جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 24


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 الجزء الرابع والعشرون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ علي الآخوندي نام كتاب: جواهر الكلام - جلد 24 تأليف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتب الاسلامية - تهران بازار سلطاني تيراژ: 2000 نوبت چاپ: چاپ نهم تاريخ انتشار: بهار 1368 چاپ از: چاپخانه ء حيدري حقوق الطبع والتقيلد محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين (الثالث) من الامور التى يتوقف بيان الربا في البيع عليها (الصرف، وهو) لغة الصوت وشرعا أو متشرعية (بيع الاثمان) أي الذهب والفضة مسكوكين أولا (بالاثمان) لا غيره من النواقل بلا خلاف أجده، للاصل وغيره. نعم قد يظهر من بعض النصوص حصوله بقصد مطلق المبادلة والمعاوضة، ويمكن ارادة ما كان المقصود منها البيع أو يدعى تنزيلها عليه ما لم يقصد العدم. وعلى كل حال فسمي بيعها صرفا لمناسبة اشتمالها على الصوت عند تقليبها بالبيع والشراء، وربما قيل بكونه منقولا من التصريف، وهو كثرة التصرفات في وجوه المعاوضات والامر سهل، كما أن الوجه في تسميتها أثمانا وقوعها مقرونة بباء العوض عن الاشياء غالبا، بل فيما حضرني من نسخة منسوبة للشهيد على القواعد عن قطب الدين قال: " الذهب والفضة ثمنان وان باعهما بعوض، ولهذا لو باعه دينارا بحيوان ثبت للبايع الخيار بالاتفاق: قال: وان كانا عوضين فكل منهما بايع ومشترى، ولو باعه حيوانا بحيوان، ثبت لكل منهما الخيار ". وان كان قد يمنع ذلك كله عليه ضرورة اقتضاء العرف عند التحقيق كون مدخول الباء الثمن، والاتفاق الذى ذكره لم نتحققه، كما أن ما ذكره من صدق كل من البايع

[ 4 ]

والمشترى عليهما لو كانا معا عوضين واضح المنع، ومثله ما ذكره أخيرا على ما عرفته سابقا في الخيار، وقال في الدروس هنا: (الثمن ما قرن بالباء هنا وفي غيره كذلك ويحتمل ان يكون هو النقد إذا كان احد العوضين والا فالمقرون بالباء، وتظهر الفائدة في بيع حيوان بحيوان وبيع نقد بحيوان) وظاهره أنه لا اشكال في كون الثمن مدخول الباء في النقدين بل والمتجانسين والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يشترط في صحة بيعها زائدا على الربويات) إذ هي منها لانها موزونة في الصدر الاول، حتى المسكوك منها. والاكتفاء بالعد في بعض الازمنة أو الاحوال بعد معلومية موزونية الاصل وهو الفضة والذهب، لا يدفع حكم الربا كما عرفت، وخصوصا بعد موزونية نقد الزمان السابق، وان تغيرت الهيئة وخصوصا إذا كان عدم الوزن اعتمادا على معلومية الوزن وضبطه، والتفاوت اليسير غير قادح. قال البجلى (1) لابي عبد الله عليه السلام: (اشترى الشئ بالدراهم فاعطى الناقص الحبة والحبتين قال: لا حتى تبينه، ثم قال: الا أن يكون نحو هذه الاوضاح التى تكون عندنا عددا) وفى خبره (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يشترى المبيع بدرهم وهو ينقص الحبة ونحوه ذلك أيعطيه الذى يشتريه منه ولا يعلمه أنه ينقص قال: لا الا ان يكون مثل هذه الوضاحية. يجوز كما يجوز عندنا عددا ". وعلى كل حال فيشترط زيادة على ذلك (التقابض) من كل منهما (في المجلس فلو افترقا قبل التقابض بطل الصرف على الاشهر) بل المشهور نقلا وتحصيلا. شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا. ولذا قال في الرياض: " ان عليه من تقدم وتأخر عدا من شذ وندر، وفي المسالك وعن غيرها أن الاصحاب كلهم على خلاف ابن بابويه، فربما كان الشرط اجماعا بل كانه لم يعتد بخلافه الفاضل في التحرير فقال: " هو شرط بلا خلاف ". وفي الغنية الاجماع عليه بل ظاهره اجماع المسلمين حيث نفى الخلاف منا و منهم. وفي محكى السرائر لا خلاف في هذا الشرط وفي البطلان بدونه. وكشف الرموز


1 - الوسائل الباب - 10 - من ابواب الصرف - الحديث 7 2 - من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 141 الحديث 60

[ 5 ]

الاجماع على البطلان كذلك وأن المخالف الصدوق. وايضاح النافع خلاف ابن بابويه متروك، ورواياته ضعيفة. وفى التنقيح روايات البطلان كثيرة، وعليها انعقد عمل الاصحاب. وفي الدروس رواياته متروكة. فمن الغريب ميل بعض متأخرى المتأخرين إليه بعد ذلك كله، مضافا إلى النصوص المستفيضة المنجبر ما يحتاج منها بما سمعت، منها - قول أبى جعفر عليه السلام (1) في خبر محمد بن قيس (قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد، ولا يبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد) ومنها - قول الصادق عليه السلام في صحيح منصور (2) (إذا اشتريت ذهبا بفضة، أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وان نزى حائطا فانز معه) ومنها - خبر حريز عن محمد (3) (قال: سألته عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلا بمثلين قال، لا بأس يدا بيد). ومنها - خبر البجلى (4) (قال: سألته عن الرجل يشترى من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو دينارا، ثم يقول: أرسل غلامك معى حتى أعطيه الدنانير ؟ فقال: ما احب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير، فقلت انما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض، وهذا يشق عليهم، فقال: إذا فرغ من وزنها و انتقادها فليأمر الغلام الذى يرسله أن يكون هو الذى يبايعه، ويدفع إليه الورق و يقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق) بل لا ينكر ظهور غيرها من النصوص أو اشعارها في المطلوب، وبها يخرج عن أصل الصحة وعمومها. والمناقشة في سند بعضها أو دلالة متنه على ذلك غير مسموعة، سيما بعد الاعتضاد والانجبار بما عرفت، كالمناقشة بعدم دلالتها على الشرطية، وأن المراد من اليد باليد فيها عدم النسيئة، مع أنها لا تنافى ارادة القبض مع ذلك، والدليل غير منحصر فيها مضافا إلى ظهور نحو هذه الاوامر والنواهي في غير المقام في ارادة الارشاد الا ما يقتضى


1 - الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث 3 2 - 3 - 4 - الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث 8، 7، 1

[ 6 ]

الصحة والفساد، لا أن المراد الاثم خاصة. نعم ارادته هنا معه للنصوص والاية كما عن الشيخ وابن ادريس والفاضل في التذكرة، بل قيل: انه جزم فيها بوجوب الوفاء به أي التقابض، والاثم بتركه اختيارا وجعله بمنزلة الربا حتى أوجب عليها التفاسخ قبل التفرق، لو تعذر عليها التقابض، وجعل تفرقهما قبله بمنزلة بيع الربوي نسيئة، فان بطلانه لا يغنى عن الاثم به، قيل وهو ظاهر الدروس حيث حكم بوجوب التقابض قبل التفرق. وفيه أن الوجوب في نحو المقام قد يراد به الوجوب الشرطي مجازا بل عدم تعرض الاكثر للتحريم هنا كما اعترف به في المسالك يؤمى إلى ارادة ذلك من النصوص ايضا من غير ضم الشرعي معه وهو قوى، وان كان الاول أحوط، وينبغى مراعات التقايل حينئذ قبل التفرق، لو تعذر التقباض، بناء على مشروعية التقابل في نحو ذلك كما هو الظاهر. وعلى كل حال فما عن الصدوق من أنه لا يشترط التقابض في المجلس، وحكاه الشهيد في الحواشى عن البشرى، كما أنه حكى فيها أيضا قولا بالتفصيل بين بيع الجنس بجنسه فيشترط، وبين بيع أحدهما بالاخر فلا يشترط، والنصوص السابقة والفتاوى على خلافه، بل وعلى خلاف الصدوق أيضا كما عرفت، وان كان يشهد له اخبار الساباطى الاربعة (1) عن الصادق عليه السلام المتضمنة لنفى البأس عن بيع الدارهم بالدنانير نسيئة وعن سلف الدنانير بالدراهم كخبر زرارة (2) عن أبى جعفر عليه السلام الذى في طريقه على بن حديد (لا بأس أن بيع الرجل الدينار نسيئة بمأة وأقل وأكثر) ومكاتبة محمد بن عمر (3). الا أن الجميع قاصرة عن الادلة السابقة من وجوه، خصوصا مع عدم صراحة بعضها، فالاولى طرحها كما في الدروس، أو تأويلها بل الظاهر من النص والفتوى


1 - الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث - 10 - 11 - 12 - 14 2 - 3 الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث 13 - 15

[ 7 ]

والفتوى منع النسيئة في الاثمان ولو فرضت على وجه لا تنافى التقابض في المجلس، كما إذا كان الاجل قصيرا جدا، بل في خبر عبد الرحمان (1) " أن الناس لم يختلفوا في النسئ (أي في بيع الاثمان): أنه الربا ". وعلى كل حال فظاهر ما سمعته من الفتاوى ومعاقد الشهرات والاجماعات كون التقابض قبل الافتراق شرطا في الصحة، فقبله لا صحة فلا انتقال، وفي خبر محمد بن قيس (2) السابق دلالة عليه، بل وفي خبر البجلى (3) وبه يخرج حينئذ عن قاعدة اقتضاء العقد الملك، المعتضدة بأصالة عدم شرط آخر، بل وعن ما ادعى في غير المقام من الاجماع على عدم اعتبار ازيد من القبض في الملك، ردا على القائل بتوقفه على انقضاء الخيار، إذ قد عرفت من الادلة السابقة اعتبار التقابض منهما معافيه، فلا يكفى قبض أحدهما بل هو حينئذ في يده كالامانة قبل قبض الاخر، بل ان لم نجعله كالمقبوض بالسوم، أمكن عدم ضمانه بالتلف بغير تفريط. نعم قد يقال بحصول الملك به لو قبض الاخر بعده من حين القبض الاول، بل و ان تلف من يده، مع أنه لا يخلو من نظر وبحث، ضرورة امكان القول بحصول الملك في العوضين معا عند حصول القبض المتأخر الذى هو شرط لتأثير السبب، بل به يتحقق التقابض فلا يجدى القبض السابق، وعليه يتجه حينئذ بطلان الصرف لو تلف المقبوض قبل القبض الاخر، بحيث خرج عن صلاحية الملك، فضلا عن تلف غير المقبوض. اللهم الا أن يقال بصحته، بناء على كونه مضمونا مطلقا أو حيث يكون بأن أتلفه بتفريط على معنى انتقال الصرف حينئذ إلى بدل التالف ولكن فيه تأمل أيضا. وكيف كان فاحتمال أن التقابض شرط لتأثير العقد الملك، فحصوله حينئذ يكشف عن حصوله من أول العقد، وعدمه كذلك كاحتمال عدم مدخلية التقابض في ذلك، وأن العقد أثر ما يقتضيه من الملك، الا أنه يبطله الافتراق قبل التقابض إذ هو حينئذ كالفسخ بالخيار


1 - الوسائل الباب - 15 - من ابواب الصرف الحديث 1 2 - 3 - الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث - 3 - 1

[ 8 ]

أو الاقالة، مخالف لظاهر الفتاوى وبعض النصوص السابقة، وان كان الثاني منهما موافقا للقواعد في الجملة بل هو صريح المقداد فيما تسمعه، بل هو لا ينافي بعض النصوص السابقة. كما أن الاول منهما يمكن تنزيل الشرطية في عبارات الاصحاب عليه، ضرورة توقف تأثير العقد على حصوله، فهو شرط لتأثيره ينعدم بانعدامه ويوجد بوجوده، الا أن كيفية الوجود بالوجود وهو جعل العقد مؤثرا من أول وقوعه نحو ما قلناه في اجازة الفضولي بناء علي الكشف، بل لعل ذلك جار في جميع الشروط المتأخرة عن مشروطها، لكن مما لم يكن مقتض له، بل هو مناف لما تسمعه منهم من بطلان الشراء بثمن الصرف مثلا وان قبضه بعد ذلك في المجلس كان المتجه ابقاء عبارات الاصحاب على ظاهرها، من توقف حصول الملك عليه وأنه يحصل حال حصوله تماما لا قبله، وليس هو من الشرائط المتأخرة عن زمان وصف الصحة كغسل المستحاضة بعد تمام الصيام، حتى يلتزم كونه كاشفا، ضرورة امكان توقف الصحة عليه إلى زمن حصوله هنا بخلافه هناك إذ لا دليل على تسبيب العقد الصحة على كل حال. نعم هناك ظواهر يمكن تقييدها بدليل المقام من غير حاجة إلى ذلك التكلف التام، ودعوى أن ذلك أولى باعتبار عدم تقييد تلك الادلة على القول بالكشف كما ترى. (ولو قبض البعض) خاصة قبل التفرق (صح فيما قبض حسب وبطل في غيره) بلا خلاف فيهما لحصول مقتضي الصحة من العموم وغيره في الاول، ومقتضى البطلان من التفرق قبل التقابض في الثاني، وأما صحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " عن الرجل يبتاع من رجل بدينار فيؤخذ بنصفه بيعا وبنصفه ورقا قال: لا بأس، فسألته هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ منه ورقا أو بيعا، قال: ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا تفعله ".


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث - 9

[ 9 ]

فلا دلالة فيه على المنع اولا، ويحتمل انصرافه إلى صحة المجموع من حيث المجموع ولا كلام فيه ثانيا، بل قد يحتمل خروجه عن أصل ما نحن فيه ثالثا، وعلى كل حال يتخير ان معا في اجازة ماصح فيه وفسخه لتبعض الصفقة، إذا لم يكن من أحدهما تفريط في تأخير القبض، ولو كان تأخيره بتفريطهما فلا خيار لهما، ولو اختص به احدهما سقط خياره خاصة كما هو واضح. (ولو فارقا المجلس مصطحبين) قبل أن يتقابضا (لم يبطل) الصرف بلا خلاف للاصل بعد ظهور النصوص، خصوصا قوله " وان نزى حائطا فانز معه " في أن المعتبر التقابض قبل التفرق، ومن هنا كان التعبير به أجود من المجلس الموهم خلاف ظاهره، وقد تقدم في خيار المجلس تحقيق أقل ما يتحقق به الافتراق من الخطوة، كما أنه تقدم هناك كثير مما له نفع في المقام، الا ان الظاهر عدم اعتبار الاختيار فيه هنا، وان كان معتبر هناك، فلو اكرها على التفرق مثلا أمكن القول بالبطلان هنا، بخلافه هناك، لاختلاف المدرك فلاحظ وتأمل. (ولو وكل أحدهما) غيره (في القبض عنه، فقبض الوكيل قبل تفرقهما) أي المتعاقدين (صح ولو قبض بعده بطل) وكذا لو وكلا معا على القبض عنهما، ولا اعتبار بمفارقة الوكيل لهما أو لاحدهما، ولو وكلا أو أحدهما على الصرف خاصة أو مع القبض، فالمعتبر المفارقة بين من وقع العقد معه، لان الضابط كما في الجامع المقاصد والمسالك والروضة والرياض التقابض قبل تفرق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أو وكيلين. لكن قد يشكل بمنع دلالة النصوص على البطلان بتفرق الوكيلين ان قبض الا لكان في ذلك المجلس، بل يصدق على بايع الذهب بالفضة إذا قبض بعد تفرق الوكيلين أنه ما باعه الا يدا بيد، على أن ذلك يقضى بعدم البطلان مطلقا لو كان الوكيل على العقد متحدا عنهما، لعدم تصور الافتراق فيه والتزامه كما ترى، ضرورة صدق بيعه حينئذ لا يدا بيد، فلعل اناطة الحكم بذلك أولى ان لم ينعقد اجماع بخلافه، بل قد يدعى صدق اليد باليد لو تعاقدا مثلا وأرسل أحدهما وكيله مع الاخر فتقابضا قبل التفرق ففى

[ 10 ]

خبر البصري (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بيع الذهب بالدراهم، فيقول أرسل رسولا فليستوفى لك ثمنه قال يقول هات وهلم ورسولك معه) ولا ينافيه ما سمعته في خبر البجلى (2) بعد حمله على الندب ونحوه، الا أن الجرئة على خلاف ما عند الاصحاب مما لا ينبغى، وقد عرفت أن المدار عندهم على عدم تفرق المتعاقدين. نعم قد يقال بعدم اعتبارهما في العاقدين فضولا أو أحدهما، وأن المدار على عدم تفرق المجيزين بعد الاجازة حتى يتقابضا، مع أنه لا يخلو عن اشكال والله اعلم. (و) مما يتفرع على اعتبار التقابض في الملك ما (لو اشترى منه دراهم) بعقد الصرف (ثم ابتاع) بها منه دنانير (قبل قبض الدراهم لم يصح الثاني) على المشهور بين الاصحاب، لعدم ملك الدراهم عليه لو كانت كلية وعدم ملك عينها لو كانت شخصية، ولصحيح اسحاق بن عمار (3) كما في المختلف قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجئ بالورق يبيعها يريد بها ورقا عندي فهو اليقين عندي أنه ليس يريد دنانير ليس يريد الا الورق ولا يقوم حتى يأخذ ورقى، فاشترى منه الدراهم بالدنانير، فلا تكون دنانيره عندي كاملة فأستقرض له من جارى، فأعطيه كمال دنانيره، ولعلى لا أحرز وزنها فقال أليس يأخذ وفاء الذى له ؟ قلت بلى قال: ليس به بأس) وكأنه لما يفهم منه البأس إذا لم يقبض الدنانير، إذ المراد أنى أستقرض به الدنانير، ثم اشتريها منه بالورق الذى يريده، كما يؤمى إليه ما في صدر الخبر، ويمكن أن يكون مراد السائل التوقف من جهة عدم احراز الوزن فتخرج حينئذ عن الاستدلال. وعلى كل حال فليس البطلان لعدم جواز الشراء بما لم يقبض قبل كيله أو وزنه كبيعه، إذ قد عرفت بعد تسليم مساوات الشراء به لبيعه أن الاصح الجواز، ولا لانه بيع دين بدين إذا فرض كون الدنانير كلية في الذمة لا معينة، ضرورة عدم صدق الدينية بعد


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من ابواب الصرف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الصرف الحديث - 3 - باختلاف يسير

[ 11 ]

اشتراط التقابض في الملك، على أنك ستعرف كون الممنوع بيع الدين قبل البيع به كذلك، لا ما كانا أو أحدهما بعقد البيع، ومن ذلك كله يظهر لك ما في المحكى عن السرائر فانه بعد أن ذكر ما في النهاية إذا باع الانسان دراهم بدنانير لم يجزه أن يأخذ بالدنانير دراهم مثلها الا بعد أن يقبض الدنانير، ثم يشترى بها دراهم انشاء، قال (ان لم يتفارقا من المجلس الا بعد قبض الدراهم المبتاعة بالدنانير التى على المشترى الاول فلا بأس بذلك وان لم يكن قبضه الدنانير التى هي ثمن الدراهم الاول المبتاعة، هذا إذا عينا الدراهم الاخيرة المبتاعة، فان لم يعيناها فلا يجوز ذلك، لانه يكون بيع دين بدين، وان عيناها لم يصر بيع دين بدين، بل يصير بيع دين بعين، كما أن منه يظهر ما في المسالك تبعا لغيره من أنه ينبغى القول بالصحة مطلقا في مفروض المتن إذا تقابضا قبل التفرق، وغاية ما يحصل في البيع أن يكون فضوليا فإذا لحقه القبض صح، وسيأتى أن بيع الدين بالدين على هذا الوجه غير ممتنع، إذ فيه منع جريان حكم الفضولي عليه بعد القول بأن الملك من حين القبض كمنعه فيما لو باع مال غيره ثم انتقل إليه. وأغرب من ذلك كله ما في التنقيح من أن لنا أن نقول: ان بطلان البيع بالتفرق قبل التقابض لا يستلزم عدم تملك المشترى، لجواز تملكه ملكا متزلزلا، كالمبيع في زمن الخيار، فان قبض لزم والا بطل، وإذا ملك صح البيع الثاني لانه اشترى بثمن مملوك وصح البيع الاول أيضا، لانه وان لم يقبض الدراهم لكن قبض عوضها وهو الدنانير، وقبض العوض كقبض المعوض، إذ هو كما ترى مع مخالفته لما قدمناه من أن القبض شرط للملك، لا أن الافتراق مانع فيه نظر من وجه آخر لا يخفى، فالتحقيق ما ذكرناه وهو الموافق لاطلاق المشهور البطلان (و) منه يعلم أنه (لو افترقا) في مفروض المسألة قبل التقابض (بطل العقدان) معا لانتفاء الشرط فيهما حينئذ كما هو واضح والله اعلم. (ولو كان له عليه دراهم فاشترى بها) منه (دنانير صح وان لم يتقابضا، وكذا لو كان له دنانير، فاشترى بها دراهم ل‍) ما في الصحيح الاتى (1) من (أن النقدين من


1 - الوسائل الباب - 4 - من ابواب الصرف الحديث 1 - 2

[ 12 ]

واحد) فاشبه التقابض. ولاصالة عدم اشتراطه في نحو المقام بعد صحيح اسحاق بن عمار (1) الذى رواه المشايخ الثلاثة، وعمل به الاصحاب في الجملة قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: يكون للرجل عندي الدراهم الوضح فيلقاني ويقول لى كيف سعر الوضح اليوم فأقول له: كذا وكذا فيقول: أليس لى عندك كذا وكذا ألف درهم وضح فأقول: نعم فيقول: حولها إلى دنانير بهذا السعر وأثبتها لى عندك فما ترى في هذا ؟ فقال: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك، فقلت: انى لم أوازنه ولم أناقده، انما كان كلاما منى ومنه فقال لي: أليس الدراهم والدنانير من عندك ؟ فقلت: بلى فقال: لا بأس بذلك وموثق عبيد بن زرارة أو صحيحه (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون لى عنده دراهم فآتيه فأقول له حولها دنانير من غير ان اقبض شيئا قال: لا بأس به قلت ويكون لى عنده دنانير فآتيه فاقول له: حولها لى دراهم وأثبتها عندك ولم أقبض منه شيئا قال: لا بأس ". وتنزيلها على ارادة التوكيل في القبض أو فيه وفي البيع وأن ما في الذمة له وعليه مقبوض، اجتهاد في مقابلة النص الذى يأباه من وجوه، على أن من الواضح منع كون ما عليه لغيره في ذمته مقبوض له وان وكله فيه، بحيث يجرى عليه حكم المقبوض، والا - لجاز بيع الذهب المشخص مثلا بذهب في ذمته على أن يكون المشترى وكيلا في قبضه ومعنى قبضه له حينئذ رضاه ببقائه في ذمته. وأفضح من ذلك دعوى أن المراد من الخبر التوكيل، وأنه قد وقع منه القبض الحسى وأثبتها، مع ان صريح الخبر عدم وقوع غير الكلام، وبالجملة قد أطنبوا في المقام بلا مقتض، كما أنه لا ينبغى العمل بالخبر على معنى حصول التحول بمجرد الامر بالتحويل، وان أوهمه ظاهر بعض العبارات، بل المراد منه حصول المعاملة منهما بذلك، وان كان بعنوان المعاطات، بناءا على كونها من البيع، وعدم اشتراط التقابض هنا، بل يكفى قبض في ما ذمته له، وبقاء الاخر في ذمته، وحيث كانا معا عنده صار كالتقابض، ولو لا فهم الاصحاب أمكن تنزيل الخبر على معاطات الصلح وان كان في الخبر


1 - 2 - الوسائل الباب، 4، من ابواب الصرف الحديث 1 - 2

[ 13 ]

منافاة ماله والله اعلم. ومن ذلك يعلم أنه لا وجه البناء الخبرين على مقدمات كثيرة لا يخلو جملة منها من نظر وتأمل، بل قد افتى بالخبرين من لا يقول ببعض تلك المقدمات كما لا يخفى، فا لتحقيق ما ذكرنا كما أومى إليه في المختلف وكاد يكون صريح المتن كما هو صريح غيره أيضا، ومنه يظهر لك النظر في كلام كثير من المصنفين، فلاحظ وتأمل جيدا والله اعلم. هذا كله في اعتبار التقابض، وقد ظهر لك أنه متى حصل الافتراق قبله بطل الا في مسألة التحويل. أما لو تفرقا قبل الوزن والنقد، ففى القواعد " صح مع اشتمال المقبوض على الحق " ونحوه ما في الدروس (لو تقابضا جزافا فيزنان في موضع آخر جاز الافتراق) ونحو ذلك أيضا عن النهاية والتذكرة، وقال حنان بن سدير (1) قلت لابي عبد الله عليه السلام: (أنه يأتيني الرجل ومعه الدراهم، فأشتريها منه بالدنانير ثم اعطيه كيسا فيه دنانير أكثر من دراهمه، فاقول: لك من هذه الدنانير كذا وكذا دنانير اكثر من دراهمك فيقبض الكيس منى ثم يرده على ويقول: أثبتها لى عندك، فقال: ان كان في الكيس وفاء بثمن دراهمه فلا بأس). قلت: وقد يستفاد مما هنا عدم اشتراط الوزن في تحقق اسم القبض إذ احتمال الفرق بين قبض الصرف وغيره مخالف لظاهر الفتاوى، ولا فرق في موضوع المسألة بين كون المبيع أو الثمن كليا، ثم يدفع له في المجلس ما يزيد على حقه وان لم يحصل الوزن والنقد، وبين الشخصي إذا كان قد أخبره بالوزن فاشتراه من غير اعتبار ثم اراد اعتباره بعد ذلك، والحاصل أنه لا مدخلية للوزن في تحقق القبض كما عرفت. (و) كيف كان ف‍ (لا يجوز التفاضل في الجنس الواحد ولو تقابضا) اجماعا (و) نصا للربا كما أنه (يجوز في الجنسين) اجماعا ونصا لعدمه (ويستوى في وجوب التماثل المصوغ والمكسور وجيد الجوهر ورديه) بلا خلاف ولا اشكال، لصدق اتحاد الجنس فيه، نعم لو شرطت الصياغة مثلا كان زيادة.


(1) الوسائل الباب 5، من ابواب الصرف الحديث 1

[ 14 ]

(وإذا كان في الفضة) مثلا (غش) غير متسامح فيه (مجهول) قدره تفصيلا واجمالا (لم تبع الا بالذهب أو بجنس غير الفضة) الخالصة لعدم الربا حينئذ لاختلاف الجنسين، أما فيها فلا، لعدم العلم بمقدار ما فيه منها كى يتخلص من الربا الذى شرط عدمه في المتجانسين المساواة، فالشك فيها شك في الجواز، وكذا لا يجوز بيعه بجنس ما فيه من الغش خاصة إذا كان ربويا لعين ما سمعته في الفضة، أما بيعها بالفضة المغشوشة، فلا ريب في الجواز لانصراف كل جنس إلى ما يخالفه. (وكذا) الحال في (الذهب) المغشوش وفي صحيح بن سنان (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الفضة فيه الرصاص بالورق، وهى إذا أذيبت نقصت من كل عشرة، درهمين أو ثلاثة، فقال: لا يصلح الا بالذهب). نعم الظاهر أن هذا الحصر بناءا على الغالب من عدم بيع المغشوش بمثله من الخالص فضلا عما زاد، والا لو فرض ذلك جاز وان جهل، لعدم الربا حينئذ، ضرورة مقابلة ما فيه من الفضة بمثلها كائنا ما كان، وصرف الزائد إلى الغش كما أنه لو علم ما فيها من الغش ولو على الاجمال بأن لا يزيد على الثلث مثلا جاز بيعها بما يزيد على الثلثين من الخالص زيادة تصلح لمقابلة الغش (ولو علم) مقدار الفضة على التفصيل (جاز بيعه) بمقداره (من جنسه مع زيادة) منه أو من غيره تصلح لان (تقابل الغش) كما تقدم تحقيق المسألة في الربا وذكرها في المقام من حيث تعقلها بالصرف، بناء على ما عرفت سابقا وتعرف لاحقا في بيع السيوف المحلات أن ضميمة غير الجنس لدفع الربا لا الصرف، فلابد من التقابض حينئذ، لكن ينبغى أن يعلم أنه يكفى في الصحة حصول الشرط في الواقع، فلو فرض صدور البيع حال الجهل بقدر المقابل فاتفق كونه واقعا على وجه لا ربا فيه صح، لتناول عموم الادلة له، ولا دليل على اشتراط الاحراز سابقا كالمعلومية في البيع. وحينئذ فالمتجه الاختبار فيما لو وقع مثل ذلك، فلا يحكم بالصحة ولا بالفساد الا بعد تبين الحال، ولعل اطلاق الاصحاب عدم الجواز يراد به عدمه لو أريد البيع به من


1 - الوسائل الباب 11 من ابواب الصرف الحديث 1 باختلاف يسير

[ 15 ]

غير مراعاة كغيره من الافراد، أما إذا تعذر الاختبار مثلا، فيمكن الرجوع إلى اصالة عدم ترتب الاثر والنقل ونحوهما من الاصول بعد عدم ما يدل على أحد الامرين، وان كان كل منهما مشروطا بشرط وجودي وهو التفاضل والتساوي مثلا، ويمكن القول ببقاء العوضين على الاشتباه حتى يتحقق الحال، ولو للمقدمة باعتبار التكليف بما لا يتم الا بالتوقف في الفرد المخصوص من بيع المتجانسين حتى يعلم الحال، والمسألة مشكلة، ولكن ظاهر الاصحاب في المقام وغيره معاملة المفروض نحو معاملة الفاسد في الظاهر، وتمام التحقيق محتاج إلى اطناب تام فتأمل جيدا والله العالم. (ولا يباع تراب معدن الفضة بالفضة) خاصة ولا بترابه أيضا (احتياطا) عن الوقوع في الربا لعدم العلم بالمساواة (ويباع بالذهب) وبغيره لاختلاف الجنس (وكذا تراب معدن الذهب) ولا يباع بالذهب ولا بترابه احتياطا ويباع بالفضة مثلا لاختلاف الجنس فلا ربا، وان تحقق الصرف باعتبار وجود الاجزاء الذهبية والفضية في التراب لا أنه مستحيل بالعمل والا لم يكن لذكرها في الصرف وجه وان جرى عليها حكم الربا على هذا التقدير أيضا، لما عرفت سابقا من أن الفرع والاصل جنس و، لو علمت زيادة في الثمن عما في التراب من جنسه لم يصح هنا وان صح في المغشوش، بناء على أن التراب لا قيمة له لتصلح في مقابلة الزائد وحينئذ فان علمت المساواة جاز، والتراب كعدمه فما عساه يتخيل من جواز بيع التراب بالتراب لانهما جنس واحد ولا يقدح عدم العلم بما يحصل منهما أذهو كبيع اللحم باللحم المشتملين على العظام لا يخلو من ضعف. (ولو) مزج الترابان أو (جمعا في صفقة جاز بيعهما بالذهب والفضة معا) لانصراف كل جنس إلى ما يخالفه وبالذهب وحده مع زيادة تقابل الفضة وبالعكس كذلك لعدم الربا في ذلك كله كما هو واضح، وقال أبو عبد الله مولى عبد ربه (1) (سألت الصادق (ع) عن الجوهر الذى يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا


1 - الوسائل الباب 11 من ابواب الصرف الحديث 5

[ 16 ]

كيف نشتريه فقال تشتريه بالذهب والفضة جميعا) (و) كذا (يجوز بيع جواهر الرصاص والصفر بالذهب والفضة وان كان فيه) أي الرصاص والصفر (يسير من الفضة أو الذهب) بلا خلاف (لان الغالب) عليه اسم (غيرهما) فلا يصدق بيع المجانس بمثله ولا بيع الاثمان بمثلها فلا يجرى عليه حكم الربا وان لم يعلم زيادة الثمن عن ذلك اليسير ولا حكم الصرف. قال: معاوية (1) وغيره (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جوهر الا سرب وهو إذا خلص كان فيه، فضة، أيصلح أن يسلم الرجل فيه الدراهم المسماة ؟ فقال: إذا كان الغالب عليه اسم الا سرب فلا بأس بذلك يعنى لا يعرف الا بالاسرب) وفي خبر البجلى (2) عنه أيضا (في الا سرب يشترى بالفضة ؟ فقال: إذا كان الغالب عليه الا سرب فلا بأس). وقد ظهر منها أن المدار على غلبة الاسم حقيقة، فلا يجزى غيره حتى التسامح للقلة ونحوها وهو كذلك، قال في المسالك: (ان مجرد الاغلبية غير كاف في جواز البيع بذلك النقد كيف اتفق، حتى لو كان الخليط عشرا يمكن تمييزه لم يجز بيعه بجنسه الا مع زيادة الثمن عليه بحيث يقابل الاخر). نعم قد يظهر من بعضهم أنه إذا كان تابعا غير مقصود لم يمنع من البيع بجنسه، كالذى يزين به السقف والجدران والمصاحف، مع أنه قد يناقش فيه بعدم مدخلية القصد في ذلك وجواز نحو ذلك مما ذكره لخروج النقد فيها عن الموزونية فتأمل جيدا والله أعلم. (ويجوز اخراج الدراهم المغشوشة) والدنانير بالشراء بها وغيره من أنواع التصرفات (مع جهالة) أصل (الغش) أو قدره (إذا كانت معلومة المصرف بين الناس) بلا خلاف بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، فضلا عن محكيه، للسيرة القطعية بعد الاصل وقال حريز: (3) (كنت عند أبى عبد الله عليه السلام فدخل عليه قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها فقال: لا بأس إذا كان جواز المصر) و البقباق (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدراهم المحمول عليها فقال: إذا أنفقت ما يجوز


1 - 2 - الوسائل الباب 17 من الصرف الحديث 2، 1 3 - 4 - الوسائل الباب - 10 - من ابواب الصرف الحديث - 10 - 9

[ 17 ]

بين أهل المدينة أو البلد فلا بأس وان أنفقت ما لا يجوز بين أهل المدينة فلا). ومحمد بن مسلم (1) (جاء رجل من اهل سجستان لابي جعفر عليه السلام فقال له: ان عندنا دراهم يقال لها الشاهية تحمل على الدراهم دانقين ؟ فقال لا بأس به إذا كان يجوز بين الناس) وعليه يحمل اطلاق خبره الاخر (2) (سألته عن الدراهم المحمول عليها فقال لا بأس) بل وخبر عمر بن يزيد (3) (عن أبى عبد الله عليه السلام في انفاق الدراهم المحمول عليها فقال: إذا كان الغالب الفضة فلا بأس بانفاقها) المبين بخبره الاخر (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن انفاق الدراهم المحمول عليها ؟ فقال: إذا جازت الفضة الثلثين فلا بأس) على معنى أن الجائز بين الناس في ذلك الوقت ما كانت كذلك (وان كانت مجهولة الصرف) وكان غشها مما لا يتسامح به (لم يجز انفاقها الا بعد ابانة حالها) بلا خلاف بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، فضلا عن محكية، لما فيه من الغش المحرم نصا واجماعا وعليه يحمل خبر المفضل بن عمر الجعفي (5) (قال: كنت عند ابي عبد الله عليه السلام، فألقى بين يديه الدراهم فألقى الي درهما منها فقال: أيش هذا ؟ فقلت: ستوق فقال: وما الستوق ؟ فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة فقال: اكسر هذا فانه لا يحل بيع هذا ولا انفاقه) ومكاتبة جعفر بن عيسى (6) إلى أبى الحسن عليه السلام (ما تقول جعلت فداك في الدراهم أعلم أنها لا تجوز بين المسلمين الا بوضيعة تصير الي من بعضهم بغير وضيعة لجهلي به، وانما آخذه على أنه جيد أيجوز لى أن آخذه وأخرجه من يدى على نحو ما صار الي من قبلهم ؟ فكتب عليه السلام لا يحل ذلك). بشهادة ما رواه ابن أبى عمير عن ابن رئاب (7) (قال: لا أعلمه الا عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها، فقال: إذا كان بين ذلك فلا بأس) وغيره والظاهر الاكتفاء بالاخبار بأن فيه غشا من غير حاجة إلى بيان قدره الا إذا توقف عليه التخلص من الربا، كما أن الظاهر عدم


1 - 2 الوسائل الباب - 10 - من ابواب الصرف الحديث - 6 - 1 3 - 4 - الوسائل الباب - 10 - من ابواب الصرف الحديث - 4 - 3 وفي الاخير إذا جازت الفضة المثلين 5 - 6 - 7 الوسائل الباب - 10 من ابواب الصرف الحديث 5 - 8 - 2

[ 18 ]

وجوب الكسر وان نص عليه في الخبر السابق (1) الا أنى لم اجد من أفتى به بل الفتاوى وباقى النصوص على خلافه، وفي جواز دفع الظلمة بالدراهم المغشوشة وجهان أقواهما الجواز وأحوطهما خلافه والله أعلم. (مسائل عشر) (الاولى: الدراهم والدنانير) عندنا معاشر الامامية كغيرها (يتعينان) بالتعيين في العقد (فلو اشترى شيئا بدراهم أو دنانير) معينة (لم يجز) له (دفع غيرهما ولو تساوت الاوصاف) خلافا لابي حنيفة فلا تتعين بالتعيين، وهو مخالف للادلة الاربعة كما هو واضح، وحينئذ فان تلف قبل القبض انفسخ البيع ولم يكن له دفع عوضها، وان ساواه مطلقا، ولا للبايع طلبه، وان وجد البايع بها عيبا ففى المسالك لم يستبدلها، بل اما أن يرضى بها أو يفسخ العقد، قلت: أو يأخذ الارش إذا كان في المجلس حيث يكون المبيع حينئذ من الاثمان أيضا، ولا يستلزم الربا بل وان استلزم على وجه تقدم سابقا. المسألة (الثانية: إذا اشترى دراهم بمثلها معينة فوجد) جميع (ما صار إليه من غير جنس الدراهم) بل هي رصاص ونحوه (كان البيع باطلا) بلا خلاف ولا اشكال (وكذا) في غير الصرف ف‍ (لو باعه ثوبا) مثلا (كتانا فبان صوفا) بطل البيع لتخلف القصد عما وقع عليه العقد ولا ابدال هنا ولا أرش لوقوعه على عين مشخصة، فلا يتناول غيرها، وعدم وقوع الصحيح والمعيب على هذه العين. وتخيل تغليب الاشارة هنا على الاسم باطل، ضرورة ارادة مسمى الاسم منها. (ولو كان) قد وجد (البعض) مما صار إليه (من غير الجنس بطل فيه حسب) دون الجيد بلا خلاف أجده في شئ من ذلك الا ما ستسمعه لوجود مقتضى الصحة فيه بخلافه ولا مانع من التبعيض في متعلق العقد كما في غير المقام.


1 - الوسائل الباب - 10 - من ابواب الصرف الحديث - 5

[ 19 ]

(و) لكن (له) بل وللبايع أيضا مع الجهل بالعيب (رد الكل لتبعض الصفقة و وله أخذ الجيد) خاصة (بحصته من الثمن) وقد ظهر لك مما تقدم أنه ليس له الرضا به، لما عرفت من بطلان العقد فيه (وليس له) المطالبة ب‍ (بدله لعدم تناول العقد له) ولا بالارش وكذا لو اشترى بالدراهم دنانير أو غيرها، ضرورة اتحاد الجميع فيما عرفت مما هو معلوم من القواعد المقررة في غير المقام، لكن عن الخلاف والسرائر أنه إذا باعه دراهم بدراهم، وكان البعض من غير الجنس كان البيع باطلا، وقد يريدان في خصوص البعض، وفي اللمعة (لو ظهر عيب في المعين من غير جنسه بطل فيه، فان كان بازائه مجانسه، بطل البيع من أصله كدراهم بدراهم، وان كان مخالفا صح في السليم وما قابله، وظاهره الفرق بين المجالس والمخانف، وربما وجه باستلزام الربا فيه دونه، وذلك لانه لو ظهر درهم من مأة درهم نحاسا كشف عن وقوع البيع على ماءة بتسعة وتسعين درهما، لان وجود الدراهم المعيب كعدمه، بل قيل انه لولا أن مراده ذلك لم يبق فرق بينه وبين قوله، وان كان مخالفا، بل كان في العبارة تكرار، واشتراط من غير فائدة. وفيه أنه بعد أن قوبل صورة بالثمن خصه منه مقدار ما يساويه، فلا ربا حينئذ في غيره، وتنزيله منزلة العدم بالنسبة الى قصد كونه مبيعا لا بالنسبة الى المقابلة، ويمكن أن يريد الشهيد وان كان بعيدا بل لا يخلو من نظر بالمجانس هنا المعيب أيضا، فانه لا اشكال في البطلان حينئذ والمخالف غير السليم فلا يكون مخالفا ولم يفسرها في الروضة بما يصلح وجها للتفصيل فلاحظ وتأمل. (و) أما (لو كان الجنس واحدا وبه عيب كخشونة الجوهر أو اضطراب السكة كان له رد الجميع أو امساكه، وليس له رد المعيب وحده) لو فرض أن المعيب البعض لتبعيض الصفقة، وفيه البحث السابق بل عن الشيخ وابن حمزة والفاضل التصريح هنا بأن له ذلك وان كان ظاهرهم في بحث العيب الاجماع على عدمه ولم يظهر وجه للفرق فلاحظ وتأمل والله أعلم. (ولا ابداله لان العقد لم يتناوله) كما عرفت ولا أرش في مفروض المتن للربا به

[ 20 ]

بناء على تحققه بمثله، ولو تخالفا كان له الارش في المجلس قطعا، لوجود المقتضي وعدم المانع، ومع مفارقته ليس له أخذ الارش من النقدين، بلا خلاف ممن تعرض له، كالفاضل والشهيدين وغيرهم لكونه حينئذ من الصرف، وقد فرض الافتراق. أما من غيرهما فقد صرح الفاضل في التحرير والشهيدان في الدروس والمسالك بجوازه، لعدم كونه صرفا بل هو كالمعاوضة بغير الاثمان، فيكون جملة العقد بمنزلة بيع وصرف، والبيع ما أخذ عوضه بعد التفرق، وظاهر اولهما في اللمعة التوقف فيه بل جزم ثانيهما بعدمه في الروضة، لان المعروف كون الارش كجزء من الثمن، والمعتبر فيه النقد الغالب على أن الحقوق المالية يرجع فيها الى النقدين، فكيف ينحصر الحق الواجب باعتبار نقصان في أحدهما، فإذا اختار الارش حينئذ وحصل موجبه لزم النقد واتفاقهما على غيره معاوضة على النقد الثابت في الذمة أرشا لا نفس الارش. ودعوى - أن الثابت وان كان هو النقد، لكن لما لم يتعين الا باختياره الارش إذ لورد لم يكن الارش ثابتا، كان ابتداء تعلقه بالذمة الذى هو بمنزلة المعاوضة اختياره، فيعتبر حينئذ قبضه قبل التفرق مراعاة للصرف، وكما يكفى في لزوم معاوضة الصرف دفع نفس الاثمان قبل التفرق كذا يكفى دفع عوضها قبله، بل مطلق براءة ذمة من يطلب منه، فإذا اتفقا على جعله من غير النقدين جاز، وكانت المعاوضة كأنها واقعة به - يدفعها أن ذلك يقتضي جواز أخذه في مجلس اختياره من النقدين أيضا، ولا يقولون به، ولزومه وان كان موقوفا على اختياره، الا أن سببه العيب الثابت حالة العقد، فقد صدق التفرق قبل اخذه، وان لم يكن مستقرا. ومن هنا قال في الروضة: (والحق انا ان اعتبرنا في ثبوت الارش السبب لزم بطلان البيع فيما قابله بالتفرق قبل قبضه مطلقا، وان اعتبرنا حالة اختياره أو جعلناه تمام السبب على وجه النقل، لزم جواز أخذه في مجلسه مطلقا، وان جعلنا ذلك كاشفا عن ثبوته بالعقد، لزم البطلان فيه أيضا. وعلى كل حال فالمعتبر منه النقد الغالب، وما اتفقا على أخذه أمر آخر، والوجه

[ 21 ]

الاخير اوضح، فيتجه مع اختياره البطلان فيما قابله مطلقا، وان رضي بالمدفوع لزم، وأشكله في جامع المقاصد (بأن المدفوع أرشا ليس هو أحد عوضي الصرف وانما هو عوض صفة فائتة في أحد العوضين، ويترتب استحقاقها على صحة العقد وقد حصل التقابض في كل من العوضين، فلا مقتضى للبطلان إذ وجوب التقابض انما هو في عوضي الصرف، لا فيما وجب بسببهما، وأجاب عنه في الروضة بأن الارش وان لم يكن أحد العوضين، لكنه كالجزء من الناقص منهما، ومن ثم حكموا بأنه جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمة الصحيح الى المعيب، والتقابض الحاصل في العوضين وقع متزلزلا، إذ يحتمل رده رأسا وأخذ أرش النقصان الذي كتتمة العوض الناقص، فكان بمنزلة بعض العوض، والتخيير بين أخذه والعفو عنه ورد البيع لا ينافي ثبوته، غايته التخيير بينه وبين أمر آخر فيكون ثابتا ثبوتا تخييريا بينه وبين ما ذكر). قلت: هو وان اجاد بما حرر وأفاد، الا أن التحقيق خلافه، فيجوز أخذ الارش من النقدين مع التفرق، لا لانه جزء من الثمن قد انفسخ العقد بالنسبة إليه، لعدم وصف الصحة المقابل له في المثمن فيصح أخذه حينئذ في مجلس العقد وغيره، لبقائه حينئذ على ملك المالك، ولا صرف فيه بوجه من الوجوه، إذ هو وان أوهمه لفظ لرد والرجوع في النصوص، بل في بعضها (1) كان علي عليه السلام يضع من ثمن الجارية بقدر عيبها) بل و بعض عبارات الاصحاب حتى جعل فيها الخيار بالعيب من خيار تبعض الصفقة، الا ان المعلوم من الاصحاب خلافه، ولذا لم يعرف الخلاف بينهم في سقوطه بالاسقاط الذى لا ينحل الى الابراء ولا الى الهبة، ولم يثبتوا للبايع خيارا بسببه إذا كان جاهلا لتبعض الصفقة عليه في الثمن، وكونه من قبله بعد فرض جهله بالعيب لا يسقطه، ولذا لم يحكموا ببطلان المعاملة الربوية بوجود العيب في أحد العوضين المستلزم على هذا التقدير الزيادة في أحدهما، ولم يجعلوا الارش أيضا تابعا لخصوص الثمن، حتى أنه لو أراد البايع دفعه من غير ذلك الثمن لم يكن له باعتبار بقاء الجزء المقابل للصحة منه على ملك المشتري مثلا، الى غير ذلك مما لا يخفى لزومه على هذا التقدير مما هو معلوم عدمه، بل قد يمنع صدق أسم الارش


1 - الوسائل الباب 4 - من ابواب العيوب الحديث 1

[ 22 ]

عليه حينئذ، وان كان المتجه عليه ما عرفت، من أن له أخذه بعد مجلس التفرق، بل لان الارش غرامة استحقت شرعا بسبب العيب في المبيع بالمعاملة الصحيحة، فهو وان كان ثابتا عوض ما فات من وصف الصحة الا أنها معاوضة شرعية قهرية، لا تدخل تحت البيع حتى يجري عليها الصرف، ضرورة عدم قصد كل من المتعاملين كون المبيع العين مثلا مع أرش العيب من الدرهم والدرهمين مثلا فلا بيع بالنسبة إليه قطعا، فينبغي القطع بعدم جريان الصرف أما الربا لو فرض كونه في المتجانسين فان علم من الادلة شموله لمثل ذلك جرى، والا جاز كما سمعته سابقا منا. وعلى كل حال فالصرف ينبغى القطع بعدمه ومن ذلك يعرف ما في قوله والحق الى آخره، ومن الغريب دعوى كونه من المعاوضة الصرفية وان كان البايع مخيرا بينها وبين الرد وبين العفو، وان الاختيار أو التصرف كاشف حينئذ عن الثبوت بالعقد، وانه غير مناف لثبوته على جهة التخيير، إذ هو كما ترى، واغرب منه دعوى البطلان فيما قابله من الثمن بالتفرق إذ شمول أدلة الصرف لنحو ذلك من المعلوم عدمه، بل كاد يكون ضروريا. كما أن دعوى عدم تناول أدلة أخذ الارش لمثل هذا المبيع معلوم عدمها، فضلا عن ترجيح ما دل على اعتبار التقابض في الصرف على ما دل على ثبوت الارش مضافا الى ما في جامع المقاصد (من أنه يمكن أن يقال قد صدق التقابض في مجموع العوضين المقتضى لصحة الصرف واشتراط قبض الارش إذا كان من النقدين ليس لكونه جزء معاوضة بل لكونه من توابعها، ومن ثم لو أسقطه مستحقه لم يلزم في المعاوضة اختلال، كما لو كان النقدان من جنس واحد) وان كان قد يناقش فيه بأنه بناء على دخوله في المعاوضة لا ريب في اعتبار قبضه في صحته وصحة مقابله إذا كان من النقدين، وكونه عوض صفة فلا مقابل له من العوض الاخر، يدفعه أن أحد العوضين في مقابل الاخير من جهة المالية، ولا فرق بين الجزء والصفة التي لها دخل في المالية. نعم التحقيق ما ذكرناه من أن الارش غرامة شرعية تثبت بسبب العيب فهو كالمعاوضة القهرية، ولو لا الدليل لم يكن ثبوته مقتضى القواعد، بل لو كان دفع الارش ممن عليه من

[ 23 ]

الصرف باعتبار كونه نقدا في ذمة المستحق عليه ودفعه عنه شراء له من المستحق وجب اعتبار التقابض فيه حتى في غير الصرف، وهو معلوم العدم، ودعوى اختصاص ذلك في المعاملة الصرفية لا شاهد لها ولو أعطيت التأمل حقه في المقام بان لك أن كثيرا من - الكلام دخان بلا ضرام وسفسطة بلا حاصل، ومتعبة بلا طائل، ولعل مرجع ما ذكره المحقق الثاني الى ما قلناه فلاحظ وتأمل هذا. ولكن في القواعد في المقام (أن له الارش ماداما في المجلس فان فارقاه فان اخذ الارش من جنس السليم بطل فيه، وان كان مخالفا صح) وفيه أنه لا فرق في الصرف بين جنس المعيب و السليم، فاما أن يبطل فيهما معا، أو يصح كذلك، إذ ما قيل من أنه لو دفع من جنس السليم كما لو كان العوضان دينار أو عشرة دراهم وكان الدينار معيبا من الجنس بما يقتضى نقصان قيمته بقدر درهم فان المبيع يكون دينار أو درهما بعشرة دراهم، وقد تفرقا قبل قبض الدراهم فيبطل الصرف فيه، بعينه آت فيما لو دفع ذهبا قيمته درهم، فانه قد تفرقا قبل قبضه، فيجب أن يبطل كالسليم، بخلاف ما لو دفع من غيرهما، وقد يريد كما حكاه الشهيد عن بعض تلامذة العلامة ما كان مخالفا لجنسي المعيب والصحيح معا، فالمراد حينئذ بجنس السليم مطلق النقد فيوافق ما حكيناه عنه في التحرير. نعم ربما ظهر من العبارة المزبورة عدم انحصار الارش في النقد، وأنه كلي شامل له ولغيره، وتعذر بعض أفراده بالتفرق، يعين الآخر وهو النقد أو أنه النقد إذا أمكن، فان تعذر فغيره، وفيه منع واضح لما عرفت من انصراف جميع الحقوق المالية الى النقد، كما أن ظاهر قوله بطل فيه أنه لا يجوز دفع الارش بعد ذلك، ويشكل بأنه إذا استحق في ذمته عوض نقصان أحد العوضين، كيف يبطل فيما لو عينه فيما لا يجوز اخذه، وتخييره في جهات القضاء انما هو فيما لم يمنع شرعا، بل في جامع المقاصد لو سلم تخييره بالنسبة إليها لم يلزم البطلان، بل عدم جواز المطالبة بغيرها حتى لو تراضيا على الاداء من غير النقدين بعد التعيين في أحدهما ينبغى القول بالجواز فتأمل جيدا والله أعلم. المسألة (الثالثة: إذا اشترى دراهم في الذمة بمثلها، ووجد جميع ما صار إليه غير فضة قبل

[ 24 ]

التفرق كان له المطالبة بالبدل) قطعا لعدم فردية ما قبضه للكلى المبيع فهو كعدم القبض بل ليس له الرضا به عوضا عن المبيع الا بمعاوضة جديدة غير العقد الاول (وان كان) قد ظهر له ذلك (بعد التفرق بطل الصرف) لعدم التقابض في المجلس (ولو كان) قد ظهر ذلك (في البعض) طالب بالبدل قبل التفرق وبعده (بطل فيه) لعدم التقابض (وصح في الباقي) لوجود المقتضى وكان له خيار تبعض الصفقة (وان) كان (لم يخرج) المدفوع (بالعيب عن الجنسية) لانه اضطراب سكة أو خشونة جوهر أو نحوهما وفرض كون العيب المزبور في جميع العوض (كان مخيرا بين الرد) لاطلاق أدلة العيب (و) بين (الامساك بالثمن من غير أرش) بناء على استلزامه الربا أو لعدم ثبوته في فرد الكلى كما ستعرف من غير فرق في ذلك بين حالى التفرق وعدمه. لكن قد يفهم من جميع المصنف بين الرد والابدال أن مراده من الاول فسخ العقد من أصله، بل قوله في القواعد (له الرد والامساك مع الارش مع اختلاف الجنس، و مجانا مع اتفاقه، والمطالبة بالبدل وان تفرقا على اشكال) أوضح منه كقوله في الارشاد (له الرد والامساك بغير أرش، والبدل وان تفرقا) بل في الوسيلة " وعن المبسوط تخييره بعد التفرق بين الرضا بالبيع والفسخ والابدال " ولعل وجه الفسخ أن المبيع وان كان كليا الا أنه تشخص بالقبض، حتى صار كأن المبيع ذلك الشخصي فجرى عليه حكمه إذا كان مبيعا. واليه أشار في التذكرة حيث احتمل الفسخ معللا له بأن المطلق يتعين بالتقابض الا أنه جعل الوجه قبل ذلك عدمه الا مع تعذر تسليم الصحيح، قال: (لان العقد يتناول أمرا كليا) ونحوه ما في المختلف فانه بعد أن حكى عن الشيخ ما سمعت قال: (ولى فيه نظر فان لقائل أن يقول ليس له الفسخ كما لو دفع المسلم فيه معيبا، فان له المطالبة بالصحيح دون الفسخ الا مع تعذر التسليم، فكذا هنا إذ المعقود عليه غير معين، ولا يتعين المعيب بالقبض، ولا يتحقق الفسخ) وأشكله في الدروس بأنهما تفرقا قبل قبض البدل وفيه أن البحث على فرض جواز الابدال بعد التفرق كما هو صريح ما سمعته عن المبسوط

[ 25 ]

والوسيلة، والا فلا ريب أن المتجه على تقدير العدم جواز الفسخ، لكن على معنى أن له رد المعيب فينفسخ العقد حينئذ، لعدم التقابض قبل التفرق، وحينئذ يكون من قبيل تعذر تسليم الصحيح. ومن هنا جعل في التحرير عدم الفسخ لازما للقول بالابدال، فقال: (ولو وجد القابض عيبا فله المطالبة بالبدل قبل التفرق، سواء كان العيب من جنسه أو من غيره، ولو كان العيب من جنسه ورضيه جاز، ولو طلب الارش لم يجز مع اتحاد العوضين ويجوز مع عدمه، ولو افترقا بعد القبض ثم وجد العيب من جنسه قال الشيخ: له الابدال، ولو كان من غير الجنس بطل الصرف، ولو كان في البعض صح في السليم ولو طلب واجد العيب الفسخ فعلى قول الشيخ ينبغى أنه ليس له مع الابدال، ولعل مراده أن المتجه على قول الشيخ عدم جواز الفسخ وان كان هو قد صرح به كما سمعت، ويؤيد ذلك كله ما تسمعه انشاء الله في باب السلم من الحكم بالابدال وعدم فسخ العقد، ولعله لذا اقتصر في اللمعة هنا فيما نحن فيه على أن له الابدال مضافا الى أصالة لزوم العقد وغيرها فالمتجه حينئذ حمل الرد في كلام المصنف على ارادة رد المبيع لا فسخ العقد ويكون الحاصل أن له الرد على كل حال، وان أدى ذلك لو كان بعد التفرق، وقلنا بعدم الابدال فيه الى بطلان العقد. والمناقشة - في أصل جواز الفسخ بأنه قد تشخص الكلى في المقبوض، إذ الفرض أنه فرد له، ولا دليل على أن العيب يسلط على فسخ مقتضى القبض، والاصل براءة ذمة الدافع وبقاء ملك المدفوع إليه - يدفعها الاتفاق منهم ظاهرا على ذلك في المقام والسلم وغيرهما، مؤيدا باطلاق ما دل على رد المعيب الشامل للمقام، وان اختلف هو مع الشخصي بكون رده مقتضيا لفسخ العقد، بخلاف رده هنا باعتبار أن العقد قد وقع على ما هو اعم منه، فأقصى ما يفيد رده ابطال التشخيص السابق لا اصل العقد كما هو واضح. (و) حينئذ ففى المقام ان رد في المجلس كان (له المطالبة بالبدل قبل التفرق قطعا)

[ 26 ]

لعدم المانع من التفرق (و) نحوه أما (فيما بعد التفرق) ففي الابدال (تردد) وخلاف فالمشهور بين من تعرض له من الشيخ وابن حمزة والفاضل والمحقق الثاني والشهيد الثاني أن له ذلك، وفي الدروس (لا يجوز على الاقرب) وهو ظاهر اللمعة أيضا وعن أبى علي أنه يجوز الابدال ما لم يتجاوز يومين فيدخل في بيع النسيئة، لكنه لم يقيد بالتعيين و عدمه، وكأن وجه العدم أن الابدال يقتضي عدم الرضا بالمقبوض قبل التفرق، وأن المبيع حقيقة انما هو البدل، وقد حصل التفرق قبل قبضه، فيكون الصرف باطلا، فلا يجوز له أخذ البدل، ويدفعه أن التقابض تحقق في العوضين قبل التفرق، لان المقبوض و ان كان معيبا، الا أن عيبه لم يخرجه عن حقيقة الجنسية، ولاجل ذلك ملكه المشترى، وكان نماؤه له من حين العقد الى حين الرد، والفسخ بالرد طار على الملك بسبب ظهور العيب، فيكون البيع صحيحا، وله طلب البدل بعد التفرق، إذ ما في الذمة وان كان أمرا كليا الا أنه إذا عين في شئ وقبضه المستحق تعين وثبت ملكه له فإذا ظهر فيه عيب كان له فسخ ملكيته تداركا لفائت حقه، فإذا فسخ رجع الحق الى الذمة فتعين حينئذ عوضا صحيحا، وبهذا ظهر أن الاول كان عوضا في المعاوضة، وقد قبضه قبل التفرق، فتحقق شرط الصحة، فلا يلزم بطلانها بالفسخ الطارى على العوض، المقتضي لعوده الى الذمة، وكون البدل عوضا لا يقتضي نفى عوضية غيره، فلا يقتضى التفرق قبل قبضه العوض في المعاوضة. واما ما عن الايضاح من أن جواز الابدال يستلزم عدمه، لان رده هو رفع تعيين البيع فيه، وهو يستلزم انتفاء كون المردود المبيع في الماضي والمستقبل، لان المبيع واحد، فلا يكون قد قبض المبيع قبل التفرق فيبطل الصرف، إذ يمكن منعه عليه بالتزام عدم وحدة ما يتحقق به المبيع حتى في الزمان، فقد ظهر أن الاقوى جواز الابدال كما أن الاقوى عدم اعتبار التقابض في مجلس الرد وفاقا للشهيدين في الحواشى والمسالك والمحقق الثاني في جامعه، للاصل السالم عن المعارض، إذ القبض الاول اما إن يؤثر في صحة البيع أولا، والثانى يستلزم بطلان البيع من رأس والمفروض خلافه، والاول

[ 27 ]

يستلزم عدم اشتراط قبض البدل، وبالجملة أدلة التقابض انما يظهر منها اعتباره في مجلس العقد وقد حصل، فغيره على الاصل، فما عن الايضاح من الاشتراط ضعيف كالاشكال في القواعد، وان كان وجهه أنه قبض عوض الصرف، لان القبض الاول قد ارتفع، وفيه ما عرفت، فقد بان أن الاقوى عدم الاشتراط كما أنه مما ذكرنا سابقا ظهر مستند القول بالابدال وعدمه، وأما ما عن أبى على ففى خبر اسحق (1) عن الكاظم عليه السلام اشارة إليه قال: (سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يبيعني الورق بالدنانير وأتزن منه فأزن له حتى أفرغ، فلم يكن بينى وبينه عمل الا أن في ورقه نفاية وزيوفا وما لا يجوز، فيقول: انتقدها ورد نفايتها، فقال: ليس به بأس، ولكن لا يؤخر ذلك اكثر من يوم أو يومين، فانما هو الصرف، قلت: فان وجدت في ورقه فضلا مقدار ما فيها من النفاية قال: هذا احتياط هذا أحب الى) وهى كما ترى ولو كان العيب في البعض، فحكمه حكم الكل في جميع ذلك، الا أن في رده وحده أو رد الجميع لئلا تتبعض الصفقة على البايع ما عرفته سابقا، كما أن الحكم كذلك أيضا في مختلف الجنس وان زاد عليه بجواز أخذ الارش في المجلس وبعده على البحث السابق، لكن صرح في المختلف هنا (بأن له الارش مع التفرق) بل لعله المفهوم من عبارة القواعد أيضا وهو موافق لما قدمناه من عدم منافاته للصرف. نعم قد أطلق هنا في المحكى عن المبسوط والخلاف والوسيلة الامساك مجانا مع عدم تقييد الاول والثالث باتحاد الجنس وفرضه في الثاني مع اختلافه، ولعله لان الارش انما يثبت في أحد العوضين إذا تعين لان غير المعين ماهية كلية في الذمة، وانما يحمل اللفظ على الصحيح، فإذا دفع إليه بعض جزئيات الكلى معيبا كان له ابداله، فلا يتعين كونه معيبا كى يستحق جبره بالارش، ولذا حكى عن شرح الارشاد للفخر الجزم بعدم الارش أيضا، بل هو ظاهر الشهيد أو صريحه في الحواشى بل يؤيده ما تسمعه منهم فيما إذا خرج المسلم فيه معيبا من التصريح بعدم الارش بل ظاهر المسالك هنا أنه من المسلمات، وهو متجه بناء على أن له الابدال هنا، إذ لا فرق حينئذ بينه وبين المسلم فيه.


1 - الوسائل الباب - 5 - من ابواب الصرف الحديث 2

[ 28 ]

نعم يمكن القول بثبوت الارش فيهما معا باعتبار تشخصه بالقبض فيشمله ما دل عليه في المبيع المعيب، ولا ينافيه جواز المطالبة بالابدال، أللهم الا أن يقال ان الارش انما ثبت عوضا عن وصف الصحة الذي لا يمكن تداركه الا به لو كان المبيع شخصيا أما إذا كان كليا فهو ممكن بالابدال، فلا يلزم به البايع ومن ذلك كانت المسألة محل تردد، وان كان الاول أقوى ان لم يكن اجماع على خلافه، والله أعلم. ثم انه حيث يثبت الرد لا يمنعه نقص السعر عندنا ولا زيادته، للاصل واطلاق الادلة خلافا لبعض العامة فجعل النقص كحدوث العيب فيه، وهو قياس ومع الفارق، ولو تلف أحد العوضين المعينين في الصرف بعد التقابض، ثم ظهر في التالف عيب من غير الجنس بان بطلان الصرف، وكان العوض الاخر لصاحبه، ويضمن التالف بالمثل ان كان نحو الذهب والفضة والدرهم والدينار وبالقيمة في الحلى ونحوها و لو كان العيب من الجنس لم يكن له الارش مع اتحاد الجنس، بناء على ثبوت الربا به. نعم قيل ان له الفسخ ويرد مثل التالف أو قيمته ان لم يكن له مثل وفيه نظر، أما مع اختلافه فله الارش على البحث السابق، ولو كانا غير معينين وكان التالف معيبا من غير الجنس لم يبطل الصرف قبل التفرق. نعم هو كذلك بعده ولو كان معيبا بالجنس كان له أخذ الارش مع اختلاف الجنس قبل التفرق وبعده، على البحث السابق وليس له فسخ العقد على القول به هناك، لان التلف مانع له، والظاهر أن المطالبة بالبدل كذلك، أما متحد الجنس فليس له الارش، بناء على ثبوت الربا به، وله الرد في وجه بل قول قد تقدم، لتوقف تحصيل حقه عليه والظاهر أن الابدال كذلك، ومن ذلك كله يعلم ما في اطلاق القواعد، قال: (لو تلف أحدهما بعد التقابض ثم ظهر في التالف عيب من غير الجنس بطل الصرف، ويرد الباقي ويضمن التالف بالمثل أو القيمة، ولو كان من الجنس كان له أخذ الارش مع اختلاف الجنس والا فلا) ويمكن أن يريد المطلقين فيحتاج الى قيد التفرق، للبطلان والامر سهل.

[ 29 ]

ولعل اضطراب كلامهم في المقام يشهد للمختار سابقا، ضرورة كون المقام من خيار العيب في غيره، وليس له أدلة مخصوصة تخصه، وقد عرفت سابقا سقوطه بالتلف والتصرف، فبناء على المختار من ثبوت الارش في متحد الجنس ولا ربا، وعلى ثبوته أيضا في مختلف الجنس بعد التفرق، ولا ينافى الصرف، وعلى ثبوته في الكلى أيضا يتجه حينئذ القول بسقوط الرد المقتضى للفسخ أو الابدال بالتلف ويتعين الارش أما على غيره فيشكل مع التزامهم بسقوط الرد والارش من حيث الربا أو الصرف أو الهبة، بأنها معاملة ضررية لا جبر لها، وبمنافاته لاطلاق أدلة العيب، ومع التزامهم برد المثل أو القيمة عوض رد العين كى يترتب عليه الفسخ أو الابدال، بأنه مناف لما دل هنا من اعتبار قيام العين في الرد خصوصا الرد الموجب للابدال. ومن ذلك يظهر لك قوة المختار المطرد على جميع الاطوار ويجوز اخلاد أحد المتعاقدين الى الاخر في قدر عوضه فيصح البيع فيما يشترط فيه القبض في المجلس قبل اعتباره، فلو أخبر بوزن المعين فاشتراه بجنسه ثم وجد نقصا تبين بطلان الصرف قبل التفرق وبعده، لاشتمال أحد العوضين على زيادة عينية يتحقق بها الربا كما صرح به الفاضل وغيره وكذا لو كان الزايد معينا والمطلق مخصوصا بقدر ينقص عن المعين بحسب نوعه، بل وكذا لو كانا مطلقين وكان أحدهما ينقص عن المعين بحسب نوعه. بل وكذا لو كانا مطلقين وكان أحدهما ينقص عن الاخر بحسب نوعه. نعم قد يناقش في أصل تحقق الربا بذلك كما ستسمع في صورة الزيادة التى يجرى مثله في صورة النقيصة، لكن بالنسبة الى الثمن، والاصل في المسألة ان نقصان المبيع الشخصي وزيادته في متساوي الاجزاء يقتضى بقاء الزيادة في الثمن والمثمن على ملك مالكهما وعقد البيع لم يؤثر نقلهما عن المالك، وان كلا منهما ملك للبايع والمشترى، وان ثبت الخيار فعلى الاول لا ربا في الفرض بخلاف الثاني، والمسألة من المشكلات كما تقدم الكلام فيها، في أحكام العقود، وكلمات الاصحاب، فيها في غاية الاضطراب، وفيها خبر (1) في مختلف الاجزاء يوافق الاول، أللهم الا أن يراد منه ومن الفتاوى اثبات فرد آخر للخيار وهو الاخذ بالحصة في مختلف الاجزاء وأولى منه المتساوي من


1 - الوسائل الباب - 14 - من ابواب الخيار الحديث 1

[ 30 ]

غير فرق بين الثمن والمثمن، ولعله لا يخلو من قوة، وحينئذ يتجه الربا مطلقا فتأمل جيدا، فانه دقيق جدا. ولو اشتراه أي المعين بغير جنسه كذلك فظهر النقص تخير بين الرد والاخذ بالحصة ان كان متساوي الاجزاء، والا تخير بين الامساك بجميع الثمن والرد على ما تقدم سابقا في أحكام العقود فلاحظ وتأمل، وكذا المطلق والمعين، والمطلقين ولو كان قد وجده زايدا وهى. المسألة (الرابعة) التى ذكرها المصنف فقال: (إذا اشترى دينارا بدينار و دفعه فزاد زيادة لا تكون الا غلطا أو تعمدا كانت الزيادة في يد البايع أمانة وكانت للمشترى في الدينار مشاعة) كما صرح به الفاضل والمحقق الثاني هنا وغيرهما. نعم في المسالك (المراد أنه إذا اشترى دينارا مثلا في الذمة بدينار كذلك، وان كان قوله ودفعه قد يوهم التعيين، إذ لو كانا معينين لبطل الصرف من حيث اشتمال أحد العوضين على زيادة عينية، وكذا لو كان الزائد معينا والمطلق مخصوصا بقدر ينقص بحسب نوعه. قلت: قد يناقش فيه بأن الزيادة بناءا على أنها غير داخلة في المبيع، للحكم بأنها للدافع كما تقدم سابقا في أحكام العقود في متساوي الاجزاء، فكيف يلزم الربا، وبأن الربا قد يتصور أيضا في المطلقين إذا كان أحدهما ناقصا عن الآخر بحسب نوعه. وكيف كان فلا أجد خلافا في صحة الصرف حيث لا يستلزم الربا، بأن كان الزائد مثلا ليس أحد عوضي المعاملة، وانما دفع عوضا عما في الذمة، فاتفق أنه كان زائدا عن وزن ما جعل عوضا، ولا يخرج بهذه الزيادة عن كونه فردا للكلى الذى في الذمة وان كان مقدرا بالوزن الناقص، الا أنه لم يؤخذ ذلك وصفا مشخصا له على وجه يخرج الزايد عن كونه فردا. ولو فرض كونه كذلك، فلا ريب في بطلان الصرف إذا كان قد بان بعد التفرق وقبله يطالب بالبدل، الا أن ذلك غير ما نحن فيه، والزيادة في الفرض للبايع قطعا،

[ 31 ]

كالقطع بانها أمانة مالكية مع التعمد، بل في المسالك (أنه محل وفاق) أما مع غيره كالغلط أو شك فيها فالاقوى كونها كذلك أيضا، أي بالنسبة الى عدم الضمان وفاقا لاول الشهيدين وثانيهما ومحكى المبسوط، للاصل بعد أن كان وقوعها في يده من غير تعد منه، بل باذن مالكها، وليست من المقبوض بالسوم قطعا، ولا أولى منه بالضمان لو قلنا به، والاقدام على قبضها من العوض لم يصلح تسبيبه للضمان. وعموم (على اليد) (1) بحيث يشمل النزاع محل منع، خصوصا بعد عدم الجابر له فيه، بل في المسالك (أن الثابت على الاخذ في الخبر غير مبين، ولعله للحفظ أو نحوه كما يرشد إليه الامانات المقبوضة باليد، مع عدم الحكم بضمانها، والقدر المتفق عليه وجوب حفظها. وان كان قد يناقش فيه بمعلومية استدلال الاصحاب به في سائر المقامات على الضمان، فلا أقل من أن يكون ذلك مرجحا له على تقدير الحفظ، فضلا عن فهم العرف له من لفظ على، مع أن ارادة الامرين منه ممكن، بل ربما قيل: انه أنسب باطلاقه، فتقييده باحدهما سيما الحفظ من غير داع لا وجه له، فالاولى حينئذ في رد الاستدلال به ما عرفت، أو أن المنساق منه الاخذ عدوانا، أو من غير اذن المالك كما يومى إليه استدلال الاصحاب به في نحو هذا المقامات، فتأمل فما عن فخر المحققين وتبعه الكركي والسيد في الرياض من أن الاصح الضمان ضعيف. انما الكلام في أنها أمانة شرعية - لعدم علم المالك بها فضلا عن قصده الامانة، فهى كالمتاع في الصندوق والمستعار ولم يعلم به المالك - أو مالكية نظرا الى استناد دفعها إليه وصدق تعريفها المشهور الذى هو الاستناد الى المالك ومن في حكمه عليها وجهان، أصحهما الاول ضرورة ارادة تأمين المالك لها من الامانة المالكية، لا مجرد أخذها من يده أو دفعه اياها، ولو على وجه الامانة كما هو واضح، بل ما ذكر من حكم الامانة المالكية والشرعية من عدم وجوب رد الاولى على الفور، وعدم اعلام المالك بها،


1 - سنن البيهقى ج 6 - ص 90 كنز العمال ج 5 ص 257

[ 32 ]

بخلاف الثانية ظاهر فيما ذكرنا، إذ لا وجه لذلك فيما نحن فيه، هذا. وفى القواعد (ان لآخذ الزيادة الفسخ للتعيب بالشركة ان منعنا الابدال مع التفرق، وكذا لدافعها إذ لا يجب عليه أخذ العوض، نعم لو لم يفترقا رد الزايد وطالب بالبدل، واليه يرجع ما في المسالك قال: و " على تقدير الغلط اما أن يتبين الحال قبل التفرق أو بعده، فان كان قبله فلكل منهما استرداد الزايد وابداله، وليس للاخر الامتناع تحرزا من الشركة، وان كان بعد التفرق فان جوزنا الابدال للمعيب من الجنس كما تقدم، فكذلك، والا ثبت الخيار لكل واحد منهما لعيب الشركة ". ونحوه في جامع المقاصد، ومقتضى الجميع عدم جواز الفسخ مع جواز الابدال، وبه صرح في جامع المقاصد قال: (لانه طريق الى التخلص من العيب فلا يثبت فسخ المعاوضة اللازمة، وفيه أن مثله جار في المسألة السابقة مع أنهم حكموا بالرد والامساك والمطالبة بالبدل، اللهم الا أن يدعى الفرق بين عيب الشركة وغيره، فيتمسك في الثاني باطلاق دليل الرد به الشامل للابدال والفسخ، بخلاف الاول الذى دليله لا ضرر، المرتفع بمشروعية الابدال والله أعلم. المسألة (الخامسة: روى) أبو الصباح الكنانى (1) عن الصادق عليه السلام في القوى جدا ان لم يكن الصحيح ما يستفاد منه (جواز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم) قال: (سألته عن الرجل يقول للصايغ صغ لى هذا الخاتم وأبدل لك درهما طازجيا بدرهم غلة، قال: لا بأس) وعمل بها الشيخ في النهاية، فقال: (لا بأس أن يبيع درهما بدرهم ويشترط صياغة خاتم أو غير ذلك من الاشياء) بل عن كشف الرموز أن الرواية مقبولة غير مطعون فيها، وأن المشايخ اعتمدوا عليها وأن المخالف صاحب الوسيلة، وان العجلى متردد وأن العمل بها أظهر بين الاصحاب مستثنى من الآية وعموم الرواية، وظاهره انحصار المخالف في ابن حمزة كالمحكى عن ايضاح النافع. وظاهر المصنف هنا العمل بها أيضا، بل هو صريحه في النافع كالفاضل


1 - الوسائل الباب - 13 - من ابواب الصرف الحديث 1

[ 33 ]

في التحرير ومحكي التلخيص، بل قيل انه ظاهره في التذكرة، وأما ابن ادريس فانه بعد أن ذكر ما في النهاية وجه الفتوى بذلك أن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحدا، وهنا لا زيادة في العين، ويكون ذلك على وجه الصلح في العمل، فهذا وجه الاعتذار له إذا سلم العمل به، ويمكن أن يحتج لصحته بقول تعالى (1) (أحل الله البيع وحرم الربا) وهذا بيع، والربا المنهى عنه غير موجود، لا حقيقة لغوية ولا شرعية ولا عرفية. وفيه ما قد عرفت سابقا من تحقق الربا بمطلق الزيادة في المتجانسين، ضروة عدم صدق المثل بالمثل معها، وفى صحيح عبد الرحمان (2) ان الناس لم يختلفوا في النسئ أنه الربا، كما في خبره الاخر (3) (جاء الربا قبل الشروط، وانما تفسده الشروط) بل يمكن دعوى اتفاق الاصحاب على ذلك، لا يقال إذا كان وصف الخاتمية مثلا لا يتحقق به الربا، ولذا جاز بيعه بمثله فضة غير خاتم، فاشتراطها غير قادح أيضا، لانا نقول ان الشرط هنا العمل وهو صياغتها خاتما لا وصف الخاتمية، ولا ريب في تحقق الربا بمثله. نعم لو كان الشرط مثلا بيعه بفضة مصوغة خاتما، أمكن عدم تحقق الربا، لعدم اشتراط العمل، فهو كبيعه الفضة بالفضة من الدراهم مثلا، أو بفضة من جنس المصوغ على وجه خاص، ونحو ذلك بما هو أفراد للمبيع، وبالوصف والشرط يتعين بعض أفرادها، و مثله لا يتحقق به الربا قطعا، إذ ليس مطلق الاشتراط في أحد العوضين يتحقق به ذلك، و لعل من ذلك اشتراط الخيار لاحدهما، فانه لا يتحقق به الربا أيضا إذ أقصاه صيرورة البيع بالنسبة الى أحدهما جايزا، بل قد يقال بعدم تحقق الربا باشتراط غير موضع العقد للتسليم، نحو ما قيل في الفرض، بل لا أجد خلافا فيه بين من تعرض لذلك، كالفاضلين


(1) سورة البقرة الاية 274 (2) الوسائل الباب - 15 -، من ابواب الصرف الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث 1 لكنه عن خالد بن الحجاج

[ 34 ]

والشهيد والمحقق الثاني وغيرهم والظاهر أن ذلك منهم فيه، للاصل والعمومات مع فقد المانع من نص واجماع، لاختصاصهما بالمنع عن القرض بشرط النفع وليس الانقاد في بلد آخر منه، ولعل ما نحن فيه كذلك، إذ ليس هو الاشتراط موضع خاص من مواضع التسليم غير ما انصرف إليه العقد، وحينئذ فيكون ما ورد من الصحيح (1) (في الرجل يسلف الرجل الورق على من ينقدها بأرض أخرى، ويشترط عليه ذلك، قال لا بأس) ونحوه الخبر مؤكدا لما عرفته من القاعدة. لكن في التحرير (يجوزان يعطى عشرة دراهم أو دنانير ويشترط عليه أن ينقدها اياه بأرض اخرى مثلها في العدد والوزن من غير تفاضل قرضا لا بيعا) وظاهره الفرق بين القرض والبيع في ذلك، وفيه نظر ان لم يرد من جهة الصرفية. نعم لو اشترط عليه حمل المبيع مثلا الى بلد آخر تحقق الربا، لا ما إذا كان كليا واشتراط خصوص موضع للتسليم، بل قد يظهر من خبر محمد الحلبي (2) جواز اشتراط بيع الربوي بمثله في عقد ربوي آخر، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستبدل الكوفية بالشامية وزنا بوزن، فيقول الصيرفى لا أبدل لك حتى تبدل لى يوسفية (ببغلية) (3) وزنا بوزن فقال لا بأس به، فقلنا له: أن الصيرفي يطلب فضل اليوسفية على (البغلية) (4) فقال: لا بأس به: فتأمل جيدا. وكيف كان فلا ريب في أن ما نحن فيه ليس شيئا من ذلك، بل متى اشترطه أو نظيره من باقى الاعمال تحقق الربا، فانحصر الطريق حينئذ في الخروج عن ذلك بالخبر المزبور


1 - الوسائل الباب 14 من ابواب الصرف الحديث 1 - 3 - 4 - 5 2 - الوسائل الباب 7 من ابواب الصرف الحديث 1 مع اختلاف يسير 3 - 4 - هكذا في النسخ المصححة، والصحيح (بغلة) بكسر الغين المعجمة كما في الوسائل والتهذيب والكافي وياتي عن المصنف نقل تفسيرها بالمغشوش عن الفقهاء وبعض أرباب اللغة.

[ 35 ]

لكن قد يناقش فيه بعد تسليم اعتبار سنده، بانه لا دلالة فيه على ذلك إذ مورده اشتراط الابدال في الصياغة لا العكس، ومع فرض صحة وقوع هذا الابدال عوضا عن الاجارة أو الجعالة يرتفع الاشكال، إذ لا ربا في نفس عقد بيع الدرهم بالدرهم، والمحرم منه الزيادة في عقد بيعه فيكون ذلك حيلة للتخلص من الربا. ودعوى أنه يؤول الى كون الثمن للطازجي الغلة والعمل، يدفعها منع تحقق الربا بنحو هذا الاول، ومع تسليمه فليست المسألة من البيع بشرط ذلك، ويمكن أن يكون من المقاومة التى لا يترتب عليه التزام، ولكنه لا بأس به مع التراضي من غير اشتراط، كما يمكن أن يكون ذلك من الابدال الذى هو من الاعمال، لا خصوص البيع منه. وبما في الروضة والمسالك من أن الصياغة وقعت من جانب الغلة، وقد حكي عن بعض أهل اللغة وجماعة من الفقهاء أنها المغشوش، والطازج الخالص، فيكون الغش حينئذ والصياغة في مقابلة ما زاد عليه من الطازج، وهذا لا مانع منه في البيع و غيره، وفى شرط صياغة خاتم وغيره من الصنايع والاعيان، فتكون الرواية حينئذ موافقة للضوابط، ولا يقتصر على مضمونها. وباحتمال كون المراد الصياغة بأجرتها والابدال، وعدو بغير ذلك من الاحتمالات التى تسقط الخبر عن الدلالة على ذلك الذى هو مبنى على مساواة درهم الغلة والطازج بالوزن، وأنهما مختلفان بالجودة والرداية لا غير أو بالصحة والكسر، أو أن الاول العتيق والثانى الجديد، ونحو ذلك مما لا يجوز التفاضل فيهما، ومنه بيع أحدهما بالاخر مع اشتراط الصياغة، والخبر ان لم يكن ظاهرا فيما ذكرناه فلا ظهور فيه في ذلك قطعا، ولا جابر له، إذ المشهور بين المتأخرين عدم العمل به على هذا الوجه، بل صرح الفاضل في المختلف والشهيدان والمحقق الثاني والمقداد وغيرهم بعدم العمل به بالنسبة الى ذلك

[ 36 ]

واغرب منه التعدية منه الى مطلق الشرط وان كان عينا، أو إذا كان زيادة حكمية من غير فرق بين الثمن والمثمن، وقد سمعت عبارة النهاية ونحوها عن التذكرة، مع أنه لا اشعار في الخبر بالتعدية المزبورة ولا منقح من اجماع أو عقل. ولذا قال المصنف: (وهل يتعدى الحكم ؟ الاشبه لا) وهو كذلك كما عرفت، ولقد أجاد في الدروس في اصل تحرير المسألة حيث قال: (روى أبو الصباح جواز جعل ابدال درهم طازج، بدرهم غلة، عوضا لصياغة خاتم، وحكم جماعة - بجواز بيع درهم بدرهم مع شرط صياغة خاتم، قال ابن ادريس: لان الزيادة ليست عينا ورد بأن الربا يحصل بالزيادة الحكمية، وظاهرهم جواز التعدية الى غير ذلك فان اعتمدوا على الرواية فلا دلالة لهم فيها، والا وجه المنع مطلقا، والرواية في الاجارة لا غير، و كان العمل يجبر تفاوت ما بين الدرهمين إذ الطازج الخالص، والغلة غيره) ولا ريب في أنه أولى من تعبير المصنف وغيره عن مضمون الرواية بأنه جواز بيع درهم بدرهم، مع اشتراط صياغة خاتم، لما عرفت من عدم كونه كذلك والله اعلم. المسألة (السادسة) قد عرفت من القواعد السابقة أن (الاواني المصوغة من الذهب والفضة) يجوز بيعها بغير جنسها مطلقا وبمجموع النقدين كذلك لانصراف كل الى ما يخالفه، وبوزنهما أو أزيد من أحد الجنسين، لانصراف الزيادة حينئذ الى المخالف، وعن فخر المحققين هنا الاجماع عليه، وبالانقص مع العلم بزيادته على ما فيها منه، زيادة تصلح للانصراف الى الجنس الاخر، وعن الفخر الاجماع عليه هنا أيضا، من غير فرق في ذلك كله بين امكان تخليص أحدهما عن الاخر بحيث لا يتلف منه شئ وعدمه، وبين العلم بقدر كل واحد منهما وعدمه، للاكتفاء في المعلومية بوزن المجموع، وبين غلبة أحدهما على الاخر وعدمه. لكن في نهاية الشيخ الاواني المصاغة من الذهب والفضة معا ان كان مما يمكن

[ 37 ]

تخليص أحدهما من صاحبه، فلا يجوز بيعها بالذهب أو بالفضة وان لم يكن ذلك فان كان الغالب الذهب لم تبع الا بالفضة، وان كان الغالب فيها الفضة لم تبع الا بالذهب، وان تساوى النقدان بيعت بالذهب والفضة معا، ونحوها ما في التافع والارشاد والتحرير ومحكي السرائر، وقال قبل ذلك: (ولا يجوز بيع الفضة إذا كان فيها شئ من المس أو الرصاص أو الذهب أو غير ذلك الا بالدنانير إذا كان الغالب الفضة، فان كان الغالب الذهب، و الفضة الاقل، فلا يجوز بيعه الا بالفضة، ولا يجوز بيعه بالذهب نقدا، هذا إذا لم يحصل العلم بمقدار كل واحد منهما على التحقيق، وان تحقق ذلك جاز بيع كل واحد منهما بجنسه، مثلا بمثل من غير تفاضل. ولذا قال المصنف هنا في بيان حكمها، أي الاواني المزبورة (ان كان كل واحد منهما معلوما، جاز بيعه بجنسه من غير زيادة، وبغير الجنس وان زاد، وان لم يعلم وأمكن تخليصهما لم يبع بالذهب ولا بالفضة، وبيعت بهما أو بغيرهما، وان لم يمكن وكان أحدهما أغلب بيعت بالاقل، وان تساويا تغليبا بيعت بهما) وهو محصل كلام الشيخ. كما أنه وافقه في الجملة في القواعد ومحكي التذكرة فقال (والمصاغ من النقدين ان جهل قدر كل واحد بيع بهما، أو بغيرهما، أو بالاقل ان تفاوتا، وان علم بيع بأيهما شاء مع زيادة الثمن على جنسه، ولو بيع بهما أو بغيرهما جاز مطلقا). وقال في الوسيلة: (والمخلوط من الذهب بالفضة ضربان فان أمكن تخليص أحدهما من الاخر ولم يعلم مقدار ما فيه من الذهب والفضة، لم يجز بيعه بالذهب ولا بالفضة ولا بالمخلوط، فان أراد ذلك تواهبا وان علم مقدارهما جاز، وان لم يمكن التخليص وعلم مقدار كل واحد منهما جاز أن يباع بالذهب أو بالفضة أو بكليهما و بمخلوط مثله، وان لم يعلم المقدار وعلم الغالب بيع بغير الغالب فان اشتبه بيع بكليهما، وان صم جنس آخر معه كان أحوط، وان كان كلا البدلين مخلوط كذلك لم يصح بيع

[ 38 ]

أحدهما بالاخر) وقال ابن الجنيد كما في المختلف: (وإذا اختلط الذهب بالفضة لم يجز أن يشترى المختلط بواحد منهما وان كان احدهما مختلطا بنحاس أو رصاص، فان كان معلوما جاز ان يباع الفضة بمثلها، واسقط الغش، وان ابتاع المختلط منهما بشئ منهما بأن يجعل الذهب في الثمن ثمن الفضة من السلعة، والفضة من الثمن ثمن الذهب من السلعة جاز، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) (بيعوا الذهب بالفضة يدا بيد كيف شئتم) مبيح لذلك في الاختلاط والانفراد والزيادة والنقصان، فان كان العين المختلط في أحدهما لا حكم له في نفس الاسم كالاسرب الذي فيه فضة، لا حكم لها جاز شراؤه بفضة دون وزنه، ولو كان هذا حكم الذهب والفضة، فغلب احدهما كان شراء ذلك بعروض غيرهما أحب الي) والجميع كما ترى مخالف لتلك القواعد، أو فيه ما هو كذلك كما لا يخفى على من تأملها وتأمله. وقد ذكر الشهيد في المسالك جملة من مواضع المخالفة التي تظهر بأدنى التفات هذا مع أنه لم نقف لهم على ما يشهد لهم من النصوص، سوى خبر ابراهيم بن هلال (2) قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام جام فيه ذهب وفضة اشتريته بذهب أو فضة فقال ان كان تقدر على تخليصه فلا، وان لم تقدر على تخليصه فلا بأس) وخبر أبى عبد الله مولى عبدر به (3) قال: (سألت الصادق عليه السلام عن الجوهر الذى يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا، كيف نشتريه، فقال: تشتريه بالذهب والفضة جميعا) وخبر عبد الله بن سنان (4) قال: (سألت الصادق عليه السلام عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب قال: لا يصلح الا بالدنانير والوزق)، وغير ذلك من النصوص (5) التى تسمعها في تراب الصياغة لكن


1 - سنن البيهقى ج 5 ص 282 2 - الوسائل - الباب - 15 من ابواب الصرف الحديث - 5 3 - 4 الوسائل الباب 11 - من ابواب الصرف الحديث 5 - 3 (5) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الصرف

[ 39 ]

لا دلالة فيها على تمام ما ذكروه، مع أن في سند الاول منها الذي لم يتضمن التفصيل بالتخلص وعدمه وغيره، ما يمنع من العمل به، مضافا الى عدم القول باطلاقه منهم، كاطلاق غيره من النصوص السابقة المحمول قطعا على الغالب من عدم العلم بالمساواة في شراء الممتزج بأحدهما فلا تكون مخالفة حينئذ للقواعد السابقة، وقد يحمل كلام الاصحاب أو بعضهم على ذلك أيضا خصوصا بعد معلومية عدم التغابن عادة، الا أن ما ذكروه من البيع بالاقل على تقدير الغلبة لا محمل له، واعتذر عنه الشهيد بارادة المحافظة على طلب الزيادة قال في الدروس: (والاناء المصوغ من الجوهرين أو الحلي منهما يباع بغيرهما أو بهما مع علم وزن المبيع، وان لم يعلم وزن كل واحد منهما، إذا لم يمكن التخلص، ولو بيع بالجنس الواحد لم يجز، الا أن يقطع بزيادة الثمن) وقال الشيخ وجماعة (يباع بالاقل محافظة على طلب الزيادة) وفيه أن الزيادة المعتبرة في الثمن غير جنسه، يمكن تحققها مع الاقل والاكثر، أو مع ذلك فالارشاد الى الزيادة غير كاف في التخصيص الموجب لتوهم المنع عن غيره. لكن قد يظهر منه عدم خلاف الشيخ الا في ذلك الذي حمله على ما عرفت، كما عساه يظهر من المحكي عن شرح الارشاد للفخر قال: (ان المصوغ من النقدين يجوز بيعه بأحدهما بوزن المجموع أو أزيد، اجماعا الى أن قال وان لم يبع بوزن المجموع فلا يخلو اما أن يعلم زيادته على جنسه أولا، والاول يصح اجماعا ثم قال ان لم يمكن التخلص فالاصح عندي أنه لا يصلح بيعه به، وقيل يصح بيعه بالانقص، وهو مشهور عند الاصحاب، وهذا خلاف قاعدتهم لانهم مع امكان الربا حرموا عليه الزيادة لكن بنوا ذلك على أن العاقل لا يقع في معاملاته التغابن وهذا ليست امارة حسية ولا عقلية بل زعموا أنها شرعية بنص الاصحاب. قلت يمكن أن يريدوا انه إذا بيع بالاقل كان هناك طريق للتخلص من الربا

[ 40 ]

لو اريد بيعه بأحدهما بأنقص من وزن مجموعه، بأن يشتريه مثلا بوزن نصفه من جنس الاقل للقطع حينئذ بالزيادة، لان الفرض غلبة الجنس الاخر، بخلاف ما لو بيع بالجنس الاخر فلا يعلم زيادة الثمن حتى يباع بوزن مجموعه، والغالب في معاملات الناس عدم شراء المركب منهما بوزن أحدهما، ولذا اطلق في كلامهم عدم جواز بيعه بالذهب أو الفضة كالنصوص، ونحو ما تقدم في عبارة المصنف في المغشوش، كما أن قول المصنف بجواز بيع كل واحد منهما بجنسه مع العلم بقدره من غير زيادة متجه، ضرورة تحقق الربا بالزيادة، ولا يدفعها تعدد الجنس، بعد أن عين الثمن لكل منهما من جنسه، إذ الانصراف الى المخالف انما هو إذا بيع بالمجموع من غير تعيين. وكيف كان ان أمكن ارجاع كلام الجماعة جميعه أو بعضه الى مقتضى القواعد السابقة فمرحبا بالوفاق، والا كان محلا للمنع، لعدم دليل صالح للخروج به عنها، كما هو واضح. ثم ان مقتضى الادلة السابقة الصريحة في اشتراط المماثلة ببيع المتجانسين، وحرمة التفاضل والمبالغة في شدة حرمة الربا اعتبار القطع هنا بزيادة الثمن على المجانس إذا اريد البيع بجنس أحدهما، ليتخلص من الربا، بصيرورة الزيادة في مقابلة الجنس الاخر كما صرح به في الدروس واستجوده في الروضة، وتعذر العلم أو تعسره الا بالتخلص الموجب ضررا بتلف البعض، لا يجوز الاكتفاء بغيره، ولو كان ظنا غالبا، خلافا لللمعة فاكتفى به لعسر العلم اليقيني بالقدر غالبا، ومشقة التخليص الموجب له، وفيه منع، ولو سلم فليبعه بغير الجنس أو بضمه إليه، نعم قد يقال حيث لا يمكن التخلص من ضرر عدم العلم الا به بالاكتفاء مع أنه لا يخلو من نظر أيضا فتأمل. والمراد بامكان التخلص أن يتخلص من دون أن يتلف شئ أو ينقص قدره أو وصفه والله أعلم.

[ 41 ]

المسألة (السابعة): - قد عرفت مما تقدم من القواعد السابقة كيفية بيع (المراكب) والسيوف وغيرها (المحلاة) بأحد النقدين ف‍ (ان علم) قدر (ما فيها بيعت بجنس الحلية بشرط أن يزيد الثمن عما فيها) ليتخلص من الربا بمقابلة الزيادة لذي الحلية (أو توهب) بعد البيع أو قبله، فتكون الحلية حينئذ مبيعة منفردة فلا يحتاج الى (الزيادة) بل لا يجوز معها لتحقق الربا. نعم يجب أن يكون الاتهاب (من غير شرط) في بيع الحلية بمساويها، والا كان ربا كما عرفته فيما تقدم، ولو وهبه قبل البيع صح، ولو اشترط في عقد الهبة بيع الحلية بالمساوي خلافا للمسالك فلم يجوزه أيضا وكأنه لانه يؤل الى البيع بشرط الهبة، وفيه منع، هذا إذا أريد البيع بجنس الحلية (و) أما لو باعه (بغير جنسها) فلا اشكال في الجواز (مطلقا) سواء زادت قيمته عليها أو لا وسواء اشترط الهبة لو كان البيع للحلية خاصة أو لا (و) أما (ان جهل) المقدار فالظاهر عدم الاشكال في أصل البيع، لعدم اشتراطه هنا بالوزن، للاصل المعتضد بالسيرة، واطلاق النصوص سواء تمكن من النزع بلا ضرر أو لا، لكن قد يوهم قوله في المتن (ولم يمكن نزعها الا مع الضرر، بيعت بغير جنس حليتها) عدم الجواز مع التمكن، ونحوه الدروس، بل عن حواشي الشهيد التصريح بأنه لا يجوز بيع المحلى المجهول الا بعد تخليص الحلية، الا ان يحصل نقص أو ضرر، فيجوز مجهولا بالاخر، وفيه منع واضح. نعم لا يرتفع حكم الربا بذلك للاكتفاء فيه بوزن جنسه، وليس هذا كالغزل الذي خرج بالصفة عن كونه موزونا الذي قد صرح في النصوص (1) بجواز بيعه متفاضلا بل هو كغير الموزون لكبر أو صغر بل هو أولى منهما عند التأمل، ضرورة موزونية الحلية لو كانت منفردة الا أنها بالوضع على المحلى، وصعوبة النزع والتضرر به بيعت


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الربا الحديث - 12 - وباب - 19 - منه ايضا

[ 42 ]

بلا وزن، تبعا للمحلي. نعم يمكن التوقف في بيعها منفردة مجهولة، بل لعل الاقوى فيه العدم، وكيف كان فما ذكره المصنف من البيع بغير جنس الحلية لا اشكال فيه ولا خلاف (و) أما (ان بيعت بجنس الحلية) فمقتضى القواعد السابقة بل حكي الاجماع عليه هنا ونفى الخلاف فيه آخر، مضافا الى ما سمعت من النصوص (1) جوازه إذا كان الثمن زايدا عليها، حتى يكون في مقابلة ذي الحلية، أما إذا كان أقل فلا يجوز اجماعا محكيا عن الخلاف، معتضدا بنفى الخلاف من غيره، بل ومحصلا لتحقق الربا، وقد سأل منصور الصيقل (2) أبا عبد الله عليه السلام (عن السيف المفضض يباع بالدراهم فقال: ان كانت فضته أقل من النقد فلا بأس وان كان أكثر فلا يصلح) ونحوه مضمر أبى بصير (3) وهو قرينة علي وهم الراوي عنه في خبره الاخر (4) قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: السيف أشتريه وفيه الفضة تكون الفضة أكثر أو أقل، قال: لا بأس) أو على أن المراد به في فضته قلة أو كثرة على اختلاف أفراده فيقيد حينئذ بخبره الاول أي إذا كان ثمنه أكثر فلا بأس، أو كان مع الضميمة أو غير ذلك، جمعا بينه وبين ما عرفت من القواعد السابقة وغيرها. لكن (قيل) والقائل الشيخ في النهاية (يجعل معها شئ من المتاع، وتباع بزيادة عما فيها تقريبا دفعا لضرر النزع) قال فيها: (ومتى كانت محلاة بالفضة و أرادوا بيعها بالفضة وليس لهم طريق الى معرفة مقدار ما فيها ليجعل معها شيئا آخر وبيع حينئذ بالفضة إذا كان أكثر مما فيها تقريبا، ولم يكن به بأس) ولم أجده لغيرها، نعم نسبه في التنقيح الى المبسوط والخلاف، وفي مفتاح الكرامة، لم أجده تعرض لذلك في الكتابين بعد فضل التتبع، ويؤيده اقتصار جماعة على نسبته إليها.


1 - الوسائل الباب 15 - من ابواب الصرف 2 - 3 و 4 - الوسائل الباب 15 - من ابواب الصرف الحديث 7 و 8 و 9

[ 43 ]

وعلى كل حال فظاهرها كما قيل اعتبار الضميمة مع الحلية، بل عن حواشى الشهيد نسبته الى محققيهم، ولا وجه له، ضرورة عدم الفائدة لها بعد ان كان المحلى مضموما إليها، بل تستدعى زيادة في الثمن في بعض الاحوال. نعم لو ضمت الى الثمن المجانس افادت عدم اعتبار كثرته على المقابل، لاشتمال كل من العوضين حينئذ على جنسين، وقد عرفت انتفاء الربا فيه فتوى ونصا، وحمل عبارة النهاية والمتن على ذلك ممكن، الا انه عليه لا ينبغى اعتبار كثرة الثمن لا تحقيقا ولا تقريبا، اللهم الا ان يريد انه يعتبر الضميمة أي الثمن إذا كان مجانسا الى الحلية، ولم تكن كثرته محققة بل تقريبية، فإذا أريد بيعه على هذا الحال اعتبر الضميمة الى الثمن، لكن الجميع كما ترى تكلف في تكلف. ونحوه ما قيل من الاعتذار له على تقدير ارادة الضميمة الى الحلية بأنه لعله يريد أن يبيعها منفردة لا يجوز مع الجهل بقدرها وجهل المقابل لها، فيضم إليها المحلى أو شئ آخر حتى يكون سببا لتكثير الثمن على وجه يقطع بزيادته عليها، إذ هو أبعد مما ذكرنا، ومن هنا قيل ان الشيخ قد تبع في ذلك رواية حملت على سهو الراوى، قلت: هي خبر عبد الرحمن، (1) وقد رواه في المحكى عن كشف الرموز (سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة، نبيعها بدراهم بنقد قال: كان أبى يقول يكون معها عروض أحب الى) وعود الضمير فيه الى الدراهم ممكن، بل هي أقرب من السيوف والموجود في محكي التهذيب والكافي (2) (سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب الى أجل مسمى فقال: ان الناس لم يختلفوا في النسئ انه الربا، وانما اختلفوا في اليد باليد، فقلت له: فنبيعه بدراهم بنقد، فقال: كان أبى عليه السلام يقول: يكون معه عرض احب الى، فقلت: إذا كانت الدراهم التي تعطى اكثر من الفضة التى فيها، فقال: فكيف لهم بالاحتياط بذلك، قلت له: فانهم يزعمون أنهم


(1) المستدرك ج 2 ص 483 وهي قطعة من الرواية ولها صدر وذيل (2) الوسائل الباب - 15 من ابواب الصرف الحديث - 1 مع اختلاف يسير

[ 44 ]

يعرفون ذلك، فقال: إذا كانوا يعرفون ذلك فلا بأس يجعلون معه العرض أحب الى). وتذكير ضمير معه وان كان كتذكير الضمير في نبيعه المعلوم ارادة المحلى منه، و لكن قد يشهد لرجوعه الى النقد أو الى الثمن المفهوم من المقام، بل لو أنث أمكن رجوعه الى الدراهم لا السيوف، بل قد يشهد لذلك أيضا قول السائل فقلت الى آخره، ضرورة ظهوره في أن السائل قد فهم ارادة العروض مع الدراهم، فسأله عن الاحتياج إليه مع فرض كثرة الدراهم، فأجابه عليه السلام أنه لا سبيل غالبا الى معرفة ذلك، فقال له: انهم يزعمون المعرفة فقال له: لا بأس على هذا الفرض، الا أنه ومع ذلك (فالعروض أحب) لعدم كون المعرفة على جهة اليقين من المتعاملين، وأمر الربا شديد ينبغي شدة الاحتياط في التحرز، على أن الموجود فيما حضرني من نسخ التهذيب والكافي المعتمدة، والا يجعلون الى آخره، على معنى أنهم ان لم يعرفوا ذلك يجعلون، ويكون المراد من قوله أحب حينئذ الوجوب، نحو ما سمعته في صدره. وعلى كل حال فقد اتضح المراد بالخبر ويمكن حمل عبارة الشيخ عليه، والا كان سهوا من قلمه الشريف، كما أن ما في ظاهر الارشاد من تعين البيع بغير الجنس مع الجهل، بل والقواعد يجب حمله على ما هو الغالب من عدم القطع بالزيادة. ثم ان ظاهر الخبر المزبوران منع النسيئة في بيع الاثمان بعضها ببعض من جهة الربا ولو مع اختلاف الجنس، والمعروف أن المنع في الاخير لاعتبار التقابض في الصرف، اللهم الا أن يكون اعتباره من جهة لزوم الربا غالبا على تقدير عدمه في أحدهما على وجه النسيئة، كما هو صريح بعض العبارات المحكية عن المبسوط، ولا بعد فيه، إذ غايته تحقق الربا في الاثمان بذلك مضافا الى التفاضل في الجنس، والامر سهل، الا أن قوله وانما اختلفوا الى آخره، ظاهر في وقوع الخلاف باعتبار التقابض فيه، لان المراد به اختلافهم في اعتباره فيه وعدمه بعد اتفاقهم على منع النسيئة، مع أنه لم نعرف خلافا في

[ 45 ]

اعتباره في بيع النقدين، اللهم الا أن يكون ذلك اشارة الى ما ذكره محى السنة من العامة على ما قيل: من أن ذلك الى التفاضل في الجنسين يدا بيد كان قديما في عصره صلى الله عليه وآله، و نسخ، وبقى عليه أقوام لم يصل إليه النسخ. وعلى كل حال فهو صريح في عدم جواز البيع نسيئة وقال أبو بصير (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بيع السيف المحلى بالنقد، فقال: لا بأس به، قال: وسألته عن بيعه بالنسيئة، فقال: إذا نقد مثل ما في فضته فلا بأس، أو ليعط الطعام) وقال أيضا في خبر ابن سنان (2): (لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بنساء إذا نقد ثمن فضته والا فاجعل ثمن فضته طعاما ولينسيئه ان شاء). فما في مرسل اسحاق بن عمار (3) ظانا أن الراوى عبد الله بن جذاعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السيف المحلى بالفضة يباع بنسيئة قال: ليس به بأس، لان فيه الحديد والسير) يجب تقييده بما إذا نقد مثل ما فيه من الفضة، أو أن البيع كان بعرض أو غير ذلك، كما انه يجب حمل خبر محمد (4) قال: (سأل عن السيف المحلى والسيف الحديد المموه بالفضة نبيعه بالدراهم قال: نعم وبالذهب وقال: انه يكره أن تبيعه نسيئة، وقال: إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس) على ارادة الحرمة من الكراهة لو كان البيع بالنقد، وفي التهذيب بع بالذهب، مكان نعم وبالذهب، ولعله أولى، ويكون قوله أخيرا إذا كان الى آخره تقييدا للجواز بالدراهم. وعلى كل حال فمقتضى اطلاق النصوص المزبورة وما شابهها من الفتاوى المتضمنة لوجوب نقد ما يقابل الحلية لو كان الثمن نقدا في المجلس وتأجيل ما عداه، جريان حكم الصرف عليه إذا بيع بالاثمان، ولو ضم إليها غير ثمن فيقبض ما يقابل الحلية


(1 و 2) و 3 - 4 - الوسائل الباب 15 من ابواب الصرف الحديث 3 - 6 - 10 - 4

[ 46 ]

منها ويؤخر الباقي ان شاء، بل صرح به في الدروس فقال: (لو جمع بين الربوبي وغيره في عقد جاز، فان كان مشتملا على أحد النقدين، اشترط قبض ما يوازيه في المجلس) وهو مؤيد لما ذكرنا سابقا من أن المراد بانصراف كل جنس الى ما يخالفه عدم الربا خاصة، لا أن ذلك جار في غيره من الاحكام التى منها الصرف، فلا يجب التقابض، لانصراف كل الي ما يخالفه، فلا يكون من الصرف الذى هو بيع الاثمان بعضها ببعض، والله أعلم هذا. وقد عرفت فيما تقدم أنه يجب العلم بكثرة الثمن إذا كان من جنس الحلية عليها، وفاقا للدروس والروضة وغيرهما، وظاهر الباقين، ولا يكفى الظن احتياطا من الربا، و للشك في شرط الجواز هنا، ولغير ذلك، لكن في اللمعة هنا (وحلية السيف والمركب يعتبر فيهما العلم ان أريد بيعها بجنسها فان تعذر كفى الظن الغالب) وفيه ما عرفت سابقا فلاحظ وتأمل. المسألة (الثامنة لو باع ثوبا بعشرين درهما) مثل (من صرف العشرين بدينار لم يصح لجهالته) كما عن المبسوط التصريح به أيضا قال: (إذا اشترى ثوبا بماءة درهم من صرف عشرين درهما بدينار لم يصح الشراء، لان الثمن غير معين ولا موصوف بصفة تصيره معلوما) وفيه ان المتجه الصحة مع عدم الجهالة، ودعوى لزومها له ممنوعة، ومن هنا قيد البطلان في القواعد بتعدد الصرف بالسعر المذكور أو جهله، وقال في الدروس: (صح مع العلم لا مع الجهل) وفي المختلف (اطلاق الشيخ ليس بجيد، لان مع وجود دراهم صرفها ذلك يصح البيع) وقد يستفاد من تعليل المتن التقييد أيضا، لكن في المسالك (ان تعليله المنع بالجهالة يقتضى اثباتها وان وجد في المعاملة نوع صرفه ذلك وعلم به)

[ 47 ]

قلت: بهذا التعميم صرح في التذكرة، حتى قال: (لو كان نقد البلد صرف العشرين بدينار لم يصح أيضا لان السعر يختلف، ولا يختص ذلك بنقد البلد) وفيه ان المانع من الصحة انما هو جهل الدراهم، وهى على هذا التقدير معلومة، والاطلاق منزل على نقد البلد أو الغالب ان تعدد، فمتى كان نقد البلد معينا لذلك الصرف، أو الغالب وعين نوعا بذلك صح، كما أنه يصح مع فرض العلم في غيرهما أيضا، وتعدد أفراد العشرين بالصرف المزبور إذا لم يختلف الغرض باختلافها غير قادح، إذ هو كافراد كلى الدرهم مثلا، والحاصل هذه المسألة جزئية من مسائل الجهل والعلم، فيدور الحكم في الصحة والفساد عليهما، ولعله مراد الشيخ من اطلاقه، كما أن اطلاق بعض من انتقد عليه كذلك، والامر سهل بعد وضوح الحال. المسالة (التاسعة لو باع ماءة درهم بدينار الا درهما) منه (لم يصح) بلا خلاف أجده (للجهالة) بالدينار أو الدرهم أو نسبة الدرهم إلى الدينار، لعدم تحققها باعتبار عدم ضرب السلطان قيمة للدينار، أو لعدم علم المتعاقدين بها، بل لو علم أن الدرهم يساوى ربع مثقال من الدينار، الا أنه لم يعلم نسبته إليه لعدم العلم بوزن الدينار، يمكن البطلان أيضا للجهالة، وفيه وجه بالصحة مع عدم علم الاستغراق، بل وفي سابقه وان كان ضعيفا، اما لو علم ذلك وعلم وزن مجموع الدينار الا أنه لم يستحضر النسبة، أنها ربع أو اكثر أو أقل فالاقوى الصحة فيه. (وكذا) الحكم (لو كان ذلك ثمنا لما لا ربا فيه) ضرورة بناء المسألة على العلم والجهل الذين يعمان كل بيع، وقد روى السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام (في رجل يشترى السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: فاسد، فلعل الدرهم


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب احكام العقود الحديث 2

[ 48 ]

يصير بدينار) ومقتضى التعليل فيه بل والقواعد أنه لو اشتراه مستثنيا منه الدرهم، في وقت العقد وكان معلوم النسبة عندهما صح، ولو كان نسيئة، بل هذا هو مراد الاسكافي فيما حكي عنه، لو باع ثوبا بماءة درهم غير دينار نقدا جار، فان باعه نسيئة لم يصح البيع. لانه لا يعلم قدر الدينار من الدرهم وقت الوجوب، وكذا كل ما اختلف جنساه. كما أن ماعن الشيخ في المبسوط يجب حمله على عدم علم المتعاقدين حال العقد، قال: (إذا اشترى ثوبا بماءة درهم الا دينارا، أو بماءة دينار الا درهما لم يصح، لان الثمن مجهول، لانه لا يدرى كم حصة الدرهم من الدينار، ولا حصة الدينار من الدرهم الا بالتقويم والرجوع إلى أهل الخبرة، ونحوه عن ابن البراج والكراهة في خبر حماد بن ميسر (1) (عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنه كره أن يشترى الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدرى كم الدينار من الدرهم) يراد بها الحرمة، أو أنه لا يعلم خصوص الثلث والربع مثلا، نحو خبر وهب (2) عن جعفر (عن ابيه عليه السلام أنه كره ان يشترى الرجل بدينار الا درهما أو الا درهمين نسيئة، ولكن يجعل ذلك بدينار الا ثلثا، والا ربعا والا سدسا، أو شيئا يكون جزءا من الدينار) ومنه (و) من غيره يعلم أنه (لو قدر قيمة الدرهم من الدينار) بجزء مشاع فاستثناها (جاز لارتفاع الجهالة) بل لو قال استثنى الدرهم مع العلم منهما بما يخصه من الدينار. فهو كناية عن ارادة استثناء ذلك الجزء صح، بل لو لم يستحضرا النسبة الا أنهما يعلمانها بأدنى التفات لم يبعد الجواز لارتفاع الجهالة والله أعلم. المسألة (العاشرة: لو باع خمسة دراهم) مثلا (بنصف دينار) مثلا (قيل): والقائل الشيخ وغيره بل لا أجد فيه خلافا صريحا (كان له شق دينار) بمقتضى الحقيقة اللغوية (ولا يلزم المشترى) شق (صحيح) لعدم كونه شق دينار حقيقة، وانما هو نصف مثقال يساوى شق دينار (الا ان) يشترط أو (يريد بذلك) الصحيح من (نصف المثقال عرفا) فان لم يكن عرف أو شرط أو قرينة حمل على الحقيقة

[ 49 ]

كما هو الضابط، لكن عن التذكرة البطلان مع عدم التعيين إذا اختلف العرف، للجهالة، وفيه منع إذا لم يصل على حد الاشتراك (وكذا الحكم في غير الصرف) ضرورة ابتناء المسألة على ما لا يخصه. وعلى كل حال فلو اشترى منه مبيعا آخر بنصف دينار فعليه شقان، فان بذل له دينارا صحيحا زاده خيرا ولو شرط عليه في العقد الثاني اعطاء صحيح عنهما صح، لعموم (المؤمنون عند شروطهم) (1) السالم عن معارضة مقتضى البطلان من الجهالة وغيره، سواء لزم العقد الاول أولا، خلافا للمحكي في المختلف عن مبسوط الشيخ فأبطل الثاني خاصة إذا كان الاول قد لزم وانقطع الخيار بينهما فيه، معللا له بأنه لم يرض بأن يكون ثمن الثوب الثاني نصف دينار حتى يزيد في ثمن الثوب الاول، فيجعل المكسور من دينار صحيحا، وهذه الزيادة لا تلحق بالاول لابرامه، ولان الزيادة مجهولة، فيكون الثمن في الثوب الثاني مجهولا فيبطل، وان كان العقد الاول لم يلزم لبقاء الخيار فيه بينهما فسدا معا، لان زيادة الصفة منفردة عن العين مجهولة، فلا يصح الحاقها بالثمن فلم تثبت فلم يرض بكون النصف دينار ثمنا حتى يكون معه هذه الزيادة في ثمن الثوب الاخر فصار الثمن مجهولا، وفيه بعد تجشم توجيه استدلاله، خصوصا الثاني، بارادة الفسخ حيث لم يرض الا بذلك المتعذر، منع الجهالة، ومنع عدم صحة لحوقها الاول، وان كان قد أبرم، إذ حاصله تعيين فرد من أفراد الدفع بالشرط، ولا مانع منه كما هو واضح، هذا وقد وقع فيما حضرني من نسخة الدروس خلل في النقل عن الشيخ حيث حكى عنه عكس ما ذكرنا فلاحظ وتأمل. (و) أما حكم (تراب الصياغة) المجتمع فيه غالبا من الذهب والفضة والرصاص وغيرها، فقد مر ما يستفاد منه حكمه في تراب المعدن وفى الاواني وغيرها،


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 2 وباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 50 ]

إذ لا فرق بين الجميع في ذلك ف‍ (يباع) حينئذ (بالذهب والفضة) مثلا (معا أو بعوض غيرهما) وباحدهما مع القطع بزيادته على مجانسه، أو بضم جنس آخر من نحاس أو غيره عليه، والامر ببيعه بالطعام في الخبرين الاتيين (1) دفعا لكلفة مشقة تحصيل العلم بالزيادة لو أريد بيعه بأحد الجوهرين لا أنه يتعين ذلك فيه للاجماع على خلافه. انما الكلام في حكمه باعتبار أنه مجتمع من مال الناس غالبا - وظاهر المتن وغيره بل قيل انه لا خلاف فيه أنه مجهول المالك فيتصدق به أو يباع (ثم يتصدق به لان أربابه لا يتميزون) غالبا ولو في محصور قال على بن ميمون الصايغ (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به ؟ قال: تصدق به، فاما لك وإما لاهله، فقلت له: فان كان فيه ذهب وفضة وحديد فبأى شئ أبيعه ؟ قال: بعه بطعام، قلت: فان كان لى قرابة محتاج أعطيه منه ؟ قال: نعم) وفي خبره الاخر (3) (سألته عن تراب الصواغين و انا نبيعه، قال: أما تستطيع ان تستحله من صاحبه قال: قلت لا، إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت: فبأى شئ نبيعه ؟ قال: بطعام، قلت: فأى شئ أصنع به. قال: تصدق به، إما لك، واما لاهله، قلت: ان كان ذا قرابة محتاجا فأصله قال: نعم.) الا أن الاخير منهما مناف لما صرحوا به، من غير خلاف يعرف بينهم فيه، من أنه ان علم صاحبه ولو في محصور وجب التخلص منه، وخوف التهمة لا تبيح التصرف في مال الغير، سيما مع امكان ايصال حقه إليه، أو الاستحلال منه، بوجه لا يوجب التهمة، فميل بعض المحدثين إلى العمل بالخبر المزبور - الذى يمكن دعوى الاجماع على خلافه - في غير محله، فلابد من طرحه، أو يقال ان السيرة المستقيمة المعلوم كشفها على اعراض المالك عن ذلك في الصياغة والخياطة والحدادة وغيرها، والا فلا ينكر أن الغالب معرفة الصاحب جميعهم أو كثير منهم ولا أقل عند الفراغ من العمل، فيتجه وجوب الاستحلال منه عنده


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب الصرف 2 1 (2 و 3) الوسائل الباب 16 من ابواب الصرف الحديث 1 و 2

[ 51 ]

كما اعترف به في الروضة، مع أنه لم يعرف من أحد منهم وفيهم الثقات والابرار استحلال نحو ذلك أو اخباره به، وليس في الخبرين المزبورين اشارة إليه، فيمكن بناء ذلك على ظهور الاعراض، الا أنه لما كان يمكن أن لا يكون معرضا استفهم الامام عليه السلام عن ذلك، لارادة كمال الاحتياط، وحيث أن السائل أجابه بخوف التهمة رجح الاخذ بالظاهر المزبور والاعراض عن الاحتياط المستحب، بل لعل قوله عليه السلام فيها (امالك أو لاهله) يؤمى إلى ذلك، أيضا بناء على أن المراد به هو لك ان كان ظهور الاعراض كذلك في الواقع، والا فهو لاهله، لعدم الاعراض في الواقع، وان كان هو الظاهر من حال المالك، لا أن المراد به لك ان ظهر المالك ولم يرض بالصدقة، والا فهو لاهله، كما صرح به بعضهم، بل جعلوه مؤيدا للقول بالضمان لو تصدق بمجهول المالك، ثم ظهر صاحبه ولم يرض بالصدقة الذى منشأه عموم ما دل ضمان ما أخذت اليد خرج منه ما إذا رضي الصاحب، أو استمر الاشتباه، بالاجماع فيبقى الباقي. وفيه منع تناول العموم لمثل المقام المأمور شرعا بالتصدق به، الظاهر في وقوع الصدقة عن المالك، وأنها طريق الايصال إلى المالك بعد تعذر غيرها، لحصول اليأس منه فلو سلم أن المراد بأخذ اليد ما هو أعم من العدوان وأن الاذن الشرعية لا تنافى الضمان، أمكن دعوى خروج المقام من الاول وظهور عدم الضمان من الامر بالتصدق به الظاهر فيما عرفت، ومن هنا قيل بعدم ترتب الضمان في التصدق بمجهول المالك، وهو لا يخلو من قوة، وحينئذ فحمل الخبر عليه كما ترى، خصوصا بعد منافاة ذلك للقواعد المعتبرة التى لا يصلح الخروج عنها بمثل ذلك، على أن الغالب كما عرفت عدم جهل الصاحب، بل اعترف السائل بمعرفته، الا أنه لم يستحله لخوف التهمة، وحمله على ارادة التقصير بذلك من أول الامر ثم جهله تهجس يأباه الظاهر، فالاولى القول بأن مخرج الخبرين ما قلنا. وحينئذ فلا ينبغى استفادة بعض أحكام مجهول المالك منهما، وكما عساه يظهر من

[ 52 ]

بعضهم، فخير بين الصدقة بعين المجهول كما هو مقتضى الامر بها في نصوصه، أو بقيمته للخبرين السابقين، إذ فيه ما عرفت، والمناقشة فيه بان الاعراض ما لم يعلم لا يجوز نية التملك بالمعرض عنه، وإذا علم لم يبق احتمال البقاء على الملك، يدفعها منع اعتبار العلم بمعنى اليقين فيه، بل يكفى فيه ظهور ذلك من المالك ولو من فعله، كترك المسافر حطبه وعلف دابته ونحو ذلك، بل عن الكفاية نفى البعد عن الاكتفاء فيه بالظن، مع عدم قضاء العاداة على خلافه، ولعله يريد ما ذكرنا، فحينئذ يتجه استحباب الاحتياط بالصدقة به، اما له أو لاهله، ان لم يكن اجماع على الوجوب. وكذا المناقشة في أصل التملك بالاعراض وان علم، كما في الرياض قال: (ان كان اجماع والا فللنظر فيه مجال، حيث لم تنهض حجة على انتقال الملك، وجواز التصرف بمجرد نية الاعراض، مضافا إلى اطلاق الخبرين بالتصدق، إذ يكفى في دفعها السيرة القطعية المؤيدة برجوع الاعراض، إلى اباحة التملك لمن يريد تملكه، فتأمل هذا. وربما يقال - في خصوص المقام من جهة النص والفتوى المشتملين على الامر بالصدقة به، مع عدم كونه مجهول المالك بالنسبة إلى اغلب افراده، ولو في جملة ولا اعراض محقق، وكون المتعارف في الصاغة أنه يصوغ لنفسه ولغيره، وتقع أجزاء منهما - أن هذا موضوع خاص أمر بالصدقة فيه عمن هو له سواء كان الصائغ أو غيره، وحينئذ فلا يستفاد منه حكم مجهول المالك، ولا يجرى عليه حكم الاعراض. ثم انه بناء على أن المقام من مجهول المالك ذكر بعضهم أن مصرف هذه الصدقة مصرف الصدقات الواجبة، ومقتضاه المنع من اعطائه الغنى والهاشمي، ومن وجبت نفقته، بناء على منعهما منها، وغير ذلك من أحكامها. وفيه أنها غير واجبة على المالك، بل هي مندوبة بالنسبة إليه، وان وجبت على من في يده فالمتجه جريان أحكام المندوبة عليها. نعم قد يقال بانصراف الاطلاق إلى ارادة الفقراء والمساكين هنا، وقد سمعت ما في الخبرين من اعطائها القرابة المحتاج، بل في الرياض (لا خلاف بين الاصحاب فيه وفي

[ 53 ]

جواز الاعطاء للعيال إذا كانوا بصفة الاستحقاق) ولعله للاطلاق، ولفحوى الجواز في دفع الزكاة ليفرقها، ويستفاد منه جواز أخذه منه لنفسه مع الشرط المذكور ان قلنا بذلك ثمة، لو دفعت إليه للصرف للفقراء وأهل المسكنة وهو بصفتهم، ولا ريب أن الاحوط الصدقة به على غيره، بل لا يخلو القول به إذا كان هو المتصدق من نظر، أما لو دفعه إلى الحاكم فتصدق به عليه أمكن الجواز، ولتحقيق الحال في حكم مجهول المالك مقام آخر والله أعلم. المسألة الحادية عشر يجوز التصارف بما في الذمم إذا كان حالا ومختلف الجنس، بناء على أنه ليس من بيع الدين بالدين الممنوع منه، وأنه يختص ببيع الكالى بالكالى أي المؤجل بالمؤجل، فلو كان لواحد على الاخر ذهب مثلا، وللاخر عليه دراهم فتصار فابما في ذممهما صح، ولا يحتاج إلى تقابض فعلي، لما عرفت من أن ما في الذمة مقبوض، قال عبيد بن زرارة (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له على الصيرفى ماءة دينار، ويكون للصيرفي عنده ألف درهم فيقاطعه عليها، قال: لا بأس) لكن استشكل فيه في القواعد بل عنه في التحرير وولده في الايضاح الجزم بالعدم كالدروس لانه بيع دين بدين. نعم قال في الاخير (ولو تهاترا احتمل الجواز) قلت: بل هو قوى لعدم دليل على كون الوفاء من البيع، بل ظاهر الادلة خلافه، مؤيدا بعدم قصد البيع والشراء، وعدم المحافظة على أحكامه، إذ قد يقبض وفاء ما لا يعرف قيمته وقت القبض، فما عساه يظهر من المحكي عن الشيخ في بحث المكاتبة من أن الوفاء بيع يمكن منعه، وحينئذ يمكن حمل خبر عبيد عليه، فلا يكون دالا على جواز التصارف. أللهم الا أن يستدل باطلاق نفى البأس فيه مع عدم الاستفصال فيه، ولو كان ما في الذمم متحد الجنس والصفة حصل التهاتر قهرا من غير حاجة إلى صرف ولا إلى تراض بالتهاتر بلا خلاف أجده فيه، سوى ما عن التذكرة فجعله كمختلف الجنس، ومقتضاه عدم


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب الصرف الحديث 3

[ 54 ]

التهاتر قهرا، وفيه أن اعتبار تشخيص الدافع وقبض المدفوع متجه إذا لم يكن المدفوع نفس ما ملكه المدفوع إليه، أما إذا كان كذلك فلا يحتاج إلى تراض، لانه يكون كوصول عين ماله إليه، إذ الفرض أن المديون قد ملك على الديان ما ملكه عليه أولا من كلي العشرة في ذمته مثلا، فالاولى اختصاص فرض المصارفة في المختلف، هذا. وفي القواعد وغيرها ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الاخر ويكون صرفا بعين وذمة، قلت: لا بأس به إذا وقع بصيغة البيع، وقبض العوض في مجلس العقد، أما إذا دفعه وفاء فقد تقدم أنه ليس بصرف، لان الوفاء ليس بيعا وخبري الحلبي (1) لا دلالة فيهما على ذلك، قال في أولهما: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عليه دنانير فقال: لا بأس أن يأخذ قيمتها دراهم) وقال في ثانيهما (2) سألته أيضا عن الرجل يكون له الدين دراهم معلومة إلى أجل، فجاء الاجل وليس عند الرجل الذي عليه الدراهم، فقال: خذ منى دنانير بصرف اليوم قال لا بأس فيه). ونحوهما خبر أبى عتاب (3) بل النصوص المعتبرة - التى أفتى بمضمونها غير واحد من الاصحاب، المتضمنة لاحتساب السعر يوم القبض - ظاهرة أو صريحة في كون الوفاء ليس بيعا، قال اسحق بن عمار (4) (سألت أبا ابراهيم عن الرجل يكون لي عليه المال فيقضيني دنانير وبعضا دراهم، فإذا جاء يحاسبنى ليوفينى قد تغير سعر الدنانير، أي السعرين أحسب له الذى كان يوم اعطاني الدنانير، أو سعر يوم الذى أحاسبه ؟ فقال: سعر يوم أعطاك الدنانير، لانك حبست منفعتها عنه. وقال أيضا (5) (قلت لابي ابراهيم عليه السلام: (الرجل يكون له على الرجل الدنانير فيأخذ منه دراهم ثم يتغير السعر قال: فهى له على السعر الذى أخذها منه يومئذ، وان أخذ


(1 و 2) الوسائل الباب 3 من ابواب الصرف الحديث 2 1 (3) الوسائل الباب 3 من ابواب الصرف الحديث 5 لكن عن زياد ابن ابى غياث (4 و 5) الوسائل الباب 9 من ابواب الصرف الحديث 3 2

[ 55 ]

دنانير فليس له (وفي الفقيه) (1) وليس له دراهم عنده فدنانيره عليه يأخذها برؤوسها متى شاء) يعنى وقع الفضل بينهما بأخذه أو لامكان دنانيره، ثم أخذ دنانير ثانيا بعد ذلك، فليس للمعطي أن يجعلها في مقابلة دنانيره التي كانت له عليه أولا، ويطلب منه دراهمه، إذ لا دراهم له عليه حينئذ، بل ليس له الا دنانيره التي أعطاها ثانيا يأخذها متى شاء، وروى ابراهيم بن ميمون (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يكون له على رجل دراهم، فيعطيه دنانير ولا يصارفه، فيصير الدنانير بزيادة أو نقصان، قال: له سعر يوم أعطاه) وقال عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يكون عنده دنانير لبعض خلطائه، فيأخذ مكانها ورقا في حوائجه، وهي يوم قبضت سبعة، وسبعة ونصف بدينار، وقد يطلب صاحب المال بعض الورق وليست حاضرة فيبتاعها له من الصيرفي بهذا السعر ونحوه، ثم يتغير السعر قبل أن يحسبا حتى صار الورق اثنى عشر درهما بدينار فهل يصلح ذلك له، وانما هي بالسعر الاول من يوم قبضت كانت سبعة، وسبعة ونصف بدينار ؟ قال: إذا دفع إليه الورق بقدر الدينار فلا يضره كيف الصروف ولا بأس). ونحوه خبر ابراهيم بن عبد الحميد (4) المراد أنه إذا كان دفع إليه الورق بقدر الدينار ثم تغير السعر فلا يضره تغير السعر، ولا عدم المحاسبة، فانه يحاسب على السعر الاول، وعلى كل حال فهي صريحة في أعمية الدفع وفاء من البيع) نعم لو دفع إليه ذلك لا على جهة الوفاء بل كان قرضا أو أمانة أو نحو ذلك احتسبت له سعر يوم المحاسبة وفاء كما هو واضح والله اعلم.


(1) الفقيه ج 3 ص 184 الحديث 829 الطبع الحديث (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الصرف الحديث 5 لكن عن يوسف ابن ايوب شريك ابراهيم بن ميمون. (3 و 4) الوسائل الباب 9 من ابواب الصرف الحديث 1 - 4

[ 56 ]

(الفصل الثامن في بيع الثمار) (و) تمام الكلام فيها يتوقف على (النظر في ثمرة النخل والفواكه والخضر واللواحق) (أما النخل فلا يجوز بيع ثمرته قبل ظهورها عاما) اجماعا بقسميه، بل المحكى منهما متواترا كالنصوص ولذا نسبه بعضهم، إلى الضرورة، فمن الغريب ما في الحدائق من الجزم بالصحة، تمسكا بصحيحي ربعى والحلبي الاتيين (1) الذين لا صراحة فيهما في ذلك، لاحتمال ارادة بيع السنتين بعد الظهور، قبل البدو، وصحيح بريد بن معاوية (2) الاتي الذى لابد من طرحه أو تأويله، بارادة البدو من الطلوع فيه، أو بحمل العام فيه على ما كان في ضمن العامين. وأغرب منه حمل نصوص المنع - الموافقة للاصول السليمة، ضرورة كون الثمرة معدومة لا تصلح للنقل قبل وجودها، إذ المبيع لابد أن يكون موجودا - على التقية أو الكراهة، ثم قال: وإلى هذا يميل كلام جملة من محققي المتأخرين كالمحقق الاردبيلي والفاضل الخراساني، لكن لا يخفى عليك أن ذلك كله غير قادح في تحصيل الاجماع، بعد أن علم أن صدور ذلك منهم من اختلال الطريقة، نسئل الله تعالى العفو والعافية عن ذلك وغيره، وما صدر عن الشيخ في المحكي عن كتابي الاخبار من الجمع بالكراهة، انما هو مجرد جمع لا فتوى، وعلى تقديرها فهي شاذة أيضا مع أن عبارته محتملة لصورة ما بعد الظهور قبل البدو، بل قيل: انه الذى تشعر به عبارته بعد ضم بعضها إلى بعض، (و) لذا نسب جماعة القول بالكراهة إليه في المسألة الاتية دون هذه المسألة. نعم (في جواز بيعها كذلك عامين فصاعدا تردد) وخلاف، فالمشهور نقلا وبين المتأخرين تحصيلا، العدم أيضا، للانعدام، فضلا عن الغرر والجهالة، وللاجماع في السرائر بل قال فيها: (وقد اشتبه على كثير من أصحابنا ذلك، ويظنون أنه يجوز بيعها


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 4 (2) الوسائل الباب - 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 57 ]

سنتين وان كانت فارغة لم تطلع بعد وقت العقد، وهذا خلاف ما يجدونه في تصانيف أصحابنا وخلاف اجماعهم وأخبار ائمتهم وفتاواهم) ولمفهوم خبر ابى بصير (1) وخبر أبى الربيع (2) واطلاق موثق سماعة (3) أو عمومه وصحيح الحلبي (4) وغيرها من النصوص التي تسمعها فيما ياتي ومنهما النصوص التي علقت الجواز على الاطعام والبلوغ والادراك وبدو الصلاح خلافا للصدوق. وربما أشعر قول المصنف (والمروى) فيما يأتي من صحيح يعقوب (5) وصحيح سليمان (6) وخبر أبى بصير الاخر (7) وصحيح الحلبي (8) وصحيح ربعي (9) وصحيح علي بن جعفر (10) كما في الحدائق (الجواز)، بل في صحاح يعقوب والحلبي وعلى بن جعفر تعليله بأنه ان لم يخرج هذه السنة خرج من القابل، وبها تقطع الاصول والعمومات ويخص الاطلاق في الاخبار المقابلة، والا طرحت لرجحانها عليها بالصحة في السند والكثرة في العدد، والصراحة في الدلالة، والاشتمال على التعليل، وغير ذلك، واجماع ابن ادريس مردود عليه بما عن غاية المراد للشهيد، من أن الاصحاب لم يذكروه صريحا و لا تعرض للمنع الا جماعة منهم، ونحو ذلك في المختلف، وفي مفتاح الكرامة ليس في المقنعة والنهاية والمبسوط والمراسم والوسيلة والغنية وكشف الرموز ذكر ولا تصريح بجواز ولا منع، ولم ينقل احد ذلك عن الحسن وأبى علي والقاضي والنقي، بل لم أجد من صرح بالمنع قبل الفاضل. قلت: هو كذلك في جملة من كتبه لكن ظاهره أو صريحه في التذكرة الجواز وان احتمل المنع قويا فيها، وفي الحدائق أنه حكاه بعض عن الشيخ أيضا، بل قد سمعت اعترافه في السرائر بأن القائل به كثير، لكن ادعى عليهم الاشتباه، ومن هنا مال جماعة من متأخري


(1 و 2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث - 10 - 7 (3 و 4) الوسائل الباب 2 من ابواب الثمار الحديث 2 - 4 (5 - 6 و 7 و 8 و 9 و 10) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 8 - 9 - 10 - 2 4 - 1 - 2

[ 58 ]

المتأخرين إلى الجواز، بل هو ظاهر الشهيد الثاني، وفي جامع المقاصد انه لا يخلو من قوة، لكن قد يناقش باحتمال الطلوع في صحيح يعقوب بدو الصلاح ويكون المراد من قوله ان (لم يحمل إلى) آخره ان خاست، وهو وان بعد، الا أنه أولى من ارتكاب التأويل في النصوص المقابلة المعتصدة بالشهرة، ومحكي الاجماع الذى لا يقدح فيه ما سمعت عند التحقيق، وقاعدتي المعدوم والغرر والجهالة، مع أنه قد يستأنس لحمل الطلوع فيه على البلوغ، ملاحظة الصحيح الاخر (1) حيث اشترط فيه نفى البأس عن الشراء ثلاث سنين بوقوعه قبل البلوغ، وجعله المعيار له دون غيره، مع تضمنه التعليل المزبور في صدره، ولو كان المعيار الظهور لكان تبديل البلوغ به أولى كما لا يخفى. ومنه يظهر الجواب عن غيره الذى جعل غاية الجواز فيه الاطعام الذى هو عبارة عن الادراك، وعن الصحاح: أطعمت النخلة إذا أدرك ثمرها، وأطعمت البسرة أي صار لها طعم). كل ذلك مضافا إلى ما تسمعه في صحيح سليمان بن خالد (2) منها، بل التعارض بين كثير منها وبين غيرها بالعموم من وجه. ضرورة شمولها لصورتي عدم الطلوع وعدم الصلاح، كما أن غيرها شامل للعام والعامين وقد سمعت رجحانها عليها بالشهرة وغيرها، لكن الانصاف بعد ذلك كله أن الجواز لا يخلو من قوة وان كان الاحوط خلافه، ثم على تقدير العدم فالظاهر مساواة غير البيع من النواقل له في عدم الجواز، لعدم صلاحية المعدوم للنقل. نعم يتجه جوازه بالشرط، قال في التنقيح: (كل موضع قلنا لا يصح البيع فيه، يصح ان يجعل من شروط التملك في عقد آخر) قلت: لعموم أدلة الشروط التى لا تستدعي ملكا فعليا للمشترط، ومنه ينقدح قوة الجواز في الصلح أيضا، وربما تسمع في بابه زيادة تأييد انشاء الله تعالى، لكن قد يشكل في خصوص الشرط، لاقتضائه الغرر المنافي لعقد البيع، ولو في شرطه، كما حققناه في محله.


(1) (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب بيع الثمار الحديث 2 - 9

[ 59 ]

وأما الجواز مع الضميمة حتى في العام الواحد فهو وان دلت عليه موثقة سماعة (1) قال (سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤه قبل أن يخرج طلعها ؟ قال: لا الا ان يشتري معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا فيقول: أشتري هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشترى في الرطبة والبقلة) الا أنها مقطوعة ومعارضة باطلاق الادلة ومعاقد الاجماعات وغيرها، بل في المسالك (ان المشهور المنع مع الضميمة، حيث لا تكون هي المقصودة بالبيع، لانه غرر. ومن هنا حمل بعضهم الموثق المزبور عن المقصودة، وفاقا للتذكرة، وربما اشعر به ما في ذيل الرواية من التعليل، بناء على الغالب من عدم دفع الثمن في مثل هذه الصورة الا بعد أن تكون الضميمة المقصودة، وكان ذلك منه ارجاع منه للمقام إلى قاعدة ضم المعلوم إلى المجهول، ولو سلمت لهم فيه أمكن منعها هنا، باعتبار انعدام المنضم، الا أن يكون على جهة الشرطية، وربما تسمع لذلك تتمة انشاء الله تعالى. (ويجوز) بيعها (بعد ظهورها وبدو صلاحها) اجماعا أو ضرورة (عاما) واحدا (أو عامين بشرط القطع وبغيره منفردة ومنضمة) إلى المقصود بالبيع و غيره، (ولا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها عاما الا أن يضم إليها ما يجوز بيعه) عند الاكثر نقلا (أو بشرط القطع أو عامين فصاعدا) أو بيعت على مالك الاصل عند الفاضل (و) حينئذ (لو بيعت عاما من دون الشروط الثلاثة) أو الاربعة (قيل) والقائل الاسكافي والصدوق في المقنع والتقي والمفيد على ما عن بعض نسخ المقنعة والطوسي والقاضى وابن حمزة والفاضل في كتبه على ما حكي عن بعضهم (لا يصح) بل عن صريح المبسوط والخلاف أو ظاهرهما والغنية الاجماع عليه. (وقيل) والقائل الشيخ في التهذيبين والحلى والابي والفاضل في جملة من كتبه وولده والشهيدان والكركي والقطيفى والميسي على ما حكى عن بعضهم أيضا


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب بيع الثمار الحديث - 1

[ 60 ]

يصح، ولكن صرح كثير منهم بأنه (يكره، وقيل) والقائل المفيد وسلار والابي على ما عن الاخيرين، أنه (يراعى) في الصحة وعدمها (السلامة) وعدمها و الظاهر أن مرجعه إلى القول الثاني إذ فيما حضرني من نسخة المقنعة (يكره بيع الثمار سنة واحدة قبل أن يبدو صلاحها: إلى أن قال في آخر المبحث: وإذا خاست الثمرة المبتاعة قبل ظهورها كان للبايع قدر ما غلت دون ما انعقد عليه البيع من الثمن)، ومراده بالظهور قبل بدو الصلاح، كما هو المحكى عنها أيضا وعلى كل حال فهو حكم آخر مبني على أنه مبيع تلف قبل قبضه، كما تسمع البحث فيه عند تعرض المصنف له، ولعله لذا جعل في المختلف المسألة ذات قولين، ناصا على أن المفيد وسلار ممن قال بالجواز. (و) على كل حال ف‍ (الاول أظهر،) لصحيح سليمان بن خالد (1) عن الصادق عليه السلام (لا تشترى النخل حولا واحدا حتى يطعم، وان كان يطعم ان شئت أن تبتاعه سنتين فافعل) وفي الوافي بعد أن رواه عن التهذيب قال: (الظاهر سقوط لفظ لم) وربما ايد بأن الموجود في الاستبصار (وان شئت أن تبتاعه) كموثق أبي بصير (2) قلت يمكن صحته على ذلك أيضا، وعن بعض النسخ المعتمدة بغير واو وفي حواشى المجلسي كان المراد منه ان كان يعلم عادة أنه يطعم بعد ذلك، وعلى نسخة عدم الواو، فالمراد ان كان النخل من شأنه أن يطعم بأن يكون مضى من زمان غرسه خمس سنين مثلا، ويمكن ان يكون المراد إذا كان من نيتهما أن يطعم، أي لم يشتره بشرط القطع. وخبر أبى الربيع عنه (3) أيضا (كان أبو جعفر عليه السلام يقول إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته، وإذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة) وخبر على بن أبي حمزة (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر، فقال: لا حتى يزهو، قلت: وما الزهو، قال: حتى يتلون) وحسن الوشاء (5) (سألت الرضا عليه السلام هل يجوز بيع النخل


(1) التهذيب ج 7 ص 88 الحديث: 374 الاستبصار ج 3 ص 85 (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب بيع الثمار الحديث - 10 و 7 (4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من ابواب بيع الثمار الحديث 5 - 3.

[ 61 ]

إذا حمل ؟ قال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو جعلت فداك ؟ قال: يحمر ويصفر وشبه ذلك) وخبر محمد بن شريح (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ثمرة نخل سنتين أو ثلاثا وليس في الارض غير ذلك النخل، قال: لا يصلح الا سنة ولا تشتره حتى يبدو صلاحه). وصحيح على بن جعفر (2) المروي عن كتابه (سأل أخاه عن شراء النخل سنة واحدة أيصلح ؟ قال: لا يشترى حتى يبلغ، قال: وسألته عن شراء النخل سنتين أيحل، قال: لا بأس، ان لم يخرج العام خرج القابل،) وفي خبر المناهى (3) نهى عليه السلام أن تباع الثمار حتى تزهو يعنى تصفر أو تحمر) وموثق عمار (4) عن الصادق عليه السلام (سئل عن الفاكهة متى يحل بيعها ؟ فقال: إذا كانت فاكهة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها وإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فان كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها وحده، ثم يباع تلك الانواع). ومرسل اسماعيل بن الفضل (5) (سأل ابا عبد الله عليه السلام عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، فقال: إذا كان له في تلك الارض بيع له غلة قد ادركت، فبيع ذلك كله حلال) وموثق أبى بصير (6) عن الصادق عليه السلام أيضا (سئل عن النخل والتمر يبتاعهما الرجل عاما واحدا قبل أن تثمر قال: لا حتى تثمر وتأمن ثمرتها من الافة فإذا أثمرت فابتعها أربعة أعوام مع ذلك العام أو أكثر من ذلك أو أقل) إلى غير ذلك. لكن لا يخفى عليك ما في دلالة بعضها من ثبوت البأس في المفهوم، وهو أعم من الكراهة، واضطراب موثق عمار منها، واشتماله على ما لا يقول به أحد من الاصحاب


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 1 - من ابواب بيع الثمار الحديث - 13 - 22 - 14. (4) (5) الوسائل الباب - 2 - من ابواب بيع الثمار الحديث - 5 - 2 (6) الوسائل الباب 1 - من ابواب بيع الثمار الحديث 12

[ 62 ]

كما ستعرفه، واحتمال ارادة الكراهة من نفى الحل في مفهومه، كاحتمال ارادة التفسير من قوله (وتأمن) في الاخير منها، كما يؤمى إليه تعليق الحكم فيه على الاثمار وذيل صحيح يعقوب بن شعيب (1) قال: قال (سالت ابا عبد الله عليه السلام عن شراء النخل ؟ فقال كان أبى يكره شراء النخل قبل أن يطلع ثمرته السنة، ولكن السنتين والثلاث كان يقول ان لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى، وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع، فيشترى سنتين أو ثلاث سنين أو أربعا ؟ قال: لا بأس، انما يكره شراؤه سنة واحدة قبل أن يطلع، مخافة الافة حتى يستبين) بل هو صريح في المطلوب بناء على ارادة بدو الصلاح من الطلوع فيه، لقراين متعددة، والمعنى المصطلح من الكراهة كما هو الظاهر من وجوه أيضا، ومنه يظهر قوة ارادتها من النهى في النصوص السابقة، سيما بعد اتفاق الفقهاء الاربعة على المنع، كما في التذكرة، فلا يبعد ان اشتهار التعبير به للجمع بين بيان الواقع، ودفع التقية، خصوصا بعد أن أشاروا عليهم السلام إلى ارادة ذلك منه. ففى صحيح الحلبي (2) (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين ؟ فقال: لا بأس تقول ان لم تخرج في هذه السنة تخرج من قابل، وان اشتريته في سنة واحدة، فلا تشتره حتى يبلغ، وان اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس وسئل عن الرجل يشترى الثمرة المسماة من ارض فتهلك ثمرة تلك الارض كلها ؟ فقال قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم) فهو كالصريح في أن نهيه السابق عن شراء سنة واحدة حتى تبلغ، للكراهة، إذ هو كعبارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشمول الخبر لما قبل الطلوع بعد


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 8 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمرة الحديث 2

[ 63 ]

امكان منعه بظهور الغاية في وجود الثمرة، لا ينافى الاستدلال به على المطلوب، إذ أقصاه التقييد بالادلة السابقة. وفى صحيح (1) ربعي (قلت لابي عبد الله عليه السلام ان لي نخلا بالبصرة فأبيعه و أسمي الثمن واستثني الكر من التمر أو أكثر أو العدد من النخل ؟ قال: لا بأس، قلت: جعلت فداك بيع السنتين ؟ قال: لا بأس قلت: جعلت فداك ان ذا عندنا عظيم قال: أما انك ان قلت ذاك لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحل ذلك فتظالموا فقال عليه السلام: لا تباع الثمرة حتي يبدو صلاحها) ومراده بقرينة الخبر الاول أن نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاجل قطع الخصومة، لا الحرمة، وهو بعينه النهى الوارد عنهم عليهم السلام، والمناقشة فيه - بظهوره في أن نهيه عليه السلام الذى هو للكراهة انما هو في بيع السنتين قبل بدو الصلاح وهو الذى يأبى عنه العامة كما عن السرائر والتذكرة التصريح به، بل تشعر به عبارة الغنية أيضا والظاهر ان قضية التظلم الذى تعقبها النهى الذى ليس للحرمة، هي القضية التى تضمنها الخبر السابق، فيسقط الاستدلال به حينئذ أيضا - يدفعها أن الذى حكاه في التذكرة عن الفقهاء الاربعة المنع في مفروض المسألة أيضا ولا ينافيه قولهم به أيضا في السنتين كما أن ما حكاه عن النبي صلى الله عليه وآله رد لهم في المقامين فتأمل جيدا. وفي خبر تغلبة بن بريد وحسنة بريد بن معاوية (2) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات ؟ فقال: لا بأس، قال: واكثرت السؤال عن أشباه هذا فجعل يقول لا بأس، فقلت: أصلحك الله استحياء من كثرة ما سألته، وقوله: لا بأس به ان من بيننا يفسدون هذا كله، فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النخل ثم حال بينى وبينه رجل فسكت، وأمرت محمد بن مسلم أن يسأل أبا جعفر عليه السلام عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله في النخل فقال أبو جعفر عليه السلام خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فسمع ضوضاء فقال: ما هذا ؟ فقيل له: تبايع الناس‍ النخل، فقعد النخل العام، فقال عليه السلام: أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى يطلع فيه الشئ، ولم يحرمه) وهو مع كونه مورد السنة


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الثمار الحديث 4 - 1

[ 64 ]

صريح في الانكار، على توهم الحرمة من النهى المزبور الذى بعينه وقع في كلامهم عليهم السلام، ورواه العامة بهذا اللفظ وما يقرب منه، واشتماله على ما لا نقول به بعد امكان ارادة بدو الصلاح من الطلوع فيه، أو بالنسبة الي السنة الثانية المنظمة إلى السنة التى ظهرت فيها الثمرة - غير قادح في الاستدلال على المطلوب. هذا كله مضافا إلى الاصول والعمومات العظيمة الدالة على الجواز أيضا مضافا إلى صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام (تقبل الثمار إذا تبين لك بعض حملها سنة وان شئت أكثر، وان لم يتبين لك ثمرها فلا تستأجره) بناء على ارادة الشراء من التقبل فيه، وإلى ما يؤمى إليه تعدد التعبير عن الغاية المزبورة، فتارة ببدو الصلاح، والاخرى بالاطعام، وثالثة بالبلوغ، ورابعة بالادراك، وخامسة بالتبين، من ارادة الكراهة قبل ذلك وأنه بها ترتفع الخصومة على اختلاف مراتبها. بل في خبر على بن جعفر المروي عن قرب الاسناد (2) الذى (سأل فيه اخاه عن بيع النخل أيحل إذا كان زهوا ؟ فقال له: ان استبان البسر من الشيص حل بيعه وشراؤه) و الظاهر تحقق ذلك قبل الاحمرار والاصفرار، ودعوى امكان رجوع الجميع إلى الاول واضحة المنع خصوصا بالنسبة إلى الشجر الذى ستعرف أن بدو الصلاح فيها عندهم الانعقاد وهو لا يتحقق به البلوغ مثلا قطعا، بل ولا في النخل إذ كثير منه لا يبلغ باحمراره واصفراره كما هو واضح. وقد ظهر من ذلك كله ان القول بالجواز لكن على الكراهة هو الاقوى، بل قد يؤيده أيضا أنه لا خلاف عندهم في الجواز مع اشتراط القطع، حيث لا تكون المعاملة معه سفها بل حكى عليه الاجماع مستفيضا أو متواترا، مع أنه لا أثر له في النصوص فليس ذلك الا لان اشتراط القطع يعين كون مراد المتبايعين هذا الموجود في هذا الحال ولا ريب في أنه مال مملوك يجوز بيعه، ولا يعتبر في الصحة تحقق القطع، بل لو رضى المالك بعد ذلك بالبقاء مجانا أو بأجرة جاز اجماعا في التذكرة، خلافا لاحمد فأبطل البيع


1 و 2 - الوسائل الباب - 2 - 1 من ابواب بيع الثمار الحديث - 4 - 17 - الجواهر - 4

[ 65 ]

لو عصى المشتري فلم يقطع ومنع البايع منه أيضا صح، وكانت الثمرة له عندنا، وإن ثبت عليه الاجرة فلو باعه الموجود من الثمرة مصرحا له بأن المبيع هذا الموجود، بحيث يستحق عليه القطع كان المتجه الجواز وإن لم يشترطه، ولعله عند الاصحاب بمعنى اشتراط القطع، وقد ينقدح هنا شئ وإن نافاه جملة من عبارات الاصحاب، وهو جواز البيع والشراء إذا كان القصد الموجود على النخل والاشجار في تلك الحال، و العدم إذا كان المقصود شراؤه ثمرة أي بالغا، أما الاول فللاصل والعمومات، بعد انسياق نصوص المنع إلى غيره مما يراد صلاحه وإطعامه وادراكه وبلوغه، ولذا جعل غاية للجواز في النصوص السابقة، بل قد يدعى أن اطلاق الثمرة عليه قبل ذلك مجاز، لعلاقة الاول. ومنه يظهر وجه المنع في الثاني مضافا إلى أنه غير مقدور للبايع، إذ ليس هو من أفعاله، وإنما هو من فعل الله تعالى، ولعل مبنى المنع في كلام الاصحاب مع اشتراط التبقية، حتى حكي عن المبسوط والغنية وظاهر الخلاف الاجماع على عدم جوازه معه، بل عن بعضهم جعل الخلاف فيما إذا أطلق دونه. وإن كان يدفعه ما عن السرائر من أن الخلاف فيه وفي الاطلاق، بل صرح في التذكرة بالجواز معه، لعدم اشتراطه بدو الصلاح فيها ظهور اشتراط التبقية في إرادة بيعه ثمرة، وأنه أولى من الاطلاق المنصرف إلى ذلك، حتى أن من جوز البيع بالظهور أوجب معه على البايع الاجابة إلى البقاء إلى أوان القطع، خلافا لابي حنيفة إذ الظاهر إرادة الثمرة منه لا هذا الموجود، فإذا أطلق صح عند من لم يعتبر البدو، وبطل عند من اعتبره، ولا يحمل على القطع وإن توقفت صحة العقد عليه، كما صرح به في الدروس، وحينئذ فيكون في الحقيقة اشتراط التبقية كالاطلاق في الاندراج تحت اطلاق أدلة المنع، أما لو أريد من إشتراط التبقية الذي لولاه لاستحق البايع على المشتري القطع، باعتبار كون المبيع هذا الموجود على الشجرة، فيجوز للاصل والعمومات وبعض

[ 66 ]

النصوص السابقة، وأنه كمشروط القطع في كون المبيع المشخص الموجود، واشتراط تبقيته لا يصير المبيع غيره، ولعله لذا استدل في التذكرة على الجواز في المقام بأنه يجوز بيعه بشرط القطع إجماعا، فجاز بشرط التبقية كما لو باعه بعد بدو الصلاح بشرط التبقية، و قد يؤيد ذلك كله نصوص الزرع المتضمنة لجواز بيعه بشرط التبقية والقصيل والاطلاق، وإن كان لا يجوز بيع السنبل منه قبل ظهوره فيه. وقد يقوى دوران الحكم على القصد المذكور في بيع الثمرة على مالك الاصل الذى حكم العلامة بجوازه بمجرد الظهور من دون شرط، مدعيا عليه الاجماع في القواعد، وأنه خارج عن محل النزاع، وإن رده من تأخر عنه بعدم الدليل، إذ ما قيل في الاستدلال له بأنه لمكان تبيعته للاصل، كان كالجمع بينهما في عقد، واضح الضعف، لعدم العقد هنا على الجميع، بل حكي عن الخلاف والمبسوط التصريح بالمنع فيه، فيتجه الجواز إذا كان القصد شراء ذلك الموجود، واشتراط القطع هنا كعدمه - ضرورة عدم استحقاقه ذلك على مالك الاصل، والعدم، إذا كان القصد بيعه ثمرة، مع أنه قد يقال بالصحة فيه هنا، باعتبار رجوع ذلك إلى إرادة الابقاء إلى بلوغ هذا الحال ضرورة عدم قدرته على صيرورته ثمرة. وحيث كان البيع على المالك لم يكن للمشتري استحقاق في الابقاء فليس حينئذ الا ارادة بيعه في هذا الحال وهو لا إشكال في صحته، فيتجه للفاضل حينئذ دعوى الاجماع عليه. ومن هذا الاخير يظهر لك أنك إن أبيت عن تنزيل كلمات الاصحاب على ما ذكرنا، باعتبار صراحة بعضها في خلافه كان المتجه الجواز، في بيع الثمار قبل بدو الصلاح كما قلناه سابقا، إذ ليس مرجعه حينئذ إلا إرادة الابقاء إلى أوان صيرورته ثمرا، خصوصا مع التصريح بذلك، وهو لا بأس به، بعد ما عرفت من تنزيل نصوصه على الكراهة أو التقية للوجوه المتقدمة. بل ربما يظهر لك وجه ما ذكره الاصحاب هنا من غير خلاف يعرف بينهم فيه من الجواز مع الضميمة، بل في التذكرة والتنقيح ومحكي المهذب الاجماع عليه، مع أنه

[ 67 ]

لم أجده فيما وصل إلى من النصوص على جهة الاطلاق وموثق سماعة (1) المتقدم سابقا قبل الطلوع، أللهم إلا أن يحمل على إرادة بدو الصلاح من الطلوع فيه، فيكون شاهدا للمقام، وأما النصوص الاتية التى (2) منها ضم ما بدا صلاحه مثلا إلى غيره، فهي في موارد خاصة لا ينبغى التعدية منها إلى غيرها. نعم قال بعض متاخري المتأخرين إطلاق النص مشيرا إلى ما تسمعه من النصوص في المسألة الاتية، وكلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق في الضميمة بين أن تكون متبوعة أو تابعة، ولا ريب في الاولى للقاعدة المطردة من صحة المعاملة مع الضميمة التي تكون بالذات مقصودة، مخرجة لها عن الغرر والمجازفة، وقد تقدم إلى ذكرها مرارا الاشارة، وكذا في الثانية بعد ما عرفت من إطلاق النص والفتوى المخرجة لها عما دل على فساد المعاملة، ولو انضم ضميمة ليست بالذات مقصودة إذا اشتملت على الغرر والجهالة. ومن هنا انقدح وجه القدح في استدلال جماعة بقاعدة الضميمة المزبورة لصحة هذه المعاملة مطلقا ولو في صورة الثانية، فانها لم تنهض باثباتها الا في الصورة الاولى خاصة، ولعل الوجه أن الضميمة هنا ليست لدفع الغرر والجهالة حتى يأتي فيها التفصيل المتقدم إليه الاشارة، لاختصاص مثلها بما يتصور فيه الامر ان لو خلا عنها، وليس منه مفروض المسألة، بناء على أن المنع عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إنما هو تعبد محض، نهض باثباتها الاخبار المانعة، لو لاها لتعين المصير إلى الجواز، نظرا إلى الاصل والعمومات السليمة عن معارضة الغرر فالمجازفة، لاندفاعها، ولذا صار إليه جماعة بعد حملهم تلك الاخبار على الكراهة بشهادة بعضها، بل ضمها هنا ليس الا للذب والفرار عن الدخول تحت إطلاق تلك الاخبار، بناء على اختصاصها بحكم التبادر بغير المضمار. قلت: قد يناقش فيه أولا - بامكان منع القاعدة التى أشار إليها، إنما المسلم منها التابع


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب بيع الثمار الحديث - 1 - (2) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الثمار

[ 68 ]

في نفسه، كأس الجدران وزخارف الدور وحمل الدابة، ونحو ذلك، لا التابع في القصد ضرورة، تناول أدلة الغرر والجهالة له، ودعوى أنه بذلك تكون الشرط الذي لا يعتبر فيه شئ من ذلك على التحقيق، يدفعها عدم صدق إسم الشرط عليها، بل هي بعض المبيع، - وثانيا بمنع إخراج الضميمة هنا للمفروض عن إطلاق الادلة، إذ دعوى اختصاصها ببيع الثمرة خاصة واضحة الفساد، فالمتجه حينئذ الاستناد في الضميمة سواء كانت تابعة أو متبوعة إلى إطلاق معاقد الاجماعات التى يمكن التنقيح بها للموارد الخاصة في النصوص الاتية، فيتعدى منها حينئذ إلى غيرها، وربما يقال أن الضميمة هنا كالضميمة مع الابق باعتبار ان ما نحن فيه كغير المقدور على تسليمه، لعدم البلوغ حال البيع، فلا يشترط فيها حينئذ كونها متبوعة، بناء على عدم اشتراط ذلك فيها في الابق، بل إنما ضمت حتى لا يصير الثمن بلا مثمن لو اتفق عدم حصول المنضم إليه والامر سهل عندنا بناء على ما عرفت من عدم اشتراطها في الصحة، وأنه يجوز البيع بدونها. (و) على كل حال فمنها كما في المسالك ما (لو بيعت) الثمرة (مع أصولها) ولذا قال المصنف: (جاز) البيع (مطلقا) قبل بدو الصلاح وبعده، بل في التذكرة والتنقيح الاجماع عليه بالخصوص، وربما يقال أن الصحة هنا لكون الثمرة تابعة، كحل الدابة، بل لا يندرج نحوه في إطلاق أدلة المنع الظاهر في غير ذلك لا للضميمة، ولذا جعله غير واحد شيئا آخر غيرها. واما الجواز في الزيادة عن عام فلا خلاف فيه، كما عن كشف الرموز بل عن ظاهر المبسوط والخلاف والسرائر، وصريح التذكرة والمهذب والتنقيح الاجماع عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص السابقة، وقد ظهر من ذلك كله أنه لا خلاف ولا إشكال في جواز البيع بعد الظهور قبل البدو إذا حصل أحد الامور الثلاثة أو الاربعة، بناء على أن بيعها مع الاصول ليس من الضميمة، وعن الفاضل زيادة البيع على مالك الاصل، وقد عرفت الحال فيه وبيع الاصل واستثناء المالك الثمرة. وفيه أنه - وإن كان لا يشترط البدو فيه عندنا خلافا لاحد وجهى الشافعية فاعتبروا

[ 69 ]

في الصحة شرط القطع، ولا ريب في ضعفه، لانه استدامة ملك لا ابتداؤه - ليس مما نحن فيه من بيع الثمرة، وما يقال - من أن بيع الاصل سبب في زوال الملك، واستثناؤه سبب في التدارك، فهو كالحادث - يدفعه أن السبب في الزوال البيع المطلق، لا مطلق البيع، و ليس المشرف على الزوال ولما يزل، كالزائل العائد، لانه تقدير لما لا وجود له من الزوال فعلا، بمنزلة الموجود كما هو واضح. ثم إن الظاهر كون الخلاف في المقام إنما هو في المبيع خاصة، أما الصلح فيجوز مطلقا وبشرط التبقية للاصل، بعد اختصاص النصوص والفتاوى في البيع خاصة، بل وكذا غيره من النواقل، سيما الشروط والله أعلم هذا. والضميمة على تقدير اعتبارها في الصحة ينبغى الاقتصار فيها على المتيقن، من كونها مما يجوز بيعها منفردة كما تؤمى إليه عبارة المتن، وكونها مملوكة للمالك، وكون الثمن لها وللمنضم على الاشاعة ونحو ذلك، و إن كان للنظر في هذا كله مجال، كالنظر أيضا في الصحة فيما لو تلفت قبل القبض وغيره، إلا أنا في غنية عن إطالة البحث فيه بعد عدم اعتبارها في الصحة عندنا، وهل من الضميمة ما لو باع الثمرة مشترطا قطع بعضها، المتجه العدم بناء على اعتبار صحة بيعها بغير عقد الانضمام، والامر سهل. (و) كيف كان ف‍ (بدو الصلاح) الذي هو شرط للصحة أو الكراهة في اللغة كما عن المقداد والصيمري (أن تصفر) البسر (أو تحمر) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة، بل في محكي السرائر نسبته إلى أصحابنا، والمبسوط إلى روايتهم لخبري الوشا (1) وعلى بن أبى حمزة (2) المتقدمين المنجبرين بالشهرة المزبورة، والمعتضدين بخبر المناهى (3)، الذي فسر الزهو بهما فيه أيضا، بناء على أنه منه النبوى أيضا المروي عن معاني الاخبار (4) (نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن المخاصرة، وهي أن تباع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وهي خضر بعد، إلى أن قال: ونهى عن بيع الثمر قبل أن يزهو، وزهوه، أن يحمر أو يصفر) وقال فيه وفي حديث آخر (5) (نهى عن بيعه قبل أن


(1 و 2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 - 5 (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 14 - 15 - 16

[ 70 ]

يشقح ويقال يتشقح، والتشقيح هو الزهو أيضا) وقيل لا ينافى ذلك التعليق على الاطعام في بعض النصوص السابقة، والادراك في آخر، والبلوغ في ثالث، بعد إن كان رجوع الجميع إليهما، وفيه أن المشاهد خلافه بل اختلاف ذلك دليل على ما قلناه سابقا من الكراهة قبل بدو الصلاح، ولعلها تختلف باختلاف مراتبه شدة وضعفا. وعلى كل حال فقد عرفت أن المعروف تحقق بدو الصلاح بذلك، لكن زاد المصنف هنا والفاضل في الارشاد فقالا: بدو الصلاح ذلك (أو أن يبلغ مبلغا يؤمن عليها العاهة) ولم نجده لغيرهما، وإن حكي تفسير بدو الصلاح به بلفظ القيل، مع أنه على فرض وجوده غير ما فيهما، ولعله للجمع بين ما عرفت وبين خبر أبى بصير (1) السابق المؤيد في الجملة يخبر على بن جعفر (2) عن أخيه عليه السلام (سألته عن بيع النخل أيحل إذا كان زهوا قال: إذا استبان البسر من الشيص حل بيعه وشراؤه) وبالنبويين العاميين (3) (أحدهما لا تبتاعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها، قيل وما بدو الصلاح ؟ قال: تذهب عاهتها ويخلص رطبها) والاخر (4) (نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة) الا أنه لم يحصل شرط الجمع من المقاومة المفقودة هنا من وجوه، والشاهد المعتبر، مضافا إلى قوة احتمال كون الاحمرار والاصفرار بهما يحصل الامان، واحتمال إرادة الظهور من أمن الافة فلا ينافي حينئذ اشتراط ذلك بعد بدو الصلاح المفسر بما عرفت، وإلى إجمال المراد به، أللهم إلا أن يقال: بأن المرجع فيه العادة، وربما حد في النبوية العامية (5) بطلوع الثريا الذي نفى الاعتبار به في محكي الخلاف، والله أعلم. (و) على كل حال ف‍ (إذا أدرك بعض ثمرة البستان) المتحدة وبد اصلاحه ولم يدرك الاخر بعد أن كان ظاهرا (جاز بيع ثمرته أجمع) بناء على اعتبار بدو الصلاح في الجواز بلا خلاف أجده فيه، بل عليه الاجماع، منقولا مستفيضا إن لم يكن محصلا، سواء كان متحد النوع أو مختلفة، للاصل السالم عن المعارض، بعد تنزيل ما دل على المنع


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب بيع الثمار الحديث 12 - 17 (3 و 4) سنن البيهقى ج 5 ص 300 الجامع الصغير ج 2 ص 192 طبع عبد الحميد احمد حنفى (5) سنن البيهقى ج 5 ص 302

[ 71 ]

على غير المفروض، سيما إذا كان البعض المدرك مما يصدق معه بدو صلاح الثمرة، المعلوم عدم إرادة الجميع منه، ولصحيح يعقوب ابن شعيب (1) عن الصادق عليه السلام (إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة، فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها أجمع) وصحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام (تقبل الثمار إذا تبين لك بعض حملها سنة وإن شئت اكثر، وإن لم يتبين لك حملها فلا تستأجره) وخبر البطائني (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل إشترى بستانا فيه نخل وشجر، منه ما قد أطعم، ومنه ما لم يطعم ؟ قال: لا بأس إذا كان فيه ما قد أطعم) بناء على إرادة ثمرة البستان منه، والمرسل (4) كالموثق (المسئول فيه عن بيع الثمرة قبل أن تدرك فقال: إذا كان في تلك الارض بيع له غلة قد ادركت، فبيع كله حلال) إلى غير ذلك من ذيل خبر أبى الربيع (5) ونحوه، مضافا إلى ما قيل من أنه لا إشكال في بيع ما بدا صلاحه، لحصول الشرط، أو غيره أيضا لضمه إليه، وقد عرفت عدم الاشكال والخلاف في جواز بيع الثمرة الظاهرة مع الضميمة، فيندرج حينئذ مفروض المسألة فيها، خصوصا بعد ما عرفت من عدم اعتبار المتبوعية في هذه الضميمة، وأنها ليست كضميمة المجهول. لكن قد يناقش في تناول دليل الضميمة لمثل المقام على وجه يخرجه عن إطلاق أدلة المنع على فرض شموله، وحينئذ ينبغى الاقتصار في الاستدلال على ما ذكرناه أولا. لكن لا ينبغى التأمل في صدق الضميمة لو ضمها إلى بستان أخرى لم يبدو صلاحها إلا أن المصنف، قال (ولو أدركت ثمرة بستان لم يجز بيع ثمرة البستان الاخر ولو ضم إليه) وفاقا لمحكى الخلاف والمبسوط، بل عن الاول الاجماع عليه، ومقتضاه حينئذ عدم تناول الضميمة لمثل ذلك، وعدم تناول نصوص الصحة المتقدمة آنفا له أيضا،


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 2 - من ابواب بيع الثمار الحديث 1 - 4 - 3 - 2 (5) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 7

[ 72 ]

فيبقى مندرجا في إطلاق دليل المنع، وفيه - بعد تسليم الدعوى الاولى له الواضح منعها عليه، وتسليم تناول إطلاق دليل المنع لذلك، - منع عدم تناول المرسل المتقدم (1) المنجبر هنا بعمل الاصحاب كافة عدا من عرفت كما قيل. ومنه يعلم ما في دعواه الاجماع عليه، ولعله لذا قال بعد ذلك (وفيه تردد) بل كان الاولى الجزم بالصحة، لما عرفت، واما موثق عمار (2) (عن ابى عبد الله عليه السلام سئل، عن الفاكهة متى يحل بيعها ؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضوع واحد فأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فان كان أنواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها، ثم يباع تلك الانواع) فمع اشتماله على ما لا يقول به أحد من الطائفة، من اشتراط إتحاد النوع بادراك البعض في صحة بيع الجميع، وتشويش متنه، إنما يدل بالمفهوم، وهو قاصر عن معارضة الادلة من وجوه، فلا ريب حينئذ في أن الاصح الجواز هذا كله في ضم الثمرة الظاهرة ولم يبدو صلاحها إلي ما بدا بناء على اشتراطه، وإلا فيجوز بدونه. اما المتجددة ففي الغنية (يجوز بيع الثمرة الموجود بعضها المتوقع وجود باقيها عندنا وعند مالك) وفي القواعد ولو ظهر بعض الثمر فباعه مع المتجددة في تلك السنة، صح سواء اتحدت الشجر أو تكثرت، وسواء اختلف الجنس أو اتحد) وفي التذكرة (يجوز عندنا بيع الثمار بعد بدو صلاحها مع ما يحدث بعدها في تلك السنة، أو سنة أخرى، وبه، قال مالك) وفي الدروس (ويجوز اشتراط المتجددة من الثمرة في تلك السنة و غيرها، مع حصر السنين، سواء كان المشترط من جنس البارز أو غيره، ولو شرط ضم ما يتجدد من بستان آخر عاما أو عامين احتمل الجواز) وظاهر اللمعة كونه من المسلمات، لانه قال: (ويجوز بيع الخضر بعد انعقادها لقطة ولقطات، كما يجوز بيع الثمرة الظاهرة وما يتجدد في تلك السنة وفي غيرها) أي مع ضبطه السنين، وفي الروضة (لان الظاهر منها بمنزلة الضميمة إلى المعدوم، سواء كانت متجددة من جنس الخارجة


(1) (2) الوسائل الباب - 2 - من ابواب بيع الثمار الحديث 3 - 5

[ 73 ]

أم غيره. وفيه أن الاصح عدم الاكتفاء في صحة بيع المعدوم بالضميمة إليه، فينبغي التعليل في المتجدد من ثمرة الشجر الذي فرض ظهور ثمرته، بأنه لا ينقص عن بيع ثمرته في السنة الاخرى مثلا، فلا يقدح حينئذ انعدامها، وبظهور بعض النصوص السابقة فيه، بل وفي غيره مما لم تخرج بعد ثمرته، فالتوقف فيه حينئذ بأنه معدوم ولا تجدى فيه الضميمة في غير محله، بعد ما سمعت من صحيح الحلبي السابق (1) بل والمرسل (2) وذيل خبر ابى الربيع (3) مضافا إلى نصوص الخضر (4) إلا أنه ينبغى الاقتصار في ذلك على المتقين، وهو البستان الواحدة، أما المتعدة فالاحوط أن لم يكن الاقوى عدمه، للاصل وغيره، ولذا جعل في الدروس الجواز احتمالا، فتأمل جيدا والله أعلم. (واما الاشجار) فظاهر النصوص والفتاوى إتحاد حكمها مع النخل، بالنسبة إلى البيع قبل الظهور وغيره، ومن هنا جعل في التحرير وظاهر الدروس كما عن غيره موضوع الاحكام السابقة، الثمرة، لا خصوص ثمرة النخل، بل صرح أولهما بأن النخل والشجر في الحكم سواء، بل صرح في التذكرة وجامع المقاصد ومحكي الايضاح بأن الخلاف في بيع ثمر الشجر قبل الظهور أزيد من عام كما في النخل، بل صرح في الاول بالاجماع على عدم جواز بيعها عاما واحدا قبل الظهور كالنخل. وبالجملة لا يخفى على من تأمل نصوص المقام وفتاوى الاصحاب ظهور إتحاد الحكم فيها، لكن ربما نقل عن العلامة الفرق بين ثمرة النخل وثمرة غيره، فجوز بيع الاولى بعد ظهورها قبل بدو الصلاح عامين، ومنعه في الثانية، وفيه أن الذي وقفنا عليه من كلامه صريح في خلافه. وكيف كان فمقتضى ما ذكرنا أنه لا خلاف في عدم جواز بيعها قبل الظهور عاما،


(1 و 2) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الثمار الحديث 4 - 2 (3) الوسائل الباب 1 من ابواب ببيع الثمار الحديث 7 (4) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار

[ 74 ]

وفي التذكرة (الاجماع عليه) وفى العامين والضميمة ما عرفت، ولا خلاف أيضا في بيعها بعد الظهور قبل البدو بناء على انفكاكهما فيها بشرط القطع، أو الضميمة أو عامين، أما بدون ذلك ففيه البحث السابق، وحينئذ يتجه للمصنف أن يقول (لا يجوز بيعها حتى يبدو صلاحها) بعد تقييده في صورة الظهور بما تقدم، لما سمعته من كلامه في غير اشتراط القطع، بناء على ما عرفت من اختياره (وحده) أي بدو الصلاح فيها (ان ينعقد الحب ولا يشترط زيادة عن ذلك على الاشبه). بل عن الكفاية أنه أشهر، لكن في معقد شهرة التنقيح إضافة تناثر الورد إليه، و ظاهره أو صريحه أنه مراد من لم يضفه إليه، ولذا جعل في المسألة قولين، هذا أحدهما، و الثاني ما تسمعه من عبارة المبسوط، ونحوه ما في غاية المرام ومحكى إيضاح النافع، إلا أنه خص الشهرة بالمتاخرين في أولهما، ويؤيده أنا لم نجد في النصوص ما يشهد للاطلاق، إذ ليس إلا خبر ابن شريح (1) (وبلغني أنه قال في ثمر الشجر: لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته، فقيل: وما صلاح ثمرته ؟ فقال: إذا عقد بعد سقوط ورده) وموثق عمار (2) (سألته عن الكرم متى يحل بيعه ؟ قال: إذا عقد وصار عقودا، والعقود، اسم الحصرم بالتبطية) كما قيل: والثانى في خصوص الكرم، والاول قد اعتبر فيه تناثر الورد، فيقوى حينئذ إتحاد القولين، خلافا للمسالك وغيرها، ولعل الانعقاد إنما يكون بعد تناثر الورد كما هو ظاهر الخبر. وحينئذ ينحصر الخلاف فيما عن المبسوط والمهذب، قال في أولهما (بدو الصلاح يختلف، فان كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو الصلاح فيما حصول هذه الالوان، وإن كانت مما تبيض، فبأن تتموه، وهو أن يتموه فيها الماء الحلو ويصفو لونها، وإن كانت مما لا تتلون مثل التفاح، فبأن يحلو ويطيب أكله، وإن كان مثل البطيخ فبأن يقع فيه النضج، قال،: وقد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة، فأما ما يتورد فبدو صلاحه أن ينتثر الورد وينعقد، وفي الكرم أن ينعقد الحصرم، وإن كان مثل القثا


(1 و 2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 13 - 6

[ 75 ]

والخيار الذي لا يتغير طعمه، ولا لونه، فان ذلك يؤكل صغارا، فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه). وهو إن كان قد يشهد له نصوص الاطعام والبلوغ والادراك، إلا أنه - بعد اعترافه بكون رواية أصحابنا خلافه، وقد عرفت أيضا أن عملهم على ذلك، - لا ينبغى الالتفات إليه، سيما بعد أن حكاه في الذكرة عن الشافعي الذي قد جعل الله الرشد في خلافه، وليس المراد من نصوص الاطعام والادراك والبلوغ، (1) بيان أول مرتبة بدو الصلاح، بل يقوى في النفس ما ذكرناه سابقا من أن هذه غايات لرفع كراهة البيع قبلها، المختلف شدة و ضعفا باختلافها كاختلاف الخصومة التى قد عرفت سابقا أنها سبب النهي عن البيع قبل بدو الصلاح. ومن ذلك يعرف ما في المحكي عن السرائر أيضا، قال: " بدو الصلاح في ثمرة النخل الحمرة والصفرة، وما عداها فحين يتموه فيها الماء الحلو، ويصفر لونها وقال: ولا يعتبر التلون والتموه والحلاوة عند أصحابنا، إلا في ثمرة النخل خاصة، وإن كانت الثمرة مما تتورد، فبدو صلاحها أن ينتثر الورد وينعقد، وفي الكرم أن ينعقد الحصرم، و إن كان غير ذلك فحين يحلو ويشاهد، وقال بعض المخالفين: إن كان مثل القثا والخيار لا يتغير طعمه ولا لونه، فبدو صلاحه أن يتناهى عظم بعضه، قال،: وقد قلنا إن أصحابنا لم يعتبروا بدو الصلاح إلا فيما اعتبروه من النخل والكرم، وانتثار الورد فيما يتورد ويمكن ارجاعه إلى المشهور، بل يمكن إرجاع كلام الشيخ إليه على إرادة أن ما ذكره لغيرنا، فتأمل. وعلى كل حال فقد عرفت أن الموجود في النص الانعقاد من دون ذكر الحب، وبه عبر في اللمعة، بل وما سمعت من عبارتي المبسوط والسرائر، والظاهر إرادة انعقاد الثمرة، فان كانا متلازمين وإلا فالتعبير به أولى وأعم، لعدم الحب في بعض الثمار هذا و في المسالك وغيرها أنه على ما اختاره المصنف من تفسير بدو الصلاح يتحد وقت الظهور


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار

[ 76 ]

وبدو الصلاح، إذ ليس بينهما واسطة، أي فلا تظهر فائدة حينئذ للقولين السابقين في النخل، وإنما تظهر فائدتهما لو قلنا بتأخر بدو الصلاح عن الظهور. قلت: قد يمنع اتحادهما على تفسير المصنف أيضا، خصوصا بعد أن عرفت أنه هو المراد من القول الثاني، فلاحظ وتأمل، ويؤيده أن الفاضل في التذكرة مع قوله فيها بأن بدو الصلاح في ثمرة الاشجار الانعقاد، قال: (يجوز بيعها بعد الظهور قبل البدو سنة وسنتين مع الضميمة إلى الاصول وغيرها) وقد سمعت سابقا دعواه الاجماع على عدم جواز بيعها قبل الظهور سنة. (و) كيف كان ف‍ (هل يجوز بيعها سنتين فصاعدا قبل ظهورها قيل:) و القائل الصدوق وبعض متأخرى المتأخرين (نعم) بناء على اتحاد الحكم فيها مع النخل (والاولى المنع) بل هو الاصح (لتحقق الجهالة) كما عرفت البحث فيه في النخل سابقا مفصلا، وربما استشعر من قوله هنا الاولى الجواز كقوله المروي هناك، و التحقيق ما سمعت. (وكذا) الخلاف فيما (لو ضم إليها شيئا) وباعه معها عاما من (قبل انعقادها) بناء على إرادة الظهور منه فالبحث في صحته حينئذ نحو ما سمعته في النخل إلا أن المصنف لم يذكره هناك، فيستفاد منه حينئذ أولوية المنع في المقامين على تقدير عدم الفرق بينهما، واحتمال إرادته بعد الظهور قبل الانعقاد الذي هو بدو الصلاح بناء على تأخره عنه يدفعه أن مقتضاه حينئذ الفرق بين النخل والشجر، إذ لا خلاف في جواز بيع الثمرة الاول قبل بدو الصلاح مع الضميمة كما سمعت، وقد عرفت اتحاد الحكم فيهما فتوى ونصا. ومن الغريب ما في المسالك هنا من أن الاجود المنع، وموضعه ما لو كانت الضميمة غير مقصودة بالبيع، بحيث تكون تابعة أوهما مقصودان، أما لو كانت الضميمة مقصودة والثمرة تابعة صح كما مر، إذ فيه أن المفروض قبل الانعقاد الذي هو الظهور، وبدو الصلاح عنده والضميمة لا تجدى في جواز بيع المعدوم وقياس هذا الضميمة إلى المجهول قد

[ 77 ]

عرفت أنه مع الفارق: نعم يتجه الجواز هنا بالضميمة، بناء على اختلاف حالي الظهور والانعقاد على نحو ما سمعته في ثمرة النخل إذا ظهرت ولم يبدو صلاحها والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا انعقد) ثمر الشجر (جاز بيعه مع أصوله) بلا خلاف (ومنفردا) كذلك بناء على أنه هو بدو الصلاح (سواء كان) الثمر (بارزا) مشاهدا (كالتفاح والمشمش والعنب أو في قشر يحتاج إليه لادخاره كالجوز في القشر الاسفل، وكذا اللوز، أو في قشر لا يحتاج إليه كالقشر الاعلى للجوز والباقلا الاخضر والهرطمان والعدس) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، وفي التذكرة الاجماع عليه اعتمادا في ذلك كله على أصل السلامة، خلافا للشافعي فلم يجوز بيع ذى القشر الاعلى كالجوز واللوز إلا بعد نزع القشر الاعلى سواء كان ذلك على الشجر أو وجه الارض ولا ريب في ضعفه. (وكذا) البحث في (السنبل) أي لا يجوز شراؤه قبل الظهور وانعقاده الذي هو بدو صلاحه ويجوز بعده (سواء كان بارزا كالشعير أو مستترا كالحنطة، منفردا أو مع أصوله، قائما وحصيدا) للاصل السالم عن المعارض، وأما شراء الزرع قبل أن يسنبل، فلا إشكال بل ولا خلاف معتد به في جواز شرائه مع اشتراط التبقية، أو القصل أو بدونهما للاصل والنصوص المستفيضة المعتبرة (1) خلافا لما عن الصدوق في باب المزارعة، فلم يجوز بيع الزرع قبل السنبل الا مع القصل يعلفه للدواب، وتسمع البحث فيه انشاء الله عند تعرض المصنف له، والله أعلم. (وأما الخضر) كالقثا والباذنجان والبطيخ والخيار (فلا يجوز بيعها قبل ظهورها) إجماعا على الظاهر كما قيل، وفي الحدائق (الظاهر أنه لا خلاف فيه لانها معدومة، وللجهالة والغرر، وفحوى نصوص النخل والاشجار (2) مضافا إلى ما في موثق


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار (2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار

[ 78 ]

سماعة (1) سألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات ؟ فقال: إذا رأيت الورق في شجره فاشتر منه ما شئت منه من خرطة) وبه يقيد خبر معاوية بن ميسرة (2) (قال: سألته عن بيع النخل سنتين قال: لا بأس به، قلت: فالرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها ؟ قال: لا بأس به، قال: ثم قال: كان أبى عليه السلام يبيع الحنا كذا وكذا خرطة) بل بناء على إرادة بيع النخل الظاهرة ثمرته في السنة الاولى، لعدم الجواز بدونه يقوى إرادة ذلك أيضا في الرطبة، وكذا يقيد ما في صحيح بريد السابق (3) لما سأل أبا جعفر عليه السلام (عن الرطبة تباع قطعة أو قطعتين أو ثلاث قطعات ؟ فقال: لا بأس) الحديث (و) منه وما تقدمه يعلم أنه (يجوز) بيع الخضر (بعد انعقادها) وإن لم يتناهى عظم بعضها، بلا خلاف أجده فيه، بناء على أنه مبدء إصلاحها دونه، أو أنه به يتحقق الظهور، ولم نشترط الجواز بالبدو ومشاهدتها، فلو كانت مستورة في الارض كالجزر والثوم ونحوهما لم يجز للجهالة كما صرح به الفاضل في جملة من كتبه، بل نسبه في الدروس إلى جماعة، لكنه حكى فيها عن أبي علي جوازه، واختاره هو تحكيما للعرف، قال: وأولى بالجواز الصلح، و فيه منع تحكيم العرف في ذلك بعد أن لم يكن مرئيا ولا موصوفا، كما اعترف به في جامع المقاصد، بل قال: لا يجوز بيعا بل ولا صلحا، وهو متجه بناء على عدم اغتفار مثل هذه الجهالة في الصلح. نعم يمكن القول بالصحة لو ضم ما ظهر من ورقه مثلا إليه، بناء على جواز بيع المجهول إذا ضم معلوم إليه الا أن المتجه التفصيل بالقصد وعدمه، بناء عليه في الضميمة، وبالجملة يجري عليه حكمها، ولكن المسألة لا يخلو بعد من إشكال، أما إذا كانت الخضرة ظاهرة ومنعقدة، فلا إشكال في جواز بيعها، (لقطة واحدة ولقطات)


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 (2) ذكره صدره في الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 11 وذيله في الباب 4 الحديث 3 (3) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 79 ]

معلومة والمرجع في اللقطة إلى العرف، ومع فرض الشك فيه يبقى على ملك المالك، (وكذا) يجوز بيع (ما يقطع فيستخلف كالرطبة والبقول جزة و جزات وكذا ما يخترط كالحنا والتوت) بالتائين المثناتين خرطة وخرطات، بل قيل: على الاول تنزل عبارتا النهاية والسرائر، (لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها، لان مختارهما في الكتابين أن بدو الصلاح الانعقاد وتناثر الورد، وأما ما عن المبسوط من نحو ذلك، فينبغي تنزيله على مختاره فيه الذي قد سمعته، بل حكي عنه التصريح هنا بأنه إذا باع حمل البطيخ والقثا والحنا بعد ظهوره قبل بدو صلاحه بشرط القطع جاز. وإن شرط التبقية أو مطلقا لم يجز، ونحوه عن القاضي. نعم ما في الوسيلة من نحو ذلك أيضا يمكن أن يكون موافقا للمشهور، لاحتمال أن مختاره في بدو الصلاح مختارهم، وما في المقنعة ومحكي المراسم من أنه يكره بيع الخضروات قبل أن يبدو صلاحها، يمكن أن يكونا موافقين للشيخ في الموضوع دون الحكم الذي قد عرفت في النخل والشجر صحته، وأنه لا يشترط بعد الظهور بدو الصلاح، وما نحن فيه مثله على الظاهر، فيجرى فيه ما تقدم سابقا فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فلا يقدح إنعدام ما عدا الاولى بعد ضمها إليها كالمتجدد من الثمرة في السنة أو في القابل إلى الثمرة الظاهرة، ولا اشعار في عبارة المتن باشتراط الوجود في جميع اللقطات، وان خص الجواز بالانعقاد، الا أن مراده ولو بالاولى نحو قوله في ثمرة النخل وغيره نعم لا يجوز بيع الثانية والثالثة مستقلة إذ هي كالاولى قبل ظهورها، لكن عن أبى حمزة يجوز بيع الرطبة وأمثالها الجزة أو الثالثة أو جميعها، ولا ريب في ضعفه إن أراد ذلك، نعم قد يقال: يجوز بيع ذلك قبل ظهوره إذا انضم إلى ما ظهر من الخضراوات نحو ما قلناه في الشجر، بل المرسل السابق (1) الذي هو كالموثق شامل للمقام، فلاحظه، بل يمكن الاكتفاء فيه بضمه إلى ما ظهر من ثمر النخل أو الشجر، لاطلاق المرسل السابق، كما أنه يكتفى بظهور الخضروات في البستان عن ظهور ثمرات أشجارها


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الثمار الحديث 2

[ 80 ]

فتكون هي حينئذ كثمرة الشجرة بل لعله المراد من ذيل خبر أبي الربيع السابق (1) بل يمكن إرادة ذلك من الرطبة والبقل في موثق سماعة (2) المتقدم آنفا دليلا لمطلق الجواز مع الضميمة، إلا أنه ينبغى الاقتصار في ذلك على ما في الحائط الواحد أخذا بالمتقين. (و) كيف كان فحيث (يجوز بيعها) يجوز (منفردة ومع أصولها) بل لا يعتبر في الثاني بدو الصلاح عند القائل به، بناء على أنه غير الظهور، إذ هي حينئذ كثمر النخل والشجر، وكذا ضم غير الاصل (ولو باع الاصول) قبل الظهور الثمرة جاز مع الاطلاق وبشرط التبقية والقطع، إذ هو كالزرع وكأصول الاشجار ولا فرق في ذلك بين ظهور الورد فيها وعدمه، بل الظاهر جواز بيع الورد الذى تتولد منه الثمرة مطلقا أو بشرط التبقية بناء على جوازه في ثمرة النخل والشجر لعدم الفرق بينهما أما مع شرط القطع أو الضميمة فلا ينبغى التأمل في الجواز كالثمرة أيضا، ولو باعها أي الاصول في الخضر وغيرها عدا النخل (بعد انعقاد الثمرة لم تدخل في البيع الا بالشرط) ونحوه بلا خلاف للاصل. نعم نظر في الدروس في تبعية ورق التوت والحنا والاس، قال: (وكذا قضيب ما اعتيد قضيبه (قضبانه خ) كالخلاف، مع أن الاقوى عدم التبعية أيضا إذا فرض كونه ثمرة معتدا به، ولم يكن هناك عرف يقتضى التبعية كما هو كذلك في ورق التوت في بلداننا بحسب هذه الازمنة. (و) على كل حال حيث لا تدخل (وجب على المشترى ابقاؤها) مجانا (الى أوان بلوغها) إن كان المعتاد قطعها عنده والا فقبله، وهو مختلف إذ منه ما يؤخذ بسرا مثلا ومنه رطبا ومنه تمرا ومنه عنبا، ولا يقدح عدم ضبطه بما لا يقبل الزيادة والنقصان بعد ان لم يكن أجلا مضروبا في العقد وانما هو كالحكم الشرعي الثابت من اطلاق الادلة الذي لا ريب في ظهوره في بقاء الثمرة إلى أوان صيرورتها كذلك، وخصوصا


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 7 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 81 ]

نصوص الزرع (1) بل ترك الاستفصال في غيرها مع معلومية كون المراد من السؤال شراؤها حال كونها بالغة مدركة كالصريح في ذلك، ومرجعه حينئذ إلى اغتفار عدم الضبط هنا وإن كان مقصودا للمتعاملين، لا أنه لم يقصداه أصلا وهو حكم شرعي تعبدي محض، لعدم الدليل عليه على هذا الوجه، ومن ذلك وغيره يعلم أنه لا وجه للمناقشة في الرياض، (بأنه لا دليل على وجوب التبقية المخالفة لاصالة حرمة التصرف في مال الغير واستناد البعض إلى استلزام كون الثمرة للبايع ذلك غير بين، وحديث نفي الضرر بالمثل معارض، فان كان إجماع أو قضاء عادة بذلك، وإلا فالامر ملتبس) وقد عرفت أنه لا التباس فيه سيما بعد شهرة الاصحاب، بل لم يعرف فيه خلاف باعتراف المناقش، ومن غريب ما اتفق له أنه هنا توقف في الحكم أشد توقف، حتى جعل الامر عليه ملتبسا، وقد تقدم له في باب الشروط أنه لا إشكال في الحكم المزبور. وكيف كان فلو اختلف العادة فالاغلب إذا كان بحيث ينصرف الاطلاق إليه، و مع التساوي احتمل وجوب التعيين، للغرر، والتنزيل على الادنى اقتصارا فيما خالف الاصل الدال على حرمة التصرف في مال الغير على المتيقن، والأعلى استصحابا للجواز، وكذا لو استثناها البايع أو اشتراها خاصة من دون الاصول مشتر، وربما ظهر من بعض نصوص الزرع (2) أن الخيار بيد من له الثمرة فان تم وإلا كان القول بالتعيين متجها، لعدم معلومية قصدهما الذي قد عرفت مدخليته، ولذا كان الحكم فيما لو اعتاد قوم على قطع الثمرة قبل أوان بلوغها تنزيل الاطلاق عليه، كما صرح به الفاضل وغيره، وكذا لو تعارف عندهم بقاؤها إلى ما بعد ذلك نزل عليه أيضا، لان الاعتياد المفروض كالقرينة على إرادتهما ذلك، إذ هو ظاهر في أن الحكم بالبقاء ليس تعبديا محضا، بل للقصد فيه مدخلية نعم الغى الشارع هنا اعتبار التعيين، فتأمل جيدا. ولكل من مشترى الثمرة وصاحب الاصل سقى الشجرة، مع المصلحة له، وانتفاء


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار (2) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار الحديث 9 - 10

[ 82 ]

الضرر عن الاخر، ولا يجب على البايع السقي، وإن وجب عليه التبقية المنصرف الاطلاق إليها، وما عداها إنماء لا يجب عليه، نعم يجب عليه التمكين منه مع الحاجة وعدم ضرورة، فلو تلفت يترك السقي فان لم يكن قد منع فلا ضمان عليه، وإن منع ضمن، وكذا لو تعيبت، ولو تضررا بالسقي معا منعا منه، ولو كان يضر أحدهما وينفع الاخر فقد تقدم للمصنف فيما يندرج في المبيع ترجيح مصلحة المشتري، إلا أنه فرض المسألة في بيع الاصول وبقاء الثمرة للمالك، والظاهر أنه لا فرق بين المقامين، فالتحقيق حينئذ ما تقدم هناك، كما أنه تقدم أيضا تحقيق الحال فيما لو استلزمت التبقية ضررا كثيرا على الاصول فلاحظ وتأمل. فان منه يعلم الحال أيضا فيما ذكره الفاضل هنا في القواعد (من أنه لو انقطع الماء لم يجب قطع الثمرة على مشتريها، وإن تضرر الاصل بمص الرطوبة) إذ ما ذكرناه سابقا وإن كان مفروضا في بيع الاصول وبقاء الثمرة للمالك كما هو المفروض، في كثير من كلمات الاصحاب، إلا أنك قد عرفت عدم الفرق بينهما عند التأمل، إذ ما وجه به البقاء - هنا من أن المشترى قد دفع ثمنه عن الثمرة وبقائها، وإطلاق العقد المنصرف إليه كالتصريح به، - والعدم بعدم انصراف الاطلاق إلى صورة الضرر الكثير ونحو ذلك - بعينه جار في صورة العكس كما هو واضح والله أعلم. (و) كيف كان ففي مفروض مسألة المتن جميع (ما يحدث بعد) تلك الثمرة الموجودة عند (الابتياع للمشتري) بلا خلاف ولا إشكال، لانها نماء ملكه، كما أنه لو باع الثمرة الموجودة خاصة كان جميع ما يحدث بعد للبايع لذلك، إلا أن الفرق بينهما أنه لو امتزجا في الصورة الاولى لم يتجه إلا الشركة، ولا فسخ لاحدهما ولا إنفساخ، للاصل السالم عما يقتضى أحدهما، أما الثانية ففي اللمعة (تخير المشترى بين الفسخ والشركة، ولو اختار الامضاء فهل للبايع الفسخ بعيب الشركة ؟ نظر، أقربه ذلك، إذا لم يكن تأخر القطع بسببه، وحينئذ لو كان الاختلاط بتفريط المشترى مع تمكين البايع وقبض المشترى، أمكن عدم الخيار، ولو قيل: بأن الاختلاط إن كان قبل القبض

[ 83 ]

تخير المشترى، وإن كان بعده فلا خيار لاحدهما كان قويا). قلت: هو الذي ذكره الفاضل في المختلف والتذكرة، إلا أنه قال في أولهما: (يفسخه الحاكم لتعذر التسليم) بل لم يذكر في الدروس غيره جازما به، واستحسنه في الروضة إن لم يكن الاختلاط قبل القبض بتفريط المشترى، وإلا فعدم الخيار له أحسن، لان العيب من جهته فلا يكون مضمونا على البايع، ولعله مراد غيره ولا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت كغيره من خيار الغبن ونحوه، بل لو بذل البايع الجميع لم يجب القبول، للاصل والمنة، بل لو قبله أمكن عدم سقوط الخيار وان زالت الشركة، اكتفاء بحصول السبب أولا، خلافا للمحكي عن الشيخ وابن البراج من أنه يقال للبايع: إما أن تسلم الجميع فإذا فعل أجبر المشتري وإن لم يسلم يفسخ الحاكم البيع، وهو أحد قولي الشافعي، و الاخر الانفساخ من أول الامر لتعذر التسليم، وضعفهما معا واضح، خصوصا الثاني الذي لا يتم إلا قبل القبض، مع أن تعذر التسليم ممنوع، ضرورة إمكانه ولو بدفع الجميع، كغيره من بيع المشترك. ومنه يعلم أن المتجه الصحة حتى لو علما الاختلاط من أول الامر، ولا يحتاج إلى اشتراط القطع، بل احتمل في التذكرة هنا الصحة على تقدير البطلان في الامتزاج، قال: (لان الثمرة الآن لا موجب للبطلان فيها، والامتزاج مترقب الحصول، فلا يؤثر في صحة البيع السابق) ومراده صحة العقد قبل الاختلاط، وإن بطل حينئذ بعد حصوله، بناء عليه فيه، وقد عرفت ضعفه، فلا ريب في أولوية التفصيل السابق منهما، مقيدا بما سمعته من الروضة. نعم يمكن المناقشة في دعوى ضمان البايع مثل ذلك قبل القبض، إذ هو من قبيل فوات صفات الكمال، والاصل في العقد اللزوم خصوصا إذا لم يكن من قبله، وأما ما ذكره أولا في اللمعة فهو مع اضطرابه واضح الضعف، إذ حاصله بعد تقييد أول كلامه بآخره أن الخيار لهما معا قبل القبض وبعده إذا لم يكن بتفريطهما، وإلا اختص به غير المفرط.

[ 84 ]

وفيه أنه لا وجه معتد به لخيار البايع المنافي لاصالة اللزوم بجناية المشترى أو غيره على ماله، كما أنه لا وجه لخيار المشتري بعد القبض بذلك من البايع وغيره كما هو واضح ومنه يعلم اطلاق ما في القواعد (من أن الاقرب مع مماحكة البايع ثبوت الخيار للمشتري بين الفسخ والشركة، ولا خيار لو وهبه البايع على إشكال) بل في كلامه نظر من وجوه اخر تظهر بأدنى تأمل، كظهوره فيما سمعته من المختلف من فسخ الحاكم، وكذا المبسوط، ونحوهما ما في الوسيلة من أنه إن اختلط ولم يتميز ولم يسلم البايع جميعه فسخ العقد بينهما، ثم على الاشتراك يجب أخذ قدر ما لكل منهما من الثمرة إن علماه و إن جهلا عينه، فان لم يعلما تخلصا بالصلح ولو تنازعا في القدر فالقول قول صاحب اليد منهما، إلا ان تشخيصه في الثمار مشكل، وللشافعية وجهان مبنيان على أن الجائحة من ضمان البايع أو المشتري، وثالث أنها في يدهما جميعا وضعف الجميع واضح، وفي التذكرة (أن الوجه كون اليد للمشتري إن كان البايع سلمه الثمرة بتسليم الاصل، وإن كان الاصول في يد البايع والثمرة في يد المشتري فهما صاحبا يد. قلت: اليد على الاصول لا تجدي فيما نحن فيه، مع أن الاصل أيضا موافق لصاحب الثمرة، لاصالة عدم زيادة المتجدد والله أعلم. (واما) البحث في (اللواحق فمسائل) (الاولى: يجوز) لبايع الثمرة (أن يستثني ثمرة شجرات، أو نخلات بعينها) بلا خلاف ولا إشكال بل الاجماع بقسميه عليه، وكذا استثناء عذق معين ونحوه نعم لو أبهم في شئ من ذلك بطل بلا خلاف بل في التذكرة الاجماع عليه للجهالة في المبيع حينئذ، ومنه الاجود أو الاردى إذا لم يكن معلوما بينهما على وجه يكون مشخصا، ويجوز له أيضا بلا خلاف (و) لا إشكال (ان يستثنى حصة مشاعة) كالثلث (أو) الربع، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا، بل المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة أنه يجوز له أيضا ان يستثنى (ارطالا) مثلا (معلومة) بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل عن

[ 85 ]

الخلاف الاجماع عليه، للاصل وصحيح ربعى (1) المتقدم سابقا وخبره الاخر (2) (في الرجل يبيع الثمرة، ثم يستثنى كيلا وتمرا ؟ قال: لا بأس به قال: وكان مولى له عنده جالسا فقال المولى: إنه ليبيع ويستثنى أو ساقا يعنى أبا عبد الله عليه السلام، قال: فنظر إليه ولم ينكر ذلك من قوله) خلافا لابي الصلاح منا، والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل من غيرنا، فلم يجوزوه، لادائه إلى جهالة مقدار المبيع من المشاهد الذي طريق معرفته المشاهدة، كما لو استثنى مشاهدا من الموزون الذى طريق اعتباره الوزن، بأن باعه الموزون مستثنيا منه مشاهدا غير موزون، وهو إجتهاد في مقابلة النص، المعتضد بما سمعت، وبعدم تحقق الجهالة في مثله عرفا، سيما بعد أن كان مرجع هذا الاستثناء إلى حصة مشاعة نسبتها إلى المجموع نسبة الارطال المعلومة إليه، وجهالة مقدارها في ذلك الوقت بعد أن كانت مضبوطة بما لا يقبل الزيادة والنقصان غير قادح، كما لو باعه صاعا من الصبرة على هذا الوجه، بل الظاهر الصحة لو باع مختلف الاجزاء كالارض و نحوها مستثنيا منها أذرعا مخصوصة على إرادة النسبة المزبورة، فتأمل جيدا. ومنه يعلم وجه ما ذكره المصنف (و) غيره من أنه (لو خاست الثمرة سقطت من الثنيا) إذا كانت حصة مشاعة أو أرطالا معلومة (بحسابه) بل لا أجد فيه خلافا بينهم نعم لهم بحث سابق في بيع الصاع من الصبرة، وقد اعترف في الدروس هنا بأنه قد يفهم من هذا التوزيع، تنزيل شراء صاع من الصبرة على الاشاعة، لكن في الروضة (أنه قد تقدم ما يرجح عدمه ففيه سؤال الفرق) قلت: قد مر لنا خلاف ذلك، وأن الراجح تنزيله على الاشاعة، بل قلنا: هناك لو صرح بعدم إرادة الاشاعة، أمكن بطلان البيع، لان بيع الكلي ما لم يكن في الذمة أو منزلا على الاشاعة، يتحقق به الجهالة. وقد يؤيده ما في التذكرة هنا من أنه لو صرح بارادة الاستثناء مما يسلم من الثمرة


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 4 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 86 ]

أمكن بطلان البيع، أللهم إلا أن يستند في مسألة الصاع إلى خبر الاطنان (1) أو غيره مما مر تحقيقه هناك، فلاحظ وتأمل ما أسلفناه هناك، فانه نافع في المقام بالنسبة إلى غير ذلك أيضا، حتى بالنسبة إلى اشتراط صحة بيع الصاع من الصبرة، بالعلم باشتمالها عليه وعدمه، وإن كان الظاهر عدم الصحة في المقام، مع عدم العلم، للشك في أصل وجود المبيع، لاحتمال الاستغراق، تنزيلا لاطلاق النص والفتوى على المعهود ما يعلم فيه عدم الاستغراق مع احتماله هنا، وتكون الصحة مراعاة كما أن النقص هناك يجبر بالخيار، إلا أنه ضعيف جدا، خصوصا بناء على أن مدرك الصحة النص السابق، وأنه لولاه لكان باطلا للجهالة، فتأمل. والظاهر أنه لا فرق في استثناء الارطال بين وجود الثمرة وبين عدمها كما لو باعه ثمرة سنتين مستثنيا الارطال، للاطلاق ولا ينزل اشاعة السنة الثانية على نسبة السنة الاولى لاختلافها، بل كل منهما على نسبتها، ولو لم يخرج في السنة الثانية الا مقدار المستثنى فما دون، ففي الصحة والبطلان وجهان ينشئان من تنزيل ذلك منزلة ما لو خاست الثمرة وعدمه، وعلى الاول يقدر لها حينئذ ثمرة العادة وينسب لها الارطال الموجودة، فيستحق المشتري على حسب تلك النسبة، لكنه كما ترى لا يخلو من بعد، بل ينقدح منه احتمال صحة استثناء الارطال في الثمرة المشاهدة دون غيرها. ثم انه قد صرح غير واحد بأن طريق معرفة الاشاعة في مسألة الارطال تخمين الفائت بالثلث والربع مثلا ثم تنسب الارطال إلى المجموع، ويسقط منها بالنسبة، لكن قد يقال: إن التخمين ان صح الاعتماد عليه باعتبار إنحصار الطريق فيه، فهو بالنسبة إلى الفائت، أما نسبة الارطال فيمكن معرفتها على التحقيق، فلا ينبغى الاكتفاء فيها بالتخمين بل الاولى الرجوع إلى الصلح بعد معرفتها أيضا لعدم الدليل على الاكتفاء بالتخمين الذي يمكن أن يكون محلا للنزاع، وربما يتعسر معرفته في بعض الاحوال أو يتعذر هذا.


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث 1

[ 87 ]

وقد قيد ثاني المحققين والشهيدين وغيرهما نحو إطلاق المتن بما إذا كان التلف بغير تفريط، قيل: والمراد إنه إذا كان بتفريط المشتري مثلا اختص التالف به، قلت: الظاهر ارادة اختصاص الضمان به، وإلا فلا ريب في أن التالف على كل تقدير يكون منهما، بناء على الاشاعة المزبورة، لعدم ما يقتضى اختصاص التالف أو الباقي باحدهما، فلا فرق حينئذ في ذلك بين كون التلف منهما أو من أجنبي أو من آفة سماوية، فيكون الاطلاق حينئذ صحيحا، أللهم إلا أن يدعى عدم جريان حكم الاشاعة لو كان التلف من أحدهما أو خصوص المشتري وهو كما ترى: المسألة (الثانية: إذا باع ما بدا صلاحه) مثلا (فأصيب) الكل بآفة من الله سماوية أو أرضية (قبل قبضه) الذي هو التخلية (كان من مال بايعه) كغيره من أفراد المبيع للعموم وغيره مما تقدم في محله، والظاهر الحاق النهب والسرقة ونحوهما مما لا يكون المتلف فيه شخصا معينا، بها لا بتلف الأجنبي الذي ستعرف أنه مسلط على الخيار، دون الانفساخ، لصدق التلف بها وقد سمعت ما في خبر عقبة (1) من السرقة، و في التذكرة هنا (لا فرق بين أن يكون التلف بأمر سماوي كالريح والثلج والبرد أو بغير سماوي كالسرقة والحرق) إلا أن الظاهر إرادة التعريض به على خلاف أحمد، من أنها ان تلفت بأمر سماوي كان من ضمان البايع، وإن تلفت بنهب أو سرقة كان من ضمان المشتري فتأمل جيدا. (وكذا لو أتلفه البايع) مباشرة أو تسبيبا لاولويته من التلف بالافة، لكن ظاهره الانفساخ قهرا به كالافة، ولم أعرفه إلا للمحكي عن الشيخ في مبسوطه ومحتمل الايضاح، لصدق التلف وهو جيد، إلا أن الفرق بينه وبين تلف الاجنبي غير واضح، ومن هنا كان المعروف بين المتأخرين الحاقه به، فيتخير المشترى بين الفسخ ومطالبة البايع بالمثل أو القيمة.


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1

[ 88 ]

(وإن أصيب البعض) انفسخ العقد فيه بلا خلاف فيه بيننا، و (أخذ السليم بحصته من الثمن) وكان له خيار التبعيض، بل في التحرير (إن اختار الامساك فالاقرب تخير البايع) وهو لا يخلو من نظر (ولو أتلفه أجنبي كان المشتري بالخيار بين فسخ البيع، وبين مطالبة المتلف) بلا خلاف أجده، فيه، جمعا بين ما دل على ضمان البايع، وعلى ضمان من أتلف مال غيره، ولا ينحصر المراد بضمان البايع في الانفساخ قهرا الذي على تقديره هنا تلغو قاعدة ضمان المتلف، فلابد حينئذ من إرادة الفسخ الاختياري هنا، من ضمان البايع ولو لوجوب التسليم عليه، وقد تعذر، ومن ذلك يظهر لك قوة الخيار في اتلاف البايع، لا الانفساخ فتأمل جيدا، لما تقدم سابقا منا من التوقف في اقتضاء مثل هذا التعذر الموجب ضمانا على الغير الخيار. (ولو كان) التلف للكل أو البعض بآفة أو من أجنبي (بعد القبض وهو التخلية) مطلقا أو في نحو الثمرة التي هي حال كونها على الشجر من غير المنقول، (لم يرجع على البايع بشئ على الاشبه) باصول المذهب وقواعده، لخروجه عن ضمانه بالقبض، فلا انفساخ حينئذ ولا فسخ، لكن في المحكي عن المبسوط وإن قلنا أنه ينفسخ في مقدار التلف أي بالافة كان قويا. وفي المسالك (ذهب بعض الاصحاب إلى أن الثمرة على الشجرة مضمونة على البايع، وإن اقبضها بالتخلية نظرا إلى أن بيعها بعد بدو الصلاح بغير كيل ولا وزن على خلاف الاصل، لان شأنها بعده النقل، والاعتبار بالوزن أو الكيل، وإنما أجيز بيعها كذلك للضرورة، فيراعى فيها السلامة ؟) قلت: لم نعرف القائل بذلك منا نعم حكاه في التذكرة عن الشافعي في القديم معللا له بأن التخلية ليست بقبض صحيح، ولهذا لو عطشت الثمرة كان من ضمان البايع إذا تلفت وهو كما ترى، تعليلان عليلان، فلا ريب في أن المتجه ما ذكرنا، بل لو أتلفه البايع أيضا لم يثبت للمشتري فسخ ولا انفساخ، لعدم الدليل وإن رجع عليه بالمثل أو القيمة كالاجنبي. (ولو أتلفه) أي المبيع (المشتري في يد البايع استقر العقد، وكان الاتلاف

[ 89 ]

كالقبض، وكذا لو اشترى جارية وأعتقها قبل القبض) فانه بمنزلة القبض منه، ضرورة ظهور ما دل على ضمان البايع في كونه ارفاقا بحال المشتري، فلا يشمل ما إذا كان هو المتلف، وفي المسالك (إن إتلاف المشتري للمبيع في يد البايع أعم من كونه باذن البايع وعدمه، فان كان باذنه فهو قبض تترتب عليه أحكامه مطلقا، وإن كان بغير إذنه كما هو الظاهر فهو قبض من حيث انتقال الضمان إلى المشتري، وإن تخلف عنه باقى الاحكام والفرض هنا إنتقال الضمان، وإنما شبه الاتلاف بالقبض ولم يجعله قبضا لان الاتلاف قد يكون بالتسبيب، فيكون في حكم القبض خاصة، وقد يكون بمباشرة المتلف فيكون قبضا حقيقة) قلت: مقتضى التفصيل الاخير، عدم مراعاة الاذن في تحقق القبض وعدمه، ومقتضى التفصيل الاول عدم مراعاة المباشرة وعدمها، على أن قد سمعت في المباحث السابقة ما في التذكرة من عدم تحقق القبض بالاتلاف لو كان جاهلا ولو مع المباشرة، فلاحظ ما أسلفناه سابقا وتأمل. وكيف كان ففي حواشي الشهيد هنا (أن الاقسام أربعة عشر، لان التلف إما من البايع والمشتري أو من غيرهما، أو من البايع خاصة، أو المشتري خاصة، أو من البايع و أجنبي، أو من المشتري وأجنبى، أو منهما وأجنبى، فالاقسام سبعة وحينئذ إما أن يكون قبل القبض، أو بعده، فتبلغ أربعة عشر وجها، فالسبعة التي قبل القبض دركها على البايع إن لم يشاركه المشتري، وإن شاركه المشتري فالدرك على المشتري، والسبعة التي بعد القبض دركها على المشترى، ففي الاول ما أتلفه المشترى فهو قبض، وما أتلفه البايع فالمشترى بالخيار بين المطالبة بالمثل أو القيمة إن لم يكن مثليا، أو يفسخ ويغرم ما أتلف، وفي الثاني يتخير بين مطالبة المتلف مع الاجازة، أو يفسخ ويرجع بالثمن على البايع، وفي الثالث هو بالخيار أيضا، وفي الرابع قبض منه، وفي الخامس يتخير، وفي السادس التلف منه ويرجع على الاجنبي بمقدار ما اتلف. وفي السابع أيضا كذلك يسقط ما أتلفه بفعله ويرجع عليهما بما قابل فعلهما). قلت: لا يخفى عليك زيادة الاقسام مع ضم الافة إليها كما أنه لا يخفى عليك ما في إطلاق قوله إن الدرك على المشترى مع المشاركة، بل ظاهر كلامه عدم الخيار في السادس

[ 90 ]

والسابع، والفرق بينه وبين الاول غير واضح، فالمنجه ثبوت الخيار في الجميع، مع كون المراد بالشركة إختصاص كل بتلف البعض على جهة الاستقلال، أما إذا كان الاشتراك على وجه يكون كل منهم بعض العلة بحيث استند التلف إلى المجموع فلا يبعد عدم الخيار في الجميع، أي جميع الصور التي يدخل فيها المشترى، لعدم الارفاق فيه حينئذ، والاصل اللزوم، بل لو فرض الاشتراك على هذا الوجه بين المشترى والافة أو البايع، بناء على أنه كالافة لم يكن إنفساخ، لعدم صدق المتلف على كل منهم، بل هو بعض المتلف، وفرق واضح بين متلف البعض وبعض المتلف والتنصيف بالضمان مثلا، لا لان كلا منهما قد أتلف نصفا بل لكون المجموع مصداق من أتلف، فضمان الكل عليه، لا على كل واحد منهما فينصرف إلى الاشتراك. أما في نحو المقام فالاصول تقتضي لزوم العقد، فمع فرض تعليق الانفساخ مثلا على التلف بالآفة، لم يصدق مع كونه جزء سبب، وكذلك مقتضى الخيار لو فرض كونه كذلك نعم لو اشترك ما يقتضى الانفساخ وما يقتضي الخيار كالافة والاجنبي، أمكن ثبوت الخيار في المقام لانه مقتضى كونه مضمونا على البايع مع احتمال عدمه، كما أن الظاهر ثبوت الخيار مع شركة البايع والاجنبي كذلك أيضا، ولو اشترك البايع والافة، وقلنا إن إتلاف البايع مثلها في الانفساخ، فالمتجه حصولها معهما إلا أن يفرض كون العنوان في كل منهما على جهة الاستقلال على وجهه لا يندرج فيه حال الاشتراك، وحينئذ يتجه الخيار بناء على أن مقتضيه تعذر التسليم والفرض حصوله، فقد ظهر من ذلك أنه حيث يدخل المشتري يرتفع الانفساخ والخيار، ويكون جزئيته في الاتلاف بمنزلة القبض، ويرجع على من شاركه على حسب شركته في السببية فتأمل جيدا، فان المسألة محتاجة مع ذلك إلى التحرير، بل فيه إحتمالات آخر هذا. والظاهر جريان حكم التلف قبل القبض وبعده بالنسبة إلى ثمرة السنة الثانية لو كانت بعض المعقود عليه ولا يقوم القبض في السنة الاولى عنه فيها، كما أنه لا ينافي ذلك

[ 91 ]

استقرار الثمن على المشتري لو لم تظهر ثمرة أصلا، كما يشهد لهم قوله عليه السلام (1) (ان لم تخرج في هذه السنة تخرج في قابل) لان ذلك مقتضى العقد على المعدوم الذي صيره الشارع بحكم الموجود في صحة البيع، بل هو غير مندرج في المبيع التالف قبل القبض، لعدم وجوده، بخلاف ما لو ظهرت فتلفت قبل التخلية مثلا، إذ لا ريب في الاندراج، كما أن جميع ما تقدم بالنسبة إلى الثمرة الاولى مما يقتضى الخيار أو الانفساخ جار فيها. وبذلك ظهر لك الفرق بين ظهور عدم الثمرة وبين تلفها قبل القبض، فلا ضمان على البايع في الاول، بخلاف الثاني وتحقيقه أن المبيع في الاول الثمرة الحاصلة منضما إليها الثمرة المتجددة في السنين - نحو إنضمام المعدوم إلى الموجود في الوقف على معنى مشاركته للموجود إن حصل، وإلا فلا بطلان للوقف، - وقلنا إن تجددت ثمرة كانت مبيعا، وإلا كان المبيع الموجودة، ومرجعه بيع ثمرة هذا النخل سنين كائنة ما كانت، لا أن المبيع ثمرة كل سنة على وجه يكون ملاحظة مستقلة، وإنما هو ما عرفت وإن لم يعلم مصداقه، فيحتمل كونه الموجود خاصة، ويحتمل حصول غيره معه، نحو ثمرة الشجرة الواحدة، إذا ظهر بعض ثمرها ولم يظهر الباقي، وأريد بيع ثمرها أجمع، وبما كان في قوله عليه السلام إن لم تخرج هذه، إلى آخره إيماء إليه، وإن كان مورده التعدد من السنين قبل الظهور، ولكن يفيد أن المبيع ثمرة كلية لا يعلم مصداقه ولا زمان وجودها، فهو ينفع فيما نحن فيه وشبهه من الصور الصحيحة. بل لعل ضم البقلة والرطبة في موثق سماعة السابق (2) من هذا القبيل بناء على ما ذكرناه من إرادة خصوص البقلة والرطبة في البستان، فيكون المبيع أحدهما مع ثمرة البستان المحتمل حصولها، فان خرجت كانت من المبيع، وإلا كان المبيع البقلة أو الرطبة، وحينئذ تكون من مسألة جواز بيع ثمرة البستان التى ظهر بعضها ولم يظهر الاخر، من غير


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 92 ]

فرق بين إتحاد النوع واختلافه، وبين الخضرة والغلة وغيرهما كما سمعته. وبالجملة إذا كان المبيع كليا تتعدد مصاديقه في الخارج، والمفروض مشروعيته في بيع الثمار، يتجه عدم ضمان البايع لو لم يحصل المصداق الاخر، ضرورة وجود مصداق آخر له وهو الموجود، نعم لو فرض كون المبيع ثمرة كل سنة على وجه يكون كل منهما مبيعا مستقلا، وقلنا بصحته في الثمار، ولو لاطلاق الادلة، يتجه حينئذ ضمانه على وجه يقتضى توزيع الثمن، ضرورة عدم حصول بعض المبيع المفروض ارادة مقابلته بالثمن. ولعل من ذلك البيع خرطتين مثلا مع فرض عدم حصول الخرطة الثانية، ولذا صرح بعضهم بتوزيع الثمن فيه، لان الخرطة الاولى لا تكون مصداقا للخرطتين اللتين هما متعلق البيع، بخلاف نحو بيع ثمرة النخل إلى سنتين مثلا، فالمتجه حينئذ التفصيل ومع الاطلاق لا يبعد تنزيله على الاول، ولا يقدح زيادة الثمن في مقابله، فانه أعم من ملاحظة كونه مبيعا مستقلا بل كملاحظة الاوصاف وحمل الدابة المحتمل إذا بيعت على ما هي عليه، بل هنا أقوى، للعادة، وربما يؤيده السيرة المستمرة على عدم رجوع المشتري بما يخص بعض النخل الذي لم يظهر حمله في بعض السنين، أللهم إلا أن يكون وجهه التسامح فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلامهم، وأن كان يلوح منهم الاول، والله العالم. ثم إن الضمان هنا حيث يتحقق على البايع أو الأجنبي فهو بالمثل، حيث يكون مثليا، كما لو كان تمرا ونحوه، أما لو كان من قبيل الطلع ونحوه فضمانه بالقيمة، فيقوم حينئذ على حاله، باقيا إلى أوان بلوغه محتملا للعوارض، ويدفع له قيمته فتأمل جيدا والله أعلم. المسألة (الثالثة) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يجوز بيع الثمرة) للنخل و غيره (في أصولها بالاثمان أو العروض) أو بهما معا، أو بغيرهما من المنافع والاعمال ونحوها، كغيرها من أفراد المبيع، للاصل (و) إطلاق الادلة نعم (لا يجوز بيع ثمرة النخل) منها بماءة كر مثلا (من ثمر منها) إجماعا بقسميه، بل المحكي منها مستفيض أو متواتر، لعدم جواز إتحاد الثمن والمثمن، (و) لان هذه المعاملة (هي)

[ 93 ]

المتيقن من تحريم (المزابنة) التي علم بالنص (1) (و) الاجماع حرمتها، بل (قيل) انها (هي بيع الثمرة في النخل بتمر ولو كان موضوعا على الارض، وهو الاظهر) فيكون المجموع محرما كما هو أشهر القولين، بل هو المشهور بين المتقدمين والمتاخرين نقلا وتحصيلا، بل عن ظاهر الغنية كالروضة الاجماع عليه، لصحيح عبد الرحمان بن أبى عبد الله (2) عن الصادق عليه السلام (نهى رسول صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمزابنة قلت: وما هو ؟ قال: أن يشترى حمل النخل بالتمر والزرع بالحنطة) والظاهر إرادة اللف والنشر المشوش، لكن في موثقة الاخر عنه (3) ايضا نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن المحاقلة والمزابنة فقال: المحاقلة بيع النخل بالتمر، والمزابنة بيع السنبل بالحنطة) ومال إليه الكاشاني و المحدث البحراني إلا أن الاولى حمله على ضرب من المجاز، كالمحكى عن سلار المحاقلة محرمة. وهي أن يبيع التمر في رؤس النخل بالتمر، والزرع بالحنطة كيلا وجزافا، وكأنه اوهمه ما في المقنعة (لا يجوز بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلا ولا جزافا، ولا يجوز بيع الزرع بالحنطة أيضا كيلا ولا جزافا، وهذه هي المحاقلة. إلا أن الظاهر إرادة الاخير من الاشارة، أو يحمل على وهم الراوي، لمخالفته المنصوص عليه عند الاصحاب وأهل اللغة، ولما في خبر أبى القاسم ابن السلام (4) المروي عن معاني الاخبار مسندا عن النبي صلى الله عليه وآله (أنه نهى عن بيع المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، والمزابنة بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر) والامر سهل بعد حرمتها معا وانما تظهر الثمرة في العهد واليمين ونحوهما. وعلى كل حال فهما دالان على حرمة البيع بالتمر مطلقا، مؤيدا ذلك بظاهر خبر ابن سلام المتقدم حيث خص الرخصة في بيع الثمرة بالتمر بالعرية، وبخبر السكوني (5)


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 (3) (4) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 - 5 (5) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 94 ]

عن الصادق عليه السلام (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في العرايا أن تشتري بخرصها تمرا، قال: والعرايا جمع عرية وهي النخلة يكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز أن يبيعها بخرصها تمرا، ولا يجوز ذلك في غيره) بناء على ما قيل: من أن دلالته ظاهرة إن جوزنا بيع ثمرة العرية بتمر من نفسها، وإلا فهي صريحة لاختصاص الرخصة حينئذ ببيعها بتمر من غيرها، ومقتضاه رجوع الاشارة في لفظ ذلك إليه، وهو صريح في المنع كما لا يخفى. بل قيل أن به يضعف احتمال العهدية في اللام في الخبرين السابقين، ورجوعها إلى ثمرة نفس النخلة المذكورة سابقا، فان أخبارهم عليهم السلام يكشف بعضها عن بعض، مع بعده في الخبرين الاولين، إذ لم يتقدم لتمرها ذكر فيهما سابقا، والحمل في أحدهما والنخل في آخر أعم من الثمر فكيف يمكن جعل اللام للعهد، ولا اشارة إليهما كل ذلك مضافا إلى اقتضاء إختصاص المزابنة بالاول عدم الخصوصية لها هنا، فان عدم جواز البيع ببعضه معلوم فيها وفي غيرها، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين جعل الثمن حصة مقدرة بالمقدار المعلوم منها، وبين جعله كليا مشروطا كونه منها، ضرورة رجوعه إلى الاول بل لو جعل مشروطا تأديته منها، كان كذلك أيضا، وإن كان في اقتضاء القواعد بطلانه نظر، إلا أنه يكفي في عدم جوازه هنا إطلاق معاقد الاجماعات، ومضافا إلى التعليل بعدم الامن من الربا، وإن كان فيه منع واضح هنا، باعتبار عدم كون الثمرة على النخل مقدرة بالكيل والوزن، وستسمع التصريح في الخبر هنا بعدم الربا فيه، وقد عرفت اشتراطه في ذلك، وأنه لا يجدى صيرورته بعد ذلك مقدرا، كما لا يجدي موزونية جنسه، إذا لم يكن على الاصول. أللهم إلا أن يستند في ذلك إلى موثق سماعة (1) الامر بشراء الزرع فيه بالورق معللا بأن أصله طعام، مؤيدا بما يظهر منهم في العرية من جريان حكم الربا فيها في الجملة إلا أن الاعتماد على ذلك ونحوه في الخروج عما يقتضى الجواز واضح المنع، كوضوح


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 و 4

[ 95 ]

منع تعدية علة النقصان عند الجفاف، ضرورة ظهور دليلها في الربا بين المقدرين بهما، مع أنها غير عامة لساير أفراد المقام التي منها البيع لليابس باليابس، و الرطب بالرطب. فالاولى الاقتصار في الاستدلال للعدم بما عرفت،، خلافا للشيخ في النهاية قال: (لا يجوز بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر كيلا ولا جزافا، وهى المزابنة التي نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها (1) وكذلك لا يجوز بيع الزرع بالحنطة من تلك الارض، لا كيلا ولا جزافا، وهذه المحاقلة فان باعه بحنطة من غير تلك الارض لم يكن به بأس، وكذلك إن باع التمر بالتمر من غير ذلك النخل لم يكن أيضا به بأس) قيل: والخلاف لكن المحكي عنه في المختلف (لا يجوز المحاقلة وهو بيع السنبل التي انعقد فيها الحب، واشتد بحب من جنسه، أو من ذلك السنبل، وروى أصحابنا أنه إن باع بحب من جنسه من غير ذلك السنبل فانه يجوز وقال الشافعي: لا يجوز بيعها بحب من جنسها على كل حال، وإليه ذهب قوم من أصابنا والمزابنة بيع التمرة على رؤوس النخل بتمر موضوع على الارض ومن أصحابنا من قال: المحرم أن يبيع على رؤوس النخل بتمر منه، فأما بتمر آخر فلا بأس، وهو كما ترى ظاهر مع المشهور. نعم حكى فيه عن المبسوط، أنه قال: (بيع المحاقلة والمزابنة حرام بالاجماع، وأن اختلفوا في تأويله، فعندنا أن المحاقلة بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد، بحب من ذلك السنبل، ويجوز بيعه بحب من جنسه على ما روي في بعض الاخبار، والاحوط أن لا يجوز بيعه بحب من جنسه على كل حال، لانه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا، والمزابنة هي بيع التمر على رؤوس الشجر بتمر منه، فأما بتمر موضوع على الارض فلا بأس به، و الاحوط أن لا يجوز ذلك لمثل ما قلناه في السنابل سواء) وظاهره الجواز بناء على عدم وجوب هذا الاحتياط عنده، وهو المنقول عن كامل بن البراج، وإن وافق المشهور في مهذبه، وعن أبي الصلاح في ظاهر المحكى عنه في المختلف، وربما حكى عن قطب


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 - 2

[ 96 ]

الدين، وهو ظاهر تذكرة الفاضل أو صريحها للاصل والعمومات. وصحيح الحلبي (1) (قال أبو عبد الله عليه السلام: في رجل قال للاخر بعنى ثمرتك في نخلك هذه التي فيها، بقفيزين من تمر أو أقل أو اكثر، يسمى ما شاء فباعه ؟ قال: لا بأس به، وقال: البسر والتمر من نخلة واحدة لا بأس به فاما أن يخلط التمر العتيق والبسر فلا يصلح، والزبيب والعنب مثل ذلك). وموثق الكنانى (2) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر، وكان له نخل فقال له: خذ ما في نخلى بتمرك فأبى أن يقبل فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر فكلمه يأخذ ما في نخلى بتمره، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يفي وأبى أن يفعل: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب النخل: جذذ نخلك فجذه وكاله خمسة عشر وسقا، قأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط ولا أعلم إلا أنى قد سمعته منه، قال إن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن ربيعة الرأى لما بلغه هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذا ربا، قلت أشهد بالله، إنه لمن الكاذبين، قال: صدقت). وخبر يعقوب ابن شعيب (3) عن الصادق عليه السلام (سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول أحدهما لصاحبه إختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى و تعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك، وأرده عليك قال: لا بأس بذلك) وخبره الاخر (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يكون له على الاخر ماءة كر من تمر، وله نخل فيأتيه فيقول: اعطني نخلك هذا بما عليك فكأنه كرهه) وفيه أن الاصل والعموم مقطوعات بما عرفت، وصحيح الحلبي - بعد رجحان ما مر عليه بالشهرة وغيرها - يمكن حمله على العرية، على أن إطلاقه مخالف للمجمع على خلافه من البيع بمقدار منها،


(1 و 2) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 - 3 باختلاف يسير (3) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 (4) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الثمار الحديث 2

[ 97 ]

بل قوله فيه البسر والتمر إلى آخره مما لا يظهر له وجه معتد به، بل رواه المحدث الحر في الوسائل (1) في باب جواز بيع المتخلفين متفاضلا من الربا (قفيزين من بر) وموثق الكنانى (2) لا دلالة فيه على البيع، بل هو إما وفاء، أو أن المراد منه إرضاؤه بذلك، ثم تفعل الصورة التى يسلم معها من المزابنة بالصلح، أو بالهبة والابراء، ونحو ذلك يجرى في الخبرين الاخيرين بعده، مضافا إلى عدم الجابر للمحتاج إليه منهما، فلا ريب في أن ما تقدم حينئذ أقوى، لكن ظاهر الادلة إختصاص المنع لو كان الثمن التمر خاصة، فلو مزج معه غيره خرج عن إطلاق النص، وان لم نقل أن المانع الربا كما يخرج لو مزج مع المبيع ذلك، بل الظاهر خروجه أيضا لو بيع حمل النخل بغير التمر من الطلع ونحوه، لاعتبار التمر في ثمن المزابنة، أما لو باع الطلع ونحوه بالتمر كان مزابنة لان الموجود في الخبرين السابقين الحمل وما في النخل. نعم لا فرق على الظاهر بين كون التمر ثمنا أو مثمنا مع احتماله، إقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن، بل قد يحتمل إعتبار التمرية فيما كان على رؤوس النخل أيضا، جمعا بين الخبرين، (و) خبر ابن سلام الذي يمكن دعوى التنافي بينها من جهة التفسير ثم إنه (هل يجوز ذلك في غير ثمرة النخل من شجر الفواكه) كما صرح به جماعة، بل هو ظاهر آخرين، لاختصاص المزابنة كما عرفت بالنخل، فيبقى غيره على القواعد (قيل) والقائل المشهور كما في الروضة وإن كنا لم نتحققه (لا، لانه لا يؤمن الربا) وقد عرفت ما فيه كما عرفت ما في الاستناد إلى علة النقصان بعد الجفاف، فلا معارض حينئذ لمقتضي الجواز من الاطلاقات وغيرها. نعم المنع متجه، فيما لو كان بمقدار منها، بناء على ما عرفت من إقتضاء القواعد العدم فيه، إلا في صورة اشتراط التأدية منها على إشكال فيها أيضا، ومن الغريب


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الربا الحديث 8 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الثمار الحديث 3

[ 98 ]

ما في الرياض (من أن الاصل يقتضى الجواز مطلقا ولو بالمجانس منها أو من غيرها، ناسبا له إلى تصريح جماعة، ولم أجده لغير الفاضل في التذكرة ممن يعتد بقوله: نعم ربما يتوهم ذلك من بعض العبارات خصوصا المتضمنة منها لعدم الحاقها بالمزابنة، الظاهرة في عدم جريان حكمها بالتفسيرين السابقين، ولا ريب في أنه وهم واضح ضرورة إقتضاء عدم الحاق البقاء على القواعد التى لا ريب في اقتضائها البطلان، إذا كان الثمن منها للاتحاد، وستعرف أن المشهور المنع من ذلك في العرية، المستثناة بالخصوص من حكم المزابنة فضلا عما نحن فيه، والله اعلم. (وكذا لا يجوز بيع السنبل بحب منه إجماعا) بقسميه بل المحكى منه مستفيض أو متواتر، ولاتحاد الثمن والمثمن فيه نحو ما تقدم في المزابنة (و) هذه المعاملة (هي) المتقين من (المحاقلة) المعلوم حرمتها نصا وإجماعا، إذا كان الحب الذى هو الثمن حنطة لسنبلها كما ستعرف، وإن كان التحريم هنا للتعليل الاخير عاما لساير أفراد السنبل (وقيل:) والقائل المشهور نقلا وتحصيلا (بل) عن ظاهر الغنية الاجماع عليه أيضا (هي بيع السنبل بحب من جنسه كيف كان، ولو كان موضوعا على الارض وهو الاظهر). للنصوص المتقدمة (1) سابقا المعتضدة هنا لخصوص الموثق (2) (الآمر بشراء الزرع بالورق المعلل بأن أصله طعام الظاهر في المنع عن بيعه بالطعام، خلافا لمن تقدم في المزابنة فخصها بالاول، وجوز الثاني للعمومات وصحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام (في حديث لا بأس ان تشترى زرعا قد سنبل وبلغ بحنطة) وصحيح اسماعيل بن الفضل الهاشمي (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بيع حصائد الحنطة


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار (2) (3) الوسائل الباب 12 من ابواب بيع الثمار الحديث 43 - 1 (4) الكافي ج 5 ص 277 باب بيع المراعى في ذيل حديث 4 الطبع الحديث

[ 99 ]

والشعير وساير الحصايد ؟ قال حلال فليبعه بما شاء) وحسن الوشا (1) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى من رجل جربانا معلومة، بمأة كر على أن يعطيه من الارض ؟ قال: حرام فقلت: جعلت فداك فاني أشترى منه الارض بكيل معلوم وحنطة من غيرها، قال: لا بأس بذلك). وفيه أن العموم مخصوص بما عرفت، وصحيح الحلبي قاصر عن معارضة الادلة السابقة المعتضدة بالشهرة وغيرها، مع أن إطلاقه شامل للمجمع على خلافه من البيع بحنطة منه، فلا بأس بحمله على الصلح ونحوه، بل في الرياض احتمال اختصاصه بصورة عدم التجانس بينها وبين السنبل، كما إذا كان ارزا أريد بيعه بها، ولا كلام في الجواز حينئذ، وصحيح اسماعيل - مع أنه ظاهر في الحصائد وليس الكلام فيها، بل فيما لم يحصد وشامل لما لا نقول به، من البيع بحب منها - ليس فيه إلا العموم المخصوص بالادلة السابقة، بل عن التهذيب أنه رواه ان شاء بدل بما شاء، فلا عموم فيه حينئذ وحسن الوشا إنما هو في بيع نفس الارض بحاصلها وغيره، أو في إجارتها بذلك، لا في بيع السنبل فيها، وتأويله إليه باضمار أو تجويز لا داعى إليه على أن أقصاه الاحتمال الذى لا يتم به الاستدلال، فظهر حينئذ من ذلك كله أن الاقوى التحريم، بل الظاهر أنه من المحاقلة، إنما الكلام في تنقيح المراد بها، وفي الرياض (إن الموجود في أكثر النصوص والفتاوى السنبل) بل في المبسوط المسالك الاتفاق عليه، وفي مفتاح الكرامة (إن في أكثر العبارات السنبل). قلت الموجود في المسالك (انه اختلف عبارات النصوص والفقهاء في اسم المبيع فيها، فبعضهم عبر عنه بالزرع، ومنه الرواية السابقة، ومنهم من عبر بالسنبل كعبارة المصنف، ويظهر من كلامهم الاتفاق على أن المراد به السنبل، وإن عبروا بالاعم) وقد سمعت عبارة المبسوط، بل قد سمعت غيرها أيضا وفي الغنية والوسيلة و النافع وغيرها السنبل، كما أن في القواعد وغيرها الزرع إلا أن الذى يقتضيه النظر


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب بيع الثمار الحديث 2

[ 100 ]

في الجمع بين النصوص السابقة إرادة السنبل من الزرع، حملا للمطلق على المقيد الوارد في التفسير الذي بذلك ينافيه، مؤيدا بأصالة الجواز في غيره. قال في التذكرة (لو باع الزرع قبل ظهور الحب بالحب فلا بأس، لانه حشيش وهو غير مطعوم ولا مكيل، سواء تساويا جنسا أو اختلفا، مع أنه لا مخالف صريح، إذ يحتمل إرادة من عبر بالزرع السنبل أيضا، فاحتماله حينئذ للموثق السابق الامر بشرائه بالورق في غير محله، بل لابد من حمل الموثق على إرادة السنبل أو غير ذلك هذا، ولكن أطلق أكثرها السنبل والزرع في المبيع، كما أنه قيد فيه الثمن بالحنطة و فهم في التذكرة ارادة سنبل الحنطة بالحنطة، فقال في أكثر تفاسير المحاقلة أنها بيع الحنطة في السنبل بحنطة ثم احتمل فيها دخول الشعير في جنس الحنطة بل احتمل فيها صدق المحاقلة على كل زرع بيع بحب من جنسه كالدخن ونحوه، لمافى بعض ألفاظ علمائنا من تفسيرها ببيع الزرع بالحب من جنسه) قلت قد عرفت سابقا من فسرها بذلك، بل هو فسرها في القواعد ببيع الزرع بالحب، وفى اللمعة بيع السنبل بحب منه أو من غيره من جنسه، لكن في الدروس هي بيع السنبل من الحنطة والشعير بالحب من جنسه وإن لم يكن منه. والذي يظهر لى من تتبع النصوص في المقام وغيره أن إطلاق الزرع والسنبل فيها منصرف إلى الشعير والحنطة، ولعله لانه المتعارف في ذلك الزمان والمكان، فالخبران المشتملان على تفسيرها ببيع الزرع أو السنبل بالحنطة لا ريب في شمول لفظ الزرع والسنبل فيهما لهما، فيستفاد منهما حينئذ أن بيع سنبل الشعير بالحنطة محاقلة، وما ذاك إلا لاتحاد الجنس هنا كما في الربا، بل يستفاد منه حينئذ أيضا بيع سنبل الحنطة بالشعير بل والشعير بالشعير فتتم دلالة الخبرين على الصور الاربعة، كما أنه بناء على عدم الفرق هنا بين جعل الحنطة ثمنا أو مثمنا نحو ما قلناه في المزابنة فتكون صور المنع ثمانية فتأمل جيدا، فإنه دقيق نافع وقد تلخص من ذلك أن الاحتمالات في المحاقلة

[ 101 ]

ثلاثة أحدها بيع الزرع بحب من جنسه، الثاني بيع السنبل بحب من جنسه، الثالث بيع سنبل الحنطة والشعير بحب منهما، والاول لا دليل له الا الموثق المنزل على ما عرفت ولو بملاحظة الخبرين الاخيرين المنافيين له من حيث التفسير، بناء على أن الحرمة فيه من جهة المحاقلة لا تعبدا، للاجماع على كون المنع هنا لذلك، والتعليل فيه إن أمكن إرادة الاشارة به إليها فذاك، وإلا فلا وجه له ظاهرا ضرورة إنتفاء الربا هنا بعد انتفاء شرطية الكيل والوزن، وأما الثاني فلا دليل له إلا الموثق أيضا المنزل على الخبرين لما عرفت، فتعين حينئذ المختار. وفي التحرير (بيع المحاقلة حرام وهى بيع الزرع بحنطة أو شعير) وهو عين ما قلناه، بل لعله يرجع إليه غيره وعن ابن المتوج التصريح به أما غير الحنطة والشعير فلا محاقلة فيه حينئذ كما لا تحريم سواء بيع بالجنس أو بغيره وبالرطب وغيره، لما عرفت من عدم جريان الربا فيه، ولا تعليل النقصان بعد الجفاف كما مضى البحث فيه سابقا. المسألة (الرابعة) لا خلاف بيننا بل وبين ساير المسلمين عدا أبى حنيفة في انه (يجوز بيع العرايا بخرصها تمرا) بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه في أعلى مراتب الاستفاضة إن لم يكن متواترا، بل في المسالك (انه أجمع أهل العلم عدا أبي حنيفة على أنه مستثنى من تحريم المزابنة) وهو شاهد علي أن المزابنة ما ذكرنا لما ستعرف من عدم جواز بيع العرية بخرصها تمرا منها، لانه إن لم تكن المزابنة ذلك لم يكن للاستثناء وجه معتبر ضرورة اتحاد الجميع في المنع إذا كان منها، والجواز إذا لم يكن. فمن الغريب ما في الحدائق من انه لا وجه لهذا الاستثناء إلا إشتهار المنع، وإلا فالحكم في الجميع متحد، وفيه مضافا إلى ما سمعت ظهور نصوص العرية في الاستثناء. ففى خبر السكوني (1) عن الصادق عليه السلام (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في العرايا أن تشترى بخرصها تمرا، قال: والعرايا جمع عرية وهي النخلة تكون للرجل في دار آخر فيجوز له بيعها بخرصها تمرا ولا يجوز ذلك في غيره) وفي خبر أبي القاسم بن سلام (2) المروي عن كتاب معاني الاخبار باسناد متصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه رخص عليه السلام في العرايا واحدتها عرية وهي النخلة التى يعريها صاحبها رجلا محتاجا، والاعراء أن يبتاع


(1 و 2) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 - 2

[ 102 ]

تلك النخلة من المعرا بتمر لموضع حاجته، قال وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث الخراص قال: خففوا الخرص فإن في المال العرية والوصية). وفي مفتاح الكرامة إن الذى وجدته في الكتاب المزبور ذلك إلى قوله والاعراء أن يجعل له ثمرة عامها، يقول رخص لرب النخل أن يبتاع تلك النخلة من المعرا بتمر لموضع حاجتة وعلى كل حال فهما دالان على ما ذكرنا، ومن أولهما سواء قلنا أن التفسير من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الراوي يظهر ما ذكره المصنف (و) غيره من أن (العرية هي النخلة تكون في دار الانسان) بل لا أجد فيه خلافا بينهم إلا من المحكى عن المبسوط ومهذب ابن البراج من أنها النخلة لرجل في بستان غيره، يشق عليه الدخول إليها، مع أن المحكى عن خلاف أولهما أنها النخلة تكون في بستان الانسان أو غيره، وكامل ثانيهما نخلة تكون في دار الانسان لغيره فلا ينبغي التأمل في صدق العرية عليها سيما بعد كونها معقد إجماع جماعة. بل صرح الفاضل والشهيد (و) غيرهما بأنه (قال، أهل اللغة، أو بستانه وهو حسن) خصوصا بعدما سمعت من خبر ابن سلام، الظاهر في ذلك، فالجمع بين الخبرين يقتضي الجمع بينهما، كما هو المحكى عن أهل اللغة وفي الغنية (ورخص عليه السلام في بيع العرايا، وهو جمع عرية وهي النخلة تكون لانسان في بستان غيره أو في داره يشق عليه دخوله إليها، فيبتاعها منه بخرصها تمرا، بدليل الاجماع من الطائفة على هذا التفسير، وقد فسر أبو عبيدة العرية بما قلناه، بل عن المهذب البارع تعدية الحكم إلى المعصرة والخان والبزارة والدباسة، وتبعه في الرياض، قال: (وظاهر إطلاق خبر ابن سلام مضافا إلى التعليل فيه ينادى بالعموم للبستان وغيره أيضا كالخان ونحوه، و السند وإن قصر إلا أنه بالشهرة منجبر). وفيه أنه لا شهرة علي التعميم، بل هي على العكس متحققة، والظاهر أن المذكور

[ 103 ]

منه ليس علة حقيقة، وإلا لدار الحكم معها حيث دارت، فلا يجوز مع عدم الحاجة، و يجوز معها وإن كانت في داره، ومن المعلوم خلافه، والظاهر إرادة حاجة المعرا بالفتح باعتبار حاجته إلى التمر لا المعري بالكسر، فإنه لا حاجة تدعوه إلى شرائها بالتمر ضرورة اندفاع الهجوم على داره وبستانه بشراء ثمرتها ولو بغير التمر، أللهم إلا أن يكون المراد أنه لمكان حاجته في عدم الهجوم على داره شرع له شراؤها بتمر إذ قد يمتنع صاحبها من بيعها إلا بذلك، وفي جملة من العبارات ما يظهر منه أن المشقة علي البايع الدخول إلى ملك غيره. وعلى كل حال فليست هي علة يدور الحكم مدارها، ومنه يظهر النظر فيما ذكره أيضا من الاستناد إلى التعليل المزبور في التعدية إلى مستعير الدار ومستأجرها، المصرح به في كلام الفاضل والشهيدين وغيرهما، قال: (وليس في الرواية الاولى كبعض العبارات من حيث التقييد فيها بصاحب الدار، منافاة لذلك، لصدق الاضافة بأدنى ملابسة) لما عرفت من أن ذلك حكمة لا علة والاضافة بأدنى ملابسة من المجاز الذي لا يحمل عليه اطلاق اللفظ. وفي التذكرة (ظاهر كلام الاصحاب يقتضي المنع من بيع العرية على غير مالك الدار والبستان أو مستأجرهما أو مشتري ثمرة البستان على إشكال) ونحوه في القواعد، وعن الايضاح أن وجهى الاشكال التضرر بتطريق الغير في ملكه، والعموم، وفي جامع المقاصد إن ظاهر الشارحين كون الاشكال في مشتري الثمرة، والتحقيق أن القول في شرح العرية غير منضبط، لان كلام أهل اللغة فيه مختلف، فينبغي أن يقال: ما ثبت القول بجوازه عند الاصحاب يجوز فيه، إعتضادا بعمومات صحة البيع، ونظرا إلى مشاركة العلة، ولصدق إضافة الدار والبستان إلى المالك والمستأجر ومشترى الثمرة وفي الدروس ذهب إلى الحاق المستعير بالمالك، وللنظر في هذا البحث مجال فإن الاضافة فيما ذكر إنما هو على وجه المجاز، إلا أن يقال المشقة معتبرة في مفهوم العرية

[ 104 ]

حيث قال الشيخ (العرايا جمع عرية وهى النخلة لرجل في بستان غيره يشق عليه لدخول إليها فيكون المناط فيها المشقة على الغير في الدخول إلى بستانه اما لمكان أهله أو لغير ذلك، فحينئذ يجوز البيع لدفع هذه المشقة فعلى هذا حيث تثبت هذه المشقة في النخلة الواحدة على الغير تثبت الرخصة. قلت: لم يعد هذا التحقيق إلى حاصل يعول عليه كما أن ما ذكره أخيرا مقطوع بعدمها في كلمات الاصحاب إذ لم يذكر أحد منهم المشقة في مفهوم العرية ولا في شرائط صحة البيع لكن قال بعض مشايخنا: ظاهر المبسوط والخلاف والغنية والتذكرة والمختلف والمهذب البارع والتنقيح أن المشقة معتبرة في مفهومها، وأنها مناط الحكم إلى أن قال: وبذلك صرح في التحرير والمسالك وغيرهما، وظاهر الغنية بل صريحها الاجماع عليه، نعم أنكره في كشف الرموز فقال: وشرط الشيخ أن يشق على البايع الدخول، وشرط التقابض وتابعه المتأخر وصاحب الوسيلة، وليس في، الرواية ذلك. قلت: الذي يظهر بعد إمعان النظر في كلمات الاصحاب حتى من حكي عنهم ظاهرا وصريحا أن مرادهم من ذلك بيان وجه المشروعية، وربما يذكرونه بصورة الدليل تأييدا للتعدى المدعى، ولو باعتبار حصول الظن منه بذلك، كما في المختلف في ترجيح تعميم العرية للدار والبستان بنص أهل اللغة، وباشتراك الموضعين في الحاجة الداعية إلى المشروعية ونحوه غيره، ولذلك اختلف كلماتهم في وجهها فربما قررت بالمشقة على صاحب الدار والبستان وربما قررت بالمشقة على مالك النخلة، وربما قررت بغيرهما، والحاصل لا يخفى على من تأمل عدم ارادة العلية المصطلحة من ذلك، والا لاختل كثير من الاحكام المسلمة عندهم فالمرجع حينئذ فيها على المستفاد من اللغة والدليل، ولو بمعونة شهرة الاصحاب ونحوها، وما شك فيه يبقى على عموم التحريم والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (هل يجوز بيعها بخرصها) تمرا (من تمرها الاظهر)

[ 105 ]

بل الاشهر كما عن إيضاح النافع والاكثر كما في الرياض (لا) بل هو المشهور المحكي عن ظاهر المبسوط وغيره وصريح الوسيلة والكتاب وما تأخر عنهما، بل لم أجد مصرحا به ممن يعتد بقوله، نعم احتمله في المختلف لاطلاق الرخصة المنصرف إلى غير ذلك الذي من الواضح اقتضاء قاعدة تغاير الثمن والمثمن هنا في الملك خلافه، بل في التنقيح أن الدليل عقلي على مغايرة الثمن للثمن وبه يقيد إطلاق الرخصة، وقوله في صحيح الحلبي (1). السابق البسر والتمر من نخلة واحدة لا بأس به، (إلى أن قال (: وكذا العنب والزبيب) قد عرفت عدم القائل به في غير العرية ولذا نسبه في الدروس إلى الندرة، اللهم إلا أن يكون القول به هنا لازما لتفسير المزابنة ببيع ثمرة النخل بتمر منه، باعتبار معلومية استثناء العرية من ذلك، فيقتضى جوازه فيها، لكن لم ينقله أحد عنهم، وليس في عبارة النهاية التي هي أصل الخلاف في ذلك إشارة إليه. لكن في الدروس والرياض وغيرهما قيل بالجواز، وزاد في الثاني أنه فصل بعض بين صورتي اشتراط كون التمر منها، فالاول والا فالثاني ان صبر عليه حتى يصير تمرا والا فالعقد يجب ان يكون حالا للزوم بيع الكالى بالكالي بدونه جدا وفيه - مع ما سمعت من عدم معروفية القائل بذلك صريحا - أن التفصيل خارج عما نحن فيه، إذ الظاهر ارادته ما عن المهذب قال في المحكى عنه: (أنه إذا شرطه أي كون الثمن منها في العقد لم يجز، وإن أطلق جاز أن يدفع إليه من ثمرتها إن صبر عليه حتى يصير تمرا وإلا فالعقد يجب أن يكون حالا) وأقصاه جواز الدفع منها إن لم يشترط، وهو مما لا خلاف فيه على الظاهر، ومراده بوجوب حلول العقد ما تسمعه من اشتراط التعجيل في ثمن العرية وأنه لا يجوز أن يكون مؤجلا فتعليله بلزوم بيع الكالي بالكالي بدونه مما لا وجه له هنا. فمن الغريب وقوعها منه زيادة في كلام المهذب وكانه نظر إلى أنه لو اجل ثمن العرية والفرض أنها حال البيع غير تمر كان من بيع الكالي بالكالي، وهو كما ترى، وإلا لاقتضى البطلان في بيع ثمرة النخل قبل صيرورته تمرا بثمن مؤجل


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 106 ]

ولو كان دراهم، وهو واضح الفساد. (و) على كل حال ف‍ (لا يجوز بيع ما زاد على الواحدة نعم لو كان له في كل دار واحدة جاز) كما في القواعد قال: (ولا يجوز ما زاد على الواحدة مع اتحاد المكان، ويجوز مع تعدده، بل قال بعض شراحها: أنى لم أجد مخالفا منا في هذين الحكمين، وبه صرح في المبسوط والسرائر والتذكرة وشرح الارشاد للفخر والمهذب البارع والتنقيح وجامع المقاصد وتعليق الارشاد والمسالك، وهو قضية كلام الباقين حيث يقيدون النخلة بكونها واحدة ويطلقون البستان والدار، وهو مقتضى الاصل والمتبادر من النص. وفي المسالك (انه يشترط في بيعها أمور منها الوحدة، فلا يجوز في دار أو بستان أزيد من واحدة فلو كان لمالك اثنتان لم يجز بيع ثمرتها ولا ثمرة إحديهما، لانتفاء العرية فيهما، نعم لو تعدد البستان والدار جاز تعددها من الواحد، وجعل ما في المتن اشارة إلى ذلك، نحو ما في جامع المقاصد، بل في التنقيح لم ينسب الخلاف في ذلك إلا للشافعي وظاهره عدم الخلاف فيه منا. وفي التحرير ولا يجوز أن يبيع جميع تمر حائطه عرايا من رجل واحد، ومن رجال في عقود متكررة، نعم لو كان له عدة نخلات في عدة مواضع جاز بيعها عرايا من رجل واحد أو رجال في عقود متكررة، إلى غير ذلك من عباراتهم، وتنقيح المقام يتوقف على أمرين، الاول أن الوحدة في الدار أو البستان مثلا مأخوذة في مفهوم العرية فمتى تعددت فيه لا عرية في شئ منها ظاهر المسالك أو صريحها ذلك بل ربما كان ظاهر كل من أخذ الوحدة في تفسيرها، بناء على عدم إرادة وحدة الافراد التى لم يتعارف التصريح بها في تفسيره، فمع انتفائها حينئذ ينتفي مفهوم العرية. لكن فيه أولا أنه ينبغى تقييده مع ذلك باتحاد المالك، أما مع تعدده فالظاهر صدق العرية على كل منهما كما انه ينبغى تقييده أيضا بحصول الثمرة فيهما، أما لو فرض


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 107 ]

حصولها في احديهما دون الاخرى، فالظاهر صدق العرية فيها دونها، ولو فرض كون النخلتين مثلا مشتركين بين اثنين أمكن صدق العرية عليهما باعتبار أن لكل واحد منهما نخلة، إلى غير ذلك مما يتصور تفريعه على هذا التقدير، وثانيا أن النص وجملة من عبارات الاصحاب خلت عن ذكر الوحدة في تفسير العرية، بل اقتصرت على أنها واحدة عرايا وأنها هي النخلة في دار الغير مثلا، ومقتضاه صدق العرايا على المتعددة وان اتحد المكان كما هو مقتضى الجمع، لا أن مصداقه النخلات في الامكنة المتعددة أو مع تعدد المالك. ومن الغريب ما في الدروس من أن العرية نخلة واحدة في دار الغير في رواية السكوني (1) وقال الجمهور واللغويون أو بستانه، إذ قد عرفت خلو خبر السكوني عن قيد الوحدة، ويمكن أن يريد بما في خبر السكوني الدار بقرينة ما نقله عن الجمهور، أو لا يريد الوحدة، الداخلة في المفهوم بل هي وحدة الافراد، بل يمكن أن يريد غيره، ممن ذكر الوحدة ذلك أيضا وبالجملة دعوى اعتبار الوحدة المزبورة على حسب ما سمعت في غاية الصعوبة إثباتها من اللغة وكلمات الفقهاء التى منها ما سمعت ومنها ما في السرائر (ويجوز بيع العرايا وهى جمع عرية بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء، وهو أن يكون لرجل في بستان غيره نخلة يشق عليه الدخول إليها أو في داره، إلى أن قال: وإن كان له نخل متفرق في كل بستان نخلة جاز أن يبيع كل ذلك واحدة واحدة بخرصها تمرا بيع العرايا، إلى أن قال: وقد قيل في تفسير العرايا أقوال كثيرة، فقال قوم: (العرايا النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته ولا يدخلها في البيع، ولكنه يبقيها لنفسه، فتلك الثنيا لا تخرص عليه، لانه قد عفي لهم عما يأكلون، وسميت عرايا، لانها أعريت من أن تباع أو تخرص في الصدقة، فرخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 108 ]

لاهل الحاجة والمسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من أثمار هذه العرايا بخرصها، فعل ذلك بهم رفقا بأهل الحاجة الذين لا يقدرون على الرطبة، ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون للتجارة والذخائر). وقال آخرون: (هي النخلة يهب الرجل تمرتها للمحتاج ويعريها إياه، فيأتي المعرا وهو الموهوب له إلى نخلته تلك ليجتنيها فيشق ذلك على المعري الذي هو الواهب لمكان أهله في النخل، فرخص للواهب خاصة أن يشترى ثمرة تلك النخلة من الموهوب له بخرصها). وقال آخرون: (شكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انهم محتاجون إلى الرطب يأتي ولا يكون بأيديهم ما يبتاعون به، فيأكلونه مع الناس وعندهم التمر، فرخص صلى الله عليه وآله لهم أن يبتاعوا لهم العرايا بخرصها من التمر الذى في أيديهم). وقال آخرون: الاعراء أن يهب له ثمرة نخلة أو نخلتين أو نخلات، ومنه الحديث أنه رخص صلى الله عليه وآله وسلم في بيع العرايا بخرصها تمرا، وذلك ان يمنح الرجل النخلة فيبيع تمرها بالتمر، وهذا لا يجوز في غير العرايا وإنما سميت عرية لان من جعلت له يعريها من حملها، وأنشد الفراء: ليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح معنى سنهاء أي مرت عليها السنون المجدبة، وقوله رجبية نخلة مرجبة وهى التي يبنى حولها البناء لئلا تسقط وهو كالتكريم لها). وقال الهروي صاحب الغريبين: العرايا: هي أن من لا نخل له من ذوى اللحمة والحاجة، ويفضل له من قوته التمر ويدرك الرطب ولا نقد بيده يشترى الرطب لعياله ولا يحتل له، فيجئ إلى صاحب النخل فيقول: بعني ثمرة نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفضل من التمر بتمر تلك النخلات ليصيب من أرطابها مع الناس، فرخص النبي صلى الله عليه وآله من جملة ما حرم من المزابنة) ثم قال هذا ما وقفت عليه في التفسير العرايا، وأشده تحقيقا قول الهروي).

[ 109 ]

قلت قد حكى جملة مما ذكر ابن فارس في المجمل فقال: النخلة العرية وهى التى إذا عرض النخل على بيع ثمرة عريت منه نخلة: أي عزلت عن المساومة، والجمع العرايا، وقال قوم: العرية النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا، فيجعل له ثمرة عامها رخص لرب النخل أن يبتاع تمر تلك النخلة من المعرا بتمر لموضع حاجته، هذا تفسير الذى جاء في الحديث من الرخصة فيه، وقال آخرون: العرية النخلة تكون لرجل وسط نخل كثير لرجل آخر فيتأذى صاحب النخل الكثير بدخول صاحب النخلة الواحدة فرخص له أن يشترى ثمرة نخلته بتمر وابو عبيدة يختار الاول لقول الشاعر، وأنشد البيت السابق) واقتصر ابن الاثير في نهايته بعد أن ذكر أنه اختلف في تفسير العرية على ما ذكره الهروي الذى ظهر من ابن ادريس اختياره، وهو الذى حكاه عنه في الدروس، فانه بعد أن ذكر جواز بيع العرية، وأنها النخلة في دار الغير أو بستانه: قال: (ولو أعرى محتاجا نخلة: أي جعل لها تمرها عامها، ثم اشترى المعرا تمرها منه بتمر جاز على الاقرب، ولو فضل مع الفقير تمر فاشترى به تمرة نخلة ليأكله رطبا فالاقرب جوازه، ولو اشترى أزيد من نخلة، فالاجود المنع، ويظهر من ابن ادريس جوازه) ولعله إليه أشار في التحرير بقوله أيضا لا يشترط في بيع العرية أن تكون موهوبة لبايعها، وتمنع اشتقاقها من الاعراء، وهو أن يجعل الرجل لغيره ثمرة نخلته عامها ذلك، بل سميت عرية لتعريها من غيرها، وإفرادها بالبيع، وتبعه الشهيد في حواشيه في أن وجه التسمية ذلك، لكن قد سمعت خبر ابن - سلام (1) الذى أفتى الشهيد في الدروس به، بل قد سمعت ما ذكره أخيرا الذى لم نعثر على نص من طرقنا به. نعم روى العامة ذلك بعدة طرق، منها (2) (أن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه فسمى رجالا محتاجين من الانصار، شكو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 (2) المغنى للشربينى ج 2 ص 94

[ 110 ]

قوتهم من التمر فرخص أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر في أيديهم يأكلونه رطبا) لكن القول به لا يخلو من قوة، جمعا بين ما قيل في تفسير العرية. وعلى كل حال فدعوى اعتبار الوحدة في المكان في مفهوم العرية مما يظهر إنطباق كثير من الكلمات عليه، كدعوى اشتراط صحة البيع به وأن لم يكن ذلك في مفهومها، وهو الامر الثاني اقتصارا في الرخصة على المتيقن، ولان قوله عليه السلام في خبر السكوني (فيجوز بيعها) (1) إلى آخره ظاهر في أن المرخص به ذلك، إذ يدفعها إطلاق رخصته عليه السلام في العرايا، وذيل خبر السكوني لو سلم ظهوره في ذلك انما يفيد جواز بيع الواحدة من العرايا لو تعددت، لا أن التعدد مانع من اصل البيع، وربما كان المراد من عبارة المتن والقواعد السابقة ذلك، إن لم نقل أنه الظاهر منها. وأظهر منها ما في التذكرة (لا يجوز بيع اكثر من النخلة الواحدة عرية، لعموم المنع من المزابنة خرج عنه العرية في النخلة الواحدة، وبه قال أحمد للحاجة، فيبقى الباقي على المنع، سواء اتحد العقد أو تعدد، أما لو تعدد المشترى فالوجه الجواز، ثم قال: فروع لو باع في صفقة واحدة من رجلين، كل واحد منهما نخلة معينة جاز، وكذا لو باعها نخلتين مشاعا بينهما، ولو باع رجلان من واحد صفقة واحدة نخلتين عرية جاز وهو أحد وجهى الشافعية، لان تعدد الصفقتين بتعدد البايع أظهر من تعددها بتعدد المشترى، ولو باع رجلان من رجلين صفقة واحدة، احتمل جواز أربع نخلات، و تنزيل ذلك كله منه على المتحدة، ولو في المكان المتعدد) - كما ترى خصوصا أول المسألة بل مقتضاه حينئذ عدم جواز بيع العرايا في الامكنة المتعددة بعقد واحد، وهو مع أنه لم يعرف خلافه فيه لم تساعد عليه الادلة. ودعوى ظهور ذيل خبر السكوني فيه ممنوعة، فالظاهر إرادته ما ذكرناه أولا ولا ينافيه قوله سابقا: العرايا جمع عرية، والعرية النخلة في دار الانسان أو بستانه، فيبتاع ثمرتها رطبا بخرضها تمرا كيلا، فلا يجوز العرايا في أكثر من نخلة واحدة في عقد واحد


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الثمار الحديث 1

[ 111 ]

إلى أن قال: فإذا تقرر هذا فإن العرية عندنا إنما تكون في النخلة الواحدة تكون في دار الانسان فلا يجوز فيما زاد على النخلة الواحدة، عملا بالعموم واقتصارا في الرخصة على موردها، ثم قال: قد بينا أن الضابط في التسويغ انما هو النخلة الواحدة في الدار الواحدة والبستان الواحد، ولو كان له عدة دور في كل واحدة نخلة جاز بيعها عرايا، إذ يمكن حمل الجميع على إرادة بيع نخلة واحدة وإن كان لا يخلو من بعد نعم يتجه البحث معهم على هذا التقدير بأنه لا دليل على اعتبار الوحدة في البيع بل ما ذكروه في وجه المشروعية من المشقة ونحوها يقتضي التعميم، كاقتضاء إطلاق رخصته عليه السلام في بيع العرايا الذي عبر بمضمونه غير واحد، منهم ابنا زهرة وحمزة و غيرهما، والذيل المنساق لبيان حكم الواحدة ليعرف حكم الجمع لا دلالة فيه على تقييد ذلك كما هو واضح هذا كله، إلا أن الوقوف على ما سمعته أولا هو الموافق للاحتياط والله اعلم بحقيقة الحال. (ولا يشترط في بيعها) أي العرايا (بالتمر التقابض قبل التفرق) خلافا للوسيلة ومحكى المبسوط، بل في الدروس (أنه طرد الحكم ثانيهما بوجوب التقابض في المجلس في الربويات تخلصا من الربا، وفيه منع واضح ولذا أطبق المتأخرون على خلافه في المقام وغيره، عدا الصرف منه فأوجبوه فيه مع اختلاف الجنس، لظهور الادلة فيه، لا للتخلص من الربا، ضرورة صدق بيع المثل بالمثل في الربوي وإن لم يتقابضا في المجلس، وما في بعض النصوص من إيجاب البيع يدا بيد على اتفاق الجنس، يراد منه منع النسيئة في أحد المتجانسين، للزوم الربا حينئذ معه. ومن هنا قال المصنف بعد نفى اعتبار التقابض هنا (بل يشترط التعجيل) فيهما (حتي لا يجوز إسلاف أحدهما في الاخر) بل لم يعرف فيه خلاف بينهم إلا أنه قد يناقش في اعتبار حلول الثمن بما سمعته سابقا من أن الثمرة على النخل لا يجرى فيها الربا لانتفاء الموزونية فيها، كما أنه لا ظهور في دليل الرخصة بذلك أيضا. اللهم إلا أن يكون وجهه الاقتصار على المتيقن، سيما بعد ما سمعت من عدم الخلاف فيه بين الاصحاب، فيشكل التمسك بالاطلاق المزبور المحتاج إلى جابر في العمل به، لضعف سنده خصوصا

[ 112 ]

بعد معارضة ما دل على حرمة المزابنة لكن ومع ذلك فالانصاف أن إتفاقهم هنا على اشتراط الحلول يؤيد القول بجريان حكم الربا على الثمرة وإن كانت على الاشجار، اكتفاء بالوزن التقديرى عن الفعلى، كقولهم هنا أيضا بعدم جواز التفاضل حال العقد بين ثمنها وبين الثمرة المخروصة تمرا، بل حكى الاتفاق عليه بعضهم (و) إن كان (لا يجب أن يتماثل في الخرص بين ثمرتها عند الجفاف وثمنها عملا بظاهر الخبر) المعتضد بالفتوى، إذ مبنى الخرص على الزيادة والنقيصة، فلا يقدح حينئذ لو ظهر بعد ذلك زيادة الثمن أو نقيصته. لكن يمكن أن يكون مستند الاول ظهور قوله عليه السلام (بخرصها تمرا) في وجوب المطابقة بين الثمن المبذول وبين الثمرة المخروصة، معتضدا بالاقتصار على المتيقن مما خرج عن حرمة المزابنة، وهو المراد بالمماثلة من طريق الخرص المشترطة في الوسيلة ومحكي المبسوط وغيره، لا أن مستنده حرمة الربا، فيكون الحاصل حينئذ إنه يجب خرص الثمرة على النخلة بتقدير حال كونها تمرا فتباع بتمر على حسب ذلك الخرص، فلو لم يطابق الخرص الواقع بأن كانت حال التمرية المقدرة أزيد أو انقص لم يكن ذلك قادحا، لاطلاق الخبر السابق المعتضد بعدم الخلاف فيما أجد إلا ما حكاه في المسالك عن بعضهم وإن كنت لم اتحققه، من اعتبار المطابقة فلو اختلفا تبين بطلان البيع. وهو مع ظهور ضعفه مقتض لعدم جواز التصرف فيها قبل صيرورتها تمرا حتى يتمكن من اعتبارها، مع أن الاصل وإطلاق الدليل وظاهر الفتاوى، يقتضى عدم وجوب إبقائها إلى حال التمر، وعدم اعتبارها لو أبقاها، مضافا إلى ما عرفت من عدم تحقق القائل بذلك، وربما توهم ذلك من عبارة المبسوط والوسيلة التى قد سمعت المراد منها فيتجه حينئذ دعوى الاتفاق على ما ذكرنا إلا ما عساه يظهر من التذكرة، من وجوب اعتبار التماثل بين التمر المدفوع ثمنا وبين الثمرة حال كونها رطبا

[ 113 ]

قال: (إذا تبايعا العرية وجب أن ينظر إلى الثمرة على النخلة ويحرز ذلك رطبا فيتبايعاه بمثله تمرا ولا يشترط التماثل في الخرص بين ثمرتها عند الجفاف وثمنها، ولا يجوز التفاضل عند العقد، ولا يكفي مشاهدة الثمن على الارض ولا الحرز فيه بل لابد من معرفة مقداره بالكيل أو الوزن (إلى أن قال) وإن كنا قد منعنا من بيع الرطب بالتمر إلا أن هذا مستثنى للرخصة) وفيه أولا أن ظاهر دليل الرخصة المعتضد بفتوى الاصحاب ما ذكرنا من اعتبار خرصها تمرا ثم شراؤها بمقدار ذلك المخروص، بل لا يمكن عند التأمل تنزيل الخبر على ما ذكره، وثانيا ما عرفت سابقا من أن منع بيع الرطب بالتمر لعلة النقصان بعد الجفاف إنما هو في المقدر بأحد الامرين لا في مثل الثمرة على أصلها. نعم ما ذكره من وجوب علم مقدار الثمن وعدم الاكتفاء بمشاهدته متجه، بل لا أجد فيه خلافا في المقام، لظهور قوله عليه السلام (بخرصها تمرا) فيه، بل مقتضاه أنه لا يجزي جعل الثمن تمرا علي رأس نخلة اخرى، وإن كان قد خرص بما يساوى المثمن، لعدم صدق البيع بخرصها تمرا، وبذلك افترقت عن غيرها، فما في المسالك من أن العرية كغيرها بالنسبة إلى هذا الشرط في غير محله، ضرورة أنه ليس المانع الجهالة حتى تكون كغيرها، بل هو ظهور دليل الرخصة فيما ذكرنا فلا يجزي مشاهدة الثمن فيها وإن أجزى في غيرها إذا كان مما تكفي فيه المشاهدة كما هو واضح. لكن في حواشى الشهيد (أنه لو كان لرجلين عريتان في مكانين وخرصا هما فبلغت كل واحدة مثلا خمسماءة رطل، جاز بيع كل واحدة بخرص الاخرى) وكأنه أخذه مما في التذكرة، وقد صرح في التحرير بعدم جوازه قال فيها: (لو باع الرطب على رؤوس النخل بالرطب على رؤوس النخل خرصا، أو باع الرطب على رؤوس النخل بالرطب على وجه الارض كيلا فالاقوى الجواز، للاصل السالم عن معارضة الربا، لانتفائه بانتفاء شرطه) وفيه انه في غير العرية مزابنة بناء على تحققها بالرطب، بل وفيها لعدم معلومية الثمن إذا كان على رأس النخلة كما عرفت، أما إذا كان على الارض وقد علم بالكيل، فقد يمنع أيضا باعتبار ظهور دليل الرخصة في كون الثمن تمرا، فلا

[ 114 ]

يجزى الرطب ولا البسر ولا غيرهما فتأمل جيدا، فإنه يمكن أن يكون الجواز لانتفاء المزابنة، باعتبار عدم كون الثمن تمرا كما ذكرنا سابقا. نعم لولا الاتفاق ظاهرا لامكن القول بعدم وجوب اعتبار المساواة بين ثمرتها وبين الثمن لعدم الربا، وما في الخبر من البيع بخرصها تمرا منزل على الغالب، لكن كفانا مؤنة ذلك ما عرفت معتضدا بعموم دليل حرمة المزابنة، ولو كانت الثمرة مما تقطع بسرا أو رطبا ففى الاكتفاء بخرصها كذلك وجه، مع احتمال العدم اقتصارا على المتيقن، بل قد يحتمل وإن كان ضعيفا عدم ثبوت العرية في ذلك خصوصا إذا فرض عدم حالة تمر لها فتأمل جيدا. ثم إنه قد تحصل من ذلك كله أنه لابد من خرصها، إما من البايع والمشترى أو من غيرهما بحيث يغلب على ظنهما المقدار الحاصل منها تمرا عند الجفاف، وهل يشترط لو كان الخارص غيرهما أن يكون عدلا ؟ في جامع المقاصد (لا أعلم في ذلك كلاما للاصحاب، وامتناع الرجوع إلى خبر الفاسق قد يقتضي الاشتراط) وفيه إن الرجوع إلى ظنه غير الرجوع إلى خبره. نعم لو فرض الشك في الاخبار بظنه، أمكن ذلك، وهو غير ما نحن فيه، ومن هنا قال: الظاهر العدم لكن يشترط كونه من أهل المعرفة وهو جيدا. (و) على كل حال ف‍ (لا عرية في غير النخل) لغة وشرعا سواء قلنا بحرمة المزابنة فيه أولا، أما على الاول فواضح، واما على الثاني فالجواز شامل لها ولغيرها فلا يحتاج إلى شروط العرية وأحكامها كما هو واضح، هذا والظاهر عدم اعتبار اتحاد المالك للنخلة في العرية ولا الدار، لكن هل يجوز بيع استحقاق أحدهما خاصة عرية إشكال كالاشكال مع اتحاد المالك في بيع البعض، وطريق الاحتياط غير خفي وإن كان الذى يقوى الجواز بناء على عدم اعتبار المشقة.

[ 115 ]

فرع (لو قال: بعتك هذه الصبرة من التمر أو الغلة بهذه الصبرة من جنسها سواء بسواء لم يصح، ولو تساويا عند الاعتبار) بالكيل والوزن (إلا أن يكونا عارفين بقدرهما وقت الابتياع) لحصول الجهالة المانعة من صحة البيع عندنا حال العقد (وقيل) والقائل الشيخ في المبسوط (يجوز وإن لم يعلما فان تساويا عند الاعتبار صح وإلا بطل) للربا (ولو كانتا من جنسين جاز إن تساويا أو تفاوتا ولم يتمانعا، بأن بذل صاحب الزيادة، أو قنع صاحب النقيصة وإلا فسخ البيع) قال في المحكى عن مبسوطه (إذا باع صبرة من طعام بصبرة، فان كانا من جنس واحد نظر، فإن كانا اكتالا وعرفا تساويهما في المقدار جاز البيع، وإن جهلا مقدارهما ولم يشترطا التساوى لم يجز، لان ما يجرى فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض جزافا، وإن قال: بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كيلا بكيل سواء بسواء فقال: إشتريت فإنهما يكالان فإن خرجتا سواء جاز البيع، وان كانت إحديهما أكثر من الاخرى، فإن البيع باطل، لانه ربا، وأما إذا كانتا من جنسين مختلفين، فان لم يشترطا كيلا بكيل سواء بسواء فإن البيع صحيح، لان التفاضل جائز في الجنسين، فإن اشترطا أن تكونا كيلا بكيل سواء بسواء فإن خرجتا متساويتين في الكيل جاز البيع، وإن خرجتا متفاضلتين فإن تبرع صاحب الصبرة الزائدة بالزيادة جاز البيع، وإن امتنع من ذلك ورضي صاحب الصبرة الناقصة بأن ياخذ بقدرها من الصبرة الزائدة جاز البيع، وإن تمانعا فسخ البيع بينهما، لا لاجل الربا، لكن لان كل واحد منهما باع جميع صبرته بجميع صبرة صاحبه، وعلى أنهما سواء في المقدار، فإذا تفاضلا وتمانعا وجب فسخ البيع بينهما).

[ 116 ]

وجعل في الدروس ذلك منه من باب الاكتفاء بالمشاهدة (و) حيث قد علم في محله عدم الاكتفاء في مثل ذلك كان (الاشبه) باصول المذهب (أنه لا يجوز) مطلقا (على تقدير الجهالة وقت الابتياع) نعم يمكن جريان ما يقرب من ذلك على مذهبنا فيما لو فرض مكيل وموزون في زمن الشرع تجدد وتعارف بيعه جزافا بناء على صحته، فان المتجه حينئذ فيه صحة بيعه صبرة بصبرة، الا أنه يجب اختباره بعد ذلك تخلصا من الربا، فان تساويا أو بيع الجنسان وزنا صح البيع، لعدم ثبوت اشتراط سبق معلومية التساوي في الصحة، والامر ببيعه مثلا بمثل لا يقتضي أزيد من التساوى واقعا بل الظاهر ذلك في أكثر شرائط المعاملة. لكن مقتضى ذلك عدم الحكم بالبطلان فيما لو باع السيوف المحلاة ونحوها بأحد النقدين بجنس أحدهما إذا لم يعلم زيادته، بل لا بد حينئذ من الاختيار، وينافيه ظاهر كلامهم، ويمكن حمله على ما إذا لم يمكن الاعتبار وحينئذ يتجه البطلان ظاهرا لا لترك الاحتياط الواجب، إذ هو لا يقضى بالبطلان قطعا، بل لان الشك في الشرط شك في المشروط والاصل عدم النقل والانتقال، فلو فرض العلم بالمساواة بعد ذلك انكشف الصحة من أول الامر لحصول الشرط واقعا، ونحوه لو أقدما على الربا فبانت المساواة، كما أن المتجه الفساد لو أقدما على المساواة جهلا منهما ثم بان التفاوة لانتفائه واقعا حينئذ فتأمل جيدا، فانه قد تقدم لنا بعض الكلام في ذلك في الحواشى فلاحظ، وأما اشتراط المساواة في مختلف الجنس إذا فرض الاكتفاء فيه بالمشاهدة فالمتجه صحته عملا بعموم (المؤمنون) (1) فإذا بان عدمه تسلط على الخيار والزيادة بل و النقيصة في بعض الاحوال والله اعلم. المسألة (الخامسة: يجوز بيع الزرع قصيلا) أي مشروطا قطعه بلا خلاف أجده فيه، للعمومات وغيرها، سواء كان قد بلغ أوان قصله أو لم يبلغ، وعين مدة لبقائه ثم قطعه بعدها أو أطلق فله الابقاء حتى يصل إلى أوان قصله، وخبر معلى بن


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 117 ]

خنيس (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أشتري الزرع قال: إذا كان قدر شبر) محمول على الندب أو غيره مما لا يخالف المجمع عليه ظاهرا في الجواز بعد ظهوره بلغ أوان القصل أو لم يبلغ) نعم ليس له شراؤه بذرا للغرر وفي الصلح وجه كالوجه لو شراه تبعا للارض. (و) كيف كان ف‍ (ان لم يقطعه) الذى شرط القطع عليه ففي المتن وغيره بل لا أجد فيه خلافا معتدا به بينهم أن (للبايع قطعه) بعد استيذان الحاكم أو بدونه على اختلاف القولين، لانه لاحق لعرق ظالم، ولنفي الضرر والضرار وغير ذلك (وله تركه والمطالبة باجرة ارضه) مدة بقائه وعدم قطع البايع له مع التمكن منه لا يقضى بسقوط الاجرة التي يكفى فيها بقاء ارض المالك مشغولة بها، بل لا يرتفع بذلك الغصبية التى تسلطه على أرش النقصان لو حصل بسبب البقاء الذى يستحق أخذ أجرته منه، إذ ليس ذلك رضا منه بالبقاء بالاجرة كما هو واضح. لكن في السرائر (إنه إن لم يقطعه كان البايع بالخيار إن شاء قطعه، فان لم يقطعه وبلغ، كانت الزكاة إن بلغ النصاب على المشترى، وعليه أيضا أجرة مثل تلك، هذا إذا كانت الارض عشرية، فان كانت خراجية كان على المبتاع خراجه) ثم إنه حكى عن نهاية الشيخ أنه قال: (لا بأس بأن يبيع الزرع قصيلا وعلى المبتاع قطعه قبل ان يسنبل، فان لم يقطعه كان البايع بالخيار، إن شاء تركه، وكان على المبتاع خراجه) ثم قال ومراده بالخراج طسق الارض قد قبل به السطان دون الزكاة، لان الارض خراجية، وهى المفتحة عنوة دون أن تكون عشرية، لانها إن كانت عشرية كانت عليه الزكاة فحسب والخراجية عليها الخراج الذى هو السهم الذى قد تقبلها به، فان فضل بعده ما فيه الزكاة، يجب عليه الزكاة، وإن لم يفضل ما يجب فيه ذلك لا زكاة عليه فيه. قلت: قد ذكر الخراج في المقنعة ومحكي المراسم بل في الوسيلة كان عليه خراجه وأجرته، ومراد الجميع على الظاهر ما صرح به المتأخرون من أجرة الارض


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار الحديث 4

[ 118 ]

لعدم الدليل على ثبوت غيرها، والمتجه - في موثق سماعة (1) (سألته عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله ويبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيرا أو حنطة وقد اشتراه من اصله على أن ما يلقاه من خراج فهو على العلج، فقال: إن كان اشترط عليه حين اشتراه، إنشاء قطعه قصيلا، وإن شاء تركه كما هو حتى يكون سنبلا، وإلا فلا ينبغى أن يتركه حتى يكون سنبلا، فان فعل فإن عليه طسقه ونفقته وله ما خرج منه) حمل لا ينبغى فيه على الكراهة، لما هو معلوم من النص والفتوى أن له الابقاء إذا لم يكن قد اشترط عليه القطع، ولا كان عادة أو نحوها مما يقوم مقام الشرط، قال زرارة للصادق عليه السلام: (2) (أيحل شراء الزرع الاخضر، قال: نعم لا بأس به وقال: لا بأس بأن تشترى الزرع والقصيل أخضر ثم تتركه إن شئت يسنبل ثم تحصده، وإن شئت تعلف دابتك قصيلا فلا بأس به قبل أن يسنبل) الحديث ونحوه غيره وحينئذ لا وجه لكون الطسق عليه مع فرض اشتراطه على العلج الذي هو عبارة عن الزراع بل لا يقوله الخصم، فلا بد من حمله على ضرب من الندب أيضا. وكيف كان فقد أشار بقوله فيه (من أصله إلى أنه إذا لم يكن قد اشتراه كذلك يمكن منع كون الحاصل للمشتري إذا فرض أنه يتولد مما بقي في الارض للبايع، أو كان منه كذلك، أو كان الحاصل يتولد منهما معا، ولعله لذا قال في التذكرة: (لو اشترى الزرع قصيلا من أصوله صح، فان قطعه فنبت فهو له، فإن شرط صاحب الارض قطعه فلم يقطعه كان عليه أجرة الارض ولو لم يشترط المشترى الاصل فهو لصاحبه، فإذا قصله المشتري ونبت كان للبايع ولو لم يقصله كان شريكا للبايع ويحكم بالصلح. قلت: ولا ينافى ذلك إطلاق الاصحاب أن على مشتري القصيل الاجرة لو أبقاه وله الحاصل لانه يمكن حمله على ما إذا كان مشتريا للزرع من أصله وأن اشترط عليه القصل


(1 و 2) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار الحديث 7 - 3

[ 119 ]

كل ما يخرج فتأمل جيدا. وعلى كل حال فظاهر الاصحاب هنا أن ليس للبايع الفسخ لعدم الوفاء بالشرط، ولعله لانه متمكن من استيفاء شرطه، وفيه أنه قد يتعذر عليه ذلك وقد يحتاج إلى مؤنة، مع أنه قد يمنع توقف ثبوت الخيار على عدم التمكن من الاستيفاء كما عرفت البحث فيه مفصلا سابقا. نعم يمكن أن يكون مستند المقام ظاهر بعض النصوص كما أنه يمكن ان يكون ترك الاصحاب ذكر الخيار في المقام مبنيا على ما تقدم سابقا ولا ينافيه نصهم هنا على الاجرة والقلع. (وكذا لو اشترى نخلا بشرط القطع) أجذاعا فتركه المشتري فإنه ياتي فيه جميع ما تقدم نعم لا ريب هنا في أن الحمل للمشترى، لانه نماء ملكه روى هارون بن حمزة الغنوى (1) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى النخل يقطعه للجذوع فيغيب الرجل فيدع النخل كهيئته لم يقطع، فيقدم الرجل وقد حمل النخل فقال: له الحمل يصنع به ما شاء إلا أن يكون صاحب النخل كان يسقيه ويقوم عليه) ونحوه غيره والظاهر ارادة استحقاق أجرة المثل من الاستثناء المزبور إلا أنه ينبغى تقييده كما في السرائر وغيرها بما إذا كان بإذن مالك النخل، وإن أطلق في النهاية والمحكي عن الصدوق وابني الجنيد والبراج كالنص، أللهم إلا أن يدعى عدم الحاجة هنا إلى الاذن، باعتبار احتياج صاحب الارض السقي لبستانه والفرض تضرره بشرب النخل المزبور الماء فتأمل جيدا، والامر سهل، هذا كله في شراء الزرع قصيلا. أما شراؤه بشرط التبقية إلى أوان بلوغه أو مطلقا فلا إشكال أيضا في جوازه، للاصل والعمومات وخصوص المعتبرة المستفيضة (2) في المقام التى مر بعضها، بل ولا خلاف إلا ما يحكى عن المزارعة المقنع من منع بيع الزرع الا بشرط القصل لعدم الامن من الآفة ولخبر أبى بصير (3) (سألت الصادق عليه السلام عن الحنطة والشعير اشترى زرعه قبل أن يسنبل وهو حشيش قال: لا إلا أن تشتريه لقصيل تعلفه الدواب ثم تتركه حتى يسنبل) وموثق ابن عمار (4) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لا تشتر


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 (2) (3) (4) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 - 10 - 5

[ 120 ]

الزرع ما لم يسنبل فإن كنت تشترى أصله فلا بأس) وفيه أن عدم الامن من الآفة لا يؤثر منعا لجواز بيع الموجود وخبر ابى بصير - مع ضعفه لا جابر بل موهن بفتوى الاصحاب بخلافه - يمكن حمله على الندب أو على إرادة شراء الحاصل منه الذي قد عرفت منعه فيما تقدم، كالموثق الظاهر في ذلك، وفي عدم البأس مع شراء الاصل، على كل إنهما قاصران عن معارضة غيرهما من وجوه كما هو واضح، وحينئذ قد ظهر أنه لا بأس بشراء نفس الزرع في جميع أحواله حتى إذا كان محصودا اكتفاء بالمشاهدة في مثله والله أعلم. المسألة (السادسة يجوز أن يبيع ما ابتاعه من الثمرة بزياد عما ابتاعه) به (أو نقصان، قبل قبضه أو بعده) بلا خلاف ولا إشكال للاصل، وصحيح الحلبي (1) سأل الصادق عليه السلام عن رجل إشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها ؟ قال: لا بأس به، إذا وجد ربحا فليبع) وصحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام (أنه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها قال: لا بأس) مضافا الى العمومات ومحكي الاجماع إن لم يكن محصله فلا يتوهم جريان ما تقدم سابقا من منع البيع قبل القبض في المقام، ضرورة اختصاصه في المكيل والموزون، أو خصوص الطعام منهما، لكن في النافع هنا الجواز على كراهة، ولا وجه له إلا إطلاق بعض الاخبار والفتاوى منع بيع المبيع قبل قبضه، وهو سابقا لم يجعل ذلك سببا للكراهية مطلقا بل خصها بالمقدر بأحدهما، كما في كثير من النصوص والفتوى، لكن أمر الكراهة سهل. المسألة (السابعة: إذا كان بين اثنين) مثلا (نخل أو شجر) أو زرع (فتقبل أحدهما بحصة صاحبه) بعد خرص المجموع (بشئ معلوم) على حسب الخرص المزبور (كان جائزا) لصحيح يعقوب بن شعيب (3) الذى رواه المشايخ الثلاثة (سألت الصادق عليه السلام عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه: إختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى، وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك وأرده عليك ؟ قال لا بأس بذلك) وصحيح الحلبي (4)


(1) (2) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الثمار الحديث 2 - 3 (3) (4) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الثمار الحديث 1 - 2

[ 121 ]

قال: (أخبرني أبو عبد الله عليه السلام أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أعطى خيبرا بالنصف أرضها ونخلها، فلما ادركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة فقوم عليهم قيمة، وقال لهم إما أن تأخذوه وتعطوني نصف الثمن، وإما أن اعطيكم نصف الثمن وآخذه فقالوا بهذا قامت السماوات والارض) وفى التهذيب (1) عوض الثمن في الموضعين الثمرة، وهو الانسب بالخرص الاتى، وإن كان الثمن أنسب بالتقويم. وصحيح أبى الصباح الكنانى (2) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أن النبي صلى الله عليه وآله لما افتتح خيبر تركها في أيديهم على النصف، فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة إليهم فخرصها عليهم، فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا إنه قد زاد علينا، فأرسل إلى عبد الله بن رواحة فقال ما يقول هؤلاء، فقال: خرصت عليهم بشئ، فان شاؤا أخذوا بما خرصنا، وإن شاؤا أخذنا، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت السماوات والارض.) وصحيح يعقوب بن شعيب (3) الثمرة أمر عبد الله بن رواحة فخرص عليهم النخل، فلما فرغ منه خيرهم فقال قد خرصنا هذا النخل بكذا صاعا، فان شئتم فخذوه، وردوا علينا نصف ذلك، وإن شئتم أخذناه وأعطيناكم نصف ذلك، فقال اليهود. بهذا قامت السماوات والارض) ومرسل محمد بن عيسى (4) (قلت لابي الحسن عليه السلام ان لنا أكرة فنزارعهم فيقولون قد حرزنا هذا الزرع بكذا وكذا فاعطوناه ونحن نضمن لكم أن نعطيكم حصة على هذا الحرز قال: وقد بلغ ؟ قلت: نعم قال: لا بأس بهذا، قلت: فإنه يجئ بعد ذلك فيقول لنا الحرز لم يجئ كما حرزت قد نقص، قال: فإذا زاد يرد عليكم: قلت: لا قال: فلكم أن تأخذوه بتمام الحرز، كما أنه إذا زاد كان له، كذلك إذا نقص كان عليه).


(1) التهذيب ج 7 ص 193 باب المزارعة الحديث 1 (2) (3) (4) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 - 5 - 4

[ 122 ]

وخبر سهل (1) سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل يزرع له الحراث الزعفران ويضمن له على أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا وكذا درهما، فربما نقص وغرم وربما استفضل وزاد، قال: لا بأس به إذا تراضيا) وخبر عبد الله بن بكير (2) عن الصادق عليه السلام سألته عن الرجل يزرع له الزعفران فيضمن له الحراث علي أن يدفع له من كل أربعين منا زعفرانا رطبا منا ويصالحه علي اليابس واليابس إذا جفف ينقض ثلاثة أرباع، ويبقى ربعه وقد جرب قال: لا يصلح، قلت: وان كان عليه أمين يحفظه لم يستطع حفظه، لانه يعالج بالليل ولا يطاق حفظه، قال: يقبله الارض أولا على أن له في كل أربعين منامنا) إلى غير ذلك من النصوص التى لا اجد خلافا بين الاصحاب في العمل بمضمونها في النخل والثمار والزرع، فهو إن كان بيعا فمستثنى من المحاقلة والمزابنة، ومن قاعدة مغايرة الثمن للمثمن، ونحوهما مما يخالف قواعد البيع، مع أنك ستعرف كون التحقيق أنها ليست بيعا. لكن في السرائر وان زارع أرضا أو ساقاها، على ثلث، أو ربع أو غير ذلك وبلغت الغلة جاز لصاحب الارض أن يخرص عليه الغلة والثمرة، فان رضي المزارع أو المساقي بما خرص أخذها وكان عليه حصة صاحب الارض، سواء نقص الخرص أو زادو كان له، كما فعل عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل خيبر، وهو عبد الله بن رواحة الانصاري الخزرجي، فأن هلكت الغلة والثمرة قبل جذاذها وحصادها بآفة سماوية لم يلتزم العامل الذي هو الاكار بشئ لصاحب الارض، والذي ينبغي تحصيله في هذا الخبر والسؤال أنه لا يخلو إما أن يكون قد باعه حصته من الغلة والثمرة بمقدار في ذمته من الغلة والثمرة، أو باعه الحصة بغلة من هذه الارض فعلى الوجهين معا البيع باطل، لانه داخل في المزابنة والمحاقلة، وكلاهما باطلان، وإن كان ذلك صلحا لا بيعا فإن كان ذلك بغلة وثمرة في ذمة الاكار الذى هو المزارع فانه لازم له، سواء هلكت الغلة بالافات السماوية أو الارضية، وإن كان ذلك الصلح بغلة من تلك الارض، فهو صلح باطل، لدخوله في باب الغرر، لانه غير مضمون، فان كان ذلك فالغلة بينهما سواء زاد الخرص أو نقص


(1) (2) الوسائل الباب 14 من ابواب احكام المزارعة الحديث 1 - 2

[ 123 ]

تلفت منهما أو سلمت لهما، فليلحظ ذلك، فهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا وتشهد به الادلة، فلا يرجع عنها بأخبار الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وإن كررت في الكتب. قلت: قد لحظناه فوجدناه كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الاصحاب بل الظاهر إن الاشكال في لزومها كما في التذكرة بل في التنقيح ومحكي إيضاح النافع والميسية، الجزم بعدمه من ذلك أيضا، ضرورة صراحة بعض النصوص السابقة فيه، وظهور آخر كالفتاوى التي لا يقدح ما في بعضها كالمتن وغيره من التعبير بالجواز المراد به رفع الحظر، لا نفى اللزوم الذى هو مقتضى الامر بالوفاء بالعقود، فما في مزارعة القواعد من أن الزايد إباحة على إشكال، في غير محله قطعا، بل هو ملك للمتقبل كما كاد يكون صريح المرسل السابق، وظاهر غيره، والربا لو قلنا بعمومه معفو عنه في المقام، على أنه إن كان هو منشاء الاشكال، فلا يخص الزيادة، بل آت في النقيصة أيضا. ثم إن المنساق من النصوص السابقة ما هو صريح جماعة، بل المشهور بل ظاهر جامع المقاصد نسبته إلى تصريح الاصحاب من كون كيفية التقبيل المزبور اعتبار العوض من الثمرة المخروصة، ولا بقدح في ذلك اتحاد الثمن والمثمن بعد ظهور النصوص المعمول بها بين الاصحاب فيه، سواء قلنا أنها بيع كما احتمله في التذكرة، وإن كان بعيدا لشدة مخالفته لقواعد البيع مع عدم ظهور شئ من النصوص في أنه منه، وذكر الاصحاب له في بيع الثمار أعم من ذلك، أو معاملة برأسها، أو صلح سيما بعد عدم الاتحاد حقيقة هنا، لكون المعوض عنه الحصة المشاعة، والعوض المقدار المخصوص من مجموع الحصتين بل لا يبعد جواز مثل ذلك في الصلح مع قطع النظر عن نصوص المقام لعموم قوله عليه السلام الصلح جائز بين المسلمين) (1) الذى استفيد منه قيامه مقام الهبة وغيرها، فجوزوا الصلح عن المال ببعضه وإن إنحل


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب احكام الصلح الحديث 1 - 2

[ 124 ]

إلى الهبة. ولعله هنا كذلك من طرف القابل والمقبل وحينئذ فبناء على أن القبالة نوع من الصلح كما هو صريح بعض وظاهر آخر لا تكون مخالفة للقواعد أصلا إذ لا محاقلة ولا مزابنة فيه ولا ربا أيضا وإن قلنا باختصاصه بالبيع، بل وعلى التعميم لما عرفت من أن الثمرة والزرع ليستا من المكيل والموزون، ولا منع من مثل هذا الاتحاد فيه، وكذا لو قلنا بأنها معاملة برأسها كما هو مقتضى جوازها بلفظ التقبيل، بل في المسالك ظاهر الاصحاب أن الصيغة تكون بلفظ التقبيل، وإن كان قد يشكل إن أريد الاختصاص، بخلو أكثر النصوص السابقة عن اللفظ المزبور، بل ظاهرها خصوصا الاول الاكتفاء بغيره، وفي جامع المقاصد هل يحتاج ذلك الى التقبيل إلى صيغة عقد الظاهر نعم، لانها صلح في المعنى، ولان الافعال لما لم تكن لها دلالة بنفسها على المعاني تعين المصير إلى الالفاظ حينئذ، فيحمل على العقد لانه الموظف شرعا لنقل الملك، ولان الاصل بقاء الملك لمالكه حتى يقطع بسببه، فإن قلت: عبارة الصحيح الاول دالة على خلاف ذلك، قلت: ليس فيها دلالة على أن المسئول عنه فيها هو الجاري في المعاوضة، فيجوز أن يكون المسئول عنه هو صحة إيقاع ما اراده). قلت: لا ريب في اعتبار الصيغة في لزومها وخلو نصوصها عنها كخلو أكثر نصوص العقود عن ذلك، إنما الكلام في أن صيغتها صيغة الصلح لعدم تعارف غير العقود المعهودة المفردة بالتبيويب، ولعدم ظهور في نصوص المقام بالاستقلال، إذ ليس فيها إلا الجواز الذى يمكن أن يكون بناؤه على أنها من الصلح، بل ربما كان في بعضها إيماء إلى ذلك، أو أن صيغتها خصوص لفظ التقبيل المعبر به في الفتاوى وبعض النصوص، لعدم ذكرهم ذلك في باب الصلح، بل لا إشارة في شئ من كلامهم إلى أنه منه وما في المختلف كالذى سمعته من جامع المقاصد يراد منه أنها كالصلح في المعنى، لا أنها تنعقد بصيغته. نعم صرح في الدروس بأنها نوع منه، ويمكن إرادته ذلك أيضا على إشكال وتردد،

[ 125 ]

نعم بناء على جواز الاتحاد المزبور لا ينبغى التأمل حينئذ، في صحة وقوعها، بصيغة الصلح، وإن لم تتم قبالة، كما أنها كذلك لو وقع العوض من غيرها أو مطلقا بعقد الصلح، بل قد يستشكل من وقوع العوض من غيرها والصيغة لفظ التقبيل، لما عرفت من أن وضعها على كون الثمن منها، كما يشهد له ما ذكره الشيخ وابنا حمزة وادريس والفاضل والشهيد والمقداد وغيرهم من عدم الضمان لو تلفت الثمرة بآفة سماوية بل في مزارعة جامع المقاصد نسبته إليهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه، ضرورة توقف صحته على كون الثمن منها، حتى يكون التلف حينئذ للعوض، ولا دليل على الانتقال إلى بدله بعد عدم الدليل على ضمانه في يده، ولا ينافي ذلك صحته العقد، إذ ليس هو بغير عوض، بل عوضه من المعوض، فمع فرض التلف بالآفة يتحقق تلف العوضين معا من غير ضمان، فما في التذكرة من التردد فيه - كالمحكى عن تعليق الارشاد، بل في المسالك أن دليله غير واضح. في غير محله، بل لا يحتاج ذلك إلى تنزيل العوض على الاشاعة، إذ يمكن أن لا يكون كذلك، وإن كان كليا مضمونا في العين بشرط السلامة، للدليل نحو ما سمعته في خبر الاطنان (1) في الجملة. وعلى كل حال فليس مثل هذا إنفساخا لا من الاصل ولا من الحين، لكن في الدروس أن قرار ذلك مشروط بالسلامة، والمراد كما في جامع المقاصد أنه إن هلكت لاصلح، وإن سلمت ثبت ووجب العوض، وربما أشكل بأنه لو هلك بعضها يجب القول بعدم بقاء الصلح، فلا يلزمه ما بقى من العوض، ويدفع بأن سلامة الجميع شرط للصلح في الجميع، وسلامة الابعاض شرط للصلح فيها، نعم قد يشكل بأنه قد صرح في الدروس بالجواز لو تقبلها بعوض غير مشروط فيها، ولا دليل على اشتراط مثله بالسلامة، لان المعوض إذا قبض بعوض وجب أن يكون مضمونا، فإذا تلف يجب أن يكون عوضه في الذمة، ويمكن تنزيل ما في الدروس على ما إذا كان العوض منها بالسلامة لا مطلقا بل قد سمعت سابقا أن ذلك وإن جاز، إلا أنه ليس قبالة على


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث 1

[ 126 ]

الظاهر، لكن في جامع المقاصد (إن كلا من القولين لا يخلو من اشكال، أما اشتراط كون القبالة من الثمرة المتقبلة فيه إشكالان، الاول أن اشتراط العوض من المعوض ينافى صحة المعاوضة عند الجميع، وليس في النصوص ما يدل على الجواز هنا، الثاني لو نقصت الثمرة بغير آفة بل كان من جهة الخرص يجب على تقدير كون العوض منها أن لا يجب الناقص على المتقبل مع أنهم حكموا بعدم وجوبه عليه، وأما على الجواز مطلقا فإشكالان مع ثالث، وهو عدم إمكان اشتراط السلامة في قرار القبالة حيث يكون في الذمة لما قلناه من، امتناع كون محل العوض الذمة ويذهب بتلف الثمرة. وفيه ما عرفت سابقا من ظهور النصوص والفتاوى في كون العوض منها، وحينئذ وجه عدم الضمان بالافة واضح، بل هو قد اعترف في باب المزارعة بأن هذه المعاوضة لا تخرج باشتراط السلامة عن نهج المعاوضات، فإن المبيع في زمان الخيار من ضمان البايع وإن تلف في يد المشتري، لكن بغير تفريط، إذا كان الخيار للمشترى، وهي لا تزيد علي ذلك، ومنه يعلم وجه إندفاع الاخر. نعم يبقى المطالبة بالدليل على ذلك، فيما لو كان العوض من غيرها، وإقامته عليه - سيما مع عدم تصريح الاصحاب بأن القبالة تكون من غير الثمرة - لا تخلو من صعوبة وإن كان الظاهر بناء هذه المعاوضة على الزيادة والنقصان من حيث الخرص لا غير، وربما كان من قوله عليه السلام (1) (إذا كانت الزيادة له فالنقيصة عليه) إيماء إلى ذلك في الجملة، فيرجع حاصلها أن المتقبل ضامن للمقدار المعلوم مع سلامة الثمرة وعدم تلفها، بل يمكن دعوى براءته لو كان المتلف غير الافة من غاصب وشبهه، وإن استبعده في جامع المقاصد قال: (والظاهر أن المراد بالافة السماوية والارضية ما يكون ممن لا يعقل تضمينه، فلو أتلفها فتلف فالظاهر أن القبالة بحالها، عملا بالاستصحاب ويطالب المتقبل المتلف، ويحتمل أن يراد بالارضية ما يعم هذا، فيسقط القبالة أيضا


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الثمار الحديث 4

[ 127 ]

بإتلاف المتلف، وهو بعيد) وأما ما ذكره من عدم وجوب النقص على المتقبل لو كان النقصان من حيث الخرص، فيدفعه صريح بعض النصوص السابقة، وظهور آخر و كون الثمن منها لا ينافي ذلك، إذ يلزم بالتادية من حصته. نعم لو فرض نقصان المجموع من المقدار اتجه ذلك، إلا أنه نادر لا يحمل عليه إطلاق النصوص والفتاوى، فتأمل جيدا، ثم إنه لا يخفى ظهور النص السابق في اعتبار البلوغ كما أنه صرح غير واحد بعدم وجوب القبول على الشريك، للاصل وغيره لكن قد يظهر من النصوص السابقة الالتزام بإحدى فردي التخيير، مؤيدا بوجه مشروعية التقبيل من خوف الخيانة ونحوها، والظاهر أنه لا يعتبر في القبالة ما تقدم في العرية من وجوب الاخذ بمقدار الخرص من غير زيادة ولا نقيصة، بعدما سمعت من عدم الربا في المقام (والناس مسلطون على أموالهم) كما أنه قد ظهر لك مما قدمنا إمكان جريان التقبيل بالنسبة إلى غير الشريك بل في غير الثمار، بناء على أن القبالة نوع من الصلح، وإن ذلك كله جايز فيه، لعموم قوله عليه السلام (1) (الصلح جائز بين المسلمين) لكن ظاهر الاصحاب الاقتصار وهو مؤيد لكون القبالة قسما مستقلا برأسها، فيقتصر في موردها على المتيقن. والله أعلم. المسألة (الثامنة: إذا مر الانسان بشئ من النخل أو شجر الفواكه أو الزرع) أو قريب منها، بحيث لا يعد قاصدا عرفا بل كان ذلك منه (إتفاقا جاز أن يأكل من غير إفساد) مع عدم العلم والظن بالكراهة على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا بل في المختلف (عن السرائر إذا مر الانسان بالثمر جاز له أن ياكل منها قدر كفايته، ولا يحمل منها شئا على حال، من غير قصد إلى المضي إلى الثمرة للاكل، بل كان الانسان مجتازا في حاجة ثم مر بالثمار، سواء كان أكله منها لاجل الضرورة، أو غير ذلك، على ما رواه أصحابنا وأجمعوا عليه لان الاخبار في ذلك متواترة، والاجماع منعقد منهم، ولا يعتد بخبر شاذ أو خلاف من يعرف باسمه ونسبه، لان الحق مع غيره


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب احكام الصلح الحديث 1 - 12

[ 128 ]

وعن الخلاف الاجماع أيضا في النخل والفواكه، وفي الرياض لم نقف على مخالف فيه من قدمائهم إلا ما يحكي عن المرتضى في بعض كتبه، بل في شرح الاستاد أنه قيل بإضافة الزرع والخضر، ونقلت عليه الشهرة، ونسب إلى بعض نقل الاجماع فيه. وكيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن سنان (1) لا بأس بالرجل يمر بالثمرة وياكل منها ولا يفسد، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تبني الحيطان في المدينة، لمكان المارة، قال: وكان إذا بلغ نخله أمر بالحيطان فخرقت لمكان المارة) ونحوه خبر أبي الربيع (2) عنه أيضا، إلا أنه قال: (ولا يفسد ولا يحمل (كمرسل الفقيه (3) عنه أيضا من مر ببساتين فلا بأس أن يأكل من ثمارها، ولا يحمل شيئا. وقد قال محمد بن مروان للصادق عليه السلام في المرسل (4) المروي بطرق ثلاثة (أمر بالثمرة فآكل منها ؟ قال: كل ولا تحمل) وزاد في أحد طرقه (قلت: جعلت فداك إن التجار قد اشتروها ونقدوا أموالهم، قال إشتروا ما ليس لهم) وسأله أيضا يونس (5) عن الرجل يمر بالبستان، وقد حيط عليه أو لم يحط عليه، هل يجوز أن يأكل من ثمره، ليس يحمله على الاكل من ثمرة الا الشهوة له، وله ما يغنيه عن الاكل من ثمرة، وهل له أن يأكل من جوع ؟ قال: لا بأس أن ياكل ولا يحمله، ولا يفسده) و سأله (ابن أبى عمير (6) (عن الرجل يمر بالنخل أو السنبل أو الثمرة، فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها ضرورة أو غير ضرورة ؟ قال: لا بأس) وخبر علي بن جعفر (7) عن أخيه المروى عن كتاب مسائله لاخيه قال: (سألته عن الرجل يمر على ثمرة فيأكل منها، قال: نعم قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تستر الحيطان برفع بنيانها)


(1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 12 - 8 - 4 - 5 - 3 - 2

[ 129 ]

إلى غير ذلك من النصوص التى لا يبعد تواترها كما سمعته من ابن ادريس، ولذا عمل بها هو كغيره ممن لا يرى العمل إلا بالقطعيات. فمن الغريب بعد ذلك التوقف في الحكم المزبور فضلا عن الجزم بعدمه لقاعدة قبح التصرف في مال الغير بغير إذنه، المعلومة بالعقل والنقل، كمعلومية حرمة الظلم والجور والخيانة والسرقة، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وصحيح علي بن يقطين (1) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر أيحل له أن يتناول منه شيئا ويأكل من غير إذن صاحبه وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة، وأمره القيم، وليس له وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه ؟ قال: لا يحل له أن يأخذ منه شيئا) ومرسل مروان بن عبيد (2) قلت للصادق عليه السلام: (الرجل يمر على فراخ الزرع يأخذ منه السنبلة ؟ قال: لا قلت: أي شئ السنبلة، قال: لو كان كل من يمر به يأخذه منه سنبلة لا يبقى منه شئ) وخبر مسعدة بن زياد المروي عن قرب الاسناد (3) (عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه سئل عما يأكل الناس من الفاكهة والرطب مما هو حلال لهم ؟ فقال لا يأكل أحد إلا من ضرورة ولا يفسد، إذا كان عليها بناء يحاط ومن أجل الضرورة نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبنى على حدائق النخل والثمار، بناء لكي لا يأكل منها أحد) مؤيدا ذلك كله بنصوص التقبيل والخرص في الزكاة والخراج، بل وبما دل على إخراج النخلة ونحوها لاجل المارة، الظاهر في التساهل بأمر المارة وباستمرار السيرة على بناء الجدران ووضع الابواب ومنع الناس وامتناعهم، مع أنه لو كان مثل ذلك جائز الشاع، حتى بلغ التواتر، لا أنه تعارف خلافه وبأن فتح هذا الباب يقضى بأن تضمحل أموال الناس كما أومأ إليه خبر السنبلة، سيما مع كثرة الثمار على الطرق المسلوكة، بل يبعث على التجرى على الحرام، حتى أن كل من يجئ يقول لم أكن قاصدا له، ومن كان له عداوة مع أحد يتقصد إضراره


(1) (2) (3) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 7 - 6 - 10

[ 130 ]

وله عذر واضح، بل يلزم منه أيضا استباحة الاغنياء زكاة الفقراء غير السادات، وخمس السادات مع القول بالتعلق بالعين. ومن ذلك يظهر أن أدلة الجواز لا تقوى على تخصيص هذه الادلة، سيما مع اختلاف نقل الاجماع، وعدم خلو كثير من النصوص السابقة عن البحث في السند أو الدلالة، وإمكان حمل جملة منها على شهادة القرينة بالاذن، كما يرشد إليه خبر الجدران، أو على أن لذلك العصر خصوصية على شهادة القرينة بالاذن أو على حال الضرورة أو على تعليم أهل الثمار الرخصة، وأنه ينبغى لهم ذلك نحو ما وقع من النبي صلى الله عليه وآله، وفي المروي عن صاحب الزمان عجل الله فرجه (1) في جواب مسائل العمري، (أما سألت من أمر الثمار من أموالنا يمر به المار فيتناول منه ويأكل هل يحل له ذلك ؟ فانه يحل له أكله، ويحرم عليه حمله) ولا أقل من أن يفيد ذلك كله الشك والاصل الحرمة. هذا أقصى ما يقال في ترجيح القول بالعدم الذي هو مختار المرتضى في المحكي عنه في المسائل الصيداوية، والفاضل في مكاسب المختلف، وإن توقف في الاطعمة، والمحقق الثاني وغيرهم من المتأخرين ومتأخريهم، واختاره الاستاد الاكبر، إلا أن الجميع كما ترى، بل يشبه أن يكون إجتهادا في مقابلة النص، إذ القاعدة بعد تسليم حكم العقل باقعادها حال عدم العلم بالكراهة يجب الخروج عنها ببعض ما عرفت، فضلا عن جميعه كغيرها من القواعد، إذ مرجعه إلى الاذن الشرعية التي هي اقوى من المالكية، وبها مع فرض كون موضوع البحث عدم العلم بالكراهة، يخرج ما نحن فيه عن موضوع الظلم والخيانة والسرقة والجور والاكل بالباطل ونحو ذلك. والصحيح مع معارضته بغيره محتمل للحمل منها وللكراهة، ولارادة بيان حكم التناول مع نهى المالك وأمر القيم، ولغير ذلك، والمرسل مع عدم الجابر


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 9.

[ 131 ]

ومعارضته بما سمعت محتمل أو ظاهر أو صريح في غير التناول للاكل، ضرورة استبعاده في السنبلة الواحدة لعدم تعارفه بل ظاهر السائل الاقدام على ذلك باعتبار قلة الاكتراث بالسنبلة، فأجابه عليه السلام بالحكمة المزبورة. وفي الحدائق (الظاهر أن هذا الخبر لا يدخل في سياق هذه الاخبار، فلا معنى لاجرائه في هذا المضمار، فإن موضوع المسألة الاكل من الثمار في مكانه من غير أن يحمله، والظاهر أن السنبل ليس من المأكول على تلك الحال، فالظاهر إرادة حمله، والمنع فيه مما لا خلاف فيه وهو حسن. لكن قيل يتعارف أكله مقلا ونحوه، وخبر قرب الاسناد محتمل للكراهة، خصوصا مع استثنائه الضرورة، وعدم بيان حدها، بل الظاهر منها عدم الوصول إلى حد الخوف على النفس، أو أن المراد منه المنع منه مع قيام شاهد الحال على العدم كالحائط ونحوه، والخرص والتقبيل مع كونه في الغالب عند البلوغ، يمكن اعتبار أمر المارة فيه وإخراج النخلة لارادة المارة بصاحب البستان، فإن من المتعارف بذل شئ من الثمرة لمن يمر به، والمسلم من قيام السيرة علي ما يفسد وبناء الجدران ووضع الابواب للخوف من ذلك، على أنه إذا كان قد تعارف المنع خرج عن موضوع المسألة الذى هو الاكل مع عدم العلم بالمنع، وعدم البلوغ إلي حد التواتر لا يقضى بالمنع كما في غيره من الاحكام التي هي أهم منه، مع أنك قد سمعت دعواه ودعوى الاجماع وغيرهما، وليس في الاكل مع عدم الافساد إضمحلال لاموال الناس، بل ربما أدى إلى البركة فيها، ومثل هذه الباعثية لا تصلح دليلا للمنع، كوضوح العذر له، ولو أن نحو ذلك صالح لامتنع كثير من الاحكام الشرعية، وإباحة الشارع الثمرة للمارين أغنياء كانوا أو فقراء تجرى على الجميع كما اعترف هو به في آخر كلامه، لانه المالك الحقيقي، وليس مثل هذا الاختلاف في نقل الاجماع قادحا، كما أن عدم خلو النصوص عن البحث في السند أو الدلالة بعد الاعتضاد بما عرفت غير قادح أيضا.

[ 132 ]

ومن ذلك كله ظهر لك قوة القول بالجواز. نعم ليس في شئ من نصوصه تعرض لغير الثمرة والنخل، واقتصار بعضهم على الثاني، كما عن الشيخ في المسائل الحائرية في غير محله إن أراد عدم الجواز في غيره، أما الخضر فقد عرفت عن بعضهم دعوى الشهرة عليه، وآخر نقل الاجماع، وقد يدعى تناول لفظ الثمرة له كما يشهد به صحيح ابن يقطين (1) السابق وغيره، كتناول لفظ البستان المراد منه ما فيه، بل قد يدعى تناولهما لمطلق الزرع خصوصا الثاني متمما حينئذ بعدم القول بالفصل مضافا إلى مرسل ابن ابى عمير (2) السابق لكن تردد فيهما المصنف في النافع وأطعمة الكتاب، لاختصاص كثير من الادلة السابقة بغيرهما، وللصحيح (3) والمرسل (4) السابقين في دليل المنع مضافا إلى الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن، وفي الرياض (لا ريب أن الترك هنا بل وسابقا أيضا أحوط وأولى، بل ربما كان متعينا، ولا وجه لتخصيص التردد بالحكم هنا مع جريانه في غيرهما إلا وجود القائل بالمنع هنا زائدا على المرتضى وعدم حكاية إجماع هنا مع اختصاص كثير من الفتاوي المجوزة المحكية في المختلف بالحكم سابقا). قلت: قد عرفت عن بعضهم نقل الاجماع، كما أنك عرفت وجه الاختصاص بالتردد، وعلى كل حال فلا ريب أن الاحوط الترك فيهما، بل وفي غيرهما وإن اختلف شدة وضعفا، ثم إن ظاهر المتن كغيره اشتراط الجواز بأمور ثلاثة، أحدها - كون المرور إتفاقيا، فلو كان مقصودا لم يجز له، إقتصارا على المتيقن، وقد يظهر من الرياض دعوى الاجماع عليه، كما في الحدائق نسبه إلى الاصحاب، وفي شرح الاستاد (اعتبار عدم قصد المرور منه ولا من وليه لخصوص تلك الثمرة ونحوه، لا في مبدء المسافة، ولا في أثنائها، ليتحقق صدق اسم المرور، وللاجماع عليه، ولو عينها بالاشارة واختلف الاسم كان قاصدا، بخلاف العكس، والعمدة ما عرفت من الاقتصار على المتيقن وخبر عبد الله بن سنان (5) السابق مع قصور سنده وعدم الجابر له، يمكن


(1) (2) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 7 - 3 (3) (4) (5) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 7 - 6 - 12

[ 133 ]

أن يكون نفي الباس فيه عن الاكل، فكأنه قال: لا بأس بالاكل بعد المرور إتفاقا). لكن قد يقال: ان ظاهر النصوص الجواز بتحقق اسم المرور وإن كان مقصودا. نعم إذا كان المقصود المجئ إلى البستان مثلا لم يصدق عليه اسم المرور بها، وهذا لا يقتضى اعتبار الاتفاق في المرور، ضرورة أعمية مفاد النصوص من ذلك، فالتحقيق دوران الحكم مداره، فيرجع هذا الشرط إلى تحقق مسماة لا أمر زايد، وقاعدة الاقتصار على المتيقن لا وقع لها مع فرض ظهور الادلة الذي عليه المدار في جميع الاحكام كما هو واضح. الثاني: عدم الافساد بلا خلاف أجده فيه بل ادعى بعضهم عليه الاجماع، وهو الحجة بعد الاقتصار المزبور، وانصراف ارادة الشرطية من النهي في المقام في النصوص السابقة عنه وعن الحمل، ومنه يظهر وجه الشرط الثالث الذى أشار إليه المصنف بقوله (ولا يجوز أن يأخذ معه شيئا) بل في الرياض بعد نسبة الحكم به إلى القطع به بين الطائفة - لعله إجماع، لكن قال بعد ذلك: (ان إثبات شرطيته و سابقه من الاصل والنصوص مشكل، لاندفاع الاول باطلاق الرخصة، ولعدم نهوض الثاني إلا بالنهي عنهما، وغايته الحرمة، وهي أعم من الشرطية، فاثباتها بذلك في كلام جماعة لا تخلو من مناقشة. نعم الظاهر التلازم بينهما في النهي عن الافساد، إذا فسر بما مر، وهو عدم الاكل كثيرا بحيث يؤثر فيها أثرا بينا، ويصدق معه مسماه عرفا ويختلف ذلك بكثرة الثمرة والمارة وقلتهما جدا، لا إن فسر بالمعنى الاخر وهو هدم الحائط أو كسر الغصن أو نحو ذلك) قلت: قد عرفت ظهور النهي المزبور في الشرطية هنا كغيره من المقامات سيما بعد الاعتضاد بظاهر كلام الاصحاب، وإن كان في ظهور العبارة ونحوها بالشرطية نوع مناقشة، ولكن مع الالتفات إلى كلام الاصحاب - واستبعاد اقترانها بالاباحة علي معنى إرادة الحرمة الخارجية منها على حسب غيرها من المحرمات - تندفع المناقشة المزبورة.

[ 134 ]

وأما ما ذكره من التلازم المزبور فلا يخلو من مناقشة مع فرض تحقق الفساد بالاخر، فإنه لا مانع حينئذ من القول باختصاصه بالحرمة دون الاول، نعم لو قلنا بالاخير يتحقق الفساد في الجميع على وجه يكون تمام ما أكله مندرجا في النهي إتجه ذلك، ولكنه خلاف المنساق، من قوله كل ولا تفسد. ثم إن الظاهر من هذا الشرط و سابقه كونه من الشرائط الكاشفة، لو فرض تأخيرهما عن الاكل المباح، وقلنا بالشرطية في هذا الحال، لاطلاق الادلة، ولكن الكشف بالنسبة إلى الضمان متجه، أما بالنسبة إلى الاباحة فلا يخلو من منع، ودعوى أن الشرط فيهما قصد الحمل وقصد الافساد يدفعها ظهور الادلة في خلافها، بل لا إشعار في شئ بالقصد. نعم قد يقال: بتصور الكشف فيها على بعد، بل يمكن القطع بفساده بملاحظة الادلة فتأمل. وكيف كان فظاهر الاستاد الاكبر ثبوت الحرمة بقصد الافساد بلغ حده أولا قال: (ومع عدم القصد ينتفى الجواز عند خوفه، ولا فرق بين حصول الفساد من واحد أو من جماعة، فلو أكلت المارة حتى قرب الفساد حرم على الاخير، وإذا علم ترتب الفساد علي المجموع، اقترعوا على التناول، فيجوز لكل من طلعت له القرعة (ثم قال): والمنع مع الفساد في الجملة مما يقضى به الاصل والعقل والكتاب والسنة والاجماع محصله ومنقوله، وبعض أخبار الباب. والظاهر أنه لا فرق بين الفساد في الشجر والثمر، وفي الجدران والسواقى و المساقي، وبمثل ذلك يظهر قوة التحريم، لان المار لا يعلم قدر الثمرة ابتداء حتى يعرف الفساد، فربما أكل من صاع هو بقية الف صاع من حيث لا يعلم، والظاهر ثبوت الضمان عليه مع العمد في الافساد بدونه، وأجرة المثل لو مكث زائدا على مقدار ما يحتاج إليه في التناول، إلى أن قال:، ولا بد أن يقتصر في الاكل على أكله المعتاد على وفق المعتاد، فان زاد ضمن الجميع، وله الخيار في اختيار أقسام الثمرة، ولو عين المالك شيئا تعين) وفيه مواضع للنظر، كما أن ما فيه أيضا من أن الظاهر إعتبار كون الثمرة علي الشجر، إقتصارا على المتيقن، وكون المار مسلما حيث

[ 135 ]

يكون المالك كذلك، إذ لا سبيل عليه لغيره، واعتبار الايمان من المؤمن لا يخلو من وجه، واشتراط أن لا يكون له ثمر متصل بثمر الغير، وأن يكون حاملا من جنسه لا يخلو من قوة، واشتراط عدم علم الكراهة أو ظنها، وعدم السور والباب ينافيه ما في بعض روايات الباب، ولا محيص عن القول به كذلك) فيه مواضع للنظر أيضا. نعم ما فيه (من أنه لا يجوز أن يهب مارا ولا غيره أو يجعله نائبا وما أكلته المارة حين تعلق الزكاة أو الخمس جار على الجميع، فلا شئ للفقراء على المالك، وليس حق المارة مما يجوز نقله، ولو استناب أحدا في التناول له جاز علي إشكال) جيد بل الاشكال في الاخير ضعيف، ثم إن ظاهر خبر ابن سنان السابق (1) اعتبار البلوغ في الثمرة فلا تباح حينئذ للمارة قبل بلوغها، كما هو مقتضى الاقتصار على المتيقن نعم لا يبعد أن يكون المراد من ذلك الوصول إلى حد إعتياد التناول، وربما ظهر من بعض مشائخنا تعميم الحكم للثمرة وإن لم تبلغ حد اعتياد الاكل، وهو وإن كان قد يشهد له إطلاق كثير من النصوص، لكن ما ذكرنا أقوى وأحوط، ولا فرق بين الثمرة المعتادة وغيرها من سائر الشجر والله أعلم.


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الثمار الحديث 12

[ 136 ]

(الفصل التاسع) (في) البحث عن (بيع) الاناسى من (الحيوان و) تمام القول فيه يتوقف على (النظر فيمن يصح تملكه وأحكام الابتياع ولواحقه). (أما الاول) فلا خلاف في أن (الكفر الاصلى) بأحد أسبابه (سبب لجواز استرقاق) الكافر (المحارب) الخارج عن طاعة الله ورسوله، ولم يكن معتصما بذمة أو عهد أو نحوهما (و) يلحقه في هذا الحكم (ذراريه) وإن لم يتصفوا بوصفه (ويسري الرق في أعقابه وإن زال) وصف (الكفر) عنه، لانهم نماء الملك الذى قد فرض حصوله بحصول سبب التملك حال الاسترقاق، (ما لم يعرض الاسباب المحررة) فيتبعه حينئذ أعقابه بعد الحرية فيها، لخروجه عن الملك المقتضي لملكية النماء حينئذ، وخرج بالأصلي المنتحل للاسلام المتحصن به عن الاسترقاق إجماعا، والمرتد الذي خرج كفره المتجدد بتخلل الاسلام أو ما في حكمه عن كونه أصليا، لاصالة الحرية السالمة عن المعارض بعد اختصاص الفتاوى والنصوص ولو بحكم التبادر في غيره، بلا خلاف أجده في ذلك هذا. وفي الحدائق (المرتد وإن كان بحكم الكافر في جملة من الاحكام إلا أنه لا يجوز سبيه، وفي جواز بيع المرتد الملى قول قواه في الدروس وأما الفطري، فلا، قولا واحدا فيما أعلم) قلت: الموجود في الدروس هنا (ويصح بيع المرتد عن ملة

[ 137 ]

لا عن فطرة على الاقوى) والظاهر كون المراد بيع المالك للعبد المرتد عن ملة لا عن فطرة، وغير الاقوى جواز بيعهما معا، قال في التذكرة: (المرتد إن كان عن فطرة ففى صحة بيعه نظر، ينشأ من تضاد الحكمين، ومن بقاء الملك، فإن كسبه لمولاه، وأما عن غير الفطرة فالوجه صحة بيعه، لعدم تحتم قتله لاحتمال رجوعه إلي الاسلام). وعلى كل حال فهذا غير ما نحن فيه، ثم إن مقتضى إطلاق المتن وغيره ما هو صريح الفاضل وغيره من عدم الفرق في سبب الملك بين الكافر والمسلم، بل في شرح الاستاد أن الاجماع بقسميه عليه، وقال رفاعة في الصحيح (1) (لابي الحسن عليه السلام: إن القوم يغزون على الصقالبة والروم (2) فيسترقون أولادهم من الجوارى والغلمان، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم قد سرقوا وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم فقال لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوا من الشرك إلى دار الاسلام). وفي خبر ابراهيم بن عبد الحميد (3) عن أبي الحسن عليه السلام أيضا (في شراء الروميات فقال: اشترهن وبعهن)) وسأل عبد الله اللحام (4) أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل يشترى من أهل الشرك ابنته فيتخذها قال: لا بأس) وسأله ايضا (عن الرجل يشتري إمرأة رجل من أهل الشرك يتخذها قال: فقال: لا بأس) بل ظاهر خبر اللحام الاول ملكه من ينعتق عليه، وقد استشكل فيه الفاضل من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض، ودوام القرابة الرافعة للملك بالقهر، قال: (والتحقيق صرف الشراء إلى


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 (2) هكذا كان في النسخ المصححة، وفي الكافي " ان الروم يغيرون على الصقالبة، إلى آخر الحديث (3) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2 (4) الوسائل الباب 3 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2

[ 138 ]

الاستنقاذ، وثبوت الملك للمشترى بالتسلط) قلت: المتجه على هذا عدم لحوق أحكام البيع من الخيار والارش ونحوهما، لكن مع ذلك توقف فيه الفاضل، وهو في غير محله قطعا. نعم قد يقال ببقاء الملك لانه إن قلنا بتوقف العتق على تقدمه زمانا، فمن الواضح حينئذ عدم وقوعه مع المقارنة، لان كل حين من أحيان العتق يقارنه سبب الملك، فلم يزل مملوكا عتيقا، وإن قلنا بتوقفه على التقدم الذاتي فكذلك أيضا، إذ السببان كفرسي رهان، وقاعدة سلطان الملك (وتسلط الناس على أموالهم) أصل لا يخرج عنه في محل الشك، أو يقال إن عدم جواز التمليك عندنا، مع الجواز عندهم غير قادح في جواز الاخذ منهم، الزاما لهم بمذهبهم، ولو قلنا بعدم الجواز فالظاهر جواز أخذ الثمن منهم، لو وقع البيع بينهم، وإن كان الدافع ذميا أو معاهدا هذا. ولكن الانصاف عدم خلو أصل المسألة من إشكال إن لم يكن إجماع على كون الاستيلاء من بعضهم على بعض مملكا، كإستيلاء المسلم، خصوصا بعد أصالة الحرية وعدم ملك الناس بعضهم لبعض، والنصوص المزبورة محتملة لارادة التسلط العرفي من الشراء فيها خصوصا في الرواية الاولى المقتضى خصي الغلمان فيها العتق، لكونه تنكيلا، بل من المحتمل إرادة المخالفين من ملوك أهل الجور من القوم فيها، ومن الغريب الجزم من بعض الناس بالملكية في السبب بالتقرير الذى سمعته، مع أنه يمكن منع كون السببين فيه على ما ذكر، باعتبار تقدم القرابة المتحققة بانعقاد النطفة، ولا ريب في أنها قبل القهر والله اعلم. (ويملك اللقيط من دار الحرب) التى ليس فيها مسلم يمكن تولده منه بالاستيلاء عليه، بلا خلاف أجده فيه، إلحاقا له بأهل الدار الذين قد عرفت كون حكمهم ذلك، ولا يملك إذا كان فيها مسلم يمكن تولده منه بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه لاصالة الحرية، لكن قد يناقش فيها بظهور الوجدان

[ 139 ]

في الدار في كونه منهم، وهو كاف في قطع الاصل، وإلا لم يترتب الملك على الالتقاط إلا نادرا، لندرة عدم الاحتمال، ولو جرى الحكم في الاسر أيضا لوحدة المدرك، لقل ما يحكم بترتب الملك فيه أيضا، ولوجب في الغالب الفحص والسؤال إذ قل ما ينتفي الاحتمال، قلت: يمكن أن يكون المستند في ذلك إطلاق النصوص لا الاصل المزبور، كقول الصادق عليه السلام في خبر زرارة (1) (اللقيط لا يشترى ولا يباع) وفي خبر المدايني (2) (المنبوذ حر، فإن احب أن يوالي غير الذى رباه ولا فان طلب منه الذى رباه النفقة، وكان مؤسرا رد عليه، وإن كان معسرا كان ما أنفق عليه صدقة): وفي خبر عبد الرحمن العرزمى (3) عن أبيه عن الباقر عليه السلام (المنبوذ حر فإذا كبر فإن شاء يوالي الذى التقطه، وإلا فليرد عليه النفقة، وليذهب فليوال من يشاء) وسأله محمد بن مسلم (4) في الصحيح (عن اللقيطة فقال: حرة لا تباع ولا تشترى ولا توهب) اللهم إلا أن يدعى أن الاخبار لا يفهم منها إلا ما في دار الاسلام، كما يفهم من أخبار لقطة المال والحيوان ويدفع بمنع إختصاصها في ذلك، ولو بمعونة فهم الاصحاب. نعم لا ريب في خروج ما كان منه في دار الحرب علي الوجه السابق منها، ترجيحا لما دل على جواز تملك مثله عليها إن قلنا بشمول إطلاقها لمثله، كما أنه لا ريب في إختصاص الحكم المزبور بالالتقاط، لماعرفت من اطلاق النصوص الحرية، أما الاخذ ونحوه مما لا يعد التقاطا فيترتب عليه أحكام الملك، بظاهر الدار، ولا يلتفت إلى الاحتمال المذكور، بل قد يمنع الحاق المعتصم بالمسلم في الالتفات إلى الاحتمال المزبور، لعدم إنجبار الاطلاق بالفتوى، بل ظاهر الفتوى القطع بوجود المسلم الممكن التولد منه) فلا يجزى الظن بوجوده، فضلا عن الاحتمال لاصالة عدمه


(1) (2) (3) (4) الوسائل الباب 22 من ابواب اللقطة الحديث 1 - 2 - 3 - 5

[ 140 ]

السالمة هنا عن المعارض، بخلاف أصالة عدم التولد منه. (و) على كل حال فقد ظهر أنه (لا يملك) اللقيط (من دار الاسلام) بلا خلاف، فتوى ونصا، الا إذا علم إنتفاؤه عن المسلم ومن في حكمه بالنسبة إلى ذلك (فلو بلغ وأقر) جامعا لشرائط صحة الاقرار بالرق، أو ببعض علله أو نحو ذلك مما يقتضيه (قيل) والقائل ابن ادريس ناسبا له إلى محصلى الاصحاب (لا يقبل) لان الشارع حكم عليه بالحرية، (وقيل) والقائل غيره، بل قيل إنه إجماع (يقبل وهو أشبه) بعموم جواز إقرار العقلاء على أنفسهم، وبما سمعه ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام (إن عليا عليه السلام كان يقول الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك، من عبد أو أمة، ومن شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا) وسأله الفضل (2) (عن رجل أقر أنه عبد قال: يؤخذ بما أقر به) ولا ينافيه الحكم الشرعي ظاهرا بالحرية كما في غيره مما يعترف الخصم به. ودعوى ظهور نصوص اللقيط في التحرير شرعا لا الحكم بها، ظاهر ينفيها إتفاق الاصحاب على خلافها ظاهرا، بل يمكن دعوى انسياق ذلك منها، مع قطع النظر عنها، خصوصا بعد معلومية خروج المعلوم انتسابه إلى أهل الحرب منها، ثم إنه قد يظهر من إطلاق المتن وغيره في باب اللقطة عدم اعتبار الرشد في صحة الاقرار المزبور لانه ليس اقرارا بالمال، وإن ترتب عليه، كما يسمع إقراره بما يوجب القصاص، وإن أمكن رجوعه إلى المال بوجه وأشكل بما لو كان في يده مال، فإن إقراره على نفسه بالرقية يقتضى كون المال له، إلا أن يقال بثبوته تبعا لثبوت الرقية، لا أنها إقرار بالمال، وفيه بحث، ومن هنا مال بعضهم إلى اشتراطه، بل جزم به شيخنا في شرحه بذلك، لما عرفت، ولانه نفسه مال، فلا يقبل إقراره، وفيه أنه لا دليل معتبر صالح لتقييد أدلة جواز الاقرار التى يجب الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن الذى هو غير مفروض البحث قطعا، كما هو واضح بأدنى تأمل، وتفسير المدرك


(1) (2) الوسائل الباب 29 من ابواب العتق الحديث 1 - 2

[ 141 ]

بالرشيد في الخبر المزبور لا شاهد له بل ظاهره إرادة كونه بالغا عاقلا، هذا وتسمع تمام البحث في أطراف المقام إنشاء الله تعالى. (ويصح أن يملك الرجل كل أحد) لعموم الادلة أو إطلاقها (عدا أحد عشر) فلا يستقر ملك الرجل عليهم، بل ينعتقون عليه قهرا (وهم الاباء والامهات والاجداد والجدات) لهما أو لاحدهما (وإن علوا والاولاد وأولادهم ذكورا وأناثا) وخناثا (وإن سفلوا والاخوات والعمات والخالات) وإن علتا، لاعمة العمة ولا خالة الخالة ولا عمة الخالة ولا خالة العمة إذا لم تكن عمة وخالة (وبنات الاخ وبنات الاخت) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، إذ اقتصار البعض على ذكر البعض ليس خلافا في المقام قطعا كما لا يخفى على من لاحظ بل الاجماع بقسميه على ذلك. نعم قيل بل نسبه بعضهم إلى ظاهر الاكثر أن المراد من نحو ما في المتن عدم استقرار الملك، فيدخل في الملك آنا ما بعد الشراء مثلا، ثم ينعتق ولعله للجمع بين قاعدة (لا عتق إلا في ملك) وقاعدة (ترتب الملك على أسبابه) وبين ما دل على الانعتاق هنا قهرا، مضافا إلى ظهور بعض نصوص المقام في حصول الملك بالشراء ثم العتق، كقوله (إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته عتقوا) وقوله (إذا ملكهن عتقهن) ونحو ذلك، فالجمع بين ذلك وبين التبعض الآخر الدال على عدم الملك بارادة المستقر من الثاني وغيره من الاول هذا. وقد يقال أن ظاهر جملة من النصوص ترتب العتق على نفس الشراء مثلا، فيمكن أن يكون تقدم الملك علي العتق تقدما ذاتيا لا زمانيا، ومثله كاف في مثل (لا عتق إلا في ملك) ضرورة أنه على تقدير إرادة الزمان يستلزم تخلف المعلول عن العلة، وهو ممتنع عقلا من غير فرق بين قصر الزمان وطوله، فالشراء مثلا سبب لحصول الملك والعتق معا، إلا أنه لما كان الاول سببا في الثاني كان متقدما عليه في الذات لا الزمان كتقدم الشراء على الملك وغيره من العلل والمعلولات، وحينئذ فيمكن الجمع بين

[ 142 ]

النصوص بذلك، بل هو أقرب من الاول إلي الضوابط، فتأمل جيدا، والله اعلم هذا. وستسمع الحكم في الصبي والصبية والخنثى المشكل. (و) على كل حال ف‍ (هل يملك) الرجل (هؤلاء من الرضاع قيل:) والقائل القديمان والمفيد والديلمي وابن إدريس، بل نسبه الاخير إلى المحصلين من الاصحاب (نعم، وقيل) والقائل الشيخ وابنا البراج وحمزة وغيرهم (لا، وهو الاشهر) بل المشهور بين المتأخرين، بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه، لقول الصادق عليه السلام في صحيح أبي بصير وأبى العباس وعبيد (1) الذي رواه الصدوق بأسانيد متعددة، ولا يملك (أي الرجل) أمه من الرضاع ولا إبنته ولا عمته ولا خالته، فانهن إذا ملكن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع مثل ذلك، وقال: يملك الذكور ما خلا والدا وولدا، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم، قلت: يجرى في الرضاع مثل ذلك ؟ قال: نعم يجرى في الرضاع مثل ذلك) ونحوه خبر أبى بصير الاخر (2) وزاد يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وصحيح الحلبي وابن سنان (3) في امرأة أرضعت ابن جاريتها ؟ فقال:) تعتقه) وعن المقنع أنه رواه مرسلا، وفي صحيح عبيد (4) (ولا يملك أمه من الرضاعة وسأله ابن سنان (5) أيضا (عن إمراة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى تفطمه، يحل لها بيعه ؟ قال: لا، حرم عليها ثمنه، ثم قال: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، قد صار إبنها، فذهبت أكتبه فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس مثل هذا يكتب) ونحوه صحيحه الآخر (6) إلا أن فيه سئل وأنا حاضر،


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 (2) (3) الوسائل الباب 4 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2 - 3 (4) الوسائل الباب 7 من ابواب العتق الحديث 7 (5) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الحديث 3 (6) الوسائل الباب 17 من ابواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1

[ 143 ]

وعن المقنع (1) أنه (روي في مملوكة أرضعتها مولاتها بلبنها أنه لا يحل بيعها)، وخبر على بن جعفر المروى عن كتابه (2) (سأل أخاه عن امرأة أرضعت مملوكها ما حاله ؟ قال: إذا أرضعته عتق). وصحيح عبد الرحمان (3) عن الصادق عليه السلام أيضا قال (سألته عن المرأة ترضع عبدها، أتتخذه عبدا، قال: تعتقه وهي كارهة) قيل ورواه الشيخ بسند آخر مثله، إلا أن فيه (ويعتقونه وهم له كارهون) والظاهر إرادة الانعتاق قهرا، ومنه يعلم المراد من صحيح الحلبي وابن سنان السابق، كما أن الظاهر عدم إرادة الاقتصار على الام من صحيح عبيد، للاجماع المركب على خلافه، ولظهور النصوص في أن العلة علقة الرضاع، فهذه النصوص مع صحة السند وكثرة العدد وشهرة العمل والمخالفة للعامة لا محيص عن العمل وقطع الاصول بها، بل ربما ظهر من بعضهم تأييدها بدعوى اندراج ذي العلقة الرضاعية في اسم الاسماء فتزداد حينئذ النصوص الدالة على المطلوب. لكن لا يخفى ما فيه إلا أنا في غنية عنه بما عرفت مما لا يصلح لمعارضته خبر ابن سنان (4) عن الصادق عليه السلام (إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر إلا ما كان من قبل الرضاع) وصحيح الحلبي (5) عنه أيضا، في بيع الام من الرضاع ؟ (قال: لا بأس بذلك إذا احتاج). وخبر ابي عيينة (6) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: غلام بينى وبينه رضاع، يحل لي بيعه، قال إنما هو مملوك، إن شئت بعته، وإن شئت أمسكته، ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران) مع أن الاخير منهما ظاهر في الاخ، وقد عرفت صحة ملكه


(1 و 2) الوسائل الباب 17 من ابواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 4 (3) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الحديث 2 (4) (5) التهذيب ج 8 ص 245 الحديث 118 - 119 الطبع الحديث (6) الوسائل الباب 4 من ابواب بيع الحيوان الحديث 4

[ 144 ]

في النسب فضلا عن الرضاع، بل الاستدراك فيه ظاهر في إرادة الابوين من الرضاع فهو شاهد على المطلوب حينئذ. ويمكن إرادة بيع الام من الرضاع لابي الغلام من الثاني الذى قيد البيع فيه بالاحتياج، والمعروف بين المخالف عدمه، أو يحمل الرضاع فيه على غير المحرم أو نحو ذلك كالاول المشتمل على ما يخالف الاجماع وباقي النصوص من عدم حرية الاخ، بل ربما احتمل كون (أو) فيه بمعنى الواو، إلا أنه لا يخفى عليك بعده، لكن لا بأس به جمعا بعد ظهور المرجوحية في السند والعدد والعمل، وإن كان الاولى الحمل على التقية فيما عليه اتفاق العامة كما قيل، وربما كان في صحيح ابن سنان (1) السابق إشارة إليه إن لم يحمل الانكار فيه على ارادة الظهور والوضوح والله اعلم. وكيف كان فلا خلاف في ملك الرجل غير من عرفت من الذكور، وقد سمعت قول الصادق عليه السلام في الصحيح الاول (2) وفيه أيضا، (ويملك إبن أخيه وعمه وخاله) كقوله في صحيح عبيد (3) بعد ذكر العمودين والاناث المحارم، (ويملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته)، وقول أبى جعفر عليه السلام في خبر محمد بن مسلم (ويملك أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال) وسأل عبد الرحمن (4) أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتخذ أباه وأمه وأخاه وأخته عبيدا ؟ فقال: أما الاخت فقد عتقت حين يملكها وأما الاخ فيسترقه، وأما الابوان فقد عتقا حين يملكهما، وقال أيضا في خبر كليب الاسدي (5): (إذا ملك الابوين، فقد عتقا، وقد يملك إخوته فيكونون مماليك ولا ينعتقون). لكن في خبر عبيد (6) لا يملك الرجل أخاه من النسب ويملك ابن اخيه) وفى موثق سماعة (7) (عن الصادق عليه السلام في رجل يملك ذا رحمه، هل يصلح له أن


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الحديث 3 (2) (3) الوسائل الباب 7 من ابواب العتق الحديث 1 - 4 (4) (5) (6) الوسائل الباب 7 من ابواب العتق الحديث 5 - 8 - 6 (7) الوسائل الباب 4 من ابواب بيع الحيوان الحديث 6

[ 145 ]

يبيعه أو يستعبده قال: لا يصلح بيعه ولا يتخذه عبدا، وهو مولاه وأخوه في الدين، وأيهما مات ورث صاحبه إلا ان يكون له وارث أقرب منه) وسأله أيضا في موثقه الآخر (1) عن ذلك (فقال: لا يصلح له أن يبيعه وهو مولاه وأخوه في الدين، فإذا مات ورثه دون ولده، وليس له أن يبيعه ولا يستعبده) وحملها على الكراهة متجه، ولذا قال: المصنف: (ويكره أن يملك ما عدا هؤلاء من ذوى قرابته، كالاخ والعم والخال واولادهم) وإن كان في استفادة تمام ذلك من النصوص السابقة إشكال، إذ حاصله كراهة ما يملكه مختارا، وكراهة الابقاء على الملك في القهري، لكن أمر الكراهة سهل، ويكفى فيها الفتوى مع قوله (لا يملك الرجل أخاه) وعدم القول بالفصل والظاهر حمل الفرق فيه بين الاخ وولده على الشدة والضعف، كل ذلك مع المنافاة لصلة الارحام والاخلال بالاحترام فلا ينبغى البيع ولا غيره من النواقل ولا الاستعباد، بل قيل أنه لا ينبغى ذلك في المحترم شرعا لفضيلة علم أو صلاح أو شيخوخة أو علقة بنسب شريف كالهاشمي على اختلاف مراتبها، وكذا من كان له حق لصداقة أو إحسان أو تأديب أو تعليم ونحو ذلك. (و) كيف كان ف‍ (تملك المرأة كل أحد عدا الاباء وإن علوا والاولاد وإن نزلوا نسبا) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى في المستثنى، وقد سأل أبو حمزة الثمالي (2) الصادق عليه السلام (عن المرأة ما تملك من قرابتها، قال: كل أحد إلا خمسة، أباها وأمها وابنها وابنتها وزوجها) وأما المستثنى منه، فللاصل والعمومات السالمة عن المعارض، لكن في المقنعة لا يصح استرقاق المرأة أبويها ولا أولادها، ولا أخاها ولا عمها ولا خالها من جهة النسب وتملكهم من جهة الرضاع، ولتمام البحث معه محل آخر.


1 - الوسائل الباب 13 من ابواب العتق الحديث 1 2 - الوسائل الباب 9 من ابواب العتق الحديث 1

[ 146 ]

(وفي العمودين والاولاد لها من الرضاع تردد) يظهر وجهه مما عرفت (و المنع) أشبه و (أشهر) لما تقدم من أنه يحرم منه ما يحرم بالنسب، وقرابة الشبهة في المرأة والرجل بحكم الصحيح، بخلاف قرابة الزنا على إشكال، أقواه عند الشهيدين ذلك، لان الحكم الشرعي يتبع الشرع لا اللغة، وفيه ما لا يخفى، بعد عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيه، وعدم قرينة على المراد الشرعي، اللهم إلا أن يقال: باستفادة عدم النسب شرعا بالزنا من غير المقام، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة (1) في النهج التى تعرض فيها لانتفاء زياد عن أبى سفيان، بل لعل قول النبي صلى الله عليه وآله (2) (الولد للفراش وللعاهر الحجر) دال عليه، بناء على كون المراد من الاول أنه لا ولد شرعا إلا للفراش، لا أنه خاص في التعارض بينه وبين الزنا، بل قد يستفاد ذلك من مقامات كثيرة، بل كانه من المعلوم في مقات متفرقة، وحينئذ فثبوت أحكام النسب فيه كحرمة نكاح البنت منه مثلا، للدليل الخاص ولو الاجماع إن لم تكن الضرورة هذا. وفي الروضة قد يفهم من إطلاق المصنف كغيره الرجل والمرأة، أن الصبي والصبية لا يعتق عليهم ذلك لو ملكوه إلى أن يبلغوا. والاخبار مطلقة في الرجل والمرأة كذلك، ويعضده اصالة البراءة، وفيه أن ظاهر النصوص والفتاوى كون ذلك من خطاب الوضع الذى لا يخص المكلف، وقد سمعت ما في صحيح أبى بصير (3) السابق من ظهور كون السبب الملك خصوصا بعد ملاحظة التعليل في بعض النسخ بل في نصوص أم الولد (4) وانعتاقها من نصيب ولدها، إيماء إلى ذلك أيضا، فلا ريب في أن الاقوى عدم الفرق، بل في شرح الاستاد الاجماع على ذلك، أما الخنثى


(1) النهج الجزء الثالث طبعة مصر ص 76 الكتب 44 من كتاب له عليه السلام إلى زياد (2) الوسائل الباب 8 من ابواب ميراث ولد الملاعنة وما اشبهه الحديث 1 (3) الوسائل الباب 4 من ابواب الحيوان الحديث 1 (4) الوسائل الباب 6 من ابواب الاستيلاد

[ 147 ]

المشكل ففى إلحاقها إذا كانت مالكة بالرجل أو المرأة نظر، من الشك في الذكورية التي هي سبب عتق غير العمودين والاولاد، فيوجب الشك، في عتقهم، والتمسك بأصالة بقاء الملك، ومن امكانها، فينعتقون لبنائه على التغليب، وكذا الاشكال لو كان مملوكا، ولعل الاقوى إلحاقها بالانثى في الاول، والذكر في الثاني، تمسكا بالاصل فيهما، وتوقف في الدروس في الثاني منهما، واستقرب في الاول ما ذكرنا ثم لا فرق في جميع ما ذكرنا بين الملك القهري والاختياري ولا بين الكل والبعض، فيقوم عليه باقيه ان كان مختارا. والله أعلم. (وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه) بشراء أو اتهاب أو نحوهما (استقر الملك) كما هو مقتضى العمومات (ولم تستقر الزوجية) المنافية للملك فلا تجتمع معه بل تبطل اجماعا بقسميه، لظهور التفصيل في قطع الشركة بين الاسباب المسوغة للوطئ، بل قيل إنه اجماع فضلا عن ظهور الكتاب والسنة، ولعله لاختلاف اللوازم والتوابع لكل من الاسباب، لكن قضية الاستصحاب بطلان اللاحق وبقاء السابق، و هو كذلك فيما عدا لحقوق النكاح للتحليل فان الظاهر بطلانه به، لقوته عليه نحو ما نحن فيه من بطلان النكاح بالملك لمثل ذلك، ولا يترجح بقاء الزوجية على ما يقتضى الملك من العمومات وغيرها. قال أبو جعفر عليه السلام في صحيح محمد بن قيس (1) (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في سرية رجل ولدت لسيدها ثم اعتزل عنها فأنكحها عبده ثم توفي سيدها وأعتقها فورث ولدها زوجها من أبيه، ثم توفى ولدها فورثت زوجها من ولدها فجاءا مختلفين، يقول الرجل لا أطلقها، وتقول المرأة عبدى لا يجامعني، فقالت المرأة: يا أمير المؤمنين إن سيدي شراني، فأولدني ولدا ثم اعتزلني، فأنكحني من عبده هذا، فلما حضرت سيدى الوفاة فأعتقني عند موته، وأما زوجي هذا فإنه صار مملوكا


(1) الوسائل الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3

[ 148 ]

لولدي الذى ولدته من سيدى، وإن ولدى مات فورثته، فهل يصلح له أن يطأنى ؟ فقال لها: هل جامعك منذ صار عبدك وأنت طائعة ؟ قالت: لا يا امير المؤمنين، قال: لو كنت فعلت لرجمتك إذهبي، فانه عبدك ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تبيعه وإن شئت أن تعتقيه). وسمع عبد الله سنان (1) أبا عبد الله في الصحيح (يقول في رجل زوج أم ولد له مملوكا ثم مات الرجل فورثه ابنه، فصار له نصيب من زوج أمه، ثم مات الولد أترثه أمه فقال: نعم، قال: فإذا ورثته كيف تصنع وهو زوجها ؟ قال: تفارقه وليس له عليها سبيل وهو عبد) وقال أيضا في موثق إسحاق بن عمار (2) (في امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته ؟ قال: ليس بينهما نكاح). وسأله أيضا سعيد بن يسار (3) (عن امراة تكون تحت المملوك فتشتريه، هل يبطل نكاحه ؟ قال: نعم لانه عبد مملوك لا يقدر على شئ) وهذه النصوص و.. ان كانت خاصة في احدى الصورتين إلا أني لم أجد قائلا بالفصل بينهما. مضافا إلى ما عرفت وعلل مع ذلك، بأن بقاء الزوجية يستلزم اجتماع علتين على معلول واحد شخصي، وفيه أن علل الشرع معرفات، وبأن اختلاف الاسباب يقتضي اختلاف المسببات، وفيه بعد تسليم عدم الاختلاف هنا، منع اعتبار ذلك فيها بعد كونها معرفات، ولو فرض أن لكل منها لازما يناقض الاخر، فاقصاه التعارض بين اللوازم بعد الاتفاق على الحل، فيرجع فيه إلى الترجيح إن كان، وإلا فالتخيير، أو غير ذلك مما يقتضيه الضوابط. هذا بعد فرض ذلك، وإلا فالمقام لا تناقض بين أحكامه غالبا، فإن عدم القسم للمملوكة مثلا من حيث الملك، لا من حيث الزوجية وهكذا، فالاولى الاستدلال بما عرفت، والظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين ملك الكل والبعض،


(1) (2) (3) الوسائل الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 4 - 2

[ 149 ]

إذ البضع لا يتبعض، وقد عرفت انقطاع الشركة بالتفصيل، كما أنك سمعت ما يستفاد منه حكم ملك البعض من النصوص، بل قيل إنه اجماع. وكذا لا فرق بين الدائم والمنقطع والتحليل، لاتحاد المدرك، ولو ملك فزال الملك لفسخ بخيار ونحوه، لم يعد النكاح، والحكم في المعاطات وزمن الخيار وقبل القبض يتبع الملك وعدمه، ولا فسخ في الفضولي قبل الاجازة على القول بالنقل، ولا يمنع عن الوطئ، وعلى الكشف ففي شرح الاستاد يمنع عنه إن كانت الزوجة هي المشترية ويتوقف العلم بحصول الفسخ من حين العقد عليها. وفيه أن أصالة عدم حصول الاجازة تكفي في ذلك، اللهم إلا أن يفرق بين الوطئ وغيره، والموقوف عليه خاصا مالك دون العام، فلا ينفسخ به النكاح على الاقوى، كما صرح به شيخنا في شرحه، قال: وكذا الحال في المشتري من مال الزكاة ونحوها مما يملكه الفقراء أو مما يدخل في ملك المسلمين، مع دخول الاخر في المالكين وهو جيد، ولو اريد العقد على الجارية المفروض كونها من ذلك ابتداء تولاه الحاكم القائم مقام المسلمين، فتأمل جيدا. والله اعلم. (ولو أسلم) العبد (الكافر) وهو (في ملك مثله) في الكفر (أجبر) المولى (على بيعه من مسلم ولمولاه ثمنه) كما تقدم سابقا لعدم السبيل، وقال الصادق عليه السلام في المرفوع إلى حمادبن عيسى (1) (أن أمير المومنين عليه السلام أتي بعبد لذمى قد أسلم، فقال: إذهبوا فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده) وهو ظاهر في بيع غيره له، وإن لم يتعذر جبره على البيع ولا بأس به ولتحقيق البحث في ذلك كله وفروعه مقام آخر، ومنها أن بحكم إسلامه اسلام أحد أبويه صغيرا أو أحد أجداده بناء على ثبوت حكم الاسلام له، فينتفى سبيل الكافر عليه، والله أعلم. (ويحكم برق من أقر على نفسه بالعبودية إذا كان مكلفا) رشيدا (غير مشهور بالحرية) ولا معلوم الانتساب ولو شرعا إلى ما يستلزمها، بلا خلاف أجده، لعموم


(1) الوسائل الباب 73 من ابواب العتق الحديث 1

[ 150 ]

(إقرار العقلاء) (1) ولصحيح عبد الله بن سلام (2) قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: كان على بن ابي طالب عليه السلام يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة) وفي خبر زكريا بن آدم (3) (إني سألت الرضا عليه السلام عن سبى الديلم ؟ ويسرق بعضهم من بعض، ويغير المسلمين عليهم بلا إمام، أيحل شراؤهم ؟ قال: إذا أقر بالعبودية فلا بأس بشرائهم) إلى غير ذلك. وخلاف ابن ادريس في اللقيط خاصة للنصوص السابقة، وأصالة الحرية لا تعارض الاقرار الذى هو بمنزلة البينة بالنسبة إلى ذلك، بل قد يظهر من المصنف و غيره عدم اعتبار الرشد في ذلك، وفيه البحث السابق، ودعوى توقف صحة الاقرار على الحرية حتى لا يكون اقرارا في حق الغير واضحة الفساد بالنسبة إلى الاقرار على النفس. نعم إنما يمضي الاقرار في حق المقر، فإقرار المرأة تحت الزوج لا يسمع في حقه، وكذا إقرار من عقد عقدا لازما أو عمل متبرعا أو أباح شيئا فتلف إلى غير ذلك مما يمضي على تقدير الحرية، الا إذا كان الغير مصدقا ولو استلزم رفع حد أو تخفيفه أو رفع وجوب نفقة أو نحوها فيما له، لا فيما عليه إلا في خصوص الحد وشبهه، للشبهة. (و) كيف كان ف‍ (لا يلتفت إلى رجوعه) عن الاقرار السابق الذي لم يذكر له تأويلا محتملا وإن أقام بينة على ما رجع إليه من دعوى الحرية، لانه كذبها باقراره السابق فلم يثبت حجيتها في هذا الحال، أما لو ذكر تأويلا محتملا كان يقول كنت أرى أن رقية أحد الوالدين تقتضي برقية الولد، أو لم أعلم بانعتاق أحد أبوى حال الانعقاد، أو نحو ذلك، أمكن قبول البينة، كما صرح به جماعة في المقام وغيره، لعموم دليل حجيتها، وارتفاع معارضة الاقرار لها بذكر الاحتمال المزبور الذى به


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الاقرار الحديث 2 (2) الوسائل الباب 29 من ابواب العتق الحديث 1 (3) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2

[ 151 ]

ترجح قبولها، كما أنه أرجح منها إذا لم يذكر، ومجرد الاحتمال إن لم يذكر غير مجد على الظاهر مع احتماله، كاحتمال عدم قبول البينة كما هو مقتضى إطلاق المصنف وغيره، وان ذكر الاحتمال المزبور، لانه مجرد دعوى لا يرتفع بها ظهور تكذيب البينة المسقط لها عن القبول، والمسألة محتاجة إلى التأمل التام، وربما ياتي لها مزيد تحقيق ان شاء الله تعالى. ولو كان اقراره لمعين فأنكره وجب عليه ايصال نفسه إليه، بادخاله في ماله سرا وبنحو الهدية وغير ذلك، لان الاقرار حجة، وافقه المقر له أولا، على أصح القولين والوجهين، عملا بعموم ما دل على صحة الشامل للصورتين، ودعوى اعتبار الموافقة في مفهومه أو في حجيته واضحة المنع، ولو علم الحاكم بالحال، ففي شرح الاستاد (أخذه قهرا مع تجويز صدقهما وأجرى عليه حكم مجهول المالك، كما كان الاقرار بمبهم، وامتنع عن التصريح) ولعله لما عرفت من حجية الاقرار، فهو به حينئذ صار مالا، وقد امتنع عن المقر له شرعا بانكاره، فيبقى بلا مالك ظاهرا فيجرى عليه حكم مجهول المالك، ومثله المال المقر به لشخص فأنكره، وفيه منافشة بعد علم المقر بالمالك وكان تكليفه الدس ونحوه، اللهم إلا أن يدعى أن للحاكم أجرآء الحكم ظاهرا وإن كان للمقر امضاء ما هو مكلف فيه، وقد ذكر المصنف في باب الافرار في نحو ذلك أن للحاكم الانتزاع من يد المقر، وله الابقاء فلاحظ وتأمل. ولو رجع المقر له إلى التصديق قوى قبوله إن لم يسنده إلى مالك آخر، لعدم المعارض، وانكاره السابق غير صالح لمعارضة ما دل على قبول دعوى المسلم التى لا معارض لها، مع احتمال العدم، لان إنكاره يؤل إلى إقرار في حقه فلا يسمع، وفرق واضح بين المقام، وبين إنكار كون المال الذي في يده مثلا لزيد، ثم الاقرار به الذى لا إشكال في سماع الاقرار به حينئذ فتأمل. ولو رجع المقر بعد إنكار المقر له إلى دعوى الحرية أمكن قبولها أيضا، كما صرح به بعضهم لعدم المعارض، والاقرار السابق إنما يفيد التزامه به بالنسبة إلى المقر له

[ 152 ]

ومثله لو أقر بالرقية لغير معين ثم ادعى الحرية، مع احتمال طلب الحاكم اليمين منه، بل قد يحتمل عدم قبوله مطلقا، لانه قد صار ما لا ينبغى للحاكم إيصاله إلى صاحبه ولو بالصدقة، لكن ضعفه واضح. وكذا البحث في المال المقر به لشخص معين فانكره، ثم ادعاه المقر أو أقر به لشخص ما، ثم ادعاه، ولعل وجه قبول دعواه فيه أن إقراره إنما هو رفع حكم يده الظاهرة في الملك عنه، فيبقى هو حينئذ كغيره مما إذا ادعى حكم بكونه له، لعدم المعارض، لا أن الاقرار أخرجه عن صلاحية الدخول ولو بالدعوى المستأنفة، وإن كان هو كما ترى، مع عدم احتمال تجدد الملك، وقد اشبعنا الكلام في المسألة في كتاب الاقرار فلاحظ. ولو رجع المقر له إلى التصديق بعد رجوع المقر إلى الدعوى الحرية أو إلى دعوى المملوكية لشخص آخر قد صدقه لم يؤثر رجوعه، كما لم يؤثر رجوع المقر بعد رجوع المقر له إلى التصديق، للاقرار المفروض استمراره إليه، ولو اقترن رجوع كل منهما، أمكن اعتبار رجوع المقر دون المقر له فتأمل جيدا، ولو فرض تعدد الاقرار بالرقية لشخصين أمكن العمل بكل منهما لكن لا على وجه الفردية، بل على معنى أنه إذا اتفق تحريره ممن هو له في الظاهر استرقه الآخر، عملا باقراره كما أوضحنا نظير ذلك في كتاب الاقرار فلاحظ وتأمل. وكيف كان يقبل إقراره بالرقية (ولو كان المقر له كافرا) لانه إخبار عن ملك لا تمليك مبتداء، فيخبر حينئذ على بيعه لو كان مسلما كما هو واضح (وكذا) في الحكم بالرقية (لو اشترى عبدا) مثلا صغيرا أو ساكتا حين الشراء والتعريض للبيع (فادعى الحرية) بعد ذلك لاصالة صحة فعل المسلم (لكن هذا يقبل دعواه مع البينة) لعدم تكذيبه إياها بالسابق، بل لا فيقبل دعواه بدونها إذا كان معرضا في الاسواق مشهورا في الرقية اولا صغيرا أو كبيرا مجنونا أو عاقلا ساكتا أو مقرا حملا للتعريض الذى هو فعل مسلم على الصحة، فلا تقبل دعوى الحرية منه ولو كان قبل

[ 153 ]

الشراء، وعليه يحمل خبر حمزة بن حمران (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أدخل السوق فأريد أن اشترى الجارية فتقول: انى حرة ؟ فقال: اشترها، إلا أن يكون لها بينة) أو على الجارية المعلوم سبق مملوكيتها إلا انها تدعى حصول التحرير لها بعد ذلك. وبالجملة متى كان للمسلم على آخر يد وتصرف ملك اخذ به حتى تقوم البينة على خلافه، واصالة الحرية لا تعارض يد المسلم وتصرفه، لكن في التذكرة (العبد الذى يوجد في الاسواق يباع ويشترى يجوز شراؤه وإن ادعى الحرية لم يقبل منه ذلك الا بالبينة، وكذا الجارية، إلى أن قال، أما لو وجد في يده وادعى رقيته ولم يشاهد شراؤه له ولا بيعه إياه، فان صدقه حكم عليه بمقتضى اقراره، وإن كذبه لم تقبل دعواه الرقية إلا بالبينة، عملا بأصالة الحرية، وإن سكت من غير تصديق ولا تكذيب، فالوجه أن حكمه حكم التكذيب إذ قد يكون لامر غير الرضا، وإن كان صغيرا إشكال، أقربه الحرية فيه). وهو كما ترى يقتضى عدم جواز شراء الاطفال من ذوى الايدى عليهم الذى من المعلوم ضرورة خلافه، بل صرح غير واحد أنه لا تقبل دعوى الكبير الحرية مع شهرة الرقية إلا بالبينة، وإن لم تجر عليه أحكام الرقية من قبل ولا حصل عليه يد ظاهرة في الملك، بل في شرح الاستاد (سواء بلغت الشهرة حد الشياع وعدمه على أصح الوجهين) وإن كان لا يخلو الاخير من البحث. نعم قد يقال: إن مدعى رقية الصغير لا تسقط دعوى الصغير الحرية بعد البلوغ، بل الظاهر كون القول قوله، حتى يقيم المدعي البينة وإن كان قد أثبت يده وتصرف فيه بتلك الدعوى على معنى أنه قد علم استنادهما إلى الدعوى المزبورة، إلا أن الانصاف عدم خلو ذلك عن الاشكال أيضا والله العالم. وأما (الثاني) وهو النظر (في أحكام الابتياع) فقد تقدم في المباحث السابقة جملة منها، كالبحث فيما (إذا حدث في الحيوان


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2

[ 154 ]

عيب بعد العقد وقبل القبض) وقد قلنا هناك أنه إذا (كان) ذلك ف‍ (المشترى بالخيار بين رده وإمساكه، وفي الارش تردد) عند المصنف تقدم وجهه، والترجيح فيه (و) كذا تقدم البحث فيما (لو قبضه ثم تلف أو أحدث فيه حدث في الثلاثة) وقد قلنا هناك أنه إذا (كان) ذلك فهو (من مال البايع ما لم يحدث فيه المشترى حدثا و) كذا تقدم البحث فيما (لو حدث فيه عيب من غير جهة المشترى) وأنه (لم يكن ذلك العيب مانعا من الرد بأصل الخيار، وهل يلزم البايع أرشه ؟ فيه تردد) عند المصنف، كالتردد فيما تقدم (و) لكن قال هنا: (الظاهر لا و) أما (لو حدث العيب بعد الثلاثة، منع الرد بالعيب السابق) كما عرفت الكلام فيه مفصلا فلاحظ وتأمل والله أعلم. (وإذا باع الحامل) من الانسان أو الحيوان ولم يكن عرف بالتبعية (فالولد للبايع) وإن لم يشترطه (على الاظهر) الاشهر بل المشهور، بل ربما ادعي عدم الخلاف فيه، بل في السرائر الاجماع عليه للاصل بعد عدم دخول الحمل في متعلق البيع، إذ دعوى الجزئية الحقيقية التي هي بعض المبيع واضحة المنع، سيما بعد ثبوث الاحكام الشرعية له مستقلا، كالتحرير والتدبير والوصية والعتق والارث وغيرها وخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام (في رجل أعتق أمة وهى حبلى، فاستثنى ما في بطنها، قال: الامة حرة وما في بطنها حر، لان ما في بطنها منها) مع ضعف سنده وإعراض المشهور عنه في ذلك الباب أيضا معارض بغيره كالموثق (2) (سألت أبا الحسن الاول عليه السلام، عن امرأة دبرت جارية لها، فولدت الجارية، جارية نفيسة فلم تدر المرأة حال المولودة هي مدبرة أم غير مدبرة، فقال متى كان الحمل بالمدبرة ؟ أقبل ما دبرت، أم بعد ما دبرت ؟ فقلت: لست أدرى، ولكن أجبني فيهما جميعا، فقال: ان كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير، فالولد مدبر في تدبير أمه) ورواه الصدوق مرسلا (3) وزاد لان الحمل إنما حدث بعد التدبير


(1) الوسائل الباب 69 من ابواب العتق الحديث 1 (2) (3) الوسائل الباب 5 من ابواب التدبير الحديث 2

[ 155 ]

ولو حدث الحمل عند المشترى كان له بلا خلاف أجده هنا، لانه نماء ملكه، بل لو شك في زمان حدوثه كان له أيضا، وقال بعض مشايخنا: إلا أن يعلم تاريخ الحمل ويجهل تاريخ العقد ففيه إشكال، قلت: منشأه أصالة تأخر المجهول عن المعلوم، وفيها بحث ذكرناه في محله، وحينئذ يكون كمجهولي التاريخ الذى ينفى الاقتران فيه الاصل، والظاهر كونه هنا للمشترى، لكونه نماء ملكه في الظاهر، فلا يخرج عنه إلا بالعلم بسبقه على ملك المشتري فتأمل جيدا. فإنه قد يمنع الظهور المزبور، بعد عدم الدليل عليه، لا من أصل ولا قاعدة، فيتجه حينئذ الرجوع إلى القرعة أو القسمة بينهما مع فرض دعوى كل منهما، أللهم إلا أن يكون دليله ما تسمعه انشاء الله تعالى فيما يأتي من الحكم بالملكية لما يوجد في الصندوق مثلا إذا لم يكن عليه يد غيره، ولما يوجد في داره ونحو ذلك، وإن لم يكن صاحب الدار والصندوق عالما أنه له، فانه يمكن أن يقال هنا بعد أن صار ذو النماء ملكا له، يملكه لما يوجد من النماء تبعا لاصله، ما لم يعلم سبقه، ولو حدث بين العقد والاجازة، كان للناقل على النقل، لعدم حصول الملك قبلها، ونحوه غيره مما حصل قبل تمام شروط الملك، أما على الكشف فهو للاخر، كما هو واضح، ولو حدث بعد العقد، ثم فسخ المشترى ببعض أسباب الخيار كان له كغيره من النماء، والمرجع في تحقق الحمل العرف، وفي شرح الاستاد (أنه يتحقق بالتكون علقة فما بعدها، وفي انعقاد النطفة بحث). وكيف كان فهو للبايع مع الشرط، أو الاطلاق (إلا أن يشترطه المشترى) فانه يكون له بلا خلاف، للاصل والعمومات، بل قد ظهر لك ضعف الخلاف في الاولين، وإن حكي عن المبسوط والقاضى في المهذب والجواهر، فقالا إنه للمشترى مع الاطلاق للجزئية، بل مقتضاه عدم جواز استثناء البايع له بناء على عدم جواز استثنائه، كما تسمعه في الجلد والرأس. بل في السرائر (عن المبسوط والجواهر التصريح بأنه لا يجوز له أن يشترط

[ 156 ]

الحمل، لانه كعضو من اعضاء الحامل، ثم قال: وبينا أن هذا مذهب الشافعي، لا اعتقاد شيخنا أبي جعفر، لانه يذكر في كتابه المشار إليه مذهبنا ومذهب غيرنا، فابن البراج ظن أنه اعتقاد شيخنا أبى جعفر ومذهبه، فقلده ونقله وضمنه كتابه جواهر الفقه، وإنما قلنا ذلك، لان اجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم منعقد على أنه بمجرد العقد يكون الحمل للبايع، إلا أن يشترطه المبتاع، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في جميع تصنيفاته وكتبه، عدا ما ذكرناه واعتذرنا له به من ذكره مذهب المخالف لنا) وهو إن كان جيدا موافقا للمختار، إلا أنه لا يخلو بعض ما ذكره من منع. وعلى كل حال فالتحقيق ما عرفت من عدم دخوله في ملك المشتري حتى يشترطه فيثبت له معه حينئذ، بل قيل على حسب شرطه وحدة، وتعددا، ذكورة وضدها، كما أنه قيل أيضا في جواز اشتراطه مع جهلهما أو جهل احديهما بوجوده، أو في سنة منفصلة عن العقد أو حمل سوى الموجود - وجهان، وفيهما معا بحث وإن اقتضاهما عموم (1) (المؤمنون عند شروطهم) ولا تقدح جهالة المشترط بعد أن لم تكن راجعة إلى الثمن والمثمن، وعدم الاكتراث فيهما عرفا للتبعية، بل الظاهر لها جواز الضم على جعل الحمل بعض المبيع، كان يقول بعتك الدابة وحملها بكذا، خلافا للتذكرة فلم يجز لجهالة بعض المبيع، وفيه منع قدحها هنا مع إرادة الضم، للسيرة المستمرة وغيرها، بل في شرح الاستاد أن القول بجواز بيعه معها بدون قصد الضم قوي. نعم لو بيع الحمل منفردا فلا بد من اعتبار الشرائط في البيع المستقل، ومثله لو جعل له ثمن مستقل في ذلك العقد، إذ المتيقن من السيرة بيع الحمل مع الحامل بثمن واحد بقصد الانضمام أو بدونه، لا مع قصد عدم الانضمام، والفرق بين أخذه شرطا وشطرا في عموم ظهور العدم، فان له الابقاء مجانا والرد على الاول، ويضاف إليها على الثاني استرداد ما قابل الحمل من الثمن مع الابقاء، ولو انكشف موته حين العقد، تبعضت الصفقة على الثاني، وعلى الاول وجهان.


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 157 ]

ولعل قول المصنف (ولو اشتراهما فسقط الولد) بآفة سماوية مثلا (قبل القبض رجع المشتري بحصة الولد من الثمن) يوافق التبعيض، لعدم ذكره الدخول في غير صورة الشرط (و) كيف كان ف‍ (طريق ذلك أن تقوم الامة) مثلا (حاملا) ومجهضا (لا حائلا ويرجع بنسبة التفاوت من الثمن) ولو جني عليه أعابته أخذ منه أرش يوم الجناية إن شاء مع اختيار البقاء، ولو لوحظ نفس الحمل لا صفة الحاملية اعتبرت قيمته لا تفاوت الصفتين في وجه، ولو اختلفا ففي شرح الاستاد قدم قول مدعى اعتبار الصفة دون عين الحمل، قال: وفي الشرطية وعدمها يقدم قول الثاني وفيها وفي الشرطية يقدم مدعى الشرطية، ويحتمل التداعي، وفي اتحاد الحمل تعدده يقدم قول مدعى الاتحاد فتأمل جيدا والله أعلم. (ويجوز ابتياع بعض الحيوان) الحى مأكول اللحم أو غيره (مشاعا) إذا كان معينا على وجه يعلم نسبته إلى الجملة (كالنصف والربع) ونحوهما بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى العمومات وغيرها أما المذبوح فقد جزم بعض مشايخنا بعدم جواز بيع البعض المشاع منه، وأولى منه المسلوخ، وهو مبنى على أنه بالذبح يكون موزونا وفيه بحث، وأما بيع جزء معين من الحى كيده ورجله، أو نصفه الذى فيه رأسه، أو الاخر الذى فيه ذنبه، أو نحوهما فغير جائز إجماعا بقسميه على ما في شرح الاستاد، وظاهر المختلف وغيره أنه من المسلمات، بل في الاول (أنه فيما لا يؤكل لحمه أو إذا لم يكن المراد منه اللحم، بل الركوب والحمل نحوهما من الواضحات التى لا تحتاج إلى شاهد). وهو جيد، إلا أنه قد يشكل الفرق بين الاول: أي ما أريد ذبحه للاكل، وبين ما تسمعه من الخلاف في استثناء الرؤوس والجلد، بل الصحيح الغنوى (1) أو حسنه الذى ستعرف عمل الاصحاب به صريح في بيع الرأس والجلد، واحتمال اختصاصهما بالحكم المزبور بيعا أو استثناء، مناف لتصريح البعض بعدم الفرق بينهما وبين غيرهما في حكم الاستثناء، ولما تعرفه من الاتحاد في المدرك، والجهالة الناشئة من عدم تعيين موضع القطع كالتشاجر إذا اختلفا في إرادة بقاء الحيوان وذبحه،


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 158 ]

المترتب على كل منهما تعطيل مال شخص وضرر الاخر - مشترك بين الجميع. فالعمدة في الفرق حينئذ ليس إلا الاجماع إن تم، وفي التحرير (إن في استثناء الشحم إشكالا) ثم جزم بالبطلان في التذكرة (في الحي والمذبوح) وأما بيع مقدار معين منه بالوزن، فلا ريب في بطلانه مع الجهالة للاختلاف، بل ظاهر شرح الاستاد أن الاجماع بقسميه عليه، ولعله كذلك، أللهم الا أن يدعى انسحاب خلاف سلارفي جواز استثناء ذلك إليه قال كما في المختلف: (وكل شرط شرطه البايع على المبتاع من رأس ذبيحة يبيعها وحدها أو بعضها بالوزن جايز) ولا ريب في ضعفه. (و) كيف كان ف‍ (لو باع واستثنى) البايع لمأكول اللحم كما في التحرير وظاهر النهاية، أو ما تقع عليه التذكية كما في حواشي الشهيد، وعلى كل حال فظاهرهم أن محل الخلاف في ذلك، ولعل الاول أوفق بخبرى الباب، وإن أمكن بالتنقيح التعدية إلى ما تقع عليه التذكية، فلو كان الاستثناء من غيرهما بطل، بل الظاهر أن محل النزاع في صحة الاستثناء من الحيوان المراد ذبحه، فليس له الاستثناء من الحيوان المراد بقاؤه، لما عرفت سابقا، ولانه لم يعهد ملكية الحيوان المزبور كذلك. أما إذا كان مأكول اللحم واريد ذبحه فباعه واستثنى (الرأس والجلد) أو - أحدهما (صح). (و) لكن (يكون شريكا) مع المشترى في الحيوان (بقدر قيمة ثنياه على رواية السكوني) (1) عن الصادق عليه السلام (قال: اختصم إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجلان اشترى احدهما من الاخر بعير أو استثنى البيع الرأس والجلد ثم بدا للمشترى أن يبيعه ؟ فقال: للمشترى هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد) وما رواه الصدوق (2) في المحكي العيون بسنده إلى الرضا عن آبائه عن الحسين بن على - عليهم السلام (أنه قال: إختصم إلى علي عليه السلام رجلان أحدهما باع الاخر بعيرا فاستثنى


(1) و 2 الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2 - 3

[ 159 ]

الرأس والجلد، ثم بدا له أن ينحره، قال: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد) بناء على أن المراد البداية له في أن لا ينحره، بقرينة الخبر السابق وبهما أفتى في النهاية والارشاد، ومحكي الخلاف والمبسوط والقاضي، وتعجب منه الشهيد في حواشيه حيث أنه منع من بيع الحامل مستثنى حملها، لانه كالجزء، وجوز استثناء الرأس والجلد، مع أنه جزء حقيقة. وفيه أنه يمكن دعوى خصوصيتهما للنص الذى يصلح فارقا بين المقامين، ومنه اتجه الحكم بالشركة المزبورة، وإلا كان المتجه على تقدير الصحة اعتبار خصوص ما استثناه، ولذا أنكر غير واحد على الشيخ بأن ما اختاره مناف لتبعية العقد للقصد في حق كلا المتعاقدين، وقاعدة تسلط الناس على أموالهم (1) وأنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه (2) وتوقف الاكل حلالا على التجارة بالتراض (3) ودعوى أن المراد من الاستثناء المزبور الشركة المذكورة أوضح فسادا كل ذامع عدم الجابر للخبرين بل الشهرة بسيطة أو مركبة على خلافهما، قلت: لكن لا يخفى أنه لا يسع الفقيه المنتقد طرح الخبرين المزبورين المعمول بهما في الجملة، المؤيدين بما تسمعه من صحيح الشركة الاتى (4) المخالفين للعامة. نعم تحقيق الحال هو أن الحاصل من التأمل في أخبار المقام صحة الاستثناء بل البيع للرأس والجلد من الحيوان المشترى للذبح، لانه حينئذ بمنزلة شرائهما منفصلين فان حصل الذبح كان للبايع ما استثناه، وإن بدالهما أو للمشتري خاصة بيعه مثلا وعدم الذبح فليس الا الشركة في الحيوان بمقدار قيمة الرأس والجلد، ضرورة أنهما بالاستثناء المزبور على الفرض المذكور ملك للبايع، فبيع الحيوان جملة بيع لمملوكين لمالكين بثمن واحد إلا أن زيادة القيمة الحاصلة للحيوان بالبقاء تلحقها


32 (1) البحار ج 2 ص 272 المطبع الحديث (2) الوسائل الباب 3 من ابواب مكان المصلى الحديث 1 - 3 (3) سورة النساء الاية 29 (4) الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 160 ]

أيضا لتوقف حياة الحيوان أو بقائه عليهما، فما حصل من الاجتماع ملك لهما، وهذا هو المراد بالشركة في الحيوان بمقدار قيمة الرأس والجلد وحينئذ فلا مخالفة للقواعد في هذه الشركة، ولا يتجه الرد على مضمون النصوص، بأنه مخالف لقاعدة تبعية العقد للقصد إذا لم تكن الشركة مقصودة لكل من المتعاقدين، ضرورة انك قد عرفت كون المراد بالشركة ما سمعت الذى لا يرد عليه نحو ذلك، ويؤيده أيضا في الجملة ما قيل أيضا من أن تعذر أخذ العين يوجب الشركة بحسب القيمة إذ (لا يسقط الميسور بالمعسور) (1) و (ما لا يدرك كله لا يترك كله) (2) (وإذا أمرتكم) (3) ولعله إلى ذلك كله أو بعضه أومئ في الدروس بقوله: (ولو استثنى الرأس والجلد فالمروى الصحة، فان ذبحه فذاك وإلا كان البايع شريكا بنسبة القيمة،) إذ مرجعه بعد التأمل إلى ما ذكرنا، كما ان قوله أيضا (ولو شرط ذبحه فالاقرب جواز الشرط إذا كان مما يقصد بالذبح، فان امتنع فالاقرب تخير البايع بين الفسخ وبين الشركة بالقيمة) منطبق عليه أيضا إذ الفسخ لعدم الشرط، والشركة لما عرفت، فان أراد من أفتى بمضمون النصوص ما ذكرناه، فذاك، وإلا كان في غاية الاشكال، ضرورة عدم ظهور النصوص في أن الاستثناء المزبور يوجب الشركة المذكورة في الحيوان على كل حال، سواء ذبح أو لا، بل لو سلم ظهورها في ذلك لم يكن ليجبر بها على هذا الحكم المخالف للقواعد العظيمة أي مخالفة، بل لا نظير له في الشريعة كما هو واضح. وأما القول بالصحة كما عن المرتصى والاسكافى والتقى والحلى، بل نسبه بعض إلى جميع من المتقدمين والمتأخرين، بل في الانتصار أنه مما انعقد عليه اجماع الامامية، فان أريد بها على الوجه الذى ذكرنا فمرحبا بالوفاق، وإن أريد بها مطلقا أي سواء كان القصد ذبح الحيوان أو لا، وسواء ذبح أولا، فهو في غاية الاشكال، بل يمكن دعوى ضرورة الشرع على خلافه فيها هو أوسع دائرة من العقود المملكة كالصلح


(1 و 2) غوالى اللئالى عن امير المؤمنين عليه السلام (3) سنن البيهقى ج 1 ص 215

[ 161 ]

والوصية، فضلا عن البيع، والاستناد إلى الاصل - المستفاد من العموم في جنس العقود وأنواعها، واندفاع الغرر بتميز الثنيا ومعرفة الحدود - كما ترى، خصوصا مع وضوح رجوع هذا الاستثناء إلى بيع الاجزاء المعينة من الحيوان الذي قد ادعي الاجماع على بطلانه، بل يمكن تحصيله في الحيوان الذي لم يقصد به الذبح بل كان المقصود منه البقاء للركوب ونحوه. وأما القول بالتفصيل بين المذبوح وغيره كما في القواعد، فيصح الاستثناء في الاول دون الثاني، فهو متحد مع ما قلناه في الاول، وما في شرح الاستاد من إشكاله - بعدم ارتفاع الغرر بالذبح حتى بعد اتمام السلخ قبل الوزن مع اتصالهما وانفصالهما، أو فصل أحدهما - يدفعه ما عرفت سابقا من منع اعتبار الوزنية في المذبوح قبل السلخ، بل يمكن منعه أيضا في المسلوخ قبل التفريق كما جرت به السيرة في زماننا، على أن المانع حينئذ على هذا التقدير الجهالة التى يمكن الاحتيال في رفعها، لا كون المستثنى جزء معينا كما هو واضح، وأما منعه في غير المذبوح فهو متجه في الذي لم يرد ذبحه. وأما ما اريد ذبحه، فهو على مقتضي الاصل والعمومات وخصوص الروايات ومحكي الاجماع وغيره، ومن هنا جزم بالصحة فيهما ثاني الشهيدين، بل والفاضل في المختلف، الا أنه ينبغي اعتبار ما سمعت فيما لو عدل من إرادة الذبح واريد البيع مثلا، كما عرفته مفصلا. وأما ما حكاه في التنقيح - عن بعض فضلاء المتأخرين (من أنه إن كان المستثنى الجلد أو ما منه الجلد فهو باطل لجهالته، لان الجلد يتفاوت ثمنه بتفاوته في الثخن والرقة، لكن لا يبطل البيع لان جهالة المستثنى في هذه الصورة لا يستلزم جهالة المبيع، فيكون البايع شريكا بنسبة قيمة المستثنى كما دلت عليه الرواية، وإن كان المستثنى هو الرأس والقوائم فهو صحيح، لانه استثناء معلوم من معلوم، والضرر في ذلك معارض باستثناء الجزء المشاع، فانه جائزا اتفاقا، مع أن الضرر المدعى حاصل فيه) - فهو

[ 162 ]

من غرائب الكلام، وكالاجتهاد في مقابل النص، بل اجتهاد من غير وجه وجيه، ومن الغريب حكمه بجهالة المستثنى لجهالة قيمته مع حكمه بالشركة بمقدارها وقياسه الجزء المشاع على المعين. ومن هنا احتمل بعض مشايخنا عكس ما ذكره، فأبطل استثناء الرأس لجهالة حده فلا يؤل إلى علم بخلاف الجلد، والتحقيق خلافهما معا كغيرهما من الاحتمالات المذكورة في المقام، منها - الجمود على مدلول الروايتين، اقتصارا على المتيقن فيما خالف الاصل، ومنها - تخصيص المنع بالمذبوح لدخوله تحت الموزون الذي لا يدفع غرر جهالته وزنه مع الجلد والراس، ومنها الاقتصار في المنع على المسلوخ مع بقاء الرأس، ومع عدمه بشرط عدم الوزن، لدخوله تحت الموزون، ومنها - قصر المنع على ما لا يؤكل لحمه، إذ الجميع كما ترى، بل قيل أن مرجع الاخير منها على الظاهر إلى القول بالجواز المطلق، لانه إنما يعقل في المأكول. قلت قد عرفت في أول البحث أن النزاع فيما يقبل التذكية، بل يظهر من بعضهم ذلك في المأكول منه خاصة بل قد يقال أن محل النزاع في الذي اريد ذبحه للاكل منه وإن اطلق الاصحاب، وتحقيق الحال ما عرفت، والله أعلم. بل يزيد ذلك تأكيدا ما ذكره المصنف وغيره من قوله (وكذا لو اشترك اثنان أو جماعة) حيوانا (وشرط أحدهما لنفسه الرأس والجلد، كان شريكا بنسبة ماله) لصحيح الغنوي (1) عن الصادق عليه السلام (في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى أن البعير برئ، فبلغ ثمنه ثمانية دنانير قال: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: أريد الرأس والجلد، فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أعطى حقه إذا أعطى الخمس) وقد أفتى بمضمونه من أبطل الاستثناء المزبور في المسألة السابقة كالفاضل وغيره.


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 163 ]

وأشكله بذلك في جامع المقاصد وقال: (لا جواب له إلا بأحد أمرين، إما أن يكون الحكم في مسألة الشريك مجمعا عليه، فعمله بالاجماع في موضعه، أو أن رواية هارون صحيحة، بخلاف رواية السكوني، والذي يقتضيه النظر البطلان مطلقا إن لم يلزم من ذلك مخالفة الاجماع) وفي الرياض بعد ان ذكر الصحيح المذكور قال: (ويأتي فيه ما مر مع ظهوره كما سبق فيما يقصد ذبحه لا مطلقا، فلا وجه للتعميم على تقدير العمل بهما بعد القول بالفصل بين مورده، فالجواز وغيره فالمنع كما مضى، إلا أنى لم أقف على مخالف هنا عدا شيخنا الشهيد الثاني ومن تبعه من بعض أصحابنا، حيث جعلوا الحكم فيه وفيما سبق واحدا، وهو كذلك إن لم يكن انعقد الاجماع على خلافه، وربما احتمله في شرح القواعد المحقق الثاني، ولعله وجه الفرق بينهما في العبارة وغيرها من التردد في الاول والجزم بالحكم هنا وهو حسن إن تم، وإلا فمجرد صحة السند على تقديرها غير كاف في الخروج عن مقتضى القواعد المتقدمة مع امكان تأويلها إلى ما يلائمها). قلت: لا يخفى عدم الفرق في الحكم بين مورد الصحيح وغيره، بل مورد الاول بيع الرأس والجلد فضلا عن استثنائهما، ولكن المراد من الجميع ما ذكرناه سابقا من الحيوان المقصود بالذبح للاكل كما اعترف به هنا الفاضل المزبور فيصح استثناؤهما، وما تضمنه الصحيح المزبور من بيعهما على الوجه المذكور، وأنه ينتقل إلى الشركة إذا بدا لهما أو للمشتري منهما بقاؤه، لا إذا ذبح كما يقتضيه اطلاق الجماعة الذي يمكن تنزيله عليه، ووجه الشركة ما عرفت الذي منه يظهر أن المراد الشركة على حسب قيمة الرأس والجلد، ولا ينافيه ملاحظة الثمن في الصحيح المزبور فانه يمكن رجوعها إليه كما هو واضح. فقد ظهر أن الصحيح المزبور المفتى به من الجماعة حتى احتمل أنه اجماع، بل لعله الظاهر مؤيد لما ذكرناه سابقا، كما أنه ظهر أن عبارات الاصحاب ليست منطبقة على المراد من الصحيح المذكور الذى هو المستند لها على الظاهر، وتحقيق الحال

[ 164 ]

ما عرفت، والمراد بالمال في المتن وغيره قيمة الرأس والجلد كما هو صريح التحرير والارشاد وغيرهما لا الثمن كائنا ما كان على أن يكون المراد لغو الشرط والرجوع إلى الشركة بمقدار الثمن، ضرورة عدم استفادة ذلك من الصحيح وعدم انطباقه على ما تقدم من اقتضاء فساد الشرط فساد العقد المشترط فيه. وما في الدروس هنا (من أنه لو اشتركوا في الحيوان بالاجزاء المعينة لغي الشرط، وكان بينهم على نسبة الثمن) غير ما فرضه الاصحاب من المسألة التي مستندها الصحيح المزبور، ويمكن أن يكون مراده من الشرط التواطي في غير العقد على وجه لا يلتزم به شرعا مع كون الشراء على جهة الشركة بسبب مزج الثمن ونحوه، ولعله إليه يرجع ما في حواشيه على قوله في القواعد ولو اشتركا في الشراء واشترط أحدهما الرأس والجلد لم يصح، وكان له مقدار ماله) قال: (أي تصح الشركة ويبطل الشرط، وإن كان في بيع بطل، لتوقف العقد على الشرط الفاسد) هذا. ولكن في النهاية التي هي متون أخبار قال: (وإذا اشتركا نفسان في شراء إبل أو بقر أو غنم، ووزنا المال، وقال أحدهما أن لي الرأس والجلد بمالي من الثمن كان ذلك باطلا، ويقسم ما اشترياه على أصل المال بالسوية) وظاهره أن المراد بالصحيح ذلك، وفيه - مضافا إلى ما عرفت وإلى أنه خلاف فهم الاصحاب - أن الصحيح خال عن ذكر الاشتراط، وإنما هو ظاهر في شراء الرأس والجلد من البايع، وشراء الاخر ما عداهما، أو أن المشتري باع الرأس والجلد من الاخر الذى اراد شركته، اللهم إلا أن يدعى أن المراد منه أنهما اشتركا في الدراهم المجعولة ثمنا للبعير على أن يكون الرأس والجلد لواحد منهما عوض حصته في الثمن، لكنه كما ترى. والحاصل أن عبارات جملة من الاصحاب غير منطبقة على ما في الصحيح، إذ الاشتراط المذكور فيها إما أن يكون على البايع، ومرجعه حينئذ إلى شراء أحدهما مستثنى منه نصفهما وشراء الاخر، النصف الاخر مع تمامهما، ويكون حينئذ شبه شراء الكل مع استثنائهما، وإما يكون الشراء لاحدهما ثم باع النصف الاخر

[ 165 ]

مستثنيا منه الرأس والجلد، فيكون من قبيل استثناء الكل منهما في بيع الكل، أو بالعكس بأن يشترطهما للمشترى، فيكون من بيع الاعضاء، لانه باعه النصف المشتمل على تمام الرأس والجلد. وعلى كل حال هو خلاف ظاهر الصحيح، على أن مقتضى ما ذكره الفاضل وغيره من بطلان الشرط بطلان العقد، بل لو بني على القول بعدم التلازم بينهما لا وجه للشركة المزبورة، ودعوى - أنه لما امتنع تنزيله على الصحة مع البقاء على ظاهره نزل على الاشاعة، ويكون الصحيح مستندا لذلك - واضحة الفساد، لاقتضاء مخالفة الاصول الشرعية والقواعد المرعية بالغاء ظاهر العقد، وعدم تبعيته للقصد، وحصول الضرر التام غالبا إما على البايع أو المشتري. بل لا يبعد أن يكون العمل بالرواية على هذا الوجه تهجما على الشرع، وخروجا عن مذاق الفقه، فلا محيص عن تنزيلها على ما ذكرنا، بل هو الظاهر منها عند التأمل، والمناقشة فيها - باحتمال إرادة الاشتراك بنسبة الدرهمين ثم طلب منه الرأس والجلد، أو إنما اشترك لاجل الرأس والجلد، معللا لا مشترطا كما عساه يؤمى إليه قوله، (وقد أعطا حقه) إلى آخره أو أنه سبق الوعد باعطائه ومطالبته من جهته، لا من جهة الاستحقاق ونحو ذلك - كما ترى، وكل ذلك ناش عن عدم الوصول إلى ما ذكرنا ببركة الله ومحمد وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم نعم الانصاف أن الاصحاب لم يحسنوا التادية بمضمون الخبر وأحسن ما وقفت عليه من كلماتهم في أصل المسألة ما سمعته من الدروس والله أعلم. (ولو قال) شخص لآخر (اشتر حيوانا) مثلا (بشركتي صح ويثبت البيع لهما، وعلى كل واحد منهما نصف الثمن) بلا خلاف ولا إشكال لانه توكيل في شراء النصف المنساق من لفظ الشركة، إلا إذا أراد الاقل أو الاكثر، فانه يتبع حينئذ مع التصريح، ولو تنازعا في القدر ففي الدروس أنه إن كان في الارادة حلف الآمر وإن كان في نية الوكيل حلف الوكيل إن نقص عما يدعيه الموكل، وإن زعم الموكل

[ 166 ]

أنه اشترى له الثلث فقال: النصف، إحتمل ذلك، لانه أعرف، وتقديم الموكل، لان الوكيل يدعي زيادة، والاصل عدمها، وفيه مع كون الواقع من الامر العبارة المزبورة ما لا يخفى، بل فيه منافاة لقاعدة تصديق الوكيل، كما هو واضح. (ولو أذن أحدهما لصاحبه أن ينقد عنه) ما عليه من الثمن (صح) قطعا (ولو تلف) الحيوان الذى اشتري على وجه المزبور (كان بينهما) لما عرفت من كونه مشتركا بينهما (و) كان (له الرجوع على الآمر بما نقد عنه) باذنه الظاهر في إرادة الدفع عنه، والرجوع به عليه، فهو كالوكيل عنه في القرض، و احتمال أن الامر بالدفع عنه أعم من ذلك واضح الفساد، إنما البحث في الدفع عنه بمجرد الامر بالشراء على الشركة، والاقوى عدم الرجوع إذا لم يكن قرينة تقتضي الدفع عنه، كالشراء من مكان بعيد، لا يدفع المبيع حتى يدفع الثمن، وظاهر ابن إدريس أن قضية الامر الاذن في النقد، وإلا لم تتحقق الشركة، وفيه منع ظاهر، وإن أطال فيه في المختلف. نعم قد يشهد له موثق إسحاق (1) (قلت لابي إبراهيم عليه السلام الرجل يدل الرجل على السلعة، فيقول: اشترها ولي نصفها، فيشتريها الرجل، وينقد من ماله، قال: له نصف الربح، قلت: فان وضع يلحقه من الوضعية شئ ؟ قال: نعم عليه من الوضعية كما أخذ من الربح) لكن مع أنه لم يذكر فيه الرجوع عليه بما نقد، يمكن وجود قرائن حالية تدل على الاذن بالنقد عنه فتأمل جيدا. (ولو قال له): اشتر حيوانا مثلا بالشركة و (الربح لنا) جمعيا (ولا خسران عليك) لو خسر ف‍ (فيه تردد) ينشأ من عموم " المؤمنون " (2) وتجارة عن تراض " (3) وصحيح رفاعة (4) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل شارك آخر في جارية


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام الشركة الحديث 4 (2) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4 (3) سورة النساء الاية 29 (4) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 167 ]

له، وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح وإن كانت وضعية فليس عليك شئ ؟ فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية) وخبر أبى الربيع (1) (عن الصادق عليه السلام في رجل شارك رجلا آخر في جارية له فقال: له: إن ربحت فلك نصفه، وإن وضعت فليس عليك شئ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت الجارية للقائل). وإلى ذلك أشار المصنف بقوله (والمروي الجواز) وظاهره الميل إليه، بل إليه ذهب جماعة كالشيخ والفاضل في المختلف والشهيد في الدروس، ومن أنه مخالف لما دل على تبعية الربح والخسران لرأس المال، فيكون مخالفا للسنة التي بمخالفتها يكون مخالفا للكتاب أيضا، وبه جزم الحلي في السرائر، قال بعد أن حكى ذلك عن الشيخ (أنه غير واضح ولا مستقيم، لانه مخالف لاصول المذهب، لان الخسران على رؤس الاموال بغير خلاف، فإذا اشترطه أحدهما على الاخر كان مخالفا للكتاب والسنة ؟ ورده في الدروس بأنه لا نسلم لزوم تبعية المال لمطلق الشركة، بل للشركة المطلقة، ومن هنا قال: إن الاقرب تعدي الحكم إلى غير الجارية من المبيعات، ضرورة عدم كون المستند خصوص الخبرين، بل هما مؤكدان لمقتضى العموم. وفيه - مضافا إلى ما في التنقيح من الاجماع على عدم إطراد الحكم في غير هذه الصورة - منع شمول العمومات لمثل ذلك، الذي لم يعلم شرعيته في نفسه، كي يكون الشرط ملزما له، وأما الخبران فغير صريحين في المطلوب، مع أن موردهما الجارية، وكون المشارك هو المالك، واحتمال الصحيح منهما طيب النفس بعد ظهور الخسران من باب الاحسان، ولذا قال في التنقيح: (إنا نقول بموجب الاول منهما) إذ معناه أنه إذا شرط عدم الخسران عليه جاز له أن يفي بقوله، وهو صحيح، إذ (الناس مسلطون على أموالهم)، فإذا ترك ماله فلا حرج عليه، وأما لزوم الشرط


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2

[ 168 ]

فلا دلالة للرواية عليه، ولذلك أردف نفي الباس بقوله (إذا طاب نفس صاحب الجارية) ولعل قوله عليه السلام في ذيل الخبر الاخر (إذا كانت الجارية للقائل) مشعر بنحو ذلك. ويقوى في النفس أن ذلك كانت مقاولة بين المالك وغيره، ليساعده على البيع، أو نحو ذلك، لا أنها شركة حقيقة، وبالجملة هما غير صالحين لاثبات الحكم المزبور، مع فرض مخالفته، وعدم اقتضاء العمومات صحته، كما هو الاقوى، وفاقا لجماعة منهم الفاضل في القواعد وغيره في بطلان العقد الذي وقع عليه هذا الشرط في ضمنه، كما لو باع أحدهما صاحبه بهذا الشرط البحث السابق. وتسمع إنشاء الله في كتاب الصلح البحث فيما لو صالح أحد الشريكين الاخر على أن يكون له رأس ماله، والباقي لشريكه زاد أو نقص، وفي كتاب الشركة البحث في شرط التفاوت في الربح في عقد الشركة مع تساوى المالين، والتساوي فيه مع تفاوت المالين، مع زيادة العمل من أحدهما وبدونه، فلاحظ، فإن له دخلا في المقام، ومنه يعلم التنافي بين ما في الدروس في المقامين. (و) كيف كان ف‍ (يجوز النظر) من دون إذن المولى (إلى وجه المملوكة ومحاسنها) التي هي محال الزينة منها كالكفين والرجلين ونحوهما (إذا أراد شراءها) لنفسه أو لغيره بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك في باب النكاح أن جواز النظر إلى الوجه والكفين والمحاسن والشعر موضع وفاق، وإن لم يكن بإذن المولى صريحا، لان عرضها للبيع قرينة الاذن في ذلك، ولان أبا بصير (1) (سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعترض الامة ليشتريها ؟ فقال: لا بأس أن ينظر إلى محاسنها ويمسها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغى له النظر إليه) وقال له أيضا حبيب بن المعلى الخثعمي (2) إني اعترضت جواري المدينة فأمذيت، فقال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس، وأما من لا يريد أن يشتري فاني أكرهه) وقال هو أيضا لعمران


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 - 2

[ 169 ]

بن حارث الجعفري (1) (لا أحب للرجل أن يقلب جارية إلا جارية يريد شراءها). وفي المروي عن قرب الاسناد (2) (مسندا إلى جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنه كان إذا أراد أن يشترى الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها) بل قد يستفاد من هذه النصوص ما في تذكرة الفاضل من جواز النظر إلى ما دون العورة، ومال إليه في الحدائق وإن استبعده كثير ممن تأخر عنه، وتردد فيه في الدروس، بل وفي العورة ثم استقرب مراعات التحليل من المولى، بل قد يستفاد من خبر حبيب جوازه مع التلذذ، بل قد يدعى لزومه للاباحة غالبا إذا كانت المنظورة من الجوار الحسان. لكن صرح في السرائر وغيرها بالحرمة حينئذ، ومقتضى اطلاق النص والفتوى عدم الفرق في جواز النظر بين المزوجة وغيرها، وفي إلحاق نظر المرأة إلى المملوك إذا أرادت شراءه بالرجل المريد شراء الامة وجه قوي، خصوصا مع ملاحظة ما ورد في باب النكاح في تعليل جواز النظر لشعر الامراة التي يريد تزويجها (3) (بأنه إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن) وفي آخر (4) (تعليل النظر إلى المحاسن بأنه مستام) الظاهر في أن الوجه في النظر رفع الغرر والضرر الناشئ من عدم الرؤية هذا. والاحوط الاقتصار في جواز النظر على إرادة الشراء لا أن المراد النظر أولا، ثم الشراء هذا وقد سمعت اشتمال بعض النصوص السابقة على جواز اللمس، واستحسنه في نكاح المسالك مع توقف الغرض عليه، ولا ريب أن تركه أحوط، ثم إن الحكم مختص بالمشتري، فلا يجوز للامة النظر إليه زيادة على ما يجوز للاجنبي، وفي نكاح المسالك بخلاف الزوجة، والفرق أن في الشراء لا اختيار لها، بخلاف التزويج.


1 و 2 الوسائل الباب 20 من ابواب بيع الحيوان الحديث 3 - 4 3 و 4 الوسائل الباب 36 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه الحديث 1 و 7 و 8 و 12

[ 170 ]

(ويستحب لمن اشترى مملوكا أن يغير اسمه) عند الشراء قال: زرارة (1) (كنت جالسا عند أبى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل ومعه ابن له فقال: أبو عبد الله عليه السلام ما تجارة ابنك ؟ فقال التنخس فقال: له أبو عبد الله عليه السلام لا تشتر شيئا ولا عيبا فإذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، فإذا اشتريت رأسا فغير اسمه وأطعمه شيئا حلوا إذا ملكته، وتصدق عنه باربعة دراهم). (و) منه يعلم استحباب (أن يطعمه شيئا من الحلاوة وأن يتصدق عنه بشئ) وان لم يكن المقدار المعلوم، لظهور عدم ارادة الاشتراط فيه، وفي الدروس أن الاقرب استحباب تغيير الاسم في الملك الحادث، قال: (وروي كراهة التسمية بمبارك وميمون وشبهه) وفي شرح الاستاد استحباب الثلاثة في كل تملك، واختيار الاسماء الشريفة كعبد الله وعبد النبي وعبد علي، وبما يسمى به عبيدهم كقنبر وبلال وفضة ونحوها، وأما التسمية بأسماء الانبياء والائمة فالاولى تركه، لخوف إهانة الاسم باستخدامه، والامر سهل. (ويكره وطئ من ولدت من الزنا) من الابوين، وأحدهما في وجه (بالملك والعقد) ولو تحليلا (على الاظهر) للفضاضة وفوات النجابة ولخوف العار والنصوص كحسنة الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام (قال: سئل عن الرجل يكون له الخادم ولد زنا هل عليه جناح أن يطأها قال: لا وإن تنزه عن ذلك فهو أحب إلي) وهي وغيرها الحجة على ابن ادريس المحرم ذلك بناء منه على كفر ولد الزنا، وتحريم الكافرة، وفي المقدمتين منع، وفي الدروس أن العقد أشد كراهية من الملك، وفي شرح الاستاد إنه تشتد الكراهة بطلب النسل، لترتب معظم الفساد عليه، قلت: ولعله لذا قال: في القواعد إنه إن فعل فلا يطلب الولد منها، أي إن وطئ غير مبال بالكراهة فلا يطلب النسل منها بأن يترك الامناء أو يعزل أو يطأ في غير القبل أو اليائس


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 (2) الوسائل الباب 60 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3

[ 171 ]

أو الصغيرة أو نحو ذلك). وفي الدروس أيضا (ويكره الحج والتزويج من ثمن الزانية) وعن أبي خديجة لا يطلب ولد من امرأة أمهرت مالا حراما أو اشتريت به إلى سبعة آباء، والامر في ذلك كله سهل (و) وقد ظهر لك من خبر زرارة السابق كراهة (أن يرى المملوك ثمنه في) كفة (الميزان) وفي خبر قيس (1) (عن الصادق عليه السلام من نظر إلى ثمنه وهو يوزن لم يفلح) وربما قيل بهما مطلقا ولو لم يكن في الميزان حملا للنص على المتعارف من وضع الثمن في كفة الميزان عند الشراء، وفي الرياض أنه حسن لو قام دليل على الكراهة مطلقا وهو غير واضح، قلت: قد يقال يكفى فيها خروج القيد عن ارادة التقييد نعم في تعدية الحكم إلى مطلق العوض والى اللمس اشكال سيما الاخير والامر سهل والله العالم. (الثالث: في لواحق هذا الباب) (وهى مسائل) (الاولى) الامة و (العبد) قنا أو مدبرا أو أم ولد إلى غير ذلك من أحواله التى لا تخرجه عن الرقية عدا المكاتب الذى ستسمع الكلام فيه في محله، وظاهرهم هناك الملك كما ستعرف انشاء الله (لا يملك) عينا ولا منفعة مستقرا ولا متزلزلا من غير فرق بين ما ملكه المولى، وفاضل الضريبة وأرش الجناية وبين غيرها عند اكثر علمائنا كما في التذكرة بل في السرائر عندنا مشعرا بالاجماع عليه، كالمحكي عن الانتصار وكفارات المبسوط، بل في زكاة الخلاف ونهج الحق الاجماع عليه بل الاول منهما صريح في نفى الملك لما ملكه مولاه، بل في شرح الاستاد أنه المشهور غاية الاشتهار


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الحيوان الحديث 2

[ 172 ]

بين المتقدمين والمتأخرين المدعى عليه الاجماع، معبرا عنه بلفظه الصريح من جماعة وبما يفيده بظاهره بعبارات مختلفة من نقلة متعددين، كمذهب الامامية ومذهب اصحابنا وعندنا. وفي الرياض أنه الاشهر بين أصحابنا كما حكاه جماعة منا، وهو الظاهر من تتبع كلماتهم جدا حيث لم أقف على مخالف لهم في ذلك الا نادرا للاصل في كثير من الموارد مؤيدا بأنه مملوك، فلا يكون مالكا، لان مالكيته لغيره فرع مالكيته لنفسه وبأن ما يكتسبه العبد من فوائد ملك المولى، فيكون تابعا له بل قيل أنه لا يعقل ملك المملوك على وجه يختص به دون مولاه، لان نفسه وبدنه وصفاته التي من جملتها سلطانه مملوكة فسلطان السلطان غالب عليه، وإليه يرجع ما عن المختلف من أنه لو ملك لما جاز للمولى أخذه منه قهرا، والتالي باطل اجماعا ولما رواه محمد بن اسماعيل في الصحيح (1) عن الرضا عليه السلام (سألته عن رجل يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها من خدم أو متاع أيجوز ذلك ؟ قال: نعم إذا كانت أم ولده). وفي شرح الاستاد (أنه يجوز للسيد أن يأخذ ما في يد العبد قهرا بالاجماع محصلا ومنقولا) بل ظاهره في مقام آخر أن المراد بالاخذ ما يشمل التملك، فضلا عن التصرف، وبغير ذلك ولقوله تعالى (2) (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون) فإن وصف العبد بعدم القدرة بمنزلة الحكم عليه بذلك، لان الصفة كاشفة بقرينة السياق والمقام، وإن كان الاصل فيها التخصيص، بل قيل أن قصد التقييد لا يبقى للمملوكية خصوصية، على أن الاقتضاء الذاتي أدخل في ضرب المثل، وأوفق بارادة البرهان على عدم القدرة. هذا كله مضافا إلى صحيح زرارة (3) عن أبى جعفر عليه السلام المستفاد منه المراد


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الاستيلاد الحديث 2 (2) سورة النحل الاية 75 (3) الوسائل الباب 45 من ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه الحديث 1

[ 173 ]

من الآية (قال: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا باذن سيده، قلت، فان السيد كان زوجه بيد من الطلاق ؟ قال: بيد السيد (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا) إلى آخره أفشئ الطلاق) وموثق شعيب (1) سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن طلاق العبد ؟ فقال: ليس له طلاق ولا نكاح أما تسمع قوله عبدا مملوكا) الحديث إلى آخره. وحينئذ فالحكم على العبد بعدم القدرة على شئ يقتضي نفي القدرة له على الملك الحاصل بواسطة الاسباب الاختيارية، لان الشئ نكرة في سياق النفي فيكون للعموم، ولدلالة الاخبار على ارادته منه، فيتناول ما ذكرناه، ومتى ثبت امتناع الملك الاختياري للعبد ثبت امتناع الملك القهري له أيضا للاجماع كما في مصابيح العلامة الطباطبائي على نفي التفصيل بهذا الوجه، ولقوله تعالى (2) (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم، فانتم فيه سواء) فإن الاستفهام فيه انكاري تقتضي امتناع الشركة بين الاحرار والمماليك بوجه، ولو صح ملك العبد لامكن ذلك قطعا، والمراد من الموصول في قوله فيما رزقناكم جنس الاموال التي رزق عباده لا خصوص الاعيان التى رزقها الاحرار، إذ لا دلالة في ذلك حينئذ على رفعة شأن الموالي وضعة المماليك ونقصهم لان التساوى بهذا الوجه منفي في حق الاحرار أيضا. وعلى كل حال ففي الايتين اشارة إلى تقرير الامتناع العقلي في تملك المماليك وللنصوص التي تسمعها في المسألة الثانية الدالة على أن العبد إذا بيع كان ما في يده قبل البيع لسيده، إلا أن يدخل في المبيع أو يشترطه المشترى، ولو كان العبد مالكا لاستمر ملكه له بعد البيع، ولم يكن شئ من ذلك للبايع ولا للمشتري لانتفاء الناقل


(1) الوسائل الباب 66 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 2 (2) سورة الروم الاية - 28

[ 174 ]

عنه، ولا كان للسيد بيع المال معه، لعدم مالكيته له وهو ظاهر. ومن ذلك يعلم وجه دلالة النصوص المتضمنة أن العبد إذا اعتق كان ما في يده قبل العتق لمولاه، إلا إذا أقره في يده، فهي دليل آخر على المطلوب أيضا، ولان العبد إذا مات وترك مالا كان في يده، فإنه لمالكه بالاجماع والنصوص المستفيضة، ولو صح ملك العبد لزم أن يكون المال ميراثا للمولى، لانه مال انتقل إليه بموت مالكه، ولا نعني بالميراث إلا ذلك والتالي باطل للاجماع كما في المصابيح على أن الحر لا يرث عبدا وفي الصحيح المروي (1) عن ابي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام بطرق متعددة (أنه لا يتوارث الحر والعبد) فالمقدم اعني مالكية العبد مثله، ولا يلزم ذلك على القول بانتفاء الملك، لان ما في يد العبد ملك للمولى قبل موته فلا يكون منتقلا إليه بعده حتى يكون ميراثا. وللصحيح (2) عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام (أنه قال: في المملوك مادام عبدا فإنه وماله لاهله لا يجوز له تحرير ولا كثير عطاء ولا وصية إلا أن يشاء سيده) بل عن المصابيح أنه صريح في المطلوب، وقوله (الا أن يشاء سيده) إنما يدل على جواز تصرف العبد باذن مولاه، ولا دلالة فيه على الملك بوجه والمراد من الوصية أن يوصي بماله لغيره، فإنه جائز مع اذن المولى، لا أن يوصى له، حتى يدل على الملك، مع أن في دلالته عليه نظر فتأمل. ولصحيح محمد بن مسلم (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ينكح أمته من رجل أيفرق بينهما إذا شاء ؟ إن كان مملوكه فليفرق بينهما إذا شاء، إن الله تعالى يقول (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ فليس للعبد شئ من الامر) فإن قوله


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب موانع الارث الحديث 1 إلى 5 (2) الوسائل الباب 78 من ابواب احكام الوصايا الحديث 1 (3) الوسائل الباب 64 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 8

[ 175 ]

فليس للعبد شئ من الامر بعمومه يشمل التصرف والملك، فيدل على عدم الملك ولصحيح عبد الله بن سنان (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: مملوك في يده مال أعليه زكاة ؟ قال: لا قلت: ولا على سيده قال: لا لانه لم يصل إليه، وليس هو للمملوك). إذ حكمه بنفى الملك عن العبد لما في يده يدل على استحالة ملكه، وإلا أمكن أن يكون له قطعا، فلا يصح الحكم بأنه ليس له مطلقا، ولا يتم التعليل بانتفاء الملك في عدم الزكاة، وللنصوص الواردة في الوصية وغيرها على اختلاف في الدلالة في الظهور، كالصحيح (2) (في مكاتب كانت تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية فقال: أهل الميراث لا تجيز وصيتها أنه مكاتب لم يعتق ولا يرث، فقضى أنه يرث بحساب ما أعتق منه، ويجوز له الوصية بحساب ما اعتق منه، وقضى في مكاتب أوصى له بوصية وقد قضى نصف ما عليه، فأجاز نصف الوصية) الحديث الدال على المطلوب من وجوه. أقواها تعليل الورثة عدم الاجازة بأنه عبد مملوك لم يعتق، ضرورة ظهوره في اشتهار عدم ملكه للوصية بالعبودية في تلك الازمنة، وكالاخبار المتواترة (3) المجمع عليها الدالة على نفي الموارثة بالرقية، بل جعل بعضهم ذلك دليلا مستقلا، فقال: إنه لو ملك لدخل المال في ملكه، بالاسباب الموجبة للدخول من غير اختيار، كالميراث وشبهه، والتالي باطل إجماعا فكذا المقدم، وإن كان قد يناقش في الملازمة بعدم الدليل عليها، فيحتمل المنع تعبدا، كالقاتل المعلوم صلاحيته للملك إجماعا، وكالنصوص (4) الواردة في وصية المولى لمملوكه بثلث ماله، وأنه يعتق بحسابه، ومن هنا قيل: إن تتبع المقامات المتفرقة في الفقه، المسلمة بين الجميع، كعدم وجوب


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب من تجب عليه الزكاة الحديث 4 (2) الوسائل الباب 80 من ابواب احكام الوصايا الحديث 1 (3) الوسائل الباب 16 من ابواب موانع الارث (4) الوسائل الباب 82 من ابواب احكام الوصايا

[ 176 ]

الزكاة بل إستحبابها، مع ثبوتها في مال الطفل والخمس والحج والكفارات ونفقة القريب، ومن في يده من العبيد، ومنعه من التصرفات وإن لم يكن مولاه قابلا للولاية، وعدم ابقاء ما في يده مع بيعه واعتاقه، وعدم ضمانه لمتلفاته إلا بعد عتقه، وعدم استحقاقه للارث إلا بعد عتقه، وانتقال ماله بموته للمولى، وعدم جواز الوصية له، والوقف عليه، وعدم حرمة التصرف بضروبه حتى التملك على مولاه، مع حرمة التصرف بأموال الناس، وتملك المولى ما كان من فوائد البدن كالحمل واللبن وعوض البضع ونحوه مما لا ريب في أولوية الخارج منه، وصرف الوصية له من المالك إلى عتقه، كصرف الوصية لام الولد إلى عتقها من الثلث ثم اعطاء الوصية وغير ذلك - مما يورث الفقيه القطع بعدم قابليته للملك، فلا تقدح المناقشة في كل واحد منها. مضافا إلى أن القول بملكه يستلزم جواز تملك كل من العبدين صاحبه في بعض الصور، أللهم إلا أن يمنع الملازمة، فإن القابلية للملك أعم من اقتضائها ذلك كيف كان، إذ الحر يملك ولا يملك أبويه، وقد يناقش بأن الحر يملك إلا انهما ينعتقان عليه قهرا، فالملك حاصل زمانا ما قبل العتق، أو متقدم عليه ذاتا كتقدم العلة على المعلول فتأمل جيدا والله أعلم. هذا كله في القول بعدم الملك (وقيل يملك فاضل الضريبة) خاصة التى يضربها عليه مولاه، الا انى لم أعرف القائل به بالخصوص، وان نسب إلى الشيخ في النهاية والقاضي الا ان الذي عثرت عليه في الاول مع عدم اختصاصه بفاضل الضريبة، صريح في ارادة ملك التصرف كما حكاه عنه في الدروس لا الرقبة، قال (المملوك لا يملك شيئا من الاموال مادام رقا، فان ملكه مولاه شيئا ملك التصرف فيه بجميع ما يريده، وكذلك إذا فرض عليه ضريبة يؤديها إليه، وما يفضل بعد ذلك يكون له جاز ذلك، فإذا أدى إلى مولاه ضريبة كان له التصرف فيما بقي من المال، وكذلك إذا أصيب العبد في نفسه بما يستحق به الارش كان له ذلك، وحل له التصرف فيه، وليس له رقبة المال على وجه من الوجوه.

[ 177 ]

ونحوه عن القاضي ولذا نسبه اليهما في المحكي عن المهذب نعم قيل إن القول بذلك محكي عن الصدوق والاسكافي حيث قالا: يملك العين لكن لا مستقرا، وفيه أنه أيضا غير خاص بفاضل الضريبة. (و) على كل حال ف‍ (هو المروي) صحيحا قال عمر بن يزيد (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له، وقد كان مولاه يأخذ ضريبة ضربها عليه في كل سنة ورضي بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يأخذ مولاه من الضريبة قال: فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه، فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض، فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها، قلت: للملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده ؟ قال: نعم وأجر ذلك له، قلت: فإن اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء العتق ؟ قال: فقال: يذهب فيتولى إلى من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه ووارثه، قلت: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولاء لمن اعتق ؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت فان ضمن العبد الذي اعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه ؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك ولا يرث عبد حرا) مضافا إلى ما في كشف الاستاد من أن عقد الكتابة يقتضى عدم استحقاق المولى سوى ما فرضه لنفسه، فلو لم يكن الفاضل للعبد، بقي بلا مالك، ونوقش في الاول بأنه - مع قصوره عن معارضة غيره مما عرفت من وجوه ولو كان بالاطلاق أو العموم ومنافاته لما دل على الحجر عن التصرف على تقدير الملك - قابل للحمل على إرادة اباحة التصرف له باذن المالك لا لاجل الملك، لعدم اختصاص اللام به لغة، والحكم فيها بصحة العتق والتصدق عن العبد يمكن أن يكون كذلك أيضا، لان توقفهما على المك ليس بمعنى عدم صحتها من غير المالك مطلقا، بل مع عدم الاذن منه في التصرف


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 باختلاف يسير

[ 178 ]

والاذن هنا متحقق بالفرض، وأما اختصاص الاجر به فلان العبد هو المباشر للعتق والسبب التام فيه، لان المالك لم يقصد شيئا منها بعينه، بل لم يطلب من العبد التصرف بما فيه الاجر فضلا عن خصوص العتق والتصدق، ولذا أجاز أنواع التصرفات بأسرها، وإن لم يكن فيها أجر، وفي الثاني بأنه لا منافاة بين كونه مالا للمولى وكونه محجورا عليه. يملكه بعد تمام عتقه أو بعد وفاء بعضه فتأمل جيدا. فإنك تسمع انشاء الله في كتاب المكاتب المفروغية من ملك العبد فلاحظ وتأمل. (ويملك أرش الجناية) خاصة أو مع فاضل الضريبة خاصة (على قول آخر) لم أعرف القائل بكل منهما، كالقول بأنه يملك ما ملكه مولاه خاصة، أو مع أرش الجناية خاصة أو مع فاضل الضريبة فقط، أو الثلاثة وإن حكى جميع ذلك شيخنا في شرحه، بل وغيرها، فإنه قال بعد أن اختار عدم الملك، واستدل عليه: (فلا وجه للقول بأنه يملك مطلقا، ونسب إلى الاكثر في رواية، وإلى ظاهر الاكثر في اخرى، أو يملك فاصل الضريبة فقط، أو أرش الجناية كذلك ونسبا إلى الشيخ وأتباعه، أو ما ملكه مولاه وربما عد منه فاضل الضريبة، وما أذن له في ملكه أو المركب منها على اختلاف أقسامه، أو يملك ملكا غير تام أو التصرف خاصة) ويمكن أن يكون المراد من ذلك الاعم من القول والاحتمال. وعلى كل حال فلم أجد ما يشهد للقول بملك أرش الجناية سوى ما قيل من أن المولى إنما يملك خدمته والانتفاع به، وأما النفس فنفسه، وأما البدن فبدنه، وأرشهما له، ولم تتعلق التكاليف بهما، وفيه ما لا يخفى. وسوى موثق اسحاق بن عمار (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم، أو أقل أو أكثر فيقول: حللني من ضربي إياك، ومن كل ما كان مني إليك، ومما أخفتك وأرهبتك، ويحلله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم إن


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب بيع الحيوان الحديث 3 مع اختلاف يسير

[ 179 ]

المولى بعد أن أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع وضعها فيه العبد فأخذها السيد المولى أحلال هي له ؟ قال: فقال: لا تحل له، لانه افتدى بها نفسه من العبد، مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة، قال: فقلت له: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول ؟ قال: لا إلا أن يعمل له فيها، ولا يعطي من الزكاة شيئا). وفيه - مع أنه ليس من أرش الجناية، أللهم الا أن يدعى أولويته مما الذي هو ليس عوض جناية، مع أنه من المولى، فالجناية من الغير حينئذ أولى، ويناقش بمنع الاولوية، ومنع القول بما في مضمونة، حتى تكون الاولوية معتبرة. - أنه قاصر عن معارضة غيره سندا بل ومتنا، خصوصا مع اشتماله على ما حكي الاجماع على خلافه، من منع المولى انتزاع ما في يد العبد، وثبوت الزكاة على العبد وخصوصا مع ظهور ذيله في موافقة العامة هذا. وتسمع انشاء الله في كتاب القصاص والديات المفروغية من ملك السيد أرش جناية العبد الذي هو مملوك له، والارش جبر تفاوت ما مضى من ملكه. وعلى كل حال فقد ظهر لك ضعف القول بملك ذلك خاصة، وقوة القول بعدم ملكه، ولكن مع ذلك مال المصنف إلى القول بالملك مطلقا، فقال: (ولو قيل يملك مطلقا لكنه محجور عليه بالرق حني يأذن له المولى) للآية (1) والاجماع بقسميه كالاجماع الذي سمعته سابقا على أن للمولى إنتزاع ما في يد العبد قهرا عليه (كان حسنا) بل ظاهر الشهيد في الحواشي اختياره، وقد سمعت أن الاستاد حكى نسبته إلى الاكثر في رواية، وإلى ظاهر الاكثر في أخرى، لكن الذي عثرت عليه من ذلك ما في الدروس والمسالك، ففي الاول (اختلف في كون العبد يملك، فظاهر الاكثر ذلك) وفي النهاية (يملك ما ملكه مولاه) إلى آخره وفي المسالك (القول بالملك في الجملة للاكثر) وهما معا ليس في الملك مطلقا. وكيف كان فيدل على ذلك - مضافا إلى أنه يحصل به الجمع بين ما يقتضى


(1) سورة النحل الاية - 75

[ 180 ]

الملك، وبين ما يقتضي عدمه، بحمل الثاني على الحجر وجواز الانتزاع، فكان ملكه غير ملك، لانتفاء هذين اللازمين اللذين هما كالركن في الملكية - إطلاق ما دل على حصول الملك بتحقق أسبابه، فإنه يشمل الحر والمملوك ودعوى الانصراف إلى الاول - ولو بسبب معلومية حجر العبد، وعدم جواز تصرفه، - ممنوعة خصوصا في نحو الحيازات للمباحات، إذ دعوى عدم ملكه لها - وإن وقع منه الحيازة كدعوى ملك المولى لها، بمجرد حيازة العبد لها بغير إذنه - لا تخلو من نظر أللهم إلا أن يدعى أن مثل ذلك نماء الملك فيتبعه فيه، لان نماء كل شئ بحسب حاله، فتأمل جيدا. وما يستفاد من تضاعيف الادلة من قابلية العبد للملك في الجملة، منها ما سبق، ومنهما ما تسمعه، فلا مانع حينئذ لان يعمل السبب مقتضاه، وليس في الادلة ما يصلح للتقييد والتخصيص، كما أنه ليس فيها ما هو صريح في نفي قابلية الملك، إذ المنساق من الاية الاولى (1) إرادة الحجر في التصرفات، خصوصا بعد قوله (ومن رزقناه) إلى آخره، لا أن المراد عدم قابلية الملك أصلا حتى مع إذن المولى. والنصوص المتضمنة لتفسير الاية - مع أنه يجب تقييدها بما إذا كان متزوجا أمة المولى بما تعرفه في باب النكاح من أن المشهور كما قيل كون طلاق غيرها بيده - كالصريحة في إرادة عدم القدرة بدون الاذن خصوصا مثل صحيح العقرقوفى (2) عن ابى عبد الله عليه السلام (قال: سئل وأنا عنده أسمع عن طلاق العبد ؟ قال: ليس له طلاق ولا نكاح، أما تسمع الله يقول (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ)، قال: لا يقدر على نكاح ولاطلاق إلا باذن مولاه). هذا كله بعد الاغضاء عن دعوى كون الوصف كاشفا غير مخصص، ومن الاية الثانية (3) إرادة عدم الاشتراك من حيث العبودية، لا ما يحصل بالاسباب الاخر التي منها


(1) سورة النحل الاية 75 (2) الوسائل الباب 66 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 2 (3) سورة الروم الاية 28

[ 181 ]

تمليك السيد، خصوصا بعد المروي في دعائم الاسلام (1) عن علي وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام (أنهم قالوا العبد لا يملك شيئا إلا ما ملكه مولاه، ولا يجوز له أن يعتق ولا يتصدق مما في يده إلا أن يكون المولى أباح له ذلك أو اقطعه مالا من ماله أباح له فعله أو جعل عليه ضريبة يؤديها إليه وأباح له ما أصاب بعد ذلك، هذا معنى ما رويناه عنهم عليهم السلام وإن اختلف لفظهم فيه) بل هو من أدلة المسألة كالمروي فيها أيضا عنه (2) عن جعفر بن محمد عليه السلام (أنه سئل عن رجل باع عبدا فوجد المشتري مع العبد مالا قال: المال رد على البايع إلا أن يكون قد اشترطه المشتري، لانه باع نفسه، ولم يبع ماله) الحديث. وصحيح زرارة (3) سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق عبدا وللعبد مال، لمن المال ؟ فقال: إن كان يعلم أن له مالا تبعه ماله، وإلا فهو له) وصحيحه الاخر (4) عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا كاتب الرجل مملوكه أو أعتقه وهو يعلم أن له مالا ولم يكن السيد استثنى المال حين أعتقه، فهو للعبد) ونحوهما صحيح عبد الرحمان (5) والنصوص جميعها يمكن الجواب عنها بالتزام ما في بعضها، وإن كان مخالفا لقواعد الملك كما قلناه في الحجر، وجواز الانتزاع وتخير الامة بعد العتق بالبقاء على التزويج وعدمه، وغير ذلك مما قيل به للادلة، وبحمل الآخر على إرادة الحجر وجواز الانتزاع، فملكه في الحقيقة ليس ملكا، أما قابليته للملك كقابليته لساير التصرفات إذ هو انسان عاقل، وربما فاق الكثير من الاحرار، فلا يقاس على البهائم فلا دلالة فيها على نفيه. نعم سلطان المولى عليه، وعلى ما في يده كسلطان الله على العباد وما في أيديهم


(1) المستدرك ج 2 ص 485 (2) المستدرك ج 2 ص 485 3 - الوسائل الباب 24 من ابواب العتق الحديث 2 (4 و 5) الوسائل الباب 24 من ابواب العتق الحديث 1 - 6

[ 182 ]

على وجه لا ينافي الملك الذي أناطه الله تعالى باسبابه لاجراء بعض الاحكام عليه، ولعل في الاية الثانية (1) إشعارا بذلك، ضرورة كون المراد نفي شركة العبد مع المولى كنفي شركة العباد مع الله تعالى شأنه. ويؤيد ذلك كله إضافة المال إلى العبد في النصوص الكثيرة المتفرقة في الابواب الذي لا يسع الفقيه حصرها، على وجه يقطع بعدم إرادة الادنى ملابسة منها الذي هو ضرب من المجاز فيها، ولا يناسبه هذه الكثرة المجردة عن القرينة، وما تقدم في باب الربا من نفيه بين السيد والعبد، كالولد والوالد الظاهر في ثبوت الملك له أيضا. وقوله تعالى (2) (وأنكحوا الايامى منكم) الاية بناء على أن الضمير في قوله يكونوا راجع إلى المذكورين سابقا ومن جملتهم العبيد والاماء، فيدل الجزاء على توقع الغناء وإمكانه في حقهم، وهو يدل على الملك إذ لا غناء بمال مملوك، ودعوى أن المراد من الغناء رغد العيش وسعته ولو بالاباحة، فلا ينافي ثبوته للعبيد، فإن حالهم في ذلك تابع لحال الموالي غالبا واضحة المنع. نعم قد يقال أن المراد من الضمير غير العبيد، إذ لو أريد الاعم لم يكن عدمه في حق المماليك مانعا لهم من التزويج، لثبوت المهر والنفقة على المولى إذا كان النكاح بإذنه، ولا وجوده مرغبا، لتحقق الحجر المانع من التصرف وإن حصل الملك، وهو خلاف ما يقتضيه سياق الاية، والصحيح عن أبى جرير (3) (قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قال لمملوك له: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدء بالحرية قبل المال، يقول لي: مالك وأنت حر برضاء المملوك). والمناقشة في سنده - باشتراك أبى جرير، وبالاضطراب، لان ثاني الشهيدين


(1) سورة الروم الاية 28 (2) سورة النور الاية 32 (3) الوسائل الباب 24 من ابواب العتق الحديث 5

[ 183 ]

رواها في موضعين عن جرير أحدهما عن أبى الحسن عليه السلام، والاخر عن الصادق عليه السلام مع أن عن بعضهم نفى روايته عن الاول بلا واسطة، وفي روايته عن الثاني كذلك الكلام المشهور، وعن النجاشي عن يونس أنه لم يسمع من الصادق عليه السلام الا حديثين - لا تقدح بعد الانجبار والاعتضاد بما عرفت، كالمناقشة في متنه - بأن الاضافة على التوسع، واعتبار رضا المملوك على الندب، كما يشهد له وقوع الامر باعتباره في حيز النهي عن تقديم العتق على ذكر المال، المعلوم أنه ليس على التحريم، إذ هي كما ترى تكلف بلا داع ولا شاهد. والصحيح عن الفضيل بن يسار (1) قال: (قال: لي عبد مسلم عارف أعتقه رجل فدخل به على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: من هذا السندي فقال: رجل عارف وأعتقه فلان فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليت إنى كنت أعتقته، فقال السندي لابي عبد الله عليه السلام إني قلت لمولاي: بعني بسبعماءة درهم، وأنا أعطيك ثلاثمأة درهم، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن كان يوم اشترطت لك مال فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن لك يومئذ مال فليس عليك شئ). والمناقشة في سنده - بأن الراوى فيها العبد الذى لم يظهر من الرواية إلا كونه مسلما عارفا، ولا يكفي ذلك في التوثيق، وفي المتن بأن الاضافة بأدنى ملابسة، وايجاب الدفع عليه بكون المال ملكا للبايع، وإنما جوز له بتعيينه المقدار تصرفه فيما عداه فيبقى المنع فيه ثابتا، فلا يكون دالا على الملك - كما ترى خصوصا الثانية، وموثق اسحاق بن عمار (2) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام، (أن عليا عليه السلام أعتق عبدا له فقال إن ملكك لي ولك وقد تركته لك). والمناقشة فيه - بأنه، غير دال على ملك العبد بوجه، لان الخلاف في ملك العبد للمال، ومقتضى الرواية ملك الرقبة مجازا بناء على أن له في نفسه حقا وليس ذلك


(1) الوسائل الباب 51 من ابواب العتق الحديث 1 (2) الوسائل الباب 24 من ابواب العتق الحديث 7

[ 184 ]

من محل النزاع في شئ، وحمل الملك هنا على ملك المال مع مخالفته لظاهر اللفظ لا وجه له، لانتفاء الشركة فيه على القولين، فإن ما يكتسبه العبد لنفسه إما أن يكون له بأسره، أو ينتفى عنه بأسره، فالتفصيل خلاف الاجماع، وحمل الشركة على المجاز يقتضي سقوط الاستدلال - يدفعها انسياق ارادة الاخير منها على أن للمولى انتزاع ما في يد العبد وتملكه فهو له حينئذ من هذه الجهة، وللعبد باعتبار ملكيته لنفس المال على الوجه المزبور بل لا ريب في صلاحية ذلك وجها للجمع بين ما يقتضي ملك السيد وما يقتضي ملك العبد متمما نفيه عنه بارادة الحجر عليه فيه، بل هو اولى من الجمع بحمل الاول على الحقيقة، والثاني على إباحة التصرف باذن المولى، وأن الاضافة لادنى ملابسة، ونحو ذلك مما لا يخفى على المتأمل عدم قابلية مجموع الادلة له، فظهر من ذلك كله قوة ما استحسنه المصنف، وما يقال - من منع المكافاة لما دل على نفي الملك لكثرته، ووضوح سند أكثره، واعتضاده بالشهرة، كما عن التذكرة وموافقة ظاهر الايتين المتقدمتين، ومطابقة الاصول والقواعد، ومناسبة الاحكام الكثيرة المتفرقة في مسائل الفقه وأبواب الحديث، كما سبقت إليه الاشارة، فيجب تأويل ما دل على الملك، أو حمله على التقية، لموافقته لمذهب كثير من العامة، فقد نقلوا القول بالملك عن مالك والشافعي في القديم وأهل الظاهر وأحمد بن حنبل. قد عرفت اندفاع كثير منه وربما كان حمل ما دل على نفي الملك على التقية أولى، لانه مذهب أبي حنيفة المعلوم شدة التقية منه، والثوري واسحاق وأحمد في إحدى الروايتين، والشافعي في الجديد، وأيضا قد يقال، إن المراد من النصوص الدالة على أن ماله لمولاه إذا بيع أو أعتق أو مات هو بقاء سلطنة البايع عليه التي ثبتت على المال حال العبودية، ولا دليل على زوالها بزوال الملك، بل ظاهر قوله عليه السلام إنما باع نفسه ولم يبع ماله) خلافه، ودعوى الاجماع على الانتقال إلى ملك المولى ممنوعة أشد المنع، ولو سلمت ثبت المطلوب، ضرورة إقتضاء الانتقال كون المال ملكا للعبد حتى يتجه انتقاله.

[ 185 ]

نعم المسلم منه ومن النصوص بقاء السلطنة التي كانت للمولى قبل البيع والعتق والموت، فلا يبعد التزام كون الرقية باقية على حكم مال العبد، وإن كان سلطان التصرف للمولى ولا يعارضه سلطان المولى الثاني أو حرية العبد نفسه، بعد تعلق حق المولى الاول على وجه لا شركة معه، وبذلك ينكشف الاشكال عن الحكم في النصوص المزبورة، كما أنه يظهر منه عدم كون ذلك من الارث في حال الموت، بل هو شئ ثابت للسيد حال الحياة هذا. ومن مجموع ما ذكرناه يظهر لك وجوه المركبات، ولعل القول السادس الذى هو ملك غير تام يرجع إلى ما قلناه كما يؤمى إليه ما ذكر مستندا له، من أنه مقتضى الجمع بين ما دل على سلطان المولى على منعه من التصرف، بل عدم جواز تصرفه إلا باذنه، وبين ما دل على ملك العبد، بالحمل على الملك الغير التام، وأما السابع فقد قيل: إن مستنده قيام الاجماع وشهادة الاخبار بأن المولى إذا أذن لعبده في التصرف جاز للعبد ذلك، وهو ملك التصرف، ففيه أن الفرق بين ملك التصرف وإباحته غير واضح، والقياس على النكاح والتحليل يدفعه أن للبضع حكما آخر، ولذلك لا يدخله صلح ولا معاوضة بوجه من الوجوه والله أعلم. وعلى كل حال فلو كان في يد المسلم عبد مسلم، ومولاه كافر ففي شرح الاستاد بيع على جميع الاقوال، ولو انعكس بأن كان المولى مسلما والعبد كافرا، وكان في يده عبد بيع على القول بملكية العبد، أو تملكه المولى بناء على أن له الانتزاع الشامل للملك، دون القول بعدم ملكيته، ولو وطئ العبد جاريته من دون اذنه، حد على القول بعدم ملكه حد الزاني، وعزر على القول بالملك، ولا يجوز للمولى وطئ من تحت يد مملوكه من دون إذنه على القول بملكه إلا أن يقصد الملك. وفي شرح الاستاد لا يبعد جعل التصرف مملكا، وفيه بحث، ولا يصح له نكاحها إلا على القول بملكية العبد، ولو وهب كل من السيدين عبده لعبده الاخر دفعة بطل على القول بالملك، إذ لا يكون السيد ملكا لعبده، وكذا مع جهل التاريخ، ومع

[ 186 ]

العلم به يملك السابق اللاحق دون العكس، ولو علم تاريخ أحدهما ففي الحكم بتأخير المجهول عنه إشكال ذكرناه غير مرة، إلى غير ذلك من الاحكام المتفرعة على القولين من الاستطاعة ووجوب وفاء الدين، والانفاق ونحو ذلك كما هو واضح وليس منه على الظاهر. المسألة (الثانية) التي هي (من اشترى عبدا له مال كان ماله لمولاه، إلا أن يشترطه المشتري) أو تكون قرينة على التبعية لثبوت الحكم المزبور على القولين، أما على القول بأن الملك للسيد فواضح، ضرورة عدم اندراج المال في اسم العبد، بل إضافته إليه إنما هي لادنى ملابسة، وأما على القول بأن الملك للعبد، فلانتقاله عنه بالبيع إجماعا محكيا في شرح الاستاد بل فيه الاستدلال عليه به، وبظاهر الاخبار على تقدير الملك، لكن ستسمع في المسألة الثالثة عبارة عن المبسوط تنافي ذلك، للحكم فيها بالبقاء على ملك العبد. وعلى كل حال فهما إن تم أولهما الحجة في ذلك، كما أن الاخبار الحجة على انتقاله إلى البايع دون المشترى، قال محمد بن مسلم (1) (سألت أحدهما عليه السلام عن رجل باع مملوكا، فوجد له مال، فقال: المال للبايع، إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من متاع فهو له، وفي خبر يحيى وأبى العلا (2) (عن أبى عبد الله عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: من باع عبدا وكان للعبد مال فالمال للبايع إلا أن يشترطه المبتاع، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك) إلى غير ذلك من النصوص، ولا استبعاد في ذلك، لجواز اشتراط ملكه ببقائه في يد مولاه، ويكون خروجه بمنزلة موته الناقل لماله إليه، أي على حسب انتقال مال الوصية إلى الموصى له، لا انتقال ارث، لما عرفت من عدم التوارث بين العبد والحر، وتغير الحكم بالانتقال غير عزيز،


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الحيوان الحيدث 1 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الحيوان الحديث 4 لكن عن يحيى بن ابى العلا مع اختلاف يسير

[ 187 ]

كما في رجوع أمر نكاح العبد إلى مشتريه وإلى زوجته إذا أعتقت. ومن ذلك يظهر لك ما في المسالك من إشكال الحكم بكونه للبايع على تقدير الملكية، بأن ملك مالك لا ينتقل عنه إلا برضاه، والحال أن العبد لا مدخل له في هذا النقل، ثم انه بعد أن اعترف بأن هذه المسألة ذكرها من ملكه ومن أحاله، قال: (ولا يندفع الاشكال إلا إذا قلنا بأن المراد بملكية العبد تسلطه على الانتفاع بما قيل تملكه له، لا ملك الرقبة كما نقله في الدروس عن بعض القائلين بالملك، فيكون الملك على هذا الوجه غير مناف لملك البايع، لرقبته على وجه يتوجه به نقله إلى المشترى أو بقاؤه على ملكه، وفيه ما عرفت مضافا إلى ما تقدم سابقا من عدم وضوح الفرق بين ملك التصرف وإباحته فتأمل جيدا. على أنه لا يتم على ظاهر المصنف فإنه مال إلى ملك العبد مطلقا مع حكمه بذلك، وهو صريح في إرادة ملك الرقبة كما اعترف هو به بعد ذلك، وقال أللهم إلا أن يحمل على ظاهر النص الدال على هذا الحكم، فيرد حينئذ بأنه دال على عدم ملك العبد لئلا يناقض الحكم المتفق عليه من عدم ملكية شخص مال غيره إلا برضاه، وهو كما ترى لا يخلو من تناقض، وما ذكره من الاتفاق بحيث يشمل ملك العبد المخالف لاحوال الملك بالحجر وبجواز الانتزاع وبغيرهما واضح المنع، فتأمل. وكذا يظهر ما في المصابيح من الاستدلال بهذه النصوص على عدم الملكية، قال: (لانه لو كان ما في يد العبد له، لاستمر ملكه له عليه بعد البيع، ولم يكن شئ من ذلك للمشترى، ولا البايع، لانتفاء الناقل عنه، ولا كان للسيد بيع المال معه، لعدم مالكيته له، وهو ظاهر، بل تعجب من الاصحاب حيث استدلوا بهذه على مالكية العبد، استنادا إلى إضافة المال إليه فيها، والظاهر منها الملك وهو ضعيف جدا لان الاضافة يكفي فيها أدنى ملابسة وظهورها في الملك مع تسليمه مدفوع بقيام القرينة الصارفة). قلت: قد عرفت عدم صرفها وأنه لا مانع عن القول بملكه ثم الانتقال عنه بالبيع للبايع كالموت، على أنه لو سلم كون مثل ذلك قرينة صارفة أمكن حمل هذه النصوص

[ 188 ]

على أن المراد من مال العبد فيها ما كان للمولى، وأضيف إليه ككسوته وفراشه ونحوهما، لا أن العبد لا يصلح للملك أصلا، فلا يستدل بها عليه كما هو واضح ولو لا الاجماع المدعى على الانتقال عن العبد على القول بملكه، لكان وجها جيدا لهذه النصوص. وربما يقال استثناء الاشتراط في هذه النصوص إنما يتجه على القول بالملكية، إذ معناه حينئذ أن مال العبد إذا بيع للبايع، إلا إذا اشترط المشترى بقاؤه للعبد، لعموم قوله عليه السلام (1) (المؤمنون عند شروطهم) أما على القول بأنه ملك للبايع فقد يشكل اشتراطه للعبد بعدم قابليته للملك فلا يصح الاشتراط، وحمله على ارادة إبقاء الاباحة خلاف الظاهر بل معلوم البطلان لظهور النصوص في خروجه بذلك عن كونه ملكا للبايع، وأما اشتراطه للمشترى، فيشكل أيضا بأن المعلوم من الشرط في الاعيان تمليكها بأسبابها من بيع أو هبة أو نحو ذلك، لا أنه هو بنفسه مملكا لها، بل أقصاه الالزام بما يقتضي تمليكها من الاسباب، ولو سلم أعمية الشرط من ذلك، أمكن منع جريان حكم المبيع عليه من القبض في المجلس لو كان صرفا، وعدم جواز التفاضل لو كان ربويا، والجهل وغيرها، مع أن الاصحاب جريان جميع ذلك عليه لو اشترط. أللهم إلا أن يلتزم الحاق ذلك بالمبيع، أو يراد بالشرط المذكور في كلامهم الذي أجروا عليه الاحكام المزبورة بشرط التبعية في البيع للعبد، على معنى كونه مع ماله مبيعا فهو حينئذ ولو كان بالشرط كالمسألة الاتية التي ليست بصورة الشرط، بل قد يوجه الشرطية للمشترى على القول بالملكية أيضا على وجه يكون مبيعا أيضا، بأن للمولى التصرف بمال عبده قهرا عليه، ومنه حينئذ بيعه فله اشتراطه حينئذ على وجه يكون مبيعا وإن لم يكن مالكا، وعدم البيع الا في ملك مخصوص بذلك حينئذ،


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 2 وباب 20 من ابواب المهور الحديث 4.

[ 189 ]

أو يقال إن هذا التصرف بنفسه مملكا، نحو ما سمعته في وطئ المولى جارية عبده، وان كان فيه ما لا يخفى. نعم قد يشكل على الاول جريان أحكام الربا ونحوه على مثل هذا البيع لامكان دعوى ظهور أدلته في البيع للمالك، لا لنحو المقام الذي فرضنا المالك فيه العبد، والبيع للمولى، لكن ظاهر الاصحاب هنا جريان أحكام البيع بأسرها على تقدير الملك وعدمه كما يوضحه ما ذكروه في المسألة الاتية ولعله لاطلاق الادلة أو عمومها. نعم في شرح الاستاد أنه هل يلحق مال العبد بالتوابع كالشرب والطريق والحريم ونحوهما، فيسوغ فيه ما لا يسوغ فيما يدخل في المبيع إصالة أو لا ؟ بل يجرى فيه حكم الاصالة وجهان، قلت: لا ريب في قوة الثاني منهما، لعدم التبعية المحققة في المقام، فليس هو إلا بيعا أصليا، بل لا فرق في المشهور هنا بين جعله شطرا أو شرطا لما عرفت من رجوع الثاني هنا عند التأمل إلى الاول، لكن في شرح الاستاد الاقوى أنه يجري في الثاني من المسامحة مالا يجري في سابقه، فتأمل جيدا، هذا. وفي المختلف بعد أن حكى عن ابن حمزة صحة البيع بغير جنس ما عند البيع إذا لم يعرف مقدار ما معه، وفساده إذا باع بالجنس لجواز تطرق الربا، قال: (لكن يبقى فيه إشكال من حيث أنه باع مجهولا، إلا أن يقال إن المال تابع فجهالته لا تمنع صحة البيع، وهو مؤيد لما احتمله الاستاد في شرحه، ولا ريب في ضعفه إذا كان المراد كل ما كان للعبد، لا مثل ثيابه ونحوها، والله أعلم. (و) على كل حال فما (قيل:) في أصل المسألة كما عن ابن البراج من التفصيل بأنه (إن لم يعلم به البايع) أي بمال العبد (فهو له وإن علم فهو للمشترى) لحسن زرارة (1) (قلت: لابي عبد الله عليه السلام الرجل يشترى المملوك


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2

[ 190 ]

وله مال، لمن ماله ؟ قال: إن كان علم البايع أن له مالا فهو للمشتري، وإن لم يكن علم فهو للبايع) فواضح الضعف إذ الملك لا ينتقل إلى المشتري بمجرد العلم من دون صيغة، والخبر المزبور قاصر عن مقاومة ما تقدم، المعتضد بما سمعت، وبأصالة بقاء ملك المولى بناء على ملكه، وبقاء سلطانه بناء على عدمه، وحيث سمعت الاجماع على الخروج عن العبيد بقى سلطان مولاه بلا معارض، إذ لا دليل يدل على دخوله في ملك المشترى بعد فرض خروجه عن ملك العبد الذى ثبت سلطنة مولاه على ما هو مملوك له كما هو واضح (و) لذا كان (الاول) مع كونه اظهر (أشهر) فيمكن حل الخبر المزبور حينئذ على اشتراط البايع للمشتري ذلك، أو على أن ذلك قرينة عليه والله أعلم. (ولو قال) المملوك (للمشترى) مثلا (اشترني ولك علي كذا لم) يصح فلا (يلزمه) ما جعل له، (وإن اشتراه) أما على عدم الملك فواضح، وأما على الملك فللحجر عليه، فيتوقف على إجازة المولى كما في المسالك وغيرها، لكن في شرح الاستاد (لا يصح ولا تشتغل ذمة العبد له بشئ لو أتى بالعمل، سواء كان للعبد مال أولا، ملكناه أولا، أذن السيد أولا إلا أن يعود إلى السيد فتشتغل ذمته دون العبد كما هو المشهور بين الاصحاب شهرة تفيد الاجماع، لان كل من ذكر هذا الفرع حكم بذلك، والساكت بعد أن مهد قاعدة لا أهلية له لتملك عين ولا منفعة، يستفاد منه امتناع أن يملك في ذمة المجعول له عملا، لا بعد العمل ولا قبله، وأنه لا قابلية له في المعاملة الشاغلة للذمة، وعموم نفي قدرته في الكتاب أبين شاهد في هذا الباب). وفيه أنه لا وجه للمنع على القول بالملك مع الاذن من المولى في التصرف له فيما عنده من المال، سواء كان الجعل عينا أو في الذمة، ودعوى الشهرة التي يستفاد منها الاجماع على ذلك ممنوعة أشد المنع، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم،

[ 191 ]

خصوصا ما ذكروه فيما لو جعل للمولى ذلك على بيعه، الذي رواه الفضيل (1) عن الغلام السندي عن الصادق عليه السلام، المتقدم سابقا فإنهم قد صرحوا بالصحة حينئذ لحصول الاذن من المولى بسبب كون المعاملة معه، قال في الدروس: (وروى فضيل (أنه لو قال لمولاه: بعنى بسبعمأة ولك علي ثلاثمأة لزمه إن كان له مال) وأطلق في صحيح الحلبي (2) (لزوم الجعالة البايعة) وقال الشيخ وأتباعه: (ولو قال لاجنبي اشترني ولك على كذا لزمه إن كان له مال حينئذ) وهذا غير المروى، وأنكر ابن ادريس ومن تبعه اللزوم وان كان له مال، بناء على أن العبد لا يملك، والاقرب ذلك في صورة الفرض، لتحقق الحجر عليه من السيد، فلا يجوز جعله لاجنبي، أما صورة الرواية فلا مانع منها على القولين، أما على انه يملك فظاهر، وأما على عدمه فأظهر، ونحوه غيره وهو جيد جدا. ومنه يعلم النظر فيما ذكره الاستاد أيضا بعد ذلك (من أنه لو قال العبد لسيده: بعني أو ملكني من معين أو مطلقا ولك علي كذا، فكما إذا قال للمشترى لما ذكر هناك، ولانه لا يكون لصاحب المال على ماله مال، وما في بعض الاخبار مما ينافيه مطرح أو مأول بارادة الوعد ونحوه، لقوة المعارض، ولانه في الصورتين يلزم على القول بالصحة أما اشتغال ذمته بالدفع قبل انتقاله، فذلك استحقاق قبل العمل، مع أنه لا تصرف له بشئ ملكناه أو لا وإن كان بعده كان ما في يده للبايع أو للمشترى فلا شئ له في الحالين حتى على القول بملكه، لزواله بانتقاله، فالاستحقاق عليه بعد انتقاله الملزوم لذهاب ماله واستحقاق المطالبة بعد العتق لا تصحح معاملته، لان الاقدام عليه سفه، ولو جاز ذلك لصحت إجاراته وجعالاته، وباقي معاملاته). وهو كما ترى فيه نظر من وجوه حتى في نفي الذمة للعبد على وجه المزبور، وقاعدة عدم استحقاق المال على المال يمنع شمولها لنحو المقام، وأقصى ما يسلم


(1 و 2) الوسائل الباب 19 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 - 2

[ 192 ]

منها في جناية العبد على المولى مثلا، فتأمل جيدا (وقيل) في مفروض المتن والقائل الشيخ وأتباعه كما سمعته من الدروس (إن كان له مال حين قال له لزم وإلا فلا وهو) غير (المروي) لما عرفت من مضمون خبري الفضيل (1) والحلبي (2) في الجعل للمولى، فلا ريب حينئذ في ضعفه على القول بالملك وعدمه لما سمعت والله أعلم. ولو قال للمولى اعتقني فلك علي كذا ففي شرح الاستاد (توقف شغل ذمة المولي بالاعتاق على شغل ذمة العبد الموقوف على الملك للعمل في ذمة المولى الموقوف على الاعتاق وأما الكتابة فحكم خاص) وفيه نظر يعرف مما تقدم أيضا والله اعلم. المسألة (الثالثة): قد تقدم ما يدل على أن مولى المملوك مثلا (إذا ابتاعه وماله) بناء على أنهما معا ملك له، (فإن كان الثمن من غير جنسه جاز مطلقا وكذا يجوز بجنسه إذا لم يكن ربويا) أو كان الربا بينهما منفيا، (ولو كان ربويا وبيع بجنسه) على من يثبت الربا معه (فلابد من زيادة عن ماله تقابل المملوك) تخلصا من الربا كما هو واضح، وفي الدعائم (3) عن جعفر بن محمد عليه السلام (فإن باعه بماله وكان المال عروضا وباعه بعين فالبيع جائز كان المال ما كان، وكذلك إن كان المال عينا وباعه بعروض، وإن كان المال عينا وباعه بعين مثله لم يجز إلا أن يكون الثمن أكثر من المال، فيكون رقبة العبد بالفاضل، إلا أن يكون المال ورقا والبيع بتبر أو المال تبرا والبيع بورق فلا بأس بالتفاضل، لانه من نوعين) أما لو قلنا بملكه حقيقة لم يشترط في الثمن ما ذكر لان ماله حينئذ ليس جزء من المبيع، فلا يقابل بالثمن. قلت: قد عرفت فيما تقدم أنه كذلك لو اشترط المشتري إبقاء مال العبد له،


(1 و 2) الوسائل الباب 19 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 - 2 (3) الدعائم ج 2 ص 54

[ 193 ]

أما لو كان الشرط كون المال للمشترى، فقد سمعت قوة جريان الربا فيه أيضا، بناء على جواز هذا التصرف للسيد، فلاحظ وتأمل جيدا هذا. ولكن في الدروس (ولو اشتراه وماله صح ولم يشترط علمه ولا التفصى من الربا إن قلنا يملك وإن أحلناه اشترطناه، ورواية زرارة مصرحة باطلاق جواز زيادة ماله على ثمنه). قلت: هي قول زرارة في الصحيح (1) لابي عبد الله عليه السلام (الرجل يشتري المملوك وماله فقال: لا بأس به، قلت: فيكون مال المملوك اكثر مما اشتراه به قال: لا بأس به) وظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية والمحكي عن سلار الفتوى بمضمونه بل هو مقتضى اطلاق المحكي عن ابن البراج وأبي الصلاح، ومقتضاه حينئذ عدم الربا في ذلك للصحيح المزبور. والقدح في سنده في المختلف إنما يتم على طريق الشيخ، اما على طريق الصدوق فهو صحيح كما ذكرنا، ويكون حينئذ مستثنى من حكم الربا أو يكون ذلك بعنوان الشرط الخارج عن اسم البيع، بناء على اختصاصه فيما لا يشمل ذلك، أو يكون هذا الصحيح مؤيدا للقول بالملك، فإنه لا ربا عليه إذا كان المراد بقاء المال على الملك العبد، قال: في المحكي عن المبسوط إذا باع عبدا قد ملكه ألفا بخمسمأة صح البيع على قول من يقول أنه يملك، ولو باع ألفا بخمسمأة لم يصح لانه ربا، والفرق بينهما أنه إذا باع العبد فإنما يبيع رقبته مع بقاء ما ملكه عليه، فصح ذلك، ولم يصح بيع الالف بخمسمأة أو يكون ذلك مؤيدا لما قلناه من أنه على تقدير الملك، وأن للسيد البيع، وإن كان ملكا للعبد يمكن نفى الربا لما قد عرفت سابقا أو غير ذلك فلاحظ وتأمل جيدا والله أعلم. المسألة (الرابعة) لا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم في أنه (يجب) على المالك أو وكيله أو وليه (أن يستبرء الامة قيل بيعها) مثلا على الاصح في لحوق غير البيع به كما ستعرف، (إن كان وطأها) أي (المالك) وما في المقنعة من التعبير عن ذلك بلفظ ينبغي مما يشعر بالخلاف، يصرفه ما في باب لحوق


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 194 ]

الاولاد منها من التعبير عنه بلا يجوز، وصحيح على بن جعفر عن أخيه المروي عن قرب الاسناد (1) (سألته عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها أيصلح بيعها من الغد، قال: لا بأس) محمول على إرادة صحة البيع منه، أو على التى يسقط استبراؤها باليأس ونحوه أو غير ذلك لمخالفته الفتوى، بل النصوص. قال الصادق عليه السلام في صحيح حفص (2) في حديث (في رجل يبيع الامة من رجل، عليه أن يستبرئ من قبل أن يبيع) وسأله أيضا ربيع بن القاسم (3) (عن الجارية التى لم تبلغ المحيض ويخاف عليها الحبل ؟ قال: يستبرئ رحمها الذي يبيعها بخمسة وأربعين ليلة، والذى يشتريها بخمسة وأربعين ليلة) وقال أيضا في الموثق (4) (الاستبراء واجب على الذى يريد ان يبيع الجارية ان كان يطأها، وعلى الذى يشتريها الاستبراء أيضا) إلى غير ذلك، ولعله لذا وغير نسب الوجوب المزبور إلى ظاهر روايات أصحابنا. نعم صرح غير واحد بأنه لو باعها من غير استبراء أثم وصح البيع، لرجوع النهى إلى أمر خارج ولا بأس به، وإن كان لا يخلو من بحث إن لم ينعقد الاجماع على خلافه، وعليه فالمتجه حينئذ تعين تسليمها إلى المشتري إذا طلبها، لانها قد صارت ملكا من أملاكه. نعم في المسالك احتمال بقاء وجوب الاستبراء قبله، ولو بالوضع على يد عدل لوجوبه قبل البيع فيستصحب، قال: (وأما بقاؤها عند البايع فلا يجب قطعا، لانها صارت أجنبية منه) بل في جامع المقاصد (أنه لا وجه لسقوط الاستبراء عنه، فان قيل بعد وقوع البيع صارت حقا للمشتري، فلا يجوز منعه منها، قلنا: قد ثبت وجوب الاستبراء سابقا على البايع فلا يسقط، غاية ما في الباب أن للمشتري إذا جهل الحال الفسخ، فان قيل: الاستبراء حق لله، والمبيع حق للادمي، وحق الله لا يعارض حق


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 7 - 2 - 3 (4) الوسائل الباب 18 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5

[ 195 ]

الادمي، قلنا: الاستبراء حق للبايع فلا يكون حقا لله محضا إلى أن قال: والتحقيق أن يقال: إنه لو باع قبل الاستبراء يكون البيع مراعى، فإن ظهر حمل تبين بطلانه، لانه من المولى حيث كانت فراشا له، وإلا ثبتت الصحة، فلا يكون ملكا للمشتري، فلا يتعين التسليم إليه، بل ولا يجوز استصحابا لبقاء وجوب الاستبراء). وهذا واضح لا شبهة فيه، وقد يشكل بأن الحكم في الظاهر كونها ملكا للمشترى لوجود المقتضي وعدم المانع ولو بالاصل، فلا ريب في جريان حكم الملك عليه، ومنه وجوب التسليم إليه مع الطلب، إلا أن الظاهر عدم سقوط الاستبراء عنه، للاصل ووجود حكمة الاستبراء وعدم إرادة الوصف المفوت للمأمور به من قوله عليه السلام (قبل البيع) وإنما هو لتمكين البايع من الاستبراء. ومنه ينقدح أنه مع البيع ترتفع سلطنته على العين، فليس له حبسها للاستبراء بدون رضا المشتري، فإن كان عامدا في البيع قبله ولم يتمكن من إرضاء المشتري بالاستبراء، كان آثما وإن تعذر عليه إلا أنه بسوء اختياره، وإن لم يكن عامدا وجب عليه بالاستبراء مما يحصل به رضا المشتري، فإن لم يتمكن سقط عنه ولا إثم عليه، كما هو مقتضى الضوابط، ومن ذلك يعلم أنه لا يجب الوضع عند عدل أو الابقاء في يد البايع في استبراء المشتري قطعا، للاصل وظاهر الادلة، سواء كانت جميلة أو قبيحة، خلافا لمالك فلم يوجب تسليم الجميلة، وإنما توضع على يد عدل إلى تمام مدة الاستبراء للحوق التهمة فيها، ولا ريب في فساده لمخالفته لاصول المذهب وقواعده، ولو جامعها المالك بعد العقد قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض، فعليه الاستبراء قبل الاقباض، وكذا لو عادت إليه بفسخ بعد الوطئ أو كان قد وطأها قبل تملكها والله أعلم. هذا والمراد باستبراء البايع - من الوطئ في ذلك الطهر (بحيضة أو خمسة وأربعين يوما إن كانت مثلها تحيض ولم تحض - هو انتظار حيضتها المتعقب لذلك الطهران كانت ممن تحيض، وترك الوطئ قبلا ودبرا خمسة واربعين يوما ان كان مثلها تحيض ولم تحض، ولا يجب عليه ترك الوطئ فضلا عن باقي الاستمتاعات في الاول، إذ لا ثمرة له بعد اشتراط تعقب الحيض. نعم لو وطأها بعد تمام الحيض احتاج في جواز البيع إلى حيض آخر،

[ 196 ]

للاستبراء من الوطئ المتجدد كما هو واضح، فما في الرياض وشرح الاستاد من اعتبار ترك الوطئ دون باقي الاستمتاعات في استبراء البايع لا وجه له، نعم هو كذلك في استبراء المشتري، بل عن المبسوط اعتبار ترك باقى الاستمتاعات فيه أيضا، بل في التحرير - ما يوافقه -: (من اشترى جارية حرم عليه وطؤها قبلا وغيره، وتقبيلها ولمسها بشهوة حتى يستبرئها) وعن حواشي الشهيد أنه حرم في الدروس القبلة خاصة، وإن كانت النصوص المعتضدة بالفتاوى والاصل وانتفاء وجه الحكمة والمحكي عن الخلاف من اجماع الفرقة وأخبارهم على خلافهما، ففي صحيح محمد بن اسماعيل (1) (قلت أيحل للمشترى ملامستها ؟ قال: نعم، ولا يقرب فرجها) والموثق (2) (فيحل له أن يأتيها فيما دون فرجها ؟ قال: نعم، قبل أن يستبرئها) وخبر (محمد عن أبى عبد الله) عليه السلام (3) (لا بأس بالتفخيذ لها حتى تستبرئها وإن صبرت فهو خير لك) مع أنه لم نقف على معارض لذلك، سوى ما قيل من قياس الاستبراء على العدة الذى هو مع كونه مع الفارق لا يجوز العمل به في مذهبنا، وما في الموثق (4) (عن الرجل يشترى الجارية وهي حبلى أيطأها قال: لا قلت: فدون الفرج ؟ قال: لا يقربها) وهو مع أنه في الحبلى التي لا إستبراء فيها يتجه حمله على الكراهة كما أومي إليه الخبر الاخير، فظهر من ذلك الفرق بين إستبراء البايع والمشترى في ذات الحيض، بل ظني أن الخلاف المزبور في ضم باقى الاستمتاعات إلى الوطئ إنما هو في استبراء، المشتري دون البايع، وإن كان يوهمه عبارة التحرير. نعم قد يتوقف في اعتبار ترك الوطئ دبرا في الاستبراء، بل وفي استبراء منه، للاصل بعد اختصاص الموجب من النص بحكم التبادر وإن كان فيه لفظ الفرج بمحل


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5 (2) الوسائل الباب 18 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 5 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 لكن عن عبد الله بن محمد (4) الوسائل الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5

[ 197 ]

الفرض فلا يجوز التعدي إلى الغير، بل مال إليه في الرياض، فإنه بعد أن حكى عن بعض المحققين الخلاف في تعميم الوطئ للدبر، فخصه بالقبل، وأنه هو الظاهر من الحلي حيث أوجب الاستبراء بتركه خاصة للمشتري، قال: (ولا يخلو من قرب إن لم يحصل بوطئ الدبر خوف سبق الماء في القبل، الموجب لخشية الحبل، بل حصل القطع بعدمه بالعزل نحوه. ومنه يظهر وجه الاشكال في التعميم الوطئ له مع العزل الموجب للقطع بعدم الحبل من هذا الوطئ، ولا فرق فيه بين القبل والدبر، قلت: لا أجد خلافا في اعتبار ترك الوطئ في القبل من الاستبراء، ولو مع العزل كما لا أجده في اعتبار الاستبراء منه، إذا كان كذلك أيضا، لاطلاق النص والفتوى، ولعله لعدم القطع بعدم الحبل منه، ولذا يلحق به الولد معه، ضرورة إمكان سبق الماء من غير شعور، وغير ذلك ومنه يتجه حينئذ ما عند الاصحاب من إعتبار ترك الوطئ فيهما خصوصا بناء على إمكان تحقق الحبل بالوطئ في الدبر لوجود المسلك منه إلى الفرج فلا يجدي حينئذ العزل كما لا يجدى لو كان في الفرج، وفرض حصول القطع بعدم الحبل من الوطئ نادر، لا تنزل عليه النصوص والفتاوى، مضافا إلى أن ذلك هو الموافق للاحتياط المؤكد طلبه في الانساب. هذا كله مع ما في الصحيح (1) عن أبى الحسن الرضا عليه السلام (قال: سألته عن رجل يبيع جارية كان يعزل عنها، هل عليه منها استبراء قال: نعم) وأيضا ظاهر النهي في النصوص وغيرها التعبد إذ ليس في شئ منها ما يقتضي كون ذلك من جهة الحبل على وجه يكون عليه المدار ودعوى أن المنساق منها ذلك، واضحة المنع، خصوصا صحيح العزل الذي لا حمل معه غالبا، ثم إنه لا خلاف أيضا في حصول الاستبراء بحيضه، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، وبه نطقت النصوص أيضا، فما في الصحيح (2) (عن


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5

[ 198 ]

جارية تشترى من رجل مسلم يزعم أنه قد استبرأها أيجزي ذلك أم لابد من إستبرائها ؟ قال: يستبرئها بحيضتين) والصحيح (1) عن الرضا عليه السلام (قال: سألته عن أدنى ما يجزي من الاستبراء للمشتري والبايع قال: أهل المدينة يقولون حيضة، وكان جعفر عليه السلام يقول حيضتان) فشاذ مردود بصريح النصوص والفتاوى، وفحوى ما دل على الاكتفاء بتام الحيضة أو محمول على الندب، كما يؤمي إليه في الجملة موثق سماعة (2) (سألته عن رجل اشترى جارية وهي طامث أيستبرئ رحمها بحيضة أخرى أو يكفيه هذه الحيضة، قال لا بل تكفيه هذه الحيضة، فإن استبرأها بأخرى فلا بأس هي بمنزلة فضل) ولعل العامة في المدينة كانوا ينكرون استحباب الحيضتين، وأما المدة فلا خلاف نصا وفتوى في الاكتفاء بها، إلا من المفيد في المقنعة في المقام فجعلها ثلاثة أشهر، وهو مع أنه مخالف لاصالة عدم الزائد في وجه، - ولا مستند له سوى القياس على الحرة المطلقة، المردود بأن مقتضاه القياس على الامة المطلقة، وعدتها إذا لم تكن مستقيمة الحيض خمسة وأربعون يوما بالاجماع والاخبار - قد وافق الاصحاب في باب لحوق الاولاد من المقنعة، ولو شك في انتهاء المدة وعدمه، فالاصل مع الثاني وهو غير أصالة عدم الزائد المتقدمة ومن خبر عبد الله بن سنان (3) سأل أبا عبد الله على السلام عن الرجل يشتري الجارية ولم تحض فقال: يعتزلها شهرا إن كانت قد مست) المحمول في الوسائل على الغالب من حصول الحيضة في الشهر وإن كان بعيدا، ويمكن حمله على مجهولة البلوغ بإرادة الندب من الاعتزال المزبور احتياطا هذا. وقد اتفق ما عثرنا عليه من الفتاوى على التعبير باليوم كبعض النصوص لكن في آخر ليلة، ويمكن إرادته منها، والظاهر دخول المنكسر بعد التلفيق، كما في غيره، وفي شرح الاستاد أنه تدخل في الخمسة وأربعين الليالي المتوسطة دون الاولى، والآخرة


(1 - 2) الوسائل الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 4

[ 199 ]

والمنكسر لا يحسب يوما مستقلا، ويقوى احتسابه بالاكمال، وهو جيد والله أعلم. (وكذلك يجب على المشتري) استراء الامة بما عرفت (إذا جهل حالها) بالنسبة إلى وطئ المالك الذي لم يستبرئها منه وعدمه، فضلا عما حالها أنها كذلك، من غير خلاف يعرف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، كما أن النصوص كادت تكون متواترة فيه، بل في بعضها (1) (إن الذين يشترون الاماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤوهن فأولئك الزناة بأموالهم) أما إذا علم العدم ففي الرياض (لا يجب إتفاقا نصا وفتوى) والمراد العلم بعدم وطئ خصوص المالك، وإن قام احتمال وطئ غيره، وهو كذلك، للاصل السالم عن المعارض بعد الاقتصار في النصوص على المتقين. نعم قد يشكل الحال فيما إذا علم وطئ غير المالك لها بغير زنا، فان سقوط الاستبراء فيه والعدة كما يقتضيه ظاهر بعض الفتاوى هنا في غاية الاشكال بل جزم الاستاد في شرحه بوجوب الاستبراء فيه، وهو ظاهر كلامهم في باب النكاح، بل هو مقتضى كونه وطئا محرما، وقد علم من وضع العدد والاستبراء ونحوهما عدم إرادة الشارع اختلاط الانساب، بل يمكن دعوى كون ذلك مجمعا عليه بينهم، على أن ذلك هو مقتصى إطلاق أدلة الاستبراء، وفي صحيح الحلبي (2) عن الصادق (ع) في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطأها أيستبرئ رحمها ؟ قال: نعم) أللهم إلا أن يحمل على اخبار صاحبها بذلك ولم يكن ثقة مأمونا. نعم قد يتوقف في أن الواجب العدة أو الاستبراء، وهو مبني على تحقق كون أيهما الاصل في الاماء ومع فرض عدم ثبوت ذلك يتجه مراعات الاصول في مقتضى كل منهما، فلا يجوز الوطئ حتى تمضى مدة العدة، للاصل، ولكن لا يجرى حكم العقد في العدة


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 5 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 200 ]

وهكذا، ومقتضى خبر الحسن بن صالح (1) الاكتفاء بالحيضة وإن سبق النكاح، وقد ذكرنا في كتاب نكاح الاماء ماله مدخلية في المقام فلاحظ وتأمل. ولا يجب على البايع الاستبراء من إحتمال وطئ غيره، للاصل، أما مع العلم بالمحترم منه فقد يحتمل القول بالاستبراء فيه، لكن مقتضى الاصل وظاهر المتن وغيره بل صريح بعضهم خلافه، فصار الفرق بين البايع والمشترى أن الاول إنما يجب الاستبراء عليه من وطئه خاصة إذا أراد البيع دون وطئ غيره المعلوم، فضلا عن المحتمل، وأما المشتري فيجب عليه من وطئ المالك المعلوم أو المحتمل، ومن وطئ الغير إذا كان معلوما محترما دون المحتمل، لكن تحصيل تمام هذا التفصيل من النصوص لا يخلو من إشكال، وإن كان الحكم في البايع موافقا للاصل، كموافقة عدم وجوب الاستراء على المشتري من احتمال وطئ الغير، لكن إطلاق النصوص لا ينطبق على ذاك، أللهم إلا أن تنزل عليه بمعونة الفتاوى فتأمل. ثم إن المشهور نقلا وتحصيلا عدم إختصاص الاستبراء بالبيع، بل كل من ملك أمة بوجه من وجوه التملك من بيع أو هبة أو ارث إو صلح أو استرقاق أو غير ذلك وجب عليه قبل وطئها الاستبراء، وعن الخلاف الاجماع عليه، بل قيل: إنه أي الاجماع قد يظهر من الغتية أيضا، خلافا للمحكي عن ابن ادريس فخصه بالبائع والمشتري، للاصل، لكن المحكي عنه في باب السرارى موافقة الاصحاب، فتكون المسألة حينئذ إجماعية، وبذلك يتأيد فهم التعدية من النصوص وأن ذكر البيع فيها مثال. خصوصا في نحو صحيح الحلبي (2) وخبر عبد الله بن عمر (3) وغيرهما مضافا إلى خبر الحسن بن صالح (4) عن الصادق عليه السلام (نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم


(2 و 3) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 8 (1) (4) الوسائل الباب 17 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1

[ 201 ]

أوطاس استبرؤا سباياكم بحيضة) متمما بعدم القول بالفصل وكذا بالنسبة إلى البايع فيلحق به حينئذ الواهب والمصالح وغيرهما، ولو كان العقد موقوفا على الاجازة تعلق الحكم بها فيتوقف إيقاعها عليه، قيل: ويختلف حال الكشف والنقل هنا، في بعض الاحوال. وعلى كل حال فلو وطأها قبل الاستبراء عامدا أو غافلا لحق به الولد على ما صرح به غير واحد، لانها فراشه حينئذ، وقد يحتمل بقاء فراش الاول تمام مدة الاستبراء كما يؤمي إليه الحكم بكون المالك زانيا فيما سمعته سابقا من النص، وعليه يتجه عدم سقوط وجوب الاستبراء عنه بعد الوطئ بل احتمل وجوبه على الاول، لاطلاق الادلة، وفيه أنه لا فائدة له حينئذ، ويمكن منع شمول الاطلاق له، فتأمل. وفي شرح الاستاد (أنه يقوى عدم السقوط مع العزل وعدم الامناء أو الوطئ قبل البلوغ فبلغ قبل انقضاء المدة) وهو جيد، وفيه أيضا (انه لو وطئ أحد الشريكين لم يبعد سقوط الاستبراء في منقوص الوطئ لو اشترى حصة شريكه، ولعله للحوق الولد به، فلا إستبراء عليه من احتمال وطئ الشريك، ولو أراد الشريك شراء حصة الواطئ فقد يقال: إن المتجه عدم الاستبراء إذا كان زنا، وإن لحق به الولد، وإلا اتجه الاستبراء لكن التصريح في النص بعدم جواز الشراء حتى يحصل الاستبراء فلاحظ وتأمل هذا. وقد ينزل على ما سمعته في أصل المسألة خبر الصيقل (1) قال: (سمعت الصادق عليه السلام يقول: وقد سئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها قال: بئس ما صنع يستغفر الله ولا يعود، قلت: فإن باعها من آخر ولم يستبرئ رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها، ولا استبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث ؟ فقال: أبو عبد الله عليه السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر فإن أرادته الاخير هذا، والذي يقتضيه أصول المذهب وقواعده عدم الفرق بين


(1) الوسائل الباب 58 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3

[ 202 ]

الجارية مدة الاستبراء وغيرها، في كون التلف من البايع إذا لم يقبضها المشتري وإلا كان منه إذا لم يكن مختصا بالخيار، فما عن المفيد والنهاية من اطلاق كون التلف من البايع إذا تلفت معزولة عند انسان للاستبراء في غير محله، إلا أن ينزل على عدم وكالة الانسان عن المشترى في القبض، وكذا ما عنهما وابن حمزة والفاضل في بعض كتبه من أن النفقة مدة الاستبراء على البايع، إذ المعهود منها تبعيتها للملك، فالمتجه كونها على المشتري حتى لو وضعت على يد عدل، خلافا للمحكي عن الفاضل فجعلها على البايع معه والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يسقط إستبراؤها) بالعلم ببراءة الرحم، بل لا موضوع له حينئذ و (إذا أخبر الثقة أنه استبرأها) أو لم يطأها على المشهور، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة المحمول مطلقها - كقول العبد الصالح عليه السلام في خبر محمد بن حكيم (1) (إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها أنها على طهر فلا بأس أن تقع عليها) على مقيده بالوثاقة، كحسن حفص البخترى (2) عن الصادق عليه السلام (في الرجل يشترى الامة من رجل فيقول انى لم أطأها ؟ فقال: ان وثق به فلا بأس ان ياتيها) وكصحيح أبى بصير (3) قلت للصادق عليه السلام الرجل يشتري الجارية وهي طاهر ويزعم صاحبها أنه لم يمسها منذ حاضت ؟ فقال: إن ائتمنه قليمسها) كقوله عليه السلام في خبر ابن سنان (4) (إن كان عندك أمينا فمسها) وفي المقنعة روي (5) (أنه لا بأس للانسان أن يطأ الجارية من غير استبراء لها إذا كان بايعها قد أخبره باستبرائها وكان صادقا في ظاهره مأمونا) لكن قال: ابن سنان (6) للصادق عليه السلام (أفرايت ان ابتاع الجارية وهو طاهر وزعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت ؟ فقال: إن كان عدلا أمينا فمسها، وقال: إن ذا الامر شديد


(1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 - 1 - 4 - 2 - 6 - 2

[ 203 ]

فإن كنت لابد فاعلا فتحفظ لا تنزل عليها) وعن بعضهم أنه حمله على كونه أمينا بحسب الظاهر، لا المعاشرة، ولعل حمله على الندب أولى. وعلى كل حال فظاهر النص والفتوى اعتبار كون المخبر، البايع مع ذلك، لكن في شرح الاستاد أنه يسقط الاستبراء بشهادة عدلين وبإخبار ولي المشتري أو وكيله وإن لم يكونا ثقتين، وكذا لو أخبر الثقة ذكرا كان أو لا، مالكا كان أو لا، بالاستبراء كما ينسب إلى الاكثر، ويظهر نقل الاجماع فيه للاصل الجارى على بعض الوجوه وللاخبار وهو كما ترى، وعليه فرع أنه لو تعارض خبر الثقتين وأحدهما مالك احتمل ترجيحه، وترجيح خبر المثبت أو النافي، ثم قال: ولو اختلف الشركاء فيها اخذنا بالترجيح، كما لو اختلف الخارجون ومع التساوي يلزم الاستبراء هذا. وفي أكثر العبارات الثقة كالمتن، وفي بعض منها العدل، وفي جامع المقاصد أنه المراد من الثقة. لان غير العدل لا يعد ثقة، وفي الاخبار اعتبار وثوق المشتري، ولا ريب أنه لا يتحقق الوثوق غالبا بدون العدالة، واحتمل ثاني الشهيدين الاكتفاء بمن تسكن إليه النفس، وتثق بخبره، بل جزم به بعض متأخري المتأخرين لخلو النصوص عن اعتبار الثقة بمعنى العدل، سوى ما عن الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (1) الذي لم تثبت حجيته، قال: (إن كان البايع ثقة وذكر أنه استبرأها جاز نكاحها من وقته، وإن لم يكن ثقة إستبرأها المشتري بحيضة). وفيه أنه يمكن أن يكون ما في النصوص من الموثوق والامانة إشارة إليه، مضافا إلى ما سمعته من خبر ابن سنان، وظاهر الاستاد في شرحه الفرق بين الوثاقة والعدالة فقال: (وفي الاكتفاء بمجرد الوثاقة كما في ظاهر الاكثر ويظهر من أكثر الاخبار للتعبير بلفظها في بعضها، وبالامانة منفردة أو مع قيد الصدق في بعض آخر منها وجه قريب، واعتبارها بشرط العدالة كما صرح به بعض، لان الظاهر


(1) المستدرك ج 2 ص 486

[ 204 ]

من إطلاق الوثاقة دخول العدالة فيها أقرب، وأما الاكتفاء بمجرد العدالة كما يظهر من إطلاق آخرين فبعيد، ويمكن إرادة الوثاقة منها والاجتزاء بذكرها عنها) وفيه ما قد عرفت من أن ظاهر الفتاوى إتحاد المراد منهما، وأما النصوص فتحتمل ذلك، وتحتمل إرادة من تسكن إليه النفس، والاول أولى فاحتمال إرادة أمر زائد على العدالة بعيد عن النص والفتوى. وعلى كل حال ففيه أيضا أنه لو أخبر عدل وفسق قبل الوطئ عول عليه، بخلاف العكس، إلا أن يعيد الخبر، ولو وطئ اعتمادا على الخبر فعدل أو خرج عن العدالة فلا إستبراء، ولو كذب في دعوى الاستبراء ثم ظهر الحمل منه ردت إليه ورجع المشتري بالثمن وكل غرامة غرمها، أما لو علم بكذبه فأقدم رجع بالثمن مع بقائه، وفي الرجوع به مع التلف وبالغرامة وجهان، ومع العلم بفسقه وعدم المعذورية شرعا يضعف احتمال عدم الرجوع وإن عصى في وطئه، وفي اعتبار خبر الامة مع الوثاقة وجهان، أقواهما القبول، وهو جيد في البعض، لا يخلو من نظر في الاخر. وكيف كان فقد ظهر لك من ذلك ضعف ما عن ابن ادريس وفخر الدين من وجوب الاستبراء وإن أخبر الثقة، لنصوص ما بين قاصرة السند أو ضعيفة الدلالة، أو مخالفة للمجمع عليه في الظاهر، كصحيح الحيضتين (1) المتقدم سابقا وكصيح الحلبي (2) المحمول كما عرفت على عدم أمانة المخبر أو على الاستبراء من وطئ غير المالك، وأما الخبر (3) (أشتري الجارية من الرجل المأمون فيخبر في أنه لم يمسها منذ طمثت عنده وطهرت ؟ فقال: ليس بجايز أن تأتيها حتى تستبرأها بحيضة) فيجب حمله على الندب الذى أشعرت به بعض النصوص السابقة به أو يطرح لقصوره


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 (3) الوسائل الباب 11 من ابواب بيع الحيوان الحديث 5

[ 205 ]

عن المعارضة من وجوه لا تخفى، كما أنه قد ظهر لك أيضا مما ذكرنا من النصوص أنه لا فرق في الاخبار بين كونه بعدم الوطئ الموافق للاصل وبالاستبراء المخالف له، لا انها تضمنت الاول خاصة، والحق الثاني به، حتى يتجه ما يقال من وضوح الفرق بينهما، والله أعلم. (وكذا) يسقط استبراؤها عن المشتري (لو كانت) الجارية (لامرأة) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة، للاصل والمعتبرة المستفيضة منها الصحيح (1) (عن الامة تكون لامرأة فتبيعها ؟ قال: لا بأس أن يطأها من قبل أن يستبرأها) ونحوه الموثق كالصحيح بل قيل أنه صحيح، وفي صحيح زرارة (2) (اشتريت جارية بالبصرة من إمرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد فوقعت عليها ولم استبرئها، فسألت عن ذلك أبا جعفر عليه السلام فقال: هوذا، أنا قد فعلت ذلك وما أريد أن أعود). نعم في الرياض أنه ربما يستشعر منه اشتراط الحكم هنا بعدم معلومية وطئ في ملك الامراة بتحليل ونحوه، بل مطلقا، ومقتضاه وجوب الاستبراء عند عدم الشرط، ولعله كذلك ويعضده انسحاب وجه الحكمة هنا أيضا إلا أن مقتضاه الاكتفاء باحتمال الوطئ لا اشتراط العلم به، ولا ريب أنه أحوط إذا لم تخير بعدم الوطئ بل مطلقا كما عن الحلي وفخر المحققين، وإن كان في تعيينه نظر لاطلاق الصحيحين الاولين المعتضدين بالاصلين، وباطلاق الفتاوى فيقيد بهما الحكمة إن عمت، مع أن عمومها محل نظر، لاحتمال الخوف الذى هو الاصل فيها الغالب في الشراء من الرجل، لا مطلقه، وينبغى القطع باشتراط عدم المعلومية التقاتا إلى الحكمة، وعليه ينزل الاطلاقات ويفرق حينئذ بين الشراء منها ومن الرجل بوجوب الاستبراء في الثاني مطلقا إلا مع العلم، أو ما في حكمه بعدم الوطى أصلا، وعدمه


(1 و 2) الوسائل الباب 7 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 2

[ 206 ]

في الاول كذلك إلا مع العلم بدخول المحترم أو المطلق، وهو الاقوى). قلت لا بأس بتنزيل إطلاق النص والفتوى على ذلك، لخوف لزوم الفساد باختلاط الانساب الذي هو الحكمة في وضع العدد والاستبراء، كما استفيد من تتبع الاخبار وكلام الاصحاب في تضاعيف الابواب، لكن قد يقال أن المتيقن من تقيدهما إذا علم حصول وطئ محترم لم يتعقبه حيض، وإلا فالعلم بالتزويج أو التحليل أو نحو ذلك أعم منه، والاصل براءة الذمة من الاستبراء، مضافا إلى إطلاق النص وليس في صحيح زرارة ما يصلح للتقييد. نعم قد يقال بملاحظة كلامهم في باب النكاح أنه من المعلوم وجوب العدة أو الاستبراء لكل سبب مزيل للنكاح، وإن كان باختيار المشترى الفسخ فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فيلحق بها كل من لا قابلية له للوطئ لصغر أو كبر أوجب أو عنن أو عروض مرض، لا للقياس الباطل في مذهبنا، بل لما عرفت من اشتراط الاستبراء بالعلم بوطئ المالك، أو احتماله أو العلم بوطئ محترم من غيره لم يتعقبه حيض مثلا ولو بالاستصحاب، فما في المسالك (من أن المناسب للاصول الشرعية عدم الالحاق) في غير محله، خصوصا بعد قوله فيها: (وليس من مواضع الاشكال ما لو باعتها المرأة لرجل في المجلس فباعها حينئذ، بل لا يجب الاستبراء هنا قطعا، للعلم بعدم وطئ البايع ثم قال: وقد يحتال لسقوط الاستبراء ببيعها لامرأة ثم شراؤها منها، لاندراجها حينئذ في أمة المرأة نظرا إلى إطلاق النص من غير تعليل، وكذا لو باعها لرجل ثم اشتراها منه قبل وطئه لها، حيث يجوز ذلك). وقد تبع في بعض ذلك الكركي في جامعه فإنه قال: (وقد يحتال لاسقاط وجوب الاستبراء بأمور منها - إعتاقها ثم العقد عليها، فقد ورد جواز الوطئ معه من غير استبراء في غير حديث، ومنها - بيعها من امرأة ثم شراؤها منها - لاندراجها في أمة المرأة، ولو ألحقنا بالمرأة غيرها كالطفل أمكن ذلك. ولو باعها لرجل ثم اشتراها

[ 207 ]

منه حيث يجوز، أمكن الحكم بالسقوط أيضا، ومنها - ما لو زوجها فطلقها الزوج قبل الدخول فإنها مطلقة غير مدخول بها، فلا عدة ولا إستبراء عليها، وما كان واجبا قبل ذلك فقد سقط بالعقد عليها، مع احتمال بقاء الوجوب هنا، نعم لو باعها لغيره ثم تزوجها منه أو أحله وطأها فإنه لا استبراء هنا، لان النكاح لا يجب الاستبراء قبله، إلا أن يعلم الوطئ، ولهذا لو أعتقها جاز أن يتزوجها في الحال، فلو شراها حينئذ فلا استبراء، لما عرفت من أن السابق قد سقط، واللاحق لا يقتضي وجوب الاستبراء حينئذ، وهذا وجه قوي، ويكون هذا من المواضع التي يسقط فيها الاستبراء) قلت: ولكن ينبغى أن يعلم أولا أن ذلك كله إذا لم يعلم بالوطئ المحترم الذي يجب الاستبراء منه، وإلا فلا حيلة لاسقاطه على الظاهر، كما أومى إليه الفاضل المزبور في حيلة التزويج، وإن كان مقتضى بعض إطلاقات الحيل المزبورة سقوطه، إلا أنه لابد من تقييده، لما عرفت من اختلاط الانساب، كما أنه ينبغى أن يعلم أن الاستبراء الواجب على المشترى ولو باحتمال وطئ المالك انما هو للوطئ، اما البيع ونحوه فلا يجب الاستبراء له عليه، فيجوز له حينئذ بيعها قبله، فإذا باعها من الامرأة أو الرجل ثم شراها منه في المجلس مثلا سقط الاستبراء الاحتمالى عنه، لاحتياج عود وجوبه عليه إلى دليل. لكن ومع ذلك ففي النفس منه شئ خصوصا في أمر الفروج المأمور بشدة الاحتياط فيها، مخافة اختلاط الانساب، بل قد يقال: إن السقوط من جهة صدق كونها جارية امرأة لا ينافي الثبوت من حيثية أخرى، وهى أنها جارية قد اشتريت ممن يجب استبراؤها منه لاحتمال الوطئ، بل نحو ذلك يجرى أيضا في باقى الحيل، وإن اختلف قوة وضعفا، بل ربما كان في بعضها من تعارض العموم من وجه فتأمل جيدا. وطريق الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة غير خفي، وتسمع انشاء الله في كتاب النكاح جملة من الكلام في ذلك، والله أعلم. وبالجملة يسقط استبراؤها بذلك (أو) كانت (في سن من لا تحيض لصغر)

[ 208 ]

فلم تبلغ التسع (أو) ل‍ (كبر) بلغت حد اليأس، بلا خلاف أجده في شئ منهما، وقد سأل عبد الرحمان (1) أبا عبد الله عليه السلام (عن الرجل يشتري الجارية التي لم تبلغ حد الحيض أو لم تحض ؟ فقال: لا عدة عليها) الحديث، وقال له أيضا عبد الله بن عمر (2) الجارية الصغيرة يشتريها الرجل وهي لم تدرك، أو قد يئست من المحيض ؟ فقال: لا بأس بها أن لا يستبرأها) ونحوه رواه الصدوق (3) مرسلا عن الباقر عليه السلام، وقال الصادق عليه السلام أيضا في صحيح الحلبي: (4) (في رجل ابتاع جارية لم تطمث إن كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحمل فليس عليها عدة فليطأها، إن شاء) وقال أيضا في خبر ابن أبى يعفور: (5) " في الجارية التي لم تطمث ولم تبلغ الحمل ان اشتراها الرجل ليس عليها عدة يقع عليها " والمراد من التى لم تبلغ الحيض ويخاف عليها في خبرى ربيع ابن القاسم (6) ومنصور بن حازم (7) (الذي أمر فيهما بالاستبراء بالمدة من بلغت تسعا، ولكن لم تبلغ المعتاد من زمن الحيض، فان مثلها تستبرئ بالمدة) كما في الخبرين المزبورين، إذ المراد بالصغيرة عندنا من لم تبلغ ذلك، خلافا لبعض متأخرى المتأخرين فمن لم تبلغ الحيض عادة، والنص والفتوى بخلافه، كما تسمعه في باب العدد وغيرها من محاله، كما أن المراد ممن لم تحض أو قعدت عن المحيض في خبر عبد الرحمان بن أبى عبد الله (8) عن الصادق عليه السلام، من كانت في سن من تحيض ولم تحض، قال: فيه (في الرجل يشترى الجارية ولم تحض أو قعدت عن المحيض كم عدتها قال: خمس وأربعون ليلة) وإن كان المراد في خبره السابق الصغيرة واليائسة، فلا تنافي حينئذ بين النصوص، بناء على ما ذكرنا.


(1 و 2) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 - 8 (3 و 4) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 10 - 1 (5 و 6) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 - 7 (7 و 8) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 6

[ 209 ]

نعم قد يستشكل في النصوص السابقة بظهورها في جواز وطئ الصغيرة وهو معلوم البطلان، بناء على تفسير الصغيرة بما ذكرنا، ويدفع بمنع ظهورها في ذلك، بل يمكن حملها على إرادة أنها صغيرة عند البايع ثم بلغت عند المشتري، ولا مانع من حيث الاستبراء، أو يراد لا استبراء عليها، وإن وطأها البايع محرما أو غير ذلك، مما يمكن تنزيلها عليه، كما أنه قد يستشكل في خصوص مضمر سماعة (1) الذي هو ما في صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام (في جارية لم تحض قال أمرها شديد، غير أنه إن أتاها فلا ينزل عليها حتى تستبين له إن كان بها حبل، قلت: وفي كم تستبين له حبل ؟ قال: في خمسة وأربعين ليلة "، لان قوله فيهما " لم تحض " إما أن يراد به الكتابة عن الصغيرة، أو البالغة ولكن لم تحض فعلا، والاولى لا يجوز وطؤها ولو مع عدم الانزال، كالثانية قبل الاستبراء بالمدة. ويمكن دفعه بأن المراد عدم الوطئ في الفرج من عدم الانزال، وشدة الامر حينئذ باعتبار عسر الصبر في هذه المدة، أو بما في الحدائق من أن المراد أنه اشترى الجارية بعد افتضاضها وزوال بكارتها ولكن في ظنه أنها لم تبلغ سيما مع عدم طمثها فقال عليه السلام: (إن هذه باعتبار عدم معلومية البلوغ وعدمه محل إشكال، وأمرها شديد) سيما إذا كانت مثلها ومن هي في قدر جثتها وصورتها يحصل له الحمل، فالواجب الاستبراء كما أومى إليه في خبر منصور وغيره في التى لم تبلغ الحيض ولكن يخاف عليها إذا كانت بهذه الكيفية، فيكون المراد من قوله لم تحض عدم العلم بالبلوغ بالحيض، وإن كانت للبلوغ بالسن محتملة، وشدة الامر حينئذ من حيث أصالة عدم البلوغ، ومن حيث خوف الحمل فالذي ينبغى حينئذ استبراؤها، فإن أتاها فالذي ينبغي له العزل عنها، لكنه كما ترى فيه ما فيه، ويمكن أن يراد ممن لم تحض فيه البالغة عددا لكنها لم تبلغ الحيض، وشدة أمرها باعتبار عدم الحيض، وهذه وإن كان الواجب استبراؤها بالمدة، إلا أنه لو أثم وأتاها ينبغي أن يعزل عنها مخافة اختلاط الانساب فتأمل جيدا والله أعلم


(1 و 2) الوسائل الباب 10 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 وذيله

[ 210 ]

(أو) كانت الامة المشتراة مثلا (حائضا) فانه يسقط استبراؤها فيجوز له وطؤها (إلا زمان حيضها) على المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا شهرة عظيمة فيكتفى في جواز وطئها باتمام حيضها، كما عن الخلاف الاجماع عليه، لا لان ذلك استبراؤها، بل لعدم جواز الوطئ حال الحيض، وفي موثق سماعة (1) (سئلته عن رجل اشترى جارية وهي طامث أيستبرئ رحمها بحيضة أخرى أو تكفيه هذه الحيضة فقال: بل تكفيه هذه الحيضة، فان استبرأها بحيضة أخرى فلا بأس هي بمنزلة فضل) وفي صحيح الحلبي (2) (سألت الصادق عليه السلام عن رجل اشترى جارية وهى حائض فقال إذا طهرت فليمسها إن شاء). خلافا لابن ادريس فلم يكتف باتمام الحيضة، وكأنه اجتهاد في مقابلة النص بل والاعتبار، ضرورة أنه إذا كان الاستبراء يحصل بالحيضة فمع فرض أنه اشتراها حائضا قد علم بذلك براءة رحمها، فهى كالجارية التي علم أن البايع قد استبرأها أو لم يطأها كما هو واضح، هذا وفي النافع يجب على البايع استبراء الامة قبل بيعها بحيضة و مزجها في الرياض فقال واحدة إن لم تبع في أثنائها وإلا فيكفي تمامها على الاشهر الاقوى. وفيه أن خلاف ابن ادريس في المشتري على الظاهر، ولعل قوله على الاشهر الاقوى راجع إلى الاتحاد، فان المحكي عنه اعتبار التعدد، فلاحظ وتأمل. نعم قد يستشكل في الاكتفاء باتمام الحيضة إذا وقع الوطئ من المالك في أثناء الحيض عصيانا، أللهم إلا أن يقال: إن إطلاق ما دل على الاكتفاء وإن كان منصرفا إلى غير الفرض، لكن قد يمنع شمول ما دل على الاستبراء لنحوه أيضا، فيبقى على أصل البراءة فتأمل والاحتياط لا ينبغى تركه.


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1

[ 211 ]

(أو حاملا) أي وكذا يسقط استبراؤها إذا كانت حاملا، ضرورة معلومية مشغوليتها بالحمل، ولا فائدة للاستبراء المفسر بترك الوطئ حتى يتبين حالها. نعم لو فسر بترك الوطئ حتى يبرء رحمها مما اشتغل به من ماء أو حمل، أمكن القول بأن ترك الوطئ للحامل حينئذ حتى تضع أو إلى مضي المدة كما ستعرف الخلاف فيه للاستبراء بهذا المعنى، ولعل مراد المصنف وغيره ممن أسقطه عنها بالاستبراء ما ذكرناه أولا ولذا قال: (نعم لا يجوز وطئ) الجارية (الحامل قبلا) بما يسمى وطيا فيه عرفا، إلا أن يكون من الافراد النادرة التي لا ينصرف إليها الاطلاق، بل لو لا ظهور الفتاوى في الاطلاق لامكن دعوى إرادة المشتمل منه إلى الامناء من النصوص، ولا فرق في الحامل بين أن يكون حملها بحر أو مملوك أو مبعض، (قبل أن يمضي لحملها أربعة أشهر وعشرة أيام) وفاقا للمقنعة والنهاية والوسيلة والكافي والنافع والمفاتيح والغنية إلا بشرط العزل، والارشاد والتحرير والايضاح وإيضاح النافع والمسالك في الجملة على ما حكي عن بعضها، وإن اختلفت في التقييد في القبل وعدمه. فترك في الستة الاول، ولعله مراد لها، وفي زيادة العشرة وعدمها، فتركت في الاول والرابع والخامس والسابع، بل في الدروس المشهور أنه يستبرئها بأربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا عن القبل لا غير، وفي ظاهر الغنية الاجماع على ما فيها، وفي الرياض لا ريب في الحرمة قبل انقضاء هذه المدة، للمعتبرة المستفيضة التي كادت تكون متواترة المعتضدة بالشهرة العظيمة، بل ظاهر المصنف والاكثر، بل نسبه غير واحد إلى الاصحاب عدم الفرق في ذلك بين الزنا وغيره، بل لا أجد خلافا في التحريم فيها إلا من الشيخ في الخلاف وكتابي الاخبار، وابن ادريس، فالجواز. نعم نص الاول منهما على الكراهة مدعيا الاجماع عليها، ومن الفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما في خصوص الحمل من الزنا، فالكراهة فيها أيضا، وربما الحق المجهول به، لكن ليس في شئ مما وصل

[ 212 ]

الينا من نصوص المسألة إشارة إلى الفرق بين الزنا وغيره، فضلا عن المجهول، بل ربما كان ظاهرها خلافه، خصوصا ترك الاستفصال مع انصراف الحمل إلى النكاح الصحيح كما في ساير أفعال المسلمين، وعدم الحرمة لمائه انما هو بالنسبة إلى إلحاق الولد وعدمه، لا بالنسبة إلى وطئ من علم حملها منه، المعلل بتغذية الولد ونحوه، ودعوى أن المعهود من الشرع الغاء اعتبار الزنا في العدة والاستبراء، يمكن تسليمها في غير المقام الذي يمكن أن يكون عدم الوطئ فيه تعبديا وليس لعدة ولا إستبراء، بل هو ظاهر المصنف وغيره ممن نفى الاستبراء عن الحامل بل منع في الحدائق عدم العدة والاستبراء للزنا محتجا بخبر حريز (1) قال لابي عبد الله عليه السلام: (الرجل يفجر بالامرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك ؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور، فله أن يتزوجها وانما يجوز له تزويجها بعد الوقوف على توبتها) وما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول (2) عن أبى جعفر الجواد عليه السلام (أنه سئل عن رجل نكح إمرأة على زنا أيحل له أن يتزوجها ؟ فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره إن لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت معه، ثم يتزوج بها إذا أراد، فإن مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا) وإطلاق ما دل على وجوب العدة والغسل والمهر والرجم بالدخول، وأن العدة من الماء وإن كان هو كما ترى، بل ينبغي الجزم بإرادة الندب من الخبر الاول، إذ لا استبراء عليه من مائه بل والخبر الثاني خصوصا بعد استفاضة النصوص وباطلاق جواز تزويج الزانية. نعم قد يقال في خصوص المقام بحرمة الوطئ وإن كان الحمل من زنا، لا للعدة والاستبراء، بل لاطلاق النصوص، وعدم إشعار شئ منها به، كما أنه قد يقال إن ظاهرها مجهولة حال الحمل على وجه لم يعلم كونها من ذات العدة بالوضع، كالمطلقة ونحوها،


1 - الوسائل الباب 11 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها الحديث 4 - 2 تحف العقول ص 338 المطبوع بالنجف الاشرف سنة 1385

[ 213 ]

أو من غيرها كالحامل من زنا، بناء على عدم العدة له بذلك، والمساحقة ونحوها، إذ المعلوم عدم كونها من ذوات العدد بالوضع وإنما هي من ذوات الاستبراء المفروض سقوطه بالحمل، بل لعل ذلك هو الغالب في الاماء، وحينئذ يتجه جريان الاقوال المزبورة للنصوص، وأما إذا علم حال حملها وكونه عن وطئ صحيح تعقبه طلاق أو فسخ أو نحو ذلك، أو غير صحيح كالزنا مثلا وقلنا بعدم الحرمة لمائه، فهو على حكمه بالنسبة إلى كل فرد، لا أن المراد من النصوص الاطلاق الشامل للمطلقة مثلا ونحوها مما كان عدتها الوضع، ضرورة إمكان تحصيل الاجماع على خلاف ذلك، كما يظهر لك الحال بأدنى ملاحظة لكلامهم في العدد، مضافا إلى إطلاق الآية والنصوص فلاحظ وتأمل جيدا، فان هذا هو التحقيق في المسألة. وهذا الحكم مختص - بالامة المشتراة التى كان حكمها الاستبراء، وسقط بالحمل، كما عساه الظاهر من المصنف وغيره مع إلحاق غير الشراء من أسباب الملك الاختيارية والقهرية، كما هو مقتضى كلامهم في أصل موضوع المسألة، وعدمه جمودا على مقتضى النص المفصل - أو انه شامل لكل جارية حامل مجهولة الحال أو معلوم أنها من غير ذات العدة بالوضع، فيندرج فيه أمة السيد لو حملت كذلك، كما عساه يظهر من إطلاق العنوان في بعض العبارات وجهان، من أصالة الجواز بعد عدم معلومية سبب التحريم، ومن إطلاق النهي عن وطئ الحبلى حتى تضع، لا يخلو أولهما من قوة، فحمل صحيح رفاعة - (1) المقيد فيه بالاربعة أشهر وعشرة أيام عليه مرادا من النهي فيه في المدة الكراهة، وبعدها لا كراهة، أو مرادا منه الحرمة وبعدها لا حرمة، بخلاف الحمل من غيره فانه محرم إلى حال الوضع - لا شاهد له سوى دعوى معلومية عدم احترام ماء الزانى. وفيه أن المقام يمكن أن لا يكون من الاحترام، على أن مثله يرد بناء على إرادة الحرمة من النهي في الصحيح المزبور، فلا ريب حينئذ في ضعف القولين معا كضعف القول بحرمة الوطئ إلى حال الوضع مطلقا، تمسكا باطلاق النصوص كموثق


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3

[ 214 ]

اسحاق بن عمار (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجارية يشتريها الرجل وهي حبلى أيقع عليها ؟ قال: لا) وقوله عليه السلام ايضا في موثق مسعدة (2) (يحرم من الاماء عشر، لا تجمع بين الام والبنت، ولا بين الاختين، ولا أمتك وهي حبلى من غيرك حتى تضع) كقوله أيضا في خبر مسمع بن كردين (3) (قال أمير المؤمنين عليه السلام: عشر لا يحل نكاحهن ولا غشيانهن، أمتك وأمها، إلى أن قال، وأمتك ان وطئت حتى تستبرئ بحيضة، وأمتك وهي حبلى من غيرك) الحديث. وفي المروى عن العيون مسندا إلى الرضا عن آبائه عليهم السلام (4) (قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وطئ الحبلى حتى يضعن) وعن قرب الاسناد عن ابراهيم بن عبد الحميد (5) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يشترى الجارية وهي حبلى أيطأها قال: لا قلت: من دون الفرج ؟ قال: لا يقربها) وفى خبر محمد بن قيس (6) (عن أبى جعفر عليه السلام في الوليدة يشتريها الرجل وهي حبلى ؟ قال: لا يقربها حتى تضع ولدها) وخبر ابى بصير (7) (قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يشترى الجارية وهي حامل ما يحل له منها ؟ قال: ما دون الفرج) إلى غير ذلك من النصوص المطلقة والمقيدة بالوضع. مضافا إلى آية (8) (أولى الاحمال) المرجحة على آية الملك (9) في صحيح رفاعة (10) عن أبى عبد الله عليه السلام (في الامة الحبلى يشتريها الرجل فقال: سئل أبي عن ذلك فقال: أحلتها آية وحرمتها آية أخرى، فأنا ناه عنها نفسي وولدي، فقال الرجل: أنا أرجو أن أنتهي إذا نهيت نفسك وولدك) إذ النهي حقيقة في التحريم، وكان الذى دعاه إلى هذا التعبير والنسبة إلى أبيه التقية كما قيل، فإنهم كانوا يرون الجواز، فلم يمكنه


(1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 6 - 4 - 5 - 7 - 8 - 1 (7) الوسائل الباب 12 من ابواب بيع الحيوان الحديث 3 (8) سورة الطلاق الاية 3 (9) سورة المؤمنون الاية 3 (10) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2

[ 215 ]

التعبير عنه صريحا. وإلى الاجماع المحكي عن شرح الارشاد للفخر على ذلك في غير الزنا، بل ظاهر غيره أن ذلك من المفروغ منه، وأنه من المسلمات التي لا يعتريها الشك، وأنه لذلك حمل صحيح المدة (1) على الزنا، لعدم إمكان الحمل في غيره، وإلى معلومية حرمة وطئ الحامل في غير المقام، في طلاق ووفاة وغيرهما مما يكشف أن لذي الحمل تعلقا بالرحم مادام مشغولا بالحمل، ومن هنا لم يجعل أجلا دونه إلى غير ذلك. إذ فيه أنه مستلزم لطرح صحيح رفاعة المعمول به بين الاصحاب في الجملة كما اعترف به فخر المحققين وغيره بلا مقتض، أو تأويله من دون شاهد، قال على ما رواه في التهذيب (2) (سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: أشترى الجارية فتمكث عندي الاشهر لا تطمث، وليس ذلك عن كبر فأريها النساء فيقلن ليس بها حمل، فلي أن أنكحها في فرجها ؟ فقل: إن الطمث قد يحبسه الريح من غير حبل، فلا بأس أن تمسها في الفرج قلت: فان كانت حبلى فمالي منها ؟ فقال: لك ما دون الفرج إلى أن تبلغ في حبلها أربعة اشهر وعشرة أيام، فإذا جاز حملها أربعة أشهر وعشرة أيام فلا بأس بنكاحها في الفرج. قلت: إن المغيرة وأصحابه يقولون لا ينبغى للرجل أن ينكح امرأته وهي حامل وقد استبان حملها حتى تضع فتغذو ولده قال: فقال: هذا من أفعال اليهود) فلا بأس بتأييد الاطلاق المتقدم به، كما أنه لا بأس بالجمع بينه وبين نصوص الوضع، بجعل الغاية أحدهما، كما هو مقتضى الامر بهما. واعتضاد نصوص الوضع بالاصل واطلاق النهي السابق، وبظاهر صحيح رفاعة السابق (3) من حيث دلالته على انحصار الامر بين الاباحة المطلقة، كما دلت عليه الاية الاولى، أي آية الملك، (4) أو الحرمة


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 (2) التهذيب ج 7 ص 468 الحديث 1878 (3) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 (4) سورة المؤمنون الاية 4

[ 216 ]

كذلك، كما صرحت به الثانية (1). وحيث ظهر لنا الحرمة في الجملة بالادلة السابقة تعين ترجيح الاية وهي في الحرمة إلى الوضع صريحة، ولا آية هنا تدل على التفصيل بين المدتين، بالبديهة لا يمنع من الجمع المزبور بعد الاغضاء عن جريان الاصل المعلوم قطعه بآية الملك، والصحيح ظاهر في ترجيح آية الملك، وأن المراد من النهي الكراهة، بل يمكن دعوى ظهور آية الحمل في غير المقام من ذوات العدد، فلا ريب حينئذ في أن مقتضى أصول المذهب الجمع بين النصوص بما عرفت، وأن المطلق منها يقيد بذلك. وما يقال - من أن التقييد فرع المقاومة، وليس لقصوره عددا عن ذلك، مع بعد التقييد فإن أظهر أفراد الحبلى من استبان حملها، وليس إلا بعد انقضاء المدة المزبورة - مدفوع بأن كثرة عدد المطلق لا تنافي تقييده بالمتحد المعمول به بين الاصحاب، وبمنع كون الاظهر ذلك بحيث ينصرف إليه الاطلاق، وخلو الصحيح - عن زيادة التقييد بالاربعة وعشر في الكافي - غير قادح، كما أن اختلاف عبارات الاصحاب من حيث التقييد بالعشر وعدمه كذلك، ضرورة كون الصحيح المزبور حجة على تارك التقييد فلا ريب في رجحان هذا القول على غيره. نعم لولا الشهرة العظيمة والاجماع المحكي لكان القول بالكراهة كما سمعته من الشيخ وابن ادريس في غاية القوة لظهور صحيح رفاعة (2) السابق فيها والخبر (3) (ما أحب للرجل المسلم أن ياتي الجارية الحبلى قد حبلت من غيره) إلى آخره وترك النهى عنه في خبر السكوني (4) عن الصادق عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على رجل من الانصار وإذا وليدة عظيمة البطن تختلف فسأل عنها، فقال: اشتريتها يا رسول الله


(1) سورة الطلاق الاية 4 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء في ذيل الحديث 1 (4) الوسائل الباب 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3

[ 217 ]

وبها هذا الحبل، قال: أقربتها ؟ قال: نعم قال: اعتق ما في بطنها، قال: يا رسول الله وبما استحق العتق ؟ قال: لان نطفتك أغذت سمعه وبصره ولحمه ودمه ") بل التعليل فيه ظاهر في الكراهة، وأن المراد من النهي في غيره للارشاد، لانه بالوطئ يرجح له أو يتعين عليه عتق الولد، بل قول الصادق عليه السلام في خبر غياث (1) (من جامع أمة حبلى من غيره، فعليه أن يعتق ولدها ولا يسترق، لانه شارك فيه الماء تمام الولد) لا يخلو من إشعار بجواز الجماع، إلى غير ذلك مما يشهد للجواز من إطلاق أدلة الملك وغيره، فلولا ما عرفت لكان القول به في غاية القوة، فحيث انتفى لذلك كان القول بما في المتن أقوى من غيره قطعا، لما عرفته من دليل الحرمة في المدة وغيرها، للاصل والصحيح أيضا، وجواز التصرف في ملك اليمين والامن من اختلاط الانساب في غيرها. ومن ذلك كله بان لك الوجه في جميع الاقوال على اختلافها في الوطئ بعد مضي المدة وقبله وأن الاقوى منها قبله الحرمة (ويكره بعده) الذي في الدروس وغيرها أنه المشهور، ولعل حكم المصنف بكراهته لقوله عليه السلام (لا احب) وتنزيل صحيح رفاعة المشتمل على نهيه عليه السلام لنفسه وولده عليه، وللتخلص من شبهة الخلاف ومن احتمال ارادة النهي من المطلقات إلى حال الوضع، ومن نحو ذلك مما يصلح دليلا للكراهة، فتأمل جيدا. فان المسألة من المشكلات وقد اضطرب فيها كلام الاساطين، حتى ان العلامة منهم قال هنا في القواعد: (ويحرم وطئ الحامل قبلا قبل مضى أربعة أشهر وعشرة أيام، ويكره بعده إن كان عن زنا وفي غيره إشكال) وقال في النكاح منها: (ولو اشتراها حاملا كره له وطؤها قبلا قبل الوضع أو مضي أربعة أشهر وعشرة أيام إن جهل حال الحمل، لاصالة عدم إذن المولى، وإن علم إباحته بعقد أو تحليل حرم حتى تضع، وإن علم كونه عن زنا فلا بأس) وقال في الطلاق منها (كل من ملك جارية موطوءة ببيع أو غيره من إستغنام أو صلح أو ميراث أو أي سبب كان لم يجز له وطؤها إلا بعد الاستبراء، فان كانت حبلى من مولى أو زوج أو وطئ شبهة لم ينقض الاستبراء إلا بوضعه، أو مضي


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2

[ 218 ]

أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا يحل له وطؤها قبلا قبل ذلك، ويجوز في غير القبل، ويكره بعدها، وهو كما ترى غير الاولين، هذا كله في الوطئ في القبل. أما الدبر فقد يمنع الحرمة فيه تنزيلا لاطلاق النصوص بل والفتاوى على المتعارف حتى قوله عليه السلام (لا يقربها) خصوصا بعد ما في النصوص من أنه (يعتق الولد مع الوطئ لانه غذاه بنطفته)، وفرضه في الدبر بعيد جدا، خلافا للكركي ومن تبعه فحرمه أيضا لصدق اسم الفرج، ولقوله عليه السلام (لا تقربها) الذى لا ينافيه خروج ما عدا الوطئ منه بالدليل، وفيه ما عرفت، بل الظاهر عدم استحباب العزل عن الوطئ فيه. (و) كيف كان ف‍ (لو وطأها) مثلا حيث يجوز على ما عرفت من الخلاف فيه (عزل عنها استحبابا) بلا خلاف أجده بين من تعرض له، إلا من ظاهر المحكي عن التقي وابن زهرة فأوجباه في الوطئ بالاربعة بناء على جوازه، ولا ريب في ضعفه، ضرورة عدم وجوبه مطلقا حيث يجوز، للاصل السالم عن المعارض، بل لو لا التسامح في السنن لامكن الاشكال في ثبوت استحبابه، أللهم إلا أن يدعى اشعار الموثق به (1) قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى جارية حاملا وقد استبان حملها ؟ فقال: بئس ما صنع قلت: فما تقول فيه قال: أعزل عنها أم لا ؟ فقلت: أجبني على الوجهين، قال: إن كان عزل عنها فليتق الله ولا يعود، وإن كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد ولا يورثه، ولكن يعتقه ويجعل له شيئا من ماله يعيش به، لانه غذاه بنطفته) وهو كما ترى ضرورة أنه لو تم اشعاره لاقتضى ثبوت الاستحباب حيث يحرم الوطئ وهو بعيد. (و) على كل حال ف‍ (لو لم يعزل كره له بيع ولدها) وفاقا لجماعة، تنزيلا للنهي عنه في الموثق المزبور عليها، لكن فيه أنه لا قرينة على ذلك، أللهم إلا أن يدعى ظهور التعليل فيها ضرورة كون المتصرف منه أنه يكون بذلك كالولد فلا يملكه،


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1

[ 219 ]

لكن قد يمنع بل ظاهر المحكي عن الشيخين والحليين والطوسي والديلمي حرمة البيع، بل ظاهر ابن زهرة منهم أو صريحه الاجماع عليه، ومن هنا جزم به بعض متأخرى المتأخرين بل جزم بوجوب عتقه، وجعل شئ له من ماله يعيش به، للامر بهما فيما سمعته من النصوص، بل هو ظاهر النهاية والوسيلة والغنية مدعيا عليه الاجماع في الاخير هذا. (و) لكن في المتن وغيره أنه (استحب له أن يعزل له من ميراثه قسطا) وإن كنت لم أجده في شئ مما وصل إلي من نصوص المسألة بل الموجود فيها عتقه، وجعل شئ له من المال يعيش به، فبناء على إرادة الندب من هذا الامر كان المتجه جعل المستحب ذلك. نعم بقي شئ وهو أنه لا فرق في ثبوت ذلك بين الوطئ في المدة وبعدها أو هو مختص به بعدها، ظاهر المقنعة الاول، قال: (فان وطأها قبل مضي الاربعة أشهر أو بعد ذلك ولم يعزل عنها لم يحل بيع الولد، لانه غذاه وأنماه بنطفته، وينبغى أن يجعل له من ماله بعد وفاته قسطا يعزله في حياته، ولا ينسب إليه بالبنوة) وفي الوسيلة (فإن مر عليها أربعة أشهر وعشرة أيام جاز له وطؤها ولم يجز له وطؤها قبل ذلك، فإن وطأها لم يجز له بيع ولدها، لانه غذاه بنطفته، وعليه أن يعتقه ويعطيه شيئا من ماله) وفي الغنية (فإن كانت حاملا لم يجز له وطؤها في الفرج حتى يمضي لها أربعة أشهر إلا بشرط عزل الماء، فإن لم يعزل لم يجز له بيع الولد، ولا أن يعترف به ولدا، بل يجعل له قسطا من ماله لانه غذاه بنطفته، بدليل إجماع الطائفة وعن التقي (لا يحل وطئ الحامل من غيره حتى يمضي لها أربعة أشهر إلا دون الفرج، وفيه بشرط عزل الماء، واجتنابها حتى تضع أولى، وإذا وطأ الحامل لم يحل له بيع ولدها، ولا الاعتراف به ولدا) وفرق في النهاية فقال: (إذا اشترى جارية حبلى فوطأها قبل أن يمضي عليها أربعة أشهر وعشرة، فلا يبيع ذلك الولد لانه غذاه بنطفته، وكان عليه أن يعزل له من ماله شيئا ويعتقه، وإن كان وطؤه لها بعد انقضاء الاربعة أشهر وعشرة أيام، جاز له بيع الولد على كل حال، وكذلك إذا كان الوطئ قبل انقضاء الاربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أن يكون قد عزل، جاز له

[ 220 ]

بيع ولدها على كل حال، وأما النصوص فليس فيها تصريح بالفرق بالنسبة إلى ذلك. نعم قيل إن ظاهر الموثق المزبور كون الوطئ بعد الشراء وبعد المدة المذكورة لان استبانة الحمل لا تكون إلا بعد المدة المذكورة، والامر سهل بناء على المختار والله أعلم. المسألة (الخامسة التفرقة بين الاطفال) المماليك وان لم يكونوا رشدة (وأمهاتهم) كذلك (قبل استغنائهم عنهن محرمة) عند الكاتب والشيخين والتقي والقاضي وابن حمزة والفاضل في التذكرة وظاهر القواعد والمقداد في التنقيح والعليين وثاني الشهيدين وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل هو المشهور بل عن الخلاف الاجماع عليه (وقيل): والقائل الشيخ في باب العتق من النهاية والحلي والفاضل في جملة من كتبه، وأول الشهيدين وابن فهد في المقتصر (مكروهة وهو الاظهر). جمعا بين ما دل على الجواز من الاصل، وعموم تسلط الناس على أموالهم (1) وعلى خصوص العقود عليها وغيرهما، وما دل على المنع كصحيح معاوية بن عمار في الصحيح (2) (قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبي من اليمن فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع بكاؤها فقال: ما هذا البكاء فقالوا يا رسول الله احتجنا نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فأتي بها، وقال: بيعوهما جميعا أو أمسكوهما جميعا) وموثق سماعة المرسل في الفقيه (3) (عنه عن الصادق عليه السلام عن أخوين مملوكين هل يفرق بينهما ؟ وعن المرأة وولدها هل يفرق بينهما ؟ فقال: لا هو حرام إلا أن يريدوا ذلك) وصحيح هشام ابن الحكم (4) (قال: اشتريت للصادق عليه السلام جارية من الكوفة


(1) البحار ج 2 ر 272 الطبع الحديث (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2 - 4 - 3

[ 221 ]

قال: فذهبت تقوم في بعض حوائجها، فقالت: يا أماه فقال لها أبو عبد الله عليه السلام: ألك أم ؟ قالت: نعم فأمر بها فردت، فقال: ما أمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره) وخبر عمرو بن أبى نصر (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الجارية الصغيرة يشتريها الرجل فقال: ان كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس) وصحيح ابن سنان (2) (عن الصادق عليه السلام في الرجل يشتري الغلام والجارية وله أخ أو اخت أو أم بمصر من الامصار ؟ قال: لا يخرجه إلى مصر آخر إن كان صغيرا ولا تشتره، وإن كان له أم فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت) والنبوى (3) (من فرق بين والدة وولدها، فرق بينه وبين أحبته). ضرورة أنه لا يخفى على الفقيه العارف بلسانهم عليهم السلام، إرادة الكراهة من أمثال هذه الخطابات، خصوصا مع عدم تقييد الموثق بالاستغناء، واشتماله على الاخوين، ولم أجد من أفتى به عدا بعض المتأخرين كثاني المحققين والشهيدين، وما تسمعه من المحكي عن الاسكافي، بل الفاضل في التذكرة مع قوله بالتحريم في الطفل والام صرح بالكراهة فيهما، بل غيره صرح بالجواز فيهما من غير تعرض لها، بل قد يستفاد ذلك أيضا من اقتصار الاكثر على الطفل وأمه. فما في الرياض - من أن الاصح التعدية لغير الام من الارحام المشاركة لها في الاستيناس كالاب والاخ والعمة والخالة، وفاقا للاسكافي وجماعة، لتصريح الصحيح والموثق بمن عدا الاخيرين، وظهور الحكم فيهما بعدم القائل بالفرق - في غير محله بناء على الحرمة، خصوصا بعد المحكي عن المبسوط من التصريح بجواز التفريق بين الولد والوالد، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه، وفي جهاد التحرير قال الشيخ: (يجوز التفرقة بين الولد والوالد، وبينه وبين الجدة أم الام، وبين الاخوين والاختين، وبين من خرج من عمود الابوين من فوق وأسفل مثل الاخوة وأولادهم والاعمام واولادهم


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الحيوان الحديث 5 - 1 (3) - المستدرك ج 2 ص 486

[ 222 ]

وساير الاقارب ولا خلاف في جواز التفريق بينه، وبين الرحم غير المحرم، وبينه وبين الام من الرضاعة والاخت منها،) وفي جواز التفرقة بينهما في العتق، بل في باب البيع منه الوجه عدم كراهية التفريق بين الولد والاب، أو بين غيره من ذوي الارحام وبينه سواء قرب أو بعد، ذكرا كان أو أنثى. والمحكي عن أبي علي أنه طرد الحكم فيمن يقوم مقام الام في الشفقة، وتبعه عليه غيره، فلعله لا يريد الاخوين، على أنه يمكن أن يكون بناه على ما ذهب إليه من حجية العلة المستنبطة المعلوم بطلانها عندنا، كل ذلك مع إطلاق التفريق فيه الشامل للبيع وغيره، مع أنك قد عرفت نفى الخلاف في التحرير عنه في العتق، وعن التذكرة النص على نفى الباس عنه في السفر، بل وفي الوصية معللا له بإمكان كون الموت بعد انقضاء زمان التحريم، لكن قال: فان اتفق قبله فإشكال، ونص أيضا على أنه لو كانت الام مملوكة والولد حرا أو بالعكس لم يمتنع بيع الرقيق، على أن القول بضم من سمعت من الارحام إلى الام يقتضي عدم جواز بيع الطفل ولو مع أمه إذا كان له استيناس ببعض أرحامها، فلا يجوز للمالك إلا بيع الجميع وإن كثر العدد، وهو مما لا يلتزمه فقيه، خصوصا إذا قلنا بعدم اعتبار اتحاد المالك كما يقتضيه إطلاق بعض النصوص، فيعتبر حينئذ في صحة البيع اتفاق الملاك أجمع، وإلا فلا يجوز لكل واحد منهم منفردا إلى غير ذلك مما هو منكر في مذاق الشرع، وأما الصحيح فظاهر في استغناء البنت التي قامت في بعض حوائجها، فلا بد من حمله على الكراهة خصوصا بعد كون المشتري مثل هشام الذي يبعد عدم معرفته بهذا الحكم، بل التعليل فيه وتصديقها بمجرد دعواها كالصريح في ذلك، وخبر عمرو إنما يدل على ثبوت البأس الذى هو أعم من الحرمة، وصحيح ابن سنان قد اشتمل على غير الام وولدها ممن عرفت الحال فيه، والتبوى لا يخلو من إشعار بالكراهة كما لا يخفى على من مارس كثيرا من خطاباتها. ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه في التفرقة بالبيع، بل وغيره من النواقل

[ 223 ]

كالهبة وغيرها، المصرح بمساواتها للبيع، كما قيل في التحرير والتنقيح وجامع المقاصد وإيضاح النافع والميسية والمسالك والروضة وغيرها، وإن كان ينبغى تقييده بالاختيارية والا فلا، ومنه ما لو ظهر استحقاق أحدهما بوجه شرعي فانتزعه المستحق، فإن الظاهر عدم المنع، أما الرد بالعيب مثلا ففى التذكرة إشكال أقربه المنع. وعلى كل حال فالظاهر عدم المنع مع الرضا منهما بالتفرقة، للموثق المزبور، بل يمكن القول بعدم الكراهة معه أيضا. نعم في التحرير لا تزول الكراهية برضا الام، ولعله لمراعات حق الولد خصوصا بعد التعليق في الموثق على إرادتهما، وفي آخر على طيب نفسهما، فينبغي مراعاتهما معا لا الام خاصة، مع فرض كون الولد ممن يتاذى بفراقها هذا، وفي المحكي عن التذكرة أنه إن لم تحصل التفرقة الحسية فالاقوى جواز البيع كمن يبيع الولد ويشترط استخدامه مدة البيع، وهو جيد إقتصارا على المتيقن. ثم إن الظاهر بناء على المنع فساد البيع كما صرح به جماعة، بل في التذكرة ما يشعر بدعوى الاجماع عليه لظاهر النصوص السابقة المشتملة على غير النهى من رد الثمن ونحوه، لكن عن جهاد المبسوط أنه جايز على الظاهر من المذهب، بل عنه في الخلاف أنه قواه كالسرائر، إلا أنك قد عرفت أنه ممن يقول بالكراهة هذا، وصرح جماعة أن الخلاف في الحرمة والكراهة بعد سقى اللبا، أما قبله فلا يجوز لانه سبب لهلاك الولد، وهو جيد إن كان كذلك، لكن في الحدائق أنه رأى كثيرا من الاطفال قد عاش بدون ذلك، بأن يشرب من لبن غير أمه بعد الولادة، وربما تعذر وجود اللبن من أمه لمرض ونحوه بعد الولادة مدة، بل قيل إنه قد لا يوجد اللبا في كثير من النساء. نعم محل الخلاف كما عرفت قبل الاستغناء أما بعده فلا إشكال في الجواز نصا وفتوى، بل في التنقيح نفي الخلاف عنه، بل عن إيضاح النافع الاجماع عليه. نعم في الاول في فرع ذكره قال: ظاهر الاصحاب أن الفرقة بعد الاستغناء مباحة، وقيل يكره،

[ 224 ]

ويقرب التفصيل وهو أنه مع التمييز وإصلاح القيام بالضروريات لا كراهة، وإلا فالكراهة، وهو ليس خلافا في أصل الجواز وأمر الكراهة سهل. (و) على كل حال فالمشهور كما في التذكرة أن (الاستغناء يحصل ببلوغ سبع) من غير فرق بين الذكر والانثى، (وقيل: يكفي استغناؤه عن الرضاع) ولعل ذلك مقتضى إطلاق المحكي عن المقنعة والنهاية والمراسم الاستغناء، بل قيل إن الشيخ والجماعة كذلك في باب الجهاد (والاول أظهر) عند المصنف إستصحابا للحكم، ولغلبة الاذية قبلها، إلا أن الاظهر منه جعل المدار على تحقق الاستغناء عرفا، وهو مختلف باختلاف الاطفال والامهات، لاطلاق الدليل السالم عما يقتضي تقييده بالسبع أو غيره، واحتمال نظر الاصحاب في المقام إلى الحضانة يدفعه ما عرفت من شهرة السبع هنا من غير فرق بين الذكر والانثى، والمعروف فيها هناك كذلك. ومن ذلك يظهر لك ما في جامع المقاصد وإن تبعه عليه في الروضة والمسالك والرياض ومحكي الميسية. قال: (الذى يقتضيه صحيح النظر الفرق بين الذكر والانثى، لان الفرق في حضانة الحرة قد وقع، فجوز التفرقة بعد سنتين في الذكر وبعد سبع في الانثى على المشهور بين المتأخرين، فينجر ذلك في الامة، لان حقها لا يزيد على حق الحرة، ولان الناس مسلطون على إموالهم، خرج منه ما دل الدليل على منع التفرقة بين مطلق الامهات والاولاد، فيبقى الباقي على الاصل ولان الاخبار الدالة على عدم جواز التفريق لاحد فيها، فيحمل إطلاقها على المدة المحرمة، بمقتضى الحضانة، لان ذلك هو الحق المقرر للام، وكون الولد معها في نظر الشارع وإطلاق الاصحاب يحتمل أمرين، إما الحوالة على ما هناك، أو عدم الظفر بما يعين المراد، وقد صرح بعض الاصحاب وهو الشيخ أحمد بن فهد بأن المسألة هنا مبنية على الاقوال في الحضانة فكان شاهدا بما قلناه، وهذا هو الصواب الذي ينبغي المصير إليه).

[ 225 ]

وفيه أن ملاحظة كلامهم في المقامين تقضي بالقطع بعدم بناء هذه المسألة عندهم على تلك المسألة التي فصل المشهور فيها بين الذكر والانثى، بخلاف هذه، كما أن الاولوية واضحة المنع، لان المراد هنا التفرقة بالبيع ونحوه، بخلافه في الحرة، وقد عرفت تصريح الفاضل بجواز التفريق بينهما ببيع الرقيق منهما لو كان أحدهما حرا من غير ملاحظة للحضانة، بل قد عرفت غير ذلك مما لا ينطبق عليها، فأحسن شئ حمل كلام المشهور هنا على إرادة حصول الاستغناء غالبا بالسبع، وإلا فالمدار ما قلناه خصوصا بعدما عن التذكرة من تعليل كون الغاية السبع بكونها سن التمييز، فيستغنى عن التعهد والحضانة. وأقرب منه إرادة من أطلق التحديد بالاستغناء، لمقنعة والنهاية والمراسم ما ذكرنا من الايكال إلى العرف، ومن ذلك يعلم جودة ما عن ايضاح النافع حيث أنه بعد أن حكى عن ابن فهد ما عرفت، قال: إنه ليس بشئ إذ هو كذلك، وليس في شئ من كلام الاصحاب ما يشعر بذلك، سوى ما عن مبسوط الشيخ من تعليله الحاق الجدة بالام، بأنها بمنزلتها في الحضانة، ويمكن عدم ارادة دوران الحكم على ذلك والله أعلم. هذا كله في الاناس، أما البهائم فقد صرح غير واحد بجواز التفرقة فيها بينها قبل الاستغناء عن اللبن وبعده، نعم قيده بما إذا كان مما يقع عليه الذكاة أو كان له ما ينمو به من غير لبن أمه، ولعله لعدم جواز إتلاف المال أو خصوص الحيوان منه بغير الطريق الشرعي كالذبح، ولتحقيق ذلك محل آخر والله اعلم. المسألة (السادسة من أولد جارية) قد اشتراها مثلا جاهلا (ثم ظهر أنها مستحقة) للغير ببينة شرعية أو نحوها (انتزعها المالك) منه بلا خلاف ولا إشكال (و) المشهور نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة، بل عن الخلاف الاجماع، أنه يجب (على الواطئ عشر قيمتها) بدخول أرش الجناية على الاقوى (إن كانت بكرا) أي لم يمسها رجل ولم تذهب عذرتها، وقد يقوى الاكتفاء بالثاني وفي شرح الاستاد أن الاكتفاء بالاول

[ 226 ]

أقوى (ونصف العشر إن كانت ثيبا) لصحيح الوليد بن صبيح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة قد دلست نفسها ؟ فقال: إن كان الذى زوجه إياها من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه ؟ فقال: إن وجد مما أعطاها شيئا فليأخذه وإن لم يجد شيئا فلا شي له عليها وإن كان الذى... زوجه إياها ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه، ولمواليها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، وتعتد منه عدة الامة، قلت: وإن جائت منه بولد قال: اولادها منه احرار إذا كان النكاح بغير إذن المولى) والصحيح الاخر (2) (أرأيت أن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فاقتضها فقال لا ينبغي له ذلك: قلت: فإن فعل يكون زانيا ؟ قال: لا ويكون خائنا، ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكرا وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها) وغيرهما، و مغايرة المورد للمقام يدفعه اتحاد طريق المسألتين، واشعار الاول بالعموم بالتعقيب بما هو كالتعليل من استحلال الفرج المحقق هنا بل عن بعض اصحابنا الاستدلال به بالفحوى، كل ذلك مع أن عبارة المصنف كما سمعت غير خاصة بالبيع، ونحوها عبارة القواعد، بل في شرح الاستاد جعل موضوع المسألة ظهور إستحقاق الامة الموطوءة بزنا أو غيره من نكاح أو تحليل أو ملك أو شبهة بأحدها، لعدم مالكية المالك أو ظهور فساد العقد له (و) لعله كذلك. (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من غصب المبسوط وابن ادريس (يجب مهر أمثالها) الذى هو عوض منفعة البضع شرعا مع عدم التسمية من غير فرق بين الحرة والامة، بل عن بعضهم إتمام ذلك بأن الرواية (3) إنما وردت فيمن اشترى جارية و وطأها وكانت حاملا من سحق أو غيره، وأراد ردها فلا يقاس عليه، (و) لكن قد


(1) الوسائل الباب 67 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 (2) الوسائل الباب 35 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العيوب الحديث 4

[ 227 ]

عرفت أن (الاول) مع كونه مشهورا شهرة عظيمة بل قد سمعت دعوى الاجماع عليه (مروي) في الصحيحين وغيرهما مضافا إلى المرسل المزبور المتمم على تقديره بعدم القول بالفصل، فلا مناص حينئذ عن القول الاول بل في شرح الاستاد أن الاقوى التوزيع في المبعضة، فضلا عن مفروض المقام، لا الرجوع إلى مهر المثل. وكيف كان فالظاهر عدم الفرق بين علم الامة بالحال وعدمه على القولين، بل صحيح صبيح ظاهر في الاول ونفى المهر للبغي إنما هو في الحرة كما يشعر به اللام الظاهرة في الاستحقاق، بل لعل لفظ المهر كذلك، ولذا يطلق على الحرة المهيرة فما في الدروس هنا من نفي المهر لها مع العلم وعدم الاكراه واضح الضعف، وإن حكى عن جماعة المحقق الثاني وغيره اختياره في باب الغصب. ولو اختلفا في البكارة وعدمها قدم قول الواطئ، ويحتمل تقديم قول المالك عملا بالاصل، وفي الممسوسة في القبل من دون فض البكارة أو في الدبر وجهان أقواهما عند الاستاد إجراء حكم البكارة فيها، والاظهر خلافه، كما أن الظاهر اجراء حكم الواحد على تكرر الوطئ في الوقت الواحد قبل الغرامة، أما إذا كان بعد الغرامة فالظاهر التعدد بل قيل إن مثله إختلاف الوقت، وفيه منع، ضرورة ظهور النص والفتوى في أن الغرم ذلك ولو استمر الاشتباه إلى الولادة، والغالب التعدد مع ذلك. (و) على كل حال ف‍ (الولد حر) للاصل والتبعية لاشرف الابوين وصحيح الوليد (1) السابق وغيره، ومحكى الاجماع عن المبسوط والخلاف وغيرهما، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما عن المقنعة من رقية الولد إلا أن يرضيه الاب عنه بشئ، بل قيل: إن مثلها النهاية إلا أنه قال: (وقبض ولدها) إلى آخره، ولعله لما في موثق سماعة (2)


(1 و 2) الوسائل الباب 67 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 2

[ 228 ]

" من أن ولده مملوك إلا أن يقيم البينة، أنه شهد له شاهدان أنها حرة، فلا يملك ولده ويكونون أحرارا " وخبر زرارة (1) " إلا أنهما مع عدم شهادتهما بتمام المدعى. و إمكان حملهما على صورة الزنا وغير ذلك، معارضان بما هو أقوى سندا وأكثر عددا من النصوص المعمول بها بين الاصحاب، (و) حينئذ فلا ريب في ضعف القول المزبور. نعم (على أبيه قيمته يوم ولد حيا) لقول الصادق عليه السلام في مرسل جميل (2) (ويأخذ الرجل ولده بقيمته) وفى موثقة (3) (ويدفع المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية، وقيمة الولد التي أخذت منه) إلى غير ذلك من النصوص المراد منها وجوب القيمة تعبدا لا شرطية الحرية بها، (و) قد عرفت تصريح الموثق أنه (يرجع) المشترى (على البايع) بالثمن، و (بما اغترمه من قيمة الولد) لمكان الغرور، وتعرف إنشاء الله في المسألة العاشرة تمام الكلام في كثير مما له تعلق في المقام كقيمة الولد وغيرها. (وهل يرجع) المشترى على البايع (بما اغترمه من مهر وأجرة) ونحو هما (قيل: نعم لان البايع أباحه من غير عوض) فهو مغرور متضرر برجوع المالك عليه بذلك، ونحوه الذى صرح به في خبر زرارة (4) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولادا، ثم إنه أتاها من يزعم أنها له، وأقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية، ويعوضه قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها) وربما كان في الرجوع بقيمة الولد إشارة إليه في الجملة، (وقيل لا لحصول عوض في مقابلته) وقد تقدم تحقيق ذلك في بحث


(1) الوسائل الباب 67 من ابواب نكاح والعبيد والاماء الحديث 3 (2 - 3) الوسائل الباب 88 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 - 5. (4) الوسائل الباب 88 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4

[ 229 ]

الفضولي والبيع الفاسد فلاحظ وتأمل. المسألة (السابعة: ما يؤخذ من دار الحرب) أو من أهلها في غيرها (بغير اذن) النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو (الامام) القائم مقامه عليه السلام من أموال وأعراض وأراضى وأشجار وسرايا أو نحو ذلك بسرقة أو خيانة أو خدعة أو أسر أو قهر من غير جيش أو جيش من غير قهر أو غير ذلك، فهو لاخذه، كالمأخوذ بإذنه لاطلاق ما دل من كتاب وسنة وإجماع على جواز اغتنام مال الكفار وسبيهم، بل ظاهرهما كونهم وما في أيديهم من المباحات التى يملكها من يحوزها، ويستولى عليها، وإنما يلزم فيه الخمس كساير الغنايم، كما أومئ إليه عليه السلام في قوله (1) (خذ مال الناصب حيث وجدته، وادفع إلينا الخمس). فما في الحدائق - من التوقف في الحكم من أصله لعدم الوقوف على نص يدل عليه، وأخبار الناصب لا دلالة فيها على التعميم - واضح الضعف، بل في شرح الاستاد أن تملك الامام بحيازة الغير هنا مخالف للاصل وللاجماع والاخبار، قلت: مضافا إلى خصوص بعض النصوص (2) الدالة على جواز شراء الكفار بعضهم من بعض، وقد تقدم سابقا بعض منها. نعم ما يؤخذ بغير إذن الامام بقهر جيش أو سرية، كله للامام عليه السلام خاصة، لا للغانمين، ولا لغيرهم بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم الاجماع عليه. وفي خبر الوراق (3) (عن رجل سماه عن الصادق عليه السلام إذا غزى قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام عليه السلام وإن غزوا بإذن الامام فغنموا كان للامام الخمس) و الحسن كالصحيح (4) (قلت للصادق عليه السلام ببعثها الامام عليه السلام فيصيبوا غنائم


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب بيع الحيوان (3 و 4) الوسائل الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 16 - 3

[ 230 ]

كيف تقسم ؟ قال إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام أخرج منه الخمس لله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقسم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلما غنموا للامام عليه السلام يجعله حيث أحب) وما فيه من قسمة الخمس ثلاثة أخماس مما هو شاذ لا قائل به، غير قادح في الدلالة على المطلوب. نعم قد تقدم في كتاب الخمس أن المصنف توقف في النافع في ذلك، بل في المنتهى (قوة قول الشافعي الذي هو المساواة في الفرض للمأذون فيه) بل في المدارك إنه جيد لاطلاق الادلة الواجب تقييده بما سمعت مع أنها من خطاب المشافهة ولخصوص حسن الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام (في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة، فقال: يؤدى خمسا ويطيب له) مؤيدا بما في صحيح ابن مهزيار (2) المشتمل على ذكر ما يجب فيه الخمس إلى أن قال: (ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله) ولما يظهر من بعض أخبار التحليل (3) من كون الاباحة لنصيبهم في الفئ لا إباحة جميعه، ولا نصيب لهم إلا الخمس. قال امير المؤمنين عليه السلام في المروى عن العسكري عليه السلام (4) (يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد علمت أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولى على خمسي من السبى والغنائم ويبيعونه، ولا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه وقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك منه شيئا من شيعتي) إلى آخره، ونحوه غيره، إلا أن ذلك كله يجب الخروج عنه، وحمله على ما لا ينافي المطلوب لما عرفت من المفروغية من الحكم، والله العالم. والظاهر عدم تأثير الاجازة اللاحقة وإن كان لم يستبعده شيخنا في شرحه الحاقا له بمسألة الفضولي، ولو اختلف الاخذون بالاذن وعدمه لحق كلا حكمه كما أنهم إذا أخذ بعض الجيش غيلة وبعض قهر الحق أيضا كلا حكمه.


(1 و 2) الوسائل الباب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 8 - 5 (3) الوسائل الباب 4 من ابواب الانفال (4) الوسائل الباب 4 من ابواب الانفال الحديث 20

[ 231 ]

وكيف كان فالاصول والضوابط تقتضي حرمة التصرف فيما كان للامام عليه السلام ضرورة كونه من العدوان وأكل مال بالباطل، ولكن (يجوز) لخصوص الشيعة تملكه في حال الغيبة) رخصة منهم عليهم السلام في ذلك إجماعا بقسميه والنصوص (1) نعم الاحوط إن لم يكن الاقوى اعتبار قصد التملك أو عقده بل في شرح الاستاد اعتبار ذلك، وأنه بدونه يبقى أمانة له عليه السلام ويجرى عليه حكم التحجير، ولا استبعاد في خصوص الملك للتملك بعد إذنه عليه السلام في ماله، أو فيما له الولاية عليه، بل لا استبعاد في دعوى الملك لخصوص الشيعة بمجرد الاستيلاء، وأنهم أباحوا لهم أموالهم إباحة صيرتها لهم كالمباحات الاصلية، ضرورة رجوع ذلك كله إلى الشرع الذى لا ينبغى الاستبعاد معه كما هو واضح. وعلى كل حال متى ملكه الشيعي جاز تملكه لغيره منه ولو كان الغانم غير شيعي جاز الشراء منه والاتهاب ونحوهما من العقود المملكة، استنقاذا لا شراء حقيقيا ومن هنا ينقدح جواز الاخذ منهم قهرا مع عدم منافاة التقية، وفي شرح الاستاد أن جواز ذلك وجه وجيه. (و) على كل حال فله أي الشيعي (وطئ الامة) المغتنمة إذا تملكها باغتنام أو شراء من المغتنم إذا لم يكن استنقاذا والا فبالاستيلاء أو قصد التملك بعده، أو أحلها له المغتنم أو أنكحها إياه إذا كان ممن له ذلك، والا فبالاستيلاء المزبور، ومن هنا يظهر لك وجه خبث ولادة غير الشيعة الذين لم يرخص لهم، فان وطأهم للاماء المملوكة لغيرهم زنا، نعم يمكن اجراء حكم الشبهة على أولادهم على اشكال في بعض الافراد. (و) كيف كان ف‍ (يستوى في ذلك) الحكم الذى ذكرناه (ما يسبيه المسلم وغيره) الا أن الرخصة المزبورة خاصة للشيعة (وان كان فيها حق للامام) مثل


1 - الرسائل الباب 4 من ابواب الانفال

[ 232 ]

القسم الاول (أو كانت) كلها (للامام عليه السلام) مثل القسم الثاني إلا أن الظاهر قصر الرخصة في الاول على خصوص المناكح والمساكن والمتاجر، ويحتمل أن يكون الترديد إشارة لما سمعته من القولين في الغنيمة بجيش وأمير من دون إذن الامام، من أنها أجمع للامام، أو الخمس كما عرفت الكلام فيه، وقد تقدم في باب الخمس تمام الكلام في ذلك فلاحظ وتأمل، ومنه تعرف نوع إجمال في عبارة المتن وغيره، و - الله أعلم. المسألة (الثامنة: إذا دفع إلى مأذون مالا ليشتري به نسمة ويعتقها، ويحج عنه بالباقي فاشترى أباه ودفع إليه بقية المال فحج به، ثم اختلف مولاه، وورثة الامر ومولى الاب، وكل يقول اشترى) بعين (مالي فقيل) والقائل الشيخ في النهاية والقاضى على ما حكي عنه (يرد إلى مولاه رقا، ثم يحكم به لمن أقام البينة على رواية أبن أشيم) عن أبى جعفر عليه السلام (1) المشهورة كما في الدروس، ولعله يريد رواية لا فتوى، قال: له عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم فقال: إشتر بها نسمة واعتقها عني وحج عني بالباقي ثم مات صاحب الالف فانطلق العبد فاشترى أباه وأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي ليحج عن الميت فحج عنه، وبلغ ذلك موالى أبيه، ومواليه وورثة الميت جميعا فاختصموا جميعا في الالف فقال موالى العبد المعتق إنما اشتريت أباك بما لنا، وقال الورثة: إنما اشتريت أباك بما لنا، وقال: موالي العبد إنما اشتريت اباك بما لنا ؟ فقال: أبو جعفر عليه السلام أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالى أبيه، وأي الفريقين بعد أقاموا البينة، على أنه اشترى أباه من أموالهم كان له رقا. (وهو) أي القول (ضعيف) كضعف الخبر لجهالة الراوى أو غلوه وسبق بعض أصحاب الاجماع عليه غير مجد على الاصح، ولمخالفته أصول المذهب وقواعده باعتبار اشتماله على الامر برد العبد إلى مولاه مع اعترافه ببيعه ودعواه الفساد التى يقدم


1 - الوسائل الباب 25 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 233 ]

مدعى الصحة عليها، وعلى مضي الحجة، مع أن ظاهر الامر حجة بنفسه، وعلى مضي الحج مع العود إلى الرق المقتضى لوقوع حجه بغير إذن سيده. بل في شرح الاستاد أن ظاهر الخبر الاذن في التجارة للمولى، فكيف تصح المعاملة حتى يترتب عليها صحة الحج، كما أن ظاهره أيضا الوكالة عن الدافع فتنفسخ بموت الموكل فيبطل البيع والعتق والحج، وبعد تسليم انها وصاية فليست هي من التجارة فلا تصح، ولا يصح ما تفرع عليها من الثلاثة بل الاحجاج لا يدخل في التجارة لسيده ولا لغيره، فكيف يمكن شراء مال شخص بمال منه. وإن كان قد يناقش بمنع ظهور الخبر في الاول ولو بقرينة عدم دعوى مولى - المأذون بذلك بل والثانى، ضرورة ظهور عبارة الدافع في فعل ذلك بعد موته، الظاهر في كونه وصاية، وعدم انكار مولى المأذون ذلك على العبد قرينة على إرادة الاعم من الاذن في التجارة، فالاحجاج بعد تسليم أنه ليس من التجارة لغير سيده من المأذون فيه حينئذ كالعتق والغقلة ونحوها عن شراء مال شخص بمال منه غير مستنكرة، فانحصرت المخالفة حينئذ فيما ذكرناه أولا، ولها وللضعف مع عدم الجابر طرح الخبر المزبور. وقيل أنه يرد العبد (إلى مولى المأذون ما لم يكن هناك بينة، وهو أشبه) عند المصنف والعجلي وتبعهما الفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم، بل نسب إلى الاكثر، لان يد السيد على العبد وما في يده، ولا يقبل إقراره عليه وإن كان وكيلا، بخلاف الحر، كما لا يقبل بعد حدوث يد المأذون دعوى الملكية من - مولى الاب بلا بينة، فضلا عن دعوى الفساد، وكذا دعوى ورثة الدافع، بل قد لا يتصور دعواهم بعد اعترافهم بأمر مورثهم بذلك كله. نعم إن أنكروه كلا أو بعضا اتجه لهم الدعوى، بل من الواضح أنه على هذا

[ 234 ]

القول لا فرق بين كون العبد الذي اعتقه المأذون أباله، أو لا، وإن كانت الرواية تضمنت الاول، لاشتراكهما في المعنى المقتضي لترجيح قول ذى اليد، ولا بين دعوى مولى الاب شراؤه من ماله، بأن يكون قد دفع للمأذون مالا ليتجربه، فاشترى أباه من سيده بماله وعدمه، لانه على التقدير الاول يدعى فساد البيع، ومدعي صحته مقدم، وعلى الثاني إما أن يدعيه أيضا بان يدعى سرقة عين الثمن منه مثلا، أو ينكره فيكون خارجا لمعارضة يده القديمة يد المأذون الحادثة فتقدم، والرواية تضمنت الاول، كذا في الرياض وفيه نظر، ولا بين استيجارة على حج وعدمه، لعدم مدخلية ذلك في الترجيح، وإن كانت الرواية تضمنت الاول كما هو واضح. وفيه عدم قبول الاقرار من العبد على السيد بعد فرض كونه مأذونا في - التجارة وغيرها وللسيد وغيره، ضرورة كونه حينئذ كالحر في الامانة فتشمله الادلة كما أنه ليس لورثة الدافع الدعوى بعد تسليم الوصاية من مورثهم بذلك، وعدم ما يمنع من انفاذها فتنحصر الدعوى حينئذ في مولى الاب الذى هو مدعى الفساد فلا يسمع قوله بلا بينة. ومن هنا قال المصنف في النافع إن الذى يناسب الاصل في المسألة الحكم بامضاء ما فعله المأذون ما لم تقم بينة تنافيه، وقواه في الدروس مع الاقرار بذلك، والذى يقوى في النظر بعد طرح الخبر المزبور ملاحظة موضوع المسألة، إذ المأذون إن قصرت إذنه على التجارة لمولاه فهو عاد في فعله، باطل عمله، ولا يدله حتى يصدق في قوله، إنما اليد لمولاه، وهو مصدق فيما ادعاه فيبطل العقد ويرجع المال إلى المولى وإن عمت إذنه في التجارة له ولغيره وكان الشراء بالوكالة مع حياة الدافع صح الشراء، وكان القول قول المأذون في أنه للدافع وورثته مع اليمين، وتسقط دعوى مولاه ودعوى مولى الاب بعد الاقرار ببيعه ويحكم بفساد العتق والحج، وإن كانت عامة للتجارة وغيرها له ولغيره كان القول قول - المأذون كما عرفت، ولو سلم ورثة الدافع الاذن في الشراء فقط، كان الملك ولا عتق،

[ 235 ]

ولا حج، فيرجع الباقي إليهم، وإن اعترفوا بالعتق دون الحج، صح العتق وطولب بما بقى للحج وإن أنكروا الجميع كانت الالف لهم، إلى غير ذلك مما لا يخفى انطباقه على الضوابط لو فرض. هذا كله بعد طرح الخبر المزبور، وقد يحتمل العمل وتدفع المخالفة الثانية بأن المراد حصول الحج ولو بغيره، خصوصا والخطاب مع المأذون فيتبع فهمه من خطابه والفرض أنه فهم منه ذلك، والثالثة بأن صحة الحج أمر اخروي لا يجرى على الحكم الظاهرى فقد يحكم بصحة الحج لعلم الوصي مثلا، وإن لم يثبت ظاهرا بل يمكن ابتناء صحته على الاذن لاب المأذون في الحج تبرعا عن الميت أو مطلقا - وليس في الرواية ما يفيد استحقاق العبد شيئا من المال. أو على أنه قد استعمل في ذلك مع عدم العلم بالفساد فحجه حينئذ صحيح، وإن استحق أجرة المثل، وليس في الرواية ما ينفيها أو على غير ذلك. وأما المخالفة الاولى ففي القواعد دفعها بأن المراد إنكار مولى الاب البيع من أصله، وفيه أنه مخالف لصريح الرواية أللهم إلا أن يكون ما أقر به ليس بيعا لغة لعدم المبادلة فيه، أو يكون المراد إنكار البيع للاخرين، ولا ينافيه دعوى البيع بماله. إذ هي أمر زائد على الانكار، وبذلك يخرج عن قاعدة تقديم مدعي الصحة على مدعى الفساد، إذ هي في الدعوى المتحدة، لا في مثل الفرض الذي ضم إلى الانكار دعوى الفساد بشراء عين لا يصح شراؤها كما لو قال: بعتك الدار فأنكر المدعى عليه ثم قال: بعتني خنزيرا، وتقديم الاصحاب مدعى الصحة في مسألة الخل والخمر. والشاة والخنزير، إنما هو فيها إذا اتفقا على تعين المبيع، واختلفا في كونه خلا أو خمرا أو شاة أو خنزيرا لا في نحو الفرض الذى لا دليل على تشخيص أصل الصحة فيه موضوع البيع الذي هو لاثبات الوصف بها دون غيره، ولعل هذا أولى مما تسمعه من الشهيد، لما تسمعه من المناقشة، ولانه لا يتم مع

[ 236 ]

مع فرض الدعوى من الورثة أو المولى خاصة، ضرورة عدم التصادم، وظاهر النص تقديم دعوى مولى الاب، وإن لم يكن المدعي الا أحدهما للحكم فيه باحتياج كل منهما إلى البينة، ثم لا يخفى عليك الداخل والخارج على هذا التقدير، كما لا يخفى عليك ترجيح أي البينتين بعد الاحاطة بما ذكرناه في كتاب القضاء فلاحظ وتأمل جيدا، وفي الدروس بأنه قد يقال أن المأذون بيده مال لمولى الاب وغيره، وبتصادم الدعاوى المتكافئة يرجع إلى أصالة بقاء الملك على يد مالكه، ولا يعارض فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد، لان دعوى الصحة هنا مشتركة بين متقابلين متكافئين فيتساقطان وهذا واضح لا غبار عليه، وقد يناقش بمنع تكافؤ الدعاوى بعد تسليم أن بيده مالا للجميع لان من عدا مولاه خارج والداخل مقدم فسقط مولى الاب وورثة الامر فلم يتم الرجوع إلى أصل بقاء الملك على مالكه، وبذلك يظهر فساد دعوى اشتراط الصحة بين متكافئين فان الخارجة لا تكافي الداخلة، فإذا قدمت لم يبق لرد الدعوى المشتملة على فساد البيع مانع إذا لم ينقدح توجهها إلا بسبب تساقط تلك الدعويين ولم يتم، وقد تدفع بمنع كون المولى داخلا بعد فرض استناده إلى السبب الخاص وبعد فرض كون العبد مأذونا مطلقا وبيده مال للجميع، نعم المتجه بناء على ما ذكرنا نفوذ اقراره على السيد وغيره ممن وكله فلم تتصادم الدعاوى المتكافئة كما أنه قد يمنع اعتبار عدم تصادم دعوى الصحة في التقديم على دعوى الفساد، بل يقدمان عليها ثم ينظر في الترجيح بينهما، فان لم يكن فالقسمة أو القرعة أو نحوهما فتأمل جيدا. هذا كله مع عدم البينة ومعها تقدم إن كانت لواحد، وإن كانت لاثنين أو للجميع وقلنا بأن مولى المأذون منهم داخل وما عداه خارج، وان بينة الداخل مقدمة على الخارج عند التعارض، كان الترجيح لبينة مولى المأذون حينئذ بلا يمين حينئذ وإن لم يكن له بينة أو كانت وقلنا بترجيح بينة غيره عليه، لانه خارج تعارض الخارجان حينئذ، ولعل الاقوى وفاقا لجماعة تقديم بينة الدافع عملا بمقتضى الصحة، مع احتمال تقديم بينة

[ 237 ]

مولى الاب لادعائه ما ينافي الاصل، وهو الفساد فمولى لاب بالنسبة إلى ورثة الدافع مدع خارج، فتقدم بينته لانه مدع بأحد تفاسير المدعي لانه يدعي ما ينافي الاصل ويضعف بأنه مدع وخارج بالاضافة إلى المولى المأذون كما ان الاخر ايضا مدع وخارج بالاضافة إليه، ولا يلزم من كون دعوى أحدهما توافق الاصل ودعوى الاخر تخالفه أن يكون أحدهما بالاضافة إلى الاخر مدعيا، وخارجا فترجح بينته، وتقديم بينة مدعى القساد انما يكون حيث لا يقطع بكون الاخر مدعيا: فأما إذا قطع به وأقاما بينتين، فلابد من الترجيح وهو ثابت في جانب مدعي الصحة، ومن ذلك يعلم الحال بناء على خروج مولى المأذون أيضا واقام بينة فترجح حينئذ على بينة ذي الفساد بأصالة الصحة مع احتمال تقديم مدعى الفساد هنا لكونه مدعيا حينئذ بالنسبة إليهما، وعلى الاول يبقى الترجيح بين دعوى مولى المأذون وورثة الدافع. والله اعلم. المسألة (التاسعة) روى ابن مسلم (1) عن الباقر عليه السلام في الضعيف أنه (إذا اشترى) رجل من رجل (عبدا) أي موصوفا (في الذمة) وكان عنده عبدان ف‍ (دفع البايع إليه عبدين وقال:) للمشتري اذهب بهما ف‍ (اختر أحدهما) ورد - الاخر، وقد قبض المال فذهب بهما المشترى (فأبق أحدهما) من عنده، فقال عليه السلام ليرد الذى عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى من المبيع، ويذهب في طلب الغلام، فان وجده اختار أيهما شاء، ورد النصف الذى أخذ وإن لم يجده كان العبد بينهما، نصف للبايع، ونصف للمبتاع) وقد عمل بها الشيخ في نهايته وابن البراج بل في الروضة نسبة العمل إلى أتباعه، بل في الدروس نسبة إلى الاكثر وإليه أشار المصنف بقوله: (قيل يكون التالف بينهما ويرتجع نصف الثمن فان وجده اختار وإلا كان الموجود لهما وهو بناء على انحصار حقه فيهما) وزاد في الدروس وعلى تساويهما في القيمة ومطابقتهما للوصف، وعدم ضمان المشترى هنا، لانه لا يزيد على


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 238 ]

المبيع المعين الهالك في مدة الخيار فانه من ضمان البايع، وقد يشكل الاول بأن المبيع أمر كلي لا يتشخص بتشخيص البايع، ودفعه الاثنين ليتخير أحدهما ليس تشخيصا وإن حصر الامر فيهما، لاصالة بقاء الحق في الذمة، إلا أن يثبت شرعا كون ذلك كافيا كما لو حصره في عشرة فصاعدا، وقد يدفع بأنه يكفى فيه دفع البايع ذلك بعنوان كون الحق فيه ورضا المشترى بذلك، فقبضه على هذا، فهو في الحقيقة كدفع المتحد و قبضه، إلا أنه لما كان التحقيق الذي قد مر في مسألة الصاع من الصبرة، أن الاصل عدم ملك الكلي المعين في غير الذمة، وجب حينئذ تنزيل الكلي فيهما حينئذ على الاشاعة تخلصا من ذلك، فملك المشترى حينئذ نصفا من كل منهما، إلا أن له الخيرة في تعيين النصفين بواحد، بل للبايع الزامه بذلك، باعتبار أنه هو الذى وقع عليه العقد، فإذا تلف أحدهما قبل التعيين كان مقتضى قاعدة الشركة كونهما منهما، إلا أنهم حكموا بارتجاع النصف، لعدم ضمان المشترى هنا، لانه لا يزيد على المبيع المعين الهالك في مدة الخيار، فلا أقل من أن يكون هذا الخيار كذلك، أو ينزل على كون الاباق في الثلاثة، بناء على الحاق المدفوع مصداقا بما وقع عليه البيع من الحيوان، أو لانه باعتبار بقاء الخيار فيه كان كالمقبوض بالسوم، بناء على أنه غير مضمون، أو أنه وإن قلنا بضمانه الا انه فرق بينه وبين المقام كما ستعرف. نعم قد يقال المتجه بناء على ذلك عدم الفرق بين التساوي في القيمة وعدمه، وبين التطابق وعدمه، بعد فرض الرضا منهما جميعا بانحصار الحق في المدفوع، وإن كان ظاهر موضوع الخبر ذلك، لكن الانصاف أن جميع ذلك دعوى مخالفة لاصول المذهب وقواعده بلا شاهد معتبر حتى الخبر المزبور، لعدم الجابر له، إذ الاكثرية لم نتحققها، بل المتحقق خلافها فطرحه خير من تنزيله على ذلك، أو على تساوى العبدين من كل وجه ليلحق بمتساوي الاجزاء، كما عن المختلف فجوز بيع عبد منهما كما يجوز بيع قفيز من الصبرة، وينزل على الاشاعة إذ فيه أولا وضوح الفرق بين العبد والصاع

[ 239 ]

لعدم إمكان تساويهما من كل وجه، ولذا كان ضمانه لو تلف بقيمته لامثله، وثانيا منع التنزيل على الاشاعة في الصاع من الصبرة كما عرفت البحث في محله، وثالثا أنه يحتاج أيضا في عدم ضمان المشترى فيه على هذا التقدير إلى ما عرفت مما هو محل للنظر بل المنع. مضافا إلى إمكان دعوى صراحة الخبر المزبور في عدمه خصوصا ما في ذيله، ومن هنا طرح الخبر غير واحد، بل هو الذي استقر عليه رأى المتأخرين عدا النادر، لعدم انطباقه على القواعد، إذ المبيع إن فرض كليا موصوفا بوصف يرفع الجهالة منطبقا على كل من العبدين كما هو الظاهر، ففى شرح الاستاد أن الحكم فيه بقاء التخيير بين قبول التالف ورد الباقي، وبين قبول الباقي وغرامة قيمة التالف، ثم احتمل قويا تارة ولم يستبعده أخرى إلزامه بالتالف، لحصول التقاص قهرا وقد يناقش بأن الحق فيه مختلف، لان البايع مستحق عليه المشترى نفس العبد الموصوف، وهو يستحق عليه قيمة العبد التالف، فلم يحصل شرط التقاص القهري، ومنه ينقدح حينئذ أن خياره بين قبول التالف بمعنى رضاه بما للبايع عليه من القيمة عوض ما يستحقه عليه من العبد، إلا أن المتجه اعتبار رضاهما معا بذلك، ضرورة كونها معاملة جديدة فليس للبايع الاستقلال بذلك ولا على المشترى إجابته إليه وبالعكس كما هو واضح، فالموافق للضوابط الذى صرح به غير واحد من الاصحاب ضمان المشترى التالف واستحقاقه المبيع واليه اشار المصنف بقوله. (ولو قيل التالف مضمون بقيمته وله المطالبة بالعبد والثابت في الذمة كان حسنا) نعم قد يناقش في الضمان بأن الاصل البراءة، إذ الظاهر كونه في يده أمانة، فلا يستعقب ضمان، والقياس على المقبوض بالسوم بعد تسليم الحكم في المقيس عليه غير جايز في مذهبنا، بل قد يفرق بينهما، بأن المقبوض بالسوم مبيع بالقوة أو مجازا بما يؤل إليه وصحيح البيع وفاسده مضمون، بخلاف صورة الفرض، لان المقبوض ليس كذلك

[ 240 ]

لوقوع البيع سابقا، وإنما هو محض إستيفاء حق. وتدفع بمنع كون ذلك قياسا بل اتحاد طريق المسألتين وهو اطلاق قوله عليه السلام (1) (على اليد) المشترك بينهما، ولا خصوصية له، على أن المبيع لما كان أمرا كليا و كان كل من المدفوع صالحا لكونه فردا له كان في قوة المبيع، بل دفعهما للتخيير حصر له فيهما، فيكون بمنزلة المبيع، حيث أنه منحصر فيهما، فالحكم بالضمان هنا أولى كما هو واضح، وإن فرض انطباقه على أحدهما فقط، فان كان الموجود صح له أخذه وغرم قيمة التالف، إلا مع التراضي مع الدافع بالمعاوضة ودفع الباقي إليه، وإن كان التالف ضمنه وطالب الدافع بالكلي، بل قد يقال بتعينه حقا له، لانه قد قبضه بعنوان الاستيفاء، إلا أنه لم يكن متعينا باعتبار وجود الفرد الاخر، فمع فرض انتفائه تعين هو للحق، فتأمل جيدا. وفي شرح الاستاذ جاز للدافع احتسابه عليه وأخذ الباقي، بل لا يبعد لزوم ذلك بالتقاص القهري، وللمدفوع إليه احتسابه على نفسه لجعل الاختيار إليه، وفيه ما عرفت، وإن فرض عدم انطباقهما معا ضمن قيمة التالف ودفع الباقي، وطالب بماله الا مع التراضي المزبور، وإن كان المبيع نصفا من العبدين مشاعا فيهما فالتالف مضمون نصفه عليه، وعليه رد نصف الباقي، فلا ينطبق الخبر حينئذ على شئ من ذلك إلا على ما سمعته من التكلفات السابقة، التي يرجح الطرح عليها، وتنزيل الخبر على كون المبيع مجهولا لتردده بين العبدين المدفوعين يقضي بضمان التالف بالقيمة، أو المسمى ورد الباقي، لبطلان العقد حينئذ كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك، وإليه أشار المصنف بقوله. (وأما لو اشترى عبدا من عبدين لم يصح العقد وفيه قول موهوم) وفي السرائر بعد أن حكى ما في النهاية الذى هو مضمون الخبر السابق، قال: ما ذكره شيخنا في


1 - سنن البيهقى ج 6 ص 90 العمال ج 5 ص 527

[ 241 ]

نهايته خبر واحد لا يصلح ولا يجوز العمل به، لانه مخالف لما عليه الامة بأسرها، مناف لاصول مذهب أصحابنا وفتاواهم وتصانيفهم وإجماعهم لان المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا بغير خلاف، وقوله يقبض نصف الثمن، ويكون العبد الابق بينهما، ويرد الباقي من العبدين، فيه اضطراب كثير وخلل كبير، لانه إن كان الابق الذى وقع عليه البيع فهو من مال مشتريه، والثمن بكماله لبايعه، وان كان الابق غير من وقع عليه البيع فالباقي الذى وقع عليه البيع، فلاى شى يرده، وإنما أورد شيخنا هذا الخبر على ما جاء إيرادا لا إعتقادا، لانه رجع عنه في مسائل خلافه، في كتاب السلم وهو جيد وإن كان قد يوهم ظاهره عدم جواز بيعه كليا موصوفا بصفات ترفع الجهالة، وهو واضح المنع. ولعله إليه أو غيره أشار في اللمعة بقوله (ويجوز شراء العبد موصوفا سلما، و الاقرب جوازه حالا، إلا ان ظاهره كون غير الاقرب التفصيل بين السلم وغيره، وهو أوضح من الاول فسادا لتساويهما في المعنى المصحح للبيع، وعلى كل حال فما أبعد هذا القول من القول بجواز بيع أحد العبدين مطلقا، كما عساه يظهر في باب البيع من الخلاف ناسبا له إلى رواية الاصحاب وإجماعهم، أو بشرط تساويهما من كل وجه حتى يكون كالصاع من الصبرة، كما سمعته من الفاضل في المختلف، وإن كان هو في غاية الضعف، بل الشيخ كما قيل قد رجع عنه في باب السلم فقال (إذا قال اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا، أو أحد هذه العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز لان هذا غرر يسير، وأما في الاربعة فما زاد عليها فلا يجوز، دليلنا أن هذا بيع مجهول فلا يجب أن يصح بيعه

[ 242 ]

ولانه بيع غرر لاختلاف قيمتي العبدين، فان قلنا به تبعنا فيه الرواية، ولم نقس عليها غيرها والاجماع الذي ادعاه مظنة العكس، كما سمعته من الحلي) والرواية التي أشار إليها هي الخبر المزبور على الظاهر، وهو مع عدم تعين تنزيله على ذلك، قد عرفت مخالفته للاصول والقواعد، والاستدلال بالاطلاقات والعمومات يدفعه ما دل على المنع من بيع الغرر الذى هذا منعه قطعا، كما أنه يدفع الثاني منع التساوى على وجه يلحق بالمثلى على أنك قد عرفت ما في تنزيل الخبر عليه. وكيف كان فلا ريب في ضعف ذلك كله فالاولى الرجوع إلى ما تقتضيه الضوابط وهو ما عرفت وعليه لا فرق بين العبدين والاكثر، ولا بين العبيد والاماء، بل ولا بين الثياب ونحوها ولا بين اباق العبد وموته، أما بناء على العمل بالخبر ففى انسحابه في الزيادة على اثنين تردد، من صدق العبدين في الجملة وعدم ظهور تأثير الزيادة مع كون محل التخيير زائد على الحق، ومن الخروج عن المنصوص المخالف للاصل، فان سحبنا الحكم وكانوا ثلاثة فأبق واحد فات ثلث المبيع وارتجع ثلث الثمن إلى آخر ما سمعت، وقد يحتمل بقاء التخيير وعدم فوات شئ، سواء حكمنا بضمان الابق ام لا، لبقاء محل التخيير الزائد عن الحق، وكذا التردد لو كان المبيع غير عبد، كأمة فدفع إليه أمتين أو اماء وان قطع في الدروس بثبوت الحكم هنا، بل في أية عين كانت، كثوب وكتاب من المشاركة في العلة للحكم، وبطلان القياس، ولعله أقوى كما أن الاقوى عدم الحاق الهلاك بالاباق، وإن جعله بعضهم أحد الوجهين لاولويته منه، لكن قد يفرق بينهما بتنجيز التنصيف معه من غير رجاء لعود التخيير بخلاف الاباق، والله أعلم. المسألة (العاشرة إذا وطئ أحد الشريكين) أو الشركاء الوطئ الذي تدور عليه الاحكام (مملوكة بينهما) أو بينهم (يسقط الحد مع الشبهة) بلا خلاف بل الاجماع

[ 243 ]

بقسميه عليه لدرء الحدود بها، وإن استحق التعزير بالعصيان بترك السؤال (ويثبت مع مع انتفائها) إذا لم يكن الشريك ولداله إجماعا أيضا بقسميه، ونصوصا مستفيضة جدا، مضافا إلى ما قيل من تناول ما دل في الزنا له الشامل للمقام بالصدق من جهة الشريك أو مطلقا فيلزم تمام الحد، لولا قيام الدليل على خلافه، وبعد خروج الخارج يبقى الباقي على حاله، وإن كان لا يخلو من نظر، (لكن يسقط منه) أي الحد (بقدر نصيب الواطئ) للنص والاجماع المحكي، إن لم يكن المحصل، وما قيل من عدم كونه زانيا من جهته، ولا هاتكا للحرمة كذلك، ولحصول معنى الشبهة باستحقاقه ولقاعدة تبعض الاحكام بتبعض الاسباب كما يظهر بعد التتبع التام، ولا سيما في تبعيض المماليك وإن كان فيه ما فيه، وأولى منه تعليله بعد النص عليه أن أمر الحدود مبنى على التخفيف، ولذا سقطت بالشبهة ونحوها، وإلا فالعمدة النص. قال عبد الله بن سنان: (1) (سألت الصادق عليه السلام عن رجال اشتركوا في أمة، فائتمنوا بعضهم على أن تكون الامة عنده، فوطأها ؟ فقال: يدرء عنه من الحد بقدر ماله من النقد، ويضرب بقدر ما ليس له فيها، وتقوم الامة عليه بقيمة يلتزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذى اشتريت به الجارية، ألزم ثمنها الاول، وإن كان قيمتها في ذلك اليوم الذى قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر، لانه استفرشها، قلت: فإن أراد بعض الشركاء شراؤها دون الرجل قال: ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى تستبرأ، وليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة). ونحوه آخر (2) بتفاوت يسير، قال فيه: (قوم اشتركوا في شراء جارية فائتمنوا


1 - الوسائل الباب 17 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 2 - الوسائل الباب 22 من ابواب حد الزنا الحديث 4

[ 244 ]

بعضهم وجعلوا الجارية عنده فوطئها قال عليه الحد، ويدرء عنه من الحد بقدر ماله فيها، وتقوم الجارية ويغرم ثمنها للشركاء، فان كانت القيمة في اليوم الذى وطئ أقل مما اشتريت به، فانه يلزم أكثر الثمن، لانه قد أفسد على شركائه، وإن كان القيمة في اليوم الذى وطئ أكثر مما اشتريت به يلزم الأكثر) وفي خبر اسماعيل الجعفي (1) عن أبى جعفر عليه السلام (في رجلين اشتركا في جارية فنكحها أحدهما دون صاحبه، فقال: يضرب نصف الحد، ويغرم نصف القيمة إذا حبلت، وفي المرسل (2) في الفقيه المسند عن عدة أصحابنا في الكافي عن الصادق عليه السلام (سئل عن رجل أصاب جارية من الفئ فوطئها قبل أن تقسم ؟ فقال: تقوم الجارية، وتدفع إليه بالقيمة، ويحط له منها ما يصيبه من الفيئ، ويجلد الحد، ويدرء عنه من الحد بمقدار ما كان له فيها، فقلت: فكيف صارت الجارية تدفع إليه بالقيمة دون غيره، فقال: لانه وطأها ولا يؤمن إن يكون ثمة حبل). وفي الصحيح (3) (سمعت عباد البصري يقول كان جعفر عليه السلام يقول: يدرء عنه من الحد بقدر حصته منها ويضرب ما سوى ذلك، يعنى في الرجل إذا وقع على جارية له فيها حصة) وفي الخبر (4) (في جارية بين رجلين وطأها أحدهما دون الاخر فأحبلها فقال: يضرب نصف الحد ويغرم نصف القيمة) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب، حتى الصحيح (5) (في رجلين أعتق أحدهما نصيبه منها، فلما راى ذلك شريكه وثب على الجارية فوقع عليها ؟ قال: فقال: يجلد الذي وقع عليها خمسين جلدة


1 - الوسائل الباب 3 من ابواب احكام الشركة الحديث 1 2 - الوسائل الباب 22 من ابواب حد الزنا الحديث 6. 3 - 4 - 5 الوسائل الباب 22 من ابواب حد الزنا الحديث 3 - 7 - 1

[ 245 ]

ويطرح عنه خمسون جلدة، ويكون نصفها حرا، ويطرح عنها من النصف الباقي الذى لم يعتق إن كانت بكرا عشر قيمتها، وإن كانت غير بكر نصف عشر قيمتها وتستسعى هي في الباقي ونحوه خبر آخر (1) وكان بعض مشايخنا لم يقف إلا على خبر واحد، فاستدل به جابر اله بالشهرة بل الاجماع. واغرب منه ما في نكاح المسالك من نفى الحد على الواطئ، لانه ليس زانيا وإن كان عاصيا يستحق التعزير، ويمكن أن يكون مراده نفى حد الزنا، لان الظاهر ترتبه على غير محل الفرض لا أقل من الشك. والاصل البراءة، وحينئذ فما في النصوص من جلد المقدار المخصوص أمر آخر ليس حدا من حيث الزنا، وربما يؤيد ذلك إطلاق النصوص في المقام عدا النادر الحكم المزبور من غير فرق بين المحصن وغيره، وإلحاق الولد به أيضا فتأمل. ثم إن الظاهر جريان الحكم المزبور على الامة أيضا فيدرء عنها ما درء عن الواطئ وتضرب قدر ما ضرب وكيف كان فالحكم مما لا إشكال فيه، نعم قد يستشكل فيما إذا كان في استحقاقه كسر بالنسبة إلى كيفية ما يسقط في مقابلته من الحد، فقيل إنه يعتبر بالسوط فيأخذ بنصفه، إن كان نصفا، وبثلثه إن كان ثلثا، كما تضمنه (2) صحيح هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام (قال: في نصف الجلدة وثلثها يؤخذ بنصف السوط وثلثه) وعن بعض المحققين أنه يحصل باعتبار مقدار السوط، وكيفية الضرب، وفي الحدائق احتمال رجوعه إلى الاول وفي شرح الاستاد (أنه لو اعتبر التوزيع بالنسبة إلى قوة الضرب وضعفه مع قبض السوط على المعتاد أو دقة السوط وغلظه لم


1 - الوسائل الباب 22 من ابواب حد الزنا الحديث 2 2 - الوسائل الباب 3 من ابواب مقدمات الحدود وأحكامها الحديث 1

[ 246 ]

يكن بعيدا. قلت: هو كذلك لو لا مخالفته لظاهر النص، أللهم إلا أن يحمل عليه لكنه كما ترى، بالنسبة إلى الدقة والغلظ. نعم هو لا يخلو من قوة بالنسبة إلى الاول ضرورة أنه يمكن أن يكون الكسر بحيث لا يمكن تحقق مسمى الجلد به لو قبض على مقداره من السوط المعتاد، بل يمكن دعوى ان الاقرب إلى الحقيقة ذلك بعد انتفائها فتأمل جيدا. ثم إن ظاهر النصوص والفتاوى تعين كون الحد هنا الجلد، وإن كان الواطئ هنا محصنا لعدم تصور السقوط في القتل والرجم، وما في بعض المعتبرة (1) (عن رجل وقع على مكاتبته فقال: إن كان أدت الربع جلد، وإن كان محصنا رجم، وإن لم تكن أدت شيئا فليس عليه شئ) بعد الاغضاء عما فيه من التقييد بالربع، معارض بما سمعت خصوصا ما ورد في المبعضة، وحمل نصوص التبعيض جميعها على ما إذا كان الحد قابلا له، كما إذا كان الواطئ غير محصن مع عدم مقاومة المعارض، مخالف لاصول المذهب وقواعده، كما هو واضح، بل على ما ذكرنا سابقا لا يحتاج إلى دليل في عدم ثبوت حد المحصن عليه، لان التحقيق عدم اندراجه فيما دل عليه في الزاني فيبقى الاصل حينئذ سالما عن المعارض، ولو وطئ الشريك قبل تمام ملكه، كما لو كان موهوبا ولم يقبض حد تمام الحد مع عدم الشبهة، وكذا الفضولي على القول بالنقل، وعلى الكشف ففي البدار أو الانتظار أو العدم مطلقا وجوه، أقواها عند الاستاد الاخير، لكنه يعزر لعصيانه، وهو جيد مع حصول الاجازة، ولو ادعى في حصته الزيادة على شريكه ولم يعلم بكذبه.


1 - الوسائل الباب 24 من ابواب حد الزنا الحديث 2

[ 247 ]

يكذبه ولا قامت بينة بصدقه درأ عنه بنسبتها من الحد على الاقوى، لاندراج مثله في الشبهة المسقطة للحد. وكيف كان فلا ريب نصا وفتوى في لحوق أحكام الولد في الجملة لهذه الجارية لو حملت من الواطئ وإن كان عاصيا بالنسبة إليه بل وإلى شركائه بالنسبة إلى غير الواطئ، فليس لهم بيعها بل ولا نقلها بأحد النواقل إلى غيره، ولكن تقوم عليه إنما - البحث في أنها تقوم عليه بنفس الوطئ وإن لم يظهر حملها أو ينتظر الحمل، فعند المصنف تبعا للحلي (و) عليه إستقر رأى المتأخرين أنها (لا تقوم عليه نفس الوطئ) لكن قال هنا (على الاصح) مشيرا به إلى ما في النهاية من التقويم بنفس الوطئ قال: (إذا كانت الجارية بين شركاء، فتركوها عند واحد منهم فوطأها فإنه يدرؤ عنه من الحد بقدر ماله من الثمن ويضرب بمقدار ما لغيره، وتقوم الامة قيمة عادلة ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذى اشتريت به ألزم ثمنها، وإن كانت قيمتها في ذلك اليوم الذى قومت فيه إكثر من ثمنها ألزم ذلك الاكثر، وإن أراد واحد من الشركاء الجارية كان له أخذها، ولا يلزمه - إلا ثمنها الذى يسوى في الحال، الذى هو مضمون ما سمعته من خبر عبد الله بن سنان (1) المتقدم لكن قد عرفت أن فيه وليس له أي الشريك أن يشتريها حتى تستبرئ. ومنه ينقدح إشكال في الخبر المزبور، وهو أن الشريك إذ كان ليس له شراؤها إلا بعد الاستبراء فهو والواطئ على حد سواء في عدم الالزام إلا بالثمن إذا ظهر كونها بريئة من الحمل، إذ احتمال التقويم على الواطئ وإن لم يتعقبه حمل في غاية البعد، وإن توهم من إطلاق النهاية والخبر، بل هو الذي فهمه ابن إدريس وغيره، ممن تأخر عنه منه، حتى أنه فرع عليه بعض مشائخنا فقال: هل يفرق بين الفرج والدبر والتقاء الختانين والانزال وخلافهما أولا، وجهان، أقواهما عدم الفرق في الطرفين دون الواسطة إلا أنه


) 1 - الوسائل الباب 17 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 248 ]

في غاية البعد، بل التعليل في خبر العدة الصريح في كون التقويم بالوطئ كالصريح بخلافه، بل التعليل في خبر ابن سنان بنفسه ظاهر في ذلك، ضرورة كون المراد منه أنه صيرها بالوطئ فراشا له بحيث يلحق به الولد، وإلا فلو أريد منه بمجرد الوطئ وإن كانت آيسة مثلا، لم يكن للتعليل به وجه، كالتعليل بالافساد في الخبر الاخر، إذ لا وجه للافساد بمجرد الوطى، خصوصا في الثيب، بل وبالكبر بعد غرامة أرش البكارة، إذ ليس هو حينئذ أسوء حالا من الأجنبي بالنسبة إلى ذلك، فليس المراد من الافساد حينئذ إلا احتمال الحمل الذي يلحق به، ويمتنع على الشركاء بسببه نقلها بساير النواقل، وإن لم تكن أم ولد بالنسبة إليهم، فتتفق حينئذ النصوص الثلاثة على معنى واحد، ويكون المراد حينئذ مما في خبر عبد الله بن - سنان أنه للشريك شراؤها بعد الاستبراء والعلم بخلوها عن الحمل ولا يجب عليه التقوم على الواطئ بمجرد وطئه، وكذا المراد أنه ليس على غير الواطى من الشركاء فضلا عن غيرهم في ساير الاحوال إلا بالقيمة التي تسوى في الحال بخلاف الواطئ فان عليه الالزام بأكثر الامرين لو اراده الشريك قبل الاستبراء أو بعد ظهور الحمل، أو يحمل على ما إذا - نقصت القيمة المساوية للثمن الذي أشتريت به بالوطئ فانه يجب عليه تمام الثمن لحصول النقصان بفعله. وعلى كل حال فبما ذكرنا يندفع ما في التذكرة من أن هذا الخبر غير دال على وجوب التقويم بنفس الوطئ، لانه يسوغ لغيره من الشركاء شراؤها فلو وجب التقويم لم يجز ذلك، ونحوه يرد على عبارة الشيخ لانها كما سمعت مثل الخبر فلابد حينئذ من حملها على ما ذكرناه أو يدعى أن الشيخ، يوجب التقويم بنفس الوطئ ارفاقا للشركاء، فإذا أسقطوا حقهم كان لهم شراؤها منه برضاه، إلا أنك قد عرفت أنه ليس للشركاء الشراء من الواطئ إلا بعد الاستبراء بل لا يبعد القول بأنه ليس للشريك الذى لم يطأ بيع نصيبه إلا بعد الاستبراء، وإن قلنا ان البايع لا يجب عليه الاستبراء من وطئ غيره لكن في المقام قد يقال بوجوبه، باعتبار أن الحمل ولو من -

[ 249 ]

الشريك الواطئ يمنع الاخر من نقلها إلى غيره، فهي حينئذ كام الولد بالنسبة إليه، وكان وطئ الشريك كوطئ نفسه بالنسبة إلى ذلك، فيتجه حينئذ عدم جواز البيع له إلا بعد الاستبراء فتأمل جيدا، فإنه في غاية الجودة، وبه يتم ما قلناه حينئذ من التقويم عليه بنفس الوطئ الذى يخشى منه الحمل، لانه قد عطل مال الشركاء عليهم، فإذا لم يقوموها عليه حتى استبرأت وعلم عدم حملها كان حال الواطئ حينئذ كحالهم لا يستحقون عليه تقويما ولا غيره، إلا العقر يعد إسقاط نصيبه. ومن الغريب ما في مختلف الفاضل من حمل الخبر، وما في النهاية على صورة الحمل مع أنه ليس في شئ منهما ما يؤمي إليه بل ما في الذيل من جواز البيع على الشركاء صريح في خلافه، لعدم جواز بيعها مع الحمل قطعا وإجماعا، بل قوله فيه (لا يجوز أن يشتريها حتى تستبرئ صريح أيضا في عدم كونها حاملا، وتقييد الصدر بالحامل بخلاف الذيل تفكيك في الخبر يقطع بفساده وأوضح منه فسادا المناقشة في خبر العدة بأنه ظاهر في أن سبب التقويم الحمل فلا يتحقق قبل تحققه، إذ هو كما سمعت صريح في أنه علة التقويم الوطئ لانه لا يؤمن معه الحبل كما هو واضح. كل ذلك مع عدم المعارض عدا المفهوم في خبر الجعفي إذ الحبل في غيره في - السؤال دون الجواب، فلا دلالة فيه، وهو مع أنه مفهوم لا يعارض المنطوق، يمكن أن يكون المراد منه نفى الغرم مع عدم الحبل، ونحن لا ننكره، ضرورة أنه إذا تأخر الشريك عن التقويم حال الوطئ فبان عدم حبلها لم يكن على الواطى غرم، كما أنه يغرم قطعا القيمة بالحبل كما هو واضح والحاصل أن القول بأن للشركاء التقويم على الشريك الواطئ الذي يخاف من وطئه الحبل وأنه لا يجوز لهم نقل الجارية إلى غيره قبل الاستبراء إذا لم يريدوا التقويم عليه، لعدم وجوبه عليهم للاصل، ولان مشروعيته للارفاق بهم لا يخلو من قوة، فإذا اشتريت حينئذ كان لهم نقلها من كل أحد، كما أنه بناء على التقويم بالحمل إذا أخروا

[ 250 ]

التقويم فاتفق سقوط الحمل قبله تعود على الحال الاول، ولا يلزم الواطئ بالتقويم، و يمكن حمل كلام الشيخ وغيره ممن قال بالتقويم بالوطئ على ذلك، لا مطلق الوطئ و إن بان عدم تعقبه للحمل. (و) لكن الذى إستقر عليه رأى المتأخرين أنها (لو حملت قومت عليه حصص الشركاء) ولا تقويم عليه قبل الحبل، بل في شرح الاستاد دعوى تحصيل الاجماع عليه، لان المخالف مسبوق ملحوق به، وإن كان فيه ما لا يخفى نعم هو مقتضى الاصل والمفهوم في الخبر السابق المنجبر بالشهرة المتأخرة، بل لعلها إجماع منهم، وأنه به يتحقق الافساد الموجب لعدم إمكان التصرف بالامة، إلا أنه مما ذكرنا تعرف ما في جميع ذلك، ومنه يعلم أن الاحتياط لا ينبغى تركه في المقام. ثم إنه عليه فهل العبرة بالقيمة وقت الاحبال كما اختاره شيخنا في شرحه، أو من يوم الوطئ كما في التحرير، وقواه الشهيد في حواشيه، أو وقت التقويم كما عن بعضهم، أو أكثر الامرين من يوم الوطئ إلى الاحبال كما مال إليه ثاني الشهيدين في المسالك، أو أكثرهما من حين الاحبال إلى وقت التقويم كما في المختلف، أو أكثر الامرين من الثمن والقيمة وقت التقويم، كما سمعته في الخبر، أو أكثرهما من يوم الوطئ كما يقضى به الخبر الاخر، وجوه، بل أقوال، وزاد في شرح الاستاد إحتمال القيمة زمان الانتقال، وأعلى القيم من زمان الحمل إلى زمان الانتقال، ومن زمان التقويم إلى زمان الانتقال، ومن زمان الوطئ إلى زمان الحمل، وإلى زمان التقويم والاعلى من زمان الانعقاد إلى حين الولادة، وما يختاره المظلوم من الشريكين، بل قال: أن لكل وجها، وهو مع أنه مبني على مغايرة زمان التقويم لزمان الانتقال في غاية الضعف بالنسبة إلى البعض، إن لم يكن الجميع، ولعل الاقوى مراعاة حال التقويم الذي

[ 251 ]

هو بمعنى الدفع إليه بالقيمة، لاصالة براءة الذمة من ضمان الزائد، ولانه هو وقت المعاملة، ووقت دفع الجارية إليه بالقيمة، سيما إذا كان النقص الداخل على الشريك بالتأخير في التقويم من قبله، إذ الظاهر أنه لا يجوز للواطئ الامتناع من قبول التقويم عند طلب الشريك له، فإذا امتنع جبره الحاكم بل له القبول عنه، أما إذا طلبه الواطئ فقد يقوى عدم وجوب الاجابة عليه ما لم يستلزم تعطيلا للمال. لكن في شرح الاستاد إن التقويم قهرى بالنسبة إلى الواطئ والشركاء فحالها كحال أمهات الاولاد، وليس فوريا لكن لا يسوغ الاهمال الباعث على التعطيل، و متى طلبه أحدهما أجابه الاخر، ولو امتنع أحد الطرفين عن التقويم جبره الحاكم عليه، فان لم يتمكن منه قام مقامه. وفيه أن الظاهر من النصوص كون التقويم إرفاقا بحال الشريك، فهو حينئذ حق له لا يجبر عليه إلا إذا أدى إلى الاضرار بالاخر فتأمل جيدا فانه يمكن الفرق بين ما ذكرناه سابقا من التقويم بالوطئ وبين ما هنا من التقويم بالحمل بالنسبة إلى القهرية وعدمها، ضرورة تحقق كونها أم ولد بالانعقاد بخلاف الاول. وكيف كان فلا تدخل في ملك الواطئ ابتداء كما صرح به غير واحد، بل قيل إنه إجماع للاصل بل والنص، ضرورة إرادة النقل بالقيمة من التقويم عليه، فحق الشريك في المنافع ثابت حينئذ، كما أن الظاهر عدم إغناء التقويم عن الصيغة إذا أريد ما رتب الشارع عليها من الاحكام، بل الظاهر عدم كون التقويم من النواقل المستقلة وإنما المراد ما عرفت من النقل بالنواقل المعهودة، إلا أنه بالقيمة على الواطئ، لكن في شرح الاستاد أنه يغنى التقويم عن الصيغة كما هو ظاهر كلام المعظم، وظاهر الاخبار ويكون كاستحقاق العوض بالتلف إلى أن قال: ولا تجري عليه أحكام البيع، فلا خيار

[ 252 ]

مجلس أو حيوان ونحوهما ويتعين عليه أخذ الارش وعوض النقص ونحوه، ولا يجوز له الرد. وفيه ما عرفت وخلو النصوص عن الصيغة لتعارف المعاطات في ذلك الزمان كما خلت عنها أكثر النصوص في أكثر المقامات بل التأمل في ذيل خبر ابن سنان (1) يورث القطع بارادة ما ذكرنا من التقويم على الواطئ فلاحظ وتأمل، وكذا فيه أيضا أنه لو فسخها بخيار من الخيارات كان عليه تقويم الجميع، وفيه أن جواز الفسخ له محل بحث كالبحث في لزوم التقويم عليه بعد الجواز فتأمل جيدا. ولو اشترك شريكان في الاحبال أقرع بينهما، للنصوص التي منها الصحيح (2) (إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت وادعوه جميعا أقرع الوالي بينهم، فمن خرج كان الولد ولده، ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية). ونحوه غيره، على أن الاشتراك في الولد بينهم على حسب الغرامة غير معهود بالشرع في غير المماليك. ثم إن الظاهر لزوم العقر العشر أو نصفه مع القيمة، لانه عوض الانتفاع بالبضع، بل لعل ما دل عليه في غير المقام كالامة المدلسة نفسها وغيرها لا يخلو من ظهور في الجميع - خصوصا خبر الجارية (3) التى أعتق نصفها المتقدم آنفا الذي يراد منه إسقاط ما يخصها بنصيب الحرية من العقر من نصيب الواطئ، فما قيل من الاكتفاء بالقيمة عن ذلك في غير محله، وخلو النصوص هنا عن التعرض له أعم من عدمه، بل قيل أنه


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 (2) الوسائل الباب 57 من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 (3) الوسائل الباب 22 من ابواب احكام حدود الزنا الحديث 1

[ 253 ]

يلزم مع ذلك، أرش البكارة، لكن فيه ما عرفت سابقا من ظهور النصوص في أن الزيادة في عقر البكر عوض عن أرش البكارة. نعم الظاهر عدم الفرق بين اتحاد الوطئ وتعدده إذا كان منشؤه واحدة، ولم يتخلل العزم أما لو وطأها أو لا للشركة، ثم وطأها ثانيا بزعم أنها صارت له خالصة، وثالثا أنها زوجته، فقل يحتمل التعدد كما في شرح الاستاد والله أعلم. (و) على كل حال ف‍ (ينعقد الولد حرا) لاصالة الحرية والتبعية، والنصوص المتقدمة الامرة بالتقويم فيها، لمكان الحمل الذي تصير به أم ولد بالنسبة إليه، بل هي كالصريحة في فرض الوطئ فيها بغير الشبهة، لاشتمالها على الحد المعلوم درؤه بها فحينئذ لا فرق في انعقاده حرا بين كون الوطئ لشبهة أو لا كما هو صريح جماعة بل لا أجد خلافا فيه بينهم، ولعل الحكمة انه ليس زنا محضا بسبب الملك للبعض الموجب لحصول الفراش، كما أومئ إليه بعض النصوص المتقدمة. ومنه ينقدح حينئذ أن الوجه في الحرية انعتاق مقدار نصيبه عليه، ثم يسرى إلى غيره، الا أنه لما كان هو السبب في ذلك أغرمه الشارع قيمة حصص الشركاء منه نحو ما سمعته في غرامته جميع القيمة عن ولده من الامة التى ظهر استحقاقها للغير الذى اشتملت عليه النصوص السابقة، مضافا إلى بعض النصوص المتقدمة في المسألة. بل الظاهر مما دل على التقويم بالحبل عدم توقف الحرية على الولادة وإلا لم يلزم تقويمها بالحبل، وإلى ذلك أشار المصنف وغيره، بل لم يعرف خلاف فيه بينهم، بل ربما ادعى الاجماع عليه بالتعبير بالانعقاد حرا المتحقق بانعقاد النطفة أو العلقة، بل ظاهر النصوص والفتاوى عدم الفرق في ذلك بين دفع القيمة وعدمها، وإن كانت هي مستحقة على الوالد فما عساه يتوهم من بعض نصوص الامة المستحقة

[ 254 ]

من التوقف على دفع القيمة لا بد من تأويله وطرحه، مع أنه لا صراحة فيه، بل ولا ظهور في توقف الحرية، بل قد صرح فيه بعدم ملك ولد الحر بل اقصاه توقف دفع الولد على دفع القيمة، وهو مع أنه غير ما نحن فيه مطرح أو مأول. وعلى كل حال فاحتمال كونه رقا إلى حين الولادة أو حين التقويم لا يلتفت إليه، وتظهر الثمرة في الوصية به وله في الجناية عليه، وفي عزل نصيبه من الارث فضلا عن نمائه، وفي غير ذلك مما لا يخفى. (و) كيف كان ف‍ (على أبيه قيمة حصصهم يوم ولد) وإن تأخر التقويم عنه إن تقوم حاملا وإلا دخلت قيمة الولد معها كما صرح به ثاني الشهيدين، وبعض من تأخر عنه، كفاضل الرياض وشيخنا في شرحه نعم ظاهر الاخير إعتبار التراضي منهم بذلك، قال (فان اختلفا فالمدار على حين الولادة، إلا إذا خرج ناقصا فيتعين إعتبار قيمة الحمل إن زادت على قيمته حين الولادة، مع احتمال تقويمه تاما و مع الخروج ميتا يفرض حيا سليما ويقوم، والام باقية على حالها، ويقوى إعتبار أعلى القيم من حين الحمل إلى حين الولادة أو إلى حين التقويم، ثم قال: بعد ذلك ويغنى مجرد التقويم من دون عقد، لظاهر الاطلاق في الاخبار وكلام الاصحاب، ولذلك يصلح تقويمه ميتا، ولو خرج مريضا بجناية قوم صحيحا). قلت: لا أجد خلافا في النص والفتوى في عدم اعتبار زمان التقويم المتأخر عن زمن الولادة، بل هو صرح قبل ذلك بأنه لو تأخر وقت التقويم عن يوم الولادة لوحظ الحال السابق بل ستسمع نسبة الخلاف إلى أبى حنيفة في نظير المقام من الفاضل، و هو مشعر بالاجماع على أن الاصل براءة ذمة الاب من الزائد لو فرض علو القيمة كما هو الغالب، وبراءة ذمة غيره من وجوب الالتزام بالناقص لو فرض حصوله بالتأخر.

[ 255 ]

مضافا إلى أن المتيقن من النصوص يوم الولادة، لانه هو أول يوم تحقق اسم الولد فيه، بل المعتبر حال الخروج إلى الدنيا، بل منها مضافا إلى الاصل يستفاد عدم اعتبار أعلى القيم، خصوصا إذا كان الشريك هو الذى طلب التأخير إلى يوم الولادة، ضرورة أنه باختياره ذهب الزائد عليه، بل وإن كان الطالب الواطئ، لعدم الالتزام بالتقويم حملا إذ النصوص أوجبت قيمة الولد، على أن الحمل لا طريق إلى تقويمه كما صرح به الفاضل وغيره لكن قد يقال إنه يمكن تقويم الحمل على احتمالاته. نعم لا يقوم ولدا تاما حيا وهو حمل لعدم العلم بحاله، ولعل ذلك هو المراد بعدم إمكان تقويمه حملا إلا أن يلحظ تبعا فتقوم الحامل حينئذ باعتباره، فالزيادة التي تفرض على كونها حائلا بسببه بمنزلة القيمة له، وفيه أنه ربما تنقص قيمته الجارية بحملها، لقلة الانتفاع بها، ومخافة الحادث عليها بالطلق ونحوه ومن هنا اعتبر في النصوص الواردة هنا وفي الامة المستحقة للغير وفي المدلسة نفسها وغير ذلك قيمة الولد، وليس في شئ منها تقويمه حملا ولو بالتبعية للام، كما أن أكثر الفتاوى على غرامة قيمة الولد يوم ولد حيا اللهم الا ان يدعى ظهور بعض نصوص المقام الذى اشتمل على التقويم إذا أحبلها في ذلك وفيه منع. نعم قد يقال: إن المراد بدخوله في قيمة الحامل أنه يضاف إلى قيمتها ما يكون قيمة له، فتكون القيمة التي لها عوضا عنه وعنها، لا أنه قيمة للحمل، ولذا اعتبر التراضي بينهما على ذلك فليس لاحدهما اقتراحه على الاخر هذا. وفي الرياض في شرح عبارة النافع التى هي يجب على الواطئ قيمة حصص الشركاء منه عند الولادة قال: (والسقوط حيا ان قومت حائلا،

[ 256 ]

وإلا دخلت قيمة الولد معها كما ذكره جماعة من الاصحاب والظرف يتعلق بالقيمة، أي القيمة عند الولادة بلا خلاف، توفية لحق الشركاء من النماء والتفاتا إلى فحوى المعتبرة الواردة في وطئ الشركاء للامة المشتركة) ثم ذكر الصحيح المتقدم المشتمل على القرعة، وربما يتوهم منه اعتبار القيمة المزبورة ولو حال الحمل للتوفية وللنصوص المشتملة على قيمة الولد، فيكون وقت الضمان وقت انعقاد الحمل باعتبار أنه كوقت التلف، والمضمون حينئذ قيمة ولد، للنصوص، ولعله على ذلك بنى شيخنا فيما سمعته من شرحه ضمانه لو خرج ميتا بأن يفرض حيا، ومريضا بأن يفرض صحيحا، بل قد سمعت احتمال تقديره تاما لو خرج ناقصا. لكن فيه أن المنساق من عبارات الاصحاب اشتراط الحياة في ضمانه فلو خرج ميتا لم يكن عليه شئ أصلا، حتى قيمته حملا، كما يقوم يوم خروجه حيا على أي الاحوال كان من الصحة والمرض والتمام والنقصان والذكورة والانوثة والمسخ و الخنوثة، بل هو كصريح الدروس في الامة المستحقة التى لم يظهر لنا فرق بينها وبين المقام بالنسبة إلى ضمان قيمة الولد فقال: وعليه قيمة الولد إن سقط حيا كما أنه قال: في المقام وعليه قيمة نصيب الشريك يوم وضع حيا، بل قال الفاضل في القواعد في المقبوض بالبيع الفاسد لفساد الشرط إذا كان جارية ولو وطأها لم يحد أي مع عدم علم الفساد، وعليه المهر وأرش البكارة والولد حر وعلى أبيه قيمته يوم سقط حيا ولا شئ لو سقط ميتا وأرش ما نقص بالولادة. وفي التحرير في أحكام البيع الفاسد أيضا لو كان المبيع أمة، إنعقد الولد حرا لا ولاء عليه ويلحق به، ويجب على الواطئ قيمته يوم سقط لا يوم المحاكمة،

[ 257 ]

ولا تجبر قيمة الولد النقصان وان ساواه في القيمة ولو سقط ميتا لم يضمنه اما لو ضرب اجنبي بطنها فالقته ميتا تاما وجب على الضارب مأة دينار وللسيد منها اقل الامرين من دية الجنين أو قيمته حين سقوطه، وباقى الدية لورثته، إلى ان قال: ولو كان الضارب الواطئ فالقته ميتا فعليه دية الجنين يأخذ السيد منها اقل الامرين والباقى لورثته غير الواطى. (وقال): (في الامة المستحقة وينعقد الولد حرا وعلى الاب قيمته يوم ولد، وفي وطى الشريك يغرم ثمن ولدها يوم سقوطه حيا) والظاهر عدم الفرق في الحكم بين الجميع فيكون المراد الضمان بشرط الحيوة: واصرح من الجميع ما في التذكرة قال في البيع الفاسد منها: (ويجب على الواطئ قيمة الولد للبايع: لانه نماء ملكه وقد حال بينه وبينه بالحرية فكان عليه ولقول الصادق عليه السلام (1) (في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة قال: يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بالقيمة) (إلى ان قال) تعتبر قيمة الولد يوم سقوطه حيا، لانه وقت للحيلولة بينه وبين صاحبه، ولو سقط ميتا فلا شئ لانه لا قيمة له حينئذ، ولا يقوم قبل سقوطه لانه لا قيمة له حينئذ، فإذا لم يكن له قيمة حين سقط لم يضمن، وهو قبل ذلك لا قيمة له، لا يقال لو ضربه اجنبي فسقط ميتا وجب عليه الضمان وكان للسيد من ديته أقل الامرين من دية الجنين ومن قيمته يوم سقط، لانا نقول الواطئ يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيده، ووقت الحيلولة حين السقوط وكان ميتا فلم يجب ضمانه، وضمان الضارب قائم مقام خروجه حيا، فلهذا ضمنه البايع وانما ضمن الاقل، لان دية الجنين ان كانت اقل لم يضمن اكثر من ذلك، وان كانت القيمة اقل كان الباقي لورثته ويطالب المالك من شاء من البايع والمشترى، وقال ابو حنيفة يغرم قيمة الولد يوم المحاكمة) إلى آخره.


(1) الكافي ج 5 ص 215 الحديث 10 الطبع الحديث

[ 258 ]

وقال في المقام (وعلى ابيه قيمة حصة الشريك منه يوم الولادة، لانه وقت الحيلولة وأول اوقات التقويم) وقال في الامة المستحقة الولد حر وعلى ابيه قيمته لمولاه يوم سقط حيا وبه قال الشافعي لانه اتلف على مولاه رقيقا باعتقاد أنه ملكه، ولا يقوم حملا لعدم امكان تقويم الحمل، فيقوم في اول حالة انفصاله لانها اول حالة امكان تقويمه ولان ذلك هو وقت الحيلولة بينه وبين سيده) إلى آخره والجميع كما ترى ما بين صريح فيما قلنا وظاهر. بل قال شيخنا في شرحه في ظهور استحقاق الامة وعلى الاب قيمته للمولى يوم سقوطه بل حين سقوطه ان سقط حيا مستقرا لحياة على نحو يكون مقوما لانه اول ازمنة التقويم، للاجماع والاخبار بأن يقوم على ما هو عليه من نقص عضو أو صفة، مع ملاحظة بقاء الرقية دون الاول إلى الحرية، ولو خرج ميتا لا قيمة له فليس على الاب شئ، وقوى بعضهم تغريمه دية جنين امة، وليس بقوى، ويقوى مراعات التفاوت بين القيمتين، ولو اشتبه الحال، فالاقوى عدم التغريم ويحتمل ثبوته عملا بالاصل، و هو مناف لما سمعته سابقا منه هذا. ولكن في الكتاب في باب الغصب، فيما لو كان المغصوب جارية فوطئها جاهلين بالتحريم قال: (ولو أحبلها لحق به الولد، وعليه قيمته يوم سقط حيا وأرش ما ينقص من الامة بالولادة، ولو سقط ميتا قال الشيخ رحمة الله عليه لا يضمنه، لعدم العلم بحياته وفيه اشكال ينشأ من تضمين الأجنبي، وفرق الشيخ بين وقوعه بالجناية ووقوعه بغير جناية، ولو ضربها أجنبي فسقط ضمن الضارب للغاصب دية جنين حر وضمن الغاصب للمالك دية جنين امة)، وظاهره التوقف في عدم الضمان لو خرج ميتا. كالفاضل في القواعد في هذا الباب أيضا حيث قال: (ولو سقط ميتا فاشكال ينشأ من عدم العلم بحياته ومن تضمين الأجنبي، بل في المسالك في هذا الباب

[ 259 ]

(ان الوجه ضمان الغاصب دية جنين امة سواء سقط بجناية ام لا، لكن على تقدير كونه بجناية، للمالك دية جنين أمة، وباقى دية جنين الحرة للامام لان القاتل لا يرث والامة رقيقة لا ترث إلى غير ذلك من كلماتهم التى بملاحظتها جميعا يحصل الشك في المسألة، ولعل مقتضى الاصل معه عدم الضمان، لعدم صدق تلف المال بانعقاد الحرية، بل أقصاه انه لو لم يكن مشتبها لكان الولد رقا، ومثله ليس سبب ضمان، والضمان ولدا للنصوص، واما ضمان الجنين بجناية جان فلانه كالخروج حيا كما سمعته من الفاضل، فتأمل جيدا، فان المسألة من المشكلات، هذا وقد يفرق بين المقام وبين الغصب والمقبوض بالبيع الفاسد وغيرهما مما تكون للعبد فيه يد ضمان، باقتضاء عموم (على اليد) (1) الضمان في الثاني دون الاول، بل ينبغى الجزم به فيما لو طرء الفساد عليه ضرورة كونه كموت المغصوب في يد الغاصب حتف انفه ولعله لذا جعل الوجه في المسالك الضمان مطلقا. نعم قد يقال بعدم الضمان فيما لو علم الفساد باصل النمائية على وجه لم يتحقق نمائيته بحيث يكون مالا متقوما كما في الفرض فانه مع فرض سقوطه لفساد في اصل تكونه لا يكون مالا، بخلاف طلع النخل المغصوب مثلا إذا فرض فساده في يد الغاصب فانه مال متقوم فيضمن على حاله، لا انه يفرض كونه تمرا كل ذا والمسألة بعد محتاجة إلى تنقيح. واما ضمان اقل الامرين فلان المملوك لا يضمن بازيد من دية الحر ولعل اطلاق المسالك منزل عليه كما ان قوله ينتقل إلى الامام مبنى على عدم وارث غير الاب والام، والا انتقل إليه، وقد عرفت مما قدمنا ان الاعتبار بالقيمة حين الولادة لا حين


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90 كنز العمال ج 5 ص 257

[ 260 ]

التقويم الذى هو بمعنى المحاكمة كما قال ابو حنيفة والله اعلم. المسألة (الحادية عشرة المملوكان المأذون لهما) في التجارة (إذا ابتاع كل واحد منهما صاحبه من مولاه) له بناء على ملك العبد (حكم بعقد السابق) وبطلان اللاحق، لعدم صحة تملكه سيده (فان اتفقا في وقت واحد) أي اتحد الزمان للجزء الاخير من قبولهما (بطل العقدان) لعدم صحة ترتب اثر كل منهما، وترجيح احدهما على الاخر ترجيح بلا مرجح، واحتمال الرجحان في الواقع فيستخرج بالقرعة معارض باحتمال عدمه، على ان التكليف منوط بالاسباب الظاهرة والا لزم التكليف بالمحال، وليس كالقرعة في عتق العبيد، لان الوصية بالعتق، بل نفس العتق قابل للابهام، بخلاف البيع وساير المعاوضات. ومرسلة الكافي الاتية التى اشار إليها المصنف بقوله (وفي رواية يقرع بينهما) (1) قد عمل بها الشيخ وغيره، مع انها ليست حجة في نفسها معارضة. بخبر ابى خديجة الاتى نعم إذا علم السبق ولم يتعين السابق اتجه اخراجه بالقرعة التى هي لكل امر مشكل) (2) من موضوعات الاحكام، وهذا منه، بل يقوى لذلك ايضا جريانها فيما لو اشتبه السبق والاقتران، فلم يعلم أيهما الذى وقع، وجواز الاقتران مع عدم معلومية السبق المصحح للبيع. فلا يجوز الحكم بالمسبب مع الجهل بالسبب لا يصلح مخصصا، ولا فرق بين علم تاريخ احدهما وجهله على الاصح. نعم قيل يحتاج في الصورة الاولى إلى رقعتين يكتب في احدهما السابق، وفي


(1) الوسائل الباب 18 من ابواب بيع الحيوان الحديث 2 - 1 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث 11 باختلاف يسير.

[ 261 ]

الاخرى المسبوق، وفي الثانية إلى ثلاث رقع، يكتب في الثالثة الاقتران، ليحكم معه بالبطلان، واما قول المصنف (وفي) رواية (اخرى يذرع الطريق) بينهما (ويحكم للاقرب) فلم نجدها بل لو وجدت لم يكن لها معنى محصل، إذ الفرض حصول الاتفاق في الوقت الواحد، فلا مدخلية لذرع الطريق (و) حينئذ فلا ريب في ان (الاول) أي البطلان (اظهر) لما عرفت كما انك قد عرفت ان الاقوى القرعة في غيره. لكن روى ابو خديجة (1) كما في الدروس وغيرها وفيما حضرني من نسخة الوسائل والحدائق أبو سلمة عن أبى عبد الله عليه السلام (في رجلين مملوكين مفوض اليهما يبيعان ويشتريان باموالهما، كان بينهما كلام فخرج هذا يعدو الى مولى هذا وهذا يعدو الى مولى هذا، وهما في القوة سواء فاشترى هذا من مولى هذا العبد والاخر كذلك وانصرفا إلى مكانهما فتشبث كل واحد منهما بصاحبه، وقال له انت عبدى وقد اشتريتك من سيدك قال: يحكم بينهما من حيث افترقا بذرع الطريق فايهما كان اقرب فهو الذى سبق الابعد وان كانتا سواء فهما ردا على مواليها جاءا سواء وافترقا سواء الا أن يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له، انشاء باع، و انشاء أمسك وليس له أن يضربه) قال الكليني والشيخ وفي رواية أخرى (2) (ان كانت المسافة سواء أقرع بينهما، فايهما وقعت القرعة عليه كان عبده) وهو كما ترى صريح في ان المسح للاشتباه لا للعلم بالاتفاق الذى هو كالصريح في البطلان معه، وان كان فيه من الحكم بذلك لتساوي الطريقين


(1 - 2) الوسائل الباب 18 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1 - 2

[ 262 ]

واضح الاشكال، كالاشكال فيما فيه من الحكم بالسبق لاقربية الطريق إذ هو مع قصوره عن الحجية بالضعف، واعراض الاكثر بل لم يعمل به الا النادر كالشيخ في النهاية التى هي متون أخبار وبعض أتباعه، ومخالفته للضوابط الشرعية محتمل لارادة حصول اليقين بذلك. وعلى كل حال فلا دلالة فيه على المسح مع الاقتران بل هو دال على خلافه، بل قيل ان مرسل القرعة لا دلالة فيه ايضا، على أن محله الاقتران وان كان قد يناقش فيه بأن الظاهر ارادة الكليني والشيخ من قولهما وفي رواية أخرى إلى آخره أنها كهذه الرواية في السؤال والجواب إلى قوله وان كانتا سواء اختلفا فالاولى حكم فيها بالبطلان، وفي الاخرى بالقرعة، ولا ريب أن رواية القرعة اولى لاعتضادها بعموم ما دل على انها لكل أمر مشكل) (1) ولان استواء الطريق اعم من الاقتران فهى مؤيدة لما ذكرناه من مشروعيتها للاشتباه في السبق أو السابق لكن قد يقال ان الخبر صريح في القرعة ليتعين احدهما خاصة من دون تعرض لاستخراج الاقتران المقتضى للبطلان. بل ظاهره أو صريحه عدمه. هذا كله إذا كان الشراء لهما، اما إذا كان لسيدهما فعقد السابق منهما صحيح ماض، والاخر محتاج إلى الاجازة، بناء على انقطاع الاذن عنه بزواله عن ملك السيد وان به تفترق الاذن عن الوكالة وان عقده حينئذ للغير فضولي موقوف على اجازة ذلك الغير، وان اقترنا، فالمعروف بين المتأخرين البطلان، لتوقف الصحه على بقاء الاذن الموقوف على عدمها لكن الظاهر ارادة التوقف على الاجازة من البطلان، إذ لا وجه له معها فيصحان معا لو اجيزا، والا فالمجار منهما، لعدم استناد الصحة حينئذ إلى الاذن بل إليها وفيه


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث 11 باختلاف يسير

[ 263 ]

انه يمكن القول بالصحة من دون توقف على اجازة بل به جزم الكركي لان الاذن مقارنة لتمام العقد، فالانتقال وانقطاع الاذن قد ترتبا معا على تمام العقد ترتبا ذاتيا، ولا يعتبر في الاذن ازيد من ذلك فتأمل جيدا. وان علم السبق واشتبه السابق، وقد حصل الرد من احدهما فالقرعة، ولو كانا وكيلين صح العقدان على كل حال، بناء على عدم انقطاعها بالخروج عن الملك وفى شرح الاستاد (الا مع قرينة التقييد، فلو عقد على انه عبد مأذون فظهر حرا، أو ملكا لغير الاذن بطل عقده على نحو ما تقدم، ولو كان وكيلا صح ولو توكل على انه حر فعقد فظهر عبدا لغير موكله، بطل، ومع الاجازة من مولاه تقوى الصحة كما لو ظهر عبدا لموكله. وفيه سؤال الفرق بين الاذن والوكالة، ولو اذن له ثم باعه فعاد إليه لم تعد اذنه على الاقوى، كما لو حرر فعاد ملكا له، والزوجة والخادم والشريك المأذونون تزول الاذن عنهم بزوال الصفات ولا تعود، لو عادت، على الاقوى) وهو جيد على الفرق بين الاذن والوكالة، وفيه بحث، وعليه فلو كان احد العبدين وكيلا والاخر مأذونا صح شراء الوكيل مطلقا، واما المأذون فان تقدم شراؤه صح، والا كان موقوفا على الاجازة والله اعلم. المسألة (الثانية عشر من اشترى جارية سرقت من ارض الصلح) قطعا أو بمنزلته، والا فلو سرقت من ارض الحرب مع احتمال كونها من اهل الحرب أو منهم ولو في غير أرضهم، فللسارق، بل في شرح الاستاد انها لو سرقت من كافر في غير تلك الارض، ولا يعلم حاله أو بين الحدين ولا يعلم حاله احتمل عدم العصمة وثبوتها وهو الاقوى، وان كان فيه ان ما ذكره احتمالا هو الاقوى على الظاهر، (و) على كل حال ففى مفروض المسالة (كان له ردها على

[ 264 ]

البايع واستعادة الثمن ولو مات اخذ من وارثه ولو لم يخلف وارثا استسعيت في ثمنها) على ما رواه مسكين السمان (1) عن ابى عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل اشترى جارية سرقت من ارض الصلح فقال فليردها على الذى اشتراها منه، ولا يقربها ان قدر عليه، أو كان مؤسرا قلت جعلت فداك انه مات ومات عقبه قال: فليستسعها) واو فيه بمعنى الواو أي لا يقرب الجارية باستسعاء ان قدر على البايع وكان مؤسرا، ويحتمل ان يكون المراد أو كان المشترى موسرا أي لا يقربها مع احد الامرين، الا انه مع قصوره سندا ولا جابر مخالف للقواعد الشرعية بالرد إلى البايع الذى هو ليس مالكا ولا وليه ولا وكيله، بل ربما كان هو الظالم السارق، وباستسعاء مال الغير فيما لم يصل إليه وهو ظلم فوق ظلم. وزاد في شرح الاستاد مخالفته باطلاق ما دل فيه على رد الثمن، مع انه لا يتم بناء على عدم الرجوع به مع تلفه وعلم المشترى، وبترتيب الاستسعاء على موت الوارث وعقبه - من غير اعتبار لفقد باقى الورثة وعدمه، وبقاء مال للميت وعدمه، وبان ظاهره انه ان لم يكن قادرا على البايع أو الرد عليه وكان البايع معسرا، أو المشترى على اختلاف الوجهين فلا رد، ويكون له عوض الثمن، وان كان يمكن دفع ما ذكره جميعا، بل بعضه واضح الدفع. فالعمدة حينئذ الاولان اللذان اقتصر عليهما الاصحاب. لكن في الدروس (والاقرب المروى تنزيلا على ان البايع مكلف بردها إلى اهلها اما لانه السارق، أو لانه ترتبت يده عليها، أي فهو اقدم، وخطابه بالرد الزم خصوصا مع بعد دار الكفر واستسعاؤها جمعا بين حق المشترى. وحق صاحبها، والاصل فيه ان مال الحربى فيئ في الحقيقة، وفيه أن ذلك يصلح ان يكون تقريبا للنص الجامع لشرائط الحجية لا انه به يكون موافقا للقواعد، ضرورة عدم اقتضاء سرقته، وترتب


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب بيع الحيوان الحديث 1

[ 265 ]

يده، وخطابه بالرد جواز تمكينه من مال الغير بعد الوصول إلى يد غيره الذى صار مخاطبا بالرد، ومع الاحتياج إلى المؤنة يلتزم بها السارق. نعم قد يحتمل ذلك في خصوص ما لو كانت في يد البايع امانة شرعية، كما انه لا معنى للجمع بين حق المشترى والمالك بذلك، بعد ان لم يكن حق له عليه، إذ لا تزر وازرة وزر اخرى (1) والمحترم بالعارض كالمحترم بالاصل، كما هو واضح (و) من هنا (قيل) كما عن الحلبي انها (تكون بمنزلة اللقطة) والموجود في السرائر بعد ذكر الخبر السابق (كيف تستسعى هذا الجارية بعير اذن صاحبها، وكيف تعتق ولا على ذلك دليل، وقد قدمنا انها ملك الغير، والاولى ان تكون بمنزلة اللقطة، بل يرفع خبرها إلى حاكم المسلمين ويجتهد على ردها على من سرقت منه، فهو الناظر في امثال ذلك، ولعله يريد ما ذكره المصنف بقوله (ولو قيل تسلم إلى الحاكم ولا تستسعى كان اشبه) بأصول المذهب وقواعده واختاره جماعة ممن تأخر عنه بل في الرياض (نسبته إلى كثير من المتأخرين) لكن في الرياض (ان ذلك بعد تعذر الرد على المالك ووكيله، وقال يمكن تنزيل الاطلاق عليه، لغلبة بعد دار الكفر، ووجهه حينئذ واضح). قلت: هو كذلك بعد ان تكون من مجهول المالك في يده، بل قد يقال: بجواز تسليمها له قبل وصولها حد مجهول المالك كما هو صريح شيخنا في شرحه، باعتبار انه ولى الغائب فيبحث حينئذ هو عن صاحبها ويردها إليه والا وضعها في بيت المال أو تصدق بها عن صاحبها من دون شرط الضمان أو مع نيته من بيت المال أو من البايع أو من المشترى


(1) سورة النجم الاية 37

[ 266 ]

أو وكيلهما، وان كان قراره على الغار والظالم. وعدم وصول العوض لا ينافى التعبد ومئونة الرد على البايع، قيل أو المشترى ان لم يكن مغرورا، والا فعلى الغار كساير الغرامات، وفيه انه يمكن التشريك بينهما فيهما مع عدم الغرور، وكذا قيل ان النفقة لو ادخلها في بيت المال من كسبها أو منه ونفقة مدة البقاء لو قبضها عن الفقراء من كسبها أو منهم، ولو قبضها لصاحبها فالنفقة عليه، وفيه أنه يقوى كون النفقة في الاخير على الظالم. وكيف كان فظاهر من قال بالدفع إلى الحاكم ان ذلك لانه ولى عن الغائب، لا انه لكون الجارية للامام الذى هو وارث من لا وارث له، وهو نائب عنه، كما عن الاردبيلى، إذ ليس في شئ من النص والفتوى ما يشهد بذلك، والموت في الرواية لغير المالك قطعا، كما هو واضح. ثم انه على العمل بالخبر المزبور ينبغى الاقتصار فيه على مضمونه ولا يتعدى منه إلى غيره حتى بالنسبة إلى خصوص الجارية فلا يتعدى إلى غيرها من الاموال الصامتة والناطقة وخصوص أرض الصلح ولا يلحق بهم غيرهم من محترمى المال، بل لا يبعد الاقتصار على كون المشترى رجلا، وبالجملة متى قام احتمال الفرق وجب العمل على مقتضى القواعد والضوابط، أوجب الله لنا كتابة ذلك في صحائف الحسنات وأقالنا من موبقات العثرات بحق خير خلقه محمد وأهل بيته السادة الهداة. تم المجلد الثاني من العقود بعون الله الرؤف الودود ويتلوه في المجلد الثالث السلف نرجو من الله التوفيق لاتمامه والعفو عما سلف والحمد لله

[ 267 ]

* (الفصل العاشر) * من فصول كتاب التجارة (في السلف والنظر فيه يستدعى مقاصد) (الاول) في حقيقة (السلم) بفتح السين واللام الذى هو مرادف للفظ السلف قال في مختصر النهاية السلف السلم، وفي المجمل بالعكس، وزاد والسلم معروف كما أنه في الاول عطف القرض عليه، ولعل اشتراكهما لفظا فيه لاشتراكهما في أن كلا منها اثبات مال في الذمة بمبذول في الحال والامر سهل، وعلى كل حال فالظاهر جريان البحث السابق في لفظ البيع أنه اسم للعقد أو النقل والانتقال أو غير ذلك من الاحتمالات السابقة في لفظه أيضا، فقول المصنف هنا (هو ابتياع مال مضمون الى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه) مما يؤيد كون لفظ البيع عنده للانتقال المرا من الابتياع هنا، لا خصوص الشراء. كما انه في الدروس عرفهما معا بالعقد، وانسياق الكلى في الذمة من المضمون خصوصا بعد قوله إلى أجل معلوم، أغنى عن ذكر ما يحترز به عن المبيع المضمون قبل القبض، فلا وجه لما في التنقيح، كما أن ذكر اشتراط المعلومية في المبيع والثمن سابقا ولاحقا أغنى عن ذكر ذلك في التعريف، وأخرج بقوله بمال حاضر أو في حكمه النسيئة لعدم اعتبار ذلك فيها، إذا المراد بالحاضر المشخص الموجود في مجلس العقد والذى في حكمه المقبوض قبل التفرق وان لم يكن موجودا في مجلس العقد، أو يراد بالحاضر المشخص، وما في حكمه الكلى في الذمة المدفوع قبل التفرق، أو الدين الذى في ذمته بناء على جواز جعله ثمنا للسلم، أو نحو ذلك مما لم يعتبر في النسيئة قطعا، وأما اعتبار الاجل فيه فهو المشهور على الظاهر، وقيل بجوازه حالا، وستعرف تحقيق الحال فيه، وكان المناسب ممن يقول بعدم اعتباره فيه كالشهيد في الدروس

[ 268 ]

عدم أخذه في التعريف. وكيف كان فقد أجمع المسلمون على جوازه، كما أن السنة قد تواترت فيه بل عن ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى اجل مسمى قد أحله الله في كتابه، أي في قوله (1) (يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) (و) لعله لعموم اللفظ، نعم هو نوع من البيع قطعا فلابد فيه من ايجاب وقبول، بل (ينعقد بلفظ أسلمت) اليك (أو أسلفت) - ك كذا في كذا إلى كذا من المشترى، فيقول المسلم إليه أي البايع قبلت وشبهه، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع عليه ولا يقدح كون الايجاب فيه من المشترى والقبول من البايع إذ ذلك من جملة أحكامه التى اختص بها عن باقى أفراد البيع وشارك الصلح بها بل الايجاب بهذا اللفظ مختص بالمشترى، ضرورة عدم تعقل معناهما من غيره، كما صرح به في جامع المقاصد (و) قد الحق بهما المصنف والفاضل في القواعد جميع (ما أدى معنى ذلك) وظاهرهما جواز العقد به وان كان مجازا، وفيه بحث ليس ذا محله، والاولى الاقتصار عليهما، وسلفت في ايجاب المشترى، وأما سلم فقد قيل ان الفقهاء لم يستعملوه ومنه ينقدح الشك في العقد به، إذ الواجب الاقتصار على المتقين فيما خالف أصالة عدم النقل وآية (2) (اوفوا بالعقود) غير مراد منها العموم قطعا والا لكان الخارج أضعاف الداخل، بل لا يبعد كون المراد منها الامر بالوفاء بعقد البيع، وعقد الاجارة وغيرهما، لا أن البيع مثلا ينعقد بكل لفظ، ولتمام الكلام محل آخر هذا كله في الايجاب من المسلم أي المشترى.


(1) سورة البقرة آية 282 (2) المائدة الاية 1

[ 269 ]

(و) أما الايجاب من البايع فيقع (بلفظ البيع) فإذا قال المسلم إليه أي البايع بعتك كذا، وصفته كذا إلى أجل كذا، بثمن كذا، وقال المشترى: قبلت ودفع الثمن في المجلس انعقد سلما، لا بيعا مجردا عن كونه سلما، ولا تجوز فيه على حسب باقى استعمال العام في الخاص، ومنه يعلم حينئذ عدم اعتبار قصد السلمية في صيرورته سلما. بعد أن كان مورده متشخصا في نفسه، إذ ظاهر النص والفتوى تحقق مسماه بذلك من دون اعتبار آخر بل قد يقال: انه لا يقدح قصد غير السلمية في تحقيق كونه سلما فضلا عن عدم القصد وان اقصاه الغلط في القصد بعد ان كان ذلك وظيفة الشارع ضرورة ان مرجعه إلى اثبات احكام شرعية، كالقبض في المجلس ونحوه على هذا الموضوع الخاص، فقصد عدمها كالمعارضة للشارع ولئن فرض كونه تشريعا على وجه لا يريد ان النقل والانتقال الاعلى هذا التقدير لم يبعد القول بالبطلان فتأمل جيدا. وعلى كل حال فما عن بعض الشافعية من أن ذلك بيع لا سلم فلا يجب القبض في المجلس وغيره من أحكامه نظرا إلى كون الايجاب بلفظ البيع فواضح الفساد، إذ مع كون الاولى النظر إلى المعاني لا تنافى هنا بين اللفظ والمعنى، ضرورة كون السلم نوعا من البيع، فليس في لفظ البيع ما يقتضى كونه غير سلم، حتى يحتاج إلى ترجيح النظر إلى اللفظ على المعنى، كما سمعته عن بعض الشافعية، أو العكس كما في قواعد الفاضل، فمعنى السلم حينئذ لا معارض له، اقصاه عدم وجود اللفظ المخصوص كما هو واضح، وكذا يقع بلفظ استلفت واستلمت، وتسلفت وتسلمت، بناء على جواز سلم فيقول المسلم: قبلت ونحوه. (و) أما عقده بلفظ (الشراء) الذى ليس بمعنى البيع، فالظاهر كونه من

[ 270 ]

السلم قال في التذكرة: (ولو أسلم بلفظ الشراء فقال: اشتريت منك ثوبا أو طعاما صفته كذا إلى كذا بهذه الدراهم، فقال: بعته منك انعقد)، قلت: لكن فيه تقديم القبول على الايجاب، أما لو قال قبلت ونحوه فقد يقال بصحته هنا، بناء على ما سمعته من اختصاص السلم بجواز كون الايجاب من المشترى، والقبول من البايع، فيكون حينئذ هذا منه. (و) كيف كان ف‍ (هل ينعقد البيع) الذى ليس بسلم (بلفظ السلم كان يقول: أسلمت اليك هذا الدينار في هذا الكتاب، الاشبه نعم) عند المصنف والفاضل والكركي والشهيدين، بل قال ثانيهما انه مذهب الاكثر (اعتبارا بقصد المتعاقدين) وان لم يكن اللفظ حقيقة فيه، وفي التحرير كما عن الايضاح التوقف فيه. قلت: تفصيل القول في ذلك أن النزاع ان كان في قيام صيغة اسلمت مقام بعت كالعكس فمحله في صيغة البيع، ولعل التحقيق عدم الجواز، لانه مجاز بخلاف العكس، فانه حقيقة مع عدم قصد الخصوصية، إذ السلم نوع من البيع، فاستعمال صيغة البيع فيه استعمال للفظ فيما وضع له، أقصاه أن لهذا الفرد من البيع احكاما خاصة، أما استعمال صيغة أسلمت مرادا منها معنى بعت المجردة عن السلم، فان جاز فانما هو مجاز، والاحتياط في العقود اللازمة باعتبار الاقتصار فيها على المتقين من العقود في النقل الذى مقتضى الاصل خلافه يقتضى عدمه. ومن هنا قال في المسالك: ان القول بالعدم لا يخلو من قوة. ودعوى - ان البيع يصح بكل ما ادى ذلك المعنى المخصوص، والسلم نوع منه اعتبره الشارع في نقل الملك فجاز استعماله في الجنس مجازا تابعا للقصد - واضحة المصادرة، كدعوى انه إذا جاز استعماله لما في الذمة المحتمل للغرر، كان مع المشاهدة أدخل، لانه أبعد من الغرر، إذ مع المشاهدة يحصل العلم اكثر من الوصف

[ 271 ]

والحلول يتيقن معه امكان التسليم والانتفاع، بخلاف الاجل فكان اولى بالصحة، إذ هي أوضح من الاولى بطلانا، كالقول بأن البيع ينعقد بملكتك كذا بكذا، ولا ريب ان السلم أقرب إلى حقيقة البيع من التمليك المستعمل استعمالا شايعا في الهبة، فإذا انعقد بالابعد لتادية المعنى المراد، فالاقرب إذا أداه أولى، إذ فيه بعد امكان الفرق منع الانعقاد به على تقدير المجازية هذا. ولتحقيق المسألة مقام آخر الا ان المتجه على تقدير كون المراد من النزاع هنا ذلك أن يكون المقال أسلمت هذا الكتاب في هذا الدينار حتى يكون النقد ثمنا كما هو الغالب، وبه مثل في القواعد، اللهم الا ان يكون مراده انعقاد البيع بعقد السلم، بمعنى ان عقد السلم بكيفية يصح عقد البيع به فيقول المشترى حينئذ أسلمت اليك هذا الدينار في هذا الكتاب فيقول البايع: قبلت فينعقد بيعا باعتبار ان مورده العين التى لا يصح السلم فيها، وربما يؤمى إليه ما في المسالك من تفسير ما في المتن أي قال ذلك المشترى فيكون ذلك على نهج السلم من كون المسلم الثمن والمسلم فيه هو المبيع وهذا وان كان يناسب وضعه في هذا الباب الا ان الاصح العدم فيه إذ لا يخلو من أن يكون للعاقد قصد في هذا العقد السلم ولو للجهل منه بانه (1) (يصح) أن يكون مورده العين، فيصح حينئذ بيعا قهرا عليه لعدم مدخلية قصد الخصوصيات ضرورة أن من قصد الصرف مثلا في غير مورده لا يبطل كونه بيعا وربما اومى إلى ذلك قولهم يشترط كون المسلم فيه دينا فلا ينعقد في عين نعم ينعقد بيعا أو يكون قد قصد البيع في ذلك من الاول الامر. وعلى كل حال فهو باطل إذ مرجع الاول إلى الغلط الذى لا يصلح لان يكون عقدا إذ ليس هو من الحقيقة والمجاز وقصد الصرف في مورد غيره أمر خارج لا يورث


(1) هكذا في النسخة المصححة، لكن الصحيح (لا يصح) كما هو واضح

[ 272 ]

استعمالا للفظ، لعدم جعل الشارع اياه قسما مستقلا له صيغة تخصه، ومرجع الثاني إلى استعمال عقد السلم في البيع، ولا دليل على صحة عقد غيره به، سيما إذا كان بكيفية وقوع الايجاب فيه من المشترى والقبول من البايع الذى لا يصح في غير السلم من البيع، هذا وفي القواعد بعد أن ذكر أن الاقرب انعقاد البيع بلفظ السلم قال: (وكذا لو قال: بعتك بلا ثمن أو على أن لا ثمن عليك فقال: قبلت ففى انعقاده هبة نظر، ينشأ من الالتفات إلى المعنى واختلال اللفظ، وهل يكون مضمونا على القابض فيه اشكال ينشأ من كون البيع الفاسد مضمونا، ودلالة لفظه على اسقاطه، ولو قال: بعتك ولم يتعرض للثمن فانه لا يكون تمليكا ويجب الضمان). ونحوه في التذكرة (وفيه ان التنافى يندفع إذا عدل باللفظ عن مدلوله إلى معنى اخر لا يكون سببه التنافى، لان هذا غير كاف في الصحة، والا فلا يبطل شئ من العقود المشتملة على ما ينافيها، لوجود المندوحة في المعدول به الا ما لا ينافى، والاولى جعل منشأ النظر وجود لفظ البيع المقتضى للثمن، ووجود المنافى لصحته وهو اشتراط عدم الثمن فيكون بيعا فاسدا، ومن ان التقييد بعدم الثمن قرينة على اراد الهبة من لفظ البيع لان الهبة هي التمليك بغير عوض، فهو مساو لها في المعنى) وفيه (ان عقد الهبة وان كانت من الجايز الا ان عقدها بمثل ذلك محل نظر أو منع) ومنه يعلم ما في المحكى عن بعضهم من ان المدار في ذلك على القصد، فان قصد الهبة صح وان قصد البيع. بطل بل وما عن حواشى الشهيد من أن ذلك مبنى على ان العقود توقيفية أو اصطلاحية، فعلى الاول لا يصح، لان البيع لا بد فيه من العوض، وانتفاء الجهالة، وعلى الثاني يصح، إذ من الواضح ان الثاني ليس قولا لاحد منا، بل ولا احتمالا، واما الضمان فهو المتجه بناء على انه بيع فاسد، ضرورة كون المنع في العبارة على

[ 273 ]

تقدير صحة هذا العقد فمع عدمها يبقى ما دل عليه من عموم (على اليد) وغيره سالما اللهم الا ان يقال ان ذلك هبة فاسدة (وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده) وهو لا يخلو من وجه بناء على انه قصد بذلك الهبة فتأمل جيدا والله اعلم. (و) على كل حال ف‍ (يجوز اسلاف الاعراض في الاعراض إذا اختلفت) أو اتفقت ولم تكن مقدرة باحد الامرين أو الثلاثة لاطلاق الادلة وفي خبر وهب (1) (لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن) والمناقشة في سنده يدفعها الانجبار بالشهرة العظيمة، بل في المختلف عن المرتضى الاجماع عليه، وانه قال: يجوز عندنا ان يكون رأس المال في السلم غير ثمن من ساير المكيلات والموزونات ويجوز ان يسلم المكيل في الموزون، والموزون في المكيل ليختلف جنساهما، وما اظن في ذلك خلافا بين الفقهاء، فما عن ابن ابى عقيل من أنه لا يجوز السلم الا بالعين والورق ولا يجوز بالمتاع واضح البطلان، وكالمحكى عن ابى على من انه لا يسلم في نوع من المأكول نوعا منه إذا اتفق جنساهما في الكيل والوزن والعدد وان اختلفت اسماؤها كالسمن في الزيت لانه كالصرف نسيئة وان كان قد يوهمه صحيح عبد الله بن سنان (2) عن الصادق عليه السلام (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اسلف رجلا زيتا على ان ياخذ سمنا قال: لا يصلح، كحسنه (3) (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا ينبغى اسلاف السمن بالزيت، والزيت بالسمن) الا أن الظاهر ارادة الكراهة منهما، وأوضح من ذلك فسادا ما حكى عنه أيضا لا اختار أن يكون ثمن السلم فرجا يوطأ، لانه قد يتطرق الفسخ


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب السلف الحديث 1 (1 - 2) الوسائل الباب 7 من ابواب السلف الحديث 2 - 3

[ 274 ]

إلى العقد، بسبب تعذر المسلم فيه فيصادف الفسخ الحبل، وهو يوجب انتقال ام الولد إذ هو كما ترى. (و) أما اسلاف الاعراض (في الاثمان) فقد نص عليه غير واحد لاطلاق الادلة خلافا لابي حنيفة فلا يجوز، لانها لا تثبت في الذمة الا ثمنا فلا تكون مثمنة، وفيه منع واضح، إذ لا ريب في جواز بيع الذهب والفضة بهما، اللهم الا ان يريد إذا كان احد المقابلين عرضا، وفيه منع واضح أيضا، (و) في خبر غياث (1) (عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال: لا بأس بالسلف في الفلوس) فالحق أنه يجوز كجواز (اسلاف الاثمان في الاعراض) الذى لا خلاف فيه بيننا بل (و) لا بين المسلمين نعم (لا يجوز اسلاف الاثمان في الاثمان ولو اختلفا) لا لان التقابض شرط، إذ يمكن فرض حصوله بقصر الاجل في المسلم فيه ونحوه، بل لظهور النصوص (2) المتقدمة سابقا في عدم جواز الاجل في النقدين إذا بيع احدهما في الاخر، وأنه لابد من الحلول في بيعهما والتقابض في المجلس، كما أوضحناه سابقا، فتوقف ثانى الشهيدين فيه هنا في غير محله، هذا كله بناء على اشتراط الاجل في السلم، والا جاز اسلافها فيها مع التقابض، وجاز اسلاف الربويات بعضها في بعض كما هو واضح، والله اعلم. المقصد * (الثاني في شرائطه) * الزايدة على شرايط البيع (و) قد قيل (هي ستة الاول والثانى. ذكر الجنس) أي الحقيقة النوعية كما سمعته في الربا (والوصف) المائز بين أفراد ذلك


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب السلف في ذيل الحديث 12 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب الصرف

[ 275 ]

النوع. وقد يستغنى به عن ذكر الجنس، لكن قد يناقش في ذلك بأنه غير خاص في السلم، ضرورة كون المدرك في ذلك رفع الجهالة التى لا فرق في اعتبار رفعها بين السلم وغيره، (و) من هنا قال المصنف وغيره: (الضابط) فيه (أن كلما يختلف لاجله الثمن) اختلافا لا يتسامح بمثله في السلم (فذكره لازم) والمرجع في ذلك إلى العرف، ضرورة أنه ربما يكون العامي أعرف من الفقيه في ذلك، ولذا كان حظ الفقيه منها الاجمال، وستسمع تعرض جملة من الاصحاب إلى جملة منها، وان أوكلوا الامر فيه أيضا إلى ما عرفت، كما أن المرجع إليه أيضا في معرفة الوصف الذى يحصل الجهالة بترك التعرض له وغيره، فان كثيرا من الاوصاف تخلف الثمن بها اختلافا لا يتسامح فيه، لكن لا جهالة في عدم التعرض لها، وانما ينص عليها من له غرض خاص فيها، والا فلا. وكان اطلاق المصنف اتكالا على قوله (ولا يطلب في الوصف الغاية، بل يقتصر على ما يتناوله الاسم) بناء على أن المراد منه عدم وجوب الاستقصاء في الوصف، بل يجوز الاقتصار منه على ما يتناوله اسم الموصوف بالوصف الذى يزيل اختلاف أثمان الافراد الداخلة في العين، إذ مرجعه حينئذ إلى العرف، وعلى ذلك فان استقصى كذلك ووجد الموضوع صح السلم، وان عز وجوده بطل، فعلى هذا النهى والامر الواقعان في العبارة قد يكونان على وجه المنع واللزوم، كما إذا استلزم الاستقصاء عزة الوجود، وقد يكونان على وجه نفى اللزوم والجواز كما إذا لم يستلزم ذلك. ومن هنا قيل أنها احسن من عبارة القواعد، حيث يجوز، فجمع بين الفردين المختلفين في الصحة وعدمها، (فقال: ولا يجب في الاوصاف الاستقصاء لعسر الوجود،)

[ 276 ]

إذ التعليل بعسر الوجود لعدم الجواز، لا لعدم الوجوب كما قد عرفت، ويمكن أن يراد مما في المتن أنه لا يجب أن يطلب في الوصف الغاية، بل يقتصر على ما يتناوله اسم الوصف، فيكتفى حينئذ في وصف الحنطة مثلا بالحمراء، ولا يطلب الغاية في الاحمرار، وهو وان كان الصق بقوله بل يقتصر إلى آخره، لكنه فيه اولا انه لا يجوز الاقتصار على اسم الوصف مع فرض اختلاف أفراده بما لا يتسامح فيه، ويؤدى تركه إلى الجهالة، وثانيا لا تكون العبارة عامة، للمعروف من الاصحاب هنا النص عليه من المبالغة في كثرة الاوصاف، فلا ريب في أن حمل العبارة على الاول الذى هو اعم من ذلك اولى، ولا ينافيه الاضراب بناء على ما عرفت. نعم لولاه لامكن حمل النهى في العبارة على حقيقته، على معنى أنه لا يفعل ذلك بحيث يؤدى إلى عزة الوجود، لبطلان السلم فيه حينئذ لما ستعرف من اشتراط كون وجوده غالبا، مع احتمال أن يقال فيه ان المراد من الامر بالاقتصار، بيان ابتداء الرخصة في جواز ذلك، حتى ينتهى إلى الوصف المؤدى إلى عزة الوجود، والامر في ذلك سهل بعد وضوح كون المراد على كل حال بيان جواز السلم في غير عزيز الوجود، والمنع فيه، بل قيل انه لا خلاف فيه، بل ربما ادعى الاجماع عليه بل قيل انه الدليل له، مضافا إلى التعليل بأن عقد السلف مبنى على الغرر، لانه بيع ما ليس بمرئى، فإذا كان عزيز الوجود كان مع الغرر مؤديا إلى التنازع والفسخ فكان منافيا للمطلوب من السلف، وان كان هو كما ترى. وعن الايضاح توجيهه بأنه لما جل جناب الحق جل شأنه عن التكليف بما لا يطاق واقتضت حكمته البالغة عدم خرق العادات غالبا بمجرد ما يرد على العبد من متناقض الارادات ابطل السلم فيما يؤدى إلى احدهما قطعا، وما تجد أداؤه تجدد بطلانه، قال: فظهر من ذلك

[ 277 ]

أن ما يعز وجوده لا يصح السلم فيه، وبقى ما لا يعز، لكن وجوده اقلي في الاغلب لاستقصاء الصفات والاقرب فيه الصحة. لعدم استلزامه المحال، مع امكانه في نفسه، وجواز ثبوته في الذمة ولوجود المقتضى وهو عقد البيع، وانتفاء المانع: وهو عزة الوجود، وفي التذكرة (قد بينا ان الاستقصاء في ذكر الاوصاف المخرج إلى عزة الوجود وعسر التحصيل مبطل للسلم، لما فيه من تعذر التسليم الذى هو مانع من صحة البيع، (إلى أن قال) والضابط عزة الوجود وتعذره يبطل معه، ويصح بدونه) قلت ومن ذلك يعلم ان المراد بعزيز الوجود ممتنعه، وبطلان السلم فيه حينئذ واضح - وصحيح عبد الرحمن (1) وغيره دال عليه، مضافا إلى معلومية اشتراط القدرة على التسليم، بل الظاهر بطلان غير السلم فيه من المعاوضات، كجعله ثمن مبيع ونحوه، بل لا يبعد الحاق الندرة التى تعد المعاملة معها سفها به. نعم لا بأس بها إذا لم تكن كذلك وان حصلت المشقة معها، كما نص عليه في القواعد والدروس وغيرهما، وتسمع تمام الكلام في ذلك في اشتراط غلبة الوجود، بناء على ان المنع في عزيز الوجود يؤول إلى فقدان هذا الشرط، لا أنه شرط آخر فتأمل جيدا والله أعلم. (ويجوز اشتراط الجيد والردى) بلا خلاف، للاطلاق السالم عن المعارض من عزة الوجود وغيرها، بل قد يقال بكونهما من الاوصاف التى يتوقف رفع الجهالة على ذكرهما، ومن هنا حكى عن المبسوط والتذكرة وجوب التعرض لهما، بل في التحرير الاجماع واقع على ذكر الجودة، وفي الدروس قيل يجب ذكر الجودة والرداءة بالاجماع، وان قال فيه نظر ولعله كذلك ولو بالنسبة إلى البعض (و) على كل حال فلا ريب في جواز ذكرهما. نعم (لو شرط الاجود لم يصح لتعذره)


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 3

[ 278 ]

بلا خلاف أجده، بل في التذكرة اجماعا، وفي الروضة أنه موضع وفاق، لعدم تناهى مراتبهما، وعلى كل تقدير فهو غير معلوم، لكن في التذكرة بعد دعوى الوفاق المزبور قال: (فيه اشكال لامكان ضبطه في بعض الامتعة كالطعام، فانه قد يتناهى جودته) قلت: لا ريب في جوازه مع هذا الفرض وأنه لا يؤدى إلى عزة الوجود، بل ينبغى الجواز أيضا مع ارادة ما يصدق عليه أنه من الاجود عرفا، لا المرتبة التى ليس فوقها أجود منها، وكأنه إلى ذلك نظر الاردبيلى وصاحب الكفاية فيما حكى عنهما من احتمال الجواز، كما أن نظر الاصحاب لارادة حقيقة اللفظ لغة، فيتجه المنع حينئذ (وكذا لو شرط الاردى) فانه ما من ردى الا وهناك أردى منه. ويأتى فيه ما سمعت. بل قال المصنف: (ولو قيل في هذا بالجواز لكان حسنا لامكان التخلص) بدفع الردى، لانه ان كان هو الاردى، فهو عين الحق والا زاده خيرا ويجب عليه القبول لانه وفاء وزيادة، كما يؤمى إليه النصوص في باب القرض (1) بل عدته من حسن القضاء، وانه من الفضل الذى قد نهينا عن نسيانه (2) بل في التحرير والارشاد الحكم بالصحة، وحكاه في التذكرة قولا لبعض اصحابنا،، وان كنت لم اجده لاحد قبله، بل هو قد استشكل في القواعد، وحكم بالبطلان في التذكرة، كالشيخ وفخر المحققين والشهيدين والكركي وغيرهم، لعدم الضبط، ووجوب قبض الجيد عنه لو دفع لا يصيره مضبوطا عند العقد، لانه ليس من أفراده، على أنه إذا امتنع من الاداء لم يتمكن الحاكم من اجباره. لعدم ضبط الاردى، وعدم استحقاق غيره عليه، (و) التحقيق


(1) الوسائل الباب 19 و 20 من ابواب القرض وباب 12 من ابواب الصرف (2) سورة البقرة الاية 237

[ 279 ]

ما سمعته في الاجود، فتأمل جيدا. ثم انه (لابد) مع ذلك (أن تكون العبارة الدالة على الوصف معلومة بين المتعاقدين ظاهرة في) العرف أو (اللغة حتى يمكن استعلامها عند اختلافهما)، فلو جهلاها أو احدهما بطل، ولا يكفى الاحالة على المراد لغة أو عرفا. ضرورة عدم صدق ارتفاع الجهالة بذلك، بعد ظهور ما دل على شرطيته فيما بين المتعاقدين، و والمراد بظهورها في العرف أو اللغة معروفية اتصاف العين بالوصف المشترط في أحدهما: كى يحصل به قطع النزاع لو حصل، ولعله لذا قال في القواعد (الصفات ان لم تكن مشهورة عند الناس لقلة معرفتها كالادوية والعقاقير، أو لغرابة لفضها، فلابد ان يعرفها المتعاقدان وغيرهما، وهل تعتبر الاستفاضة ام يكفى معرفة عدلين ؟ الاقرب الثاني)، كما عن الايضاح ايضا، بل في جامع المقاصد ان الاقرب الاول، لامكان موت احدهما أو غيبته، لكن قال: ان هذا أي ما ذكره المصنف لا يناسب ما بنى عليه الباب من عدم الجواز فيما لا يعم وجوده، ويعز حصوله، وفي المسالك (المراد بظهورها في اللغة كونها على وجه يمكن الرجوع إليها عند اختلافهما كما قيده، وانما يتم ذلك إذا كان مستفاضا، أو يشهد به عدلان. وعلى كل حال فلو ذكرا وصفا لا يمكن معرفتة وتحققه في احدهما بطل السلم فلا يجوز، ولعل من ذلك بعض الاوصاف التى يذكرها الاطباء من درجات الحرارة أو البرودة ونحوهما، وكان المرجع في ذلك اما الجهالة عرفا أو ما يساويها في الاول إلى النزاع الذى اراد الشارع حسم مادته بالعقود المعروفة، لا اثارته، بان يشرع منها ما يودى إليه مما نحن فيه وغيره، فتأمل جيدا، فانه لا دليل واضح على اعتبار ظهور العبارة في العرف واللغة بعد فرض المعلومية بينهما، واحتمال الاختلاف

[ 280 ]

يرجع فيه إلى قواعد التداعي، فما في المتن مجرد اعتبار. نعم لو كان المراد ما يؤدى إلى المعلومية في المبيع اتجه حينئذ، اما الزائد على ذلك فلا دليل عليه والله العالم. (و) كيف كان فقد بان لك من ذلك كله انه (إذا كان الشئ مما لا ينضبط بالوصف) على وجه يرتفع جهالته ولا يؤدى إلى عزة وجوده (لم يصح السلم فيه) قطعا. نعم قد يشك في بعض افراده (كاللحم نيه ومشويه والخبز) وان نفى الخلاف في الرياض فيهما، بل حكى عن الغنية الاجماع عليه، فانه ربما استشكل في الاول بانه لا فرق بين الحيوان ولحمه، وبينه وبين الشحم، فإذا جاز فيهما جاز في الاخر، وفي الثاني بان النصوص (1) قد جوزت قرضه، وانه لا بأس بالتسامح فيه، ولو كان مما لا ينضبط وصفه لم يجز قرضه مضمونا بمثله، وقد يجاب عن الاول بان الشارع قد كشف عن عدم ضبطه بالوصف. ففى خبر جابر (2) (سألت الباقر عليه السلام عن السلف في اللحم فقال: لا تقربنه، فانه يعطيك مرة السمين، ومرة التاوى، ومرة المهذولة، واشتر معاينة يدا بيد. (بل قال ايضا) وسألته عن السلف في روايا الماء فقال: لا تقربنها فانه يعطيك مرة ناقصة، ومرة كاملة) اللهم الا ان يحمل ذلك منه عليه السلام على الارشاد لعدم الوفاء كما استظهره في الحدائق حاكيا عن بعض مشايخه. أنه حمله على الكراهة، لا ان مراده عدم جواز السلم فيه، لعدم الانضباط بالوصف، وعن الثاني بالفرق بين القرض والسلم: فانه قد يتسامح في الاول بما لا يتسامع في الثاني، المبنى على رفع الغرر والجهالة، كما لا يخفى على من لاحظ احكامهما معا، وما ورد فيهما من النصوص.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب السلف وباب 21 من ابواب الدين والقرض (2) الوسائل الباب 2 من ابواب السلف الحديث 1

[ 281 ]

وعلى كل حال فالامر سهل بعد معرفة الضابط في الجواز والعدم، وان ما شك فيه فالاطلاقات تقتضي جوازه، لعدم تحقق الجهالة المانعة من الصحة إذ المناقشة في الامثلة ليست من دأب المحصلين، خصوصا بعد اختلاف حالها في الامكنة والازمنة، وخصوصا بعد ملاحظة جواز بيع الشخص الموصوف بالاوصاف الرافعة للجهالة عنه، ضرورة امكان فرض ذلك في الكلى على وجه لا يؤدى إلى عزة الوجود كما هو واضح والله العالم. (و) من ذلك السلم (في الجلود) وان قال المصنف فيه (تردد) ينشأ من عدم امكان ضبطها ومعرفتها على وجه ترتفع جهالتها، ولا يؤدى إلى عزة الوجود الا بالمشاهدة التى يخرج معها عن السلم، لشدة اختلاف قيمتها معها، بحيث لا يقوم الوزن مقامها ولا غيره، ومن هنا كان المشهور نقلا وتحصيلا المنع، (وقيل) والقائل الشيخ والقاضى فيما حكى عنهما: (يجوز مع المشاهدة التى تدفع المحذور السابق، (وهو) وان كان كذلك الا انه رده المصنف بانه (خروج عن السلم) الذى قد عرفت وجوب كونه كليا مضمونا في الذمة، واجاب منه في المسالك بانه انما يخرج مع تعيين المبيع، وكلام الشيخ اعم منه، فيمكن حمله على مشاهدة جملة كثيرة يكون المسلم فيه داخلا في ضمنها، وهذا القدر لا يخرج عن السلم كما لو شرط الثمرة من بلد معين، أو الغلة من قرية معينة لا تخيس عادة، الا انه قال بعد ذلك: والاجود المنع للاختلاف، وعدم الانضباط. وفيه ان الاجود الجواز بناء على ما ذكره، إذا جعل المسلم فيه كليا معلوما مضمونا في الذمة، ثم اشتراط الاداء من المشاهد، والا فاشتراط الاداء من المشاهد لا يرفع الجهالة عن المبيع الكلى، إذ هو ليس من اوصافه، لا انه جعل المسلم فيه واحدا منها، كما عساه يفهم من كلامه اولا، إذ هو ان صح كان على سبيل الاشاعة،

[ 282 ]

وهو خارج عن السلم، كخروج الكلى غير المضمون في الذمة عنه، اما الاول فلا - اشكال في صحته، بل قيل: ان ظاهر الخبرين يقتضى الصحة مطلقا، قال في احدهما (1) (انى رجل قصاب ابيع المسوك قبل ان اذبح الغنم ؟ فقال: ليس به بأس، ولكن انسبها إلى غنم ارض كذا وكذا) وفي الاخر (2) (رجل يشترى الجلود من القصاب، فيعطيه كل يوم شيئا معلوما ؟ قال: لا بأس به). وان كان فيه انهما - مع ضعفهما وعدم الجابر بل الشهرة على خلافهما، بل الثاني منهما غير دال على المطلوب، بل لا صراحة فيهما بالسلم - يمكن تنزيلهما على الصورة الصحيحة، أو الشراء بصلح ونحوه أو غير ذلك، هذا، وقد يقال: بالصحة لو فرض امكان المعلومية بمشاهدة انموذج يرفع الجهالة، ولا يؤدى إلى عزة الوجود، ولعل مراد الشيخ ذلك من المشاهدة التى حكم بالجواز معها، والله العالم. (و) كيف كان فالمشهور كما عن الكفاية انه (لا يجوز) السلم (في النبل المعمول) للمانع المزبور، ضرورة كونها تجمع اخلاطا مقصودة، لان فيها خشبا، وعصبا، وريشا، بل قيل: ان الاقرب عدم جوازه في المنحوت منها لعدم القدرة على معرفة تحتها، وتتفاضل في الثمن، وتتباين فيه، مع كونها مخروطة خفيفة الاطراف، ثخينة الوسط، فلا يمكن ضبطها، قيل، وكذا القسى، وفيه انه يمكن فرض الضبط في العيدان على وجه يرتفع المانع المزبور، بل قد يدعى ذلك في المعمول منها ايضا، بل والقسى، واما غير المنحوت منها فلا ريب في جوازه، لامكان الضبط الذى لا يقدح فيه ما لا يتفاوت به الثمن من الاختلاف، (و)


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب السلف الحديث 4 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب السلف الحديث 7

[ 283 ]

(و) من هنا قال المصنف: (يجوز في عيدانه قبل نحتها) نعم لابد من التقدير بالعدد أو الوزن والله اعلم. (و) كذا (لا) يجوز (في الجواهر واللالى لتعذر ضبطها) بحيث ترتفع جهالتها (و) لا يؤدى إلى عزة الوجود ل‍ (تفاوت الاثمان مع اختلاف اوصافها) بالحجم والوزن وغيرهما، لكن ظاهره كغيره ممن اطلق عدم الفرق في ذلك بين الكبار والصغار، وما يراد منه للدواء وغيره، وهو لا يخلو من اشكال، إذ قد صرح بجوازه في الصغار الشهيدان والكركي وغيرهم، بل في الدروس ان الاقرب جوازه في العقيق وشبهه، من الجواهر التى لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتا بينا، قيل: وضابط الصغار من اللالى كلما يباع بالوزن، فلا يلاحظ فيه الاوصاف الكثيرة عرفا، وعن بعضهم تحديدها بما يطلب للتداوي دون التزين، أو ما يكون وزنه سدس دينار، والاولى اناطة ذلك بالعرف. (ولا) يجوز ايضا (في العقار والارضين) للمانع المزبور، والامر في ذلك كله سهل بعد ما عرفت الضابط في الجواز والعدم، خصوصا بعد ما سمعت ان العامي ربما يكون اعرف من الفقيه في ذلك، وان اكثر الاصحاب في الامثلة للجايز و الممنوع، كما اكثروا في بيان الاوصاف للموصوفات، مع انه اطلق في النصوص (1) (انه لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض،) ولا بأس به في الحيوان إذا وصفت الاسنان) اتكالا على العرف، فكان الاولى بالاصحاب ذلك ايضا، (و) لعل المقصود التنبيه اجمالا، فلا بأس بالتأسي بهم والاقتداء بأنوارهم.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب السلف الحديث 1 - 3

[ 284 ]

فنقول قد عرفت انه (يجوز السلم) في كل ما يمكن ضبطه بالوصف المعلوم بين المتعاقدين وغيرهم، من غير تأدية إلى عزة الوجود، فلا اشكال حينئذ في جوازه (في الخضر والفواكه، كذا كل ما تنبته الارض، وفي البيض والجوز واللوز) وغيرهما مما هو كذلك، لامكان ضبطها بالوصف المزبور الذى مرجعه عند التحقيق إلى العرف، لكن في الدروس (انه يذكر في الفواكه البلد والنوع، والطراوة أو ضدها واللون ان اختلف، وفي الزبيب البلد والنوع والكبر أو الصغر، واللون ان اختلف نوعه أو غيره، وفي التمر البلد والنوع، والكبر والصغر، والحداثة والعتاق، واللون ان اختلف النوع، وفي الرطب ذلك كله الا العتاقة، ويجب الفارق، ولو شرط المنصف والمذنب لزم، وله الجاف من التمر والزبيب الخالى من الحثالة، ولا يجب تناهى الجفاف، وفي الحنطة البلد والحداثه والعتق واللون، والكبر والصغر، والصرابة وضدها، ولا يشترط ذكر حصاد عام أو عامين، وان ذكره جاز، وفي الشعير ذلك كله) قلت: وكذا غيرهما من الحبوب، لكن عن المبسوط ان جملة وصف الحنطة ستة، الا انه ابدل الصرابة بالجودة والرداءة، وزاد المحمولة والمولدة، وتبعه في التذكرة (يصف الحنطة بامور ستة، البلد فيقول شامية أو عراقية، فان اطلق حمل على ما يقتضيه العرف ان اقتضى شيئا والا بطل، ويقال محمولة أو مولده يعنى محمولة من البلد التى تنسب إليه، أو تكون مولدة في غيره، ويذكر الحداثة والعتق، والجيد والردى، واللون كالحمراء والبيضاء والصفراء ان اختلفت، وبالحدارة وهى امتلاء الحب، والدقة وصفائه، ويذكر الصرابة أو ضدها: وينبغى أن يذكر القوى أو ضده، (إلى ان قال) وكذا حكم كل صنف من الحبوب من أرز أو دخن أو شعير أو سلت) وفي القواعد (انه يذكر في البر وغيره من الحبوب البلد والحداثة، والعتق

[ 285 ]

والصرابة أو ضدها) وظاهره الاكتفاء في رفع الجهالة عرفا بالثلاثة، واما الرطب فهو وان كان لا يكون عتيقا الا ان له اشتراط لقطة يومه، أو امسه، بل لعل حداثته وعتقه بذلك، بل قد يقال بلزوم التعرض لذلك كما عن بعض الشافعية، لاختلاف الثمن والرغبة باختلافهما اختلافا يؤدى عرفا إلى الجهالة بدونهما والله اعلم (وفي الحيوان كله) غير الاناسى منه (والاناسى) لكن في الدروس (انه يذكر في الابل السن والذكورة أو ضدها، واللون والصنف، كالعرابي والبخاتي والنتاج إذا كان معروفا عام الوجود، وكالعبادي نسبته إلى عباد بالفتح، وهم قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية بالحيرة - وفي الخيل الذكورة والسن والنوع، كالعربى والتركى واللون، وفي البقر والحمر، السن والنوع والذكورة واللون والبلد، وفي الطير النوع واللون وكبر الجثة، لعدم العلم بسنه، وفي الرقيق الذكورة والنوع واللون والسن والقد كالطويل والقصير والربعة. ولو قدره بالاشبار احتمل المنع. لافضائه إلى عزة الوجود، ويحتمل وجوب ذكر الكحل والدعج والزجج وتكلثم الوجه في الجارية وكونها خميصة ريافة الملمس، ثقيلة الردف، أو اضداد ذلك، لتفاوت الثمن به، وعدم عزته، والاقرب وجوب تعيين البكارة والثيبوبة في الامة، فلو اطلق بطل، ولا يشترط ذكر الملاحة فلو ذكرها روعى العرف، ويحمل على أقل درجته، ويحتمل البطلان لعدم انصباطها فان مرجعها إلى الاستحسان والشهوة المختلفين باختلاف الطباع، ولا يجب التعرض لآحاد الاعضاء لعدم تفاوت الثمن فيه بينا، وربما أدى إلى عزة الوجود) وفي القواعد (انه يذكر في الحيوان النوع واللون والذكورة والانوثة والسن وفي الاناسى زيادة القد كرباعي أي اربعة اشبار أو خماسى، فيقول عبد زكى اسمه ابن سبع طويل أو قصير أو ربع، إلى أن قال: ولو اختلف النوع الواحد في الرقيق وجب ذكر الصنف، ولو اتحد لونه كفى نوعه عنه، ثم قال: ويذكر في الابل الذكورة أو الانوثة

[ 286 ]

والسن كبنت مخاض، واللون كالحمرة، والنوع كنعم بنى فلان أو نتاجهم كبختى أو عربي ان كثروا وعرف لهم نتاج، والا بطل كنسبة الثمرة إلى بستان، وفي الخيل السن واللون والنوع كعربي أو هجين، ولا يجب التعرض للشيات كالاغر والمحجل، وفي الطير والنوع والكبر والصغر من حيث الجسة، ولا نناج للبغال والحمير، بل يذكر عوضه النسبة إلى البلد،) ويقرب من ذلك كله ما في التذكرة لكن لا يخفى عليك ما في دعوى توقف رفع الجهالة له عرفا على ذكر بعض ذلك، أو مقتض غيره، أو دليل بالخصوص، ولعل عرفهم غير عرفنا الآن في ذلك، بل وفي عزة الوجود وعدمه، فانه يمكن دعوى عدمها في جملة مما ذكروا أنه مقتض لها، والامر سهل بعد ما عرفت من كون المدار على رفع الجهالة عرفا وعدم عزة الوجود، ومع الشك فالعمومات تقتضي الجواز والله اعلم. (و) كذا الكلام في السلف في (الالبان والسمون والشحوم والاطياب والملابس والاشربة والادوية بسيطها ومركبها ما لم يشتبه مقدار عقاقيرها) وان ذكر في القواعد والدروس وجوب التعرض في الاول إلى النوع كالمعز والمرعى، بل في الاول منهما وان قصد به الجبن أو الكشك، احتمل ذكر الزمان بالصفاء والغم، فان لهما اثرا بينا في ذينك عند أهله، وقالا معا ويلزمه مع الاطلاق حلبة يومه، كما أنهما قالا ايضا يعتبر في الثاني ذكر النوع، كالبقر، واللون كالاصفر والمرعى والحداثة أو ضدها، وينبغى أن يذكر في الثالث النوع واللون والصفاء ونحو ذلك مما يتوقف رفع الجهالة عليه، وكذا الرابع - وأما الملابس ففى الدروس أنه يذكر في الثياب النوع واليلد والعرض والصفاقة والغلظ والنعومة أو اضدادها، ولا يجوز ذكر الوزن لعسره، وله الخام عند الاطلاق، وان ذكر المقصور جاز، فان اختلف البلد ان ذكر بلد القصارة، كالبعلبكي

[ 287 ]

والقبطي، ويجوز اشتراط المصبوغ فيذكر لونه واشباعه أو عدمه، ولا فرق بين المصبوغ بعد نسجه أو قبله على الاقوى، ومنعه الشيخ إذا صبغ بعد غزله، لان الصبغ مجهول ولانه يمنع من معرفة الخشونة والنعومة، وفي وجوب ذكر عدد الخيوط نظر اقربه ذلك، لاشتهاره بين اهله وتاثيره في الثمن) ويقرب منه ما في القواعد وان قال (انه يذكر في الثياب ثمانية النوع كالكتان واليلد واللون والطول والعرض والصفاقة والرقة والنعومة أو أضدادها) ثم ذكر بعد ذلك أوصاف الغزل والقطن والصوف كما أنه في الدروس كذلك ايضا وذكر الحرير والكرسف والكتان وغير ذلك، الا أنه اجاد بعد ما اطنب وتعرض لثلاثة عشر مما تعم به البلوى قال: ومدار الباب على الامور العرفية وربما كان العوام أعرف بها من الفقهاء وحظ الفقيه البيان الاجمالي وهو جيد جدا ومنه يعرف الحال فيما ذكره المصنف وغيره، لكن ظاهر المصنف عدم جواز السلم في الادوية المركبة مع اشتباه مقدار عقاقيرها أي أجزائها التى تتركب منها، بل في المسالك أنه يعلم من ذلك اشتراط العلم بمقدارها نفسها بطريق أولى، لترتفع الجهالة، لكن قال: وفي اعتبار ذلك في المشاهد نظر، من توقف العلم عليه، ومن مشاهدة الجملة وهو أجود، قلت: لا ينبغى التأمل في عدم وجوب المعرفة مقدار الاجزاء إذا لم يكن له ضابط معين مقصود، كما انه لا ينبغى التأمل في وجوب المعرفة معه، واما الجملة فان كانت من المعتبرات وجب، والا ضبطت فيه، ليتمكن من الوفاء، وتسمع قوة عدم اعتبار الضبط بالوزن والكيل المتعارف والله اعلم هذا. (و) لا ريب في انه يجوز السلف (في جنسين مختلفين صفقة واحدة) مع جمع كل منهما لشرائط السلم، اتحدا في الاجل أو اختلفا، وكذا الثمن لاطلاق الادلة

[ 288 ]

بلا معارض، (و) كذا (يجوز السلم في شاة لبون) بلا خلاف أجده لوجود المقتضى وارتفاع المانع، خلافا للشافعي في احد قوليه، فمنعه لمجهولية اللبن وفيه مع أنه من التوابع ان ذلك وصف للنوع لا سلم في اللبن (و) لذا (لا يلزم) عليه (تسليم ما فيه لبن) من الشياة (بل) يكفيه (شاة من شأنها ذلك) بل لو كان فيها لبن فعلا كان له حلبها وتسليمها بلا لبن. نعم المفهوم عرفا من ذلك كونها ذات لبن بالقوة القريبة من الفعل. ومن هنا جزم في المسالك بعدم الاجتزاء بتسليم الحامل وان قرب أوان ولادتها أما لو كانت حاملا وقد در اللبن امكن وجوب القبول للصدق، والامر سهل بعد ان كان المدار على العرف كما هو واضح. (و) كذا (يجوز) عندنا كما في التذكرة (في شاة معها ولدها) وفاقا للمشهور كما في المسالك، لامكان الضبط بالوصف الرافع للجهالة، ولا يؤدى إلى عزة الوجود، وكذا الجارية معها ولدها (وقيل) والقائل الشيخ في المحكى عن مبسوطه والشهيد في اللمعة (لا يجوز) فيهما معا (لان ذلك مما لا يوجد الا نادرا) وربما ظهر من المتن نوع تردد فيه، لقوله وكذا إلى آخره، وعلى كل حال ففيه منع واضح. نعم في التذكرة (المنع في الجارية الحسناء معها ولد صفته كذا و كذا، أو اخت أو عمة بحيث يتعذر حصوله) وهو كذلك وفي الدروس (المنع من اشتراط الولد مع الام المقصود بها التسرى، قال: (ولو قصد بها الخدمة كالزنجية جاز لقلة التفاوت) وفيه منع عزة وجود الاولى ايضا كما جزم به ثانى الشهيدين، ومن الغريب انه جزم في الدروس بجوازه ايضا في الجارية الحامل، سواء كانت حسناء أو شوهاء وفي اللمعة بالعدم موافقا للمحكى عن المبسوط. ومن هنا قال في المتن: (وكذا التردد) في السلم (في جارية حامل لجهالة

[ 289 ]

الحمل) وفيه انه تابع (و) لا عزة وجود (في) الجارية الحامل الموصوفة بما يرتفع معها جهالتها، فالاجود الجواز في الجميع بعد ان كان المدار في المنع على عزة الوجود المعلوم منعها في المقام كما هو واضح، كوضوح (جواز الاسلاف في جوز القز) لذلك بعد الوصف بالطراوة واليبس واللون والبلد، لكن قال المصنف فيه (تردد) بل عن الشيخ الجزم بالعدم لان في جوفه دودا يفسده إذا خرج منه حيا ويمتنع بيعه إذا مات، وفيه ان السلم في غير الدود الذى هو كنوى التمر في بلد لا قيمة له فيه والله اعلم. (الشرط الثالث) من الشرائط (قبض رأس المال قبل التفرق شرط في صحة العقد). اجماعا في الغنية والمسالك (و) حينئذ ف‍ (لو افترقا قبله بطل) عند علمائنا اجمع في التذكرة وهو الحجة فيه بعد شهادة التتبع وانحصار الخلاف في المحكى من قول ابى على: لا اختار تأخير قبضه اكثر من ثلاثة ايام الذى قال في الدروس وغيرها: (انه متروك) نعم عن صاحب البشرى التوقف فيه كصاحب الحدائق معللا له في الاخير بعدم النص، لكنك خبير بان في الاجماع المحكى المعتضد بما عرفت بلاغا، مع احتمال القول بأن اصالة عدم النقل والملك قبله محققة ولو للشك في تسبيب العقد هنا للملك، للاتفاق المزبور، ولان الامر بالوفاء بالعقد اعم منه، بل قد يقال: باعتبار تسليم الثمن في حقيقة السلم، وانه بدونه منتف حقيقة السلم، الا ان الانصاف كون العمدة الاجماع المزبور انما الكلام في المراد من معقده والظاهر من الاولين توقف الملك عليه كشفا أو نقلا، بل الظاهر الثاني منهما. وعلى كل حال فقبله لا ملك وحينئذ فلو كان الثمن فيه كليا لا شيئا معينا لم تشتغل الذمة به، فلا تصح الحوالة حقيقة به وعليه، ولا ضمانه ولا الصلح به وعليه، ولا يحصل به التقاص قهرا، ولا غير ذلك مما يعتبر فيه شغل الذمة المتوقف على ملك

[ 290 ]

الكلى للمستحق، والفرض عدم حصوله قبل القبض، لكن في القواعد والتذكرة انه لو احاله بالثمن فقبضه البايع من المحال عليه في المجلس فالاقوى الصحة، ونحوه ما في الدروس من انه لو احال بالثمن فقبضه البايع قبل التفرق صح والافلا على الاقرب فيهما، وزاد لو احال البايع على المشترى اشترط قبض المحتال في المجلس على الاصح، قال: ووجه الجواز ان الاحالة كالقبض ثم قال: ولو صالح البايع عن الثمن على مال فالاقرب الصحة واشتراط قبض مال الصلح، بل في التذكرة احتمال الصحة في الاول، وان لم يقبض البايع في المجلس و، لعله المتجه بناء على كونها حوالة حقيقة، إذ هي كالقبض، ودعوى انها هنا ليست كذلك كما ترى. وفي الدروس والمسالك انه يقع التقاص قهرا لو كان للمسلم في ذمة المسلم إليه مماثل الثمن الكلى جنسا ووصفا قال في الاخير: والا توقف على التراضي، وفي التذكرة لو كان الثمن عبدا فأعتقه البايع قبل القبض صح، وفيها ايضا لو كان رأس المال دراهم في الذمة فصالح عنها على مال فالاقرب عندي الصحة، إلى غير ذلك مما ينافى ما ذكرنا، وتجشم دفعه - بأن عقد السلم وان كان تأثيره الملك موقوفا على القبض، الا انه يوجب الاقباض على المشترى والقبض على البايع للامر بالوفاء بالعقد وحيث يكون الثمن عينا يتصور انفكاك وجوب الدفع عن كونها ملكا للمدفوع، إذ لا مانع من وجوب دفعها إليه، وان لم تكن ملكا له، اما إذا كان كليا فليس وجوب دفعه الا شغل الذمة به فيترتب عليه ما سمعت. - يدفعه - مع انه لا يتم في العتق والصلح - انه يمكن تصور انفكاكه في الكلى ايضا، ضرورة تصور وجوب الدفع تعبدا من غير شغل للذمة، بحيث لو مات لم يخرج من تركته، بل لعله كذلك بناء على ما عرفت فلا تلازم بين وجوب الدفع وبين عدم حصول الملك للكلى على المسلم الذى هو معنى شغل الذمة به، كما ان تجشم

[ 291 ]

دفعه - بان المراد كونه شرطا كاشفا فيصح الصلح والعتق والحوالة مع تعقب القبض يبطله اولا انه خلاف المنساق من اطلاق الشرطية، وثانيا عدم تقييد ما سمعته في التذكرة من صحة الصلح والعتق بالقبض وثالثا انه لا يتم معه ما سمعته من الشهيدين من المقاصة قهرا. نعم قد يقال: ان المراد من الصحة التى هو شرطها اللزوم فالملك حينئذ يحصل بالعقد ويستقر بالقبض، فمتى افترقا قبله بطل من حينه، ولعله يؤمى إليه ما في التذكرة فانه بعد ان ذكر نحو عبارة الاصحاب من انه يشترط في السلم قبض الثمن في المجلس، وخص معقد اجماعه بالبطلان مع التفرق قبله. قال: مسألة ولا يشترط استمرار قبض الثمن فلو سلمه المشترى إلى البايع ثم رده البايع إليه ودفعه إليه قبل التفرق جاز، ولو رده عليه بدين كان له عليه قبل التفرق صح، لانه ملكه بالعقد واستقر ملكه بالقبض، وهو كالصريح فيما قلناه خصوصا مع ما سمعته سابقا من الفروع التى لا تتجه الا عليه، فلابد حينئذ من التزام ذلك أو رفع اليد عن جميع الفروع السابقة، والاحتياط لا ينبغى تركه، هذا. وقد تقدم في باب الصرف وخيار المجلس ما يغنى عن اعادة كثير من المباحث السابقة المتصورة في المقام، كما انه قد تقدم في باب القبض ما يعلم منه المقدار الذى يجتزى به هنا، والظاهر صدق تسليم المنفعة لو وقعت ثمنا مثلا بتسليم العين في نحو العبد والدار، اما عمل الحر فلا يكفى تسليم عينه فيه والله اعلم، (و) كيف كان ف‍ (لو قبض بعض الثمن) قبل التفرق دون بعض (صح في المقبوض) لوجود المقتضى من العقد والقبض (وبطل في الباقي) لحصول الافتراق قبله الذى قد عرفت الاجماع على حصول البطلان به. نعم صرح غير واحد بأن للبايع الخيار في الفسخ إذا لم يكن بتقصيره للتبعيض الذى قد عرفت سابقا التسلط به على الخيار، الا ان الظاهر عدم الفرق في ذلك بين البايع والمشترى، ولعل اقتصارهم على الاول هنا لان الغالب كون التقصير في عدم القبض من المشترى فيسقط

[ 292 ]

خياره، أما لو فرض عدمه مع حصول التبعيض فلا ريب في تسلطه على الخيار لذلك كما هو واضح. وعلى كل حال فما نحن فيه ليس كعوض المتلفات ونحوها من الديون في عدم جواز امتناع الديان من قبض البعض، ضرورة عدم الصفقة فيه، مضافا إلى تطرق الانفساخ، بل لعل التعيب بالتبعض كاف، ومن هنا قال في جامع المقاصد: (يجب تقييد ذلك بما لم يكن الدين مبيعا، أما إذا كان مبيعا جاز للمشترى الامتناع من قبض البعض إلى تسليم الجميع، للتعيب بالتبعيض، وليس لقائل أن يقول: ان المتقضى لعدم وجوب قبض البعض هنا ليس هو التعقيب بالتشقيص فقط، بل هو مع تطرق انفساخ العقد في الباقي للتفرق قبل قبضه، لانا نقول: ان التبعيض وحده كاف في ثبوت العيب وان قارنه الامر الاخر، فيجب ان يثبت الحكم في الموضع الذى ذكرناه، وقد اقتصر في التذكرة على التعليل به، وان كان قد يناقش فيه في المقام فضلا عن غيره بأن تسلم البعض لا ينافى التسلط عن الخيار مع التعيب بعده بالتبعيض، فحينئذ يجب عليه تسليم المدفوع وهو على خياره لو تبعض بعد ذلك، فتأمل جيدا. ولو أسلم مأة في حنطة ومثلها في شعير في عقد واحد، ثم دفعهما قبل التفرق ووجد بعضها زيوفا من غير الجنس وزع بالنسبة، وبطل من كل جنس بنسبة حصة من الزيوف كما في القواعد وغيرها، لعدم الاولوية، ولو كان الثمن كليا فدفع المعيب من غير الجنس أبدله إذا لم يتفرق المجلس والا بطل العقد، وقد تقدم في الصرف تمام البحث في نحو ذلك، بل تقدم هناك ما يعلم منه حكم ما لو كان العيب من الجنس في المعين وغيره قبل التفرق وبعده، وجواز أخذ الارش بعده وعدمه فلاحظ وتامل. (ولو شرط) المسلم إليه (أن يكون الثمن من دين عليه) بمعنى أنه يسلمه ماله في ذمته في كذا حنطة مثلا (قيل) والقائل الاكثر في المسالك والاشهر

[ 293 ]

في الرياض، والمشهور في الحدائق (يبطل لانه بيع دين بمثله) فيشمله خبر طلحة بن زيد (1) عن الصادق عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يباع الدين بالدين مضافا إلى الصحيح (2) على ما في بعض الكتب (عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك فاتى الطالب المطلوب بيتاع منه شيئا ؟ فقال: لا يبعه نسيئا، وأما نقدا فليبعه بما شاء) بناء على أن المراد شراء الطالب منه شيئا بما له في ذمته، فليس النسئ حينئذ هنا الا السلم، ولكن الموجود في نسخ التهذيب المعتبرة (فأتى المطلوب الطالب) واستدل به في الرياض على المطلوب على هذا التقدير، ولعله حمله على أن المراد اتيان المطلوب الطالب ليشترى الطالب منه بماله في ذمته، فيتحد حينئذ مع الاول، ولكنه خلاف الظاهر. أو أن المراد الاستدلال بفحواه، بناء على ظهوره في عكس المسألة وهو مبنى على ثبوت الحكم في الاصل وهو ممنوع. وعلى كل حال فقد يناقش في ذلك كله بمنع تناول النهى عن بيع الدين بمثله لما صار دينا في العقد، بل المراد منه ما كان دينا قبله، والمسلم فيه من الاول، لا الثاني الذى هو كبيع ماله في ذمة زيد بمال آخر في ذمة عمرو ونحوه مما كان دينا قبل العقد، واطلاق البيع بالدين عرفا على النسيئة محمول على ضرب من التجوز وبمعارضة الصحيح على تقدير دلالته بخبر اسماعيل بن عمر (3) (قال انه كان له على رجل دراهم فعرض عليه الرجل أن يبيعه بها طعاما إلى أجل مسمى، فأمر اسماعيل


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب السلف الحديث 2 (2) الوسال الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8 وفيه أتى المطلوب الطالب كما نقله المصنف عن نسخ التهذيب المعتبرة (3) الوسائل الباب 8 من ابواب السلف الحديث 1

[ 294 ]

من يسأله عن ذلك فقال: لا بأس بذلك، قال: ثم عاد إليه اسماعيل فسأله عن ذلك و قال: انى كنت أمرت فلانا فسألك عنها فقلت: لا بأس، فقال: ما يقول فيها من عندكم، قلت: يقولون فاسد، قال: لا يفعله فانى أوهمت) الذى لا يقدح ما في ذيله بعد معلومية كون ذلك منه تقية، بل منه ينقدح الوجه في حمل الصحيح المزبور على ذلك، مضافا إلى المروى عن قرب الاسناد (1) عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (قال: سألته عن السلم في الدين قال: إذا قال: اشتريت منك كذا وكذا بكذا وكذا فلا بأس) بناء على أن المراد بكذا وكذا مما له في ذمته، لا أن المراد كلى ثم يحاسبه بعد ذلك ما في ذمته. (و) من هنا (قيل) انه يصح ولكن (يكره) خروجا عن شبهة الخلاف والنهى في الصحيح المزبور (وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده عند المصنف و تلميذه الابى والفاضل في التحرير والمقداد والقطيفى على ما حكى عن بعضهم، و لا يحتاج إلى قبض، لان ما في الذمة مقبوض لمن عليه، ولكن مع ذلك لا ريب أن الاول أحوط خصوصا بعد ما قيل من صدق بيع الدين على المؤجل ولو بالعقد، ولذا منع بيع الكالى بالكالى، إذ ليس في نصوصنا هذا اللفظ، انما الموجود فيما ما عرفت من بيع الدين بالدين، وقد ادعى غير واحد منهم ثانى الشهيدين في المقام الوضوح في صدق بيع الدين على المسلم فيه وان كان قد صار دينا بالعقد. واما الثمن فالفرض أنه كان دينا سابقا، وحلوله لا ينافى صدق اسم الدين عليه. نعم قد يمنع صدقه على الثمن الكلى الحال المقطوع بجواز اسلافه، وأنه ليس من بيع الدين بالدين، ومن هنا قالوا في المقام أنه إذا أراد التخلص من شبهة بيع الدين اسلمه كليا في ذمته، ثم حاسبه به بماله في ذمته بعد العقد، فيكون


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب السلف الحديث 3

[ 295 ]

حينئذ استيفاء لا ثمن سلم، بل في الدروس والمسالك وغيرهما أنه يحتاج إلى المحاسبة إذا اختلفا في الجنس أو الوصف، والا وقع التقاص قهرا، وان كان قد يشكل بأنه يلزم منه كون مورد العقد دينا بدين، وبانه معاوضة على ثمن السلم قبل قبضه، فتكون فاسدة، ويدفع بأن الثمن امر كلى، وتعينه في شخصي لا يقتضى كونه الثمن الذى جرى عليه العقد، ومثل هذا التقاص والتحاسب استيفاء لا معاوضة. نعم يشكل أصل اشتغال الذمة بالكلى بمجرد عقد السلم الذى قد عرفت كون القبض شرطا في صحته، وقد تقدم البحث فيه سابقا، فتأمل جيدا، فان ذلك كله محل للنظر، لاحتمال اعتبار سبق الدينية في صدق بيع الدين بالدين، وصدقه على السلم انما هو بعد تمامه لا قبله، والمنع من بيع الكالى بالكالى وان لم يكن موجودا في طرقنا، وانما هو من طرق العامة (2) - ولكن قد عمل به الاصحاب، وقد ذكروا في تفسيره ما يشمل ما كان منه بالعقد فيختص به حينئذ، أما غيره مما لم يكن سابق الدينية ولا هو من بيع الكالى بالكالى فباق على مقتضى العمومات، ومنه المسألة وعكسها، ولكن الانصاف عدم خلو المسألة عن البحث، ولعلك تسمع فيما يأتي في مسألة بيع الدين التحقيق انشاء الله تعالى، والله أعلم. ولو شرط تأجيل الثمن بطل، بلا خلاف اجده لا لان التقابض شرط، إذ يمكن فرضه فيما لا ينافيه لقصر الاجل ونحوه، بل لانه من بيع الدين بالدين كما ستعرف تحقيقه في محله، بل والكالي بالكالى، وهو مؤيد لما قلناه سابقا من صدقه على ذلك وان كان دينا في العقد، والحاصل ان الحالين أو أحدهما بالعقد لا سابقا لا يصدق عليه بيع الدين بالدين، بخلاف المؤجلين، فانه يصدق عليه ولو بالعقد كالحالين قبل العقد أو أحدهما حال قبله، والاخر مؤجل كذلك، فتأمل جيدا.


(2) الجامع الصغير ج 2 ص 192 طبع عبد الحميد احمد حنفى

[ 296 ]

ولو شرط التأجيل في بعض الثمن بطل فيه قطعا، وفي القواعد والتذكرة والدروس وغيرها بطل في الجميع، لجهالة ما يوازى المقبوض، ولعله لان الاجل ليس له قيمة معلومة، وليس هذا كبطلان البعض في مثمن النسيئة في بعض الثمن، ضرورة اقتضائه التوزيع في الحال والمؤجل، فلا جهالة. نعم قد يقال ان اهل العرف كما أنهم علموا التفاوت فيما بين الحال والمؤجل كذلك يعلمون مقداره، فإذا بان عندهم أن الحال يقابل الثلثين، والمؤجل ثلثا بطل في الثلث وصح في الثلثين وهكذا، ومن هنا احتمل في الدروس الصحة في المقام والتقسيط فيما بعد، كبيع سلعتين فيستحق احديهما فتأمل جيدا، فانه يمكن ان يكون البطلان في الجميع باعتبار ان الشرط في السلم استحقاق القبض في جميع الثمن في المجلس من حين العقد مع فعلية القبض، والاول لا تبعيض فيه بخلاف الثاني، فيبطل حينئذ، ولو في البعض لفوات الشرط الاول والله العالم. (الشرط الرابع) من الشرائط (تقدير المسلم) فيه بالكيل أو الوزن العامين) في المقابلة بلا خلاف اجده إذا كان من المكيل والموزون، بل ولا اشكال ضرورة توقف المعلومية فيهما عليهما في المشاهد، فضلا عن الغائب (و) حينئذ ف‍ (لو عولا على صخرة مجهولة) عند العامة (أو مكيال مجهول) كذلك (لم يصح ولو كان) كل منهما (معينا) عندهما لعدم ارتفاع الجهالة شرعا بل وعرفا بذلك، ولانه قد تهلك الصخرة والمكيال فيتعذر معرفة المسلم فيه، ولو عينا مكيالا معينا أو صبخة كذلك من العامين ففى القواعد والتذكرة لغى الشرط لعدم الفائدة وصح العقد وفيه انه يمكن فرضه مفيدا. نعم قد يقال ان المانع ما تسمعه من عدم الطمأنينة ببقائهما إلى وقت الاداء فيحصل النزاع والغرر، لكن ستعرف المناقشة فيه، ثم ان المستفاد من النص والفتوى ارادة الكيل

[ 297 ]

في المكيلات، والوزن في الموزونات خصوصا ما عبر فيها بأو، لا أن المراد الجمع بينهما بل ربما ادى الجمع بينهما كان تقول مثلا مأة صاع وزنها كذا أو بالعكس في بعض الموضوعات إلى عزة الوجود، فيبطل كما هو واضح، وفى قيام كل منهما مقام الاخر وعدمه أو الوزن خاصة البحث السابق، هذا كله في المكيل والموزون عادة. أما إذا لم يكن من المكيل أو الموزون في المشاهدة بل كان يباع جزافا فقد صرح غير واحد بوجوب تقديره في السلم بهما، لعدم المشاهدة الرافعة للغرر فيه وهو جيد، لكن قد يناقش في اعتبار الكيل والوزن العامين فيه، ضرورة كون المدار فيه على ما يقوم مقام المشاهدة في رفع الغرر فيه، وهو حاصل بهما و بغيرهما مما يتفقان عليه مما لا يتعارف المعاملة بهما، واعتبار الكيل والوزن في المسلم فيه في النصوص مبنى على الغالب مما يعتبر فيه ذلك، أو ما لا ينضبط الا بهما، إذ احتمال اعتبار ذلك في السلم تعبدا وان ارتفع الغرر بغيرهما بعيد، وان اقتضاه ظاهر اطلاق بعض الفتاوى، ودعوى - ان التقدير بغير العامين لا يؤمن معه تلفهما فيتعذر معرفة المسلم فيه ويحصل النزاع، بل بذلك يتحقق الغرر والخطر - يدفعها منع صلاحية مثل ذلك مانعا من الصحة، مع أنه يمكن فرضه فيما يقطع فيه بعدم التلف. لقصر الاجل ونحوه، أو لضبطه في صنف يؤمن معه ذلك، كما هو واضح، والله اعلم. (و) كذا الكلام في الذراع ف‍ (يجوز الاسلاف في الثوب اذرعا) متعارفة أو ليست متعارفة، إذا كان المسلم فيه تكفى فيه المشاهدة لو كان موجودا، وانما المراد بالذرع ضبطه بحيث يقوم مقام المشاهدة، وحينئذ فلا يختص المعتاد بل يجوز الاسلاف بالاشبار ونحوها مما يضبط بها ويقوم مقام المشاهدة، (وكذا) الكلام في (كل مذروع) بل قد سمعت من الشيخ في الجلود ما يمكن السلم معه من دون ذلك كله إذا كان المسلم فيه من جملة مشاهدة، وان كان لم يحك عنه اعتباره في المقام

[ 298 ]

فلاحظ وتأمل. (وهل يجوز الاسلاف في المعدود عددا الوجه) عند المصنف والشيخ في المبسوط وابنى زهرة وادريس والفاضل في التذكرة أنه (لا) يجوز، لعدم ارتفاع الغرر به لكثرة اختلاف المعدود في الكبر والصغر وغيرهما، والاكتفاء به في المشاهدة لارتفاع الغرر بها، لا به، وعليه بنى المنع في محكى الخلاف في الجوز والبيض الا وزنا، خلافا لابي حنيفة، قال: وأما البطيخ فلا يجوز اجماعا، وعن المبسوط بعد نفى الجواز في المعدود عددا قال: كلما أنبتته الارض لا يجوز السلم فيه الا وزنا، ثم نص على المنع في اللوز والفستق والبندق. قلت: التحقيق الجواز فيما لا يكثر فيه التفوت بل كان التفاوت فيه يتسامح فيه بالعادة، وفاقا للفاضل في جملة من كتبه والشهيدين وغيرهما، لعدم الغرر فتشمله الاطلاقات، بل الوجه الجواز أيضا فيما يكثر فيه التفاوت إذا امكن ضبط صنف منه بالوصف الذى لا يؤدى إلى عزة الوجود لذلك أيضا، ومن هنا قال: في المسالك هنا (الضابط للصحة الانضباط الرافع لاختلاف المثمن، ولعل فيه ايماء إلى ما ذكرناه سابقا، ودعوى - أن المعدود جميعه متفاوت تفاوتا لا يتسامح فيه، ولا يمكن ضبط صنف منه بالوصف الرافع للجهالة، ولا يؤدى إلى عزة الوجود. فليس الا الكيل والوزن العامان الذى لا عبرة بالعدد معهما - واضحة المنع من وجوه. (و) على كل حال ف‍ (لا يجوز الاسلاف في القصب أطنانا ولا في الحطب حزما، ولا في المجزور جزا ولا في الماء قربا) للاختلاف الذى لا يرفعه العد كما أومئ إليه الصحيح السابق في الاخير، ومنه يعلم وجه الصحة إذا فرض امكان الضبط على وجه يرتفع به الاختلاف المزبور، ويقوم مقام المشاهدة في ذلك، من غير فرق بين الكيل والوزن العامين وغيرهما، نعم قد يتوقف كما سمعت في خصوص ما لو كان الضابط شيئا معينا لا يؤمن بقاؤه إلى حين الوفاء، فيؤدى إلى التنازع،

[ 299 ]

وإلى الغرر الذى هو بمعنى الخطر، أما إذا كان الضابط مما يؤمن عليه ذلك لكثرة صنفه أو غير ذلك اتجه الجواز: لاطلاق الادلة، فتأمل جيدا. ثم انه من المعلوم جواز ضبط ذلك كله بالوزن بل وبالكيل فيما يمكن أن يكال منه على وجه لا يتجافى في المكيال كما هو واضح. والله اعلم. (وكذا لابد أن يكون رأس المال مقدارا بالكيل العام أو الوزن) كذلك إذا كان مما يعتبر فيه ذلك، (ولا يجوز الاقتصار) في ذلك (على مشاهدته) للغرر المنفى (1) في البيع الشامل للسلم وغيره، (و) حينئذ ف‍ (لا يكفى دفعه مجهولا كقبضة من دراهم وقبة من طعام) ونحو ذلك. خلافا للمرتضى فجوزه مكتفيا بالمشاهدة (ولا دليل يعتد به له، بل ظاهر الادلة خلافه، خصوصا ما اعتبر المعلومية في الثمن من النصوص التى لا تحصل قطعا في نحو ذلك الا بهما. نعم يتجه الاكتفاء بالمشاهدة فيما لا يعتبر في بيعة غيرها، ضرورة عدم الفرق بين ثمن السلم وغيره في ذلك، فاطلاق المصنف حينئذ غير جيد ان لم ينزل عليه، كما هو واضح. (الشرط الخامس تعيين الاجل). أي الاجل المتعين، ضرورة عدم اختصاص السلم بكون الاجل متعينا (ف‍) انه (لو ذكر أجلا مجهولا) فيه أو غيره من العقود التى يشترط فيها المعلومية (كأن يقول متى أردت أو أجلا يحتمل الزيادة والنقصان كقدوم الحاج) أو نحو ذلك مما يؤدى إلى الجهالة كالدياس والحصاد (كان باطلا) بلا خلاف أحده بيننا بل عن نهج الحق والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعدما دل على نفى الغرر والنبوى (2) في المقام كالنصوص المستفيضة (3) التى لا يقدح فيها أخصية مواردها


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الحديث 3 الدعائم ج 2 ص 19 (2) الجامع الصغير ج 2 ص 164 طبع عبد الحميد احمد حنفى (3) الوسائل الباب 3 من ابواب السلف

[ 300 ]

لعدم القائل بالفرق فلابد حينئذ ان يكون المراد اشتراط أصل الاجل أو يكون هو ممن لا يشترط فيه، وحينئذ فالسلم عنده اعم من المؤجل والحال، كما عساه يؤمى إليه قوله. (ولو اشتراه) سلما (حالا) فانه (قيل يبطل) لعدم الشرط المستفاد من اجماع الغنية والمحكى عن الشيخ وظاهر التذكرة، والمحكى عن مجمع البرهان والكفاية، والنسبة إلى الامامية فيما عن نهج الحق والنبو (1)) من اسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم) وخبر سماعة (2) (سألت عن السلم، وهو السلف في الحرير والمتاع الذى يصنع في البلد الذى انت فيه قال: نعم إذا كان إلى اجل معلوم) وغيره بل قد اشتملت اكثر النصوص على ذكر الاجل وان لم يكن في سياق اشتراطه الا انه لا ينكر ظهورها في ان المعروف من السلم المؤجل، بل لا ينكر انسياق التأحير فيه منه، خصوصا بعد ملاحظة أن مشروعيته للارفاق بالمحتاجين، فيكون حقيقة في المؤجل مجازا في غيره، كما صرح به في التذكرة. (وقيل يصح) سلما للاصل، بعد منع اعتبار الاجل في مفهومه، كما يومى إليه جعله شرطا عند من اعتبره فيه، والانسياق المزبور انما هو للغلبة لا لمجازية غيره، والا لم يتم في الذى أجله يوم أو نصف يوم ونحوهما مما هو سلم حقيقة قطعا، إذ التحقيق عندنا عدم اعتبار كون الاجل له وقع في الثمن، للاصل والاطلاق وغيرهما، خلافا لاحمد والاوزاعي وأبى على فاعتبروه واقله ثلاثة ولا دليل عليه كما انه لا دليل على تحديده في الكثرة، فمنع من الثلاث سنين للنهى (3) عن بيعه سنين: المحمول على الكراهة عندنا، وعلى كل حال


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 164 طبع عبد الحميد احمد حنفى (2) الوسائل الباب 3 من ابواب السلف الحديث 4 (3) الجامع الصغير ج 2 ص 192 طبع عبد الحميد احمد حنفى

[ 301 ]

فالمؤجل قليلا ليس بمنسان قطعا، ومنه يعلم ما في الاستناد إلى الارفاق الذى هو الحكمة في مشروعيته، بل لعل المراد من النبوى وما شابهه ارادة بيان اعتبار المعلومية في الاجل، لا اعتبار اصل الاجل، وكان اطلاقه مبنى على غلبة الاجل في السلف، بل قلما يقع سلم بدونه، بل ان أرادوا الحال أوقعوه بيعا لا سلما، كل ذلك مع استبعاد اعتبار الاجل الذى مع اشتماله على الغرر، يمكن التوافق على اسقاطه في صحته. بل هو إذا جاز في المؤجل ففى الحال أولى، كما أومئ إليه صحيح ابن الحجاج (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا ؟ قال: ليس به بأس، قلت: انهم يفسدونه عندنا قال: فأى شئ يقولون في السلم ؟ قلت: لا يرون فيه بأسا يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح. فقال: إذا لم يكن أجل كان احق به، ثم قال: لا بأس أن يشترى الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل أو حالا لا يسمى له اجلا، الا ان يكون بيعا لا يوجد، مثل العنب والبطيخ في غير زمانه، فلا ينبغى شراء ذلك حالا) ونحوه آخر (2) بل ربما كان اظهر منه. ولعله إليه اشار المصنف بقوله: (وهو المروى لكن بشرط أن يكون عام الوجود في وقت العقد) وان كان قد يناقش في ارادة جواز ذلك سلما منه الذى يمنعه ابو حنيفة ومالك والاوزاعي، ويتوهم ارادتهم من لفظ الناس في كلام الراوى بامكان ارادة مطلق الشراء حالا، بل هو الظاهر، ويكون المنع فيه لانه ليس عنده فيندرج فيما دل على المنع عنه (3) بل كان الخبر صريح في ذلك، بل ربما كان في


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 3 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 1 - 3 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 2 و 5

[ 302 ]

كلام السائل ايماء إلى اعتبار الاجل في السلم، اللهم الا ان يرجع قوله عليه السلام (إذا لم يكن اجل إلى آخره) إلى السلم، كما انه يمكن دعوى ظهور ذيله في التسوية بين الحال والمؤجل في كيفية البيع، مضافا إلى اطلاق جملة من المعتبرة النافية للبأس عن السلم مع الضبط بالمقدار من دون تعرض للاجل، ولا ينافيها ذكرها في غيرها بعد ان كان المراد من بيانه الفرد المتعارف من السلف، خصوصا مثل النبوى الوارد (1) بلفظ الاستسلاف الذى هو حقيقة في المؤجل مثمنه، لابيع السلم الذى هو عند الفقهاء الذى يقع من البايع مثلا بلفظ بعت ونحوه، فتأمل. وعلى كل حال فظاهر المصنف الميل إليه كالفاضل في القواعد حيث انه في بحث اشتراط الاجل قال: (والاقرب عدم اشتراط الاجل فيصح السلم في الحال، لكن يصرح بالحلول) في التحرير (ولا يشترط في المسلم فيه كونه مؤجلا ويصح السلم في الحال لكن ليصرح بالحلول، فان اطلق فالوجه البطلان، سواء ذكر الاجل قبل التفرق اولا، وكذا الشهيد في اللمعة قال: (والاقرب جوازه حالا مع عموم الوجود عند العقد) واصرح منه ما في الدروس (الشرط الثالث ان يكون المسلم فيه دينا لانه موضوع لفظ السلم لغة وشرعا، فلو اسلم في عين كانت بيعا، ولو باع موصوفا كان سلما نظرا إلى المعنى في الموضعين، وليس المانع من السلف في العين اشتراط الاجل الذى لا يحتمله العين، لان الاصح انه لا يشترط الاجل. نعم يشترط التصريح بالحلول وعموم الوجود عند العقد، ولو قصد الحلول و لم يتلفظ به صح ايضا، ولو قصد الاجل اشترط ذكره، فيبطل العقد بدونه، ولو اطلقا العقد حمل على الحلول) ومن الغريب بعد ذلك كله ما في جامع المقاصد حيث فسر عبارة القواعد السابقة، بارادة وقوع البيع بلفظ السلم، قال: وجه القرب دلالته


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 164 طبع عبد الحميد احمد حنفى

[ 303 ]

على المراد من البيع، لانه يؤدى معنى ايجابه كما سبق، لان السلم بيع لانه من جملة افراده، فلا يكون استعمال لفظه في بيع آخر استعمالا اجنبيا الا انه يجب ان يصرح بالحلول، لان جزء مفهوم السلم التأجيل فلا بد من صارف يصرفه عن مقتضاه، وذلك هو التصريح بالحلول. وتبعه على ذلك ثانى الشهيدين في تفسير عبارة اللمعة، الا انه اعترف بعد ذلك بأن الظاهر منها وفي الدروس وكثير ان الخلاف مع قصد السلم وان المختار جوازه مؤجلا وحالا مع التصريح بالحلول، ولو قصدا بل مع الاطلاق ايضا، و يحمل على الحلول وكان الذى اوهمهما ذلك حتى انهما فسرا العبارة بما يرجع إلى النزاع في الصيغة المذكورة سابقا ما في المختلف، فانه اجاب عما ذكره حجة للشيخ وابنى ابى عقيل وادريس على اشتراط الاجل في السلم، من النبوى السابق وغيره، بانا نقول بموجبها، فانا نسلم وجوب ذكر الاجل مع قصد السلم، وليس محل النزاع بل البحث فيما لو تبايعا حالا بحال بلفظ السلم، ضرورة ظهوره في ان ذلك ليس محلا للنزاع، بل انما هو فيما يرجع إلى الصيغة. لكنك خبير بما فيه بل المحكى عن الشيخ وابنى ابى عقيل وادريس صريح في ان المراد اشتراط الاجل، وانه يبطل كونه سلما، كما ان العبارات السابقة صريحة في خلافه، وان نظرهم في تلك العبارات إليه، فلا داعى إلى تأويل الجميع بما هو مقطوع بفساده عند التأمل، خصوصا بعد ما عرفت من قوة القول بعدم اشتراط الاجل فيه، وأنه يصح سلما فيعتبر فيه حينئذ القبض في المجلس وغيره مما يعتبر فيه. والمراد بالتصريح بالحلول ما يشمل اتفاقهما عليه ضرورة عدم مدخلية اللفظ في ذلك. بل قد عرفت ما في الدروس والروضة من الصحة مع الاطلاق المحمول على

[ 304 ]

قصد الحلول، وان كان قد يناقش فيه بالفرق بين المسلم وغيره في ذلك باعتبار غلبة تعارف استعماله في المؤجل، فيشكل تنزيل اطلاق عقده عليه مع فرض خلوهما عن قصد الحلول، اللهم الا ان يراد به وقوع الاطلاق المعلوم فيه عدم ارادة التأجيل ولا الحلول فان التنزيل حينئذ على الحلول شرعى باعتبار تسبيب العقد الملك حال وقوعه فيستحق عليه حينئذ المطالبة والاداء، لا عرفى فلا مدخلية لغلبة الاستعمال و عدمها فيه، فتأمل جيدا، واما اعتبار عموم الوجود فيه فمرجعه إلى. (الشرط السادس) وهو (ان يكون وجوده) أي المسلم فيه (غالبا) بحسب العادة (وقت الحلول، ولو كان معدوما وقت العقد) لصدق القدرة على التسليم بذلك، إذ العاديات بمنزلة الموجودات، فلا تقدح المعدومية وقت العقد، وان كان مقتضى الاستصحاب بقاؤها، بل الظاهر أن ذلك ليس من ملك المعدوم في شئ، ضرورة أن الحاصل بالعقد أنه يملك عليه ذلك، فهو أشبه شئ بالخطاب التعليقي الذى لا قبح فيه، ومنه يظهر الفرق بين ملك المعدوم، والمضمون في الذمة، كما أنه لا فرق بين السلم وغيره في جواز المعاوضة على المعدوم في وقت العقد الموجود في غيره، إذا كان مورده الذمة، فلا بأس بوقوع ذلك ثمنا لمبيع ونحوه، بل الظاهر أن مرجع هذا الشرط إلى القدرة على التسليم الذى لا فرق فيها بين السلم وغيره، ولذا عبر عنه في الدروس به فقال: السادس القدرة على التسليم عند الاجل فلا يضر العجز حال العقد ولا فيما بينهما، ونحوه عن الكفاية، وفي التذكرة (البحث الرابع امكان وجود المسلم فيه، مسألة يشترط كون المسلم فيه مسألة يشترط المسلم فيه موجودا وقت الاجل ليصح امكان التسليم فيه، وهذا الشرط ليس من خواص السلم بل هو شرط في كل مبيع) وليس مراده من الامكان الذى عبر به هنا وفى القواعد مجرد الاحتمال قطعا، بل المراد امكان وجوده عادة، فان الممكن وجوده عادة هو الذى لا يعز وجوده

[ 305 ]

ومن هنا فرع عليه (انه لو أسلم في منقطع عند الحل كالرطب في الشتاء لم يصح، وكذا لو أسلم فيما يندر وجوده، ويقل وقت الاجل حصوله، كالرطب اول وقته، لتعذر حصول الشرط، ولو غلب على الظن وجوده وقت الاجل، لكن لا يحصل الا بمشقة عظيمة كالقدر الكثير من الرطب في الباكورة، فالاقرب الجواز، لامكان التحصيل عند الاجل، وقد التزمه المسلم إليه، خلافا لاكثر الشافعية) إلى آخره وظاهر الجميع ما قلناه. وفي مفتاح الكرامة (ان الخلاف والسرائر والمبسوط والتذكرة في موضع منها والتحرير ونهج الحق عبرواعنه بكونه مأمون الانقطاع، وزيد فيما عدا الاولين كونه عام الوجود، وفي الخلاف الاجماع على ذلك، وفي التحرير نفى الخلاف عن الاولين، وفي نهج الحق ان ذلك مذهب الامامية). وفيه ان ما حضرني من هذه الكتب لم يعبروا بذلك في بيان الشرطية لاصل السلم بل ذكروا ذلك في السلف في خصوص المعدوم، للرد على ابى حنيفة، وستسمع عبارة التحرير ونهج الحق والسرائر وغيرها، وفي التذكرة بعد ان ذكر الشرط بالعبارة التى سمعتها قال: (مسألة يجوز السلم في كل معدوم ان كان مما يوجد غالبا في محله، ويكون مأمون الانقطاع في أجله)، ثم ذكر خلاف ابى حنيفة وضعفه. نعم في الوسيلة (انما يصح السلف إذا اشتمل على تسعة شروط، وصف المبيع، وبيان النوع، والمقدار بالشئ المعلوم، وبيان الاجل، وان يأمن انقطاعه المسلف فيه عند محله، وعام الوجود، وتعيين موضع التسليم ان كان لنقله اجرة، ومشاهدة رأس المال أو وصفه، وتبيين مقداره وقبضه قبل التفرق) ويمكن ان يريد بعام الوجود سنته. وكيف كان فالمراد على تقدير التعبير عنه بذلك ما ذكرناه ايضا، ضرورة كون المأمون انقطاعه الذى يعتاد وجوده، بل كان من اردفه بعموم الوجود اراد تفسيره بذلك، فيرجع الجميع إلى معنى واحد، ولذا قال: في التحرير (يجب كون المسلم فيه عام الوجود عند الحلول

[ 306 ]

بلا خلاف) وكان الغرض من التعرض إلى هذا الشرط الذى لا يختص بالسلم الرد على الثوري والاوزاعي وابى حنيفة الذين لم يجوزوا السلم في المعدوم، وانه يجب ان يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حال المحل، محتجين بان كل زمان من ذلك يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه، بان يموت المسلم إليه فيعتبر وجوده فيه كالمحل، وهو واضح البطلان، بل قول الاصحاب وان كان معدوما وقت العقد كالصريح في التعريض به، ومن هنا قال في كشف الحق. (ذهبت الامامية إلى جواز السلف في المعدوم إذا كان عام الوجود وقت الحلول. وقال ابو حنيفة: لا يجوز الا ان يكون جنسه موجودا في حال العقد والحلول وما بينهما) إلى آخره وهو كالصريح في ان المراد ما ذكرنا. وفي السرائر لم يذكر ذلك في شرائط السلم، وانما قال بعد الفراغ من جملة من احكامه: (ويجوز السلف في المعدوم إذا كان مأمون الانقطاع) وقال في المقنعة باب البيع المضمون: (ومن ابتاع شيئا معروفا بالصفات كان ذلك ماضيا وان لم يكن الشئ حاضرا وقت الابتياع، فإذا ابتاعه على ما ذكرناه كان في ضمان البايع حتى يسلمه إلى المبتاع، (إلى أن قال) ولا يصح بيعه مشترطا من اصله، ولا بأس ببيعه مطلقا بغير اشتراط والمشترط من اصله بيع الحنطة من أرض مخصوصة، والثمرة من شجرة بعينها، والسخولة من غنم على حيالها والزيت من الزيتون الفلاني، والدهن من السمسم المعين، والثوب من غزل امرأة مسماة، لان ذلك ربما خالف الصفة، بل هو غير مضمون لجواز فوته، ولا بأس ببيع ذلك مطلقا من غير اضافة إلى اصل مخصوص من بين الاصول، بعد ان تميزه بالصفات) إلى آخر الباب. وليس في شئ من كلامه تعرض لعموم الوجود وكذلك الشيخ في النهاية، بل ظهر اطلاق كلامهما عدم ذلك، ونصهما على المنع اشتراط التعيين في الارض بعد تعليلهما ذلك بعدم ضمانه ليس مبناه ذلك قطعا كما هو واضح. وكيف كان فمن الغريب تخيل المخالفة من عبارتي القواعد والدروس لما عند الاصحاب حيث اكتفيا بالامكان

[ 307 ]

والقدرة، وهما أعم من عموم الوجود وغلبته واعتياده. وفيه ما عرفت من ان المراد بالامكان ذلك - وأما القدرة فهى اوضح في هذا المعنى منه، ضرورة عدم احرازها في غير العاديات التى لم يعلم حصول القدرة عليها، للشك في اصل وجودها المقتضى للشك في القدرة عليها الذى هو معنى الغرر المنهى عنه، مع انه قدر صرح في الدروس بانه لو اسلم فيما يعسر وجوده عند الاجل مع امكانه، كالكثير من الفواكه في البواكير، فان كان وجوده نادر بطل، وان امكن تحصيله لكن بعد مشقة فالوجه الجواز مع امكانه، ويحتمل المنع لانه غرر. وكيف كان فلا ريب في اعتبار هذا الشرط بناء على ذلك إذ صحيح عبد الرحمن (1) والاجماع بقسميه وادلة الغرر (2) وغيرها حجة عليه أما إذا اريد منه امر زائد على ما في البيع، وانه لا يجوز السلم فيما يجوز نقله بغيره مما لم يكن عام الوجود وغالبه، كما عساه يوهمه ظاهر بعض العبارات، وبعض الفروع المذكورة، فلا اجد دليلا عليه بل اطلاق الادلة يقضى بخلافه بل شدد النكير المقدس الاردبيلى على اشتراط هذا الشرط، وادعى ان موثقة عبد الرحمن المتقدمة سابقا دالة على خلافه، بل وصحيح زرارة (3) (سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل اشترى طعام قرية بعينها فقال لا بأس ان خرج فهو له، وان لم يخرج كان دينا عليه). وخبر خالد بن الحجاج (4) عن الصادق عليه السلام أيضا (في الرجل يشترى طعام قرية بعينها وان لم يسم له طعام قرية بعينها أعطاه حيث شاء) وكان في الخبر سقطا الا انه لا يقدح في الاستدلال، قلت: بل وخبر الكرخي (5)، عن أبى عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 3 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الحديث 3 (3 - 4 - 5) الوسائل الباب 13 من ابواب السلف الحديث 1 - 3 - 2

[ 308 ]

(كل طعام اشتريته في بيدر أو طسوج (أي ناحية) فأبى الله عليه، ليس للمشترى الا رأس ماله، ومن اشترى من طعام موصوف ولم يسم فيه قرية ولا موضعا فعلى صاحبه أن يؤديه) والجميع كما ترى منافية للشرط المزبور الذى قد عرفت خلو جملة من العبارات عنه على هذا النحو المذكور في كلام بعض المتأخرين. وفى الغنية (وأما السلم فشرائطه الزائدة التى تخصه أربعة، ذكر الاجل المعلوم، وذكر موضع التسليم، وأن يكون رأس المال مشاهدا، وأن يقبض في مجلس العقد، بدليل الاجماع من الطائفة، ولانه لا خلاف في صحته مع تكامل هذه الشروط، ولا دليل على ذلك إذا لم تتكامل) وهو كما ترى قد نفى الخلاف عن الصحة مع هذه الشروط التى ليس منها عموم الوجود فعلم ان مرجعه الى القدرة على التسليم التى لا فرق فيها بين السلم وغيره. ومما يؤكد ذلك أنه بناء على هذا الشرط وأنه غير القدرة على التسليم ينبغى بطلان السلم فيما اتفق انحصاره في بعض الناس من غلة أو قهوة أو ابل أو غنم أو عبيد أو غير ذلك، وان كان الموجود فعلا عنده كثيرا فليس له أن يبيع شيئا منه مضمونا حالا منه، أو على أنه سلم أو مؤجلا بساعة مثلا، لاشتراط عموم الوجود والفرض انتفاؤه، والبديهة تقضى بفساد ذلك، كاقتضائها فساد دعوى بطلان السلم في غلة بلد بعيدة عن بلد العقد لا يعتاد النقل منها إليه، مع أنك قد سمعت ما في الدروس من الصحة مع قصد البلد، بل الظاهر الصحة ولو شرط التسليم في بلد العقد، وعدم عموم وجوده فيه غير قادح بعد أن كان عاما في بلده، فينقله حينئذ منها مقدمة للتسليم، ولو صرح باشتراط النقل كان أوضح في الصحة. نعم يتجه البطلان فيما لو أسلم في غلة لا توجد الا في بلد بعيدة لا يعتاد النقل منها على أن يكون المراد هذه الغلة في هذا البلد، ضرورة عدم القدرة على التسليم ولا يكفى وجودها في تلك البلاد، ولانصراف عقد السلم عرفا في غلة بلد العقد وما

[ 309 ]

قاربها مما يتعارف النقل منها لامثل ذلك، ولذا لا يكلف النقل من امثال ذلك في الآفة مع المشقة والبعد المفرط، ومن ذلك كله يظهر لك ما تسمعه من الروضة، بل كان شبه التدافع بين أول كلامه وذيله، الا ان يريد بالبلد التى اشترط التسليم فيها ما كانت من بلاد المسلم فيه، فيتفق حينئذ كلاما، بل لعله بذلك يرجع الى ما ذكرناه كغيره من كلام الاصحاب، وستسمع عبارة التذكرة وغيرها في آخر البحث فتأمل جيدا. ومن ذلك كله يظهر لك ان ما ذكروه سابقا من أنه لا يجوز الاستقصاء في الوصف المؤدى إلى عزة الوجود مرجعه إلى ذلك عند التأمل، وان عللوه بأن عقد السلف مبنى على الغرر، لانه بيع ما ليس بمرئى، فان كان عزيز الوجود كان مع الغرر مؤديا إلى التنازع والفسخ، فكان منافيا للمطلوب من السلف مع أنه يمكن ارجاعه الى ما قلناه. وفي المحكى عن الايضاح تعليله بأنه لما جل جناب الحق جل شأنه عن التكليف بما لا يطاق، واقتضت حكمته البالغة عدم خرق العادات غالبا بمجرد ما يرد على العبد من تناقض الارادات، أبطل السلم فيما يؤدى إلى أحدهما قطعا، وما تجدد ادائه تجدد بطلانه، قال: فظهر من ذلك أن ما يعزوجوده لا يصح السلم فيه، وبقى ما لا يعز، لكن وجوده أقل في الاغلب لاستقصاء الصفات والاقرب فيه الصحة لعدم استلزامه المحال مع امكانه في نفسه، وجواز ثبوته في الذمة، لوجود المقتضى وهو عقد البيع، وانتفاء المانع وهو عزة الوجود، ثم احتمل بطلانه. قلت: لا ريب في ضعف الاحتمال إذا كانت القلة بحيث لا تعد المعاملة معها سفها، ومنه يعلم ما في القواعد من أن الاقرب جواز اشتراط ما لا يعزوجوده، وان كان استقصاء كالسمن والجودة، ان كان مراده البطلان بغير الاقرب. ومن هنا قيل أن غير الاقرب الوجوب. وان كان فيه أنه مساو للاول في الضعف، أو اضعف إذا فرض

[ 310 ]

عدم توقف المعلومية عليه كما هو واضح. وكيف كان فالظاهر ان مرجع المنع في عزة الوجود الى فقد هذا الشرط معها لا انه، امر آخر زايد على ذلك، لعدم الدليل الا الاجماع المحكى الظاهر في انه هو الاجماع الذى حكى على هذا الشرط، وقد عرفت أن مرجعه الى القدرة على التسليم التى لا يطمأن بها الا في معتاد الوجود، بل لا تخرج المعاملة عن كونها سفهية الا بنحو ذلك نعم قد اعتبر في الروضة غلبة وجوده في البلد الذى اشترط تسليمه فيه أو بلد العقد حيث يطلق بناء على انصرافه إليه عند الاطلاق، أو فيما قاربهما بحيث ينقل اليهما عادة، فلا يكفى الوجود فيما لا يعتاد نقله في غرض المعاملة، بل ينقل هدية ونحو ذلك، ثم ذكر أنه لو عين غلة بلد لم يكف وجوده في غيره وان اعتيد نقله إليه، ولو انعكس بأن عين غلة غيره مع لزوم التسليم شارطا نقله إليه فالوجه الصحة، وان كان يبطل مع الاطلاق، والفرق ان بلد التسليم حينئذ بمنزلة شرط آخر، والمعتبر هو بلد المسلم فيه. وكانه اخذ ذلك مما في الدروس قال: (ولا يكفى وجوده أي المسلم فيه في بلد لا يعتاد نقله إليه الا نادرا كالهدية، ولو عين بلدا لم يكف وجوده في غيره وان اعتيد نقله، الى ان قال: لو شرط نقل الفاكهة من بلد بعيدة إلى بلده قبل وجودها في بلده صح، وان كان يبطل مع الاطلاق، ولا يجب عليه السعي فيها، والفرق بينه وبين البواكير أنها مقصودة عند العقد بخلاف تغاير البلدين، ولو فرض قصد ذلك البلد صح. وعلى كل حال فقد يتوهم منه امر زائد على القدرة على التسليم المشترطة في البيع، ضرورة ان المدار فيها على صدقها من غير مدخلية لبلد التسليم وغيره فيجب عليه حينئذ نقله إليه ان لم يكن فيه مقدمة لتسليمه فيه، لا ان الوجود فيه مقدمة لوجوب دفعه، لكن قد عرفت فيما مضى احتمال ارادته ما لا ينافى ما ذكرناه، مع انه قد

[ 311 ]

يؤيده ما في التذكرة قال: (يجوز ان يسلم في شئ ببلد لا يوجد ذلك الشئ فيه، بل ينقل إليه من بلد آخر لامكان التسليم وقت الاجل، وكان سائغا كغيره، ولا فرق بين ان يكون بعيدا أو قريبا، ولا ان يكون مما يعتاد نقله إليه اولا، ولا يعتبر مسافة القصر هنا، وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم ان كان قريبا صح وان كان بعيدا لم يصح، وقال: آخرون ان كان مما يعتاد نقله إليه في غرض المعاملة لا في معرض التحف والهدايا والمصادرات صح السلم والا فلا، أما لو أسلم في شئ يوجد غالبا في ذلك البلد وقت الحلول، فاتفق انقطاعه فيه وامكن وجوده في غيره من البلاد، فهل يجب على البايع نقله، الاقرب ذلك مع انتفاء المشقة وعدم البعد المفرط، ولا عبرة بمسافة القصر ولا امكان الرجوع من يومه، الا انه لا يخفى منافاته لاول فروع الروضة الا مع التأويل. وفى التنقيح (لو كان يوجد في بلد آخر لم يجب نقله، لا مع المشقة ولا مع عدمها إذا كان قد عين البلد، والا وجب فتأمل جيدا، فان المسألة من المشكلات)، وكان منشأ الوهم فيها تلك العبارة التى وقعت للرد على ابى حنيفة في السلف في المعدومات، ولكن ينبغى ان يعلم انه لو ذكر بلد المسلم فيه على وجه يكون من صفاته لم يكف وجوده في غيره، وكذا لو أطلق وكان الاطلاق منصرفا الى ذلك على هذا الوجه، اما إذا كان استحقاق السلم من حيث الدينية، وكان قد اشترط بلدا مخصوصة، أو كان اطلاق العقد مقتضيا ذلك، فلا يعتبر وجوده في ذلك البلد، بل يكفى الاتيان بالكلى الثابت في الذمة على وصفه من أي بلد كان، من غير فرق بين بلد العقد وغيره، ولعل هذا مراد ثانى الشهيدين إذا لم يكن ثم عرف أو قرينة تقتضي ارادة غلة بلد السلم على وجه الوصفية، ولو لجهل بحالها والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لابد ان يكون الاجل) الذى قد عرفت وجوب تعيينه وأنه لا يجوز ان يكون محتملا للزيادة والنقصان (معلوما للمتعاقدين) مصداقه فلا يكفى انضباطه في نفسه وان احتمل، الا أنه واضح الضعف، للغرر، وانسياق العلم

[ 312 ]

عندهما مما اعتبر معلوميته من النص ومعقد الاجماع وغيرهما، فلا يجوز التأجيل بالنيروز بانتقال الشمس الى برج الحمل المسمى بالنيروز، أو برج الميزان المسمى بالمهرجان، وبفصح النصارى وهو عيد من أعيادهم كالسعانين والفطير اللذينهما عيدان، من أعياد أهل الذمة، ولا بالاشهر الفرسية كتير ماه أو مرداد ماه، والرومية كخيزران وتموز، أو غير ذلك، الا أذا كان يعلمان ذلك مفهوما ومصداقا حتى ترتفع الجهالة. ولعل اطلاق الفاضل في التذكرة والقواعد جواز ذلك محمول على صورة علمهما، وان كان قد يوهم بعض عبارات الاول خلاف ذلك، لكن يقوى ان مراده الرد على بعض من أطلق المنع من العامة كما يؤمئ ذكره بعد ذلك اعتبار علم المتعاقدين وعدمه، وربما ظهر من بعض عباراته التوقف في ذلك، والتحقيق ما ذكرنا. ولا يرد عليه التأجيل بالشهر الهلالي الذى لم يعلم نقيصته وتماميته، للتسامح العرفي في ذلك وعدم عد مثله جهالة عندهم. (وإذا قال: الى جمادى حمل على أقربهما، وكذا الى ربيع، وكذا الى الخميس والجمعة) بلا خلاف أجده في الاخيرين، بل ولا اشكال معتد به فيه في العرف، وكان التعريف فيهما واشباههما للعهديه كما ان المجرد منهما من اسماء الاشهر كرمضان وشعبان كذلك ايضا في الحمل على الاقرب، أما ربيع وجمادى فظاهر التذكرة عدم حملهما على الاقرب، ولعله لتخيل الاشتراك اللفظى، وفيه منع واضح، ضروة أنهما من المشترك المعنوي، إذ معنى الاول كل ثلاثين بين صفر وجمادى في كل سنة والثانى كل ثلاثين بين ربيع الثاني ورجب في كل سنة، فهما حينئذ كخميس وجمعة لليوم المخصوص من كل اسبوع، ومن هنا ساوى بعضهم بين الجميع في الصحة والبطلان، وقد عرفت ان الفهم العرفي على التنزيل على الاقرب في الجميع وان اختلفا في مرتبة الظهور، وهو العمدة لا التعليق على الاسم الصادق بحصول الاقرب، لعدم رجوعه بعد التأمل الى محصل يعتمد عليه.

[ 313 ]

وتظهر ثمرة الحمل فيما لو ماتا ولم يصرحا بالقصد، أو فيما إذا اختلفا بعده فيه فانه يقدم مدعى الاقرب، بل تظهر أيضا فيما إذا اوقعا العقد غير مستحضرين الاقرب الا انهما من اهل العرف اللذان يحملانه عليه لو سمعاه، فانه يحكم بصحة العقد ويحمل على الاقرب، لان عدم الاستحضار ليس جهالة. نعم لو لم يعلما العرف وأوقعا العقد معتمدين على السؤال عنه بعد ذلك، اتجه البطلان، لما عرفت من أن المدار في رفع الغرر علمهما بذلك، لا مضبوطيته في الواقع، كما هو واضح فتأمل جيدا والله أعلم. (ويحمل الشهر عند الاطلاق على عدة بين هلالين) مع الامكان كما إذا وقع العقد فيما يقال عليه عرفا أنه أول ليلة الهلال بلا خلاف اجده فيه، بل ظاهرهم انه المعنى الحقيقي للشهر، بل هو المراد مما في التذكرة من أن الشهر الشرعي ما بين الهلالين، إذ من المعلوم عدم الحقيقة له شرعا، نعم لو تعذر ارادة الهلالي للقرينة (أو) كان العقد في الاثناء الى شهر والفرض اتصال الاجل بالعقد حمل على (الثلاثين يوما) لانه المنساق بعد تعذر الحقيقي، فليس هو من المشترك لفظا بينهما لاصالة عدمه، ولا من المشترك معنى، لعدم القدر المشترك بينهما بحيث يطمئن بوضعه لهما، والاكتفاء بكل منهما في نحو من أقام ستة أشهر، أو إذا قال السيد لعبده أقم في هذه البلاد شهرا أو غير ذلك يمكن أن يكون لظهور ارادة عموم المجاز كاليوم المنكسر في أقامة عشرة ايام، المعلوم انه مع التلفيق ليس يوما حقيقة، كمعلومية بطلان عدم اعتباره أو احتسابه يوما فليس الا التلفيق، مع دعوى كون المراد من العبارة ما يشمله، ولو من عموم المجاز فتأمل جيدا. نعم قد يناقش في الفرض بمنع انسياق الثلاثين منه، ضرورة صدق الشهر على ما إذا اكمله بقدر الفائت من الشهر المقبل نصفا أو ثلثا أو غيرهما كما تسمعه فيما لو كان الاجل شهرين فصاعدا وكان العقد في اثناء الاول، ودعوى اختصاص النزاع فيه دونه

[ 314 ]

كما هو ظاهر الثاني الشهيدين وغيره، بل لعله ظاهر المتن ايضا لا مستند لها، كما لا يخفى على من لاحظ ادلة الطرفين في المسألة الاتية فتأمل. اللهم الا ان يقال ان ظاهر الشهرين كونهما على نسق واحد، فإذا كان أحدهما هلاليا نطقا لامكانه وجب تلفيق الثاني كذلك، بخلاف الشهر الواحد المنكسر. (ولو قال) المتعاقدان في بيان الاجل (الى شهر كذا) وكان زمان فاصل بينه وبين ما جعله غاية (حل بأول جزء من ليلة الهلال، نظرا الى العرف) في خروج الغاية هنا، وان المراد كون غاية التأخير دخول رجب مثلا اما إذا قال إلى شهر وأبهم فالعرف قاض بأن المراد مضى شهر لا الشروع في مسمى الشهر القاضى بعدم الاجل للسلم حينئذ، ضرورة تحقق ذلك بأول لحظة متصلة بالعقد، وليس مبنى الفرق في هذا الفهم العرفي أن الشهر المبهم اسم لمجموع المدة، فلا يتحقق الا بعد مضيها، بخلاف رجب الذى يتحقق بأول جزء منه، إذ فيه أن رجب ايضا مجموع المدة. نعم قد يقال ان مبناه ما اشرنا إليه من انه لو كان المراد به من المعين كان السلم بلا اجل، والفرض ارادة المؤجل قطعا، ومنه ينقدح وجه الصحة فيما لو فرض التأجيل بالمعين على نحو ذلك، كما لو قال: الى رجب وهو في اول رجب، فيحمل حينئذ على ارادة مضى رجب، وان كان قد يناقش فيه اولا بانه لا مانع فيه من حمله على الحلول، بناء على وقوع السلم كذلك، وعلى القول بعدمه يتجه البطلان كما في المسالك بفقد شرط الصحة، ومخالفة الظاهر لتحصيل حكم شرعى غير لازم، لان البطلان شرعى ايضا، ولو قال محله في شهر كذا أو في يوم كذا بطل، وفاقا للفاضل والكركي وغيرهما، للجهالة بعدم التعيين، اللهم أن يدعى التسامح في ذلك كالتسامح في تمامية الشهر ونقصانه، أو يدعى الحلول بأول جزء منهما، كما لو جعلا غاية كما هو المحكى عن مبسوط الشيخ وخلافه، وفيه منع فهم العرف ذلك كمنع المساوات بين التسامحين خصوصا في الشهر، ولو قال: الى اول الشهر أو آخره ففى

[ 315 ]

القواعد احتمل البطلان، لانه يعبر به عن جميع النصف الاول والنصف الاخر، وفيه أنه مجاز، والحقيقة اول جزء منه وآخره فالوجه الصحة كما إذا لم يذكر الاول والله أعلم. (ولو قال الى شهرين) مثلا (وكان) العقد (في أول الشهر عد شهرين أهلة) لما عرفت من أنه المعنى الحقيقي وارادته ممكنة، (وان) كان قد (أوقع العقد في اثناء الشهر) احتسب الثاني هلاليا لامكانه و (أتم من الثالث بقدر الفائت من شهر العقد) نصفا أو ثلثا أو نحوهما، حتى لو كان ناقصا كفى اكمال ما يتم به تسعة وعشرون يوما لان النقص جاء في آخره، وهو من جملة الاجل، والثابت من الاول لا يختلف بالزيادة والنقصان، وبذلك يكون الشهران هلاليين، وهو ظاهر اللمعة وعن المبسوط انه قواه، ولعله للصدق عرفا بذلك، ولانه أقرب الى مراعاة الحقيقة فيما بقى وفيما مضى (وقيل) والقائل الاكثر كما في المسالك يعتبر ما عدا الاول هلاليا لامكانه واما هو ف‍ (يتمه) من الثالث (ثلاثين يوما) لانه المنساق بعد تعذر الهلالي حقيقة، ضرورة اقتضاء مراعاته اطراح المنكسر فيتأخر الاجل عن العقد، فيتعين اعتباره عدديا، ولا يقدح اتمامه من الشهر المتأخر، دون الذى يليه محافظة على ابقاء الهلالي حقيقة فيه. ولان الاكمال صادق سواء اكمل من الذى يليه أم من غيره، الا ان الاكمال مما يليه مقتض لاختلال الهلالي في الآخر مع امكانه، فيتعين الثاني ولا محذور فيه، بعد أن كان جميع الاجل بحكم واحد، فلم يكن المتخلل لشئ آخر فتأمل. ولذلك وغيره قال المصنف: (وهو أشبه) وفاقا للفاضلين والشهيدين والمحكى عن المبسوط وغيره، لكن زاد في الاستدلال في المسالك بأن الاجل إذا كان ثلاثة اشهر مثلا فبعد مضى شهرين هلاليين وثلاثين يوما ملفقة من الاول والرابع يصدق انه قد مضى ثلاثة اشهر عرفا، فيحل الاجل والا كان ازيد من المشترط وبأنه إذا وقع

[ 316 ]

العقد في نصف الشهر مثلا ومضى بعده شهران هلاليان يصدق انه مضى من الاجل شهران ونصف، وان كانت الثلاثة ناقصة، وهذا امر ثابت في العرف حقيقة، فيكفى اكمالها خمسة عشر يوما لصدق الثلاثة معها، وفيه انه لم يظهر لنا وجه معتد به لتغيير المثال بالشهرين الى الثلاثة مع انهما سواء في الصدق العرفي، وقوله (والا) الى آخره لا يتم في نفى احتمال اعتبار اتمامه هلاليا، ضرورة عدم اقتضائه ازيد من المشترط كما هو واضح، وظاهر القائل باعتباره ثلاثين يوما عدم اكتفائه بالنصف الناقص، ومن هنا كان يلزم على هذا القول انه لو جعل الاجل ثلاثة اشهر مثلا ووقع العقد في صفر بعد مضى ساعتين وجاء ناقصا، فانه يكمل من جمادى الاولى يوما وساعتين فيحصل من ذلك ثلاثة اشهر هلالية زائدة يوما وساعتين والعرف واضح الصدق بدون ذلك. واما القول بانكسار الجميع الذى نفى عنه البعد في المختلف بل حكى عن احد قولى المبسوط، فهو وان احتج له بأن الايام الباقية من الشهر المنكسر اما ان لا تحسب من أحدهما أو من الثاني وكلاهما محال، فليس الا احتسابها من الاول، وحينئذ لا يعقل دخول الثاني حتى يتم الاول مما يليه فينكسر حينئذ وهكذا، لكن قد يناقش فيه اولا بعدم اعتبار الهلالي في الممكن منه، وقد عرفت ما يعين التلفيق من الاخير، وأنه لا محذور فيه، وثانيا بأنه تقتضي بناء على اعتبار الجميع ثلاثين يوما زيادة ثلاثة ايام مثلا لو فرض كون الاجل ثلاثة اشهر واتفق نقصانها، اللهم الا ان يريد انكسارها جميعا واعتبارها هلالية باتمام كل منها بقدر الفائت منه. وفيه حينئذ منع صدق تمام الشهر عرفا لو كان ناقصا باتمامه اربعة عشر يوما ونصف من الشهر الاخر، ومن ذلك ينقدح الضعف في القول الاول، ولعل القول باتمامه هلاليا بأن يؤخذ نصف الهلالي الثاني مكملا به الشهر الاول وان كان ناقصا اولى في الصدق العرفي الا انه لما كان الثاني غير معلوم هلاله ناقصا أو تاما، وكان الاصل عدم خروج الهلال والاصل عدم الحلول، وجب الاقتصار في نصفه قبل ان يتبين على الخمسة عشر، وهكذا

[ 317 ]

الثلث والربع، ونحوه لو كان الاجل نصف الشهر المعين. ومن ذلك كله يظهر لك ان الاحتمالات خمسة أو أزيد. وبعضها اقوال، ولعل الاولى من ذلك الاحالة على اقل ما يصدق عليه العرف وربما اختلف فتأمل جيدا والله اعلم، (ولو قال الى يوم الخميس، حل باول خميس واول جزء منه) لما عرفته سابقا إذ لا فرق بينه وبين الشهر المعين (و) كيف كان ف‍ (لا يشترط) في صحة السلم (ذكر موضع التسليم على الاشبه) الاشهر بل المشهور نقلا ان لم يكن تحصيلا (ولو كان في حمله مؤنة) ولو كان العقد في مكان من قصدهما أو احدهما مفارقته، لاطلاق الادلة الواردة في معرض البيان المؤيدة بعدم ظهور مانع سوى تخيل تفاوت الاغراض بذلك، تفاوتا يختلف فيه الثمن في الجميع أو في بعض الاحوال وهو واضح الفساد، ضرورة عدم اقتضاء ذلك الاشتراط إذا لم يكن عدمه مؤديا إلى جهالة في الثمن والمثمن. ومن هنا لم يجب الاستقصاء في الوصف وان اختلف الثمن به ولا ريب في عدم الجهالة عرفا بترك ذكر موضع التسليم، إذ هو أمر خارج عن المبيع فالمكان حينئذ كالزمان لا يجب التعرض له في رفع الجهالة، والا لوجب في النسيئة ونحوها، ودعوى الخروج بالاجماع كما ترى، وله المطالبة به حيث شاء، الا إذا كان هناك عرف يقتضى الانصراف الى مكان مخصوص فيتبع حينئذ. إذ هو حينئذ كالمشروط كما هو ظاهر الاصحاب في المقام، ونحوه من العقود التى تنصرف الى ارادة التسليم في بلد العقد وان كان للنظر فيه مجال، خصوصا إذا كان قد وقع العقد مؤجلا، وفي مكان من قصدهما أو قصد أحدهما مفارقته. وعلى كل حال فذلك بحث آخر خارج عما نحن فيه، فلا يقال انه لا ينافى القول بالاشتراط المبنى قطعا على عدم الانصراف، ضرورة انه غير متجه بناء على الانصراف، لارتفاع الجهالة المقتضية للاشتراط بذلك، إذ الظاهر أن القول بالعدم ليس مبناه الانصراف الذى قد يفقد، كما إذا كانا في مكان من قصدهما مفارقته أو غير ذلك، بل

[ 318 ]

مبناه ما ذكرنا من عدم قدح مثل هذه الجهالة بعد أن لم تكن في الثمن والمثمن فتأمل. وكيف كان فقد ظهر لك ضعف القول باشتراطه مطلقا الذى اختاره في الدروس، بل نسبه بعضهم الى الخلاف، وان كان المحكى من عبارته غير ظاهرة في ذلك قال: (إذا كان السلم مؤجلا فلابد من ذكر موضع التسليم، فان كان في حمله مؤنة فلابد من ذكره، الى ان قال: الصحيح أنه يجب ذكر الموضع والمؤنة. دليلنا طريقة الاحتياط لانه إذا ذكر الموضع والمؤنة صح السلم بلا خلاف، وإذا لم يذكرهما لا دليل على صحة هذه) وفى التحرير نسب إليه ما عن المبسوط الذى قواه الكركي من التفصيل بين ما يكون لحمله مؤنة فيجب، أو لا يكون كذلك فلا يجب. ووجهه كسابقه، وجوابه يظهر مما ذكرنا، بل في السرائر انه لم يذهب إليه احد من اصحابنا، ولاورد به خبر عن أئمتنا عليهم السلام، وانما هو احد قولى الشافعي اختاره شيخنا، الا تراه في استدلاله لم يتعرض لاجماع الفرقة، ولا اورد خبرا في ذلك. ومن الغريب مناقشته في المختلف بأنهم نصوا على اشراط الوصف وهو يتناول المكان، لان الاين من جملة الاوصاف اللاحقة للماهية، فتكون الاخبار دالة عليه، ضرورة عدم ارادة ذلك من الوصف المعتبر في المسلم فيه الذى قد عرفت أن اعتباره لرفع الجهالة التى لا فرق بين السلم وغيره، وفرض احتياج الحمل الى المؤنة لا يوجب التعيين، خصوصا مع انصراف العقد بناء عليه، بل وان ينصرف إذ المرجع حينئذ في ذلك الى الشرع، ولعل قواعده تقتضي وجوب الحمل الى المسلم، لانه يستحق التسليم على المسلم إليه من حيث المعاوضة، فيجب الحمل حينئذ مقدمة الا إذا استلزمت قبحا يسقط التكليف بها معه، ويحتمل عدم الوجوب، للاصل فيبقى في ذمته على نحو الامانة. واما التفصيل بين ما كانا في مكان من قصدهما أو احدهما مفارقته، برية كان أو غيره، وعدمه فيجب التعيين في الاول، دون الثاني وهو القول الرابع فكان مبناه

[ 319 ]

عدم انصراف العقد حينئذ، فيتحقق الجهالة، وفيه ما عرفت. ومنه يظهر ضعف القول بالتفصيل بين ما كان في حمله مؤنة أو كانا في مكان من قصدهما مفارقته وعدمهما، فيجب مع واحد منهما، ولا يجب مع عدمه، وحينئذ فالاقوى ما عرفت، وحينئذ يكون كالحال الذى قطع في المسالك بعدم الاشتراط فيه، وانه ليس محلا للخلاف فيكون حينئذ كغيره من البيوع يستحق المطالبة به في محل العقد أو في محل المطالبة ان فارقاه هذا. وفي المسالك ان المعتبر في تشخص المكان ذكر محل لا يختلف الحال في جهالة وأجزائه عرفا كالبلد المتوسط فما دونه، والقطعة من الارض كذلك، بحيث لا يفرق بين أجزائها ولا يحصل كلفة زائدة في جهة منها دون جهة. لا مطلق البلد، ولا الموضع الشخصي الصغير، وفيه انه يمكن القول بصحة الاول بناء على عدم اشتراط موضع التسليم، بل والاخير إذا كان فيه غرض معتد به، لعموم المؤمنون عند شروطهم (1) وقد يدفع الاول بأنه وان قلنا بعدم الاشتراط الا انه مع التعرض له تجب المعلومية لانه إذا كان مجهولا افسد العقد، باعتبار عود جهالته الى غيره بخلاف ما إذا لم يتعرض له كما انه قد يدفع الثاني بان الفرض فيه عدم الغرض المعتد بها والامر سهل. (المقصد الثالث في احكامه وفيه مسائل) (الاولى: إذا أسلف في شئ لم يجز بيعه قبل حلوله) لا لعدم ملكيته قبل الاجل ضرورة عدم مدخلية فيها. إذ العقد هو السبب في الملك، والاجل انما هو للمطالبة، ولا لعدم القدرة على التسليم إذ من المعلوم انها في المؤجل عند الاجل. ولا لغير ذلك من


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 320 ]

الامور المعلوم بطلانها - بل للجماع المحكى في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرهما وعن كشف الرموز ان لم يكن محصلا، بل لعله كذلك ولا يقدح ظاهر ما في الوسيلة قال: (وإذا اراد أن يبيع المسلف ما اسلف فيه من المستسلف عند حلول الاجل أو قبله بجنس ما ابتاعه باكثر مع الثمن الذى ابتاعه لم يجز ومن باع بجنس غير ذلك جاز) بعد سبقه بالاجماع ولحوقه به فضلا عن خلاف بعض متأخري المتأخرين في ذلك لعمومات البيع ونحوها، مما لا يخفى على اصاغر الطلبة فضلا عن رؤساء الدين والمحامين عن شريعة سيد المرسلين. (و) أما انه (يجوز بعد حلوله) وقبضه، فلا خلاف فيه ولا اشكال، بل الاقوى الجواز (وان لم يقبضه على من هو عليه وعلى غيره) بجنس الثمن ومخالفه بالمساوى له أو بالاقل أو بالاكثر ما لم يستلزم الربا، سواء كان المسلم فيه طعاما أو غيره مكيلا أو موزونا أو معدودا أو غيره، لاطلاق الادلة وعمومها، وخصوص مرسل أبان (1) عن الصادق عليه السلام (في رجل يسلف الدراهم في الطعام الى اجل فيحل الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ منى ثمنه فقال: لا بأس بذلك) وموثق ابن فضال (2) (كتبت الى ابى الحسن عليه السلام الرجل يسلفني الطعام فيجئ الوقت وليس عندي طعام، اعطيه بقيمته دراهم، قال: نعم). وخبر على بن محمد (3) (قال: كتبت إليه رجل له على رجل تمر أو حنطة أو شعير، فلما تفاضاه قال: خذ بمالك عندي دراهم، أيجوز ذلك أم لا فكتب عليه السلام: يجوز ذلك عن تراض منهما) وخبر العيص بن القاسم (4) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته عن رجلا أسلف رجلا


(1 - 2) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 5 - 8 (3 - 4) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 11 - 6

[ 321 ]

دراهم بحنطة حتى حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا ورقيقا ومتاعا أيحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ وقال: نعم يسمى كذا وكذا بكذا وكذا صاعا) بناء على ان المراد بذلك كله خصوصا الاخير البيع لا الوفاء بدونه، وقصورها سندا أو دلالة منجبر بالشهرة المحكية والمحصلة، كما أن اختصاص مواردها بالبيع على من له عليه غير قادح بعد تتميمه بما في الرياض من انه لا قائل بالفرق بين الطائفة. وان كان قد يناقش بما في التنقيح من الاجماع على صحة بيع السلم بعد حلوله قبل قبضه على من هو عليه، اما على غيره ففيه خلاف، قال الشيخ يصح، ومنعه ابن ادريس وهو كذلك، لانه في السرائر في باب السلم بعد ان حكى عن الشيخ الجواز مطلقا قال: قد حررنا القول في بيع الدين وقلنا: انه لا يجوز الاعلى من هو عليه، وشرحناه واوضحناه في باب الديون بما لا طائل في اعادته، فجعل ما نحن فيه من جزئيات تلك المسألة وكيف كان ففى الرياض انه قد خالف في ذلك الشيخ في التهذيب حيث منع من البيع بالدراهم إذا كان الثمن الاول كذلك، لخبر على بن جعفر (1) قال (سألته عن الرجل له على الاخر تمر أو شعير أو حنطة يأخذ بقيمته دراهم قال: إذا قومه دراهم فسد، لان الاصل الذى اشترى به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم) قال: وضعف سنده يمنع من العمل به مع احتماله. ككلام التهذيب الحمل على صورة التفاوت بالزيادة والنقيصة، كما فهمه الجماعة، ولذا لم ينسبوا إليه القول الاول بالمرة، بل نسبوه الى هذا القول وله فيه موافق من الطائفة، كالاسكافي والعماني والقاضى وابن حمزة والحلبي وابن زهرة، وادعى في الدروس انه مذهب الاكثر، وعن الحلبي دعوى الاجماع عليه، وهو ظاهر الغنية. واختاره جمع من تأخر. قلت: بل هو مال إليه في الرياض للاجماع المحكى والنصوص المستفيضة


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 12

[ 322 ]

كصحيح محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر عليه السلام (قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام من اشترى طعاما أو علفا الى أجل، فان لم يجد شرطه وأخذ ورقا لا محالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ الا رأس ماله لا يظلمون ولا يظلمون) وصحيحة الاخر (2) عنه ايضا (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعطى رجلا ورقا في وصيف الى اجل مسمى، فقال له صاحبه: لا أجد لك وصيفا خذ منى قيمته وصيفك اليوم ورقا فقال: لا يأخذ الا وصيفه أو ورقه الذى أعطاه اول مرة ولا يزداد عليه شيئا). وصحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام (انه سئل عن الرجل يسلف في الغنم ثنيان وجذغان وغير ذلك الى أجل مسمى قال: لا بأس ان لم يقدر الذى عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثا أو ثلثيها ويأخذ رأس ماله ما بقى من الغنم دراهم) وصحيح يعقوب بن شعيب (4) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بماءة درهم فيأتى صاحبه حين يحل الذى له فيقول: والله ما عندي الا نصف الذى لك فخذ منى ان شئت بنصف الذى لك حنطة وبنصفه ورقا فقال: لا بأس إذا اخذ منه الورق كما اعطاه). وفيه ان الاجماع المحكى موهون بمصير اكثر المتأخرين الى خلافه، بل ادعى جماعة كما قيل عليه الشهرة مع ان الموجود في الغنية (فإذا حل جاز بيعه من المسلم إليه بمثل ما نقد فيه وباكثر منه من غير جنسه، ومن غير المسلم إليه بمثل ذلك. واكثر منه من جنسه وغيره بدليل اجماع الطائفة، وظاهر القرآن، ودلالة الاصل الا ان يكون المسلم فيه طعاما فان بيعه قبل قبضه لا يجوز اجماعا على ما قدمناه) وهو صريح في التفصيل بين بيعه على من هو عليه، وعلى غيره كظاهر ما سمعته سابقا من الوسيلة، والمحكى من عبارة ابى الصلاح في المختلف خال عن الاجماع،


(1 - 2 - 3 - 4) الباب 11 من ابواب السلف الحديث 15 - 9 - 161

[ 323 ]

وظاهر في غير المنقول عنه، قال: العقد يقتضى تسليم المعجل وتاخير المؤجل، وتسليمه عند حلول أجله سواء كان التأخير مشروطا في البيع أو الثمن فإذا حل ولم يكن عنده عين ما عقد عليه، فعليه احضاره، ويصح اقامة العروض عنه من غير جنسه، ولا يجوز له ابتياعه من مستحقه بمثل ما باعه منه في الجنس ولا بزيادة عليه نقدا، ولا نسيئة ولا نقله الى سلف آخر، ويجوز له ابتياعه بغير ما قبضه منه نقدا، وهو كما ترى ظاهر في المنع حتى بالمماثل. نعم حكاه عنه في المختلف أيضا أنه قال بعد كلام طويل: ولا يجوز لمن أسلم في متاع أن يبيعه من مستسلمه ولا غيره قبل أجله، فإذا حل أجله جاز بيعه منه بمثل ما نقد، وأكثر منه من غير جنسه، ومن غير المستسلم بمثل ذلك وأكثر منه من جنسه وغيره، وهو كالغنية والوسيلة، ولعل حجته على التقدير الاول خبر على بن جعفر (1) السابق فانه قد اعترف في المختلف بدلالته على ذلك، فكان نسبة هذا القول إليه أولى مما في الرياض من نسبته الى تهذيب الشيخ كما سمعت، مع أن المحكى من عبارة التهذيب في المختلف صريحة في خلافه، ولذا لم ينسبه إليه فيه، بل جعله من القائلين بالمنع من الزيادة فلاحظ وتأمل جيدا. نعم قد حكى عن مبسوطه في المختلف أنه قال إذا حل عليه طعام بعقد السلم فدفع الى المسلم دراهم نظر، فان قال: خذها بدله الطعام لم يجز، لان بيع المسلم قبل القبض غير جائز، سواء باعه من المسلم إليه أو من الأجنبي اجماعا، وحكى عنه أيضا أنه لو كان له طعام من سلف وعليه مثله من سلف آخر فأحاله بما عليه لا يجوز، لان بيع التسلم لا يجوز قبل القبض اجماعا، وظاهره عدم الجواز قبل القبض مطلقا، وحينئذ تكون الاقوال ستة أو سبعة، والصحيح منها ما ذكرناه.


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 12

[ 324 ]

والمراد من خبر محمد بن قيس (1) بعد الاغضاء عن الاضطراب في متنه على ما في التهذيب وغيره أن المسلم إذا لم يوجد شرطه لآفة في المسلم فيه أو لعدم مطالبته به الا بعد انقطاعه، ولم يرد الانتظار الى زمن حصول شرطه بل اراد الورق، فليس له أن يأخذ الا رأس ماله، لا يظلم ولا يظلم، فيفسخ العقد حينئذ ويسترد الثمن، لاأن المراد بيعه عليه برأس ماله وكذا صحيحه الاخر، ومما يؤيد ذلك أن الخصم لا يعين ذلك عليه في مفروض البحث، إذ يجوز له عنده بيعه بغير الجنس بما يساوى الثمن أضعافا مضاعفة، من أن الخبر قد تضمن أنه ليس له الا ذلك كما هو واضح. وأما صحيح الحلبي (2) فلا دلالة فيه أصلا ضرورة عدم البأس فيما تضمنه بعد التراضي منهما، مع أنه لم يعلم أن رأس مال المسلم فيه دراهم، ولا تعرض فيه للزيادة والنقيصة وبالجملة هو غير ظاهر في ارادة البيع وصحيح يعقوب (3) يمكن حمله على ارادة السؤال عن جواز الفسخ في البعض ولو مع التراضي، فأجابه عليه السلام بأنه لا بأس به إذا أخذ منه كما أعطاه حتى لا يترتب عليه الربا، لا أن المراد أن بيعه عليه بذلك، إذ لا يتصور ترتب الربا عليه بعد أن كان في ذمة المسلم إليه الحنطة والتمر أو غير ربوي كالابل ونحوها، لا الدراهم التى هي ثمنهما. ومنه يعلم أنه لا وجه للاشارة بآية الربا الى ذلك في الخبر الاول، وأنه لابد من حمله على ما قلنا، وبذلك يظهر لك ضعف هذه عن الادلة المعارضة لها من الاصل والعمومات، وخصوص النصوص السابقة التى قد يناقش فيها بأن ما فيها من الوفاء لا البيع، فلا تدل على المطلوب فيها أيضا، لكن لا يخفى بعد امكان منع هذه المناقشة فيها بظهورها سيما بعضها في غير ذلك أن الاصول والعمومات كافية في الصحة، فميل الفاضل في الرياض الى القول بعدم الجواز في البيع بالجنس مع الزيادة في غير محله قطعا.


(1 - 2 - 3) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 15 - 1 - 16

[ 325 ]

وأما البيع بغير الجنس زاد أو نقص فلا خلاف في جوازه، وفى المختلف أنهم قد أجمعوا عليه، وفي الرياض (أنه لا ريب فيه وفى البيع بالجنس مع عدم الزيادة فتوى ورواية) قلت: قد سمعت كلام أبى الصلاح وان كان لا ريب في ضعفه، وعلى كل حال فقد ظهر لك قوة القول بالجواز مطلقا، كما أنه قد ظهر لك بمقتضى اطلاق الادلة وخصوص بعضها عدم الفرق في ذلك بين كون المسلم فيه مكيلا وموزونا بين غيرهما، ولا بين كونه طعاما وغيره، فما سمعته من الغنية هنا من الاجماع على عدم الجواز في الطعام في غير محله، ولعل مبناه ما تقدم سابقا في مبحث القبض من قول بعضهم بالمنع عن بيع المبيع إذا كان مكيلا أو موزونا قبل قبضه، ومن آخرين منهم ابن زهرة في خصوص الطعام منهما. لكن قد تقدم لك هناك ضعفهما وضعف غيرهما، مع أنه يمكن القول به هنا وان لم نقل به هناك، للادلة الخاصة الحاكمة على غيرها، وخصوص مواردها بمن عليه غير قادح بعد عدم الدليل الصالح للفرق، بل لو لا التسامح في دليل الكراهة لامكن المناقشة في ثبوتها في الطعام، فضلا عن مطلق المكيل والموزون، وفضلا عن غيرهما كما هو مقتضى اطلاق قوله في المتن (على كراهة) لعدم الدليل. بل لعل ظاهر أدلة المقام عدمها في المبيع على من هو عليه، لكن للتسامح فيها يمكن القول بها، ولو لاحتمال الاندراج فيما تقدم في ذلك المقام، وللخروج عن شبهة الخلاف في الطعام، والاجماع المدعى عليه هنا، ولغير ذلك وعلى كل حال فقد اتضح بذلك كله أنه يجوز بيعه قبل قبضه بأزيد من رأس المال أو انقص. (وكذا يجوز بيع بعضه) كذلك (وتوليته وتولية بعضه) والشركة فيه وفي بعضه لعدم الفرق بين الجميع في مقتضى بعض الادلة السابقة، خلافا للمحكى عن الشافعي فلم يجوز للمسلم أن يشرك غيره في السلم. فيقول له شاركني في نصفه بنصف الثمن ولا أن يوليه، فيقول ولنى جميعه بجميع الثمن، ونصفه بنصف الثمن لانها معاوضة في المسلم فيه

[ 326 ]

قبل قبضه، فلم يجز كما لو كانت بلفظ البيع، وهو كما ترى، لا يقال ان اطلاق الاصحاب هنا الجواز مبنى على ما ذكروه في باب القبض من منع بيع المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلا أو موزونا أو إذا كان طعاما خاصة، أو إذا لم يكن البيع تولية على اختلاف الاقوال السابقة وكان الاطلاق هنا لرفع المنع من حيث كونه دينا، لا مطلقا، فيبقى المنع من حيث كونه مبيعا قبل قبضه على البحث السابق فيه، كما هو صريح الكركي وثاني الشهيدين. لانا نقول: أولا قد بان لك في ذلك المبحث ضعف الجميع، وان الاقوى القول بالجواز مع الكراهة هناك، وثانيا أنه يمكن الفرق بين المسألتين باعتبار الادلة الخاصة هنا كما جزم به المحدث البحراني في حدائقه فقال بالمنع هناك وبالجواز هنا، محتجا باختلاف موضوع المسألتين في نصوص المقامين لاتفاقها هنا على البيع على من عليه وهناك على البيع على غيره. قلت وربما يؤيده ملاحظة بعض كلماتهم في المقامين، ولولا خوف الاطناب - وأنه لا فائدة مهمة في ذلك، إذ الظاهر الجواز على التقديرين: أي سواء قلنا بكون المسألتين من سنخ واحد من حيث البيع قبل القبض، أو مختلفين في ذلك على معنى اختصاص المنع على القول به في غير السلم دونه - لنقلنا جملة منها فلاحظ وتأمل، والامر سهل (و) كيف كان ف‍ (لو قبضه ثم باعه زالت الكراهة) وهو واضح والله اعلم. المسألة (الثانية) لا خلاف في أنه (إذا دفع المسلم إليه) المسلم فيه (دون الصفة) أو المقدار المشترطين فيه لا يجب على المسلم قبوله، وان كان أجود من وجه آخر لانه ليس نفس حقه مع تضرره به (و) لو (رضى المسلم) به (صح وبرئ) المسلم إليه مما كانت ذمته مشغولة به (سواء شرط) المسلم إليه (ذلك لاجل التعجيل) إذا كان قد دفعه قبل الاجل (أو لم يشترط) بل في الغنية يجوز التراضي على تقديم الحق عن أجله بشرط النقص منه، بدليل الاجماع وقال: أبو بصير (1) (سألت


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب السلف الحديث 2

[ 327 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن السلم في الحيوان قال: ليس به بأس قلت: أرأيت ان أسلم في أسنان معلومة، أو شئ معلوم من الرقيق فأعطاه دون شرطه أو فوقه بطيبة النفس قال: لا بأس) ومعاوية (1) سألته ايضا عن الرجل أسلف في وصفاء اسنان معلومة وغير معلومة، ثم يعطى دون شرطه فقال: إذا كان بطيبة نفس منك ومنه فلا بأس). والحلبي (2) سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يسلم في وصفاء باسنان معلومة ولون معلوم ثم يعطى دون شرطه أو فوقه ؟ فقال: إذا كان عن طيبة نفس منك ومنه فلا بأس) وسأل يعقوب بن شعيب (3) ابا جعفر أو أبا عبد الله عليهما السلام (عن الرجل يكون لى عليه جلة من بسر فأخذ منه جلة من رطب مكانها: وهى أقل منها قال: لا بأس قال: قلت: فيكون لى عليه جلة من بسر فاخذ مكانها جلة من نمر وهى اكثر منها قال: لا بأس إذا كان معروفا بينكما) الى غير ذلك من النصوص الدالة على الجواز مع التراضي المؤيده بأنه لا بأس في اسقاط حقه من الوصف ومن المقدار وغيرهما مما اشترطه. ومن هنا صرح غير واحد بعدم البأس مع التراضي لو دفع له غير الجنس ايضا وهو جيد الا أن الظاهر كون الفرق تحقق الوفاء بنفس المدفوع الفاقد للوصف الذى اشترط في المسلم فيه، زائدا على ما ارتفع به الجهالة من الوصف، بل وكذا ما ارتفع بها منه، لانه بعد اسقاط الحق من الوصف المشترط يصدق المسلم فيه حينئذ على المدفوع، بخلاف ما إذا كان المدفوع من غير الجنس، فان تحقق الوفاء به كالمعاوضة وقد يحتمل قويا كون الجميع كذلك، خصوصا إذا كان الوصف مما ارتفع به الجهالة، والاتحاد في الجنس غير كاف، ضرورة عدم صدق المسلم فيه على الجارية السوداء المدفوعة عوض البيضاء التى هي المسلم فيها، وانما هو تراض على المعاوضة بذلك فتأمل جيدا فانه قد تترتب ثمرات على ذلك.


(1 - 2 - 3 -) الوسائل الباب 9 من ابواب السلف الحديث 4 - 1 - 7

[ 328 ]

منها - وجوب الدفع مع رضا صاحب الحق بما هو دون الوصف على الاول، بخلاف الثاني، وربما يفرق بين الاوصاف، فلا يجب فيما كان منوعا منها دون غيره الذى يراد منه ثبوت الاستحقاق لذى الوصف، ثم على تقدير الوجوب في الاول الظاهر بقاء استحقاقه المطالبة ايضا بالفرد الاول، ومجرد رضاه بدون قبض لا يسقط استحقاقه الاول، إذ هو ليس كحق الخيار والشفعة. وحينئذ فيكون مراد المصنف وغيره بالبراءة مع الرضا في صورة ما لو قبضه راضيا به عوض الحق، لا المراد سقوط حقه بمجرد الرضا. وان رجع قبل القبض مع احتماله وان كان بعيدا (وان أتى) المسلم إليه (ب‍) المسلم فيه على (مثل صفته) التى اشترطت (وجب) على المسلم مع عدم العذر (قبضه أو ابراء المسلم إليه) مما اشتغلت ذمته كما تقدم الكلام في ذلك (و) في أنه (لو أبى) المسلم عنهما (قبضه الحاكم إذا سأل المسلم إليه ذلك) مفصلا في بحث النقد والنسيئة فلاحظ وتأمل (و) أما (لو دفع فوق الصفة) بمعنى الجامع للاوصاف المشترطة عليه مع زيادة أو الفرد الاعلى من مصداق الصفة (وجب قبوله) بلا خلاف معتد به ولا اشكال لتحقق المسلم فيه بذلك، ضرورة عدم منافاة الزيادة فهو حينئذ من المسألة السابقة. واشتراط طيب النفس منهما في النصوص السابقة لدفع دون الشرط أو فوقه، يراد منه التوزيع لغلبة عدم رضا المسلم إليه بالفوق والمسلم بالدون فبين عليه السلام (أنه لا بأس بكل منهما مع الرضا من كل منهما) نعم لو دفع ذا الصفة الحسنة عوض ذى الصفة الردية المشترطة من النوع الواحد ولعله غير المراد هنا من العبارة - اتجه عدم الوجوب، كما عن الاردبيلى للاصل ولانه قد يتعلق له الغرض بما اشترطه، وللمنة إذ الفرض استحقاق الردى لا غير، ولغير ذلك، لكن هذا إذا لم يكن المراد من عبارة الشرط أن المسلم فيه هذا فما فوقه، لا انه هو لا غير، فانه يجب القبول حينئذ وعليه بنوا وجوب قبول الجيد المدفوع عن الاردى كما سمعته فيما تقدم.

[ 329 ]

(و) على كل حال (لو دفع) المسلم إليه (اكثر) من المقدار المطلوب منه (لم يجب قبول الزيادة) للاصل وللمنة التى لا يخفى ما في تحملها من المشقة، لعدم استحقاق الزيادة، وبذلك افترق هذا عن السابق الذى هو من أفراد المسلم فيه وان لم يكن للمسلم الالزام به، وصحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلا (أنه سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك الى اجل مسمى قال: لا بأس ان لم يقدر الذى عليه الغنم على جميع ما عليه ان يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها ويأخذ رأس ما بقى من الغنم دراهم، ويأخذون دون شرطهم ولا يأخذون فوق شرطهم، قال: والاكسية أيضا مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم) مع احتمال ارادة رأس المال من الشرط فيه الذى لو أخذ الجاهل الفوق منه ربما ضمه الى رأس المال فيقع في الربا بخلاف الدون، واضطراب متنه باسقاط الدون في بعض النسخ ولعله اصوب. يراد منه انه ليس لهم ما فوق لا انه لا يجب عليهم القبول لو كان مما فرضناه، فما عن ابن الجنيد من مساواة زيادة الصفة لزيادة العين في عدم وجوب القبول ومال إليه المحدث البحراني وتبعه فاضل الرياض واضح الضعف كما عرفت، هذا كله إذا كان المدفوع من الجنس (اما لو دفع من غير جنسه لم يبرأ الا بالتراضى) مع التمكن من الجنس قطعا، لانه معاوضة موقوفة عليه كما هو واضح والله أعلم. المسألة (الثالثة) قد تقدم البحث في أنه (إذا اشترى كرا من طعام) مثلا مؤجلا (بماءة درهم واشتراط تأجيل خمسين بطل في الجميع على قول) وانه يحتمل البطلان فيها خاصة (و) كذا (لو دفع خمسين وشرط الباقي من دين له على المسلم إليه صح فيما دفع) قطعا (وبطل فيما قابل الدين) في


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 1

[ 330 ]

قول (وفيه تردد أشبهه) عند المصنف (الكراهة) كما عرفت بل وتقدم ما يستفاد منه حكم. المسألة (الرابعة) وهى (لو شرطا موضعا للتسليم فتراضيا بقبضه في غيره جاز) ضرورة انه لهما اسقاط حقهما من الشرط، (و) ان كان الموضع المشترط ما انصرف إليه العقد شرعا نعم (ان امتنع احدهما لم يجبر) عليه لقوله عليه السلام (1) (المؤمنون عند شروطهم) بل وتقدم في باب الصرف ما يستفاد منه حكم. المسألة (الخامسة) وهى (إذا قبضه) أي المسلم المسلم فيه (فقد تعين وبرئ المسلم إليه فان وجد به عيبا) كان له الرد بالعيب (ف‍) إذا (رده زال ملكه عنه، وعاد الحق الى الذمة سليما من العيب.) لكن في المسالك هنا انه لا ارش له، لانه لم يتعين للحق بل وقع عوضا عن الحق الكلى مملوكا له ملكا متزلزلا يتخير معه بين الرضا به مجانا فيستقر ملكه عليه، وبين أن يرده فيرجع الحق الى ذمة المسلم إليه سليما، بعد أن كان قد خرج عنها خروجا متزلا. ونبه بقوله عاد على ذلك، حيث ان العود يقتضى الخروج بعد أن لم يكن، فانه مصير الشئ الى ما كان عليه بعد خروجه، وتظهر الفائدة في النماء المنفصل المتردد بين القبض والرد، فانه يكون للقابض، لانه نماء ملكه كنظائره من النماء المتجدد زمن الخيار، أما المتصل فيتبع العين، ويتفرع عليه ايضا ما لو تجدد عنده عيب قبل الرد، فانه يمنع من الرد لكونه مضمونا عليه، ولم يمكنه بعده رد العين كما قبضها. وبه قطع في التذكرة وزاد أن له حينئذ أخذ ارش العيب السابق وان لم يكن ثابتا لو لا الطارى، فان المنع منه انما كان لعدم انحصار الحق فيه، حيث أنه امر كلى والعيب غير تام في جملة أفراد الحق. فلما طرء العيب المانع من الرد تعين قبوله،


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4

[ 331 ]

فصار كالمبيع المعين إذا كان معيبا فانه يجوز اخذ ارشه، ويتعين عند مانع من رده، وربما قيل بجواز رده هنا، لعدم تعيينه ابتداء والعيب الطارى لم يوجب تعينه. غاية ما في الباب أن يلزم بارشه. قلت: ونحوه يأتي ايضا في التلف فيلزم بالقيمة لو اراد الرجوع بالبدل، وفيه أن ذلك مناف لما سمعته منهم في باب الصرف، كما انه مناف لمقتضى الحكم بالرد ضرورة أنه لا دليل على الردالا الاندراج فيما دل عليه في المبيع، بتقريب انه بالدفع والقبض صار كأنه مورد العقد، الا انه لا يقتضى رده فسخ العقد، كما اقتضاه لو كان المبيع معينا، باعتبار توقف عوده الى ملك مالكه الذى هو المراد من الرد على انفساخ العقد: بخلافه في الفرض، إذ عوده الى ملك المالك انما يقتضى فسخ مقتضى القبض الذى هو السبب في ملك هذا الشخص فيبقى مقتضى العقد على حاله، وحيث كان مبنى الرد الاندراج المزبور اتجه حينئذ ان له الرجوع بالارش، لاطلاق ما دل عليه في المبيع. اللهم الا ان يقال انه مخالف لمقتضى الاصل فيقتصر فيه على المتيقن، وهو إذا لم يمكن تحصيل المبيع سالما كما إذا كان معينا أما إذا امكن كما في الفرض لان له الرد والابدال فلا يتجه الرجوع بالارش. نعم لو تعيب عنده أو تلف مثلا فتعذر الرد على حسب ما اخذه كان له الارش كما سمعته من التذكرة، والزامه بالارش للعيب الحادث، أو القيمة لو أراد الابدال ليس بأولى من الزام البايع بالارش، بل هو أولى، ولذا تعين في المبيع المعين، لكن فيه انه مخالف لما سمعته منهم في باب الصرف، بل لم يعرف فيه خلاف هناك. نعم حكى هناك عن الشيخ وغيره أن له فسخ العقد ايضا، مضافا الى الابدال والارش، وناقشه الفاضل فيه كما سمعته هناك مفصلا، فلاحظ وتأمل، حتى تعرف قوة القول بالخيار هنا بين الرد والابدال، وبين الارش، بل وتعرف ايضا فساد ما قيل هنا

[ 332 ]

على العبارة وما شابهها، من ان زوال الملك عند رده انما يكون بعد ثبوته، والمعيب ليس من المسلم فيه، فلا ينتقل عن المسلم إليه وان عود الحق انما يكون بعد زواله، وهو مستلزم لاحد محذورين. اما الحكم بالشئ مع وجود نقيضه، أو اثبات الحقيقة من دون لوازمها، وذلك لان الحكم بالبراءة ان كان صادقا لزم الاول، والا لزم الثاني، إذ لا بأس بالتزام كون المقبوض المعيب صالحا للاداء عن الحق إذا رضى به المستحق، لانه من جنس الحق ومن افراد المسلم فيه، وعيبه ينجبر بالخيار، فيتم الزوال والعود، ولا بعد في تحقق الملك متزلزلا لمكان العيب، ومعلومية ارادة الصحيح لا تقتضي كون المسلم فيه الموصوف بالصحة كما هو واضح، فالنماء المتخلل حينئذ بين القبض الى حال الرد للقابض. ومن ذلك يظهر ما في جواب الشهيد عن ذلك في حواشيه بان الحكم بالزوال والعود مبنى على الظاهره حيث كان المدفوع من جنس الحق، وصالحا لان يكون من جملة افراده قبل العلم بالعيب، فإذا علم بالعيب زال ذلك الملك الذى حصل ظاهرا وان لم يزل في نفس الامر، فصح اطلاق الزوال والعود بهذا الاعتبار إذ قد عرفت ان الملك حاصل ظاهرا وباطنا، غاية امره التزلزل وهو غير مانع كنظائره، وقد تقدم لنا في باب الصرف ماله نفع تام في المقام بل منه يستفاد كثير من احكام. المسألة (السادسة) وهى (إذا وجد برأس المال) المعين (عيبا فان كان من غير جنسه) بان كان فضة فبان نحاسا مثلا (بطل العقد) من اصله ان كان الجميع كذلك، والا فبالنسبة وله حينئذ خيار التبعيض، ولو كان العقد بكلى ابدلت إذا لم يتفرق المجلس والا بطل ايضا (وان كان) العيب في المعين (من جنسه) كالخشونة واضطراب السكة (رجع بالارش انشاء) قبل التفرق قطعا، وبعده على الاصح، ويحتمل انفساخ العقد فيما قابله (وان اختار الرد كان له) كما في غيره من الثمن المعيب

[ 333 ]

وينفسخ العقد، ضرورة توقف الرد الى ملك الاول عليه. وان كان كليا فله الارش بناء على المختار، وله الرد ولكن لا ينفسخ العقد، لما عرفت من انه انما يقتضى فسخ مقتضى القبض. نعم قد يقال به في المقام لا لذلك، بل لاستلزامه عدم قبض الثمن قبل التفرق وفيه ان المقبوض المعيب ثمن، فيكفى قبضه قبل التفرق في الصحة، وان تعقبه فسخ مقتصى القبض بعد التفرق، بل لا يبعد لذلك عدم وجوب قبض البدل في مجلس الرد، للاصل بعد ظهور الادلة في غيره، كما انه لا يجب قبض الارش في مجلس اختياره، باعتباره انه كالجزء من الثمن. وقد تقدم تحقيق كثير من هذه المطالب في باب الصرف فلاحظ وتامل كى تعرف الحكم في جملة اقسام المسألة، إذ العيب اما ان يكون من الجنس أو من غيره، ثم اما ان يكون في جملة الثمن أو في بعضه، ثم اما ان يظهر قبل التفرق أو بعده، ثم اما ان يكون الثمن معينا أو كليا فالاقسام ستة عشر والله اعلم. المسالة (السابعة إذا اختلفا) المسلم والمسلم إليه (في القبض) للثمن (هل كان قبل التفرق أو بعده، فالقول قول من يدعى الصحة) لاصالتها فيه بعد اعترافهما معا بحصوله، إذ هو ايضا مما يقع على وجهين. فالاصل فيه الصحة كباقي افعال المسلمين وأقوالهم التى تقع على وجهين، وقد رتب الشارع أثرا على أحدهما دون الاخر، وبذلك يظهر أنه لا حاجة، أو لا وجه الى تقرير ذلك بأنه لما تعارض أصالة عدم القبض قبل التفرق مع أصالة عدم التفرق قبل القبض تساقطا، فيحكم باستمرار العقد، وفي الحقيقة لا نزاع بينهما في أصل الصحة، وانما النزاع في طرو المفسد، والاصل عدمه، ان لم يرجع الى ما ذكرنا الذى من الواضح الفرق بينه وبين ما لو اختلفا في أصل قبض الثمن، فان القول قول منكر القبض فيه وان تفرقا، واستلزم بطلان العقد، لان الاصل عدمه فلا يجرى أصل الصحة المتوقف

[ 334 ]

على ثبوت الموضوع ذى الوجهين، ويقع الشك في صحته، وأصالة صحة العقل لا تقضى بثبوت ما كان مقتضى الاصل عدمه من الشرائط المتأخرة، واصالة عدم طرو المفسد معارضة بأصالة عدم وجود المصحح. ونحو ذلك تجرى في قبض الصرف، إذ المسألة من واد واحد، الا إذا قلنا هنا بأن التفرق قبل القبض مانع، لا أن القبض قبله شرط، بخلافه في الصرف فانه يتم حينئذ التمسك باستصحاب أثر العقد ما لم يعلم المانع فتأمل جيدا، ولو اقام كل منهما في مفروض المتن بينة بنى على تقديم بينة الداخل وهو هنا مدعى الصحة أو الخارج لكن الفاضل هنا قدم الاول لقوة جانبه بأصالة عدم طرو المفسد، ولان دعواه مثبتة و الاخرى نافية، وبينة الاثبات مقدمة، وهو كما ترى، خصوصا الاخير ضرورة كون البطلان اثباتا ايضا كما هو واضح. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لو قال البايع قبضته) أي الثمن (ثم رددته اليك قبل التفرق) وانكر المشترى ذلك بمعنى عدم القبض اصلا فضلا عن الرد (كان القول قوله) أي المشترى (مع يمينه) لا البايع كما في القواعد والدروس (مراعاة لجانب الصحة) التى قد عرفت احتياج جريان اصلها الى وجود الموضوع المدعى عدمه، كما هو مقتضى الاصل، بل هذا عين المسألة السابقة التى قد ذكرناها، وقلنا فيها ان القول قول منكر القبض اصلا، ولو فرض كون الانكار لما قبل التفرق خاصة، على معنى الاعتراف بقبضه والرد لكن بعد التفرق، كان عين المذكور في المتن سابقا، ولا ثمرة معتد بها لاعادته، كما انه لا وجه لفرض الانكار فيه للرد خاصة ضرورة ان القول قوله فيه لا البايع، فضلا عن تعليله بمراعاة الصحة وحينئذ فما في المسالك في شرح العبارة لم يظهر لنا وجهه قال: (المراد انها اتفقا الان على كون الثمن في ذمة المشترى أو عنده، ولكن اختلفا في كون ذلك على وجه مفسد للعقد بأن لا يكون تقابضا اصلا أو على وجه مصحح بأن يكون البايع

[ 335 ]

قبضه ثم رده إليه والمصنف هنا قدم قول البايع ترجيحا لجانب الصحة، مع ان الاصل عدم القبض ايضا، وتحقق صحة العقد سابقا كما مر ويمكن ان يقال حينئذ تعارض الاصلان، فيحصل الشك في طرو المفسد والاصل عدمه فيتمسك بأصل الصحة لذلك. وفيه ما عرفت سابقا من ان ذلك لا يستقيم على فرض كون القبض قبل التفرق شرطا، لان اصالة صحة العقد لا تقتضي بوجود ما يقتضى الاصل عدمه من الشرائط المتأخرة كما عرفت. نعم قد يقال: الاختلاف هنا كالاختلاف في السابقة في كون القبض قبل التفرق أو بعده، ولكن اعادها لبيان انه لا فرق في حكم هذا الاختلاف بين كون الثمن في يد البايع أو يد المشترى، إذ ظهور اليد في الملك بعد اعترافه هنا بوقوع القبض لكن بعد التفرق غير مجد. وحينئذ فلا وجه لما في المسالك حيث قال بعد الكلام السابق: (ويبقى في المسألة شئ، وهو ان دعوى البايع الرد غير مقبولة كنظائرها، إذ لا دخل له في الصحة، وانما قدم قوله في اصل القبض مراعاة لجانبها، وحينئذ فمع قبول قوله في القبض هل له مطالبة المشترى بالثمن، يحتمل عدمه لما قلناه من عدم قبول قوله في الرد مع اعترافه بحصول القبض، ويحتمل جواز المطالبة لاتفاق المتبايعين على بقاء الثمن عند المشترى الآن، اما على دعوى البايع فظاهر، واما على دعوى المشترى فلاعترافه بعدم القبض، فإذا قدم قول البايع في صحة العقد الزم المشترى بالثمن، ويشكل بأن المشترى حينئذ لا يعترف باستحقاق الثمن في ذمته لدعواه فساد البيع فلا يبقى الا دعوى البايع، وهى مشتملة على الاعتراف بالقبض ودعوى الرد، وهى غير مقبولة في الثاني والمسألة موضع اشكال ولعل عدم قبول قوله في الرد اوجه) وهو من غرائب الكلام خصوصا إذا كان الثمن الذى اتفقا عليه معينا، ويد المالك بعد استنادها فيه الى بقاء الملك السابق الذى قطعه دعوى البايع الذى فرض

[ 336 ]

تقديمها على دعواه، لا تجدي، ولو كان الاختلاف في المسلم فيه أنه حنطة مثلا أو شعير تحالفا وفي قدره أو قدر الثمن أو قدر الاجل فالقول قول منكر الزيادة، أما لو اختلفا في الحلول فالقول قول المسلم إليه لانه منكر، ولو اختلفا في اشتراطه فالقول قول منكره بناء على صحته حالا، وفي القواعد ومحكى التذكرة (الاقرب أن القول قول مدعيه ان كان العقد بلفظ السلم على اشكال، وعلى قولنا بصحة الحال فالاشكال أقوى)، وقد أشكل على بعض الشارحين فهم هذه العبارة، ولعله بناء منهم على عدم صحة السلم بلا أجل وان الفاضل ممن لا يقول بذلك، وعلى ما قلناه سابقا من أن النزاع فيه فالمراد واضح، والله أعلم. المسألة (الثامنة: إذا حل الاجل) وكان المسلم فيه منقطعا لآفة ونحوها (وتأخر التسليم لعارض) لا لتقصير من المسلم (ثم طالب) به (بعد انقطاعه كان بالخيار بين الفسخ والصبر) بلا خلاف أجده في الاخير، بل ولا اشكال، لان مورد العقد الذمة، والاجل انما هو للتسليم، فاحتمال الانفساخ كما عن أحد قولى الشافعي لكونه كالمبيع التالف قبل قبضه، في غاية الضعف، لمخالفته للاصل والنص والفتاوى كاحتمال تعين دفع قيمة عوضه، فيلزم بها المسلم لانها البدل عن كل معتذر، بل هو أضعف من الاول لعدم الخطاب الان بالعين كى ينتقل الى القيمة لتعذرها، بل التعذر مسقط لاصل خطاب الدفع. ودعوى أن ذلك من خطاب الوضع لا التكليف واضحة المنع، فلا ريب حينئذ في أن له الصبر الى وجود المسلم فيه، بل عينه الحلى عليه، ولم يجوز له الفسخ لاصالة اللزوم، الا أن قاعدة عدم الوفاء بالشرط كما في المختلف والشهرة بقسيمها على خلافه، بل ربما أشعر نسبته في الدروس الى الندرة، وفي غيرها الى الخطاء

[ 337 ]

بالاجماع عليه، بل في المختلف (أنه لم يوافقه عليه احد من علمائنا، ولا اظن احدا افتى به. وفيه ايضا، ان اقوال الفقهاء متطابقة على تسليط المشترى على الفسخ، وعموم الكتاب، لعدم حصول التراضي إذا تعذر المسلم فيه، والاحاديث متظافرة بذلك). وحاصل مراده الرد على الحلى بأن الكتاب والسنة والاجماع على ذلك وفى موثق ابن بكير (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أسلف في شئ يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوف سلفه، قال: فليأخذ راس ماله أو لينظره) بل قيل: انه يدل عليه الاخبار المستفيضة المتقدم اكثرها سابقا في بيع السلف بعد حلوله فانها وان لم تكن ظاهرة في انقطاع المسلم فيه، الا انها إذا جوزت الفسخ مع عدمه، فمعه بطريق اولى، وفيه ان المستفاد منها بعد ملاحظتها جميعا وارجاع مطلقها الى مقيدها جواز اخذ رأس المال إذا عجز المسلم إليه خاصة عن الاداء، وظاهرها كون ذلك مرادا للبايع مسئولا له، وانه كالاحسان من المشترى إليه، بل قد عرفت ان المحكى عن الاكثر كون المراد منها المعاوضة عن المسلم إليه بقدر رأس المال لا الفسخ. وعلى كل حال فهى غير ما نحن فيه من ان له الفسخ قهرا رضى البايع به أولا، والاولوية المزبورة فرع القول بالاصل، وهو ممنوع، لاصالة اللزوم، إذ المسلم إليه ان وصل عجزه الى حد الاعسار شرعا، فالحكم الانظار الى الميسرة، بل الفسخ غير مفيد، والا فالمتجه أن له الزامه به كغيره من الديون، ولعله لذلك كله أو بعضه توقف في الاستناد الى هذه النصوص لاثبات هذا الحكم في الرياض. لكن قد يقال: بمنع ظهور بعضها في كون الفسخ بالتراضى منهما، خصوصا نحو


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 14

[ 338 ]

صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام (لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذى تسلم فيه ووصفته، فان وفيته والا فأنت أحق بدراهمك) بل الظاهر أن مدار الفسخ فيها على قاعدة الشرائط، ضرورة كون الاداء في الوقت المخصوص منها، فالمتجه جعل المدار فيه على ذلك، وقد تقدم لنا سابقا أن المتجه اولا جبره على اداء الشرط، ومع التعذر يتسلط على الفسخ. وقد مضى تحقيق الحال فيه فلاحظ وتامل جيدا، فانه قد يمنع استفادة الشرطية من ذلك على الاطلاق، والا لثبت مثله في النسيئة على ان المراد من اشتراط الاجل هو عدم استحقاق المطالبة إليه فيعود الاستحقاق الذى هو حاصل من مقتضى العقد. نعم قد يقع على جهة الشرطية فيترتب عليه الخيار حينئذ من هذه الجهة، فالعمدة في ثبوت الخيار هنا انما هو من جهة النصوص والفتاوى، ثم ان الظاهر عدم الفرق في الخيار المزبور بين كون التأخير لتفريط من البايع وبين غيره كما إذا لم يطالبه به المشترى حتى انقطع، نعم قد صرح غير واحد بسقوط الخيار لو كان بتقصير من المشترى بمعنى انه عرض عليه فامتنع عن القبض، ولعله كذلك لاصالة اللزوم، وكونه السبب في ادخال الضرر على نفسه فلا يندرج في اطلاق الخبر المزبور. وكيف كان ففى حواشى الشهيد عن السيد العميد ان له مضافا الى الفسخ والصبر المطالبة بقيمة المسلم فيه عند الاداء واستحسنه في المسالك، ومحكى الميسية، بل جزم به في الروضة كما مال إليه في الرياض، لانها البدل عند تعذر الحق، فهو كتلف المثلى الذى يتعذر مثله فانه ينتقل الى القيمة، وفيه اولا انه خلاف ظاهر النص، بل والاصحاب كما عن القطيفي الاعتراف به، بل صرح بعدمه الكركي في حاشية الارشاد في شرح قوله فيه، ولو اخر التسليم فللمشترى الفسخ أو الالزام قال: (ظاهر العبارة


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 17

[ 339 ]

مشكل. لان تأخر التسليم اما ان يكون مع وجود المسلم فيه وأمكان تسليمه فليس للمشترى فسخ، بل له الزامه بالتسليم أو مع انقطاعه وتعذر تسليمه، وحينئذ يتخير بين الفسخ وأخذ الثمن ان كان باقيا أو مثله في المثلى والقيمة في غيره، وبين الصبر الى قابل، وليس له الزامه بشئ حينئذ، ولا فرق في ذلك بين ان يكون تعذر التسليم بتفريط المسلم إليه بأن أخره حتى انقطع أو لا، وليس له في شئ من ذلك الزامه بالقيمة، لكن يجوز المعاوضة عليه بالتراضى (الى ان قال) ومن حملها على ان المراد إذا أخر البايع التسليم حتى انقطع المسلم فيه بتفريطه، يتخير المشترى بين الفسخ والالزام بقيمة يومئذ). فقد أغرب لبعد الحمل عن العبارة، وفساد الحكم في نفسه، إذ ليس له الزامه بالقيمة في المذكور الا بالتراضى كما قدمناه. وكيف كان فالعبارة مشكلة والحكم أشكل، وهو صريح فيما ذكرنا، وان كان لا يخلو من نظر إذا كان التأخير بتفريط من البايع كما انه لا يخلو من نظر في أصل اشكال العبارة، إذ يمكن حملها على ارادة الصبر من الالزام فيها، بل هو متعين بملاحظة فتواه في باقى كتبه. نعم ما ذكره من عدم الالزام بالقيمة جيد مع عدم التقصير من البايع، إذا كان عدم الاداء لانقطاع المسلم فيه بآفة سماوية ونحوها، إذ لا خطاب بالاداء اصلا كى ينتقل الى القيمة، فأصل وجود المسلم فيه مقدمة لوجوب أدائه فيسقط بعدمها حينئذ ولا دليل على الانتقال الى القيمة فالاصل برائة ذمة المسلم إليه منها، كما ان الاصل براءة ذمة المسلم من وجوب قبولها عليه لو بذلت له، بل قيل ان صحيحي محمد بن قيس (1) المتقدمين سابقا في بيع المسلم إليه بعد حلوله ظاهران أو صريحان في عدم الالزام بالقيمة،


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 9 - 15

[ 340 ]

بل قد ينقدح من ذلك محمل آخر للنصوص السابقة التى ادعى دلالتها على عدم جواز الزام المسلم إليه بازيد من الثمن، على ان يكون المراد منها عدم الالزام بالقيمة عوض المسلم فيه فلاحظ وتامل. ومما يزيد ذلك كله تأييدا ما ذكره غير واحد من الاصحاب بل لا خلاف أجده فيه بينهم، من ان في حكم انقطاعه عند الحلول موت المسلم إليه قبل وجوده وقبل الاجل، نظرا الى انه دين فيشمله عموم ما دل على حلول ما على الميت من الدين بالموت، ودعوى ان للمسلم الالزام بالقيمة فيه مع عدم التقصير فيه بوجه من الوجوه كما ترى. نعم له المعاوضة عليه بأزيد من ثمنه وانقص ومساوى كما عرفته سابقا، وهو غير ما نحن فيه من الالزام بالقيمة، بل قد يقال: ان ذلك لا يجتمع مع خيار الفسخ والصبر، ضرورة وجوب القبول على المشترى لو بذلها له فليس له الفسخ ولا الصبر، وقد عرفت أن مبنى الالزام بالقيمة أنها عوض مال له قد تعذر، ففى الحقيقة قد رجع دينه الان الى القيمة، فمع بذله له يتعين القبول كالمثلى إذا تعذر مثله وهو كما ترى. وليس هذا الخيار فوريا للاصل واطلاق النص، بل صرح ثانى الشهيدين بعدم سقوطه لو صرح بالامهال، وان كان لا يخلو من اشكال، ولذا توقف فيه في التذكرة والدروس والتنقيح، فاحتمل في الاول بعد أن جعل عنوان المسألة أنه لو أجاز ثم بدا له في الفسخ وجوب الصبر وأنه كاجازة زوجة العنين، واحتمل أن له الفسخ، ولا يكون ذلك اسقاط حق، فكان كزوجة المولى إذا رضيت بالمقام ثم ندمت، ونحوه ما في الدروس قال ولو صرح بالامهال ففى بطلان خياره نظر من تجدد الحق حالا فحالا فهو كخيار المولى منها ولانه كتأخير الدين المؤجل، ومن أن الامهال أحد شقى التخيير وقد أثره وأولى بالابطال ما إذا قال: أبطلت خياري. قلت: لا اشكال في السقوط مع ارادة اختيار الصبر خاصة من الامهال، ضرورة

[ 341 ]

كونه حينئذ كالاسقاط، أما إذا أمهل لا بهذا العنوان بل لان له عدم الفسخ، لم يكن ذلك اسقاطا والشك كاف في بقاء الخيار مع الاطلاق والامر سهل. ولو علم الانقطاع قبل الاجل ففى الخيار وجهان، لم يرجح أحدهما في القواعد والتذكرة والدروس وغيرها، ولكن الاولى العدم، وفاقا للروضة والمسالك وغيرهما، اقتصارا فيما خالف الاصل الدال على اللزوم على المتيقن، والتفاتا الى عدم وجود المتقضى الان، إذ لم يستحق عليه شيئا، ومنه يعلم وجه ترجيح تأخير الحنث في الحالف على أكل الطعام غدا فأتلفه قبل الغد، لتصريح غير واحد بابتناء ما هنا عليه فلاحظ وتدبر. ولو كان المسلم فيه يوجد في بلد آخر ففى الدروس (لم يجب نقله مع المشقة ولا مع عدمها إذا كان قد عين البلد، والاوجب) لكن في التذكرة (يحصل الانقطاع بأن لا يوجد المسلم فيه أصلا بأن يكون ذلك الشئ ينشأ من تلك البلدة، وقد أصابته جايحة مستأصلة، وهو انقطاع حقيقي، وفي معناه ما لو كان يوجد في غير تلك البلدة، ولكن إذا نقل إليها فسد، وإذا لم يوجد الا عند قوم مخصوصين وامتنعوا من بيعه فهو انقطاع، ولو كانوا يبيعونه بثمن غال فليس انقطاعا، ووجب تحصيله ما لم يتضرر المشترى به كثيرا، وان أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله مع عدم التضرر الكثير)، وهو جيد. (و) كيف كان ف‍ (لو قبض) المسلم (البعض) من المسلم فيه وتعذر الباقي (كان له الخيار في الباقي) بين الفسخ فيه - واسترداد ما يخصه من الثمن، لوجود المقتضى فيه إذ احتمال كونه لتعذر الكل خاصة مقطوع بعدمه نصا وفتوى، وبين الصبر الى وجوده كتعذر الكل، (وله) أيضا (الفسخ في الجميع) لتبعض الصفقة عليه بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، لكن قد يشكل الاول بما ذكروه في خيار العيب من أنه ليس له تبعيض الصفقة اختيارا، فلا يجوز له الفسخ في أحد المبيعين صفقة إذا ظهر فيه عيب، بل ليس لاحد المتبايعين الفسخ لو كان المبيع معيبا دون

[ 342 ]

الاخر ومثله آت في المقام. أللهم الا أن يمنع عليهم كون المدرك في المنع هناك التبعيض بل الاجماع أو غيره، كما سمعته سابقا فلاحظ فتأمل، بل قد يشكل أيضا بانه لا تبعض صفقة. وانما هو تأخير اداء لبعض المسلم فيه، وما في صحيح عبد الله بن سنان (1) (عن أحدهما عليهما السلام أرأيت ان أوفانى بعضا (أي من المسلم فيه) وعجز عن بعض أيجوز أن آخذ بالباقي رأس مالى ؟ قال: نعم ما أحسن ذلك) وغيره كصحيح الحلبي (2) ونحوه ظاهر في نفى البأس عن أخذ ذلك بالتراضى منهما، مع أنها لا ظهور فيها في انقطاع المسلم فيه، وعدم امكان تحصيله، ويدفع بأن تأخير الاداء ولو في البعض كاف في ثبوت الخيار في الجميع للتضرر، خصوصا إذا قلنا بأن منشأ جواز الفسخ عدم حصول الشرط، وعلى كل حال فقد صرح بعضهم بأن للبايع الخيار إذا اختار المشترى الفسخ في البعض، لتبعض الصفقة عليه أيضا، وقواه جماعة وهو كذلك إذا لم يمكن ذلك بتفريط منه وتقصير، والله اعلم. المسألة (التاسعة) لا خلاف في أنه (إذا دفع الى صاحب الدين عروضا على أنها قضاء) عن الدين (ولم يساعره احتسبت بقيمتها يوم القبض) بل في المسالك الاتفاق عليه، وقال محمد بن الحسن الصفار (3) (كتبت إليه في رجل عليه مال فلما حل عليه المال أعطاه به طعاما أو قطنا أو زعفرانا ولم يقاطعه على السعر (الثاني) (4) بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص، بأى السعرين يحسبه ؟ هل لصاحب الدين سعر يومه الذى أعطاه وحل ماله عليه أو السعر الثاني بعد شهرين أو


(1 - 2) الوسائل الباب 11 من ابواب السلف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 26 من ابواب احكام العقود الحديث 5 مع اختلاف يسير (4) هكذا كان في النسخ المصححة لكن في الوسائل والتهذيب (فلما كان) وهو الصحيح.

[ 343 ]

ثلاثة يوم حاسبه فوقع عليه السلام ليس له الا على حسب سعر وقت ما دفع إليه الطعام انشاء الله). ولا ينافيه قوله أيضا (وكتبت إليه الرجل استأجر أجيرا ليعمل له بناء أو غيره من الاعمال وجعل طعاما أو قطنا وغيرهما ثم تغير الطعام والقطن عن سعره الذى كان أعطاه، الى نقصان أو زيادة أيحسب له سعره يوم أعطاه أو سعر يوم حاسبه ؟ فوقع عليه السلام يحسب له سعر يوم شارطه فيه) بعد ارادة يوم القبض من يوم الشرط بناء على أنه يوم الشرط أولم يتغير السعر الا بعد يوم القبض فلا يقدح الفصل بينه وبين يوم الشرط، خصوصا بعد أن رواه في الكافي كذلك. وبعد وضوح عدم الفرق بينه وبين الدين الذى قد حل في كون المدفوع ملكا للقابض الذى هو صاحب الدين، وحيث كان من غير جنس الدين لو فرض كونه نقدا وجب ملاحظة قيمته في ذلك الوقت حتى يكون وفاء، بل يكون كدفع المجانس. نعم قد يقال: مقتضى ذلك لو كان الدين عرضا وقد دفع عرضا آخر وجب ملاحظة ما يساوى العرض المدفوع من العرض الذى هو دين في يوم القبض فيبرء منه بذلك المقدار، لا أنه يلاحظ القيمة فيهما، لكن في المسالك لو كان الدين من غير النقد الغالب أحتسب أيضا به يوم دفع العوض قضاء، ولعل ذلك لعدم معرفة القيمة بغير النقد الذى هو المرجع في أمثال ذلك، وتنصرف إليه الاروش والجنايات وغيرها، ولو كان الدين قسما خاصا من النقد فدفع عنه آخر احتسب بما يساويه منه في يوم القبض، كما استفاضت به النصوص، منها ما رواه ابراهيم بن ميمون (1) عن ابى عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون له على الرجل دراهم فيعطيه دنانير ولا يصارفه فتصير


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الصرف الحديث 5 لكن عن يوسف بن أيوب شريك ابراهيم بن ميمون.

[ 344 ]

الدنانير بزيادة أو نقصان قال: له سعر يوم أعطاه) وفى بعضها (1) تعليل ذلك (بأنه قد حبس منفعتها عليه) والظاهر أن ذلك كناية عن انتقالها الى القابض، وزوال ملك الدافع عنها، وبه يحصل حبس منفعتها عنه، وإذا انتقلت الى ملك القابض سقط بازائها ما يساويها من ذلك الدين بصرف ذلك اليوم، لانها لم تنتقل إليه مجانا وانما انتقلت عوضا، فلا بد من سقوط عوضها ذلك اليوم بصرف ذلك اليوم الذى هو يوم المعاوضة، وحينئذ فهو اشارة الى ما قدمناه هذا وتقدم، ويأتى ماله نفع في المقام إذ المسألة، غير خاصة بالسلم وليست هي في الحقيقة من البيع، والا لوجب معرفة المقدار وغيره من أحكام البيع، بل هي معاوضة مستقلة كما أن المسألة (العاشرة) كذلك لا مدخلية لها في السلم إذ قد عرفت الحال في بيعه قبل الحلول، (و) بعده أما غيره ف‍ (يجوز الدين بعد حلوله على الذى هو عليه) بلا خلاف فيه بيننا ولا اشكال بل (وعلى غيره) وفاقا للمشهور، شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل لعلها كذلك بعد انحصار الخلاف في الحلى، لوجود المقتضى و ارتفاع المانع عدا ما يحكى عنه من الاجماع المتبين خطاؤه في تحصيله، بعدم موافقة أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه له في ذلك، بل ليس فيما حضرني من نسخة السرائر ذلك، وان أطال في ترجيح ما ذهب إليه من المنع، بانه ليس بيع عين مشاهدة، ولا مشخصة موصوفة ولا كلية موصوفة إذ الاخير سلم وليس هو منه قطعا، كما أنه ليس من الاولين كذلك لعدم تعين الدين وتشخصه الا بالقبض، بل أورد على نفسه أن الاجماع منعقد بغير خلاف على صحة بيع الدين وامضائه وعموم أخبارهم على ذلك، وأجاب بأنا عاملون بالاجماع ومتبعون لظواهر القرآن في بيع الدين على من هو عليه دون غيره، وظاهره وجود معقد اجماع مطلق.


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الصرف الحديث 2

[ 345 ]

وعلى كل حال فلا ريب في ضعف قوله، إذ لا مانع من كونه بيع عين موصوفة، وان لم يكن سلما ولا مشخصة لعموم ادلة البيع، بل مقتضاها جواز البيع قبل الاجل كما هو صريح التذكرة والروضة، وظاهر المختلف واللمعة وجماعة، ولا معارض لها، إذ الاجماع المدعى انما هو في السلم خاصة، ودعوى عدم الفرق واضحة المنع، كدعوى عدم الملكية للبايع قبل الاجل في نحو القرض المؤجل، ومهر الزوجة ونحوهما من أفراد الدين، وكذا عدم القدرة على التسليم بعد ما عرفت من عدم اعتبار القدرة فعلا من صحة البيع، فما في الدروس وظاهر الارشاد ومحتمل النافع أو ظاهره من المنع ضعيف، هذا كله في أصل جواز البيع. وأما يباع به (فان باعه بما هو حاضر) مشخص (صح) بلا خلاف ولا اشكال (و) كذا (ان باعه بمضمون) في العقد (حال صح ايضا) لعدم صدق الدين عليه، ضرورة عدم كون المراد منه التأخير بل غاية المراد منه الكلى الصادق على أفراد متعددة، أما إذا كان مضمونا قبل العقد بان يكون مؤجلا ثم يحل الاجل فالمتجه فيه المنع، لانه بيع دين بدين كالحال بالمؤجل السابق، واعتبار الاجل في الدين على تقدير تسليمه كما نص عليه بعض أهل اللغة بل تسب الى ظاهر بعض الاصحاب انما يراد منه اعتباره حين ثبوته بمعنى ان الدين ما يضرب فيه الاجل اول مرة، ولا ينافيه خلوه عنه في ثانى الحال، ولذا اطلق الاصحاب على الدين بعد حلول أجله لفظه اطلاقا حقيقيا وهو المتداول عرفا ولا يصح السلب عنه فيه حينئذ. لكن في الرياض في شرح عبارة النافع التى هي كعبارة المتن هنا، اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق بين ما لو كان مؤجلا ثم حل الاجل أو كان غير مؤجل في الاصل، كما إذا بيع بدينار كلى غير مستقر في ذمته قبل البيع، ولا اشكال فيه لما مر، مع عدم صدق الدين عليه حقيقة كما ياتي، ويشكل في الاول ان لم يكن اجماع كما هو ظاهر الروضة حيث جعل الجواز أقوى وهو مشعر بل ظاهر في

[ 346 ]

وقوع الخلاف، ووجهه قوة احتمال صدق الدين عليه، بناء على تضمنه الاجل، ولو في الزمان السابق على العقد، فيلزم حينئذ بيع الدين بالدين، ووجه الجواز اما الشك في الصدق، أو لزوم الاقتصار في المنع في بيع الدين بالدين المخالف للاصل على محل الوفاق، وليس منه محل الفرض، لوقوع الخلاف، والخبر المانع عنه وان كان عاما الا انه قاصر سندا يشكل الاعتماد عليه فيما عدا الاجماع. وربما يوجه باختصاص الدين بالمؤجل كما في كلام الاصحاب وجماعة من أهل اللغة، ومحل الفرض بعد انقضاء أجله ليس كذلك الى آخره، وهو من غرائب الكلام، ضرورة ظهوره في أن الجواز بالمضمون السابق مظنة الاجماع، وفيه أن المراد بالمضمون في كلام الاصحاب ما قابل العين، أي الكلى في العقد فلا يشمل المضمون سابقا، بل ينبغى القطع بذلك، إذ لا خلاف بينهم في أن بيع المضمون المؤجل سابقا بمضمون سابقا كذلك من بيع الدين بالدين، سواء كانا حالين أو مؤجلين أو أحدهما حالا والاخر مؤجلا، انما البحث فيما صار دينا بالعقد، وهو الذى أشار إليه المصنف بقوله. (وان اشترط تأجيله) أي الثمن في بيع الدين بعد حلوله (قيل) والقائل المشهور (يبطل لانه بيع دين بدين) فيشمله النص والاجماع (وقيل يكره وهو الاشبه) عند المصنف وجماعة، للاصل والعمومات التى يجب الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن، وهو ما كان عوضا حال كونه دينا، كما هو مقتضى تعلق الباء به، والمضمون عند العقد ليس بدين، وانما يصير دينا بعده، فلم يتحقق بيع الدين به والا لزم مثله في بيعه بالحال الذى لم يعرف من أحد المنع فيه، والفرق غير واضح. ودعوى اطلاق اسم الدين عليه ان ارادوا به قبل العقد فممنوع، وبعده فمشترك بين الحال والمؤجل، فيلزم أن لا يصح بحال كما عرفت، واطلاق بيع الدين بالدين عليه عرفا مجاز، على معنى أن الثمن بقى في ذمته دينا بعد

[ 347 ]

البيع، ولو اعتبر مثل هذا الاطلاق جاء مثله في الحال إذا لم يقبضه، خصوصا إذا امهله به من غير تأجيل. وفيه منع كون المراد من النص ذلك لا غير، وتعلق الباء أعم، إذ يمكن كون المراد المنع من بيع الدين بالدين المقابل للعين والحال أي لا تبع الدين بهذا الصنف من البيع فيكون التعريف اشارة الى هذا القسم من البيع المعهود في الذهن وحينئذ فأظهر الفردين المؤجل في العقد لا العكس وقد تقدم في تأجيل ثمن السلف ما يستفاد منه المفروغية من تناول بيع الدين بالدين للمؤجل ثمنه بالعقد، وأنه من الواضحات فلا ريب حينئذ في أن الاشبه خلاف ما ذكره المصنف. وقد تحصل من مجموع ما ذكرنا المنع من بيع الدين السابق بالدين السابق في الصور الاربعة أي الحالين والمؤجلين والمختلفين، واما إذا كانا مضمونين بالعقد فالمؤجلان منهما لا ريب في بطلانه، بل يمكن اندراجه في بيع الكالى بالكالى وقد عرفت الحال فيه في تأجيل ثمن السلف إذ هو، والحالان منهما لا اشكال في صحتهما للعمومات كالمختلفين، وأما إذا كان احدهما مضمونا بالعقد والاخر قبله فان كان المضمون سابقا سلما لم يجز بيعه قبل حلوله مطلقا وجاز بعده إذا كان الثمن حالا، وان لم يكن سلما جاز قبل حلوله بعين حاضرة، وبكلى مضمون بالعقد حال لا مؤجل على الاقوى، ولو جعل المضمون سابقا ثمنا لعين أو كلى حال جاز قطعا إذا كان حالا، من غير فرق بين السلم وغيره وان كان مؤجلا فوجهان، إذا كان سلما أقواهما العدم، بناء على عدم الفرق في المنع بين جعله ثمنا أو مثمنا قبل حلول اجله وان لم يكن سلما فالاقوى الجواز بل ينبغى القطع به إذ هو كالعكس فتأمل جيدا. وقد تلخص مما ذكرنا جواز بيع الحال بالحال مع عدم أجل لهما في السابق فضلا عن الحالين بالعقد، وعن الحال كذلك بالمؤجل السابق أو بالعقد، لما عرفته من عدم ارادة ما يشمل الكلى المضمون حالا، وقيمة المغصوب ونحوها من بيع الدين بالدين

[ 348 ]

ومدار البحث على أعتبار الاجل في صدق اسم الدين هنا وصدقه عليه بعد حلوله وعلى عدم اعتبار سبق الدينية في صدق بيع الدين بالدين والله العالم. المسالة (الحادية عشر) لا خلاف في انه (إذا أسلف في شئ وشرط مع السلف شيئا معلوما صح) من غير فرق بين الرهن والضمين وغيرهما وان كانا معقد نفى الخلاف المحكى عن التذكرة، إذ المدرك في الجميع وهو عموم الوفاء بالعقود، و المؤمنون، وغيرهما مما دل على صحة الشرط متحد، ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) (عن السلف والبيع، وعن البيعين) في الخبر القاصر سندا المجمل دلالة غير معارض، خصوصا بعد ما قيل من ان المراد منه النهى عن بيع من من طعام مثلا حالا بكذا، وسلفا بكذا، وقد تقدم الكلام فيه سابقا، فعموم أدلة الشرائط حينئذ بحالها لا معارض لها. نعم يعتبر في الشرط المعلومية ونحوها كما في غير السلم من انواع البيع، وليس الشرط في عقد السلم سلما بل ليس هو في عقد البيع بيعا بل هو مملك مستقل في عقد البيع. (و) حينئذ ف‍ (لو أسلف في غنم وشرط اصواف نعجات معينة) اتجه ما نسبه المصنف الى القيل بقوله (قيل: يصح) والقائل الشيخ والفاضل والشهيدين والمقداد والكركي وغيرهم (وقيل) كما عن السرائر (لا) يصح (وهو الاشبه) عند المصنف والموجود في السرائر ان جعل في جملة السلف اصواف النعجات المعينة فلا يجوز السلف في المعين، وبيع الصوف على ظهر الغنم أيضا لا يجوز سواء كان سلفا أو بيوع اعيان وهو غير ما نحن فيه، إذ لا ريب في البطلان إذا جعله من جملة السلف لمعلومية اشتراط كونه مضمونا في الذمة، انما الكلام في ملكها بالشرط في عقد السلم وهو ليس سلما بل ولا بيعا غير سلم، فلو قلنا بعدم جواز بيعها لانها من الموزون - مع أن الاصح


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 2

[ 349 ]

الجواز مع المشاهدة لعدم موزونيتها بهذا الحال كالثمرة على النخل - أمكن القول بالجواز من حيث الشرط لعموم أدلته، اللهم الا ان يدعى رجوع الجهالة الى أحد العوضين، وفيه منع واضح. وعلى كل حال فما ذكره من المنع فيما فرضه ليس مما نحن فيه: وبذلك ظهر انفراد المصنف في مختاره نعم حكى عن تلميذه الابى أنه مال إليه أو قال به، ولا ريب في ضعفه ان أريد البطلان من حيث الاشتراط في عقد السلم، أما إذا اريد به بطلان هذا الشرط في نفسه من غير فرق بين السلم وغيره فله وجه، وان كان الاوجه خلافه خصوصا بناء على التحقيق من جواز البيع على الظهر مع المشاهدة. كما أنه ظهر بما ذكرنا ما في رد المختلف على ابن ادريس فانه بعد أن حكى كلامه قال: يجوز إذا كان الصوف مشاهدا أن يكون شرطا في السلم لاجزأ من البيع ثم قال: ولو فرضنا جزأ لم يكن محالا لانه يجوز السلف حالا فيمكن أن يكون بعضه كذلك ونحوه في المسالك وغيرها إذ فيه أنه ان جاز كونه حالا فلابد ان يكون كليا في الذمة ولا يجوز ان يكون مشخصا واحتمال ارادته بالجواز حالا انه يباع بلفظ السلم خلاف الظاهر، هذا. وعن المهذب البارع ان موضوع المسألة أن يكون شرط الاصواف أن تجز حالا، فلو عينها وشرط تأجيل الجز الى أمد السلف أو شرط اصواف نعجات في الذمة غير مشاهدة لم يصح قولا واحدا، وكانه نظر الى ظاهر ما وقع فيه الخلاف، والا فالاجماع ممنوع كما اعترف به في المسالك وغيرها. وفي حواشى الشهيد (التحقيق أنه ان كان شرط الصوف الموجود أو ما يتجدد مقيدا بمدة معينة صح، وان لم يكن موجودا حال الشرط لم يصح) بل عن ايضاح النافع انه بعد ان ذكر ما ذكر الشهيد قال: (وان شرط الصوف مؤجلا ففيه نظر، ولعل الاقرب الصحة، لان المشروط لا يشترط معرفته ولا حصوله، فانه قد يشترط حمل الامة والشجرة فيكون معناه ما تحمل ان حملت).

[ 350 ]

وفي المسالك بعد أن قوى الصحة مع شرط الجز حالا والاطلاق قال: (ولو شرط تأجيل الجز الى أجل السلم فلا يخلو اما أن يشترط دخول المتجدد أو لا، وفى الاول يحتمل الصحة، لانه شرط مضبوط، وقد صرح جماعة من الاصحاب بجواز مثل ذلك في الصوف واللبن استقلالا، ونحن فيما سلف شرطنا فيه كون المجهول تابعا، فحينئذ لا اشكال ايضا مع الشرط، وفي الثاني يبنى على امرين، احدهما ان شرط تأجيل الثمن إذا كان عينا هل هو جايز ام لا والحق جوازه. بل ادعى عليه في التذكرة الاجماع، ومثله الثمن المعين، والثانى ان اختلاط مال البايع بالمبيع هل هو مانع من صحة البيع ام لا ولا شبهة في عدم منعه، وقد تقدم نظيره فيمن اشترى لقطة أو جزه وآخر قطعها فامتزجت بمال البايع، وحينئذ فطريق التخلص الصلح قلت: وبهذا يظهر لك ما في اجماع المهذب، بل لا يبعد جواز ما ذكره من الصورة الاخيرة إذا فرض الضبط على وجه ترتفع به الجهالة القادحة في الشرط، والله اعلم. (ولو شرط) المسلم إليه (ان يكون الثوب من غزل امرأة معينة، أو الغلة من قراح بعينه لم يضمن) المسلم إليه المسلم فيه أي لم يصح السلم، فلا ضمان، إذ هو لازم لها، وعلله في المسالك بامكان ان لا يتفق ذلك للمرأة بأن تمرض أو تموت أو تترك العمل امكانا مساويا لنقيضه، وكذا القراح يمكن ان يخيس، ولا يظهر منه ما يطابق الوصف وهو جيد، واجود منه قوله والضابط اعتبار ما لا يتخلف عنه المسلم فيه عادة، كالبلد الكبير بالنسبة الى الارض والاهل، بل ظاهره قبل ذلك عند البحث عن السلم في الجلود انه لا اشكال في جوازه مع اشتراط الغلة من قرية معينة لا يخيس عادة، وهو كذلك، وعليه يحمل الصحيح (1) (عن رجل اشترى طعام قرية بعينها فقال لا بأس ان خرج فهو له، وان لم يخرج كان دينا عليه) وفى الخبر الاخر (2) (الرجل


(1 - 2) الباب 13 من ابواب السلف الحديث 1 - 3

[ 351 ]

يشترى طعام قربة بعينها وان لم يسم له قرية بعينها اعطاه من حيث شاء). لكن في تقييده ذلك بالنسبة الى الارض والاهل لا يخلو من مناقشة، الا ان يكون المراد منه ارتفاع عزة الوجود بذلك، لكثرة الاهل والارض فهو ليس كامرأة معينة، ولا كقراح معين، كما أن تعليل اصل الحكم في الرياض لا يخلو منها أيضا قال: (المسألة الثانية لا يجوز استناد السلف الى معين، لانه ابتياع مضمون كلى في الذمة غير مشخص، الا بقبض المشترى، ويتفرع عليه أنه لو شرط ثوبا من غزل امرأة بعينه، أو غلة من قراح، أي مزرعة معينة لم يضمن ولا يصح، لان تشخيص المسلم فيه بأحد الامور المزبورة خروج عن حقيقة السلف، كما مرت إليه الاشارة. نعم لو استند الى معين قابل للاشاعة ولا يقتضى التعيين فيه الى عسر التسليم عادة جاز، كما لو أسلف على ماءة رطل من تمر البصرة، فان ذلك يجرى مجرى الصفات المشترطة في السلف كالحدارة والصرابة، وعليه يحمل الخبران) وفيه أنه لا دلالة في الشرط المزبور على التشخيص المذكور، فالمدار في المنع فيه ونحوه على عزة الوجود وغلبته التى قد عرفت البحث فيها، وانها ترجع الى القدرة على التسليم أولا فلاحظ وتأمل والله اعلم. (المقصد الرابع) من المقاصد التى استدعاها النظر في السلف (في الاقالة) وان كانت هي غير مختصة، فيه بل ولا مختصة بالبيع ولذا كان الاولى جعلها بمنزلة الخاتمة لكتاب البيع كما فعله بعضهم الا انه لما منع بعض العامة وقوعها في بعض السلف ناسب جعل البحث فيها مقصدا من مقاصده كمناسبة جعل القرض ودين المملوك كذلك لاشتراك الجميع في تحقق صدق الدين والامر سهل. وعلى كل حال فلا ريب في مشروعيتها بل رجحانها للنادم المسلم قال الصادق عليه السلام

[ 352 ]

في خبر ابن حمزة (1) (أيما عبد أقال مسلما في بيع أقال الله عثرته يوم القيامة) وأرسله في الفقيه، لكن قال: (أيما مسلم أقال مسلما ندامة في البيع وقال ايضا في خبر سماعة بن مهران (2) (اربعة ينظر الله عزوجل إليهم يوم القيامة أحدهم من أقال نادما) وفى مرسل الجعفري (3) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن لحكم بن حزام في التجارة حتى ضمن له اقالة النادم) الحديث الى غير ذلك من النصوص. (و) كيف كان ف‍ (هي) عند (فسخ في حق المتعاقدين) أو ورثتهما، بناء على قيامهم مقامهما في ذلك، كما صرح به في التذكرة (وغيرهما) كالشفيع، لا بيع سواء كان المبيع عقارا أو غيره، وسواء وقعت قبل القبض أو بعده، وسواء كانت بلفظ الاقالة أو الفسخ، بل لو وقعت بلفظ البيع بناء على صحتها به إذا كان المقصود به محض الفسخ، كما في التذكرة، وظاهر جامع المقاصد، وان كان لا يخلو من اشكال، خلافا لمخالفينا فبين مطلق أنها بيع، ومقيد لها في حق الشفيع، وآخر بالعقار، ورابع بما بعد القبض، وخامس إذا كانت بلفظ الاقالة، ولا ريب في ضعف الجميع، لعدم قصد معنى البيع، بل المقصود خلافه، ورد الملك ليس تمليكا جديدا فلا يجرى عليها شئ من احكام البيع، بل ولا غيره من المعاوضات الموجبة ملكا جديدا لما عرفت من انها تفيد رد الملك بفسخ العقد الذى قد اقتضى خلافه. (و) من هنا (لا تجوز الاقالة بزيادة عن الثمن) لعدم ما يصلح مملكا للزيادة المفروضة (ولا نقصان) لعدم ما يصلح مملكا لما بقى من الثمن مثلا بعد فسخ


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب آداب التجارة الحديث 2 (2 - 3) الوسائل الباب 3 من ابواب آداب التجارة الحديث 5 - 1

[ 353 ]

العقد فيما قابله تماما، بلا خلاف اجده فيهما الا ما حكاه الشهيد في حواشيه عن الاسكافي قال: ولو اصطلح المتبايعان بزيادة أو نقيصة صح عند ابن الجنيد، والاصحاب على خلافه، لانها فسخ لا بيع، قلت: مضافا الى صحيح الحلبي (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل اشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رده على صاحبه فأبى ان يقبله الا بوضيعة قال: لا يصلح له ان يأخذه بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه باكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول ما زاد). بناء على ان مبنى ذلك فساد الاقالة وبقاء الثوب على ملك المشترى، بل الظاهر عدم الصحة حتى لو ذكرت الزيادة والنقيصة بصورة الشرط الذى هو مملك بنفسه وان كان بواسطة العقد، لبطلان هذا الشرط باعتبار مخالفته لمقتضى الاقالة التى هي بمعنى الفسخ، ورد كل عوض الى مالكه. (و) حينئذ (تبطل الاقالة بذلك لفوات الشرط) في صحة عقد الاقالة كالمعلومية في المبيع أو فوات الشرط في ضمن عقدها الذى علق الرضاء بالفسخ عليه، كما في كل شرط فاسد في العقد، بناء على فساد العقد بفساده بل ربما ظهر من بعضهم عدم بناء ذلك على الخلاف في اقتضاء فساد الشرط فساد العقد وعدمه اما لخصوص النص المزبور المتمم بعدم القول بالفصل، بناء على أن المراد منه ما يشمل المعاوضة والشرطية، وان ذكر لفظ الباء بل لعله الظاهر منه عند التأمل، أو لان بطلان الشرط هنا باعتبار منافاته لمقتضى العقد كما عرفت، ولا خلاف في اقتضائه فساد العقد لعوده عليه بالنقض، انما الخلاف في غيره أو لغير ذلك. لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله من النظر ان لم يقم اجماع عليه، كما لعله الظاهر من بعضهم حتى أنه صرح بأنه لا فرق في المنع عن الزيادة والنقيصة بين الحكمية


(1) الباب 17 من ابواب احكام العقود الحديث 1

[ 354 ]

والعينية، فلو أقاله على أن ينظره بالثمن أو يأخذ الصحاح عوض المكسر ونحوه لم يصح ولكنك خبير بأن ذلك ان تم فهو في خصوص زيادة الثمن ونقصانه عينا أو حكما كانظار الثمن واعطاء الصحيح عوض المكسر كما صرح به في التذكرة وغيرها، أما إذا لم يرجع الى شئ من ذلك بحيث يكون شرطا خارجا عن الثمن، فقد يقال: ان مقتضى عموم (المؤمنون) وغيره صحته، وليس هذا تمليكا بالاقالة بل هو بالشرط الذى الزمه عقد الاقالة، ودعوى رجوع كل شرط الى زيادة الثمن ونقصانه واضحة المنع، اللهم الا أن يقال: ان فائدة الشرط التسلط على فسخ العقد الذى قد اشترط فيه ان لم يوف بالشرط، ولذا قيل ان الشرائط في العقود اللازمة انما هي للزومها، بل قيل ان فائدتها قلب اللازم جائزا من اول الامر وان كان التحقيق خلافه. وعلى كل حال فهو غير صحيح في الاقالة لعدم معهودية تزلزل الفسخ، فلا يصح فسخ الاقالة حينئذ بعدم الوفاء بالشرط، ويعود العقد على ما كان، فلا يصح أصل الشرط، وفيه منع انحصار فائدة الشرط في ذلك، إذ لا مانع من كونه حينئذ كالشرط في العتق والوقف ونحوهما مما لا يتسلط المشترط به على الفسخ، وأن المراد به مجرد الالزام وانسلاخ الشرطية التى هي بمعنى التعليق منه غير قادح، لكن ومع ذلك كله فالمسألة لا تخلو من اشكال. وان كان مقتضى ذلك عدم جواز اشتراط الخيار في الاقالة، بل ولا يتسلط على فسخها بعيب ونحوه لما عرفت، بل مقتضاه ايضا عدم الجواز في معاطاتها، بناء على صحتها فيها للسيرة المستمرة، وأنها تفيد فائدة عقدها كمعاطاة البيع في افادة الملك، لصدق اسمها عليها، لما عرفت من أن الفسخ منى تحقق لزم، لعدم معهودية تزلزله، فلا يكون فرق حينئذ في ذلك بين المعاطاة والعقد، بخلافه في البيع ونحوه، فان المعاطاة فيه وان افادة الملك الا انه يصح الرجوع فيه قبل التلف والتصرف، بخلاف العقد. نعم قد يمنع كون الاقالة من العقود المصطلحة، ولذا لم يصرح الاكثر ان لم يكن

[ 355 ]

الجميع بكونها عقدا، بل اقتصروا على أنها فسخ، بل أطلق في الدروس وقوعها بقول تقايلنا وتفاسخنا ومقتضاه ولو مع الاقتران، بل صرح بذلك في الروضة ولو أنها منها لوجب فيها تقديم الايجاب على القبول، بل احتمل في الدروس قيام الالتماس مقام قبولها، فيجرى حينئذ الالتماس عليها من أحدهما فبقول الاخر أقلتك، بل احتمل الاكتفاء بالقبول الفعلى لو قال أحدهما ابتداء من دون سبق التماس أقلتك، ومن المعلوم عدم الاجتزاء بنحو ذلك في العقود اللازمة، فرجع حاصل المسألة الى ان الاقالة كفسخ الخيار، وان افترقا بتوقفها على تراضيهما به فيها - بخلافه، فكل لفظ دل عليه يكتفى به، وأما الافعال المقصود ارادة الفسخ بها الدالة عليه فقد يقال: بالاجتزاء بها، لكون المدار على ما يدل على طيب النفس بالفسخ، كما عساه يشعر به خبر هذيل بن صدقة الطحان (1) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشترى المتاع أو الثوب فينطلق به الى منزله ولم ينفذ شيئا فيبدو له فيرده هل ينبغى ذلك له ؟ قال: لا الا أن تطيب نفس صاحبه) ويحتمل العدم اقتصارا على المتيقن، وكذا الكلام في المركب من القول والفعل على اختلاف الاحتمالين قوة وضعفا في الايجاب والقبول. وعلى كل حال فذلك على تقدير الفسخ به ليس من المعاطاة التى ذكروها في عقود المعاوضات، وكان منشأ توهم عقديتها حتى انقدح منه البحث في جريان المعاطاة فيها وجود صورة العقد في بعض عباراتها، وهو أقلتك وقبلت ومراعاة الاتصال بينهما، ونحو ذلك من احكام العقد، لكنك خبير بأعمية ذلك من العقد الذى يذكر فيه حكم المعاطاة فتأمل جيدا ومن ذلك ينقدح ان المراد بالبطلان مع اشتراط الزيادة والنقصان من حيث كون ذلك شرطا في صحتها، كالمعلومية في المبيع لا من حيث الاشتراط فيها، وانه شرط باطل، بل لعل ذلك اولى مما ذكرناه سابقا في شرح


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب آداب التجارة الحديث 3

[ 356 ]

العبارة، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (تصح الاقالة في) جميع ما وقع عليه (العقد وفي بعضه سلما كان) العقد (أو غيره) لاطلاق ادلة الاقالة معتضدا بعدم الخلاف فيه عدا ما حكاه الشهيد في حواشيه عن ابن المتوج إذا اتحد البائع والمشترى والعقد فان الاقالة لا تصح الا في الكل دون البعض رادا عليه بان المنقول خلافه، بل وضعفه واضح ودعوى عدم معقولية الفسخ في البعض دون البعض غير مسموعة كدعوى ان الاقالة في بعض السلم مطلقا أو إذا لم يكن يسيرا مستلزم ما (نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه من البيع والسلف في بيع واحد) (1) لانه إذا اقاله في بعض ورد بعض رأس المال يصير في معنى القرض لانه رد مثله ويصير الباقي بيعا. وفيه مع أن السلف حينئذ بمعنى القرض لا المصطلح أنه منقوض بارش العيب وباليسير بناء على جوازها فيه، ورد المثل لا يوجب كونه قرضا. والا لزم كون البيع إذا أقيل ولم يكن العوض موجودا كذلك، على أنه قد يمنع الاجتماع، لانه انما يكون إذا شرط في البيع ذلك، واما لو أسلفه شيئا وباعه شيئا آخر ولم يشترط أحدهما في الاخر جاز عندهم، ويمكن ارادة المستدل بناء على أن الاقالة بيع، وقد عرفت بطلانه كل ذلك بعد التسليم الخبر المزبور وتسليم كون المراد منه ذلك، فلا ريب حينئذ في جواز الاقالة في الكل والبعض في السلم وغيره، ويتقسط الثمن حينئذ على النسبة، والجهالة في مثله غير قادحة قطعا: نعم في التذكرة لو اقاله في بعض السلم ليعجل له الباقي، أو عجل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي فهى فاسدة، أما لو قال للمسلم إليه عجل لى حقى وأخذ دون ما استحقه بطيبة من نفسه كان جائزا، لانه نوع صلح وتراض والله اعلم.


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الحديث 2

[ 357 ]

* (فروع ثلاثة) * (الاول) قد ظهر لك أنه (لا تثبت الشفعة بالاقالة) ولا خيار مجلس ولا صرف ولا غيره من أحكام البيع، (لانها تابعة للبيع) وهى فسخ ليست بيعا، عندنا، لا في حق الشفيع ولا غيره، بل ولا عقد معاوضة فلا يجرى عليها شئ من احكام عقود المعاوضة. الفرع (الثاني) من الواضح أنه (لا تسقط أجرة الدلال) والوزان والناقل ونحوهم بالتقايل، لسبق الاستحقاق الذى لا ينافى ثبوته القابل الطارى الذى هو فسخ من حينه. الفرع (الثالث: إذا تقايلا رجع كل عوض الى مالكه) لانفساخ العقد الذى نقلهما عنهما وحينئذ (فان كان موجودا) عندهما على مقتضى العقد الذى تقايلا فيه (أخذه وان كان مفقودا) مثلا (ضمن بمثله ان كان مثليا والا بقيمته) يوم التلف كما صرح به جماعة كنظائره، لان الضمان متعلق بالعين مادامت، فإذا تلفت تعلق بقيمتها يومئذ، وليس المراد من الضمان اشتغال الذمة بالقيمة يوم التلف، إذ لا يعقل اشتغال ذمة المالك بقيمة ماله، بل المراد قيام القيمة يوم التلف مقام العين في صحة تعلق الاقالة، لمعلومية بدلية المثل والقيمة عن العين في كل ما يتعلق بها، وربما احتمل القيمة يوم القبض لانه ابتداء الضمان، وضعفه واضح، كوضوح ضعف احتمال الاعلى من يوم القبض الى يوم التلف أو الاقالة. نعم قد يقال: بضمان القيمة يوم الاقالة، لانه يوم التعلق، وفيه ان الاقالة لا تشغل ذمة، بل ليست الا فسخا للعقد، فلابد من قيام بدل العين قبلها، اللهم الا ان يقال ان القيمة يوم التلف قامت مقام العين، فمع فرض تغيرها الى يوم الاقالة تقوم كل

[ 358 ]

قيمة مقام الاخرى الى قيمة يوم الاقالة، إذ ليس قيام القيمة يوم التلف مقام العين بأولى من قيام كل من افراد القيمة عن الاخر، بل هو اولى، بل الظاهر الذى قام مقام العين كلى القيمة، وان قارنت تلك الخصوصية في يوم التلف، ولا تشغل ذمة بها حتى يتشخص، فيبقى كل فرد من افرادها قائما مقام الاخر الى يوم الاقالة، فيتعين ذلك الفرد، لانه هو الذى قارن الاستحقاق، فتأمل جيدا فانه دقيق، ومنه يظهر الفرق بين القيمة في الاقالة وبين الاقالة في تلف المغصوب. وعلى كل حال فالتلف غير مانع من صحة الاقالة كما انه غير مانع من الفسخ بالخيار، للاطلاق الادلة. نعم ينافيها التلف بناء على أنها بيع لعدم معقولية بيع المعدوم. نعم احتمل في التذكرة فيما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما صحتها على هذا التقدير، لانها تصارف القائم فيستتبع التالف، مع ان الاقوى خلافه، ولو تقايلا والمبيع في يد المشترى، نفذ تصرف البايع فيه، لانها فسخ، ولا يصح بناء على أنها بيع، وأنه لا يجوز التصرف في المبيع قبل قبضه، ولو تلف في يده انفسخت الاقالة بناء على أنها بيع، لان كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه، وصحيحة عندنا الا ان الظاهر كونه مضمونا على المشترى لانه مقبوض على حكم العوض كالمأخوذ قرضا وسوما، لكن في التذكرة ان الواجب فيه ان كان متقوما، أقل القيمتين من يوم العقد والقبض، وفيه بحث، وكذا لو تعيب في يده فانه ياخذ الارش منه عندنا، أما على أنها بيع تخير بين اجازة الاقالة مجانا وبين فسخها وأخذ الثمن، بناء على أن حكم البيع كذلك، ولو كان العيب في يد المشترى قبل الاقالة اقتصر عندنا على أخذ الارش، لانه كتلف الكل، أما على البيع والجهل به يتجه جواز الرد، الى غير ذلك مما لا يخفى عليك جريانه على القولين. نعم ينبغى أن يعلم أن الاقالة تسبب رد كل من العوضين الى المالك إذا كان باقيا على متقضى العقد الاول أما إذا فرض أن المشترى مثلا باعه ثم استوهبه، أو اشتراه أو ورثه أو نحو ذلك، فقد يقال: بعدم اقتضاء الاقالة رد العين

[ 359 ]

ضرورة عدم اقتضاء فسخ العقد الاول ذلك، لان الفرض انتقاله إليه بعقد آخر، مع احتمال القول بأنه بالاقالة يخاطب برد العين مع التمكن منها كيف ما كان، وفيه منع واضح، ولذا لا يجب عليه شراؤها وان كان متمكنا منه، بل قد يقال: بعدم وجوب الفسخ عليه لو فرض انتقالها عنه بعقد جائز أللهم الا أن يدعى ان الاقالة منه فسخ له، وفيه منع بل قد يقال: بعدم وجوب دفع العين لو كان قد فسخ العقد بعد الاقالة، لانه دخول جديد في ملكه بعد تعلق حق المقال بالقيمة، وان كان لا يخلو من نظر، فتأمل جيدا والله اعلم. وعلى كل حال فقول المصنف (وفيه وجه آخر) فسره في المسالك بأن القيمى يضمن بمثله، ثم ضعفه وهو كذلك، بل لم يعرف نقل هذا الوجه عن أحد في نظائر المسألة، وربما فسر بعدم صحة الاقالة مع التلف، وهو أضعف من السابق، إذ لا خلاف وعلى كل حال فقول المصنف (وفيه وجه آخر) فسره في المسالك بأن القيمى يضمن بمثله، ثم ضعفه وهو كذلك، بل لم يعرف نقل هذا الوجه عن أحد في نظائر المسألة، وربما فسر بعدم صحة الاقالة مع التلف، وهو أضعف من السابق، إذ لا خلاف بيننا في صحتها معه نعم في التحرير بعد أن صرح برد الثمن مع الاقالة ان كان باقيا، ومثله ان كان تالفا أو قيمته ان لم يكن مثليا قال: (لو تقايلا بالثمن رجع كل عوض الى مالكه، فلو كان المعوض تالفا فالوجه صحتها، وكان الحكم كما قلناه في الثمن) وظاهره الفرق بين الثمن والمثمن حيث جزم في الاول وجعله الوجه في الثاني، لكن ضعفه واضح والله اعلم. الى هنا تم الجزء الرابع والعشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه وقد بذلنا غاية جهدنا في تصحيحه ومقابلته للنسخة المصححة التى قوبلت بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه وقد خرج بعون الله تبارك وتعالى خاليا من الاغلاط الا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر ويتلوه الجزء الخامس والعشرون في أحكام القرض انشاء الله تعالى. على الاخوندى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية