جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 25


[ 1 ]

جواهر الكلام (في شرح شرائع الاسلام) تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 الجزء الخامس والعشرون قوبل بالنسخة المصححة التى قوبلت بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ على الاخوندى الناشر دار الكتب الاسلامية تهران - بازار سلطاني تلفن 520410 الطبعة السادسة 1394 - ه‍ ق حقوق الطبع والتقليد محفوظه للناشر مطبعة الحيدري بسم الله الرحمن الرحيم (المقصد الخامس) (في القرض) بكسر القاف وفتحها وهو معروف أثبته الشارع متاعا للمحتاجين مع رد عوضه في غير المجلس غالبا وإن كان من النقدين رخصة، وقد تظافرت النصوص، بل تواترت بتأكيده في المؤمن، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (1) (من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه) (2) (ومن أقرض أخاه المسلم كان له بكل در هم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات وإن رفق به في طلبه تعدى على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله عزوجل عليه الجنة يوم يجزى المحسنين) والصادق عليه السلام (3) (لان أقرض قرضا أحب إلي من أن أتصدق بمثله، ومن أقرض قرضا وضرب له أجلا ولم يؤت به عند ذلك الاجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الاجل بمثل صدقة دينار واحد في كل يوم) (4) (والقرض الواحد بثمانية عشر وإن مات حسبتها من الزكاة)) (5) (وما من مسلم أقرض مسلما قرضا حسنا يريد به وجه الله إلا حسب له أجره كاجر الصدقة حتى يرجع إليه. (و) كيف كان فتمام (النظر) فيه يستدعى النظر (وفي أمور ثلاثة الاول في حقيقته وهو عقد) بلا خلاف أجده فيه، نعم في المسالك لا شبهة في اشتراط الايجاب والقبول


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 3 - 5 - 1 - 4 - 2

[ 2 ]

فيه بالنسبة إلى تحقق الملك إن قلنا أنه يملك بهما وبالقبض، فلو قلنا بتوقف الملك على التصرف وكان قبله بمنزلة الاباحة فينبغي أن لا يتوقف على العقد. قلت: الظاهر من القائل بذلك كون التصرف كاشفا عن الملك، فلا بد من حصول السبب له قبله وإن كان مشروطا تأثيره على جهة الكشف وليس إلا العقد والقبض، كما أن الظاهر كونه من تمام السبب عنده بناء على عدم الكشف، فالملك حينئذ حاصل منه ومن العقد والقبض فهو حينئذ غير الاباحة، بل من الواضح تغايرهما في عرف المتشرعة موضوعا وأحكاما. وكيف كان فالظاهر دخول المعاطاة فيه بناء على دخولها في غيره، بل هو أولى من البيع وغيره بذلك، والسيرة فيه أتم. والفرق بينها وبين العقد بناء على عدم جواز رجوع المقرض بالعين بعد القبض واضح، إذ من المعلوم عدم ذلك في المعاطات وإن قلنا بحصول الملك معا، إلا أنه متزلزل كما في البيع فلكل منهما الرجوع حينئذ إذا كان القرض بها، وأما إذا قلنا بعدم الملك بالقبض بل لابد من التصرف، فلعل الفرق بين العقد والمعاطاة حينئذ التزام كون التصرف في الاول كاشفا أو متمما، بخلافه في المعاطاة التى يمكن كونه فيها حينئذ كالاباحة بالعوض. نعم قد يشكل الفرق بين معاطاته وعقده بناء على جواز فسخه الموجب لرجوع العين، وعلى أن المعاطاة تفيد الملك المتزلزل، ولعله لا بأس بالتزام عدم الفرق بينهما حينئذ، فإنه لا دليل يقتضى لزوم الفرق بين المعاطاة والعقد هذا كله بناء على أن المعاطاة تقتضي الملك المتزلزل، وإلا فالفرق بينهما حينئذ واضح، بناء على حصول الملك بالقبض، بل وعلى القول بالتصرف، لما عرفت من الفرق بين التصرف المسبوق بالعقد والقبض، وبين التصرف المسبوق بالمعاطاة، ولو سلم تساويهما كما في بعض الاحتمالات أمكن الالتزام بما عرفت من عدم الفرق بينهما حينئذ، لعدم ما يقتضي وجوبه، والامر سهل خصوصا بعد ما ستسمع من ضعف القول بكون القرض من العقود الجائزة الموجب فسخها لرد العين، والقول بتوقف الملك فيه على التصرف، والله أعلم

[ 3 ]

وحيث قد عرفت أنه عقد فهو (يشتمل على إيجاب قوله أقرضتك أو ما يؤدي معناه) وضعا واما (مثل تصرف فيه أو انتفع به، وعليك رد عوضه) ونحوهما مما يفيد معناه بالقرينة فالبحث فيه كما في غيره من العقود اللازمة، بناء على كونه منها على الاصح، لكن في المسالك تبعا للدروس أن من المؤدى معناه: خذ هذا أو اصرفه أو تملكه أو ملكتك أو استلفتك ونحوه، وعليك رد عوضه أو مثله أو نحو ذالك، والحاصل أن صيغته لا تنحصر في لفظ كالعقود الجايزة، بل كل لفظ دل عليه كفى، إلا أن لفظ أقرضتك صريح في معناه، فلا يحتاج إلي ضميمة: وعليك رد عوضه ونحوه وغيره يحتاج. وفيه أولا أنك ستعرف كونه من العقود اللازمة عنده، حتى أنه أول قولهم بالجواز إلى ما ستسمع، وثانيا أنه قد يمنع دلالة ذلك على القرض بعد فرض مشروعية الاباحة بالعوض أو الهبة به، فالواجب حينئذ والاحوط الاقتصار علي المتيقن في لفظه. ثم إنه بناء على ما ذكره لو ترك الضميمة المزبورة فلم يقصد إلا مع معنى المنضم إليه، فان كان بلفظ التمليك أفاد الهبة، لانه صريح فيها، وإن كان بلفظ السلم ونحوه كان فاسدا لا يترتب عليه حكم عقد، لانه حقيقة في السلم ولم يجمع شرائطه، وإن كان بغيره من تلك الالفاظ الدالة على الاباحة فهو هبة مع قصد الموجب لها لا بدونه كما سيأتي انشاء الله. فلو اختلفا في القصد فالقول قوله لانه أبصر به، أما لو اختلفا في قصد الهبة مع تلفظه بالتمليك فقد قطع في التذكرة بتقديم قول صاحب المال، لانه أعرف بلفظه ولاصالة عصمة المال وعدم التبرع به، ووجوب الرد على الآخذ لعموم (على اليد) (1) وفيه أن ظاهر اللفظ الدال على القصد يقطع ذلك كله كما في ساير العقود، إذ الاصل إرادة الحقيقة، والمجاز لا يصار إليه إلا بقرينة، فلا يسمع دعواه مع عدمها في مقابلة الغير كما هو واضح. (و) يشتمل أيضا (على القبول و) البحث فيه كالايجاب لكن قال المصنف إنه (هو


سنن البيهقي ج 6 ص 90 كنز المعال ج 5 ص 257

[ 4 ]

اللفظ الدال على الرضا بالايجاب ولا ينحصر في عبارة) بل في الدروس والاقرب الاكتفاء بالقبض، لان مرجعه إلى الاذن في التصرف، بل حكاه في المسالك عن قطع جماعة لكن قال: إنه كذلك بالنسبة إلى إباحة التصرف وفي الاكتفاء به في تمام الملك نظر. قلت: إنما الكلام في تتمة العقد به، وأنه يكون كالقبول القولى، ولا ريب في أن الاحوط عدم الاكتفاء بذلك، بل هو الاقوى بناء على كون القرض من العقود اللازمة، بل عليه لا ينبغى الاكتفاء بكل لفظ ولو مجازا بعيدا، ولتحقيق ذلك مقام آخر، وكان تسامحهم في عقد القرض بناء على أنه من العقود الجائزة إلا أنك ستعرف ما فيه كما أنك عرفت عدم البأس بذلك كله في معاطاة القرض فتأمل جيدا والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (في القرض أجر) عظيم (ينشأ من معونة المحتاج تطوعا) و كشف كربة المسلم حتى روي (1) (أن درهم الصدقة بعشر، والقرض بثمانية عشر)، وقول النبي صلى الله عليه وآله (2) (الف درهم أقرضها مرتين أحب الي من أن أتصدق بها مرة)، لا دلالة فيه على رجحان الصدقة عليه، حتى يحتاج إلى الجمع بحمل ما دل على رجحان الصدقة على الصدقة الخاصة كالصدقة على الارحام والعلماء ونحوهم، وما دل على رجحان القرض على غيرها من الصدقة العامة، بل المراد بذلك الاشارة إلى ما استفيد من غيره من النصوص من كون وجه رجحان القرض على الصدقة، أن القرض يعود فيقرض، بخلاف الصدقة كما هو واضح، إذ من المعلوم الترجيح بين طبيعتيهما، وإلا فكل منهما قد يقترن بما يتضاعف ثوابه إلى ما لا يحصيه إلا الله، ودعوى أن القرض على كل حال لا يزيد على الثمانية عشر واضحة البطلان. والحاصل أن المراد من الخبر المزبور بيان كون قرض الشئ أفضل من الصدقة به، كما رواه القماط وغيره (3) (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لان أقرض قرضا أحب إلى من أن أتصدق بمثله)، ولعله إلى ذلك أشار الشيخ وغيره بما رووه مرسلا


(1) المستدرك ج 2 ص 490 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الدين والقرض الحديث - 5 (3) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 1 .

[ 5 ]

القرض افضل من الصدقة بمثله في الثواب، والافلم نجد هذا اللفظ في شئ من نصوصنا، لكن ظاهر الشهيدين وجودها بهذا اللفظ، ولذا احتملا فيها احتمالين: أحدهما ما يراد من الخبر المزبور فلا يكون فيه دلالة على مقدار الثواب، وثانيهما تعليق بمثله بأفضل لا بالصدقة فيكون المعنى ان القدر المقترض أفضل من المتصدق به، بمقدار مثله في الثواب، والصدقة لما كان المعروف من ثوابها والمشترك بين جميع أفرادها عشرة، فدرهم القرض، حينئذ بعشرين، إلا أنه لما كان يعود بخلاف درهم الصدقة حصل له ثمانية عشر، إذ الصدقة إنما صار درهمها بعشرة باعتبار عدم عوده، فالذي استفاده حقيقة تسعة، فهي مع مثلها ثمانية عشر، تحصل لدرهم القرض الذي عاد لصاحبه، وهذا وإن كان ألطف من الاول وأوفق بمناسبة خبر الثمانية عشر، ومشتمل على سر لطيف، وبلاغة في الكلام، مناسبة للمعروف من كلامهم عليهم السلام، إلا أن الذي ذكرناه أولا أظهر خصوصا مع معلومية عدم كون عادتهم مراعاة نحو ذلك في كلامهم الصادر لبيان الاحكام التي يتساوى فيها الخاص والعام. وأما قوله في الثواب، فهو على الوجهين متعلق بأفضل، لبيان الواقع كقوله يقتلون النبيين بغير حق، ويطير بجناحيه، أو لغير ذلك كما أنه قد يحتمل تعلقه بغير أفضل على الاول، والامر في ذلك كله سهل، ثم إن الظاهر من قول المصنف (تطوعا) الاشارة إلى اعتبار النية في حصول الثواب كغيره من الاعمال وهو كذلك إذ احتمال حصوله مطلقا ضعيف (و) على كل حال فشرط القرض (الاقتصار على) ذكر (رد العوض ف‍) قط على معنى أنه (لو شرط النفع حرم) الشرط بلا خلاف فيه، بل الاجماع منا بقسميه عليه، بل ربما قيل: إنه اجماع المسلمين، لانه ربا قال على بن جعفر في المروي عن قرب الاسناد (1) (سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل اعطى رجلا مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو اكثر فقال: هذا الربا المحض) وقال خالد بن الحجاج: (2) (سألته عن رجل كان لي عليه مائة درهم عددا


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 18 -. (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث - 1 .

[ 6 ]

فقضاها مائة وزنا قال: لا بأس ما لم يشترط قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط، إنما يفسده الشروط) ومنه يعلم أن المراد بالبأس في مفهوم غيره المنع، كموثق اسحاق بن عمار (1) (قلت لابي ابراهيم عليه السلام الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا، فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منه منفعة، فينيله الرجل كراهة أن يأخذ ماله، حيث لا يصيب منه منفعة، يحل ذلك له ؟ قال: لا بأس إذا لم يكونا شرطاه) وحسن الحلبي (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا ثم يعطي سودا وزنا، وقد عرف أنها أثقل مما اخذ، وتطيب نفسه أن يجعل له فضلها، فقال: لا بأس إذا لم يكن فيه شرط، ولو وهبها كملا كان أصلح) وصحيحه الاخر (3) عنه أيضا (إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط) بل منه يعلم فساد القرض بهذا الشرط لا الشرط خاصة، فيكون الشرط في صحة القرض عدم هذا الشرط كما هو ظاهر صحيح محمد بن قيس (4) عن أبى جعفر عليه السلام (من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط إلا مثلها فان جوزي بأجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه) ضرورة ظهور النهى فيه في الشرطية كما في نظائره، مضافا إلى النبوى (5) (كل قرض يجر منفعة فهو حرام) المراد منه بقرينة غيره صورة الشرط المنجبر بكلام الاصحاب، بل قيل: إنه اجماع بل في المختلف الاجماع على أنه إذا أقرضه وشرط عليه أن يرد خيرا مما اقترض كان حراما، وبطل القرض، فحرمة القرض منه حينئذ ظاهرة في فساده (و) انه (لم يفد الملك) فيحرم على المستقرض التصرف فيه وهو مضمون عليه لكونه مقبوضا على ذلك ولان ما يضمن


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب الدين والقرض الحديث 13. (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 20 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 1. (4) الوسائل الباب 19 - من ابواب الدين والقرض الحديث 11 (5) المستدرك ج 2 ص 492 جامع الصغير ج 2 ص 94 طبع احمد حنفي لكن فيهما " فهو ربا " .

[ 7 ]

بصحيحه يضمن بفاسده) فما عن أبى حمزة من أنه أمانة ضعيف، وأضعف منه توقف المحدث البحراني في ذلك مدعيا أنه ليس في شئ من نصوصنا ما يدل على فساد العقد بذلك، بل أقصاها النهى عن اشتراط الزيادة، والخبر النبوى (1) ليس من طرقنا. نعم يبنى فساد العقد على المسألة السابقة وهي اقتضاء فساد الشرط فساد العقد، وقد عرفت الخلاف، وإن كان ظاهرهم هنا عدم كون البطلان هنا مبنيا على ذلك، ولذا ادعى شيخنا في المسالك الاجماع عليه ومما قدمنا يظهر لك ما فيه، كما أنه يظهر الوجه فيما دل من النصوص على أن خير القرض ما جر نفعا كخبر محمد بن مسلم (2) وغيره (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا ويعطيه الرهن إما خادما وإما آنية وإما ثيابا فيحتاج إلي شئ من منفعة فيستأذنه فيه فيأذن له فقال: إذا طابت نفسه فلا بأس، فقلت: إن من عندنا يروون: كل قرض يجر منفعة فهو فاسد، قال: أو ليس خير القرض ما - جر منفعة ؟) ومرسل مسلم (3) عن أبى جعفر عليه السلام (خير القرض ما جر منفعة) وخبر على بن محمد (4) (قال: كتبت إليه القرض يجر المنفعة، هل يجوز أم لا فكتب عليه السلام يجوز ذلك عن تراض منهما انشاء الله) إذ من الواضح إرادة صورة عدم الشرط التي صرح المصنف وغيره بها بقوله (نعم لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة جاز) بل لا أجد فيها خلافا بيننا للنصوص المتقدمة، مضافا إلى خبر اسحاق بن عمار (5) عن أبى الحسن عليه السلام (سألته عن الرجل يكون له مع الرجل مال قرضا فيعطيه الشئ من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه ؟ قال: لا باس) وخبر الربيع (6) (قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أقرض رجلا دراهم فرد عليه أجود منها بطيب نفسه، وقد علم المستقرض والقارض أنه إنما أقرضه ليعطيه أجود منها، قال: لا بأس إذا طابت نفس المستقرض وقول النبي صلى الله عليه وآله (7) لما اقترض بكرا فرد بازلا رباعيا (إن خير الناس أحسنهم قضاء) وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (8) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض


(1) المستدرك ج 2 ص 492 عن الدعائم، جامع الصغير ج 2 ص 94 طبع احمد حنفي. (2) (3) (4) (5) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين والقرض الحديث 4 - 6. (6) (8) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف ح - 4 - 7. (7) سنن البيهقي ج 5 ص 351 وج 6 ص 21 .

[ 8 ]

من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم. فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس، وذلك هو الفضل كان أبى عليه السلام يستقرض الدراهم المفسولة فيدخل عليه الدراهم الجلال فيقول يا بنى ردها على الذى استقرضتها منه فأقول: ان دراهمه كانت مفسولة وهذه خير منها فيقول يا بنى هذا هو الفضل فاعطه إياها) وكأنه عليه السلام أشار إلى قوله تعالى (1) (ولا تنسوا الفضل بينكم) فتكون هي حينئذ دليلا آخر على المطلوب، بل وموثق أبى بصير (2) عن أبى جعفر عليه السلام (قلت له: الرجل يأتيه النبط باحمالهم فيبيعها بالاجر فيقولون له: أقرضنا دنانير فانا نجد من يبيع لنا غيرك، ولكنا نخصك بأحمالنا من أجل أنك تقرضنا قال لا بأس به إنما يأخذ دنانير مثل دنانيره، وليس بثوب إن لبس كسر ثمنه، ولا دابة إن ركبها كسرها وانما هو معروف يصنعه إليهم، ومرسل جميل (3) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله إنا نخالط نفرا من أهل السواد فنقرضهم القرض ويصرفون الينا غلاتهم فنبيعها لهم بأجر، ولنا في ذلك منفعة قال لا بأس، ولا أعلم إلا قال: ولو لا ما يصرفون إلينا من غلاتهم لم نقرضهم، فقال: لا بأس) وإن كان قد يقال: إن مثله جائز حتى مع الشرط، كما أومأ إليه التعليل المزبور، لعدم كونه منفعة محضة، بل هو في مقابلة عمل كشرط البيع بالقيمة في القرض ومثله يقوى جوازه للاصل واطلاق بعض النصوص مع الشك في شمول أدلة المنع له. وعلى كل حال فالنفع وان كان محضا جائز أخذه مع عدم الشرط. نعم قد يقال: بأولوية تركه للمقروض إذا كان من نيته ذلك، لموثق اسحاق بن عمار (4) (سألت العبد الصالح عن الرجل يرهن الثوب أو العبد أو الحلي أو المتاع من متاع البيت قال: فيقول: صاحب الرهن للمرتهن: أنت في حل من لبس هذا الثوب، فالبس الثوب، وانتفع بالمتاع، واستخدم الخادم، قال: هو له حلال إذا أحله، وما أحب له أن يفعل) وصحيح يعقوب بن شعيب (5) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن الرجل يسلم في بيع أو عشرين دينارا ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينارا، قال: لا يصلح


سورة البقرة الاية 237. (2) (3) (4) (5) الوسائل الباب - 19 من ابواب الدين الحديث - 10 - 12 - 15 - 9 .

[ 9 ]

إذا كان قرضا يجر شيأ فلا يصلح، وسألته عن الرجل يأتي حريفه وخليطه فيستقرضه الدنانير فيقرضه، ولو لا أن يخالطه ويحارفه ويصيب عليه لم يقرضه، فقال: ان كان معروفا بينهما فلا بأس، وان كان انما يقرضه من أجل أنه يصيب عليه فلا يصلح) بناء على ارادة الكراهة منه لعدم الشرط كما أنه يمكن خروج صدر الخبر عما نحن فيه، بناء على عدم قدح مثله ولو بصورة الشرط، لرجوعه إلى القرض بشرط السلم، وهو مع عدم المحاباة فيه، يمكن منع حرمته. بل الظاهر عدم الكراهة فيما نحن فيه، إذا لم يكن للقرض مدخلية في النفع بل كان من مقارناته كما يشير إليه خبر هذيل (1) (قلت: لابي عبد الله عليه السلام اني دفعت إلى أخي جعفر مالا فهو يعطيني ما أنفقه وأحج به وأتصدق، وقد سألت من عندنا فذكروا أن ذلك فاسد، وأنا أحب أن أنتهى إلى قولك، فقال: أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك، قلت: نعم قال: خذ ما يعطيك فكل منه واشرب وحج وتصدق فإذا قدمت العراق فقل جعفر بن محمد افتاني بهذا) بل قد يقال: بعدم الكراهة أصلا، إذا لم يكن من نيتهما ذلك، بل إذا لم يكن من نية المقرض خاصة. ومن هنا خصها في الدروس بما إذا كان ذلك من نيتهما، ولم يذكراه لفظا، فحينئذ لا تنافي بين هذه النصوص، وبين النصوص السابقة الدالة على أن خير القرض ما جر نفعا، الظاهرة في عدم الكراهة بعد حملها على ما إذا لم يكن من نيتهما كما أنه لا تنافي بين ما دل على رجحان دفع الزيادة تحصيلا لحسن القضاء، وبين ما دل على كراهة قبول المقرض لها، إذا كان من نيته ذلك، وأنه انما أقرضه له، ونفي البأس في خبر أبي الربيع (2) غير مناف لها بعد ارادة الجواز منه. بل قد يقال باستحباب احتساب الهدية من الدين، وان لم يكن من نية المقرض، لخبر غياث بن ابراهيم (3) (عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا أتى عليا عليه السلام


(1) (3) الوسائل الباب - 19 من ابواب الدين الحديث - 2 - 1. (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث - 4 - .

[ 10 ]

فقال له: ان لي على رجل دينا فاهدى الي هدية، قال: احسبه من دينك عليه) هذا ! والذي دعانا إلى ذلك كله ظهور بعض النصوص بعدم الكراهة فيه، كالاخبار الدالة على أن خير القرض ما جر نفعا، وغيرها، وظهور آخر في تحققها فيه، ومن هنا احتملنا التنزيل المزبور، وقد يحتمل تفاوتها شدة وضعفا، وعلى كل حال فالامر في ذلك كله سهل بعد معلومية التسامح في السنن، وبعد ما عرفت من أن الممنوع اشتراط المنفعة صريحا، أو اضمارا قد بنى العقد عليه، من غير فرق بين كون المنفعة عينا أو وصفا. ومنه يعلم الحكم فيما (لو شرط) الدراهم (الصحاح) كالطازجية (عوض المكسرة) كالغلة لكن (قيل:) والقائل الشيخ وأبو الصلاح وابنا البراج وحمزة (يجوز فيه) لصحيح يعقوب بن شعيب (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة ويا خذمنه الدراهم الطازجية طيبة بها نفسه، قال لا بأس وذكر ذلك عن علي عليه السلام) الذي لا ظهور فيه بصوره الشرط، بل قيل: انه ظاهر في عدمها ولو سلم فبينه وبين غيره مما أطلق فيه المنع تعارض العموم من وجه، ومن الواضح رجحانه عليه من وجوه. كل ذلك مضافا إلى خصوص بعض النصوص السابقة كصحيح محمد بن قيس (2) (و) غيره فلا ريب حينئذ في أن (الوجه) بل الاصح (المنع) فيه، وفي المحكي عن أبي الصلاح خاصة من جواز قرض المصوغ من الذهب مع الاعطاء عينا، ومن الفضة درة والنقد المخصوص من خالص الذهب والفضة بشرط اعطاء العتيق من نقد غيره، إذا كان مراده الجواز مع فرض كون المشروط نفعا للمقرض، اذلا دليل عليه معتد به، فضلا عن أن يصلح معارضا. وخبر عبد الملك بن عقبة (3) عن عبد صالح (قلت له: الرجل يأتيني يستقرض


(1) (3) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث - 5 - 9. (2) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين الحديث - 11.

[ 11 ]

مني الدراهم فأوطن نفسي على أن أوخره بها شهرا للذي يتجاوز به عني، فإنه يأخذ مني فضة تبر على أن يعطيني مضروبة وزنا بوزن سواء، هل يستقيم هذا إلا أني لا أسمي له تأخيرا انما أشهد لها عليه فرضي قال: لا أحبه) لا دلالة فيه على ذلك بل لعله لم يشترط عليه المضروبة. وكيف كان فالتحقيق ما عرفت، ومنه يعلم غرابة ما عن الاردبيلى من الميل إلى عدم البأس في اشتراط الزيادة الحكمية مطلقا حاكيا له عن الجماعة المزبورة، للاصل واطلاق الادلة، خصوصا نصوص (1) خير القرض ما جر نفعا، بعد عدم الاجماع وعدم ظهور تناول دليل الربا له، بل دلالة أكثر أخبار المنع انما هي بمفهوم البأس الذي هو اعم من الحرمة. وفيه ما عرفت من ظهور الادلة منطوقا كصحيح محمد بن قيس (2) وغيره، ومفهوما ولو بقرينة غيره في المنع من اشتراط النفع عينا أو منفعة أو صفة كما هو واضح. نعم قد يستثنى من ذلك اشتراط التسليم في بلد آخر، وان كان فيه نفع لخبر الكناني (3) عن الصادق عليه السلام في الرجل يبعث بمال إلى أرض فقال للذي يريد أن يبعث له: أقرضنيه وأنا أوفيك إذا قدمت الارض ؟ قال: لا بأس بهذا). وأوضح منه خبر يعقوب بن شعيب (4) (قلت: لابي عبد الله عليه السلام يسلف الرجل الرجل الورق على أن ينقده اياه بأرض أخرى، ويشترط عليه ذلك ؟ قال: لا بأس) واسماعيل بن جابر (5) (قلت: لابي جعفر أدفع إلى الرجل الدراهم فأشترط عليه ان يدفعها بأرض اخرى سودا بوزنها واشترط ذلك عليه قال لا بأس) إلى غير ذلك من النصوص. ولذلك صرح به في القواعد وغيرها بعد التصريح بانصراف الاطلاق إلى بلد القرض، بل قال فيها: سواء كان في حمله مؤنة أولا، لكن في جامع المقاصد احتمال الفساد مع كون المصلحة للمقرض، لجر النفع ناسبا له إلى تصريح الشهيد به في بعض فوائده، ثم رده بأن الممنوع منه الزيادة في مال القرض عينا أو صفة، وليس هذا واحدا منهما،


(1) (2) الوسائل الباب 19 من ابواب الدين الحديث 5 - 6. (3) (4) (5) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الصرف الحديث 2 - 1 - 5 .

[ 12 ]

ومثله الحلى في السرائر. قلت: يمكن أن يكون مبنى الجواز النصوص المزبورة التي إن لم يسلم ظهورها في خصوص الفرض، فلا ريب في شمولها له، فالتعارض حينئذ بينهما وإن كان من وجه إلا أنه لا إشكال في رجحانها عليه، من حيث الدلالة وغيرها، خصوصا بعد اعتضادها بفتوى من تعرض له من الاصحاب، نعم قال في القواعد: (لو طالبه المقرض من غير شرط في غير البلد أو فيه مع شرط غيره، وجب الدفع مع مصلحة المقترض، ولو دفع في غير بلد الاطلاق أو الشرط وجب القبول مع مصلحة المقرض). وفيه - بعد إرادة الضرر من عدم المصلحة الذي لا يوجب على المقترض الدفع، ولا على المقرض القبول - أنه مناف لعموم ما دل على أن المؤمنين عند شروطهم (1) ومع فرض عدم لزوم هذا الشرط وأنه كالوعد بناء على أنه شرط في عقد القرض الذي هو عندهم من العقود الجائزة لا ينبغى مراعاة المصلحة أيضا، ومن هنا قال في الدروس: ولو دفع إليه في غير مكانه مع الاطلاق أو في غير المكان المشترط لم يجب القبول و إن كان الصلاح للقابض، ولو طالبه في غيرهما لم يجب الدفع وإن كان الصلاح للدافع. نعم لو تراضيا جاز، ولتمام تحقيق ذلك مقام آخر، وقد سبق منا بعض الكلام فيه، وتسمع في اشتراط الاجل بعضه أيضا، وعلى كل حال فليس من جر النفع اشتراط المقرض رهنا على ما أقرضه، أو كفيلا أو اشهادا ونحو ذلك مما لا يندرج في اطلاق المنع السابق، فيبقى ما دل على الجواز من عموم ادلة الشرط وغيره بلا معارض، بل في القواعد وجامع المقاصد: أن الاقرب جواز اشتراط ذلك على دين آخر، محتجا عليه في الاخير بأن ذلك ليس زيادة في مال القرض، وإنما هو شرط خارج عنه، وإن كان زيادة بحسب الواقع، فان المنهى عنه الزيادة في مال القرض. وان كان قد يناقش فيه بان المستفاد من النصوص السابقة فضلا عن الخبر العامي الذي تلقاه الاصحاب هنا بالقبول (2) (وهو كل قرض جر نفعا فهو حرام) المنع عن كل


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث - 4 (2) المستدرك ج 2 ص 492 سنن البهيقي ج 5 ص 353

[ 13 ]

نفع للمقرض، كركوب دابة أو عارية متاع أو انتفاع برهن أو نحو ذلك، كصحيح محمد بن قيس (1) وغيره، وان لم يكن بزيادة في نفس المال المقترض، ومن هنا استجود المنع في الدروس. ومنه يظهر وجه المنع في القرض بشرط البيع مثلا محاباة، لوضوح جرالنفع، خلافا لهما فلم يفرقا بينه وبين البيع بثمن المثل، وهو كما ترى، ضرورة عدم صدق جر النفع في الثاني دون الاول، وان اتفق احتياجه إليه كوضوح الفرق بين القرض وبين البيع محاباة بشرط القرض، إذ لا يصدق على القرض انه اشترط فيه ما يجر منفعه، وان كانت المنفعة هي السبب في وقوعه، الا انه لا يخلو من كراهة، لصحيح يعقوب بن شعيب (2) المتقدم آنفا في قرض صاحب السلم، مع انه لا دلالة فيه على اشتراط ذلك في عقد السلم ولا على التحابي فيه فلاحظ وتامل. ولو كان الشرط نفعا للمستقرض دون المقرض كما إذا اشترط اعطاء الغلة عوض الصحاح أو اشترط عليه ان يقرضه شيئا اخر ونحو ذلك جاز بلا خلاف ولا اشكال، نعم احتمل في الدروس المنع في الثاني مع فرض النفع له، كما إذا كان الزمان زمان نهب أو غرق، وفيه ان مثله غير قادح لا اقل من الشك في اندراج مثله تحت ادلة المنع والله اعلم، هذا. وليعلم انه ان كانت الزيادة التي ردها المقترض من غير شرط حكمية كالجيد بدل الردي والكبير بدل الصغير كما صنعه النبي صلى الله عليه واله ملكه المقرض ملكا مستقرا بقبضه، وكان باجمعه استيفاء، وان كانت عينية كما لو دفع اثنى عشر، من عليه عشرة، ففي كون المجموع وفاء كالحكمي بناء على أنه معاوضة عما في الذمة، غايته كونه متفاضلا وهو جائز بالشرط وهو عدم الشرط، أو يكون الزائد بمنزلة الهبة - فيلزم حكمها من جواز الرجوع فيه، على بعض الوجوه الآتية، إلتفاتا إلى أن الثابت في الذمة إنما هو مقدار الحق، فالزائد تبرع خالص، وإحسان محض، وعطية منفردة - احتمالان، قد


(1) (2) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين الحديث - 11 - 9.

[ 14 ]

اعترف في المسالك بأنه لم يقف فيه على شئ، لكن قال: لعل الثاني أوجه خصوصا مع حصول الشك في انتقال الملك، قلت: لكن يشكل مع عدم تعيين الوفاء منها، كما أنه يشكل جعله من المعاوضة عما في الذمة، بناء على عموم الربا، فلا ريب في أن الاحوط في الربوي تعيين الوفاء، ثم هبة الزائد والامر سهل. إنما الكلام في وجوب القبول على المقترض، صرح في التذكرة بذلك مع كون الزيادة حكمية، وتبعه الاردبيلي فيما حكي عنه، لاصالة براءة ذمة المقترض، ولانه يندرج تحت مثل المال وإن تضمن زيادة ولظهور النصوص في كون ذلك وفاء وإن كان هو أحسن أفراده. وقد يناقش بأنه ليس في النصوص إلا عدم البأس بالاخذ، وهو أعم من الوجوب الذي هو حكم شرعي يحتاج إلى دليل واضح، على أنه قد عرفت كراهة أخذ المقرض الزيادة وإن كانت وصفية، فكيف يجامع الوجوب. ومنه يعلم وضوح عدم وجوب القبول في الزيادة العينية التي لا تخلو من المنة التي من المعلوم عدم وجوب قبولها، بل ربما تتحقق في الزيادة الوصفية، لكن الانصاف عدم خلو القول بالوجوب في الزيادة الوصفية التى لا تخرج المدفوع عن الجنس من قوة، نحو ما سمعته في السلم، ولظهور النصوص (1) في أن ذلك أحسن أنواع الوفاء، أما العينية فالمتجه عدم وجوب قبولها والله أعلم. (الثاني) مما يقع النظر فيه (ما يصح إقراضه وهو) عند المصنف (كل ما - يضبط وصفه) الذي تختلف القيمة باختلافه (وقدره) إن كان من شأنه التقدير، ولو لتوقف الضبط عليه، ولا ريب في طرده، بمعنى صحة قرض مضبوط الوصف والقدر بل لا خلاف فيه لاطلاق الادلة، إنما الكلام في عكسه وهو أن كلما لا يضبط وصفه ولا قدره لا يجوز قرضه، إذ يمكن منعه للاطلاق المزبور خصوصا على المختار من أن الثابت في قرض القيمي قيمته التي لا مدخلية في ثبوتها في الذمة، لضبط الوصف الذي يراد منه دفع المثل وفاء.


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف. .

[ 15 ]

كما أنه قد يمنع وجوب اعتبار ضبط الوصف سابقا على القرض في صحته، على وجه لا يجدي اعتباره بعد القرض والقبض، لعدم الدليل الصالح لتقييد الاطلاق المعتضد باطلاق جملة من الاصحاب الذين لم يذكروا هذا الشرط كبني زهرة وحمزة وإدريس و غيرهم، والتعليل بأن ذلك مقدمة للوفاء لا يقضي بالاشتراط المزبور، بل قد يقال: بعدم فساد القرض بالاخلال به أصلا، إذ أقصاه ثبوت مثله أو قيمته في الذمة، فإن علما ببينة ونحوها وجب تأديتهما، وإلا رجع إلى الصلح. وكذلك الكلام في القدر، خصوصا مع إرادة المعتاد منه، كما صرح به بعضهم ويقتضيه ظاهر الاطلاق، فلا يجدي المكيال المجهول والصنجة المجهولة، وخصوصا مع إرادة اعتبار ذلك حتى فيما يكفي في بيعه المشاهدة، كالتبن والحطب ونحوهما، لتوقف إثبات عوضه في الذمة على الاعتبار المزبور، فهو كالسلم فيه. ولذا قال في المسالك: الضابط في قرض المثلي اعتبار ما يعتبر في السلم من الكيل والوزن والعدد، إلى أن قال: وحينئذ فلو أقرض المقدر غير معتبر لم يفد الملك، ولم يجز التصرف فيه، وإن اعتبره بعد ذلك، ولو تصرف فيه قبل الاعتبار ضمنه، وتخلص منه بالصلح كما هو وارد في كل ما يجهل قدره وقال في التذكرة (تارة يجب في المال أن) يكون معلوم القدر ليتمكن من قضائه، وأخرى قد بينا أنه لا يجوز إقراض المجهول، لتعذر الرد، فلو أقرضه دراهم أو دنانير غير معلومة الوزن أو قبة من طعام غير معلومة الكيل ولا الوزن، أو قدرها بمكيال معين أو صنجة معينة غير معروفين عند الناس لم يصح، وقال في التحرير (لا يجوز اقتراض المكيل والموزون جزافا، وكذا لو قدره بمكيال بعينه أو صنجة معينة غير معروفين عند العامة، ولو كانت الدراهم مما يتعامل بها عددا اشترط تعيين العدد، ويرد عددا وإن استقرض وزنا رد وزنا، وكذا كل معدود يجب معرفة عدده وقت الاقراض) وقال في الارشاد (وكل مضبوط بما يرفع الجهالة من الاوصاف يصح إقراضه، فإن كان مثليا ثبت في الذمة مثله، وإلا القيمة وقت التسليم) وفي الدروس (إنما يصح القرض مع الملك أو إجازة المالك، وعلم العين بالمشاهدة فيما يكفي فيه، وبالاعتبار كيلا ووزنا أو عددا فيما شأنه ذلك، ويجوز إقراض الخبز

[ 16 ]

وزنا وعددا، إلا أن يعلم التفاوت، فيعتبر الوزن، ويجوز إقراض المثلي إجماعا، وكذا القيمي الذي يمكن السلف فيه. وفيما لا يضبطه الوصف كالجوهر واللحم والجلد قولان، مع اتفاقهم على جواز إقراض الخبز عملا بالعرف العام، ولا يجوز السلم فيه، والمنع للمبسوط، والجواز للسرائر) قلت: الموجود في السرائر قال الشيخ في مبسوطه (لا يجوز إقراض ما لا يضبط بالصفة، والصحيح أن ذلك يجوز، لانه لا خلاف بين أصحابنا في جواز إقراض الخبز، وإن كان لا يضبط بالصفة، لانهم أجمعوا أن السلم لا يجوز في الخبز، لان السلف لا يجوز فيما لا يمكن ضبطه بالصفة، والخبز لا يضبط بالصفة. وقال شيخنا في مبسوطه (يجوز استقراض الخبز إنشاء وزنا وإنشاء عددا، لان أحدا من المسلمين لم ينكره، ومن أنكره من الفقهاء خالف الاجماع، وظاهره خروج ذلك عما ذكره من الضابط، كما أن ظاهر السرائر جواز قرض كل ما لا يضبطه الوصف، لا خصوص الخبز. وعلى كل حال فالشرط المزبور على الوجه المذكور إن كان مستنده إجماعا مؤيدا بالتعليل السابق الذي مرجعه إلى أن الشارع لم يشرع معاملة موقوفة على التراضي مؤدية إلى التنازع، ضرورة أن الاصل في مشروعية العقود قطع النزاع، وإلا كان محلا للنظر والتأمل، سيما بعد أن كان القرض قسما من الضمانات، وإن توقف على التراضي، وهي لا فرق فيها بين المجهول والمعلوم. ومن هنا صح قرض القيمي بقيمته وإن لم تعرف القيمة حال القرض على الاقوى بل في المسالك نسبته إلى اطلاق كلام الاصحاب قال: (وهل يعتبر في صحة القرض العلم بقيمته عنده لينضبط حالة العقد، فإن ذلك بمنزلة تقدير ما يقدر بالكيل والوزن أم يكفي في جواز إقراضه مشاهدته على حد ما يعتبر في جواز بيعه، ويبقى اعتبار القيمة بعد ذلك امرا وراء الصحة، يجب على المقترض مراعاته لبراءة ذمته، حتى لو اختلفا في القيمة فالقول قوله - وجهان، وإطلاق كلام الاصحاب يدل على الثاني، وللاول وجه وربما كان به قائل. اللهم إلا أن يقال: إن القرض وان كان له شبه في الضمانات إلا أنه من المعاوضات

[ 17 ]

أيضا، إذ هو كما عرفت دفع الشئ بقصد ثبوت عوضه في الذمة، فوجب الضبط لمعرفة العوض، فبناء على ضمانه بالمثل مطلقا حتى أن ما لا مثل له لا يصح قرضه - وجب ضبط أوصاف المال المقرض حتى يكون الثابت في الذمة عوضه، ويتمكن المقترض من وفائه وبناء على ضمان القيمى منه بالقيمة مطلقا، أو في خصوص ما لا يضبطه الوصف منه كالجواهر، وجب ضبط أوصافه لمعرفة القيمة الثابتة في الذمة - عوضا عنه، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يجوز اقتراض الذهب والفضة) وغيرهما مما يضبطه الوزن (وزنا) بعد ضبط الصفات (والحنطة والشعير) ونحوهما مما يضبطه الكيل نظرا إلى المتعارف (كيلا ووزناو) أما (الخبز) فيجوز (وزنا) بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه لكن بعد ضبط الوصف (و) كذا يجوز (عددا) عندنا (نظرا إلى المتعارف) بل الظاهر إمكان تحصيل الاجماع عليه فضلا عن المحكي. مضافا إلى خبر الصباح بن سيابة (1) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن عبد الله بن أبي يعفور أمرني أن اسألك قال: إنا نستقرض الخبز من الجيران فنرد أصغر منه أو أكبر منه ؟ فقال عليه السلام: نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عددا فيه الصغير والكبير لا بأس) وخبر اسحاق بن عمار (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ الكبير ونعطي صغيرا أو نأخذ صغيرا ونعطى كبيرا ؟ قال: لا بأس) وخبر غياث (3) (عن جعفر عن أبيه عليهما السلام لا بأس باستقراض الخبز) بل الخبران الاولان صريحان في الجواز مع التفاوت، فوجب حمل التفاوت في عبارة الدروس السابقة على غير اليسير الذى يتسامح فيه، كما أنه يجب حمل ذلك على التفاوت من حيث الصغر والكبر، أما الاوصاف فيجب المحافظة عليها ما لم يعلم التسامح فيها.


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 21 - من ابواب الدين - 21 - 3 .

[ 18 ]

وعلى كل حال فما عن أبى حنيفة من عدم جواز قرض الخبز، واضح الضعف كضعف ما عن أبي يوسف من وجوب الرد وزنا لا عددا وأحد قولي الشافعي من وجوب رد القيمة إلا إذا شرط المثل في وجه. (و) على كل حال ف‍ (كل) مثلي وهو عند المصنف وجماعة (ما تتساوى أجزاؤه) في القيمة والمنفعة وتتقارب صفاته، بمعنى أن قيمة نصفه تساوى قيمة النصف الآخر ويقوم مقامها في المنفعة وتقاربها في الوصف، وهكذا كل جزء بالنسبة إلى نظيره لا مطلقا (يجوز قرضه) بلا خلاف بل النصوص والاجماع بقسميه عليه (و) على أنه (يثبت في الذمة مثله) وذلك (كالحنطة والشعير والذهب والفضة) ونحوها. نعم هو كذلك مع وجوده، ومع التعذر ينتقل إلى القيمة، وفي اعتبار يوم القرض أو التعذر، أو المطالبة، أو الدفع، أوجه، أقواها الاخيران اللذان اختار ثانيهما في المختلف بعد أن حكى أولهما عن السرائر إذ سبق علم الله تعالى بتعذر المثل وقت الاداء لا يوجب الانتقال إلى القيمة، إذ لا منافاة بين ضمان المثل وقت القرض، طردا للقاعدة الاجماعية، والانتقال إلى القيمة عند المطالبة، أو الدفع، كما أن التعذر بمجرده لا يوجب الانتقال إلى القيمة، لعدم وجوب الدفع حينئذ، فتشخص ضمان المثلي الذي هو حكم وضعي لا ينافيه التعذر إلى أن يجب دفعه بالمطالبة، فحيث لم يوجد الآن ينتقل إلي قيمته، ومنه يعلم قوة أول الاخيرين. لكن قد يقال: إن المطالبة لا تشخص القيمة في ذلك الوقت على كل حال، بل أقصاها وجوب دفع القيمة، وإن اتفق كونها وقتها مقدارا مخصوصا ثم تغير إلى زيادة أو نقصان، فالبدل عن المثل حينئذ لا يتشخص إلا بالدفع، إذ هو كالمعاملة عليه بها. ومن هنا يمكن دعوى عدم وجوب قبولها مع عدم الطلب، لان المضمون إنما هو المثل كما يؤمي إليه ما تقدم في السلف، فينتظر حينئذ حتى يحصل، ومنه ينقدح احتمال عدم وجوب الدفع مع المطالبة أيضا، لانه غير الحق وظهور ضعفه يوجب قوة احتمال وجوب القبول مع الدفع، لانقلاب الدين إلى القيمة بالتعذر، سيما مع

[ 19 ]

شدة حاجة الناس إلى براءة الذمة. لكن قد يدعى ظهور كلمات الاصحاب في وجوب الدفع مع المطالبة، وعدم وجوب القبول مع عدمها وإن دفع، وهو لا يخلو من وجه، بل قوة وإن لم يكن ذلك محرزا في كلامهم، كما أنه لم يحرز فيه جواز قرض المثلي مشترطا عوضه القيمة، كما سمعته عن الشافعي في الخبز، وكذا قرض القيمي مشترطا مثله الصوري بناء على ضمانه بالقيمة مع الاطلاق، وعلى العكس العكس، ولعل إطلاق ادلة القرض و عموم (1) (المؤمنون عند شروطهم) يقضي بجوازه ما لم يندرج تحت جر النفع، كما إذا اشترط الزيادة في قيمته. (و) على كل حال ف‍ (ما ليس كذلك) بل كانت أجزاؤه مختلفة في القيمة والمنفعة، يجوز قرضه عندنا، إذا كان مما يضبطه الوصف، بل لا خلاف أجده فيه لاطلاق الادلة، ولخصوص فعل النبي صلى الله عليه وآله (2) المتمم بعدم القول بالفصل، و المشهور نقلا وتحصيلا أنه (يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم) الذى هو أول أوقات ملك المقترض، وهو المراد من تعبير بعضهم وقت القرض، لغلبة اتصاله به، بل الغالب وقوع القبول به أو مقارنا له، ولا اعتبار هنا بوقت المطالبة أو الاداء قطعا كما هو واضح. والوجه في ثبوت القيمة أن القرض قسم من الضمانات وإن توقف على التراضي ولا ريب في أن ضمان القيمى بالتلف وغيره بالقيمة لا المثل، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه هناك وإن كان يظهر من الشهيد في الدروس أن ميل المصنف هنا إلى أن الضمان بالمثل جار فيها أيضا، لكن هو وغيره صرح في باب الغصب بأن ضمان القيمي بالقيمة فلاحظ وتدبر، ولعلها لانها البدل عن العين عرفا في الغرامات، باعتبار عدم تساوي جزئيات العين المضمونة، واختلاف صفاتها، فالقيمة حينئذ أعدل خصوصا في مثل الحيوان الذي لم يعرف الباطن منه، ولا كثير من صفاته.


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 (2) سنن البيهقي ج 5 ص 351

[ 20 ]

لكن قال المصنف هنا (ولو قيل يثبت مثله) في الذمة (أيضا) كالمثلى (كان حسنا) لانه أقرب إلى الحقيقة من القيمة، ولما روي عن النبي (1) صلى الله عليه وآله أنه أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أخرى) (2) وحكم بضمان عايشة إناء حفصة وطعامها بمثلهما) (3) وأنه استقرض بكرا ورد بازلا تارة، وأخرى استقرض بكرا فأمر برد مثله. وفي الدروس والمسالك نسبة المصنف إلى الميل إليه، بل في الثاني أنه لعله أفتى به إلا أنه لا يعلم به قائل من أصحابنا، كما يشعر به قوله، ولو قيل، كما أنه في الاول وتظهر الفائدة فيما إذا وجد مثله من كل الوجوه التي لها مدخل في القيمة ودفعه الغريم، فعلى الثاني يجب القبول، وعلى المشهور لا يجب، وفيما إذا تغيرت اسعار القيمى فعلى المشهور المعتبر قيمته يوم القبض، وعلى الاخر يوم دفع العوض، وهو ظاهر الخلاف. قلت: ومنه يعلم موافقته للمصنف، كما أن ظاهر التذكرة ذلك أيضا وإن كان لم يطلق كاطلاق المصنف، قال: (مال القرض إن كان مثليا وجب رد مثله اجماعا وإن لم يكن مثليا فإن كان مما ينضبط بالوصف وهو ما يصح السلف فيه كالحيوان أو الثياب فالاقرب أنه يضمن بمثله من حيث الصورة، لان النبي صلى الله عليه وآله استقرض بكرا إلى آخر ما سمعت، وهو قول أكثر الشافعية، وقال بعضهم إنه يعتبر في القرض بقيمته، لانه لا مثل له فإذا استقرضه ضمنه بقيمته كالاتلاف. إلى أن قال بعد أن فرق بين القرض والاتلاف: وأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر والقسى وما لا يجوز السلف فيه تثبت قيمته، وهو أحد قولي الشافعية. نعم قد يظهر من المصنف فيما يأتي عدم جواز قرض مثل ذلك، وبه يحصل الفرق بينهما، وعلى كل حال فقد يناقش فيه بأنه إن كان المنشأ في ضمان المثل قصد المتعاقدين فمع أنه ممنوع يمكن خروج ذلك عن النزاع، إذ قد عرفت احتمال جوازه


(1) (2) (3) سنن البيهقي ج 6 ص 21 و 96 .

[ 21 ]

مع الشرط كاشتراط القيمة في المثل، والبحث مع عدم قصد المتعاقدين سوى كونه مضمونا، ومن المعلوم ضمان القيمة في مثله شرعا في غير القرض من أنواع الغرامات، كما اعترف به الفاضل المزبور في الاتلاف. ودعوى الاقربية إلى العين المضمونة - بعد عدم معرفة كثير من الصفات ولذا أطلق عليه الفاضل مثل الصوري - في حيز المنع، وفرض وجود مثل له من كل وجه تتفاوت القيمة به لا تبنى على مثله الاحكام الشرعية، مع أنه قد يقال على تقدير وجوده بعدم وجوبه، لان المعاوضة قد وقعت بالقيمة، وليس هو مخاطبا برد العين حتى يتحرى الاقرب إليها، كما في تلف المغصوب، مع أنك قد عرفت تسليم الخصم فيه الضمان بالقيمة فتأمل. والخبران الاولان - مع أنهما عاميان، وواردان في الضمان الذي لا يقول به الخصم، ومعارضان بما ورد من تضمين معتق الشقص للقيمة، وأنهما حكاية فعل لا عموم فيه، يمكن التزام مثلية ما تضمناه، وأما الاخيران فيجرى فيهما أكثر ما سمعت وأنه يمكن كون رد البازل، بل والمثل منه عليه السلام لرضا المقرض به، باعتبار زيادته خيرا كل ذلك. لكن الانصاف عدم خلو القول به من قوة، باعتبار معهودية كون قرض الشئ بمثله، بل مبنى القرض على ذلك، بل قد يدعى انصراف اطلاق القرض إليه، وربما يؤيده نصوص الخبز الذى يقوى كونه قيميا، ولذا تجب قيمته في إتلافه بأكل ونحوه، فالاحتياط فيه لا ينبغى تركه. (و) كيف كان ف‍ (يجوز اقراض الجوارى) بلا خلاف فيه بيننا كما في المسالك. وما عن المبسوط والخلاف لا نص لنا ولا فتيا في إقراض الجواري وقضية الاصل الجواز ليس خلافا، ضرورة إرادة النص بالخصوص، بل ظاهره أو صريحه الجواز كما هو كذلك، لاطلاق الادلة وصحة السلف فيها كالعبيد، فتضمن حينئذ بالمثل أو القيمة، على اختلاف القولين خلافا لبعض العامة، فمنع من قرض الجواري التى يحل للمقترض وطؤها بعد الاطباق منهم على قرض العبيد والجوار التي لا يحل

[ 22 ]

للمقترض وطؤها، معللا ذلك بما هو أوضح من الدعوى فسادا، فتدخل في ملك المقترض بالقبض بناء عليه، وله حينئذ الانتفاع فيها بالوطي وغيره. أما على القول بالتصرف فليس له الوطي كما في المسالك، إلا أنه احتمل فيما يأتي جوازه أيضا كالامة المشتراة بالمعاطاة. وفيه أنه ممنوع فيها بناء على عدم الملك، إذ لا مستند له إلا الاباحة من المالك التي لا تجدى في جواز الوطي المتوقف على عقد، والكشف به عن الملك لو قلنا به لا يؤثر في جواز الاقدام، كالملك الضمني المقدر في نحو أعتق عبدك عني، فهو من جملة ما يرد على اعتبار التصرف في الملك كما ستعرف. ويجب قبولها لو أرجعها بعد الوطي إذا لم تتعيب به أو تحمل، بناء على ضمان القيمى بمثله، ضرورة كون رد نفس العين وفاء عما في ذمته، لانها أحد أفراد الكلي الذى فيها، بل قد يقال بوجوب قبولها على الضمان بالقيمة التى وضعت بدلا عن العين، فإذا أمكنت ببذل المقترض كانت أقرب إلى الحق من القيمة، أو لان القرض من العقود الجائزة ولو من جهة المقترض، فله الفسخ حينئذ، ورجوع كل من العوضين إلى ملك صاحبه، أو لدعوى ظهور القرض في قصد المتعاقدين قبول العين لو ردها، لانه إحسان محض، أو لغير ذلك مما ستعرفه، وإن كان لا يخلو من اشكال والله أعلم. (و) على كل ف‍ (هل يجوز اقتراض اللآلي) ونحوها مما لا يضبطها الوصف (قيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه (لا) يجوز وفي المسالك أنه يتم على القول بوجوب رد المثل في مثل ذلك، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله (وعلى القول بضمان القيمة) فيه أو مطلقا (ينبغى الجواز) ضرورة ظهوره في أنه لا ينبغى الجواز بناء على غيره، لكن قد يقال: بصحة قرضه لاطلاق الادلة والرجوع في الوفاء إلى الصلح، كما أنه قد يقال بصحة قرض ما لا يصح السلم فيه لعزة وجوده وإن ضبطه الوصف، فيكلف بالمثل حينئذ مع الوجوب عليه. وإلا انتقل إلي القيمة فتأمل جيدا والله أعلم.

[ 23 ]

(الثالث) من الامور التي يقع فيها النظر (في أحكامه وهي مسائل الاولى: القرض) أي المال المقترض (يملك بالقبض) عندنا كما في التذكرة، وبلا خلاف فيه بيننا في السرائر، بل قيل: إن جملة من العبادات تشعر بالاجماع عليه، بل عن بعضهم دعواه صريحا عليه (لا قبله) بعقد القرض إجماعا بقسميه (ولا بالتصرف) بعده، لاصالة عدم شرط آخر في حصول الملك بالعقد الذي لو لا الاجماع السابق لاتجه القول بحصوله بتمامه من دون قبض، على حسب غيره من العقود التي لا ريب في ظهور الادلة في اقتضائها التمليك، ضرورة صدق مسماها بها. اللهم إلا أن يمنع خصوص عقد القرض منها، بدعوى ظهور الادلة في توقف مسماه على حصول القبض، وعليه فالمتجه حصول الملك به حينئذ من غير حاجة إلى أمر آخر من التصرف وغيره. ودعوى أنه هو الشرط، لا أنه شرط آخر بعد القبض، يدفعها معلومية عدمها عند الخصم، ومقتضاها جواز التصرف به من البيع ونحوه قبل القبض، وهو معلوم العدم، بل لابد من القبض بإذن المالك في جواز التصرف، وحينئذ فعدم البأس بسائر أنواع التصرفات فيه التى منها المعلوم توقفه على الملك كالوطي، أقوى شاهد على حصول الملك قبله. كما أشار إليه المصنف بقوله و (لانه فرع الملك فلا يكون مشروطا به) وأوما إليه ابن زهرة في الغنية حيث قال: (وهو مملوك بالقبض، لانه لا خلاف في جواز التصرف بعد قبضه، ولو لم يكن مملوكا لما جاز ذلك) كالفاضل في التذكره حيث استدل عليه بانه قبض لا يجب ان يتعلق به جواز التصرف فوجب ان يتعلق به الملك كالقبض في الهبة، ولانه إذا قبضه ملك التصرف فيه من جميع الوجوه، ولو لم يملكه لما ملك التصرف، ولانه يحصل بالقبض في الهبة ففي القرض أولى لان للعوض مدخلا

[ 24 ]

فيه الى آخره. بل لعله إليه يرجع ما في المتن والدروس وغيرهما من التعليل لنفي اشتراطه بأنه فرع الملك، فلا يكون مشروطا به، وإلا لزم كون الشئ الواحد سابقا وغير سابق كرجوع الوجه الاخر إليه وهو ان التصرف فيه لا يجوز حتى يصير ملكا لقبح التصرف في مال الغير، ولا يصير ملكا له حتى يتصرف فيه، فيلزم توقف التصرف على الملك، والملك على التصرف. وناقش فيه في المسالك بمنع تبعية التصرف للملك مطلقا، وتوقفه عليه، بل يكفى في جواز التصرف إذن المالك فيه كما في غيره من المأذونات، ولاشك ان الاذن للمقترض حاصل من المالك بالايجاب المقترن بالقبول، فيكون ذلك سببا تاما في جواز التصرف، وناقصا في افادة الملك، وبالتصرف يحصل تمام سبب الملك ثم ان كان التصرف غير ناقل للملك، واكتفينا به فالامر واضح، وان كان ناقلا افاد الملك الضمني قبل التصرف بلحظة يسيرة كما في العبد المأمور بعتقه عن الامر غير المالك. بل نقل في الدروس ان هذا القائل يجعل التصرف كاشفا عن سبق الملك قطعا وعلى هذا فلا اشكال من هذا الوجه، ويؤيد هذا القول أصالة بقاء الملك إلى ان يثبت المزيل، وان هدا العقد ليس تبرعا محضا إذ يجب فيه البدل، وليس على طريق المعاوضات، فيكون كالاباحة بشرط العوض لا يتحقق الملك معه إلا مع استقرار بدله وكالمعاطاة. وكأنه أخذ ذلك مما في الدروس قال: (وقيل: يملك بالتصرف بمعنى الكشف عن سبق الملك، لانه ليس عقدا محققا، ولهذا اغتفر فيه مافى الصرف، بل هو راجع إلى الاذن في الاتلاف المضمون، والاتلاف يحصل بازالة الملك أو العين، فهو كالمعاطاة. وعلى كل حال يدفعها أولا أن التصرف وإن كان كثير من أفراده في حد ذاته غير موقوف على الملك، إلا أنه في المقام كذلك لعدم إذن المالك، غير الأذن التي

[ 25 ]

في ضمن العقد المعلوم اشتراطها بحصول مضمون العقد، وهو هنا التمليك بعوض فالتصرفات مع فرض عدم حصول الملك لا إذن فيها. ومن هنا قالوا ان المعاوضات على تقدير بطلانها لا يجوز التصرف بالاذن الحاصل في العقد، ضرورة عدم بقاء المطلق بدون المقيد، ولا يرد نحو ذلك على شرطية القبض، إذ لابد عندنا من الاذن فيه بعد العقد، فأذا وقع بعنوان عقد القرض حصل الملك، فيقع التصرف حينئذ في ملك على حسب ما استفيد من العقد، وثانيا ان جمله من التصرفات لا تجدي معها الاذن المزبورة كالوطي المتوقف على الملك أو العقد، وكالبيع الذي لا يجوز لغير مالكه إلا بالوكالة أو فضولا ومعلوم انتفاؤهما. وثالثا أنه من الواضح الفرق بين القرض والاباحة بعوض، على فرض تسليم مشروعيتها مستقلة إذ هو عقد قد قصد منه التمليك بالعوض، بخلافها، ومضمون على القابض ولو بالتلف السماوي، بخلافها، ولو كان القرض راجعا إليها لم يكن لعقده ثمرة اصلا، على انه كيف يمكن رجوعه إليها ولم تكن من قصد احد المتعاقدين بل مقصودهما معا خلافها، وهو التمليك بعوض في الذمة. وايضا مرجع الاباحة بعوض في الاتلاف بغير نقل الى الضمان، وان كان التلف لملك المبيح، واما في التصرف الناقل كالبيع وونحوه الى ارادة اثبات عوضه في الذمة ثم التصرف فيه، فمع فرض وقوع ذلك منه كان في اثبات عوضه في ذمته موجبا قابلا فيكون ملكا له قبل الانتقال الى المشتري مثلا بان ما، بل ربما كان التقدم الذاتي كافيا. لكن ذلك كله موقوف على دليل صحة هذا القسم من الاباحة، حتى يتجه التزام نحوه مراعات للجمع بينه وبين ما دل على اشتراط الملك في البيع، وليس، فضلا عن رجوع القرض إليها، بل قد يدعى - بعد الدليل - صحة البيع من دون ملك في نحو ذلك، بل ربما ادعي نحوه في اعتق عبدك عني. وعلى كل حال فالتزام كون القرض من ذلك كما ترى، ومعلومية الصحة فيه شاهدة على حصول الملك بالقبض، لا انها مبنية على هذه الخرافات، واوضح من ذلك

[ 26 ]

فسادا دعوى حصول الكشف بالتصرف عن الملك من حين القبض، ضرورة توقف صحتها على ما يدل على اشتراط تأثير العقد والقبض بالتصرف حتى يكون كالرضا في عقد الفضولي ونحوه من الشرائط المتأخرة عن الاسباب المقتضية للملك التي يرجع اشتراطها الى توقف تأثير السبب، مقتضاه عى حصولها، فمعه يحصل الاثر من حين وقوع السبب، وهذا معنى الكشف، فالمؤثر للملك حينئذ غيره كما صرح به في التذكره في المقام، فأنه بعد ان حكى القول بالملك بالتصرف مصرحا بأنه على معنى إذا تصرف تبين ثبوت الملك قال: " وهذا يدل على ان الملك لم يحصل بالتصرف، بل بسبب اخر قبله، وإن كان قد يدفع بصدق حصول الملك به على المعنى الذي ذكرناه، إذ الفرض أنه شرط للسبب كما هو واضح. كل ذلك مضافا إلى ظهور النصوص المتضمنة لكون الزكاة على المقترض في المختار خصوصا صحيح زرارة (1) منها (قلت: لابي جعفر عليه السلام رجل دفع الى رجل مالا قرضا على من زكوته على المقرض أو المقترض ؟ قال: بل زكاته ان كانت موضوعة عنده حولا على المقترض، قال: قلت: فليس على المقرض زكاته ؟ قال: لا يزكي المال من وجهين في عام واحد وليس على الدافع شئ، لانه ليس في يده شي إنما المال في يد الآخذ، فمن كان المال في يده كانت الزكاة عليه، قال قلت: أفيزكي مال غيره من ماله ؟ قال: انه ماله ما دام في يده، وليس ذلك المال لاحد غيره، ثم قال: يا زرارة أرأيت وضيعة ذلك المال أو ربحه لمن هو وعلى من هو ؟ قلت: للمقترض، قال: فله الفضل وعليه النقصان، وله ان ينكح ويلبس منه وياكل منه، ولا ينبغي له ان يزكيه، فانه عليه جميعا ". بل هو دال على المطلوب من وجوه، والموثق (2) " رجل استودع رجلا الف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، وقال الاخر: انما كانت عليك قرضا، قال: المال لازم له، إلا ان يقيم البينة انها كانت وديعة " اللهم الا ان يقال


(1) الوسائل الباب - 7 - من ابواب من يجب عليه الزكاة الحديث - 1. (2) الوسائل الباب - 7 - من احكام الوديعة - الحديث - 1.

[ 27 ]

بتوقف الملك على التصرف، لا الضمان، وفيه بحث، وبعد التسليم ففيما تقدم كفاية فمن الغريب ميل ثاني الشهيدين إليه وأن قال بعد ذلك: إن العمل على المشهور، خصوصا بعد عدم معروفية الخلاف فيه بيننا، وإن نسبه في التنقيح إلى المبسوط والخلاف، إلا انه لم نتحققه، بل في الدروس نسبة المشهور الى الشيخ، بل المحكي عنه في مسألة ارتجاع المقرض العين ما هو كالصريح في حصول الملك بالقبض، لكنه كالهبة يجوز فسخه، وستعرف تحقيق الحال في ذلك، وخصوصا بعد اجمال المراد من التصرف إذ من المحتمل مطلق التصرف كما عن الشهيد في بعض تحقيقاته، وعليه يعود النزاع لفضيا كما في الرياض، فان القبض نوع منه أو التصرف الناقل للملك لزوما، أو المتلف للعين، وهو الذي استظهره في التذكرة، بل في المسالك انه الظاهر من كلماتهم، وفي الناقل عن الملك جوازا وجهان وجيهان لكن يشكل حينئذ انعتاق الوالد الذي استقرضه ولده بناء على الكشف بالتصرف، ضرورة اقتضائه حينئذ فساد التصرف بالانعتاق، فلا يكون التصرف كاشفا لبطلانه، فيلزم حينئذ من وجود عدمه، فلا يؤثر، أو التصرف المتوقف على الملك كالبيع والهبة ونحوهما، لا الرهن ونحوه مما لا يتوقف على الملكية، ضرورة جواز الاستعارة للرهن بخلاف البيع مثلا، على أنه له ولا دليل على شئ منها، ولا على ما عن بعضهم من أن الضابط فيه ما يقطع به رجوع الواهب والبايع عند إفلاس المشتري، وأما ثمرة الخلاف فقد قيل: إنها تظهر في الرجوع بالعين قبله، وعدمه. وفيه ما ستعرف من إمكان بناء الخلاف في ذلك على جواز عقد القرض ولزومه، فعلى القول بأنه يملك بالقبض يمكن القول بالرجوع في العين، لجواز العقد فهو كالهبة، نعم تظهر في النماء إذا حصل الملك بنفس التصرف، أو كان الملك فيه ضمنيا، وأما على الكشف من حين القبض فلا، وكذا النفقة وغيرها بل الثمرة كثيرة

[ 28 ]

إلا أنه لا ينبغى تطويل الكلام بعد معلومية فساد الاصل والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (هل للمقرض إرتجاعه) أي المال المقترض بعد القبض وإن قلنا يملك به (قيل:) والقائل الشيخ (نعم ولو كره المقترض) لانه لا يزيد على الهبة، وللاجماع على كونه من العقود الجائزة التي من المعلوم كون المراد بجوازها فسخها ورجوع ما انتقل بها إلى مالكه، ولان المثل والقيمة إنما وجبت بدلا عن العين، لغلبة خروجها عن يد المقترض، ولانه إذا استحق المطالبة بالمثل أو القيمة فبالعين بطريق أولى. (وقيل: لا وهو الاشبه) والاشهر بل المشهور بل لعله إجماع بين المتأخرين (لان فائدة الملك التسلط) على المملوك فالاصل فيه عدم خروجه عنه إلا برضاه كما أن استصحاب ملك المقترض للعين والمقرض للمثل أو القيمة قاض بذلك أيضا، وخروج الهبة بالدليل لا يقضى به هنا، خصوصا بعد الفرق بينهما بالمعاوضة في المقام دونها، والاجماع على الجواز بالمعنى المعروف ممنوع بعد ما عرفت من شهرة عدم رجوع المقرض بالعين، واحتمال تنزيل ذلك على ما إذا لم يفسخ - فيرجع النزاع حينئذ إلى جواز الرجوع وعدمه من دون فسخ للقرض - كما ترى، إذ هو مع خلوه عن الفائدة ومخالفته لظاهر كلماتهم وصريح البعض محل للنظر، بإمكان كون الرجوع بالعين نفسه فسخا وإن لم يصرح به بلفظه. فظهر أن مراد المشهور عدم رجوع المقرض بالعين على كل حال، وأنه ليس له الفسخ القاضي بذلك، ومنه يعلم كون المراد بالجواز الذي ادعي الاجماع عليه أن لكل منهما فسخ المقصد المهم من القرض، وهو الانظار الذي هو مبنى القرض عرفا غالبا، ومن هنا قال مالك: (إنه لا يجوز للمقرض مطالبة المقترض قبل قضاء وطره من العين، أو مضي مدة يمكن فيه ذلك) فذكر الاصحاب الجواز بالمعنى المزبور بقصد الرد عليه، ضرورة أنه وإن كان مبنى القرض ذلك، إلا أنه ليس على وجه يلتزم به شرعا، والعوض قد ثبت في الذمة حالا، فله المطالبة في المجلس وغيره، كما أن للمقترض دفع ذلك متى شاء، فالمراد حينئذ من الجواز ذلك، لا المعنى الموجب لرد العين

[ 29 ]

لعدم الدليل الصالح لمعارضة ما سمعت، بل مقتضاه الفسخ وإن حصل التصرف المغير للعين الموجب نقصها، لعدم الدليل على لزومه بذلك على تقدير جوازه، فيرد العين جابرا لها بالارش، وهو معلوم البطلان، فتعين إرادتهم ما ذكرنا من الجواز. ولعله إليه يرجع ما في المسالك وإن لم ينقحه كما ذكرنا، قال ما حاصله: إن الاصل والاستصحاب يدل على المشهور، ولا معارض لهما إلا كون العقد جايزا يوجب فسخه ذلك، وفيه منع ثبوت جوازه بالمعنى المزبور، إذ لا دليل عليه، وما أطلقوه من كونه جائزا لا يعنون به ذلك، لانه قد عبر به من ينكر هذا المعنى، وهو الاكثر، وإنما يريدون بجوازه تسلط المقرض على أخذ البدل إذا طالب به متى شاء وإذا أرادوا بالجواز هذا المعنى فلا مشاحة في الاصطلاح، وإن كان مغايرا لغيره من العقود الجائزة من هذا الوجه، وحينئذ فلا اتفاق على جوازه بمعنى يثبت به المدعى، ولا دليل صالح على ثبوت الجواز له بذلك المعنى المشهور، فيبقى الملك وما في الذمة على حكمهما إلى أن يثبت خلافه، وهذا هو الوجه، وإلا كان ما ذكرناه أولى، وكون الحكمة في وجوب المثل أو القيمة ذلك، لا يقضي جواز الرجوع بالعين بعد أن ثبت ملك المقترض للعين، وثبت في ذمته المثل أو القيمة وهو واضح، كوضوح منع الاولوية المزبورة، فظهر حينئذ أنه لا مناص عن المشهور. نعم يتجه القول بوجوب قبول المقرض للعين لو دفعها المقترض في المثلي إذا فرض عدم تغيرها، سواء نقص السعر أو لا، ضرورة كونها أحد أفراد الكلي الذي في ذمته، بل هي أولى من غيرها، وكذا القيمي بناء على ضمانه بالمثل، إذ هو كالمثلي في الحكم. أما على القول بالقيمة فالمتجه عدم وجوب القبول لانها غير الحق الثابت في الذمة، فلا يجب قبوله، وليس الواجب أولا دفع العين فإذا تعذر انتقل إلى القيمة إذ قد عرفت أن الثابت ابتداء القيمة بالعقد والقبض، لكن احتمل بعضهم كالفاضل وغيره وجوب القبول، بل في الدروس أنه الاصح، ونقل فيه الشيخ الاجماع، بدعوى كون مبنى القرض المشروع للارفاق على ذلك، ولاولوية العين - من القيمة والمثل

[ 30 ]

اللذين كان القصد من إثباتهما في الذمة بدل العين - لغلبة خروجها من يد المقترض ولان ثبوت القيمة في القيمى لتعذر مثله، فمع فرض رد العين نفسها يتعين القبول إلا أن الجميع كما ترى. وأضعف منه ما احتمله في الدروس من وجوب القبول في المثلي والقيمي إن تساوت القيمة أو زادت وقت الرد، وإن نقصت فلا، لعدم الدليل له سوى اعتبار لا يصلح لتأسيس حكم شرعي، فتأمل، كما أنه قد يتوقف فيما ذكره أيضا من أنه لو ظهر في العين المقترضة عيب فله ردها ولا أرش، فإن أمسكها فعليه مثلها أو قيمتها معيبة، وهل يجب عليه إعلام المقترض الجاهل بالعيب ؟ عندي نظر من اختلاف الاغراض، وحسم مادة النزاع، ومن قضية الاصل. نعم لو اختلفا في العيب حلف المقترض مع عدم البينة، ولو تجدد عنده عيب آخر منع من الرد، إلا أن يرضى به المقرض مجانا أو بالارش. فإنه وإن كان جيدا إلا أن الحكم الاول لم أعثر على ما يدل عليه، اللهم إلا أن يدعى أن بناء المعاوضة على أصل الصحة، فالخيار هنا كالخيار في الرد بالعيب في البيع، وإن زاد عليه هناك بالارش للنصوص، والامر سهل. والله أعلم. المسألة (الثانية لو شرط التأجيل) للقرض (في) عقد (القرض لم يلزم) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل لا خلاف أجده فيه قبل الكاشاني، نعم احتمله في المسالك بناء على ما ذكره سابقا من لزوم هذا العقد، وعدم كونه من العقود الجايزة بدليل عدم وجوب رد العين إذا أراده المقرض، فيشمله حينئذ قوله عليه السلام (1) (المؤمنون عند شروطهم) وغيره مما دل على لزوم ما شرط في العقد اللازم، ودعوى أن هذا العقد ليس على حد الجائزة ليقطع فيه بعدم لزوم الشرط، ولا على حد اللازمة ليلحقه حكمها، يدفعها أن المتجه بعد التسليم الرجوع حينئذ إلى عموم الادلة الدالة على الالتزام بالشرط والوفاء بالعقد. وبذلك اغتر جماعة من متأخرين المتأخرين الذين لا يبالون بإتفاق الاصحاب، فضلا


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث - 4 .

[ 31 ]

عن شهرتهم حتى جزموا باللزوم، وشددوا النكير على دعوى كونه من العقود الجائزة، وقد عرفت البحث في ذلك سابقا، وأن مرادهم من الجواز عدم الالتزام بما يفهم من القرض من التأجيل في مقابلة المحكي عن مالك، وجوازه بهذا المعنى مسلم لا يكاد ينكره أحد من الشيعة، والنصوص واضحة الدلالة عليه، ضرورة ظهورها في رجحان التأخير والامهال والانظار، والترغيب في ذلك على وجهه صريح أو ظاهر في الندب. خصوصا مثل قوله صلى الله عليه واله (1) (من أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سيناء من حسنات، وإن أرفق به في طلبه تعدى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب) وقوله صلى الله عليه وآله (2) (من أقرض مؤمنا قرضا حسنا ينظر ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلوة من الملائكة حتى يؤديه) وغير هما مما هو كالصريح في جواز رجوعه ومطالبته أي وقت شاء، وأنه محسن لا سبيل عليه. وحينئذ مقتضى إطلاق هذه الادلة جواز ذلك حتى مع اشتراط الاجل الذي هو في الحقيقة تصريح بما بنى عليه القرض والمتعارف منه، والذى ندب إليه وحث عليه، بل قيل: إنه إذا لم يجب الوفاء بالاجل المدلول عليه بنفس العقد ضمنا مع أن الاصل لزوم الوفاء به، فعدم الوجوب إذا كان مدلولا عليه بالشرط أولى، على أن التعارض بين ما دل على لزوم الشرط، وبين ما دل على استحباب القرض، وأن لكل منهما الرجوع متى شاءا، وإن لم يكن بمعنى فسخ ملك العين المقترضة من وجه، ولا ريب في أن الترجيح للثاني، ولو للشهرة العظيمة، بل الاجماع المحكي الذي يشهد له التتبع. والمناقشة - بمنع تعلق الاستحباب بخصوص المدلول، بل بسببه الذي هو إجراء الصيغة، وإن كان الوجه في تعلقه به هو رجحان العمل بمسببه، فيرجع حاصل


(1) (2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب الدين - الحديث - 5 - 3 .

[ 32 ]

الادلة إلى استحباب الاقدام عى القرض، وايجاد سببه، ولا ينافيه وجوب المسبب بعده، وإن هو إلا كالتجارة، فقد تظافرت الادلة باستحبابها مع وجوب العمل بمقتضيات اسبابها كدفع المبيوع ونحوها، وككثير من العبادات المستحبة الواجبة بالشروع فيها، وبالجملة استحباب الشئ ابتداء غير وجوبه استدامة، فاستحباب الاقتراض ابتداء لا ينافى وجوب العمل بمقتضى عقده بعد ايجاده - يدفعها ظهور النصوص التى منها ما ذكرناه في استحبابه استدامة، وفى ان للمقترض الوفاء متى شاء كما لا يخفى على من تأملها ادنى تأمل. نعم لوادعي تقليدها بما إذا لم يشترط الاجل، كان الجواب عنه ما عرفت من انه ليس بأولى من تقييد ادلة الشرط بما إذا لم يكن مقتضيا لتأخير القرض، بل هو اولى من وجوه، بل مقتضاه عدم لزوم هذا الشرط ولو كان في عقد لازم غير القرض الا ان شهرة الاصحاب فيه على اللزوم، فترجح ادلة الشرط حيئذ عليه، خصوصا بعد معروفية عدم الخلاف فيه. نعم في الدروس ولو شرط تأجيله في عقد لازم، قال الفاضل: يلزم تبعا للازم ويشكل بأن الشرط في الازم يجعله جائزا فكيف ينعكس، وعن الحواشي ان في ذلك اشكالا، لانه ان اريد بلزومه توقف العقد المشروط عليه فممنوع، لكنه خلاف المتبادر من كونه لازما، ولا يقتضيه ايضا كما هو ظاهر، إذا العقود المشروط فيها شروط لا يقتضي لزومها، بل فائدتها تسلط من يتعلق غرضه بها على الفسخ بالاخلال بها، وان اريد لزوم ذلك الشرط في نفسه: بمعنى انه لا سبيل الى الاخلال به لم يطرد، الا ان يفرق بين اشتراط ما سيقع وما هو واقع، ويجعل التاجيل من قبيل الواقع فيتم بهذا. وفيه ان المراد بكون الشرط لازما وجوب الوفاء به، كما وجب الوفاء بالعقد اللازم، لانه من جملة مقتضياته، وتسلط من تعلق به غرضه على الفسخ بدونه لا ينافي هذا المقدار من اللزوم من طرف العاقد الاخر، فيكون الشرط والعقد لازما من طرف المشترط له عليه، ومن طرف من تعلق به غرضه ويكون العقد لازما مع الاتيان الجواهر - 2 -

[ 33 ]

بالشرط لا بدونه، وهذا معنى واضح صحيح مستقيم. كما ان ما ذكروه من ان الاجل من الشرط الواقع لا باس به ايضا، فان اشتراط تأجيل الحال من قبيل العوض الواقع في ذلك العقد، فيلزم بهذا الاشتراط، وهذا هو المفهوم من اطلاق الاصحاب تأجيل الحال في عقد اللازم، وليس هو كأشتراط ان يفعل الفعل الفلاني، بل هو كإشتراط سكنة دار سنة في البيع فان ذلك يصير حقا له كاستحقاق العوض، كل ذلك مضافا الى ما تسمع من النصوص (1) بالخصوص في تأجيل الحال والى ما عرفته سابقا في بحث الشروط. وكيف كان فقد بان لك انه لا محيص عما عليه الاصحاب من اللزوم في الشرط بعقد لازم، وعدم اللزوم في عقد القرض وان قلنا بكونه من العقود اللازمة لما عرفت ولا يعارض الاخير قوله تعالى (2) (إذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه) بعد عدم ظهوره في القرض المشترط فيه الاجل، وانه يجب الوفاء به إذا كان بعقد القرض بل ظاهره عدم ارادة بيان ذلك كما هو واضح، ولا المروى عن ثواب الاعمال (3) (من اقرض قرضا وضرب له اجلا ولم يؤت به عند ذلك الاجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك اللاجل مثل صدقة دينار كل يوم) ونحوه الرضوي (4) إذ اقصاهما الدلالة على صحة التاجيل ولا كلام فيه، وثمرتها انها هو جواز تأخير الدفع الى الاجل ووجوبه بعده، وهو غير لزومه الذي هو عبارة عن وجوب التاخير إليه، وانما الكلام فيه مضافا الى قصور الخبرين ولا جابر، بل قد عرفت تحقق الموهن الذي لاجله اطرح مضمر الحسين بن سعيد (5) (عن رجلا اقرض رجلا دراهم الى اجل مسمى ثم مات المستقرض ايحل مال القارض بعد موت المستقرض منه، ام لورثته من الاجل ما للمستقرض في حيوته ؟ فقال: إذا مات فقد حل مال القارض)


(1) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام العقود. (2) سورة البقرة الاية 282. (3) (4) - الوسائل الباب 6 - من ابواب الدين - الحديث - 1 - 5. (5) الوسائل الباب - 2 من ابواب الدين الحديث - 2.

[ 34 ]

بناء على اشعاره بلزوم التاجيل في القرض كالدين من حيث التقدير والمفهوم، و ليس هو كالخبرين السابقين خصوصا بعد لفط يحل فيه، الظاهر في عدم استحقاق المطالبة قبل انقضاء المدة المضروبة حال حيوة المستقرض. نعم قد يقال: ان سؤاله لم يكن عن لزوم الاجل في عقد القرض، بل انما هو عن الحلول بالموت وعدمه، فاجابه عليه السلام على طبق سؤاله، فيمكن ان يريد من القرض الدين، أو القرض المشترط اجله بعقد لازم، أو غير ذلك فلا يكون منافيا للمطلوب الذى هو عدم لزوم شرط الاجل في عقد القرض. (وكذا لو) اجله بعد العقد أو (اجل) غيره من الدين (الحال) بان يقول مثلا اجلتك الى شهر (لم يتاجل) للاصل وغيره بل هو اولى في عدم اللزوم من الاجل في عقد القرض، ولكن يستحب الوفاء به لانه وعد (و) كيف كان فقد بان لك انه لا دليل معتد به على اللزوم بل ليس (فيه) الا اشعار رواية الحسين بن سعيد المتقدمة وهي (رواية) مضمرة (مهجورة تحمل على الاستحباب) خصوصا بعد ما عرفت من ضعف اشعارها من الوجه الذي ذكرناه. (و) على كل حال ف‍ (لا فرق) عندنا في عدم لزوم تأجيل الحال بالتاجيل المزبور (بين ان يكون مهرا أو ثمن مبيع أو غير ذلك) لاشتراك الجميع في اصالة عدم اللزوم وغيرها مما يدل على ذلك، خلافا لبعض العامة فذهب الى لزومه في ثمن المبيع والاجرة والصداق أو عوض الخلع دون القرض، وبدل المتلف واخر فالزمه في الجميع وهما معا كما ترى، ضرورة ان المراد من قوله عليه السلام (1) (المؤمنون عند شروطهم) ونحوه العقود المشتملة على الشرائط لا الشرائط وان لم تكن في عقود التي يمكن منع تسميتها شروطا كما هو واضح. (و) كذا (لو اخره) اي الدين الحال (بزيادة فيه لم تثبت الزيادة ولا الاجل) بل هو الربا المحرم بلا خلاف ولا اشكال. نعم قد يحتال لذلك بجعل الزيادة في ثمن مبيع مثلا وان لم يساوه قد اشترط في عقده تأجيل الحال خاصة أو هو مع ثمن المبيع


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4.

[ 35 ]

كما نطقت به النصوص ففي موثق ابن عمار (1) (قلت للرضا عليه السلام الرجل يكون له المال فدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تساوى ماءة درهم بألف درهم ويؤخر عليه المال الى وقت قال: لا بأس قد امرني ابي ففعلت ذلك، وزعم انه سأل ابا الحسن عليه السلام عنها فقال له مثل ذلك). وفى موثقه الاخر (2) (قلت لابي الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم فيقول اخرني وانا اربحك فابيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة الاف درهم أو قال بعشرين واوخره بالمال، قال: لا بأس) وفي مضمر عبد الملك ابن عتبة (3) (سألته عن الرجل يريد ان اعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك فيطلب مني مالا ازيده على مالي الذي لي عليه ايستقيم ان ازيده مالا وابيعه لؤلؤة تساوي ماءة درهم بألف درهم فاقول ابيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على ان اؤخر ثمنها ومالي عليك كذا وكذا شهرا ؟ قال: لا بأس به) الى غير ذلك من النصوص المفتى بها بين الاصحاب وان كان حيلة وفرارا، لكن نعم الفرار من الباطل الى الحق ومنه ينتقل الى غير ذلك من الحيل الشرعية المنطبقة على اصول المذهب وقواعده. ولا يعارضه خبر الشيباني (4) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يبيع المبيع والبايع يعلم انه لا يسوى والمشتري يعلم انه لا يسوى الا انه يعلم سيرجع فيه ويشتريه منه فقال: يا يونس ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لجابر بن عبد الله: كيف انت إذا ظهر الجور واورثتم الذل قال: فقال له جابر: لا بقيت الى ذلك الزمان. ومتى يكون ذلك بأبي انت وامي قال: إذا ظهر الربا يا يونس، وهدا الربا فأن لم تشتره منه رده عليك ؟ قال: فقلت: نعم قال فقال: لا تقربنه ولا تقربنه) بعد قصوره على المقاومة من وجوه خصوصا بعد قوة احتمال ارادة حال عدم قصد البيع منه وانهما لم يوجبهاه كأحتمال التقية لما حكى عن العامة من تشديد المنع في هذه الصورة، وربما حمل على الكراهة أو غير ذلك.


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 9 - من ابوب احكام العقود الحديث - 6 - 4 - 5 (4) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام العقود الحديث - 5.

[ 36 ]

وعلى كل حال فقد ظهر من هذا كله ان تأجيله بزيادة من دون حيلة شرعيه غير جايز. (نعم يصح تعجيله) لو كان مؤجلا (باسقاط بعضه) مع التراضي بلا خلاف ولا اشكال، كما تقدم في بحث النقد والنسيئة، للنصوص المستفيضة، بل ربما استظهر منها الاكتفاء بالتراضي من غير حاجة الى الابراء أو الصلح، ففي مرسل ابان (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيقول له قبل ان يحل الاجل عجل النصف من حقي على ان اضع عنك النصف ايحل ذلك لواحد منهما ؟ قال: نعم). وصحيح ابن ابي عمير (2) عن الصادق غليه السلام ايضا (انه سأل عن الرجل يكون له دين الى اجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول له: انقدني كذا وكذا واضع عنك بقيته أو يقول: انقدني بعضه وامد لك في الاجل فيما بقي عليك ؟ قال: لا ارى بأسا، انه لم يزد على رأس ماله قال الله عزوجل شأنه (3) (ولكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) واللام في السؤال بمعنى على، كما رواه محمد بن مسلم (4) في الصحيح مغيرا للسؤال (الرجل يكون عليه الدين الى اجل مسمى) الى اخره. لكن قد يقال: ان بناء هذه النصوص على الاكتفاء بمعاطاة الصلح، أو على ارادة بيان اصل الصحة، وان كان عند الوقوع لا بد من صيغة، إذ المتعارف في النصوص عدم التعرض للصيغ لمعلوميتها أو لغير ذلك، فلا ريب ان الاولى الاتيان بصيغة الصلح أو التصريح بالبرائة أو الاسقاط والعفو وان كان الاقوى الاكتفاء بمعاطاة الصلح. وكيف كان فيدل على المطلوب مضافا الى النصوص السابقة وخبر زرارة (5) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم باعها فربح فيها فأتاه صاحبها يتقاضاه ولم ينقد ماله، فقال صاحب الجارية للذين باعهم: اكفوني غريمي هذا والذي ربحت عليكم فهو لكم ؟ قال لا بأس) الذي هو كصحيح الحلبي (6) بناء


(1) (2) الوسائل الباب - 7 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 2 - 1. (3) سورة البقرة الاية 279. (4) الوسائل الباب - 7 - من احام الصلح الحديث - 1. (5) (6) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكا العقود الحديث - 1 - 2.

[ 37 ]

على انه قد باعهم مؤجلا وان كان لا مانع ايضا من بيعهم حالا، والصلح معهم بأسقاط البعض، إذ هو صلح الحطيطة الذي يقوم مقام الابراء ولا ربا فيه وان قلنا بعمومه للمعاوضات. ومن هنا اطلق الاصحاب جوازه بتعجيل البعض بأسقاط الباقي من غير فرق بين المجانس والمخالف، بل ظاهر الجميع كونه بالمجانس، على انه يمكن ان لا يكون ابراء محضا، لان الوضع في مقابلة الاجل، بل يمكن خروجه بذلك عن المجانس، وان كان ذلك كله لا يخلو من نظر. والاولى الاستناد للنص المعتضد بفتوى الاصحاب، بل لم اجد احدا منهم اومأ الى احتمال الربا فيه سوى الفاضل في القواعد وغيرها، بل ظاهره في صلح الاولى البطلان على تقدير عموم الربا للمعاوضات، قال: لو صالح على عين بأخرة في الربويات ففي الحاقه بالبيع نظر، وكذا بالدين بمثله، فأن الحقناه فسد، كما لو صالح في الف بخمسمائة حال، ولو صالح من الف حال بخمسمائة مؤجل فهو ابراء على اشكال ويلزم التأجيل. وسوى الشهيد في الدروس حيث قال: (ولو صالح على المؤجل بأسقاط بعضه حالا صح إذا كان بغير جنسه، واطلق الاصحاب الجواز، اما لان الصلح هنا ليس معاوضة له أو لان الربا يختص البيع، أو لان النقيصة في مقابلة الحلول، فلو ظهر استحقاق العوض أو تعيبه فرده فالاقرب ان الاجل بحاله) وقال ابن الجنيد سقط. قلت: اقواها الاول إذ الثاني منظور فيه بان الاصح عموم الربا، وقد صدر ذلك ممن يقول بعمومه، واما الثالث ففيه اولا انه لا يكفى في سقوط الربا، وثانيا قد عرفت ان الاقوى الصحة في الحالين ايضا فله ان يصالح عن الزائد الحال بالناقص كذلك، لقيامه مقام الابراء بخلاف البيع، فانه لا يقوم مقامه، قال في الدروس ايضا ولو صالح عن غير الربوي بنقيصة صح ولو كان ربويا وصالح بجنسه روعي احكام الربا، لانها عامة في المعاوضات على الاقوى، الا ان نقول الصلح هنا ليس معاوضة،

[ 38 ]

بل هو في معنى الابراء وهو الاصح، لان النبي صلى الله عليه وآله قال لكعب بن مالك: (أترك الشطر واتبعه ببقية) وروي ذلك عن الصادق عليه السلام (2) وينبغي ان يكون صورته صالحتك على الف بخمسمائة، فلو قال بهذه الخمسمائة ظهرت المعاوضه، والاقوى جوازه أيضا لاشتراكهما في الغاية. قلت: قد يشكل الاخير بأنه لو صح لصح في المعنيين مع التفاوت، على ان يكون الصلح بمعنى هبة الزائد، ولاريب في عدم جوازه لكونه معاوضة حينئذ، اللهم الا ان يفرق بينهما وهو غير بعيد كما ستعرف، ولو صالح عن الف حال بخمسمائة مؤجلة ففي التحرير ان الوجه الجواز، ولعله لانه كالعكس، لكن فيه انه يمكن الفرق بينهما فتأمل، وياتى في الصلح تمام الكلام ان شاء الله. وهذا وفي المسالك انه كما يعتبر التراضي في اسقاط البعض، يعتبر في تعجيله بغير اسقاط، لان الاجل ايضا حق لهما، لتعلق غرض كل منهما به، فان التعجيل قد لا يرضى به صاحب الحق، لحصول ضرر لخوف ونحوه، وبالنسبة الى الاخر واضح لكن اسقاط الاجل يكفي فيه مجرد الرضا، اما اسقاط بعض الحق فيحتمل كونه كذلك، كما يقتضيه ظاهر اطلاقهم، ويكون الرضا بالبعض قائما مقام الابراء، فانه كما يظهر من تضاعيف كلامهم انه لا بختص بلفظ، وفي كتاب الجنايات يقع بلفظ العفو ونحوه فيكون هذا منه، ويحتمل قويا توقف البراءة على لفظ يدل عليه صريحا كالبراءة والاسقاط والعفو والصلح، لا مطلق الرضا لاصالة بقاء الملك الى ان يتحقق المزيل شرعا. وفيه ان مثله يأتي في اسقاط الاجل، نعم يسقط به مع قبض المال من المستحق وحينئذ فالمتجه اسقاط بعض الحق معه، إذ وقع بعنوان المعاوضة عن الجميع، ضرورة كونه حينئذ من معاطاة الصلح، لكن يأتي فيه حينئذ اشكال الربا، إذ هو كالصلح عن الزائد بالاقل المعين، وقد عرفت قوة احتمال المعاوضة، خلافا للدروس فألحقه بالاقل غير المعين الذى لا يكون الا إبراء اللهم الا ان يقال بصحة ذلك في المقام من


(1) (2) المستدرك ج 2 ص 499 الوسائل الباب 6 - من ابواب الصلح الحديث 1.

[ 39 ]

جهة اطلاق النصوص. ومنه يظهر لك قوة ما سمعته من الدروس، والاحتياط لا ينبغي تركه، ولقد طال بنا الكلام، وكان اصل المقصد بيان عدم لزوم الاجل المشترط في عقد القرض، وقد ظهر لك الوجه فيه، بل منه يعلم عدم لزوم كل شرط اقتضى تأخير القرض من غير فرق بين الزمان والمكان وغيرهما. لكن قد سمعت فيما تقدم ان الشيهد في الدروس صرح بلزومه بالنسبة الى المكان، خلافا للفاضل فجعله دائرا مدار المصلحة، اللهم الا ان يقال باللزوم فيه هناك للنصوص التى يدعي دلالتها على ذلك، اما الشرط الذى لا يقتضى تأخير القرض فالمتجه بحسب الضوابط لزومه، ووجوب الوفاء به، لعموم (1) (المؤمنون) وغيره مما يدل على وجوب الوفاء بالعقود اللازمة التي لا ريب في ان عقد القرض منها، بعد ما عرفت من انه ليس لاحدهما فسخة بحيث يرد العين الى مالكها، فالاصل لزوم الشرائط فيه. ولعل منه شرطية الصحاح بدل المكسرة عند من جوز، بل الظاهر لزوم الشرط في عقد القرض وان كان تأخير قرض اخر، وان كان لم يفرق في المسالك بينه وبين اجل القرض المشترط في عقده في عدم لزوم الجميع، الا انك قد عرفت ان الاصل يقتضي اللزوم، خرج عنه في خصوص الثاني، لما عرفت من الدليل، فيبقى غيره على الاصل، ولا ينافي لزوم الشرط في عقد القرض جواز مطالبة المقرض في كل وقت، ووفاء المقترض كذلك، إذ ليس ذلك فسخا لعقد القرض الذي يجب الوفاء به وبما تضمنه من الشرائط التي لا تقتضي وجوب ابقائه، بل هو مطالبة بل بالمثل أو بالقيمة اللذين وجبا بعقد القرض، فالاستناد في دعوى عدم لزوم الشرط في عقد القرض بانه من العقود الجائزة بالمعنى المزبور واضح الفساد، ضرورة ان المثمر في عدم لزوم الشرط الجواز بمعنى فسخ العقد، لا هو بالمعنى المزبور هذا. وفي جامع المقاصد (وههنا فائدة: وهي ان الشروط الواقعة في عقد القرض


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4.

[ 40 ]

اقسام الاول - ما يفسده، وهو اشتراط الزيادة للمقرض في نفس مال القرض لمحض الاحسان.، الثاني - ما يكون لغوا أو وعدا: وهو الزيادة للمقترض من غير ان يكون للمقرض زيادة. الثالث - ما يكون مؤكدا كاشتراط رهن به، وهو صحيح قطعا. الرابع - ما يكون زيادة للمقرض لكن في غير مال القرض وفي صحته تردد، والا صح الصحة. الخامس - ما يكون وعدا محضا كما لو أقرضه وشرط له أن يقرضه شيئا آخر. إذا عرفت هذا فلابد من الفرق بين هذه الشروط في الاحكام، ففي الاول معلوم بقاء مال القرض في ملك المقرض، وفي الثاني إن كان الشرط لغوا فلا بحث، وإن كان وعدا فمعناه إن وفى به كان حسنا وإلا لم يأثم، ووجهه أن القرض إحسان إلى المقترض بالقرض، وشرط في ذلك الاحسان إحسان آخر لنفعه فقط، فلا يجب عليه، لانتفاء المقابلة المقتضية للوجوب. وفي الثالث والرابع يجب عليه الوفاء، لان المقرض لم يرض بالقرض إلا على ذلك التقدير المشترط، وقد رضي المقترض على ذلك الوجه، فيجب الوفاء، فان لم يفعل أثم، ولم يكن له اجباره قطعا، لان القرض عقد جايز من الطرفين، لكل منهما فسخه، فإن لم يفسخه حالا فهل يتوقف وجوب الدفع على المطالبة بمال القرض، أم يجب دفعه بمجرد المطالبة بالشرط مع عدم الوفاء، وجهان، وفي الاول قوة. وهو كما ترى لا يرجع إلى ضابطة، بل هو عند التأمل مخالف للضوابط الشرعية التي قد عرفت اقتضائها اللزوم في كل شرط في عقد القرض، إلا ما جر نفعا للمقرض وما اقتضى عدم جواز المطالبة من المقرض والوفاء من المقترض إلا في اشتراط المكان، للنصوص السابقة فيه من غير فرق بين ما يرجع إلى القرض من الشرائط، كالرهن والاشهاد والكتابة ونحوها، وما لا يرجع إليه من الامور الملتزمة في عقده، بل الظاهر أن فائدة الشرط في عقد القرض كفائدته في غيره من العقود اللازمة، يجب إجبار من عليه الشرط، فإن تعذر تسلط من له الشرط على فسخ العقد نفسه، فيرجع المال

[ 41 ]

حينئذ ملكا إلى مالكه، وهذا غير مطالبة المقترض بعوض المال في كل وقت، حتى يقال إنه كان حاصلا بدون الشرط. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما في الدروس من أن اشتراط الخيار في عقد القرض لغو، ضرورة أن اشتراطه يفيد التسلط على فسخ العقد نفسه، بحيث يرجع عين المال إلى مالكه، وهو أمر غير مطالبة المقرض بالقيمة أو المثل فتأمل جيدا. فإن المسألة قد وقع فيها اشتباه عظيم وخلط وخبط نشأ من تخيل كون القرض من العقود الجائزة باعتبار أن المقرض له المطالبة متى شاء، والمقترض له الوفاء كذلك وأن الشرائط في العقود الجائزة غير لازمة، لتسلط كل منهما على فسخ أصل العقد فلا يلزم الشرط فيه، وهذا كله وهم في وهم. بل قد يؤمئ ما دل على بطلان ما جر نفعا من الشرائط في عقد القرض إلى لزوم الشرائط فيه، وإلا كان الشرط فيه وعدا لا يجب الوفاء به، فلا يتحقق به الربا، لما عرفت فتأمل. كما أن ذكرهم الصحة في كثير من الشرائط التي لا تجر نفعا للمقرض ظاهر في اللزوم، لا أن المراد منها عدم البطلان وإن كان لا يلزم المشروط عليه، إذ صحة كل شئ بحسب حاله فصحة الشرط لزومه، بل قد يشكل صحة القرض مع اشتراط الاجل الذي قلنا بعدم لزومه إذا كان المقترض قد علق رضاه على تخيل لزوم الاجل ولو جهلا منه، ضرورة كونه حينئذ كالشرائط الفاسدة التي يبطل العقد معها، باعتبار تعلق الرضا عليها في قول، والله أعلم. المسألة (الثالثة: من كان عليه دين وغاب صاحبه غيبة منقطعة) الخبر (يجب) على المديون البقاء على (أن ينوي قضاءه) إجماعا محكيا إن لم يكن محصلا، للاصل وللمنساق من صحيح زرارة (1) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون عليه الدين لا يقدر على صاحبه، ولا على ولي له، ولا يدرى أي أرض هو ؟ قال: لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيته الاداء) وللنصوص (2) الدالة على أن


(1) الوسائل الباب - 22 - من ابواب الدين - الحديث - 1. (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الدين الحديث - 1 .

[ 42 ]

(من استدان دينا فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق) الشاملة للغائب وغيره، ولحالي الابتداء والاستدامة. بل قد يتم الوجوب من الترغيب في الخبر (1) على نية القضاء قال فيه: (من كان عليه دين ينوى قضاءه كان معه من الله عزوجل حافظان يعينانه على الاداء، فإن قصرت نيته عن الاداء قصر عنه المعونة بقدر ما قصر من نيته) ولا ينافي الوجوب ما في الخبر الآخر (2) (أحب الرجل يكون عليه دين ينوي قضاءه)، فإن محبته عليه السلام للرجل إذا كان ناويا قضاءه لا تقضي بجواز عدم النية، بل قد يقال: - بناء على إشعاره ببغض غير الناوي أو بعدم محبته، بأنه دال على الوجوب. هذا كله إن لم نقل بوجوب العزم بدلا عن التعجيل في الواجب الموسع، لانه من أحكام الايمان، بمعنى توقف صدق التبعية عرفا على العزم على امتثال أوامر المتبوع ونواهيه، وإلا كان ذلك كافيا في الوجوب هنا. نعم يستفاد من نصوص السرقة أن عدم نية القضاء حال القرض مفسدة لعقده، فيحرم على المقترض التصرف بالمال حينئذ، خصوصا خبر أبي خديجة (3) عن ابي عبد الله عليه السلام (أيما رجل أتى رجلا واستقرض منه مالا وفي نيته أن لا يؤديه فذلك اللص العادي) لكن لم أجده محررا في كلامهم، بل ربما كان فيه ما ينافيه، كعدم ذكرهم له في الشرائط وجعلهم وجوب العزم هنا كالواجب الموسع وغير ذلك، وعليه فينبغي الاقتصار فيه على خصوص القرض، أما الابتياع مع عدم نية الوفاء فلا يقضي بفساد البيع. (و) كيف كان ففي المتن وغيره أنه يجب أيضا (أن يعزل ذلك عند وفاته) بل قد تشعر عبارة المختلف بعدم الخلاف فيه، كما اعترف به في المسالك فقال: (واما العزل عند الوفاة فظاهر كلامهم، خصوصا على ما يظهر من المختلف أنه لا خلاف فيه وإلا لامكن تطرق القول بعدم الوجوب، لاصالة البراءة مع عدم النص) وظاهره


(1) (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الدين الحديث - 1 - 2 - 3 - 5. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الدين الحديث - 4.

[ 43 ]

تحصيل الاجماع عليه. وفي جامع المقاصد ظاهرهم أن وجوب العزل عند الوفاة إجماعي ووجهه ظاهر، فإنه أبعد عن تصرف الورثة فيه وأنفى، للتعليل في أدائه. قلت: وربما يشعر به خبر هشام بن سالم (1) (قال سأل خطاب الاعور أبا إبراهيم عليه السلام وأنا جالس، فقال: إنه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالاجر، ففقدناه وبقى له من أجره شئ ولا نعرف له وارثا ؟ قال: فاطلبه قال: قد طلبناه ولم نجده، فقال مساكين وحرك يديه، قال: فأعاد عليه قال: اطلب واجهد فإن قدرت عليه وإلا فكسبيل مالك حتى يجئ له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء له طالب أن يدفع إليه) بناء على أن المراد بقاء شئ من أجره في الذمة، ضرورة اقتضاء الوصية به حينئذ بل وجعله كسبيل المال عزله، وكذا خبراه الاخران (2) (3) المرويان في الفقيه والتهذيب. لكن ومع ذلك كله في الرياض بعد أن حكى عن المسالك وجامع المقاصد ما سمعت قال: وهو كما ترى، مع أن في السرائر ادعى اجماع المسلمين على العدم وهو اقوى للاصل وإن كان الاول أحوط وأولى، وأحوط منه العزل مطلقا، فقد حكى في المسالك قولا، ولكنه لا يلزم منه انتقال الضمان بالعزل، بل عليه الضمان مع التلف على الاطلاق لعدم الدليل على الانتقال. وفيه أولا أن الموجود في السرائر نفي الخلاف بين المسلمين عن عدم العزل قبل الوفاة الذي يظهر من نهاية الشيخ، فإنه بعد أن حكي عن الشيخ فيها من وجب عليه دين وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها وجب أن ينوي قضاءه ويعزل ماله عن ملكه، قال: هذا غير واجب، أعني عزل المال بغير خلاف بين المسلمين، فضلا عن طائفتنا، ومن هنا نزل في المختلف ما في النهاية على حال الوفاة. وثانيا أن المحكي في المسالك القول بالعزل مع اليأس لا مطلقا وثالثا أنك قد عرفت الدليل على العزل الظاهر في تشخص كونه مالا للمديون، ومقتضاه حينئذ عدم


(1) (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث الخنثى الحديث - 1 - 10. (3) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الدين الحديث 3 .

[ 44 ]

الضمان لو تلف بغير تفريط، اللهم إلا أن يدعى أنه وإن انعزل بالعزل إلا أنه مضمون على المديون حتى يصل إلى المالك، لكنه كما ترى محتاج إلى الدليل. نعم ينبغى الاقتصار فيما خالف الاصل من العزل على المتيقن من النص والفتوى، وهو في حال الوفاة والله أعلم. (و) كيف كان فقد أطلق المصنف وغيره أنه (يجب على) المديون (أن يوصى به ليوصل) إلى (ربه أو إلى وارثه إن ثبت موته) بل عن الصيمري نفى الخلاف فيه، بل في النهاية أوصى به إلى من يثق به، بل في الروضة يجب الوصاية به إلى ثقة، لانه تسليط على مال الغير، وإن قلنا بجواز الوصاية إلى غيره في الجملة لكن في الدروس ابدل الوصية بالاشهاد. والنصوص التي قد سمعت بعضها وتسمع الاخر قد تضمنت الاول، اللهم إلا ان يحمل على المثال، إذ الظاهر أنه بعد العزل يصير كباقي الامانات، فالواجب إظهارها بحيث لا يخشى عليها التلف، ولو بدعوى الورثة الملكية، تمسكا بظاهر يد الميت، خصوصا في مثل القرض الذى لم يعلم غير المتوفى بحاله، فمع ترك الوصية ربما ذهب المال، بل في جملة من الاخبار الآتية إن شاء الله في باب الوصية وجوب الوصية بماله وما عليه. (و) كيف كان ف‍ (لو لم يعرفه) أي الوارث (اجتهد في طلبه ومع اليأس يتصدق به عنه على قول) للشيخ في النهاية ومن تبعه، قال فيها: (ومن وجب عليه دين وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها وجب عليه أن ينوي قضاءه ويعزل ماله من ملكه، فإن حضرته الوفاة أوصى به إلى من يثق به، فإن مات من له الدين سلمه إلى ورثته، فإن لم يعرف له وارثا اجتهد في طلبه، فإن لم يظفر به تصدق به عنه، وليس عليه شئ). وهو صريح في كون الصدقة بعد موت المالك وعدم معرفة وارثه بعد الاجتهاد في الطلب، ووجه الصدقة حينئذ واضح، لكونه مالا مجهول المالك وحكمه ذلك نصا وفتوى، واحتمال تعين كونه للامام لاصالة عدم الوارث يدفعه، مع أنه لا يجرى

[ 45 ]

بالنسبة إلى بعض الورثة، ويمكن فرضه فيمن علم أن له وارثا إلا أنه لم يعرف أن الشرط في كونه للامام العلم بعدم الوارث غيره، لا عدم العلم، ومن ذلك كله يظهر لك ما في السرائر قال: (ومن وجب عليه دين وغاب صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها وجب عليه أن ينوي على حسب ما قدمنا، فإن حضرته الوفاة سلمه إلى من يثق بديانته، وجعله وصيه في تسليمه إلى صاحبه، فان مات من له الدين سلمه إلى ورثته، فإن لم يعلم وارثا اجتهد في طلبه، فإن لم يجد سلمه إلى الحاكم، فإن قطع أن لا وارث له كان لامام المسلمين، وقد روي (أنه إذا لم يظفر له بوارث تصدق به عنه، وليس عليه شئ) أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته من طريق الخبر ايرادا لا اعتقادا، لان الصدقة لا دليل عليها في كتاب، ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، بل الاجماع والاصول مقررة لمذهبنا، تشهد بأن الامام مستحق ميراث من لا وارث له. إذ فيه أن الشيخ لا ينكر انتقاله إلى الامام عليه السلام بعد العلم بعدم الوارث له، وإنما أمر بالصدقة مع الجهل، لانه من مجهول المالك الذى من المعلوم حكمه ذلك، فضلا عما أرسله من الخبر، وإن كنا لم نجده في خصوص المقام. نعم في الفقيه بعد أن روى في صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله - (في رجل كان له على رجل حق ففقده، ولا يدرى أين يطلبه، ولا يدرى أحى هو أم ميت، ولا يعرف له وارثا، ولا نسبا ولا ولدا، قال: اطلب قال: إن ذلك قد طال، فأتصدق به ؟ قال: اطلب) - قال: و قد روي في هذا خبر آخر (2) (إن لم تجد له وارثا وعلم الله منك الجهد فتصدق به) وليس فيه العلم بموت ذي الحق، وليس في اشتراط عدم الوارث دلالة عليه، إذ يمكن اشتراط الصدقة بذلك، وإلا وجب ابقاؤه حتى يعلم موته، ولو بمضي مدة لا يعيش فيها مثله، ثم يسلم إلى الوارث بعد ذلك، وأما خبر هشام بن سالم (3) (سأل حفص الاعور أبا عبد الله عليه السلام، وأنا عنده جالس، فقال له: (كان لابي أجير كان يقوم


(1) (2) الفقيه ج 4 ص 241 الحديث - 769 - 770 - (3) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الدين الحديث - 3 وفيه اختلاف يسير.

[ 46 ]

في رحاه وله عنده دراهم، وليس له وارث، فقال أبو عبد الله عليه السلام: تدفع إلى المساكين ثم قال: رأيك فيها ثم أعاد المسألة فقال له: مثل ذلك فأعاد عليه المسألة فقال أبو - عبد الله عليه السلام تطلب له وارثا فإن وجدت له وارثا وإلا فهو كسبيل مالك، ثم قال: ما عسى أن تصنع بها، ثم قال توصى بها فإن جاء طالبها وإلا فهي كسبيل مالك) وخبر نصر بن حبيب صاحب الخان (1) (قال كتبت إلى العبد الصالح قد وقعت عندي مأتا درهم و أربعة دراهم، وأنا صاحب فندق فمات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في اعلامي حالها، وما اصنع بها فقد ضقت بها ذرعا. فكتب اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلا قليلا حتى يخرج) فليس في أولهما تصريح بالموت، ولا في ثانيهما الدين مع اشتماله على العمل بها والصدقة قليلا قليلا ولم أجد من أفتى بهما. وعلى كل حال فالمتجه بحسب الضوابط أنه إن لم يعلم موته وجب الابقاء إلى المدة التي يعيش فيها مثله، فتسلم حينئذ إلى الوارث إن علم ومع اليأس فالصدقة، ومثله ما لو علم موته وجهل وارثه، ويمكن جواز الابقاء أمانة لخبر هشام بن سالم المروى في الفقيه (2) (سأل حفص الاعور أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال: كان لابي أجير وكان له عنده شئ، فهلك الاجير ولم يدع وارثا ولا قرابة وقد ضقت بذلك فكيف أصنع، فقال: رأيك المساكين رأيك المساكين، فقلت: جعلت فداك ! إنى ضقت بذلك فكيف أصنع فقال: هو كسبيل مالك فإن جاء طالب أعطيته. ولعل ذلك في خصوص هذا القسم من مجهول المالك باعتبار عدم الجهل به من كل وجه، لكون الفرض أن صاحب الدين معروف، وإن كان قد مات، أو يقال بجواز ذلك في جميع أفراد المجهول، وأما التسليم إلى الحاكم فلا ينبغي التأمل في جوازه بعد اليأس، وأما وجوبه فمحل منع للاصل وظاهر النصوص هذا. ولكن الذى يظهر من بعض الاصحاب أنه يكفى في الصدقة به اليأس من صاحب الدين، وهو مع وجوب تقييده بعدم معرفته الوارث، وإن كان لا يسلمه إليه


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث الخنثى الحديث - 3. (2) الفقيه ج 4 ص 241 الحديث - 767 .

[ 47 ]

إلا بعد معرفة موت مالكه - لا يخلو من بحث، لاصالة البقاء، اللهم إلا أن يقال إن بقاءه مع الياس من رجوعه غير مجد، بل هو كمجهول المالك المايوس من معرفته، لاشتراكهما معا في عدم التمكن من الوصول إلى المالك والصدقة مع الضمان إحسان محض، بل فيها إخراج المال عن التعطيل، بل ربما كان المديون محتاجا إلى فراغ ذمته، ولا سبيل غير الصدقة، ولعل الاولى من ذلك تسليمه إلى الحاكم، لانه ولي الغالب، بل الاولى مراعاة ذلك في تشخيصه من الذمة. وقد ظهر بذلك كله الخلل في جملة من عبارات الاصحاب في النقل وغيره، ففى النافع (ولو غاب صاحب الدين غيبة منقطعة نوى المستدين قضاءه وعزله عند وفاته موصيا به، ولو لم يعرفه اجتهد في طلبه، ومع اليأس قيل يتصدق به عنه) وفي اللمعة (ويجب نية القضاء وعزله عند وفاته والايصاء به لو كان صاحبه غالبا ولو يئس منه تصدق به عنه) وفي الرياض نسبة هذا القول إلى الشيخ والقاضي وجماعة وقد سمعت عبارة النهاية. وفي القواعد (ولو غاب المدين وجب على المديون نية القضاء والعزل عند وفاته والوصية به ليوصل إلى مالكه أو وارثه، ولو جهله اجتهد في طلبه فإن أيس منه قيل يتصدق به عنه وفي اللمعة ويجب نية القضاء وعزله عند وفاته والايصاء به لو كان صاحبه غائبا ولو يئس منه قيل يتصدق به عنه) وفي الدروس (ولو غاب المدين وجب نية القضاء والعزل عند أمارة الموت. وأطلق الشيخ وجوب العزل، وابن ادريس عدم وجوبه والاشهاد ولو يئس منه تصدق به عنه وقال ابن ادريس: (يدفعه إلى الحاكم، وإن قطع على موته وانتفاء الوارث كان للامام، والحكم الثاني لا شك فيه، أما الاول فالحق التخيير بينه و بين ابقائه في يده، والصدقة مع الضمان، إلى غير ذلك من كلماتهم التى يعرف ما فيها من التأمل فيما ذكرنا. وأحسنها ما في التنقيح، فإنه بعد أن حكي ما في السرائر من كونه للامام قال: وهو الحق، لكن على تقدير العلم بموته وعدم وارثه أما إذا انتفى العلم بذلك

[ 48 ]

فحفظه أولى، حتى يظهر خبره أو خبر وارثه وأما النصوص فقد عرفت تشويشها خصوصا متن خبر هشام بن سالم (1) منها، وأجودها صحيح معاوية (2) الذي أمر فيه بالطلب، بعد طلب السائل الصدقة لطول الطلب فتأمل جيدا والله أعلم بحقيقة الحال. المسألة (الرابعة) الاصل (في الدين أن لا يتعين ملكا لصاحبه إلا بقبضه) أو قبض من يقوم مقامه شرعا، بعد دفع المديون، أو من يقوم مقامه، بل الظاهر اعتبار نية كونه عن الدين في الدفع، فلا يجزى الدفع المطلق فضلا عن المقصود به غير الدين، بل قد يقال: باعتبارها في القبض أيضا في أحد الوجهين، كل ذلك لاصلى عدم حصوله بدون ذلك، وعدم توقفه على غيره بعد الاجماع والسيرة القطعية، وما يستفاد من تدبر النصوص مضافا إلى صدق تشخص الحق بذلك عرفا، وإن كان هو مشتركا بين المديون والديان، ولذا اعتبر الدفع والقبض منهما، ولتفصيل هذه الجملة محل آخر. (و) إنما المراد هنا أنه (لو جعل مضاربة قبل قبضه لم يصح) بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر المختلف وصريح السرائر وعن ظاهر التذكرة الاجماع عليه، لا لعدم ملكه والا لم يجز بيعه مثلا بل لعدم تعيينه المعتبر فيها، كما تعرفه إن شاء الله في بابها، ولما رواه الباقر عليه السلام (3) (عن أمير المؤمنين عليه السلام في الرجل يكون له مال على رجل يتقاضاه، فلا يكون عنده ما يقضيه، فيقول له هو عندك مضاربة فقال: لا يصلح حتى يقبضه منه) المنجبر سندا ودلالة بما عرفت، المتمم بالنسبة للمضاربة به إلى غير المديون بالاتفاق على عدم الفرق بينهما في البطلان. نعم قد يفرق بينهما بكون الربح جميعه للمديون إن ميزه واتجر به، لان المال لم يتعين للمالك بتعيينه، إذ لم يجعله وكيلا في التعيين، وإنما جعله مضاربة


(1) (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الدين الحديث - 3 - 2. (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب احكام المضاربة الحديث 1 لكن عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين عليهما السلام . الجواهر - 3 -

[ 49 ]

فاسدة، بخلاف ما لو كانت المضاربة به لغيره، فإن الربح جميعه للمالك، إذا أجاز لانه وكيل عنه في قبض الدين، فيتعين بتعيين المديون، وقبض الوكيل. ولا يرد أن فساد المضاربة يستلزم فساد القبض، لانه تابع لها لمنع الملازمة، فإن فساد المضاربة إنما يقتضى فساد لوازمها، وقبض المال من المديون أمر آخر وراء المضاربة وأحكامها، فيكون بمنزلة الوكيل بالنسبة إلى قبض المال، والمضاربة بالنسبة إلى العمل، فيبطل متعلق المضاربة خاصة، كما لو جمع في عقد واحد بين شيئين ويفسد أحدهما، فإنه لا يقتضي فساد الآخر، فيكون للعامل أجرة المثل، كما هو مقتضى المضاربة الفاسدة مع جهله، والربح للمالك مع إجازته الشراء بالعين، ولو كان الشراء في الذمة فالربح للعامل، إن نوى الشراء لنفسه، وإلا فلا، كما صرح بذلك كله في جامع المقاصد. نعم ظاهره أن العامل يستحق الاجرة إذا حصل الربح للمالك، وإلا فلا، ولعله لعدم ضمان عمله على تقدير صحة المضاربة، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، لكنه بل لا يخلو من إشكال، ويأتى تحقيقه إن شاء الله في باب المضاربة، كما أن ظاهر إرادة الشهيد في الدروس من إطلاق كون الربح للعامل مع الشراء في الذمة، ما إذا نوى الشراء لنفسه لا المالك، وإلا كان فضوليا في الواقع، وإن لزم بالثمن ظاهرا إذا لم يصرح بالغير، ضرورة كون الفرق بين العين والذمة ذلك، فالشراء بالاولى يقع لمالكها على الاصح وإن نوى به غيره، بخلاف الذمة كما هو محرر في محله. فلابد من تنزيل إطلاق الدروس على ذلك، قال فيها: ولا تصح المضاربة بالدين لا للمديون ولا لغيره لعدم تعينه، فلو ضارب وربح فالربح لصاحب المال، اما المديون إن كان هو العامل، أو المديون إن كان غير العامل، إلا أن يشترى في الذمة فيكون الربح له وعليه الاثم والضمان. وكيف كان فالفرق بينهما بما عرفت، لم أجد فيه خلافا بين من تعرض له من الفاضل وغيره، في القواعد (لا تصح المضاربة بالدين قبل قبضه، فإن فعل فالربح بأجمعه للمديون إن كان هو العامل، وإلا فللمالك وعليه الاجرة وإن كان محتاجا إلى التقييد

[ 50 ]

بالنسبة إلى بعض ما عرفت. نعم توقف فيه في المسالك فقال: (إن المضاربة الفاسدة إن اقتضت وكالة في القبض خارجة عن حقيقتها فليكن في المديون كذلك، فان الصيغة إنما اقتضت المعاملة على الدين الذي في الذمة، وكما لا يمكن للاجنبي العمل به مادام في الذمة، لانه حينئذ أمر كلي لا وجود له في الخارج، فاقتضى ذلك الاذن له في قبضه الذي زعموا كونه وكالة كذلك، نقول في المديون فإنه لا يمكنه العمل بنفس دين المالك الذي في ذمته، بل لابد من افرازه والشراء به، كما سيأتي من أن العامل لا يصح له أن يشترى له إلا بالعين، وحينئذ فالمضاربة الفاسدة إن كانت مجامعة للوكالة في تعيين المال، فهي واقعة في الموضعين، وإلا فلا. وقد يدفع بظهور الفرق بينهما عرفا في استفادة الاذن من المالك في التمييز إذا كان المضارب غير المديون، لان المتعارف فيه العمل بعين المضارب فيه، أما إذا كان المديون فلا ظهور فيه بالاذن في التمييز، لكونه في الحقيقة مقبوضا له، فربما يعامل به وهو في ذمته، بل لعل ذلك هو المتعارف فلا يستفاد منه الاذن في التمييز. نعم قد يتوقف في ذلك من جهة أخرى وهي منع كون ذلك أمرا خارجا عن مقتضيات المضاربة، بل هو بعض لوازمها وتوابعها، فينبغي أن يتبعها في الفساد، إذ الظاهر تقييد الاذن بالقبض، بصحة المضاربة لا مطلقا، فمع فرض فسادها سيما إذا كان العامل عالما بذلك لااذن، اللهم إلا أن يدعى أن ذلك من الدواعى لا الشرائط، لان الاذن في القبض خارج عن حقيقة المضاربة، إذ يمكن قبض المالك أو غيره ثم يسلم العامل فالاذن على تقدير استفادتها من عبارة المضاربة غير مقيدة بصحتها فتأمل جيدا والله أعلم. المسألة (الخامسة) لا خلاف في أن (الذمي إذا باع) من مثله (ما لا يصح للمسلم تملكه كالخمر والخنزير) مع مراعاة شرائط الذمة كالتستر ونحوه (جاز دفع الثمن) لهذه المحرمات (إلى المسلم) عوضا (عن حق له) في ذمة الذمي بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه لاقرار شريعتنا له خاصة على ما عنده. (و) من هنا (لو كان البايع) لها (مسلما) أو حربيا أو ذميا متظاهرا (لم

[ 51 ]

يجز) قبض أثمانها لفساد البيع، فيبقى المال على ملك صاحبه، فلا يجوز تناوله عن الحق وغيره بلا خلاف معتد به أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال فيه بعد معلومية ذلك من الشريعة، مضافا إلى الصحيحين (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمرا أو خنازير وهو ينظر إليهم فقضاه ؟ فقال: لا بأس به أما للمقتضي فحلال وأما للبايع فحرام). (وصحيح زرارة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بهما خمرا أو خنزيرا ثم يقضيني منها فقال: لا بأس، أو قال: خذها) وخبر الخثعمي (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون لنا عليه الدين، فيبيع الخمر والخنازير فيقضيانه ؟ فقال: لا بأس به ليس عليك من ذلك شئ) وخبر أبى بصير (4) عن أبى عبد الله عليه السلام (عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمرا أو خنازير يأخذ ثمنه، قال: لا بأس). ومن المعلوم إرادة الذمي من إطلاق هذه الاخبار، لمعلومية البطلان بالنسبة إلى غيره، وأن أثمانها سحت (5) ولانه المتبادر المعهود بيع ذلك في بلاد الاسلام، و لذا صرح به في السؤال منصور بن حازم (6) (فقال: قلت لابي عبد الله عليه السلام لي على رجل ذمي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر فيحل لي اخذها ؟ فقال: إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك) ومن التعليل يظهر عدم إرادة الفرض من إطلاق ما دل على المنع (7) (من أكل ثمن الخمر ولعنه وحرمته). ومن الغريب ما عن صاحب الكفاية من أن التقييد بما إذا لم يكن البايع مسلما مناف لاطلاق أخبار كثيرة، فالحكم به مشكل، إلا أن يكون المقصود المنع بالنسبة إلى البايع، وأيده في الحدائق بقوله عليه السلام (أما للمقتضي فحلال. وأما للبايع فحرام).


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 60 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 2 - 3 - 4. (4) (5) الوسائل الباب - 60 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 5 - 1. (6) (7) الوسائل الباب - 55 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 6 - 5 - 1 - 2 .

[ 52 ]

وفيه أن المراد من البايع الذمي الذى اقره الشارع على ما عنده بالنسبة إلى الاحكام الظاهرية وإن كان معاقبا باعتبار تكليفه بالفروع، وبصحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام (في رجل ترك غلاما فله في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه قال: لا يصلح ثمنه، ثم قال: إن رجلا من ثقيف أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راويتين من خمر بعد ما حرمت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله فأهريقتا، وقال: إن الذي حر شربها حرم ثمنها، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها ومثله في الصدقة خبر أبي أيوب (2). وفيه أن المتجه حمل الخبرين على عدم معرفة المشتري فيكون الثمن مجهول المالك، فيتصدق به، لا أن الثمن ملك للبايع لانه قد أعطاه المشتري إياه باختياره، وإن فعلا حراما، كما عن بعض المحدثين الذين لا يبالون بما وقع منهم، وإلا فلا ينبغي التأمل في ذلك بعد استقامة الطريقة خصوصا بعد مرسلة ابن أبي نجران (3) الصحيحة إليه عن الرضا عليه السلام (عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين هل يبيع خمره و خنازيره ويقضى دينه ؟ قال: لا) الدال على حكم المسلم الاصلي بطريق أولى، ومنه يعلم الحال فيما لو أسلم الذمي قبل بيعه ما لا يملكه حال إسلامه، فإنه يخرج بذلك عن ملكه، كما صرح به المشهور. خلافا للمحكي عن النهاية فقال يتولى بيعها له غيره، للخبر (4) (وأن أسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكه وعليه دين ؟ قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خنازيره فيقضى دينه، وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه) وهو - مع كونه مقطوعا وفي سنده جهالة يمكن حمله على أن له ورثة كفارا يبيعون ذلك ويقضون ديونه، فلا يخرج به عما دل على أن المسلم لا يملك ذلك، ولا يجوز بيعه مباشرة ولا تسبيبا كما هو واضح.


(1) (2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 57 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 1. (4) الوسائل الباب - 57 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 2 .

[ 53 ]

وكذا لا ينبغى التوقف أيضا في التقييد بالاستتار الذي هو شرط الاقرار، ولا ينافيه ما في هذه النصوص من اطلاع المسلم عليه إذ يمكن فرضه على وجه لا ينافي الشرط المذكور، فتوقف المحدث البحراني فيه بل قال: الاقرب عدم اشتراطه في غير محله، كما عرفته في شرائط الذمة، واطلاق الشيخ حل تناول ثمن الخمر مثلا من الذمي محمول على ذلك، كما اعترف به في الدروس. على أنه قد يقال: ان اطلاق الادلة أو عمومها قاض بحرمة تناول أثمان هذه المحرمات، وعدم ملكها مطلقا، فينبغي الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن، وهو الاخذ من الذمي المستتر دون المتجاهر، ومنه يعلم الوجه في عدم الحاق الحربي به خصوصا بعد عدم عموم في النصوص السابقة يشمله، بل قد يدعى انسياق خلافه منها باعتبار عدم معهودية بيعه في بلاد الاسلام فتأمل جيدا. بل قد يقال انه ينبغي الاقتصار في الذمي أيضا على ما إذا باع من مثله، أما إذا باع الخمر من مسلم أو حربي فيحرم تناول الثمن منه ومن هنا قيده بذلك في التذكرة ولعله مراد من أطلق كالمصنف وغيره، للاصل المتقدم، أللهم إلا أن يقال: إن إقراره على مذهبه يقتضي جواز تناوله منه أيضا بعد أن كان مذهبه الجواز، والحرمة على المسلم والحربي، بل الفساد بالنسبة اليهما لا ينافي ذلك، إذ هو حكم آخر ضرورة تحقق الفساد واقعا، حتى في بيعه من مثله، لاطلاق ما دل على (أن ثمن الخمر سحت) الشامل للجميع. وجواز التناول منه لا ينافي كونه كذلك بالنسبة إليه، كما أومأ إليه الخبر السابق بقوله عليه السلام (1) (انه للمقتضي حلال وعليه حرام) وهو جيد جدا، بل له مؤيدات كثيرة تظهر بأدنى تأمل، وان كان انطباق كلمات الاصحاب عليه لا يخلو من اشكال فتأمل جيدا فإن من ذلك يعلم الحكم في الجملة فيما لو اقترض ذمى من ذمي خمرا وأسلم أحدهما، فإن الظاهر سقوط القرض كما جزم به الفاضل والمحقق الثاني، لكن في الدروس الاقرب لزوم القيمة بإسلام الغريم.


(1) الوسائل الباب - 60 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 2 .

[ 54 ]

وفيه أنه مناف للاصل وغيره مما عرفت، وان كان قد يشهد له ما احتملوه فيما أو أسلم ذمي الي ذمي في خمر فأسلم أحدهما قبل القبض من لزوم القيمة عند مستحليه، إلا أنه غير مختص باسلام الغريم، مع أن الذي اختاره الفاضل والمحقق الثاني هو بطلان السلم، وأن للمشتري أخذ دراهمه، واحتملا أيضا السقوط لا إلى بدل ولا ريب في أن الاقوى البطلان، وان للمشترى أخذ دراهمه أما الاول فلعدم ملك المسلم الخمر وعدم مملوكيته عليه، وأما الثاني فواضح. وفي القواعد في باب الكفالة (إذا كان لذمي خمر على ذمي، وكفله آخر مثله، وأسلم أحد الغريمين برأ الكفيل والمكفول له على إشكال فيهما لكن في جامع المقاصد (إن أسلم صاحب الحق بطلت الكفالة وحصلت البراءة، وإن أسلم من عليه الحق بقيت الكفالة، ولعله يخالف ما سمعته منه سابقا، والاقوى البراءة لما عرفت، هذا كله إذا اقترض خمرا، أما إذا اقترض خنزيرا فالقيمة لازمة مطلقا، إلا إذا قلنا بأنه يضمن بمثله، فيأتي فيه حينئذ ما تقدم في الخمر والله أعلم. المسألة (السادسة: إذا كان لاثنين) فصاعدا (مال في) ذمة أو (ذمم ثم تقاسما بما في) الذمة أو (الذمم) بأن تراضيا على أن ما في ذمة زيد لاحدهما، وما في ذمة عمرو لآخر لم يصح عند المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن الشيخ وابن حمزة الاجماع عليه، وحينئذ (فكل ما يحصل) من أحدهما (لهما) معا (و ما يتوى) بالتاء المثناه من فوق (منهما) للاصل السالم عن معارضة اطلاق القسمة بعد انصرافه إلى غيره، ولو للشهرة والاجماع السابق، مضافا إلى صحيح سليمان بن خالد (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين كان لهما مال بأيديهما، ومنه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان بأيديهما وما كان غايبا عنهما، فهلك نصيب أحدهما مما كان غائبا واستوفى الآخر، عليه أن يرد على صاحبه ؟ قال: نعم ما يذهب بماله). وموثق ابن سنان (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام أيضا عن رجلين بينهما مال


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب الدين الحديث - 1. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب أحكام الشركة الحديث - 2 .

[ 55 ]

منه دين، ومنه عين، فاقتسما العين والدين، فتوى الذى كان لاحدهما من الدين أو بعضه، وخرج الذي للآخر، يرد على صاحبه ؟ قال: نعم ما يذهب بماله) ومرسل أبي حمزة (1) قال: (سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجلين بينهما مال، منه بأيديهما ومنه غائب، فاقتسما الذي بأيديهما وأحال كل واحد منهما بنصيبه من الغائب، فاقتضى أحدهما، ولم يقتض الاخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله) و مثله الموثق عن محمد بن مسلم (2) بل وخبر غياث (3) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهما السلام مع زيادة و (ما يذهب بينهما) في الاخير. فمن الغريب ما عن الاردبيلى من اقتصاره على خبر غياث دليلا للمشهور، ثم قال: والشهرة ليست بحجة، وابن ادريس مخالف، ونقل عنه أن لكل واحد ما اقتضى كما هو مقتضى القسمة، والمستند غير معتبر لوجود غياث، كأنه ابن ابراهيم العنبري، وأدلة لزوم الشرط تقتضيه، وكذا التسلط على مال نفسه، وجواز الاكل مع التراضي والتعيين التام ليس بمعتبر في القسمة، بل يكفي في الجملة كما في المعاوضات، فإنه يجوز البيع ونحوه، ولان الدين المشترك بمنزلة دينيين لشخصين وللمالك أن يخص أحدهما دون الاخر، فلو كان بتخصيص كل واحد قبل القسمة لامكن ذلك أيضا فإن الثابت في الذمة أمر كلي قابل للقمسة، وإنما يتعين بتعيين المالك، فله أن يعيين، ولكن الظاهر أنه لا قائل به قبل القسمة). قلت: قد يظهر من ابن ادريس ذلك، فإنه بعد أن حكى عن خلاف الشيخ و نهايته أنه إذا كان بين اثنين شئ فباعاه بثمن معلوم كان لكل واحد منهما أن يطالب المشتري بحقه فإذا سلمه حقه شاركه فيه صاحبه على ما قدمناه، لان المال الذي في ذمة المشتري غير مميز، فكل ما يحصل من جهته فهو شركة بينهما. قال: (الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن لكل واحد من الشريكين على المديون قدرا مخصوصا، وحقا غير حق شريكه، وله هبة الغريم وابراؤه منه فمتى أبرأه أحدهما


(1) (2) (3) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام الشركة .

[ 56 ]

من حقه برء منه فقط، وبقى حق الآخر لم يبرء منه بلا خلاف، وإذا استوفاه وتقاضاه منه لم يشارك شريكه الذي وهب أو أبرأ أو صالح منه على شئ بلا خلاف، فلو كان شريكه بعد في المال الذي في ذمة الغريم، لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب ولم يبرأ فيما يستوفيه منه ويقبضه، ثم عين المال الذى كان شركة بينهما ذهبت ولم يستحقا في ذمة الغريم الذي هو المدين عينا لهما معينة، بل دينا في ذمته، لكل واحد منهما مطالبته بنصيبه، وابراؤه منه وهبته، وإذا أخذه منه وتقاضاه، فما أخذ عينا من أعيان الشركة حتى يقاسمه شريكه فيهما. ولم يذهب إلى ذلك سوى شيخنا أبي جعفر الطوسى في نهايته، ومن قلده وتابعه بل شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان لم يذكر ذلك في كتاب له، ولا تصنيف، وكذلك السيد المرتضى ولا تعرضا للمسألة، ولا وضعها أحد من القميين، وانما ذكر ذلك شيخنا في نهايته من طريق أخبار الآحاد، ورد بذلك ثلاثة أخبار أحدها مرسل، وعند من يعمل بأخبار الآحاد لا يعمل عليه. ولو سلم الخبران تسليم جدل لكان لهما وجه صحيح مستمر على أصول المذهب والاعتبار، وهو أن المال الذي هو الدين كان على رجلين، فأخذ أحد الشريكين و تقاضا جميع ما على أحد الغريمين، فالواجب عليه هيهنا أن يقاسم شريكه على نصف ما أخذه منه، لانه أخذ ما يستحقه عليه وما يستحقه شريكه أيضا عليه، لان جميع ما على أحد المدينين لا يستحقه أحد الشريكين بانفراده دون شريكه الآخر، فهذا وجه صحيح، فيحمل الخبران على ذلك إذا أحسنا الظن براويهما. فليتأمل ذلك وينظر بعين الفكر الصافي ففيه غموض). وهو كما ترى صريح في استقلال الشريك بأخذ حقه من غير حاجة إلى إذن الشريك الآخر، وأنه لا يشاركه فيما أخذه، لان كلا منهما ديان مستقل، كما إذا باعا صفقتين، بل قد يقال: لا دلالة في كلامه على صحة قسمة الدين ولزومها، بحيث لو قبض أحد الشريكين جميع ما على المديون اختص به للقسمة، بل لعل كلامه الاخير الذي حمل عليه الخبرين صريح في خلافه، ومن هنا لم يشر المصنف وغيره إلى خلافه

[ 57 ]

في المقام، وإنما ذكروا كلامه في باب الشركة. نعم قد وقع ذلك من بعض متأخرى المتأخرين كالأردبيلي والمحدث البحراني وفاضل الرياض، وإن كان التحقيق خلافه أيضا في ذلك المقام، لما سمعته من النصوص التي لم تفرق في اشتراك الغريمين بما قبضه أحدهما بين كونه زايدا على حقه، و مساويا بترك الاستفصال فيها، ولفظ ما الواقع في جوابها. بل في المختلف (أن الاعتبار يقضي بذلك، لانه بعد أن حكى القولين قال: وقول الشيخ ليس بعيدا من الصواب، وقياس ابن ادريس القبض على الهبة والا براء غلط، لان ذلك اسقاط للحق بالكلية، فينتفى حق الشريك ضرورة، أما في صورة القبض فليس كذلك، إذ المال مشترك، فإذا دفع إلى أحدهما فانما دفع عما في ذمته، والدفع إنما هو للمال المشترك، فلا يختص به القابض، قلت: بل قد يقال إن المتجه بعد أن وقع البيع صفقة، اشتراك الثمن المعين بينهما على حسب اشتراك العين الخارجية وكليته لا ينافي ذلك، فكل منهما له نصف منه، لا يمكن إفرازه بالقسمة وهو في الذمة، بل لا يتعين الثمن ملكا لهما إلا بقبضهما معا، فهما معا حينئذ بمنزلة الديان الواحد، فقبض كل منهما نصف قبض، لا أنه قبض للنصف، لعدم إمكان تعيين النصف من الدافع والمدفوع إليه إذا كان أحدهما. فالاصل حينئذ يقتضى بقاء المدفوع على ملك الدافع حتى يقبضه الآخر، أو يجيز قبض الاول فيكون حينئذ مشتركا بينهما لا أنه بقبض أحدهما يملك نصفه، ويبقى النصف الآخر موقوفا على إجازة الشريك، فله اختياره فيكون شريكا مع شريكه، وله مطالبة المديون بنصفه، ضرورة كون ذلك مناف لكون الثمن مشتركا، وكيف يتعين للقابض نصف مع عدم تعين كون المدفوع ثمنا لعدم القبض منهما، إلا أن النصوص السابقة صريحة أو كالصريحة في ملك القابض نصفه، وأنه يشاركه الآخر، ولعل حكم المشهور بذلك من جهتها، لا للقاعدة، وهي وإن كان موردها القسمة وكلام الاصحاب أعم، لكن لما كانت القسمة باطلة فهي كعدمها، فيبقى حينئذ قبض أحد الشريكين من غير إذن صاحبه، وقد حكم فيها بالشركة فيما اقتضاه أحدهما.

[ 58 ]

نعم قد يشكل ذلك بأن الموجود فيها الحكم بالاشتراك، لا أنه موقوف، وليس حينئذ إلا للاذن الحاصل من القسمة التي بطلانها لا ينافي وجود الاذن بالقبض، فيكون الحكم بكونه ملكا بينهما متجها، بل قد يقال: إن هذه القسمة غير باطلة، وإنما هي غير لازمة فالاذن الحاصل منها غير باطل. ومن هنا حملوا خبر على بن جعفر عليه السلام (1) عن أخيه عليه السلام المروي عن قرب الاسناد (سألته عن رجلين اشتركا في سلم أيصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا ؟ قال: لا بأس) على إرادة بيان الجواز، بل قد يقال: إن الاذن بالقبض الحاصل من القسمة ليس من لوازمها وتوابعها حتى يبطل ببطلانها، بل هو كالاذن الحاصل بالمضاربة بالدين كما عرفته سابقا أو يقال: إن ما في النصوص مبنى على الغالب من حصول رضا الشريك بقبض شريكه، بعد فرض هلاك الباقي وعدم امكان تحصيله من المديون أو يقال غير ذلك. لكن على بعض هذه الوجوه في النصوص، يشكل حينئذ الدليل على ما عند الاصحاب من أن أحد الشريكين إذا قبض مقدار حقه مضى في النصف مثلا ويبقى الباقي موقوفا على رضى الشريك، فإن أجازه كان له، وإلا كان الجميع من حق القابض، إذ المتجه بعد فرض عدم النصوص ما عرفت من توقف دخوله في ملكهما على رضاهما معا، وإلا بقى على ملك الدافع، وان كان هو مضمونا على القابض مع فرض جهل الدافع، باعتبار كون يده يد ضمان، ولا ينافي إجازة الشريك نية الدافع و القابض أنه لخصوص المدفوع إليه بعد أن كانت لغوا، فيكفي حينئذ في صحة الاجازة نية الدفع عن الدين والقبض كذلك. وبالجملة افراز حصة الشريك من العين المشتركة بالقبض لا يكون الا بالقسمة من الشريكين والرضا منهما، ومن هنا ينقدح الاشكال في صحة ضمان حصة أحدهما دون الآخر ضرورة اقتضائه افرازها عن حصة الآخر، ولذا قال في جامع المقاصد مؤيدا لكلام ابن ادريس: (إن صحة الضمان من الدلائل على التمكن من أخذ الحصة


(1) الوسائل الباب 29 - من ابواب الدين الحديث - 2 .

[ 59 ]

منفردة عن الاخرى، وكذا جواز تأجيل أحدهما حصته بعقد لازم، بل أطال رحمه الله في تأييده حتى مال إليه، كما أن الفاضل في المختلف في آخر كلامه قد اعترف بقوته عكس ثانى الشهيدين في المسالك، فإنه لم يأل جهدا في تصحيح كلام المشهور وتقريبه للضوابط، إلا أنه لم يأت بشئ بعد التأمل. فالتحقيق مع قطع النظر عن النصوص عدم تعين ما قبضه أحدهما لاحدهما بل هو على ملك الدافع لان المشترك بينهما كلى لا يتعين إلا بقبضهما معا ضروره تلازم ملك كل منهما بالقبض على ملك الاخر، فليس لكل منهما نصف مستقل عن الاخر وإلا لاتجه كلام ابن ادريس. نعم لو تشاحا في توكيل أحدهما عن الاخر في القبض، ولا أمكن قبضهما معا أقام الحاكم مقامهما شخصا آخر، أو كفى التخلية لهما أو غير ذلك، ولتحقيق المسألة مقام آخر، وإنما هذا كلام جاء في البين منشاؤه نسبة جواز قسمة الدين إلى ابن ادريس وقد عرفت فساده، وأن بحثه في مقام آخر مذكور في باب الشركة، بل المشهور الذين ذهبوا إلى تعيين حصة القابض بما قبضه إن لم يشاركه الاخر، وإلا فبنسبة شركته أقرب منه إلى القول بقسمة الدين فتأمل جيدا. وكيف كان فقد ذكر غير واحد للاحتيال في قسمة الدين الحوالة، وذلك بأن يحيل كل منهما صاحبه بنصيبه الذى في ذمة أحد المديونين وفيه أن ذلك وكالة لا حوالة لانها من البرى، بل لم أجد فيها خلافا سوى ما حكاه الشهيد في الحواشي المنسوبة إليه من توقف الفاضل في التذكرة في ذلك، ولا ريب في ضعفه. نعم لو أحال كل منهما بنصيبه لدين سابق عليه صح، كما أنه يصح الصلح منهما بجعل أحدهما نصيبه في ذمة أحد المديونين في مقابلة نصيب شريكه في ذمة الآخر. وفي الدروس الاقرب الصحة وفي جامع المقاصد أنه محتمل قلت: لم أجد وجها للعدم سوى دعوى شمول نصوص عدم قسمة الدين لذلك، إذ لو صح الصلح لكان المتجه حمل ما يقع منهما من دون عقده على معاطاته، مع أن النصوص قد أطلقت عدم تأثيرها مع أن في أسؤلة بعضها ما يقضى بحمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، على أن القسمة من أصلها

[ 60 ]

هي قريبة من الصلح إن لم تكن نوعا منه، فمع ظهور النصوص في عدم قسمة الدين قد يستفاد منه عدمها أيضا ولو بالصلح، إلا أن ذلك كله كما ترى. ولو قلنا بصحة ضمان حصة كل منهما أمكن القسمة أيضا بأن يضمن كل منهما حصة صاحبه التي في ذمة أحد المديونين بإذنه، فيتهاترا، ويبقى كل من الدينين لكل منهما بلا شركة، ولو كان الدين المشترك في ذمة واحدة وأراد أحدهما الاختصاص بحصته من غير إشكال صالح المديون عنها، بما يدفعه إليه من مقدارها، أو وهبها له بعوضها، أو أحال بها الدين عليه أو نحو ذلك والله أعلم. المسألة (السابعة) قال الشيخ ومن تبعه: (إذا باع الدين بأقل منه لم يلزم المدين أن يدفع إلى المشتري أكثر مما بذله) اعتمادا (على رواية) محمد بن الفضيل (1) (قلت للرضا عليه السلام: رجل اشترى دينا على رجل، ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: إدفع إلي ما لفلان عليك، فقد اشتريته منه، فقال: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، وبرء الذى عليه المال من جميع ما بقى عليه) ورواية أبي حمزة (2) عن الباقر عليه السلام (سئل عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشترى منه بعرض ثم انطلق إلى الذي عليه الدين، فقال: أعطني ما لفلان عليك، فانى قد اشتريته فكيف يكون القضاء في ذلك ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: يرد الرجل الذى عليه الدين ماله الذي اشتري به من الرجل الذى له الدين). وظاهر الدروس العمل بهما، إلا أنهما كما ترى ضعيفتان ولا جابر لهما، بل شهرة الاصحاب بقسميها على خلافهما مخالفتان لاصول المذهب وقواعده، وليس في ثانيهما أن الثمن أقل، فيمكن حمله على المساوى، وإلا فإطلاقه مما لا يقول به أحد كاطلاق سؤال الاول، فالواجب حينئذ طرحهما أو حملهما، وكلام الشيخ كما قيل على الضمان وإن كان فيه عدم معهودية استعمال لفظ الشراء فيه ولو مجازا وأنهما ظاهران في عدم علم المديون بذلك فلا رجوع عليه، وليس في الثاني تصريح بأنه أدى إلى صاحب


(1) (2) الوسائل الباب 15 من ابواب الدين الحديث - 3 - 2 .

[ 61 ]

الدين كى يستحق الرجوع على المديون، بل فيه أنه اشترى بعرض، فكيف يجامع الضمان، بل دفع القيمة في الاول ظاهر في العرض أللهم إلا أن يراد منها المقدار. أو يقال بكون المراد على هذا التقدير تأدية الضامن عروضا ضمنه، فكان له المطابة بالقبضة، لكن على كل حال لا ريب بعد الحمل المزبور، وأبعد منه حملهما على الشراء الفاسد، وأن صاحب الدين قد أذن للمشتري أن يقبض من المديون مقدار ما أدى، ويبقى الباقي لصاحب الدين، فيكون المراد من البراءة في الاول بالنسبة إلى المشترى، إذ هو كما ترى. ولعل الاقرب منهما حملهما على الشراء للمديون نفسه، ولو بصيغة الصلح باذن من المديون أو باجازة لاحقة، فيكون من صلح الحطيطة إذا فرض كون العوض من الجنس. هذا وقد أساء الادب في السرائر في المقام مع الشيخ حتى قال: إن كلامه تضحك منه الثكلى، حيث أنه فهم من إطلاق كلامه جواز البيع بالاقل وإن كان ربويا وعدم التقابض في المجلس وإن كان الثمن والمثمن من النقدين. وفيه أن إطلاق الشيخ منزل على احراز شرائط البيع، وليس في قوله أقل شهادة على ذلك، إذ يمكن فرضه في المتجانسين في غير الربويين، بعد تسليم عدم صدق الاقل بالنسبة إلى قيمة المدفوع، على أنك قد سمعت أن مستنده الخبران الظاهر أولهما والصريح ثانيهما في كون الثمن من العروض، ومن هنا قد انتصر الفاضل في المختلف للشيخ حتى استوفى له حقه، ولا بأس فإن المؤمن له ناصر والله بعد ذلك هو الغافر، خصوصا بعد أن كان هذا كله لاظهار الحق وتدمير الباطل، بزعم القائل. والله أعلم. المسألة الثامنة الاقوى حرمة القرض بشرط البيع محاباة أو الاجارة أو غيرها من العقود، فضلا عن الهبة ونحوها، وفاقا للاستاد الاكبر الشيخ جعفر، وشيخه الفاضل المتبحر الاقا محمد باقر على ما حكاه عنهما شيخنا في مفتاح الكرامة، قال: و خالفهما في ذلك استادنا الامام العلامة استاد الكل في عصره السيد محمد مهدى، بل

[ 62 ]

حكي فيه أيضا أن الاستاد الاقا المزبور قد صنف رسالة في تحريم ذلك، مدعيا إتفاق الاصحاب وتظافر الروايات، وهو وإن كان قد يظهر من المختلف ذلك أيضا، حيث قال في مسألة البيع بشرط القرض المتنازع فيه: إباحة البيع بالمحابات مع اشتراط القرض، لا العكس، بل عن الصيمري حكاية ذلك عنه ساكتا. لكن الانصاف عدم كون المسألة من الاجماعيات، إذ في القواعد (يجوز لو أقرضه بشرط أن يقترض منه، أو يقرضه أو يبيعه بثمن المثل أو بدونه أو يسلفه أو يستسلف منه، ونحوه في التذكرة، أللهم إلا أن يريد بيع المقرض لا المقترض، فيكون خارجا عما نحن فيه، إذ هو بدون ثمن المثل نفع للمقترض لا المقرض، كما أن قوله في التذكرة يجوز أن يقترض الزائد ثم يستقرض الاخر منه الناقص، ثم يتباريان، سواء شرط في إقراضه ما يفعله الاخر أو لا، خلافا للشافعي) يمكن أن يكون المراد منه اشتراط نفس القرض، لا الابراء، مع أنه غير ما نحن فيه، بل ما في الغنية من جواز أن يقرض غيره مالا على أن يعامله في بيع أو اجارة أو غيرهما، بدليل إجماع الطائفة، يحتمل كون المراد غير ما نحن فيه من المحاباة، كالنهاية والسرائر وجامع الشرايع التى عبر فيها بمثل العبارة المزبورة، من دون دعوى الاجماع كما قيل. بل لعل ما حكاه في كشف الرموز كما قيل عن الشيخ من الاجماع على أنه يجوز لمن يقرض مالا أن يبتاع منه شيئا بأقل من ثمن المثل لا على وجه التبرع، بل بسبب الاقراض، وأنه لا يعرف له مخالفا كذلك أيضا، وأنه لم يأخذه شرطا في عقد القرض وإن كان هو السبب فيه، مع أن المحكى عن خلافه أنه قال: إذا باع دارا على أن يقرض المشترى ألف درهم، أو يقرضه البايع الف درهم فإنه سائغ، وليس بمحظور دليلنا إجماع الفرقة، إلا أنه ومع ذلك كله فلا يقطع بحصول الاجماع على الحرمة. نعم نص عليها الفاضل في التحرير فقال: (لو شرط في القرض أن يؤجره داره أو يبيعه شيئا أو يقرضه مرة أخرى جاز، أما لو شرط أن يؤجره داره بأقل أو يستأجر منه بأكثر، فالوجه التحريم، وعن كشف الرموز أنه حكاه عن بعض الاصحاب وتردد هو فيه، وقيل انه يلوح من صاحبه التنقيح وعن الاستاد أنه حكاه عن المصنف وعن

[ 63 ]

أبى طالب الحسينى في رسالته الفارسية. وكيف كان فلا ريب في أنه الاقوى لصدق جر النفع به، المحرم، فتوى وسنة، ولا يعارضه ما دل على (أن خير القرض ما جر نفعا)، المحمول كما عرفت على عدم الشرط، ونحو ذلك مما تقدم، كما أنك قد عرفت الكلام في اشتراط الرهن والكفيل على هذا الدين أو دين آخر، وفي اشتراط الصحيح بدل الغلة، وفي اشتراط الاعطاه في بلد آخر أو غير ذلك، مما هو غير مناف لذلك، أو أنه دل عليه الدليل، أو أنه لا نقول به، فلاحظ وتأمل. بل قد عرفت ما في دعوى المحقق الثاني من أن الممنوع اشتراط الزيادة في نفس مال القرض، أو صفته، وما في تأمل الاردبيلى في حرمة اشتراط زيادة الصفة، والعبارات السابقة التي بعضها معقد صريح الاجماع أو ظاهره قد عرفت الحال فيها، وعلى تقدير إطلاقها فالتعارض بينها وبين ذلك من وجه، ولعل الترجيح للمقام، فلا وجه لدعوى تقيد هذا الاطلاق بها، كما أنه لا وجه لمعارضته بالاجماعات المحكية على جواز البيع بشرط القرض، وبغيرها من الادلة المذكورة لذلك، فإنه قد أنهاها في المختلف إلى خمسة وعشرين، وإن كان في بعضها ما فيه، بعد وضوح الفرق بين المسألتين و أنهما ليسا من سنخ واحد، ضرورة عدم الاشتراط في عقد القرض، وإنما هو شرط في عقد البيع فلا بأس به، وإن كان محاباة، وكون ذلك هو السبب في فعل القرض، وإلا لم يقع من المقترض، لا يدرجه تحت أدلة المنع كما هو واضح، ودعوى أن ما دل على حرمة جر النفع من الاخبار المرسلة بل قيل العامية في غاية الفساد، بعد ما عرفت من اتفاق الفتاوى على مضمونه، وأن في نصوصنا المعتبرة ما هو مثله في الدلالة كصحيح محمد بن قيس (1) وغيره المتقدمة سابقا التي هي دليل آخر للمطلوب، خصوصا صحيح محمد بن قيس منها ضرورة أنه مع اشتراط محاباة في قرض الورق مثلا قد اشترط زائدا على رد مثلها، وقد نهى عنه، ولا ينافيه خروج اشتراط ما لا نفع فيه عنه، بعد معلومية


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين الحديث - 11

[ 64 ]

كون المراد منه عدم اشتراط الزائد على ذلك مما يكون نفعا للمقرض لا مطلقا، ولو بقرينة ذيله، والورق فيه لا ريب في ارادة المثال منه لكل قرض، وبالجملة لا ينبغى التأمل في دلالة جميع النصوص السابقة أو اكثرها على حرمة القرض، ولو أن كون الشرط للنفع في عقد آخر مسوغا لذلك، لجاز اشتراط الهبة والعارية ونحوهما مما هو معلوم العدم نصا وفتوى، ولعل المسألة من الوضوح لا تحتاج إلى إطناب، بل الداعي إلى هذا القدر من الكلام هو أني قد عثرت على تحرير لبعض مشايخنا في هذه المسألة قد ذكر فيه أن هذه المسألة من أمهات المسائل بل مهماتها، وأنه قد كتب هو وغيره فيها رسالة، وقد أطنب في المقال مختارا للحل فيها، بل شدد النكير على القول بالحرمة، مستندا إلى نصوص: خير القرض ما جر نفعا، (1) ونصوص سلسبيل (2) التي قدمنا شطرا صالحا منها في تأجيل المعجل، وإلى إطلاق العبارات السابقة التي بعضها معاقد الاجماع، مضافا إلى العمومات، وإلى ما أورده على ما يقتضى المنع، مما يعرف جوابه بأدنى تأمل فيما ذكرنا. كما أنه يعرف عدم الدلالة في شئ مما ذكره من النصوص المزبورة وإن أكثر منها، ضرورة خلوها عن الاشتراط في عقد القرض، ولا ريب في أنه لا بأس به مع عدمه، والاجماعات السابقة قد عرفت حالها، والعمومات يجب الخروج عنها، فليس للجواز حينئذ شئ يعتد به. كما أنه ليس للمنع في شرط القرض بعقد البيع محاباة شئ يعتد به، وإن حكى في المختلف عن بعض من عاصره التوقف فيه، بعد أن قال: المشهور بين علمائنا الماضين ومن عاصرناه إلا من شذ أنه يجوز بيع الشئ اليسير بأضعاف قيمته بشرط أن يقرض البايع المشتري شيئا، ولعله أراد بمن عاصره المصنف، فإن المحكي عنه التردد في ذلك وأن له كلاما واحتجاجا. وكان ذلك هو الذي دعى الفاضل في المختلف إلى الاطناب في المسألة حتى ذكر


(1) الوسائل الباب 19 - من ابواب الدين (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام العقود الجواهر - 4 -

[ 65 ]

للجواز خمسة وعشرين دليلا، وإن كان جملة منها تكريرا للدليل، أو لا يرجع إلى حاصل، وقد اعترف هو بأن بعضها ذكرناه للالزام، لا للاحتجاج، والعمدة العمومات في الشرط والبيع، وإطلاق نصوص الحيلة الواردة في حكاية سلسبيل وغيرها، واتفاق الاصحاب ظاهرا على الجواز، فإن المفيد والمرتضى والشيخ وغيرهم قد نصوا على ذلك، وجعلوا الخلاف فيه للعامة، وأنه ليس لهم دليلا على ذلك، بل نص المرتضى والشيخ على الاجماع عليه، بل في المختلف (اتفاق علماء الامامية السابقون على الجواز، فانهم قالوا: لا بأس ان يبتاع الانسان من غيره متاعا أو حيوانا أو غير ذلك، بالنقد والنسيئة، ويشترط أن يسلفه البايع شيئا في مبيع، أو يقرضه شيئا معلوما إلى أجل أو يستقرض منه) فيكون حجة، لما ثبت من أن اجماع الامامية حجة، وبالجملة كان الاطناب في ذكر كلمات الاصحاب ومعاقد إجماعاتهم، وذكر ما يقتضى الجواز من ذلك وغيره خال عن الفائدة، لمعلوميته بأدنى ملاحظة، خصوصا مع عدم ما يقتضي المنع سوى ما ذكره الفاضل في المختلف من صحيح يعقوب بن شعيب (1) المتقدم سابقا في مسألة اشتراط النفع في القرض، الذى هو مع خلوه عن النص على المحاباة وعن اشتراط ذلك في العقد بلفظ (لا يصح) المشعر بالكراهة وصحيح محمد بن قيس (2) المتقدم أيضا الذى هو مع التأمل دال على المطلوب لا عكسه، فلا أقل من أن يكون خارجا عنهما، وخبر خالد بن حجاج (3) (جاء الربا من قبل الشروط) وإنما يفسده الشروط الذي هو من القضايا المجملة المفسرة بغيره من النصوص التي ذكرت في الربا في اشتراط النفع في القرض واشتراط الزيادة في بيع المتساويين ونحو ذلك، وكون البيع محاباة نفعا وهو مشترط في القرض، فيجب أن يكون حراما، الواضح فساده بأنه غير محل النزاع، إذ الكلام في اشتراط القرض فيه، لا العكس، ودعوى التلازم بينهما ممنوعة كوضوح فساد الاستدلال أيضا بأنه لو جاز اشتراط المحاباة في القرض لجاز اشتراط الهبة والعارية، لان كل واحد منهما عقد لو انفرد لافاد الحل، ومع اشتراطه في القرض يحرم، إذ هو أيضا خارج عن


(1) (2) الوسائل الباب - 19 - من ابواب الدين الحديث - 9 - 11 - (3) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الصرف الحديث - 1 -

[ 66 ]

محل البحث وغير ذلك مما لا ينبغى صدوره ممن له أدنى نصيب في العلم. فمن الغريب سطر الفاضل لها في المختلف، وأغرب منها جوابه عن الاخير منها بمنع الملازمة أولا، وبعدم استحالة الثاني ثانيا، وخبر محمد بن قيس بعد اشتراك راويه بين الثقه وغيره لا يعول عليه، ضرورة وضوح فساده إن كان المراد التزام جواز ذلك في عقد القرض، وإلا كان خارجا عما نحن فيه، فالتحقيق في الجواب ما عرفت والله أعلم. المسألة التاسعة: لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها لم يكن عليه إلا الدراهم الاولى، وفاقا لصريح جماعة وظاهر آخرين، لاطلاق الادلة، و خصوص الصحيحين (1)، وخلافا للصدوق في المقنع، فأوجب التي تجوز بين الناس، للصحيح (2) أيضا (لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس، كما أعطيته ما ينفق بين الناس) القاصر عن مقاومة السابقين من وجوه، فيحمل على أخذ ذلك بالتراضى بينهما، ولم يكن فيه ربا. بل قد يرجح للمستقرض الدفع للاحسان، أو على إرادة قيمة الاولى إذا فرض تعذرها، وربما حمل على مهر الزوجة أو ثمن المبيع، وفيه مع خروجه عن الظاهر أن حكمهما حكم القرض. نعم يمكن ثبوت الخيار في المعاملة بها مع عدم العلم، لانه كالعيب بالنسبة إلى ذلك، والا فلا فرق بينهما وبينه، بل وبين المضاربة على الاقوى، فرأس المال الدراهم الساقطة دون الثانية وقد يحتمل جبر النقص بالربح، إلا أنه ضعيف، لعدم كونه نقصا في رأس المال، وإنما هو نقص في قيمته بسبب من غير التجارة. وكيف كان فلو تعذرت فالقيمة وقت التعذر، أو القرض أو المطالبة أو الاداء أو الاعلى، بوجوهه على حسب ما تقدم سابقا في تعذر المثلي، لكن ينبغى إعطاء القيمة من غير الجنس حذرا من الربا بناء على عموم جريانه لمثله، كما هو واضح. والله أعلم. المسألة العاشرة: قال الفاضل وغيره: لو قال المقرض للمقترض مثلا إذا مت فأنت في حل، كان وصية ولو قال: إن مت، كان إبراء باطلا، لتعلقه على الشرط،


تنظرظ. (1) (2) الوسائل الباب - 20 - من ابواب الصرف الحديث - 2 - 4 - 1

[ 67 ]

ووافقه على الاولى في الدروس، ونسب الثاني إلى القيل، وقال: الاقرب العمل بقصده ولعل وجه الفرق بين إن وإذا، أن إذا ظرف في الاصل، وإن عرض لها معنى الشرط فكأنه قال: وقت موتي أنت في حل، وذلك مجزوم به غير مشكوك فيه، فلا تعليق فيصح، وان حرف شرط مقتض للشك في كونه إبراء ومتى كان المعلق عليه مشكوكا فالمعلق أولى، ولا يضر كون الموت بحسب الواقع مقطوعا، لان الاعتبار في عدمه بالصيغة الواقعة ابراء، فمتى لم تكن واقعة على وجه الجزم، لم تكن صحيحة. لكن قد يناقش أولا: بأن الوصية قد تقع بلفظ إن، كما صرح به الفاضل في وصايا الكتاب، فمع قصد الوصية من الفرض لم يكن به بأس، ودعوى أن الشارع وضع إذا في إنشاء الوصايا، دون إن كما عن حواشى الشهيد غير ثابتة، وثانيا: ان المتجه البطلان مع قصد الابراء دون الوصية ولو بلفظ إذا، للتعليق الممنوع و دعوى - أنه مع الجهل بالقصد يحمل الاول على الوصية، والثاني على الابراء المعلق أما لو علم إرادة الوصية منهما صح فيهما، كما أنه لو علم إرادة الابراء المعلق فسد فيها - يمكن منع شهادة العرف بذلك، وأنه لا فرق بينهما كما لا يخفى فتأمل والله أعلم. المسألة الحادية عشر: الظاهر من النصوص والفتاوى جواز الاقتراض وإن لم يكن له مقابل وقدرة على القضاء لو طولب، خلافا للمحكي عن أبي الصلاح فحرمه ولعله لموثق سماعة (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به، وعليه دين أيطعم عياله حتى يأتي الله عزوجل بميسرة فيقضي دينه أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسب، أو يقبل الصدقة ؟ قال: يقضي بما عنده دينه، ولا يأكل من أموال الناس إلا وعنده ما يؤدى إليهم حقوقهم، إن الله عز وجل يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء، ولو طاف، على أبواب الناس فردوه باللقمة و


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 4 من ابواب الدين الحديث 3 وذيله في الباب 2 الحديث 5

[ 68 ]

اللقمتين والتمرة والتمرتين، إلا أن يكون له ولي يقضى دينه من بعده ليس منا من ميت يموت إلا جعل الله له وليا يقوم في عدته، فيقضي عدته ودينه) ولكنه مع شهادة ذيله بخلاف قوله في الجملة غير مقاوم للاطلاقات المعتضدة بإطلاق الفتاوي. مضافا إلى خبر موسى بن بكر (1) (قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله عزوجل، وإن غلب عليه فليستدن على الله عزوجل وعلى رسوله ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه فان لم يقضه كان عليه وزره، إن الله عزوجل يقول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين - إلى قوله - والغارمين) وهو فقير مسكين مغرم)، ونحوه غيره، بل روي (2) أيضا (أن من استقرض في حق أجل سنة، فإن اتسع وإلا قضى عنه الامام عليه السلام) وخبر أيوب بن عطية (3) الحذا قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (كان رسول الله يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وإن ترك مالا فللوارث وإن ترك دينا أو ضياعا فإلى وعلى) والضياع بالفتح العيال، ونحوه غيره. وخبره أبي موسى (4) (قلت: لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك يستقرض الرجل ويحج ؟ قال: نعم قلت: يستقرض ويتزوج، قال: نعم إنه ينتظر رزق الله غدوة وعشية) إلى غير ذلك مما هو دال بإطلاقه وغيره على الجواز. بل ينبغى القطع به مع علم المقرض بذلك، فلا بأس حينئذ بحمل الخبر المزبور على نوع من الكراهة، أو على الاقتراض مع العزم على عدم الوفاء، أو غير ذلك. وعلى كل حال فهو دال على الاكتفاء بالولي، وإن لم يكن يجب عليه الوفاء كما أفتى به الشيخ في النهاية، ومن الغريب مناقشة ابن إدريس له بعدم وجوبه عليه مع عدم قوله به، اللهم إلا أن يريد عدم جواز الاقتراض اعتمادا على الولي الذى لا يجب عليه


(1) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الدين الحديث - 2 (2) المستدرك ج 2 ص 490. (3) الوسائل الباب - 3 - من ابواب ضمان الجريرة الحديث 14. (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الدين الحديث - 1

[ 69 ]

الوفاء، وحينئذ يكون اجتهادا في مقابلة النص، كقوله بعدم جواز الاستدانة لغير الواجب من الحج الذى قد عرفت تصريح الخبر به، قال في السرائر: (لا يجوز للانسان أن يستدين ما يصرفه في نفقة الحج إلا بعد أن يكون الحج قد وجب عليه لوجود شرائطه، ويكون له مال إذا رجع إليه قضى منه دينه، وما ورد من الاخبار في جواز الاستدانة لنفقة في الحج محمول على ما ذكرناه وحررناه، لا على من لا يكون الحج قد وجب عليه ولا يكون له مال إذا رجع إليه قضى منه دينه، لان هذا لا يجب عليه الحج وعلى هذه الصفة، وإذا كان كذلك لا يجب عليه، فلا يجوز أن يستدين ليفعل ما لا يجب عليه). ويمكن أن يريد بعدم الجواز الكراهة، خصوصا مع ذكره قبل ذلك (أن الاولى للمختار أن لا يستدين إلا إذا كان له ما يرجع إليه فيقتضى به دينه، فإن لم يكن له ما يرجع إليه فقد روي أنه إن كان له ولي يعلم أنه إن مات قضى عنه قام ذلك مقام ما يملك) إلى أن قال: فإذا خلا من الوجهين فإنه يكره له الاستدانة وليس ذلك بمحظور إذا كان عازما على القضاء منفقا له في الطاعات والمباحات) وهو صريح فيما قلنا، فمن الواجب حمل كلامه على ما ذكرناه والله أعلم. (المقصد السادس) من المقاصد التى استدعاها النظر في السلف (في دين المملوك) لكن ينبغى أن يعلم أولا: أنه (لا يجوز للمملوك) فضلا عن غيره (أن يتصرف في نفسه باجارة، ولا استدانة، ولا غير ذلك من العقود، ولا بما في يده ببيع و لا هبة إلا باذن سيده ولو حكم له بملكه) لما عرفته سابقا من كونه محجورا عليه، وأنه لا يقدر على شئ. بل لا يبعد عدم جواز التصرف له في نفسه لنفسه بما يزيد على ضروريات تعيشه، وما علم من السيرة وغيرها عدم تسلط المولى على منعه منها من بعض حركات بدنه ونحوها، كالعلم بعدم توقف الرخصة في بعض الافعال له على

[ 70 ]

إذن السيد، بل الظاهر أنها رخصة شرعية حتى ينهاه السيد عنها، فيجب امتثاله حينئذ. لكن المراد بعد جواز ما في المتن إذا كان الواقع العقد خاصة عدم ترتب الاثر عليه، فهو فضولي حتى لو قلنا بحرمة مباشرته العقد من دون إذن سيده، باعتبار أنه تصرف في لسانه المملوك للسيد من غير إذنه، إلا أن ذلك لا يمنع من صلاحية العقد للتأثير مع الاجازة ومنه ينقدح صحة عقد العبد للغير حتى مع نهي السيد له، فضلا عن الوقوع بغير إذن، إذا أقصاه الاثم في التلفظ بذلك، وهو لا يقتضى الفساد بالنسبة إلى ترتب الاثر. لكن لا يخلو من تأمل. وعلى تقديره لا تثمر في صحته الاجازة كما هو واضح، بل لا يخلوا المنع في المتن و غيره من تأمل أيضا لابتنائه على الحجر عليه حتى في الذمة التي يتبع بها بعد العتق وإلا لم يتجه منعه من الضمان التبرعي ونحوه الذي لم يتوقف على ملك أو تمليك غير صالح للعبد، وفي ثبوت دليل له غير الآية (1) التي قد سمعت البحث فيها سابقا لا يخلو من بحث، ولعله لذا كان خيرة الفاضل في التذكرة جواز الضمان من دون إذن السيد لكن يقوى في النظر المنع لظاهر الفتاوى وغيره. نعم قد يقال بصحة عقد الصلح الذى يقوم مقام العارية له، بناء على صحتها له من دون إذنه، كما هو الظاهر، بل قد يقال بجواز الاباحة المضمونة بالتلف له، للاصل السالم بلا معارض وليس ذلك قدرة للعبد، بل قدرة للحر على ماله، فتأمل جيدا. والله أعلم. (وكذا) لا يجوز له التصرف (إذا أذن له المالك أن يشتري لنفسه) لما عرفته سابقا من استحالة ملكه شرعا، فإذنه له فيه كعدمها، فيقع الشراء له باطلا، بل الظاهر بطلانه للسيد أيضا، لعدم إذنه بالشراء له، ودعوى - أن الشراء لنفسه قد تضمن أمرين: الاذن في الشراء وتقييده بكونه لنفسه، فإذا بطل المقيد بقي المطلق، لان المطلق جزء المقيد فيقع للمولى، لانه إذن في الابتياع في الجملة -


(1) سورة النحل الاية 75.

[ 71 ]

واضحة البطلان لان الاذن إنما تعلق بأمر واحد، وهو المقيد المخصوص بالعبد فحيث لم يصح كان الابتياع باطلا، لانه غير مأذون فلا يثمر ملكا للمولى. لانه يأذن فيه على هذا الوجه. نعم قد يقال: ليس المراد من ذلك تقييد الشراء بكونه للعبد، بل هو أشبه شئ بالمقارنات الاتفاقية، وإنما المراد الشراء، فنيته حينئذ لنفسه لاغية، والفرض أن الشراء مأذون فيه، وليس غير السيد يقع له، فهو كما لو قال السيد لعبده: اشتر لي فاشترى العبد لنفسه، فإن الظاهر عدم تأثير نيته، وكقول القائل لوكيله: اشتر لي بعين هذا المال فاشترى به الوكيل ناويا نفسه، فإن الظاهر صحة الشراء ولغو النية. فنية العبد هنا لنفسه بعد أن كان غير قابل للتمليك من قبيل نية الوكيل نفسه مع كون الشراء بعين المال، بل من قبيل نية العبد الشراء للدابة، بل ما نحن فيه أشبه شئ بما لو قال القائل: اشتر بعين ما لي لزيد كذا، فإنه لا ريب في صحة الشراء لصاحب المال وإن نوى المشتري أنه لزيد، إلا أنه بعد أن كان المالك للمال المجعول ثمنا غيره كانت النية لاغية، فكذا المقام فتأمل جيدا. وعلى ذلك فالتردد حينئذ في جواز تصرف العبد ينشأ من اقتضاء الاذن في الشراء لنفسه الاذن في التصرفات وإن بطل الاول بتعذر ملكية العبد، ومن أن الاذن له في التصرف إنما كانت تبعية لشرائه لنفسه، أما إذا كان غير مالك فلا إذن، إذ يمكن أن لا يرضي المولى بالتصرف مع فرض كونه المالك، ولا ريب في أنه الاقوى، بل قد يمنع حصول الاذن في التصرف بالاذن بالشراء لنفسه، وإن قلنا بملكيته التي لا يسوغ له التصرف معها باعتبار كونه محجورا عليه هذا. (و) لكن في المتن (فيه تردد. لانه يملك وطئ الامة المبتاعة. مع سقوط التحليل في حقه) ولا يخفى عليك أن ما ذكره وجها لاحد شقي التردد لا ينطبق على ذلك، ولو حمل على كون ذلك من السيد ولو بقرينة عدم ملكية العبد لارادة انتفاع العبد بما يشتريه له لم يتجه التردد حينئذ، ضرورة وضوح الجواز. اللهم إلا أن يكون وجه المنع فيه ان الاذن قد وقعت سابقة على الملك فلا

[ 72 ]

تأثير لها، كما أن وجه الجواز فيه أنه يملك وطى الامة المبتاعة بالاذن المزبورة مع سقوط التحليل في حقه، بناء على اقتضائه التمليك الممتنع بالنسبة إليه، مع أنه لا معنى لتحليله أمة الغير، إذ الفرض عدم وقوع غير الاذن السابقة، فلم يبق مستندا لجواز الوطئ إلا الاذن السابقة، فإذا أثرت فيه ففي غيره بالاولى. لكن هذا مبني على كون جواز الوطي أوضح من غيره، حتى يصح جعله دليلا بالاولوية، وعلى كل حال فالعبارة كما ترى. لكن ما في التذكرة قد يؤمي إلى ما ذكرنا في الجملة، قال: (لو أذن المولى لعبده في الشراء للعبد صح، والاقرب أنه لا يملكه العبد، فحينئذ يملكه المولى لاستحالة ملك لا مالك له، ولكن للعبد استباحة التصرف والوطئ لو كان أمة، لا من حيث الملك بل لاستلزامه الاذن) هذا وفي المسالك جعل منشأ التردد، كون العبد يملك وطئ الامة المبتاعة، يحتمل امرين، معترفا بوضوح فسادهما معا، وفي شرح الترددات لاحد تلامذة المصنف على الظاهر (إذا أذن المولى لمملوكه في الشراء لنفسه، هل يملك بذلك ؟ تردد فيه المصنف ومنشأ النظر إلى عموم قوله تعالى (1) (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) وقد عرفت فيما مضى أن النكرة في سياق النفي تعم. وفي الاستدلال بهذه الاية تعسف إلى أن قال: وإلى الالتفات إلى أنه يستبيح وطئ الامة المأذون له في ابتياعها لنفسه، ولا شئ من الاسباب المبيحة للوطئ موجودة هنا إلا التملك، فيلزم القول به، اما الاولى فلان الاسباب المقتضية للاستباحة العقد وهو منتف هنا، والتحليل، وهو منتف أيضا لافتقاره إلى اللفظ الدال عليه، فلم يبق سوى الملك. وأما الثانية، فظاهرة لاستحالة وجود الملزوم من حيث هو ملزوم بدون لازمه، ولو قيل بالمنع من الوطئ أصلا إلا مع صريح اللفظ كان وجها، ولقائل أن يمنع انتفاء التحليل هنا، إذا الاذن في الشراء مستلزم للاذن في الوطئ وهذا


(1) النحل - 16 -

[ 73 ]

إنما يتأتى على قول من لم يجعل للتحليل لفظا معينا) وهو كما ترى. من غرائب الكلام. وما كنا لنؤثر أن يقع ذلك ممن له أدنى نصيب في العلم. وفي القواعد: (ولو أذن له المولى في الشراء لنفسه ففي تملكه أي المولى إشكال، وهو يستبيح العبد البضع الاقرب ذلك، لا من حيث الملك بل لاستلزامه الاذن)، وفيه: تأييد لما قلناه سابقا في الجملة والله أعلم. وكيف كان (فإذا أذن له المالك في الاستدانة) لنفسه على حسب إذنه في الشراء له، جرى فيه البحث السابق الذي منشأه عدم ملكية العبد المشترك بين المقامين، بعد فرض إرادة الاذن له بأن يملك بالاستدانة، واحتمال أن له شغل ذمته بالاذن وإن كان الذي استدانه ملكا للمولى، فإذا رضي المقرض يكون العوض في ذمة العبد المأذون، ستعرف ما فيه. نعم إن إذن له في الاستدانة (له كان الدين لازما للمولى) قولا واحدا كما في المسالك، وبلا خلاف كما في غيرها، بل ولا إشكال ضرورة كونه كالوكيل، بل هو أولى باعتبار عدم مال للعبد، يؤدي منه، إذ هو لا يقدر على شئ، ولا فرق بين أن يقصد المقرض العبد أو سيده، ولا بين أن يقصد العبد نفسه أو سيده، ولو صرح المولى للعبد بأن المراد شغل ذمته أي العبد للمولى على معنى كون المال المقرض للسيد، والشغل لذمة العبد، كان قرضا فاسدا يتبع به من استولت يده، ويستقر على المباشر لاتلافه، وإن كان قد يشكل فيما إذا علم المقرض بالحال، وأقدم على ذلك، وكان المتلف المولى، لانه هو الذى ضيع ماله، فيتبع به العبد بعد عتقه، لعموم (على اليد) (1). ويدفع بأنه يلتزم بذلك إذا كان صحيحا، فمع فرض الفساد يتجه الرجوع على المولى حتى مع العلم بالفساد، كما في غيره من العقود الفاسدة، وكذا إن كان أذن له في الاستدانة لنفقته الواجبة على المولى بل وغيرها (إن استبقاه أو باعه) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عن المهذب الاجماع عليه، للتعليل السابق الذى لا فرق فيه بين كون المنتفع العبد أو السيد، بعد أن كان هو الآذن للعبد الذي


(1) سنن البيهقى ص 90 كنز العمال ص 257

[ 74 ]

لا يقدر على شئ، ولصحيح أبي بصير (1) وغيره الظاهر في أن مداركون دين العبد على المولى إذنه له فيه، قال: (قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير عليه دينا، فقال: إن كان أذن له أن يستدين فالدين على مولاه، و إن لم يكن أذن له أن يستدين فلا شئ على المولى، ويستسعى العبد في الدين) وفي خبر شريح (2) (قال أمير المؤمنين عليه السلام: في عبد بيع وعليه دين ؟ فقال: دينه على من أذن له في التجارة، وأكل ثمنه) وفي الموثق (3) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل مات وترك دينا وترك عبدا له مال في التجارة وولدا وفي يد العبد مال ومتاع، و عليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارته، فإن الورثة وغرماء الميت اختصموا فيما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد ؟ فقال: أرى أن ليس للورثة سبيل على رقبة العبد، ولا على ما في يده من المتاع والمال إلا أن يضمنوا دين الغرماء جميعا فيكون العبد وما في يده من المال للورثة، فإن أبوا كان العبد وما في يده للغرماء يقوم وما في يده من المال، ثم يقسم ذلك بينهم بالحصص، فإن عجز قيمة العبد عن أموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقى لهم إن كان الميت ترك شيئا وإن فضل من قيمة العبد وما كان في يده عن دين الغرماء ردوه على الورثة). وفي خبر أشعث (4) عن الحسن عليه السلام (في رجل يموت وعليه دين قد أذن لعبده في التجارة، وعلى العبد دين ؟ قال: يبدأ بدين السيد) ومن الاجماع على عدم وجوب البدأة يعلم عدم إرادة ذلك من الامر، وفي الرياض الاستدلال عليه بخبر طريف (5) بياع الاكفان - (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلام لي كنت أذنت له في الشراء والبيع، فوقع عليه مال للناس، وقد أعطيت به مالا كثيرا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام إن بعته لزمك ما عليه وإن اعتقته فالمال على الغلام - وهو مولاك).


(1) (3) (5) الوسائل الباب - 31 - من ابواب الدين الحديث - 1 - 5 - 2 (2) الوسائل الباب - 55 - من ابواب العتق الحديث - 2 (4) الوسائل الباب - 55 - من ابواب العتق الحديث - 1 -

[ 75 ]

وفي آخر (1) ان طريف الاكفانى كان أذن لغلام له في البيع والشراء فأفلس ولزمه دين، فأخذ بذلك الدين الذي عليه، وليس يساوي ثمنه ما عليه من الدين، فسأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: إن بعته لزمك الدين، وإن اعتقته لم يلزمك الدين فأعتقه ولم يلزمه شئ)، ولا يقدح ما فيهما من اشتراط البيع بعد عدم القائل بالفرق بينه وبين الابقاء بل قيل إنه أولى، كما أن قصور السند فيهما وغيرهما منجبر بما سمعت من الاجماع المعتضد بعدم الخلاف. نعم هما مع خبر عجلان (2) عن الصادق عليه السلام (في رجل أعتق عبدا وعليه دين ؟ قال: دينه عليه ولم يزده العتق إلا خيرا) حجة القول الذي أشار إليه المصنف بقوله (وإن أعتقه قيل: يبقى الدين في ذمة العبد) والقائل به الشيخ في النهاية والقاضي وجماعة على ما حكي، بل لعله ظاهر التذكرة. (وقيل: بل يكون باقيا في ذمة المولى، وهو أشهر الروايتين) والقولين، بل هو المشهور بين الاصحاب نقدا وتحصيلا: لصحيح أبي بصير السابق وغيره، القاصر غيره عن معارضته سندا ولا جابر، بل ودلالة إذ الاولان وإن صرح فيهما بالتفصيل بين العتق وغيره مما هو قابل لتخصيص صحيح أبى بصير وغيره، إلا أنها لا تصريح فيها بالتفصيل بالاذن وعدمه الذى صرح به في صحيح أبي بصير، والاذن بالبيع والشراء فيهما أعم من الاذن بما تضمناه من الدين الذي لزم العبد، فتخصيصهما بالصحيح المزبور أولى للشهرة بقسميها، ولقاعدة كون العبد بالاذن في الاستدانة باقيا في ذمة المولى كالوكيل، وإن أنفقها على نفسه، ولاستصحاب ضمان المولى، بناء على أن المشغول مع الاذن ذمة المولى، لا أن العبد المشغول، والمولى يجب تأديته عنه، وإلا كان الاصل بالعكس، ومنه ينقدح ضعف آخر للدعوى: وهو أنه لم يتجدد سبب صالح للشغل حال العتق، فهو مرجع آخر أيضا، مضافا إلى غير ذلك.


(1) الوسائل الباب - 31 - من ابواب الدين الحديث - 3 - 2) الوسائل الباب - 54 - من ابواب العتق الحديث - 1 - (3) الوسائل الباب - 13 - من ابواب الدين الحديث - 1

[ 76 ]

ولا ينافي ما فيهما من كون الدين على المولى، إن باع، إذ يمكن كما في الحدائق والرياض كون ذلك للحيلولة بينه وبين أصحاب الدين بالبيع، لا من حيث أن المال لازم بأصل الاذن في التجارة، والحال أن الاذن لم يحصل في الاستدانة وفيه أنه لا حيلولة بعد فرض عدم الاذن في الاستدانة ؟ ضرورة كونه يتبع به العتق، فلا يمنع المالك من بيعه كما هو واضح على أن هذا الكلام مناف للاستدلال بهما سابقا على المسألة الاولى المبني على وقوع ذلك من المولى، فلابد حينئذ من طرحهما في مقابلة ما عرفت أو حملهما على ما ستسمع، من حمل نصوص الاستسعاء عليه في مسألة الاذن له في التجارة، دون الاستدانة. وأما خبر عجلان فهو مع ضعف سنده ولا جابر - واحتمال كون مرجع الضمير المجرور بعلى فيه إلى المولى، ولا ينافيه الذيل - مطلق يقيده صحيح أبى بصير، ولو سلم كون التعارض بينهما من وجه أيضا كان الترجيح له بما عرفت سابقا فتأمل جيدا. وكيف كان فقد ظهر لك أن دين العبد إذا كان بإذن مولاه كان لازما (و) حينئذ ف‍ (لو مات المولى كان الدين في تركته، ولو كان له غرماء كان غريم العبد كأحدهم) كما دل عليه الموثق السابق، بل في المسالك (إطلاق غرماء العبد بطريق المجاز لوقوع الاستدانة منه، وإلا فالجميع غرماء المولى، وإن كان لا يخلو من بحث، إلا أن الحكم لا إشكال فيه). وخبر (1) البدأة مع قصور سنده جدا مطرح أو محمول على ما ذكرناه، وربما أول بتعميم دين السيد لدين عبده، والبدأة بالنسبة إلى الارث والوصايا، وبالحمل على صورة الاذن في التجارة دون الاستدانة، فيخص حينئذ دين السيد بدين نفسه دون عبده، ويجعل الامر باداء دين العبد المفهوم بالابتداء بدين السيد للاستحباب فلا منافاة ولا بأس به، وإن كان ما ذكرناه سابقا أولى والله أعلم. (وإذا أذن له في التجارة، اقتصر على موضع الاذن. فلو أذن له بقدر معين) أو زمان أو مكان أو جنس كذلك (لم يزدد) عليه كما في كل محجور عليه، وفي التذكرة نسبته إلى علمائنا. وما عن القاضي - من أنه (إذا أذن له يوما فهو مأذون أبدا حتى


(1) الوسائل الباب 55 من أبواب العتق الحديث - 1 -

[ 77 ]

يحجر عليه) - في غاية الضعف، كقول أبي حنيفة بحصول الاذن من السيد بمجرد عدم نهيه، بل قال: (لو أذن له في القصارة أو الصبغ صار مأذونا في كل تجارة) إذ لم نعرف له مستندا في شئ من ذلك، بل أصول المذهب تقضي بخلافه، ضرورة عدم استفادة الاذن من السكوت فيما سكت عنه ولا في غيره ولو أطلق له التجار اقتصر على ما يستفاد منها، ولعله مختلف باختلاف الازمنة والامكنة نعم لا يدخل التزويج فيها قطعا، و لا الصدقة، بل في الدروس ولا إجارة نفسه، وأما إجارة رقيقه ودوابه ففي دخولها نظر، من عدم انصراف لفظ التجارة إليها، ومن أن التاجر ربما فعلها، واستقربه في الدروس. وفي القواعد (الاقرب أن له أن يؤجر أموال التجارة) وعن القاضي أنه يؤجر نفسه ويستأجر غيره ويزارع ويستأجر الارض، والمرجع في ذلك كله إلى العرف. ولا يثبت كونه مأذونا بقوله، بل بالسماع أو البينة، وفي الدروس أو الشياع. وفي القواعد أنه الاقرب، لكن قد يشكل - إذا كان المراد منه ما يفيد الظن المتاخم وأنه يحكم به على المولى، إن أنكر - بعدم الدليل، بل قيل: إنه لضعفه لا يثبت به الملك الذي بيد شخص، فكيف يحكم به على المولى، نعم لا بأس بجواز الاقدام به على المعاملة، وإن كانت الدعوى - لو أنكر السيد - باقية، بل في جامع المقاصد (لا يبعد الاكتفاء بخبر العدل، إذ الاصل في خبر المسلم الصحة، وقد تأكد بالعدالة بل لو أخبر من أثمر خبره أمكن القبول، إذ ليس ذلك بأقل من خبر مدعى الوكالة عن الغير في بيع ماله، وليس بأقل من خبر الصبى بالهدية، ولو أظفر بموافق على هذا لم اعدل عنه) قلت: بل مقتضى ما ذكره الاكتفاء بدعوى العبد التى لا معارض لها لكن لا يخفى عليك أن الاحتياط يقضى بخلاف ذلك، وإن كانت السيرة بما ذكره، وفي التذكرة الاقرب عندي عدم قبول الشياع. وكيف كان فيجوز أن يحجر عليه وإن لم يشهد وعن القاضى أنه (لابد من إشاعته في سوقه، وعلم الاكثر، ولا يكفى علم الواحد، بل للواحد السامع الحجر معاملته، لعدم تمام الحجر) ولا ريب في بعده، إنما الكلام في الحجر عليه بذلك،

[ 78 ]

أو إلى أن يبلغ كالوكيل، ولو اختلف المولى والمعامل في تقدم الحجر على المعاملة وتأخره عنها كان القول قول المعامل، إذا كان صورة الدعوى أن الحجر قد وقع في غد، والمعامل أنكر ذلك، ولتمام الكلام في ذلك محل آخر، ولو قال: حجر على السيد لم يعامل. بل في الدروس وإن أنكر السيد، لانه المتعاطي للعقد، و احتمله في القواعد. وفيه نظر لان الحجر فعل السيد وحق له، والشرط في صحة العقد إليه، لا القصد إليه من حيث كونه صحيحا، ولذا جاز المتعة بالمرأة المخالفة وشراء الغائب ممن لا يرى جوازه من العامة، وغير ذلك، ومن هنا قال في التذكرة: مذهبنا الجواز بعد أن حكى عن أحد وجهى الشافعية خلافه. ويقبل إقرار المأذون في الدين مطلقا أو للتجارة إذا أقر به لها وان كان لابيه أو ابنه، خلافا لابي حنيفة فلم يقبله لهما، وما في التذكرة (من أن المعتمد عدم قبول اقراره بديون المعاملة) يمكن أن يريد مع عدم الاذن، وإلا كان واضح الضعف نعم هو كذلك لو كان بغير المأذون فيه، إذ هو كغير المأذون الذي لا يقبل اقراره على سيده بمال أو قصاص أو غيرهما بل في القواعد هل يتعلق بذمته نظر، وإن كان ضعيفا لعموم جواز اقرار العقلاء، فالاقوى تبعيته به بعد العتق، كما أن الاقوى قبول إقراره بالجناية الموجبة قصاصا أو مالا لو صدقه المولى، بل ينبغى القطع به للعموم المزبور، ومانعية السيد قد ارتفعت بتصديقه. ولو أذن السيد لعبده في المعاملة بمقدار كذا ودفع إليه مالا ليتجر به فعاد وبيده أعراض يدعى أنه شراها في ذمته، وأن دينها باق، وأنه قد تلف ما كان بيده، وأنكر السيد ذلك، ففي جامع المقاصد، أن قبوله مستبعد جدا وفيه أنه يمكن القبول بعد فرض الاذن بالشراء بالذمة. ولو أذن له السيد في التجارة بمقدار كذا ولم يدفع إليه شيئا، فعاد، وبيده أعراض يدعي شراءها في ذمته وبقاء الثمن، وأنكر السيد فالاقوى قبول إقراره، نظرا إلى كونه أمينا وإلى شهادة الحال، ومقتضى الاذن، ولتضرر معامليه إن لم يقبل، واحتمل في جامع المقاصد العدم لعدم حجية شهادة الحال، والضرر يدفع

[ 79 ]

بالاشهاد، قال: وليس إقرار العبد بأولى من إقرار الوكيل. وفيه: منع عدم قبول إقرار الوكيل في مثل ذلك. نعم لو اقر العبد المأذون بأن ما في يده ملك لفلان وديعة أو غصبا ونحوهما، ففي القبول إشكال كما في جامع المقاصد أيضا من أنه كالوكيل، ومن أن ما بيده لمولاه، ولعل الثاني لا يخلو من قوة، ولو إشترى المأذون للتجارة ففي الدروس طولب بالثمن وإن علم البايع كونه مأذونا بخلاف الوكيل، فإنه عرضة للزوال يعزل نفسه وفيه بحث بناء على ما سمعته سابقا من المسالك وغيره نعم لو طولب السيد جاز قطعا. (ولو أذن له السيد في الابتياع إنصرف إلى النقد) وإن كان الامر بالكلي ليس أمرا بجزئي معين، بل مقتضاه التخيير إلا أن النسيئة لما كانت أمرا زائدا على الابتياع - إذ هي إنما تكون بالشرط - لم يكن الاذن فيه إذنا بذلك، كغيره من الشرائط بخلاف النقد، فإنه ليس زائدا على طبيعه الابتياع، ولعل هذا أولى مما أجاب به الفاضل، لما أورد عليه قطب الدين الرازي بما سمعت من اقتضاء الامر بالكلي التخيير، من أن البيع أعم، فلا يدل على النسيئة بإحدى الدلالات الثلاث. إذ فيه أولا: أنه معارض بالنقد، وثانيا: بأن عدم دلالته على النسيئة بالخصوص لا ينافي التخيير المزبور، كما في سائر ألفاظ الكلي، وثالثا: ما أورد عليه القطب من أنه لا يلزم من نفي الدلالة نفي الاستلزام، لجواز كون اللزوم غير بين، أللهم إلا أن يريد ما ذكرناه سابقا، لكن المحكي عنه أنه عدل عن هذا الجواب إلى جواب آخر وهو أنه اختص النقد بواسطة قرائن خارجية عينية وهي الاضرار بالمولى في النسيئة بثبوت شئ في ذمته بخلاف النقد، لجواز أن لا يقدر المولى على غير ما دفعه إلى العبد من المال، أو لا غرض له فيه - وفيه منع الاضرار في ساير الاحوال وربما يكون له غرض وصلاح، على أن محل البحث مع التجرد عن القرائن، وإلا فهي لا ينضبط، وقد يكون الاذن في الابتياع من دون أن يدفع إليه شئ. وبالجملة لا محيص عما ذكرناه سابقا الذي يؤيده في الجملة موثق الساباطى (1)


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 2 -.

[ 80 ]

المروي في كتاب النكاح (عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى من آخر جارية بثمن مسمى، ثم افترقا، قال: وجب البيع، وليس له أن يطأها وهي عند صاحبها حتى يقبضها أو يعلم صاحبها، والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد) فتأمل، والبحث في البيع كالبحث في الابتياع. (ولو أطلق له النسيئة كان الثمن في ذمة المولى لانه كالوكيل عنه (و) لهذا (لو تلف الثمن) الذي دفعه إليه (لزم المولى عوضه) لان تلفه بيد العبد كتلفه بيد السيد، وليس المراد الثمن المعين، لان تلفه يبطل البيع، فلا يلزم المولى عوضه من غير فرق بين تلفه بتفريط وغيره هذا. وفي المسالك (لو لم يكن السيد أذن بالشراء في الذمة فاشترى بها، ثم تلف الثمن الذي دفعه إليه لم يلزم السيد بدله، وحينئذ فإن تبرع السيد ودفع ثانيا صح العقد له، لان العبد حينئذ كالفضولي للسيد، والبيع وقع له، فإذا دفع الثمن صح له، وإلا فسخ البايع العقد). وقد يشكل بأنه إن أجاز المولى لم يكن للبايع الفسخ، وإلا انفسخ البيع لنفسه وليس للبايع إبقاء العقد راضيا بكون الثمن في ذمة العبد يتبعه به بعد العتق، إذ ليس للعبد ذمة يشغلها اختيارا بمعاوضة من دون إذن السيد، بل ومع إذنه لا لان المعاملة سفهية، إذ يمكن اقترانها بما يخرجها عن السفه بل لاقتضاء ذلك كون المبيع ملكا للسيد، لان العبد لا يملك على الاصح، والثمن على العبد فيملك المثمن حينئذ من لا يملك عليه الثمن، وذلك في المعاوضات غير جايز، اللهم إلا أن يدعى خروج الفرض عن هذه القاعدة، باعتبار عرضية عدم ملك العبد، وأن ذمة العبد للسيد باعتبار تسلطه على الحجر عليها. لكن ظاهر أصحابنا عدم ذلك من غير فرق بين العبد وغيره. نعم ستسمع ما في التذكرة في خصوص الضمان. ويمكن أن يكون ما سمعته من المسالك مأخوذا مما في التذكرة، قال: (لو أسلم إلى عبده ألفا للتجارة، فاشترى في الذمة على عزم صرف الالف في الثمن، فالاقرب أنه لا يجب على المولى دفع البدل، لانه أذن بالمعاملة بما دفعه، وهو ينصرف بالشراء بالعين.

[ 81 ]

لكن السيد إن دفع ألفا آخر مضى العقد، وإلا فللبايع فسخ العقد، وهو أحد الاقوال الشافعية، والثاني: أنه ينفسخ العقد كما لو اشترى بالفين، لان المولى حصر إذنه في التصرف في ذلك الالف، وقد فات محل الاذن، فبطل البيع، والثالث: أنه يجب على السيد ألف آخر، لان العقد وقع له، والثمن غير متعين، فعليه الوفاء بإتمامه ولا بأس به إن كان السيد قد أطلق له ذلك، بل هو المتعين حينئذ، وإلا فالوجه ما قلناه) ولعل مرادهما بقرينة مقابلة وجوه الشافعية الفضولي لا أن له الفسخ وعدمه مع فرض عدم إجازة السيد والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا أذن له في التجارة، لم يكن ذلك إذنا لمملوك المأذون) بناء على أنه يملك، أو أن المراد من هو في خدمته من عبيد السيد مجازا باعتبار صدق الاضافة بأدنى ملابسة، وعلى التقديرين فليس الاذن له في التجارة إذنا له (لافتقار التصرف في مال الغير إلى صريح الاذن) أو كالصريح، وليس هذا منه لغة ولا شرعا ولا عرفا، بل ليس للمأذون إستنابته كما انه ليس له استنابة غيره، لان الاذن في التجارة إنما وقعت له، وهى لا تقتضي إذنا في التوكيل الذي لا يدخل تحت اسم التجارة فما عن أبى حنيفة - من أن للمأذون أن يأذن لعبده في التجارة - واضح الضعف. نعم قد تقضى القرائن في بعض الاحوال أن المراد من الاذن في التجارة ما يشمل الحاصل منها بالوكالة، خصوصا إذا كان الوكيل أحسن نظرا من المأذون، وربما يؤدي نظر المأذون إلى الاعتماد على نظر بعض الاشخاص ومباشرة الشراء له كما هو واضح والله أعلم. (ولو أذن له في التجارة دون الاستدانة) ناصا على ذلك مقتصرا في الاذن على ما يشملها (فاستدان وتلف المال) في يده (كان لازما لذمة العبد) يتبع به بعد العتق الذي هو حال التمكن من الاداء على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا بل عن الخلاف الاجماع على ذلك، لوجود سبب الضمان بالنسبة إليه دون سيده، فيبقى الباقي على أصالة براءة ذمته، بل الظاهر الاجماع على عدم اشتغالها. (و) ان كان قد (قيل) والقائل الشيخ في النهاية أنه (يستسعى) العبد

[ 82 ]

(فيه معجلا) للغرور بالاذن بالتجارة الذي من الواضح منعه بحيث يستلزم الرجوع ولصحيح أبى بصير (1) المتقدم آنفا المحمول - كما في الرياض - على علم المولى باستدانته مع عدم منعه عنه، الظاهر في حصول الاذن منه له بالفحوى ولا كلام فيه، أو على الاستسعاء برضا المولى كما أفصح عنه خبر روح بن عبد الرحيم (2) عن الصادق عليه السلام (في رجل مملوك استتجره مولاه فاستهلك مالا كثيرا، فقال: ليس على مولاه شئ، ولكنه على العبد، وليس لهم أن يبيعوه، ولكن يستسعى، وإن حجر عليه مولاه فليس على مولاه شئ ولا على العبد) ونحوه خبر أبي بصير (3) لكن سؤاله (رجل استأجر مملوكا (وفي ذيله (وإن عجز عنه فليس على مولاه شئ، ولا على العبد شئ) بدل قوله في هذا الخبر (وإن حجر عليه) إلى آخره، بل في الوافي أنه يشبه أن يكون الخبران واحدا وقع في أحدهما تصحيف، والامر سهل، أو على تقييد الاستسعاء بعد العتق وإن كان قد يخدش الاول: بأنه مناف لاطلاق الصحيح المزبور أولا، وبأنه لا دليل غير الصحيح على أن حكم إذن الفحوى ذلك واستفادته منه بعد عدم الشاهد وعدم ظهوره فيه كما ترى، وموثق وهب (4) عن أبى جعفر عليه السلام (سألته عن مملوك يشتري ويبيع قد علم بذلك مولاه حتى صار عليه مثل ثمنه، قال: يستسعي فيما عليه) إنما هو فيما كان في أصل التجارة ولعله لا يقول به الخصم، فالمتجه حينئذ إلحاقها أي الفحوى بالاذن الفعلية، أو العدم، بل الظاهر الالحاق فيما فرضه منها من علم المولى وعدم المنع، ضرورة كونه رضا فعليا بعد تسليم أنه فحوى، فلم يفقد إلا التصريح المعلوم عدم دوران الحكم مداره، والثالث: بأنه لا يجب الاستسعاء بعد العتق، إذ هو حينئذ كغيره من أفراد المعسر الذي ينتظر إيساره، والثاني: بامكان كون المراد من قوله وإن حجر إلى آخره أنه لا شئ لهم عليه ولا على مولاه إن كان قد أدانوه مع تحجير مولاه عليه، أللهم إلا أن يدعى أن الظاهر الاول، ولا ينافيه الاحتمال وفيه منع بل


(1) (2) (4) الوسائل الباب - 31 - من ابواب الدين - الحديث - 1 - 4 - 6 - (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الاجارة الحديث - 3 -

[ 83 ]

لعل الظاهر ما ذكرناه وإن جزم بالاول في الحدائق، وقيد الصحيح المزبور به حينئذ. لكن في المسالك حمل الصحيح المذكور على الاستدانة للتجارة، قال: (و يشكل بأن ذلك يلزم المولى من سعي العبد وغيره، والاقوى أن استدانته لضرورة التجارة إنما يلزم مما في يده، فإن قصر استسعى في الثاني، ولا يلزم المولى من غير ما في يده، وعليه تحمل الرواية. وفيه أولا: أن الرواية لا تقبل ذلك بعد تعليق السعي فيها على عدم الاذن، و ثانيا: أنه لا دليل على تقييد ضمان المولى بما في يد العبد مع فرض الاذن، بل ظاهر الادلة خلافه، خصوصا موثق زرارة (1) منها، فلا ريب في أن المتجه مع الاذن ضمان السيد مطلقا. ولعل الاولى من ذلك كله حمل خصوص الاستسعاء على المأذون إذنا لا يراد منها إلا رفع الحجر عنه والاثم عليه، لا أن المراد منها الاذن التي تشبه الوكالة فتأمل جيدا. ثم إن ظاهر إطلاق المشهور عدم الفرق بين علم المدين بحاله وعدمه، خلافا لابن حمزة فيتبع به بعد العتق في الاول، ويستسعى في الثاني، قال في الوسيلة: المملوك إذا استدان لم يخل من ثلاثة أوجه: مأذون في الاستدانة، أو في التجارة دون الاستدانة أو غير مأذون، فالاول: حكم دينه حكم دين مولاه، والثاني ضربان: فإن علم المدين أنه غير مأذون فيها بقي في ذمته إلى أن يعتق، فإن لم يعلم استسعى فيه إذا تلف المال، والثالث: يكون المال ضايعا إلا إذا بقى المال في يده، أو كان قد دفع إلى سيده. وهو - مع غرابته بالفرق بين الثالث والاول من الثاني - واضح الضعف، إذ لا دليل له في الثاني الذي هو محل الخلاف بينه وبين المشهور إلا ما سمعته دليلا للنهاية الذي قد عرفت قصوره عن إفادة ذلك، ولو أنه قال في الاول بالضياع كالثالث لكان له وجه، باعتبار أن المالك هو الذي قد أقدم على إتلاف ماله، وإن كان قد يدفعه منع ذلك بعد فرض أن العبد له ذمة يتبع بها بعد العتق، فأدلة الضمان بحالها.


(1) الوسائل الباب 31 - من ابواب الدين الحديث - 5

[ 84 ]

نعم لو مات العبد قبل العتق إتجه الضياع، مع أن الظاهر بقاء حكم المديونية عليه، فللتبرع بالوفاء عنه وللاحتساب من الزكاة أو غيرها من الحقوق وجه فتأمل جيدا. وأما ما يحكى عن أبى الصلاح من التفصيل بين المأذون في الاستدانة وعدمه، فالاول على المولى والثاني يتبع به بعد العتق من غير تعرض للتجارة فمرجعه إلى المشهور، كما هو واضح، وكذا ما في المختلف، والقواعد، وجامع المقاصد من أنه إن استدان لضرورة التجارة كان على المولى، وإلا يتبع به بعد العتق، ضرورة كون المنشأ في ذلك حصول الاذن في الاول ولو لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه وعدمه في الثاني، ومراد المصنف - وغيره ممن أطلق التبعية به بعد العتق - الاستدانة فيما لا اذن للمولى فيه، كغير الضروري للتجارة، أو الاعم منهما، بناء على أن وجوده ضروري للتجارة لا الاستدانة له. وعلى كل حال فهو نزاع في موضوع خاص، لا أصل المسألة، فإن الجميع متفقون على أن استدانة المأذون في التجارة على المولى إن كان قد أذن له فيها، وإلا فعلى العبد يتبع بها بعد العتق. نعم ما سمعته من المسالك ظاهر في مخالفة إطلاق المتن وغيره، بل لم أجد له موافقا عدا ما في الدروس في الجملة، فإنه قال تارة: (ولو اجتمع إذن السيد و رضا المستحق فإن كان نكاحا فسيأتي انشاء الله، وإن كان غيره، فإن كان بيده مال التجارة تعلق بها، لان موجب الاذن في الالتزام الرضا بالاداء. وأقرب ذلك ما في يده، وهل يتعلق بكسبه من إحتطاب وإحتشاش وإلتقاط، اشكال، لعدم تناول الاذن في التجارة إياه، وأنه بالاذن صار الجزء المؤدى من كسبه) وأخرى (ولو ركبه أي المأذون الديون، لم يزل ملك السيد عما في يده فيصرف في الديون، فإن فضل عنه شئ استسعى على قول الشيخ في النهاية. لصحيحة أبى بصير (1) وفي المبسوط يتبع به إذا تحرر، وفي رواية عجلان (2) إن باعه السيد فعليه، وإن اعتقه فعلى المأذون،


(1) الوسائل الباب - 31 من ابواب الدين الحديث - 1 (2) الوسائل الباب 45 من ابواب العتق الحديث - 1

[ 85 ]

وقال الفاضل. يلزم المولى). وهي كما ترى فيها إضطراب من وجوه، والتحقيق ما أومأنا إليه، من حمل نصوص الاستسعاء على ما سمعت، وما دل على التزام المولى على ما عرفت، وربما كان في خبرى (1) طريف ايماء في الجملة إلى ما ذكرنا، ضرورة أن وجه التزام المولى لو باعه أي المأذون إذنا يراد منها رفع الحجر الحيلولة بين أرباب الدين وبينه، بخلاف ما لو اعتقه فتأمل جيدا. والله أعلم. (و) من ذلك ظهر لك الحال فيما (لو لم يأذن له في التجارة ولا الاستدانة و) الحال أنه (استدان فتلف المال) في يده، إذ لا إشكال في كونه إذا (كان) كذلك (لازما لذمته يتبع به) لعموم أدلة الضمان (دون المولى) للاصل وغيره بل ولا خلاف فيه، وإن قال الشيخ: (انه يذهب ضياعا) لكن فسره في السرائر بما في المتن. نعم ربما يظهر غير ذلك من الضياع في عبارة الوسيلة السابقة، مع أنه يمكن حمله عليه، فيرتفع الخلاف حينئذ، وعلى تقديره فهو في غاية الضعف لمنافاته أدلة الضمان السالمة عن المعارض هذا. ولكن في الرياض (أنه لو بادر إلى الاستدانة من دون إذن بالمرة، لزم في ذمته ويتبع به إذا أعتق، ولا يلزم المولى شئ بلا خلاف. للاصل وصحيح أبى بصير وموثق وهب (2)) ثم قال بعد نقلهما: (إن ظاهرهما أنه يتبع به حال الرق بالاستسعاء، وبه أفتى ظاهرا بعض الاصحاب، ويشكل برجوعه إلى ضمان المولى في الجملة، فإن كسبه له بالضرورة). ويمكن دفعه بجواز التزامه في صورة علم المولى باستدانته مع عدم منعه عنها الراجع إلى الاذن بالفحوى، كما هو ظاهر الموثقة والصحيحة، وإن كانت الاضافة إلى إذن الفحوى مطلقة أو عامة إلا أنها محتمله للتقييد بالصورة المزبورة جمعا بين الادلة، ويفرق حينئذ بين الاذن الصريح والفحوى، باستلزام الاول الضمان على السيد مطلقا مع عجز المملوك عن السعي أصلا وعدمه، واختصاص الضمان عليه بصورة


(1) (2) الوسائل الباب 31 من ابواب الدين الحديث 2 - 3 - 6

[ 86 ]

قدرة العبد على السعي وعدمه مطلقا مع العجز على الثاني، هذا. وفي الصحيح (1) (في الرجل يستأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا ؟ فقال: ليس على مولاه وليس لهم أن يبيعوه، ولكن يستسعى وإن عجز عنه فليس على مولاه شئ ولا على العبد شئ) ونحوه الخبر (2)، لكن تبديل عجزه عنه -، حجر عليه مولاه وعليه يمكن حمل الخبرين الآمرين بالسعي على صورة رضا السيد، وإلا فيتبع به بعد العتق، وهو غير بعيد لو لم يكن في السند قصور. وفي المتن تصحيف، هذا وربما يحمل الاستسعاء على ما بعد العتق، فيندفع الاشكال، ولكن يلزم آخر، وهو: عدم استسعاء الحر فيما عليه، إلا أن يكون هذا مستثنى، لكنه فرع ظهور الخبرين في الحمل، وهو محل نظر، بل لعلهما في الاحتمال الاول ظاهران كما لا يخفى. قلت: إذا أحطت خبرا بجميع ما ذكرنا تعرف أن كلامه محل للنظر من وجوه منها - ما قد عرفت من أنه لا إشكال نصا ولا فتوى في أن غير المأذون في التجارة و الاستدانة دينه عليه، يتبع به بعد العتق، وموضوع خبر أبي بصير، المأذون في التجارة دون الاستدانة الذي قد عرفت البحث فيه. نعم ما ذكره من الوجه في توجيه النصوص جيد إن كان يرجع إلى ما ذكرناه سابقا، وإلا فهو محل للنظر أيضا، وبالجملة كلامه في غاية التشويش، وكأن المسألة غير محررة عنده، ولا غرو بعد ما سمعت من كلام غيره كالشهيد في الدروس وغيره. والله أعلم. (فرعان) قد تقدم حكم (الاول) منهما: وهو ما (إذا اقترض) العبد (أو اشترى بغير إذن) سيده أو إجازته (كان باطلا و) حينئذ ف‍ (تستعاد العين) مع بقائها ان شاء المالك، ضرورة أن له إباحتها له، مضمونة عليه، إذ ليس هو كالطفل لا تصح الاباحة له بعوض، وأنه متى سلطه المالك لم يكن له ضمان عليه، والسفه بالرضا


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب احكام الاجارة الحديث - 3 (2) الوسائل الباب 31 من ابواب الدين الحديث - 4

[ 87 ]

بالضمان - الذي قد يذهب المال معه ضياعا - يمكن فرض ارتفاعه، ودعوى - امتناع كل معاملة مع العبد وإن لم تفد تمليكا - لا دليل عليها، إلا نفي القدرة في الاية (1) المستفاد منه الحجر مطلقا من غير فرق بين ذمته وغيرها، وفيه بحث قد تقدم سابقا، وقد صرح في ضمان التذكرة بصحة ضمان العبد من دون إذن سيده لكونه تصرفا في ذمته ولا ضرر فيه على السيد. وعلى كل حال (فإن تلفت) العين في يد العبد (يتبع بها إذا أعتق وأيسر) ولا يلزم المولى شئ بلا خلاف، إلا إذا كان العبد مأذونا بالتجارة، ففيه البحث السابق وكأن المصنف أعاد هذا الفرع مع ذكره سابقا للنص على بطلان الشراء والقرض، خلافا لبعض الشافعية، فصححه مع القول بأن العبد لا يملك، لانه تصرف في ذمته على وجه لا يضر السيد، فالعين المشتراة حينئذ ملك للسيد، وكذا المقترضة مع قبضها وإن كان العوض في ذمة العبد، إلا أن المحكى عنه جواز رجوع البايع والمقرض بالعين، لاعسار العبد. وفيه: أنه لا يتم مع العلم بحاله، وقبض السيد للعين المقترضة فأراد المصنف التنبيه على فساد قوله بالتصريح ببطلان الشراء والقرض، للحجر عليه، ولعلدم أهلية العبد للملك، وأنه لا معنى لملك المولى بغير عوض أصلا كما أنه لا معنى له بعوض في ذمته مع عدم رضاه، بل ولا معنى له والعوض في ذمة العبد، لامتناع حصول ملك المعاوضة لمن لم يكن العوض منه، وإن كانت المقدمة الاخيرة لا تخلو من بحث، كما أن دعوى الحجر عليه حتى بالنسبة إلى ذلك كذلك. والله أعلم. الفرع (الثاني: إذا اقترض مالا فأخذه المولى فتلف في يده، كان المقرض بالخيار بين مطالبة المولى، وبين اتباع المملوك إذا أعتق وأيسر) لثبوت يد كل منهما على المال بغير حق، فإن رجع على المولى قبل أن يعتق العبد، لم يرجع المولى على العبد بشئ وإن كان غارا له كما قيل، بل ظاهرهم أنه مفروغ منه، من عدم تعلق ضمان العبد لمولاه، وثبوت المال له على ماله، ولا دليل على تجدده بعد العتق.


(1) سورة النحل الاية - 7 -

[ 88 ]

نعم لو كان الرجوع عليه بعد عتق العبد، والفرض أنه كان مغرورا له، إتجه رجوعه عليه للغرور، كما أنه لو رجع على العبد بعد عتقه، إتجه له الرجوع على سيده إذا لم يكن قد غره، لاستقرار التلف في يده. وإشكال الاخير بأن الرجوع وإن كان حال الحرية إلا أن ابتداء الثبوت في ذمة السيد بالتلف في حال الرقية التي لم يكن العبد يستحق معها كاشكال سابقه بأن رجوع السيد على العبد وان كان في حال حريته، إلا أن ابتداء الثبوت في حال الرقية التي لا يتصور ملك السيد لها على مملوكه. - يدفعهما معا منع الثبوت قبل الرجوع، وان كان لتمام تحقيق ذلك - وتحقيق الضمان في الايدى المتعاقبة على معنى مشغول الذمة بحيث يكون دينا عليه هل هو من كان القرار عليه، وغيره انما يستحق الرجوع عليه، لا أنه مشغول الذمة، أو أن الجميع قد اشتغلت ذممهم وان برأت بدفع البعض، أو أن الخيار بيد صاحب المال، أو غير ذلك - محل آخر والله أعلم. (خاتمة) لا خلاف في وجوب (أجرة الكيال ووزان المتاع) والعداد والذراع مع توقف التسليم عليها (على البايع) سواء كان المبيع كليا في الذمة أو جزئيا معلوما من صبرة مشتملة عليه، أو غير ذلك، (و) في وجوب (أجرة ناقد الثمن ووزانه) وكياله وعداده (على المبتاع) للمقدمة، لكن قد يستشكل في النقد، بعد وجوبه اعتمادا على أصالة الصحة، ويدفع بانه يجوز القبض لها لا أنه يجب ذلك، للاصل، ولان الواجب تسليم الصحيح، ولانه قد يمتنع على القابض اثباته أن المعيب من المقبوض. (و) كذا لا خلاف في وجوب (أجرة بايع الامتعة) الناصب نفسه لذلك (على البايع) مع أمره له، بل إذنه فيه، وعدم قصد التبرع من العامل، لاحترام عمل المسلم الموجب لذلك شرعا، وان لم يكن قد استحضر الآمر العوض بل ولا

[ 89 ]

المأمور، بل مقتضى ذلك وان لم يكن ناصبا نفسه لذلك مع كون العمل مما له أجرة في العادة، (و) كذا الحال في أجرة (مشتريها) أي الامتعة فإنها (على المشتري) مع أمره أو اذنه على نحو ما تقدم في البايع واطلاق المقنعة والوسيلة كون أجرة الدلال على المبتاع والمنادي على البايع منزل على ما ذكرنا قطعا. (ولو تبرع) الدلال) أو غيره بأن فعل لا بقصد الاجرة (لم يستحق اجرة) قطعا للاصل (ولو أجاز المالك) بيعه، نعم قد يتجه استحقاق الاجرة إذا كان قد فعل بقصدها فضولا عن المالك وقد أجازه، إذ هو كغيره من أفراد الفضولي الذي تؤثر فيه الاجازة اللاحقة، بل قد يحتمل تأثير الاجازة في الفعل الذي لم يقصد به التبرع، بناء على جريانها في العقود والافعال. لكن على كل حال لا تلازم مع هذا القصد اجازة نفس البيع واجازة الجعل، فله الاقتصار على الاول دون الثاني. (و) قد ظهر من ذلك كله أنه (إذا باع) الدلال أمتعة شخص على حسب ما قدمنا (واشترى) أمتعة أخرى لآخر (فأجرة ما بيع على الآمر بالبيع وأجرة الشراء على الآمر بالشراء) إذ لا مانع من تعدد الدلالتين بالجعل في السلعتين (و) ان كان الدلال واحدا. نعم (لا يتولاهما الواحد) في السلعة الواحدة، بأن يكون سمسيرا (1) لبايعها، وسمسيرا لمشتريها، لاقتضاء سمسرة كل منهما مراعاة مصلحته المنافية لمصلحة الآخر، ضرورة ابتناء البيع على المغالبة والمماكسة، فمصلحة كل منهما بغير الاخرى، فلا يكون اجتماعهما حتى يصح أخذ الجعل للواحد عليهما. وربما أشكل ذلك بإمكان كون السعر منضبطا في العادة على وجه لا يزيد ولا ينقص، فيكون المراد من الدلالة للبايع مثلا وجود المشتري، ومن الشراء وجود البايع، أو أنهما اتفقا على سعر مخصوص، فيكون المراد ايقاع العقد. وقد يدفع - مع أن ذلك خلاف الغالب، بل يمكن منع السمسرة فيه، بل


(1) السمسار: المتوسط بين البايع والشارى والساعى للواحد منهما في استجلاب الاخر، وهو غير الدلال، معرب - سيب سار بالفارسية (اقرب الموارد)

[ 90 ]

يمكن القطع بعدمها في الثاني - أنه ينبغي أن يعلم أنه لا تأمل في جواز أخذ الاجرتين على الايجاب والقبول، بناء على صحة الاستيجار على مثله، خلافا للمحكي عن عميد الدين، فمنع الاجارة عليه لعدم كونه مما يستأجر عليه عادة، و ضعفه واضح. فليس المراد حينئذ بعدم توليتهما الواحد أنه لا يجوز اخذ الجعلين لواحد على الايجاب من البايع وعلى القبول من المشتري. ودعوى - أن ذلك عمل واحد فهي اجارة واحدة موزعة عليها - يدفعها أن ذلك تغيير لفظي، لا يليق حمل عبارات أعيان الاصحاب عليه، مع أنه يمكن منع كونه اجارة واحدة، بل هما عملان مستقلان قد يختلفان في الجعل، وقد يتفقان، وقد يجعل لاحدهما دون الآخر، بل المراد أنه لا يتولى الجعل على البيع وعلى الشراء، الواحد، ضرورة اقتضاء الجعل على البيع كونه جعلا على الاثر الحاصل من تمام الايجاب والقبول، وهو متحد بالنسبة إلى البايع والمشتري، فتحصيل قبول المشترى مستحق على الدلال بالجعل على البيع، فليس له أن يأخذ جعلا منه عليه وكذلك العكس، بل هو كما لو جعل له جعلا على بيعه من زيد الذي من الواضح عدم جواز أخذ جعل من زيد على شرائه له، والفرق بينه وبين ما يمكن فيه بالخصوصية وعدمها غير مجد، بعد اشتراك علة المنع. فمن هنا قال الاصحاب: لا يتولاهما الواحد، أي لا يتولى الواحد الجعل على تمام البيع من البايع والمشتري، ولكن لا بأس بتولى الاثنين ذلك، على أن يأخذ كل منهما الجعل من كل منهما على تمام البيع، فيكون فعل كل منهما مقدمة لتحصيل الاثر للآخر الذي يستحق به الجعل على من جعل له فتأمل جيدا. فإنه دقيق نافع في عموم المنع لافراد المسألة مضافا إلى ما يشعر به مرسل ابن ابي عمير (1) عن بعض أصحابنا (قال: اشتريت لابي عبد الله عليه السلام جارية فناولني أربعة دنانير فأبيت قال: اما لتأخذنها فأخذتها، فقال: لا تأخذ من البايع).


(1) الوسائل الباب 18 - من ابواب احكام العقود الحديث - 1 - باختلاف يسير

[ 91 ]

ولو فرض أن كلا من البايع والمشتري قد جعلا له جعلا فإن كان المراد الايجاب والقبول لم يكن اشكال في جواز أخذ الجعلين منهما تقارن أمرهما أو تلاحق، و إن كان المراد الجعل على تمام البيع فليس له الرجوع إلا على من قصد العمل له، والرجوع عليه، كما يومى إليه ما في التحرير وليس له أن يأخذ عن سلعة واحدة أجرتين من البايع والمشتري، بل يأخذ ممن يكون عاقدا له ووكيلا فتأمل. ومع فرض قصدهما معا احتمل سقوط الاجرة من رأس، وتوزيعها عليهما و تقديم السابق. وقد يحتمل استحقاقهما معا إذا كان المقصود الجعل من كل منهما على تمام العمل، على معنى أنه لم يرض بايقاع العمل إلا بالجعلين، فهو كالجعالة الواحدة من شخصين على عمل واحد، ولا ينافي ذلك ما قلناه سابقا المبني على فرض رضاه بكل من الجعالتين على تمام العمل من دون علم الآخر، لا أنها جعالة واحدة منهما معا على العمل، فتأمل جيدا. وقد ظهر من ذلك النظر في جملة من عبارات الاصحاب، ففي التنقيح (في بعض نسخ الكتاب: أي النافع (ولا يجمع بينهما الواحد: أي لا يجمع بين الشراء والبيع الشخص الواحد، فيكون موجبا قابلا، والمشهور - لواحد - بغير ألف، وله حينئذ تفسيران، أحدهما: أنه لا يجمع بين الاجرتين الشخص الواحد، بمعنى أنه لا يأخذ أجرة البيع من الاذن فيه كلها، ولا أجرة الشراء من الاذن فيه كلها، بل يأخذ من كل واحد أجرة ما فعل له، فيأخذ أجرة الايجاب من الاذن في البيع، و أجرة القبول من الاذن في الشراء، وثانيهما: إذا أمراه بالبيع والابتياع، فالاجرة على السابق، وإن اقترنا وكان الغرض تولية طرفي العقد، فالاجرة عليهما، وكذا إن تلاحقا وكان الغرض مجرد العقد، وإن لم يكن الغرض مجرد العقد بل السمسرة لكل منهما، فللواسطة أجرتان على قدر العملين). وفيه نظر من وجوه، وإن كان قد أخذ كثيرا من ذلك من الدروس، فإنه قال: (وأجرة الدلال على آمره، ولو امراه فالسابق، فإن اقترنا وكان الغرض تولية طرفي العقد فعليهما، وكذا لو تلاحقا وكان مرادهما مجرد العقد، ولو منعنا من تولية

[ 92 ]

الطرفين امتنع أخذ أجرتين، عليه يحمل كلام الاصحاب أنه لا يجمع بينهما الواحد). لكنه كما ترى خصوصا وقد عبر بذلك من يرى جواز تولي الطرفين. على أن الكلام في الدلال الذي هو السمسير لا مجرد متولي العقد، والاصل في تعرض متأخرى الاصحاب لذلك ما في المقنعة والنهاية، (ومن نصب نفسه لبيع الامتعة كان له أجرة البيع على البايع، دون المبتاع، ومن نصب نفسه للشراء كان أجر ذلك على المبتاع فإن كان وسيطا يبتاع للناس ويبيع لهم، كان له أجرة على ما يبيع من جهة البايع، وأجرة على ما يشتري من جهة المبتاع). وفي السرائر (ليس قصد شيخنا في ذلك أن يكون في عقد واحد بايعا مشتريا، بل يكون تارة يبيع، وتارة يشتري في عقدين، لان العقد لا يكون إلا بين اثنين). وفي المختلف بعد أن حكى ذلك عنه قال: (ليس بجيد، لانا نجوز كون الشخص الواحد وكيلا للمتعاقدين، كالاب يبيع على ولده من ولده الاخر وحينئذ يستحق أجرة البيع على ما أمره وأجرة الشراء على ما أمره، وقوله: العقد لا يكون إلا بين اثنين، قلنا: مسلم: وهو هنا كذلك لتعدد المسبب كالاب العاقد عن ولديه). قلت: لا ريب في أن مراد الشيخ ما ذكره ابن ادريس، كقوله في الوسيلة: و من نصب نفسه للامرين، فأجرته على من عمل له، وإن لم يكن لما ذكره من العلة السابقة، بناء على أن مراده منها ما فهمه منها في المختلف، كما أنه لا ريب في ضعف ما في المختلف، بناء على إرادته استحقاق الاجرتين في الفرض الذي قد أوضحنا منعه سابقا، ويمكن إرادته الاجرة على الايجاب، والاجرة على القبول ولا بحث فيها. لكن في الرياض قد حكى عنه صريحا والمحكي عن المحقق الثاني، وظاهر النهاية القول باستحقاق الاجرتين على تمام البيع، نظرا إلى أن الامر بالعمل اقدام منه على التزام تمام الاجر بحصول المأمور به، ورضائه بذلك، ولا مدخل لاتحاد العمل، وكأنه مال إليه فقال: ولعله غير بعيد سيما مع كون متعلق الامرين طرفي الايجاب والقبول، وجهل أحدهما بأمر الآخر. وفيه ما عرفته سابقا، بل ليس في جامع المقاصد ما أرسله عنه، بل ظاهره

[ 93 ]

أو صريحه ما قلناه، كما أنك قد عرفت كون مراد النهاية ذلك أيضا، بل هو محتمل المختلف إلى غير ذلك من كلماتهم التي يعرف ما فيها من الاحاطة بما ذكرنا والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا هلك المتاع في يد الدلال) من غير تفريط (لم يضمنه) بلا خلاف (و) لا إشكال لانه أمين نعم (لو فرط ضمن و) لكن (لو اختلفا في التفريط) وعدمه (كان القول قول الدلال مع يمينه) كما في كل أمين (ما لم يكن بالتفريط بينة) فتقدم حينئذ على قوله كما هو واضح (وكذا لو ثبت التفريط واختلفا في القيمة) كان القول قوله أيضا لاصالة براءة ذمته من الزائد ما لم يكن بينة، فتقدم على قوله. وبالجملة حكمه حكم غيره من الامناء وغيرهم، لكن في المقنعة والنهاية أنه إن قال له المالك: بعه نسيئة بدراهم مسماة فباعه نقدا بدون ذلك كان مخيرا بين أن يفسخ البيع، وبين أن يمضيه، ويطالب الواسطة بتمام المال، وفيه: أنه ليس له سبيل على الواسطة بالتمام بعد الاجازة، اللهم إلا أن يريدا به تمام ما باعه به و كان الواسطة قابضا وقد أجاز البيع والقبض، وفيهما أيضا أنه إن قال: بع هذا المتاع ولم يسم له ثمنا، فباعه بفضل من قيمته، كان البيع ماضيا، وإن باعه بأقل من قيمته كان ضامنا لتمام العقد حتى يسلمها إلى صاحب المتاع على الكمال، وهو كما ترى. ولذا نسبه في التحرير إلى الرداءة ويمكن تأويلها إلى الضوابط، وفيهما أيضا (أنه إن اختلف الواسطة وصاحب المتاع في القول بالبيع بكذا، كان القول قول صاحب المتاع بيمينه، وله أن يأخذ المتاع إن وجده بعينه، فإن كان قد أحدث فيه ما ينقصه أو يستهلكه ضمن الواسطة من الثمن ما حلف عليه صاحب المتاع) وفيه: أنه لا وجه لضمان الواسطة ذلك، لما عرفت إلى غير ذلك مما في المقنعة والنهاية مما لا يوافق الضوابط، وكذا الوسيلة فلاحظ وتأمل. والله أعلم بحقيقة الحال.

[ 94 ]

(كتاب الرهن) الذي هو مصدر رهن أو إسم للشئ المرهون الذى يجمع على رهان. كسهم وسهام، وربما قيل: ورهن لكن عن الاخفش أنه قبيح، لعدم جمع فعل على فعل إلا قليلا: كسقف وسقف، بل هو جمع الجمع. (و) على كل حال فتمام (النظر فيه يستدعي فصولا) الأول: (في الرهن وهو) لغة الثبات والدوام وفي المسالك (وعن المصباح المنير: أو الحبس بأي سبب كان، قال الله تعالى (1) (كل نفس بما كسبت رهينة) وأخذ الرهن الشرعي من هذا المعنى أنسب إن افتقر إلى المناسبة) قلت: ليس له معنى شرعي جديد يحمل عليه لفظه في الكتاب والسنة كما حرر في محله، وإن طفحت عباراتهم بأنه شرعا (وثيقة لدين المرتهن) لكن لا يريدون بذلك أنه حقيقة شرعية بل المراد حقيقة عند المتشرعة. ولذا نسبه في المحكي عن مجمع البحرين إلى عرف الفقهاء، وتسامحوا في تعريفه، المقصود منه مجرد التصوير والتمييز ولو بذكر الشرائط فيه، فلا يناسب الايراد عليه بلزوم الدور فيه، بذكر المرتهن فيه الذي يمكن تغييره بصاحب الدين أو من له الوثيقة، وبأنه غير شامل للرهن على الدرك والاعيان المضمونة مما ليس دينا الذي تسمع البحث في صحة الرهن عليهما وعدمه، وبنحو ذلك. بل نوقش في لفظه بعدم المطابقة فيه بين المبتدا الذي هو لفظ مذكر، والخبر الذي هو لفظ الوثيقة المؤنث، مع أنه قد يدفع بأن لفظ الوثيقة يستوى فيه التذكير والتأنيث في الاستعمال، كما صرح به بعضهم، فخرجت التاء عن التأنيث، بل قيل: إن التاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية. وعلى كل حال فلا ينبغى الالتفات إلى هذه المناقشات بعد أن كان الرهن باقيا


سورة المدثر الاية - 38 -

[ 95 ]

على معناه اللغوي، وإنما اعتبر الشارع فيه شرايط للصحيح منه، فهو حينئذ هنا حبس العين باللفظ المخصوص، أو الانحباس، أو اللفظ الدال على ذلك على حسب ما سمعته في البيع، لا نفس الوثيقة التي هي معنى إسمي له، خارج عما نحن فيه من البحث عن العقود، فلابد من حمل عبارة المصنف على إرادة جنس الوثيقة، أو نحو ذلك مما ينطبق على العقود. والمراد كما ستعرف فيما يأتي من الوثيقة للدين ما يستوفى منها، لا أن المراد يستوفى بسبب حبسها، وإن لم يصلح الاستيفاء منها، كأم الولد، والعين الموقوفة و نحوهما، (و) لا إشكال في ثبوته: أي الرهن في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله من ضروريات المذهب أو الدين. كما لا ريب في أنه (يفتقر) عقده (إلى الايجاب والقبول) بل قد يظهر من المتن ومن عبر كعبارته توقف صدقه أو صحته على ذلك، بل صرح بعضهم بذلك، ومقتضاه عدم جريان المعاطاة فيه لكن صرح في التذكرة بأن الخلاف فيها (فيه) كالخلاف في البيع. وأشكله في جامع المقاصد بأن البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالاجماع، بخلاف ما هنا. وفيه أنه يمكن دعوى السيرة عليه هنا أيضا كالبيع، بل لا بأس بالتزام الفرق بينها وبين العقد، بجواز الرهن الحاصل بها بخلافه، وإن كان لا يخلو من تأمل، ضرورة صدق الرهن على الحاصل بها، فيشمله أدلة اللزوم الذي هو مقتضى السيرة أيضا ولعلهم تركوا التعرض لها هنا لعدم الفرق بينها وبين العقد في الحكم. لكن قد عرفت سابقا أن التحقيق عدم كون المعاطاة في البيع وغيره فردا من مسمياتها، وعلى تسليمه فهي ليست من الصحيح منه، ضروره اعتبار العقدية في تحقق مفهومه، كما هو المنساق من نحو المتن، في صحته، فلا يجري حينئذ شئ من أحكامه عليها، وإلا لزم تعدد مفهوم البيع ولو من جهة الاحكام، وهو مقطوع بعدمه، بملاحظة الادلة، الظاهرة في أنه وحداني كما هو واضح.

[ 96 ]

(و) كيف كان ف‍ (الايجاب: كل لفظ دل على الارتهان، كقوله: رهنتك أو هذه وثيقة عندك، أو ما أدى هذا المعنى) كوثقتك، وهذا رهن عندك، بل و أرهنت، بناء على ما في المسالك والتنقيح من أنها لغة قليلة، وزاد في المسالك: (أنه لا يبلغ شذوذها حد المنع، وأنها أوضح دلالة من كثير مما عدوه). وعن الصحاح والمصباح والقاموس: رهن وأرهن بمعنى، فما عن المهذب البارع من أنه لا يقال: أرهن - إجتهاد في مقابلة النص، ونفي لا يعارض الاثبات، مضافا إلى ما تعرفه من التسامح في عقد الرهن في الجملة، حتى استقرب في التذكره، عدم اشتراط اللفظ العربي فيه، ووافقه في الدروس: فلا شك حينئذ في تناول العقود. للعقد بها. بل في الدروس (لو قال: خذه على مالك، أو بمالك، فهو رهن، ولو قال: أمسكه حتى أعطيك مالك فأراد الرهن جاز، ولو أراد الوديعة أو اشتبه فليس برهن) ولعل ذلك كله - كما في المسالك - لان الرهن ليس على حد العقود اللازمة، لانه وإن كان لازما من طرف الراهن، لكنه جايز من طرف المرتهن، فترجيح جانب اللزوم، ولزوم ما يعتبر في اللازم ترجيح من غير مرجح، خصوصا مع البحث في اعتبار ما ذكروه في اللازم، فيبقى حينئذ على مقتضى عموم الوفاء بالعقود، الشامل لكل ما قصد به عقد الرهن من الالفاظ من غير اعتبار لفظ مخصوص، ولا صيغة خاصة. لكن فيه أن ترجيح جانب الجواز أيضا ترجيح من غير مرجح، والاصول تقتضي عدم لحقوق أحكام الرهن، والمراد من العقود المأمور به بالوفاء بها المتعارفة نوعا وصنفا، فالمعلوم منها ولو بمعونة كلام الاصحاب يجب الوفاء به، وما لم يعلم فضلا عن المعلوم عدمه لا يجب الوفاء به، أللهم إلا أن يمنع ذلك، ويقال: إنه إن سلم إرادة المتعارف منها، فالمراد المتعارف نوعها: أي البيع والاجارة والصلح ونحوها، وأما بالنسبة إلى ما ينعقد به كل واحد منها فاللفظ شامل لكل ما قصد به العقد من الالفاظ إلا ما علم خروجه، أو حصل الشك في تناول العام له من شهرة عظيمة ونحوها، كما ادعوه فيما عدا الصيغ الخاصة للعقود اللازمة. - 6 -

[ 97 ]

وبالجملة مدار المسألة على ذلك، ولا ريب في أن الاحتياط يقتضي الاول، والظن يقوي في الثاني، إلا أن الظاهر اعتبار العربية فيه على القولين لانصراف الاطلاق إليه، بل في جامع المقاصد (تمنع صدق العقد على ما كان باللفظ العجمي مع القدرة على العربي) أما الماضوية فقد اعتبرها في التذكرة، بل ربما استظهر ذلك والمقارنة وتقديم الايجاب على القبول، والعربية، من المبسوط، وفقه الراوندي، والوسيلة والغنية، والسائر، وجامع الشرايع، والنافع، والارشاد، والتبصرة، وغيرها، مما اقتصر فيه على اعتبار الايجاب والقبول، بدعوى إنصرافهما إلى ذلك كله، وإن كان فيه ما فيه. بل ما في التذكر لا ينطبق على ما صرح بجوازه فيها، من هذا رهن، أو وثيقة عندك، ولو قيل: إنهما بمعناه أو أدل منه - من حيث دلالة الاسمية على الثبوت - رد بأنه قد شرط لفظ الماضي لا معناه، وبأن ذلك يستلزم جواز البيع بها، بأن يقول هذا مبيع لك بكذا، وهو لا يقول به نعم، يمكن أن يقال: إنه احترز بالماضي عن المستقبل خاصة، كما يشعر به قوله بعده بلا فصل، فلو قال: أرهنك كذا أو أنا أقبل لم يعتد به أو هو مع الامر، وإن كان قد سمعت من الشهيد جوازه، كما أنك سمعت مدار الامر في المسألة. (و) كيف كان ف‍ (لو عجز عن النطق) بالايجاب، ولو لخرس عارضي (كفت الاشارة) المفهمة للمقصود بأي عضو كان بلا خلاف أجده فيه، لقيامها حينئذ مقام اللفظ كما يفهم ذلك مما ورد في تلبية الاخرس وتشهده. (ولو كتب بيده والحال هذه وعرف ذلك من قصده جاز) أيضا، لانه من الاشارة أو أولى منها أو مساو لها، ولا يجزى شئ منهما مع عدم العجز قطعا، لحصر الشارع، المحلل والمحرم، في الكلام (1) ودليل البدلية خاص بحال العجز، فمن الغريب دعوى بعض متأخرى المتأخرين الجواز فيه أيضا مدعيا عدم الدليل بالخصوص


(1) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام العقود الحديث - 4

[ 98 ]

على حال العجز، فليس إلا الاكتفاء بكل ما يدل على الرضا، وهو عام للحالين وفيه ما لا يخفى. (و) أما (القبول) ف‍ (هو) كل لفظ دل على (الرضا بذلك الايجاب) والكلام فيه كما في الايجاب، بل قد يظهر من المتن وغيره توسعة الامر فيه أزيد من الايجاب، حيث جعله هو الرضا من دون اعتبار لفظ دال عليه، فضلا عن أن يكون مخصوصا، ولعل الفارق بينه وبين الايجاب أن الرهن لازم من قبل الراهن، لانه يتعلق بحق غيره، فيجوز أن يعتبر في حقه ما لا يعتبر في حق المرتهن، حيث أنه من قبله جائز، لانه يتعلق بحقه فيكفى فيه ما يكفى في العقود الجائزة المحضة لكن ظاهر الاصحاب اعتبار القبول القولى. نعم قد احتمل الفاضل في التذكرة، والقواعد، الاكتفاء بالاشتراط في عقد البيع عنه، فلو قال: بعتك هذا الكتاب واشترطت عليك أن ترهننى دارك، فقال المشترى: قبلت وارهنتك صح حينئذ، مع أن التحقيق خلافه أيضا بعد الاغضاء عن جواز تقديمه على الايجاب، ضروره عدم حصول إنشاء الرضا بالايجاب بذلك، وإنما دل الشرط على أنه يرضى بالارتهان حاله، كما هو واضح بأدنى تأمل في نظائره وربما يأتي لذلك تتمة إن شاء الله. (و) على كل حال فلا ريب في أنه (يصح الارتهان سفرا وحضرا) بلا خلاف فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه، كما أن السنة شاملة باطلاقها للحالين، والشرط في الآية (1) مبنى على الغالب فإن عدم الكاتب عادة لا يكون إلا في السفر، فهو نحو قوله (2) (وإن كنتم على سفر إلى قوله، ولم تجدوا ماء فتيمموا) فإن عدم الماء يكون في السفر غالبا فما عن بعض العامة من عدم جوازه في الحضر للاية في غاية الضعف، خصوصا بعد اشتمالها على اشتراط عدم الكاتب، وهو غير شرط بموافقة الخصم، وبعد


(1) سورة البقرة الاية - 283 - (2) سورة النساء الاية - 43 - وسورة المائدة الاية - 6 - ولكن الاية " وان كنتم مرضى أو على سفر " إلى آخرها.

[ 99 ]

ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (انه رهن درعه عند يهودى وهو حاضر بالمدينة) والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (هل القبض) من المرتهن (شرط في) صحة (الرهن) وترتب آثاره عليه (قيل): والقائل الشيخ في أحد قوليه، وابن إدريس، والفاضل وولده، والمحقق الثاني والشهيد الثاني، وغيرهم (لا) يشترط بل حكي أيضا عن البشرى، والجواهر، وتخليص التلخيص، والمقتصر، وغاية المرام، وإيضاح النافع، وغيرها. بل في السرائر نسبته إلى الاكثر من المحصلين، وفي كنز العرفان إلى المحققين، فيكفى في الصحة حينئذ الايجاب والقبول مع اجتماع باقى الشرائط ويتبعها اللزوم، بل في الغنية والسرائر لا خلاف في حصول الصحة بدونه، وإن الخلاف إنما هو في لزومه بدونه. بل وكذا التذكرة والتحرير، والتنقيح، والمسالك، والروضة، وغيرها، حيث أنهم قد جعلوا الخلاف في ذلك دون الصحة، واحتمال إرادتها من اللزوم الذي هو محل الخلاف في كلامهم يأباه ظاهر كلماتهم، وصريح الغنية والسرائر والمسالك و غيرها، بل لعل احتمال العكس في كلام من جعل الصحة موردا للنزاع كما هو ظاهر كثير بل الاكثر اولى. خصوصا بعد عدم الثمرة المعتد بها لها قبل اللزوم، بل عن إيضاح النافع الجزم به، لكن الانصاف عدم خلوه من البعد كما ستعرف فلاحظ و تأمل. (وقيل) والقائل المفيد والشيخ في القول الآخر وبنو الجنيد، وحمزة، و البراج، والطبرسي، وغيرهم، على ما حكي عن بعضهم (نعم) يشترط ذلك في صحة الرهن، بل عن الطبرسي الاجماع عليه، بل ربما ظهر من بعضهم ما هو المحكى عن بعض أهل اللغة من عدم تحقق مسمى الرهن بدونه، وإن كان هو واضح الضعف ضرورة كون لفظ الرهن كباقي ألفاظ العقود المعلوم عدم توقف صدقها على غير العقد من قبض ونحوه، وان اعتبر في ترتب الاثر، كالتقابض والقبض قبل التفرق في الصرف


(1) المستدرك ج - 2 ص 494.

[ 100 ]

والسلم، والقبض في الهبة ونحو ذلك، بل لعل وصف الرهان بالمقبوضة في الاية (1) مما يشهد لذلك، وحمله على الوصف الكاشف، خلاف الاصل في الوصف بلا مقتض، بل المقتضى على خلافه متحقق. نعم لا بأس بجعل الصحة موقوفة عليه وإن تحقق الاسم بدونه، (وهو الاصح) عند المصنف، والشهيد، وغيرهما تبعا لمن عرفت ممن ظاهر كلامه اعتباره في الصحة دون اللزوم: ففي المقنعة (ولا يصح الارتهان الا بالقبض) وفي النهاية (لا يدخل الشئ في أن يكون رهنا إلا بعد قبض المرتهن له وتمكنه منه) وفي الوسيلة (الرهن إنما يصح بثلاثة شروط: الايجاب، والقبول، والقبض برضا الراهن إلا إذا اشترط في العقد) لكن قد عرفت أن محل النزاع في الغنية اللزوم، فيمكن أن يكون قد حمل عبارة الشيخين عليه، قال فيها: شروط صحته ستة، إلى أن قال بعد ذكرها: (وإذا تكامل هذه الشروط صح الرهن بلا خلاف، وليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، وأما القبض فهو شرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، ومن أصحابنا من قال يلزم بالايجاب والقبول، لقوله تعالى (2) (أوفوا بالعقود) والقول الاول هو الظاهر من المذهب الذي عليه الاجماع، وإذا تعين المخالف باسمه ونسبه لم يؤثر خلافه). وأصرح منها ما في السرائر، فإنه أيضا ذكر أن شروط صحته ستة ثم قال: (وإذا تكامل هذه الشروط صح الرهن بلا خلاف، وليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، فأما القبض فقد اختلف قول أصحابنا فيه، هل هو شرط في لزومه أم لا ؟ فقال بعضهم: إنه شرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، وقال الاكثرون المحصلون منهم: يلزم بالايجاب والقبول، وهذا هو الصحيح إلى أن قال:


(1) سورة البقرة الاية 283. (2) سورة المائدة الاية - 1

[ 101 ]

والاول مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته، وشيخنا في مقنعته، والثاني: مذهب لشيخنا في مسائل خلافه، فإنه رجع عما ذهب إليه في نهايته) إذ هو كما ترى صريح في فهمه اللزوم من عبارتي المقنعة والنهاية، وقد ظهر من ذلك الاضطراب في كلمات الاصحاب المحررين للنزاع. وعلى كل حال فالمحصل أن الاقوال في المسألة ثلاثة، وإن كان مقتضى جميع المحررين للنزاع أو أكثرهم أن المسألة ثنائية الاقوال، إلا أن التتبع يقضي بما ذكرنا، الاول: عدم المدخلية له في الصحة واللزوم، وهو خيرة الخلاف والسرائر و غيرهما ممن عرفت. والثاني: توقف الصحة عليه وهو ظاهر المقنعة، والنهاية، والوسيلة وغيرهم، بل هو صريح المحكي عن الطبرسي. والثالث: توقف اللزوم عليه دون الصحة، وهو خيره المقنعة. وأما الاحتمالات: فهي أكثر من ذلك، إذ منها أنه - شرط للصحة على جهة الكشف، بل هو مقتضى إطلاقهم الشرطية عليه ضرورة عدم كون المراد منها في المتأخر غير الكشف، ومن هنا وجب حمله مع فرض عدم إرادة ذلك على جزء سبب الصحة، فاطلاق الشرطية عليه حينئذ على ضرب من المجاز، كما جزم به في جامع المقاصد. ومنها أنه شرط للزوم كذلك، بناء على أن السبب في تأثيره: أي اللزوم العقد، فشرطه المتأخر حينئذ لا يكون إلا على جهة الكشف، ومن هنا وجب حمله مع فرض عدم إرادة ذلك على جزء السبب في اللزوم، كما جزم به في المسالك، وأن إطلاق الشرط عليه مجاز، لكن قد يمنع تسبيب العقد اللزوم، لانفكاكه عنه كبيع خيار المجلس وغيره، بخلاف الصحة، فيمكن أن يكون هو السبب في اللزوم، وتقدم العقد حينئذ شرطه. ومنه ينقدح احتمال ثالث: وإن كان الفرق بينه وبين القول بأنه جزء سبب في اللزوم في الثمرة غير ظاهر.

[ 102 ]

وكيف كان فقد كفينا مؤنة هذه الاحتمالات وغيرها بامكان تحصيل الاجماع المركب على نفيها، لما عرفت من إنحصار الخلاف قديما وحديثا في الاقوال الثلاثة التي يقوى في النظر فيها الاول، للاية، وغيرها مما دل على لزوم العقود، حتى جعلوه الاصل فيها، وإليه يرجع أصالة عدم الاشتراط الراجعة إلى ظهور الادلة في كون العقود هي الاسباب لمدلولاتها من غير حاجة إلى شئ آخر. ولظهور النصوص في ترتب الاحكام على صدق الرهن الذي لا ريب في عدم توقف صدقه على القبض، بل لا يخفى على من تصفحها على كثرتها ظهور ترتب أحكام الرهن المقبوض على ما تحقق مسماه فيه من غير تعرض للقبض وعدمه، ولو كان معتبرا في صحة أو لزوم وجب التفصيل، وإلا لزم الاغراء بالجهل، بل لعل ترك الاستفصال فيه دليل العموم. نعم يستفاد منها على وجه لا يسع الفقيه إنكاره استحقاق المرتهن على الراهن قبضه، لان الاصل في مشروعيته التوثق، ولايتهم غالبا إلا به، بل لا يخفى ظهور النصوص في المفروغية من ذلك، كما يؤمي إليه ذكر أحكام المقبوض بمجرد ما قيل في السؤال أنه رهن، وكأن هذا هو الذي غير القائل بالشرطية، لكنك خبير في أنه أعم منها، إذ الاقوى وجوب الاقباض على الراهن إذا طلبه المرتهن، وإن لم يكن شرطا في صحة) أو لزوم كما جزم به في التحرير، ولعله لما ذكرنا بل ولما ستسمعه مما ذكروه دليلا للشرطية، بل لعل مبنى الرهانة على ذلك. ولكن توقف فيه في القواعد. فقال: (ليس القبض شرطا على رأى، وهل له المطالبة به ؟ إشكال) إذ الظاهر أن مراده على تقدير عدم الشرطية كما اعترف به في جامع المقاصد موجها للاشكال بنحو ما ذكرنا، وبانتفاء المقتضي، إذ العقد لا يقتضيه، ولا سبب غيره، والارشاد التوثق بالقبض في الاية (1) لا يدل على كون ذلك مستحقا للمرتهن على الراهن بمجرد العقد، ومما ذكرنا يظهر لك أن الترجيح للاول. هذا ولكن في القواعد بعد ذلك أنه لا يجبر الراهن على الاقباض، فلو رهن و


(1) سورة البقرة الاية 283

[ 103 ]

لم يسلم لم يجبر عليه، وقد قيل: إنه جزم بعد التردد، ولعل الاولى جعل ذلك منه على تقدير الاشتراط، كما يشهد به التأمل لكلامه اولا وآخرا فلاحظ و تأمل. وقال أيضا فيها في الفصل السادس: (وإذا لزم الرهن استحق المرتهن إدامة اليد) كما أن ما عن المبسوط - من أنه (إذا جن الراهن أو أغمي عليه، أو رجع قبل القبض، قبض المرتهن، لان العقد أوجب القبض) - ينبغي حمله على ما قلناه، ضرورة أنه لا وجه له معتد به على تقدير الشرطية، وإن سمعت في الصرف دعوى مثل ذلك من بعضهم في التقابض، فأوجبه بالعقد مع توقف الصحة عليه، لكنه مع أنه لم يدعه أحد هنا، فيه ما عرفت، على أن المحكى عنه في المبسوط أنه قال: (والاولى أن نقول أنه يلزم بالايجاب والقبول) فيقوى بناء كلامه هذا على ذلك. وعلى كل حال فلا تنافي بين وجوب الاقباض وبين القول بعدم الشرطية الذى قد عرفت قوته، ويزيده قوة، ضعف دليل المخالف، إذ ليس إلا الاصل، الذي ليس بأصيل بعد العقد وما دل على لزومه وصدق الرهن، والآية التي ادعى الخصم دلالتها بمفهوم الوصف الممنوع حجيته في المقام، خصوصا بعد ظهور التقييد فيه في تمام الارشاد، أو أنها إنما دلت على مشروعية الرهن المقبوض، فينفي غيره بالاصل المقطوع بالاطلاقات. وبالجملة دعوى - دلالة الآية على الشرطية في الرهن بعد ظهورها في إرادة الارشاد، كما يؤمي إليه التعليق على السفر، وعدم الكاتب، وأنه لا قائل بوجوب أخذ الرهن كما يستفاد من الجملة - في غاية الفساد كما هو واضح. وخبر محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر عليه السلام كما في كتب الاصول وكثير من كتب الفروع، أو الصادق عليه السلام كما في قليل من الاخيرة (لا رهن إلا مقبوضا) المعتضد بما رواه العياشي (2) عن محمد بن عيسى عن الباقر عليه السلام كذلك، الذي هو بعد الاغضاء عن سنده، وأنه من قسم الموثق، وإن قال الشهيد وغيره: أنه مردود، لاشتراكه


(1) (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1 - 2 -

[ 104 ]

بين الثقة والضعيف، لان المراد منه هنا البجلى الثقة، بقرينة رواية عاصم عنه، بناء على أنه ابن حميد، وأن ابن سماعة فيه، الحسن بن محمد بن سماعة، وأن طريق الشيخ إليه قوي، والاغضاء عن كونه موافقا لجمهور العامة، ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، في احدى الروايتين، خصوصا مع شدة التقية في زمانه عليه السلام، والاغضاء عن احتمال إرادة بيان اعتبار كون الرهن مما يقبض كما يؤمى إليه عدم تخصيص القبض للمرتهن. محتمل لارادة بيان نفي الاعتداد به في الاستيثاق والطمأنينة، لا الشرطية، بل لعل الظاهر منه ذلك، بعد أن كان المنفي فيه، العين المرهونة، لا العقد الذي يوصف بالصحة والبطلان، وبعد أن كان الظاهر منه استدامة القبض للعين المرهونة، باعتبار نفي الرهن بدونها، الظاهر في لزوم اتصافها بذلك لصفة الرهن، والاجماع بقسميه كما ستعرف على عدم اعتبار الاستدامة، وبذلك يضعف دلالة الاية أيضا، ويقوى إرادة الارشاد منها، بل قد يستفاد منها ومن الخبر مشروعية الرهن بغير قبض، كما هو المختار، وإن كان لا يحصل به تمام الاستيثاق في بعض الاحوال. والاجماع المحكي عن الطبرسي المعارض بنفي الخلاف من ابني زهرة وادريس عن الصحة بدونه كما أن إجماع ابن زهرة على اعتباره في اللزوم معارض بما سمعته من ابن ادريس والمقداد، بل دعوى تبين خلافه، لعدم المصرح باعتباره في اللزوم دون الصحة غيره، على أنه قد اعترف بوجود المخالف إلا أنه غير قادح، لمعروفيته باسمه ونسبه، ولا ريب في قدحه وإن كان كذلك، على طريقتنا في الاجماع كما بين في الاصول محررا، فقد بان من ذلك فساد دعوى الشرطية على كل حال، وإن كانت هي في اللزوم أوضح فسادا، ضرورة عدم دليل للصحة حينئذ على وجه يفصلها عن اللزوم غير نفى الخلاف المزبور المعارض بما سمعت، فلا ريب حينئذ في قوة القول بالعدم مطلقا فتسقط حينئذ جميع الفروع التي ذكروها في المقام (و) أطنبوا فيها لكن لا بأس بالتعرض إلى جملة منها بناء على الشرطية. فمنها أنه: (لو قبضه من غير إذن الراهن لم ينعقد) عقد الرهن، ولم يصح

[ 105 ]

بناء على اعتباره في الصحة بلا خلاف أجده فيه، لكونه قبضا غير مأذون فيه أو منهيا عنه، لما عرفت من وجوب الاقباض عليه بالعقد، فلا يسقط حق الرجوع المستصحب بقاؤه، بل لا يقطعه إلا حصول المقطوع به من الشرط وهو القبض المأذون فيه. فدعوى إطلاق دليل الشرطية الذى لا ينكر انسياقه إلى المأذون فيه، خصوصا بعد استقراء نظائر المقام مما كان القبض فيه تتمة السبب، وخصوصا بعد معارضة قاعدة عدم سقوط حق الغير إلا برضاه، وخصوصا بعد عدم الخلاف فيه لا يصغى إليها، كدعوى وجوب الاقباض عليه بالعقد الذي لم يكن سببا تاما في حصول مدلوله، لان الفرض توقف الصحة على الاقباض، بل الظاهر أنه كذلك لو قلنا بأنه شرط للزوم، ضرورة عدم اقتضاء العقد الجائز وجوب إلزامه. نعم قد يقال: بجواز قبضه للمرتهن، باعتبار تعلق حق الرهانة فيه المقتضية للقبض باعتبار بنائها على التوثق الذي لا يتم غالبا إلا به، فهو وإن كان باقيا على ملك المالك، إلا أنه لا يمنع ذلك من قبضه للمرتهن، بعد اقتضاء حق الرهانة ذلك شرعا، لكن لا يؤثر هذا القبض لزوما في حق الراهن، للاصل وغيره، مع احتماله لاطلاق ما دل على اللزوم به، فهو كالتصرف في الهبة والمعاطاة المقتضي للزوم من الجانبين، وعدم وجوب الاقباض غير اللزوم بالقبض ولعله لذا حكي عن الكفاية الاشكال في اعتبار الاذن، بناء على كون القبض شرطا في الصحة دون اللزوم، وإن كان الظاهر ما ذكرنا أولا. وأما على المختار من عدم الاشتراط وأنه يجب على الراهن الاقباض، فليس للمالك منع المرتهن من قبضه، بل ولا يتوقف على إذنه، لتعلق حق الرهانة المقتضي لذلك شرعا، فهو كما لو شرط الرهانة المشتملة على القبض بعقد لازم، أو نذرها مثلا واحتمال وجوب مراعاة الاذن - لكونه باقيا على ملكه، وإن كان إذا امتنع أجبره الحاكم، فإن لم يمكن قام مقامه في التسليم - لا يخلو من وجه، إلا أن الاقوى ما ذكرنا. فما عن الكفاية - من الجزم بوجوب إذن الراهن على القول بعدم الاشتراط في اللزوم فضلا عن الصحة، واختاره بعض مشايخنا. بل زاد عليه الجزم باحتياجه

[ 106 ]

على تقدير اشتراطه في اللزوم دون الصحة - واضح الضعف، ولعلهما بنيا الاول على عدم وجوب القبض وإن قلنا بعدم شرطيته، لكنك قد عرفت ضعفه سابقا فلاحظ وتأمل. ومنه تعلم الحال فيما لو اشترط الرهن في عقد لازم، فإنه على المختار لابد من الرهن والقبض، إلا أن الظاهر كون وجوب القبض من مقتضى الرهانة كما عرفت، لامن جهة الشرطية التي ليست هي إلا الرهانة المحققة بدونه، نعم يتجه ذلك على القول بأنه شرط في الصحة، ضرورة عدم تعلق حق الرهانة بالعين المشترط رهنها بدونه، فلا يجدي مجرد العقد الذي لم يتعقبه قبض، إذ هو كالرهن الفاسد، وصحة اطلاق الرهن على العقد كما ذكرناه سابقا لا ينافي كون المراد هنا الرهن المخصوص. أما لو قلنا بانه شرط للزوم ففي المسالك (ينبغي أن يتحقق الوفاء بالشرط بدون القبض وإن لم يلزم من قبل الراهن، لان ما يجب الوفاء به الرهن الصحيح، وهو أعم من اللازم) لكن فيه أنه لا تحصل الفائدة المطلوبة من اشتراطه، فينبغي التقييد في الاشتراط برهن مقبوض، اللهم إلا أن يدعى دلالة القرائن على ذلك، بناء على الاكتفاء بمثلها أو يقال: إن الرهن المشروط في العقد اللازم يستحق القبض وإن قلنا بكونه شرطا في اللزوم كما حكاه في المسالك عن الشهيد، ولعله راجع إلى ما ذكرنا من دلالة القرائن على ذلك، والا فليس ما يقتضي استحقاقه بمجرد اشتراطه غيره، هذا كله إذا اشترط الرهن خاصة. أما إذا اشترط القبض معه فالمتجه بناء على ما ذكرنا سابقا في الشرائط وجوبها على المشترط عليه، وإجباره عليه، فإن لم يمكن تسلط على الخيار. نعم على ما تقدم من الشهيد، يتجه ما صرح به هنا من عدم وجوب ذلك عليه، بل أقصاه تسلط ذي الشرط على الخيار، وهو خيرة الفاضل في المقام، لكن فيه ما عرفت سابقا والله أعلم. وقد ظهر من ذلك كله عدم صحة الرهن بالقبض من غير اذن بناء على اعتباره في صحته (وكذا لو أذن في قبضه ثم رجع) بإذنه (قبل قبضه) إذ هو كغير المأذون فيه، ضرورة عدم اللزوم عليه بالاذن الذي له الرجوع فيها، للاصل وغيره، فيتجه حينئذ جميع ما ذكرنا فيه سابقا، ولا يقال: إن الاذن هنا قد اسقطت حقه

[ 107 ]

من الرجوع، بناء على الشرطية في اللزوم، إذ قد عرفت أن المسقط له شرعا إنما هو القبض، لا الاذن فيه، بل لو صرح بالاسقاط ثم رجع قبل القبض لم يؤثر ذلك الاسقاط، لعدم كون الجواز هنا كالخيار، بل هو من الاحكام الشرعية لا الحقوق المالكية التي يتسلط عليها الاسقاط كل ذلك مع عدم الخلاف فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه ممن اعتبر الاذن في القبض، سواء قلنا إنه شرط في اللزوم أو الصحة. (وكذا) لا يصح الرهن (لو نطق بالعقد ثم جن، أو أغمي عليه، أو مات قبل القبض) مثلا بناء على اعتباره في الصحة بلا خلاف اجده، لظهور ما دل على شرطية الاختيار إلى تمام سبب الصحة إنما الكلام في البطلان بذلك على تقدير اعتباره في اللزوم، فربما قيل به، لانه حينئذ من العقود الجائزة المعلوم بطلانها بعروض ذلك. وفيه: أنه لا دليل على عموم ذلك فيها بحيث يشمل المقام الذي هو يؤوله إلى اللزوم بالقبض ليشبه بيع الخيار، ويصلح لقطع الاستصحاب وتقييد إطلاق دليل الصحة فيقوم حينئذ من انتقل إليه ولاية التصرف مقامه، مراعيا للمصلحة حيث يجب عليه ذلك، ولا منافاة بين انتقال عين المال إلى الوارث أو ولايته إلى الولي، و بيع تعلق حق الرهانة، بل أقصاها أنها جائزة كما كانت للاصل وبذلك يفرق بين المقام وغيره من العقود الجائزة، كالوكالة والعارية والوديعة، إذ ليس هو مثلها قطعا، بل هو كبيع الخيار، وكالهبة بعد القبض قبل التصرف التى يجوز الرجوع فيها للمالك قبله، ولا مجال لاحتمال البطلان فيهما. ولعله لذا جزم في التذكرة بعدم البطلان في الاولين، بل كان عليه ذلك بالنسبة إلى الاخير أيضا، إلا أنه لم يرجح فيه فيها، بل المتجه عدم الفرق في ذلك بين الراهن والمرتهن على كل من قولي الصحة واللزوم. لكن في الدروس، اختار البطلان في الثلاثة بالنسبة إلى الراهن، ثم قال: (ولو مات المرتهن انتقل حق القبض إلى وارثه، والفرق تعلق حق الورثة والديان بعد موت الراهن به، فلا يستأثر به أحد، بخلاف موت المرتهن، فإن الدين باق،

[ 108 ]

فيبقى وثيقة)، وقال أيضا (ولو جن المرتهن أو أغمي عليه قام وليه مقامه). وفيه ما لا يخفى بناء على أنه شرط في الصحة، كما هو ظاهر كلامه في أصل المسألة، بل وعلى تقدير كونه شرطا في اللزوم، ضرورة كون المتجه عليه البطلان مطلقا، أو الصحة كذلك، لاتحاد المدرك والفرق الذي ذكره بالنسبة إلى الموت غير مجد، بعد أن كان للورثة والديانة الفسخ، إذ لا يلزم عليهم القبض المقتضى للزوم، فتجدد تعلق حق الديانة والوراثة لا يبطل الحق المتعلق سابقا كما هو واضح. نعم احتمال الصحة مع موت المرتهن أوضح منه مع موت الراهن، وبذلك كله تعرف الاضطراب في جملة من كلمات الاصحاب في المقام، واحتمالاتهم التي منها ما يقضي بكونه معتبرا عندهم في الصحة، ومنها ما يقضي باعتباره في اللزوم، وقد أشكل على ثاني الشهيدين الذى جعل النزاع في الاخير المراد من نحو المتن، و لا ريب في ظهوره في الاعتبار في الصحة، فلا إشكال فيه من هذه الجهة. كما أنه لا إشكال في عدم البطلان بعروض شئ من ذلك للراهن أو المرتهن، بناء على المختار، كما صرح به جماعة ممن خيرته ذلك، بل حكاه في الدروس عن المبسوط معترفا باشعاره بعدم الشرطية، وإن كان للمرتهن طلبه للتوثق به، وهو مما يرشد إلى موافقته للمختار، كما حكيناه سابقا، ثم إنه لا يخفى عليك الحال بعد الاحاطة بما ذكرنا فيما لو كان الرهن مشترطا في عقد لازم، ثم عرض نحو الامور الثلاثة قبل الرهن أو بعده قبل الاقباض، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (ليس إستدامة القبض شرطا) بل يكفي تحققه في الصحة أو اللزوم بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، وهو الحجة بعد العمومات التي يمكن إرادتها للشيخ في الاستدلال عليه باخبار الفرقة، إذ لم نجد المتحد منها الدال على ذلك صريحا، فضلا عن المتعدد. نعم ربما تجشم دلالة النصوص الواردة في منفعة الرهن وعلته المعلوم كونها للراهن التي تتوقف غالبا على قبضه الرهن، والامر سهل بعد ما عرفت الذي منه

[ 109 ]

يظهر ضعف ما عن أبي حنيفة، وأحمد، ومالك، من إشتراط الاستدامة كالابتداء، للآية التي قد تقدم البحث فيها. بل عن الاردبيلى أن ظاهر التذكرة ذلك في مسألة منع المرتهن من التصرف قلت: الموجود فيها هناك (الرهن وثيقة لدين المرتهن، فإن جعلنا القبض شرطا أو كان لازما استحق المرتهن إدامة اليد، ولا يزال يده إلا للانتفاع، على خلاف قد سبق) ويمكن أن يريد ولو بقرينة أنه ممن حكى الاجماع على عدم اشتراط الاستدامة قبل ذلك، الاستحقاق لا على جهة الشرطية، ولعله كذلك لما عرفت من اقتضاء حق الرهانة ذلك. (فلو عاد إلى الراهن) وإن لم يكن بعنوان الوكالة عن المرتهن (أو تصرف فيه) تصرفا لا ينافي كونه رهنا (لم يخرج عن) حق (الرهانة) سواء كان ذلك باذن المرتهن أو لا، وإن كان الظاهر تحقق الاثم عليه مع عدم الاذن في بعض الاحوال والله أعلم. (و) منها: أنه (لو رهن ما هو في يد المرتهن لزم) الرهن على القولين من غير حاجة إلى إذن بالقبض، ولا مضى زمان يمكن فيه تجديد القبض، (ولو كان) إستيلاء يد المرتهن عليه (غصبا) وفاقا لاطلاق الاكثر، لا (لتحقق القبض) - الذي هو شرط، لوضوح بطلانه في الاخير المنهي عنه، فيكون فاسدا لذلك، إذ النهي وإن كان لا يقتضي الفساد في غير العبادة، إلا أن القبض على تقدير اعتباره ركن، وعدم اقتضاء الفساد إنما هو بعد تمام الاركان، وإلا لاجتزي بالقبض بغير إذن لو لم يكن مقبوضا، وقد عرفت بطلانه. وليس الارهان إذنا باستدامة القبض قطعا، مع أنه لا يتم في التصريح بحرمة إستدامة القبض الاول، بل لعله باطل في الاول أيضا ضرورة ظهور ادلة الشرطية في اعتبار القبض للرهن، فلا يجزي قبض العارية والوديعة مثلا، والفرض أنه لم يتجدد إذن في استدامة القبض للرهن. - بل لعدم تناول دليل الشرطية لمثل الفرض، ضرورة ظهوره في غير المقبوض،

[ 110 ]

اما هو فيبقى على اصالة اللزوم في العقد، فيتحقق رهنه حينئذ، وهو على القبض الاول حتى انه لو كان مضمونا بغصب، أو بيع فاسد، أو سوم، أو عارية مضمونة أو نحو ذلك بقي عليه، كما هو خيرة الاكثر، بل لا خلاف اجده إلا من الفاضل في القواعد، والمحكى عن يحيى بن سعيد، ولا تنافي بين رهنيته وضمانه بعد أن كان الضمان بسبب آخر غير الرهنية، كالتعدي في المرهون. نعم يقوى ارتفاع الضمان بالاذن من الراهن في استدامة القبض للرهن، وفاقا لجماعة، بل عن حواشي الشهيد نفي الخلاف عنه، لانتقاض الحال الاول، بل هو شبه الوكالة في القبض عنه، ودعوى - ظهور دليل الضمان في مثل الغصب في عدم ارتفاعه إلا بالتأدية المعلوم انتفاؤها في المقام وإن اذن، فسبب الضمان الاول لم يرتفع، وإن اذن في الاستدامة وارتفع الاثم بذلك، بل لو صرح المالك باسقاط الضمان الذي هو مقتضى السبب الاول لم يسقط كما صرح به في القواعد، وجامع الشرايع والايضاح، وحواشي الشهيد، وغاية المرام، وجامع المقاصد، على ما حكي عن بعضها، إذ هو ترتب شرعي والاسقاط كالابراء إنما يجدي في الحق الثابت في الذمة مثلا، وليس المقام منه قطعا، إذ لا شئ في الذمة حينئذ، لكون المراد من الضمان فيه انه لو تلفت العين ضمن مثلها، ولا معنى لاسقاطه قبل حصوله، كما انه لا معنى لاسقاط سببية السبب الذي جعل الشارع غاية ارتفاعه التأدية المعلوم انتفاؤها في المقام. - يدفعها اولا: منع عدم صدق التأدية على نحو ذلك، مع استناد اليد فيه إلى إذن المالك، وانه من تصرفه فيه، فهو كما لو تاب الغاصب وطلب من المالك قبض ماله فقال له: ليبق عندك وديعة، وكما لو ارهن المالك مغصوبا عند غير الغاصب، وقد اذن للراهن في قبضه منه وقبضه، ودعوى - التزام الضمان في ذلك ونحوه - ايضا كما ترى يمكن ان يقطع بعدمه، وانه ظلم واضح، فلعل المراد من التأدية في خبر الضمان ما يشمل مثل ذلك، لا انه القبض الفعلي خاصة. وثانيا ظهور كون المراد من الخبر ما إذا بقيت يد الضمان على حالها، لا ما إذا تغيرت وصارت يد امانة مثلا، فيبقى حينئذ على اصالة البراءة التي لا يعارضها

[ 111 ]

استصحاب الضمان، بعد ما عرفت من ظهور دليله في غير الفرض، ومن معلومية كون السبب في الضمان العدوان، والفرض زواله بالائتمان، فلا وجه للاستصحاب. وعدم ارتفاع الضمان بالاسقاط - مع أن فيه بحثا. بل عن الشيخ السقوط لحصول سبب الوجوب، فليس إبراء مما لم يجب، وتبعه المصنف فيما يأتي، والفاضل في التحرير - لا مدخلية له فيما نحن فيه الذي فرض حصول الاذن من الغاصب باستدامة القبض، على أنه رهن، أو وديعة، أو عارية مثلا، وأنه بذلك صار أمانة في يده، ودعوى الفرق - بين المقام، والوديعة التى هي استنابة عن المالك في الحفظ والقبض لمصحلة، بخلاف ما نحن فيه، بل والعارية والتوكيل على البيع والاعتاق على إشكال - غير مسموعة، فإن دقيق النظر يقضى بعدم الفرق بين الجميع. كما أنه يقضى بعدم الفرق بين المغصوب وبين غيره - مما هو مضمون كالعارية المضمونة، والمقبوض بالسوم، أو الشراء الفاسد أو نحو ذلك - فيما ذكرنا من الحكم، ومن ذلك تعرف النظر فيما في القواعد، وجامع المقاصد، وغيرهما، وقد يأتي إن شاء الله لذلك تتمة فتأمل جيدا. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن السبب في لزوم الرهن في مفروض المتن ما قلناه، لا ما سمعت الذي قد عرفت أنه لا يتم في الغصب، ولذلك فصل في المسالك، والروضة بين المغصوب وغيره، فاعتبر الاذن ومضي الزمان في الاول، دون الثاني، ولا ريب في ضعفه، بل لم اعرف هذا التفصيل لغيره عدا الفاضل في ظاهر التذكرة، وإن حكاه في الروضة عن بعض، ولعله هو مراده. كما أنه لم اعرف وجها معتدا به لاعتبار مضي الزمان وإن قيل في توجيهه: أن الاذن في القبض يستدعي تحصيله، ومن ضرورياته مضي زمان، فهو دال على القبض الفعلي بالمطابقة، وعلى الزمان بالالتزام، ولما لزم من القبض الفعلي تحصيل الحاصل أو اجتماع الامثال المحالان حمل اللفظ على المعنى الالتزامي، لتعذر المطابقي، وهو كما ترى، ضرورة أن اعتبار الزمان من باب المقدمة لحصول القبض، فلا يعقل اعتباره مع حصول ذي المقدمة كما هو واضح.

[ 112 ]

ولو علل بأن المنساق من القبض في مثله بعد فرص شمول دليل الشرطية له ذلك، لكان أولى، وإن كان فيه منع واضح أيضا، خصوصا بعد عدم تعذر الحقيقة، بأن يرجعه إلى صاحبه ثم يقبضه منه، أو يتوكل عنه في قبضه وإقباضه، فيكون كالموجب و القابل. وأما الاذن فبناء على عدم اعتبار القبض السابق لكون الفرض أنه غصب، و على أنه شرط في مثل الفرض فالمتجه اعتبارها ليكون استدامة القبض مستندة إليها، فيتحقق القبض المأذون فيه بعد الرهانة ضرورة صدقه على الاستدامة لكن قد عرفت أن التحقيق عدم اعتبار القبض في مثل الفرض، ومن هنا اتجه القول باللزوم وإن لم يحصل اذن في الاستدامة، كما هو مقتضي اطلاق الاكثر الذين لم يفرقوا بين الوديعة والعارية، والمغصوب، في عدم اعتبار الاذن ومضى الزمان، بل لا خلاف محقق أجده في ذلك في الاولين. نعم حكي في الدروس من الشيخ الحكم بأنه لابد من مضى زمان يمكن فيه القبض منهما، ولعله يلزم ذلك في الثالث، الا أنه لم نتحقق ما حكاه عنه، إذ المحكى عنه في المبسوط، والخلاف انه قال: (إذا كان له في يد رجل مال وديعة، أو عارية، أو اجارة، أو غصبا فجعله رهنا عنده بدين له، كان الرهن صحيحا ويكون ذلك قبضا إذا أذن له الراهن في قبض عين الرهن) وزاد في الثاني (وإذا لم يأذن له لم يكن على كونه قبضا دليل) كما أنه حكى عن الاول في مسألة ما إذا أذن له وجن تم القبض و صح، وقد قيل: أنه لا يصح إلا بعد أن يأتي عليه زمان يمكن قبضه فيه. والجميع كما ترى ليس فيه اشتراط مضى الزمان المعروف نقله عن الشافعي وإنما اقتصر على الاذن خاصة، من غير فرق بين المغصوب وغيره، ولعله لتحقق القبض المعتبر بها، إذ الاستدامة كالابتداء ولا يجدي القبض الاول اما في المغصوب فواضح، وأما في غيره فلانه ليس قبض رهانة وان كنا لم نشترط تعقب القبض للرهانة وهو جيد، بناء على اعتبار القبض في مثل الفرض لعدم تيقن حصول الشرط بغير ذلك. نعم فيه ما ذكرنا سابقا من عدم الدليل على اشتراطه في هذا الحال. فيلزم بدونه

[ 113 ]

على تقدير الشرطية، والا فعلى المختار من عدم الشرطية اصلا فلا بحث في اللزوم، و سقوط هذا الكلام من أصله والله أعلم. (و) منها: أنه (لو رهن ما هو غائب) عن مجلس العقد منقولا كان أو غيره غيبة لا يصدق معها القبض لو خلى بينه وبينه فيما يكفى فيه ذلك لو لا الغيبة (لم يصر رهنا) صحيحا، بناء على الاعتبار في الصحة، أو لازما على اعتباره في اللزوم " حتى يحضر المرتهن أو القائم مقامه عند الرهن، ويقبضه) بما يصدق معه من تخلية، أو نقل بلا خلاف أجده فيه، بل في جامع المقاصد، نسبته إلى نص الاصحاب وغيرهم، لعدم حصول الشرط بدون ذلك، ولا يكفى الاذن مع مضي زمان يمكن فيه القبض وإن كان المرهون غير منقول، لمنع حصول التخلية بذل، فضلا عن حصولها بالاذن خاصة. نعم قد يقال: لا حاجة إلى الاذن فضلا عن مضي الزمان لو كان المرهون مقبوضا للمرتهن سابق وإن كان غائبا عنه حال العقد استصحابا لحكم القبض السابق. مع احتمال العدم أيضا كما عن أحد وجهي الشافعية حتى مع مضي الزمان، بل لابد من الحضور فعلا، بل عن أحد الوجهين عنهم أيضا أنه لابد من النقل فعلا للمنقول مثلا وإن كان فيه ما لا يخفى. ولعل ذلك لا ينافي ما تقدم سابقا المفروض فيه وقوع الرهن على المقبوض عنده لكن بهذا النوع من القبض، لا أنه رهنها وهو أي الغاصب ونحوه غائب عنها، إلا أن استدلال بعضهم هناك باستصحاب حكم القبض ينافي ذلك، وحينئذ فيكون كلامهم شاهدا لما قلنا أولا الذي الحيلة بناء عليه في رهن الغائب إذا لم يكن مقبوضا للمرتهن، وكان مقبوضا للراهن بأن يوكله في القبض عنه، فيجعل استدامة قبضه للرهن، فيصح حينئذ، اللهم إلا أن يمنع صحة الوكالة فيما هو في حكم القبض، ولا يخفى عليك سقوط هذا البحث من أصله على المختار. (و) كيف كان ف‍ (لو أقر الراهن بالاقباض قضي) به (عليه) لعموم (1)


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب الاقرار الحديث 1 -

[ 114 ]

(إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) لكن (إذا لم يعلم كذبه) فإنه لا عبرة باقراره قطعا، فلا يشمله الجواز المزبور (ولو رجع) عن اقراره السابق (لم يقبل رجوعه) كما في كل إنكار بعد اقرار، وإلا لم يكن الاقرار جائزا عليه على كل حال، كما هو مقتضى الخبر السابق، وما عن المبسوط - من أنه قوى القبول في آخر كلامه، لجريان العادة بوقوع الشهادة في الوثائق قبل تحقق ما فيها، بل استقر به في التذكرة - واضح الضعف، بل كأنه اجتهاد في مقابلة النص (و) مخالف لاصالة الصحة في قول المسلم وفعله. نعم قد (تسمع دعواه لو ادعى المواطأة على) الاقرار و (الاشهاد) عليه إقامة لرسم الوثيقة، حذرا من تعذر ذلك إذا تأخر إلى أن يتحقق القبض (ويتوجه) له (اليمين) حينئذ (على المرتهن) كما صرح به جماعة، لجريان العادة بذلك ولعموم (1) (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) واختاره المصنف بقوله (على الاشبه) مشعرا بوقوع الخلاف فيه، بل صرح به في شرح الترددات، وان لم يحضرني الآن نسخته، إلا أنه لا يخلو من وجه، لتكذيب دعواه بظاهر اقراره السابق. وكذا لو ادعى الغلط في اقراره وأظهر تأويلا ممكنا، كأن قال: اني أقبضته بالقول: فظننت الاكتفاء به حيث يمكن في حقه توهم ذلك، أو قال: استندت فيه إلى ما كتبه وكيلى، فظهر مزورا ونحو ذلك، وإن صرح بالسماع فيه في التذكرة، والدروس، والمسالك، والروضة، ومحكي المبسوط، ولعله لانه لم يكذب إقراره في الحقيقة، فيشمله العموم المزبور الذي يعارضه عموم الاقرار من وجه فيرجح عليه بفتوى من عرفت، ولا دليل على عدم قبول الدعوى المكذبة والبينة كذلك على كل حال بحيث يشمل المقام الذي قد عرفت فتوى لجملة من الاساطين بالسماع فيه، بل ربما نقل أن الاشبه سماع التأويل الممكن وإن كان الاقرار في مجلس الحكم لكن في


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم الحديث - 1 - 3 - لكن فيه " واليمين على من ادعى عليه

[ 115 ]

التذكرة نظر فيه ولم يرجح بل كأنه مال إلى عدم السماع، وقد تقدم في أول بيع الحيوان ماله نفع في المقام فلاحظ وتأمل. هذا كله إذا شهد الشاهدان باقراره أو اعترف هو به، أما لو شهدا بنفس الاقباض ومشاهدته لم تسمع دعواه، ولم يتوجه له اليمين، بل في التذكرة (وكذا لو شهدا على إقراره بالاقباض بعد انكاره الاقرار) فتأمل. ثم إنه لا يخفى عليك تصوير المسألة بالنسبة إلى المرتهن، وفيما إذا كانت العين في يد الراهن أو المرتهن أو ثالث موجودة أو تالفة، بان قال: تواطأنا على الاقرار، ثم أخذه من دون إذن فتلف، كما أنه لا يخفى عليك جريانها على القول باعتبار القبض في الصحة واللزوم وعدمه والله أعلم. (و) كيف كان فعلى الشرطية وعدمها (لا يجوز تسليم المتاع الا برضا شريكه، سواء كان مما ينقل أو لا ينقل، على الاشبه) وفاقا لصريح التحرير، و الدروس، وظاهر القواعد، واللمعة، لاستلزامه التصرف في مال الغير بغير إذنه، و المانع الشرعي كالمانع العقلي خلافا للمحكي عن المبسوط فيما قبضه التخلية، لعدم اقتضائها التصرف، واستجوده في المسالك وغيرها. لكن قد يناقش بمنع تحقق التخلية التي يصدق القبض معها بدونه، ضرورة أنه سلطنة عرفيه زائدة على السلطنة الشرعية المتحققة بالعقد في نحو البيع، وكونه كالمالك لا يحقق القبض، إذ يمكن منعه بالنسبة إليه ايضا لتوقف دخوله ونحوه من التصرفات على إذن الشريك، فليس مقبوضا له، والتخلية التي يتحقق معها القبض: هي ما يحصل بها السلطنة على القبض الفعلي، بحيث لو أراده لاوقعه، فمع فرض المانع عنه كما في المقام ولو شرعيا لم تحصل السلطنة المزبورة. وعلى كل حال فلو سلمه إياه عدوانا ففي القواعد (في الاكتفاء به - أي على الشرطية نظر) - أقربه ذلك، للقبض وإن تعدى في غير الرهن، ووافقه عليه ولده كما قيل، وثاني المحققين، والشهيدين وغيرهم، لان النهي انما هو لحق الشريك خاصة، إذ الفرض حصول الاذن من قبل الراهن الذى هو المعتبر شرعا، وكونه قبضا

[ 116 ]

واحدا لا ينافي الحكم بالوقوع، لاختلاف الجهة وقد يشكل بمنافاته لما حكى من كلامهم في باب الهبة من التصريح بعدم الاكتفاء، للنهي المانع، كما لو وقع بدون إذن الراهن، وقد تقدم التحقيق في باب القبض. ولو وكل المرتهن الشريك على القبض، وقد أذن له الراهن جاز بلا خلاف ولا إشكال، بل في جامع المقاصد قوة الاكتفاء باذن الراهن للشريك والمرتهن في القبض من دون أن ياذن للمرتهن في توكيل الشريك، بل جزم به في المسالك. نعم لو شرط عليه القبض بنفسه لم يكف، ولو أذن الراهن للمرتهن في القبض فنازعه الشريك نصب الحاكم عدلا يكون في يده لهما، فيكون قبضا عن المرتهن، كما أنه لو تنازعا في الاستدامة وكان مما يؤجر ولم يتهاينا، جعله الحاكم على يد عدل يؤجره ويقسم الاجرة على الشريكين، وفي الدروس ويتعلق الرهن بحصة الراهن من الاجرة وليكن مدة الاجارة لا تزيد عن أجل الحق، فلو زاد بطل الزائد وتخير المستأجر الجاهل، إلا أن يجيز المرتهن ويأتي تمام الكلام في ذلك انشاء الله والله أعلم. الفصل الثاني في: شرائط الرهن اي المرهون صحة أو لزوما وقد ذكر المصنف بعضا منها فقال (ومن شرائطه: أن يكون عينا مملوكا يمكن قبضه ويصح بيعه، سواء كان مشاعا أو منفردا) وتفصيل البحث فيها أنه لا خلاف أجده في الاول منها، بل ربما استشعر من عبارتي الغنية والسرائر ذلك أيضا، سوى ما تسمعه من الخلاف في خدمة المدبر، وهو الذي حكاه في المختلف، وإلا - فلم نجد خلافا في غيرها لاحد من العامة فضلا عن الخاصة. وعلى كل حال (فلو رهن دينا، لم ينعقد) الرهن على المشهور نقلا و تحصيلا بل ربما استشعر من عبارتي السرائر، والغنية، الاجماع عليه، وهو الحجة إن تم أو دعوى ظهور الادلة ولو بمعونة الشهرة في اعتبار العينية بهذا المعنى في صحة عقده أو مفهومه، بل لعل الشك في الاخير كاف، - لا لان القبض معتبر في الرهن،

[ 117 ]

وهو غير ممكن في الدين الذي هو أمر كلي لا وجود له في الخارج يمكن قبضه، وما يدفعه المديون ليس عين الدين، بل هو أحد أفراده، فإن فساده واضح. أما أولا: فلاقتضائه الصحة ممن لم يقل بالشرطية، مع أنه صرح بالمنع في السرائر، والقواعد، وغيرهما ممن لا يقول بالشرطية. وثانيا: لا يتم على تقدير اشتراطه في اللزوم، فان أقصاه عدم اللزوم، لا الصحة، مع أنه صرح في الغنية بالمنع مع أنه ممن يقول بكونه شرطا للزوم دون الصحة. وثالثا: معلومية عدم الفرق بين قبض الدين في البيع في الصرف فيه وغيره، والهبة وغيرها، وبين الرهن، ولا ريب في صحة قبضه بتعيين المديون، وصدق قبض الدين على ذلك المدفوع، وإن كان هو أحد الافراد التي يوجد فيها الكلي. ورابعا: أنه لا يتم لو كان الدين المرهون على المرتهن، لكونه مقبوضا له، ولذلك صح التصارف بما في الذمم، وكان ذلك تقابضا منهما قبل التفرق، ولا لان الرهن ليس إلا من حيث عدم الوثوق باستيفاء ما في الذمة، فكيف يستوثق في استيفائه بمثله، إذ فيه مع كونه غير تام فيما لو قبضه وأبقاه رهنا عنده، بل وغير تام فيما لو كان الدين على المرتهن، إذ من الواضح اختلاف الناس في سهولة القضاء وعسره، فكم من ديون متعينة الحصول يصلح الاستيثاق بها دون غيرها مما يئس من تحصيلها كما لا يخفى. بل ولا لما في الرياض صريحا وغيره ظاهرا من الشك في حصول الذي هو شرط في الرهن بذلك، بدعوى ظهور النصوص في كون المقبوض الرهن نفسه الذي جرى عليه العقد، لافرده، وصدق القبض عرفا لا يستلزم تحقق القبض المتبادر من الادلة هنا، بل هو قبض لا يتناول ما عليه في الذمة. بل قد يمنع صدق القبض عليه عرفا مع بقائه على ملك الديان، وإن أجرينا عليه حكم المقبوض لو انتقل إلى المديون نفسه، فالاصول حينئذ بحالها بعد صرف الاطلاقات إلى ما عرفت من القبض، بل عموم الوفاء بالعقود منصرف إلى إطلاق النصوص في الرهون، فإنه بملاحظتها والنظر فيما ورد في بعضها - مما هو كالتعليل

[ 118 ]

لشرعية الرهن بأنه للوثوق الغير الحاصل في أغلب أفراد المفروض - يحصل الظن القوي بل المتأخم للعلم بأن عقد الرهن لا يصح إلا فيما يمكن قبضه بنفسه قبضا حسيا، فينزل عموم الوفاء على ذلك، إذ هو الصحيح لا غيره كما ستسمع ذلك في نظائر المقام مما لا يمكن قبضه وبيعه كالحر وشبهه. ومن ذلك تعرف عدم بناء المنع في رهن الدين على شرطية القبض، وإن حكم به الفاضل في التذكرة، ضرورة كون الحاصل منه اشتراط كون الرهن مما يقبض قبضا حسيا، سواء قلنا باشتراط القبض في الصحة أو اللزوم أو لم نقل، كما أن منه يعلم دفع العجب عن العلامة في القواعد، حيث حكم بعدم صحة رهن الدين مع قوله بعدم الاشتراط، كالحلي في السرائر، وتصريحه بالبناء في التذكرة لا يقضي بكونه كذلك في القواعد، إذ ذلك كله بعد ما عرفت دعوى بل دعاوي خالية عن الشواهد، بل هي بخلافها متحققة، ضرورة عدم الفرق بين قبض الرهن وغيره، خصوصا بعد رهن المشاع الذى هو راجع إلى الكلية أيضا، بل ورهن الكلي الخارجي ولو بوصية ونحوها قبل قبضه، كضرورة حصول الوثوق برهنه بالطريق الذي ذكرناه. فلا ريب في كون المتجه الصحة، كما احتمله في الدروس بناء على اشتراط القبض في الصحة، فضلا عن اللزوم، وفضلا عن المختار من عدم الشرطية أصلا بل كون الرهن مما يقبض لو سلمنا إشتراطه متحقق، كما عرفت، ولعله لذا احتمل في الدروس، و الروضة الصحة كهبة ما في الذمم، بل جزم به في المسالك والمحكي عن مجمع البرهان. نعم قد يحتمل كون المراد من الدين في كلام المصنف وغيره خصوص المؤجل منه الذي لا يستحق الديان قبضه، فإنه قد يتجه المنع فيه، بناء على شرطية استحقاق القبض فعلا، لعدم التمكن من الاقباض، والانتظار إلى حلول الاجل لا يجدي في حصول شرط صحة الرهن، وهو المنفي، لا ذاك ولا ما إذا رضي المديون بتعجيل الحق ونحو ذلك مما يتصور فيه الصحة. لكن قد عرفت انه لا دليل على الشرطية المزبورة على وجه لا يكفى فيها استحقاق القبض المتأخر عند حلول الاجل، فالعمدة حينئذ ما سمعته من الاجماع، وان كان دون

[ 119 ]

تحصيله خرط القتاد - ودعوى ظهور النصوص - ولو بمعونة فتوى المشهور - في اعتبار كون الرهن عينا لا دينا في صحته، أو مفهومه، على نحو اعتبار العين والمنفعة مثلا في البيع، والاجارة، ولا ينافيه اطلاق الشرطية في كلامهم بعد تعارف اطلاقها عندهم على المقوم، بل يكفي الشك في الاخير ولو للشهرة وغيرها لعدم إطلاق يحتج به حينئذ للنفي والاصل الفساد. (وكذا) الكلام (لو أرهنه منفعة كسكنى الدار وخدمة العبد) غير المدبر الذي لا أجد فيه خلافا، بل في المسالك أنه موضع وفاق، بل قيل: إنه قد يظهر من جماعة، ولعله الحجة وإن علل مع ذلك بأن الدين إن كان مؤجلا فالمنافع تتلف إلى حلول الاجل فلا تحصل فائدة الرهن، وإن كان حالا فيقدر ما يتأخر قضاء الدين بتلف جزء من المرهون، فلا يحصل الاستيثاق، ولان المنافع لا يصح إقباضها إلا باتلافها، فكان عدم الصحة متجها على القول باشتراط الاقباض، وبدونه، بل في المسالك (ان الامر على ما اختاره المصنف من الاشتراط واضح) وتبعه في الرياض. لكن تأمل فيه في حاشيته على الروضة، فقال: (إن استيفاء الدين من عين الرهن ليس بشرط، بل منه أو عوضه، ولو ببيعه قبل الاستيفاء، كما لو رهن ما يتسارع إليه الفساد قبله، والمنفعة يمكن جواز ذلك فيها، بأن يؤجر العين ويجعل الاجرة رهنا، وقريب منه القبض لامكانه بتسليم العين ليستوفي منها المنفعة، ويكون عوضها رهنا، إلا أن يقال: إن ذلك خروج عن المتنازع، إذ رهن الاجرة جائز، إنما الكلام في المنفعة نفسها، والفرق بينها وبين ما يتسارع إليه الفساد، امكان رهنه، والمانع عارض). وفيه أنه ليس خروجا بعد أن كان مورد العقد المنفعة، لا الاجرة التي لا كلام في جواز رهنها، والفرق بعروض المانع غير مجد، فالعمدة حينئذ الاجماع المؤيد بدعوى ظهور النصوص في كون الرهن عينا لا منفعة، ولو على الوجه الذي سمعته سابقا، وإلا كان المتجه الجواز وإن قلنا بالاشتراط ضرورة اجراء الشارع قبض الاعيان ذوات المنافع مجرى قبض المنافع في الاجارة وغيرها.

[ 120 ]

ودعوى - اختصاص ذلك بالاجارة لمكان الحاجة إلى المنافع، والا فقبض العين ليس قبضا تاما في الاجاره، بخلاف رهن المنافع، فإنه لا حاجة تمس إليها - واضحة المنع وعدم تمامية القبض لا ينافي إجراؤه مجراه، فلا ريب حينئذ في أن العمدة ما قلناه، كما يؤمي إليه التصريح بالمنع من القائلين بالشرطية وعدمها، وتلف بعض المنافع إلى حلول الاجل أو إلى الاستيفاء غير قادح، بعد أن كان الاستيثاق في المجموع الذى هو كاف في صحة الرهن، سيما مع التصريح بذلك، فلا دليل حينئذ إلا ما عرفت في دعوى الاجماع هنا أقرب منها في الاول والله أعلم بحقيقة الحال. نعم لهم كلام في خصوص رهن خدمة المدبر ستسمعه انشاء الله (و) لكن قبل الكلام في ذلك ينبغي أن يعلم أن (في رهن المدبر) نفسه (تردد) أو خلاف، (والوجه) عند المصنف وغيره من المتأخرين بل في المسالك نسبته إلى الاكثر (أن رهن رقبته إبطال لتدبيره) كبيعه وهبته ونحوهما من العقود التي يكون الغرض منها ملك من انتقل إليه، أو استيفاء الدين من قيمته، إذ لا يتم ذلك إلا بالرجوع في التدبير الذي هو من العقود الجائزة، كغيره، من الوصية، فيكون حينئذ قصد شئ منها كافيا في الرجوع، للتنافي بينه وبين القصد السابق للتدبير، خلافا للمحكي عن الشيخ من الصحة، لان الرهن لا يستلزم نقله عن ملك الراهن، ويجوز فكه، فلا يتحقق التنافي بين الرهن والتدبير بمجرد الرهن، بل بالتصرف فيه. لكن الموجود في المحكي عن مبسوطه كالذي في السرائر إذا دبر عبده ورهنه بطل التدبير، لان التدبير وصية، ورهنه رجوع فيها، وإن قلنا إن الرهن صحيح والتدبير بحاله كان قويا، لانه لا دليل على بطلانه. نعم زاد (فعلى هذا إذا حل الاجل في الدين وقضاه المدين من غير الرهن كان جايزا، وإن باعه كان له ذلك، وعن خلافه إذا دبر عبده ثم رهنه بطل التدبير، وصح الرهن، إن قصد بذلك فسخ التدبير، وإن لم يقصد بذلك الفسخ لم يصح الرهن، واستدل بعدم الخلاف والاجماع على أن التدبير بمنزلة الوصية، والوصية له الرجوع فيها، فكذا التدبير، فأما إذا لم يقصد الرجوع فلا دلالة على بطلانه - إلى

[ 121 ]

أن قال -: وإن قلنا: إن الرهن صحيح والتدبير بحاله كان قويا) وهما معا كما ترى، لا تصريح فيهما بذلك، بل ظاهرهما عدم القول به. نعم يحكى عن الاردبيلى التصريح به مدعيا عدم المنافاة بينهما، وكأنه توقف فيه في المسالك: وفي تدبير التحرير (الاقوى أن رهن المدبر ليس إبطالا له، وعتق بعد الموت، ويؤخذ من التركة قيمته تكون رهنا). وعن الكفاية (أن في المسألة أقوالا ثلاثة - القول بصحة الرهن، وأن رهن رقبته إبطال لتدبيره، - والقول بعدم الصحة، والقول بأن التدبير مراعى بفكه فيستقر، أو يأخذه في الدين فيبطل). وأنكر عليه في الحدائق وغيرها، القول الثاني: وفي التذكرة يصح رهن المدبر عند علمائنا، لكن لعله فهمه من عبارة الخلاف السابقة المقيد ذلك بعدم قصد الفسخ أو أخذه من الدروس، فإنه حكاه عن النهاية قال، (ورهن المدبر إبطال لتدبيره عند الفاضلين، وعلى القول بجواز بيع الخدمة يصح في خدمته) وفي النهاية (يبطل رهن المدبر) وفي المبسوط والخلاف (يصح ويبطل تدبيره) ثم قوى صحتهما فإن بيع بطل التدبير، وإلا فهو بحاله، وتبعه ابن ادريس وهو حسن. وكيف كان فالاحتمالات - التي بعضها أقوال - ستة، أو سبعة، وإن أمكن في بعضها إرجاعه إلى آخر أحدها: صحة الرهن وإبطال التدبير، ثانيها: الصحة و مراعاة التدبير، ثالثها: ما سمعته من التحرير، رابعها: ما سمعته من الخلاف، خامسها صحتهما معا على أن يكون رهنا إلى موت السيد فينعتق، وتبطل الرهنية، فيكون كرهن المال الذي فيه الخيار لغير الراهن، وكرهن العبد المشروط حريته بناء على صحته، أو المنذور كذلك في مدة مخصوصة، أو العبد الجاني عمدا أو خطأ، والمرتد عن فطره، والمريض المأيوس منه، وكبيع المدبر على رأى المفيد، القائل بأنه إذا مات سيده تحرر، وليس للمشترى عليه سبيل، ولعل هذا هو الذي قواه في السرائر، بل لعله المحكي عن الاردبيلى. سادسها - ما حكاه في الكفاية من عدم صحة الرهن، سابعها: عدم الصحة إذا

[ 122 ]

كان المقصود رهنه بحيث يستوفى منه الدين، مع قصد عدم الرجوع بالتدبير، أما إذا كان مقصوده رهنا باقيا على صفة التدبير فيصحان معا، والاطلاق منصرف إلى الثاني. ولعل الاقوى الاول إذا كان التدبير مما يجوز له الرجوع فيه، لاطلاق أدلة الرهن، واجتماع الشرائط حال العقد، ولان الرهن للتوثق الذي ينافيه ذلك، فإن لم يكن كذلك بأن كان واجبا عليه بنذر ونحوه فليس حينئذ إلا الخامس أو السادس، وكأن الاول منهما لا يخلوا من قوة، خصوصا إذا قلنا بجواز بيعه منزلا على الخدمة أولا إلى موت السيد الذي ربما يرجع إليه ما سمعته من المفيد، بل هو الذى يقضى به التدبير في كلام الدروس أولا. وقد تلخص من ذلك أنه حيث يكون التدبير مما يجوز الرجوع فيه الاقوى الاول، سواء صرح بكونه يستوفى منه المال على كل حال إذا لم يؤد الدين، أو أطلق، أما صحة الرهن فلوجود المقتضى وارتفاع المانع، وأما بطلان التدبير فللمنافاة وإلا لصح تدبيره وهو رهن. وكون التدبير عتقا بصفة، فينبغي بطلان الرهن لا بطلانه، ليس من مذهبنا، للاجماع على جواز الرجوع به كالوصية، ولا يحتاج إلى سبق فسخ التدبير، بل ولا إلى قصده على أقوى الوجهين، أو القولين، كما تعرفه إن شاء الله في محله، وتقدم له نظائر في الخيار وغيره، ويأتى في الوصايا وغيرها، فهو حينئذ كبيعه وهبته ونحوهما بل كبيع المال الموصى به لشخص أو هبته أو رهنه مما يحصل به الرجوع قهرا لا قصدا. نعم لو صرح بكونه رهنا باقيا على تدبيره جاء فيه الوجهان السابقان اللذان قد تقدم قوة أولهما، وأنه يكون كرهن الجاني والمنذور عتقه، والمريض المأيوس من برئه هذا كله مع إرادة رهن رقبته. (أما لو صرح برهن خدمته، مع بقاء التدبير) ففى المتن (قيل: يصح، التفاتا إلى الرواية المتضمنة لجواز بيع خدمته، وقيل لا، لتعذر بيع المنفعة منفردة وهو أشبه) لكن لم نعرف القائل بالاول، وإن حكاه غيره أيضا. نعم ربما نسب

[ 123 ]

إلى الشيخ في النهاية، إلا أني لم أجده فيها، لا في الرهن ولا في التدبير، ولكن قال: (لا يجوز بيعه قبل نقض تدبيره، إلا أن يعلم المشتري أن البيع للخدمة، وأنه متى مات هو كان حرا لا سبيل له عليه). وفي الدروس (وتبعه على ذلك جماعة) فيمكن أن يكون وجه النسبة إليه القاعدة التي ذكرها غير واحد، وهي - كل ما جاز بيعه جاز رهنه - إلا أن ذلك يقتضي القول به لغيره أيضا، ولعله لذا قال في الدروس: (ولا يجوز رهن المنفعة لعدم إمكان بيعها، ولان المنافع لا بقاء لها، فلا ينتفع بها المرتهن إلا خدمة المدبر، وفاقا لجماعة وقد سلف) والذي سلف له في كتاب التدبير جواز البيع، قال: (وصريح الرجوع رجعت في تدبيره، أو نقضت، أو أبطلت وشبهه، دون إنكار التدبير، أما لو باعه أو وهبه ولما ينقض التدبير، فأكثر القدماء على أنه لا ينقض التدبير، فقال الحسن: (يبيع خدمته، أو يشترط عتقه على المشتري، فيكون الولاء له) وقال الصدوق: (لا يصح بيعه إلا أن يشترط على المشترى اعتاقه عند موته). وقال ابن الجنيد: (تباع خدمته مدة حياة السيد). وقال المفيد: (إذا باعه ومات تحرر ولا سبيل للمشترى عليه). وقال الشيخ في النهاية: (لا يجوز بيعه قبل نقض تدبيره، إلا أن يعلم المشترى بأن البيع للخدمة). وتبعه جماعه والحليون إلا الشيخ يحيى، على بطلان التدبير بمجرد البيع، وحمل ابن ادريس بيع الخدمة على الصلح مدة حياته، والفاضل على إلاجارة مدة فمدة حتى يموت، وقطع المحقق ببطلان بيع الخدمة، لانها منفعة مجهولة، والروايات مصرحة بها (1)، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله باع خدمة المدبر، ولم يبع رقبة، وعورضت برواية محمد بن مسلم (2)، هو مملوكه، إن شاء باعه، وإن شاء أعتقه) وأجيب بجعل البيع على الرجوع قبله، توقيفا، والجهالة في الخدمة غير قادحة، لجواز استثناء هذا، على أن المقصود في البيع في جميع الاعيان هو الانتفاع ولا تقدير لامده، فالعمل على المشهور، وتخريجه - علي تناول البيع الرقبة، ويكون


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب التدبير الحديث - 4 - (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب التدبير الحديث - 1

[ 124 ]

كمشروط العتق - باطل بتصريح الخبر، والفتوى بتناول الخدمة دون الرقبة). قلت: قد يظهر من المفيد خلافه، بل يمكن تنزيل بعض عبارات غيره عليه، على أن يكون إطلاقهم بيع الخدمة منزلا على أنه لا ثمرة معتدا بها لهذا البيع إلا الخدمة، بل يمكن تنزيل الروايات على ذلك، محافظة على قاعدة عدم وقوع البيع على المنافع، واحتمال تخصيصها بذلك موقوف على قابليتها، إذ هي - خبر السكوني (1) (عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: (باع رسول الله صلى الله عليه وآله خدمة المدبر ولم يبع رقبة). وخبر أبي مريم (2) (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يعتق جارية عن دبر أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها مدة حيوته ؟ فقال: نعم أي ذلك شاء فعل). وخبر على (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته قال: إن أراد بيعها باع خدمتها في حياته فإذا مات اعتقت الجارية، وإن ولدت أولادا فهم بمنزلتها). وخبر أبي بصير (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد والامة يعتقان عن دبر فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء، وليس له أن يبيعه إلا أن يشاء العبد أن يبيعه قدر حياته، وله أن يأخذ ماله إن كان له مال). والجميع لا صراحة فيها، بل هي قابلة للتنزيل على ما ذكرنا، بل خبر أبي بصير منها كالصريح فيه، وإن كان لا قائل بما فيه من اشتراط مشيئة العبد، بل نوقش في أسانيدها جميعا بالسكوني، وأبان، والقاسم بن محمد، واشتراك أبي بصير. وإن كان يدفعها عمل من عرفت بها، وسكون الاصحاب إلى اخبار السكوني، وعدم قدح اشتراك أبي بصير بعد عدالة الجميع، كما حرر في محله، بل لعل رواية عاصم عنه هنا يعين أنه (ليث)، مضافا إلى رواية الجميع في التهذيب والاستبصار، بل خبر أبي مريم


(1) (2) (3) (4) الوسائل الباب - 3 - من ابواب التدبير الحديث - 4 - 1 - 3 - 2 -.

[ 125 ]

وأبي بصير منها قد رواه في الفقيه أيضا، بل الاول منهما قد أرسله الصدوق في الهداية أيضا. ومن الغريب ما في الحدائق في المقام من اني لم أقف بعد التتبع على رواية جواز بيع الخدمة، والموجود في كلام جملة منهم إنما هو بهذا العنوان من غير نقل مضمونها ومنه يظهر قوة القول بالعدم، لما عرفت فيما تقدم من تعليل عدم صحة بيع المنفعة، مع عدم وجود ما يعارضه ويوجب الخروج عنه، والرواية المذكورة غير معلومة، لعلها من روايات العامة. واغرب منه ما في مفتاح الكرامة حيث رده بأن هذه الرواية قد اعترف بها المحقق والعلامة وغيرهما، بل قال الشهيد: والروايات مصرحة بها، فكان هناك روايات وليس ما يحكونه إلا كما يروونه، وقد روى في الهداية عن الصادق عليه السلام إلى آخر خبر أبى مريم، ثم قال فلا تصغ إلى ما في الحدائق من احتمال كونها من روايات العامة، حيث لم يقف عليها بعد التتبع، إذ هما معا كما ترى. وكيف كان فبناء على أن ما جاز بيعه جاز رهنه، لا مناص عن العمل بها، إن لم يكن المراد منها ما ذكرنا، المؤيد بموافقة بيعه مدبرا للضوابط في الجملة، ضرورة عدم خروج بالتدبير عن الملك المقتضى لجواز سائر التصرفات، وهذا الذي يعبر عنه ببيع الخدمة، ويمكن تنزيل تلك العبارات أو أكثرها عليه، ويبقى قاعدة عدم جواز بيع المنافع على حالها الذي لم يخصصها أحد منهم في كتاب البيع وغيره والله أعلم. وأما الثاني: وهو اعتبار الملك فلا أجد خلافا في اشتراط كونه مما يملك، فلا يصح رهن غير المملوك كالحشرات والخمر والخنزير للمسلم، كما ستعرف، لعدم إمكان استيفاء الدين منه، كما أنه لا أجد خلافا في اشتراط كونه مملوكا للراهن أو مأذونا فيه، لعدم التمكن من استيفاء الدين منه بدون ذلك. (و) حينئذ ف‍ (لو رهن ما لا يملك لم يمض ووقف على اجازة المالك) لان الظاهر جريان الفضولي فيه، بناء على موافقته للضوابط، أو أنه أولى من النكاح الوارد فيه ذلك، أو لانه ثابت في البيع ولم يفرق أحد فيه وبين غيره من العقود

[ 126 ]

فتوقف بعض متأخري المتأخرين فيه هنا - وإن قلنا به في البيع - في غير محله. واحتمال - أنه على غير قياس الفضولي، لانه ليس رهنا على دين المالك له بغير إذنه - واضح الضعف، ضرورة عدم الفرق بينهما بعد فرض تأثير الاذن السابقة فيها معا، فليس إلا تأخيرها وهو غير قادح فيهما معا، فهو إن لم يكن على قياس الفضولي فحكمه حكمه بلا خلاف أجده بين من تعرض له، فلا ينبغى التوقف في القسمين معا. بل لا يبعد صحة رهن التبرع كالوفاء والضمان، فلو رهن مال نفسه على دين رجل آخر من غير إذنه بل مع نهيه صح، كما نص عليه في التذكرة، لاطلاق الادلة. نعم يتوقف على إذن المديون لو رهنه عنه بعنوان الوكالة مثلا، ولو رهنه متبرعا في أصل الرهنية، لكن قصده مع ذلك الرجوع على المديون لو بيع بالدين فإن أجاز الديان ذلك احتمل الالزام به، وإلا كان رهنا ولا رجوع له عليه، ولعل مثله يجري في وفاء الدين. (وكذا) في التوقف على الاجازة (لو رهن ما يملك وما لا يملك) في عقد واحد لكن إذا فعل ذلك (مضى في ملكه، ووقف في حصة شريكه) إن كان مشتركا بينهما (على إجازته) وكذا إذا لم يكن مشتركا، والاشكال في تبعض الصفقة هنا كالبيع واضح الدفع، كما حرر في محله، كالاشكال في أصل رهن المشاع من أبى حنيفة محتجا بعدم إمكان قبضه وهو خطأ محض، وبأنه قد يصير جميع ما رهن بعضه في حصة الشريك، وهو - مع أنه أخص من الدعوى، إذ لا يجرى إلا في رهن الحصة المشاعة من بعض معين في الدار المشتركة مثلا - يمكن أن يكون الحكم فيه بناء على صحة إلزام الراهن بالقيمة لانه كاتلافه، ويمكن أن يكون كالتلف من الله سبحانه فلا يلزم بشئ، ويحتمل بناء الحكم فيه على الاختيار والاجبار فالاول كالاتلاف، والثاني كالتلف، ولعل القول بالالتزام على كل حال أولى، لانه قد حصل له في ذلك الجانب مثل ما رهنه.

[ 127 ]

إلا أنه قد يقال بكون الرهن ما قابله من حصة الراهن لا القيمة، كما أن الظاهر توقف صحة القسمة على إذن المرتهن كباقي التصرفات، لكنه أطلق في الدروس فقال: (لو رهن نصيبه في بيت معين من جملة دار مشتركة صح، لان رهن المشاع عندنا جائز، فإن استقسم الشريك وظهرت القرعة له على ذلك البيت، فهو كاتلاف الراهن، يلزمه قيمته، ولا يلحق بالتلف من قبل الله تعالى) ونحوه عن التذكرة. وعلى كل حال فرهن المشاع لا اشكال فيه عندنا، بل ولا خلاف، بل قد عرفت أن ظاهر الدروس الاجماع عليه، بل عن صريح الغنية ذلك، بل في التذكرة يصح رهن المشاع سواء رهن من شريكه، أو من غير شريكه، وسواء كان ذلك مما يقبل القسمة أو لا يقبلها، وسواء كان الباقي للراهن أو لغيره، مثل أن يرهن نصف داره أو نصف عبده، أو حصة من الدار المشتركة بينه وبين غيره عند علمائنا أجمع، فذلك كله مع إطلاق الادلة الحجة على أبي حنيفة. نعم يعتبر في الرهن أصل الملكية كما عرفت (و) حينئذ ف‍ (لو رهن المسلم خمرا) أو خنزيرا أو نحوهما مما لا يملكه المسلم (لم يصح) بلا خلاف أجده فيه، (ولو كان عند ذمى) لعدم ملكية الراهن لها وعدم سلطنة على بيعها ووفاء دينه منها. (ولو رهنها الذمي عند المسلم، لم يصح أيضا، ولو وضعها على يد ذمى، على الاشبه) الاشهر بل المشهور شهرة عظيمة، بل لا خلاف أجده فيه إلا من المحكى عن المبسوط والخلاف في خصوص ما لو وضعه على يد ذمى، قال: (إذا استقرض ذمى من مسلم مالا، ورهن بذلك خمرا يكون على يد ذمي آخر يبيعها عند محل الحق فباعها وأتى بثمنها جاز له أخذه، ولا يجبر عليه) وزاد في الاخير أن له أن يطالب بما لا يكون ثمن محرم، وقد يقال: بعدم صراحته في الخلاف، خصوصا الاخير، بل مراده جواز أخذ الثمن مما جعله الذمي رهنا عند ذمي آخر على هذا الدين، و إن كان رهنا فاسدا. والتعليل - بان الحق في وفاء الدين للذمي، فيصح الرهن كما لو باعها ووفاه

[ 128 ]

ثمنها، لان الرهن لا يملك للمرتهن، وإنما يصير محبوسا عن تصرف الوارث - لم نجده له، وكأنه لغيره، ذكره له، ورده بأن يد الذمي الودعي كيد المسلم الذي لا بد من اعتبار تسلطه على البيع، والاستيفاء من الرهن، وهو هنا ممتنع، وإن كان قد يناقش فيه بمنع كون يده، يده، ضرورة عدم لزوم كونه وكيلا عنه، لعدم اشتراط استدامة القبض. نعم المانع ما اشرنا إليه، من عدم صحة تعلق حق المسلم في الخمر على الوجه المزبور، وهو معتبر في المرتهن. وعلى كل حال فخلافه غير متحقق، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لعدم صحة تعلق حق المسلم في الخمر المنهي عن قربها على وجه يسلط هو أو الحاكم على بيعها والاستيفاء منها، بل لعله كذلك فيما لو مات الذمي المديون لمسلم، أو فلس ولم يكن عنده إلا خمر أو خنزير، ولا ينافي ذلك جواز أخذ ثمنها منه لو باعها، إذ ليس هو تعلق بها، ولذلك ليس له جبره على بيعها، ولا اشتراط ذلك في عقد لازم، بل ليس له أن يأمره بذلك، لكونه محرما على الذمي، إذ هو مخاطب بالفروع، وكذا لا ريب في ضعف ما سمعته منه من جواز الامتناع عن قبض ثمنه، وفاء مع فرض كونه مثل الحق، ضرورة عدم الفرق بينه وبين غيره بعد جواز تناوله منه كما هو واضح. (ولو رهن أرض الخراج) كالمفتوحة عنوة والتي صولح أهلها على أن تكون ملكا للمسلمين وضرب عليهم الخراج (لم يصح) عند المصنف والجماعة، (لانها لم تتعين لواحد) من المسلمين (نعم يصح رهن ما بها من أبنية وآلات وشجر) لكونها مملوكة لصاحبها، بخلافها هي كما أنه يصح رهنها مع الآثار، بناء على أنها تملك تبعا لآثار التصرف، بل لا يبعد حينئذ صحة رهنها نفسها دون الآثار، لكونها مملوكة مادامت الآثار، كما عساه يظهر من الدروس، خلافا للمسالك فقال: (وإلا صح جواز رهنها تبعا لآثار التصرف من بناء وشجر ونحوهما لا منفردة) إلا أن الامر سهل. انما الكلام مع العلامة وغيره ممن جوز بيعها تبعا للاثار، ومنع من

[ 129 ]

رهنها كذلك، ضرورة أن المتجه له جواز رهنها تبعا للآثار، لعدم الفرق، واحتماله - باعتبار أن الآثار قد تزول قبل حلول أجل الدين، فلا يصح بيع الارض، أو باعتبار أن الاخبار هناك دلت بظاهرها على جواز بيعها مطلقا، فنزلت على ما إذا تصرف فيها بهما، ولم يرد هنا شئ - كما ترى، خصوصا بناء على قاعدة ما جاز بيعه جاز رهنه، هذا. وقد قيد جماعة البناء، بما إذا لم يكن معمولا من ترابها، وإلا كان حكمه حكمها ويمكن دعوى كون السيرة في الآجر والاوانى وغيرها على خلاف ذلك. (و) أما الثالث: فلا ريب في اعتباره بناء على اشتراط القبض في الصحة ف‍ (لو لو رهن ما لا يصح) ولا يمكن (اقباضه كالطير في الهواء) غير معتاد لعود (والسمك في) غير المحصور من (الماء) بحيث يتعذر قبضه عادة (لم يصح رهنه) -، بل وعلى عدمه لعدم الاستيثاق بمثل ذلك. لكن في المسالك (أنه يمكن القول بالصحة، لعدم المانع)) وتخيل تعذر استيفاء الحق من ثمنه، لعدم صحة بيعه، يندفع بامكان الصلح عليه، وكلية - ما صح بيعه صح رهنه، - ليست منعكسة عكسا لغويا وقد تقدم مثله في الدين وهو لا يخلو من وجه، مع فرض امكان الاستيفاء بصلح ونحوه مما لا يكون نادرا، وإلا لم يخل من نظر، كما في الرياض، فإن مجرد الامكان مع الندر غاية غير محصل للمقصود الذاتي بالرهن، وهو الاستيثاق ومعه لا يحصل ظن بتناول مال على لزوم العقود لمثله، ولعله لذا اشترط الشرطين من لم يشترط القبض. وكيف كان فإذا كان معتاد العود والماء محصورا فالصحة متجهة على التقديرين كما صرح به بعضهم، وهل العبرة بامكان الاقباض عند التسليم ؟ أو عند العقد ؟ فلو رهن ما لا يمكن إقباضه عند العقد فاتفق القدرة عليه فأقبضه، صح على الاول، وبطل على الثاني. ولو رهن ممكن الاقباض عند العقد، فاتفق تعذره بعده، صح الرهن إذا تمكن من إقباضه بعد ذلك على التقديرين، ولعل الامر في المقام على حسب ما تقدم في البيع

[ 130 ]

بالنسبة إلى اشتراط القدرة على التسليم، التي هي في المقام أولى بالاعتبار، بناء على اشتراط القبض فيه، وإن كان مقتضى الاصل المستفاد من اطلاق الادلة عدم شرطية كل ما شك فيه، فتأمل جيدا فإنه يمكن الفرق بين البيع وبين المقام باعتبار عدم الغرر في الاول، دون الثاني، الذي لاسفه أيضا في إيقاع عقد الرهن عليه مراعى بالقبض، بخلاف المعاوضة، ومن هنا ينقدح الشك في أصل الشرطية إن لم يكن اجماع حتى على القول باعتبار القبض، والله العالم. (وكذا لو كان مما يصح إقباضه و) لكن (لم يسلمه) بناء على اعتباره في الصحة، ولم يلزم بناء على اعتباره في اللزوم، وصح بدون التسليم، بناء على عدم اعتباره في صحة، ولا لزوم، وإلا أنه ينبغي أن يعلم أن المراد من الاول، بقاء الصحة مراعاة، إلى أن يحصل ما يقتضي الفسخ من قول أو فعل، وإلا فعدم التسليم أعم من ذلك، ضرورة عدم اشتراط مقارنة التسليم للعقد كما هو واضح. (وكذا لو رهن عند الكافر عبدا مسلما أو مصحفا) لنفى السبيل في الكتاب العزيز (وقيل:) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه (يصح) رهنه (و يوضع على يد مسلم، وهو أولى) عند المصنف، والفاضل والشهيدين وغيرهم لمنع تحقق السبيل بذلك، لانه إذا لم يكن تحت يده لم يستحق الاستيفاء من قيمته إلا ببيع المالك، أو من يأمره بذلك، ومع التعذر يرفع أمره إلى الحاكم ليبيع ويوفيه، ومثل هذا لا يعد سبيلا، لان مثله يتحقق بالموت والتفليس ونحوهما. وفيه: أن ذلك يقتضى جوازه وإن وضع في يده إذ لا تسليط له، وإن كان في يده إلا بالطريق المزبور، والفرض أنه غير سبيل، ولو سلم وكالته عن الراهن أمكن منع كونها سبيلا للكافر، بل هي من سبيل المؤمن كايداعه ونحوه، بل يد المسلم هنا نحو يد الذمي التي قالوا هناك أنها لا تجدى في ارتهان المسلم الخمر، لكونها يد المرتهن، فالمتجه بناء المسألة على صحة تعلق حق الرهانة للكافر في المسلم والمصحف، وعدمها، من غير فرق بين الوضع على يد المسلم وعدمه، ولعله لذا أطلق

[ 131 ]

المنع في التذكره وغيرها، بل ربما ادعي أنه معقد محكي الاجماع. لكن الانصاف عدم خلو القول بالصحة مطلقا من قوة، إن لم يثبت إجماع على خلافها لمنع كونه سبيلا، بل هو أسهل من إجارة المسلم نفسه للكافر، ولا بأس بتعلق حق الكافر بهما كما في الموت والتفليس، وبه يفرق بينه وبين تعلق حق المسلم في الخمر، والخنزير، إلا أنه يمكن دعوى تحقق الاجماع مع الوضع في يد الكافر بخلاف الوضع على يد المسلم والله أعلم. (و) أما الرابع: فلا ريب فيه لعدم التمكن من استيفاء الدين منه بدونه ف‍ (لو رهن وقفا لم يصح) إذ لا يجوز بيعه، وإن كان مملوكا كالموقوف عليه، وعلى تقدير جوازه على بعض الوجوه يجب أن يشترى بثمنه ملكا يكون وقفا، فلا يتجه الاستيفاء منه مطلقا، وما يبايع للحاجة قد يتطرق إليه في وقت الاحتياج إلى بيعه عدمها، فلا يكون مقصود الراهن حاصلا، ولعله لذلك أطلق من تعرض له، لكن قد يمنع منافاة هذا الاحتمال للرهن، كما في الجاني والمرتد هذا. وفي المسالك (لو قيل بعدم وجوب إقامة بدله أمكن رهنه حيث يجوز بيعه) ونحوه في غيرها أيضا، وحينئذ فإطلاق من تعرض هنا، لعدم جواز ذلك عنده، أو لعدم وثوق الراهن، إذ يمكن انتقاله قبل بيعه إلى غير الراهن بموت ونحوه مثلا، بناء على قدح مثل هذا الاجمال في الرهن، وتحرير المسألة قد تقدم في كتاب البيع ونماؤه إنما يكون رهنا تبعا، لا أن عقد الرهن يكون عليه قبل تحققه. وكذا لا يصح رهن منذور العتق مطلقا أو مقيدا بالتعجيل، أو بوصف كمجئ وقت، أو شرط كعافية مريض، بناء على عدم جواز بيعه. ومن الغريب أن الفاضل في التذكرة مع اشتراطه في الرهن ذلك، جوز رهن المعلق على الوقت، أو الوصف، ثم قال: (وهل يباع لو حل الدين قبل الوصف ؟ الاولى المنع، لانه وان لم يخرج عن ملكه بنذر، إلا أنه قد تعلق به حق لله تعالى، وبيعه مبطل لذلك الحق) ولعله لا يخلو من وجه في الوصف، أي الشرط لاصالة عدم حصوله، ولذا خص التردد فيه في

[ 132 ]

القواعد، والدروس ثم قال في الاخير: (وعلى الصحة لو وقع الشرط، أعتق وخرج عن الرهن، ولا يجب اقامة بدله إذا كان المرتهن عالما بحاله، وإلا فالاقرب الوجوب هنا). وفيه: منع كون ذلك الاقرب، كما أن الوجه عدم الصحة في أصل المسألة، لان ذلك لا يسوغ البيع للمالك. فلا يجدي الراهن، بخلاف احتمال قتل العبد بالجناية ونحوها، فان ذلك لا يمنع البيع للمالك، واحتمال صحة البيع لعدم حصول الشرط غير كاف في صحة الرهانة كما هو واضح، فتأمل جيدا. ثم إنه ينبغي أن يكون المراد من البيع مطلق النقل ولو بالصلح، فلو اجتمع فيه الشرائط المزبورة إلا أنه لا يصح خصوص بيعه، وإن صح الصلح عليه صح رهنه، ضرورة عدم اختصاص البيع بذلك بعد امكان الاستيفاء منه، وحينئذ فلا يجوز رهن كل ما لا يجوز للمالك نقله، وإن كان عينا مملوكة له يمكن قبضها، ومنه المكاتب ولو مشروطا، لان الكتابة عقد لازم لا يمكن استيفاء الدين معها، واحتمال العجز في المشروط غير مجد، وأما أم الولد فتسمع الكلام فيها في آخر المبحث انشاء الله. (و) كيف كان ف‍ (يصح الرهن) للمشترى (في زمن الخيار، سواء كان للبايع، أو للمشترى، أو لهما، لانتقال المبيع بنفس البيع على الاشبه) خلافا للشيخ حيث حكم بعدم الانتقال، لو كان الخيار للبايع أو لهما إلا بعد مضي زمن الخيار، وقد تقدم ما فيه سابقا، لكنه أشكل في المسالك الرهن على الاول أيضا، فيما إذا كان الخيار للبايع أولهما بما فيه من التعرض لابطال البايع ومثله بيعه، وما اشبهه من الامور الناقلة للملك، قال: (وتحرير المسألة يحتاج إلى تطويل. نعم لو كان الخيار له خاصة فلا إشكال، ويكون الرهن مبطلا للخيار، وكذا يجوز للبايع رهنه لو كان الخيار له، أولهما، ويكون فسخا للبيع). قلت: قد تقدم منا في باب الخيار ما يعلم منه تحرير المسألة، ونزيد هنا أن الصور ستة، إذ الخيار إما للبايع، أو للمشترى، أو لهما، والراهن البايع، أو المشتري، فإن كان الاول: وقد رهنه هو كان فسخا، ولا يشكل صحة الرهن بعدم

[ 133 ]

الملك قبله، إذ الظاهر حصوله في مثله في آن ما قبله، بل لعل القصد المتعقب للرهانة كاف في الفسخ. وإن كان المشترى، فقد عرفت سابقا أن الاحتمالات في بيعه ثلاثة، نفوذ البيع ومطالبة ذي الخيار لو فسخ بالمثل أو القيمة، وبطلان البيع وصحته متزلزلا، فعلى الاول لا ينبغى التوقف في صحة الرهانة، كما أنه لا ينبغى التأمل في البطلان على الثاني، أما الثالث: ففي الصحة وعدمها عليه احتمالان، أقواهما الصحة. وإن كان الثاني: والراهن البايع، فان أجاز المشترى الخيار والرهانة صح، وان أجازه دونها بطلت، وإن فسخ الخيار ففي صحة الرهانة وجهان، ينشئآن من وقوع الرهانة في غير ملك، ومن أولويته من إجازة المالك، وأما إذا كان الراهن المشتري فلا ريب في أنه إجازة، ولا يأتي فيه الاشكال السابق، ومن ذلك بعلم الحال في باقى الصور. ورهن الواهب الموهوب الذي يصح له الرجوع فيه فسخ للهبة، كرهن البايع ذي الخيار المبيع، بل وكذا رهن غريم المفلس عينه التى له الرجوع فيها، والاشكال المتقدم سابقا قد عرفت دفعه. نعم يحتمل جعل المدار على ما دل على جواز تصرف ذي الحق فما ثبت كونه كذلك وجب القول بتقدير الفسخ في آن ما، وإلا لم يجز حتى يفسخ محافظة على الضوابط هذا. وفي الدروس (ولو رهن غريم المفلس عينه التي له الرجوع فيها قبله، فالاجود المنع، وأولى منه لو رهن الزوج نصف الصداق قبل طلاق غير الممسوسة، ورهن الموهوب في موضع يصح فيه الرجوع كرهن ذي الخيار) وقد يريد في الاول قبل الفلس، وإلا لم نجد فرقا بينه وبين رهن الموهوب والله أعلم. (ويصح رهن العبد المرتد) لا عن فطرة والامة والخنثى مطلقا، بلا خلاف صريح أجده فيه، للاصل والعمومات في البيع والرهن وغيرهما، واحتمال عدم التوبة غير مناف لماليته، كاحتمال عدم برء المريض، بل قد يقوى الجواز (ولو كان عن

[ 134 ]

فطرة) لذلك أيضا، وفاقا للشيخ، ويحيى بن سعيد والفاضلين والفخر في شرح الارشاد، والشهيدين، وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، للاصل والعموم السابقين، بل ربما ظهر من بعضهم المفروغية من بيعه، فينبغي أن يكون رهنه كذلك، لوجود المقتضي وارتفاع المانع. ودعوى - انه بمنزلة ما لا نفع فيه، أو غير المملوك، أو المستحق للغير، أو نحو ذلك مما يمنع جواز بيعه أيضا - واضحة البطلان، كدعوى الفرق بين البيع والرهن بامكان الانتفاع به في الاول منفعة حالية، بخلاف الثاني، الذي يراد منه الوثوق المفقود في المقام، لاحتمال قتله، إذ نمنع اعتبار الوثوق في الرهن بحيث يقدح فيه مثل ذلك، خصوصا في مثل هذه الازمنة المتعذر إقامة الحد فيه، بناء على أنه وظيفة الامام، وان منه حد المرتد، بل لو قلنا بوجود قتله على سائر المكلفين الذين منهم الراهن والمرتهن، لم يمنع ذلك تعلق حق الرهانة فيه مادام غير مقتول. والحاصل لا ينبغى التأمل في الجواز بناء على جواز بيعه، كما أنه لا ينبغى التأمل في العدم، على تقدير العدم، ولعل الاقوى جوازهما معا، لاطلاق الادلة وعمومها، فما عن أبي على - من عدم جواز رهن المرتد، بل مقتضى اطلاقه وإن لم يكن فطريا، للخروج عن الملك - واضح الضعف خصوصا في غير الفطري، وإن وافقه الفاضل في التذكرة في الفطري، واستشكل فيه في القواعد، قيل: وربما مال إليه في الايضاح ولعله لعدم قبول توبته ظاهرا وباطنا، فيكون من الاعيان التي لم تقبل التطهير، لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه، وإن كان قد يمنع العموم للاعيان النجسة بحيث يشمل ذلك المسبوق بالملك، وليس نفعه بمباشرته، فتأمل جيدا والله أعلم. (و) كذا رهن (الجاني خطأ) على المشهور، بل ظاهر تخصيص المصنف التردد في العمد عدم الخلاف فيه وهو كذلك من غير المحكي عن المبسوط، لكنه أبطل الرهن فيه، وفي العمد، فلا جهة لاختصاصه بالعمد حيث قال (وفي العمد تردد) بناء على أن المنشا ذلك.

[ 135 ]

(و) كيف كان ف‍ (الاشبه) باصول المذهب (الجواز) فيهما لحصول المقتضي الذي هو استجماع شرائط الرهن حال الرهانة، وعدم المانع، إذ لم يثبت مانعية حق الجناية عن البيع و نحوه، فضلا عن الرهانة، واحتمال القصاص والاسترقاق للكل أو البعض غير قادح، كما إذا جنى وهو رهن، إذ لا يعتبر في الاستيثاق نفي سائر الاحتمالات، بل قد يقال في مثل الجاني خطأ انه إذا رهنه المولى التزم بفكه لان الخيار بيده، فيكون ذلك منه إختيارا للفك، فلا إشكال حينئذ في الصحة، ومنه ينقدح وجه اختصاص المصنف التردد في العمد الذي يكون الخيار فيه لغير المولى. وعلى كل حال فحق الجناية مقدم على حق الرهانة، تقدم أو تأخر بلا خلاف بل ولا إشكال، لتعلق حق الجناية بالرقبة، بحيث يذهب بذهابها، بخلاف حق الدين الذى وضع الرهن بسببه، فإن فك منها حيث يمكن الفك بقي حق الرهانة ثابتا وإلا بقي الفاضل عن حق الجناية رهنا إن لم يكن مستوعبا تمام الرقبة. ولو أقر المرهون بالجناية وصدقه الراهن والمرتهن فكالجاني، بخلاف ما إذا صدقه الراهن خاصة، أما لو كان المصدق المرتهن ففي الدروس بطل الرهن، إلا أن يعفو المجني عليه أو يفديه أحد، أو يفضل منه فضل عن الجناية، ويحتمل بقاء الرهن، لعدم صحة اقرار المرتهن، واعتراف الراهن بالصحة. قلت: لا ريب في ضعف الاحتمال حيث يكون للجاني الاسترقاق وقد استرق إذ صحة احتمال الرهن مع علم المرتهن بكونه مال الغير في غاية الضعف، كضعف احتمال رجوع المجني عليه على الراهن لو بيع الرهن لتكذيب المرتهن، وإن كان قد أخذ ثمنه عن دين الراهن الذي لم يقصر في الاقرار، وإن كان لم ينفذ على المرتهن. نعم له دفعه إليه على جهة المقاصة، ولو قال الراهن: أعتقته أو غصبته أو جنى على فلان قبل أن أرهنه، حلف المرتهن على نفي العلم، وغرم الراهن للمقر له، للحيلولة، ولو نكل فالاقرب إحلاف المقر له، لان الحق له، لا للراهن، لعدم

[ 136 ]

جواز الحلف لاثبات مال الغير، فإذا حلف المجني عليه، بيع منه ما قابل الجناية وبقي الفاضل رهنا، وإن حلف العبد حكم بحريته، ولو نكل المقر له، احتمل ضمان المولى للحيلولة، والعدم للتقصير بالنكول، والمراد من الضمان للعبد أن يفكه من الرهن، فإن لم يفعل وقد بيع وجب فكه من المشتري ولو بأضعاف قيمته بل الظاهر ضمانه منافعه التي استوفاها المشتري، فضلا عما استوفاها هو قبل الرهانة. نعم لا يضمن ما فات منها لعدم ضمان منافع الحر بالفوات، ولو جنى العبد بعد الرهانة، ففكه المرتهن على أن يبقى العبد رهنا على مال الفك والدين جاز مع رضا المولى لان الحق لا يعدوهما وقد اتفقا عليه، بل في الدروس (انه لو شرط في الرهن على الدين الثاني فسخ الاول، ففي اشتراطه هنا بعد، لان المشرف على الزوال إذا استدرك كالزائل العائد، فالزوال ملحوظ فيه، فيصح الرهن عليه، وعلى الدين السالف، ويحتمل المساوات، لانه لما لم يزل فهو كالدائم، والاصحاب لم يشترطوا الفسخ). وإن كان لا يخفى عليك ضعف الوجه الاول، إلا أن الذي يسهل الخطب ما ستعرفه فيما يأتي من أنه لا يشترط في الرهن على الثاني فسخ الاول بلا خلاف، ولو كانت الجناية على المولى فان كانت عمدا اقتص منه، وإن كانت خطأ أو عمدا ولم يرد القصاص، لم يكن له أخذ المال من المرتهن، لعدم ثبوت مال له على ماله، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فيبقى الرهن بحاله حينئذ. نعم لو دفع المرتهن له مالا من نفسه لاسقاط حق القصاص، محافظة على إبقاء الرهن جاز، إذ ليس هو اثبات مال على ماله، لكن أطلق في الدروس فقال: (لا يجوز أخذ المال من المرتهن في الخطأ والعمدة، ولا إفتكاكه). ولعله لا يريد ما ذكرنا، فإن المتجه فيه الجواز، كما أن المتجه فيما لو جنى على مورث مولاه ثبوت ما كان للمورث من القصاص والافتكاك للمولى، على ما صرح به في الدروس، لانه باسترقاقه يكون بحكم مال المورث الذي يتعلق به وصاياه وديونه

[ 137 ]

ومنه ينتقل إلى الوارث، أما لو جنى على عبد مولاه فله القصاص قطعا إلا أن يكون أبا للمقتول، وفي الدروس (وليس له العفو على مال إلا أن يكون مرهونا عند غير المرتهن المجني عليه، أو عنده واختلف الدينان، فيجوز نقل ما قابل الجناية بدلا من المجني عليه، إلى مرتهنه) ولا يخلو من نظر، وتسمع انشاء الله تمام الكلام في هذه الاحكام عند تعرض المصنف لها. وكيف كان فان كان المرتهن غير عالم بردة العبد، أو جنايته وقد اشترط رهنه في بيع تخير في فسخ البيع، لان الشرط اقتضاه سليما. نعم لو كان عالما بهما لم يكن له خيار، وكذا لو تاب أو فداه مولاه ثم علم، وإن اختار الامساك في الاول فليس له المطالبة بأرش يكون رهنا، للاصل كما لو قتل قبل علمه. والله أعلم. (ولو رهن ما يسرع إليه الفساد قبل الاجل) ولكن كان يمكن إصلاحه بتجفيف ونحوه صح بلا خلاف، بل في المسالك قولا واحدا، بل ولا إشكال، ضرورة وجود المقتضي وارتفاع المانع، (ف‍) يجب حينئذ على الراهن الاصلاح، لان ذلك من مؤنة حفظه، كنفقة الحيوان. وكذا (إن شرط بيعه، جاز) وإن لم يمكن إصلاحه بلا خلاف ولا إشكال لحصول المقصود بالرهن بهذا الشرط، فيبيعه الراهن حينئذ، ويجعل ثمنه رهنا، فإن امتنع جبره الحاكم، فان تعذر باعه المرتهن، أو الحاكم دفعا للضرر، وجمعا بين الحقين. (و) كذا لو كان مما لا يفسد (إلا) بعد الاجل، بحيث يمكن بيعه قبله، أو كان الدين حالا لحصول المقصود بالرهن مع ذلك كله وأما إن لا يمكن شئ من ذلك، وقد شرط الراهن فيما يفسد قيل الاجل عدم البيع قبل الاجل (بطل) الرهن كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا لمنافاته مقصود الرهن حينئذ، بل المراد من الشرط الرابع إمكان الاستيفاء من الرهن عند ارادته. لكن في المسالك احتمال الصحة، كما لو أطلق قال: (وشرط عدم البيع لا يمنع صحة الرهن، لان الشارع يحكم عليه به بعد ذلك صيانة للمال) وفيه أنه

[ 138 ]

لا معنى لحكم الشارع مع صحة الشرط، وإن كان باطلا بطل الرهن المشترط فيه، بناء على بطلان العقد بمثله. نعم لو أطلق إتجه القول بالصحة، وفاقا للفاضل، والشهيدين، والمحقق الثاني، والمحكي عن غيرهم فيبيعه المالك عند خوف الفساد، ويجعل ثمنه رهنا، فإن امتنع جبره الحاكم جمعا بين الحقين، ولتوقف صحة الرهانة المحمول عليها فعل المسلم على ذلك، وخلافا للمحكي عن الشيخ، وظاهر ابني زهرة، وادريس، لعدم اقتضاء عقد الرهن بيع الرهن قبل حلول الاجل، فلا يجبر عليه الراهن، وحينئذ فلا يملك المرتهن استيفاء الدين منه عند حلول الاجل، بل يكون كرهن المقطوع بعدم بقائه إلى الاجل، وفيه منع عدم اقتضاء عقد الرهن ذلك في مثل الفرض كما هو واضح. ومن ذلك ظهر لك قوة ما أشار إليه المصنف بقوله (وقيل: يصح ويجبر مالكه على بيعه) في صورة الاطلاق التي هي محل هذا القول بحسب الظاهر، كما عن المبسوط حكايته كذلك، لا الاعم منها ومن صورة الشرط التي قد عرفت قوة البطلان فيها، هذا كله في المعلوم فساده قبل الاجل حال الرهانة، أما إذا طرء ما يقتضى فساده قبل الاجل بعدها، فلا ينبغي التأمل في بقاء الصحة حينئذ والبيع وجعل الثمن رهنا جمعا بين الحقين. والفرق بينه وبين ما سبق واضح، بل الظاهر كون الحكم هنا كذلك، وإن قلنا بالبطلان مع الاطلاق ومن هنا قال في الدروس: (وإن طرء الفساد بعد القبض لم ينفسخ العقد، ولو قلنا ببطلان رهنه مع عدم شرط البيع، لان الطاري لا يساوى المقارن) ومن ثم يتعلق الرهن بالقيمة لو أتلف الرهن متلف وهى دين، ولا يجوز رهن الدين ابتداء فحينئذ يباع ويتعلق بثمنه، بل هو كذلك أيضا وإن كان قد اشترط عليه عدم البيع قبل الاجل على جهة التأكيد، إذ لم يكن المقصود من الشرط ما ينافي الرهانة نعم لو فرض تصريح المشترط بعدم البيع حتى مع طرو المفسد، أمكن القول بالبطلان فتأمل جيدا. ثم ان الظن بالفساد الذي ينافي الوثوق عرفا كالعلم، بخلاف الاحتمال

[ 139 ]

بل والشك، بل وبعض أفراد الظن. وكيف كان فما يتفرع على الشرط الرابع مما تركه المصنف عدم جواز رهن أم الولد، فإنها وإن كانت عينا مملوكة يمكن قبضها، لكن لا يجوز بيعها، ومن هنا نسب المنع في المحكي عن الايضاح، حواشي الشهيد إلى الاصحاب. لكن فيه أن المحكي عن أبي على الجواز، بل لم يستبعده في المختلف، وفي جامع المقاصد فيه قوة، بل قيل: إنه قد يظهر من موضعين من المبسوط، وكذا الغنية، بل هو الاقوى إذا كان في ثمن رقبتها مع اعسار مولاها، وفاقا للتحرير، والدروس، لوجود المقتضي وارتفاع المانع، واحتمال - يسار المولى قبل حلول الاجل فلا يجوز بيعها، فينتفى المقصود من الرهن - غير قادح بعد أن كان الاعسار مستصحبا مع أنه يمكن القول بأن له الحبس حينئذ، حتى يفيه المولى، بل قد يتجدد اعساره فلا تنتفي فائدة الرهانة أصلا. قال في الدروس: (لو رهنها) فتجدد له اليسار انفسخ الرهن، ووجب الوفاء ويحتمل بقاؤه حتى يوفي، لجواز تجدد اعساره قبل الايفاء، ولعله أقرب) فظهر من ذلك أن الاشكال في رهنها في الفرض كما في القواعد ضعيف، نعم يتجه المنع مع اليسار إذ احتمال كفاية حبس المال عن المالك في صحة الرهن وإن لم يجز بيعه خلاف المفهوم من الادلة، وإلا لجاز رهن الوقف ونحوه، كاحتمال الاكتفاء باحتمال تجدد الاعسار المجوز للبيع، بعد فرض اقتضاء الاصل عدمه، وفقد الشرط حال العقد، فما في القواعد عن احتمال الجواز فيه في غاية الضعف، وأضعف منه احتماله في غير ثمن رقبتها، اكتفاء في الرهن بالحبس المزبور الذي قد عرفت ضعفه. نعم قد يقال بجواز رهنها في بعض المواضع المستثناة من حرمة بيعها، إذا تصور امكان رهنها فيه، لكونه حينئذ رهنا فيما يجوز بيعها فيه. ثم إنه لا يتوهم اقتضاء الشرط الرابع عدم جواز رهن الجارية بدون ولدها الصغير، بناء على حرمة التفرقة بينها وبينه، لعدم كون الرهن تفرقة، ولذا ادعى الاجماع على جوازه في محكي التذكرة والايضاح.

[ 140 ]

وعن السرائر (يجوز رهن الجارية وإن كان لها ولد صغير إجماعا) بل الظاهر ذلك وإن قلنا بجواز بيعها منفردة في الرهن، لعدم لزوم الرهن للتفرقة فلا يحرم، مع أن الاقوى وجوب بيع الولد معها لو أريد بيعها في الرهن، لتوقف صحة البيع الذي اقتضاه الرهن على بيعه معها، فيجب حينئذ مقدمة. ما في القواعد - من احتمال جواز بيعها منفردة، ويقال: إنها تفرقة إضطرارية - واضح الضعف، ضرورة عدم اقتضاء عقد الرهن بيعها منفردة، وإن كانت قد رهنت كذلك، فيضم ولدها حينئذ معها، سواء باعها المالك أو بيعت جبرا عليه، ولذا ترك الاحتمال في الدروس وغيرها، فيباعان حينئذ، ثم يختص المرتهن بقيمة الام وان نقصت بضمه إليها، أما لو زادت فقيل: تقسم الزيادة على نسبة ثمن الجارية والولد فيختص المرتهن على النسبة فلو قومت مع ولدها بمأة وعشرين، ومفردة بمأة، وولدها مفردا بعشرة، كان الزائد بالاجتماع عشرة، فيقسم أحد عشر حصة، يختص المرتهن منها بعشرة، والمالك بواحدة. وقد يشكل - بعدم استحقاق المرتهن هذه الزيادة الحاصلة بانضمام غير المرهون من مال المالك، فينبغي اختصاصه بها أجمع، ولم يكن للمرتهن إلا قيمة الجارية منفردة - ويدفع بإمكان دعوى استحقاق المرتهن الاجتماع بعد فرض تعلق الرهانة بها وهى ذات ولد، بل قد يحتمل اختصاصه بها، وأنه ليس للمالك إلا قيمة الولد منفردا، لكن العدل، ملاحظة تتساويهما في الزيادة. وفي القواعد (تقوم منفردة، ومنضمة، ثم ملاحظة النسبة، فلو قومت منفردة مثلا بماءة ومنضمة بماءة وعشرين، كان قيمة الولد السدس، قال: ويحتمل تقدير قيمة الولد منفردا حتى تقل قيمته، فإذا قيل عشرة فهو جزء من أحد عشر لو كانت قيمة الام مائة). وفي الدروس (إما أن يقوما جميعا ثم يقوم الولد وحده، أو يقوم الام وحدها، ومع الولد، أو كل منهما وحده، لان الام تنقص قيمتها إذا ضمت إليه لمكان اشتغالها بالحضانة، والولد تنقص قيمته منفردا لضياعه، ووجه تقويم الام وحدها أن الرهن

[ 141 ]

ورد عليها منفردة، وهو قول الشيخ، وكذا لو حملت بعد الارتهان وقلنا: بعدم دخول النماء المتجدد، أو كان قد شرطا عدم دخوله). قلت: ما ذكره أخيرا يقتضى أن الزيادة كلها للمالك، لانها في قيمة الولد، والنقصان الذى حصل في الجارية بالضم مستحق على المرتهن، لعدم صحة بيعها بدونه وقد رضي بها رهنا وهو على هذا التقدير جيد، كما أنه لو فرض زيادة قيمة الجارية به دون قيمة الولد، يتجه اختصاص المرتهن بها، إنما الكلام لو حصلت الزيادة لهما بالضم، أو النقصان، وقد عرفت الحال فيه فتأمل جيدا. ثم إن ظاهر المصنف وغيره ممن اقتصر كاقتصاره على الشروط الاربعة، عدم اشتراط أمر آخر غيرها، لكن في القواعد (لا يصح رهن المجهول)، وفي المحكي عن مواضع من المبسوط، بل عن الخلاف، نفي الخلاف عن عدم صحة الرهن فيما في الحق. بل قيل: ظاهره نفيه بين المسلمين، وفي التذكرة (لو كان ما في الحق مجهولا لم يصح الرهن قطعا في المظروف خاصة، للجهالة على اشكال، ويصح الرهن في الحق عندنا، وإن تفرقت الصفقة إذا كان له قيمة مقصودة). وفي الدروس (لا يصح رهن أحد العبدين أو العبيد لا بعينه، للغرر، بل قال: والظاهر أنه يعتبر علم الراهن والمرتهن بالمرهون مشاهدة أو وصفا) وهو ظاهر الشيخ حيث منع من رهن الحق بما فيه للجهالة، وجوزه الفاضل، واكتفى بتمييزه عن غيره، والشيخ نقل الاجماع على بطلان رهن ما فيه، ويصح رهن الحق عنده. قلت: إن تم هذا الاجماع كان حجة على خصوص معتقدة، وما شابهه من المجهول من جميع الوجوه، وإلا فالاطلاقات تقتضي الجواز، ونفي الغرر إنما هو في العقود المبنية على المغابنة، لا في مثل الرهن المبني على غبن الراهن للمرتهن، كالواهب بالنسبة إلى المتهب. قال في التذكرة في باب بيع الغائب: (الاقرب جواز هبة الغائب غير المرئي ولا الموصوف ورهنه، لانهما ليسا من عقود المغابنات بل الراهن والواهب مغبونان والمرتهن والمتهب مرتفقان، ولا خيار لهما عند الرؤية، كما إذا أرهنه المال الغائب،

[ 142 ]

أو وهبه له، لانتفاء الحاجة إليه، ومعلوم أنه لا خيار لهما باعتبار هذين العقدين، أما لو شرط في كل من الهبة والرهن موصوفين في عقد البيع مثلا فظهر بخلاف الوصف ثبت الخيار بالعارض) وهو جيد جدا. نعم قد يتجه البطلان في غير المعين كأحد العبدين أو العبيد، كما جزم به في المختلف، وفي حواشي الشهيد، وجامع المقاصد (المراد بالمجهول الذي لا يصح رهنه المجهول من جميع الوجوه، أو من بعضها بحيث يمنع من توجه القصد إليه، وما في الحق كالشاة من القطيع لا يتوجه القصد إليها، وأما المجهول لا كذلك، كهذه الصبرة، إذا لم يعلم قدرها فلا بأس به). قلت: يمكن منع عدم توجه القصد إلى ما في الحق، بعد القطع بكونه مما يرهن، وإن لم يعلم جنسه ولا نوعه، ومن هنا كان ظاهر المختلف جوازه. نعم هو كذلك في الشاة من القطيع بعد إرادة الايهام الذي تنتفي معه الشرائط الاربعة، بل لا يصح رهنها مع ارادة الاطلاق، لا لان المطلق لا يمكن قبضه إلا بقبض الفرد الذي هو غير مرهون، إذ هو مع أنه غير تام - بناء على عدم اعتبار القبض إلا إذا قلنا باعتبار كونه مما يقبض عليه أيضا - واضح المنع، ضرورة صدق قبض الكلي بقبض فرده، بل لعدم جواز بيعه لو بقي على إطلاقه، لعدم اشتراط القبض، أو لانه قبض الجميع مقدمة لقبض الواحد، واحتمال استحقاق المرتهن على الراهن تعينه عند ارادة البيع فيصح حينئذ لذلك، يمكن منعه للاصل وغيره، وإن كان ذلك كله لا يخلو من نظر بل منع، ولو فرض أنه أرهنه شاة، ثم عينها له وقبضها المرتهن لم يبعد الصحة، وكذا لو أرهنه صاعا من صبرة، وإن لم يقبضه بعينه، وفي تنزيله على الاشاعة وعدمها الوجهان، ولعل الاقوى الاول، فتأمل جيدا. فظهر من ذلك كله أن ما لا يجوز رهنه من المجهول، لا ينفك عن فقد أحد الشرائط الاربعة، وغيره لم يثبت عدم جواز رهنه، بل إطلاق الادلة يقضي بخلافه، وعدم معرفة مقابلته للحق في بعض أحوال الجهل غير قادح، إذ لا يعتبر في الرهن إمكان استيفاء تمام الحق منه، بل يكفي فيه الوثوق باستيفاء بعضه، والله أعلم.

[ 143 ]

(الفصل الثالث) * (في: الحق) * الذي يجوز أخذ الرهن عليه (وهو كل دين ثابت في الذمة) قبل الرهانة أو مقارنا لها في وجه تسمعه انشاء الله يمكن استيفاؤه من الرهن (كالقرض، وثمن المبيع) والاجرة (و) حينئذ ف‍ (لا يصح) الرهن (فيما لم يحصل سبب وجوبه) أي ليس بثابت حال الرهن (ك‍) ما في القواعد نحو (الرهن على ما يستدينه) منه (أو على ثمن ما يشتريه) فلو دفعه إلى المرتهن ثم اقترض لم يصر بذلك رهنا بلا خلاف أجده بيننا، بل في التذكرة، وجامع المقاصد، والاجماع عليه، بل ولا إشكال، ضرورة ظهور أدلة المقام، في كون الرهن وثيقة على مال المرتهن، ولا يتصور الاستيثاق قبل حصول مال له عنده، فلا يشمله عموم الوفاء بالعقود، بعد فرض عدم صدق الرهن عليه، كما هو واضح. وما عن أبي حنيفة، وبعض وجوه الشافعية - من الجواز، وأنه يصير رهنا بالقرض - في غاية الضعف، كدليله الذي مقتضاه حينئذ تأخر أثر الانشاء عن سببه الذي هو العقد، وهو معلوم الفساد عندنا، بل لا يصح الرهن على الاعيان التي ليست بمضمونة على من في يده، كالوديعة والعارية غير المضمونة ونحوها بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعل المحكي منهما مستفيض، وبه يخرج عن عموم الوفاء بالعقود، لو كان مشمولا لها باعتبار صدق الرهن عليه عرفا. أما المضمونة كالمغصوبة والعارية المضمونة والمقبوض بالسوم ونحوها، ففي الرياض أن الاكثر على عدم صحة الرهن بها، ولعله للاصل بعد عدم دليل للصحة، لعدم الاجماع بعد استقرار فتوى الاكثر على الخلاف، واختصاص الآية وجملة من النصوص بالدين، وعدم انصراف إطلاق باقيها بحكم التبادر إلى محل الفرض

[ 144 ]

والمراد بالعقود المأمور بالوفاء بها المتداولة في زمن الشرع، وفي كون محل الفرض منها نوع شك وغموض. وان علم تداول جنس الرهن، وتسميته رهنا حقيقة في اللغة والعرف غير معلوم، فلم يبق إلا الاصل المقتضي للفساد. مضافا إلى اقتضاء صحة الرهن بها صحته في غير المضمونة، ضرورة عدم الفرق بينهما، إذ المراد من ضمانها، الالتزام بالمثل أو القيمة عند التلف الذي هو غير معلوم الحصول، فضمانها حينئذ متعلق على شرط، كتعليق ضمان غيرها على التلف بالتفريط الذي لم يعلم حصوله، فهما بالنسبة إلى ذلك سواء، بل كل منهما مضمون عند العقد في الجملة، وإن كان في الاولى بمجرد التلف، وفي الثانية به مع التفريط، وهو غير مجد. لكن قد يناقش في ذلك كله، بانقطاع الاصل باطلاق أدلة الرهن الذي لا ينافيه اختصاص مورد بعضها بالدين، لصدق اسم الرهن الذي هو للاعم من الصحيح والفاسد عليه في عرف المتشرعة، فضلا عن اللغة الذي هو بمعنى الحبس، فيشمله حينئذ إطلاق الادلة، ويحكم بصحته مع عدم العلم بالفساد. كما أنه يحكم باندراجه في عموم الوفاء بالعقود، وإن سلم إرادة المتداول منها في ذلك الزمن، إلا أنه يكفي في اثباته معلومية تداول الجنس مع معلومية صدق ذلك الجنس على فرده الذي لم يعلم فساده، وخروج الرهن على غير المضمون بالاجماع غير قادح، على أنه قد يفرق بينهما بتعلق العهدة فيها بأحد الامرين عينها أو بدلها بخلاف تلك، فإنه لا عهدة فيها لامكان تلفها بغير تفريط، فلا حق للمرتهن في بعض أحوالها. وأما اشكال أصل الرهن عليها - بأن المقصود من الرهن استيفاء الحق المرهون عليه منه، ولا يعقل استيفاء الاعيان الموجودة من الرهن - فواضح الدفع، بأنه يكفي فيه التوثق به، لاخذ العوض عند الحيلولة، أو التلف الذي هو محل الحاجة، ولذا جاز أخذ مال الغاصب المساوى لما غصبه أو المخالف مع الامتناع عن رد العين و تعذر جبره. - 9 -

[ 145 ]

على أن إرادة استيفاء نفس الحق من المرهون لا يتم في الدين المجمع على جواز الرهن عليه، ضرورة عدم كون الثمن عين الدين الكلي الذي اشتغل به الذمة إذ لا ريب في مغايرته لجزئياته، ولو في الجملة، سيما على القول بأن وجوده في الخارج في ضمن الفرد، لا عينه، على أن ذلك كله في الرهن على الدين، لا مطلق الرهن المفروض شموله للرهن على العين الذي معناه ما ذكرناه. وعلى كل حال فالاشكال من هذه الجهة واضح الفساد، كل ذلك مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المتضمنة لنفى البأس عن الاستيثاق للمال، كصحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام (سألته عن السلم في الحيوان والطعام ويؤخذ الرهن ؟ فقال: نعم استوثق من مالك ما استطعت) ونحوه غيره الشاملة باطلاقها لمحل الفرض، ضرورة صدق المالية عليه فلا بأس بالاستيثاق له. والمناقشة - بأن الاستيثاق بهذا الرهن أول الكلام، فإنه لا استيثاق إلا بعد صحته وعدم جواز رجوع الراهن فيه - واضحة الفساد، ضرورة إرادة نفس الرهن من الاستيثاق فيها، فالمراد أنه لا بأس بأخذ الرهن لمالك، وهو شامل للدين والعين، فيدل على الصحة، ويجري عليه جميع أحكام الرهن. فمن الغريب وقوعها من بعض الاساطين كالمناقشة بكون الخارج عن ذلك من الرهون الفاسدة أضعاف الداخل، فيخرج عن الحجية، ضرورة فسادها بمنع كونه مما يخرج به عن الحجية بعد ملاحظة الاصناف، خصوصا إذا كان المعيار الوصول إلى حد الاستهجان، فلا ريب حينئذ بعد ذلك كله في أن الاقوى صحة الرهن عليها، وفاقا للفاضل، والشهيدين، والمحقق الثاني، غيرهم، بل قد يقال: بصحته للمضمون بحكم العقد كالثمن والمبيع ونحوها، بل ظاهر الدروس وغيرها تلازم الحكم بالصحة فيه، للحكم بالصحة في الاعيان المضمونة، قال: (ويجوز على عهدة الثمن لو خرج مستحقا، وكذا المبيع والاجرة وعوض الصلح إن جوزنا الرهن على الاعيان والضرر بحبس الرهن دائما مستند إلى الراهن، ولعلهما إذا أمنا الاستحقاق يتفاسخان). وفي جامع المقاصد بعد أن فرغ من البحث في ضمان


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الرهن الحديث 5

[ 146 ]

الاعيان، قال: (ومثله أخذ الرهن على الثمن للمشتري، أو المبيع للبايع على تقدير ظهور فساد المبيع، وقد صرح باستوائهما بالحكم المصنف في السرائر، وشيخنا في الدروس، وإن كان المصنف في التذكرة - مع قوله بصحة الرهن على الاعيان المضمونة - منع من الرهن بعهدة البيع، وليس بواضح، وما علل به منعه الارتفاق مردود، لورود مثله في الرهن على ثمن المبيع مؤجلا، والظاهر أن أخذ الرهن على الصحة حذرا من نقصانها كالرهن على المبيع). قلت: الموجود فيما حضرني من التذكرة في المقام (وأما الاعيان المضمونة في يد الغير إما بحكم العقد كالمبيع، أو بحكم ضمان اليد كالمغصوب، والمستعار المضمون والمأخوذ على جهة السوم، وكل أمانة فرط فيها وبقيت بعينها، فالاقوى جواز الرهن عليها) وظاهره أنها مسألة واحدة، أللهم إلا أن يريد بالمضمون بحكم العقد غير درك المبيع. نعم كلامه في باب الضمان منها كالصريح في جواز الرهن على الدرك، محتجا عليه بخبر داود بن سرحان (1) عن الصادق عليه السلام (سألته عن الكفيل والرهن في بيع النسيئة ؟ قال: لا بأس) وإن كان في استدلاله ما فيه. لكن في باب الرهن أيضا في مسألة عدم جواز أخذ الرهن على ما لا يستوفي منه قال: (كلما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به، وما لم يجز أخذ الرهن به لم يجز أخذ الضمين به، إلا ثلاثة أشياء عهدة البيع يصح ضمانها، ولا يصح الرهن بها، والكتابة لا يصح الرهن بها على إشكال سبق، والاقرب صحة الضمان فيها، وما لا يجب لا يصح أخذ الرهن به، ويصح ضمانه، لان الرهن بهذه الاشياء يبطل الارفاق، فإنه إذا باع عبده بألف ودفع رهنا يساوى ألفا، فكأنه ما قبض الثمن ولا ارتفق به، والمكاتب إذا دفع ما يساوي كتابته، فما ارتفق بالاجل، لانه كان يمكنه بيع الرهن وإمضاء الكتابة، ويستريح من تعطيل منافع عبده، بخلاف الضمان، ولان ضرر الرهن يعم، لانه يدوم بقاؤه عند المشتري فيمنع البايع التصرف فيه، بخلاف


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الرهن الحديث - 3 -

[ 147 ]

الضمان) فظهر من ذلك كله أن كلامه فيه مختلف. وكيف كان فقد يقال بالفرق بينهما باعتبار عدم علم الاستحقاق في عهدة الثمن والمبيع، واحتماله غير كاف في صحة الرهن، وان كان لو تحقق لظهر انكشافه من أول الامر، بخلاف الاعيان المضمونة، فإن الاستحقاق لردها عينا أو بدلا معلوم الثبوت، بل لا يخفى على السارد، للنصوص الواردة في الرهن أنه لا تناول في شئ منها لذلك، حتى النصوص التي ذكرناها آنفا، ضرورة عدم مآل له ظاهرا عند غيره حتى يستوثق له، ومنه ينقدح الشك في صدق الرهن عليه، بحيث يندرج في عموم الوفاء بالعقود والاطلاق العامي المبني على ضرب من المسامحة لا عبرة به ولا وثوق، فالقول بالمنع فيه وإن قلنا بالجواز هناك لا يخلو من قوة، خصوصا مع ملاحظة عدم أمد له ينتظر غالبا، والرهن على غير المعلوم من الدين حال الرهن ثم علم إن جوزناه لعدم شرطية العلم به، كما في سائر ما يعتبر في المعاملة لا يقضي باجراء حكم الرهانة عليه حال عدم العلم، كما هو المفروض في محل البحث، وبذلك يفرق بينه وبين الضمان الذي ليس فيه سوى شغل الذمة الذي يعلم بعد حصول الدرك كما أومي إليه فيما سمعته من التذكرة. نعم لا مانع من التزام صحته لو بان بعد ذلك كون العين في العهدة لفساد البيع على نحو صحته في الدين المحتمل، وكيف كان فقد عرفت أنه لابد من الثبوت حال الرهن، لعدم تصوره حقيقة بدونه، بل لابد من سبق ثبوته على تمام الرهن، لان الشرط للسبب شرط لاجزائه كما في سائر شروط العقود، فلو شرك بين السبب والرهن في عقد كما لو قال المشترى: صالحتك عن هذا العبد بألف ورهنت الدار بها، فقال: قبلت أو قال: قبلت الصلح ثم قال: قبلت الرهانة لم يصح، وفاقا لصريح الكركي وظاهر غيره، بل في الرياض حكايته عن الاكثر، فضلا عن رهن العبد نفسه، لوقوع إيجاب الرهن على التقديرين الذي معناه التوثيق قبل ثبوت الحق، بل قيل: إنه غير معقول، وحصوله بعد ذلك لو كان مجزيا في صحته التى هي بحسب حاله، لا جزء لو تأخر عن الايجاب والقبول، خصوصا إذا كان قبل القبض بناء على أنه من تمام

[ 148 ]

السبب فتأمل. ودعوى - كون المعتبر في عقد الرهن أن لا يسبق بتمامه الحق، لا بعضه - لا شاهد لها، بل الشواهد بخلافها، ضرورة ظهور الاية (1) والنصوص، (2) بتعقب الرهن بتمامه للحق، حتى يصدق أنه استوثق على ماله، وليس الاستيثاق الذي هو بمعنى الرهن الجزء الاخير من القبول، حتى يكون قد تأخر عن ثبوت الحق، أو قارنه، بل هو عبارة عن تمام عقد الرهن، كما أنه ليس في عقد الرهن ما يقضي بالفرق بينه وبين غيره من العقود، المعلوم تأخر تمام عقودها عما يعتبر في صحتها، فلو أوجب البيع مثلا على ما لا يصح بيعه، ثم انتقل إلى الصحة قبل تمام القبول أو قبل الشروع فيه لم يصح قطعا. بل حكي عمن جوز ما نحن فيه من العامة الاعتراف ببطلان قول المولى لعبده كاتبتك على ألف، وبعتك هذا الثوب بكذا، فقال العبد قبلتهما، أو قال: قبلت الكتابة والبيع، والفرق بين المقامين صعب، وأطرف شئ اشتراط الشافعية في الجواز تقدم إيجاب البيع على ايجاب الرهن، إذ تقدمه بعد عدم تأثيره الحق في الذمة غير مجد، فلا فرق بين تقدم إيجاب البيع عن إيجاب الرهن وتأخره، كما هو واضح. وبالجملة جواز ذلك غير متجه على أصولنا، فما يحكى عن مالك، والشافعي وأحمد، وأصحاب الرأى من الجواز في غاية الضعف، ومن الغريب تردد بعض الاساطين من أصحابنا فيه، ففي القواعد (لو شرك بين الرهن وسبب الدين في عقد ففي الجواز إشكال، ينشأ من جواز اشتراطه في العقد، فتشريكه في متنه آكد، أي في الالتزام، لاحتمال عدم الوفاء بالشرط، ومن توقف الرهن على تمامية الملك، لكن يقدم السبب فيقول: بعتك هذا العبد بألف وارتهنت الدار بها، فيقول: اشتريت ورهنت، لو قدم الارتهان لم يصح) وفي الدروس (وهل يجوز مقارنة الرهن للدين ؟ فيه وجهان، فيقول: بعتك الدار بمأة وارتهنت العبد، فيقول قبلتهما أو


(1) سورة البقرة الاية 283 (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الرهن

[ 149 ]

اشتريت ورهنت، ولو قدم الرهن لم يجز). بل في التذكرة (لو امتزج الرهن بسبب ثبوت الدين مثل أن يقول بعتك هذا العبد بألف وارتهنت هذا الثوب به، فقال المشتري: اشتريت ورهنت، أو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها دارك، فالاقرب الجواز، لان الحاجة تدعو إليه، فإنه لو لم ينعقد لم يتمكن من الزام المشتري بعقده، ولان شرط الرهن في البيع والقرض جائز لحاجة الوثيقة، فكذا مزجه بهما، بل هو أولى، لان الوثيقة هنا - آكد، فإن الشرط قد لا يفى به). لكن الجميع كما ترى بعد الاغضاء عما في الامثلة من تقدم قبول الرهن على إيجابه، إذ الحاجة مع عدم رجوعها إلى الحرج لا تكون دليلا مثبتا لحكم شرعي واشتراط الرهن لا يشترط فيه شرائط عقد الرهن من ثبوت الحق ونحوه، فجوازه لا يستلزم جواز ذلك، بل الظاهر كما قدمنا في بحث الشرائط من البيع صحة اشتراط رهن المبيع نفسه على معنى رهنه بعقد جديد بعد انتقاله. بل لو جوزنا اشتراط نتيجة العقد بدونه، وقلنا: إن الشرط يقوم مقامه كقيام الصلح مقام بعض العقود، وان لم يلحقه حكم ذلك العقد، اتجهت الصحة حينئذ، لعموم أدلة الشرط السالم عن معارضة ما دل على اشتراط ذلك مثلا في الرهن، لان المفروض عدم كونه من الرهن، وإن حصلت نتيجته بالشرط، بل لو قلنا بصحة اشتراط النتيجة على وجه يلحقه أحكام الرهن، على معنى أن للرهن سببين العقد والشرط، أمكن جواز اشتراط كونه رهنا على دين سابق، فضلا عن اشتراط رهن غيره مما هو مملوك للراهن سابقا، فينتقل حينئذ مقارنا لتعلق حق الرهانة به أو مقدما عليه، كما هو مقتضى الاشتراط الذي يراد منه الرهن بعد ثبوت الحق كما قيل. وعلى كل حال لا يستلزم الصحة في محل البحث، بل لو قلنا بصحة اشتراط رهنه على الثمن في العقد على المعنى المزبور، لم يستلزم الصحة ايضا، لامكان دعوى اشتراط سبق الحق على عقد الرهن، لا على اشتراطه المقتضي للاقتران، أو سبق الحق عليه باعتبار بساطته، بخلاف عقد الرهن الذي هو مركب من الايجاب والقبول، ولا يتصور

[ 150 ]

مقارنتها لثبوت الحق، بل اقصاها المقارنة للسبب بالطريق المذكور في كلامهم، وهو مقتض لوقوع الايجاب قبل حصول الحق الذي هو شرط فيه، لكونه شرطا للعقد بتمامه فتأمل جيدا فإنه دقيق والله العالم. وكيف كان فليس المراد من الثابت في المتن وغيره اللازم لصحة الرهن على الثمن في مدة الخيار، بناء على حصول الشغل بالعقد والرهن على غيره مما هو متزلزل بلا خلاف أجده فيه، لاطلاق الادلة. نعم في التذكرة (لا شك في أنه لا يباع الرهن في الثمن ما لم يمض مدة الخيار) مع أنه لا يخلو من نظر، بل منع فيما إذا حل الدين قبل أجل الخيار. بل المراد من الثابت، الحاصل في الذمة وإن لم يكن لازما، فلا يصح على ما لم يحصل سبب وجوبه بل (ولا على ما حصل سبب وجوبه) في الجملة (و) لكن (لم يثبت) به في الذمة (كالدية قبل استقرار الجناية) في الخطأ المحض، و شبه العمد، وقبل انتهاء حالها وان علم انها تأتي على النفس الذي هو سبب ثبوت الدية، على المشهور نقلا وتحصيلا، بل مقتضى الاطلاق عدم الفرق في الجناية على ما فيه الدية وغيره، ولعله لان الشارع لم يرتب عليها حكما قبل انتهاء حالها، فهو حينئذ تمام السبب فلا ثبوت قبله، والقطع بأنه يحصل أحد السببن لا يجدي في جواز أخذ الرهن، لعدم ثبوت الحق حينئذ قبل حصول سببه. لكن في المسالك (ربما قيل: بجواز الرهن على الجناية التي قد استقر موجبها وإن لم تستقر هي، كقطع ما يوجب الدية، فإن غايته الموت ولا يوجب اكثر منها، بخلاف ما دون ذلك، وليس ببعيد) وتبعه غيره. وفيه أنه على إحتمال سريان الجناية لم يكن لذلك القطع تأثير، ولا سببية، بل المؤثر حينئذ الموت، ولا معنى للرهن قبل ثبوت الحق. نعم لو كان المؤثر للدية القطع المزبور والموت لا أثر له، اتجه حينئذ الرهن لثبوت الحق، لكن ظاهر النص والفتوى خلافه، فإطلاق المتن وغيره حينئذ متجه، وقد عرفت أن القطع بحصول أحد السببين غير الحصول فعلا، وكان ذلك هو الذي أوهم القائل، مع أنه لو تم

[ 151 ]

لجاز الرهن على المتيقن ثبوته من الدية في الجناية على ما لا يوجبها، كقطع اليد مثلا، فإن النصف متيقن في ضمن تمام الدية أو مستقلا، ولا يلتزم به القائل المزبور والفرق بينهما لا يخلو من تكلف، ثم من المعلوم أن الدية في الخطأ على العاقلة، و أنها مقسطة على ثلاث سنين. (و) لكن (لا يجوز) الرهن (على قسط كل حول) إلا (بعد حلوله) لعدم تعين المستحق عليه منها قبله، وإن الجامع لشرائط العقل عند تمام الحول هو الذي يعقل، وإن كان فاقدا لها قبله، لا غيره، وإن كان جامعا لها سابقا، واستصحاب الجامعية إلى مضي الحول غير مجد، بعد أن كان جزء سبب الثبوت مضي الحول، فإذا مضى صح الرهن حينئذ من ذلك المتعين الذي قد ثبت في ذمته. أما الدية في شبيه العمد فيصح الرهن عليها بمجرد حصول سبب ثبوتها، لانها على الجاني وإن كانت مؤجلة إلى سنتين، لكن كأجل الدين، فلا يمنع من الرهن بها بعد أن كانت متعلقة بذمته، وإن مات في تركته. اللهم إلا أن يقال إن الاجل فيها كالاجل في دية الخطأ، بمعنى أن مضيه جزء سبب الاستحقاق، فيتجه حينئذ عدم الرهن بها أيضا، وستسمع إن شاء الله في كتاب الديات ما يؤكد ذلك، وإن كان في بعض العبارات هناك ما يوهم اشتغال الذمة بها قبل الحول، ولكن غير مستقر لاحتمال الموت والاعسار عند الحول، إلا أنه محمول على ضرب من التوسع، ضرورة اقتضاء التدبر في كلامهم هنا وهناك كون المراد بالخطاب بها الحكم التكليفى، لا الديني الذي لا يسقط بالموت، ولا بالاعسار، فلاحظ وتأمل. وقال في الدروس: (ولا يصح الرهن على الدية قبل استقرار الجناية، وإن حصل الجرح، ويجوز بعد الاستقرار في النفس والطرف، فإن كانت مؤجلة فبعد الحلول على الجاني، أو على العاقلة في شبيه العمد والخطأ، ويجوز على الدين المؤجل والفرق تعيين المستحق عليه فيه، بخلاف العاقلة، فإنه لا يعلم المضروب عليه عند الحلول، ويحتمل قويا جوازه في الشبيه على الجاني لتعيينه، ولو علل بأن الاستحقاق

[ 152 ]

لم يستقر إلا بعد الحلول في الجناية، شمل الجاني والعاقلة، إلا أنه ينتقض بالرهن على الثمن في الخيار، فالظاهر جواز أخذ الرهن من الجاني كالدين المؤجل) ولعل بناء المسألة على ما ذكرنا أولى بعد الاغضاء عما في بعض كلامه، ونسأل الله التوفيق لتحقيق ذلك في محله فتأمل. (وكذا) لا يصح الرهن على مال (الجعالة قبل الرد) لعدم استحقاق المجعول له قبل العمل، بلا خلاف أجده فيه، بل وقبل تمام العمل وإن شرع فيه، خلافا للفاضل في التذكرة، فجوزه بعد الشروع قبل التمام، لانتهاء الامر فيه إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار، وأشكله في المسالك بعدم استحقاق شئ وإن عمل الاكثر، قال: (والفرق بينها وبين الخيار واضح، لان البيع متى أبقى على حاله انقضت مدة الخيار، وثبت له اللزوم، والاصل فيه عدم الفسخ، عكس الجعالة فإن العمل فيها لو ترك على حاله لم يستحق بسببه شئ، والاصل عدم الاكمال). قلت: مدار الحكم على الاستحقاق بالشروع وعدمه، وظاهرهم في الجعالة الثاني ولعلها غير الاجرة على العمل التي يملكها بالعقد، كما هو مقتضى المعاوضة، وإن كان لا يستحق تسليمها إلا بالعمل، بخلاف الجعالة التي مورد العقد فيها أنها عوض العمل، لا ملكه على المجعول له، ولذا كانت جائزة بالنسبة إليه، وتحقيق الحال في محله إنشاء الله. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه (يجوز) الرهن على ماله الجعالة (بعده) أي العمل، بل ولا خلاف، بل في التذكرة الاجماع، لحصول الاستحقاق به كما هو واضح، ويجوز على مال الكتابة المطلقة بلا خلاف على ما في المسالك، بل ولا إشكال، لثبوت الحق بها ولزومها من الطرفين، بل والمشروطة على الاقوى، وفاقا للمشهور عند المتأخرين، لانها لازمة للمكاتب مطلقا عندنا كما في المختلف، بل لو قلنا: بالجواز بالنسبة إليه خاصة، أو إلى المولى معه إتجه الصحة أيضا، لعدم منافاته لاستحقاق المولى كالثمن في مدة الخيار كما أنه لا ينافيها تسلط المولى على رده في الرق، إذ قد لا يريده.

[ 153 ]

ومن ذلك يظهر لك ضعف القول بعدم الجواز، كما عن الشيخ، والقاضي، والحلي، وسبطه يحيى بن سعيد، للامرين المزبورين اللذين قد عرفت عدم اقتضائهما ذلك، بعد تسليم الاول منهما، بل وظهر لك ان تأدية المطلوب الذي قد عرفت الحال فيه بقول المصنف (وكذا مال الكتابة، ولو قيل بالجواز فيه كان أشبه) غير جيد إذ الخلاف كما عرفت مختص بالمشروطة، بل الخلاف فيها ضعيف جدا، لضعف دليله (و) الامر سهل ف‍ (يبطل الرهن عند فسخ الكتابة المشروطة) ممن له فسخها، لذهاب الاستحقاق به كالفسخ بالخيار كما هو واضح. وكيف كان فقد عرفت فيما مضى أنه يعتبر في الحق كونه عهدة، أو دينا في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن الذي هو بمعنى الوثيقة لصاحب الحق مع التعذر أو لا معه، (و) إلا لم يكن وثيقة ف‍ (لا يصح على ما لم يمكن استيفاؤه من الرهن كالاجارة المتعلقة بعين المؤجر مثل خدمته) فإنه مع تعذرها بموت ونحوه، بل بعصيان منه تنفسخ الاجارة فليس للمرتهن استيفاؤها من الرهن، وثبوت أجرة المثل عليه في بعض الاحوال الاجر الخاص، كما لو انتفع بنفسه في مدة الاجارة، أو أجر نفسه لغيره، ولم يجز المستأجر الاول، واختار الرجوع على الاجير، لانه هو المتلف لا تسوغ أخذ الرهن، لعدم معلومية تحققها، فالرهن عليها حينئذ رهن على الحق قبل ثبوته، بل على احتمال ثبوته، بل كل معين من ثمن أو أجرة أو نحوها لا يصح الرهن عليه، لعدم إمكان استيفائه من الرهن، ولذا قال في التذكرة: (لا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة، كالثمن المعين، والاجرة المعينة في الاجارة، والمعقود عليه في الاجارة إذا كان منافع معينة مثل إجارة الدار، والعبد المعين، والحمل المعين مدة معلومة، أو لحمل شئ معين إلى مكان معلوم، لانه حق يتعلق بالعين، لا بالذمة، ولا يمكن استيفاؤه من الرهن، لان منفعة العين لا يمكن استيفاؤها من غيرها، وتبطل الاجارة بتلف العين). لكن قد يشكل ذلك كله باطلاق أدلة الرهن والاستيثاق للمال التي يكفي فيها الاستيفاء من الرهن في بعض الاحول، كما إذا استوفى المنفعة المؤجر مثلا، أو

[ 154 ]

منعها في مثل الدابة على الاقوى، فإن قيمتها حينئذ تثبت في ذمته، فيستوفى من الرهن نحو ما سمعته في الاعيان المضمونة، واحتمال الانفساخ - بموت ونحوه مع أن الاصل عدمه - غير مناف، كما لا ينافي احتمال الفسخ في الخيار. بل لعل الضمان في المقام أولى مما ذكره الشهيد في الدروس، من أنه لو ارتهن المستأجر على مال الاجارة خوفا من عدم العمل بموت أو شبهه فهو كالرهن على الاعيان المضمونة، وهو صريح في الجواز هنا بناء على الجواز هناك، مع أن المال هنا قد انتقل بالعقد إلى غيره، فليست الاجرة حينئذ له، حتى يستوثق لها، بخلاف المنفعة والاجرة المعينة والمبيع المعين ونحوها مما هي مملوكة له في الظاهر، فله أن يستوثق على تسليمها إليه، وعلى احتمال ضمان من في يده لها، وقد سمعت ما في التذكرة في الاعيان المضمونة، وأن منها المضمون بحكم العقد، مع قوله بعدم صحة الرهن على الدرك، فيمكن أن يريد بالمضمونة بحكم العقد ما نحن فيه فتأمل جيدا. إلا أني لم أجد خلافا بينهم في عدم جواز الرهن على ذلك، فالجرأة على الجزم به لا تخلو من مخالفة الجزم، فالاولى التوقف في المسألة أو الحكم بالعدم، ولعله لما أشرنا إليه سابقا من عدم تحقق العهدة، كي يتجه الرهن، واحتمالها غير كاف في الحكم بالرهن ظاهرا كالدين المحتمل فلاحظ وتأمل، والله العالم. (و) على كل فلا إشكال كما لا خلاف في أنه (يصح) الرهن (فيما هو ثابت في الذمة كالعمل المطلق) في الذمة الذي لا يبطل بالموت، لعدم اشتراط المباشرة فيه، فمع التعذر وشبهه يباع الرهن حينئذ ويستوفى منه العمل كما هو واضح (ولو رهن على مال رهنا ثم استدان آخر) ممن له الدين الاول مساويا له في الجنس والقدر أو مخالفا (وجعل ذلك الرهن عليهما) معا مصرحا بذلك أو اتفقا معا على ارادته (جاز) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، ومشغوليته بالدين الاول غير قادحة بعد أن لم تكن منافية للثانية، فهو كما لو رهنه عليهما من أول الامر. ومن هنا يعلم أنه لا حاجة إلى إبطال الرهانة الاولى، ثم التجديد لهما كما صرح

[ 155 ]

به غير واحد، بل يعلم أنه لا يحكم ببطلان الاولى لو أطلق رهانته على الدين الثاني من غير تعرض للاول، لما عرفت من عدم التنافي فالاصل بقاؤها حينئذ، ودعوى ظهور الاطلاق في ذلك ممنوعة، فتردد الشهيد حينئذ في بطلان الاولى في صورة الاطلاق في غير محله. نعم قد احتمله في القواعد فيما إذا كان الدين المتجدد لاجنبي، وقد اجاز المرتهن الاول رهانته عنده، والبطلان في خصوص ما قابل دين الثاني لو فرض زيادته عليهما، والعدم مطلقا من غير ترجيح لاحد الثلاثة كالتحرير، والدروس، وغيرها. مع أن الاقوى الاخير منها فيه، وفاقا للتذكرة، وجامع المقاصد، أيضا، لعدم التنافي حتى لو كان الرهن لا يفي إلا بدين الثاني، لاطلاق الادلة ووجوب الوفاء بالعقد، ولا يمتنع كون الشئ رهنا بمجموع لا يفي ثمنه بأدائه، لان الاداء ثمرة الرهن بعد تحققه، لا نفسه، وإنما يثبت الاداء بحسب حال الثمن باعتبار كثرته وقلته. وتقديم دين شخص في الاداء على الآخر لا ينافي تعلق كل من الدينين بالرهن لما قلناه من أن ذلك ثمرة الرهن ومقصوده، ولا محذور في أن يكون المقصود في بعض أولى وأسبق من البعض الآخر، وإن استويا فيما له المقصود والثمرة. ولانه لو تضمن عقد واحد رهنا بدينين وتقديم أحدهما على الآخر في الاداء ثم تأدية الآخر بعد أداء الاول لم يكن ذلك باطلا، ففي العقدين المستقلين أولى، لوقوع الثاني بعد القطع بصحة الاول، فلابد في طرو البطلان عليه من دليل أقوى من دليل الصحة. ودعوى أن مقتضى الرهن الاختصاص بمجموعه بالنسبة إلى الدين المرهون به، ليقضى ذلك الدين من ثمنه، واختصاص كل من الدينين بمجموع الرهن متناف لان اختصاص أحدهما بالمجموع على هذا الحكم ينافي الاختصاص الاخر، وقد ثبت الرهن الثاني بالسبب الطارى وإجازة المرتهن الاول فيبطل الاول - يدفعها منع المنافاة كما عرفته مفصلا واجازة المرتهن انما توجب تقديمه عليه بناء على اقتضاء العقد ذلك لا بطلان الاول.

[ 156 ]

واوضح منها منعا دعوى كونها موجبة لفسخ رهنه فيما قابل الدين الثاني، لان المنافاة باعتبار مقصود الراهن مختصة به، بخلاف ما زاد، إذ الرهن متعلق بالمجموع، فان اقتضى الاختصاص اقتضاه في المجموع، وإلا لم يقتض في شئ منه، ولان الثمن على تقدير اعتبار المقابلة والزيادة بالنسبة إليه لا تنضبط، فقد يكون في وقت الرهانة كثيرا يبقى منه بقية بعد الدين الثاني، ثم يتجدد النقصان، وبالعكس، ويستحيل تجدد ثبوت الحق بعد كون العقد حال وقوعه غير مقتض له. وعلى كل حال فيترتب على كل من الاحتمالات الثلاثة حكم إسقاط المرتهن الثاني حقه من الرهن، فعلى ما اخترناه يبقى رهنا عند الاول، وعلى الثاني لا حق له، وعلى الثالث لا حق له فيما قابل الدين الثاني كما هو واضح، ولو لم يعلم المرتهن الاول برهن الثاني حتى مات الراهن، وفك الرهن لم يبطل الرهن، بناء على عدم اعتبار القبض، لكونه لازما من طرف الراهن، فليس للورثة ولا للغرماء المنع لسبق التعلق، فإن أجاز الاول قبل الفك ففيه الاحتمالات. نعم ان كان قد بيع الرهن في دين الاول فقد يقوى بطلانه حينئذ، وإن فضل منه شئ، لعدم تناول الرهانة للثمن فلم يبق له موضوع، أما لو بقي من عين الرهن بقية وقد قضى دين الاول، أو بقي تمام الرهن لقضاء دينه من غيره، فقد يتجه نفوذ الرهن للثاني، ويختص به عن الغرماء، وليس للاول المنع بعد فرض سقوط تعلقه من الرهن، ولم يكن قد رد الرهن في حال تعلقه، لكون المفروض عدم علمه حتى فك الرهن منه، كما أنه لا أثر لاجازته، فلم يبق مانع من النفوذ، لوجود المقتضي وارتفاع المانع، واحتمال - عدم صحة أصل الرهانة حال كونه رهنا عند الاول - يدفعه أنه لا إشكال في الصحة مع الاجازة التي هي مقدمة لاسقاط مانعية حقه، فعلم قابلية العقد للتأثير مع ارتفاع المانع بالاجازة، أو بالفك، فإذا فرض عدم علم المرتهن الاول حتى فك منه، إتجه نفوذ الثاني. ومن ذلك كله يظهر لك ما في عبارة القواعد قال بعد ذكر الاحتمالات في المسألة السابقة: (ولو لم يعلم الاول حتى مات الراهن، ففي تخصيص الثاني بالفاضل عن

[ 157 ]

دين الاول من دون الغرماء، إشكال، ولا حكم لاجازة الاول ولا فسخه بعد موت الراهن) بل فيها نظر من وجوه اخر أيضا تظهر بأدنى تأمل ولكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد من الاشكال، لامكان الفرق بين الاجازة والفك، باقتضاء الاول تعلق الرهانة من أول الامر، لانها كاشفة على الاصح، بخلاف الثاني، ويأتي إنشاء الله تمام الكلام في ذلك والله العالم. ولو زاد في الرهن للدين الواحد جاز بلا خلاف، حتى من أبي حنيفة، ولا إشكال لاطلاق الادلة من غير حاجة إلى ابطال الاول، واستيناف عقد جديد، والظاهر كون الجميع حينئذ كالرهن الواحد الذي حكمه بقاء الرهنية مادام شئ من الدين باقيا إن كان قد صرح بكونه رهنا على كل جزء من الدين، أو اتفقا على ذلك، بخلاف ما إذا صرحا بكونه على التقسيط، أو بكون مجموعه رهنا على المجموع، أو اتفقا على ذلك، فانه ينفك من الرهن في الاول بالنسبة، وفي الثاني بأداء شئ من الحق وليس للديان الامتناع من قبض البعض، مخافة انفكاك الرهن بعد الشرط عليه والاقدام منه على ذلك، وان تردد فيه في الدروس مما سمعت، ومن إدائه إلى الضرر بالانفساخ، لكنه في غير محله. كما أن تردده في حمل الاطلاق على الاول كذلك أيضا، ضرورة غلبة تعلق الاغراض باستيفاء الدين عن آخره من الرهن، مضافا إلى ما عن المبسوط من الاجماع والتقابل بين الاجزاء في المبيع ونحوه من عقود المعاوضة، لا يقضي بذلك في الرهن المراد به الاستيثاق لمجموعة على جميع اجزاء الدين، فلا ينفك حينئذ بتمامه ولا جزء منه بأداء البعض، إلا مع التصريح، أو ما يقوم مقامه. ومن الغريب ما في الدروس حيث أنه بعد أن ذكر صحة اشتراط الرهانة على كل جزء جزء، فيبقى مجموعه رهنا ببقاء شئ من الدين، واشتراط رهنه عليه لا على كل جزء منه، وينفسخ حينئذ بأداء شئ من الدين قال: (وإن أطلق ففي حمله على المعنى الثاني أو الاول نظر، من التقابل بين الاجزاء في المبيع فكذا في الرهن، و من النظر إلى غالب الوثائق فإن الاغلب تعلق الاغراض باستيفاء الدين عن آخره

[ 158 ]

من الرهن وهذا قوى) وقال في المبسوط: (إنه اجماع) وهو كما ترى مع أنه لا ينطبق تعليله الاول على الوجه الثاني، وإنما هو صالح للتوزيع الذي لم يذكره هو، وتسمع فيما يأتي إن شاء الله تمام الكلام في المسألة. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن الرهن المضاف حكمه حكم المضاف إليه، بعد ظهور كون المقصود منه رهانته على حسب الاول وما عن أبي حينفة - من أنه يكون رهنا بالنسبة على معنى قسمة الدين على قيمة المضاف إليه الرهن يوم قبضه، على المضاف يوم قبضه، فلو كانت قيمة الاول ألفا مثلا، وقيمة الثاني خمسمأة، والدين ألف مثلا قسم أثلاثا ثلثان في المضاف إليه، وثلث في المضاف - لا شاهد له، بل الشواهد على خلافه. وقد بان لك أن صور الرهن ثلاثة وتسمع إن شاء الله تمام الكلام فيها الاولى: رهن المجموع على كل جزء من الحق الثانية: الرهن عليه لا على كل جزء منه الثالثة: رهن الاجزاء المشاعة على الاجزاء كذلك، وفي الاخيرة ينفك بعضه بأداء بعض، ويبقى الباقي، كما أنه كذلك لو استدان رجلان كل منهما دينا ثم رهنا مشتركا بينهما، ولو بعقد واحد مطلق، ثم قضى أحدهما فإن حصته تكون طلقا، لانصراف رهن كل منهما إلى ملكه على دينه إن لم يشترط المرتهن رهنه على كل جزء من الدين، وإلا اتبع الشرط الذي لا يقدح فيه عدم ملكية كل منهما للجميع، بعد فرض رضا كل منهما بذلك، والمال غير خارج عنهما. ولو تعدد المرتهن واتحد العقد من الواحد فكل منهما مرتهن للنصف مع تساوى الدين وأما مع اختلافه فربما احتمل ذلك أيضا، لانه الاصل في التشريك، إلا أن الاظهر التقسيط على مقدار الدين، كما هو الاصل في اجتماع الاسباب المعتبر سببية كل منهما، ولان مقتضى الرهن قضاء الدين كله من ثمن المرهون إذا وفى به فالزائد من أحد الدينين إن استحق قضاؤه من الرهن اقتضى تعلق ذلك الزائد بالرهن فيكون تعلق مجموع الدين الزائد من الرهن أكثر من تعلق الاخر، وان لم يستحق قضاؤه منه امتنع كونه رهنا بالمجموع، وقد فرض كونه كذلك، فظهر أن التقسيط

[ 159 ]

أولى، فإن وفى فلا بحث، والا قسط عليهما بحسبهما كما هو واضح. نعم هذا كله في التعدد ابتداء دون التعدد في الاثناء، فإنه لا عبرة به على الظاهر سواء كان في الرهن أو المرتهن، كما في ورثة كل منهما لو تعددوا، فلو مات الراهن عن ولدين لم ينفك نصيب أحدهما باداء حصته من الدين، كما أنه لو مات المرتهن عن ولدين فأعطى أحدهما نصيبه من الدين، لم ينفك بمقداره من الرهن، وذلك لانه قد تعلق الدين بكل جزء منه في حيوة الموروث، وقد انتقل إلى الورثة على هذا الحال، فلا يتوهم أنه كتعلق حق الغرماء بالتركة التي لا ريب في انفكاك نصيب أحد الورثة بمقدار ما يخصه من الدين، وإن قلنا ان التعلق كتعلق حق الرهانة، لا كأرش الجناية، لكن لما لم يكن ذلك سابقا على الموت، وإنما هو بعده كان تعدد الورثة) بمنزلة تعدد الراهن، فتأمل جيدا والله اعلم. الفصل (الرابع في الراهن) (ويشترط فيه) بالنسبة إلى صحة الرهن له ولغيره كباقي العقود (كمال العقل) فلا يصح من الصبى ولا المجنون ولو مع الاجازة لسلب العبارة (و) في لزومه (جواز التصرف) فلا يلزم من السفيه والمملوك ونحوهما إلا مع إذن الولي، لكن ذلك بالنسبة إلى عقودهم، أما لو عقدوا للغير وكالة أو فضولا فكجائزي التصرف في اللزوم. (و) كذا يعتبر في لزومه ايضا الاختيار ف‍ (لا ينعقد مع الاكراه) الذي لم يخرجه عن قصد اللفظ والمعنى، فأنه إذا تعقبه الرضا بعد ذلك لزم على الاقوى أما إذا كان إكراها مخرجا له عن القصد المزبور فلا يصح، وان تعقبه القصد والرضا بعد ذلك، كما حرر في محله. ويعتبر فيه أيضا إذا كان الرهن لنفسه أن يكون مالكا، أو بحكم المالك، كالمستعير الذى يأتي تمام الكلام فيه عند تعرض المصنف لبعض أحكامه. (و) حينئذ ف‍ (يجوز لولي الطفل) مثلا وإن لم يكن اجباريا (رهن

[ 160 ]

ماله إذا افتقر إلى) ذلك (للاستدانة) ونحوها بلا خلاف أجده فيما بيننا، وإنما حكي عن بعض الشافعية، ولا ريب في فساده، لكن (مع مراعاة المصلحة) التي هي الاحسن الذي (نهى الله (1) عن القرب إلى ماله بدونه) (كأن يستهدم عقاره فيروم رمه) وإصلاحه (أو يكون له أموال يحتاج إلى الانفاق لحفظها من التلف، أو الانتقاص، فيرهن بذلك ما يراه من أمواله إذا كان استبقاؤها أعود) له أي للطفل من بيعها، إذا لم يمكن البيع أو غير ذلك من المصالح التي لا تنضبط لاختلافه باختلاف الامكنة والازمنة والاحوال. فالضابط فيه الميزان المزبور التي تقتضي أيضا غالبا وضع الرهن على يد عدل يجوز ايداعه منه، أو من يطمئن به عليه من التلف ونحوه، بل قد تقتضي صحة رهن ماله فيما إذا اشترى له بمأة نسيئة ما يساوي مائتين، ورهن من ماله ما يساوي ماءة، فإن لم يعرض التلف ففيه الغبطة الظاهرة، وإن عرض فلا ضرار، أيضا. بل قد يقال بالجواز فيما إذا لم يرض إلا برهن تزيد قيمته عن المأة إذا كان مما لا يخشى تلفه كالعقار ونحوه، بل عن التذكرة قوة جوازه إذا كان على يد من يجوز إيداعه، وبالجملة الامر في ذلك غير منضبط، ومع فرض تعدد أفراد المصلحة ولا ترجيح تخير، والطفل في المتن وغيره من باب المثال، ضرورة الجواز أيضا لولي المجنون والسفيه أيضا والمسألة غير مخصوصة بالرهن، بل هو كغيره من التصرفات لهم المحرر جملة من أحكامها في غير المقام والله أعلم. الفصل (الخامس: في المرتهن) (ويشترط فيه:) ما يشترط في الراهن من (كمال العقل وجواز التصرف) والاختيار على حسب ما سمعته في ذلك كله، لكن الظاهر أنه لا بأس بقبول السفيه و المفلس الارتهان الذي ليس بمستحق على المديون بشرط ونحوه، إذا كان الدين من غيره، أو منه قبل الحجر، لانه ليس تصرفا ماليا، ولا مناف له، بل فيه مصلحة


(1) سورة الانعام الاية - 152

[ 161 ]

للمال، ولعل المراد من عبارة المصنف ونحوها ما لا يشمل هذا الفرد من الارتهان، والامر سهل. (و) على كل حال فلا ريب في أنه (يجوز لولى اليتيم) مثلا (أخذ الرهن له) على ذلك كما نص عليه غير واحد بلفظ الجواز، لاطلاق ولايته الشاملة لذلك، وقبول الاتهاب والوقف له ونحوها، بل قد يجب عليه ذلك فيما لو توقف الاحسن المعتبر في الاية الكريمة (1) في التصرف في ماله عليه، كما لو باع ماله نسيئة لغير ذي ملاءة وثاقة، بل الظاهر كفاية الثاني في لزوم أخذ الرهن قال في التذكرة: (لو كان المشتري موسرا لم يكتف الولي به، بل لابد من الارتهان بالثمن) نعم قال أيضا: لو لم يحصل أو حسن الظن بيساره وأمانته، أمكن البيع نسيئة بغير رهن، كما يجوز ابضاع ماله. وفيه: أن المتجه عدم البيع مع عدم الحصول، إذ الاكتفاء باليسار مع عدم الوثاقة لا يخلو من إشكال، بل منع خصوصا في الفاسق الذي لم يعرف منه الوفاء، فضلا عن المعروف بعدمه، ضرورة كون إبقاء المال أو بيعه لغيره بدون ثمنه أحسن من ذلك، ويمكن أن يريد معنى الواو من - أو - أو أن ذلك من غلط النساخ، فيكون الجواز بغير رهن من حسن الظن بيساره وأمانته كما ستعرف ذلك إن شاء الله. أما لو كان ثقة غير ملئ فقد يقوى الجواز، والاحوط أخذ الرهن، وليس المراد من الاحسن في الآية الفرد الاعلى الذي لا أحسن منه، على معنى النهي عن التصرف بأموالهم إلا به، ضرورة اقتضاء ذلك تعطيل مال الطفل، إذ ما من حسن إلا وهناك أحسن منه، بل المراد مطلق الاحسن من عدم القرب، إلا أن مقتضاه حينئذ التخيير في الافراد وإن تقاوتت، مع أن في الاكتفاء بالفرد الادنى مع تيسر الفرد الاعلى مطلقا إشكالا إن لم يكن منعا، خصوصا لو فرض أحسنية إقراض مال الطفل من إبقائه لغرق وحرق ونحوهما، وفرض وجود الطالب الثقة الملي والرهن والكفيل فإنه لا إشكال في وجوب إقراضه، وحرمة إقراضه من الفاسق المجرد عن الملاءة والرهن


(1) سورة الانعام الاية - 152

[ 162 ]

والكفيل ونحوها، وإن كان إقراضه مع انحصار الامر فيه أحسن من الابقاء، اللهم إلا أن يقال: إن مثله لا يعد أحسن، وإنما اوجبنا، مع الانحصار، لانه أقل قبحا من الابقاء المؤدي لتلف المال وضياعه، وإلا فهو لا حسن فيه مع اتفاق غيره ممن فرض. وقد يقال: إن المراد بالاحسن من غيره من الافراد الموجودة، فيجب حينئذ تقديم الفرد الاعلى مع وجوده، ولكن لا يجب تطلبه مع وجود الفرد الادنى، فيكفى حينئذ في نفيه أصالة عدم حصوله، كما أنه يصدق على الفرد المتيسر أنه أحسن من غيره، لعدم وجود فرد آخر، إذ غيره مما هو أعلى منه لو حصل كان فردا، فهو فرض فرد لا فرد فعلا، فلا يقدح كونه أحسن. إلا أنه ومع ذلك فالاحوط والاولى عدم المبادرة إلى المتيسر مع مظنة حصول فرد آخر أعلى منه، أو الاحتمال المعتد به، اكتفاء بأصالة العدم، إلا أن يكون في المبادرة صلاح يرجح على المصلحة التي في الانتظار، بل قد يقال برجوع ذلك إلى الاول، ضروره كون الاحسن في الفرض المزبور الابقاء منتظرا للفرد الاعلى المظنون أو المحتمل إحتمالا معتدا به، كما أن الاحسن مع فرض كون المبادرة أصلح الفرد المتيسر، وبالجملة الميزان ما ذكرناه وهو جيد جدا. أو يقال: إن المراد به ما يعد حسنا عند العقلاء، فلا يراد من الاحسن معنى التفضيل بل المقصود الرخصة في القرب لاموالهم بما يعده أهل المعرفة حسنا، وأن فاعله من المحسنين، لكن قد يقال: إنه بعد التأمل راجع إلى الاول، أو الثاني في الثمرة، كما أن إحتمال إرادة الاطلاق من الاية من دون تقدير مفضل عليه مخصوص من القرب، أو الغير بدعوى أن لها مصاديق ينقحها العرف، نحو ما قيل في الوجدان المنفي في آية التيمم (1) وأنه لا حاجة إلى تقدير متعلقه من الاماكن القريبة أو غيرها كذلك أيضا. وقد بان لك من ذلك كله المدار في المسألة الذي على الفقيه تحريره، وإلا فالخصوصيات غير منضبطة، تختلف باختلاف الاحوال، فليس على الفقيه حصرها،


(1) سورة النساء الاية 43.

[ 163 ]

ولا تعليق الحكم عليها، (و) إن وقع ذلك من بعض الاصحاب فالمراد به الغلبة. كما أنه بان لك أيضا أنه (لا يجوز أن يسلف ماله إلا مع ظهور الغبطة له، كأن يبيع بزيادة عن الثمن إلى أجل) وأنها ربما توقفت على كونه من ثقة ملئ برهن أو كفيل، بل أطلق في المسالك أنه حيث يجوز يجب كون المديون ثقة مليا، ويرتهن على الحق ما يفي بقيمته مع الامكان. بل: قال سابقا: (إنه يعتبر في الرهن كونه مساويا للحق أو زائدا عليه، ليتمكن إستيفاؤه منه، وكونه بيد الولي أو يد عدل ليتم التوثق والاشهاد ولو أخل ببعض هذه ضمن) وإن كان فيه أن ذلك كله ينبغي تقييده بتوقف التي هي أحسن عليه، وأن الابقاء بدون شئ من ذلك هو الاحسن كالمحكي عن حجر التذكرة من أنه يرتهن به رهنا وافيا، فإن لم يفعل ضمن. (و) على ذلك بنى قول المصنف (لا يجوز له اقراض ماله إذ لا غبطة. نعم لو خشي على المال من غرق أو حرق أو نهب وما شاكله جاز إقراضه وأخذ الرهن) بل في المسالك هنا أيضا يقرضه من الثقة الملى ويرهن عليه ويشهد كما مر، وقال أيضا: (من مسوغات إقراض مال اليتيم خوف تلفه، بتسويس الحنطة وشبهها، فيقرضها من الثقة الملي مع الامكان بالرهن، لامكان جحوده وتعذر الايفاء). وقال المصنف (ولو تعذر) أي الرهن (إقتصر على إقراضه من الثقة غالبا) وظاهره كما في المسالك أن مع إمكان الرهن لا يعتبر كون المقترض ثقة ولا مليا، لانضباط الدين بالرهن، كالمحكي عن الارشاد، واللمعة، ورهن التذكرة، وحجر القواعد، بل عن بعضهم التصريح بذلك، وفي التذكرة اعتبار الرهن والملاءة والثقة جميعا مع الامكان، وأسقط اعتبار الرهن مع عدم إمكانه. وعن المبسوط لا يجوز القرض إلا في موضع الضرورة، كالخوف من نهب أو حرق أو غرق، فيجوز له حينئذ أن يقرضه من ثقة ملي يقدر على قضائه، إلى غير ذلك من كلماتهم التي لابد من إرجاعها إلى الميزان الذي ذكرناه سابقا، الذي منه يعرف الحال فيما لو تعذر الثقة والارتهان والملاءة ونحو ذلك، وكان الخوف من الغرق ونحوه

[ 164 ]

حاصلا، إذ لا ريب في أنه في بعض الاحوال يكون الاحسن إقراضه، ولو من الفاسق المعسر، لانه مرجو الحصول في الدنيا والآخره، وفي بعضها الاحسن إبقاؤه باعتبار ضعف احتمال التلف بالنسبة إلى الاقراض من الفاسق المعسر، خصوصا بعد ملاحظة كون التالف ظلما يعوضه الله جل شأنه على صاحبه في الدنيا والاخرة. وعلى كل حال فالاولى إيكال الامر إلى الضابط المذكور الذي هو مختلف باختلاف الاحوال والازمنة والامكنة، بل معرفة الاولياء فيه مختلفة، ومن ذلك يعلم عدم اعتبار العدالة الشرعية، فإنه ربما يكون السبيل الاحسن في غيرها، لكن قد يظهر من جمع اللمعة - الثقة والعدل - اعتبارها، وفي المسالك ((المراد بقولهم الثقة غالبا الثقة في ظاهر الحال، يعنى الاكتفاء بظاهر أمره، لا يشترط العلم بذلك لتعذره، فعبروا عن الظاهر بالغالب، نظرا إلى أن الظاهر يتحقق بكون الغالب على حاله كونه ثقة، لا أن المراد كونه في أغلب أحواله ثقة دون القليل، لان ذلك غير كاف). قلت: قد عرفت أن المدار على غير ذلك، ويمكن أن يكون المراد من الثقة غالبا من تطمئن به النفس بالنسبة إلى الوفاء، بل لا يعتبر في ذلك العلم للعسر، بل يكفي فيه التتبع لاغلب أحواله المفيد إطمينانا كما هو المعتاد والامر في ذلك كله سهل بعد ما عرفت. إنما الكلام في أنه أي الضابط المزبور معتبر في تصرف المولى لنفسه، أو يكفي فيه عدم الضرر على الطفل، فعن النهاية والوسيلة (أنه يجوز للولي اقتراض مال الطفل إذا كان متمكنا من قضائه،) وعن حجر التذكرة (لا يحتاج الاب إذا باع مال ولده عن نفسه نسيئة أن يرتهن له من نفسه، وكذا لو اشترى له سلما مع الغبطة بذلك) وعنه وعن جامع الشرايع اشتراط الملاءة المصلحة للطفل، بل عن السرائر (لا يجوز له بحال، لانه أمين والامين لا يجوز له أن يتصرف في أمانته) وإن كان) هو واضح الضعف، لمخالفته الآية والرواية ففي صحيح أبي الربيع (1) أنه (سئل الصادق عليه السلام عن رجل ولي يتيم فاستقرض منه ؟ فقال: إن على بن الحسين عليهما السلام قد كان


(1) الوسائل الباب 76 - من ابواب ما يكتسب به في ذيل حديث - 1 -

[ 165 ]

يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره، فلا بأس بذلك) وفي خبر ابن اسباط (1) (إن كان لاخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم) ونحوه خبره الآخر (2) وخبر غيره مما تضمن العمل بمال اليتيم على سبيل القرض أو القراض، فلا ينبغي التأمل في جواز ذلك للولي في الجملة. وإنما البحث في اشتراط ذلك بما اشترط به التصرف بالنسبة إلى الغير من كونه الاحسن، أو لا، مقتضى اطلاق الآية الاول، بل لعلها في تصرف الاولياء لانفسهم أظهر، كما أنها أقوى من إطلاق بعض الاخبار، وترجح عليه، وإن كان التعارض بينها من وجه فالاحوط الاقتصار في تصرفهم على ذلك، خصوصا غير الاب والجد منهم، فإنه قد يحتمل فيهما الاكتفاء بعدم الضرر وتمام الكلام في ذلك في غير المقام والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا اشترط المرتهن الوكالة في العقد لنفسه، أو لغيره أو وضع الرهن في يد عدل معين) صح بلا خلاف، بل عن الغنية الاجماع عليه، لعموم (3) (المؤمنون عند شروطهم (4) و (أوفوا) وخصوص ما دل على الرهن الشامل لهذا الفرد بل و (لزم ولم يكن للراهن فسخ الوكالة) وفاقا للمشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا بل عن السرائر نسبة الخلاف فيه إلى أهل الخلاف، مشعرا بعدمه بيننا، ولعله كذلك، فإني لم أجده إلا من الشهيد في اللمعة، بناء منه على ما سمعته من مذهبه من عدم اللزوم في نحوه من الشروط في العقود اللازمة، وقد عرفت ضعفه. نعم عن المبسوط أنه حكى الخلاف في ذلك بلفظ القيل، ويمكن أن يريد الشافعي كما يشهد له ما يظهر من السرائر، فمن الغريب قول المصنف فيه (على تردد) وإن ذكروا وجهه: كون الوكالة من العقود الجائزة التي من شأنها تسلط كل منهما على الفسخ، واشتراطها لا يقتضى لزومها، وإلا لم تبطل بالموت، أو عدم


(1) و (2) الوسائل الباب - 75 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1 - 3 (3) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 (4) سورة المائدة الاية - 1 -

[ 166 ]

لزوم الشرط وإن كانت في عقد لازم، وانما أقصاها التسليط على الفسخ، أو أن الرهن وإن كان لازما من طرف الراهن إلا أنه جائز من طرف المرتهن، وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح، والاصل براءة الذمة من اللزوم، فيكون كالشروط في العقود الجائزه. والجميع كما ترى إذ في الاول: أن الوكالة وإن كانت من العقود الجائزة بالذات، لكن لا بأس بلزومها من جهة العارض كالشرط ونحوه، ودعوى أنه غير مقتض لذلك - يدفعها فرض كون المراد منه البيع وكالة، فهو كما لو صرح باشتراط عدم العزل، لا أن المراد مطلق الوصف بها وإن عزل بعد ذلك، واحتمال أن التصريح بعدم العزل لا يقتضي عدم تريب الاثر لو وقع بل أقصاه الاثم. يدفعه أنه مناف لكون المؤمن عند شروطه، والبطلان بالموت - لانتفاء الموضوع، ضرورة كونها استنابة تذهب بذهاب المنوب عنه - لا يقتضي جواز العزل. وفي الثاني: ما تقدم سابقا من منافاته لما دل على لزوم الشروط، والوفاء بالعقود، على أن التسلط للفسخ هنا لا فائدة فيه، بل يزيده ضررا، إذ الفرض أنه شرط في عقد الرهن لنفسه، ففسخه يزيده ضررا، ومن هنا جزم في الدروس في المقام باللزوم، ولعله لما عرفت، وإن لم يقل به في غيره بل في المسالك (أن الوكالة هنا مما العقد كاف في تحققها، فلا يحتاج بعده إلى صيغة اخرى لها، لان الفرض منها مجرد الاذن بأي لفظ اتفق، وقد تقدم انما العقد كاف في تحققه، كجزء من الايجاب والقبول، فحيث يكون لازما يلزم، وإن قلنا بعدم وجوب الوفاء بشرط لا يكفي العقد في تحققه) وقد أشار بذلك إلى تفصيل قد حكينا سابقا عن الشهيد في الشرائط بين ما تحتاج إلى أمر آخر غير العقد المشترط فيه، وبين ما لا يحتاج إلى ذلك، بل كان العقد كافيا في لزومها، وهو وإن كان فيه ما فيه أيضا، إلا أنه قد يناقش في كون الوكالة هنا من القسم الثاني، بل وفي حصول الاذن بعد أن كان المراد من الشرط إيقاع الوكالة بعد عقد الرهن، إذ لا معنى لانشائها بلفظ الشرط المعلوم عدم صلاحيته لذلك، فتأمل. أللهم إلا أن يقال: إن المراد من اشتراط الوكالة هو ما أشرنا إليه سابقا من

[ 167 ]

البيع عنه، وليس المراد نفس الوكالة وحينئذ لا يحتاج إلى أمر آخر غير الشرط - في العقد الذي قد استحق به، بمقتضى عموم (1) (المؤمنون عند شروطهم) - عليه البيع عنه، وانحلال ذلك إلى الوكالة لا يقتضي كون المراد اشتراطها على وجه تحتاج إلى صيغة بعد العقد، أو أن المراد اشتراط أثر عقد الوكالة، أو نحو ذلك، فتأمل جيدا، فإنه دقيق نافع في وجه إطلاق الاصحاب لزوم الوكالة متى اشترط في عقد لازم والله اعلم. وفي الثالث: أن الشرط على الراهن فيكون لازما لان الفرض لزوم العقد من جهته. نعم لو وقع شرط على المرتهن أمكن عدم لزومه عليه باعتبار أن له فسخ العقد المشروط فيه. (و) كيف كان فلا اشكال بل ولا خلاف في أنها: أي الوكالة المشترط (تبطل بموته) أي الراهن كبطلانها بموت الوكيل، سواء كان المرتهن أو غيره لما عرفت من أن لزومها الحاصل من الاشتراط ما دام محلها باقيا، لا إذا خرج عن قابلية النيابة والاستنابة اللذين هما من مقومات الوكالة. نعم تبطل هي خاصة (دون الرهانة) لعدم الارتباط بينهما، ضرور تبعية الرهانة للدين الذي لم يختلف في حالي موت كل منهما، وحياته. ومن هنا حكى الشهيد عن إملاء فخر الاسلام أنه نقل الاجماع على انتقال حق الارتهان إلى المشتري لو باعه المرتهن، وهو في ذمة الراهن من شخص فتغير مالك الدين - كتغير مالك العين المرهونة بموت الراهن والمرتهن - غير قادح في انتقال حق الرهانة، فضلا عن تبين كون الدين لغير المرتهن بإقرار، أو بينة على أنه كان وكيلا في الدين والارتهان كما هو واضح. (و) قد ظهر مما ذكرنا أنه (لو مات المرتهن) المشروط وكالته (لم تنقل إلى الوارث) وكالته، لكن ذكر المصنف وغيره (إلا أن يشترطه) بل لم يعرف فيه خلاف بينهم (وكذا إن كان الوكيل غيره) أي المرتهن.


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4.

[ 168 ]

وربما أشكل بأنه لا معنى لاشتراط إنتقال الوكالة التي تبطل بالموت، وبأنه لا معنى لاشتراط وكالة الوارث على معنى حصولها بنفس الشرط في العقد على حسب حال المورث وربما يكون غير موجود حال الاشتراط، فضلا عن كونه غير قابل. ويدفع بأن المراد بالاشتراط ما عرفت من البيع عنه للمرتهن، أو لوارثه فالشرط عليه هو البيع عنه، وهو صحيح بالنسبة إلى المرتهن ووارثه والاجني، والوكالة فيه تبعية لا أصلية، أو يراد اشتراط التوكيل عليه بصيغة جديدة للوارث، إلا أن الاول أولى وأدق، كما أن اشتراطها على الراهن بعد موته لابد من تنزيله على الوصية، ضرورة عدم صحة الوكالة بعد الموت والله أعلم. وقد تلخص من ذلك ومما ذكرناه في غير المقام أن المراد بقول الاصحاب تلزم الوكالة إذا اشترطت في عقد لازم، أحد أمرين: الاول: إرادة الوكالة العقدية، وهذه لا ريب في عدم تحققها بالشرط الذي هو في الحقيقة معنى مباين لايجابها، فلا يتحقق حينئذ عقدها بذلك، ولا يقال: انهما عقدان بل هو عقد واحد مشتمل على شرط مفيد للالزام بحصولها، فيحتاج في الوفاء به إلى إيجاد عقدها ولزومها، إما لكون المراد ولو من القرينة إرادة عدم العزل، وإما لكون المراد البيع وكيلا عنه من حين إيجاد صيغة التوكيل إلى حصولها البيع، فلو عزله في الاثناء لم يؤثر، لكونه منافيا للشرط الذى هو البيع عنه وكيلا من حين التوكيل. نعم لا ريب في جريان باقي أحكام الوكالة عليها، كالفسخ بالموت والجنون والاغماء ونحو ذلك، مما كان دليله شاملا للوكالة المشروطة في عقد لازم وغيرها، لكون كل منهما وكالة ولم يفد الشرط إلا كونها لازمة على المشروط عليه، بمعنى عدم جواز فسخها منه باعتبار وجوب الوفاء بالشرط لا غير ذلك، من أحكام الوكالة، ولعل هذا هو الموافق لكلمات الاصحاب، خصوصا مع ملاحظة ما ذكرناه في وجه الاستدلال على انفساخها بالموت، وخصوصا مع ملاحظة اطلاق اسم الوكالة عليها، وهى عندهم عبارة عن العقد المخصوص، ولا ينافي ذلك قولهم أنها لا تنتقل بموت المرتهن مثلا

[ 169 ]

إلى وارثه الا مع الشرط، ضرورة صلاحية إلزام تحصيلها بعقدها على الراهن مثلا بالنسبة إلى وارث المرتهن وغيره، لعموم أدلة الشرط، لا أن المراد إنتقال الوكالة من دون عقدها إلى الوارث بالشرط كما هو واضح. والثاني: أن يراد بالوكالة المصداق الموافق لمصداقها مع عدم التقييد بكونها وكالة، نحو ملك العين بعوض معلوم وإن لم يكن بيعا، وقد ذكرنا سابقا صحة اشتراط ذلك بعد عدم دليل على انحصار مفاده في عقد الوكالة التي أقصاها أنها تفيده، لا أنه لا يكون إلا بها، فيبقى عموم الشرط حينئذ بحاله. نعم لا يلحق ذلك شئ من أحكام الوكالة الثابتة لها من حيث كونها وكالة، لما عرفته من عدم كون الحاصل بالشرط من أفرادها، أما الانفساخ بالموت والجنون والاغماء فقد يقال: بثبوتها باعتبار لحوقها لمعنى النيابة المفروض تحققها في المعنى الشرطي، إذ لا يعقل نيابته وهو ميت أو مجنون أو مغمى عليه، كما لا يعقل نيابته عنهم. وبالجملة كل حكم ثبت للوكالة من حيث معنى النيابة يلحق المستفاد من الشرط، ضرورة كونه نيابة، وإن لم يكن وكالة، دون غيره من الاحكام الثابتة للوكالة باعتبار مفهومها المفروض عدمه في المعنى الشرطي، وأما اشتراط هذا المعنى بالنسبة إلى الوارث أو الا جنى فلا بأس به، لعموم المؤمنون وغيرها، وليس هو من الوكالة المحتاجة إلى عقد وهذا جيد وينطبق عليه اللزوم مع الاشتراط في عقد لازم، إلا أنه بعيد عن كلمات الاصحاب والله العالم. (ولو مات المرتهن ولم يعلم) أن (الرهن) في تركته، لم يحكم به في ذمته، لاصالة البراءة، ولعله تلف منه بغير تفريط، ولا في ماله لاصالة عدمه فيما هو في ملكه بمقتضى ظاهر يده المحكوم شرعا بأنه لورثته، بمقتضى عموم (1) (ما تركه الميت) وحينئذ فلو (كان) الرهن فيها في الواقع فهو (كسبيل ماله) في الظاهر، كما في السرائر، والقواعد، والتحرير، وغيرها (حتى يعلم بعينه) بقيام بينة ونحوها، وان اشتبه بنظائره فيها، فإن المرجع فيه حينئذ إلى الصلح ونحوه، لا أن المراد حتى


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب ولاء ضمان الجريرة الحديث - 4 - 14 -

[ 170 ]

يعلم بشخصه وخصوصه، ضرورة عدم خروج المال عن ملك صاحبه بالاشتباه، بل الظاهر تقديمه على الغرماء، لكونه كالشريك في الاعيان. وإن كان قد يحتمل مساواتهم باعتبار كون الاشتباه كالتلف في الرجوع إلى الضمان، لعله لذا قال المصنف في باب الوديعة: (إذا اعترف بالوديعة ثم مات وجهلت عينها قيل: تخرج من أصل تركته، ولو كان له غرماء، فضاقت التركة حاصهم المستودع، على تردد،) وإن كان هو واضح الضعف. وكيف كان فلابد من حمل العبارة على ما ذكرناه، وان كانت لا تخلو من إبهام ولذا تركها في القواعد وغيرها والامر في ذلك سهل. نعم قد يشكل أصل الحكم بذلك وان كان ظاهرهم الجزم به هنا، كما اعترف به في المسالك، بأن الاصل بقاؤه في المال الذي كان في زمن الحياة ملك ورهن، فلا قضاء لليد بالملك، بعد العلم بانها كانت أعم، والاصل عدم التلف، كما أن الاصل عدم تركة له غير الموجود، فينحصر الرهن حينئذ في التركة الموجودة بمقتضى الاصل الشرعي الذي هو بعد فرض حجيته كالبينة ونحوها، وأصالة عدم كونها من التركة الموجودة لا أصل لها، إذ ليس لها حالة سابقة كان خارجا عنها حتى تستصحب. وما في المسالك - تبعا لجامع المقاصد في الجملة من أنه يمكن أن يقال: لا تعارض بين الاصلين، فاصالة بقاء المال يمكن أن يجامع أصالة البراءة، لان المال بيد المرتهن غير مضمون، بل هو امانة يمكن تلفه بغير تفريط فلا يكون مضمونا، وحديث (1) (على اليد ما اخذت حتى تؤدى) لابد من تخصيصه بالامانات، ولم يعلم هنا ما يزيل الامانة، فيبقى اصالة براءة الذمة رافعة لاستحقاق الراهن في المال والذمة، لعدم التعارض، فيتم ما اطلقوه حيث يشتبه الحال. - واضح الضعف بعد ما عرفت من إقتضاء اصالة بقاء المال، واصل عدم التلف، وأصل عدم تركة له غير الموجود - كونه في المال، وليس هذا من ضمان المال حتى يقال: إن الامانة خرجت من عموم (على اليد) وفي مضاربة القواعد (ولو مات العامل


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90 كنز العمال ج 5 ص 257

[ 171 ]

ولم يعرف بقاء مال المضاربة بعينه صار أسوة الغرماء على إشكال) وستسمع ما فيها. وفي التذكرة في الوديعة (نعم قد يتجه ما ذكره فيما لو علم بالرهن، ولم يوجد في التركة قطعا، كما إذا كان سيفا مثلا ولا سيف فيها، مع أنه قد يقال: بالضمان فيه أيضا، لاصالة البقاء، وعموم (على اليد) المسلم استثناء تلف الامانة منه بغير تفريط، الثابت بالبينة أو بيمين لا سائر أحوال الامانة، فالتلف الذي لم يدع الامين كونه بغير تفريط، ولا علم كونه كذلك على قاعدة الضمان. بل لو سلم أن المستثنى تلف الامانة مطلقا، حتى يكون الاصل في تلفها عدم الضمان إلا بأن يعلم كونه بتفريط، فهو بعد إحراز التلف، أما إذا لم يكن معلوما بل الاصل يقتضى عدمه، فلا، وعدم الوجود في التركة أعم منه قطعا، إذ يمكن جعله في حرز لا يعلم به إلا هو، فعموم على اليد بحاله، بل في الحقيقة ليس ذلك تضمينا بل هو رد للامانة المحكوم ببقائها بمقتضى الاصل الذي لا فرق بين الامين وغيره في الخطاب به). قال في القواعد: ولو مات المستودع ولم توجد الوديعة في تركته فهي والديون سواء على إشكال: أي في كيفية الضمان لا في أصله، هذا إن أقر أن عنده وديعة، أو عليه وديعة أو ثبت أنه مات وعنده وديعة، أما لو كانت عنده في حياته ولم توجد بعينها، ولم يعلم بقاؤها ففي الضمان إشكال) وعن شرح الارشاد (نسبة الضمان إلى نص الاصحاب) وفي التذكرة (قد بينا الخلاف فيما إذا كان عنده وديعة ولم توجد في تركته، فإن الذي يقتضيه النظر عدم الضمان، والذي عليه فتوى اكثر العلماء منا ومن الشافعية الضمان). وقد بان لك من ذلك كله أن الصور ستة: الاولى: علم الرهن في جملة التركة الثانية: أن يعلم أنه كان عند الميت ولم يعلم كونه في التركة أو لا ؟ تلف بغير تفريط أو لا ؟. الثالثة: أن يعلم كونه عنده كذلك، ولكن ليس في التركة قطعا.

[ 172 ]

الرابعة: أن يعلم تلفه في يده ولم يعلم كونه بتفريط أو لا ؟. الخامسة: أن يعلم كونه عنده إلى أن مات، وأنه لم يتلف منه، إلا أنه لم يوجد في التركة. السادسة: كذلك، إلا أنها مع احتمال التلف بعد الموت، كل ذلك مع عدم التقصير منه بترك الوصية والاشهاد، وحكم الاولى واضح، كحكم ما لو علم الرهن بعينه، أما ما عداها فقد يقوى الضمان في غير الرابعة التي قد عرفت احتماله فيها، إلا أن الاقوى خلافه، كما أن الاقوى في بعض صور الضمان التقديم على باقي الغرماء، بل لعله محتمل في جميعها، لما عرفت من أنه في الحقيقة رد للامانة نفسها، لا ضمان لها. أما إذا لم يعلم أن في التركة رهنا، لعدم العلم بأصل الرهانة فلا إشكال في كون الحكم في الجميع كسبيل مال الميت، عملا بظاهر اليد، وأصالة عدم الرهن، ويمكن حمل عبارة المصنف وغيره عليه. بل لعله كذلك في العلم بأصل الرهانة في الجملة، إلا أنه لم يعلم الفك وعدمه، وإن كان قد يحتمل الحكم بها لاصالتها، خصوصا إذا كانت العين مشخصة، وقد علم أنها كانت رهنا عند الميت، ثم لم يعلم أنها قد خرجت عنه ودخلت في ملك الميت، أو أنها باقية على الحال الاول، فتأمل. واحتمال - خروج الرهن عن حكم الوديعة والمضاربة، لخبر عمر بن رياح القلا (1) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل هلك وترك صندوقا فيه رهون، بعضها عليها أسماء أصحابها، وبكم هو رهن، وبعضها لا يدرى لمن هو، ولا بكم هو رهن، فما ترى في هذا الذي لا يعرف صاحبه ؟ فقال: هو كماله. يدفعه معلومية عدم العمل بظاهر الخبر فيما نحن بصدده، بل يكون ذلك كمجهول المالك، أو يحمل على عدم معرفة كونه رهنا، أو نحو ذلك مما لا يخالف الضوابط فتأمل جيدا. فإن المسألة غير محررة في كلامهم، بل لعل المغروس في الذهن عدم الضمان في كثير من صورها والله أعلم.


(1) الوسائل الباب - 14 - من ابواب أحكام الرهن الحديث - 1 - لكن في السند محمد بن رياح.

[ 173 ]

(ويجوز للمرتهن ابتياع الرهن) من الراهن أو من يقوم مقامه قطعا، ومن نفسه إذا كان وكيلا عنه وكالة شاملة له بالتصريح أو العموم الذي هو مثله، بل ومع اطلاق الوكالة على المشهور، بل في المختلف (من غير كراهة لتحقق الموكل عليه بالبيع منه، ضرورة صدقه عليه) خصوصا مع اشعار عدم التعرض للخصوصية بالغائها، وأن المراد بيعه بثمنه من أي مشتر كان، ودعوى - ظهور الوكالة في عدم بيعه عليه، أو في البيع على غيره من غير تعرض له، فحينئذ لا يجوز إلا بالاذن، أو وجود قرينة تدل عليه، كما اختاره في جامع المقاصد هنا - لا شاهد لها، ولو سلم الانسياق فهو انسياق أظهرية لبعض الافراد، لا أن ذلك هو المراد. وهذا البحث لا يخص المقام، بل هو جار في غيره، وتمام الكلام فيه هناك، إلا أن ظاهر المصنف فيما تقدم عدم بيعه من نفسه في اطلاق الوكالة، وعن أبى على: (لو وكل المرتهن في بيعه لم اختر له بيع ذلك، خاصة إذا كان الرهن مما يحتاج إلى استيفاء أو وزن، أو أراد المرتهن شراءه أو بيعه لولده وشريكه، أو ما يجرى مجراهما) وظاهره الكراهة وإن حكي عنه المنع، والله أعلم. (والمرتهن أحق من استيفاء دينه) من الرهن (من غيره من) باقي (الغرماء، سواء كان الراهن حيا) وقد حجر عليه للفلس (أو ميتا، على الاشهر) بل المشهور بل لا خلاف فيه في الاول، بل والثاني عدا ما عساه يظهر من الصدوق، حيث أنه روى الرواية الدالة على الاشتراك التي رماها في السرائر بالشذوذ، وفي الدروس بالهجر، وهو في معنى الاجماع، بل في الاول دعواه صريحا ولعله كذلك إذ خلاف الصدوق - مع أنه غير متحقق، لعدوله عما ذكره في أول كتابه من أنه لا يذكر فيه إلا ما يفتي به - غير قادح فهو الحجة حينئذ، مضافا إلى ما دل من النصوص (1) وغيرها على كون الرهن وثيقة للدين، وفائدتها شرعا وعرفا استيفاء الدين منها.


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1 - 6 - 9 -

[ 174 ]

وخبر عبد الله بن الحكم (1) - الضعيف المرتفع القول عن الصادق عليه السلام (عن رجل افلس وعليه الدين لقوم، وعند بعضهم رهون، وليس عند بعضهم فمات، ولا يحيط ماله بما عليه من الدين، فقال: يقسم جميع ما خلف من الرهون وغيرها على أرباب الدين بالحصص). - محمول على الرهانة بعد الفلس، أو مطرح كمكاتبة سليمان بن حفص (2) - الذي لم ينص علماء الرجال على توثيقه، بل ولا مدحه، - إلى أبي الحسن عليه السلام (في رجل مات وعليه الدين ولم يخلف شيئا إلا رهنا في يد بعضهم، فلا يبلغ ثمنه أكثر من مال المرتهن، أيأخذه بماله، أو هو وسائر الديان فيه شركاء فكتب جميع الديان في ذلك سواء، يتوزعونه بينهم بالحصص) فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور لهما، ولا غرابة بعد اختلال الطريقة، نعم لو زاد الرهن عن الدين اختص الغرماء بالزائد. (و) أما (لو أعوز) الرهن عن وفاء الدين وقصر (ضرب) صاحب الدين (مع الغرماء بالفاضل) بلا خلاف ولا إشكال لان دينه في الذمة لا محصور بالرهن كما هو واضح (و) كيف كان ف‍ (الرهن أمانة في يده لا يضمنه لو تلف) عنده بغير تفريط، بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل ظاهر كشف الحق وغيره الاجماع عليه، بل عن الخلاف، والغنية، والسرائر، والتذكرة، والمفاتيح، دعواه صريحا، فمن الغريب نسبته في الدروس إلى الاشهر، مشعرا بوجود الخلاف فيه بيننا، نعم هو معروف بين العامة. فعن أبي حنيفة أنه مضمون، وعن شريح، والنخعي، والحسن البصري، أنه مضمون بجميع الدين، وإن كان أكثر من قيمته، لان الرهانة تذهب بما فيها، وربما حكي عنهم أنه مضمون بجميع قيمته، فيترادان الفضل حينئذ بينهما. وعن الثوري، وأصحاب الرأى أنه يضمنه بأقل الامرين من قيمته أو قدر الدين، فإن كان قيمته أقل سقط من الدين بقدر قيمته والا سقط الدين ولا يضمن الزيادة.


(1) (2) الوسائل الباب - 19 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1 - 2

[ 175 ]

وقال الصادق عليه السلام في صحيح جميل (1) (عن رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن فهو من مال الراهن، يرتجع المرتهن بماله عليه) وفي صحيح اسحاق بن عمار الصيرفي (1) الثقة (قلت لابي ابراهيم عليه السلام: الرجل يرتهن العبد فيصيبه عورا وينقص من جسده شئ، على من يكون نقصان ذلك، قال: على مولاه، قال: إن الناس يقولون إن رهنت العبد فمرض أو إنفقأت عينه فأصابه نقصان في جسده ينقص من مال الرجل بقدر ما ينقص من العبد، قال: أرأيت لو أن العبد قتل قتيلا على من تكون جنايته ؟ قال: جنايته في عنقه). وفي خبره الآخر (3) عنه أيضا (قلت له: الرجل يرهن الغلام أو الدار، فتصيبه الآفة على من يكون ؟ قال: على مولاه، ثم قال: أرأيت لو قتل قتيلا على من كان يكون ؟ قلت: هو في عنق العبد، قال: ألا ترى فلم يذهب عن مال هذا، ثم قال: أرايت لو كان ثمنه ماءة دينار فزاد وبلغ مأتي دينار لمن كان يكون ؟ قلت: لمولاه، قال: وكذلك يكون عليه ما يكون له) إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على المجمع عليه بين الاصحاب، المشتملة على بيان الوجه ردا على العامة العمياء، المستفاد منها الدلالة بما دل من النصوص على أن منفعة الرهن للمالك، بضميمة قاعدة (أن من كان النفع له، كان النقصان عليه). كما تضمنه الخبر النبوي (4) المشهور الذي استدل به هنا غير واحد من الاصحاب: (لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه، وعليه غرمه) أي لا يملكه المرتهن بالارتهان وفي الآخر (5) (الخراج بالضمان) فإذا كان خراجه للراهن بلا خلاف، كان ضمانه عليه. فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور، لاخبار


(1) (2) الوسائل الباب 5 - من ابواب احكام الرهن الحديث 1 - 4 - مع اختلاف يسير. (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الرهى الحديث - 6 - (4) المستدرك ج - 2 - ص 495 (5) المستدرك ج - 2 - ص 473

[ 176 ]

معلومة الطرح بين الاصحاب، وأنها خرجت مخرج التقية، أو محمولة على التفريط، أو نحو ذلك. كخبر محمد بن قيس (1) عن الصادق عليه السلام (عن أبي جعفر عليه السلام قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الرهن إذا كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدي الفضل إلى صاحب الرهن، وإن كان أقل من ماله فهلك الرهن أدى إلى صاحبه فضل ماله، وإن كان الرهن يسوى ما رهنه، فليس عليه شئ). وموثق ابن بكير (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرهن ؟ فقال: إن كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدى الفضل إلى صاحب الرهن وإن كان أقل من ماله فهلك الرهن، أدى إلى صاحبه فضل ماله، وإن كان سواء فليس عليه شئ). وخبر أبي حمزة (3) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول علي عليه السلام في الرهن يترادان الفضل ؟ قال: كان علي عليه السلام يقول: ذلك، قلت: كيف يترادان الفضل ؟ فقال: إذا كان الرهن أفضل مما رهن به، ثم عطب يرد المرتهن بالفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوى رد الراهن ما نقص من حق المرتهن، قال: وكذلك كان قول علي عليه السلام في الحيوان وغير ذلك). وخبر عبد الله بن الحكم (4) (سألت الصادق عليه السلام عن رجل رهن عند رجل رهنا على ألف درهم، والرهن يساوي ألفين فضاع فقال يرجع عليه بفضل ما رهنه، وإن كان أنقص مما رهنه عليه فالرهن بما فيه. و خبر اسحق بن عمار (5) (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم وهو يساوي ثلاثماءة درهم، فهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم ؟ قال: نعم، لانه أخذ رهنا فيه فضل وضيعه، قلت: فهلك نصف الرهن فقال: على حساب ذلك، قلت: فيترادان الفضل ؟ قال: نعم). إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن حملها على صوره التفريط، كما يشعر به


(1) الوسائل الباب - 7 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 4 - (2 - 5) الوسائل الباب - 7 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 3 - 51 - 2 -

[ 177 ]

قوله في الاخير ضيعه، بل أوضح منه مرسل أبان (1) (عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في الرهن: إذا ضاع عند المرتهن من غير أنه يستهلكه رجع في حقه على الراهن فأخذه، فإن استهلكه تراد الفضل فيما بينهما) بل هو كالصريح في أن مراد على مما رووه عنه عليه السلام من تراد الفضل فيما بينهما في صورة الاستهلاك، لا ما فهمه بعض العامة. وعلى كل حال فالمسألة من الواضحات، وحينئذ فهو أمانة يجري عليه حكمها الذي منه تصديقه في دعوى التلف، من غير فرق بين ذهابه وحده، أو مع جملة من ماله. لكن في مرسل أبان (2) (عن أبي عبد الله عليه السلام سألته كيف يكون الرهن بما فيه ؟ إن كان حيوانا، أو دابة، أو ذهبا، أو فضة، أو متاعا، فأصابته جائحة حريق أو لص، فهلك ماله أو بعض متاعه، وليس له على مصيبته بينة، قال: إذا ذهب متاعه كله فلم يوجد له شئ فلا شئ عليه، وإن قال: ذهب من بين مالي وله مال فلا يصدق) وبه أفتى ابن الجنيد قال فيما حكي عنه: والمرتهن يصدق في ضياع الرهن إذا كان جائحة ظاهرة، أو إذا ذهب متاعه والمرهون، فإن ادعى ذهاب الرهن وحده، لم يصدق ولم أجد له موافقا منا. نعم حكي عن مالك أنه إن كان تلفه أي الرهن بأمر ظاهر كان من ضمان الراهن، وإن ادعى تلفه بأمر خفي ضمنه المرتهن، كما أنه لم أجد موافقا للصدوق فيما حكي عنه من عدم ضمان المرتهن لو ترك تعاهد الرهن ونشره، مع حاجته إليهما فتلف بذلك، عملا بما أرسله في الفقيه (3) (في رجل رهن عند رجل مملوكا فجذم أو رهن عنده متاعا فلم ينشر ذلك المتاع ولم يتعاهده ولم يحركه فأكل - يعنى أكله السوس - ينقصه من ماله بقدر ذلك ؟ قال: لا) ويمكن حمله على عدم علم المرتهن باحتياجه، أو على اشتراطه التعاهد على الراهن، أو غير ذلك، كما أنه يمكن حمل الاول على


(1) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 7 - (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1 - مع اختلاف يسير (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 9 -

[ 178 ]

إرادة حصول التهمة الموجبة لليمين عليه، فلا ريب في أن العمل فيهما على المشهور. (و) قد ظهر من ذلك كله أنه (لا يسقط من حقه) أي المرتهن (شئ ما لم يتلف) في يده (بتفريطه) فأما إذا كان بتفريط حصل التهاتر قهرا مع حصول شرائطه، وإلا كان كل منهما مديونا للآخر، واحتمال التهاتر على كل حال الظاهر ما سمعته من النصوص المحمولة على ذلك، أو الظاهرة فيه، - بعيد لقصورها عن الجرأة بها على مخالفة الضوابط، خصوصا بعد احتمال جريانها على الغالب من المساوات، واحتمال إرادة شبه التهاتر منها أو غير ذلك، فما عساه يوهمه عبارة المصنف وغيرها، لابد من تقييده بما ذكرنا. (و) على كل حال فالمشهور بين الاصحاب خصوصا المتأخرين عدم جواز تصرف المرتهن في الرهن من دون إذن الراهن ف‍ (لو تصرف) المرتهن حينئذ (فيه) أي في الرهن (بركوب أو سكنى) مثلا (أو إجارة) من دون إذن الراهن أثم و (ضمن) العين لو تلفت بقيمتها يوم الهلاك، أو يوم التعدي، أو يوم المطالبة، أو أعلى القيم على البحث السابق والآتي في الغاصب ونحوه. (ولزمه أجرة) المثل في الاولين على المشهور، بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه، لانه انتفاع بمال الغير بغير إذنه. والحسن كالصحيح (1) (عن أبي جعفر عليه السلام أن امير المؤمنين عليه السلام قال في الارض البور يرتهنها الرجل ليس فيها ثمرة، فزرعها وأنفق عليها من ماله، أنه يحتسب له نفقته وعمله خالصا، ثم ينظر نصيب الارض فيحتسب من ماله الذي ارتهن به الارض حتى يستوفى ماله، فإذا استوفى ماله فليدفع الارض إلى صاحبها) ولغير ذلك. والاجرة المسماة في الثالث، إذا كان قد قبضها المستأجر، وأجاز المالك عقد الاجارة والقبض، فان لم يجز القبض رجع بها على المستأجر إذا كانت في الذمة وإلا تخير بين الرجوع عليه والرجوع على المرتهن، وان لم يجز العقد ولم تمض مدة تصلح لاستيفاء ما يقابل باجرة عادة، فضلا عن المنفعة المقصودة بالاجارة لم يكن


(1) الوسائل الباب - 10 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1.

[ 179 ]

له شئ عندهما، أما إذا أسلمها وقد مضت إحدى المدتين كان له أجرة المثل على المستأجر بفوات المستأجر منفعة ماله في يده التي هي يد ضمان، بل قد يقال: بأن له الرجوع على المرتهن لانه باجارته صار غاصبا، فيتخير المالك في الرجوع على من شاء منهما. ومنه ينقدح ضمانه: أي المرتهن كل منفعة للرهن تفوت عنده، إذ كان قد تعدى فيه وإن لم يستوفها، بل ينقدح ضمانه في الفرض، وان لم يتسلم المستأجر العين، بناء على أن عقده عليها، وبذلها للمستأجر تعد، كما صرح به في المسالك، وان لم يتسلمها منه، نعم لو كان مجرد عقد فضولا ولم يسلمها إياه ولا بذلها له لم يكن تعديا. وكيف كان فلا فرق في عدم جواز تصرف المرتهن بين كونه قد انفق على الرهن بوجه شرعي أو لم ينفق، لقبح التصرف في مال الغير على كل حال، (و) حينئذ ف‍ (إن كان للرهن مؤنة كالدابة، أنفق عليها) ولو كان قد تصرف فيها بركوب ونحوه ظلما (وتقاصا) كما في النافع، والقواعد، والتحرير، والارشاد، والكتاب، واللمعة، وغيرها، بل في الدروس عليه المتأخرون: أي تهاترا قهرا مع اجتماع الشرائط من التساوي في النوع والصفة. (وقيل) إن الشيخ في نهايته والحلبي، وابني حمزة، وسعيد قالوا (إذا أنفق عليها كان له ركوبها أو يرجع على الراهن بما أنفق) قال في النهاية: (إذا كان الرهن الدابة فركبها المرتهن كانت نفقتها عليه، وكذلك إذا كانت شاة وشرب لبنها كانت عليه نفقتها، وإذا كان عند انسان دابة، أو حيوان، أو رقيق رهنا، فإن نفقتها على الراهن دون المرتهن، فإن أنفق المرتهن عليها كان له ركوبها، والانتفاع بها، أو الرجوع على الراهن بما أنفق)، وقال أبو الصلاح: (يجوز للمرتهن إذا كان الرهن حيوانا يتكفل مؤنته أن ينتفع بظهره أو خدمته أو صوفه أو لبنه، وإن لم يتراضيا، ولا يحل شئ من ذلك من غير تكفل مؤنة ولا مراضاة، الاولى أن يصرف قيمة منافعه في مؤنته).

[ 180 ]

وفي الوسيلة: وإن رهن حيوانا كان نفقته عى الراهن، فإن أنفق عليه المرتهن كان له الرجوع على صاحبه ما لم ينتفع به، فإن انتفع به ولم ينفق رد قدر ما انتفع به، نحو ما في جامع الشرايع، كما قيل، إلا أن الاخيرين كما ترى لا صراحة فيهما بالخلاف، بل يمكن إرجاع كلامهما إلى ما عليه الاصحاب، فانحصر الخلاف حينئذ في النهاية التي هي متون أخبار، وليست كتاب فتوى، وفي أبي الصلاح الذي نقل لنا كلامه، وليس النقل كالعيان. وعلى كل حال فمستندهما في ذلك صحيح أبي ولاد (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير رهنا بماله أله أن يركبه ؟ فقال: إن كان يعلفه فله أن يركبه، وإن كان الذي رهنه عنده يعلفه، فليس له أن يركبه،) وخبر السكوني (2) (عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الظهر يركب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب نفقته، والدر يشرب إذا كان مرهونا، وعلى الذي يشرب نفقته) الذين يمكن حملهما على مساوات الحقين، والاذن ولو للعادة، أو لان رهنه مع عدم الانفاق قرينة على ذلك، ولا سيما إذا كان عدم الركوب والحلب مما يفسده، أو على غير ذلك. بل لا بأس بطرحهما، بعد اعراض معظم الاصحاب عنهما بل في التذكرة (ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن بلا خلاف) وفي السرائر (لا يجوز للمرتهن التصرف في الرهن على حال، للاجماع على أن الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن) ومخالفتهما لقاعدة (عدم التصرف في مال الغير بغير إذنه) وقاعدة الضمان لما يتلفه المتلف، والرجوع بما عرفه على الوجه الشرعي، مضافا إلى عدم صراحتهما في المقابلة، ولا في منع المقاصة. فمن الغريب بعد ذلك كله ما في الدروس من أن المشهور جواز الانتفاع، قال: (ونفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، فإن أنفق متبرعا فلا رجوع، وإن كان بإذن الراهن، أو الحاكم عند تعذره أو اشهد عند تعذر الحاكم، رجع بها على الراهن،


(1) (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب الرهن الحديث - 1 - 2 -

[ 181 ]

ولو كان له منفعة كالركوب والدر فالمشهور جواز الانتفاع بهما، ويكون بإزاء النفقة وهو في رواية أبى ولاد والسكونى وفي النهاية (إن انتفع، وإلا رجع بالنفقة). ومنع ابن ادريس من الانتفاع، فإن انتفع تقاصا وعليه المتأخرون، و الروايتان ليستا بصريحتين في المقابلة، ولا مانعتين من المقاصة، نعم تدلان على جواز ذلك وهو حسن، لئلا تضيع المنفعة على المالك نعم يجب استيذانه إن أمكن وإلا فالحاكم). وفيه مضافا إلى ما عرفت أن ضياع المنفعة على المالك إن لم يستوفها لا يجوز الاستيفاء لانه أعم من الاذن من المالك والاستناد فيه إلى الخبرين يقضى بالعمل بما فيهما من المقابلة أو المقاصة التى إن لم تكن صريحهما فهى ظاهرهما، وهو حجة كالصريح، فلا مناص حينئذ عن طرح الخبرين بالنسبة إلى ذلك كله في مقابلة ما عرفت، أو حملهما على الاذن ونحوه أو على توقف الحفظ على الانتفاع المزبور، فإن بعض الدواب يفسده عدم الركوب، وعدم الحلب وشرب اللبن، لانه مما يفسده البقاء، فضمانه بالقيمة كبيعه من غيره، من الاحسان في حفظ الامانة، والفرض أن حمل الخبرين على ذلك ونحوه أولى من العمل بهما، ومع فرض عدم قبولهما لشئ من ذلك فطرحهما متجه كما هو واضح. ثم إن المصنف وغيره قد أطلق جواز الانفاق، ولابد من تقييده بعدم التمكن من إنفاق المالك لامتناع وعدم إمكان جبر، ولا توصل إلى ماله، أو لغيبة كذلك، ضرورة كون النفقة عليه لا على المرتهن، بل قد يظهر من جماعة تقييده أيضا بعدم التمكن من الحاكم، وإلا وجب الرجوع إليه والاستيذان منه، وهو في محله، لانه ولي الممتنع والغائب في نحو ذلك، بل ربما ظهر من بعضهم اعتبار الاشهاد في الرجوع بما أنفقه عند تعذر المالك والحاكم وإن كان واضح المنع، ضرورة تعسره أو تعذره، فهو مصدق بمقدار ما أنفقه، وفي دعوى نية الرجوع، لانه أمين شرعي على ذلك، ومع التهمة عليه اليمين، بل ربما ظهر من بعض هنا عدم اعتبار الحاكم، بل يشهد له بعض كلماتهم في باب الوديعة واللقطة، بل عن المهذب البارع، أن من عدا الشهيد لم

[ 182 ]

يشترطه، قال: اشترط الشهيد في جواز الرجوع بالنفقة إذن المالك أو الحاكم، فإن تعذر فالاشهاد، ولم يشترط الباقون إذن الحاكم، وهو أولى، وان كان فيه أنه اشترطه الفاضل في التذكرة، بل هو في معقد ما تسمعه من شهرة المسالك وغيرها. وعلى كل حال فلعل وجه عدم اشتراط الحاكم أن المرتهن باستيمان المالك قائم مقامه عند تعذره أو امتناعه، فلا حاجة إلى رجوعه إلى الحاكم، خصوصا مع اندراجه في المحسنين، وتعلق غرضه بالانفاق، باعتبار توقف بقاء الرهن الموضوع وثيقة له على دينه عليه، بل قد يقال لذلك بالاكتفاء في جواز رجوعه بما أنفقه عدم انفاق المالك، لا إمتناعه مع عدم إمكان جبره أو غيبة ونحوهما، وإن كان ينافيه ظاهر كلامهم، وأصالة براءة الذمة، وأصالة عدم قيام الغير مقامه في شغل ذمته من غير اذنه. بل لا يبعد اندراجه في هذا الحال في سلك المتبرعين الذين لا حرمة لاموالهم. ولا يكفى نية الرجوع بعد أن كان الخطاب بالانفاق لغيره، الذي يمكن أن يكون عدم بذله النفقة منه لغفلة، أو ظن وجودها أو نحو ذلك، فلابد من مطالبته بها أولا، فإن بذل وإلا أجبر، فإن لم يمكن انفق بإذن الحاكم أو بدونه على البحث السابق. وفي المسالك وغيرها أن المرتهن إن أمره الراهن بالنفقة رجع بما غرم، وإلا استأذنه، فإن امتنع أو غاب رفع أمره إلى الحاكم، فإن تعذر انفق هو بنية الرجوع، وأشهد عليه ليثبت له استحقاقه، وكيف كان فلا بد من تقييد إطلاق المصنف الانفاق بما عرفت، كما أنه لابد من تقييده المقاصة باجتماع شرائطها، ويمكن قراءة عبارة المصنف أو تقاضا بالضاد المعجمة كما عن بعض النسخ، إلا أنه يبعده وقوع هذه اللفظة في غيرها من عبارات الاصحاب، والامر سهل بعد وضوح المقصود والله أعلم. (و) المشهور بين الاصحاب بل لم اجد فيه خلافا بينهم أنه (يجوز للمرتهن أن يستوفي دينه مما في يده) وإن لم يكن وصيا عن الراهن على البيع إن علم وإن ظن بل و (إن خاف جحود الوارث) للدين أو للرهانة وكانت التركة قاصرة (مع اعترافه) بالرهن ولم تكن عنده بينة مقبولة، وفي الرياض (قد صرح به

[ 183 ]

الاصحاب من غير خلاف يعرف). بل عن شرح الارشاد (الاجماع على أن للمرتهن الاستيفاء من الرهن وإن لم يكن وكيلا في البيع، أو انفسخت وكالته بموت الراهن، إن خاف جحود الراهن، أو الورثة للحق، ولم يمكن اثباته عند الحاكم، لعدم البينة، أو غيره من العوارض) وعن مجمع البرهان (الاجماع أيضا إن لم تكن له بينة مقبولة أو لم يمكن إثباته عند الحاكم). والاصل في ذلك - مضافا إلى الحرج، والضرر، وما دل على المقاصة، وفائدة الرهن وغير ذلك - مكاتبة المروزى (1) لابي الحسن عليه السلام (في رجل مات وله ورثة، فجاء رجل فادعى عليه مالا، وأن عنده رهنا، فكتب عليه السلام إن كان له على الميت مال، ولا بينة له، فليأخذ ماله مما في يده، ويرد الباقي على ورثته، ومتى أقر بما عنده، أخذ به وطولب بالبينة على دعواه، وأوفي حقه بعد اليمين، ومتى لم يقم البينة والورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم، يحلفون بالله ما يعلمون له على ميتهم حقا) والمناقشة في سندها بعد الانجبار بما سمعت لا وجه لها. كما أن منها يعلم الوجه فيما ذكره المصنف بقوله (أما لو اعترف بالرهن، وادعى دينا، لم يحكم له، وكلف البينة وله إحلاف الوارث إن ادعى عليه العلم) بل لم يشترط في الخبر دعوى العلم، بل ظاهره توجه اليمين عليهم بمجرد الدعوى بالدين وإن كان يمينهم على نفى العلم، لانه لنفي فعل الغير وعلى كل حال فالخبر ظاهر في الحكم المزبور، وشموله لصورة عدم خوف الجحود غير قادح، بعد معلومية عدم ارادتها، لوجوب الاقتصار فيما خالف أصل عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه على المتيقن. ومنه يعلم الوجه في اعتبار عدم البينة كما ذكرناه، ونص عليه في الخبر، وفاقا لجماعة، وإن أطلق المصنف بل وغيره، بل عن مجمع البرهان التصريح بانه لا يشترط عدم البينة، ولا عدم إمكان الاثبات عند الحاكم، بل قال: و (الرواية غير صريحة بالاشتراط، وإنما فيها إشعار يمكن أن يكون قد خرج مخرج الغالب)


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب احكام الرهن الحديث - 1.

[ 184 ]

وإن كان فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت الذى منه يعلم ضعف ما عن بعضهم من الحاق الحاجة إلى اليمين بخوف الجحود، ولذا نفي الاعتماد عنه في المسالك وغيرها. بل لولا ظهور الغاء الخصوصية، ولو بضميمة ما سمعته من الاجماع من شرح الارشاد لامكن التوقف في الحاق خوف جحود الراهن، لما عرفت من عدم كون الحكم على القاعدة، ضرورة أنه ليس من المقاصة المشروطة بامتناع من عليه الحق، ولا يكفي فيها الخوف، إلا أنه لا مناص عن الحاقه بعد الاجماع المزبور، المعتضد بتصريح جماعة، وبظهور عدم الخصوصية للوارث، بل لا بأس بالحاق خوف عدم قبول البينة أو جرحها أو نحو ذلك وعلى كل حال فالمعتبر في الجواز الخوف، لاطلاق الخبر المزبور، وما في القواعد من اعتبار العلم لا يخلو من نظر، كاعتبار غيره الظن والله أعلم. (ولو وطئ المرتهن الامة مكرها) لها على ذلك من غير إذن الراهن (كان عليه عشر قيمتها أو نصف العشر، وقيل: عليه مهر أمثالها، ولو طاوعته، لم يكن عليه شئ) كما تقدم تحقيق ذلك كله وتحقيق أرش البكارة في بيع الحيوان فلاحظ وتأمل، إذ المسألة من واد واحد ولا خصوصية للمرتهن عن غيره، هذا. وقد عرفت فيما تقدم صحة اشتراط وضع الرهن ابتداء واستدامة أو استدامة خاصة على يد عدل فصاعدا مطلقا، أو معين، أو غير هما مطلقا أو معين، وإن لم يكن عدلا أو نحو ذلك من الشرائط السائغة التي تلزم بعموم (المؤمنون) و (أوفوا) من غير خلاف أجده فيه بيننا، بل عن التذكرة نسبة اشتراط وضع الرهن على يد عدل إلى علمائنا، بل عن الخلاف دعوى الاجماع عليه صريحا، بل قال: منا ومن جميع الفقهاء إلا ابن أبى ليلى. نعم في القواعد (يشترط فيه كونه ممن يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف وإن كان كافرا، أو فاسقا، أو مكاتبا لكن بجعل، لا صبيا ولا عبدا إلا بإذن مولاه) ولعله لانه وكيل عن المرتهن نائبا عنه في القبض، كما عن التذكرة، وإن كان قد يناقش فيه بمنع الوكالة، ثم إذا كان المشترط من الوضع استدامته التى لا مدخلية لها في

[ 185 ]

صحة الرهن، ولا لزومه، بل وفي الابتداء بناء على أنه كذلك فلا باس حينئذ بتراضيهما على وضعه في يد صبى، خصوصا إذا كان مأمونا رشيدا، وكان اعتبار الجعل في المكاتب لحجر التصرف عليه في منافعه بغير الاكتساب، بل اعتبر بعضهم فيه كونه بأجرة المثل فصاعدا. نعم ينبغى تقييده بما إذا لم يأذن مولاه، وإلا فلا يعتبر الجعل، لان الحق لهما، فلا بأس إذا أسقطاه، والظاهر عدم اعتبار تعيين الموضوع عنده في صحة الشرط لعموم الدليل، وعدم إفضاء جهالته هنا إلى الجهالة فيما يشترط عدمها في صحته، كالبيع والاجارة، فإن اتفقا حينئذ عليه فلا بأس، والا قطع نزاعهما الحاكم بالتعيين كما إذا لم يشترطا، وليس لاحدهما ولا للحاكم عزله من دون داع بعد تعيينه في العقد أو الاتفاق عليه بعد اشتراط كليه فيه، الذي يكون بالاتفاق كمشترط الخصوصية. نعم لو كان الشرط العدل فخرج عن العدالة فطلب أحدهما نقله أجيب إليه، فإن اتفقا على غيره، وإلا وضعه الحاكم عند ثقة، وكذا لو تغير حاله بمرض، أو كبر أو نحوهما بحيث لا يقدر على الحفظ معه، بل وكذا لو حدثت له عداوة دنيوية مع أحدهما وإن لم يخرج بها عن العدالة، إذ لا يؤمن أن يرتكب بعض الحيل التي يترتب عليها الضرر، ولذا لم يأمن العدو عدوه، فهو حينئذ غير مراد من الشرط، كما أنهما إذا اتفقا على عزله جاز أيضا، وإن لم يتغير حاله، لان الحق لهما، ولو اختلفا في التغيير عمل الحاكم على ما يظهر له بعد البحث، ولو مات العدل نقلاه إلى من يتفقان عليه، فان اختلفا نقله الحاكم، ولو كان الوضع على يد عدل بالاتفاق من دون الشرط فأراد أحدهما عزله دون الآخر رجع الامر إلى الحاكم في إقراره أو نقله، هذا كله مع القول بعدم استحقاق المرتهن استدامة القبض حال الاطلاق، وإلا اتجه قبض المرتهن له في بعض هذه الاحوال والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (إذا وضعاه على يد عدل) مثلا (فللعدل) المتطوع (رده عليهما) قطعا لعدم لزوم ذلك عليه، (أو تسليمه إلى من يرتضيانه) لما

[ 186 ]

عرفت من أن الحق لهما (ولا يجوز له تسليمه مع وجودهما) وعدم معلومية امتناعهما (إلى الحاكم) الذي لا ولاية له عليهما في هذا الحال، للاصل وغيره (ولا إلى أمين) غير الحاكم و (غيرهما من غير إذنهما) لعدم جواز الايداع للودعي من غير إذن (و) حينئذ ف‍ (لو سلمه) إلى من لا يجوز تسليمه (ضمن) هو ومن تسلمه، وإن كان له الرجوع على العدل مع الغرور. وفي القواعد (لو لم يمتنعا من القبض فدفعه إلى عدل بغير إذنهما ضمن، ولو أذن له الحاكم ضمن أيضا، لانتفاء ولايته عن غير الممتنع، ويضمن القابض) لكن ينبغى تقييد ضمان الحاكم إذا كان مرادا من الضمير بما إذا كان عامدا، والا كان من الخطأ فتأمل، فإنه قد يمنع ضمان الحاكم ابتداء، وإن رجع عليه، وقال في جامع المقاصد: أي ضمن الدافع وإن اغتر بإذن الحاكم، لكن في هذه الحالة يرجع على الحاكم إن تعمد، وإلا فهو من خطأ الحكام) انتهى وإن كان لا يخلو من بحث في الجملة والله العالم. وكذا يضمن العدل لو سلمه إلى أحدهما من دون إذن الآخر، هو، ومن تسلمه حتى لو كان الراهن على معنى أنه لو تلف في يده تعلق الرهن بقيمته أو مثله، وما عن الاردبيلى - من جواز تسليمه إلى الراهن، لانه مالك ولاستصحاب جواز تسلمه - غريب، ضرورة عدم اقتضائهما ذلك، بعد تعلق حق المرتهن الذي هو أولى منه في ذلك، ولذا قيل: إنه لو احتمل جواز التسليم إليه كان له وجه، وإن كان فيه أنه لو سلم اقتضاء إطلاق الرهانة التسليم إلى المرتهن، إلا أن مفروض المقام اشتراط وضعه على يد عدل، الظاهر في عدم ذلك. نعم لو كان وضعه على يده إتفاقا منهما من غير شرط إتجه ذلك، بناء على الاقتضاء المزبور، لكن الذي يظهر من ثاني الشهيدين في المسالك عدم اقتضاء عقد الرهانة مع الاطلاق ذلك، بل يظهر منه انه مفروغ منه، وهو إن لم يكن إجماعيا محل نظر، وقد ذكرنا في مبحث القبض ما يستفاد منه عدم الاجماع، وما يستفاد منه استحقاق المرتهن الوضع عنده، إلا أن يشترط خلافه فلاحظ وتأمل.

[ 187 ]

(ولو استترا) عن قبضه من العدل بعد أن طلب منهما (أقبضه الحاكم) الذي هو ولى الممتنع (ولو كانا غائبين وأراد تسليمه إلى الحاكم، أو عدل آخر من غير ضرورة، لم يجز ويضمن لو سلم) هو ومن تسلمه (وكذا لو كان أحدهما غائبا) لوجوب الصبر عليه إلى الحضور من الغيبة التى لا تقصير معها، والاصل عدم ولاية الحاكم في مثل ذلك، وإطلاق ولايته عن الغائب في بعض المقامات إنما يراد منه مع الحاجة والمصلحة ونحوهما، لا نحو ذلك، ضرورة عدم جواز استيلاء الحاكم على أموال الغائبين بمجرد غيبتهم، بل في المسالك (أن من القواعد المقررة في بابها أن الودعي ليس له دفع الوديعة إلى الحاكم مع إمكان المالك، ولا مع غيبته إلا مع الضرورة) وما نحن فيه من ذلك، وبه بان الفرق بين ولاية المالك (و) الحاكم. نعم (إن كان هناك عذر) كسفر ومرض ونحوهما (سلمه إلى الحاكم) أو من يأذن له، لثبوت ولايته حينئذ (و) من هنا (لو دفعه إلى غيره) حينئذ (من غير إذن الحاكم ضمن) ولو كان ثقة، أما لو تعذر الحاكم وافتقر إلى الايداع أودع من ثقة وأشهد ولا ضمان، والظاهر جواز دفعه من أحدهما في هذا الحال إذا كان ثقة، بل لعله أولى، لكن في القواعد (لو امتنعا لم يضمن بالدفع إلى العدل مع الحاجة وتعذر الحاكم، فإن امتنع أحدهما فدفعه إلى الآخر ضمن، والفرق أن العدل يقبض لهما، والآخر يقبض لنفسه) وفيه أن العدالة تنفي ذلك فتأمل والله أعلم. (ولو وضعاه على يد عدلين) جاز إجماعا، محكيا عن التذكرة إن لم يكن محصلا، لكن (لم ينفرد به أحدهما عن الآخر (ولو أذن له الآخر) إذا كانا قد صرحا لهما بإرادة الاجتماع، أو أطلقا، بناء على انصرافه إلى ذلك، باعتبار ظهور اختيار الاثنين في عدم الاكتفاء بحفظ أحدهما، نعم لو حصلت قرينة على عدم إرادة الاجتماع كان لاحدهما الانفراد بحفظه، كما أن له تسليمه إليهما من دون إذن الآخر في حالى اعتبار الاجتماع وعدمه، ضرورة كون المراد الاجتماع في الحفظ، وإلا فالمال لهما، فإذا أرادا تسليمه وجب فورا على كل منهما، فما عن بعضهم - من

[ 188 ]

عدم جواز تسليم أحدهما مع اعتبار الاجتماع الا باذن الاخر - واضح الفساد. وكيف كان فلو سلم أحد العدلين إلى الآخر ضمن كل منهما الكل، لحصول سببه من كل منهما بالتفريط من الدافع، والتعدي باستقلال اليد من المتسلم، فللمالك الرجوع على كل منهما، الواجب عليه حفظه جميعه، منضما مع الآخر، والتساوي في ثبوت سبب الضمان مع اتحاد العوض المضمون، لا يقتضى التقسيط، بعد أن كان كل منهما سببا، فهو كالايدي المتعاقبة المعلوم عدم التقسيط فيها، وإن تساوت في ذلك واتحد العوض، ودعوى أنهما بمنزلة أمين واحد، ممنوعة، ضرورة إن كل واحد أمين مستقل على الجميع، غاية ما في الباب أنه قد شرط عليه انضمام الآخر إليه، فما عساه يظهر من الفاضل من الميل إلى التنصيف، فيه ما لا يخفى. والظاهر أن قرار الضمان على من ضمنه المالك منهما، لو تلف بآفة سماوية، إن لم يثبت إجماع على قاعدة (قرار الضمان على من تلف في يده المال) كما عساه يظهر منهم في باب الغصب. لكن في المقام حكي عن فخر المحققين وابن المتوج أن الاصح استقراره على من ضمنه المالك، واحتمله في المسالك، واستشكل فيه في القواعد، وهو يؤمي إلى عدم الاجماع المزبور بحيث يشمل المقام، وحينئذ يتجه ما قلناه ضرورة عدم الدليل على رجوعه على الآخر بعد أن كان رجوع المالك عليه بحق، ولم يكن منه غرور له. ودعوى - أن المتعدي أقوى من المفرط فيساوي المباشر حينئذ، كما أن الثاني يساوي السبب، فيكون أولى في قرار الضمان - لا نرجع إلى محصل يعتمد عليه شرعا. وأضعف منها التعليل بأن الضمان واثبات اليد وجوديان، وتارك الحفظ عدمي وسببية الوجودي للوجودي أقوى وأولى من سببية العدمي، وبأن اليد العادية سبب بسببية التضمين بالتسليم، مع كونها علة تامة في التضمين، فكانت أقوى وأولى مع أن مقتضى ذلك خصوصا الاولين عدم جواز رجوع المالك على الدافع أصلا، لا أن القرار خاصة على المتسلم، كما أن مقتضى تعليل رجوع المالك على الدافع بأنه

[ 189 ]

مضيع بتسليمه والمتسلم حافظ قد عمل بمقتضى الاستيمان، عدم جواز الرجوع على المتسلم أصلا، فضلا عن كون القرار على الدافع، والجميع كما ترى خصوصا بعد جزم من تعرض لهذا الفرع بجواز رجوع المالك على من شاء منهما، وإنما الكلام في قرار الضمان. فالتحقيق فيه أنه على من ضمنه المالك إن لم يثبت الاجماع المزبور، فتأمل. فإن المقام ربما حصل فيه خبط من بعضهم، لكن ستسمع في كتاب الغصب ما يقتضي جريان قولهم قرار الضمان على من تلف المال في يده، على القواعد الشاملة للمقام، إن لم يكن هو من موضوع ما ذكروه في كتاب الغصب، وحينئذ يتجه القرار على الآخر الذي تلف المال في يد دون العكس، فلاحظ وتأمل والله أعلم. (ولو باع المرتهن الرهن) حيث يجوز له ذلك (أو العدل ودفع الثمن إلى المرتهن) وفاء أو وثيقة إذا كان له ذلك (ثم ظهر فيه) أي المبيع (عيب لم يكن للمشترى الرجوع على المرتهن) الذى قبض الثمن المملوك للراهن، وفاء) أو وثيقة، إذ الفسخ بالعيب إنما هو من حينه بلا خلاف أجده بين من تعرض له. لكن قد يشكل - إذا كان وثيقة، بأن رهانته فرع رهانة المبيع والفرض رده بالعيب، فترد وصف الرهانة معه، فتبطل بإبدالهما، لعدم إجتماع البدل والمبدل منه. - ويدفع أولا: بمنع فرعية رهانيته عليه، ضرورة عدم انتقاله رهنا، بل لابد من استحقاق رهن الثمن من سبب جديد، من اشتراط ونحوه، فضلا عن الارتهان الجديد. وثانيا: بعد التسليم بمنع اقتضاء الرد بالعيب، رجوع وصف الرهانة التي بطلت في المبيع بالبيع، وانتقل إلى الثمن بمجرد دخوله في ملك الراهن فلا يبطله الفسخ الطاري، لكن قد يقال: مقتضى ذلك أنه لو كان العيب بالثمن إما أن لا يكون للراهن الرد من دون إذن المرتهن، وإنما يتعين له الارش، لتعلق وصف الرهانة به، فيكون كالتصرف المسقط له، أو أن له ذلك، ولا تعود الرهانة، لعدم رجوعها

[ 190 ]

بالرد بالعيب، وكلاهما محل بحث، لعدم صدق التصرف على التعلق المزبور، حتى يتعين الارش، كعدم عود الرهانة، إذ لا أقل من أن يكون الفسخ بالعيب كالاتلاف المقتضي تعلق الرهانة بالقيمة التي هي بدله. وقد يقال في الفرض أن له رد المبيع بالعيب في الثمن من دون رد الثمن نفسه، باعتبار تعلق حق الرهانة به، المانع من رده، وإن لم يصدق عليه أنه تصرف منه، كى يتعين له الارش فيرد حينئذ عوض الثمن. نحو ما احتمل فيما لو اشترى من ينعتق عليه فبان أنه معيب. أما إذا رد الثمن بإذن المرتهن فلا إشكال في عود الرهانة في المبيع، بناء على ظهور إذنه في عود المبيع رهنا، وحينئذ لم يثبت اجماع على عدم فسخ الرهانة في الثمن برد المشترى المبيع، كان فيه نوع تأمل بناء على اقتضاء أدلة الفسخ رجوع كل ملك إلى صاحبه. لكن قد يقال: بتعارض أدلة الفسخ مع ما دل على لزوم الرهن من الاستصحاب وغيره، وترجيحها عليه محل منع، بل العكس هو المتجه، كما في نظائره ولعله لذا لم يتوقف أحد من الاصحاب في بقاء الرهانة لو رد المشتري المبيع، ولا بأس بالتزام تعين الارش فيما فرضنا نحن من حصول العيب بالثمن، وتسمع في الاذن في بيع الرهن زيادة تحقيق لذلك، فلا محيص عنه خصوصا بعد اتفاق الاصحاب ظاهرا عليه. نعم قد يتجه عود المبيع رهنا فيما لو فرض كون البيع لحفظ الرهن، باعتبار عروض فساد له قبل الاجل، فإن رهن الثمن حينئذ يثبت كون المبيع رهنا، فمع فرض الفسخ المزبور يعود المبيع على ما كان عليه من وصف الرهانة، تحقيقا لمعنى البدلية كما هو واضح بأدنى تأمل. والله العالم. وكذا ليس له الرجوع على العدل مع العلم بوكالته حال البيع، أو حال الاقباض للثمن، أو بعدهما، أما إذا أنكر العلم بذلك ولا بينة، استحق الرجوع عليه إن اعترف بالعيب، أو قامت به بينة، ويرجع هو على الراهن إن اعترف بالعيب، أو

[ 191 ]

كان ثابتا بالبينة، فإن أنكره ولا بينة، وكان قد اعترف به العدل، فالقول قول الراهن كما في ظاهر جامع المقاصد، وصريح المحكي عن التحرير لانه منكر، ووكالة العدل عنه لا تقتضي تصديقه في اقراره، وإن أنكر العدل العيب على المشتري الذي لم يعترف بوكالته، كان القول قوله بيمينه، فإن نكل فحلف المشتري رجع على العدل ولا يرجع العدل على الراهن، لاعترافه بالظلم، ولكن يأخذ المبيع مقاصة، فإن زاد دسه في مال المشتري، وإلا قاصه من غيره مع الامكان، هذا كله في العيب. (أما لو استحق الرهن) لغصب ونحوه (استعاد المشترى الثمن منه) أي المرتهن، بل ومن العدل مع بقاء عينه في يده، بل من كل من كان عين ماله في يده، من غير فرق بين الراهن والعدل والمرتهن، ولو تعذر عليه المرتهن أو العدل كان له الرجوع على الراهن، وإن لم يكن في يده فعلا، لانه البايع حقيقة، وقبض العدل أو المرتهن إنما كان عنه، ولو تعذر عليه الراهن لم يكن له الرجوع على العدل بعد فرض كون المال في يد غيره، فعلا، وإن استولت عليه سابقا، إذا كان عالما بوكالته حال البيع، ولم يكن العدل عالما باستحقاق المبيع، لانه حينئذ قد اشتراه منه على أنه نائب عن غيره، وأن يده يد غيره، فقبضه للثمن قبض للراهن، وإنما هو واسطة، كنا قد الثمن للمشترى عند إرادة دفعه إلى البايع، وبعلمه بوكالته كأنه قد أذن له في تسليمه إلى غيره. وتخيله صحة الوكالة ليس تقييدا للاذن، بل هو داع، فلا يشمله حينئذ عموم (على اليد) بل الظاهر أن الحكم كذلك لو لم يكن عالما بوكالته حال البيع، ولكنه عملها حال الدفع، لاتحاد المدرك، وإن كان قد يظهر من جامع المقاصد عدم تأثير العلم في غير حال البيع. نعم لو علمها بعد البيع والدفع أمكن حينئذ القول بجواز الرجوع عليه، لعدم الاذن، وقد سلمه الثمن بعنوان كونه مضمونا عليه بالبيع، فلم يسلم له، فيشمله عموم (على اليد) والوكالة قد تبين فسادها في الواقع، فيرجع عليه، وهو يرجع على من غره.

[ 192 ]

ولو تعذر عليه العدل والراهن كان له الرجوع على المرتهن مع استيلاء يده عليه، وان لم يكن هو فيها حال الرجوع، لعموم (على اليد) ويرجع هو على من غره. نعم لو كان قد دفعه المشترى إليه مع العلم بانه وكيل عن الراهن، وأن يده يده، أو اشتراه منه على ذلك، فقد يقال: بعدم الرجوع عليه، لما سمعته في العدل، إلا أن كلامهم في التلف ينافيه، فإنه قد صرح الشيخ في مبسوطه، والفاضل، والشهيدان، ويحيى بن سعيد، والمحقق الثاني، فيما لو تلف في يد العدل أو المرتهن بأنه لا يرجع على العدل مع العلم بوكالته، كما في كل وكيل في بيع مال غيره، فان المشترى يرجع على الموكل لا الوكيل، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة وخلاف الشيخ من الرجوع على الوكيل، وهو يرجع على الموكل، ولا شاهد له، بل الشواهد على خلافه، إلا في الصورة السابقة، وصرح بعض هؤلاء وغيره بالرجوع على المرتهن، ومقتضاه الفرق بينه وبين العدالة كما هو ظاهر جماعة، لكنه غير واضح الوجه. أللهم إلا أن يقال: إن المرتهن وإن كان وكيلا عن الراهن في القبض، لكن له يد من حيث الرهانة، فلعل الرجوع عليه من هذه الحيثية، وبه يتم الفرق بينه وبين العدل. لكن فيه منع استقلال يد له، إذ لا يد للمرتهن من حيث الرهانة على الرهن، فليس هو في يده إلا وديعة، وإن كان تعلق به حق الرهانة الذي لا يتوقف على كونه في يد المرتهن فتأمل جيدا فإن المقام بعد لا يخلو من بحث فيما لو تلف في يد العدل أو المرتهن، فإنه قد يمنع الرجوع على المالك الراهن، مع عدم استيلاء يده عليه، وظهور فساد الوكالة. نعم للمرتهن والعدل الرجوع عليه حال الغرور خاصة، كما أنه يمكن القول بالرجوع على العدل والمرتهن حتى مع العلم بالوكالة حال البيع، لعموم (1) (على اليد) وظهور فساد الوكالة، فيكون من مسألة تعاقب الايدي فتأمل جيدا. وعلى كل حال فلا إشكال في رجوع المرتهن على الراهن، إذا لم يكن عالما بالاستحقاق، لكن في المسالك هل يغرمه المرتهن، أو يرجع على الرهن نظر، ومقتضى قواعد


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90.

[ 193 ]

الغصب رجوعه مع جهله، وعلم الراهن بالاستحقاق، لغروره، والكلام آت فيما لو تلف الرهن في يد المرتهن، ثم ظهر مستحقا. وفيه أنه لا ينبغى التوقف في ذلك، إذ حكمه حكم الغصب قطعا، بل الظاهر عدم اعتبار علم الراهن بالاستحقاق، لتحقق الغرور بفعله، وإن كان جاهلا كما هو واضح في نظائر المسألة فلاحظ وتأمل. (وإذا مات المرتهن، كان للراهن الامتناع من تسليمه إلى الوارث) وإن كان وضعه في يد المرتهن بشرط في عقد، ضرورة رجوعه إلى اشتراط الاستيداع الذي ينفسخ بموت الودعي. نعم لو قلنا إن الوضع في يد المرتهن من توابع حق الرهانة أمكن حينئذ القول بانتقاله إلى الوارث حينئذ بانتقال حق الرهانة إليه، إلا أن الذي يظهر من بعضهم بل هو صريح المسالك هنا عدم اقتضاء الرهانة ذلك. فلو أطلقها لم يستحق المرتهن استدامة الوضع عنده، بل يتفقان هو والراهن على من يضعانه عنده، وإن اختلفا، قطع اختلافهما الحاكم بالوضع على يد عدل ونحوه، وإن لم يثبت إجماع عليه كان للنظر فيه مجال، وإن لم يكن استدامة القبض من شرائط صحة الرهانة، أو لزومها، إلا أن ظاهر أدلة الرهن خصوصا الآية استحقاق إستدامة القبض عنده، بل هو معنى الاستيثاق، إلا أن يشترط عليه وضعه على غير يده، كما أومأنا إليه في بحث القبض، بل لعل ما تقدم منهم آنفا من تضمين المرتهن دون العدل مبني على أن قبض المرتهن ليس بالوكالة عن الراهن، بل قبضه من حيث حق الرهانة، فيصح حينئذ الرجوع عليه، بخلاف العدل الذي هو وكيل قطعا، فتأمل جيدا، وعلى الاول فمن الواضح أن له الامتناع كما أن لورثته الامتناع من بقائه في يد المرتهن لو مات. وحينئذ (فان اتفقا على أمين، وإلا سلمه الحاكم إلى من يرتضيه و) كذا (لو خان العدل) الموضوع عنده (نقله الحاكم إلى أمين غيره: إن اختلف المرتهن والمالك) فطلب أحدهما نقله منه، وإلا بقي عنده، لان الحق لهما، فإذا رضيا بابقائه لم يكن لاحد الاعتراض عليهما، ولو كان المرتهن اثنين ولم يأذن لكل منهما بالانفراد فمات أحدهما، ضم الحاكم إلى الاخر عدلا للحفظ، إلا إذا رضي الراهن

[ 194 ]

بالبقاء في يد الباقي منفردا إلى غير ذلك مما يعرف مما هنا، وما قدمناه سابقا فلا حاجة إلى الاطناب. ولو تلف العبد مثلا في يد المشتري ثم بان مستحقا قبل أداء الثمن أو بعده، رجع المالك على من شاء من الغاصب والعدل والمرتهن القابض والمشتري، لعموم (على اليد) ولكن يستقر الضمان على المشتري مع علمه، لان التلف في يده التي هي يد ضمان، أما مع الجهل ففي القواعد (أنه يستقر الضمان على الغاصب) وهو لا يخلو من إشكال إن أراد به ما يشمل مقدار الثمن الذي قد أقدم على بذله ولم يدخل عليه ضرر بظهور كون المالك غير البايع بالنسبة إليه. نعم هو متجه في الزائد عليه، لقاعدة الغرور، مع أنه ربما قيل بالعدم فيه أيضا، لاقدامه على كون العين مضمونة في يده، كما تقدم تحقيق ذلك وغيره في محله، فإن ما هنا أحد جزئياته، ولا خصوصية له فلاحظ وتأمل. ولو ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن، قبل قوله في حق الراهن إذا كان وكيلا عنه في ذلك، لكن في القواعد (على إشكال) ولعله للاصل ولا ريب في ضعفه، نعم لا يقبل في حق المرتهن، لانه وكيله في الحفظ خاصة، فلا يقبل في غيره، كما لو وكل رجلا في قضاء دين، فادعى تسليمه إلى صاحب الدين، وفي القواعد (يحتمل قبوله على المرتهن في إسقاط الضمان عن نفسه، لا عن غيره)، فعلى هذا لو حلف العدل سقط الضمان عنه، ولم يثبت على المرتهن أنه قبضه، وعلى الاول يحلف المرتهن، فيرجع على من شاء، فإن رجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن، لاعترافه بالظلم، وإن رجع على الراهن لم يرجع على العدل إن كان دفعه بحضرته، أو ببينة غابت أو ماتت، لعدم التفريط في القضاء حينئذ وإلا رجع. وفي القواعد (على إشكال منشأه التفريط وكونه أمينا له اليمين عليه، إن كذبه) وفيه ما لا يخفى، فتأمل جيدا، ولو غصب المرتهن الرهن من يد العدل ثم أعاده إليه زال الضمان عنه، لانه قد أداه إلى من يده يد المالك، وهو واضح كوضوح غيره من الفروع التي ذكرها في القواعد وأطنب فيها شراحها تبعا لها، مع أن جملة

[ 195 ]

منها لا تخص المقام كما أومأنا إلى بعضها فيما تقدم والله أعلم. الفصل السادس من الفصول التي استدعاها كتاب الرهن (في اللواحق وفيه مقاصد الاول: في أحكام متعلقة بالراهن: لا يجوز له) أي الراهن (التصرف في الرهن باستخدام ولا سكنى ولا إجارة) ولا بيع ولا غير ذلك من التصرفات الناقل للعين، أو المنفعة أو المستوفي لها بلا خلاف أجده فيه. كما في الرياض، بل ولا شك فيه كما عن غاية المرام، بل في السرائر، والمفاتيح، الاجماع على أن ليس لاحدهما التصرف مستثنيا الاخير منهما ما يعود نفعه إليه، وعن الخلاف (الاجماع على أنه ليس له أن يكري داره المرهونة أو يسكنها غيره) وعن المبسوط (ليس له استخدام العبد وركوب الدابة، وزراعة الارض، وسكنى الدار، إن ذلك كله غير جايز عندنا، ويجوز عند المخالفين) وفي المحكي عنهما معا (الاجماع على أنه لا يجوز له وطى الامة المرهونة) وعن الجواهر (لا خلاف فيه) وفي كشف الرموز (إن العمل منعقد على خلاف الرواية الدالة على الجواز) وفي النافع والدروس (متروكة) وفي التنقيح ومحكي ايضاح النافع (هجرها الاصحاب) إلى غير ذلك من كلمات الاصحاب الصريحة في الاجماع المزبور، والظاهرة فيه، والمشعرة به، بل لا بأس بدعوى تحصيل الاجماع، مضافا إلى النبوى الذي استدل به غير واحد من الاصحاب بل عن إيضاح النافع (أنه مشهور النقل) بل عن صريح التنقيح أو ظاهره الاعتماد عليه (1) (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف)) وإلى ما يمكن استفادته من مفهوم الرهن الذي قد عرفت أنه الحبس الذي به يتم معنى الاستيثاق الذي استفاضت به النصوص، وإليه أومى في الدروس في تعليله المنع، بأن الغرض من الرهن الوثيقة، ولا وثيقة مع تسلط المالك على البيع والوطى أو غيره من المنافع الموجبة للنقص أو الاتلاف. كما أن إليه يرجع ما في التذكرة والمسالك من أنه لما كان الرهن وثيقة لدين


(1) المستدرك ج 2 ص 496

[ 196 ]

المرتهن إما في عينه أو بدله لم يتم الوثيقة إلا بالحجر على الراهن، وقطع سلطنته ليتحرك إلى الاداء، وفي الاخير (فمن ثم منع الراهن من التصرف في الرهن، سواء أزال الملك كالبيع أم المنفعة كالاجارة، أم انتقص المرهون وقلل الرغبة فيه كالتزويج، أم زاحم المرتهن في مقصوده، كالرهن لغيره، أم أوجب إنتفاعا وإن لم يضر بالرهن، كالاستخدام والسكنى إلى غير ذلك من تعليلاتهم التي مرجعها إلى ما ذكرناه. لكن ومع ذلك كله قد وسوس بعض متأخري المتأخرين في بعض أفراد التصرف، خصوصا ما تضمنه حسن الحلبي (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل رهن جارية عند قوم أيحل له أن يطأها قال: إن الذين ارتهنوها يحيلون بينه وبينها، قلت: أرايت إن قدر عليها خاليا قال: نعم لا أرى هذا عليه حراما) وصحيح محمد بن مسلم (2) الذي هو مثله، وكذا ما لا ضرر فيه على المرتهن من التصرف كتقبيل الجارية والاستخدام، ولبس الثوب ومسكن الدار وركوب الدابة ونحو ذلك إذا كان بحيث لا ضرر فيه بنقص للمرهون ونحوه. ولا يخفى عليك ما فيه، بعد ما عرفت، بل هو كأنه إجتهاد في مقابلة النص والخبران وإن صح سندهما إلا أنك قد سمعت دعوى هجرهما وتركهما، من غير واحد من الاصحاب على وجه يلحقهما بالشاذ الذي قد أمرنا بالاعراض عنه، مضافا إلى موافقتهما للعامة التي جعل الله الرشد في خلافها، بل لعل في عدم ملائمة قوله: (إن الذين ارتهنوها) إلى آخره للسؤال عن الجواز إيماء إلى ذلك، بل يمكن حملهما على إرادة عدم الحرمة الموجبة لحد الزنا، وعلى غيره مما لا بأس به في نحو المقام، فالحكم حينئذ من الواضحات. بل قد يظهر من بعض الافاضل التأمل في جواز ما فيه نفع للرهن من التصرف كمداواة المريض، ولو بما لا خطر عليه فيه، ورعي الحيوان وتأبير النخل، وخفض الجارية، وختن العبد، والفصد، والحجامة، ونحو ذلك، وإن صرح به الفاضل،


(1) و (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الرهن الحديث - 2 - 1

[ 197 ]

والشهيدان وغيرهم من المتأخرين، بل عن المبسوط التصريح بعدم المنع من الثلاثة الاخيرة أيضا لاطلاق دليل المنع، ودعوى حصول الاذن في ذلك خروج عن المبحث. لكن فيه أن مقتضى الاصول الجواز، ولا يعارضها الاطلاق المزبور، بعد الشك في ارادة ذلك منه، خصوصا بعد فتوى الجماعة به، بل لعل المنساق منه غيره، بل لا ينبغى التأمل في سقي الاشجار ورعي الدواب وعلفها ونحو ذلك، مما يكون سببا لحفظ المال، بل قد يشك في إرادة مطلق التصرف منه، وإن لم يتضمن انتفاعا بحيث يكون كمال الغير الذى يحرم لمسه وحمله ونحوهما. نعم عن السرائر لا يجوز ضرب الجارية للتأديب، كما أن في القواعد وغيره منعه من قطع السلع، ولعل المراد ما لا يؤمن السلامة معه منهما، وإلا كان محلا للنظر. بل في المحكي عن الخلاف، إذا زوج الراهن عبده المرهون أو جاريته المرهونة كان تزويجه صحيحا كالمحكي عن المبسوط إلا أنه قال: لا يسلم إلى الزوجة إلا بعد الفك، وفي الدروس وهو قريب، وفي المختلف بعد أن جعل المعتمد عدم الجواز، قال: لو قيل: له العقد دون التمكين والتسليم، كان وجها. قلت: هو كذلك لا لاطلاق قوله تعالى (1) (وأنكحوا الايامى) إلى آخره - المتعارض بما سمعت مما هو مقيد له، ضرورة كون المراد من إطلاق الآية الامر بالنكاح من حيث هو نكاح، لا الشامل لما تعلق به حق الغير، ومنه يظهر عدم كون المعارضة من وجه بحيث يحتاج إلى مرجح، وإلا لجرى في غير النكاح من خصوص كل تصرف، ولا لان محل الرهن غير محل التزويج، لما عرفت من المنع من الانتفاع بالرهن المستلزم للتصرف فيه - بل للشك في إرادة مثل هذا التصرف الذي لم يناف حق الرهانة بوجه، ولا فيه تصرف فعلا بالعين، وانتفاع بها، إذ الغرض عدم التسليم إلا بعد الفك. ومنه ينقدح حينئذ صحة تدبير العبد المرهون كما جزم به في المختلف، خلافا للشيخ، لانه وصية لا تنفذ إلا بعد وفاء الدين، بل الظاهر جواز غير التدبير من الوصية لذلك، كما يشهد له في الجملة ما صرح به الفاضل والكركي في المفلس الممنوع

[ 198 ]

من التصرف في المال، إلا أنه غير ممنوع منها لذلك، أللهم إلا أن يفرق بينهما، بتعلق حق الراهن في خصوص العين المرهونة، بخلاف دين المفلس المتعلق بمقدار ما يقابله من الاعيان دون الزايد، فتنفذ الوصية حينئذ بالموصى به حال الموت، مع فرض زيادته عن الدين، بخلاف الرهن فتأمل جيدا. بل عن الشيخ جواز انزاء الحيوان المرهون، والانزاء عليه، ولكن جزم بعدمه في الدروس وهو الاولى، للاطلاق، كما أنه جزم بأنه ليس له غرس الارض، لانه ينقصها، بل قال: ليس له الزرع وإن لم ينقص الارض، حسما للمادة، وهو كذلك إذ هو كسكنى الدار أو إجارتها مدة تنقضي قبل حلول الدين من غير حصول نقص في العين، ثم قال: فلو فعل قلعا عند الحاجة إلى البيع، ولو حمل السيل نوى مباحا فنبت، فليس له إلزامه بإزالته قبل حلول الدين لعدم تعديه، فلو احتيج إلى البيع قلع، إن التمسه المرتهن، وكأنه عرض بذلك إلى ما عن المبسوط (من أنه لو رهن أرضا بيضاء فسال إليها نوا ونبت أو أنبت الراهن فيها نخلا أو شجرا لم يجبر الراهن على إزالته) وفي المختلف (الوجه الوجوب، لتعلق حق المرتهن بأرض بيضاء). قلت: قد يفرق بين ما كان من فعله، وعدمه، بالنسبة إلى إلزامه، وعدمه، بل قد يتأمل في اصل جواز القلع للمرتهن، بل قد يقال: في غرس الراهن أنه يلزم بالاجرة رهنا، وإن كان الاقوى إلزامه بذلك، لاندراجه في قوله (1) (لا حق لعرق ظالم). وكيف كان فلو بادر الراهن إلى التصرف من غير إذن المرتهن فإن كان بانتفاع منه، أو ممن سلطه ولو بعقد لم تتعقبه إجازة لم يصح، وفعل محرما، بل في المسالك (إن قلنا أن النماء المتجدد يتبع الرهن، ثبت أجرة المثل إن كان مما له أجرة عادة وكانت رهنا، وإلا لم يلزمه شئ عن مثله). قلت: قد يقال بذلك على الاولى أيضا، بناء على تخصيص النماء التابع في الرهنية بما يكون يصح رهنها، كالصوف والثمرة والشعر ونحوها، لا مثل ذلك الذى


(1) المستدرك ج 2 ص 149 لكن فيه (وليس لعرق ظالم حق).

[ 199 ]

هو معدوم في الحقيقة، والاجرة عوض عن الانتفاع الذي لا يعقل ارتهانه، والاثم على الراهن في استيفائه، لا من حيث كونه رهنا، بل لاستلزامه التصرف في العين، وإلا فلو فرض امكان انتفاع من دون تصرف في العين، لم يبعد القول بجوازه، وفي المسالك قد حكي عن الشيخ أنه أطلق لو أجره، فالاجرة له، ويمكن إرجاعه إلى ما ذكرنا، وإن كان فيه تكلف، كما أنه يمكن تأييده بقوله صلى الله عليه وآله (1) له غنمه، وعليه غرمه، فتأمل (و) إن كان التصرف مجرد عقد لم يكن إثما في ذلك، لعدم النهي عن مثله في الاجنبي فضلا عنه. نعم (لو باع أو وهب) مثلا (وقف على إجازة المرتهن) فإن حصلت حكم بصحته وإلا فلا، إذ هو إن لم يكن فضوليا فمثله في ذلك، ومن هنا بنى الكركي الكلام هنا في كون الاجازة فيه كاشفة أو ناقلة عليه هناك، لكن في حواشي الشهيد على القواعد، في شرح قول الفاضل في مفروض المتن لم يكن باطلا، بل موقوفا، قال: الفرق بين المراعاة والموقوف، أن الاول يكون كاشفا عما هو صحيح في نفس الامر، والثاني ما يتوقف عليه الحكم بالصحة، فيكون جزء سبب، وظاهره أنه قد فهم منه الثاني هنا حيث عبر بالوقف كالمتن، فيكون حينئذ مخالفا للفضولي، بناء على الكشف فيه من هذه الحيثية. وربما يؤيده أن الاجازة من المرتهن الذي هو غير مالك، ليست إلا على معنى إسقاط حق الرهانة التي له فسخه، وهو غير متصور في الزمن السابق الذي تحقق فيه الحق أو مضى، فإسقاطه لا معنى له، بل مختص بالزمن الحال، فلا تكون الاجازة فيه كاشفة، ولعل الفرق بينه وبين إجازة المالك تصور رضى الثاني آن دخول ملكه في ملك غيره في الزمن السابق، بخلاف الاول. لكن فيه - مع أنه مخالف لما يظهر منهم من أن الاجازة كاجازة الفضولي بل هو صريح جامع المقاصد، يمكن منع عدم تصور ذلك، ضرورة كون السقوط بعقد البيع، فمع فرض إجازة المرتهن يترتب عليه أثره من حين وقوعه، وهو إنتقال الملك


(1) المستدرك ج 2 ص 495.

[ 200 ]

المقتضي لسقوط الرهانة. ودعوى - أن إجازة المرتهن ليست للعقد، لعدم كونه مالكا، وإنما له إسقاط حق رهانته، فيؤثر العقد حينئذ أثره لارتفاع المانع والمقتضي تام الاقتضاء. - يدفعها ظهور كلمات الاصحاب بل هو صريح بعضهم كالفاضل في التحرير وثاني الشهيدين وغيرهم، في أن للمرتهن اجازة العقد، وله فسخه، وأن الشارع قد جعل له هذه السلطنة بارتهانه، لا أن المنع من التصرف فيه شرعي بحت بحيث لا مدخلية للمرتهن في ذلك، وإنما له اسقاط حقه من الرهانة خاصة، وإلا لاقتضى ذلك عدم فسخ العقد له، ضرورة عدم السلطنة له على ذلك، وأن الشارع قد جعل الارتهان مانعا من نفوذ التصرف، فمتى ارتفع هذا لمانع باسقاط من المرتهن أو بفك للرهن، كما ستعرف أثر المقتضي أثره، وليس ذا من التعليق الممنوع، بل هو من قبيل اعتبار الشارع التقابض في تأثير عقد الصرف، والقبض في عقد الهبة، والقبض في المجلس في عقد السلم، مع أن كلامهم صريح في خلافه، وأن له الرد كما أن له الاجازة. ويرشد إليه في الجملة اعتبار إذنه في الانتفاع بالرهن على وجه لا تنتقل عينه كركوب الدابة وسكنى الدار ونحوهما، مما لا يقتضي الاذن فيه إبطال الرهانة، مع أنها معتبرة، ولا يجوز التصرف بدونهما، وهو يؤمي إلى أن له سلطنة على ذلك لا أنها مخصوصة باسقاط حق الرهانة، وإلا فالمنع شرعي، وإن كان لا يخلو من وجه بل ظاهرهم في حجر المفلس ذلك، بناء على صحة تصرفاته، وأنها تكون موقوفة، وإن لم يرض الغرماء بها، كما تسمعه في محله، أللهم إلا أن يفرق بين تعلق حق الرهانة وتعلق حق الغرماء بالتحجير، كما هو ظاهر الاصحاب في المقام، إلا أنه لا يخلو من بحث. وعلى كل حال فظهر من ذلك كله أن إجازته تكون على حسب اجازة المالك إنما هي للعقد نفسه، فيوثر حينئذ أثره، وليس هذا من إسقاط حق الرهانة أولا وبالذات في الزمن السابق، كى يقال: أنه غير متصور، بل هو من آثار العقد الذي

[ 201 ]

أجازه ومن مقتضياته، فلا بأس حينئذ بدعوى الكشف هنا عن بطلان الرهانة في الزمن السابق. بناء عليه في الفضولي فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة في كلامهم. نعم قد يشكل دعوى الكشف في تعقب الفك للعقد الذي لم يرده المرتهن بناء على صحة العقد ولزومه بذلك كما جزم ثاني المحققين والشهيدين، بل هو المحكي عن فخر المحققين، والشهيد الاول في حواشيه، وفي القواعد (لو افتك الرهن ففي لزوم العقود نظر) ومقتضاه المفروغية من الصحة، وإنما الكلام في اللزوم، ويمكن أن يريدها منه، وإن كان من لوازمها هنا اللزوم كما ستعرف. وعلى كل حال فوجه الاول وجود المقتضي الذي هو العقد من المالك، وإنما كان له مانع من النفوذ، وهو حق المرتهن، وقد زال، فيؤثر المقتضي أثره من غير حاجة إلى تجدد رضا من المالك، لعدم تجدد شئ له وإنما ذهب حق الارتهان، لا أنه انتقل إليه، ومنه يعلم الفرق بينه وبين ما إذا باع مال غيره فضولا، ثم ورثه أو اشتراه وكيله، الذي قالوا فيه بالبطلان، - لعدم المقتضي للصحة - حال العقد، لعدم الاجازة من المالك، وعدم كون العاقد مالكا، - أو بالتوقف على إجازة المالك الجديد، لانها أولى من تأثير إجازة الاول أو مساويه لها، ضرورة عدم تأتي الوجهين فيما نحن فيه. ويقرب من ذلك ما في جامع المقاصد (من بيان وضوح الفرق بينهما بأن مال الغير غير مملوك للمتصرف، فالمقتضي للصحة منتف، لانحصاره في وقت العقد بالمالك الذي لم يحصل منه إجازة، ومجرد الصيغة لا تعد مقتضيا، بخلاف ما نحن فيه فإن الملك منحصر في الراهن، والمقتضي وهو العقد الصادر من أهله في مملوك موجود غاية الامر أن حق المرتهن مانع، فإذا انتفى عمل المقتضي عمله. هذا كله مضافا إلى أنه لا سبيل إلى اعتبار إجازة المرتهن بعد انقطاع علاقته، ولا إلى بطلان تصرف الراهن المالك، إذ تصرفه قبل الانفكاك غير محكوم ببطلانه فكيف بعده الذي مقتضى اطلاق الادلة وعمومها صحته، خصوصا بعد لزوم العقد من

[ 202 ]

طرف الراهن، لاندراجه في عموم (1) (الوفاء بالعقود،) ولم يتجدد إلا ما يؤكد ذلك من ارتفاع المانع فيستمر حينئذ خطاب الوفاء له. ودعوى - أن شرط الصحة في العقد الواقع حال الرهانة إذن المرتهن، وقد فاتت بفك الرهانة الذي لا وجه بعده، لمراعاتها فيتعين البطلان حينئذ لفوات الشرط بل هو أولى بذلك من بيع مال الغير فضولا ثم انتقل إلى البايع، كدعوى أن الصحة من الفك إن كانت على الكشف، اقتضى نفوذ التصرف في الرهن - وهو رهن، ضرورة عدم سقوط الرهانة قبله، وإن كانت على النقل، اقتضى ذلك تعليق أثر العقد الظاهر في السببية حين وقوعه، هذا. مضافا إلى استصحاب حال العقد قبل الفك من عدم التأثير. يدفعها وضوح عدم دليل يدل على اشتراط إذن المرتهن في الصحة، إذ ليس في الادلة إلا منع الراهن والمرتهن من التصرف على معنى النفوذ، لا العقد الذي ليس هو تصرفا قطعا، وإنما تثبت الصحة باذن المرتهن باعتبار دوران الحق عليهما، فمع رضاهما تتعين الصحة، وهذا أعم من الشرطية المزبورة قطعا ومنه ظهر الفرق بينه وبين المثال كما أوضحناه سابقا. كما يدفع الثانية إحتمال أن يقال: أنه لا بأس بالكشف، والتزام عدم قدح الرهانة التي يتعقبها الفك، والفاضل في القواعد فيما لو أتلف الرهن متلف وانتقل الرهانة إلى القيمة قال: (فإن عفى الراهن فالاقرب أخذ المال في الحال: أي من الجاني لحق المرتهن، فإن انفك ظهر صحة العفو، وإلا فلا)، ولا وجه له إلا ما ذكرنا ضرورة اقتضاء ذلك نفوذ العفو فيه، وهو رهن، فلا محيص عن التزام عدم قدح الرهانة المتعقبة بالفك في تأثير السبب أثره. ولعله إليه يرجع ما عن فخر المحققين من الاستدلال عليه - بعد كونه جمعا بين الحقين - بأنه لا مانع إلا حق المرتهن، فإذا انفك انتفى المانع، ثم بين وجه قول والده (ظهر صحة العفو) بأن الامور العدمية لا توصف بأنها موقوفة، بل تكون


(1) سورة المائدة الاية - 1.

[ 203 ]

مراعاة، وما يدل على صحتها كاشف، والكاشف هو دليل على سبق العلة المؤثرة التامة وأما الموقوف عليه فهو من تمام العلة أعني علة الصحة. لكن ضعفه في جامع المقاصد، بأنه لم يتحقق ثبوت حق للجاني إلى الآن ليجمع بينه وبين حق المرتهن، ومانعية حق المرتهن من صحة العفو تقتضي بطلانه وقت انشائه، فكيف تنكشف بعد صحته في حال وجود المانع، إلى أن قال: العفو إما أن يكون سببا تاما، أولا، فان كان الاول لزم إما تأثيره مع وجود المانع، أو بطلانه، وإن كان الثاني لزم كونه موقوفا. وفيه أنه يمكن أن يريد ما ذكرنا من عدم مانعية الرهانة التي يتعقبها الفك الذي هو طريق لمعرفة كونها كذلك، وإلا فالعفو سبب تام في التأثير فتأمل جيدا فإنه لا يتم في نحو العتق والوقف ونحوهما مما لا يمكن التزام كونه حرا مرهونا أو وقفا كذلك، مضافا إلى ما في دعوى رهنية ملك الغير في المثال السابق من دون اشتراط عليه، والرهن السابق كان متعلقا به من حيث كونه ملكا للبايع، لا مع انتقاله عنه بالبيع كما هو واضح، وقد يدفعها أنه لا بأس بالتزام النقل تحقيقا للمانعية بل لعله الاقوى، وليس هذا من التعليق الممنوع قطعا، ضرورة كون التعليق من العاقد، لا الشرعي كما هو واضح. ومن الغريب التمسك بالاستصحاب بعد تغير الموضوع، وخروج العين عن الرهانة إلى الطلق، فلا وجه لجعل ذلك وجه النظر في اللزوم في عبارة القواعد. ومن ذلك كله يعلم الحال في العتق الذي يتعقبه الفك، وفاقا لما عن أكثر المتأخرين من النفوذ، خلافا للشهيد في الدروس وغيره، فلا ينفذ، لانه لا يقع معلقا، وفيه منع إن أراد به ما يشمل الشرط الشرعي الذي منه عدم المانع، مع أنه قد يدعى عدم التعليق، بناء على التقرير الذي ذكرناه سابقا، ومثله لو اعتق المحجور عليه، لسفه أو فلس فزال الحجر. لكن في التذكرة عن الشيخ البطلان في الاخير، وجعله أقوى ثم حكى القول ببقائه موقوفا، ونفى البأس عنه، ويمكن أن يكون مختاره في المقام البطلان، لانه

[ 204 ]

هنا جعله كالحجر بالفلس، وقد سمعت أن الاقوى البطلان عنده فيه. وفي التحرير في المقام في نفوذ العتق لو فك إشكال، وإحتمال أن المنع في العتق لاعتبار نية القربة فيه التي لا تقبل التعليق يدفعه بعد تسليم اعتبارها فيه منع منافاة حصولها بايجاد سببه فيما يتوقف على ارتفاع مانع شرعي أو شرط كذلك. ومن ذلك يعلم الحال في الوقف، وإن قلنا باعتبار النية فيه، وكونه كالايقاع في عدم الحاجة إلى القبول، أللهم إلا أن يدعى فيها مطلقا أو في خصوص العتق منها بظهور أدلتها في عدم كونها موقوفة، ولو على شرط شرعي، ولذا بنى العتق منها على التغليب، وقد يأتي إنشاء الله التعرض لتحقيق ذلك في أبوابها. ثم إن الظاهر سقوط حق المرتهن فيما لو أذن بالمسقط ابتداء يكون بوقوعه، من حيث أنه مناف لحق الرهانة، لا بمجرد الاذن، للاصل وغيره، فله الرجوع فيها حينئذ قبل التصرف بعد علم المأذون، وقبله، بل وبعد ايقاع الصيغة منه قبل الاقباض في مثل الهبة التي يتوقف الملك بها عليه. لكن في القواعد، الاشكال فيه، ولعله لان الاذن في المسقط يدل على الرضا بالسقوط، ولان التصرف الناقل لا يجامع الرهن، فلابد من الحكم بالسقوط قبله. وفيه أن المنافي للرهن هو المقتضي للسقوط، لا الرضا به، ولا مانع من حصول السقوط بتمام سبب النقل، وإن أبيت فليقدر لتصحيحه، كما في نظائره قبله، بآن ما لا بالاذن نعم لو حصل النقل عن الراهن سقط، ولو كان له الخيار لمجلس أو غيره فسخ خياره أولا، لحصول السقوط بمجرد الانتقال، ولا دليل على عوده بالفسخ الذي هو منه حينه، كالاقالة. ولو رجع المرتهن بإذنه قبل التصرف، إلا أنه لم يعلم الراهن بذلك إلا بعده، أمكن القول بالفساد، كما عن المبسوط الجزم به، لبطلان مقتضى الصحة في الواقع، وخروج الوكيل على ذلك لو رجع الموكل، ولما يعلم إلا بعد التصرف، لدليل مخصوص لا يقاس عليه، ودعوى ان الفرض من الوكالة واضحة الفساد. نعم لو انعكس الفرض بأن أذن الراهن للمرتهن في البيع، ورجع كذلك أمكن

[ 205 ]

القول بعدم البطلان، لانه من الوكالة كما هو واضح، ولو كان قد باع أي المرتهن بخيار مثلا ففسخه الراهن لان له ذلك قطعا لم تعد الرهانة، للاصل السالم، لكن عن المبسوط أنه إذا اشترى المرتهن عينا من الراهن بدينه، أنه يصح ويبطل الرهن، فإن تلفت العين قبل القبض عاد الدين والرهن، ولعله بناء على أن التلف قبل القبض فاسخ من الاصل، لا من الحين، وإلا كان عود الرهانة بعد سقوطها ببراءة ذمة الراهن محلا للنظر وإن كان لا يخلو من وجه، وأولى منه بالنظر قوله فيه أيضا (وكذا لو أقبضه ثم تقايلا عاد الدين والرهن، كالعصير يصير خمرا ثم يعود خلا) وتعرف إنشاء الله فيما يأتي الفرق بين المقامين. ولو باع الراهن فطلب المرتهن الشفعة، فالظاهر أنه إجازة، ضرورة توقف صحتها على بيع صحيح، وهو فرع رضى المرتهن، فحمل طلبه حينئذ على الوجه الصحيح المعتبر يستلزم ذلك، أللهم إلا أن يعلم غفلته عن الرهانة، فلا يدل الطلب حينئذ على الاسقاط مع إمكان دعوى كون الطلب إجازة قهرا، لا دالا على الرضا الذي تحصل به الاجازة، نحو ما سمعته في التصرف المسقط لحق الخيار. وأما دعوى - أن الشفعة كالفسخ في إزالة الملك لا يتوقف على اسقاط حق الارتهان - واضحة الفساد، ضرورة أن الشفعة من المرتهن إزالة ملك عن المشتري بعد ثبوته ونقله إليه بخلاف الفسخ فيه الذي يرجع إلى عدم إجازة البيع، فظهر من ذلك أنه لا محيص عن القول بلزوم الطلب للاجازة، والظاهر عدم بطلان الشفعة معه، لعدم التلازم بين الرضا باللزوم من حيث الرهانة، وبينه من حيث الشفعة، فيسقط وتصح الشفعة كما لو صرح بذلك. لكن في القواعد (ولو باع الراهن فطلب المرتهن الشفعة، ففي كونه إجازة إشكال، فإن قلنا به فلا شفعة) وهو غريب، خصوصا بعد قوله متصلا بذلك (ولو أسقط حق الرهانة فله الشفعة إن قلنا بلزوم العقد) بعد الاغضاء عما في قوله إن قلنا بلزوم العقد مما لا محصل له معتد به، كما أنه لا محصل للمحكي عن ولده في توجيه العبارة، فلاحظ وتأمل والله أعلم.

[ 206 ]

(و) كيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله أنه لا إشكال عندنا (في صحة العتق) من الراهن (مع) تعقب (الاجازة) من المرتهن وإن قال المصنف فيه (تردد) مما ذكرنا (و) من أن العتق لا يقع معلقا لاعتبار نية القربة فيه، أو لغير ذلك مما سمعت. إلا أنه لا ريب في كون (الوجه الجواز) لما قد مر مفصلا خلافا لما عن المبسوط، والمراسم والوسيلة، والغنية، بل والدروس: بناء على عدم الفرق بين ما صرح به من الفك وبين الاجازة، خصوصا مع كون المنع من بعضهم، بناء منه على عدم جواز الفضولي فيندر الخلاف حينئذ في خصوص المقام، بل يمكن كون مراد الجميع مع عدم تعقب الاجازة فلا يكون خلاف حينئذ فيه أصلا، وأما احتمال عدم الجواز فيه - وإن قلنا بالفضولى في غيره، لعدم عموم في العتق يشمل مثل ذلك، بخلاف غيره من العقود - فهو في غاية الضعف من وجوه، خصوصا في دعوى عدم العموم، فإن (من أعتق) (1) ونحوه كاف فيه، بل لعل العكس أولى من ذلك، فيقال بالصحة) حينئذ هنا، وان منعنا الفضولي في غيره، لكون المعتق المالك، وتعلق حق المرتهن مانع، فمتى زال بإجازة أو فك عمل المقتضي عمله، كما أوضحناه سابقا في الفك الذي لا ريب في أن الاجازة أولى منه بالصحة كما عرفت فلاحظ وتأمل. وإليه يرجع ما في المسالك هنا حيث قال: (منشأ التردد في الصحة من كون العتق إيقاعا، فلا يكون موقوفا لاعتبار التنجز فيه، ومن أن المانع حق المرتهن، وقد زال بإجازته، وهو أقوى، ونمنع منافاة التوقف المذكور للتنجز، كغيره من العقود التي يشترط فيه ذلك أيضا، فإن التوقف المذكور الممنوع هو توقف المقتضي على شرط، لا على زوال مانع) وعلى هذا لو لم يبطله المرتهن إلى أن افتك الرهن لزم، إذ مراده الشرط الذي يكون من العاقد لا الشرط الشرعي الذي منه عدم المانع، ومنه الرضا المعلوم كونه شرطا في العقود والتقابض في عقد الصرف وغير ذلك والله أعلم، هذا كله في الراهن.


) (1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب العتق.

[ 207 ]

(وكذا) لا يجوز (للمرتهن) التصرف في الرهن بانتفاع ونحوه، لحرمة التصرف في مال الغير، ولا يمضي تصرفه فيه بعقد ونحوه الا باذن الراهن، إذ هو فضولي فيجري عليه حكمه كما هو واضح، مع أنه قد تقدم شطر صالح من الكلام فيه آنفا في الفصل الخامس فلاحظ. (و) لكن ينبغى أن يعلم أن (في عتقه مع إجازة الراهن ترددا) بل في المتن (والوجه المنع لعدم الملك ما لم يسبق الاذن) وفاقا للقواعد، ومحكي التحرير، والارشاد، والدروس، واللمعة، وغاية المراد، والتنقيح، وشرح الارشاد للفخر، والروضة، والمسالك، بل في الاخير (إن كثيرا من الاصحاب لم يتوقف في الحكم، لان المرتهن غير مالك، ولا عتق إلا في ملك، فيكون كالفضولي لا يصحح عتقه الاجازة) بل عن سابقه أن العتق يقع باطلا قطعا ما لم تسبق الاذن، إذ لا عتق إلا في ملك، بل عن سابقهما قد اتفق الكل على اضمار الصحة في قوله عليه السلام (لا عتق إلا في ملك). قلت: لعله كذلك فيما إذا كان العتق من المرتهن، للخبر المزبور الذي لا يشكل بأن مقتضاه البطلان، وإن سبق الاذن، ضرورة عدم حصول الملك للمرتهن معها، لاندفاعه بما يأتي انشاء الله في باب العتق من أن المأذون والمأمور بعتق عبده عن غيره يصح عتقه، وينتقل إلى ملك الآمر والمأذون له قبل إيقاع الصيغة آنا ما، والتزام نحوه في الاذن اللاحقة - على معنى حصول الكشف بها عن دخوله في ملكه آناما قبل العتق، كما لو وهبه من نفسه فضولا ثم اعتقه فاجاز المالك الهبة فانه ينكشف حينئذ وقوع العتق في الملك - غير جائز بدون دليل عليه ضرور مخالفة مثل ذلك للضوابط الشرعية التى ينبغى الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن، وليس في غير الاذن السابقة ولو بمعونة كلام الاصحاب. أما إذا كان العتق عن الراهن أو مطلقا، فالمتجه - بناء على الفضولي وأنه على القاعدة - الجواز حتى على القول باعتبار نية القرابة فيه، بناء على شمول دليل الفضولي لمثل ذلك، كدفع الزكاة والخمس ونحوهما عن الغير، فيجيز من عليه الحق، إلا

[ 208 ]

أن الانصاف عدم خلو جميع ذلك كله من الاشكال، خصوصا مع ملاحظة كلام الاصحاب. نعم لو سبق اذن الراهن للمرتهن في العتق مطلقا أو عن الراهن، لم يكن إشكال في الصحة) لان المرتهن حينئذ وكيل عن المالك، بل في المسالك (لو حملت عبارة المتن على ذلك كان أولى، واسترحنا من ذلك الاشكال المتوقف زواله على امور خفية). قلت: لكن مقتضاه حينئذ ما استوجه المصنف فيه المنع من عتق المرتهن عن الراهن مع الاجازة. وقد عرفت ما فيه من الاشكال، مضافا إلى عدم إنطباق التعليل، وأن الاقوى الجواز فيه، بناء على شمول دليل الفضولي لمثل ذلك، وان قلنا باعتبار نية) القربة التي يكفي في ايجادها مشروعية الفضولي، مثل التوكيل والتبرع. ومرجع الجميع إما إلى مشروعية إيجاد صورة الفعل العبادي عن الغير - على وجه يسقط التكليف عنه، لا أن المراد توجه أمر إلى الفاعل النائب بقصد امتثاله، كما في الاصل، ضرورة عدمه في الوكيل مثلا فضلا عن غيره، حتى الاجارة التى يؤمر بادائها بعد تمام العقد من حيث كونه وفاء بالعقد لا أمر عبادة - أو إلى أن الغير مأمور بايقاع الصلاة عن الغير ولو ندبا، على نحو أمر الولد بالقضاء عن والده، فتكون نية القربة فيه حينئذ باعتبار كونه مأمورا بذلك، بل هو معنى المشروعية تبرعا، أو وكالة. وجواز أخذ الاجرة عليه - مع أنه عبادة محضة للاجير كالنافلة - للدليل الوارد في الحج وغيره، ولعله باعتبار تضمنه وصول منفعة للغير خصوصا إسقاط ما في ذمته وكان هذا اقوى من الاول سيما بعد معلومية كون صلاة النيابة صنفا من العبادة بل هي نوع مقابل للعبادة الاصلية نعم قد يفرق بين التوكيل وغيره والله اعلم والكلام في الوقف بعرف مما قدمناه سابقا وذكرناه لاحقا فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (لو وطئ الراهن) بإذن أو بدونها (فأحبلها، صارت أم ولده) شرعا بلا خلاف بل في التذكرة نسبه إلى مذهبنا مشعرا بالاجماع عليه، ولا ينافى ذلك ما تسمعه من جواز بيعها عند جماعة من الاصحاب، لعدم انحصار حكمها في عدم جواز البيع، إذ قد لا تباع فتعتق من نصيب ولدها مثلا.

[ 209 ]

(و) كذا لا خلاف في أنه (لا يبطل الرهن) المستصحب بذلك، وان كان بإذن بل في المسالك لا شبهة فيه، بل ظاهر قوله في التذكرة - عندنا - الاجماع عليه، وعلله في جامع المقاصد بان الرهن بعد تمامه ولزومه، إنما يبطل بمنافيه، والاحبال وإن وقع بالاذن غير مناف وإن صارت أم ولد، إذ لا يمتنع بيعها إذا تعلق بها حق المرتهن سابقا على الاستيلاد، إما مطلقا أو مع الاعسار، ومع الايسار يجب بذل القيمة، لتكون رهنا، وذلك أثر بقاء الرهانة لا محالة، فلا منافاة حينئذ)، بل في المسالك: (لا تخرج به عنه وإن منعنا من بيعها، لامكان موت الولد، فإنه مانع، فإذا زال عمل السبب السابق عمله). قلت: قد يقال: بالبطلان إن لم ينعقد إجماع على خلافه، بناء على منع البيع مطلقا أو مع اليسار، لما عرفت سابقا من أنه يشترط في صحة الرهن كونه مما يباع حتى يتم الاستيثاق به، بدعوى ظهور كون ذلك شرطا في الابتداء والاستدامة، كما هو الاصل في الشرائط، خصوصا في المقام الذي هذا الشرط فيه كأنه من مقومات الرهانة، وبذل القيمة عل القول بالمنع مع اليسار إنما هو لبطلان الرهانة في العين لا لبقائها فيها، حتى تكون ذلك من آثارها. ومن هنا أورد في جامع المقاصد على هذا القائل بأن الرهانة إن بقيت فهي متعلقة بالعين، وإلا فلا تعلق لها بالقيمة، وإن كان قد يدفع بالتزام الثاني، والتعلق بالقيمة لكونه السبب في إتلاف الرهن، حتى لو أذن له بالوطى الذي لم يستلزم الاحبال، فالاذن فيه ليس إذنا بالاتلاف، حتى يتوجه إليه عدم استحقاق القيمة رهنا باذنه، ولعل هذا القائل كسابقه يلتزم عدم عودها رهنا بموت الولد، أو انكشاف عدم بطلان رهانتها الذي حكم به ظاهرا لاستصحاب بقاء الولد أو غيره. (و) كيف كان ف‍ (هل تباع ؟ قيل: لا مادام الولد حيا) ترجيحا لدليل منع بيع أمهات الاولاد الظاهر في قوة الاستيلاد، بحيث يضاهي العتق، بل ربما كان أقوى، لانه ينفذ فيما لا ينفذ هو فيه، كاستيلاد المجنون والمحجور عليه، ولان استيلاد المريض يكون من الاصل، بخلاف عتقه، بناء على أن منجزاته من الثلث،

[ 210 ]

لكن لم نعرف القائل به قبل المصنف، بل ولا بعده، غير الفاضل في التحرير، وثاني الشهيدين، في ظاهر الروضة، نعم عن الشهيد في غاية المراد حكايته عن المبسوط، وفي جامع المقاصد (الظاهر أنه وهم) وحكي عنه الجواز مطلقا. (وقيل) والقائل الشيخ كما عرفت والحلي، والفاضل، في المختلف، والكركي والشهيدان في اللمعة، والمسالك (: نعم) يجوز مطلقا للاصل و (لان حق المرتهن أسبق) ولاولوية أو مساواة بيعها في الدين المتعلق بها، للبيع في ثمن رقبتها، وبذلك كله وغيره يرجح دليل بيع الرهن على دليل منع بيع أمهات الاولاد، ولو سلم التعارض مع عدم الترجيح فالاصل جواز البيع، وقيل والقائل الشيخ في الخلاف وابن زهرة، والفاضل في التذكرة، والشهيد في الحواشي، على ما حكي عنهم تباع مع إعسار الراهن وتبذل قيمتها رهنا، جمعا بين الحقين مع يساره، بل في الغنية الاجماع عليه، وكان وجهه بعد كونه جمعا بين الدليلين مساواته في الاول لثمن رقبتها، بخلاف الثاني، لكن في السرائر أنه مخالف لاصول المذهب. وقيل: والقائل الشهيد في بعض حواشيه: يجوز بيعها مع وطئه بغير اذنه، ولا يجوز مع الوطى بالاذن، ومال إليه بعض مشايخنا، لموافقته للاصول والاعتبار إن لم يكن خرقا للاجماع (و) لا ريب أن الثاني لا (الاول) ولا الاخيرين (أشبه) بأصول المذهب، خصوصا إذا كان الوطى بغير الاذن، لما عرفت من ترجيح دليل الرهن بما سمعت، الذى منه الشهرة، بل قد عرفت أن الاصل يقتضي الجواز بعد الاغضاء عن الترجيح. (و) خصوصا بعد اعتراف المصنف بل الجميع بأنه (لو وطئها الراهن بإذن المرتهن لم تخرج عن الرهن بالوطئ) كالاذن في غيره من الانتفاعات التي لا تستلزم بطلان الرهانة في العين، وإن أذن له في نقلها إلى غيره بعقد، فضلا عن استيفائها بنفسه، أو بغيره، بل قد عرفت جزم الاصحاب بعدم خروجها بذلك عنه، وان ترتب عليه الاحبال، حتى على القول بعدم جواز البيع، هذا. وفي الدروس في تحرير أصل المسألة: قال: (وفي بيعها أو وجوب إقامة بدلها

[ 211 ]

تردد، من سبق حق المرتهن، وعموم النهي عن بيعها، فيقام بدلها أو يتوقع قضاء الدين أو موت ولدها، ولو كانت مرهونة في ثمن رقبتها، فبيعها أوجه). وفيه أنه لا إشكال فيه مع الاعسار، ومع اليسار من المسألة، كما أن القائل بعدم جواز بيعها لا يوجب إقامة بدلها، بل ليس له إلا توقع قضاء الدين أو موت الولد، بناء على أنها باقية رهنا كما عرفت. والامر سهل. وعلى كل حال فلا حد على المالك، وإن كان بغير إذن، وإنما يعزر، وولده حر، ولا يغرم قيمته رهنا، وإن قلنا بتبعية النماء، كما أنه ليس عليه عوض الوطي كذلك. نعم لا يبعد وجوب أرش البكارة عليه رهنا إذا كان بغير إذن، لانه عوض جزء أتلفه وكذا تفاوت قيمتها لو كان بالوطي والاحبال أو الولادة، بل لو ماتت بالطلق وجب بذل قيمتها رهنا، كما في القواعد، وغيرها، وكذا لو وطئ أمة غيره لشبهة، فضلا عن غيرها، فماتت بالطلق بخلاف زوجته المأذون في وطئها والمزنى بها، الحرة المختارة التي لا تدخل تحت اليد بالاستيلاد الذي هو اثبات يد في الامة. وأما المكرهة الحرة ففي جامع المقاصد (يضمنها لو ماتت بالطلق، كما صرح به في التذكرة، لانه أحدث سبب هلاكها فيها على كره، فيضمن ديتها التي تجب على العاقلة) وفيه ما لا يخفى، بل لا يخلو السابق أيضا من نظر، والاقوى القيمة عند التلف لا الاحبال، ولا الاعلى منه إلى يوم التلف هذا كله في وطى الراهن. أما المرتهن فكالأجنبي في الاحكام المتقدمة في بيع الحيوان، لكن عن الشيخ في المبسوط هنا إذا وطئها بإذن الراهن فإن لم يدع الجهالة بتحريم ذلك فهو زنا، والخلاف (إذا وطئ الجارية المرهونة بإذن الراهن مع العلم بتحريم ذلك لم يجب عليه المهر) ومثله عن الغنية نافيا للخلاف فيه، والظاهر إرادتهم عدم الاكتفاء بمطلق الاذن بل لابد من عقد التحليل، إلا أنه لا وجه لنفي المهر عنه، وحكي عنه في الدروس أنه قال لو أذن له الراهن فلا مهر عليه، ولا قيمة للولد، ثم قال: وهو بعيد إلا أن يحمل على التحليل، لكن كلام الشيخ ينفيه، وهو كذلك كما سمعت، بل

[ 212 ]

المتجه على ما سمعت من كلام، كون الولد رقا رهنا، بناء على التبعية، لا أنه يبذل قيمته رهنا أيضا، ومن الغريب ما يحكى عنهما أيضا وعن التحرير من أنها تصير أم ولد له، لو اشتراها بعد ذلك، مع أن الظاهر من الادلة اعتبار التولد من وطى المالك في ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لو أذن) المرتهن (له) أي الراهن (في بيع الرهن) جارية كان أو غيرها قبل حلول أجل الدين (فباع بطل الرهن) فيه بلا خلاف ولا إشكال (ولا يجب جعل الثمن رهنا) إذا لم يشترطه بلا خلاف أيضا بيننا إلا ما تسمعه من الشيخ في بعض أفراده للاصل السالم عن المعارض بعد بطلان الرهانة في المبيع بالاذن التى تعقبها البيع، أللهم إلا أن يدعى كون المراد الاذن في بيعه مرهونا على معنى كون الثمن مقابلا له في الملك وحق الرهانة ؟ فتنتقل الرهانة حينئذ إلى الثمن قهرا، لكن ظاهر الاصحاب في المقام سقوط حق الرهانة، لعدم تعقل بقائها في المبيع حتى تقابل بالثمن، وأنه فرق بين البيع والتلف، وعليه وإن كان فيه نوع تأمل، يتجه حينئذ لهم ما سمعت. ومنه يعلم ان السقوط بالبيع، لا بالاذن فيه، فله حينئذ الرجوع بها قبل البيع لعدم بطلان حقه بذلك، ولو ادعى بالرجوع حلف الراهن إن ادعى علمه، ولو صدقه على الرجوع وادعى كونه بعد البيع، وقال المرتهن: قبله، فإن اتفقا على تعيين وقت أحدهما واختلفا في الآخر حلف مدعي التأخير عن ذلك الوقت لانه منكر بناء على اصالة تأخر مجهول التاريخ عن معلومه، وإن أطلقا الدعوى أو عينا وقتا واحدا حلف المرتهن، لتكافؤ الدعويين، فيتساقطان، ويبقى استصحاب الرهن سليما عن المعارض فتأمل جيدا. أما إذا كان البيع المأذون فيه بعد حلول الحق أو كان الحق حالا من أصله فمقتضى إطلاق المصنف وغيره كونه كالاول، بل في المسالك أنه المشهور لما عرفت، لكن عن المبسوط لو أذن له في البيع بعد محل الحق فباع صح البيع، وكان ثمنه مكانه حتى يقضي منه، أو من غيره، واختاره في التحرير، بل والدروس معللا له بأنه

[ 213 ]

قضية عقد الرهن. لكنه كما ترى، كدعوى انصراف الاذن في هذا الحال إلى اشتراط كونه رهنا باعتبار كونه محل البيع، بخلاف ما قبل الاجل بعد الاغضاء عن لزوم مثل هذا الشرط لو صرح به في الاجازة، أو الاذن السابقة، وإن كان لا خلاف فيه على الظاهر بيننا، بل في التذكرة صح عندنا مشعرا بالاجماع عليه، كقوله في المسالك قطعا محتجين عليه بعموم (المؤمنون) وفي الدروس (أنه قريب من نقل الوثيقة إلى عين اخرى). لكن قد يقال: إنه ليس في ضمن عقد حتى يلزم بلزومه، ونقل الوثيقة إنما يكون بفسخ من المرتهن للاولى، وايجاب للرهن في الثانية، على أن ظاهره في الدروس سابقا إختصاص النقل بالذي يخاف فساده (قال: لو اتفق المتراهنان على نقل الرهن عند الخوف من الفساد إلى عين أخرى احتمل الجواز لان الحق لا يعدوهما ويجري مجرى بيعه، وجعل ثمنه رهنا، ويحتمل المنع، لان النقل لا يشعر بفسخ الاول، ويمتنع البدل مع بقاء الاول، فإن قلنا بجواز النقل هنا، فهل يجوز في رهن قائم لم يعرض لم نقص، وجهان قريبان وأولى بالمنع، لان المعرض للفساد يجب بيعه، فهو في حكم الفائت، ونقل الحق إلى بدل الفائت معهود، ولا فوات هنا). وهو كما ترى ظاهره الميل إلى العدم في غير ما يخاف فساده، فقرب الشرط منه غير مجد في صحته ولزومه، على أن المتجه بناء على عدم مشروعية نتائج العقود بالشرائط اعتبار رهانة جديدة للثمن، وظاهرهم خلافه، والاكتفاء بصيرورته رهنا بذلك، ولعله مبني على ما ستسمعه إنشاء الله. وعلى كل حال فالحكم بلزوم الشرط هنا لا يخلو من إشكال، أللهم إلا أن يقال إن الشرط في الاذن في العقد كالشرط في العقد في اللزوم، بل قد ينحل هذا الشرط إلى كونه شرطا على البايع في الايجاب المعتبر رهنا هما معا في صحته، ومنه حينئذ يعلم اللزوم لو اشترط تعجيل الحق في الاذن كما صرح به غير واحد، بل

[ 214 ]

لا أجد فيه خلافا إلا من الشيخ، فلم يسقط الاجل بهذا الشرط، بل ظاهر الدروس حكاية كون الثمن رهنا عنده في هذا الفرض، وفيه ما لا يخفى، ولو اختلفا في اشتراط رهن الثمن ففي الدروس وجامع المقاصد، حلف الراهن، ولو اختلفا في النية لم يلتفت إلى المرتهن، لان الاعتبار بما دل عليه اللفظ. نعم قد يناقش في الاول بأن القول قول المرتهن في أصل الاذن، فكذا صفتها كما عن التذكرة الجزم به في خصوص الفرض، بل عن المبسوط لو قال: أذنت بشرط أن تعطيني حقي، فقال الراهن: بل مطلقا، فالقول قول المرتهن، لان القول قوله في أصل الاذن، فكذا في صفته، وأجمل الفاضل في القواعد فقال: (حلف المنكر) من غير بيان أنه الراهن أو المرتهن، ولعل التحقيق اختلاف التعبير في الدعوى، والامر سهل والله أعلم، هذا كله في إذن المرتهن للراهن. (و) أما (لو) انعكس الفرض بان (أذن الراهن للمرتهن في البيع قبل الاجل) ففي المتن وغيره بل لم يعرف نقل الخلاف فيه فضلا عن وقوعه (لم يجز للمرتهن التصرف في الثمن) على معنى كونه رهنا عنده عوض المبيع، كما صرح به في الروضة، بل ربما قيل أنه لا خلاف فيه سوى ما حكاه في الجامع، بلفظ القيل من أنه لا يكون رهنا. لكن في الرياض سوى بين إذن الراهن والمرتهن في بطلان الرهن، وعدم جعل الثمن رهنا، قال: (ولو باع المرتهن الرهن بدون إذن الراهن، وقف على الاجازة، وصح بعدها على الاشهر الاقوى من جواز الفضولي، وبطل الرهن، كما لو أذن ابتداء أو باع هو بإذن المرتهن مطلقا، لزوال متعلقه، ولا يجب جعل الثمن رهنا إلا مع اشتراطه). بل ربما ظهر منه الميل إلى عدم صيرورة القيمة في التلف رهنا، لانه قال متصلا بالكلام السابق: (قيل أما إذا أتلفه متلف إتلافا يقتضى العوض، كان العوض رهنا، لامكان الاستيثاق به، وعدم خروجه عن العوض، لكنه تبطل وكالة المرتهن في الحفظ والبيع إن كانت، لاختلاف الاغراض في ذلك باختلاف الاموال) إنتهى

[ 215 ]

وفي الفرق وتعليل قيام العوض مقام المتلف رهنا نظر، يظهر وجهه لمن تدبر. قلت: قد عرفت إتفاق الاصحاب ظاهرا على كون الثمن رهنا في صورة إذن الراهن، إلا ما حكاه في الجامع بلفظ القيل ولا ريب في ضعفه، وإن كان وجهه ما سمعت سابقا من اقتضاء البيع بطلان الرهانة السابقة، لعدم تعقل بقائها في المبيع، بل وفي ثمنه إلا مع الشرط، وليس هنا، إذ الفرض عدم وقوع غير الاذن من الراهن للمرتهن في البيع وهو أعم من ذلك فيكون إذن الراهن كإذن المرتهن في ذلك بعد فرض استناد البطلان إلى البيع المنافي للرهانة في المبيع، وليس ما يقتضي رهن غيره من شرط ونحوه، وهو مشترك بينهما. لكن فيه أولا: أنه يتم بناء على أن الثمن للمبيع كعوض التالف تتعلق به الرهانة من حيث كونه عوض مرهون، إذ من الواضح حينئذ تمامية ما ذكره الاصحاب نعم هنا مقتضى ذلك كونه رهنا أيضا في إذن المرتهن للراهن، لا العكس خاصة، وهم لا يقولون به إذا لم يشترط، أللهم إلا أن يدعى ظهور الاذن منه في الاسقاط بالبيع مطلقا، أو في خصوص البيع قبل الاجل، باعتبار عدم اقتضاء الرهن بيعه حينئذ والشرط إنما هو لرفع الظهور المستفاد من الاذن، وإبقاء رهنية الثمن على حسب اقتضاء تعلق الحق بالعين، أو بما يقوم مقامها، بخلاف المقام الذي لم يحصل منه إذن في البيع، إذ الاذن من الراهن، وإنما حصل منه البيع، وهو لا يقتضي إسقاط حقه من الرهانة وربما يؤيده عدم ذكرهم اعتبار القبض في رهنية الثمن المشترط، فضلا عن تجديد الارهان. وثانيا أنه لو قلنا باقتضاء البيع سقوط الرهانة في المبيع على وجه لا يقتضى رهانة الثمن، إلا بأتفاق جديد منها، لكن قد يقال: بظهور كون البايع المرتهن، وان الاذن من الراهن له من حيث حق رهانته، لا أنها وكالة كوكالة الاجنبي في إرادة بقاء حق الارتهان الذى لا موضوع له بعد البيع، إلا في الثمن فهو كاتفاقهما على ذلك بل مبني العقد ظاهرا عليه حتى يصرح بخلافه، وهذا واضح بأدنى تأمل.

[ 216 ]

ومن ذلك كله يظهر لك ما في الرياض من النظر من وجوه، بل وما في الحدائق فإنه قال: فيما لو أذن الراهن للمرتهن هل يكون الثمن رهنا فلا يجوز للراهن طلبه أم لا، إشكال، لم يحضرني الآن تصريح أحد منهم بالحكم المذكور، ويمكن ترجيح العدم، لان حق المرتهن إنما تعلق بالعين، فلا يتعدى إلى الثمن إلا بدليل، وليس فليس إذ قد عرفت التصريح بذلك، وأنه المراد من قولهم لا يجوز التصرف فيه إلا بعد الحلول بعد التأمل، وقد عرفت الوجه في ذلك أيضا، فكلامه أيضا لا يخلو من نظر من وجوه. كما أن قول المصنف (إلا بعد حلوله) لا يخلو من نظر أيضا، ضرورة اقتضائه جواز التصرف في الثمن بعد الحلول، وهو واضح البطلان، إذ ليس الثمن إلا رهنا، فيجري فيه ما يجرى في الرهن من عدم جواز التصرف فيه بعد الحلول إلا باذن الراهن أو الحاكم أو المرتهن على التفصيل الذي ستسمعه. بل وكذا قوله كغيره من الاصحاب (ولو كان) أي الاذن بالبيع (بعد حلوله صح) التصرف فيه، لا يخلو من نظر إذا لم تقترن بما يدل على الاذن في الاستيفاء منه، ولو بمعاوضة جديدة، أو قبض كذلك، كمطالبة من المرتهن ونحوها، ضرورة عدم اقتضاء الاذن في البيع ذلك، ومن هنا شرط بعضهم جواز التصرف المزبور بالاذن فيه وفي الاستيفاء وهو جيد. بخلاف ما في المسالك من تنزيل العبارة على مساواة الثمن للحق جنسا ووصفا، إذ هو مع عدم إشعار في عبارة المصنف وغيرها به غير تام، إذ التساوى لا يقتضي الاذن في الاستيفاء، والتقاص القهري في نحوه إنما هو في خصوص ما في الذمم، لا في الرهن المساوي للحق كما هو واضح. نعم لو فرض أن المرتهن قد اشتراه بإذن من الراهن في الذمة بمساوي حقه جنسا ووصفا، أمكن حينئذ دعوى التهاتر القهري، وتنزيل العبارة عليه كما ترى، وأضعف منه الاحتجاج لاطلاقها بما دل على المقاصة من خبر المروزى المتقدم سابقا

[ 217 ]

في خوف جحود الوارث، وغيره الذي لا فرق فيه بين مجانس الحق ومخالفه، ضرورة عدم جواز المقاصة قبل حصول شروطها من الامتناع وغيره، كما هو واضح، فالتحقيق مراعاة الضوابط إن لم يقم إجماع على خلافها في المقام، ودونه خرط القتاد والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا حل الاجل) وأراد المرتهن حقه طالب الراهن بالوفاء، ولو ببيع الرهن أو التوكيل في بيعه، وفي الدروس ليس للمرتهن تكليف الراهن بأداء الحق من غير الرهن، وإن قدر عليه الراهن، ولعله لتعلق حقه في العين برضاه، ولا ينافي ذلك شغل ذمة الراهن. كما لا ينافيه عدم جواز البيع له، لو بذل له الراهن الدين. (و) لو (تعذر الاداء) المزبور لامتناع من الراهن مثلا (كان للمرتهن البيع) والاستيفاء (إن كان وكيلا) بل له ذلك من غير مراجعة له مع إطلاق وكالته (وإلا) يكن وكيلا ولم يتمكن من إجباره (رفع أمره إلى الحاكم) إذا كانت له بينة يثبت بها حقه (ليلزمه البيع) بالقول أو الفعل بضرب، أو حبس، أو نحوهما مما يتوقف تحصيل الحق عليه إلى منتهى مراتب ذلك، وليس للمرتهن البيع قبل رفع أمره إلى الحاكم بلا خلاف أجده فيه، للاصل وغيره بعد عدم انحصار حقه في ذلك، وبعد نصب الحاكم لقطع الخصومات وإعانة المظلومين، فإن امتنع على الحاكم إلزامه - ولو لعدم بسط يده - باعه عليه بنفسه، أو بوكيله ولو المرتهن إذا كان جامعا لشرائط الوكالة في مثله، وليس للمرتهن هنا أيضا البيع بدون ذلك، لتمكنه من الولي الشرعي له الذى هو قائم مقامه فلا تسقط حرمة ماله حينئذ، إذ هو كالتمكن من المالك، والاستيثاق لا يقتضي مباشرة الاستيفاء (ف‍) لا ينافي كون كيفيته ما ذكرنا كي يعارض ما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه، أو إذن وليه لكن في المتن وغيره أنه (إن امتنع) أي الراهن بعد الزام الحاكم له (كان له حبسه وله أن يبيع عليه) ومقتضاه التخيير بين الامرين، وأن ولاية الحاكم تثبت في أول مراتب الامتناع عليه وهو لا يخلو من إشكال، خصوصا بعد

[ 218 ]

مراعاة الاقتصار في ولاية الحاكم على المتيقن الذي هو حال إنتهاء مراتب الاجبار على الحق. بل ربما كان في خبر سماعة (1) عن الصادق عليه السلام ظهور في خلافه في الجملة، قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يحبس الرجل إذا كان التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بالحصص، إن أبى باعه فقسمه فيهم، يعنى ماله) فتأمل والامر في ذلك سهل، كسهولة اختلاف عبارة الاصحاب في المقام بالنسبة إلى الاطلاق والتقييد المبني على ظهور الحال في هذا الحكم، لا على الاختلاف في المسألة، والتفصيل ما ذكرنا. وليس في نصوص المقام ما ينافيه، سوى ما في موثق اسحاق بن عمار من جواز البيع من دون مراجعة الحاكم، قال: (2) (سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون عنده الرهن فلا يدري لمن هو من الناس فقال: لا أحب أن يبيعه حتى يجئ صاحبه قلت: لا يدرى لمن هو من الناس فقال: فيه فضل أو نقصان، فقلت: إن كان فيه فضل أو نقصان فقال: إن كان فيه نقصان فهو أهون يبيعه فيؤمر فيما نقص من ماله، وإن كان فيه فضل فهو أشدهما عليه، يبيعه ويمسك فضله، حتى يجئ صاحبه). إلا أني لم أجد عاملا به، عدا ما يحكى عن ظاهر أبي الصلاح حيث أطلق جواز البيع مع عدم التمكن من استيذان الراهن، وأنه ليس له إلا مقدار قيمته لو نقصت عن الحق مع البيع بغير الاذن، ولعله لهذا الخبر الذي يمكن حمله على ما إذا لم يكن إثبات حقه ورهانته عند الحاكم، أو على تعذر الحاكم، أو على إرادة بيان مطلق البيع الذي يجامع الاستيذان من الحاكم مع التمكن، أو على غير ذلك. كما انه ينبغى حمل موثق عبيد بن زرارة (3) (عن الصادق عليه لاسلام في رجل رهن رهنا إلى غير وقت موقت، ثم غاب هل له وقت يباع فيه رهنه، قال: لا حتى يجئ) - على الكراهية أو على الغيبة التي لا ضرر على الديان بانتظارها، لقربها وتوقع مجئ الراهن، أو غير ذلك مما يحمل عليه موثق ابن بكير (4) - (سألت أبا عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل الباب 6 - من ابواب الحجر الحديث 1 لكن عن عمار. (2) (3) (4) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 2 - 1 - 3 -

[ 219 ]

عن رجل رهن رهنا ثم انطلق، فلا يقدر عليه أيباع الرهن قال: لا حتى يجئ صاحبه) أو يطرحا، لاعراض الاصحاب عن إطلاقهما. وأما خبر إبراهيم بن عثمان (1) (قلت للصادق عليه السلام: رجل لي عليه دراهم، وكانت داره رهنا، فأردت أن أبيعها فقال: أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه) فلا ريب في إرادة الكراهة لبيع الدار منه، كما أن المراد من بيعه على حسب حال بيع الرهن من الرجوع إلى الراهن أولا، ثم إلى الحاكم مع التمكن على التفصيل المتقدم، لا أن المراد تولي بيعه بنفسه من أول الامر الذي يمكن دعوى إجماع الاصحاب على خلافه، بل المفهوم في خبر المروزي المتقدم في مسألة خوف جحود الوارث ظاهر في نفيه أيضا، فضلا عن الموثقين السابقين. ثم إن ظاهر الاصحاب هنا عدم اعتبار قيام العدول مقام الحاكم مع تعذره، نعم في جامع المقاصد لو لم يكن الحاكم موجودا باع بنفسه، ولو أشهد شاهدى عدل كان أولى، وهو مع ظهوره في عدم الوجوب لم يعتبر إذنهما في البيع للولاية كما أن الظاهر عدم إرادة من أنهى الامر إلى الحاكم من غير تعرض للحكم، إذا لم يكن موجودا تعطيل المال لو فرض تعذر الوصول إليه، إذ الظاهر عدم التوقف في مباشرة المرتهن حينئذ للبيع، واستيفاء حقه كما هو مقتضى ما دل على المقاصة، للموثق المزبور المعتضد بنفي الضرر والحرج. بل أطلق في التذكرة (أنه إذا لم يكن له بينة أو لم يكن في البلد حاكم فله بيعه بنفسه، كما أن من ظفر بغير جنس حقه من مال المديون وهو جاحد، ولا بينة له يبيعه، ويأخذ حقه) وإن كان الظاهر إرادته بحيث يشق الوصول إليه، لا مطلق عدم كونه في البلد، كما أن الظاهر إرادة من ألحق غيبة الراهن بالامتناع، الغيبة التي يتضرر المرتهن بانتظار مجيئه منها، لا مطلق الغيبة وإن قصر زمانها، بل ربما كانت أقصر زمانا من استيذانه وهو في البلد في بعض الاحوال. نعم قد يظهر من كلمات الاصحاب في المقام عدم اعتبار إذن الحاكم إذا لم


(1) الوسائل الباب - 11 من ابواب الدين - الحديث - 4.

[ 220 ]

يكن للمرتهن بينة، وإن تمكن من استيذانه على وجه العموم، بحيث يندرج الرهن المخصوص فيه في الواقع من دون تعرض له بخصوصه، إلا أن الاعتبار مراعاة لاذن الولي لا يخلو من قوة، كما أنه قد يظهر منها ومن الموثق المزبور بيع تمام الرهن، وإن وفى بعضه بالحق، فيبقى الباقي حينئذ أمانة وهو جيد إذا توقف الحق عليه أو حصل ضرر بالتبعيض على المالك، أما إذا لم يكن كذلك فالمتجه مراعاة حق الراهن بالاقتصار على بيع مقدار الحق وابقاء عين المال أمانة. ولو أراد الراهن بيعه للوفاء فلم يأذن المرتهن كان للحاكم إلزام المرتهن بالاذن فإن امتنع تولى أمره الحاكم، وإليه أشار في التذكرة فقال: (وإنما يبيع الرهن الراهن أو وكيله بإذن المرتهن، فلو لم يأذن وأراد الراهن بيعه قال له الحاكم: إئذن في بيعه، وخذ حقك من ثمنه، أو أبرءه، ولو قال الراهن للمرتهن بعه لنفسك لم يصح البيع، لان غير المالك لا يبيع لنفسه، خلافا للشافعي في أحد الوجهين، بل يقول بعه لي أو بعه مطلقا على الاقوى حملا على الصحيح خلاف للشافعي في أحد وجهه أيضا فمنعه. وقد عرفت فيما تقدم أنه لابد من الاذن في الاستيفاء، فإن قال: استوفه لنفسك صح، كما في التذكرة، وعلى الاقوى في الدروس وفيهما معا أنه يحدث فعلا جديدا من كيل أو وزن أو نقل، لدلالة اللفظ عليه. نعم احتمل في ثانيهما الاكتفاء بدوام اليد كقبض الرهن أو الهبة من المودع والغاصب والمستعير، ولا ريب في قوته لان استدامة القبض كالقبض الجديد كما أومأنا إليه سابقا، وكذا الكلام لو قال اقبضه لي ثم لنفسك، أو أمسكه لنفسك. ودعوى ظهور قوله ثم استوف لنفسك في احداث فعل على وجه لا يشمل تجدد اليد واضحة المنع، أما لو قال بعه لي واستوف لنفسك، أو اقبضه أو أمسكه كذلك، فقد يشكل صحته فيما لو كان الثمن في الذمة، بعدم تعينه للمديون بغير قبض منه أو ممن يقوم مقامه مع عدم الحوالة، لكن في الدروس: الاقرب الجواز، وإن لم يقبضه للراهن، وإن كان مكيلا، أو موزونا، أو طعاما - بل قال: - لو كان الثمن غير

[ 221 ]

مقدر بهما فالظاهر أنه لا إشكال فيه، لصحة بيع ذلك قبل قبضه عندنا بغير اختلاف) وفيه أن الاشكال مما ذكرنا لا من ذلك. نعم في التذكرة (الوجه الصحة، لان قوله استوف لنفسك يتضمن التوكيل) وهو جيد، بناء علي كون المراد إقبضه لي ثم لنفسك باعتبار توقف الثاني على الاول إنما الكلام على تقدير عدم إرادته، وقد عرفت أنه مشكل، بل جزم الشافعي بعدم صحته كالفاضل في القواعد، وإن ترتب الضمان على هذا القبض الفاسد، أللهم إلا أن يقال أن القبض وإن كان لنفسه يقوم مقام قبض الديان فيقدر له آناما كما في أعتق عبدك عني، فتأمل جيدا هذا، وقد تقدم تمام التحقيق في كثير من هذه المسائل في المباحث السابقة في كتاب البيع والله أعلم. المقصد (الثاني في أحكام متعلقة بالرهن) * (الرهن لازم جهة الراهن) جائز من جهة المرتهن بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة والمحكي عن غيرها الاجماع عليه، وهو كذلك بناء على عدم مدخلية القبض في صحته ولا لزومه، بل وعلى تقدير مدخليته مع حصوله. نعم هو جائز من طرف الراهن قبله، بناء على أنه شرط في اللزوم كما مر تحقيق ذلك، والمراد هنا بيان حكمه من جهة الراهن، والمرتهن، بعد تمام ما هو معتبر في صحته ولزومه، فالاجماع حينئذ بحاله، مضافا إلى ما دل على اللزوم من الامر بالوفاء بالعقود وغيره الذي لا يجري في المرتهن قطعا، بعد أن كان الحق له، فهو مسلط على إسقاطه كغيره من الحقوق. بل الظاهر عدم صحة اشتراط الخيار للراهن، لمنافاته الاستيثاق، والحبس الذي هو مقتضى عقد الرهن، وفرق بينه وبين ارتهان العبد الجاني ونحوه - مما لا وثوق للمرتهن ببقائه، من غير الراهن الذي يكون شرط الخيار منه، كاشتراط التوقيت - في المنافاة.

[ 222 ]

لكن مع ذلك كله قد استشكل فيه في التذكرة فقال: (وأما الشرط الفاسد فهو ما ينافي مقتضى عقد الرهن، مثل أن يشترط أن لا يسلمه إليه على اشكال، أولا يبيعه عند محل الحق، أو لا يبيعه إلا بما يرضى به الراهن، أو بما يرضى به رجل آخر، أو تكون المنافع للمرتهن، أو لا يستوفي الدين من ثمنه، فإنها شروط نافت مقتضى العقد، ففسدت، وكذا إن شرط الخيار للراهن على إشكال، أو أن لا يكون العقد لازما في صفة، أو يوقت الرهن، أو أن يكون الرهن يوما، ويوما لا يكون رهنا). إلا أنه لا ريب في ضعفه لما عرفت، كضعف احتمال الفساد في اشتراط عدم التسليم إذا كان المراد منه استمرار بقاء اليد، بل وإن لم يرد منه ذلك إذا كان المراد منه ما لا يشمل الوكالة، أو قلنا بعدم اعتبار التسليم فيه، فإن دعوى احتمال عود ذلك على العقد بالنقض كما ترى، وكذا الكلام في نحو اشتراط المنافع للمرتهن والله العالم. وعلى كل حال فلا ريب في لزوم الرهن من جهة الراهن. نعم قد يقال بجوازه لو كان قد وقع منه لانه شرط عليه في بيع قد زعم صحته، فبان عدمها بعد وقوع الرهانة منه، كما جزم به في القواعد لنفي الضرر والضرار، ولان الشرط في البيع كجزء من الثمن أو المثمن اللذين لا ريب في رجوعهما إلى مالكهما بظهور البطلان بل مقتضى ذلك بطلان الرهن قهرا، إلا أنه لما كان قد وقع بعقد محكوم بصحته لاطلاق الادلة، روعي الجمع بين ذلك، وبين حق الراهن بالخيار، والمسألة سيالة في غير المقام، كاشتراط البيع والاجارة ونحوهما في عقد قد ظهر فساده بعد وقوعهما. مع أنه قد يقال بعدم الرجوع في الجميع، لان تخيل الصحة من الدواعي فالعقد الصادر باق علي مقتضي ما دل على صحته ولزومه، إذ هو حينئذ كما لو أبرأت الزوجة الذمة بظن صحة الطلاق، أو في خصوص المقام الذي لا مجال للقول بالبطلان فيه، باعتبار منافاته لاطلاق ما دل على الصحة، ولا الخيار لعدم قابلية خصوص هذا العقد للخيار، فهو حينئذ كالابراء المشترط في عقد قد ظهر فساده بعد وقوعه، والنكاح

[ 223 ]

والطلاق والعتق ونحوها، وعن بعض نسخ القواعد ولو شرط عليه رهن في بيع فاسد فظن اللزوم فرهن فلا رجوع، وهو لا يخلو من قوة فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (ليس له) أي الراهن (انتزاعه) من المرتهن بدون رضاه (إلا مع) سقوط الارتهان ببراءة ذمة الراهن من الدين الذي قد رهن به الرهن ب‍ (الاقباض) من المالك أو المتبرع أو الضمان أو الحوالة أو الاقالة المسقطة للثمن المرهون به، أو الابراء من ذي (الدين أو) ب‍ (تصريح المرتهن بإسقاط حقه من الارتهان) أو ما هو كالتصريح بلا خلاف في شئ من ذلك، ولا إشكال. ولو برأت ذمته من بعض الحق فالظاهر بقاء الجميع رهنا على ما يبقى من الدين وإن قل، إذا لم يكن قد اشترط التوزيع، أو كونه رهنا على المجموع المنتفى صدقة بذهاب البعض، وفاقا لصريح جماعة، بل عن الشيخ الاجماع عليه، لظهور الارتهان في الاستيثاق، لجميع أجزاء الدين، وكون الغرض استيفاؤه بتمامه منه أجمع كما يشعر به ما في النصوص (1) من نفى البأس عن الاستيثاق للمال الصادق على الكل والبعض، جوابا للسؤال عن أخذ الرهن. لكن في المسالك عن الفاضل في القواعد أنه اختار فيها كونه رهنا على مجموع الدين الذي ينتفى صدقه ببراءة الذمة من بعضه وإن قل، فيبقى الباقي من غير رهن بعد أن احتمله هو، والذي فيها، ولو أدى بعض الدين بقى كل المرهون رهنا بالباقي على إشكال، واقربه ذلك إن شرط كون الرهن رهنا على الدين وعلى كل جزء منه، ولا صراحة فيه فيما ذكره، ضرورة أعمية مفهوم الشرط فيها من ذلك. بل في جامع المقاصد في شرحها أنه قد يتوهم عدم افتاء المصنف نظرا إلى أن المذكور في كلامه هو الحكم مع الاشتراط، ولا نزاع فيه، لان النزاع مع الشرط وليس كذلك، لان الاقرب يقتضى الفتوى، إذ لا يتطرق الاحتمال مع الشرط، إنما يتطرق بدونه، ثم قال في القواعد (ولو دفع أحد الوراث نصيبه من الدين لم ينفك نصيبه على اشكال).


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام الرهن.

[ 224 ]

وفي جامع المقاصد أي: لو دفع أحد وارثي الرهن نصيبه من الدين، وهذا الاشكال - بعد الفتوى المتقدمة بأنه مع الاشتراط يكون الرهن رهنا بكل جزء، وبدونه على ما يقتضيه التقسيط - لا وجه له، إذ مع الاشتراط لا ينفك قطعا وبدونه بمقتضى التقسيط يلزم الانفكاك، ومقتضاه أنه فهم من العبارة الاولى التقسيط وإن كان هو كما ترى، لما عرفت من كون المفهوم أعم، وإن جعلنا الاقرب راجعا إليه، إذ أقصاه أن لا يكون الحكم كذلك، لا خصوص التوزيع وعلى كل حال فلا ظهور فيه، بل ولا إشعار بذلك، وحينئذ فلا قائل به فيما أجد. نعم ربما حكي عن الفاضل وولده التوزيع والتقسيط، بدعوى أن الرهانة كالمعاوضة في اقتضاء مقابلة الاجزاء بالاجزاء لا الجملة بالابعاض فان برء من بعض الدين إنفك من الرهن بحسابه نصفا أو ثلثا أو غيرهما من الاجزاء المشاعة. وفيه مضافا إلى مخالفته ما عرفت أنه يقتضي عدم كون الباقي رهنا على الجميع فيما لو تلف بعضه، وهو باطل نصا وإجماعا بقسميه، ومنه يعلم قوة ما ذكرنا من كون المقابلة في الرهن مقابلة جملته بكل جزء، لا على حسب مقابلة المعاوضات التى لا شبه بينها وبين الرهن، ودعوى ان العرف فارق بين التلف وغيره في التقسيط المزبور غير مسموعة ضرورة اقتضاء العرف ما قلناه كما هو واضح بأدنى تأمل فيه. أما إذا اشترط فلا خلاف أجده في لزوم ما اشترطه من التوزيع أو الرهانة على المجموع أو على كل جزء من الدين، كما لا تأمل في الاول والاخير، لعموم (المؤمنون) نعم قد يتوقف في الثاني باعتبار منافاته للتوثق، لكن الاتفاق ظاهرا على صحته ينفيه، مع أنه لا منافاة بناء على عدم وجوب قبول المرتهن للبعض المبذول لما فيه من الضرر عليه بفوات الرهينة وان وجب بدونها، فيكون هذا البعض حينئذ كالبعض المبذول المستلزم لنقص في المالية، مثل مال السلم وثمن المبيع في عدم وجوب القبول. إلا أنه قد يدفعه إطلاق ما دل على القبول، والضرر غير قادح، بعد أن أقدم عليه بالرضا بالشرط المزبور، بل لا يبعد وجوب القبول لو قلنا بانصراف الاطلاق - 14 -

[ 225 ]

إلى الاحتمال المزبور من دون شرط، لتناول ما دل على لزوم القبول لذلك، بحيث لا ينافيه التضرر بفك الرهانة به بعد بنائها على ذلك ورضاه على هذا النحو، وحينئذ يتأكد التوقف المزبور في الشرط المذكور، باعتبار اقتضائه عدم الوثوق بالرهن المفروض انفكاكه بدفع جزء يسير من الدين، فتأمل جيدا والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (بعد ذلك) الاقباض وغيره مما يحصل به الفك (يبقى الرهن أمانة في يد المرتهن) مالكية (و) حينئذ (لا يجب تسليمه إلا مع المطالبة) من المالك أو من يقوم مقامه، لان حصولها في يد الامين بإذن المالك، بخلاف الشرعية كالثوب الذي أطارته الريح ونحوه مما لا إذن فيه من المالك، وإنما هي من الشارع الذى أوجب عليه رده إلى مالكه، أو إخباره به، لعدم إذنه في بقائه في يده، وبهذا إفترقت الشرعية عن المالكية المستندة إلى الاذن المستصحب حكمها حتى مع النسيان ونحوه. ودعوى - تقييد الاذن هنا بالرهانة، فمتى زالت، زالت - مدفوعة بعدم استلزام الرهانة الامانة عند المرتهن، فهو حينئذ أمر آخر لا مدخلية له بالارتهان، فما عن بعض العامة من الضمان على المرتهن - إذا قضاه الراهن، بخلاف ما إذا أبرأه ثم تلف الرهن في يده، - واضح الضعف، بل الذي يقتضيه الاستحسان العكس، ضرورة أنه مع القضاء يكون عالما بانفكاك ماله، فإذا لم يطالب به فقد رضي ببقائه أمانة، بخلاف الابراء، فإنه قد لا يعلم به الراهن فلا يكون تاركا لماله باختياره. بل ربما ظهر من الفاضل في التذكرة الميل إلى هذا التفصيل، قال: وينبغى أن يكون المرتهن إذا أبرء الراهن من الدين، ولم يعلم الراهن، أن يعلمه بالابراء أو يرد الرهن، لانه لم يتركه عنده إلا على سبيل الوثيقة، بخلاف ما إذا علم، لانه قد رضي بتركه وهو حسن، كما في المسالك إن أراد الاولى كما يشعر به لفظ ينبغى، وإلا كان فيه نظر بعد ما عرفت من أن الامانة المالكية يكفى فيها حصول الاذن السابق من المالك بعنوان العارية والوديعة ونحوهما، وإن حصل لها فسخ من المالك

[ 226 ]

أو من المستعير مثلا، فإن فسخ العقد المخصوص لا ينافي بقاؤها أمانة، ولو باعتبار كون ذلك من توابع العقد الاول، فتأمل جيدا، فإنه دقيق جدا. ومنه يعلم الحال في حكم الرهن بناء على ما ذكرناه من استحقاق المرتهن قبضه من الراهن، فإنه لا يخرج بذلك عن كونه أمانة أيضا من الراهن، وإن كانت مستحقة عليه بعقد الرهن، فالفك حينئذ من الرهانة كفسخ عقد العارية لا يخرج البقاء في الزمان المتأخر عن كونه أمانة مالكية، ولو للتبعية المزبورة، والله العالم. (ولو شرط) المرتهن على الراهن في عقد الرهن (إن لم يؤد) الحق مطلقا أو عند الاجل أو في وقت كذا (أن يكون الرهن مبيعا، لم يصح) الشرط قولا واحدا، للتعليق، وتوقف البيع على سببه من الصيغة ونحوها، بل والرهن بناء على اقتضاء بطلان مثل هذا الشرط بطلان العقد الذي علق الرضا فيه على الشرط بل وإن لم نقل بذلك للتوقيت في الرهن، المتفق على بطلانه، لمنافاته الاستيثاق، و إن كان زائدا على أجل الدين، إذ قد لا يتيسر بيعه فيه، لو جوزنا بيعه معه، ولم نقل بكون المراد من التوقيت بقاؤه رهنا إلى الوقت المعلوم، بحيث ليس للمرتهن التصرف فيه، وإلا كانت منافاته واضحة أيضا، وإن كان التوقيت إلى أجل الدين، إذ قد تدعوا الحاجة إلى بيعه، لموت المديون مثلا فضلا عن اقتضاء التوقيت المزبور الخروج عن الرهنية عنده، فليس للمرتهن حينئذ تعلق به، فكيف يعقل الاستيثاق بمال لا يجوز إستيفاء الدين منه قبل انتهاء الوقت وبعده. ولعله لذلك اتفق الاصحاب هنا على بطلان الشرط والعقد، حتى أن الشيخ الذي قد حكي عنه في باب الرهن القول بعدم اقتضاء فساد الشرط فيه فساده، قال ببطلانه هنا، مدعيا الاجماع عليه، وكذا ابن ادريس في ظاهر السرائر، فمن الغريب ما في التحرير قال: (وإذا شرط كونه مبيعا عند حلول الاجل بالدين، هل يفسد الرهن بفساد الشرط ؟ فيه نظر، والذي قواه الشيخ عدم الفساد، وهو جيد). وكأنه أخذ ذلك من مذهبه في الشرط، وغفل عن كلامه في المقام الذى لم يعرف

[ 227 ]

الخلاف فيه، إلا من بعض العامة، فصحح الرهن، وأفسد البيع، محتجا بأن الراهن إذا رضي بالرهن مع هذا الشرط كان أولى أن يرضي به مع بطلانه، وفساده ظاهر، لان مجرد تقدير الرضا غير كاف مع اختلال شرائط العقد الذي قد وقع، بعد الاغضاء عما في الاولوية المزبورة، و يمكن أن يريد الفاضل في التحرير النظر في البطلان من هذه الحيثية، لا من حيث التوقيت، والامر سهل. ثم إن الظاهر عدم ضمان العين في يد المرتهن إلى المدة، كما أن الظاهر ضمانها بعدها، لان القبض فيها بالرهن الفاسد، فلا يضمن كصحيحه، وبعدها بالبيع الفاسد فيضمن كصحيحه، واحتمال أنه غير مضمون مطلقا - إلا إذا نوى تملكه بعد المدة بعنوان أنه مبيع، لتحقق القبض بالبيع الفاسد المغاير للقبض الاول الذي هو بالرهن الفاسد - واضح الفساد، لان المراد من اشتراط كونه مبيعا انه من الآن مبيع في تلك المدة، لا أنه يباع فيها. وعلى كل حال فلا فرق في القاعدة المزبورة فيهما بين العلم بالفساد منهما والجهل كذلك والتفريق، للاجماع المحكي إن لم يكن المحصل على القاعدة المزبورة المقتضية باطلاقها ذلك. ولا ينافيه الاشكال من بعض المتأخرين في بعض أفرادها، كصورة جهل الدافع في المدة وعلم القابض في المقام، باعتبار أن القابض قد أخذ بغير حق، لان الدافع قد توهم الصحة، فيشمله حينئذ عموم (1) (على اليد) بل ربما أشكل بنحو ذلك في الجاهلين إلا أن ذلك كله كأنه اجتهاد في مقابلة النص، خصوصا بعد ما في المسالك (من أن الاصحاب وغيرهم أطلقوا القول في هذه القاعدة، ولم يخالف فيها أحد) بل فيها أيضا (إمكان دفع الاشكال المزبور بأن المالك أذن في قبضه على وجه لا ضمان فيه، والمتسلم تسلمه منه كذلك، وعدم رضاه لو علم بعدم اللزوم غير معلوم، فالاذن حاصل والمانع غير معلوم).


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90.

[ 228 ]

ومرجعه إلى أن تخيل الصحة في مثل ذلك من الدواعي للدفع على وجه المزبور لا أنها شرط في عدم الضمان، بل دفعه في الجاهلين أوضح من ذلك، ضرورة كون القابض كالمغرور بفعل الدافع، وأوضح من ذلك اندفاعها في فاسد المعاوضة التى لا فرق فيها بين العلم والجهل، بعد كون الدفع على وجه الضمان، لا عدمه كما هو واضح، إنما الاشكال إن كان ففي الصورة الاولى في المقام، كصورة عدم ضمان العين المستأجرة مع علم المستأجر بالفساد، وجهل المؤجر، والعين المستعارة، خصوصا إذا كان الفساد بغصب للعين ونحوه، بل ربما ظهر من بعضهم في باب الاجارة ما ينافي الاجماع المزبور، فلاحظ وتأمل والله أعلم هذا. (و) قد تقدم تحقيق الحال فيما (لو غصبه) أي المال (ثم رهنه) المالك من الغاصب وقد قلنا هناك أنه (صح) الارتهان (ولم يزل الضمان، وكذا لو كان في يده) بسوم أو (ببيع فاسد) أو استعارة مضمونة إلا إذا أذن له في استمرار القبض، فإن الظاهر زوال الضمان كما أوضحنا ذلك كله وغيره فلاحظ وتأمل، بل وذكرنا هناك أيضا عن الشيخ (و) غيره أنه (لو أسقط عنه الضمان، صح) أيضا وإن لم يفد إذنا بالبقاء، ضرورة أعمية ذلك من الرضا به لبقاء الاثم حينئذ. إلا أنه أشكل بكونه اسقاطا لما لم يجب، ضرورة كون المراد بالضمان أنه لو تلف ثبت في الذمة مثله، أو قيمته، فقبل التلف لم يثبت حتى يسقط. وقد يدفع بأن الاسقاط للحق الذي تحقق فعلا وهو تهيؤ ذمته للضمان بالتلف، فليس حينئذ إسقاط لما لم يجب، بل هو إسقاط لما وجب وتحقق. ودعوى - عدم صحة إسقاط مثل ذلك - يدفعها عموم (1) (تسلط الناس على حقوقهم وأموالهم) كدعوى - أن الاسقاط لا يتعقل بعد استمرار السبب، وهو القبض غضبا، وتجدده في كل آن آن، إذ هو يجدي في خصوص أثر السبب المقارن والسابق، فيبقى أثر السبب المتجدد غير ساقط، ويكفي حينئذ في ثبوت الضمان - إذ يدفعها أيضا منع كون ذلك أسبابا متعددة، بل هي جميعها بعد اتحاد أثرها


(1) البحار ج 2 ص 272 طبع الحديث.

[ 229 ]

وصدق الاخذ على مجموعها سبب واحد عرفا، بل وشرعا، فالاسقاط حينئذ في محله فتأمل جيدا، فإنه قد يمنع كون ذلك من الحقوق التى يتعلق بها الاسقاط وانما هو من الاحكام للاصل وغيره والله اعلم. (وما يحصل من الرهن من فائدة) متصلة أو منفصلة بالاكتساب كحيازة العبد أو غيره (فهي للراهن) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض، كالنصوص، بل يمكن دعوى ضرورة المذهب، بل الدين عليه، وإن خالف فيه في الجملة أبو حنيفة كما قيل، إلا أن خلافه إن لم يؤكد الضرورة لا ينافيها، إنما الكلام في تبعيتها له في الرهانة وعدمها، وقد أشار إليه المصنف بقوله (ولو حملت الشجرة أو الدابة أو المملوكة بعد الارتهان كان الحمل رهنا كالاصل على الاظهر) وهو مشعر أو ظاهر في أن الخلاف في نحو ذلك لا مطلق الفائدة، وهو كذلك بالنسبة إلى الفوائد المتصلة كالسمن والطول والعرض ونحو ذلك، للاجماع بقسميه عليه تبعيتها، بل هي في الحقيقة كصفات الرهن وأحواله التي لا تخرج عن مسماه. بل قد يقال: بعدم صحة اشتراط خروجها، وإن كان لا يخلو من إشكال، بل وبالنسبة إلى ما يتجدد من المنافع بالاختيار، كاكتساب العبد، لخروجها عن التبعية، بل جزم في التذكرة بعدم صحة اشتراط دخولها، لانها ليست من أجزاء الاصل، فهي معدومة على الاطلاق. لكن في الدروس لم يفرق بينهما وبين ثمرة الشجرة، بل ربما ادعى أنه ظاهر الاصحاب، وإن كان لا يخلو من بحث، كما أومأنا إليه سابقا، ومنع الراهن من إستيفائها لا لتبعيتها، بل لاستلزامه التصرف في المرهون الممنوع منه مطلقا نصا وفتوى، وإلا فهي ليست من النماءات المتولدة في الاعيان أو منها، وإن كانت هي أحد مقدمات حصولها، ضروة إستنادها إلى الافعال مع الاعيان، كالانتفاع الحاصل بالتكسب بالدراهم، فتأمل جيدا.

[ 230 ]

وكيف كان فما اختاره المصنف قد نسب إلى الاشهر والاكثر، بل قيل أنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا بل في الانتصار (أنه مما انفردت به الامامية)، بل في الغنية، والسرائر، الاجماع عليه، بل والاخير منهما أنه مذهب أهل البيت عليهم السلام، وأن عدم الدخول مذهب المخالفين، وهو الحجة بعد التبعية، وأنها أجزاء من العين المرهونة استحالت إلى موضوع آخر، وعدم خروج الفرع عن أصله. لكن قد يوهن الاجماع بمصير كثير من الاصحاب إلى خلافه، إذ القول بعدم التبعية للمبسوط والخلاف ونكت النهاية للمصنف، والتحرير، والتذكرة والارشاد، والمختلف، والايضاح، والتنقيح، وجامع المقاصد، والروضة، ومجمع البرهان، والكفاية، على ما حكي عن بعضها، ومال إليه في المسالك، وحكاه في الدروس عن المصنف في درسه، بل قد يظهر من التذكرة الاجماع عليه، بل في زكاة الخلاف دعواه صريحا، قال: (إذا رهن جارية أو شاة فحملتا بعد الرهن كان الحمل خارجا بإجماع الفرقة). وتمنع التبعية في غير الملك، للاصل، وتبعية ولد المدبرة للدليل، مع أن العتق مبني على التغليب، وكون النماء أجزاء من العين بعد التسليم في جميع أفراده لا يقضي بذلك بعد خروجه عن مسماها لغة وعرفا وشرعا، وغير ملحوظ للعاقد، ولا دليل في الشرع، فأصالة تسلط المالك على ملكه بحاله. بل قوله صلى الله عليه وآله (له غنمه، وعليه غرمه) كخبر اسحاق (عن أبي إبراهيم عليه السلام قلت: فان رهن دارا لها غلة، لمن الغلة ؟ قال: لصاحب الدار) دال على ذلك أيضا، بقرينة كون الظاهر أن السؤال لتخيل الدخول في الرهانة، والمراد حينئذ بالجواب رفع ذلك، وأنه لصاحب الدار التصرف به كيف يشاء، لا أن المراد بيان أصل الملكية الواضحة، لوضوح بقاء الرهن على ملك المالك، ومن ذلك كله يظهر لك قوة القول بعدم الدخول، وإن كان الاشهر خصوصا بين المتقدمين الاول والله أعلم. (ولو كان في يده رهنان، بدينين متغايرين،) أو متوافقين (ثم أدى) (الراهن أحدهما لم يجز) للمرتهن (إمساك الرهن الذي يخصه) الدين

[ 231 ]

المؤدى (بالدين الآخر) من غير تراض مع الراهن بلا خلاف ولا إشكال، (وكذا لو كان له دينان، وبأحدهما رهن، لم يجز له أن يجعله رهنا بهما) من غير تراض معه أيضا (ولا أن ينقله إلى دين مستأنف) أما مع الرضا منه فيجوز قطعا، كما تقدم تحقيق ذلك كله، وجميع ما يتعلق به في آخر الفصل الثالث فلاحظ وتأمل والله أعلم. (وإذا رهن مال غيره بإذنه) صح بلا خلاف فيه، بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه عندنا، بل وغيرنا عدا ما حكي عن ابن شريح من القول على تقدير كونه عارية لا يصح رهنه، لانها غير لازمة، ولعله غير مخالف في أصل الحكم، ومن هنا حكى في التذكرة عن ابن المنذر أنه أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه، على دنانير عند رجل إلى وقت معلوم ففعل كان ذلك جائزا وفي المسالك (أجمع العلماء على جواز رهن مال الغير باذنه على دينه في الجملة، وسموه استعارة). نعم في التذكرة (هل يكون سبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان ؟ الحق عندنا الاول) ولعله مشعر بالاجماع، كالمحكي من نسبة ولده ذلك إليه، وإلى المحققين. لكن عن المبسوط أنه حكي فيه قولا بأنه على سبيل الضمان المعلق بالمال، والمعروف حكاية ذلك عن أصح قولي الشافعي، كالمحكي عن بعض الشافعية من أنه بين الراهن والمرتهن رهن، وبين المعير والمستعير عارية، وبين المعير والمرتهن ضمان ولا ريب في ضعف الجميع، بل في بطلانه حتى على ما وجهه به في الدروس، من أن المعير أناب المستعير في الضمان عنه، ومصرفه في هذا المال، إذ هو غير مجد في مخالفته للمعهود من الضمان الذي هو الانتقال من ذمة إلى ذمة، وهو مفقود هنا قطعا، وكيف يكون ضمانا ولم يقصده الراهن، ولا المرتهن، مع أنه لو صرح المالك وقال للديان الزمت دينك في رقبة هذا المال على وجه لا تكون ذمته مشغولة له لم يكن صحيحا و بالجملة لا ينبغى اتعاب النظر في فساد ذلك.

[ 232 ]

نعم قد يشكل العارية بأن التوثيق الحاصل بدفع الرهن ليس من منافع العين التى تباح بعقد العارية المساوي لعقد الاجارة في ذلك، المعلوم امتناعه في مثل الفرض وإنما هو انتفاع بسبب تعلق عقد الرهن بها، لا أنها من منافعها التي هي كالسكنى في الدار والخدمة في العبد، والركوب في الدابة ونحو ذلك. على أن تعلق عقد الرهن بها قد يؤدى إلى خروجها عن الملك المنافي للعارية التي هي إباحة المنفعة، مع بقاء العين، وإن اعتراها اللزوم كعارية الارض للدفن ونحوه، بل ما تسمعه من مشهورهم من الضمان في هذه العارية وإن تلفت بآفة سماوية بعد الرهانة، بل ولو بجناية العبد نفسه -، مناف لما ذكره من عدم الضمان لها في غير الذهب والفضة إلا بالتعدي أو التفريط أو الشرط. ودعوى رجوع ما هنا إلى الثالث واضحة الفساد، كدعوى خروج ذلك عن مطلق العارية، بدليل مخصوص، لعدمه كما ستعرف، فلا يبعد أن يكون ذلك من الاحكام الجائزة شرعا وإن لم يندرج تحت عقد من العقود المتعارفة، إذ دعوى عدم خلو الواقع منها يكذبها الوجدان، فإن كثيرا مما هو جائز شرعا لا يدخل كالقبالة والمنحة ونحوهما، على بعض الاقوال أو الوجوه، بل حاصل ذلك عدم اعتبار كون الرهن ملكا للراهن، كما أنه لا يعتبر في صحة الرهن كون الدين على الراهن، فيجوز أن يرهن ماله على دين غيره متبرعا، كما ذكرناه سابقا في الشرائط. بل هو غير زائد على ما نحن فيه إلا بالاذن التي تكون سببا لاستحقاق الرجوع عليه بها كالوفاء تبرعا، وبالاذن الذي يمكن دعوى عدم انحلال الثاني منه إلى القرض بعد عدم اعتبار الملكية فيما يوفى به، فيستحق حينئذ الرجوع عليه بالاذن، وإن كان ما وفى به باقيا على ملك الموفي إلى حين الوفاء، ولعله للاذن في إتلاف المال فيما يعود نفعه إليه، فإنه يكفي في تسبيب مثله الضمان. وعلى كل حال فدعوى كون المقام عارية حقيقة في غاية الاشكال، ولعله لا يريده الاصحاب كما يؤمى إليه ما في المسالك من نسبة التسمية إليهم، وكذا من قال

[ 233 ]

بالضمان، فإنه لا يريده حقيقة بل المراد قربه منهما بالنسبة إلى بعض الاحكام، ولا ريب حينئذ في أن الحق مع الاصحاب ضرورة أقربية ذلك إليها من الضمان، والامر سهل بعد عدم وضوح ثمرة معتد بها على هذا الخلاف. وإن حكي عن المبسوط وتبعه غيره تفريع اعتبار ذكر جنس الدين وقدره وحلوله وتأجيله ووصفه وصاحبه على تقدير الضمان، لعدم صحته في المجهول، بخلاف العارية، وأنه عليه ليس لمالك العين إجبار الراهن على الفك، إذ هو كضمان الدين المؤجل الذي لا يصح للضامن المطالبة بالتعجيل، لابراء ذمته، بخلافها، فإنها غير لازمة، وأنه عليه يرجع بما بيع به، وإن كان أقل من ثمن المثل، لانه الذي أداه، بخلافها فإنها يرجع بقيمة تامة، وكذا إذا بيع بأكثر منه، فعلى الضمان يرجع بالجميع، وعليها يرجع بقدر القيمة. لكن في الاول: أن الفاضل في ظاهر القواعد وصريح المحكي عن التذكرة والكركي وابن المتوج مع القول بالعارية قد اعتبروا ذكر جميع ذلك أو بعضه، وفي المسالك أنه أولى، فلا يجوز بدونه لما فيه من الغرر والضرر، لكثرة تفاوت الدين و جنسه والمرتهن والاجل، وإن كان قد يقوى الجواز، وفاقا للمحكي عن التحرير، وجامع الشرايع، وظاهر اطلاق الارشاد واللمعة، كالكتاب بل والمبسوط، والدروس، وان فرعاه على القول بالعارية مع إطلاق الاذن الذي هو كالتعميم في تناول الافراد مع عدم الانصراف إلى البعض، وإن تفاوتا في الدلالة قوة وضعفا. ومنه ينقدح حينئذ عدم الفرق بين الضمان والعارية في ذلك، إذ ليس هو من ضمان المجهول حينئذ. نعم لو فرض تصور اذن في العارية للرهن لا على وجه الاطلاق أمكن حينئذ التوقف لرجوع الامر إلى الاجمال حينئذ لا الاطلاق. وفي الثاني: ان الاقوى على العارية أيضا عدم جواز اجباره على الفك قبل الحلول، لانها لزمت بالعارض، كالعارية للدفن، بل ربما ظهر من ثاني الشهيدين أن لزومها إجماعى خلافا لمحكي المبسوط، والسرائر، والتذكرة، وعارية التحرير، وجامع الشرايع، لكون العارية من العقود الجائزة، وفيه ما عرفت، ومن هنا كان

[ 234 ]

خيرة ثاني الشهيدين كالمحكي عن التحرير في المقام، وجامع المقاصد، عدم جواز المطالبة له، بل الظاهر ذلك وإن أجابه المرتهن إلى قبول الحق أو تبديل الرهن، فظهر حينئذ أنه لا تلازم بين القول بالجواز، كما يؤمى إليه ما سمعته ممن قال باللزوم من أصحابنا، مع قوله بالعارية، إذ القول بالضمان ليس لاحد منا. نعم لا إشكال في أن له المطالبة بالفك على كل حال بعد الحلول، بلا خلاف أجده فيه، بل قيل: كأنه اجماعي، ولا ينافيه لزوم العارية بالرهن، إذ لا نقول ان له فسخ الرهن بل يطالب الراهن بالفك، فإن حصل وإلا فإن باعه المرتهن في الدين رجع هو على الراهن كما ستعرف، وليس له التعرض للمرتهن بوجه، لعدم السبيل له عليه. وما قيل: من أنه قد يقال: إذا حل الاجل وأمهل المرتهن الراهن أن للمالك أن يقول للمرتهن إما أن ترد مالي، أو تطالب الراهن بالدين ليؤديه فيفك الرهن كما أنه إذا ضمن دينا ومات الاصيل فللضامن أن يقول إما أن تطالب بحقك من التركة، أو تبرئني لا وجه له معتد به لا في المشبه ولا في المشبه به. وفي الثالث والرابع: ما ستعرفه عند التعرض لحكم ذلك، فمن الغريب تفريع ذلك وغيره على القولين، خصوصا من مثل الشهيد في الدروس، وعلى كل حال فإذا أعاره للرهانة فإن عمم له أو أطلق بناء على كونه كالتعميم رهنه كيف شاء، وإن عين له مقدارا من الدين أو خصوص مرتهن أو أجل مخصوص أو نحو ذلك تعين، فلو خالفه كان فضوليا إلا إذا عين له الاكثر فرهنه، على الاقل، للاولوية، أما إذا عين له الاقل فرهنه على الاكثر ففي فضوليته بالنسبة إلى الجميع أو خصوص الزائد وجهان أو قولان، أقواهما الثاني، بل ينبغى الجزم به لو كان في عبارة مستقلة بأن قال: هو رهن على المأة وعلى الخمسين مثلا. بل عن بعض نسخ جامع المقاصد، أنه يجب أن يستثنى من هذه المسألة ما لو رهنه بالزائد، وبكل جزء منه فإنه رهن بالمقدار المأذون فيه على وفق الاذن،

[ 235 ]

والزائد موقوف، ويكون موضع الوجهين ما إذا رهنه على المجموع، ثم إنه استشكل في الصحة لانا إذا قسطنا الاجزاء على الاجزاء يكون بعضه رهنا بالمأذون، فيكون خلاف الاذن، لان الاذن اقتضى رهن جميعه بالمأذون فيه، والاولوية ممنوعة بعد احتمال التعيب بالشركة. وعن نسخة أخرى المتجه أنه إن رهن على الاكثر وعلى كل جزء منه صح في المأذون فيه، وبطل في الزائد، وجها واحدا، وإن رهن على الاكثر مقتصرا على ذلك فالمتجه البطلان مطلقا، وهما معا كما ترى، والاقوى ما ذكرناه من النفوذ في المقدار المأذون فيه، والفضولية في الزائد مطلقا كما لو أعاره شيئا معينا فرهنه مع غيره، وليس ذلك من قبيل الوكيل على البيع بشئ معين فباعه بالانقص متفاحشا فإنه فضولي ولا ينفذ البيع فيه بمقدار ما أذن له فيه، كما هو واضح والله أعلم. وكيف كان فإن رهنه المستعير (ضمنه بقيمته إن تلف أن تعذر إعادته) كما صرح به غير واحد، بل في المسالك جعلوها أي العلماء مضمونة على الراهن، وإن تلفت بغير تفريط، لكن عن عارية التحرير، لم يكن على أحدهما ضمانه، واحتمله في الدروس قال: (لانها أمانة عندنا، إلا أن نقول الاستعارة المعرضة للتلف مضمونة قلت: أو نقول الاصل الضمان، خصوصا بناء على ما سمعت سابقا من عدم كون ذلك عارية في الحقيقة، كى يعارضه ما دل على عدم ضمان العارية، بل وعليه بعد الشك في شموله لمثله، ولو لكلام الاصحاب، ولانه بتعلق الرهن به شابه المال المحترم المدفوع وفاء بالاذن من غير ظهور من المالك فعلا ولا قولا بالمجانية. بل في جامع المقاصد، ومحكى قواعد الشهيد، وموضع من التذكرة، الضمان لو تلف في يد المستعير قبل الرهانة، بل في الاخير عندنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه، كالمحكي عن ولده من أنه نص الاصحاب على أنها عارية مضمونة، مضافا إلى أنه قبضه للاتلاف في دينه، فهو قبض ضمان، كالقبض في السوم، لا أن سبب الضمان الرهن، ومنه ينقدح حينئذ الضمان لو تلف في يد المستعير بعد الفك، كما نسب إلى

[ 236 ]

ظاهر إطلاقهم. لكن استشكل في الضمان قبل الرهانة في القواعد: بل عن موضع آخر من التذكرة استقرب عدم الضمان، لانه أمانة، وإنما ضمن بالرهن للتعرض للاتلاف، وسببه الرهن، والمسبب لا يتقدم على السبب، بل جزم ثانى الشهيدين بعدم الضمان، ولعل الاول لا يخلو من قوة، خصوصا مع القول بالضمان في المال المدفوع إلى رجل لقضاء دينه، وإن فرق بينهما في الدروس، بأن هذا إقراض متعين للصرف، بخلاف المستعار، فإنه قد لا يصرف في القضاء إلا أنه كما ترى، على أن المراد التشبيه به في الجملة، وأقرب شبها به المقبوض بالسوم، بل لعل المدرك فيهما واحد عند التأمل. وعلى كل حال فلا خلاف اجده في عدم ضمان المرتهن للاصل وما دل على عدم ضمان المرتهن الشامل للمقام، لكن في القواعد (الاقرب عدم الضمان) وهو مشعر باحتماله، ولعله لان يده مترتبة على يد المستعير التى قد عرفت ضمانها، إلا أنه كما ترى، وأوضح منه فسادا ما عن ولده من توجيهه، وإن أطنب فيه، وحكاه عنه نفسه كما لا يخفى على من لاحظه، والمراد بالقيمة التى يضمنها له قيمة يوم التلف، لانه ليس اسوء حالا من الغاصب. نعم لو كان التفاوت لنقص في العين، اتجه ضمان الاعلى لكون الابعاض مضمونة عليه كالجملة، وتعذر الرد للغصب ونحوه كالاتلاف كما هو واضح. وعن المبسوط، والتحرير، أنه إذا جنى العبد وبيع في الجناية يرجع بقيمته، وهو كذلك، إذ اتلاف لعبد نفسه كالتلف بآفة في الضمان، لكن قيل إن ذلك منهما محمول على الغالب من البيع بالقيمة، ولا بأس به. نعم الظاهر أن للمالك الزام الراهن بالفك في الخطأ بل والعمد مع رضى المجني عليه بذلك، ولم يسترقه ولو بالازيد من قيمته ما لم يصل إلى حد يقبح الالزام به. هذا كله في غير البيع بالرهن، أما هو فإن باعه المرتهن حيث يجوز له ذلك بقيمته رجع بها على المستعير، وإن كان بأنقص مما يتغابن بمثله رجع بها تامة، (ولو بيع بأكثر من ثمن مثله، كان له المطالبة بما بيع به) لان الثمن ملكه، وقد

[ 237 ]

أخذ في الدين، وفي المسالك (أن ما في المتن أجود مما في القواعد من التعبير بالرجوع بأكثر الامرين من القيمة وما بيع به، لا يهامه إمكان بيعه بدون القيمة، وهو ممتنع لعدم تصور بيعه على وجه يصح بنقصان من قيمته، بخلاف الزيادة، لامكان اتفاق راغب فيها تزيد عن ثمن المثل، بحيث لولا ظهوره لما وجب تحريه، لكونه على خلاف العادة المعروفة في ثمن مثله. و ربما فرض نقصان الثمن عن القيمة مع صحة البيع بسبب قلة الراغب في الشراء مع كون قيمة المال في ذلك الوقت والمكان عند ذوى الرغبة أزيد مما بذل فيه، ويشكل بأن المعتبر في القيمة ما يبذل في ذلك الوقت، لا ما يمكن بذله فإن كان الذي باع به المرتهن يسوغ البيع به لم يثبت للمالك سواه، وإلا لم يصح البيع). قلت: يمكن فرضه بما عرفت من البيع بما يتغابن بمثله، كما أومى إليه في الدروس قال: (ليس للمرتهن بيعه بدون إذن، إلا أن يكون وكيلا شرعيا أو وصيا على القولين، فلو امتنع الراهن من الاذن أذن الحاكم، ويجب على الراهن بذل المال، فإن تعذر وباعه ضمن أكثر الامرين من قيمته، ولو بيع بأقل من قيمته بما لا يتغابن به، بطل، وإن كان يتغابن به كالخمسة في المأة صح، وضمن الراهن النقيصة على قول العارية، وعلى الضمان لا يرجع، لان الضامن يرجع بما غرمه). وهو صريح فيما قلناه من ضمان الراهن نقيصة التغابن، وإن صح البيع، لكن قد يوهم أول كلامه اكتفاء المرتهن في صحة البيع بإذن الراهن الذي هو المستعير، والظاهر اعتبار إذن المالك معه، وإن كان لا يجوز له الامتناع، ولو امتنع قام الحاكم مقامه كالراهن المالك، ومن هنا لم يقدح إذنه في البيع في جواز رجوعه بمقدار التغابن، لان إذنه باعتبار لزومها عليه، كعدم الاذن كما هو واضح. ولو اقتصر المرتهن على إذنه في البيع والوفاء لم يكن له الرجوع على الراهن لانه كالمتبرع بقضاء الدين حينئذ، كما أنه لا يصح البيع لو اقتصر علي إذن المستعير لعدم كونه مالكا، والاذن بالرهانة أعم من الاذن في البيع فتأمل جيدا.

[ 238 ]

وكيف كان فالمعروف بين الاصحاب عدم دخول زوائد الرهن الموجودة حال العقد التي لا تدخل في اسمه الذي هو مورد عقد الرهن لغة ولا عرفا ولا شرعا، ولا تتبعه في العقد عليه في أحدهما، بل في التنقيح الاجماع عليه، كما عن الانتصار ذلك أيضا لكن في خصوص الحمل، وهو الحجة بعد الاصل، خلافا للمحكي عن الاسكافي (فتدخل) وهو واضح الضعف، بل في التنقيح إنعقد الاجماع بعده على خلافه نعم ربما قيل بدخول نحو الصوف والوبر والشعر على ظهر الحيوان ونحو ذلك مما هو جزؤه بل عن التذكرة أنه استقر به، وتردد فيه، وفي دخول الاس تحت الجدار، والمغرس تحت الشجرة، واللبن، والضرع، والاغصان في الشجر، في القواعد. والظاهر دخول الصوف وشبهه إذا لم يكن مستجزا بل لعله ليس من محل البحث والتردد إذا كان جزءا مما جعل عنوانا للرهن، إنما الكلام في المستجز مع كون العنوان الحيوان، وقد سمعت ما عن التذكرة من الدخول، نحو ما عن التحرير وجامع المقاصد، لكونه جزء حقيقة من الحيوان، وإنما يخرج عن الجزئية بعد الانفصال وهو قوي، أللهم إلا أن يدعى تعارف خروجه في عقد الرهن ونحوه. وأما الاس فإن أريد به بعض الجدار المستور الذي هو أصل البناء، فقد يقوى دخوله، لانه بعض مسمى اللفظ وكونه مستورا غير قادح، وإن أريد به موضع الاساس كما عساه يؤمى إليه ذكر المغرس بعده، فالاقوى عدم دخوله، كما عن التذكرة وغاية المرام، لعدم تناول اللفظ له، ودعوى دلالته عليه بالالتزام على وجه يدخل في الرهانة ممنوعة. ومنه يعلم الحال في المغرس، واستحقاق المرتهن إبقاءه على الراهن، لتوقف التوثق عليه، أو اسم الجدار مثلا - لا يقضي بالرهانة، ومنه يعلم عدم دخول الجدران في رهنية السقف، وإن كان لا يمكن بقاؤه بدونها فتأمل جيدا. وأما اللبن فقد يقوى عدم دخوله خلافا للمحكى عن حواشى الشهيد، لعدم دخوله في مسمى اللفظ، وظهور انصراف الرهانة إلى غيره، ودعوى أنه كالجزء و من جملة رطوبات البدن واضحة المنع، بل لو قيل: بدخوله في البيع والهبة ونحوهما

[ 239 ]

أمكن الفرق بينهما، وبين الرهن في ذلك عرفا، فلا وجه لبناء المسألة هنا على ذلك ولا إشكال في دخول الاغصان الرطبة ونحوها مما لم تجر العادة بقطعها، بل عن الايضاح أنه لا خلاف فيه، بل قد يقوى دخول اليابسة وما جرت العادة بقطعه، لانها بعض المسمى، إلا أن يتعارف الخروج في الرهن. والضابط خروج كل ما لا يدخل تحت مسمى اللفظ إلا أن يتعارف دخوله، ودخول كل ما هو بعض مسماه، إلا أن يتعارف خروجه، وحظ الفقيه من ذلك الاجمال مع أنه قد تقدم في بحث ما يندرج في المبيع ما يستفاد منه تمام التفصيل في ذلك، فراجع ملاحظا للفرق بين الرهانة والبيع في بعض الجزئيات. (و) قد ظهر حينئذ من ذلك كله أنه (إذا رهن النخل لم تدخل الثمره، وان لم تؤبر) لعدم تناول اللفظ لها، والدخول في البيع، لدليل مخصوص لا يقتضي به هنا، بعد حرمة القياس عندنا، فلا فرق حينئذ بين ثمرة النخل وغيره، وخصه هنا تنبيها على خلاف بعض العامة (وكذا لو رهن الارض لم يدخل الزرع ولا الشجر ولا النخل) لعدم تناول اللفظ (ولو قال: بحقوقها) ضرورة عدم كونها من حقوقها، خلافا للمحكي عن الشيخ فتدخل حينئذ، ولا ريب في ضعفه. فمن الغريب قول المصنف هنا أنه لو قال ذلك (دخل) كل منها (وفيه تردد، ما لم يصرح) بل لم أجد أحدا غيره تردد فيه. نعم لو قال وما اشتملت عليه ونحو ذلك مما هو صريح في الدخول أو ظاهر كان متجها، وقد تقدم الكلام في نحو ذلك في البيع (وكذا) لا يدخل (ما ينبت في الارض بعد رهنها سواء أنبته الله سبحانه أو الراهن أو الاجنبي إذا لم يكن الغرس من الشجر المرهون) بلا خلاف أجده فيه، بين من تعرض له، لعدم كونه من نماء الارض حتى يأتي فيه ما تقدم، إلا أنه لا يخلو من إشكال في بعض أفراده، كالحشيش ونحوه مما يظهر منهم في غير المقام الحكم منهم بملكيته لصاحب الارض لانه نماء أرضه. نعم هو كذلك في بعض أفراده مما لا يعد نماء لها، وإنما هي من معدات وجوده ودعوى أن جميع ما ينبت فيه كذلك لا تخلو عن نظر، وتحقيق البحث في ذلك في

[ 240 ]

مقام آخر، وأما إذا كان الغرس من الشجر المرهون مثلا فهو باق على الرهنية، لا أنه يدخل في الارض من حيث أنه نماء. وهل يتوقف غرسه حينئذ على إذن المرتهن ؟ احتمله في المسالك، لانه تصرف في الرهن وانتفاع به، وقد يقوى العدم، لانه مصلحة له وزيادة في قيمته، كالسقي والدواء ونحوهما، نعم لو أضر بالارض فلا ريب في توقفه على إذنه، وكذا لو كان الغرس من غير المرهون، وأطلق في الدروس المنع من الزرع وإن لم تنقص به الارض حسما للمادة، وهو لا يخلو من اشكال، خصوصا إذا كان في الزرع مع ذلك مصلحة للاشجار والنخل، بل ربما يتضرر الراهن بالترك فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (هل يجبر الراهن على إزالته ؟) أي ما نبت في الارض بفعله أو بفعل الله أو بفعل أجنبي (قيل:) كما عن المبسوط والتذكرة (لا) يجبر على الازالة (وقيل) كما في القواعد، ومحكي المختلف والايضاح وغاية المرام، وجامع المقاصد، (نعم) يجبر على إزالته (وهو الاشبه) عند المصنف، لان الابقاء ولو كان الاصل من غيره تصرف منهي عنه، فهو كالمتاع الموضوع في دار الغير، وفيه منع عد مثل ذلك تصرفا. ومن هنا مال في المسالك إلى التفصيل بين ما كان من فعله فالاقوى إزالته وبين ما كان من فعل غيره فلا يجب، قال (: وقد يفرق بينه وبين المتاع بأن وضع المتاع منه فهو سبب في بقائه بخلاف ما أنبته الله). وفيه أنه يمكن أن يريد الاول وضع المتاع من غيره، فكان اللائق في رده التزام عدم وجوب الازالة فيه أيضا، أو ابداء الفرق. كما أن كلمات الاصحاب لا تخلو من إجمال في المقام، حيث لم يفرقوا بين ما كان للنابت أمد ينتظر كالزرع وعدمه، خصوصا إذا كان أمده قبل حلول الدين، ولا في الاجبار على الازالة قبل حلول الدين وبعده، مع أن المحكى عن الايضاح وغاية المرام، ايجاب إزالة الزرع عند انتهاء المدة عادة. - 14 -

[ 241 ]

وفي الدروس (ليس له إلزامه بالازالة قبل حلول الدين لعدم تعديه، فإن احتيج إلى البيع قلعه) فإن بيعا ففى توزيع الثمن ما تقدم في بيع الامة وولدها، ولم يفرقوا أيضا في الازالة بين ما كان فيه ضرر على الراهن وعدمه، وجميع ذلك محل للنظر. ومن هنا أمكن أن يقال إن الانبات إذا كان من فعل الله لم يجبر على القلع في الحال، لامكان أن يؤدي الدين من محل آخر، وهذا البقاء له لا منه، فإذا دعت الحاجة إلى البيع فإن قام ثمن الارض لو بيعت وحدها بالدين لم يستحق القلع، بل وكذا لو لم يقم، إلا أنه لم تنقص قيمة الارض بما نبت فيها، ولم يحصل ضرر على الراهن بذلك. نعم إن نقصت ولم تف بالدين فقد يتجه حينئذ القلع للمرتهن، إلا إذا أذن الراهن بالبيع مع الارض والفرض عدم النقص بذلك عليه أيضا، فيباعان ويوزع الثمن عليهما كما أومى إليه في الدروس، بل ربما قيل إنه إذا كان محجورا عليه بالفلس تعين البيع مع الارض ولم يجز القلع، لتعلق حق الغرماء، ويوزع الثمن عليهم، فإن نقصت قيمة الارض بسبب الاشجار حسب النقصان على الغرماء، لان حق المرتهن في الارض فارغة، وإنما منع من القلع رعاية لجانبهم، بل ينقدح من ذلك الاشكال في القلع في بعض الاحوال، وإن كان الانبات من فعل الراهن كما إذا لم يكن ضرر على المرتهن بوجه من الوجوه، وخصوصا إذا أراد القلع قبل حلول الحق، إذ دعوى أنه ظالم ولا حق لعرقه في نحو ذلك لا يخلو من إشكال وعن التذكرة أنه أطلق عدم الاجبار على القلع قبل حلول الحق، لامكان قضاء الدين من الغير، فمن اللازم التأمل في شقوق المسألة في المقام والله أعلم. (ولو رهن لقطة مما يلقط كالخيار، فإن كان الحق يحل قبل تجدد الثانية صح) بلا خلاف ولا إشكال، لوجود المقتضي وارتفاع المانع (وإن كان متأخرا تأخرا يلزم منه اختلاط الرهن بحيث لا يتميز قيل) كما عن المبسوط وموضع من التذكرة (يبطل) لتعذر الاستيفاء بسبب عدم التميز، ولعدم صحة البيع عند الاجل للجهل.

[ 242 ]

(والوجه أنه لا يبطل) وفاقا للفاضل في غيرها، وولده والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، لامكان الاستيفاء مع المضايقة من الراهن بالقسمة معه، ولو بالصلح قهرا. ومنه يعلم اندفاع الثاني، على أنك قد عرفت سابقا عدم اعتبار امكان خصوص البيع في الرهن، بل يكفي الصلح، لان كلا منهما طريق لاستيفاء الدين، مضافا إلى اعتبار إحراز الشرائط في الرهن حال الرهانة، والامور العارضة لا تقدح بعد فرض وجود طريق للتخلص، ولو اشترط القطع عند تجدد الثانية فالظاهر الصحة، كما عن المبسوط التصريح بها. هذا إذا وقع المزج بعد القبض، أما لو وقع قبله، فعن الدروس أن الاقرب الفسخ والبطلان، وهو كذلك، بناء على اعتبار القبض في الصحة وفرض تعذره، (وكذا البحث في رهن الخرطة مما يخرط والجزة مما يجز) والله أعلم. (وإذا جنى) العبد (المرهون عمدا تعلقت الجناية برقبته) بلا خلاف ولا إشكال (وكان حق المجني عليه أولى به) من حق المرتهن المتعلق بالذمة مع العين، بخلاف حق الجناية المقدم على حق المالك الذي هو أولى من المرتهن، بل لم يتوقف استيفاؤه على استيذان المالك في جناية العمد، بخلاف حق الارتهان فله حينئذ أن يقتص فتبطل الرهانة إن كان في النفس، وإلا اقتص وبقى الباقي رهنا، وله أن يسترقه أو يبيعه مع استيعاب الجناية، وإلا فمقدارها، بل ليس له إلا أحدهما إذا كانت الجناية العمدية مما توجب أرشا لا قصاصا. (وإن) كان قد (جنى خطأ فان افتكه المولى) أو غيره (بقي رهنا) لاصالة الرهانة (وإن سلمه) ولم يتبرع متبرع في فكه حتى المرتهن (كان للمجني عليه منه بقدر أرش الجناية، والباقي رهن، وإن استوعبت الجناية قيمته، كان المجني عليه أولى به من المرتهن) لما عرفت فيسترقه أو يبيعه، وتبطل الرهانة، ولو اتفق حصول راغب فيه فزاد ثمنه عن الجناية كان الباقي منه رهنا. والظاهر أن له الزام المجني عليه بالبيع، مع بذل الزيادة، لتكون رهنا ولو

[ 243 ]

كان الواجب دون قيمة العبد، ولكن تعذر بيع البعض أو انتقصت القيمة به بيع الجميع والفاضل من الثمن عن الجناية يكون رهنا، كما لو اضطر إلى بيع الرهن، ولا فرق في ذلك كله بين كون الجناية من العبد ابتداء، أو بأمر السيد، وإن كان مكرها له عندنا، لعدم التقية في الدماء، إلا أنه يحبس المكره حتى يموت. نعم لو كان العبد غير مميز أو أعجميا يعتقد وجوب طاعة السيد في جميع أوامره فعن التذكرة وقصاص المبسوط وغيرهما أن الجاني هو السيد، وعليه القصاص أو الضمان، بل في الاول لا يتعلق برقبة العبد شئ، فيبقى رهنا، وإن كان السيد معسرا، خلافا للعجلي وخلاف الشيخ، فأسقطا القود عن الآمر أيضا، إذا كان المأمور صغيرا لعدم قتله، ويأتى إنشاء الله تعالى تحقيق ذلك في محله. (ولو جنى على مولاه عمدا) فان كانت طرفا (اقتص منه) لعموم الادلة وأولوية السيد من الأجنبي في ذلك، لعظم حقه علي العبد، ولا ينافيه عدم القطع بالسرقة، إذ لعله لانه مشروط بسرقة ما لا شبهة فيه، والعبد له شبهة في مال سيده، وهو غير محرز عنه في العادة (و) على كل حال ف‍ (لا يخرج عن الرهانة) بذلك للاصل، (ولو كانت الجناية نفسا جاز) للوارث (قتله) - وله العفو فيبقى رهنا، وليس له العفو على مال كالمورث فيبقى رهنا، (أما لو كانت خطأ) أو عمدا يوجب مالا (لم يكن لمولاه عليه شئ وبقي رهنا) لعدم استحقاقه على ماله مالا بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال. (ولو كانت الجناية على من يرثه المالك ثبت للمالك) مع موت المجني عليه (ما ثبت للموروث من القصاص) قطعا في نفس أو طرف (أو انتزاعه) من الرهانة (في الخطأ) أو العمد (إن استوعبت الجناية قيمته، أو إطلاق ما قابل الجناية إن لم تستوعب) ويبقى الباقي رهنا بلا خلاف أجده بين من تعرض له، وكان الفرق بينه وبين الجناية على المولى - مع أن الحق للمولى في الموضعين - أن الواجب في الجناية على المولى له ابتداء، ويمتنع أن يجب له على ماله مال كما تقدم، أما الجناية على موروثه فالحق فيها ابتداء للمجني عليه، وإنما ينتقل الحق إلى الوارث

[ 244 ]

من الموروث وإن كانت دية، لانها محسوبة من تركته، يوفى منها دينه، وتنفذ وصاياه وكما لا يمتنع ثبوت مال لمورث المولى على عبده، لا يمتنع انتقاله عنه إليه، فيفكه عن الرهن لذلك. فما عن بعض الشافعية - من الحكم بسقوط المال بانتقاله إلى سيده، ويبقى رهنا قياسا على ما لو كان المال للسيد ابتداء - ضعيف، لما عرفت من أن الانتقال للسيد من الموروث، لان الدية تنتقل إلى الميت في آخر جزء من أجزاء حياته ولو في جناية العمد في قول، وعلى الاصح فيه ينتقل معوضها الذي هو القصاص، ولذا حسبت مطلقا من تركته، ففي الحقيقة ملك السيد للعبد بذلك جديد، غير الملك الاول الذي كان به رهنا، وقد تقدم سابقا بعض الكلام على هذه المسائل فلاحظ وتأمل. ولو جنى على عبد مولاه فكالجناية على مولاه في العمد والخطأ، إذا لم يكن المجني عليه مرهونا عند غير مرتهن الجاني، والا جاز له العفو على مال في العمد، وهو رقبة العبد وتعين عليه ذلك في الخطاء وفيما لا قصاص له من العمد، ولا يقدح في ذلك قاعدة عدم استحقاقه على ماله مالا بعد أن كان المسلم منها غير الفرض الذى للغير تعلق به. بل قد يقال: إن الاستحقاق فيه في الحقيقة لمرتهن المقتول وان كان هو يقدم عليه لو أراد القصاص، أما مع عدم ارادته فيستحق على العبد القاتل دية المقتول لتكون رهنا، وليس إلا نفسه فينتزع وتكون رهنا قهرا، نحو قيمة الرهن المتلف، أو يباع بها وتجعل هي رهنا، وليس ذلك بأعظم من جناية المولى نفسه على المرهون فإنه يضمن قيمته للمرتهن رهنا، وإن كانت الجناية على ماله. بل قد يقال بتعين العفو له على مال في الاول أيضا، وإن قلنا أن جناية العمد توجب القصاص لا أحد الامرين، إذ الظاهر اختصاص ذلك بالحر دون العبد الذي صرح غير واحد من الاصحاب بأنه إذا قتل الحر (1) عبدا كان الولي مخيرا


(1) هكذا في النسخ. والظاهر - إذا قتل العبد حرا.

[ 245 ]

بين القصاص والاسترقاق، بل قيل: إنه كذلك قولا واحدا، بل الظاهر الحاق جناية الاطراف بالنفس، ومن هنا يظهر لك أنه لا ينبغى بناء جواز العفو له على غير مال، على القولين المزبورين، فيصح على الاول، لان اختيار المال ضرب من الاكتساب، ولا يجبر الراهن على ذلك لحق المرتهن، بل لو عفي مطلقا لم يثبت المال حيئنذ، ولا يصح على الثاني، لان عفوه حينئذ كعفو المحجور عليه لفلس لا ينفذ الا فيما لا تعلق فيه للمال، إذ قد عرفت ان ذلك في الحر. ثم إن كان الواجب في الجناية أكثر من قيمة القاتل أو مثلها، فعن الشيخ أنه يباع لانه ربما رغب فيه راغب، فيفضل من قيمته شئ يكون رهنا عند مرتهنه. و عن بعض العامة ومحتمل التحرير، أنه ينقل عينه إلى مرتهن المجني عليه، لعدم الفائدة في بيعه، وربما رجح الاول بأن الحق في مالية العبد لا عينه التي لم يجبر الراهن عليها، وإنما تعلق بها حق مرتهن المقتول بسبب الجناية، وإن كان الواجب الاقل فبالنسبة، نقلا أو بيعا على الوجهين أيضا. قلت: إن اتفق الثلاثة على نقل العين أو البيع فلا بحث، وقد يحتمل صيرورة الزائد رهنا في الاول لو تجددت زيادة قيمته، والاقوى خلافه مع بطلان رهانته حال النقل، إذ لا دليل على عودها في المتجدد، وإن اتفق الراهن ومرتهن المقتول على أحد الامرين، لم يكن لراهن القاتل منعهما منه، سواء كان بيعا أو نقلا، إلا إذا وجد الراغب الباذل لزيادة على قيمة المقتول، فله حينئذ الالزام بالبيع، أو ابقاء ما قابلها منه رهنا عنده، ولو اتفق المرتهنان على أحد الامرين، كان للراهن مخالفتهما لان حق الجناية له. واحتمال أن لمرتهن القتيل الالزام بالبيع -، لان الدية المستحقة نقدا و الالزام بالنقد، لان الاستحقاق حينئذ له، وإلا فالمولى لا يستحق على مملوكه - ضعيف لان استحقاقه تبع لاستحقاق المولى لو كان غير مالك، فالمتجه حينئذ كون التخيير بيد المولى في البيع أو النقل، بناء على ثبوت ذلك للمولى غير المالك، وثبوت حق الرهانة في رقبة الجاني قهرا - لعموم ما دل على أن جناية العبد في رقبته، الشامل

[ 246 ]

لمثل حق الرهانة -، لا ينافي ضرورة كون ثبوته مراعى بحق المولى المفروض تخيره بين القصاص، والنقل للعين والبيع، بل الظاهر أن المراد بالبيع الكناية عن قيمة العبد لا خصوص البيع، وحينئذ فللمولى دفع القيمة لمرتهن المجني عليه، وفك الجاني من الرهانة، بعد عدم اختياره القصاص أو النقل للرهانة، والامر في ذلك كله سهل. انما الكلام فيما هو ظاهر من تعرض لهذا الفرع من الاصحاب من بطلان رهانة القاتل، مع أنه لا داعي إليه، إذ يمكن القول باجتماع الرهانتين، وإن قدم في الاستيفاء مرتهن المقتول، لمكان حق الجناية، وتظهر الثمرة فيما لو فك منه وفي غيره، اللهم إلا أن يقال: إنه لما كان القاعدة عدم استحقاق المولى على عبده مالا، إلا أنه هنا لمكان تعلق حق الارتهان في المقتول كان للمولى حينئذ حكم الاجنبي الذي له الاسترقاق والبيع، وإبطال حق المرتهن، فلما تعذر الاسترقاق حقيقة بالنسبة إليه لانه تحصيل الحاصل اعطى لازمه، وهو الانتزاع وابطال الرهانة، ولكن للبحث فيه مجال، والمسألة غير محررة في كلام الاصحاب. وأما إذا كان المقتول رهنا عند مرتهن القاتل، فإن كان على حق واحد فالجناية هدر، وإن تعدد قيل: وكذا إن تعدد وتساويا جنسا وقدرا وتساوت القيمتان، إلا أن يكون دين المقتول أصح وأثبت من دين القاتل، كأن يكون مستقرا ودين القاتل عوض شئ يرد بعيب أو صداق قبل الدخول، فله حينئذ النقل أو البيع على أحد الوجهين السابقين للرهانة عليه، وكذا إن تعدد الدينان واختلفا بالحلول والتأجيل أو في طول الاجل وقصره. أما إذا اتفقا فيه فإما أن يتفقا جنسا وقدرا، أو يختلفا، فإن اتفقا واختلف العبدان في القيمة، وكانت قيمة المقتول أكثر، فالجناية هدر، لانتفاء الفائدة كما لو تساويا، وإن كانت قيمة القاتل أكثر منه نقل قدر قيمة القتيل إلى دين القتيل، وبقي الباقي رهنا بما كان. وإن اختلف الدينان قدرا لا جنسا، فإن تساوت قيمة العبدين أو كان القتيل

[ 247 ]

أكثر قيمة، فإن كان المرهون بأكثر الدينين القتيل فله التوثق بالقاتل، لان التوثق لاكثر الدينين في نفسه فائدة مطلوبة، بخلاف ما لو كان القتيل مرهونا بأقله فلا فائدة في النقل حينئذ. وإن كان القتيل أقل قيمة كان مرهونا بأقل الدينين فلا فائدة في النقل، وإن كان مرهونا بأكثر نقل من القاتل قدر قيمة القتيل إلى الدين الآخر ويبقى الباقي رهنا، وإن اختلف الدينان في الجنس، فهو كالاختلاف في القدر أو في الحلول والتأجيل، هذا حاصل ما ذكروه، ومرجعه إلى حصول الفائدة للمرتهن في نقل الرهانة، وعدمها إلا ان ما قدمناه سابقا من البحث آت في المقام، بل لعله أولى من السابق. بل قد يشكل أيضا بأنه لا مدخلية للفائدة و عدمها في النقل القهري للرهانة، بإعتبار اقتضاء الجناية ذلك وله ثمرات، فإنه بناء على ذلك لو اتفق وفاء دين الجاني بإبراء ونحوه لم يقدح في بقائه رهنا على دين المجني عليه، وإن كان مساويا له في القدر والجنس والحلول مع تساوى قيمتي العبدين، بخلافه على تقدير عدم النقل فإنه تمضي الرهانة إلى غير ذلك مما يظهر لك بأدنى تأمل بعد الاحاطة بما ذكرناه من كون الانتقال إلى الرهانة قهريا بسبب الجناية. ثم إن الكلام في نقل العين أو القيمة يأتي مثله هنا أيضا، لكن عن التحرير أنه جزم في هذه المواضع بالبيع، وجعل الثمن رهنا، ولعله يريد أن له ذلك لا تعيينه بل ربما قطع بكون المراد ذلك، كما أن ما في القواعد في أصل المسألة يمكن إرادته ما ذكرنا، وإن أطلق هو، قال (ولو جنى على عبد مولاه، فكمولاه - أي فكالجناية على مولاه - إلا أن يكون رهنا من غير المرتهن، فله قتله ويبطل حق المرتهنين، والعفو على مال فيتعلق به حق المرتهن الآخر، ولو عفى بغير مال فكعفو المحجور عليه، ولو أوجبت أرشا فللثاني، ولو إتحد المرتهن وتغاير الدين فله بيعه، وجعل ثمنه رهنا بالدين الاخر). بناء على أن المراد من المغايرة مجرد عدم كون الدين واحدا، بل وكذا عبارة الدروس في الاكتفاء بمطلق التغاير، قال: (ولو اختلف الدينان جاز نقل ما قابل

[ 248 ]

الجناية بدلا من المجني عليه لمرتهنه) بناء على أن المراد بالاختلاف نحو ذلك، وقد نقلناها سابقا وجملة من فروع المقام عند البحث في رهانة الجاني والامر سهل والله أعلم. (ولو أتلف الرهن متلف) كلا أو بعضا (الزم بقيمته) ولو الارش (وتكون رهنا) بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لان حق الرهانة متعلق بالعين وقد جعل لها الشارع بالتلف بدلا، فيتعلق به كما هو مقتضى البدلية، ولان معنى الرهن الاستيثاق بالعين، ليستوفي الدين من قيمته، وإن كان العقد إنما جرى على العين، فوسوسة بعض الناس في هذا الحكم في غير محلها، بل الحكم ذلك (ولو) كان الذي (أتلفه المرتهن) لعدم دلالة إتلافه على اسقاط حق رهانته، كما أن عدم ضمان المالك لماله لا يسقط حق المرتهن، لو كان المتلف المالك كما هو واضح. (لكن لو كان) المرتهن (وكيلا في الاصل) على بيع أو غيره (لم يكن وكيلا في القيمة، لان العقد لم يتناولها) ولم يكن حق الوكالة من الامور المتعلقة بالعين على حسب الرهانة، ولعل الاستيداع كذلك، كما صرح به في المسالك، فلم يفرق بين الوكالة على البيع أو على الحفظ في البطلان مع التلف، لكن في التذكرة وغيرها أن للعدل حفظ القيمة، لانها بدل الرهن، وله امساك الرهن وحفظه، والقيمة قائمة مقامه، وليس له البيع لبطلان وكالته فيه، وفيه ما عرفت من ان الوكالة منوطة بما عينه المالك الذي يختلف أغراضه في الاستيمان على الاموال، وبيعها باختلاف الاشخاص، فقد يستأمن على عين، ولا يستأمن على قيمتها، وكذا البيع، فالفرق بينهما لا يخلو من نظر، فتأمل جيدا والله أعلم. (ولو رهن عصيرا) جاز بلا خلاف، بل عن المبسوط الاجماع عليه، لانه عين مملوكة يجوز بيعها إجماعا بقسميه، واحتمال صيرورته خمرا قبل حلول الحق غير قادح كرهن المريض. نعم لو علم ذلك اتجه المنع ما لم يعلم انقلابه خلا، والا جاز أيضا، بل قد يقال بجوازه بدونه، على نحو ما سمعته في رهن ما يسرع إليه الفساد قبل

[ 249 ]

الحلول، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال (ف‍) إن (صار خمرا) في يد المرتهن (بطل الرهن) عندنا، للخروج عن الملكية التي هي شرط صحته، خلافا لابي حنيفة فلم يبطل الملك ولا الرهانة، قياسا على العبد المرتد، وهو باطل عندنا، مع أن الفرق بينهما بمعلومية عدم ملك المسلم الخمر، وعدم جواز التصرف له فيه دون المرتد واضح، (ف‍) لا ريب في أن التحقيق ما قلنا. نعم (لو عاد خلا عاد إلى ملك الراهن) بلا خلاف أجده بيننا، إلا ما تسمعه من المحكي عن أبي الصلاح وهو شاذ، لرجحانه على غيره بالملك السابق، واليد المستمرة، إذ يد المرتهن من آثار يد المالك، وللسيرة وللاجماع، بل الضرورة على ملك الخل وجواز اتخاذه، مع أن العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة، على ما صرح به في التذكرة وجامع المقاصد والمسالك، فلو لم يعد بالخلية إلى الملك لم يملك الخل من اتخذه حينئذ، مضافا إلى الشك في اندراج الفرض في المباح الذي يملكه من استولى عليه، فلابد من دخوله في ملك أحد حال تخلله، ولا ريب في رجحان المالك السابق على غيره، وإلى غير ذلك مما يظهر من التأمل فيما ذكرناه، فإذا عاد إلى ملك الراهن عادت الرهانة حينئذ معه، بلا خلاف أجده لان العائد الملك السابق الذي كانت الرهانة متعلقة به، لا أنه ملكه بسبب جديد. وفي التذكرة (معنى قولنا يبطل الرهن، لا نريد به ارتفاع أثره بالكلية، وإلا لم يعد الرهن بل المراد ارتفاع حكمه مادامت الخمرية ثابتة) وتبعه في جامع المقاصد والمسالك، والمراد أن العلاقة باقية، لمكان الاولوية، ففي الحقيقة الرهن والملك موجودان بالقوة القريبة، لان تخلله متوقع، وإنما الزايل كونه رهنا وملكا بالفعل لوجود الخمرية المنافية لذلك، فيكون البطلان مراعى ببقائه كذلك، أو بتلفه لا على جهة الكشف كما عن بعض الشافعية، فيبين عدم البطلان بالعود خلا والاظهر بطلانه بل على إرادة عود حكم الرهانة الاولى ابتداء من دون استيناف عقد رهانة جديدا،

[ 250 ]

كما عن بعض آخر من الشافعية. ولا استبعاد في مشروعية ذلك بعد وقوع النظير له في الشريعة، كاسلام زوجة الكافر التي تخرج به عن حكم العقد إذا أسلم قبل انقضاء العدة، وكذا إذا ارتد أحد الزوجين، بل من نظيره ما إذا اشترى المرتهن عينا من الراهن بدينه فتلفت قبل القبض، أو تقايلا بعده، بناء على عود الرهانة بانفساخ البيع، وحاصله أن عقد الرهانة لم يبطل بالخمرية حتى يقال: أنه لابد من استينافه، بل الخمرية صارت مانعة من جريان حكم العقد، فمتى زالت عمل العقد عمله، ودعوى أن استدامة الملك شرط في صحة العقد، يمكن منعها خصوصا مع ملاحظة كلام الاصحاب في المقام، بل أقصى ما يسلم كونها شرطا في استمرار حكم العقد، وحينئذ فما دل على عدم ملك الخمر لا يقتضي فساد الرهانة فتأمل جيدا. وقد ظهر من ذلك كله أن ما عن أبي الصلاح - من أنه إن صار خمرا بطلت وثيقة الرهن ووجب إراقته - ضعيف إن أراد بذلك عدم العود إن عادت، بل وإن أراد عدم جواز إبقائها للتخليل، إذ الظاهر عدم الخلاف عندنا في جوازه، وهي المسماة بالخمرة المحترمة، كما ستسمع. ثم إن كان الرهن مشروطا ببيع لم يكن للمرتهن الخيار في الفسخ، وان لم يتعقب التخليل، للوفاء بالشرط، وكذا إذا لم يقبضه، بناء على عدم اعتبار القبض في صحة الرهن، وإن قلنا باعتباره في اللزوم، وأما على القول بالاعتبار في الصحة ولم يقبضه حتى صار خمرا فالظاهر البطلان، لعدم الشرط قبل تمام الرهانة بلا خلاف أجده بين من قال بشرطية القبض، كما اعترف به في جامع المقاصد، وإن كان قد ناقش هو في ذلك بأنه لا مانع من الصحة مع تخلل الخمرية بين العقد والقبض الذي هو أحد أجزاء السبب، إذ دعوى - كون الشرط قابلية المورد للرهانة من أول العقد إلى حين تمام السبب - لا دليل عليها لكنها مناقشة مقطوع بفسادها بين الاصحاب في جميع القيود المعتبر في تمام السبب غيرها، كالتقابض في الصرف، والقبض في المجلس في السلم، والقبض في الهبة، وغير ذلك مما هو عندهم كأجزاء العقد التي لا إشكال

[ 251 ]

في اعتبار الشرطية فيها، ولتحرير ذلك مقام آخر، وحينئذ يتخير المرتهن في المقام في فسخ البيع المشروط به، ولا تعود رهنا بعودها خلا، كما صرح به في الدروس، إلا برهانة مستأنفة. ولو اختلفا في القبض هل كان قبل الخمرية أو بعده ؟ قدم قول مدعي الصحة، وإن كان الراهن، كما تقدم البحث في نظايره في المباحث السابقة، وعن الشيخ أنه تردد في ذلك من البناء على الظاهر، ومن أن القبض فعل المرتهن، فيقدم قوله فيه وهو في غير محله. نعم لو كان الاختلاف في أصل القبض لا في صفته، كان القول قوله، لاصالة عدمه ومن ذلك يظهر لك حينئذ ما في التذكرة من أن الاولى في المسألة الاولى تقديم قول المرتهن، حاكيا له عن الشيخ وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، محتجا عليه بما هو واضح الضعف بأدنى تأمل، فلاحظ وتأمل. وفي التذكرة، أيضا (ولو انقلب المبيع خمرا قبل القبض فالكلام في انقطاع البيع وعوده إذا عاد خلا على ما ذكرنا في انقلاب العصير المرهون خمرا بعد القبض) وفيها أيضا في موضع آخر قريب من ذلك، (وإذا اشترى عصيرا فصار خمرا في يد البايع وعاد خلا فسد العقد، ولم يعد ملك المشتري لعوده خلا، والفرق بينه وبين الرهن، أن الرهن عاد تبعا لملك الراهن، وها هنا يعود ملك البايع لعدم العقد، ولا يصح أن يتبعه ملك المشترى) وهو مناف لذلك الكلام فتأمل جيدا. ولعله لامكان ان يكون ذلك من التلف قبل القبض، فينفسخ العقد حينئذ، ولا معنى لعوده، وإن كان فيه منع واضح كما ستعرف. (و) كيف كان ف‍ (لو رهن) مسلم (من مسلم خمرا، لم يصح) بلا خلاف ولا إشكال، كما تقدم الكلام فيه، وفيما إذا وضعه على يد ذمي أو رهنه عنده أو بالعكس سابقا، لعدم الملكية التي قد عرفت اشتراطها في الرهن مما تقدم، وعدم جواز بيع المسلم إياها من غير فرق بين المحترمة وغير المحترمة (فلو انقلب في يده) أي المرتهن (خلا فهو له) لاستيلاء يده عليه، وليست هي يد الاول، إذ الفرض

[ 252 ]

كون الرهانة فاسدة، فهو حينئذ حال خليته مال لا مالك له، كباقي المباحات يملك حينئذ بالاستيلاء مع النية، أو بدونها على القولين، لكن قد يناقش بأن أولوية الاول لملك السابق، فلا تعارضه يد الثاني بعد ما سمعت سابقا من الشك في كون مثله من المباحات، وبأن فساد الرهانة لا ينافي كون اليد للاول، وأن المرتهن من فروعه، وخصوصا إذا كانت الخمر محترمة، ولعله لذا قال المصنف: (على تردد) بل في جامع المقاصد، والمسالك أن الاقوى كونها للاول، إذا كانت محترمة، بخلاف غير المحترمة، فإنه لا يد لاحد عليها. وحينئذ فلو غصبها غاصب فتخللت في يده كانت ملكا له، دون المغصوب منه، بل أطلق في القواعد، والمحكي عن المبسوط، والايضاح، ملكية الغاصب للخمر المتخللة في يده لكن قد يناقش بما سمعت من أولوية الاول بالملك السابق، بل عن غصب التذكرة ما يظهر منه الاجماع على أن الخمر المتخللة في يد الغاصب للمغصوب منه حيث نسبه إلى مذهبنا، بل عن غصب الخلاف أنه لا خلاف فيه، أللهم إلا أن ينزل كلامهما على المحترمة، لعدم تصور الغصب في غيرها، إذ لا سلطنة له عليها بخلافها فإن السلطنة ثابتة عليها ويجب ردها، وبالتخليل يضمن المثل لو تلف، فحينئذ يعود الملك للاول بعودها خلا لان يد الغاصب كعدمها. ولعل الاقوى صيرورتها ملكا للاول على كل حال بالتخلل، للاولوية التي مبناها حصول المانع للسبب في بعض الازمنة، فيبقى الباقي على مقتضى عمله فيه، نحو ما سمعته في العصير المرهون المنقلب خمرا ثم خلا، ضرورة كون الجميع من واد واحد، فإن السبب الذي اقتضى الملك قبل الخمرية باق على حسب استعداده، وإنما منعه حال الخمرية مادامت، باعتبار ما دل على عدم ملكها الذي لا يقتضى بطلان أصل السبب، بل أقصاه بطلان أثره مادام المانع، فإذا زال عمل المقتضي مقتضاه. ومن هنا لم يشترط في ملكية الاول حصول يده عليه، لان المملك له هو السبب الاول لا يده، وحينئذ فلا فرق بين المحترمة وغيرها، وبين المأخوذة قهرا من يده إذا

[ 253 ]

فرض تخللها وغيرها. ويؤيد ذلك ما تسمعه إنشاء الله من عدم الخلاف في أنه لو غصب عصيرا فصار خمرا في يد الغاصب ثم صار خلا يعود على ملك الاول، ليس إلا لما ذكرناه، ومنه يعلم الوجه فيما ذكره في التذكرة أولا، فإنه لما صار خمرا في يد البايع لم يبطل أصل السبب، بل بطل حكمه، في أن الخمرية، نحو ما سمعته في الرهانة، وفي إسلام أحد الزوجين، فلما زال المانع عمل السبب عمله. وأما إحتمال أنه من التلف قبل القبض، فيدفعه منع كونه تلفا حقيقة، بل ولا حكما بعد فرض العود إلى الخلية، وبذلك يظهر الفرق بين حالي الابتداء والاستدامة ضرورة مشروعية المانع في الثاني في إسلام أحد الزوجين والارتداد ونحوهما، بخلاف الاول، فلا يجوز العقد على الخمر ابتداء مراعيا في صحته صيرورته خلا، ضرورة كونه كتعليق السبب المعلوم بطلانه، فاتضح أن صحة مانع الاستدامة لا يستلزم الصحة في الابتداء. كما أنه اتضح بهذا التحقيق ما في جملة من الكلمات التي هي غير محررة (و) لا منقحة، حتى ما في المتن. نعم ليس (كذا) لك (لو جمع) جامع (خمرا مراقا) فتخللت في يده إذ الظاهر كونها ملكا للثاني بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، دون الاول، لاسقاط حق أولويته منها بالاراقة الظاهرة في الاعراض الذي يزيل حكم الملك الذي هو أقوى من الحق المزبور، ولا يقدح حرمة الجمع على الجامع، إذ ليس حكمنا بملكه للجمع المزبور، بل لاستيلائه على العين حال التخليل الذي صارت به مالا بلا مالك، لتكون كالمباحاة، مع أن الظاهر عدم الحرمة لو أراد الجمع للتخليل، فإن الظاهر صحة ابقائها وحفظها لذلك، ومن ثم سميت محترمة: أي يحرم غصبها وإتلافها على من في يده. بل في المسالك لو لا احترامها لادى ذلك إلى تعذر اتخاذ الخل، لان العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة، ونحوه في جامع المقاصد والتذكرة، قال في الاخير: (الخمر قسمان، محترمة: وهي التي اتخذ عصيرها ليصير خلا، وإنما

[ 254 ]

كانت محترمة، لان اتخاذ الخل جايز إجماعا، والعصير لا ينقلب إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة، فلو لم تحرم وأريقت في تلك الحال لتعذر اتخاذ الخل، والثاني: غير محترمة: وهي التى اتخذ عصيرها لغرض الخمرية. وقد استفاد بعض مشايخنا من هذه العبارات أنه لابد من سبق الخمرية للخل في عصير التمر وغيره، بل قال: ليس المراد من العصير ما استخرج ماؤه بالعصر، بل هو أعم منه فحينئذ ما يستعمله الناس من خل التمر والزبيب لا يجوز استعماله إذا اشتد قبل الحموضة، ولنا معه بحث ذكرناه في غير المقام، وعلى كل حال فما يظهر من المصنف من التردد في كون المفروض ملكا للجامع في غير محله، كالاشكال عن التحرير أولا، وقد بان من ذلك كله الفرق بين الجامع والغاصب، فيملك في الاول دون الثاني على الاصح. (و) على كل حال ف‍ (ليس كذلك لو غصب عصيرا) فصار خمرا في يده ثم تخلل كذلك، فانه لا خلاف كما في المسالك ومحكي غاية المرام في عدم ملكية الغاصب له، بل هو ملك للمغصوب منه، فيرجعه إليه، ويرجع أرش النقصان معه لو قصرت قيمته عن العصير، بل الظاهر وجوب دفعه إليه في حال الخمرية، لاولويته، وإمكان إرادة تخليله، إلا أن يعلم إرادته منه الشرب، فلا يجوز، ويرد معه مثل العصير، لامكان عدم انقلابه خلا، فإذا عاد رده إليه، لانه قد عاد ملكه إليه، وان تغيرت صورته، وتمام الكلام يأتي في باب الغصب إنشاء الله. ثم ليعلم أن الخمر قد يذكر، كما عن القاموس وغيره، بل ظاهر المحكي عن المصباح المنير: أنهما على حد سواء قال: الخمر معروفة يذكر ويؤنث، فيقال: هو الخمر، وهي الخمر، وقال الاصمعي: الخمر انثى وأنكر التذكير، كما أن ظاهره إختصاص الانكار بالاصمعي المحجوج بنقل المثبت، بل تذكير المصنف والفاضل وغيرهما من الاساطين الضابطين شاهد على خلافه أيضا، والامر سهل. (ولو رهنه بيضة فاحضنها فصارت في يده فرخا كان الملك والرهن باقيين،

[ 255 ]

وكذا لو رهنه حبا فزرعه) بلا إشكال في كل منهما، أما الاول فلان هذه الاشياء نتيجة ماله، ومادتها له، فلم تخرج عن ملكه بالتغيير، والاستحالات المتجددة صفات حاصلة فيهما، وحصل بسببها استعدادات مختلفة، لتكونات متعاقبة خلقها الله تعالى فيها ووهبها له، والارض والماء والاحضان ونحوها من المعدات التي لا تخرج المادة عن ملك صاحبها. وأما الثاني: فلان الرهن تابع للعين كيفما تغيرت وتنقلت، إذ هو مشابه لصفة الملك في ذلك، وليس معلقا على اسم البيضة والحب حتى يزول بزوال الاسم، كما هو واضح، بل ليس ذا من مسألة النماءات التي فيها البحث السابق، بل هو كسمن الدابة ونحوه مما لا إشكال في تعلق الرهن به، واحتمال تعلق الرهن بمقدار الحب من الزرع وغيره ظاهر الفساد، بل لا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ وبعض العامة من تسبيب هذه التغييرات الملك للقابض، تنزيلا للعين منزلة التلف، فغايته ضمان المثل أو القيمة، وضعفه واضح، كما هو محرر في باب الغصب والله أعلم. (وإذا رهن اثنان عبدا بينهما بدين عليهما، كانت حصة كل واحد منهما رهنا بدينه) مع الاطلاق (فإذا أداه صارت حصته طلقا، وإن بقيت حصة الآخر) رهنا، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا عند قول المصنف: ولو رهن على مال رهنا ثم استدان آخر، إلى آخر البحث فلاحظ وتامل.

[ 256 ]

المقصد الثالث من المقاصد التى استدعاها البحث في لواحق كتاب الرهن (في النزاع الواقع فيه). وان تقدم بعضها في مطاوى الابحاث السباقة (و) لكن مع ذلك (فيه مسائل: الاولى: إذا رهن مشاعا) وأذن للمرتهن في قبضه واستدامة يده عليه (وتشاح الشريك والمرتهن في امساكه) للرهانة ولو من حيث إذن الراهن له في ذلك أو للاستيمان (انتزعه الحاكم) وقبضه لهما بنفسه، أو نصب عدلا يكون في يده لهما، بل قد يقال: بجواز نصب أحدهما لذلك، لكن لا يخلو من اشكال، وعلى كل حال يقوم القبض مقام قبض المرتهن، في تحقق الرهانة، وإن لم يكن ذلك بوكالة من المرتهن، بل ربما لا يكون له التوكيل في ذلك، كما إذا شرط الراهن عليه القبض بنفسه، بل لاقتضاء نصبه حاكما من الشارع ذلك، ضرورة أن الحاكم هو المعد لقطع امثال هذه المنازعات المتوقف على نحو ذلك، وان كان موضوعه حال طلب كل منهما انقطاعه، لكن لا يكون الحاكم في ذلك فرع إذنهما على وجه يكون له حكم المأذون، بل قد يقال: لا حاجة إلى اذن الراهن. لكن في المسالك فان الحاكم ينصب له عدلا لقبضه عن الرهن، وليكن بإذن الراهن، وللامانة، ولعل إطلاق الاصحاب على خلافه. نعم لو أن الراهن شرط في عقد الرهانة القبض بنفسه، أمكن حينئذ الحكم بانتفائها بالتشاح، وقد يظهر من لفظ النصب في جملة من عبارات الاصحاب كون العدل قيما لا وكيلا عنهما، بل ولا عن الحاكم، فلا يزول حكم قبضه بخروج الحاكم أو المرتهن أو الشريك عن بعض صفة التوكيل، ومثله لو كان التشاح بين الشريكين في أصل قبض المال المشترك والاستيمان عليه، بل لعل الظاهر أن للحاكم من حيث الحكومة المعدة لقطع النزاع انتزاعه منهما ونصب أمين عليه، وان اتفقا معا على عدم الرضا بذلك ما لم يتفقا على ما

[ 257 ]

يحصل به قطع النزاع بينهما، والاصل في ذلك وغيره من الاحكام المتصورة في المقام قوله عليه السلام (1) (فإنى قد جعلته عليكم حاكما) إذ الحاكم هو المعد لقطع مثل ذلك الذي يجب على الشارع حسم مادته لما يترتب عليه من المفاسد. ومنه يظهر أن حكومة الحاكم لا تختص بما كان من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل هي أعم من ذلك، ضرورة عدم المعروف في الفرض، إذ لا يجب على أحد الشريكين الاذن للآخر في القبض، أو لمن يريده أحدهما فتشاحهما لا معصية فيه من أحدهما، وربما تكون المصلحة لكل منهما في عدم استيمان الآخر، بل ربما يكون ضرر على كل منهما بذلك. (و) على كل حال فإذا انتزعه منهما (آجره إن كان له أجرة) ولو على بعض الشركاء على إشكال، مدة لا تزيد عن أخذ الحق إلا برضا المرتهن وإجازته، (ثم قسمها بينهما بموجب الشركة) ان طلبوا استيجاره، فان لم يطلبه أحد منهم أبقاه من دون إجارة، وإن طلبه أحد الشريكين دون الاخر هايا بينهما، فيؤجره في مدة الطالب دون الاخر، وإن طلبه المرتهن توقف على إذن الراهن وكذا العكس، والاجرة تكون بين المرتهن والشريك بناء على تبعية مثل هذا النماء للرهن (وإلا) كانت بين الشريكين. وإن لم تكن له أجرة أو لم يريدوا إستيجاره جعله عنده أمانة أو (استأمن عليه من شاء) ولو أحدهما على اشكال، وقد عرفت ان له فعل ذلك كله (قطعا للمنازعة) المنصوب لحسمها وما شابهها، بل الظاهر أن له الالزام بالقسمة فيما يقسم، والبيع في غيره ونحو ذلك، مع توقف قطعها عليه، بل قد يحتمل جواز ذلك له وإن لم يتوقف، لانه مخير في أفراد القطع والفرض أن ذلك أحدها، لكن يقوى العدم فيقتصر في القطع على أقل الافراد ضررا عليهما، وأقلها مخالفة للضوابط. وتحرير هذه الجملة محتاج إلى بسط في الكلام، وليس هذا محله، خصوصا بالنسبة إلى ثبوت ولاية الحاكم في نحو المقام الذي يكون فيه القبض شرطا في الصحة،

[ 258 ]

الظاهر في كون الشرط قبض المرتهن نفسه، وقبض المتعاقدين في مثل الصرف، وقبض الموقوف عليه في الوقف، وقبض الموهوب في الهبة، فان قيام قبض الحاكم مقامه مع عدم التوكيل لا يخلو من بحث، بل لا يخلو أصل ثبوت ولايته فيما يقطع به النزاع إقتراحا مع فرض عدم معصية من أحدهما في دعواه منه أيضا، وإن كان ظاهر الاصحاب في المقام ونظائره ذلك، لاطلاق الادلة في كونه منصوبا لذلك، ولان مجاري الامور بيده، واولويته من الحكمين في نزاع الزوجين وغير ذلك، والله العالم. المسألة (الثانية: إذا مات المرتهن انتقل حق الرهانة إلى الوارث) بلا خلاف ولا إشكال (فان امتنع الراهن من استئمانه كان له ذلك) وإن كان المرتهن مؤتمنا سابقا لبطلان ذلك بالموت (فان اتفقا على أمين وإلا استأمن عليه الحاكم) كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في آخر الفصل الخامس وغيره، بل تقدم الآن في المسألة السابقة ما له تعلق به في الجملة، كما لا يخفى. المسألة (الثالثة: إذا فرط في الرهن) أو تعدى فيه ضمنه بلا خلاف ولا إشكال، فان كان مثليا (وتلف) لزمه مثله. فإن تعذر فقيمته عند الاداء أو التلف. أو الاعلى على ما تقدم سابقا في باب القرض وغيره من نظائر المسألة، وان كان قيميا (لزمته قيمته) إلا أن المصنف على أنها (يوم قبضه) ولم نعرفه لغيره، بل عن جماعة الاعتراف بمجهولية قائله، وإن أرسله في القواعد، وربما أراد المصنف، كما أنه لم نعرف له وجها يعتد به، ضرورة عدم كون العين مضمونة قبل التفريط. لكن في المسالك (حكم المصنف باعتبار قيمته يوم قبضه، مبني على أن القيمي يضمن بمثله) وقد أخذ ذلك من الدروس حيث قال: (والمعتبر بالقيمة يوم التلف) وقال ابن الجنيد: (الاعلى من التلف إلى الحكم عليه بالقيمة) ويلوح من المحقق أن الاعتبار بالقيمة يوم القبض، بناء على أن القمى يضمن بمثله، وفي كلام ابن الجنيد إيماء إليه، وفيهما معا - بعد الاغضاء عن إرادة المثل من القيمة في كلام المصنف إلا أن يحمل على تعذر المثل، وفيه ما لا يخفى أيضا - أن ذلك لا يقتضي الاعتبار يوم القبض أيضا، ومن هنا في المسالك بعد أن بناه على ما سمعت قال: (ومع ذلك ففي

[ 259 ]

اعتبار يوم القبض نظر، لانه ثم لم يكن مضمونا، فينبغي على ذلك اعتبار المثل يوم الضمان) وهو كذلك، فلو كان الرهن يوم القبض سمينا فهزل قبل التفريط ثم فرط فيه ضمنه بمثله الصوري من يوم التفريط لا القبض كما هو واضح، ودعوى أن التفريط يوجب رد المقبوض يوم القبض، كما ترى، مع أنه لا تخص القول بضمان القيمى بمثله. وبالجملة هذا القول على كل حال في غاية الضعف، ومثله في ذلك القول بضمان أعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف، وإن قال في المسالك: (أنه نسب إلى الشيخ في المبسوط) بل عن الصيمري أنه قول مشهور، نقله فخر الدين واختاره، بل في الرياض (أنه مشهور في المصنفات ولعله أحوط وأجود، إما لكونه كالغاصب فيؤخذ بأشق الاحوال، أو لاقتضاء الشغل الذمة اليقيني البراءة كذلك، ولا تحصل إلا بذلك). لكن فيه ما عرفت من انه لا وجه لضمان القيمة قبل حصول سبب الضمان، والمشابهة للغاصب انما تحصل بالتفريط لا قبله، والبراءة اليقينية أو ما بمنزلتها تحصل بما دل على ضمانه يوم التلف، على أن الظاهر عدم كون المقام مما يجب فيه يقين البراءة لعدم الاجمال في موضع التكليف، بل هو من الشك في الاقل والاكثر، مع عدم توقف صحة الاول على الثاني، فأصل البراءة محكم في نفسه إذ هو كالشك في شغل الذمة لشخص بالاقل أو الاكثر، وكالشك في وجوب قضاء فريضة عليه أو أزيد ونحو ذلك، فلا ريب حينئذ في ضعف هذا القول، ومشاركته في عدم المستند للاول، وأضعف منهما ما عن الاسكافي من أنه أعلى القيم من يوم التلف إلى يوم حكم الحاكم عليه أو إلى المطالبة بها كما في نقل آخر عنه، ولعلهما بمعنى، كما أن فسادهما معا على تقدير اختلافهما واضح، ضرورة تعلق الضمان حال التلف من غير مدخلية للمطالبة أو حكم الحاكم. نعم قد يقوى ضمان أعلى القيم من حين التفريط إلى حين التلف، كما عن المختلف والصيمري وابن فهد. لانه حينئذ كالغاصب، ولتضرر المالك بما فات في يده من تفاوت القيمة.

[ 260 ]

(و) لكن الاقوى منه ما (قيل:) من أن ضمانه بقيمته (يوم هلاكه) بل لعله خيرة الاكثر كما اعترف به في المسالك، لانه يوم الانتقال، إذ قبله كان الخطاب منحصرا في رد العين، وعدم المنافاة بين انحصار الحق في العين قبل التلف وانتقال قيمتها قبله إلى الذمة بعده لا يكون مقتضيا لذلك، والحكم في الغاصب ممنوع فضلا عن المقام، كمنع ضمان مثل هذا الضرر، ولذا لا يضمن لو رد العين نفسها فكذا ما أقامه الشارع مقامها الذي هو في الحقيقة طريق تأدية لها. نعم لو كانت التفاوت بسبب نقص في العين قد حصل في يده بعد التفريط، اتجه اعتبار الاعلى حينئذ، لفوات الاجزاء المضمونة عليه في يده، حتى لو رد العين نفسها على الاقوى، كما هو واضح. (و) قد ظهر من ذلك أن ما في المتن وغيره من أنه (قيل:) يضمن (أعلى القيم) يرجع إلى أحد الاقوال السابقة أذ لا معنى له بدون التنزيل على أحدها، وقد مر تمام الكلام في نظاير المسألة، ويأتى إنشاء الله تعالى في باب الغصب. (فلو اختلفا) أي الراهن والمرتهن (في القيمة) المضمونة بالتفريط (فالقول قول الراهن) عند الاكثر كما في الدروس، بل عن الغنية الاجماع عليه، مؤيدا بحكاية عن الشيخين والقاضي والديلمي والتقي وابن حمزة لان المرتهن خائن بتفريطه، فلا يقبل قوله وفيه أن قبول قوله لانكاره، لا من حيث أمانته التى ارتفعت بخيانته (و) من هنا (قيل القول قول المرتهن) لاصالة البراءة من الزائد، فيكون منكرا عليه اليمين، وعلى الراهن المدعي البينة كما هو مضمون النبوي (و) لا ريب في أنه (هو الاشبه) وفاقا للشهيدين والمحكى عن الحلى والفاضل وكثير من المتأخرين. نعم القول قول الراهن في دعوى قلتها لو كان هو المتلف للرهن، وأراد المرتهن القيمة منه، تكون رهنا، فادعى عليه زيادتها، لكون الاصل معه، فيكون منكرا عليه اليمين، والمرتهن المدعي عليه البينة، ولو كان المتلف أجنبيا وصدقه الراهن في دعوى القلة لم يكن للمرتهن سبيل عليه، مع احتمال توجه اليمين له عليه، باعتبار تعلق حق الرهانة بها، والله أعلم. المسالة (الرابعة لو اختلفا فيما على الرهن) قلة وكثرة مع اتحاد الدين

[ 261 ]

وتعدده، وإن اتفقا على شغل الذمة (كان القول قول الراهن، وقيل:) والقائل الاسكافي (القول قول المرتهن ما لم يستغرق دعواه ثمن الرهن، والاول أشهر) بل هو المشهور شهرة عظيمة، بل عن ابني زهرة وادريس الاجماع عليه، ولعله كذلك، لعدم قدح خلافه فيه، وهو الحجة. مضافا إلى قاعدة المدعي والمنكر إذ لا ريب في كون الاول هنا المرتهن، والثاني الراهن الموافق قوله لاصالة عدم ارتهانه بأزيد مما اعترف به المالك، بل لو كان النزاع في أصل شغل الذمة به، كان الاصل براءة الذمة. وإلى صحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام (في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بينة بينهما فيه، فادعى الذى عنده الرهن أنه بالف، فقال صاحب الرهن: إنه بماءة قال: البينة على الذى عنده الرهن أنه بالف، وإن لم يكن عنده بينة فعلى الراهن اليمين). وموثقة ابن ابى يعفور (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا اختلفا في الرهن فقال أحدهما: رهنه بألف، وقال الآخر: بماءة درهم ؟ فقال: يسئل صاحب الالف البينة فإن لم يكن بينة، حلف صاحب الماءة). وموثق عبيد بن زرارة (3) عنه أيضا في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بينة بينهما، فادعى الذي عنده الرهن أنه بألف فان لم يكن عنده بينة، فعلى الذى له الرهن اليمين أنه بماءة. فلا محيص حينئذ عن المشهور، خصوصا مع عدم دليل للاسكافي صالح لمعارضة ما سمعت، إذ ليس إلا موافقة الظاهر في بعض الافراد الذى لا عبرة به في مقابلة ما سمعت. وخبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن على عليه السلام (في رهن اختلف فيه الراهن والمرتهن ؟ فقال الراهن: هو بكذا وكذا، وقال المرتهن: هو بأكثر ؟ قال


(1 - 4) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الرهن الحديث 1 - 4

[ 262 ]

على عليه السلام، يصدق المرتهن حتى يحيط بالثمن، لانه أمينه) الضعيف سندا الموافق لاحد قولى العامة، المخالف للمتواتر كما في جامع المقاصد المحتمل لما عن الشيخ من أن الاولى للراهن أن يصدق المرتهن. فمثله لا يصلح لمعارضة ما تقدم من وجوه، على أن ظاهره باعتبار مفهوم الغاية تصديق الراهن فيما لو أحاطت دعوى المرتهن بالثمن، والمعروف حكايته عن ابن الجنيد أنه يصدق المرتهن ما لم يدع زيادة القيمة على الراهن، فهو مخالف حينئذ للخبر. نعم على ما حكاه في المتن عنه يتجه الاستدلال له به، وكان الموجب لاختلاف النقل عنه عبارته المحكية عنه، وهى: المرتهن يصدق في دعواه حتى يحيط بالثمن، فإن زاد دعوى المرتهن على القيمة لا تقبل إلا ببينة. باعتبار اشتمالها على مفهوم الغاية القاضي بخروج دعوى الاحاطة عن حكم دعوى غيرها، وعلى مفهوم الشرط القاضي بدخولها. وعلى كل حال فالمذهب، الاول، بل لو اراد ابن الجنيد - ما يشمل دعوى المرتهن أصل الشغل بالزائد كما عساه يظهر من بعض، بل ظاهر الفاضل في القواعد أن نزاعه في ذلك - كان مخالفا للضوابط الشرعية، بل يمكن دعوى الضرورة حينئذ على خلافه والله أعلم. المسألة (الخامسة: لو اختلفا في متاع فقال أحدهما) أي المالك (هو وديعة) عندك (وقال الممسك هو رهن ف‍) المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل ربما استظهر مع نافع المصنف الاجماع عليه أن (القول قول المالك وقيل:) والقائل الصدوق، والشيخ، وفي المحكي عن مقنع الاول، واستبصار الثاني، القول: (قول الممسك، والاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، لانه منكر باعتبار موافقة قوله لاصالة عدم الارتهان. وفي موثق اسحاق بن عمار (1) عن الصادق عليه السلام في الاختلاف في الوديعة والقرض (أن القول قول صاحب المال مع يمينه) وخصوص المورد لا يخصص الوارد،


(1) الوسائل الباب - 18 - من ابواب احكام الرهن الحديث - 1 -

[ 263 ]

فيستفاد منه حينئذ أصالة عدم الحكم بمال الانسان بغير قوله، وإن كان مدعيا، فضلا عما نحن فيه، مما هو مدعى عليه، اللهم إلا أن يقال إن ما فيه مبنى على أصالة الضمان في اليد، حتى يقوم خلافه، لا على الاصل المزبور الشامل للمقام، فلا يكون شاهدا له، وفيه بحث. وعلى كل حال فقد يؤيد ما نحن فيه أيضا الخبر المتقدم (1) سابقا في مسألة استيفاء المرتهن الدين مما في يده إذا خاف جحود الوارث لو أقر بالرهانة، ضرورة ظهوره في أن القول قول الوارث مع الاقرار لا قوله، وإن كان المال في يده فلاحظ وتأمل. كل ذلك مضافا إلى خصوص صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر عليه السلام (في رجل رهن عند صاحبه رهنا، فقال الذى عنده الرهن: ارهنته عندي بكذا وكذا، وقال الاخر: إنما هو عندك وديعة، فقال: البينة على الذي عنده الرهن أنه بكذا وكذا، فإن لم يكن له بينة فعلى الذى له الرهن اليمين) لكن حمله الشيخ على صورة النزاع في الدين، لا الرهن، فقال: إنما قال: عليه البينة على مقدار الدين الذى ارتهنه به، لا على أصل الرهن، وحينئذ فيمين المالك مع تعذر البينة على نفي الدين، ومقتضاه أن محل النزاع صوره الاتفاق على الدين، ولكن اختلفا في الرهانة عليه، والوديعة. فلا يكون المحكي عن ابن حمزة - من التفصيل بين اعتبار صاحب المتاع بالدين فالقول قول الممسك وعدمه فالقول قول المالك - قولا ثالثا في المسألة منشؤه الجمع بين الصحيح المتقدم وبين خبر عبادة بن صهيب (3) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن متاع في يد رجلين أحدهما يقول: استودعتكه، والآخر يقول هو رهن ؟ فقال: القول قول الذى يقول أنه رهن عندي، إلا أن يأتي الذي ادعى أنه أودعه بشهود) وموثق ابن ابى يعفور (4) عن الصادق عليه السلام المتقدم صدره سابقا (قال: وان كان الرهن أقل مما رهن به أو اكثر واختلفا، فقال أحدهما: هو رهن، وقال الآخر هو وديعة ؟ قال: على صاحب الوديعة البينة، فإن لم يكن بينة حلف صاحب الرهن).


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب أحكام الرهن الحديث - 1 - (2 - 3) الوسائل الباب - 16 - من ابواب أجكام الرهن الحديث 1 - 3

[ 264 ]

وصحيح أبان (1) الموافق في المتن للموثق المزبور، حتى ظن في الحدائق أنهما خبر واحد منكرا بذلك على ما حكاه عن صاحب الكفاية من عدهما خبرين، لكن فيه أنه هو قد اعترف بأن الصدوق رواه عن فضالة عن أبان عن الصادق عليه السلام، وأن طريقه إلى فضالة صحيح، وأن الشيخ روى الاول بسنده عن أبان عن ابن أبى يعفور، وبذلك يكونان خبرين، وان اتحد متنهما. وكيف كان ففيه - مع أنه لا شاهد لهذا الجمع أولا - أنه فرع المقاومة المفقودة في المقام، لا للضعف سندا، لما عرفت من أن فيهما الموثق والصحيح، ولكن لندرة العامل، بخلاف الاول الذي قد عرفت عظم شهرته، ولاعتضاده بما عرفت من القواعد وغيرها، ودعوى - اعتضاد هذه بظهور كونه رهنا بعد الاعتراف بالدين - واضحة المنع، مع أنه على تسليمها لا تساوي ما اعتضد به الاول، خصوصا ما قيل: من موافقة هذه للتقية أيضا، وأضعف من ذلك ما يحكى عن ابن الجنيد من الجمع بينها بالتفصيل أيضا بين صورتي اعتراف القابض للمالك بكونه في يده على سبيل الامانة ثم صار رهنا فالقول قول المالك، وصورة دعواه الرهانة ابتداء فالقول قوله إذ هو كما ترى، وقد ظهر من ذلك كله أنه لا محيص عن المشهور، وإن وسوس فيه بعض متأخرى المتأخرين، بل جزم بخلافه آخر ترجيحا للنصوص المزبورة على الصحيح الاول، إلا أن خلافه غير قادح، بعد أن كان منشؤه اختلال الطريقة، بل ربما افاد المشهور قوة والله أعلم. المسالة (السادسة: إذا أذن المرتهن للراهن في البيع ورجع، ثم اختلفا فقال المرتهن: رجعت قبل البيع، وقال الراهن) رجعت (بعده كان القول قول المرتهن) عند المشهور بين الاصحاب بل في جامع المقاصد نسبته إليهم مشعرا بدعوى الاجماع، خصوصا مع قوله أنه ينبغى الوقوف معهم. وإن كان الدليل يقتضى خلافه، (ترجيحا لجانب الوثيقة) المستصحب بقاؤها إلى أن يعلم المزيل.، وليس، لان الاذن في البيع غير مسقط لها، وإنما المسقط لها البيع المأذون فيه، ولم يثبت (إذ الدعويان متكافئان) لان الراهن يدعى تقدم البيع على الرجوع والاصل عدمه، والمرتهن بالعكس،


(1) المصدر المصنف

[ 265 ]

والاصل عدمه، فإن كلا منهما حادث، والاصل تأخره، والاقتران أيضا حادث و الاصل عدمه، مع انه لو حكم به هنا لاقتضى فساد البيع. وعلى كل حال يبقى استصحاب الرهانة سالما عن المعارض، ودعوى - معارضته بأصالة صحة البيع المعلوم وقوعه، فيتساقطان، ويبقى مع الراهن ملكية المرهون، وتسلط الناس على اموالهم - يدفعها أن اصالة صحة العقد مترتبة على سبقه بالاذن، فإذا حكم بعدمه لم يمكن الحكم بصحة العقد، بخلاف إستصحاب الوثيقة، فإنه باعتبار معلومية حصولها صحيحة سابقا إنما يكون الشك في طرو المبطل لها، فيكفى في نفيه أصالة عدمه، وليس استصحابها مشروطا بسبق الرجوع على البيع، حتى يقال: إنه إذا حكم بعدمه لم يمكن الحكم به، نحو ما سمعته في صحة البيع، بل يكفى في صحة استصحابها عدم العلم بسبق البيع للرجوع. ومن ذلك يعلم اندفاع ما في جامع المقاصد من المناقشة في أصل تكافؤ الدعويين: (بأن الاصل وإن كان عدم صدور البيع على الوجه الذى يدعيه الراهن، إلا أنه لا يتمسك به الان، لحصول الناقل عنه، وهو صدور البيع مستجمعا لجميع ما يعتبر فيه شرعا، وليس هناك ما يخل بصحته، إلا كون الرجوع قبله، ويكفى فيه عدم العلم بوقوعه كذلك، والاستناد إلى أن الاصل بقاء الاذن السابق، لان المانع لا يشترط العلم بانتفائه، لتأثير المقتضى وإلا لم يمكن التمسك بشئ من العلل الشرعية، إذ لا يقطع بنفي موانع تأثيرها بحسب الواقع، وهو معلوم البطلان، فإن من صلى مراعيا للافعال والشرائط، يكفيه في صحة صلاته الاستناد إلى اصالة عدم طرو النجاسة على ثوبه وبدنه الطاهرين، وإن لم يعلم انتفاؤها بحسب الواقع قطعا. هذا مع اعتضاده بأن الاصل في البيع الصحة واللزوم، وحيث تحقق الناقل عن الاصل المزبور امتنع التمسك به، وخرج عن كونه حجة، كأصل الطهارة بعد ثبوت المقتضى للتنجيس مثلا، فإنه لا يتمسك به، وحينئذ فينتفى حكم كل من الاصلين اللذين ذكروهما، على أن ما ذكروه في الاستدلال إنما يتم على تقدير تسليم بقاء الاصلين المزبورين، والانحصار فيهما وفي الاصل الثالث الذى ذكروه، وليس

[ 266 ]

كذلك، فإن لنا أصلا آخر من هذا الجانب، وهو أن الاصل في البيع الصحة واللزوم ووجوب الوفاء بالعقد. لانه كما ترى مبنى على أن الشك في صحة العقد إنما وقع في المانع الذى هو الرجوع قبل البيع، لا في حصول الشرط الذي هو الاذن، وقد عرفت ما فيه، وإلى ذلك يرجع ما في المسالك من رفعه، فانه قال: (لا نسلم وقوع البيع جامعا للشرائط الشرعية، لان من جملة شرائطه إذن المرتهن، وحصوله غير معلوم، وتنقيح ذلك أن الرهن المانع للراهن من التصرف لما كان متحققا، لم يمكن الحكم بصحة البيع الواقع من الراهن إلا باذن معلوم من المرتهن حالة البيع، ولما حصل الشك في حصولها حالته، وقع الشك في حصول الشرط نفسه، لا في وجود المانع، ومعلوم أن الشرط لا يكفى فيه عدم العلم بانتفائه، بل لا بد من العلم بحصوله، ليترتب عليه المشروط، ولو بطريق الاستصحاب، كالصلوة مع تيقن الطهارة سابقا، والشك في بقائها الآن، والامر هنا كذلك، فإن الرهن المانع من صحة البيع واقع يقينا، ويستصحب الآن، والشرط المقتضى لصحة البيع غير معلوم الوقوع في زمان البيع، لا باليقين ولا بالاستصحاب، فيرجح جانب الوثيقة كما ذكروه). لكن فيه أولا: أنه لا ريب في كون الشرط هنا بعد تحقق الاذن عدم الرجوع بها الذى هو لازم بقائها، ويكفى ما ذكروه من أصالة العدم والاستصحاب في اثباته، إلا أنه لو كان النزاع في الرجوع وعدمه، لا فيما إذا كان النزاع في أنه قبل البيع أو بعده كما هو الفرض، ضرورة معارضة أصالة عدم كونه قبله حينئذ، بأصالة عدم كون البيع قبله، كما أن استصحاب بقاء الاذن لا يمكنه أن يفيد المقارنة للبيع حينئذ، لاحتمال تخلل الرجوع الذى قد عرفت معارضة أصالة عدمه، لاصالة عدم تخلل البيع بين الاذن والرجوع، فاستصحاب بقاء الاذن حينئذ الذي لازمه عدم الرجوع، كاستصحاب بقاء المال الذى لازمه عدم البيع كما هو واضح، فكان الذى ينبغى توجيه الرد بذلك، لا بأن الشك في الشرط لا المانع، فتأمل جيدا. وثانيا: أنه لا ريب في الحكم بحصول الشرائط بعد وقوع الفعل، وإن كان

[ 267 ]

الاصل يقتضى عدمها، كما لو شك في الطهارة أو الاستقبال أو التستر أو نحو ذلك بعد الصلوة، خصوصا إذا كان أصلها ثابتا كما لو تيقن الحدث بعد الفراغ من الصلوة، ولكن لا يعلم سبقه عليها أو بالعكس، فقوله إن الشرائط لابد من احرازها بيقين أو باستصحاب، إن اراد به قبل التلبس بالفعل، فهو مسلم، ولكنه غير ما نحن فيه، وإن أراد بعده، فهو واضح المنع، ضرورة إقتضاء أصالة صحة فعل المسلم ما ذكرنا، بل الظاهر اقتضاؤها وإن كان الشرط من فعل الغير، كما لو صلى في لباس غيره أو مكان كذلك، ثم شك في أنه هل كان مأذونا أو لا ؟ فإنه يحكم بصحة فعله، ولا يكلف بالاعادة، وكذا لو شك بعد البيع هل كان مأذونا أو لا ؟. نعم أصل صحة الفعل لا يسقط بها حق غير الفاعل إذا أنكر، فللمالك الاجرة في المثال، ويحكم بعود المال لو كان موجودا لو باعه، لان أصالة صحة فعله لا تقتضي سقوط حق غير الفاعل، أما في مثل الفرض الذي قد تحقق فيه اصل الاذن، فقد يتجه دعوى جريان أصالة صحة البيع التى يكفى فيها احتمال عدم الرجوع قبله، ففي الحقيقة سقوط حقه بإذنه، لا بأصالة الصحة، إلا أنه يعارض ذلك أصالة الصحة في رجوعه، ضرورة كونه فعلا من افعال المسلم الذى ينبغى حملها على الصحة التي هي هنا الحكم بكونه قبل البيع، حتى يؤثر فسادا، فصحيحه ذلك، وفاسده الواقع بعد البيع، لعدم تأثيره، إذ ليس الفساد والصحة إلا ترتب الاثر وعدمه، ودعوى - تساقطهما والرجوع إلى الامر بالوفاء بالعقود الذي هو غير أصل الصحة ضرورة شموله لما لم يحكم بصحته وفساده، بعد الاغضاء عما فيها - يدفعه أنه شامل، لعقد الرهن أيضا، فيكون مخاطبا بالوفاء به. نعم لو كان النزاع في أصل الرجوع وعدمه اتجه الحكم بصحة البيع، ونفى الرجوع بالاصل، واستصحاب بقاء الاذن، ودعوى أن الفرض من ذلك - إذ قول الراهن رجعت بعد البيع كلام أجنبي، لا مدخلية له في الدعوى، وإنما العمدة قوله لم ترجع قبل البيع، فهو منكر والمرتهن مدع - يدفعها أنها ليست بأولى من العكس،

[ 268 ]

إذ قول المرتهن بعت بعد الرجوع كلام أجنبي لا مدخلية له في الدعوى، وإنما العمدة قوله لم تبع قبل الرجوع: فهو منكر، والراهن مدعي. ولا يراد أن مقتضي ذلك تحالفهما معا، وفسخ البيع، لان ذلك كذلك لو لم يكن لاحدهما أصل آخر يرجع إليه، أما إذا كان وهو استصحاب الرهانة، فالمنكر هو، لموافقته للاصل، والمدعي الراهن، فيكون عليه البينة، وعلى الاول اليمين. وقد ظهر من ذلك كله أنه لا وجه لما قيل أو يقال من أن المتجه العمل بالاصلين، أي أصلى بقاء الرهانة وصحة البيع، فيحكم بكونه مبيعا وهو رهن، إذ قد عرفت أنه لا أصل سالم فيقتضى الصحة، على أن العمل بالاصلين في الموضع الواحد غير متجه في المقام، ضرورة اقتضائهما حينئذ حكما فيه معلوما من الشرع خلافه، وهو رهانة ملك الغير بغير إذنه، وبقاء الرهانة مع صحة البيع المنافية لها، المقتضية سقوطها وبالجملة هو واضح الفساد. فبان أن كلام الاصحاب في محله، بل هو كذلك، لو شك المرتهن في نفسه أن رجوعه كان قبل البيع أو بعده، بعد أن علمهما معا، وكذا لو شك الراهن كذلك، فإن الاصل بقاء الرهانة في الجميع، فتأمل جيدا هذا. وفي التذكرة عن بعض الشافعية (التفصيل بينما لو قال الراهن أولا تصرفت باذنك ؟ ثم قال المرتهن: كنت قد رجعت قبله، فالقول قول الراهن بيمينه، وبين ما لو قال المرتهن أولا: رجعت عما أذنت، فقال الراهن: كنت تصرفت قبل رجوعك، فالقول قول المرتهن بيمينه، لان الراهن حينما أخبر لم يكن قادرا على الانشاء. وفي جامع المقاصد يقرب من ذلك، ما لو تصادقا على صدور البيع، ثم اختلفا في حال الرجوع أو تصادقا على صدور الرجوع، ثم اختلفا في حال البيع، اخذنا بالاقرار السابق. قلت: لعل مبنى كلام بعض الشافعية - كما يؤمى إليه التعليل - على انكار الراهن الرجوع قبل البيع المتفق عليه بينهما في الاول، من غير اعتراف بالرجوع بعده، وعلى إنكار المرتهن البيع قبل الرجوع المتفق عليه بينهما في الثاني، وهو

[ 269 ]

كذلك، إلا أنه غير مفروض الاصحاب فلا يكون تفصيلا فيه. أما ما في جامع المقاصد فيصعب الفرق بينه وبين مفروض الاصحاب، والاقرار بعد أن كان الفعل من غير المقر قد يمنع الاخذ به، فتأمل جيدا. نعم بقي شئ أشار إليه الشهيد في الدروس والحواشي وتبعه عليه غيره، وهو أن كلام الاصحاب يتم فيما إذا أطلق الدعويان ولم يعينا وقتا للبيع أو الرجوع، وأما إذا عينا وقتا واختلفا في الآخر فلا يتم، لانهما إذا اتفقا على وقوع البيع يوم الجمعة مثلا، واختلفا في تقديم الرجوع عليه وعدمه، فالاصل التأخر، وعدم التقدم، فيكون القول قول الراهن، وينعكس الحكم لو اتفقا على عدم وقت الرجوع، واختلفا في تقدم البيع عليه وعدمه، وهذه مسألة تأخر مجهول التاريخ عن معلومه، وقد حققنا الكلام فيها في مقام آخر. ولعل إطلاق الاصحاب هنا وفي مسألة الجمعتين ومسألة من اشتبه موتهم في التقدم والتأخر، ومسألة تيقن الطهارة والحدث وغيرها شاهد على أن أصالة التأخر إنما تقتضي بالتأخر على إلاطلاق، لا بالتأخر عن الاخر ومسبوقيته به، إذ وصف السبق حادث، والاصل عدمه، فيرجع ذلك إلى الاصول المثبتة: وهى منفية، فأصالة الرهن هنا حينئذ بحالها، إلا أن الانصاف عدم خلو ذلك عن البحث والنظر، خصوصا في المقام فتأمل جيدا والله أعلم. ولو كان التصرف المأذون فيه الذي اختلف في الرجوع به قبل وقوعه أو بعده انتفاعا كسكنى وركوب، ونحوهما، بناء على أن الواقع منهما بغير اذن يوجب أجرة تكون رهنا، فقد يقال: ان القول قول الراهن، لتعارض الاصلين فيبقى أصل براءة الذمة سالما هنا عن المعارض، اللهم إلا أن يقال إن الاصل في منافع الرهن على الضمان، فيكون واردا على أصل البراءة قاطعا له. ولو تلف العين، فوقع النزاع بينهما أن اتلافها كان قبل الرجوع أو بعده، فقد يقال: أيضا بتقديم قول الراهن، لاصالة البراءة أيضا من القيمة، إذ استصحاب الرهانة بعد انعدام الموضوع غير معقول، لكن قد يقوى خلافه، لان التلف لا ينافي جريان الاستصحاب إلى حال التلف، فيكون رهنا

[ 270 ]

تالفا فتأمل جيدا. والله أعلم. المسألة (السابعة) الظاهر أنه ليس للمرتهن الزام الراهن بالوفاء، بعين الرهن، وإن كان مجانسا للحق، للاصل وغيره، نعم له الزام المرتهن بالقبول مع التجانس، وليس له طلب البيع، ولو كان مخالفا للحق واتفقا على دفعه عنه أو بيعه بالموافق أو المخالف، كان لهما ذلك قطعا، لان الحق لهما، وكذا في الرهن الموافق للحق. و (إذا) اتفقا على البيع، (اختلفا فيما يباع به الرهن) فأراد أحدهما بيعه بالنقد الغالب، وآخر بغيره (بيع بالنقد الغالب في البلد) بإذن الحاكم، من غير فرق في طالب الغالب بين كونه الراهن أو المرتهن، لان لكل منهما حقا في العين، (و) حينئذ فلابد من استيذانه ل‍ (يجبر الممتنع) أو يأذن بالبيع عليه، نعم لو كان المرتهن مثلا وكيلا لازما وأراد بيعه بالغالب لم يتوقف على اذن الحاكم، ولم يلتفت إلى معارضة الراهن المخالفة للشرع، لانصراف الاطلاق إلى الغالب شرعا وعرفا. (و) كذا (لو طلب كل واحد منهما نقدا غير النقد الغالب وتعاسرا ردهما الحاكم إلى الغالب، لانه الذي يقتضيه الاطلاق) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا. لكن قد ينافش أولا: بأن المتجه إجابة المالك لو كان طالبا للبيع بمساوي الحق، وإن لم يكن الغالب، لان المراد منه وفاء عين الحق، وليس للمرتهن غرض بالبيع بالنقد الغالب أو غير مساوي الحق، حتى يصلح لان يكون معارضا لذلك، ولا إطلاق في الادلة بحيث يعارض ذلك، بل ربما ظهر من قوله عليه السلام - في خبر خوف جحود الورثة (1) المتقدم سابقا (فليأخذ ماله مما في يده) - أن الرهن يباع بمساوي الحق، فيجاب إليه حينئذ من أراده منهما، وإن كان المرتهن. وربما يؤيده أنه المنساق من الاستيثاق، بل يؤيده أنه لو لم يكن له ذلك، لادى


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب أحكام الرهن الحديث - 1

[ 271 ]

إلى الضرر على المرتهن بالنقد، ثم النقل، لعدم دليل يقتضي الزام الراهن شراء الحق بثمن الرهن في المرتبة الاولى، أللهم إلا أن يجعل ذلك هو الغاية، فيقال للراهن التغليب ما لم يستلزم الضرر على المرتهن بالتعطيل، أو يقال ليس للراهن إلا البيع بالنقد الغالب أولا، ثم ليس له إلا شراء عين الحق بالثمن إذا لم يرض المرتهن فتأمل جيدا. أو يقال أن مبنى كلام الاصحاب على وجوب قبول المرتهن الثمن الغالب عوضا عن حقه وافقه أو خالفه، لان مبنى الرهانة على ذلك، إلا أنه كما ترى فيه هدم لقاعدة استحقاق المستحق عين ماله من غير دليل، إذ ليس في الادلة إلا بيعه وهو أعم من ذلك إذ يمكن ارادة أنه يباع ويشترى بثمنه عين الحق، ودعوى - أن الرضا بالارتهان مقتض للرضا بأخذ الثمن، عوضا عن حقه وإن خالفه - واضحة المنع، كدعوى أن ذلك حكم شرعي لا مدخلية فيه لرضاهما، فتأمل جيدا. وثانيا: أنه لا معنى لرد الحاكم لهما إلى الغالب بعد ان اتفقا على عدمه، والحق منحصر فيهما، وقطع نزاعهما يكون بترجيح أحدهما على الآخر بمساواة الحق ونحوها، فإن لم يكن فالقرعة، أو اختيار الحاكم. هذا ولكن ليس في كلام من تعرض للمسألة من الاصحاب شئ من ذلك، قال في القواعد: في فروع وضع الرهن على يد العدل: (ولو عينا ثمنا لم يجز له التعدي فإن اختلفا لم يلتفت إليهما إذ للراهن ملكية الثمن، وللمرتهن حق الوثيقة، فيبيعه بأمر الحاكم بنقد البلد، وافق الحق أو قول أحدهما أولا، وإن تعدد فبالاغلب فإن تساويا فبمساوي الحق، فإن باينهما عين له الحاكم) وقال في التذكرة في فروع العدل أيضا (لو اختلف المتراهنان فقال أحدهما: بع بدنانير، وقال الآخر: بع بدراهم، لم يبع بواحد منهما، لاختلافهما في الاذن، ولكل منهما حق في بيعه، فللمرتهن حق الوثيقة في الثمن، واستيفاء حقه منه وللبايع ملك الثمن، فإذا اختلفا رفعا ذلك إلى الحاكم، فيأذن له أن يبيعه بنقد البلد، سواء

[ 272 ]

كان من جنس حق المرتهن أو لم يكن، وسواء وافق ذلك قول أحدهما أو خالفه، لان الحظ في البيع يكون بنقد البلد، ولو كان النقدان جميعا نقد البلد، باعه بأعلاهما، وان كانا متساويين في ذلك باع بأوفرهما حظا، فإن استويا في ذلك، باع بما هو من جنس الحق منهما فإن كان الحق من غير جنسهما باع بما هو أسهل صرفا إلى جنس الحق وأقرب إليه فأن استويا في ذلك، عين له الحاكم أحدهما فباع به، وصرف نقد البلد إليه). وقال في الدروس: (ولو اختلفا فيما يباع به، بيع بنقد البلد، بثمن المثل حالا، سواء كان موافقا للدين أو اختيار أحدهما، أم لا، ولو كان فيه نقدان بيع بأغلبهما، فإن تساويا فبمناسب الحق فان بايناه عين الحاكم إن امتنعا من التعيين، ولو كان أحد المتباينين أسهل صرفا إلى الحق تعين) إلى غير ذلك من عباراتهم التي لا تعرض فيها لشئ مما ذكرنا، كما لا تعرض فيها لبيان البلد الذى يعتبر البيع، بنقده الغالب، هل هو بلد البيع، أو بلد الرهانة، أو بلد المرتهن، أو بلد الراهن، إذ لا اشكال مع اتحاد الجميع، أما مع الاختلاف ففيه إشكال، وان كان ترجيح بلد البيع لا يخلو من وجه، ولعل إرجاع الامر إلى الحاكم مع التنازع في هذا الحال فيقطعه بنظره أولى. (و) على كال حال ف‍ (لو كان للبلد نقدان غالبان) متساويان إذ لو كانا متفاوتين بيع بالاغلب، بل قد يندرج في السابق أما مع التساوى ففى المتن (بيع بأشبههما بالحق) والظاهر إرادة الموافقة من المشابهة، ويمكن إرادة الاعم من ذلك، ترجيحا لجانب المرتهن الذى كانت الحكمة في مشروعية الارتهان له استيفاء حقه من الرهن، ولا ريب في أولوية استيفائه أولا على غيره. لكن قد سمعت ما في التذكرة أنه مع التساوى يباع بأوفرهما حظا، وكأنه رجح مصلحة المالك، أما مع المباينة فظاهر المتن وصريح القواعد البيع بما عين الحاكم، إلا أنه قد تقدم ما في الدروس أن البيع بالاسهل صرفا إلى الحق، وفي

[ 273 ]

المحكي عن التحرير بيع بأقربهما حظا، وفي المسالك هو أقعد من الجميع، فإنه ربما كان عسر الصرف إلى الحق أصلح للمالك. قلت: والكلام في اعتبار مراعاة مصلحة المالك. فتأمل جيدا والله أعلم. المسألة (الثامنة: إذا ادعى) المرتهن (رهانة شئ) مخصوص (فأنكر الراهن، وذكر أن الرهن غيره، وليس هناك بينة، بطلت رهانة ما ينكره المرتهن) بلا خلاف أجده فيه، لكونه جايزا من قبله، فيكفى في فسخه إنكاره، الظاهر في عدم الرضا بكونه رهنا الآن، ولكنه لا يخلو من تأمل، خصوصا بعد ما تسمعه عن الارشاد إن لم يكن اجماعا، كما يظهر من تتبع كلماتهم في نظائر المقام، كانكار الطلاق الرجعى وغيره مما صرحوا بكونه فسخا من المنكر فلاحظ وتأمل. (و) إذا بطلت رهانة ما أنكره المرتهن (حلف الراهن على) نفى رهانة (الآخر) الذي ادعاه المرتهن، لانه منكر بلا إشكال، كما لو قال: رهنت العبد فقال المرتهن: بل هو والجارية (و) حينئذ فإذا حلف الراهن في الفرض (خرجا) معا (عن الرهن) في ظاهر الشرع، لكن عن الارشاد أنهما يتحالفان، ولعله لعدم البطلان بالانكار الذي هو أعم من الفسخ، وفيه مضافا إلى ما عرفت من ظهور الاتفاق على كونه فسخا، أن له طريقا إلى التخلص عن اليمين بالفسخ على تقدير الرهانة، لانه جايز من قبله، فتكليفه باليمين التى مرجعها إلى الفسخ الذي يمكن وقوعه منه بدونها لا وجه له، فلا ريب في أن الاقوى ما ذكره الاصحاب الذين هو من جملتهم في القواعد، والمحكي عن التذكرة. نعم قد يتجه التحالف لو كان ما اختلفا في رهنه شرطا في بيعه، كما اختاره الشهيدان، ومال إليه ثاني المحققين، لرجوعه حينئذ إلى الاختلاف في الثمن، إذ الشرط من مكملاته، فيتحالفان حينئذ على كيفية الشرط ويتسلط البايع مثلا حينئذ على فسخ العقد، لعدم سلامة الشرط الذي اتفقا عليه في الجملة له، لكن في القواعد أن الاقوى تقديم قول الراهن أيضا، وهو لا يخلو من وجه لاصالة اللزوم وعدم ثبوت عدم الوفاء بالشرط، بحيث يتسلط به على الفسخ، إذ لعله

[ 274 ]

ما انكر رهانته فيكون هو المفوت لشرطه، فلا يفسخ بمجرد الاحتمال فإذا لم يكن له الفسخ لم يتوجه عليه اليمين ويختص اليمين بالراهن، وهو قوي جدا، ولا غرابة في بقاء العقد بلا شرط، وإن اتفقا معا عليه، بعد الجريان على الضوابط، كما أومى إليه فخر المحققين في المحكي عنه، فلاحظ، وتأمل. والله أعلم. المسألة (التاسعة: لو كان له دينان أحدهما برهن) والآخر بلا رهن مثلا (فدفع) الراهن (إليه مالا واختلفا) في أنه عن ذى الرهن، أو عن فاقده (فالقول قول الدافع) بلا خلاف ولا إشكال (لانه أبصر بنيته) التي لا تعلم إلا من قبله، بل ربما قيل: بأن القول قوله بلا يمين، لذلك، لكن يمكن أن يكون قد علم المرتهن منه ذلك، ولو بقرائن فيحتاج إلى اليمين حينئذ في النفى، خصوصا بعد مشروعيتها لنفى التهمة، أما لو ادعى المرتهن عليه الاقرار، فلا إشكال في توجه اليمين، و الامر في ذلك سهل. إنما الكلام فيما إذا اعترف الدافع بأنه لم ينو أحدهما حال الدفع، فقد يحتمل التوزيع، وبقاء التخيير، فله أن يصرفه الآن إلى ما شاء، بل جزم في جامع المقاصد بالاول، لصحة القبض والدفع، وليس أحدهما أولى من الاخر، ولانه قد ملكه ملكا تاما. فإما عن الدينين، أو عن أحدهما بعينه، أو لا عن أحدهما، أو عن أحدهما لا بعينه، والكل باطل إلا الاول، لاستحالة الترجيح بلا مرجح، وملك المقضى به مع عدم زوال المقضي عن الذمة، ولانه إن لم يزل عن ذمته شئ منهما لزم المحال، وإلا كان هو المقضى عنه. لكن فيه أن الفعل المشترك لا ينصرف من دون تعيين، فالتوزيع محتاج إلى مرجح أيضا، وعدم اعتبار ذلك في قضاء الدين إنما يسلم مع عدم اختلاف جهة الدين لعدم ما يترتب حينئذ على النية، أما مع الاختلاف ولو بتعدد الغريم فلا. لاصالة بقاء المال على ملك الدافع، وبقاء شغل الذمة، وحينئذ فان كان مبنى الاحتمال الثاني ذلك، كان له وجه، وإلا فهو مشكل.

[ 275 ]

اللهم إلا أن يدعى أنه وإن ملكه القابض، لكن إذا تعقب بالتعيين بعد ذلك ينكشف الملك على هذا الوجه من حين الدفع وبه حينئذ يرجح على التوزيع وغيره أو يقال إنه بالدفع يملك على الغريم ما قابله مما في ذمته على وجه التخيير له في التعيين. وقد يحتمل القرعة أيضا، كما احتملت فيما إذا كان له زوجتان أو زوجات، فقال: زوجتى طالق، ولم ينو واحدة منهما، فإن المحكي عن الشيخ والفاضلين والشهيد احتمالها، واحتمال التعيين بعد ذلك، فيقع الطلاق حينئذ من حينه، أو حين اللفظ، قيل: وكذا لو أسلم على أكثر من أربع، أو دفع الزكاة وكان له مالان غائب وحاضر. أو سمى ولم ينو سورة معينة، أو كان له خيار حيوان، وشرط وأسقط من خياره يومين، لكن فيه - بعد الفرق بين بعض الامثلة أو جميعها، وبين المقام - أنه قد يلتزم القائل بالتوزيع مثله في القابل منها، لعدم الاشكال حينئذ معه، وغير القابل يفزع إلى القرعة، أو غيرها. وعلى كل حال فمما ذكرنا يعرف الحال في نظاير المسألة كما لو تبايع كافران درهما بدرهمين، ودفع مشترى الدرهم درهما، ثم أسلما فإنه إن قصد به الفضل، بقي عليه الاصل وإن قصد الاصل فلا شئ عليه، وإن قصدهما وزع وسقط ما بقى من الفضل وإن لم يقصد فالتوزيع. أو التعيين الآن، أو والبطلان كما ذكرنا، وقد يحتمل هنا الاحتساب من الاصل، لانه الدين حقيقة وغيره حكما ماداما على الشرط. فتأمل وكما لو كان لزيد عليه ماءة ولعمرو مثلها، ووكلا من يقبض لهما، ودفع المديون لزيد أو لعمرو أو لهما فذاك، وإلا فالوجوه والبطلان هنا أقوى منه فيما تقدم، ولو اقتص الغريم حيث يجوز له ذلك، احتمل كون المدار على نيته، لكن ينبغى مراعاة المصلحة والتوزيع، ولو دفع الحاكم عن المماطل كان الاعتبار بنيته، لانه الولى. نعم لو نوى المماطل بعد القهر بما دفعه الحاكم أمكن اعتبار نيته، كما لو قهره الحاكم على الدفع فنوى، وقد يحتمل اعتبار نية القابض، ولو لم ينو أحد منهم

[ 276 ]

احتمل التوزيع، والتعيين، و البطلان، وفي القواعد (ولو أخذ من المماطل قهرا فالاعتبار بنيته، ويحتمل القابض) ولو فقدت فالوجهان أي التوزيع والتعيين بعد ذلك والله أعلم. (وان اختلفا في رد الرهن فالقول قول الراهن مع يمينه إذا لم يكن له) أي المرتهن (بينة) بلا خلاف اجده فيه لانه منكر، باعتبار موافقته لاصالة عدم الرد، وكون المرتهن امينا أعم من تصديقه في ذلك، والقياس على الودعي - مع أنه باطل عندنا - قد يفرق بينهما، بالقبض لمصلحة المالك، فيكون محسنا لا سبيل عليه، وعدمه، وكذا المستعير والمقارض والوكيل بجعل وغيرها والله أعلم.

[ 277 ]

* (كتاب المفلس) * (المفلس) بالكسر لغة (هو الفقير الذى ذهب خيار ماله وبقي فلوسه) ونحوه ما في القواعد من أنه من ذهب جيد ماله، وبقي رديه، فصار ماله فلوسا و زيوفا، ولعل العرف الآن على كون المفلس بالكسر أعم من الذاهب خيار ماله، بل هو شامل لمن لم يكن له مال من أول أمره إلا الفلوس. نعم قد يقال إن المفلس بالفتح عرفا ذلك، على أنه لا يخلو من بحث، وعن المبسوط أن المفلس لغة هو الفقير المعسر وهو مشتق من الفلوس، وكان معناه نفى خيار ماله وجيده، وبقي معه الفلوس، وعن التحرير أنه مأخوذ من الفلوس التي هي آخر مال الرجل. وعن التذكرة الافلاس مأخوذ من الفلوس، وقولهم أفلس الرجل كقولهم أخبث أي صار أصحابه خبثاء، لان ماله صار فلوسا وزيوفا، ولم يبق له مال خطير، و كقولهم أذل الرجل: أي صار إلى حالة يذل فيها، وكذا أفلس أي صار إلى حالة يقال فيها ليس معه فلس، أو يقال لم يبق معه إلا الفلوس، أو كقولهم أسهل الرجل وأحزن، إذا وصل إلى السهل والحزن، لانه إنتهى أمره إلى الفلوس. والاصل أن المفلس في عرف اللغة هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وآله: (1) (أتدرون ما المفلس ؟ قالوا: يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة حسناته أمثال الجبال، ويأتى وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من


(1) صحيح مسلم ج 4 كتاب البر والصلة الحديث 59 طبع دار احياء التراث العربي بيروت، مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 303 طبع دار صادر بيروت.

[ 278 ]

حسناته وهذا من حسناته، فان بقى عليه شئ أخذ من سيئاتهم، فيرد عليه، ثم صار إلى النار). وعن القاموس: أفلس إذا لم يبق معه مال، فكأنما صارت دراهمه فلوسا، أو صار بحيث يقال: ليس معه فلس، وفلسه القاضي تفليسا، حكم بإفلاسه، قلت: لا ريب في أن أفلس بالمعنى الذى ذكروه، فيكون لازما، واسم الفاعل منها مفلس بالكسر، ولا يكون منها اسم مفعول. نعم فلس بالتشديد اسم مفعولها مفلس، والظاهر أن ما ذكره في القاموس أخيرا من جملة خبطه في المعاني، إذ الظاهر أنه أراد بذلك المعنى الشرعي، وعلى كل حال ففى العرف - الكاشف عن اللغة للاصل - أن المفلس بالكسر الفقير الذى لا مال له يعتد به عنده، والمفلس الذى ذهب جيد ماله وبقي معه الفلوس (و) ربما اطلق على الاول عرفا. أما (المفلس) بالفتح شرعا، ولو على جهة المجاز أو الحقيقة المتشرعة أو الشرعية بناء على ثبوتها في مثله، ففي المتن (هو الذي جعل مفلسا، أي منع من التصرف في أمواله) وفي القواعد من عليه ديون، ولا مال له يفي بها، وهو شامل لمن قصر ماله ومن لا مال له، بناء على عدم استدعاء السالبة وجود الموضوع، وفي المسالك نسبة هذا التعريف إلى أكثر الفقهاء منا ومن العامة، عليه يكون المفلس ذلك، وإن لم يحجر عليه. ويشهد له قولهم، لو مات المفلس قبل الحجر عليه لم تترتب الاحكام، وشرط الحجر على المفلس التماس الغرماء، وغير ذلك مما قيل إنه صار بسببها حقيقة، لكثرة الاستعمال، بحيث يبعد حمله على ارادة المجاز، وحينئذ يكون الفلس سابقا على الحجر ومغايرا له، وهو أحد أسبابه كما ذكروه، لا عينه ولا جزء مفهومه. نعم قد يطلق التفليس على حجر الحاكم على المفلس، كما يقال: فلسه القاضي لكنه من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، وحيئنذ فلا مانع من اجتماع الفلس والصغر، كما إذا استدان الولي للصبي إلى هذه المرتبة، وكذا السفيه، ولا يمنع من ذلك عدم حجر الحاكم على الصبي المفلس، لانه ليس بشرط في تحقق مفهومه شرعا،

[ 279 ]

وعليه فبين المعنى اللغوي والشرعي عموم من وجه، يجتمعان فيمن عليه الديون ولا مال له، وينفرد اللغوي بمن ذهب ماله، وليس عليه دين، الشرعي بمن له مال كثير ولكن عليه دين يزيد على ماله، وبه جزم في المسالك، قال: (وعلى ما يظهر من تعريف المصنف يكونان متباينين). قلت: فيه أولا: أنه على تعريف المصنف بينهما العموم من وجه، ضرورة ملاحظته بالنسبة إلى المصداق، فالمحجور عليه تارة يكون عليه الديون، ولا مال له، أو له مال فلوس فيجتمعان فيه، وينفردان بما ذكره هو أيضا، وثانيا أن الحق كون المفلس شرعا من حجر عليه لقصور ماله عن ديونه، أو لعدم ما في يده، فيكون التحجير عليه بالنسبة إلى المتجدد، كما صرح به الفاضل وإن كان لنا فيه بحث، تسمعه إنشاء الله تعالى، فقبل الحجر لا يسمى المديون مفلسا شرعا، وان استغرقت ديونه أمواله، و زادت عليها، كما يشهد لذلك التأمل لكلماتهم، والمناسبة لمعنى اسم المفعول في المفلس، إذ منع الحاكم له من التصرف يكون كأخذ فلوسه منه، وبه صرح المحقق الثاني، والامر سهل والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (لا يتحقق الحجر عليه إلا بشروط أربعة) وفي القواعد والتذكرة خمسة، بزيادة المديونية التي ترجع إلى (الاول) وهو (أن تكون ديونه ثابتة عند الحاكم) الذي أراد التحجير عليه، أو غيره ضرورة اصالة بقاء سلطنته مع عدم الثبوت، بل هو ليس مفلسا شرعا كما عرفت. (الثاني: أن تكون أمواله) من عروض ومنافع وديون غير المستثنيات في الدين (قاصرة عن ديونه) فإن لم تكن قاصرة فلا حجر عليه اجماعا محكيا في جامع المقاصد والمسالك وظاهر التذكرة، بل طالبه أرباب الدين، فإن قضى وإلا رفعوا أمرهم إلى الحاكم، فيحبسه إلى أن يقضي، أو يبيع عليه ويقضى عنه، لانه ولي الممتنع، ولا يمنع في هذا الحال عن التصرف في أمواله، فلو تصرف فيها بحيث أخرجها عن ملكه، قبل وفاء الحاكم بها نفذ تصرفه، وانتقل حكمه إلى من لم يكن عنده مال لديونه، للاجمال في التذكرة على اشتراط منع التصرف بالحجر، كما هو مقتضى الاصل.

[ 280 ]

(ويحتسب من جملة أمواله معوضات الديون) لانها من أملاكها سيما فيما لا يكون لاهلها الرجوع فيها، كما أنه يحتسب أعواضها من ديونه، بلا خلاف أجده بيننا. نعم عن بعض العامة أنها لا تقوم عليه، لان لاربابها الرجوع فيها، فلا تحتسب من ماله ولا عوضها عليه من دينه، وفيه - مضافا إلى ما عرفت من أنه قد لا يكون لاربابها الرجوع، وثبوته بالفلس إنما يكون بعد التحجير لا قبله، على الاصح، كما ستعرف أنه لا يمنع ذلك من احتسابها من امواله، بعد أن كانت من أملاكه، فمع عدم القصور بها تبقى حينئذ سلطنته على ماله، بل الظاهر بقاؤها إذا كانت له أموال مؤجلة بها يرتفع القصور، أو أموال غايبة، بل لو كانت على معسرين أمكن القول ببقاء السلطنة للاصل، لكنه لا يخلو من اشكال، ونحوهم من لا يتمكن من الاستيفاء منهم، ولو ظلما وكذا الاموال المغصوبة. (الثالث: أن تكون حالة) لعدم الاستحقاق مع التأجيل. فلا يحجر عليه، وإن لم يف ماله بها لو حلت، للاصل، ولو كان بعضها حالا حجر عليه مع القصور، وسؤال أربابها، فيقسم ماله حينئذ بينهم، ولا يذخر للمؤجلة شئ حتى أعواضها ولا يدام الحجر عليه لها، كما لا يحجر بها ابتداء، ودعوى حلولها بالتحجير - كما عن الشافعي واحمد ومالك - واضحة الفساد، لعدم الدليل القاطع، للاصل حتى القياس على الميت، لظهور الفرق بينهما ببقاء الذمة، وقابلية الاكتساب وغيرها، كما هو واضح. (الرابع: أن يلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه) إذ الحق لهم، فلا يحجر عليه مع عدم التماس أحدهم، للاصل، إلا أن يكون الدين لمن هو وليه، من يتيم أو مجنون أو نحوهما، دون الغائب الذي لا ولاية له عليه بالنسبة إلى استيفاء دينه، بل يعتبر في التحجير عليه بالتماس البعض أن يكون دينه مقدارا يجوز الحجر به عليه للاصل وان عم الحجر حينئذ له ولغيره، من ذى الدين الحال الذي يستحق المطالبة به، وبذلك افترق عن المؤجل، مع أنه لم يثبت التحجير لبعض الدين الحال، خلافا للتذكرة، فاستقرب جواز الحجر بالتماس البعض، وإن لم يكن دين الملتمس زائدا عن ماله، ولا دليل عليه يقطع الاصل، والضرر عليه يرتفع عنه باجبار الحاكم له على الوفاء.

[ 281 ]

(و) على كل حال فقد بان لك انه (لو ظهرت امارات الفلس) عليه مثل أن يكون نفقته من رأس ماله، أو يكون ما في يده بازاء دينه، ولا وجه لنفقته إلا ما في يده (لم يتبرع الحاكم بالحجر) عليه للاصل، فهو حينئذ كمن لم يظهر عليه أماراته، مثل أن يكون كسوبا ينفق من كسبه، خلافا للشافعي فجوز الحجر على من ظهرت عليه امارات الفلس، ولا ريب في ضعفه، كضعف ما يحكى عنه أيضا من جواز الحجر على من ساوت أمواله ديونه. (وكذا) لا يحجر عليه الحاكم (لو سأل هو الحجر) على نفسه، من دون التماس الغرماء، للاصل السالم عن المعارض، لكن استقرب في التذكرة جواز اجابته، لان فيه مصلحة له، ببراءة ذمته، فكما يجاب الغرماء في ملتمسهم حفظا لحقوقهم، يجاب هو أيضا ليسلم من حق الغرماء، ومن الاثم بترك وفاء الدين، ولما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (أنه حجر على معاذ بالتماسه خاصة) وفيه ان الخبر لم يثبت من طرقنا فليس حجة، سيما مع كون المشهور كما في المسالك على خلافه. والاول اعتبار لا يصلح مدركا لحكم شرعي. وما أبعد ما بينه، وبين المحدث البحراني الذي توقف في أصل الحجر بالفلس ولو مع الشرائط محتجا بأنه ليس في النصوص ما يدل عليه. وفيه مع عدم انحصار الحجية فيها، بل الاجماع بقسميه هنا كاف في ذلك، على أن الموجود منها هنا غير خال من الاشعار، بل الظهور، سيما النبوي المتقدم آنفا، ففى موثق عمار (2) عن الصادق عليه السلام (كان أمير المؤمنين عليه السلام يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فإن أبا باعه فيقسمه بينهم)، فإن الامر بقسمة ماله ظاهر في رفع اختياره في التحصيص لو أراده، بل هو ظاهر في رفع اختياره لو أراد التصرف فيه على وجه يخرجه عن ملكه، حتى لا يستحق الديانة منه، بل لعل المراد من قوله يحبس، المنع من التصرف.


(1) سنن البيهقى ج 6 ص - 48 -. (2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب أحكام الحجر الحديث - 1 - وذيله

[ 282 ]

كما يرشد إليه خبر غياث (1) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه السلام كان يفلس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر به فيقسم ماله) الحديث. ضرورة عدم معقولية إرادة غير ذلك من التفليس، خصوصا بعد قوله عليه السلام ثم إلى اخره ومنه حينئذ يظهر دلالة خبر الاصبغ بن نباته (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام (أنه قضى أن الحجر على الغلام حتى يعقل، وقضى في الدين أنه يحبس صاحبه، فإن تبين افلاسه والحاجة، فيخلى سبيله حتى يستفيد مالا، وقضى عليه السلام في الرجل يلتوى على غرمائه أنه يحبس ثم يأمر به، فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص، فإن أبا باعه فيقسم بينهم). بل وخبر السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام أنه كان يحبس في الدين ثم ينظر فإن كان له مال اعطى الغرماء وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء، ويقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم، فاجروه، وإن شئتم فاستعملوه). وكيف كان فلا ينبغى الشك في أصل جواز الحجر بالفلس، على معنى منع التصرف، ولعل ذلك من مقتضى نصبه حاكم أيضا، (و) حينئذ ف‍ (إذا حجر عليه) استحب له اظهار ذلك، بحيث لا يتضرر معاملوه، كما في القواعد والتذكرة، ومحكي المبسوط والتحرير، لان مثل هذه النصيحة مرادة من الحاكم، و (تعلق به منع التصرف، لتعلق حق الغرماء، واختصاص كل غريم بعين ماله، وقسمة أمواله بين غرمائه) فينحصر (القول) فيه حينئذ في هذه الثلثة. الاول: (في منع التصرف، و) لا خلاف بين الاصحاب في أنه (يمنع من التصرف) إبتداء في المال الموجود حال الحجر، سواء كان بعوض أو غيره، بل ولو محاباة (احتياطا) لحفظ المال (للغرماء) ولا يتم إلا بذلك، ضرورة أنه متى كان له تسلط على المال بوجه، خيف عليه منه، فلا ريب في أن الاحتياط - لحق الغرماء الذى شرع التحجير عليه له - في عموم منع التصرف فيه، وعن ظاهر الخلاف وكذا


(1) المصدر نفسه. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب أحكام الحجر الحديث - 4 - (3) الوسائل الباب - 7 - من ابواب احكام الحجر الحديث - 3 -

[ 283 ]

الغنية الاجماع على منعه من التصرف بماله، بما يبطل (1) (الغرماء). نعم لا يمنع مما لم يكن تصرفا فيه، كالنكاح والطلاق والقصاص والعفو عنه، والاقرار بالنسب، ونحو ذلك، مما هو ليس تصرفا في المال، وان استلزم بعضها ذلك، كالمؤنة في الاقرار بالنسب، ونحوه. كما لا يمنع من التصرف المحصل للمال كالاحتطاب والاصطياد، وأولى منهما قبول الوصية والاتهاب، والشراء بثمن في الذمة، والقرض ونحوها، مما هو مصلحة للغرماء، بناء على تعلق حقهم بها أيضا، فتدخل حينئذ في الحجر، كما صرح به الفاضل والكركي، وثاني الشهيدين. لكن قد يشكل باصالة عدم تعلق الحجر بها، إذا الثابت من تعلقه بالاموال القاصرة حال الحجر لا غيرها، خصوصا مع الضرر على أصحابها في بعض أفرادها، كما إذا اشترى في الذمة أو باع سلما، بناء على عدم جواز الفسخ للبايع، وإن كان جاهلا كما صرح به الفاضل وغيره، للاصل وتعلق حق الغرماء بها، وأنه لا يشاركهم فيما له من الدين لتجدده، وستسمع تحقيق الحال فيه انشاء الله تعالى. ولعله لذلك أو لغيره استشكل في تعلق الحجر بها في الارشاد، ولم يرجح الشهيد في المحكى عن حواشيه، وغاية المراد، بل عن فخر المحققين أن عدم التعلق أولى، والظاهر أن محل النزاع في أصل مشروعية التحجير فيها وعدمه، لا في دخولها في اطلاق التحجير وعدمه، المبني على المفروغية من جواز التنصيص له على الدخول أو الخروج، كالمفروغية من جواز تجديد الحجر عليها، لاتحاد المدرك فيها وفي سابقها إلا ان ما عدا الاخير يمكن منعه للاصل السالم عن معارضة ما يصلح للخروج به عنه بعد القول بعدم حجية كل ظن حصل للمجتهد، خصوصا ما كان من أمثال هذه الاعتبارات التي يصعب الفرق بينها، وبين القياس والاستحسان، وحينئذ فلا يتجه


(1) هكذا في النسخ المصححة لكن الظاهر اسقاط النساخ كلمة (حق) والصحيح هكذا (بما يبطل حق الغرماء)

[ 284 ]

جعل النزاع فيه، على أن المتجه على تقديره سؤال الحاكم إذا لم يعلم لفظ تحجيره، ولو تعذر اقتصر على المتيقن. وعلى كل حال لا يمنع من أمثال هذه التصرفات، بل صرح الفاضل والكركي بعدم منعه من نحو الوصية والتدبير الذي لا ضرر فيه على الغرماء، لكونه بعد الموت الموجب لسبق استيفاء الدين أولا، وفيه أنه لا يتم بناء على بطلان تصرفه، وسلب عبارته فيما يتعلق بالمال الموجود، كما هو ظاهر قول المصنف (فلو تصرف كان باطلا، سواء كان بعوض كالبيع والاجارة، أو بغير عوض كالعتق والهبة) بل هو المحكي عن أبي على، والمبسوط، والتحرير، والايضاح، فيكون حينئذ معنى تحجير الحاكم هنا سلب الاهلية، بل قيل هو أمر زائد على منافاة حق الغرماء، وحينئذ لا فرق فيه بين الوصية وغيرها، ولعله لذا جزم الفاضل في المحكى عن قواعده في باب التدبير بعدم الصحة. اللهم إلا أن يفرق بين الوصية وغيرها بأنها تصرف في المال بعد الدين، بخلاف غيرها، فإنه تصرف في المال فعلا، وإن لا ينفذ على تقدير الصحة إلا بعد الوفاء، مضافا إلى أنه يقوى عدم كون التحجير سلب الاهلية، لعدم الدليل، بل قولهم بنفوذ تصرف السفيه مع اجازة الولى ينافيه، وأنه لا يقصر بالحجر من التصرف في مال الغير الذي بنفذ بالاجازة، إذ ليس التحجير إلا لمنافاة التصرف لحق الغرماء، وهو حاصل بعدم النفوذ، غير متوقف على سلب الاهلية، ولعله لذا نفى الباس عن عدم البطلان في التذكرة، وقواه في جامع المقاصد، وفي المسالك (لعله أقوى). وهو كذلك بناء على أن الفضولي على القاعدة، بل وان لم نقل بذلك، للفحوى حينئذ، ودعوى - ان المتجه مع الشك في كون التحجير سلب الاهلية أو النفوذ عدم انتقال المال بمثل هذا العقد، وإن تعقبه إجازة أو تبين زيادة مال، للاصل - يدفعها منع الشك، ولو لعموم (الوفاء بالعقود) أللهم إلا أن يمنع شمولها للمشكوك


(1) سورة المائدة الاية - 1 -

[ 285 ]

في أهلية النقل، كالمشكوك في أنه يعقد عليه أولا، لكن فيهما معا بحث. وعلى كل حال فالاقوى صحة عقده، بل ظاهر جماعة من الاصحاب، بل هو كصريح التذكرة عدم بطلانه برد الغرماء، وأنه يبقي موقوفا على أن يقسم المال، لا يباع ولا يسلم إلى الغرماء، فان فضل لارتفاع قيمة غيره، أو لابراء بعض الديانة أو غير ذلك، نفذ فيه التصرف، والا بطل، لسبق التعلق به فيه، وليس لذوي الدين ابطال التصرف، وفسخ العقد قبل ذلك، هو جيد، وقد أومأنا إليه في تصرف الراهن ولو كان ما تصرف فيه متعددا ففي القواعد (انه مع القصور يبطل الاضعف، كالرهن والهبة ثم البيع والكتابة، ثم العتق) وعن الشافعية احتمال نقض الاخير كما في تبرعات المريض إذا زادت عن الثلث، لان المزاحمة إنما وقعت بين ديون الغرماء والاخير، فيكون السابق ماضيا، لعدم ما ينافيه، واستحسنه في التذكرة. وفيه أن الحجر على المريض إنما هو فيما زاد على الثلث، فالاخير هو الزائد، فيكون باطلا دون ما سواه، بخلاف المفلس، فانه محجور عليه في الجميع، فلا يظهر فرق بين الاخير وغيره لان الجميع كالفضولى، فينبغي أن يقال حينئذ: جميع التصرفات موقوفة ولابد من إبطال بعضها، ولا أولوية لبعض على غيره، بشئ من الاعتبارين، لان المتقدم والمتأخر سواء في كونهما موقوفين، والضعيف والقوي سواء في كونهما غير نافذين، ولا فرق بين العتق وغيره في ذلك، فيقرع حينئذ، أو يخيرون، كما لو وقع التصرفت دفعة واحدة، وقد يحتمل البطلان في الجميع، وفيه ضعف. لكن في جامع المقاصد (التحقيق أنا لو قلنا: أن الاجازة كاشفة لا ناقلة كانت جميع التصرفات مراعاة بوفاء الدين، فيظهر للتقدم أثر حينئذ، وحيث أنا رجحنا هذا القول فيما سبق كان ذلك أقوى) وفيه نظر يعرف من ملاحظة ما سلف لنا في تصرف الراهن. فلاحظ وتأمل، ولو كان التصرف بيعا ونحوه على الغريم صح، ضرورة ظهوره في إرادة الشراء الصحيح المستلزم للرضا بالتصرف، فلو باعه حينئذ منه بالدين وليس سواه صح لما ذكرنا، لا لما في القواعد (من أن سقوط الدين يسقط الحجر) إذ هو مستلزم للدور، أو اقتران صحة البيع، وارتفاع الحجر المنافي لتقدم الشرط

[ 286 ]

الذي هو رفع الحجر على المشروط، وهو صحة البيع. ولو ظهر غريم بعد ذلك فقد يحتمل بطلان البيع من رأس، لعدم تصور مشاركته في الثمن الذي هو الدين والبطلان في مقدار ما يقابل دينه من العين، والرجوع على المشتري بمقدار ما يقابلها ولعل الاقوى الاول، بناء على عدم تصور التبعيض في حق الحجر، فمتى بطل بالنسبة إلى أحدهما بطل بالنسبة إلى الجميع، لان حق كل منهم يتعلق بتمام العين، حتى لو أبرأ أحدهم ذمة المفلس بقي حق الاخر متعلقا بالجميع، ولا يفك من العين مقدار الدين، ولا فرق في الحكم المزبور بين كون البايع الحاكم أو المفلس، أما لو باعه من الغريم بثمن غير الدين ثم ظهر غريم صح وشاركه في الثمن بالنسبة، إذا كان البيع من الحاكم بثمن، إذ الظاهر عدم توقف صحة البيع على حضور كل غريم في الواقع، ولو كان البايع المفلس بتخيل انحصار الغريم في المشتري ثم بان وجود غيره، فقد يظهر من بعضهم نفوذ البيع، للعمومات، لكن قد يشكل بتعلق حقه واقعا في العين، فبعد ظهوره لابد من مراعاته كغيره من الغرماء الظاهرين، فتأمل جيدا. ولو اشتري المفلس مالا في الذمة وقد اشترط عليه التصرف فيه بعتق أو هبة أو نحوهما فالمتجه البطلان، بناء على سلب عبارته في كل مال موجود حال الحجر أو متجدد، لانه حينئذ يكون شرطا غير مقدور، فيفسد ويفسد العقد به، بناء على أن فساد الشرط مقتض لذلك، وإن قلنا بعدم سلب عبارته، فيصح العقد قطعا مع علم المشتري بحاله، ويوقع التصرف المشروط، فإن نفذ لاتفاق زيادة المال فلا إشكال، وإلا أمكن اختصاص الغرماء به، وعدم تسلط البايع على الخيار، سيما إذ كان عالما بالحال لتعلق حق الغير، وعدم تقصير المشتري في استطاعته من التصرف. ويحتمل تسلطه لعدم انتقال المال إلى المفلس إلا على هذا الوجه، فهو كالخيار المشروط فيما لو اشترى بالذمة والاقوى صحة اصل العقد ونفوذ التصرف لاصالة عدم منعه عن مثل هذا التصرف المستحق عليه بالشرط بعد ان انتقل المال إليه على هذا

[ 287 ]

الوجه كما هو واضح، هذا كله في انشاء التصرف. (أما لو أقر بدين سابق صح) في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل قيل إنه كذلك قولا واحدا. نعم عن شرح الارشاد أنه حكي عن بعض الاصحاب عدم صحة إقراره مطلقا، ولم نعرفه مع وضوح فساده، لمنافاته لما دل على جواز اقرار العقلاء على انفسهم (1) واحتمال سلب الاهلية إنما هو في خصوص انشاء التصرفات بالاعيان، أما الاخبار بالدين فلا وجه له معتد به فيه، كما هو ظاهر. بل في المتن ومحكي المبسوط والخلاف والتذكرة والتحرير أنه صح (وشارك المقر له الغرماء) بل عن غاية المراد حكايته عن أبي منصور الطبرسي، بل هو قر به في المحكي عن حواشيه، لكن بشرط أن يكون عدلا، لعموم جواز الاقرار المقتضي كونه كالبينة شرعا في الاثبات، واحتمال التهمة يدفعه أن الاقرار في حقه اكثر منه ضررا في حق الغرماء، وفيه أن العموم إنما يدل على لزومه، ونحن نقول به، وعدم مشاركته باعتبار معارضته لحق الغير الذى لا ينفذ هو فيه، إذ حق الغرماء قد تعلق بالاعيان بل قيل إنه اقوى تعلقا من حق الرهانة، وبذلك يظهر لك الفرق بينه وبين البينة التي لم يفرق الشارع في نفوذ مقتضاها بين الجميع، وعدم النفوذ في حق الغير للاصل، لا للتهمة، ولذا كفى في عدم النفوذ عدم العلم بصدق الاقرار، وإن لم يتهم المقر، ومن هنا اختار الفاضل، والشهيدان، والكركي، وغيرهم على ما حكى عنهم عدم النفوذ، وهو قوي جدا. لكن قد يشك في كيفية تعلق حق الغرماء بالعين على وجه يمنع الاقرار، والاصل يقتضى عدمه، وسلب الاهلية في إنشاء التصرف أو عدم النفوذ لا يقتضى ذلك، إذ هو من الحاكم في تحجيره لا من تعلق حق الغرماء بالعين. وعلى تقديره لا يقتضى مثله في الاقرار، فتأمل جيدا، فانه قد يدفع ذلك كله صدق كون الاقرار في حق الغير، فيكون ممنوعا. ولو أسند الدين في إقراره إلى ما بعد الحجر بمعاملة ونحوها مما يحصل برضا الطرفين، لم يشارك قطعا، لعدم زيادة الاقرار بذلك على نفس المعاملة التي قد عرفت

[ 288 ]

عدم المشاركة بها للغرماء لو وقعت بعد الحجر، نعم لو اسند اقراره بالدين إلى ما بعد الحجر على وجه يشارك لو كان المقر به معلوما ثبوته، كإتلاف مال أو جناية، جرى فيه البحث السابق، لاتحاد المدرك، لكن في الروضة اختيار عدم المشاركة في الاول دون الثاني، وهو غريب، وأغرب منه تعليله ذلك بما تسمعه من دليل المشاركة في الجناية، والبحث هنا من حيث الاقرار لا من حيث نفس الجناية، ومن هنا أمكن كون مراده الفرق بين الجناية والمعاملة الاختيارية، فلا يكون مخالفا فلاحظ وتأمل ولو أقر بدين وأطلق، فأصالة تأخر الحادث تقتضي تأخره عن الحجر المعلوم تاريخه، فلا يشارك، وإن قلنا بها في غيره. (وكذا) البحث فيما (لو اقر بعين) لمن صدقه في ذلك. نعم لو قلنا بنفوذ الاقرار فيها (دفعت إلى المقر له) لعدم كونها حينئذ من أموال المفلس، (و) لكن (فيه) اي في نفوذ الاقرار فيها عند المصنف (تردد) وإن جزم بالشركة في الاقرار بالدين، بل حكي عن بعضهم الجزم بالفرق بينهما في ذلك، ولعله (لتعلق حق الغرماء بأعيان ماله)، فيكون الاقرار بها اقرارا منافيا لحق الغير، كالرهن ونحوه، ويشكل بأنه لا فرق بين أخذ بعض الاعيان بموجب التقسيط مساواة لهم، وبين أخذه ذلك البعض تقديما له عليهم، مع تعلق حقهم، بالعين، ومن هنا كان الاقوى عند الشهيدين، و الكركي، والفاضل في الارشاد، عدم الفرق بينهما، في عدم النفوذ، بحيث ينافي حق الغرماء كما أن خيرة المحكي عن المبسوط، والتحرير عدمه، في النفوذ فيهما فيشارك في الاول، وتدفع العين للمقر له في الثاني، لكن قد يدفع بعدم صدق التصرف في المال في الاول، وان رجع إليه بالاخرة كرجوع نفقة من أقر بنسبه بخلاف الثاني، فإنه كالتصرف في المال نفسه، فهو معارض لحق الغير، بل مندرج في الحجر عليه في المال. وفيه أنه لا فرق في عدم نفوذ الاقرار في حق الغير، بين العين والدين الذي هو أيضا كالتصرف في المال أيضا، ولذا لم يمض اقرار بعض الورثة بالدين على الآخر كالعين، بل قد يقال بأولوية نفوذه في العين من الدين، باعتبار عدم ثبوت كونها من

[ 289 ]

مال المفلس بعد الاقرار، حتى يتعلق بها الحرج، لكونه أقوى من اليد، ومن هنا حكي عن بعضهم القول بذلك، فيرجع حاصل الاقول في المسألة إلي أربعة أقواها عدم النفوذ، وربما قيل إنها خمسة، بزيادة القول بأن العين تؤخر ويقسم غيرها بين الغرماء، فان فضلت أعطيت للمقر له، وإلا دفعت إلى الغرماء، ولعله ليس قولا في المسالة، بل يقول به الجميع جمعا بين الحقين. وعلى كل حال فقد صرح بعضهم بضمان المفلس القيمة أو المثل، بناء على دفعها للغرماء، من غير فرق بين تقصيره في الاقرار بها قبل الحجر وعدمه، ولعله لانها قد أخذت في دينه، وفيه اشكال مع عدم التقصير، وأخذها في دينه مع عدم برائة ذمته بذلك إلا مع اجازة المالك، لا يقتضى ضمانها بعد أن كان الآخذ غيره، فالقضاء بها حينئذ كالقضاء بالمتبرع به، أللهم إلا ان يقال إن الاصل ضمان كل ما وصل نفعه إليك من المال المحترم، إلا أن يتبرع به المالك، مضافا إلى عموم (على اليد) فتأمل جيدا. أما لو كذبه المقر له بها ففي القواعد ومحكي التذكرة أنها تقسم ولعله لعدم صحة الاقرار مع الرد بخلافه مع التصديق، وفيه أنه بناء على نفوذ إقراره يتجه دفعها إلى المقر له مع التصديق، والا خرجت عن ملك المقر فلا يتعلق بها حجر، فإذا كانت في يده توصل إلى وصولها لصاحبها، وإن كانت في يد غيره، صارت مجهول المالك وعلى كل حال لم يكن للغرماء تعلق بها والله أعلم. (ولو قال: هذا المال مضاربة لغائب قيل: يقبل قوله مع يمينه، ويقر في يده، وان قال: لحاضر وصدقه دفع إليه، وإن كذبه قسم بين الغرماء) وهو المحكي عن المبسوط، قال: إذا أقر بالمال، إلا أنه قال: هو مضاربة لفلان، فإن المقر له لا يخلو من أحد أمرين. إما أن يكون غائبا أو حاضرا، فإن كان غائبا كان القول قول المفلس مع يمينه أنه للغائب، فإذا حلف أقر المال في يده للغائب، ولا حق للغرماء فيه، وإن كان حاضرا نظر فيه، فإن صدقه ثبت له، لانه إقرار من جايز التصرف، وصدقه المقر له، فوجب أن يكون لازما، وإن كذبه بطل اقراره، ووجب

[ 290 ]

قسمته بين الغرماء. وفيه انه لا فرق بينه ذلك وبين الاقرار بالعين التي لم يحك عنه فيها مثل ذلك، مضافا إلى ما قيل: من أنه لم يشرع اليمين لاثبات مال الغير، وإن كان قد يدفعه أنها لرفع التهمة، لا للاثبات، ومن أنه لا معنى لاقراره في يده مع سلب أهلية اليد، لان الحجر عليه رفع يده عن السلطنة المالية. ويدفعه أيضا منع صيرورته بالحجر كذلك، إذ هو مكلف رشيد، ولا عدوان في يده، والحجر انما يرفعها عن ماله، لا عن مال غيره. إنما الكلام في نفوذ اقراره، فعلى تقديره فالاقرار في يده متوجه، والتحقيق عدم الفرق بين هذه المسألة وسابقتها، فيجرى فيها الكلام السابق حينئذ والله أعلم. (ولو اشترى بخيار وفلس والخيار باق، كان له إجازة البيع وفسخه) بلا خلاف أجده فيه (لانه ليس بابتداء تصرف) في المال، بل هو أثر أمر ثابت قبل الحجر المانع له من ابتداء التصرف في المال، للاصل وغيره، بل ظاهر المصنف، وصريح الكركي، وثاني الشهيدين، والمحكي عن المبسوط، والتحرير، عدم اعتبار الغبطة في ذلك، بل له الفسخ وإن كا فيه مفسدة على الغرماء، للاصل بعد عدم ما يدل على منع الحجر اياه عن مثل ذلك، خلافا للفاضل، فاعتبر الغبطة في خيار العيب دون غيره، ووجهه الشهيد بأن الخيار في غيره ثابت بأصل العقد، لا على طريق المصلحة فلا يتقيد بها، بخلاف العيب. وفيه أن كلا من الخيارين ثابت بأصل العقد، غاية ما في الباب أن أحدهما ثبت بالاشتراط مثلا، والآخر بمقتضى العقد، ولم يكن ثبوت أحدهما مقيدا بغبطة ولا بعدمها، إذ لم يقل أحد بتقييد فسخ العيب في غير المفلس بالمصلحة، بل صرحوا بجواز الفسخ له، وان زادت القيمة بسبب العيب، كالخصا، والحكمة في أصل المشروعية لا يجب اطرادها، وإلا لاقتضى اعتبار الغبطة في الفسخ بكل خيار، ضرورة كون الحكمة في مشروعية أصل الخيار في مثل البيع الذى الاصل فيه اللزوم إمكان أن يتجدد لذى الخيار ما يوجب ارادة الفسخ، فلا يجد السبيل إليه، فيحصل عليه ضرر.

[ 291 ]

وأضعف من ذلك تعليل الفرق بينهما بأن العقد في زمن الخيار متزلزل لاثبات له، فلا يتعلق حق الغرماء بالمال، إذ التزلزل مشترك بينهما، فالقول: حينئذ بعدم اعتبار الغبطة في الجميع لا يخلو عن قوة. نعم قد يفرق بينهما بأن العيب لم يوجب استحقاق الرد خاصة، بل أوجبه مع الارض، وإن كان على جهة البدل، بل لعل اقتضاؤه الارش أقوى، بدليل عدم سقوطه بالتصرف ونحوه مما يسقط به الرد، بل قد يقال: إن الارش ثابت به وإن كان له اسقاطه بفسخ العقد، فالحاصل حينئذ باختياره اللزوم مثلا سقوط الرد لا ثبوت الارش، وإن كان لا يخلو من اشكال. وحيث كان كذلك اتجه حينئذ دعوى تعلق حق للغرماء بهذا الخيار من بين الخيارات، كما انه اتجه اعتبار الغبطة، ترجيحا لمن يكون معه على الاخر، إذ قد عرفت اجتماع الجهتين أي الارش والرد في هذا الخيار، بخلاف غيره من أفراد الخيار حتى الغبن، فإنه ليس فيه جهة للمال أصلا، فلا يتقيد بالغبطة أو عدم المفسدة، بل ربما يؤيده ما قيل: من أن المريض إذا اشترى معيبا ولم يرده مع كون الغبطة في رده احتسب نقص عيبه من الثلث، ولعل من ذلك ينقدح أنه لو لم يكن للمفلس إلا الرد بالعيب لاسقاط الارش قبل الفلس ونحوه لم تعتبر الغبطة فيه، إذ هو حينئذ كغيره من الخيارات، كما أنه قد ينقدح من ذلك وجه آخر، لاصل ثبوت الخيار بعد الفلس بغير العيب، بأن يقال: إنه ليس تصرفا في مال، وإن رجع إليه بالاخرة، وإن كان فيه بحث ظاهر، ولعله لذا كان ظاهر المحكي عن الاردبيلى، وبعض الشافعية، اعتبار الغبطة في جميع انواع الخيار، لان الفسخ نوع تصرف في المال. وفيه أن المتجه حينئذ منعه منه، من دون اذن الغرماء، لانه حينئذ كالتصرف فيه ببيع ونحوه، لا تقييده بالغبطة، ولم أقف على قائل به، وإن كان يشهد له في الجملة منع السفيه عنه، لكن قد يفرق بينهما بأن الحجر يقتضي تعلق حق الغرماء بمال المفلس على حسب كيفية ملكه له في اللزوم والتزلزل، لا أن به تختلف جهة ملكه، فمع كون الملك بالنسبة إليه متزلزلا يبقى على حاله بعد الفلس ومن ذلك ينقدح ان له الخيار أيضا فيما يشتريه في الذمة بعد الفلس، لان المال قد انتقل إليه

[ 292 ]

على هذا الحال، وتعلق به حقهم على هذا الحال فلا يمنع منه، ولو لم يكن للمفلس الا الرد، فتأمل جيدا والله أعلم. (و) لو خرج المال عن المفلس بعقد متزلزل كالهبة ونحوها قبل الفلس لم يستحق الغرماء عليه الرجوع قطعا، كما هو واضح. نعم (لو كان له حق فقبض دونه) قدرا أو وصفا على جهة الاسقاط والابراء (كان للغرماء منعه) قطعا لانه تصرف في المال بما ينافي حقهم، بل في جامع المقاصد وغيره لهم منعه من قبض بعض الحق، وإن لم يكن على جهة الاسقاط للباقي، إذا حصل ضرر كما في قبض بعض ثمن المبيع، قال: لان فيه اسقاطا لحق يتعلق بالمال، فيمنع منه، لانه تصرف مبتدأ أما إذا لم يكن كذلك كقبض بعض ما استحقه باتلاف مال، أو قرض ونحوهما، مما يلزم عليه فيه قبض البعض لو بذله من عليه كالجميع، كان له قبض البعض، وفيه أنه يمكن المناقشة في منعه عن إسقاط هذا الحق الذي هو ليس بأولى من حق الخيار، فتأمل جيدا هذا. وفي المسالك أن نسبة القبض إليه على طريق المجاز، فانه لا يمكن من قبض المال لاقتضاء الحجر ذلك، وإنما المراد، اثبات تسلطه على الحكم المذكور وإن كان القابض غيره، وفيه أن أقصى ما ثبت من الحجر منعه من التصرفات المنافية لحق الغرماء لا غيرها، للاصل وغيره، قال في القواعد: (ولا يمنع من وطي مستولدته ولم يفرق بين كون ثمنها من جملة دين الغرماء أو لا، ولا بين القول بإجارتها وعدمه) لكن قال: (وفي وطي غيرها من إمائه نظر) وعن التذكرة أقربه المنع، وفي جامع المقاصد (أنه الاصح) إلا أنه يمكن أن يكون ذلك من جهة التعريض للاتلاف بالطلق أو نقصان القيمة، أو بصيرورتها أم ولد، بناء على بطلان حق الغرماء بها حينئذ، وفيه نظر، بل جزم في القواعد ومحكي التذكرة بعدمه، ولعله لسبق تعلق حقوقهم، إلا أن الظاهر تأخيرها في البيع لتبين القصور وعدمه، لئلا يبطل حق الاستيلاد، وعلى كل حال فمنع المفلس من التصرف بماله على وجه لا ينافي حق الغرماء لا يخلو من بحث، بل منع. والله أعلم.

[ 293 ]

(ولو أقرضه انسان مالا بعد الحجر) مثلا (أو باعه بثمن في ذمته، لم يشارك الغرماء، وكان ثابتا في ذمته) إذا كان عالما بحاله اتفاقا، كما في المسالك، بل وان كان جاهلا كما صرح به الفاضل، والشهيدان، والكركي، وغيرهم، للاصل خصوصا على القول بتعلق حقوق الغرماء بالمال المتجدد، وخبر الاختصاص (1) بعين المال في الفلس، إنما هو للغريم قبل الحجر، والمشاركة لهم لا دليل عليها وان كان قد أدخل لهم مالا عوض دينه. ومن ذلك يظهر لك ما في احتمال الضرب واحتمال الاختصاص، بل يزيد الاول ضعفا أن الجهل لا مدخلية له في مشاركة الغير، بعد فرض اختصاص الحجر للديون السابقة، إذ دعوى - أن المحجر لاحظ في التحجير الديون السابقة ومثل المفروض - لا دليل عليها، بل في المسالك (أن الوجهين شاذان، لانه ان كان غريما اختص بعين ماله، وإن لم يكن غريما لم يضرب) وان كان قد يتكلف لدفع ذلك، كما أنه يظهر لك أيضا ما في المحكي عن فخر الاسلام في شرح الارشاد، من الصبر والضرب، لكونه غريما وأدخل مالا في مقابلة الثمن، والاختصاص للعموم، فالاقوى حينئذ وجوب الصبر بناء على تعلق الحجر بالمتجدد، والا كان له المطالبة بالوفاء منه، ثم إن ظاهر التعليل للمشاركة بادخال المقابل في أموال المفلس يقتضى عدمها إذا لم يكن كذلك، وكان برضا من المستحق كما في المهر وعوض المتلف بالاذن، ولعله كذلك للاصل، ونفى الخلاف عنه في التذكرة. (ولو أتلف مالا بعد الحجر ضمن، وضرب صاحب المال مع الغرماء) كما في القواعد وجامع المقاصد والمسالك، وإن ذكروا معه الجناية أيضا، لعدم الفرق بينها وبين التلف في ذلك، إذ المدرك في الجميع أن الثابت هنا من المال من غير رضا صاحبه، وإن كان هو كما ترى، وكذا الاستدلال عليه بعموم الخبر الدال على الضرب وبما دل على وجوب العوض، فانا لم نقف على خبر ظاهر في شمول الفرض، وما دل على وجوب العوض لا يقتضى المشاركة، وكانه لذلك لم يرجح في التذكرة بل جعل


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الحجر الحديث - 1 - 2

[ 294 ]

أول الوجهين عدم الشركة لتعلق الحق، ولانه كما لو جنى الراهن ولا مال له غير المرهون، فإن المجني عليه لا يزاحم المرتهن، قلت: كل ذلك مضافا إلى الاصل، ولعله لذلك حكى عن الاردبيلى التأمل فيما ذكروه من المشاركة، وهو في محله، والله أعلم. (ولو أقر) المفلس (بمال) بعد الحجر أو ثبت شغل ذمته بمال بعده كذلك (مطلقا وجهل السبب) في ثبوته، فلم يعلم أنه مما يشارك به كالاتلاف والجناية، أو لا، كما إذا كان برضا من المستحق وعلم منه أو جهل على الاصح (لم يشارك المقر له الغرماء، لاحتماله ما لا يستحق به المشاركة) فالاصل عدمها حينئذ واحتمال أن الاصل المشاركة حتى يعلم كونه مما لا يشارك، لا شاهد له، بل هو على خلافه، ضرورة كونها من الامور الحادثة، والاصل عدمها، بل الظاهر عدم وجوب الاستفصال أيضا حال عدم العلم بجهله، للاصل، أما لو أطلق مع ذلك أو بدونه في السبق واللحوق، وجهل تاريخ الحجر والدين، فالاصلان متعارضان، ويبقى أصالة عدم تعلق خصوص هذا الدين سالما. ودعوى - أن اللحوق مانع ولم يثبت، فالاصل المشاركة -، لم نتحقق لها شاهدا، بل الشاهد بخلافها، كما عرفت، حتى لو سلم الشك في المقام في كون السبق شرطا في المشاركة، أو أن اللحوق مانع، إذ أصالة عدم التعلق تغني عن ذلك، ولو علم تاريخ أحدهما بني تأخير أحدهما على ما تقدم سابقا في نظائر المسألة، وحينئذ يشارك لو كان المعلوم الدين هذا. وفي المسالك هنا نظير ما حكيناه عنه سابقا في الروضة، وفيه ما لا يخفى، وفي جواز العمل بما ذكرناه من الاصول بلا استفصال وجه فلا يجب حينئذ وإن كان يمكن أن يحصل به رفع الاشكال. والله أعلم. (ولا تحل الديون المؤجلة بالحجر) بلا خلاف أجده من غير الاسكافي، للاصل بعد حرمة القياس على الميت، وكونه مع الفارق، كما قيل: بتضرر الورثة والغرماء بدونه فيه، لعدم ذمة له بخلاف المفلس، مضافا إلى انه لا خلاف بيننا بل (و) بين غيرنا عدا الحسن البصري المنقرض خلافه في أنها (تحل بالموت)

[ 295 ]

بل الاجماع بقسميه عليه، لخبر أبي بصير (1) (إذا مات الرجل حل ماله، وما عليه من الدين) والسكوني (2) (إذا كان على الرجل دين إلى أجل ومات الرجل حل الدين) والصحيح المضمر (3) (إذا مات فقد حل مال القارض). بل ظاهر الاولين كمعقد المحكي من اجماع الخلاف عدم الفرق بين مال السلم والجناية المؤجلة، وغيرهما، خلافا للمحكي عن ايضاح الفخر، وحواشي الشهيد، من عدم حلول السلم بالموت، ولعله لانه يقتضى قسطا من الثمن، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا للدليل، وكذا ما قيل: من تعليل احتمال خروج الجناية، بان تأجيلها شرعي، لا مدخلية لرضا الميت فيه، إذ لا فرق بين الجميع فيما عرفت من الدليل ودعوى - أن بينه وبين ما اقتضى بقاء أجله تعارض العموم من وجه - يدفعها أن ذلك قائم في كل فرد من أفراد الدين، مع أنه لا اشكال في انسياق التخصيص في الجميع، فالتحقيق في أمثال ذلك ملاحظة الحاصل من مجموع الادلة، ولا ريب في ظهور التخصيص حينئذ، فتأمل. وأما حلول ماله فستعرف البحث فيه انشاء الله تعالى. (القول) الثاني (في اختصاص الغريم بعين ماله و) تفصيل الكلام أن (من وجد منهم عين ماله كان له اخذها، ولو لم يكن سواها: وله أن يضرب مع الغرماء بدينه، سواء كان) عنده (وفاء) لغيره من الغرماء (أو لم يكن على الاظهر) الاشهر بل المشهور، بل لا أجد فيه خلافا معتدا به إذا كان وفاء، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لا أجد خلافا فيما إذا لم يكن، إلا من المحكي عن الشيخ في التهذيب، والاستبصار، والنهاية والمبسوط، فخص الاختصاص بما إذا كان وفاء، بتجدد مال آخر للمفلس بارث أو اكتساب أو بكون الديون إنما تزيد على أمواله مع ضميمة الدين المتعلق بمتاع واجده، فإذا خرج الدين من بين ديونه، والمتاع من بين أمواله صارت وافية بالديون، أو بغير ذلك مما يتصور فيه ذلك، بحيث لا ينافي القصور الذي هو شرط الفلس.

[ 296 ]

ولا ريب في ضعفه، للنبوي (1) المروي في كتب فروع الاصحاب (إذا أفلس الرجل ووجد سلعته فهو أحق بها) ونحوه غيره واطلاق صحيح عمر بن يزيد (2) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن الرجل تركبه الديون، فيوجد متاع رجل آخر عنده بعينه، قال: لا يحاصه الغرماء) المراد منه ولو بضميمة كلام الاصحاب فسخ العقد لا عدم المحاصة في الوفاء، والا لوجب التعرض لزيادته على دينه ونقيصته. وأوضح منه في ذلك مرسل جميل (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل باع متاعا من رجل، فقبض المشتري المتاع ولم يقبض الثمن، ثم مات المشتري والمتاع قائم بعينه، فقال: إذا كان المتاع قائما بعينه، رد إلى صاحب المتاع وقال: ليس للغرماء أن يحاصوه) فإنه ظاهر في ارادة عدم المحاصة للفسخ، وان كان هو غير ما نحن فيه، إذ الكلام في المفلس الحي، وهذا في الميت، وان لم يكن مفلسا، لصحيح أبي ولاد (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع من رجل متاعا إلى سنة، فمات المشتري قبل أن يحل ماله، وأصاب البايع متاعه، أله أن ياخذه إذا حقق له ؟ فقال عليه السلام إن كان عليه دين وترك نحوا من دينه فليأخذ إن حقق له، فان ذلك حلال له وان لم يترك نحوا من دينه فان صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شئ يأخذ حصته، ولا سبيل له على المتاع) وبه يقيد مرسل جميل فيكون الحاصل ما ذكره المصنف بقوله: (أما الميت فغرماؤه سواء في التركة، إلا ان يترك نحوا مما عليه، فيجوز حينئذ لصاحب العين أخذها) كغيره من الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما يحكى عن ابن الجنيد من الاختصاص وإن لم يكن وفاء كالحي، وكأنه اجتهاد في مقابلة النص، بل ظاهر النص والفتوى اشتراط الاختصاص في الميت بما عرفت، وإن كان قد مات محجورا عليه، بل صرح به في المسالك، ولعلهم رجحوا ذلك على إطلاق


(1) المستدرك ج 2 ص 496 - عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام باختلاف يسير وفى سنن البيهقى ج 6 ص 45 (2) (3) (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب أحكام الحجر الحديث 2 - 1 - 3

[ 297 ]

صحيح عمر بن يزيد للحكمة الواضحة في هذا الشرط بالنسبة إلى الميت دون الحي، إذ الميت لم تبق له ذمة بعد الموت، فلا يناسب الاختصاص إلا مع الوفاء، لئلا يتضرر الغرماء، بخلاف الحي، فإن ما يتخلف من الدين متعلق بذمته، فربما لا يضيع. وفي المسالك عن بعضهم أن الحكم مختص في الميت المحجور عليه، قال: (واطلاق النص يدفعه). قلت: هو المحقق الثاني في جامع المقاصد، وضعفه واضح، والانسب منه القول بعدم اشتراط الوفاء في الاختصاص إذا كان قد مات مفلسا، استصحابا للخيار الثابت لصاحب العين في حال الحياة، ولاطلاق صحيح عمر بن يزيد منضما إلى عدم ظهور صحيح أبي ولاد ومرسل جميل في موت المفلس، بل لعلهما ظاهران في غيره، بل لعله لا يخلو من قوة، إن لم يكن إجماع على خلافه، فتأمل جيدا، فإنى لم أجد تنقيحا له فيما حضرني من كلام الاصحاب. نعم قد سمعت التصريح بخلافه في المسالك، وكذا العلامة في التذكرة، بل ظاهرهما أنه مفروغ منه، ولعل وجهه أن العين قد انتقلت بالموت إلى الوارث، فذهب شرط خيار الفلس، ولم يبق إلا الخيار من حيث الموت المشروط بالوفاء في صحيحة أبي ولاد. وعلى كل حال فما عن الشيخ رحمه الله لم نجد له شاهدا بالخصوص سوى دعوى الجمع بين النصوص، بحمل ما دل منها على الاختصاص على ما إذا كان وفاء، وما دل منها على عدمه، كخبر أبي بصير (1) سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل كانت عنده مضاربة وأموال أيتام وبضايع، وعليه سلف لقوم فهلك وترك ألف درهم، أو أكثر من ذلك، والذي للناس عليه أكثر مما ترك ؟ فقال: يقسم لهؤلاء الذين ذكرت كلهم على تقدير حصصهم أموالهم) وغيره على ما إذا لم يكن وفاء من غير فرق بين الحي والميت، لكن فيه أنه لا شاهد على هذا الجمع، إذ صحيح أبي ولاد ومرسل جميل في الميت الذي قد عرفت الحكم فيه، والكلام في المفلس الحي الذي هو لعله


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب احكام الحجر الحديث - 4 -

[ 298 ]

الظاهر من صحيح عمر بن يزيد، كما أن الظاهر من قوله فيه لا يحاصه الغرماء قصور المال عن الوفاء، وان الحاكم قد حجر عليه فهو أحد أدلة التحجير على المفلس الذي أنكره في الحدائق، كما أنه أنكر في المقام دلالة النصوص على الخيار الذي عند الاصحاب وإنما هي دالة على الاختصاص في الغرماء، ولا ريب في ضعفه في المقامين، حينئذ فليس أخذ العين عزيمة عليه، بل له أن يفسخ ويأخذ العين، وله أن يضرب بالثمن على الغرماء، كما أومي إليه في صحيح أبي ولاد، وليس أن يفسخ ويضرب بقيمة المتاع ان كانت أزيد من الثمن قطعا. نعم قد يقال: إن له ذلك إذا تلفت العين بعد الحرج، وتعلق الخيار بها، إذ احتمال سقوط خياره حينئذ مناف للاستصحاب، ولاطلاق الدليل، مع أنه يمكن فرض التلف بعد اختيار الفسخ، وقبل وصول العين إليه، وقد يعلم في الفرض اختصاصه بالقيمة التي هي بدل العين عن الغرماء، وفيه ضعف، لان الدليل إنما اقتضى الاختصاص بالعين لا بقيمتها التى قد استحقت بعد الفسخ، فهي كنموها من الديون التى يضرب اصحابها مع الغرماء، وان تجددت بعد الحجر، كما ستعرف إنشاء الله تعالى فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (هل) هذا (الخيار في ذلك) في الحى أو الميت (على الفور قيل: نعم) لانه على خلاف الاصل فيقتصر فيه على المتيقن، وعن المبسوط أنه أحوط، وفي المسالك أولي، وفي محكي التذكرة أنه الاقرب، وجامع المقاصد، يمكن ترجيحه بأنه الاشهر في كلام الاصحاب، وفيه جمع بين الحقين، فالقول بالفورية قريب، هذا. وقد يشعر قول المصنف: (ولو قيل بالتراخى جاز) بالميل إلى التراخي، ولعله كذلك لاطلاق الدليل، وقد تقدم في الخيارات تحقيق نظائر هذا البحث، ثم إنه لا فرق في الرجوع بالعين في الفلس بين دفع الغرماء للدين من مال المفلس، أو من مالهم ولو بأباحة للمفلس أن يفي عن نفسه، وعدمه لا للمنة، وتجويز ظهور غريم، لعدم إطرادهما، بل لاطلاق النص (1) الذي لا فرق فيه مع ذلك أيضا بين زيادة قيمة


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب أحكام الحجر الحديث - 1 - 2

[ 299 ]

السلعة، أو كثرة الراغبين إليها بحيث يرجى صعود سعرها، وعدمه، خلافا للتذكرة فأوجب حينئذ قبول ما بذله الغرماء من دينه، وكأنه اجتهاد في مقابلة النص، بل فيها أيضا ما يقتضي وجوب القبول لو بذل الثمن باذل من ماله تخليصا للعين، وإطلاق النص يدفعه. نعم يعتبر فيه حلول الدين، فلا رجوع لو كان مؤجلا، لعدم استحقاقه المطالبة حينئذ، فلا يستحق الفسخ، ولو حل قبل فك الحجر وقبل الوفاء بها فالاصلح في جامع المقاصد عدم الرجوع بها أيضا، لتعلق حق الغرماء بها، فلا يستحق إبطاله، لكن في القواعد اشكال، ولعله من ذلك، ومن عموم الخبر، بل عن التحرير الجزم بالرجوع، وهو جيد بناء على مشاركة الدين المؤجل الحال قبل قسمة الكل أو البعض، لاندراجه حينئذ في عموم النص المزبور، كما صرح به في الروضة، لكنه لا يخلو من إشكال، لسبق تعلق حق الغير، ولاصالة عدم المشاركة، ولذا قرب في التذكرة أنه لو حل الاجل قبل انفكاك الحجر أنه لا يشارك صاحبه الغرماء، وبنى عليه أنه ليس لصاحب الدين الذي قد حل الرجوع في عين ماله، سواء كان الحاكم دفعها في بعض الديون أو لا وهو جيد، لكنه صرح بعد ذلك في آخر كتاب الفلس، أنه إذا حل المؤجل قبل قسمة الكل أو البعض شارك فيما لم يقسم، ويمكن الجمع بين كلاميه بحمل ماهنا على عدم الشركة إذا كان الحلول بعد القسمة، بخلاف الاخير، إلا أن تعليله الفرع ينافي ذلك ويمكن دفعه ايضا فتأمل. هذا كله في المعاوضة المحضة ولو قرضا فإنه صرح في التذكرة بأنه للمقرض الجوع بعينه إذا فلس المقترض، وكان عين المال موجودة، أما ما ليست كذلك، بل فيها شبه للمعاوضة، فلا فسخ، للاصل السالم عن المعارض، ضرورة عدم اندراج مثل النكاح والخلع والعفو عن القصاص على مال ونحوها في الخبر المزبور، فلا تفسخ الزوجة النكاح بتعذر الصداق ولا الزوج الخلع بتعذر العوض بافلاس الزوجة ولا العافي بتعذر عوضه، كما هو واضح، بل لا أجد فيه خلافا، بل في جامع المقاصد الاجماع عليه. والظاهر اعتبار بقاء العين على ملك المفلس بذلك العقد، لانه المنساق من اطلاق

[ 300 ]

الخبر المزبور الذي خرجنا به عن أصالة اللزوم، وخبر (من وجد عين ماله فهو أحق بها) لم نجده في أصولنا، فلو خرج عن ملكه حينئذ ثم عاد إليه بسبب آخر قبل الحجر، لم يكن له الرجوع حينئذ، وان لم يكن بعوض كالهبة والوصية و نحوهما، واولى من ذلك لو كان عوده بعد الحجر، ضرورة اقتضاء الفاء عدمه بل قد يقال بعدم جواز الرجوع له، لو عاد بفسخ خيار أو إقالة على إشكال، لكن في القواعد ((لو عاد إلى ملكه بلا عوضه كالهبة والوصية، احتمل الرجوع، لانه وجد متاعه، وعدمه لتلقى الملك من غيره). وفي الوجه الاول ما عرفت، مضافا إلى أن فسخ البيع إنما يقتضي بطلان ملكه به، لا بسبب غيره، كما هو المفروض، بل قال: ومعه: أي القول بالرجوع، فإن عاد بعوض كالشراء فان وفى البايع الثمن فكالاول: أي في احتمال الرجوع، وعدمه من الوجدان، وعدم معارضة الثاني الاول بعد وفاء ثمنه، ومن أن المعاوضة الثانية أوجبت استحقاق الرجوع للثاني عند عدم الوفاء فلا يبقى للاول رجوع، لامتناع ثبوت حق الثاني مع بقاء حق الاول، وهو كما ترى بعد ما عرفت من عدم الرجوع في المسألة السابقة، في المقام بطريق أولى. بل قال: وان لم يكن وفاه الثمن احتمل عوده إلى الاول لسبق حقه، وإلى الثاني لقرب حقه، وتساويهما فيضرب كل منهما بنصف الثمن وهو غريب ضرورة انقطاع حق الاول بالمعاملة الثانية، وذلك لان ثبوتها يستلزم ثبوت لوازمها، وإلا لم تكن صحيحة، لعدم ترتب الاثر الذي هذا من جملته عليها، فيجب ارتفاع لوازم الاول بالسبب الطاري، كما هو واضح، فيتعين حينئذ الوسط، أما إذا كانت باقية على المالك ولم يحدث فيها ما يمنع من الرجوع كالرهانة ونحوها، إلا أنها ناقصة، فان كان البعض الناقص مما يتقسط عليه الثمن لجواز افراده بالبيع كالعبد من العبدين ونحوه، أو لا كيد العبد ورجله، وعلى كل حال فإما أن يكون بآفة سماوية، أو بجناية من المشترى أو البايع أو أجنبي فالصور ثمان. وقد أشار المصنف إلى الاولى منها بقوله: (ولو وجد بعض المبيع سليما)

[ 301 ]

تخير بين الضرب بجميع ماله وبين (أخذ الموجود بحصته من الثمن وضرب بالباقي مع الغرماء) بلا خلاف أجده فيه عندنا مطلقا كما في المسالك، لصدق عين المال على الموجود، فيثبت التخيير فيه، بخلاف التالف الباقي على مقتضى أصالة لزوم العقد فيه وتبعض الصفقة هنا لا أثر له، لعدم ما يقتضى شمول هذا الفرد منه بالنسبة إلى كل منهما، لكن في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: إن وجد بعض متاعه أخذه بالقيمة يوم يسترده، وضرب بما يبقي من الثمن مع الغرماء فيما وجده للمفلس، قال: وقد خالف الشيخ في موضعين الاول - اطلاق الضرب بالنقص، الثاني احتساب المأخوذ بالقيمة، والتالف بها، والشيخ نسبهما إلى الثمن، وهو لا يخلو من قوة. وفي جامع المقاصد في شرح ما في القواعد (ولو كان للتالف قسط من الثمن كعبد من عبدين فللبايع أخذ الباقي بحصته من الثمن، والضرب بثمن التالف) قال: (ان فيه نظرا من وجوه، الاول: ان أخذ الباقي بحصته من الثمن إن كان على طريق المعاوضة توقف على رضا المستحقين، وصدور العقد على الوجه المعتبر شرعا ولا يقوله أحد، وإن كان على جهة الفسخ فلا معنى لاخذه بحصته من الثمن، بل يفسخ ويأخذه، الثاني: ان الفسخ فيه وحده يقتضى تبعيض الصفقة وذلك غير جائز الثالث: أنه أطلق الضرب بحصته من الثمن، وذلك لا يستقيم على أصله، بل يجب أن يقيده بما إذا كانت القيمة أزيد من الثمن، هربا من المحذور السابق، فإن ساوت أو نقصت فيجب عنده الضرب بنقصانها كما سبق) (إلى أن قال): (والذي يقتضيه النظر أنه يفسخ المعاوضة مطلقا، أو يتركه مطلقا حذرا من لزوم تبعيض الصفقة، أو يقال: ينظر حيث يكون على المفلس ضرر، يفسخ في الموجود فيأخذه، ويسقط حصته من الثمن، ويبقى البيع في الاخر بحاله، فيضرب بحصته من الثمن، وذلك حيث تكون القيمة أزيد من الثمن، أما إذا كانت أنقص أو مساوية فإنه يأخذ حصته من القيمة، ولا يمنع ذلك كون العبدين بمنزلة مبيعين، نظرا إلى أن لكل منهما قسطا من الثمن، وان كان في الثاني مناقشة، لان المنع من تبعيض الصفقة لحق كلا منهما، واطلاق كلام ابن الجنيد يقتضى الفسخ في الجميع، وأخذ الباقي بقيمته، ويضرب بقيمة التالف،

[ 302 ]

وقواه المصنف في المختلف، وقوته بينة). وهو كما ترى ضرورة تعين الوجه الثاني في النظر الاول وقوله (لا معنى) إلى اخره لا معنى له، إذ ذلك لازم للفسخ فيه وحده، وإن كان مراده أنه لا معنى للتعبير عن ذلك بالاخذ بالحصة، وفيه أنه متعارف في ارادة الفسخ فيما يقابله من الثمن، كما أن النظر الثاني يدفعه ما أومأنا إليه من اشتراط التبعيض بالنسبة اليهما، وأنه لا مانع منه بعد قضاء الدليل به، واما الثالث فالفرق بين المقام وبين الارش واضح، ضرورة حصول فسخ العقد من أصله، وكان مقتضى الضابطة الرجوح بالارش على مقتضى القيمة، لانه ليس أرش معاوضة، إلا أنه لما منع عنه قاعدة عدم اجتماع العوض والمعوض، وجب التقييد فيه بذلك، بخلاف المقام الذي هو فسخ للعقد بالنسبة إلى الموجود، دون التالف، فليس حينئذ إلا ما يخصه من الثمن بالنسبة، ولا مدخلية للقيمة هنا أصلا، ومن ذلك يعلم ما في كلامه الاخير، بل وما في كلام ابن الجنيد الذي قواه في المختلف، واستظهر منه في جامع المقاصد الفسخ في الجميع، مع أنه ما فيه من أخذ الموجود بالقيمة ينافي ذلك، وعلى كل حال فكلام الاصحاب هنا في محله، وليس فيه إلا تبعيض مقتضى العقد، ولا بأس به بعد قضاء الدليل. فتأمل جيدا والله أعلم. نعم إنما الاشكال في قول المصنف وغيره من الاصحاب، بل لعله المشهور (وكذا لو وجده معيبا بعيب قد استحق أرشه) لكون الجاني أجنبيا ولو البايع (ضرب مع الغرماء بأرش النقصان) وإن زاد على الثمن فإنه ليس جمعا بين العوض والمعوض عنه، كما سمعته من جامع المقاصد، ويحتمل أن يريد بالارش جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة النقصان إلى القيمة إن كان الثمن أنقص عن القيمة، وإلا فنقصان القيمة، كما صرح به في القواعد، قال: (وإن كان بجناية أجنبي أخذه البايع، وضرب بجزء من الثمن على نسبة نقصان القيمة لا بأرش الجناية، إذ قد تكون كل الثمن، كما إذا اشترى عبدا بمائة تساوي مائتين فقطعت يده، فيأخذ العبد والثمن، وهو باطل، هذا إن نقص الثمن عن القيمة، والا فنقصان القيمة وعلى كل حال فهذا كله لو كانت الجناية توجب أرشا.

[ 303 ]

(أما لو عاب بشئ من قبل الله سبحانه) وتعالى (أو جناية من المالك كان مخيرا بين أخذه بالثمن) مجانا (و) بين (تركه) والضرب مع الغرماء بالثمن، فإن المعلوم من قاعدة فسخ المعاوضة ايجاب رجوع كل مال إلى صاحبه عينا أو بدلا، وكون العين في يد المشترى غير مضمونة للبايع، معارض بماله قسط من الثمن، مع أنا لا نقول أنها مضمونة مطلقا، بل بمعنى أن الفائت في يد المشترى يكون من ماله، لان ذلك هو مقتضى عقود المعاوضات المضمونة، فإذا ارتفع رجع كل من العوضين إلى مالكه أو بدله، وأما كون اليد لا قسط لها من الثمن، فإن أرادوا أن الثمن لم يبذل في مقابلتها منه شئ ففساده ظاهر، إذ لولاها لم يبذل جميعه قطعا، وإن أرادوا أن الثمن لا يتقسط عليها وعلى باقى الاجزاء على نسبة الكثرة والقلة، كالعشر في متساوي الاجزاء فهو لا يدل على مطلوبهم. كل ذلك مع منافاة تعليلهم لما حكموا به من الارش في جناية الأجنبي، وإن كان قد أخذه المشترى، ضرورة أنه أخذه والعين ملك له، ولم تكن مضمونه عليه للبايع، وكون الارش جزءا من المبيع وقد أخذه المشترى - فلا يضيع على البايع بخلاف التعيب بالافة السماوية التي لم يكن لها عوض - لا يجدى بعد عدم كون العين مضمونة، ومن هنا كان خيرة المحقق الثاني الرجوع بالارش مطلقا، بعد أن حكاه عن ابن الجنيد، وأن المصنف في المختلف قواه، واستحسنه الشهيد الثاني، وقد عرفت أن كلام ابن الجنيد أجنبي عن ذلك، وأن ظاهره عدم الفسخ مطلقا، وانما يأخذ الموجود بالقيمة، وفاء عن دينه، فإن بقي له من الثمن شئ ضرب مع الغرماء. وأما ما سمعته من الاصحاب فقد يقال: إن الموافق للضوابط عدم استحقاق الارش أصلا، إذ هو كنماء الملك يستحقه المشتري، والشارع إنما جعل له الفسخ في الموجود من ماله، ففسخ العقد يوجب رجوع هذا المال إليه، لانه الموجود دون غيره، والفرض أن التالف ليس مما يمكن بناء العقد بالنسبة إليه، حتى يستحق ما يقابله من الثمن، بل قد عرفت أن صفة الصحة والعيب ليست هي إلا كصفة الكتابة والعلم ونحوهما مما لا تقابل بأجزاء الثمن، وإن زاد بسببها، فان زيادته بها أعم من مقابلته

[ 304 ]

لها، كما هو واضح، ولذا لم ينفسخ العقد قهرا فيما قابلها من الثمن عند فقدها، فحينئذ إذا فسخ ليس له إلا الموجود الذى حصل فيه سبب الفسخ دون غيره الذي لا قسط له من الثمن، وليس من قاعدة (كون التلف ممن لا خيار له) ضرورة تجدد الخيار، وعدم حصوله من أول العقد. أللهم إلا أن تفرض المسألة فيما بعد الحجر لكنه خلاف ظاهر كلامهم، ضرورة ظهوره في أنه حال تعلق الخيار وجد العين ناقصة، ولا يكون ذلك إلا قبل الحجر فتأمل جيدا. فظهر من ذلك أن الموافق لمقتضى الضوابط، عدم استحقاق الارش أصلا، إلا انه حيث يكون مستحق على الأجنبي حكموا بالرجوع به، باعتبار كونه قائما مقام الجزء التالف، وأنه ليس في الحقيقة تضمين للمالك، ولكن التعليل كما ترى، ولعل المتجه عليه رجوعه به مع وجوده، أما مع فرض تلفه من المالك، أو من قبل الله تعالى، فهو كالجزء بل هو أولى منه في عدم الرجوع، كما أن المتجه عليه الرجوع بمقداره لا بأزيد، لو فرض تفاوت القيمة، بحيث لو كان الجاني البايع فقد يبقى له ويضرب به، وقد ينقص ويبقى مشغول الذمة به للمفلس، وقد يتساويان فيأخذ منه ما عليه ويضرب بماله. والانصاف أن العمدة في اثبات ذلك من أصله حينئذ الاجماع إن تم، وإلا فلا، وحينئذ فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، وهو أقل الامرين من تفاوت القيمة، ومن النسبة إلى الثمن، كما سمعته من الفاضل في القواعد ملاحظا فيه أرش المعاوضة من جهة، وأرش الجناية من اخرى، فرارا من عدم جواز الجمع بين العوض والمعوض، وأطلق في المسالك ملاحظة الارش بنسبة الثمن، معللا له بأن السبب في ذلك الهرب من الجمع بين العوض والمعوض، فلم يلاحظ فيه الا ارش المعاوضة، وهو لا يخلو من وجه، لكن في جامع المقاصد (أن المتجه الرجوع بتفاوت القيمة مطلقا وان زاد على الثمن) وليس فيه جمعا ببن العوض والمعوض، إذ لم يأخذ ذلك على أنه ثمن، بل على أنه عوض الفائت الذي استحق بالفسخ عينا أو قيمة، فلا حظ فيه نحو أرش الجناية على كل حال، والمتجه على ما ذكرنا الاقتصار على المتيقن، وهو ما عرفت

[ 305 ]

فتأمل جيدا. ولو قبض نصف الثمن مثلا وتساوى العبدان قيمة وتلف أحدهما، فعن ابن الجنيد أنه يجعل المقبوض في مقابلة التالف، ويتخير بين الضرب بالباقي، وبين أخذ العبد الموجود به، لتناول الخبر له. وفيه أن مقابلة المقبوض للتالف لا مقتضى له، فإن جملة الثمن في مقابلة المبيع، ولا أولوية لكون المقبوض مقابل التالف على كونه في مقابل الموجود، ومن هنا كان المحكى عن ابن البراج مراعاة التوزيع بمعنى أن له الرجوع بنصف الموجود، و يضرب حينئذ بربع الثمن مع الغرماء، وله عدم الفسخ والضرب بما بقى له من الثمن، لكن فيه مضافا إلى التضرر بالشركة أن هذا الخيار على خلاف الاصل، والمتيقن منه ما إذا لم يقبض من الثمن شيئا، فيبقى غيره على قاعدة اللزوم، خصوصا بعد النبوى (1) وإن كان قد قبض من ثمنه شيئا فهو أسوة الغرماء) والله أعلم هذا كله إذا وجد المبيع ناقصا. (و) أما إذا كان زائدا كما (لو حصل منه نماء منفصل كالولد واللبن) ونحوهما (كان النماء للمشتري، وكان له) أي البايع (أخذ الاصل بالثمن) بلا خلاف بيننا ولا إشكال، بل في المسالك أنه موضع وفاق، بل لا فرق في الولد بين الحمل والمنفصل، ولا في اللبن بين المحلوب وغيره، لكون الجميع نماء ملك المشترى. (ولو كان النماء متصلا كالسمن والطول) مثلا (فزادت لذلك قيمته قيل) والقائل الشيخ فيما حكى عنه وعن جماعة (له أي البايع (أخذه، لان هذا النماء يتبع الاصل) لانه محض صفة، وليس من فعل المفلس فلا يعد مالا له، ولانه يصدق عليه أنه وجد عين ماله، بل الظاهر عدم صدق أن معها غيرها، ولان الفسخ هنا كالفسخ بالخيار الذى لا إشكال في كون هذه الزيادة فيه لمن عادت العين له به، وما في جامع المقاصد من الفرق بينهما بثبوت استحقاق الرجوع بأصل العقد في الخيار، بخلافه هنا، فإنه طار بعد الحجر - غير مجد، بعد اشتراكهما في أن الفسخ من حينه، وبعد


(1) سنن البيهقى - ج 6 ص 47

[ 306 ]

عدم رجوع غيره من النماء بفسخ الخيار، وإن كان ثابتا بأصل العقد. (و) لكن مع ذلك قال المصنف: (فيه تردد) مما ذكرنا، ومن أنها زيادة عينية قد وقعت في ملك المشترى، وان تكن من فعله، فهي في الحقيقة عين مال البايع مع شئ آخر، ومن هنا كان خيرة جماعة منهم الفاضل في المختلف وابن الجنيد والمحقق الثاني أن الزيادة للمفلس، لكنها لا تمنع من رجوع البايع، لعدم سلبها صدق اسم وجدان العين، فإذا رجع كان شريكا معه بالنسبة، لكن ظاهر ما عن التذكرة أو صريحها عدم جواز الفسخ من أصله، لانه على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على المتيقن الذى هذا ليس منه، وفيه ما لا يخفى، بل لعل القول الثاني. الذى هو مراد المصنف من تردده على الظاهر لا يخلو من ضعف أيضا على ما عرفت والله أعلم. (وكذا) الكلام (لو باعه نخلا وثمرتها قبل بلوغها وبلغت بعد التفليس) فزادت قيمتها لزيادة في نفس الثمرة، أما إذا كانت الزيادة في القيمة خاصة، مع بقاء الثمرة على قدرها، ففى المسالك في الحاقها بالمسألة وجهان، من كون الزيادة القيمية حصلت في ملك المفلس فلا يؤخذ منه مجانا، ومن بقاء عين مال البايع من غير تغيير، فيدخل في عموم الخبر، ثم قال: واستقرب في التذكرة عدم جواز الرجوع في العين مطلقا متى زادت قيمتها لزيادة السوق، وألحق به ما لو اشتراها المفلس بدون ثمن المثل). قلت: لا اشكال في ضعف ما في التذكرة، ضرورة اندفاعه باطلاق النص، إنما الكلام في أن زيادة السوق لاوصاف حصلت في ملك المفلس، كزيادته بالسمن والطول ونحوهما، أو لا، الظاهر الثاني، وإن قلنا به في الاول، لعدم كونها نماء في كل مقام تنفسخ فيه المعاوضة، وعدم صحة سلب عدم وجدان عين المال بها، بل ولا صدق وجدان غيرها معها كما هو واضح. والله أعلم. (أما لو اشترى حبا) مثلا (فزرعه وأحصد، أو بيضة فاحضنها وصار منها فرخ لم يكن له) أي البايع (أخذه لانه ليس عين ماله) كى يصح له الفسخ فيه،

[ 307 ]

ضرورة استحالته في ملك المشترى، وليس المدار في الرجوع بالمغصوب على كونه عين المال حال الغصب، ومن هنا صح الرجوع فيه وإن استحال في يد الغاصب إلى حقيقة اخرى، إذ هو مال المالك على أي حال يكون، ومنه زرع المرتهن للحب المرهون، بل قد يقال: ليس للبايع الفسخ في العصير إذا تخمر في يد المشتري ثم تخلل، لكنه لا يخلو من اشكال. نعم في المسالك (لو قلنا بالمنع من الرد في الزيادة المتصلة، فهنا أولى) وقد عرفت أن المختار عندنا عدم المنع من الرد فتأمل. (ولو باعه نخلا حائلا فأطلع) وفسخ البايع (أو أخذ النخل قبل تأبيره لم يتبعها الطلع) فضلا عن غيره من الاشجار، لانه من النماء الذى قد سمعت الحكم فيه، ودخوله في البيع للدليل لا يقتضى دخوله هنا، بعد حرمة القياس عندنا، فما عن الشيخ رحمه الله من الدخول كما عن أحد قولي الشافعي ضعيف، أما إذا أبر فلا يتبعه قولا واحدا، والظاهر عدم استحقاق المالك الاجرة حينئذ لو أراد المشترى الابقاء إلى الجذاذ، كما صرح به الفاضل في القواعد، والمحقق الثاني والشهيد الثاني، وكذا الحمل والزرع في الارض، ونحو ذلك، بل في المسالك أنه يستحق بقاؤه الي حصاده بلا أجرة قولا واحدا، ولعله لان الثابت له الفسخ في العين، وردها إلى ملكه وقد حصل، وليس له رد المنفعة التى قد استحقها المفلس، بل هو بمنزلة من استوفاها، كما أنه ليس له ادخال الضرر عليه باتلاف ماله لو أراد قلعه، وهذا بخلاف ما لو آجر أرضا فزرع المستأجر وأفلس، ففسخ المؤجر، فإنه يستحق أجرة المثل حينئذ على الابقاء إلى وقت الحصاد، لان مورد المعاوضة هنا المنفعة وقد فسخ، ولم تعد إليه باعتبار استحقاق الابقاء عليه، فله عوضها حينئذ، خصوصا والمفلس لم يكن يستحقها مجانا قبل الفسخ، فكيف يستحقها كذلك بعده. وبالجملة الفرق بين المسألتين واضح، ولكن لا يقتضي عدم استحقاق الاجرة في المسألة الاولى، إذ قد يقال بذلك مراعاة للجمع بين الحقين، إذ المشترى كان له الابقاء من حيث أنه مالك لا مطلقا، بل قد يفرق بين المقام، وبين بيع الارض المزروعة،

[ 308 ]

باعتبار ظهور العقد الحاصل برضاهما في البقاء، بخلاف الفسخ الحاصل قهرا على المشترى، ومن هنا كانت المسألة لا تخلو من إشكال، أللهم إلا أن يقال: إنه لا إشكال في استحقاق البقاء على البايع، لانه ليس بظالم، ولتوقف تمام ماليته على ذلك، و الاجرة إن كان يستحقها المالك عليه من جهة شغل ملكه فهي من الشرع، لا أن استحقاق البقاء مشروط ببذلها، فهي حينئذ تكليف مستقل مع الشك ينفى بالاصل، فتأمل جيدا، فإنه دقيق. والله أعلم. (وكذا لو باع أمة حائلا فحملت، ثم فلس وأخذها البايع لم يتبعها الحمل) لو فسخ البايع، إذ هو كغيره من الحمل والنماء ولعل عود (ذكره) بالخصوص تنبيها على أن مقتضى قول الشيخ في تبعية الحمل للام في البيع لكونه كالجزء منها - القول بالتبعية هنا، بناء على عدم منع النماء المتصل نحو السمن والطول، كما سمعته من الشيخ سابقا، لكن قد عرفت ضعفه في محله، والله أعلم. (ولو باع شقصا وفلس المشترى كان للشريك المطالبة بالشفعة، ويكون البايع أسوة مع الغرماء في الثمن) بلا خلاف أجده بين أصحابنا في الحكمين، الواضح وجه ثانيهما، وأما وجه أولهما فقوة حق الشفعة، بدليل ثبوتها مع انتقال العين عن المشترى حتى لو جعلها مسجدا، بل لو تقايل المتبايعان كان للشفيع ابطال التقايل، والاخذ بالشفعة، بل لو فسخ البايع بعيب في الثمن كان للشفيع فسخ الفسخ، والاخذ بالشفعة في أحد الوجوه، أو أصحها، وكذا المشترى إلى غير ذلك مما يستفاد منه قوة حق الشفعة، بخلاف خيار البايع الذى لم يثبته الشارع إلا مع وجود العين، ولان تعلقها هنا في العين أسبق، ضرورة حصولها بالعقد، بخلاف الخيار المتوقف على فلس المشترى، فهي حينئذ أرجح منها بالسبق، ولانها لاحقة للبيع بذاته والخيار لاحق له بواسطة الحجر، وما بالذات أولى مما بالعرض. وإن كان الاخير كما ترى، لا محصل له بحيث يصلح مدركا لحكم شرعى، بل وسابقه، إذ السبق باعتبار سبق السبب لا يقتضى ترجيحا على المتأخر الذى تأخر

[ 309 ]

سببه، كما هو واضح، فانحصر الوجه في الاول الذى لولاه لكان المتجه ثبوت حقهما معا، فأيهما سبق كان الحق له، ومع الاقتران يبطلان ويبقى للمفلس، أو يستخرج أحدهما بالقرعة، مع القطع بتأثير أحدهما في الواقع، والاحتمال في الظاهر بناء على اعتبار ذلك في القرعة، إذ لا ظهور في دليل كل منهما في نفى ثبوت حق لغيره، بل مقتضى عموم دليلهما الثبوت لهما، فهو كما لو قال الشارع بالخصوص لهذا الشريك الشفعة، لهذا البايع الخيار. بل قد يظهر لك مما ذكرنا وجه في أصل المسألة إن لم يقم اجماع على خلافه، وهو القول بأن الحق للسابق منهما، ومع الاقتران ترجح الشفعة بما ذكر مرجحا لها من القوة وغيرها، بل لعل هذا أولى مما ذكره في القواعد وغيرها من احتمال تقديم حق البايع، لان الشفعة شرعت لدفع الضرر بالشركة التي لا يختارها الشريك، والضرر هنا يزول عن الشفيع، لان البايع إذا رجع في الشقص عاد الامر كما كان قبل البيع، ولم يتجدد شركة غيره، واحتمال تقديم حق الشفيع بالعين، والبايع بالثمن على ساير الغرماء، حيث تعذر اخذه العين، وحيث إنه عوض ماله الذى قد وجده في حال الحجر بعينه، وقد كان حقه التقديم به لولا عروض مانع سابق، فيرجع إلى بدله جمعا بين الحقين، إذ الاخير واضح الفساد، لعدم حق بعد للبايع، بعد تقديم الشفيع في العين لكون الثمن حينئذ من أموال المشتري، فهو وغيره من الغرماء سواء فيه، بل والاول لكون الضرر حكمة في الشفعة، لا علة تدور مدارها، فلا ريب في أن ما ذكرناه أولى منهما والله أعلم. (ولو فلس المستاجر) قبل تمام استيفاء المنفعة (كان للمؤجر فسخ الاجارة) إن شاء من غير خلاف أجد فيه، الحاقا للمنافع بالاعيان، وتنقيحا للمناط، بل ربما تكلف إدراج المنفعة في بعض نصوص الخيار (و) حينئذ ف‍ (لا يجب عليه امضاؤها ولو بذل الغرماء الاجرة) من مال المفلس أو من مالهم، ولو بالاباحة للمفلس على حسب ما عرفته في بذل ثمن المبيع، ولو كان قد استوفى المستأجر بعض المنفعة قبل الفلس،

[ 310 ]

فسخ المؤجر فيما بقى وضرب بما يقتضيه التقسيط بالنسبة إلى الماضي مع الغرماء، إذ هو كتلف بعض المبيع الذى يقسط عليه الثمن، إذ المنفعة قليلها وكثيرها يمكن إفرادها بالاجارة، بل وكذا لو استوفى بعد الفلس، ولو كانت العين المستأجرة أرضا قد زرعها المفلس، أو غرس فيها، أو بنى كان له الفسخ أيضا، واستحق أجرة المثل على الابقاء، لما عرفت سابقا من الفرق بين الاجارة والبيع في ذلك. بل صرح في المسالك هنا (أن لها الاجرة مقدمة على الغرماء، لما فيها من مصلحتهم بحفظ الزرع، كأجرة الكيال والوزان) وإن كان لا يخلو من تأمل، بناء على استحقاق البقاء عليه، وإن وجبت الاجرة شرعا جمعا بين الحقين، ولو كانت الاجارة على عين كلية في ذمة المؤجر، ولم يكن قد اقبضها المستأجر، فالظاهر أن له الفسخ أيضا، بل لعله أولى من الفسخ في العين المشخصة التي سلمها المؤجر، وفي المسالك (إن اختار المؤجر الامضاء أمره الحاكم بتعيينها ليؤجرها) وهو كذلك، بل قد يقال: إن له الفسخ لو كانت الاجارة على عمل في ذمته، وقد فلس المستأجر قبل أن يعمل العمل كله، أو بعضه، فإنه أولى من العين. ومنه ينقدح الخيار للبايع لو كان قد باعه شيئا في ذمته وقد فلس المشترى قبل أن يقبضه، لكون المناط في الجميع واحدا، ولو فسخ مؤجر العين وقد وجد عينه مشغولة بحمل مال للمفلس، وجب الابقاء بالاجرة إلى المأمن، مقدما بها على الغرماء، وكذا لو كان المفلس راكبا لها، دفعا للضرر على نفسه الذى هو أولى من حفظ ماله، كما صرح بذلك كله في المسالك، وإن كان لا يخلو التقدم في الاخير من بحث، إلا أن يدخل تحت النفقة. والظاهر أن له فسخ وإن كان المأمن في صوب المقصد، لوجود السبب، وعدم الفائدة في بعض الافراد غير قادح بعد وجود السبب، مع أنه يمكن تصوير الفائدة في كثير من الافراد، بل له الفسخ وإن كان المأمن منتهى المسافة المستأجرة عليها، وكذا له الفسخ وإن كان النقل إلى المأمن يحصل باجارة مساوية للنقل إلى

[ 311 ]

المقصد، أو اكثر، لكن في التذكرة أن الاولى وجوب النقل إلى المقصد، وعدم تخيره في الفسخ، بل يجب عليه امضاء العقد، ثم قال: وهل يقدم بالقسط للنقل من موضع الحجر إلى المقصد من المسمى اشكال، وهو كما ترى حتى في اشكاله، فإن المتجه بناء على عدم الفسخ عدم التقدم، كما هو واضح. نعم ما فيها من أنه لو كان المأمن في صوب المقصد، وصوب مبدء المسافة أو تعددت مواضع الامن وتساوت قربا وبعدا ففى التذكرة فإن كان اجرة الجميع واحدة نظر إلى المصلحة، فإن تساوت كان له سلوك أيها شاء، لكن الاولى سلوك ما يلى المقصد، لانه مستحق عليه في أصل العقد، وان اختلفت الاجرة سلك أقلها أجرة، وإن تفاوتت المصلحة، فان اتفقت مصلحة المفلس والغرماء في شئ واحد تعين المصير إليه، وإن اختلفت، فالاولى تقديم مصلحة المفلس، ولا بأس به، ولو أفلس المؤجر بعد تعين الدابة فلا فسخ، بل يقدم المستأجر بالمنفعة، كما يقدم المرتهن، لاصالة اللزوم، وسبق الاستحقاق. نعم للغرماء البيع مستحقة المنفعة، ولهم الصبر إلى انقضاء الاجارة إذا لم يوجد راغب، لكن هل يبقى الحجر مستمرا عليه إلى انقضائها إحتمال. ولعل الاقوى عدمه، ولو كانت الاجارة على الذمة، فله الرجوع إلى الاجرة إن كانت باقية، للوجدان، وله الضرب بقيمة المنفعة، كما أنه يتعين له ذلك لو وجدها تالفة، وليس له الفسخ والضرب بالاجرة، لانه ليس كالسلم كما هو واضح والله أعلم. (ولو اشترى أرضا فغرس المشتري فيها أو بنى، ثم أفلس كان صاحب الارض أحق بها) قطعا، بل لا خلاف أجده فيه، لصدق وجود العين (وليس له إزالة الغروس ولا الابنية) مع عدم بذل الارش قطعا. (وهل له ذلك مع بذل الارش، قيل:) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه (نعم) لظهور ما دل على أن له الرجوع في العين في استحقاق منافعها، وحيث وضع بحق جمع بين الحقين ببذل الارش (والوجه المنع) لانها قد وضعت بحق خالص للمالك، فليس لاحد إزالتها

[ 312 ]

لاحترامها، والارش من عدم الرضا به لا يسقط احترامها، بخلاف الارض التي كانت ملكا للمفلس، وقد انتفع بها بذلك، ولم يكن لاحد فيها حق أصلا. وإنما تجدد له الرجوع بالعين خاصة، بل المتجه عدم استحقاق الاجرة على البقاء، كما صرح به في جامع المقاصد، للاصل الذي قد سمعته في الزرع. بل في المسالك (أنه يلزم على قول الشيخ أن له الايقاء بالاجرة لا مجانا، لان ذلك هو مقتضى تعليله، ولكن لم يذكر احد استحقاقه الاجرة لو أبقاها، نعم هو وجه لبعض الشافعية) وربما يستفاد منه عدم الخلاف في عدم استحقاق الاجرة مع اختيار البقاء، بل لعل الشيخ أيضا لا يقول بها. وإن جوز له القلع بالارش ضرورة عدم تلازمهما. وحينئذ فطريق معرفة الارش على قول الشيخ تقويم الغرس والبناء قائمين بلا أجرة ومقلوعين، فالتفاوت بينهما هو الارش. ولكن التحقيق مساواة الغرس للزرع في استحقاق البقاء بلا أجرة، وعدم جواز القلع بالارش إلا مع التراضي، واحتمال الفرق بينها بأن له أمدا ينتظر، بخلاف الغرس والبناء، فيحصل الضرر عليه اعتبار لا يصلح معارضا لما يقتضيه الضوابط، خصوصا بعد أن كان الفسخ اختياريا له، لا قهريا عليه. فتأمل جيدا. نعم لو أفلس بثمن الغرس أيضا ففسخ صاحبه، لعدم عوده زيادة على ما كان، أو قلنا أن مثله يتبع العين كالسمن - لم يكن له استحقاق بقاء على صاحب الارض بل له قلعه من دون أرش لانه دفعه إلى المشتري مقلوعا، بل لو قلعه صاحبه كان عليه طم الحفر، لانه احداث في ملك الغير لتخليص ماله، ومصلحة بسبب فعل غير مضمون، إذا لم يكن الغرس في الارض عدوانا، ومن هنا كان الظاهر أنه ليس لاحدهما مطالبة الآخر بتخليص ماله من ماله من مال الاخر، لان الغرس لم يقع من واحد منهما بغير حق، وإنما فعله المفلس حين كان مالكا للعين والانتفاع. نعم لكل واحد منهما تولي ذلك، والاولى استيذان الحاكم. والظاهر أن

[ 313 ]

صاحب الارض له قله، وان كان هو حين القلع لم يكن صالحا بعد للغرس، لان منفعة الارض لبايعها بعد الفسخ، ولم يكن الغرس لمفلس، حتى يستحق إبقاؤه. لان الفرض أن صاحبه قد فسخ أيضا، وقد يحتمل في المقام من جهة خبر (الضرر والضرار (1)) أن لصاحب الغرس أرش النقص على المفلس، أو يقال: إن له الابقاء بالاجرة أو يقال إن لصاحب الارض القلع بالارش. والله أعلم. وكيف كان فمفروض مسألة المتن أن الغرس للمفلس، وقد عرفت أن الحكم فيها الفسخ، فتكون الارض للبايع، والغرس للمفلس، (ثم يباعان ويكون له) أي البايع (ما قابل الارض) بأن يقوما معا ثم تقوم الارض مشغولة به مجانا ما بقي على ما عرفت، وينسب قيمتها كذلك إلى قيمة المجموع، ويؤخذ لها من الثمن بنسبة ذلك، والباقي للمفلس. هذا إن رضي صاحبها بالبيع، (فإن امتنع بقيت له الارض، وبيعت الغروس والابنية منفردة) باقية في الارض من غير أجرة، ولا يجبر على بيع الارض، وإن استلزم نقصانا عليه في بيعهما منفردين، لان الذي له ذلك، فإذا بيعت كذلك كان للمشتري الدخول، والسقى وغيرهما من الاحكام، نحو ما تقدم فيمن باع بستانا واستثنى منها شجرات أو نخلات. كما هو واضح والله أعلم. (ولو اشترى زيتا فخلطه بمثله لم يبطل حق البايع من العين) لوجودها وإن كانت غير متميزة، إذ هو لا يستلزم عدمها، بعد أن لم تكن واسطة بين الموجود والمعدوم، فيقسم حينئذ بينه وبين المفلس، لان الفرض التساوى في الزيت، (وكذا لو خلطه بدونه) في عدم بطلان حقه من العين، بل وفي القسمة عند المصنف وغيره (لانه) بفسخه (رضي بما دون حقه) وفيه أنه أعم من ذلك، ولعل الاوجه أن له التوصل إلى حقه بالبيع، ويكون له من الثمن بنسبة ما يخصه من القيمة، كما جزم به في محكي التحرير، لانهما كالمالين لشخصين لو بيعها صفقة، وإن كانا مستقلين. واحتمال الشركة في العين على هذه النسبة، يدفعه - مضافا إلى لزوم الربا،


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الخيار الحديث 3 - 4 - 5.

[ 314 ]

بناء على عمومه لكل معاوضة ولو القهرية - أنه لا معاملة بينهما على ذلك، والامتزاج لا يستلزمه قهرا، وإنما يستلزم الشركة قهرا في المالين على نسبة قدرهما، على معنى استحقاق كل منهما النصف مع فرض التساوي، وبحيث لو تلف منه يكون بالنسبة، أما لو بيعا لوحظ في ثمنهما ملاحظة المالين المستقلين، ضرورة تفاوت الثمن بالنسبة اليهما، ولا تلازم بينه وبين الاشتراك بالعين، وللبايع الامتناع من العين هنا إذا رضي بدون حقه، لانه يكون حينئذ شريكا. لكن في جامع المقاصد (فان قيل: إنه هل يجاب البايع لو طلب القسمة بعد الرجوع والمخلوط به المثل والاردى ؟ قلت: يحتمل أن لا يجاب، لان الخلط لم يكن على طريق الشركة، وإنما وقع ذلك من المفلس حين كان مالكا لكل منهما، فلو أجبناه إلى القسمة لزم تملكه بعض مال المفلس، لامتناع فصل ملكه، وهو باطل، ولان القائلين باستحقاق القيمة بالبيع بعد الرجوع لم يفصلوا، وظاهرهم إطلاق الحكم في الحالات كلها) وفي التحرير أثبت له المطالبة بالبيع في الخلط بالمثل والاردى. قلت: ظاهر الاصحاب في غير المقام وقوع الشركة قهرا في الممتزج بالمساوى، وكذا الاردى إذا رضى صاحب الجيد، ولعله لان الامتزاج موجب لذلك حتى في صورة الاختيار الذي يكون الفائدة فيه حينئذ الرضا بايجاد السبب المقتضي للشركة في نفسه، وحينئذ فطلب القسمة في محله، أما لو كان بالاردى فمع رضاه يعمل السبب حينئذ عمله من الاشتراك قهرا، فلو بيعا حينئذ لم يكن له الاعلى حسب الشركة، ولا يستحق من الثمن بمقدار قيمة ماله، لان الفرض حصول الشركة. نعم له أن لا يرضى ويطالب بالبيع، فيخصه من الثمن على نسبة القيمة، لكن الانصاف أن ذلك كله محتاج إلى الدليل، وإلا فالذي تقتضيه الضابطة بقاء كل مال على ملك صاحبه حينئذ حتى في المتساوي، لتوقف ملك كل منهما شيئا من مال الاخر على الترضي، والفرض عدم حصوله منهما، أو من احدهما، وربما كان هو ظاهر المحكي عن ابن الجنيد الذي اختاره في المختلف فلاحظ وتأمل.

[ 315 ]

(وإن) كان قد (خلطه بما هو أجود قيل) والقائل الشيخ والفاضل في بعض كتبه (يبطل حقه من العين، ويضرب بالقيمة) التي يطلب بها المفلس، (مع الغرماء) لكونها حينئذ كالتالفة بالاختلاط، وعدم التمكن من القسمة، للاضرار بالمفلس، وفيه أنه يمكن التوصل إلى حقه بالبيع، ويكون من الثمن على نسبة القيمة، ولو أثر مثل هذا الاختلاط في ذهاب العين، لزم مثله في القسمين الاولين، ومن هنا كان مختار الفاضل وثاني الشهيدين ذلك، فعليه لو كانت قيمة زيته درهما، والممزوج به درهمين، أخذ ثلث الثمن، وهكذا، وليس له الامتناع من البيع هنا، وإن احتمله بعضهم، لانحصار التوصل إلى حقه فيه، نعم للغرماء والمفلس الامتناع من البيع إذا رضوا بالقسمة معه على قدر المالين، بناء على ما ذكرنا سابقا لانحصار الحق فيهم، فمع رضاهم بدون حقهم لم يكن لاحد منعهم، هذا. وعن الشيخ أنه حكى هنا قولا آخر، وهو الشركة في العين على نسبة القيمة فإذا خلط جرة تساوي دينارا بجرة تساوى دينارين فللبايع قيمة ثلث الجميع، فيعطى ثلث الزيت، وغلطه باستلزامه الربا، وفي المسالك (أنه يتم على القول بثبوته في كل معاوضة، ولو خصصناه بالبيع لم يكن القول بعيدا) قلت: هو بعيد أيضا ضرورة عدم المعاملة بينهما، والامتزاج لا يستلزم ذلك، فلا ريب في أن المتجه ما عرفت. نعم قد يحتمل الرجوع إلى الصلح القهري، بل وفي المسالك في باب الغبن في نحو المقام، أنه لا يخلو من قوة بل فيها وفي الروضة هناك ما فيه نوع منافاة في الجملة، فلاحظ وتأمل والله أعلم. (ولو نسج) المشترى (الغزل أو قصر الثوب أو خبز الدقيق) أو عمل نحو ذلك مما يقيد المبيع صفة محضة (لم يبطل حق البايع من العين) قطعا لعدم خروجها بذلك عن الوجود، بل ان لم تزد قيمة المبيع بهذه الصفات لم يكن للمفلس شئ سواء غرم عليه شيئا أو لا، واحترام عمله - بعد أن كان في ماله - لا يقتضى استحقاق شئ على البايع، كما انه إن نقصت قيمته لم يكن شئ للبايع، بناء على ما عرفت

[ 316 ]

سابقا من عدم استحقاق البايع الارش بجناية البايع المقتضي للعدم في المقام بطريق أولى. إنما الكلام فيما لو زاد بعمله (و) مقتضى قول المصنف (كان للغرماء ما زاد بالعمل) القطع بذلك، وهو أحد القولين في المسألة، فلو كان الثوب غير مقصور يساوي مائة ومقصرا يساوي مائة وعشرين كان للمفلس سدس الثمن، ووجهه أن هذه الزيادة بسبب فعل للمفلس، وفيه أن المتجه بناء على ما ذكرنا من عدم استحقاق المشتري السمن ونحوه، العدم هنا، كما في القواعد، بل هو أولى ضرورة عدم كون الحاصل هنا إلا صفة محضة لا يعقل ملكها مستقلا، فهي من توابع المملوك. ودعوى - أن الفرق بينها وبين السمن حتى أنه يمكن القول بالعدم هناك، بخلافه هنا، بأن السمن ونحوه من الله، وإن كان سببه من فعل المكلف، كالعلف والسقي مع أنه قد يتخلف عنهما، بخلاف المقام الذي هو من فعله أو في حكمه، كما لو استأجر على العمل مثلا، ولذا لم يجز الاستيجار على الاول دونه - يدفعها أنها بعد التسليم، لا تجدى، إذ الفعل بعد أن كان في ملكه لم يكن له ضمان على أحد، وإنما استحق البايع العين التى يلزمها تبعية مثل هذه الاوصاف، كما هو واضح، ولا فرق بين كون الصفة من فعله، أو فعل غيره، بعد أن كانت نماء ملكه، وزيادة قيمة العين سببها له، فليس السبب إلا ما ذكرنا، وبذلك قد استرحنا عن تحقيق حال الزيادة انها وقت الفسخ، كما هو ظاهر المسالك، أو ولو تجددت، كما هو مقتضى التعليل السابق. وعلى كل حال فقد ظهر لك عدم لحوق هذه الصفات بالاعيان المتولدة من العين المحكوم بكونها للمفلس، لانها نماء ملكه، ولو ألحقنا الصفة بالعين، كان للاجير على الطحن والقصارة، حبس الدقيق والثوب لاستيفاء الاجرة، كما أن للبايع حبس المبيع لاستيفاء الثمن، بل لو تلف الثوب أو الدقيق بيده لم يستحق الاجرة قبل التسليم فانه حينئذ كالمبيع التالف قبل قبضه، أما على عدم الالحاق استحق، لانه صار مسلما بالفراغ، ولو أفلس قبل إيفاء الاجير أجرة القصارة مثلا، ففي القواعد إن لم يزد بها

[ 317 ]

فلا شئ للاجير في ثمن العين وإن زاد وألحقنا هذه الصفة بالاعيان، فان لكل من البايع والاجير الرجوع إلى عين ماله، فلو ساوى قبل القصارة عشرة، والقصر خمسة، والاجرة درهما قدم الاجرة بدرهم والبايع بعشرة وأربعة للغرماء والمراد أن للاجير حبس العين حتى يستوفي أجره، وليس له عين مال قطعا، بل له الحبس، وإن لم يزد الثوب بقصارته كما سمعته سابقا، والله أعلم. فتأمل جيدا. (ولو) كان قد (صبغ الثوب) فإن لم تزد قيمته بالصبغ لم يكن للمفلس شئ بلا خلاف اجده، بل في المسالك قولا واحدا، فيختص البايع حينئذ بالعين، لكونها قائمة بخلاف عين مال المفلس، فإنها ذاهبة، والفرض أن الصفة لا أثر لها، ولو زادت قيمته بقدر قيمة الصبغ (كان شريكا للبايع) في الثمن، (ب‍) قدر (قيمة الصبغ) فلو فرض ان قيمة الثوب غير مصبوغ أربعة، والصبغ درهمان، والمصبوغ ستة، فللمفلس ثلث الثمن، ولو زادت قيمته بأقل من قيمته، كما لو فرض قيمته مصبوغا في المثال خمسة، فالنقصان على الصبغ، لان الصبغ تتفرق اجزاؤه في الثوب ويهلك، والثوب قائم بحاله، كانت نسبة النقصان إليه أولى، وبه جزم في القواعد لكن لا يخلو من نظر، وشرطه في المسالك بأن لا يعلم استناد النقصان أو بعضه في الثوب وإلا لحقه بسببه، بل قد يظن من إطلاق المصنف الشركة بمقدار الصبغ، وقوع النقصان عليهما بالنسبة، فتأمل. ولو زادت قيمة الثوب مصبوغا على قيمة الصبغ، كما لو فرض كون الثوب في المثال يساوى ثمانية، فالمتجه بناء على ما ذكرناه اختصاص البايع بالزيادة، لانها صفة محضة، وقد عرفت تبعيتها للعين، ويجئ على ما سلف سابقا احتمال اختصاص المفلس بها، لانها كالاعيان، فيكون الثمن حينئذ في الفرض بينهما نصفين، وقد يحتمل هنا بسطها على قيمة الثوب والصبغ، فيكون الثمن اثلاثا، بل لا محيص عنه إذا فرض كون الزيادة للثوب والصبغ، هذا كله حكم ما (إذا لم تنقص قيمة الثوب به) أي الصبغ، فإن نقص لم يكن للمفلس شئ، بل هو أولى مما إذا لم يزد به الذى عرفته

[ 318 ]

فيما تقدم. والله أعلم. (وكذا) البحث فيما (لو عمل المفلس فيه عملا بنفسه) ضرورة عدم الفرق بينه وبين الاستيجار عليه، بل وكذا لو تبرع متبرع به باذن المالك، فإن الجميع عند المصنف متى زاد المتاع به (كان) المفلس (شريكا للبايع) معه في الثمن (بقدر العمل) على حسب ما عرفت، وقد تقدم أن التحقيق عندنا عدم استحقاقه شيئا إذا لم يكن العمل صبغا ونحوه مما هو أجزاء مالية أو كالاجزاء بل ينبغى الجزم فيما لو كان العمل عمل غاصب ونحوه، مما لم يعمله المفلس بنفسه، ولا أذن فيه، ولا غرم عليه أجرة كما هو واضح. والله أعلم. (ولو أسلم في متاع) وقد حل الاجل (ثم أفلس المسلم إليه قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه، وتبعه الفاضل في التذكرة (إن وجد رأس ماله أخذه) انشاء (وإلا) بأن وجده تالفا قبل الحجر أو موجودا ولم يجز الفسخ (ضرب مع الغرماء بالقيمة) بل لا خلاف أجده في الحكم الاول لاندراجه في النصوص (1) أو استفادته من فحواها، وإنما الكلام في الحكم في الثاني، فإن ظاهره تعين ذلك عليه، وأنه ليس له الفسخ حينئذ، بل صرح به، قال: وإن لم يجد عين ماله فإنه يضرب مع الغرماء بقدر ماله عليه من الحنطة، وقيل أيضا أنه إن أراد فسخ العقد والضرب مع الغرماء برأس المال كان له ذلك، والاول أصح. وكيفية الضرب بالطعام أن يقوم الطعام الذى يستحقه بعقد السلم، فإذا ذكرت قيمته ضرب مع الغرماء بما يخصه منها فيه، فإن كان في مال المفلس طعام أعطي منه بقدر ما خصه من الثمن، وإن لم يكن في ماله طعام اشترى له بالقدر الذي خصه من القيمة طعاما مثل الطعام الذي يستحقه، ويسلم إليه، ولا يجوز أن يأخذ بدل الطعام بالقيمة التي تخصه، لانه لا يجوز صرف المسلم فيه إلى غيره قبل قبضه. (وقيل) والقائل الفاضل في بعض كتبه وغيره، بل في المسالك نسبته إلى


(1) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الحجر

[ 319 ]

الاكثر (له الخيار) مع التلف أيضا (بين) الفسخ و (الضرب بالثمن أو) بين اللزوم والضرب بحقه، لكنه إذا أريد معرفة ما يخصه من مال المفلس اعتبر (قيمة المتاع) حينئذ لذلك، وربما أطلق على ذلك الضرب بها مجازا (و) كيف كان ف‍ (هو أقوى) عند المصنف، والفاضل في بعض كتبه، بل لم يستبعده في التذكرة أيضا وثاني الشهيدين، لكنه قيده في المسالك والمحكي عن غيرهما بما إذا لم يكن مال المفلس من جنس المسلم فيه أو يشتمل عليه، بحيث لا يمكن وفاؤه منه. قال: (ولو فرض ذلك لم يكن له الفسخ، إذ لا انقطاع للمسلم فيه، ولا تعذر، ومن الممكن أن يصل إلى جميع حقه، بأن يفرض عدم قصور المال حين القسمة، وإن كان قاصرا كما مر فلابد من ملاحظة هذا القيد، وعلى تقدير وصول البعض فلا وجه للفسخ فيه أيضا). وهو من غرائب الكلام، ضرورة أن محل البحث عدم وفاء تمام المسلم فيه للاعسار لا للانقطاع، وحينئذ فلا فرق بين كون مال المفلس من جنس المسلم فيه، وعدمه، كما أنه لا معنى لفرض وفاء جميع حقه، لمعلومية خروجه عن محل النزاع، وكذا لا معنى لقوله لا وجه للفسخ في بعض، إذ لعل وجهه تبعض الصفقة، بل هو لازم لكل من قال بالخيار هنا ضرورة أنه لابد من وصول بعض حقه إليه مما يخصه من مال المفلس، كما هو واضح. فالتحقيق في المقام ما سمعته عن الشيخ، لاصالة لزوم العقد، واختصاص ما دل على الخيار فيما إذا تعذر المسلم فيه للانقطاع، دون غيره، فيضرب حينئذ بماله من المسلم فيه، ويؤخذ له بما يخصه من مال المفلس بعض حقه، وجوبا أو ندبا على ما تقدم في السلف من جواز أخذ غير الحق وفاء عنه قبل قبضه، وعدمه، ويبقى له الباقي في ذمة المفلس، بل لو كان المسلم فيه ثوبا أو عبدا أو نحوهما مما هو غير متساوي الاجزاء لم يكن له الفسخ، بل يعزل ما يخصه من الحصة، وينتظر اتمامها من المفلس


(1) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الحجر

[ 320 ]

بعد ذلك. خلافا للتذكرة قال: فيشترى بحصة المسلم شقص، فإن لم يوجد فللمسلم الفسخ) وفيه بحث، كما أن ما فيها أيضا من أنه لو قوم المسلم فيه فكانت قيمته مثلا عشرين، فافرزنا له من المال عشرة لكون الديون ضعف المال، ثم رخص السعر قبل الشراء بحيث كانت العشرة تفى بثمن جميع المسلم فيه، فالاقرب أنه يشترى به جميع حقه، ويسلم إليه لان الاعتبار إنما هو يوم القسمة، والموقوف وإن لم يملكه المسلم، لكنه صار كالمرهون بحقه، وانقطع حقه عن غيره من الحصص، حتى لو تلف قبل التسليم إليه لم يتعلق له حق بما عند الغرماء، وكان حقه في ذمة المفلس كذلك أيضا، إذ المتجه بناء على عدم ملك المسلم الموقوف، لان حقه في الحنطة لحوق الغرماء له بذلك، لبقاء المال على ملك المفلس، والاصل عدم حكم الرهانة فتصرف له في المثال حينئذ خمسة وتوزع الخمسة الباقية عليه وعلى الغرماء، كما أنه يلحق الغرماء لو زاد السعر قبل الشراء له بما وقف له من الدراهم. وهو واضح. (ولو أولد الجارية ثم فلس جاز لصحابها انتزاعها وبيعها) فيه وفي غيره لصدق وجدان عين المال فسلط على الفسخ (و) الاستيلاد غير مانع بعد أن (لو طالب بثمنها) ولو يفسخ (جاز بيعها في ثمن رقبتها) فأخذها حينئذ بمنزلته، وليس للغرماء المنع، وإن قلنا بتعلق حقهم بالمنفعة، لو لم تبع لاولوية حقه منهم، ولا يشاركونه في الثمن، لان الذي تعلق بها حقه دون غيره، فيتعلق حقه بثمنها القائم مقامها دون غيره، وإن كان هو ملكا للمفلس، إلا أنه كالمرهون يتعلق حق البايع به. وعلى كل حال فالحكم خاص فيها (دون ولدها) لانه حر باعتبار تولده، وهو في ملك سيدها، وإن لم يكن لاحد معه حقه، فلا سبيل حينئذ عليها، ولو وفى بعضها بثمن رقبتها أشكل الفسخ فيها مطلقا (وإذا جنى عليه) أو على عبده أو على مورثه (خطأ تعلق حق الغرماء بالدية) لانها مال متجدد للمفلس، ولا يصح العفو

[ 321 ]

منه هنا لمنعه من التصرف في المال (وإن كان‍) ت الجناية (عمدا كان بالخيار بين القصاص و) بين (أخذ الدية إن بذلت له) والواجب له اصالة القصاص على الاصح (ولا يتعين عليه قبول الدية) للاصل و (لانها اكتساب وهو غير واجب) وله العفو عن القصاص هنا لعدم كونه تصرفا ماليا، فتنتفى الدية حينئذ، لان الاصح ثبوتها صلحا لا اصالة. أما على القول بأن الواجب أحد الامرين فقد يقال: بتعينها بعد العفو عن القصاص، مع أنه لا يخلو عن بحث فتأمل. أما لو قتل هو كانت ديته كما له، ولو كان عمدا لم يحز للورثة القصاص إلا بعد أداء الدين على المشهور، كما في الدروس، قال: وقيده الطبرسي ببذل القاتل الدية، وجوز الحليون القصاص مطلقا، قلت: ولتحقيق الحال في ذلك محل آخر والله أعلم. (نعم لو كان له دار) موقوفة عليه (أو دابة) كذلك، وليست من المستثنيات (وجب) عليه (أن يواجرها) باذن الحاكم أو الغرماء، لتعلق الحق بمنفعتهما وليس هو اكتسابا (وكذا لو كانت له مملوكة) ممنوع عليه بيعها (ولو كانت أم ولد) بل في المحكي عن المبسوط إذا كانت له أم ولد يؤمر باجارتها، ويجبر على ذلك بلا خلاف، وظاهره بين المسلمين، لكن في التذكرة لو كانت له أم ولد أو ضيعة موقوفة عليه، ففي وجوب مؤاجرتها نظر، من حيث أن المنافع وإن لم تكن مالا فإنها تجرى مجراه، فيجعل بدلها للدين، ومن حيث أن المنافع لا تعد أموالا حاضرة ولو كانت تعد الاموال لوجب اجارة المفلس نفسه، ولوجب بها الحج والزكوة، والثاني أقرب، ومقتضاه المنع مطلقا حتى في الدار الموقوفة، والدابة ونحوهما. وفيه منع واضح حتى بالنسبة إلى الحج بها، على أنه لو سلم أمكن الفرق بأن الحج إنما يجب بالمال الحاضر، والمنفعة تتجدد شيئا فشيئا، ولا يطمئن ببقائها بحيث يستوفى الجميع، حتى يستقر ملك الاجرة فلا يجب عليه الاقدام مع هذه المخاطرة ولو فرض بحال يستقر ملكه على الاجرة اتجه الوجوب حينئذ.

[ 322 ]

ثم إنه لا خلاف (و) لا إشكال في أن للمفلس الدعوى لانها ليست تصرفا ماليا ف‍ (إذا شهد للمفلس شاهد بمال فان حلف استحق) وتعلق به حق الغرماء (وان امتنع) قيل لم يجبره الحاكم، لانه لا يعلم صدق الشاهد، ولو علم ثبت الحق بشهادته من غير يمين، وحينئذ فلا يجبره على ما لا يعلم صدقه، ولان الحلف تكسب وهو غير واجب. وفيه أن المدعى يعلم صدقه وهو كاف في الجبر، وإن لم يعلم الحاكم، وليس هو تكسبا، بل هو مقدمة لتحصيل ماله الواجب عليه، لوفاء الدين المطالب به. وعلى كل حال إذا لم يحلف ف‍ (هل يحلف الغرماء قيل:) والقائل الاكثر بل المشهور بل لا اجد فيه خلافا من غير الاسكافي (لا) يحلفون، بل في ظاهر التذكرة الاجماع عليه، (وهو الوجه) للاجماع ظاهرا على عدم جواز الحلف لاثبات مال الغير، ولما في المسالك من أن كل واحد منهم إن حلف على مجموع المال كان حلف لاثبات مال غيره، وهو باقي الغرماء، وإن حلف على القدر الذي يخصه بالتقسيط لم يثبت له أجمع، بل بعضه، لانه مال المفلس، فلا يتم ثبوت جميع المال بهذا الحلف، والاعتذار عن حلفه على المجموع بأنه إنما يثبت به استحقاقه، لا يدفع ذلك، لانه يتضمن اثبات مال الغير أيضا، وإن كان قد يناقش فيه بأنه يحلف على الجميع، وإن كان لا يثبت له إلا حصته، كالوارث، ولا يستلزم إثبات باقي المال للغرماء. ودعوى أن ثبوت حصته فرع ثبوت المال للجميع، ممنوعة، كدعوى مشاركة الغير له في هذه الحصة، إذ هو كبعض الورثة إذا حلف، فإنه يثبت حصته، ولا يشاركه غيره فيها، وإن كانت هي للميت فتأمل جيدا. ولذا قال في التذكرة: لو حلف بعض الغرماء عند القائلين به، دون بعض استحق الحالفون بالقسط، كما لو حلف بعض الورثة لدين الميت، وليس لمن امتنع من اليمين من الغرماء مشاركة الحالف، كالوارث إذا حلف دون باقي الورثة، لم يكن للباقين مشاركته، لان المقبوض باليمين ليس عين مال الميت، ولا عوضه بزعم الغريم. (وربما قيل بالجواز) بل هو المحكي عن أبي علي (لان في اليمين إثبات

[ 323 ]

حق للغرماء) والممنوع إنما هو لاثبات مال الغير من دون حق، إذ اقسام اليمين لاثبات مال الغير ثلاثة، كما عن حواشي الشهيد الاول: أن لا يكون للحالف حق فلا يصح حلفه إجماعا، الثاني: أن يكون للحالف حق ولغيره حق، لكن حق الحالف مقدم، وهو محل البحث ونحوه المرتهن، الثالث: أن يكون للحالف حق ولغيره حق، ولكن حق الغير مقدم، كالراهن ومالك الجاني فهذا يحلف، ويثبت حق غيره إجماعا، وفيه أن الاصل عدم ثبوت الحق باليمين، فيقتصر في خلافه على المتيقن، وهو محل الاجماع ويبقى غيره على الاصل، ومنه ما نحن فيه. نعم يمكن التوصل هنا إلى حلف الغرماء بان ينقلوا المال إليهم بعقد شرعي يعلم به الشاهد، ثم يشهد ويحلفون، لكن يخرج عما نحن فيه، وكذا الكلام فيما لو كان الدين لميت، ونكل الوارث، وأراد الغرماء الحلف، إلا أن المحكي هنا عن حواشى الشهيد جواز حلفهم، ولعله للفرق بينه وبين المفلس بتعذر الوصول إلى الحق من الميت بخلاف المفلس، لكنه كما ترى لا يصلح مخرجا عن الاصل المزبور، فتأمل جيدا والله أعلم. (وإذا مات المفلس حل ما عليه) بلا خلاف ولا إشكال كما تقدم سابقا، (ولا يحل ماله) عند المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عن الغنية نفي الخلاف فيه. بل عن الخلاف لا خلاف فيه بين المسلمين. للاصل بعد حرمة القياس، على أن الفارق موجود بتضرر الورثة بالامتناع عن التصرف، والغرماء به، (و) لكن (فيه رواية أخرى) مرسلة لابي بصير (1) وقد ذكرناها سابقا (مهجورة) عند معظم الاصحاب، إذ لم أجد من عمل بها إلا الشيخ في المحكي عن نهايته التي ليست هي كتاب فتوى، وأبا الصلاح، والقاضي، والطبرسي، فيما حكي عنهم. وهو لا يصلح جابرا لها كي تصلح لقطع الاصل بل الاصول كما هو واضح. (وينظر المعسر) إلى الميسرة، كما قال الله تعالى (2) (وإن كان ذو عسرة


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الدين الحديث - 1 (2) سورة البقرة الاية 280

[ 324 ]

فنظرة إلى ميسرة) وفي خبر غياث بن إبراهيم (1) عن الصادق عن الباقر عليهما السلام (أن عليا عليه السلام كان يحبس الرجل، فإذا تبين له افلاسه وحاجته خلى سبيله، حتى يستفيد مالا) وفي وصية الصادق عليه السلام (2) الطويلة التى كتبها لاصحابه (إياكم واعسار أحد من اخوانكم المسلمين أن تعسروه بشئ يكون لكم قبله، وهو معسر، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر مسلما أظله الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله). وفي مرسل عبد الله بن سنان (3) عن النبي صلى الله عليه وآله (لا يحل لغريمك أن يمطلك وهو مؤسر، فكذلك لا يحل لك أن تعسره، إذا علمت أنه معسر) وفي المرسل (4) (إن امرأه استعدت على زوجها عند أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا ينفق عليها، وكان زوجها معسرا، فأبى أن يحبسه، وقال: إن مع العسر يسرا، ولم يأمره بالتكسب) والنبوى العامي (5) (أنه صلى الله عليه وآله لما حجر على معاذ لم يزد على بيع ماله) وفي آخر (6) (أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: تصدقوا عليه، فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك). كل ذلك مضافا إلى ما عن المبسوط من أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه قبول الهبة والوصية، والاحتشاش، والاحتطاب، والاغتنام، مؤيدا بالمشهور نقلا وتحصيلا على عدم وجوب التكسب عليه، بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات، وعللوا به عدم قبول الهبة ونحوها مما يظهر منه المفروغية منه، بل عن ظاهر الغنية والسرائر الاجماع على عدم جواز دفعه إلى الغرماء ليستعملوه. (و) حينئذ ف‍ (لا يجوز إلزامه) بالتكسب (ولا مؤاجرته) التي


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب أحكام الحجر الحديث - 1 - (2) (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب الدين الحديث - 1 - 2. (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الحجر الحديث - 2 -. (5) سنن البيهقى ج 6 ص 48. (6) سنن البيهقي ج 1 ص 50.

[ 325 ]

هي نوع تكسب أيضا، ودعوى - أنها ليست منه، بل هي منفعة، وقد تقدم أن التحقيق كون المنفعة مالا يتعلق بها حق الغرماء - يدفعها أنه لا إشكال في عدم عد منفعة الحر مالا، ولذا لا تضمن بالفوات. وإنما تكون مالا بالاجارة، لا قبلها، فلا يتعلق بها حينئذ حق للغرماء، فما عن مالك - في رواية من أنه إن كان يعتاد إجارة نفسه لزم، وأحمد وإسحاق وعمر بن عبد العزيز وعبد الله بن الحسن العنبري وسوار من أنه يؤاجر، فإن امتنع جبره القاضي - واضح الضعف، وان احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله (1) (باع سرقا في دينه، وكان سرق رجل دخل المدينة، وذكر أن وراه مال، فداينه الناس فركبته الديون، ولم يكن وراه مال، فأتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسماه وباعه بخمسة أبعرة)، والحر لا يجوز بيعه فثبت أنه باع منافعه. بل ورد في طريق الخاصة خبر محمد بن سليمان (2) (عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد قال: (سأل الرضا عليه السلام رجل وأنا أسمع، فقال له: جعلت فداك إن الله عزوجل يقول: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسر) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه لها حد يعرف، إذا صار هذا المعسر إليه لابد له من أن ينتظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله، وليس له غلة ينتظر إدراكها ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه ؟ قال: نعم ينتظر بقدر ما ينتهى خبره إلى الامام، فيقضى عنه ما عليه من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل، فإن كان أنفقه في معصيته، فلا شئ له على الامام، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه، وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أو في معصيته، فقال: يسعى له في ماله، فيرده عليه وهو صاغر). وخبر السكوني (3) عن الصادق عن الباقر عليهما السلام ان عليا عليه السلام كان يحبس في الدين، ثم ينظر فإن كان له مال اعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال دفعه إلى


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 50 (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الدين الحديث - 3 - (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب أحكام الحجر الحديث - 3 -.

[ 326 ]

الغرماء، فيقول اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم واجروه، وإن شئتم استعملوه) وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (وفيه رواية اخرى مطرحة) لكن في اللمعة، وهو يدل على وجوب التكسب، واختاره ابن حمزة ومنعه الشيخ وابن إدريس، والاول أقرب، وفي الروضة (لوجوب قضاء الدين على القادر مع المطالبة، والمكتسب قادر، ولهذا تحرم عليه الزكوة، وحينئذ فهو خارج من الاية، وإنما يجب عليه التكسب فيما يليق بحاله عادة ولو بمؤاجرة نفسه، وعليه تحمل الرواية). وفي المسالك (ولو قيل بوجوب ما يليق بحاله كان حسنا) وفي الدروس (ويجب التكسب لقضاء الدين على الاقوى بما يليق بالمديون، ولو كان إجارة نفسه وعليه تحمل الرواية) وفي جامع المقاصد (وفيه قوة) وعن السيد عميد الدين يجب على المديون السعي إذا جرت عادته بالسعي، وكذا لو لم تجر عادته إذا لم يستضر، وفي الوسيلة ان كان المستدين معسرا صبر عليه من له الدين حتى يجد، فإن كان مكتسبا أمر بالاكتساب والانفاق بالمعروف على نفسه وعياله، وصرف الفاضل في وجه دينه، وإن كان غير مكتسب خلى سبيله حتى يجد، وعن جامع الشرايع ومجمع البرهان الامر بالاكتساب، وفي المختلف قول ابن حمزة جيد ونمنع من اعسار المكتسب ولهذا تحرم عليه الزكوة. وفي السرائر (ومن كان عليه دين وجب عليه السعي في قضائه) وفي القواعد (ويجب على المدين السعي في قضاء الدين) ونحوهما عن النهاية، وربما استظهر منهم وجب السعي حتى بالتكسب، لكن صدورها ممن علم من مذهبه عدم وجوب التكسب يقضي بارادة السعي في تحصيل ماله من ديون وأموال غائبة، ونحو ذلك، لا ما يشمل وجوب التكسب، وربما جمع بين الكلامين بارادة وجوب السعي الشامل للتكسب، وإرادة نفي الزام الغرماء له به، واستعمالهم إى ومؤاجرتهم له، وعن التذكرة الاجماع على عدم جواز مطالبته وملازمته وحبسه. وكيف كان فالانصاف ان كلمات الاصحاب في المقام لا يمكن جمعها على معنى

[ 327 ]

واحد، بل لعل الحاصل مما ذكرناه منها أربعة أقوال أو خمسة، وأن المشهور منها عدم وجوب التكسب حتى بالتقاط مباح لا يحتاج إلى تكلف، فيكون وجوب الوفاء عندهم مشروطا باتفاق حصول اليسار، ولا يجب عليه تحصيله وإن تمكن منه، تمسكا بالاصل وظاهر الآية (1) والرواية المعتضدة بما سمعت. لكن فيه أن الاصل يقطعه ظهور أمر قضاء الدين في كونه واجبا مطلقا، والاية لا تدل على كونه مشروطا، ضرورة أنه يجب الانظار إلى الميسرة، وإن وجب عليه تحصيلها مع التمكن منها، وكذا الرواية، بل إن كانت (حتى) فيها تعليلية اشعرت بالوجوب حينئذ، نعم هما معا ظاهران في خلاف خبر السكوني (2) الذي قال في السرائر: (أنه مخالف لاصول مذهبنا، ومحكم التنزيل) ضرور أن الانظار الذي هو بمعنى التأخير مناف لاستعماله في الدين ومؤاجرته، وكذا تخلية السبيل التى في الرواية فالقول حينئذ بوجوب السعي عليه في قضاء الدين بتكسب وغيره لا يخلو من قوة. نعم لا يجب عليه ما كان منه فيه نقص عليه ومنة، ترجيحا لما دل على عدم تحمل المؤمن ذلك عليه، مع انه لا يخلو من إشكال فيما إذا لم يصل إلى حد الحرمة لكون الواجب عليه هنا حق مخلوق أيضا يتضرر بعدم وصوله إليه، ودعوى - عدم وجوب السعي لعدم العلم بانتاجه القضاء الواجب، إذ قد يتخلف عنه، والواجب من المقدمة ما كان موصلا إلى ذي المقدمة - يدفعها أولا: أنه يمكن العلم عادة في بعض أفراد السعي بحصول قضاء جميع الدين أو بعضه، وثانيا: ان الاوامر المطلقة تقتضي التشاغل في مقدمات المأمور بها إلى أن يحصل العجز، ولا يجب العلم بالتوصل، كما أوضحنا ذلك في باب التيمم بالنسبة إلى طلب الماء فلاحظ وتأمل اللهم إلا أن يقال إن ذلك إن وجب فهو ليس من وجوب المقدمة لوجوب ذيها بل هو من الفهم العرفي من اطلاق الخطاب، ونمنع وجود خطاب هنا كذلك، وعلى


(1) سورة البقرة الاية - 280 - (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب احكام الحجر - الحديث - 3 -.

[ 328 ]

تقديره فهو معارض بالمنساق من الاية والرواية المعتضدتين بكلام الاصحاب، فتأمل جيدا. لكنه مع أنه واضح النظر لا يحسم مادة الاشكال المتقدم القاضي بالوجوب الذي منه يعلم عدم الفرق بين المكتسب وغيره، بل وبين اللائق به وغيره في وجه، كما أنه يعلم منه أنه لا تسلط للغرماء على استعماله، ومؤاجرته المنافية للانظار، وتخلية السبيل، وإن وجب عليه هو السعي في قضاء دينه، فتأمل جيدا. والله أعلم. (القول) الثالث (في قسمة ماله) بين غرمائه بعد بيعه، قال الفاضل في القواعد (ينبغي للحاكم المبادرة إلى بيع ماله، لئلا تطول مدة الحجر) وظاهر لفظ (ينبغى) فيها الاستحباب، كما هو صريح التذكرة، لكن قد يقال: إن الحجر على خلاف الاصل، فيجب الاقتصار فيه على قدر الحاجة، فتجب المبادرة حينئذ خصوصا بعد مطالبة الديان، والفرض قيام الحاكم مقام المديون، وخصوصا مع مصلحة المفلس في التعجيل مخافة التلف، ويجب على الحاكم مراعاة المصلحة، ولعله لذا قال في التحرير (على الحاكم أن يبادر إلى بيع ماله وقسمته) بل في جامع المقاصد (إن الوجوب أظهر). نعم لا يفرط في المبادرة بحيث يؤدى إلى فساد في المال، بأن يطمع المشترون فيه بثمن بخس، وفي المتن والقواعد ومحكي المبسوط والتحرير والارشاد (يستحب احضار كل متاع إلى سوقه، لتتوفر الرغبة) ومقتضاه جواز بيعه في غير سوقه، ولو زجى الزيادة فيه، لكن في جامع المقاصد أنه لا يبعد الوجوب، إلا أن يقطع بانتفاء الزيادة باحضاره في سوقه، وفي المسالك إنما يستحب الاحضار إذا وثق بانتفاء الزيادة لو بيع في غير سوقه، والا فالاولى الوجوب، لان بيعه فيه أكثر لطلابه، وأضبط لقيمته، ولكن أطلق الجماعة الاستحباب، وظاهر اللمعة الوجوب، وبه جزم في الروضة مع رجاء زيادة القيمة قلت: قد يقال: الاصل البراءة إذا باعه بثمن مثله في غيره، ورجاء الزيادة تطلب للاصلح، ولا يجب عليه، إذ لا يزيد على مال الطفل الذي لا يجب فيه مراعاة الغبطة، وعلى كل حال لو شق نقله إلى سوقه، نودي عليه.

[ 329 ]

(و) كذا يستحب (حضور الغرماء تعرضا ل‍) طلب (الزيادة) فانه ربما يرغبون في بعض المتاع فيزيدون قيمته، ولا يجب عليه ذلك، لما عرفت، لكن في المسالك (يمكن وجوبه مع رجاء الزيادة بحضورهم) بل وفي مجامع المقاصد (لو رجى بحضورهم زيادة نفع وجب) وفيه ما تقدم، وكذا يستحب حضور المفلس أو وكيله، فإنه أخبر بقيمة متاعه، وأعرف بجيده من غيره، وبثمنه وبالمعيب من غيره ولانه تكثر الرغبة بحضوره، فإن شراء المال من مالكه أحب إلى المشتري، ولانه أبعد من التهمة، وأطيب لقلب المفلس، وليطلع المشتري على العيب، فيبيعه على وجه لا يرد، ولغير ذلك، بل يأتي وجوب حضوره مع رجاء الزيادة به بناء على ما تقدم. وفيه ما عرفت. (و) يستحب أيضا (أن يبدء ببيع ما يخشى تلفه) كما في القواعد ومحكي المبسوط، والتحرير، لما فيه من مراعاة الاصل للمفلس، لكن عن ظاهر الارشاد والتذكرة، الوجوب، بل في جامع المقاصد لا ريب في وجوب ذلك، لوجوب الاحتياط على الامناء والوكلاء، فالحاكم أولى فإن تصرفه قهري، فلا يجوز له تعريض مال من حجر عليه التلف، فيبيع الفاكهة والطعام ونحوهما، وتبعه في المسالك فقال: (جعل هذا من المستحب ليس بواضح، بل الاجود وجوبه، لئلا يضيع على المفلس وعلى الغرماء، ولوجوب الاحتياط على الوكلاء والامناء في أموال مستأمنيهم، فهذا أولى. لان ولاية الحاكم قهرية، وهي أبعد من مسامحة المالك، وحينئذ فيبدء بما يخاف عليه الفساد عاجلا كالفاكهة ثم بالحيوان ثم ساير المنقولات ثم بالعقار، هذا هو الغالب، وقد يعرض لبعض ما يستحق التأخير التقدم لوجه) قلت: لعل المراد خوف التلف في نفسه، لكونه مما شأنه ذلك، لا تخوف التلف إن لم يبدء به وفرق واضح بين المقامين، فتأمل جيدا. (و) يستحب أن يبدء (بعده بالرهن لانفراد المرتهن به) ولانه ربما زادت قيمته عن الدين، فيضم الباقي إلى مال المفلس، وربما نقصت فيضرب المرتهن

[ 330 ]

بباقي دينه مع الغرماء، وكذا العبد الجاني، وإن فارقه بأنه لو قصر عنها لم يستحق المجني عليه الزائد، لانه حقه لم يتعلق بالذمة، بل بالعين، بخلاف الرهن، لكن لو لا التسامح في السنن لامكن المناقشة، في اقتضاء ذلك ندبية البداءة به قبل غيره، فمن الغريب ما عن ظاهر الارشاد، وصريح جامع المقاصد، من الوجوب لذلك، الذي يمكن حصوله وإن تأخر بيعهما، ضرورة معرفة النقصان والزيادة قبل القسمة، كما هو واضح. (و) يستحب أيضا (أن يعول على مناد يرتضي به الغرماء والمفلس دفعا للتهمة) عنه ولا يجب للاصل، ولانه بالحجر على المفلس سقط اعتباره، وكان كوكيله، والغرماء إنما لهم حق الاستيفاء من القيمة. الحاكم أمين شرعي لا تتطرق إليه التهمة، (ف‍) من هنا (إن تعاسروا عين الحاكم) وسقط استحباب مراعاتهما معا، هذا. ولكنه عن جامع المقاصد هذا الحكم ينبغى أن يكون على طريق الوجوب فإن الحق في ذلك للمفلس، فإنه ماله والغرماء لانهم استحقوا صرفه إليهم بدينهم، وتبعه في المسالك، وفيه ما عرفت، خصوصا بعد ما حكي عن جامع المقاصد من أنه يفوض إليهم التعيين، فإن كان مرضيا أي ثقة أمضاه الحاكم، وإلا رده وعين غيره، وهو في الحقيقة غير خارج عن تعيين الحاكم، بل عنه أيضا، والتذكرة التصريح بأن المقام ليس كالراهن والمرتهن. إذا اتفقا على غير ثقة لبيع الرهن جاز، إذ لا نظر للحاكم معهما هناك، بخلاف ما هنا، فان للحاكم نظرا في ماله المفلس، إذ الحجر بحكمه، وربما ظهر غريم فيتعلق حقه. هذا كله إذا كان مختار كل منهم متطوعا، أو بأجرة متحدة، والاقدم المتبرع وقليل الاجرة مع صلاحيته لذلك، ولكن الانصاف مع ذلك كله عدم خلو الجزم بعدم اعتبار مالك المال، والغرماء الذين تعلق حقهم به بالحجر، من إشكال، خصوصا مع أصالة عدم تسلط غير المالك، وذي الحق على المال، بل قد يقال باعتبار تقدم اختيار المفلس مع عدم الضرر على الغرماء، لانه المالك، وحقهم إنما تعلق من حيث الاستيفاء لا غيره، بل لا يعتبر رضاهم بعد تعيينه، كما هو واضح. فتأمل جيدا.

[ 331 ]

ومن ذلك يعلم ما في المحكي عن المبسوط من أنهم ان اختلفوا فاختار المفلس رجلا، والغرماء آخر، نظر الحاكم فإنه كان أحدهما ثقة، والآخر غير ثقة مضى الثقة، وإن كانا ثقتين إلا أن أحدهما بغير أجرة أمضاه، وإن كانوا جميعا بأجرة قبل أوثقهما وأصلحهما للبيع، وعن التذكرة أنه زاد وإن كانا متطوعين ضم أحدهما إلى الآخر، لانه احوط، وفي جامع المقاصد بعد أن حكي ذلك قال: ومن هنا يعلم أن عبارة القواعد التي هي كعبارة الكتاب تحتاج إلى تنقيح. قلت: الامر في ذلك سهل، ضرورة معلومية تتبع الحاكم التراجيح التى لا يسع للفقيه حصرها، وإنما المهم تنقيح ما قدمناه، فتأمل جيدا. والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا لم يوجد من يتبرع بالبيع ولا بذلك الاجرة من بيت المال) المعد للمصالح التي هذه من جملتها، لعدم سعته لذلك، أو لاهمية صرفه في غيره، ولا من تبرع بها (وجب أخذها من مال المفلس، لان البيع واجب عليه) بل الاقوى عدم وجوب أخذها من بيت المال، بل أطلق في القواعد كون الاجرة عليه، كما أنه أطلق تقدم أجرة الكيال والوزان والحمال، وما يتعلق بمصلحة الحجر على ساير الديون، أللهم إلا أن يريد ما في محكي التذكرة من أن مؤنة الاموال كاجرة الوزان والناقد والكيال والحمال والمنادى وأجرة البيت الذي فيه المتاع مقدمة على ديون الغرماء، لانها لمصلحة الحجر، وإيصال أرباب الحقوق حقهم، ولو لم تقدم لم يرغب أحد في تلك الاعمال، وحصل الضرر للمفلس والغرماء. هذا كله إذا لم يوجد متطوع بذلك، ولا في بيت المال سعة له، فإن وجد متطوع أو كان في بيت المال سعة لم يصرف مال المفلس إليها، ومقتضاه عدم جواز أخذها من مال المفلس، مع وجود بيت المال، مع أن ذلك لضرورة وفاء دينه، فكيف لا يجوز صرفه من ماله، فلا ريب في أن الاقوى الجواز، بل الاحوط عدم الاخذ من بيت المال إلا أن يعطى للمفلس من حيث فقره، بل ينبغي وفاء دينه عنه، بل قد سمعت خبر محمد بن سليمان (1) وقد تقدم في آخر باب القرض ما يدل من النصوص (2) على وجوب


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الدين الحديث 3 - 2.

[ 332 ]

ذلك على الامام، وأنه إن لم يقضه عنه كان عليه وزره، لقوله تعالى (1): (إنما الصدقات) إلى آخره فلاحظ وتأمل، لكن ذلك غير ما نحن فيه، إنما الكلام في اعطائه هذه المؤن من بيت المال، وان لم تحتسب على المديون، وهو لا يخلو من إشكال، والله أعلم. (ولا يجوز تسليم مال المفلس) لمن اشتراه (إلا مع قبض الثمن) منه سابقا لمنافاته الاحتياط اللازم مراعاته في المقام، بل لو رضى المفلس والغرماء أمكن للحاكم المنع في وجه، لان له نظرا في المال، ولجواز ظهور غريم، وإن كان الاوجه خلافه، لاصالة عدم غريم آخر، (و) على كل حال ف‍ (إن تعاسرا تقابضا معا) كما في كل بايع ومشترى، ولا وجه لجبر المشترى على التسليم سابقا خلافا لما عن المبسوط في أول كلامه، ولا يبيع الا بثمن المثل فصاعدا، إن أمكن حالا، بل صرح الفاضل بأنه لا يبيع إلا بنقد البلد، لانه أوفر، ولان التصرف على الغير يراعى فيه المتعارف. قلت: هو كذلك إذا لم يتفق المفلس والغرماء على البيع بغير نقد البلد، وإلا اتجه الجواز، وخصوصا إذا كان أعود لهم وموافقا لجنس الدين، بل قد يقال بجواز البيع بدون ثمن المثل مع رضاهم، لاصالة عدم غريم آخر، ولو لم يوجد باذل لثمن المثل، لم يجز تأخيره طلبا لمصلحة المفلس، مع عدم رضا الغرماء، ولعل المراد بثمن المثل في كلام الاصحاب ما يبذل في مقابلته في ذلك المكان والزمان. نعم في محكي التذكرة لو كان بقرب بلد ملك المفلس بلد فيه قوم يشترون العقار في بلد المفلس أنفذ الحاكم إليهم ليتوفر الثمن على المفلس، وفي جامع المقاصد (لا وجه لتخصيص العقار، وكذا غيره) ولا بأس به ولو كانت المصلحة للمفلس في البيع بغير نقد البلد لم يجب إليه إذا كان مخالفا لجنس حق الغرماء، بل بيع بالنقد وإن خالف حقهم، ثم يصرف إليه إذا لم يرضوا به عوضا عن حقهم، وعن التحرير أنه إذا بيع بغير جنس الحق من النقد دفع إلى الغرماء بالقيمة، ولعله يريد مع التراضي.


(1) سورة التوبة الاية 60.

[ 333 ]

وكيف كان فما يقبضه الحاكم من الاثمان على التدريج، فان كان الغريم واحدا سلم إليه من غير تأخير، وكذا إن امكنت قسمته بسرعة، وإن كان يعسر قسمته لقلته وكثرتهم جاز له التاخير، إلا إذا امتنعوا، فإنه يقسم عليهم حينئذ ولا يكلفوا حجة على انتفاء غيرهم لعسرها، بل يكتفي باشاعة حاله، بحيث لو كان لظهر، وتكليف الورثة الحجة على انتفاء غيرهم باعتبار كونهم أضبط من الغرماء لا يستلزمه هنا. والله أعلم. (ولو اقتضت المصلحة تأخير القسمة قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه والفاضل في قواعده (يجعل) المال (في ذمة ملى) بقرض ونحوه (احتياطا) لحفظ المال، إذ هو أولى من الايداع المحتمل للتلف بلا ضمان (وإلا) يوجد ملي يجعله في ذمته (جعل وديعة لانه موضع ضرورة) حينئذ، وظاهرهما وجوب الاول مع التمكن عنه، وإن لم يكن في غيره مفسدة ونوقش في ذلك بأن فرض الحاكم في الاموال التى يليها الاستيداع، كما في أموال اليتامى وغيرهم ممن أمره أحوط من مال المفلس، والفرق بأن مال الصبي معد لمصلحة تظهر له، من شراء تجارة أو عقار ونحوهما، وقرضه قد ينافي ذلك، بخلاف مال المفلس المعد للغرماء خاصة كما ترى، ولعله لذا نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بتمريضه، بل في التذكرة، القطع بجواز الايداع، مع التمكن من القرض، وإن كان هو أولى واستحسنه في المسالك. لكن قد يقال: إن الموافق لما تقدم من المسالك وغيرها وجوب مراعاة الاصلح للامين الشرعي الذي في الحقيقة نائب عن الشارع في ذلك، ومعلوم أن الاصلح واجب المراعاة على الشارع، لقبح ترجيح المرجوح بالنسبة إليه، ولعل ذلك هو مبنى ما تقدم سابقا، وان كان هو متخلفا في بعض أفراده، ضرورة الفرق بين مراعاة الاصلح من الافراد الموجودة، وبين تطلب الفرد الاصلح وان لم يعلم بوجوده، فإنه يمكن منع وجوب الثاني بخلاف الاول، بل قد يمنع وجوب تطلب ذى المصلحة فضلا عن الاصلح. وعلى كل حال يكون ذلك هو المدار في المسألة وأفراده مختلفة لا يسع الفقيه ضبطها، وينبغي حينئذ اعتبار الامانة مع الملاءة، بل لعل الاولى أخذ الرهن مع


(1) و (2) الوسائل الباب 11 - من ابواب الدين الحديث 1 - 5.

[ 334 ]

التمكن منه، وربما أغنى هو عن الملاءة بل والامانة، ولا يؤجل القرض بعقد بيع ونحوه، لان الديون حالة، أللهم إلا أن لا يوجد مقترض بدونه، وكان هو مع الاجل أرجح من الوديعة، فان المتجه القرض، وبالجملة المدار في المسألة بالنسبة إلى التطلب على عدم المفسدة، ولا يجب عليه تطلب المصلحة، فضلا عن الاصلح. نعم لو وجد اعتبر مراعاتهما، بل لا يجوز له ترك الاصح حينئذ، بناء على ما عرفت فتأمل وينبغي أيضا اعتبار العدالة في الودعي، بل في المسالك، ومراعاة من يرتضيه الغرماء والمفلس، ومع الاختلاف يعين الحاكم، لكن اقتصر في التذكرة على الغرماء، فقال: وينبغي أن يودع ممن يرتضيه الغرماء، فإن اختلفوا وعينوا من ليس بعدل لم يلتفت الحاكم، وعين من أراد من الثقات ولا يودع من ليس بعدل، ولا ريب في أنه ينبغي مراعاته ايضا فيودع حينئذ ممن يرتضيه الثلاثة، وقد عرفت المدار في أصل المسألة. نعم قد يقال: بعدم اعتبار الحاكم في المقام إذا قطع بانتفاء غريم آخر، ضرورة انحصار الحق حينئذ في المفلس والغرماء، بل ومع احتماله أيضا لاصالة عدمه أما لو كان بعض الغرماء غائبا أو ناقصا اعتبر الحاكم حينئذ، وتكليفه حينئذ في الحفظ ما عرفت، والله أعلم. (ولا يجبر المفلس على بيع داره التي يسكنها) اجماعا محكيا عن المبسوط، وفي الغنية والتذكرة لقول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي أو صحيحه (1) (لاتباع الدار ولا الجارية في الدين، لانه لابد للرجل من ظل يسكنه، وخادم يخدمه) وفي صحيح ذريح المحاربي (لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين) وهو الذي ذكره ابن أبي عمير على ما رواه ابراهيم بن هاشم (2) قال: (إن محمد بن أبي عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر، وكان له على رجل عشرة آلاف درهم، فباع دارا له كان يسكنها، بعشرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه، فخرج إليه محمد بن أبي عمير فقال: ما هذا ؟ فقال: هذا مالك الذي علي قال: ورثته ؟ قال: لا، قال: وهب لك ؟


(1 و 2) الوسائل الباب 11 - من ابواب الدين الحديث 1 - 5.

[ 335 ]

قال، لا، قال: فهل هو ثمن ضيعة بعتها ؟ قال: لا، قال: فما هو ؟ قال: بعت داري التي اسكنها لاقضي ديني، فقال محمد بن ابى عمير: حدثنى ذريح المحاربي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين، إرفعها لا حاجة لي فيها، والله إني لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم واحد، وما يدخل ملكي منها درهم، وكان ذلك من ابن أبي عمير لكمال ورعه، وعلو همته، وإلا فليس مراد الصادق عليه السلام عدم بيع المالك برضاه، واختياره لوفاء دينه، إذ لا ريب في جوازه، بل لا أجد خلافا فيه، ويمكن دعوى الاجماع أو الضرورة على خلافه، بل المراد أنه لا يلزم بيعها ويجبر عليه، إذ لا يجب عليه شرعا الوفاء بها. نعم قد يفهم من خبر عثمان بن زياد (1) أنه لا ينبغي لذي الدين أن يكون سببا لبيع المديون داره، ولو برضاه، أو يرضى له بذلك، قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام إن لي على رجل دينا، وقد أراد أن يبيع داره فيقضي ؟ فقال له أبو عبد الله: أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه، أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه). وعلى كل حال فلا تباع الدار في الدين، لكن في خبر سلمة بن كهيل (2) (سمعت عليا عليه السلام يقول لشريح: أنظر إلى أهل المعل والمطل في دفع حقوق الناس من أهل القدرة واليسار، ممن يدلى بأموال المسلمين إلى الحكام، فخذ للناس بحقوقهم وبع فيه العقار والديار، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: مطل المسلم المؤسر ظلم للمسلمين، ومن لم يكن له عقار ولا دار ولا مال فلا سبيل عليه) وينبغي حمله على الموسر المماطل، أو على الزايد عن قدر الحاجة، أو على التقية، أو غير ذلك، وقد يلحق بالدار بيوت الاعراب، وبالجارية خدمة الاحرار، إذا كان من أهل ذلك، فيعزل من ماله حينئذ مقدار اجاراتهم، وستعرف في آخر المبحث أن مدار ذلك كله العسر والحرج، الشاملان لذلك وغيره مما يضطر إليه لمعايشه أو رفع النقص عنه. وكيف كان فلو فرض كون الدار زائدة عما يحتاجه سكن ما احتاجه (ويباع


(1) الوسائل الباب 11 - من ابواب الدين الحديث 3 - 9.

[ 336 ]

منها ما يفضل عن حاجته) لوفاء دينه الواجب عليه، كما صرح به الفاضل في القواعد وثاني الشهيدين، ويحيى ابن سعيد في المحكي عن جامعه، وغيره، بل لا أجد فيه خلافا، ويرشد إليه التعليل في صحيح الحلبي (1) المتقدم، وقال الصدوق كان شيخنا محمد بن الحسن رضي الله عنه يروى (2) (إن كانت الدار واسعة يكتفى صاحبها ببعضها فعليه أن يسكن منها ما يحتاج إليه، ويقضي ببقيتها دينه) وكذلك إن كفته دار بدون ثمنها باعها واشترى بثمنها دارا يسكنها، ويقضي أيضا بالثمن دينه. وفي موثق مسعدة بن صدقة (3) (سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام وسئل عن رجل عليه دين، وله نصيب في دار، وهي تغل غلة فربما بلغت غلتها قوته، وربما لم تبلغ حتى يستدين، فإن هو باع الدار، وقضى دينه بقي لا دار له، فقال: إن كان في داره ما يقضي به دينه، ويفضل منها ما يكفيه وعياله، فليبع الدار، وإلا فلا، كل ذلك مضافا إلى أصالة لزوم الوفاء، مع التمكن الذي يجب الاقتصار في الخروج منه على المتيقن، وهو غير ذلك، بل هو المنساق من دليل الاستثناء ومنه وبعض ما تقدم يعلم أنه لو فرض زيادة قيمتها عليه، وجب بيعها، وشراء اللائقة بحاله، وأخذ الزائد. لكن عن التذكرة المنع من بيعها، وكذا الخادم، وشراء أدون منهما للاصل المقطوع بما سمعت، والنهى عن بيعهما، وفيه ما لا يخفى بعد ما عرفت، مع أن الذي وجدته فيها في باب الدين أنه لا يكلف بيع داره، وشراء أدون إذا كانت داره بقدر كفايته، وكذا لا يكلف بيع خادمه وشراء أدون، ولا بيع فرسه وشراء أدون، للاصل وعموم النهي عن بيع هذه الاشياء، وهو غير صريح في الخلاف فتأمل. ولو كان له دور متعددة وفرض احتياجه إلى سكناها لم يبع شئ منها، كما صرح به ثانى الشهيدين للتعليل السابق، وارادة الجنس من الدار. (وكذا) البحث في (أمته التي تخدمه) المحتاج إليها الذى حكى الاجماع عن المبسوط، وفي الغنية وظاهر التذكرة على عدم بيعها في الدين، مضافا إلى صحيح


(1) الوسائل الباب 11 - من ابواب الدين الحديث 1 - 6 - 7

[ 337 ]

الحلبي (1) المتقدم، المحمول لفظ الجارية فيه على المثال للخادم، ولو عبدا، بل المتعدد كالمتحد مع الحاجة، نحو ما سمعته في المسكن. نعم قد يتوقف في عدم جواز بيع ذلك إذا كانت الحاجة من حيث الشرف، لا من حيث الاضطرار، حتى بالنسبة إلى الدار الواحدة، والخادم الواحد، لاصالة لزوم وفاء الدين، وظهور التعليل في أن المدار على الاضطرار، بل منه قد ينقدح بيع داره المملوكة لو كان له دار قد وقفت عليه ترتفع ضرورته بسكناها، وكذا الخادم. وفي المسالك سابقا أنه لو كانت له أم ولد تحصل خدمته بها فالظاهر الاكتفاء بها عن مملوكته، لصدق المملوكة، وان تشبثت بالحرية فيباع ما سواها مع احتمال عدمه، وفيه نوع ايماء إلى ما ذكرنا، لكن قد يقال: إن ما احتاج إليه من حيث الشرف أشق على النفوس من الضروريات، والمدار في المسألة كما سمعته على العسر والحرج، فتأمل جيدا. وكيف كان فقد ظهر لك مما قدمنا ضعف المحكي عن ابن الجنيد من جواز الالزام ببيع الدار والخادم في الدين، وإن كان الاولى تركه، قال: (ويستحب للغريم إذا علم عسر من عليه الدين أن لا يحوجه إلى بيع مسكنه وخادمه الذى لا يجد غناء عنهما، لا وثوبه الذي يتجمل به، وأن ينظره إلى أن ينتهي خبره إلى من في يده الصدقات إن كان من أهلها أو الخمس إن كان من أهله، فإن لم يفعل ذلك وثبت دينه عند الحاكم، وطالب الحاكم ببيع ذلك فلا بأس أن يجعل ذلك الملك رهنا في يد غريمه، فإن أبى إلاستيفاء حقه أمره الحاكم بالبيع، وتوفية أهل الدين حقوقهم، فإن امتنع حبسه إلى أن يفعل ذلك، فإن دافع باع عليه الحاكم) إذ هو كما ترى اجتهاد في مقابلة النص والفتوى، بل الاجماع، بل كما عرفت. وخبر سلمة بن كهيل (2) المتقدم محمول على ما سمعت، هذا ولم نعثر فيما وصل إلينا من النصوص على استثناء غير الدار، والجارية، والكفن، لكن في الغنية (ولا


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الدين الحديث - 1 - 9 -

[ 338 ]

دابته التى يجاهد عليها بدليل اجماع الطائفة). وفي المسالك بعد ذكر الدار والجارية اللائقين بحاله قال: (وفي حكمها دابة ركوبة، ولو احتاج إلى المتعدد استثنى كالمتحد) وكذا الروضة، وفي الارشاد (ولا فرس ركوبه إذا كان من أهلها) ونحوه التذكرة من دون شرط، وكذا جامع المقاصد. قلت: لعل المدار في ذلك وغيره مما تسمعه من ثبات التجمل ونحوها عدم الحرج في الدين، وإرادة الله بنا اليسر دون العسر، ونحو ذلك مما دل على هذا الاصل، وربما كان في دين التذكرة إشارة إليه فلاحظ وتأمل. ولعل في قوله (1) (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) نوع ايماء إليه، كالتعليل في صحيح الحلبي (2) ضرورة حصول العسر والحرج والمشقة التي لا تتحمل في بيع الضروريات، ولو بحسب الشرف الذى يكون في عدمه نقص وإذلال لا ترضى به الانفس العزيزة، بل ربما كان عليها أشد مراعاة من الضروريات للمعاش، بل قد يهون عليهم في مقابلة إزهاقها، ومن هنا أسقط الشارع التكاليف له في باب الوضوء والغسل واستطاعة الحج وغير ذلك، ودعوى أن ذلك لا يتم في حقوق المخلوقين كما عن بعض الشافعية واضحة المنع، ضرورة إطلاق الادلة، كدعوى أنه مشترك بينه وبين صاحب المال، إذ فيه أنه لا عسر ولا حرج في الانتظار، ولو فرض حصوله في خصوص شخص لم يكن معتبرا، لان المدار على المشقة على الصنف لا الشخص، كما حقق في محله. كل ذلك مع أنه يمكن دعوى صدق ذى العسرة على من لم يجد غير ذلك، وأنها لا يتحقق صدق الميسرة بها، لان المراد بذى العسرة الشدة والضيق عليه، لو أراد الوفاء، وعكسه الميسرة، ولا ريب في تحقق الشدة والضيق عليه لو كلف ببيع ضرورياته، ولعله لذا استدل بها الفاضل في المختلف على استثناء الدار والجارية، وحكى عن الاردبيلي أنهم قد يستثنون بعض الامور المحتاج إليها، مثل الكتب العلمية لاهلها، لكن في التذكرة (ولا يترك له الفرش والبسط، بل يسامح باللبد والحصر


(1) سورة البقرة الاية 280 (2) الوسائل الباب - 11 - من أبوا ب الدين الحديث - 1 -

[ 339 ]

القليل القيمة) ويمكن منعه عليه بناء على الاصل الذى قد ذكرنا، على ما يظهر من بعضهم من الاقتصار على بعض الضروريات، أللهم إلا يريد المثال، بل ستسمع ما في موضع آخر من التذكرة من شرط الاخذ عندنا أن لا يكون مما يحتاج إليه المفلس في ضروريات معاشه، وبالجملة فالمدار في المسألة على ما ذكرنا. نعم قد يشك في تحقق العسر بالنسبة إلى بعض الامور، فتباع حينئذ في الدين لاصالة وجوب وفائه حينئذ فتأمل جيدا. هذا وفي المسالك (لا فرق في المستثنيات بين كونها عين مال بعض الغرماء وعدمه عندنا) قلت: قد استشكل فيه الفاضل في المحكى عن تحريره، والشهيد في الحواشى، لتعارض العمومين، بل قد يقال بظهور نصوص المقام في غير الفرض، فيكون دليل الفسخ بلا معارض، بل لعل مثله ليس بيعا في الدين، لكن قد يشعر قوله في المسالك عندنا بالاجماع، وربما ظهر ذلك أيضا من التذكرة حيث لم يحك الخلاف فيه، إلا عن احمد لقوله (1) (من أدرك متاعه) إلى آخره وأجاب عنه بأنه ليس علي إطلاقه، لانه مشروط إجماعا بشرائط تخرجه عن الاحتياج به في صورة النزاع، لان شرط الاخذ عندنا أن لا يكون مما يحتاج إليه المفلس في ضروريات معاشه. (ولو باع الحاكم أو أمينه مال المفلس، ثم طلب بزيادة لم يفسخ العقد) إذا لم يكن ذلك بخيار ونحوه بلا خلاف أجده فيه، للاصل السالم عن المعارض، (ولو التمس من المشترى الفسخ لم يجب عليه الاجابة) للاصل أيضا (لكن يستحب) قطعا في كل طالب للاقالة، فضلا عن المقام، ولو كان البيع بخيار فسخ بل في جامع المقاصد (لا ريب في الوجوب) وفي المسالك (في الوجوب نظر، اقربه ذلك، وإن كان قد بيع بثمن المثل، للقدرة على تحصيل الزيادة بالفسخ، فيكون كما لو طلب بزيادة عن ثمن المثل قبل البيع) قلت: ينبغى الجزم بذلك، مراعاة للاصلح مع تيسره، وفرق واضح بينه وبين ما إذا لم يكن خيار، وإن بذل المشترى الاقالة لعدم حق للمفلس ينبغي مراعاته، فلا يجب على الحاكم الاجابة لو بذلها المشترى فضلا عن وجوب الالتماس عليه، وان علم اجابة المشترى له.


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 45

[ 340 ]

نعم يستحب للحاكم الفسخ مع رضا المشترى كما نص عليه في القواعد وغيرها، بل قد يقال: باستحباب التماس الحاكم للمشترى عليها، بل عليه يحمل ما عن المبسوط إذا باع الحاكم أو أمينه من مال المفلس بثمن مثله، ثم جاء به زيادة بعد لزوم البيع وانقطاع الخيار، سئل المشترى الاقالة أو بذل الزيادة، ويستحب للمشترى الاجابة إلى ذلك، لان فيه مصلحة المفلس، وان لم يجبه إلى ذلك لم يجبر عليه، لان البيع الاول قد لزم، إذ احتمال ارادة وجوب السؤال مخالف للاصل، بلا مقتض. ومن الغريب ما في الحواشي المنسوبة إلى الشهيد عند قول الفاضل ولو بذلت زيادة بعد الشراء استحب الفسخ، قال: (هذا إن كان للبايع خيار مجلس أو شرط أو غبن، وإلا فلا، نعم يستحب للمشتري الاقالة، ويحتمل في الاول الوجوب، وقد استشكله في باب الوكالة خصوصا على قول الشيخ أن المبيع لا يملك إلا بعد انقضاء الخيار، قلت: المتجه أيضا وجوب الفسخ على الوكيل مع الخيار، وعموم وكالته له مراعاة للمصلحة، كما هو واضح. ولعل الذي دعاه إلى ما ذكره ظهور قول الفاضل استحب الفسخ في أن له ذلك، وان لم يرض المشترى، وليس الا مع الخيار، وفيه أن المراد استحباب الفسخ مع رضى المشتري بالاقالة، كما ذكرناه سابقا والله أعلم. (ويجري عليه نفقته وكسوته ونفقة من تجب عليه وكسوته، ويتبع في ذلك عادة أمثاله إلى يوم قسمة ماله، فيعطى هو وعياله نفقة ذلك اليوم) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، وفي محكي المبسوط لا خلاف في أنه يجب أن ينفق عليه، وعلى من تجب عليه نفقته من أقاربه وزوجته ومماليكه من المال الذى في يده، ولا يسقط عنه نفقة أحد منهم. وفيه أيضا يجب أن يكسى ويكسى جميع من تجب عليه كسوته من زوجته وأقاربه اجماعا، وقدرها ما جرت به عادته من غير سرف، وقد حد ذلك بقميص وسراويل ومنديل وحذاء لرجله، وإن كان من عادته أن يتطلس دفع إليه طيلسان، وإن كان بردا شديدا زيد في ثيابه محشوة، وأما جنسها فإنه يرجع أيضا فيها إلى عادة مثله مع الاقتصاد، وفي التذكرة (يجب على الحاكم أن يترك له دست ثوب يليق بحاله، وقميص وسراويل ومنديل ومكعب ويزيد في الشتاء جبة، ويترك له العمامة

[ 341 ]

والطيلسان والخف، ودراعة يلبسها فوق القميص إن كان لبسها يليق بحاله، لان حطها عنه يزرى بحاله، وفي الطيلسان والخف نظر، (إلى أن قال): ويجوز أن يترك له نفقة يوم القسمة، وكذا نفقة من عليه نفقته) إلى غير ذلك من كلماتهم، وإن اقتصر بعضهم على ثياب التجمل، إلا أن المدرك في الجميع واحد، وهو ما ذكرنا سابقا. مضافا إلى ما تسمعه مما ورد في الكفن الذي هو كسوة الميت، فإن الحى أعظم حرمة منه، وإلى ما يشعر به في الجملة خبر على بن اسماعيل (1) (عن رجل من أهل الشام أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن رجل عليه دين قد فدحه وهو يخالط الناس، وهو يؤتمن يسعه شراء الفضول من الطعام والشراب فهل يحل له أم لا ؟ وهل يحل أن يتطلع من الطعام، أم لا يحل له الا قدر ما يمسك به نفسه ويبلغه ؟ قال: لا بأس بما أكل) والنبوى (2) (ابدء بنفسك ثم بمن تعول) وإلى ما دل على وجوب الانفاق الذى يرجح على ما دل على وفاء الغريم بوجوه منها فتوى الاصحاب، واختص نفقة ذلك اليوم لعدم انضباط غيره، ولاحتمال تعلق وجوب نفقة اليوم الشامل لليل عليه بأول اليوم، دون غيره من الايام، وان قلنا بارتجاع نفقة من يموت من عيلته في اثناء النهار، بناء علي أنه يملكه المنفق عليه، بشرط اجتماع الشرائط لا مطلقا، وان احتمله في المسالك. وعلى كل حال بذلك يفترق عن الكسوة التى لا معنى لاعتبارها يوما فيوما، ومن هنا لاحظوا فيها المعتاد فيها كما وكيفا وزمانا، ولو اتفقت القسمة في طريق سفره، ففي القواعد، وجامع المقاصد، ومحكي الايضاح أن الاقرب اجراء النفقة إلى يوم وصوله، بل في الثاني ان احتمال العدم ضعيف جدا، إذا لم يكن دون منزله بلد آخر للاضرار المؤدى إلى الهلاك أو المشقة العظيمة، قال: ولو كان بلد دون منزله ففى الاجراء إلى وطنه المألوف اشكال، هذا وفي التذكرة أن كلما يترك له


(1) الوسائل الباب 27 - من ابواب الدين الحديث - 1 (2) الجامع الصغير ج 1 ص 5 طبع عبد الحميد احمد حنفى الوسائل الباب 28 - من ابواب الصدقة الحديث - 8 - وفيه ابدء بمن تعول الادنى فالادنى.

[ 342 ]

إذا لم يوجد في ماله اشترى له، وهو جيد بالنسبة إلى النفقة دون الدار والخادم والفرس ونحو ذلك مما لم يكن متخذا لها، وإن كان محتاجا إليها لعدم الدليل. وفيها ايضا أنه لو كان للمفلس صنعة تكفيه لمؤنته وما يجب عليه لعياله، أو كان يقدر على تكسب ذلك لم يترك له شئ وكانه مناف لاطلاق الاصحاب الذي قد عرفت أن منشؤه تقديم ما دل على وجوب الانفاق، والقدرة على التكسب لا تنافيه. ولا تقتضي تقديم حق الديان على حق من وجبت نفقته عليه فتأمل جيدا، وفيها أيضا أن الاولى الاعتبار بما يليق بحاله في إفلاسه، لا في حال ثروته، ولو كان يلبس قبل الافلاس أزيد مما يليق بحاله، رد إلى اللائق. وان كان يلبس دون اللائق تقتيرا لم يزد عليه في الافلاس، ويترك لعياله من الثياب ما يترك له، قلت: قد يقال: إن المدار على اللائق بحاله في حد ذاته، مع قطع النظر عن حالى إفلاسه وثروته. نعم لو كان مقترا على نفسه لم يزدد على ذلك كما ذكره. (ولو مات قدم كفنه على حقوق الغرماء، ويقتصر على الواجب منه) بلا خلاف أجده، وقال زرارة (1)) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وعليه دين بقدر كفنه ؟ قال: يكفن بما ترك، إلا أن يتجر انسان فيكفنه، ويقضى بما ترك دينه) وخبر اسمعيل بن أبى زياد (2) (عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن أول ما يبدء به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية، ثم الميراث) وهما الحجة مضافا إلى محكي الاجماع في جامع المقاصد، وإلى ما دل على التكفين من أصل المال، (3) المرجح على ما دل على وفاء الدين (4) بما عرفت، بل ليس في الخبرين الاقتصار على الواجب، فقد يقال: بتقديم الكفن المتعارف بالنسبة إلى ذلك الشخص، على وفاء الدين. خصوصا إذا قلنا: إن المنشأ في تقديمه كونه من النفقة التي قد عرفت الرجوع


(1 و 2) الوسائل الباب - 13 - من ابواب الدين الحديث - 1 - 2 - (3) الوسائل الباب - 27 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 2 - (4) الوسائل الباب - 4 - من ابواب الدين.

[ 343 ]

فيها إلى عادة أمثاله، كما يؤمى إليه إلحاق باقي مؤن تجهيزه من السدر والكافور وماء الغسل ونحو ذلك، بالكفن في التقديم، بل ومؤن تجهيز كل من وجب عليه تجهيزه، ضرورة عدم المدرك لذلك إلا كونه من الانفاق الذي قد عرفت تقديمه على وفاء الدين. فالوجه في ذلك كله الرجوع إلى المتعارف، وإن زاد على الواجب، ما لم يقم إجماع على خلافه، أللهم إلا أن يقال: إنا نمنع كون المنشأ في وجوب الكفن الانفاق، ولذا لم يجب تكفين من وجبت نفقته عليه من أقاربه، بل المنشأ الخبران، وتقديم ما دل على التكفين من أصل المال على ما دل على وفاء الدين، ومثله باقي مؤن التجهيز فينبغي حينئذ الاقتصار على الواجب منه، دون المندوب الذي قد ورد فيه أنه ليس من الكفن. نعم لا بأس بالرجوع في جنس الواجب إلى الوسط، مع أن المحكي عن البيان الاقتصار على الادون، واحتمله غيره أيضا، وقد تقدم لنا بعض الكلام في ذلك في كتاب الطهارة فلاحظ وتأمل. ثم إن الظاهر عن النص والفتوى عدم الفرق في هذه المستثنيات بين كون الدين لطاعة أو مباح أو معصية، وبين كونه عوض غصب وسرقة وإتلاف محرم وغيرها، وبين كونه لمعين وغيره، كالزكاة والكفارة والخمس والنذور ونحوها. أما تارك الحج عمدا حتى ذهب ماله، فالمتجه وجوب بيعها في أدائه للمقدمة، ولعدم شمول أدلة المقام له حتى نفي الحرج، ضرورة كونه هو الذي أدخله على نفسه على أنه معارض بما دل على وجوب حجه على كل حال، لكن عن فقه الرضا عليه السلام (1) (إن كان غريمك معسرا وكان أنفق ما أخذ منك في طاعة الله فانظره إلى ميسرة، هو أن يبلغ خبره الامام عليه السلام، فيقضي عنه، أو يجد الرجل طولا فيقضي دينه، وإن كان أنفق ما أخذ منك في معصية الله فطالبه بحقك، فليس من أهل هذه الاية). وفي خبر محمد بن سليمان (2) عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا نجاد (قال سئل الرضا عليه السلام عن رجل وأنا اسمع فقال له: جعلت فداك إن الله عزوجل يقول:


(1) المستدرك ج 2 ص 493. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الدين الحديث - 3 -.

[ 344 ]

(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكر الله تعالى في كتابه، لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد من أن ينظر، وقد أخذ مال هذا الرجل، وأنفقه على عياله، وليس له غلة فينظر إدراكها، وليس له دين ينظر محله ولا مال غائب ينظر قدومه ؟ قال: نعم، فينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام، فيقضي ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل، وإن كان أنفقه في معصية الله فلا شئ على الامام له، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه، وهو لا يعلم فيما أنفقه، في طاعة الله أم في معصيته، قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر). وعن الصدوق الفتوى بمضمونها، فجوز المطالبة للمعسر إذا كان قد أنفقه في معصية، ولعل الدين إذا كان معصية في نفسه، كالسرقة والغصب أولى من ذلك عنده، وربما استحسن بعض متأخرى المتأخرين الجمع بين خبر السكوني (1) الدال على تسليم المديون إلى غرمائه ليستعملوه، وغيره مما دل على العدم بذلك أيضا، إلا أن الجميع كما ترى بعد عدم ثبوت حجية الكتاب المزبور عندنا، وضعف خبر أبى نجاد واضطراب متنه، بدلالة أوله على الانفاق على العيال، وذيله على أنه لم يعلم، بل ما فيه من عدم وفاء الامام عنه مع الجهل بحاله مخالف لاصالة صحة فعل المسلم. كان ذلك مضافا إلى ما قيل: من أولوية الانظار بالمنفق في المعصية من المنفق بالطاعة، باعتبار عدم حلية الزكاة للاول دون الثاني، فلا ريب حينئذ في أن الاطلاق المزبور الذي قلنا أنه الظاهر من النص والفتوى أولى، كما أن الظاهر منهما أيضا عدم التسامح في الزائد على المستثنيات، ضرورة وجوب وفاء الدين الذي يمكن دعوى استقلال العقل فيه، فضلا عما ورد فيه من الشرع. وربما وسوس فيه بعض متأخرين المتأخرين مدعيا أن الظاهر من النصوص التوسعة في ذلك، فإن عمر بن يزيد (2) (قال: قد أتى رجل أبا عبد الله عليه السلام يقتضيه


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الحجر الحديث - 3 -. 2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب الدين الحديث - 4 -

[ 345 ]

وأنا حاضر، فقال له: ليس عندنا شئ. ولكن يأتينا خضر ووسمة فتباع ونعطيك إنشاء الله، فقال له الرجل: عدني، فقال له عليه السلام: كيف أعدك وانا لما لا أرجو أرجى منى لما أرجو) وهو دال على التوسعة، وعدم ما ذكروه من التضييق، فانه يبعد كل البعد أن لا يكون له مال بالكلية سوى المستثنيات المذكورة، إذ المستفاد من الاخبار أنه كان ذا ثروة وأملاك، وإن تعذر عليه النقد في ذلك الوقت. وهو من غرائب الكلام فإنه ليس في الخبر دلالة على مضايقة الديان له هذه المضايقة، وإنما تقاضاه بتخيل وجود شئ عنده، فأرضاه بالكلام حتى أراد منه الوعد على ما ذكره، فأجابه بما سمعت. نعم ربما يستفاد من خبر يزيد بن معاوية (1) نوع سعة (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن علي دينا يعوزني وأظنه قال ولايتام، وأخاف إن بعت ضيعتي بقيت وما لي شئ ؟ فقال: لا تبع ضيعتك، ولكن اعط بعضا، وامسك بعضا) لكن يمكن أيضا أن لا يكون مقتض لتعجيل دينهم، وأنهم محتاجون إلى الانفاق الذي يحصل بالدفع تدريجا، بل ربما أذن عليه السلام له في ذلك، باعتبار ولايته عليه السلام عليهم، وكل ذلك مع عدم دلالة في الخبر على الزام الولي له بذلك ؟ وأنه إنما سأل الامام عن أصل وجود الدين عليه لهم، وأنه يريد وفاء وإن لم يكن ملتزما بذلك. بل هو الظاهر من الخبر والله أعلم.


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الدين - الحديث - 2 - لكن عن بريد العجلى

[ 346 ]

(مسائل ثلاث) (الاولى: إذا قسم الحاكم مال المفلس) على غرمائه (ثم ظهر غريم) لم يكن يعلم به وليس له عين مال قد اختار الفسخ فيها (نقضها) بل هي انتقضت في نفسها (وشاركهم الغريم) كما في الارشاد، والتحرير، والمسالك، ومحكي المبسوط، والتذكرة، لعدم صدق القسمة التي كان يأمر بها أمير المؤمنين عليه السلام ضرورة أنها إخراج الحصص المشاعة إلى التعيين، ومع فرض ظهور الغريم المشارك لهم بسبب سبق دينه على الحجر مثلا لم تخرج حصته من الاشاعة إلى التعيين، لحصولها في كل حصة دفعت إلى كل غريم فتبطل القسمة التي من مقوماتها وصول نصيب كل إلى صاحبه، فلا يتحقق صدقها إلا بدفع الحصة الاخيرة إلى صاحبها لو فرض وقوعها على التدريج. ومن هنا ظهر لك أنه لا فرق بعد الامر بالقسمة التي عرفت توقف صدقها على ما سمعت، بين اشتراك عين المال وعدمه، كما في المقام، فإن المال وإن كان ملكا للمفلس بل لا يتوقف تعيين نصيب كل منهم على التراضي، إلا أنه علق الشارع فيه ديون الغرماء على الاشاعة، على معنى استحقاق كل منهم الوفاء منه بحصة مشاعة على نسبته إلى باقى الديون وأمر بقسمته على ذلك، وقد عرفت توقف صدقها على ما سمعت، بل لعلها كذلك في شركة الاموال فإن المال المشترك بين ثلاث لو فرض كونه نصفين مثلا، وتراضي اثنان منهما على ان يكون نصيب كل منهما في أحد النصفين عوضا عن الاخر، فيبقى للثالث مع كل منهما حصة المشاعة، لم تصح القسمة، وإن لم يكن فيها تصرفا في مال الثالث، ولا إخراجا له عن الاشاعة، إلا أن القسمة لا يتحقق صدقها مع بقاء الحصة المشاعة للثالث، بل قد يشكل الصحة مع التراضي من

[ 347 ]

الجميع، ما لم يكن بعقد صلح مثلا فاتضح من ذلك أن المانع في الجميع متحد، وهو عدم صدق القسمة بدون ذلك. فما في ظاهر القواعد - أو محتملها في المقام - من عدم انتقاضها وأنه يرجع إلى كل أحد بحصة يقتضيها الحساب - واضح الضعف، وإن اختاره في جامع المقاصد محتجا بأن كل واحد قد ملك ما هو قدر نصيبه بالاقباض الصادر من أهله في محله فلا يجوز النقض، لانه يقتضى ابطال الملك السابق، أما الحصة الزائدة على قدر نصيبه باعتبار الغريم الظاهر، فإنها غير مملوكة فتستعاد، وحاصله أنه قبض نصيبه وغيره، فهو صحيح في نصيبه، باطل في غيره، لوجود المقتضى في الاول، إذ هو الدفع من المالك على جهة القضاء، وقبض الديان له على هذا الوجه بخلاف الزائد فإنه ليس له دفعه وفاء، فيختص المانع به، وبقاءه مشاعا غير قادح، لانه مال الدافع، إذ هو كما لو دفع المديون خمسة عشر إلى الديان اشتباها، فإنه يصح الدفع والقبض في خمسة فقط، وان بقيت مشاعة في العشرة المشتركة بينهما، وبذلك افترق المال عن الاموال المشتركة بين ملاك متعدده. لكنك خبير بما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، مضافا إلى أن مقتضاه الصحة حتى في صور الاشتباه في التوزيع بين الغرماء الحاضرين، وفي صورة نسيان بعضهم، وفي صورة العمد إلى اختصاص أحدهم بالزائد، أقصاه أن الغريم يضرب بالحصة، وأما القابض فإنه يملك مقدار نصيبه، لا أظن أحدا يلتزمه، فإنه لا يتصور القسمة المأمور بها في بعض افراده كما لو خص أحدهم بجميع المال، أو خرج حصة أحدهم مستحقة للغير، ولم يكن للمفلس الا غريمان، ودعوى أن المراد بالقسمة في المقام أمر لا ينافيه شئ من ذلك، لا شاهد له، بل الشاهد بخلافه متحقق، ضرورة ظهور النصوص والفتاوى بصحة الدفع والقبض - إذا كان جامعا لوصف القسمة. فلا يترتب عليه ملك بدونه كما هو واضح، هذا. وعن فخر المحققين أن مبنى المقام على أن الدين هل يتعلق بالتركة تعلق الدين

[ 348 ]

بالرهن، أو الجناية برقبة العبد ؟ فعلى الاول يكون قضاء، ويرجع بحصة يقتضيها الحساب لانه يكون بمنزلة صاحب الدين إذا أخذ أكثر مما يستحقه، وعلى الثاني تبطل، لانها تكون قسمة الكل المشترك حقيقة بين بعض المستحقين، وهو كما ترى خصوصا الشق الثاني، إذ لا يلزم من كون تعلقه بها تعلقا كتعلق أرش الجناية ثبوت القسمة حقيقة التي هي فرع الشركة الحقيقية، لان المجني عليه، لا يملك الجاني ولا شيئا منه بمجرد الجناية، وإن استحق ذلك مطلقا، أو في صورة العمد، وأما الشق الاول ففيه ما لا يخفى أيضا بناء على ما ذكرنا. ثم إنه لا يخفى ثمر القولين بأدنى تدبر في كون النماء للمفلس على النقض، فيحسب حينئذ له من ديونه، لظهور بطلان القسمة من الاصل لا حين ظهور الغريم، وللغرماء، على تقدير عدم النقض عدا نماء الحصة الباقية للغريم، فإنه يكون حينئذ للمفلس، فيقسم بين غرمائه، ولا يختص به صاحب الحصة، لعدم ملكه إياها قبل القبض، كما هو واضح. لكن في القواعد بعد أن ذكر عدم النقض أولا ثم احتمل النقض قال: (ففى الشركة في النماء المتجدد إشكال) ولعله للاشكال في أصل المسألة وما عن الايضاح من أنه تفريع على النقض وعدمه، فإن قلنا بالنقض شارك، وإلا فلا ومنشأ الاشكال هل هو رفع القسمة من أصلها أم فسخ متجدد وهو كما ترى، وكذا احتمال أنه تفريع على النقض، وإن قيل: إنه المبادر من العبارة، إلا أنه واضح الفساد ومنها تحقق الزكاة على القابض، إذا بلغ نصيبه النصاب على عدم النقض، ولا زكاة على النقض، ومنها مضي التصرف فيه على عدم النقض، وعدمه على الآخر، إلى غير ذلك مما هو واضح بأدنى تأمل. ولو كان قد تلف المال في يد الغرماء، فالظاهر احتسابه عليهم على كل حال أما على عدم النقض فواضح، وأما على النقض فلانه قبضوه استيفاء، والقبض يضمن بفاسده، كما يضمن بصحيحه، ولعموم (1) (على اليد) هذا كله في ظهور الغريم المطالب بدين.


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90 كنز العمال ج 5 ص 257.

[ 349 ]

أما إذا كان غريم له عين قائمة في أموال المفلس، ففي المسالك ((أما إن يجدها مع بعض الغرماء أو مع غيرهم بأن يكون الحاكم قد باعها وجعل ثمنها في ماله، أو يجدها بأيدى الغرماء بالسوية، وفيما عدا الصورة الاخيرة لا يتوجه إلا نقض القسمة لان العين إذا انتزعت من أحدهم بقي بغير حق، وفي الاخيرة الخلاف السابق. قلت: مبنى هذا الكلام على عدم بطلان الخيار بالبيع، أو بالدفع إلى أحد الغرماء وهو أحد الاحتمالين أو الثلاثة أو الاربعة في المسألة كما أوضحناه في محله، وعلى تقديره فظاهره انحصار الخلاف في الصورة المتأخرة، مع أنه يمكن جريانه في الصورة الاولى، بناء على ما سمعته من جامع المقاصد مما لا فرق فيه بين ظهور الغريم وحضوره، وكذا الثانية إذا فرض اختصاص أحد الغرماء، بالثمن، أو لو فرض توزيعه فالمتجه عدم نقض القسمة، لعدم رجوع أحد الغرماء على الآخر بحصة مشاعة، وإنما يرجع عليهم صاحب الثمن على حسب حصصهم، وهو لا يقتضي بطلان القسمة، وكذا الصورة الثالثة التي هي فرض تسوية الغرماء في العين، فإنه مع انتزاعها منهم أجمع له يرجع أحدهم على الاخر بشئ. نعم لو جعل مبنى النقض في ذلك أن صاحب العين من جملة الغرماء، وقد وقعت القسمة قبل حضوره، فهو يستحق حصة مشاعة يخير بينها، وبين انتزاع العين، فالنقض حينئذ لذلك بناء على أن النقض بمثله، ولو على جهة التخيير كان أولى، لكن عليه ينبغي أن لا يتفاوت الحال في الصور الثلاثة بل يتجه النقض حينئذ لو وجد العين على ملك المفلس وقد قسم ما عداها فانتزعها. هذا. وربما توهم من عبارة المصنف والقواعد وغيرهما احتياج نقض القسمة إلى حكم الحاكم بذلك، وهو واضح الفساد، كما نص عليه في جامع المقاصد، وإنما أسند النقض إليه باعتبار فرض كونه القاسم، وإلا فهى منتقضة بنفسها، بناء على النقض كما هو ظاهر. ولو خرج المبيع مثلا من مال المفلس ظاهرا مستحقا للغير، فإن كان الثمن موجودا لم يدفع بعد إلى الغرماء رجع به صاحبه، وإن كان قد تلف في يد المفلس

[ 350 ]

أو وليه كان ضامنا له، فيضرب صاحبه مع الغرماء إن كان قد أتلفه المفلس، بناء على ضرب مثله وإن كان بعد الحجر، كما تقدم سابقا، أللهم إلا أن يفرق بينهما بأن ما نحن فيه قد وقع باختيار من المالك ورضى منه، وإن كان على جهة الضمان فلا يضرب به، بخلاف السابق المفروض إتلاف المفلس قهرا على مالكه بسرقة أو غصب أو خطاء ونحوها. لكن خيرة الفاضل والمحكى عن الشيخ وفخر المحققين أنه يقدم على الغرماء ولو كان التلف بآفة سماوية، بعد أن احتمل الضرب معهم، واستجوده في جامع المقاصد معللين له بأنه من مصالح الحجر، لئلا يرغب عن شراء مال المفلس، وهو كما ترى لا يصلح مثله أن يكون مدركا لذلك، وانما وقع من بعض العامة بناء منهم على حجية الاستحسان، والمصالح المرسلة، وكذا لو تلف في يد الغرماء واختار هو الرجوع على المفلس، فقدم عليهم عند الفاضل، واحتمل الضرب، وعلى ما ذكرنا يتجه البقاء في ذمة المفلس، أما لو رجع عليهم اتجه تغريم كل منهم مقدار ما قبض من ماله، ولا يرجع به على المفلس، لانه قبض مضمون عليهم، و إنما لهم الرجوع بدينهم، لانه باق، وان رجع على المفلس رجع هو على الغرماء، لان قرار الضمان على من تلف في يده المال - والله أعلم. المسألة (الثانية إذا كان عليه ديون حالة و) ديون (مؤجلة) وقد فلس لقصور ما عنده عن الحالة (قسمت أمواله على الحالة خاصة) ولا يدخر منها شئ للمؤجلة بلا خلاف ولا إشكال، لعدم استحقاقها قبل الاجل، كما تقدم سابقا في أول كتاب الفلس. نعم لو حلت قبل قسمة الكل ففى التذكرة والمسالك والروضة شاركت بل فيها جميعا أنه لو حل بعد قسمة البعض شارك في الباقي وضرب بجميع المال، و ضرب باقي الغرماء ببقية ديونهم، ولعل الوجه في ذلك بعد كونه أولى من المتجدد، كأرش الجناية وعوض الاتلاف أن المقتضى للمشاركة موجود، وهو كونه دينا سابقا على الحجر، وكان الاجل مانعا، فإذا ارتفع عمل المقتضى عمله، فهو كما لو أسلم الوارث قبل القسمة، وتعلق حقوق الغرماء غير مانع من تعلق حق غيرهم ممن شاركهم في سبب

[ 351 ]

الاستحقاق، وبذلك ترتفع المناقشة من بعض متأخرى المتأخرين في أصل المشاركة، بسبق تعلق حق الغير فنمنع تعلق غيره به، إذ هو حينئذ كالمرهون، وإن كانت هي لا تخلو من وجه خصوصا بناء على ما تقدم سابقا من عدم الرجوع لصاحب العين لو كان دينه مؤجلا وقد حل قبل القسمة، ونحوه مما هو مبنى على سبق تعلق الحق المانع من تعلق حق الغير. وعلى كل حال فالظاهر عدم الفرق في حلول المؤجل بين إنتهاء المدة، وبين اسقاطه بالصلح على الانقص منه مثلا، مع المفلس الذى لا يمنع من مثل هذا الصلح، لعدم كونه تصرفا في المال الذى تعلق به حق الغرماء وان كان بعد الصلح يشاركهم صاحبه، لصدق حلول المؤجل قبل القسمة، ودعوى المنع من مثل هذا الصلح على وجه يلحق الغريم به، لانه يؤل إلى الضرر على الغرماء، ولانه كالدين الحاصل بعد الحجر - يمكن منعها لما عرفت، ولانه ليس دينا جديدا بل هو صلح عن ذلك الدين ببعضه، فيكون الصلح بالنسبة إلى الزائد كاللابراء وإن كان هو في مقابلة اسقاط الاجل، فتأمل، جيدا. والله أعلم. المسألة (الثالثة: إذا جنى عبد المفلس، كان المجني عليه أولى به) من الغرماء الذين لا يزيد تعلق حقهم بالمال على الرهانة التي قد عرفت تقدم الجناية عليها للوجوه السابقة الآتية هنا منضمة إلى عدم الخلاف في ذلك في المقامين، ومنه يعلم أن تعلق حق الغرماء هنا ليس كتعلق أرش الجناية، وإلا امكن القول بالاشتراك بينهما، كما لو جنى العبد الجاني قبل انتهاء حال الجناية الاولى، وبالجملة يتجه فيه ذلك الحكم فعدم الخلاف في التقديم هنا مما يؤمي إلى عدم كون التعلق كأرش الجناية، وان احتمله الفخر سابقا فيستوفى منه حق الجناية حينئذ، فان زاد فهو للغرماء. (و) على كل حال ف‍ (لو أراد مولاه فكه) بما تعلق به الحق من الاموال (كان للغرماء منعه) لانه تصرف مالي وقد حجر عليه في ذلك، لكن

[ 352 ]

في المسالك (إنما يمنع المولى من فكه من عدم المصلحة في فكه، فلو فرضت بأن كان كسوبا يثمر مالا إلى حين القسمة وقيمته باقية فله فكه لمصلحة) قلت: قد يمنع أيضا معها، لتعلق الحق في المال على وجه لا يصرف به إلا في بيعه للوفاء، وان اتفق حصول مصالح للمفلس، وكذا لو كان له رهن على دين مؤجل وكانت المصلحة في فكه، لم يلتزم الغرماء بذلك، فلعل إطلاق المصنف وغيره المنع لا يخلو من قوة. ولو كان الجاني المفلس بما يوجب مالا، كان المجني عليه أسوة الغرماء، كما قدمناه سابقا، إذ الفرق بينه وبين عبده بالتعلق بالذمة والعين واضح، ولو كانت جنايته عمدا فصالح على الدية لم يشارك، بناء على أن الواجب أولا القصاص، وأن الدية تثبت بالصلح. نعم لو قلنا الواجب أحد الامرين من أول الامر والخيار بيد المجني عليه، أمكن القول حينئذ بالمشاركة للغرماء، بل لو قلنا في الصلح أنه ليس من قبيل المعاوضات، وإنما هو إسقاط لحق القصاص، ورجوع إلى الدية الثابتة شرعا أمكن القول بالشركة، فيكون الفرق بين القولين أن الخيار في الاول بيد المجني عليه، والثاني بأيديهما معا، ولعل قوله تعالى (1) (فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف) إلى آخره لا يخلو من اشعار بذلك، وكأنه لذا لم يجزم الفاضل في التذكرة بعدم المشاركة في الصلح أيضا، فإنه بعد أن حكى عن أحمد المشاركة مطلقا قال: ويحتمل عندي أن لا يشارك، لان الجناية موجبها القصاص. وإنما يثبت المال صلحا وهو متأخر عن الحجر، فلا يشارك كما لو استدان فتأمل جيدا والله أعلم هذا تمام الكلام في حكم المفلس. (و) لكن (يلحق بذلك النظر في حبسه) بل حبس كل مديون فنقول: (لا يجوز حبس المعسر مع ظهور اعساره) سواء كان مفلسا أي منعه الحاكم من التصرف فيما يتجدد من الاموال، أو لا، للانظار المأمور به في الكتاب والسنة، بل


(1) سورة البقرة الاية 178

[ 353 ]

والفتوى، فإنى لا أجد خلافا في ذلك، إلا ما تقدم سابقا من الصدوق في المعسر بصرف ما استدانه في معصية، وقد عرفت ضعفه. (و) كيف كان ف‍ (يثبت ذلك) أي اعساره (بموافقة الغريم) جميعهم وإلا ففي حق الموافق، ولو فرض تعدده وجمعه لشرائط الشهادة ثبت حينئذ، واندرج تحت قول المصنف كغيره من الاصحاب (أو قيام البينة) لكن على التفصيل الاتى خلافا لبعض العامة، حيث جعل قيام البينة به غير مانع من حبسه مدة يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لظهر، وهو كما ترى. (فان تناكرا) أي الغريم والمديون في الاعسار وعدمه (وكان له) أي للمديون (مال ظاهر) غير المستثنيات لم يقبل دعواه، و (أمر) ه الحاكم (بالتسليم) إن كان المال من جنس الحق أو تراضيا به، والا صرف إليه ببيع ونحوه (فان امتنع فالحاكم بالخيار، بين حبسه حتى يوفي) بنفسه لوجوبه عليه، بل مماطلته فيه تحل عقوبته بالحبس وغيره وعرضه، لقوله صلى الله عليه وآله (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) المعمول باطلاقه بين الاصحاب، من غير ملاحظة مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سمعت النصوص المتضمنة (1) لفعل أمير المؤمنين عليه السلام (فيمن كان يلتوى على غرمائه) بل لعل إطلاق الخبر المزبور يقضى بحلية ذلك للغريم وغيره، أللهم إلا أن يدعى أن الحبس ونحوه من وظائف الحاكم، لانه كالتعزير الملحق بالحدود. نعم لا إشكال في حلية العرض للغريم، بأن يقول له يا ظالم ونحوه لذلك، وقوله تعالى (2) (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم) ولا يلزم التفكيك في الخبر، إذ المراد من الحبس حينئذ أن يحبسه عند الحاكم، فيكون التحليل له فيهما، بل الظاهر جواز ذلك للحاكم، لاطلاق الخبر المزبور، بل وغيره في وجه. وعلى كل حال فهو بالخيار بين ما عرفت (و) بين (بيع أمواله وقسمتها


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الحجر. (2) سورة النساء الاية - 148

[ 354 ]

بين غرمائه) لانه ولي الممتنع، وإن كان لا يتعين عليه ذلك، بل يخير بينه وبين الفرد الاول، وقد تقدم نظير ذلك في الرهن، كما أنه تقدم التأمل فيه، والمحكي في النصوص (1) هنا من فعل امير المؤمنين عليه السلام (أنه كان يحبسه بالالتواء ثم يأمر بقسمة ماله بين الغرماء، فإن أبى باعه وقسمه بينهم) بل وفي خبر السكوني (2) منها (أنه كان يحبس في الدين، ثم ينظر فإن كان له مال أعطى الغرماء) وعلى كل حال هو غير التخيير المزبور، أللهم إلا ان يقال: إنه لا دلالة في فعله عليه السلام على عدم جواز غير هذا الفرد، وفيه أن نقل الائمة عليهم السلام لهم بهذا اللفظ ظاهر في أن الحكم ذلك، فتأمل جيدا. والامر سهل. (و) كيف كان ف‍ (لو لم يكن له مال ظاهر وادعى الاعسار، فان وجد البينة قضى) الحاكم (بها) بالشرط الآتي (وإن عدمها، وكان له أصل مال) معهود (أو كان أصل الدعوى مالا) كالقرض ونحوه وقد اثبتها الغريم (حبس حتى يثبت اعساره) لاصالة بقاء المال، ولاشتراط الانظار بالاعسار ولم يثبت، ولان امير المؤمنين عليه السلام كان يحبس بمجرد الالتواء، نعم في التذكرة (إنه إذا لم يكن له بينة بذلك يحلف الغرماء على عدم التلف، فإذا حلفوا حبس، ولعله مراد غيره مع احتمال العدم، لما عرفت من عدم اشتراط الحبس باليسار مع المماطلة، كي يحتاجوا إلى اثباته، بل يكفي فيه عدم ثبوت اليسار، وهو حاصل وان لم يحلفوا. هذا. وقد صرح الفاضل في التذكرة والقواعد (أنه لا يمنع الحبس تعلق حق الغير في عينه باجارة ونحوها) وهو كذلك مع امكان الجمع، أما مع عدمه ففيه اشكال، من تعارض الادلة ولا ترجيح، واحتمال ترجيح الاجارة بالسبق معارض بصورة سبق الدين وإن تأخرت المطالبة. نعم قد يتم في صورة سبق الاجارة عليه، كما أنه يتم ترجيح الدين عليها في صورة سبقه، بل قد يقال بترجيحه مطلقا، باعتبار انجبار المستأجر بالخيار بخلافه، إلا أن الجميع محل للنظر، كما أن ما في القواعد من


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب أحكام الحجر (2) الوسائل الباب - 7 - من ابواب أحكام الحجر الحديث - 3 -.

[ 355 ]

أنه يجوز الحبس في دين الولد لا يخلو من اشكال، لخبر الحسين بن ابى العلا (1) وللنصوص الدالة على أن الولد وماله لابيه وعلى عظم حق الوالدين ونحو ذلك، ولعله لذا جزم في التذكرة بالعدم، وفي جامع المقاصد أنه لا يخلو من قوة، وهو كذلك، والله أعلم. (و) على كل حال فإذا تصدى لاثبات إعساره ف‍ (- ان شهدت البينة بتلف) جميع (أمواله قضى بها، ولم يكلف اليمين، ولو لم تكن البينة مطلعة على باطن أمره) بالصحبة المتأكدة، لانها بينة اثبات، فيشملها جميع ما دل على قبول البينة، ولا يقدح تضمنها النفى، لان كل بينة اثبات تتضمن ذلك، حتى بينة ملك العين مثلا لزيد، المتضمنة لعدم بيعه خفية وعدم هبته وغير ذلك من المحتملات التي لا تقدح، بعد أن كان شهادة البينة أمرا إثباتيا يمكن علمها به، وأنه هو المستند لها فيما هو مخالف للاصل، فيلزمه حينئذ ثبوت الاعسار، ضرورة اقتضاء تلف جميع الاموال ذلك ولا يحتاج إلى اليمين معها، للاصل، وظهور قوله (2) (البينة على المدعى) إلى آخره في عدم الشركة بينهما، مضافا إلى أنها كساير البينات المعلوم عدم توقف ثبوت ما شهدت به على اليمين، لمعلومية عدم اشتراط قبولها بالاطلاع على باطن أمره بالصحة المتأكدة إذ هي بعد ما سمعت كباقي بينات الاثبات التي لا ينحصر طريق علمها بما تشهد به لذلك. (أما لو شهدت بالاعسار مطلقا) أي من دون تعرض لتلف المال المعلوم اصله وغيره (لم تقبل حتى تكون مطلعة على) باطن (أموره بالصحبة المؤكدة) لانها حينئذ بينة نفي، ضرورة رجوعها إلى عدم الملك الذي يمكن أن يكون مستندها فيه الاصل المعلوم نقضه عند غيرها، ويمكن أن يكون اطلاعها على التلف، إلا أنها مع فرض الصحبة المؤكدة يحصل الظن القوي بل المتأخم أن يكون مستندها الثاني، فيقوى حينئذ بها جانب مدعى الاعسار، بل ظاهر الاكثر تقديمه حينئذ على خصمه


(1) الوسائل الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 7 -. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث - 1 - 2 - .

[ 356 ]

الموافق للاصل، وكم من ظاهر قدم عليه، كما في دعوى الزوجة مع الخلوة الدخول بها وغيرها (و) يتجه حينئذ ما ذكره المصنف وغيره بل نسب إلى الاكثر من أن (للغرماء احلافه) حينئذ (دفعا للاحتمال الخفي) وهو احتمال عدم اطلاعها على أصل المال وخفائه عليها، وإنما شهدت بالاصل المفروض انتقاضه، وبذلك ظهر الفرق بين بينة التلف وبينة الاعسار، كما أنه ظهر كون اليمن لقوة جانب مدعي الاعسار حينئذ واليمين تتبع من قوى جانبه بالاصل أو بالظاهر الذي ثبت ملاحظته للشارع، فالبينة في المقام لحصول الظاهر المرجح بدعوى الاعسار، فيكون به حينئذ منكرا فيتوجه اليمين عليه لذلك، لا أنه باق مدع ومحتاج إلى اليمين مع البينة كيمين الاستظهار، ضرورة ظهور قوله عليه السلام (1) (البينة على المدعي) في قطع الشركة، ولا دليل بالخصوص هنا على اليمن كاستظهار، مضافا إلى عدم تنقيح مستند شهادة البينة هنا وإن كان قد حصل الظن القوي بالصحبة المتأكدة أنه التلف لا الاصل، لكنه إذا لم يصل إلى حد العلم غير مجد في قبول مثل هذه البينة التي قد عرفت رجوعها إلى بينة النفي المعلوم عدم قبولها ما لم تؤل إلى الاثبات بالحصر ونحوه، ولو فرض كونها في المقام كذلك رجعت إلى بينة الاولى ولم يحتج معها إلى اليمين قطعا، كما أن الاولى لو فرض شهادتها على تلف المال الظاهر، ولم تعلم بغيره ولا اعترف الخصم بعدم غيره اتجه ايضا توقف ثبوت الاعسار على اليمين، ضرورة رجوع الحال حينئذ إلى دعواه ممن لم يعلم له أصل مال، وستعرف احتياجه حينئذ إلى اليمين. نعم لو شهدت بتلف الظاهر واعترف الخصم بعدم غيره لم يحتج حينئذ ثبوته إلى يمين كما هو واضح، وبذلك تم كلام الاكثر وسقط ما اطنب به في المسالك، فإنه بعد أن قرر المشهور حاكيا له عن المصنف والعلامة في غير التذكرة قال: (أما فيها فعكس الحكم، وأثبت اليمين في بينة التلف دون بينة الاعسار، محتجا بأن البينة


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم الحديث - 1 - 2 - لكن فيهما " واليمين على المدعى عليه "

[ 357 ]

إذا شهدت بالتلف كان كمن ثبت له أصل مال واعترف الغريم بتلفه، وادعى مالا غيره فانه يلزمه اليمين) وأفتي في موضع آخر منها بأنه لا يمين في الموضعين محتجا بأن فيه تكذيبا للشهود، ولقوله صلى الله عليه وآله (1) (البينة على المدعي واليمين على المنكر) والتفصيل قاطع للشركة. ثم قال: (إن تلخيص الحكم في ذلك لا يخلو من اشكال، والفرق لا يخلو من نظر، وذلك لان شهود تلف ماله إما أن تكون شهادتهم على تلف المال الظاهر لهم من غير معرفة لهم بحال باطن أمره، بحيث يحتمل أن يكون له مال آخر لم يتلف، كما هو الظاهر من قول الجماعة وتعليلهم المسألة وتصريحهم بعدم اعتبار كونهم من أهل الخبرة بحاله، ويشكل مع هذا ثبوت اعساره، لان حاله بالنسبة إلى المال باطنا مجهول مطلقا، حتي لو فرضنا أن هذا المال الظاهر لم يكن له لم يناف ثبوت ماليته باطنا، والحال أنه لم يختبر، وإن أرادوا - بعدم اعتبار إطلاعهم على باطن أمره أن الحاكم لا يعتبر اطلاعه على ذلك، مع ان اطلاعهم معتبر في نفس الامر اتكالا على عدالتهم، وأن العدل لا يجازف في شهادته كما صرح بهذا المعنى بعض الاصحاب اشكل الفرق بين الامرين، لان ذلك آت في الشهادة على مطلق الاعسار وتحويلها نحو الاثبات لئلا يتمحض النفى غير متوقف على هذا الشرط، فإن مرجعه إلى تحرير شهادتهم، لا إلى علمنا بإخبارهم، وحكم اليمين متفرع على ما قررنا، فإن اكتفينا في بينة التلف بالاطلاع علي ظاهر ماله، فلابد من القول باليمين، لانه يصير بهذه البينة كمن لا يعلم له أصل مال مع احتماله، ويتوجه عدم الافتقار إلى اليمين في بينة الاعسار المطلعة علي الحال، لان ذلك أقصى ما يمكن اعتباره شرعا في التفحص، فلا يكلف مع البينة أمرا آخر، لاصالة البراءة أو لظاهر الخبر، وإن اعتبرنا اطلاع بينة التلف علي باطن أمره كما ذكره بعضهم توجه عدم اعتبار اليمين معها لما ذكرناه. ويمكن أن يوجه كلام الجماعة الدال على عدم اعتبار الخبرة الباطنة في شهادة التلف لا بالنظر إلى الحاكم، ولا بالنظر إلى الشهود بأن هذا المديون لما كان يعرف


(1) المصدر نفسه

[ 358 ]

له اصل مال ولو بكون الدعوى كذلك، فلابد لهذا المال الثابت ظاهرا من أمر يدفعه، فإذا شهدوا بتلف أمواله التى يطلعون عليها فقد علم الانتقال عن ذلك الاصل الباقي في المال، وإن أمكن بقاء بعضه، إلا أنه غير معلوم، والتكليف إنما هو بالظاهر، بخلاف ما إذا شهدوا باعساره، فإن المراد أنهم لم يطلعوا على ماله، وهذا لا يدفع ذلك الاصل الذى هو بقاء المال السابق بوجه، فلابد مع ذلك من الخبر الباطنة والعشرة المتأكدة ليحصل الظن بتلف ذلك المال، وانما يحصل بذلك. فظهر الفرق بين الحالين، وتوجه به ما اختاروه من ثبوت اليمين في الاول دون الثاني، لان الاول لا يدفع المال الباطن يقينا، ولا ظنا، لعدم الاطلاع عليه، بخلاف الثاني، لان كثرة ملابسته ومجاورته والاطلاع على الصبر على ما لا يصبر عليه من يكون بيده مال عادة، يفيد الظن الغالب بعدم المال، فلا يتجه مع ذلك انضمامه اليمين إلى البينة. نعم لو ادعى الغريم وجود مال مخصوص للمديون، واعترف بعدم غيره فشهد الشهود بتلفه لم يجب اليمين في الاول أيضا، ولم يعتبر اطلاع الشهود على باطن أمره، إلا أن هذه مادة خاصة والمسألة أعم منها، والظاهر من عبارة الاصحاب وغيرهم في هذه المسألة هو ما وجهناه أخيرا من أن شهود التلف لا يعتبر اطلاعهم على حاله في أنفسهم ولا عند الحاكم، بخلاف شهود الاعسار، ووجهه ما بيناه. لكن المحقق الشيخ على رحمه الله قرر كلامهم على ما نقلنا من الوجه، وهو أن المراد عدم علم الحاكم باطلاعهم من اشتراطه في نفس الامر، فحصل الالتباس في الفرق على تقريره، ونفى اليمين في الاول واثباتها في الثاني على تقريرهم، فإن الاطلاع على باطن أمره إن كان معتبرا فيها فإما أن يقال باشتراط علم الحاكم به أيضا أو نفيه عنهما اتكالا على العدالة، فالفرق ليس بجيد، وإذا لم يطلعوا على باطن أمره في التلف على ما ذكروه، يكون اثبات اليمين فيه أوجه من الآخر كما ذكره في التذكرة دون العكس، لان الخبرة الباطنة أفادت ظنا قويا، مضافا إلى البينة بعدم المال، ومختار التذكرة في اثبات اليمين في الاول دون الثاني أجود، ونقلناه

[ 359 ]

بطوله ليظهر لك مواقع النظر فيه من غير ما ذكرناه أيضا خصوصا فيما ذكره من التوجيه لكلام الجماعة الذى جعل نتيجته ما لا يقولون به، من اثبات اليمين لبينة التلف دون بينة الاعسار. ومن الغريب قوله بعدم احتياج الثانية إليه، مع اعترافه بانها إنما تفيد الظن القوى بسبب الصحبة بأن مستندها التلف، ومعلوم أن مثل ذلك لا يخرجها عن كونها بينة نفى، وعن احتمال كون مستندها الاصل المعلوم قطعه كما أوضحناه سابقا وأغرب منه عدم ذكره الوجه الظاهر من كلماتهم في تشقيقه عدم اعتبار الاطلاع في بينة التلف من أن مرادهم جميع الاموال المستلزم لثبوت الاعسار، وأن مثله لا يعتبر فيه الاطلاع بالصحبة ولا اليمين، لانها فرد من بينة الاثبات، ولا ينحصر طريق علمها بذلك في الصحبة، ولو فرض ان بينة الاعسار كذلك، استغنت عن اليمين أيضا، إلا أنك قد عرفت احتمالها وأنها ظاهرة مع الصحبة في أن مستندها الاطلاق على التلف، كما أنه لو فرض كون بينة التلف على تلف مال مخصوص، اتجه اعتبار اليمين من المديون في نفي دعوى غيره، وما حكاه عن التذكرة من عكس الامر إنما ذكره احتمالا، مع أن الظاهر خروجه عن موضوع البحث كما اعترف به في جامع المقاصد، لان ظاهر كلامه فرض شهادة البينة على تلف المال الذى في يده ظاهرا لا جميع الاموال، واليمين حينئذ مع عدم اعتراف الخصم بعدم غيره متوجه كما ذكرناه، بل لعل ما حكاه عنها ايضا من عدم احتياج اليمين في البينتين خارج أيضا، لظهور كلامه في عدم اليمين مع بينة الاعسار التي تؤل إلى بينة التلف في معلومية كون مستندها العلم بتلف جميع أمواله، وأنها غير محتملة لان يكون مستندها الاصل، فإنه جعلها كالبينة على عدم الوارث فلاحظ وتأمل. وبالجملة كلامه في المقام لا يخلو من نظر من وجوه، ثم قال: (واعلم أن الخبرة المعتبرة في شهود الاعسار إن اطلع الحاكم عليها فلا كلام، وإلا ففي الاكتفاء بقولهم له أنهم بهذه الصفة وجه قوي، وقطع به في التذكرة) قلت لا ريب في ضعفه،

[ 360 ]

ضرورة عدم الدليل على ثبوته بقولهم الذى مرجعه إلى دعوى لا يثبت بها مثله بعد اعتبار اتصافهم به كالعدالة، فلابد من العلم به ولو ببينة شرعية كما هو واضح، وأومأ إليه في جامع المقاصد. وقد تلخص مما ذكرناه أن بينة الاعسار عندهم، لم يعلم رجوعها إلى اثبات حتى يتوجه الاستغناء عن اليمين، للخبر القاطع للشركة، بل هي بسبب الصحبة المؤكدة أفادت كون الظاهر مع دعوى الاعسار، فقدموه على الاصل بيمين المعسر كما أوضحناه سابقا، ولو فرض العلم برجوعها إلى اثبات، اغنت عن اليمين قطعا وكانت كبينة التلف حينئذ، بناء على المعلوم من مذهب الاصحاب من قبول بينة النفي إذا رجعت إلى اثبات، خلافا لبعض العامة، ضرورة شمول ما دل على حجية البينة حينئذ لها، بخلاف ما إذا لم يعلم رجوعها إلى اثبات، لاحتمال كون مستندها أصل العدم، المعلوم انتقاضه، كما في المقام، أو لا تزيد على إنكار المنكر والله أعلم. (و) كيف كان (فان لم يعلم له أصل مال) ولا كانت الدعوى الثابتة عليه مالا (وادعى الاعسار قبلت دعواه ولا يكلف البينة، وللغرماء مطالبته باليمين) لانه بموافقته للاصل كان منكرا وقد قال عليه السلام (1) (البينة على المدعي واليمين على من انكر) بل منه ينقدح الاشكال في قبول البينة منه لو اقامها على وجه يعلم رجوعها إلى اثبات، بناء على عدم قبولها من المنكر، لكن جزم في التذكرة بقبولها واسقاط اليمين عنه حينئذ، ولا يخلو من بحث كما يأتي انشاء الله. ومن الغريب من بعض العامة منع قبوله هنا إلا بالبينة، بناء على أن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئا قل أو كثر، وفيه منع اعتبار هذه الظاهر بدون دليل بحيث يقطع الاصل. نعم لو فرض العلم بذلك اتجه ما ذكره، بل لعله متجه أيضا فيما لو حصل العلم باتلافه مالا أيضا، لانقطاع أصل العدم فيه قطعا، وحصول المال في الجملة معارض بالعلم باتلافه كذلك، فلا يستصحب شئ منهما، لرجوعه إلى استصحاب الجنس،


(1) الوسائل الباب - 3 من ابواب كيفية الحكم لكن فيه: واليمين على المدعى عليه

[ 361 ]

فيكون قول كل منهما خاليا عن الاصل، إلا أن الواجب على المديون الوفاء، حتى يثبت اعساره الذي هو الشرط في الانظار، لا أن اليسار شرط في صحة المطالبة، فيتجه حينئذ حبسه إلى ثبوت اعساره فتأمل جيدا والله أعلم. (و) على كل حال (فإذا قسم المال) الذي عنده (بين الغرماء وجب اطلاقه) ولا يجوز ابقاؤه في الحبس الذي هو اذية حينئذ بلا حق، ولو فرض كونه (و) على كل حال (فإذا قسم المال) الذي عنده (بين الغرماء وجب اطلاقه) ولا يجوز ابقاؤه في الحبس الذي هو اذية حينئذ بلا حق، ولو فرض كونه مفلسا (فهل يزول الحجر عنه بمجرد الاداء) والاقتسام، لانه إنما حجر عليه بالنسبة إلى الموجود من ذلك المال وقد فرض قسمته (أو يفتقر إلى حكم الحاكم) لانه قد حصل بحكمه فلا يرتفع إلا بحكمه للاستصحاب كالسفيه (الاولى) عند المصنف والفاضل وغيرهما (أنه يزول بالاداء لزوال سببه) ولا بأس به مع فرض كون الحجر بالنسبة إلى المال الموجود، لا إذا كان فيه وفي المتجدد، ولا في الاطلاق إذا فرض شموله لهما كما هو واضح والله أعلم. إلى هنا تم الجزء الخامس والعشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه وقد بذلنا غاية جهدنا في تصحيحه ومقابلته للنسخة المصححة التي قوبلت بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه ويتلوه الجزء السادس والعشرون في احكام الحجر انشاء الله تعالى. على الاخوندى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية