إطلاقه، بل هو يبين على نحو غيره من الموضوعات العرفية، فلا يتقيد بالثلاثة، وخصوصا مع ارادة النقصان في جزء منها المحتمل كونه للمكان أو للمرعى أو غيرهما، وبذلك مضافا إلى ما سمعته في مطاوى البحث، يظهر لك النظر في جملة من كلمات الاصحاب كالشيخ والفاضل والشهيدين والكركي وغيرهم فلاحظ وتأمل. وكيف كان فقد ظهر أن الخيار في التصرية مخالف لقاعدة السقوط بالتصرف

[ 273 ]

المتلف لبعض المبيع وغير ذلك، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، ومن هنا قال المصنف (وتثبت التصرية في الشاة قطعا) وإجماعا بقسميه ونصوصا (1) منجبرة بالعمل وإن كانت عامية (و) أما (في الناقة والبقرة) ف‍ (على تردد) لما عرفت من الاقتصار على المتيقن حيث لا نص من طرقنا يشملها، إلا أن المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا الحاقهما بها، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، بل قيل أن الاجماع يلوح أيضا من السرائر والتذكرة، بل قد سمعت ما يدل عليه في الابل من النصوص العامية (2) المتجة بعدم القول بالفصل بينها وبين البقر، مضافا إلى دعوى المساواة لها في العلة الموجبة للخيار، وهى كون اللبن مقصودا مع التدليس، وإلى التعليل في الخبر بأنه خداع (3) والى خبر الضرار (4) إلا أن الانصاف إن لم يتم الاجماع، عدم خلو الالحاق بعد، بحيث يثبت لهما ما سمعته من احكام التصرية من إشكال، لعدم اقتضاء جملة مما ذكرنا ذلك نعم ينبغى الجزم به من حيث التدليس إذا كان اللبن هو المقصود، أو بعضه بل ومع الاطلاق، لان لبنهما مما يقصد (ولو صرى أمة لم يثبت الخيار مع إطلاق العقد) لعدم النص مضافا إلى شهرة الاصحاب، بل عن كشف الرموز وظاهر السرائر والتذكرة وغيرهما الاجماع على عدم ثبوت التصرية في غير الثلاثة. نعم له الخيار مع الشرط كما في المسالك لكن قال " إن لم يتصرف ولو بالحلب وإلا فالارش " وفيه انه لا أرش للشرط إذا لم يكن فقده عيبا، كما أن الخيار لفقد الشرط لا يسقط بالتصرف، كما هو ظاهر المتن هنا، على ما اعترف به في المسالك، كما أن


(1 و 2) سنن البيهقى ج 5 ص 318 و 321 (3) المستدرك ج 2 ص 474 (4) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 و 5

[ 274 ]

القول بثبوت الخيار فيها للتدليس حيث يكون المقصود لبنها متجه وإن لم يثبت لها أحكام التصرية، وإليه يرجع ما عن تعليق الارشاد، من أنه ان أريد بثبوت الخيار فيها لو ثبت تصريتها فهو متجه، وان أريد ثبوت الخيار مع التصرف وكون الثلاثة محلا لثبوته بنقصان اللبن فيها فهو خلاف الاصل، ولم يثبت بنص ولا إجماع، بل وما في الدروس - قال " ومن التدليس التصرية في الشاة والناقة والبقرة على الاصح، ونقل فيه الشيخ الاجماع، وطرد ابن الجنيد الحكم في الحيوان الادمى وغيره " - ليس بذلك البعيد، للتدليس إذ الظاهر إرادة ثبوت الخيار بذلك، لا ثبوت الاحكام التصرية ومن هنا قال بعد ذلك: " لو قلنا بقول ابن الجنيد في تصرية الآدمية، والاتان وفقد اللبن لم يجب البر والتمر ولو أوجبناه في الشاة والبقرة لعدم النص، وعدم الانتقاع به فيما ينتفع بلبن المنصوص، فمراده ثبوت حكم التدليس على الظاهر، وإلا كان محلا للنظر، بل لا يبعد الحاق حبس ماء القناة والرحى وإرساله عند البيع والاجارة حتى تخيل المشترى كثرته بالتصرية من حيث الخيار، كما صرح به في الدروس ومحكي التذكرة ضرورة كونه تدليسا موجبا له كتحمير وجه الجارية وتسويد شعرها وتجعيده، وإرسال الزنبور في وجهها فيظنها المشترى انها سمينة (وكذا) البحث فيما (لو صرى البايع أتانا) بفتح الهمزة أي حمارة لاشتراكها مع الامة في جميع ما ذكرناه حتى في الاجماع المحكي على نفى التصرية فيها. (ولو زالت تصرية الشاة) الثابتة بالاقرار أو البينة أو بالاختبار بناء على ما قدمناه من إمكان ثبوته (وصار ذلك عادة قبل انقضاء ثلاثة أيام) هبة من الله تعالى بحيث علم صيرورة ذلك عادة لها (سقط الخيار) لانتفاء الضرر الذى أوجبه، وإطلاق الخيار بها في النصوص العامية منزل على الغالب، فالقول به حينئذ ضعيف جدا إذ هو حينئذ من قبيل بعض العيوب السريعة الزوال.

[ 275 ]

(و) أما (لو زالت بعد ذلك) أي الثلاثة (لم يسقط) الخيار لحصول موجبه فيستصحب، والمراد ببقائه حينئذ بناء على فوريته استمرار صحة الفسخ، وإن تحقق الزوال بعد ذلك، بمعنى أن الزيادة المتجددة لا تكون كاشفة عن بطلانه، ولا مبطلة له، إذ المراد بالنسبة إلى خصوص جاهل الفورية، والخيار بناء على عدم سقوطه معه هذا، وقد أشكل على بعضهم إطلاق العبارة وما ماثلها زوال التصرية قبل ثلثة، بناء على عدم معرفتها إلا بمضي الثلاثة، فحمل العبارة على خصوص معرفتها بالاقرار والبينة، فإنه يتصور حينئذ فيها ثبوت التصرية وزوالها، وإن قلنا بتوقف الثبوت بهما، أي الاقرار والبينة على نقصان ما إذا يكفى حينئذ نقصان الحلبة الاولى، لكن بناء على الفورية فيه حتى في الثلاثة يجب إرادة عدم استمرار صحته من السقوط في المتن، بمعنى أنه ينكشف بذلك عدم الخيار، أو أنه يبطل به، أو أن المراد علم بهما بعد زوالها، فانه يسقط حينئذ كما يسقط الخيار بالعيب القديم، إذا علم به بعد زواله، وكذا لو لم تعلم الامة بالعتق حتى عتق زوجها. لكن لا يخفى عليك ما في حمل العبارة على ذلك من الخفاء، بل حملها على ما ذكرنا من أنه يمكن ثبوت التصرية وزوالها في الثلاثة بالاختبار أيضا أولى، إلا أنه قد يشكل بأنه لا دليل حينئذ على سقوط الخيار، الثابت سببه بمجرد الزوال في الثلاثة بخلاف ما بعد وإن قل، ويمكن حمل العبارة على إرادة زوال التصرية بأن صار ذلك عادة لها أي صريت فلم تنقص أبدا، ويكون المراد حينئذ بسقوط الخيار عدم ثبوته من أصله، وكيف كان فالامر في ذلك سهل بعد وضوح الحكم مما ذكرناه سابقا على كل تقدير. ولو ماتت الشاة المصراة أو الامة المدلسة ففى القواعد وعن غيرها فلا شيئ له لامتناع الرد بالموت والارش بعد العيب، وقد يشكل بإمكان الفسخ ودفع القيمة خصوصا بعد ما ذكره هو من بقاء الخيار فالمبيع الذى كذب في الاخبار عن رأس ماله،

[ 276 ]

إذ لا فرق بين المقامين على الظاهر، وقد تقدم في الابحاث السابقة في الخيار ما يؤكد ذلك فلاحظ وتأمل فانه قد تقدم لنا في خيار الغبن ما يقتضى أن الاصل اعتبار وجود العين في الخيار، إلا ما خرج، ولعله لظهور التخيير بين الرد والامساك في ذلك. لكن قد يقال هنا أن الخيار إنما هو في العقد ورد العين، إنما هو من توابعه، وحكمها في كل مقام يراد منه الرد، الانتقال للمثل والقيمة، وأولى من ذلك ما لو تعيبت عنده قبل علمه بالتدليس، لكنه قال في القواعد: " إنه لا شئ له أيضا "، وعلله في جامع المقاصد بالاقتصار على موضوع الوفاق، وبأن هذا العيب من ضمان المشترى، بل قال: " إن التقييد بقبلية علمه غير ظاهر، لان العيب إذا تجدد بعد علمه يكون كذلك، إلا أن يقال إنه غير مضمون عليه، الآن لثبوت خياره " قلت: التعليلان الاولان معا كما ترى، إذ لا دليل على أن حدوث العيب مانع من الرد في غير المعيب. نعم ما ذكره من التعليل أخيرا جيد وإن كان هو غير موافق لما أسلفناه سابقا، لكن منه ينقدح أن عدم سقوط خيار التصرية بالاختبار لتقدمه على حصول سببه، فلا ينافي حينئذ ما دل على سقوط الخيار بالتصرف، ضرورة ظهوره فيما كان منه بعد ثبوت الخيار، خصوصا إذا قلنا بذلك لدلالته على الرضا، بل قد ينقدح من ذلك أن أحكام التصرية على القاعدة، وأنها فرد من خيار التدليس والله أعلم. المسألة (الثانية: الثيبوبة ليست عيبا) في الاماء كما هو صريح جماعة، و مقتضى نفى الخيار به وحصر العيوب في غيره من آخرين، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن كشف الرموز لا خلاف بين الاصحاب في أن الثيبوبة ليست عيبا يوجب الرد، وإنما اختلفت عباراتهم في اشتراط البكارة، وفى التحرير لا نعلم خلافا في أن الثيبوبة ليست عيبا، وعن إيضاح النافع أن عليه الفتوى، لان البكارة صفة كمال بالنسبة إلى غير العاجز وليست عيبا، ونسبه أيضا إلى الاصحاب، وفى المسالك اطلق الاصحاب، والاكثر من غيرهم أن الثيبوبة ليست عيبا ولعله لاصالة اللزوم بعد غلبة ذلك فيهن، وصيرورته

[ 277 ]

بمنزلة الخلقة الاصلية، وإن كانت عارضة إذ قل ما يوجد فيهن الابكار، فلا اغترار بأصالة السلامة التى هي بمعنى الغلبة، بل قد عرفت أن خبر محمد بن مسلم (1) المشتمل على تعريف العيب مداره الزيادة والنقيصة على أصل خلقة أغلب ذلك النوع، لا اقل من الشك، مع انه لا جابر له في خصوص المقام، مضافا إلى خبر سماعة (2) " سألته عن رجل باع جارية على أنها بكر فلم يجدها كذلك، قال: لا ترد عليه، ولا يجب عليه، شئ إنه قد يكون تذهب في حال مرض أو امر يصيبها " المنجبر بما سمعت. لكن قد يقال: بمنع عدم صدق العيب عرفا بعد ان كانت البكارة مقتضى الطبيعة والخلقة الاصلية، في جميع النوع، وغلبة العروض في خصوص المجلوب منها لا ينافى ذلك، كما أن خبر سماعة - مع أنه ظاهر في الشرط الذى ستسمع شهرة الاصحاب إن لم يكن إجماعهم على ثبوت الخيار له، ولذا حملوه على اجله بكونها عند البايع، لغبلة زوالها بالعوارض، بل ربما كان التعليل فيه ألصق بهذا من غيره، ومعارض لخبر يونس (3) ومحتمل لكون عدم الرد للتصرف فيكون المنفى فيه عدم شئ مخصوص من العشر ونحوه، لا الارش - لا دلالة فيه على عدم العيب، ضرورة إمكان كون عدم الرد به للغلبة التى تصيره كالعيب الذى اقدم عليه المشترى أو تبرأ منه البايع، وأنه بها يرتفع الاغترار بأصل السلامة، ولا ينزل إطلاق العقد على السالم فيبقى حينئذ أصل اللزوم بحاله. ويمكن تنزيل كلام الاصحاب على ذلك، بارادة نفى العيب الموجب للرد، والارش، كما سمعته من معقد نفى خلاف كشف الرموز، ويؤيده ما تسمعه من أن المشهور ثبوت الارش مع الشرط، ولولا أنه عيب، لم يتجه ذلك، بناء على ما عرفت من عدم توزيع الثمن على الشرائط، واحتمال أنه لخبر يونس الاتى (4) لا لانه عيب كما ترى.


(1) الوسائل الباب 1 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1 - (2 - 3 - 4) الوسائل الباب - 6 من ابواب احكام العيوب الحديث - 2 و 1

[ 278 ]

ومنه حينئذ ينقدح دلالة خبر يونس الاتى على المطلوب، كما أنه ينقدح مما ذكرنا كون المدار حينئذ في عدم ترتب حكم العيب عليه الغلبة المزبورة، فمع فرض انتفائها كما في الصغيرة والاماء المستولدة في بلاد الاسلام ونحو ذلك، يتجه حينئذ ترتب حكم العيب عليه بل المتجه بناء على ما ذكرنا أيضا لزوم البيع لو عرض الثيبوبة عند المشترى بغير تصرف منه، لانه من حدوث العيب المانع من الرد المعين، للارش إلى غير ذلك. بل قد يظهر لك مما عن مهذب القاضى كونه عيبا مطلقا، قال: " إذا لم يشترط الثيبوبة ولا البكارة فخرجت ثيبا أو بكرا لم يكن له خيار، وكان له الارش إذ الارش لا يكون إلا للعيب " ولعل عدم الخيار حينئذ لتصرفه بها، إذ الغالب معرفة ذلك بالوطي فيكون حينئذ عنده عيبا، ومال إليه المقداد مطلقا، واحتمله الشهيدان، بل مال إليه ثانيهما وبعض من تأخر عنه في الصغيرة، والتحقيق ما عرفت من أن المدار على الغلبة المزبورة. (نعم لو شرط البكارة فكانت ثيبا كان له الرد) مطلقا (ان ثبت أنها كانت ثيبا) عند البايع كما هو مقتضى تخلف كل شرط، مضافا إلى ما عرفت من أنه عيب عندنا، إلا أنه منع من ترتب مقتضاه حال عدم الشرط، الغلبة المزبورة، أما معه فيترتب عليه حكمه مع أنه لا أجد خلافا بين الاصحاب في الخيار مع الشرط، إلا ما يحكى عن النهاية من اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها، ولا الرجوع على البايع بشئ من الارش، لان ذلك قد يذهب من العلة والتروه ونحوه عن الكامل ويمكن إرادتهما غير صورة الشرط على معنى شرائها بتخيل البكارة، وأظهر من ذلك إرادتهما ما لو جهل بكونها عند البايع، كما يؤمى إليه التعليل. والخلاف إذا اشترى جارية على أنها بكر فكانت ثيبا، روى أصحابنا أنه ليس له الرد وهو مع أنه غير مخالف، يمكن ارادته غير صورة الشرط، وأنه تصرف فيها، والمبسوط إن شرط أن تكون بكرا فخرجت ثيبا روى أصحابنا أن ليس له الخيار وله الارش، ونحوه

[ 279 ]

عن مهذب القاضى والاستبصار بل قيل: أنه اختاره ابن ادريس أولا ثم عدل عنه، وقد يريدون حال التصرف. والتذكرة قال: أصحابنا إذا اشتراها على أنها بكر فكانت ثيبا لم يكن له الرد لما رواه سماعة (1) وساق الخبر المتقدم، وقد يحتمل أيضا ما عرفت. وعلى كل حال فلا إشكال في ثبوت الخيار بل لا إشكال في أن له الارش إذا اختار الامساك كما نسبه في الدروس والمسالك إلى المشهور، بل لعل عدم ذكره في المتن ونحوه لا لعدم ثبوته، بل لانه في معرض ثبوت أصل الخيار. ولا يشكل بأن الثمن لا يوزع على الشرائط، لما عرفت من أن الارش من حيث كونه عيبا لا من حيث أنه شرط، مضافا إلى خبر يونس (2) " في رجل إشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء قال: يرد عليه فضل القيمة، إذا علم أنه صادق " بناء على حمله على صورة الشرط (و) علم سبق ذلك قبل البيع بالبينة، أو الاقرار أو قرب زمان الاختبار لزمن البيع، أو كونه بعده في زمن ضمان البايع، ضرورة أنه لا أرش لو علم تأخره عن زمان ضمان البايع، بل (إن جهل ذلك لم يكن له الرد لان ذلك قد تذهب بالخطوة) ونحوها، فيحتمل كونه في زمن ضمان المشتري، لا لاصالة تأخر الحادث لما تقرر فيها من الاشكال حتى بالنسبة إلى معلوم التاريخ، بل لاصالة لزوم العقد و برائة ذمة البايع، بعد التسليم الظاهر في أنه تمام الحق، كما هو واضح. ولو شرط كونها ثيبا فبانت بكرا كان له الخيار بين الرد والامساك مجانا على الاقوى، وفاقا لجماعة عملا بقاعدة الشرط، ضرورة كون ذلك منه، إذ قد يتعلق له غرض به لعجزه عن افتضاض البكر، أو غيره خلافا لما عن المبسوط والتحرير، فلا خيار، لكون الضد صفة كمال، وفيه ما عرفت نعم لا أرش من هذه الجهة والله اعلم. المسألة (الثالثة) لا خلاف ولا إشكال في أن (الاباق الحادث عند المشتري)


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 من ابواب أحكام العيوب الحديث - 2 - 1 -

[ 280 ]

الذي لم يكن مضمونا على البايع (لا يرد به العبد) ولا يستحق به أرش كما في ساير العيوب الحادثة كذلك من غير فرق بين الصغير والكبير، والذكر والانثى، للاصل وقول أبى جعفر عليه السلام في مرسل ابن أبى حمزة (1) " ليس في الاباق عهدة " وقال في خبر محمد بن قيس: (2) " إنه ليس في إباق العبد عهدة إلا أن يشترط المبتاع " (أما لو أبق عند البايع كان للمشترى رده) وإن لم يكن أبق عنده، بلا خلاف أجده كما اعترف به في التحرير قال: " الاباق عيب لا نعلم فيه خلافا في الامة والعبد، والصغير والكبير "، بل عن المبسوط الاجماع على أن به الخيار، ومقتضاه أنه عيب، بل لعل العرف كذلك أيضا ضرورة كونه بحكم التالف بل هو أبلغ من السرقة لغيره، لانه سرقة لنفسه، بل لعل خبر محمد بن مسلم (3) شامل له، بناء على إرادة ما يشمل نقص الصفات الغالبة في النوع منه، وفى خبر أبى همام (4) " أن محمد بن على قال للرضا عليه السلام: الاباق من أحداث السنة ؟ فقال: ليس الاباق من هذا إلا أن يقيم البينة أنه كان أبق عنده ". وقد يظهر منه كالمتن وغيره، بل هو صريح التذكرة وجامع المقاصد الاكتفاء بالمرة الواحدة عند البايع، لان الاقدام ولو مرة يوجب الجرأة عليه، ويصير للشيطان عليه سبيل، ولتحقق صدق العيب بها عرفا، خلافا لما عن بعض الاصحاب من اشتراط الاعتياد، وإن قال بعض مشايخنا إنا لم نتحققه، وربما لاح مما عن المبسوط واختاره ثانى الشهيدين وقال: أقل ما يتحقق بمرتين. وعلى كل حال ففيه بحث وإن كان يشهد له أصالة اللزوم ولو للشك في كونه عيبا بها. نعم ينبغى تقييد الرد به بالمرة الواحدة، بما إذا لم يظهر بعدها التوبة


(1 و 2) الوسائل الباب - 10 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 1 - 2 (3) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العيوب الحديث 1 (4) الوسائل الباب 2 - من ابواب احكام العيوب الحديث 2

[ 281 ]

الصادقة وملكة الطاعة، بل لابد من هذا التقييد على تقدير اعتبار الاعتياد أيضا، ثم إن الظاهر من المتن أنه بذلك يكون عيبا يجري عليه حكمه من الرد والارش، لا أن له الرد خاصة على كل حال، كما عساه يوهمه الاقتصار عليه، كما أن ظاهر خبر محمد بن قيس (1) صحة اشتراط عدم الاباق ولعله لا باس به إذا كان شرطا للخيار في مدة مخصوصة كاشتراطه برد الثمن ونحوه فتأمل. المسألة (الرابعة) المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا أنه (إذا اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر، ومثلها تحيض) فيها (كان ذلك عيبا لانه لا يكون إلا لعارض غير طبيعي) وهو المدار في ثبوته عرفا، بل لا خلاف أجده فيه إلا من العجلي، ولا ريب في ضعفه، للصدق عرفا ولانه من نقص الصفات، ولصحيح داود بن فرقد (2) " سأل الصادق عليه السلام عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر، وليس بها حمل، فقال: إن كان مثلها تحيض، ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد به " بل في المسالك " إن في دلالته على اعتبار الستة أشهر نظرا لانه إنما علق الحكم على حيض مثلها، وأراد به نفى الصغر واليأس وإن كان ذلك مستفادا من إثبات الادراك، ونفى كونه عن كبر فان من المعلوم أن مثلها تحيض في تلك المدة وأقل منها، والسؤال وقع عن تأخير الحيض ستة أشهر، والجواب لم يتقيد به، وحينئذ فلو قيل بثبوت الخيار متى تأخر حيضها عن عادة أمثالها في تلك البلاد كان حسنا ". قلت: وهو جيد بل هو مقتضى ما سمعت من التعليل ويمكن تنزيل عبارات الاصحاب على ما لا ينافيه، ومنه ينقدح أنه لا ينبغى أن يكون مجرد بلوغ تسع سنين والتأخر ستة أشهر موجبا لذلك، لانه قد عرف بالتجارب التأخر عن عشر سنين،


1 - الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العيوب الحديث 2 2 - الوسائل الباب 3 - من ابواب احكام العيوب 1 -

[ 282 ]

بل عن أزيده من ذلك، فالمتجه حينئذ النظر إلى أمثالها سنا مع الاتفاق في البلد والمزاج في الجملة، فان وجد فيها دونها يكون عيبا. ثم إنه لابد من تنزيل الخبر وعبارات الاصحاب على إرادة علم سبق ذلك عند البايع، وإلا فمع احتمال عروض العارض عند المشترى لا رد ولا أرش، كما أنه يجب تقييد الرد بما إذا لم يتصرف في هذه المدة، وإلا كان له الارش كغيره من العيوب، إذ احتمال إستثناء ذلك منها - بأن التصرف لا يسقطه لاطلاق الرد في الصحيح المزبور (1) مع استبعاد عدم التصرف في هذه المدة - مخالف لظاهر الفتاوى وللادلة السابقة على تعين الارش معه المرجحة بها عليه، وإن كان التعارض من وجه، كما هو واضح، المسألة (الخامسة من اشترى زيتا أو بزرا) بفتح الباء، وكسرها ولعله افصح زيت الكتان وأصله محذوف المضاف أي دهن البزر (فوجد فيه ثفلا) بالضم ما استقر تحت الشئ من كدرة (فان كان مما جرت العادة بمثله لم يكن له رد ولا أرش) لا نه ليس عيبا أو لان جريان العادة يجعله كعلم المشتري به أو إسقاط البايع له (وكذا لو كان كثير أو) قد (علم) المشتري (به) قبل العقد، لما عرفت من أن ذلك رضاء منه به فلا رد ولا أرش، ولا يشكل صحة البيع بالجهل بقدر المقصود بالذات الموجب للغرر وإن شوهد لعدم الاكتفاء بها، لما عرفته مكررا بأن العلم بالجملة كاف في رفع ذلك. أما إذا لم يكن عالما بكثرة الثفل فظاهر المصنف وغيره أن له حكم العيب بل لا أجد فيه خلافا لكونه عيبا عرفا، ولكونه على غير أصل الخلقة، وقال ميسر بن عبد العزيز (2) لابي عبد الله عليه السلام: " الرجل يشترى زق زيت فيجد فيه درديا ؟ فقال: إن كان يعلم ان الدردي يكون في الزيت فليس عليه ان يرده، وإن لم يكن يعلم فله أن يرده "


(1) الوسائل - 3 من ابواب احكام العيوب الحديث - 1 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العيوب الحديث - 1 باختلاف يسير

[ 283 ]

وعبر بمضمونه في التحرير، بل قيل والنهاية والسرائر وجامع الشرايع، ولعل المراد من الجميع ما في المتن وغيره بجعل جريان العادة بمنزلة العلم، كما أنه يحتمل العكس، بحمل ما في المتن على ارادة العلم بجريان العادة، بل لعله أولى عند التأمل، إلا أن يكون شيئا يسيرا لا يعد مثله عيبا في العادة، فانه لا خيار حينئذ وان لم يعلم وكيف كان فلا دلالة في الخبر على أنه مع عدم العلم عيب يستحق به أرشا لو أراده أو مع التصرف، أو الرد فيه أعم من ذلك ومن كونه من تبعض الصفقة، باعتبار خروج بعضه درديا غير سمن، وقد يشهد له الصحيح (1) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أن عليا عليه السلام قضى في رجل اشترى من رجل عكة فيها سمن احتكرها حكرة فوجد فيها ربا فخاصمه إلى علي عليه السلام فقال له علي عليه السلام لك بكيل الرب سمنا فقال له الرجل: إنما بعته منك حكرة، فقال له عليه السلام: إنما اشترى منك سمنا، ولم يشتر منك ربا "، إلا أنه يجب حمله بعد أن كان المبيع شخصيا لا كليا على إرادة أن له من الثمن بقدر ما يقابل الرب من السمن، ومنه يعلم حينئذ صحة البيع في نحو ذلك بعنوان أنه سمن وإن بان الخلاف، بل يثبت الخيار للتبعض، مضافا إلى عدم الجهالة بعد العلم بالجملة، وكونها المبيع ولو بزعم العنوان خطأ. والتحقيق التفصيل بين ما يعد بمزجه عيبا في الممزوج معه وعدمه في العرف، وهو مختلف بالنظر إلى الكم والكيف، ولعله لذا قال في التحرير " الدردي في الزيت والبزر عيب موجب للرد أو الارش مع عدم علم المشترى به " وقال ايضا " لو اشترى سمنا فوجد فيه غيره، تخير بين الرد واخذ ما وجده من السمن بنسبة الثمن، ولا يلزم البايع ان يعطيه سمنا بازاء الناقص، وإن كان سمانا " ومن ذلك يعلم انه قد يجتمع للمشتري خياران من التبعض والعيب إذا فرض انه يثبت بالخلط ايضا. المسألة (السادسة) لا إشكال بل ولا خلاف في ان كلا من (تحمير الوجه


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العيوب الحديث 3

[ 284 ]

ووصل الشعر وما شابهه) يثبت به الخيار إذا شرط فبان الخلاف، بل في المسالك الاجماع عليه لما عرفته سابقا مما دل على ذلك، إلا أنه بين الرد والامساك مجانا ضرورة عدم كونه عيبا، فلم يبق إلا جهة الشرطية. نعم لو كان المشترط مما يكون فقده عيبا إتجه ذلك كما هو واضح، أما إذا لم يشترط واشتراها محمرة ذات شعر فبان أنها ليست كذلك، فالمشهور بين الاصحاب أنه (تدليس، فيثبت به الخيار) بين الرد والامساك مجانا، من (دون الارش) إذا لم يكن قد بان عيب فيها كغيره من انواع التدليس الذى لم أجد خلافا في ثبوت الخيار به، بل قد سمعت الاجماع بقسميه على ثبوته بالتصرية التى هي فرد منه، مضافا إلى خبر الضرار (1). (وقيل) كما عن الخلاف انه (لا يثبت به الخيار) ذكر في الجعد والتحمير والتبيض، ولعل وصل الشعر مثلها عنده، بل قيل إنه ظاهر التحرير والارشاد والدروس، وإن كان قد يناقش فيه باحتمال نفيه من حيث العيب ردا على ما يفهم مما عن المبسوط، بل لعله ظاهرها أو ظاهر بعضها لا من حيث التدليس، بل لعل ما في الخلاف كذلك، لكن لم يحضرني فيرتفع الخلاف حينئذ من أصله. (و) على تقديره فلا ريب في أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، إذ لا مجال لاحتمال كونه غير تدليس، كما أنه لا مجال لعدم ثبوت الخيار به على تقديره، بل لا يبعد ثبوت الخيار وإن لم يكن من فعل المولى: لحصول الضرر على المشتري بذلك دون البايع، لعدم وجود الصفة في مبيعه في الواقع، والله اعلم. بقي (القول في لواحق هذا الفصل، وفيه مسائل، الاولى: إذا قال البايع بعتك بالبرائة) من العيوب (وأنكر المبتاع، فالقول قوله مع يمينه، إذا لم يكن للبايع بينة) بلا خلاف يعرف، كما اعترف به بعضهم لقوله صلى الله عليه وآله (2) " البينة على


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5 (2) الوسائل الباب 25 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث - 3

[ 285 ]

المدعي واليمين على من انكر " إذ هو مدعى حتى لو قلنا أنه الذى " يترك لو ترك " لان المراد به بالنسبة إلى تلك الدعوى نفسها وهو هنا كذلك، فلا ينافيه الفسخ حينئذ من المشترى، على أنه لا يتوقف على عدم دعوى البايع البرائة، بل هو يحصل بموجبه، فإذا ثبت البراءة ينكشف فساد الفسخ ولو كان مورد النزاع في حال العقد الواقع، أمكن التحالف كما تقدم في نظايره. ولو كان كيفية الدعوى استحقاق المشترى الفسخ، والبايع ينكره من غير ذكر سبب خاص أمكن القول حينئذ بكون البايع المنكر، ولعله عليه ينزل ما عن المبسوط - " من أنه قد يكون البايع منكرا كأن يدعى المشترى ابتياعه السلعة وبه عيب، فيقول البايع: بعته بريئا من هذا العيب فله أن يحلفه والله لا يستحق رده على، لانه قد يبيعه وبه العيب، ثم يسقط الرد بالرضا بالعيب "، بناء على إرداة البراءة من استحقاق الرد بقرينة آخر كلامه، لا أن المراد نفى الاستحقاق باشتراط البرائة من العيوب وإلا كان من المسألة المفروضة في المتن التى عرفت عدم الخلاف فيها، وأنه لا إشكال للخبر المزبور الذى لا يصلح لمعارضته مكاتبة جعفر بن عيسى (1) لابي الحسن عليه السلام المتقدمة في المسقطات من وجوه، منها أن المفهوم من سياقه أن إنكار المشتري لسماع البراءة وقع مدالسة، لعدم رغبته فيه وإلا فهو عالم بتبرى البايع، ولذلك الزمه الامام عليه السلام بالثمن. وكيف كان فعن الشهيد في حواشيه أن يمين المشترى هنا على نفى العلم، ولعله لانها على نفى فعل الغير مضافا إلى إيماء قوله في خبر جعفر لم اسمع إليه. وفيه ان مرجعه إلى ما وقع عليه العقد إذ لا أثر للبرائة التى لم يسمعها المشتري ومن هنا قال في في المحكى عن النهاية والسرائر يحلف أنه لم يبرأ إليه من العيوب وباعه مطلقا أو على الصحة، والامر سهل، وكدعوى التبري دعوى العلم بالعيب أو الرضاء به بعد العقد أو نحو ذلك، وعن التذكرة أن مثلها أيضا دعوى التقصير في الرد، وفى المسالك


(1 - 2) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1

[ 286 ]

" أنه يتم في الخيار الفوري لا في خيار العيب "، قلت لعله فرعه على القول بأن خيار العيب فوري كما صرح به في الغنية على ما ستعرف إنشاء الله والله اعلم. المسألة (الثانية إذا قال المشترى: هذا العيب كان عند البايع) أو قبل القبض مثلا (فلي رده، وأنكر البايع، فالقول قوله مع يمينه) بلا خلاف أجد فيه لان المشترى هنا هو المدعى باعتبار مخالفة دعواه أصالة اللزوم و (يترك لو ترك) فيكون البايع منكرا يقبل قوله مع يمينه، لكن (إذا لم يكن للمشترى بينة) وإلا وجب الاخذ بها (ولا شاهد حال يشهد له) يفيد القطع للحاكم بصدق دعواه، مثل أن يكون العيب اصبعا زايدا أو قطع إصبع قد اندمل موضعه، وقد اشتراه من يومه أو أمسه، وإلا كان القول قوله بلا يمين، كما أنه لو كان كذلك بالنسبة إلى إنكار البايع كطراوة الجرح مع تطاول زمان البيع، قبل قوله بلا يمين. أما إذا لم يفد القطع فظاهر الدروس وغيرها ممن قيد القرينة بافادة القطع عدم اعتباره، واستحسنه ثانى المحققين، لان القرائن المثمرة للظن الذى لم يثبت من قبل الشارع اعتباره يبعد المصير إليها، قال: ويستفاد من ذلك التعويل على ما أثمر القطع واليقين في كل موضع كالشياع إذا بلغ مرتبة التواتر، فأثمر اليقين، قلت، قد يظهر من إطلاق المتن والنافع والقواعد والارشاد الاكتفاء بما يفيد الظن أيضا، إلا أنه لابد من اليمين معه، لان أقصاه لو كان مع المشترى انقلاب البايع مدعيا باعتبار مخالفته للظاهر، والمشترى منكرا لموافقته إياه، فيقبل قوله مع اليمين، ولا ثمرة له حينئذ لو كان مع البايع، لان القول قوله بيمينه بدونه. وعن حواشى الشهيد إن كان شاهد الحال للبايع لابد من اليمين، لانه منكر، وإن كان للمشترى فلا يحتاج إلى يمين، لان الحال تشهد له بسبق العيب على العقد، كالبينة التى تشهد له بسبق العيب، وفيه ما لا يخفى سواء أراد الظنى منه أو القطعي. وكيف كان فيمن البايع على نفى العيب إذا كان مختبرا للمبيع مطلعا على

[ 287 ]

خفاياه قبل البيع، لا على نفى العلم بلا خلاف أجده بل في الرياض قولا واحدا، و مقتضاه عدم الاكتفاء به لو حلف كذلك، وهو لا يخلو من إشكال، سيما إذا كان جوابه به، أما إذا لم يكن قد اختبره فقد يقال: إن له الحلف على القطع عملا بأصالة العدم، بناء على ظاهر السلامة، كما يحلف على عدم النجاسة في الماء استنادا إلى أصالتها. وعن التذكرة والميسية وغيرهما الاكتفاء حينئذ بنفى العلم: وفى المسالك " وهو حسن، لاعتضاده باصالة عدم التقدم فيحتاج المشتري إلى إثباته "، قيل ومعناه أن هذا الحلف لا يسقط الدعوى بالكلية، بل لو ظفر بعد ذلك ببينة أقامها، وسمعت أن هذا أحد الاحتمالين أو القولين في مثل المسألة، ولعل الاقرب أنه لا يكتفى بذلك منه، فيرد الحاكم اليمين على المشترى، فيحلف فيرد أو يأخذ الارش، قلت: وهو متجه بناء على عدم الاكتفاء بالحلف على نفى العلم في الصورة الاولى، إذ لا أثر للاختبار وعدمه، في كون حق المدعى اليمين على نفى العلم، فالمتجه إتحادهما في الحكم، وأنه يكفى فيهما معا اليمين على نفى العلم حتى إذا كان الجواب نفى العيب، ويكفى ذلك في نفى استحقاق المشتري الرد الذى يشترط فيه معلومية السبق ولو بطريق شرعى، فتأمل جيدا فإن المسألة لا تخلو بعد من نظر، وقد أشبعنا الكلام فيها في كتاب القضاء فلاحظ، هذا كله إذا كان الجواب بنفى العيب. أما إذا كان الجواب بلا يستحق الرد علي بهذا العيب فهو جواب صحيح يجب على الحاكم إستماعه وإحلافه على ذلك، كما عن المبسوط من غير حاجة إلى نفى العيب أو العلم به، وما عن النهاية والسرائر من إطلاق أنه كان على البايع اليمين بالله أنه باعه صحيحا، لا عيب فيه، منزل على غير ذلك، كما أن ما عن أبى على من أنه إن ادعى البايع أنه حدث عند المشترى أحلف المشترى إن كان منكرا، منزل على المقام أيضا فتأمل جيدا.

[ 288 ]

ولو باع الوكيل فالمشتري يرد بالعيب على الموكل ولو انكر سبق العيب لم يقبل إقرار الوكيل عليه، وكان للمشتري الرد على الوكيل إذا كان جاهلا بالوكالة ولم يتمكن الوكيل من إقامة البينة على وكالته وإقرار الموكل بها لا يجدى في جواز الرد عليه. نعم كان للوكيل تحليف الموكل على نفى العيب دفعا للظلامة عن نفسه، ولو انكر الوكيل المجهولة وكالته سبق العيب حلف على النفى دفعا للغرامة عن نفسه، فان نكل رد عليه، وفى جواز رده حينئذ على الموكل وجهان مبنيان على أن اليمين المردودة كالاقرار فلا يرد، أو كالبينة فيرد، وربما أشكل بناء الوجهين على ذلك، بأن البينة على سبق العيب غير مسموعة من الوكيل على الموكل، بعد إنكاره السبق، لانه معترف بكون المشترى ظالما، وقد يدفع بأن المراد كونها كالبينة من الرد، لا من الناكل فهى حاكمة عليها، لكن في اقتضاء ذلك جواز الرد من الوكيل نظر. نعم للمشتري الرد بها بعد اعتراف البايع بالوكالة، أو يقال بأن إنكاره لسبق العيب على وجه الاستناد إلى الاصل بحيث لا ينافى ثبوته ولا دعوى ثبوته كأن يقول في الجواب لا حق لك على من جهة هذه الدعوى، إذ ليس في المبيع عيب لك على الرد به، فلا يمتنع حينئذ تخريج المسألة على القولين والله اعلم. المسألة (الثالثة) إذا أراد المشترى أخذ الارش حيث يكون له، فطريق معرفته أنه (يقوم المبيع صحيحا ومعيبا وينظر في نسبة النقيصة من القيمة فيؤخذ من الثمن بنسبتها) أي ما بين القيمتين، لانه هو الذي فات عليه بسبب العيب، لا أنه يؤخذ تفاوت ما بين القيمتين، وإن أطلق في النصوص وعبارات بعض القدماء ذلك، الا أنه يجب تنزيله على كون الثمن قيمة المثل لا مطلقا والاجمع في بعض الاحوال بين العوض، والمعوض وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يجمع بين

[ 289 ]

العوض والمعوض لواحد " على أن المراد جبر ما فات عليه بسبب العيب لا غيره، مما أقدم عليه أو غبن فيه أو غير ذلك، والذي فات عليه بسببه ما ذكرناه مضافا إلى ما سمعته من الصحيح أو الحسن (1) السابق المراد من قوله فيه " ويرد عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك " ما سمعته قطعا، والا لم يكن وجه للتقييد بالثمن كما هو واضح، وحينئذ فما عن بعض الجمهور من أن الارش نقص قيمة المعيب من الاغلاط نعم هو متجه في الارش بالنسبة إلى الغاصب ونحوه، بل والى البايع حيث يفسخ بخياره مثلا، وكان قد تعيب في يد المشترى عيبا مضمونا، فانه يأخذ حينئذ تفاوت ما بين القيمتين، لا من الثمن بالنسبة مع احتماله، لاقدامه على الضمان بالثمن، إلا أن الاول أقوى، وعن الشهيد في الحواشى أن الارش يطلق بالاشتراك اللفظى على معان أخر، منها - نقص القيمة لجناية الانسان على عبد غيره في غير المقدر الشرعي ومنها - ثمن التالف المقدر شرعا بالجناية، كقطع يد العبد، ومنها - أكثر الامرين من المقدر الشرعي والارش، وهو ما تلف بجناية الغاصب، ثم ان الظاهر مراعاة القيمة حال العقد لان الثمن يؤمئذ قابل المبيع، وهو وقت دخوله في ملكه، ووقت استحقاقه الارش، لا يوم القبض باعتبار أنه يوم دخول المبيع في ضمانه، ويوم استقرار الملك، لانه لا دخل لذلك في اعتبار القيمة، ومنه يعلم ضعف احتمال أقل الامرين من يوم العقد إلى يوم القبض، لان القيمة أن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشترى، ولان يوم البيع وقت الاستحقاق، و ان كان يوم القبض، أقل فالنقص من ضمان البايع، لانه وقت الاستقرار، ولعل احتمال


(1) الوسائل الباب - 16 من ابواب الخيار الحديث 2

[ 290 ]

كون المدار على القيمة حال استحقاق الارش باختياره أو بحصول المانع من الرد أولى منهما، لان ذلك الوقت هو وقت استحقاق الارش إذ قبله كان البايع مخيرا بين الرد و الارش، فهو غير مستحل على التعين، ولذا لا تشتغل به ذمة البايع حينئذ بخصوصه الا مع أحد الامرين، ولو كان العيب الذى يراد أرشه حادثا في زمن الخيار مثلا بناء على استحقاق الارش، فالمتجه ملاحظة القيمة حين حدوثه أو حال تعين استحقاقه بالاختيار أو التصرف مثلا فتأمل جيدا. ويعتبر في المقوم العدالة والمعرفة والتعدد والذكورة وارتفاع التهمة، كما نص عليه في الدروس وغيرها، الا انه مع ابتنائه على أن التقويم من باب الشهادة لا يخلو بعضها عن نظر، خصوصا مع تعذرها وانحصار المقومين في فاقديها، وعلى تقدير الاشتراط، فالمتجه حينئذ عند التعذر الرجوع إلى الصلح بما يراه الحاكم، كما أن المتجه هنا سؤال الحاكم ممن يتمكن من المقومين وإن لم يجمعوا الشرائط ليكون على بصيرة في حكمه، وأما احتمال التعطيل حتى يحصل مقومون جامعون للشرائط، ففيه تعطيل الحق عن مستحقه، كما أن احتمال الاقتصار على المتيقن و نفى الزائد بأصالة البرائة فيه ضرر على من له الارش، فالاولى ما ذكرنا. كما أنه يمكن أن يقال (إن اختلف أهل الخبرة في التقويم) أو اختلف القيم، لافراد ذلك النوع المساوية للمبيع، فان ذلك قد يتفق ولو نادرا، يتعين الصلح أيضا إذ الاقتصار على الاقل ونفى الزائد بأصل البرائة والرجوع إلى القرعة أو التخيير للحاكم أو نحو ذلك مما يظهر بعضه مما ذكروه في تعارض الامارات، لكن المفيد و المصنف والفاضل والشهيدين والعليين وغيرهم على ما حكى عن بعضهم على أنه (يعمل على الاوسط) الذى هو هنا عبارة عن قيمة منتزعة من مجموع القيم، نسبتها إليه كنسبة الواحد إلى عدد تلك القيم من القيمتين نصف مجموعهما ومن الثلاثة ثلثه و

[ 291 ]

هكذا حتى تكون عملا بالجميع في الجملة، وذلك لانتفاء الترجيح لقيمة على أخرى، فالمراد من الوسط حينئذ القيمة المتوسطة بين الجميع بحيث لا تكون إلى واحدة أقرب منها إلى اخرى، لا الوسط بالمعنى المنساق، ضرورة انتفائه في نحو القيمتين، والاربعة ونحوها مما لا وسط لها. وحاصله مراعاة نقيصة كل قيمة وزيادتها، فلو قوم صحيحا مثلا باثنى عشر ومعيبا بعشرة وقومه آخر صحيحا بثمانية، وخمسة معيبا كان تفاوت قيمتيه صحيحا أربعة، فتقسم بالنصف إعمالا لكل من البينتين، فيكون قيمته صحيحا عشرة وتفاوت قيمتيه معيبا مثلا خمسة فتقسم أيضا بالنصف إعمالا لهما، فيكون قيمته معيبا سبعة ونصفا، فالتفاوت حينئذ بين قيمة الصحيح والمعيب المنتزعين الربع، فيؤخذ ذلك من الثمن، وهذا معنى قولنا يؤخذ من القيمتين نصف مجموعهما، ومن الثلث ثلثها، محافظة على ذلك. وكذا قول بعضهم في طريق ذلك، بوجه أسهل من الاول، إنه تجمع القيم الصحيحة، والقيم المعيبة، ثم تنسب ويؤخذ بنسبتها من الثمن، بل هو بعينه الرجوع إلى نصف مجموع القيمتين، ضرورة كون النسبة بين المجموعين هي النسبة بين أجزائهما مع اتحاد الاجزاء في الاسم كالنصف مثلا، فالنسبة بين العشرين والخمسة عشر مثلا هي النسبة بين العشرة والسبعة ونصف، وبالنسبة بين الستة والثمانية، كالنسبة بين نصفيهما كما هو واضح، ومرجع الجميع إلى ما ذكرنا. نعم يحكى عن الشهيد طريق آخر للجمع بين القيم، بل عن إيضاح النافع أنه الحق، وهو أن ينتسب معيب كل قيمة إلى صحيحها ويجمع قدر النسبة ويؤخذ من المجتمع بنسبة القيم كنصفه إن كانتا اثنتين وثلثه لو كانت ثلاثة وهكذا، وهو قد يتحد

[ 292 ]

مع الطريق الاول، وقد يختلف، وكشف الحال يحصل بصور، الاولى أن يختلف المقومون فيها معا بأن قالت إحدى البينتين إن قيمته إثنى عشر صحيحا وعشرة معيبا والاخرى ثمانية صحيحا وخمسة معيبا، فالتفاوت بين مجموع الصحيحتين ومجموع المعيبتين الربع، فيرجع ربع الثمن فلو كان إثنى عشر فالارش ثلاثة وكذا إذا اخذت نصف مجموع الصحيحتين وهو عشرة ونصف مجموع المعيبتين وهو سبعة ونصف، يكون التفاوت ربعا أيضا وعلى ما ذكره الشهيد يؤخذ تفاوت الاولى وهو السدس، والثانية وهو ثلاثة أثمان ثم يقسم ذلك بالنصف لان الفرض أنهما قيمتان، فيكون نصف سدس وثمن ونصف ثمن ثم يسقط ذلك من الثمن فإذا كان هو اثنى عشر سقط منه ثلثة وربعه التى هي نصف السدس وثلاثة أثمان أي ستة ونصف، ولو كانت القيم ثلاثة إحديها كالاولى والثانية عشرة صحيحا وثمانية معيبا و الثالثة ثمانية صحيحا وستة معيبا فعلى الاول يكون التفاوت الخمس، لان مجموع القيم الصحيحة ثلاثون، والمعيبة أربعة وعشرون، فالتفاوت ستة هي خمس، فيرجع بخمس الثمن وهو إثنان وخمسان، من الاثنى عشر، وعلى الثاني يجمع سدس الثمن وهو إثنان من الاثنى عشر، وخمسه وهو إثنان وخمسان، وربعه وهو ثلاثة، فيكون المجموع سبعة وخمسين، فيسقط من الثمن ثلثها وهو إثنان وخمسان وثلث الخمس، وبه يزيد على الاول وقد يتحدان كما لو كانت إحدى القيمتين إثنى عشر صحيحا وأربعة معيبا، و الاخرى ستة صحيحا وإثنان معيبا فإن التفاوت الثلثان على كل منهما، وكذا لو كانت الاولى ستة معيبا والثانية ثلاثة، معيبا، فان التفاوت النصف على كل منهما أو كانت الاولى ثمانية معيبا والثانية أربعة، فإن التفاوت الثلث على كل منهما. وهكذا الصورة الثانية: إن تتفق قيمة الصحيحة وتختلف المعيبة فلو كانت قيمته إثنى عشر صحيحا عند الجميع وقيمته معيبا بعشرة عند قوم، وستة عند آخرين. والطريق على الاول تنصيف مجموع قيمتي المعيبة ونسبته، إلى الصحيحة ويسقط من الثمن بالسنة وهو الثلث هنا أو تضعف الصحيحة وينسب المجموع إلى المجموع، وهو هنا الثلث أيضا، وعلى ما ذكره الشهيد يجمع السدس والنصف من الثمن، ويسقط نصفه وهو الثلث

[ 293 ]

هنا أيضا، وكذا لو كانت القيم في المعيب ثلاثة بأن قالت الثالثة إن قيمته ثمانيه معيبا، فإنك ان كررت الصحيحة، أو أخذت ثلث مجموع قيم المعيبة ونسبته إلى الصحيحة، أو جمعت السدس والنصف والثلث وأسقطت ثلثه من الثمن، كان التفاوت الثلث أيضا. الصورة الثالثة: ان تتفق قيم المعيبة دون الصحيحة، بأن كانت قيمته ستة معيبا عند الجميع وثمانية صحيحا عند قوم، وعشرة عند أخرين، والتفاوت الثلث إن ضعفت المعيبة، ونسبتها إلى مجموع القيمتين أو أخذت نصف الصحيحتين، ونسبته إلى المعيبة، وعلى ما ذكره الشهيد يجمع التفاوت وهو الربع والخمسان وهى من الاثنى عشر المفروض كونه ثمنا، أربعة وأربعة أخماس، ثم يسقط نصفهما من الثمن وهو ثلاثة ونصف وخمسان، وبه يحصل الاختلاف بين الطريقين، ولو كانت القيم ثلاثة بأن كانت الثالثة إثنى عشر صحيحا صار التفاوت خمسين، سواء أخذت ثلث مجموع الصحيحة وهو عشرة، ونسبته إلى المعيبة أو ضعفت المعيبة ثلاثا فتكون ثمانية عشر وتفاوتها مع الثلاثين خمسان. أما على ما ذكره الشهيد يجمع الربع وهو ثلاثة من الاثنى عشر والخمسين وهو أربعة وأربعة أخماس والنصف وهو ستة فيكون المجموع ثلاثة عشر وأربعة أخماس فيسقط ثلثها من الثمن وهو أربعة وثلث وخمس وثلث الخمس، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا. نعم قد يشكل ذلك كله بأنه لا دليل عليه، وقاعدة الجمع بين البينات يمكن منعها فالمتجه حينئذ ما ذكرنا من القرعة، أو الاقتصار على الاقل، أو نحو ذلك مما سمعت الذى لا يخلو القول بالقرعة فيه من قوة، ومع تلك القاعدة، فالاولى ما ذكره الشهيد من إعمال كل من البينتين ببعض ما قامت عليه من التفاوت على وجه لا يفصل أحدهما عن الاخر، ضرورة كونه هو الذى اختلفت البينات فيه، و التقويم مقدمة له، لا أنه ينتزع قيمة جديدة خارجة عن المجموع كما هو مقتضى الطريق

[ 294 ]

الاول، إذ هو ليس جمعا فيما اختلفت فيه البينات من التفاوت الذى هو مقتضى احدها الثلث مثلا، ومقتضى الاخرى الربع مثلا، بل اللائق بعد القطع بانحصار التفاوت في أحد الامرين، ولم يعلم به على الخصوص تنصيف مقتضى كل من البينتين والحكم بكونه الارش إعمالا لكل منهما في النصف فتأمل جيدا. اللهم إلا أن يقال انهم أخذوا ذلك مضافا إلى ما سمعت من خبر عبد الله بن عمر (1) الوارد في الاضاحي قال: " كنا بمكة فأصابنا غلاء في الاضاحي فاشترينا بدينار ثم بدينارين ثم بلغت سبعة، ثم لم توجد بقليل ولا كثير فوقع هشام المكاري إلى أبى الحسن عليه السلام فأخبره بما اشترينا وانا لم نجد فوقع عليه السلام انظروا إلى الثمن الاول والثانى والثالث فأجمعوا ثم تصدقوا بمثل ثلثه " وقد عمل به الاصحاب في محله بل قالوا الضابط أن تجمع القيمتان أو القيم ويتصدق بقيمة منسوبة إلى القيم بالسوية، فمن الثلاث الثلث، ومن الاربعة الربع، وهكذا واقتصار بعض على الثلث تبعا للرواية وإلا فالمراد ذلك، وهو قريب إلى ما قلنا به، بل لعل اختلاف البينات هو تعدد القيم باعتبار تفاوت الرغبات فيكون كالشى الواحد الذي له قيم متعددة ومقتضى العدل الجامع بين حقى المشتري والبايع هو ما ذكره الاصحاب، وتضمنه الخبر المزبور، فليست المسألة حينئذ من تعارض البينات كى يجرى فيها حكمه. ولو كان الثمن عروضا استحق المشترى قيمة نسبة التفاوت منه كما أنه لو كان نقدا لم يستحق الارش في خصوص ما دفعه منه، لان التحقيق كون الارش من الغرامات فالثمن حينئذ ملك البايع على كل حال، ولو كان العيب في الثمن وكان عروضا استحق البايع على المشتري قيمة نسبة التفاوت من المبيع فمع فرض كون التفاوت النصف استحق عليه قيمة نصف المبيع.


(1) الوسائل الباب 58 من ابواب الذبح الحديث - 1

[ 295 ]

وقد يحتمل أنه يستحق عليه تفاوت ما بين الصحة والعيب، ولا جمع هنا بين العوض والمعوض عنه بحال، لان الغابن إن كان هو المشترى فالامر واضح، وان كان هو المغبون، فليكن كذلك في الثمن وأرشه، ضرورة أن الارش ليس هو إلا جابرا للمعيب، بحيث يصيره صحيحا، وهو الغبن الاول الذي قد أقدم عليه، وفيه أن مثله ياتي في عيب المبيع مع أنك قد عرفت انه يرجع على الثمن بنسبة التفاوت ودعوى - الفرق بينهما بكون الثمن قيمة للمبيع، بعد أن تراضيا عليه، فيكون التفاوت بالنسبة وملاحظة القيمة الواقعية إنما هو لمعرفة قدر التفاوت - يدفعها أنه كما أن الثمن قيمة للمبيع بالتراضى كذلك المبيع قيمة الثمن لذلك أيضا، فالاولى ملاحظة النسبة في كل منهما، فتأمل جيدا. المسألة (الرابعة إذا علم بالعيب) بعد العقد (ولم يرد لم يبطل خياره ولو تطاول الا أن يصرح باسقاطه) أو يحصل ما يقتضيه مما عرفته فيما تقدم، إذ هو على التراخي على المشهور بل ربما ظهر من بعضهم الاتفاق عليه فضلا عن عدم الخلاف فيه، وفي المسالك " أنه المعروف في المذهب ولا نعلم فيه خلافا " نعم جعله في التذكرة أقرب وهو يشعر بخلافه، لكن لا نعلم قائله وإنما خالف فيه الشافعي فجعله على الفور وهو محتمل إن لم يثبت الاجماع بتقريب الدليل السابق في نظائره ". قلت الاستصحاب وإطلاق الادلة بل ظهور بعضها إن لم يكن صريحة ينفى الاحتمال المزبور، فضلا عن الاجماع المذكور، وإن كان هو قول ابني زهرة وحمزة في الغنية (و) الوسيلة بل نفى الخلاف عنه أولهما، إلا أنه غريب فلا ريب حينئذ في التراخي كما أنه لا ريب في أن (له فسخ العقد بالعيب سواء كان غريمه حاضرا أو غائبا) خلافا للمحكى عن أبى حنيفة من اشتراط الحضور المسألة (الخامسة إذا حدث العيب بعد العقد وقبل القبض كان للمشترى

[ 296 ]

رده) قطعا (وفى الارش تردد) وخلاف قد تقدم الكلام فيه سابقا في التسليم (ولو قبض بعضه ثم حدث في الباقي حدث) العيب (كان الحكم كذلك فيما لم يقبض) لانه مضمون على البايع واتحاد الصفقة يلحق المقبوض به في ذلك بل لا يجوز له الاقتصار على رد غير المقبوض لما عرفته مفصلا في المعيب بعيب سابق إذ المسألة من واد واحد. لكن في المسالك هنا " أنه ربما قيل بجواز الاقتصار على رد المعيب خاصة نظرا إلى أن سبب الرد هو العيب الحادث في البعض وقد حدث حين كان ذلك البعض مضمونا وحده فيتعلق به جواز الرد دون المقبوض "، وفيه أن حدوث العيب في غير المقبوض مقتض لجواز رده في الجملة لا رده وحده، لان كون المقبوض غير مضمون لا يمنع رده كما لا يقتضيه، فيبقى مقتضى إتحاد الصفقة الذى هو عدم جواز تبعيضها إلا بالتراضي بحاله من غير معارض، بل لو أراد المشترى رد الجميع ولم يرض البايع إلا برد المعيب وحده لم يكن له ذلك، لان المعيب يرد بعيبه الحادث في وقت كونه مضمونا، والباقى حذرا من تبعيض الصفقة كما هو واضح. (و) أما (ما يحدث في الحيوان بعد القبض وقبل انقضاء الخيار لا يمنع الرد في الثلاثة) لانه مضمون على البايع فيها، فلا ينافي الخيار الثابت فيها كما أنه لا يمنع الرد بالعيب السابق ولو فيما بعدها، لما عرفت من أن ثبوت الخيار به على التراخي والحادث لا يصلح مانعا له، بعد أن كان مضمونا على البايع نعم ظاهر العبارة أنه هو لا يوجب خيارا كما حكاه أول الشهيدين عنه في الدروس قال: " وهو ينافى حكمه في الشرايع بأن الحدث في الثلاثة من مال البايع مع حكمه بعدم الارش فيه " وكأنه يريد أنه إذا كان مضمونا على البايع كالجملة لزمه الحكم بالارش، إذ لا معنى لكون الجزء مضمونا الا ثبوت ارشه، لان الارش عوض الجزء الفائت أو التخيير بينه وبين الرد، كما أن ضمان الجملة يقتضي الرجوع بمجموع عوضها وهو الثمن.

[ 297 ]

ومن هنا كان خيرة الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم أن له الرد بالعيب الحادث بل صرح بعضهم بان له الارش إن إختاره، إذ هو باعتبار ضمانه على البايع كالعيب السابق، وهو المنقول عن شيخ المصنف نجيب الدين ابن نما فيكون له في الثلاثة حينئذ الخيار في الرد من جهتين، ولا مانع، لان علل الشرع معرفات يمكن اجتماع كثير منها في وقت واحد، كما في خيار المجلس والحيوان والشرط والغبن إذا اجتمعت في عين واحدة قبل التفرق، وتظهر الفائدة في المقام في الاسقاط وفى ثبوت الخيار بعد انقضاء الثلاثة، ولعدم تقيد خيار العيب بها، وإن اشترط حصوله في الثلاثة فما قبلها وقد تقدم في العيب قبل القبض ما يظهر منه المطلوب هنا، لاتحادهما في كيفية الدليل، فيأتي في الارش والرد حينئذ ما سمعته سابقا. وقد ينتصر للمصنف بأن الاصل اللزوم ولا معارض له سوى ما دل على أن التلف في الثلاثة من مال البايع، وهو ظاهر في الانفساخ وألحق به العيب، إلا أن الاجماع على عدم الانفساخ به، فيمكن أن يكون المراد بكونه من مال البايع أنه إذا فسخ المشترى بخياره الذي هو الثلاثة تستقر غرامة العيب على البايع، لا أنه يرد به، أو أن له الارش للاصل السالم عن المعارض، ولا ينتقض ذلك بالعيب قبل القبض لانه لا أرش له عنده أيضا، وأما الرد به فلعله للاجماع ونحوه، وبذلك يرتفع التنافي عن كلام المصنف والله أعلم بحقيقة الحال. المسألة (السادسة: روى) اسمعيل (أبو همام) بن همام في الصحيح (عن الرضا عليه السلام (1) قال:) سمعته يقول (" يرد المملوك من أحداث السنة: من الجنون والجذام والبرص) فقلت: كيف يرد من أحداث السنة قال: هذا أول السنة، فإذا اشتريت مملوكا به شئ من هذه الخصال ما بينك وبين ذى الحجة فرده


(1) الوسائل الباب 2 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 2 -

[ 298 ]

على صاحبه " (وفي رواية على بن اسباط عنه عليه السلام) أيضا (1) " وأحداث السنة ترد بعد السنة قلت وما (احداث السنة) قال (الجنون والجذام والبرص و القرن) فمن اشترى فحدث فيه هذه الاحداث فالحكم أن (يرد) على صاحبه (إلى تمام السنة من يوم اشتراه " وفى معناه رواية محمد بن على) الذى احتمل فيه أنه الحلبي (2) (عنه عليه السلام أيضا) قال " سمعته يقول يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص والقرن قال: قلت: كيف يرد من أحداث السنة فقال: هذا أول السنة يعنى المحرم فإذا اشتريت مملوكا فحدث فيه من هذه الخصال ما بينك وبين ذى الحجة رددت على صاحبه " وفى خبر ابن فضال (3) " ترد الجارية من أربع خصال من الجنون والجذام والبرص والقرن والحدبه " وعن الكافي (4) " والقرن الحدبه إلا أنها تكون في الصدر تدخل الظهر وتخرج الصدر " وفى موثقه (5) عن أبى الحسن عليه السلام " في أربعة أشياء خيار سنة الجنون والجذام والبرص والقرن " وفى حسنة عبد الله بن سنان (6) " وعهدته السنة من الجنون فما كان بعد السنة فليس بشئ " وروى الوشا (7) " أن العهدة في الجنون وحده إلى سنة " ولا محيص عن العمل بما تضمنه الصحيح الاول بعد اعتضاده بما سمعت، وبالاجماع في الغنية ومحكي السرائر الذي يشهد له التتبع لكلمات الاصحاب فإنى لم أجد خلافا في الرد بها إلى سنة كما عن التذكرة الاعتراف به في الجنون، بل قيل إن ظاهرها الاجماع فيه وفي الاخيرين فما عن الاردبيلى من التوقف في خصوص البرص منها لما في حسنة عبد الله بن سنان (8) " من


(1) (2) الوسائل الباب 2 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 4 وفي ذيل الحديث 2 - (3) (4) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العيوب الحديث 1 - وفى ذيله 2 (5) (6) (7) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العيوب - 637 (8) الوسائل الباب 3 - من ابواب الخيار الحديث 7

[ 299 ]

أن العهدة فيه ثلاثة ايام " في غير محله، ضرورة قصورها عن معارضة ما سمعت من وجوه خصوصا بعد احتمال تصحيف المرض فيها بالبرص، للتقارب في النقش، كما أن الاشكال - في المسالك في الجذام بانه يوجب العتق على المالك قهرا، وحينئذ فان كان حدوثه في السنة دليلا على تقدمه على البيع، لما قيل في تعليل الرد بهذه الاحداث، من أن وجودها في السنة دليل على حدوثها قبل البيع، لانها تكمن في البدن سنة لم تخرج، فيكون عتقه على البايع، فيكشف ظهوره عن بطلان البيع فلا يتجه الخيار، وإن عمل على الظاهر كان حدوثه في ملك المشتري موجبا لعتقه قبل أن يختار الفسخ إذ ليس له اختياره، حتى يتحققه، ومتى تحققه حكم بعتقه شرعا قبل الفسخ، فيشكل جوازه بعد العتق - في غير محله. وإن قال: ويمكن حله بأن الحكم بعتقه بالجذام مشروط بظهوره بالفعل، كما هو ظاهر النص، ولا يكتفى بوجوده في نفس الامر، فلا يعتق على البايع قبل بيعه لعدم ظهوره ولا بعده قبل الفسخ، لعدم ملكه، وعتقه على المشتري موقوف أيضا على ظهوره، وهو متأخر عن سبب الخيار فيكون السابق مقدما فيتخير، فإن فسخ عتق على البايع بعده، وان اختار الامضاء عتق على المشتري بعده، فينبغي تأمل ذلك، قلت: فيه أولا أنه لا إشعار في شئ من المنصوص بأن الفسخ بهذه العيوب لمكان ظهور سبقها عند البايع، حتى يتجه القول بسبق الخيار، قال: ابن ادريس الذى هو الاصل في الاشكال المزبور، فيما حكي من سرائره أن الدليل على ذلك الاجماع، وما بنا حاجة إلى ما قاله شيخنا في مقنعته، من أن أصول هذه الامراض يتقدم ظهورها سنة، ولا يتقدمها بأكثر من ذلك، لان هذا يؤدى إلى بطلان البيع، لان البايع باع ما لا يملك، لان الرقيق ينعتق بالجذام من غير اختيار مالكه، وإنما الشارع حكم بأن الرقيق يرد من هذه العيوب ما لم يتصرف فيه ما بين شرائه من سنة، وثانيا أنه يمكن القول كما في

[ 300 ]

الحدائق بأن الانعتاق بالجذام ونحوه إنما هو في الملك المستقر الذى لا يتعقبه خيار و لا فسخ، بخلاف ما نحن فيه الذى هو مراعى بمضي السنة، فلا بأس حينئذ بتنزيل خبر السكوني (1) الدال على الانعتاق به على غير الفرض، خصوصا مع قصوره عن معارضة هذا النصوص من وجوه، فلا وجه حينئذ للتفصيل بين فسخه، فينعتق على البايع و عدمه، فينعتق على المشتري، لوضوح بعده عن هذه النصوص، وإن كان قد يناقش فيه بأن التعارض بينها وبين خبر السكوني إنما هو في غير هذا الحال، فيترجح عليه، أما غيره فيبقى بلا معارض. نعم قد يقال أنه لا تنافي بين انعتاقه وبين استحقاق المشتري الرجوع على البايع، إلا أنه يمكن أن يكون إنفساخا للعقد لانه قد تلف بعيب مضمون على البايع، فهو كما لو عمى في الثلاثة، فالمراد بالرد حينئذ في النصوص هنا الاعم منه ومن الرد بالخيار، ويحتمل أن لا يكون انفساخا فله الخيار حينئذ بين فسخ العقد والرجوع بالثمن، و بين الامضاء والمطالبة بالارش، لكن يجب حينئذ عدم ملاحظة الحرية فيقوم عبدا صحيحا وعبدا مجذوما، إذ على تقدير ملاحظتها لا تبقى له قيمة، فلا جهة للارش، بل يتعين كونه انفساخا، كما في كل عيب مذهب للمالية، ولعل ذلك لازم على ما ذكره في المسالك أيضا فيما لو منع من رده من حدوث عيب ونحوه، ثم أجذم فإنه لا محيص له حينئذ عما ذكرناه من القول بالانفساخ قهرا واختيار الارش على الطريق الذى ذكرناه، هذا كله في العيوب الثلاثة. وأما القرن فقد ألحقه في الدروس ومحكي جامع الشرايع والاسكافى فيما حكي عنه، لكن في المسالك نسبته إلى الشهرة، ولم نتحققها بل لم نعرف القول به لغير من عرفت، فالقول به لا يخلو من تأمل، وإن تضمنه الاخبار المزبورة المحتاج بعضها


(1) الوسائل الباب - 23 - من ابواب العتق الحديث - 2

[ 301 ]

إلى جابر، كما أن اقتصار الاكثر على غيره يوهن الآخر، على أن في خبر كافى (1) منها ما يقضى بأنه الحدبه، وهو خلاف المعروف بين الفقهاء واللغويين، إذ هو عندهم شيئ كالسن يكون في الفرج يمنع من الجماع، وعلى ما رواه غيره (2) يكون الحدبه معطوفا على الاربعة، إلا أنه لم نعثر على مفت به ولا على نص آخر به، واحتمال دخولها في القرن باعتبار اشتراكها معه في النشو، وإن كان هو في الفرج وهى في الصدر كما ترى وكيف كان فالظاهر مساواة الخيار بهذه العيوب له في غيرها سقوط الرد بالتصرف وحدوث العيب ونحوهما مما عرفت، وبالسقوط في الاول فضلا عن غيره صرح الفاضل و الشهيدان وغيرهم، بل لعل من تركه هنا اتكالا على ما ذكروه في حكم العيب، ولذا قال في الغنية: " يرد بها ما لم يمنع مانع " وقال ابن ادريس فيما حكي من سرائره " ان خطر بالبال وقيل الفرق بين هذه العيوب وغيرها أنه لا يسقط الرد بها بالتصرف بخلاف غيرها، قلنا له: هذا خلاف إجماع أصحابنا، ومناف لاصول المذهب، لان الاجماع حاصل على أن التصرف يسقط الرد بغير خلاف بينهم، والاصول مثبتة مستقرة على هذا الحكم " بل ظاهره الاجماع على ذلك إلا أنه أشكله بعضهم بأنه يبعد تنزيل إطلاق الاخبار على عدم التصرف في المملوك الذي يشترى للخدمة في مدة هذه السنة، فلا يبعد القول بعدم سقوط هذا الخيار بالتصرف كالمصراة، وقد يدفع أولا بأنه لا إستبعاد في حمل الاطلاق عليه بعد أن لم يكن جوابا للسؤال عن أمر واقع، وثانيا أنه قد يقال إن المسقط للرد إنما هو التصرف بعد حصول سبب الخيار لا قبله، والنصوص لو سلم ظهورها فهو في الثاني، لا الاول كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العيوب الحديث - 1 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العيوب الحديث 1

[ 302 ]

ولعله إليه أومئ المصنف بقوله (فرع هذا الحكم يثبت مع عدم الاحداث فلو أحدث ما يغير عينه أو صفته ثبت الارش وسقط الرد) وان اعترضه في المسالك بأن مطلق التصرف مانع من الرد كغيرها من العيوب وان لم يوجب تغييرا، لكن قد يقال ان المصنف أراد أن التصرف إذا لم يكن يقتضي أحد الامرين ولا مخرجا عن الملك، لا يسقط الرد بالعيب الحادث بعده، أما هما فيسقطانه وإن حصلا قبله لاشتراط الرد في المعيب بكون العين قائمة، أي غير متغيرة ولو صفة، ولذا كان حدوث العيب مانعا من الرد، بل قد تقدم احتمال توقف حقيقة رد العين عليه، وكذا يسقطه مطلق التصرف وإن لم يكن مغيرا لو كان بعد حصول سبب الخيار. وعلى كل حال فلا ينبغى التأمل في ثبوت الارش هنا مع حصول المانع من الرد، وإن استشكل فيه في التحرير، إلا أنه في غير محله، ضرورة عدم نقصان هذه العيوب عن غيرها بالنسبة إلى ذلك، وعدم التعرض له في نصوص المقام إكتفاء بما تضمنته من بيان زيادة هذا العيوب على غيرها بالرد بها لو حدثت في ضمن سنة، فالثابت لما عداها ثابت لها بطريق أولى. نعم قد يستشكل في الارش إذا حدثت هذه العيوب في المملوك في ضمن السنة، لكن بعد انتقاله إلى غيره على وجه لا يرد بها عليه، لظهور المراد في نصوص المقام كون المملوك باقيا على الملك، مضافا إلى الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن. لكن الاقوى ثبوت الارش أيضا، والرد في النصوص محمول على ما إذا كان باقيا على الملك، وأولى من ذلك ما إذا كان انتقالها بوجه يرد بها عليه، وأولى منه لو ردت فعلا بها عليه، فظهر أن المتجه حينئذ مساواة هذه العيوب لغيرها في ذلك كله، ومنه يعلم أن الرد بها وإن اشترط بحصوله في السنة، إلا أنه لا يتقيد بها كما هو مقتضى إطلاق الادلة، بل قيل أن خبر على بن اسباط (1) " صريح فيه، ولا ينافيه


(1) الوسائل الباب - 2 من ابواب احكام العيوب الحديث - 4 -

[ 303 ]

ذيله بعد أن كانت الغاية فيه للاحداث لا إلى الرد، فيكون المراد من قوله فيه بعد السنة أن له الرد مع حدوثها في السنة، من حال حدوثها إلى ما بعد السنة، لا أن المراد اشتراط الرد بما بعدها، ثم إن الظاهر إرادة مقدار سنة مبدأها يوم الشراء، لا أن المراد تمام تلك السنة التى مبدأها المحرم حتى أنه لو وقع الشراء مثلا في ذى الحجة كان العهدة من هذه العيوب تمامه، لان به تتم السنة، وإن أوهمه بعضها. نعم قد يظهر منها اعتبارها هلالية لا عددية، وإن وقع الشراء في المنكر والله اعلم. (الفصل السادس) (في المرابحة والمواضعة والتولية) التي هي بجميعها قسيمة للمساومة لما قيل: من ان البايع، إما أن يخبر برأس ماله أو لا، والثانى المساومة والاول المرابحة إن باع بربح والمواضعة إن باع بنقص، والتولية إن انتفيا معا فالمرابحة حينئذ كما في القواعد البيع مع الاخبار برأس المال مع الزيادة عليه، ومنه يعلم تعريف البواقى، وزاد أول الشهيدين " التشريك، وهو إعطاء بعض المبيع برأس ماله، بأن يقول شركتك في هذا المتاع نصفه مثلا بنصف ثمنه، بعد العلم بقدره، وتبعه ثانى الشهيدين بعد اعترافه بأنه لم يذكره كثير، قال: وفى بعض الاخبار دلالة عليه. قلت: ومقتضاه عدم تصور المرابحة فيه، وهو التشريك بالربح ولا المواضعة، و فيه نظر، وعلى تسليمه يمكن اندراجه في التولية، بدعوى تعميمها حينئذ للجميع والبعض، فتكون قسمة الاصحاب حينئذ بحالها، قال: في التذكرة ولو كان المشتري قد اشترى شيئا وأراد ان يشرك غيره فيه ليصير له بعضه بقسطه من الثمن جاز، بلفظ البيع والتولية والمرابحة والمواضعة ثم إن نص على المناصفة وغيرها فذاك، وإن أطلق الاشتراك احتمل فساد العقد - للجهل بمقدار العوض، كما لو قال: بعتك بمأة

[ 304 ]

ذهبا وفضة - والصحة وتحمل على المناصفة كما لو أقر بشئ لاثنين، وللشافعية وجهان كهذين، والاشتراك في البعض، كالتولية في الجميع في الاحكام السابقة. لكن قد يقال: أن المرابحة مثلا البيع بنفس رأس المال مع زيادة كذا قال العلا (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يريد أن يبيع البيع فقال: أبيعك بده دوازده فقال لا بأس، انما هذه المراوضة فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة " وظاهره حصرها في ذلك، وهو لا يأتي في التشريك، لان القسط من الثمن ليس ثمنا ولذا لم تحصل المرابحة العرفية في أبعاض المبيع المعينة المقسط عليها الثمن كما ستعرف انشاء الله. وكذا الكلام في التولية والمواضعة نعم قد يقال: ينبغي إرادة القصد فيها مع ذلك، بعدم جريان أحكام المرابحة على البيع بالزيادة مع قصد عدمها بل وبدون قصدها، إلا أنه لا يخلو من نظر، فتأمل ولو اختلفا في القصد فالظاهر البطلان، ولو ادعى المشتري إرادة المرابحة، فأنكر البايع كان القول قوله بيمينه، إذا لم يكن ظهور في اللفظ، لانه كدعوى الشرط على البايع حينئذ، ولعل المفاعلة في المرابحة والمواضعة لتوقف العقد على الرضا والصيغة من الجانبين، فكان كلا منهما فاعل للربح وإن اختص بملكية أحدهما. وعلى كل حال ففي الدروس " قد يتفق المرابحة وقسيماها في مبيع واحد، كما لو اشترى ثلاثة ثوبا بالسوية لكن ثمن أحدهم عشرون والاخر خمسة عشر والاخر عشرة ثم باعوه بعد الاخبار، بخمسة واربعين، فهو مواضعة بالنسبة إلى الاول، وتولية بالنسبة إلى الثاني، ومرابحة بالنسبة إلى الثالث، وكذا لو باعوه مساومة ولا يقسم على رأس المال، هذا مع تعدد العقود، ولو كان العقد واحدا بالخمسة والاربعين، كان الثمن


(1) الوسائل الباب - 14 - من ابواب احكام العقود الحديث - 5 -

[ 305 ]

مقسوما على رأس المال، ولو تشخص في العقد الواحد ثمن كل ثلاث فهو كالعقود المتعددة، والظاهر أن مراده بقوله هذا إلى آخره. بالنسبة إلى الثلاثة الذين اشتروا الثوب بالسوية إذ القسمة على رأس المال متجهة فيهم لو كان العقد واحد، أو لم يذكر ثمن كل ثلاث، ولو اشترى خمسة ثوبا بالسوية لكن ثمن نصيب أحدهم عشرون، والآخر خمسة عشر، والثالث عشرة، والرابع خمسة، والخامس لم يتبين، ثم باع من عدا الرابع نصيبهم بستين، بعد إخبارهم بالحال، والرابع شرك في حصته فهو بالنسبة إلى الاول مواضعة، وإلى الثاني تولية، والثالث مرابحة، والرابع تشريك، والخامس مساومة، واجتماع قسمين وثلاثة وأربعة منها على قياس ذلك، إلا أنه ينبغى مراعاة القصد الذي ذكرناه. (و) كيف كان، ف‍ (الكلام) في المرابحة وتوابعها يقع في مقامين، أحدهما (في العبارة و) الثاني في (الحكم أما العبارة فان يخبر برأس ماله) بما تسمعه من إحدى العبارات الآتية وشبهها إذا لم يكن المشتري عالما، وإلا كفى الاعتماد على علمه، كما صرح به في التذكرة، واحتمال وجوب الذكر تعبدا ليكون قائما مقام ذكره في العقد بعيد، فالاخبار في المتن وغيره محمول على الغالب من إنحصار طريق معرفة المشترى فيه، ثم (يقول) بعد الاخبار (بعتك أو ما جرى مجراه) مما تقدم في الصيغة (بربح كذا) وجريان المرابحة ولواحقها في غير البيع من عقود المعاوضة كالصلح والاجارة لا يخلو من قوة، بل صريح بعضهم جريانها في الاجارة، بل السيرة القطعية على جريانها في المعاطاة، على أن التحقيق كونها من الاباحة بعوض، وحينئذ يكون ذكر المرابحة في البيع كذكر النقد والنسيئة، لا لارادة اختصاصها به، هذا كله بالنسبة إلى نقل المال إلى المشتري. أما إنتقاله إلى البايع فلا يعتبر فيه البيع قطعا، بل يكفي فيه الصلح ونحوه، بل قد يقال: بكفاية جميع ما يغرمه في تلك الحال، كإحياء أرض، أو معدن، أو نحو

[ 306 ]

ذلك، وقد أراد بيعها مرابحة، جاعلا ما غرمه على ذلك رأس مال مخبرا بتقوم ونحوه فتأمل: ولا يتعين لفظ ربح، بل يجرى مجراه كل ما أفاد فائدته من لفظ الزيادة و غيرها، نعم قد يفرق بينه وبينها بصراحته أو ظهوره في نفسه، في إرادة عقد المرابحة بخلاف لفظ الزيادة فإنه يحتاج معه إلى ضم غيره معه في إرادة المرابحة، لما عرفت من أعمية البيع بالزيادة منها، ولعله على هذا ينزل خبر ميسر بياع الزطى (1) الفارق فيه بين اللفظين، فلاحظ وتأمل، قال: " قلت: لابي عبد الله عليه السلام إنا نشترى المتاع نظرة، فيجيئنى الرجل، فيقول بكم تقوم عليك ؟ فأقول: بكذا وكذا، فأبيعه بربح، فقال: إذا بعته مرابحة، كان له من النظرة مثل مالك قال: فاسترجعت، وقلت: هلكنا، فقال مم قلت ؟ لان ما في الارض من ثوب أبيعه مرابحة، يشترى مني، ولو وصفت من رأس المال، حتى أقول تقوم بكذا وكذا، قال فلما رأى ما شق، علي، قال: أفلا أفتح لك بابا يكون لك فيه فرج منه، قل: قام علي بكذا وأبيعك بزيادة كذا ولا تقل بربح " بل وخبر عبيد بن عبد ربه (2) قال: " قدم متاع لابي عبد الله عليه السلام من مصر، فصنع طعاما ودعى له التجار، فقالوا: تأخذه بده دوازده، فقال: لهم أبو عبد الله عليه السلام وكم يكون ذلك، فقالوا: في كل عشرة آلاف ألفين، فقال: أبيعكم هذا المتاع باثنى عشر ألفا، فباعهم مساومة " الذى يكشف عن المراد، بخبر محمد بن مسلم (3) " قال أبو عبد الله عليه السلام: " إنى أكره بيع عشرة بإحدى عشرة، ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة، وقال: أتانى متاع من مصر فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم علي، فبعته مساومة " بناء على أن المراد إضافة الزيادة مع الاصل ثم بيعه مساومة، (ولابد أن يكون رأس ماله معلوما، وقدر الربح معلوما) عندهما حال البيع، بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة لو كان المشترى جاهلا برأس المال بطل البيع إجماعا، وكذا لو كان البايع


(1) الوسائل الباب - 25 - من ابواب احكام العقود الحديث 1 (2) (3) الوسائل الباب - 14 - من احكام العقود الحديث 1 و 4

[ 307 ]

جاهلا به والمشتري عالم به، أو كانا جاهلين، وعن المبسوط لو علما قدر رأس المال وجهلا الربح مثل أن يقول: رأس المال كذا، والربح ما نتفق عليه بطل، قلت: لا ريب في البطلان مع هذه الجهالة، في رأس المال، أو الربح ضرورة، رجوعها إلى جهالة الثمن التى هي مانع من صحة البيع من أصله، فضلا عن خصوص المرابحة منه، والاول إلى العلم غير كاف فيه قطعا، نعم في جامع المقاصد والمسالك " أن المراد بذلك وجوب علمهما حالة البيع، فلا يكفي علم أحدهما، ولا تجدد علمهما بعد العقد، وإن اقتضاه الحساب المنضبط، كما لو علما بالثمن وجعلا ربح كل عشرة درهما، والحال أنهما لا يعلمان ما يتحصل من المجموع حالة البيع، ولعله كذلك إذا فرض جهلهما أو جهل أحدهما بمقدار الثمن عشرات مثلا، أما إذا علما إلا أنهما لم يستحضرا المجموع، فقد يقال بصحته خصوصا إذا لم يكن محتاجا إلى طول نظر، لعدم الجهالة في مثله عرفا فيتناوله العمومات، بل قد تحتمل الصحة في الاول أيضا، لانه وإن كان مجهول الجملة إلا أنه معلوم عند التفصيل. قال: في المختلف " ولو أخبره برأس المال وزاد في كل عشرة درهما، ولم يعلما وقت العقد كمية الثمن احتمل البطلان، للجهالة، والصحة لامكان العلم، فإنه يستخرج بالحساب " وعلل في التذكرة كراهة نسبة الربح إلى الثمن في المرابحة، بأنه قد لا يعلم قدر الثمن في حالة العقد، ويحتاج في معرفته إلى الحساب، بل قد عرفت فيما سبق صحة بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، مع أنها مجهولة الجملة، بل جوز الفاضل في القواعد، بعتك هذه السلعة بأربعة إلا ما يخص واحدا إذا علماه بالجبر والمقابلة، كل ذلك مضافا إلى إطلاق النصوص خصوصا المتضمن منها جواز بيع ده بدوازده، فالقول بالصحة حينئذ في الصورتين خصوصا الاولى لا يخلو من قوة. نعم قد يقوى البطلان لو فرض عدم علمه بمسمى العشرة مثلا إذ هو غرر محض، و كونها عددا مضبوطا في نفسه وإن لم يعرف مصداقها غير مجد، ولعل منه الشراء بوزن

[ 308 ]

بلد مخصوص لا يعلمه أو كيله، ثم إن الظاهر كون المراد من العلم برأس المال الذى هو شرط في الصحة، عدم إناطة البيع به، ثم البحث عنه بعد ذلك، أما إذا لم يكن كذلك بل فرضا له رأس مال وعينا له ربحا صح مع تراضيهما، كما أنه يصح لو اقتصر البايع على المتيقن من رأس المال. نعم قد يمنع صدق اسم المرابحة عليه مع أن في ذلك بالنسبة إلى بعض الصور نظر، فتأمل جيدا والله اعلم. (و) كذا (لابد من ذكر الصرف والوزن إن اختلفا) مع الاختلاف لحصول الجهالة بدون ذلك إذا فرض تعدد النقود، واختلف صرفها ووزنها، بأن كان صرف بعض الدنانير عشرة دراهم، وبعضها أكثر، وكذا الوزن لو كان الثمن دراهم مثلا معروفة بالوزن، أما لو اتخذ النقد لم يفتقر، كما صرح بذلك كله، في جامع المقاصد والمسالك، وزاد في الاول " يمكن أن يراد أنه يجب الجمع بين ذكر صرف الدراهم مع الوزن إن فرض الاختلاف، بأن يكون صرف الدراهم المختلف وزن أنواعه واحدا، فان ذكر الصرف حينئذ لا يغنى عن ذكر الوزن "، قلت: كما أنه لا يغنى ذكر الوزن للدراهم المختلف صرفها مع اتحاد وزنها ولو في بلدين إذا كان الشراء في ذات الصرف الزائد. كما يؤمي إليه خبر اسماعيل بن عبد الخالق (1) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إنا نبعث بالدراهم لها صرف إلى الاهواز، فيشترى لنا بها المتاع، ثم نلبث فإذا باعه وضع عليه صرفا، فإذا بعناه كان علينا أن نذكر له صرف الدراهم في المرابحة و يجزينا عن ذلك ؟ فقال: لا بل إذا كانت المرابحة فاخبره بذلك، وإن كانت مساومة، فلا بأس " وفى الوافى تحرينا عن ذلك بالمهملتين، أي تعمدنا الاعراض عنه وطلبنا ما هو احرى، وفيما حضرني من نسخة الوافى عن التهذيب، روايته نحو ذلك لكن فيه بدل ثم نلبث، فإذا باعه ثم يكتب روزنامچه يوزع عليه صرف الدراهم فإذا بعناه فعلينا أن نذكر صرف الدراهم في المرابحة، وتجزينا عن ذلك ؟


(1) الوسائل الباب 24 من ابواب احكام العقود الحديث - 1

[ 309 ]

قال: إذا كان مرابحة فأخبره " إلى آخره ولعله أصح، والموجود في نسخة معتبرة من الكافي، تجزينا " بالجيم والزاء المعجمة " وكذا في نسخة معتبرة من التهذيب عنه، لكن مع زيادة الواو في قوله تجزينا، ولعل عدمها أولى، وحينئذ يحتمل أن يكون ابتداء السؤال على جهة الاستفهام من قوله، كان أو كونه تجزينا عن ذلك، على معنى، هل يجزينا عن غيره ؟ وهو الاقتصار على أصل الثمن، إذا كان دوانيق، مثلا ودفعنا عنه في تلك البلد دراهم، لها صرف أي فضل عن الدراهم في بلد بيع المرابحة قال: لا يجزي إلا أن تخبره بالحال، فإن الدراهم وإن لم تكن ثمنا لكن لما دفعت عنه صار كانه متشخص بها، لان النقد يقوم بعضه مقام بعض في عرف التجار، بخلاف العروض، ويمكن أن يكون هذا من جملة المراد بقولهم يجب ذكر الصرف، خصوصا مع ملاحظة إرادة وجوب ذلك من حيث المرابحة، بخلاف ذكر الصرف في الدراهم المفروض اختلافه وكونها ثمنا، فإن ذلك مانع من صحة البيع ولو مساومة، للجهالة، لا من حيث المرابحة فتأمل جيدا بل لعل مراد من تعرض لاعتبار ذكر الصرف الاشارة إلى ما في الخبر المزبور. أما الوزن فمع فرض اختلافه لابد من ذكره، إختلف الصرف أم اتحد لعدم إنحصار الفرض في الصرف، إذ يكون المراد صوغه حليا ونحوه مما للوزن فيه مدخلية. والله اعلم (و) كيف كان ف‍ (إذا كان البايع لم يحدث في المبيع حدثا ولا غيره) عما كان عليه عند البايع، ولا حصل ذلك من غير المشتري، بل كان المبيع على الحال التى انتقل إليه فيها (فالعبارة عن الثمن أن يقول اشتريته بكذا أو رأس ماله كذا أو تقوم علي، أو هو علي) أو نحو ذلك من العبارات المفيدة للمطلوب، (وإن كان قد عمل فيه ما يقتضي الزيادة) في قيمته (قال: رأس ماله كذا، وعملت فيه بكذا) ونحوه إشتريته أو تقوم على أو هي علي، ضرورة عدم الفرق هنا بين الجميع بعد أن ذكر العمل بعبارة مستقلة.

[ 310 ]

نعم ظاهر المتن وغيره أنه ليس له تقويم عمله، وضمه إلى رأس المال ويعبر عنه باحدى العبارات المزبورة غير مخبر بحقيقة الحال وهو كذلك، إذ لا ريب في الكذب لو عبر بالاولين وكذا الاخيرين، ونحوه لو كان العامل غيره بلا أجرة، كما أن ظاهر المتن جواز بيعه مرابحة مع ذكره العمل بكذا، سواء كان أزيد من قيمته أو لا، بل هو صريح التذكرة، وقد يشكل بخروجه عن وضع المرابحة الذى يعتبر فيه ذكر ما يغرمه البايع على المبيع من حيث التجارة والفرض عدم الغرامة هنا، ويدفع بمنع اعتبار الاقتصار على ذلك فيها، لاطلاق الادلة الذي لا ريب في شموله للفرض الذى هو زيادة في الربح في الحقيقة عند التحليل، وإن جعله صورة في مقابل العمل، كما هو واضح. لكن قد يقال: بثبوت الخيار للمشتري لو أخطأ البايع أو كذب في تقويم عمله، إن أراد بقوله عملت فيه بكذا التقويم، أما لو أراد الاقتراح فلا خيار، ولو أطلق احتمل قويا تنزيله على الاول (وإن كان عمل فيه غيره بأجرة) مسماة (صح أن) يضمها إلى الثمن من غير إخبار، لكن (يقول: تقوم علي أو هو علي) ولا يجوز اشتريته، أما رأس مالي ففى الدروس والمختلف يجوز، لانه عبارة عما لزمه عليه، وعن المبسوط لا يجوز، وتبعه في التذكرة وجامع المقاصد، والظاهر إختلاف ذلك باختلاف الامكنة والازمنة، ففى بعضها لا ينساق منه إلى الثمن، وفى آخر يراد منه ما غرمه عليه، ولو كان العمل بأعيان كالصبغ بأشياء اشتراها بثمن معلوم صح ضم ذلك إلى الثمن، ولو لم يكن قد اشتراها ففى ضمن قيمتها مع الاكتفاء بتقوم، وهو على وجه، والاولى ذكر ذلك للبايع. وكذا له مع التعبير بالعبارتين ضم جميع المؤن التى قصد بالتزامها عرفا الاسترباح من الدلالة، وأجرة البيت والكيال والحارس والحمال والقصار والصباغ، ولو كان قد غبن فيها لم يجب الاخبار بها، بناء، على عدم وجوب الاخبار به لو كان بالنسبة

[ 311 ]

إلى المبيع، حتى مع علمه به وإقدامه عليه، أما لو دفع عنها بعد اشتغال ذمته بأجرة المثل ما يزيد على ذلك سماحة، أو لغرض من الاغراض، وجب ذكر ذلك للبايع إذا لم يرد الاقتصار على أجرة المثل، وإلا كان له ضمها وإن أبرأه منها أو بعضها من كانت له، ولعل منه ما لو صالحه عنها بالاقل، أما المؤن التى فيها بقاء الملك كنفقة العبد وكسوته وعلف الدابة، ففى القواعد لا تدخل في العبارتين، ولعله لان هذا الامور من ضروريات بقائه، وليست مقصودة لغرض الاسترباح، ولانها في مقابلة خدمة العبد وركوب الدابة، بخلاف نحو الاقمشة المذخورة للاسترباح فقط، وقد يشكل بأن جميع ذلك قد لا يلتزم إلا لغرض الاسترباح. نعم ربما يفرق بين ما يمكن تحصيل مؤنه بالانتفاع به وما لا يمكن فتعد الاولى مؤنة محضة لتحقيق ما يقابلها بخلاف الثانية، وعلى كل حال فالظاهر إن هذا في غير الزايد من العلف والنفقة التى لا يقصد بها إلا زيادة القيمة كالعلف للسمن، وزيادة ترفيه العبد بالمأكل والملبس، لزيادة قوته وبدنه، فإن هذه كغيرها من مؤن الاسترباح، له ضمها إلى الثمن مخبرا بالعبارتين، بل لعل من ذلك أجرة الطبيب إن كان قد اشتراه مريضا، لزيادة القيمة بزوال المرض، ولو عرض المرض عنده فأجرة الطبيب كالنفقة، والمراد من عدم ضمن مؤن البقاء إلى الثمن عدم الاكتفاء بالعبارة المزبورة مع ضمها، أما لو صرح فلا يبعد الجواز، لانحلاله إلى إرادة زيادة ربح، ولا مانع منه، لا أنه لا يجوز البيع مرابحة حينئذ، لاعتبار الاقتصار على الزيادة على رأس المال وما يغرمه للاسترباح فيها، إذ يمكن منع اعتبار ذلك فيها، كما هو مقتضى إطلاق الادلة، ولو كان من جملة ثمن المبيع عمل قد استأجر عليه البايع غيره صح له ضم ما بذله من الاجرة إلى الثمن، وقال أحد العبارتين، ولو عمله هو فالاولى ذكر ذلك للمشتري بما يفرض له من القيمة، حتى لو كان العمل معروف القيمة، لعدم صدق إحدى العبارات الاربع على ما يشمله من دون ذكره. نعم قد يقوي عدم انحصار الامر فيها، فإذا عبر عن الثمن بما يشمله صح

[ 312 ]

(ولو اشترى بثمن) معيبا (ورجع بأرش عيبه أسقط قدر الارش وأخبر بالباقي، بأن يقول رأس مالى فيه كذا) أو تقوم علي أو هو علي، ولا يقول اشتريت به أي الباقي للكذب، إذ المراد به ما وقع في العقد، وليس هو الباقي. نعم لا يبعد عدم جريان تسلط المشترى مرابحة على الخيار بنحو هذا الكذب، كما أن المتجه تسلطه عليه لو باعه مرابحة مخبرا بالثمن الذى وقع في العقد، ولم يذكر ما رجع إليه من الارش، وإن كان صادقا بقوله إشتريته بكذا، إلا أنه لما كان ظاهرا في انه دفع ما اشترى به، وأنه لم يرجع إليه منه شئ والفرض أنه ليس كذلك، إتجه تسلطه على الخيار حتى لو أسقط الارش عن البايع بعد أن ثبت استحقاقه له، بل لا يبعد ذلك أيضا لو أسقطه قبل تعينه له، كما في حال التخيير بينه وبين الرد، بل لعله كذلك لو أسقط الخيار الذي هو أحد فرديه، بل لو صالح البايع المشتري عليه بما هو أنقص منه لو رجع به نفسه، أمكن القول بوجوب ذكره، هذا وقد يقال بعدم وجوب الاسقاط عليه إذا لم يرجع وان كان مستحقا بل لعله هو ظاهر التقييد بالرجوع في المتن، وكانه لعدم كون الارش ما لا يثبت في الذمة، وإن كان لصاحبه الرجوع به لو اراده، فمع اسقاطه يسقط الحق، لا أنه إبراء، وحينئذ فيتحقق صدق تقوم، و علي، واشتريته بكذا فتأمل، ولو فرض كونه بزائد لم يجب حط الزيادة من الثمن في وجه قوي، كما أنه يقوي فيما لو صالحه عنه بشئ مع الجهل بقد التفوت، إسقاط المصالح به من الثمن والاخبار بالباقي، ولو لم يتمكن المشتري من إثبات سبق العيب احتمل الاخبار بما عدا الارش في الواقع، وبالجميع، لانه هو الثمن، ولم يعد إليه شئ ولو صولح عن إسقاط الدعوى به، أمكن احتساب ثمن الصلح خاصة من الثمن، من ذلك كله ينقدح الوجه في كثير من الفروع المتصورة في المقام. (و) على كل حال ف‍ (لو جنى العبد ففداه السيد، لم يجز له أن يضم الفدية إلى ثمنه) مخبرا بإحدى العبارات السابقة بلا خلاف بيننا ولا إشكال، لانه غرامة

[ 313 ]

متجددة لا مدخلية لها في تقويمه، نعم لا يبعد جواز ضمها مع التصريح بالحال والبيع مرابحة، فيكون مرجعه إلى زيادة ربح، وقد يمنع صدق المرابحة عليه لامكان دعوى المستفاد من النص والفتوى أنها تؤدي بالعبارات المزبورة، بل ربما كان ذكرهم لها للاشارة إلى أن الميزان في تحققها صدق أخذتها، والفدية ونحوهما مما لا تندرج فيها، ضرورة عدم كونها من مؤن الاتجار، فإذا ذكرها وأراد مع ذلك البيع مرابحة لم يترتب عليها حكمها، مع فرض أن فيها أحكاما خاصة وإن كان البيع صحيحا في نفسه، وصورته صورة المرابحة، وكذا الكلام في نظاير المسألة (ولو جني عليه فأخذ أرش الجناية لم يضعها من الثمن، وكذا لو حصل منه فائدة كنتاج الدابة وثمرة الشجرة) وغيرها من النماآت التى لا مدخلية لها في ثمن المبيع بلا خلاف ولا اشكال. نعم لو تعيب شئ من ذلك وجب الاخبار به كما هو واضح، (و) كيف كان ف‍ (يكره نسبة الربح إلى) أجزاء رأس (المال) وفاقا للمشهور بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بأن يقول بعتك بماءة وربح كل عشرة، درهم، ولو قال بعتك بمأة وعشرة، أو وربح عشرة لم يكن مكروها، وعلى كل حال فلا حرمة ولا بطلان للاصل، والاطلاقات سيما إطلاق نصوص المرابحة كخبر علي بن سعيد (1) " سأل عن رجل يبتاع ثوبا فطلب منه مرابحة ترى في بيع المرابحة بأسا إذا صدق في المرابحة، وسمى ربحا دانقين أو نصف درهم ؟ قال: لا بأس " خلافا للمحكي عن المقنعة والنهاية، والمراسم والتقى والقاضى ففى الاولين لا يجوز، وفى الثالث لا يصح، ولم أجد لهم دليلا صالحا لذلك عدا الصحيح (2) " الرجل يريد أن يبيع البيع فيقول أبيعك بده دوازدة أو ده يازده فقال: لا باس به، إنما هذه المراوضة فإذا


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب احكام العقود الحديث 1 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب احكام العقود الحديث 5 -

[ 314 ]

جمع البيع جعله جملة واحدة " لظهوره في وجوب الجمع المزبور، بان يقول: بعتك هذه السلعة بدوازده أو يازده نحو ما فعله مولانا الباقر عليه السلام فيما روى عنه الصادق عليه السلام في الصحيح (1) " قال: قدم متاع لابي من مصر فصنع طعاما ودعى له التجار فقالوا نأخذه منك بده دوازده فقال عليه السلام وكم يكون ذلك فقالوا في كل عشرة آلاف ألفين فقال: إنى أبيعكم هذا المتاع باثني عشر ألفا، " بل عدوله عليه السلام عن إجراء الصيغة بنحو ما ذكروه إلى ما ذكره، ظاهر في المنع. وفيه أن الصحيح محتمل لارادة التخلص عن الكراهة، على أن الخصم لا يقول بوجوب الجمع جملة واحدة، فإنه لا بأس كما عرفت، بافراد رأس المال عن الربح من دون ملاحظة النسبة، فلابد حينئذ من إرادة الرجحان منه، ويرتفع الاستدلال في وجه، وفعل الباقر عليه السلام يمكن أن يكون فرارا من أصل المرابحة إلى المساومة التى هي أفضل، كما يؤمي إليه تتمة الصحيح المزبور على ما عن الكافي (2) " فقال، لهم إنى أبيعكم هذا المتاع باثنى عشر ألف درهم فباعهم مساومة، " بل في الصحيح أو الموثق كالصحيح (3) " إنى أكره بيع عشرة باحدى عشرة وعشرة باثنى عشر أو نحو ذلك من البيع، ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة " ما يقتضي بكراهة المرابحة مطلقا وإن لم أجد قائلا به. نعم في الرياض " قد ذكر بعض الاجلة أن الظاهر من المعتبرة هنا كراهة المرابحة وأولوية المساومة لا الكراهة، في موضوع المسألة، قال: وهو كذلك لو لا المخالفة لفهم الطائفة، وعلى كل حال فلا دلالة في عدوله عليه السلام على الحرمة قطعا، فيبقى حينئذ ما دل على الجواز بلا معارض، مضافا إلى الصحيح أو الموثق المزبور، المشتمل على لفظ الكراهة، وعمومه لغير موضوع المسألة لو قلنا باختصاصة بها غير قادح، كما أن احتمال إرادة الحرمة من لفظ الكراهة بناء على عدم تعارفها في الصدر الاول بالمعنى المصطلح - يدفعه بعد التسليم - ترجيح إرادته هنا بالشهرة، والاجماع المحكي وغيرهما، وكذا الكلام في الخبر الآخر أكره بيع ده يازده وده دوازده، ولكن أبيعك بكذا وكذا وكيف


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب احكام العقود الحديث - 1 (2 - 3 - 4) الوسائل الباب 14 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 3 - 2

[ 315 ]

كان فلا ريب في عدم الحرمة والبطلان، كما أنه لا ريب في الكراهة بعد التسامح بها، للاجماع المحكي وغيره، إن قصرناها على خصوص موضوع المسألة، وإلا فمطلق للخبرين السابقين، والله اعلم. هذا وربما جعل مدار الكراهة على نسبة الربح للمال في مقابلة نسبته إلى السلعة على معنى عدمها لو قال بعتك بكذا مع ربح للمبيع ده دوازده ولكن الالصق بالنصوص ما ذكرناه والله اعلم. هذا كله في العبارة. (وأما الحكم ففيه مسائل) قد تقدم البحث في (الاولى) منها وهى (من باع غيره متاعا جاز أن يشتريه منه بزيادة أو نقيصة حالا ومؤجلا بعد قبضه، ويكره قبل قبضه إذا كان مما يكال أو يوزن على الاظهر،) وكان المصنف أعادها كالفاضل في القواعد، لبناء ما بعدها عليها، إلا أنه كما ترى، لا مدخلية لها فيه أصلا (ولو كان شرط في حال البيع أن يبيعه لم يجز) كما سمعت الكلام فيه مفصلا (وإن كان ذلك من قصدهما ولم يشترطه لفظا كره) كما في القواعد والتحرير والارشاد والتذكرة، وإن قلنا أن الشرط المضمر كالموجود إلا أنه يمكن تخصيص ذلك بالجائز منه، لكن فيه منع واضح، ضرورة إتحادهما في المقتضي، فيتجه حينئذ بطلان العقد مع قصدهما الاشتراط، وبناؤهما العقد عليه، وإن لم يذكراه لفظا بناء على فساد العقد بفساد الشرط. نعم لو لم يكن قصد الاشتراط بل عزما على التعاكس واستوثق أحدهما من الاخر صح على كراهة عند بعضهم، وإن كان الدليل عليها لولا التسامح لا يخلو من إشكال، والامر سهل، بعد أن كان الحكم الصحة، ولا يرد أن مخالفة القصد للفظ تقتضي بطلان العقد، لان العقود تتبع القصود، لان من المعلوم عدم اعتبار مثل هذا العزم في العقد، ضرورة كون العزم فعله خارج العقد، لكن في المسالك " وأجيب بأن القصد وإن كان معتبرا في الصحة فلا يعتبر في، البطلان، لتوقف البطلان على اللفظ

[ 316 ]

والقصد، وكذلك الصحة ولم توجد في الفرض " وهو كما ترى غير مستقيم، بل ليس له محصل يعتد به، والتحقيق ما سمعت، ولعل في عبارة المجيب سقط قبل قوله لتوقف البطلان، وهو بخلاف المقام، وحينئذ يكون الفرق بين اعتبار القصد في صحة العقود الذى يكفى في البطلان عدمه، كما في النايم وغيره بخلاف المقام، وهو الشرط المعتبر في شرطيته القصد واللفظ سواء كان صحيحا أو مبطلا للعقد، فإن شرطيته متوقفة على ذلك، ومنه يظهر عدم توجه ما أورده في المسالك عليه، فلاحظ وتأمل. (إذا عرفت هذا فلو باع غلامه) الحر (سلعة ثم اشتراها منه بزيادة جاز أن يخبر بالثمن الثاني إذا لم يكن شرط إعادته) من غير تقييد لها بالبيع (ولو شرط) ها فباعها منه بزيادة للاخبار بها (لم يجز) قطعا بل لا خلاف أجده فيه (لانه خيانة) عرفا، إذ المشتري لم يترك المماكسة، إلا إعتمادا على مماكسته لنفسه، وثوقا باستقصائه في النقيصة لنفسه، فكان ذلك خيانة، بل لا يبعد ذلك أيضا، وإن لم يشترطه، بل كان القصد الشراء بالزيادة للاخبار بها وفاقا للشهيدين والعليين على ما حكي عن بعضهم إذ هو غش وخديعة وتدليس وخيانة عرفا، والصدق في قوله إشتريت قد لا ينافى ذلك، بل قد يدعى انصراف الشراء في الفرض إلى غير ذلك. وفى المسالك " إن قوله ولو شرط لم يجز لانه خيانة يقتضى التحريم مع عدم الشرط، إذا كان قصدهما ذلك، لتحقق الخيانة، ومجرد عدم لزوم بيعه عليه على تقدير عدم شرطه لا يرفع الخيانة مع اتفاقهما عليها بل ينبغى فرض التحريم في صورة عدم شرط الاعادة، لان التحريم لا يتحقق إلا مع صحة البيع، ليمكن فرض الزيادة، و مع شرط الاعادة يقع البيع باطلا، كما سلف عن قريب، فلا يتحقق الزيادة ولا التحريم " قلت: قد يدفعه ما سمعته منا في تفسير العبارة، ولا حاجة إلى قوله في الجواب عنه و، يمكن أن يقال بالتحريم وإن قلنا بفساد العقد نظرا إلى قصد الغرور والسعي إلى تحصيل المحرم، كما يقال في النجش والربا أنه حرام، يفسد العقد مع أنه قد يخدش بأن المراد

[ 317 ]

لم يجز الاخبار بالثمن الثاني، ومع فرض كون البيع فاسدا بالشرط لا ثمن حتى يخبر عنه فتأمل جيدا. هذا كله مع قصد الحيلة بالشراء بالزيادة، فلو اشتراه منه ابتداء من غير مواطاة جاز، ولا فرق في تحريم الحيلة بين الغلام والولد والاجنبى والله اعلم. المسألة (الثانية لو باع مرابحة فبان رأس ماله أقل) بالاقرار أو البينة صح البيع بلا خلاف على الظاهر، للاصل والاطلاقات، ضرورة أولويته من تخلف الوصف والشرط والجملة، بل الظاهر ذلك إن لم يكن له رأس مال أصلا، فضلا عن كونه أقل نعم لاجل الكذب في الاخبار (كان المشتري بالخيار بين رده وأخذه بالثمن) المسمى في العقد، ولا تعليق للرضا والقصد ولا الصحة على الصدق في الاخبار قطعا بل هو أشبه شئ بالداعي إلى قصد ما اتفقا عليه، بل لو لا الاجماع على الخيار في الظاهر هنا لامكن المناقشة فيه كما في غير المقام مما كان الداعي فيه الكذب بنحو ذلك، مما لا يرجع إلى العيب ولا إلى التدليس الذى هو بمعنى كتمان صفة وإظهار أحسن منها، ودعوى أن المراد عندهم بالتدليس ما يشمل المقام لو سلمت لا تجدى، لعدم تعليق الخيار عليه في شئ من النصوص كي يدور الحكم عليه، بل دليله فحوى نصوص التصرية ونحوها، وأما خبر الضرار (1) وقاعدة رجوع المغرور على من غره، ونحوه فمع احتياج ثبوت الخيار به أيضا إلى الانجبار، قد يمنع تناوله للمقام، باعتبار ظهور قاعدة الغرور في الضمان، وخبر الضرار في العقد الضررى، لا في مثل المقام الذى ضرره نشأ من اعتماده على خبره، ولا يبعد ثبوت الخيار في الكذب بكل ما يختلف الثمن به، بل الظاهر ثبوته بعدم الاخبار بما يختلف الثمن به فضلا عن الكذب لما عرفت. وعلى كل حال، فما عن الاردبيلى من التأمل في الصحة في غير محله، كما أن


(1) الوسائل الباب - 17 من ابواب الخيار الحديث 3 - 5

[ 318 ]

التأمل في ثبوت الخيار له كذلك أيضا، وكذا الكلام لو بان غلطه في الاخبار، إلا أنه لا إثم عليه، وقد ظهر لك مما ذكرنا أن الخيار في مفروض المسألة للاجماع، و إلا فليس هو مندرجا في أحد الخيارات السابقة، مع فرض عدم إتحاد بيع المرابحة لصورة تخلف الوصف أو الشرط، ودعوى أنها لا تكون إلا كذلك ممنوعة، فإنه يمكن فرضها مجردة عن ذلك، وإن كان الداعي للمشتري إخبار البايع برأس المال مع إرادة ربح كذا وحينئذ يكون هذا الداعي من بين الدواعي مسلطا على الخيار، للاجماع ونحوه، (وقيل) والقائل أبو على فيما حكى عنه والشيخ ان المشترى (يأخذه) أي المبيع (باسقاط الزيادة) من الثمن مع ربحها، إلا أن المحكي من خلاف الشيخ في مبسوطه وخلافه النص على ذلك في صورة الغلط، ولعله لا فرق بينها وبين الكذب، كما أنه لا فرق في ثبوت ذلك بين الاقرار والبينة، لكن في محكي المبسوط أنه قيل: إن بان ذلك أي الغلط بقول البايع لزم المشتري الثمن بإسقاط الزيادة وربحها، وإن قامت به البينة كان المشتري بالخيار. وكيف كان فلا دليل على شئ من ذلك إذ البيع إنما هو برأس المال الذى أخبر به، لا بما هو في نفس الامر، ومنه يعلم الاستدلال على التفصيل بأنه إن أقر كان مأمونا بخلاف ما إذا قامت به البينة، فلا ريب في أن الترجيح لما ذكرنا، خصوصا بعد عدم ما يصلح ملزما للثمن الناقص، إذ العقد الواقع ان كان صحيحا لزم ما فيه و إلا بطل مطلقا، وعلى كل حال فلا خيار للبايع عندنا كما عن التحرير، للاصل وقد يحتمل للضرر في بعض الاحوال، كما أن الظاهر عدم الخيار للمشترى على قول المبسوط، لارتفاع مقتضية باسقاط الزيادة مع ربحها، ولانه رضى بالاكثر فبالاقل أولى لكن احتمل في مسالك ثبوته له ايضا بالخيانة، ولانه قد يكون له غرض بالشراء بهذا الثمن لابرار قسم أو إنفاذ وصية وهو كما ترى، نعم يمكن ان يكون ذلك مؤيدا للمختار ضرورة عدم ارتفاع الضرر الناشئ عن الكذب حينئذ باسقاطه الزيادة فتأمل،

[ 319 ]

جيدا، هذا وفى القواعد " وهل يسقط الخيار بالتلف فيه نظر " وعن المبسوط اسقاطه به و بالتصرف، وعن الشهيد انه حكاه عن ابن المتوج، لان الرد انما يتحقق مع بقاء العين ولحصول الضرر على البايع بالانتقال إلى البدل قهرا لكن قوى ثانى المحققين والشهيدين عدم السقوط لحصول المقتضي وانتفاء المانع، إذ ليس الا التلف، ولا يصلح للمانعية، إذ مع الفسخ يثبت المثل أو القيمة، ولعموم المغرور يرجع على من غره، والكذب في الاخبار مقتض للخيار ولم يثبت اشتراطه بالعلم بذلك قبل تلف المبيع، فمع التلف وانتقاله عن ملكه انتقالا لازما أو وجود مانع من رده كالاستيلاد، يرد على البايع مثله أو قيمته، وياخذ هو الثمن أو عوضه مع فقده، وقد تقدم في خيار الغبن وغيره ماله نفع في المقام فلاحظ وتأمل، (ولو قال) البايع بعد البيع (اشتريته باكثر لم يقبل منه) إذا لم يعلم صدقه (ولو أقام بينة) لانه قد كذبهما باقراره (و) حينئذ ف‍ (لا يتوجه) له (على المبتاع يمين) لعدم سماع دعواه بعد معارضة اقراره السابق لها (الا أن يدعى عليه العلم) فتقبل حينئذ بينته ويتوجه له عليه اليمين على عدم العلم لعدم منافاة اقراره السابق لها، بل لو رد اليمين عليه كان له الحلف، سواء قلنا ان اليمين المردودة كالبينة أو كالاقرار من المنكر، لانهما معا هنا مسموعان اما الثاني فواضح، واما الاول فلما عرفت من أن دعواه العلم لا تنافى كذبه باقراره السابق، واولى من ذلك لو قلنا انها أصل برأسه، فما عن بعضهم من ان في رد المشترى اليمين على البايع هنا وجهين يلتفتان إلى انها كالبينة، أو كاقرار المنكر، فعلى الثاني ترد وعلى الاول لا ترد لا يخلو من نظر، بل قد يناقش في اطلاق عدم سماع بينته في الاول ايضا إذا أظهر لاقراره الاول تأويلا محتملا، مثل أن يقول ما كنت اشتريته بل اشتراه وكيلى واخبرني أن الثمن ماءة فبان خلافه، أو ورد على كتابه فبان مزورا أو كنت راجعت جريدتي فغلطت من متاع إلى غيره. ضرورة رجحان البينة حينئذ على الاقرار الاول بعد فرض ذكر التأويل المزبور

[ 320 ]

له، ولعله لذا قيد السماع بذلك جماعة منهم الفاضل في جملة من كتبه، والمحقق الثاني وغيرهم، بل قد يقال برجحانها أيضا وأن لم يذكر التأويل المزبور بل احتماله له كاف في مرجوحيته بالنسبة إلى البينة، لقوة البينة وانها بمنزلة العلم بخطائه فلا يصلح الاقرار السابق لمعارضتها بعد تعقيبه بما يقضى بخطاه فتأمل جيدا. ومن هنا بان لك أن ما عن المبسوط من قوة عدم سماع البينة وان ذكر تأويلا محتملا لا يخلو من نظر، كما أن اطلاق المصنف والفاضل في بعض كتبه عدم السماع لذلك، وكيف كان فإذا علم غلطه بأى طريق كان له الخيار بين الفسخ والامضاء بالمسمى، وربما تخرج على قول الشيخ اضافة الزيادة مع ربحها، ولو كان قد تبين كذبه وأنه تعمد إلى ذكر النقصان فلا يبعد عدم الخيار له لانه هو الذى قد ضيع ماله فتأمل جيدا. هذا وفى التحرير في نحو مفروض المسألة تخير المشترى بين الاخذ بالزيادة على إشكال والفسخ، ولو قيل أن الزيادة لا تلحق بالعقد فيتخير البايع كان وجها، وهل يلزمه مع القبول نصيب الزيادة من الربح الوجه ذلك إذا نسب الربح إلى الثمن، مثل أن يقول بربح كل عشرة درهم، ولو قال بربح عشرة لا غير لم يثبت، ولو أخذها بالزائد ونصيبه من الربح لم يكن للبايع خيار، وكذا لو اسقط الزيادة عن المشترى انتهى، وفيه نظر من وجوه والله اعلم. المسألة (الثالثة إذ حط البايع بعض الثمن جاز للمشتري ان يخبر بالاصل) لعدم الخيانة فيه إذا كان ذلك تفضلا منه، لا لدعوى عيب أو غبن أو نحوهما، من غير فرق في ذلك بين كونه في زمن الخيار وعدمه، للصدق في الاخبار على الحالين (وقيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه وابن زهرة في ظاهر الغنية أو صريحها (إذا كان) الحط (قبل لزوم العقد صحت) الحطيطة (وألحق بالثمن واخبر بما بقي وان كان بعد لزومه كانت هبة مجددة وجاز الاخبار باصل الثمن) قيل وكانه مبني على ان المبيع انما ينتقل بانقضاء مدة الخيار وفيه أنه لا مدخلية لذلك إذ الثمن ما وقع عليه العقد ولا اثر لوقت انتقال الملك بل الظاهر عدم الفرق في الاخبار بين رأس مالي أو اشتريت أو قام علي أو هو علي أو نحو

[ 321 ]

ذلك نعم ليس له أن يقول أديت أو نحوه وربما احتمل ذلك أيضا في قام على ونحوه والله اعلم. المسألة (الرابعة من اشترى أمتعة صفقة لم يجز بيع بعضها مرابحة) بل ومواضعة وتولية (تماثلت واختلفت وسواء قومها أو بسط الثمن عليها بالسوية) بلا تقويم (و) سواء (باع خيارها) بالاقل أو لا (الا بعد أن يخبر بذلك وكذا) في عدم الجواز (لو اشترى دابة) مثلا (حاملا فولدت وأراد بيعها منفردة عن الولد) كل ذلك على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل عن الخلاف الاجماع عليه بل يمكن تحصيله في المختلف بل وفى غيرها إذا لم يحك الخلاف فيها الا من الاسكافي والقاضى فجوزاه فيما لا تفاضل فيه كالمعدود المتساوي وهما غير قادحين في الاجماع، بمعنى القطع بالحكم المخالف لما ذكراه خصوصا بعد تفاوت القيم والاغراض وكون التوزيع لثمن خرص وتخمين يتطرق إليه الخطأ غالبا وخصوصا بعد أن سأل أبو حمزة أبا جعفر عليه السلام (1) " عن الرجل يشترى المتاع جميعا بالثمن ثم يتقوم كل ثوب بما يسوى حتى يقع على رأس المال جميعا أيبيعه مرابحة فقال له: حتى يبين له أنه انما قومه " ونحوه صحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليه السلام نعم ظاهرهما جواز البيع مرابحة إذا اخبر بذلك كما هو مقتضى قوله في المتن الا بعد أن يخبر بذلك، بل واكثر عبارات الاصحاب، بل زاد في التذكرة بعد أن حكى خلاف الشافعي في انه يجوز البيع مرابحة بالتقسيط وان لم يخبر به، قال: ما لو اخبر بالحال فقال اشتريت المجموع بكذا، وقومته مع نفسي فاصاب هذه القطعة من الثمن كذا فانه يجوز اجماعا لكن عن ابن ادريس انه حكى الاستثناء المزبور الظاهر في جواز البيع مرابحة بعد الاخبار، واعتراضه بانه ليس بيع المرابحة لان وضعه في الشرع ان يخبر بالثمن الذى اشترى وهذا ليس كذلك. ورده في المختلف " بان هذه المنازعة لفظية كما قال في النافع انه لو اخبر جاز لكن يخرج عن وضع المرابحة " وفى جامع المقاصد والمسالك وغيرهما ان اطلاق المرابحة عليها مجاز للمشاكلة في الصورة قلت قد يناقش في ذلك بمنع حصر المرابحة


(1 - 2) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الحديث 5 - 1

[ 322 ]

فيما لا يدخل فيه التقويم، ضرورة صدق اسم رأس المال والقيام عليه به ونحوهما. نعم لا يصدق اشتريته ونحوه عليه، وقد تقدم صحة المرابحة فيما لو عمل فيه عمل قد ذكره بكذا وفيما لو رجع بارش العيب، كما أن من الواضح صحتها فيما لو تلف بعض الصفقة قبل القبض، ورجع بحصته من الثمن ورضى بالبيع في الباقي، وفيما إذا ظهر مستحقا، وفى التذكرة " لو اشترى عبدا بثبوت قيمته عشرون واراد بيعه مرابحة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر انه اشتراه بثوب قيمته كذا ولا يقتصر على ذكر القيمة، لان البايع بالثوب يشدد أكثر مما يشدد البايع بالنقد ولو كان قد اشترى الثوب بعشرين ثم اشترى به العبد، جاز أن يقول قام على بعشرين، ولا يقول اشتريته "، بل قال فيها ايضا " لو انتقل إليه بغير عوض كالهبة لم يجز بيعه مرابحة، سواء قومها بثمن مساو أو أزيد أو أنقص الا أن يبين الحال في ذلك، ولا يكفى بيان قدر القيمة من غير تعريف الحال " إلى أن قال " ولو آجر داره بعبد أو نكحت المرأة رجلا على عبد أو خالع زوجته عليه، أو صالح عن الدم عليه لم يجز بيع العبد مرابحة بلفظ الشراء، ولو اخبر بالحال جاز بما قام علي و يذكر في الاجارة مثل اجرة مثل الدار، وفى النكاح والخلع مهر المثل، وفى الصلح عن الدم الدية ومقتضاه التوسعة في المرابحة بازيد من محل البحث وإن كان لا يخلو من نظر. وفى القواعد ولو اشتريا ثوبا بعشرين ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه باحد عشر اخبر باحد وعشرين " قلت مع أن نصيبه كان بعشرة بالتقسيط إلى غير ذلك مما لا إشكال في جواز البيع مرابحة مع التقويم والتقسيط، ومنه ما لو تعدد المشترى والمبيع واتحد الثمن، بل في جملة من النصوص ظهور إن لم يكن تصريح بجواز البيع مرابحة مع التقويم، مضافا إلى النصوص السابقة، وكيف كان فحيث لا تجوز المرابحة لو باعا بقصدها ولو للجهل منها أو من أحدهما، أمكن القول بالصحة بيعا للاصل، وخروج وصف المرابحة عن حقيقة البيع، وقد يحتمل البطلان لانها صنف خاص منه، ولتبعية العقود للقصود،

[ 323 ]

فلو صح غيرها وقع ما لم يقصد، وما قصد لم يقع، والاول أقوى، وربما يشهد له ما سمعته هنا من الجواز ممن عرفت لو اخبر بالحال وان لم يكن مرابحة مما ظاهره ذلك و ان قصد المتعاملان المرابحة ولو للجهل منهما بموضوعهما، بل منه يظهر الوجه فيما ذكرناه سابقا من ثبوت الخيار لو كذب البايع في رأس المال إذا لم يكن له رأس مال بل كان موروثا أو متهبا، ضرورة ابتنائه على صحة البيع، وربما انقدح منه ثبوت الخيار في كل ما فعل بعنوان المرابحة فبان عدم موضوعها، إذ لعل له غرضا بذلك كوفاء نذر أو انفاذ وصية ونحو ذلك فتأمل جيدا والله اعلم. المسألة (الخامسة إذا قوم) التاجر (على الدلال متاعا وربح عليه أو لم يربح ولم يواجبه البيع لم يجز للدلال بيعه مرابحة) على ما قوم عليه بلا خلاف أجده فيه، لان الغرض عدم الشراء، ولما رواه في الكافي من الكناني والفقيه عنه وعن سماعة والتهذيب عن الكنانى وعمرو بن عيسى عن سماعة (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يحمل المتاع لاهل السوق وقد قوموا عليه قيمة فيقولون بع فما ازددت فلك ؟ قال: لا بأس بذلك ولكن لا يبعهم مرابحة " ونحوه في ذلك صحيح زرارة (2) الآتى، وحينئذ فان فعل كان آثما، بل يمكن فساد بيعه (الا بعد الاخبار بالصورة) قبل البيع، فانه يصح بيعه حينئذ وإن لم يكن مرابحة حقيقة، لعدم الشراء من البايع، إلا انها بصورة المرابحة، لكن لا يبعد جريان الخيار فيها لو فرض كذب الدلال فيما ذكره من التقويم الذى هو بمنزلة رأس المال، لفحوى ما عرفت (و) على كل حال (لا يجب على التاجر الوفاء) لو قال له بعد بذلك و الزائد لك، للاصل إذ ليس هو إلا وعدا، ولا يجب الوفاء به، ضرورة فساد كونه إجارة وجعالة للجهالة، وعدم ملك الزيادة حال القول، ولانها ببيع الدلال انتقلت إلى التاجر باعتبار كونها عوض ملكه، ولا مقتضى للانتقال عنه إلا القول الاول الذى لم يثبت كونه ناقلا لمثلها، كما انه لم يثبت كونه مقتضيا لانتقالها إلى الدلال من أول الامر بل الثابت من قاعدة تبعية ملك الثمن للمثمن خلافه، فلا شئ حينئذ للدلال (بل الربح) جميعه (له) أي


(1) الوسائل الباب 10 - من ابواب احكام العيوب الحديث - 3 - (2) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الحديث - 2 لكن ليس فيه ولكن لا يبيعهم مرابحة

[ 324 ]

التاجر (و) لكن (للدلال أجرة المثل) لاحترام عمله (سواء كان التاجر دعاه) إلى البيع المزبور (أو الدلال ابتداه) لاشتراكهما في جميع ما ذكرنا كما هو واضح. لكن في المقنعة " وإذا قوم على الواسطة المتاع بدراهم معلومة، ثم قال له: بعه بما تيسر لك فوق هذه القيمة وهو لك، والقيمة لي جاز، ولم يكن بين التاجر والواسطة بيع مقطوع فان باعه بدونها، كان عليه تمام القيمة لصاحبه وان لم يبعه كان له رده ولم يكن للتاجر الامتناع من قبوله، ولو هلك المتاع في يد الواسطة، من غير تفريط له فيه كان من مال التاجر ولم يكن على الواسطة فيه ضمان، فان قبض الواسطة من التاجر المتاع على ما وصفناه، لم يجز ان يبيعه مرابحة ولا يذكر الفضل على القيمة في الشراء. وإذا قال الواسطة للتاجر خبرني بثمن هذا المتاع واربح علي فيه شيئا لا بيعه ففعل التاجر ذلك وباعه الواسطة بزيادة على رأس المال والربح كان ذلك للتاجر دون الواسطة، إلا أن يضمنه الواسطة ويوجبه على نفسه، فان فعل ذلك جاز له اخذ الفضل على الربح، ولم يكن للتاجر إلا ما تقرر بينه وبينه فيه " ونحو ذلك في النهاية إلا أنه قال: " في الصورة الثانية للدلال أجرة المثل لا أكثر من ذلك وكان نظرهما إلى الخبر المزبور، وصحيح محمد بن مسلم (1) المروي عن الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام " أنه قال في رجل قال لرجل: بع لى ثوبا لى بعشرة فما فضل فهو لك ليس به بأس " وصحيح زرارة (2) المروى عن الكتب الثلاثة " قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في رجل يعطى المتاع فيقول: ما ازددت علي كذا وكذا فهو لك ؟ فقال: لا باس بذلك، ولكن لا يبعه مرابحة " وموثقته (3) عن ابى جعفر عليه السلام " سألته من الرجل يعطى المتاع فيقال له ما ازددت علي كذ وكذا فهو لك قال لا باس " لكن عن ابن ادريس بعد أن حكى ذلك عن الشيخ قال: " إنه غير واضح وأنه لا يستقيم على أصول مذهبنا، إذ هو ليس بيع مرابحة ولا إجارة ولا جعالة محققة " الى أن قال: " وانما أورد أخبار الاحاد في هذا الكتاب إيرادا لا اعتقادا على ما وردت به الفاظها صحيحة كانت أو


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 2 - 3

[ 325 ]

فاسدة على ما ذكره واعتذر به في خطبة مبسوطه، ورده في المختلف بأن كلام الشيخ محمول على الجعالة على التقدير الاول لكن يبقى الاشكال في الجعالة إذا تضمنت عوضا مجهولا، ويحتمل أن يقال هنا بالصحة، لانا إنما منعنا جهالة مال الجعالة لادائه إلى التنازع و هو منتف هنا، إذ الواسطة إن زاد في الثمن مهما كانت الزيادة له، وإلا فلا شئ له، لانهما إنما تراضيا على ذلك، بخلاف الجعالة المجهولة المؤدية إلى التنازع، وهذا القول لا بأس به عملا بالاحاديث الصحيحة، أما الصورة الثانية، فانه لا جعالة هناك فلهذا أوجبنا على التاجر أجرة المثل، وتبعه في الدروس قال بعد أن حكى عن الشيخين أن الزيادة للدلال إذا قوم التاجر عليه: " ولو بدء الدلال بطلب التقويم، فله الاجرة لا غير "، وسوى الحليون بين الامرين في الاجرة، والاول اثبت، لانه جعالة مشروعة، وجهالة العوض غير ضائره، لعدم افضائه إلى التنازع، وروى ابن راشد (1) " في من اشترى جواري وجعل للبايع نصف ربحها بعد تقويمها أنه يجوز. فان أحبل المالك احديهما سقط حق البايع ". ونحوه في جامع المقاصد الا انه زيد فيه " عدم شئ للدلال على التاجر إذا لم يشترط له شيئا فينبغي أن لا يكون له أجرة المثل أيضا لمثل ذلك " ثم قال " إن ظاهر العبارة قد يشعر بتخيل فرق بين أن يبتدأ الدلال التاجر، وان يبتدئ التاجر الدلال، وبه صرح في الدروس وهو غير واضح، فان الابتداء وعدمه مع حصول التراضي سواء في الحكم، فان من قال لمن ذهب عبده أرد عبدك، على أن لي نصفه ابتداء منه، فقال مولى العبد نعم لك ذلك يستحق ما عين له، إن جوزنا كون العوض مجهولا، وأجرة المثل إن لم نجوزه فلا يفترقان. والظاهر أن الشيخ إنما حكم بعدم شئ في الثانية، لان التاجر لم يلتزم بشئ أصلا، ولا يستحق الدلال اجرة عليه، والروايات لا دلالة فيها على الفرق بين الابتداء اولا والرضا اخرا، والذى يقتضيه النظر أنهما إذا تراضيا، على ذلك سواء تقدم بالقول الدلال أم التاجر، إذا وقع ما يدل على الرضا من الآخر فإنه يكون جعالة، فيصح، ولو أبطلنا أوجبنا أجرة المثل في الموضعين، ولو ان التاجر لم يصرح بشئ لم يكن للدلال شئ إلا أن يأمره


(1) الوسائل الباب 24 من ابواب بيع الحيوان الحديث 6

[ 326 ]

بذلك ويكون له في العادة على مثل هذا اجرة ". وتبعه في كثير من ذلك في المسالك، وفى الجميع ما عرفت من عدم صحة الجعالة فضلا عن الاجارة، لعدم شمول الربح للمالك حين الجعل، والمضاربة شرعت لدليلها، مع أن العامل يملك جزاء، من المال بظهور الربح فيه، بل لو جاز في الجعالة نحو ذلك لكانت المضاربة قسما منها على أنه ليس في الجعالة عموم يشمل الفرض بناء على انها ليس من العقود كي تندرج في عمومها، إذا قلنا انها عبارة عن الايجاب والقبول، لما ستعرفه في محله إنشاء الله من قوة القول بان الجعالة من قسم الايقاع، والمتيقن مما جاء فيها كتابا وسنة كون الجعل مملوكا ذمة أو خارجا، بل هو المناسب لانشاء تمليكه، وإن كان لا يملكه إلا بعد تمام العلم، و حينئذ فلا فرق في عدم جواز الربح جعلا بين كونه لعمل آخر كرد عبد ونحوه وبين كونه لذلك العمل نفسه كما لو قال بعه بالزيادة وهى لك وغير ذلك وما تسمعه انشاء الله في باب الجعالة من التوسعة فيها أنما هي في امر اخر لا ما يشمل المقام فلاحظ وتامل بل الالتزام بمضمون النصوص المزبورة وإن كان مخالفا للقواعد اولى من ذلك وينبغى حينئذ الجمود على ما فيها من ابتداء التاجر الدلال أما العكس فلا دلالة في النصوص حينئذ، فيبقى على القواعد من استحقاق اجرة المثل ولعله لذلك فرق الشيخان فيهما وان أبيت من ذلك فحمل النصوص حينئذ وكلام الشيخين على توكيل التاجر الدلال على قبول المتاع بما فرضه من القيمة على نفسه عند ارادة البيع فيكون بيع المتاع حينئذ له والزيادة له أولى، فهو أشبه شئ بقول المالك أذنت لك ببيع مالى لك وعليك قيمته فإذا باعه تعلقت قيمته، في ذمته بل في عبارتي المقنعة والنهاية ما يشهد له. ولا فرق في ذلك بين ابتداء التاجر بذلك أو الدلال، وليس في كلام الشيخين ظهور في الفرق المزبور الذى لا يكاد يحصل له وجه معتد به كما اوضحه فيما سمعته من جامع المقاصد. نعم الظاهر ان منشأ الفرق فيما ذكره من الصورتين عدم تعرض الدلال والتاجر للزيادة، وانما طلب الدلال الاخبار بالثمن ومقدار الربح كى إذا باعه به فصاعدا يستحق

[ 327 ]

أجرة عمله، ولا يكون للتاجر طريق عليه بانك لم تبعه على ما أريد ومن هنا صرح الشيخ في هذه الصورة بالرجوع باجرة المثل كما سمعت، وبذلك يظهر لك وجه النظر فيما سمعته من جامع المقاصد وبعض من تأخر عنه، كما انه لا يخفى عليك مما ذكرنا ان الاقوى ما ذكره المصنف والفاضل في جملة من كتبه من وجوب أجرة المثل في مفروض المسألة لما عرفت من بطلان ذلك اجارة وجعالة، والنصوص وان كثرت وصح جملة منها وتعاضدت إلا أن اعراض المعظم عنهما مع ذكرهم لها يذهب الوثوق بها والعامل بها بظن أنها جعالة ليس عملا بها حقيقة، بل هو توهم أن مفروضها كذلك، وقد عرفت فساده، بل لعل الشيخين بعدما عرفت من عدم فرقهما بين ابتداء التاجر والدلال لذلك أيضا، بل هي أجمع غير صريحة في لزوم ذلك، بل ولا ظاهرة ظهورا يعتد به، إذ من المحتمل كون المراد نفى البأس عما وقع بينهما مستمرا عليه التراضي منهما، نحو نفى البأس في صحيح عبد الرحمن (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السمسار يشتري بالاجر فندفع إليه الورق ونشترط عليه إنك إن تأتي بما تشترى فما شئت أخذته، وما شئت تركته، فيذهب ويشتري ويأتي بالمتاع فيقول خذ ما رضيت، ودع ما كرهت ؟ قال: لا بأس " والله العالم. (واما التوالية) التى قد تضمنتها جملة من النصوص كصحيح منصور بن حازم (2) وخبر على بن جعفر (3) وخبر معاوية بن وهب (4) وخبر سماعة (5) وخبر أبى بصير (6) وغيرها


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب احكام العقود الحديث - 2 - (2) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 12 (3 - 4 - 5 - 6) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 9 - 11 - 15 - 16

[ 328 ]

وكثير من عبارات الاصحاب كالشيخ وغيره، (فهى أن يعطيه المتاع برأس ماله من غير زيادة) وقد يقوى جريان جميع ما سمعته في المرابحة مما يدخل قيمته في رأس المال من الاعمال، وغيرها، لكن في التذكرة " لابد من كون الثمن مثليا ليأخذ المولي مثل ما بذله، فلو اشتراه بعرض لم تجز التولية، مع أنه، قد ذكر جواز نحو ذلك في المرابحة، وفيه أنه لا ريب في جوازه إذا انتقل ذلك العرض إلى من يرا " توليته كما أنه يقوى جوازها بقيمة العرض بعد الاخبار بذلك، نحو ما سمعته في المرابحة، واحتمال الفرض بينهما بدخول التقويم في الجملة في المرابحة بخلافها باعتبار ظهور مادتها في إرداة العقد، بمعنى إعطاء البيع بنفس ما وقع في ذلك العقد ممنوع وإلا لجرى مثله في المرابحة والمواضعة. وعلى كل حال (فيقول) إذ أراد عقدها (وليتك أو بعتك أو ما شاكله من الالفاظ الدالة على النقل) الذى هو بيع. نعم في جامع المقاصد والمسالك " إنه إن كان العقد بغير لفظ وليتك وجب ذكر الثمن، وإن كان بها لم يحتج، كما أنه فيها وفى غيرها أنه يجعل مفعوله العقد لو كان اللفظ وليتك. ولذا قال في الدروس والمسالك: " إنه يحتمل الاجزاء لو قال وليتك السلعة " قلت: لعل الاستغناء عن الثمن فيما سمعته لصراحة لفظ التولية في البيع برأس المال، فيغنى ذكره قبل العقد عنه فيه، بل أصل المعنى في ولتيك العقد إعطاء السابق، بمعنى تمليك المولى البيع بما ملكه المولي في العقد السابق، لكن لا يبعد الاجتزاء بجعل المفعول السلعة، بل في كثير من نصوصها وقعت مفعولا للتولية، وإن لم تكن في صورة العقد، بل لا إشعار في شئ من النصوص بجعل المفعول العقد، فجعل المفعول السلعة إن لم يكن أولى من كون المفعول العقد في الاستغناء عن الثمن، فلا ريب في مساواته له، بل لا يبعد الاستغناء عنه لو قال بعتك السلعة تولية، بل قد يظهر من القواعد والتذكرة و غيرهما الاجتزاء بلفظ بعتك مع قصد التولية، وإن لم يذكر لفظها، كما أن ظاهرهما الاجتزاء بهما وان لم يذكر لهما مفعولا من السلعة والعقد، إكتفاء بما قدماه على العقد، وكل ذلك غير بعيد.

[ 329 ]

إنما الكلام في اصل العقد بهذا اللفظ أي التولية، ولا يبعد جوازه لاندراجه في عموم الاية (1) بعد أن ذكر جماعة من الاصحاب العقد به، بل ذلك قرينة إلى إرادة العقد بهذا اللفظ في النصوص المشتملة عليها، لا أن المراد البيع برأس المال الواقع بألفاظه الخاصة، ولا يشكل ذلك بعدم جواز العقد بلفظ المرابحة والوضيعة، للفرق بذكر بعض الاصحاب العقد باللفظ الاول دونهما، وبناء على أن المراد في الاية العقود المتداولة لا طريق إلى معرفة ذلك إلا ذكر الاصحاب، مضافا إلى أن التولية ليس إلا البيع برأس المال، بخلاف المرابحة والمواضعة التى لهما أفراد متعددة، لتعدد أفراد الربح والنقصان، وإلى أن كلا من لفظهما لا دلالة في أصله على النقل، بخلاف التولية التى من مشتقاتها الولي بمعنى المالك المتصرف، وهى بمعنى الاعطاء، ونحوه مما يناسب إرادة النقل، فتأمل جيدا. وكيف كان فهى بيع ويلحقها أحكامه من الشفعة والقدرة على التسليم وغيرهما، كما أنه يلحقها الخيار المزبور في المرابحة، لو كذب برأس المال على ما صرح به في التذكرة، لاتحاد الطريق، والزوائد المنفصلة قبل التولية للمولي وبعدها للمولى، بالفتح خلافا لاحد قولي الشافعية والحط من الثمن بعد التولية وقبلها للمولي بالكسر، وفى القواعد " لو باع تولية فحط البايع الاول عنه البعض فله الجميع، وإن كان الحط قبل التولية فله الباقي إن كان بما أدى " وهو جيد إن صدق عليها اسم التولية التى هي كما عرفت البيع برأس المال، ولا ريب في أنه الجميع، ولا ينافيه الحط إذ هو ابراء وحينئذ فالبيع بما أدى وضيعة لا تولية، والمراد بالبيع بما أدى الاخبار بمقداره قبل، ثم البيع به، لا أنه يناط البيع به ثم يعلم بعد ذلك، ضرورة كونه حينئذ مجهولا فيفسد كما يفسد البيع بذلك، والله أعلم.


(1) سورة المائدة الاية - 1

[ 330 ]

(واما المواضعة) (فانها مفاعلة من الوضع) بمعنى الحط إذ هي النقصان قدرا من رأس المال، ولا ريب في جوازها إذ هي كالمرابحة، إلا أنه قيل بكراهة النسبة إلى رأس المال، نحو ما سمعته في المرابحة، والتسامح فيها يقتضي بالتسامح في البحث عنها، والامر سهل، وحينئذ (فإذا قال بعتك بمائة ووضيعة درهم من كل عشرة فالثمن تسعون) إذ لا ريب في ظهور العبارة في أن الموضوع بعض كل عشرة، لا أن المراد به معنى الوضع لكل عشرة، حتى يكون الموضوع خارجا عنها، كما لو عبر بهذه العبارة التى لا ريب في ظهورها في كون الموضوع للعشرة غيرها، ولذا لم يخالف فيه أحد، فيكون الثمن أحد وتسعين إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم، وإلا لكان المتجه حينئذ عدم كون الثمن فيما لو قال: من كل أحد عشر درهما ما ذكره المصنف وغيره، بل لا خلاف أجده فيه من أنه أحد و تسعون إلا جزءا من أحد عشر جزء، ولا ريب في أنه خلاف الظاهر، ومحتاج إلى القرينة، فاحتمال جماعة له كما قيل: إن أريد به بحيث يساوى ذلك له، فهو كما ترى، فضلا عن دعوى ظهور العبارة فيه، كما هو واضح، وفى الدروس " ولو قال: بعتك بمائة ووضيعة درهم من كل عشرة، فالثمن تسعون، ولو قال لكل عشرة زاد عشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم، وضابطه إضافة الوضيعة إلى الاصل، ونسبتها إلى المجموع ثم إسقاطها، فالباقي الثمن. ولو قال وضيعة العشرة درهم، إحتمل الامرين نظرا إلى معنى الاضافة من اللام ومن، وإن اثبتا الاضافة الظرفية، فهى كالتبعيضية، والشيخ طرد الحكم بالضابط في وضع درهم من كل عشرة، كانه يجعل من لابتداء الغاية، ويجعل العشرة سالمة للبايع، (وكذا) في كون الثمن تسعين (لو قال) بعتك بمائة (بمواضعة العشرة) درهم،

[ 331 ]

وفاقا للمحكي عن الشيخ لان المنساق إلى الذهن كون الاضافة بمعنى من التبعيضية، فيساوى حينئذ بوضيعة درهم من كل عشرة. لكن في المسالك " تبعا لما عن الميسية أن الاضافة بمعنى من، لا تكون إلا في من البيانية لا التبعيضية، نحو خاتم فضة، وباب ساج، وههو منتف هنا، لاشتراطها بصحة إطلاق المجرور بها على المبين، كما في قوله تعالى (1) " فاجتنبوا الرجس من الاوثان " وقد صرح بذلك المحقق الرضى وابن هشام وناهيك بهما، وحينئذ فينتفى القول بحمل الاضافة في المسألة على معنى من رأسا، لان الموضوع المضاف بعض العشرة ولا يصح الاخبار بها عنه فتعين كونها بمعنى اللام، قلت: فيكون الثمن حينئذ أحد وتسعين إلا جزءا من أحد عشر جزءا نحو المثال الآتي وفيه مضافا إلى ما تسمعه من المناقشة في المثال المساوى له، منع اعتبار ذلك في الاضافة، قال الزمخشري فيما حكي من كشافه في تفسير قوله تعالى (2) " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " أنه يجوز الاضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل ومن الناس من يشترى بعض الحديث الذى هو اللهو منه. وعن السيد الشريف أنه نص في بيان معنى فاتحة الكتاب، أن الاضافة بمعنى من قد تكون في من التبعيضية، ونقله عن بعضهم وعن صاحب الكشاف، ومن ذلك ينقدح قوة جواز الاضافة بمعنى التبعيض الذى هو أعم من البيانية التى ذكرها، وأنه لا يعتبر صحة الحمل ولعل التبعيض بالمعنى المزبور حاصل حتى فيما ذكره من المثالين، خصوصا وقد ذكر هذا الاحتمال جماعة من المحققين، كالشيخ والمصنف والفاضل والشهيد وفخر الاسلام والمحقق الثاني وغيرهم، حتى أن جماعة توقفوا في الترجيح بينه وبين كون الاضافة بمعنى اللام، بل صرح بعضهم بالبطلان مع عدم القرينة لتكافوء الاحتمالين، وكل ذلك دليل على صحته، وإن كان الاقوى ترجيحه على اللام بالتبادر في عرفنا الآن، وترجيح ذلك عليه بالقياس على المرابحة، فإنه إذا قال: رأس مالي مثلا عشرون، و بعتك برأس مالي مع مواضعة العشرة درهمين ونصف، فلو فرض أن ذلك كان بصيغة


(1) سورة الحج الاية - 30 (2) سورة لقمان الاية - 6

[ 332 ]

المرابحة صار المجتمع خمسة وعشرين، ونسبة الخمسة إليها الخمس، فينبغي سقوط الخمس من الثمن، لو كان بصيغة المواضعة وهو أربعة فيكون الثمن ستة عشر درهما، ليس بأولى من القول بملاحظة نسبة الوضيعة إلى رأس المال، وأنه يسقط بقدرها، فيكون الثمن خمسة عشر، لان نسبة الخمسة إلى العشرين الربع، وحينئذ ففي المثال تنسب العشرة إلى الماءة وتسقط من الثمن فيبقى تسعون، ضرورة أن نسبتها العشر، لا أنه تنسب العشرة إلى القدر المجتمع منها ومن رأس المال فيكون الساقط جزءا من أحد عشر فتأمل جيدا (ولو قال): بعتك بمائة ووضيعة درهم (من كل أحد عشرة، كان الثمن أحدا وتسعين إلا جزءا من أحد عشر جزء من درهم) بلا خلاف أجده فيه هنا، لكن قد يشكل بأن الظاهر الوضع لكل عشرة درهم، فبعد حذف التسعة عن المائة، لا ينبغى وضع شئ آخر عن الواحد، لعدم كونه عشرة، فيكون الثمن حينئذ أحدا وتسعين، مضافا إلى أصالة عدم الوضع، فلو ادى البايع هذا المعنى حمل عليه، ولو مات ولم يفسر حمل عليه أيضا، اللهم إلا أن يقال: إن المراد الحط لكل عشرة أجزاء، جزء من خارج درهما كان أو عشرة، ملاحظة لجانب المشتري، لان الاصل عدم الزيادة، ولعله على ذلك مبنى كلام الاصحاب، ولا بأس به مع مساعدة العرف عليه، وأما التشريك فقد تقدم سابقا بعض الكلام فيه وفى الدروس هنا هو أن يجعل له فيه نصيبا برأس ماله، وهو بيع أيضا ولو أتى بلفظ التشريك، فالظاهر الجواز، فيقول شركتك في هذا المتاع نصفه بنصف ثمنه، انتهى وفيما ذكره أخيرا بحث. (الفصل السابع في الربا) المحرم كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا من المؤمنين بل المسلمين، بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين، فيدخل مستحلة في سلك الكافرين، كما يؤمي إليه ما رواه


(1) سورة البقرة الاية 274 وسورة آل عمران الاية 129 (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الربا -

[ 333 ]

ابن بكير (1) " قال: إنه بلغ أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللبا، فقال لئن أمكننى الله منه لاضربن عنقه " ونحوه غيره " والدرهم من الربا يمحق الدين ويورث الفقر ان تاب " (2) " بل هو عند الله أشد من عشرين زنية " (3) " بل ثلاثين " (4) " بل سبعين كلها بذات محرم في بيت الله الحرام " (5) " بل للربا سبعون بابا أهونها عند الله كالذي ينكح أمه في الكعبة " (6) " ولذا كان أخبث المكاسب وشرها، (7) ومن أكله ملاء الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل "، (8) ومن اكتسب منه مالا لم يقبل الله منه شيئا من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده قيراط واحدا " (9) وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله لما اسرى به إلى السماء أقواما يريد أحدهم أن يقوم، فلا يقدر من عظم بطنه، فسأل جبرئيل عنهم، فقال له: هم الذين يأكلون الربا " (10) " فلعن الله آكله ومشتريه و بايعه وكاتبه وشاهديه والزايد والمستزيد في النار " (11) لكن في الدروس ولو اضطر الدافع ولا مندوحة فالاقرب ارتفاع التحريم في حقه، وهو جيد في بعض أفراد الضرورة " وإنما حرمه الله لئلا يترك الناس فعل المعروف من القرض وغيره (12) بل لتركوا التجارات أيضا (13) بل هو في نحو شراء الدرهم بالدرهمين من السفه المفسد للمال كما أومى إليه الرضا عليه السلام (14) في جواب السؤال عن علة تحريمه " قال: لما فيه من فساد الاموال لان الانسان إذا اشتري الدرهم بالدرهمين كان ثمن درهم درهما وثمن الآخر باطلا فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال، على المشتري، والبايع، فحرم الله عزوجل على العباد الربا، لعلة فساد الاموال، كما حظر


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب الربا - الحديث - 1 - (2) (3) (4) (5) (6) (7) (8) الوسائل الباب - 1 من ابواب الربا الحديث - 7 - 6 - 5 - 1 - 12 - إلى 23 (9 و 10) الوسائل الباب 1 - من ابواب الربا الحديث 15 - 16 (11) الوسائل الباب 4 من ابواب الربا الحديث 1 - 5 (12 و 13 و 14) الوسائل الباب 1 من ابواب الربا الحديث 4 - 8 - 11

[ 334 ]

على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده، حتى يونس منه رشد، فلهذه العلة حرم الله عزوجل الربا وبيع الربا بيع الدرهم بالدرهمين ". ومنه كغيره يعلم أن ليس المراد من الربا المحرم مطلق الزيادة، كما هو معناه لغة، بل المراد به كما في المسالك وغيرها " بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع عليه السلام أو في العادة مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكما، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة، وإن لم يكونا مقدرين بها إذا لم يكن باذل الزيادة حربيا، ولم يكن المتعاقدان والدا مع ولده. ولا زوجا مع زوجته " وإن كان تعريفه بذلك لا يخلو من نظر، من وجوه إلا أنه يسهل الخطب عدم إرادة تعريف الحقيقي، بل قد يقال: إن المراد به شرعا المعنى اللغوي، لكن في خصوص النسيئة والبيع أو مطلق المعاوضة، بناء على تعميمه بالشرائط التى تسمعها إنشاء الله، وبيع الربا هو البيع المشتمل على الزيادة كما أومى الرضا عليه السلام بما سمعت، وعن حواشى الشهيد وآيات المقداد وجامع المقاصد أنه شرعا زيادة أحد العوضين إلى آخر ما سمعته من المسالك، وعن فقه القران للراوند أصل الربا الزيادة والربا هو الزيادة على رأس المال من جنسه أو مماثله إلى غير ذلك، مما يرجع إلى ما ذكرنا من النصوص وغيرها، فضلا عن التبادر. ومن هنا ربما قيل بأن المتجه بحسب القواعد صحة معاملة المشتملة عليه، و اختصاص الفساد بالزيادة، لانها هي محل النهي فبيع المثلين حينئذ بالمثل كبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه، في عقد واحد الذى يصح في الاول، ويبطل في الثاني. نعم لا يبعد التسلط على الخيار مع الجهل وحينئذ فلابد من الاستدلال على الفساد بدليل خاص غير تحريم الربا لكن لا يخفى أن ظاهر الاصحاب بل وجملة من النصوص تحريم نفس المعاملة وما يحصل بها، فما يأخذه من الغريم من رأس المال والزيادة حرام، وكذا ما يعطيه، وعن مجمع البيان معنى أحل الله البيع وحرم الربا: أحل البيع الذى لا ربا فيه، وحرم البيع الذى فيه الربا، فيمكن كون النهى هنا كالنهي عن بيع الملامسة و

[ 335 ]

المنابذة مما لا إشكال عندنا في اقتضائه الفساد، وأنه ليس كالنهي عن البيع وقت النداء أو يرجع إلى النهى عن نفس العوض والمعوض عنه، وهو لا ريب في إقتضائه الفساد. بل يمكن إستناد الفساد إلى قاعدة تبعية العقود، للقصود، ضرورة أن البايع أو المشترى إنما بذل المثل في مقابلة المثلين، فان لم يتم له بطل القعد، وليس هو كبيع الشاة والخنزير التى يبطل من الثمن ما قابلها، فيبقى الاخر بما قابله منه، لان البطلان في الزيادة هنا بلا مقابل وهو أمر غير مقصود، للمتعاملين، فلو صح العقد وقع ما لم يقصد، وما قصد لم يقع كما هو واضح. نعم قد يقال بصحة المعاملة إذا كانت الزيادة خارجة عن أحد العوضين، كما إذا كانت شرطا ونحوه بناء على أن بطلان الشرط لا يقضى ببطلان العقد، مع احتمال القول بالفساد هنا، وإن نقل به هناك، لظهور النص والفتوى في أن الربا متى دخل المعاملة أفسدها على أي وجه كان دخوله، فيختص النزاع السابق حينئذ بما إذا لم يكن فساد الشرط لانه ربا، ومن هنا كان اشتراط الاجل في أحد المتماثلين ربا، وفى خبر خالد بن الحجاج (1) " سألته عن رجل كانت لي عليه ماءة درهم عددا قضانيها مائة درهم وزنا، قال: لا بأس ما لم تشارط، قال: وقال: جاء الربا من قبل الشرط. وإنما تفسده الشروط " فالاقوى البطلان حينئذ وإن كان الربا شرط، ولا ينافى ذلك ما تسعمه انشاء الله من النصوص والفتاوي في وجوب رد الزيادة في حالي العلم و الجهل وعدمه، كما ستعرف. وقد تلخص مما ذكرنا فساد المعاوضة الربوية على كل حال سواء قلنا بكون النهى عنها، أو قلنا بأن النهى عن الزيادة، وأما الاول فواضح، وأما الثاني فلان المراد من النهى عن الزيادة معاملة المثل بالمثلين مثلا، وهى مباينة لمعاملة المثل بالمثل على وجه لا تتحق الثانية في ضمن الاولى، كى يكون النهى متعلقا بالزيادة نحو شراء


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث - 1

[ 336 ]

الشاة والخنزير، فإنهما معا يحصلان بعقد واحد، فيصح بالمحلل ويبطل بالمحرم، و ليس ما نحن فيه كذلك قطعا، ضرورة عدم حصول معاملة المثل بالمثل في ضمن معاملة المثل بالمثلين، مع زيادة لما عرفت من مباينتهما على وجه لا يجتمعان، فانه متى تحقق أحدهما خرج عن موضوع الاخر. نعم لو فرض عقد واحد اشتمل على معاملة المثل بالمثل وعلى معاملة المثل بالمثلين أمكن حينئذ التزام كونه كالشاة والخنزير وليس المقام من هذا القبيل قطعا، فليس حينئذ معاملة الثمل بالمثلين الا من العنوان المحرم، لا أنه اجتمع فيه المحلل والمحرم وكيف يتصور اجتماعهما بعد اعتبار الشارع في المثل بالمثل عدم الزيادة فتأمل جيدا فانه دقيق نافع. (و) كيف كان ف‍ (هو) أي الربا (يثبت في البيع) بلا خلاف بين المسلمين بل هو كالضروري من الدين، لكن (مع وصفين) أحدهما إتحاد الثمن والمثمن في (الجنسية) (و) الثاني كونهما مما يعتبران ب‍ (الكيل والوزن و) كذا ثبوته (في القرض) فيتحقق فيه (مع اشتراط النفع) بالعين أو الصفة من غير فرق فيه بين المكيل والموزون، وغيرهما فهو أعم موضوعا من الاول فلابد للفقيه حينئذ من البحث في حكم كل منهما وشرائطه - ولذا قال المصنف (أما الثاني) أي ربا القرض (فسيأتي) البحث فيه، في بابه. (وأما الاول فيقف بيانه على أمور) أربعة لكن ينبغى أن يعلم أولا أن الظاهر ما صرح به المصنف في باب الغصب من ثبوت الربا في كل معاوضة، وفاقا للمحكي عن السيد والشيخ والقاضى وابن المتوج وفخر المحققين والشهيدين و ابن العباس والقطيفي والعليين والاردبيلى وغيرهم، بل نسبته الاخير في آيات أحكامه إلى الاكثر، لاطلاق ما دل على حرمته من الكتاب والسنة، أذ هو الزيادة المتحقق صدقها في البيع وغيره.

[ 337 ]

ودعوى - أنه البيع والقرض مع وصف الزيادة كما يومئ إليه تعريف بعضهم له بذلك أو أنه الزيادة فيهما خاصة لغة أو شرعا - لا شاهد لها، بل الشواهد جميعا على خلافها حتى ما ورد (1) في وجه تحريمه من تعطيل المعاش، (2) واصطناع الناس المعروف ونحوهما. بل والصحاح المستفيضة التى سيمر عليك كثير منها، كقول الصادق عليه السلام في صحيح ابى نصر (3) " الحنطة والشعير رأسا برأس لا يزداد واحد منهما على الاخر إلى أن قال: والدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به " وفى آخر (4) كان علي عليه السلام " يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال " وقال عبد الرحمن (5) للصادق عليه السلام أيضا " أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير ؟ فقال: لا يجوز إلا مثلا بمثل " كقوله أيضا في صحيح الحلبي (6) " الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيها زيادة ولا نقصان الزائد و المستزيد في النار " وسأل محمد أبا جعفر عليه السلام (7) عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكل عشرة ارطال اثنى عشر رطلا دقيقا فقال: لا قلت: الرجل يدفع السمسم إلى العصار ويضمن لكل صاع أرطالا مسماة. قال: لا " بل قيل إنه صريح في المطلوب إلى غير ذلك من النصوص، الظاهرة بسبب الاطلاق أو ترك الاستفصال في حصول الربا بالزيادة في مطلق المعاوضة، المعتضدة مع ذلك كله بالاحتياط.


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 من ابواب الربا الحديث 8 - 3 (3) الوسائل ذكر صدره في باب 8 من ابواب الربا عن أبى بصير الحديث 3 وذكر ذيله عن زرارة في باب 9 الحديث 4 (4) الوسائل الباب 15 من ابواب الربا الحديث 1 (5) الوسائل الباب - 8 - من ابواب الربا الحديث - 2 (6) الوسائل الباب 1 من ابواب الصرف الحديث - 1 (7) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث - 3 -

[ 338 ]

خلافا للحلي والفاضل فخصاه بالبيع، والقرض، للاصل بعد دعوى أن الربا الزيادة فيهما، أو أن المنساق من الادلة ذلك، سيما بعد أصالة البيع في المعاوضة، ولو لانه الكثير الشايع، فنصوص الاستدلال ونحوها تنصرف إليه، وفيه ما عرفت، وحينئذ فينقطع الاصل بما سمعته، مؤيدا بالشهرة العظيمة، بل قيل إن الفاضل قد رجع عنه في كتاب الصلح من القواعد، فينحصر الخلاف حينئذ بالحلي، واقتصار المصنف هنا على البيع مع تصريحه في الغصب بالعموم، لا يعد خلافا كتعريف بعضهم له بذلك مع تصريحه في غير المقام بالتعميم، الكاشف عن عدم إرداة الاختصاص بذلك، وأنه ذكره لكون البيع محل البحث، فتأمل جيدا، والله أعلم. وكيف كان ف‍ (الاول) من الامور (في بيان الجنس) الذى قد عرفت إعتبار إتحاده في المنع من الربا كما ستعرف دليله، نعم قد صرح غير واحد أن المراد به في النص والفتوى الحقيقة النوعية المسماة في المنطق بالنوع، وفى اللغة بالجنس، لكن اعترف في جامع المقاصد بأن ذلك يعسر الوقوف عليه، بل عن مجمع البرهان أنه متعسر، بل قيل إنه متعذر، وهو كذلك، ضرورة صعوبة الوصول إلى معرفة الذاتيات، بحيث يفرق فيها بين الجنس والنوع، والنصف والفرد، على وجه يطمئن به (و) لعله لذا جعل (ضابطه) في السرائر والتذكرة والتحرير والدروس واللمعة وغيرها (كل شيئين) مثلا (يتناولهما لفظ خاص كالحنطة) مثلا (بمثلها والارز بمثله) ولعله لان الاتفاق في ذلك كاشف عن الاتحاد في الحقيقة النوعية. كما يؤمي إليه الجمع - في المحكي عن الكفاية - بينهما، فقال: إن المراد بالجنس الواحد الحقيقة النوعية، وضابطه أن يتناولها لفظ خاص، وكان وجه ذلك معلومية إرادة كون التناول للاشتراك في القدر المشترك بين الافراد الذى لا قدر غيره أخص منه، فلا أثر للتناول بالاشتراك اللفظى، ولا للتناول بالاشتراك في الجنس الذى تحته قدر أخص منه، لافراد خاصة من ذلك الجنس ولا أقل من أن يكون ذلك قاعدة مطردة حتى يعلم خلافها، كاطراد قاعدة إقتضاء إختلاف اللفظ الخاص إختلاف الحقيقة حتى يعلم، فلا يرد

[ 339 ]

حينئذ تناول لفظ الطعام والحب ونحوهما مما هي أسماء أجناس تحتها أقدار مشتركة أخص منها، كما لا يرد الاتحاد هنا في الشعير والحنطة مع اختلاف اللفظين، مع إمكان التخلص عن الاخير بطريق آخر، هو ما أشارت إليه النصوص، من أن الاتحاد في باب الربا بينهما باعتبار كون الشعير من الحنطة، وأنها هي أصله، لا باعتبار اتحادهما في الحقيقة، الآن ومثله حينئذ كاف في تحقق الربا، وإن اختلفت الحقيقة، وكان إطلاق الاصحاب في أول البحث الاكتفاء باتحاد الجنس، مع جريان الربا في المختلف إذا كان أحدهما أصلا والاخر فرعا، إتكالا على ما يذكرونه بعد ذلك، أو يريدون إتحاد الجنس ولو بالاصل. نعم الظاهر الاكتفاء بذلك إذا كانت الحقيقة الفرعية متخذة من ذلك الاصل لا غير كالشعير من الحنطة. والتمر من الطلع مثلا، فلا يرد حينئذ معلومية عدم الربا بين التمر والملح الذى يفرض استحالته، لان حقيقة الملح ليست متخذة منه، بل هو إستحالة لخصوص فرد فتأمل جيدا. فانه دقيق نافع. وتسمع له فيما ياتي تتمة انشاء الله. وبذلك كله يظهر لك ارتفاع الاشكال عن المسألة وإن التبس الامر على بعض المحققين، من متأخرى المتأخرين، ولو فرض حصول فرد مشتبه بين كونه متحد الجنس ومختلفه، فظاهر اعتبار الاصحاب اتحاد الجنس في الحرمة الحل لان الشك في الشرط شك في المشروط، والفرض كون المحرم مشروطا دون الجايز الباقي على مقتضى العموم. نعم قد يقال إن ظاهر النصوص الاشتراط في كل منهما، لقوله فيما تسمع (1) " إذا اختلف الجنسان أو الشيئان فبيعوا كيف شئتم " ونحوه غيره، وقوله (2) " كل شيئ يكال أو يوزن فلا يصلح


(1) المستدرك ج 2 ص 480 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الربا الحديث 3

[ 340 ]

مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد " فيكون كل من الجايز والمحرم مشروطا بشرط، فمع فرض الشك يتجه الفساد، لاصالة عدم ترتب الاثر، وعدم النقل والانتقال، و نصوص (1) " كل شئ يكون فيه حلال وحرام " في غير الفرض، كما يشهد له إتفاقهم على عدم جريانها في المشتبهة من النساء بين الاجنبية والنسبية، وليس إلا لاشتراط كل من الحل والحرمة بشرط فرض الشك فيه، فيبقى أصل عدم ترتب الاثر بحاله، كبقاء مقتضى قاعدة المقدمة. نعم قد يقال بالحلية في المشكوك في حصول سبب التحريم، نحو ما أشارت إليه النصوص (2) بأن جارية تحتك ولعلها اختك " وللسيرة والطريقة وغيرهما، وبذلك ظهر لك أن مقتضى النصوص في المقام الفساد، إلا أنه بملاحظة إقتصار الاصحاب الشرطية في المحرم دون غيره، يحكم بالحل في المشتبه فتأمل جيدا. وعلى كل حال " فيجوز بيع المتجانس " بمثله (وزنا بوزن نقدا) بلا خلاف ولا إشكال (3) نصا وفتوى عموما (و) خصوصا كما أنه (لا يجوز مع الزيادة) الجنسية لذلك. نعم في المسالك. " هذا إذا كان أصلهما الوزن، أما لو كان أصلهما الكيل ففى الاكتفاء بتساويهما وزنا خاصة نظر، من كون الوزن أضبط، حتى قيل إنه أصل للكيل، ومن ورود الشرع والعرف بالكيل، فلا يعتبر بغيره، وظاهر كلام المصنف إختيار الاول، وهو متجه، بل نقل بعضهم الاجماع على جواز بيع الحنطة والشعير وزنا مع الاجماع على كونهما مكيلين في عهده عليه السلام قلت: ستسمع تحقيق المسألة في الفرع الاول والله أعلم. (و) أما إذا كانت الزيادة حكمية، كالاجل فلا خلاف محقق معتد به في عدم الجواز ف‍ (لا يجوز) حينئذ (إسلاف أحدهما في الآخر،) لكن قال المصنف هنا (على الاظهر) ولعله أشار به إلى ما حكاه في المختلف عن الخلاف من كراهة بيع


(1 و 2) الوسائل الباب 4 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1 - 4 (3) الوسائل الباب 8 - 9 من ابواب الربا

[ 341 ]

المتجانسين متماثلا نسيئة، والمبسوط من أن الاحوط أن يكون يدا بيد. وفي الدروس " إنه أول كلامه، بإرادة التحرير لان المسألة إجماعية، " قلت: لانه نفسه منع من بيع الثياب بالثياب والحيوان بالحيوان نسيئة، فضلا عما نحن فيه، فمثله حينئذ لا يعد خلافا بعد الاجماع بقسميه، وظهور النصوص في تحقق الربا بذلك، بل ستعرف القول بتحققه بذلك مع اختلاف الجنس، فضلا عن متحده. (و) حيث يجوز بيع المتجانسين (لا يشترط) في صحته (التقابض قبل التفرق) عندنا، كما عن التذكرة لاطلاق الادلة السالم عن المعارض، ضرورة عدم الربا بعد أن كانا حالين، وإن قبض أحدهما وبقى الآخر فاليد باليد، إن كان في الادلة يراد به نفى النسيئة، كما هو معلوم، (إلا في الصرف) فيجب التقابض فيه حتى مع اختلاف الجنس، للادلة التى ستسمعها في محلها، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، إلا من ابن زهرة في الغنية فأوجب التقابض قبل الافتراق في بيع المتجانسين، وهو غريب، لم أجد من وافقه عليه. وأغرب منه دعواه نفى الخلاف عنه في الظاهر، (ولو اختلف الجنسان) في الربويين (جاز التماثل والتفاضل نقدا)، بلا خلاف كما اعترف به بعضهم، بل الاجماع بقسميه عليه، للاطلاق والنبوى (1) المجمع عليه كما في السرائر " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " وقول أبى جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (2) " إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد " كقول الصادق عليه السلام (3) في موثق سماعة: " المختلف مثلان بمثل


(1) المستدرك ج 2 ص 480 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الربا الحديث 1 (3) الوسائل الباب 13 من ابواب الربا الحديث - 9

[ 342 ]

يدا بيد لا بأس به " وفى موثقه الآخر (1) " سألته عن الطعام والتمر والزبيب قال: لا يصلح منها إثنان بواحد إلا أن تصرفه إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به إثنين بواحد وأكثر من ذلك ". وفى صحيح الحلبي أو حسنته عن الصادق عليه السلام (2) " ويكره قفيز لوز بقفيزين ولكن صاع حنطة بصاعين من تمر أو بصاعين من زبيب " وسأله أيضا في صحيحه الاخر (3) " عن الزيت بالسمن إثنين بواحد قال يدا بيد لا بأس به " وفى الموثق (4) " كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد " وغير ذلك من النصوص مفهوما ومنطوقا بل إليه يؤمي نصوص الجواز فيما يعمل من جنسين المعلوم بناء الجواز فيها على صرف كل إلى ما يخالفه كما هو واضح، هذا كله في النقد. (و) اما (في النسيئة) فإن كان كل من العوضين من الاثمان فهو صرف لا تجوز فيه كما تعرفه في محله، وإن كان أحدهما منهما والآخر من العروض فلا خلاف أجده في جواز التماثل والتفاضل بل الاجماع بقسميه عليه، إذ هو إما نسيئة أو سلم، وكل منهما مجمع على جوازه، بل لعله من الضروريات المستغني عن الاستناد إلى إطلاق الادلة ونحوه، وإن لم يكن ذلك بل كان عرضا بعرض ففيه (تردد) وخلاف فعن ابني أبي عقيل والجنيد والمفيد وسلار وابن البراج عدم الجواز، والمشهور نقلا وتحصيلا بل لعل عليه عامة المتأخرين الجواز، (و) لا ريب في أن (الاحوط المنع) وإن كان الاقوى خلافه، لاطلاق الادلة الذى يقصر معارضه عن تقييدة، سندا في البعض، ودلالة في الجميع، إذ هو إما البأس في المفهوم الذى هو أعم من الحرمة، كلفظ لا يصلح الذى ادعي ظهورها في الكراهة، ولو للشهرة، والتعبير بلفظها في مضمر على ابن ابراهيم الطويل وغير ذلك،


(1) (2) (3) الوسائل الباب 13 من ابواب الربا الحديث 5 و 3 و 7 - مع اختلاف يسير (4) الوسائل الباب 16 من ابواب الربا الحديث 3

[ 343 ]

ولذا صرح بها هنا غير واحد من الاصحاب، بل في الغنية الاجماع عليها، وهو دليل آخر على المطلوب، فالاستدلال - بصحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام (1) الذى رواه محمد بن سنان عنه أيضا " قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع شئ من الاشياء متفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح ". ونحوه خبر زياد بن ابى غياث (2) إلا أنه قال: " فأما النسيئة فلا يصلح " - لا يخفى عليك ما فيه خصوصا، بعد معلومية ما دل على اعتبار إتحاد الجنس في تحقق الربا إن أريد بعدم الجواز هنا للربا، كما هو الظاهر استبعادا لارادة التعبدية دون الربوية ولانه الظاهر مما ذكر دليلا لهم أيضا، وهو الحديث المشهور (3)، " إنما الربا في النسيئة " الممنوع ارادة الشمول لما نحن فيه منه، الموهون بمتروكية الحصر فيه، على ان من المعلوم عدم إرادة مطلق الزيادة من الربا فيه، بل المراد بالشرائط المعتبرة، ومن جملتها عند علمائنا كما في المختلف إتحاد الجنس الذى صرحت به الصحيحة المتقدمة كل ذا، مع احتمال وروده كالنصوص السابقة مورد التقية، لكون المنع مذهب العامة، كما يلوح من الغنية، ويؤيده مصير الاسكافي، وقد ظهر لك من ذلك كله وجه ما ذكر المصنف من الاحتياط، وغيره من الكراهة، ولو من جهة الشبهة الناشئة من أدلة المنع المزبور سيما مع صحة بعضها، واحتمال إرادة الحرمة من نفى الصلاحية، إما من حيث الصيغة كما ادعاه بعض الناس، أو من حيث غلبة التعبير به وبلفظ الكراهة عن الحرمة في باب الربا مؤيدا ذلك بفتوى من عرفت. لكن في الرياض " أن المستفاد من النصوص المزبورة المنع في خصوص الزيادة العينية، لا الحاصلة بمجرد النسيئة ونحوهما من الزيادات الحكمية، فالفتوى بانسحاب


(1) الوسائل الباب 13 - من ابواب الربا الحديث 2 (2) الوسائل الباب 17 من ابواب الربا الحديث 14 (3) كنوز الحقائق في هامش جامع الصغير ص 75 الطبع عبد الحميد احمد

[ 344 ]

المنع فيها لا وجه له مطلقا، حرمة كان أو كراهة، إلا أن المصير إلى الاخير بناء على المسامحة غير بعيد " قلت: لعل الوجه في المنع ما عرفت من دعوى أن ذلك من الربا الذى يتحقق بكل من الزيادتين، فلاحظ وتأمل. والامر سهل، بعد ما سمعت من صفته على كل حال والله اعلم. (والحنطة والشعير جنس واحد في) حكم (الربا على الاظهر) الاشهر بل المشهور نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة خصوصا بين المتأخرين، بل عليه عامتهم، عدا ابن ادريس بل كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الغنية، ومحكي خلاف الشيخ لا (لتناول اسم الطعام لهما) إذ قد عرفت أنه غير مجد بعد الاختلاف في الاسم الخاصة الظاهر في اختلاف الحقيقة لا إختلاف صنف، بل للنصوص المستفيضة التى كادت تكون متواترة كقول الصادق عليه السلام في صحيح ابى بصير (1) الذى رواه المشايخ الثلاثة " الحنطة و الشعير رأسا برأس لا يزداد واحد منهما على الاخر " وفى صحيح الحلبي أو حسنه (2) المروي في الكافي والتهذيب " لا يباع مختومان من الشعير، بمختوم من الحنطة ولا يباع، إلا مثلا بمثل والثمرة أيضا مثل ذلك، قال: وسئل عن الرجل يشتري الحنطة ولا يجد عند صاحبها إلا شعيرا، أيصلح له أن ياخذ اثنين بواحد ؟ قال: لا إنما أصلهما واحد " وزاد في الكافي وكان علي عليه السلام يعد الشعير بالحنطة " أي ويعدهما واحدا وقال سماعة في الموثق (3) " سألته عن الحنطة والشعير فقال: إذا كانا سواء فلا بأس " وقال البصري (4) قلت: لابي عبد الله عليه السلام " أيجوز قفيز من الحنطة بقفيزين من شعير ؟ فقال: لا يجوز إلا مثلا بمثل، ثم قال: إن الشعير من الحنطة " وقال الباقر عليه السلام في صحيح زرارة ومحمد (5) " الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، والسويق مثلا بمثل، والشعير بالحنطة مثلا بمثل لا باس به، " وفى


(1 و 2) الوسائل الباب - 8 من ابواب الربا الحديث 3 و 4 (3 و 4) الوسائل الباب 8 من وابواب الربا الحديث 6 - 2 (5) الوسائل الباب 9 من ابواب الربا الحديث 2

[ 345 ]

خبر محمد بن قيس (1) " أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا تبع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد، ولا تبع قفيز من حنطة بقفيزين من شعير " كقول الصادق عليه السلام في مرسل صفوان (2) " الحنطة والشعير لا بأس به رأسا برأس " وسأله أبو بصير (3) " عن الحنطة بالشعير والحنطة بالدقيق ؟ قال: إذا كان سواء فلا بأس، وإلا فلا " وقال هشام بن سالم في الصحيح (4) " سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكرار فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له: خذ مني مكان كل قفيز قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل، قال: لا يصلح لان أصل الشعير من الحنطة، ولكن يرد عليه من الدراهم بحساب ما نقص من الكيل " إلى غير ذلك من النصوص، وكأنه أشار عليه السلام بالاصالة المزبورة إلى ما رواه الصدوق (5) بإسناده " أن على بن ابي طالب عليه السلام سئل مما خلق الله الشعير، فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر آدم أن ازرع مما اخترت لنفسك وجائه جبرئيل عليه السلام بقبضة من الحنطة فقبض آدم عليه السلام على قبضته وقبضت حوا على أخرى، فقال آدم لحوا: لا تزرعي أنت فلم تقبل أمر آدم فكلما زرع آدم جاء حنطة، وكلما زرعت حوا جاء شعيرا ". ومن الغريب بعد ذلك كله اختيار ابن ادريس العدم، وأغرب منه دعواه أنه لا خلاف بين المسلمين، العامة والخاصة، ولا بين أهل اللغة واللسان في أنهما جنسان، وأنه لم يذهب إلى الاتحاد غير شيخنا أبي جعفر والمفيد ومن قلده في مقالته، وتبعه في تصنيفه، وإلا فجل أصحابنا المتقدمين ورؤساء مشايخنا المصنفين الماضين، لم يتعرضوا لذلك، بل افتوا بأنه إذا اختلف الجنس فلا بأس ببيع الواحد بالاثنين، مثل شيخنا ابن بابويه، و السيد المرتضى، وعلى ابن بابويه وغيرهم، بل أبو على بن الجنيد من كبار فقهاء أصحابنا


(1 و 2) الوسائل الباب 8 من ابواب الربا الحديث 8 و 3 (3) ذكر صدره الوسائل في الباب 8 من ابواب الربا الحديث 3 وذيله في الباب 9 الحديث 6 (4) الوسائل الباب 8 من ابواب الربا الحديث 1 (5) المستدرك ج 2 ص 481

[ 346 ]

ذكر المسألة وحققها وأوضحها في كتابه الاحمدي، وقال لا بأس بالتفاضل بين الحنطة والشعير لانهما جنسان مختلفان. وكذلك ابن أبى عقيل من كبار مصنفي أصحابنا قال: " وإذا اختلف الجنسان فلا بأس ببيع الواحد بأكثر منه وقد قيل: لا يجوز بيع الحنطة والشعير إلا مثلا بمثل سواء، لانهما من جنس واحد، وبذلك جاءت بعض الاخبار، والقول والعمل على الاول، وأطنب في المقال، وكان فيما قال: إن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا واستدل أيضا بقوله عليه السلام (1) " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ": وقد اختلف الجنس في الحنطة والشعير صورة، وشكلا، ولونا، وطعما، ونطقا، وإدراكا، وحسا، ونحو ذلك مما هو غير خفي على أصاغر الطلبة، فضلا عن أجلاء الاصحاب " ومع ذلك فيه أولا أنه مبني على أصل فاسد كما حرر في الاصول، بل أساء الادب معه في الحدائق هنا، فقال الواجب عليه مع رده هذه الاخبار ونحوها من أخبار الشريعة هو الخروج من هذا الدين إلى دين آخر، وثانيا منع كونها آحادا بل هي إن لم تكن متواترة، فمضمونها بسبب اعتضاد بعضها ببعض، والعمل بها والاجماع ونحو ذلك قطعي، وثالثا إن خلاف القديمين، لا يقدح في سبق الاجماع ولا في لحوقه وابن بابويه قد روى نصوص الاتحاد وظاهره العمل بها. ومن الغريب أن الفاضل في التحرير قد اغتر بنقله، فقال: " قال الشيخ: الحنطة و الشعير جنس واحد وقال ابن ابى عقيل وباقي علمائنا: أنهما جنسان " إذ لم نعرف من عنى بالباقي غير ابني الجنيد وادريس، وقد ظهر لك بحمد الله سقوط القول بالاختلاف المقتضي لجواز التفاضل فيهما والخبر العامي (2) " بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد " لا ينبغى التعويل عليه خصوصا بعد ما قيل من القصور في دلالته أيضا، نعم صرح غير واحد من الاصحاب باختصاص ذلك في باب الربا وإلا ففي الزكوة و


(1) المستدرك ج 2 ص 480. (2) سنن البيهقى ج 5 ص 282

[ 347 ]

غيرها جنسان، ولذا لم يكمل نصاب أحدهما بالآخر، وقاعدة اشتراط إتحاد الجنس في الربا تخص بالادلة المزبورة، قلت: قد يقال: إن النصوص إنما دلت على أن الشعير من الحنطة لا أنهما الآن حقيقة واحدة، لكن الربا يكفي فيه إتحاد الحقيقة فيه سابقا، كما يؤمي إليه التعليل في النصوص المزبورة، وإن اختلف لاحقا، ولذا الحقوا كل فرع بأصله في ذلك، بخلاف الزكوة فإنه لا دليل على ذلك فيها، فيبقى اقتضاء اختلاف الحقيقة اللاحق بحاله فيها، بخلافه في الربا، بل لا تخصيص بقاعدة اشتراط الاتحاد، ضرورة حصوله سابقا وليس المراد منه الاتحاد في ساير الاحوال. فالنصوص حينئذ إنما كشفت عن الاتحاد السابق، وليس هو مما يستبعد اثبات مثله بها، ولا ينبغى معارضتها بمعلومية الاختلاف بين العامة والخاصة في الصورة والطعم و غيرهما، إذ ليس في شيئ منها منافاة لذلك، فتأمل جيدا والله أعلم. والعلس والسلت على القول بأنهما من أفراد الحنطة والشعير فدخولهما فيهما ظاهر، وإن اختصا باسم آخر، وإلا فمقتضى الاسم عدم الالحاق. (وثمرة النخل جنس واحد وان اختلف أنواعه) وكان رديا بلا خلاف أجده فيه، فلا يجوز التفاضل بين ردي الدقل وجيد البرني مثلا، وقد سمعت إطلاق كون الثمرة، كالشعير والحنطة، في صحيح الحلبي (1) كاطلاق موثق سماعة (2) " لا يصلح شئ من الطعام والتمر والزبيب اثنان بواحد، إلا أن تصرفه إلى نوع آخر " إلى آخره، بل في التذكرة أن الطلع كالثمرة وإن اختلف أصولها، وطلع الفحل كطلع الاناث وإن كان لا يخلو من تأمل إن لم ينعقد إجماع عليه، ولعل إدراجه في قاعدة لحوق الفرع بالاصل أولى.


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من ابواب الربا الحديث - 3 - 5

[ 348 ]

وعلى كل حال لا ينافى ما ذكرنا ما في خبر ابن سنان (1) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يكره أن يستبدل وسقا من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة، لان تمر المدينة أدونهما " ومثله خبر ابن مسكان (2) لكن بدون تعليل، إذ الظاهر إرادة الحرمة من الكراهة هنا، خصوصا بعد خبر سيف التمار، (3) قال: " قلت: لابي بصير أحب أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق، قال: فسأله أبو بصير عن ذلك فقال: هذا مكروه، فقال: أبو بصير ولم يكره، فقال: كان على بن ابى طالب عليه السلام يكره ان يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، ولم يكن على عليه السلام يكره الحلال " وفى الكافي قبل قوله ولم يكن " لان تمر المدينة أدونهما " والصواب أجودهما مكان ادونهما، كما في خبر محمد بن قيس (4) سمعت أبا جعفر عليه السلام " يكره وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لان تمر المدينة أجودهما، " الحديث أو مبادلة كل من المدينة وخيبر بالآخر، كما سمعته في خبري ابن سنان ومسكان والله أعلم. وكيف كان فقد ظهر أن ثمرة النخل بجميع أفرادها جنس واحد (وكذا ثمرة الكرم) على اختلافها في الشكل والطعم وغيرهما. وفى موثق سماعة (5) " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن العنب بالزبيب ؟ فقال: لا يصلح إلا مثل بمثل " مع أنه لا خلاف أجده أيضا فيه، وفى القاعدة المعروفة بين الاصحاب قديما وحديثا (و) هي أن (كل ما يعمل من جنس واحد يحرم التفاضل فيه) وإن اختص هو باسم (كالحنطة بدقيقها، والشعير بسويقه، والدبس المعمول من التمر بالتمر، و كذا ما يعمل من العنب بالعنب) إلحاقا للفرع باصله في حكم الربا، للمعتبرة المستفيضة


(1 و 2) الوسائل الباب 15 من ابواب الربا الحديث 2 - 3 (3 و 4) الوسائل الباب - 15 - من ابواب الربا الحديث 1 - 4 (5) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الربا الحديث - 3

[ 349 ]

التى منها صحيح زرارة (1) ومحمد (2) " المتضمن لنفى البأس عن الحنطة بالدقيق إذا كانا مثلا بمثل " كصحيحه (3) الاخر عن الباقر عليه السلام أيضا " الدقيق بالحنطة، والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به ". وموثق سماعة (4) " سألته عن الحنطة والدقيق ؟ فقال: إذا كانا سواء فلا بأس " و قال أبو الربيع للصادق عليه السلام (5): " ما ترى في التمر والبر الاحمر مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس. قلت: فالبختج والعصير مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس " وفى الوافي البختج: العصير المطبوخ معرب مي پخته " وسأل محمد بن مسلم (6) أبا جعفر عليه السلام " عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام، فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكل عشرة أرطال اثنى عشر رطلا دقيقا، فقال: لا قلت: الرجل يدفع السمسم إلى العصار ويضمن لكل صاع أرطالا مسماة ؟ فقال: لا " وسألة أيضا في صحيحه الآخر (7) " عن البر بالسويق ؟ فقال: مثلا بمثل لا بأس به. قلت: إنه يكون له ريع، " أي نماء " أو يكون فيه فضل فقال: أليس له مؤنة ؟ قلت: بلى قال: هذا بهذا، وقال: إذا اختلف الشيئان فلا باس مثلين بمثل " إلى غير ذلك من النصوص المتمم دلالتها بعدم القول بالفضل بين مواردها وبين غيرها مضافا إلى التعليل السابق في نصوص الحنطة والشعير الظاهر في التعدية إلى كل فرع بالنسبة إلى أصله كما حقق في الاصول، بل في مرسل على بن ابراهيم (8) المضمر " وما كيل أو وزن مما أصله واحد،


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث 2 و 41 (4) الوسائل الباب 8 من ابواب الربا الحديث 6 (5) الوسائل الباب 14 من ابواب الربا الحديث 5 (6 و 7) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث 3 - 1 (8) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث 12

[ 350 ]

فليس لبعضه فضل على بعض، كيلا بكيل، أو وزنا بوزن، فإذا اختلف أصل ما يكال، فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، ويكره نسيئة " إلى أن قال: " وما كان أصله واحد أو كان يكال أو يوزن فخرج منه شئ لا يكال ولا يوزن، فلا باس به يدا بيد، ويكره نسيئة، وذلك كالقطن والكتان، فأصله يوزن، وغزله يوزن، وثيابه لا توزن، فليس للقطن فضل على الغزل، وأصله واحد فلا يصلح إلا مثلا بمثل، فإذا صنع منه الثياب صلح يدا بيد، والثياب لا بأس الثوبان بالثوب " ولا يقدح إرساله وإضماره بعد الانجبار بالشهرة العظيمة، بل قيل انها إجماع. وفى التذكرة " الاصل مع كل فرع له واحد، وكذا فروع كل أصل واحد، وذلك كاللبن الحليب مع الزبد، والسمن والمخيض واللبا والمصل والاقط والجبن والترحين والكشك والكامخ والسمسم مع الشيرج والكسب والراشي، وبزر الكتان مع حبة، و الحنطة مع الدقيق، والخبز على اختلاف أصنافه من الرقاق والفرن وغيرهما، ومع الهريسة، والشعير مع السويق، والتمر مع السيلان والدبس والخل منه والعصير منه، والعنب مع دبسه وخله، والعسل مع خله، والزيت مع الزيتون، وغير ذلك عند علمائنا أجمع، فلا يجوز التفاضل بين اللبن والزبد، والسمن والمخيض: واللبا واللاقط، وغير ذلك مما تقدم، بل يجب التماثل نقدا، ولا يجوز نسيئة لا متماثلا ولا متفاضلا، ولا فرق في ذلك بين الاصل مع فرعه، أو بعض فرعه مع البعض " إلى آخره مويدا ذلك كله بعدم العثور على خلاف في شئ من القاعدة المزبورة وفروعها، إلا ما الاردبيلى من التأمل في ذلك، وأنه غير منضبط على القوانين من حيث عدم صدق الاسم الخاص على الجميع، و عدم الاتحاد في الحقيقة. ولهذا لو حلف أن لا يأكل أحدهما لم يحنث بأكل الاخر: فيحتمل كونهما جنسين يجوز التفاضل فيهما، والشرط في النصوص للكراهة مع عدمه، كما في ساير المختلفات

[ 351 ]

قال: " ويمكن أن يكون الاضبط أحد أمرين: إما الاتفاق في الحقيقة أو الاتحاد في الاسم، وهنا الاول متحقق وإن لم يتحقق الثاني، وفيه تأمل ". قلت: كان وجه التأمل عدم تمامية ذلك أيضا ضرورة أنه قد يتخلف الاسم والحقيقة، كالتمر والخل والزبد والمخيض كما اعترف هو به في أول كلامه، ورده بعض الافاضل، بأن مرجع المناقشة المزبورة إلى الشك في المراد من الجنس المشترط اتحاده في الربا بين الربويين، هل هو الحقيقة الاصلية خاصة وإن اختلفت أسماء أفرادها، أو أنه لابد من الاتحاد في الاسم، بناء على دوران الاحكام مدارها في جملة من المواضع بالضرورة، ولا وجه له بعد إمعان النظر فيما قدمناه من الادلة الدالة على إرادة المعنى الاول بلا شبهة وتكون هي المستثنية للمسألة من قاعدة دوران الاحكام مدار التسمية كما سلمه هو في مسألة الحنطة والشعير للنصوص الجارية هنا بمقتضى العلة المنصوصة، ولذا أن الحلي المصر على إرادة المعنى الثاني في مسألة الحنطة والشعير وافق الاصحاب في المسألة، مدعيا في جملة من مواردها إجماع الطائفة. وبذلك يظهر لك الفرق بين المقام وبين ما ذكره فانا لا ننكر دوران الاحكام مدار الاسماء في غير ما نحن فيه، كما هو واضح، وهو جيد لو كانت المناقشة من حيث اختلاف الاسم خاصة، وإلا فحقيقة الاصل والفرع متحدة. اما إذا كانت في مختلف الحقيقة من الفرع الاصل الذي هو فرد من إطلاق القاعدة المزبورة، ومن مقتضيات العلة في نصوص الحنطة والشعير، فمن الواضح عدم توجه بعض ما في الرد عليها من هذه الحيثية، ضرورة إمكان منع دلالة النصوص وغيرها على نحو ذلك أولا، ومنع تسليمه ثانيا، لمعارضته بما دل " على البيع كيف شئتم مع اختلاف الجنس، " وإن كان من وجه، وبما دل على اعتبار اتحاد الجنس في تحقق الربا، وباستلزامه حصول الربا في المستحيل إلى حقيقة أخرى لو بيع بأصله، كالتمر المستحيل إلى الملح مثلا والتزامه في غاية الصعوبة، لعدم الدليل الصالح لاثباته عدا إطلاق معقد الاجماع على

[ 352 ]

القاعدة المعارض، بإطلاق معقد جواز البيع، مع اختلاف الجنس كيف شاء، وعدا منصوص العلة في نصوص (1) الحنطة والشعير الذى لا جابر له في الفرض، لقلة من استند في هذا القاعدة إليه، بل قد يقال: أنه من الحكمة لا من العلة خصوصا مع ملاحظة خبر (2) زرع حوا، وستسمع التصريح في الحواشى المنسوبة إلى الشهيد بجواز بيع اللبن باللحم لاختلاف الماهية، بل كثير من أفراد ذلك غير محتاج إلى التصريح هذا. لكن الانصاف أنه لا مناص من التزامه، أو القول به في المستحيل إلى حقيقة أخرى هي فرع لذلك الاصل، كالشعير بالنسبة إلى الحنطة، لا إذا لم تكن واستحال إليها فرد من ذلك الجنس، كالمثال المزبور أو القول بتنزيل إطلاقهم على الفرع الذى لم ينتقل إلى حقيقة أخرى، وإن تغير الاسم كالدقيق بالنسبة إلى الحنطة ونحوه، لكن ينافي ذلك بعض أمثلتهم للقاعدة، منها ما سمعته من معقد اجماع التذكرة الشامل لبيع الفرع بالفرع أيضا وإن اختلفا في الحقيقة بعد اتفاقهما في الاصل، ومن هنا كانت المسألة من المشكلات ومحتاجة إلى التأمل التام، وقد تقدم لنا سابقا بعض الكلام في ذك فلاحظ وتأمل. بل قد يناقش فيها من جهة اخرى وهى أن الفرع إن كان بسبب العمل ومخالطة غير الربوي له كالخل الذى يتخذ من التمر والماء الذي هو من أمثله القاعدة المزبورة، قد يمنع لحوقه بالربوي من جزئي أصله، ضرورة كونه ترجيحا من غير مرجح بعد فرض عدم كون الجزء الآخر من المستهلكات، فإطلاق أدلة البيع وغيره يقتضي جواز التفاضل فيه لو بالتمر مثلا، اللهم أن يدعى أن الماء صار من اجزاء التمر كالمعتصر منه، لكنه كما ترى. وفى التذكرة في المقام " أن مخالطة الملح والماء والانفخة وبعض الاجزاء اليسيرة لا توجب اختلافا. لانها أجزاء يسيرة لا اعتبار بها، فإن كانت كثيرة توجب اختلافا جاء


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الربا (2) المستدرك ج 2 ص 481

[ 353 ]

حكم المختلفين " فتأمل جيدا، فإنه يمكن القول باعتبار ما كان فرعا لاصل نحو الحنطة والدقيق، والشعير والسويق، ونحو الدهن من السمسم في النصوص المزبورة، لا كل فرع لكل أصل وإن كان بعيدا لا يعرفه إلا خواص الناس، نحو طلع الفحل، ونحو اتخاذ القند من الشوندر، وغير ذلك مما يستخرج من بعض الاجسام على وجه لا يدركه إلا أوحدى الناس لا أقل من الشك والاصل الجواز، بناء على ما سمعت، وإجماع التذكرة لا وثوق به في ذلك وشبهه. وأما المناقشة فيها بما حكاه في الرياض عن الفاضل المزبور أيضا، منها - أنه لا شك في أن الحنطة إذا جعلت دقيقا تزيد كما هو ظاهر، ودلت عليه صحيحة محمد بن مسلم (1) المتقدمة، وانطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم يحتاج إلى التأمل، فلا ينبغى صحه بيع أحدهما بالاخر متساويا أيضا للزيادة كما في اليابس من جنس بآخر رطبا مثل الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، فكيف لا ينبغى النظر إلى مثل هذه الزيادة في وقت آخر بتبديل وتغيير، مع أنه معتبر عندهم في الرطب والتمر، فقد أجاب عنها في الرياض باغتفار هذه الزيادة اتفاقا فتوى ورواية. ولعل الوجه فيه ما أشير إليه وإلى الاشكال الذى ذكره في الصحيحة المشار إليها في كلامه، وحاصلها أن اغتفار الزيادة إنما هو لاجل الطحن، وليس بيع الرطب بالتمر اليابس على تقدير المنع عنه مثله بالبديهة، إذ لا مئونة في يبس التمر وهو فرق واضح لا يشوبه شوب المناقشة. قلت لا إشكال في منع الزيادة سواء كان في مقابلها عمل له مئونة أو لا، كما صرحوا به في الخاتم بالفضة وغيره، كما أن الظاهر عدم الفرق بين الزيادة الحسية والحكمية، والفعلية والتقديرية، بناء على العمل بالعلة المستفادة من قوله عليه السلام " أينقص إذا جف " (2) كما ستعرف، الكلام فيه مفصلا إنشاء الله، فلا يبعد حينئذ أن يكون وقوع التعليل


(1) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث 1 - 3 (2) المستدرك ج 2 ص 480

[ 354 ]

في الصحيح إقناعيا لرفع استبعاد المخالفين، وإلا فمثل هذه الزيادة غير قادحة، للنص و الاجماع هذا. وفى الوافى في بيان وجه هذه الزيادة: " لعل مراد السائل أن البر له ريع، فيه فضل لانه يزيد إذا خبز، بخلاف السويق " انتهى وقد يكون المراد أنه إذا بيع أحدهما بالآخر كيلا، لانهما من المكيلات، فإن الحنطة تكون أثقل والسويق أخف، فيحصل الريع، والزيادة في الحنطة، بل لو بيعا بالوزن يحصل التفاوت في الكيل وستعرف البحث في ذلك، وأنه هل المعتبر التساوي فيهما، أو يكفى فيه أحدهما وإن تفاوتا في الاخر وكيف كان فلا مجال لهذه المناقشة بعد النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات كما هو واضح والله اعلم. (وما يعمل من جنسين يجوز بيعه) بغيرهما و (بهما) مع التفاضل وعدمه (و بكل واحد منهما) لكن (بشرط أن يكون في الثمن زيادة عن مجانسه) بحيث تصلح لمقابلة الاخر مع الانفراد كما في المسالك، أو ولو مع الانضمام كما يقتضيه اطلاق غيره، والاول أحوط، وإن كان الثاني لا يخلو من قوة. وعلى كل حال فلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه، كما ستعرف ذلك كله وغيره في (المسألة السادسة) إذ هي مع ما نحن فيه من واد واحد كما اعترف به في المسالك ضرورة عدم الفرق بين المعمول من جنسين وبين بيع الجنسين صفقة من غير عمل يقتضي تركيبهما في ذلك نعم عن السيد العميد أن كل مركب من شيئين أو أشياء كالزلابية والاشربة إذا لم يمكن انفصال أجزائه بعضها عن بعض، فهو كالشئ الواحد، لا يجوز التفاضل فيه وهو غريب، إذا فرض عدم الخروج بالتركيب إلى حقيقة أخرى خارجة عن الجنسين، بل و إن كان كذلك، بناء على الاحتمال الذى ذكرناه سابقا في مسألة لحوق الفرع بالاصل، إذ الظاهر عليه هنا لحوقه بأصلهما، فلا يجوز بيعه بجنس أحدهما، مع عدم الزيادة المقابلة، ويجوز معها وبهما معا مطلقا، ومنه المركب مثله، فتأمل جيدا، فإنه يمكن المنع من اللحوق هنا وإن قلنا به بالنسبة إلى جريان الربا، إلا أن الغرض منه التخلص من الربا،

[ 355 ]

وحينئذ فلا يجوز بيعه بمثله متفاضلا. وعلى كل حال فلا يعتبر معرفة مقدار كل من الجنسين في صحة البيع اكتفاء بمعرفة المجموع حتى في صورة البيع بجنس أحدهما، إذ يمكن فرض العلم بزيادة الثمن عما قابله من جنسه، وإن لم يعلم خصوص المقدار من ذى الجنسين بان يعلم مثلا ان المجانس لا يبلغ النصف، فيبيعه بقدر ثلثى المجموع مثلا، كما هو واضح. والله أعلم. (واللحوم مختلفة) في الجنس (بحسب إختلاف أسماء الحيوان) بلا خلاف بل في التذكرة الاجماع عليه، والاشتراك في اسم اللحم لا يقتضي الاتحاد، كالاشتراك في اسم الحيوان. نعم (لحم البقر والجاموس جنس واحد) إجماعا في المحكي عن الغنية والتذكرة مؤيدا بما تقدم لهم في باب الزكاة و (لدخلوهما تحت لفظ البقر) لغة فالاختلاف حينئذ في العرف اختلاف أفراد لا حقيقة، وإن اختص كل منهما باسم فيه، فتوقف فاضل الرياض فيه لذلك قال " وإن تجانسا لغة كما حكي في غير محله، بل لا وجه لما فرضه من اتحاد الجنس في اللغة واختلافه في العرف " (ولحم الضان والمعز جنس واحد). بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع في محكي الكتابين عليه، (لدخولهما تحت لفظ الغنم) الظاهر في أنه اسم للنوع الذى لا يقدح في اتحاد الحقيقة فيه مثل هذا الاختلاف كالانسان، بل في حواشي الشهيد " اللحم والكبد والقلب والكرش كله واحد " وفيها أيضا " يجوز بيع اللبن باللحم، واللحم بالبيض لاختلاف المهية، بخلاف الدبس بالخل للاختلاف بالصفة لا غير واللحم والشحم مختلفان، أما الالية والشحم، فالظاهر اتحادهما كما في الدروس ". (و) لحم (الابل عرابها وبخاتيها جنس واحد) بلا خلاف أيضا، والاجماع في محكي الكتابين عليه، لنحو ما عرفت، والبخاتي: بفتح الباء وتشديد الياء المثناة من تحت جمع بختى - بضم الباء وتشديد الياء أيضا: الابل الخراسانية قال الشاعر: " لبن البخت في

[ 356 ]

قصاع الخليج " ويخفف ويثقل، وربما قيل انه معرب، (و) الطيور اجناس مختلفة لغة وعرفا، لاختصاص كل منهما باسم، وإن جمع الجميع اسم الطير بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. نعم في خصوص (الحمام) منه خلاف فقيل إنه (جنس واحد) كما هو خيرة الفاضل في التذكرة وغيرها، والشهيد في الدروس والمحقق الثاني في جامعه، للاشتراك في الاسم، ولانه أقرب إلى الاحتياط وقيل (و) هو الذي (يقوى عند) المصنف (أن كل ما يختص باسم منه، فهو جنس على انفراده كالفخاتي والورشان) وهو ظاهر التحرير أو صريحه، ومنشأ الخلاف الشك في أن مقولية الحمام على ما تحته مقولية النوع على الاصناف، أو الجنس على الانواع، فعلى الاول يحرم بيع بعضها ببعض مطلقا، و على الثاني يختص كل نوع بحكمه، ولما كان الوقوف على ذاتيات الحقايق عزيز جدا، ولم يكن من جهة الشرع قاطع بشئ حصل الخلاف، لكنك خبير أن الاطلاقات تقتضي الجواز مع الشك، مضافا إلى عدم مساعدة العرف بصدق الحمام على كثير مما ذكر أنه فرد له، إذ المعروف عند معظم الفقهاء كما قيل أن الحمام كل طائر يعب الماء أو يهدر، فيدخل فيه القماري والدباسى والفواخت، سواء كانت مطوقة أو لا، الفة أو وحشية، بل عن الكركي أنه عرف عند أهل اللغة أيضا، لكن فيه أن المحكي عن اكثر كتب اللغة كالصحاح وفقه اللغة وشمس العلوم والسامي وغيرها أنه كل مطوق، وحكاه الازهري عن أبي عبيدة عن الاصمعي. وعن مصباح المنير: الحمام عند العرب كل ذي طوق من الفواخت والقماري و ساق حرا والقطا والدواجن والوارشين وأشباه ذلك إلى أن قال: والعامة تخص الحمام بالدواجن، وكان الكسائي يقول الحمام هو البري واليمام هو الذي يألف البيوت، و الظاهر أن التفاوت بينهما قليل أو منتف. وعلى كل حال فالعرف لا يوافق شيئا مما سمعته عند أهل اللغة فلا ريب حينئذ في أن

[ 357 ]

الاحوط الاتحاد خصوصا بعد قوله صلى الله عليه وآله (1) " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال " بناء على شموله لمثل المقام وإن كان الذي يقوى التعدد بتعدد الاسماء، والله أعلم، بل ظاهر قول المصنف (وكذا السموك) أنه أيضا أجناس متعددة بتعدد اسم كل واحد، بل هو صريح التحرير، ولكن يظهر من بعض مشايخنا أن المعروف كونه جنسا واحدا، لشمول الاسم للجميع، والاختلاف بالعوارض لا يوجب الاختلاف بالحقيقة، ويمكن إرادة ذلك من الاشارة في المتن وهو لا يخلو من قوة، لكن لا ريب في انه جنس مخالف لغيره من اللحم، كما أن الجراد جنس مخالف لساير اللحوم البرية والبحرية. وعلى كل حال ففى المسالك " الطير إنما يتصور الربا فيه إذا بيع لحمه وزنا، أما لو بيع جزافا فلا، ولو بيع عددا كما هو الغالب ففى ثبوت الربا فيه خلاف يأتي، والاقوى عدمه " قلت: ستعرف أنه لا يكفى في الربا أيضا مطلق البيع وزنا وإن كان المتعارف في الزمن السابق بيعه جزافا (و) كيف كان ف‍ (الوحشي من كل جنس مخالف لاهليه) كما نص عليه، بل عن الغنية وجامع المقاصد وظاهر التذكرة وغيرهما الاجماع عليه، بل عن موضع آخر من التذكرة ما هو كالصريح في ذلك، ولولا هذا الاتفاق لامكن المناقشة في ذلك كما اعترف به في الرياض هذا وعن الخلاف والمبسوط أن ليس في الابل وحشي. (والالبان تتبع اللحمان في التجانس والاختلاف) بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة الاجماع عليه، فلبن الابل جنس ولبن البقر جنس آخر كذي اللبن وقد يحتمل اتحاد الجنس في بعضها، وإن اختلف اللحمان، بل عن بعض العامة أنها جميعا جنس واحد. والله أعلم. هذا (و) قد عرفت سابقا أنه (لا يجوز التفاضل بين ما يستخرج من اللبن وبينه كزبد البقر مثلا، بحليبه ومخيضه واقطه) لانه فرعه بل لا يجوز التفاضل في الفروع نفسها


(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 358 ]

فضلا عن الفرع وأصله فلاحظ وتأمل. (والادهان تتبع ما تستخرج منه، فدهن السمسم جنس، وكذا ما يضاف إليه كدهن البنفسج والنيلوفر) لان إضافته إليه لا تخرجه عن أفراد انواع الدهن، فانه ليس مركبا منه ومما يضاف إليه بل هو عين الدهن يكتسب باختلاطه به مدة خاصة ثم ينزع منه (ودهن البزر جنس آخر) كدهن اللوز ودهن الجوز وغيرها من الادهان كما هو واضح، ضرورة أن الاشتراك في الدهنية لا يقتضى الاتحاد في الحقيقة المعلوم اختلافها (و) كذا (الخلول) فإنها (تتبع ما يعمل منه فخل العنب مخالف لخل الدبس) وإن اشتركا معا في الخلية (ويجوز التفاضل بينهما نقدا) كغيرها من المختلف (و) أما (في النسيئة) ففيه (تردد) وخلاف تقدم تحقيق الحال فيه سابقا إذ المقام فرد من افراد مختلف الجنس والله اعلم. (الثاني) من الامور (اعتبار الكيل والوزن ف‍) إذا كان المبيع والثمن كذلك مع اتحاد الجنس حرم الربا فيهما اجماعا بقسميه، وسنة وكتابا، بل كاد يكون ضروريا، إنما الكلام في اشتراط ذلك فيه وقد عرفت سابقا اشتراط الجنسية، أما التقدير بهما على معنى أنه (لا ربا الا في مكيل أو موزن) فهو المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عن الخلاف و مجمع البيان والتذكرة وظاهر الغنية والسرائر الاجماع على عدم الربا في المقدر بالعدد، وإن كنت لم أتحققه فيما حضرني منها، إلا أن الاصل والعمومات كافية في الجواز. مضافا إلى النصوص المستفيضة إن لم تكن متواترة كالصحيح (1) المروي في الكتب الثلاثة " لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا أو وزنا " والخبر (2) المنجبر بما سمعت " أن ما عد عدا ولم يكل ولم يوزن فلا باس به، إثنان بواحد يدا بيد، ويكره نسيئة " وموثق منصور بن حازم (3) سأل الصادق عليه السلام " عن البيضة بالبيضتين ؟ قال: لا بأس، والثوب بالثوبين ؟ قال لا باس والفرس بالفرسين ؟ قال: لا بأس به، ثم قال: كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث - 3 (2) (3) الوسائل الباب - 16 - من ابواب الربا الحديث - 2 - 3

[ 359 ]

إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس إثنان بواحد " وخبره الاخر (1) " سألته عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين ؟ قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا " وكذا (2) سأله داود بن الحصين فأجابه بذلك أيضا. والخبر الذى قيل فيه أنه مروي في الكتب الثلاثة ايضا بستة طرق، منها الصحيح (3) عن عبيد بن زرارة تارة، وعن زرارة أخرى عن الصادق عليه السلام " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " وصحيح زرارة أيضا " 4) عن الباقر عليه السلام " البعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس، وقال: لا بأس بالثوب بالثوبين يدا بيد ونسيئة إذا وصفتهما " وسأل البصري (5) أبا عبد الله عليه السلام " عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزنا من الثياب ؟ فقال لا بأس " (6) وسأله ايضا " عن العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم ؟ قال: لا بأس بالحيوان كله يدا بيد ونسيئة " وسأله (7) سعيد بن يسار أيضا " عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة ؟ فقال: نعم لا بأس إذا سميت الاسنان جذعين، أو ثنيين، ثم امرني فخططت على النسيئة لان الناس يقولون لا " وموثق سماعة (8) " سألته عن بيع الحيوان إثنين بواحد ؟ فقال: إذا سميت الثمن فلا بأس " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب. فما في المقنعة وعن ابى علي وسلار من ان حكم المعدود حكم المكيل والموزون، فلا يجوز التفاضل في المتجانسين مطلقا نقدا ونسيئة واضح الضعف، وإن كان قد يحتج له بعد إطلاق حرمة الربا بصحيح (9) محمد " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب الرديين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين ؟ فقال كره ذلك علي عليه السلام فنحن نكرهه، إلا أن يختلف الصنفان قال: وسألته عن الابل والبقر والغنم أو أحدهن في هذا الباب ؟ فقال: نعم فإنا


(1) الوسائل الباب - 16 - من ابواب الربا الحديث - 1 - (2) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الربا الحديث 3 (4) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث 1 (5) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الربا الحديث 1 (6) (7) (8) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث - 6 - 7 - 15 (9) الوسائل الباب 16 من ابواب الربا الحديث 7

[ 360 ]

نكرهه " وصحيح ابن مسكان (1) المروي في الفقيه مرسلا مقطوعا قال: " سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يقول عاوضني بفرسي وفرسك وازيدك ؟ قال: فلا يصلح، ولكن يقول اعطني فرسك بكذا وكذا واعطيك فرسي بكذا وكذا ". لكن فيه بعد تقييد الاطلاق بما عرفت، عدم صدق اعتبار العد في ذلك، فيكون حينئذ ما في الخبرين مع معارضته بما سمعت، مخالفا للاجماع، ولعله لذا نفى الخلاف في المختلف عن بيع الثوب بالثوبين نقدا، فلابد من عدم إرادة الحرمة من الكراهة، ونفي الصلاحية، أو على إرادة خصوص النسيئة منه، لما في المقنعة لا بأس ببيع ما لا يكال ولا يوزن، واحد باثنين واكثر من ذلك نقدا ولا يجوز نسيئة كثوب بثوبين، وبعير ببعيرين، وشاة بشاتين ودار بدارين، ونخلة بنخلتين يدا بيدا نقدا، وإن باع ذلك نسيئة كان البيع باطلا، ونحوه عن المراسم. وفى النهاية " واما ما لا يكال ولا يوزن فلا باس بالتفاضل فيه، والجنس واحد نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة، مثل ثوب بثوبين، ودابة بدابتين، ودار بدارين، وعبد بعبدين، وما اشبه ذلك، إلى ان قال في آخر المبحث. وما يباع بالعدد فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد، والجنس واحد، ولا يجوز ذلك نسيئة، مثل البيضة بالبيضتين، والجوزة بالجوزتين، والحلة بالحلتين، وما أشبه ذلك "، ونحوه في المحكي عن العماني وابن الجنيد والخلاف في عدم جريان الربا في المعدود، والمنع نسيئة في نحو ما عرفت. وفى الوسيلة " السادس أي بيع المعدود بالمعدود، ويجوز التبايع فيه متماثلا و متفاضلا، نقدا لا نسيئة، إذا كانا من جنس واحد، مثل بيع بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين، وحلة بحلتين " وفى الغنية " ويجوز بيع الحيوان بالحيوان متماثلا أو متفاضلا، سواء كان صحيحا أو كسيرا نقدا، ولا يجوز ذلك نسيئة، في الظاهر من روايات أصحابنا و طريقة الاحتياط تقتضي المنع منه "


(1) الوسائل الباب 17 - من ابواب الربا الحديث - 16

[ 361 ]

(و) إلى ذلك أشار المصنف بعد ان ذكر أنه (بالمساواة فيهما) أي الكيل و الوزن في المكيل والموزون (يزول تحريم الربويات) إجماعا أو ضرورة إذا لم يكن في أحدهما زيادة عينية، أو حكمية، ولو أجلا، قال: (فلو باع ما لا كيل فيه ولا وزن متفاضلا جاز ولو كان معدودا، كالثوب بالثوبين والثياب، والبيضة بالبيضتين والبيض نقدا، و في النسيئة تردد و،) لا ريب في أن (المنع أحوط،) خروجا عن شبهة الخلاف المتقدم، وإن كان هو ضعيفا بل في محكى التذكرة الاجماع على خلافه، بل يمكن دعوى تحصيله، كما أن النصوص السابقة بين صريح وظاهر في جوازه، والبأس المستفاد من مفهوم بعضها أعم من الحرمة، على أنك قد سمعت ما في خبر سعيد بن يسار (1) ومنه يعلم وجه الاقتصار في بعضها على اليد باليد، وقد ظهر لك من ذلك أن الخلاف متحقق هنا في أمرين، أحدهما: إلحاق المعدود بالمكيل والموزون في جريان الربا كما هو صريح المقنعة، والمحكي عن سلار وابى علي، وثانيهما: المنع من البيع متفاضلا نسيئة، وإن لم يكن معدودا، كما سمعته من الشيخ وغيره ممن لم يجر المعدود مجرى المكيل والموزون في الربا، ولعل ذلك منهم إثبات حكم خاص للنسيئة، لا لانه ربا أو لان الربا الممنوع فيه في النسيئة لا النقد، والظاهر ثبوت ذلك عندهم، ولو في المعدود أيضا، كما هو صريح النهاية أيضا، وقد يطلق اسم المعدود على ما يشمل نحو العبد والفرس والدار، ومن هنا اشتبه على بعض الناس الحال في المقام والتحقيق ما عرفت. وعلى كل حال فلا دليل معتبر على شئ من الدعويين بحيث يصلح لمعارضة تلك الادلة، لكن لا بأس بالقول بالكراهة في بيع المتجانس متفاضلا نسيئة، بل وغير نسيئة في المعدود وغيره، خروجا من شبهة الخلاف للفتوى والرواية، بعد القول بالتسامح في الكراهة على هذا الوجه، والله أعلم. (ولا ربا في الماء) للاصل والاطلاق والنصوص السابقة (لعدم اشتراط الكيل


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث - 7

[ 362 ]

والوزن في بيعه) وإن اتفق بيعه بأحدهما في بعض الاحوال أو الامكنة أو الازمنة، نعم قيل إنه لا يباع سلفا إلا وزنا، فلو اسلف ماء في ماء إلى أجل، احتمل أن يكون ربويا، لاشتراط الوزن فيه حينئذ، وكذا الحجارة والتراب والحطب، وفيه أن الوزن في السلم للضبط، لا لانه يعتبر في صحة بيعه ذلك، فالاقوى عدم جريان الربا فيه، حتى في السلم إذ لو سلم اعتبار الوزن فيه، يمكن منع تحقق شرط الربا، بذلك، ضرورة ظهور الادلة في اعتبار ذلك في أصل بيعه، لا في قسم خاص من البيع. (و) كذا الطين نعم (يثبت في الطين الموزون كالارمني على الاشبه) لتحقق الشرط فيه، والمراد به طين قبر ذى القرنين وعن المصباح أنه روي عن محمد بن جمهور القمي (1) عن بعض أصحابه " أنه سأل الصادق عليه السلام عن الطين الارمني يؤخذ للكسر أيحل أخذه قال: أما إنه طين قبر ذى القرنين وطين قبر الحسين عليه السلام خير منه " و عن مكارم الاخلاق (2) أنه أرسل عنه عليه السلام " أنه سئل يؤخذ الطين الارمني للكسر والمبطون ؟ فقال: نعم " الحديث وعن الايضاح في باب المطاعم نفى الخلاف عن جواز اكله لدفع الهلاك فكان دواء يباع وزنا، واما الخراساني فأكله حرام فإن بيع لغرض صحيح بني ثبوت الربا فيه على دخول الاعتبار وعدمه، ولا تلازم بين حكم أكله وحكم بيعه، وإن حكى عن الشيخ والقاضي أنه أطلق حرمة بيع الطين المأكول، بل عن الخلاف الاجماع على ذلك. والله أعلم. (و) حيث عرفت اشتراط الكيل والوزن في تحقق الربا في المعاوضة، فينبغي أن يعلم أن (الاعتبار في ذلك بعادة الشرع، فما ثبت أنه مكيل أو موزون في عصر النبي صلى الله عليه وآله بني عليه) حكم الربا إجماعا محكيا في التنقيح إن لم يكن محصلا، وإن


(1) الوسائل الباب - 60 من ابواب اطعمة المحرمة الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 60 من ابواب الاطعمة المحرمة الحديث - 3

[ 363 ]

تغير بعد ذلك، بل فيه إيضا أنه ما علم أنه غير مكيل ولا موزون عصر النبي صلى الله عليه وآله فليس بربوى إجماعا، ومقتضاه وإن كيل أو وزن بعد ذلك، وكان الوجه في الامرين بعد الاجماعين المعتضدين بالتتبع - الاستصحاب السالم عن معارضة قاعدة " دوران الحكم المعلق على الوصف مداره وجودا وعدما " بعد تخصيصها بغير المقام، ولو للاجماع السابق، أو لانها حيث يكون التعليق على الوصف المعلوم مناسبته، أو لان المراد منها زوال الحكم عن الفرد الفاقد للوصف من أصله، لا الذى تلبس به ثم زال عنه، أو لغير ذلك، مما يشترك في كون المدار هنا على ما عرفت، من أن وجود الكيل والوزن في ذلك العصر كاف في تحقق الربا كما ان الجزافية مثلا فيه تكفى في تحقق عدمه. فتحصل أن المدار المتصف بكل منهما في ذلك الزمان، وفى مضمر على بن ابراهيم الطويل (1) ولا ينظر فيما يكال أو يوزن إلا إلى العامة ولا يؤخذ فيه بالخاصة فإن قوما يكيلون اللحم ويكيلون الجوز فلا يعتبر بهم، لان أصل اللحم أن يوزن، وأصل الجوز أن يعد " وهو مؤيد بما ذكرنا في الجملة، ولعل العلم باتفاق البلدان في هذا الزمان على أحدهما، مع عدم العلم بالحدوث، بل اتفاق بعضها مع عدم العلم بخلاف الباقي كاف، في اثباته فيه، لاصالة عدم التغير والانتقال من صفة اخرى. وإليه أشار المصنف بقوله (وما جهل الحال فيه، رجع إلى عادة البلد) أما (إن اختلفت البلدان فيه) على وجه لم يعلم عادة عصره عليه السلام، فالمشهور بين المتأخرين بل لعل عليه عامتهم أنه (كان لكل بلد حكم نفسه)، وهو المحكي عن المبسوط والقاضي معللين له بالاصل في الجملة، وأن المعتبر العرف والعادة عند عدم الشرع، وكما أن عرف تلك البلد التقدير فيلزمه حكمه عرف الآخر الجزاف مثلا فيلزمه حكمه صرفا للخطاب إلى المتعارف من الجانبين، ورد للناس إلى عوائدهم، كما في القبض والحرز والاحياء والا لزم الخطاب


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الربا الحديث 12

[ 364 ]

بما لا يفهم، فيكون قد قام العرف الخاص مقام العام عند انتفائه، وهو مخالف لما سمعته من خبر على بن ابراهيم (1) ويجب تقييده أيضا بما إذا لم يعلم سبق الاختلاف بالاتفاق، فإن المتجه حينئذ عدم الربا، وإن لم يعلم أن الاتفاق كان على عدم التقدير، ضرورة الاكتفاء في نفى الحرمة باحتمال عدم التقدير، للاصل وغيره. أما إذا لم يعلم فقد يتجه ذلك، لكن لا لما ذكروه، بل لاستصحاب هذا الحال إلى زمن الخطاب، فينساق الذهن حينئذ إلى أن لكل بلد حكم نفسه، إذ هو صادق عليه اسم التقدير وعدمه، وألاول علة للربا كما أن الثاني علة لعدمه، فإعمالهما معا بعد عدم الترجيح بينهما يقتضي بذلك، وليس ذا من تنزيل اللفظ على العرف الخاص المتعدد الذى هو واضح البطلان، كما حرر في الاصول، ضرورة أن الاختلاف بين البلدين مثلا بالتقدير وعدمه، لا في معنى اللفظ، وبينهما بون، كما أن الحكم المزبور لا ينافي ما تقدم سابقا من الاكتفاء في جريان حكم الربا سبق التقدير وإن زال، القاضى بعدم دوران الحكم مدار الوصف، وإلا لانتفى بانتفائه، إذ هو هنا أيضا كذلك، فإنه وإن أعطينا كل بلد حكمه، لكن ليس لدوران الحكم على الوصف وجودا وعدما، بل لدورانه على أصل ثبوت الوصف كما في سابق التقدير، فيجرى حينئذ حكم الربا في بلاد التقدير وإن زال، ولا يجرى في بلاد الجزاف وإن قدر، بناء على أن ذلك كذلك في المعلوم حاله في عصر النبي صلى الله عليه وآله. نعم قد يشكل ذلك بأن المختلف في بلدين مثلا لا يدخل تحت إطلاق أحد الخطابين، لا أنه مصداق لكل منهما، فقضية الاصل عدم حرمة الربا وربما يؤيده خبر على بن ابراهيم (2) السابق إلا أنى لم أجد قائلا به هنا بل ولا من احتمله، وبمنع مثل ذلك في الشرع إذ المعلوم منه أن الاشياء منها ما لا يصح بيعها إلا بالتقدير، ولتوقف رفع


(1) (2) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث - 12

[ 365 ]

الجهالة عليها ومثلها لا ينبغي إختلاف البلدان، بل لابد من الحكم بفساد فعل فاقدة التقدير، ومنها لا يعتبر فيها ذلك، فيجوز بيعها مقدرة وبلا تقدير واختلاف البلدان في هذه بان كان التعارف في بعضها التقدير وفى الاخر العدم، غير قادح في عدم الربا فيها، لعدم اشتراط صحة بيعها بالتقدير، فيجوز بيعها بدونه في بلاد التقدير فلم يتحقق شرط الربا، ودعوى إمكان توقف رفع الجهالة على التقدير في بلاد دون اخرى يمكن منعها حينئذ فمفروض المسألة حينئذ لابد وأن يكون من الثاني، حملا لافعال المسلمين على الصحة، فلا يجرى فيه الربا، بل احتمال ذلك فيه كاف في رفع الحرمة، ولكن قد يدفع ذلك كله وغيره بالاجماع المركب إن لم يكن البسيط، إذ الاقوال في المسألة ثلاثة أشهرها ما عرفت. (وقيل) والقائل الشيخ في النهاية وسلار فيما حكي عنه (يغلب جانب التقدير ويثبت التحريم) حينئذ (عموما) من غير فرق بين بلد الكيل والوزن والجزاف، وعن فخر المحققين أنه قواه، ولعله لصدق التقدير، وإن كان يعارضه صدق عدمه، وكما أن الاول مناط الربا، كذلك الثاني مناط عدمه، وأصالة الجواز المستفادة من إطلاق الادلة وعمومها تقتضي الجواز، ولا يعارضها إطلاق حرمة الربا بعد تقييده باشتراط الوزن والكيل. وقيل والقائل المفيد: إن تساوت الاحوال فيه غلب جانب التقدير، و الارجح الاغلب، ولعل المشكوك عنده من المتساوي ترجيحا له بغلبته على غيره، بخلاف الاول الموافق جريان الربا فيه للاحتياط ولقوله عليه السلام (1) " ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام، الحلال " لكن لا يخفى عليك عدم وجوب مراعاة الاول عندنا، وعدم تناول الثاني لما نحن فيه. نعم يؤيد القولين معا ما ذكرناه من أنهما موافقان لعمومية الحكم وأن الشئ إما ربوي أو لا، لا أنه ربوي في مكان دون آخر، بل قد يظهر من بعضهم أنه كذلك في الزمان أيضا، لكن ومع ذلك فالوقوف على المشهور أولي، وإن كان الاحتياط


(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 366 ]

لا ينبغى تركه، خصوصا بعد أن حكى الميل إلى قول المفيد جماعة من المتأخرين والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (المراعى في المساواة) المسوغة لبيع المتجانس كيلا أو وزنا (وقت الابتياع) فيجوز حينئذ بيع كل ماله حالتا رطوبة وجفاف، بعضه ببعض مع تساوى الحالين، كالرطب بمثله والعنب بمثله، والفواكه الرطبة بمثلها، واللحم الطرى بمثله، والحنطة المبلولة بمثلها، والتمر والزبيب والفاكهة الجافة والمقدد والحنطة اليابسة كل واحد بمثله، بلا خلاف أجده فيه، بل في التحرير القطع به الجاري مجرى الاجماع، بل عن نهاية الاحكام نسبته إلى علمائنا للاصل السالم عن معارضة التفاضل حالة العقد، ولانه وجد التماثل فيهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص كبيع اللبن باللبن. وكذلك جميع الاشياء الرطبة بعضها ببعض سواء كان لها حالة جفاف أولا، كالرطب الذي لا يتمر، والعنب الذى لا يزبب، والبطيخ ونحوه، وكذا بيع اليابس بمثله، فيندرج حينئذ في جميع ما تقتضي الجواز، كما أنه يخرج عما يقتضى المنع بل ما تسمعه من نصوص (1) المسألة الآتية ظاهرة في الجواز فيه، لكنه قد يقال بوجوب تقييد ذلك بما إذا لم تختلف كيفية الرطوبة بما لا يتسامح في مثله بالعادة، وإلا كان إلحاقه بالمسألة الاتية أي بيع الرطب بالجاف أولى، بل قد يناقش في الجواز في غيره أيضا بفحوى ما تسمعه من النصوص الاتية، الدالة على منع بيع ما ينقص إذا جف بجنسه الجاف، معللة له بذلك، ضرورة إقتضائها الحرمة بعدم المساواة المتأخرة عن وقت الابتياع، فهى حينئذ شرط في الجواز، والشك فيها شك فيه، ومع فرض رطوبة العوضين معا لم يعلم مساواتهما بعد الجفاف قطعا، لاحتمال زيادته في واحد دون الاخر، اللهم الا أن تدفع بمنع اقتضاء تلك النصوص شرطية


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب الربا

[ 367 ]

المساواة على الوجه المزبور، بل أقصاها الحرمة بتحقق النقصان عند العقد، وهو منتف في الفرض قطعا، لاحتمال المساواة في الواقع. نعم لو علم حال البيع بنقصان أحدهما من الآخر بعد الجفاف، اتجه الالحاق بالمسألة الآتية، أما إذا لم يعلم وقت الابتياع فلا معارض لما يقتضي الصحة من النصوص وغيرها، بل مقتضى إطلاقها ذلك وإن تحقق النقصان متأخرا عن وقت الابتياع، وإن كان لا يخلو من تأمل في الجملة، بل خيرة المصنف تبعا للمحكى عن الشيخ في مبسوطه وخلافه و ابني زهرة وإدريس وكاشف الرموز الاكتفاء بالمساواة وقت الابتياع، وإن علم النقصان حاله بعد ذلك. (فلو باع لحمانيا بمقدد متساويا جاز، وكذا لو باع بسرا برطب، وكذا لو باع حنطة مبلولة بيابسة، لتحقق المماثلة) فيخرج عما دل على حرمة الربا، و يدخل فيا دل على الجواز، بعد عدم حجية منصوص العلة في غير ذي العلة، (وقيل بالمنع) والقائل القديمان والشيخ في موضع من المبسوط، والوسيلة، والتذكرة، والتحرير، ونهاية الاحكام، والارشاد، والمختلف، والقواعد، واللمعة، والمقتصر والمهذب، والتنقيح، وإيضاح النافع، والميسية، والمسالك، والروضة، والدروس، على ما حكي عن بعضها، بل في التذكرة أنه المشهور، وفى التنقيح وعن إيضاح النافع أن عليه الفتوى، (نظرا إلى تحقق النقصان عند الجفاف) فلا تجدي المساواة وقت الابتياع، وقد أرسله العامة والخاصة في كتب فروعهم عن النبي صلى الله عليه وآله (1) " انه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص إذا جف ؟ فقيل له: نعم، فقال: لا إذا " وكان سؤاله مع العلم بالحال، لبيان الوجه في التحريم وقد قال: الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2) " لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن التمر يابس والرطب رطب فإذا يبس نقص " و


(1) المستدرك ج 2 ص 480 (2) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الربا الحديث 1 -

[ 368 ]

في خبر داود بن سرحان (1) لا يصلح التمر بالرطب، إن الرطب رطب، والتمر يابس فإذا يبس الرطب نقص " وخبر داود الابزاري (2) الذي يقرب من ذلك " والباقر عليه السلام في خبر محمد بن قيس (3) أن أمير المؤمنين عليه السلام كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله " بناء على إرادة الحرمة من نفى الصلاح والكراهة في باب الربا، لكثرة التعبير بهما عنهما فيه خصوصا في نحو المقام الذى قد عرفت شهرة الاصحاب عليه، وخصوصا بعدما ورد (4) من نحو ذلك من أن عليا عليه السلام لا يكره الحلال، بل في صحيح الحلبي ما يشهد لارادتها منه، كما لا يخفى. والمناقشة في حجية العلة في غير موردها واهية، كما حرر في الاصول، بل هي هنا في صحيح الحلبي كالصريحة في التعميم، (أو) يعلل المنع مضافا (إلى) ذلك، (انضياف أجزاء مائية مجهولة) فمقابله أزيد منه بالنسبة إلى أجزائه فعلا فلا مساواة حال الابتياع حينئذ. لكن قد يناقش فيه بأنه إنما يتم في ذى البلل العرضي كالحنطة المبلولة، لا في مثل العنب ونحوه مما كان الماء فيه أحد أجزائه، ومن هنا فرق في المحكي عن موضع من المبسوط بين الحنطة المبلولة وغيرها، فمنع فيها دون نحو العنب بالزبيب، وعلى كل حال فلا ريب في أن المنع مطلقا أقوى، (و) منه يعلم أنه لا ينبغى أن يكون (في بيع الرطب بالتمر) في غير العرية (تردد) كما وقع من المصنف إذ هو مورد العلة المزبورة، وإن قال (والاظهر اختصاصه بالمنع اعتمادا على أشهر الروايتين) رواية وعملا، بل هو المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل في الغنية وعن الخلاف الاجماع عليه، وهما الحجة بعد النصوص السابقة التى لا وجه للمناقشة فيها باحتمال حملها


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الربا الحديث - 6 - 7 - 2 (4) الوسائل الباب - 15 - من ابواب الربا الحديث - 1

[ 369 ]

على النسيئة المتفق عليه منعها فيه، كما في التحرير استنادا إلى خبر محمد بن قيس (1) منها، ضرورة ظهور شمول مفهوم التعليل للنقد والنسيئة، ولو أريد الثاني لكان اللازم التعليل بها، على أنه لو سلم دلالة خبر محمد بن قيس على ذلك فلا دلالة فيه على العدم في النقد، كى ينافى غيره من النصوص الذي يراد حملها عليه، كما أنه لا وجه للمعارضة بالاصل والاطلاقات التى يكفى في تخصيصها الاقل من ذلك. وبموثق سماعة (2) قال " سئل أبو عبد الله (3) عليه السلام عن العنب بالزبيب قال لا يصلح إلا مثلا بمثل قال والتمر بالرطب مثلا بمثل " المؤيد بخبر ابى الربيع في الجملة " قال لابي عبد الله عليه السلام ما ترى في التمر والبسر الاحمر مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس قلت فالبختج والعنب مثلا بمثل ؟ قال: لا باس " القاصرين عن المعارضة من وجوه بل قد يحتملان بل قيل: انه الظاهر إرادة المماثلة بوصفي الرطوبة واليبوسة، فيكون كل منهما حينئذ مشعرا بالمنع مع المخالفة، بل ربما احتمل في الموثق حمله على عنب يابس أو زبيب رطب، و التفاوت اليسير غير قادح كبيع العسل بالعسل قبل التصفية، واللحم الطرى بمثله، بل في الكافي قلت: والتمر والزبيب قال مثلا بمثل فيكون خارجا عما نحن فيه، كما أن خبر أبى الربيع كذلك إذ ليس فيه بيع الرطب بالتمر. نعم أقصاه المنافاة لتعدية العلة، وقد يحتمل إرادة الرطب من التمر، فيكون حينئذ من قبيل بيع ذى الحالتين مع التساوى فيهما، والمراد بالبختج فيه عصير العنب المطبوخ بالنار، وبالعصير ذلك قبل أن تمسه النار كما قيل، ولعله مما ينقصه التجفيف، لا الجفاف بنفسه، وستسمع الحال فيه كل ذلك مع ندرة الخلاف، لانحصاره فيما أجد في المحكي عن الاستبصار الذى لم يعد للفتوى، وموضع من المبسوط، وابن إدريس فجوزاه على كراهية، بل قال الثاني منهما: أن مذهبنا ترك التعليل والقياس، لانه


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الربا الحديث - 2 - 3 - 5

[ 370 ]

كان يلزم عليه أنه لا يجوز بيع رطل من العنب برطل من الزبيب، وهذا لا يقول به أحد من أصحابنا بغير خلاف، وهو كما ترى. نعم تبعهما بعض متأخرى المتأخرين ولو زاد في الرطب بما يساوى نقيصة الجفاف لم يرتفع المانع، سواء كانت الزيادة من الجنس أو المخالف لفوات التساوى حال الابتياع، كما أنه كذلك لو نقص في التمر، وفى التحرير الاتفاق على منع بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، نعم لو نقص الرطب وضم إليه من غير جنسه وباعه بالتمر صح، ولو فرض زيادة أحد العوضين على حال الابتياع من غير نقيصة للاخر جاز بعد احراز المساواة حال البيع، للاصل والاطلاقات السالمة عن معارضة تعدية العلة، اللهم إلا أن يدعى ظهورها في إرادة المثال، ولو كان النقصان بالجفاف يسيرا لقلة العوضين جرى عليه حكم الربا في وجه، لكونه مما لا يتسامح فيه حال الكثرة، وربما يؤمي إليه ترك الاستفصال في منع بيع الرطب بالتمر، كما أن المتسامح به حال الكثرة لا يقدح في القلة وإن تفاحش، وقد يقوى في النظر ملاحظة أشخاص الاعواض في ذلك، ولو كان مما ينقصه التجفيف لا الجفاف أمكن الاكتفاء بالمساواة حال البيع، إذا لم يكن معظم الانتفاع به متوقفا على التجفيف، أو أنه متخذ عادة لذلك، وكذا يكتفى بالمساواة في وجه لو كان مما يعود نقصه، لاعتياد رش الماء عليه والله أعلم. (فروع) (الاول: إذا كانا) أي العوض والمعوض (في حكم الجنس الواحد وأحدهما مكيل والاخر موزون كالحنطة والدقيق فبيع أحدهما بالاخر وزنا جايز) مع التساوى و إن تفاوتا بالكيل وفاقا للمحكي عن المبسوط والسرائر والقاضي، وبه صرح في التحرير والمسالك وغيرهما، للاطلاقات وصدق بيع المثل، بالمثل، وفى صحيح زرارة (1) " الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به " وقال محمد بن مسلم (2) للباقر (عليه السلام) في


(1 و 2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث - 4 - 1 - وفي الاخير باختلاف يسير

[ 371 ]

الصحيح " ما تقول في البر بالسويق فقال: مثلا بمثل لا بأس به، قلت إنه يكون له ريع فيه فضل فقال أليس له مؤنة ؟ قلت: بلى قال: هذا بهذا " وقال الصادق عليه السلام في مرسل صفوان (1) " الحنطة والدقيق لا بأس به رأسا برأس " وسأله أبو بصير (2) أيضا " عن الحنطة بالشعير والحنطة بالدقيق فقال: إذا كانا سواء فلا بأس، وإلا فلا " مضافا إلى أصالة الوزن للكيل وأنه أضبط وأشد رفعا للغرر والجهالة منه، (و) لذا لم يتردد المصنف في الجواز. أما (في الكيل) بمعنى بيع أحدهما بالاخر كيلا مع التساوى فيه وإن تفاوت في الوزن فقال فيه (تردد) من إطلاق النصوص السابقة، ولان الكيل أصل للحنطة فيستصحب في فروعها، ومن أن الوزن أضبط وأنه أصل للكيل، ولذا المقدر بالوزن لا يباع كيلا، لعدم ارتفاع جهالته به، وللشك في صدق إطلاق المثلين مع تفاوت الوزن، ولان من أفراد هذه القاعدة ما لا يمكن فيه القول بالكيل، كالحنطة بالخبز (و) السمسم بالشيرج. ف‍ (الاحوط) حينئذ (تعديلهما بالوزن) الذى هو الاصل خروجا عن خلاف المبسوط وابن البراج، حيث قالا في مفروض المسألة: لا يباع إلا وزنا، وإن مثلاه بالحنطة والخبز، بل ظاهرهما انه ليس الحنطة والدقيق منه، ولذا ذكر أولهما أن الاحوط فيهما بيعهما بالوزن، ثم عقبه بحكم ما نحن فيه جازما بما سمعت، وفى المختلف " أن الحنطة من المكيلات وكذا الدقيق لان أصله من الحنطة، وهي مكيلة فلا يباع أحدهما بالاخر الا بالكيل ولا يباع بالوزن والا جاء الربا، لا يقال: إذا بيعا بالكيل حصل الربا أيضا، لان الحنطة أثقل من الدقيق، فيحصل التفاوت في الوزن، وهو عين الربا، لانا نقول لا اعتبار بالتفاوت في الميزان في المكيل. ثم روى زرارة (3) في الصحيح إلى آخره ومحمد بن مسلم (4) إلخ وإنما تتحقق


(1 و 2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث - 5 - 6 وذكر صدره في الباب 8 - الحديث 3 (3 و 4) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث - 4 - 2

[ 372 ]

المتماثلة بالتساوى في المقدار الذى جعله الشارع معيارا لهما وهو الكيل، وإن اختلف في غيره مما لم يجعله معيارا، وقول الشيخ أن الاحوط الوزن، لان الدقيق أخف من الحنطة غير جيد، لانه من هذه الحيثية كان الاحوط الكيل، إذ تساويهما في الوزن يقتضى التفاضل بينهما فيما جعله الشارع معيارا لهما وهو الكيل الذى نهى عنه، وتساويهما في الكيل يقتضى تماثلهما فيما جعله الشارع معيارا لهما الذى أمر به، وإن اختلفا فيما سواه. قلت: لكن هذا كله خروج عما نحن فيه من بيان حكم ما لو اختلف ما هو كالجنس الواحد في التقدير ودعوى إمتناع ذلك لتبعية الفروع للاصول كما يؤمي إليه أول كلامه، واضحة المنع، وربما كانت هي منشأ قوله بأن الدقيق مكيل، وإلا فالمنقول أنه موزون، وربما كان في صحيح ابن مسلم (1) إيماء إليه بناء على أن الفضل في الحنطة عليه، إنما يكون بالوزن في بعض نصوص مقاطعة الطحان (2) التصريح باعتباره بالوزن، كما أن فيه اعتبار الحنطة به، ولا ينافيه معلومية اعتبارها بالكيل، إذ يمكن أنها كانت تعتبر بهما. وكيف كان فالظاهر عدم الخلاف في مفروض المسألة، لا في مثالها في عدم جواز البيع بالكيل، وتردد المصنف والفاضل في التحرير ليس قولا بل لم أجد من احتمله غيرهما بل اقتصر الثاني منهما في القواعد على احتمال تحريم البيع بالكيل والوزن للاختلاف قدرا وتسويغه بالوزن، لكن في المسالك عن الفاضل انه اعتبر الكيل فيما هو أصله، و استحسنه هو، وفيه مع انه لا يتم في نحو الحنطة بالخبز، أنه لا مدخلية لكيل الاصل في ذلك، وعن السرائر نفى الخلاف عن عدم جواز بيع الموزون مكيلا. والتحقيق في المسألة مبني على تحقيق مسألة أخرى، وهي جواز بيع الموزون مكيلا وبالعكس وعدمه، فعن المبسوط إذا كان عادة الحجاز على عهده صلى الله عليه وآله


(1 و 2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الربا الحديث 3 وذيله

[ 373 ]

وسلم في شئ الكيل لم يجز إلا كيلا في ساير البلاد، وما كانت فيه وزنا لم يجز فيه إلا وزنا بلا خلاف في ذلك كله، قيل: وظاهره بين المسلمين واحتمل في جامع المقاصد في ذلك ثلثة إحتمالات. الاول - الجواز مطلقا لاندفاع الغرر والجهالة بذلك، واعتبار الشارع له بالكيل مثلا لا يقضى بعدم حصول العلم بدونه، مضافا إلى أصالة صحة البيع، ثم أجاب عما لعله يورد هنا من منع بيعه بجنسه كذلك، بأن ذلك إنما هو لاجل الحذر من التفاوت، لا لحصول الجهالة، الثاني - عدم الجواز مطلقا، لان كلا من المعيارين بالاضافة إلى ما علم بالاخر غير محصل للعلم بالمقدار فلا يندفع به الغرر، ثم قال: وفيه منع الثالث - التفصيل بجواز بيع المكيل موزونا دون العكس، قال: ويظهر من التذكرة إختياره، و المستند فيه أن الوزن أصل للكيل، ولم يثبت مرادهم منه، فإن أرادوا أن الكيل طار على الوزن فغير واضح، لان المفروض أن المكيل لم يكن موزونا، وإن أرادوا أن الوزن أدل على المقدار، فغير ظاهر أيضا، لان مقدار معيار الكيل إنما هو باعتبار حجمه لا باعتبار ثقله وخفته، وإن أرادوا أغلبيته في أكثر الاشياء، فيكون الاصل بمعنى الراجح، فشرعا غير معلوم، والعرف لا يرجع إليه فيما ثبت حكمه شرعا، هذا كله في غير البيع بالجنس. أما فيه فقد صرح غير واحد بوجوب ذلك الاعتبار فيه فلا يباع المكيل بجنسه إلا مكيلا، وكذا الموزون، وإن قلنا بالجواز في غيره، بل قيل إنه مجمع عليه في الظاهر، قال في التذكرة: " ما أصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا ومعجلا، ولا يجوز بيعه بمثله وزنا، لان الفرض في السلف والمعجل تعيين الجنس ومعرفة المقدار، وهو يحصل بهما، والفرض المساواة فاختص المنع في بعضه ببعض به. وفى المختلف " قال ابن ادريس: يجوز أن يسلف في المكيل من الحبوب و الادهان وزنا في الموزون كيلا إذا كان يمكن كيله، ولا يتجافى في المكيال، ولا يجوز بيع الجنس الواحد فيما يجري فيه الربا بعضه ببعض وزنا إذا كان أصله الكيل، و

[ 374 ]

لا كيلا إذا كان أصله الوزن - والفرق أن المقصود من السلم معرفة مقدار المسلم فيه، حتى يزول عنه الجهالة، وذلك يحصل بأيهما قدر من كيل أو وزن، وليس كذلك ما يجري فيه الربا فإن الشارع أوجب علينا التساوى والتماثل بالكيل في المكيلات وبالوزن في الموزونات، فإذا باع المكيل بعضه ببعض وزنا فإذا رد إلى الكيل جاز أن يتفاضل لثقل أحدهما وخفة الاخر، فلذلك افترقا، ويجوز بيع المكيل بالوزن، ولا يجوز بيع الموزون بالكيل، " وعن المبسوط في باب السلم " لا يجوز بيع الجنس الواحد فيما يجري فيه الربا بعضه ببعض وزنا، إذا كان أصله الكيل، ولا كيلا إذا كان أصله الوزن " وفى القواعد " هنا لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا ولا مكيلا ولا المكيل جزافا ولا موزونا " وفى باب السلم تردد في جواز السلف في المكيل موزونا وبالعكس، وفى المختلف هنا " الاقرب عندي أن المكيل لا يباع بعضه ببعض بالوزن مع احتمال التفاوت، وكذا العكس " إلى غير ذلك من كلماتهم المتفرقة، لكن في المسالك في شرح قول المصنف فيجوز بيع المتجانسين وزنا بوزن نقدا " هذا إذا كان أصلهما الوزن، أما لو كان أصلهما الكيل ففى الاكتفاء بتساويهما وزنا خاصة نظر من كون الوزن أضبط حتى قيل: إنه أصل للكيل، ومن ورود الشرع والعرف بالكيل، فلا يعتبر بغيره، وظاهر كلام المصنف إختيار الاول، وهو متجه، ونقل بعضهم الاجماع على جواز بيع الحنطة والشعير وزنا، مع الاجماع على كونهما مكيلين في عهده صلى الله عليه وآله. " قلت وعن التذكرة أيضا إجماع الامة على أنهما والملح والتمر كانت مكيلة في عهده صلى الله عليه وآله، قال: " فلا تباع بعضها ببعض الا مكيلة، ولا يجوز بيع شئ منها بشئ آخر من جنسها وزنا " ونحوه قال: في الموزون أيضا، قلت: التحقيق في أطراف المسألة أنه لا ريب في أن الاطلاقات تقتضي صحة البيع مع تعارف الكيل في الموزون أصلا و بالعكس، ولا دليل يدل على وجوب اعتبار أصله صالح لتقييدها، بل السيرة القاطعة على بيع ما ذكروا أنها مكيلة في عهده بالوزن، عاضدة لها، بل لعل دليل الغرر والجهالة

[ 375 ]

يقضى بعدم جواز البيع بالاعتبار الاصلي، بعد أن كان المتعارف غيره، ضرورة حصولهما به بعد نسخ الاصل ورفضه، وإن كان قد لوحظ في ابتداء التعارف حتى يصح البيع. ومنه يعلم أنه لا يجوز بيع ما كان المتعارف كيله بالوزن حال تعارف كيله وبالعكس ضرورة حصول الجهالة والغرر بذلك، إذ الوزن لمتعارف الكيل مثلا كالمكيال المجهول وكالوزن بصخرة مجهولة، ودعوى أصالة الوزن للكيل قد عرفت المراد بها، وعدم ثبوتها على وجه يجدى. فتحصل أن الاقوى اعتبار التعارف في ذلك، وهو مختلف باختلاف الازمنة والامكنة، ولا فرق في ذلك بين البيع بالجنس وغيره، فالموزون الذى كان يتعارف كيله في السابق يجرى فيه الربا باعتبار الوزن لعدم صحة بيعه كيلا على ما ذكرنا، وكذا المكيل، والتساوي والتفاضل المذكور في الادلة ينصرف إلى ما تعارف من الاعتبار لذلك البيع، كما هو واضح. أللهم إلا أن يقال: انه بالنسبة إلى رفع الربا يعتبر التساوى بالمعيار الاصلى، وإن كان لا يباع إلا بالوزن فيعتبر مساواته مثلا بالكيل ليسلم من الربا ثم يوزن إذا أريد بيعه، وإن حصل التفاضل فيه، ولكن مقتضى ذلك أن التساوى في الوزن المتعارف لا يكفى، والتفاضل فيه بعد التساوى في الكيل لا يقدح، والتزامه في غاية الصعوبة، وليس في الادلة ما يشهد له، والاجماع السابق من التنقيح إنما هو في جريان الربا على المعتبر أصلا وإن تعارف جزافيته، وعدمه وإن تعارف اعتباره، فليس حينئذ إلا ما ذكرناه فتأمل جيدا. ولو فرض تعارف الكيل والوزن فيه جاز البيع بكل منهما مع التساوى فيه، و إن اختلف في التقدير الاخر، ومن ذلك يعلم أن الاقوى في موضوع مسألة المتن عدم الجواز بالكيل وبالوزن، لاستلزام كل منهما تقدير أحدهما بغير المتعارف في تقديره، وتعارف كيل الاصل أو وزنه غير مجد في الفرع بعد فرض حصول التعارف فيه على

[ 376 ]

خلاف اصله. نعم لو فرض أن أحدهما مكيل وموزون، والاخر موزون خاصة، أو مكيل كذلك جاز بيعهما بالتقدير المشترك بينهما دون المختص بأحدهما وبهذا يظهر لك النظر في جملة مما تقدم وغيره، خصوصا مثل عبارة المصنف وغيرهما كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم، لكن بقي شئ، وهو أنه وإن قلنا أن التحقيق عدم الجواز في موضوع مسألة المتن، إلا أن الظاهر عدم كون الحنطة والدقيق من ذلك، فإن النصوص والفتاوى اتفقت على الجواز فيها، بل في التذكرة الاجماع عليه. نعم ليس في شئ من النصوص ما يدل على أن أحدهما لا يباع إلا كيلا والآخر لا يباع إلا وزنا، كى يكون ذلك مثالا لموضوع المسألة، فيمكن كونهما معا مكيلين و يمكن كونهما معا موزونين ويمكن كونهما يباعان بهما، أو أن أحدهما كذلك دون الاخر وقد وقع البيع بالاعتبار المشترك، فلا منافاة حينئذ بين ما ذكرناه وبين هذه النصوص، ومعقد إجماع التذكرة ومن الغريب إحتمال الحرمة في القواعد في خصوص ذلك والله أعلم. الفرع (الثاني بيع العنب بالزبيب جايز) عند المصنف ومن عرفت سابقا ممن لا يعدى العلة (وقيل لا، إطرادا لعلة الرطب بالتمر و) هو لا (الاول أشبه) عندنا كما عرفت الحال فيه، (وكذا البحث في كل رطب مع يابسه). الفرع (الثالث يجوز بيع الادقة بعضها ببعض مثلا بمثل) مع اتحاد الجنس، و متفاضلا مع اختلافه، من غير فرق بين الناعمين والخشنين، والناعم والخشن، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، للاطلاقات، وعن الشافعي في القديم والجديد أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق مع اتحاد الجنس، وعن أبى حنيفة عدم جواز بيع الناعم بالخشن، ولا ريب في فسادهما، (و) كذا يجوز بيع (الاخباز) بعضها ببعض متساويا مع اتحاد الجنس، ومتفاضلا مع اختلافه، نعم يعتبر في الاول الاتحاد أيضا في الرطوبة واليبوسة وإلا جاء البحث السابق بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، لاطلاق الادلة، وعن

[ 377 ]

الشافعي أنه لا يجوز أحدهما بالآخر إذا كانا رطبين، بل عنه في كتاب الصرف أنه لا يجوز أيضا إذا كانا يابسين مدقوقين يمكن كيلهما، ولا ريب في فساده. (و) كذا يجوز بيع (الخلول) بعضها ببعض متساويا مع اتحاد الجنس، و متفاضلا مع اختلافه، بلا خلاف أجده بيننا من غير فرق في أفراد الخل بين المعتصر وبين الممزوج بالماء، فيجوز حينئذ عندنا كما في التذكرة بيع خل العنب بالزبيب لاتحاد أصلهما، خلافا للشافعي فلا يجوز. لان في خل الزبيب ماء، وفيه أنه غير مانع إذ هو إن أفاد اختلاف الحقيقة جاز متفاضلا، وإلا متساويا، وكذا خل الزبيب بخل الزبيب عندنا، كما عن التذكرة أيضا خلافا له أيضا، لان في كل منهما ماء قال: وإن قلنا في الماء ربا لم يجز، بمعنى جواز تفاضل الزبيب والماء، وهو كما ترى، وكذا خل التمر بخل التمر عندنا، كما في التذكرة خلافا له أيضا. أما خل التمر بالزبيب فلا إشكال فيه عندنا أيضا لاختلاف الجنس، وعن الشافعي انه ان قلنا في الماء ربا لم يجز وان قلنا لا ربا فيه جاز، وفساده واضح عندنا، واما بيع الدبس بالدبس فيجوز عندنا متساويا كما في التذكرة مع اتحاد اصله ومتفاضلا مع اختلافه وعن الشافعي المنع للاشتمال على الماء ويجوز عندنا ايضا بيع الدبس بالتمر مع اتحاد الاصل متساويا ومنعه الشافعي ايضا، ويجوز بيع خل العنب بعصيره متساويا عندنا كما في التذكرة و بالجملة لا ريب في الجواز عندنا في هذه كلها وغيرها (وان جهل مقدار ما في كل واحد من الرطوبة) في بعضها (اعتمادا على تناول الاسم) وقد تقدم لك تمام البحث في ذلك. ومنه يعلم ما في المسالك هنا " قال لابد في الجواز من اشتراكهما في أصل الرطوبة أي الاخبار في الرطوبة فلو كان أحد الخبزين رطبا والاخر يابسا لم يصح، بناء على ما سلف من القاعدة " وفي العبارة إشارة إليه اثبت لكل واحدة رطوبة جهل مقدارها، ولو علم أن رطوبة أحدهما أكثر من رطوبة الاخر مع اشتراكهما في الاصل، ففى الجواز

[ 378 ]

نظر، من صدق الاسم في المثلين، ومن العلم بزيادة حقيقة أحدهما على الاخر، ولعل الاقرب الجواز، لان الرطوبة غير مقصوده، والحقيقة مطلقة عليهما، وكذا لو علمت الرطوبة في أحدهما، وانتفت من الاخر، كخل الزبيب وخل العنب الخالص. قلت: عرفت أنه لا يكفى الاتحاد في الحقيقة والمساواة عند الابتياع، بل لابد من مراعات عدم النقصان في أحدهما عن الاخر بعد ذلك، للاخبار السابقة، فإذا فرض عدمه صح، وإن كانت الرطوبة في أحدهما عارضية كخل الزبيب إلا أنها صارت من أجزاء الحقيقة، فلاحظ ما تقدم سابقا وتأمل. والله أعلم. (تتمة فيها مسائل) (الاولى: لا ربا بين الوالد وولده) إجماعا محكيا مستفيضا، إن لم يكن متواترا، صريحا وظاهرا، بل يمكن تحصيله، إذ لا خلاف فيه إلا من المرتضى في الموصليات، لكن في الانتصار بعد أن ذكر مما انفردت به الامامية القول بأنه لا ربا بين الولد ووالده، ولا بين الزوج وزوجته، ولا بين الذمي والمسلم، ولا بين العبد ومولاه، وخالف باقي الفقهاء، قال: " وقد كتبت قديما في جواب مسائل وردت علي من الموصل وتأولت الاخبار التى يرويها أصحابنا المتضمنة لنفي الربا بين من ذكرناه، على أن المراد - بذلك وإن كان بلفظ الخبر - معنى الامر، كأنه قال: يجب أن يقع بين من ذكرناه ربا، كما قال تعالى (2) " من دخله كان آمنا " وكقوله تعالى (2) " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " و قوله صلى الله عليه وآله (3) " العارية مردودة، والزعيم غارم " ومعنى ذلك كله الامر " إلى أن قال:


(1) سورة آل عمران الاية 97 (2) سورة البقرة الاية 197 (3) جامع الصغير للسيوطي ص - 68 طبع عبد الحميد احمد حنفى

[ 379 ]

" واعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن، ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب، لاني وجدت أصحابنا مجمعين على نفى الربا بين من ذكرنا، وغير مختلفين فيه في وقت من الاوقات، وإجماع هذه الطائفة قد ثبت أنه حجة، ويخص به ظاهر القرآن ". وهو كما ترى بعد اعترافه بالخطا وأنه مخالف للاجماع في فتواه السابقة، لا يقدح في تحصيل الاجماع، بل هو مؤكد له، مضافا إلى خبر عمرو بن جميع (1) الذى رواه المشايخ الثلاثة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " قال: أمير المؤمنين عليه السلام ليس بين الرجل و ولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا، وصحيحي زرارة (2) ومحمد بن مسلم (3) الذى رواه الكليني والشيخ عن أبى جعفر " ليس بين الرجل وولده، وبينه وبين عبده، ولا بينه وبين أهله ربا، إنما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك، قلت: فالمشركون بينى وبينهم ربا قال: نعم، قلت: فانهم مماليك، فقال: إنك لست تملكهم، إنما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء، فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك. فمن الغريب دغدغة بعض المتأخرين في الحكم المزبور، وكأنه ناشئ من اختلال الطريقة، وإطلاق الخبرين (و) معاقد الاجماعات يقضى بأنه (يجوز لكل منهما أخذ الفضل من صاحبه) كما صرح به الحلي والفاضلان والشهيدان وغيرهم، بل لعله لا خلاف فيه إلا من الاسكافي، فقال كما في المختلف لا ربا بين الوالد وولده إذا أخذ الوالد الفضل، إلا أن يكون له وارث أو عليه دين وهو اجتهاد في مقابلة النص والفتوى. وكيف كان فلا يتعدى الحكم إلى الام لحرمة القياس بعد اختصاص الدليل بغيرهما، كما أن الظاهر من النص والفتوى إرادة الولد النسبى دون الرضاعي، وإن احتمله بعضهم، ولا إطلاق للمنزلة بحيث يشمل المقام، ضرورة انصرافها للنكاح ونحوه، نعم


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 7 من ابواب الربا الحديث - 1 - 3 - 4

[ 380 ]

قد يتوقف في ولد الزنا من صدق الولد لغة، ومن انصرافه إلى غيره، وعموم التحريم قوي، ولذا صرح جماعة منهم الفاضل وثاني المحققين والشهيدين بعدم تعدي الحكم إلى ولد الولد، لكن توقف فيه بعضهم، بل في الدروس الجزم بالالحاق، وهو لا يخلو من قوة، و إن كان الاحوط خلافا، كما أن الاحوط الاقتصار على الذكر، لانه المنساق عرفا، لكن في التذكرة وجامع المقاصد أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى، لشمول الاسم، وحينئذ لا إشكال في الخنثى، وإن كانت مشكلا. نعم قد يتوقف في المشكل منها بناء على اختصاص الحكم بالذكر، فيحتمل التحريم للعموم، والحل للاصل (و)، كذا (لا) ربا (بين المولى ومملوكه) إجماعا بقسميه و للخبرين السابقين (1) وصحيح على بن جعفر (2) " سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم، أيحل ذلك ؟ قال: لا بأس " بل لا يتصور وقوع الربا بينهما بناء على عدم ملكية العبد، ولذا قيل أنه كان ينبغى ترك ذكره ممن كان يرى ذلك. نعم يتجه ذكره بناء على الملكية ومستنده حينئذ ما عرفت، أللهم إلا أن يقال: إن المراد هنا بالمملوك ما يشمل المكاتب، والقائل بعدم ملكية العبد يقول بها فيه، لكن ذلك مبني على إرادة الاعم منه من النص ومعقد الاجماع، وربما نوقش فيه بأن المنساق غيره. نعم لا فرق بين القن والمدبر وأم الولد، لا أقل من الشك فتبقى حرمة الربا على عمومها، كما أن مقتضاها بل هو الظاهر من النص والفتوى، بل هو كصريح صحيح زرارة (3) قصر الحكم على غير المشترك، كما صرح به جماعة، بل في المختلف أطلق أصحابنا، و مقصودهم إذا لم يكن مشتركا، وهو كذلك، ضرورة ظهور النص والفتوى في اتحاد المولى، وكون المملوك جميعه لا بعضه.


(1 و 2) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الربا الحديث - 1 - 3 - 6 (3) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الربا الحديث - 4 -

[ 381 ]

لكن قد يقال: إن مثل هذا الظهور لا يرفع حكم المبعض، كما في زكوة الفطرة وغيرها مما كان العنوان فيه نحو ما هنا، بل يظهر من النص والفتوى اتحاد قاعدة في المبعض الذى بعضه حر بالنسبة إلى جريان حكم الملك والحرية على كل من الجزئين، فضلا عن العبد المشترك بين المالكين الذى يمكن القول فيه بحلية الربا فيه بالنسبة إلى كل من مولييه، كإمكان القول في المبعض الحر أنه يصح العقد الربوي فيما قابل الجزء الملك، ويبطل فيما قابل الجزء الحر، نحو ما يقال: في المال المشترك بين الوالد و غيره مثلا، فباعاه من الولد لاحدهما، فانه يصح العقد بالنسبة إلى نصيب الوالد مع زيادته، ويبطل في غيره. على أنه الخبر المزبور (1) - مع احتمال العلة فيه، إقناعية، لما تسمع في المشترك الجزئي - ظاهر في نحو المشترك الجنسي الذي هو بين المسلمين، لا مثل المشترك بين شخصين مثلا، أو مثل الذى بعضه حر وبعضه رق (و) كذا (لا) ربا (بين الرجل وزوجته) إجماعا أيضا بقسميه، ولصحيح زرارة (2) المتقدم سابقا مضافا إلى مرسل الصدوق (3) عن الصادق عليه السلام " ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وزوجها ربا " وهو مضافا إلى الفتاوى ومعاقد الاجماعات، قرينة على إرادة الزوجة من الاهل، في صحيح زرارة لا غيرها، ممن هو أهل عرفا، والاكثر، كما في الرياض، والمشهور كما عن الكفاية أنه لا فرق بين الدائمة والمتمتع بها، وبه صرح الشهيدان والعليان. لكن قد يناقش بعد تسليم صدق اسم الزوجة بل والاهل عليها، بأن المنساق إلى الذهن الدائمة، خصوصا إذا كان المتمتع بها إلى أجل قصير، ولم يكن متخذا لها اتخاذ الزوجة، بل اتخذها اتخاذ المستأجرة، على أن الدائمة هي التى ثبت لها التفويض في مال الرجل الجملة، كأخذ المأدوم ونحوه، كما أنها هي التى يتسلط الزوج على مالها بحيث


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الربا الحديث - 4 - 3 - 5

[ 382 ]

لا يجوز لها العتق إلا بإذنه، على ما في بعض النصوص (1) بل هما المتحدان في المال عرفا، مضافا إلى عموم حرمة الربا التى ينبغي الاقتصار في خلافها على المتيقن. ولعله لذا تردد المقداد والصيمري كما قيل بل عن التذكرة وإيضاح النافع ومجمع البرهان ثبوت الربا بينها وبينه، ووجهه ما عرفت، إلا أنه قد يقوى التفصيل بين المتخذة أهلا وغيرها، فلا ربا في الاولى ويثبت في الثانية، ومنه يظهر وجه التوقف في المطلقة الرجعية إذ هي وإن كانت زوجة إلا أنه قد يمنع صدق الاهل عليها، والاحتياط لا ينبغى تركه، وذلك لان الجمع بين خبرى الزوجة والاهل يقتضى اعتبار كل منهما، فإنهما شبه العامين من وجه. (و) كذا (لا) ربا (بين المسلم وأهل الحرب) إجماعا بقسميه أيضا إذا اخذ المسلم الفضل، ولمرسل الصدوق (2) والمروي مسندا في الكافي (3) قال: " قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم، ولا نعطيهم " و الضعف غير قادح بعد الانجبار، كما أن خبر زرارة يمكن ارادة غير أهل الحرب من المشركين كأهل الذمة، بناء على جريان الربا فيهم أو غير ذلك، ولا فرق في الحربي بين المعاهد وغيره، ولا في كونه بين دار الاسلام أو الحرب، كما صرح به بعضهم بل عن ظاهر الخلاف، الاجماع على الاخير. لكن قد يناقش في الاول، بظهور المرسل في غيره ممن هو محارب حال المعاملة، إذ هو كالذمي الذى ستعرف البحث فيه، مضافا إلى وجوب الاقتصار فيما خالف العموم على المتيقن، والاحوط اجتنابه. وعلى كل حال فصريح المرسل المزبور أن المراد من نفي الربا بيننا وبينهم أخذه منهم، لا إعطاؤهم كما هو صريح جماعة وظاهر آخرين، بل لا أجد فيه خلافا


(1) الوسائل الباب - 44 - من ابواب العتق الحديث - 2 (2 و 3) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الربا الحديث - 5 - 2

[ 383 ]

صريحا، وإن كان قد أطلق بعضهم إلا من القاضي فيما حكي عنه، فجوز أخذ كل منهما من الآخر، لكن لا ريب في ضعفه، لعدم ما يصلح للخروج به عن عموم التحريم. (ويثبت) الربا (بين المسلم والذمي) قطعا إذا كان الآخذ الذمي وبالعكس (على الاشهر) بل المشهور نقلا وتحصيلا بل عليه عامة المتأخرين إلا النادر، بل لم أجد فيه خلافا إلا ما سمعته من المرتضى وحكي عن ابني بابويه والمفيد والقطيفي، مع أنه قال بعض مشايخنا، إني لم أجد له ذكرا في المقنعة. ومن ذلك يعلم ما في دعوى المرتضى من الاجماع عليه الذي هو دليل القول به، والمرسل في الفقيه (1) " ليس بين المسلم والذمي ربا " الذي لا جابر له، ويمكن حمله على إرادة الحرمة منها، نحو ما سمعته من المرتضى في نظايره، قبل أن يرجع إلى المشهور، أو على أنهم حربيون في زمن الغيبة كما ستسمع، على أنه أرسل في النافع رواية معارضة للمرسل، وإن لم أجدها إلا أن يريد قوله في صحيح زرارة (2) " المشركون بينهم وبين المسلمين ربا " المؤيد للعمومات في الجملة، وحمله على إرادة ثبوته حيث يكون الاخذ من المسلم، ينفيه ظهوره أو صراحته في الاعم من ذلك، فلا ريب في أن الاحوط إن لم يكن الاقوى جريان الربا بينهم، إلا إذا خلعوا شرائط الذمة، فانهم يكونون حينئذ حربيين، بل يظهر من بعضهم أنه كذلك في زمن الغيبة وما شابهها من قصور اليد، إن كانوا لا يغتالون، لشبهة الامان، ولعله لعدم من يعقد معهم، عقد الذمة وشرائطه، ولم يثبت ولاية حاكم الجور في ذلك، هذا. وقد يقال في أصل المسألة أن المراد بنفي الربا بين المسلم والحربي، يأخذ منه ولا يعطيه عدم حرمة ذلك على خصوص المسلم الذي له التوصل بكل طريق إلى أخذ مال الحربي، لانه هو وماله فئ للمسلم، فله السرقة ونحوها، لا أن المراد نفيه على نحو نفيه بين الولد والوالد، وحينئذ فالمعاملة بينهما باطلة توجب حرمة الثمن على الكافر


(1) (2) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الربا الحديث - 5 - 3 -

[ 384 ]

ويحرم عليه دفع الربا، وللمسلم أخذه منه بتوسط هذه المعاملة التي هي فاسده في الواقع، وصحيحة بزعم الحربي، نحو شراء ولده منه، فإنه شراء صوري مقدمة للاستيلاء على الولد، ليملكه به، لا بالشراء، كذا ما نحن فيه فإن ملكه لما يأخذه منه بالاستيلاء لا بالبيع الربوي، وربما يؤيده ذلك ما سمعته في صحيح زرارة (1) من ثبوت الربا بيننا و بينهم مطلقا، ولكن في خصوص الحربي لنا استنفاذ ماله منه بالمعاملة المزبورة على حسب ما عرفت. ومنه يعلم جريان الربا بيننا وبين ساير فرق الكفار المحترم مالهم بذمة، أو صلح، أو أمان أو عهد، أو غير ذلك، بخلاف غير محترمي المال، فإن له التوصل إلى الاستيلاء على ما لهم بالمعاملة المزبورة، ليمكله به، لا بها، بل الظاهر جواز كل معاملة فاسدة معهم بهذا القصد، لا بقصد ترتب الاثر على المعاملة، وإلا فمن البعيد إختصاص الكافر هنا بحلية دفع الربا للمسلم دون أخذه منه، ودون أخذه من غيره من قومه فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، ومنشأ الوهم الاشتراك مع غيره، بنفي الربا لما عرفت والمراد بهما متغاير والله اعلم. المسألة (الثانية) المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا أنه (لا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه كلحم الغنم بالشاة) بل في المختلف لم نقف فيه على مخالف منا غير ابن ادريس فجوز، وقوله محدث لا يعول عليه، ولا يثلم في الاجماع، وفى الدروس نسبته إلى الشذوذ بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه وهو الحجة - بعد النبوى (1) وإن كان عاميا على الظاهر " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع اللحم بالحيوان " وموثق غياث (2) على ما قيل عن الصادق عليه السلام: " أن أمير المؤمنين كره بيع اللحم بالحيوان " بناء على إرادة الحرمة منها في خصوص المقام ولو لما في المعتبرة (3) من أنه عليه السلام " لا يكره الحلال " كما


(1) المستدرك ج 2 ص 480 (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الربا الحديث - 1 (3) الوسائل الباب - 15 - من ابواب الربا الحديث - 1

[ 385 ]

في بعض وإلا الحرام في آخر، وللاجماعين المعتضدين بالشهرة. - لا أن الحجة فيه تحقق الربا، كي يرد عليه أن الحيوان غير موزون، إذ الظاهر إرادة الحي في محل النزاع، كما اعترف به في المسالك، بل هو ظاهر التذكرة أو صريحها، كالمحكي عن السرائر بل عن نهاية الاحكام وفخر المحققين وغيرهما جعل النزاع فيه، فما عساه يظهر من المختلف من كون النزاع في الاعم - ومن المحكي من مجمع البرهان في خصوص المذبوح - في غير محله، كما أن الاستدلال عليه في المحكي عن إيضاح النافع بأن القوم أجروا ما يجرى عليه الوزن عادة مجرى الموزون وإن كان في الحال غير موزون، ولهذا لا يجوز بيع الرطب بالتمر على النخل كذلك أيضا، ضرورة عدم الدليل على ذلك، بل ظاهر الادلة خلافه، خصوصا ما دل (1) منها على جواز بيع الثوب بالثوب وبالغزل، لخروجه بالصفة عن كونه موزونا الذى أفتى به الفاضل والشهيد والمحقق الثاني، بل ربما ظهر منهم أو بعضهم تعدية الحكم إلى الآنية من الحديد والصفر، إذا لم تجرى العادة بوزنها، بل و المصنوع من النقدين كالخاتم والظروف والمراكب المحلاة، فما حكاه عن القوم لم نتحققه. نعم قال في القواعد والتذكرة والتحرير: " إن المراد أي في باب الربا جنس المكيل والموزون، وان لم يدخلاه لقلته كالحبة والحبتين، أو لكثرته كالزبرة، أي القطعة من الحديد "، وظاهره كما اعترف به في الحواشى المنسوبة إلى الشهيد وجامع المقاصد أنه يجب الكيل والوزن في البيع إذا كان المبيع مكيلا أو موزونا بالفعل، فلو بيع ما لا يوزن عادة لقلته أو كثرته وجنسه مكيل كفى في صحة بيعه المشاهدة، إذا بيع بغير جنسه، و أما إذا بيع بجنسه لم يجز كما في الاول ولا بد من المساواة كيلا إن كان مكيلا وإلا فوزنا، كما في الثاني، ويمكن أن يكون ذلك في خصوص ما كان المانع من كيله أو وزنه القلة أو الكثرة، لا غيرهما من الاحوال، ككون الثمرة على الشجرة ونحوها، وهو لا يخلو من نظر.


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الربا الحديث 1

[ 386 ]

وبالجملة لا ريب في أنه ليس المنع في كلام الاصحاب هنا ملاحظة الربا وإلا لما صح إطلاقهم المنع الشامل لصورة المساواة وزيادة اللحم على الحيوان وبالعكس، ولا اتجه لهم المنع حتى في بيع الحيوان بالحيوان الذى من الواضح فساد القول به، وكان منشاء الوهم ذكرهم هذه المسألة في باب الربا، وزاده إيهاما تقييد غير واحد من الاصحاب المنع بما إذا كان من الجنس (و) أنه (يجوز) البيع (بغير جنسه كلحم البقر بالشاة) بل هو المشهور بين المتأخرين بل في الغنية، والتنقيح الاجماع عليه، بل قيل إن إجماع الخلاف منطبق عليه أيضا، وكأنهم فهموا من إطلاق المقنعة والنهاية والمراسم والقاضي على ما حكي عن بعضهم عدم جواز بيع الغنم باللحم وإرادة اللحم من الغنم، بل لعلهم فهموا ذلك أيضا من خبر غياث (1). نعم قيده المصنف بقوله (لكن بشرط ان يكون اللحم حاضرا) ولعله لعدم جواز بيع اللحم نسيئة، كما نص عليه ابن ادريس في المحكي عنه هنا، قال كما في المختلف: " يجوز ذلك أي بيع اللحم بالحيوان إذا كان موزونا سواء اتفق الجنس أو لا يدا بيد، وسلفا أيضا إن كان اللحم معجلا دون العكس إذ لا يجوز السلف في اللحم، ويجوز في الحيوان، ويأتي تمام الكلام في السلم إنشاء الله تعالى. وكيف كان فذلك كما ترى لا دلالة فيه على أن المنع فيه للربا، إذ ليس في النهاية إلا " لا يجوز بيع الغنم باللحم لا جزافا ولا وزنا " ومثلها المقنعة بزيادة لانه مجهول، ونحو هما غيرهما في عدم الاشارة إلى كون المنع للربا، فلا ريب في بطلان الاستدلال به لهم، بل منه يعلم فساد ما ذكره ابن ادريس حيث احتج على مطلوبه بأن المقتضي للجواز - وهو قوله تعالى (2) " أحل الله البيع "، - موجود، والمانع وهو الربا منفى إذ الربا إنما يثبت في الموزون، والحيوان الحي ليس بموزون، إذ فيه ما عرفت من عدم كون المانع الربا، وأجاب


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الربا الحديث - 1 (2) سورة البقرة الاية - 275

[ 387 ]

عنه في المختلف بالمنع من نفى المانع، ومن كون المانع هو الربا خاصة، ثم قال: ولو قيل بالجواز في الحيوان الحي دون المذبوح جمعا بين الادلة كان قويا. وفيه أنه لا وجه للمنع من نفى المانع إذ احتمال أنه من الربا بتخصيص ما دل على اشتراطه بالكيل في غير المقام كما ترى، وإن جزم به في الرياض على أنه ينبغى جوازه مع المساواة، مع أن المعظم والجميع اطلقوا المنع. نعم قيده بعض المتأخرين بغير المساواة بناء منه على أن المنع من جهة الربا مضافا إلى أنه ليس في خبر غياث (1) دلالة على كون المنع من جهة الربا، كي يقيد به تلك الادلة، وأما ما ذكره من التفصيل فإنه وإن استجوده الشهيد في حواشيه، وقال به المحقق الثاني في جامع المقاصد وتعليق الارشاد، وقواه الشهيد الثاني في المسالك والروضة، لكن منشأوه على الظاهر ما أومأ إليه في المختلف من الجمع بين ما دل على الحرمة كالرواية، والاجماع المحكي وإطلاقات الحل والجواز، فيحمل الاول على ما إذا كان مذبوحا، لتحقق شرط الربا فيه، والثانى على الحي لفقد شرط الربا فيه. ومن هنا صرح بعضهم بالكراهة في الحي للشهبة الناشئة من إطلاق القول، والرواية بالحرمة، وقد ظهر لك مما ذكرنا ما فيه، إذ لا حاجة لحمل المنع على كونه من جهة الربا، كي يحتاج إلى ذلك، وإلى حمل النص ومعقد الاجماع والفتاوى المتضمنة للفظ الحيوان والشاة أو الغنم على خلاف ظاهره، ضرورة ظهورها جميعا في الحي، على أن تنزيل ما دل على الربا على المذبوح قد يناقش فيه، بأنه غير مكيل ولا موزون قبل السلخ، بل تعارف في زماننا بيعه جزافا بعد السلخ إذا كان جملة، بل من المعلوم أن الرأس لا يباع إلا جزافا، والاكتفاء بموزونية جنسه أي اللحم قد عرفت ما فيه، بل قد يمنع كون جنس الحيوان المذبوح اللحم. وكذا يظهر لك ما في التذكرة، فإنه بعد أن ذكر أن المشهور على المنع قال:


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الربا الحديث 1

[ 388 ]

" والاقرب عندي الجواز على كراهية، للاصل السالم عن معارضة ثبوت الربا لفقد شرطه، وهو التقدير بالكيل أو الوزن، المنفي في الحيوان الحي، وأما الكراهية فللاختلاف، بل صرح بعد في كلامه بأن المنع على تقديره إنما هو من جهة الربا " وفيه ما عرفت ولعل ما في النافع والتحرير والارشاد من الحكم بالجواز مبنيا على أن كون المنع للربا، و هو منتف لفقد شرطه، كالمحكي عن الابى والخراساني والكاشاني، أو لان غياثا بتري لا يعمل بخبره. وفي الاول ما عرفت، وفي الثاني مع ان غير واحد وصف الخبر بكونه موثقا، بل في المختلف أن اصحابنا وثقوه وهو منجبر بما عرفت، ومعتضد بالاجماعين السابقين، ومنه يعلم الحال في المناقشة في متنه للتعبير فيه بلفظ الكراهة. ونحوها المناقشة بأن مقتضاه مطلق المعاوضة، وأن المنع ولو بغير الجنس و الاصحاب لا يقولون به، إذ يدفعهما إنصراف البيع والجنس منه، أو إرادة ذلك منه ولو بمعونة كلام الاصحاب، واحتمل في الرياض إرادة المثال بذكر البيع في الفتاوى وهو بعيد، مناف لقاعدة الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن منعه من النص والفتوى، فظهر لك من ذلك كله أن قول ابن ادريس ضعيف، وإن وافقه عليه جماعة ممن تأخر عنه، كالمصنف في النافع والفاضل والمحقق الثاني والشهيدان في الحواشى والمسالك والروضة وغيرهم، إلا أن منشأ الجميع ما عرفت مما هو واضح البطلان، فالقول حينئذ بما عليه المشهور لا يخلو من قوة. لكن قد ظهر لك من كلام هؤلاء المتأخرين أنه لا إشكال في المنع في المذبوح لوجود شرط الربا فيه، وقد عرفت المناقشة فيه، فبناء على ظهور الخبر ومعاقد الاجماعات في الحي، يتجه الجواز حينئذ في المذبوح لعدم شرط الربا فيه، اللهم إلا أن يدعى الاجماع عليه من الجميع، ودونه خرط القتاد، بعد أن علمت أن البحث في تلك العبارات في الحي لا في المذبوح، كما عن الاردبيلى الجزم به، ولا في الاعم منه ومن

[ 389 ]

الحي، كما عساه يظهر من المختلف، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين كون اللحم ثمنا ومثمنا، وإن اختص أكثر العبارات بالثاني، لكن المحكي عن جملة من القدماء التعبير بالاول. نعم ينبغي الاقتصار بناء على ما ذكرنا على ما يسمى لحما، فالكرش والكبد ونحو هما لا يدخل في المنع، بل قد يتوقف في اندراج بيع لحم السمك بالسمك الحى، لعدم انصراف لفظ اللحم إليه، هذا وربما يقال في أصل المسألة - خصوصا بملاحظة ما سمعته من المعتبرة من التعليل بالجهالة - إن المراد من إطلاق الفتوى من قدماء الاصحاب عدم جواز ما يستعمل من دفع رؤس من الغنم إلى القصاب بمقدار من اللحم يؤخذ منه تدريجا، أو يبيع القصاب مقدارا من اللحم في ذمته لصاحبها بها. وعلى كل حال فهو باطل لعدم إمكان ضبط اللحم المختلف باختلاف الحيوان زمانا ومكانا وأكلا وسمنا وغير ذلك، فالمراد حينئذ عدم جواز بيع اللحم سلفا ولا كونه ثمنا نسيئة بالحيوان، ولعل تخصيص ذلك، بالحيوان تنبيها على ما كان يستعملونه بل ربما استعملوه على نحو العرية من بيعه بمقدار من اللحم منه الذي لا إشكال في بطلانه، لاتحاد الثمن والمثمن فيه، كما أن الوجه في ذكر الاصحاب ذلك، ذكره فيما سمعته من النص وبذلك ينطبق ما سمعته من التعليل بالجهالة، ضرورة عدمها في الحيوان، وفي اللحم المشاهد، وكان التفصيل بالجنس وغيره من المتأخرين الذين توهموا كون موضوعه من الربا، والا فالقدماء لا تفصيل في كلامهم، فتأمل جيدا ولاحظ، فإنه نافع إنشاء الله المسألة (الثالثة) لا خلاف بيننا في أنه (يجوز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة خالية) أو فيها بيضة أو ببيضة، لوجود المقتضي من الاصل وغيره، وعدم المانع، إذ ليس إلا الربا، وهو منفي بانتفاء شرطه، إذ الدجاجة غير مقدرة بالكيل والوزن، وما في بطنها ما دام كذلك كالثمرة على الشجرة، ولانه تابع غير مقصود، والمخالف الشافعي، ولا ريب في ضعفه، (و) كذلك لا خلاف عندنا في جواز (بيع شاة في ضرعها لبن بشاة

[ 390 ]

في ضرعها لبن أو خالية: أو بلبن ولو كان من لبن جنسها)، بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا لعين ما ذكرنا، وكذا بيع شاة عليها صوف، بصوف وشاة ليس عليها صوف، ونخلة ليس عليها تمر بأخرى خالية أو ذات تمر. المسألة (الرابعة: القسمة تميز أحد الحقين) أو الحقوق عن الاخر (وليست بيعا) عندنا ولا معاوضة، (فتصح فيما فيه الربا ولو أخذ أحدهما الفضل) للاصل و الاطلاقات وفى المسالك دعوى الوفاق عليه، ومن جعلها بيعا مطلقا، أو مع اشتمالها على الرد يثبت فيها الربا، (وتجوز القسمة كيلا وخرصا) للاصل (ولو كانت الشركة في رطب وتمر متساويين فأخذ أحدهما الرطب جاز) وإن كان ينقص إذا جف بعد ذلك، لما عرفت من عدم جريان الربا فعلا فيها، فضلا عن مثل ذلك. ولكن تفصيل الامر فيها محرر في كتاب القسمة من القضاء بل والشركة، فانه قد ذكرنا بعض الكلام فيه، والعمدة تحرير كون حصة الشريك كليا في المال الخارجي مشاعا، على معنى صدقه على أفراد متعددة، وبالقسمة مع القرعة ليتميز ويتشخص، أو أنها حصة شايعة في الاجزاء على وجه يكون لكل منهما نصيب في كل جزء جزء فبالقسمة لابد أن تكون من كل منهما أجزاء من ملكه عند الاخر، ومقتضى ذلك كونها حينئذ معاوضة، بل مقتضاه فيما لو كانت الشركة بين الوقف والملك، تبديل أجزاء الوقف بالملك وبالعكس، بل مقتضاه اجتماع مالكين على مملوك واحد إذا قلنا بالجزء الذي لا يتجزى، فإنه لا يكون قابلا للقسمة، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في محله، ولعل اجماعهم على الظاهر هنا بعدم جريان الربا حتى من القائل بعمومه لكل معاوضة مما يؤيد الاول فلاحظ وتأمل المسألة (الخامسة يجوز بيع مكوك من الحنطة بمكوك وفي أحدهما عقد التبن ودقاقه) دون الاخر (وكذا لو كان في أحدهما زوان أو يسير من تراب، لانه مما جرت العادة بكونه فيه) فيصدق المساواة معه بلا خلاف أجده فيه بيننا، لكن عن

[ 391 ]

المبسوط " وقال قوم: لا يجوز وهو الاحوط " ولعله يريد من العامة إلا أنة لا ينبغى الامر بالاحتياط لخلافهم. نعم لو كان ذلك مما لا يتسامح به في العادة لم يجز لصدق التفاضل، بل ولانه إذا كان الخليط مما له قيمة، كالشيلم ونحوه، جاز بصرف زيادة الخالص حينئذ إلى مخالف الجنس، كما أنه يجوز بحنطة مشتملة على ذلك، صرفا لكل جنس إلى ما يخالفه، أما إذا لم يكن له قيمة لم يجز بالخالص ولا بغيره، إذا لم يعرف قدر التفاوت، وإلا جاز على الظاهر، وليست الحنطتان ذات الترابين كالجنسين الرطبين التي لا يعلم تساويهما بعد الجفاف، ضرورة كون الرطوبة حينئذ من اجزاء الجنس، وليست هي مستقلة بنفسها، بخلاف التراب كما هو واضح، والمكوك: كثبور: مكيال يسع صاعا ونصفا ونصف رطل، أو ثلاث كيلجات، والكيلجة: من وسبعة أثمان المن، والمن: رطلان. والله اعلم. المسألة (السادسة) لا خلاف بيننا ايضا في أنه (يجوز بيع درهم ودينار، بدينارين ودرهمين و) يكون في الصحة بمنزلة أن (يصرف كل واحد منهما إلى غير جنسه) وإن لم يقصدا ذلك (وكذا لو جعل بدل الدينار أو الدرهم شئ من المتاع، و كذا مد من تمر ودرهم، بمدين أو أمداد ودرهمين أو دراهم) إذ هو وإن لم يكن في كل منهما جنس يخالف الاخر، إلا أن الزيادة تكون في مقابل الجنس المخالف في أحدهما، فهو في الصحة حينئذ كذي الجنسين، ولا خلاف بيننا في الجميع، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكى منه مستفيض جدا إن لم يكن متواترا. مضافا إلى الاصل والعمومات، واختصاص أدلة التحريم بحكم التبادر والسياق بغير مفروض المسألة، والنصوص المستفيضة التى فيها الصحيح وغيره، منها - ما عن البجلي (1) قال: " سألته عن الصرف فقلت إن الرفقة ربما خرجت عجلا فلم أقدر على الدمشقية والبصرية،


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الصرف الحديث - 1 - مع اختلاف يسير

[ 392 ]

وإنما يجوز (1) " بساير " الدمشقية والبصرية، فقال: وما الرفقة ؟ فقلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج فإذا عجلوا فربما لم نقدر على الدمشقية والبصرية، فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا وخمسمائة درهم منها بألف من الدمشقية والبصرية، فقال: لا خير في هذا، فلا يجعلون معها ذهبا لمكان زيادتها، فقلت له: أشتري ألف درهم ودينارا بألفي درهم فقال لا بأس بذلك إن أبى كان أجرأ على أهل المدينة منى، وكان يقول: هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال ". في صحيحه الاخر (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: كان محمد بن المنكدر يقول لابي جعفر عليه السلام: يا أبا جعفر رحمك الله والله إنا لنعلم أنك لو أخذت دينارا والصرف ثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلا فرار، وكان أبى عليه السلام يقول: صدقت والله ولكنه فرار من باطل إلى حق " وفى الصحيح الاخر (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا بأس بألف درهم ودرهم، بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب. وربما ظهر منها ما ذكره غير واحد من الاصحاب، بل نسبه إليهم غير واحد، مشعرا بدعوى الاجماع عليه، من صرف كل من الجنس إلى المخالف، كما أن الزيادة تنصرف إليه إذا كانت في أحدهما، ومقتضاه حينئذ الصحة فيما لو باع مد تمر ودرهما بمدين، أو بدرهمين، أو بمدين ودرهمين ثم تلف الدرهم أو المد قبل قبضه، فيصح البيع في الاول بمد أو درهم، وفى الاخير بمدين أو درهمين، لانفساخ البيع شرعا فيما يقابل الزيادة أو الجنس المخالف، وإن لم يكن هو مقتضى المقابلة عرفا، وهو الذي مال إليه المحقق الثاني، والشهيد الثاني إذا كان كل من العوضين مشتملا على جنسين.


(1) هكذا كان في النسخة الاصلية وفى الكافي " بسابور " وفى الوسائل " نيسابور " (2 و 3) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الصرف الحديث - 2 - 4

[ 393 ]

وفيه أن دعوى ظهور الادلة في الانصراف على الوجه المزبور محل نظر أو منع، إنما المسلم منها بالنسبة إلى حكم الربا، بمعنى أنه لا يتحقق ويكون كما لو خصت الزيادة أو الجنس المخالف في عدم جريان الربا، لا أن المراد جريان ساير الاحكام على ذلك، حتى لو كانا مثلا لمالكين اختص كل واحد منهما بما يخالفه، وإن لم يكن مقابلا لماله وكذا بالنسبة إلى حكم الصرف فلو بيع مثلا فضة ونحاسا بفضة ونحاس لم يجب التقابض في المجلس للانصراف المزبور إلى غير ذلك من الاحكام التى يصعب التزامها مع عدم ظهور الادلة فيها، بل في نصوص (1) الصرف الآتية ما يشهد بخلافها، مضافا إلى مخالفتها القواعد المحكمة، خصوصا الالتزام بثمن لم يكن مقصودا أنها ثمن على كل حال، بل لعل المقصود خلافه، بل ظاهر النصوص السابقة (2) كبعض العبارات أن الضميمة على الوجه المزبور من الجانبين أو من جانب واحد، من الحيل الشرعية للتخلص من الربا، جارية على مقتضى الضوابط ليس فيها أثر للتعبد أصلا، وإنما نبه الشارع عليها تنبيها، وإلا فمبناها أنه بذلك يخرج عن صدق بيع المتجانسين متفاضلا، وذلك لان أجزاء الثمن مقابلة بأجزاء المثمن على الاشاعة، فلا تفاضل حينئذ في الجنس الواحد في عقد البيع، لانضمام جنس آخر معه، فقول الاصحاب بانصراف كل جنس إلى مخالفه أو الزيادة إليه، يراد به ما ذكرنا، لا أن ذلك حكم شرعي تعبدي، إذ عليه لا تكون حيلة كما هو واضح، فلا ريب حينئذ في بطلان القول بالصحة في الفرض على هذا الوجه. ومن هنا احتمل غير واحد البطلان في مفروض المسألة، إذا حصل الربا بعد إسقاط ما يقابل التلف بالنسبة، كما لو باع مدا ودرهما بمدين ودرهمين مثلا، وتلف الدرهم المفروض أنه نصف المبيع، لكون قيمة المد درهما بطل البيع في نصف الثمن، ويبقى النصف الآخر، وحيث كان منزلا على الاشاعة، كان النصف في كل من الجنسين، فيكون نصف المدين ونصف الدرهمين في مقابل المد، فيلزم الزيادة الموجبة للبطلان، بل


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الربا الصرف

[ 394 ]

جزم به المحقق الثاني إذا كان المشتمل على الجنسين أحد العوضين، والمقابل له في الاخر الزيادة، وكان التالف المخالف، وكان التقسيط في الباقي يقتضى الزيادة. وفيه منع تحقق الربا لهذه الزيادة التي لم يبن العقد عليها، وإنما حصلت بالتقسيط، وإلا لاتجه البطلان من أول الامر، مع أن الامامية على خلافه، في مقابل ما حكي عن الشافعي من البطلان في كل ما اقتضى التقسيط فيه الزيادة، ورد بأن المعلوم من أدلة الربا حرمة الزيادة في نفس العقد، لا ما إذا كانت بمقتضى التقسيط في العقد الذى قد وقع المقابلة فيه بالمجموع، وهو بعينه جار فيما نحن فيه، ضرورة أن الزيادة المفروضة إنما كانت بحسب التقسيط الذى احتيج إليه لمكان التلف، وإلا فالعقد لا زيادة فيه، فصحته مستصحبة، وتبعض الصفقة لو سلم عدم خروج الباقي بها عن كونه معاوضة، وعن كونه بيعا، إلا أن المتيقن من أدلة الربا الزيادة في نفس العقد الاول لا المتجدد. نعم قد يقال فيما لو انكشف استحقاق بعض الثمن مثلا باعتبار تحقق الزيادة حينئذ من أول الامر وإن كانت مجهولة، مع أن ظاهر الاصحاب عدم الفرق بين صورتي التلف قبل القبض والخروج مستحقا، وهو محتاج إلى التأمل. وكيف كان فالاجود فيما نحن فيه الصحة وإن حصلت الزيادة، كما عن السيد عميد الدين الجزم به، مع أنه يمكن فرض التقسيط على وجه لا يستلزم الربا، بأن يجعل نصف الدرهم التالف مثلا، في مقابل مثله من الشئ، ونصفه الاخر في مقابل مد ونصف من الثمن، فيكون نصف المد في مقابل نصف مد والنصف الاخر في مقابل درهم ونصف وحينئذ، فكل من نصفى المبيع في مقابل ما يساوى درهمين من الجنسين معا، فلا زيادة في الجنس الواحد. ولعل وجهه أن أجزاء المبيع لما قوبلت بأجزاء الثمن على طريق الشيوع، لم يجب أن يقع التقسيط على وجه يلزم معه المحذور، فإن صيانة العقد عن الفساد مع إمكان السبيل إليه متعين، وهو جيد بعد وجود مرجح له على غيره، ضرورة عدم انحصار التقسيط

[ 395 ]

الذى يتخلص به من الربا فيه، إذ يمكن جعل ثلث الدرهم مثلا في مقابل ثلث درهم من الثمن، وثلثاه في مقابل مد وثلثين من المثمن، ويجعل ثلث المد من المبيع في مقابل مثله من الثمن، وثلثاه في مقابل الباقي من الدرهمين، وهو درهم وثلثان، أو يجعل الربع أو ما دونه، أو ما فوق النصف، أو غير ذلك من الطريق التى لا ترجيح لواحد منهما على الاخر. بل قيل وعلى التقسيط يصرف كل جنس إلى ما يخالفه بل ربما، رجح عليها بنص الاصحاب، إلا انك قد عرفت ما فيه، مضافا إلى أن التحقيق مقابلة أجزاء الثمن باجزاء المثمن على الاشاعة - لا أن المنزل عليه البيع قبل التلف مقابلة المجموع بالمجموع من دون تعيين كونه على الاشاعة أو غيره، فإذا تلف احتجنا إلى التعيين فنحتاج إلى مرجح، ضرورة ظهور قصد المتعاملين بمقابلة أجزاء المبيع بأجزاء الثمن على الاشاعة، وكان الرجوع إليه في التلف وفى العيب وفى ظهور الاستحقاق وغير ذلك من المقامات، لابتناء العقد عليه، فظهر حينئذ أن المصحح للبيع هو المنزل عليه عند التلف، فحينئذ يبطل منه فيما نحن فيه على الاشاعة، إلا أنه إذا تراضيا على ما يتحقق به الزيادة في هذا الحال لم يتحقق الربا، لما عرفت من ظهور أدلته في الزيادة في نفس العقد. ومن هنا كان لا فرق عندنا في ذلك بين اشتمال كل من العوضين على جنسين مختلفين، وبين اشتمال أحدهما على ذلك ومقابلته بالزيادة، وإن كان يمكن منع فرض تحقق الزيادة في الاول على الجنس الواحد بعد فرض الاشاعة في الاجزاء، إلا بالتراضى منهما على ما يحصل به ذلك، وقد عرفت عدم البأس فيه عندنا، فلا يجب عليهما اختيار ما لا يتحقق به ذلك تخلصا من الربا. - أنه وإن تعاسرا في أفراده رجعا إلى القرعة أو الحاكم أو أن التخيير للبايع، لان الثمن قد انتقل إليه بالعقد، والمستحق عليه إرجاع أمر كلي فيخير في أفراده أو للمشتري إذا لم يكن قد دفعه إلى البايع، أو غير ذلك مما لا يحتاج إليه بعد ما ذكرنا،

[ 396 ]

ومنه يعلم ما في خيرة السيد في الرياض من وجوب التقسيط بما لا يحصل معه الربا و الله اعلم. وكيف كان فقد عرفت مشروعية الاحتيال في التخلص من الربا، نصا وفتوى إذ هو فرار من الباطل إلى الحق، (وقد يتخلص من الربا) أيضا (بأن يبيع أحد المتبايعين سلعته من صاحبه بجنس غير جنسها، ثم يشتري من الآخر) سعلته (بالثمن) الذي باع به سلعته، (و) حينئذ (يسقط اعتبار المساواة)، ضرورة عدم بيع كل منهما بالاخر حتى يشترط ذلك تخلصا من الربا، فلو باع مثلا وزنة من الحنطة بعشرة دراهم، ثم اشترى منه وزنتين بذلك صح. (وكذا لو وهبه) أحدهما (سلعته ثم وهبه الاخر) الاخرى من غير معاوضة وإلا بنى الحال على اختصاص الربا بالبيع وعدمه، (أو أقرض) سلعته (صاحبه، ثم أقرضه هو وتبارءا، وكذا لو تبايعا) متساويا (ووهبه الزيادة) إلى غير ذلك مما يخرج عن بيع المجانس بمثله متفاضلا لكن قال المصنف هنا (كل ذلك من غير شرط) وهو متجه في الاخير، ضرورة حصول الزيادة باشتراط هبة الزيادة، لما عرفت سابقا من تحقق الربا بالزيادة في العقد ولو حكما كاشتراط الاجل ونحوه، وفي سابقه على إرادة القرض بشرط قرض الجنس الاخر، والتباري بعد ذلك، فإن الظاهر تحقق ربا القرض بمثل ذلك، بل في الهبة بشرط الهبة، بناء على عموم الربا للمعاوضات، إذ الظاهر كون ذلك من الهبة المعوضة، أما الاول وهو البيع بثمن مخصوص مشترطا عليه بيع الجنس الاخر بذلك الثمن، فلا أرى به بأسا، لوجود مقتضى الصحة، وعدم المانع، فإن أراد المصنف ما يشمل ذلك، كان محلا للنظر، فتأمل. وكيف كان فلا يناقش في هذه الحيل - بعدم قصد هذه الامور أولا وبالذات، ومن المعلوم تبعية العقود للقصود - لاندفاعها بالمنع من عدم القصد، بل قصد التخلص من الربا المتوقف على قصد الصحيح من البيع والقرض والهبة وغيرها من العقود كاف في حصول

[ 397 ]

ما يحتاج إليه البيع من القصد، إذ لا يشترط في القصد إلى ؟ ؟ قصد جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفى قصد غاية من غاياته، والله اعلم. المسألة السابعة لا ريب في أنه مقتضى ما دل على حرمة الربا وفساد المعاملة المشتملة عليه، وجوب رد الزيادة خاصة، المأخوذة بالقرض ونحوه، ضرورة بقاؤها على ملك المالك، معينة أو مشاعة، فحكمها حكم غيرها من الامور التى للغير، في الرد والصدقة ونحوهما من مسائل الاشتباه للمال والصاحب أولهما، مما هو مقرر في كتاب الخمس و غيره من محاله، من غير فرق في ذلك بين العلم والجهل. وأما لو كان الربا في عقد المعاوضة، فالمتجه حينئذ فساد المعاملة فيبقى كل من العوضين على ملك صاحبه لا الزيادة خاصة، إذ الفرق بينه وبين القرض واضح، و حينئذ يجري فيه ما يجري في باقى المعاملات الفاسدة، من غير فرق أيضا بين العالم و الجاهل إلا في الاثم وعدمه، إذا كان غير مقصر في البحث والتفحص، ولو لانه غير متنبه، إلا أن الاصحاب هنا لم يفرقوا بين الموضوعين، فأطلقوا وجوب رد الزيادة إذا كان حال تناولها عالما بالتحريم، بل نفى بعضهم عنه الخلاف فيه، بل عن المقداد والكركي الاجماع عليه، وهو الحجة مضافا إلى ما سمعت، قيل: وإلى قوله تعالى (1) " فإن تبتم فلكم رؤس أموالكم " وغيرها من الآيات الاخر الناصة عليه ؟ ؟ كالروايات بحرمة الربا الذى هو الزيادة لغة، الموجبة لعدم الملكية، فيلزم الرد مع معرفتها قدرا ومعرفة الصاحب بالضرورة، قلت قد عرفت أن مقتضاها ذلك في الربا في نحو القرض، أما البيع فالفساد، و على كل حال فالمتجه حينئذ كونه كغيره من الاموال المحترمة، في التصدق به عن المالك إذا لم يتمكن من معرفته، وغير ذلك مما هو مقرر في محله، نعم خلت نصوص المقام التى ستسمعها مع أنها في مقام البيان، عن ذكر الحكم باخراج الخمس لو كان مختلطا بالحلال، ولم يعرف المقدار ولا الصاحب، بل ظاهر بعضها حل الجميع، ولكن لم يعمل بها الا نادر من الطائفة، ومع ذلك فظاهر سياقها الجهل بالحرمة خاصة،


(1) سورة البقرة الاية - 279

[ 398 ]

فالعمل بالنصوص (1) المتقدمة في مبحث الخمس العامة لما نحن فيه المفتى بها في المقام أيضا أقوى منها، وإن كانت خاصة، وإن كان جاهلا بالتحريم لخطأ في التقليد أو الاجتهاد أو غيرهما، فالمعروف بين المتأخرين بل في الدروس نسبته إليهم، أنه كالعالم في وجوب الرد من غير فرق بين تلف العين وبقائها، لاطلاق ما دل على حرمة الربا مما هو صريح في عدم انتقاله عن المالك، والعذر في الحكم التكليفى لا ينافى الفساد الذي هو الحكم الوضعي، وحينئذ فيجرى فيه ما قلناه في العالم، في ربا القرض وربا البيع، وقوله تعالى (2) " فان تبتم فلكم رؤس اموالكم " خلافا للنهاية والنافع والدروس والحدائق والرياض ومحكي الصدوق والراوندي والابى والقطيفى والاردبيلى، فلم يوجبوا الرد، بل عن التنقيح نسبته إلى الشيخ وأتباعه، بل قيل أنه ظاهر الطبرسي أو صريحه وكأنه مال إليه في التحرير وحواشي الشهيد، ولا فرق في ذلك بين وجود المال وتلفه، كما عن نهاية الاحكام التصريح به. نعم ظاهرهم اشتراط ذلك بالانتهاء عما مضى، بأن يتوب عما سلف، وصرح في الحدائق بصحة المعاملة في هذا الحال، ولعله مراد الباقين، إذ الحكم بعدم وجوب الرد مع القول بفساد المعاملة في غاية البعد. نعم قد يقال أن محل كلامهم في ربا القرض ونحوه مما تخص الحرمة الزيادة. لا مطلق العوض، إلا أن اطلاقهم مناف له. وكيف كان فالعمدة في ذلك بعد الاصل قيل وإستصحاب الحكم حال الجهل إلى ما بعد المعرفة، - اختصاص أدلة حرمة الربا كتابا وسنة - للتبادر من السياق وقاعدة التكليف - بصورة العلم، خصوصا الاية المزبورة التى هي (3) " يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فان تبتم فلكم رؤس أموالكم " مؤيدا بما حكي من سبب النزول، أن


(1) الوسائل الباب - 8 - من ابواب الخمس (2 و 3) سورة البقرة الاية 279

[ 399 ]

الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية، وقد بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد المطالبة بها بعد ما أسلم، فنزلت الآية قوله تعالى (1) " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " المفسر في ظاهر المحكي عن الطبرسي بأن له ما أخذ وأكل من الربا قبل النهى، ولا يلزمه رده كالمحكي عن الراوندي في تفسيرها بأن له ما أكل وليس عليه رد ما سلف، إذا لم يكن علم أنه حرام، مستدلا عليه بقول أبى جعفر عليه السلام (2) " من أدرك الاسلام وتاب عما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف " فمن ارتكب ربا بجهالة. ولم يعلم أن ذلك محظور، فليستغفر الله في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شئ، ومتى علم أن ذلك حرام أو تمكن من علمه فكلما يحصل له من ذلك محرم عليه ويجب عليه رده إلى صاحبه. ثم قال: قال السدي: له ما سلف له ما أكل، وليس عليه رد ما سلف، فأما من لم يقبض بعد فليس له أخذه، وله رأس المال، لكن عن الطبرسي أنه روى الخبر المزبور إلى قوله تعالى " فله ما سلف " فيحتمل أن يكون ما بعده من كلام الراوندي، وفى الصحيح (3) " دخل رجل على أبي جعفر عليه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم إنه سأل الفقهاء فقالوا ليس يقبل منك شئ إلا أن ترده إلى أصحابه، فجاء إلى أبي جعفر عليه السلام، فقص عليه قصته، فقال له أبو جعفر عليه السلام: مخرجك من كتاب الله عزوجل " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله " والموعظة التوبة. وقد فسرت الموعظة بالتوبة، في صحيح ابن مسلم (4) الاخر أيضا عن أحدهما عليه السلام وفى المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى (5) عن أبيه " قال إن رجلا أربى دهرا من الدهر، فخرج قاصدا إلى أبي جعفر عليه السلام يعنى الجواد فقال له: مخرجك


(1) سورة البقرة الاية 275 (2) المستدرك ج 2 ص 479 (3 و 4) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الربا الحديث - 7 - وتفسير العياشي ج 1 ص 152 (5) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الربا الحديث 10 -

[ 400 ]

من كتاب الله " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله " والموعظة هي التوبة، لجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال، وما بقي فليتحفظ " ونحوه ما عن فقه الرضا عليه السلام (1) راويا له عن أبى جعفر عليه السلام وفى صحيح هشام (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يأكل الربا وهو يرى أنه حلال، قال: لا يضره حتى يصيبه متعمدا فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزل الذي قال الله عزوجل " كقوله، عليه السلام في صحيح الحلبي (3) " كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة. وقال: لو أن رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف أن في ذلك المال ربا، ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلالا، كان حلالا طيبا، فليأكله، وإن عرفت منه شيأ معزولا أنه ربا فليأخذ رأس ماله ويرد الربا، وأيما رجل أفاد مالا كثيرا فيه الربا فجهل ذلك، ثم عرفه فأراد أن ينزعه، فما مضى فله، ويدعه فيما يستانف " وقال أيضا في صحيحه الآخر (4): " اتى رجل أبي فقال: إني ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربى وقد اعترف به واستيقن ذلك، وليس يطيب لى حلاله، لحال علمي به، وقد سألت الفقهاء من أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله من أجل ما فيه، فقال: أبو جعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله، فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك، وإن كان مختلطا، فكله هنيئا فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجب عليه فيه العقوبة إذا ارتكبه، كما يجب على من يأكل الربا. وسأل الصادق عليه السلام (5) أيضا أبو الربيع الشامي " عن رجل اربى بجهالة ثم أراد أن يتركه فقال أما ما مضى فله وليتركه فيما يستقبل، ثم قال: إن رجلا أتى أبا جعفر عليه السلام فقال:


(1) فقه الرضا ص 77 (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الربا الحديث - 1 (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الربا الحديث - 2 - 3 - 4 باختلاف يسير

[ 401 ]

إنى ورثت مالا، وقد علمت أن صاحبه كان يربى وقد سألت فقهاء أهل العراق وفقهاء أهل الحجاز فذكروا أنه لا يحل أكله، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن كنت تعرف منه شيئا معزولا وتعرف أهله وتعرف أنه ربا فخذ رأس مالك ودع ما سواه وإن كان المال مختلطا فكله هينئا مريئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا، فمن جهله وسعه أكله، فإذا عرفه حرم أكله، فإن أكله بعد المعرفة وجب عليه ما وجب على آكل الربا " لكن لا يخفى عليك أن ما في جملة من هذه النصوص لا يطابق القول بالعفو مع الجهل مطلقا. نعم ظاهرها منطبق على المحكي عن ابن الجنيد قال " من اشتبه عليه من الربا لم يكن له أن يقوم عليه إلا بعد اليقين بأن ما يدخل فيه حلال، فإن قلد فيه غيره، أو استدل فأخطأ، ثم تبين له أن ذلك ربا لا تحل له، فإن كان معروفا رده على صاحبه، وتاب إلى الله، وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه أو ورث مالا يعلم أن صاحبه كان يربى، ولا يعلم الربا بعينه فيعزله، جاز له أكله والتصرف فيه، إذا لم يعلم فيه الربا. أللهم إلا أن يدعى ظهور صحيح الحلبي منها المشتمل على تعليل حل أكل الربا المختلط بوضع الرسول صلى الله عليه وآله ما مضى منه، في أن المراد بما مضى نفس الربا في حالة الجهل مطلقا، ومنه حينئذ يظهر صحة تفسير الآية بما عرفت، كما هو أيضا ظاهرها. وبالجملة فيحمل الامر بالرد حينئذ مع التميز والعزل لذلك على الاستحباب، وأما الجمع - بحمل الامر على ظاهره، وتقييد الادلة المتقدمة الدالة على إطلاق الاباحة بصورة الخلط - فيدفعه عدم التكافؤ بسبب الكثرة والاعتضاد بفتوى من عرفت، مضافا إلى ظهور سياق المعتبرة في عموم الاباحة حتى لصورة التمييز والمعرفة، فلا ريب حينئذ في أولوية صرف الامر عن ظاهره إلى الاستحباب من ذلك هذا. ولكن لا يخفى أنه لا يصلح للفقيه الجرأة بمثل هذه النصوص التي لا يخفى عليك إضطرابها في الجملة، وترك الاستفصال فيها عن الربا أن صاحبه كان جاهلا بحرمته أو عالما،

[ 402 ]

والامر فيها بالتوبة مع عدم الذنب حال الجهل الذي يعذر فيه، بل قد اشتراط في الاية الحل بها وحمله على الجهل الذي لا يعذر فيه، ينافيه ما في خبر الباقر عليه السلام (1) السابق من إلحاق مثله بالعالم وترك الاستفصال فيها عن الربا في الفرض والبيع، وقد عرفت الفرق بينهما، وغير ذلك على مخالفته الضوابط السابقة، والاقدام على حل الربا الذي قد ورد فيه من التشديد ما ورد. وقد نزه ابن ادريس حمل كلام الشيخ على ذلك، فضلا عن النصوص، فإنه بعد أن حكى عن الشيخ في النهاية قوله " فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم أن ذلك محظور فليستغفر الله، وليس عليه فيما مضى شئ، ومتى علم أن ذلك حرام ثم استعمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، ويجب رده على صاحبه، قال: " المراد بذلك ليس عليه شئ من العقاب بعد استغفاره، لا أن المراد بذا أنه ليس عليه شئ من رد المال الحرام، بل يجب عليه رده إلى صاحبه بقوله تعالى (2) " فان تبتم فلكم رؤس اموالكم " فأما قوله (3) " فمن جاءه موعظة " إلى آخره فالمراد والله أعلم فله ما سلف من الوزر وغفران الذنب، وحق القديم سبحانه بعد انتهائه وتوبته، لان إسقاط الذنب عند التوبة تفضل عندنا، بخلاف ما يذهب إليه المعتزلة. وقيل في التفسير ذكره شيخنا في التبيان، (4) وغيره من المفسرين، أن المراد بذلك ما كان في الجاهلية من الربا بينهم فقال: " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " فأما ما يجرى من المسلم فيجب رده على صاحبه، سواء كان جاهلا بحاله، غير عالم بانه محرم، أو كان عالم بذلك، فإنه يجب رد الربا على من أربى عليه من المسلمين جميعا، فلا يظن ظان ولا يتوهم متوهم على شيخنا فيما قال: غير ما حررناه، وتبعه في حمل الاية وبعض النصوص على أحد الامرين العلامة في المختلف.


(1) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الربا الحديث - 7 (2 و 3) سورة البقرة الاية 279 و 275 (4) تفسير تبيان ج 2 ص 360 المطبوع في النجف الاشرف

[ 403 ]

ويمكن حمل بعض النصوص على العلم بأن الميت كان يربى وإن لم يعلم في خصوص المال منه شيئا، وعلى أنه مجهول المالك، وقد أباحه الامام عليه السلام له أو على أنه من الشبهة الغير المحصورة أو غير ذلك، بل في المحكي عن كشف الرموز أنه يمكن أن يقال أن من ادعى اليوم في الاسلام جهالة تحريم الربا لا يسمع منه، فيحمل النص والفتوى على أول الاسلام، وقد حكاه هو أيضا عن صاحب الشرايع. قلت: لا يخفى قوة كون المراد بالآية العفو عما سلف في حال الجاهلية، نحو قوله تعالى " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " وغيره مما هو وارد مورده، ومن هنا إدعى الفاضل المقداد في المحكي عن كنزه صراحة الآيتين في أنه لا يجب رد الربا مع الجهل السابق على نزول التحريم، ثم قال: " إنه قرار يجب الرد مع الجهل والعلم، ثم إنه جمع بين الكلامين بأنه لا يجب على الكافر رد ما أخذ حال كفره، إلا أن يكون عينه موجودة، وأما المسلم فيجب عليه الرد مطلقا، سواء علم بالتحريم أو لم يعلم، وإن كان قد يناقش فيه بأن الظاهر عدم وجوب الرد على الكافر وإن كان العين موجودة. نعم ليس له قبضه كما أنه قد يناقش في وجوب الرد على المسلم بعد تلف العين، لامكان القول بأنه قد سلطه المالك عليها، بل قال بعض مشايخنا في تأييد القول بالعفو مع الجهل، إن الدافع قد أباح للقابض هذه الزيادة، لانه إن كان عالما فظاهر، وإن كان جاهلا فكذلك، لانه دفعها على التراضي مبيحا لها، غاية ما في الباب أنها لو بقيت وأراد الرجوع بها رجع، وليس هذا التراضي منوطا بوجه مخصوص، حتى يكون كالتراضي في العقد الفاسد، فتكون الاباحة مشروطة بصحة العقد في الواقع وسلامة المقابل، وصريحه أن القائل بالعفو معترف بالفساد في هذا الحال، خلاف ما سمعته سابقا من صاحب الحدائق. لكن فيه أن القول بالعفو عنه أشد مخالفة للقواعد والضوابط خصوصا في ربا البيع

[ 404 ]

ومن الغريب دعوى عدم تقييد الاباحة بذلك، والفرض أنه ما دفعه إليه إلا بعنوان الاستحقاق بالمعاملة الربوية، ومنه ينقدح دفع المناقشة الاخيرة، وأن المتجه الضمان مطلقا مع وجود العين وتلفها، كما حكاه في الدروس عن المتأخرين وهو كذلك، وقد بان لك من ذلك كله أنه لا ريب في أن الاحوط إن لم يكن الاقوى اجتناب ذلك كله، على أن النصوص المزبورة ظاهرة في معذورية من تناول الربا جهلا، وهو شامل لما إذا كان الطرف الاخر عالما مع أن المعاملة حينئذ فاسدة قطعا، لحرمة الربا وفساد المعاملة بالنسبة إلى العالم، وذلك يقتضى فسادها بالنسبة إلى الجاهل، فلا بد من التزام أمور عظيمة حينئذ بالنسبة إلى حل مال الغير في يد الآخر وعدم جواز أخذه لمالكه مع وجود عينه، وغير ذلك مما يصعب التزامه، وأيضا الجاهل الغير المعذور الذى قد تاب، مندرج في قوله تعالى (1) " فإن تبتم فلكم رؤس اموالكم " ومنه ينقدح الاشكال في النصوص المزبورة المشتملة على تفسير الموعظة بالتوبة مضافا إلى ظهور الاية وغيرها أن المراد " من جائه موعظة من ربه فانتهى " أي امتثل ما جاء من ربه من النهى فهو ظاهر في أول النزول والله العالم.


(1) سورة البقرة الاية 275

[ 405 ]

إلى هنا تم الجزء الثالث والعشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله والمنه وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه ومقابلته للنسخة المصححة على النسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه ويتلوه الجزء الرابع والعشرون إن شاء الله تعالى في بيع الصرف وأحكامه على الاخوندى ذلك مما يصعب التزامه، وأيضا الجاهل الغير المعذور الذى قد تاب، مندرج في قوله تعالى (1) " فإن تبتم فلكم رؤس اموالكم " ومنه ينقدح الاشكال في النصوص المزبورة المشتملة على تفسير الموعظة بالتوبة مضافا إلى ظهور الاية وغيرها أن المراد " من جائه موعظة من ربه فانتهى " أي امتثل ما جاء من ربه من النهى فهو ظاهر في أول النزول والله العالم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية