جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 26


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء السادس والعشرون حققه وعلق عليه الشيخ علي الآخوندي الناشر دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

حمدا خالدا لولي النعم حيث أسعدني بالقيام بنشر هذا السفر القيم في الملا الثقافي الديني بهذه الصورة الرائعة. ولرواد الفضيلة الذين وازرونا في انجاز هذا المشروع المقدس شكر متواصل. الاخوندي

[ 3 ]

كتاب الحجر (الحجر) مثلثا لغة (هو المنع) والتضييق ومنه سمى الحرام حجر المافيه المنع قال الله تعالى (1) " ويقولون حجرا محجورا " أي حراما محرما وسمى العقل حجرا، لانه يمنع صاحبه من ارتكاب القبيح وما تضر عاقبته، قال الله تعالى (2) " هل في ذلك قسم لذى حجر ". (والمحجور شرعا هو الممنوع) عند الشرع (من التصرف في ماله) ولو البعض، إذ هو مفرد مضاف لا يدل على العموم، وكذا لفظ التصرف، ولكن يصلح له إن أريد به، فيشمل حينئذ المريض الممنوع من بعض ماله، والصبي والمجنون، والعبد بناء على ملكه والحجر عليه كما مال إليه المصنف سابقا. وحينئذ فلا يرد ما قيل: من نه إن اراد جميع المال خرج المريض، وإن أراد بعضهم خرج الصبى والمجنون، وإن العبد لا يملك شيئا فلا يدخل في التعريف، فلا معنى لذكر الرق من الاسباب، وان أحدا لا يمنع من التصرف في ماله بالاكل والشرب ونحوهما من الامور الاضطرارية، إذ قد عرفت أنه ليس في التعريف ما يدل على التعميم والتخصيص، بل من صدق عليه المنع في ماله على أي وجه كان فهو محجور عليه، و دخول العبد مبني على ما ذهب إليه المصنف كما عرفت. نعم في المسالك " ربما ينتقض في طرده بالممنوع من التصرف فيه لغصب ونحوه فانه لا يسمى محجورا عليه شرعا فلو اضاف إليه ما يدل على المنع الشرعي كان حسنا "


(1) سورة الفرقان الاية - 23 -. (2) سورة الفجر الاية - 5 -

[ 4 ]

وفيه - بعد سهوله الامر في نحو هذه التعريفات كما أوضحناه غير مرة، ولذا تجوز وعرف الفلس بهذا التعريف مع أنه أخص من الحجر - وضوح إرادة المنع الشرعي من الممنوع فيه، والامر سهل. (و) كيف كان فتمام (النظر في هذا الباب يستدعى فصلين: الاول في موجباته وهى) كثيرة متفرقة في تضاعيف الابواب كالرهن، والبيع، والمكاتبة، والمرتد، وغير ذلك، لكن التى جرت عاده الفقهاء بالبحث عنها وعقد كتاب لها (ستة: الصغر، والجنون، والرق، والمرض، والفلس، والسفه) ولعل مرجع الصور إلى قسمين: من يحجر عليه لحق نفسه، ومن يحجر عليه لحق غيره، فالاول الصبى والمجنون والسفيه، والثانى الباقي. ثم الحجر إما عام في سائر التصرفات، أو خاص ببعضها، والاول إما أن يكون ذا غاية يزول سببه فيها أولا والاول الصغر، والثاني الجنون، والخاص إما أن يكون فيه مقصورا على مصلحة المحجور أولا، والاول السفه، والثاني إما أن يكون موقوفا على حكم الحاكم أولا، والاول الفلس، والثانى المرض، وباقى الاسباب تعرف بالمقايسة، والامر في هذا سهل. إنما الكلام في تفصيل البحث فيها وقد تقدم الكلام في الرق والفلس. (أما الصغير فمحجور عليه، ما لم يحصل له وصفان: البلوغ والرشد) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل الكتاب والسنة دالان عليه أيضا والمراد بالاول الذي هو في اللغة الادرك بلوغ الحلم، والوصول إلى حد النكاح بسبب تكون المنى في البدن، وتحرك الشهوة والنزوع إلى الجماع، وانزال الماء الدافق الذى هو مبدأ خلق الانسان بمقتضى الحكمة الربانية فيه وفى غيره من الحيوان لبقاء النوع، فهو حينئذ كمال طبيعي للانسان يبقى به النسل، ويقوى معه العقل، وهو حال انتقال الاطفال إلى حد الكمال والبلوغ مبالغ النساء والرجال. ومن هنا إذا اتفق الاحتلام في الوقت المحتمل حصل به البلوغ ولم يتوقف على بيان الشارع، فإن البلوغ من الامور الطبيعية المعروفة في اللغة والعرف، وليس م الموضوعات الشرعية التى لا تعلم الا من جهة الشرع كالفاظ العبادات، بل قد ذكر أهل

[ 5 ]

اللغة في ترتيب أحوال الانسان وأن له بكل حال اسما مخصوصا في الرجال والنساء من أول الخلقة التى يسمى به جنينا إلى حال الشيخوخة في الرجال، والقلع والطلطا في النساء. وعلى كل حال فلا يخفى على من لاحظ كلماتهم ان من المعلوم لغة كالعرف كون الغلام متى احتلم بلغ وأدرك وخرج عن حد الطفولية ودخل في حد الرجولية وكذا الجارية إذا أدركت واعصرت فإنها تكون امرأة، كغيرها من النساء نعم يرجع إلى الشرع في مبدء السن الذي يحصل به البلوغ مثلا إذا حصل فيه الاشتباه، بخلاف الاحتلام والحيض والحمل ونحوها مما لا ريب في صدق البلوغ معها لغة وعرفا، ولو للتلازم بينها. أما الامور المقارنة له في العادة غالبا كقوة التمييز وغلظ الصوت وشق الغضروف ونتو الحنجرة ونهود الثدى ونحو ذلك، فأقصاها افادة الظن بحصوله، لعدم ثبوت التلازم المورث للقطع، ولا دليل على اعتباره في المصداق، بل الدليل على خلافه قائم، ودعوى أنها كانبات الشعر الخشن على العانة يدفعها أن الفارق بينهما الدليل. (و) كيف كان فلا ريب في أنه (يعلم بلوغه) أي الصغير (بانبات الشعر الخشن على العانة) التى هي حول والقبل (سواء كان مسلما أو مشركا) خلافا للشافعي في احد قوليه، ففي حق الكفار خاصه لكونه علامة مكتسبه تستعجل بالمعالجة، وإنما اعتبرت في الكفار لانتفاء التهمة بالاستعجال في حقهم، ولانه لا طريق إلى معرفه بلوغهم سوى ذلك بخلاف المسلمين، لجواز الرجوع إليهم في معرفه البلوغ والجميع كما ترى، إذ الاستعجال قائم في الفريقين، وكذا الحاجة إلى هذه العلامة، فان الاحتلام والسن كثيرا ما يشتبه الامر فيهما بخلافها، مضافا إلى ما ستعرفه من إطلاق الادلة، ولذا اتفاق اصحابنا ظاهرا على خلافه. نع ربما نسب ذلك إلى الشيخ ولم نتحققه، بل قال في الخلاف: " الانبات دليل على بلوغ المسلمين والمشركين باجماع الفرقة " وفى التذكرة " نبات هذا الشعر دليل على البلوغ في حق المسلمين والكفار عند علمائنا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في

[ 6 ]

أحد قوليه " وقال أبو حنيفة " إنه لا اعتداد بالانبات مطلقا، لانه كغيره من الشعر، الرأس والبدن ". ويدل عليه مضافا إلى ما عرفت مؤيدا بالعادة - الاخبار المروية من الطرفين فمن طريق الجمهور ما روي (1) " أن سعد بن معاذ لما حكم على قريضة كان يكشف عن عورات المراهقين، ومن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري ". وما روى عن عطيه القرضى (2) " قال ": عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم قريضة، وكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلى سبيلى ". ومن طريق الاصحاب خبر أبى البخترى (3) " عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله واله عرضهم يومئذ على العانات، فمن وجده قتله، ومن لم يجده أنبت، الحقه بالذرارى ". وما في خبر حمزة بن حمران (4) عن أبى جعفر عليه السلام " من أن الغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشر سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت " وما في خبر يزيد الكناسي (5) " أن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان الخيار له إذا أدرك وبلغ خمس عشر سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته ". وفي المحكى عن تفسير على بن ابراهيم (6) في قوله تعالى " وابتلوا " إلى أخره " قال: ومن كان بيده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم - إلى أن قال - وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فانه يمتحن بريح إبطه أو


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 58. (2) المستدرك ج - 1 - ص - 7 -. (3) الوسائل الباب - 65 - من ابواب جهاد العدو الحديث - 2 - والباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 8. (4) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمات العبادات الحديث - 2 -. (5) الوسائل الباب - 6 - من ابواب عقد النكاح الحديث - 9 -. (6) المستدرك ج - 2 - ص 496.

[ 7 ]

نبت عانته، فان كان ذلك فقد بلغ " بناء على أن الضمير في قوله قال راجع إلى الصادق عليه السلام المذكور في الآيه السابقة كما عن الصافى (1) روايته عنه مسندا إليه ولعله وجده كذلك فيما وصل إليه من النسخ، وإلا كان من كلامه على عاده القدماء، وهو وإن لم يكن حجة لكنه لا يخلو من تأييد، وعلى كل حال فلا ينبغى التوقف في اصل الحكم. نعم قد يشكل عمومة للاناث بظهور النصوص في الذكور خاصة، بل قد يظهر من بعض الاصحاب اختصاصها بهم وان لم يعرف نقل الخلاف في، لكن قد عرفت العموم في معقد اجماعي الخلاف والتذكره، بل صرحا به وإن لم يكن في العقد المزبور مؤيدا بتتبع اكثر العبارات وبأن الانبات أماره طبيعية اعتبرها الشارع لكشفه عن تحقق الادراك فلا يختلف، وبقضاء العادة بتأخر انبات هذا الشعر عن تسع سنين بكثير ولعل ذلك هو السبب في ترك التعرض له في النصوص، لندره الاحتياج إليه فيهن كالاحتلام. وانما اعتبر الاصحاب الخشونة مع عدم التقييد به في النصوص لمعلوميه عدم اعتبار الزغب والشعر الضعيف الذى قد يوجد في الصغر، ولان الخشن هو المعهود في اختبار البلوغ فيحمل عليه الاطلاق لوجوب صرفه إلى المعهود. والتقييد بالعانة لاخراج سائر الشعور فلا يكون دليلا على البلوغ، وفي المسالك " لا عبره بها عندنا وان كان الاغلب تأخرها عن البلوغ، إذ لم يثبت كون ذلك دليلا شرعا خلافا لبعض العامة " قلت: هو قواه في صوم الروضة فقال: " وفى إلحاق إخضرار الشارب ونبات اللحية بالعانة قول قوى " وقال الشيخ في المبسوط في كتاب الحجر: " لا خلاف ان نبات اللحية لا يحكم بمجرده بالبلوغ، وكذلك ساير الشعور، وفي الناس من قال إنه علم على البلوغ وهو الاولى، لانه لم تجر العادة بخروج اللحية من غير بلوغ، وفي كتاب الصوم " وحده - أي البلوغ - الاحتلام في الرجل، والحيض في النساء، والانبات والاشعار " إلى آخره.


(1) تفسير الصافى ج 1 ص 332 طبع اسلامية 1393.

[ 8 ]

وفى النهاية " وحد بلوغ الصبى إما بأن يحتلم أو يكمل عقله أو يشعر ابن البراج في المهذب " وحد بلوغ الغلام احتلامه أو كمال عقله أو يشعر " وفى التحرير " الاقرب أن انبات اللحية دليل على البلوغ، أما باقي الشعور فلا " وحكى في التذكرة عن الشافعية وجهين في الحاق اللحية والشارب بالعانة، أحدهما الالحاق ثم قال: " ولا بأس به عندي بناء على العادة القاضية بتأخر ذلك عن البلوغ، بل هو لا يخلو من قوة للعادة، وللخبرين السابقين الذين لا يقصر سندهما عن حجية اخبار الاحاد، فينقطع الاصل حينئذ بهما. وأما ما قيل من أنه لو كان علامة لاستغنى بها عن اختبار شعر العانة، بل لم يجز الكشف عنها - فضعفه ظاهر، ضرورة خروج العانة عن العورة أولا، وعدم الاستغناء عنها لتقدم نباتها على اللحية والشارب، بل يقوى الحاق العذار والعارض والعنفقة و نحوها بهما، لعموم المستند، إلا أن ظاهر باقى الاصحاب الاختصاص بالعانة، بل هو صريح بعضهم، ولذا اقتصروا عليها في العلامات، ويمكن أن يكون ذلك منهم لتأخر نباتهما عن البلوغ عادة بكثير، ومدارهم على ذكر العلامات النافعة عند الاشتباه، لا حال معلومية البلوغ الحاصلة غالبا نباتهما بحيث لا يحتاج إلى استناد العلامات، وخرق العادات لا ينافي الاطمينان المعتبر في الاحكام الشرعية. نعم لا عبرة بسائر الشعور عدا ما عرفت في ظاهر كلام الاصحاب، للاصل و عمومات الكتاب والسنة من غير معارض يعتد به، وفي التذكرة " ولا اعتبار بشعر الابط عندنا، وللشافعي فيه وجهان " ومن ذلك يعلم شذوذ ما في بعض الاخبار من عد شعر الابط من العلامات، وإلا فنصوص الاشعار خاصة يمكن حملها على الانبات خاصة، أو مع غيره مما عرفت من اللحية والشارب ونحوها. وكيف كان فقد استفيد من المتن هنا والصوم والنافع في المقام كونه بلوغا لا دليلا على سبقه كالحمل، بل في مفتاح الكرامة نسبته إلى صلاة التهذيب، وصوم المبسوط وحدوده، ووصايا النهاية والمهذب، وخمس الوسيلة، وصوم السرائر، ووصاياها، وكشف الرموز، وصوم الجامع، وحجره، وجهاد المنتهى، والتذكرة، وصوم التحرير

[ 9 ]

وحجره وحجر الارشاد والتبصره، وصوم اللمعة والروضة، ومجمع البيان وجامع الجوامع، والغنيه وكنز العرفان والجعفرية، بل في الغنية وظاهر حدود المسبوط ومجمع البيان ونوادر قضاء السرائر وكشف الرموز وكنز العرفان وصوم المسالك الاجماع عليه. لكن لم اتحقق كثيرا من نسب إليهم ذلك، وانما في كثير منها ظهور بل اشعار لا يثق به الفقيه، لانهم ليسوا بصدد بيان ذلك، على أن جملة منها كالمبسوط والتذكرة والتحرير والمسالك قد صرحت في مقام آخر بأنه دليل لا بلوغ، ومنه يعلم عدم الوثوق بتلك الاشعارات، وأنها لم تسق لبيان ذلك، بل عنون بعضهم البحث بمثل هذه العبارات التى ادعى ظهورها في البلوغ، ثم صرح بعد ذلك بأنه دليل لا بلوغ، فعلم عدم إرادتهم من أمثال تلك العبارات ذلك. ويؤيده أن العلامة الطباطبائى لعى شدة تتبعه في المسألة حتى أنه حكى عبارات القوم بالفاظها على طولها ونقر في كل واحده منها قد اعترف بأنه لم يجد بهذا القول مصرحا من الاصحاب، قال: وإنما حكاه العلامة في التذكرة عن الشافعي في احد وجهيه، لكنه ظاهر ابن حمزة وابن ادريس والمحقق بل يؤيد ايضا أنه في المسالك نسب القول بكونه دليلا إلى المشهور، ولو صحت النسبة المزبورة كان الامر بالعكس، لانه نسب القول الثاني أي أنه دليل لا بلوغ في الكتاب المزبور إلى حجر المبسوط، والخلاف، وحجر التذكرة، وكشف الحق، وجامع المقاصد، والمسالك، وظاهر الايضاح، ولا ريب في أن الشهره حينئذ بالعكس، ومن الغريب دعواه أن الشيخ في الخلاف ادعى الاجماع عليه، ومن لاحظ عبارة الخلاف قطع بأنه ليس في صدد ذلك، وإنما بحثه مع الشافعي. وكيف كان فلا ريب أن الاقوى كونه دليلا لا بلوغا قيل: " لتعليق الاحكام في الكتاب والسنة على الاحتلام ولان البلوغ غير مكتسب، والانبات قد يكتسب بالمعالجة " وفيهما نظر واضح، والاولى الاستدلال بأنه تدريجي الحصول، والبلوغ لا يكون كذلك، وعدم معلومية أول آنات تحقق الشعر الخشن، وقضاء العادة بتأخره عنه،

[ 10 ]

وكذلك الكلام فيما الحق به من الشعر، وتظهر فائدة الخلاف في قضاء ما يجب قضاؤه من العبادات، وفى نفاذ اقراره وتصرفاته المتقدمة على الاختبار بزمان يعلم عدم تأخر بلوغه عنه والله اعلم. (و) كذا يعلم البلوغ ب‍ (خروج المنى الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد كيف كان) بلا خلاف من المسلمين، فضلا عن المؤمنين، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب والسنة المستفيضة قال الله تعالى (1) " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا " (2) " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح " (3) " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن حتى يبلغ أشده " وقال الصادق عليه السلام في خبر هشام (1) بن سالم " انقطاع يتم اليتيم الاحتلام، وهو أشده " وقال في موثق ابن سنان (5) " سأله ابى وأنا حاضر عن قول الله تعالى حتى إذا بلغ أشده قال: الاحتلام ". وفي النبوى (6) الذى رواه المخالف والمؤالف بل عن ابن ادريس أنه مجمع على روايته " رفع القلم عن ثلاثه عن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه " وفي المحكى عن الخصال (7) انه روى باسناده عن ابن ظبيان قال أتي عمر بمجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال على عليه السلام: أما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ". وعلى كل حال فهو حديث مشهور رواه الفريقان وذكره اصحابنا في كتب الفروع والامامة في مطاعن الثلاثه وفى الفقه " عن حماد بن عمر وانس بن محمد عن أبيه جميعا


(1) سورة النور الاية - 59 -. (2) سورة النساء الاية - 6 -. (3) سورة الاسراء الاية - 36 -. (4) الوسائل الباب - - 1 - من ابواب الحجر الحديث - 1 -. (5) الخصال ج 1 ص 8 الوسائل الباب 44 من ابواب الوصايا الحديث - 8 -. (6) مستطرفات السرائر سنن البيهقى ج 6 ص 57. (7) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 11 -.

[ 11 ]

عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (1) " يا على لا يتم بعد احتلام " وفي المصابيح رواه الشيخ في المبسوط وغيره، وهو ايضا من الاحاديث المشهورة المتلقاة بالقبول والمرسل فيه (2) ايضا " على الصبى إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت الصيام " وخبر طلحة بن يزيد (3) عن الصادق عليه السلام " إن أولاد المسلمين الموسومون عند الله بشافع ومشفع فإذا بلغوا اثنى عشر كتبت لهم الحسنات، فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات "، وخبر (4) على بن جعفر عن اخيه المروى عن قرب الاسناد " سألته عن اليتيم متى ينقطع يتمه قال: إذا احتلم وعرف الاخذ والاعطاء " إلى غير ذلك من النصوص التى لا يقدح تعبيرها بالاحتلام كبعض الاصحاب، للقطع بعدم ارادة خصوصية بل قيل المراد منه هنا خروج المني مطلقا، سواء كان في النوم أو اليقظه، وليس المراد منه معناه اللغوي الذى هو الرؤية في المنام، فإنه قد يتحقق بدون خروج المني كما أن خروج المني ربما يتحقق بدونه، والعبرة حينئذ في البلوغ بالخروج دون الرؤية. ولعله لذا جعل الحمل دليلا على سبقه في الانثى، لكونه مسبوقا بالانزال، وقد سمعت قول الله تعالى (5) " حتى إذا بلغوا النكاح " فإنه لو كان الاعتبار بالاحتلام لزم أن لا يتحقق البلوغ في الرجال ما لم يتحقق الاحتلام، وإن نكحوا وأولدوا وهو واضح البطلان، بل قد يقوى كون العلامة الاستعداد لخروج المني بالقوة القريبة من الفعل، وذلك بتحريك الطبيعة والاحساس بالشهوة سواء انفصل المنى معه عن الموضع المعتاد أو لم ينفصل، لكن بحيث لو اراد ذلك بالوطئ أو الاستمناء تيسر له ذلك. وكونه شرطا في الغسل لا يقضى بكونه كذلك في البلوغ ضرورة دوران الامر في الاول على الحديثة المتوقف صدقها ولو شرعا على الخروج، بخلاف الثاني الذي


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 9 - 10. (3 و 4) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 1 - 6 -. (5) سورة النساء الاية - 6 -

[ 12 ]

هو أمر طبيعي لا يختلف بظهور الانفصال وعدمه، خصوصا مع تهيؤ النطفة للانعقاد، بل تكون الولد في الانثى لا يكاد يتحقق معه الخروج إلى خارج، بل عن المفسرين أن المراد بقوله تعالى (1) " بلغوا النكاح " شهوة النكاح والوطئ والقدرة على الانزال، بل قد عرفت سابقا أن البلوغ من موضوعات الاحكام الشرعية التى مرجعها العرف و العادة، ومثل هذا لا شك في كونه بالغا فيهما، وإنما يتعين الرجوع إلى الشرع في تحديد الموضوعات مع الشك، دون اليقين الذي قد عرفت حصوله في المقام، وقد أومأنا سابقا إلى أن البلوغ حال في الانسان بل مطلق الحيوان يخرج بها من حد الطفوليه إلى غيرها، وانها ينبعث عنها خروج المني ونحوه، وإن لم يجعل خروج المني علامة على سبقه، لاحتمال مقارنة خروجه لتلك الحاله، فالمدار عليها لا عليه، فمتى علم حصولها تحقق البلوغ وان لم يحصل الخروج الحسى. لكن في عبارات الاصحاب اشتباه على غير المحصل، إذ المصنف والفاضل وغير هما قيدوا خروج المني بكونه من الموضع المعتاد، وقال ثانى الشهيدين: " انما اعتبر ذلك مع اطلاق الادلة لوجوب حمل كلام الشارع على ما هو المعهود المتعارف، خصوصا وفى بعضها بلوغ النكاح، وإنما يكون من المعتاد، فلو خرج من جرح ونحوه لم يعتد به، والجميع موهم اعتبار ذلك فيه كالغسل " لكن قد عرفت التحقيق فلاحظ وتأمل كما أنه قد يتوهم من المتن ونحوه اعتبار تكون الولد منه، فلا عبره بالذي لا يتكون منه. بل في المسالك نسبة هذا الفهم من العبارة إلى جماعة قال: " وفي حاشيه الشهيد على القواعد نقلا عن بعض العلماء يعلم المني الذي منه الولد مما ليس منه بأن يوضع في الماء فإن طفى فليس، وإن رسب فمنه الولد، " ولا يخفى عليك فساد هذا التوهم ضرورة كون المعتبرة مطلق خروج المني، للاطلاق فتكون الصفة في عبارة المتن وغيره كاشفة باعتبار إراده المنشأية، فلا يقدح تخلف التكون من بعض الافراد بل لعل المراد التخلف من صنفه فلا يقدح عدمه في بعض الاشخاص كما هو واضح لا يحتاج

[ 13 ]

إلى إطناب. نعم يشترط في خروج المني كونه في الوقت المحتمل للبلوغ، فلا عبرة بما ينفصل بصفته قبل ذلك، كما صرح به بعض الاساطين، بل في التذكرة " البلوغ منوط بخروج المني مع امكانه باستكمال تسع سنين مطلقا عند الشافعي، وعندنا في المرأة خاصة، وأما في جانب الذكر فما وقفت له على حد لاصحابنا - إلى ان قال - لان في النساء حدة في الطبيعة وتسارعا إلى الادراك " وفى المسالك " وحد الامكان عندنا في جانب القلة في الانثى تسع سنين، وأما في الذكر فما وقفت له على حد يعتد به - إلى أن قال - ولا يبعد أن يكون ما بعد العاشرة محتملا " ومقتضى كلامه الامتناع فيما دون العشر، وهو كذلك تمسكا بمقتضى العادة، وأما ما تجاوز العشر فالظاهر فيه الامكان، فيحكم بالبلوغ مع تحقق الاحتلام فيه، عملا بعموم الادلة فيما لم يثبت امتناعه، بل فيما دل على تحديد السن في الذكور بعشر سنين تنبيه عليه، وكذا ما دل على التفريق بينهم في المضاجع بعشر. نحو خبر القداح (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " يفرق بين الغلمان والنساء في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين " وخبره (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله " الصبى والصبية يفرق بينهم في المضاجع بعشر سنين " ويؤيد ذلك ما عن الابى في شرح النافع " كل رواية دلت على البلوغ فيما بين الخمسه عشر والعشر محمولة على ما إذا كان الغلام قد احتلم أو أنبت شعر العانة، توفيقا بين الروايات، ولان الاحتلام في تلك السنين قد يقع كثيرا، ولقد شاهدنا من احتلم في ثلاث عشر سنته واثنتي عشر سنته ". وقال بعض الافاضل " ينبغى القطع بالامكان في الثلاثه عشر فما فوقها لقضاء العادة بالاحتلام في ذلك غالبا ولما رواه المشايخ عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الاربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم ". (3)


(1 و 2) الوسائل الباب - 74 - من ابواب احكام الاولاد الحديث - 6 - 2. (3) الوسائل الباب - 14 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 3 -.

[ 14 ]

وعن عيسى بن زيد (1) عنه ايضا " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يثغر الصبي لسبع سنين، ويؤمر بالصلوة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لاربع عشرة " قلت على كل حال: لم يظهر له فائدة في الانثى بناء على عدم الحكم به الا بعد التسع ومع فرض العلم بها لم يحتج إليه نعم قد يقال: إن الفائدة تظهر في مجهولة السن، فانه إذا خرج المني منها حكم ببلوغها، وإن لم يعلم قدر سنها، وكذا في الغلام، ونظير ذلك قدمناه في باب الحيض، فلاحظ لكن عليه يكون خروج المني من الانثى دليلا على البلوغ كالحيض، لا بلوغا في نفسه، وهو خلاف كلمات الاصحاب فتأمل ثم لا يخفى عليك عدم العبرة بأوصاف المنى بعد العلم به، أما إذا اشتبه فالوجه الرجوع إليها، لاناطة الحكم بالجنابة ووجوب الغسل بها مع انتفاء العلم، والسبب فيها منحصر في الوطئ وانزال المني اتفاقا، فإذا انتفى الاول تعين الثاني، ويحتمل العدم لان اعتبارها فيهما لا يستلزم اعتبارها في البلوغ، لجواز تقدم الاسباب عليه، ولا يثبت بها، لكنه مبنى على امكان خروج المني قبل البلوغ، وفيه بحث بل منع، لان الظاهر عدم تكونه إلا حال وصول الطفل إلى حد البلوغ، كما يؤمئ إليه إطلاق ما دل على أن خروجه علامة البلوغ من النصوص السابقة وغيرها، ومن ذلك يعرف ما في الكلام السابق - من اعتبار الامكان في خروج المني احترازا من خروجه في غير زمن الامكان، كما إذا كان السن خمسا أو أربعا - من النظر والتأمل اللهم إلا أن يراد الحكم بكونه غير مني، وان جمع صفاته نحو الدم الخارج من الجارية قبل التسع، فإنه ليس بحيض وإن جمع وصفه، لا أن المراد عدم العبرة به وإن كان منيا ظاهرا وواقعا، حتى يستلزم إمكان خروجه من غير البالغ فتأمل والله اعلم. (و) كيف كان فلا خلاف بيننا في أنه (يشترك في هذين) العلامتين (الذكور والاناث) وقد عرفت الحال في الاولين وأما الثانية فقد نص على التسوية المزبورة غير واحد بل في التذكرة " الاحتلام خروج المني، وهو الماء الدافق الذي يخلق منه


(1) الوسائل الباب - 74 من ابواب احكام الاولاد الحديث - 5 - لكن عن أبى عبد الله عليه السلام بلا نسبة إلى امير المؤمنين (ع)

[ 15 ]

الولد، بلوغ في الرجل والمرأة عند علمائنا أجمع، ولا نعلم فيه خلافا في الذكور، وهو في النساء كذلك، وللشافعي، قول - بأن خروج المني من النسا لا يوجب بلوغهن لانه نادر فيهن - ساقط العبرة قال: وإطباق أكثر العلماء على خلاف هذا " وفى المسالك في شرح المتن " هذا عندنا وعند الاكثر موضع وفاق، " وإنما نبه به على خلاف الشافعي إلى أن قال - وفساده واضح ". قلت: قد يلوح - من الفقيه، ووصايا النهاية، وصوم المبسوط، وباب الاوصياء من المهذب، ونكاح الوسيلة، وخمسها، ونوادر القضاء من السرائر، موافقة الشافعي، أو يظهر، خصوصا في بعضها لكنم ما ذكره من الندره فيهن وانه لا يحصل إلا بعد العلم ببلوغ التسع جعل للاقتصار عليه في الرجال وجها وجيها، بل ولبعض النصوص المقتصر فيه على كونه علامة للرجال، بل الفقيه الماهر يقطع بكون النص والفتوى مبنيين عل يذلك، خصوصا بعد معروفية ذكر الحمل في كلامهم علامة على سبق البلوغ بالانزال، وخصوصا بعد تصريح الشيخ وابنى حمزة وادريس في مقام آخر بالاشتراك فاجماع التذكرة مما يشهد التتبع مع التأمل بصحته، فهو الحجة مضافا إلى عموم " وابتلوا " إلى آخره، و " لا يتم بعد احتلام " (2) واصاله الاشتراك في الاحكام ما لم يثبت خلافه، وما عرفت من أن البلوغ حال طبيعي ينبعث عنها ذلك من غير فرق بين الرجال والنساء، كما هو المشاهد في العرف، وإلى ما عن الشيخ والفاضل من أنهما استدلا عليه بما روي (3)، من أن أم سلمة " سألته عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال: إذا رأت ذلك فلتغتسل، " ولكنه مبنى على استفاده الفورية المقتضية لثبوت التكليف المشروط بالبلوغ، والا فسببية الاحتلام للغسل بناء على حصوله من الصغير لا ينافى عدم البلوغ حال وجود السبب، كما في الحدث الاصغر والامر سهل


(1) سورة النساء الاية - 6 -. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 9 -. (3) سنن البيهقى ج - 1 - ص - 127 -.

[ 16 ]

بعد قطعية الحكم، والله أعلم. (و) كذا يعلم البلوغ شرعا ان لم يكن عرفا (بالسن: وهو بلوغ خمس عشر سنة للذكر) على المشهور بنى الاصحاب في المقام شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، كما اعترف بذلك في المسالك، بل نقلها مستفيض أو متواتر كالاجماع صريحا وظاهرا على ما في مفتاح الكرامة حيث قال: " كادت تبلغ اجماعات المسألة: أثنى عشر اجماعا من صريح وظاهر ومشعر به، بل هو معلوم ". وربما يشهد له التتبع، بل ربما يزيد على ذلك مع اطلاق الاشعار لانه كما حكاه العلامة الطباطبائى عن صرحي الغنية، والظاهر كالنص عن الخلاف والتذكرة، وظاهر مجمع البيان، وكنز العرفان، وكنزل الفوائد، والمسالك، والمسالك الجوادية، وتلويح المنتهى، وكشف الرموز، وتلخيص الخلاف، ونقد الشرايع، وقضية انحصار المخالف في ابن الجنيد على ما يظهر من المختلف والمهذب البارع وشرح الشرايع وغوالى اللئالى، وهو مع أنه معلوم النسب لا يقدح في الاجماع، خصوصا مع ضعف مأخذه وشدة وهنه وشذوذه، على أنه لو تطرق المنع إلى الاجماع من خلافه وخلاف بعض متأخرى المتأخرين فلا ارتياب في تحققه فيما بينهما حيث ارتفع الخلاف من زمن ابن زهرة إلى زمن ثانى الشهيدين كما تشهد به تصانيفهم المضبوطة، بل قطع بعضهم بالحكم ولم يعتد بخلافه فحكى الاجماع بل نفى الخلاف. فلا ينبغى للفقيه التردد بعد ذلك في فساد قوله، بل وما حدث في هذه الازمنة المتأخرة خصوصا بعد ملاحظة غير ذلك من الادلة من الاستصحاب، فان الاصل عدم البلوغ والتكليف، وبقاء الحجر والولاية ما لم يعلم الناقل عنه، ولا يعلم إلا باكمال الخمسة عشر فيكون بلوغا دون ما قبله، ولا وجه للمناقشة في الاستصحاب هنا، بعد كون المطلوب منه إثبات الحكم، إذ المشتبه حكم السن المعلوم، لا اصل السن المعلوم الحكم، ضروره اقتضاء الاستصحاب فيه نفى الاكثر، فالموضوع والحكم هنا متعاكسان في الاستصحاب، فلو علم سن البلوغ ولم يعلم بلوغ ذلك السن فمقتضى الاستصحاب نفى الاكثر، بخلاف ما لو بلغ سنا، ولم يعلم أنه بلوغ فإن الاصل عدم البلوغ، كما

[ 17 ]

عرفت، ومقتضاه نفى الاقل. أللهم إلا أن يقال كما أومأنا إليه سابقا أن البلوغ شرعا هو بلوغ الحلم، فيكون حالة طبيعية مخصوصة في الانسان، بل مطلق الحيوان وجميع ما ذكر علامة له، فهو كاشف عن الوصول إليها حتى السن، فيكون المشتبه حينئذ الموضوع، والمنفي بالاستصحاب الاقل، إذا الاصل عدم بلوغ الحد الكاشف: لكنه خلاف ما عليه الاصحاب من أن السن بلوغ في الشرع، وإن كانت العلة فيه كشفه عن غيره، ومتى كان كذلك فالمشتبه الحكم دون الموضوع، وموضوعية البلوغ لبعض الاحكام لا ينافي كونه حكما، لان الحكم قد يكون موضوعا لحكم آخر، ولا استحاله في ذلك، مع اختلاف الجهة، ومثله كثير. فالاستصحاب بجميع وجوهه المذكورة حينئذ حجة في المسألة، وإن كان ألصقها بالمدعى، وأغناها عن الضمائم استصحاب عدم البلوغ، فإنه نفي صريح، والمطلوب منه عين المستصحب دون لازمه، والتمسك به لا يتوقف على ضميمة عدم القول بالفصل ونحوه، على أنه من الامور القارة الثابتة كغيره، وإضافته إلى ما يرجع إلى الزمان لا يخرجه عن القرار، فمعنى اصل عدم البلوغ أن الاصل عدم حضور زمان البلوغ، لا بقاء زمان عدم البلوغ، واستصحاب غير القار إنما يلزم لو أريد الثاني، دون الاول. وقد يتمسك باصل البراءة من التكليف على المطلوب، لا لكونه حادثا منفيا باصل العدم لرجوعه إلى الاستصحاب ولا للاصل الشرعي المستفاد من نحو قولهم (1) " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى " (2) و " الناس في سعة ما لم يعلموا " وغيرهما، فإن المفهوم من ذلك سقوط التكليف كما يظهر بالتدبر، بل لان التكليف فرع البيان وهو مفقود في محل النزاع، ودعوى - وجود البيان وهو الخطاب العام الصالح لكل مميز - يدفعها أنه مشروط بالبلوغ، ولم يثبت قبل اكمال الخمسة عشر اللهم، إلا أن


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب صفات القاضى الحديث - 60 -. (2) لم نقف على هذا النص عنه في مظانه والذى وقفنا عليه مما يوافقه في المعنى وان يحتمل اختصاصه بمورده وهى رواية السفره المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب اللقطة الحديث 1.

[ 18 ]

يمنع الشرطية على وجه ينافي الاستدلال بالعمومات في المجهول، وفيه بحث ذكرناه في غير المقام. والامر سهل بعد الغنية عن ذلك بما سمعته اولا، ومضافا إلى ظاهر الكتاب كقوله تعالى (1) " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " ضرورة دلالته بمفهومه على انتفاء الحكم بالدفع المشروط بإيناس الرشد بانتفاء بلوغ النكاح، فهو متناول لاسنان التمييز وحدود الابتلاء التى هي في الغالب من العشر إلى الخمسة عشرن وأحقها بالدخول سن الاحتلام، وتوقع بلوغ النكاح وهي من الثانيه عشر إلى السادسة عشر،، إلا أن الاجماع على خروجها، فيتعين كون الخمسة عشر هي البلوغ بحسب السن. وربما نوقش: بأن " إذا " قد تخر عن الظرفية فلا تكون شرطا، ومنه المقام فإن المراد وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغ النكاح، وحينئذ فلا دلالة فيها على الاشتراط المزبور، ويدفعه: بعد تسلم خروجها عن الظرفية أنه نادر جدا لا يحمل عليه التنزيل بل يقتضى انقطاع الابتلاء بالبلوغ، وليس كذلك كما ستعرف، لاستمراره إلى ظهور الرشد أو اليأس منه، بل ذلك مع ظهور كون المراد ايناس الرشد المسبب عن الابتلاء المأمور به السابق على البلوغ. ومقتضى ذلك الحجر على البالغ الرشيد إذا لم يونس منه رشد قبل البلوغ، وارتفاعه عمن لم يبلغ إذا أونس منه الرشد، لانتفاء الشرط في الاول ووجوده في الثاني، إذ المراد بالامر بالابتلاء إلى بلوغ النكاح حصوله قبله، لا استمراره إليه، لان الابتلاء متى وجد وتبين به الحال لم يتكرر، فالمرة تكفى في هذا الامر، ولو بنى الكلام في الشرط على خلاف الظاهر، فاما أن يراد به إيناس الرشد مطلقا، أو إيناسه بعد البلوغ، ويلزم على الاول جواز دفع المال إلى غير البالغ إذا ابتلى وأونس منه الرشد، وإهماله بدونه إلى أن يظهر الرشد بنفسه وإن طال الزمان وسهل الاختبار وأما الثاني فمع حصول المطلوب يلزمه جواز الاهمال، كما في الاول.


(1) سورة النساء الاية - 6 -.

[ 19 ]

فبان من ذلك كله أن " إذا " في الآية ظرف على الاصل فيه، وأن الكلام لا ينظم إلا به، والمعنى لا يستقيم بدونه فسقط احتمال خروجها عن الظرفية. نعم على الظرفيه يحتمل الخروج عن الشرطية بتقدير العامل، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح نظرتم، أو ابتلوهم حتى تنظروا في وقت بلوغهم النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم. وهذا وإن صح، وصح الاستدلال به، غير أنه يستدعى تقديرا في الكلام، وخروجا عن الظاهر في " إذا من تضمنها معنى الشرط في الغالب. ومن هنا قال الفاضل الطباطبائى: " الاصوب أن تكون إذا للشرط كما هو الاصل فيها، وجوابها مجموع الشرط والجزاء وهو قوله " فان آنستم " وحتى حرف ابتداء وغايتها مضمون الجمله التى بعدها، وهو دفع المال عقيب إيناس الرشد الواقع عقيب بلوغ النكاح، وإنما كان كذلك، لان دفع المال في الايه مشروط بايناس الرشد، فيكون مؤخرا عنه، وهذا الدفع المشروط بالايناس مشروط بالبلوغ فيكون المشروط بشرطه المتقدم عليه متأخرا عن البلوغ الذي هو شرط فيه، وترتب الشروط بحسب الوقوع، ترتيبها في الذكر فانها في الاية قد وقعت على التوالى، ولو تعاكست كان الشرط المتقدم في الذكر مؤخرا في الوجود، والمؤخر في الذكر مقدما في الوجود، فلو أردت نقل المضمون إليه قلت: " ادفعوا إليهم أموالهم إن رشدوا إن بلغوا " ولا يصح إن بلغوا إن رشدوا، لانه يقتضى أن يكون الرشد شرطا في البلوغ والامر بالعكس، ومن ثم لو قال قائل لله على نذر إن شربت إن أكلت، فأكل ثم شرب التزم، بخلاف ما لو شرب ثم اكل، ولو عكس انعكس ". قلت: هو جيد لكن قد يقال: المنساق من الاية أنهما معا شرطان مستقلان في الدفع، لا أن أحدهما شرط في الاخر كالمثال الذي ضربه فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالمناقشة المزبورة واضحة الدفع، كالمناقشة في أصل حجية مفهوم الشرط، وفي عمومه، وفى خصوص " إذا " من أدواته بل وغيرها مما هو ليس بعريق في الشرطية، بخلاف " إن " وبأنه لو سلم ذلك كله، فانما يقتضى المفهوم عدم وجوب

[ 20 ]

الدفع، لا حرمته، ضروره اندفاع الاولى، بل والثانيه بما حررناه في الاصول، والعرف أعدل شاهد به. والثالثة: بأنه لا فرق بين إن، وغيرها من أدوات الشرط، لابتناء العموم، على أن الاختصاص بمورد الشرط يقتضى الانتفاء في غيره فيعم، وليس الحكم في المنطوق بعموم الاثبات، ليكون المفهوم سلب العموم، بل بنفس الاثبات في محل النطق، و مفهومه السلب عما عداه، ويلزمه عموم السلب وهذا المعنى لا يتفاوت في الادوات كاصل المفهوم، وكلمات الاصحاب في الاصول والفروع شاهده بذلك، وأنه لا فرق بينها جميعها في ذلك كله. وأما الرابعة: فواضحة بناء على، المفهوم في الشرط النهى كما يقتضيه كلام بعضهم، ومال إليه العلامة الطباطبائى، وربما يشهد له العرف بل وإن لم نقل بذلك وكان المراد من الامر هنا رفع الحجر المفهوم من قوله (1) " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " إلى آخره بل وإن لم يكن المراد منه ذلك، لكن المقام منحصر بين الوجوب والحرمة إذ الخطاب للاولياء، والدفع إما أن يجب عليهم أو يحرم، ولا ثالث لهما، فتكون الحرمة حينئذ من لوازم عدم الوجوب هنا والله أعلم. وكذا المناقشة: بأن الاستدلال في الآية انما يتم لو أريد ببلوغ النكاح حصول الانزال، أو صلاحية خصوص الشخص لان ينزل بالوطى ونحوه، وهو غير متعين، لاحتمال كون المراد بلوغ وقت الصلاحية للنكاح صلاحية نوعيه وإنم تخلفت عن خصوص الشخص، وهذا المعنى حاصل فيمن كان سنة اربعة عشر وثلاثة عشر فلا دلالة في الاية على نفى البلوغ بهما. إذ يدفعها أولا: أن بلوغ النكاح عرفا هو أن يبلغ الصبى ويدرك، وهو غير بلوغ زمان النكاح، لصحة سلب الاول عمن ثبت له الثاني، واقل ما يصدق معه ذلك صلاحية الشخص لان ينكح، وأما مجرد القابلية النوعية فلا يتحقق معه الصدق عرفا. وثانيا: أنه لو أريد الزمان فالظاهر إرادة الوقت الذى يغلب فيه ذلك ويكثر


(1) سورة النساء الاية - 5 -.

[ 21 ]

والغلبة منتفيه فيما دون الخمسة عشر، فلا يتحقق به بلوغ النكاح، وإرادة التحقق في الجملة ولو على سبيل الندرة يقتضى صدق بلوغ النكاح بالاثنى عشر، بل بما دونه أيضا، بناء على أن ما فوق العشرة من زمان إمكان الاحتلام كما ستعرف، ودعوى إرادة ما تجاوز حد الوقوع ولم يبلغ الغلبة لا دليل عليها، بل هي تحكم محص كما هو واضح. وقد ظهر من ذلك كله أنه لا اشكال في دلالة الاية على المطلوب، بل منه ظهر دلالة قوله تعالى (1) أيضا " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم " بالتقريب السابق، فان بلوغ الحلم كبلوغ النكاح يعتبر في صدقه القابلية بحسب الشخص، بل فعليه الانزال إما مطلقا أو مع التقييد بالمنام كالاحتلام، أما القابلية النوعية ببلوغ السن الذى يتفق فيه ذلك فلا يصدق معها بلوغ الحلم إلا بتأويل أو تقدير، لتبادر الغير وصحة السلب، ونص أهل اللغة. فمن القاموس " الحلم بالضم والاحتلام: الجماع في النوم " والمصباح " حلم الصبى واحتلم: ادرك وبلغ مبالغ الرجال: فهو حالم ومحتمل " بل عنه أيضا " أدرك الغلام: بلغ الحلم، وبلغ الصبى احتلم وأدرك " والغريبين " أنه أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا، قال، أبو الهيثم أراد بالحالم كل من بلغ الحلم، حلم أو لم يحلم، ومنه الحديث " الغسل يوم الجمعة واجب على كل حالم " والمغرب " حلم الغلام احتلم حلما من باب طلب، والحالم المحتلم في الاصل، ثم عم فقيل لمن بلغ مبالغ الرجال حالم، وهو المراد في الحديث ". والنهاية " (2) اراد بالحالم في الحديث: من بلغ الحلم، وجرى عليه حكم الرجال، سواء احتلم أو لم يحتلم، ومنه الحديث الغسل إلى آخره، وفى رواية - على محتلم - أي بالغ مدرك " والظاهر إرادته من قوله وجرى عليه حكم الرجال: معنى بلغ مبلغ الرجال الذي عبر به غيره، بل لو كان المراد كل من جرى عليه الحكم


(1) سورة النور الاية - 59 -. (2) النهاية ج - 1 - ص 289 طبع مصر.

[ 22 ]

شرعا فالمقصود بيان المعنى المراد دون حقيقة اللفظ، فان الحقيقية اللغوية لا تثبت بالحكم الشرعي. أما ما عن الفايق في معنى الحديث قيل: المراد كل من بلغ وقت الحلم، حلم أو لم يحلم، فالظاهر أنه اراد بالقول ما تقدم، وهو ما حكاه الهروي عن أبي الهيثم، والمراد به وقت الادراك والبلوغ بالاحتلام وشبهه دون السن، فلا ينافي ما قلنا. وأما وجوب الاستيذان فانه وإن قل من تعرض له في كتب الفروع، ومن ثم لم يشتهر الحكم به بين الناس حتى صار كالشريعة المنسوخة، لكن عن التبيان، ومجمع البيان، وروض الجنان، وكنز العرفان، وآيات الاحكام، والمسالك الجوادية وقلائد الدرر، النص عليه. ويدل عليه مضافا إلى أمر الكتاب - الذي هو أحق الاوامر بالايجاب، وإطلاق النهى في قوله تعالى (1) " ولا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم " إلى آخره، وما في التهجم على المساكن المختصة من الاذية والخروج عن الاداب العقلية والشرعية صحيح ابن قيس (2) عن أبى جعفر عليه السلام " ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " إلى آخره ومن بلغ الحلم منكم فلا يلج على أمه ولا على أخته وابنته، ولا على من سوى ذلك إلا باذن " ونحوه خبر جراح المدايني (3) عن الصادق عليه السلام. وصحيح أبى أيوب (4) عنه أيضا " ويستأذن الرجل إذا دخل على أبيه، ولا يستأذن على الابن قال: ويستأذن الرجل على ابنته وأخته إذا كانتا متزوجتين " وخبر الحلبي (5)


(1) سورة النور الاية - 27 -. (2) الوسائل الباب - 121 - من ابواب مقدمات النكاح الحديث - 1 -. (3) الوسائل ذكر صدره في الباب - 119 -. وذيله في الباب 120 من ابواب مقدمات النكاح الحديث - 1 -. (4) الوسائل الباب - 120 - من ابواب النكاح الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 119 - من ابواب مقدمات النكاح

[ 23 ]

" قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يستأذن على أبيه ؟ فقال: نعم قد كنت أستاذن على أبى وليست أمي عنده، وإنما هي امرأة أبى، توفت أمي وأنا غلام، وقد يكون من خلوتهما ما لا أحب أن افجأهما عليه، ولا يحبان ذلك مني، والسلم أحسن وأصوب " بناء على ما هو الظاهر من كون السؤال عن الوجوب لا الجواز، فإنه لا يسأل عنه، والتعليل لا ينافيه، بل يؤكده. وخبر جابر (1) " عن أبى جعفر عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يريد فاطمة عليها السلام وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فرفعه، ثم قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة: عليك السلام يا رسول الله قال: أدخل قالت: أدخل يا رسول الله قال: أدخل أنا ومن معى، قالت: يا رسول الله ليس على قناع، قال: يا فاطمة خذي ملحفتك فقنعى بها رأسك ففعلت، ثم قال: السلام عليكم فقالت فاطمة عليها السلام: عليك السلام يا رسول الله قال جابر: فدخل رسول الله صلى الله عليه واله ودخلت فإذا وجه فاطمة اصفر كأنه بطن جرادة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: مالي أرى وجهك أصفر قالت يا رسول الله: الجوع فقال رسول الله: أللهم مشبع الجوعة دافع الصفرة اشبع فاطمة بنت محمد قال جابر: فوالله نظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها احمر فما جاعت بعد ذلك ". وعن مجمع البيان (2) " روى أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه واله استأذن على أمي فقال: نعم، قال إنها ليس لها خادم غيري أفأستاذن عليها كلما دخلت، قال: تحب أن تراها عريانة، قال الرجل لا، قال فاستأذن عليها " وعن الكشاف " وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته حييتم صباحا، وحييتم مساء، ثم يدخل فربما اصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الاحسن والاجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عدن النلاس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستيذان من ذلك بينما أنت في بيتك إذ رفع عليك الباب واحد


(1) الوسائل الباب 120 من ابواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2) المستدرك ج - 2 - ص 557 باختلاف يسير.

[ 24 ]

من غير استيذان ولا تحية من تحايا اسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما انزل الله فيه وما قال رسول الله صلى الله عليه واله ولكن اين الاذن الواعية ". وعنه ايضا في تفسير قوله " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " ما حاصله ان حكم الاطفال ذلك، فان خرجوا عن حد الطفوليه باحتلام أو بلوغ السن وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا على أن يستاذنوا في جميع الاوقات كالرجال الكبار الذين لم يعتدا الدخول عليكم إلا باذن، وهذا مما الناس في غفله عنه، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، إلى آخره إلى غير ذلك من النصوص المروية عند الفريقين، هذا كله حكم من بلغ الحلم. أما من لم يبلغه فلا يجب عليهم الاستيذان مطلقا، أما في غير العورات الثلاث فظاهر، للاصل ونص الكتاب والسنة، وأما فيها فلان إيجاب الاستيذان تكليف ولا - تكليف على غير البالغ، ولاشتراط الايجاب بالبلوغ، فينتفى بانتفائه مطلقا، عملا بعموم المفهوم، وعن التبيان أنه حكي عن الجبائى القول بوجوب الاستيذان على المميزين في الاوقات الثلاثة أخذا بظاهر الامر، قال قوم: في ذلك دلالة على انه يجوز أن يؤمر الصبى، لانه أمره بالاستيذان، والجميع كما ترى. ويدل على المطلوب ايضا بالتقريب السابق عموم الاحاديث الدالة على " رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم (1) " و " أن انقطاع يتم اليتيم الاحتلام " (2) كل ذلك مضافا إلى النصوص الدالة عليه بالخصوص فمنها النبوى المرسل في محكي الخلاف والتذكرة، " إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله، وما عليه، وأخذ منه الحدود ". والاخر (3) " أن عبد الله بن عمر عرض عليه عام بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فرده، وعرض عليه عام أحد وهو ابن اربع عشرة سنة فرده، ولم يره بالغا، وعرض عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه في المقاتلة " بل قيل: إن الثاني منهما


(1) و (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 11 - و - 9 - (3) سنن البيهقى ج - 6 - ص 55.

[ 25 ]

مشهور، ورواه جماعة من ارباب المغازى والسير ممن يوثق بنقلهم. وعن عيون الاثر " أن عمر بن عبد العزيز لما حدث به دعى كاتبه فقال: إعجل على كاتبا للامصار كلها، فإن رجالا يقدمون إلى يستفرضون لابنائهم وإخوانهم فانظروا من فرضت له فاسئلوهم عن اسنانهم، فمن كان منهم ابن خمس عشرة سنة فافرضوا له، واقضوا لهم في المقاتلة، ومن كان دون ذلك فافرضوا لهم في الذرية " (1). وفيه أنه صلى الله عليه واله عرض عليه يوم أحد اسامة بن زيد وزيد بن ثابت واستيذن ظهير فردهم، ثم اجازهم يوم الخندق، وهم ابناء خمس عشرة سنة، وأن من جمله من رد في ذلك اليوم البراء بن عازب وابو سعيد الخدرى وزيد بن ارقم. ومنها صحيح ابن محبوب (1) عن عبد العزيز العبدى عنن حمزة بن بحمران " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة ويقام عليه ويؤخذ بها فقال: إذا خرج عن اليتم وادرك، قلت: فلذلك حد يعرف ؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك أقيمت عليه الحدود التامة وأخذ بها، وأخذت له، قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة وتؤخذ بها وتؤخذ لها قال: إن الجارية ليست مثل الغلام، لان الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها الحدود التامة، وأخذ لها وبها، قال: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك ". وهو مع صراحته في المطلوب وانجباره بالشهرة العظيمة ومحكى الاجماع أو محصله لاقدح في سنده، إذ حمزة مع كونه من آل أعين المعلوم جلالتهم وعظم منزلتهم في الشيعة سديد الحديث كثير الرواية، قد روى عنه الاجلاء كعبد الله بن مسكان، وابن بكير، وابن ابى عمير والحسن بن محبوب، بل في بعض طرق كتابه صفوان بن يحيى وهم من اصحاب الاجماع.


(1) المصدر نفسه. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 2 -.

[ 26 ]

وما عن ظاهر النجاشي ورسالة أبى غالب الزرارى من أنه من اصحاب الصادق عليه السلام خاصه وربما يؤيده أن الخبر في الوسائل والوافي عن حمزة بن حمران عن حمران عن أبى جعفر عليه السلام - يدفعه تصريح غيره بأنه من اصحابهما معا وإن كان روايته عن الصادق عليه السلام أكثر وأشهر، فلا إرسال حينئذ في الخبر المزبور. وفي مصابيح العلامة الطباطبائى إن الذى وجدته في بعض النسخ المصححة من الكافي والتهذيب رواية حمزة بن حمران عنه عليه السلام وقد رواه في المستطرفات كذلك، كأنه الاصح، على أن حمران بن أعين أبو حمزة أجل من أن يتعرض لبيان حاله، فالروايه لا قدح فيها من هذه الجهه. نعم عبد العزيز لم ينص عليه بمدح ولا ذم، لكن روايه الحسن بن محبوب وخصوصا في كتاب المشيخة المعروف بالاعتماد قد يحصل منه الظن بعدالته، كل ذلك مضافا إلى الاعتضاد بما عرفت. ومنها حسن يزيد الكناسى أو صحيحه (1) عن أبى جعفر عليه السلام " قال: الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وزوجت واقيمت عليها الحدود التامة ولها، قال: قلت: الغلام إذا زوجه أبوه ودخل بأهله وهو غير مدرك ايقام عليه الحدود وهو على تلك الحال ؟ قال: فقال: أما الحدود الكاملة التى يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على مبغ سنة فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة، فلا تبطل حدود الله في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم. وحسنه الاخر أو صحيحه في حديث " قلت لابي جعفر عليه السلام أفيقام عليها الحدود وتؤخذ بها وهى في تلك الحال إنما لها تسع سنين ولم تدرك مدرك النساء في الحيض ؟ قال: نعم إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها، وأقيمت الحدود التامة عليها ولها، قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب عقد النكاح الحديث - 9 -.

[ 27 ]

الجارية ؟ فقال: يا أبا خالد إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان الخيار له إذا ادرك، وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أينبت في عانته قبل ذلك قلت: فان زوجه أبوه ودخل بها وهو غير مدرك ايقام عليه الحدود وهو في تلك الحال قال: أما الحدود الكاملة التى يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على قدر مبلغ سنة فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة " الحديث. ومنها صيحح ابن وهب (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام في كم يؤخذ الصبى بالصيام ؟ قال: فيما بينه وبين خمس عشرة سنة، واربع عشرة سنة، فإن هو صام قبل ذلك فدعه " بناء على ارادة معنى " أو " من الواو فيها بل عن النهايه روايته بها بل لابد من كون المراد ذلك لاستحالة الجمع هنا كما هو ظاهر، وحينئذ فمقتضى السياق والترديد كون ما تقدم عليهما وقتا للتمرين والاخذ على سبيل التأديب، فيكون البلوغ حينئذ بأحدهما ويمتنع أن يكون الاقل وإلا لم يكن الزمان المتوسط بينه وبين الاكثر تمرينيا، فيتعين كونه الاكثر، ولعل النكتة في الترديد التنبيه على الفرق بين المتوسط بينهما والمتقدم عليهما في التضييق وعدمه بالنسبة إلى التمرين فان الصبى يضيق عليه فيما بين الاربعة عشر والخمسة عشرة بخلاف ما تقدم من الزمان فانه لا يضيق عليه لبعده عن البلوغ ومنها صحيحه الآخر (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام في كم يؤخذ الصبى بالصلوة ؟ فقال: فيما بين سبع سنين وست سنين، قلت: وفى كم يؤخذ بالصيام ؟ قال: فيما بينه و بين خمس عشرة سنة واربع عشرة سنة فان هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته. " بالتقريب السابق. ومنها المروي في المحكى عن الخصال (3) باسناده عن العباس بن عامر عمن


(1) الوسائل الباب - 29 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث - 1 - (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب اعداد الفرائض الحديث - 1 -. (3) الوسائل الباب - 29 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث - 13.

[ 28 ]

ذكره عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: يؤدب الصبى على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ستة عشرة سنة ". ومنها مرسل المقنع (1) روى أن الغلام يؤخذ بالصيام ما بين أربعة عشر إلى ستة عشر سنه، إلا أن يقوى قبل ذلك، " وإرسالهما غير قادح بعد الانجبار بما عرفت وهما صريحان في المطلوب إذ المراد من الخمسة عشر نصا وفتوى ما هو المنساق منهما من اكمال العدد لا الدخول فيه، وبه صرح غير واحد بل نسبه جماعة إلى المشهور بل عن مجمع البيان، وظاهر التذكرة، والمسالك الجوادية، نسبته إلى أصحابنا بل عنهما وكنز الفوائد " أنه لا يكفى في البلوغ الطعن في الخامسة عشر عملا بالاستصحاب وفتوى الاصحاب " وزاد في الاولين " أن الاكتفاء به وجه للشافعية منشؤه توهم صدق اسم العدد بالدخول فيه ". وعلى كل حال فلا ريب في ان المفهوم من كلام الاصحاب اعتبار الاكمال وانه لا يكفى الدخول، وبذلك يتضح دلالة المرسلين المتقدمين، كما أنه اتضح لك قوة القول المشهور، وأنه يدل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، وقد يقال: والاجماع، إذ المسألة وإن كان قد يتوهم أنها سداسية الاقوال، الخمس عشر دخولا وكمالا، وكذا الاربع عشر، وكمال الثلاث عشر، والعشر، لكن التحقيق أنه ليس فيها إلا قولان، احدهما المشهور وهو كمال الخمس عشر، والثانى قول ابن الجنيد وهو كمال الاربع عشر اما القول بالدخول في الخمس عشر فلم نعرف القائل به. نعم عن الاردبيلى أنه حكاه عن بعض أصحابنا واختاره، وعن الكفاية موافقته في الحكايه دون الاختيار، لكن الظاهر انه وهم، وخصوصا بعد ما سمعت من التصريح بعدم الاكتفاء بالطعن فيها وانه لابد من إكمالها، اللهم إلا أن يكون النظر في هذا القول إلى قول ابن الجنيد بالاربع عشر بناء على ان العلم باكمالها لا يحصل إلا بالدخول فيما بعدها، لكن عليه يتحد هذا القول مع قول ابن الجنيد ضرورة كون اعتبار الدخول في الخمس عشر للعلم بحصول الحد، لا لاعتباره في أصل التحديد، وكان العدول


(1) المصدر نفسه الحديث 14.

[ 29 ]

في التعبير حينئذ للتنبيه على تأويل نصوص الخمس عشر بذلك وفيه حينئذ ما عرفت من عدم قابلية بعضها لذلك، وظهور الاجماع على خلافه، وأما الدخول في الاربع عشر فانه وإن كان قد يفهم من السيورين وابن فهد وابن ابي جمهور، أنه مذهب ابن الجنيد حيث استدلوا له بخبر ابن سنان (1) الذى هو نص في ذلك، لكن التحقيق خلافه، إذا الاصل في حكاية قول ابن الجنيد الفاضل في المختلف، والظاهر ما نقله ارادة الاكمال الذى هو المفهوم من العدد لغة وعرفا، وخصوصا مع اقترانه بالقول المشهور الذي قد عرفت كون المراد منه ذلك. وفي المصابيح وكان منشأ التوهم احتجاج الفاضل له بروايه الثمالى (2) المتضمنة لجريان الاحكام على الصبيان في ثلاث عشر واربع عشر ففهم السيورى منها تحديد البلوغ بالاخذ في الاربع عشر، وربما ساعده قول المصنف " وفى روايه من ثلاث عشر إلى اربع عشر مشيرا إلى هذه الرواية " كما هو الظاهر وانضم إليها روايه ابن سنان (3) المصرحة بهذين المعنين واحتج بهما لابن الجنيد بناء على ان الاحتجاج برواية الثمالى واقع في كلامه، كما توهمه عباره المختلف، وتبعه على ذلك ابن فهد، غير أنه أورد الحديث بلفظ المتن، ظنا منه أنه منقول باللفظ واقتفى اثرهما ابن ابى جمهور. ولا يخفى ما في ذلك كله من التساهل والتسامح، فان استندا ابن الجنيد إلى روايه الثمالى غير معلوم، وإن اوردها العلامة في المختلف حجة له، فإن من عادته فيه الاحتجاج للمذاهب بما يناسبها وان لم يستند إليه القائل، وعلى تقدير الاستناد فالمعنى الذي اشار إليه المحقق غير متعين في الحجة، لجواز ان يكون الوجه فيها الاخذ بأكثر العددين، نظرا إلى احتمال توهم الراوى، ويؤيده العطف " بأو " في بعض النسخ، وعلى التعيين فلا ينافي ذلك إراده الاكمال، لاحتمال أن يكون المراد انتهاء الاحتمال بانتهاء الاكثر، دون الطعن فيه، وعلى تقدير المنافاة فلا يتعين فيها


(1) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث 12 - 11. (2) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 3 -. (3) الوسائل الباب - 14 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 3 -.

[ 30 ]

الحمل على ما يطابق رواية ابن سنان، فانها محتملة لارادة البلوغ باكمال الثلاث عشر وهو خلاف البلوغ بالدخول في الرابعة عشر. وبالجملة فرواية الثمالى مضطربة اللفظ، محتمله المعنى، فلا يصح الحكم بمطابقتها لرواية ابن سنان، ولا يصح الاستناد إليها في تعيين مذهب ابن الجنيد وإن علم استناده إليها في القول المذكور، بل المتعين الرجوع في ذلك إلى ما يقتضيه الخلاف المحكى عنه في المسألة وقد عرفت أنه ظاهر في الاكمال بل صريح فيه هذا. ولكن في المدارك حكاية هذا القول من دون تعيين القائل، بل عن المجمع، وقلائد الدرر، نسبته إلى ظاهر الصدوق، بل زاد الاول نسبته إلى الشيخ في الاستبصار ومال إليه سيد المدارك بل عن بعض متأخرى المتأخرين اختياره، كما عن القاسانى تقويته، والاردبيلى احتماله تارة، وتقويته اخرى. وفيه أنه لم يتحقق نسبته إلى الصدوق والشيخ، بل لعل المتحقق منهما خلافه، فينحصر القائل حينئذ في بعض متأخرى المتأخرين، وهو مسبوق بالاجماع. وأما القول بالثلاث عشر ولن حكاه في المسالك قولا من دون تعيين، بل عن المجمع، والكفاية، نسبته إلى ظاهر الشيخ في كتابي الاخبار، بل عن الاول الظاهر أن غير الشيخ ذهب إلى ذلك ايضا، وعن الثاني بعد إيراد ما تضمن الثلاث عشر من النصوص، وهذه اخبار معتبرة، فالعمل بمقتضاها متجه، وظاهره القول به. لكن لا يخفى عليك أن مرجع هذا القول وسابقه إلى شئ واحد، لتوافقهما في الثمرة واتحادهما في الدليل، بل لا يبعد ان يكون المراد بالاول أن حد البلوغ إكمال الثلاث عشر، واعتبار الدخول في الاربع عشر، مقدمة للعلم نحو ما سمعته في الخمس عشر، والامر في ذلك هين. وإنما الكلام في اثبات هذا القول من اصله، فإنا لم نجد به قائلا معينا، وكلام متأخرى الاصحاب في حكاية هذا القول وتعيين المحكى عنه لا يخلو من تلجلج واضطراب. والمجتمع مما قالوا بعد رد بعضه إلى بعض نسبه القول به إلى ابن الجنيد،

[ 31 ]

وظاهر الشيخ والصدوق، وقد عرفت أن مذهب ابن الجنيد كمال الاربع عشر والشيخ موافق للمشهور، لنصه عليه في مواضع من كتبه، ونقله في الخلاف اجماع الفرقة عليه، وايراده نصوص الثلاث عشر في كتابي الاخبار مع كونه معارضا بمثله لا يقتضى ان يكون ذلك مذهبا له، وكذا إيراده حديث الثمالى في النهايه مضافا إلى ما فيه من الاجمال المانع من تعيين المذهبن وما يوهمه الاستبصار من الاخذ بحديث عمار مأول بالضرورة، لمخالفته الاجماع بل الضرورة. وأما الصدوق فقد أورد في الخصال والفقيه على ما قيل ما يناسب هذا القول، وما ينافيه وظاهر كلامه في صوم الفقيه موافقة المشهور، بل كلامه في المقنع يؤيد ذلك، مضافا إلى خلو الكتب المعدة لنقل الخلاف حتى النادر عن نسبه ذلك اليهما، بل ظاهر بعضها أو صريحه قصر الخلاف على ابن الجنيد. واما القول بالعشر فانه حكاه الخراساني من غير تعيين القائل، لكن لم نتحققه بل لم يحكه احد من اصحابنا غيره، بل ظاهر الكتب المعدة لذكر الخلاف الاجماع على عدمه، ولعل منشأ الوهم قول بعضهم بصحة بيعه ومضى تصرفه في الوصية، والعتق، وجواز مؤاخذته على الجنايه والسرقة والارتداد، ولكنك خبير بان شيأ من ذلك لا يقتضى البلوغ، وغايته ثبوت حكم البالغ لذي العشر في مواضع مخصوصة ورد بها النص. نعم جعل المصنف في النافع خبر العشر روايه في البلوغ، لكنه لم يعمل به والعامل به لم يجعله بلوغا، بل نص على خلافه، فلم يثبت للاصحاب قول بالعشر، كما أنه ظهر لك عدم قول في المسألة غير قول ابن الجنيد، وأن ما عداه بين ما لا اصل له، وبين ما استقر الاجماع على خلافه، ببل يمكن دعوى ذلك في قول ابن الجنيد، إذ هو وإن كان معروف الحكايه عنه إلا أنه قد استقر الاجماع بعده على خلافه. مضافا إلى ضعف ما ذكر دليلا له من خبر أبى حمزة (1) عن أبى جعفر عليه السلام " قلت له: جعلت فداك في كم تجري الاحكام فعلى الصبيان قال: في ثلاث عشرة واربع عشرة، قلت: فانه لم يحتلم فيها قال: وان كان لم يحتلم فإن الاحكام تجرى عليه "


(1) الوسائل الباب - 40 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 3 -.

[ 32 ]

وعموم ادله التكليف وصحة توجه الخطاب إلى المميزين عقلا، لوجود شرطيه العلم والقدرة خرج الاقل بالنص والاجماع، فيبقى ذو الاربع عشر، ولان نصوص الخمس عشر (1) محتملة للاخذ فيها، وللاكمال والبناء على الاول هو الموافق اللاحتياط في العبادة، وإن كان مخالفا له بالنسبة إلى ما يتعلق بالولي، ولان احوال البدن في الانسان مرتبة على الاسابيع، فيجب أن يكون بلوغه كذلك، وليس في الاسبوع الاول ولا الثالث قطعا فيكون الثاني وهو المطلوب. أما الاول فبالعقل والنقل، (اما الاول) فلما ذكره الاطباء من أن استكمال الانسان وتراجعه في السنين يشبه احوال القمر في استكماله وتراجعه في دوره، فان القمر يبدو هلالا ضعيفا ثم لا يزال يزداد إلى الليله السابعة، فيقوى ويشتد نوره ولا يزال في الاشتداد حتى يصير في الليلة الرابعة عشر بدرا كاملا، ثم يرجع فينقص شيئا فشيئا حتى يكون في الواحد والعشرين من الشهر كهيأته في السابع منه، ثم يزداد نقصه وخفاؤه إلى ان ينتهى إلى العدم والمحاق في الثمانية والعشرين، وهكذا الصبى إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى ان يتم له سبع سنين، فإذا تم له ذلك استبان فيه اثار القوة في العقل والبدن، ثم لا يزال يترقى إلى ان يتم له اربع عشرة سنة، فإذا دخل في السنة الخامسة عشر دخل في الاسبوع الثالث فهناك يكمل له العقل وتشتد قوته، وتتحرك فيه الشهوة، ثم لا يزال يترقى على هذه الحالة إلى السنة الحادية والعشرين ثم يدخل في الاسبوع الرابع وهو آخر اسابيع النشو والنماء، فإذا تم له ذلك باتمام السنة الثمانية والعشرين انتقل إلى سن الوقوف، وهو الزمان الذي يبلغ فيه اشده، وهو الاسبوع الخامس، ويمتد إلى ست وثلاثين سنه، ثم يبدو له الرجوع بعد ذلك ويكن عوده كبدئه. (واما الثاني) فلما رواه الصدوق في الفقيه (2) عن امير المؤمنين عليه السلام أنه قال


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 2 - والباب - 14 - من ابواب عقد البيع الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب 83 - من ابواب احكام الاولاد الحديث - 5.

[ 33 ]

يربى الصبى سبعا ويؤدب سبعا ويستخدم سبعا ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين وما كان بعد ذلك فبالتجارب ". وعن الصادق عليه السلام (1) دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدب سبع سنين، والزمه نفسك بسبع سنين، فان، افلح وإلا فانه مما لا خير فيه ". وخبر عيسى بن يزيد (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: ينتظر الصبي لسبع سنين، ويؤمر بالصلوة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر ويحتلم لاربع عشرة وينتهى طوله لاحدى وعشرين سنة، وينتهى عقله لثمان وعشرين إلا التجارب ". وفى الجميع ما لا يخفين إذ في الاول: مضافا إلى الطعن في سنده - بجهالة السندي بن ربيع، ويحيى بن المبارك، ووقف عبد الله بن جبله - يمكن منع دلالته على المطلوب، لاشتماله على الترديد المنافى للتعيين. وحمله على التقسيم أو الترديد من الراوى - لعلو مرتبة الامام عنه، فيجب البناء على الاكثر، فلاصل، ويثبت المطلوب - ليس باولى من ابقاء العطف على ظاهره وحمله على التمرين القابل من حيث استحبابه للدرجات، بخلاف الايجاب بل هو اولى بملاحظة ما سمعته من ادلة الخمس عشر كما هو واضح. وفى الثاني: أن البلوغ شرط ثالث مغاير للعلم والقدرة، وحصوله بالاربع عشر مشكوك فيه، فيشك حينئذ في التكليف المشروط به، على أن الاصل عدم الشرط مع الشك فيه كما هو المفروض، وبانتفائه ينتفى المشروط. والثالث: ما عرفت ممن عدم الاجمال في نصوص الخمس عشر لانها بين ما هو نص في الاكمال، وبين ما هو ظاهر فيه، ووجوب الاحتياط موقوف على التكليف، فلو توقف التكليف عليه دار، على ان الاحتياط في نفسه لا يقتضى الوجوب، مع عدم اشتغال الذمة بما يتوقف عليه كما نحن فيه، إذ ذمة الصبى خالية عن الشواغل.


(1) المصدر نفسه الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 10 - فيه يتغير بدل ينتظر.

[ 34 ]

والرابع: إنا نمنع اطراد الاسابيع في كل شئ حتى البلوغ بالمعين الذى يترتب عليه الاحكام الشرعية، والوجه العقلي مع كونه ظنيا لا يقتضيه، والنقلى مسوق لشئ آخر، فلا يقاس عليه البلوغ، وقوله عليه السلام (1) " يحتلم لاربع عشر " لا عموم له، وإنما المراد به الغلبة أو الامكان في ذلك الزمان دون ما قبله، فإن الاحتلام قد يتأخر عن المدة المذكورة. فظهر من ذلك كله أنه لا ينبغى للفقيه التوقف في المسألة، والقول بالثلاثة عشر مضافا إلى ما سمعته سابقا فيه، انما يشهد له موثق عمار (2) عن الصادق عليه السلام سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلوة، قال: إذا اتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلوة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن اتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك فقد وجب عليها الصلوة، وجرى عليها القلم ". وعبد الله بن سنان (3) عنه ايضا " سأله أبى وأنا حاضر عن قول الله تعالى حتى إذا بلغ أشده قال: الاحتلام، قال: فقال: يحتلم في ست عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها، فقال إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة * كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات وجاز امره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا ". وموثقه الاخر (4) عنه ايضا " إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة وعوقب وإذا بلغت الجارية تسع سنين كلفت، وذلك أنها تحيض لتسع سنين ". وصحيحه الاخر (5) عنه ايضا " إذا بلغ الغلام أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في


(1) الوسائل الباب - 74 - من ابواب احكام الاولاد الحديث - 5 -. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات. (3 - 4) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 8 - 12 - 11. * هكذا في الوسائل ولكن في التهذيب ج - 9 - (باب - 8 - وصية الصبى والمحجور الحديث - 6 - من بعد قوله: فقال إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة توجد هذه الجملة (ونحوها فقال: لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة... الخ).

[ 35 ]

الاربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين إحتمل أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئآت وكتب له الحسنات، وجاز له كل شئ إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها ". والاول مع كونه من قسم الموثق ومشتمل على ما اجمع الامامية على خلافه من عدم زياده بلوغ الجارية على العشر غير صالح لمعارضة ما تقدم من وجوه، وكذا ما بعده من النصوص التى هي في قوه خبر واحد باعتبار كون الاصل فيها عبد الله بن سنان، وأن التعدد إنما هو في الطريق إليه، ومع أنها عدا الاخير منها من قسم الموثق المعلوم حاله. والاخير مشتمل على الحسن بن على بن زياد الوشا، وعن ظاهر الاكثر عد حديثه من الحسن لا الصحيح، بل في المحكى عن المسالك التصريح بذلك، قال ووصفه بالصحة في كلام بعض الاصحاب يراد به الصحة الاضافية، دون الحقيقية مضافا إلى اختلاف الفاظ الحديث واضطراب متنه لانه على ما رواه الوشاء يقتضى توقف البلوغ على الدخول في الاربع عشر وهو خلاف المدعى وخلاف ما رواه غيره من البلوغ بالثلاثة عشر الذى هو غير البلوغ بالدخول في الاربع عشر، ولذا كان بلوغ الانثى بالتسع لا الدخول في العشر والصبى الخمس عشر لا الدخول في الستة عشر، هذا وان امكن دفعه بما سمعته سابقا من ان اعتبار الدخول للعلم، لا للبلوغ، إلا أن عدم معروفيته عن ذلك بمثله في نظائره واختلاف الفاظ الرواية مما يحصل به الارتياب في سلامة اللفظ المسموع من الامام عليه السلام. وعلى كل حال فلا ريب في قصورها عن معارضة ما تقدم من وجوه، واحتمال ترجيحها عليها بالمخالفة لجميع مذاهب العامة - بخلاف نصوص الخمس عشر الموافقة لمذهب الاوزاعي والشافعي، وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن، واحمد بن حنبل يدفعه استبعاد خفاء مثل ذلك على الاساطين، سيما مع معروفيه ما يقع منهم عليهم السلام تقيه بين خواصهم، حتى كان بعضهم يقول لبعض قد اعطاه من جراب النورة. بل يمكن دعوى القطع من الفقيه الممارس لكلماتهم العارف بلسانهم وما يلحنونه في اقوالهم بعدم صدور نصوص الخمس عشر مصدر التقية، على أن أكثرها عن الباقر

[ 36 ]

والصادق عليهما السلام، وزمان الباقر عليه السلام متقدم على زمان القائل بالخمس عشر من أهل الخلاف بل وكذا الصادق عليه السلام عدا الاوزاعي. لكن قيل الذى يظهر من تتبع الاخبار ان التقية منه ومن الباقر عليهما السلام من فقهاء الحجاز والعراق، دون الشام التى الاوزاعي منها، بل لم يكن بحيث يتقى منه، على ان في جملة من تلك النصوص تحديد بلوغ الانثى بالتسع، المخالف لما أجمع عليه العامة، وهو اقوى شاهد على عدم خروجها مخرج التقية التى لو بنى فيها الامر على الاحتمال كما اختاره بعض المحدثين، كان حمل خبر ابن سنان عليها أولى، باعتبار معروفيته عند العامة واتصاله بالمنصور، والمهدى، والهادي، والرشيد من خلفاء بنى عباس، وكثرة وقوع التقية من الصادق عليه السلام، بخلاف الباقر عليه السلام. فلا ريب في قصورها عن المعارضة لتلك النصوص المتعددة التى فيها الصحيح وغيره، الموافقة للاصل والعمومات، وظاهر الكتاب والسنة، ومحكى الاجماع والشهرة العظيمة، بل صحيح ابن وهب (1) منها صريح في نفى الثلاثة عشر لان اقصى ما يحتمل فيه وإن كان خلاف الظاهر تحقق البلوغ بالدخول في الخمس عشر، بناء على أن المراد من العددين فيه الاخذ فيهما، لاكمالهما، وهو غير مكافئ له سندا كما هو واضح بل ودلاله لاحتمال خبر الثلاث عشر تأكد الاستحباب، أو تحقق البلوغ بغير السن من الاسباب، أو غير ذلك. وإن أبيت فصناعة الفقه تقتضي طرحه في مقابلته، كطرح ما تضمن التحديد بخمسة اشبار في خبر السكوني (1) عن الصادق عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإن لم يكن بلغ خمسه اشبار قضى بالدية " أو تأويله بما يرجع إلى المشهور، والتحديد بثمان سنين في خبر سليمان بن حفص المروزى " قال إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره، ووجب عليه الفرائض والحدود


(1) الوسائل الباب - 36 - من ابواب قصاص النفس الحديث - 1 -. (2) المستدرك ج 1 ص 7.

[ 37 ]

وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك ". والموثق عن الحسن بن راشد (1) عن العسكري عليه السلام " إذا بلغ الغلام ثمان سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجب عليه الفرائض والحدود وإذا تم لجارية تسع فكذلك " المخالفين للاجماع كما عن الابى الاعتراف به. والتحديد بالعشر في خبر أبى ايوب الخزاز (2) " سألت اسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام ؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: ويجوز أمره قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله دخل بعايشة وهى ابنة عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته " المقطوع سنده، بل في طريقه العبيدي عن يونس، وفيه كلام وقد ورد بالعشر نصوص كثيرة في الوصية والعتق والوقف وغيرها. ولعل منها ما أشار إليه المصنف بقوله (وفي أخرى إذا بلغ عشر وكان بصيرا، أو بلغ خمسة أشبار جازت وصيته، واقتص منه، وأقيمت عليه الحدود الكاملة) وان كنا لم نعبر على اجتماع ذلك في رواية كما اعترف به في المسالك، قال: " أما رواية العشر في جواز الوصية فهى صحيحة، وفي معناها روايات، لانها لا تقتضي البلوغ، لجواز اختصاصه بهذا الحكم، ومن ثم لم يعمم، وأما بلوغ خمسة اشبار فهو في روايه اخرى، وإن كان المفهوم من العبارة أنهما في واحدة، ومعنى قولنا اقيمت عليه الحدود أنه لا ينقص منها شئ، لان الصبى إذا فعل ما يوجب الحد على غيره يؤدب بما لا يبلغ الحد، ولنا روايه (3) أخرى " أن الاحكام تجرى على الصبيان من ثلاث عشرة سنة واربع عشرة سنة وان لم يحتلم " وليس فيها تصريح بالبلوغ مع عدم صحة سندها، وهذه الرواية قدمها المصنف في النافع ثم عقبها بقوله وفى اخرين وهنا عبر بالاخرى من غير سبق روايه وليس بجيد.


(1) الوسائل الباب - 15 - من ابواب احكام الوقوف والصدقات الحديث - 4 -. (2) الوسائل الباب - 22 - من ابواب الشهادات الحديث - 3 -. (3) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 3 -.

[ 38 ]

قلت: الامر في ذلك كله سهل بعد ان لم يكن في شئ من نصوص العشر المتفرقة في الابواب ما يدل على كون العشر بلوغا، وغايتها ارتفاع الحجر بها عن الصبى في تلك الامور المخصوصة، وبعضها كالصريح في ذلك والاصحاب بين عامل بمضمونها في تلك الموارد وبين راد لها في الجميع، وبين مفصل فاجاز وصيته، لصحة الاخبار الواردة فيها، ومنع فيما عدا ذلك. وأما حصول البلوغ الذى هو مناط التكليف بالعشر فلم نعرف قائلا به نعم ارسله في الكفايه كما سمعت، ولم نتحققه، بل مقتضى اسناد بعض الاصحاب له إلى الرواية، عدمه، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه لقصورها عن المعارضة من وجوه، بل النص مستفيضة في عدم حصوله بالعشر. ففي صحيح ابى بصير (1) عن الصادق عليه السلام " في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة بجلد الغلام دون الحد، وتجلد المرأة الحد كاملا، قيل له وإن كانت محصنة قال: لا ترجم لان الذي نكحها ليس بمدرك ". والحلبي (2) قلت لابي عبد الله عليه السلام: " الغلام له عشر سنين فيزوجه ابوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين ؟ فقال: أما التزويج فصحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك، فيعلم أنه كان طلق امرأته ". وصحيح صفوان (3) عن اسحاق بن عمار قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن ابن عشر سنين أيحج ؟ قال: عليه حجة الاسلام إذا احتلم، وكذا الجارية عليها الحج إذا طمثت " ونحوه غيره إلى غير ذلك من النصوص، فلا إشكال في المسألة بحمد الله من هذه الجهة، بل ولا من غيرها كما بان لك ذلك مفصلا هذا كله في الذكر. (و) أما (الانثى) فبلوغها كمال (تسع) على المشهور بين الاصحاب، بل هو الذى استقر عليه المذهب، خلافا للشيخ في صوم المبسوط، وابن حمزة في خمس الوسيلة فبالعشر إلا أن الشيخ قد رجع عنه في كتاب الحجر، فوافق المشهور وكذا الثاني في


(1) الوسائل الباب - 9 - من ابواب حد الزنا الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب ميراث الازواج الحديث - 4 -. (3) الوسائل الباب - 12 - من ابواب وجوب الحج وشرائطه.

[ 39 ]

كتاب النكاح منها بل قدير شد ذلك منهما إلى ارادة توقف العلم بكمال التسع على الدخول في العشر. وعلى كل حال فيمكن بعد رجوع المخالف دعوى تحصيل الاجماع كما وقع عمن بعضهم بل في السرائر بعد أن حكى عن صوم المبسوط ما سمعت، وعن نهايته التسع قال: " وهو الصحيح الظاهر من المذهب، لانه لا خلاف بينهم أن حد بلوغ المرأة تسع سنين، فإذا بلغتها وكانت رشيدة سلم الوصي إليها وهو بلوغها الوقت الذي يصح أن تعقد على نفسها عقده النكاح، ويحل للبعل الدخول بها بغير خلاف بين الشيعة الاثنى عشرية ". ويدل عليه مضافا إلى ذلك والى ما تقدم من خبري ابن بحمران (1) ويزيد الكناسى (2) وموثقى عبد الله بن سنان (3) والحسن بن راشد (4)، ومرسل الفقيه (5) قال " أبو عبد الله عليه إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأقيمت الحدود التامة لها وعليها "، والنصوص (6) الداله عل جواز الدخول بالجارية إذا بلغت تسعا، وأنها تحيض لتسع (7) وهى كثيرة. وأما البلوغ بالعشر فقد رواه الشيخ مرسلا ولم اجد به رواية مسندة نعم ربما يستدل له برواية غياث بن ابراهيم (8) عن الصادق عليه السلام " أن امير المؤمنين عليه السلام قال:


(1) الوسائل الباب 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 2 - والباب - 2 - من ابواب الحجر الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 3 -. (3) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 -. (4) الوسائل الباب 15 من ابواب احكام الوقوف والصدقات - 4 -. (5) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 4 -. (6) الوسائل الباب - 45 - من ابواب مقدمات النكاح. (7) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 - والباب 2 و - 3 - من ابواب العدد الحديث 4 و 5. (8) الوسائل الباب - 45 - من ابواب مقدمات النكاح الحديث - 7 -.

[ 40 ]

لا توطئ جارية لاقل من عشر سنين، قال: فإن فعل فعيبت ضمن " لكنها كما ترى مع انها ضعيفة السند - بينة الشذوذ معارضة بالروايات المستفيضة الدالة على جواز الدخول بالجارية لتسع، بل عن النبي صلى الله عليه واله (1) " أنه دخل بعايشة قبل تجاوز التسع " غير صريحة في تحديد البلوغ بالعشرة لجواز استناد المنع فيها إلى امر آخر، غير عدم البلوغ، فليس للفقيه محيص عن المشهور، كما هو واضح،. وعلى كل حال فالمراد بالسنة فيها - وفى الذكر هنا بل وفى غيره من التحديدات القمرية، لانه المعهود من الشرع والمعروف عند العرب، وقد قال الله تعالى (2) " إن عدة الشهور عند الله أثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات " وقال (3) " هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " وقال: (4) " يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج ". وعلى هذا فيعتبر في الذكر مضى اربع عشرة سنة وأحد عشر شهرا هلاليا في السنة الاولى، ويكمل الشهر الاول منها من السادسة عشر سنين يوما إن كان تاما وإلا ففي تكملته ثلاثين كالاول، أو بقدر ما فات منه تم أو نقص احتمالان: أظهرهما عند بعض الاساطين الاول، وكذا الكلام في الانثى، وربما قيل بانكسار الشهور والسنين كلها بانكسار الشهر الاول فيبطل اعتبار الاهلة ويرجع إلى العدد في الجميع وهو ضعيف. والظاهر انتفاء القول هنا وإن قيل بمثله في غيره وقد تقمد لنا شطر صالح من الكلام في ذلك فلاحظ وتأمل هذا. ولا يخفى ان تحديد البلوغ بالسن كغيره من التحديدات أمر واحد، غير مختلف بالقياس إلى انواع التكاليف لما عرفت من أن البلوغ مرتبة خاصة في جميع افراد الحيوان فضلا عن الانسان - لاجماع العلماء وللنصوص الكثرة الواردة في التحديد على اختلافها


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث. (2) سورة التوبة الاية 36. (3) سورة يونس الاية - 5. (4) سورة البقرة الاية 189.

[ 41 ]

فيه، إلا أنها متفقة في عدم الاختلاف المزبور. بل خبر عبد الله بن سنان (1) منها - الذي قواه المتأخرون، ومال إلى الاخذ به الفاضل المذكور ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وكذا حديث الثمالى (2) وخبر حمزة بن حمران (3) بل النبوى صريح في ذلك. وفى المروى عن قرب الاسناد عن على بن المفضل (4) " أنه كتب إلى ابى الحسن عليه السلام ما حد البلوغ ؟ قال: ما أوجب على المؤمنين الحدود " وبه يظهر العموم في خبر يزيد الكناسى (5) حيث دل على ان الحدود لا تثبت للغلام قبل بلوغ الخمس عشر، فما تفرد به الفاضل الكاشانى - من أن التحديد بالسن مختلف في التكليفات، وأن الحد في كل شئ هو التحديد الوارد فيه، ظنا منه أن التوفيق بين النصوص الواردة في السن إنما يحصل بذلك - واضح الفساد، لمخالفته اجماع الامامية بل المسلمين كافة، فان العلماء مع اختلافهم في حد البلوغ بالسن مجمعون على أن البلوغ الرافع للحجر هو الذى يثبت به التكليف، وأن الذى يثبت به التكليف في العبادات هو الذي يثبت به التكليف في غيرها، وأنه لا فرق بين الصلاه وغيرها من العبادات، فيه. بل هو أمر ظاهر في الشريعه، معلوم من طريقه فقهاء الفريقين، وعمل المسلمين في الاعصار والامصار من غير نكير، ولم يسمع من أحد منهم تقسيم الصبيان بحسب اختلاف مراتب السن، بأن يكون بعضهم بالغا في الصلاه مثلا غير بالغ في الزكاة، أو بالغا في العبادت دون المعاملات، أو البغا فيها غير بالغ في الحدود، وما ذاك إلا لكون البلوغ بالسن امرا متحدا غير قابل للتجزية والتنويع، على ان في جملة من نصوص المقام خبري المروزى (6) وابن راشد (7) المصرحين بوجوب الفرائض والحدود على


(1) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 - (2) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 3 - (3) (4) (5) الوسائل الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث - 2 - 7 - 3 - (6) المستدرك ج - 1 - ص 7. (7) الوسائل الباب - 15 - من ابواب احكام الوقوف والصدقات الحديث - 4 -

[ 42 ]

الغلام باكمال الثمان والتوفيق بينهما وبين التحديدات غير ممكن. وكذا ما ورد في الوجوب على ذي ست، وعدم الوجوب على من لم يبلغ ثلاث عشرة سنة أو اربع عشر، وما دل على وجوب الصوم على الجارية بالتسع، وما دل على عدمه عليها إلا بالثلاث عشر. وبالجملة فالنصوص مختلفة اختلافا لا يرجى جمعه بنحو ذلك، وإنما الواجب النظر في اخبار المسألة بالنسبة إلى المكافأة وعدمها، ثم الاخذ بالراجح، وترك المرجوح أو تأويل ما يمكن فيه منه بالحمل على التمرين والتأديب، أو غير ذلك، كما فعله الاصحاب، قد بان لك بحمد الله الراجح منها والمرجوح، والله أعلم بحقيقة الحال، هذا كله في السن والانبات والانزال. (أما الحمل والحيض فليسا بلوغا في حق النساء) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل نفاه عنه غير واحدة من دون استثناء، ففي المسالك " لا خلاف في كون الحيض والحمل دليلين على البلوغ، كما لا خلاف في كونهما بلوغا بأنفسهما " بل هو ظاهر العلامة في التذكره والتحرير حيث نفى الخلاف في كون الحيض دليلا على البلوغ والدليل في كلامهم هنا خلاف السبب، لكن في المبسوط أن البلوغ يحصل بثلاثة الاحتلام، والحيض، والسن ثم قال: والحمل دلالة على البلوغ، وكذا الانبات على، خلاف فيه، وظاهره كون الحيض بلوغا دليلا على سبقه، ومثله ما في الوسيلة لكن يمكن أن يريدا بذلك عدم دلالته على السبق بزمان يسع التكليف، لجواز اتصاله بالسن، ووقوعه بعد كمال التسع بلا فصل، فيكون كالسبب في البلوغ، لا بمعنى جواز التعمد عليه فإن امتناعه مقطوع به في كلام الاصحاب، كما أنه يمكن اراده ثانى الشهيدين من العبارة السابقة أنه لا خلاف في كون الحمل والحيض دليلين على سبق البلوغ كما لا خلاف في كون هذين الامرين المكذورين في المتن المفهومين ضمنا من دلاله الحمل والحيض على السبق بلوغا في انفسهما، ويمكن ارجاع الضمير إلى الحمل والحيض على معنى اراده تعليق احكام البلوغ عليهما في الشرع، وإن كانا كاشفين عنه حقيقه.

[ 43 ]

ففي خبر عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق عليه السلام " ثلاث يتزوجن على كل حال، وعد منها التى لم تحض ومثلها لا تحيض، قلت: وما حدها قال: إذا أتى لها اقل من تسع سنين ". وروايته الاخرى (2) عنه ايضا " ثلاث يتزوجن على كل حال وذكر من جملتها التى لم تحض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: ومتى يكون كذلك قال ما لم تبلغ تسع سنين، فانها لا تحيض ومثلها لا تحيض ". ورواية عبد الله بن عمر قلت لاحدهما: الجارية يشتريها الرجل وهى لم تدرك أو قد يئست من المحيض ؟ قا ل: لا باس بأن لا يستبرءها ". وموثق عبد الله بن سنان إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنها تحيض لتسع سنين. وخبر يونس بن يعقوب أنه سال أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى في ثوب واحد ؟ قال: نعم، قلت: فالمرأة قال: لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار، إلا أن لا تجده " وغيرها من النصوص المعلقة لاحكام البلوغ على الحيض. أما الحمل فقد يدل عليه الحسن كالصحيح (4) " عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: في رجل ابتاع جارية ولم تطمث قال: إن كانت صغيره لا يتخوف عليها الحبل فليس عليها عده، وليطأها إن شاء وإن كانت قد بلغت ولم تطمث فإن عليها العدة ".


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب العدد الحديث - 4 -. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العدد الحديث - 5 -. (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب بيع الحيوان الحديث - 1 -. (4) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 -. (5) الوسائل الباب - 28 - من ابواب لباس المصلى الحديث - 4 -. (6) الوسائل الباب - 3 - من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 1 -

[ 44 ]

ومرسل جميل (1) عن احدهما عليهما السلام " في الرجل يطلق الصبية التى لم تبلغ ولا يحمل مثلها وقد كان دخل بها، والمرأة التى قد يئست من المحيض وارتفع حيضها ولا يلد مثلها ؟ قال: ليس عليهما عده وإن دخل بهما ". وموثق محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر عليه السلام " قال: " التى تحبل مثلها لا عدة عليها ". وخبر منصور بن حازم سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الجارية لا يخاف عليها الحبل قال: ليس عليها عدة ". وخبر ابن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام ايضا " في الجارية التى لم تطمث ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل قال: ليس عليها عده يقع عليها ". بل قد يشهد لذلك ايضا فحوى الاخبار المستفيضه المتضمنة لنفى العدة عن الصغيرة والتى لم تبلغ المحيض، فإن الوجه في انتفاء العده في مثلها على ما يستفاد من النصوص عدم الاتسرابه بالحمل في مثلها، ومقتضى ذلك خروجها عن حد الصغر بامكان الحمل، فخروجها عنه بتحققه أولى. وعلى كل حال فقد بان لك مما ذكرنا عدم كونهما بلوغا بانفسهما (بل قد يكونان دليلين على سبق البلوغ) في مثل المجهول حالها، بأن يكون الحيض منها كاشفا عن حصول العدد لها، فلا يرد أن الدم الذى تراه قبل التسع ليس بحيض، وبعدها يكون بلوغها السن، فلا اثر للحيض في الدلالة، إذ الجواب ما أومأنا إليه من ظهور القاعدة في مجهولة السن، فإن بلوغها يعرف بالحيض، لدلالته على السن الدال عليه، لا بالسن، لفرض جهالته. نعم يعتبر فيه معلومية كونه حيضا من الصفة أو غيرها، ولا يكفى هنا ما اشتهر بين الفقهاء من قاعده الامكان، إذ هو المشروط ببلوغ الستع كما صرحوا به، والفرض


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب العدد الحديث - 3 -. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب العدد الحديث - 2 -. (3 و 5) الوسائل الباب - 3 - من ابواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 3 -. (4) الوسائل الباب - 2 - من ابواب العدد.

[ 45 ]

في المقام الاشتباه. ومن هنا قال في التذكرة: " لو اشتبه الخارج أنه حيض أم لا لم يحكم بالبلوغ، ولا يحكم إلا مع اليقين عملا بالاستصحاب " وهو كذلك ومعه يسقط اعتبار الصفة، فإنها إنما تعتبر في صوره الشك. وأما دلالة الحمل على السبق فباعتبار قضاء العاده بتقدم الحيض، وباعتبار كونه مسبوقا بالانزال الذى قد عرفت سببيته للبلوغ، لان تكون الولد إنما يكون من اختلاط مجموع المائين، وهو المراد من الامشاج في الايه الكريمة (1) على ما هو المشهور بين المفسرين كإرادة صلب الرجل وترائب المرأة من قوله تعالى (2) " يخرج من بين الصلب والترائب " لا صلب الرجل وترائبه، ولا أن المراد بالامشاج الاخلاط من الطبايع التى تكون في الانسان من الحراره والبروده والرطوبة واليبوسة، ولا الاطوار والشؤون، ولا الاختلاط من مني الرجل وحيض المرأة، مع أنه على الاخير يتم المطلوب ايضا. وما ذكرناه في الايتين هو المروى عن ابن عباس بل هو موافق للنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه والائمة عليه السلام على ان خلق الولد من المائين وأن ماء الرجل ابيض غليظ، وماء المراة اصفر رفيق، وأن العظم والعصب والعروق من نطقة الرجل والشعر والجلد واللحم من نطفة المراة، وأن الذكورة والانوثة والشبه بالاعمام والاخوال من تسابق المائين، وعلو أحدهما على سابقه روى ذلك الصدوق، والراوندي، والطبرسي، في المحكى عن العلل، والقصص، والمجمع والاحتجاج. وما عن الحكماء والاطباء من الاختلاف في منى المرأة فعن ارسطو واتباعه أنه لا منى لها وانما ينفصل عنها رطوبة شبيهة بالمني إذا امتزج بها مني الرجل تولد منها مادة الجنين، وذلك لوجود القوة العاقدة في مني الرجل والمنعقدة في رطوبة المرأة.


(1) سورة الدهر الاية - 2 -. (2) سورة الطارق الاية - 6 -.

[ 46 ]

وعن جالينوس واكثر الاطباء ان للمرأة منيا كالرجل، وفي كل منهما قوة عاقدة ومنعقده، لكن مني الذكر أشد واقوى في الفعل والتاثير من مني الانثى، وعن الحكماء أن مبدء التصوير في مني الرجل، ومبدء التأثير والتصور في منى المرأة، وإنما المني إنما يقال عليهما بمحض اشتراك الاسم، والا فمنى الرجل حار نضيج ثخين، ومنى المرأة جنس من دم الطمث وإنما حصل به استحالة يسيرة، لا يبعد به عن الدم بعد منى الرجل منه، ولذا يسمونه طمثا لا منيا. وعن بعض المحققين ان المني عند الحكماء وهو الماء الجامع لبياض اللون ورائحة الطلع، والدفق واللذة والقوة العاقدة غير قادح في شئ مما ذكرنا، ضروره كون النزاع بين الفريقين لفظيا، وأن الاتفاق منهما واقع على أن تكون الولد من مجموع المائين، والعبرة في التسميه بالعرف واللغة ورطوبه المرأة تسمى منيا فيهما، و خروجها عنه باصطلاح الحكماء لا يقدح في ثبوت الحكم الشرعي المنوط بغيره، كما هو واضح. وعلى كل حال ففي التذكرة والقواعد والمسالك " أن دلالة الحمل على البلوغ منوطه بالوضع، لعدم العلم بتحققه بدونه، فبعد الوضع يحكم بالبلوغ قبله ". قلت الاجود إناطة الحكم بالعلم في اصل الحمل، وابتدائه فلو علم به قبل الوضع حكم بالبلوغ، وكذلك لو علم بكونه لاكثر من ستة اشهر حكم به، فلما يحتمل النقص عنه، ولا فرق في دلالة الحمل على البلوغ بين ان يكون الولد تاما أو غير تام، إذا علم أنه مبدء نشو آدمى، كما في العلقة والمضغة، ويسقط اعتبار الستة أشهر هنا. وللرجوع إلى الاربعين كما دلت عليه الروايات في مراتب النشو وجه وجيه. ثم لا يخفى عليك أن الحاجة إلى هذه العلامة فيما إذا تحقق الحمل للمرأة من غير إحساس بالانزال، فلو أحسست به حصل لها العلم بالبلوغ بذلك وجرى عليها القلم، وإن توقف الحكم به ظاهرا على ظهور الحمل، أو تحقق الوضع والله هو العالم بحقية الحال. (تفريع: الخنثى المشكل) بناء على الانحصار في الرجل والمرأة، وأنه

[ 47 ]

لا قسم ثالث إن نبت شعره الخشن حول الفرجين أو بلغ سنه الخمس عشر (لو خرج منيه من الفرجين) أو أمنى من فرج الذكر بعد مضي تسع، وإمكان الامناء من الذكر (حكم ببلوغه) بلا خلاف أجده بيننا (و) لا إشكال ضرورة حصول سبب البلوغ في الفرضين، إن كان رجلا أو امرأة. نعم (لو خرج) منيه (من أحدهما يحكم به) بناء على اعتبار اعتياد المخرج في الدلالة على البلوغ، لجواز كون ذلك الفرج زائدا، فلا يكون معتادا أما لو صار ذلك معتادا أو قلنا بدلالة خروج المني مطلقا على البلوغ، اتجه الدلالة هذا. وفى المسالك بعد أن حكم بعدم الدلالة قال: " ومثله ما لو حاض من فرج النساء خاصة هذا هو الذى اختاره أكثر العلماء ولبعض العامة قول بان ذلك كاف في البلوغ لان خروج المنى من فرج الذكر يحكم بكونه ذكرا، كما يحكم به لو خرج البول منه خاصة، وكذا القول في الحيض والمني من فرج الانثى، ولان خروج مني الرجل من المرأة والحيض من الرجل مستحيل، وكان دليلا على التعيين، ومتى ثبت التعيين كان دليلا على البلوغ، ولان خروجهما معا دليل البلوغ، فخروج احدهما أولى، لان خروجهما يفضى إلى تعارضهما، واسقاط دلالتهما إذ لا يتصور حيض صحيح ومني رجل، ونفى في التذكرة البأس عن هذا القول وهو في محله نعم لو صار ذلك معتادا قويت الدلالة ". قلت لا ينبغي التأمل في دلالة الحيض، بعد فرض العلم بكونه حيضا، لا أنه بصفاته وان احتمل كونه غير حيض على التعيين، وعلى البلوغ، كما أنه لا ينبغي التأمل في دلالة المني الخارج من الفرج بعد العلم بكونه منيا عليهما ايضا، إذا كان خروجه في زمان عدم امكان خروجه من الذكر، لاستحالة ذلك من غير الانثى كما هو واضح. أما لو كانا بالصفة مع احتمالهما غيرهما، فالمتجه ما هو المشهور من عدم الدلالة على احدهما، لما عرفت، وقياسه على البول مع أنه منصوص هو مع الفارق، ضرورة كون المفروض انهما بالصفات، وإن لم يقطع بكونهما حيضا أو منيا، ودعوى ان

[ 48 ]

الصفات مما نورث العلم ظاهرة الفساد، وإلا لم يمكن فرض التعارض فيهما في المسألة التى ذكرها المصنف وغيره بقوله. (ولو حاض من فرج الاناث وأمنى من فرج الذكور حكم ببلوغه) على المشهور بين الاصحاب، نقلا إن لم يكن محصلا، بل في المسالك " أن دلالة ذلك عليه واضحة، لانه إما ذكر فقد أمنى، وإما انثى فقد حاضت " وللعامة قول بعدم ثبوت البلوغ بذلك، لتعارض الخارجين واسقاط كل واحد منهما الاخر، ولهذا لا يحكم والحال هذه بالذكورة ولا بالانوثة، فيبطل دلالتهما كالبينتين إذا تعارضتا، بل في المسالك " هو وجه في المسالة ". قلت: هو مع أنه مناف للوضوح الذى ادعاه سابقا اللهم إلا أن يريد بالوجه مطلق الاحتمال وان كان واضح الضعف تعارضهما بالنسبة إلى الدلالة على الذكورة أو الانوثة لا يقضي به بالنسبة إلى البلوغ، ضرورة عدم التلازم بينهما كما هو واضح والله أعلم. (الوصف الثاني) الذي يتوقف عليه رفع الحجر (الرشد) في المال بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل الكتاب والسنة دالة عليه ايضا، والمرجع فيه العرف كما في غيره من الالفاظ التى لا حقيقة شرعية لها، ولا لغوية مخالفة للعرف، وما عن الكشاف من أن الرشد الهداية، والقاموس الاهتداء، والنهاية والصحاح خلاف الغي، المفسر فيهما بالضلال لا ينافي ما ذكره الاصحاب في المقام، إذ هو بالنسبة إلى خصوص المال، ولو سلم فالعرف مقدم على اللغة عندنا، كما حررناه في محله. (و) على كل حال ف‍ (هو أن يكون مصلحا لماله) وقد قيل: إنه طفحت به عباراتهم، بل عن التنقيح " أنه لا شك فيه عند العرف " ومجمع البرهان " هو الظاهر المتبادر منه عرفا، وأنه هو الذي ذكره الاصحاب " وعن مجمع البيان " أنه العقل وإصلاح المال وهو المروي عن الباقر عليه السلام " (1) وعن مجمع البحرين عن الصادق عليه السلام (2) في تفسير الايه أنه حفظ المال ". ولعل مرجع الجميع إلى شئ واحد، وهو ما صدق عليه عرفا أنه رشد


(1) (2) الوسائل الباب - 45 - من بواب احكام الوصايا الحديث - 7 - - 6 -.

[ 49 ]

بالنسبة إلى المال، إلا أن قاعدتهم في مثل هذه الالفاظ الراجعة إلى العرف عدم التحديد التام، إتكالا عليه، بل ربما لا ينافي في بعض المقامات تحديده على الوجه التام، ومن هنا قد عرفت تفسيره بما سمعت، وفى القواعد وعن غيرها أنه كيفية نفسانية تمنع من افساد المال، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بافعال العقلاء، وكثير منهم ممن فسره بالاصلاح قد اخذ الملكة فيه في مقام آخر، وجميع ذلك عند التأمل فضول لوفاء العرف في مصداقه، فليس من وظائف الفقيه البحث فيه، فضلا عن الاطناب. نعم جرت عادتهم بذكر تفسير له على جهة الاجمال، ولذا تختلف في القيود، ومن هنا يعرف ما في المسالك في شرح عبارة المتن معترضا بها عليه، بل وعلى غيره قال: " ليس مطلق الاصلاح موجبا لرشد،، بل الحق أن الرشد ملكة نفسانية تقتضي اصلاح المال، وتمنع من افساده، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بافعال العقلاء. واحترزنا بالملكة عن مطلق الكيفية، فانها ليست كافيه، بل لا بد من أن تصير ملكة يعسر زوالها، وباقتضائها اصلاح المال عما لو كان غير مفسد له، ولكن لا رغبة له في اصلاحه على الوجه المعتبر عند العقلا، فإن ذلك غير كاف في تحقق الرشد، ومن ثم يختبر بالاعمال اللائقة بحاله، كما سيأتي، ويمنعه من لفساده عما لو كان له ملكة الاصلاح والعمل، وجمع المال، ولكن ينفقه بعد ذلك في غير الوجه اللائق بحاله، فإنه لا يكون رشيدا ". وفيه أولا: أنه من المعلوم إرادة الصفة اللازمة ضرورة عدم صدق الرشيد عرفا على من حصل منه ذلك على وجه الاتفاق، ومرجع الملكة إلى ذلك فهي مرادة للجميع بهذا المعنى قطعا، والمراد باصلاح المال حفظه والاعتناء بحاله، وعدم تبذيره والمبالاة ونحو ذلك مما ينافيه العرف بالاعمال التي لا تليق بحاله. أما تنميته والتكسب به فقد يمنع اعتباره في الرشد عرفا، من غير فرق بين أولاد الرؤساء وغيرهم، وستعرف عدم وجوب الاختبار بالاعمال اللائقة بحاله، وانما هو طريق من طرق معرفة الرشد، كالغزل والاستغزال، والنسج والاستنتاج في الانثى والجمع بينهما في الخنثى، ضرورة عدم توقف تحقق الرشد عرفا على ذلك، بل قد

[ 50 ]

يتحقق عرفا بدونه، كا هو واضح بأدنى تأمل. وبالجملة إطالة الكلام في تحقق مصداق الرشد في المال مع وفاء العرف به تضييع للعمر فيما لا ينبغي. (و) أولى من ذلك البحث في انه (هل يعتبر) فيه (العدالة) أو لا حتى قال المصنف (فيه تردد) بل وخلاف فعن الشيخ، والراوندي، وأبي المكارم، وفخر الاسلام، اعتبارها، بل عن الغنية الاجماع عليه، والمشهور نقلا وتحصيلا بل في المسالك ومحكى التذكره نسبته إلى اكثر اهل العلم العدم، إذ لا ريب في صدق العرف بدونها، ولو كانت معتبرة في الابتداء لاعتبرت في الاستدامة، وهو معلوم الفساد بالسيرة القطعية في معاملة المخالفين، وأهل الذمة والفسقة وغيرهم. ومن هنا حكي عن التذكره الاجماع على عدم التحجير بطرو الفسق الذي لم يستلزم تبذيرا، وعلى عدم مدخلية ترك المروة ككشف الرأس ومد الرجل وأشباه ذلك في العدالة على تقدير اعتبارها في دفع المال. قلت: بل يمكن دعوى كونه ضروريا يشك في اسلام منكره، وقد صرح الاصحاب بجواز بيع الخشب لمن يعمل الاصنام، والتمر والزبيب لمن يصنع الخمر. فمن الغريب النقل عن الشيخ في الخلاف، والمبسوط، وابن زهرة التزام ذلك بل هو في المبسوط لم يجعل ذلك احتياطا، كالمحكي عن الخلاف، والغنية المستظهر من الاحتياط فيهما الوجوب دون الندب، مع أن الانكار عليهما في الاحتياط لو اريد منه الاستحباب واضح، فضلا عما لو لم يكن احتياطا. واغرب من ذلك استدلالهما عليه بقوله (1) " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " بضميمة ما روي عنهم (2) " من أن شارب الخمر سفيه " وبأن الفاسق موصوف بالغي الذي هو ضد الرشد المعتبر في المال ولان المتيقن العدل دون غيره، ونحو ذلك ما لا يليق بالفقيه جعل شئ منها مدركا للحكم الشرعي كما هو واضح. واطرف من ذلك كله القول بانه لا يرد عليهما على تقدير قولهما بذلك شئ


(1) سورة النساء الاية - 5 - (2) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 8 -.

[ 51 ]

مما ذكر لان العدالة عندهما ظاهر الاسلام مع عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر، وهما معا متحققان في غالب الناس إذ هو كما ترى. نعم لهما الفرق بين الابتداء والاستدامة مع انه ليس لهما ايضان للقطع بتحقق الرشد عرفا بدونها، لا يجوز منع مال الناس بامثال هذه المزخرفات، وبعض افراد الفسق الذي يرتفع معها وصف الرشد ويثبت بها وصف السفه لا يقضي باعتبار العدالة في ماهية الرشد قطعا، كما هو واضح وبالجملة الاطناب في ذلك كما وقع لبعضهم ايضا من تضييع العمر، فيما لا ينبغي كالمسألة السابقة والله اعلم. (و) كيف كان ف‍ (إذا لم يجتمع الوصفان) اي البلوغ والرشد (كان الحجر باقيا) بلا خلاف ولا إشكال (وكذا لو لم يحصل الرشد ولو طعن في السن) لاطلاق الادلة خلافا لبعض العامة فاوجب دفع المال إليه إذا بلغ خمسة وعشرين سنة. وعلى كل حال (و) أماما (يعلم) به (رشده) فهو ايضا بطرق لا تنحصر عرفا ومنها معرفته (باختباره بما يلائمه من التصرفات ليعلم قوته على المكايسة في المبايعات، وتحفظه من الانخداع، وكذا تختبر الصبيه) وحينئذ فيعرف (رشدها بأن تحفظ من التبذير، وأن تعتني بالاستغزال مثلا، وبالاستنتاج، إن كانت من اهل ذلك أو بما يضاهيهه من الحركات المناسبة لها) ويأتي تمام الكلام في اخر المبحث إنشاء الله تعالى. (و) كيف كان ف‍ (يثبت الرشد بشهادة الرجال في الرجال) اجماعا (وبشهادة الرجال) منفردين (والنساء) كذلك (في النساء) أو مع التلفيق بلا خلاف أجده فيه، بل قيل: عليه الاجماع في كثير من العبارات، وإن كنا لم نتحققه (دفعا لمشقة الاقتصار) على الرجال فيهن وغيره فيندرج فيما دل على نفيهما من الآية والرواية. بل قد يندرج فيما دل على قبول شهادتهن فيما يعسر اطلاع الرجال عليه من النصوص، وإن كان لا يخلو من بحث لولا الاعتضاد باتفاق الاصحاب، ظاهرا عليه، فظهر حينئذ عدم الاشكال في الحكم بجميع افراده والخناثى كالنساء على الظاهر. إنما الكلام في اعتبار قيام بينة الرشد عند الحاكم وحكمه بها في الثبوت، أو يكفي قيامها بعد معلومية جمعها للشرائط من العدالة ونحوها عند من في يده المال،

[ 52 ]

ربما احتمل الاول لمعلومية اعتبار الحاكم في الشهادة، والغرض ان المقام من موضوعها، وإلا لاكتفى بخبر الواحد، وقد يقوى الثاني خصوصا مع تعذر الحاكم أو تعسر الوصول إليه لعموم قبول البينة ومنع اشتراطها بالحاكم في المقام، وامثاله الذى قيل أنه يكتفي فيه بالظاهر، للسيرة القطعية في معاملة مجهول الحال، والبينة لا تقصر عنه، كما إنه قيل بتحقق وصف الرشد بقيامها ولو عند غيره، فيحصل حينئذ شرط الدفع، وإن كان لا يخلو من نظر، وتمام الكلام في المسألة في مقام آخر، ضرورة كثرة افرادها والله اعلم هذا كله في الرشد. (وأما السفيه) بالنسبة إلى المال (فهو) المقابل له فيكون عبارة عن (الذي يصرف امواله في غير الاغراض الصحيحة) عند العقلاء ولو ابناء الدنيا، لما عرفت من أن الرشد إصلاح المال، وتحققه لا يحصل إلا بعدم الصرف في غير االاغراض الصحيحة، وتمام الكلام فيه يعرف مما قدمناه في الرشد، وأن مرجعه إلى العرف الذى لا شك في عدم تحققه بمجرد الصرف في مطلق المعاصي، إما لانه ليس تبذيرا، أو لانه لا يتحقق السفه عرفا. لكن في المحكي عن التحرير إن استلزم فسقه التبذير كشراء الخمر وآلات اللهو والنفقة على الفاسق لا يسلم إليه شئ لتبذيره، وفي المحكي عن التذكرة: الفاسق إذا كان ينفق امواله في المعاصر ويتوصل بها إلى الفساد فهو غير رشيد، ولا تدفع إليه أمواله اجماعا، بل قيل: الظاهر أنه اجماع الامة. وفيه: أن مثله قد لا يعد عرفا سفيها، خصوصا الانفاق على الفاسق، وإلا لاتجه ما عن الاردبيلي من الاشكال بانه قل ما يخلو عن ذلك الانسان، فإنهم يشترون ما لا يجوز ويستعملون الربا، ويعطون الاموال للمغني واللاعب بالمحرم، وإلى من يأخذ من الناس الاموال قهرا، خصوصا الحكام والظلمة، فيلزم أن يكونوا سفهاء لا تجوز معاملتهم ومناكحتهم وأخذ عطاياهم، وزكواتهم وخمسهم، فإنهم سفهاء، باجماع الامة كما فهمناه من التذكرة مع انهم صرحوا واطلقوا معاملاتهم، ومناكحتهم، وقبول جوائزهم، وقالوا بكراهتها.

[ 53 ]

بل يمكن ان يقال: إن صرفه في العنب بأن يعمل خمرا، وفي الخشب بان يعمل صنما ونحو ذلك صرف في المحرم، فيكون فاعله سفيها لا تجوز معاملته ومناكحته، مع أنهم جوزوا ذلك وقالوا بكراهتها، ولا شك أن صرفه ولو كان قليلا من الاطعام للربا والسمعة وغير ذلك من الاغراض الغير الصحيحة شرعا حرام، فيكون موجبا للسفه، ومن الذي يخلو عنه من ارباب الاموال فيلزم عدم جواز أخذ العطية بل الزكاة والخمس منهم فتأمل. وبالجملة فالتنزه عنه متعسر جدا، فإنه لو لم يعامل السفيه، فإنه يعامل من يعامله، ويصعب ذلك ايضا أنهم قالوا أن الرشد شرط، فلابد من تحققه، ليعمل بالمشروط، فمن جاء إلى سوق كيف يعرف ذلك، بل كيف يعرف حصول الرشد الابتدائي الذي هو شرط بالاجماع، فالظاهر انهم يبنون على الظاهر، ويتركون الاصل، فإن حال الانسان أنه لم يفعل حراما، ولا يصرف ماله فيه. ولعل هذا المقدار كاف للعلم بالرشد المطلوب في جواز المعاملة والمناكحة، ولهذا ما نقل الامتناع والتفحص عنهم، ولا عن أحد من العلماء المتدينين، ويكون الاختبار الابتدائي لتسليم المال للنص والاجماع. وفيه أن ذلك لا يجدي في المعلوم حالهم، كالحكام وغيرهم ومن هنا التجأ بعضهم إلى الجواب بان السفيه لا تجوز تصرفاته بعد الحجر عليه لا قبله، وليس السفه بنفسه موجبا للمنع، وهو ايضا مناف لاطلاق النص والفتوى، بل وقوله (1) " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " وغيره فالتحقيق ما عرفته من ان المناط في تحققه وصدقه العرف، ولا ريب في عدمه عرفا في جميع ما ذكره، ضرورة اختلاف اصناف الناس فقد يليق بالسلطان ما لا يليق بغيره، ولا يعد به سفيها، وإن كان صرفه في محرم كما هو واضح. وقد عرفت ان السيرة القطعية على معاملة مجهول الحال، عملا بظاهر الحال، واصل الصحة وغير ذلك، وحيث عرفت ان المدار في السفه والرشد على العرف، فقد


(1) سورة النساء الاية - 5 -.

[ 54 ]

يقال بتحقق الاول منهما فيه بصرف جميع المال في وجوه البر، خصوصا بالنسبة إلى بعض الاشخاص، والازمنة، والامكنة، والاحوال، كما أومأ إليه رب العزة بقوله (1) " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " (2) " ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ". وهو كما عن الصادق عليه السلام (3) " الوسط من غير إسراف ولا إقتار " والباقر (4) عليه السلام " ما فضل عن قوة السنة " وابن عباس " ما فضل عن الاهل والعيال، أو الفضل عن الغنى ". وعن النبي صلى الله عليه واله (5) " انه قال: لمن أتاه ببيضة من ذهب اصابها في بعض الغزوات يجئ أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس فيكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى ". والمرسل (6) عن الصادق عليه السلام " لو أن رجلا أنفق ما في يده في سبيل الله ما كان أحسن، ولا وفق للخير، اليس الله تبارك وتعالى يقول " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين ". وعن الصادق عليه السلام (7) ايضا " قوله والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا و كان بين ذلك قواما " فبسط كفه وفرق اصابعه، وحناها شيئا وقوله " ولا تبسطها " فبسط راحته، وقال: هكذا وقال: القوام ما يخرج من بين الاصابع ويبقى في الراحة منه شئ ". وعنه (8) ايضا " أنه تلا هذه الاية فاخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الاقتار الذي ذكره الله تعالى في كتابه، ثم قبض قبضة اخرى فارخى كفه كلها ثم قال:


(1) سورة الاسراء الاية - 29 -. (2) سورة البقرة الاية - 219 -. (3 - 4) الوسائل الباب - 25 - من ابواب النفقات الحديث 15 - و - 16 -. (5) المستدرك ج - 1 ص 544. (6) الوسائل الباب - 25 - من ابواب النفقات الحديث 7. (7) الوسائل الباب - 25 - من ابواب النفقات الحديث - 7 -. (8) الوسائل الباب - 29 - من ابواب النفقات الحديث - 6 -.

[ 55 ]

هذا الاسراف ثم قبض أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها، وقال: هذا القوام ". وفي صحيح الوليد بن صبيح (1) عنه ايضا " أن رجلا كان ماله ثلاثين أو أربعين الف درهما ثم شاء أن لا يبقى منها إلا وضعها في حق فيبقى لا مال له فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم قلت: من هم قال: أحدهم رجل كان له مال فانفقه في وجهه، ثم قال: يا رب ارزقني فيقال له: الم ارزقك ". بل في صحيح ابن ابي نصر (2) عن ابي الحسن عليه السلام سألته عن قول الله عزوجل " وآتوا حقه " إلى اخره كان ابي يقول من الاسراف في الحصاد، والجذاذ، ان يتصدق بكفيه جميعا، وكان ابي عليه السلام إذا حضر شيئا من هذا فراى احدا من غلمانه أنه يتصدق بكفيه صاح اعط بيد واحدة، القبضة بعد القبضة، والضغث بعد الضغث من السنبل ". وفي خبر ابن المثنى (3) " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " وآتوا حقه يوم حصاده " فقال: كان فلان بن فلان الانصاري سماه وكان له حرث وكان إذا جذه يتصدق به ويبقى هو وعياله بغير شئ، فجعل الله ذلك سرفا ". وعنه (4) ايضا " أنه لما دخل الصوفية عليه انكر عليهم ما يأمرون به الناس من خروج الانسان من ماله بالصدقة على الفقراء والمساكين " وفي بعض الاخبار (5) أن السرف أن تجعل ثوب صونك ثوب بذلتك " وفي بعضها (6) أن السرف أمر يبغضه الله عزوجل حتى طرحك النواة، فانها تصلح لشئ، وحتى فضل شرابك. وفي خبر اسحاق (7) " ليس فيما اصلح البدن اسراف، وفيها إنما الاسراف فيما


(1) الوسائل الباب - 42 - من ابواب الصدقة الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب - 16 - من ابواب زكاة الغلات الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 42 - من ابواب الصدقة الحديث - 3 - مع اختلاف يسير. (4) الوسائل الباب - 28 - من ابواب الصدقة الحديث - 8 -. (5) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام الملابس الحديث - 2 -. (6) الوسائل الباب - 25 - من ابواب النفقات الحديث - 2 -. (7) الوسائل الباب - 26 - من ابواب النفقات الحديث - 1 -

[ 56 ]

أفسد المال واضر بالبدن، قيل وما الاقتار قال: أكل الخبز والملح، وأنت تقدر على غيره، قيل: فما القصد قال: الخبز واللحم واللبن والخل، والسمن، مرة هذا، ومرة هذا " ونحوه غيره لكن في القواعد ان صرف المال في وجوه الخير ليس تبذيرا، كما عن ظاهر مجمع البرهان، بل وعن مجمع البيان، بل في المسالك إن المشهور ذلك لانه لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف، ولم يثبت كونه خيرا " وعن النبي صلى الله عليه وآله " انه قال: لعلي عليه السلام وأما الصدقة فجهدك " وبالنصوص الدالة على الترغيب في ذلك، بل في المسالك " ومن المستفيض خرج جماعة من اكابر الصحابة وبعض الائمة كالحسن عليه السلام صلات من امواالهم في الخير، وقصة صدقة أمير المؤمنين عليه السلام بالاقراض مشهورة، وفي الاول أنه لا دلالة على القرض كالنصوص، والمستفيض عنهم لعله لانه يليق بهم ما لا يليق بغيرهم وعلى كل حال فالمحكم العرف كما عرفت والله أعلم. (و) كيف كان (فلو باع والحال هذه) اي غير رشيد (لم يمض بيعه) ولا شراؤه ولا غير ذلك من عقوده ومعاملاته إذا حجر عليه الحاكم أو مطلقا على الخلاف (وكذا لو وهب أو أقر بمال) والضابط: المنع من التصرفات المالية بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل عن مجمع البرهان دعواه وهو الحجة بعد الاعتضاد بما دل عليه من كتاب وسنة، من غير فرق في ذلك بين ما ناسب أفعال العقلاء منها أو لا، ولا بين العين والذمة، ولا بين الذكر والانثى، بل هي أولى منه، لنقصان عقلها، ويسر انخداعها. ومن هنا حكى عن بعض العامة بقاء الحجر عليها وإن بلغت رشيدة، والظاهر دخول تزويجها نفسها في التصرفات المالية من جهة مقابلة البضع بالمال، فلا يجوز بدون إذن الولي، أما الذكر فظاهر، لان الصداق منه. وما عن نكاح القواعد من أن السفيه إذا كان به ضرورة إلى النكاح، وتعذر الحاكم والولي فإنه يجوز أن يتزوج واحدة لا ازيد بمهر المثل خارج عما نحن فيه، كالمحكي من نكاح التذكره ايضا من أنه لو نكح السفيه بغير إذن الولي مع حاجته إليه وطلبه

[ 57 ]

من الولي فلم يزوجه " قال الشيخ رحمه الله " الاقوى الصحة، لان الحق تعين له، فإذا تعذر عليه ان يستوفيه بغيره جاز أن يستوفيه بنفسه، كمن له حق عند غيره، فمنعه وتعذر عليه أن يصل إليه كان له أن يستوفيه بنفسه بغير رضى المدين. وحكي عن أحد وجهي بعض الشافعية أن النكاح يبطل ولا حد ولا مهر، وعن بعض أن لها مهر المثل، وعن بعض أن لها اقل ما يتمول رعاية لحق السفيه، ووفاء لحق العقد، إذ به يتميز عن السفاح، ولتحقيق ذلك مقام آخر، إنما الكلام في أنه ممنوع من التصرفات المالية بدون إذن الولي، وحال تعذر الولي أو مخالفته شئ آخر كما هو واضح. (نعم يصح طلاقه، وظهاره، وخلعه، واقراره بالنسب، وبما يوجب القصاص) ونحو ذلك مما ليس هو تصرفا ماليا للاصل السالم عن المعارض (إذ المقتضى للحجر صيانة المال عن الاتلاف) فيختص منعه بما يقتضيه دون ذلك مما ليس ماليا، ولا يشكل الخلع إذا كان بدون المثل، لانه إذا كان له الطلاق بدون عوض اصلا فمعه بطريق أولى، اللهم إلا أن يفرق بين الخلع مطلقا وغيره بصدق المالية حينئذ فيراعى إذن الولي بمقداره وجنسه ونحو ذلك. وكذا قد يشكل الاقرار بالنسب إذا تضمن الانفاق ونحوه، مما يرجع إلى المال ويدفع بأن المال فيه تبعي لا اصلي، وقد يقال: بقبوله في النسب خاصة دون الانفاق، ويؤيده أنه ربما يجعل ذلك وسيلة لاتلاف المال لو قلنا بقبوله، بل جزم به في المسالك، بل ظاهره أن هذا هو المعروف قال: " وإن كان أحدهما لا ينفك عن الاخر إلا أن تلازمهما غير معلوم، بل هو كالاقرار بالسرقة مرة واحدة من الحرز، فإنه يثبت به المال دون القطع، وبالعكس لو اقر بها السفيه فإنه يقبل في القطع دون المال وحينئذ فالنفقة من بيت المال المعد لمصالح المسلمين، وللشهيد قول بأنه ينفق عليه من ماله، لانه فرع ثبوت النسب، ولان الانفاق من بيت المال إضرار بالمسلمين، فكما يمنع من الاضرار بماله، يمنع من الاضرار بغيره، ورده بأن إقراره إنما ينفذ فيما لا يتعلق بالمال، وبيت المال معد لمصالح المسلمين، فكيف يقال: إن مثل ذلك يضر

[ 58 ]

بهم، إذ ذلك آت في كل من يأخذ منه جزاء ". قلت: للشهيد أن يقول: إن عموم الاقرار يشمله، بعد أن لم يكن تصرفا ماليا، والمال من التوابع، فيبقى على مقتضى الضوابط فتأمل جيدا وعلى كل حال فمما سمعت قد ينقدح الاشكال في الاقرار بما يوجب القصاص، وقد تقدم لنا البحث في نظير ذلك إذا اراد فداء نفسه بالمال، لكن الاقوى كما في المسالك وجوب الفداء أما إذا لم يكن كذلك فلا إشكال في القبول والله اعلم. (ولا يجوز تسليم عوض الخلع إليه) إذا كان مالا، وإن كان هو الذي يوقع الخلع. (ولو وكله أجنبي في بيع أو هبة) مثلا (جاز لان السفه لم يسلبه) حكم عبارته ولا (أهلية) مطلق (التصرف) بل في ماله خاصة فيبقى غيره مندرجا فيما دل على الصحة، كما هو واضح، خلافا لبعض العامة (ولو أذن له الولي في النكاح) الذي فيه مصلحته التى سوغت للولي الاذن فيه (جاز) إن عين له المهر والزوجة ونحو ذلك، بحيث يؤمن معه من اتلاف المال بلا خلاف ولا اشكال، بل وإن عين الزوجة واطلق المهر، لانه ينصرف حينئذ إلى مهر المثل، وكذا غيره من العقود على الاقوى، واحتمال الفرق بين النكاح والبيع مثلا بأن المقصود من الثاني المال دون الاول، وبأن السوق يختلف ساعة فساعة فناسب أن يكون الولي هو العاقد احتياطا للمال، بخلاف النكاح ولذا حكي عن الشيخ والقاضي المخالفة، بل وعن غيرهما كما ترى مجرد اعتبار لا يصلح أن يكون مدركا، وقد ظهر من ذلك وغيره أنه ليس مسلوب العبارة. (و) حينئذ ف‍ (لو باع فأجاز الولي فالوجه الجواز للامن من الانخداع) حينئذ ولانه أولى من الفضولي بذلك خلافا لما سمعته من الشيخ والقاضي، ضرورة أولوية المنع هنا مما سمعته سابقا من تقدم الاذن بل حكاه في المسالك عنهم وهنا وقد يفرق بين المقامين والله أعلم. (و) الخامس: (المملوك) وهو (ممنوع من التصرفات إلا باذن المولى)

[ 59 ]

كما تقدم البحث فيه مفصلا في باب القرض. (و) السادس: (المريض) وهو (ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث) كالصحيح (اجماعا) محصلا ومحكيا مستفيضا أو متواترا، كالنصوص (1) المشتمل جملة منها على أنه الحيف والتعدي، وأنه يرد إلى الثلث الذي هو المعروف والغاية في الوصية، وخلاف علي بن بابويه غير قادح، أو غير ثابت، لانه قال كما في المختلف: " فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية، وإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله، ويلزم الوصي انفاذ وصيته على ما أوصى " وهو عين المحكي عن فقه الرضا، ولعله بعد قوله هو الغاية غير صريح في الخلاف، ويكون قوله يلزم إلى آخره كلاما مستأنفا. كما أن قوله وإن أوصى بماله إلى آخره محمول على إراده الغاء وصيته أو على إرادة حمل ذلك لو وقع منه على الوصية بما يخرج من اصل المال من دين أو نذر أو كفارة أو نحو ذلك، حملا لتصرفه على الوجه الصحيح، إذ الكتاب والسنة قد توافقا على وجوب انفاذ الوصية، وعدم جواز تبديلها إلا مع الحيف، وهو لا يثبت بالاحتمال، وهذا وإن كنا لم نقل به، إلا أنه به يخرج عن الخلاف عما نحن فيه، ضرورة رجوعه إلى حمل إطلاق الوصية بجميع المال على الوجه الصحيح، وهو غير الوصية بالزائد على الثلث فيما لم يعلم عدم خروجه عن اصل المال من وجوه البر أو العطية أو نحو ذلك. لكن فيه حينئذ أنه ايضا مخالف للنصوص، (2) المتضمنة لابطال هذه الوصية، وارجاعها إلى الثلث، فاصالة الصحة إنما هي في التصرف بماله لا بما يخرج عنه بالموت بل الاصل الفساد، وإطلاق ما دل على نفوذ الوصية وأنها مقدمة على الارث محمول بقرينة النص والفتوى على الثلث فما دون، فلا وجه للاستناد إليه في ذلك، ولا في الاول على تقدير خلافه. وكيف كان فلا ريب في عدم صراحة كلامه في الخلاف فيما نحن فيه خصوصا بعد عدم نقل ولده عنه ذلك، وتصريحه بعدم جواز الوصية بالزائد على الثلث من غير اشارة


(1) (2) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام الوصايا.

[ 60 ]

إلى خلاف والده. بل عنه في المقنع أنه روي عن (1) الصادق عليه السلام " أنه سئل عن رجل أوصى بماله في سبيل الله عزوجل فقال اجعله إلى من اوصى له به، وإن كان يهوديا أو نصرانيا فان الله عزجل يقول ومن بدله بعد ما سمعه فإنما اثمه على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم " ثم قال: عقيب ذلك ماله هو الثلث، لانه لا مال للميت اكثر من الثلث " مضافا إلى إقتضاء القواعد بعد الاغضاء عن أدلة الارث، وكونها مطلقة بطلان اصل الوصية، فيقتصر على المتيقن في الخارج عن ذلك، وهو الثلث. وخبر ابن عبدوس (2) - " أوصى رجل بتركته متاع وغير ذلك لابي محمد عليه السلام فكتبت إليه رجل أوصى الي بجميع ما خلف لك. وخلف ابنتي اخت له، فرأيك في ذلك ؟ فكتب إلي: بع ما خلف وابعث به الي، فبعت وبعثت به إليه فكتب إلي قد وصل، محتمل لاجازة الوارث، أو لكونه مخالفا بحيث يحرم، ولطلب الامام ليأخذ ثلثه ويرد الباقي، أو يحفظه لهما لصغرهما، أو لجواز ذلك بالنسبة إلى الامام خاصة، وللتنجيز في حال الصحة أو غير ذلك مما لا بأس به، بعد قصوره عن معارضة غيره من وجوه، وخصوصا ما تضمن منه نحو هذه الواقعة، كما لا يخفى على من لاحظ هذه النصوص. وكذا خبر عمارة (3) " الرجل احق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز " الواجب حمله بعد معارضته بالمتواتر من النصوص على إرادة الثلث من ماله، أو على إرادة الجواز الموقوف على إجازة الورثة أو على إرادة التنجيز من قوله " أوصى "، فيكون من ادلة القائلين بكون المنجزات من الاصل، أو على غير ذلك. لكن عن الشيخ والصدوق حمله على من لا وارث له، ومقتضاه نفوذ الوصية بجميع المال مع عدم الوارث غير الامام، وهو مخالف ايضا لاطلاق النصوص (4) ومعاقد


(1) الوسائل الباب - 22 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 -. (2) (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 16 - - 19 - (4) الوسائل الباب - 11 -.

[ 61 ]

الاجماعات وغيرهما. وخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أنه سئل عن الرجل يموت ولا وارث له ولا عصبة ؟ فقال: يوصى بماله حيث شاء في المسلمين والمساكين وابن السبيل " مع قصوره عن المقاومة واحتماله الثلث من ماله يمكن أن يكون ذلك إذنا منه عليه السلام لان الارث إليه. وأما خبر محمد بن أحمد بن عيسى (2) " قال: كتب إليه محمد بن اسحاق المتطبب وبعد اطال الله بقاك نعلمك يا سيدنا أنا في شبهة من هذه الوصية التي أوصى بها محمد بن يحيى بن رئاب وذلك أن موالي سيدنا وعبيده الصالحين ذكروا أنه ليس للميت أن يوصي إذا كان له ولد باكثر من ثلث ماله، وقد أوصى محمد بن يحيى بأكثر من النصف مما خلف من تركته، فإن راى سيدنا ومولانا اطال الله بقاه أن يفتح غياهب هذه الظلمة التي شكونا ويفسر ذلك لنا نعمل عليه انشاء الله. فأجاب عليه السلام إن كان أوصى بها من قبل أن يكون له ولد فجائز وصيته، وذلك أن ولده ولد من بعده " فهو غير موافق لهما ايضا، فلابد من طرحه أو تأويله، لكن في الوسائل أنه قد عمل به الشيخ والصدوق بظاهره ولا ريب في ضعفه. نعم لا تنفذ الوصية بالزائد (ما لم يجز الورثة) فإن اجازوا بعد الموت نفذت بلا خلاف ولا اشكال نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه، عليه، فلا جهة للاشكال فيه بأنه كالاجازة للفضولي من تجدد له الملك بعده، مع وضوح الفرق بينهما، بأن التصرف هنا فيما بعد الموت الذي هو وقت الانتقال إلى المجيز، بخلافه في الفرض الذي يتوجه فيه الاشكال في الاجازة على تقدير الكشف بانه لا وجه له من حين العقد، لكون المفروض تجدد الملك للمجيز، فلا يملك المعقود له قبل ملك المجيز، ولا من حين تجدد الملك للزوم الغاء السبب فيما قبله. وكيف كان فلا إشكال فيما نحن فيه بعد ما عرفت. إنما البحث في الاجازة قبل الموت، والمشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا خصوصا بين المتأخرين أنها كالاجازة بعد


(1) (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 2.

[ 62 ]

الموت في عدم جواز الرجوع بها، بل نسب إلى عامتهم، بل عن الطوسي الاجماع عليه للنصوص المستفيضة التي منها صحيحا ابني مسلم (1) وحازم (2) " في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصية هل لهم أن يردوا ما اقروا به ؟ قال: ليس لهم ذلك، والوصية جائزة " وإطلاقهما كغيرهما من معقد الاجماع وغيره عدم الفرق بين الصحيح والمريض في ذلك، خلافا للمحكي عن المفيد والديلمي والحلي فجوزوا الرجوع بها، بل ظاهر تعليلهم أنه لا أثر لها اصلا، فضلا عن جواز الرجوع بها، لعدم حق للورثة حال الحياة حتى يكون إسقاطه مجديا، فهو كاسقاط المرأة صداقها قبل التزوج والشفيع قبل البيع، ولانه لو جازت إجازتهم لجاز ردهم بحيث لا يلزمون لو أجازوا بعد الموت، والتالي باطل، فالمقدم مثله، وفيهما بعد التسليم أنه اجتهاد في مقابلة النص، وقياس لا نقول به، بل مع الفارق كما هو واضح. ولو أجاز البعض نفذ في حصته ويعتبر في المجيز جواز التصرف، فلا عبرة باجازة الصبي والمجنون، أما المفلس فقد يتجه نفوذ إجازته حال الحياة، إذ لا ملك له حينئذ وإنما إجازته تنفيذ لتصرف الموصي، وأما بعد الموت ففي صحتها وجهان مبنيان على أن التركة هل تنتقل إلى الوارث بالموت، وبالاجازة تنتقل عنه إلى الموصى له، أم تكون الاجازة كاشفة عن سبق ملكه من حين الموت، فعلى الاول لا تنفذ، لتعلق حق الغرماء بالتركة قبل الاجازة، وعلى الثاني احتمل الامران، ولعل الاقوى منهما النفوذ، خصوصا على ما هو الظاهر من الفتاوي، من كون ذلك تنفيذا من الوارث لتصرف الموصى، لا أنه يكون هو المتصرف على معنى أنه هو الواهب والمعتق والواقف مثلا، وإن احتمله بعضهم، لكن لا ريب في ضعفه، سيما في حال الحياة بل والموت ضروره اقتضاء الاجازة منه لفعل الموصى، عدم الدخول في ملكه بالموت، كما هو مقتضى الوصية التي هي سبب لذلك مع الاجازة، وكذا الكلام في المنجزات إذا زادت عن الثلث، بناء على أنها كالوصية في الخروج منه، وهذا حديث إجمالي ذكرناه تبعا لذكر المصنف حكم الوصية للمريض توطئة لذكر منجزاته، إذ لا فرق بين المريض


(1) (2) الوسائل الباب - 13 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 -.

[ 63 ]

والصحيح في حكم الوصية، وإنما الفرق بينهما في المنجزات عند جماعة، وهو الذي اشار إليه المصنف بقوله: (وفي منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا) فخيرة الكليني، والصدوق، والشيخين، والسيدين والقاضي، وابني ادريس والبراج، وسعيد، والابي، والاردبيلي، والخراساني، والحر العاملي، والطباطبائي وصاحب الرياض، على ما حكي عن بعضهم عدم المنع، وأنها من الاصل كالصحيح، بل عن كشف الرموز نسبته إلى الاكثر، وفي الرياض أنه المشهور بين القدماء ظاهرا بل لعله لا شبهة فيه، بل في هبة الانتصار، والغنية الاجماع عليه، للاصل بمعنييه، وقاعدة التسلط وحسن ابي شعيب (1) المحاملي بابراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام الانسان أحق بماله مادامت الروح في بدنه " وموثق الساباطي (2) عنه ايضا " الميت أحق بماله ما دام في الروح يبين به، فإن قال: بعدي فليس له إلا الثلث " وموثقة الاخر " الرجل بماله ما دام فيه الروح إذا أوصى به كله فهو جائز " وخبره الثالث (3): عنه ايضا " صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شئ من الروح يضعه حيث شاء " وموثقه الرابع: (4) عنه أيضا " قال له: الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به ؟ قال: نعم، فإن أوصى به فليس له إلا الثلث " وموثقه الخامس (5): عنه ايضا في الرجل يجعل ماله لرجل في مرضه فقال: " إذا أبانه جاز " وخبر سماعة (6) قال له أيضا الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقريبه ؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت " ونحوه خبر أبي بصير (7) وزاد أن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيا ان شاء وهبه وإن شاء تصدق به، وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن اوصى به فليس له إلا الثلث، إلا أن الفضل في أن لا يضيع من يعوله، ولا يضر بورثته.


* (1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 8 -. (2) (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 - 19 -. (4) (5) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 7 - 10 -. (6) (7) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 2 -.

[ 64 ]

ومرسل مرازم (1) عنه أيضا " في الرجل يعطي الشئ من ماله في مرضه قال: إن أبان به فهو جائز، وإن أوصى به فهو من الثلث ". ومرسل الكليني (2) " عن النبي صلى الله عليه واله أنه عاب رجلا من الانصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم، فقال ترك صبية صغارا يتكففون الناس " بل رواه الصدوق مسندا (3)، إلى جعفر بن محمد عليه السلام " وفيه فأعتقهم عند موته " والضعف فيه سندا أو دلالة منجبر بما عرفت، مضافا إلى كونها مخالفه للمحكي عن جميع العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، وإلى تأييدها بالسيرة المستمرة على عدم امتناع المريض أيام مرضه عن تبرعاته مع زيادتها عن الثلث، وعلى عدم ضبطها بطومار ونحوه، وعلى المنع الغير له، ولا الضبط عليه. لكن (و) مع ذلك كله ف‍ (الوجه المنع) من التبرع بالزائد فلا ينفذ على الورثة إلا مع اجازتهم، وفاقا للفاضل والشهيدين والكركي والمحكي عن الصدوق وأبي علي والشيخ في المبسوط، وغيرهم، بل نسبة غير واحد إلى عامة المتأخرين بل في المسالك نسبته إلى الاكثر وسائر المتأخرين بل ربما حكى عن الشيخ في باب العتق ما يقتضى أنه المعروف بيننا. وفي المفاتيح أن الاخبار به أكثر واشهر، وفي جامع المقاصد قد دلت عليه صحاح الاخبار، وفي موضع آخر منه أن النصوص به متواترة، وهو كالاجماع المنقول في الحجية، خصوصا بعد شهادة التتبع له. إذ في خبر أبي حمزة (4) " عن احدهما عليه السلام أن الله تبارك وتعالى يقول يابن آدم تطولت عليك بثلاث سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، واوسعت عليك فاستقرضت منك عليك فلم تقدم خيرا، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا. وصحيح (5) يعقوب بن شعيب " سألت أبا عبد الله عليه السلام الرجل يموت ماله من ماله ؟


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث 6 - 9 وذيله. (4) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الوصايا الحديث. (5) الوسائل الباب - 10 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - في ذيل الحديث 2 -.

[ 65 ]

فقال: له ثلث ماله ". ونحوه خبر أبي بصير (1) وخبر عبد الله بن سنان (2) " عن الصادق عليه السلام للرجل عند موته ثلث ماله، وإن لم يوص فليس على الورثة امضاؤه ". وصحيح علي بن يقطين (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام ما للرجل من ماله عند موته قال: الثلث والثلث كثير ". وذيل خبر العلا (4) عن الصادق عليه السلام الذي تسمعه في مسألة الاقرار الوارد في الامرأة التي أودعت عند رجل مالا قال فيه: " إنما لها من مالها ثلثه " بل في غيره نحو ذلك أيضا. وخبر علي بن عقبة (5) عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره، فابى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء منه قال: ما يعتق منه إلا ثلثه، وساير ذلك الورثة أحق بذلك، ولهم ما بقى " ونحوه خبر عقبة بن خالد (6). وخبر أبي بصير (7) عن الصادق عليه السلام " إن أعتق رجل عند موته خادما له، ثم أوصى بوصية أخرى الغيت الوصية، وأعتقت الجارية من ثلثه، إلا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية ". وخبر أبي ولاد (8) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرءه منه في مرضها ؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها له ويحسب ذلك من ثلثها إن كانت تركت شيئا ". ونحوه خبر سماعه (9) وخبر جراح المدائني (10) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عطية


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 10 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 2 - 7 - 8 -. (4) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 2 -. (5) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 4 -. (6) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث 13. (7 و 8) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 6 - 11 -. (9 و 10) الوسائل الباب - 17 - من احكام الوصايا الحديث - 16 - 14.

[ 66 ]

الوالد لولده ببينة ؟ قال: إذا أعطاه في صحته جاز ". وخبر سماعة (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عطية الوالد لولده ؟ فقال أما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، فأما في مرضه فلا يصلح ". وصحيح الحلبي (2) سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرؤه منه في مرضها ؟ فقال: لا ". وخبر السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام " أن رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول يستسعى في ثلثي قيمته للورثة ". بل وخبره الاخر (4) عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أيضا " أنه كان يرد النحلة في الوصية وما اقر به عند موته، بلا ثبت ولا بينة رده " بناء على أن المراد منه رد العطية إلى الوصية في الخروج من الثلث، بل لعل الظاهر منه والمرسل في جامع المقاصد وغيره المريض محجور عليه إلا في ثلثة، والخبر العامي (5) المروي في المسالك عن صحاح الجمهور بل قال: إنه أجود ما في الباب متنا وسندا، ومان ادعى خلاف ذلك فالسيرة ترد دعواه، وعليها اقتصر ابن الجنيد في كتابه الاحمدي " وهو أن رجلا من الانصار أعتق ستة أعبد له في مرضه، ولا مال له غيرهم، فاستدعاهم رسول الله صلى الله واله وجزاهم ثلاثة أجزاء واقرع بينهم، فأعتق اثنين، وارق اربعة ". وخبر اسماعيل بن همام (6) عن أبي الحسن عليه السلام " في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته، وأعتق مملوكا، وكان جميع ما اوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيته ؟ قال: يبدأ بالعتق فينفذه " ضرورة ظهور قوله " يبدء " في إرادة الانفاذ من الثلث، ومنه يعلم ارادة ما يشمل المنجز من الوصية، وإلا فلا وجه لتقديم العتق لو


(1 و 2) المصدر نفسه (3) الوسائل الباب 64 - من ابواب العتق الحديث - 5 -. (4) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 -. (5) المستدرك ج - 2 - ص 521 عن عوالي اللئالى سنن النسائي باب الجنائز ج - 4 - ص 52. طبع مصطفى البابى الحلبي واولاده بمصر. (6) الوسائل الباب - 67 - من ابواب احكام الوصايا الحديث 2 - 3.

[ 67 ]

فرض كونه وصية، بل ينبغي تقديم المقدم منهما. بل منه يظهر حينئذ أن إطلاق " اخرى " في خبر أبي بصير (1) المتقدم سابقا باعتبار سبق التنجيز الذي يطلق عليه الوصية بشهادة الخبر المزبور الموافق له في المضمون، وصحيح ابن الحجاج (2) الاتي، لا أن المراد من أعتق فيه اوصى فلا يكون دالا على المطلوب. كما أن منه يظهر الاستدلال بصحيح محمد بن مسلم (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصية وكان أكثر من الثلث ؟ قال: يمضي عتق الغلام ويكون النقصان في ما بقي " إذ الظاهر إرادة كون مجموع التنجيز والوصية أكثر من الثلث، فأجابه عليه السلام بمضي العتق، وأن النقصان الذي في الثلث يكون في الوصية، كما هو واضح. بل منه يعلم الاستدلال بحسنه (4) عنه أيضا " في رجل أوصى باكثر من ثلثه، وأعتق مملوكه في مرضه فقال: إن كان أكثر من الثلث، يرد إلى الثلث، وجاز العتق " إذ الظاهر ارادة جوازه منه لا من الاصل، إذ حمل الواو فيه على الاستيناف خلاف الاصل فيها، فيكون المجموع حينئذ هو جواب الشرط كما هو الظاهر خصوصا بعد ملاحظة أن كلامهم عليهم السلام جميعا بمنزلة كلام واحد، يفسر بعضه بعضا، وخصوصا مع تقارب السؤال والجواب في هذه النصوص، واتحاد الراوي في الخبرين، فمن الغريب استدلال بعضهم بهما على الاول، حتى ادعى صراحة الثاني منهما، وأنه غير قابل للتأويل، مع أنه لو اغضينا النظر عما ذكرنا، لم يكن فيه دلالة على الجواز من الاصل كما هو واضح. وموثق الحسن بن الجهم (5) " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في رجل أعتق مملوكا


(1) المصدر نفسه. (2) الوسائل الباب - 39 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 5 -. (3 و 4) الوسائل الباب - 67 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 2. (5) الوسائل الباب - 39 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 4 - 5 مع اختلاف.

[ 68 ]

وقد حضره الموت واشهد له بذلك وقيمته ستمأة وعليه دين ثلاثمأة درهم، ولم يترك شيئا غيره قال: يعتق منه سدسه، لانه إنما له منه ثلاثمأة درهم ويقضى عنه ثلاثمأة درهم، وله من الثلاثمأة درهم ثلثها، وله السدس من الجميع " الذي يشهد بصحته. صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) بل هو فيه دلالة على المطلوب ايضا وغيره فلا بأس بنقله على طوله " قال: سألني أبو عبد الله عليه السلام يختلف ابن أبي ليلى وابن شبرمه ؟ فقلت: بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى فترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم، فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمه ارى أن تستسعيهم في قيمتهم، فتدفعها إلى الغرماء فإنه قد أعتقهم عند موته، وقال ابن ابي ليلى: ارى أن ابيعهم وادفع أثمانهم إلى الغرماء، فإنه ليس له أن يعتقهم عند موته، وعليه دين يحيط بهم، وهذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير، فرفع ابن شبرمه يده إلى السماء وقال: سبحان الله يا ابن ابي ليلى متى قلت بهذا القول ؟ والله ما قلته إلا طلب خلافي. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فعن راى ايهما صدر ؟ قال: قلت بلغني أنه أخذ براي ابن ابى ليلي وكان له في ذلك هوى، فباعهم وقضى دينه، فقال: فمع أيهما من قبلكم ؟ فقلت: مع ابن شبرمه، ورجع ابن ابي ليلى إلى راى ابن شبرمه بعد ذلك. فقال: أما والله إن الحق لفي الذي قال ابن ابي ليلي، وإن كان قد رجع عنه، فقلت له: هذا ينكسر عندهم في القياس، فقال: هات قايسنى قلت: أنا اقايسك فقال: لتقولن بأشد ما تدخل فيه من القياس، فقلت له: رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره، وقيمة العبد ستمأة درهم، ودينه خمسمأة درهم، فأعتقه عند الموت كيف يصنع ؟ قال: يباع العبد فيأخذ الغرماء خمس مأة درهم ويأخذ الورثة مأة درهم، فقلت: اليس قد بقى من قيمة العبد ماة درهم عن دينه ؟ فقال: بلى قلت: أليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء قال: بلى، قلت: اليس قد اوصى للعبد بالثلث من المأة حين أعتقه ؟ قال: إن العبد لا وصية له، إنما ماله لمواليه، فقلت له: فإن كان قيمة العبد ستمأة درهم، ودينه اربع مأة


(1) المصدر نفسه.

[ 69 ]

درهم فقال: كذلك يباع العبد، فيأخذ الغرماء اربعمأة درهم ويأخذ الورثة مأتين ولا يكون للعبد شئ. قلت: فإن قيمة العبد ستمأة درهم ودينه ثلاثمأة درهم، فضحك عليه السلام فقال: من هنا أتى اصحابك جعلوا الاشياء شيئا واحدا، ولم يعلموا السنة إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء، لم يتهم الرجل على وصيته، واجيزت وصيته على وجهها، فالآن يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء، ويكون ثلثه للورثة ويكون له السدس ". إذ ذيله صريح في نفوذ العتق المنجز في الثلث، لا الاصل، وإلا كان نصفه حرا، واحتمال أنه في الوصية، لا المنجز المقطوع بفساده، أو كالمقطوع كما اعترف به في الرياض، خصوصا بعد ملاحظة كلام الاصحاب في حكم مضمونه فإنه صريح في ارادة التنجيز منه أو الاعم منه ومن الوصية، بل جزم الشهيد الثاني بالاول، وإن خالفه فيه في الرياض ومال منه إلى تعدية الحكم المزبور إلى الوصية وفاقا للمحكى عن الشيخ، وهو لا يخلو من وجه، وأولى منه التعدية إلى غير العتق من المنجزات كالهبة والوقف ونحوهما. وعلى كل حال فهو ظاهر الدلالة على المطلوب، بل صدر المقايسة فيه واضح الدلالة على معلومية أن ليس له في التنجيز، إلا الثلث، كوضوح إرادته عليه السلام من قوله أخيرا " وصيته " التنجيز بشهادة المحكي من عمل كثير من الاصحاب به فيه، حتى بعض القائلين بأن المنجزات من الاصل، كالمفيد، والقاضي، والشيخ، وما في المسالك من أن اكثر المتأخرين ردوه لمخالفته القواعد المقررة حسن لو قصرت الرواية عن الصحة، أو لم يجز تخصيص العمومات القطعية بالاحاد، لكنه خلاف التحقيق، خصوصا بعد تعدد الصحاح وصراحتها، وترجيح الاصلو بالشهرة فرع ثبوتها، ففي الرياض لم اتحققها، ولا وقفت على متصد لنقلها عداه، وإنما حكي الخلاف عن العلامة خاصة، ولم أقف على من تبعه غيره، وبعض ممن سبقه. نعم رده ابن ادريس وانفذ العتق من الاصل، واسقط الدين من رأس، ولا ريب

[ 70 ]

في ضعفه، بل هو اجتهاد في مقابل النص، واصحابه الموافقون له في كون المنجزات من الاصل لا يوافقونه فيما إذا زاحم التنجيز الدين، بل يخصونه بالنسبة إلى الورثة، وإلا كانوا محجوجين بهذا الصحيح وغيره، بل لعل مقابلته بالقول بالخروج من الثلث المعلوم كون المراد منه بعد خروج الدين تشهد بعدم المزاحمة المزبورة. وعلى كل حال فلا ريب في دلالة الصحيح المزبور على المطلوب، بل منه ينقدح الاستدلال بصحيح جميل (1) أيضا المروي في الكافي عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل أعتق مملوكه عند موته، وعليه دين فقال: إن كان قيمته مثل الذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلا لم يجز "، ويحتمل تثنية مثل الثانية كما عن نسخة من الفقيه، وحينئذ يكون الواو فيه بمعنى أو فيوافق الصحيح المزبور، وعن الكليني أنه رواه عن جميل عن زرارة فيمكن أن يكون خبرا آخر. وعلى كل حال فهو دال على المطلوب بعد ارادة الجواز فيه على النحو المذكور في خبري ابني الجهم والحجاج كما هو واضح. وفى دعائم الاسلام (2) " وقد جاء عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال في العطية للوارث والهبة في المرض الذي يموت فيه المعطي والواهب: إنها غير جائزة " وفي محكي الهداية وسئل أي الصادق عليه السلام عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فابى الورثة أن يجيزوا لك قال: ما يعتق منه إلا ثلثه ". وقد ظهر ذلك من ذلك كله أنه لا غرابة في دعوى تواتر النصوص به خصوصا إذا اريد منها القطع به منها، لا التواتر المصطلح، فإنه غير عزيز، بل لعل الغرابة من عدمه، كما لا يخفى على من لاحظها وغيرها مما دل على عدم الاضرار بالوارث الذى هو الحكمة أو العلة في حجر الوصية عليه بالزائد، ولاحظ نصوص الاقرار (3) الآتية التي بعضها


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب احكام الوصايا الحديث 6. (2) دعائم الاسلام ج 2 ص 359. (3) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا.

[ 71 ]

يظهر منه معلومية انحصار الامر على المريض لو اراد حرمان الوارث، وأنه لا طريق له إلا الاقرار الذي ستعرف علاج الشارع له بالتهمة وعدمها، وغيرها من النصوص (1) التي في بعضها ما يظهر منها مرجوحية ذلك في حال الصحة. بل في سؤال هذا البعض دلالة واضحة على معلومية الفرق بين حالي الصحة والمرض بالنسبة إلى النفوذ من الاصل وعدمه، وغير ذلك خصوصا اختلال حكمة حصر الوصية في الثلث، ضرورة التجاء كل من يريد حرمان الورثة حينئذ أو بعضهم عند حضور موته إلى التنجيز. وأغرب شئ حمل هذه النصوص الكثيرة على التقية التي مع عدم قابلية البعض لها يمكن القطع بعدمها في مثل هذه النصوص التي رواتها من البطانة، بل لا يخفى على من مارس أخبارهم عليهم السلام أن عادتهم الاشارة في نصوص التقية إليها، بذكر لفظ الناس ونحوه، بل قد يقطع بعدمه في خصوص المقام، إذ لو كان الحكم مخالفا للعامة عندنا لكان في جملة من النصوص اشارة إلى الانكار عليهم، والى بيان بطلان ما هم عليه، و مخالفتهم الكتاب أو السنة، ما هو عادتهم، بل لكان ذلك معروفا بين اصحابهم نحو غيرها من المسائل العظيمة العامة، إلى غير ذلك مما يعلم به عدم خروج النصوص مخرج التقية. واغرب من ذلك، ما في المسالك - فإنه بعد ما اورد منها صحيحي ابن يقطين، وشعيب، وأخبار ابن عقبة، وابي اولاد، والحسن بن الجهم، والخبر العامي دليلا للثلث، ناقش فيها بأنه لا دلالة في الصحيحين اللذين هما العمدة على المطلوب الذى هو قبل الموت، بل صحيح يعقوب منهما صريح فيما بعد الموت، كما أن الخبر الثانة باعتبار كون " عند " من ظروف المكان المقتضية للمصاحبه دلالته على الوصية، اقوى، بل يمكن ذلك في خبر ابن عقبة، إذ حضور الموت مانع من مباشرة العتق فيراد منه حينئذ الوصية وتكون النسبة إليه باعتبار أنه السبب الاقوى في الوصية، على انه في العتق خاصة، وكذا الكلام في خبر ابن الجهم، أما خبر أبي ولاد فاشتماله على


(1) الوسائل الباب - 42 - من ابواب الصدقة والباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا

[ 72 ]

ما يخالف المجمع عليه من صحة الابراء دون الهبة يمنع من الاستدلال به، مضافا إلى اشتراك الجميع في ضعف السند عدا الصحيحين ". إذ هي كما ترى، ضرورة كون المراد من الصحيحين: بقرينة غيرهما مما ذكرنا وما لم نذكره الاشراف على الموت، ودعوى صراحة صحيح يعقوب فيما بعد الموت واضحة الفساد، إذ ليس للميت بعد الموت شئ إذا لم يوص به، بل لا ريب في كون المراد منه خصوصا بعد كونه كمذاق غيره مما لا يقبل ذلك مجاز المشارفة الذي كشف عنه باقي النصوص بلفظ عند، وحضر، وأتاه الموت ونحوه، كما هو واضح بادنى تأمل. ومنه يعلم فساد المناقشة في خبري ابن الجهم وعلي بن عقبة، وأما خبر ابن أبي ولاد المعتضد بغيره مما عرفت فلا يقدح في الاستدلال به على المطلوب اشتماله على غيره مما لا نقول به، خصوصا بعد منع بطلان هبة ما في الذمة التي مرجعها إلى الابراء، بل قد يقال: بكون المراد منه الترقي إلى جواز الهبة، على معنى أنه لو وهبته شيئا جاز ويحسب من الثلث، فضلا عن الابراء الذي هو أولى بالجواز. وبالجملة من أحاط خبرا بما ذكرناه من النصوص وتدبرها وتدبر إعتضاد بعضها ببعض، يقطع بفساد هذه المناقشة، ما أنه يقطع بفسادها من حيث السند، إذ لا تبين أعظم من هذا الاعتضاد، وعمل من عرفت بها، على أن فيها الصحيح والموثق، والحسن ن بل قد عرفت استغنائها عن النظر في اسانيدها ببلوغها درجة القطع، كما لا يخفى على من أعطاه الله قوة حدس في كلماتهم عليهم السلام. وأخرف شئ قوله " إن أجود ما في هذا الباب الخبر العامي سندا ودلالة، ومن ادعى خلاف ذلك فالسيرة ترده " إذ قد عرفت ما ذكرنا أن غيره من النصوص أوضح، كما هو ظاهر كل ذلك، مضافا إلى ما في نصوص الاصل من قلة العدد وقصور السند واتحاد الراوي في كثير منها، وكونها مطلقه قابلة للتقييد بغيرها، إذ ليس في حسن المحاملي وما كان نحوه (1) صراحة في شمول الاحقية للتنجيز، فيمكن حملها على غيره، بل محتمل لارادة الثلث خصوصا إذا قرء بفتح اللام ولوحظ ما دل


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 8 - 3 - 7 - وغيره.

[ 73 ]

من النصوص على ان الذي له عند الموت - الثلث بل قد يعين ذلك قوله في موثق عمار (1) " إذا اوصى به كله فهو جائز " إذ لم يقل أحد بنفوذ الوصية من الاصل عداما سمعته من علي بن بابويه، واحتمال إرادة خصوص التنجيز منها - لا الوصية شرعا، ولا الاعم منها ومن التنجيز - لا شاهد له، وليس بأولى من الاحتمال الذي ذكرنا، بل منه يعلم المراد من باقي نصوص عمار المتقاربة في المذاق مع اتحاد الراوي فيها، والموجود في نسخة الاصل في الوسائل والوافي، عن الكافي " فإن تعدى فليس له إلا الثلث " ومعناه أنه إن تجاوز وتعدى في الوصية بالزائد أو التنجيز فلا يمضي منه الا الثلث. وظني والله أعلم ان الرواية كذلك، إلا أنه لما صعب فهم ذلك على بعض الناس صحفها بلفظ بعد بالباء الموحدة ثم اضاف إليها لفظ قال، على أن اختلاف النسخ يسقط الخبر عن الحجية إذ لم يعلم الخبر منهما، ورواية الشيخ له " فان اوصى " عن الكافي، بعد ذلك الاختلاف في النسخ - غير مجد. ومع الاغضاء عن ذلك كله فهو مطلق مقيد بالنصوص السابقة كغيره من نصوص عمار حتى الرابع منها، فإن الابانة أعم من التبرع، بل والخامس الذي لم يعلم المرض فيه أنه مما يخرج به التنجيز من الثلث أو الاصل، لما ستعرف من أنه ليس كل مرض يقضى بالتنجيز من الثلث مع اجمال لفظ الابانة فيه وفي غيره، وإن قيل إن المراد منها انفصاله عنه وتسليمه له، إلا أنه كما ترى خصوصا بعد معلومية عدم اشتراط ذلك، فإن الهبة مشاعا مع الاقباض لا بأس بها ايضا، بل يمكن كون المراد من الابانة الاظهار على وجه يحصل العلم بعدم رد الورثة باجازتهم، ورضاهم فتأمل. وأما خبر سماعة فيمكن ان يكون المراد من إتيان الموت فيه ما تضمنه نصوص الثلث، (2) من حضور الموت وإتيانه وعند موته ونحوها، فلا يكون حينئذ منافيا.


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 5 -. (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الوصايا.

[ 74 ]

على أنه عام يخص بالنصوص السابقة وكذا خبر ابي بصير، (1) وقوله فيه " فان أوصى " إلى آخره غير مناف، لامكان إرادة بيان ان الوصية على كل حال تخرج من الثلث، بخلاف غيرها، فإنه يخرج من الاصل قبل إتيان الموت. ومرسل مرازم (2) محتمل لبعض ما ذكرنا، مع أن كشف الحال فيه وفي غيره أن نقول إن المستفاد من نصوص الثلث - بعد ملاحظة الجمع بين مطلقها ومقيدها خصوصا مفهوم خبر ابي بصير القاضي بعدم خروج العتق من الثلث إذا لم يكن عند الموت، وملاحظة اصالة خروج التصرف من الاصل - عدم العبرة بمطلق المرض الذي منه ما يستمر السنون المتعددة بالمقطوع بالسيرة القطعية عدم خروج منجزاته فيه من الثلث قبل بلوغه ما يتحقق به صدق حضور الموت واتيانه ونحوهما، وكذا المرض الذي هو كعدم المرض عرفا، وإن اتفق مقارنة الموت له بحيث لا يظهر كونه به. وإنما المدار على المرض الذي يصدق عليه عرفا أنه حضره الموت وأتاه ونحو - ذلك، وإن بقى اياما بل واكثر من ذلك، فإنه ليس له حد جامع لافراده إلا أن العرف واف بتنقيح كثير من مصاديقه كغيره من الامور التي ترجع إليه، ومع الشك فالاصل الخروج من الاصل، كما أنه هو الاصل في غير المرض، وإن خيف به الموت أو ظن أو علم كالغرق والمراماة ونحوها، بل قيل: والطلق. وكيف كان فما في القواعد - وغيرها من أنه مطلق المرض الذي يتفق الموت معهن سواء كان مخوفا أولا - لا تساعد عليه الادلة، خصوصا ما يظهر من اطلاقه من اتفاق الموت معه، ولو بغيره كقتونحوه، اللهم إلا ان يقطع بعدم ارادته ما يشمل ذلك. بل وكذا ما يحكى عن الشيخ من ان المدار فيه على المرض المخوف، واختاره في جامع المقاصد، حتى أنهم احتاجوا إلى معرفة كونه مخوفا، وذكروا فيه أنه لا بد من شهادة عدلين من الاطباء الذين هم أهل الخبرة في ذلك بل في جامع المقاصد " أنه لو حصل الظن القوي بصدق قول من لم يكن عدلا منهم أو كان واحدا ففي


(1 و 2) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 2 - 6 -.

[ 75 ]

الحكم إشكال " ثم حكى عن التذكرة الجزم بعدم قبول رجل وامرأتين أو شاهد ويمين واحتمال قبول النساء إذا كان المتبرع إمرأة ولم يطلع عليها غير النساء، إلى غير ذلك مما فرعوه على ذلك، وأطنبوا فيه في باب الوصاية، وتعرضوا لكثير من الامراض وأحوالها، إذ لا يخفى عليك أنه ليس في شئ من النصوص تعليق الحكم على المخوف كي يتجه له هذا البحث عنه، بل من الواضح ظهور النصوص في دوران الحكم على حال لا يحتاج تحققها عرفا إلى امثال ذلك، لكونها من الواضحات كما هو ظاهر عند كل من تدبرها، فلا ريب في أن الاقوى ما ذكرناه. ومنه يعلم أن مرسل مرازم وغيره غير مناف لنصوص الثلث، ضرورة كونه مطلقا بالنسبة إلى ذلك فيقيد بها، كما أنه وغيره ايضا مطلق بالنسبة إلى العطية، فيقيد ايضا إذ التحقيق أن محل البحث التبرع بالمال، ولو المنفعة والدين على وجه يضر بالوارث، بل وحق التحجير وحريم الملك، كما صرح به في جامع المقاصد من دون قصد عوض دنيوي، ولو حفظ عرضه، أو حفظ ماله، أو نفسه أو من يعول به، أو نحو ذلك. بل لعل الصدقة المندوبة المراد منها السلامة منه، ضرورة عدم التعليق على مطلق التنجيز في شئ من نصوص الثلث، بل لا اثر لهذا اللفظ في مطلق النصوص، وإنما الموجود منها عتق وإبراء وعطيه ونحو ذلك، مما لا شموال له، وليس المراد من نصوص أن ليس له إلا ثلثه سوى بيان ان الثلث هو الذي له التصرف فيه بكل حال، بوصية وتنجيز وغيرهما، بخلاف غيره، فإنه ليس بهذا الحال، وكذا مرسل جامع المقاصد الذي لم نعثر عليه في كتب الاخبار. فمن الغريب ما في المسالك من الركون إليه هنا حتى احتاجوا إلى تنقيح دلالته بدعوى ان المعرف للعموم مطلقا أو في خصوص نحو المقام، مع أن في المسالك لم يذكره في أدلة الثلث وعلى كل حال فهو مقيد ايضا بما عرفت من المفهوم المؤيد باشعار غيره، وحينئذ فكل ما لم يحصل اجماع على عدم الفرق بينه وبين ما تضمنته النصوص السابقة نحو ما يبذله على نفسه وعياله ولو لزيادة الرفاهية من أكل وتزويج وغيرهما

[ 76 ]

وان لم يكن من عادته بعد أن يكون بثمن المثل، وعلى حفظ عرضه أو مصانعة ظالم أو إكرام ضيف أو غير ذلك، يبقى على اصل الخروج من الاصل المؤيد هنا بالسيرة المستمرة، والحرج غيرهما. وبه يعرف ما في الذي ذكره أخيرا القائلون بالاصل كما أن منه يعرف ما في تحديد الفاضل في القواعد للتبرع المبحوث عنه من أنه إزالة الملك عن عين مملوكة يجرى الارث فيها من غير لزوم ولا اخذ عوض يماثلها، إذ بعد وجوب تنزيل المثل فيه على المكافي ليخرج التزويج بثمن المثل بل يمكن أن يريد به ما قلناه، فيسلم من بعض ما ذكرنا فيه أولا الاقتصار على العين، مع أن في جامع المقاصد عد العارية من التبرعات وإن كان لا يخلو من اشكال أو منع، كايراده عليه بأنه صادق على الازالة بالاتلاف، مع انها ليست من التبرعات. وثانيا أنه لا يتصور فائده لقوله يجرى فيها الارث، بعد ظهور المقام في ارادة الملك للمزيل، إذ لا يتصور ازالة الملك عن عين مملوكة لا يجرى فيها الارث، وبعد تبرعا كما اعترف به في جامع المقاصد، قال: " إذ ما لا يجرى فيه الارث من الاموال الوقف، فإزالة الملك فيه انما تكون بالاتلاف، وليس مما نحن فيه ". وثالثا يرد على قوله من غير لزوم ازالة الملك اللازمة بالنذر، فإن فيه من الثلث على ما جزم به المحقق الثاني، ولو قيل الازالة هنا بالنذر وليس ايقاعه لازما قلنا بل الازالة في مثل ما لو نذر عينا مخصوصة تكون بالدفع، على ان النذر بالكلي لا إزالة ملك عين فيه، فيرد على التعريف حينئذ من وجه آخر، واحتمال أنه من الاصل حينئذ كما لو اتلف مال غيره مثلا عمدا يدفعه مضافا إلى انه خلاف الفرض وضوح الفرق بينه وبين الاتلاف المنتحل إلى المعاوضة بعد ايجاد سببه فليس من التبرع في شئ قطعا. وكيف كان فالضابط فيه ما ذكرنا، ولعل يرجع إليه ما في المسالك " من أنها ما استلزمت تفويت المال على الوارث بغير عوض، بناء على إرادة ما يشمل ما قدمناه

[ 77 ]

من العوض والمال. وعلى كل حال لا يدخل فيه تزوج المرأة نفسها ولو باقل من مهر المثل، ولا إنعتاق الاب قهرا إذا قبل اتهابه في المرض، ولا إجارة نفسه باقل من ثمن المثل، وإن قلنا بكون المحاباة في غيره من التبرعات، إلى غير ذلك مما هو غير داخل في الادلة، ولا اجماع على الحاقه فيبقى على اللاصل، وهذا حديث اجمالي قضت الحاجة باتيانه هنا لبيان عدم صراحة هذه النصوص، وانها مطلقة قابلة للتقييد، وإن اشتملت على العطية ونحوها. وأما خبر الانصاري (1) الذي عابه رسول الله صلى الله عليه واله فقد عرفت أنه ليس فيما رواه في الكافي " عند موته " فهو مطلق حينئذ، وإنما رواه كذلك في الفقيه، ويمكن أن تكون الاعابة على الثلث ايضا، لمعلومية استحباب الوصية بالاقل من الربع والخمس، حتى ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام (2) ما يقتضي مساواة الاضرار في الورثة بذلك للسرقة، خصوصا مع كون المفروض في الخبر أنه ليس له غيرهم، وأنه ترك صبية صغارا يتكففون الناس ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه واله " لو حضرته ما تركتكم تدفنونه في مقبرة المسلمين ". فقد بان لك بحمد الله وفضله أنه لا مجال للقول بالاصل، وأنه لا ينبغي للفقيه أن يعدو القول بالثلث، واستبعاده بأنه لو برء المريض من ذلك المرض صح من الاصل اجماعا يدفعه أنه لا مانع من التزام الكشف به، حينئذ كالفضولي، واظرف شئ ما وقع لفاضل الرياض في المقام، حيث ذكر أنه في زمنه السابق قد صنف رساله في المسألة قد اختار فيها الخروج من الثلث، ثم اعتذر من ذلك بأنه قد كان في غفلة من اجماعي المرتضى وابن زهرة، فرجع عنه، ولم يعلم أنهما بعد إعراض المتأخرين عنهما،


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 9 - فروع الكافي ج 2 ص 236. (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 -.

[ 78 ]

بل لم يثبت كون شهرة المتقدمين عليهما، إذ بعض من نسب إليه ذلك كابن حمزة قد تحققنا خلافه في وسيلته، وبعضهم له قولان في المسألة، وآخر لا صراحة في كلامه كالكليني، فإنه إنما عنون الباب بلفظ نصوص عمار التي قد عرفت عدم صراحتها في المطلوب، بل قد سمعت أن الشيخ ربما حكى عنه ما يقضي بأن المعروف بين الاصحاب في ذلك الزمان القول بالثلث لا يقاومان ما سمعته من الادلة، خصوصا بعد احتمال أو ظن أو قطع كون المراد منهما الاجماع على قاعدة التسلط على المال، لا خصوص ما نحن فيه، كما اشار إليه ابن ادريس في استدلاله على الاصل، بأنه لا خلاف في ان للانسان التصرف في ماله كيف شاء، وحينئذ فمرجعه إلى العام المخصوص، أو المطلق المقيد بما عرفت ما قدمناه كله. مضافا إلى نصوص الاقرار المتضمنة لنفوذه من الثلث مع التهمة، وبدونها من الاصل، ولولا تعلق حق الوارث في الجملة بحيث لا يمضي الاقرار عليه، لم يكن وجه للنفوذ من الثلث، ولا ينافيه النفوذ من الاصل مع عدم التهمة، إذ لعله تعلق لا يمنع من الاقرار مع عدم التهمة، فإن تعلق الحقوق بالنسبة إلى ذلك مختلف، إذ قد عرفت عدم منع تعلق حق الغرماء من الاقرار بالدين السابق في المفلس عند المصنف وغيره. وعلى كل حال فلا ينكر ظهور هذه النصوص في تعلق حق للورثة في الجملة بالتركة حال المرض، وهو لا يتم إلا على ما ذكرنا. نعم هي مختلفة جدا، والجمع بينها بالتفصيل المزبور المنسوب إلى الاكثر. ففي خبر منصور بن حازم (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى لبعض ورثته ان له عليه دينا، فقال: إن كان الميت مرضيا فاعطه الذي أوصى له " ونحوه خبر أبي أيوب (2) عنه ايضا. وفي خبر العلا بياع السابري (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إمرأة استودعت رجلا مالا، فلما حضرتها الموت، قالت له: إن المال الذي دفعته اليك لفلانة وماتت


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 8 - 2

[ 79 ]

المرأة فأتى اولياؤها الرجل فقالوا له: إنه كان لصاحبتنا مال، ولا نراه إلا عندك فاحلف لنا مالها قبلك شئ أفيحلف لهم ؟ فقال: إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متهمة فلا يحلف ويضع الامر على ما كان، فإنما لها من مالها ثلثه " وفي خبر أبي بصير (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين و اوصى أن هذا الذي ترك لاهل المضاربة، أيجوز ذلك ؟ قال: نعم إذا كان مصدقا " إلى غير ذلك، والظاهر ارادة معنى واحد من المرضي والمأمون والمصدق، بل إليه يرجع الملي في صحيح الحلبي (2) قلت لابي عبد الله عليه السلام " الرجل يقر لوارث بدين ؟ فقال: يجوز إذا كان مليا " وخبره الآخر (3) " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أقر لوارث بدين في مرضه ايجوز ذلك ؟ قال: نعم إذا كان مليا " بناء على ما في الصحاح من أنه ملؤ الرجل صار مليا اي ثقة، أو على ان الملاءة طريق لرفع التهمة، خصوصا، إذا رجع الضمير في " كان " إلى الوارث، ولعل الاول أولى ليوافق النصوص السابقة. والتى يرجع إليها ايضا. مكاتبة محمد بن عبد الجبار (4) إلى العسكري عليه السلام " عن إمراة أوصت إلى رجل واقرت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه وصفر ونحاس، وكل مالها اقرت به للموصى له، واشهدت على وصيتها، وأوصت أن يحج عنها من هذه التركة حجتان، وتعطى مولاة لها اربع مأة درهم، و ماتت المرأة وتركت زوجا، فلم ندر كيف الخروج من هذا، واشتبه علينا الامر، و ذكر الكاتب أن المراة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصح لهذا الوصي، فقال لها: لا تصح تركتك لهذا الوصي إلا باقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود، وتأمريه بعد أن ينفذ ما توصيه به، فكتبت له بالوصية على هذا، واقرت للوصي بهذا الدين، فرأيك ادام الله عزك في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا، وتعرفنا ذلك لنعمل به إنشاء الله، فكتب عليه السلام بخطه إن كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين


(1) (2) (3) (4) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 14 - 5 - 7 - 10 -.

[ 80 ]

من رأس المال إنشاء الله، وإن لم يكن الدين حقا انفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف " فان الظاهر رجو ذلك إلى الاتهام باخبار الكاتب وغيره، ومن هنا علق الامر عليه السلام على معروفية الدين ومفهوميته، وكونه حقا. كما أن مرجع غير ذلك من النصوص المطلقة إلى التقييد المزبور، كخبر اسماعيل بن جابر (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اقر لوارث له وهو مريض بدين له عليه ؟ قال: يجوز إذا اقر بدون الثلث " وخبر سماعه (2) " سألته عمن أقر لوارث له بدين عليه وهو مريض ؟ قال: يجوز عليه ما أقر به إذا كان قليلا ". وخبر أبي ولاد (3) " سألت أبا عبد الله عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه ؟ قال: يجوز ذلك، قلت: فإن أوصى لوارث بشئ ؟ قال: جائز ". وخبر القاسم بن سليمان (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه ؟ فقال: لا تجوز وصية لوارث ولا اعتراف له بدين " وخبر السكوني (5) المتقدم سابقا وخبره الاخر (6) قال امير المؤمنين عليه السلام " في رجل اقر عند موته لفلان وفلان لاحدهما عندي الف درهم ثم مات على تلك الحال، أيها أقام البينة فله المال، فإن لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان ". وخبر سعد بن سعد عن (7) عن الرضا عليه السلام " قال سألته عن رجل مسافر حضره الموت فدفع مالا إلى رجل من التجار فقال له: إن هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير، فادفعه إليه يصرفه حيث شاء، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الذي


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 3 - 9 - 4 (4) الوسائل الباب - 15 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 -. (5) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 12 -. (6) الوسائل الباب - 25 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 -. (7) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 6 -.

[ 81 ]

جعله له بالامر، ولا يدري صاحبه ما الذى حمله على ذلك كيف يصنع ؟ قال: يضعه حيث شاء ". إلى غير ذلك ما يجب حمله على التقييد المزبور في النصوص السابقة، ومنه يعلم ضعف جميع الاقوال في المسألة المستلزم كل منها أو اكثرها طرح أكثر النصوص أو بعضها. فمنها: القول بأنه من الاصل مطلقا كما هو المشهور بين القائلين بان المنجزات منه، لا من الثلث، لعموم " إقرار العقلا "، لاقتضاء الحكمة قبول إقراره، والا بقيت ذمته مشغولة في بعض الاحوال، وصاحب المال ممنوعا عن حقه. ومنها أنه إن كان عدلا مضى من الاصل، وإلا فمن الثلث، وكان مستنده إرجاع تلك الاوصاف في النصوص المزبورة إلى العدالة وفيه أنه لا شاهد عليه، ولا تنافي بين العدالة والتهمة المفروضة في كلام كثير من الاصحاب من القرائن الحالية أو المقالية كما لا تنافي بين الفسق وعدمها كما هو واضح. ومنها: التفصيل بين الاجنبي والوارث، فالاقرار للاول من الاصل مطلقا، والثاني كذلك مع عدم التهمة، ومعها من الثلث، وهو المحكي عن ابي حمزة، وفيه طرح للنصوص المقيدة بالاجنبي أو المطلقة. ومنها: ما في النافع من أن الاقرار للوارث من الثلث مطلقا وللاجنبة مع التهمة، وبدونها من الاصل. وفيه طرح للنصوص المقيدة في الوارث. ومنها: ما عن المفيد من أنه إن كان بدين مضى من الاصل، وإن كان بعين وكان عليه دين يحيط بجميع التركة قبل إقراره إن كان عدلا مأمونا، وإن كان متهما لم يقبل اقراره، وفيه طرح لبعض النصوص السابقة. ومنها: ما عن التقي من عدم الفرق بين الصحيح والمريض في مضي الاقرار إن كان مأمونا، وعدمه إن كان غير مأمون وهو غريب، إذ لا خلاف في مضي اقرار الصحيح من الاصل مطلقا.

[ 82 ]

ومنها: ما عن النهاية والقاضي من اشتراط العدالة وانتفاء التهمة في المضي من الاصل، واشتراط انتفائهما معا في المضي من الثلث، قال الاول: " إقرار المريض جايز على نفسه للاجنبي والوارث إذا كلان مرضيا موثوقا بعدالته، فإن كان غير موثوق به، وكان متهما فإن لم يكن مع المقر له بينة اعطى من الثلث، ويمكن ارجاعه إلى المشهور، إن لم يكن الظاهر، فتكون الاقوال ستة، لا سبعة، وربما عدت عشرة والامر سهل بعد ان عرفت ان الاصح منها الاول الذي يجتمع عليه جميع النصوص. لكن اشكله بعضهم بأنه ليس في شئ منها الدلالة على النفوذ من الثلث مع التهمة، وإنما تدل على عدم النفوذ مطلقا بالمفهوم. وفيه ان خبر العلاء وخبر اسماعيل بن جابر ظاهران في ذلك، بل لعله هو مقتضى المفهوم بعد الاجماع على عدم جريانه، لئلا يلزم اتحاده مع المنطوق حينئذ. نعم قد يشكل بأن المتجه إخراج ثلث ما اقربه من الدين من ثلثه، والامضاء في ثلث العين المقر بها من دون غرامة قيمة الباقي من ثلثه، لان الدين بعد الموت يتعلق بمجموع التركة، ولذا لو أقر الوارث نفذ في حصته بالبينة، ولان تعلق حق الورثة يمنع من نفوذ الاقرار في الزائد على الثلث، فلا تقصير منه يوجب الضمان للمالك كما أنه لا مقتضى لغرامته للوارث من ثلثه لو اخذها المقر له بالاقرار. ويدفع ايضا في الدين بظهور الفتاوي وبعض النصوص كخبر اسماعيل بن جابر، بل لعله المنساق من جميعها في خروج ما أقر به منه من الثلث، ولعله للفرق بينه وبين اقرار الوارث الذي حصل له سبب مالك حصته، وهو الموت، والدين إنما يمنع عنها بالنسبة، بخلاف اقرار الميت المقتضي لشغل ذمته والتأدية من ماله الذي لم يعارضه فيه غيره بتعلق حق ونحوه. وفي العين بأن مقتضى عموم الاقرار وكون المال في يده دفعها إلى المقر له، لانه المخاطب بذلك، ولا إثم عليه في الواقع، ولكن في الظاهر منعه الشارع عما يقتضي اضرار الورثة من التصرفات التي لم تكن مستحقة عليه التي منها ما نحن فيه، إذ

[ 83 ]

إقراره لم يثبت به سبق الاستحقاق على وجه ينفذ على غيره. فالجمع حينئذ بين الحقوق جميعها يكون بتدارك ضرر الورثة بدفع قيمة ما فات عليهم من ثلثه، فلو لم يكن له ثلث كان للورثة منع المقر له من أخذها، وكذا الكلام في المنجزات، بل لعل الاقرار بعد عدم ثبوت السبق به منها، وإن لم يكن إنشاء، إذ هو سبب في الحكم بإزالة الملك في العين، وشغل الذمة بالنسبة إلى الدين، كالنذر في ايام المرض، بناء على أنه من الثلث. ومنه ينقدح حينئذ احتمال التفصيل بالتهمة وعدمها في ساير المنجزات، على معنى أنه إن كان قداتهم بقصد الاضرار بالورثة بالتنجيز، والفرار من الارث كان ذلك من ثلثه، وإلا فمن الاصل، وبه حينئذ يجمع بين النصوص السابقة، وربما كان في ذيل صحيح عبد الرحمن الطويل إيماء في الجملة إليه، لكن ظاهر الاصحاب خلاف ذلك، بل يمكن دعوى الاجماع على عدم وجود اعتبار التهمة وعدمها في المنجزات، ولعله لعدم اشعار النصوص السابقة على كثرتها بذلك. بل قد يقال بمنع كون الاقرار من المنجزات التي قد تقدم الخلاف فيها، ضرورة تضمن تلك النصوص للعتق والهبة ونحوهما، مما لا يشمل الاقرار، ولا منقح، فالذي تقتضيه الضوابط كونه من الاصل مطلقا، لكن أخرجت عنها صورة التهمة، لا أن مقتضاها الخروج من الثلث باعتبار تعلق حق الورثة، وخرجنا عنها في صورة المأمونية بالنصوص، إذ الظاهر من النص والفتوى عدم تعلق حق للوارث في العين حال الحياة. ومن ذلك يظهر لك الحال في حكم الواسطة أي الذي لم يعلم كونه مأمونا وعدمه، وفيما لو ادعاها الوارث على المقر له، فإن القول قول المقر له مع يمينه على عدم العلم بالتهمة، لا على العلم بعدمها، لانه يمين على نفي فعل الغير، ويكفي حينئذ في الحكم للمقر له بالحق مجرد الاقرار مع عدم ظهور المانع من صحته، وإن لم يعلم صحة السبب، كما جزم به في المسالك، بل ويظهر ايضا فيما لو اقر بمنجز ولم يسنده إلى ما قبل المرض، لكن في جامع المقاصد أنه لا يبعد جعله من الثلث،

[ 84 ]

وإن لم يكن تهمة، لان الاقرار إنما يقتضي اللزوم قبيل زمان الاقرار بمقدار ما يمكن انشاؤه، ومقتضاه حينئذ سقوط حق المقر له مع عدم وفاء الثلث، وفيه نظر. وعلى كل حال فإقراره يلزم به في الظاهر لو برء، سواء كان متهما أو غير متهم للعموم، واحتمال أنه كالوصيه في عدم اللزوم إذا كان متهما وقلنا بالخروج من الثلث كما ترى، وتمام الكلام في هذه المسائل كلها في محالها إنشاء الله وانما اقتضت الضرورة لذكره هذه النبذة منها على الاجمال. كما أنها اقتضت البحث في حال تركة الميت مع الدين، إذ هي من المال المحجور على مالكه التصرف فيه، بناء على انتقالها إلى الوارث، وأن الدين متعلق بها تعلق الرهانة، ولكن تحقيق الحال فيها أن الاجماع بقسميه على تعلق الديون بها في الجملة، وعلى عدم انتقالها إلى الديان، كما أن الاجماع بقسميه أيضا على انتقالها إلى الوارث مع عدم الدين والوصية، بل حكاه بعضهم ايضا على انتقال الفاضل عن الدين مع عدم الوصية، وعلى انتقال الزائد عن الثلث إليهم معها وإن اوصى به. إنما الكلام في انتقالها اجمع إلى الوارث مع الاستيعاب، وفي انتقال المقابل للدين منها مع عدمه، فخيره الحلي، والمصنف، والفاضل في الارشاد، والشهيد، ومحكي المقنع، والنهاية، والمبسوط، في أحد النقلين والخلاف والنهاية، وفقه الراوندي، قيل ومال إليه الفخر ووالده في وصايا المختلف، أو قالا به الثاني، وانه باق على حكم مال الميت، بل في المسالك والمفاتيح نسبته إلى الاكثر بل في وصايا السرائر " إذا كان على الميت دين يحيط بالتركة، فإنها بلا خلاف بيننا لا تدخل في ملك الغرماء، ولا ملك الورثة، والميت قد انقطع ملكه وزال، فينبغي أن تكون موقوفة على انقضاء الدين. وفي دينها " ان اصول مذهبنا تقتضي ان الورثة لا يستحقون شيئا من التركة دون قضاء جميع الديون، ولا يسوغ ولا يحل لهم التصرف في التركة دون القضاء إذا كانت بقدر الدين، لقوله تعالى (1) " من بعد وصية يوصي بها أو دين " فشرط صحة


سورة النساء الاية - 12 -.

[ 85 ]

الميراث وانتقاله أن يكون ما يفضل عن الدين، فلا يملك الوارث الا بعد قضاء الدين " إلى اخره للآية الظاهرة في أن ملك السهام بعد الدين، لظهو اللام في الملك لا استقراره. ولصحيح عباد بن صهيب أو موثقته (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل فرط في اخراج زكاته في حياته، فلما حضره الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما يلزمه من الزكاة، ثم أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له قال: جائز يخرج ذلك من جميع المال، إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه، ليس للورثه شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة " وصحيح سليمان بن خالد (2) عنه عليه السلام أيضا " قضى أمير المؤمنين في دية المقتول أنه يرثها الورثة على كتاب الله، وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين ". والسيرة المستمرة على تبعية النماء للتركة في وفاء الدين وهو مستلزم لبقائها على حكم مال الميت لا الورثة خلافا لقواعد الفاضل وجامع المقاصد والمبسوط في النقل الاخر والتحرير، والتذكرة، وقضاء المختلف، وحجر الايضاح، ووصاياه، وحواشي الشهيد، وقضاء المسالك ومواريثه، ومواريث كشف اللثام، فاختاروا الاول، بل ربما استظهر من بعضهم أنه المشهور، ومن التذكرة الاجماع عليه، حيث قال: الحق عندنا ان التركة تنتقل إلى الوارث، لمعلومية عدم بقاء المال بلا مالك، كمعلومية عدم كونه في المقام للغرماء للاجماع بقسميه وغيره، بل والميت ضرورة كون الملك صفة وجودية لا تقوم بالمعدوم، كالمملوكية ولذا لم يدخل في ملكه جديدا إذ لا فرق بين الابتداء والاستدامة وقضاء الدين من ديته، ومما يقع في شبكته بعد موته أعم من ملكيته لذلك، فتعين كونه للوارث، ولانها لو لم تنتقل إليهم لما شارك ابن الابن مثلا عمه لو مات ابوه بعد جده، وحصل الابراء من الدين، والتالي باطل إجماعا، ولان الحالف مع الشاهد إنما هو الوارث المخاصم في مال الميت، فلولا الانتقال لساوى الغريم في عدم اثبات مال الغير


(1) الوسائل الباب - 40 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - (2) الوسائل الباب 10 - من ابواب موانع الارث الحديث - 1 -.

[ 86 ]

بيمينه، وتعلق الحق لو سلم لا يسوغ ذلك ولانه لا خلاف في أن الورثة أحق بأعيان التركة من غيرهم، بل الاجماع بقسميه عليه، ومن هنا حكي عن بعضهم أن النزاع في القيمة لا في نفس الاعيان " وفي كل من الدليلين نظر، أما الايه فالمراد منها بعد الاجماع على ملك الوارث للثلثين مع الوصية بالثلث والاجماع المحكي الذى يشهد له التتبع على ملكه الزائد على مقابل الدين بيان كون تقدير السهام بعد الوصية والدين دفعا لتخيل كون الثلث مثلا من اصل المال، فلا تعرض فيها حينئذ لمالك ما يقابل الوصية والدين أنه الميت أو الوارث، ضرورة عدم منافاة المعنى المزبور لكل منهما، إذ مرجعه إلى نحو النصوص (1) الواردة في بيان الحال في تركة الميت، من اخراج الكفن أولا، والدين ثانيا، والوصية ثالثا والسهام رابعا، وإن لم يكن فيها بيان تمام ذلك، فالتقدير حينئذ هذه السهام من بعد الوصية والدين، لا أن المراد منها تعليق الملك بعد الوصية والدين، لنمافاته حينئذ الاجماع المزبور، سواء أريد بعد ايصاله الوصية والدين إلى أهلها، أو بعد عزلهما وتعيينهما. واحتمال كون المراد منها تعليق جواز التصرف في الملك، أو استقراره مع بعده غير نافع للخصم، بل هو ضار له، كتقدير سعة المال بمعنى أن هذه السهام من اصل المال لاهلها مع سعة المال للوصية والدين، وإن وجب عليهم حينئذ التادية منها، فتبقى السهام حينئذ على ما هو المنساق منها، من كونها من اصل المال، خصوصا مع قوله تعالى (2) " مما تركتم " ويكون مورد الاية حينئذ والمقصود منها بيان حكم التركة الزائدة، وكذا تقدير العزل والاداء. وعلى كل حال ما ذكرناه اولى من الجميع، بل هو المقطوع به بعد التأمل الجيد، وربما يرجع إليه بعض ما سمعت، ومنه يظهر لك ما في الذي اطنب فيه الاردبيلي وتبعه عليه غيره، بل منه يظهر لك ما في كلام كثير من الاصحاب فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل الباب - 28 - من ابواب احكام الوصايا. (2) سورة النساء الاية - 12 -.

[ 87 ]

وأما احتمال كون المراد " من بعد " فيها الكناية عن ملك الزائد على الوصية والدين، فهو مع انه لا يساعد عليه اللفظ كمال المساعدة غير مجد للخصم، ضروره كون أقصاه بيان حكم الزائد لا غيره، واشعار التقييد حينئذ بعدم ملكه لغيره يدفعه احتمال كون ثمرة التقييد حينئذ بيان انه الملك المجدي للوارث النافع له، بخلاف غيره الذي يزول عنه بأدائه للوصية والدين. بل لعل ذلك أولى من الاول الذي لا قرينة على تعيينه. ومما ذكرنا يظهر لك النظر في الاستدلال بصحيح عباد (1) المعلوم عدم سوقه لبيان ذلك، وأنه لا معنى لارادة نفي الملك منه بعد الاجماع المزبور، وتخصيصه بمقابل الوصية والدين مناف لظاهره إذ لا يرجع لفظ حتى فيه إلى معنى محصل، ضرورة أنه يكون معناه ليس لهم ذلك حتى يؤدوه وحمله على خصوص التادية من غير التركة ما ترى فلابد من حمله حينئذ على جواز التصرف أو استقرار الملك أو غير ذلك، وكذا صحيح سليمان (2). وأما السيرة فقد يمنع تحققها على وجه يجدى، ولو سلم فهي اعم من الكون على حكم ملك الميت، إذ يمكن كونه ملك الوارث، ومع ذلك يجب دفعه في الدين لها كالاصل، كما هو واضح. وأما ادلة القول الثاني ففي اولها أنه لا مانع عقلا ولا شرعا في بقاء المال على حكم ملك الميت، بل لابد من التزامه في مثل الوصية بالثلث للعبادة ونحوها، والتزامه فيمن لم يكن له وارث إلا مملوك يشتري فيعتق حتى يرث، والتزام كونه للورثة في الاول ويجب عليهم تأديته في تلك المصارف كما في جامع المقاصد لا داعي له، ولا دليل عليه، مع أنه لا يتم في مثل الثاني، ودعوى الاجماع على عدم بقاء المال بلا مالك بحيث لا يكفى هذا الحكم من الملك واضحة المنع. وما أبعد ما بين ذلك وبين القول بأنه يملك جديدا حقيقة كما عن ثاني الشهيدين


(1) الوسائل الباب - 40 - من ابواب احكام الوصايا - الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب - 10 - من ابواب موانع الارث الحديث - 1 -.

[ 88 ]

والفخر، ناسبا له إلى بعض، بل قيل: إنه ربما أراد به المصنف في باب القصاص فيما إذ شهد به الوارث على جرح الموروث قبل الاندمال، محتجا بوفاء الدين من ديته الحاصلة بعد موته، ومما يقع في شبكته. وفيه أنه أعم من صفة الملك حقيقة، ولعله لا يريدها بل يريد ما يرجع إلى حكم الملك، ضرورة معلومية زوال الملك بالموت، وقد سمعت نفي الخلاف فيه، من الحلي والامر سهل في ذلك حيث لا ثمرة معتدة بها فيه. وشركة ابن الابن عمه أعم من الدعوى، إذ لعله لارثه الاستحقاق الذي كان لابيه، فانه لا اشكال في استحقاق الوارث المال المقابل للدين لو اتفق ارتفاعه بابراء ونحوه، وإن قلنا بكونه على حكم مال الميت حاله، ولذا كانت الخصومة في أموال الميت له، بل قد عرفت أنه الذي يحلف مع الشاهد، ولعله لهذا الاستحقاق الذي كان الدين مانعا عنه جاز يمينه عليه، وإن لم يكن ملكا له بالفعل، ضرورة كونه ليس كغيره من الحقوق التي لم تجز اليمين لاثبات المال معها، كحق الرهانة وغرماء المفلس ونحوهم، والمسلم من أحقية الوارث عدم مزاحمة الغير له لو أراد العين بثمنها، وهذا أعم من الملكية. ومنه يعلم أن دعوى النزاع في القيمة لا العين لذلك في غير محلها، بل كلمات الاصحاب صريحة في خلافه، كما لا يخفى على الملاحظ لها فتأمل جيدا. فانه قد بان لك من ذلك كله النظر في الحجتين. لكن لا ريب في ان الاقوى القول الثاني لا لما ذكروه، بل لانه بعد ما عرفت من عدم دلالة الاية والرواية على البقاء على حكم مال الميت، لم يكن معارضا لما دل على أن جميع تركة الميت لوارثه بموته من العمومات وغيرها، كقوله عليه السلام (1) تركه الميت لورثته " وغيره ووجوب الوفاء غير قادح. نعم في الوصية بالثلث بما يرجع إلى الميت لا يبعد البقاء على حكم مالهن للنصوص الدالة على ان له مع الوصية من ماله ثلثه، وتعذر الملك حقيقة يعين إرادة بقاء حكم


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 3 - وغيرها.

[ 89 ]

الملك، فهي في الحقيقة مخصصة لتلك النصوص، إذ هو اقرب من احتمال الجمع بينها بإرادة حصول النفع للميت، فلا ينافي ملك الورثة لها كما هو مقتضى العموم الاول وإن وجب عليهم صرفها فيما أوصى به، كما لا يخفى على من لاحظها فإنها ظاهرة كمال الظهور في عدم ملك الوارث لها. وبذلك افترقت الوصية عن الدين، فإنه ليس فيما عثرنا عليه من الادلة ما يدل على نحو ذلك، الاما عرفت النظر فيه، مضافا إلى اقتضاء القول ببقاء مقابل الدين على حكم مال الميت وملك الوارث الزائد تجشما وتكلفا، إذ هو إن رجع إلى الاشاعة على معنى أنه لو فرض مقابلة النصف وقت الوفاة كان المال بين الميت والورثة نصفين، واتجه التوزيع لو انفق نقصان السعر أو التلف، لا اختصاص الوارث وعود المال إلى ملك الميت كما هو المعروف بين الاصحاب، وإن لم يرجع إلى الاشاعة اقتضى ملكا للكلي في غير الذمة، وقد عرفت أن التحقيق احتياجه إلى الدليل في باب بيع الصاع من الصبرة ولا دافع لذلك إلا التزامه للدليل، كما سمعته في خبر الاطنان (1) أو التزام الاول والتخلص مما سمعته بدعوى المراعاة في الملك لا العود من الوارث والكل تجشم. ولعله مثله لازم في الوصية لو كان قد اوصى بكلى من ثلثه كالف ونحوه، فانه لا ينقص ما دام في الثلث سعة، ولا يرجع إلى حصة معينة منه بحيث لو نقص اصل المال بسعر أو تلف دخلها النقص على تلك النسبة. لكن الجميع كما ترى لا يخلو من اشكال. أما الدين فلا يرد فيه شئ من ذلك، بناء على المختار من كون الجميع ملك الورثة، وربما نلتزم مثله في نحو هذه الوصية وإن اخترنا كونها على حكم مال الميت لو أوصى بالحصة المشاعة على الوجه الذي عرفت، فتأمل جيدا فإنه قل من تعرض للوصية والذي تعرض لها جعل حكمها حكم الدين اغترارا بظاهر الاية، وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك.


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 1 -.

[ 90 ]

وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا حكم ما لو لم يكن الدين مستغرقا إذ على ما قلناه لا فرق بينهما في الانتقال إلى الوارث، أما على القول الاول فقد صرح بعضهم بأن حكم المقابل حكم المستوعب في البقاء على ملك الميت، وأما الفاضل فهو ملك الورثة وقد سمعت حكاية بعضهم الاجماع عليه، ومن الغريب ما عن الفاضل في ارث القواعد من ان التركة مع الاستيعاب للورثة، وأما إذا لم يكن مستوعبا فما قابل الدين على حكم مال الميت، ولم يحضرنا الان ما يشهد له من آية أو رواية أو اعتبار. والامر سهل بعد وضوح الحال لديك، كوضوح الثمرات المترتبة على هذا الخلاف التي منها: أنه لا إشكال في تعلق الدين بالنماء بناء على بقائها على حكم مال الميت، أما على الانتقال إلى الوارث، فالمتجه عدمه، للاصل، ودعوى تبعية النماء للمال في التعلق ايضا ممنوعة، وقد سمعت في باب الرهن منعها، على أنك ستعرف أن التعلق هنا ليس كتعلق الرهن. فنقول: إن تعلق الدين بالتركة هل هو تعلق رهن حتى لا يجوز للورثة التصرف كما هو المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا، أو ارش جناية فيجوز كما عن السيد الرضي، بل هو ظاهر قواعد الفاضل في باب الرهن، أو تعلقا مستقلا ؟ كما هو خيرة جامع المقاصد، والمحكي عن الفخر، والظاهر أن هذا البحث يأتي على القولين، إلا أن ثمرته في المستوعب على الاول نادرة، ضرورة عدم جواز تصرف الوارث بعد أن لم يكن مالكا على كل حال. نعم قد تظهر ثمرته في الوصي باعتبار تصرفه في التركة لقضاء الدين، فإنه لا يجوز على الاول من دون إذنهم كالرهن، وعلى الثاني يجوز كالثالث في احتمال، ولو قيل: بأن الكل متفقون على جواز التصرف للدين من دون إذن الغرماء، وإنما مراد القائل بتعلق الرهانة بالنسبة إلى نفوذ تصرف الوارث، سقطت الثمره من هذه الجهة. وكيف كان فالتحقيق أنه تعلق مستقبل لا يدخل في أحد التعلقين، ضرورة خروجه عن موضوعهما، فلا يشمله دليلهما، والشبه بكل منهما من جهة يقتضي خروجه عنهما، وكثرة وجه الشبه بأحدهما لا تقتضي لحوق أحكامه، ولعل مراد الاصحاب في

[ 91 ]

هذا الخلاف أن الدليل ولو الاصل يقتضي كون التعلق تعلق الرهانة في الاحكام والارش وإلا فمعلوم خروجه عن موضوعها، وان الشبه في الجملة لا يثبت جميع الاحكام. وعلى كل حال فقد جزم المحقق الثاني، والفخر، والشهيد في المحكي عنهما، بخروجه عنهما نعم قال الاول: يحتمل المنع من التصرف بالعتق بالبيع ونحوهما، لمنافاته حكمة التعلق لاقتضاء نفوذ التصرف ضياع الدين، ولصيرورة العين به كالمال المشترك، ويحتمل العدم، للاصل، بل الاصول، ولا منافاة بعد ثبوت التسلط الذي الحق على الفسخ إن لم يدفع له، ففي الصحة حينئذ جمع بين الحقين، وتحتم الاداء على الوارث حكمة التعلق. كما أن سلطنة الغريم على الفسخ تنفي الضياع، ومن هنا قال: " التحقيق أن القول بالنفوذ أقوى " قلت: هو كذلك، لكن لا ثمرة ظاهرة غالبا حينئذ بينه وبين القول بتعلقه تعلق الارش. وعلى كل حال فهل يشترط في تعلق الدين بمجموعة التركة استغراق الدين إياها أو أزيد فلو كان انقص لم يتعلق إلا بقدره، لان الحجر إنما وقع لاجل الدين فيختص بقدره أم لا يشترط لانه لا أولوية لبعض على بعض في اختصاص التعلق به لان الاداء لا يقطع بكونه بذلك البعض، لجواز التلف، ولظاهر الاية (1) بناء على أنها لتعلق الملك، أو جواز التصرف، وصحيح عباد المتقدم (2) بل وصحيح سليمان (3) ولان الميت لما خرج بالموت عن صلاحية استقرار الدين في ذمته، وجب أن يتعلق بكل ما يمكن اداؤه من امواله لان حدوث تعلقه ببعض آخر عند تلف بعض معلوم انتفاؤه اشكال " أقر به الاول " في القواعد والمحكي عن حواشي الشهيد وجامع الشرايع، والمسالك، والكفاية، " والاصح الثاني " في جامع المقاصد، وهو المحكي عن ميراث القواعد وحجر الايضاح ورهنه وإرث الدروس وإيضاح النافع، وظاهر المبسوط وقد يؤيد الاول مضافا إلى السيرة وإلى استبعاد الحجر على مال كثير بدين يسير، بل لا يخلو من


(1) سورة النساء الاية - 12 - (2) الوسائل الباب - 40 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - (3) الوسائل الباب - 10 - من ابواب موانع الارث الحديث - 1 -

[ 92 ]

ضرر وحرج الحسن أو الصحيح أنه (1) سئل عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين أينفق عليهم من ماله ؟ قال: إن استيقن ان الذي عليه يحيط بجميع المال، فلا ينفق عليهم، وإن لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال، ونحوه خبر عبد الرحمان بن الحجاج (2) عن أبي الحسن عليه السلام إذ هما وإن كانا في التصرف الاتلافي الذي يمكن أن يمنعه ايضا القائل بتعلق الارش أو التعلق المستقل، وإن جوز غيره مما ليس فيه إتلاف للعين، لكن دال على غيره بطريق أولى، من إمكان المناقشة في ادلة الثاني بأنه لا أولوية بعد أن كان التعلق بالمقابل الكلي، والاية قد عرفت المراد منها، والصحيح كما أنه محتمل لتعليق جواز التصرف، محتمل لاستقرار الملك، وأولى منه بذلك صحيح سليمان، ولا حدوث للتعلق بعد تلف المعزول له، بل هو انكشاف لكون التعلق بالذي تصرف فيه الوارث. ومنه يظهر الوجه في تسلط الغريم على الفسخ لو فرض تصرف الوارث ولم يؤد الدين وضمانه لو كان قد أتلفه، واحتمال عدم جواز الفسخ للاذن في التصرف الذي وقع حال عدم تعلق الدين في غاية الضعف، كتعليله، فبان لك حينئذ من ذلك كله قوة القول بالتفصيل بين المستوعب وغيره، الذي تظهر ثمرته على تقدير كون التعلق تعلق رهانة، أو مستقلا يمنع من التصرف، أما إذا قلنا بعدم منعه حتى في المقابل فلا ثمرة له ظاهرة غالبا، كما أنه بان لك مما ذكرناه عدم الفرق في جواز التصرف عند القائل بأنه تعلق ارش أو مستقل بين الاستيعاب وغيره، كما هو مقتضى ما سمعته من الادلة. لكن عن قضاء الايضاح والمسالك، وظاهر قضاء دين الميت من السرائر، الاجماع على عدم جواز التصرف مع الاستيعاب، وأن الاشكال في غير المستوعب، قال في الاول: " أجمع الكل على انه إذا مات من عليه دين يحيط بجميع التركة، لا يجوز للوارث التصرف فيها إلا بعد قضاء الدين، أو إذن الغرماء " ونحوه عن الثاني ايضا، بل في مفتاح الكرامة " أنه كذلك، يشهد له التتبع ".


(1) (2) الوسائل الباب - 29 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 - 2 -

[ 93 ]

قلت: بل التتبع شاهد بخلافه كما لا يخفى على من لاحظ القواعد، وجامع المقاصد في باب الحجر، مضافا إلى عدم اقتضاء الادلة الفرق بين المستوعب والمقابل للدين من غيره، نعم في الزائد ما سمعته من البحث السابق فلاحظ وتأمل، ولو كان على الميت عهدة كما لو كان قد حفر بئرا في طريق المسلمين عدوانا فتردى فيه بعد موته، أو كان قد سرت جنايته كذلك، ولم نقل بالكشف بها عن شغل ذمته قبل الموت، أورد مبيعه بالعيب بعد أن أتلف هو الثمن مثلا، فإن لم يكن قد تصرف الوارث بالتركة وجب الاداء منها، بلا خلاف أجده فيه، كما أنه لا أجده ايضا في انتقال التركة هنا إلى ملك الوارث قبل حدوث الضمان، وإن كان السبب متقدما، ضرورة عدم اقتضاء تقدمه بقاء التركة على حكم ماله، لعدم تحقق الدين حينئذ. اللهم إلا أن يدعى الكشف ولا دليل عليه، إذ وجوب الاداء منها أعم من ذلك بل ينبغي الجزم به بناء على المختار من انتقالها إلى الوارث مع الدين المحقق فعلا فضلا عما نحن فيه، وإن كان قد تصرف فيها الوارث ببيع ونحوه ففي القواعد " احتمل فساد التصرف لتقدم سبب البلدين، فاشبه الدين المقارن، وعدمه، فإن ادعى الوارث الدين وإلا فسخ التصرف "، وكأنه بنى الاول على كون التعلق تعلق رهانة وقد عرفت ما فيه سابقا. مع أنه لو سلم في الدين المقارن أمكن منعه هنا، للاصل، وتقدم السبب لا يقتضى تقدم المسبب، واقصى العهدة تعلق الدين الحادث بالتركة، لا منع الوارث من التصرف، ودعوى حدوث البطلان بحدوثه محتاجة إلى دليل، فلا ريب أن الاصح الاحتمال الثاني على هذا التقدير، فضلا عن المختار، بل إن لم يقم اجماع على تسلطه على الفسخ إن لم يؤد الدين الوارث أمكن منعه، للاصل ولكن يقوى حينئذ تعلق الدين بالعوض لكونه بدل المال ذي العهدة. أللهم الا أن يقال: إنها كالدين في التسلط على الخيار الذي منشؤه فيهما تضرر الغريم، وأن له حقا في الجملة، ومنه حينئذ يتوجه ضمان الوارث لو فرض أن تصرفه كان بإتلاف للمال من غير معاوضة، كأن يكون طعاما فأكله، أو ثوبا فلبسه، أو وهبه مجانا أو نحو ذلك فتأمل جيدا والله أعلم.

[ 94 ]

(الفصل الثاني في احكام الحجر). (وفيه مسائل: الاولى) قد تقدم سابقا انه لا خلاف معتد به في انه (لا يثبت حجر المفلس إلا بحكم الحاكم) وإنما الخلاف في توقف دفعه على حكم الحاكم على ما عرفت. (وهل يثبت) الحجر (في السفيه بظهور سفهه فيه تردد) وخلاف (والوجه) عند المصنف (أنه لا يثبت، وكذا لا يزول إلا بحكمه) وفاقا للفاضل ومحكي المبسوط وشرح الارشاد للفخر وظاهر الغنية، قيل: وكأنه مال إليه في غاية المراد، بل عن تعليق الارشاد للكركي المشهور توقف الحجر على حكم الحاكم، فيقوى حينئذ توقف إزالته عليه، وإن كان هو كما ترى، للاصل بمعانيه الثلاثة في توقف الثبوت عليه، وبمعين الاستصحاب في الزوال مؤيدة بأن موضوع السفه اجتهادي لوقوع الاختلاف في بعض ما يعد فعله سفها، وبالعسر والحرج، إذ أكثر الناس سفهاء سيما مع اعتبار العدالة وإصلاح المال والاكتساب وتحصيل المعدوم في الرشد. لكن فيه أن الاصل يقطعه ظاهر قوله تعالى (1) " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " بناء على أن المراد عدم تمكين السفهاء من اموالهم كما عن أكثر المفسرين بقرينة " وارزقوهم " إلى آخره للاجماع على عدم وجوب الانفاق على السفيه من غير ماله، والحمل على من وجبت نفقته منهم ولا مال له كما ترى. بل يشعر بذلك ايضا قوله " وقولوا لهم قولا معروفا " بناء على أن المراد الكلام الجميل والوعد بما لهم إذا رشدوا، وتعليم حفظ المال وصيانته ونحو ذلك، بل وما بعد الآية، بل قيل: وما قبلها. ولا ينافي ذلك الاضافة إلى ضمير المخاطب، باعتبار رجوعها إلى الاولياء


(1) سورة النساء الاية - 5 -

[ 95 ]

بالارث أو باعتبار كونهم قوامين ومتصرفين بها كالمبلاك أو باعتبار الاشارة إلحفظها كحفظ اموالكم، أو باعتبار أنها من جنس أموالهم التى بها قوام الكل، كما في قوله تعالى (1) " ولا تقتلوا أنفسكم " (2) و " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم " فإن المراد عدم قتل البعض بعضا وجنس ما ملكت وجنس الفتيات، لا نفس المخاطب وما ملكت يمينه وفتياته، أو غير ذلك مما يكفي في الاضافة التي كثر استعمالها لادنى ملابسة. وما في الصافي والعياشي (3) عن الصادق عليه السلام " هم اليتامى لا تعطوهم اموالهم حتى تعرفوا منهم الرشد، قيل: فكيف يكون أموالهم أموالنا فقال: إذا كنت أنت الوارث لهم " يمكن عدم ارادة الحصر منه، خصوصا بعد استفادة حكم خصوص اليتامى من الآية التي بعدها، بل روى عنه عليه السلام (4) في هذه الاية انه قال: " من لا تثق به " وفي رواية (5) " كل من يشرب الخمر فهو سفيه ". وعن الباقر عليه السلام (6) " أنه سئل عن هذه الاية فقال: لا تؤتوها شراب الخمر ولا النساء، ثم قال: وأي سفيه أسفه من شارب الخمر، ولفظ الايتاء وان كان ظاهرا في سبق الاستيلاء على المال الا انه يمكن ارادة عدم التمكين منه، على أنه بعد التسليم يمكن دلالتها على المطلوب، بناء على ما تسمعه في مفهوم آية الابتلاء (7) نعم في الصافي ايضا عن القمي عنه عليه السلام (8) أيضا أنه قال: السفهاء النساء والولد إذا علم الرجل أن أمرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لا ينبغي له ان يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعله الله له قياما يقوم به، ومعاشا قال: وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ".


(1) سورة النساء الاية - 29 - (2) سورة النساء الاية - 25 - (3) (4) (5) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 10 - - 9 - 8 -. (6) الوسائل الباب - 53 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 2 -. (7) سورة النساء - الاية - 6 (8) المستدرك ج - 2 - ص - 496 -

[ 96 ]

ولكنك خبير أنه لا يجوز الخروج عن ظاهر الاية بمثل هذا المرسل الذي يمكن عدم منافاته للمعنى المراد من الاية ايضا، فلا ريب حينئذ في استفاده المطلوب من ظاهر الاية، ضروره اطلاق النهي فيها من دون تعرض للحاكم، بل قد يستفاد من مفهوم قوله تعالى (1)، أيضا " فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم، كاستفادة عدم توقف زواله على حكم الحاكم. ودعوى خروجها عن محل النزاع للاجماع على عدم اعتبار الحاكم في الاثبات والازالة بالنسبة إلى السفه المتصل بعد البلوغ، وخصوصا الزوال، لذلك توقف عليه لطلب الناس عند بلوغهم فك الحجر عليه من الحاكم، ولكان عندهم من أهم الاشياء فالسيرة القطعيه شاهده على ذلك، وعن المبسوط " وأما حجر الصبى فإنه يزول ببلوغه ولا يحتاج إلى حكم حاكم، وفي الناس من قال: لابد فيه من حكم الحاكم، وهو خلاف الاجماع ". يدفعها أولا: ما عن نكاح التذكره من ظهور عموم النزاع مؤيدا باطلاق كثير منهم هنا، وثانيا: القطع بعدم الفرق، ضروره عدم مدخليه الاتصال بالصغر المنقطع بالبلوغ، إذ هو سبب جديد غير الاول، فإن كان لا يمنع من التصرف بالمال إلا بحكم الحاكم، وجب إعتباره في منع المالك منه، وكذا الزوال، والاتصال غير مجد، بل وكذا يستفاد المطلوب من قوله تعالى (2) " فان كان الذى عليه الحق سفيها " إلى آخره حيث اثبت الولاية بمجرد السفه. إلى ما ذكرنا يرجع الاستدلال بأن العله السفه كما يشعر به تعليق الحكم عليه فوجوده يستلزم وجود المعلول، وعدمها يستلزم عدمه، وبأنه إن جاز التصرف مع عدم حتكم الحاكم لم يكن الرش شرطان وهو باطل بالايه وبأن اشتراط جواز التصرف بالرشد يقضي بان زوال الشرط يستلزم زوال المشروط، كما أن منه يظهر الاستدلال ايضا بالاجماع السابق، بل وباطلاق النصوص التى هي نحو آية الابتلاء.


(1) سورة النساء - الاية - 6. (2) سورة البقرة - الاية 281

[ 97 ]

والتأييد الاول واضح الدفع ضرورة كون الكلام في الحجر بعد ثبوت السفه لا في موضوع السفه، وأما التأييد الثاني فيدفعه منع كون أكثر الناس سفها، على أنه مشترك الالزام، ضروره وجوب التحجير حينئذ على الحاكم من باب الحسبة، وخصوصا إذا كان هو الولى وقد تقدم في موضوع السفه ما يفيدك حقيقة الحال، فلاحظ وتأمل. ومن ذلك كله يظهر قوة القول بعدم توقفه ثبوتا وزوالا على حكم الحاكم، وفاقا لجامع المقاصد، والروضة، والمسالك، والكفاية، والمفاتيح، والرياض، على ما حكي عن بعضها، بل هو خيرة اللمعة ايضا بالنسبة إلى الثبوت دون الزوال، فأوقفه على حكم الحاكم للاصل المقطوع بما عرفت، لاحتياج معرفته إلى الاجتهاد الذي قد سمعت ما فيه، مضافا إلى انتقاضه في الثبوت. ومنه يظهر ضعف القول الرابع الذي هو عكس ذلك، وقد اعترف جماعة بعدم معرفه قائله وربما استظهر من غايه المراد للشهيد. نعم عن التحرير أنه جزم باحتياجه إلى حكم الحاكم، في الثبوت، وتوقف في الزوال عكس ما عن الارشاد. وعلى كل حال ففيه ما لا يخفى، مع أن ما قيل في وجهه من أن حك الحاكم كان مشروطا بوجوده فلما عدم السفه امتنع ثبوت الحجر، إذ يمتنع بقاؤه من دون الشرط، خصوصا على القول بأن البقاء يحتاج إلى علة، وأن عله البقاء علة الحدوث موافق للمختار، إنما الكلام في توقف ثبوته على حكم الحاكم، وليس إلا ما عرفت سابقا مما هو واضح الضعف والله أعلم. المسألة (الثانية: إذا حجر عليه) الحاكم (فبايعه انسان، كان البيع باطلا) مع عدم اجازة الولي لا معها، لما عرفت سابقا سواء كان بعين ماله أو ما في الذمة، رضي البايع بالانتظار إلى احتمال فك الحجر أولا، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عن الاردبيلي أنه يمكن تحريم اصل المعاملة معه، ومجرد ايقاع صورة البيع والشراء معه، وإن كان فيه منع واضح، وحينئذ (فإن كان المبيع موجودا استعاده البايع) عالما كان أو جاهلا بالحكم أو الموضوع، أذن بالقبض أولا، بلا خلاف أجده ولا اشكال، ضروره بقاء المال حينئذ على ملكه، فله انتزاعه، واحتمال

[ 98 ]

صيرورته في بعض افراد المسأله كما ترى. (وإن تلف و) قد (قبضه بإذن صاحبه) العالم بموضوعه وحكمه (كان تالفا) من مال مالكه (وإن فك حجره) بعد التلف لاصالة البراءة بعد ان كان هو المسلط له على ذلك، وهو المسقط لحرمة ماله، فلا يشمله شئ من ادله الضمان لكن الانصاف أنه إن لم يثبت الاجماع عليه كما هو الظاهر من بعضهم حيث ارسلوه إرسال المسلمات، وادعوا ظهوره ووضوحه بحيث لا يحتاج إلى بيان لا يخلو من اشكال، يظهر مما ذكروه في قاعده ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، مع العلم بالفساد من أنه لا يقتضى سقوط الضمان بعد ان كان الاذن حاصلا فمن ضمن البيع فهى في الحقيقة مشروط بصحة البيع المفروض انتفاؤها، فتنتفى حينئذ الاذن، ويكون كفاقد الاذن في شمول ادله الضمان له، وهو بعينه جار في المقام وقياس السفيه على المجنون الذى لا يعقل معه الخطاب المشروط واضح الفساد ضرورة كونه السفيه مكلفا قابلا للخطاب، وإن حجر عليه في التصرف في المال واغرب من ذلك ما عساه يظهر من إطلاق المصنف وغيره، من عدم الضمان مع الجهل أيضا، بل صريح القواعد ومحكى المبسوط، والتحرير، والتذكرة، وجامع المقاصد، والكفاية، ولعله ظاهر المسالك ايضا قال: " ووجهه أن البايع قصر في معاملته قبل اختبار حاله وعلمه بأن العوض المبذول منه ثابت أم لا ؟ فهو مضيع لماله ". وفيه منع كون ذلك مسقطا لحرمة المال، مع عموم ادله الضمان، وقد يفرض عدم التقصير المزبور أيضا، ولعله من هنا حكى في التذكره عن بعض الشافعية ان السفيه إذا أتلف المال بنفسه ضمن بعد رفع الحجر، ثم قال: " ولا باس به " بل خص في اللمعة الضياع نوعدم الضمان بالمعامل العالم، بل نص في الروضه لو كان جاهلا بحاله كان له الرجوع مطلقا، لعدم تقصيره، بل عن الاردبيلي أنه تأمل في صورة العلم ايضا لانه صار سفيها ايضا، إلا أنه استظهر عدم الضمان، ثم قال: " الذي يختلج في صدري ضمانه مع علمه، أي السفيه بعدم صحة هذا العقد وعدم صحة التسلط إلا أن يكون المسلم إليه عالما وقبضه إياه " فتأمل هذا كله إذا قبضه بالاذن.

[ 99 ]

وأما إذا كان قد قبضه بغير إذن، فالمتجه فيه الضمان، لعموم ادلته، وعدم صدور غير اللعقد الفاسد من المالك، وهو لا يقتضى الاذن فهو حينئذ كما لو أتلف ما لم يؤذن له فيه، وهو الظاهر من المصنف، بل هو صريح غيره، بل لا أجد فيه خلافا بيننا وبين غيرنا، سوى ما عن الاردبيلى من أن الظاهر عدم الضمان، لان المالك قد ضيععه على نفسه بإجراء العقد المسلط عرفا على القبض، وفيه ما لا يخفين خصوصا بعد أولوية السفيه في الضمان من الصبي والمجنون اللذين قيل بلزوم الضمان عليهما لو فرضنا كذلك. ومما ذكرنا يظهر لك الحال فيما لو اقترض السفيه وأتلف المال وإن صرح في القواعد ايضا بعدم الضمان فيه على كل حال، لكن فيه ما تقدم، مضافا إلى ما ذكروه في اقتراض المملوك واتلافه له على نفسه من دون إذن سيده من ضمانه، و انه يتبع به العتق، إذ السفيه إما اولى منه أو مساو له، ولولا تصريح البعض هنا بعدم الضمان ولو فك الحجر، لامكن تنزيل كلامهم على عدم الضمان فعلا، بحيث يؤدى من ماله. وعلى كل حال فالذي ينبغى مراعاة الضوابط بعد فرض عدم الاجماع في المقام إذ دون ثبوته على الوجه المثمر خرط القتاد، فتأمل جيدا والله أعلم. (و) مما ذكرنا يعلم الحال فيما (لو أودعه) انسان مثلا (وديعة) مع العلم بحجره (فاتلفها) ولو مباشره لكن قال المصنف: (ففيه) أي في ضمانه (تردد) وخلاف (والوجه انه لا يضمن) كما عن ارشاد الفاضل، للاصل ولتفريطه بالايداع بعد نهى الله تعالى عن ايتاء السفيه المالن فهو حينئذ سبب أقوى من المباشر. ولان اسماعيل بن الصادق عليه السلام (1) اراد ان يستبضع رجلا فنهاه أبو عبد الله عليه السلام عن ذلك، لان ذلك الرجل كان يشرب الخمر، فخالف واستبضعه، فاستهلك ماله، فحج أبو عبد الله عليه السلام، وحج معه ابنه اسماعيل فجعل يطوف بالبيت ويقول " اللهم اجرني واخلف على " فلحقه أبو عبد الله عليه السلام، فهمزه بيده م خلفه، فقال له: مه يا بني فلا * (هاشم) * (1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام الوديعة الحديث - 1 -.

[ 100 ]

والله مالك على الله حجة، ولا لك أن يأجرك ولا يخلف عليك وقد بلغك أنه يشرب الخمر فائتمنته (إلى ان قال): فإن الله عزوجل في كتابه يقول " وتؤتوا السفهاء أموالكم، فاى سفيه اسفه من شارب الخمر، إن شارب الخمر لا يزوج ولا يؤتمن على امانة، فمن ائتمنه على امأنة فاستهلكها لم يكن للذى ائتمنه على الهل عزوجل أن يأجره ". وفيه ان الاصل مقطوع بأدله الضمان كعموم من أتلف ونحوه، والايداع من مكلف بعد أن لم يكن فيه إذنا بالاتلاف ليس تفريطا ليسقط معه حرمة المال، ويخرج به عن عمومات الضمان، ودعوى قوة السبب على المباشرة واضحة المنع، كوضوح عدم دلالة الخبر المزبور الذي لا جابر له. مضافا إلى اشتماله على مخالفه اسماعيل لوالده، والمعلوم من ورعه خلافه، وإلى نهيه عن الدعاء الذي لا اشكال في جوازه له، فظهر حينئذ قوة القول بالضمان وفاقا للتذكرة، وجامع المقاصد والمسالك، والروضة، ومجمع البرهان على ما حكى عن بعضها، أذ هو حينئذ كالغصب الذي لم أجد خلافا في ضمانه، بل هو منه ضرورة كون السفيه بالغا عاقلا، بل لعله افحش منه. نعم لو كانت الوديعة مثلا نم مجننون أو طفل غير مميز اتجه حينئذ عدم الضمان بالاتلاف مباشرة، فضلا عنه بالتفرريط، كما عن التذكره والتحرير، للاصل بعد الشك في تناول عمومات الضمان له، باعتبار قوة السبب على المباشر الذي هو كالحيوان، فما عن بعضهم من الضمان مطلقا ضعيف. بل وما في المسالك من الفرق بين المباشرة والتفريط، لان الضمان بالثاني فرع وجوب الحفظ المعلوم انتفاؤه عنها، بخلاف الاول المبني على سببيه الاتلاف للضمان، وهي لا فرق فيها بين التكليف وعدمه، ولذا ضمنا لو اتلفه بلا إذن من المالك في اصل الاستيلاء بلا خلاف ولا إشكال لما قد عرفت من قوة السبب على مثل هذا المباشر وأنه كما لو أهمل ماله حتى أتلفته دابه الغير. أما إذا كان الصبي مميزا فقد يقوى ضمانه بالمباشرة، بل وبالتفريط بناء على أنه لا يقصر عنها، لمنع قوة السبب هنا على المباشرة بعد استمرار السيرة على الاعتماد

[ 101 ]

عليهم في الحفظن وعدم التكليف لا ينافى الضمان حتى بالاهمال، ودعوى توقف صدق التفريط عليه يمكن منعها، ولذا يضمن الساهي والغافل والناسي ونحوها فتأمل جيدا والله اعالم. المسألة (الثالثة) لا خلاف في انه (لو فك حجره) بحصول الرشد (ثم عاد مبذرا) وقلنا بتحقق السفه به (حجر عليه، ولو زال فك حجره ولو عاد عاد الحجر) عليه (وهكذا دائما) ضرورة اقتضاء وجود العله وجود المعلول كنفيها من غير فرق بين القول بتوقف حجره على حكم الحاكم وعدمه. المسأله (الرابعة) قد اطلق الشيخ فيما حكى عنه هنا وكثير ممن تأخر عنه أن (الولاية في مال الطفل والمجنون للاب والجد للاب) بل هو معقد ما في المسالك ومحكي الكفايه من نفي الخلاف فيه، بل هو معقد اجماع التذكرة ولا ريب فيه في الجملة، بل عن مجمع البرهان كان عليه اجماع الامة. مضافا إلى النصوص المستفيضة، في الاول بل ربما ادعى تواترها الواردة في النكاح (1) المدعى دلالتها على ما هنا بالاولوية، والى خصوص النصوص (2) الواردة في بحث أموال اليتامى والوصيه وغيرهما من المباحث الكثيرة، ما عن الرياض. نعم قد يتوقف في خصوص من تجدد جنونه بعد بلوغه ورشده الذى هو أحد افراد ذلك الاطلاق، لانقطاع ولايتهما حينئذ عنه، فيندرج تحت عموم ولايه الحاكم الذي هو نايب الاصل، بل جزم به في المحكى من جامع المقاصد ومجمع البرهان بل عن ظاهر الاخير ونكاح المسالك أنه لا خلاف فيه، بل ربما استظه رمن بعض مواضع نكاح التذكرة الاجماع ليه، وإن كان المحكي عنها فيه ايضا عكس ذلك، كما أن المحكي عن إيضاح النافع ان المشهور في باب النكاح عدم الفرق، وعن غيره العكس أيضا. وعلى كل حال فلا ريب في قوة رجوع أمره إلى الحاكم إذا لم يكنم في النصوص إطلاق يعتمد عليه، فإنها لم تحضرنا جميعا الان، والاحوط توافقهما معا، وقد يتوقف


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب عقد النكاح وأولياء العقد. (2) الوسائل الباب 15 - من ابواب عقد البيع وشروطه.

[ 102 ]

أيضا في ولايتهما مع فسقهما ايضا خصوصا إذا كان يظن معه أو يقطع بالاضرار، وإن كان مقتضى الاطلاق ذلك، بل عن نكاح التذكرة الاجماع على الولاية مع الفسق. نعم عن الفاضل أنه تردد في ذلك في وصايا القواعد بل عن الوسيلة اشتراط العدالة، والايضاح " الاصح أنه لا ولايه للاب والجد ما دام فاسقا، لانها ولاية على من يدفع عن نفسه، ولا يعرب عن حاله، ويستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أمينا تقبل إقراراته وإخباراته على غيره مع نص القرآن على خلافه ". ولعل التحقيق عدم اشتراط العداله، للاصل والاطلاق، ولكن متى ظهر للحاكم ولو بقرائن الاحوال اضرر منهما عليهما عزلهما، ومنعهما من التصرف حسبة، وإن علم عدمه اقرهما، وإن لم يعلم حالهما فربما قيل بالاجتهاد في حالهما، فيتبع سلوكهما وشواهد احوالهمان ويمكن عدم اعتبار ذلك عملا بالاطلاق، بل لعله الاقوى. وأما ما يظهر من المصنف وغيره من اشتراكهما في الولاية على معنى نفوذ تصرف السابق على كل حال فلا أجد فيه خلافا، بل عن ظاهر نكاح المسالك الاجماع عليه، لانه مقتضى ثبوت الولاية لكل منهما، بل مقتضاه ايضا البطلان لو اقترنا، لعدم الترجيح كما هو ثالث الاقوال في المسالة، وقد قيل: بترجيح الجد لثبوت ولايته على الاب في بعض الاحوال، وللنصوص المستفيضه في باب النكاح (1) والاجماعات المحكية، فيثبت في المقام بالاولوية ولعله لذا قال الكركي في المحكي من تعليقه على الارشاد بعد أن اعترف بعدم تصرحى للاصحاب هنا بذلك: كلامهم في باب الانكحة يقتضيه، مشيرا إلى الاولوية المزبورة وقيل بتقديم ولايه الاب لشدة اتصاله، وكون ولاية الجد بواسطته، والجميع كما ترى حتى الاولوية المزبورة، بناء على عدم حجية كل ظن للمجتهد، ودعوى حصول القطع أو دليل معتبر عليها من إجماع ونحوه يمكن منعها، بل اطلاق كلامهم، في المقا يقتضى ما ذكرنا، فتأمل جيدا. وكيف كان ففى تعدى الحكم إلى اب الجد وجد الجد وإن علا مع الاب نظر ولعل اطلاق القائل يقتضيه نعم قد يتوقف في تقديمه على من هو ادنى منه، لعدم


(1) الوسائل الباب 6 - من ابواب عقد النكاح واولياء العقد.

[ 103 ]

انسياقه من الاب فتأمل جيدا. وعلى كل حال (فإن لم يكونا فللوصي فإن لم يكن فللحاكم) أي الثقة المأمون الجامع للشرائط بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال، فإن لم يكن الحاكم فظاهر جمه من العبارات المعددة للاولياء، عدم الولاية حينئذ لاحد، بل هو صريح المحكى عن ابن ادريس، وهو كذلك بالنسبة إلى الام وغيرها من الاخوة والاعمام والاخوال وغيرها، بل خلاف أجده، بل عن التذكره الاجماع عليه في الام، بل عن مجمع البرهان أنه اجماع الامة. نعم قد يقال: إن قاعدة الاحسان ولاية المؤمنين بعضهم على بعض ولزوم التعطيل بل والضرر في كثير من الموارد قيل: بل وحكايه فعل الخضر يقتضى ثبوتها لعدول المؤمنين، بل ربما يرشد إلى ذلك. صحيح ابن بزيع (1) " قال: إن رجلا من اصحابنا مات ولم يوص فرفع أمره إلى قاضى الكوفه فصير عبد الحميد ابن سالم القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع فلما اراد بيع الجوارى ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه، وكان قيامه بأمر القاضى، لانه فروج، فذكرت ذلك لابي جعفر عليه السلام فقلت جعلت فداك يموت الرجل من اصحابنا فلا يوصى إلى أحد وخلف جواري فيقيم القاضى رجلا منا لبيعهن أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لانهن فروج فما ترى في ذلك ؟ فقال: إذا كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد بن سالم فلا بأس. وخبر سماعة (2) ورفاعة سألته عن رجل مات وله بنون صغار وكبار من غير وصية وعقار كيف يصنعون الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ فقال: إن قام رجل ثقة فقاسمهم ذلك فلا بأس " قيل: ومثله صحيح ابن رئاب (3) والمناقشة فيه باحتمال كون ذلك إذنا


(1) الوسائل الباب - 16 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 2 -. (2) الوسائل الباب - 88 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 2 - لكن فيه عن زرعة عن سماعة. (3) الوسائل الباب - 88 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 1 -.

[ 104 ]

خاصا من إمام الوقت كما ترى فالقول به حينئذ لا يخلو من قوة، وفاقا لصريح بعض الاصحاب، بل نسب إلى مشهورهم، بل ربما نسب ذلك إليهم، والله أعلم. و (أما السفيه والمفلس فالولاية في مالهما للحاكم لا غير) بلا خلاف أجده في الثاني، وقد تقدم الكلام فيه سابقا، بل والاول إذا كان متجددا بعد البلوغ، عداما عن الكفاية، والرياض من ارسال قول فيه بعود ولاية الاب والجد عليه، ولم نتحققه لاحد، كما لم نعرف له دليلا صالحا لقطع الاصل فمن الغريب ميل بعض متأخرى المتأخرين إليه، التفاتا إلى كونه في التزويج كذلك، والى ما عن التذكرة من الاجماع، وفيه بعد تسليم الملازمة أو الاولوية منع كونه في التزويج كذلك. وما عن التذكرة من الاجماع في المقام بل المحكى عنها مع أنه إطلاقات ولم تحقق، وفي التزويج أيضا، بل وفي المجنون مضطرب لا يحصل للفقيه التعويل على أمثاله، بل ربما حكي عنها معقد اجماع على خلاف ذلك، وكيف يسوغ لها أو لغيرها دعوى الاجماع في المقام، بحيث يشهد عليها، مع ظهور كلمات الاصحاب في خلافه، بل عكسه مظنة الاجماع، بل لا بأس على من يدعيه في المقام. وبالجملة فلا رب في أن الولاية في ماله للحاكم الذى هو ولي من لا ولى له، بعد أن لم يثبت بدليل شرعى ولايتهما عليه، بل الدليل وهو الاصل على خلافه، إنما الكلام فيمن اتصل سفهه ببلوغه، فإن ظاهر المصنف وغيره ممن اطلق كاطلاقه أن ولايته للحاكم ايضا، بل عن بعضهم التصريح بهذا الاطلاق، بل ربما نسب إلى الاشهر بل قيل: إن وجهه ظاهر، بناء على توقف الحجر عليه، ورفعه عنه عليه، إذ يكون الامر حينئذ في ماله إليه، بل ربما جعل ذلك دليلا للمدعى. إلا أن ذلك كله كما ترى ضروره اقتضاء الاستصحاب ثبوت ولايتهما التى هي المنساقة من آية الايناس (1) المحكي تفسيرها عن الباقر عليه السلام (2) بالعقل وإصلاح المال


(1) سورة النساء الاية - 5 -. (2) تفسير البرهان - ج 1 ص 345.

[ 105 ]

وعن الصادق عليه السلام (1) بحفظ المال ومن خبر هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام (2) " وإن احتلم ولم يونس منه رشدا وكان سفيها فليمسك عنه ماله وليه " إذ لا ريب في ظهورهما في ارادة الولى قبل البلوغ، سواء كان الاب أو الجد أو الحاكم أو غيره، فإنه المخاطب بامساك المال وحفظه حتى يرشد، والتكلفات لا تنافي المنساق، وتوقف الحجر على السفيه ورفعه على الحاكم مع أنه يمكن منعه في المتصل سفهه، بل عن التذكرة التصريح بعدم توقف رفعه عليه، لا يقتضى ثبوت الولاية للحاكم في المال، ولعله لذلك وغيره صرح جماعة من المحققين بثبوت الولاية لهما في الفرض، وعن التذكرة أنه نفى عنه الباس في آخر كلامه، وعن الشهيد انه حكاه عن ابن المتوج، بل عن مجمع البرهان أنه مما لا خلاف فيه ولا نزاع، وعن نكاح المفاتيح لا خلاف في ثبوت الولاية لهما على السفيه والمجنون مع اتصال السفه والجنون بالصغر، والظاهر عدم إرادته خصوص النكاح، مع ما عن بعضهم من أنه لا فرق في هذا النزاع بين النكاح والمال، بل قد عرفت دعوى أولوية المال منه. لكن الانصاف تحقق الخلاف في المال كما عرفت، ومنه يظهر ما عن نكاح الرياض وتثبت ولايتهما على البالغ مع فساد عقله بسفه وجنون اجماعا، حتى لو اراد خصوص النكاح، إذ الظاهر تحقق الخلاف فيه أيضا. وعلى كل حال فالتحقيق ما عرفت، وإن كان كلمات الاصحاب في المقام والنكاح لا تخلو من اضطراب، وحينئذ فوصيهما أولى من الحاكم، كما أن الجد أولى من وصي الاب بلا خلاف ولا اشكال، والله أعلم بحقيقة الحال. المسألة (الخامسة) لا خلاف في أن السفيه كالرشيد بالنسبة إلى العبادات ف‍ (إذا أحرم بحجة) وعمرة (واجبة) ولو بالنذر قبل الحجر أو سببه (لم يمنع مما يحتاج إليه في الاتيان بالفرض) وان زاد على نفقه الحضر، لكن لا يمكن هو من الانفاق، بل ينفق عليه وليه أو وكيله (وإن أحرم تطوعا فان استوت نفقته


(1) الوسائل الباب - 45 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 6 - و - 13 -. (2) الوسائل الباب - 44 - من ابواب احكام الوصايا الحديث - 9 -.

[ 106 ]

سفرا وحضرا لم يمنع) منه أيضا، بلا خلاف أجده فيه، لعدم الضرر، وإلا منع خلافا للمحكى عن الاردبيلى فلم يمنعه وإن زاد، وهو مع أنه لم نجد له موافقا مناف لحكمة الحجر، ولذا يمنع من النذر بالصدقة بعين ماله، وبناء المساجد والقناطر ونحو ذلك، واحتمال اختصاص منع السفيه بالتصرف المنافي خاصة لا الاعم منه والموافق لتصرفات العقلاء مناف لكمات الاصحاب، وعموم أحكام الشرع بل ولحكمة الحجر فلا ينبغى التوقف فيما نحن فيه. نعم إذا لم يتفاوت بين السفر والحضر لم يمنع لعدم الضرر قيل: (وكذا إن أمكنه تكسب ما يحتاج إليه) بل نفى الخلاف عنه بعض مشايخنا، لكن قد يشكل بأن ما يكتسبه مال فيتعلق الحجر به أيضا. وأجيب بأنه قبل الاكتساب لم يكن مالا وبعده صار محتاجا إلى زيادة النفقة على أن الاكتساب غير واجب على السفيه، وليس للولى قهره عليه، فلا يلزم من صرف ما يحصل به اتلاف لشئ من المال الذى تعلق الحجر به. وفيه انما يتم لو لم يمكنه العود أو أمكنه بنفقة مساوية لنفقة الاكمال، وإلا لم ينفعه احتياجه إلى النفقة والاكتساب، وإن كان غير واجب عليه، ولا يقهر عليه إلا أنه إذا اكتسب باختياره تحقق المال، ولزم الحجر فيه فعاد المحذور نعم لو كان ذلك الكسب الواقع في السفر لا يحصل في الحضر وكان بعد التلبس بالحج مثلا أو قبله، ولم يمكن العود إلا بصرفه زال الاشكال، ويمكن حمل عبارات الاصحاب على ذلك أو نحوه. (و) كيف كان ف‍ (لو لم يكن كذلك) بل احتاج في السفر إلى ما يزيد على نفقته في الحضر من ماله المحجور عليه (حلله الولى) من الاحرام محافظة على ماله، بل في القواعد ومحكي المبسوط، والتحرير، أحله بالصوم، وظاهرهما تعيينه به، دون الهدى، ومراعاة الحفظ المال، لكن عن الشهيد أنى لم اقف على كون التحليل بالصوم إلا من طرق العامة.

[ 107 ]

نعم، روى معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1)، " في الحصر، ان لم يجد هديا قال: يصوم " وفى كتاب المشيخة لابن محبوب روى صالح بن عامر عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل خرج معتمرا واعتل في بعض الطريق وهو محرم قال: ينحر بدنة ويحلق راسه، ويرجع إلى أهله فلا يقرب النساء فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما ". قلت: الظاهر إرادة من اطلق التحليل بالصوم ما صرح به بعضهم من كونه عشرة ايام من دون اعتبار التوالى والزمان، وأنه في الحج، كما أن الظاهر بناء ذلك على ان لدم الاحصار بدلا، وعن بعضهم أنه استقرب عدمه، واستشكل الفاضل فيه في القواعد وحينئذ فينبغي بقاؤه محرما إلى زمان الفك كما صرح به بعضهم، وقد يقال: إنه يتعين حينئذ على الولى تحليله بالهدى إذا فرض نقصانه عن زيادة النفقه، لانه صار ولو بالعارض مثلها، بل لولا ظهور إتفاق من تعرض للحكم هنا على ذلك أمكن المناقشة في اصل تحليل الولي له، لانه بالاحرام صار الزايد كالنفقة، وربما يؤيده في الجملة ما تسمعه من المصنف من تردده في كفارة اليمين مثلا بالمال، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فظاهر من تعرض للحكم هنا صحة إحرامه وإلا لم يحتج إلى تحليل الولي، وهو كذلك، إذ النهي عن أمر خارج عن ذات العبادة، بل وعن شرطها، لان المندوب لا يشترط فيه المال فينعقد، وإن كان للولى التحليل تداركا للزائد. والله أعلم. المسألة (السادسة) لا خلاف بل ولا اشكال في أن السفيه (إذا حلف) مثلا على فعل شئ أو تركه مما لا يتعلق بماله المحجور عليه (انعقدت يمينه) لانه بالغ عاقل مكلف وانما هو ممنوع في خصوص التصرف المالي (و) هذا ليس منه. نعم (لو حنث كفر بالصوم) كما صرح به الفاضل وثاني الشهيدين، والشيخ فيما حكى عن مبسوطه من غير تردد ولا نقل خلاف، لانه بمنعه من التصرف المالى كان كالعبد والفقير ونحوهما (و) لكن قال المصنف: (فيه تردد) ولعله لوجوب الكفارة عليه حينئذ والفرض أنه مالك، فتخرج من ماله كغيرها من الواجبات من


(1) الوسائل الباب - 7 - من ابواب الاحصار والصد الحديث - 2 -.

[ 108 ]

الزكاة والخمس ومؤنة الحج والكفارة السابق سببها. وفيه أن هذه الواجبات تثبت عليه بغير اختياره، فلا تصرف له في المال وإنما الحاكم به الله تعالى بخلاف ما نحن فيه مما كان سببه مستندا إلى اختياره، بل لو أخرج ذلك من ماله أمكن أن يجعله وسيله إلى إذهابه، لان مقتضى السفه توجه صرفه على ما لا ينبغى، ومن ذلك تعرف الحال في كفارة نذره وعهده وعوده في ظهاره، وافطاره في شهر رمضان، بل قيل: وقتل الخطأ، بل في المسالك أنه يقرب من هذا البحث الكلام في الانفاق على من استلحقه من الانساب باقراره والله أعلم. المسأله (السابعة) لا خلاف ايضا ولا إشكال في انه (لو وجب له القصاص جاز أن يعفو) على غير مال فضلا عنه، بناء على انه الواجب في العمد لا أحد الامرين كما هو المعروف عندنا، بل ظاهر المسالك الاجماع عليه، لانه ليس تصرفا ماليا، و وفي المسالك " أنه نبه بذلك على خلاف بعض العامة حيث جعل الواجب في العمد أحد الامرين، القصاص أو المال، فلا يصح عفوه عنه " قلت: يمكن القول بجواز عفوه عليه ايضا، بعد فرض التخيير وعدم عد ذلك تصرفا ماليا، وقد تقدم نظير ذلك في المفلس هذا. (و) قد ظهر لك من ذلك كله أنه (لو وجب له دية) أو ارش (لم يجز) له العفو، بلا خلاف ولا اشكال، لانه من التصرف المالى الممنوع عنه. المسأله (الثامنة: يختبر الصبي) لمعرفة رشده (قبل بلوغه) كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا. بل في المسالك هذا مما لا خلاف فيه عندنا، إنما خالف فيه بعض العامه، ونحوه المحكى عن المفاتيح، بل عن ظاهر التذكرة وغاية المراد الاجماع عليه، ولعله ظاهر كل من قصر الخلاف على بعض العامه، فتأمل الاردبيلى فيما حكى عنه في غير محله. نعم قد يقع الاختبار بعد البلوغ إذا اتفق عدمه قبله لعارض، أو أن الواقع منه قبله لم يفد الرشد، أو نحو ذلك، فما عن كنز الفوائد لعميد الدين والفخر في الايضاح، والشهيد، وابن المتوج من حمل ما في القواعد من الاشكال في صحة البيع

[ 109 ]

الاختباري وعدمه على ما بعد البلوغ لو اتفق ظهور السفه، أو لم يظهر الرشد ليس خلافا في المسأله عند التأمل. نعم قيل: قد ينافيه المرسل عن أبى جعفر عليه السلام (1) " قال في قوله تعالى " و ابتلوا " من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح، ويحتلم، فإذا احتلم ووجب عليه الحدود، وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا، ولا شارب خمر، ولا زانيا، فإذا آنس منه الرشد دفع إليه المال، واشهد عليه، فإذا كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ، فليمتحن بريح إبطه أو نبت عانته. وإذا كان ذلك فقد بلغ، فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا " الحديث. وفيه أنه يمكن منع ظهوره في مخالفة الاصحاب، لاحتمال إرادة أنه إذا كان قد آنس منه الرشد بالاختبار السابق دفع إليه المال، والامتحان بريح الابط لا يقضى بإرادة ذلك من الابتلاء في الاية، وبعد التسليم فليس جامعا لشرائط الحجية، وقد أعرض عنه الاصحاب، فهو حينئذ من الشواذ خصوصا مع مخالفته لظاهر الاية، ضرورة ظهورها في كون غاية الاختبار البلوغ، قيل: لان حتى إبتدائية، إذ ما بعدها جملة شرطية والجزاء جملة أخرى شرطية، وهى " فإن آنستم "، فالفاء الاولى جواب الشرط الاول، والثانية جواب الثاني. فما عن الاردبيلى من ان ظاهر قوله " فان آنستم " إلى آخرها يدل على دفع المال بعد ايناس الرشد بلا فصل، فلو كان الابتلاء قبل البلوغ لزم وجوب الاعطاء بعد الرشد وقبل البلوغ، وهو منفى بالاجماع، على أن المعلوم عدم انتهاء الابتلاء بالبلوغ فكأنه مقيد بعدم الرشد، وعدم صدق اليتيم على البالغ، يدفعه أنه لا يبعد صدق اليتيم على قريب العهد باليتم. لا يخفى عليك ما فيه، وظهور الاية في تسليم المال بعد ايناس الرشد مسلم، لولا الشرط الاخر وهو قوله " إذا بلغوا النكاح " فإن المراد اختبروهم قبل البلوغ إليه، فإن


(1 المستدرك ج - 2 - ص 496

[ 110 ]

كان قد بلغوا وقد آنستم منهم رشدا بالاختبار السابق فادفعوا إليهم أموالهم، ومعلومية عدم انتهاء الابتلاء بالبلوغ لا يقضى بكونه بعده، بل المراد أن هذا محله الذى يتعقبه تسليم المال بعد البلوغ بلا فصل إذا فرض حصول الرشد منه، وصدق اليتيم على قريب العهد مجاز لا داعى إليه، بل قد عرفت وجود الداعي إلى خلافه، ومن اتفاق الاصحاب ظاهرا كما أنك عرفت تمام الكلام في الاية في البحث عن علامات البلوغ فلاحظ. مضافا إلى ما في تأخير الاختبار بعد البلوغ إلى حصول الضرر بالحجر على مال البالغ، خصوصا إذا طال الزمان، ولا ملازمة بين ابتلائه قبل بلوغه، وبين صحة معاملاته المعلوم اشتراطها بالبلوغ، إذ الاختبار أعم من ذلك قطعا لاحتمال حصوله بالمساومة والمماكسة خاصة، وبالتواطي من الولي والبايع فيما هو مال الطفل، ونحو ذلك بل يحصل الابتلاء بغير العقود، والقول بشرعية افعال الصبي لا مدخلية له في الصحة، إذ ذاك في العبادات، وإذن الولي مع أنه غير محقق لما عرفت من أعمية الاختبار من العقد لا تجدى في غير البالغ، سواء كانت سابقة أو لاحقة كما هو واضح. وعلى كل حال فمما سمعت يعلم أن ما عن المبسوط والجماعة من ذكر كيفية الابتلاء لا يريدون به الخصوصية قطعا، قال في الاول: الايتام على قسمين ذكور واناث، فالذكور على ضربين ضرب يبذلون في الاسواق ويخالطون الناس بالبيع والشراء وضرب يصانون عن الاسواق فالذين يخالطون الناس فإنه يعرف اختبارهم بأن يأمره الولى أن يذهب إلى السوق ويساوم في السلع ويقاول فيها ولا يعقد العقد، فإن رآه يحسن ذلك ولا يغبن فيه علم أنه رشيد، وإلا لم يفك عنه الحجر، وقيل: أنه يشترى له بغير أمره ويواطى البايع على بيعها من اليتيم وينقذه الولى ليشتريها منه، وقيل: إنه يدفع إليه شئ من المال يشترى به سلعة، ويصح شراؤه للضروره فيجيز. وإن كان اليتيم ممن يصان عن الاسواق مثل أولاد الرؤساء فان اختبارهم أصعب فيدفع الولي إليهم نفقه شهر يختبرهم فينظر، فإن دفعوا إلى اكرتهم وغلمانهم وعمالهم ومعامليهم حقوقهم من غير تبذير، واقسطوا في النفقة على أنفسهم في مطاعمهم

[ 111 ]

ومكاسبهم سلم إليهم المال. وأما الاناث فإنه يصعب اختبارهن فيدع اليهن شيا ؟ من المال ويجعل عليهن نساء ثقات يشرفن عليهن، فإن غزلن واستغزلن ونسجن واستنسجن ولم يبذرن سلم المال اليهن، فإن كن بخلاف ذلك لم يسلم اليهن " وزاد بعضهم أن لابد من تكرار ذلك مرارا يحصل بها غلبة الظن، ليعلم الاتصاف بالملكة، ولعله مراد المبسوط ايضا، إذ من المعلوم عدم إرادة الخصوصية، بل لعل غير الفقيه أعرف منه في طرق الاختبار المفيد ذلك، ومن هنا لا ينبغى مناقشة في ذلك، ولا في ذكر الغزل والاستغزال للاناث، مع أن ذلك غير واجب في الرشد، وبنات الرؤساء ليس ذلك طريق اختبارهن. وبالجملة البحث في ذلك ليس وظيفة الفقيه، ولذا خلت عنه النصوص وبعض الاصحاب إنما ذكره على طريق التنبيه كما هو واضح، قال في القواعد: " ويعلم باختباره بما يناسبه من التصرفات، فإن عرف منه جوده المعاملة وعدم المغابنة إن كان تاجرا أو المحافظة على ما يكتسب به، والملازمة إن كان صانعا واشباه ذلك في الذكر والاستغزال والاستنساخ في الانثى إن كانت واشباهه حكم بالرشد، " إلى غير ذلك من عباراتهم التي ربما يوهم بعض ما فيها ذلك، لكن التأمل الصادق قاض بارادة ما ذكرنا، وقد سمعت فيها تقدم عبارة المصنف فتأمل جيدا، وأما ما حكاه من القول بصحة بيعه للضرورة والامر بالابتلاء، فمع انك قد عرفت ما فيه ولم نتحققه لاحد من اصحابنا عدا ما يحكى عن التحرير من الحكم بها. نعم قد يظهر من قول المصنف (وهل يصح بيعه ؟ الاشبه أنه لا يصح) بيعه نوع تأمل فيه. بل قيل: إن الحكم بها هنا أولى منها في مطلق بيع المميز الذى افتى به بعضهم، وتردد فيه الفاضل في القواعد ومن هنا حمل ما فيها في المقام من قوله بعد العبارة السابقة التى حكيناها عنه (وفي صحة العقد حينئذ إشكال " على ذلك، فيكون وجه الاشكال حينئذ معلومية اشتراط البلوغ في الصحة ن والضرورة مع الامر بالابتلاء، وكونه أولى من المميز، لكن جماعة قد استبعدوا الاشكال في ذلك، على وجه لم يرجح، فحملوا العبارة على ما بعد البلوغ، فظن بعض الناس أن

[ 112 ]

ذلك حينئذ خلاف من العلامة، ومنهم في محل الاختبارن وأنه عندهم بعد البلوغ، وقد عرفت عدم ذلك عندنا، وإنما هو لبعض العامة. والتحقيق ما ذكرناه سابقا من أنه لو حملت على ما بعد البلوغ يمكن أن لا يكون خلافا، بل يكون وجهه حينئذ فيما لو اتفق وقوع الاختبار بعد البلوغ لعارض من العوارض التى قدمناها سابقا، ويكون الاشكال حينئذ فيما لو صادق التصرف ظهور سفهه أو عدم ظهور رشده، فقد يقال بالصحة حينئذ لاصالتها، وإطلاق الادلة، والامر بالابتلاء، والاضطرار إلى الاختبار، ولان الفرض وقوع الاختبار بإذن الولى، فتكون عقوده حينئذ مصاحبة للاذن، ولغير ذلك، وقد يقال: بالفساد، لمعلومية اشتراط الرشد في البيع والعلم بانتفائه بل الشك فيه كاشف عن تزلزل العقد السابق، وإن كان قد وقع مع الجهل بالحال. نعم لو صادف الرشد واقعا اتجه الصحة، ولاطلاق ما دل على بطلان معاملة السفيه المنصرف إلى الواقع، بل عن الشهيد أن الاقوال في الفرض ثلاثة: الصحة مطلقا لامر الشارع بذلك والبطلان مطلقا، لاعتبار الرشد، والثالث إن ظهر الرشد ظهرت الصحة، وإن ظهر السفه ظهر البطلان. قلت: قد عرفت وجه الثالث بل والاول الذى هو قوي بناء على حصول الاذن من الولي في ذلك، وإن كان للاختبار، أما الثاني فهو واضح الفساد، وكيف كان فحمل العبارة على ذلك ممكن وإن كان بعيدا، بل ربما نوقش فيما سمعته من وجوه الاشكال، وأنه يتعين الصحة حينئذ للاذن من الولي، والامر سهل بعد ان اتضح لك تحقيق الحال، والله هو العالم.

[ 113 ]

كتاب الضمان (الضمان) الذي هو عندنا على ما اعترف به غير واحد منا مشتق من الضمن لانه ينقل ما كان في ذمته من المال، ويجعله في ضمن ذمة اخرى، أو لان ذمة الضامن تتضمن الحق، فالنون فيه اصلية. خلافا لما عن أكثر العامة من انه غير ناقل، وإنما يفيد اشتراك الذمتين، فاشتقاقه من الضم، والنون فيه زائدة، لانه حينئذ ضم ذمة إلى ذمة، فيتخير المضمون له في المطالبة. وفيه ما لا يخفى من منافاة وجود النون في جميع تصاريفهن الا بدعوى اشتقاق ما فيه النون من الخالي عنها، وهو كما ترى. ومن صعوبة تحققه في نحو ضمان النفس، وظهور قوله عليه السلام (1) " الزعيم غارم " في اختصاص الغرم به، ولغير ذلك مما هو في مذهب الخصم، بعد الغض عن عدم تصور شغل ذمتين فصاعدا بمال واحد، وقد بينا أن المشغول به في تعاقب الايدى على المغصوب ذمة واحدة، وهو من تلف في يده المال مثلا، وإن جاز له الرجوع إلى كل واحد، وإلا فهو مناف للمقطوع به من مذهبنا. وأما الثمرات على القولين فهي واضحة: منها صحة الدور فيه على مذهبنا كأن يضمن الاصيل ضامنه أو ضامن ضامنه، دون مذهبهم والتسلسل كأن يضمن أجنبي الضامن وهكذا لتحقق الشرايط عندنا، فيرجع حينئذ كل ضامن مع الاذن بما اداه على الذي ضمن عنه، لا على الاصيل، وفي الاول يسقط الضمان، ويرجع الحق كما كان. نعم يترتب عليه أحكامه كظهور اعسار الاصيل الذى صار ضامنا الموجب لخيار المضمون له في فسخه، والرجوع إلى المضمون عنه الذي صار ضامنا، ولا خلاف في شئ من ذلك بيننا، إلا ما يحكى عن المبسوط من منع الاول لاستلزامه صيرورة الفرع


(1) المستدرك ج - 2 - ص 489.

[ 114 ]

اصلا، وبالعكس، ولعدم الفائدة، ورد بأن الاول غير صالح للمانعية، والثانى بذلك وبما سمعته من الفائدة. (و) على كل حال ف‍ (هو) بالمعنى الاعم الشامل له بالمعنى الاخص والحوالة والكفالة ولو على جهة المجاز (عقد شرع للتعهد بمال أو نفس) أو اثر العقد أو غيرهما على حسب ما عرفت البحث فيه في كتاب البيع (والتعهد بالمال قد يكون ممن عليه للمضمون عنه مال، وقد لا يكون: فهنا ثلاثة اقسام). التعهد بالنفسن، وهو الكفالة، والتعهد بالمال ممن ليس عليه، وهو الضمان بالمعنى الاخص الذي يدخل فيه ضمان الاعيان بناء عليه، ومممن عليه له مال، وهو الحوالة، ولكن سيأتي صحة الحوالة على البرئ، إلا أن هذا التقسيم جار على محل الوفاق، أو باعتبار هذا القسم من الحوالة، وكون القسم المشترك ذا جهتين بحيث يصح تسميته ضمانا خاصا وحوالة، يسهل معه الخطب. وعلى كل حال ف‍ (القسم الاول: في ضمان المال ممن ليس عليه للمضمون عنه مال، وهو المسمى بالضمان بقول مطلق) الذي هو المعنى الحقيقي المتبادر عند الاطلاق، وما تقدم سابقا من تقسيم الضمان إلى الثلاثه لا ينافي ذلك، إذ يمكن أن يكون بحسب المعنى المجازي بالعارض، وإن كان هو في الاصل المعنى الحقيقي إلا أنه قد يهجر أو انه على جهة الاشتراك اللفظي بين المعنى العام والخاص، والاشتهار أحد قرائن تعيين الثاني عند الاطلاق، أنه باق على الاشتراك المعنوي، إلا أن الاشتهار قرينة على إرادة تعيين الاخص عند الاطلاق. لكن في المسالك " أن الحوالة والكفالة فردان حقيقة بالنسبة إلى مطلق الضمان وإن كانا مجازين بالنسبة إليه بالمعنى الاخص، نحو ما قيل في تقسيم مطلق الماء إلى المضاف والمطلق، وإن كان الاول مجازا بالنسبة إلى الماء المطلق ". وفيه ما لا يخفى إن لم يرجع إلى ما ذكرنا من منافاته للاصطلاح، وكونه فردا حقيقيا للمعنى المجازى لا يقتضى اطلاقه عليه حقيقة كما هو واضح، ومطلق الضمان إنما هو مفهوم لا لفظ خاص، إذ الكلام في لفظ الضمان عند الاطلاق، ولعله لذا قال

[ 115 ]

بعد ذكر ما سمعت " وفيه بحث ". (و) على كل حال (فيه بحوث ثلاثة) إذ البحث في الصيغة وفى اعتبار لفظ خاص فيها وعدمه قد تقمد في الكتب السابقة، ويأتى إنشاء الله تعالى بعض الكلام فيه. (الاول: في الضامن ولابد أن يكون: مكلفا) لما مر غير مرة من سلب عبارة غيره في امثال المقام، بل لابد أن يكون مع ذلك (جائز التصرف) الشامل للمقام وحينئذ (ف‍) لا إشكال في أنه (لا يصح ضمان الصبى ولا المجنون) ولو مع إذن الولى. (ولو ضمن المملوك لم يصح إلا بإذن مولاه) وفاقا لجماعة، منهم الشيخ، والفاضل في بعض كتبه، والشهيد، والكركي على ما حكي عن بعضهم لا لما ذكر في جملة من الكتب مما لا حاصل له بل لما في الاية (1) من " عدم قدرته على شئ " المستدل بها على ما قيل في كثير من النصوص على منعه من تصرف غير المال، فضلا عنه، فيعلم منها مضافا إلى ظهور اللفظ في نفسه - عدم اختصاص النفي بالمال، بل يكون ذلك هو الاصل فيه إلا ما خرج. وما ثبت في ذمته قهرا من عوض الاتلاف ونحوه لا ينافى ذلك، ضروره عدم كون ذلك من قدرته، وإنما هو من جعل الشارع، ولا اقل من الشك لذلك في تناول العمومات لمثله، فيبقى اصل بقاء الحق على حاله. خلافا للمحكى عن التذكره، والمختلف، فيصح للعمومات السالمة عن معارضة الملكية المقتضية للمنع من التصرف المنافى لحق المولى، ضرورة أنه على الصحة يتبع به بعد العتق، وهو غير مناف لشئ من حقوق السيد. وفيه: أن نفى القدرة على شئ أعم من ذلك نعم إذا اذن له مولاه صح عندنا في محكى المبسوط، بل قولا واحدا في محكي التذكرة، للعمومات بعد معلومية وجود الذمة له القابلة لذلك، بدليل ثبوت عوض ما اتلفه من المال فيها، إنما الكلام


(1) سورة النحل الاية - 75 -.

[ 116 ]

في تعلق ذلك مع الاطلاق بكسبه، كما عن احد قولي الشافعية، بل ارسل القول به في جمل من كتب اصحابنا، وإن كنا لم نتحققه، أو في ذمته ويتبع به بعد العتق كما هو مقتضى قول المصنف. (ويثبت ما ضمنه في ذمته، لا في كسبه الا أن يشترطه في الضمان باذن مولاه) بل هو خيره الفاضل في جملة من كتبه، والشهيد في اللمعة، أو يكون على المولى كما لو اذن له في استدانة لمصالح نفسه، إذ الضمان قسم منها، كما عن ابى على، بل مال إليه في جامع المقاصد والمسالك، بل زاد الاول منهم أنه إذا كان السيد معلنا، بيع العبد وأدى ثمنه في كفالته عن المعسر، مع أن العبد لا يباع في الدين، أو يتعلق برقبته ذمته كارش الجناية كما عن بعض الشافعية، بل في المحكي عن نسختين من التحرير ذلك إلا أن الظاهر إرادة ذمته منها، لعدم الدليل على ذلك، بعد حرمة القياس عندنا، ومعلومية كون الضمان نقل الدين من ذمة إلى ذمة كما أنه لا يخفى عليك ما في سابقه، ضروره كون البحث في الاذن من السيد بالضمان، على أن يكون الدين في ذمة العبد، لا أنه وكيل عنه في ذلك أو كالوكيل، على أنه فرق واضح بين اطلاق الاذن في المقام، وبينه في الاستدانة المقتضية ملك العين المستدانة، على أن يملك صاحبها مثلها أو قيمتها في ذمة المستدين، والعبد لا قابلية له لذلك. لما حررناه من عدم ملكه لشئ، فلا وجه لاطلاق الاستدانة، إلا على السيد بخلاف المقام الذى لا ملك فيه، فما في المختلف، وغيره من بناء الحكم هنا على الحكم هناك الذى لم يخالف في كونه على المولى إلا النادر " في غير محله قطعا، فليس الشك حينئذ إلا في القولين الاولى، والاول منهما وإن كان لم نعرف القائل به من الاصحاب إلا أنه لا يخلو من قوة، إن كان المراد به عدم جواز منع السيد له إذا اراد وفاء ذلك من كسبه، باعتبار حصول الاذن منه في اثبات ذلك في ذمته، فيتعلق به حينئذ خطاب وفاء الدين، كما أنه يتعلق به خطاب مطالبة الديان. إما لاستفادة الاذن عرفا في ذلك من الاذن في الضمان، أو لترجيح ادلة وفاء الدين والمطالبة به على ما دل على تسلط السيد على عبده باعتبار حصول الاذن منه

[ 117 ]

المقتضية زوال الحجر عنه، وصيرورته بها كالحر المعسر مثلا الذي يجب عليه التكسب في وفاء دينه، أو لا يمنع من ذلك لو اراده. ومن ذلك يظهر لك ما في جملة من الكلمات المذكورة في المسالك وغيرها، حتى ما ذكر دليلا للمصنف من ان الاذن في الضمان اعم من الاذن في الوفاء من كسبه الذى هو أحد أموال السيد، بل أقصاها صيرورة ذمة العبد قابلة لثبوت ذلك فيها، إذ هو جيد مع تصريح المولى بذلك، أما مع الاطلاق فالمفهوم عرفا تبعية خطاب الوفاء والمطالبة لها على الوجه الذى سمعته، بل قد يستانس له في الجملة بثبوت الكفارة عليه بالاذن له في الاحرام، وحرمة قطع الصلاة عليه بالاذن له بالدخول فيها، ونحو ذلك ما يتبعه الحكم الشرعي بعد الاذن من السيد في موضوعه وعنوانه، هذا كله مع الاطلاق، أما مع الاشتراط فلا إشكال بين من تعرض لذلك في صحته حينئذ وتعلقه ويكون كما لو شرط الضمان من ماله بعينه الذي أشار إليه المصنف بقوله. (وكذا لو شرط أن يكون الضمان من ماله معين) وإن كان لا يخفى عليك الفرق بين الموضوعين، ضرورة كون الثاني اشتراط كون الضمان في مال معين من أموال الضامن، وستسمع تحقيق الحال، بخلاف المقام، فان الكسب ليس من أموال العبد، والفرض أن الضمان في ذمته فهو حينئذ نحو الضمان في مال الغير باذن الغير وقد يستشكل في صحته، اللهم الا أن يجعل كإرهان مال الغير باذنه، على أن الكسب ليس مالا موجودا في الخارج، وانما هو متجدد آنا فآنا، ويمكن عدم حصوله اصلا، فالاوجه حينئذ جعل هذا الشرط على ارادة الاذن من السيد في وفاء ما ضمنه من كسبه، ورفع الحجر عنه في ذلك، وحينئذ فلو اعتق العبد قبل إمكان تجدد شئ من الكسب لم يكن اشكال في بقاء الحق عليه، فيجب عليه أداؤه من كسبه، أو من غيره من المال الذي يحصل له، لكن في المسالك " هل يبقى التعلق به بعد العتق أم يبطل الضمان لفوات المحل المعين لاداء المال، لانصراف الاطلاق إلى الكسب الذي هو ملك المولى، وقد فات، الظاهر من كلامهم الاول، فإن ذلك هو معنى: فإذا أعتق صار كسبه وما في يده سواء، ومع ذلك لا يسمى في اصطلاح الشرع كسبا، وإن أطلق

[ 118 ]

عليه لغة، لكن يشكل على هذا صحة اشتراطه في كسبه حال عبوديته، لان السيد لاحق له فيه، فلا مدخل لاذنه فيه، والعبد لم يكن حين الضمان يقدر على شئ، اللهم إلا أن يقال: بصحة ضمانه بغير اذن سيده كما مر، فهنا أولى ". قلت: ما استظهره من كلامهم كذلك، وهو دليل على إرادة ما ذكرناه من الشرط المزبور، لا أنه من قبيل الضمان في مال بعينه وإلا لاتجه فيه ما تسمعه من الكلام في ذلك. ثم قال: " ويتفرع على ذلك ما لو مات العبد قبل إمكان الاداء، فهل يلزم المولى الاداء لما بقي يحتمله، لان إذنه له في الضمان في كسبه كإذنه في الضمان في مال بعينه من أمواله، فإذا تلف المال يعود الضمان إلى ذمة صاحب المال على الخلاف، ولو قلنا بعدم عوده إليه فلا اشكال، ويحتمل عدم لزومه للمولى، وإن قلنا به ثمة، لان الكسب ليس كمحض مال السيد، بل حق له، ولهذا قيل: لو أعتق بقي متعلقا بكسب المعتق فدل على أنه لم يتعلق بالمولى محضا، وليس في كلام الاصحاب هنا ما يدل على شئ وإن كان الاوجه ابتناؤه على مسألة تعيين الاداء من مال بعينه ". وهو من غرائب الكلام، إذ المفروض أن العبد هو الضامن، لا المولى، فأى وجه لاحتمال عود الضمان إلى المولى، بموت العبد، نعم يتوجه ضياع المال على صاحبه إلا إذا أراد به استيفاءه من الحقوق نحو الضامن المعسر كما هو واضح، ولو فرض المقام على وجه يكون كاشتراط الضمان من مال بعينه، لم يكن بد من اجراء ما تسمعه فيه، ولا معنى حينئذ لدعوى ظهور كلامهم في بقاء التعلق مع العتق. وأما الكلام في اشتراط الضمان في مال بعينه فلا أجد خلافا في صحته، لعموم (1) " المؤمنون " وغيره ويتعلق حق الدين المضمون به. لكن في المسالك وغيرها: هل هو تعلق الدين بالرهن ؟ أو تعلق الارش بالجاني ؟ وجهان مأخذهما أن الضمان ناقل للدين إلى ذمة الضامن، لان موضعه إنما هو الذمة وتخصيص هذا المال أفاد انحصار المطالبة الآن فيه، لان مقتضى الضمان ابتداء التعلق بها، وأن الضامن لم يشغل ذمته على الاطلاق، وإنما حصر الاستحقاق في المال المعين،


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -.

[ 119 ]

وجعله متعلق حق المضمون له، فينحصر حقه فيه ابتداء، من غير تعلق بالذمة. ويظهر الفائدة في أمور منها: التلف بغير تفريط، فعلى الاول: ينتقل إلى ذمة الضامن، لان تلف الرهن لا يسقط الحق، وعلى الثاني: إلى ذمة الضممون عنه، لان فوات العبد الجاني انما يسقط الحق عن مالكه، ومالك المال هنا هو الضامن، فيسقط عنه. واما المضمون عنه فانتقال المال عن ذمته ليس انتقالا تاما، لانه لم يتعلق بذمته، وإنما تعلق بمال تعلقا ضعيفا، فإذا مات عاد إلى ما كان، مع احتمال السقوط عنهما في الموضعين على التقديرين، أما عن الضامن فلانه لم يقدم على الضمان إلا في ذلك المال، ولم يلتزم الاداء من غيره، عملا بالشرط وقد فات فيبطل الضمان ويعود إلى ذمة المضمون عنه، وأما احتمال سقوطه عن المضمون عنه على تقدير تعلقه كالجاني، فلان الضمان لما كان ناقلا برأت ذمة الضممون عنه بالضمان كيف كان، فلم يبق للمضمون له عليه حق، ولا الضامن إلا بما أدى، ولم يحصل. لكن لا يخفى عليك ما في أصل الاحتمال الثاني، ضرورة عدم صلاحية الضمان لاثبات مثل هذا التعلق بعد أن كان هو نقل الدين من ذمة إلى اخرى وكذلك الشرط الذى هو بمعنى الالزام، وعلى تقديره فلا وجه لاحتمال عوده إلى ذمة المضمون عنه، بعد انتقاله عنها إلى المال المخصوص، وإنما المتجه أن يقال: إن هذا الشرط إما أن يكون من المضمون له، أو الضامن، أو منهما، فإن كان الاول تخير مع تلفه في فسخ الضمان، والعود إلى المضمون عنه وعدمه، والزام الضامن الاداء من غيره، وإن كان الثاني تخير الضامن، وإن كان الثالث تخير كل منهما على قاعدة فوات الشرط في غير هذا العقد من العقود اللازمة، إذ هو بناء على ما ذكرناه من عدم مشروعيته بالمعنى المزبور لا معنى له لاشتراط الاداء من المال المخصوص، ويمكن رجوع ما عن التذكرة من الرجوع على الضامن مع التلف مطلقا إلى ما قلناه بناء على عدم اختياره الفسخ، كما أن ما عن الشهيد في بعض فتاواه من اختيار بطلان الضمان كذلك، على معنى اختياره الفسخ، بل هو أولى مما في المسالك - من أنه " يمكن دفع المنافاة بين

[ 120 ]

تعلق الذمة والمال المعين مع الحكم بالبطلان على تقدير تلفه. بأن يجعل التعلق بالذمة مشروطا بالاداء من المال عملا بمقتضى الشرط أو يجعل هذا تعلقا برأسه خارجا عن التعلقين، إذ لا دليل على الانحصار فيهما، وإنما هو من مناسبات الشافعية وحينئذ فيجعل التعلق مخصوصا بالعين وفاء بالشرط، فإن التزام المال من غير المعين لم يتعلق به قصد الضامن، ولا دل عليه لفظ " إذ هو كما ترى، بعد ما ذكرنا، مضافا إلى معلومية أن تعذر الشرط في العقود اللازمة إنما يقتضى انتفاء اللزوم لا الصحة، وإلا كان تعليقا كما هو محرر في محله، فالتحقيق ما ذكرناه، ولا ينافيه دعوى عدم قابلية عقد الضمان للخيار كالنكاح والوقف، ونحوهما، إذ هي مجرد دعوى لا سند لها، بل مقتضى العمومات خلافها. وبذلك كله ظهر لك وجه النظر فيما ذكرناه من كلامه ومن تبعه، بل وفيما لم نذكره فلاحظ وتأمل وحينئذ فلا ريب في اكمال الضامن مع نقصان المال الذي تعلق الضمان به، كما أنه لا ريب في كونه المطالب بتحويله إلى جنس الحق، لما عرفت من كون المال في ذمته، وهو المخاطب بادائه من هذا المال. ومن الغريب احتمال عدم ضمانه النقصان، كاحتمال براءة ذمة الضامن والمضمون عنه بتعذر المال المشترط فيه الضمان المتقدم سابقا، إذ هما منافيان للاصول والضوابط ثم لا يخفى عليك أن اقتصار المصنف على المملوك في التفريع على ما ذكره من جواز التصرف مشعر بجواز الضمان من المفلس بل والسفيه، وأنهما ليسا ممنوعين منه، بل هما جائزا التصرف بالنسبة إليه، وهو كذلك في المفلس، وإن كان لا يشارك المضمون له الغرماء. أما السفيه فقد اطلق غير واحد عدم جواز ضمانه، لانه تصرف مالي كالاقتراض والهبة، وهو كذلك لكن ربما احتمل الجواز برضى المضمون له على ان يتبعه به بعد فك الحجر، لكنه كما ترى، ضرورة أنه مع الحجر عليه لا تقبل ذمته ذلك على وجه يكون من ديونه، بحيث يتعلق بتركته بعد موته مثلا، وإلا لجاز بيعه كذلك كما هو واضح.

[ 121 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا يشترط علمه) أي الضامن (ب‍) اسم (المضمون له) ونسبه (ولا المضمون عنه) كذلك كما في الخلاف والغنية، والتحرير، والارشاد، والمختلف، وجامع المقاصد، والمسالك، والروضة، والكفاية، والمفاتيح، والرياض على ما حكى عن بعضها، بل نسبه بعضهم إلى الاكثر، بل في محكى التذكرة لو ضمن الضامن عمن لا يعرفه صح ضمانه عند علمائنا. (وقيل) والقائل الشيخ في المحكى عن مبسوطه وتبعه المقداد في المحكي عن تنقيحه (يشترط) علمه بذلك، لحصول المعاملة بين الضامن وبينه، فافتقر إلى معرفته للحاجة، وللغرر والضرر بدون ذلك، ولينظر هل يستحق ذلك عليه أولا، ولانه احسان ولابد من معرفة محله، وإلا لجاز وضعه في غير أهله فلا يستفيد إلا محمدة اللئام. (و) لا ريب في أن (الاول اشبه) باصول المذهب وقواعده التى منها العمومات السالمة عن معارضة ما يقتضى ذلك، ضرورة عدم اقتضاء المعاملة بينهما المعرفة المزبورة، كالبيع، والاجارة، وغيرهما، ولا نهى عن الغرر المزبور الذى قد اقدم عليه الضامن، والنظر في استحقاق ذلك لو سلمنا اعتباره، لا يقتضى اعتبار المعرفة المزبورة على أنه يمكن معلوميته بدونها، والاخير لا يستأهل جوابا، كل ذلك مضافا إلى المنقول من ضمان امير المؤمنين عليه السلام (1) الدرهمين عن ميت امتنع رسول الله صلى الله عليه واله عن الصلاة عليه، وضمان قتادة (2) الدينارين عن آخر كذلك. (لكن لابد أن يمتاز المضمون عنه عند الضامن بما يصح معه القصد إلى الضمان عنه) بلا خلاف ولا اشكال، ضرورة عدم العبرة بالقصد إلى ضمان المبهم المتردد في الواقع، لعدم الدليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، بل لعله من المقطوع به إلا أنه اشكله في المسالك بمنع توقف القصد على ذلك، فإن المعتبر القصد إلى الضمان وهو التزام المال الذى يذكره المضمون له مثلا في الذمه، وذلك غير متوقف على معرفة من عليه الدين، فالدليل إنما دل على اعتبار القصد في العقد، لا فيمن كان عليه


(1) (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 2 - 3 -.

[ 122 ]

الدين، فلو قال لشخص مثلا إنى استحق في ذمة شخص مأة درهم فقال له آخر: ضمنتها لك كان قاصدا إلى عقد الضمان، عن أي من كان عليه الدين، ولا دليل على اعتبار ما زاد عن ذلك. وفيه: انك قد عرفت بكون المراد الامتياز عند الضامن على وجه الا يكون مبهما بحيث لا يصح معه القصد إلى الضمان، كما لو قال: ضمنت لك أحد دينيك مثلا، فلا يرد المثال الذى ذكره، لانه لم الممتاز على وجه يصح للضامن قصده، وإن لم يكن معلوما له بعينه. نعم لو اراد الضامن الضمان عمن هو متشخص عنده لم يكتف بذلك قطعا، والى ما ذكرنا يرجع ما عن التذكرة حيث قال: " وهل يشترط معرفة ما يميزه عن غيره، الاقرب العدم، بل لو قال: ضمنت لك الدين الذي لك على من كان من الناس جاز، نعم لا بد من معرفة المضمون عنه بوصف (يميزه ؟) عند الضامن بما يمكن معه القصد إلى الضمان عنه، لو لم يقصد الضمان عن أي من كان ". فمن الغريب ما في المسالك من دعوى موافقة هذا الكلام من التذكرة لما اختاره لا لما ذكره المصنف وهو عند التأمل الصادق عين ما في المتن. واغرب من ذلك ما وقع من بعضهم من أنه بناء على اعتبار القول لفظا كما عليه الاكثر وإن لم يصرحوا به، لمكان تصريحهم بأنه عقد لازم اقتضى ذلك تمييزه لا ازيد من ذلك، وإن لم نعتبره كما يدل عليه واقعة الميت المديون (1) الذى امتنع النبي صلى الله عليه واله من الصلوة عليه حتى ضمنه على عليه السلام لم يعتبر علمه بوجه، وهذا هو الظاهر من عبارة المصنف حيث اعتبر رضاه ولم يعتبر فيه عقدا ولا قبولا مخصوصا، ولا امتيازه هنا مع اعتباره امتياز المضمون عنه، إذ لا يخفى عليك أنه لا إشكال في اعتبار القبول فيه، لانه لا إشكال في كونه من العقود، ولكن ذلك لا يقتضى المعرفة المزبورة فيصح حينئذ ضمانه له وإن لم يشخصه، وإن حصل القبول منه.


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 2 -.

[ 123 ]

نعم لا بد من الامتياز الذى ذكرناه المقابل بالابهام، ولعل اقتصار المصنف على ذكره في المضمون عنه للاكتفاء عنه في المضمون له بذكره سابقا انه من العقود، ولا ريب في اقتضائها ذلك قطعا في اركانها التى منها المضمون له، وبما يذكره الان من اعتبار رضاه المحتمل، أو المظنون، أو المقطوع إرادة القبول منه المتوقف على التمييز المزبور قطعا. بل لا بد فيه من نظم العقد حينئذ بالاتصال والعربية بل والماضوية والصراحة الوضعية، بناء على اعتبارهما وغير ذكل مما يعتبر في العقد اللازم، وإن كان الذي قدمناه سابقا التوسعة عندنا لفظا ايجابه وقبوله، وأنه يكفى كل ما دل على ذلك على حسب غيره من الخطابات، من غير فرق بين الحقيقة والمجاز والماضوية وغيرها وقد اشبعنا الكلام فيه والمقام ادح افراده وبذلك كله بان الكلام في جميع اطراف المسألة وإن ذكر في الرياض أن فيها اقوالا اربعة: وفى اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له بالوصف والنسب، كما عن المبسوط أو بما يتميزان به عن الغير خاصة كما في اللمعة أو العدم مطلقا كما عن الخلاف، وفى الغنية وهو ظاهر العبارة، وصريح الشرايع والفاضل فيما عدا المختلف والمسالك والروضة، أو يعتبر معرفة الاول بما يتميز خاصه دون الثاني كما في المختلف - اقوال اربعة أجودها ثالثها. لكن لا يخفى عليك ما فيه، بل وما في مختاره بعد الاحاطة بما ذكرناه، كما أنه لا يخفى ما في حكايته عن المختلف بعد ملاحظة آخر كلامه، بل ولا ما في تحريره الخلاف المزبور على الوجه المذكور، بل لولا شهره حكاية الخلاف عن المبسوط لامكن حمله بقرينة تعليله على إرادة معلومية الحق، وهو غير ما نحن فيه. (و) كيف كان فلا إشكال بناء على ما عرفت في أنه (يشترط رضا المضمون له) في صحة الضمان، بل لا خلاف معتد به أجده فيه، بل في محكى التحرير والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصول المقتصر في الخروج عنهما على الضمان

[ 124 ]

برضا المضمون له، وصحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء ؟ فقال: إذا رضى به الغرماء فقد برءت ذمة الميت " وفى الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا عليه السلام (2) " وإن كان لك على رجل مال وضمنه رجل عند موته، وقبلت ضمانه فالميت قد برأ، وقد لزم الضامن رده " مضافا إلى ما في انتقال الدين من ذمة المديون إلى اخرى بدون رضى الديان من الفساد، وضياع حقوق الناس المعلوم ضرورة من الشريعة خلافه، والى ما يشعر به ما تسمعه من خبر عبد الله بن الحسن (3) وغير ذلك، فما عساه يظهر مما عن الخلاف من أن اعتبار رضاه اولى من الخلاف في ذلك - واضح الفساد. وأغرب من ذلك الاحتجاج له بضمان امير المؤمنين عليه السلام (4) وأبى قتادة (5) الدين عن الميت، وليسأل النبي صلى الله عليه واله عن رضى المضمون له الذى هو بعد الغض عن سند روايته لا دلالة فيه على ذلك، بل لعله دال على خلافه، ضروره اشتماله على وقوع الضمان الذي هو عبارة عن الايجاب والقبول من المضمون له، والايجاب وحده ليس بضمان، فلا حاجة حينئذ إلى الجواب بأنها واقعة لا عموم فيها، وبأن ذلك إنما يدل على عدم البطلان قبل علمه ورده، ونحن نقول بموجبه، لانه صحيح، ولكن لا يلزم إلا برضى المضمون لهن وبأن النبي صلى الله عليه واله قد قبل، لانه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبحصول إذن الفحوى من المضمون له، وبغير ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه بعد معلومية امتناع النبي صلى الله عليه واله عن الصلاة عليه من جهة شغل ذمته، وأنها برءت بالضمان، فصلى والضمان الفضولي لا يفيده براءة فعلية، وأن ولاية النبي صلى الله عليه واله في غير قبول العقود، والفحوى لا تكفي في تحقق البراءة فعلا فالتحقيق حينئذ في الجواب ما عرفت.


(1) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 1 -. (2) المستدرك ج - 2 - ص 491. (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -. (4) (5) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 2 - 3 -.

[ 125 ]

وأغرب من ذلك الاستدلال له بموثق " اسحاق بن عمار (1) عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل يكون عليه دين فحضره الموت فيقول وليه: علي دينك ؟ قال: يبرؤه ذلك وإن لم يوفه وليه من بعده، وقال: ارجو أن لا يأثم وإنما إثمه على الذى يحبسه " الذي هو مطلق محمول على المقيد، وبموثق الحسن بن الجهم (2) " سألت أبا الحسن عليه عن رجل مات وله علي دين وخلف ولدا رجالا ونساء وصبيانا فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لاخوتي وأخواتى وأنا ضامن لرضاهم عنك، قال تكون في سعة من ذلك وحل، قلت: وإن لم يعطهم قال: ذلك كان في عنقه، قلت: فإن رجع الورثة على فقالوا: أعطنا حقنا فقال: لهم ذلك في الحكم الظاهر، فاما بينك وبين الله فأنت في حل منها إذا كان الرجل أحلك يضمن رضاهم، قلت: فما تقول في الصبى، لامه أن تحلل ؟ قال: نعم إذا كان لها ما ترضيه وتعطيه، قلت: فإن لم يكن لها مال قال: فلا، قلت: فقد سمعتك تقول أنه يجوز تحليلها، فقال: إنما أعنى بذلك إذا كان لها مال ". وصحيح حبيب الخثعمي (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " قلت له: الرجل يكون عنده المال وديعة يأخذ منه بغير إذن صاحبه ؟ قال: لا يأخذ الا أن يكون له وفاء قال: قلت: ارايت إن وجد من يضمنه ولم يكنم له وفاء واشهد على نفسه الذى يضمنه يأخذ منه ؟ قال: نعم ". الذى لا يخفى عليك مخالفة ظاهر الاول للاجماع، باعتبار اشتماله على الابراء من دون إذنهم، وإنما ضمن رضاهم، وهو ليس من الضمان المصطلح، وتأويله بالضمان من دون رضاهم ليس بأولى من ضمانه برضاهم، ولكن لا بينة له على ذلك، فكان في الحكم الظاهر لهم مطالبته مع إنكارهم لذلك.


(1) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الدين والقرض الحديث - 2 -. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 - باختلاف يسير. (3) الوسائل الباب - 8 من ابواب احكام الوديعة - الحديث 1 -.

[ 126 ]

وأما الثاني فليس دالا إلا على جواز الاخذ من الوديعة إذا لم يكن له مال، وكان قد تعهد له شخص بوفاء ذلك عنه، ولا ريب أنه خارج عما نحن فيه، ومحمول على إذن المودع بذلك. فمن الغريب وسوسة بعض متأخرى المتأخرين في الحكم المزبور لذلك، مما هو غير صالح لمعارضة بعض ما عرفت، خصوصا بعد كون المسألة من قطعيات الفقه وضرورياته، بل لعل الوسوسة فيها جهل بمذاق الفن ومذاق الشرع، بل قد عرفت أنه لا بد من رضى المضمون له بعنوان القبول الذي يتم به العقد، لما عرفت من المفروغية عن كون الضمان عقدا محتاجا إلى الايجاب والقبول، بل لا بد فيهما من جميع ما هو معتبر في العقود اللازمة من الاتصال والعربية وغيرهما. نعم يقوى عندنا فيه وفى غيره من العقود اللازمة عدم اعتبار لفظ مخصوص ولا هيئة مخصوصة، بل كلما أفاد انشاء ذلك ولو بالجملة الاسمية، أو بالمجاز أو نحو ذلك، كما أوضحناه في البيع وغيره. ومنه يعلم حينئذ تحقق عقد الضمان بنحو " على دين زيد " أو عندي أو نحوهما مما يقصد به انشاء التعهد بذلك، وقرنه القبول من المضمون له، فما عن الايضاح والمقدس الاردبيلي من اعتبار الرضا دون القبول العقدى، لانه التزام أو إعانة للمضمون عنه، وتوثيق للمضمون له، وليس هو على قواعد المعاملات واضح الضعف كقول العلامة في القواعد " وفى اشتراط قبوله اختمال " إذ الجميع كما ترى، ضرورة عدم منافاة التوثيق (و) نحوه للعقدية، إذ هو حينئذ كالرهن، بل أولى لما فيه من انتقال المال من ذمة إلى ذمة أخرى، على أن الاصل عدم ترتب شئ عليه، إذا لم يكن بصورة العقد. نعم (لا عبرة برضا المضمون عنه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه (لان الضمان كالقضاء) للدين المعلوم عدم اعتبار الرضا فيه، ولاطلاق الادلة وعمومها، ولما سمعته من واقعة ضمان أمير المؤمنين عليه السلام (و) غيره عن الميت، بل (لو أنكر) وأبى (بعد الضمان لم يبطل، على الاصح) للاصل وغيره من الادلة

[ 127 ]

التى سمعتها، خلافا لما في النهاية قال: " ومتى تبرع الضامن من غير مسألة المضمون عنه، وقبل المضمون له فقد برأ المضمون عنه، إلا أن ينكر ذلك ويأباه، فيبطل ضمان المتبرع، ويكون الحق على أصله لم ينتقل عنه بالضمان ". وربما تبعه عليه غيره، لكن لم نجد له دليلا، بل ظاهر الادلة خلافه، وأنه لا عبره برضاه، ولا رده وإباؤه مانع، سواء كان ذلك قبل الضمان أو بعده، ومما سمعته من النهايه يعلم إرادة ما فسرناه من الانكار في عبارة المتن، لا جحود ضمان الضامن الذى قد يفرض اعترافه بالضمان، على أنه لا وجه لاحتمال بطلان الضمان بذلك. (و) كيف كان ف‍ (مع تحقق الضمان) الجامع لشرائط الصحة (ينتقل المال إلى ذمة الضامن ويبرأ المضمون عنه و) حينئذ (تسقط المطالبة) من المضمون له (عنه) لعدم الحق له في ذمته، بلا خلاف في شئ من ذلك عندنا ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله من ضروريات الفقة. نعم قد عرفت مخالفة الجمهور في ذلك، باعتبار أن الضمان عندهم ضم ذمة إلى ذمة أخرى وبطلانه، (و) حينئذ ف‍ (لو أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضامن) من هذه الحيثية (على قول مشهور لنا) بل مجمع عليه بيننا، ضرورة عدم المحل للبراءة المزبورة بعد ما عرفت من براءة ذمته بالضمان عندنا، وإنما محلها حينئذ ذمة الضامن، فإذا أبرأه برءا معا، وإن كان الضمان بالاذن، لعدم استحقاق الرجوع عليه إلا بالاداء الذى قد انتفى محله بالابراء، فينتفي الحق عنه للضامن الذى قد فرضنا براءة ذمته من المضمون له. نعم قد يقال باستفادة براءة ذمة الضامن من براءة ذمة المضمون عنه، وإن لم يكن لها محل، باعتبار ظهور ذلك في إرادة رفع اليد عمن هو عليه، وإن كان متعلقها المضمون عنه، إلا أن ذلك لو سلم فهو خروج عما نحن فيه، ضرورة كون المراد من الحيثية المزبورة، لا من حيث دعوى دلالة العرف على إرادة البراءة للضامن أيضا، مع أنها واضحة المنع على مدعيها مع عدم القرائن وكل ذلك تفريع على مذهبنا. أما على مذهب الجمهور فلا إشكال في صحة البراءة المزبورة، لان الحق باق

[ 128 ]

عندهم. بل المحكي عنهم ان براءه ذمة الضامن لا يقتضى براءة ذمة المضمون عنه، بخلاف العكس، لانها من قبيل الوثيقة عند الديان، فتلفها لا يقتضى سقوط الحق بخلاف براءة ذمة المضمون عنه فانها تقتضي براءة ذمة الضامن التى هي وثيقه على ذمة المضمون عنه، المفروض براءتها، فتفك حينئذ الوثيقة، وهى كما ترى قياس واستحسان وتحدس لا يوافق أصول الشريعة وقواعدها، ولعل قول المصنف على قول مشهور لنا إشارة إلى ما ذكرناه من الاحتمال، لا لوجود خلاف في المسألة، إذ قد عرفت أنها من قطعيات فقه الشيعة أو ضرورياته. (و) كيف كان فلا خلاف عندنا في أنه (يشترط فيه) أي في لزوم الضمان (الملاءة أو العلم) من المضمون له (بالاعسار) والرضا به، بل عن ظاهر الغنية الاجماع، والسرائر نسبته إلى أصحابنا وجامع المقاصد ظاهرهم أن هذا الحكم موضع وفاق، ولعل ذلك مضافا إلى قاعده الضرر، وبناء الضمان على الارتفاق، وإرادة الاداء وما عساه يشعر به ذيل خبر ابن الجهم (1) المتقدم، وما تسمعه من النصوص (2) في الحوالة الدالة على ذلك، وهي أخت الضمان دليل الحكم المزبور، وحينئذ فإذا كان الضامن مليا أو معلوم الاعسار عند المضمون له لزم بالضمان بلا خلاف ولا إشكال. (اما لو ضمن ثم بان إعساره، كان للمضمون له فسخ الضمان، والعود على المضمون عنه) قيل: وليس هو كالبيع إلى أجل مثلا فبان اعساره، للفرق الواضح بينهما بالنسبة إلى الاداء، لكن ذلك إذا كان معسرا حال الضمان، أما إذا تجدد فلا خيار لاصالة اللزوم، بل قد يقوى عدم الخيار ايضا لو كان معسرا حال الضمان ولم يعلم به حتى تجدد يساره، للاصل ايضا، ولا ينافى الخيار المزبور سبق رضى المضمون له لضمانه حال عدم العلم باعساره، كما أنه لا فرق في ثبوته بين اعسار المضمون عنه، وعدمه، لاطلاق الفتوى المقتضى ايضا عدم الخيار مع الملاءة وإن لم يكن وفيا بل ظاهرهم عدم ثبوته بغير ذلك من وجوه الضرر، أو تعسر الاستيفاء، ولكنه لا يخلو من


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -. (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الضمان.

[ 129 ]

نظر، بل ظاهرهم أن الاعسار كاف في ثبوت الخيار المزبور وإن كان الضمان مؤجلا وأن اليسار حين الضمان كاف في لزومه وإن أعسر عند الاجل. كل ذلك مع عدم العلم به كما عرفت، وإلا فمع العلم به أو الرضا به على كل حال فلا إشكال، (1) " وقد احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع عليه غرماؤه وطالبوه بدين لهم، فقال لهم لا مال عندي فاعطيكم، ولكن ارضوا بمن شئتم من ابني عمى، على بن الحسين عليه السلام أو عبد الله بن جعفر، فقال الغرماء: عبد الله بن جعفر ملي مطول، وعلي بن الحسين عليه السلام رجل لا مال له صدوق وهو أحبهما إلينا، فارسل إليه فأخبره الخبر، فقال أضمن لكم المال إلى غلة ولم تكن له غلة فقال القوم: قد رضينا وضمنه فلما أتت الغلة أتاح الله له المال فاداه " ثم إن هذا الخيار على الفور أو التراخي ؟ وجهان ذكرناهما في نظائره، وقلنا: إن الاصل يقتضى الثاني منهما كما اعترف به غير واحد. (و) كيف كان ف‍ (الضمان المؤجل) للدين الحال (جائز) بلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم بل (اجماعا) كما في المسالك ومحكي التنقيح وإيضاح النافع، وغيرها، للعمومات السالمة عن المعارض، إذ هو تأجيل للدين، لا تعليق للضمان إلى الاجل، واحتمال كون الضمان نقل الدين على ما هو عليه بحيث لا يختلف في حلول وتأجيل لا قائل به، ولا شاهد عليه، بل مقتضى العمومات خلافه. نعم هل يكون هذا الاجل للدين، أو هو أجل للضمان ؟ وتظهر الثمرة فيما لو ادى الضامن من قبل الاجل، فإنه لا يستحق الرجوع على الاول، بخلاف الثاني الذي لا يخلو من قوة، بل هو صريح المسالك وغيرها في المسائل الآتية، وأما ضمانه للدين المؤجل بأزيد من أجله أو مساويه أو أنقص فلا أجد فيه خلافا محققا كذلك، بل ظاهر المتن أنه من معقد الاجماع عليه، بل يمكن دعوى الاجماع عليه، بل عن فخر الاسلام أن ضمان المؤجل بمثل أجله يصح إجماعا وعن الشيخ وايضاح النافع أن ضمان المؤجل بأزيد من أجله يصح اجماعا مضافا إلى أنه مقتضى العمومات أيضا.


(1) الوسائل الباب - 5 - ابواب من احكام الضمان الحديث - 1 -.

[ 130 ]

نعم ربما ظهر من تعليل المنع في المسألة الآتية المنع في المساوى، باعتبار عدم الارفاق فيه، كما أنه يستفاد المنع فيما لو كان الاجل أنقص ما تسمعه من تعليل فخر الاسلام والكركي المنع في بعض الصور الآتية، بانه ضمان ما لم يجب، إلا أن الجميع ستعرف ضعفه، على أنه لا معنى لاثبات الخلاف من أمثال هذه التعليلات بالتي نذكر دليلا للمخالف من غيره، ومنه يعلم الجواز حينئذ في جميع صور المقام من غير فرق بين الضمان بالاذن والتبرع. (وفى) الضمان (الحال، تردد) وخلاف، ففي محكي المقنعة والنهاية لا يصح ضمان نفس أو مال إلا بأجل، وفي محكي الوسيلة إنما يصح الضمان بتعيين أجل المال وعد في محكي الغنية من شروط صحته أن يكون إلى أجل معلوم، ثم عد شرطين آخرين، وادعى الاجماع. وظاهر هذه العبارات اعتبار الاجل في الضمان على نحو اعتباره في السلم، وهو الذى اشار إليه في المتن بقوله تردد، ولكن (اظهره الجواز) وفاقا لغير من عرفت من الاصحاب، حتى من الشيخ في المحكي عن المبسوط، للعمومات السالمة عن معارضة ما يقتضى اعتبار الاجل فيه كالسلم، واجماع الغنية - بناء على شموله للفرض مع عدم الشاهد له، ومصير من عرفت من الاصحاب إلى خلافه - يضعف الظن به. بل في محكي السرائر " وقد يوجد في بعض الكتب لاصحابنا، ولا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل، والمراد بذلك إذا اتفقا على التأخير والاجل فلا بد من ذلك ولا يصح إلا بأجل محروس فأما إذا اتفقا على التعجيل فيصح الضمان من دون أجل، وكذا إذا اطلقا العقد، وإلى هذا القول ذهب شيخنا في مبسوطه، وهو حق اليقين، لانه لا يمنع منه مانع، ومن ادعى خلافه يحتاج إلى دليل ولم نجده. ومقتضى ذلك خروج المسألة عن الخلاف، إذ هو منحصر فيما سمعت من العبارات المحتمل فيها ذلك، مؤيدا بعدم العثور على دليل يدل على اعتبار الاجل فيه، نحو اعتباره في التسليم، وحينئذ يكون وجه الخلاف في المسألة اعتبار الاجل في الضمان وعدمه، وهذا هو الظاهر من العبارة من غير مدخلية لحلول الدين وأجله،

[ 131 ]

فالمؤجل حينئذ جايز اجماعا - من هذه الجهة، سواء كان الدين حالا أو مؤجلا، وسواء اتفقا في الاجل أو اختلفا، والحال فيه خلاف، سواء كان الدين، حالا أو مؤجلا. فمن الغريب ما في المسالك حيث أنه بعد أن ذكر الصور الاثنا عشر المتصورة في المقام التى هي الضمان حالا ومؤجلا، عن حال ومؤجل متساويين في الاجل أو متفاوتين، فهذه ستة، وهي إما أن تكون عن تبرع أو سؤال المضمون عنه، فيكون اثنا عشر، قال: وكلها جايز على الاقوى، إلا ان موضع الخلاف فيها غير محرر، إذ قد عرفت تحريره على الوجه المزبور، وأن التعليل للمنع بالارفاق في المختلف وغيره لا ينبغى أن يتصيد منه خلاف في المسألة. نعم في ضمان المؤجل حالا أو أنقص من أجله خلاف من بعض المتأخرين كالفخر، والكركي، بل تستمع التردد فيه من المصنف في المسألة الثامنة، لانه ضمان ما لم يجب، ولان الفرع لا يرجح على الاصل، ولان مشروعية الضمان على نقل الدين على ما هو عليه. وفيه أن المضمون المال والاجل إنما هو من التوابع والحقوق، فمع الرضا باسقاطه من الطرفين يسقط، ويلزم سقوطه إذا كان بعقد لازم، وهو واجب، غايته أنه موسع وذلك لا يخرجه عن اصل الوجوب، خصوصا بعد التراضي باسقاط حق الاجل الذي هو كما يثبت للحال بعقد يسقط ايضا عن المؤجل به، وقاعدة عدم رجحان الفرع على اصله لا دليل عليها على وجه تجدى في المقام، كدعوى أن مشروعية الضمان على نقل الحق بوضعه إلى ذمة الضامن، والحلول صفة مغيرة له، فلا يشرع فيه الضمان، فرق بين ضمان الحال مؤجلا وبالعكس، لعدم تشخيص المال بالحلول الذي هو عدم الاجل بخلاف العكس، إذ هي كما ترى لا حاصل لها، ومرجعهما معا إلى شرط في عقد الضمان مندرج تحت " المؤمنون " (1) و " أوفوا " (2) وغيرهما من غير


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 - (2) سورة المائدة الاية - 1 -

[ 132 ]

فرق بين إقتضائه تأجيل الحال وبالعكس، وبذلك كله ظهر لك التحقيق في المسألة وتحرير موضع الخلاف فيها. وأما احتمال المنع فضمان الحال حالا والمؤجل بمثل أجله أو انقص الناشي من تعليل المنع للضمان الحال في المختلف بالارفاق، فليس خلافا في المسألة، وعلى تقديره فهو واضح الضعف، ضرورة عدم ثبوت اعتبار الارفاق فيه على وجه يقتضى ذلك، خصوصا بعد عدم انحصار الفائدة فيه بذلك، كما هو واضح. بقي الكلام في أنه لو ضمن المؤجل حالا أو انقص بإذن المضمون عنه كذلك، أو مطلقا فهل يكون الدين على المضمون عنه كذلك أو فرق بين الاطلاق والتصريح فيحل ما عليه بالثاني، لا الاول، أو لا رجوع للضامن عليه وإن ادى إلا بعد انقضاء الاجل الاصلي للدين وجوه بل اقوال فثاني الشهيدين والفاضل في المحكي عن مختلفه، وظاهر تحريره بل قيل إنه الذي استقر عليه رأيه في التذكرة على الاخير منها، لعدم المقتضى لسقوطه، إذ الاذن للضامن بالضمان حالا فضلا عن الاطلاق اعم من ذلك، بل اقصاه الحلول بالنسبة إلى ذمة الضامن، دون ما في ذمته للضامن. وفي محكي التنقيح الاول، لان الضمان في حكم الاداء ومتى اذن المديون لغيره في قضاء دينه معجلا فقضاه استحق مطالبته، ولان الضمان بالسؤال موجب لاستحقاق الرجوع على وفق الاذن، وأما مع الاطلاق فلتناوله التعجيل الذي قد عرفت اقتضاءه ذلك. وعن ظاهر بعض المتأخرين الثاني، ولعله الاقوى، ضرورة عدم اقتضاء الاذن في الاطلاق التعجيل، فلا دلالة فيه عليه، فيكون كالتبرع به حينئذ ولعله لذا جزم بعضهم بعدم الرجوع في الاطلاق، وجعل الاشكال في التصريح، بل هو المحكي عن التذكرة. نعم لو فرض إرادة ذلك منه ولو بالقرائن اتجه حينئذ الرجوع به عليه، لانه كالتصريح بالنسبة إلى ذلك، ولعله لذا جزم به في محكى الايضاح بالرجوع مع التصريح، وجعل الاشكال في الاطلاق، من احتمال اقتضائه الاذن في التعجيل، وعدمه

[ 133 ]

وقد عرفت عدم اقتضائه ذلك، كما أنك قد عرفت عدم الاشكال في الرجوع مع التصريح خصوصا إذا ضم إليه مع ذلك الرجوع عليه فعلا. (و) كيف كان فقد ظهر لك ما ذكرنا مكررا أنه (لو كان المال حالا، فضمنه مؤجلا، جاز وسقطت مطالبة المضمون عنه، ولم يطالب الضامن إلا بعد الاجل) بلا خلاف فيه عندنا (و) لا إشكال. نعم قد عرفت أن هذا الاجل للضمان، لا للدين ف‍ (لو مات الضامن، حل واخذ من تركته) ورجع الورثة على المضمون عنه، وكذا لو دفع الضامن معجلا باختياره، لاسقاط حقه، بخلاف ما لو كان الدين مؤجلا عن المضمون عنه فضمنه الضامن كذلك، فإنه بحلوله بموته مثلا لا يحل على المضمون عنه لان الحلول عليه لا يستدعى الحلول على الاخر. (ولو كان الدين مؤجلا إلى أجل، فضمنه إلى أزيد من ذلك الاجل، جاز) بلا خلاف ولا إشكال، لكن إن ادى قبل حلول أجل الاصل، لم يكن له مطالبة المضمون عنه إلا بعده، وإن ادى بعد حلوله عليه وقبل حلول أجل نفسه، فله المطالبة، لانه قد صار الاصل حالا، والفرض اداء الضامن واسقاط حق نفسه من الاجل الزائد، وكذا القول لو مات وادى وارثه، نعم لو قلنا بأن الاجل للضمان اجل للدين، اتجه حينئذ مراعاته للمضمون عنه وإن حل على الضامن، أو اسقطه كما هو واضح. (ويرجع الضامن على المضمون عنه، بما اداه إن ضمن باذنه، ولو ادى بغير اذنه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وفي الخبر (1) " سألته عن قول الناس الزعيم غارم ؟ فقال: ليس على الضامن غرم، الغرم على من أكل المال " وفي آخر (2) " عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح عليه ؟ قال: ليس له إلا الذي صالح


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 - المستدرك ج 2 ص 497 وفيه قول الناس الضامن غارم. (2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام الصمان الحديث - 1 -

[ 134 ]

عليه " كل ذلك مضافا إلى أصالة احترام مال المسلم، وضمانه إلا إذا بذله على جهة التبرع به، والتادية، وإن كانت بغير اذنه، إلا ان الضمان الذى هو سبب في وجوبها قد كان بإذنه، بل في الحقيقة الاذن فيه إذن فيها. (ولا يرجع إذا ضمن بغير اذنه ولو ادى بأذنه) بلا خلاف فيه ايضا بل الاجماع بقسميه كذلك عليه، والخبران منزلان على ما إذا اذن نعم قد يقال بالرجوع لو ادى باذنه المصرح فيها بالرجوع عليه، لقاعدة الاحترام المزبورة، ولا ينافيها وقوع الضمان بغير إذنه، فإنه لا ينافى تبرع المضمون عنه بالوفاء، فقوله حينئذ اد عني وارجع به على كقوله لاجنبي عن الضامن المتبرع وارجع به علي، فمع فرض تادية الضامن بعنوان امتثال أمر المضمون عنه، وبقصد الرجوع عليه، يتجه حينئذ رجوعه، وإن كان أداء عن نفسه، لكن من المتبرع به عنه، فما عن بعض الناس من الاشكال في الرجوع ايضا في الصورة المزبورة التى مرجعها إلى الوعد، لعدم دليل على الرجوع عليه بالقول المزبور لا يخلو من نظر أو منع، بعد ما عرفت والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف أجده في أنه (ينعقد الضمان بكتابة الضامن) أو المضمون عنه مع عجزهما عن النطق (منضمة إلى القرينة الدالة) على قصد انشاء ذلك (لا مجردة) عن ذلك لاحتمالها حينئذ العبثية وغيرها بل ظاهرهم ذلك وإن تمكن من التوكيل، بل الظاهر عدم الفرق بينها وبين غيرها من الاشارات المفهمة، لعدم ما يدل على اختصاصها بذلك، بل العمد في الاكتفاء بها بعد عدم الخلاف فيه فحوى الاكتفاء باشارة الاخرس التي لا فرق فيها بين الكتابة وغيرها، وقد تقدم في البيع ما يستفاد منه الاكتفاء بالكتابة مثلا مع الاكراه على السكوت ظلما وغير ذلك فلاحظ وتأمل.

[ 135 ]

البحث (الثاني في الحق المضمون) (وهو كل مال ثابت في الذمة) ومرجعه إلى ما في القواعد من ان شرطه المالية والثبوت في الذمة وإن كان متزلزلا كالثمن في مدة الخيار، والمهر قبل الدخول، بل قيل: ان على الاول الاجماع، معلوم ومحكي في ظاهر الغنية وغيرها، بل فيها وغيرها ايضا الاجماع صريحا على الثاني وفي محكي التذكرة لو قال لغيره: مهما اعطيت فلانا فهو على لم يصح اجماعا، هذا ولكن لم أجد تصريحا في اندراج العمل في الذمة في المال وعدمه. نعم في اللمعة أن ضابطه ما جاز عقد الرهن عليه، وربما يستظهر منه اندراجه فيه، لكن عن التذكرة أن يكون مما يصح تملكه وبيعه، وهو كالصريح في عدمه، ولا ريب ان العمومات تشهد للاول، بل هو من المال قطعا لو كان منفعة دابة، كلية مثلا أو عبد كذلك، بل لعل جميعه من المال، بدليل جواز جعله عوضا في البيع والنكاح والخلع وغيرها مما يعتبر فيها المال، كما أنى لم اجد من تعرض للجمع بين ذكر الشرط المزبور والتصريح بضمان الاعيان والعهدة والصنجة وغير ذلك مما تسمعه إنشاء الله، بل في المتن وغيره هنا ما ينافى ذلك، فإنه قال بعد ما سمعت: (سواء كان) أي المال في الذمة (مستقرا كالبيع بعد القبض وانقضاء الخيار أو معرضا للبطلان كالثمن في مدة الخيار بعد قبض الثمن ولو كان قبله، لم يصح ضمانه عن البايع) عينا ولا عهدة، لعدم دخوله تحت يده، أما بعده فيصح ضمانه عن البايع عهدة لو ظهر المبيع مستحقا مثلا. وهو كما ترى لا يجامع الضابط المزبور، ضرورة عدم كون المضمون في هذا الحال مالا في الذمة، بل هو من ضمان الاعيان. نعم لو ضمن الثمن عن المشترى للبايع، كان ضمانا لمال في الذمة، بل وكذا لو ضمن عنه عهدته لو خرج مستحقا للغير إذا كان الثمن غير معين، وإلا بطل البيع فلا ضمان حينئذ،

[ 136 ]

بخلاف ما إذا لم يكن معينا، فإن الضمان حينئذ صحيح، لانه في الحقيقة لمال في الذمة، وهو الثمن الكلي، وكذا لو كان معينا مثلا وكان المضمون عن المشترى ارشه الذي هو ايضا مال كلى في الذمة، وبذلك يظهر لك أن ضمان العهدة هو من ضمان العين أو من ضمان المال في الذمة وليس هو شئ مستقل لكن في المسالك " ان الفرق بين ضمان العهدة والمال نفسه يظهر في اللفظ والمعنى، أما اللفظ فالعبارة عن ضمان الثمن " ضمنت لك الثمن الذي في ذمة زيد " مثلا ونحوه، وضمان العهدة ضمنت لك عهدته أو دركه " أو نحو ذلك، واما المعنى فظاهر، إذ ضمانه نفسه يفيد انتقاله إلى ذمة الضامن، وبراءة المضمون عنه منه، وضمان العهدة ليس كذلك، بل إنما يفيد ضمان دركه على بعض التقديرات، ولا يخفى عليك ما فيه بعد عدم دليل مخصوص على اعتبار اللفظ المزبور، بل ظاهر الادلة، خلافه. وعلى كل حال ضمانه يقتضى انتقال الثمن لو كان في ذمة المشترى إلى ذمة الضامن، إلا انه لما كان في الظاهر فراغها بالدفع المزبور لم يحكم به، فإذا تبين فساد الدفع بكونه مستحقا للغير مثلا حكم بمصادفة الضمان المزبور لمحله، فيترتب عليه حكمه من الانتقال إلى ذمة الضامن، وفراغ ذمة المضمون عنه، وهذا معنى ضمان دركه، وإلا فلا دليل على مشروعيته مستقلا على وجه يكون غير الضمان بالمعنى المزبور كما هو واضح. وبذلك كله يظهر لك ما في المتن والمسالك، ولعل عبارة الفاضل في القواعد السابقة احسن من عبارة المتن، لاقتصارها على بيان صحة الضمان للمال الثابت في الذمة مستقرا أو متزلزلا، كالثمن في مدة الخيار، والمهر قبل الدخول. ولا ريب في ظهور إرادة ضمانه عن المشتري للبايع، وهو الذي ذكره الشيخ في المحكي عن مبسوطه حيث نفى الخلاف فيه، وظاهره بين المسلمين عن صحة ضمان الثمن في البيع بعد تسليم المبيع، والمهر بعد الدخول، والاجرة بعد دخول المدة، وعن صحة ضمان الثمن قبل التسليم، والاجرة قبل انقضاء الاجارة، والمهر قبل الدخول، قال: فهذه الحقوق لازمة غير مستقرة، فيصح ضمانها ايضا بلا خلاف، وأما ضمان

[ 137 ]

العهدة فهي مسألة مستقلة، سيذكرها المصنف في اللواحق، لا مدخل لها فيما نحن فيه فلاحظ وتدبر. (وكذا) يصح ضمان (ما ليس بلازم ولكن يؤول إلى اللزوم، كمال الجعالة قبل فعل ما شرط) عليه من العمل (وكمال السبق والرماية) وفاقا للمحكي عن المبسوط، والتحرير، والمختلف، ومجمع البرهان، والتذكرة، إلا انه قال: إذا شرع في العمل، بل لعله المراد مما عن الخلاف والغنية " يصح ضمان مال الجعالة إذا فعل ما شرط الجعالة به " بناء على إرادة الكشف من الشرط المزبور، بقرينة استدلالهم عليه بقوله تعالى (1) " ولمن جاء حمل بعير وانا به زعيم " وقوله عليه السلام (2) " الزعيم غارم " ومرجع الثاني إلى العمومات التي هي العمدة، مضافا إلى ما عن المختلف من الاستدلال عليه بمسيس الحاجة إليه، فجاز ضمانه وكقوله الق متاعك وعلى ضمانه، والى ما عن التذكرة من وجود سبب الوجود وانتهاء الامر فيه إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار. ولكن مع ذلك كله قال المصنف: (على تردد) ينشا من احتمال عدم سببية عقد الجعالة لثبوت المال في الذمة، وانما هو جزء السبب الذي هو مع العمل، فتكون الضمان حينئذ قبل تمامه ضمان ما لم يجب، والآية الشريفة محمولة على ارادة التعهد العرفي لا العقدي، ضرورة عدم قبول مضمون له يثبت له حق في ذمة الجاعل، أو على ارادة بيان كون الجعل منه على ذلك، لا على الملك أو على غير ذلك. والعمومات بعد فرض ما عرفت من كون الضمان نقل ما في ذمة إلى اخرى عندنا لا يشمل المفروض الذى لم يثبت بعد في الذمة، ولا حاجة ماسة إلى ذلك على وجه يستدل بها على مشروعيته، كما لا سبب للوجوب قبل اتمام العمل، وانتهاء الامر إلى اللزوم بعد عدم الثبوت فعلا لا يجدى. نعم قلنا ان عقد الجعالة سبب تام في الثبوت في الذمة، وإن عرض له البطلان


(1) سورة يوسف الاية - 72 -. (2) المتدرك ج 2 ص 489.

[ 138 ]

بعدم اتمام العمل، أو بالفسخ أو نحو ذلك، اتجه حينئذ ضمانه للثبوت في الذمة حينئذ فعلا وإن كان معرضا للبطلان، لانه لا ينافي صحة الضمان. وكذا يصح لو قلنا بأن العمل من الشرائط الكاشفة، لكن بتمام العمل ينكشف صحة الضمان، وبعدمه ينكشف بطلانه، ولعل ذلك لا يخلو من قوة، وقد سمعت إمكان إرادته من الشيخ وابن زهرة، ومما ذكرنا ظهر لك ان التردد في الحكم من المصنف للتردد في اصل ثبوت مال الجعالة ففي الذمة لا للتردد في صحة الضمان، وان لم لم نقل بثبوته فيها كما عساه يوهمه ما سمعته من المختلف والتذكرة، والتحقيق ما عرفت في مال الجعالة، ومثله يجري في مال السبق والرماية، ويأتى انشاء الله في بابيهما تمام الكلام في ذلك، هذا كله قبل العمل. أما بعده فلا إشكال ولا خلاف في صحة الضمان (وهل يصح ضمان مال الكتابة قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (لا) يصح (لانه ليس بلازم، ولا يؤول إلى اللزوم) أما الاول فلانه لا يلزم العبد في الحال، لان للمكاتب اسقاطه بفسخ الكتابة، للعجز فلا يلزم العبد في الحال، وأما الثاني فلانه إذا أداه عتق، وإذا عتق خرج عن ان يكون مكاتبان فلا يتصور أن يلزم في ذمته مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع من ادائه ثم قال: فهذا المال لا يصح ضمانه، لان الضمان اثبات مال في الذمة، والتزام لادائه، وهو فرع للمضمون عنه، فلا يجوز ان يكون ذلك المال في الاصل غير لازم، ويكون في الفرع لازما، فلهذا منعنا عن صحة ضمانه، وهذا لا خلاف فيه. (و) لكن لا يخفى عليك أنه (لو قيل بالجواز كان حسنا) وفاقا للفاضل وثاني الشهيدين والكركي وغيرهم، (لتحققه في ذمة العبد) بعقد الكتابة ولو المشروطة، فيصح حينئذ ضمانه (كما لو ضمن عنه مالا غير مال الكتابة) وجواز تعجيز نفسه فيعود رقا، لا ينافي الثبوت في الذمة، بل اقصاه عدم الاستقرار كالثمن في مدة الخيار بل أولى منه، ضرورة أنه هنا مع الضمان عنه لينعتق، لانه بحكم الاداء بخلاف الثمن في مدة الخيار، فإن ضمانه لا يرفع اصل الخيار.

[ 139 ]

ومن هنا اشكل جواز الضمان في الفرض على تقدير الجواز، لانه يؤدى إلى اللزوم قهرا على المكاتب، لعدم اشتراط رضي المضمون عنه في صحة الضمان، فينافي الفرض، من بناء الكتابة على الجواز من طرف المكاتب، وإن كان هو كما ترى إشكال هين، وإلا لم يجز التبرع بالاداء عنه لذلك ايضا، هذا. ولا يخفى عليك ان ظاهر المتن وما سمعته من عبارة المبسوط بل قيل والتحرير، والتذكرة، والمختلف أن محل النزاع الاعم من المشروطة والمطلقة، لكن في المسالك أن محله الاولى، إذ لا خلاف في لزوم المطلقة والامر سهل بعد ما عرفت وتعرف انشاء الله في باب الكتابة على ذلك. (ويصح ضمان النفقة الماضية) للزوجة بلا خلاف ولا إشكال، لانها من الديون في ذمة الزوج كما حررناه في محله، بل صريح الشيخ ايضا والفاضلين والكركي (و) ثانى الشهيدين والحلي على ما حكى عن بعضهم صحة ضمان (الحاضرة) لها ايضا أي (الزوجة لاستقرارها) وثبوتها (في ذمة الزوج) بصبيحة ذلك اليوم الذي اظهرت التمكين فيه (دون المستقبلة) التى لم يحصل سبب وجوبها الذي منه التمكين الفعلي، وهو غير معقول في الزمان المتأخر بخلاف الحاضرة التى يظهر من ادلة النفقة الاكتفاء في وجوبها بالتمكين فعلا في صبيحة ذلك اليوم، وإن قلنا بسقوطها بالنشوز في أثنائه، إلا انه لا ينافي اصل الثبوت في الذمة وهو كاف في صحة الضمان، خصوصا بعد عدم استرداد نفقة النهار بالموت والطلاق، وإنما الخلاف في نفقة الليل كما حررناه ذلك كله في كتاب النكاح هذا. وفي محكى المبسوط: إنما يصح ضمان نفقة المعسر، لانها ثابتة على كل حال، واما الزيادة عليها إلى تمام نفقة الموسر فهي غير ثابتة، لانها تسقط باعساره، وتبعه على ذلك القاضى فيما حكى عنه، وفيه أن الاعتبار حينئذ بالزوج المضمون عنه فان كان موسرا ضمن عنه نفقه الموسر، وإلا فنفقة المعسر، ولا يسقط الزائد على نفقة المعسر باعسار الموسر بعد وجوبه. وربما كان ذلك من الشيخ والقاضى تفريعا على قول أهل الخلاف من صحة

[ 140 ]

ضمان المستقبلة، لان المحكي عنه اشتراط تقدير المدة، وأن يكون المضمون نفقة المعسرين، وإن كان المضمون عنه موسرا أو متوسطا، لانه ربما يعسر، فالزائد على نفقة المعسرين غير ثابت، لانه يسقط بالعسر، ثم إن تقييد المصنف بالزوجة ظاهر في عدم صحة ضمانها للقريب، وهو كذلك في الماضية، لعدم ثبوتها في ذمته وإن قصر في دفعها، لانها من خطاب المواساة الذي لا يقتضى إثباتا في الذمة. اما الحاضرة ففي القواعد والمسالك ومحكي التذكرة وغيرها صحة ضمانها، بل لا أجد خلافا فيه بين من تعرض لذلك، معللين له بوجوبها بطلوع الفجر، ولكن فيه ان هذا الوجوب لا يقتضى ثبوتها في الذمة، وإلا لوجب ايضا بعد فوات الوقت، لعدم الدليل حينئذ على سقوطه منها بعد ثبوته فيها، وانما هو خطاب مواساة وبر وصلة، ولا شئ منها يقتضى الثبوت في الذمة من غير فرق بين الماضية والحاضرة، ولعل تقييد المصنف بالزوجة لاخراج اصل الضمان لنفقة القريب، من غير فرق بين الماضية والحاضرة والمستقبلة، وقد حررنا في كتاب النكاح تحقيق الحال في ذلك فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (في) صحة (ضمان الاعيان المضمونة) بمعنى وجوب ردها أو قيمتها أو مثلها عليه مع من في يده (كالغصب والمقبوض بالبيع الفاسد) ونحوهما (تردد) وخلاف (والاشبه) عند المصنف والفاضل في المحكي عن تحريره، وارشاده، ومحكى المبسوط (الجواز) للعمومات، ولانه ضمان مال مضمون على المضمون عنه، وفيه انه لا عموم يقتضى شرعية الضمان على الوجه المزبور، حتى قوله (1) " الزعيم غارم " الذي هو ليس من اخبارنا بل هو من قول الناس الذين هم مخالفونا كما سمعته في الخبر السابق الظاهر في الانكار عليهم. وعموم (2) " أوفوا بالعقود " انما يقتضى وجوب الوفاء بكل عقد على حسب مقتضاه، وقد عرفت ان الضمان عندنا من النواقل، وان شرطه ثبوت المال في الذمة، والاعيان المضمونة إنما يجب ردها، وهو ليس بمال في الذمة، والغاصب مثلا مخاطب


(1) المستدرك ج - 2 - ص 497. (2) سورة المائدة الاية - 1 -.

[ 141 ]

به إجماعا، فيكون الضمان هنا ضم ذمة إلى ذمة اخرى، وهو ليس من اصولنا. ومن الغريب ما عن التذكرة من ان ضمان الما ناقل عندنا، وفي ضمان الاعيان والعهدة اشكال، اقربه عندي جواز مطالبة كل من الضامن والمضمون عنه، إذ هو كما ترى كالمتناقض، هذا كله في ضمانها بالنسبة إلى ردها. وأما ضمان قيمتها أو مثلها فهو بعد تلفها فضمانها قيل حصول السبب ضمان ما لم يجب ومن هنا كان خيرة ثاني الشهيدين والمحققين وفخر الاسلام على ما حكى عنهما عمد الجواز، ودعوى صدق كونها ما لا قد اشتغلت ذمة من في يده بها، واضحة الفساد، ضرورة معلومية إرادة شغل الذمة بالرد ما دامت موجودة، والقيمة والمثل مع التلف من هذا الاطلاق، ومثله غير كاف في الضمان الذي هو نقل المال من ذمة إلى اخرى، كما عرفت من تعريفه، ومن دعوى الاجماع على اشتراط أن يكون مالا في الذمة في الحق المضمون، لا اقل من الشك، والاصل عدم ترتب الاثر في مثل هذا الضمان. (و) على كل حال فلا اشكال ولا خلاف في أنه (لو ضمن ما هو أمانة، كالمضاربة والوديعة، لم يصح، لانها ليست مضمونة في الاصل) أي وقت الضمان لا ردا ولا عوضا على تقدير تلفها. نعم لو طرأ لها الضمان بتعد أو تفريط مثلا ففى صحة ضمانها حينئذ وعدمها البحث السابق، وهو واضح. كما أنه لا خلاف (و) لا اشكال في جواز التسلسل في الضمان بناء على مذهبنا ف‍ (لو ضمن ضامن ثم ضمن عنه آخر وهكذا إلى عدة ضمناء، كان جائزا) لتحقق شرط الضمان الذى هو ثبوت المال في الذمة، ويرجع كل واحد منهم على من ضمن عنه، إذا كان بإذنه، على الاصل الذي يرجع إليه الضامن الاول إذا كان باذنه، بل لا إشكال في جواز الدور أيضا. خلافا للمحكي عن الشيخ في المبسوط، فمنعه لصيرورة الفرع فيه اصلا وبالعكس، ولعدم الفائدة فيه، إذ به يرجع الحق على ما كان، وفيه: أن ذلك لا يصلح للمانعية، على أن الفائدة بالاعسار، وباختلاف الضمان بالحلول والتأجيل متحققة كما تقدم

[ 142 ]

ذلك سابقا (ولا يشترط العلم بكمية المال) حال الضمان (فلو ضمن ما في ذمته صح على الاشبه) باصول المذهب من العمومات وغيرها، والاشهر بل المشهور بل عن الغنية الاجماع عليه، بل عن كشف الرموز أنه روى الاصحاب جواز ذلك، فلو عملنا بهذا نكون عملنا بقول الصادق عليه السلام (1) " خذ ما اشتهر بين اصحابك " ولعله اراد الروايات المطلقة في الضمان، خصوصا ضمان على بن الحسين عليهما السلام (2) لدين عبد الله بن الحسن، وضمانه (3) لدين محمد بن اسامة، بل قيل إنهما ظاهران بل صريحان في عدم معلومية الدين، وقدره وقت الضمان. بل ربما استفيد ايضا من خبر عطا (4) عن الصادق عليه السلام " قلت له: جعلت فداك إن علي دينا إذا ذكرته فسد على ما أنا فيه، فقال: سبحان الله أو ما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه واله كان يقول في خطبته: من ترك ضياعا فعلى ضياعه، ومن ترك دينا فعلي دينه، ومن ترك مالا فهو لوارثه، وكفالة رسول الله صلى الله عليه واله ميتا ككفالته حيا وكفالته حيا ككفالته ميتا، فقال الرجل نفست عنى جعلني الله فداك " بل ولقوله تعالى (5) " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " مضافا إلى قوله (6) " الزعيم غارم ". ولكن قد يناقش بعدم ثبوت الاخير من طرقنا، بل لعل الثابت منها تكذيبه، وبان الآية ليست مما نحن فيه، كما أن الخبر ليس من الضمان المصطلح، إلا أنه فيما قدمنا كفاية لاثبات المطلوب، خصوصا مع عدم المعارض إلا دعوى (7) " نهى النبي صلى الله عليه واله عن الغرر " والثابت منه البيع أو مطلق المعاوضة و (8) " الضرر " لاحتمال كون المضمون


(1) المستدرك ج 3 ص 185 عن الباقر عليه السلام. (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -. (3) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -. (4) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الدين الحديث - 5 -. (5) سورة يوسف الاية - 72 -. (6) المستدرك ج 2 ص 489. (7) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الحديث 3. (8) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الخيار الحديث 3 و 4

[ 143 ]

مما لا يحتمله، وهو قد ادخله على نفسه، على أنه يمكن فرضه خاليا عن ذلك، وحينئذ فما عن الشيخ في مبسوطه وخلافه والقاضى في مهذبه، وابن ادريس في سرائره من عدم الجواز واضح الضعف، هذا. ولكن في المسالك ومحكى التذكره وغيرها " أن الصحة فيما إذا كان يمكن العلم به بعد ذلك، كقوله أنا ضامن للدين الذي لك عليه، أما ما لا يمكن فيه العلم كضمنت لك شيئا مما في ذمته فلا يصح قولا واحدا، لصدق الشئ على القليل والكثير، واحتمال لزوم أقل ما يتناوله الشئ كالاقرار يندفع بانه ليس هو المضمون وإن كان بعض افراده " وهو جيد إن كان المراد عدم امكان العلم في الواقع، للابهام ونحوه كما عساه يومئ إليه قوله " يندفع " إلى آخره ؟ وإلا كان محلا للنظر، ضرورة أن مقتضى الادلة التي ذكرناها عدم الفرق بين الجميع، فيصح ضمان ما في الذمة عن ميت أو حي وان كان لا يمكن العلم به في الظاهر، إلا انه في الواقع متشخص كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (يلزمه) مع وقوع الضمان على الوجه المزبور (ما تقوم به البينة، أنه كان ثابتا في ذمته وقت الضمان لا) ما يتجدد ولا (ما يوجد في كتاب) مما هو ليس طريقا مثبتا لما في الذمة (ولا) ما (يقربه المضمون عنه) بعد الضمان الذي يكون اقرارا في حق الغير، خلافا للمحكي عن ابى الصلاح وأبى المكارم ولعلهما يريدان ما اقر به سابقا قبل الضمان (ولا ما يحلف عليه المضمون له برد اليمين) الذي هو كالاقرار، أو كالبينة في حق المتخاصمين لا مطلقا، أو اصل براسه كذلك ايضا، خلافا للمحكى عن المقنعة، فالزمه به، ويمكن أن يريد ما عن النهاية والقاضى من أنه إذا كان الرد برضى الضامن " قال: فإن حلف أي المضمون له على ما يدعيه واختار هو ذلك وجب عليه الخروج منه، لصيرورة الخصومة حينئذ معه ايضا، فيكون اليمين حجة في حقه ". وفي المسالك " بناء على كون اليمين المردودة كالبينة، يتجه وجوب الاداء عليه، لعدم الفرق فيها بين كون الخصم الضامن، أو المضمون عنه، لان الحق يثبت بها مطلقا، بخلاف الاقرار " وفيه: أن حكم البينة كذلك، إلا ان الكلام في كونه

[ 144 ]

مثلها في ذلك كما هو واضح، هذا كله إذا ضمن ما في ذمته. (اما لو ضمن ما يشهد به عليه لم يصح، لانه لا يعلم ثبوته في الذمة) كما في القواعد ومحكى التحرير والارشاد والمختلف حكما وتعليلا، وكذا المبسوط والسرائر، بل هو المحكى عن المفيد والتقي، وفسر في المسالك تبعا لجامع المقاصد بأنه لما علم اشتراط صحة الضمان بثبوت الدين في الذمة حاله، فضمانه حينئذ بالصيغة المزبورة شامل لما إذا كان كذلك، ولما يتجدد فلا يصح، إذ لا يدل على ضمان المتقدم، لان العام لا يدل على الخاص. قال: " فعلى هذا لو صرح بقوله ما يشهد عليه أنه كان ثابتا في ذمته وقت الضمان فلا مانع من الصحة، كما لو ضمن ما في ذمته ولزمه ما تقوم به البينة أنه كان ثابتا، وحينئذ فتعليل المصنف لا يخلو من قصور، لاقتضائه أنه لو ضمن بهذه الصورة وثبت كون المشهود به كان في الذمة وقت الضمان صح، والحال أن مثل ذلك لا يصح، لعدم وقوع حقيقة الضمان موقعها كما قد عرفت، فلابد من تنزيل التعليل على عدم العلم بارادة الثابت من الصيغة ". وفيه: أن المتجه مع فرض إرادة العموم من الصيغة لاقتضاء لفظ " ما " ذلك الصحة في الثابت بها (وقت الضمان) والبطلان في المتجدد لا الفساد في الجميع، مضافا إلى اباء ظاهر جميع العبارات المشتملة على التعليل المزبور ما ذكراه من التفسير المزبور الذي قد اعترفاهما ايضا بذلك، وان ما ذكراه فيه تنزيل وتخريج. ولعل الاولى تفسير ذلك بإرادة بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك، لانه حينئذ مكن ضمان ما لم يجب، ضرورة عدم جعل عنوان الضمان، ما في ذمته والبينة طريق لمعرفته، بل كان العنوان ما يثبت بها، والفض وقوعه قبل ثبوته بها. ومن هنا اردف التعليل المزبور في المختلف بقوله: فلا يصح، لانه ضمان ما لم يجب، ولا ريب في أن مراده أن الثبوت بها قبل حصوله ليس ثبوتا حال الضمان، وإن كان مضمون الشهادة الاشتغال حال الضمان، لكن ثبوت ذلك الذى هو عنوان

[ 145 ]

الضمان إنما هو حال الشهادة المفروض سبق الضمان لها. وكذا لو جعل عنوان الضمان ما يقر به المضمون عنه، أو ما يحكم به الحاكم أو نحو ذلك مما هو بعد لم يحصل، وحينئذ يتجه هذه العبارات ولا يحتاج إلى التخريج المزبور الذي قد عرفت فساده في نفسه. وكان السبب الداعي للمصنف وغيره في ذكر الحكم المزبور أولا: هو الفرق بين جعل العنوان للضمان ما في الذمة ثم يتعرف بالبينة، وبين جعله ما يثبت بها، وثانيا: التعريض بخلاف الشيخ في المحكي من نهايته حيث قال: " ولو قال: أنا اضمن ما يثبت لك عليه إن لم آت به في وقت كذا، ثم لم يحصره وجب عليه ما قامت به البينة للمضمون عنه، وهو الذي حكاه في محكى المبسوط عن قوم من أصحابنا، وقال: إنى لم أعرف به نصا. واعترضه في السرائر بانه إذا لم يعرف به نصا كيف أورده في نهايته، ثم إنه اساء الادب، ولكن انتصر الله تعالى له على لسان الفاضل في المختلف، فرد ذلك عليه ثم قال: لا شك في عدم تحصل هذا الرجل. وعلى كل حال فمراد المصنف وغيره، التعريض بما سمعته من النهاية، ولكن المحكي عنها أن ذلك موجود في بعض نسخها، والا فالاصل " ما ثبت لك عليه " بالفعل ولا شك حينئذ في صحته، ضروره كونه ضمانا للثابت بها، لا بما يثبت بها، بل يمكن أن يريد الشيخ من نسخة يثبت ضمان ما في الذمة الذي طريق معرفته الثبوت بها، وان كان خلاف ظاهر العبارة، وقد ظهر لك ما ذكرنا الكلام في جميع اطراف المسالة والحمد لله رب العالمين.

[ 146 ]

البحث (الثالث في اللواحق) وفيه مسائل الاولى: إذا ضمن) ضامن للمشترى بالمعنى الاخص (عهدة الثمن) التى هي ضمان بالمعنى الاعم، أي الثمن الذى هو في عهدة البايع له (لزمه دركه في كل موضع يثبت فيه بطلان البيع من راس) بظهور استحقاق المبيع مع عدم إجازة البيع، أو قبض الثمن أي مع عدم اجازة قبض الثمن وإن اجاز البيع فيه، أو فقد شرط من شروط الصحة أو نحو ذلك، بلا خلاف أجده فيه في الاول، بل في محكى التذكرة وكذا مجمع البرهان نسبته إلى إطباق الناس عليه في جميع الاعصار، وفي المسالك " ظاهرهم الاطباق عليه ". كما أن صريح غير واحد عدم الفرق بين الاول والثانين بل هو من معقد ما سمعته من المسالك، وعن جامع المقاصد إطباق الناس على ضمان العهدة، وحينئذ إن تم ذلك يكون هذا الفرد بقسميه خارجا عن بحث ضمان الاعيان، وإن كان هو منها. (أما لو تجدد الفسخ بالتقايل) أو الخيار (أو تلف المبيع قبل القبض، لم يلزم الضامن ورجع) المشترى (على البايع) لما عرفت من اعتبار ثبوت الحق وقت الضمان في صحته، من غير فرق بين ضمان العهدة وغيره، ولا ريب في حصوله مع قبض البايع له في الاول، بخلاف الثاني الذي هو فسخ متجدد، فضمانه به حينئذ من ضمان ما لم يجب، بل ظاهر المسالك ذلك حتى لو قلنا أن التلف قبل القبض موجب للفسخ من الاصل لا من حينه، فإنه بعد أن حكى عن العلامة بناء ما نحن فيه على كون التلف فاسخا من الحين أو الاصل، فيندرج في ضمان العهدة على الثاني دون الاول. قال: " وفيه نظر، لانه حكم لاحق للضمان، فإن المبيع حالته كان ملكا للمشترى ظاهرا، وفى نفس الامر، فلا يتناول الضمان الثمن، لانه لم يكن لازما للبايع مطلقا، وإنما التلف الطارى كان سببا في حكم الله بعود الملك إلى صاحبه من اصله " وإن كان

[ 147 ]

هو كما ترى مرجعه إلى التناقض، ضرورة اقتضائه كون المال في آن واحد ملكا لشخص وليس ملكا له، بل ملك لآخر، ونظير هذا وإن احتملناه في اجازة الفضولي، إلا أنه قلنا بكونه ملكا لشخص، وبحكم الملك لآخر، فإنه لا يمتنع الوضع من الشارع والتسبب كذلك، ويمكن تنزيل كلام الشهيد على هذا. ولكن يبقى المطالبة بدليله أولا، ومناف لفرضه ثانيا، إذ من احكام الملك ضمانه على من في يده، فيتجه كلام العلامة حينئذ، ومن ذلك يعلم إرادة المصنف وغيره من ترك التقييد بالقبض ما صرح به الاكثر من التقييد به، ضرورة عدم دخوله في عهدة البايع الذي هو المضمون عنه إلا بقبضه. اللهم إلا أن يقال بكفاية السبب الذي هو العقد حينه وإن تعقب القبض الضمان نحو ما تسمعه من احتمال الضمان بالفسخ بعيب سابق، وضمان درك ما يحدث من بناء وغرس لكن ضعف الاحتمال المزبور يبعد حمل الاطلاق المذكور على ذلك، خصوصا من المصنف المصرح بخلاف الاحتمال المزبور في المسالتنى والله العالم. (وكذا) لا يدخل في ضمان العهدة (لو فسخ المشترى بعيب) لاحق للضمان كما لو وقع قبل القبض، أو في الثلاثة قولا واحدا كما في المسالك وغيرها، بل و (سابق) وفاقا للمشهور، لان الفسخ به إنما ابطل العقد من حينه لا من اصله، فلم يكن حالة الضمان مضمونا، بل لو صرح بضمانه كان فاسدا، لانه ضمان ما لم يجب، فما في القواعد ومحكى التذكرة من الاشكال فيه مما عرفت، ومن وجود سبب الفسخ حال البيع، بل عن فخر المحققين الجزم بالدخول فيه للحاجة واضح الضعف، ولعله لذا استقرب عدم اندراجه بعد اسطر من الاشكال، بل جزم به بعد ذلك. (أما لو طالب بالارض رجع على الضامن) كما في القواعد وغيره (لان استحقاقه ثابت عند العقد) فيتحقق شرط الضمان، بل هو أولى من غيره، لان الارش جزء من الثمن باق في ذمة المشترى (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) بل عن التحرير الجزم بالعدم لان الاستحقاق له إنما حصل له بعد العلم بالعيب، واختيار اخذ الارش والعيب

[ 148 ]

الموجود حالة العقد لم يقتض تعيين الارش، بل التخيير بينه وبين الرد، فلم يتعين الارش الا باختياره. ولو قيل إنه أحد الفردين الثابتين على وجه التخيير، فيكون كافراد الواجب المخير، حيث يوصف بالوجوب قبل اختياره، فيوصف هذا بالثبوت قبل اختياره ففي المسالك " لزم مثله في الثمن، لانه قسيمه في ذلك " وفيه: أن الرد غير الثمن، وإن ترتب عليه استحقاق الثمن الذى لم يجب الا بالفسخ، بخلاف الارش الثابت بالاصل، لكونه عوض جزء فائت، وإن كان للمشترى ارتفاق آخر، وهو الفسخ والرجوع إلى الثمن، ودعوى عدم ثبوته إلا مع العلم والمطالبة به حتى أنه لو لم يعلم أو لم يطالب لم تشتغل ذمة البايع بشئ مخالفة لظاهر الادلة، وقد تقدم الكلام في ذلك في محله فلاحظ وتأمل. المسألة (الثانية) قد عرفت انه (إذا خرج المبيع) جميعه (مستحقا رجع) المشتري (على الضامن، أما لو خرج بعضه) مستحقا (رجع على الضامن بما قابل المستحق) بلا خلاف ولا إشكال (وكان في الباقي بالخيار) لتبعض الصفقة (فان فسخ رجع بما قابله على البايع خاصة) وفاقا للمشهور لعدم اندراجه في ضمان الضامن بل لا يصح ضمانه له لو صرح به، لانه من ضمان ما لم يجب، خلافا للمحكى عن الشيخ فجوز الرجوع على الضامن بالجميع، لوجود سبب الاستحقاق حال العقد كالعيب، وفيه: أن ذلك لا يقتضى دخوله في عهده البايع له حتى يصح ضمانه عنه كما عرفت الحال في المشبه به فضلا عن المشبه وهو واضح. المسألة (الثالثة: إذا ضمن ضامن للمشترى درك ما يحدثه من بناء أو غرس) مثلا في الارض المشتراة لو خرجت مستحقة وقلع المالك بناءه وغرسه، أي تفاوت ما بين قيمته ثابتا ومقلوعا (لم يصح لانه ضمان ما لم يجب) حال الضمان ضرورة عدم استحقاقه ذلك على البايع قبل البناء والغرس، بل ولا بعده، وإنما يستحقه عليه بعد القلع، نعم سبب ذلك وهو استحقاق الارض موجود حال الضمان لكن قد عرفت

[ 149 ]

أن الاصح عدم الاكتفاء بذلك، خلافا للشهيد في اللمعة فجوزه لذلك وللحاجة إليه (و) كانه مال إليه أو قال به في الروضة. بل (قيل) والقائل الشيخ في محكى المبسوط والفاضل وولده وثاني المحققين والشهيدين (وكذا) لا يجوز (لو ضمنه البايع) له فضلا عن الأجنبي لان ثبوت ذلك عليه بحكم الشرع لو وقع، لا يقتضى صحة عقد الضمان المشروط بتحقق الحق حال الضمان، لكن في القواعد إشكال، وعن التذكرة أنه قرب الصحة، وقال: " نمنع كون المضمون عنه غير واجب ". (و) في المتن الوجه الجواز لانه لازم بنفس العقد) إلا أنه نظر فيه في المسالك بانه لا يلزم من ضمانه لكونه بايعا مسلطا له على الانتفاع مجانا، ضمانه بعقد الضمان مع عدم اجتماع شرائطه التى من جملتها كونه ثابتا حال الضمان، فعدم الصحة اقوى، وقد تبع بذلك المحقق الثاني، حيث انه أنكر على اشكال الفاضل في القواعد، بانه إن كان في ثبوت ذلك على البايع، فلا وجه له، لان ذلك واجب، وإن كان في اقتضاء هذا الضمان ثبوته ايضا ليكون مؤكدا فلا وجه له، ايضا لانه ضمان ما لم يجب بعد. وإلى هذا اشار في المسالك بقوله " فالخلاف ليس في ثبوت ذلك على البايع أم لا، فإنه ثابت بغير اشكال، بل في ثبوته بسبب الضمان، وتظهر الفائدة فيما لو اسقط المشترى عنه حق الرجوع بسبب البيع، يبقى له الرجوع عليه بسبب الضمان لو قلنا بصحته، كما لو كان له خياران فاسقط أحدهما، فإنه يفسخ بالخيار الاخر إن شاء، وفيما لو كان قد شرط على البايع ضمانا بوجه صحيح، فإن صححنا هذا كفى في الوفاء بالشرط، وان لم يحصل للمشترى نفع جديد، فقد ظهر ان هذا الضمان قد يفيد فائدة أخرى غير التأكيد لو قلنا بصحته، وبه يظهر ضعف تعليل جوازه بكونه ثابتا، ضمن أم لم يضمن، لان هذه الفوائد الاخر لم تكمن ثابتة لو لم يضمن ". قلت: يمكن ارادة المصنف بما ذكره من أن الوجه الجواز، اشتراط ضمان

[ 150 ]

ذلك على البايع في عقد البيع، تعريضا بما وقع في محكي المبسوط الذي اشار إليه المصنف بلفظ القيل، من أنه إن شرطا ذلك في نفس البيع بطل البيع، بل قد عثرنا على نسختين من الشرائع " وقيل وكذا لو ضمنه البايع، ولو شرطه في نفس العقد " والوجه حينئذ فيما ذكره المصنف واضح، لان المشروط لازم للبايع بنفس العقد، فلا مانع من اشتراطه ليترتب عليه ما ذكره في المسالك من الفائدة الاولى، ولا تقدح جهالته بعد ان كان لازما له، نحو ما قيل في اشتراط خيار المجلس، وإن كان لا يخلو من بحث عندنا. وعلى كل حال فالمراد ذلك، لا الضمان المصطلح، إذ هو غير معقول، ضرورة أنه لا وجه لان يضمن الانسان عن نفسه، فمن الغريب اشتباه هؤلاء الافاضل في ذلك، وكيف كان فهذا كله في ضمان عهدة الثمن للمشترى عن البايع. وأما العكس وهو ضمان عهدة الثمن للبايع عن المشترى فلا إشكال فيه، إذا كان دينا، بمعنى نقل ما في ذمة المشترى إليه، وكذا ضمانه لو خرج مستحقا، فيما إذا كان الثمن كليا في ذمة المشترى الذي مرجعه إلى الاول ايضا أو إلى ارشه إن كان معيبا كما إذا كلان شخصيا فإن ضمان عهدته عن المشترى حينئذ ذلك، وليس هو من ضمان الاعيان كما اشرنا إليه سابقا، بل هو ضمان ما في الذمة فتأمل جيدا وكذا ضمان نقصان الصنجة التى يزن بها الثمن أو المثمن، للبايع أو المشترى كما صرح به غير واحد، لكنه لا يندرج في إطلاق ضمان العهدة، ونمثله ضمان رداءة الجنس فيهما ايضا. المسألة (الرابعة إذا كان له على رجلين) مثلا (مال فضمن كل واحد منهما ما على صاحبه) باذنه دفعة واحدة، ورضي المضمون له بذلك، وتساوى المالان من جميع الوجوه (تحول ما كان على كل واحد منهما إلى صاحبه) بلا خلاف ولا إشكال، لاجتماع شرائط صحة الضمان في كل منهما، وكان فائدة هذا الضمان صيرورة كل واحد منهما بضمانه فرعا، وبمضمونيته اصلا، فيتعاكسان، وافتكاك الرهن إن كان عليهما، أو على أحدهما لان الضمان اداء، وغير ذلك، كما أن فائدته مع اختلاف

[ 151 ]

الدين قلة وكثرة، وحلولا وتأجيلا، والضمان كذلك واضحة، بل في الفرض لو شرط أحدهما الضمان في مال بعينه، وقلنا بصحته وحجر عليه لفلس قبل الاداء أخذ المضمون له حقه من المال مقدما على الغرماء، لسبق تعلق حقه، إلا أن المفلس ققد استحق على المضمون عنهن مع فرض كون الضمان بإذنه، ويتعلق به حينئذ حق الغرماء، فإذا كان قد ادى الاخر عنه قبل الحجر عليه، ضرب مع الغرماء ولا يتساقط معه، لتعلق حق الغير بما عليه، بل يكون له حصته ويبقى الباقي في ذمة المفلس كما هو واضح. ولو قبل المضمون له ضمان أحدهما دون الاخر كان الجميع عليه، فإن دفع النصف مثلا انصرف إلى ما قصد، ويقبل قوله مع اليمين، فإن اطلق قسط في وجه قوى، تقدم نظيره في الرهنن، ويحتمل صرفه إلى من شاء بعد ذلك، أو القرعة. نعم لو ابرء تعين ما قصده، فان اطلق فالتقسيط مع احتمال القرعة ايضا بناء على أنها للاعم من المشتبه موضوعا في الواقع، ولو ادعى الاصيل قصده في الابراء ففى القواعد في توجه اليمين عليه أي المضمون له أو على الضامن اشكال، من عدم توجه اليمين لحق الغير، وخفاء القصد. وعن المحقق الثاني أنه استوجه القرعة، ولعل الظاهر أن الدعوى بين الضامن والمضمون عنه، دون المضمون له، وحينئذ فإن صدقه المضمون له، كان القول قوله، كما أن القول قول الضامن إن صدقه، وإن لم يمكن الرجوع إليه لموت ونحوه فقد يقوى القرعة حينئذ، بعد اتفاقهما على أنه قد قصد مخصوصا، وقلنا بعدم شغل ذمة المضمون عنه إلا بالاداء، لعدم اصل يرجع إليه حينئذ، أما مع عدم العلم فالحمل على الاطلاق متجه، ولو ادعى أحدهما على الاخر العلم كان له اليمين على نفيه والله العالم. (ولو قضى أحدهما ما ضمنه) عن صاحبه (برء) من ضمانه (وبقى على الاخر ما ضمنه عنه و) كذا (لو أبرأ الغريم أحدهما برء) هو (مما ضمنه

[ 152 ]

دون) ما ضمنه (شريكه) بل قد يقال: بعدم الرجوع له عليه، وإن ادى سابقا، بل وان لم يؤد الاخر، بأن ابراة الغريم ما عليه مثلا ن لحصول التهاتر بينهما قهرا بمجرد ضمان كل منهما باذن الاخر، لكنه كما ترى بعيد عن مذاق الفقه، ويمكن أن يقال: انه وإن قلنا باشتغال ذمة المضمون عنه للضامن إذا كان قد اذن له في ضمان وإن لم يجز له الرجوع عليه حتى يؤدى، إلا أن الظاهر كون ذلك على جهة المراعاة فإن لم يؤد لابراء ونحوه ينكشف عدم اشتغالها، وإن ادى تبين اشتغالها، فلا تهاتر حينئذ في الفرض، وكذا لو قلنا بكون السبب لاشتغالها العقد المأذون فيه مع الاداء فتأمل جيدا. فإن المسألة غير محررة في كلامهم، وسيأتى عن قريب بعض الكلام فيها انشاء الله، هذا كله في ضمان كل منهما على الاخر. أما لو ضمن اثنان عن واحد، فإن كان على التعاقب فالضامن من رضي المضمون له بضمانه بل لو اطلق الرضا بهما كان الضامن هو السابق، وإن كان ضمانهما دفعة، فالضامن من رضي به منهما، وإن رضى بهما كذلك ففي الصحة مع التقسيط بالنصف في الفرض والثلث إن كانوا ثلاثة وهكذا، أو الصحة مع التخيير ومطالبة من شاء نهما، ومطالبتهما معا كما عن ابن حمزة في الوسيلة وسماه بضمان الانفراد، وعكسه وهو ضمان الواحد عن جماعة ضمان الاشتراك، بل قيل: إنهم جزموا به في باب الديات فيما إذا قال: الق متاعك، وعلى كل واحد منا ضمانه، بل عن الفاضل في درسه توجيهه بوقوع مثله في العبادات كالواجب على الكفاية، وفي الاموال كالايدى المتعاقبة على المغصوب، أو بطلان الضمان من اصله كما عن المختلف وجامع المقاصد اقوال. ومن هنا قال في القواعد: إشكال، ولكن لا يخفى على من أحاط خبرا بنظائر المسألة قوة الاخير منها، وما ذكره الفاضل من وجود النظير لو سلم أنه مثله لا يصلح دليلا للمسألة، مع أنه قد تقدم منا في المباحث السابقة ما يستفاد منه وضوح الفرق بين ذلك وبين الايدى المتعاقبة والله العالم. المسألة (الخامسة: إذا رضي المضمون له من الضامن ببعض المال، أو ابراه

[ 153 ]

من بعضه لم يرجع على المضمون عنه) المفروض إذنه بالضمان (إلا بما اداه) لما عرفت سابقا من أنه ليس له إلا ذلك نصا وفتوى، بل هو مشروط بما إذا لم يزد عن الحق، وإلا رجع بالحق خاصة، فالضابط حينئذ الرجوع باقل الامرين مما اداه ومن الحق في كل موضع له الرجوع، وكأن المصنف اشار بما ذكره إلى خلاف بعض العامة الذي جوز الرجوع مع الابراء عن الكل أو البعض، لانه هبة له خاصة من رب الدين، وهو باطل عدنا، لما عرفت نعم لو قبض منه الجميع ثم وهبه بعضه أو جميعه جاز له الرجوع لصدق الاداء، بل لعله كذلك إذا احتسبه من حق زكاة عليه مثلا (ولو دفع عوضا عن مال الضمان رجع باقل الامرين) من القيمة والدين، من غير فرق بين ان يكون قد رضي المضمون له به عنه بغير عقد، وبين ما لو صالحه عنه بالدين. نعم لو صالحه عليه بما يتساوى الدين في ذمته وقاصه به اتجه رجوعه به، لثبوتها له في ذمته وادائها عن الدين مع احتمال الرجوع بالقيمة خاصة، لان وضع الضمان على الارتفاق، ولعله لذا توقف فيه الفاضل في المحكى من التذكره والله العالم. المسألة (السادسة: إذا ضمن عنه دينارا) مثلا (باذنه فدفعه) المضمون عنه (إلى الضامن فقد قضى ما عليه) بناء على اشتغال ذمته له بضمانه عنه المأذون فيه، وإن كان لا يستحق الرجوع عليه إلا بالاداء لان الضمان نوع اداء، والفرض حصوله باذنه، فيقتضى شغل ذمة المضمون عنه فيصح حينئذ الدفع له، وفاء كما يصح للضامن ابراء ذمة المضمون عنه، قبل الاداء وهذا كله لا ينافى عدم استحقاق المطالبة له إلا بالاداء، للدليل. نعم قد يقال: إن الدفع وفاء مثلا وكذا الابراء مراعى بحصول الاداء منه، فإن حصل استقر ذلك وإلا انفسخ، ورجع المال إلى المضمون عنه، أو يقال إن ذلك على الكشف بمعنى أنه بحصول الاداء ينكشف وقوعه في محله، وإلا انكشف عدم شغل ذمته من الاصل.

[ 154 ]

لكن ذلك ونحوه لا نرى احدا مصرحا به من الاصحاب، بل في المسالك والمحكى من غيرها ما يقتضى خلافه، وأنه لا تشتغل ذمة المضمون عنه، إلا حين اداء الضامن ولعله للاصل مع عدم ثبوت كون الضمان اداء بالنسبة إلى ذلك، وإن كان هو كالاداء بالنسبة إلى براءة ذمة المضمون عنه، فلا سبب حينئذ لشغل ذمة المضمون عنه إلا الاداء المأذون فيه بالاذن بالضمان، لقاعدة احترام مال المسلم، وحينئذ فالنصوص (1) الدالة على عدم الرجوع الا به، وإلا بمقدار ما ادى كاشفة عن ذلك، لا أنها مخصصة لقاعدة تسلط من له الدين على من عليه، ولا انها مفيدة لاحكام آخر يصعب التزامها، ولعل هذا هو الاقوى، وحينئذ لا يكون ما يدفعه المضمون عنه قضاء بل هو مدفوع ليكون وفاء له إذا ادى. بل في المسالك " لا يبعد كونه مضمونا عليه، لقاعدة على اليد، وكونه كالمقبوض بالسوم "، واستشكل فيه في التذكره بعد أن حكم به. نعم لو قال المضمون عنه للضامن: اقض به ما ضمنت عني، فهو وكيل والمال في يده أمانة، والفرق بينه وبين ما سبق واضح، لانه دفعه في السابق إليه إما مطلقا، أو أنه الحق المضمون، وعلى التقديرين ليس مستحقا عليه للضامن، بخلاف قوله إقض به ما ضمنت، فإنه وكالة في قبضه ودفعه. قلت: قد يقال: إن مرجع الاول إلى الامانة ايضا، ضروره عدم كونه وفاء فعلا قبل الاشتغال، فليس هو الا على ملك المضمون عنه، بل لا بد من التزام التوكيل للضامن في قبضه وفاء بعد الاداء، فلا ضمان حينئذ، والقياس على المقبوض بالسوم ليس من مذهبنا، وقاعدة على اليد مخصصه بالامانة، ولعله استشكل فيه في التذكرة، وهو في محله، نعم لو دفعه له بعنوان القرض له مقدمة لحصول التهاتر بعد الاداء أمكن، لكنه غير المفروض. (و) كيف كان ف‍ (لو قال) أي الضامن على ما في المسالك للمضمون عنه (إدفعه) أنت (إلى المضمون له، فدفعه فقد برئا) أما الضامن فلوفاء دينه، وأما المضمون عنه فلان الضامن لم يغرم، فلا يرجع عليه، ويمكن اعتبار التقاص القهري


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الضمان.

[ 155 ]

لثبوت ما دفعه المديون في ذمة الضامن، لانه المديون وقد اذن في وفائه، وثبوت مثله في ذمة المضمون عنه لادائه، فيتقاصان. وفيه: أن اداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه باذن الضامن لا يقتضى اشتغال ذمة الضامن بمثله، إذ ليس هو قد صار بذلك قرضا عليه مع عدم قصده، وعدم توقف وفاء الدين على كونه مملوكا للمديون كما أنه لا يستحق رجوعا على المضمون عنه، لعدم حصول الاداء منه فلا تقاص حينئذ، لعدم ثبوت المالين في ذمة كل منهما فتأمل، ولو فسرت العبارة بارجاع ضمير قال إلى المضمون عنه، أي قال للضامن إدفعه إلى المضمون له، فقد برئا معا كان ممكنا، والوجه فيه حينئذ واضح لما عرفت. (و) يكون هذا كما (لو دفع المضمون عنه إلى المضمون له بغير اذن الضامن) فإنه لا إشكال ولا خلاف في أنه إذا كان كذلك (وبرأ الضامن والمضمون عنه) بلا رجوع من الضامن على المضمون عنه لعدم الاداء منه عنه، كما هو واضح، ولو تبرع متبرع بالضمان، ثم سال اخر الضمان عنه فضمن وادى رجع عليه دون الاصل، ولو انكر المضمون عنه الاذن في الضمان، أو أنكر الدين كان القول قوله، ولو انكر الضامن الضمان فاستوفى الحق منه بالبينة، لم يرجع على المضمون عنه، إذا كان قد أنكر اصل الدين، أو اصل الادن بالاداء عنه في ضمن الضمان وغيره، ضرورة علمه بفراغ ذمة المضمون عنه، وعدم استحقاق الرجوع عليه، وأنه قد أخذ منه ظلما بالبينة المخطئة. نعم لو لم ينكر اصل الدين ولا اصل الاذن بالاداء عنه، ولا المضمون عنه اصل الاذن له أو ثبت ذلك بحجة شرعيه كان له الرجوع على المضمون عنه مقاصة ظاهرا لعدم منافاة إنكار الضمان لذلك، ضرورة كونه اخص من استحقاق الرجوع الذي يمكن أن يكون بالاذن بالاداء من دون ضمان، فله المطالبة حينئذ، بأن يقول إنى اديت عنك دينك على وجه استحق به الرجوع عليك، ويقيم البينة على الاذن إن كانت، وإن كان وجه الاستحقاق هو الضمان بالاذن، لان التوصل إلى الحق بطريق

[ 156 ]

لا يكون مشتملا على محذور جائز. والظاهر أنه يسوغ للبينة الشهادة بالاذن من دون تعيين الضمان الذي أنكره حتى لو طلب المضمون عنه التقييد بواحد منهما لم يلزم، وعلى كل حال فله الرجوع ظاهرا، نعم له المقاصة باطنا إذا كان كاذبا في انكاره الضمان بالاذن، إلا أن يعترف له المضمون عنه بذلك، ولو اذن له باداء دينه من دون ضمان فادعاه المأذون، وأنكره الآذن كان القول قول المأذون، لانه وكيله وأمينه، من غير فرق بين تصديق المستحق وعدمه. نعم لو قيد الآذن إذنه بالاشهاد فتركه المأذون لم يكمن له الرجوع عليه، ولو أن صدقه المستحق، إذ ميكن أن يكون تصديقه معاطاة، وليس الغرض سقوط المطالبة الحاصل بذلك، بل براءة الذمة في الواقع، ولم يحصل ما يدل عليها، اللهم إلا أن يجعل اقراره بذلك طريقا لها ايضا، على أن الفرض التقييد بالاشهاد ولم يحصل. نعم لو لم يقيد بذلك واطلق الاذن امكن الاكتفاء باقراره، وإن قلنا بتقصيره بترك الاشهاد على وجه لا يستحق الرجوع معه، إلا أن من المعلوم كون ذلك لارادة سقوط المطالبة والبراءة، والفرض حصولهما بالاقرار، وكذا لو كان الدفع بحضور الاصيل. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك مواقع النظر فيما ذكره الفاضل في القواعد، بل قد يظهر من بعض كلماته فرض المسألة في الضمان، ومن المعلوم عدم جريان جملة من الفروع فيه، ولذا فرضناها في المأذون بالاداء بدونه، وقد عرفت الكلام سابقا في الضمان فلاحظ وتأمل، وقد تقدم لنا سابقا ويأتى في باب الوكالة وغيرها ما يستفاد منه ايضا وجه النظر في جملة من ذلك فلاحظ وتأمل جيدا والله العالم. المسألة (السابعة: إذا ضمن باذن المضمون عنه، ثم دفع ما ضمن، وانكر المضمون له القبض، كان القول قوله مع يمينه) لاصالة عدم القبض، وفى المسالك " وحينئذ فلا يرجع الضامن على المضمون عنه بشئ، لعدم تحقق غرمه المشروط

[ 157 ]

به استحقاق الرجوع " قلت: وهو كذلك وان توجهت المخاصمة بينهما ويتوجه له اليمين عليه، ولو رد المضمون له اليمين على الضامن في الاول، فحلف ففي استحقاق الرجوع على المضمون عنه بذلك وعدمه وجهان، أقواهما العدم، بل وكذا في استحقاقه بتصادق الضامن والمضمون له. وعلى كل حال (ف‍) في مفروض المتن (ان شهد المضمون عنه للضامن، قبلت شهادته) وإن كان الضمان بالاذن، لانه حينئذ شهادة على نفسه باستحقاق الرجوع، وشهادة على غيره. نعم هي مقبوله كغيرها من الشهادات (مع انتفاء التهمة،) واليه يرجع ما عن الفخر من أن شهادة المضمون عنه للضمان ترد اجماعا، ونوقش بالاكتفاء في ذلك باعتراف الضامن بالاداء إن اثرت في البراءة، فكالضمان على التأمل عندهم، وفرضت التهمة فيما إذا كاناداء الضامن بالصلح أو بأقل من الحق بالضمان، وباعسار الضامن مع عدم علم المضمون له، وبتجدد الحجر عليه لفلس، وكان للمضمون عنه عليه دين وبغير ذلك، مما يمكن فرضه، إذا الفرض أنها شهادة مقبولة في نفسها، إلا إذا اقترنت بما يمنعها من جر نفع، أو خصومة أو غير ذلك، لا أنها مردودة في نفسها لكونها مما يجر نفعا باعتبار كون الدين دينه، لانه بالضمان قد برء عندنا، وصار كالاجنبي بالنسبة إلى ذلك، هذا كله (على) مذهبنا من (القول) اقتضا الضمان (انتقال المال). اما على مذهب مخالفينا من كونه ضم ذمة إلى اخرى فلا إشكال في عدم قبول شهادته كما هو واضح (ولو لم يكن) المضمون (مقبولا) لجر نفع أو فسق أو خصومة أو غير ذلك (فحلف المضمون له كان له مطالبة الضامن مرة ثانية) على زعم الضامن. (و) لكن (يرجع الضامن على المضمون عنه بما اداه أولا) على الوجه الذى عرفته سابقا لا الاخير الذى هو ظالم بزعمهما فيه (ولو لم يشهد المضمون عنه) أي لم يصدق الضامن بدعواه (رجع الضامن) عليه (بما اداه أخيرا) لعدم

[ 158 ]

ثبوت اداء سواه. نعم الظاهر توجه الخصومة بينهما كما اشرنا إليه سابقا، كما أن الظاهر تقييد ذلك بما إذا لم يزد المدفوع اخيرا على الاول ولا على الحق، وإلا رجع بالاقل من الثلاثة، لانه إن كان هو ما غرمه اولا فلاعترافه بعدم استحقاق ما سواه، وإن كان ما دفعه اخيرا فلما عرفت من عدم ثبوت غيره، وان كان هو الحق فلما عرفت من ان الرجوع انما هو في الاقل منه والمدفوع، ولذا قال في بعض نسخ المتن و (لو قيل يرجع باقل الامرين مما اداه أولا وأخيرا كان حسنا) والله العالم. المسألة (الثامنة: إذا ضمن المريض) تبرعا (في مرضه ومات فيه خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الاصح) من كون المنجزات منه لا من الاصل، إذ لا إشكال في كون الفرض منها. نعم لو ضمن بسؤال ففي المسالك (هو كما لو باع بثمن، المثل نسيئة، فالوجه حينئذ أنه منى امكن الرجوع على المضمون عنه فهو من الاصل وإن لم يمكن لاعساره ونحوه فهو من الثلث، ولو أمكن الرجوع بالبعض فهو كبيع المحاباة يتوقف ما يفوت منه على الثلث " ولكن لا يخلو من نظر ضرورة كونه كالقرض ونحوه لعدم التبرع فيه بشئ. المسألة (التاسعة: إذا كان الدين مؤجلا فضمنه حالا) باذن المضمون عنه في ذلك وعدمه ففي المحكى عن المبسوط (لم يصح، وكذا لو كان إلى شهرين فضمنه إلى شهر لان الفرع لا يرجح على الاصل) ووافقه على ذلك فخر الاسلام والكركي، بل عن المختلف أنه استحسنه، بل قد عرفت أن الاولى مقتضى ظاهر من اعتبر الاجل في الضمان، وإن كان ذلك حيثية اخرى غير ما نحن فيها، ولذا منع منها هنا من لم يعتبر الاجل فيه. (و) لكن مع ذلك كله (فيه تردد) بل منع لما سمعته سابقا من عدم الدليل على اشتراط الاجل فيه، بل ظاهر الادلة خلافه، كما أنه لم يثبت مانعيه زيادة الفرع على الاصل، ودعوى اعتبار مشروعية الضمان على المساواة ممنوعة، كدعوى

[ 159 ]

أن ذلك من ضمان ما لم يجب، باعتبار أن الحلول زيادة في الحق، وكذا نقصان الاجل ولذا تختلف الاثمان باختلافه، ضروره أن المضمون المال، والاجل إنما هو من التوابع ومن الحقوق للمديون التى يجوز له التبرع باسقاطها، وفي وجه إن كان مع اذنه في الضمان دون الحلول، لم يستحق الرجوع عليه، إلا للاجل، كما عرفته سابقا وكذا دعوى اعتبار الارفاق في الضمان، إذ لا دليل عليها، بل ظاهر الادلة خلافها، على أنه مع التبرع لا ينافى الارفاق، كما أنه لا يختص الارفاق ؟ بهذه الجهة، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا والله العالم.

[ 160 ]

(القسم الثاني في الحوالة) بفتح الحاء كسحابة، وهى مشروعة بالنص وإجماع الامة، كما عن المبسوط و ليست بيعا، ولا محموله عليه عند علمائنا أجمع في محكي التذكرة. (والكلام) فيها يكون (في العقد، وفى شروطه واحكامه أما الاول: فالحوالة) المتفق على صحتها (عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله) ولو باعتبار انتقال مثله إلى المحال عليه، كما ستعرف تحقيق الحال في ذلك، فلا ينتقض بالحوالة على البرئ، وإن كان الاصح عند المصنف على ما ستسمع صحتها إلا أن فيها خلافا، وقد حاول الفاضل إدخالها بحقف قيد الشغل، لكنه ينتقض بالضمان. والامر في ذلك كله سهل بعد أن ذكرنا غير مرة أن المراد بها التمييز في الجملة، فهى اشبه شئ بالتعاريف اللغوية كسهولة الامر في انها عقد، أو الاثر الحاصل منه، بعد ما عرفت تحقيق الحال في ذلك في البيع، وفى ان الفاظ العقد مخصوصة، أو يحصل بكل ما دل عليه منها، إذا كان على طريق العرف واللغة بعد أن تقدم منا تمام الكلام أيضا في ذلك، بل وفى حك المعاطاة التى قد تقدم أيضا منا تمام الكلام فيها (و) كيف كان ف‍ (يشترط فيها رضى المحيل والمحال عليه والمحتال) بلا خلاف أجده في الاول والاخير، بل الاجماع بقسميه عليها، بل المحكي منهما مستفيض، أو متواتر، وهو الحجة، مضافا إلى اصول المذهب وقواعده، لكن في المسالك ومحكى التذكرة وغيرها أنه يستثنى من اعتبار رضى المحيل ما لو تبرع المحال عليه بالوفاء فإنه لا يعتبر رضى المحيل قطعا، لانه كوفاء دينه وضمانه بغير اذنه، والعبارة عنه حينئذ أن يقول المحال عليه للمحتال: أحلت بالدين الذى لك على فلان على نفسي، فيقبل. وزاد في المسالك " فيشترط هنا رضى المحتال والمحال عليه، ويقومان بركن العقد، بخلاف رضي المحال عليه فيما تقدم لقيام العقد بغيره " وفيه: امكان منع صحة

[ 161 ]

هذه الحوالة، لعدم اطلاق في نصوص المقام يتناولها، و " أوفوا بالعقود (1) " انما يراد منه العقود المتعارفة، أي البيع والصلح والحوالة ونحوها، فلا شمول فيه للمشكوك فيه من افرادها بعد فرض عدم اطلاق فيها يتناولها، بل محكي الاجماع مستفيضا على اعتبار رضي المحيل يشهد بخلاف ذلك، كما أن اتفاقهم على أن المحيل والمحتال من أركان عقد الحوالة، وأن بالايجاب من الاول، والقبول من الثاني يتم العقد يشهد بخلافه ايضا، ضروره عدم اختلاف اركانها، ودعوى قيام المحال عليه مقام ذلك مصادرة محضة، مخالفة لما عرفت، فالاولى عدم الاستثناء المزبور، هذا كله في الاول والاخير. وأما اعتبار الرضا في الثاني فهو المشهور بل عن الاردبيلى أنه لم يظهر فيه خلاف، بل في محكي التذكرة نسبته إلى اصحابنا، والمختلف إلى علمائنا، بل عن الشيخ دعوى الاجماع، وان كنا لم نتحققه، وإنما المحكي عن المبسوط والخلاف ما عن الغنية والسرائر من الاجماع على صحة الحواله مع رضاء، بخلاف حال عدمه، وهو كما ترى ليس اجماعا في المقام، بل مشعر بوجود الخلاف، إلا أن الظاهر ارادته، ولو من العامة. نعم هو محكي عن التقي، بل لعله ظاهر المحكى عن المقنعة والنهاية، بل عن الفاضل في المختلف الميل إليه، بل هو خيره المقتصر والتنقيح، وايضاح النافع، والمسالك والروضة على ما حكى عن بعضها، بل في الثاني إن اعتبرنا شغل الذمة والحوالة بمثل ما عليه، فلا يشترط رضاه قطعا، وإن لم يشترط الشغل أو كانت الحوالة بالمخالف فلابد من رضاه قطعا، وإن كان قد يمنع القطع فيما ذكره أخيرا نعم هو كذلك في سابقه أي الحوالة على البرئ بناء على صحتها كما اعترف به غير واحد من الافاضل فالبحث حينئذ في مشغول الذمة ولو بغير المثل كما ستعرف. وعلى كل حال فليس للمشهور بعد الاجماع المحكي الذي لم نتحققه، بل المضمون توهمه مما عرفت، سوى اصالة بقاء الحق في ذمة المحيل المقطوعة بعموم " اوفوا " وباطلاقات الحوالة، إذ لا ريب في عدم اعتبار رضاه في مفهومه المتحقق بالايجاب من


(1) سورة المائدة الاية - 1 -.

[ 162 ]

المحيل، والقبول من المحتال. ومن هنا قيل مع فرض اعتباره لا فرق بين مقارنته، ولحوقه، بل وسبقه، إذ ليس هو من اركان العقد المعتبر فيه اتصال قبوله بايجابه، وكونه باللفظ العربي ونحو ذلك، بل لا يبعد كونه كاشفا مع فرض تأخره على نحو الرضا في عقد الفضولي، إلا أنه لم أجد مصرحا به، كما أنى لم أجد القول باحتمال اعتباره على وجه القبول، بان يكون هذا العقد مركبا من إيجاب، وقبولين، وإن كان هو مقتضى ما تسمعه من دليلهم ايضا، وسوى اختلاف الناس في سهولة القضاء والاقتضاء المعلوم عدم رجوعه إلى حاصل ضرورة " تسلط الناس على اموالها " ولذا جازت الوكالة على استيفائه، ونقله إلى الغير ببيع وصلح ونحوهما، وسوى دعوى اقتضاء الحوالة النقل، كما هن مقتضى ما سمعت من تعريفها بل في محكى التذكرة الحوالة تقتضي نقل الحق من ذمة المحيل إلى المحال عليه عند علمائنا أجمع، وكذا عن الخلاف والمبسوط والغنيه والسرائر، وأنه لذلك سميت حوالة، ولا ريب في توقف الانتقال إلى ذمة الغير على رضاه التى يمكن منعها بالمعنى المزبور، وأنها انما تقتضي الوفاء بماله في ذمة الغير عما في ذمته، خصوصا بعد كون المتعارف في القصد بالتحويل ذلك، لا انتقال ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه عوضا عماله في ذمته، ولا وجه لاقتضائها ذلك، مع فرض عدم قصده. نعم هو كذلك في الحوالة على البرئ التى هي كالضمان بخلاف الفرض الذي هو كالوفاء، بل يمكن ارادة كونها ناقله بمعنى اقتضائها نقل ما في ذمة المحال عليه إلى ملك المحتال عوضا عماله في ذمة المحيل. ومن هنا تخيل بعض العامة أنها بيع أو معاوضة، بل يمكن إرادتهم في التعريف المزبور وغيره ذلك ايضا، على معنى اقتضائها انتقال مساوى حق المحتال في ذمة شخص آخر غير المحيل إليه، بل قد يقال توسعا: اقتضت نقل المال من ذمة إلى ذمة اخرى بالاعتبار المزبور. وبالجملة فالمسلم والمتعارف في قصد المتعاقدين ذلك، وهو لا يتوقف على الرضا، إذ هو حينئذ كنقله بغير التحويل من البيع ونحوه، وأما غيره فلا دليل عليه بعد ان لم

[ 163 ]

يكن من مقصود المتعاقدين، بل لا يبعد البطلان مع فرض قصده، وحينئذ فالقول بعدم اعتبار رضاه لا يخلو من قوة، وإن كان الاحوط خلافه، خصوصا بعد ما عرفت من الشهرة العظيمة. (و) كيف كان ف‍ (مع تحققها) جامعة للشرائط (يتحول المال إلى ذمة المحال عليه) ولو باعتبار انتقال عوضه الذي هو في ذمة المحال عليه إليه، بل لعل المراد أنه يتحول المال أي يبتدل بما في ذمة المحال عليه خصوصا بعد العلم بأن استفاضة هذه العبارة حتى حكى عليها الاجماع غير واحد، بل صدرت ممن قد صرح بعدم اقتضاء الحوالة النقل بالمعنى السابق، كالمحقق الثاني والشهيد الثاني انما هو في مقابلة المحكى عن زفر من العامة، حيث قال بعدم تحول الحق عن ذمة المحيل، وجعلها كالضمان عندهم. (و) على كل حال (يبرء المحيل وان لم يبرأه المحتال على الاظهر) الاشهر بل المشهور، لظهور عدم الرجوع في خبر ابى ايوب (1) " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحيل الرجل بالمال، ايرجع عليه قال: لا يرجع عليه ابدا إلا أن يكون قد افلس قبل ذلك " في البراءة المزبورة كخبر منصور بن حازم (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحيل على الرجل بالدراهم ايرجع عليه ؟ قال: لا يرجع عليه ابدا إلا أن يكون قد افلس قبل ذلك " وخبر عقبة (3) عن أبى الحسن عليه السلام " سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي، ثم يتغير حال الصيرفي، ايرجع على صاحبه إذا احتال ورضي ؟ قال: لا " بل ذلك مقتضى الحوالة التى هي بمعنى النقل ولو بالوجه الذى ذكرناه الذى هو نقل المال الذى في ذمة المحال عليه إلى المحتال، لكن من المعلوم كون ذلك بدلا وعوضا عما للمحتال في ذمة المحيل. لانها من قبيل الوفاء فيقتضى حينئذ براءة ذمة المحيل. خلافا للمحكى عن ابى على والشيخ في النهاية وأبى الصلاح والقاضى، وظاهر


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -. (2) (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 3 - 4 -.

[ 164 ]

المقنعة، بل عن المقداد في التنقيح اختياره، فاعتبروا براءة المحتال، وإلا لم يبرء. لخبر زرارة (1) " عن أحدهما عليه السلام في الرجل يحيل الرجل بما كان له على رجل آخر فيقول له الذى احتال برات مما لى عليك ؟ فقال: إذا ابرءه فليس له ان يرجع عليه، وإن لم يبرأه فله أن يرجع على الذى أحاله " لكنه خبر واحد موافق للمحكى عن الحسن البصري، ومحتمل لارادة الرجوع عليه ولو في حال الاعسار مع الجهل به، وللكناية عن القبول والرضا بالحوالة، فلا يصلح معارضا لتلك الاخبار، ولو على جهة التقييد، ولا لما دل على اللزوم في عقد الحوالة المستفاد من الاية والاجماع وغيرهما، بل رد هذا القول مضافا إلى ما ذكرنا بالاجماع بقسميه، على اقتضاء الحوالة نقل المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولكن قد يناقش بمنع الاجماع المزبور، إذ لا يتصور معه الخلاف المذكور الذي قد سمعته من غير واحد، بل المخالف إنما عبر بلفظ الاظهر ونحوه، ولو ان هذا الاجماع محقق لم يتصور محل للابراء معها، كما لا تصح هي إذا وقع قبلها. ومن الغريب ما في المسالك في المقام حيث قال: " حكمان أحدهما: أن الحوالة تفيد نقل المال وتحوله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وهو موضع وفاق منا ومن العامة إلا من شذ منهم، فإنه جعلها كالضمان بمعنى الضم، وفساده ظاهر إلى أن قال: وثانيهما: أن المحيل يبرأ من حق المحتال " إلى آخر ما ذكره مع أنه في السابق عند البحث على اعتبار رضي المحال عليه، بعد أن ذكر دليل الخصم انها تقتضي الانتقال قال: " انا نمنع من اقتضاء الحوالة النقل، بل هي ايفاء لما في ذمة الغير، فلا يقصر عن بيعه ولا يشترط فيه رضاه " إذ مع فرض تحقق الاجماع المزبور لا يتصور النزاع المذكور. نعم ما يمكن تسليمه من الاجماع اقتضاء الحوالة النقل بمعنى انتقال ما في ذمة المحال عليه إلى المحتال، وأما اقتضاؤها مع ذلك براءة ذمة المحيل على وجه ليس له الرجوع عليه وان لم يقبض من المحال عليه، فلا، عند من عرفت، جمعا بين النصوص


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 2 -.

[ 165 ]

المزبورة بالاطلاق والتقييد، مضافا إلى اصاله بقاء ذمة المحيل، وإن كان الاقوى خلافه لقصور الخبر المزبور عن ذلك، ولان الحواله وان كان الاصح انها قسم براسه، لكنها بحكم الاستيفاء أو الاعتياض. وعلى كل حال تقتضي براءة ذمة المحيل، ولان المراد والمقصود من المتعاقدين بها ذلك، فيعلم ان شرعيتها على الوجه المزبور بحيث لو قصد اخلافه مصرحين لم تشرع الحوالة كما هو واضح والله العالم. (ويصح أن يحيل على من ليس) له (عليه دين) وفاقا للمشهور بل عن السرائر الاجماع عليه وهو الحجة بعد اطلاق النصوص السابقة، وعموم " أوفوا بالعقود " والسيرة على فعلها بحيث يعلم شرعيتها، خلافا للمحكي عن الشيخ في آخر الباب، وربما حكى عن القاضي وابن حمزة، وإن كنا لم نتحققه، فانحصر الخلاف فيه، بل المحكي عنه في اول الباب الموافقة. وبنى الخلاف بعضهم على ان الحوالة اعتياض أو استيفاء، فعلى الاول لا تجوز، وعلى الثاني تجوز، وفيه: أن الاصح كونها اصلا براسه، وإن لحقها حكم الوفاء في بعض الاحوال، والاعتياض في بعض آخر، وإلا فمن المعلوم أنها ليست وفاء حقيقة ولذا لا يجب قبولها، وإن كانت على ملي، ولا بيعا كذلك، ولذا لم يثبت لها حكم التقابض في المجلس لو كانت في النقد. وعلى كل حال فلا دليل للخصم سوى الاصل المقطوع بما عرفت، ودعوى استبعاد اختلاف مقتضاها، والمراد منها، إذ هي على مشغول الذمة انتقال وعلى البرئ معنى الضمان. ومن هنا قال المصنف: (لكن ذلك بالضمان اشبه) بل عن الكاشاني الاظهر أنها ضمان، وإن كان فيه ما لا يخفين ضرورة عدم حصول انشاء ذلك من المحال عليه حتى تكون ضمانا، بل اقصاه الرضا بما انشأ المحيل من معنى الحوالة التى هي

[ 166 ]

حينئذ بمعنى الوفاء باثبات مثل ذلك في ذمة البرئ، أو الاعتياض عنه بذلك، وهو معنى غير معنى الضمان، بل هو قريب من الحوالة على المشغول، ومثل ذلك لا يقدح في العقد، فإن افراد البيع مثلا اشد من ذلك تفاوتا، فما عن الكركي من التأمل في الجواز في غير محله والله العالم. (وإذا أحاله على الملي) الوفي (لم يجب القبول) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل قد عرفت المحكي منه على رضى المحتال مستفيضا، مضافا إلى الاصل السالم عن معارضة ما دل على وجوب قبول الوفاء من باذله، بعد معلوميه عدم كونها وفاء حقيقة، على وجه تندرج في إطلاق تلك الادلة، بل هي ناقلة كما عرفت. فما عن داود الظاهري من الوجوب لذلك وللنبوي صلى الله عليه واله المرسل " إذا أحيل أحدكم على الملي فليحتل " الذي لم نجده في طرقنا ولا جابر له ولا شاهد وينبغى حمله على الندب واضح البطلان. (لكن لو قبل) الحواله عليه (لزم وليس له الرجوع ولو افتقر) كما لو كان فقيرا من أول وقد علم به ورضي ن بلا خلاف ولا اشكال، بعد معلومية كون الحوالة من العقود اللازمة، مضافا إلى النصوص السابقة خصوصا خبر عقبة منها بل عن الخلاف أنه المروى عن امير المؤمنين عليه السلام، فما عن ابى حنيفة من أن له الرجوع إذا جحده المحال عليه، أو مات مفلسا، وعن عمرو ابى يوسف ومحمد بن الحسن إذا افلس وحجر عليه الحاكم واضح الفساد من غير فرق في ذلك بين أخذ المحتال شيئا من المال وعدمه، لاطلاق النص ومعقد الاجماع وغيرهما من اصالة اللزوم ونحوها، بل عن المختلف الاجماع على ذلك صريحا، خلافا للمحكى عن سلار فجوز الرجوع مع عدم الاخذ لعدم تتمة القبول بدونه، وهو شاذ نادر واضح الضعف نعم هذا كله في المحال عليه الملي ثم افتقر. (أما لو قبل الحوالة جاهلا بحاله، ثم بان فقره وقت الحوالة كان له الفسخ

[ 167 ]

والعود على المحيل) بلا خلاف أجده فيه ما عن الغنية الاعتراف به، بل في محكي التذكرة نسبته إلى علمائنا، والسرائر إلى اصحابنا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد النصوص السابقة، وقاعدة الضرر وغيرها، بل ظاهر اطلاق النص و الفتوى ما صرح به جماعة من ثبوت الخيار ايضا، حتى لو تجدد اليسار والعلم بسبق الفقر، لتحقق المقتضى له فيستصحب، وليس العله الاعسار ما دام، ليزول بزواله، ودعوى كون المنشأ في ذلك الضرر بحيث يزول بزواله لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها متحقق، ويمكن أن يكون ذلك حكمة لا علة. وعن الفخر أنه بنى ذلك على كون علل الشرع معرفات، أو علل حقيقية، وعلى الثاني هل الباقي مستغن عن المؤثر أو محتاج، فعلى الاولين يثبت الخيار، وعلى الثاني من الثاني يزول، ولا باس به بعد معرفة كون علل الشرع معرفات، وعدم احتياج الباقي في بقائه إلى غير الاول كما هو محرر في محله، وهل هو على الفور أو التراخي ؟ وجهان: أقواهما الثاني، للاطلاق وغيره، كما ذكرنا في نظائره، ثم إن الظاهر ارادة الاعسار من الفقر في كلام المصنف اقتصارا على المتيقن فيما خالف قاعدة اللزوم، كما أنه المراد من الافلاس في النص، لا تحجير الحاكم بالافلاس. نعم الظاهر ثبوت الخيار له وإن بذل المال بقرض ونحوه، بل ولو تبرع متبرع عنه، للاطلاق، ومنه يعلم أن ليس المدار على قاعدة الضرر، على وجه يدور الحكم معه، وقد تقدم في الضمان ما لا يخفى عليك جريانه في المقام، كغيره من أحكام الاجل واشتراط الخيار وغير ذلك مما لا فرق فيه بين الضمان والحوالة، خصوصا إذا كانت على البرئ. (وإذا أحال بما عليه) على مشغول له بذلك، أو برئ بناء على الصحة (ثم أحال المحال عليه) المحال (بذلك الدين) كذلك (صح) بلا خلاف ولا إشكال لاجتماع شرائط صحتها فتندرج في إطلاقها المندرج في آية " اوفوا بالعقود (1) " (وكذا لو ترامت الحوالة) بتعدد المحال عليهم، واتحاد المحال، كما لو أحال


(1) سورة المائدة الاية - 1 -.

[ 168 ]

المديون زيدا على عمرو، ثم احال عمرو، زيدا على بكر، ثم أحال بكر، زيدا على عمرو وهكذا، لوجود المقتضى وارتفاع المانع، وبتعدد المحتال أو المحيل واتحاد المحال عليه، كما لو أحال المحتال من له عليه دين على المحال عليه، وهكذا بل كما يصح تراميها يصح دورها، كالضمان بأن يعود إلى المحيل الاول إذا فرض شغل ذمته للمحال عليه، أو قلنا بصحتها على البرئ، بل لم نجد خلافا هنا وإن سمعته في الضمان كما هو واضح. (وإذا قضى المحيل الدين بعد الحوالة ف‍) هو كما لو قضاه اجنبي المعلوم حكمه بأنه (إن كان بمسألة المحال عليه، رجع عليه، وإن تبرع، لم يرجع ويبرأ المحال عليه) ضرورة كونه بالحوالة قد برئت ذمته فيكون حينئذ اداؤه كاداء الاجنبي الذي قد علمت حكمه. (ويشترط في المال) المحال به (أن يكون معلوما) في المشهور على ما اعترف به غير واحد، بل عن مجمع البرهان لعله لا خلاف فيه، بل في المحكي عن التحرير يجب أن يكون معلوما، فلا يصح بالمجهول اجماعا بل في مفتاح الكرامة " لم نجد المخالف " وإنما ذكرت الصحة مع الجهل احتمالا في التذكرة والمسالك ومجمع البرهان، نعم لم يذكر هذا الشرط في عداد الشرائط في الوسيلة والغنية وغيرهما، ولعله وإن أمكن أن يكون ذلك لمعلوميته، إلا أن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال إن لم يتم الاجماع المزبور، خصوصا على ما يظهر من قواعد الفاضل، من اعتبار علم الثلاثة، ضرورة عدم الدليل عليه إلا دعوى الغرر الذي لم يثبت مانعيته على الاطلاق، حتى لو قلنا بأن الحوالة اعتياض، فإنه ايضا لم يثبت مانعيته في مطلق المعاوضة. وأما على القول بأنها استيفاء فقد قيل: إنه لا يمكن استيفاء المجهول، ومنعه واضح، خصوصا بعد ما عرفت من صحة ضمان المجهول، ويلزم مما تقوم به البينة، والاولى إحالة ذلك على ما سمعته في الضمان، خصوصا في الحوالة على البرئ التى هي شبيهة به، وخصوصا مع فرض امكان اندفاع الجهالة بعد ذلك بالرجوع إلى دفتر ونحوه، أو كانت الجهالة في خصوص المقدار مع العلم بعدم زيادته عن مأة مثلا، وعدم

[ 169 ]

نقصانه عن عشرة، على أن الحوالة به على جهالته تقتضي ثبوته في ذمة المحال عليه، نحو ما كان في ذمة المحيل، فيرجع معه إلى الصلح ونحوه نعم يتم ذلك في الجهالة بسبب الابهام كالحوالة بأحد الدينين على حسب ما عرفته في الضمان فلاحظ وتأمل والله العالم. وكذا يعتبر فيه ان يكون (ثابتا في الذمة) أي ذمة المحيل، ولو متزلزلا فلا حوالة في غير الثابت فيها، وإن وجد سببه كمال الجعالة مثلا قبل العمل، بناء على عدم ثبوته في الذمة قبله، فضلا عما لم يوجد سببه كالحوالة بما سيستقرضه، نحو ما سمعته في الضمان، بل في بطلان الحوالة في المتزلزل حينها بالفسخ بعد ذلك نظر، وإن وجب عليه دفع الثمن مثلا من غير ذلك. نعم تصح الحوالة بالثابت في الذمة (سوءا كان له مثل كالطعام، أولا مثل له كالعبد والثوب) لاطلاق الادلة وعمومها، من غير فرق بين الحوالة به على مشغول الذمة بمثله وصفا وجنسا أو على برئ خلافا للمحكى عن الشيخ في أحد قوليه وابن حمزة فمنعا نعم الحوالة بالقيمي، للجهالة، وضعفه واضح، بعد معلومية صحة السلم وغيره فيه، باعتبار انضباطه بالوصف فمع فرض اشتغال ذمته بعبد موصوف مثلا بماله في ذمة آخر، أو كان بريئا واراد اثباته في ذمته على نحو ما كان عليه بطريق الحوالة أو الضمان لم يكن وجه للاشكال في صحته. كما لا وجه للاشكال في صحة ذلك لو فرض كون الثابت في الذمة قيمة القيمى باتلاف ونحوه، ضروره كون الحوالة حينئذ بالقيمة التى هي مثلية، فليس حينئذ للجهالة التى ذكرها محل حتى مع فرض تعذره الموجب للرجوع إلى القيمة كالمثلي، بل لا يبعد إن لم يكمن اجماعا جواز الحوالة بالاعمال على البرئ أو على مشغول الذمة للمحيل بمثلها، بناء على أنها بحكم المال، بدليل صحة وقوعها ثمنا للمبيع وعوضا للخلع ومهرا في النكاح من غير فرق بين كون المراد منها الثواب أو غيره، وحينئذ فيصح إحالة مشغول الذمة بقراءة القرآن وزيارة، أو صلاة أو حج أو غير ذلك على برئ أو على مشغول الذمة له بمثل ذلك، وكذا يصح ضمانه، لكن لم أجد مصرحا به، كما أنه لم أجد في نصوص الحوالة ما هو صريح فيه أو ظاهر، بل هو غير متعارف.

[ 170 ]

(و) كيف كان فعن الشيخ في أول الباب من المبسوط، وابني زهرة وحمزة والقاضى أنه (يشترط) في صحة الحوالة (تساوى المالين) أي المحال به والمحال عليه (جنسا) ونوعا (ووصفا) بل لعله ظاهر النافع وغيره مما عرف فيه الحوالة بتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله، بل عن التذكرة من مشاهير الفقهاء وجوب التساوى في الدينين، للاصل بعد عدم إطلاق في نصوص الباب يوثق به في تناول المفروض، ولا سيرة كاشفة ولا غيرهما مما يطمئن به. و " أوفوا بالعقود " قد ذكرنا غير مرة أن المراد منه بيان الزوم العقود المتعارفة المذكورة في كتب الفقهاء، فلا دلالة فيها على صحة المشكوك فيه من افراد نوع منها، بعد ان لم يكمن في ادلته بالخصوص إطلاق صالح لشموله، على أن في الحكم بالبطلان (تفصيا من التسلط على المحال عليه) بما لم تشتغل ذمته به (إذ لا يجب) عليه (ان يدفع إلا مثل ما عليه) وجواز دفع شخص من جنس غيره بالتراضي معاوضة مستقلة أو وفاء للادلة الخاصة التى لا تشتمل الحوالة قطعا، وإن كان لها حكم الوفاء في بعض الاحوال دون بعض، كما عرفته سابقا ولعله إلى ذلك يرجع الاستدلال على المطلوب من بعضهم، بأن حقيقة الحوالة تحويل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإذا كان على المحيل دراهم، وله على المحال عليه دنانير، كيف يصير حق المحتال عليه دراهم، ولم يقع عقد يوجب ذلك، فإن الحوالة إن كانت استيفاء كان بمنزلة من استوفى دينه، واقرضه المحال عليه، فحقه الدراهم، لا الدنانير، ولن كانت معاوضة فليست على حقيقة المعاوضات التى يقصدها تحصيل ما ليس بحاصل، من جنس مال، أو زيادة قدر أو وصف، وإنما هي معاوضة إرفاق ومسامحة للحاجه، فاشترط فيها التجانس والتساوي لئلا يتسلط على المحال عليه بما ليس في ذمته، بتقريب كون المراد أن الثابت من مشروعية الحوالة النقل المزبور والتبديل المذكور، لا غيره، وحينئذ لا تقتضي غيره وإن تراضيا، لان تراضيهما على ما لم يجعله الشارع مقتضى عقد، لا يكون مقتضيا لترتب ذلك عليه وإن قصداه وتراضيا به. (و) لكن مع ذلك كله قال المصنف: (فيه تردد) بل عن المبسوط في

[ 171 ]

موضع منه والتذكرة، والتحرير، والحواشي، واللمعة، والتنقيح، وإيضاح النافع، وجامع المقاصد، والمسالك، والروضة، ومجمع البرهان، والمفاتيح، اختيار الجواز. بل في المسالك " أنه إن اشترطنا رضى المحال عليه وجوزنا الحواله على البرئ فلا وجه للمنع اصلا، لانه لو لم يكن على المحال عليه ذلك الجنس لتصح، فإذا كان ورضي تعين الجواز، بل يتعين القول به متى اعتبرنا رضاه خاصة، لان الحوالة إن كانت استيفاء كما هو الظاهر، فالاستيفاء جائز بالجنس وغيره مع التراضي، وإن كانت اعتياضا فكذلك، لجواز المعاوضة على المختلفين، وليست معاوضة بيع حتى يعتبر فيها التقابض حيث يعتبر فيه. نعم قد نقول هنا مع جواز الحوالة على البرئ أن الحق لم يتحول إلى الدنانير، وإنما لزم المحال عليه للمحتال دنانير، وبقيت الدراهم في ذمته للمحيل، فيعتبر في التقاص تراض جديد، وهذا أحسن، إلا أن الاول أجود، لحصول التراضي سابقا على تحول الحق إلى ما في ذمة المحيل، وحينئذ فالتسلط الذي هربوا منه انتفى منعه بالتراضى (ثم قال): وقد تحرر من ذلك أن القائل بعدم صحة ذلك لا يتم له مطلقا، إلا أن يقول بعدم جواز الحوالة على البرئ وإلا صحت الحوالة هنا، إلا أنها تكون كالحوالة على من لا دين له عليه، أنها تقع باطلة مطلقا، إذ لا تقصر عن تلك، وأن القائل بعدم اعتبار رضى المحال عليه، لا يتجه له القول هنا بالصحة، سواء تحول الحق إلى جنس المحال به، أم بقي كل واحد بحاله، لتوقف كل واحد من القسمين على التراضي، فإن الاول استيفاء من غير الجنس له، أو معاوضة عليه، والثانى حوالة على البرئ، وكلاهما مشروط بالرضا، نعم لو قصد بالحواله تحول حق المحتال إلى ما في ذمة المحال عليه إتجه القول بالجواز، من دون رضى المحال عليه، وسقط معه محذور التسلط الذي جعلوه مانعا " إنتهى كلامه و نقلناه بطوله. لانه اقصى ما قيل في المسألة. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من عدم إفادة التراضي بعد فرض عدم اقتضاء مشروعية الحوالة ذلك، لعدم الدليل، وما ذكرناه ايضا

[ 172 ]

من أنها عقد مستقل برأسه، وإن ثبت له بعض أحكام الاداء، وبعض أحكام المعاوضة، إلا ان ذلك لا يقتضى ترتب جميع احكامها كما هو واضح. وأما ما ذكره من بناء المسألة على جواز الحوالة على البرئ، فهو خارج عن المقام قطعا، ضرورة كون المراد الحوالة على نفس الحق المخالف، لا الحوالة على من عليه الحق، مع قطع النظر عن ذلك، ودعوى صيرورتها حوالة على برئ مع فرض قصد الجميع الحوالة على نفس الحق كما ترى. وبذلك يظهر أن هذه المتعبة التى ذكرها لا طائل تحتها، وإنما وجه المسألة هو اثبات صلاحية الحوالة لهذا التغيير والتبديل، وعدمه، فبين جازم في الاول، و جازم في الثاني، ومتردد، ولا ريب في أن مقتضى الاصول العدم، ولو للشك في ذلك لعدم الاطلاق الذي يوثق به، فضلا عن غيره كما عرفته مفصلا، والاحتياط في ذلك غير خفي، ولو بأن يقلب حق المحتال إلى جنس ما عليه الحق بعقد من العقود القابلة لذلك، ثم يحيله عليه أو بغير ذلك. (ولو أحال) على محال (عليه فقبل وادى تم طالب بما اداه، فادعى المحيل أنه كان له عليه مال، وأنكر المحال عليه، فالقول قوله مع يمينه) لان الاصل البراءة (و) حينئذ (يرجع على المحيل) بما اداه، ورضاه بعقد الحوالة، أعم من اشتغال ذمته، لما عرفت من صحتها على البرئ بل في المسالك، ومحكي جامع المقاصد ومجمع البرهان أنه كذلك حتى لو اشترطنا في الحوالة اشتغال ذمة المحال عليه. قال في الاول منها: " تساقط اصلى البراءة وصحة العقد بالتعارض، فيبقى مع المحال عليه اداء دين المحيل باذنه، فيرجع عليه، ولا يمنع وقوع الاذن في ضمن الحوالة الباطلة المقتضى بطلانها لبطلان تابعها، لاتفاقهما على الاذن، وانما اختلفا في أمر آخر، فإذا لم يثبت ما اختلفا فيه، يبقى ما اتفقا عليه من الاذن في الوفاء المقتضى للرجوع، على أن في زوال الاذن الضمني بزوال ما يثبت في ضمنه هنا يأتي تحقيقها انشاء الله في الوكالة المعلقة على شرط ". وفيه: أن المتجه تقديم قول المحيل، مع فرض اعتراف المحال عليه بالحوالة

[ 173 ]

المحمولة على الصحيح، القاطع لاصل البراءة، ولاقتضاء الرجوع بالاذن، ضرورة كون الاعتراف بها اعترافا بشغل الذمة أما مع عدم اعترافه بكون الواقع الحوالة ولكن أحال عليه باذنه لاحقا أو سابقا فعن التذكرة ذلك ايضا، لورود اصل الصحة على اصل البراءة، وانقطاعه به. لكن قد يناقش بعدم اقتضاء اصل الصحة شغل ذمة الغير الذي رضاه ليس من اركانها، فهي حينئذ صحيحة في حق المحيل والمحال، فلو ادعى احدهما بطلانها كان القول قول مدعى الصحة منهما، أما المحال عليه فهو خارج عن أركان عقدها، إذ القبول الذي قام به العقد من المحتال لامنه، فلا يقتضى صحتها فيما بينهما اشتغال ذمة الخارج وإن قلنا باعتبار رضاه، وحينئذ فاصل البراءة سالم عن معارضه اصل الصحة الذى هو في حق المتعاقدين، فيبقى قاعدة احترام مال المسلم الذى لم يتبرع بادائه بحالها، ولو للاذن في ضمن الحوالة التى هي صحيحة في حق المحيل، باطلة في حق المحال عليه، وليس ذلك من بقاء الاذن الضمني بعد زوال ما ثبت في ضمنه المفروغ من بطلانه حتى في الوكالة المعلقة على شرط، كما أوضحناه فيها. وما ذكرنا يظهر لك وجه النظر فيما ذكروه دليلا للمسألة، والاولى تقريره بما قلناه، ولعله إليه أومأ في جامع المقاصد في الرد على دعوى تعارض اصلى البراءة والصحة، بقوله " سيأتي عن قريب بيان عدم الاعتداد بهذا الاصل ". وعلى كل حال فقد يشعر قول المصنف وغيره " فقبل وادى " كون الحوالة على البرئ كالضمان في عدم استحقاق الرجوع إلا بالاداء، لما عرفته في الضمان الذي يشبههه المفروض فلاحظ والله العالم. (وتصح الحوالة بمال الكتابة) ولو المشروطة (بعد حلول النجم) لثبوته في ذمة المكاتب (وهل تصح قبله ؟ قيل:) والقائل الشيخ على ما في المسالك (لا) يصح لجواز تعجيز نفسه، فتنفسخ الكتابة، وقد منعوا ذلك عليه كما تسمعه في باب الكتابة، إنشاء الله، ومع تسليمه فاقصاه كون المال في ذمة العبد متزلزلا كالثمن في مدة الخيار، وذلك لا يمنع الحوالة، كما لا يمنع ضمانه.

[ 174 ]

نعم لو قلنا بعدم اقتضا الكتابة ثبوت مال في ذمة العبد، لعدم ذمة اختيارية له، وإن وجب عليه أداء مال الكتابة إلا أنه من التكليف لا الدين " اتجه حينئذ عدم صحة الحوالة به، من غير فرق بين حلول النجم وسابقه، بل المحكي عن الشيخ عدم الفرق بينهما ايضا نحو ما سمعته في الضمان. ثم إنه في المسالك بعد أن اختار جواز الحوالة به مطلقا قال: " فعلى هذا فلا يعتق العبد بالحوالة لانها ليست في حكم الاداء بل في حكم التوكيل عليه بقبضها وان افترقا بكون الحوالة لازمة، وحينئذ فلو اعتق السيد المكاتب بطلت الكتابة، ولم يسقط عن المكاتب مال الحوالة، لان المال صار لازما للمحتال، والبطلان طار، ولا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة ". ولا يخفى عليك ما فيه من التفريع أولا. وإنكار كون التحويل بحكم الاداء ثانيا، مع أنه اعترف به فيما يأتي بأنها تفيد ملك المال للمحتال، مضافا إلى اعترافه سابقا باقتضائها براءة ذمة المحيل مما عليه، وبراءة ذمة المحال عليه مما كان للمحيل عليه، لانها استيفاء أو اعتياض. وعلى كل حال فهى بحكم الاداء هنا وفى غيره، بل لعلها كالضمان الذى اعترف بكونه أداء سابقا أو أولى، بل اعترف ايضا بكونها كالاداء فيما لو أحال العبد سيده، كما ستسمع، وعدم بطلان الحوالة على مال الكتابة بعد فرض بطلان الكتابة ثالثا، وحينئذ فالمتجه تحريره بذلك، وبطلان عتق السيد. (ولو باعه السيد سلعة فأحاله بثمنها جاز) لان حكم المكاتب بالنسبة إلى ذلك حكم الاحرار، من غير فرق بين سيده وبين غيره، خلافا للمحكى عن الشيخ فمنع جواز شرائه من سيده، لجواز فسخ الكتابة الموجب على فرض صحة البيع استحقاق السيد على عبده شيئا، بخلاف الأجنبي، بل في المسالك نسبته إلى الشيخ وجماعة وإن كنا لم نتحققه، بل في قواعد الفاضل أنه الاقرب وهو كما ترى. (ولو كان له) أي المكاتب (على أجنبي دين فاحال) سيده (عليه) (ب‍) جميع ماله من (مال الكتابة) الذي في ذمته (صح) لوجود المقتضى

[ 175 ]

وارتفاع المانع و (لانه يجب عليه) أي المديون (تسليم) ما علي‍ (ه) من الدين لصاحبه، أو لمن يحيله عليه به، وكان ذلك اداء منه موجبا لتحريره كما اعترف به في المسالك وغيرها، سواء ادى المحتال عليه المال للسيد أولا، بل لو افلس لم يتغير الحكم. نعم لو كان ما أحاله به دين متزلزل، ففي نفوذ التحرير أو مراعاته بعدم الفسخ إشكال. وأما أح: امها: فمسائل (الاولى: إذا قال) لمن له عليه دين: (أحلتك) بالدين الذي لك على على مالى (عليه) من دين ونحو ذلك مما هو صرحي في الحوالة فلا اشكال في تقديم قول مدعيها، اما لو قال احلتك عليه ونحوه مما هو ليس صريحا فيها (فقبض فقال المحيل: قصدت الوكالة، وقال المحتال: انما أحلتني بما عليك ف‍) عن المبسوط ان (القول قول المحيل). بل في المسالك نسبته إلى الشيخ وجماعة، وان كنا لم نتحققه نعم في قواعد الفاضل انه اقرب (لانه اعرف) بما قصد (بلفظه) إذ لا يعلم إلا من قبله، مضافا إلى اصالة بقاء المال ملكا للمحيل، وبقاء حق المحتال في ذمته، وتعارف عقد الوكالة بنحو ذلك. كتعارف اسم التحويل على الوكيل الذى لا دين لهن خصوصا إذا كان المراد الاذن في القبض له لا للموكل. (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) من ذلك، ومن أن الاصل ارادة الحقيقة التى هي الحوالة بالمعنى المتعارف بخلاف الوكالة، وإن صح عقدها بلفظ التحويل بالقرينة، بل في جامع المقاصد ومحكي التحرير ترجيح قول المحتال، لانه الموافق للاصل المزبور الذى يجب حمل اللفظ عليه حال التجرد عن القرينة، والا لزم الاغراء بالجهل، بل لو قدح احتمال التجوز لقدح في جميع الابواب من بيع، أو صلح وإقرار و نكاح وغيرها، فيكون حينئذ قول المحيل مخالفا للاصل يكلف بالبينة وأما الاصلان

[ 176 ]

المزبوران فيقطعهما ظاهر لفظ الحوالة المحمول على ذلك، بل لو سلم تعارض الاصول كان مقتضى اليد كافيا في ذلك، لان الفرض أنه قبض. وفى المسالك " هذا التوجيه حسن لو سلمنا كون الحوالة مجازا في الوكالة، لكنه محل نظر، لان الوكالة لما كانت تتحقق في ضمن كل لفظ يدل على الاذن بطريق الحقيقة، وكان معنى الحوالة مؤديا لذلك، لان معنى أحلتك كما يحتمل ارادة تحويل المال من ذمة إلى ذمة، يحتمل ارادة تحويل المطالبة من المحيل إلى المحتال، ففائدتها تسليطه على المحال عليه، أو نقول إن دلالتها على الاذن للمحتال حاصلة على التقديرين، وانما الكلام في معنى الزائد على الاذن، وهو تحويل الحق (ثم قال): وكون المراد منها الحوالة بالمعنى المتعارف اظهر، لا شبهة فيه لكنه لا يدل على مجازية الاخر، لجواز كونه من باب المشترك الذي يراد به أحد معانيه بقرينة، وإلا فمرجع الامر إلى أنه هل هو من باب الحقيقة، أو المجاز، أو من باب المشترك الذي دلت القرائن على إرادة أحد معنييه، وتظهر الفائدة في كون الاخر حقيقة، أو مجازا وبواسطة ذلك يختلف الحكم ". ثم استشعر بأن التبادر علامة الحقيقة، وعدمه علامة المجاز، ولا ريب في تبادر المعنى المتعارف من لفظ الحوالة، بخلاف الوكالة المحتاجة إلى القرائن، وأجاب بأن هذه العلامة لا تتم في المشترك الذي يتبادر إلى الذهن أحد معنييه مع القرينة، مع أنه حقيقة في الفرد الاخر ايضا. ثم استشعر بأن الحوالة في الفرد المتعارف حقيقة شرعية، وفي الوكالة حقيقة لغوية، وعند التعارض تقدم الاولى، خصوصا مع اعتضادها بالعرف المقمد على اللغة ايضا، ثم أجاب بأنها في الوكالة أيضا حقيقة شرعية، وإن وافقتها اللغة، وترجيح الشرع والعرف للمعنى المتعارف من الحوالة يقتضى ترجيح أحد معنيى المشترك، وهو لا يخرج الفرد الاخر عن الحقيقة. ثم استشعر بأن من المعلوم أولوية المجاز من الاشتراك عند التعارض، وأجاب بمنع ذلك أو لا، بل قد قال جمع من المحققين بأولوية الاشتراك وبتسليمه ثانيا

[ 177 ]

ولكن إذا لم يثبت، وقد اثبتناه، ثم قال ما حاصله: أنه وإن كان الظاهر من معنى المشترك في المقام المعنى المتعارف، إلا أنه يرجع الامر إلى تعارض الاصل الذي هو بقاء حق المحيل والمحتال والظاهر، فإن قدمنا الاول كما هو الراجح في استعمالهم، فالقول قول المحيل، كما اختاره المصنف وجماعة، وإن قدمنا الظاهر فالقول قول المحتال إلى غير ذلك مما اطنب فيه. وهو كما ترى، بل ما كنا لنؤثر وقوع ذلك منه، ضرورة أنه لم يذكر دليلا صالحا للاشتراك، فإن وقوع الوكالة بكل لفظ يدل على الاذن حقيقه ومنه الحوالة لا يقتضى ذلك، كما أن دلالتها على الاذن للمحتال بطريق الحوالة كذلك ايضا، للقطع بكونها إسما للعقد المخصوص، ومن هنا لا يحتاج انشاؤه بها إلى قرينة تدل على ذلك. وأغرب من ذلك انكار كون التبادر علامة للحقيقة، محتجا عليه بما عرفت، مع أن من المعلوم ارادة التبادر من يث اطلاق اللفظ، لا مع القرائن، ولا ريب في أن المشترك مع عدم القرينة يتبادر جميع معانيه، وهو علامة كونه حقيقة فيها، وتبادر بعضها خاصة بالقرينة لا ينافي ذلك. واغرب منه جميع ما ذكره من الحقيقة الشرعية واللغوية والعرفية، وأغرب منه قوله تعارض الاصل، والظاهر، مع أن المقام ظاهر لفظ لا يعارضه الاصل، وبالجملة هو رحمه الله وإن اطنب في ذلك لكن بما لا ينبغى صدوره منه، والتحقيق ما عرفت هذا كله مع القبض. (أما لو لم يقبض واختلفا فقال: وكلتك فقال: بل أحلتني ف‍) في المتن أن (القول قول المحيل قطعا) كما في القواعد لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، ضرورة أن عقد الحوالة من العقود اللازمة المقتضية تملك المحتال المال المحال به، وانعزال المحيل عنه على وجه لو اراد إبداله لم يكن له، لصيرورته ملك المحتال على وجه اللزوم، وحينئذ فلا يتفاوت الحال بين القبض وعدمه، لانه استيفاء يترتب عليه الملك وإن لم يحصل القبض، إلا أنه لا ينكر ظهور قطع المصنف هنا، وتردده

[ 178 ]

في الصورة السابقة في أن منشأ ذلك القبض وعدمه، وكان الوجه فيه ما أومانا إليه من تحقق ضابط المنكر في صورة القبض، هو ما لو ترك، لترك، وكونه صاحب يده فمن ذلك مع موافقه قول المحيل للاصول السابقة حصل التردد، بخلاف صورة عدم القبض، فإنه لا يد له، ولا الضابط المزبور، فانحصر ضابط الانكار حينئذ في المحيل، وهو جيد إن لم يكن ثم ظهور فيما جرى بينهما من لفظ احلتك في الحوالة، ولو لتعارف إطلاق نحو ذلك في انشاء عقد الوكالة، كما أن من المتعارف اطلاق التحويل على وكالة من لم يكن له دين على من عليه، وخصوصا إذا كان المراد تحصيل ذلك له لا للموكل. ومن هنا قد يتوقف في الحكم على المحيل بشغل الذمة للمحتال لو فرض كون النزاع بينهما في ذلك مع اتفاقهما على صدور اللفظ المزبور بينهما، وإن كان الارجح مع فرض عدم ظهور اللفظ تقديم قول المحيل الموافق للاصول واليد، وضابط المنكر إنما تجدي مع عدم استناده إلى التحويل المخالف للاصل، كما هو المفروض. نعم لو كان ابراز الدعوى بأن يقول المحيل وكلتك، والاخر يقول في جوابه لاحق لك عندي، إتجه حينئذ تقديم قوله عليه كما هو واضح. ومن هنا يظهر لك أن القول قول المحيل على كل حال، بعد فرض كون جواب المحتال أنك أحلتني، وفرض عدم ظهور ما اتفقا عليه من جريان لفظ احلتك بينهما في الحوالة، وإلا كان القول قول المحتال، تقديما لظاهر اللفظ القاطع للاصول بذلك. (ولو انعكس الفرض) بأن قال المحتال: وكلتني وقال المحيل: حولتك، بعد اتفاقهما على جريان لفظ الحوالة بينهما (فالقول قول المحتال) عند المصنف، سواء كان قابضا أو لا، لموافقته للاصول، لكن قد عرفت أن الارجح كون القول قول المحيل، ترجيحا للموافقة لظاهر اللفظ، القاطع للاصول الذي هو اصل مقدم على ذلك. نعم لو لم يكن ثم لفظ قد جرى بينهما، وادعى أحدهما الوكالة، والآخر الحوالة كان القول قول من نفى الحوالة، ثم لا يخفى عليك أنه إن قدمنا قول المحتال

[ 179 ]

في المسألة الاولى، فان كان قد قبض برأت ذمة المحيل منه مقدار ذلك، لاخذه بزعمه منه قهرا فيقاصه قهرا، وكذا برات ذمة المحال عليه إن كانت مشغولة، لثبوت الحوالة ظاهرا، وإن كان لم يقبض فله المطالبة. ولكن هذا كله إذا حلف، وإن نكل حلف المديون، وبطلت الحوالة، وإن قدمنا قول المحيل ولم يكن قد قبض المحتال، بطلت وكالته بانكاره، بناء على اقتضاء ذلك بطلانها وحوالته بحلف المديون. وهل له أن يطالب المديون حينئذ بحقه ؟ لبقائه بزعم المديون حينئذ في ذمته، أولا لزعمه أن لا حق له على المديون بالحوالة وأن حقه على المحال عليه وجهان، وإن كان قد قبض وكان المقبوض باقيا فعليه تسليمه للمحيل، ولكن الظاهر أن له مطالبة المحيل هنا، لانه إن كان وكيلا فحقه باق على المديون، وإن كان محتالا فقد استرجع المحيل ماله منه ظلما، فله الرجوع عليه، وبذلك افترقت هذه الصورة عن صورة ما لم يقبض. ولو كان المقبوض تالفا، فإن كان تلفه بتفريط أو تعد ضمنه للمحيل، ولكن يرجع عليه لما عرفت، وإن كان بغير تفريط ففي ضمانه له وجهان، ينشآن من أنه وإن كان وكيلا ظاهرا إلا أنه قبض المال لنفسه باعترافه، وهو جناية يضمن بها ومن أنه إما وكيل بزعم المحيل، فلا يضنم المال إذا لم يفرط، أو محتال فهو ماله، وحينئذ فليس له مطالبة المحيل بحقه ظاهران وان كان بزعمه بقاؤه لاعترافه باستيفاء حقه كما هو واضح. وأما إن قدمنا قول المحتال في المسأله الثانية، وحلف، فإن لم يكن قد قبض المال فليس له قبضه، بناء على انعزاله عن الوكالة بذلك، وله مطالبة المحيل بحقه، وهل للمحيل الرجوع على المحال عليه بعد ادائه للاحتمال ؟ وجهان، من اعترافه بتحول ما كان عليه إلى المحتال، ومن أن المحتال إن كان وكيلا فإذا لم يقبض بقى حق المحيل، وإن كان محتالا فقد ظلم المحيل بأخذ المال منه، وما على المحال عليه حقه فللمحيل أن يأخذه عوضا عما ظلم به، ولن كان قد قبض المال فقد برأت ذمة المحال عليه إن كانت مشغولة على كل حال.

[ 180 ]

ثم إن كان المقبوض باقيا رده عليه، وطالب بحقه، وكان للمحيل أخذه مقاصة وفى المسالك " ففي جواز تملكه له أو وجوب رده على المحيل وجهان، مأخذهما أنه حبس حقه وصاحبه يزعم أنه ملكه، واعترافه بأنه ملك المحيلن وأنه المخير في جهة الاداء، والاول أجود، وفيه: أن المتجه له بالحكم الظاهر ما ذكرناه كما هو واضح. وإن كان تالفا بتفريط، أو تعد فله المطالبة ايضا بحقه، وإن ضمنه للمحيل باعترافه، بل له أخذه منه مقاصة بعد دفع حقه إليه، وإن لم يكن بتفريط لم يضنمه له، وكان له المطالبة بحقه، لكن في المسالك " في ضمانه وجهان، مأخذهما ثبوت كونه وكيلا ظاهرا، فيده يد أمانة، وأنه لا يلزم من تصديقه في نفى الحوالة تصديقه في اثبات الوكالة، ليسقط عنه الضمان، لان يمينه على نفي ما يدعيه المحيل، لا على اثبات ما يدعيه " وفيه: أن عدم ضمانه لاتفاقهما على عدم كون يده يد عدوان، والاصل البراءة، وإن قدمنا قول مدعى الحوالة حلف وبرئ من دين المحتال، وفي المسالك " وكان للمحتال مطالبة المحال عليه، إما بالحوالة أو بالوكالة، و يملك ما يأخذه إما قصاصا على زعمه، أو لانه عين حقه كما اقتضاه الظاهر " وفيه: أنه لا يجديه الظاهر بعد اعترافه بكونه غير حقه. نعم بناء على استحقاقه له باعتبار أخذ المحيل ما في ذمته عوضا عن ذلك توجه له المطالبة به، كما تقدم نظيره في المسألة السابقة، بل يأتي ايضا الكلام في المباحث الاتية وإلا فلا والفرض انعزاله عن الوكالة بانكارها. (المسالة الثانية) قال الشيخ في المبسوط: " إذا كان له على اثنين الف درهم، وكل منهما كفيل ضامن عن صاحبه، فطالب أحدهما بالالف فأحالة بها على آخر برئ المحيل وصاحبه من الالف، لان الحوالة بمنزلة البيع المقبوض، وإذا قضى دينه برئ ضامنه، وإذا قضى ما ضمنه برئ، عليه الدين، وهو المضمون عنه، فيجب أن يبرأ صاحبه من خمسمأة التى عليه، لانه قضاها، ومن خمسمأة الضمان، لانه قضاها عن المضمون عنه ويرجع عليه بخمسماة الضمان ان ضمن بإذنه، والا فلا، ولو كان له

[ 181 ]

على رجلين الف ولرجل عليه الفن فأحاله بها على الرجلين وقبل الحوالة كان جائزا، فإن كان كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه فأحاله عليهما لم تصح الحوالة، لانه يستفيد بها مطالبة الاثنين كل واحد نمهما بالالف، وهذا زيادة في حق المطالبة بالحوالة، وذلك لا يجوز ثم قال وقيل: يجوز له أن يطالب كل واحد منهما بالالف، فإذا أخذه برئ الاخر وهذا قريب " وأورد عليه في المختلف بأن الضمان عندنا ناقل، فإذا ضمن كل واحد منهما نصف الالف عن صاحبه فلا يخلو المضمون له، إما إن يرضى بضمانهما مع ا أو بضمان أحدهما خاصة، أو لا يرضى بشئ منهما، فإن رضي بهما معا أو لم يرض بشئ منهما، لم يكن له مطالبة كل واحد منهما بأكثر من النصف، أما على تقدير عدم الرضا فظاهر، وأما على تقديره فلانتقال ما في ذمة كل منهما إلى الاخر، فيبقى كما لو لمك يكن ضمان، وليس له على تقدير الرضا مطالبة كل واحد منهما بالالف، لان الضمان عندنا ناقل، وإنما يتاتى المطالبة على قول المخالفين، لان الضمان عندهم غير ناقل، وأما إذا رضى بضمان احدهما خاصة، فإنه يطالبه بالالف خاصة، وليس له على الاخر سبيل ". قلت: يمكن حمل كلام الشيخ على إرادة الكفالة من الضمان ولعله إلى ذلك أشار المصنف بقوله (إذا كان له دين على اثنين، وكل منهما كفيل لصاحبه، وعليه لآخر مثل ذلك، فأحاله عليهما صح، وإن حصل الرفق في المطالبة) على معنى انتقال حق الكفالة بالحوالة، ولا يقدح اقتضارها حينئذ حقا لم يكن في الدين الذي على المحيل، لاطلاق ادلتها، وحينئذ للمحتال المطالبة بحق الكفالة الذي قد يؤول بتعذر المكفول مثلا إلى المطالبة بالدين، كمال ستعرف انشاء الله. ومن الغريب ما في المسالك، فإنه بعد أن ذكر نحو ما سمعته من المختلف مقدمة للمسالة: قال " الشيخ ذكر هذه المسألة في المبسوط، وحكم فيها بعدم الصحة، معللا بزيادة الارتفاق، وهذا لا يتم إلا على القول إن الضمان بمعنى الضم، كما قد بيناه، إذ على تقدير النقل لم يستفد زيادة ارتفاق، بل يبقى الحكم كما كان، ومع ذلك فهو موضع نظر، لان هذا الارتفاق لا يصحل للمانعية، والمعروف من مذهبنا هو

[ 182 ]

النقل، فالبحث كله سابط، والمصنف وافق الشيخ على تصوير المسألة التى لا تتم إلا على القول بالضم، وهو لا يقول به، وخالفه في الحكم، وحكم بالصحة فيها منبها على أن الرفق المذكور غير مانع، بقوله وإن حصل الرفق في المطالبة ". والظاهر أن المصنف لم يذكر المسألة إلا على وجه التفريع، والتنبيه على ان ما حكم به الشيخ لا يتم وإن بنى على ذلك الاصل، نظرا إلى أن زيادة الرفق لا تمنع كما لو أحال على من هو أكثر ملاءئة، وأما ما ذكر الشيخ لها، فيشعر بذهابه إلى كونه الضم، إذ لا يتم إلا عليه، والمصنف قد لوح في المسألة الخلاف في موضعين، أحدهما قوله " على قول مشهور لنا " والاخر " على القول بانتقال المال " كما نبهنا عليه في الموضعين إذ هو كما ترى لا ينبغى صدوره منه، فإن حمل كلام المصنف على ما ذكر مع عدم اشعار في شئ من كلامه بذلك، اشبه شئ بالمعمى بل أعظم، كما أن حمل كلام الشيخ على كون ذلك مذهبا له وأن المصنف اشار إلى ذلك بما سمعت من الذى ينبغى الاستغفار منه، على أن المذكور في كلام المصنف لفظ الكفالة التى لا داعى إلى ارادة الضمان. منها، خصوصا بعد ما أومأ إلى وجه المنع، بأن الحوالة لم يثبت من الشرع مقتضى لها إلا نقل المال إلى المحتال لا غير، فترتب تعدد المطالبة لانتقال حق الكفالة بها مع أنه لم تنقل الا الدين الخالي عن ذلك مما يمكن الشك فيه، بل منعه، ضرورة مساواته للمنع من تغيير جنس الدين ووصفه بها، كما سمعته سابقا في اشتراط المساواة بل لعل المقام أولى باعتبار أن الكفالة قد كانت من حيث كون الاول صاحب الدين، والغرض حصول الوفاء بالحوالة، فترتفع الكفالة لا انها تنتقل إلى آخر وكذا لو كان عليه رهن. ولعله لذا جزم في القواعد ومحكي التذكره والحواشي وجامع المقاصد بعدم انتقال حق الكفالة لو انتقل الحق عن المستحق ببيع أو إحالة وغيرها، بخلاف الارث وإن كان هو لا يخلو من نظر، خصوصا مع التصريح بذلك، وفرض رضى الكفيل ولعل ذلك كاف في تصوير مسألة المتن، وإن كان الاصح خلافه، لان ذلك من موانع الدين الذي نقل بالحوالة، لا من آثارها ومقتضياتها، بل لعل الرهانة ايضا

[ 183 ]

كذلك للاصل وغيره والله العالم. المسألة (الثالثة: إذا أحال المشترى البايع) مثلا (بالثمن) كله أو ببعضه (ثم رد المبيع بالعيب السابق) أو اللاحق في الثلاثة مثلا أو بالاقالة أو غير ذلك مما يقتضى الفسخ من حينه (بطلت الحوالة) عند الشيخ في المحكي عن المبسوط قيل: وإليه يرجع ما في الايضاح، وجامع المقاصد، وعن مجمع البرهان أنه اقوى (لانها تتبع البيع) في ذلك. وفي القواعد بطلت إن قلنا أنها إستيفاء، فإذا بطل الاصل بطلت هيئة الارفاق كما لو اشترى بدراهم مكسرة فاعطاه صحاحا ثم فسخ " فإنه يرجع بالصحاح، وإن قلنا أنها اعتياض لم تبطل، كما لو استبدل عن الثمن ثوبا ثم رد بالعيب، فإنه يرجع بالثمن لا الثوب. ولعله للتردد في ذلك قال المصنف: (وفيه تردد) ما عن الارشاد، بل قيل: وكذا التحرير والتذكرة وغاية المراد وغيرها، حيث لا ترجيح فيها لكن قد يقال: إن اصالة اللزوم وعقدها واستصحابه يقتضى عدم البطلان، وهى من توابع البيع، بمعنى أنها اقتضت الحوالة بالثمن الذى هو أحد اركانه، لا من توابعه في البطلان، إذ هي عقد مستقل براسه، وإن قلنا انها استيفاء لكنه بعقد لازم، فلا ينفسخ بانفساخ العقد بخلاف ما لو كان بدفع ونحوه، من حيث إنه ليس عقدا مبنيا على اللزوم، بل هو من توابع التملك بالبيع المفروض انفساخه، فيتبعه، بخلاف المفروض الذي قد حصل الملك به للدين بسبب آخر غير البيع، وهو الحوالة فلا وجه لانفساخها بانفساخه بل دعوى كونها من التوابع بالمعنى المزبور من المصادرة حينئذ، بل لا فرق في ذلك بين قبض المحتال ما احيل به وعدمه، وإن جعل النظر والاشكال في محكي التحرير فيما إذا رد قبل القبض، وحينئذ فللمشترى الرجوع على البايع خاصة، بل لو كان قابضا لا يتعين له المقبوض، بل الظاهر أن للمشترى الرجوع على البايع، وإن لم يقبض، لانها بحكم الوفاء بالنسبة إلى ذلك. وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد من أن الحوالة كالقبض، ولهذا لا يحبس

[ 184 ]

البايع بعدها السلعة، ومن أن التغريم للمقبضو، ولم تحصل حقيقة، بل قال فيها ايضا: فإن منعنا الرجوع فجعل له مطالبته بتحصيل الحوالة ؟ إشكال من توقف مطالبته بحقه على ذلك، ومن أن المال مال غيره، والناس مسلطون على أموالهم، وهذا حاصل ما اطنبوا في وجهه. ولكن مقتضى أحد طرفي الاشكال الاول والثانى تعطيل حق المشترى إذا فرض توقف رجوعه على القبض الذي للبايع تأخيره وعدم المطالبة به لتسلط الناس على حقوقها ومن ذلك يعلم ان المتجه ثبوت الرجوع له وإن لم يقبض، لانها أي الحوالة بحكم الاداء بالنسبة إلى ذلك، وليس له مطالبة المحال عليه، لعدم الحق له، هذا كله على تقدير الصحة. وأما على تقدير البطلان (فان لم يكمن) أي (البايع قبض المال فهو باق في ذمته) أي المحال عليه (للمشترى) لان الفرض انفساخ البيع وانفساخها، وليس للبايع بعد ذلك قبضه، فلو فعل لم يقع عن المشترى، لبطلان الاذن له في ذلك، لبطلان الحوالة، وإن احتمل بقاء الاذن الضمني وان بطلت كالوكالة والشركة، ولكمن مع كون الحكم في المقيس عليه ممنوعا كما تعرف في محله قياس مع الفارق. (وإن كان البايع) قد (قبضه فقد برء المحال عليه) للدفع بالاذن، (ويستعيده المشترى) حينئذ (من البايع) فليس له رده على المحال عليه، بلا خلاف أجده بين من تعرض له، لكن قد يناقش بأن مقتضى بطلان الحوالة عود المال إلى صاحبه، فلا يتوجه للمشترى حينئذ المطالبة به للبايع، هذا كله في احالة المشترى للبايع بالثمن. (أما لو أحال البايع أجنبيا) له عليه دين (بالثمن، على المشترى، ثم فسخ المشتري بالعيب) السابق (أو بأمر حادث) يقتضي الفسخ من حينه، (لم تبطل الحوالة) بلا خلاف بل عن شرح الارشاد للفخر، الاجماع عليه (لانها تعلقت بغير المتبايعين) والاصل فيها اللزوم فهو حينئذ كما لو اشترى بالثمن ثوبا فان فسخ البيع لا يقتضى استحقاق الثوب ولا فسخ عقد شرائه، بل له مثل ثمنه أو قيمته.

[ 185 ]

(ولو ثبت بطلان البيع من اصله لا من حينه (بطلت الحوالة في الموضعين) لظهور عدم اشتغال ذمة المحال عليه وإن قلنا بجواز الحوالة على البرئ، فإن الفرض ارادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمته فهي حوالة على ما في ذمته لا عليه، كما هو واضح، فالمال المقبوض حينئذ، باق على ملك المشترى وله الرجوع به مع تلفه على المحتال وعلى البايع، والله العالم. (القسم الثالث) (في الكفالة) بالفتح، ولا ريب في أنها من العقود الصحيحة، بل في محكى التذكره أنها كذلك عند عامة أهل العلم، لكنها مكروهة، بها هلكت القرون الاولى وهي خسارة، وغرامة وندامة، والمعروف في تعريفها انها عقد شرع للتعهد بالنفس، والبحث في انها نفس العقد، أو أثره، وفي خصوص الالفاظ والمعاطاة فيها على نحو ما تقدم في البيع وغيره، وكذا اعتبار المقارنة بين ايجابها وقبولها، والعربية ونحوها مما يعتبر في العقود اللازمة. لكن في محكى التحرير زيادة غالبا، ولعله لصحة كفالة الاعيان المضمونة عنده، أو الاعيان التى يراد الشهادة على عينها كذلك، كما صرح به بعضهم،، فجوز كفالة الدابة والكتاب وغيرهما، للشهادة على أعيانها، بل ربما احتمل ذلك في عبارة القواعد الآتية، ولكن لا يخلو من نظر أو منع، ضرورة الشك في تناول الادلة لمثله، والاصل عدم ترتب الاثار بل الظاهر اختصاص النفس بالادمي لا الدابة ونحوها وفي محكى التذكرة الضابط في ذلك أن نقول حاصل كفالة البدن التزام احضار المكفول ببدنه، فكل من يلزمه حضور مجلس الحكم عند الاستعداء يستحق احضاره بحق الكفالة ببدنه، ونحوه عن المبسوط، وظاهرهما اختصاص موردها بما ذكرناه. ولكن في القواعد " تصح حالة ومؤجلة على كل من يجب عليه الحضور، مجلس الحكم من زوجة يدعى الغريم زوجيتها، أو كفيل يدعى عليه الكفالة، أو صبي أو مجنون، إذ قد يجب إحضارهما للشهادة عليهما بالاتلاف، وبدن المحبوس لامكان

[ 186 ]

تسلمه بأمر من حبسه، ثم يعيده إلى الحبس، أو عبد آبق أو من عليه حق الادمى من مال أو عقوبة قصاص - إلى أن قال - ولا يصح على حد الله تعالى، والاقرب صحة كفالة المكاتب ومن في يده مال مضمون، كالغصب والمستام وضمان الاعيان المغصوبة فإن رد برء، وإن تلف ففي الزامه بالقيمة وجهان، الاقرب العدم، كموت المكفول، دون الوديعة، والامانة، وتصح كفالة من ادعى عليه، وإن لم يقم البينة بالدين، وإن جحد، لاستحقاق الحضور، والكفالة ببدن الميت، إذ قد يستحق احضاره للشهادة على صورته " ولكن لا يخفى عليك النظر في جملة من ذلك. وعن فخر الاسلام " الكفالة من مذهبنا إنما تصح بشرط أن يكون على المكفول للمكفول له حق شرعى، والحق أعم من أن يكون دينا أو عينا، وقيل: كل من يستحق احضاره إلى مجلس الشرع فإنه تصح كفالته ". قلت: فعلى الاخير وهو الصحيح تصح الكفالة بمجرد الدعوى، دون الاول. وعلى كل حال فالمتيقن من مورد الكفالة التعهد باحضار النفس المستحق عليها بذلك بسبب حق ولو دعوى المكفول له عليها نعم لا تصح في الحدود للاجماع المحكى عن التذكرة على ذلك، ولقوله صلى الله عليه واله في المروي من طرق الخاصة والعامة (1) (لا كفالة في حد " وربما تسمع لبعض المسائل المزبورة في المباحث الاتية تتمة انشاء الله). (و) يتم عقدها بالايجاب من الكفيل والقبول من المكفول له، ومن هنا لم يكن اشكال بل ولا خلاف في أنه (يعتبر رضا) هما أي (الكفيل والمكفول له) بل الاجماع بقسميه مضافا إلى معلومية عدم الالتزام بحق من دون رضى الطرفين (دون المكفول) الذى هو بمنزلة المضون (عنه) بالنسبة إلى ذلك عند المشهور. بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، لعموم " أوفوا " بعد تناول إطلاق الكفالة لذلك ولان غاية الكفالة هي احضار المكفول حيث يطلب، ومن العلوم أنه يجب الحضور عليه متى طلبه المكفول له بنفسه، أو وكيله، والكفيل بمنزلة الوكيل الذي لا يشترط في وكالته رضى الموكل عليه.


(1) الوسائل الباب - 16 - من ابواب احكام الضمان الحديث 1 - 2

[ 187 ]

وقد يناقش بمنع تناول اطلاق الكفالة المحتمل اعتبار رضي المكفول عنه في تحقق مسماها، كرضى المكفول له، وما في المسالك وغيرها من أنه على تقدير اعتبار رضاه ليس على حد رضى الاخرين، بل يكفى كيف اتفق نحو ما سمعته في المحال عليه مجرد دعوى لا دليل عليها ولا استبعاد في دعوى تركيب عقدها من قبول الاثنين مع الايجاب من الكفيل، لا اقل من الشك في تناول الاطلاق، فلا تندرج في " أوفوا " والاصل عدم ترتب اثر الكفالة، ولعله لذا كان المحكي عن الشيخ والقاضي وابني حمزة وادريس اعتبار رضاه. بل عن الفاضل في التحرير أنه قواه، لا ما قيل من الاستدلال له بأنه إذا لم يرض بها لم يلزمه الحضور مع الكفيل، فلم يتمكن من احضاره فلا تصح كفالته لانها كفالة بغير المقدور، وهذا بخلاف الضمان، لامكان وفاء دينه من مال غيره بغير اذنه ولا يمكن أن ينوب عنه في الحضور إذ هو كما ترى مصادرة محضة، مع أنه رده في المسالك وغيرها بأن مداره على عدم وجوب الحضور معه بدون رضاه، وهو ممنوع لان المستحق متى طلبه وجب عليه الحضور، وإن لم يكن مكفولا اجماعا، وفائدة الكفالة راجعة إلى التزام الكفيل بالاحضار حيث يطلبه المكفول له، فإن طلبه منه لا يقصر عن توكيله، وإن لم يطلبه لا يجب عليه الحضور معه وإن كان برضاه. وإن كان قد يناقش بمعلومية زيادة حق في الكفالة على الوكالة التى هي غير لازمة للكفالة، إذ الظاهر أنه متى تعلق حق الكفالة كان له احضاره، لارادة البراءة من عهدته من دون طلب المكفول له، كما عن التذكرة، والتحرير، وجامع المقاصد، وابن المتوج الجزم به، بل عن الكركي أنه قطعي، وكأن الذى أوقعه في ذلك ما في القواعد " يجب على المكفول الحضور مع الكفيل إن طلبه المكفول له منه، وإلا فلا إن كان متبرعا وإلا فكالاول، مع أن المراد منها على الظاهر وجوب الحضور مع الكفيل وإن لم يطلبه المكفول له منه إذا كانت الكفالة بالاذن، نعم لو كانت تبرعا لم يجب عليه الحضور، إلا مع طلبه منه " فهو موافق لما قلناه في القسم الاول. وأما الثاني، فقد يناقش بأنه متى صحت الكفالة تبرعا لحقه حكمها وهو

[ 188 ]

وجوب الحضور مع الكفيل لو طلبه، ولعله لان تكفيله يقتضى تسليطه عليه بالاحضار، أو أن ذلك من أحكامها شرعا، ولو لان التكليف بالاحضار يقتضى تكليف الاخر، بالحضور، بل ربما يدعى ظهور ادلة الكفالة في ذلك فلاحظ وتأمل. إذا تقرر هذا انحصر وجه المسألة حينئذ في أن رضى المكفول شرط ينفي مع الشك فيه بالاطلاق، أو أنه من أركان العقد على وجه لا يتحقق الكفالة بدونه، ولا اقل من الشك، والاصل عدم ترتب الاثر، ولعل الثاني لا يخلو من قوة. ولا ينافيه عدم اعتبار رضي المحال عليه لو قلنا به، ولا عدم اعتبار رضي المضمون عنه، لا مكان الفرق بتعارف الحوالة على مشغول الذمة بدون رضاه، على وجه لا شك في صدق اسم الحوالة عليها عرفا، وبمعلومية جواز التبرع بالفواء عن المديون، وليس المقام من الثاني قطعا كما لا تعارف في كفالة الغائب على وجه تندرج في الكفالة بحيث تدخل في اطلاقها فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (تصح حالة ومؤجلة على الاظهر) بل لا خلاف في الثاني بل في الروضة أنه موضع وفاق على معنى الكفالة إلى شهر، فيلزمه احضاره بعد الشهر نحو الاجل في الدين وغيره أما لو قال: كفلته شهرا بمعنى التعهد به في ضمن الشهر، فعن التحرير صحتها، وسماها الموقتة، ولعله لاطلاق الادلة، وعلى المشهور في الاول بل عن السرائر أنه حق اليقين خلافا للمحكى عن ظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية وابن حمزة وسلار وعن القاضى في أحد قولهم بل عن الابي في كشف الرموز الجزم به. لكن لم نعرف لهم دليلا نخرج به عن اطلاق الادلة المقتضى عدم الاشتراط، كما قدمنا نظيره في الضمان، بل قد تقدم عن ابن ادريس رحمه الله تأويل كلامهم على وجه يرتفع الخلاف به، وما ذلك إلا لضعف القول به، ودعوى أن الكفالة لا بد لها من فائدة، فلو شرعت حالة لكانت خاليه عن فائدة، إذ للمكفول له أن يطلب المكفول من الكافل وقت وقوع الكفالة من غير تربص، وذلك يكون عبثا لا حاصل لها. (و) حينئذ (مع الاطلاق تكون) صحيحة (معجلة وإذا اشترط الاجل فلا بد أن يكون معلوما) على وجه لا يختلف زيادة ونقصا، بلا خلاف نجده فيه

[ 189 ]

بيننا، بل لعل الاجماع بقسميه عليه في المقام، وفى غيره من العقود اللازمة حتى القائل فيها للغرر كالصلح ونحوه، وهو الحجة مضافا إلى قاعدة الغرر، بناء على عمومها، لمثل المقام، وإلا كان الاول هو الحجه، فما عن بعض العامة من جواز الجهالة في الاجل هنا قياسا على العارية واضح الفساد، بعد بطلان القياس، على أنه مع الفارق بالجواز فيها واللزوم هنا. وكيف كان فلا اشكال (و) لا خلاف في أن (للمكفول له، مطالبة الكفيل بالمكفول عنه عاجلا إن كانت) الكفالة (مطلقة أو معجلة، وبعد الاجل إن كانت مؤجلة، فإن سلمه تسليما تاما) بحيث، يتمكن المستحق منه (فقد برء) مما عليه من حق الكفالة، وإن لم يتسلمه منه سواء تمكن من الحاكم أو لا على الاصح بل الظاهر عدم اعتبار الاشهاد في ذلك، إلا لارادة الاثبات لو أنكر، وإن كان قد يتوهم ذلك من المسالك وغيرها، لكن لا دليل عليه. (وإن امتنع) الكفيل عن ذلك (كان له حبسه) عن الحكم بل وعقوبته عليه (حتى يحضره أو يؤدى ما عليه) كما عن النهاية، والسرائر، والنافع، والتحرير، والارشاد، والمصنف والروضة، قال الصادق عليه في خبر عمار (1) " أتى امير المؤمنين عليه السلام برجل قد تكفل بنفس رجل وقال اطلب صاحبك " وفى خبر الاصبغ ابن نباته (2) " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل تكفل بنفس رجل أن يحبس، وقال له: اطلب صاحبك ". وفى خبر اسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أن عليا عليه السلام أتى برجل كفل برجل بعينه فأخذ بالمكفول فقال احبسوه حتى يأتي بصاحبه ". وفى خبر عامر بن مروان (4) عن جعفر عن أبيه عن على عليه السلام " أنه أتى برجل قد كفل بنفس رجل فحبسه، فقال: اطلب صاحبك " إلا أنها كما ترى ليس في شئ منها التخيير بين الاحضار والاداء كما هو ظاهر الجماعة المقتضى وجوب القبول على


(1) (2) (3) (4) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 - - 2 - 3 - 4.

[ 190 ]

المستحق مع بذله، بل الاول خاصه، ومن هنا كان المحكي عن التذكرة، وغيرها عدم وجوب القبول على المكفول له إذا بذل الكفيل له الحق، لعدم انحصار الغرض فيه، إذ قد يكون له غرض لا يتعلق بالاداء، أو بالاداء من الغريم لا من غيره، فله حينئذ الزامه بالاحضار، خصوصا مما لا يدل له، كحق الدعوى، أو في ذي البدل الاضطراري كالدية عوض القتل، ومهر المثل عوض الزوجة، واختاره في المسالك والرياض. ولكن قد يناقش أولا بأن مبنى الكفالة عرفا على ذلك، بل هو المقصود بين المتعاقدين بها. وثانيا: بظهور قول الصادق عليه السلام في مرسل الصدوق (1) " الكفالة، خسارة غرامة ندامة " كقوله في خبر داود البرقى (2) مكتوب في التوراة " كفالة غرامة ندامة " في اقتضائها ذلك، بل قد يشرع بذلك في الجملة حكم من اطلق غريما، أو القاتل عمدا لكن ينافى ذلك كله ما تسمعه من تفسير خبري البقباق الاتيين. وثالثا: بأن الظاهر اندراج التبرع بمساوي الحق في الوفاء الذي يجب قبوله على المستحق، وإن كان من غير من عليه الحق، ودعوى اعتبار تشخيص المديون ذلك وفاء تقتضي عدم احتسابه وفاء حتى مع الرضا من المديون، وهو مخالف للمقطوع به كدعوى اختصاص ذلك في حال التراضي، التى لا مدرك لها بالخصوص، بل ليست الا لصدق وفاء الحق، ووجوب قبول ذلك من بازله من غير فرق بين المديون وغيره وحينئذ فله التبرع بالفواء المقتضى سقوط الحق الذي تسقط الكفالة بسقوطه، وإن لم نقل إن ذلك من مقتضياتها. نعم إنما يتم ذلك في الدين ونحوه أما فيما لا بدل له، أو له بدل اضطراري فلا يجب عليه القبول، اللهم إلا أن يقال في مقام حصول الضرر بالتخليد بالحبس ونحوه، ينقله الحاكم إليه أو إلى ما يقتضى ارتفاع مثل هذا الضرر به، كما عساه يومئ إليه فحوى ما تسمعه في اطلاق القاتل. وعلى كل حال فما ذكره المصنف والجماعة، لا يخلو من قوة، ثم إن الكفيل


(1) (2) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام الضمان الحديث 2 - 5.

[ 191 ]

يرجع على المكفول بما اداه إن كان الاداء عنه باذنه وإن كانت الكفالة بغير إذنه بناء على مشروعيتها، والفرق بينها وبين الضمان بغير إذنه مع كون الاداء باذنه أن الكفالة لم يتعلق بالمال بالذات، فيكون حكم الكفيل بالنسبة إلى حكم الاجنبي فإذا اداه باذن من عليه فله الرجوع، بخلاف الضمان المقتضى انتقال المال إلى ذمة الضامن فلا ينفعه بعد ذلك الاذن في الاداء، لانه كاذن الاجنبي للمديون في اداء دينه، إلا أن يراد منها الوكالة في الاداء عنه، وإن كان الدين على المؤدى المأذون ولا يرجع عليه مع عدم الاذن في الاداء، وإن كان كفل باذنه، إذا أمكن مراجعته واحضاره للمكفول له، ضروره كونه متبرعا بالوفاء حينئذ، لعدم اقتضاء الكفالة الاذن في ذلك على الحال المفروض. نعم إذا ادى مع فرض تعذر الاحضار، ففي المسالك " له الرجوع وإن لم يأذن له في الاداء، لان ذلك لوازم الكفالة، فالاذن فيها إذن في لوازمها " وفيه: أنه مناف لما سمعته منه وغيره سابقا من أنها لا تقتضي إلا الاحضار، ولذا لا يجب على المكفول له القبول إذا بذل الكفيل، ومع فرض أن ذلك من لوازمها يجب عليه القبول، ضرورة كونه حينئذ كالوكيل عن المديون في ذلك. نعم قد يكون له الرجوع مما ذكرناه من قاعدة لا ضرر ولا ضرار من حيث لزوم التخليد في الحبس ونحوه المفروض كون المكفول سببا له بالاذن في الكفالة بل لعل قاعدة احترام مال المسلم تقتضي به ايضا لعدم صدق التبرع عليه بذلك، أو بغير ذلك مما لا يقتضى كونه من لوازم الكفالة، إن لم نقل ان من مقتضياتها دفع المال عن المكفول ولو في حال تعذر الاحضار، وإلا اتجه له الرجوع حينئذ كما ذكره، فتأمل جيدا والله العالم. (ولو قال: إن لم أحضره كان على كذا لم يلزمه إلا احضاره دون المال ولو قال علي كذا إلى كذا إن لم أحضره وجب عليه ما شرط من المال) كما في القواعد ومحكى الارشاد لكمن يمكن أن يكون المراد إن لم يحضره كما في النافع، ومحكي النهاية والسرائر، والتحرير، والتذكرة، وحواشي القواعد، واللمعة، والمهذب البارع،

[ 192 ]

وكشف الرموز، والتنقيح، بل هو المحكي عن القاضى وابن حمزة بل في الاخيرين والمحكي عن إيضاح النافع نسبه ذلك إلى الاصحاب، بل في المهذب في شرح عبارة النافع أن المسألة اجماعيه، وفي جامع المقاصد في شرح عبارة القواعد هذا مروى من طرق الاصحاب، وقد اطبقوا على العمل به، وفيه ايضا ومحكى الحواشى وغاية المرام أن الفارق بين المسألتين الاجماع والنص. ولكن مع ذلك كله نظر فيه في المسالك بعد أن حكاه عنا بن فهد، والكركي قال: لمنع الاجماع في موضع النزاع (فإن احدا من الاصحاب لم يدعه، والموجود كلامهم في المسألة، جماعة يسيرة، والباقون لا يعرف حكمهم فيها، ومع ذلك فقد ذكر العلامة في المختلف كلام الشيخ ومن تبعه، ثم قال: وعند يفي هذه المسألة نظر ثم نقل فيها عن ابن الجنيد حما مخالفا لما ذكره الشيخ والجماعة، وقال: إن كلام ابن الجنيد انسب، وقد عرفت ان للمصنف وحده فيها قولين هنا وفي النافع، وللعلامة وحده فيها اربعة مذاهب فدعوى الاجماع بمثل ذلك عجيب ". وفيه ما لا يخفى عليك من عدم منافاة ذلك لحكاية الاجماع، وإن كان هو كما ذكر محلا للنظر، لكن ليس لذلك، بل لما ستعرفه إنشاء الله على أن ترك القيد من المصنف والفاضل في بعض كتبهما مع احتمال ارادتهما له بقرينة ذكرهما له في البعض الاخر، لا ينافي الاجماع على اصل المسألة، وقول الفاضل أن قول ابن الجنيد أنسب ليس قولا في المسألة، وكذا الاحتمال المذكور عنه في الجميع، بجعل المال في أحد الشقين على المال المكفول، وفي الاخر على مال ير ذلك التزم به الكفيل ان لم يحضره. وكذا مناقشته في سند الخبرين اللذين هما الاصل في هذه المسألة. أحدهما: خبر البقباق (1) عن أبى عبد الله عليه السلام (سألته عن الرجل تكفل بنفس الرجل إلى أجل فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهما، قال: إن جاء به إلى الاجل فليس عليه مال، وهو كفيل بنفسه ابدا إلا أن يبدأ بالدراهم فإن بدأ بالدراهم


(1) السوائل الباب - 10 من ابواب احكام الضمان الحديث - 2 -.

[ 193 ]

فهو له ضامن، إن لم يأت به إلى الاجل الذى أجله " وهو إما صحيح أو موثق. والثاني: خبره الآخر (1) أيضا " قلت لابي عبد الله عليه رجل تكفل لرجل بنفس رجل وقال: إ جئت به وإلا فعلي خمسمأة درهم (كما في التهذيب) وفي الكافي (إن جئت به وإلا فعليك خمسمأة درهم)، وفيهما معا قال: عليه نفسه، ولا شئ عليه من الدراهم، فإن قال: علي خمسمأة درهم إن لم أدفعه إليه قال: يلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه " وهو موثق ايضا بل في سنده أبان الذي هو من اصحاب الاجماع وبذلك اكتفى جماعة من الاصحاب على الفرق بين المسألتين قائلين أن كثيرا من المسائل حكم فيها بما يخالف القواعد بأقل من ذلك. إلا أن الانصاف استبعاد التعبد في امثال هذه المسائل، خصوصا لما في المقام الذي ليس فيه إلا تأخير الشرط وتقديمه، مع أنه إن أخر لفظا فهو مقدم معنى، بعد الاغضاء عن اقتضاء التعليق البطلان، وعن عدم صلاحية مثل اللفظ المزبور في المتن وغيره، لحصول عقد الكفالة أو الضمان به. ولولا ما سمعته من الاجماع المزبور لامكن القول بأن المراد نم الروايتين بيان الفرق في عقد الكفالة من الاقتصار عليه فقط، وبين اشتراط اداء المال فيه، مع عدم الاحضار، ففي الاول لا يكلف إلا النفس ابدا وفى الثاني يغرم المال إن لم يحضر فيراد من قوله " إلا أن يبدأ " إظهار اشتراط الدراهم من، بدا الامر بدوا، أي ظهر كما في الصحاح أو من، بادى فلان بالعداوة، أي جاهر بها ما فيه ايضا، أي الكفيل إنما يكلف باحضار النفس ابدا إلا أن يظهر أو يجهر باشتراط الدراهم إن لم يأت به فحينئذ يكلف بها إن لم يحضره. والتصرف في كتابه يبدأ بما يقتضى الاولية إنما هو من النساخ مع أنه يمكن عليها ايضا ارادة هذا المعنى لا التقدم والتأخر، وقوله فإن لم يأت به في الخبر الاول على جهة الاستفهام من السائل فاجابه بذلك، والخبر الثاني على ما في الكافي، وبعض نسخ التهذيب منطبق ايضا على ذكل ضروره أن اشتراط الخمسمأة فيه الاول إنما كان


(1) السوائل الباب - 10 - من ابواب الاحكام الضمان الحديث - 1 -.

[ 194 ]

من المكفول له لا من الكفيل، ومن المعلوم عدم التزامه بذلك إذا لم يكن ذلك من الكفيل نفسه في عقد الكفالة، ولذا قال في جوابه إنه إن قال هو على خمسمأة درهتم إن لم آت به لزم ذلك. نعم إنما جاء الاشتباه في رواية بعض نسخ التهذيب، والظاهر أنه اشتباه من النساخ، فإن ما في الكافي. اضبط، خصوصا مع اعتضاده ببعض نسخ التهذيب، وشهادة الرواية الاولى له، وهذا معنى جيد في الخبرين، ويشهد له ما تقدم من النصوص، الظاهرة في عدم تكليف الكفيل إلا بالاحضار، وأنه يحبس على ذلك، وهو معنى قوله هنا " وهو كفيل بنفسه ابدا ". كما أن الخبرين ظاهران أو صريحان في وجود عقد الكفالة بغير هذا اللفظ، وإنما ذكره على سبيل الاشتراط الذي يشمله عموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) وليس هو بمعنى التعليق المقتضى لبطلان العقدن وبذلك يصح بالشرط المزبور، الالتزام بالمال المذكور، وإن لم يمن هو على المكفول، وإن كان المنساق إلى الذهن ارادة اشتراط ما على المكفول. ولعل هذا أولى من المحكي عن الكركي من بيان الفرق بين المسألتين بأنه إذا قدم براءة الذمة المضمون عنه. بقوله على كذا امتنعت الكفالة حينئذ، لعدم حق له حينئذ عليه، فلا يلزم إلا بالمال، بخلاف ما إذا قدم الكفالة، فإنه يكون الضمان - المتعقب لها لكونه معلقا على شرط - باطلا، ولمنافاة الضمان صحة الكفالة. إذ هو كما ترى مناف لما عرفته، من النص والاجماع المحكي وغيره من تقييد لزوم المال في صوره تقديم الضمان بعدم الاحضار، وأنه مراد المصنف هنا وان ترك ذكره، ومناف ايضا للتعليق المقتضى لبطلان الضمان، بل ولعدم براءة المضمون عنه التى ذكرها، وبنى عليها بطلان الكفالة. بل ومناف لما هو ظاهر الخبرين أو صريحهما من حصول عقد الكفالة أولا بغير اللفظ المزبور، بل لا يتم أيضا بناء على أن المسألة أعم من كون المكفول على مال،


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -

[ 195 ]

وغيره من قتل وزوجية وغيرهما مما لا يقبل الضمان، وعلى تقديره فما جعله الضامن عليه من كذا في الاولى. وخمسمأة في الثانية ومطلقا في كلام الجماعة أعم من كونه مساويا للحق الذى على المكفول وزائدا وناقصا ومماثلا له في الحبس ومخالفا، والضمان المدعى لا يتم إلا في قليل من هذه المسائل، بل فيه ايضا أنه ليس في العبارة المذكورة في المتن وغيره من كتب الجماعة لفظ يدل على كفالة صحيحة شرعا، وإنما الموجود فيها ضمان معلق على شرط تقدم أو تأخر، وأما الكفالة فهي مجعولة شرطا ومجرد ذلك لا يكفى في عقد الكفالة، ولو قيل أنه أتى قبل ذلك بلفظ يدل عليها، فتقدير مثل ذلك مبطل، للفرق الذى ادعاه بين المسألتين إلى غير ذلك مما لا يخفى. وأولى ايضا مما حكاه فخر الدين عن والده من حمل الرواية على أنه التزم في الصورة الاولى بما ليس عليه كما لو كان عليه دينار فقال: إن لم احضره فعلى عشرة دنانير، فإنه لا يلزمه المال اجماعا، لانه التزام بما ليس عليه، أما الثانية، فإنه التزام بما عليه وهو الدينار مثلا، فكأنه قال: على الدينار الذي عليه إن لم أحضره. إذ لا يخفى عليك ما فيه من المنافاة لاطلاق المال في الصورتين المتقاربتين، بل مقتضى تعريف الدراهم في قوله " إلا أن " إلى آخره كون المراد الدراهم الاولى، لانسباق العهد منه كما في نظائره، على أن الرواية الثانية قد اتحد فيها لفظ الخمسمأة في الصورتين. وأولى ايضا مما ذكره المقداد مستحسنا له قائلا أنه لم يذكره أحد من الاصحاب وهو أن المراد من الاولى الاتيان بصيغة الكفالة وتعقيبها بالتزامه بالمال ان لم يأت به، وذلك يقتضى صحة الكفالة لتصريحه بها، وما بعدها من المال أمر لازم للكفالة، لما تقدم من أن مقتضاها لزم المال للكفيل إن لم يأت به وأما الثانية فإنها تشتمل على ضمان معلق على شرط والشرط متأخر. فهى إما مبنية على جواز الضمان المعلق على شرط، أو ان الضمان تم بقوله على كذا، والشرط بعد مناف له. فلا يلتفت إليه. لانه كتعقيب الاقرار بالمنافي. إذ لا يخفى عليك ما فيه ايضا، فإنه مع ابتنائه على إرادة خصوص ما على المكفول

[ 196 ]

من المال، لا وجه للحكم بصحة الضمان المعلق عندنا، كما أنه لا وجه لقياس ذلك على تعقيب الاقرار بالمنافى. وأولى ايضا مما في المسالك فإنه بعد أن اطنب في ذكر وجوه الفرق وإفسادها. قال: " إذا تقرر ذلك فنقول: الذي يقتضيه ظاهر الرواية أن الكفالة وقعت بصيغة تامة في الموضعين، وتعقبها ما ذكر في اشتراط، بدليل قوله " رجل تكفل بنفس رجل " ثم قسمها إلى القسمين، فإن التكفل إذا اطلق يحمل على معناه الشرعي، وإنما يتم بذكر لفظ يوجبه، وقوله بعد " فإن لم " إلى آخره إما أن يحمل على كون المكنى عنه هو الحق المكفول لاجله، عملا بقرينة مقتضيات الكفالة وحينئذ فلا إشكال في الاولى، لانه يصير كفيلا، وما ذكر بعد الكفالة غير مناف، ثم إن عملنا بمفهوم الشرط فهو ضامن للمال ايضا ان لم يأت به إلى الاجل، وحينئذ فلا فرق بين الصيغتين، لاتحاد الحكم فيهما، ويكون الاستثناء منقطعا إذ لم يحصل به اخراج، فكأنه بين أن الحكم كذا، إن قدم الدراهم أو اخرها، وبقى قوله في الرواية الثانية " عليه نفسه ولا شئ عليه من الدراهم " ناظرا إلى نفس حكم الكفالة، لا إلى ما يترتب عليها عند الاخلال بالاحضار، وإن لم نعمل بمفهوم الشرط أشكل الفرق بين المقامين بما تقدم وإما أن يحمل المال الملتزم على ما هو أعم من الحق فيكون على سبيل الجعالة فيلزمه ما التزمه إن لم يأت به في الموضعين، بإعمال مفهوم الشرط في الاولى، وللتصريح في الثانية، ويناسب هذا الحمل كون الكفالة قد لا يكون غايتها المال كالقصاص والزوجية ثم على تقدير كون المال مجانسا، للمكفول لاجله، ينبغى الحكم باحتسابه، نظرا إلى اقتضاء الكفالة ذلك، ولو كان مخالفا احتمل رده إليه بالقيمة ايضا، وإن لم تكن الكفالة لاجل مال، فهو التزام وتبرع محض، وإطلاق الرواية يقتضى صحته وعلى ما قررناه فمخالفة الرواية للاصول ليست كثيرة عند اطلاقها، ولو خصصناها بالمال المقصود حصل المقصود، وإن بقي في عبارة الرواية قصور في البلاغة حيث اتحد الحكم في المسألتين مع كونه قد ردد بينهما، إلا أنه اسهل من مخالفة الاصول بغير موجب ومع هذا فاثبات الاحكام الخارجة على تقدير العمل باطلاقها لا يخلو من بعد، لقصور الرواية

[ 197 ]

عن اثبات مثل هذه الاحكام، ولقد كنا في سعة من هذا الاختلاف لو اطرحنا أمثال هذه الروايات التى من شواذ الآحاد " انتهى. إلا أنه كما ترى من غرائب الكلام، بل لا يستأهل ردا ولعل الذى أوقعه في ذلك إساءته الادب في هذه المسألة مع الشيخ الذى به حفظ الحلال والحرام، وما كذا لنؤثر أن يقع هذا منه أو ذلك من مثله، والله الموفق والمؤيد والمسدد. وقد ظهر لك في جميع ما ذكرنا أن نظر الجميع في هذا الحكم إلى الخبرين المزبورين اللذين يغلب الظن بارادة ما ذكرناه منهما، ويتبعه حينئذ الظن بضعف الفتوى بخلافه المعلوم كون منشؤها الفهم من البدأة المذكورة في الخبر، بيان الفرق بالتقدم والتأخر والاختلال في الخبر المروى بفي التهذيب، ومن ذلك يضعف الظن بصواب الاجماع المحكي المحتمل، لارادة اتفاق المتعرضين لهذا الحكم من الاصحاب الذين يجوز الوهم عليهم في الخبرين المزبورين، فصار منشأ الحكم المزبور المستبعد بناؤه على التعبد المحض فلاحظ وتأمل هذا. وفى المختلف بعد أن حكى عن الشيخ والجماعة ما سمعت قال: " وعندي في هذه المسالة نظر " ثم حكى عن ابن الجنيد أنه إذا قال الكفيل لطالب الحق: مالك على فلان فهو علي دونه إلى يوم كذا وأنا كفيل لك بنفسه، صح الضمان على الكفيل بالنفس والمال إن لم يؤده المطلوب إلى الطالب إلى ذلك الاجل، وسواء قال له عند الضمان: إن لم يأتك به، أو لم يقل له ذلك، فإن قدم الكفالة بالنفس، وقال: أنا كفيل لك بنفس فلان إلى يوم كذا، فإن جائك بمالك عليه، وهو ألف درهم وإلا فانا ضامن للالف صحت الكفالة بالنفس، وبطل الضمان للمال. لان ذلك كالقمار والمخاطرة، وهو كقول القائل إن طلعت الشمس فمالك على فلان غريمك وهو ألف درهم علي الذي قد أجمع على أن الضمان لذلك باطل، ثم قال: وقول ابن الجنيد أنسب، ولكن لا يخفى عليك انه قريب ايضا من قول الجماعة عند التأمل. (ومن أطلق غريما من يد صاحب الحق) أو وكيله (قهرا، ضمن احضاره أو اداء ما عليه) كما صرح به غير واحد بل في الرياض نفى الخلاف فيه على الظاهر،

[ 198 ]

بل عن الصيمري الاجماع عليه، لقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " وفحوى ما تسمعه في القاتل ولما في المسالك ومحكي التذكرة وغيرها من أنه غصب اليد المستولية المستحقة من صاحبها فكان عليه إعادتها أو أداء الحق الذي بسببه ثبتت اليد عليه وإن كان هو كما ترى، إن لم يرجع إلى ما ذكرنا أو إلى وجهه أو إلى دعوى شمول " على اليد ما أخذت حتى تؤدى (1) " لمثل ذلك. ولكن لا يخفى عليك أن مدرك الحكم إن كان ذلك ونحوه، ينبغى عدم الفرق فيه بين الصبي والمجنون وغيرهما، ولعل ذلك هو مقتضى ما في المتن وغيره من التعبير بمن أطلق الشامل لذلك نحو غيره من خطاب الاسباب. إلا أن الانصاف عدم تنقيح في كلامهم لمثل ذلك، كعدمه بالنسبة إلى غير ذلك من تفويت استيفاء الحق بتخويف ونحوه، وينبغى الاقتصار على محل اليقين، أو ما كان في حكمه ولو بظاهر الدليل المعتبر فيما خالف اصل البراءة وغيرها. ثم لا يخفى عليك أن الحكم المزبور لما كان ذلك لازم الكفالة أطلق عليه اسمها وإلا فهو ليس من الكفالة المصطلحة قطعا، ضرورة عدم العقد فيه، والظاهر كون التخيير المزبور على نحو ما سمعته في الكفالة، بمعنى أن له التبرع بالاداء فداء عن الالزام بالاحضار، ويلزم المستحق بالقبول، وليس له اقتراح الاحضار، فإن الضرر ينجبر بذلك، أو مع التراضي. لكن في المسالك " ينبغى أن يكون الحكم هنا كما سلف في الكفيل الممتنع من تسليم المكفول، يطالب بالتسليم مع الامكان لا أن يفوض التخيير إليه ". وفيه: أنه لا دليل على ذلك، بل اصل البراءة يقتضى خلافه، وخبر القاتل إنما هو في العمد الذي كان الحق فيه القصاص، وقاعدة الضرر لا تقتضي أزيد من التخيير المزبور، ومن هنا لم أجد غيره ممن تقدم عليه ذكر ذلك هنا، حتى ممن عين الاحضار في الكفالة نعم ليس له الرجوع عليه بما ادى إذا لم يكن الاداء باذنه، كما صرح به غير واحد، للاصل وغيره.


(1) المستدرك ج - 2 - ص 503.

[ 199 ]

لكن قد يقال بالرجوع إذا كان الاطلاق بالاذن، لقاعدة لا ضرر، واحترام مال المسلم والاحسان، وكون الاذن في الملزوم اذنا في اللازم، ونحو ذلك، بل في محكى التذكره ولو تعذر عليه استيفاء الحق من قصاص أو مال وأخذ المال من الكفيل كان للكفيل الرجوع على الغريم الذى خلصه قصاصا، ويمكن ارادته ما ذكرنا، ولو اطلقه من يد الكفيل الذى كان له الرجوع عليه بادائه عنه ضمن أيضا احضاره أو أداء ما عليه على الوجه المزبور، بل لو اطلقه منه قبل أدائه عنه فكذلك ايضا. (ولو كان) المطلق بالفتح قهرا (قاتلا) عمدا (لزمه احضاره أو دفع الدية) مع التعذر ولو بموت بلا خلاف أجده فيه ايضا، بل عن الصيمري الاجماع عليه للصحيح أو الحسن (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل قتل رجلا عمدا فرفع إلى الوالى فدفعه الوالى إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فوثب عليهم قوم فخلصوا القاتل من ايدى الاولياء فقال: ارى أن يحبس الذين خلصوا القاتل من ايدى الاولياء حتى يأتوا بالقاتل، قيل: فإن مات القاتل وهم في السجن قال: فإن مات فعليهم الدية يؤدونها جميعا إلى اولياء المقتول " ومنه يعلم إرادة ذلك من التخيير المزبور في المتن وغيره نعم لو كان القتل موجبا للدية على المطلق، إتجه التخيير المزبور على الوجه الذي تقدم. ولو هرب القاتل عمدا واستمر فأخذت الدية من المطلق، ثم تمكن الولي منه ردها إلى صاحبها وإن لم تقتص منه، لان وجوبها قد كان للحيلولة المفروض زوالها، وعدم القتل مستند إلى اختيار المستحق، لككن في محكى التحرير " إذا حضر القاتل هل يقتل ويستعيد الدافع من الاولياء فيه إشكال، وهل له الزامه بما ادى على تقدير انتفاء جواز قتله فيه نظر ". وفيه ما لا يخفى بعد فرض كون الدفع الاول للحيلولة، لا لاسقاط الحق، وإلا لم يكن لهم قتله. بل ولا رجوع عليه بما ادى إلا مع الاذن في الاطلاق، فإن فيه حينئذ ما عرفت، وإلى ذلك يرجع ما في القواعد ولو كان قاتلا لزمه الاحضار أو الدية فإن


(1) السوائل الباب - 15 - من ابواب احكام الضمان الحديث - 1 -.

[ 200 ]

دفعها ثم حضر الغريم تسلط الوارث على قتله فيدفع ما أخذه وجوبا وإن لم يقتل، ولا يتسلط الكفيل لو رضي هو الوارث بالمدفوع - على المكفول بديه ولا قصاص والله العالم. (ولابد من كون المكفول معينا () كما صرح به الفاضل وغيره (فلو قال: كفلت أحد هذين لم يصح وكذا لو قال: كفلت بزيد أو عمرو) لم يصح ايضا (وكذا لو قال: كفلت بزيد فان لم آت به فبعمرو) بل في الثالث التعليق وهو مانع من صحة الكفالة لما عرفته غير مرة من منافاته للتسبيب الظاهر من الادلة، فاشكال الفاضل فيه في القواعد في غير محله، وفيه أيضا اشتراط ما يعود على الكفالة بالنقض فلا اشكل في بطلانه كما لا اشكال في البطلان في السابقين مع ارادة الابهام المانع من تعلق العقد لعدم المورد له أما الابهام التخييري فظاهر المصنف وغيره منعه أيضا. لكن قد يناقش بأن مقتضى الاطلاقات جوازه، بعد عدم ما يقتضى عدم قابلية حق الكفالة لذلك فيصح حينئذ ويبرا بتسليم أحدهما. ويحبس إلى أن يحضر أحدهما أو يؤدى عنه، ولعله في هذا القسم توقف الاردبيلى في المحكى عنه، وهو في محله إلا أن يثبت ما يقتضى عدم قابلية حق الكفالة لذلك وانه كالملك الذي لا يقبل مثل هذا. ويلحق بهذا الباب مسائل (الاولى:) قال في محكى المبسوط (إذا احضر الغريم قبل الاجل وجب) على المكفول له (تسلمه إذا كان لا ضرر عليه) وكذا غير المكان المشترط، ونحوه عن القاضى (و) لكن (لو قيل: لا يجب كان أشبه) باصول المذهب وقواعده المقتضية عدم وجوب غير الحق، بل لعل مصلحة الاجل والمكان مشتركة بينهما، واختاره الفاضل وغيره، وهو جيد حيث يكون اشتراط الاجل والمكان حقا لهما، أما إذا كان حقا للكفيل واراد اسقاطه كان الاجود الأول، كما تقدم نظيره في الدين المؤجل، ولعله إلى ذلك نظر الشيخ (ولو سلمه وكان ممنوعا من تسلمه بيد قاهرة) مثلا (لم يبرأ الكفيل) لعدم التسليم التام الواجب عليه، بانصراف

[ 201 ]

اطلاق الادلة إليه (ولو كان) المكفول (محبوسا في حبس الحاكم) العادل (وجب تسلمه لانه متمكن من استيفاء حقه) منه ضروره أنه برفع أمره إليه يخرجه من الحبس أو يطالبه وهو فيه وينهى أمره معه ولو بان يحبسه على الحقين معا. (وليس كذلك لو كان في حبس ظالم) لغلبة عدم التمكن من استيفاء الحق معه، ولو فرض إمكانه، وجب تسلمه، كما أنه لو فرض عدم امكانه في الاول لم يجب تسلمه وإن كان في حبس عادل كما هو واضح. المسألة (الثانية: إذا كان المكفول عنه غائبا) في مكان معلوم ومتجاوز مسافة القصر (وكانت الكفالة حالة) وطلبه منه المكفول له (انظر بمقدار ما يمكنه الذهاب إليه والعود به، وكذا لو كانت مؤجلة) وطلبه منه (اخر بعد حلولها) وطلبه منه (بمقدار ذلك) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل عن التذكرة عليه عامة أهل العلم، ضرورة اقتضاء وجوب الاحضار الذى هو مقتضى الكفالة ذلك، وإلا كان تكليفا بغير المقدور. نعم في المسالك ومحكى التذكرة، ومجمع البرهان إنما يجب عليه الاحضار عند امكانه، أما إذا لم يمكن كما إذا غاب غيبة منقطعة لا يعرف له موضع ولا خبر، لم يكلف احضاره لعدم الامكان ولا شئ عليه، لانه لم يكفل المالن بل قيل: إنه ظاهر الباقين ايضا لكن في القواعد لو هرب المكفول أو غاب غيبة منقطعة فالاقرب التزام الكفيل بالمال أو إحضاره، مع احتمال براءته، ويحتمل الصبر. وعن جامع المقاصد أن الاول اصح، لان مقتضى الكفالة احضار الغريم أو اداء ما عليه من المال، والاصل بقاء ذلك إلى أن يحصل المبري، وهو المسقط للحق أو موت المكفول، وأن الكفيل وثيقة على الحق كالرهن، فإذا تعذر استيفاء الحق من جهة من عليه، استوفى من الوثيقة، وهذا وإن كان مبنيا على اقتضائها التخيير مطلقا الذى قد عرفت البحث فيه أو اداء المال عند تعذر الاحضار الذى قد ذكروه في رجوع الكفيل على المكفول إذا ادى. لكن قد يقال: على القول بانحصار مقتضاها في الاحضار، بعدم اعتبار امكانه له، بعد أن كان في حد ذاته من الممكنات، لانه هو

[ 202 ]

الذى أوقع نفسه في ذلك فيكلف به ويحبس عليه، ولولا يفدى نفسه بأداء ما عليه، ليتخلص من ذلك كما هو مقتضى النصوص في حبسه، ومن ذلك يظهر الحال فيما لو فرط الكفيل في احضاره بعد مطالبة المكفول له، وكان متمكنا منه فهرب أو غاب غيبة منقطعة على وجه تعذر احضاره، أو هربه هو، ضرورة أولوية لزومه المال. وإن حكى عن التذكرة وجوب المال إن أوجبناه بها، وإلا فاشكال، ونحوه في جامع المقاصد، ولو كان غائبا حين كفل، فالحكم في احضاره كما لو غاب بعد الكفالة. وعن جامع المقاصد لو وقع في بلاد الكفر بحيث لا يقدر عليه، أو في حبس ظالم لا يمكن تخليصه، وجب الصبر إلى زمان لمكان احضاره، ولو رجى تخليصه بوجه وجب عليه السعي فيه، ولو احتاج إلى بذل مال فاشكال، وكأنه مناف لما سمعته منه سابقا، والتحقيق في ذلك كله ما عرفت. المسألة (الثالثة:) ذكر غير واحد من الاصحاب بل لا اجد فيه خلافا انه (إذا تكفل بتسليمه مطلقا، انصرف إلى بلد العقد) وهو إن سلم، ففيما إذا كان العقد في بلد المكفول له أو بلد قراره، أما إذا كان في برية أو بلد غربة قصدهما مفارقته سريعا بحيث تدل القرائن على عدم ارادته، ففي المسالك اشكل انصراف الاطلاق إليه، وقد تقدم الكلام على نظيره في السلم، إلا أنهم لم يذكروا هنا خلافا، وفيه: أن ذلك ليس محل شك، ولا يحتمل إرادتهم، إذ الفرض حضور القرائن الدالة على عدم ارادته. نعم قد يشك فيما إذا لم تكن قرينة، حتى إذا كان بلد العاقد وقد تقدم الكلام سابقا على نحو ذلك في كتاب السلم وغيره وعلى كل حال فلا إشكال (و) لا خلاف في أنه (إن عين موضعا لزمه) لقاعدة المؤمنون وغيرها (و) حينئذ ف‍ (لو دفعه في غيره لم يبرء) إذا لم يتسلمه المكفول له برضى منه، لعدم كونه تسليما تاما (وقيل) والقائل الشيخ والقاضى كما عرفت (إذا لم يكن في نقله كلفة ولا في تسلمه ضرر، وجب تسلمه وفيه تردد) بل منع إلا على ما سمعته في الاجل فيما إذا فرض كون مصلحة الشرط للكفيل، وقد أسقطها.

[ 203 ]

المسألة (الرابعة: لو اتفقا) أي الكفيل والمكفول له (على) وقوع الكفالة و) لكن (قال الكفيل: لا حق لك) الآن (عليه) لاداء أو ابراء أو غيرهما، كان القول قول المكفول له بيمينه، لاصالة بقاء الحق، وكذا لو قال له: لا حق لك حال الكفالة (كان القول) ايضا (قول المكفول له) بلا خلاف أجده فيه (لان) الاعتراف من الكفيل بوقوع (الكفال تستدعى ثبوت حق) فيكون هو مدعى الفساد، والمكفول له مدعى الصحة، ولا ريب في أن القول قول مدعى الصحة لاصالتها بل عن مجمع البرهان ان القول قوله بلا يمين، وإن كان هو خلاف ما صرح به غيره من دون خلاف، بل خلاف قوله (1) " البينة على المدعى، واليمين على من أنكر " وعلى هذا فإذا حلف المكفول له وتعذر على الكفيل إحضار الغريم فهل يجب عليه أداء المال من غير بينة ؟ احتمله في المسالك ومحكى التذكرة، ولكنه واضح الفساد، ضرورة اعمية ثبوت صحة الكفالة من ثبوت الحق على المكفول. نعم لو أقام المدعى البينة بالحق كان له إغرام الكفيل على الوجه الذي تقدم سابقا، لكن لا يرجع به هنا على المكفول، لاعترافه بعدم كونه كفيلا شرعا عنه، وأنه مظلوم، ولكن إذا لم يعلم فساد دعوى المكفول له أمكن الرجوع بما أغرمه على ما في ذمة المكفول مقاصة، لانه قد صار عوضا عما أداه، أما لو علم فسادها فلا رجوع له عليه قطعا، كما هو واضح. المسألة (الخامسة: إذا تكفل رجلان) مثلا دفعة أو مرتبا (برجل فسلمه احدهما لم يبرء الاخر) عند الشيخ، وابن حمزة، والقاضى فيما حكى عنهم، فإذا هرب منه حينئذ كان له الرجوع على الثاني، للاصل، وكون الكفيلين كالرهنين اللذين إذا فك أحدهما لم يفك الاخر (و) لكن (لو قيل: بالبراءة لكان حسنا) بل في القواعد وغيرها من كتب الجماعة أنه الاقرب، لان المقصود تسلمه وقد حصل، حتى لو سلم نفسه أو سلمه أجنبي برأ، لحصول الغرض، والظاهر أن محل البحث


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم والقضاء الحديث - 1 - 5 - لكن فيه واليمين على من ادعى عليه.

[ 204 ]

في التسليم عن نفسه، أما لو قصد التسليم عن صاحبه فلا إشكال في براءة صاحبه، وإن بقى هو عند الشيخ. وعلى كل حال فما ذكره المصنف والجماعة جيد، إن كان المراد من كفالتهما الاحضار الواحد ولو على وجه يكونان معا كفيلا، فانه لا إشكال في براءه كل منهما بادائهما معا دفعه، وباداء كل واحد منهما، أما إذا كان المراد من كفالة كل واحد منهما الاستقلال على وجه لو اسقط المكفول له حق الكفالة من احدهما باقالة ونحوها لم يسقط عن الاخر. فلا يخلو كلام الشيخ من قوة حينئذ، إلا إذا قصد تسليمه عن صاحبه، فإنه يبرأ صاحبه، ولكن هو لا يبرأ كما عرفته سابقا، والظاهر تعدد الحق بتعدد الكفيل إذا لم تكن قرينة على إرادة الاول، ودعوى اتحاد حق الاحضار لا يقتضى عدم تعدد استحقاقه من وجوه عديدة (ولو تكفل لرجلين برجل ثم سلمه إلى احدها لم يبرأ من الاخر) بلا خلاف ولا إشكال، بل قيل: إنه كذلك عند العامة فضلا عن الخاصة. المسألة (السادسة: إذا مات المكفول برأ الكفيل) على المشهور كما عن التنقيح بل في الرياض نفي الخلاف فيه، بل في محكي التذكرة بطلت الكفالة، ولم يلزم الكفيل شئ عند علمائنا، بل عن الغنيه الاجماع عليه، قيل: لانه تكفل ببدنه على أن يحضره، وقد فات بالموت ولانه قد سقط الحضور عن المكفول فيبرأ الكفيل وفيهما ما لا يخفى. بنعم قد يقال: ان المتبادر إنما هو الاحضار حال الحياة وإن ذلك هو المتعارف بين الناس، فيحمل الاطلاق عليه، أو لمعلومية كون المراد من الكفالة الاحضار مقدمة لتحصيل الحق المعلوم انتفاؤه بالموت، بل قد يدعى بناء شرعيتها في مثل ذلك على ذلك، بحيث لو صرح بخلافه لم تصح، ومن ذلك يحتمل الحاق غير الموت به، إذا كان بحيث يخرج عن قابلية تحصيل الحق منه بجنون ونحوه هذا. ولكن في المسالك " يمكن الفرق بين ان يكون قد قال: في عقد الكفالة كفلت تلك حضور بدنه، أو حضور نفسه أو حضور، فيجب في الاول احضاره ميتا إن طلبه

[ 205 ]

منه، وإلا فلا، ويبنى الثاني على أن الانسان ما هو فإن كان الهيكل المحسوس فكذلك، وإلا فلا " وفيه ما لا يخفى بعد ما عرفت من بناء شرعية الكفالة في تحصيل الحق على ذلك، فلا مدخلية للعبارة حينئذ. نعم لو كان المراد منها الشهادة على عينه وصورته، إتجه حينئذ صحتها والالزام باحضاره ميتا، بناء على صحة الكفالة في ذلك كما سمعته سابقا من الفاضل في القواعد، ولعله لذا قيد الحكم المزبور هنا في القواعد بغير الشهادة على عينه، بل في المسالك تبعا للمحقق الثاني عدم الفرق في ذلك بين كونه قد دفن أولا، لان ذلك مستثنى من حرمة نبشه، سواء قلنا بجوازه للمال وعدمه، ولو فرض تغيره على وجه لا يمكن الشهادة عنه لم يجز احضاره لانتفاء الغرض حينئذ. وبذلك يظهر لك النظر فيما في القواعد من خروج الكفيل على احضاره للشهادة على عينه عن العهدة، بالدفن إن حرمنا النبش لاخذ المال، ضرورة عدم تفريع ذلك عليه، فإن الشهادة على عينه من مستثنيات النبش، سواء قلنا بجوازه لاخذ المال وعدمه، وقد تقدم في كتاب الجنائز البحث عن هذه المسائل، ولو أنه بناه على جواز نبشه للشهادة على عينه كان أولى، كما أنه لا يخفى عليك النظر في اصل صحة الكفالة في ذلك، للشك في تناول ادلتها لمثله. ولو كان موته بعد مماطلة الكفيل باحضاره، فقد يظهر من إطلاقهم اتحاده في الحكم، لكن لا يخلو من نظر، بل لولا الاجماع المزبور لم يخل أصل الحكم من نظر، بناء على اقتضاء الكفالة التخيير بين الاحضار والمال، فإنه إذا تعذر الاول يبقى الآخر فتأمل جيدا، هذا كله في موت المكفول. أما موت الكفيل فلا إشكال في بطلان الكفالة حينئذ بخلاف موت المكفول له. فإن الحق ينتقل إلى وارثه، لعموم ادله الارث، بعد اصالة بقاء الحق، بل قد ذكرنا سابقا في الحوالة احتمال انتقال حق الكفالة بانتقال الدين ببيع أو حوالة ونحوهما، وإن صرح الفاضل في القواعد وبعض شراح كلامه بعدم انتقاله كما ذكرنا ذلك سابقا. (وكذا) يبرء الكفيل (لو جاء المكفول وسلم نفسه) للمكفول له عن

[ 206 ]

الكفيل تسليما تاما أو سلمه أجنبي عنه كذلك، وقبل المكفول له لذلك، لحصول الغرض، وعدم الدليل على اعتبار كون ذلك من الكفيل، إذ ليس هذا الحق أعظم من الدين، بل لا يبعد وجوب القبول لنحو ما سمعته منا في دفع الدين مع المتبرع كما عن الاردبيلي التصريح به هنا. بل لعله ظاهر المتن وغيره عدا الفاضل في محكي التذكرة، وبعض من تبعه فإنه صرح بعدم وجوب القبول عليه، إلا أن يكون عن إذن الكفيل، لعدم وجوب قبض الحق إلا ممن عليه، وفيه نظر ولو سلم نفسه أو الأجنبي لا عن الكفيل ففي موضع من محكي التذكرة عدم البراءة، وعن موضع آخر منها اطلاق البراءة، واستجوده في المسالك ولكن لا يخلو من إشكال كما عرفته سابقا في كفالة الاثنين. (فرع: لو شك الكفيل: ابرات المكفول، فأنكر المكفول له كان القول قوله) مع يمينه لاصالة بقاء الحق بعد اعترافه بثبوته سابقا، كما هو مقتضى دعوى الابراء (فلو رد اليمين على الكفيل، فحلف برء من) حق (الكفالة) لكن (لم يبرأ المكفول من المال) بيمين غيره، فالدعوى بينه وبين المكفول مستقلة، فله اليمين على المكفول له لو ادعى عليه الابراء، ولا يكتفى باليمين التى حلفها للكفيل، كما أن له رد اليمين على المكفول، فإذا حلف برء حينئذ. نعم لو فرض سبق دعوى الابراء من المكفول حلف اليمين المردودة برء هو وكفيله، وإن كان قد حلف المستحق أولا للكفيل على عدم الابراء لسقوط الحق بيمين المكفول فتسقط الكفالة، كما لو ادى الحق وعدم بناء أحد منهم الحكم في شئ من ذلك هنا، على كون اليمين المردودة كالبينة أو الاقرار يقتضى كونها اصلا برأسه. المسألة (السابعة: لو كفل الكفيل آخر وترامت الكفلاء، جاز) الكفالات وصح بلا خلاف ولا إشكال، لوجود مقتضي الكفالة، ولو اقال المستحق الكفيل الاول برؤا أجمع، وكذا لو احضر الاول منهم المكفول لانهم فروعه، ولو اقال أحدهم برء هو ومن بعده دون من قبله، كما أنه لو مات يبرء من كان فرعا له، ولو مات الاول برؤا أجمع، وليس للمكفول له مطالبة ورثة الكفيل الاول، وإن احتمل، لكنه في غير

[ 207 ]

محله، ولو مات المكفول برؤا أجمع ايضا ولا يتوهم من صحة تراميها صحة دورها كما في الضمان والحوالة، لان حضور المكفول الاول يوجب براءة من كفله، وإن تعذر فلا معنى لمطالبته باحضار من كفله كما هو واضح. المسألة (الثامنة: لا تصح كفالة المكاتب) المشروط عند الشيخ بناء على اصله المتكرر من عدم لزوم مال الكتابة عليه، لجواز تعجيزه نفسه، وفيه ما عرفت من منع ذلك أولا. ومن عدم اقتضائه الفساد ثانيا، ولذا قال المصنف (على تردد) بل في المسالك " ونزيد هنا أنه إما عبد أو مديون وكلاهما مجوز للكفالة، وموجب للاحضار " وهو مبني على ما سمعته سابقا من الفاضل من جواز كفالة العبد. إلا أنك قد عرفت تقييده له بالآبق، بل ظاهر المحكي عن غيره اعتبار اعتياد الاباق وقد عرفت النظر في اصل صحة الكفالة في ذلك، وإن كان لا يخلو من وجه باعتبار كونه مكلفا مستحقا عليه الحضور، بخلاف الدابة ونحوها من الاموال. المسألة (التاسعة: لو كفل براسه أو بدنه أو بوجهه) أو نحو ذلك (صح لانه قد يعبر بذلك عن الجملة عرفا) بلا خلاف أجده إلا من ثاني الشهيدين تبعا لمحتمل المحقق الثاني، قال: " لان العضوين المذكورين وإن كانا قد يطلقان على الجملة، إلا أن اطلاقهما على أنفسهما خاصة شايع متعارف إن لم يكن اشهر، وحمل اللفظ المحتمل لمعنيين على الوجه المصحح مع الشك في حصول الشرط، واصالة البراءة من لوازم العقد غير واضح، نعم لو صرح بارادة الجملة من الجزئين اتجهت الصحة كما أنه لو قصد الجزء بعينه لم يكن الحكم كالجملة قطعا، بل كالجزء الذى لا يمكن الحياة بدونه، وبالجملة فالكلام عند الاطلاق وعدم قرينة تدل على أحدهما فعند ذلك لا يصح التعليل بأنه قد يعبر بذلك عن الجملة ". وفيه أن المراد من التعليل المزبور بيان صحة الاطلاق المزبور المراد منه ذلك قطعا في عقد الكفالة، ولو باعتبار تعارف التعبير به مريدا به الجملة فيها، أو بيان الاكتفاء في الحمل على الوجه الصحيح، لاصالة الصحة وغيرها بقابلية اللفظ لذلك بخلاف ما إذا لم يكن قابلا، وعلى هذا أو الاول يحمل كلام الاصحاب.

[ 208 ]

نعم الحق بهما الفاضل في محكي التحرير والتذكرة الكبد والقلب ونحوهما من الاعضاء التى لا يمكن الحياة بدونها والجزء المشاع كالثلث والربع وغيرهما، ونظر فيه في القواعد من عدم السريان كالبيع، ومن عدم إمكان احضار الجزء إلا بالجملة فيسرى، وفي جامع المقاصد " لقائل أن يقول: إن احضاره وإن كان غير ممكن بدون احضار الجميع لا يقتضى الصحة، لان الاحضار فرع الكفالة، والمطلوب إنما هو صحة الكفالة، وإحضار ذلك العضو، وحيث أن صحتها إنما تكون بكفالة المجموع لم تصح هنا، إذا المتكفل به ليس هو المجموع، ولاما يستلزمه، وإن كان حكم الكفالة وهو احضار ذلك العضو غير ممكن إلا باحضار المجموع، والعقود اسباب متلقاة من الشارع فلابد في صحتها من النص، مع أن التعبير بذلك عن الجملة غير متعارف " وتبعه على ذلك في المسالك، بل قال: " وحينئذ فعدم الصحة أوضح ". وفيه ان المراد بالاكتفاء في موضوع الكفالة الذي هو المجموع ملاحظته ولو بعنوان المقدمة لما هو المذكور في عقدها، ولا يبعد الاكتفاء به، لاطلاق الادلة بل لو كان المقصود من ذلك إرادة الجملة صح، وإن لم يتعارف التعبير به عنها، لعدم اشتراط نحو ذلك في متعلق العقد، بل يكفي فيه إرادته من اللفظ بالعربية، وإن لم يجر على قانون اللغة، ولكن مقتضى ذلك أنه لا يتم قول المصنف (ولو تكفل بيده أو رجله واقتصر، لم يصح، إذ لا يمكن احضار ما شرط مجردا ولا يسري إلى الجملة) بل هو المحكي عن المبسوط ومن تأخر عن المصنف. نعم في القواعد وجهان وفي المسالك لا يبعد القول بالصحة ممن يقول بها فيما سبق، أللهم إلا أن يقال: إن الوجه في ذلك عدم معلومية ملاحظة الجملة، ولو بعنوان المقدمة ضرورة امكان انفصالهما مع بقاء الحياة، فلا يتيقن إرادة موضوع الكفالة، لعدم القرينة بخلاف الاول الذي لا يمكن التعيش بدونه، إذا احتمال الاتيان بهما بعد موته مناف لاصل موضوع الكفالة المفروض ملاحظتهما إياه، فلو فرض حصول قرينة في محل البحث على ملاحظة الاتيان بالجلمة مقدمة لذلك، أمكن الاكتفاء فيها بذلك لنحو ما عرفت، أو يقال: إن الوجه في فرق الاصحاب بينه وبين الاول هو صحة التعبير

[ 209 ]

بالاول عن الجملة، فيكفي اصل الصحة حينئذ في الحكم بارادتها منه، بعد فرض عدم صحة التعبير لها عن الجملة بل لابد من التصريح بذلك، أو بقرينة اخرى، فيكفي حينئذ، وإن كان غلطا لما عرفت والله العالم والمؤيد والموفق والمسدد. وقد تم والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 210 ]

(كتاب الصلح) الذى قد دل على شرعيته بالخصوص، الكتاب والسنة والاجماع من المسلمين قال الله تعالى (1) " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " وقوله (2) " فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم " وقوله (3) " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " وقوله (4) " إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين أخويكم " وقوله (5) " فان فائت فاصلحوا بينهما بالعدل " وقوله (6) " أو إصلاح بين الناس " وإن كان في دلالة ما عدا الاول على الصلح العقدي الذي عند الاصحاب تأمل، بل قيل: والاول، وفي النبوى المروى في طرق العامة ومرسلا في الفقيه (7) " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ". وفى خبر حفص بن البخترى (8) عن أبى عبد الله عليه السلام " الصلح جائز بين المسلمين ". وفى آخر عنه (9) عليه السلام ايضا " في الرجل يكون عليه الشئ فيصالح فقال: إذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس ".


(1) سورة النساء الاية - 128 - (2) سورة الانفال الاية - 8 - (3) سورة النساء الاية - 35 - (4) سورة الحجرات الاية - 49 - (5) سورة الحجرات الاية - 49 - (6) سورة النساء الاية - 14 - (7) الوسائل الباب 3 من ابواب احكام الصلح الحديث - 2 - (8) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 - (9) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 3 -

[ 211 ]

وفى ثالث (1) عنه عليه السلام ايضا " سألناه عن الرجل يكون عنده مال لايتام فلا يعطيهم حتى يهلكوا، فيأتيه وارثهم ووكيلهم فيصالحه على أن يأخذ بعضا ويدع بعضا ويبرأه مما كان عليه ايبرء منه ؟ قال: نعم " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على كونه عقدا مستقلا بنفسه، لا يتوقف على سبق خصومة، مثل البيع وغيره من العقود. (و) إن كان (هو) في الاصل (عقد شرع لقطع التجاذب) والتنازع بين المتخاصمين إلا أن ذلك فيه من الحكم التى لا يجب اطرادها مثل المشقة في حكمة القصر، ونقصان القيمة في الرد بالعيب، واستبراء الرحم للعدة، وغيرها من الحكم التى لا تقتضي تخصيصا أو تقييدا لعموم الدليل أو اطلاقه المقتضى ثبوت الحكم في غير محلها، فضلا عن خصوص الادلة من السنة المستفيضة أو المتواترة والاجماع بقسميه، كما هو واضح. وإن أطنب فيه في المسالك وغيرها، حتى أن بعضهم التجأ إلى دعوى أنه وإن كان شرع في قطع الخصومة، إلا أنه لا دليل على اشتراطها فيه، بل الاصل عدم ذلك. وآخر إلى غير ذلك ما لا حاجة إليه بعد ما عرفت ولا إلى ما قيل: من أنه ربما يشعر لفظ الصلح بتحقق منازعة، لكمن لا يتعين كونها سابقة، بل يصح إطلاقه بالاضافة إلى دفع منازعة متوقعة محتملة، وإن لم تكن سابقة، كما يفصح عنه آية النشوز (2) فاشتراط السبق في مفهومه غفلة واضحة. نعم لا تساعد الاخبار المتقدمة على الدلالة على المشروعية حيث لا منازعة سابقة ولا متوقعة، ولكن يمكن الذب عنه بعدم القائل بالفرق بين الامة فكل من قال: بالمشروعية لدفع منازعة وإن لم تكن سابقة كما دل عليها اطلاق الاخبار المذكورة قال بها في الصورة المزبورة التى لم تكن فيها منازعة سابقة ولا متوقعة، إذ فيه أن المراد بلفظ الصلح الواقع في ايجاب العقد انشاء الرضا بما توافقا واصطلحا وتسالما عليه فيما بينهما، لا أن المراد به خصوص الصلح المتعقب للخصومة مثلا كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 - (2) سورة النساء الاية 128.

[ 212 ]

(و) على كل حال ف‍ (ليس) هو عندنا (فرعا على غيره) من العقود (وان افاد فائدته) بل في التذكرة وعن السرائر الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى ظهور الادلة السابقة أو صريحها في عدم فرعيته بل بعض موارده المصرح بها في بعض النصوص لا يصلح لان يكون موضوعا لغيره، على أن إفاده عقد مفاد آخر لا يقتضى الاتحاد معه على وجه تلحقه أكامه، وإلا لاقتضى اتحاد الهبة مثلا بعوض معلوم مع البيع، وهو واضح البطلان، فإن الاحكام الشرعية تتبع عناوينها، فكل حكم ثبت لموضوع خاص منها لا يثبت لغيره من تلك الحيثية. نعم لا بأس بثبوته من دليل آخر، فما عن الشيخ تارة أنه بيع مطلق، واخرى ما عن الشافعي من أنه فرع له إذا افاد نقل العين بعضو معلوم، وللاجارة إذا وقع على منفعة معلومة بعوض معلوم، وللعارية إذا تضمن التسلط على منفعة بغير عوض، وللهبة إذا تضمن ملك العين بغير عوض، للابراء إذا تضمن اسقاط دين لا وجه له ضرورة فرض عدم القصد به شيئا منها، وإلا كان باطلا لعدم وقوع البيع والهبة مثلا بلفظ الصلح، ولا دليل على ثبوت أحكامها له إذا افاد فائدتهما، على أنه لا يتم فيما ثبت بالنصوص من موضوع الصلح الذى لا يندرج في شئ من المذكورات كما لا يخفى على من لاحظها، بل الاتفاق فتوى ورواية هنا على عدم اشتراط المعلومية في المصالح عليه في الجملة، بخلاف البيع. (و) كيف كان فلا خلاف بيننا في أنه (يصح مع الاقرار والانكار) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى العمومات. نعم المراد من الصحة مع الانكار الظاهرية بمعنى أنه يجرى عليه حكم الصحة ظاهرا لا في نفس الامر، فان المدعى دينا أو عينا أو منفعة مثلا وأنكره المدعى عليه إن كان محقا لم يصح للمنكر ما بقي له من مال المدعى، سواء كان من الجنس أولا، وسواء عرف المالك قدر الحق أولا، وسواء ابتدأ هو بطلب الصلح عن حقه أم لا، لانه ربما كان توصلا إلى أخذ بعض حقه، بل لو فرض انه صالحه عن العين مثلا بمال فهي بأجمعها حرام، ولا يستثنى له منها مقدار ما دفع إليه من العوض، لفساد المعاوضة في نفس الامر، إلا أن يفرض

[ 213 ]

رضا المدعي باطنا بالصلح عن جميع ماله في الواقع بذلك وإن كان مبطلا لم يحل له ما دفعه إليه المنكر، رفعا لدعواه الكاذبة وللضرر عن نفسه ونحو ذلك مما لا يتحقق معه التراضي المبيح لاكل مال الغير إلا مع فرض الرضا المزبور، وإنما الحكم بالصحة بحسب ظاهر الشرع، لاشتباه المحق من المبطل، قال على بن ابى حمزة (1) " قلت لابي الحسن عليه السلام: رجل يهودي أو نصراني كان له عندي اربعة آلاف درهم، فهلك، أيجوز لي أن أصالح ورثته ولا أعلمهم كم كان ؟ فقال: لا يجوز حتى تخبرهم " وفي صحيح عمر بن يزيد (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات، ثم صالح ورثته على شئ، فالذي أخذه الورثة لهم، وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الاخرة، فإن لم يصالحهم على شئ حتى مات ولم يقض عنه فهو كله للميت يأخذه به ". نعم في المسالك " لو كان الدعوى مستندة إلى قرينة تجوزها، كما لو وجد المدعى بخط مورثه أن له حقا على أحد أو يشهد له من لا يثبت بشهادته الحق، ولم يكن المدعى عالما بالحال، وتوجهت له اليمين على المنكر فصالحه على إسقاطها بمال أو على قطع المنازعة فالمتجه صحة الصلح في نفس الامر، لان اليمين حق يصح الصلح على اسقاطها، ومثله ما لو توجهت الدعوى بالتهمة، نحيث يتوجه اليمين على المنكر ولا يمكن ردها ". لكن في جامع المقاصد في مفروض المسألة " ليس بعيدا من الصواب صحته ظاهرا وما في نفس الامر تابع لصحة الدعوى وعدمها، ويحتمل الصحة مطلقا، لان اليمين حق فيصح الصلح لاسقاطها ". قلت: قد يناقش في الصحة ظاهرا في الاول بانها غير متصورة بعد القطع بكون أحدهما مبطلا سواء كان المدعى أو المنكر، والفرض كفايته في الفساد في نفس الامر فكيف يجامع الحكم بالصحة في ظاهر الشرع، اللهم الا أن يدعى أن مبنى شرعية


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 2 - 4 - مع اختلاف يسير.

[ 214 ]

الصلح على ذلك، فيحكم حينئذ بالصحة عليه ظاهرا ما دام الواقع مشتبها، ولم يعلم المبطل منهما بعينه، فيجبب على المصالح دفع ما وقع عليه الصلح من العضو، كما أنه لا يجوز للمصالح بالكسر الدعوى بما وقع الصلح عنه، وإن كان هذا الصلح لا يبيح للمبطل منهما الشئ في نفس الامر، ولذا لو انكشف الحال بعد الصلح باقرار عمل عليه، حكم بفساد الصلح في الظاهر أيضا، وهل البينة كالاقرار في ذلك وجهان هذا وقد تقدم في التحالف في كتاب البيع ما يستفاد منه ان القطع بالواقع في الجملة لا ينافي اجراء الحكم في الظاهر تبعا لمؤثريته، وكذا قد يناقش في الصحة في نفس الامر في الثاني بأن المتجه عليه حلية ذلك له، حتى لو انكشف الحال بعد ذلك، ولا اظن القائل يلتزمه، ولعله لذا جعل الصحة في الواقع في جامع المقاصد تابعة لصحة الدعوى في نفس الامر وعدمها، وكون اليمين حقا يصح الصلح على اسقاطه، لا ينافي اعتبار المراعاة فيه بما إذا لم ينكشف الواقع، والا جرى الحكم على ما في الواقع. نعم ما دام الواقع مشتبها في نفس يحكم بملكيته العوض مثلا ويحل التصرف فيه ونحو ذلك، ويمكن تنزيل مراد القائل بالصحة في نفس الامر على ذلك، لا أن المراد الصحة فيه مطلقا حتى لو بان الامر بعد ذلك. اللهم إلا أن يدعى ان ظهور الامر بعد ذلك لا ينافي ثبوت الحق وقت الصلح الذى قد وقع على اسقاطه، وهو كاف في الصحة في نفس الامر وان انكشف الحال بعد ذلك. ولكنه كما ترى، على أنه لا يتم فيما لو فرض انكشاف الحال بصحة دعوى المدعي، فإن المال حينئذ في يد المنكر باق على ملك المدعى الذى قد صولح على إسقاط ماله من حق اليمين، ولم يحصل منه ما يقتضى انتقال المال إلى المنكر، لان الفرض عدم حصول الرضا منه بالمعاوضة عليه، وبالجملة يمكن ان يقال: إن الصلح في قطع الدعوى كاليمين من المنكر الذي قد يدعى أنها من اقسام المعاوضة شرعا أيضا وقد ذكروا أيضا فيه أنه ليس له المقاصة باطنا، وإن كان هو لا يبيح المال في الواقع. نعم لو اقر بعد ذلك أخذ باقراره خاصة، وفي البينة خلاف، لصحة عدم

[ 215 ]

الالتفات إليها، فيمكن جعل الصلح القاطع للنزاع مثله في ذلك كله، ضرورة كون المنشأ في ذلك كله إسقاط الدعوى واستيفاء المدعي عوضها اليمين، ونحو ذلك مما يأتي مثله في الصلح فتأمل جيدا فإنه لا يخلو من نظر، كما أنه لا يخلو حلية المال بمجرد كتابة المورث مثلا منه ايضا. نعم قد يقال: بحلية ما دفع المتخلص من يمين التهمة باعتبار ايماء مشروعية اليمين لها بذلك، ولو قلنا بمثله في كتابة المورث أمكن حليته لذلك. وكيف كان فقد ظهر لك أن الصلح بين المسلمين جائز مع الاقرار والانكار (إلا ما) أي صلحا (أحل حراما) كاسترقاق الحر واستباحة بضع المحرمات وشرب الخمر، واللواط (أحرم حراما) بأن لا يطأ حليلته، أو لا ينتفع بماله، أو نحو ذلك مما علم عدم جواز الصلح على اجتنابه، وحينئذ فالاستثناء متصل، ضرورة كون الصلح على مثل ذلك باطلا ظاهرا وباطنا، وربما فسر ايضا بصلح المنكر على ببعض المدعى به أو منفعته أو بدله مع كون أحدهما عالما ببطلان الدعوى كما سبق تحريره، لكن الاستثناء حينئذ منقطع، لما عرفت من الحكم بصحته ظاهرا، وإنما هو فاسد في نفس الامر، والحكم بالصحة والبطلان إنما يطلق على ما هو الظاهر. نعم بناء على ما عن الشافعي من عدم الصحة مع الانكار يكون الاستثناء متصلا وربما كان ذلك هو الدليل له، فانه حينئذ محلل للحرام بالنسبة إلى الكاذب، ومحرم للحلال بالنسبة إلى المحق، الا أن فيه ما عرفت، مضافا إلى عدم ظهور الخبر المزبور فيه، بل يمكن أن يكون مراد الشافعي البطلان في نفس الامر ايضا خاصة لا مطلقا وحينئذ يرتفع النزاع بيننا وبينه كما أنه يمكن دعوى الاتصال على ذلك ايضا، بناء على ارادة البطلان في نفس الامر من عدم الجواز في الخبر المزبور، كما أنه يمكن إرادة جعل الصلح شارعا من الاستثناء، بمعنى أن الصلح الباطل هو الذى يكون مضمونه تحليل ما حرم الله وبالعكس، على وجه يكون به الحل والحرام، إلى غير ذلك من الوجوه المحتملة فيه، والله العالم. (وكذا يصح) الصلح (مع علم المصطلحين بما وقعت المنازعة فيه، ومع

[ 216 ]

جهالتهما به) بلا خلاف فيه في الجملة، بل في المسالك وغيرها الاجماع عليه، لاطلاق الادلة وخصوص الصحيح (1) عن الباقر والصادق عليه السلام " أنهما قالا في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، لا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، ولى ما عندي، فقال: لا باس بذلك إذا تراضيا وطابت به أنفسهما "، ونحوهما الموثق (2) والمناقشة - باحتمال كون مضمونها الابراء، لا الصلح يدفعها فهم الاصحاب ذلك منها، وظهور إرادة المعاوضة فيها، وليست حينئذ إلا الصلح، فلا إشكال حينئذ في الدلالة على المطلوب، على أن الحاجة ماسة إلى تحصيل البراءة مع الجهل، ولا وجه إلا الصلح. نعم لو كان احدهما عالما به دون الاخر لم يصح الصلح في نفس الامر بل لا بد من الاعلام بالقدر إن كان الجاهل المستحق، كما سمعته في خبر أبى حمزة، (3) أو كان المصالح به قدر حقه مع فرض عدم تعينه، ومع ذلك فالعبرة بوصول الحق لا بالصلح. نعم لو فرض الرضا بالباطني على كل حال صح كما عرفته فيما تقدم، وإن كان العالم، المستحق، لم يصح الصلح بزيادة عن الحق بل بقدره فما دون عكس الاول إلا مع فرض الرضا المزبور الذى يمكن استفادة حكمه - مضافا إلى (4) عموم " تسلط الناس على اموالهم. " من الصحيح (5) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يكون عليه الشئ فيصالح ؟ فقال: إذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا باس " وغيره بناء على إرادة الصلح بالانقص كما هو الغالب، مع عدم اعلامه بالحال، والحكم في ذلك كله واضح، بل الظاهر عدم اعتبار المنازعة في ذلك، إذ الحكم المزبور يأتي في مطلق التصالح وإن لم تكن منازعة مع علمهما وجهلهما كوارث تعذر علمه بمقدار حصته، وشريك امتزج ماله بمال الاخر بحيث لا يتميز ولا يعلمان قدر ما لكل منهما ونحو ذلك، بل في المسالك


(1) (2) (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث 1 - 3 - 2. (4) البحار ج 2 ص 272 من الطبعة الحديثة. (5) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 3 -.

[ 217 ]

(ولو كان جهلهما بالقدر لتعذر المكيال والميزان ومست الحاجة إلى نقل الملك فالاقرب الجواز وهو خيرة الدروس ". قلت: بل في التذكرة: لا يشترط العلم بما يقع الصلح عنه لا قدرا ولا جنسا بل يصح الصلح سواء علما قدر ما تنازعا عليه وجنسه أو جهلاه (دينا كان أو عينا) وسواء كان ارثا أو غيره عند علمائنا أجمع " اطلاقه كما في المتن وغيره، بل والنصوص كما اعترف به في الرياض يقتضى عدم الفرق في الصحة بين كون المصالح عنه مما يتعذر معرفتهما له مطلقا أولا، أمكن معرفته في الحال أم لا، لعدم مكيال أو ميزان ونحوهما من أسباب المعرفة بل لا خلاف في الاولى على ما قيل، لاتفاق الادلة نصا وفتوى عليها، مضافا إلى أن ابراء الذمة أمر مطلوب، والحاجة إليه ماسة، ولا طريق إليه إلا الصلح، فلا إشكال فيها، وكذا في الثالثة عند جماعة كالشهيدين والفاضل المقداد لتعذر العلم به في الحال مع اقتضاء الضرورة ومساس الحاجة لوقوعه، والضرر بتأخيره وانحصار الطريق في نقله فيه مع تناول الادلة السابقة له، ومن هذا القبيل أيضا الصلح على نصيب من ميراث أو عين يتعذر العلم بقدره في الحال، مع امكان الرجوع في وقت اخر إلى عالم به، مع مسيس الحاجة إلى نقله في الحال. نعم والرياض يشكل في الثانية من عموم الادلة بالجواز المعتضدة باطلاقات عبائر كثير من الاصحاب، ومن حصول الجهل والغرر فيها الموجبين للضرر بالزيادة والنقيصة مع إمكان التحرز عنهما، ولذا قيد في المسالك وغيرها الصحة بما إذا تعذر تحصيل العلم بالحق والمعرفة بالكلية، ثم قال: وهو حسن، إما لترجيح عموم ادلة النهى عن الغرر أو لتعارضهما مع عموم جواز ادلة الصلح مع عدم مرجح للثانية، فلا بد من المصير حينئذ إلى حكم الاصل، وهو الفساد وعدم الصحة، مضافا إلى إمكان ترجيح ادلة النهي عن الغرر باعتضادها بالاعتبار، ورجحانها عند الاصحاب على ادلة الصحة في كثير من المعاملات المختلفة كالبيع والاجارة ونحوهما من المعاملات المختلفة. وفيه أولا: منع العموم في المعتبر من ادلة النهى عن الغرر، فضلا عن ترجيحه أو معارضته لعموم الصلح والرجوع إلى اصالة الفساد إذ لم نعثر في المعتبر منها إلا

[ 218 ]

على النهي عن الغرر (1) في البيع المحلق به الاجارة بالاجماع. على أن اطلاق النصوص السابقة ومعقد إجماع التذكرة المعتضد باطلا المتن وغيره من عبارات الاصحاب كما اعترف هو بذلك كله كاف في تخصيص ادلة الغرر، بل قوله (2) في الصحيحين " إذا تراضيا بذلك وطابت أنفسهما " ظاهر إن لم يكن صريحا في أن المدار في الصحة على ذلك، ولو مع الجهل الذى يمكن زواله، كظهور الحكم بالصحة في الصورتين الاوليين في ذلك ايضا عند التأمل، خصوصا الثانية منهما، ضروره عدم صلاحية التعذر في الحال مع مسيس الحاجة إلى النقل الممكن بالهبة المعوضة ونحوها لارتفاع حكم الشرطية أو المانعية بعد فرض عدم الدليل بالخصوص، والا لاقتضى ذلك في البيع، وهو واضح الفساد، على أن ترجيح ادله الغرر بما سمعت يقتضى كون مدخليته هنا نحو ما في البيع والاجارة الذي لا فرق في مانعيته فيهما بين التعذر مطلقا وفي الحال وعدمه، ومسيس الحاجة مع عدم رجوعه إلى نفي الحرج في الدين لا يؤثر اثرا. ودعوى إرادة ذلك منه ممنوعة، ولو سلمت لم تقتض إختصاص الصلح بذلك، بعد الاغضاء عن اصل جريان نفى الحرج في المقام، فالاقوى حينئذ الصحة مطلقا، إلا الجهالة التى لا تؤل إلى علم، للابهام، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين المصالح به، والمصالح عنه، كما هو مقتضى الصحيحين السابقين وغيرهما من الادلة السابقة، فما عن الشافعي من عدم جواز الصلح على المجهول مطلقا بل ظاهره المفروغية من اعتبار العلم بالمصالح به، ولذا احتج به على اعتباره في المصالح عنه ايضا بالقياس عليه " واضح الفساد، وكذا ما في الدروس " من أن الاصح اشتراط العلم في العوضين إذا أمكن، إلى أن قال: ولو تعذر العلم بما صولح عليه جاز كما في وارث يتعذر علمه بحصته، وكما إذا امتزج مالاهما بحيث لا يتميز ولا تضر الجهالة، ورواية منصور بن حازم (3) تدل عليه، ولو كان تعذر العلم لعدم المكيال


(1) الوسائل الباب - 40 - من ابواب آداب التجارة الحديث - 3 -. (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 - وذيله. (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح في ذيل الحديث - 1 -.

[ 219 ]

والميزان في الحال ومساس الحاجة إلى الانتقال فالاقرب الجواز " فإنه لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، كما أنه لا يخفى عليك اقتضاء ما ذكرناه عدم الفرق في الصحة بين العلم في الجملة بالوصف أو المشاهدة وعدمه اصلا، فما عن الاردبيلي من الموافقة على عدم اعتبار ما يعتبر في البيع من المعلومية، ولكن يعتبر فيه العلم في الجملة، إما بالوصف أو المشاهدة محل للنظر ايضا بل المنع، نعم قد يقال: بالمنع مع الجهل الذى لا يؤول إلى علم، لابهامه كما ستعرف إنشاء الله، لعدم صلاحيته للنقل والانتقال. (و) كيف كان ف‍ (هو) أي عقد الصلح بناء على ما قلناه من كونه اصلا برأسه (لازم من الطرفين مع استكمال شرائطه) بلا خلاف، لعموم " أوفوا " (1) وغيره من ادلة اللزوم التى سمعتها في غيره من العقود نعم يجئ على قول الشيخ الجواز في بعض موارده، كما إذا كان فرع العارية أو الهبة على بعض الوجوه، بناء على أن مراده لحوقه حكم ما افاد فائدته، أما على المختار فليس إلا على اللزوم، (إلا أن يتفقا على فسخه) بالاقالة الشامل دليلها له ولغيره، كما عرفته هناك والله العالم. (وإذا اصطلح الشريكان) عند انتهاء الشركة، وإرادة فسخها أو مطلقا، على ما ستعرف (على أن يكون الربح والخسران على أحدهما، وللاخر راس ماله صح) بلا خلاف في الجملة فيه، للمعلومات، وخصوص المعتبرة منها الصحيح (2) عن أبى عبد الله عليه السلام في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه ربحا وكان من المال دين وعليهما دين فقال أحدهما لصاحبه أعطني رأس المال ولك الربح وعليك التوى، فقال: لا بأس إذا اشترطا، فإذا كان شرطا يخالف كتاب الله عزوجل فهو رد إلى كتاب الله عزوجل " ونحوه الآخر (3) عنه ايضا إلا أنه قال: كان من المال دين وعين ولم يقل وعليهما دين. وكذا الثالث (4) إلا أنه قال: " وكان المال دينا " ولم يذكر العين ولا " عليهما دين " والرابع (5) إلا أنه قال: " كان المال دينا وعينا ".


(1) سورة المائدة - 1 -. (2 - 5) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 - وذيله.

[ 220 ]

قيل: وليس في شئ منها كالعبارة وما ضاهاها من عبائر الجماعة عموم الحكم بالصحة لصورة اشتراط ذلك في عقد الشركة أو بعده، وإن لم يرد القسمة لظهور سياق الرواية فيما قيدنا به العبارة من تعقب القول بأن الربح والخسران لاحدهما ورأس المال للاخر للشركة وحصوله بعدها، وبعد إرادة القسمة لقوله " فربحا فيه ربحا " و " اعطني رأس المال " وليس في قوله " إذا اشترطا " منافاة لذلك، لاحتمال أن يكون المراد منه إذا تراضيا رضا يتعقب اللزوم بوقوعه في عقد لازم، كعقد صلح ونحوه، وليس المراد إذا اشترطا في عقد الشركة كما توهم، لاختصاصه حينئذ بنفي البأس في صورة وقوع الشرط فيه، بل دلالته بمفهوم الشرط على ثبوته مع وقوعه في غيره ظاهرة، ولا قائل بهما فتعين كون المراد ما ذكرنا، ووجه اشتراطه " عليه السلام " ذلك خلو السؤال عن بيان رضا الاخر، وإنما غايته الدلالة على صدور القول من أحدهما، ونحوها العبارة في عدم العموم للصورة المذكورة، لان اشتراط ذلك فيها لا يسمى صلحا، بل اشتراطا. قلت: اول من تنبه لذلك الشهيد في الدروس فقال: " لو اصطلح الشريكان عند إرادة الفسخ على أن يأخذ أحدهما راس ماله، والاخر الباقي، ربح أو توى جاز، للرواية الصحيحة، ولو جعل ذلك في ابتداء الشركة فالاقر بالمنع، لمنافاته موضوعها والرواية لم تدل عليه " ثم تبعه ثانى المحققين وثاني الشهيدين، إلا أن الاخير منهما صرح بأن اطلاق العبارة يقتضى التعميم، كما أن المحدث البحراني صرح بظهور النصوص في وقوع ذلك في اثناء الشركة وإن بقيت مستمرة، بل جعل ذلك ظاهر إطلاق العبارات. والتحقيق في المسألة ان يقال: إنه إن كان المراد مما في النص والفتوى كون هذا الصلح جاريا على مقتضى عموم ما دل على مشروعيته، وغير محتاج إلى دليل بالخصوص، وإنما النصوص المخصوصة مؤكدة لذلك كما يومئ إليه استدلال الفاضل في التذكرة عليه أولا بالعموم، ضرورة صحة الصلح من احد الشريكين عما يستحقه في الاعيان المشتركة بالمقدار المساوى لرأس ماله في ذمة الشريك الاخر، وحينئذ

[ 221 ]

يخرج المال عن الشركة ويختص بالمصالح، وإنما يكون العوض في ذمته - فلا ريب في صحة ذلك في ابتداء الشركة، أي بعد. زج المالين قبل العمل بهما، وفي الاثناء وعند إرادة الفسخ، بل لا فرق في صحته بهذا المعنى بين الشركة والمضاربة. وان كان المراد منهما صحة الصلح على أن يكون استحقاق احدهما في المال راس ماله تاما وللاخر الباقين ربح أو خسر والمال باق على الشركة من غير أن يكون ذلك في ذمة المصالح بالفتح، فلو لم يحصل من المال حينئذ إلا دون رأس ماله، لم يكن له رجوع عليه، فإن قلنا إن ذل ايضا مقتضى العمومات، كان المتجه ايضا الصحة في الصور الثلاثة وإن قلنا إن جواز مثل هذا الصلح محتاج إلى الدليل الخاص ولا تكفي فيه العمومات بل لولاه لكان من الصلح المحلل للحرام، وبالعكس، فالمتجه المنع في غير مورد النصوص المزبورة، إلا أنه يمكن منع ظهورها في خصوص صورة انتهاء الشركة، وإرادة الفسخ، بل لا بأس بإيقاع الصلح المزبور المفروض إفادته الاستحقاق المزبور مع بقاء المال على الشركة يعمل به، بل لعل عموم (1) " تسلط الناس على اموالهم " يقتضيه، ومنه ينقدح الجواز في ابتداء الشركة أي بعد مزج المالين، ثم ايقاع صيغة الصلح على النحو المزبور، فيعمل بالمال على هذا الوجه الذى مرجعه إلى الكلي المضمون في المال، وأنه لا يستحق سواه، سواء بقي المال وزادت قيم أعيانه أولا، وسواء عمل به باذن من الاخر أولا. ودعوى - أن الثابت صحته من النصوص الصلح عما سبق من الربح والخسران لا ما يتجدد يدفعها منع ذلك أولا ووضوح عدم الفرق ثانيا، ضروره أنه بالصلح صارت شركة على هذا الوجه، سواء بقي المال على هذا الحال أولا، ضروره أنه لو اراد دفع رأس المال له فنفذ أعيان مال الشركة واتفق حصول الربح بذلك لم يكن له إلا رأس المال الذى وقع عليه الصلح قطعا، وليس ذلك تعد من محل النص الذى هو عند التأمل مطلق، فإن المراد من قوله " أعطني " الكناية عن استحقاق رأس المال نعم لا يجوز التعدي إلى غير الشركة كالمضاربة ولا إلى غير هذه الصورة في الشركة كالصلح


(1) البحار ج - 2 - ص 272 من الطبعة الحديثة.

[ 222 ]

على اختصاص الربح بأحدهما دون الخسران ونحوه. ومن ذلك كله ظهر لك ان المتجه على كل حال الجواز مطلقا، كما هو مقتضى إطلاق المتن وغيره من عبارات الاصحاب، بل والنص. نعم الاقوى عدم جواز ذلك بطريق الشرطية، لا في الابتداء ولا في الاثناء ولا عند الانتهاء، ضرورة عدم المقتضى للزوم وإنما هو وعد، بل قيل: إنه مناف لمقتضى العقد الذى هو تبعيه الربح والخسارة للمال فهو مخالف للكتاب والسنة، بل عائد عليه بالنقص، وليس هو كاشتراط الخيار في عقد البيع ونحوه المنافي اللزوم الذى هو مقتضى الاطلاق لا العقد نفسه الذى لا يقتضى إلا الانتقال خاصة، واللزوم من صفاته وكيفياته الخارجية، بخلاف عقد الشركة الذي ليس مقتضاه إلا ما عرفت، فمع اشتراطه لم يبق للشركة معنى بالكلية، ويكون بمنزلة العقد للشئ بشرط عدمه، والبيع المشترط فيه عدم الانتقال، وإن كان قد يناقش فيه بأن ذلك لو كان منافيا لمقتضاها لم يجز حتى بالصلح الذى قد عرفت جوازه للادلة المزبورة المراد بالشرط فيها ما فهمه الاصحاب من وقوع ذلك بعقد الصلح، فإنه ربما يطلق إسم الشروط على العقود. ومن الغريب جعل بعضهم محل النزاع هنا الاشتراط حتى قال: " إنه ليس في عبائر الجماعة إطلاق يشمل صورة الاشتراط في ابتداء الشركة الذى يسمى اشتراطا ولا يسمى صلحا " وقد عبروا به إذ قد عرفت أن محل البحث الصلح لا الشرطية، ولكن هل صحته مختصة في صورة وقوعه عند ارادة فسخ الشركة أو عامة له ولوقوعه في اثنائها أو عند ابتدائها، أي بعد مزج المالين لمشروعية الاشتراك على هذا الوجه بالصلح من غير فرق بين الجميع، ولا ريب في اقتضاء اطلاق المتن وغيره ذلك، بل لعله مقتضى التأمل الصادق في النصوص ايضا. وأما مسألة الشرطية في عقد الشركة فهي مسألة اخرى مذكورة في باب الشركة لا مدخلية لها فيما نحن فيه، فمن الخبط جعل كلامهم هناك مقيدا لاطلاقهم هنا كما هو واضح وبه يظهر لك ما في جملة من كتب المصنفين خصوصا الرياض فلاحظ وتأمل والله العالم.

[ 223 ]

(ولو كان معهما درهمان، وادعاهما أحدها وادعى الاخر أحدهما، كان لمدعيهما درهم ونصف، وللاخر ما بقي) بصحيح عبد الله بن المغيرة (1) عن غير واحد من اصحابنا " عن ابى عبد الله عليه السلام في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي وقال الاخر: هما بينى وبينك قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما الذى قال: هما بينى وبينك فقد اقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وأنه لصاحبه، ويقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين ". ومثله مرسل محمد بن أبى حمزة (2) المنجبر ارسالها بالشهرة، مع أن في سنديهما ابني ابى عمير والمغيرة من اصحاب الاجماع، وإرسال أحدهما عن غير واحد الملحق بالصحيح عند بعض، والمراد بكون الدرهمين معهما في الخبرين والمتن انهما في ايديهما ليتساويا في الدعوى، إذ لو كانا في يد أحدهما لقدم قوله بيمينه. نعم ظاهر الخبرين والمتن وغيره ان الحكم كذلك من غير يمين، وأنه لا فرق بين كون الدعوى فيهما بالنصف من كل منهما على الاشاعة أو بواحد منهما على التعيين بل لعلهما في الاول اظهر منهما في غيره لكمن في التذكرة بعد أن فرض موضوع المسألة دعوى احدهما الدرهمين والاخر واحدا منهما قال: " الاقرب أنه لابد من اليمين، فيحلف كل واحد منهما على استحقاق نصف الاخر الذى تصادمت دعواهما فيه، فمن نكل منهما قضي به للاخر، ولو نكلا معها أو حلفا معا قسم بينهما نصفان " واستحسنه في المسالك، لعموم (3) " واليمين على من أنكر " وفى الدروس " لو كان معهما درهمان فادعاهما أحدهما وادعى الاخر اشتراكهما، ففي الرواية المشهورة للثاني نصف درهم، وللاول الباقي، ويشكل إذا ادعى الثاني النصف مشاعا فإنه يقوى القسمة نصفين، ويحلف الثاني للاول، وكذا كل مشاع. وربما اشكل ما في التذكرة بعدم تمامية إحلاف كل منهما في صورة الدعوى على الاشاعة، لاختصاص الحلف حينئذ بالثاني والبينة بالاول، ومع ذلك يستحق


(1) (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 -. (3) المستدرك ج - 3 - ص 199.

[ 224 ]

بعد الحلف تمام الدرهم لا النصفن وما فيها والدروس ايضا بوجوب الخروج عن مقتضى القاعدة، وتخصيصها بالخبرين المعتضدين بالفتوى، بل ذلك كله كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى الظاهرين في عدم اليمين اصلا، والصرحين أو كالصريحين خصوصا الخبرين منهما في فرض موضوع المسألة في الاشاعة، بل ظاهرهما أن ذلك على وفق الضوابط العامة، لا أنه تعبد صرف. ومن هنا أمكن أن يقال: بأن الوجه في عدم اليمين من احدهما أنه بعد تساويهما في اليد المقتضية لملك كل منهما الكل، المنافي لقاعدة عدم ملك المال المتحد للمالكين، التى لا يختص الخروج عن التعارض فيها بالنصف الذي هو خلاف مقتضاها، لامكان الحكم بكونه لواحد منهما، ويستخرج بالقرعة أو بغير ذلك، فاليد حينئذ بعد أن كانت كذلك لا تصير احدهما منكرا عليه اليمين، بل هما بعد أن تساويا من هذه الجهة صارا بحكم من لايد لاحدهما، والمتجه فيه قسمة المال بينهما نصفين قطعا للدعوى، فهو كالصلح القهري بينهما بذلك، لا أن النصف مقتضى يد أحدهما حتى يكون منكرا بالنسبة إلى دعوى الاخر عليه، وكذا العكس فيكونان كالمدعى من وجه والمنكر من آخر، فيتحالفان. ضرورة ثبوت الحكم المزبور في غير ذوى الايدى كما تسمعه في الوديعة، وفي التداعي في المال المطروح ونحوهما، واليد إنما قضت بالجميع. ومعارضتها بالاخرى لا تقتضي تنزيلها على النصف الذى هو خلاف مقتضاها، وحينئذ فليس النصف المحكوم به في النص والفتوى إلا لقطع الخصومة بينهما بذلك بالعدل والانصاف، لعدم تحقق الدعوى من أحدهما والانكار من آخر، لكون المفروض تساويهما من كل وجه، ففي الحقيقة ليس إلا دعوى واحدة، وهى ملكية الدرهم، إلا أن أحدهما يدعى أنها له، والاخر كذلك، ولا ترجيح لاحدهما، بعد معارضة يد كل منهما للاخرى، الموجب للتساقط نحو البينتين المتعارضتين من كل وجه، فيقسم المال بينهما على احتماله فيهما بحسب دعواهما، فإن كانا اثنين فالنصف، وإن كانوا ثلاثة فالثلث، وهكذا قطعا للخصومة بينهما بالعدل والانصاف، فهو

[ 225 ]

كالصلح القهري، ولعله لذا ذكر الاصحاب هذه المسألة وما شابهها في هذا الكتاب. ومنه يعلم الوجه حتى في الدعوى بالاشاعة، ضرورة أنها لا تنافي الاقرار بالدرهم الكلي المشاع المنطبق على نصفي الدرهم والثلثين من درهم، والثلث من آخر، و هكذا، فيبقى النزاع بينهما في الدرهم الاخر على إشاعته، فيدعيه المقر له بالدرهم الاول مضافا إلى ذلك الدرهم، والاخر، يدعيه له فيقسم بينهما نصفين على الاشاعة للقاعدة التى ذكرناها، التى قد أومى إليها في الخبرين السابقين المعتضدين بالفتوى المجردة عن ملاحظة اقتضاء اليد، الموجبة للتوهم أن مدعى الدرهم الاخر المنضم إلى ما اقتضته يده، من النصف الذي هو درهم ايضا مشاع ملفق، مدع صرف، والاخر منكر، باعتبار أنه قد ادعى عليه ما اقتضته يده، فيحلف ويستحق النصف المشاع، و هو الدرهم الملفق، إذ قد عرفت القاء اليد في المقام، وأن الحكم بالنصف نصا وفتوى لقطع الخصومة بينهما بعد تساويهما من كل وجه، فتأمل جيدا فإنه دقيق جدا. وبه يظهر الوجه فيما في النص والفتوى الصريحين في الاشاعة، وأنه ليس ذلك من باب التعبد كما لا يخفى على من تأمل الخبرين والفتاوى. ومنه يعلم الوجه فيما ذكره المصنف وغيره بل المشهور من قوله (وكذا) الحكم فيما (لو أودعه إنسان درهمين وآخر درهما وامتزج الجميع ثم تلف درهم) فإن لذي الدرهمين درهما منهما لا احتمال فيه، وأما الاخر فهو محتمل لكل منهما ولا مرجح، فالعدل بينهما قسمته نصفين بينهما للقاعدة التى عرفتها وأكدها هنا خبر السكوني (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل استودعه رجل دينارين واستودعه آخر دينارا فضاع دينار منهما ؟ فقال: يعطي صاحب الدينارين دينارا ويقسمان الدينار الباقي بينهما نصفين " بل ظاهره عدم اعتبار الامتزاج في هذا الحكم، بل يكفي الاشتباه، كما أن ظاهره ذلك وإن لم تتصادم دعواهما في الدينار، وأنه لا يمين على أحد منهما خصوصا مع عدم علم كل واحد منهما بعين حقه. لكن في المسالك استشكله في ضعف المستند بأن التالف لا يحتمل كونه منهما


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 -.

[ 226 ]

بل من أحدهما خاصة، لامتناع الاشاعة هنا والموافق للقواعد الشرعية هنا القول بالقرعة، ومال إليه في الدروس إلا أنه تحاشى عن مخالفة الاصحاب. قلت: قال في الدروس: " ولو أودعه واحد دينارين وآخر دينارا فضاع دينار واشتبه ففي رواية السكوني لصاحب الدينار نصف دينار وللاخر الباقي، والعمل بها مشهور، وهنا الاشاعة ممتنعة، ولو كان في اجزاء ممتزجة كان الباقي اثلاثا، ولم يذكر الاصحاب في هاتين المسألتين يمينا، وذكر وهما في باب الصلح، فجائز ان يكون ذلك الصلح قهريا، وجائز أن يكون اختياريا، فإن امتنعا فاليمين، والفاضل في أحد أقواله يحكم في مسألة الوديعة بأن الدينارين الباقيين بينهما اثلاثا، كمختلط الاجزاء وفيه بعد، ولو قيل: بالقرعة أمكن ". وفيه: أنها عند الاشكال، ولا إشكال بعد النص والفتوى، والقاعدة التى أشرنا إليها في قسمة المال بين مدعيه، قلوا أو كثروا بالسوية بعد فرض استوائهم في قطع الدعوى بذلك المنزل منزلة الصلح القهري فيما بينهم. ومنه يعلم ما في احتمال كونه اختياريا، ضرورة إمكان القطع بعدمه من النص والفتوى، كالقطع بعدم اليمين في جميع الصور حتى المسألة الاولى التى حصل الاشتباه في مالك المال من تعاقب يديهما المقتضية ملك كل واحد منهما، بعد معلومية عدم ملكية المال المتحد لمالكين، وإبطال اقتضاء كل من اليدين في النصف، ليس بأولى من القول بحصول الاشتباه في مالك الكل الذي هو مقتضى يد كل منهما، فيكون مالا مشتبها دائرا بينهما، تأتى فيه القاعدة السابقة. وأما ما حكاه عن الفاضل، فهو كما ذكر في غاية البعد مع فرض الاشتباه بدون امتزاج، ضروره عدم حصول الشركة بينهما بذلك، أما مع فرضه فقد يقال: بأنه كالممتزج من الحبوب حينئذ، اللهم إلا أن يدعى حصول الشركة بها قهرا شرعا بخلاف غيره من الدراهم ونحوها، لكنه كما ترى، فالاولى فرض مسألة المتن بدون امتزاج كما في النص. أما معه وقلنا بحصول الشركة به مطلقا فالمتجه فيه حينئذ حكم الاقفزة في

[ 227 ]

كون التالف على النسبة، واحتمال الفرق بالقطع في الحبوب بكون التالف منهما بخلافه في مسألة الدرهم يدفعه أولا: أنه لا قطع بكونه على النسبة في الحبوب، إذ يمكن التفاوت، وثانيا: عدم المدخلية لذلك بعد فرض الدليل شرعا على حصول الشركة بالامتزاج في المثليات على وجه يرفع التمييز. وقد ظهر لك من ذلك كله أن الحكم المزبور في هذه المسائل التى قد عرفت اتفاق النص والاعتبار والمعظم من الفتوى عليه قائم مقام الصلح فيها بالنسبة إلى قطع المخاصمة، ولهذه المناسبة ذكرها الاصحاب في كتابه. ومن ذلك المسألة الثالثة (و) هي ما (لو كان لواحد ثوب بعشرين درهما، ولآخر ثوب بثلاثين درهما، ثم اشتبها، فإن خير أحدهما صاحبه فقد أنصفه، وإن تعاسرا بيعا وقسم ثمنهما بينهما، فأعطى صاحب العشرين سهمين من خمسة وللآخر ثلاثة) التى قد افتى المشهور فيها بذلك لخبر إسحاق بن عمار (1) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب، وآخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثوبين فلم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والآخر خمسي الثمن، قلت: فإن صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين،: إختر ايهما شئت، قال: قد أنصفه " المنجبر بالشهرة مع احتمال صحة سندها في طريق الصدوق، بل والشيخ. فما عن ابن ادريس من القرعة ومال إليه في المسالك في غير محله، ضرورة عدم الاشكال بعد ما عرفت، معتضدا بالاعتبار الذي يقضي بكون مثل هذا الاشتباه كالاشتراك، بل لو لم يشتبها وبيعا معا كان الثمن موزعا على حسب قيمتهما، الا أن الظاهر من النص والفتوى عدم اعتبار المعية في بيعهما في الحكم المزبور، بل ظاهرهما صيرورة مالكيهما كالشريكين باعتبار احتمال تملك كل منهما لكل منهما، فهما بمثابة الشريكين فيهما على نسبة قيمتهما. فما في التذكرة " من أنه إن بيعا منفردين وتساويا في الثمن فلكل واحد


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 -

[ 228 ]

ثمن ثوب ولا إشكال، وإن اختلفا فالاكثر لصاحب الاكثر قيمة، وكذا الاقل بناء على الغالب، وإن بيعا مجتمعين صارا كالمال المشترك شركة إجبارية كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على راس المال " كالاجتهاد في مقابلة النص المعتضد بفتوى المعظم، المقتضى صيرورتهما بمثابة الشريكين على كل حال. ولذا قال في الدروس بعد حكايه ذلك عنه: " ويلزم على هذا ترجيح أحد الامرين من بيعهما معا أو منفردين إذ الحكم مختلف " ويظهر أنه متى أمكن بيعهما منفردين امتنع الاجتماع، والرواية مطلقة في البيع، ويؤيدها أن الاشتباه مظنة تساوى القيمتين فاحتمال تملك كل منهما لكل منهما قائم، فهما بمثابة الشريكين. نعم ما فيها أي الدروس " من أنه إن عملنا بالرواية ففى تعديها إلى الثياب والامتعة والاثمان المختلفة، نظر، من تساوي الطريق في الجميع وعدمه، والاقرب القرعة هنا " مخالف لقولهم عليهم السلام (1) علينا أن نلقي إليكم الاصول، وعليكم أن تفرعوا (2) " ولا يكون الفقيه فقيها حتى نلحن له في القول فيعرف ما نلحن له " ولظهور إرادة التعليم منها مؤيدا ذلك كله بموافقة ما فيها للاعتبار، ومناسبته لما سمعته سابقا مما شرع لقطع التنازع والتخاصم، فالاقوى حينئذ التعدية. هذا وربما ظهر من الحكم في هذه المسألة أنه من بيان موضوعات الاحكام، لا من باب المرافعات، ضرورة عدم ميزان للحكم فيها من البينة واليمين، ولعل الامر في المسائل السابقة كذلك ايضا، فلا يتوجه ما سمعته سابقا من بعضهم من اليمين فلاحظ وتأمل والله العالم. (وإذا بان أحد العوضين) المعينين في العقد (مستحقا) للغير أو غير قابل للعوضية كالخمر والخنزير (بطل الصلح) بلا خلاف ولا إشكال، ضروره أنهما من اركان هذا الصلح الذى قد وقعا فيه، وإن لم نقل أنه يعتبر في الصلح العوض، لقيامه مقام الهبة والعارية إلا أن الحكم بصحته منهما هنا غير ما قصدا فيه، فالمقصود حينئذ لم يصح بالفرض، والذي فرض صحته غير مقصود.


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب صفات القاضى الحديث - 51 - (2) المستدرك ج - 3 - ص 194 مع اختلاف يسير.

[ 229 ]

ولا يقاس ما هنا على المهر في النكاح الذى فساده فيه لا يقتضى فساد العقد، باعتبار كونه ليس من الاركان فيه، بل يرجع إلى مهر المثل لحرمة القياس أولا، ولعدم عوض مقرر شرعا هنا، كمهر المثل الذى يرجع إليه عند فرض عدم المهر ثانيا، ولكون المهر في عقد النكاح بعد أن دل الدليل على عدم فساد العقد بفساده، صار كالملتزم المستقل عند العقد بالنسبة إلى حكم المزبور، بخلاف المقام الذى لا دليل فيه كذلك، وإن ثبت وقوع الصلح بلا عوض كما هو واضح. ولا فرق عندنا بين القصاص وغيره في الحكم بالبطلان مع علم المصالح بفساد العوض خلافا لبعض العامة فاسقط القصاص به، وهو كما ترى مقتض لترتيب الاثر على الفاسد. نعم المنساق من العوض في المتن وغيره ما قيدنا به العبارة من كونه معينا، أما إذا كان مطلقا فظهر استحقاق المدفوع عنه مثلا رجع ببدله، كالبيع، ولا فساد في العقد كما أنه لو ظهر في المعين عيب مثلا تخير في الفسخ، ولا بطلان، لكون الصحة منها باعتبار الانسياق إليها كالمذكورة وصفها فيها، فمع فرض عدمها يثبت الخيار، لقاعدة نفي الضرر وغيرها. نعم في تخييره بين الفسخ وبين الارش كما في البيع اشكال، أقواه العدم، لحرمة القياس بعد اختصاص الدليل بالبيع الذى لا يدخل فيه الصلح على الاصح، ودعوى أن ثبوته ايضا من قاعده نفى الضرر كالخيار واضحة المنع، ضروره أنها لا تقتضي الا عدم اللزوم المترتب عليه الضرر. ومن ذلك يعلم ثبوت كل خيار في البيع في الصلح إذا كان دليله قاعده نفى الضرر أو غيرها مما يصلح لتناول الصلح كخيار الغبن الذى قد صرح بثبوته هنا غير واحد، وتخلف الوصف، وعدم الوفاء بالشرط، واشتراط الخيارن ونحو ذلك بخلاف ما اختص دليله بالبيع كخيار المجلس والحيوان ونحوهما، بناء على عدم فرعيه الصلح للبيع والله العالم. (و) على كل حال فلا اشكال في أنه (يصح الصلح على عين بعين أو منفعة،

[ 230 ]

وعلى منفعة بعين أو منفعة) للعمومات المقتضية لذلك، ولغيره من الصلح عن الحق اسقاطا أو نقلا كحق الخيار، وحق التحجير، وحق الشفعة بحق مثله، أو عين أو منفعة أو غير ذلك من صور الاختلاط، بل الظاهر أنها تقتضي صحة الصلح عن كل حق حتى يعلم عدم جواز اسقاطه أو نقله شرعا ولذلك أفراد كثيرة، كحق السبق إلى الوقف، وحق القذف والغيبة، وحق الرجوع في الطلاق في البذل وغير ذلك مما تسمعه في تضاعيف هذا الكتاب وغيره. نعم الظاهر في كثير من الحقوق صحة الصلح لاسقاطها لا نقلها، بل لو شك فيه أمكن القول بعدم مشروعيته بعمومات الصحل فتأمل جيدا. (ولو صالحه على دراهم بدنانير أو بدراهم صح و) (لم يكن) ثم قبض في المجلس، لما عرفت من عدم كون الصلح (فرعا للبيع) عندنا، (و) أنه (لا يعتبر فيه ما يعتبر في) بيع (الصرف على الاشبه) باصول المذهب وقواعده، وكذا لو قام مقام بيع السلم لا يعتبر فيه قبض العوض في المجلس، إلى غير ذلك من الاحكام المختصة بالبيع حتى الربا، بناء على أنه منها. نعم لو قلنا بشموله لجميع المعاوضات، اتجه حينئذ جريانه في الصلح، (و) قد تقدم تحقيق ذلك في كتاب البيع الا أنه على كل حال (لو اتلف على رجل ثوبا قيمته درهم) مثلا (فصالحه عنه على درهمين) أو اقل من الدرهم (صح، على الاشبه) باصول المذهب وقواعده والاشهر بل في الدروس المشهور (لان الصلح وقع عن الثوب) أو عن قيمته الكلية التى لا تختص بالدرهم (لا عن الدرهم) الذي لم يثبت في الذمة. لكن في المسائل في شرح هذه العبارة تبعا لجامع المقاصد بل والدروس " هذا إنما يتم على القول بضمان القيمي بمثله، ليكون الثابت في الذمة ثوبا، ويكون هو متعلق الصلح، أما على القول الاصح من ضمانه بقيمته فاللازم لذمة المتلف إنما هو الدرهم فيستلزم الصلح عليه بدرهمين، الربا فيبطل، وهو الاقوى، بل في الدروس، أنه لذلك ابطله في الخلاف والمبسوط ".

[ 231 ]

وفيه: أن المعلوم من مذهب المصنف، ضمان القيمي بقيمته لا بمثله الذى هو مذهب نادر، وليس ما في كلام المصنف والفاضل بل المشهور كما سمعت مبنيا على ذلك بل هو إما لان الثابت في القمي في الذمة نفسه كما هو مقتضى قوله عليه السلام (1) " على اليد ما أخذت " بل وقوله (2) " من أتلف " إلى آخره، وإن كان الواجب دفع القيمة عنه عوضا شرعيا، لعدم لمكان اداء نفسه، وعدم معرفة مثل له، حتى يكون اقرب من القيمة، فالصلح حينئذ إذا وقع يقع عنه لا عن قيمته، وليس هذا قولا بكون القيمي يضمن بمثله الذى هو معنى وجوب تادية المثل التسامحي عرفا، أو لانه وإن قلنا بكون الثابت في الذمة قيمته إلا أنها غير متعينة في خصوص الدراهم، وان كان لو اديت منها كانت قيمته درهما ومن الدينار كذا ومنهما كذا، وهذا لا يقضى بكون الثابت في الذمة الدرهم بخصوصه، كى يستلزم الصلح عليه بدرهمين الربا، لكون الصلح فرع البيع، أو لان الربا يعم المعاوضات أجمع، فيكون المراد من الثوب في المتن قيمته حينئذ، ولعل غرض المصنف والفاضل وغيرهما ممن تعرض لهذه المسألة التعريض بما سمعته من الخلاف والمبسوط. نعم قد يقال بعدم الصحة على هذا الوجه لو فرض أن النقد الغالب من جنس ما صالح به بناء على كونه حينئذ هو الثابت، بخلاف ما إذا تعدد الجنس واستويا بأن كان دراهم ودنانير والله العالم. (ولو ادعى دارا فانكر من هي في يده ثم صالحه المنكر) عن اسقاط دعواه (على سكنى سنة) مثلا (صح بلا خلاف ولا اشكال عندنا (ولم يكن لاحدهما الرجوع) عن ذلك لما عرفت من كون الصلح من العقود المستقلة اللازمة (وكذا لو اقر له) المدعي (بالدار ثم صالح) المنكر المدعى المقر على سكنى سنة، أو أن المراد اقر من هي في يده ثم صالحه المقر له على سكنى المقر سنة.


(1) المستدرك ج - 2 - ص 504 وسنن البيهقى ج 6 ص 90. (2) قاعدة متصيدة من بعض الاخبار راجه للاطلاع على مدركها الجزء الثاني من القواعد الفقيه للسيد البجنوردى.

[ 232 ]

وعلى كل حال فهو صحيح، بناء على عدم اعتبار العوض في صحته، بل ولازم بناء على ما سمعت من كونه عقدا مستقلا برأسه، مندرج تحت (1) " أوفوا بالعقود " وغيره من ادلة اللزوم. (و) لكن (قيل) والقائل الشافعي من العامة والشيخ من الخاصة (له الرجوع، لانه هنا فرع العارية) إذ هو اباحة منفعة بلا عوض (و) قد عرفت سابقا أن (الاول اشبه) باصول المذهب وقواعده، وأن افادة عقد مفاد آخر لا تقتضي لحوق احكامه، وعلى أن الصلح هنا يقتضى ملك المنفعة لا اباحتها، ولقد افصح عن ذلك كله في الدروس بقوله: " ولو ادعى دارا فاقر له بها فصالحه على سكنى المقر سنة صح ولا رجوع ان جعلناه اصلا وجوزناه بغير عوض، ولو أنكر فصالحه المدعى عليه على سكنى للمدعى سنة فهو أولى بعدم الرجوع، لانه عوض عن دعواه، وكذا لو كان الساكن المنكر، لانه عوض عن جحوده هذا ولكن في المسالك " وانما قيد المصنف بإنكار من هي في يده مع جواز الصلح مع الاقرار والانكار ليتصور كون الصلح المذكور عارية عند الشيخ، لانه جعل اباحة منفعة بغير عوض. أما لو اقر له بها فإن الصلح وان جاز الا ان المنفعة يقابلها عوض وهو العين، فلا يتحقق العارية، مع أن الشافعي لما شرط في صحة الصلح الاقرار، وجعله فرعا على العقود الخمسة، مثل للعارية بما ذكر هنا، مع كون المدعى عليه مقرا، ووجهه أن العوضين من واحد، فكان الحكم راجعا إلى العارية ". ولا يخفى عليك ما فيه من وجوه النظر، بل لا يكاد يتصور له وجه صحة، حتى ما حكاه عن الشافعي فإن المنقول عنه في التذكرة مثالا لذلك هو أن يكون في يده دار فيقر له بها، فيصالحه على سكناها شهرا، فإنه سواء اراد سكنى من في يده المقر بها للغير، أو سكنى المدعى الذى فرض اقراره بها لمن هي في يده غير ما سمعته عنه عند التأمل والامر في ذلك سهل بعد وضوح الحال. انما الكلام في صحة هذا الصلح بسبب عدم اشتماله على العوض، وكذا الصلح


(1) سورة المائدة الاية - 1 -.

[ 233 ]

القائم مقام الهبة كما لو قال: صالحتك عن هذه الدار، فيقول: الآخر قبلت نحو قوله في القائم مقام العارية: صالحتك عن منفعة هذه الدار سنة مثلا، فيقول الآخر: قبلت، فيصح صلحا لازما وهكذا، فلن ما سمعته من الدروس صريح في التردد فيه، بل صرح الفاضل في غير واحد من كتبه بأن من اركانه المصالح منه، والمصالح به، بل في موضع من التذكرة أنه معاوضة اجماعا، بل ارسله الكركي وغيره إرسال المسلمات، فان قيل: عليه، إن الصلح إذا وقع موقع الابراء - كما لو صالحه من الحق على بعضه فإنه صحيح، لعموم شرعية الصلح، وليس فيه عوضا. قلنا: يكفي في المغايرة الجزئية والكلية بل ربما كان في قوله تعالى (1) " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض " اشعار به، بناء على ارادة المعاوضة من التجارة، وان كان فيه ما فيهن كما أن في الاكتفاء بالجزئية والكلية في تحقق المعاوضة ما لا يخفى. والا لكفت في غير الصلح من عقودها، على أنه لا يتم في القائم مقام العارية كما في نحو المقام. بل منه يعلم ما في دعوى كونه من عقود المعاوضة، مضافا إلى خلو نصوص المقام عن اعتبار ذلك فيه، بل ربما ظهر منها خلافه، كما لا يخفى على من لاحظها، بل قد يدعى كون المستفاد منها أن كلما يتفقان عليه ويصطلحان عليه مما لم يكن فيه تحليل حرام، أو بالعكس كان من الصلح الجائز، وجرت عليه أحكام عقد الصلح من اللزوم وغيره، وان كان مقتضى ذلك عدم اختصاص ما يقوم الصلح مقامه بخمسة، البيع والاجارة والهبة، والعارية، والابراء. كما هو ظاهر جماعة، بل صريح الكركي في حاشية الكتاب. ضرورة كون المتجه حينئذ قيام الصلح مقام المضاربة وغيرها، وفائدته اللزوم وغيره من أحكام الصلح، الا أني لم ار مصرحا به كما أنى لم ار تحريرا لهذه المسألة في كلامهم، بل ولا أن المراد بالمعاوضة فيه الصورية لا الحقيقية، بمعنى أنه عند تأليف عقده لابد فيه من صورة مصالح عنه ومصالح به، وعلى تقديره فليس في الادلة ما يقوم بذلك، والمتجه ما عرفت من عدم اعتبارها فيه صورة وحقيقة ان لم يكن اجماع على


(1) سورة النساء الاية - 29 -.

[ 234 ]

خلافه، ولعل ما ذكره غير واحد من صحة الصلح عما في الذمة بالانقص في غير الربوي بل وفيه حتى على القول بعمومه له، باعتبار كون هذا الصلح ليس معاوضة، بل هو في معنى الابراء كما اعترف به في الدروس، مستدلا عليه بقول النبي صلى الله عليه واله (1) لكعب بن مالك لما تخاصم مع آخر " اترك الشطر واتبعه ببقيته " وبأنه روي عن الصادق عليه السلام (2) ما يشهد لذلك في الجملة، بل الظاهر عدم الفرق بين أن يكون صورته صالحتك على ألف بخمسمأة، أو بهذه الخمسمأة، وان ظهرت فيها صورة المعاوضة لكن الاقوى جوازها أيضا، لاشتراكهما في الغاية. نعم الاقرب كما في الدروس الافتقار إلى قبول الغريم هنا وإن لم يشترط في الابراء القبول، لاجل اتمام عقد الصلح، وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك أولوية الجواز فيما لو صالح على المؤجل بإسقاط بعضه حالا، وإن كان بجنسه كما هو مقتضى إطلاق الاصحاب، لما عرفت من عدم كونه معاوضة، فلا يجري فيه الربا، لكن في الدروس بعد اعترافه باطلاق الاصحاب الجواز قال: " وهو إما لان الصلح هنا ليس معاوضة، أو لان الربا يختص البيع، أو لان النقيصة في مقابل الحلول " وفي الثاني منهما أنه لا يتم لفتوى جماعة أو المشهور بعموم الربا، بل والثالث بان ذلك يقتضي جوازه في البيع، ولا يقولون به، فليس إلا الاول الذى هو قد افتى به في الصلح عن الحال ببعضه، فضلا عن المؤجل. وعلى كل حال فلو ظهر استحقاق العوض أو تعيبه فرده فالاقرب أن الاجل بحاله، ولو ادعى على الميت ولا بينة فصالح الوصي تبع المصلحة، وما عن ابن الجنيد من إطلاق المنع في غير محله والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو ادعى اثنان) مثلا (دارا في يد ثالث) مثلا متفقين على التصريح بأن ملكهما لها (بسبب موجب للشركة) بينهما (كالميراث فصدق المدعى عليه أحدهما) بمقدار حقه دون الاخر، كمان ذلك مشتركا بينهما، ولا يختص به المقر. له، لما عرفت من إتفاقهما على اتحاد السبب بالنسبة اليهما على وجه يمتنع


(1) (2) المستدرك ج - 2 - ص 499.

[ 235 ]

استحقاق أحدهما دون الاخر، ضرورة عدم الفرق بين الكل والبعض في الشركة، بعد فرض اتحاد السبب الذى لا فرق في اقتضائه الشركة بينهما، فمع فرض إقرار المتشبث بأن نصف الدار ليس له، كان حينئذ من مخلفات الميت باتفاقهما، ولا معارض لهما فيه فيشتركان فيه، وتخصيص ذي اليد له بأحدهما غير مجد بعد اتفاقهما فيما بينهما على مقتضى الشركة في المقر به، وإنما نفع اقراره رفع يده عنه. (و) حينئذ فإذا (صالحه على ذلك النصف) الذى اقر له به (بعوض فإن كان بإذن صاحبه) ولو لاحقا (صح الصلح) في النصف أجمع، وكان العوض) مشتركا (بينهما، وإن كان بغير إذنه صح في حقه وهو الربع) خاصة (وبطل في حصة الشريك وهو الربع الآخر) هذا كله مع التصريح منهما بالسبب المقتضى للشريك. (أما لو ادعى كل واحد منهما النصف من غير سبب موجب للشركة) كما لو قال أحدهما: لي النصف بالارث والآخر بالشراء (لم يشتركا فيما يقر به لاحدهما) لعدم المقتضى لها بعد فرض أن سبب ملك كل منهما غير الاخر، وإنما الاشتراك قد جاء من جهة الاشاعة. نعم لو قالا: اشتريناها معا أو اتهبناها وقبضناها معا ففي التذكرة " الاقرب أنه كالارث، لاشتراك السبب، وهو أحد قولي الشافعية، والثاني أنهما لا يشتركان فيما اقر به، لان البيع بين اثنين بمنزلة الصفقتين، فان تعدد المشترى يقتضي تعدد العقد وكان بمنزلة ما لو ملكا بعقدين ". هذا خلاصة ما يقال في توضيح ما ذكره المصنف وجماعة في القسمين. ولكن في المسالك " فيه بحث، لانه لا يتم الا على القول بتنزيل البيع والصلح على الاشاعة، كالاقرار وهم لا يقولون به، بل يحملون إطلاقه على ملك البايع والمصالح، حتى لو باع ابتداء مالك النصف نصف العين مطلقا، إنصرف إلى نصفه خاصة، لا النصف المشاع بينه وبين شريكه، بخلاف الاقرار، فإنه إخبار عن ملك الشئ فليستوي فيه ما هو ملكه وملك غيره، وحينئذ فاللازم هنا أن ينصرف الصلح إلى نصيب المقر له خاصة فيصح في جميع الحصة بجميع العوض ويبقى المنازعة بين الاخر والمتشبث ".

[ 236 ]

هذا إذا وقع الصلح على النصف مطلقا، أو النصف الذي هو ملك للمقر له، أما لو وقع على النصف الذي اقر به المتشبث توجه قول الجماعة، لان الاقرار منزل على الاشاعة، والصلح وقع على المقر به فيكون تابعا له فيها، وعلى هذا ينبغى حمل كلامهم لئلا ينافي ما ذكروه من القاعدة التى ذكرناها، وهذا توجيه حسن لم ينبهوا عليه ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه من أن ما ذكروه من قاعدة الانصراف المزبور فيما إذا كان متعلق البيع مقدار حق الشريك البايع لا في نحو المقام المفروض فيه عدم ثبوت غير الربع للبايع، والفرض أن مورده النصف، على أن عبارة المتن وغيرها كالصريحة في كون المراد النصف الذي قد اقر به له، بل لم يقصد المشترى الا ذلك، وإلا لاتجه حينئذ دفع العوض جميعا له، وبقاء الربع من النصف المقر به للشريك، ضرورة عدم انتقاله بالصلح المفروض مورده النصف المدعى به الذي لا وجه للصلح عنه الا على ارادة اسقاط الدعوى به، ضرورة عدم ثبوت شئ له الا الربع الحاصل من النصف المقر به فإذا فرص ؟ تنزيل الصلح على المختص به، ولو بدعواه الذى لا يلحقه شريكه فيه، و هو الربع من النصف المقر به، والربع من النصف في يد المتشبث يختص حينئذ بالعوض، ويكون الشريك على ربعه في النصف المقر به حينئذ، وهو غير ما قصده المشتري قطعا، بل غير مفروض البحث. اللهم الا ان يفرض أن المقر به بالنسبة إلى المقر ليس هو الا النصف الذي لا يلحقه شريكه به فمع فرض كون المقصود بالصحل النصف الذى هو كذلك يتجه حينئذ اختصاصه بالعوض، ويبقى النزاع بين الشريك والمشتبث فتأمل جيدا والامر في ذلك سهل. إنما الكلام فيما ذكره في جامع المقاصد فإنه بعد أن قرر ما في القواعد بنحو ما سمعته منا في تقرير ما في المتن قال: " ولقائل أن يقول: لا فرق بين تغاير السبب وكونه مقتضيا للتشريك في عدم الشركة، لان الصلح إنما هو على استحقاق المقر له وهو أمر كلي يمكن نقله عن مالكه إلى آخر، ولهذا لو باع احد الورثة حصته من الارث صح، ولم يتوقف على رضا الباقين، فإن أجيب بأن الانكار لاستحقاق

[ 237 ]

الآخر صير النصف كالتالف، فيجب أن يكون منهما لامتناع تلف حصة احدهما دون الاخر قلنا: فإذا تغاير السبب يجب أن يكون كذلك، مع اعتراف المقر له بالشركة، - إلى أن قال: ونبه شيخنا الشهيد على ذلك في حواشيه على الكتاب - ثم قال: - والذي يقتضيه النظر ان الحكم في مسألة الارث قبل قبض الوارثين صحيح لان الحاصل من التركة قبل القبض هو المحسوب تركة بالنسبة إلى الورثة والتالف لا يحسب عليهم، وكأنه لم يكن، وامتناع الوصول إليه كتلفه في هذا الحكم والظاهر أنه لا خلاف في ذلك أما بعد القبض واستقرار الملك لهم، وانقطاع كل من الورثة عن حق الاخر فلا دليل على الحاق تعذر الوصول إلى حق بعضهم بالانكار مع عدم البينة ونحوه بتلف البعض في هذا الحكم، والاصل عدمه فينبغي التوقف فيه، فليلحظ الحكم المذكور في المبيع، ولو كان المشترك دينا فاقر لبعض وأنكر بعضا ففي التركة قبل القبض لا بحث، وبعد القبض وغير التركة من أقسام الشركة فيه الخلاف المشهور من ان الحاصل لهما، والتالف عليهما وعدمه ". وكأنه أخذ ذلك مما حكاه في التذكرة عن أحد قولي الشافعية، قال فيها بعد أن ذكر اصل المسألة بنحو ما قررناه: " هذا إذا لم يتعرضا لقبض الدار، أما لو قالا: ورثناها وقبضنا ثم غصبها منا، فالاقرب أنه كذلك ايضا، يشتركان فيما يقبضه المقر له منه، لان ايجاب الارث الشيوع وهو لا يختلف، وهو أحد قولي الشافعي ومحكي عن ابي حنيفة، ومالك، والقول الاخر له: إنه لا يشاركه، لان التركة إذا حصلت في يد الورثة صار كل منهما قابضا لحقه، وانقطع عما في يد الاخر، ولهذا يجوز أن يطرأ الغصب على نصيب أحدهما خاصة، بأن تزال يده، فإن المغصوب لا يكون مشتركا بينهما. لكن في المسالك بعد أن حكى عن الشهيد والمحقق الثاني ما سمعت من انصراف الصلح إلى حصة المقر له من غير مشاركة الاخر مطلقا، وعن الاخير منهما الفرق بين الصلح قبل قبض التركة وبعده قال: " وهذا الفرق انما يتم فيما لو قبض أحد الوارثين شيئا من اعيان التركة أو باعه، أما الصلح فيبنى على ما لو صالح أحد الشريكين في

[ 238 ]

الدين على حقه فيه هل يختص بالعوض أم لا ؟ والظاهر الاختصاص، لان الذاهب لا يخرج عن كونه حقا له، والصلح لم يقع على عين خاصة، حتى يشتركا في عوضها، و انما وقع على حقه، وهو ممكن نقله بعوض فالبحث السابق مثله آت في مسألة الارث قبل القبض وبعده ". ومما ذكرناه يعلم حكم المدعى المذكور الذي قد صولح على بعضه، لو كان دينا فإن قبض عوض الصلح فيه يكون كقبض أحد الشريكين في الدين حصته بالصلح، وقد تقدم الكلام فيه في باب القرض، ويأتى فيه في كتاب الشركة مزيد بحث. والتحقيق أن يقال: ان محل كلام الاصحاب في المدعيين المتفقين على اتحاد جهة ملكهما، وأنه ليس لاحدهما احتمال اختصاص عن الاخر بوجه، وحينئذ فاقرار المتشبث بالنصف لاحدهما لم يفد في حق المقر له فائدة تخصه، بعد سبق اقراره لشريكه، وانما اقصاه صيرورة هذا النصف لا يد لاحد عليه، فيبقى على الارث بينهما بمقتضى اقرارهما، فهو حينئذ كما لو قال من في يده الدار: ان نصفها ليس لي، ولا ريب في اشتراكهما فيه، ولحوق النقص لكل منهما بسبب النصف الاخر الذي يد المتشبث عليه. وأما على فرض احتمال اختصاص احدهما بالمقر به، دون الاخر الذي يحتمل في حقه أنه قد باع حقه من المتشبث، أو وهبه اياه، أو نحو ذلك لم يشارك المقر له، بل وكذا لو ادعى كل منهما في نصفه، فحلف أحدهما اليمين المردودة دون الاخر. وحينئذ فما وقع من أول الشهيدين وتبعه الكركي من احتمال اختصاص المقر له بعوض النصف الذي قد صالح عنه المقر له، قياسا على بيع الشريك حصته المشاعة التى لا يتصور الاشتراك فيها في غير محله، ضرورة صراحة كلامهم في فرض المسألة في الصلح عن النصف المتفقين على اتحاد جهة اشتراكهما فيه، وعدم احتمال اختصاص أحدهما به، فلا يتصور اختصاصه بعوض النصف المعلوم عدم كونه له، وأن نصفه ربع منه بيد المتشبث على نحو شريكه ولو فرض وقوع الصلح على وجه ينطبق على نصفه المستحق له في الواقع الذى لا يشاركه فيه الشريك كان كذلك، لكنه يكون خروجا عن موضوع مسألة الاصحاب التى فرقوا فيها بين اتفاقهما على سبب الاشتراك

[ 239 ]

وبين اختلافهما فيه، وسكوتهما عن ذلك، فحكموا بالاختصاص في الاخيرين، دون الاول. ومنه يظهر الوجه في عدم الفرق في المسألة بين قبض الوارث وعدمه، وبين كون السبب الارث وغيره، فما وقع من الكركي أخيرا ايضا من التفصيل بذلك الذي قد عرفته لبعض الشافعية في غير محله فتأمل جيدا ليستبين لك الحال في اطراف المسألة التى منها معلومية القاعدة في أن المال المشترك ما يذهب منه عليهما، وما يبقى لهما. ومنها أن الحصة المشاعة التى هي للشريك لا شركة لاحد فيها، فإذا اراد الصلح عنها مثلا لم يلحقه الشريك بعوضها. ومنها أنهم قد ذكروا في أنه لو اقر بأن نصف الدار لزيد، والاخر لى ولشريكي وأنكر الشريك كان النصف الباقي بايديهما بينهما على حسب نسبة الربع إلى النصف وما أنكر عليهما، وإن كان المختص بالانكار المقر له، بخلاف ما ذكروه فيما لو اقر أحد الاخوين بثالث، فأنكره الثالث، فإنه يختص النقصان بالمقر له. وأما المقر فيأخذ نصيبه تاما. ولعل السبب في ذلك استناد الاول إلى اليد، ونحوها التى تمضى على الشريكين بخلاف الاخير الذي تختص الخصومة فيه بين المقر له، وبين المنكر، كما اوضحناه في غير المقام. أو أن العمدة في الاخير النص والاجماع، بل قد يقال: إن ذلك مقتضى تنزيل الاقرار على ما في يده، ويد شريكه، وإن كان لا ينفذ في حق الشريك، لكونه إقرارا في حق الغير، وينفذ في نصيبه قبل الاقرار، فيدفع حينئذ الزايد عليه بعد الاقرار، بل لعل ذلك هو المتجه أيضا في المثال الاول، فيكون النصف حينئذ بينهما، لكل منهما ربع، لا ثلثان وثلث. ودعوى اقتضاء قاعدة الشركة ذلك، أي ما يبقى لهما على حسب النسبة، وما يتلف عليهما، يمكمن منعها في الانكار، ضرورة عدم كونه تلفا حقيقة، ولا دليل على جريان

[ 240 ]

حكمه عليه، فتأمل جيدا والله العالم بحقايق الاحكام. (ولو ادعى عليه) بشئ مثلا (فأنكر) أو اقر أو لم تمكن دعوى اصلا (فصالحه المدعى عليه) مثلا عما ادعى به (على سقى زرعه أو شجره بمائه) أي ما يسقى به زرعه أو شجره من ماء المدعى عليه (قيل:) والقائل الشيخ فيما حكى عنه (لا يجوز لان العوض هو الماء وهو مجهول) فلا يصح الصلح بناء على فرعيته على البيع (وفيه وجه آخر) بالجواز (مأخذه جواز بيع ماء الشرب) أي النهر بتقدير المدة بعد المشاهدة بل قد عرفت فيما تقدم المنع فمن فرعية الصلح للبيع أولا، وعدم قدح مثل هذه الجهالة في الصلح ثانيا لكونها تؤل إلى العلم. نعم قد يمتنع الصلح على المجهول الذى لا يؤل إلى العلم كالمبهم ومن الغريب منع الشيخ من ذلك، مع أن المحكي عنه في الدروس جواز بيع ماء البئر والعين، وبيع جزء مشاع منه، وجعله عوضا للصلح، ومن هنا قال في المسالك: " يمكن أن يكون منعه من الصلح على السقى المذكور مطلقا، ما يدل عليه الاطلاق والماء فيه مجهول لا يدخل في أحد الاقسام، لانه لم يستحق جميع الماء ولا بعضا منه معينا وإنما استحق سقيا لا يعرف قدره ولا مدة انتهائه، ومن ثم شرطنا في الجواز ضبط المدة، وهو لم يصرح بالمنع حينئذ، ولو تعلق الصلح بسقيه دائما لم تبعد الصحة، لان جهالة مثل ذلك يتسامح فيها في باب الصلح ". قلت: قد يقال بالتسامح في الاول ايضا إذا كان لتحقق مسمى السقى قدر في العرف، وإن اختلف افراده اختلافا لا يقدح في مثل الصلح، وحينئذ فلا يعتبر اشتراط المدة ولو الدوام في الصل، على أنه لا ترفع جهالة مقدار الماء الذى هو العوض أو المعوض، إذ ليس الغرض منه الاجارة، بل نقل الاعيان المقدرة بمثل ذلك، المندرج تحت عمومات الصلح كما عرفته فيما تقدم. (وأما لو صالحه) عما ادعى به مثلا (على إجراء الماء) من سطح المدعى (إلى سطحه أو ساحته) أي المدعى عليه، أو على اجرائه في ساقيته المحفورة له مثلا (صح) للعمومات (بعد العلم بالموضع الذى يجري الماء منه) لاختلافه

[ 241 ]

صغرا وكبرا باعتبار قله الماء وكثرته، لكن في المسالك " المراد بعلم الموضع الذى يجرى الماء منه أن يقدر مجراه طولا وعرضا لترتفع الجهالة عن المحل المصالح عليه، ولا يعتبر تعيين العمق، لان من ملك شيئا ملك قراره إلى تخوم الارض " وفيه أن ما ذكره في الصلح عما ادعى به على مجرى الماء، لا على استحقاق اجرائه الذى هو المفروض في المتن، ولذا قال في الدروس: " ولو جعل عوض الصلح عن الدعوى مجرى الماء في ارضه، قدر المجرى طولا وعرضا، لا عمقا، لان من ملك شيئا ملك قراره إلى تخوم الارض، ولو جعله اجراء الماء في ساقية محفورة مشاهدة، جاز إذا قدرت المدة، قال الشيخ: يكون فرع الاجارة، وفي المجرى، فرع البيع، قال الشيخ: ولو كانت الساقية: غير محفور لم يجز الصلح على الاجراء، لانه من استيجار المعدوم، ويشكل بامكان تعيين مكان الاجراء طولا وعرضا، واشتراط حفره على مالك الارض، أو على المجرى ماؤه. نعم لو كانت الارض موقوفة أو مستأجرة لم يجز، ولو صالحه على المدعى به على إجراء الماء من سطحه على سطح المدعى عليه اشتراط العلم بسطح المدعى، وهو كالصريح فيما ذكرناه، ومن ذلك يعلم ما في قوله أي المسالك ايضا " قد اطلق المصنف وغيره حكم الماء من غير أن يشترطوا مشاهدته، ليرتفع الغرر، ولا باس باعتباره، لاختلاف الاغراض بقلته وكثرته، ولو كان ماء مطر اختلف بكبر محله وصغره، فمعرفته تكون بمعرفة محله، ضرورة أنك قد عرفت فرض مراد المصنف الذي ترتفع الجهالة عنه بالعلم بالموضع الذي يجرى الماء منه، فإنه كاف في رفع الغرر. نعم قد يناقش في اصل اعتبار ذلك لعمومات الصلح، وقبوله من الجهالة والغرر ما لا يقبله غيره، وعلى كل حال فإذا وقع السطح أو احتاجت الساقية إلى اصلاح، وجب ذلك على المالك، لتوقف الحق عليه، وليس على المصالح الذي له حق الاجراء مساعدته، والله العالم. (وإذا قال المدعى عليه صالحني عليه لم يكن اقرارا، لانه قد يصح مع الانكار) كما عرفته، فيما تقدم، خلافا لبعض العامة، فجعله إقرارا، بناء على عدم صحته

[ 242 ]

إلا معه، وهو كما ترى، (اما لو قال: يعنى أو ملكني كان اقرارا) في عدم كونه ملكا له، لاستحالة طلب تحصيل الحاصل. نعم هو ليس اقرارا بكونه ملكا للمخاطب الذي طلب منه ذلك المحتمل وكالته أو ولايته أو غيرهما، فيبقى حينئذ على أصالة عدم ملكه، وحينئذ فلو اقر به حينئذ لغيره لم يكن رجوعا مقتضيا للضمان. أللهم إلا أن يدعى دلالة العرف على كونه ملكا له، فيترتب عليه حينئذ الحكم المزبور، ضرورة كونه المتبع في نحو ذلك، ولولاه لامكن المناقشة في اصل الاقرار بطلب البيع، لاحتمال ارادته ذلك منه على تقدير كونه ليس له احتياطا، فإنه يؤثر ملكا له في الواقع وان كان محكوما بكونه له في ظاهر الشرع. ولو صالح أجنبي المدعى عن المنكر صح عينا كان أو دينا. اذن أولا. لانه في معنى قضاء الدين، لكن عن المبسوط انه يرجع عليه ان دفع المال بإذنه، سواء صالح بإذنه أولا، والا فلا رجوع، لانه تبرع، وقد يشكل الرجوع بما اداه ولو بإذنه مع كون الصلح بغير اذنه، باقتضاء عقد الصلح لزوم المال للاجنبي، فلا عبرة بالاذن إذا كان قد صالح ليؤدي هو، بل وكذا لو صالح مطلقا. نعم لو صالح ليؤدي المدعى عليه كان الصلح فضوليا، ولو صالحه لنفسه لا عن المنكر صح، وانتقلت الخصومة إليه، لكن في الدروس " ان تعذر عليه انتزاع المصالح عليه فله الفسخ، لعدم سلامة العوض " وفيه تأمل. نعم لا فرق في صحة ما ذكرناه من الصلح بين اعتراف المدعى عليه بالحق قبل الصلح أولا على الاقوى، ولو ادعى الأجنبي أنه وكيل المدعى عليه في الصلح، فصالحه المدعى صح فإن انكر المدعى عليه وكالته حلف، ولكن لله اجازة العقد بعد حلفه وقبله والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يلحق بذلك أحكام النزاع في الاملاك) لنوع من الاعتبار الذي هو ما عرفت من كون الصلح لقطع النزاع، على أنه ربما يذكر الصلح في بعض افراده، ولم يلحظ ذلك في الدروس فجعله كتابا مستقلا سماه بكتاب تزاحم

[ 243 ]

الحقوق، والامر في ذلك سهل. (و) عللى كل حال ف‍ (هي مسائل: الاولى) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يجوز اخراج الرواشين والاجنحة) ونحوهما (إلى الطرق النافذة إذا كانت عالية لا تضر بالمارة) ولم يعارض فيها مسلم، للسيرة المستمرة في ساير الاعصار والامصار من زمن النبي صلى الله عليه واله إلى يومنا هذا، وقد وضع هو صلى الله عليه واله ميزابا لدار عمه العباس، بل هي كذلك من غير حاجة إلى الاذن من حاكم ولا من غيره، سواء قلنا بكون الهواء ملكا للمسلمين أو باقيا على الاباحة الاصلية، فما عن أحمد من اعتبار اذن الامام في وضع الجناح، في غير محله، بل هو كذلك. (ولو عارض فيها مسلم، على الاصح) لعدم ثبوت حق له في المعارضة، لما عرفت من استمرار السيره المعتضدة بالفتوى على فعل ذلك، وعدم الالتفات إلى المعارض خلافا للمحكي عن الخلاف والمبسوط من أنه لكل مسلم منعه، لانه حق لجميع المسلمين، ولانه لو سقط شئ منه ضمن، وهو يدل على عدم جوازه الا بشرط الضمان ولانه لا يملك القرار، فلا يملك الهواء، وفيه ما لا يخفى، بعد ما عرفت، فهو حينئذ بمنعه معاند لاحق له، والضمان بعد تسليمه لا ينافي الجواز كما هو في صورة عدم المعارضة التى قد وافق فيها، وجواز الفعل لا يتوقف على كونه مالكا كما هو واضح. نعم يعتبر فيه عدم الضرر على المارة، بل في المسالك وغيرها أن المعتبر ما يليق بتلك الطريق عادة، فإن كانت مما يمر عليها الفرسان، اعتبر ارتفاع ذلك بقدر لا يصدم الرمح مائلا عادة، واعتبر في التذكرة مروره ناصبا رمحه، لانه قد تزدحم الفرسان، فيحتاج إلى نصب الرماح، ونفاه في الدروس لندروه، ولامكان اجتماعهم مع امالته على وجه لا يبلغهم وهو اقوى، وان كانت مما يمر فيها الابل اعتبر فيها مروره محملا ومركوبا وعلى ظهره محمل أن أمكن مرور مثل ذلك عادة، وهكذا يعتبر ما تجري العادة بمروره على تلك الطريق. قلت: قد يقال: ان المعتبر عدم الضرر حتى في الصورة النادرة، لانه المتيقن من الجواز فيما هو حق المسلمين كافة، واليه أوما فيما سمعته من التذكرة، فيعتبر

[ 244 ]

حينئذ في الطريق كونه على الوجه المزبور وان لم يعتد ازدحام الفرسان والابل والكنائس، الا أنه ربما اتفق ذلك، خصوصا بناء على أن الاصل المنع لتعلق حق المسلمين بإحيائهم، والمعلوم جوازه من السيرة ذلك لا غيره، نعم لو قلنا: أن الاصل الجواز، لكونه من مباح الاصل، فيقتصر على المتيقن في المنع، اتجه حينئذ ما ذكروه، الا ان الاول لا يخلو من قوة. هذا كله في تضرر المارة اما تضرر غيرهم كالجار بالاشراف عليه ونحوه ففي المسالك وغيره لا عبرة به، كما لو وضعه في ملكه واستلزم الاشراف عليه فإن المحرم التطلع عليه لا البناء المشرف عليه. خلافا للتذكرة حيث الحق الاول بتضرر المارة، وفرق بينه وبين وضعه في ملكه، بان الروشن في الطريق مشروط بعدم التضرر، لان الهواء ليس ملكه، بخلاف الموضوع في ملكه، لان للانسان التصرف في ملكه كيف شاء، وان استلزم الاشراف على الجار، أو الظلمة عليه، وانما يمنع من الاشراف لا من التعلية المفضية إلى ذلك، إلى أن قال: ولست أعرف في هذه المسألة بالخصوص نصا من الخاصة ولا من العامة، وانما صرت إلى ما قلت عن اجتهاد. ورده بعضهم بان المعتبر عدم الاضصرار بأهل الطريق من حيث الاستطراق الموضوع له الطريق، أما غير ذلك فلا دليل على المنع منه، بل قد عرفت أنه لا عبرة بضرر غير المعتاد سلوكه فضلا عن غير المار، فهو حينئذ كمن أحدث بناء في مباح استلزم الاشراف عليه، وتقييد العلامة وغيره الضرر بالمارة دليل على ذلك، وانما عمم هو الضرر في هذا الفرع خاصة. قلت: يمكن أن يكون بناء العلامة ما ذكرناه من ان المسلمين باحيائهم الطريق صار هو وقراره وهواؤه ملكا لهم أجمع، أو كالملك فلا يجوز لاحد منهم التصرف فيه بغير اذنهم، أو اذن وليهم الا أن السيرة جرت على فعل ذلك، والمتيقن منها الخالي عن ضررهم من جهة الاستطراق وغيره، أما الخالى عن ضرر الاستطراق خاصة دون غيره فلا سيره عليه، فيبقى على اصل المنع، اللهم الا ان يدعى كونها

[ 245 ]

كذلك ايضا، لكنه كما ترى، أو يدعى ان الاصل بالعكس كما أشرنا إليه سابقا، ولو لفقد نحو " الناس مسلطون على أموالهم " في المقام، الباقي على اشتراك الناس فيه الذي يختص السابق به منهم مع عدم تضرر الاخر، لقاعدة " لا ضرر ولا ضرار ". لكن في دعائم الاسلام (1) " وعنه صلوات الله وسلامه عليه أنه سئل عن الرجل يطيل بناءه فمنع جاره الشمس قال: ذلك له. وليس هذا من الضرر الذى يمنع منه ويرفع جداره ما أحب إذا لم يكن نظر منه إليهم " وفيها (2) أيضا " وعنه صلى الله عليه واله أنه قال: ليس لاحد أن يفتح كوة في جداره ينظر منها إلى شئ من داخل دار جاره فإن فتح للضياء في موضع يرى منه لم يمنع ذلك ". وأما عمل السرداب في الطريق النافذ إذا أحكم أزجه ولم يحفر الطريق من وجهها بحيث يضر المارة فقد صرح غير واحد بجوازه، للسيرة ايضا. نعم لا يجوز ذلك في المرفوع الا باذنهم. وان أحكم، ومثله الساقية من الماء وان لم يكن لها رسم قديم، لكن الفاضل منع من عملها في النافذ وان احكم الازج عليها، أما لو عملها بغير أزج فإنه يمنع منها اجماعا، كما في الدروس، ولكل احد ازالتها ولو تضرر الجار بالسرداب والساقية فالظاهر جريان البحث السابق فيها، ولا يجوز احداث دكة فيه ونحوها على باب داره وغيرها لاهل الدرب وغيرهم. نعم ربما ظهر من بعضهم جوازها في الزائد على المقدر شرعا عنه وفيه: أن الزائد بعد احياء المسلمين له بالاستطراق يكون حاله كحال الطريق بالنسبة إلى ذلك، ولعله لذا قال في الدروس " اتسع الطريق أو ضاق، لان احياء الطريق غير جايز، إذ هو مشترك بين مارة المسلمين، فليس له الاختصاص المانع من الاشتراك " بل فيها ايضا " وكذا لا يجوز الغرس فيه، وان كان هناك مندوحة، لان الزقاق قد يصطدم ليلا وتزدحم فيها البهائم، ولانه مع تطاول الازمنة ينقطع اثر الاستطراق في ذلك، ويحتمل جوازه ما لم يتضرر به المارة من ذلك، كالروشن والساباط " ويضعف بأنهما في الهواء، بخلاف الدكة والشجرة.


(1) (2) الدعائم ج 2 ص 505 الطبعة الثانية بمصر.

[ 246 ]

(و) على كل حال ف‍ (لو كانت) الرواشن والاجنحة وما شاكلها (مضرة، وجب ازالتها) على الواضع الغاصب وعلى كل قادر على رفع المنكر ولو بالزام الغاصب الواضع بذلك إذ لا يجب على غيره الازالة، لانه " لا تزر وازرة وزر اخرى ". (و) لو كان ضررها بأن (اظلم بها الطريق) على وجه ذهب الضياء منه اصلا فإنه لا خلاف لا اشكال حينئذ في أنه يجب ازالتها، بل في المسالك " الاجماع عليه " بل وكذا إذا ذهب على وجه يضر المارة ولو ضعيف البصر منهم، ولو ليلا، لما عرفت من اعتبار عدم الضرر في الجواز، فما عن الشيخ من اطلاق عدم تأثير الظلمة في المنع في غير محله، ولعله إلى ذلك اشار المصنف بقوله (قيل: لا يجب ازالتها) اللهم الا أن يريد ما لا ضرر فيها على المارة، فان وجود ظلمة ما بسببها من اللوازم. (و) قد عرفت السيرة مع ذلك على فعلها كما لا خلاف في أنه (يجوز فتح الابواب المستجدة فيها) أي الطرق النافذة سواء كانت لها باب اخرى إليها أو إلى طريق مرفوع أم لا، لما عرفت من ان المسلمين في ذلك شرع سواء، ولا يقدح في ذلك صيرورة المرفوعة نافذة بسبب الباب المفتوح في بعض الصور، لان ذلك انما يوجب نفوذ داره لا نفوذ الطريق، إذ ليس لاحد دخول داره الا باذنه، فلا يتحقق نفوذ الطريق، بل لو فرض تحققه لا بأس به أيضا، للاصل وغيره. وفى دعائم الاسلام (1) وعنه عليه السلام أنه قال: من اراد أن يحول باب داره عن موضعه، أو يفتح معها بابا غيره في شارع مسلوك نافذ فذلك له، الا ان يتبين أن في ذلك ضررا يقينا، فإن كان في رافعة غير نافذة لم يفتح فيها بابا، ولم ينقله عن مكانه الا برضا أهل الرافعة " هذا كله في الطرق النافذة. (أما الطرق المرفوعة) وهى التى لا تنتهي إلى طريق آخر ولا مباح، بل إلى ملك الغير فهي ملك حقيقة لاربابها الذين لهم أبواب نافذة إليها، دون من يلاصق داره ويكون حائطه إليها من غير نفوذ، فلهم سدها عن السكة والارتفاق بها


(1) دعائم الاسلام ج 2 ص 505.

[ 247 ]

كغيرها من أملاكهم، ولهم قسمتها فيما بينهم، وادخال كل منهم حصته إلى داره، خلافا لبعض الشافعية فمنع من سدها، لان أهل الشارع يفزعون إليها، إذا عرض لهم سبب من زحمة وشبهها، وضعفه واضح. كما انه (لا يجوز) لاحد من غير أربابها (احداث) ساباط ولا (باب فيها ولا جناح ولا غيره الا بإذن اربابه، سواء كان مضرا أو لم يكن، لانه مختص بهم) وكذا ليس لبعضهم أيضا ذلك الا باذن شركائه، لكن على بحث في بعض افراد التصرف ستسمع الحال فيه انشاء الله، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل كأنه اجماع. خلافا لاحد قولي الشافعية من أنه لا يجوز لغير أهل السكة ذلك مطلقا، وأما هم فيجوز لكل واحد منهم انتزاع الجناح والروشن وغيرهما إذا لم يضر بالمارة لان لكل واحد منهم الارتفاق بقرارها، فكذا هوائها كالشوارع. وفيه بعد حرمة القياس عندنا امكان الفرق بحصر أهل الطرق المرفوعة دون الشوارع، فاعتبر اذن الاولين، وعومل معاملة الدار ونحوها من الاملاك بالنسبة إلى ذلك، وان لم يتضرر بخلاف الشوارع التى لا حصر لاهلها، وجرت السيرة على التصرف فيها بما لا ضرر فيه على استطراقهم، فملكهم لها حينئذ على هذا الوجه، ولو لهذه السيرة ونحوها. فما عن المقدس الاردبيلي من التأمل في ملك الطرق المرفوعة لاهلها في غير محله، لا لما في الحدائق " من أن التصرف دليل الملك ولكن في الشوارع لما لم يكن المتصرف متعينا لم يترتب عليه الملك، بخلاف المرفوعة " إذ هو كما ترى، بل لما عرفت من أن الطريق المرفوع ان كان بعض ملكهم اخرجوه لهم فيما بينهم لهذه المنفعة الخاصة فلا اشكال، بل هو خارج عن محل البحث، وان كان من المباحات فقد احيوه وحازوه على هذا الوجه الخاص بهم، ضروره كون احياء كل شئ بحسب حاله، وهذا وان اقتضى كون الشارع ملكا للمسلمين، باعتبار أن هذه الحيازة التي ليست من معين بل المعين سلكه ايضا على جهة العموم تقتضي ذلك ايضا، الا أنه

[ 248 ]

للسيرة المستمرة في العمل في الاعصار والامصار جعل ذلك على الوجه المزبور، من غير رجوع إلى اذن حاكم الشرع، بل ليس له ولا لغيره من المسلمين المنع مع فرض عدم تضرر المارة، أو يقال: بعدم تحقق الحيازة التى هي الاختصاص عن الغير باستيلاء ونحوه، فلا يتحقق حينئذ الملك في النافذ دون المرفوع ولذا قالوا انه ملك لاربابه بخلاف النافذ ولعل ذلك هو المراد مما سمعته من الحدائق، لكن قد يمنع اعتبار الحيازة بالمعنى المزبور في الملك، فيكفي فيه الاستيلاء وكذا الكلام في باقي المرافق العامة والخاصة. نعم قد يقال: باقتضاء السيرة والطريقة جواز الدخول فيها، والجلوس مع فرض عدم تضرر أهلها، وعدم اعتبار المساواة في استطراق اربابها قلة وكثرة منه، أو من أتباعه والمترددين إليه، بل قد يقال بحصول الاذن شرعا وان كان فيهم مولى عليه من طفل أو غيره، بل يمكن القول بذلك حتى مع منع بعضهم. لكن في الدروس " يجوز للاجنبي دخول السكة المرفوعة بغير اذن اهلها عملا بشاهد الحال، والجلوس غير المضر بهم، ولو نهاه أحدهم حرم ذلك ". وفي المسالك " ومما يدخل في المنع من التصرف في المرفوعة بغير إذن اهلها المرور فيها والوجه فيه ما تقدم من الملك، والاقوى الاكتفاء فيه بشاهد الحال، فلو منع احدهم حرم، أما الجلوس فيها وادخال الدواب إليها ونحو ذلك فلا، الا مع اذن الجميع، لاصالة حرمة مال الغير بغير اذنه، وانتفاء شاهد الحال فيه غالبا، نعم لو كان الجلوس خفيفا غير مضر تناوله بشاهد الحال " وكذا الفاضل في التذكرة، ويمكن أن يريدوا بشاهد الحال تلك الاذن الشرعية، وظاهرهم الحرمة بمنع أحد منهم، وان اذن له من اراد دخوله إليه، بل وان كان اضيافه وأتباعه، بل مقتضى ذلك ان لبعضهم منع الاخر أيضا إلى غير ذلك من الاحكام المترتبة على الشركة الحقيقية المعلومة بالسيرة خلافها، والله العالم. (وكذا) لا يجوز لغير أهلها بل وأهلها ايضا لكن على التفصيل الاتى (لو اراد فتح بباب لا يستطرق فيه) بلا خلاف أجده فيه (دفعا للشبهة) الحاصلة منه على ممر

[ 249 ]

الازمان، فإنه اماره على استحقاق الاستطراق، وبذلك فرق بينه وبين رفع الجدار الجائز له قطعا الذي لا امارة فيه. لكن قد يقال: ان ذلك كذلك، الا أنه لا دليل على جواز منعه بذلك، لامكان التحرز عن ضرر هذه الشبهة بالطرق المعدة لمثل ذلك، وليس كل ضرر يكون على الغير بالتصرف في الملك يجب تركه. (و) من هنا لا خلاف في أنه (يجوز فتح الروازن والشبابيك) إليها، بل إلى دار الجار للاستضاءة بها أو لغيره مما لا يحرم عليه مع عدم الاذن، بل مع النهي، لعموم (1) " تسلط الناس على أموالها " نعم للجار، وضع شئ في ملكه يمنع الاشراف عليه وان منع الضوء. (و) كيف كان ف‍ (مع اذنهم) في كل ما عرفت منعه فلا اشكال في الجواز و (لا اعتراض لغيرهم) الخارج عنهم، فإنه لاحق له، ولكن الظاهر كون ذلك كالعارية يجوز لكل الرجوع عن ذلك، بل تبطل بالموت والخروج عن التكليف بالجنون والاغماء ونحوهما. نعم في التذكرة " له الارش للسببية في اتلاف المال على اشكال " ولعله لامكان منع التسبيب بعد فرض كونها عارية من حكمها جواز الرجوع بها، أللهم الا أن يقال: أنه لم يعلم جواز الرجوع بها مجانا، لقاعدة الضرر. (ولو صالح) من له حق من‍ (هم على احداث روشن) مثلا (قيل:) والقائل الشيخ (لا يجوز لانه لا يصح افراد الهواء بالبيع) والصلح فرعه (وفيه تردد) بل منع إذ المقدمتان ممنوعتان، للعمومات خصوصا عمومات الصلح المقتضية جوازه، وان قلنا بعدم افراده في البيع. لكن في الدروس " أما لو صالحوا على ذلك بعوض فانه لازم مع تعيين المدة وان كان بغير عوض بني على اصالة الصلح أو فرعيته للعارية " وفي التذكرة " لو صالح واضع الروشن أو الجناح أو الساباط ارباب الدرب واصحاب السكة على وضعه جاز على الاظهر عندنا، لكن الاولى اشتراط زمان معين " وفيه: منع اعتبار المدة في


(1) البحار ج 2 ص 272 الطبعة الحديثة

[ 250 ]

الصلح عنه المراد به نقله نفسه إليه، نعم لا اشكال في اعتبارها لو اريد منه القائم مقام الاجارة مثلا، ولو فرض الاذن منهم على انشاء التمليك له مجانا أو بعضو ملكه ولكل حكمه ضرورة كون الفضاء ملكا كسائر الاملاك فيجرى عليه جميع احكامها. والله العالم. (ولو كان للانسان داران) مثلا (باب كل واحدة) منهما (إلى زقاق غير نافذ، جاز أن يفتح بينهما بابا) فضلا عن النافذين، بل يجوز فتح باب ذات الشارع إلى ذات السكة، فضلا عن العكس، كل ذلك للاصل وقاعدة التسلط و أولويته من رفع الجدار الحائل بينهما وجعلهما واحدة الجائز له اجماعا في جامع المقاصد وقولا واحدا في التذكرة. فما عن بعض العامة من عدم الجواز لانه يثبت له حق الاستطراق في درب مملوك لدار لاحق لها فيه، ولانه ربما ادى إلى اثبات الشفعة لو بيعت بعض دور احدى الطريقين بسبب الاشتراك في الطريق لكل واحد من الدارين في زقاق الاخرى على تقدير القول بثبوتها بذلك ومع الكثرة فيه: أن فتح الباب لا يوجب حقا للدار في الطريق الاخر، وانما اباح الانتقال من داره إلى داره الاخرى، ومتى صار فيها استحق المرور في طريقها تبعا للكون الثاني والدار التى هو فيها لا للاولى، وحينئذ فكل دار على ما كانت عليه من استحقاق الشفعة بالشركة في الطريق، ولا يتعدى إلى الاخرى، وان جاز الاستطراق. لكن قد يقال: ان الفتح المزبور وان لم يفد الحق المذكور، الا أنه يورث شبهة في الاستحقاق نحو الباب المفتوح لغير الاستطراق الذي قد سمعت تصريحهم بالمنع منه، اللهم الا ان يمنع دلالتها على ذلك، بخلاف فتح الباب في الطريق، وعلى كل حال فما في الدروس عن ظاهر الشيخ من اشتراك اهل الزقاقين في الدرب من الجانبين، فتبطل حينئذ شفعة كل منهما بالكثرة، أو تثبت بناء على ثبوتها معها لا وجه له، مع فرض كون المراد من اهل الزقاقين أي ذيهما ما يشمل من فتح بابا لداريه المتلاصقين اللتين لكل منهما زقاق، لما عرفت من عدم اقتضاء فتح الباب ذلك.

[ 251 ]

نعم لو كانت دار واحدة لها طريقان للزقاقين، اتجه حينئذ ما ذكره، وتثبت الشفعة له ولهم مع فرض تحققها مع الكثرة والشركة في الطريق، فقد يكون لكل من أهل الزقاقين الشفعة في الدار ذاتها إذا بيعت مع الطريقين. ولعله إلى ذلك اشار في القواعد بقوله " ولذي الدارين المتلاصقين، في دربين مرفوعين فتح باب بينهما، وفى استحقاق الشفعة حينئذ نظر، وان أكثر في جامع المقاصد في الاحتمالات فيها " والله العالم. (ولو أحدث) الاجنبي أو بعض أهلها (في الطريق المرفوع حدثا) على غير الوجه الشرعي (جاز ازالته لكل من له عليه استطراق) من غير فرق بين المضر وغيره، وبين كونه في الهواء كالروشن أو في الارض كالدكة، ولا بين وقوعه باذن بعضهم وعدمه، بل لو بقي واحد بغير اذن كان له الازالة، بل وللآذن ذلك أيضا، لقاعدة التسلط. واذن بعض الشركاء لا تجدى في المال المشترك. (ولو كان في زقاق بابان) مثلا (احدهما ادخل من الاخر، فصاحب الاول يشارك الاخر في مجازه، وينفرد الادخل بما بين الباين) على المشهور بين الاصحاب كما في المسالك، لان المقتضى لاستحقاق كل واحد هو الاستطراق ونهايته بابه فلا يشارك الداخل، بخلافه، وقيل: يشترك الجميع في الجميع حتى في الفضلة الداخلة في صدرها: أي اسفلها، لاحتياجه إلى ذلك عند ازدحام الاحمال ووضع الاثقال، ولان اقتصار تصرف الخارج على نفس ما يخرج عن بابه أمر بعيد، بل متعسر والمتعارف الاحتياج إلى ازيد من ذلك، ولظهور اتحاد جميع أهل الدربية في اليد عليها أجمع حتى الفضلة التى تكون فيها، فالقول بالاقتصار على ما حاذى الباب غير جيد. (و) لعله لذا قوى في الدروس الاشتراك في الجميع، كما ستسمعه إنشاء الله وعليه يتضح الوجه في الحكم باشتراك الفضلة بينهما فيما (لو كان في الزقاق فاضل إلى صدرها) أي اسفلها (وتداعياه) أو لم يتداعياه (فهما) إذن (فيه سواء) لما عرفت من كونه جزء من الطريق الذي يدهم جميعا عليه بالاستطراق، وغيره من

[ 252 ]

وجوه الارتفاق على وجه لا أولوية لاحد منهما على الاخر. واحتياج الداخل إلى استطراق ما بين البابين للدخول إلى داره لا يقتضى اختصاصه بذلك، بعد ما عرفت من مشاركة غيره في الارتفاق به، وان لم يحتج إليه في الاستطراق إلى داره. وحينئذ فلا وجه لاشكال ذلك بتوقف الانتفاع بالفضلة على استحقاق السلوك إليها، فإذا لم يكن للخارج حق السلوك لا يترتب على تصرفه الفاسد ثبوت يد على الداخل، ولا إلى دفعه بأن ثبوت ملك شئ لا يتوقف على مسلك له، ومع ذلك فيمكن دخول الخارج إليها، بشاهد الحال، كسلوك غيره ممن لا حق له في تلك الطريق، فمع فرض اشتراكهم في اليد عليها حكم باشتراكها فيما بينهم، ولا يرد مثله في المسلك بين البابين حيث لا يجوز للخارج دخوله بذلك، لان الداخل له عليه يد بالسلوك المستمر عليه الذي لا يتم الانتفاع بداره الا به، بخلاف الفضلة فإن يدهم فيها سواء، إذ لا تصرف لهم فيها الا بالارتفاق وهو مشترك إذ هو كما ترى، بعد ما عرفت من ان يد الداخل على ما بين البابين لا تنافي يد غيره ايضا عليه بالسلوك فيه للفضلة أو لغيرها من مقامات الارتفاق. فالتحقيق حينئذ بناء ذلك على اشتراك الجميع في الجميع الذى قواه في الدروس، ويؤيده ظهور اتحدا كيفية احياء الطريق المرفوع والطريق العام، فكما أن اتخاذ جملة من المسلمين طريقا على جهة العموم يفيد الحق للمسلمين كافة، حتى لمن لم يستطرقه منههم، لانه وقع ممن وقع بعنوان الجميع، كذلك الطريق الخاص الذى اتخذ طريقا إلى دورهم على جهة الاشتراك بينهم في ساير وجوه الارتفاق التى منها الاستطراق إلى الدار، فكل منهم قد اتخذه لجميعهم على هذا الوجه، ولذا كان بينهم أجمع على الشركة. (و) من ذلك يعلم النظر فيما ذكره المصنف وغيره من متأخرى الاصحاب من انه (يجوز للداخل ان يقدم بابه) إلى الخارج (وكذا الخارج) يجوز أن يقدم بابه (و) لكن (لا يجوز ل‍) ه أي ا (لخارج أن يدخل بابه) إلى

[ 253 ]

اسفل (وكذا الداخل) بالنسبة إلى الادخل الذى هو خارج في القياس إليه، فإن ذلك كله مبني على اختصاص كل داخل عن الخارج بما دخل عنه، ومشاركته فيما خرج، فيجوز للداخل اخراج بابه لثبوت حق الاستطراق له في جميع الطريق إلى بابه، فكل ما خرج عنه له فيه حق. وله حق التصرف في جداره برفعه أجمع، فبعضه أولى، بل مقتضى اطلاق المتن وغيره عدم الفرق بين سد الباب الاول وعدمه، بل وصرح به بعضهم، وان توقف فيه آخر، باعتبار اقتضاء ذلك تعدد حق الاستطراق إلى الدار، لكنه في غير محله، بخلاف الخراج، فإنه لا حق له في الاستطراق إلى ازيد من بابه، فليس حينئذ أن يدخلها، وان كان ربما اشكل ذلك بأنه قد كان له في السابق فتح بابه من أي جهة شاء من جداره، بل له رفع الجدار اجمع، فلا وجه لعدم جواز ادخال بابه، لكن قد يدفع بأنه وان كان له ذلك قبل ذلك الا أنه تشخص حقه بالباب التى استطرقها، فله حينئذ الاستطراق من أي جهة شاء من جداره، منتهيا إلى تلك الباب دون الادخل منها، ورفع الجدار كله لا يقتضى ثبوت حق الاستطراق له من أي جهة منه بل بناء على انتهاء اختصاصه إلى بابه، يكون كذلك بعد رفع الجدار ايضا. نعم ذلك كله مبني على الاختصاص والاشتراك المزبورين، أما بناء على ما ذكرناه من اشتراك الجميع في الجميع فالمتجه حينئذ تساوى الاخراج والادخال من كل منهم في الجواز وعدمه، لتساوي الجميع في الاستحقاق. وقد يقوى الجواز بالنسبة إلى الاستطراق الذي بناء الشركة على عدم معارضة أحدهم الاخر فيه، فيختر في فتح بابه من أي جهة شاء من جداره، خارجا عن بابه الاول أو داخلا، بل مع سد الاولى وعدمه، لان له حق الاستطراق متحدا أو متعددا من أي جهة شاء. نعم ليس لاحدهم اخراج روشن أو جناح أو ساباط بدون إذن جميعهم، لخروجه عن الاستطراق الذي وضع الاشتراك فيه، على ما عرفت، نعم لو قلنا باختصاص الداخل بما بين البابين، اتجه حينئذ عدم اعتبار اذنه في الجناح والروشن والساباط ونحوها

[ 254 ]

لعدم الحق له حينئذ، وانما يتوقف على اذن غيره ممن هو أدخل بابا ان كان، والا لم يحتج إلى اذن اصلا. قال في الدروس: " ولو كان في اسفل الدرب فضلة فهم مستوون فيها لارتفاقهم بها، وقال متأخروا الاصحاب ان ذا الباب الخارج انما يشارك إلى موضع بابه، ثم لا مشاركة حتى ان الداخل ينفرد بما بقي، ويحتمل التشارك في الجميع كالفضلة لاحتياجهم إلى ذلك عند ازدحام الاحمال، ووضع الاثقال، فعلى الاول ليس للخارج حق في المنع من الروشن وشبهه فيما هو ادخل منه، ويكفى اذن من له فيه حق، وعلى الثاني لابد من اذن الباقين، وهو عندي قوى " وهو كما ذكرنا. ووكذا ما فيها ايضا درس في الجدار. اما الخاص فلمالكه التصرف فيه بما شاء من فتح كوة للاستضاءة ووضع الجذوع وغير ذلك حتى رفعه من البين، ويتخرج من هذا جواز ادخال الباب من غير اذن الجار في المرفوعة نعم ما ذكره سابقا يخالفه في الجملة، وان كان قد يشهد له في الجملة خبر الدعائم (1). قال: " وأما السكة المرفوعة أي المنسدة الاسفل، فلا يجوز احداث روشن ولا جناح فيها الا باذن جميع أهلها، سواء كان في اسفلها أو أعلاها، ولا فتح باب ادخل من بابه، سد بابه أولا، ويجوز له اخراج بابه وان لم يسد الاولى على قول، ولو اذن اهل الاسفل في ادخال الباب فهل لاهل الاعلى المنع، فيه اشكال، من عدم استطراقهم، ومن الاحتياج إليه عند ازدحام الدواب والناس، وهو اقوى ". إذ قد عرفت انه بناء على الاشتراك يتجه له الجواز في الباب، بناء على ما سمعت من عدم حق لاحدهم في المعارضة فيه، لبناء مثل هذه الشركة على ذلك، وانما هو كذلك بالنسبة إلى الروشن والجناح وغيرهما، أما الفضلة، فيمكن أن تكون كذلك ايضا، فلكل منهم اخراج بابه منها من غير حاجة إلى اذن الاخر، بل مع منعه لكونها جزء من الطريق الذي قد عرفت اصل وضعه لذلك، ويمكن عدم


(1) الدعائم ج 2 ص 505 الطبعة الثانية بمصر.

[ 255 ]

الجواز الا باذن الجميع، لعدم اعدادها للاستطراق وان انتفعوا بها في غيره اما الروشن والجناح إليها فلا اشكال في الحاجة إلى اذن الجميع. وبذلك كله بان ان اطلاق الاصحاب سابقا ان الطريق المرفوع ملك لاربابه، وأنه لا يجوز لاحد منهم أو من غيرهم اخراج روشن أو جناح أو ساباط أو فتح باب ولو للاستضاءة غير مراد منه ظاهره على جهة العموم، بل هو على الاهمال وإلا لنافاه ما سمعته من كثير منهم ممن صرحوا بكيفية اشتراكه، وبالفرق بين الداخل والخارج بالنسبة إلى فتح الباب وغيره، وان كان هو على مختارنا اليق منه على غيره، فما وقع لبعضهم من الاشكال في ذلك حتى ظن التدافع بين كلماتهم في غير محله، هذا. (و) قد بان لك ايضا مما تقمد سابقا أنه (لو أخرج بعض اهل الدرب النافذ روشنا) مثلا غير مضر بالمارة (لم يكن لمقابله) ولا لغيره (معارضته ولو استوعب عرض الدرب) ما لم يضع منه شيئا على جداره، للاصل والسيرة المستمرة على معاملته معاملة المباح من غير اختصاص لاهل الدور في شئ منه، من غير فرق بين ما قابله منهم وعدمه. بل صرح غير واحد منهم الفاضل (و) الشهيدان بأنه (لو سقط ذلك الروشن فسبق جاره إلى عمل روشن لم يكن للاول منعه، لانهما فيه شرع، كالسبق إلى القعود في المسجد) فقام منه ولم يملك الاول الموضع بوضع الروشن فيه، وانما اكتسب أولوية سبقه إليه، فإذا زال اثره زالت كالقعود في المسجد والسوق، بل لو فرض أن الثاني أخرب روشن الاول لم يكن له ازالة ما وضعه الثاني وان كان قد ضمن الارش اكتسب الاثم في الازالة، وكذا الكلام في المسجد وشبهه. لكن قد يناقش أولا: يصدق الغصب واستصحاب بقاء حقه، بل قد يناقش في نحو المقام بانه قد ملكه بالحيازة بناء على كونه مباح الاصل على ما صرح به في الدروس، فيستمر حينئذ على ملكه، وان زال اثره، وقد احتمل في الدروس الملك في نحو المقام على بعد، قال: " فرعع) لو جعل المقابل روشنا تحت روشن مقابله

[ 256 ]

أو فوقه فهل للسابق منعه ؟ لم اقف فيه على كلام، وقضيه الاصل عدم المنع، الا أن يقال لما ملك الروشن ملك قراره وهواءه، وهو بعيد، لانه ماذون في الانتفاع، وليس ملزوما للملك ". قلت: ينبغى بناء المسألة على أن الطريق المحيى بالاستطراق يكون ملكا لمن أحياه هو مع هواه، فأرض الطريق حينئذ وما تحتها وهواها ملك للمسلمين، الا أنه جرت السيرة والطريقة على تصرفهم فيه بما لا ضرر فيه على مارتهم، وحينئذ فلا يملك ذو الروشن مثلا شيئا من الهواء، بل هو على ملك المسلمين، وإنما له حق اختصاص، فإذا زال اثره زال حقه، أو أن المسلمين إنما لهم منه حق الاستطراق، فالفضاء والاسفل باق على الاباحة الاصلية، يملكه من يحوزه، ويجرى عليه حينئذ حكم ذلك، لم أعثر على تحرير لهم في ذلك، والذي ذكرناه سابقا الاول. وقلنا: إن حاله كحال الطريق الخاص في الكيفية، بل هو الموافق لقاعدة " من ملك ارضا ملك هواها وقرارها إلى عنان السماء وتخوم الارض ولا ريب في ملك المسلمين نفس ارض الطريق بالاستطراق فيتبعها ذلك، وحيئنذ فالمتجه أن للسابق حق اختصاص سبقه فمتى زال اثره زال حقه والله العالم. المسألة (الثانية: إذا التمس وضع جذوعه) مثلا (على حائط جاره، لم يجب على الجار اجابته، ولو كان خشبة واحدة) عندنا للاصل، بل الاصول كما لا يجوز له الوضع بدونها، لقوله صلى الله عليه واله (1) " لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه " ولقاعدة عدم التصرف في مال الغير بغير اذنه، فما عن أحمد، ومالك، بل والشافعي في القديم وان كان مع شروط ثلاثة عدم احتياج مالك الجدار إلى وضع الجذع عليه وأن لا يزيد الجار في رفع الجدار، لولا يبنى عليه ازجا ولا يضع عليه ما لا يحمله ويضربه وانحصار الحاجة في الرابع. لانه مالك للجوانب الثلاث، أما إذا كان الكل للغير لم يضع الجذوع عليها قولا واحدا من ان له الوضع بدونها بل يجبر مع الامتناع، لخبر


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب مكان المصلى الحديث 1 - 3.

[ 257 ]

أبى هريرة (1) عنه صلى الله عليه واله " لا يمنع أحدهكم جاره أن يضع خشبة على جداره " واضح الفساد ضرورة وجوب طرح مثل هذا الخبر المعارض لاصول المذهب وقواعده. (لكن يستحب) اجابته، لما ورد من الحث على قضاء الحوائج، والتوصية بالجار، بل يمكن الحكم بكراهية المنع، للخبر المزبور ولغيره، (و) حينئذ ف‍ (لو اذن جاز الرجوع قبل الوضع اجماعا) بقسميه، للاصل وغيره، بل ظاهرهم ذلك، وان استلزم ضررا عليه، بفعل المقدمات من بناء وغيره. (وبعد الوضع) المستلزم نقضه للضرر (لا يجوز) الرجوع عند الشيخ ومن تبعه (لان المراد به) للمستعير والمعير (التأبيد) فهو حينئذ كالعارية للدفن وللضرر الحاصل بالنقض حيث يفضي إلى خراب ملك المأذون. (و) لكن مع ذلك فالقول ب‍ (الجواز حسن مع الضمان) بل هو خيرة الفاضل والكركي، وثاني الشهيدين، لانه عارية، ومن لوازمها جواز الرجوع الذي هو مقتضى الاستصحاب وقاعدة تسلط الناس وغير ذلك. والالحاق بالدفن قياس مع الفارق لتحريم النبش، وكذا العارية للرهن، المقتضى لتعلق حق الغير به على وجه يقتضى اللزوم من طرق الراهن، بخلاف ما هنا، فإنه لا حرمة على المالك في خراب ملكه، الا أنه نسبه في الدروس إلى القيل، مشعرا بتمريضه، واحتمل المنع من النقض، بل كانه مال إليه، قال: " ولو أسعفه فوضع قيل: جاز له الرجوع، لانه اعارة، ويحتمل المنع من النقض، للضرر الحاصل به، فإنه يؤدى إلى خراب ملك المستعير نعم يكون له الاجرة فيها بعد الرجوع ". وفي المبسوط " لا رجوع حتى يخرب، لان البناء للتابيد وللضرر، ولو قلنا بالرجوع ففي غرمه الارش وجهان، من استناد التفريط إلى المستعير، ومن لحوق ضرره بفعل غيره ". قلت: الاصل في هذه المسألة ما حكاه في التذكرة عن الشافعية، ومحصله خمسة وجوه:


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 68.

[ 258 ]

أحدها أن له الرجوع ويتخير بين البقاء بالاجرة والقلع بالارش، قال فيها: وهو اظهر قوليها. والثاني: أن له الرجوع والقلع بالارض، وأما البقاء بالاجرة فمتوقف على رضاهما بذلك، وهو خيرة ثانى الشهيدين والمحققين، واستحسنه في المتن. الثالث: أن له الرجوع ولا يجوز له النقض، وانما له الاجرة خاصة، ومال إليه الشهيد في الدروس. الرابع: أن له الرجوع والقلع مجانا. الخامس: أن ليس له الرجوع، بمعنى أنه لا يستفيد به جواز قلع ولا اجرة، وهو الذى اختاره الشيخ ومن تبعه، بل هو ظاهر المصنف. ولا ريب في قوة الرابع بناء على أن له الرجوع، ضرورة كون المنشأ في ذلك على تقدير القول به ان حكم هذه العارية حكم غيرها من العوارى التى يعتبر في بقائها استدامة الاذن، فمع فرض انقطاعها يبطل حكمها، فيبقى وضع بلا اذن، والضرر اللاحق بالقلع انما يجئ من خطاب الشارع له بتخليص ملك الغير ورفعه عنه، وبذلك لا يعد كون المعير متلفا لا مباشرة ولا تسبيبا كى يتجه ضمانه الارش، خصوصا بعد اقدام المستعير على الوضع بالاذن المفروض جواز الرجوع فيها، فلا غرور منه، بل وجوب الارش انما يتجه مع فرض ثبوت حق للمستعير في البقاء الذي قد فرض عدمه، باعتبار ارتفاع استمرار الاذن الذى هو السبب فيه. ومنع يعلم ما في القول بأن له الرجوع، ولكن لا يجوز له النقض، وانما له الاجرة، فإنه لا حق له بعد فرض انقطاع الاذن المفروض أن دوامها هو السبب في البقاء، فلا حق له حينئذ فيه، كى يجب على المستعير مراعاته، وقاعدة الضرر قد عرفت ما فيها، على أن الضرر الحاصل على الغير بسبب تفريغ الملك المخاطب به شرعا لا دليل على الضمان به بل الاصل يقتضى عدمه، والا لاتجه الضمان بالرجوع قبل الوضع مع فرض حصول الضرر بفعل المقدمات من بناء ونحوه، فلا محيص عن المجانبة حينئذ مع فرض أن له الرجوع.

[ 259 ]

نعم قد يتجه ما ذكره الشيخ من عدم جواز الرجوع باعتبار أن العارية المبنية على الدوام سببها ابتداء واستدامة انما هو الاذن الاولى التى لا يتصور فيها رجوع بعد صدورها، بل يكون حينئذ الرجوع فيها كالرجوع بالاذن فيما مضى من العارية. وهذا معنى قول الشيخ " لان المراد الدوام التأبيد " ومحصله أن عارية الدوام عرفا هكذا، وقد شرعها الشارع بشرعه للعارية على هذا الوجه، وهو معنا لا ينافي كون العارية من العقود الجايزة المعلوم ارادة ما كان استمرار الاذن فيها المقتضي للبقاء، لا ما كان فيها علة الدوام والابتداء واحدة، وهى الاذن الاولى التى لا يتصور فيها رجوع. ولعل من ذلك العارية للدفن، لا لان النبش محرم فإن حرمة النبش لا تنافي جواز الرجوع المقتضي لتعين الاجرة حينئذ، وكذا اعارة المكان للصلوة التى يحرم الابطال على الداخل بها. كما أن من ذلك يتجه حينئذ عدم انفساخها بالاغماء أو الجنون للمعير، أو المستعير، بل والموت وانتقال الدار إلى وارث، أو مشتر آخر ونحو ذلك الذى لا يخف يما في دعوى التزام الانفساخ بذلك كله، وخصوصا مع دعوى وجوب الارش أو الاجرة حينئذ، أو الاذن الجديدة من المعير، فإن دعوى وجوب الارش على المعير بانفساخ العارية بجنون المستعير مثلا ان لم ياذن جديدا مما لا يلتزمها من له ادنى رائحة في الفقه. بل قد يقال: ان قاعدة الضرر وحرمة تضييع المال ونحو ذلك يقتضى لزوم العارية على المعير، باعتبار أنه باذنه في ذلك يترتب الخطاب الشرعي، وهو حرمة الاضرار وحرمة تضييع المال ونحو ذلك، مثل العارية للرهن الذى تعلق به حق الغير، واندرج تحت ما دل على لزوم الرهن الذي لا يعارضه جواز الرجوع بالعارية من حيث نفسها الا إذا قارنها أمر آخر خارج عنها، وكالاذن بالدخول في الصلوة الذى يترتب عليه حرمة الابطال فتأمل جيدا فإنه تحقيق وتدقيق. ثم ان الارش على تقدير وجوبه فهل هو نقص آلات الوضع بالهدم ؟ أو تفاوت ما بين العامر والخراب ؟ وجهان: ينشآن من كونه بهيئته حقا لبانيه، فجبره بتفاوت

[ 260 ]

ما بين كونه عامرا وخرابا، لان ذلك هو نقص المالية، ومن أن نقص هذه المالية مستند إلى ملك صاحب الجدار، فلا يضمنه، انما يضمن مال الغير الذي كان سبب اتلافه وفواته. ولكن لا يخف يعليك قوة الاول، لان جميعه مال للواضع، غايته كونه موضوعا على ملك الغير، وذلك الملك انما اثر جواز النقض، لا المشاركة في المالية، بل قد يقال: ان المتجه ضمانه ايضا كل ضرر يحدث في ملك المالك، بسبب النقض المزبور فتأمل والله العالم. هذا كله في الرجوع قبل انتهاء أمده، (أما لو) انتهى ف‍ (انهدم، لم يعد الطرح الا بإذن مستأنف) لانقطاع حكم الاذن الاولى بانقطاع زمان المأذون فيه الذي قد اقتضاه الاذن فيه، (و) لكن (فيه قول آخر) محكي عن الشيخ في المبسوط، وهو أنه ان أعاده بالهيئة الاولى لم يكن له منعه، من رد الخشب والسقف عليه، وان أعاده بغيرها كان له منعه وفيه ما لا يخفى من انقضاء مقتضى الاذن الاولى فليس له العود بدون الجديدة، فضلا عما لو منع. ودعوى أن الاذن الاولى قد اقتضت الدوام على الوجه المزبور، بمعنى كونها في صنف الوضع وان تعددت اشخاصه واضحة المنع، بل مع فرض التصريح بها لا يثبت ذلك، وان قلنا بأن عارية الدوام لازمة، لكن بمعنى انها بالنسبة إلى ذلك الشخص، لا الصنف، وكذا العارية للغرس والبناء ونحوهما. نعم لو فرض انهدامه بهدم هادم لا بانتهاء عمره، أمكن تخريجه على مذهب الشيخ، كما انه يمكن ان يكون كلامه في غير ما نحن فيه، من أنه واضع الجذوع الذى لا يعلم كيفيته يحكم باستحقاقه ذلك، حتى يعلم كونه عارية، ضرورة ظهور تصرفه في استحقاقه ذلك، فيتجه حينئذ وجوب بناء الجدار على المالك لو فرض انهدامه مقدمة لحصول حق الوضع، هذا. ولكن في المسالك بعد ان ذكر خلاف الشيخ قال: " وكثير من الاصحاب لم يذكروا هنا خلافا " ويمكن أن يكون سببه ان الشيخ ذكر اولا في الكتاب انه لو

[ 261 ]

انهدم الحائط أو هدمه المستعير لم يكن له الاعادة الا بإذن مستأنف، ولم يتردد في ذلك فاطرحوا قوله الآخر، وهو قول فلبعض الشافعية، كما ان القول الاخر لهم، فجمع الشيخ بين الحكمين المختلفين عن قرب والله العالم. (ولو صالحه على الوضع ابتداء جاز بعد ان يذكر عدد الخشب ووزنها وطولها) أو يشاهدها، ولو لكون الصلح في اثناء الوضع للاختلاف في ذلك، بل ذكر غير واحد انه لابد مع ذلك من ذكر المدة المضبوطة، لكونه حينئذ هنا كالاجارة وفيه: منع اعتبارها، لعموم الصلح، فيصح حينئذ بقصد الدوام، بل يمكن ان يريد من اعتبرها ما يشمل قيد الدوام، خصوصا بعد تصريحه بذلك في الصلح على السقي، بل قد يقال: بعدم الحاجة إلى معرفة طول الخشب ووزنه وعدده، لما عرفت من عدم ثبوت مانعية ما عدى الابهام من الجهالة فيه، والمرجع حينئذ في ذلك إلى ما يحتمله مثل الحائط المزبور كما ان ذلك هو المرجع في الاجر واللبن، بل وكذا لو كان الصلح على بناء زيادة على حائطه، فلا يفتقر إلى ذكر الطول وسمك اللبن، خلافا لبعضهم فأوجبه، لاختلاف الضرر باختلافهما، وفيه أنه لا دليل على مانعية مثل ذلك هذا كله في الموضع على حائط مملوك. أما لو كان موقوفا بحيث يكون له مالك مخصوص كالمسجد وشبهه، لم يجز لاحد البناء عليه، ولا الوضع بغير إذن الحاكم قطعا، وليس له الاذن بغير عوض قطعا ايضا، أما معه وفرض المصلحة ففيه وجهان: أجودهما في المسالك العدم، وقواه في الدروس، لانه تصرف في الوقف بغير ما وضع له، ولانه يثمر شبهة. ولكن الانصاف عدم خلو الاول عن قوة، ولو كان الوقف خاصا جاز للناظر أو الحاكم مع ملاحظة مصلحة البطون، فيمضى حينئذ عليهم، وليس لاهل البطن الاول ذلك، لما فيه من الضرر على البطون المتأخرة الذي لا يندفع بعدم اجازتهم فيما بعد كما هو واضح. المسألة (الثالثة لو تداعيا جدارا) بين ملكيهما (مطلقا) ليس لاحدهما

[ 262 ]

يد اختصاص عليه (ولا بينة) حلف كل واحد منهما لصاحبه على ما تقتضيه يده من النصف، فإن نكل أحدهما كان الجميع للاخر ان قلنا يقضى بالنكول، والا حلف، وصار الجميع له، وان نكل هو ايضا ففى التذكره هو أي النصف لهما، وفي أحد وجهي الشافعي أنه يحلف كل واحد منهما على الجميع، لانه الذي ادعاه. قال في التذكرة: " وعليه فإذا حلف الحاكم أحدهما عليه لم يمنع ذلك حلف الاخر عليه ايضا فإذا حلف قسم الجدار بينهما، لعدم الاولوية، فإن نكل الاخر بعد حلف الاول على الجميع حكم للمخالف به من غير يمين أخرين ولو حلف الثاني على النصف بعد امر الحاكم له على الحلف بالجميع، ففى الاعتداد بهذا اليمين وعدمه وجهان: وعلى الاول يكون النصف بينهما، مع احتمال أنه للثاني خاصه وإن قال في جواب الحاكم قبل الحلف انى لا أحلف إلا على النصف كان في الحقيقة مدعيا للنصف فقول المصنف (فمن حلف عليه مع نكول صاحبه، قضي له) ظاهر في موافقة الشافعي، اللهم الا أن يريد أنه مع النكول يحلف يمينا واحدة على الجميع، قائمة مقام اليمين المردودة ويمين الانكار. لكنه كما ترى ايضا. (و) على كل حال ف‍ (ان حلفا أو نكلا قضي به بينهما) لعدم الترجيح (وأس ؟) الجدار يتبع من يكون الجدار له، اختصاصا أو اشتراكا فلو تنازعا فيهما حينئذ واقام احدهما بينة بالجدار فهو ذويد في الاس وكذا الشجرة مع المغرس، وذلك لان كون الجدار حائلا بين الملكين إمارة على اشتراك اليد، ولا دلالة على اشتراكهما في الاس والمغرس فإذا ثبت الجدار لاحدهما اختصت به. (و) كيف كان فهذا كله إذا لم يكن لاحدهما يد اختصاص أما (لو) فرضت بأن (كان متصلا ببناء أحدهما) اتصال ترصيف بتداخل الاحجار واللبن فيه، وفي حائطه المختص به، كما يظهر ذلك في الزوايا على وجه دال على انه جدار واحد، أو كان لاحدهما عليه قبة أو سترة على وجه يكونان من الجدار نفسه كما صرح به في التذكرة أو نحو ذلك دون الاخر (كان القول قوله بيمينه) مع فقد البينة، لصيرورته بذلك صاحب يد.

[ 263 ]

نعم لو اتصل بهما معا كذلك، أو كان البناء لهما أو اختص احدهما بصفة والاخر بالاخرى فاليد لهما، حتى لو كان لاحدهما واحدة والباقي مع الاخر، إذ لا اثر لزيادة اليد في الترجيح، فيحلفان ويقسم بينهما، كما يقسم لو نكلا إلى تمام ما عرفته سابقا، ولو بنى الجدار على جذع داخل طرفه في بناء أحدهما ففي التذكرة " كان بذلك صاحب يد " ونظر فيه في الدروس من أنه كالاس أو كالجزء قال: " ولو اتفقا على ملكية الجذع لصاحب الجدار المولج فيه فاحتمال اختصاصه اقوى " وظاهره قوة الاختصاص في الاول، ولعله كذلك، ضرورة ظهور الفرق بينه وبين الاس بكون الخشبة شيئا واحدا بخلاف الاس، فإنه أجزاء متعددة باعتبار تعدد آلاته والله العالم. (ولو كان لاحدهما عليه جذع أو جذوع، قيل:) والقائل الشيخ (لا يقضى بها) لجريان العادة بالتسامح للجار في ذلك، بل قد سمعت أن مالكا وأحمد لا يجوزا منعه، للخبر المزبور (1) ولدلالة كونه بين ملكيهما على ثبوت اليد لهما، فوضع الجذوع من أحدهما مزيد انتفاع، كاختصاص أحد الشريكين الساكنين بزيادة الامتعة، بل قد سمعت أن زيادة التصرف لا يقتضى الترجيح، بعد الاشتراك بما يقتضي كون اليد لهما. (وقيل: يقضى) بها لذيها (مع اليمين وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده، لانه تصرف دال على الاختصاص بالملكية على وجه لا يعارضه التسامح المزبور ما لم يعلم، ولمنع دلالة كونه بين ملكيهما على اليد إذا لم ينضم إليه تصرف بوجه من الوجوه السابقة كما في المسالك. قال: " وحينئذ فوضع الجذع يفيد اليد للواضع، ويبقى الاخر، خاليا، و يكون حكمه حكم ما سلف من المرجحات، ولو جامعها اعتبر ما فصلناه " وفيه: أنه لا اشكال في كونه يدا لهما، كما اعترف به هو سابقا، ولذا لو ادعاهما به أجنبي كان القول قولهما بيمينهما.


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 68.

[ 264 ]

نعم هي يد لا تعارض ما يدل عليه الوضع عادة من الاختصاص إذا كان الوضع على وجه ظاهر في كونه في اصل بناء الجدار فلا يد اشتراك معه كغيره من المرجحات السابقة التى هي علامة على اختصاص الجدار في نفسه لا من حيث كونه تصرفا، وما قدمناه سابقا من عدم الفرق بين الاتحاد والتعدد انما هو في يد الاختصاص، لا مثل هذه اليد التى يعتبر في الحكم بها لهما عدم ما يقتضى الاختصاص عادة، (و) يمكن ارادته ذلك. نعم (لا يرجح دعوى أحدهما بالخوارج التى في الحيطان) كالكتابة و التزيين، والوجه الصحيح من اللبن لو بناه بانصاف اللبن، (ولا الروازن) والطين لا لامكان احداثه له من جهة من غير شعور صاحب الج دار كما في المسالك، بل و فيها " ومثلها الدواخل فيه كالطاقات غير النافذة والروازن النافذة لما ذكر " إذ هو مناف لاصالة الصحة في تصرف المسلم، بل لعدم دلالتها عادة على الاختصاص، بحيث تقطع يد الاشتراك، إذ الروزنة ونحوها انما تصنع غالبا لبيان الاستحقاق في الجدار لا استحقاقه، وحينئذ لا فرق في ذلك بين احتمال حدوثها وعدمه في عدم قطع يد الاشتراك المتوقف على وجود ما يرجح عليه مما يدل على الاختصاص، ولو بامارة ظنية عرفية كالترصيف بين الجدارين الظاهر في أنه جدار واحد وكذا القبة والسترة الكائنتان في الجدار نفسه. والحاصل أن امارة الاختصاص تكون على وجهين، أحدهما: في الجدار نفسه، وثانيهما: في التصرف ولو كان طاريا، إذا كان على وجه يقتضى الاختصاص بالمتصرف، وان كان التصرف حادثا فتأمل. (ولو اختلفا في خص) بالضم ما يعمل من القصب شبه الجدار حاجزا بين الملكين، (قضي لمن إليه) منهما (معاقد القمط) بالضمن ايضا جمع قماط: وهي شداد الخص من ليف أو خوص أو غيرهما (عملا بالرواية) وهى صحيحة منصور ابن حازم (1) المروية في الكافي والتهذيب عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن خص بين


(1) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الصلح الحديث - 1 -.

[ 265 ]

دارين فذكر أن عليا عليه السلام قضى به لصاحب الدار الذى من قبله القمط " ورواها ايضا في الكافي بسند آخر صحيح أو حسن عنه الا انه قال: " عن حظيرة " وكذا الصدوق، إلا أنه قال: " فزعم " عوض " فذكر " المعتضدة بخبر عمر بن شمر (1) عن جابر عن أبى جعفر عن أبيه عن على عليه السلام " أنه قضى في رجلين اختصما إليه في خص فقال: إن الخص للذي إليه القماط " وبالعامي (2) " أن قوما اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في خص، فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم فحكم به لمن إليه معاقد القمط، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه واله فاخبره، فقال: اصبت وأحسنت " وبفتوى المعظم من الاصحاب بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا. فما عن قول للشافعي من الحكم بعكس ذلك في غير محله، وكذا ما عن ابى حنيفة من عدم الترجيح بذلك، بل وما عن المصنف في النافع من نحو ذلك قائلا أنها قضية في واقعة، فلا يتعدى الحكم، وحينئذ فحكم الخص حكم الجدار بين الملكين سيما بعد قول الباقر عليه السلام في خبر عمر فتأمل. نعم قد يقال: إنه لا يتعدى منها إلى سائر وجوه التراجيح، بل يقتصر عليها في كل خص، وأما غيرها فلابد من الترجيح بالامارة العادية في رفع يد الاشتراك والله العالم. المسألة (الرابعة لا يجوز للشريك في الحائط التصرف فيه ببناء ولا تسقيف ولا إدخال خشبة) ولا غير ذلك من التصرف (الا باذن شريكه) بلا خلاف ولا إشكال لحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه عقلا، وشرعا، من غير فرق بين المضر وغيره، بل في التذكرة " لا يجوز أخذ اقل ما يكون من ترابه لتتريب الكتاب " نعم استثنى له ولغيره الاستناد إليه، واسناد المتاع ونحوه مع فرض عدم الضرر، وكذا الجدار المختص عملا بشاهد الحال كما في الدروس، ولانه بمنزلة الاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بجداره، مع أنه صرح في المسالك تبعا للتذكرة بحرمة ذلك ايضا مع منع المالك والشريك لانه نوع تصرف بايجاد الاعتماد عليه.


(1) الوسائل الباب 14 من كتاب الصلح الحديث 2. (2) سنن البيهقى ج 6 ص 67.

[ 266 ]

لكن في الدروس هل لصاحب الجدار منع المستند والمستظل إذا كان المجلس مباحا ؟ الاقرب عدم المنع مع عدم الضرر، ومنه يعلم حينئذ ان الجواز للاذن الشرعية، لا المالكية المدلول عليها بشاهد الحال، فلا فرق حينئذ بين ملكه لمولى عليه وغيره، للسيرة المستمرة، إلا أن الانصاف كون المتيقن منها حال عدم التصريح بالمنع، لا مطلقا، لان الناس مسلطون على أموالهم وفرق واضح بين الاستناد ونحوه وبين الاستظلال ونحوه بالتصرف في مال الغير في الاول بخلاف الثاني. أللهم إلا أن يقال إن في المنع عن ذلك ونحوه في الجدران المشتركة بين الاملاك وفي الطريق النافذة وغيرها عسرا وحرجا على ان الانتفاع بالفضاء المملوك مثلا لا يتم إلا بالمماسة للجدار والامتناع عن بعضه مقدمة ليس بأولى من سقوط حرمة مثل ذلك مقدمة، جمعا بين الحقين، ولقاعدة " لا ضرر ولا ضرار ". نعم إنما يقتضى ذلك جواز المماسة لا الاستناد، ولعله يمكن الفرق بينهما إن لم يكن سيرة تقتضي بجوازه حتى مع المنع، هذا وفى المسالك وموضع الخلاف ما إذا كان المجلس للمستند، وإلا لم يجز إجماعا، وكان مراده ما سمعته من الدروس من اعتبار إباحته، لا كونه ملكا له. كما أن ذلك ربما يكون شاهدا لما ذكرناه، وإلا فلا تلازم بين حرمة المجلس و حرمة الاستناد أو اللمس، وكذا ما فيها أيضا من أنه لو بنى الشريك في ملكه جدارا متصلا بالجدار المشترك أو المختص بحيث لا يقع ثقله عليه جاز، ولم يكن للآخر الاعتراض عليه، ولو ألقى ثقله عليه لم يجز بدون إذنه، فإنه ايضا مبنى على ما ذكرنا. نعم ليس له حك شئ من آلاته حجرا كانت أو آجرا أو لبنا، ولا الكتابة عليه ولا غير ذلك، وإن سلم من مظنة الضرر، لقاعدة " حرمة التصرف في مال الغير " السالمة عن معارضته السيرة والعسرة والحرج، وما في الدروس من تعليل حرمة ذلك بأنه تصرف في ملك الغير بما هو مظنة الضرر، موهما اعتبار ذلك في الحرمة في غير محله والامر سهل. (ولو انهدم) الجدار أو استرم (لم يجبر شريكه على المشاركة في عمارته)

[ 267 ]

بلا خلاف ولا إشكال، للاصل وقاعدة التسلط، بل الاقوى توقف عمارته من الشريك خاصة على إذن الاخر لذلك أيضا خلافا لبعضهم، فجوزه لانه نفع واحسان، وحكاه في الدروس عن الشيخ، ولعله الظاهر من قواعد الفاضل، وفيه منع اقتضاء ذلك الجواز، وآخر ففرق بين إعادته بالالة المشتركة فلا يشترط رضاه وبين إعادته بآلة من عنده، فيشترط لبقائه شريكا على الاول بخلاف الثاني، وفيه ما عرفت ايضا، وفي الدروس " ولو بناه أحدهما بالآلة المشتركة كان بينهما وفي توقفه على إذن الاخر مع اشتراك الاساس احتمال قوي، ولو أعاده بآلة من عنده فالحائط ملكه، والتوقف على اذنه هنا اقوى " ومنع الشيخ من التوقف على إذن الآخر، وله منع الاخر من الوضع عليه في الثانية دون الاولى نعم للشريك المطالبة بهدمه، قال الشيخ: " أو يعطيه نصف قيمة الحائط، ويضع عليه، والخيار بين الهدم واخذ القيمة للثاني " وفيه: أنه، يكفى في قوة الاحتمال الاول اشتراك الالات، وإن لم يكن الاساس مشتركا، كما أن له المنع من الوضع ايضا مع فرض اشتراك الالات، فما في المسالك تبعا لما سمعته عنها من أن له منع الشريك من وضع الخشبة مع اختصاصه بالالات دون ما لو بناه بالمشتركة في غير محله ايضا اللهم إلا أن يكون الوضع مستحقا له سابقا مثلا، فيتجه حينئذ ما ذكره. وعلى كل حال فقد ظهر لك عدم جواز عمارة الشريك بدون الاذن مطلقا، نعم في المسالك " على القول باعتبار إذن الشريك لو خالف وعمره فهل للشريك نقضه احتمال، من حيث تصرفه في ملك غيره وتغيير هيئته، ووضعه الذى كان عليه فصارت الكيفية الثانية كأنها مغصوبة فله ازالتها، والاقوى العدم إن كان بناه بالالة المشتركة لان هدمه ايضا تصرف في مال الغير وهو الشريك الذي بنى فلا يصح كالاول، وإنما تظهر الفائدة في الاثم، والجواز إن كان بناه بغير آلته لانه عدوان محض، وتصرف في ارض الغير، فيجوز تغييره ". قلت: قد تبع بذلك الفاضل في التذكرة بل صرح فيها بعدم جواز نقض من بناه ايضا، لكنه لم يصرح في بناء الفرع تقدير اعتبار الاذن والمتجه أن له ذلك ايضا،

[ 268 ]

فإن له الامتناع من بناء الالات المشتركة، كما اعترف به في جامع المقاصد، ومن التصرف في ارضه مع فرض الشركة في الاساس، فلم يكن الوضع حينئذ بحق فهو ظالم لا حق لعرقه، فله الازالة بلا ارش. نعم لو قلنا بحرمة ذلك عليه اتجه حينئذ الزامه، به، كما لو هدمه ابتداء هذا وفى المسالك ايضا " أنه حيث يتوقف البناء على إذن الشريك ويمتنع يرجع امره إلى الحاكم ليجبره على المساعدة أو الاذن، فإن امتنع اذن الحاكم، وهل له الاذن فيه بأجرة يرجع بها على الشريك أو مجانا الاقوى الثاني، لان الشريك إذا لم يجبر على العمارة لا يجبر على الانفاق، فإذا اختار الشريك بناءه مجانا، فعل، وإلا تركه ". قلت بل قد يشكل جبره على الاذن على وجه تقوم إذن الحاكم مقامه. بأن له الامتناع منها، لقاعدة " التسلط " و " عدم حل مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه " وغيرها ومن هنا أنكر عليه ذلك في الحدائق، خصوصا بناء على مختاره سابقا من اعتبار الاذن في الجواز للشريك، حتى لو اراد بناءه من غير رجوع عليه، وإنه ياثم لو بناه من غير اذن. إلى غير ذلك من عباراته التى هي كعبارة غيره من الاصحاب، خصوصا مثل اطلاق المصنف وغيره، وخصوصا مثل عبارات التذكرة في الظهور أو الصراحة في عدم وجوب الاذن عليه، بناء على اعتبار اذنه. نعم في جامع المقاصد " فرع: لو اراد احد الشريكين الاضرار بصاحبه في الجدار والقناة والدولاب ونحوها، فامتنع من العمارة وغيرها من الوجوه التى يمتنع الانتفاع بدون جميعها، فليس ببعيد أن يرفع أمره إلى الحاكم ليخير الشريك بين عدة امور: من بيع وإجارة وموافقة على العمارة وغير ذلك من الامور الممكنة في ذلك عملا بقوله (1) " لا ضرر ولا ضرار " ولان في ترك جميع هذه الامور إضاعة للمال، وقد نهي عنها، ولم اظفر بتصريح فينبغي أن يلمح ". قلت: قد يشهد له في الجملة ما في دعائم الاسلام (2) قال: " روينا عن جعفر بن


(1) الوسائل الباب - 17 - من ابواب الخيار الحديث - 4 - 5 - (2) الدعائم ج 2 ص 504 الطبعة الثانية بمصر.

[ 269 ]

محمد صلوات الله عليه أنه سئل عن جدار الرجل وهو سترة فيما بينه وبين جاره سقط، وامتنع من بنيانه قال: ليس يجبر على ذلك إلا أن يكون وجب ذلك، لصاحب الدار الاخرى، أو شرط في اصل الملك، ولكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقك إن شئت. قيل له فإن كان الجدار لم يسقط، ولكنه هدمه أو اراد هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه، قال: لا يترك ان رسول الله صلى الله عليه واله قال: " لا ضرر ولا ضرار " وان هدمه كلف أن يبنيه. وعلى كل حال فما في جامع المقاصد هو كالصريح في عدم الجبر في غير الصورة المفروضة، ومنه ما سمعته من المسالك الذى لم يعلقه على الضرر ونحوه، بل جعله من أحكام الشركة في الجدار التى قد اعترف سابقا باعتبار الاذن من الشريك، لو اراد التبرع ببنائه، ولاحقا في مسألة السفل والعلو، وحينئذ يكون كاقتراح وضع جدار مشترك بينه وبينه في ارض مشتركة، وآلات كذلك، ولا ريب في عدم وجوب الاذن بذلك عليه، وان تضرر الاخر بذلك، وانه لا وجه لرفع أمره إلى الحاكم، ولا لجبره على ما هو غير واجب عليه. نعم لو قلنا ان سبق وجود الجدار بينهما يوجب الحق لهما في وضعه على وجه لا يجوز له الامتناع مع طلب الاخر، اتجه حينئذ ذلك، لكن ينبغى عليه عدم اعتبار اذنه، بل نهيه ايضا كما في باقي صور امتناعه عما هو حق عليه، وكأنه هو الذي لحظه الفاضل فيما ذكره في القواعد من عدم جواز منعه اياه لو اراد الانفراد بالعمارة الا أنه كما ترى، ضرورة عدم ثبوت حق يكون الجدار بينهما على وجه يوجب ذلك وهو واضح، ولو سلم فهو غير ما سمعته من المسالك الذي لم اعثر على موافق له فيه، ولا من احتمله، بل صريح كلماتهم عدمه، بل هو في نفسه بناء على اعتبار الاذن في غير محله، بل منه يعلم ما في تفصيل المحدث البحراني من أنه لا يحتاج إلى الاذن من الشريك في العمارة مع فرض التضرر به، ولابد منها مع عدمه، إذ هو مع أنه خروج عن محل البحث الذى هو الجدار المشترك من حيث كونه كذلك: أي مع قطع النظر عن الامور الخارجية، قد يناقش فيه بأن فرض ضرر أحدهما بعدم العمارة قد يعارض

[ 270 ]

بفرض ضرر الاخر بها، والضرر لا يدفع بالضرر، كما اعترف به الفاضل وغيره في الرد على الشافعي في القديم من المساعدة في العمارة بل ومع فرض عدمه أيضا بعدم وجوب دفع الضرر عن الغير ببذل مال آخر، وان لم يتضرر به، والا لوجب ذلك في الجدار الجديد وغيره. نعم قد يقال بوجوب القسمة ونحوها أو برفع الامر إلى الحاكم، ليرى وجها يحكم به لقطع النزاع بينهما، مراعيا للجمع بين الحقين ودفع الضرر عنهما من باب السياسات المعد هو لها، ولعله على ذلك يحمل ما في دعائم الاسلام (1) " وعنه صلوات الله عليه عن الجدار بين الرجلين ينهدم، ويدعو أحدهما صاحبه إلى بنائه، ويأبى الاخر قال: ان كان مما يقسم قسم ما بينهما، وبنى كل واحد منهما حقه ان شاء، أو ترك ان لم يكن ذلك يضر صاحبه، وان كان ذلك مما لا يقسم قيل له: ابن أو بع أو سلم لصاحبك ان يرض يأن يبنيه، ويكون له ذلك، وان اتفقا على أن يبنيه الطالب وينتفع به، فإن اراد الاخر الانتفاع به معه دفع إليه نصف القيمة - فتأمل جيدا والله العالم. ومما ذكرنا يعلم الحال فيما ذكره المصنف وغيره بقوله - وكذا لو كانت الشركة في دولاب أو بئر أو نهر) أو قناة أو ناعورة أو نحو ذلك، أي لا يجبر الشريك على المشاركة في عمارتها من غير فرق بين كون المشترك ذا غلة تفى بعمارته، وغيره عند الاصحاب على ما في المسالك، وبين القابل للقسمة وعدمها، وانما نبه بذلك على خلاف أبي حنيفة الذي حكم باجبار الشريك على المساعدة على العمارة في هذه المذكورات دون الحائط، فارقا بينهما، بأن الشريك لا يتمكن من المقاسمة فيها، فيتضرر به بخلاف الجدار، فإنه يتمكن من قسمته، ورد بامكان كون القسمة فيه أكثر ضررا عليه، فكانا حينئذ سواء. نعم لو أنفق احدهما على البئر أو النهر لم يكن له منع الاخر من نصيبه من الماء الذى ينبع في ملكهما المشترك بينهما الذى اثر فيه نقل الطين عنه، وليس له


(1) الدعائم ج 2 ص 505 الطبعة الثانية بمصر.

[ 271 ]

فيه عين ملك، بخلاف الحائط إذا بناه بآلات منه كما هو واضح. (وكذا) ظهر لك مما ذكرناه ايضا أنه (لا يجبر) عندنا (صاحب السفل ولا العلو) في الساباط وغيره (على بناء الجدار الذي يحمل العلو) ولا على جدار البيت، لاصالة براءة الذمة من وجوب عمارة ملك الانسان لنفسه، فضلا عن الغير إلا أن يكون ذلك لازما بعقد، فيجب حينئذ كعمارة الساقية المستحق لجراء الماء فيها، خلافا للشافعي فيجبر صاحب السفل على الاعادة، ولا ريب في ضعفه، ولو طلب صاحب العلو مثلا بناء جدران السفل تبرعا فهل له منعه ؟ ففى المسالك " فيه الوجهان السابقان " واطلق في التحرير " ليس له منعه ". قلت قد عرفت التحقيق في ذلك سابقا، وأما ما حكاه عن التحرير فيمكن تنزيله على ما في القواعد من أنه لو طلب صاحب العلو عمارة السفل بنقض صاحبه كان له منعه، وإن أعاده بآلة من عنده فله ذلك، وإن كان يجب تقييده ايضا كما في جامع المقاصد بما إذا لم يكن الاساس للاخر، ولا مشتركا بينهما، والا لم يجبر بدون الاذن، لما عرفته سابقا، لكن فيما حضرني من نسخة للتذكرة سقيمة " وإن أراد بناؤه بآلة من عنده فله ذلك، وجاز أن يبني على عرصة مشتركة بينه وبين غيره بغير إذنه ليصل إلى حقه من الحمل عليه " ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما قدمناه سابقا. وعلى كل حال فلو بناه في ارضه من نفسه كان له منع صاحبه من الانتفاع بالمعاد بفتح كوة وغرز وتد ونحو ذلك، أما الاستكان فالظاهر أنه ليس له المنع منه وإن انتفع به، هذا كله إذا انهدم بنفسه، أو هدماه معا من غير شرط، أما إذا استهدم فهدمه صاحب السفل بشرط أن يعيده، ففي التذكرة أجبر عليه قولا واحدا، أي إذا كان ذلك منه بملزم شرعي. (ولو هدمه) أي الجدار المشترك مثلا (بغير اذن شريكه) الذي لم يجب هدمه عليه لاستهدامه (وجب عليه اعادته) لانه ضمان مثله عادة، لكن في الدروس " ان امكنت المماثلة كما في جدران بعض البساتين والمزارع، والا فالارش، والشيخ اطلق الاعادة، والفاضل اطلق الارش، وفي المسالك بعد أن حكى تفصيل

[ 272 ]

الدروس، وتبعا للكركي " وفيه مناسبة الا أنه خارج عن القواعد الشرعية لانتفاء المثلية في الفائت، فإنه محض صفة إذا الاعيان باقية، والمماثلة في الصفة بعيدة، فالقول بالارش مطلقا أوضح ". قلت: قد يقوى ما ذكره الشيخ لصدق المثلية عرفا، بل تصح الاجارة على صنعة جدار مثل هذا الجدار. نعم لو فرض تعذر ذلك كما في بعض البناء انتقل إلى القيمة كما في كل مثلي تعذر مثله، وكذا الكلام في كسر الخاتم ونحوه، وفتق الثوب ونحوه، ولو هدمه بإذن شريكه وشرط اعادته، وجب ذلك إذا كان الشرط في عقد لازم، بل قد سمعت ما في التذكرة في نظيره من انه كذلك قولا واحدا، لكن ربما ظهر من بعضهم كونه من المسألة السابقة التى يجب فيها الارش، ولعله لعدم امكان الشرط لما عرفت من عدم امكان ضبط الصفة، الا انه كما ترى، فإن عود الشئ على ما كان بحيث يتحقق فيه الصدق عرفا ممكن وواقع، بل من ذلك يعلم قوة ما ذكرناه أولا. بل قد يؤيده ايضا أن الارش المذكور هنا ان اريد به ما يخص الشريك من مقابل الهيئة الفائتة، فهو لا يجدي في عمارة الجدار المزبور الذي تحقق فيه الضرر عليه بهدمه، ولو لفوات حصة الشريك، فلم يكن في ذلك جبر لضرره، وان اريد به ما يقابل تمام الهيئة، ففيه انها مشتركة بين الهادم والشريك، والانسان لا يضمن لنفسه مضافا إلى ما عن الاردبيلي من استبعاد الارش فيما حكي عنه قال: " فإنه لا يسوى بعد الهدم الا شيئا قليلا جدا، والجدار الصحيح تكون له قيمة كثيرة، بل المناسب على القول بالاش ان يراد به ما يحتاج في تعمير مثل ذلك، وفيه ايضا تأمل، إذ قد يتفاوت العمل والاجرة كثيرا فتأمل، وبالجملة القول بوجوب الاعادة بحيث يصدق عليه عرفا أنه اعادة قوى جدا في صورة عدم الشرط فضلا عما لو شرطه والله العالم. ولو اصطلح الشريكان على أن يبنياه ويكون لاحدهما اكثر مما كان له، فعن الشيخ بطلان الصلح، لان فيه اتهاب ما لم يوجد، وفيه أنه يكفي مشاهدة الالات أو وصفها ومشاهدة الارض، ودعوى أن الجدار جزء صوري من التاليف لا يمكن ضبطه يدفعها، أن الصورة صفة تابعة للموهوب وضبطها ممكن، والا لما جاز الاستيجار على

[ 273 ]

البناء المقدر بالعمل، كدعوى عدم العوض بعد تساويهما في العمل وغيره التى يمكن دفعها بما عرفته سابقا من عدم اعتبار العوض في الصلح، على أنه يمكمن القول هنا بأن الشارط على نفسه متبرع بما يخص شريكه من عمله، والشارط لنفسه غير متبرع، فيشترط له قدرا من الملك. وكذا دعوى اقتضاء تعليق الملك في عين وهو ممتنع لامتناع الاجل في الملك ومن هنا احتمل بعضهم جواز اشتراط تملك الاكثر من الالات لا من الجدار بعد البناء وحينئذ فلو انفرد أحدهما بالعمل وشرط لنفسه الاكثر من الآلة صح قطعا، إذ قد تدفع ايضا بأن هذا الصلح يجرى مجرى الاستيجار على الطحن بجرو من الدقيق، وعلى الارتضاع بجزء من العبد، فإنه يملكه في الحال، ويقع العمل فيما هو مشترك بينه وبين غيره، وعلى هذا يملك الاكثر مبنيا. كل ذلك مضافا إلى ما سمعته غير مرة من كون الصلح عقدا مستقلا براسه، لا يعتبر فيه جريان غيره من العقود على مورده، فربما كان مورده لا يجري عليه عقد من العقود، وإنما فسر انه كلما يفرض امكان قطع الخصومة به لو كانت مما لا يكون فيه تحليل حرام ولا تحريم حلال، ولا ريب في جواز رفع أحد الشريكين يده عما يملكه من آلات الجدار جميعه، فضلا عن الاكثر، ببنائه من الشريك الاخر خاصة، أو مع كونه معه، فيصح الصلح حينئذ عليه وان لم يكن عوض للمتبرع من ماله وعمله سوى كون الجدار مبنيا ليكون ساترا مثلا بينهما كما هو واضح. والله العالم. ثم انه لا خلاف ولا اشكال في جواز قسمة الجدار المشترك طولا وعرضا، وطوله امتداده من زاوية البيت مثلا إلى الزاوية الاخرى، لا ارتفاعه عن الارض الذي هو عمقه والعرض هو السطح الذي يوضع عليه الجذوع، فلو كان طوله عشرا وعرضه ذراعين فاقتسما في كل الطول ونصف العرض، فيصير لكل واحد منهما طول عشرة اذرع في عرض ذراع جاز، وكذا لو اقتسماه في كل العرض ونصف الطول بأن يصير لكل واحد منهما طول خمسة اذرع في عرض ذراعين. ثم القسمة بعلامة توضع جائزة في الامرين، وبالنشر جائز في الثاني دون الاول

[ 274 ]

إلا مع تراضيهما، كما لو نقضاه واقتسما الالة، والقرعة ممتنعة في الاول لامكان وقوعها على ما لا ينتفع به مع عدم امكان التبديل، بل يختص كل وجه بصاحبه، ولعله لذا قال في القواعد: " ولا يجبر أحدهما لو امتنع عن القسمة في كل الطول ونصف العرض لان القرعة معيار القسمة (لكن قال ايضا) وكذا في نصف الطول وكل العرض وتصح القرعة في الثانية دون الاولى، بل يختص كل وجه بصاحبه " وظاهره عدم الاجبار في الصورتين، لكن في محكي التذكرة أنه إن انتفى الضرر عنهما أو عن الممتنع اجبر عليهما في الصورة الثانية، وإن تضرر الممتنع لم يجبر، وفي الدروس " ومتى تطرق ضرر عليهما أو على أحدهما وطلبه الاخر فهي قسمة تراض، وإلا فهى قسمة اجبار، ولو طلبها المتضرر أجبر الاخر، وكذا يجوز قسمة عرضه قبل البناء ". قلت: هذا خلاصة ما في القواعد وجامع المقاصد والدروس، لكن قد يتوقف في جعل معيار القسمة القرعة، بمعنى عدم الاجبار عليها مع عدم امكانها، كما أنه قد يتوقف في اعتبار امكان وقوعها على ما ينتفع به، إذ يمكن حينئذ الرجوع إليها والاخذ في المقام وإن وقعت في الوجه الخارج عنه، إلا أنه يمكن التبديل بالمعاوضة والاجارة ونحوها، ولتحقيق ذلك وتحقيق وجوب الاجابة إلى القسمة مطلقا على وجه يجبر الممتنع منها محل آخر يأتي إنشاء الله. ولو ملكا دارين متلاصقين مثلا، فليس لاحدهما مطالبة الاخر، برفع جذوعه عنه، ولا منعه من التحديد لو انهدم السقف إذا لم يعلما على أي وجه وضع، لجواز كونه بعوض، وعن الخلاف نفي الخلاف فيه، كما نص على ذلك كله في الدروس ثم قال: " نعم لو ادعى أحدهما الاستحقاق ونفاه الاخر جزما احتمل حلف المنكر، وعليه الفاضل، وظاهر الشيخ أن على مدعي العارية البينة، واليمين على الاخر ". قلت: لكن في القواعد " لو وجد بناءه أو خشبته أو مجرى ماءه في ملك غيره، ولم يعلم سببه فالاقرب تقديم قول صاحب الارض والجدار في عدم الاستحقاق " و وافقه عليه في جامع المقاصد، لاصالة عدم الاستحقاق في ملك الغير، ولان اليد تقتضي الاختصاص بالانتفاع، والوضع أعم من الاستحقاق، وغايته أن يكون بحق،

[ 275 ]

وهو أعم من العارية التى يجوز فيها الرجوع. وفيه أن الاصل في تصرف المسلم ويده أن يكون بملك واستحقاق حتى يعلم عدمه، فالمتجه حينئذ فيما فرضه في الدروس وجوب الابقاء، أما لو فرض غير ذلك بأن تنازع أحدهما مع الاخر في الاستحقاق وعدمة، ولم يكن ثم استناد إلى يد ونحوه، فالمتجه كون اليمين على منكر الاستحقاق وما عن الشيخ من كون البينة على مدعى العارية واليمين على الاخر يمكن تنزيله على ذى اليد ونحوه، كما أن ما في القواعد وجامع المقاصد إن كان المراد به ما فرضه اولا في الدروس ففيه ما عرفت، وإن كان المراد به ما ذكره بقوله " نعم " فهو متجه، وان كان هو غير ظاهر من أول العبارة، ولكن الامر سهل بعد وضوح الحال والله العالم. المسألة (الخامسة: إذا تنازع صاحب السفل والعلو في جدران البيت) الحاملة للعلو (ف‍) المشهور كما في المسالك ان (القول قول صاحب البيت مع يمينه ولو كان في جدران الغرفة، فالقول قول صاحبها مع يمينه) قيل: ويعضده ان جدران البيت جزؤه وجدران الغرفة جزؤها، فيحكم بهما لصاحب الجملة بل في جامع المقاصد جعل ذلك دليل المسألة، وفيه: انه بعد فرض التنازع في ذلك يكون المراد من الاعتراف بكون البيت والغرفة له مع فرضه ما عدا محل النزاع منها والا لم يكن ثم وجه للمخاصمة، كى تتوجه البينة على احدهما، واليمين على الاخر، فلا دليل حينئذ للحكم المزبور الا دعوى استقلال اليد من كل منهما على ما ادعاه فيكون القول قوله مع يمينه. نعم قد يناقش بمنع استقلال يد صاحب السفل على جدار بيته، مع فرض تصرف صاحب العلو به وبالبناء عليه، وبمنع استقلال صاحب العلو مع فرض تصرف صاحب السفل به باتصاله بالعالي بملكه، على وجه هو كالجزء منه، وبالاستكنان تحت السقف المعلق عليه، والتصرف في الجدار انما هو بالتصرف في بعض أجزائه، لانه شئ واحد عرفا، وبذلك يظهر لك ما في المحكي عن ابن الجنيد من ان جدار البيت بينهما، لان حاجتهما إليه واحدة، بخلاف جدران الغرفة، إذ لا تعلق لصاحب البيت

[ 276 ]

به، إلا كون موضوعا على ملكه، وإن ارتضاه في المختلف، بل في المسالك هو قول جيد، إلا أنك عرفت قوة اشتراك الجميع في اليد من كل منهما، اللهم إلا أن يدعى استقلال اليد عرفا منهما على كل منهما، خصوصا في جدار الغرفة المتفق على اختصاص يد صاحبها حتى من ابن الجنيد كالسقف الاعلى، وان ما ذكرناه ليس من الامارة على اشتراك اليد في العاده فيتجه حينئذ قول المشهور، (ولو تنازعا في السقف قيل:) والقائل الشيخ فيما حكي عنه (إن حلفا قضي به لهما) وكذا إن نكلا وإلا اختص بالحالف منهما على نحو ما سمعته في التنازع في الجدار وشبهه الذى يدهما معا عليه وقواه في الدروس قال: " وفي المبسوط يقسم بعد التحالف، والقرعة احوط "، وتردد في الخلاف بين القرعة والتحالفن (وقيل) والقائل ابنا الجنيد وادريس (لصاحب العلو.) ومال إليه في المسالك بل اختاره في جامع المقاصد، بل عن الفاضل ترجيحه في كثير من كتبه، لان الغرفة انما تتحق بالسقف الحامل، لانه ارضها والبيت قد يكون بغير سقف، وهما متصادقان على أن هنا غرفة فلا بد من تحققها، ولان تصرفه فيه اغلب من تصرف صاحب السفل، وإن كان هما معا كما ترى. نعم قد يقال: ان اليد مختصة به، دون الاسفل، لان سكونه تحته ليس يدا عليه، وان كان هو محلا للنظر ايضا باعتبار صدق التصرف به بالتصرف في البيت الذي هو من أجزائه، بل فيما تسمعه من القواعد احتمال اختصاصه به، باعتبار أن الغرفة على البيت، فلا يتحقق الا بعده، والبيت لا يتم الا بالسقف، وان كان هو واضح الضعف ايضا، فالاقوى الاشتراك بينهما على الوجه الذى تقدم. (وقيل:) والقائل الشيخ كما في المسالك (يقرع بينهما وهو حسن) عند المصنف، (1) " لانه لكل أمر مشتبه " وفيه: انه لا اشتباه بعد اقتضاء اليد الاشتراك بينهما، وفى المسالك " وربما من الاشتباه هنا، لان رجحان أحد الطرفين في نظر الفقيه يزيل الاشتباه بالنسبة إلى الحكم " هذا وفى القواعد " أما السقف فإن لم يكن


(1) الوسائل الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث 11 لكن فيه كل مجهول ففيه القرعة إلى آخره.

[ 277 ]

احداثه بعد بناء العلو كالازج الذي لا يمكن عقده على وسط الجدار بعد امتداده في العلو، فهو لصاحب السفل، لاتصاله ببنائه، وان كان بحيث يمكن احداثه كجذع يثقب له في وسط الجدار ويجعل البيت بيتين فهما مشتركان فيه، فيحتمل التسوية لانه ارض لصاحب العلو وسماء لصاحب السفل، - واختصاص الاول - والثانى ". وتبعه على ذلك في الدروس قال: " ولو لم يمكن إحداث السقف بأن كان أزجا ترصيفا حلف صاحب البيت لاتصاله به " وكذا في جامع المقاصد والمسالك قال في الاخير منهما: " وموضع الخلاف السقف الذي يمكن احداثه بعد بناء البيت، أما ما لا يمكن كالازج الذي لا يعقل احداثه بعد بناء الجدار الاسفل لاحتياجه إلى اخراج بعض الاجزاء عن سمت وجه الجدار قبل انتهائه، ليكون حاملا للعقد، فيحصل به الترصيف بين السقف والجدار، وهو دخول الات البناء من كل منهما في الاخر، فإن ذلك دليل على أنه لصاحب السفل فيقدم قوله بيمينه ". قلت: قد يناقش بان ذلك لا ينافى وجود يد من صاحب العلو بالتصرف فيه ايضا الممكن أن يكون ذلك بالشراء من صاحب البيت أو غيره، وحينئذ يكون يد كل منهما عليه، فيتجه فيه التحالف على النحو المذكور. المسألة (السادسة: إذا خرجت أغصان شجرة) أو عروقها (إلى ملك الجار، وجب) وثبت له استحقاق (عطفها) مثلا على مالكها (إن أمكن والا قطعت من حد ملكه، وإن امتنع صاحبها) من ذلك عطفها أو (قطعها الجار ولا يتوقف على إذن الحاكم) في تفريغ ملكه عما لا يستحق بقاؤه عليه، فضلا عما يكون بقاؤه عدوانا، وقاعدة " قبح التصرف في مال الغير لا تأتى في دفع الظلم أو الضرر عنه، خصوصا مع كون هتك الحرمة من المالك نفسه بالظلم وغيره، ولذا صرح في محكي التحرير بالوجوب والاجبار مع الامتناع، وجعله المختار في جامع المقاصد. بل قد يظهر من اطلاق المحكي عن التحرير أن للمالك الازالة من دون استيذان المالك، كما لو دخلت بهيمة إلى داره أو زرعه، بل صرح به في جامع المقاصد، لان ازالة العدوان عليه امر ثابت له، وتوقفه على اذن الغير ضرر، ولانه

[ 278 ]

لو توقف على اذن المالك لتوقف على اذن الحاكم مع الامتناع، لعدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه، وغير اذن من يقوم مقامه مع التمكن، وحينئذ فما يظهر من المتن والدروس ومحكي التذكرة من اعتبار اذنه لا يخلو من نظر، وربما يقوى التفصيل بين ما كان فيه ضرر بمراعاة اعتبار الاذن منه أو من الحاكم وعدمه، فلا يحتاج إلى الاذن في الاول دون الثاني مراعاة للجمع بين القواعد جميعا. وعلى كل حال فما عن التذكرة من ان مالك الشجرة لا يجب عليه ازالتها، وان جاز لمالك الارض، لانه من غير فعله، ويلزمه عدم الاجبار عليه مخالف للقواعد الشرعية. نعم مع امكان العطف لا يجوز له القطع، فلو فعله كان ضامنا، لكن هل يضمن جميع ما يقطع أم تفاوت ما بينه وبين المعطوف وجهان كما في المسالك من التعدي فيضمن ومن ان العطف حق له، وما يفوت به في حكم التالف شرعا، ولعل الاقوى الاول، كما أنه يقوى وجوب الاجرة له مع امتناع المالك، وإن لم يستاذن الحاكم، إذا لم ينو التبرع، ولو مضت مدة طويلة عليها كذلك مع تفريطه، ضمن أجرة الارض والهواء كما صرح به غير واحد، بل لعله كذلك مع صدق استبقاء المنفعة وإن لم يكمن ثم تفريط ولذا صرح غير واحد ايضا بأنه ليس لمالك الارض إيقاد النار تحت الاغصان لتحرق حيث يجوز القطع لانه اشد ضررا فلو فعل ضمن ما يتلف بسببه زيادة على حقه وهو كذلك. نعم قد يقال إن له إيقاد النار لمصالحه، كالتنور ونحوه وإن ادى ذلك إلى تلف الاغصان مع تفريط المالك بعدم العطف مثلا، أو القطع لعموم " تسلط الناس " ولان اهماله وتفريطه أقوى من انتفاع المالك بماله المؤدى إلى تلف مال الغير فتأمل وفى حكم الشجرة الجدار المائل إلى ملك الغير. (و) كيف كان ف‍ (لو صالحه على إبقائه) أي الغصن مثلا (في الهواء لم يصح على تردد) ينشأ من عدم جواز افراد الهواء بالصلح تبعا للبيع، ومن كونه عقدا مستقلا مع عدم كون ذلك صلحا عن الهواء، بل هو صلح عن منفعة، قائم مقام

[ 279 ]

الاجارة، لكن لا ريب في أن الاقوى الثاني كما عرفته في نظائره، خلافا للمحكي عن الشيخ. (أما لو صالحه على طرحه على الحائط، جاز) بلا خلاف (مع تقدير) المدة و (الزيادة أو إنتهائها) بل قد عرفت جوازه في نظير المسألة، مع التصريح بالتأبيد، بل قد عرفت جوازه مع عدم تقدير بالزيادة ولا انتهائها لتحمل الصلح من الجهالة ما لا يتحمله غيره، خلافا لجماعة، فاعتبروا في جوازه الامرين جميعا، بل في الدروس وغيرها التصريح بعدم جواز التأبيد والله العالم. المسألة (السابعة إذا كان لانسان بيوت الخان السفلى، ولآخر بيوته العليا، وتداعيا الدرجة قضى بها لصاحب العلو مع يمينه) من حيث كونه صاحب سفل وعلو لاستقلال يد اختصاصه بالتصرف فيها بالسلوك، وإن كان موضوعة في الارض المحكوم بها ايضا لصاحب السفل باعتبار اقتضاء اليد عليها، اليد على محلها، ويد اختصاص الاسفل على غيرها من الارض لا يوجب اليد له عليها، كما هو واضح. نعم في المسالك هذا مع اختلافها في الخزانة تحتها، أما لو اتفقا على ان الخزانة لصاحب الاسفل كانت الدرجة كالسقف المتوسط بين الاعلى والاسفل، فيجرى فيها الخلاف السابق، وفي الدروس " ولو تنازعا في المرقى ومحله فهو للاعلى، وفي الخزانة تحته بينهما، ولو اتفقا على أن الخزانة لصاحب الاسفل فالدرجة كالسقف المتوسط بين الاعلى والاسفل، فيقضي بها بينهما، ولا عبرة بوضع الاسفل آلاته وكيزانه تحتها، ثم إذا ثبت الدرجة للاعلى فهو ذويد في الاس ". قلت: قد يرجح صاحب السفل بأنها من ببيوته الظاهرة في العرف استقلال يد اختصاصه بها لتبعية الهواء للدار كاستقلال يد اختصاص صاحب العلو عرفا بالاعلى ومن ذلك يظهر لك ما في قول المصنف (ولو كان تحت الدرجة خزانة كانا في دعواها سواء) والفاضل في القواعد " ويقضى بالدرجة لصاحب العلو ويتساويان في الخزانة تحتها " إلى آخره فيقضى بها بينهما بعد التحالف والنكول، لان لكل واحد منهما شاهدا بملكها، باعتبار ان يد الاختصاص لصاحب العلو يقضى بأن مكانها كذلك إذ الهواء كالقرار، كما أن يد الاختصاص للاسفل تقضى بأن الهواء له ايضا لانه تابع للقرار،

[ 280 ]

لما عرفت من ظهور يد الاختصاص عرفا بها لذي السفل المفروض كون البيوت له التي هي من جملتها في الحقيقة، بل لعل كلامهم فيما تقدم في تقديم صاحب السفل لو كان النزاع في الجدار الاسفل شاهد على ذلك، وكانه مال إليه في الحدائق، وفي محكي التذكرة احتماله، واحتمال الاختصاص بذي العلو، ولا ريب في ضعفه. نعم قد يؤيد الاول بظهور التفاوت بين خزانة الدرج وغيرها من البيوت، باعتبار كونها كالتابع له، وصاحب اليد عليه ذو يد عليها ايضا، ومن ذلك مع تصرف صاحب الاسفل حكم المصنف وغيره بالتسوية بينهما، بخلاف بيوت الاسفل، بل هي غير التداعي بين صاحب الغرفة وبين من تحتها. فتأمل جيدا. فإنه لا يخلو من مصادرة أللهم إلا أن يفرض اختلاف الهيأت في ذلك عرفا هذا. وقد يشكل كون الدرجة للعالي وكونهما سواء في دعوى الخزانة والفرض ان الدرجة من اجزائها، واحتمال كون المراد تسويتهما فيما عداها بقرينة ذكرهم الدرجة للعالي أولا يدفعها احتمال كون المراد بالاول حيث لا تكون خزانة. ثم إن المتجه للمصنف استحسان القرعة لو تنازعا في سقفها كما ذكره في سقف البيت ولعله لذا في اللمعة اختار القرعة في الاختلاف في الخزانة، كما اختارها في الاختلاف في سقف البيت، وبالجملة كلامهم لا يخلو من تشويش، وقد يحتمل كون الدرجة للاعلى وإن كانت سقفا، والباقي للاسفل، ولكن يقوى كونها كالسقف حيث يكون خزانة، وقد عرفت أن يدهما معا عليه بخلاف الارض والجدران. وفي الروضة " ما في اللمعة في القرعة في الخزانة لما ذكروه في السقف، ثم قال: ويشكل ايضا الحكم في الدرجة مع اختلافهما في الخزانة، لانه إذا قضى بالخزانة لهما، أو حكم بهما للاسفل بوجه تكون الدرجة كالسقف المتوسط بين الاعلى والاسفل، لعين ما ذكر خصوصا مع الحكم بها للاسفل وحده، فينبغي أن يجري فيها الخلاف، ومرجحه " إلى آخره وربما كان فيه منافاة في الجملة لما سمعته في المسالك فلاحظ وتأمل والله العالم. (ولو تداعيا الصحن) الذى وضعت المرقاة في صدره أي نهايته في السعة،

[ 281 ]

وهو آخر خطته في الجهة المقابلة للباب (قضى منه بما يسلك فيه إلى العلو بينهما) مع التحالف والنكول (وما يخرج عنه لصاحب السفل) لظهر يد صاحب العلو باعتبار افتقاره إلى السلوك في ملك مقدار الممر، ويشاركه فيه للتصرف ايضا صاحب السفل، ويختص بغيره، لكن في الدروس " وربما أمكن الاشتراك في العرصة لان صاحب الاعلى لا يكلف المرور على خط مستو، ولا يمنع من وضع شئ فيها، ولا من الجلوس قليلا " وفيه: أن مثل هذا التسامح المعتاد لا يقتضى اليد على تمام العرصة كما هو واضح ثم قال: ولو كان مرقاة في دهليزه فالاقرب أن لا مشاركة للاسفل للعرصة، إلا أن نقول في السكة المرفوعة باشتراك الفضلة بين الجميع، ويؤيده أن العرصة يحيط بها الاعلى كما يحيط بها الاسفل، ولو كان المرقاة في ظهره فاختصاص صاحب السفل بالعرصة اظهر " وفيه ايضا: أن اشتراك الفضلة بعد أن لم يكن لاحد بالخصوص يد عليها ولا ترجيح، بل قد يرتفق الجميع بها لا يقتضى الحكم بالاشتراك في الفرض بعد أن لم يكن لذي العلو تصرف في العرصة، والاحاطة بمجردها ليست تصرفا، والحكم بها للاسفل للتصرف، وظهور كونها دارا لبيوته، لا للاحاطة، ولذا جزم في الروضة في الفرض بكون العرصة للاسفل كما أنه جزم في الاخير بأنها مع الدهليز للاخير والله العالم. (تتمة) (إذا تنازع راكب الدابة وقابض لجامها، قضي للراكب مع يمينه) وفاقا للمحكي عن المبسوط لظهور يد الاختصاص له عرفا (وقيل) والقائل الشيخ ايضا في محكي الخلاف وابن ادريس في محكي السرائر (هما سواء في الدعوى) لثبوت يد كل منهما عليهما وزيادة تصرف الراكب لم يثبت شرعا كونه مرجحا، و تعريف المدعي والمنكر منطبق عليهما بتفسيراته ولذا كان ذلك خيرة ثاني المحققين والشهيدين، (و) لكن قد يقال: إن (الاول أقوى) لما ذكرنا من ظهور العرف في كون يد الاختصاص له خصوصا مع ملاحظة نظائره ؟ باعتراف الخصم كمتنازع ؟ لابس

[ 282 ]

الثوب وممسكه ومن له حمل على الدابة مع من في يده زمامها، وغير ذلك (أما لو تنازعا ثوبا وفي يد أحدهما أكثره فهما سواء) لعدم اقتضاء الاكثرية عرفا الاختصاص وما وقع من بعضهم من أنه كمسألة الراكب والقابض، باعتبار أن كلا منهما زيادة تصرف لم يثبت كونها مرجحا كما ترى. (وكذا لو تنازعا عبدا ولاحدهما عليه ثياب) مع فرض ثبوت يدهما عليه لانه لا مدخلية لزيادة الملك، فإنه قد يلبسها بغير إذن مالكها أو بالعارية، فهي حينئذ ليست يدا عرفا، ومن هنا يعلم أنه لو فرض أن لاحدهما خاصة عليه يد، والاخر له ثياب عليه، فالقول حينئذ قول صاحب اليد، كما أنه لو لم يكن لاحدهما خاصة عليه يد إلا الثياب لاحدهما، يكون بينهما ايضا، لما عرفت من عدم كون الثياب يدا لصاحبها. (أما لو تداعيا جملا ولاحدهما عليه حمل) وليس للاخر عليه يد (كان الترجيح لدعواه) قطعا ضرورة ظهور وجود الحمل عليه في يد الاسقلال به، بل قد يقال بكونه كذلك لو فرض أن للآخر يدا عليه، بقبض الزمام باعتبار ظهور يد الاختصاص في الحمل كالراكب والقابض فضلا عما لو كانا معا قابضين، ولاحدهما خاصة الحمل، وعن الدروس أنه جعل حكم الراكب ولابس الثوب وذى الحمل سواء وفي المسالك " هو كذلك "، أي في اتحاد الحكم فيها أجمع، وإن كان هو عنده الاشتراك وعند غيره الاختصاص، وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك. (ولو تداعيا غرفة على بيت أحدهما، وبابها إلى غرفة الاخر، كان الرجحان لدعوى صاحب البيت) قطعا لكونها في ملكه الذي هو هواء بيته التابع لقراره، ومجرد فتح الباب إلى الغير لا يفيد يدا عرفا. نعم لو فرض كونه مع ذلك متصرفا فيها بسكنى وغيره، أمكن تقديمه حينئذ على صاحب البيت، باعتبار أن يده حينئذ فعليه ويد صاحب البيت تبعية، والفعلية اقوى وأولى، مع أنه في المسالك احتمل التساوى ايضا قال: " لثبوت اليد

[ 283 ]

من الجانبين في الجملة، وعدم تأثير قوة اليد كما سلف " وفى قواعد الفاضل ومع التصرف اشكال، وإن كان لا يخفى عليك ما فيه. نعم قد يشكل ذلك بمنافاته للحكم بشركة الخزانة تحت الدرج، مع أن يد صاحبه عليها تبعية، ويد المتصرف بها فعلية، فلتقدم حينئذ عليها كما ذكرناه سابقا إذ لا فرق في التبعية بين أن يكون منشؤها لحقوق السفل بالعلو، أو بالعكس فإن من ملك قرارا ملك هواه، ومن ملك شيئا ولو هواء ملك قراره، والدرج كذلك والله العالم.

[ 284 ]

(كتاب الشركة) بكسر الشين مع اسكان الراء وبفتحها مع كسرها، بل واسكانها (والنظر) فيه يقع (في فصول). (الاول: في اقسامها) ولكن ينبغى ان يعلم أولا أن ماهية (الشركة) لغة على ما قيل: الاختلاط والامتزاج شيوعا أو مجاورة، وشرعا (اجتماع حقوق الملاك، في الشئ الواحد على سبيل الشياع) فالاول بمنزلة الجنس الشامل للاجتماع مع التمييز في مكان واحد، والثاني بمنزلة الفصل، فإن المنساق منه الواحد بالشخص لا الواحد بالجنس ولا النوع ولا الصنف، وحينئذ فلا شركة مع تعدد الشخص نعم المراد بالواحد، فيما هو متعلق الشركة، وإن تعدد، لصدق الاجتماع بالمعنى المذكور في كل فرد من أفراد المتعدد. وفي جامع المقاصد والمسالك أن قيد الشياع لاخراج اجتماع حقوق الملاك في الشئ الواحد المركب من اجزاء متعددة كالبيت مثلا إذا كان خشبه لواحد، حائطه لآخر، وارضه لثالث، فإنه لا شركة لعدم الشياع، وان صدق اجتماع حقوقهم في الشئ الواحد وفيه: عدم صدق كونه واحدا بالشخص، إذ هو مجموع أشخاص. وعن الشهيد في المحكى عن حواشيه أنه لاخراج اجتماعها في الشئ الواحد بالشخص على البدل، كمستحق الزكاة والخمس، والمجتمعين على مسجد أو على معدن أو مباح يتعذر فيه الاجتماع، فإن ذلك اجتماع لا على سبيل اشياع، قال: " فإن قيل: يخرج هذه بقوله " الملاك " قلنا: الملك المراد به الاستحقاق، حذرا من المجاز والاشتراك ". واشكله في جامع المقاصد بأن الملك اخص من الاستحقاق مطلقا، فلو حمل على

[ 285 ]

معناه الخاص المتعارف، لخرجت هذه الاقسام بالقيد المذكور، وخرج بقيد الشياع ما تقدم سابقا إلى ان قال وفي التعريف نظر لانتقاضه بالشركة في القصاص وحد القذف والخيار والرهن والشفعة ونحو ذلك، فلنه ليس هناك ملك حقيقي، فلا مالك حقيقة، وقد صرحوا بأن هذا أحد اقسام الشركة الثلاثة ". وكأنه تصدق إلى دفع جميع ذلك في المسالك فقال: " ويمكن أن يكون إنما حاول بحمل الملك على الاستحقاق الذى هو أعم منه ادخال الشركة في الخيار ونحوه مما لا ملك فيه، فإنه محض استحقاق، فلو حمل الملك على معناه الخاص، لانتقض التعريف في عكسه إن اريد به المعنى الخاص، ولو جعل مشتركا بينه وبين الاستحقاق أو مجازا في الاستحقاق، لزم الاشتراك والمجاز فحمله على معنى الاستحقاق العام يدخل الاقسام، ويسلم من محذور المجاز والاشتراك كما ذكر. لكن فيه: أن اطلاق الخاص وإرادة العام مجاز غير شايع، يجب صون التعريف عن مثله، وقد يجاب عنه بأن اطلاق الملك على الاستحقاق ليس بمجاز، بل معناه يتبادر من قولك فلان يملك الشفعة على فلان ويملك الحد ونحوه، أو أنه مجاز شايع وإن كان مطلق اطلاق الخاص على العام ليس شايعا، والعبرة في رخصة التعريف إنما هو بالفرد المحتاج إلى استعماله، لا بنوع ذلك الفرد، وهذا هو الظاهر هنا. وينبه عليه أن المصنف بلا فصل ذكر حكم الاشتراك في الحق المذكور فليس بغافل عن دخوله في التعريف وحينئذ فالمستعمل هنا إما المجاز المنصوب على إرادته قرينة، أو المشترك اشتراكا معنويا إن جعل ذلك الاستحقاق من افراد الملك حقيقة، وإلاشتراك المعنوي لا يضر دخوله في التعريف، ولو ابدل الملك في التعريف بالاستحقاق لسلم من ذلك كله. قلت: ولعله لذا عرفها في الاسعاد شرح الارشاد من كتب العامة بأنها ثبوت الحق في الشئ الواحد المتعدد، ولكن قد يقال: بعد الاغضاء عما في قوله ينبغى إلى آخره، ان الشركة في الحقوق وإن دخلت في التعريف ولو على إرادة الاستحقاق من الملك، لكن قد ينافي ذلك قيد الشياع فيه، فإنه لا شياع في استحقاق كل منهما

[ 286 ]

الثابت له، فلا محيص حينئذ عن اختصاص التعريف بشركة المال، أو ارتكاب التجوز في الاشاعة على وجه يشمل ذلك ثم إنه لا ريب في ملك الفقراء للزكاة والسادة الخمس، والمسلمين الارض المفتوحة عنوة، إلا أنه ملك جنس لا تعدد فيه، كى يصدق معه اجتماع حقوق الملاك، والافراد من حيث الشخص لا ملك لاحد منها، كما أن الاشياء المباحة من معدن ونحوه هي بين الناس على حد سواء، بمعنى أن لكل واحد حيازتها، والسابق منهم احق من غيره ومع تعدد السابق يقرع، وكذا المسجد والوقف العام، وإن كان ربما يفرق بينهما، إلا أنه على كل حال لا شركة فيها من حيث الملك، ولا من حيث الحق على سبيل الشركة في الاموال والحقوق، والامر في هذا كله سهل إنما الكلام في ملك الكلى في الصبرة مثلا كالصاع منها، وكملك مأة في الثلث بالوصية ونحوه ذلك، بناء على عدم تنزيله على الاشاعة مما لا اشكال في صدق الشركة معه، ولا اشاعة، اللهم الا أن يراد منها عدم التعيين، لا خصوص الثلث والربع ونحوهما. وكيف كان ففى المسالك تبعا لجامع المقاصد " أن للشركة معنيين، بل في أولهما شرعيين، أحدهما ما ذكره المصنف، ولكنه معنا من المعاني دخوله في باب الاحكام أولى، ضرورة حصول الاجتماع المزبور بعقد وغيره، بل بغيره اكثر، حتى لو تعدى أحدهما ومزج ماله بمال الاخر قهرا بحيث لا يتميزان تحققت الشركة بالمعنى المزبور به، وثانيهما عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشئ الواحد على سبيل الشياع فيه، ولا يدخل فيه المستحقون للارث ونحوه، وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود، ويلحقها الحكم بالصحة والبطلان، واليه يشير المصنف فيما بعد بقوله قيل: تبطل الشركة، أعنى الشرط والتصرف، وقيل: يصح، ولقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره، لانها المقصود بالذات هنا، أو ينبه عليهما معا على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتهما وأحكامهما، وفي القواعد وغيرها كفاية اشتركنا في العقد المزبور. لكن في الحدائق " لا يخفى على من تأمل الاخبار عدم معنى للشركة إلا الاول

[ 287 ]

الذي ذكره المصنف، والفاضل، والشهيد في اللمع،، وأما المعنى الثاني فلا يشم له رائحة منها " إلى أن قال بعد أن حكى عن بعضهم أنها عقد جائز: " لا عقد هنا بالكلية، ولا عاقد، وإنما الشركة اجتماع الاموال على الوجه المذكور، فلا معنى لوصفه بالجواز نعم البقاء على حكمها أمر جائز، بمعنى أنه لا يجب عليه الصبر على الشركة بل يجوز رفعها وأخذ حصته، وبعد هذا الاجتماع لا يصح لاحد الشركاء التصرف فيها إلا باذن الباقين، المدلول عليها باللفظ الصريح، أو الظاهر أو غيره من القرائن كغير المقام مما يعتبر فيه الاذن ". قلت: قد يؤيد ذلك ايضا ظاهر كلام المصنف واللمعة وغيرهما مما لم يتعرض فيها لكونها عقدا، بل في جامع المقاصد عن فخر المحققين وأول الشهيدين تنزيل قول الفاضل " وقيل: تبطل إلا أن يشترط الزيادة للعامل " على إرادة بطلان الاذن، لا عقد الشركة، ورد ذلك كله في الرياض تبعا لجامع المقاصد وغيره بالاجماع، وبأن الاصل حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، فيقتصر فيها على القدر المتيقن، وهو ما دل عليها صريحا من الجانبين كما نبه عليه في التذكرة، وعليه يصح إطلاق العقد عليه وأما الاكتفاء فيها بمجرد القرائن الدالة عليها والالفاظ الغير الصريحة فيها فلا دليل عليه، وعلى فرض وجوده كما يدعى من ظاهر النصوص مع عدم دلالته عليه اصلا فلا ريب في مغايرة هذا المعنى للاول أيضا، لحصول الاول بامتزاج المالين قهرا من دون رضا المتشاركين وهو غير الامتزاج مع الرضا به، وبالتصرف في المالين مطلقا أو مقيدا على حسب ما يشترطانه، فانكاره رأسا فاسد جدا، ولا ينافي التغاير دخول الثاني في الاول دخول الخاص في العام، فإنه من أفراده، لمغايرتهما في الجملة قطعا، وهو كاف في إفراد الخاص عن العام في الاطلاق إلى غير ذلك من الكلمات، خصوصا التذكرة وخصوصا ما في بعض كتب العامة إلا أنها جميعها من غرائب الكلام. أما ما في الحدائق من إنكار عقد الشركة راسا فهو واضح الفساد، بل يمكن دعوى اجماع الخاصة والعامة على خلافه، كما أن دعوى كون عقدها ما دل على جواز التصرف من كل منهما، أو من أحدهما واضح الفساد ايضا، ضرورة عدم مدخلية

[ 288 ]

ذلك في الشركة بوجه من الوجوه، بل هو داخل في قسم الوكالة، وقد اعترف به في التذكرة، قال فيها: " الشركة قد تقع بالاختيار، وقد تقع بالاجبار، وكلامنا في الاولى وهي قد تحصل بمزج المالين بالاختيار من غير لفظ، فلو امتزج المالان برضاهما حصل الشركة الاختيارية، وإن لم يكن هنا لفظ، وأما التصرف فالاذن فيه والمنع منه فذاك حكم زائد على مفهوم الشركة ". ومن ذلك وغيره يعلم التشويش في كلامه وكلام غيره ايضا، فكان السبب الذي أوقعهم في الوهم هو دعوى حصول الشركة بالمزج القهري، فمع فرض اعتبار الامتزاج في شركة العنان لم يكن معنى لعقدها حينئذ، ضرورة حصولها بالمزج المزبور، المفيد لذلك مع القهر، وعدم القصد به إليها، فضلا عما لو قصدت به اختيارا، فلم يكن حينئذ معنى لعقدها إلا جواز التصرف، خصوصا مع ملاحظة الشركة الاكتسابية التي هي من اقسام التجارة المبنية على العمل، من الشريكين، أو من أحدهما التي قد وردت النصوص بها، وفيمن ينبغى أن يشارك وأن لا يشارك، وغير ذلك من أحكامها، ولعله لذا اكتفوا في صيغتها بقول اشتركنا، باعتبار امتناع أن يراد بانشائه حصولها بدون مزج، ولا المزج الذي لا يحصل باللفظن فتعين أن يكون معناه جواز التصرف، وإلا لم يكن له معنى اصلا كما صرح بذلك في جامع المقاصد، إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذلك، إذ لا دلالة في قول اشتركنا على الاذن بوجه من الوجوه، كما أنه لا حاجة في حصول الاذن منهما أو من أحدهما إلى عقد وليس من مقومات الشركة حصولها، إذ يمكن اشتراكهما في المال مع الاذن في العمل لثالث، بل يمكن إرادة الشركة من دون عمل اصلا، لغرض من الاغراض. فالتحقيق أن يقال حينئذ بعد الاجماع على كونها عقدا: أن قول اشتركنا لانشاء تحقيقها وصيرورة كل من المالين بينهما على الاشاعة، إلا أنه يشترط في صحة ذلك تحقق المزج بعده إن لم يكن، فهو حينئذ شرط كاشف أو ناقل، نحو القبض في الوقف، أو أنه جزء السبب، ومتى حصل مزج بقصد إنشاء الشركة من دون قول تحققت، و كانت كالمعاطاة، بناء على جريانها فيها، وإن كان التحقيق خلافه، سيما مع

[ 289 ]

عدم فرق حينئذ بنها وبين العقد إلا على احتمال الكشف، أما المزج القهري والمجرد عن قصد إرادة انشاء الشركة فلا يترتب عليه ملك كل منهما الحصه المشاعة في نفس الامر وإنما يفيد الاشتباه في كل من اجزاء المال، وإلا أن الشارع حكم ظاهرا بكونه بينهما من الصلح القهري الذى قد تقدم نظائره، فالفرق حينئذ بين المزج القهري والمزج الانشائي هو ما ذكرناه، فله حينئذ ايقاع عقد الشركة بعد وقوعه، كي يتبدل الملك ظاهرا بالملك واقعا، بل لو سلم افادة المزج القهري الملك في الواقع على نحو المزج الاختياري كما هو ظاهر كلمات الاصحاب أمكن أن يقال حينئذ أنه لا مانع من صيرورته جزء سبب مثلا، إذا جئ به لاتمام عقد الشركة مثلا، بل ومن صيرورته سببا تاما في ذلك إذا قصد الانشاء به في المعاطاة، ومن اتفاق حصول الشركة به قهرا فإنه لا تنافي حينئذ بينهما، ويكفي في العقد تحققه به، لا أنه لا تقع الشركة بغيره لكن الانصاف عدم خلو ذلك من نظر بل منع. وعلى كل حال بذلك يظهر لك ما في جميع كلماتهم من التشويش والاضطراب خصوصا التذكرة وجامع المقاصد، والمسالك، والرياض، وغيرها التي لا يخفى عليك حالها بعد الاحاطة بما ذكرناه، فضلا عما يظهر من المحكي عن ابن الجنيد في المختلف من تحقق الشركة بالقول مع الافتراق من دون مزج، قال: " لو تلف مال احد الشركاء قبل انعقاد الشركة باختلاط المالين أو بافتراق كان ما تلف من مال صاحبه، ولن كان التلف بعد العقد والافتراق كان من مالهما جميعا " وهو كما ترى، ومن هنا قال في المختلف بعد أن حكى ذلك عنه: " ولاجودأن لا شركة إلا بالامتزاج، والتلف قبله من صاحبه " ومراده في محل القرض فتأمل، وربما يجئ لذلك ايضا زيادة تحقيق في مطاوى البحث. (ثم) المال (المشترك قد يكون عينا) كما هو ظاهر (وقد يكون منفعة) بالاجارة والجنس والسكنى قيل: والوقف، وفيه أنه إن كان على محصورين فالاشتراك بالعين والا فلا اشتراك بل هو حينئذ نحو ما عرفته في حق الزكاة والخمس، والطرق العامة، والطرق النافذة، (وقد يكون حقا) كالخيار والشفعة الموروثين مثلا والقصاص وغيرها.

[ 290 ]

(و) أما (سبب الشركة) في الثلاثة ف‍ (قد يكون ارثا) كما إذا ورثا مالا أو منفعة أو حقا (وقد يكون عقدا) في الثلاثة ايضا كما لو اشتريا دارا أو استاجراها أو صالحا عن حق تحجير مثلا، (وقد يكون مزجا) في العين كما هو واضح، بل والمنفعة فيما لو فرض استيجارهما دراهم للتزين مثلا، بناء على جوازه لكل دراهم مخصوصة، ثم مزجاهما بإرادة الاشتراك في المنفعة فيتحقق حينئذ اشتراكهما في المنفعة وقد يشكل ذلك باصالة عدمها، وإنما هو من الاشتباه لا المزج المعتبر في تحقق الشركة فتأمل. (وقد يكون حيازة) بناء على تحققها بشركة الابدان كما عن الاسكافي أو على فرض نية كل منهما، بأن ما يحوزه له ولشريكه الموكل له على ذلك، بناء على الاكتفاء بمثل ذلك، (و) لكن (الاشبه) عند المصنف بأصول المذهب وقواعده (في الحيازة، اختصاص كل واحد بما حازه) لاصالة عدم دخوله في ملك الغير حتى مع النية، لعدم ثبوت قبول مثله النيابة، فضلا عما إذا لم ينو، فانه لا وجه له الا على جواز شركة الابدان المعلوم بطلانها عندنا. ومن ذلك يعلم ما في المسالك " من أنه ينبغى أن يستثنى من ذلك ما لو كان عمل كل بنية الوكالة لصاحبه في تملك نصف ما يحوزه، فإنه حينئذ يتوجه الاشتراك لان ذلك مما يقبل النيابة " إذ قد عرفت الملك بذلك ايضا عند المصنف. (نعم لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماء دفعة) بآنية واحدة أو اشتركا في نصب حبالة الصيد المشترك ورمي السهم المثبت له (تحققت الشركة) حينئذ في الجملة قطعا، وفي المسالك " لكن يكون لكل واحد من المحاز ؟ بنسبة عمله، ويختلف ذلك بالقوة والضعف، ولو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص بالصلح، أو تمليك كل واحد ما بقي له عند الاخر، بناء على جواز هبة المجهول ". قلت: أو يحكم بالنصف لاصالة عدم زيادة أحدهما على الاخر، بل قد يحتمل كونه كذلك مع اختلافهما في القوة والضعف لصدق اتحاد فعلهما في السببية، و

[ 291 ]

اندراجهما في قوله (1) " من حاز ملك " ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز، وإن كان هو منافيا للاعتبار العقلي الذي لا يرجع إلى دليل معتبر شرعا فتأمل جيدا والله العالم (وكل مالين مزج أحدهما بالاخر بحيث لا يتميزان، تحققت فيهما الشركة اختيارا كان المزج أو اتفاقا) مقصودا به الشركة أولا، بلا خلاف اجده فيه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه. وفي دعائم الاسلام (2) " رويا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله أجاز الشركة في الرباع والارضين واشرك رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام في هديه، وإذا اراد رجلان أن يشتركا في الاموال، فأخرج كل منهما مالا مثل مال صاحبه دنانير أو دراهم ثم خلطا ذلك حتى يصير مالا واحدا لا يتميز بعضها عن بعض على أن يبيعا ويشتريا ما رأياه من انواع التجارات فما كان في ذلك من فضل كان بينهما، وما كان من وضيعة كان عليهما بالسواء. فهذه شركة صحيحة لا اختلاف علمناه فيها وليس لاحدهما أن يبيع ويشترى الا مع صاحبه، الا أن يجعل له ذلك ". وإن كان يحتمل بل هو الظاهر أن قوله " وإذا " إلى آخره من مصنفها، لا فيما رواه عن جعفر بن محمد عليه السلام، إلا أنه على كل حال فيه شهادة على المزج في الجملة. لكن قد عرفت سابقا الفرق بين المزج الاختياري المقصود فيه الشركة وغيره بالملك مشاعا في نفس الامر في الاول، بخلاف الثاني وإن عومل معاملته في الاحكام إلا أنه لو فرض اتفاق العلم ببعضه لاحدهما لم يكن للاخر شركة فيه، بل لو فرض بقاء ما ليس هو إلا لاحدهما امكن حينئذ اتياه القرعة عند القائل بها في مثله، وقسمته بينهما من الصلح القهري عند غيره، على نحو ما سمعته في نظائره في كتاب الصلح والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف في أنه (يثبت ذلك في المالين المتماثلين في


(1) لم نعثر بهذا اللفظ في أحاديث الخاصة ولا العامة. (2) الدعائم ج 2 ص 85 فصل الشركة.

[ 292 ]

الجنس والصفة) أي بالمز: الرافع للامتياز بينهما الذي قد عرفت سببيته للشركة فلو تخلف أحدهما تحقق الامتياز المنافي للشركة، فلا يكفي حينئذ مزج الحنطة بالشعير ولا الدخن (1) بالسمسم، وإن عسر التخلص، والدراهم بالدنانير، بل ولا الحنطة الحمراء بالبيضاء، والصغيرة الحب بالكبيرة والدراهم الصحيحة بغيرها، و نحو ذلك ما لم يرتفع التمييز فيها بالمزج الذى هو سبب الشركة إذا كان على الوجه المزبور. (سواء كانا) أي المالان (أثمانا) أي ذهبا وفضة (أو عروضا) كالادهان وغيرها من المايعات بل والحنطة والشعير والذرة والسمسم ونحوها خلافا للمحكي عن الشيخ في المبسوط فمنع من الشركة في العروض إلا في المكيل والموزون وما عن الاسكافي من إطلاق عدم صحة الشركة إذا كان لكل واحد منهما مبتاع، إلان يتعاوضا بمتاعيهما فيبيع هذا نصف متاعه بنصف متاع هذا، وان كان يمكن تنزيل كلام الاخير منهما على ما لا يحصل معه الامتزاج الرافع للامتياز. ثم المراد من عدم التمييز كونه في الظاهر كذلك لا في نفس الامر، فإن الاجسام لا تتداخل في المايعات، فضلا عن غيرها لكن في الرياض بعد أن اعترف بأنه المستفاد من كلمات الاصحاب سيما معقد اجماع التذكرة قال: " وهو مناف لما ذكروه في التعريف من أنها اجتماع حقوق على الاشاعة، فإن الظاهر منها حيث تطلق أن لا يفرض جزء إلا وفيه حق لهما وبه صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب، بل صرح فيه بعدم حصول الشركة بمزج الحنطة والذرة والدخن والسمسم ونحوها بمثلها، بل حصرها في مثل الادقة والادهان بمثلها ولكن الظاهر عدم استقامة ما ذكره على طريقة الاصحاب، لاتفاقهم في الظاهر على عدم اشتراط عدم التمييز النفس الامري مع أن اشتراطه في نحو الاثمان مخالف لطريقة المسلمين في الاعصار والامصار، لانهم لا يزالون يتشاركون فيها من زمن النبي صلى الله عليه واله إلى زماننا هذا من غير نكير


(1) (الدخن) كقفل: حب صغير املس جدا. - اقرب الموارد -.

[ 293 ]

في صقع من الاصقاع، وعصر من الاعصار، فكان إجماعا، وقد نبه عليه في التذكرة بقي الكلام في التوفيق بين التعريف وما هنا، والخطب سهل بعد الاجماع على ما هنا، لعدم الدليل على ما في التعريف من اعتبار الاشاعة بالمعنى المتقدم، مع احتمال إرادتهم منها هناك عدم التمييز المطلق ". قلت: وفيه أولا: أن عدم التمييز في نفس الامر لا يتم في الادهان، ولا في غيرها كما سمعت. وثانيا: أن التعريف للشركة الشرعية الموجبة للملك على الاشاعة التى قد ذكروا اسبابها بعد تعريفها، ولا ريب في أن المراد منها المعنى الاول، لا عدم التمييز كما هو واضح لا يشتبه على من له أدنى تحصيل، وما حكاه في التنقيح لم أجده فيما حضرني من نسخته قال: والفائدة الثانية الشركة أمر حادث وكل حادث لا بد له من سبب والسبب هنا قد يكون إرثا، وقد يكون حيازة كما لو اقتلعا بشجرة أو اغترفا ماء بآنية وقد يكون مزجا كما إذا مزجت الاجزاء المتساوية المصغرة بحيث لا يمتاز جزء عن جزء كالادقة والادهان، لا كالحنطة والذرة والدخن والسمسم، والدراهم الجدد والعتق، ثم قال: الفائدة الثالثة: إنما قيد الاجتماع على وجه الشياع، احترازا عن اجتماع لا يحصل فيه ذلك والمراد فيه بالشياع أن لا يفرض جزء الا وفيه حق لهما. وهو كما ترى أجنبي عما حكاه عنه، ضرورة كون مراده عدم تحققها مع التمييز، كمزج الحنطة بالذرة، والدخن بالسمسم، والدراهم الجديدة بالعتيقة، ولذا افردها وجمع الادهان والادقة، لا بأمثالها التى من ضرورة المذهب تحقق الشركة فيها بالامتزاج وأما ما ذكره من تفسير الشياع فهو في محله، لا أنه يريد تماميته في مثل الدقيق دون غيره ما هو واضح بأدنى تأمل، خصوصا مع ملاحظة كونه أجل من أن يقع في هذا الوهم الذي لا ينبغى جوازه على اصاغر الطلبة. إنما الكلام في اعتبار المثلية إذا كانت بالمزج فيها كما هو ظاهر المصنف بل قيل: هو صريح قوله (أما ما لا مثل له، كالثوب والخشب والعبد فلا تتحقق فيه

[ 294 ]

بالمزج، بل قد تحصل بالارث أو أحد العقود الناقلة كالابتياع والاستيهاب) ولعله لاصالة بقاء كل على ملك مالكه، المقتصر في الخروج عنها على المتيقن الذي هو المزج في المثليات دون غيرها، لكن في الرياض بعد أن حكى ذلك عن المصنف هنا قال: " وفاقا للمبسوط والاسكافي، إلا أنه اطلق، ولكن معلوم النسب لا يقدح خروجه بالاجماع، ومع ذلك يضعف بتحقق المزج على الوجه المتقدم في كثير منها، كالثياب المتعددة المتقاربة الاوصاف، والخشب كذلك، ونحوهما، فيتحقق الشركة، فإن ضابطها حصول المزج مع عدم الامتياز، ولا خصوصية للقيمي والمثلي في ذلك وقد حصل ". ولا يخفى عليك ما في الثاني من المصادرة الواضحة. نعم لو كان في الادلة ما يقتضى إطلاق تحققها بالمزج الرافع للامتياز، إتجه حينئذ الاستدلال بإطلاقه، ولكن لم نعثر على ذلك، أللهم إلا أن يستدل بإطلاق " أوفوا بالعقود " (1) المقتضى لتحققها في جميع افراد الشك، أو باطلاق معقد دعوى الاجماع على ذلك إلا أنا لم نتحققه. نعم في التذكرة وأما العروض عندنا تجوز الشركة فيها مع الشرط المذكور، أي المزج الرافع للامتياز، سواء كانت من ذوات الامثال، أو من ذوات القيمة، وهو ليس اجماعا صريحا، مع أنك قد سمعت ما حكاه عن الشيخ والاسكافي، وإن كان قد سمعت كلامهما سابقا، ولو سلم الاجماع على ذلك فليس في كلام المصنف صراحة فيما ينافيه، خصوصا بعد قوله سابقا " وكل مالين مزج أحدهما بالاخر " إلى آخره الشامل للقيمي والمثلى، بل قوله أيضا " وتثبت في المالين المتماثلين في الجنس والصفة كذلك " ايضا ضرورة صدق ذلك على القيميات، لكن قوله " أما ما لا مثل له " إلى آخره قد يظهر منه ذلك، إلا أنه من المحتمل إرادته عدم تحققها بالثوب والخشب والعبد، باعتبار عدم المزج فيها الرافع للامتياز، فهو حينئذ لبيان ما احترز به من اعتبار المزج الرافع للامتياز، على أن مثل هذه لا يتحقق فيها الشركة بمزجها باعتبار عدم


(1) سورة المائدة الاية - 1.

[ 295 ]

ارتفاع الامتياز بمزجها كما هو واضح. وربما يومى إليه افراد الثوب والعبد إذ لو كان المراد الثوب في الثياب والعبد في العبيد والخشب في الاخشاب لناسب التعبير بالجمع. نعم قد يقال: إن المتيقن من التفاوى ومعاقد الاجماعات في سبب الشركة المزجية هو ما يتحقق فيها صدق المزج الرافع للامتياز بسببه، فمتى لم يحصل صدق المزج، كالدور والبساتين والعبد في العبد والجمل في الجمل والفرس في الفرس ونحوه ذلك، لم تتحقق الشركة المزجية، إذ هو من الاشتباه لا الامتزاج الشبيه بالتداخل عرفا كما في المايعات وذوات الاجزاء الصغيرة من الحبوب ونحوها مع فرض الكثرة من الجانبين، وبالجملة المدار في حصولها على ذلك من غير فرق بين المثلي والقيمي، كالمصوغات الصغيرة مثل حب الذهب ونحوه، ضرورة صدق امتزاجها على وجه يرتفع الامتياز بينها، بل إن لم يقم اجماع أمكن القول بتحقق الشركة بامتزاج الشخصين المتحدين في الاوصاف الخارجية، وان كانا من جنسين كالقرمز مع بعض الاصباغ المساوية له في اللون، والعسل وبعض افراد الدبس ونحو ذلك. واعتبار بعض اتحاد الجنس والوصف انما هو للاحتراز عما لا يرتفع بالامتزاج امتيازه من مختلفهما، بخلاف محل الفرض، اللهم إلا ان يقال: إن ذلك من متعسر التخلص بالامتزاج، كالدهن مع الدبس، مثلا، لا مما رفع امتزاجه امتيازه، وصيره كالمال المتحد باعتبار اتحاده معه في الجنس والصفة، مع أنه ايضا كما ترى للنظر فيه مجال، بل قد يقال بتحققها في متعذر التخلص ايضا كل على نسبة قيمة ماله كما في المثليات والقيميات الممتزجة المفروض اختلاف قيمتها على معنى صيروة ذلك المال مشتركا بينهما على نسبة قيمة مالهما، لا أن المشترك بينهما قيمتهما الوهمية دونهما. وبالجملة كلامهم في ذلك غير منقح، وقد عرفت ما تقتضيه الاصول (و) القواعد في محال الشك. كما أنه غير خفي عليك فيما (لو اراد الشركة فيما لا مثل له) وغيره مما لا تتحقق فيه بالامتزاج لعدم ارتفاع امتيازه به، (باع كل واحد منهما حصته ما في يده، بحصته مما في يد الآخر) أو وهب كل منهما كذلك، أو باعها بثمن اشترى

[ 296 ]

الاخرى به منه، أو غير ذلك بل قد يستفاد من النصوص تحققها في مال اشترى بثمن معين مثلا بقول " شركتك فيه " على معنى ارادة نقل نصفه مثلا إليه بنصف الثمن، وبقول " الربح بيني وبينك " فيه، ونحو ذلك. قال محمد بن مسلم في الموثق: (1) " سألت أبا جعفر عليه عن الرجل يشترى الدابة وليس عنده نقدها، فاتى رجلا من اصحابه، فقال: يا فلان انقد عنى ثمن هذه الدابة والربح بيني وبينك، فنقد عنه فنفقت الدابة، قال: ثمنها عليهما، لانه لو كان ربحا لكان بينهما " ونحوه غيره، والله العالم. (ولا تصح الشركة بالاعمال كالخياطة والنساجة) بلا خلاف معتد به أجد فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر من غير فرق بين اتحاد عملهما واختلافه، ولا بين كون العمل في مال مملوك، أو تحصيل مباح من حطب وحشيش ونحوهما، للاصل السالم عن معارضته (2) " أوفوا بالعقود "، بعد ما عرفت، والتراضي بما لم يثبت شرعيته غير مجد، والمراد بالتجارة عنه ما ثبتت التكسب به شرعا. وما يحكى (3) " من شركة سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر فيما يغنمونه، فأتى سعد باسيرين ولم ياتيا بشئ فاقرهم النبي صلى الله عليه واله وسلم وشركهم جميعا " غير ثابت، مع إمكان أن يكون ذلك يوم بدر الذي غنائمه على ما صرح في التذكرة للنبي صلى الله عليه واله، فيمكن أن يكون ذلك منه هبة لهم، بل يمكن غير ذلك ايضا. ومن هنا اتفق أهل الحق على عدم الشركة بذلك عدا ما يحكى عن ابن جنيد منهم مع أن المحكي عنه في المختلف انه قال: " لو اشترك رجلان بغير رأس مال على ان يشتريا ويبيعا بوجوههما جاز ذلك، ولو اشترك رجلان فكان من عند احدهما بذر


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام الشركة الحديث - 2. (2) سورة المائدة الاية - 1. (3) سنن البيهقى ج 6 ص 79.

[ 297 ]

وبقر، وعلى الآخر العمل والخراج كانت الشركة جائزة بينهما ولو اشترك رجلان على أن يعملا عملا لكل واحد منهما فيه عمل منفردا، وأن تكون ايديهما جميعا في العمل وتقسم الاجرة بينهما لم أجز ذلك، لان الاجرة عوض عن عمل فإذا لم يتميز مقدار عمل كل واحد منهما لم آمن أن يلحق احدهما غبن أو أن يأخذ ما لا يستحقه، وإن تشاركا الفضل وتحالا، أو تضمن أحدهما بالعمل ثم قسمه على الاخر من غير شركة جاز ذلك ". وهو كما ترى صريح في عدم الجواز، لكن في المختلف بعد أن حكى ذلك عنه قال: " والوجه البطلان، لنا اجماع الفرقة وخلاف ابن الجنيد غير معتد به لانقراضه بحصول الاتفاق بعده، ولان الاصل عدم الشركة وبقاء حق كل واحد عليه، ولانه غرر عظيم، ولان الشركة عقد شرعي، فيقف على الاذن فيه، ويمكن أن يريد ما ذكره أولا من شركة الوجوه، ولكن قد يقال: إنه يمكن صحة ما ذكره بالتوكيل من كل منهما على الابتياع والبيع، كما أن ما ذكره ثانيا يمكن كونه من باب المزارعة، وحينئذ فلا يكون خلاف منه، بل تتفق كلمة أهل الحق على البطلان، وإن اشتهر نقل ذلك عنه، بل المعروف في الحكاية عن الشافعي موافقته على ذلك، وانما المخالف ابو حنيفة، ومالك، وابن حنبل على اختلاف فيما بينهم ايضا في تعيين الجائز من ذلك، وحيث كان الجميع عندنا باطلا، لم تكن ثم فائدة يعتد بها في التعرض إلى ذلك، وحينئذ فيختص كل منهما بما اكتسبه، ولا يشاركه الآخر فيه (نعم، لو عملا معا لواحد) مثلا (بأجرة، ودفع اليهما شيئا واحدا عوضا عن أجرتهما) التى وقعت في عقد استيجارهما على العمل دفعة (تحققت الشركة) حينئذ (في ذلك الشئ) الا انها ليست من شركة الاعمال، بل هي من شركة الاموال نحو ما لو آجر كل منهما نفسه منفردا، ثم ادى المستأجر اليهما مالا مشتركا، فان الشركة في المال خاصة قطعا، وحينئذ فلا اشكال في جوازها من غير فرق بين اختلاف عملهما واتفاقه، ولا بين علمهما بنسبة احد العملين إلى الآخر وعدمه، لان الاعتبار في الصفقة بالعلم بعوض المجموع لا الاجزاء، واجرة المجموع هنا

[ 298 ]

معلومة، فيقسم عليهما على نسبة العمل، بأن ينسب أجرة مثل عمل احدهما إلى أجرة مثل العملين ويؤخذ من المسمى بتلك النسبة، ومع الجهل بالنسبة يحتمل التساوى والصلح كالمالين الممتزجين المجهول قدر كل منهما والله العالم. (ولا) تصح ايضا الشركة (بالوجوه) المفسرة في الاشهر باشتراك وجهين، لا مال لهما بعقد لفظي، على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما، فيبتاعان ويبيعان، ويؤديان الاثمان، وما فضل فهو لهما، وقيل: أن يبتاع وجيه في الذمة، ويفوض بيعه إلى خامل ويشترطا أن يكون الربح بينهما، وقيل: أن يشترك وجيه لا مال له، وخامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه، والمال من الخامل، ويكون المال في يده لا يسلمه إلى الوجيه، والربح بينهما، وقيل: أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون بعض الربح له. (ولا شركة) عندنا (في المفاوضة) التى هي اشتراك شخصين فيما يغنمان به من ربح، وإرث، ولقطة، وركاز، وغير ذلك، ويغرمان من ارش جناية وضمان غصب، وقيمة متلف، وغير ذلك مطلقا، فهما كما عن بعض أو باستثناء قوت اليوم، وثياب البدن والخادم وبذل الخلع والصداق والجناية على الحر، لعدم الدليل عليها عندنا، بل بالاجماع بقسميه على فسادها، كالشركة بالمعنيين الاولين. (وإنما تصح) عندنا (بالاموال) بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه أيضا على الصحة فيها، وهى المسماة بشركة العنان، من عنان الدابة، أو من " عن " إذا ظهر، أو من " المعانة " بمعنى المعاوضة، لامكان تقرير وجه المناسبة في الجميع، والامر فيه سهل وإن اطنبوا فيه، لكن لا ثمرة معتد بها فيه. إنما الكلام فيما في المسالك. فإنه بعد أن ذكر تفسيرات شركة الوجوه قال: " والكل عندنا باطل، خلافا لابن الجنيد، فانه جوزها بالمعنى الاول ولابي حنيفة مطلقا وحينئذ فإذا أذن أحدهما للآخر في الشراء فاشترى لهما وقع الشراء لهما، فكانا شريكين، لانه بمنزلة التوكيل، وقد اشترى بأذنه فيشترط شروط الوكالة، وإذا كان المال لاحدهما وباع الاخر سواء كان خاملا أو لا، صح البيع بوكالة المالك،

[ 299 ]

وللمباشر أجرة المثل لعمله، ولا شئ له في الربح. وكأنه أخذ ذلك مما في جامع المقاصد قال: " وأما شركة الوجوه فان احدهما إذا اشترى من دون توكيل الآخر له أو مع قصد اختصاصه به، فلا حق للآخر في الربح، وإن وكله فاشترى لهما فقد تحققت شركة العنان " كما انه قبل ذلك بعد أن ذكر الاجماع على بطلان ما عدا شركة العنان من الاقسام الثلاثة، قال: " والمراد ببطلانها عدم ترتب آثارها عليها، أما شركة الابدان فلانهما إن عملا كان لكل منهما أجرة عمله إن تميزا، قليلة كانت أو كثيرة، ومع الاشتباه فسيأتي أن الاصح الصلح، وإن كان مع ذلك فيه معنى شركة العنان لامتزاج المالين، و إن عمل أحدهما فلا شئ للآخر في أجرة عمله، وأما شركة المفاوضة فلان كل ما انفرد به أحد الشريكين من تجدد مال أو ثبوت غرم، فهو مختص به، ولو كان في مال أحدهما المجدد من جنسه مال للآخر فسدت شركة المفاوضة، وانقلبت إلى شركة العنان ". قلت: محل البحث بين الاصحاب ومن أجاز ذلك من العامة مشروعية عقد شركة على أحد الوجوه الثلاثة على حسب شركة العنان وعدمه، واتفاق مصداق من مصاديقها مع مصداق الوكالة لا يقضى بجوازها مع فرض عدم قصد الوكالة، وعدم ارادتها، وإنما المراد عقد شركة على هذا الوجه الذي يصح أن يكون موردا للوكالة لو قصدت به. ومن ذلك يظهر لك ما في المحكي عن الاردبيلى، فانه بعد أن حكى عن التذكرة بطلان شركة الابدان عندنا، سواء اتفق عملهما أو اختلف، وسواء كانت الصنعة البدنية في مال مملوك، أو في تحصيل مباح كالاصطياد والاحتشاش قال: " ولا يظهر دليل على عدم الجواز سوى الاجماع، فان كان فهو، والا فلا مانع، فانه يرجع إلى الوكالة في بعض الامور وتمليك مال في البعض الآخر، وبذل نفس وعمل في مقابلة عوض، ولا مانع منه في العقل والشرع، ولهذا جوز بعض أقسامها بعض العامة " ثم نقل عنه ايضا " أن شركة المفاوضة عندنا باطلة، وليس لها اصل

[ 300 ]

وبه قال الشافعي ومالك " ثم نقل عنه ايضا في شركة الوجوه انها عندنا باطلة وبه قال الشافعي ومالك ثم قال: " والبحث فيها مثل ما تقدم فتأمل ". وفيه ما لا يخفى عليك من الخروج عن محل النزاع إذا فرض كون المقصود لهما المعنى الصحيح وإن سموه باسم الفاسد، ومن البطلان إذا اراد تأثير عقد الشركة الذى أوقعاه ذلك، وإن اتفق في بعض الاحوال اتحاد مصداقه مع مصداق مفهوم الصحيح الذي لم يكن مقصودا لهما، بل به يظهر فساد ما وقع من جوازها من العامة معللا (برجوعها إلى الوكالة، أو نحوها مما هو صحيح، إذ قد عرفت حقيقة الحال والله العالم. (ويتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساويه) أي المشترك بينهما بأن كان لكل منهما نصفه، (ولو كان لاحدهما زيادة، كان له من الربح بقدر راس ماله، وكذا عليه من الخسارة) بلا خلاف في شئ من ذلك، مع اتفاقهما في العمل، أو اختلافهما فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، والسنة مستفيضة أو متواترة فيه، مضافا إلى اقتضاء اصول المذهب وقواعده في المشاع ذلك، بل هو مقتضى الاصول العقلية ايضا. وما عن بعض العامة من منع الشركة مع عدم استواء المالين في القدر، وفرض اتفاقهما في العمل، قياسا على ما لو اختلفا في الربح واتفقا في المال مدفوع بأن المعتبر في الربح المال، والعمل تابع، فلا يضر اختلافه، كما يجوز مع استوائهما في المال عند الكل (و) إن عمل أحدهما أكثر. إنما الكلام فيما (لو شرط لاحدهما) في عقد الشركة (زيادة في الربح مع تساوى المالين أو التساوى في الربح والخسران مع تفاوت المالين) مع عدم مقابلة ذلك بعمل و (قيل) والقائل الشيخ، وابنا ادريس، وزهرة، والقاضى، وجماعة، بل عن السيد منهم الاجماع عليه كما عن ابن ادريس نسبته إلى الاكثر (تبطل الشركة اعني الشرط والتصرف الموقوف عليه، ويأخذ كل واحد) منهما (ربح ماله، ولكل منهما اجرة مثل عمله، بعد وضع ما قابل عمله في ماله، وقيل:) والقائل المرتضى والفاضل، ووالده وولده (تصح الشركة والشرط) بل عن الاول منهم دعوى الاجماع

[ 301 ]

عليه، وقيل: والقائل أبو الصلاح في المحكي عنه تصح الشركة دون الشرط الذي هو إنما يفيد الاباحة لها لا ملكها، فيجوز الرجوع فيها ما دامت عينها باقية. (والاول اظهر) عند المصنف وجماعة ممن تأخر عنه، لانه أكل مال بالباطل، باعتبار عدم مقابلة الزيادة لعوض، لكون الفرض انها ليست في مقابل عمل، ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة، لتضم أحد العوضين ولا اقتضى تملكها عقد هبة، والاسباب المثمرة للملك معدودة، وليس هذا أحدها، ولا هو اباحة للزيادة إذ المشروط تملكها بحيث يستحقها المشروط له، فيكون اشتراطها اشتراطا لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك، كما لو دفع إليه دابة ليحمل عليها والحاصل لهما فيكون باطلان، فيبطل العقد المتضمن له، إذ لم يقع التراضي بالشركة والاذن في التصرف إلا على ذلك التقدير، فلا يندرج في قوله تعالى " أوفوا بالعقود "، ولا في قوله عليه السلام " والمؤمنون عند شروطهم " خصوصا مع الجواز في عقد الشركة المنافي اللزوم المستفاد من الاية والرواية وأما عدم اندراجه في قوله تعالى " إلا أن تكون تجارة عن تراض " فظاهر إذ الشركة ليست من التجارة في شئ إذ هي مقابلة مال بمال، وهذا الشرط ليس تجارة ايضا، لعدم تضمنه معاوضة ومجرد التراضي غير كاف في اللزوم، بل غايته الاباحة، ولا كلام في الجواز بها، ولكنه غير مفروض المسالة لعدم استناده إلى عقد الشركة، ومع ذلك الاباحة في صورة جهلهما بفساد الشرط محل مناقشة بل منع. نعم لو شرط ذلك للعامل تحققت التجارة حينئذ، لان العمل مال، فهو في معنى القراض كما نبه عليه المصنف بقوله (هذا إذا عملا في المال، أما لو كان العامل أحدهما، وشرطت الزيادة للعامل صح، وكان بالقراض أشبه) بل لا خلاف فيه بينهم على ما اعترف به جماعة، بل ولا في جوازه مع العمل منهما ايضا وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر، وإن كان ظاهر العبارة يوهم خلافه. وبذلك كله ظهر لك دليل القولين الاخيرين وفساده، حتى الاجماع المحكي للثاني منهما المعارض باجماع ابن زهرة المعتضد بالنسبة إلى الاكثر وبما سمعت، ولكن مع ذلك للنظر في جميع ما عرفت مجال، وذلك لان الاتفاق على الجواز

[ 302 ]

في الصورتين المزبورين ليس هو الاشتراط المزبور إذ ليس ذلك قراضا قطعا لعدم قصده اولا وعدم تماميته في الصورة الثانية منهما ثانيا وعدم اعتبار ما يعتبر في القراض من كونه نقدا في الصحة هنا ثالثا فليس حينئذ إلا الشرط المزبور وهو كما أنه قابل للتمليك في مقابلة العمل أو زيادته قابل للتمليك مجانا، المتحقق شرعا بالهبة وغيرها، فلا يكون الاكل به حينئذ أكلا بالباطل بل هو بالسبب الصحيح الشرعي الذي هو الشرط وأحد الاسباب المملكة ودعوى كونه في مثل هذا العقد الذي مفاده الاذن خاصة لا يفيد ملكا، إذ هو كعقد العارية يدفعها أنه كذلك مع اشتراطها للعامل خاصة كما أن دعوى كون عقد الشركة من الجائز، فلا تشمله الآية ولا الرواية مشترك الالزام مبني أيضا على أن المراد من عقدها المشترط فيه ذلك إنما هو العقد المشتمل على الاذن في التصرف لا عقد انشاء الشركة الذي قدمناه سابقا، فإنه لازم لا ينافيه بطلان الشركة بالقسمة كما لا ينافي لزوم البيع الاقالة، وأما منع كونه تجارة عن تراض بمعنى تكسب ولو لاحدهما بالطريق المزبور فواضح المنع، هذا. مع أنه قد يقال في صورة تساويهما في العمل وشرطت الزيادة لاحدهما، و اختلافهما وشرطت لادناهما، بالصحة، بناء على ما ذكروه، لمقابلتها حينئذ بالعمل ممن اشترطت له، وأما الآخر فهو متبرع بعمله لم يرد في مقابلته شئ، إذ لا امتناع في أن يعملا أحدهما بعوض والاخر بلا عوض. هذا كله مماشاة مع الخصم، وإلا فالمتجه الصحة مطلقا، حتى إذا لم يعملا، بل نمى المال في نفسه، فما في القواعد من اشتراط الصحة بذلك قال " ولو شرط التفاوت مع تساوي المالين أو التساوى مع تفاوته فالاقرب جوازه إن عملا أو أحدهما سواء شرطت الزيادة له أو للاخير " في غير محله، ضرورة انحصار السبب في استحقاق الزيادة فيما فرضه بالشرط المتحقق في الصورتين كما هو واضح، وبذلك كله ظهر لك ما في كلام جملة من الاصحاب كالكركي وثاني الشهيدين وأتباعهما فلاحظ وتأمل.

[ 303 ]

مضافا إلى ما عساه يستفاد من بعض النصوص (1) المتقدمة في كتاب الصلح الدالة على جواز اشتراط رأس المال لاحد الشريكين، وللاخر الربح وعليه الخسران التى قد سمعت تفضيل الكلام فيها وإلى بعض النصوص (2) المتضمنة للمشاركة في الجارية، على أن يكون بعض الشريك شريكا في الربح دون الخسران، وإن حملها بعض الناس على معنى آخر. بقي الكلام فيما ذكره المصنف وغيره من قسمة الربح على المالين، بناء على البطلان، إذ هو غير تام بناء على اقتضاء بطلان عقد الشركة بمعنى الاذن، لصيروة التصرف حينئذ فضوليا فلا ربح، نعم هو كذلك مع فرض الاجارة، اللهم إلا أن يراد ربح ما حصل من التصرف فمن كل منهما في ماله، وأما الاجرة لكل منهما عوض عمله في المال بنقل ونحوه، فالوجه فيها احترام عمل المسلم، واقدام المتبرع منهما بزعم صحة العقد فمع فرض بطلانها لم يكن منه تبرع، لكن قد يقال بمنع الاجرة مع ذلك لاصالة البراءة. نعم هو كذلك بالنسبة إلى من شرطت الزيادة له باعتبار صيرورته كالقراض الفاسد، فإن العامل يستحق الاجرة فيه، لان " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " فكذا هنا، أما من لم يشترط لعمله شئ فهو في حكم المتبرع على تقديري الصحة والفساد، أللهم إلا أن يقال ان الشريك كذلك مع فرض صحة عقد الشركة المقتضى لذلك لا مع فساده، إذ هو حينئذ عمل وقع من المسلم لا عوض له بزعم صحة الشركة فمع بيان فسادها يبقى مضمونا على من وصل إليه. وكشف الحال في اصل المسألة أن ظاهرهم عدم رجوع أحد منهم على الآخر بأجرة عمله مع حصول عقد الشركة منهما، بناء منهم على أن مقتضى عقد الشركة ذلك، بل لعل ظاهرهم ذلك في صورة وقوع العمل من أحدهما أيضا.


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام الصلح. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب احكام الشركة الحديث - 8 -

[ 304 ]

وإن كان قد يناقش في اصل اقتضاء عقد الشركة ذلك، بناء على ثبوته بالمعنى المزبور أما على تقدير عدمه فالمتجه حينئذ ثبوتها، لقاعدة احترام عمل المسلم الواقع باذن من عمل له، كما ان المتجه ذلك أيضا لو وقع العمل بزعم صحة عقد الشركة المقتضى لمجانية العمل، فمع بيان فساده يتجه الاجرة، للقاعدة المزبورة أيضا، اللهم إلا أن تكون معارضة بقاعدة " ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " مع إمكان منع ذلك هنا بأن يقال: إن عدم الاجرة إنما هو لظهور التبرع منهما، لا أنه من مقتضيات عقد الشركة كى يتجه اتيان القاعدة. نعم قد عرفت النظر في اصل ثبوت هذا العقد عندنا، فضلا عن دعوى اقتضائه التبرع بذاته، وربما يؤيده قول المصنف هنا أعنى الشرط والتصرف، كالمحكي عن أول الشهيدين، وفخر المحققين من أن المراد من البطلان هنا بطلان الاذن، لان الشركة العنانية الحاصلة بالمزج مع العقد لا توصف بالصحة والبطلان، لعدم إمكان وقوعها على وجهين، وإن نظر فيه في المسالك تبعا لجامع المقاصد بأن الشركة العنانية بالمعنى الذى ذكرناه أي كونه عقدا ثمرته الاذن في التصرف وتوصف بالصحة والبطلان، بل ليس الغرض من الشركة في الاموال إلا الشرط المدلول عليه بالصيغة وما يلزمه اللهم إلا أن يمنع من كون الشركة بمعنى العقد المزبور هي العنانية كما يظهر من التذكرة أنها مركبة من مزج المالين. والعقد، لكن يشكل بأنها إذا لم تكن شركة فهي أحد الاقسام الاخر لاتفاق الفقهاء على انحصار الشركة الصحيحة في شركة العنان وانحصار مطلق الشركة في المذكورات، وغاية ما ينزل أنها تطلق على المعنيين معا لكنها في الثاني أظهر. قلت: لكن قد عرفت فيما تقدم فساده، إن لم يكن اجماعا بما لا مزيد عليه كما أنك قد عرفت هنا وصف الشركة العنانية بالمعنى الذي ذكرناه بالصحة والفساد، وأن صحيحها مقتض للملك على الاشاعة في نفس الامر بخلاف فاسدها فانها إشاعة في الظاهر لا الواقع فتأمل جيدا. (وإذا اشترك المال) بأحد اسبابه السابقة عدا ما كان بالعقد منها بناء على

[ 305 ]

اقتضائه الاذن (لم يجز لاحد الشركاء التصرف فيه إلا مع إذن الباقين) لحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، ومجرد اشتراك المال لا يدل عليها وإن كان بالمزج الاختياري المراد به حصول الشركة (فإن حصل الاذن لاحدهم تصرف هو دون الباقين) لحصولها بالنسبة إليه دونهم. (و) لكن (يقتصر من التصرف على ما اذن له) فيه (فإن اطلق له الاذن) في التصرف جاز، لان الاطلاق في ذلك غير مناف لعدم الضرر فيه و (تصرف كيف شاء) من وجوه التجارة والاسترباح الغالبة المنزل عليها الاطلاق، لكن في جامع المقاصد والمسالك تقيد ذلك بالمصلحة كالوكيل المطلق، فيتصرف حينئذ معها ببيع وشراع مرابحة ومساوية، وتولية، ومواضعة، وقبض واقباض، وحوالة واحتيال، ورد بالعيب ونحو ذلك. نعم يقوى عدم جواز السفر له بالمال، لما فيه من الخطر المانع من الحكم بتناول الاذن له فيه، بل في جامع المقاصد " وكذا لا يجوز مكاتبة عبد الشركة ولا إعتاقه على مال، ولا تزويجه ولا المحاباة بمال الشركة ولا إقراضه، ولا المضاربة ونحوه، لان ذلك كله ليس من توابع التجارة الغالبة، أي المنزل عليها الاطلاق، نعم لو اقتضت المصلحة شيئا من ذلك ولم يتيسر استيذان الشريك جاز فعله ". قلت: لا حظ للفقيه في حصر انواع التصرف المستفاد من الاطلاق جواز فعلها للماذون، ضرورة الاختلاف في ذلك زمانا ومكانا وحالا، إنما الكلام في اعتبار المصلحة في الجواز أو يكفي فيه عدم المفسدة، وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة وفيما ذكره من جواز فعل ما لم يتناوله الاطلاق مع اقتضاء المصلحة، وعدم تيسر اذن الشريك ضرورة عدم كفايتها مع فرض عدم تناول الاطلاق، ودعوى شموله لها معها منافية لاعتبار عدم تيسر إذن الشريك ضرورة الجواز حينئذ بدونها وإن تيسرت، فالمتجه حينئذ الحكم بفضولية كل ما لم يشمله الاطلاق، سواء كان فيه مصلحة أولا، إلا ما يرجع منه إلى حكم الامين من حيث كونه أمينا والله العالم. (ولو عين له السفر في جهة، لم يجز له الاخذ في غيرها. أو نوعا من التجارة

[ 306 ]

لم يتعد إلى سواها) سواء نهاه عن غيرها أم لا لان عدم الاذن كاف في عدم الجواز لكن لو خالف في جهة السفر ضمن وصحت التجارة، لعدم بطلان الاذن بذلك، اللهم إلا أن يفرض تقييدها به، فيكون فضوليا حينئذ كما أنه لو خالف في نوع التجارة كان كذلك ايضا ويضمن ايضا لو عين غاية للجهة التى قد اذن بالسفر إليها، فتجاوزها في تلك الجهة، الا أن الظاهر كون الضمان فيها وفيما شابه ذلك إنما هو لو تلف بما لم ياذن له فيه، أو بغيره مما تضمن به الامانة مع التعدي فيها، ولا ينافي ذلك بقاء الاذن في التصرف، أما لو خسر مثلا فيما هو مأذون فيه فلا ضمان على الظاهر، للاصل. (و) على كل حال فقد ظهر لك أنه (لو اذن كل واحد من الشريكين لصاحبه، جاز لهما التصرف وان انفردا) لاطلاق الاذن (و) عدم ما يدل على تقييدها بذلك نعم (لو شرطا الاجتماع لم يجز الانفراد) الذي لم يؤذن فيه (ولو تعدى المتصرف ما حد له ضمن) لقاعدة اليد وغيرها. من غير فرق في التعدي بين أن يكون لعدم تناول اطلاق الاذن أو لمخالفة خصوص ما نص عليه وفي المحدود بين أن يكون نوع التجارة وزمانها ومكانها وغير ذلك. (ولكل من الشركاء الرجوع في الاذن) الذى هو كالتوكيل (والمطالبة بالقسمة لانها غير لازمة) على وجه يجب الاستدامة عليها، إذ " الناس مسلطون على اموالهم " بأنواع التسلط الذي منه افرازبه عن غيره، وفى المسالك جعل ذلك من المصنف إشارة إلى معنى الشركة: فإلى الثاني التى هي العقد بقوله أولا، ولكل " إلى آخره وإلى الاولى التى هي من الاحكام بقوله " والمطالبة " إلى آخره، وهي غير لازمة بمعنييها، ثم قال: " والانسب في قوله " غير لازمة " أن يكون إشارة إلى الثانية لان الموصوف بالجواز واللزوم هو العقد ". قلت: لا يخفى على كل ناظر لكلام المصنف وغيره ممن ذكر نحو ذلك أنه لا شركة عنده بالمعنى الذى اثبتها هو، ضرورة صراحة كلامهم في أن ذلك كله من أحكام الاذن التى هي ليست من العقود قطعا، نحو الاذن في دخول الدار، وأكل الطعام، بل لو جعلت عقدا فليست إلا وكالة لا شركة، نعم بناء على ما ذكرنا من العقدية

[ 307 ]

يراد بجوازها عدم وجوب الاستدامة عليها وابطال كونا شركة بالقسمة كما هو واضح. هذا، ولكن ينبغى أن يعلم أنه بناء على ثبوت عقد الشركة للاذن في التصرف يتجه إنفساخه بقول أحدهما: فسخت الشركة، لانه عقد جايز فيرتفع العقد حينئذ من اصله بذلك، بخلاف ما لو قال أحدهما للآخر: عزلتك، فإنها لا تنفسخ بذلك، وإن انعزل المعزول بذلك، إلا أن العازل يبقى على الاذن له في التصرف، لاشتمال الشركة على ما هو كالوكالتين، ووقوع العزل عن أحدهما لا يقتضى العزل من الاخرى. ولعله إلى ذلك اشار في التذكرة بالفرق بين قول أحدهما فسخت العقد، و قوله عزلتك، فما وقع عن بعضهم من التأمل زاعما عدم الفرق بينهما في غير محله، وذلك لوضوح الفرق باعتبار إقتضاء الفسخ رفع العقد نمن أصله، بخلاف العزل ونحوه الذى هو كالمانع من اقتضاء العقد اثره، وكذا لو وقع المنع عن التصرف لم يحتج إلى عقد جديد للشركة، بخلاف ما لو فسخه فتأمل جيدا والله العالم. (وليس لاحدهما المطالبة بإقامة راس المال، بل يقتسمان العين الموجودة ما لم يتفقا على البيع) لعدم تسلط أحدهما على الاخر بالاقامة المزبورة بوجه من الوجوه كما هو واضح (ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح) على وجه يترتب عليه اثره بحيث يكون لازما (و) ليس لاحدهما فسخها قبله، بل (لكل منهما أن يرجع متى شاء) لانها عقد جائز، فلا يلزم مثل هذا الشرط فيه. نعم في المسالك " يترتب بعلى الشرط المزبور عدم جواز تصرفهما بعده إلا بإذن مستأنف، لعدم تناول الاذن له، فلشرط الاجل اثر في الجملة ". قلت: كأنه اخذ ذلك مما في المختلف قال: قال الشيخان: الشركة بالتأجيل باطلة والظاهر أن مرادهما ليس البطلان من رأس، بل عدم اللزوم، ولهذا قال المفيد عقيب ذلك: ولكل واحد من الشريكين فراق صاحبه أي وقت شاء وقال أبو الصلاح: ولا تأثير للتأجيل في عقد الشركة ولكل شريك مفارقة شريكة أي وقت شاء، وإن كانت مؤجلة، والعبارتان رديتان، والتحقيق أن للتاجيل اثرا وهو منع

[ 308 ]

كل منهما عن التصرف بعده إلا باذن مستأنف، وإن لم يكن له مدخل في الامتناع من الشركة إذ لكل منهما الفسخ قبل الاجل " انتهى. ولا يخفى عليك أن الامر كما ذكراه في اشتراط الاجل في عقد الشركة الذي هو بمعنى الاذن في التصرف الراجع إلى الوكالة، أما إذا كان اشتراطه في عقد الشركة على المعنى الذى ذكرناه فلا ريب في بطلانه، بمعنى عدم الاثر له اصلا إن اريد به الغاية للملك الحاصل بالعقد المزبور، ولا يجب الوفاء به إن اريد به الالتزام ببقائها إليه، لما عرفت من الاجماع على كونها عقدا جايزا بالنسبة إلى فسخها بالقسمة، فلا يلزم الشرط المزبور فيها، ولعل حمل كلام الشيخين وأبى الصلاح بل والمصنف على ذلك أولى، ولو قيل أن بطلان على المعنى الاول يقتضى بطلان الشركة ايضا قلنا: هو كذلك، ولكن لما كان الامتزاج على أي وجه وقع يؤثر الشركة ولو في الظاهر، لم يكن للحكم ببطلانها وجه إلا ما سمعته فتأمل جيدا والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا اشكال في أنه (لا يضمن الشريك ما تلف) من مال الشركة الذي (في يده) باذن الشريك غير تعد ولا تفريط (لانه أمانة) ومن المعلوم نصا وفتوى أنها لا تضمن (إلا مع التعدي أو التفريط في الاحتفاظ و) أنه (يقبل قوله مع يمينه في دعوى التلف، سواء ادعى سببا ظاهرا كالغرق والحرق أو خفيا كالسرقة) لاطلاق الادلة خلافا لبعض العامة فأوجب البينة في الاول. (وكذا) من المعلوم ايضا بلا خلاف ولا إشكال أن (القول قوله مع يمينه لو ادعى عليه الخيانة أو التفريط) لكونه منكرا والبينة على المدعى واليمين على من أنكر (ويبطل الاذن بالجنون والموت) والاغماء وغيرهما مما تبطل به العقود الجائزة كالحجر لسفه أو فلس وغيره ذلك بخلاف اصل الشركة، فإنها لا تبطل بشئ من ذلك. نعم ينتقل امر القسمة إلى الوارث أو الولى أو غيرهما كما هو واضح.

[ 309 ]

الفصل الثاني: في القسمة (وهى تمييز الحق) لكل شريك (من غيره و) لا ريب في أنها امر براسه (ليست بيعا) ولا صلحا ولا غيرهما (سواء كان فيها رد أو لم يكن) كما لا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، ضروره عدم اعتبار قصد شئ زايد على مفهومها في صحتها كضرورة اختلافها مع البيع والصلح وغيرهما في اللوازم والاحكام المقتضية لاختلاف الملزومات، وحينئذ فلا شفعة فيها ولا خيار مجلسن ولا بطلان بالتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه في البيع (و) لا غير ذلك، خلافا لبعض العامة نعم هي (لا تصح) في غير قسمة الاجبار (إلا باتفاق الشركاء) بلا خلاف ايضا ولا إشكال للاصل بل الاصول. (ثم هي) بالنسبة إلى الاجبار عليها مع طلب أحد الشركاء وعدمه (تنقسم) قسمين (فكل ما لا ضرر في قسمته) على أحد الشركاء ولو من جهة الاحتياج إلى رد (يجبر الممتنع مع التماس الشريك) أو لوليه (القسمة) بلا خلاف أجده فيه ايضا بل الظاهر الاتفاق عليه، ولعله العمدة بعد قاعدة وجوب ايصال الحق إلى مستحقه مع عدم الضرر والضرار، (ويكون) الاقتسام (بتعديل السهام) بالاجزاء إن كانت في متساويها كيلا أو وزنا أو زرعا أو عدا بعدد الانصباء، أو بالقيمة إن اختلفت كالارض والحيوان (والقرعة) بان يكتب اسماء الشركاء أو السهام كل في رقعة وتصان ويؤمر من لم يطلع على الحال باخراج إحداها على اسم أحد المتقاسمين أو أحد السهام، هذا إن اتفقت السهام قدرا، ولو اختلفت قسم على اقل السهام، و جعل لها أول يعينه المتقاسمون، وإلا الحاكم وتكتب اسماؤهم، لا اسماء السهام حذرا من التفريق، فمن خرج اسمه أولا أخذ من الاول، وأكمل نصيبه منها على الترتيب، ثم يخرج الثاني إن كانوا أكثر من اثنين، وهكذا وبذلك تتم القسمة من غير حاجة إلى شئ آخر من رضي بعده وغيره في قسمة الاجبار وغيرها، بل ولا في قسمة الرد إذا

[ 310 ]

كان القاسم في الجميع منصوبا، أما إذا كانت من غيره ولو منصوبا منهما، فالمشهور على ما قيل الاحتياج إلى رضى بعد القرعة، خصوصا في قسمة الرد لاشتمالها على المعاوضة المتوقفة على ما يدل على الرضا بذلك. وقد يشكل أولا: بالاكتفاء بالرضا بالقرعة، وثانيا: بفحوى الاكتفاء بها في قسمة الاجبار، وفيما إذا كان القاسم منصوبا من الامام، مع أنها في الجميع كالمعاوضة التى يدعيها الخصم، وثالثا بمبادل من نصوص القرعة (1) على كونها مميزة للحق، ومشخصة له، وملزمه به، بل لعل ذلك هو حمة مشروعيتها، وبذلك يخرج عن اصالة بقاء المال على الاشاعة. إنما الكلام في اعتبارها في القسمة كما عن ظاهر كثير أو الجميع. نعم عن الاردبيلي الاكتفاء بالرضا من الشركاء بأخذ سهم (2) لعموم تسلط الناس على اموالهم ولانه من التجارة عن تراض، وأكل مال الغير بطيب نفسه، وفحوى قوله عليه السلام (3) " في رجلين لم يدر كل منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما: لك ما عندك ولي ما عندي، لا باس إذا تراضيا وطابت انفسهما "، ثم قال: وإن لم يكن ملكا فلا كلام في جواز التصرف فيه، تصرف الملاك مثل ما قيل في المعاطاة والعطايا والهدايا والتحف واحتمال كونه حراما لكونه بعقد باطل، عمل المسلمين على خلافه، بل على الملك وتبعه المحدث البحراني وأنكر العثور على القرعة في شئ من أخبار القسمة التى ذكروها هنا، وفي كتاب القضاء، بل قال: " ليس المقام في شئ من موارد نصوص القرعة وإنما غاية ما يدل عليه بعض أخبارها كقوله عليه السلام (4) " ما تنازع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عزوجل إلا خرج منهم المحق " الرجوع إليها عند التنازع، وأما


(1) الوسائل الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث - 11 - و - 18 - (2) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث. (3) الوسائل الباب - 5 - من ابواب احكام الصلح الحديث - 1 - (4) الوسائل الباب - 13 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى الحديث - 13 -

[ 311 ]

مع التراضي فلا اثر في الاخبار لاعتبارها، وكان الشيخ ومن تبعه تبع العامة فيها، وفيما ذكروه من أحكام القسمة، بل ظاهر جملة من النصوص الاكتفاء بالرضا من دون قرعة كخبر غياث (1) " عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام في رجلين بينهما مال: منه بأيديهما ومنه غائب عنهما، فاقتسما ما في أيديهما، وأحال كل واحد منهما نصيبه، فما اقتضى أحدهما فهو بينهما، وما يذهب منهما " ومثله خبر الثمالى (2) عن أبى جعفر عليه السلام وخبر محمد بن مسلم (3) عن أحدهما وصحيحا (4) معاوية بن عمار وعبد الله بن سنان وخبر سليمان بن خالد (5) فان ظاهر الاقتسام لما في ايديهما ذلك. قلت: قد يقال: بمنع صدق الاقتسام شرعا بعد فرض اعتبارها فيه، بناء على ما حكاه عن الاصحاب على المجرد عنها، فلا دلالة حينئذ بما في النصوص المزبورة على ما ذكره خصوصا بعد تعارف القرعة قديما وحديثا بين المتشرعة في قسمة الاموال المشتركة. بل قد يقال: إن تعريف القسمة بأنها تمييز الحقوق بعضها عن بعض يقتضى أن حصة الشريك كلي دائر بين مصاديق متعددة فمع فرض تراضي الشريكين مثلا على قسمة المال نصفين، على أن يكون نصف كل واحد منهما في النصف المقسوم، احتيج إلى القرعة في تشخيص كل من النصفين لكل منهما، فهي حينئذ لاخراج المشتبه والمتردد، وهو محل القرعة لاشكاله، لا أن القرعة ناقل أو جزء ناقل، لاستحقاق كل من المالين إلى الاخر. بل إن لم يكن اجماع أمكن القول بأن المراد من إشاعة الشركة، دوران حق الشريك بين مصاديقه، لا أن المراد منها ثبوت استحقاق الشريكين في كل جزء يفرض وإلا لاشكل تحققها في الجزء الذي لا يتجزى من المال المشترك، وبذلك يتجه اعتبار القرعة في القسمة بعد تعديل السهام، ورضى الشريكين مثلا في تعيين كلي مصداق استحقاقهما بالشخص الخارج، ضرور كونه حينئذ من مواردها بل لا يتحقق الاقتسام بدونها، لعدم كون المدار فيه رضاهما بأن ماله من الحق فيما في يد شريكه


(1 و 2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام الشركة الحديث - 1 - وذيله باختلاف يسير.

[ 312 ]

هو عوض ما في يده، كي تكون من قبيل المعاوضات، وإلا لم يعتبر فيها تعديل السهام " لتسلط الناس على اموالها " مع أن فاقده ليس من القسمة شرعا قطعا، ولاشكل ايضا قسمة الوقف من الطلق، وإلا لكانت بعض اجزاء الوقف طلقا، والطلق وقفا، على أن هذا الرضا بعد فرض عدم اندراجه في عقد من العقود المملكة، كيف يكون سببا لنقل المال إلى الاخر، فضلا عن لزومه، وليس في القسمة عموم أو اطلاق يقتضى ذلك كي يكون حينئذ أمرا مستقلا برأسها، بخلافه على ما ذكرنا، فإنه غير محتاج إلى شئ من ذلك ضرورة الاكتفاء برضاهما في تشخيص المصداق، والقرعة لاستخراج خصوص ما لكل منهما من المصداق المتردد واقعا، فتكشف حينئذ عن كون حقه في الواقع ذلك، ولو لسبق علم الله تعالى بوقوعها عليه، ولا يحتاج بعد إلى عموم، أو عقد آخر يقتضى الملك أو اللزوم فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع. أو يقال: إن القرعة مشروعة للتعيين، كما شرع قبض المستحق من المستحق عليه في الدين مثلا كذلك أو يقال: إن ملك الكلي في الشركة وغيرها يتحقق في مصداق من مصاديقه في علم الله تعالى شأنه لعدم تصور حصول صفة الملك بناء على أنها كالصفات الخارجة في الكلي الذي لا وجود له إلا بوجود افراده، أو وجوده عين وجود افراده، ضرورة عدم قيام العرض إلا بجوهر، كضروره عدم تحقق الملك في فرد غير معين في علم الله تعالى، وذلك لا ينافي اجراء حكم الشركة ظاهرا على الافراد كما لا ينافي شرعية القرعة لاخراجه، سواء انطبقت عليه أولا، إذ هي ميزان من الموازين الشرعية في الظاهر. نعم لو قلنا بأن الملك والكلية ونحوهما من الامور التى جعلت عنوانا في الشرع وليس لها وجود حقيقة، ولا مشخصات كذلك، لم يتجه حينئذ ما ذكرناه، يتعين ما قلناه سابقا من التعيين بالقرعة والله العالم. ومع الاغضاء عن ذلك كله يمكن الاكتفاء بظهور اتفاق الاصحاب على اعتبار القرعة في القسمة شرعا مؤيدا بتعارف ذلك بين عوام المتشرعة، فضلا عن خواصهم بل قد عرفت اعتبار الرضا بعد القرعة من بعضهم في الجملة، ولا اقل من أن تكون

[ 313 ]

القرعة كالعقد في اللزوم، وفاقدها كالمعاطاة، نحو ما سمعته من الاردبيلي، وأما احتمال عدم اعتبارها اصلا وأن التراضي كاف في الانتقال والزوم، فلا ينبغى الاصغاء إليه بوجه من الوجوه، هذا كله بناء على ما حكاه عنهم،، وإلا فقد يقال: إن مراد الاصحاب إعتبار القرعة حال عدم التراضي لانها العدل بينهما. أما مع فرض التراضي منهما فلا باس كما يؤمى إليه قول المصنف (أما لو اراد أحد الشركاء التخيير، فالقسمة جائزة لكن لا يجبر الممتنع عنها) ضرورة صراحة ذلك في مشروعية القسمة بدونها، وأن الفرق بينها وبين الاولى جبر الممتنع عنها دونها، واصرح منه ما في اللمعة في القسمة في القضاء، " وإذا عدلت السهام واتفقا على اختصاص كل واحد بسهم، لزم، وإلا اقرع " وفي الروضة في شرحها " لزم من غير قرعة، لصدق القسمة مع التراضي الموجبة لتميز الحق، ولا فرق بين قسمة الرد وغيرها، والا يتفقا على الاختصاص اقرع " وهو صريح في عدم اعتبار في اصل القسمة الا حال عدم التراضي، والمحدث البحراني قد صرح باعتبار القرعة حينئذ، وعدمها مع التراضي، وهو عين ما سمعته منهم، فما ادرى اين محل إنكاره. نعم قد يناقش في أصل الاكتفاء بالرضا في اللزوم بما ذكرناه أولا، وتسمع إنشاء الله تمام البحث في ذلك وغيره في كتاب القضاء. بقي الكلام في الجبر على القسمة وعدمة، وحاصل البحث فيه أنك قد عرفت جبر الممتنع عنها في كل ما لا ضرر فيها على احدهما لما سمعت (وكل ما في) قسمت‍ (ه ضرر) عليهما (كالجوهر والسيف والعضايد الضيقة) قال في الصحاح: اعضاد كل شئ ما يشيد حواليه من البناء وغيره كاعضاد الحوض، وهى حجارة تنصب حول شفيره، وكذلك عضادتا الباب: وهما خشبتاه من جانبيه. وعلى كل حال فما كان نحو ذلك (لا يجوز قسمته) بمعنى أنه لا يجبر الممتنع عنها، لقاعدة نفى الضرر والضرار، والنهى عن السرف والتبذير، وتلف المال في غير الفرض الصحيح، لكن في المتن هنا لا يجوز (ولو اتفق الشركاء على القسمة) ومقتضاه عدم المشروعية اصلا وفيه: أنه مناف لقاعدة " تسلط الناس على اموالها " و

[ 314 ]

السفه قد يرتفع بالغرض الصحيح، وعلى أنه هو في كتاب القضاء فسر الضرر المانع من القسمة بنقص القيمة، لا خروج المال عن الانتفاع، ولا ريب في عدم منع المالك من التصرف فيه وإن استلزم نقصا فاحشا في المال وايضا فالاثم بذلك لا ينافي صحة القسمة شرعا، كل ذلك مع أنه مناف لما قيل: من وجوب الاجابة فيما لو فرض ضرر القسمة على أحدهما خاصة، وكان الطالب لها المتضرر، قال في الدروس " ولو تضرر أحد الشريكين دون الاخر أجبر غير المتضرر بطلب الاخر دون العكس " لكن قال: " وفى المبسوط لا يجبر أحدهما مما يتضرر الطالب، وهذا حسن إن فسر التضرر بعدم الانتفاع، وإن فسر بنقص القيمة فالاول احسن " وكأنه لحظ إمكان فرض الغرض الواقع للسفه على تقدير التفسير بالنقص بخلافه على الاخر، ثم إن الظاهر ما صرح به في الدروس واللمعة والروضة وغيرها من عدم وجوب الاجابة إلى المهاياة أي قسمة المنفعة بالاجزاء، أو بالزمان، كأن يسكن أو يزرع هذا الجزء المعين بل في الاخير سواء كان مما يصح قسمته اجبارا ام لا، وأنه لا يلزم الوفاء بها لو أجاب إليها فيجوز لكل منهما فسخها، وحينئذ فلو استوفى أحدهما ففسخ الاخر أو هو، كان عليه أجرة حصة الشريك، ولو رجع بعد استيفاء كل منهما مدته فلا شئ له، إلا مع التراضي كما في كشف اللثام، وظاهر الجميع خروجها عن حكم المعاطاة، وصيرورتها كالمقاولة الوعدية، إلا أنه لا يخلو من نظر في الجملة هذا. لكن قد يقال فيما إذا كانت قسمته ممتنعة: إنه ينتزعه الحاكم منهما مع التعاسر ويؤجره عليهما ان كان له أجره، جمعا بين الحقين وصونا للمال عن التلف، وجبرا للضرر كما صرح به في الدروس، ولعل ذلك من السياسات، بناء على أن للحاكم ذلك ونحوه، وحينئذ لا ينحصر الامر في ذلك، فله حينئذ بيعه عليهم، مع كونه مقتضاها، كما عن بعض العامة من كون ذلك وجها، أما مع قطع النظر عنها فالمتجة ما صرح به بعضهم من عدم وجوب بيع المشترك مع التنازع، وعدم إمكان القسمة وانتفاء المهاياة، لاصلي عدم الوجوب، وعدم صحة البيع عليهم. وعلى كل حال فقد ذكروا في الضرر المانع من الاجبار على القسمة أقوالا

[ 315 ]

ثلاثة: أولها: أنه عبارة عن نقصان العين أو القيمة، نقصانا لا يتسامح فيه عادة، لان فوات المالية مناط الضرر في الاموال، فيندرج حينئذ في قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " مؤيدة باصالة عدم القسمة الشرعية السالمة عن معارضة إطلاق أو عموم تقتضيها، وبذلك وغيره ترجح على قاعدة وجوب إيصال الحق إلى مستحقه الطالب له. ثانيها: أنه عبارة عن عدم الانتفاع بالمال اصلا. ثالثها: عدم الانتفاع به منفردا كما كان ينتفع به مع الشركة، مثل أن يكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت اصاب كل واحد منهما موضعا ضيقا لا ينتفع به في السكنى، وإن أمكن الانتفاع به في غير ذلك. ولا يخفى عليك ما في الثاني والثالث ضرورة اقتضاء قاعدة نفي الضرر والضرار الاعم من اولهما، وقاعدة وجوب ايصال الحق إلى مستحقه الطالب له ما ينافي ثانيهما، فتعين حينئذ تفسيره بالاول، ولو فرض الضرر على أحدهما بالقسمة، والاخر بعدمها، فزع إلى الترجيح، ومع فرض التساوى إلى القرعة، هذا كله في الضرر الناشئ من حيث كونها كذلك. أما الضرر الخارج عنها المترتب على حصولها ففي مساواته للضرر منها وعدمه وجهان، والمتولي للجبر في مقامه الحاكم، أو أمينه، بل الظاهر قيام العدول هنا مقامه مع تعذره، ولو تعذر الجبر قسم الحاكم، بل لعل ذلك كذلك بمجرد امتناعه، كما ذكرناه في نظائره بل الظاهر قيام الحاكم مقامه مع غيبته وطلب الشريك القسمة، خصوصا مع تضرره بعدمها، بل ربما احتمل أو قيل: بقيام الشريك مقام شريكه فيها مع فرض منع ظالم له، وإراده قبض حقه فينوي الشريك حينئذ القسمة مع الغاصب، وتكون قسمة، لكنه كما ترى. وقد تقدم لنا سابقا البحث في ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لا يقسم الوقف) وإن كان مشتركا بين اربابه، بلا خلاف أجده فيه، (لان الحق ليس بمنحصر في المتقاسمين و) لا ولاية للمتولي على ذلك نعم (لو كان الملك الواحد وقفا وطلقا صح قسمته، لانه تمييز للوقف عن غيره)

[ 316 ]

وظاهره عدم الفرق في ذلك بين تعدد الواقف واتحاده، وتعدد المصرف واتحاده، كما صرح به في الدروس قال: " ويجوز قسمة الوقف من الطلق لا الوقف، وإن تعدد الواقف والمصرف " بل في القواعد " ولا يصح قسمة الوقف لعدم انحصار المستحق في القاسم، وإن تغاير الواقف أي مع تغاير الموقوف عليه أو بدونه، كأن يقف أحد الشريكين في هذه البستان حصته على زيد وأولاده والاخر حصته عليهم أو على عمرو وأولاده ". لكن في الحدائق الموافقة على ذلك مع اتحاد الموقوف عليه، سواء تعدد الواقف أو اتحد قال: " وأما لو تعدد الواقف والموقوف عليه بأن كانت الدار مشتركة بين زيد و عمرو نصفين مثلا، فوقف زيد نصفه على ذريته، وعمرو نصفه على ذريته، فإنه يجوز للموقوف عليهم من الطرفين قسمة هذا الوقف. بأن يميز أحد النصفين عن الاخر، كما يميز الوقف عن الطلق " وقد سبقه إلى ذلك الفاضل في محكى التحرير قال: " ولو قيل: بقسمة الوقف بعضه من بعض مطلقا، أمكن إذ القسمة ليست بيعا، والاقرب عدم جوازها، إذ البطن الثاني يأخذ الوقف عن الواقف، ولا يلزمه ما فعل البطن الاول، ولو تعدد الواقف والموقوف عليه فالاقرب جواز القسمة " انتهى. وفيه: أن المانع ايضا متحقق، وهو عدم إنحصار الحق في الحاضرين، وعدم ثبوت ولاية المتولي على المعدومين بالنسبة إلى ذلك، لكن الانصاف أن ذلك يقتضى عدم جواز قسمة الوقف من الطلق، باعتبار عدم انحصار الحق في القاسمين مع ذي الطلق واحتمال أن القاسم معه الواقف مع أن مثله يأتي في الفرض يدفعه خروج المال عن ملكه بالوقف، فلا حق له حينئذ كما لو باعه. فالتحقيق أن الوقف متى كانت قسمته منافية لما اقتضاه الوقف باعتبار اختلاف البطون قله وكثرة ونحو ذلك لم يجز قسمته، أما إذا لم يكن كذلك كما في المثال، بل فيما لو اتحد الواقف وتعدد المصرف، مثل ما لو وقف نصف داره على زيد مثلا و ذريته والاخر على عمرو ذريته لم يكن بأس في قسمته، إلا أن المتولي لها الحاضرون من الموقوف عليهم، وولي البطون وليس ذلك مقتضيا لدخول بعض اجزاء كل نصف

[ 317 ]

في الاخر وإلا لاقتضى ذلك في الطلق والوقف وإنما هي تمييز أو أن نحو ذلك يغتفر فيها، وبذلك يظهر ما في الذي حكيناه عن الشهيد في الدروس، وأما إطلاق المصنف ونحوه فيمكن تنزيله على غير ما سمعته من الصورة بل قد يقال بجواز القسمة في مقام يجوز البيع، ضروره أولويتها منه، قال في التحرير " ولو اشرف على الهلاك واقتضت المصلحة قسمته فالوجه الجواز، كما أجزنا البيع حينئذ " ثم إن الظاهر مشروعية قسمة الوقف من الطلق، وإن استلزمت ردا من الموقوف عليه، لكن هل تكون الاجزاء المقابلة للرد وقفا أو ملكا وجهان: اقواهما الثاني. نعم لو كان الرد عوض وصف كالجودة والرداءة، إتجه كونه حينئذ وقفا، كما صرح به في القواعد وغيرها،: قال: " ولو كان بعض الملك طلقا صحت قسمته مع الوقف وإن اتحد المالك، ولو تضمنت ردا جاز من صاحب الوقف خاصة، فإن كان في مقابلة الوصف فالجميع وقف والله العالم ويأتى إنشاء الله الكلام في غير ذلك من أحكام القسمة، فإن المصنف وغيره قد اطنبوا فيها في كتاب القضاء والله المؤيد والمسدد. الفصل (الثالث) (في لواحق هذا الباب). (وهى مسائل: الاولى لو دفع إنسان دابة) مثلا (وآخر راوية إلى سقاء على الاشتراك في الحاصل، لم تنعقد الشركة) قطعا، لانها مركبة من شركة الابدان والاموال مع عدم المزج، والكل باطل وفي محكى المبسوط (و) لا يمكن أن يكون إجارة، لان الاجرة فيها غير معلومة ف‍ (كان ما يحصل) حينئذ (للسقاء عليه أجرة مثل الدابة والراوية) وقيل: إنهم يقتسمون اثلاثا، ويكون لكل واحد منهم على صاحبيه ثلثا أجرة ماله ونفسه، ويسقط الثلث لان ثلث النفع حصل له، وفي الناس من حمل الوجه الاول على أنه إذا كان السقاء يأخذ الماء من ملكه، والثاني

[ 318 ]

على أنه إذا أخذه من ماء مباح، وهذا ليس بشئ لانه إذا أخذه من موضع مباح فقد ملكه، والوجهان قريبان، ويكون الاول على وجه الصلح، والثانى مر فيه الحكم، بل في المختلف أن ما قر به الشيخ قريب ". قلت: ولعل مراد الشيخ انه يمكن أن يكون الاول على وجه الصلح إذا اراده أما مع عدمها فمر الحكم فيه، الثاني (1) الذي هو الموافق للضوابط وعلى كل حال فتحقيق هذه المسألة ومسألة الاحتطاب الاتية وما شابهها من المسائل مبنى على التحقيق في أن الوكالة في حيازة المباحات جائزة أولا ؟ الظاهر الأول خلافا لما تسمعه من المصنف في كتاب الوكالة، ومن أن التملك بالحيازة مفتقر إلى نية الملك بها أو إلى عدم نية عدم الملك، أو كونه للغير كما تسمع البحث فيه انشاء الله. وحينئذ فصاحب الراوية والدابة إن كانا قد وكلا السقاء في الحيازة لهما أو أمراه بذلك مثلا وقد حازه بنيتهما مع نفسه، إتجه حينئذ شركة الجميع بالماء، وكان لكل منهم ثلثا الاجرة على الاخرين، فإن تساوت لم يرجع أحدهم على الاخر بشئ، وإلا رجع بالتفاوت، فلو فرض كون الماء مثلا بيع بأربعة وعشرين، وكان أجرة مثل السقاء خمسة عشر، والدابة اثنى عشر، والقربة ثلاثة، كان للسقاء منها ثلاثة عشر، و لصاحب الدابة عشرة، ولصاحب القربة واحد، وربما تكون أجرة المثل أزيد من الحاصل، ولذا احتمل بعض أن له اقل الامرين من الحصة وأجرة المثل، إلا أنه كما ترى. وإن لم يكن ثم توكيل وقد حازه بنية الجميع، ولم نقل بجريان الفضولية في نحوه، أو لم تحصل الاجازة، أشكل ملكة له ايضا بناء على اعتبار نية الملك في الحيازة، ضرورة كون الفرض نية الملك للغير معه، فضلا عن نية التملك، بل حينئذ هو باق على الاباحة الاصلية، يملكه إذا جدد النية. نعم لو قلنا بالملك قهرا حتى مع نية الملك للغير التى فرضناها، اتجه حينئذ كونه ملكا له، ومن ذلك يظهر لك ما في اطلاق المصنف الذى تبعه عليه الفاضل في القواعد


(1) هكذا في النسخ ولعل الصحيح (والثانى هو الموافق للضوابط).

[ 319 ]

خصوصا مع تردده الاتى، ولذا ناقشه الكركي بنحو ذلك. وكيف كان فلو دفع إليه دابة مثلا ليحمل عليه مال غيره مثلا بالاجرة، و الحاصل لهما فالشركة باطلة قطعا لما عرفت. لكن إن كان العامل قد آجر الدابة فالاجر لمالكها كما في القواعد وجامع المقاصد، وفي الاخير وعليه اجرة مثل العامل، وإن كان الحاصل يفي باجرة مثل الدابة والعامل فذاك، وإن قصر تحاصا كل على قدر أجرة مثله، سواء كان ذلك بسؤال العامل، أو سؤال المالك أو سؤالهما، وفي القواعد " تحاصا إن كان بسؤال العامل، وإلا فالجميع " وعن الشهيد احتمال وجوب اقل الامرين من الحصة المشروطة، والحاصلة بالتحاص، ووجوب الاقل إن كان بسؤال العامل والاكثر إن كان بسؤال المالك. لكن لا يخفى عليك قوة ما ذكرناه أولا، لان الفرض حصول الرضا، منهما معا بذلك، سواء كان بسؤال المالك أو العامل أو بسؤالهما معا نعم قد يشكل الحكم بان الاجرة لمالك الدابة، مع أنه لم يصدر منه للا الاذن بتلك المعاملة الفاسدة، فينبغي حينئذ أن تكون إجارتها من الفضولي، اللهم إلا أن يقال بالاكتفاء بهذه الاذن كما تسمع نظيره في القراض، هذا كله إذا آجر عين الدابة. أما إذا تقبل حمل شئ في ذمته ثم استعمل الدابة فيه، فالاجرة المسماة حينئذ له، وعليه أجرة المثل للدابة بالغة ما بلغت كما في القواعد وجامع المقاصد، بل في الاخيرين ولو آجر نفسه للحمل على هذه الدابة بكذا، إتجه أن يكون الاجرة المسماة له، ولمالك الدابة اجرة المثل، فتأمل، فإنه قد يجرى بعض الكلام السابق أو جميعه هنا، كما أنه لا يخفى عليك الاشكال في اصل المسألة، ضرورة إمكان صحتها على الضوابط وإن زعما حصول الشركة العنانية بذلك فانه زعم خارج. وحينئذ يكون المسمى المقابل لمنفعة الدابة، وعمل العامل لهما معا يقسم فيما بينهما على حسب اجرة مثلهما، كما لو استوجرا مثلا على هذا الوجه، اما لو فرض وقوع ذلك على وجه الشركة الباطلة، فلا وجه لاختصاص المالك بأجرة

[ 320 ]

الدابة المفروض كونها في مقابل الدابة والعمل، كما لا وجه للتحاص في الحاصل ضرورة ثبوت اجرة المثل في الذمة على المستوفي، لا في خصوص الحاصل المفروض حصوله بالمعاملة الفاسدة. فالتحقيق الرجوع في المسألة ونظائرها إلى ما تقتضيه القواعد العامة التى منها يعلم ايضا ما ذكره في الجامع اخيرا. ولو كان من واحد دكان ومن الاخر رحى، ومن ثالث بغل، ومن رابع عمل على أن يكون الحاصل بينهم، فلا ريب في بطلان الشركة، ثم إن كان عقد اجرة طحن الطعام من واحد، ولم يذكر اصحابه حتى في النية ففى القواعد وجامع المقاصد " الاجرة المسمى له، وعليه اجرة المثل لاصحابه، وإن نواهم أو ذكرهم على وجه التزموا بطحنه ارباعا، فالاجر بينهم ارباعا، ويرجع كل واحد منهم على كل واحد من اصحابه بربع أجرة مثله إذ هو كما لو استاجر الجميع على طحن هذا الطعام بكذا، فان الاجر بينهم ارباعا لان كل واحد منهم لزمه طحن ربعه بربع الاجرة، ويرجع كل واحد منهم على كل واحد بربع أجرة مثل العمل الصادر منه أو من دابته ومنفعة دكانه. نعم لو استأجر الدكان والبغل والرحي والرلجل بكذا لطحن كذا فالاجر بينهم على قدر أجر مثلهم،، لكل واحد من المسمى بقدر حصته، نحو ما لو باع المالين مثلا لرجلين بثمن واحد، لكن لا يخفى عليك جريان ما ذكرناه سابقا من الفضولية، بل وجريان بعض ما ذكروه من الكلام السابق من التحاص في المسمى، ونحوه إلا أن تفصيل الكلام في ذلك محتاج إلى إطناب تام لا يسعه المقام وإن كان هو لا يخفى على الضابط لقواعد الفقه العامة المحيط مما اسلفنا وما يأتي لنا. وكيف كان فمما ذكرناه سابقا يظهر لك الحال فيما ذكره المصنف في المسألة (الثانية) وهى ما (لو حاض صيدا أو احتطب أو احتش بنية أنه له ولغيره، لم تؤثر تلك النية وكان ما جمعه له (خاصة) ضرورة أنك قد عرفت اعتبار عدم التوكيل، بل والاجارة في عدم تأثير النية وإلا كان تأثيرها الملك للغير، ويمكن أن يكون المصنف بنى ذلك على اختياره عدم قبول مثل ذلك الوكالة.

[ 321 ]

نعم جزمه بأن ما جمعه له خاصة مبنى على ما سمعت من أن المباح يملك بمجرد الحيازة، ولا عبرة بالنية وإن كانت للغير ولكن من الغريب ذلك منه مع قوله متصلا به (وهل يفتقر المحيز في تملك المباح إلى نية التملك ؟ قيل: لا وفيه تردد) ونحوه وقع للفاضل في القواعد اللهم إلا أن يقال: المعتبر في الحيازة من النية على القول بها نية أصل الملك، بمعنى عدم كون الحيازة لغرض آخر غير اصل الملك، ولا ريب في أن نية اصل الملك متحققة فيما نحن فيه، وإنما فقد كونه له باعتبار فرض كون القصد له ولغيره فلا ينافي حينئذ الجزم بالملك، التردد في اعتبار النية، ضرورة كون المحوز له على التقديرين، أما على القول بكونها من السبب القهري حتى مع النية للغير فواضح، وأما على الثاني فالنية لاصل الملك محققة، وإن لم يقع للغير، لعدم التوكيل والاجارة، أو لعدم مشروعيتهما. وكيف كان فقد قيل في وجه التردد: من أن اليد والسلطنة سبب في الملك، ولهذا تجوز الشهادة بمجرد اليد من دون توقف على أمر آخر، ولان الحيازة سبب لحصول الملك للمبباح في الجملة قطعا بالاتفاق، لان اقصى ما يقول المشترط للنية أنها سبب ناقص، فحصول الملك بها في الجملة أمر محقق، واشتراط النية لا دليل عليه، فينفي بالاصل، ومعارضة ذلك بأصالة عدم حصول الملك للمباح (إلا ؟) بالنية تقتضي تساقطهما فيبقى سببية اليد من غير معارض. ومن أنه قد تكرر في فتوى الاصحاب أن ما يوجد في جوف السمكة مما يكون في البحر يملكه المشتري، ولا يجبب دفعه إلى البايع. وأيد الاول في جامع المقاصد بأنه " لو اشترطت في حصول الملك لم يصح البيع قبلها، لانتفاء الملك، والثاني معلوم البطلان، لاطباق الناس على فعله في كل عصر من غير توقف على العلم بحصول النية، حتى لو تنازعا في كون العقد الواقع بينهما، أهو بيع أو استنقاذ لعدم نية الملك، لا يلتفت إلى قول من يدعى الاستنقاذ. ثم حكي عن فخر المحققين أنه أورد ذلك على والده العلامة، فأجاب عنه بأن إرادة البيع تستلزم نية التملك، واعترضه بأنه إنما يتم فيمن حاز وتولى هو

[ 322 ]

البيع، أما إذا تولاه وارثه الذي لا يعلم بالحال أو وكيله المفوض إليه جميع أموره التي منها بيع ما حازه من المباحات لم يندفع السؤال، قال: " ويرد عليه ايضا أن حيازة الصبي والمجنون على ما ذكره يجب أن لا تثمر ملكا جزما، لعدم العلم بالنية وعدم الاعتداد باخبارهما، خصوصا المجنون، ولو خلف ميت تركة فيها ما علم سبق كونه مباح الاصل، ولم يعلم نية التملك، لا يجب على الوارث تسليمها في الدين والوصية، وإلا صح عدم اشتراطها ". قلت: لا يخفى عليك ما في جميع هذا الكلام، ضرورة أن الوجه الاول من التردد إن اريد به أن السلطنة واليد فيما نحن فيه سبب في الملك كان مصادرة محضة وإن اريد به أن ذلك سبب في الحكم بالملك كما هو مقتضى ما ذكره من التعليل كان خروجا عما نحن فيه، وذلك لان الحكم بملكية ما في اليد لسبب من اسبابها لا يقتضى كونها هي نفسها سببا، وهو محل البحث، وتعارض الاصلين بعد تسليم كون الاول منهما اصلا معتدا به وإن اقتضى تساقطهما، لكن دعوى بقاء سببية اليد بحالها لا معارض لها واضحة الفساد، لعدم دليل يقتضى ذلك على وجه يجدي فيما نحن فيه. وأما الوجه الثاني، فيمكن المناقشة فيه أولا: بمنع أن ما في بطن السمكة مما لا يعد جزء لها ولا كالجزء، مثل غذائها يعد محوزا بحيازتها، ولو سلم فاقصى ما يلزم اشتراطه إما القصد إلى المحوز بالحيازة، أو الشعور به ولو تبعا، أما نية التملك فلا. وأما التأييد ففيه أن اطباق الناس الذى ذكره إنما يفيد الحكم بملكية ما في اليد، لحصول سببه، لا أنه يقتضى كونها سببا في الملك وإن علمنا تجرده عن النية ومنه يعلم ما في مناقشته بما لو خلف ميت تركة إلى آخره، بل وبما ذكره من الصبي والمجنون، باعتبار إمكان الحكم بملكية ما في أيديهما ايضا من غير حاجة إلى إخبارهما، والمراد بنية التملك عند القائل بها هي القصد بالحيازة، ودخول المحوز تحت اليد والسلطنة العرفية، فيتبعها الملك الشرعي، بل قد يقال إن المباحات هي

[ 323 ]

ملك لكافة الناس، لقوله تعالى (1) " خلق لكم ما في الارض " والحائز بحيازته يسبق إلى الخصوصية نحو ملك شخص الفقير لشخص الزكاة المملوكة جنسا لجنس الفقراء وحينئذ فالمراد بفاقد النية غير المقصود بالحيازة للادخال تحت الحوزة والسلطنة، كمن حول ترابا عن طريق أو حجرا ونحو ذلك مريدا التمكن من عبوره، أو قطع غصن شجرة مباحة عن مكان يريد السكنى فيه، ونحو ذلك مما لا يريد ادخاله تحت حوزته، فانه بذلك لا يدخل في ملكه، ولا يمنع من أخذه، ولا يخرج عن اصل الاباحة، وكذا من حفر بئرا في المباح المجرد الارتفاق، كما عن الشيخ المحكي عنه اعتبار النية، قال في باب إحياء الموات من المبسوط: " إذا نزل قوم موضعا من الموات فحفروا فيه بئرا يشربوا منها، ويسقوا غنمهم ومواشيهم منها مدة مقامهم، ولم يقصدوا الملك بالاحياء، فانهم لا يملكونها بالاحياء، لان المحيى إنما يملك بالاحياء إذا قصد تملكه " وهو كالصريح فيما ذكرناه من نية التملك. بل يمكن من ذلك أن يكون النزاع لفظيا، فان القائل بعدم اعتبارها إنما يريد الاكتفاء بقصد الحيازة، وادخال المحوز تحت الحوزة والسلطنة العرفية، لا أنه يقول بالملك قهرا كالارث، وإن لم يقصد بالحيازة ذلك، ضرورة عدم كون ذلك حيازة عند التحقيق، وحينئذ يتجه حصول اثرها في المجنون والصبي المميز مع فرض حصول قصدها منهما كما صرح به بعضهم بل ظاهر الفخر وغيره المفروغية منه بل هو مقتضى السيرة والطريقة سيما في الصبي، وبذلك ونحوه يترجح ما يقتضى ترتب الملك بها على ما دل على عدمه من قوله عليه السلام (2) " لا يجوز أمره " ونحوه مما يقتضى سلب المجنون والصبي عن التملك الاختياري، ولو بالافعال التي منها الحيازة والالتقاط. وبالتأمل فيما ذكرناه يظهر لك ما في كلام جملة من الاعيان منهم الكركي


(1) سورة البقرة الاية - 29 -. (2) الوسائل الباب - 2 - من ابواب احكام الحجر الحديث - 1 -.

[ 324 ]

وغيره، بل لو قلنا بعدم لفظيه النزاع كان وجه التردد في المتن وغيره دعوى ظهور قوله عليه السلام (1) " من أحيا ارضا ميتة فهي له " الذى هو كالقول بأن من حاز شيئا فهو له في الملكية قهرا، وأنه من باب الاسباب، فلا تعتبر النية، ومن كون المراد بذلك القصد بالاحياء والحيازة إلى دخول المحوز تحت الحوزة، والسلطنة، بل لا يعد غيره حيازة فاعتبرت النية بهذا المعنى، ولعل الاقوى ذلك، كما أن الاقوى عدم اعتبارها ان أريد بها انشاء قصد التملك الذي يمكن دعوى السيرة بل الضرورة على خلافه، وربما يأتي لذلك مزيد تحقيق في محله انشاء الله، فإن البحث عن ذلك انما ذكر استطرادا والله العالم المؤيد. المسألة (الثالثة: لو كان بينهما مال بالسوية فاذن أحدهما) خاصة (لصاحبه في التصرف) بالمال المشترك (على أن يكون الربح بينهما نصفين، لم يكن قراضا، لانه لا شركة للعامل في مكسب مال الامر) وهو حقيقة القراض، إذ المفروض كون المال بينهما نصفين، فنصف الربح الذى يستحقه، انما هو لكونه شريكا في المال، ولا شئ له من الربح زايدا على ذلك في مال الامر كي يكون قراضا (ولا شركة) اصطلاحية (وان حصل الامتزاج) في المال، لعدم كون العمل منهما (بل) لا (يكون) المال في يد العامل الا (بضاعة) وذلك لان حصة الشريك مال مبعوث للتجارة في يد الوكيل قال في الصحاح: البضاعة طائفة من المال تبعثها للتجارة، تقول ابضعته واستبضعته: أي جعلته بضاعة، وفى المثل كمستبضع تمرا إلى هجر، وبنحو ذلك صرح في القواعد، لكن لا يخفى عليك بناؤه على اعتبار العمل منهما في الشركة، وقد عرفت البحث فيه سابقا كما أنك عرفت الحال فيما لو شرط التفاوت في الربح مع التساوى في المالين والله العالم. المسألة (الرابعة: إذا اشترى احد الشريكين متاعا، فادعى الاخر أنه اشتراه لهما وانكر) فلا إشكال ولا خلاف (ف‍) ى أن (القول قول المشتري مع يمينه، لانه ابصر بنيته و) كذا (لو ادعى أنه اشترى لهما، فأنكر الشريك ف‍)


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب احكام احياء الموات الحديث - 1 -.

[ 325 ]

إن (القول أيضا قوله) بيمينه (لمثل ما قلناه) من كونه ابصر بنيته بعد فرض كونه أمينا، بل لو ادعى عليه التصريح في العقد بكون الشراء للشركة مثلا أمكن تقديم قوله لان الاختلاف في فعله، ولان ظاهر يده يقتضى الملك. نعم لو قال كان مال الشركة وخلص لى بالقسمة، كان القول قول الاخر في انكار القسمة بيمينه، كما هو واضح. المسألة (الخامسة: لو باع أحد الشريكين سلعة بينهما، وهو وكيل في) البيع و (القبض) للثمن عن صاحبه (فادعى المشترى تسليم الثمن) أجمع (إلى البايع) الذى هو الوكيل (وصدقه الشريك) الموكل (برء المشتري من حقه) قطعا، لاعترافه بالوصول إلى وكيله على القبض (و) هو الشريك البايع، بل لو وقعت الدعوى بين المشترى والبايع (قبلت شهادته) أي الشريك المصدق إذا كان عدلا (على القابض في النصف الاخر) الراجع إليه (وهو حصة البايع لارتفاع التهمة عنه) بجر النفع إليه (في ذلك القدر) لكن إذا كانت شهادته التى أداها بوصول حقه إليه، أما إذا كانت بوصول جميع الثمن إليه، والفرض عدم قبولها بما يرجع إليه، لكونه مدعيا صرفا، ولجر النفع إليه في ذلك أمكن عدم قبولها ايضا في حق البايع، بناء على أن الشهادة متى ردت في البعض ردت في غيره، وان كان لنا فيه نظر، بل ظاهر الفاضل في قواعده القبول، بل لعله ظاهر المتن هنا ايضا، لولا قوله فيما يأتي: والمنع في المسالتين اشبه. نعم لو تقدمت خصومة الشريك مع شريكه البايع على الخصومة بينه وبين المشتري، أمكن حينئذ ردها للخصومة حينئذ، بناء على قدحها في الشهادة، وبهذا يظهر لك ان هنا خصومتين احداهما بين البايع والمشترى، والثانية بين الشريكين، فان تقدمت الاولى فطالب البايع المشتري بنصيبه من الثمن فادعى الاداء واقام البينة لو كان أحد أجزائها الشريك المقر على الوجه الذي عرفت برء من الحقين بالاقرار والبينة، وان لم تكن له بينة حلف البايع أنه لم يقبض، فيستحق أخذ نصيبه، ولا يشاركه فيه الاذن، لان اقراره بقبض البايع أولا يقتضى أن يكون ما

[ 326 ]

قبضه ثانيا بيمينه ظلما، فإن نكل عن اليمين ردت على المشترى، فإذا حلف أنه اقبضه الجميع انقطعت عنه المطالبة فإن نكل الزم بنصيب البايع فقط، لاصالة بقاء الثمن في ذمته، كما هو واضح. ثم ان كان المشتري قد اقام البينة باقباضه البايع جميع الثمن، كان للاذن المطالبة بحصته قطعا، اما إذا كان ذلك بشاهد ويمين، أو باليمين المردودة فلا، وان قلنا انها كالبينة، لانها كذلك في حق المتخاصمين فيما تخاصما فيه، لا مطلقا. نعم للشريك حينئذ احلاف البايع على عدم قبض حصته فان نكل حلف الاذن اليمين المردودة، واخذ منه، وليس للبايع الرجوع بذلك على المشتري، ولا مخاصمته لانه بزعمه ظالم. وربما نوقش بان ذلك لا يسقط حق الدعوى، بعد ان كان وكيلا عن الشريك في القبض، وقد اغرم للموكل حصته. ويدفعها ان اعتراف الشريك بقبض البايع يقتضى انعزاله بفعل متعلق الوكالة بل يقتضي سقوط حق الدعوى له على المشتري. وفي جامع المقاصد " أنه يمكن ان ينظر بوجه آخر، وهو ان البايع قد ادى عن المشترى بامر الحاكم فله الرجوع، ويجاب بان ذلك انما هو مع تحقق الدين وهنا قد برء المشتري منه باقرار الاذن، ويمكن ان يقال: ان اقراره انما ينفذ في حقه، لا في حق البايع، ونحن لا نلزم المشتري بالدين جزما، ليكون ذلك متوقفا على ثبوته، وانما تجوز له المخاصمة، والطلب على تقدير الثبوت ". قلت: فيه ما لا يخفى من عدم الحق للبايع، بعد اعتراف صاحب الحق انه لا حق للبايع على المشترى، فكيف تتصور المطالبة بحق يعترف صاحبه بسقوطه. نعم قد يقال: ان له المقاصة مع امكانها، من غير فرق بين هذا الحق وغيره، فتأمل جيدا. ثم اعلم ان نكول البايع في خصومة المشتري لا يمنع من حلفه في خصومة الشريك، لانها خصومة اخرى، وبالعكس، وقد عرفت ان اليمين المردودة كالاقرار

[ 327 ]

أو كالبينة في حق المتخاصمين لا مطلقا، هذا فيما إذا تقدمت خصومة البايع مع المشترى، اما إذا تقدمت خصومته مع الشريك فالحكم كما عرفت، غير ان شهادة الشريك حينئذ على البايع في الخصومة مع المشتري يشكل قبولها بما عرفت، واما المشتري فعلى كل حال لا تقبل شهادته، لانه مدع (و) لعل المصنف انما يتعرض للصورتين نظرا إلى عدم وجود كثير فرق، أو إلى عدم قبولها على التقديرين لما عرفت، هذا كله فيما لو ادعى المشتري التسليم إلى البايع. اما (لو ادعى تسليمه إلى الشريك) الاذن (فصدقه البايع) وكان قد اذن له في ذلك فالحكم كما عرفت. نعم إذا لم يكن ماذونا من البائع (لم يبرء المشتري من شئ من الثمن، لان حصة البايع لم تسلم إليه ولا إلى وكيله) فيجب عليه دفعها له من غير يمين (و) الفرض ان (الشريك ينكره) فكان القول قوله مع يمينه ؟، فإذا حلف ادى المشترى جميع الثمن (و) لكن (قيل تقبل شهادة البايع) هنا على الشريك في وصول حقه إليه، كما قبلت شهادة الشريك عليه في المسألة السابقة، لعدم التهمة، باعتبار بقاء حقه عند المشتري، وفيه أن التهمة هنا باعتبار إرادة استقلاله بما يأخذه من المشتري، إذ الشريك له مشاركته فيما يأخذه منه، لكونه الثمن مشتركا بينهما. (و) من هنا قال المصنف (المنع في المسألتين أشبه) باصول المذهب وقواعده وإن كنت قد عرفت تفصيل الحال في المسألة. نعم لو فرض اندفاعها هنا من هذه الجهة بابراء البايع ونحوه، إتجه القبول، ومما ذكرنا لك سابقا يظهر لك الوجه هنا في الخصومتين، بل الظاهر توجه اليمين هنا على الشريك مرتين، إحداهما للمشتري بأنه لم يقبض منه شيئا، والثانية إذا أراد الشركة مع البايع فيما أخذه من المشتري لانه يدعى عليه وصول حقه إليه، ولا يسقط هذا اليمين عنه باليمين في خصومته مع المشتري التى هي خصومة أخرى، ولا يرجع البايع على المشتري بما أخذه منه الشريك لاعترافه بكونه ظالما له فيه، كما هو واضح. المسألة (السادسة: لو باع اثنان عبدين، كل واحد منهما لواحد منهما بانفراده

[ 328 ]

صفقة بثمن واحد، مع تفاوت قيمتها قيل: يصح) البيع ويكون الثمن مشتركا بينهما على نسبة قيمة ماليهما، للاصل السالم عن معارضة الجهالة بالثمن، لعدم الدليل على اعتبار العلم أزيد من ذلك، وهو العلم بمجموع الثمن، وقد حصل، أما حال الاجزاء فيكفي حينئذ مقابلة جميع الثمن لجميع المبيع، واستواء نسبة الملاك إلى الابعاض، وكذا لو آجرا أنفسهما صفقة بأجرة معينة (وقيل: يبطل لان الصفقة تجرى مجرى عقدين، فيكون ثمن كل واحد منهما مجهولا) لكن فيه ما عرفت كما اوضحنا ذلك في كتاب البيع. (اما لو كان العبدان لهما) على الشركة (أو كانا لواحد جاز) بلا خلاف ولا إشكال بل (وكذا لو كان لكل واحد قفيز من حنطة) مثلا متساوية القيمة (على انفراده فباعاهما صفقة، لانقسام الثمن عليهما بالسوية) فلا جهالة حينئذ كما هو واضح. المسألة (السابعة: قد بينا أن شركة الابدان باطلة) فلو وقعت وآجرا أنفسهما مثلا بعنوان الشركة (فإن تميزت أجرة عمل أحدهما عن صاحبه) بالتسمية (اختص بها) ولا يشاركه الاخر فيها لما عرفت من بطلان عقد الشركة، (وإن اشتبهت) كأن لم يسم لاحدهما أجرة مخصوصة، (قسم حاصلهما على قدر أجرة مثل عملهما، وأعطى كل واحد منهما ما قابل أجرة مثل عمله) نحو ما سمعته في بيع المالين المتفاوتين بالقيمة بثمن واحد، كما هو واضح. لكن في المسالك " في المسألة وجهان آخران، ذكرهما العلامة، أحدهما: تساويهما في الحاصل من غير نظر إلى العمل، لاصالة عدم زيادة أحدهما على الاخر، وأن الاصل مع الاشتراك التساوى، ولصدق العمل على كل واحد منهما، والاصل عدم زيادة أحد العملين على الاخر، والحاصل أنه تابع للعمل، ويضعف بمنع كون الاصل في المال والعمل التساوى، والثاني: الرجوع إلى الصلح لان به يقين البراءة كما في كل مال مشتبه، ولا شبهة في أنه أولى مع اتفاقهما عليه، وإلا فما اختاره المصنف أعدل من التسوية ". قلت: لا يخفى عليك أن مفروض المسألة في المتن لا تأتى فيه الوجوه الثلاثة،

[ 329 ]

بل ليس فيه إلا الوجه الذي ذكره المصنف، وذلك لان صريح العبارة أو كصريحها كون العمل من كل منهما معلوما، إلا أنه لم يكن بأجرة مسماة، وإنما سميت الاجرة لمجموع العملين بعنوان شركة الابدان من الاجيرين، وهذه ليس فيها بعد فرض صحة الاجارة الا التوزيع على اجرة مثل عمليهما، نحو بيع المالين المنفردين لشخصين الذي تقدم الكلام فيه سابقا. وقد ذكرها العلامة سابقا على هذه المسألة فقال: " ولو باعا بثمن واحد، أو علام بأجرة واحدة تثبت الشركة، سوءا تساوت القيمتان أو اختلفتا، ولكل منهما بقدر النسبة من القيمة " ومفروض العلامة في القواعد ليس فيه إلا وجهين التساوي بالاجرة والاصح الصلح، وهو ما إذا لم يتميز عمل كل منهما، قال: " وإذا تميز عمل الصانع عن صاحبه إختص بأجرته، ومع الاشتباه يحتمل التساوى والصلح "، ومراده أنه مع تمييز العمل يختص بالاجرة، ولو ما يخصه من التوزيع، أما مع اشتباه العمل ففيه الاحتمالان، وكان وجه الاول منهما اجتماع الاجرتين معا في ذلك الحاصل، لانه الفرض، والاصل عدم زيادة احدهما على الاخر ولان الاصل مع الاشتراك التساوى. ولكن فيه أن الاصل المذكور ممنوع هنا، فإن زيادة مال شخص على اخر ونقصانه أو مساواته له ليس اصلا، إذ لا رجحان لاحدهما على الاخر، لا بحسب العادة ولا في نفس الامر وإنما يتحقق في مثل ما إذا اشتركا في السبب الملك، كما لو اقر لهما بملكية شئ، أو أوصى لهما أو وقف عليهما، فإن السبب الملك لهما هو الاقرار والوصية والوقف، والاصل عدمها، بخلاف ما نحن فيه، فإن العمل الصادر من أحدهما غير الصادر من الاخر، واستواءهما وتفاوتهما على حد سوءا بالنسبة إلى النفي بالاصل، فليس حينئذ إلا الصلح، كما في كل مالين امتزجا، وجهل قدر كل منهما، بل لعل ذلك كذلك حتى لو تميز عمل أحدهما، وجهل الاخر، أو تميز بعض عمل كل منهما، وجهل الباقي، وبالجملة متى جهلت النسبة بين العملين، اللهم إلا أن يقال: إن التساوي هو الراجح منهما، فيكون كالاصل، لان فضله كالامر العدمي، لكن لنا في ذلك نظر ذكرناه في محله، وعلى كل حال فهو غير موضوع

[ 330 ]

ما ذكره المصنف من العمل المتميز والله العالم. المسألة (الثامنة: إذا باع الشريكان) مثلا (سلعة) بينهما (صفقة ثم استوفى أحدهما منه شيئا) ولو بنية أنه له (شاركه الاخر فيه) كما في كل دين مشترك بين اثنين فصاعدا، وذلك لان كل جزء جزء منه مشاع بينهما، فإن ما في الذمة إنما يخالف الشخصي الخارجي في الكلية والجزئية، أما الاشاعة فهما على حد سواء فيها. ففي المرسل عن أبى حمزة (1) قال: " سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما، ومنه غائب عنهما، فاقتسما الذي بايديهما، وأحال كل منهما نصيبه من الغائب، فاقتضى أحدهما، ولم يقتض الاخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله ". ومثله خبر غياث (2) " جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام، إلا أنه قال: " ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، وما يذهب بينهما " وكذا خبر محمد بن مسلم (3) عن أحدهما عليه السلام، ومعاوية بن عمار (4). وفي خبر عبد الله بن سنان (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجلين بينهما مال، منه دين ومنه عين، فاقتسما العين والدين، فتوى الذي كان لاحدهما من الدين أو بعضه، وخرج الذي للاخر أيرده على صاحبه ؟ قال: نعم ما يذهب بماله ". لكن هذه النصوص بل والمتن وما شابهه مشتملة على الجزم بالشركة، وما ذاك إلا لحصول الاذن من الشريك بالقبض، ولو لزعم القسمة الفاسدة ونحوها، وحينئذ يتجه الجزم بشركة المقبوض، إنما الكلام فيما إذا قبض أحد الشريكين حصته لنفسه من دون إذن شريكه، وقد ذكر غير واحد من الاصحاب، بل نسب إلى المشهور أن للشريك مشاركة الاخر فيما قبض، وله مطالبة الغريم بمقدار حصته، فيكون قدر الحصة في يد القابض، كقبض الفضول إن أجازه ملكه، وتبعه النماء، وإن رده ملكه


(1) (2) (3) (4) (5) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام الشركة الحديث - 1 وذيله - 2 -.

[ 331 ]

القابض، ويكون مضمونا عليه على التقديرين، ولو تلف قبل إختيار الشريك كما في المسالك، بل في التذكرة التصريح في تعين حقه به، ولا يضمنه للشريك، وقد اطنب في المسالك في تحقيق ذلك، وأنه من الفضولي، وأن ذلك هو المراد من قولهم تخير الشريك بين الرجوع على الغريم، وبين الشركة فيما قبضه شريكه. والجميع كما ترى لا ينطبق على القواعد الشرعية، وذلك لانه وإن اتجهت الشركة مع إجازة القبض لهما، بناء على تأثير مثل هذه الاجازة في مثله، وإن كان فيه إشكال أو منع من وجوه، بل لم نجده في المقام لغير ثاني الشهيدين، لكن اختصاص القابض وملكه مع عدمها لا وجه له، بل المتجه حينئذ بقاؤه على ملك الدافع، وذلك لان القابض ليس له إلا نصف المال المشاع بينه وبين شريكه، ومع فرض عدم إجازة الشريك لم يكن المال المقبوض مال الشركة، ونية الدافع أنه مقدار حصة القابض لا تنفع في ذلك وإن وافقتها نية القابض، بل لو رضي الشريك بكون ذلك حصة للقابض، وما في ذمة الغريم حصة له، لم يجد، لعدم صحة مثل هذه القسمة. ودعوى جوازها لكنها مراعاة بقبضه، فإن حصل تمت، وإلا رجع على القابض، وشاركه فيما قبضه تهجس بلا دليل، بل هو مخالف للمعروف من عدم صحة قسمة الدين، وللمعلوم من أنه مع عدم إجازة القبض على وجه يكون به المقبوض مالا للشركة لا يكون كذلك، فكيف يعود إليه بعد عدم القبض، وحينئذ فإن لم يكن ثمة اجماع اشكل الحكم بملك القابض جميع ما قبضه، بعد عدم الاجازة، بل ولا بعضه اللهم إلا أن يقال: إنه برضا الشريك يكون المقبوض حصة للقابض بتمحض المقبوض مالا للشركة، بل هو في الحقيقة اجازة لذلك. نعم جعله حصة له، لا يتم قسمة إلا بقبض الشريك مقابله، على وجه يقع الرضا منهما معا بأن لكل منهما ما في يده، فمع فرض عدمه يبقى ذلك المال المقبوض على الشركة، فله الرجوع عليه، وأخذ نصيبه منه، إذ لم يدخل في ملك القابض، وذلك الرضا الذي وقع من الشريك أولا يكون ما قبضه حصة له، لا يفيده تمليكا مع احتماله، لكن على جهة التزلزل، إلا أن الاقوى خلافه، وإن كان ذلك كله

[ 332 ]

كما ترى. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك ضعف ما عن ابن ادريس من اختصاص كل من الشريكين بما يستوفيه من حقه، ولا يلحقه الاخر فيه، لان اشتراك الدين في الذمة لا يمنع من تعيين حق واحد في معين. ولان لكل واحد أن يبرء الغريم من حقه، ويصالح منه على شئ، بحيث إذا استوفى شريكه لم يلحقه فيه. ولان متعلق الشركة بينهما هو العين، وقد ذهبت، ولم يبق لهما إلا دين في ذمته، فإذا أخذ أحدهما نصيبه لم يكن قد أخذ عينا من أعيان الشركة، فلا يشاركه الاخر فيما أخذ. ولان ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض المالك أو وكيله، والمفروض ليس منه، وذلك لان الشريك لم يقبض إلا لنفسه. ولانه إن وجب الاداء بالمطالبة بحقه وجب أن لا يكون للشريك فيه حق، لكن المقدم حق بالاتفاق، فالتالي مثله، وذلك لان وجوب الاداء بالمطالبة بحصة الشريك فرع التمكن من تسليمها، لاستحالة التكليف بالممتنع، فإذا ثبت تمكنه من دفعها على أنها للشريك ودفعها كذلك امتنع أن يكون للشريك الاخر فيها حق. ولانه لو كان للشريك في المدفوع حق، لزم وجه قبح، وهو تسلط الشخص على قبض مال غيره بغير اذن. ولانه لو كان كذلك لوجب أن يبرء الغريم من مقدار حقه من المدفوع، لاستحالة بقاء الدين في الذمة، مع صحة قبض عوضه، لكن التالي باطل عندهم، لكونهم يحكمون بأنه مخير في الاخذ من أيهما شاء. ولانه لو نهاه الشريك عن قبض حقه، فإن تمكن من المطالبة بحصته، وجب أن لا يكون للشريك فيها حق، وإلا امتنع أخذ حقه بمنع الشريك إياه من القبض. ولان المقبوض إما أن يكون مالا مشتركا، أولا، فإن كان مشتركا وجب على

[ 333 ]

تقدير تلفه أن يتلف منهما، كسائر اموال الشركة، وتبرء ذمة الغريم منه، وإلا لم يكن للشريك فيه حق. وقد مال إلى ذلك في جامع المقاصد، فقال: " ولا يخفى أن بعض هذه الوجوه في غاية القوة والمتانة، والروايات لا تقاومها، مع أنها قابلة للتأويل فمختار ابن ادريس قوى متين، كما اعترف به المصنف في المختلف، وإن كان الوقوف مع المشهور أولى " وتبعه على ذلك ثاني الشهيدين. إلا أن الجميع كما ترى، بعد التأمل الجيد فيما ذكرنا، مع قطع النظر عن النصوص إذ الاول مصادرة محضة، خصوصا بعد ما عرفت من تحقق الاشاعة في العين كلية كانت أو شخصية. وابراء أحدهما الغريم أو الصلح معه بشئ يمحض الباقي للشريك الاخر، فإن الابراء يتعلق بالمشاع على إشاعته، وكذا الصلح، فمع فرض حصولهما وعدم تصور ملك الشخص على نفسه ليتمحض الباقي للشريك الاخر، وقد ذكر طرق متعددة لاختصاص كل منهما بما يأخذه إذا اراد، إلا أنه خروج عن مفروض المسألة. والثالث: ايضا مصادرة محضة كما عرفت. والرابع: مبنى على ملك الشريك لما قبضه الاخر قهرا، والقائل لا يلتزمه بل يشترطه بالاجازة على الوجه الذى سمعت. والخامس: بعد تسليم ان له المطالبة منفردا، ووجوب الاداء له لا يقتضى ما ذكره الخصم، بل يمكن أن يكون ولو بالجمع مع شريكه، أو بتعين حقه بأحد الوجوه المعينة له عن صاحبه، بصلح ونحوه. والسادس قد عرفت توقف الحق على الاجازة فلا جهة قبح فيه. والسابع: مع الاجازة، لا إشكال في الابراء والتخيير إنما هو في الاجازة وعدمها كما عرفت ذلك مفصلا، أو في القسمة على الوجه الذي ذكرناه، على أن التخيير المزبور لم أجده في الخلاف والنهاية والوسيلة بل الموجود شارك مثل عبارة المتن وما شابهها وظاهرهم تعين الشركة، وليس ذلك إلا للاذن للشريك في القبض،

[ 334 ]

فانه يكون حينئذ مالا للشركة وإن نوى لنفسه، بل لو اذن له الشريك في القبض لنفسه فقبض يكون أيضا مشتركا، لمعلومية كون القيد لغوا لعدم إمانه، والنصوص المزبورة محمولة على الاذن، فلا يقدح عموم ما اقتضى أحدهما، لما عرفت، وفي الوفاء بغير الجنس وجهان، ومثله المقاصة به لنفسه، أما المقاصة بالجنس فكالوفاء به. والثامن: قد عرفت الجواب عنه بما عن الخامس، كما أن التاسع يعرف ما فيه مما تقدم في السابع وغيره، فمن الغريب دعوى المتانة في هذه الوجوه التي هي واضحة الفساد، والتحقيق ما عرفت. نعم لكل منهما طرق في الاختصاص لو اراده، كالصلح والتأجيل المقتضى للافراز بعقد لازم مثلا، والضمان والحوالة، والشراء بها شيئا ونحو ذلك ما لا ينافي التصرف بها على الاشاعة كما أوضحنا ذلك كله في محله والله العالم. المسألة (التاسعة: إذا استأجر للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد مدة معينة صحت الاجارة) لعموم ادلتها الشامل لذلك (ويملك المستأجر ما يحصل من ذلك في تلك المدة) لانه نماء عمله المملوك له، فهو في الحقيقة كالعبد المملوك الذي يكون لسيده. نعم قد يشكل ذلك بأنه لا يتم بناء على عدم قبول هذه الاشياء للنيابة الذي صرح به المصنف في كتاب الوكالة وأنه يملكها المحيز وإن نواها للغير كما سمعته منه هنا، مع التردد في اعتبار النية، ومن هنا صرح في جامع المقاصد بأنه إذا جوزنا التوكيل في هذه جوزنا الاجارة عليه، وإن منعناه منعنا الاجارة، حاكيا له عن صريح التذكرة قال: " وظاهر الشرايع في كتاب الشركة صحة الاستيجار مطلقا نظرا إلى أنه بالاجارة تصير منافع الاجير مملوكة للمستأجر، فيملك ما حازه، ويضعف بانه على القول بعمد صحة التوكيل في الحيازة لا يتصور صحة الاجارة ". قلت: قد يمنع التلازم ويكون حينئذ ملك المباح في الفرض من توابع ملك العمل بالاجارة وهو غير التملك بالنيابة في الحيازة فتأمل جيدا والامر سهل عندنا بعد ما عرفت أن المختار عندنا صحة التوكيل، واعتبار النية بالمعنى الذي أسلفناه

[ 335 ]

هذا كله لو ضبط العمل بالمدة. (و) أما (لو استاجره لصيد شئ بعينه لم يصح، لعدم الثقة بحصوله غالبا) بناء على اشتراط ذلك فيها، كما عرفت نظيره في البيع وتعرف تمامه في كتاب الاجارة والله الموفق والمعين.

[ 336 ]

(كتاب المضاربة) من الضرب في الارض، لضرب العامل فيها للتجارة، وابتغاء الربح بطلب صاحب المال، فكان الضرب مسبب عنهما، طردا لباب المفاعلة في طرفي الفاعل، أو من ضرب كل منهما في الربح بسهم، أو لما فيه من ضرب المال وتقليبه، كذا قيل ولعل الاولى من ذلك في تحقق المفاعلة ضرب كل منهما فيما هو للاخر من المال والعمل، ويقال: للعامل مضارب، بكسر الراء، لانه الذي يضرب في الارض. ولم نعثر على اشتقاق أهل اللغة إسما لرب المال من المضاربة التي هي لغة أهل العراق، فاما أهل الحجاز فيسمونه قراضا، من القرض بمعنى القطع الذي منه المقراض، فكان صاحب المال اقتطع من ماله قطعة، وسلمها للعامل الذي اقطع له قطعة من الربح، أو من المقارضة بمعنى المساواة والموازنة، يقال: " تقارض الشاعران " إذا وازن كحل منهما الاخر بشعره، ومنه " قارض الناس، ما قارضوك، فان تركتهم لم يتركوك " بمعنى ساوهم فيما يقولون، ولما كان العمل من العامل والمال من المالك فقد تساويا وتوازنا، أو لاشتراكهما في الربح وتساويهما في اصل استحقاقه، وإن اختلفا في كميته، ويقال للعامل هنا: مقارض بالفتح، وللمالك بالكسر، والامر في ذلك كله سهل، لعدم الثمرة المعتد بها على ذلك. إنما الكلام فيما ذكره في المسالك، تبعا للتذكرة، قال: " واعلم ان من دفع إلى غيره مالا ليتجر به فلا يخلو إما أن يشترطا كون الربح بينهما أو لاحدهما أو لا يشترطا شيئا: فإن شرطاه بينهما فهو قراض، وان شرطاه للعامل، فهو قرض، وإن شرطاه للمالك فهو بضاعة، وان لم يشترطا شيئا فكذلك إلا أن للعامل أجرة المثل ".

[ 337 ]

وفيه منع تحقق القرض مع فرض صدور ذلك بعنوان المضاربة إذ اقصاه كونها من القسم الفاسد، لا انها من القرض المحتاج إلى إنشاء تمليك المال بعوض في الذمة وقصد كون الربح للعامل اعم من ذلك، وإن كان هو من اللوازم الشرعية لملك المال ودعوى الاكتفاء بقصد ذلك في تحققه لفحوى الصحيح (1) " عن ابى جعفر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام من ضمن تاجرا فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شئ " والموثق (2) عن أبي جعفر عليه السلام " من ضمن مضاربة فليس له إلا رأس المال، وليس له من الربح شئ " إذ كما أن التضمين من لوازم القرض، فكذا الاختصاص بالربح يدفعها أن المتجه بعد تسليم مضمونهما، وعدم رجحان معارضهما عليهما - الاقتصار على ذلك فيما خالف الضوابط الشرعية، ولو فرض عدم إرادة الفاضل، والشهيد ذلك بل مرادهما أن الدفع المجرد عن عنوان خاص يقتضى الحكم عليه بذلك، كان فيه ايضا منع تحقق القرض شرعا وعرفا بذلك، لما عرفت، وأصالة الصحة لا تصلح قرينة على صرف الظاهر، مع أنه لا يتم في المعلوم خلوه عن هذا القصد نعم يمكن إرادتهما بيان حال كل من القراضن والقرض، والبضاعة في حق ذاته، الا أن المراد تحققه على الوجه المزبور، وحينئذ يخرج عما نحن فيه. ثم إن ظاهر العبارة المزبورة الفرق بين فردي البضاعة، باستحقاق الاجر في الثاني دون الاول الذي نسب عدم الاجر فيه إلى ظاهر الاصحاب في الرياض، بل قال: " هو حسن، إن لم يكن هناك قرينة من عرف أو عادة بلزومه، وإلا فالمتجه لزومه ". قلت: لا يخفى عليك عدم وضوح الفرق بينهما، إذ التصريح في الاول منهما بكون الربح بأجمعه للمالك، اعم من التبرع بالعمل، وعدم إرادة الاجر عليه، فالتحقيق حينئذ عدم الفرق بينهما، وأن العامل يستحق الاجر فيهما، وقيام احتمال التبرع - ما لم يعلم منه ارادة التبرع - لا يدفع اصالة احترام عمل المسلم المأذون فيه من المالك، فضلا عن الواقع بأمره واعترافه، من غير فرق في ذلك بين الوقوع بصورة


(1) (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 - وذيله.

[ 338 ]

المضاربة وغيرها ما لم يعلم منه ارادة التبرع، ولا بين كون العامل من المعدين لاخذ الاجرة، كالسمسار ونحوه وغيره، مع فرض كون العمل مما له أجرة في العادة، بل مقتضى الاصل المزبور استحقاق الاجرة على العمل المأذون فيه، وإن لم ينو العامل ا لرجوع بها، بل يكفي عدم قصده التبرع. ولعله إلى ذلك اشار الفاضل المقداد في شرح النافع قال في البضاعة: " فإن قال أي المالك مع ذلك لا اجرة لك، فهو توكيل في الاسترباح من غير رجوع عليه بأجرة وإن قال: ولك أجرة كذا، فإن عين عملا مضبوطا بالمدة أو العمل فذاك إجارة، وإن لم يعين فجعالة، وإن سكت، فإن تبرع العامل بالعمل، فلا أجرة له، وإن لم يتبرع وكان ذلك الفعل له أجرة عرفا، فله أجرة مثله ". ومن ذلك يعرف ما في كلام الرياض الذى حكيناه عنه، بل وفيما ذكره سابقا في دفع إشكال استحقاق الاجرة فلاحظ وتأمل. وكيف كان فقد علم مما ذكرناه أن المضاربة دفع الانسان إلى غيره ما لا ليعمل فيه بحصة من ربحه، ولكن يتبعها أحكام عقود كالوكالة والوديعة والشركة، وغيرها كالغصب وأجرة المثل ونحوها، والظاهر أنه المراد مما في المسالك من أن عقد القراض مركب من عقود كثيرة، لان العامل مع صحة العقد وعدم ظهور ربح ودعى أمين، و مع ظهوره شريك، ومع التعدي غاصب، وفي تصرفه وكيل، ومع فساد العقد أجير، لا أن المراد إنشاء هذه العقود بانشاء عقدها، وإلا كان محلا للنظر، مضافا إلى ما في ذكر الغصب وأجرة المثل، والشركة في الربح في العقود. (و) على كل حال ف‍ (هو) أي تمام البحث في كتاب المضاربة (يستدعى بيان امور اربعة: الاول: في العقد) الذى جعله في التذكرة والقواعد من أركان هذه المعاملة، بل صرح في التذكرة بأنه لا بد فيها من لفظ يدل على الرضا، وظاهرهما أو صريحهما كغيرهما عدم مشروعية ما يشبه المعاطاة في البيع منها، وهو وإن كان موافقا لاصالة عدم ملك العامل الحصة من الربح، إلا أنه مخالف لما دل على جوازها في البيع ما هو مشترك بينه وبين المقام وغيره من السيرة المستمرة، وصدق الاسم عرفا

[ 339 ]

وتجارة عن تراض، ونحو ذلك مما هو كاف في المشروعية، وفى تخصيص نحو قوله عليه السلام (1) " إنما يحلل الكلام، ويحرم الكلام ". فالمتجه بناء على ذلك مشروعيتها كذلك، وإن لم يكن المركب من الايجاب والقبول فعليين من عقدها، وعدم الثمرة المترتبة بين معاطاتها وعقدها لجواز الفسخ فيهما، لا ينافي الحكم بمشروعيتها على الوجه المزبور، وإن كان قد سلف منا في البيع خلاف ذلك كله، فلاحظ. وعلى كل حال فلا خلاف في اعتبار اللفظ في ايجاب عقدها، وإن كان لا يتعين فيه لفظ مخصوص بل يكفي فيه كل لفظ دال على إنشاء الرضا بها مستعمل في ذلك على النهج الصحيح، لانه المتعارف في كيفية عقدها، بل قد عرفت فيما مضى قوة الاكتفاء بذلك في العقود اللازمة، فضلا عن الجائزة. أما القبول ففي التذكرة، وجامع المقاصد، والروضة الاكتفاء فيه بالفعل في تحقق العقد، خلافا لظاهر الفاضل في القواعد وغيره، بل صرح به بعض العامة، بل في الرياض بعد أن حكى عن التذكرة ذلك، وأنه يظهر منها عدم الخلاف بيننا فيه، وفي الاكتفاء في الايجاب والقبول بكل لفظ، قال: " فإن تم وإلا فالاولى خلافه اقتصارا فيما خالف الاصل الدال على أن الربح تابع للمال، وللعامل أجرة المثل، المنطبق مع المضاربة تارة، والمتخلف عنها أخرى على المتيقن، ولعله لذا اعتبر فيها التواصل بين الايجاب والقبول، والتنجيز وعدم التعليق على شرط أو صفة، وهو حسن على ما حققناه. ولكن على ما ذكره من الاكتفاء بالفعل في طرف القبول، وبكل لفظ فيه وفي طرف الايجاب بناء على جواز العقد مشكل، وسؤال الفرق بينه وبين اعتباره إياهما متجه، وكأنه أخذ ذلك أو بعضه من جامع المقاصد، فإنه بعد أن حكى عن التذكرة اعتبار التواصل، قال: وفيه نظر، لان ذلك معتبر في العقود اللازمة خاصة، دون الجائزة من الطرفين، وسيأتى التصريح بذلك في الوكالة ".


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث - 3 -.

[ 340 ]

قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله، بناء على تحقق المضاربة في المركب من الفعلين إيجابا وقبولا، فضلا عن محل الفرض، واقصاه أنه لا يكون عقد مضاربة، وإلا فهو مشروع يترتب عليه أحكام المضاربة، مع أنه يمكن القول بتحقق العقد ايضا بالقبول الفعلي، بناء على تعارف عقدها بذلك بين المشرعة، ومثله كاف في ذلك لكن لا ثمرة مهمة هنا بعد فرض المشروعية بين كون هذه الكيفية عقدا أولا، لما سمعته من عدم الفرق بينهما في الجواز، وغيره من أحكامها. نعم بناء على عدم مشروعية التعاطي فيها يتجه حينئذ البحث في القرض، ولعل المانع فيه مستظهر ما لم يثبت تعارف كيفيه عقدها بذلك، لكن قد عرفت التحقيق إن لم يكن ثم اجماع بخلافه، ودونه خرط القتاد، وإن كان كثير من كلماتهم تفيد الناظر فيها تشويشا على نحو ما في بعض كتب العامة. أما غير ذلك ما يعتبر في غيرها من العقود، كالتواصل والتنجيز فيبقى على مقتضى ما دل على اعتباره، الذي لا فرق فيه بين الجائز واللازم، ضرورة كونه من كيفيات العقد، والتوسع في العقود الجائزة بالنسبة إلى الاكتفاء في إيجابها مثلا بكل لفظ، لا يقتضى التوسع فيها بالنسبة إلى ذلك، وثبوته في الوكالة للدليل، لا يقتضي الثبوت في غيرها، بعد حرمة القياس، هذا كله في التواصل أما التنجيز فلا ريب في اعتباره، لاتحاد الطريق فيها وفى العقد اللازم كما حققناه في محله. والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (هو جائز من الطرفين، لكل واحد منهما فسخه، سواء نض المال) بأن صار دراهم أو دنانير (أو كان به عروض) بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم. لكن ذكر غير واحد أنه إن كان الفاسخ العامل ولم يظهر ربح فلا شئ له، وإن كان المالك ضمن للعامل أجرة المثل إلى ذلك الوقت، صونا للعمل المحترم من الخلو عن الاجر، مع احتمال العدم للاصل، وإقدام العامل عليه بمعرفته جواز العقد، وإمكان فسخه قبل ظهور الربح، بل وبعده مع تحقق الوضيعة المستغرقة له، لكونه وقاية لرأس المال. قلت: قد يقال: إن قاعدة احترام عمل المسلم المأذون فيه التى قدمناها سابقا

[ 341 ]

تقتضي استحقاق الاجرة في الاول، كما عن التذكره، فضلا عن الثاني ما لم يكن إجماع، والاقدام على جواز العقد أعم من الاقدام على التبرع. (و) على كل حال ف‍ (لو اشترط فيه) أي عقد المضاربة (الاجل لم يلزم) العقد مدته على أحد منهما، فيصح لكل منهما فسخه قبله، بلا خلاف أجده فيه، للاصل وغيره. نعم في المسالك وغيرها بعد تفسير العبارة ونحوها بما سمعت قال: " لكن العقد والشرط صحيحان، أم الشرط ففائدته المنع من التصرف بعده، لان التصرف تابع للاذن، ولا إذن بعده، وأم العقد فلان الشرط المذكور لم يناف مقتضاه، إذ ليس مقتضاه الاطلاق ". قلت: قد يراد من العبارة عدم الصحة من نفي اللزوم، بقرينة قوله متصلا بها (لكن لو قال: إن مرت بك سنة مثلا، فلا تشتر بعدها وبع صح) عندنا (لان ذلك من مقتضى العقد) الذى هو تسلط رب المال على فسخ القراض متى شاء، وعلى منع العامل عما يشاء من النوع والزمان والمكان، ضرورة ظهور الاستدراك فيه في أن الاول ليس كذلك، بل هو من افراد المسألة التى ذكرها بقوله ايضا. (وليس كذلك لو قال: على أنى لا أملك فيها) أي السنة (منعك) فانه شرط باطل (لان ذلك مناف لمقتضى العقد) بل المشهور كما قيل: بطلان العقد معه، فالتحقيق حينئذ أن يقال: إن اريد باشتراط الاجل المعنى الاول صح، وإن اريد به المعنى الثاني بطل وابطل، كما صرح به غير واحد، بل لم أجد خلافا هنا في بطلانه، وزاد في القواعد وجامع المقاصد اشتراط ضمان العامل المال، أو الزامه بحصة من الخسارة. إلا أنه قد يناقش في ذلك إن اريد بها الكناية عن اللزوم مثلا بالعارض، ولو بالشرط، لا أن المراد به ما ينافي حكمها شرعان فإنه لا إشكال في البطلان حينئذ إنما المناقشة في الاول بمنع كونها من منافيات مقتضى العقد، المراد به ما يعود على العقد بالنقض، ولا ريب في عدم منافاة اللزوم لعقد المضاربة، إذ هو كالجواز في العقد اللازم الذى لا إشكال في صحة اشتراطه.

[ 342 ]

ومن هنا كان له شرطه: أي اللزوم في العقد الجائز بعقد لازم آخر، ولو أنه من المنافي لمقتضاه لم يصح ذلك إذ هو كاشتراطه عدم المالك في البيع، ونظيره هنا عدم ملك العامل الحصة من الربح، لا اشتراط اللزوم في المضاربة، وكذا الكلام في الضمان الذى لا ينافي كون الشئ أمانة، فإن كثير من الامانات مضمونة كعارية الذهب والفضة، والعارية المشترط فيها ذلك، والمقبوض بالسوم، وغير ذلك، بل ستسمع ضمان العامل في كثير من صور المضاربة، بل وكذا الكلام في اشتراط الزام العامل حصة من الخسارة، فإن جميع هذه الامور من الاحكام، أو مما هو مقتضى إطلاق العقد، لا أنها من منافيات مقتضاه التى تعود عليه بالنقض. فتأمل جيدا. بقي شئ وهو أنه قد صرح الفاضل في القواعد وتبعه في جامع المقاصد بصحة شرط المالك على العامل المضاربة في مال آخر، أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو خدمة في شئ بعينه، معللا له الثاني منهما بعموم قوله تعالى (1) " أوفوا بالعقود " وقوله (2) " المؤمنون عند شروطهم " لكن عن ابن البراج الجزم بفساد العقد والشرط، وكذا عن المبسوط، إلا أنه قال: أخيرا " ولو قلنا القراض والشرط جائز، لكن لا يلزم الوفاء به كان قويا " ثم إنه في جامع المقاصد " قد حكي عن التحرير عدم لزوم الوفاء به، ثم قال: " وهو حق، فإن العقد جائز من الطرفين، لكن لم يذكروا حكم ما إذا عمل العامل ولم يف بالشرط، فظهر ربح، والذي يقتضيه النظر أن للمالك الفسخ بفوات ما جرى عليه التراضي، فيكون للعامل أجرة المثل، وللمالك الربح، إلى ان قال ولو شرط ذلك من طرف العامل على الملك، فالحكم كما هنا، بغير تفاوت إلا أن الفسخ هنا بعد العمل إذا لم يحصل الوفاء يكون للعامل، لانه إنما رضي بالحصة القليلة مع هذا الشرط ". قلت: لا يخفى عليك ما في الذي جعله مقتضى النظر، فإن التزام تسلط المالك والعامل بعد العمل على الفسخ بفوات الشرط، وأخذ المالك تمام الربح، والعامل أجرة


(1) سورة المائدة الاية - 1 -. (2) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -.

[ 343 ]

المثل مما لا يمكن التزام فقيه له، فالتحقي فعدم مدخله بالشرط في ذلك، إنما الكلام في حكمه بالنسبة إلى وجوب الوفاء به، وعدمه، فيحتمل الاول، لكن بمعنى الوجوب المشروط بالبقاء على العقد، وعدم إنشاء فسخه، لكونه حينئذ كنفس مقتضى العقد، إذ هو من توابعه، وبهذا المعنى يندرج فيقوله تعالى (1) " أوفوا بالعقود " بناء على كون المراد منه الامر بالوفاء بمقتضى كل عقد لم يحصل له فاسخ جائز ولازم وفى قوله " المؤمنون عند شروطهم " ويحتمل الثاني لا بمعنى تسلطه على فسخ العقد بل على معنى عدم وجوب الوفاء به وإن لم يفسخ العقدن للاصل السالم عن معارضة الاية المراد منها العقود اللازمة، لظهور الامر فيها بالوجوب المطلق وكذا قوله: " المؤمنون عند شروطهم " المراد منه بيان صحة اصل الاشتراط، وأما اللزوم وعدمه فيتبع العقد الذي تضمن الشرط، فإن كان لازما وجب الوفاء بالشرط، لكونه حينئذ من توابع العقد، والا لم يجب بل يكون حينئذ شبيه الوعد. ولعل هذا مراد الشيخ والفاضل في التحرير من المحكي عنهما، لا أن المراد عدم لزوم الوفاء بالعقد - باعتبار جواز العقد، وإلا فالوفاء به واجب حال عدم فسخ العقد إذ هو كما ترى لا دليل عليه، بل المعلوم خلافه ضرورة عدم كون الشرط أولى من مقتضى العقد الذى لا يجب الوفاء به وان لم يفسخ العقد، فإن من استودع أو وكل أو استعار أو ضارب: أي جاء بعقد من هذه العقود، لا يجب عليه الوفاء بمقتضى ذلك، فيأخذ الوديعة مثلا، ويفعل ما وكل ويتناول العارية، ويأخذ عين مال القراض فالشرط اولى، ومنه يعلم حينئذ أنه هو مراد الشيخ والفاضل فيما ذكراه من عدم لزوم الوفاء به وهو لا يخلو من قوة، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (لو اشتراط) على العامل (أن لا يشترى إلا من زيد، أو لا يبيع إلا على عمرو صح) لان الناس مسلطون على اموالهم (وكذا لو قال:) له (على أن لا تشترى إلا الثوب الفلاني) مثلا (أو ثمرة البستان الفلاني


(1) سورة المائدة الاية: - 1 -.

[ 344 ]

سواء كان وجود ما اشار إليه عاما أو نادرا) لما عرفت خلافا لبعض العامة فيجوز الاخير (و) هو واضح الضعف. نعم (لو شرط أن يشترى اصلا يشتركان في نمائه كالشجر أو الغنم قيل: يفسد) بل لم أجد من جزم بالصحة من أصابنا وذلك (لان مقتضاه) أي القراض الاشتراك في الربح الحاصل من (التصرف في رأس المال) وإن تبعه النماء أيضا في بعض الاحوال لاحصره في الربح الحاصل من نماء المال مع بقاء عينه، لا اقل من الشك في تناول الاطلاقات له والاصل الفساد (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) مما سمعت، ومن إمكان منع اعتبار ذلك في القراض الذى هو دفع المال من ربه، والعمل من العامل والاشتراك فيما يحصل من ذلك، سواء كان نماء فعل أو مال، إذ هو ايضا مسبب من فعل العامل الذى هو شراء ذي النماء، لكن يقوى في النظر الاول. نعم لو قال له: اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا، فالاقوى الصحة، لاطلاق الادلة، كما لو أنه اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها، شارك في النماء قطعا، ودعوى اعتبار شراء مع بيع ولو مرة في المضاربة واضحة المنع، وبذلك ظهر لك أن لشركة العامل في النماء صورا ثلاثة أحديها معلومة الصحة، و الثانية مظنونة، والثالثة يشك في شمول الاطلاق لها، والاصل الفساد، كما أنه ظهر لك من ذلك ما في المسالك وغيرها فلاحظ وتأمل. (وإذا اذن له في التصرف) بمعنى أنه عقد معه عقد المضاربة مثلا واطلق (تولى بإطلاق الاذن) المستفادة من العقد ما يعتاد بالنسبة إلى مثل تلك التجارة، ومثل ذلك العامل في مثل ذلك المكان والزمان (ما لا يتولاه المالك) وغيره (من عرض القماش، والنشر والطي، واحرازه وقبض الثمن، وإيداعه الصندوق، واستيجار من جرت العادة باستيجاره، كالدلال والوزان والحمال) وغير ذلك مما لا يمكن تحديده بالتعداد (عملا بالعرف) الذى هو الضابط لذلك (و) حينئذ ف‍ (لو استأجرا (مثل) الاول (الذى جرت العادة بمباشرته) ضمن الاجرة)، بل يمكن ضمانه العين لو فرض تلفها بذلك.

[ 345 ]

(ولو تولى الاخير) الذي جرت العاده بالاستيجار له (بنفسه) قاصدا للتبرع (لم يستحق اجرة) أما مع قصد الرجوع فقد يقوى استحقاقها، بناء على تناول الوكالة لمثل نفسه، بل قد يقوى استحقاقه إياها مع الخلو عن القصد، لقاعدة احترام عمل المسلم المتقدمة والله العالم. ولا ينفق العامل في الحضر عندنا شيئا من مال القراض (و) إن قل، حتى فلس السقا، لاصالة حرمة التصرف في مال الغير. نعم له أن (ينفق في) حال (السفر كما لنفقته) من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، ونحو ذلك مما هو داخل في النفقة (من اصل المال على الاظهر) الاشهر بل المشهور في التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل في محكي الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد صحيح على بن جعفر (1) " عن أخيه أبى الحسن عليه السلام في المضارب ما أنفق في سفره، فهو من جميع المال، فإذا قدم بلده، فما انفق فمن نصيبه " ونحوه خبر السكوني (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام خلافا للمحكي عن بعض، من كون جميع نفقته على نفسه، كالحضر، للاصل المقطوع بما عرفت، فالعمل عليه حينئذ كالاجتهاد في مقابلة النص. نعم عن آخر أن له تفاوت ما بين نفقه السفر والحضر، وهو مخالف لظاهر النص ايضا، المعتضد بما سمعت، والمراد بالسفر هنا العرفي، لا الشرعي الذى هو في الحقيقة أحد افراد السفر، قد علف الشارع عليه بعض الاحكام الخاصة، كقصر الصلوة والافطار ونحوهما، كما أنه أجرى أحكام الحضر عليه من الاقامة والتردد ثلاثين يوما، وإن بقى معهما صدق اسم السفر الذي يجري عليه الحكم هنا، لكونه عنوانه يدور معه وجودا وعدما. نعم في المسالك وغيرها يجب الاقتصار منه على ما يحتاج إليه للتجارة، فلو اقام زيادة عنه فنفقته عليه خاصة، قلت: هو كذلك ما لم يكن لخوف طريق مثلا، أو حبس ظالم أو نحو ذلك ما يتعلق بالتجارة، ولذا قال في التذكرة: " لو اقام في


(1) (2) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 - وذيله.

[ 346 ]

طريقه فوق مدة المسافرين في بلد للحاجة لجباية المال أو لانتظار الرفقة أو لغير ذلك من المصالح لمال القراض، كانت النفقة على مال القراض أيضا، لانه من مصلحة القراض أما لو اقام للراحة أو للتفرج أو لتحصيل مال له أو لغير مال القراض، فإنه لا يستحق عن تلك المدة شيئا من مال القراض للنفقة، أما لو اقام للتجارة أو لامر آخر بحيث يكون كل منهما علة تامة في المكث ففي اختصاص النفقة في مال القراض للاطلاق وعدمه للاصل والتوزيع أوجه، اقواها الاول، كما أن أقويها الاخير لو تركب الداعي منهما، بحيث يكون كل منهما جزء العلة، والمراد بالنفقة ما يحتاج إليه فيه من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب، وآلات ذلك كالقربة والجوالق، وأجرة المسكن ونحو ذلك مما هو داخل في اسم النفقة الاتى إنشاء الله تفصيلها في النفقات. وحينئذ فليس المراد مؤنته المندرج فيها جوائزه وعطاياه وضيافاته، وغير ذلك مما مر بيانها في كتاب الخمس، وبذلك يظهر لك أن معنى قوله عليه السلام " ما انفق " ما يذهب منه نفقة له، لا أن جميع ما يتلفه، وهو الموافق للاصل. نعم يراعى فيها كغيرها من النفقات ما يليق بحاله عاده على وجه الاقتصاد فلو اسرف حسب عليه، وإن اقتر لم يحسب له، لانه لم ينفق ذلك، وعلى كل حال فإذا عاد من السفر فما بقى من أعيان النفقة ولو من الزاد يجب رده على التجارة، كل ذلك ما لم يشرط عليه عدمها، والا لم يجز للعامل، ولو اذن له بعد ذلك فهو تبرع محض، ولو شرطها على المالك فهو تأكيد، ويقوى حينئذ وجوب تعيينها حذرا من الجهالة، بناء على اعتبار عدمها في مثل المقام، ولعله لا يخلو من نظر، بل ربما قيل بعدم وجوب ضبطها حتى على الاول، لكونها ثابتة باصل الشرع فلا يزيد الاشتراط على الثابت بالاصل، وإن كان فيه ما لا يخفين، ضرورة عدم رجوع ذلك إلى شئ من العقد مع عدم الاشتراط بخلافه معه. ثم إن ظاهر النص والفتوى عدم اعتبار ثبوت ربح في النفقة، بل ينفق ولو من اصل المال إن لم يكن ربح، لكن لو ربح بعد ذلك أخذت من الربح مقدمة على حق العامل، ضرورة كون ذلك كالخسارة اللاحقة للمال التى يجب جبرها بما يتجدد من

[ 347 ]

الربح، كما أومى إليه في التذكرة بقوله: " والقدر المأخوذ في النفقة يحسب من الربح، وإن لم يكن هناك ربح فهو خسران لحق المال " وكذا في المسالك قال: " ولا يعتبر في النفقة ثبوت ربح، بل ينفق ولو من اصل المال " إن لم يكن ربح وإن قصر المال. نعم لو كان ربح فهي منه مقدمه على حق العامل " لكن في الرياض " ولا يعتبر في ثبوتها حصول الربح، بل ينفق ولو من الاصل، لاطلاق الفتوى والنص، ومقتضاهما الانفاق من الاصل ولو مع عدم حصول التبرع، ولكن ذكر جماعة أنها منه دون الاصل، وعليه فلتقدم على حصة العامل ". وهو من غرائب الكلام إن أراد بالاول اخراجها من الاصل، حتى لو تجدد بعد ذلك ربح، خصوصا بعد ما سمعته ما الفاضل، وثاني الشهيدين من أنها منه مقدمة على حق العامل، وإن قلنا بخروجها من الاصل، حال عدم الربح، فالتحقيق حينئذ ما عرفته، من أنه ينفق ولو من أصل المال، لكن متى تجدد ربح جبر المال بمقدار ما أنفق منه، ثم إن بقي ربح أخذ حصته، وإلا فلا، وهو الموافق للتأمل في النص والفتاوى، لا ما سمعته منه، ولا أنه ينفق حال عدم الربح من أصل المال، وحال وجود الربح منه من غير جبر للاول. نعم إن لم يكن ثم اجماع أمكن القول بأن النفقة إنما تكون للعامل، حيث يكون ربح في المال يحتملها، أو بعضها، فتخرج حينئذ منه على المالك والمضارب، وإلا فلا نفقة له، كما أن نفقته حال الحضر من نصيبه خاصه، ولعله أوفق بالاصل والنص، إلا أنا لم نجده قولا لاحد، وإن أراد ذلك في الرياض بما حكاه عن جماعة كان مطالبا لتعيينهم كما لا يخفى على من لاحظ وتأمل. وعلى كل حال فإنما يستحق العامل النفقة في السفر المأذون فيه، فلو سافر إلى غيره أي بتجاوز المأذون أو إلى غير جهته فلا نفقة، وإن كانت الضماربة باقية، هذا وفي المسالك وغيرها أن مؤونة المرض والموت في السفر محسوبتان على العامل خاصة لانهما لم يتعلقا بالتجارة، وهو كذلك بالنسبة إلى الموت، بل والمرض إذا كان على وجه لا عمل له في المال معه، أما إذا كان مرضا لا يمنعه من العمل بالمال، فلا ريب في

[ 348 ]

استحقاقه النفقة في تلك الحال، نعم قد يشكل دخول مثل الدواء ونحوه في النفقة، وقد حققنا ذلك في النفقات من كتاب النكاح، من أراده فليلحظه، فإن الظاهر إتحاد البحث في المقامين بالنسبة إلى ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لو كان لنفسه مال غير مال القراض فالوجه) عند المصنف وجماعة (التقسيط) لان السفر لاجلهما، فنفقته عليهما، وهل هو على نسبة المالين أو العملين ؟ وجهان: أجودهما في المسالك تبعا لجامع المقاصد الاول، لان استحقاق النفقة في مال المضاربة منوط بالمال، ولا نظر إلى العمل، ومن هنا اتجه تفريع المصنف ذلك على ما ذكره أولا، لكن أورد عليه في الاخير أنه يقتضى أن لا يستحق نفقة اصلا، لو أخذ مضاربة في حال السفر. ثم إن الظاهر جريان التقسيط على القول الاخر الذي هو وجوب ما زاد على نفقة الحضر، ضرورة كونها حينئذ هي التى تقسط على المالين أو العملين، فما عن فخر المحققين من عدم جريان ذلك على هذا القول، بل تكون النفقة على نفسه، لكونه كالحاضر باعتبار اشتغاله بمال نفسه، وإن استصحبه مال القراض غير واضح، والتعليل المذكور يسقطها على القول الاخر ايضا، ومن هنا حكي عن السيد العميد أنه جعل احتمالي سقوط النفقة وثبوت التفاوت بين حالي الحضر والسفر خاصة في عبارة القواعد من توابع الفرض، وهو مالو كان معه مال آخر لنفسه، وربما يؤيد الاحتمال الاول، بظهور خبر النفقة في الذي ليس معه إلا مال المضاربة، فبقى محل الفرض مندرجا تحت الاصل. نعم يندرج في النص المضارب الذى معه مضاربات متعدده، ضرورة صدق كونه مضاربا، والتوزيع حينئذ متجه فيه، إما لان قوله عليه السلام (1) " من جميع المال " يشمل مال الجميع على جهة النسبة، أو لان اختصاصه بمال دون آخر ترجيح بلا مرجح مع أن علة الاستحقاق صدق وصف المضاربة المتحققة في الجميع، فلا عدل حينئذ


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب احكام المضاربة - الحديث - 1 -.

[ 349 ]

إلا التوزيع بعد تعذر التكرار، وقيمة النفقة ليست نفقة، بل قد يدعى انسياقه من أمثال ذلك، كما لا يخفى على من لاحظ نظائره في النفقات، كما أنه قد يدعى انسياق ذلك ايضا حتى لو كان مال لنفسه مع مال القراضن لا سقوط النفقة، ضرورة صدق كونه مضاربا معه، إلا أنه لما كان السفر ليس للقراض خاصة، إتجه التوزيع المزبور. وعلى كل حال ففى كونه على قدر الاموال أو الاعمال البحث السابق هذا. و في المسالك بعد أن ذكر التوزيع في القراضين قال: " ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد شرطها على كل واحد منهما أو اطلق، بل له نفقة واحدة عليهما على التقديرين، لان ذلك منزل على اختصاص المشروط عليه بالعمل، هذا مع جهل كل واحد منهما بالاخر، أما لو علم صاحب القراض الاول، بالثاني، وشرط على ماله كمال النفقة جاز، واختصت به، ولا شئ على الثاني ". وقد تبع بذلك الكركي قال: " لو شرط في القراض النفقة فأخذ من آخر قسط لان ذلك منزل على اختصاصه بالعمل له، وكذا لو شرطا، ولو شرط أحدهما واطلق الاخر فإن علم الاول بالقراض، فالنفقة من ماله خاصة، عملا بالشرط " وهو قد تبع بذلك الفاضل في التذكرة قال فيها: " فان شرط صاحب المال الاول النفقة من مال القراض، مع علمه بالقراض الثاني جاز، وكان نفقته على الاول، وإذا لم يعلم بالقراض الثاني بسطت النفقة وإن كان قد شرطها الاول لانه إنما اطلق له النفقة بناء على اختصاص عمله به، لانه الظاهر ". قلت قد عرفت في السابق أن شرط النفقة إنما هو مؤكد لثبوتها بدونه، فصورة الشرط حينئذ كصورة الاطلاق بالنسبة إلى ذلك، ولا ريب في التوزيع مع الاطلاق فيهما وإن علم أحدهما بالاخر. نعم لو اريد من الشرط الاختصاص بالنفقة على من عليه الشرط، إتجه ذلك، إلا أنه لا فرق معه بين صورتي الجهل والعلم حينئذ، ودعوى انسياق ذلك من الشرط حال العلم، دون الجهل لا شاهد لها، والله العالم. (ولو أنفق صاحب المال مسافرا) مثلا (فانتزع المال منه) بقصد فسخ

[ 350 ]

المضاربة (فنفقة عوده منه خاصة) لارتفاع وصف المضاربة الذي هو سبب استحقاق النفقة، ولا غرر، بعد دخوله على العقد الجائز الذى هو معرض ذلك ونحوه، فما عن بعض العامة من ثبوتها واضح الضعف. وكيف كان فلا إشكال (و) لا خلاف في أن (للعامل ابتياع المعيب والرد بالعيب واخذ الارش) نعم (كل ذلك) ونحوه (مع الغبطة) لان الغرض الذاتي هنا الاسترباح الذى يحصل بالصحيح والمعيب، فلا يتقيد إطلاقها حينئذ بالاول، و إن كان هو كذلك في إطلاق الوكالة، المحتمل إرادة القنية التى لا يناسبها المعيب، و كذلك الكلام في الرد بالعيب، وأخذ الارش. (و) لكن مع هذا قد ذكر غير واحد من الاصحاب أنه (يقتضى إطلاق الاذن) هنا (البيع نقدا بثمن المثل من نقد البلد) لانه المتعارف في التجارة لتحصيل الربح، إذ في النسيئة من التغرير بالمال ما لا يخفين كالتضييع بالبيع بدون ثمن المثل واحتمال الكساد في بيع العروض، لكن في المسالك وغيرها المناقشة في الاخير بأن " المضاربة تفارق الوكالة في بعض المطالب، لان الغرض الاقصى منها تحصيل الربح، وهو قد يكون بالعروض، فالاقوى جوازه بها مع الغبطة " إلى أن قال: " ولو أذن له في شئ من ذلك عموما أو خصوصا " كتصرف كيف شئت " وبحسب رأيك ونظرك ونحو ذلك، فإنه يجوز له البيع بالعروض، قطعا، أما النقد وثمن المثل فلا يخالفهما إلا بالتصريح " وما ابعد ما بينه وبين فاضل الرياض حيث جعل المدار على حصول المصلحة مع الاطلاق، وإن كان فرضها في نحو البيع بدون ثمن المثل نادرا، وظني أنه لا موافق له على ذلك، وإن كان قد يتوهم من بعض العبارات. والتحقيق أنه لا وجه للتوقف مع المصلحة، إذا كان الاذن على وجه العموم، فله البيع نسيئة وبدون ثمن المثل، أما مع الاطلاق فالمدار حصولها في الافراد المتعارفة بين التجار في تحصيل الارباح، وأما النادر وإن فرضت فيه المصلحة فلا يدخل في الاطلاق، إذ ليس العنوان الاذن في عمل كل ما فيه مصلحة، وإنما هو الاطلاق المنصرف إلى الافراد المتعارفة التى منها نقصان ما يتسامح به الناس، والله العالم.

[ 351 ]

(و) على كل حال فقد ذكر المصنف وغيره أنه (لو خالف) ما دل عليه اللفظ (لم يمض إلا مع إجازة المالك) لكونه تصرفا قد وقع بدون اذن المالك، وهو غير باطل عندنا، وإنما هو فضولي، فإن أجاز نفذ لكن في المسالك تبعا لجامع المقاصد " إنه مع الاجازة بان قدر على تحصيل النسيئة، وإلا ضمن الثمن، لثبوته بالبيع الصحيح، لا القيمة، ومع عدمها يجب استرداد العين مع الامكان، وإلا ضمن قيمة المبيع أو مثله، لا الثمن المؤجل وإن كان أزيد، ولا التفاوت في صورة النقيصة لانه مع عدم الاجازة بيع باطل، فيضمن للمالك عين ماله الذي تعدى فيه وسلمه من غير إذن شرعى ". قلت: قد يناقش في ضمانه بأنه مع إجازة المالك ورضاه بالبيع نسيئة، صار الثمن الذى في ذمة المشترى له برضاه، ولم يحصل من العامل ما يقتضى ضمانه، بل لعل ذلك كذلك في الغاصب إذا باع المغصوب نسيئة، ثم ندم الغاصب فأجاز المالك ذلك ورضي بالثمن الذى في ذمة المشترى أن يكون له، خرج الغاصب من الضمان، ولا ينتقل ضمان العين الذى كان عليه إلى الثمن الذى لم تستولى يده عليه، وكأن ذلك كله لا إشكال فيه بمقتضى المعلوم من القواعد. أللهم إلا أن يقال، إن ما نحن فيه مما تسمع تظافر النصوص والفتاوى به، من ضمان العامل إذا خالف ما اشترط عليه المالك، وإن بقيت المضاربة صحيحة و الربح بينهما، إذ لا فرق في المخالفة بين الشرط الصريح، أو المفهوم من الاطلاق، فكما لو قال له: إشتر مثلا تمرا، فخالف واشترى غيره كان ضامنا، ولكنه صحيح والربح بينهما كما ستعرف، فكذلك ما نحن فيه، المستفاد من انسياق الاطلاق بل هو أولى بذلك، والله العالم. (وكذا يجب) مع الاطلاق (أن يشترى) العامل (بعين المال) لانه المفهوم أو المتيقن منه، خصوصا بعد ملاحظة احتمال عدم إرادة المالك التجارة بغير المال الذى دفعه، والشراء بالذمة قد يؤدى إلى وجوب دفع غيره، كما في صورة تلف مال المضاربة قبل الوفاء.

[ 352 ]

(و) حينئذ ف‍ (لو) خالف و (اشترى في الذمة) للمالك (لم يصح البيع إلا مع الاذن) فيه، ولو لاحقا، لكن قد يشكل ذلك باقتضاء الاطلاق عرفا الشراء بالذمة على وجه الحلول، وإرادة الدفع من مال المضاربة، كما هو المتعارف بين الناس، من غير فرق بين الملاك والعمال الوكلاء وغيرهم. نعم ليس له الشراء في الذمة على إرادة الرجوع عليه بغير مال المضاربة، فإنه ليس في الاطلاق ما يشعر بالاذن بذلك، ويمكن إرادة الاصحاب المنع عن هذا بالخصوص لاما يشمل الاول الذى قد يتسامح في العرف بجعله من الشراء بالعين، فإذا اتفق عروض ذلك من العامل، وفرض تلف مال المضاربة، أدى المالك من غيرها حينئذ، لما عرفته من تناول الاطلاق الاذن على الوجه المزبور، المفروض وقوعه. ومن ذلك يعلم ما في التعليل المذكور، كما أن منه يعلم أنه مع تادية المالك في الفرض المزبور من غير مال المضاربة، يكون ذلك من مال القراض، لما عرفته من اقتضاء الاطلاق ذلك، كما عن الشيخ في المبسوط التصريح به، وإن حكي عنه أنه حكى فيه وفي الخلاف أقوالا غير محصلة، لا فائدة في ذكرها، كما لا محصل معتد به لما أطنب به في الرياض من ذكر الاشكال المزبور، والجواب عنه، والنظر في الجواب فلاحظ وتأمل. (و) على كل حال ف‍ (لو اشترى) العامل (في الذمة) بنية أنه للمالك (لامعه) أي الاذن منه، لا سابقا ولو من الاطلاق المزبور، ولا لاحقا (و) لكن (لم يذكره) أي المالك على وجه يفهم البايع أن البيع له (تعلق الثمن بذمته ظاهرا) وان كان هو فاسدا في نفس الامر، ويجب عليه التخلص من البايع بمقاصة ونحوها. نعم لو وقع الشراء منه بلا نية أنه للمالك، أو لنفسه تعلق الثمن بذمته ظاهرا وواقعا، وكان الربح له، كما لو نوى لنفسه، لظهور المعاملة في ذلك، حتى لو فرض كونه ماذونا في الشراء في الذمة للمالك، لكن لا ينصرف الشراء في نفس الامر عمن وقعت المعاملة له الا بنية أنه له، كما هو واضح، فما في الرياض من الوقوع للمالك

[ 353 ]

في هذه الصورة واضح الضعف، الا أن فيما حضرني من نسخته غير نقية من الغلط. نعم لو كان قد نوى المالك ثم أجاز كان له، بل ربما ظهر من المقداد كونه مال قراض حينئذ، كما أنه يبطل مع ذكره له لفظا، وعدم اذنه سابقا ولاحقا، وبذلك كله بان لك صور المسألة وأحكامها، لكن الانصاف عدم خلو جعله مال قراض مع الاجازة اللاحقة واداء الثمن من غير مالها من اشكال، أو منع والله العالم. (ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها) اثم وضمن المال، لتعديه، وان نفذ بيعه، وكان الربح بينهما، إذ لا منافاة بين ذلك، وبين المنع من السفر، لكونه ماذونا في التجارة من حيث هي تجارة، وان لم يجز له السفر، فإن المنع من أحد المتقارنين لا يقتضى بمجرده المنع من الاخر، بل هو كذلك حتى في صورة الاطلاق فإن الظاهر عدم استفاده الاذن منه في السفر، كما صرح به غير واحد، بل في جامع المقاصد نسبته إلى علمائنا، لما فيه من التغرير بالمال، خلافا لبعض العامة، من غير فرق بين خوف الطريق وأمانه، وعلى كل حال فلا اشكال ولا خلاف عندنا في الحكم المزبور. وفي الصحيح (1) عن أحدهما " سألته عن رجل يعطي المال مضاربة وينهى أن يخرج، قال: يضمن المال والربح بينهما ". وفي صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام في الرجل يعطي للرجل المال فيقول: ائت ارض كذا وكذا ولا تجاوزها، واشتر منها ؟ قال: فإن جاوزها وهلك المال فهو ضامن، وان اشترى متاعا فوضع فيه، فهو عليه، وان ربح فهو بينهما ". وفي خبر أبى بصير (3) عنه عليه السلام ايضا " في الرجل يعطى الرجل مالا مضاربة وينهاه أن يخرج به إلى ارض أخرى، فعصاه قال: هو ضامن، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه ".


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 -. (2) (3) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 2 - 10 -.

[ 354 ]

وخبر ابى الصباح (1) " وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن المضاربة، يعطى الرجل المال يخرج به إلى ارض، وينهى أن يخرج به إلى غيرها، فعصى فخرج به إلى ارض أخرى فعطب المال ؟ فقال: هو ضامن، وان سلم فهو بينهما ". بل في صحيح الحلبي (2) عنه ايضا أعم من ذلك قال: " في المال الذي يعمل به مضاربة، له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شئ الا أن يخالف أمر صاحب المال، فإن العباس كان كثير المال، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة، ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد، ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فإن خالفت شيئا مما أمرتك به فأنت ضامن للمال " وفي صحيحه الاخر (3) عنه ايضا " في الرجل يعطى الرجل مالا مضاربة، فيخالف ما شرط ؟ قال: هو ضامن، والربح بينهما ". وفى خبر أبى الصباح (4) عنه ايضا " في الرجل يعمل بالمال مضاربة ؟ قال: له الربح وليس عليه من الوضيعة شئ، الا أن يخالف عن شئ مما أمره صاحب المال " بل في صحيح جميل (5) عنه ايضا " في رجل دفع إلى رجل ما لا يشترى به ضربا من المتاع مضاربة فذهب فاشترى غير الذي أمره قال هو ضامن والربح بينهما على ما شرط ". واليه أشار المصنف بقوله (أو أمره بابتياع شئ بعينه فابتاع غيره ضمن، ولو ربح والحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط) الا أنه أشكله بمخالفته القواعد المعلومة، ضرورة عدم الدخول في الملك مع عدم الاذن لاحقا وسابقا، فكيف يتجه استحقاق الربح حينئذ، ومن هنا جمد بعض الناس على ما في النصوص، ولعل اقتصار المصنف على هذين الصورتين لذلك، لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد ما سمعته من النصوص الدالة على الاعم من ذلك، وهو كل شرط قد خولف، وهو الذي جزم به غير واحد، قائلا أنه لا باس بتخصيص القواعد بهذه النصوص المعمول عليها بين الاصحاب إلا أنه كما ترى ايضا.


(1) (2) (3) (4) (5) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 10 - 6 - 7 - 5 - 2 - 9 -

[ 355 ]

ويمكن تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الاذن في المضاربة، وإرادة الضمان من الاشتراط، كما يومئ إليه ما في ذيل صحيح الحلبي السابق، وخصوصا ذكره عليه السلام له بعنوان التعليل للحكم، بل لعله ذلك هو المعروف فيما بينهم سابقا من الشرط كما عساه يومئ إليه خبر رفاعة (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " في مضارب يقول لصاحبه إن أنت أذهبته أو أكلته، فأنت له ضامن ؟ قال: هو له ضامن إذا خالف شرطه " هذا. وفي المسالك " يجب تقييد المخالفة في جهته بما إذا بيع المتاع في تلك الجهة بما يوافق قيمته في الجهة المعينة أو يزيد، فلو كان ناقصا لا يتغابن بمثله لم يصح، كما لو باع بدون ثمن المثل " ومثله في جامع المقاصد وزاد " أنه إذا أجاز المالك كان الثمن مضمونا ". قلت: قد يقال بالصحة من غير احتياج إلى الاجازة، لما سمعته من النصوص أن البيع صحيح مع المخالفة، ولكنه ضامن للوضيعة، ولا ريب أن محل الفرض من ذلك، والله العالم. (و) كيف كان (فبموت كل منهما تبطل المضاربة، لانها في المعنى وكالة) التى هي كغيرها من العقود الجائزة، نحو العارية والوديعة تنفسخ بالموت والجنون والاغماء، ونحو ذلك مما يقتضي بطلان الاذن من المالك التى هي بمنزلة الروح لهذا العقد وشبهه، بل ظاهر الاصحاب في المقام وغيره عدم تأثير إجازة الوارث أو ولي المالك في حال الجنون والاغماء، لتصريحهم بالانفساخ بعروض أحد هذه العوارض، وحينئذ فإذا اريد تجديدها مع وارث أحدهما اشترط في الثانية شروط الاولى من انضاض المال دراهم، ودنانير وغير ذلك كما هو واضح. ثم إن كان الميت المالك، وكان المال ناضا لا ربح فيه أخذه الوارث، وإن حصل فيه ربح اقتسماه، وليس لاحد من الغرماء مزاحمة العامل في حصته، لما ستعرف إنشاء الله من ملكه لها بالظهور، فكان شريكا للمالك، وإن كان المال عروضا، ففي المسالك " إن


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 8 -.

[ 356 ]

للعامل بيعه إن رجى الربح، وإلا فلا، وللوارث الزامه بالانضاض انشاء مطلقا " وفيه أنه ليس للعامل البيع من دون إذن الوارث الذي قد انتقل إليه وإن رجى الربح، كما أنه ليس للوارث الزامه بالانضاض مطلقا بعد انفساخ المضاربة، أللهم إلا أيقال: إنه حق للميت، فينتقل إلى وارثه. وإن كان الميت العامل، فإن كان المال ناضا ولا ربح أخذه المالك، وإن كان فيه ربح دفع إلى الورثة حصصهم منه، ولو كان هناك متاع واحتيج إلى البيع والتنضيض فإن اذن المالك للوراث فيه جاز، وإلا نصب الحاكم أمينا يبيعه، فإن ظهر فيه ربح أوصل حصة الوارث، وإلا سلم الثمن للمالك والله العالم. (الامر (الثاني: في مال القراض) (ومن شرطه أن يكون عينا) فلا يجوز بالدين (وأن يكون دراهم أو دنانير) بلا خلاف أجده في شئ منه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما قيل: من اصالة الفساد هنا، السالمة عن معارضة (1) " أوفوا بالعقود " (2) " والمؤمنون عند شروطهم " ونحو ذلك ما عرفت إرادة العقود اللازمة منه، وعن الاطلاقات التى لم تسبق لبيان ما تجوز به المضاربة، وإنما هي في معرض أحكام أخر، وإن كان لا يخلو من تأمل، ضرورة الاكتفاء (3) " بتجارة عن تراض " ونحوه في ذلك بعد الاغضاء عن دعوى عدم إطلاق صالح، ولكن الامر سهل بعد الاجماع المزبور. ومنه يعلم أنه لا وجه لقول المصنف (وفي القراض بالنقرة) التى هي القطعة المذابة من الذهب والفضة (تردد) ضرورة عدم كونها حينئذ منهما، ومن هنا لم نعرف مخالفا في عدم الجواز بها، بل ولا مترددا غير المصنف.


(1) سورة المائدة الاية - 1 -. (2) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -. (3) النساء: 29.

[ 357 ]

نعم في المسالك " ربما اطلقت النقرة على الدراهم المضروبة من غير سكة، فإن صح هذا الاسم كان التردد من حيث أنها قد صارت دراهم ودنانير، وإنما تخلف السكة وهى وصف في النقدين ربما لا يقدح، خصوصا إذا تعومل بها على ذلك الوجه، مع أنه ايضا كما ترى، بعد معلومية كون الدرهم والدينار حقيقة في المسكوك للمعاملة وتخلف السكة قادح باعتبار اقتضائه انتفاء صدق اسم الدرهم والدينار، والتعامل بغير المنقوش أو المنقوض لا للمعاملة، لا يحقق الاسم المزبور، ولو سلم تحقق الاسم بناء على أنه للاعم من المسكوك للمعاملة، فليس حينئذ الا الصحة. وعلى كل حال فلا وجه للتردد بعد الجزم بشرطية الدرهم والدينار والله العالم. (و) كذا (لا يصح بالفلوس) لفقد الشرط المزبور بل (ولا بالورق المغشوش) الذي يجب كسره (سواء كان) فيه (الغش اقل أو أكثر) إذ المراد به المغشوش بالنسبة إلى تلك السكة في ذلك الزمان، المعبر عنه في زماننا بالقلب، لا أن المراد به بما يشمل المتعارف في زماننا من الشاميات والشوشيات وغيرهما من النقد المعلوم امتزاجه بغير الفضة، ضرورة صحة المضاربة ببها، ووجوب الزكاة لعدم اعتبار الخلوس في الدرهم والدينار، وانما هو القطعة المسكوكة للمعاملة، سواء كان خليطا أولا، وان اتفق خلوصه في ذلك الزمان، الا أنه أحد الافراد، كهيئته السابقة، و حينئذ فلا حاجة إلى ما في جامع المقاصد من تقييد نحو عبارة المصنف بما إذا لم يكن متعاملا به، أي المغشوش، فلو كان معلوم الصرف بين الناس جازت به المعاملة، و صح جعله مالا للقراض، سواء كان الغش أقل أو اكثر، إذ قد عرفت ارادة المصنف وغيره من المغشوش ما سمعت، لا نحو ذلك كما هو واضح. (و) كذا لا يصح (بالعروض) التى هي غير النقدين من المتاع مطلقا والامتعة التى لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا ولا عقارا، لانتفاء الشرط المزبور كما هو واضح. وكان المصنف ذكر الاول ولم يستغن عنها بالعروض، بناء على التفسير الاول دفعا لتوهم الجواز في النقرة باعتبار كونها مادة للدرهم والدينار وفى الفلوس ونحوها باعتبار كونها مثل النقدين في السكة والمعاملة، فأراد النص

[ 358 ]

عليها بعدم الجواز (ولو دفع إليه) أي إلى العامل (آلة الصيد كالشبكة بحصة) ثلث مثلا (فاصطاد) لم يكن مضاربة قطعا، لانتفاء الشرط ولا شركة لعدم الامتزاج، ولا إجازة لعدم معلومية الاجرة، فليس هي إلا معاملة باطلة وحينئذ (كان) ما اصطاده (للصايد) الذي قد حازه (و) لكن (عليه أجرة) المثل (للالة) كما هو واضح. نعم في المسالك وغيرها الحكم بكون الصيد للصايد مبنى على عدم تصور التوكيل في تملك المباح، وإلا كان الصيد لهما على حسب ما نواه الصايد، وقد سبق الكلام على نظيره، ويبعد بناؤه على أن العامل لم ينو بالتمليك إلا نفسه، لان ظاهر الحال دخوله على الشركة، وحيث يكون الصيد لهما فعلى كل منهما أجرة مثل الصايد والشبكة بحسب ما اصابه. قلت: قد تقدم سابقا إمكان اختصاصه بذلك وإن قلنا بصحة التوكيل، بناء على عدمه في المقام، لكون الاذن قد وقعت في العقد الفاسد، فلا اثر لها، ونية الشركة مع عدم الاذن لا تجدى، ودخوله في ملكه يكفي فيه قصده الحيازة، أي دخول الشئ في حيازته، والفرض أنه قد تحقق القصد فيه، فيكفي ذلك في دخول الشئ في ملكه، وان كان من قصده الشركة التى قد بان فسادها والله العالم. (ويصح القراض بالمال المشاع) بلا خلاف ولا إشكال عندنا، لانه معين في نفسه، جامع لشرائط الصحة من غير فرق بين وقوع العقد مع الشريك (و) غيره. نعم (لابد) في مال المضاربة (أن يكون معلوم المقدار) بعد معرفة الجنس للنهي عن الغرر، ولعدم معرفة الربح من رأس المال إلا أن ذلك كله في المجهول الذى لا يؤل إلى علم، أما ما يؤل إليه ولو بالعد بعد وقوع العقد ونحوه فقد يشكل بناء على تحقق عموم أو اطلاق في الباب يشمل الفرض، ولو قوله تعالى (1) " الا أن تكون تجارة عن تراض " لعدم ما يدل على اعتبار العلم هنا، أو البطلان مع


(1) النساء: 29.

[ 359 ]

مثل هذه الجهالة، والنهي عن الغرر انما هو في البيع. أللهم الا أن يقال بأن في بعض النصوص النهي عن الغرر، فيشمل المقام، بل لو سلم تحقق اطلاق في المضاربة يشمل محل الفرض كان التعارض من وجه والترجيح للاول بفتوى المشهور بذلك، بل (و) بأنه (لا تكفي المشاهدة فيه، وان زال بها معظم الغرر، لانها ليست طريقا للعلم فيما اعتبر فيه، وان حكي عن المرتضى الاكتفاء بها في المقام وغيره، بل هو أحد قولي الشيخ هنا، وهو كذلك لو سلم وجود دليل على اعتبار العلم في المقام (و) من هنا (قيل: يصح مع الجهالة، ويكون القول قول العامل مع التنازع في قدره) بل في المسالك " أنه في المختلف عن الشيخ القول بجواز المضاربة بالجزاف من غير تقييد بالمشاهدة، وقواه في المختلف محتجا بالاصل، وقوله عليه السلام (1) " المؤمنون عند شروطهم " ولا اثر لاقتضاء هذه الجهالة التنازع بعد أن كان القول قول العامل شرعا في قدر الواصل لان الاصل عدم وصول الزايد إليه. والتحقيق ان لم يكن ثم اجماع عدم قدح الجهالة التى تؤل إلى علم، نحو أن يقع العقد على ما في الكيس مثلا، ثم يعدانه بعد ذلك، لاطلاق الادله أو عمومها. نعم بناء على عدم عموم أو اطلاق مستند إليه في مثل ذلك، فلا ريب في أن الاصل الفساد. أما الجهالة التى لا تؤل إلى علم فالظاهر عدم جوازها، لعدم امكان تحقق الربح معها، وهو روح هذه المعاملة فتأمل جيدا. والله العالم. (و) كيف كان (فلو أحضر مالين، وقال قارضتك) بأحدهما أو (بأيهما شئت: لم ينعقد بذلك قراض) للابهام في الاول المانع من تعلق العقد، فإن المبهم لا وجود له في الخارج، وموقوفية العقد مع التخيير إلى حال وقوعه، وليس في الادلة حتى الاطلاقات ما يدل على مشروعية ذلك، بل لعل الادلة قاضية بخلافه، ضرورة ظهورها في سببية العقود وعدم تأخر آثارها عنها، وجعل الخيار كاشفا عن مورد العقد من أول الامر لا دليل عليه، لكونه مخالفا للاصل، ومن هنا لم يحك خلاف


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4.

[ 360 ]

في البطلان حتى من القائلين بالجواز مع الجهالة (واذ أخذ من مال القراض ما يعجز عنه ضمن) مع جهل المالك، كما في المسالك قال " لانه حينئذ يكون واضعا يده على المال على الوجه الغير المأذون فيه، لان تسليمه إليه إنما كان ليعمل فيه فكان ضامنا " ونحوه في جامع المقاصد، وفي الاول منهما " هل يكون ضامنا للجميع أو للقدر الزائد على مقدوره قولان: من عدم التمييز، والنهي عن أخذه على هذا الوجه، ومن أن التقصير بسبب الزايد، فيختص به، والاول أقوى، وربما قيل: إنه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالاول وإن أخذ مقدوره ثم أخذ الزايد ولم يمزجه به ضمن الزايد خاصة ". ويشكل بأنه بعد وضع يده على الجميع عاجز عن المجموع من حيث هو مجموع، ولا ترجيح الان لاحد أجزائه، إذ لو ترك الاول وأخذ الزيادة لم يعجز، وقد صرح فيهما بأنه لو كان المالك عالما بعجزه لم يضمن، إما لقدومه على الخطر، أو لان علمه بذلك يقتضى الاذن له والتوكيل. ثم قال في المسالك: " وحيث يثبت الضمان لا يبطل العقد به، إذ لا منافاة بين الضمان وصحة العقد، والمراد العجز عن التصرف في المال وتقليبه في التجارة، وهذا يحصل حال العقد، فمن ثم فرق بين علم المالك وجهله، ولو كان قادرا فتجدد العجز وجب عليه رد الزايد عن مقدوره، لوجوب حفظه، وهو عاجز عنه، وإمكان التخلص منه بالفسخ، فلو لم يفسخ ضمن وبقي العقد ". قلت: لعل المتجه في مفروض المسألة الفساد من غير فرق بين حالي العلم و الجهل، وذلك لمعلومية اعتبار قدرة العامل على العمل في الصحة، نحو ما ذكروه في الاجارة، ضروره لغوية التعاقد مع العاجز عن العمل الذي هو روح هذه المعاملة، فضلا عن معلومية بطلان وكالة من هو عاجز عن العمل، على العمل العاجز عنه، إذ هو أولى بذلك من الوصي الذى حكموا ببطلان وصايته مع عجزه عن القيام فيما أوصى به، بل الظاهر أن الحكم كذلك بتجدد العجز، فضلا عما كان حال العقد، ومن ذلك يظهر لك سقوط جملة من الكلمات السابقة، بل لعل عبارة المتن والقواعد

[ 361 ]

كذلك، بناء على إرادة الضمان مع الصحة منها، بل يقوى البطلان حتى مع إذن المالك في التوكيل لغير، أو الاستيجار، فإن ذلك فرع صحة العقد الذي قد عرفت اعتبار قدرة العامل على العمل المعقود عليه بنفسه، وإن لم يشترط عليه المباشرة، على أنه لو اكتفى بذلك في الصحة لم يكمن للضمان حينئذ وجه، ضرورة اقتضاء صحة العقد عدم الضمان إلا ما خرج، كما هو واضح، والله العالم. (ولو كان له في يد غاصب) مثلا (مال فقارضه عليه صح ولم يبطل الضمان) السابق، للاصل السالم عن معارضة وقوع عقد القراض الذي لا يلزمه عدمه الضمان، بل يجامعه في كثير من المقامات، ولظهور قوله عليه السلام (1) " حتى يؤدي " في بقاء الضمان إلى حال التأدية التى ليس وقوع عقد القراض منها، وكون العين في عقد القراض أمانة، لا ينافي الضمان من جهة اخرى، ورفع اليد عن الغصب ليس وصولا إلى يد المالك، لكن قد تقمد في كتاب الرهن منا تحقيق ذلك على وجه يعلم منه قوة عدم الضمان، ولو من جهة اقتضاء العقد الاذن في دوام القبض. وما في المسالك " من أن مجرد العقد لا يقتضى ذلك، وإنما يحصل الاذن بأمر آخر، ولو حصل زال الضمان واضح الضعف، وإن حكي عن العلامة في التذكرة مستظهرا لذلك، أن كون المال في يد العامل ليس بشرط في صحة القراض، فلو قال المالك: أنا أبقي المال في يدي وادفع الثمن كلما اشتريت متاعا صح، إلا أنه كما ترى ضرورة عدم منافاة ذلك على تقدير تسليمه، لاقتضاء إطلاق العقد ذلك، كضرورة المكابرة في عدم دلالة إطلاق العقد على الاذن في البقاء والعمل به وتقليبه، فإنه إذا لم يكن كذلك لم يبرء حتى (ف‍) ى صورة ما (إذا اشترى به ودفع المال إلى البايع) التى حكم المصنف وغيره، بل في المسالك الاجماع عليه، بأنه متى فعل ذلك (برء) من الضمان (لانه) قد (قضى دينه) أي المالك (بإذنه) ضرورة صراحة ذلك في تحقق الاذن منه التي هو قد اعترف صريحا بعد ذلك في كلامه بزوال الضمان معها


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

[ 362 ]

حتى أنه حكى عن بعضهم القول بالعدم، وضعفه بأنه حينئذ وكيل محض، وإن كان له في القبض مصلحة إذ هو كالوكيل بجعل، وبذلك ظهر لك انتقاض كلامه جميع أطرافه. وأما القول بعدم زوال الضمان معها ايضا، ففيه مضافا إلى ما سمعته - أنه اداء إليه، ضرورة دخوله بذلك تحت سلطانه الذي هو معنى اليد، وإن اردت زيادة التحقيق في ذلك فلاحظ ما سلف لنا في كتاب الرهن، والله العالم. (ولو كان له دين لم يجز أن يجعله مضاربة إلا بعد قبضه) بلا خلاف ولا إشكال لما عرفت من إعتبار العينية في مال القراض المنافية للدينية (وكذا لو اذن للعامل في قبضه من الغريم ما لم يجد العقد) بعد القبض، إذ هو لم يخرج بالاذن عن كونه دينا. نعم لو وكله على القبض ثم العقد عليه قراضا فيكون موجباب قابلا عنه صح، بناء على جواز مثل ذلك. وفي المسالك ان في قول المصنف " ما لم.. إلى آخره " إشارة إلى صحة القبض وان كان مترتبا على عقد فاسد، وفيه إنه يمكن أن يكون ذلك مبنيا على إجازة القبض عنه، بعد وقوعه، على ان ظاهر العبارة فرض التصريح بالاذن مستقلا، لا المستفادة من العقد الفاسد والامر سهل. تفريع. " (لو قال بع هذه السلعة فإذا نض ثمنها، فهو قراض لم يصح لان المال) أي الثمن (ليس بمملوك عند العقد) ضرورة عدم دخوله في الملك قبل وقوع البيع، على أنه مجهول، بل التعليق محقق، فلا إشكال في الفساد، خلافا للمحكي عن بعض العامة من الجواز، فلا ريب في فساده. (ولو مات رب المال وبالمال متاع فأقره الوارث لم يصح لان) العقد (الاول بطل) بالموت، وليس هو فضوليا بالنسبة إلى الوارث الذي لم يكن له علقة بالمال حال العقد بوجه من الوجوه، وبذلك افترق عن إجارة البطن الاول العين الموقوفة

[ 363 ]

مده زادت على حياتهم فإن الاجارة تصح بإجازة البطن الثاني، لتعلق حق لهم من الواقف، فالاجارة على المدة الزائدة في نفس الامر لهم، وإن لم يعلم بها حال العقد، بخلاف المقام الذى هو ابتداء ملك للوارث بالموت، وحينئذ فالمدار في الفضولية كون المعقود عليه حال العقد للغير، ولكن الفضولي أجرى العقد عليه، بخلاف نحو المقام الذى هو للمالك، ولكن بالموت ينتتقل عنه إلى وارثه، فليس هو في عقده على ماله فضولا عن الغير الذى لا مدخلية له حال العقد، وكذا اجارة الانسان ماله مدة مات في أثنائها، بناء على انفساخ الاجارة، فإنه لا يجدي في صحة الاستمرار إجازة الوارث. نعم تجدي إجازة الوارث في مثل الوصية التى هي تصرف بعد الموت الذي هو محل تعلق حق الوارث، وفي مثل التنجيز في المرض الذى تعلق فيه حق الوارث، وصحة الاجازة في الاول قبل الموت إنما هو للدليل على أنه في التصرف بعده، وكذا الثاني الذى قد عرفت الحق فيه (و) هو واضح. بل (لا يصح ابتداء القراض) في الفرض الذي قد عرفت امتزاج المال فيه (بالعروض) حتى في النقد منه خاصة، لعدم ذكر الحصة له، وإنما ذكرت للجميع الذى منه العروض. نعم لو فرض كون المال ناضا واراد التجديد عليه لم يمن به بأس، حتى إذا كان بلفظ التقرير، لما عرفت من عدم اعتبار لفظ خاص في مثل هذا العقد، والله العالم. (ولو اختلفا في قدر رأس المال، فالقول قول العامل مع يمينه) سواء كان المال باقيا أو تالفا بتفريط أو غيره (لانه اختلاف في المقبوض) وفى الواصل إليه والداخل تحت سلطانه بالتصرف فيه، ولا ريب في أن الاصل عدم ذلك بالنسبة إلى الزايد، بل هو في صورة التلف بتفريط، غارم محض، والاصل براءة ذمته، فيكون هو المنكر، بل ظاهر المتن وغيره أن ذلك كذلك حتى لو فرض ظهور ربح لذلك ايضا. لكن قد يشكل حينئذ بأن ذلك يؤل من العامل إلى دعوى زيادة استحقاقه في المال المشخص، بل ذلك في الحقيقة اختلاف في قدر استحقاق العامل في المال

[ 364 ]

المخصوص، لا ريب في أن القول قول المالك فيه، لاصالة عدم استحقاقه الزايد واصالة عدم ربح للمال وعدم زيادته، ولان الاصل مع بقاء المال يقتضي كون جميعه للمالك، بل هو كذلك حتى في صوره التلف بتفريط، إذ المضمون قدر مال المالك، وإذا كان الاصل يقتضى كون الجميع له إلا ما أقر به للعامل، فهو ضامن له حينئذ، إذ الضمان تابع للاستحقاق. ومن هنا جزم في جامع المقاصد والمسالك بأن القول قول المالك في الفرض واستحسنه في الرياض، ولعله الاقوى، ومنه يعلم ما عن فخر المحققين من أن القول قول المالك إلا مع التلف بتفريط، إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه. (ولو خلط العامل مال القراض بماله بغير إذن المالك خلطا لا يتميز ضمن، لانه تصرف غير مشروع) له ضرورة كونه أمانة في يده، فلا يجوز خلطها كالوديعة، على أن الشركة عيب. نعم لا يبطل العقد بذلك، فيبقي الربح حينئذ بينهما على حسب الشرط، و إن اثم بذلك العامل وضمن، هذا كله مع إطلاق العقد، أما مع الاذن في ذلك خصوصا أو عموما فلا بأس به مع المصلحة في الاخير، كما هو واضح. الامر (الثالث في الربح) (ويلزم الحصة) منه (بالشرط) في هذه المعاملة إن نصفا فنصف، وإن ثلثا فثلث (دون الاجرة على الاصح) الموافق لما هو المشهور، بل المجمع عليه من مشروعيتها، المدلول عليها بقوله تعالى (1) " الا أن تكون تجاره عن تراض " و غيره وبالتواتر من السنة المروية من الطرفين، فما عن المفيد والشيخ في النهاية وسلار وابن البراج وظاهر أبي الصلاح من عدم مشروعيتها فليس للعامل حينئذ إلا أجرة المثل، وإن وقع من المالك اشتراط الحصه من الربح، الا أنه من الوعد الذى لا يجب الوفاء به معلوم البطلان (و) واضح الفساد. نعم (لابد أن يكون) هامش) * (1) سورة النساء الاية - 29.

[ 365 ]

جميع (الربح مشاعا) على جهة الشركة بينهما (ف‍) لو كان لاحدهما شئ معين منه والباقى للآخر بطل اجماعا. وكذا (أو قال خذه قراضا والربح لي فسد) قراضا (و) ان كان (يمكن) هنا (أن يجعل بضاعة نظرا إلى المعنى) إذ قد عرفت أنها المال المدفوع ليعمل به، على أن الربح لمالكه بلا أجره للعامل، فهي حينئذ توكيل في التجارة تبرعا، لا تختص بلفظ، فمنه اللفظ المزبور، وان ذكر فيه لفظ القراض الا انه يمكن ارادة البضاعة منه ولو مجازا فإنه أولى من الغائه (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) من ذلك، ومن ظهور اللفظ في ارادة المعنى الحقيقي الذى هو أعم من الصحيح و الفاسد، وهو غير معنى البضاعة الذي هو الاقدام على التبرع في العمل، وليس في الفرض ما يشعر بذلك بوجه، فدعوى اتحاد المعنى حينئذ واضحة الفساد، كدعوى كون اللفظ لغوا. (وكذا) التردد (لو قال) خذه قراضا (والربح لك) بين صيرورته قرضا فالربح كله للعامل، وبين كونه قراضا فاسدا فالربح كله للمالك، وعليه الاجره للعامل، الا أنك قد عرفت ما يقوى منه كونه قراضا فاسدا كما هو المشهور الا أن تقوم قرينة حالية أو مقالية على ارادة الاقدام على التبرع في الاول، وانشاء التمليك للمال في الثاني، وكانه لمح إلى ذلك في المسالك بقوله هنا (ومحل الاشكال إذا لم يقصد القرض ولا القراض، إما بأن لم يقصد شيئا، أو لم يعلم ما قصد، والا لكان قرضا في الاول، وقراضا فاسدا في الثاني بغير اشكال. لكن لا يخفى عليك أنه لا دلالة على القصد إلا بظاهر اللفظ الصادر من اللافظ والفرض صدور لفظ القراض منه، والمنساق من اللفظ حقيقته، فليس حينئذ إلا الحكم عليه بإرادة القسم الفاسد منه. نعم بناء على اعتبار الشركة في الربح في مفهوم القراض يتجه احتمال إرادة التجوز منه، بإرادة البضاعة والقرض إلا أن الظاهر اعتبار ذلك في الصحة لا المفهوم، ومع الاغضاء عن ذلك كله فالاصل احترام عمل المسلم، والاصل تبعية النماء للمال، وعدم

[ 366 ]

إنشاء التمليك بعوض في الذمة، وبذلك يظهر لك ما في قول المصنف. (أما لو قال: خذه فأتجر به والربح لي كان بضاعة،: ولو قال: والربح لك كان قرضا) ضرورة عدم الفرق بين هذا وبين ما تقدم، إلا بعدم وجود لفظ القراض فيه، ولكن ذلك لا يعين إرادة القرض والبضاعة منه، إلا بدعوى إنصراف الاطلاق اليهما، أو حمله عليهما ولو لاصالة الصحة كما هو ظاهر المسالك، إلا أنها يمكن منعها. نعم لو قصد القرض والبضاعة منه لم يكن ثم إشكال، بل لا إشكال في جريان القراض الفاسد عليه إذا قصد به، فإن التصرحى بالقراض ونحوه في العقد ليس بشرط، بعد صلاحية العقد له. ولو اختلفا في العقد المبطل ففي المسالك احتمل تقديم المالك، لانه اعرف به والعامل نظرا إلى ظاهر اللفظ، وترجيحا للصحة، ولو اختلفا في ضميمة اللفظ قدم قول مدعي ما يصح معه العقدن لاصالة الصحة وعدم الضميمة. قلت: لا يخفى عليك عدم اتيان الوجهين بعد تسليم كون ظاهر اللفظ ذلك، ضرورة عدم وجه لمن يدعى خلاف الظاهر بلا قرينة، وإلا لزم من ذلك فساد كثير، كما أنه لا يخفى عليك عدم كون الثاني من مقام مدعي الصحة والفساد، ضرورة عدم اتفاقهما على حصول المعاملة المخصوصة بينهما، واختلافهما في الصحة والفساد، كي يقدم مدعيها على مدعيه، وإنما اختلافهما في ان الواقع بينهما قراض فاسد، أو بضاعة صحيحة، نحو الاختلاف في أن الواقع بينهما بيع فاسد أو إجارة صحيحة، ولعل الوجه في مثله التحالف، فلم يثبت العقد الصحيح حينئذ لمدعيه، ويبقى على الاصل الذى قد عرفت اتحاده في الحكم مع القراض الفاسد، لقاعدة احترام عمل المسلم، وتبعيه النماء. أللهم إلا أن يقال: إن اصالة الصحة ايضا تجري في نحو الفرض، باعتبار إتفاقهما على كون الواقع بينهما أحدهما، والفاسد منهما ينفي بالاصل، فليس حينئذ إلا الصحيح، أو يقال: إن محل الفرض في عبارة المسالك الاختلاف في ضميمة اللفظ المقتضي للفساد وعدمها، ولا ريب في موافقة الثاني للاصل.

[ 367 ]

نعم قد عرفت الاشكال في الصحة مع عدم اللفظ، اللهم إلا أن يدعى انسياق ذلك من نحو اللفظ عرفا، وهو كما ترى خصوصا بعد ما عرفت من اقتضاء الاصول مع الشك، نتيجة القراض الفاسد والله العالم. (ولو شرط أحدهما شيئا معينا والباقي بينهما فسد) لا (لعدم الوثوق بحصول الزيادة فلا تتحقق الشركة) بل لعدم ثبوت ما يد لعلى الصحة في الفرض، ضرورة اقتصار النص والفتوى على صحة المشتمل على اشتراك جميع الربح بينهما على جهة الاشاعة بنحو النصف والثلث والربع، وما يؤدى مؤداها، ومنهما ينقدح الشك في تناول الاطلاقات له، هذا مع قطع النظر عن ظهور النصوص في البطلان، ولو لظهورها في اعتبار الشركة الاشاعية في جميع الربح، فضلا عن صريح الفتاوى، فحينئذ يبطل القراض وإن وثق بالزيادة، لعدم اشتراك جميع الربح بينهما حينئذ، بعد اختصاص أحدهما بشئ معين منه، كما هو واضح. (ولو قال خذه على النصف صح) لتبادر كون المراد من مثل هذه العبارة أن الربح بينهما نصفين، لا لان المالك لا يفتقر إلى تعيين حصة للتبعية، وإنما يفتقر إليها العامل الذى قد ذكر أن النصف له، فإنه المحتاج إلى الاشتراك، لما نظر فيه في المسالك بأنه كما يحتمل ذلك، يحتمل أن يكون النصف المذكور للمالك، والاخر لم يذكره اتكالا على التبعية، فيبطل العقد، وحينئذ إفتقاره إلى تعيين حصة العامل لا يقتضي كون اللفظ المشترك محمولا عليه، وان كان ذلك لا يخلو من نظر، خصوصا بعد ما سلف منه من امكان تشخصيص اصالة الصحة نحو ذلك الا أنه يسهل الخطب ما عرفته من تبادر المعنى المزبور من غير اختصاص لاحدهما (وكذا لو قال:) خذه (على أن الربح بيننا) للتبادر المذكور، ومن هنا لو اتفقا على ذكر ذلك (و) اختلفا بالتفاوت (يقضى بالربح بينهما نصفين) كما في كل مقام ذكر فيه لفظ الاشتراك أو ما يؤدى مؤداه في الاقرار وغيره، فإنه يفهم عرفا منه مع الاطلاق التساوى، فما عن بعض الشافعية من الحكم بالبطلان لمنع التبادر المزبور فيتجهل العقد واضح الفساد والله العالم.

[ 368 ]

(ولو قال:) خذه (على أن لك النصف صح و) أما (لو قال: على أن لي النصف واقتصر، لم يصح لانه لم يعين للعامل حصة) وقد قيل: في وجه الفرق إن الربح لما كان تابعا للمال، والاصل كونه للمالك، لم يفتقر إلى تعيين حصته، فإن عينها كان تأكيدا، وأما تعيين حصة العامل فلا بد منه، لعدم استحقاقها بدونه، فإذا قال: النصف لك كان تعيينا لحصه العامل، وبقي الباقي على حكم الاصل، بخلاف العكس فإنه لم يقتض ذلك كون النصف الاخر لغيرهن بل هو باق على الاصل ايضا، فيبطل العقد. قلت: قد يمنع ذلك بدعوى انسياق إرادة كون الربح بينهما نصفين من نحو هذه العبارة عرفا، من غير فرق بين ذكر النصف للمالك أو للعامل، فإن المراد النصف الاخر للاخر، كما هو واضح. (ولو شرط لغلامه) أو غلام العامل (حصة معهما صح، عمل الغلام أو لم يعمل) بناء على أن العبد لا يملك شيئا، فاشتراطها حينئذ له اشتراط لسيده والفرض أنه أحدهما، ويجوز تساويهما في الحصة وتفاوتهما. نعم بناء على ملكه يتجه فيه ما سمعته من الاشتراط للاجنبي، لكن قد يناقش بعدم دلالة الاشتراط للعبد على إرادة الاشتراط للسيد، وعدم قابلية العبد للملك لا يصلح قرينة لذلك، على أنه يمكن فرض العلم بعدم إرادة ذلك، والمتجه حينئذ فيه البطلان، إلا أن الانصاف إمكان دعوى انسياق إرادة المالك عرفا على نحو الاشتراط للدابة أو السفينة. (و) أما (لو شرط لاجنبي و) لو كان خادما لاحدهما فالمشهور أنه إن (كان عاملا صح) الشرط لانه حينئذ يكون بمنزلة العامل المتعدد (وان لم يكن عاملا فسد) لان الثابت من القراض ما كان تمام الربح فيه مشتركا بين المالك والعامل، هذا. ولكن في المسالك " لا بد من ضبط العمل بما يرفع الجهالة وكونه من أعمال التجارة لئلا يتجاوز مقتضاها، وإنما وصفه بالاجنبي مع كونه عاملا، لان المراد بالعامل هنا من يكون إليه التصرف في جميع ما يقتضيه العقد،

[ 369 ]

وهذا المشروط له، ليس كذلك، وإنما اشترط عليه عمل مخصوص با، يحمل لهم المتاع إلى السوق، أو أن يدلل عليه، ونحوه من الاعمال الجزئية المضبوطة، فلو جعل عاملا في جميع الاعمال، كان العامل الذى هو أحد اركان العقد متعددا، وهو غير محل الفرض، وبهذا يندفع ما قيل من أن شرط العمل ينافي كونه أجنبيا ". قلت: قد يقال: إن ظاهر النصوص أو المتيقن منها كون الربح في القراض بين المقارض، والمقارض، والعامل المذكور إن فرض كونه مقارضا صار من تعدد العامل، وهو غير ما نحن فيه، ولذا اعتبر فيه تعيين العمل الذى لا يعتبر مع فرض كونه مقارضا، وإلا كان أجنبيا لا يجوز الشرط له وإن عمل بعض مقدمات التجارة، فإن ذلك لا يجعله عاملا، بمعنى كونه مضاربا، وإلا لجاز الشرط مع العمل لغير التجارة، بل ومع عدم العمل اصلا، ضروره اشتراك الجميع في المصحح، بناء على أنه الاشتراط المزبور. ومن ذلك يعلم ما في قول المصنف (وفيه وجه آخر) بناء على أنه ما حكاه في المسالك من صحة الشرط له وإن لم يعمل، لعموم (1) " المؤمنون " (2) " وأوفوا " أو أن المشروط يكون للمالك حيث لم يعمل، رجوعا إلى اصله، لئلا يخالف مقتضى العقد. ولاقدام العامل على أن له ما عين له خاصة، إذ قد عرفت أن ظاهر النصوص أو الثابت فيها ما سمعت على وجه لا يعارضه العموم المزبور، بناء على شموله لمثل المقام. والله العالم. (ولو قال) خذه قراضا و (لك نصف ربحه صح) بلا خلاف ولا إشكال وإنما ذكره مقدمة لقوله (وكذا لو قال: لك ربح نصفه) بناء على إرادة نصف ما يربح من المال قل أو كثر، إذ هو حينئذ كالاول في المراد، وإن تغيرت العبارة وذلك لان الفرض إشاعة النصف، فكل جزء من المال إذا ربح فنصف ربحه للعامل، ونصفه للمالك، ولو فرض كون الربح للنصف خاصة، كان ذلك هو رأس المال، والذى


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -. (2) سورة المائدة الاية - 1 -.

[ 370 ]

لم يربح لا اعتداد به، وكل جزء من النصف الذى ربح بين المالك والعامل، لما عرفت من الاشاعة المزبورة، وبذلك ظهر لك أن ما عن أحد قولي الشيخ من البطلان واضح الضعف، بناء على إرادته ما فرضناه، وظني أنه لا يريده، خصوصا بعد تعليله البطلان بمنافاته لمقتضى القراض، من أن ربح كل جزء بينهما، وهنا قد شرط ربح النصف الواحد للمالك لا يشاركه فيه العامل، والاخر بالعكس، وربما ربح نصفه فيختص به أحدهما، أو ربح أكثر من النصف، فلا تكون الحصة معلومة، ضرورة ظهوره في فرض موضوع البطلان، أن حصة كل منهما في النصف من حيث النصفية ولا ريب في البطلان مع هذا القصد، وربما كان ذلك هو المنساق في بادي النظر من مثل اللفظ المزبور، إلا أن التأمل الصادق يقضي بإرادة ما ذكرناه أولا فتأمل. والله العالم. (ولو قال لاثنين) مثلا: ضاربتكما بهذا المال مثلا و (لكما نصف الربح) مثلا (صح) لاطلاق الادلة والسيرة، ولفظ العامل في النصوص يراد منه الجنس الشامل لما زاد على الواحد، أو المثالن كالمالك فإنه لا يعتبر فيه الاتحاد ايضا، فيجوز مضاربة الاثنين لواحد مثلا، كما أنه يجوز في الصورتين تمييز كل من مالي العاملين، وعدمه، وبذلك ظهر لك الحكم في جميع الصور المتصورة في المقام، كما أنه ظهر لك مما تقدم سابقا أنه لو وقع عقد المضاربة مع العاملين على النحو الذى فرضناه صح (وكانا فيه) أي النصف (سواء) لما عرفته من اقتضاء الاطلاق ذلك (و) لو للتبادر. نعم (لو فضل أحدهما صح ايضا) عندنا (وإن كان عملهما) فيه (سواء) ومختلفا، لان غايته اشتراط حصة قليلة لصاحب العمل الكثير، والحصة على الشرط مع ضبط مقدارها، ولان عقد الواحد من الاثنين، كعقدين، فيصح كما لو قارض أحدهما في نصف المال، بنصف الربح، والاخر في نصفه الاخر بثلث الربح، فإنه جائز إتفاقا، كما في المسالك خلافا لبعض العامة، حيث اشترط التسوية بينهما في الربح مع استوائهما في العمل، قياسا على اقتضاء شركة الابدان ذلك،

[ 371 ]

والاصل والفرع عندنا باطلان، كبطلان ما يحكى عن الجويني منهم، من اعتبار الاستقلال لكل من العاملين في صحة مضاربتهما، فلا يجوز اشتراط مراجعة أحدهما الاخر، إذ هو كما ترى، لا مستند له، بل إطلاق الادلة على خلافه. إنما الكلام في جملة من الفروع المتعلقة بالمسألتين التي لم نعثر على محرر لها منها ما لو اتفق فسخ المضاربة بفاسخ قهري أو اختياري، وكان أحدهما قد عمل وربح والاخر بعد لم يعمل، فهل يستحق حصته من الربح وإن لم يكن له مال ولا عمل. ومنها فيما لو قارض الاثنان واحدا بعقد واحد، وحصة مشاعة منهما، إلا أن مال كل منهما متميز، فعمل بأحدهما وربح، ولم يعمل بالاخر، أو عمل ولم يربح، واتفق انفساخ المضاربة، فهل يستحق من لم يربح ماله بربح مال الاخر، وهل تجبر خسارة مال أحدهما بربح مال الاخر باعتبار إتجاد عقد المضاربة أولا، بل هي بمنزلة مضاربتين يلحق كلا منها حكمها بالنسبة إلى ذلك، من غير مدخلية للاخرى فيها، وإنما الاتحاد يؤثر بالنسبة إلى سراية الفسخ أو الانفساخ من أحدهما إلى الاخر، لكون العقد واحدا فلا يتبعض، والذى يقوى في هذا، الثاني، كما أن الذى يقوى في سابقه الاول، لانه مقتضى عقد المضاربة، إلى غير ذلك من الفروع في المقام التي تلحق الصور المتصورة فيه باعتبار تعدد المالك والعامل، واتحاد المال وتعدده، ومنشأ الاشكال في الجميع اتحاد صيغة المضاربة والله العالم. (ولو اختلفا في نصيب العامل فالقول قول المالك مع يمينه) عند علمائنا كما في التذكرة، لانه منكر للزايد، ولان الاصل تبعية النماء للمال، فلا يخرج عنه إلا ما اقر المالك بخروجه عنه، من غير فرق في ذلك بين ظهور الربح وعدمه لكن في جامع المقاصد " هذا واضح إن كان الاختلاف قبل حصول الربح، لان المالك متمكن من منع الربح كله بفسخ العقد، وأما بعد حصوله فإن كلا منهما مدع ومدعى عليه، فإن المالك يدعي استحقاق العمل الصادر بالصحة الدنيا، والعامل ينكر ذلك " وضعفه في المسالك بأن نفس العمل لا تتناوله الدعوى، لانه بعد

[ 372 ]

انقضائه لا معنى لدعوى المالك استحقاقه، وكذا قبله، لان العقد الجائز لا يستحق به العمل، وإنما المستحق المال الذى أصله للمالك، وحقيقه النزاع فيه، فيجئ فيه ما تقدم من الاصول. قلت: أولا: قد يتصور النزاع قبل ظهور الربح فيما لو اتفق لزوم المضاربة ولو بالاشتراط في عقد لازم، وحينئذ يتجه دعوى المالك. وثانيا: أنه لا ريب في أن كلا منهما مدع ومنكر إذا كان نزاعهما في تشخيص ما وقع عليه عقد المضاربة، ضرورة إقتضاء الاصل عدم كل من الشخصين نعم بعد تعارض الاصول في ذلك يرجع إلى اصل آخر، ولا ريب في كونه مع المالك، لان الاصل عدم استحقاق العامل الزايد، نحو ما ذكروه في الاختلاف في الاجرة في عد الاجارة، والثمن في البيع مع عين تلف المبيع، وغير ذلك من المقامات التي حكموا فيها بأن القول قول المالك، بل ظهر لك حينئذ أولوية ذلك في حال ظهور الربح. وأما حال عدمه وفرض لزوم العقد، فإنه وإن كان قد يقال: إن المالك حينئذ مدع استحقاق العمل، لكن قد يدفع بأنهما قد اتفقا على استحقاقه، وإنما النزاع في الحصة كالاجرة ولا ريب في أن مدعي زيادتها هو المدعي، بعد قطع النظر عن النزاع في تشخيص العقد المتضمن لها والله العالم. (ولو دفع قراضا في مرض الموت، وشرط ربحا صح، وملك العامل الحصة) وإن كانت أزيد من أجرة المثل، وقلنا بأن التبرعات من الثلث، لكن من المعلوم أن ذلك فيما إذا فات سببها على الوارث، بخلاف المقام الذى لا فوات، فإن الربح أمر معدوم متوقع الحصول، وليس مالا للمريض، بل هو على تقدير حصوله أمر جديد حصل بسعي العامل، وحدث على ملكه بعد العقد، فلم يكن للوارث فيه اعتراض، وبذلك افترق عن مثل نماء الدابة والشجرة. (ولو قال العامل: ربحت كذا ورجع، لم يقبل رجوعه، وكذا لو ادعى الغلط) لسبق إقراره الماضي عليه، لقاعدة " اقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وقاعدة " عدم سماع الانكار بعد الاقرار " السالمتين عن معارضة قاعدة " سماع الامين في كل

[ 373 ]

ما يدعيه " بعد عدم ثبوت هذا العموم فيها، وإنما الثابت المسلم منها ما لم يسبق باقرار، وعلى فرض العموم المزبور يمكن ترجيح قاعدة " الاقرار " عليها، فتخص بها حينئذ، بل قد يقال: إن ما نحن فيه من تقديم أحد قولي الامين على الاخر. وعلى كل حال فلا ريب في تقديم إقراره السابق، من غير فرق في ذلك بين ذكره وجهالته محتملا، وعدمه، خلافا لبعض العامة، بل ظاهر قول المصنف وغيره لم يقبل عدم سماع بينته على ذلك، لكونه مكذبا لها باقراره السابق، وعموم (1) " البينة على المدعي " إنما هو ظاهر في كون الدعوى مسموعة، لا ما إذا اسقطها الشارع بقاعدة " الاقرار " فيبقى حينئذ شهادة البينة نفسها، بلا دعوى، ولا ريب في تقديم قوله المخالف لها عليها، لعدم ثبوت حجيتها في هذا الحال، خصوصا بعد أن كان المشهود به حقا له، فلا ريب في تقديم قوله فيه، فتأمل. هذا كله إذا كان ذلك منه رجوعا أو دعوى غلط أو نحو ذلك. (أما لو قال: ثم خسرت، أو قال: ثم تلف الربح، قبل) لانه أمين يصدق بالنسبة إلى ذلك. نعم قيده في التذكرة فيما إذا كان دعوى الخسران في موضع يحتمل، بأن عرض في السوق كساد، وإلا لم يقبل، ولا بأس به. (والعامل يملك حصته من الربح بظهوره) ملكا متزلزلا (ولا يتوقف) ذلك (على وجوده ناضا) على المشهور بين الاصحاب، بل لا يكاد يتحقق مخالف فيه منا، كما في المسالك، بل لعله ظاهر التذكره أيضا، لاتفاق اقتضاء العقد والنص والفتوى على كون الربح بينهما، ولا ريب في تحققه بمجرد ظهوره لغة وعرفا. وخصوص الصحيح (2) " رجل دفع إلى رجل الف درهم مضاربة، فاشترى أباه وهو لا يعلم قال: يقوم فإن زاد درهما واحدا انعتق، واستسعى في مال الرجل " إذ لو لم يكن مالكا لحصته بالظهور لم ينعتق، فلا وجه حينئذ لذلك إلا دخول الحصة في الملك، ويسرى العتق في الباقي كما هو القاعدة فيه.


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى. (2) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 -.

[ 374 ]

ولان الربح مع ظهوره مملوك، فلابد له من مالك، ورب المال لا يملكه اتفا، ولا يثبت أحكام الملك في حقه، فيلزم أن يكون العامل، إذ لا مالك غيرهم اتفاقا. ولان العامل يملك المطالبة بالقسمة التي هي فرع الملك، إذ لا يكفي في استحقاقها مجرد العلقة، لانها حينئذ ليست قسمة حقيقة، وإطلاقهم يقتضى أنها حقيقة. لكن مع ذلك كله عن الفخر عن والده أن في المسأله أربعة أقوال، وإن كان لم يذكر القائل بها، أحدها: ما سمعت. الثاني: الملك بالانضاض، لانه قبله غير موجود خارجا، بل مقدر موهوم، والمملوك لابد أن يكون محقق الوجود، نعم الظهور موجب لاستحقاق الملك بعد التحقق، ولهذا يورث عنه، ويضمن حصته من أتلف المال وإن كان المالك. الثالث: الملك بالقسمة، لانه لو ملك قبلها لكان النقصان الحادث بعد ذلك شايعا في المال، كسائر الاموال المشتركة، والتالي باطل، لانحصاره في الربح، ولانه لو ملك لاختص بربحه، ولان القراض معاملة جائزة، والعمل فيها غير مضبوط، فلا يستحق العوض فيها إلا بتمامه كمال الجعالة. الرابع: أن القسمة كاشفة عن ملك العامل، لان القسمة ليست من الاسباب المملكة، والمقتضى للملك إنما هو العمل، وهي داله على تمام العمل الموجب للملك لكن في المسالك " عن التذكرة أنه لم يذكر في المسألة عن سائر الفقهاء من العامة والخاصة سوى القولين الاولين، وجعل الثاني للشافعي في أحد قوليه، ولاحمد في إحدى الروايتين، ووافقنا في الباقي على الاول، فلا يدري لمن ينتسب إليه هذه الاقوال، وهي مع ذلك ضعيفة المأخذ، فإنا لا نسلم أن الربح قبل الانضاض غير موجود، لان المال غير منحصر في النقد، فإذا ارتفعت قيمة العرض فراس المال منه ما قابل قيمة راس المال، والزائد ربح متحقق الوجود، ولو سلم أنه غير متحقق الوجود لا يقدح في كونه ملكا، فإن الدين مملوك، وهو غير موجود في الخارج،

[ 375 ]

بل هو في الذمة أمر كلي، هذا ما على الثاني. وعلى الثالث أنه لا ملازمة بين الملك وضمان الحادث على الشياع، إذ يجوز أن يكون مالكا، ويكون ما يملكه وقاية لرأس المال، فيكون الملك متزلزلا، واستقراره مشروط بالسلامة، وكذا لا منافاة بين ملك الحصة، وعدم ملك ربحها، بسبب تزلزل الملك، ولانه لو اختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له، ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه، ولان القسمة ليست من العمل في شئ، فلا معنى لجعلها تمام السبب في الملك، فلا وجه للالحاق بالجعالة، كما نبه عليه في الوجه الرابع، ومن ضعف ما سبق يستفاد ضعف الرابع، لانه مرتب عليها. وقد تبع بذلك كله أو أكثره ما في التذكرة وجامع المقاصد، إلا أن الانصاف عدم خلو المسألة من إشكال إن لم يكن اجماعا، وذلك لان الربح حقيقة ما زاد على عين الاصل الذى هو رأس المال، وقيمة الشئ أمر وهمي لا وجود له ذمة، ولا خارجا وإنما هو من فروض الذهن، وبذلك افترقت عن الدين الذي هو وإن كان كليا، إلا أنه مال " شرعا وعرفا موجود في الذمة، بخلاف قيمة الشئ، وعدم انحصار المال في النقد، بل هو والعرض مال، لا يقتضى تحقق الربح حقيقة، بعد ما عرفت أنه حقيقة الزايد على عين رأس المال المتوقف على تحقق رأس المال في الخارج، ولا يكفي فيه كون الشئ يسوى مقدار رأس المال، ضرورة عدم صيرورته بذلك عين رأس المال. نعم قد يطلق على مثل ذلك أنه ربح تسامحا بناء على اصل السلامة، وإمكان الانضاض في ساير الاوقات، ونحو ذلك مما يخرجه من القوة إلى الفعل، وحيث كانت قريبة إليه اطلق عليه اسم الربح، وبذلك يظهر لك سقوط جملة من الادلة السابقة المبنية على كون ذلك ربحا حقيقة، وطلب القسمة حقيقة انما يتم بعد الفسخ مع رضى المالك بالعروض عوضا عن راس ماله، وهو خروج عما نحن فيه. نعم لا باس أن يقال: انه بالظهور ملك العامل أن يملك، بمعنى أن له الانضاض ولو قدر راس المال، فيتحقق الربح حينئذ ويتبعه تحقق الملك، وبه يورث

[ 376 ]

ويضمن التالف له، وغير ذلك، فإن اراد الاصحاب بالملك حال الظهور هذا المعنى الذي لا ينافيه قواعد الشركة، ولا قاعدة تبعيه النماء، ولا غير ذلك، كان متجها والا فقد عرفت ما فيه ان لم يكن اجماعا، بل لعل الوجه في خبر عتق الاب ذلك أيضا، بناء على الاكتفاء بمثل ذلك في العتق المبني على السراية، فإن ملك أن يملك جزء من الاب أيضا موجب كالملك نفسه، فتأمل جيدا. فإن المسألة محتاجة إلى تأمل وحسن انتقاد. وكيف كان فقد صرح غير واحد من الاصحاب القائلين بالملك بالظهور أن المراد به ملك متزلزل، بل لعله اجماع بينهم، وحينئذ فالكلام فيما يستقر به وفي المسالك " هو أما انضاض جميع المال، أو انضاض قدر راس المال مع الفسخ أو القسمة أو لا معها، على قول قوي، وبدونه يجبر ما يقع في التجاره من تلف أو خسران، سواء كان الربح والخسران في مرة واحدة أو مرتين، أو في صفقة أو اثنتين وفي سفرة أم سفرات، لان معنى الربح هو الفاضل عن راس المال في زمن ذلك العقد فإذا لم يفضل شئ فلا ربح، وهو محل وفاق، وسيأتى بعض أحكام ذلك " وفي القواعد " وانما يستقر بالقسمة أو الانضاض والفسخ قبل القسمة ". وتفصيل الحال أن في المسألة صورا، وذلك لانه اما ينضم إلى الظهور انضاض جميع المال، أو قدر راس المال مع الفسخ والقسمة، أو أحدهما، أو بدونهما، أو ينضم إليه القسمة دون الانضاض، ثم القيمة اما للربح فقط، أو لجميع المال. الاولى: أن ينضم إلى الظهور الانضاض لجميع المال أو قدر راس المال فقط مع الفسخ والقسمة، ولا ريب في الاستقرار حينئذ، ضرورة انتهاء العقد بجميع توابعه مع تراضيهما بذلك. الثانية: الصورة بحالها لكن مع عدم القسمة، وفيه وجهان اصحهما في جامع المقاصد ومقربهما في التذكرة ومختارهما في ظاهر القواعد الاستقرار، لان العقد قد ارتفع، وراس المال حاصل ناض، فيخرج عن كونه وقاية، لارتفاع حكم القراض بارتفاع العقد، ولوجوب صرف الربح إلى ما شرطاه حيث ارتفع العقد.

[ 377 ]

والثاني العدم، للاستصحاب ولظاهر قوله (1) " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " ولعله لذلك تردد الفاضل في محكي التحرير، لكن قد يجاب عنهما بحصول التأمل عن الاول بارتفاع العقد المقتضى لخروج المال عن كونه مال قراض، فيبقى أمانة، لان اليد في الاصل لم تكن يد ضمان، فينتفي حكم جبرانه من الربح، لانه دائر مع كونه قراضا، وبأن وضع اليد على مال الغير وإن كان في العهدة إلى الاداء إلا أنه لا يلزمه خسران التالف بغير تقصير من الربح في صورة النزاع، وإلا لانتقض بما بعد القسمة قبل القبض. وفيه منع ارتفاع صدق اسم مال القراض عليه وإن ارتفع بالفسخ صدق كون العامل مقارضا، والادلة مطلقة في أن الوضيعة في مال المضاربة على الربح الذى هو بينهما مع عدمها، فالمتجه حينئذ بقاء حكم المضاربة على مالها، خصوصا مع فرض عدم إنضاض بعض مالها، وقلنا بأن للمالك مطالبة العامل بذلك، إذ هو ليس إلا لبقاء حكم العقد السابق وإن انفسخ، وربما يرشد إلى ذلك ما تسمعه في الصورة الثالثة، بل قد يقال: إن تسليم رأس المال إلى المالك الذى أخذه منه من تتمة انتهاء عمل المضاربة، والا لزم عدم كون الخسران من الربح فيما لو نض المال أجمع في بلد عمل العامل التي سافر إليها وفسخ هو عقد المضاربة، ثم تلف بعض المال قبل الوصول إلى المالك، والتزامه مناف لظاهر الادلة، إلى غير ذلك مما لا يخفى بادنى تأمل، كزيادة قيم عروض المضاربة قبل القسمة وقبل الوصول، فإن الظاهر استحقاق العامل فيها على شرطه في عقد المضاربة، وغير ذلك مما يعرف منه قوة الوجه الثاني. الثالثة: أن يقع الفسخ، والمال عروض كله أو بعضه بحيث لم ينض رأس المال، فإن حصلت القسمة مع ذلك حصل الاستقرار، لانقطاع حكم القراض، وإلا بني على أن العامل هل يجبر على البيع والانضاض، فان قلنا به فحكم القراض باق، لبقاء العمل، وإن قلنا بالعدم فوجهان كالوجهين السابقين في الصورة الثانية. الرابعة أن تكون القسمة للربح خاصة، ولا ريب في عدم مدخليته في الاستقرار


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

[ 378 ]

بل إن حصل شئ من الامور المذكورة يقتضى الاستقرار، فثبوته به، وإلا فلا. وبذلك كله ظهر لك ما في عبارة القواعد من الحكم بالاستقرار بالقسمة في مقابل الانضاض المقتضى للاستقرار بها وإن كان المال عروضا كله أو بعضه، فإن فيه عدم ايجابها الاستقرار بمجردها من دون فسخ القراض، إذ لا معنى لها حينئذ إلا قسمة الربح، لان راس المال لا شركة فيه إلا باعتباره وقسمة الربح وحدها لا تخرجه عن كونه وقاية، إذ المدار فيه على ارتفاع القراض وانتهاء عمله، وكذا قوله أو الانضاض والفسخ يقتضى ظاهرا اعتبار انضاض جميع المال، وقد عرفت أنه يكفي انضاض قدر رأس المالن كما أنه يقتضى عدم الاستقرار إذا حصل الفسخ والمال عروض، لكنه صحيح على مختاره من وجوب الانضاض على العامل. وأما عبارة المسالك فلا ريب في فسادها على ما حضرني من نسختها من عطف القسمة باو، لكنها غير نقية من الغلط، والمتجه كونها بالواو، وحينئذ يأتي فيما اختاره البحث السابق الذي ذكرناه في الصورة الثانية. وأما الصورة الثالثة فليست مذكورة في كلامه، وظاهره عدم الاستقرار فيها، وقد عرفت الحال، كما أنكم عرفت الاشارة إلى صورة الفسخ مع القسمة قبل القبض والمتجه حصول القرار فيها، بل ويتجه القرار ايضا باتلاف المالك مال المضاربة الذي ظهر فيه الربح، لتمحض حق العامل حينئذ في ذمة المالك، وانفساخ المضاربة حينئذ كما لو استرد المال منه، بخلاف ما لو أتلفه أجنبي، فإن الظاهر بقاء المضاربة فيما اشتغلت به ذمة الاجنبي، كما صرح به الفاضل في التذكرة والله العالم. الامر (الرابع في اللواحق: وفيه مسائل) (الاولى) لا خلاف ولا اشكال في ان (العامل أمين) بل هو إجماعي: ف‍ (لا يضمن) حينئذ (ما يتلف إلا عن تفريط أو خيانة) ولو للتعدي فيه بأن فعل فيه ما لم ياذن له شرعا فيه، ولعل منه السفر بلا إذن من المالك، وشراء شئ

[ 379 ]

نهاه المالك عنه، ونحو ذلك مما عرفت ضمان العامل فيه، وإن بقيت المضاربة، بل ظاهر الادلة كونه ضامنا للوضيعة التي تكون في ذلك، بل صريح بعضهم أو ظاهره ضمانه بالثمن الذى يكون للشئ في البلد التي سافر عنها، بل قد يقال: أو يقوى ضمانه الوضيعة المتجددة بعد التعدي. وبالسفر مثلا، وإن تساوى السعر في البلدين على وجه لو بقي في البلد التي سافر عنها لحصلت تلك الوضيعة ايضا، لاطلاق كونها على العامل مع مخالفته. نعم لو فرض كون الوضيعة سابقا على سفره فتعدى وسافر وباع بما فيه تلك الوضيعة أمكن حينئذ عدم الضمان، فتأمل. وعلى كل حال فلا إشكال (و) لا خلاف في أن (قوله) أي العامل (مقبول في التلف) لانه أمين وذويد على المال باذن المال، من غير فرق عندنا بين دعواه التلف بأمر ظاهر يمكن إقامة البينة عليه أو خفي. (وهل يقبل في الرد ؟ فيه تردد) من كونه أمينا كالودعي، ولما فيه عدم قبول قوله من التكليف بما لا يطاق، لاحتمال صدقه، فتكليفه ثانيا بذلك من ذلك، أو التخليد بالسجن، وهو المحكي عن الشيخ، ومن أصالة عدم الرد، فيكون المالك منكرا (اظهره أنه لا يقبل) بعموم قوله عليه السلام (1) " البينة على المدعى " وقبول قوله في التلف مثلا لا يقتضى القبول في ذلك، وليس في الادلة ما يقتضى قبول قول الامين في جميع ما يدعيه على وجه يشمل ما نحن فيه، والقياس على المدعى غير جائز عندنا، خصوصا بعد الفرق بينهما بالقبض هنا لمصلحة المالك خاصه، بخلاف المقام الذى هو لمصلحتهما، والتكليف برد المثل أو القيمة يرفع التكليف بما لا يطاق، و التخليد بالسجن، إذ الكلام هنا في القبول وعدمه من حيث الغرامة وعدمها، لا من حيث خصوص العين وعدمها. فمن الغريب ما في جامع المقاصد والمسالك من أنه إذا لم يقبل قوله في الرد يلزمه تخليده في السجن لو اصر على انكاره المحتمل الصدق، وهم قد تحرجوا من ذلك في الغاصب حيث يدعى التلف، فضلا عن المقام الذى هو أمين، إلا أن يحمل على


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى.

[ 380 ]

مؤاخذته ومطالبته به، وإن ادت إلى الحبس، للاستظهار به إلى أن يحصل اليأس من ظهور العين، ثم يؤخذ منه البدل للحيلولة، إلا أ مثل هذا يأتي في دعوى التلف خصوصا من الغاصب، وليس في كلامهم تنقيح لهذا فينبغي النظر فيه. قلت: لا باس بالتزامه في المقام، والغاصب مع فرض ثبوت العين عنده، في ظاهر الشرع، إلا أن يرضى المالك بالبدل، ويكون ذلك من جملة التعزيرات الشرعية. لكن لا يخفى عليك أن ذلك كله خروج عما نحن فيه، وإن كان هو جيدا حيث تكون الدعوى في خصوص العين، فما اطنب فيه صاحب الحدائق من الانكار عليه قائلا أنى لا اعرف له وجها، إذ الدعاوي كلها من هذا القبيل في غير محله، ضرورة أنه ليس ذلك منهما في دعوى الغرامات ونحوها، وإنما هو في دعوى خصوص العين. نعم فيه ما ذكرناه من أن المراد هنا من القبول وعدمه بالنسبة إلى الغرامة، ولو فرض إرادة المالك خصوص العين، لاتجه حينئذ ما ذكراه فتأمل جيدا والله العالم. المسألة (الثانية: إذا اشترى) العامل " من ينعتق على رب المال، فإن كان بإذنه صح) الشراء (وينعتق) قهرا عليه لعمد ملك الولد العمودين (فإن فضل) شئ (من المال) الذى دفعه للقراض (عن ثمنه كان هو) أي الباقي (قراضا) لعدم انفساخ عقده، وإلا بطل القراض، لان مبنى عقد القراض على طلب الربح، فكل تصرف ينافيه يكون باطلا، ومن جملته شراء من ينعتق على المالك، لانه تخسير محض، فضلا عن عدم اشتماله على الغرض المقصود من العقد، فمع فرض اذن المالك فيه وشراء العامل له بعنوان هذه الاذن لم يكن ذلك من تصرف المضاربة، وانما هو من تصرف الوكالة الخارجة عنها، فتبطل حينئذ في ثمنها الذى هو بمنزلة استرداد المالك له، ويكون الباقي حينئذ راس المال ان كان، وإلا بطلت المضاربة من أصلها، هذا كله إذا لم يكن في العبد ربح حين الشراء. (و) أما (لو كان فيه) أي العبد المذكور (فضل) فالمحكي عن بعض أنه متى كان كذلك (ضمن رب المال حصة العامل من الزيادة) لتحقق الملك بالظهور، ولا يقدح فيه العتق القهري الصادر بإذن المالك الذى مرجعه إلى استرداد طائفة من

[ 381 ]

المال بعد ظهور الربح واتلافها، وان سرى على العامل أيضا بناء على السراية في مثله، إلا أنه يغرم المالك له نصيبه مع يساره، وإلا استسعى العبد فيه. (و) لكن مع ذلك كله (الوجه) عند المصنف وثاني الشهيدين وغيرهما (الاجرة) لا الحصة، لما عرفت من عدم كون ذلك من عمل المضاربة المعتبر فيه امكان تقليب المال للربح، وأما الاجرة فهي كما في المسالك على هذا العمل، وعلى ما تقدمه من الحركات والسفر وغيره من المقدمات من حين العقد إلى حين وقوع الشراء الذى هو مع اذن المالك في قوة فسخه فيثبت للعامل عليه الاجرة، كما إذا فسخ المالك قبل أن يشترى العامل، ولكن بعد أن سعى وسافر وعمل نحو ذلك، وأما العمل المزبور فهو وان لم يكن من مقتضيات العقد، لكنه عمل مأمور به من المالك من فاعل معد نفسه للعمل بالعوض فيجب أن يثبت له أجرة مثله، بل على فرض انحصار العمل من حين العقد فيه، ففيه الاجرة ان كان مثله مما يحتمل الاجرة، والا فلا وحكم المصنف رحمه الله وغيره بالاجرة لا يسع أزيد من ذلك، بل المراد ان كان العمل له أجرة، فإن الاحالة على أجرة المثل تقتضي أن للمثل أجرة قطعا، إلى أن قال وبهذا يحصل الفرق بين عمل هذا العامل، وعمل الوكيل الذى مبني عمله على التبرع والاجرة ليست من مقتضياته، بخلاف القراض فإنه مبني على طلب العوض على عمله، من حصة أو أجرة. قلت: هذا خلاصة ما في المسالك، بل وجامع المقاصد، بل وغيرهما، لكن لا يخفى عليك أولا ان لم يكن اجماع أنه لا مانع من جعل مثل هذا التصرف من مقتضى المضاربة، مع التصريح من المالك على جهة ضمان حصته من الربح، أو يسعى العبد فيها، أو صيرورة العبد مشتركا بينه وبين المالك، بناء على عدم السراية، لاطلاق الادلة بل لعل صحيح (1) شراء العامل أباه الموجب لسراية العتق ايضا على المالك مما يومئ إليه ايضا، وقد عرفت سابقا عدم دليل على اعتبار امكان التقليب في كل جزء من مال المضاربة نعم قد يقال: ان كل ذلك ونحوه لا يندرج في اطلاقها.


(1) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 -.

[ 382 ]

وثانيا: ان المتجه عدم الحصة والاجرة معا، بناء على عدم كونه من تصرف المضاربة، ضرورة صيرورته بالاذن في ذلك وكيلا محضا على ذلك إذا كانت هي المراد منها، وان ادى ثمنه من مال المضاربة الذى هو أحد أموال المالك، وما ذكره من الاجرة على المقدمات خروج عما نحن فيه، ضرورة كون الكلام في الاجرة على نفس العمل، كما أن دعواه الفرق المزبور بين العامل والوكيل كذلك ايضا، إذ هو في عمل العامل فيما عقد عليه من العمل، لا في عمل أجنبي خارج عن المضاربة على ما هو المفروض. نعم يبقى احتمال الاجرة باعتبار كونه عملا مأذونا فيه، ولم يظهر من العامل له التبرع، لتصريح بوكالة أو غيرها، وكان العمل مما له أجرة من غير فرق في ذلك، بين عامل المضاربة أو غيره، كما أنه لا فرق في المقام بين ظهور الربح وعدمه بناء على ذلك فجعل الاجرة من المصنف وغيره فيما لو يظهر الربح في غير محله، بناء على ان ذلك ليس من عمل المضاربة كما هو واضح. وثالثا: أن ما ذكره من أن ذلك من المالك في قوة فسخ المضاربة في ثمن العبد، قد يناقش فيه، بأنه يقتضى انفساخ العقد أجمع، لعدم تبعض العقد بالنسبة إلى ذلك، لا أن المضاربة باقية فيما بقي، إذ ليس هو كتلف بعض راس المال، إذ ليس ذلك فسخا للعقد، بل خروج عن قابلية جريان اثر العقد فيه، فالاولى حينئذ جعل المقام منه لا من فسخ المالك في بعض مال المضاربة باسترداد ونحوه، والامر سهل. والله العالم. هذا كله إذا كان الشراء من العامل باذن المالك (وإن كان بغير إذنه وكان الشراء بعين المال بطل) أي كان موقوفا على الاجازة فيصح الشراء حينئذ ويقع العتق، وإن لم يكن من المضاربة، بناء على عدم اندراج مثلها في تصرفها مع التصريح بالاذن، فضلا عن الاطلاق، واحتمال البطلان وعدم تأثير الاجازة في مثل هذا التصرف للنهي عنه كما ترى، ضروره عدم نهي عنه (لذاته ؟) أو لبعض اركانه كي يترتب عليه الفساد، وإنما هو لعدم ترتب حكم المضاربة عليه، وذلك لا ينافي الفضولية، خصوصا إذا كان قد اوقعه بعنوانها كما هو واضح. وعلى كل حال فظاهر المصنف عدم الفرق في ذلك، وفيما يأتي من الشراء بالذمة

[ 383 ]

بين العلم بالنسب وحكم الشراء المذكور، والجهل بهما، أو بأحدهما لما عرفت من عدم دخول هذا التصرف في المضاربة حتى مع التصريح بالاذن، والتباس الامر ظاهرا لا يقتضى الاذن، لكن احتمل بعضهم الفرق أو مال إليه، فحكم مع الجهل بصحة البيع، والانعتاق على المالك قهرا، ولا ضمان على العامل، لان العقد المذكور إنما يقتضي شراء ما ذكر بحسب الظاهر، لا في نفس الامر لاستحالة توجه الخطاب إلى الغافل، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، كما لو اشترى معيبا لم يعلم بعيبه فتلف بذلك العيب. والفرق بين المعيب وما نحن فيه، بجواز شراء المعيب اختيارا دونه، لا يدخل فيما نحن فيه لان الكلام في حالة لا ربح فيها بفرض اتيان العيب على النفس، والحال أنه اهل به، وافتراقه عنه في حالة اخرى لا دخل له في المطلوب، وبالجملة حكمهم بصحة العقد التي يظن فيها الربح وإن ظهرت على خلاف ذلك، بل على ضده يقتضى كون الحكم هنا كذلك. ومن هنا استشكل في المقام ثاني الشهيدين بل قال: " ويقوى الاشكال في جاهل أحدهما خصوصا جاهل الحكم لانه غير معذور، لقدرته على التحفظ، فإن العلم مقدور لنا، أما جاهل النسب فمعذور بما تقدم، كما أنه في جامع المقاصد مال إلى بطلان البيع في المقام، وفي غيره من شراء المعيب نحوه، قال: " فإن قيل: فلو كان شراء المعيب باعتبار العيب خاليا من الغبطة، وإنما ظنها العامل بظن السلامة و كذا كل موضع ظن الغبطة فظهر خلافها، قلت: لا أعلم الان تصريحا في حكم ذلك، والمتجه عدم صحة البيع، فيأتى الاحكام السابقة ". قلت: قد يفرق بين المقام والمعيب ونحوه بأن مبنى المضاربة على الاجتهاد بالنسبة إلى العيب وعدمه، والرغبة فيها وعدمها، ونحو ذلك مما يكون في مالية الشئ، فالخطأ والصواب فيه حينئذ كله من توابع المضاربة، ضرورة جريانها على المتعارف في أعمال التجار التي لا ريب في اتفاق ذلك ؟ فيها.، بخلاف المقام الذي لم يكن حاضرا في الذهن، ولا هو من متعارف التجارة، فمع فرض عدم كون شرائه

[ 384 ]

من تصرف المضاربة، ولا إذن فيه صريحا لم يكن الجهل به أو بحكمه موجبا للاذن من المالك، ضرورة عدم كون عنوان الاذن في المضاربة المجهول حاله على وجه يشمل المقام، فلا يبعد كون العلم طريقا في المفروض، بخلاف المعيب ونحوه، فإنه من عنوان المأذون فيه. ومن الغريب ما سمعته من جامع المقاصد من دعوى فساد البيع فيه، نحو المقام الذي ربما ظهر من ثاني الشهيدين الاجماع على خلافه، حيث نسب الصحة فيه إلى حكمهم، وان كان قد عرفت أن اندراج ما نحن فيه فيه على وجه يترتب عليه صحة البيع والانعتاق وان قلنا أنه ليس من تصرف المضاربة محل منع، فالمتجه حينئذ الفرق بين المقامين، كما هو ظاهر المصنف والفاضل حيث اطلقا الحكم بالبطلان من غير فرق بين حالى العلم والجهل. وكيف كان هذا كله إذا وقع الشراء بالعين (و) أما (ان كان في الذمة) التى قد عرفت عدم اندراجه في اطلاق المضاربة في غير المقام، فضلا عنه، فحينئذ متى كان كذلك (وقع الشراء للعامل) ظاهرا وباطنا (إلا أن يذكر رب المال) لفظا، فيكون فضولا أو نية فكذلك، وان الزم به ظاهرا إلا أنه في الواقع موقوف على اجازة المالك، فمع فرض عدمها كان له بيعه وان كان أباه مقاصة كما هو واضح. وكذا الكلام فيما لو اشترى من نذر المالك عتقه، بمعنى صيرورته حرا بدخوله في ملكه، من غير فرق في جميع ما ذكرناه، وان اطلق في القواعد هنا صحة الشراء والعتق على المالك، لكن التحقيق عدم الفرق في المسألتين والله العالم. المسألة (الثالثة: لو كان المال لامرأة فاشترى) العامل (زوجها فإن كان بإذنها بطل النكاح) لعدم اجتماعه مع الملك كما حققناه في محله (وان كان بغير اذنها قيل: يصح الشراء) ولم نعرف قائله، لكونه من موضوع العمل المأذون فيه إذ لا تلف فيه لرأس المال مع امكان طلب الربح فيه، فهو حينئذ كشراء غير الزوج. (وقيل: يبطل الشراء، لان عليها في ذلك ضررا) بانفساخ النكاح المفوت للمهر في بعض الاحوال، وللنفقة وللاستمتاع ونحو ذلك، فيكون تقييدا لاطلاق

[ 385 ]

الاذن (وهو اشبه) عند المصنف، بل وعند ثاني المحققين والشهيدين ايضا، بناء على اراده الوقوف على الاجازة، من البطلان، لا هو مطلقا حتى معها وان كان هو محتملا، بل حكي قولا إلا أنه كما ترى، مع أنا لم نعرف قائله، وان حكي عن ظاهر مبسوط الشيخ، لكن الحكم عليه واضح. كوضوحه بناء على الوقوف على الاجازة، وقد ابطلته، بل وان أجازته ضرورة بطلان النكاح، وعدم ضمان ما فاتها من المهر والنفقة، لاستناده إلى اختيارها. أما على القول بالصحة ففى المسالك الجزم بضمان ما فات بسببه مع علمه بالزوجية لان التفويت جاء من قبله، قال: " لكن ضمانه للمهر ظاهر، أما النفقة فمشكل، لانها غير مقدرة بالنسبة إلى الزمان، ولا موثوق باجتماع شرايطها، بل ليست حاصله، لان من جملتها التمكين في الزمان المستقبل، وهو غير واقع الان، الا أن يقال: بأنه يضمنها على التدريج، وهو بعيد، والظاهر اختصاص ضمانه بالمهر على هذا القول وهو الذى ذكره جماعة ". ونحوه في جامع المقاصد قال: " لا ضمان على العامل لو أجازت الملكة البيع لما يفوت من المهر والنفقة، لان ذلك باختيارها، أما على الثالث أي الصحة فيضمن إذا كان عالمان لان التفويت جاء من قبله ". قلت: هو من الغرائب أن اراد ضمان النفقة، ضروره عدم كونها مالا لها قد فوته عليها، كما هو واضح. والا لضمنها القاتل للزوج، وأما المهر فهو وان ارسل ضمانه في كلامهما ارسال المسلمات كالفاضل في القواعد بل قد سمعت ما في المسالك من كون الحكم بضمانه ظاهرا، لكن قد يناقش أولا: بحصول الاذن منها على فرض الصحة، ولو في ضمن الاطلاق، والا لم يكن للحكم بها وجه، وهي ترفع الضمان عن العامل، كما لو وقعت صريحة، ضروره عدم الفرق بين استفادتهما من صريح اللفظ أو اطلاقه. وثانيا بمنع فوات المهر عليها مع فرض عدم الفسخ من قبلها، لكونه مستحقا لها بالعقد، ولعل مرادهما ضمانه المهر لسيد العبد الذى هو الزوج، وهل هو مهر

[ 386 ]

المثل أو الذي دفعه ؟ احتمالان، كما أنهما يأتيان بالنسبة إلى الجميع أو النصف مع فرض الحال فيما قبل الدخول. وثالثا: أنه بناء على أن ذلك من اسباب الضمان لم يكن للتقييد بالعلم وجه إذ لا تفاوت فيها بين العلم والجهل. وبالجملة هذا الكلام منهما لا يخفى ما فيه، خصوصا مع بناء الصحة على حصول الاذن منها الرافعة لضمان العامل، وقد ذكرنا تحقيق الحال في نظير المسألة وهو الفسخ بالرضاع في كتاب النكاح، من اراده فليلحظه. كما أنه لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا حكم ما لو كان المال لرجل فاشترى العامل زوجته، حتى ما حكاه في جامع المقاصد عن التذكره، من أنه على الصحة لو كان الشراء قبل الدخول، فقد قال في التذكرة: إن في لزومه نصف المهر للزوج وجهين، فإن قلنا يلزم رجع به على العامل، لانه سبب تقريره، عليه، فيرجع به عليه، كما لو افسدت إمرأته النكاح بالرضاع، قال: ولم يذكر حكم ما بعد الدخول، وكأنه يرى عدم جواز الرجوع به، لانه قد تقرر بالدخول. قلت: قد عرفت الحال في ذلك كله خصوصا مع ملاحظة ما ذكرنا في كتاب النكاح والله العالم. المسألة (الرابعة: اشترى العامل أباه) أو غيره ممن ينعتق عليه ولا ربح صح الشراء، وكان من مال القراضن (فإن) كان قد (ظهر فيه ربح) حين الشراء أو بعده وقلنا بملك العامل بالظهور (انعتق نصيبه من الربح) ويسري في الباقي (و) لكن ليس عليه بل (يسعى المعتق في باقي قيمته) سواء (كان العامل مؤسرا أو معسرا) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن الغنية والسرائر الاجماع عليه وهو الحجة بعد صحيح (1) ابن أبي عمير عن محمد ابن قيس " عن الصادق عليه السلام في رجل دفع إلى رجل الف درهم مضاربة، فاشترى اباه وهو لا يعلم، قال: يقوم فإن زا درهما واحدا اعتق واستسعى في مال الرجل ".


(1) الوسائل الباب - 8 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 -.

[ 387 ]

الذى قد ترك الاستفصال فيه عن اليسار والاعسار، مع أن المسؤول عنه مطلق الرجل لا رجل مخصوص، كى يحتمل علم الامام عليه السلام بحاله، بل اطلق فيه الحكم ايضا بالنسبة إلى ظهور الربح حال الشراء، وتجدده بعده. لكن مع ذلك احتمل أو قيل بالسراية مع التقويم على العامل المؤسر، لاختياره السبب الموجب لها، فيحمل الصحيح المزبور على الاعسار، جمعا بين الادلة أو على تجدد الربح بعد الشراء، بناء على عدم التقويم عليه فيه كما سيأتي، بل في جامع المقاصد والمسالك احتمال بطلان البيع من اصله، لانه مناف لمقصود القراض الذى هو السعي للتجارة. القابلة للتقليب للاسترباح المنافي لهذا الشراء المتعقب للعتق، فيكون حينئذ باطلا، أو موقوفا على الاجازة، إلا أن الجميع كما ترى إجتهاد في مقابلة النص والفتوى والاجماع، بل من ذلك يعرف قوة القول بجواز شراء اب المالك مضاربة مع الاذن، كما أومأنا إليه سابقا، بل قد عرفت أن مقتضى الجميع عدم الفرق هنا بين الربح حال الشراء، وتجدده بعده، فإنه لا ريب في انعتاق نصيبه معه. ولكن في جامع المقاصد والمسالك في سراية العتق حينئذ وعدمها وجهان: أحدهما نعم. لاختياره السبب وهو الشراء، إذ لولاه لم يملك شيئا بارتفاع السوق وهو اختيار للمسبب. وثانيهما لا، لان الشراء ليس هو مجموع السبب، بل جزؤه والسبب القريب إنما هو ارتفاع السوق، ولا دخل لاختياره فيه، فلا يكون مختارا للسبب، لان جزءه غير مقدور، فهو حينئذ كالارث الذى لا يوجب سراية. وفيه ما عرفت من أنه ايضا اجتهاد في مقابلة النص والفتوى ومعقد الاجماع التي لم يفرق فيها أجمع بين الامرين. نعم قد يقال بعدم اندراج مثل هذا الشراء في اطلاق المضاربة مع العلم بالنسب للضرر على المالك بانتظار سعي العبد الذى قد يعجز عن الاداء، والصحيح مختص بحال الجهل، والفتوى معقد الاجماع لا وثوق بإرادة هذا الفرد من إطلاقهما، وحينئذ فالوقوف في مثله علي الاجازة لا يخلو من قوة.

[ 388 ]

بقي الكلام في شيئين أحدهما: هو أنه ربما ظهر من النص والفتوى جعل مناط الحكم المزبور تقويمه، ثم النظر في زيادته على راس المال وعدمها، ولا ريب في عدم اعتبار ذلك، ضرورة إمكان زيادة غيره من أعيان المضاربة على وجه يملك العامل حصته المشاعة المتحققة في الاب وإن لم تزد قيمته، فإنه حينئذ لا ريب في جريان الحكم المزبور عليه، والصحيح منزل على ما إذا كان الاب هو جميع مال المضاربة، لا ما يشمل الفرضن كما أنه لا يشمل ما لو زادت قيمة الاب، إلا أنه نقصت باقي أعيان المضاربة على وجه تكون تلك الزيادة جابرة، أو اقل، إذ لا ربح حينئذ، والمراد من الصحيح الزيادة التي تكون ربحا. الثاني: إذا فرض كون الاب أحد أعيان المضاربة، ولم يظهر ربح، وأراد المالك والعامل الانضاض، لكن قد يحتمل في اثناء ذلك وجود راغب أو تجدد زيادة لبعض أعيانها، فهل للعامل تأخير بيع الاب إذا اراد المالك تقديمه، وجهان: اقواهما العدم، ضرورة كونه ملكا للمالك الذى هو متسلط عليه، ولم تظهر زيادة يتسلط بها العامل، فلا ريب في أن المالك حينئذ مقدم على العامل في ذلك، خصوصا مع احتال الضرر عليه، بوجود الراغب لبعض الاعيان على وجه يوجب العتق، وانتظار المالك إلى السعي المحتمل عدم حصوله، وليس هذا الفرض من ظهور الربح بعد خفائه الذي به ينكشف سبق ملك العامل، بل هو من تجدده باتفاق حصول راغب في بعض الاعيان، وإن لم يكن قيمة لها، ونحو ذلك ما لا يوجب سبق ملك للعامل كما هو واضح. المسألة (الخامسة: إذا فسخ المالك) أو العامل أو هما (صح) بلا خلاف ولا إشكال لما عرفته من كون العقد جائزا وكان الربح بينهما مع وجوده على حسب شرطهما، فإن لم يكن ربح (وكان) المال نضا أخذه المالك، ولا شئ للعامل إلا أن يكون الفسخ من المالك فإن (للعامل أجرة المثل إلى الوقت) عند المصنف وبعض، على ما حكي، لان عمله محترم صدر بإذن المالك لا على وجه التبرع. ويشكل بأنه لم يقدم الا على الحصة على تقدير وجودها، ولم توجد ولا شئ

[ 389 ]

له، والمالك مسلط على السخ حيث شاء، واحتمال دفعه بأنه إنما جعل له الحصة خاصة على تقدير استمراره إلى أن يحصل، وهو يقتضى عدم عزله قبل حصولها، فإذا خالف فقد فوتها عليه، فتجب عليه أجرته، كما إذا فسخ الجاعل بعد الشروع في العمل كما ترى، لا ينبغى صدوره من فقيه، ضرورة اقتضائه ضمان المالك الاجرة لو فسخ، وإن قلبه العامل مرارا متعددة ولم يحصل ربح، بل وإن خسر، وهو مناف للمعلوم من شرع المضاربة المبنية على استحقاق العامل حصة من الربح إن حصل، وإلا فلا شئ له وأغرب منه ما يحكي عن إطلاق التذكرة، من أن له الاجرة في الفرض حتى لو كان الفسخ من العامل. نعم قد يقال: بالاجرة فيما لو عمل العامل وفسخ المالك قبل إتمام عمله المحتمل حصول الربح به، باعتبار احترام عمله، واقدامهما على الربح المترتب عليه، والفرض احتماله، فبالفسخ تفوت الحصة، ولكن العمل على احترامه، ورضاهما بهذا العقد الجائز المسلط على الفسخ في جميع الاوقات لا ينافي ثبوت الاجرة له من جهة اخرى ويمكن حمل مثل عبارة المصنف على ذلك، كما أن منه يظهر لك ما في المسالك من عدم الفرق بين صورتي الفسخ قبل الانضاض وبعده. (و) كيف كان ف‍ (لو كان بالمال عروض) بعد الفسخ (قيل: كان له أن يبيعه) من دون رضا المالك، وإن لم يكن قد ظهر فيه بربح، لتعلق حقه به، واحتمال وجود زبون يزيد في الثمن فيحصل الربح. وفيه: أنه لا حق له مع فرض عدم الربح، والاحتمال المعارض باحتمال نقصان المال لا يكفي في دعوى تعلق الحق كما هو واضح. نعم في المسالك " لو كان الزبون المذكور موجودا بالفعل توجه الجواز، لانه في قوة ظهور الربح ". مع امكان المناقشة فيه ايضا أولا: بمنع كونه في قوة ظهور الربح المتوقف صدقه عرفا على زيادة قيمة المال في نفسه، أو فعلية الثمن من الراغب، لا وجوده و إن لم يكن قد وقع منه ذلك، وخصوصا إذا حصل الراغب بعد الفسخ.

[ 390 ]

وثانيا: بمنع تسلطه على ذلك في صورة ظهور الربح الذى لا يزيد به على كونه شريكا، ومن المعلوم عدم سلطنة له على بيع مال الشركة بغير إذن الشريك. (و) بذلك ظهر لك أن (الوجه المنع) من البيع مطلقا، لقاعدة منع التصرف في مال الغير بغير إذنه وغيرها (ولو) انعكس الحال بان (ألزمه المالك) بالبيع (قيل: يجب عليه أن ينض المال) لانه أخذه نقدا فيجب أن يرده كذلك لاطلاق قوله عليه السلام (1) " على اليد ما أخذت حتى تؤدى " ولحدوث التغيير في المال بفعله، فيجب رده، وفيه منع دلالة الخبر المذكور على وجوب رد المال المأخوذ بالاذن المتغير بها كما أخذه أولا، (و) الاصل البراءة ف‍ (الوجه) حينئذ (أنه لا يجب) عليه الاجابة هذا كله في صورة عدم ظهور الربح. أما معه وكان المال عروضا وطلب المالك انضاضه، فقد جزم في جامع المقاصد والمسالك بوجوب الاجابة على العامل، لان استحقاقه الربح وإن كان ثابتا بظهوره إلا أن استقراره مشروط بالانضاض، فيحتمل عروض ما يقتضى سقوطه. وقد تقدم سابقا ما يعلم به قرار هذا الملك على القول به، فبناء على أنه بالفسخ يحصل لانتهاء المضاربة حينئذ، ويتحقق حينئذ الشركة بين المالك والعامل بمقدار حصته من الربح المفروض ظهوره عند الفسخ، وكل ما يتجدد حينئذ من تلف وخسارة فهو حينئذ عليهما، لا يختص به الربح يتجه حينئذ عدم وجوب إجابة العامل للانضاض وإن ألزمه المالك به، لعدم ضمانه ما يعرض مع عدم وجوب الارجاع نقدا كما عرفت. ومنه يعلم ايضا الحال فيما لو طلب العامل البيع خاصة، الذى ذكر في المسالك في وجوب إجابة المالك له وجهين، ضرورة كون المتجه بناء على ما ذكرناه عدم الوجوب بل لعله كذلك حتى على القول الاخر، لامكان وصوله إلى حقه بقسمة العروض، والارجاع نقدا إنما هو حق المالك فله اسقاطه، ولان حال العامل لا يزيد على حال الشريك الذي من المعلوم أنه لا يكلف إجابة شريكة ؟ إلى البيع، كل ذلك مع طلب


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

[ 391 ]

العامل البيع في الحال. أما لو طلب تأخيره إلى وقت متأخر كموسم متوقع، فليس له ذلك قطعا للضرر، كالقطع بعدم ثبوت تسلط للعامل بناء على توقف ملكه على الانضاض أو غيره. ومما ذكرنا يعلم الحال فيما لو كان الفسخ من العامل في هذه الصورة، إذ الحكم كذلك، بل ينبغى الجزم بعدم استحقاقه الاجرة لو كان ناضا لا ربح فيه، وبعدم وجوب إجابة المالك إلى بيعه، لان المانع من قبله كما هو واضح. ولو كان بعض المال ناضا فإن كان قدر رأس المال اتجه عدم اجبار العامل على انضاض الباقي لرجوع المال إلى المالك كما كان، وأولى منه لو كان أزيد. أما لو كان ناقصا ففي المسالك " توجه جواز اجباره على انضاض قدره، لو قلنا باجباره على الانضاض فيما سبق ". قلت: لكن قد عرفت الحال في ذلك وغيره على وجه تبين لك أن جميع ما في جامع المقاصد والمسالك هنا غير منقح. فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ففى المتن وغيره أنه (إن كان) المال (سلفا، كان عليه) أي العامل (جبايته) وإن فسخ المالك، وكذا غيره من الديون المأذون فيها الاقتضاء المضاربة رد رأس المال على صفته، والديون لا يجري مجرى المال، ولان الدين ملك ناقص، والذي أخذه ملك تام، و " على اليد ما أخذت " ولكن فيه ما عرفت، من أن الاصل البراءة بعد عدم دلالة الخبر المزبور على ذلك، مع فرض وقوع الدين باذن المالك، وانفساخ المضاربة، فالمتجه حينئذ ايضا عدم الوجوب، ومنه يعلم أيضا ما في قول المصنف وغيره (وكذا لو مات رب المال وهو عروض، كان له) أي العامل (البيع، إلا أن يمنعه الوارث) بل هو مناف لما ذكره سابقا، من أن الوجه المنع ضرورة عدم الفرق بين الفسخ الاختياري والقهري، فليس له التصرف إلا باذن المالك من غير فرق بين ظهور الربح وعدمه، كما ذكرنا الكلام فيه مفصلا واليه اشار المصنف (وفيه قول: آخر) وهو ما ذكرناه من عدم جواز البيع إلا بالاذن، لبطلان العقد وقد استوجهه في المسالك، وهو في محله. والله العالم.

[ 392 ]

المسالة (السادسة: إذا قارض العامل غيره، فإن كان بإذنه) أي المالك (و شرط الربح بين العامل الثاني والمالك صح) لانه يكون حينئذ بمنزلة الوكيل عن المالك في ذلك، وسبق عقد القراض معه لا ينافي ذلك، بل لا يقتضى فساده، لعدم ما يدل على اعتبار خلو المال عن وقوع عقد قراض عليه في صحة الثاني، وان كان هو لا يستحق شيئا من الربح، بعدم العمل منه، أما لو فرض عمل كل منهما صح وأخذ كل منهما ربح ما عمل به من المال على حسب ما شرط له. (و) على كل حال ف‍ (لو شرط لنفسه) شيئا من الربح (لم يصح لانه لا عمل له) وايقاع عقد القراض، ولو بالاقل من الحصة التى جعلها المالك له، ليس من اعمال التجارة التي شرع جعل بعض الربح عوضا عنها، فلا يصح اشتراط شئ من الربح له، حتى لو اذن المالك له في ذلك، فإن اذنه لا تفيد في شرعية غير المشروع اللهم الا أن يدعى دخول مثل ذلك في عمل المضاربة المشروعة، لانه مما يترتب عليه ربح للمال، بل هو داخل في عمل التجاره والتكسب، خصوصا مع التصريح به في ضمن غيره، فتأمل هذا. وفي المسالك " اذن المالك للعامل في المضاربة قد يكون بمعنى جعل العامل هو الثاني، والعامل الاول إذا اراد ذلك بمنزلة وكيل المالك، وقد يكون بمعنى ادخال من شاء معه، وجعلهما عاملين، وقد يكون بالاعم إلى ان قال بعد الاعتراف بأن مراد المصنف هنا الاول: ولو كان الاذن بالمعنى الثاني أو بالاعم وجعل الثاني شريكا له في العمل والحصة بينهما صح، لانتفاء المانع في الاول، وهو عدم العمل ". قلت: لكن يكون ذلك فسخا للمضاربة بالسابقة، وإنشاء جديدا من العامل باذن المالك أو أن المضاربة الاولى بحالها، ولكن الحصة الاولى المشروطة للاول في المعنى مشروطة باستقلاله بالعمل، أما مع فرض وضع شريك معه فلا يكون حينئذ تشريك الثاني مع الاول بإذن المالك في حصته الاولى مضاربة على تلك المضاربة الاولى بلا فسخ لها، ولا مانع من ذلك وجهان وليس في كلامه تحرير لذلك، و

[ 393 ]

إنما اقتصر على الصحة معللا لها بانتفاء المانع، وأنت خبير بأن انتفاء المانع في الاول لا يكون مقتضيا للصحة هنا. (و) كيف كان ف‍ (لو كان بغير اذنه لم يصح القراض الثاني) وفى خبر أحمد بن محمد بن عيسى (1) المروي عن نوادره وعن ابيه " سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل أخذ مالا مضاربة أيحل له أن يعطيه غيره باقل مما أخذ، قال: لا " ولكنه فضولي إن أجاز ترتب عليه حكمه، وإلا بطل القراض (فإن) فرض حصول (ربح) حينئذ (كان نصف الربح للمالك، والنصف الاخر للعامل الاول) بناء على أن القراض كان كذلك (وعليه) أي العامل الاول (أجرة) العامل (الثاني) وبها صار عمله الذى قد عمله، للاول الذي كان قد وقع القراض معه، فيستحق حينئذ ما شرط له، إذ ليس في عقد القراض ما يقتضى مباشرة العمل بنفسه، ضرورة الاكتفاء بمتبرع عنه، وبأجرة ونحو ذلك. (وقيل:) والقائل بعض الشافعية النصف الاخر (للمالك ايضا لا) نه نماء ملكه والفرض أ (ن الاول لم يعمل شيئا والثاني غير مأذون عنه. (وقيل:) كما عن بعض آخر منهم ايضا أنه (بين العاملين، ويرجع الثاني) منهما (على الاول بنصف الاجرة) لانه قد فاته بغرور منه نصف ما جعل له من الربح. ولهم وجه رابع على ما حكى وهو أن جميع النصف للعامل الثاني عملا بالشرط، ولا شئ للاول إذ لا ملك له ولا عمل. (والاول حسن) لما عرفت، ولا ينافيه فرض عدم إجازة المالك إذ هي للقراض، أما ما وقع منه من الشراء والبيع فهو بإذن العامل الاول الذى لم يشترط عليه مباشرة ذلك بنفسه، اقصى ما هنالك أن العامل الثاني أوقعه بعنوان أنه مقارض، وقد بان فساده، فاستحق على من غره أجرة المثل، وفساد القراض يقتضى فساد الاذن


(1) الوسائل الباب - 14 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 - مع اختلاف يسير.

[ 394 ]

الحاصل من العامل، إذ الظاهر عدم كون ذلك قيدا لها هنا كما في نظائره. ومن ذلك يظهر لك ضعف الثاني، ضرورة عدم استحقاق المالك له مع عدم فساد القراض الاول، وصيرورة عمل العامل الثاني للاول ولو بغرم الاجرة له. و كذا الثالث، فإن كونه بين العاملين مع فساد القراض غير متصور، أللهم إلا أن يدعى أن العامل الاول له المضاربة بمعنى التشريك فيما له من الحصة، فإذا فرض أنه قد جعل له النصف من المجموع الموزع عليه وعلى المالك الذى لم يجز مضى فيما له، بطل فيما يرجع إلى المالك الا انه لغروره إياه يغرم له الاجرة، ومنه ينقدح وجه الرابع المبني على تنزيل النصف على الراجع له، لا الموزع منه ومن المالك، لكن الجميع كما ترى، ضروة عدم صحة المضاربة له من دون إذن المالك، ولو بالتشريك في حصته، فوقوع ذلك منه حينئذ مقاولة غير مشروعة، هذا ولكن في المسالك " إن هذه الاقوال ليست لاصحابنا، ولا نقلها أحد عن أحد منهم، وإن كان ظاهر التعبير " قيل وقيل " ذلك، وإنما هي وجوه للشافعية، ذكرها المصنف والعلامة في كتبه، ونقل الشيخ في المبسوط قريبا منها بطريقة أخرى غير منقحة إلى أن قال تبعا لجامع المقاصد: والتحقيق في هذه المسألة المرتب على أصولنا أن المالك إن اجاز العقد فالربح بينه وبين الثاني على الشرط، وإن لم يجزه بطل، ثم الشراء إن كان بالعين وقف على إجازة المالك، فأن اجاز فالملك له خاصة، ولا شئ لهما في الربح، أما الاول فلعدم العمل، وأما الثاني فلعدم الاذن له، ولكن له أجرة مثل عمله على الاول مع جهله، لا مع عمله، وإن كان الشراء في الذمة ونوى صاحب المال فكذلك، وإن نوى عن عامله وقع الشراء له، لانه وكيله، وإن لم ينو شيئا أو نوى نفسه فالعق له، وضمان المال عليه، لتعديه بمخالفة مقتضى المضاربة، وحيث لا يقع العقد للعامل الثاني فله الاجرة على الاول مع جهله إن لم يتعد مقتضى المضاربة ". ثم إنهما قبل ذلك قد اطنبا في ذكر حكم الضمان لو تلف المال في يد العامل الثاني وذكرا جملة من أحكام الغصب، ولا يخفى عليك خروج جميع ذلك عما نحن

[ 395 ]

فيه، ضرورة كون المراد بيان حكم القراض الثاني فيما إذا ربح المال، وهو لا يستلزم تسلم المال إذ يمكن فقراضه وعمله والمال في يد العامل الاول، كما أنه لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه عدم الفضولية فيما أوقعه العامل الثاني بإذن الاول و إن لم يجز قراضه، بناء على أن للعامل الاول الاذن لغيره في العمل، وأن فساد قراضه لا ينافي ثبوت الاذن له في ذلك، كما في غير هذه الصورة مما فسد فيه القراض فإنه يثبت للعامل أجرة المثل، والمال ونماؤه للمالك، وليس هو إلا لبقاء الاذن مع فساد القراض، وما نحن فيه من ذلك. ومن الغريب دعوى خروج هذه الوجوه عن أصولنا مع تصريح المصنف بحسن الاول منها، بل مفروغيته من صحة البيع وملك المالك النصف، وعدم ذكر الفضولية هنا في شئ مما فعله العامل الثاني، ونحو ذلك مما هو كالصريح في أن موضوع المسألة عنده غير ما ذكراه، وان اعترضاه هما بنحو ما سمعته منهما هنا، لكن الانصاف عدم وروده عليه، وعدم مدخلية لكثير مما ذكراه هنا في مفروض المسألة كما لا يخفى على من لاحظ المقام وتأمل. والله العالم. المسألة (السابعة: إذا قال) المالك: (دفعت إليه مالا قراضا، فأنكر) العامل ذلك (فأقام المدعى بينة) على أنه دفع إليه مالا قراضا (فادعى العامل التلف قضي عليه بالضمان، وكذا لو ادعى عليه وديعة أو غيرها من الامانات) لثبوت كونه خائنا بانكاره المال الذي قامت البينة عليه، واقر هو ايضا به بعد ذلك بدعواه تلفه، ولا ريب في كونه خيانة، بل قد يقال: إنه لم تقبل دعواه حتى لو اقام بينة على تلفه منه بلا تعد ولا تفريط لتكذيبه إياها بانكاره الاول الذى هو ايضا اقرار في حقه، ومن هنا عبر الفاضل في القواعد بعدم قبول دعواه. لكن في المسالك (إن عبارة المتن أجود منها، لاستلزام عدم القبول حبسه إلى أن يدع العين، وقد تكون تالفة، إلا أن يتكلف نحو ما تقدم من حبسه مدة يظهر فيها اليأس من وجود العين ". وفيه أن المقصود عدم قبول دعوى التلف التى كانت تقبل منه سابقا بيمينه في

[ 396 ]

اسقاط الضمان عنه، وأما التكليف بالعين نفسها وعدمه فهو غير مقصود لهما، فليس تعبير المصنف بالضمان تحرزا عن ذلك، ضرورة عدم تصديق مجرد قوله بالنسبة إلى ذلك، من دون استظهار بيمين أو بينة، أو حبس أو نحو ذلك، وعلى كل حال فهو مقام آخر غير ما نحن فيه، يجرى في الغاصب ونحوه، هذا كله فيما إذا كان جوابه في الدعوى الاول ما سمعت. (أما لو كان جوابه: لا يستحق عندي شيئا أوما اشبهه لم يضمن) وإن قامت البينة على دفع المال إليه قراضا، لكون ذلك أعم من ضمانه، بل لو ادعى التلف بعد ذلك سمع منه بيمينه، لعدم التنافي بينه وبين كلامه الاول كما هو واضح. المسألة (الثامنة: إذا تلف مال القراض أو بعضه، بعد دورانه في التجارة، احتسب التالف من الربح) الذى هو وقاية لرأس المال في شرع المعاملة وفى عرفها، (وكذا لو تلف قبل ذلك) كما لو أذن له في الشراء في الذمة فاشترى ثم تلف المال ونقد الثمن عنه، فإن القراض يستمر ويمكن جبره حينئذ بالربح المتجدد (و) لكن (في هذا اردد) عند المصنف مما عرفت، ومن أن التلف قبل الشروع في التجارة يخرج التالف عن كونه مال قراض، إلا أن الاقوى عدم الفرق، لان المقتضى لكونه مال قراض هو العقد، لا دورانه في التجارة، فمتى تصور بقاء العقد وثبوت الربح، جبر ما تلف مطلقا، بل لا يخفى على من أعطى التأمل حقه، عدم صدق الربح الذى وقع الشرط بين المالك والعامل عليه إلا على ما يبقى بعد جبر جميع ما يحدث على المال، من أول تسلمه إلى انتهاء المضاربة، من غير فرق في النقصان بين انخفاض السوق والغرق والحرق وأخذ الظالم والسارق وغير ذلك، مما هو بآفة سماوية وغيرها، فما عساه يقال أو قيل: من اختصاص الحكم بما لا يتعلق فيه الضمان بذمة المتلف، لانه حينئذ بمنزلة الموجود، فلا حاجة إلى جبره، ولانه نقصان لا يتعلق بتصرف العامل وتجارته، بخلاف النقصان الحاصل بانخفاض السوق ونحوه لا ينبغى أن يصغى إليه لما عرفت، نعم لو فرض حصول العوض من التلف كان العوض من جملة المال. والله العالم.

[ 397 ]

المسألة (التاسعة: إذا قارض اثنان) مثلا (واحدا) مثلا (وشرطا له النصف منهما وتفاضلا في النصف الاخر مع التساوى في المال) أو تساويا فيه مع التفاوت في المال، (كان فاسدا لفساد الشرط) المقتضى زيادة لاحدهما على الاخر مع تساوى المالين أو التساوى مع التفاوت في المالين بلا عمل من ذي الزيادة، ضرورة كون العامل غيرهما، وقد عرفت سابقا عدم جواز ذلك في الشريكين، فكذا هنا، إذ لا فرق بين امتزاج المالين وعدمه، (و) لكن قال المصنف هنا (فيه تردد) ولعله من ذلك، ومن احتمال كون اشتراط الزيادة هنا من العامل بمعنى أن صاحبها قد شرط له في العمل بماله أقل مما شرط له الاخر، ولا ريب في جواز ذلك، ضرورة عدم المانع المزبور منه. لا يقال: إن محل المسالة مع الاطلاق الذي هو كما يحتمل ذلك يحتمل كونها من المالك الاخر، ولا ترجيح لانا نقول: إن اصل الصحة يرجح الاول بل لعله كذلك حتى مع فرض عدم (خطور ؟) هذا التفصيل في قصدهم، حملا لفعل المسلم على الصحيح في نفس الامر. نعم لو صرح باستحقاق العامل من نصيب كل منهما نصفه، إتجه الفساد حينئذ، بناء على ما سمعته في الشركة، مع أنه قد يقال بالصحة هنا، بدعوى كون ذلك من عمل المضاربة، كما يومي إليه ما عساه يستفاد من إطلاق عبارة المتن والقواعد من عدم الفرق في الحكم المزبور بين امتزاج المالين وعدمه، كما اعترف به الكركي في شرحه. ولا ريب في أن استحقاق كل منهما في ربح مال الاخر المفروض تميزه مع أنه قد يختلف قلة وكثرة، بل قد يحصل بالخسران في أحدهما دون الاخر الذي يجبر منه شئ لا تقتضيه الضوابط، بل هو إن كان، فليس إلا من صدق كون المجموع مال مضاربة واحدة، ولذا جعل الربح بينهما مشاعا، وإذا كان ذلك ونحوه من مقتضى عقد المضاربة، فلتقتضى ايضا التفاوت في ربح النصف، وإن تساويا في المال، أو التساوى فيه مع التفاوت فيه، ويكون ذلك من أحكامها، نحو ما لو قارض الواحد مثلا اثنين

[ 398 ]

مثلا على التفاوت فيما شرط لهما من الربح، فإنه يصح، وإن كان المشروط له الاكثر، الاقل عملا، لاطلاق الادلة، خلافا لممالك فلم يجوز التفاوت بينهما وقد تقدم الكلام فيه سابقا. المسألة (العاشرة: إذا اشترى عبدا) مثلا (للقراض فتلف الثمن قبل القبض قيل:) والقائل الشيخ في محكي المبسوط (يلزم صاحب المال ثمنه دائما، ويكون الجميع رأس ماله) بجبر التالف منه بالربح (وقيل) والقائل ابن ادريس فيما حكى عنه (إن كان اذن له في الشراء في الذمة فكذلك، وإلا كان باطلا، ولا يلزم الثمن أحدهما) وقد عرفت فيما مضى تفصيل الحال، من أنه ان كان الشراء في الذمة باذن المالك لزم دفع الثمن ثانيا وثالثا دائما، وإلا فإن صرح بكون الشراء له وقف على اجازته، فإن أجاز لزمه الثمن، وإلا بطل البيع، وإن لم يذكره لفظا وقع الشراء للعامل ظاهرا مع فرض كونه قد نوى المالك، وإلا فواقعا ايضا، وإن كان الشراء بالعين فهلكت قبل دفعها بطل العقد، وهذا كله واضح. نعم في المسالك بعد أن ذكر جميع ذلك قال: " وحيث يلزم المالك الثمن ثانيا يكون الجميع رأس ماله بجبر جميعه بالربح، وهو جيد في غير صورة الفضولي، أما فيها فلا يخلو من إشكال، ضرورة عدم وقوع عقد المضاربة، فمع فرض إجازة المالك لذلك يلحق الثمن حكم المضاربة " ولكن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال ايضا. المسألة (الحادية عشرة: إذا نض قدر الربح فطلب أحدهما القسمة) لقدر الربح (فإن اتفقا صح) لانحصار الحق فيهما (وان امتنع المالك لم يجبر) لما فيه من الضرر عليه، لاحتمال خسارة مال القراض، فيحتاج الجبر به، أما العامل فقد يظهر من العبارة أنه ليس له الامتناع، لانه متى احتاج إلى الجبر احتسب على المالك، لكن في القواعد " ان امتنع أحدهما لم يجبر على القسمة ". وفي جامع المقاصد " أما المالك فظاهر، وأما العامل فلانه لا يأمن أن يطرء الخسران، وان أتلف ما وصل إليه فيحتاج إلى غرم ما وصل إليه بالقسمة، وذلك ضرر ". وفيه منع كون ذلك ضررا، ضرورة امكان المحافظة عليه، بعدم التصرف، بل

[ 399 ]

لو أغرمه لم يكن عليه ضرر، لانه لي مقابل ما تصرف فيه، والله العالم. وعلى كل حال (فلو اقتسما وبقى راس المال معه) أي مقداره (فخسر، رد العامل اقل الامرين) ما وصل إليه من الربح، ومما يصيبه من الخسران، لان الاقل ان كان هو الخسران فلا يلزمه سوى جبر المال والفاضل له، وان كان الاقل هو الربح فلا يلزمه الجبر الا به (و) كذلك (احتسب) على (المالك) اقل الامرين من رأس المال، هذا هو الظاهر من العبارة، بل جزم به ثاني الشهيدين لكن عن الشهيد " ان المردود أقل الامرين التي هي مما أخذه العامل من رأس المال لا من الربح، فلو كان رأس المال مأة والربح عشرين، فاقتسما عشرين، فالعشرون من الربح مشاعة في الجميع، نسبتها إلى رأس المال نسبه السدس، فالعشرون المأخوذة سدس الجميع، فيكون خمسة اسداسها من رأس المال، وسدسها من الربح، فإذا اقتسماها استقر ملك العامل على نصيبه من الربح، وهو نصف سدس العشرين، وذلك درهم وثلثان، يبقى معه ثمانية وثلث من رأس المال، فإذا خسر المال الباقي رد اقل الامرين مما خسر ومن ثمانية وثلث والحامل له عليه، كما قيل: حكمهم بأن المالك إذا أخذ من المال شيئا وقد ظهر ربحه يحسب ما أخذه منهما على هذه النسبة " وافسده في المسالك " بأن المأخوذ وان كان مشاعا الا أن المالك والعامل انما أرادا به الربح، وحيث كان المال منحصرا فيهما فالتمييز منوط بهما، ولو كان يدخل في ذلك من رأس المال شئ لم يصح للعامل التصرف فيه، لان المالك لم يأذن الا في التصرف في الربح، ولم تقع القسمة والاتفاق الا عليه إلى أن قال وأيضا فتوقف رد العامل رأس المال على ظهور الخسران لا وجه له لانه لا يملك شيئا من رأس المال، وانما حقه في الربح، وأما حمله على أخذ المالك فليس بجيد، لان المالك لا يأخذ على وجه القسمة، وانما يأخذ ما يعده ملكه، فلما كان فيه ربح وهو شائع دخل فيه جزء من الربح على نسبة المأخوذ، فيحسب رأس المال بعد ذلك على حساب ما يبقى بعد توزيع المأخوذ على الاصل والربح، واين هذا من أخذ العامل الذي لا يستحق الا في الربح، ولا يقاسم المالك الا عليه خاصة ".

[ 400 ]

قلت: قد يكون منشأ كلام الشهيد عدم تشخص الربح عن رأس المال باتفاقهما على أنه ربح، لعدم دليل على ذلك، والاصل بقاء اشاعته حتى تنفسخ المضاربة ويتسلم المالك رأس ماله، وحينئذ يتجه كلامه. لكن يشكل بأنه لا دليل على استقرار ملكهما للحصة من الربح بذلك، ما دامت المضاربة غير منفسخة حتى لو رضى المالك بأن يكون الباقي رأس مال، فانه لا يلتزم بذلك، بل له الرجوع عنه، لعدم استقرار كون ذلك ربحا، إلى أن ينتهي عمر المضاربة، والفسخ أو الانفساخ كما تقدم الاشارة إلى ذلك فيما تقدم. نعم لهما الاتفاق على التصرف في المقدار الذي تراضيا عليه سواء وجدا معه صورة القسمة أولا برضى منهما وما يتبعه من رأس المال يكون تصرف العامل فيه برضى المالك، ما إذا لم يكن ثم ربح. أللهم الا أن يقال: ان ذلك من المالك فسخ للمضاربة فيما يخصه من رأس المال، لانه برضاه قد أخرجه عن المضاربة، حتى الذى قبضه العامل، فيستقر حينئذ ملكهما على ما خص ذلك من الربح، لانفساخ المضاربة، كما تعرفه انشاء الله تعالى في المسألة الرابعة عشر، وبه حينئذ يتمه كلام الشهيد، فتأمل جيدا، كما أنه ينبغي التأمل فيما سمعت من أن للمالك والعامل الاتفاق على تشخيص الربح من رأس المال، واخراجه عن الاشاعة مع بقاء المضاربة على حالها، بحيث يكون الباقي رأس المال وما شخصاه ربحا، فانه محتاج إلى التأمل. المسألة (الثانية عشرة لا يصح أن يشترى رب المال من العامل شيئا من مال القراض) بلا خلاف ولا اشكال لانه ماله (ولا أن يأخذ منه بالشفعة) لذلك أيضا بخلاف العكس، فان للعامل الشراء من المالك وله الاخذ بالشفعة منه، كما هو واضح. لكن في القواعد " إن ظهر ربح بطل البيع في نصيبه منه " ولعل المراد إذا كان الربح ظاهرا وقت الشراء، لعمد جواز شراء ملكه، لا ما إذا تجدد، فإنه حينئذ له والثمن صار من مال المضاربة كما هو واضح. وكذا لو ظهر في المال ربح جاز للمالك شراء ما يخص العامل، بناء على ملكه

[ 401 ]

بالظهور، وإن كان متزلزلا، فإن تزلزله لا يمنع من بيعه، بل يقوى في النظر وقوعه لازما وإن تجدد الخسران بعد ذلك واحتاج إلى الجبر، فيجبر حينئذ بقيمته كما لو اتلفه، وربما احتمل انفساخ البيع، لكنه في غير محله، وأما الاخذ بالشفعة ففي المسالك " هو ممكن " أي بعد ظهور الربح على نحو ما سمعته في شرائه، لكن قد يناقش بمنع ذلك فيما لو كان الربح مقارنا للشراء، فضلا عما لو تجدد، لعدم ملك العامل حينئذ بعض الشقص بالشراء، بل هو بالشرط الحاصل في المضاربة، فلا شفعة حينئذ فيما ملكه بذلك، وإن صار شريكا مع المالك لم يقاسم إلا أنه ليس بالشراء الذي هو موجب الشفعة، والله العالم. (وكذا لا يشترى من عبده القن) لما عرفت في محله أنه لا يملك شيئا " ولا بيع إلا في ملك " من غير فرق بين المأذون وغيره، لكن حكى عن الشيخ قولا بأن المأذون إذا ركبته الديون جاز للسيد الشراء منه، وهو قول لبعض الشافعية، لانه لا حق للسيد فيه، وإنما هو حق الغرماء وفساده ظاهر، كما في المسالك قال: " فإن استحقاق الغرماء ما في يده لا يقتضى خروج ذلك عن ملك السيد، كتعلق حقهم في مال المفلس نعم للسيد أخذ ذلك بقيمته، لانه أحق بماله مع بذل العوض، إلا أن ذلك لا يعد بيعا، كما يأخذ العبد الجاني خطأ ويبذل قيمته ". (و) على كل حال ف‍ (له الشراء من المكاتب) المطلق والمشروط، لان ما في يده ملك له، وسلطنة المولى قد انقطعت عنه، فساوى غيره من الملاك، ولهذا لو انعتق لم يكن للمولى ما في يده، وإن كان الملك في المشروط اضعف منه في المطلق من حيث امكان رده في الرق أجمع، فيرجع ما في يده إلى ملك السيد، وليس كذلك المطلق الذى يحسب ما في يده من مال الكتابة لو احتيج إليه والله العالم. المسألة (الثالثة عشرة: إذا دفع مالا قراضا وشرط أن يأخذ له بضاعة قيل:) كما عن الشيخ في المبسوط (لا يصح لان العامل في القراض لا يعمل ما لا يستحق عليه أجرا) فيفسد الشرط ويتبعه العقد، ولو لان قسط العامل حينئذ يكون مجهولا لاقتضاء الشرط قسطا من الربح، وقد بطل فيبطل ما يقابله فتجهل الحصة.

[ 402 ]

(وقيل يصح القراض ويبطل الشرط) خاصة، لان البضاعة لا يلزم القيام بها، فلا يفسد اشتراطها، بل يكون لاغيا لمنافاته العقد. (ولو قيل بصحتهما) معا (كان حسنا) لاطلاق الادله وعمومها التي منها (1) " المؤمنون عند شروطهم " (2) " وتجارة عن تراض " وغيرهما، والقراض إنما يعتبر عدم خلو عمله نفسه عن جزء من الربح، لا مطلق العمل وإن لم يكن من القراض، ولكنه قد اشترط في عقد القراض. نعم يبقى الكلام في معنى صحة الشرط، في العقد الجائز الذى قد تقدم البحث فيه سابقا. لكن قد يقال: في خصوص المقام الذى هو شبه المعاوضة وأن المالك لم يجعل الحصة المزبورة للعامل إلا في مقابلة اخذ البضاعة إنه لو ربح ولم يف بالشرط كان للمالك الفسخ، ويأخذ الربح كله، وللعامل أجرة المثل في وجه، ولا شئ له في آخر. إلا أنه كما ترى لا ينطبق على القواعد، وعلى ما اشتهر فيما بينهم من عدم لزوم الوفاء بالشروط في العقود الجائزة، وأن حالها كحال الوعد، وليس فائدة الشرط فيها فائدته في العقد اللازم من التسلط على الفسخ، مع عدم الوفاء به الذي هو واجب على من اشترط عليه، لعموم الامر بالوفاء في العقد، فتأمل جيدا، خصوصا ما في جامع المقاصد والمسالك هنا، فإنه لا يخلو من شئ، وقد تقدم منا سابقا ماله نفع في المقام. المسألة (الرابعة عشرة: إذا كان مال القراض مأة) مثلا (فخسر عشرة) مثلا (وأخذ المالك) منه بعد الخسارة (عشرة) مثلا (ثم عمل ب‍ ؟) ما بقي من‍ (ها الساعي فربح، كان رأس المال تسعة وثمانين إلا تسعا، لان المأخوذ محسوب من راس المال، فهو كالموجود فإذا المال في تقدير تسعين، فإذا قسم الخسران، وهو


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث - 4 -. (2) سورة النساء الاية 29 -.

[ 403 ]

عشرة على تسعين، كانت حصة العشرة المأخوذة دينارا وتسعا، فيوضع ذلك من رأس المال) ويجبر الباقي، لان الربح إنما يجبر خسران المال الذى ربح، أي مال المضاربة الباقي على المضاربة، لا مطلق الخسران، فإذا أخذ المالك شيئا بعد الخسران كان من جملة رأس المال، فلا بد أن يخصه من الخسران شئ، فيسقط من أصل الخسران لانه خسران غير المال الذي ربح أي مال المضاربة الباقي في يد العامل، ضرورة أن أخذ المالك العشرة منه استرداد من العامل، وإبطال المضاربة فيها فلا بد أن يتبعها ما خصها من الخسارة السابقة على أخذها، والضابط في معرفة ذلك نسبة المأخوذ إلى الباقي، وتوزيع الخسران عليه أجمع، فيخصه على مقتضى نسبته، ففي المقام نسبته تسع، فيخصه تسع العشرة التي هي الخسارة، وهو واحد وتسع، فيبقي منه تسعة إلا تسع، تجبر نم الربح المتجدد، ولو فرض أنه أخذ نصف التسعين الباقية بعد خسارة العشرة، بقي رأس المال خمسين، منها خمسة وأربعون موجودة، ويتبعها نصف الخسارة، وهو خمسة، وهي التي تؤخذ من الربح المتجدد لو فرض. وكذا في طرف الربح، بمعنى أنه يحسب المأخوذ من راس المال والربح، فلو كان المال مأة وربح عشرين، فاخذها المالك بقى راس المال ثلاثة وثمانين وثلث، لان المأخوذ سدس المال جميعه الاصل والربح، وسدس اصل المال ستة عشر وثلثان، وسدس الربح ثلاثة وثلث، وهى حظه من الربح، إلا أنه يستقر ملك العامل على نصف المأخوذ من الربح، وهو درهم وثلثان، وذلك لبطلان المضاربة في اصله، وهو السدس الذى استرده المالك، وحينئذ فلو انخفض السوق وعاد ما في يده إلى ثمانين لم يكن للمالك أن يأخذه من العامل إذا فسخ المضاربة، ليتم مع ما أخذه سابقا المأة، بل للعامل من الثمانين درهم وثلثان، وهما نصف الربح الذى قد أخذه المالك في ضمن العشرين وقد عرفت استقرار ملك العامل عليه بفسخ المالك المضاربة في العشرين، هذا. ولكن الانصاف عدم خلو المسألة الاولى عن إشكال، باعتبار عدم ثبوت ما يقتضى شيوع الخسارة على المال كله، على وجه لو أخذ المالك بعض المال يلحقه

[ 404 ]

بعض الخسارة، وإنما المنساق احتساب ما يأخذه المالك من راس المال، وأما الخسارة السابقة على ذلك فتجبر بما بقي من مال المضاربة، إذ المالك قد أخذ العشرة مثلا مستحقة للجبر، ودعوى أن الذى يجبر هو المال الذى ربح واضحة الفساد، ضرورة جبر المال الذى وقعت عليه المضاربة بربح أي جزء من مالها، من غير فرق بين ما ربح منه وما لا يربح، بل قد يعمل العامل ببعض دون بعض، كما أنه قد يربح بعض دون آخر، وأخذ المالك لا يزيد على دفع العامل له بعنوان رد رأس المال له شيئا فشيئا، وربما يشهد لبعض ما ذكرنا من السيرة على تناول المالك والعامل من مال المضاربة، ثم الحساب بعد ذلك من دون أن يلحق ما عند المالك أو العامل من الخسارة أو غيرها، ولكن يحتسب ما عنده من راس ماله عليه، ثم يقسم الباقي إن كان، فتأمل جيدا. والله العالم. المسالة (الخامسة عشرة: لا يجوز للمضارب) أي العامل (ان يشترى جارية يطاها، وإن اذن له المالك) بذلك، إلا أن يستفاد منه التوكيل على التحليل أو العقد عليها بعد الشراء، بناء على صحة مثل هذا التوكيل، نحو الاذن في شراء عبد له وعتقه عنه، أو دار ووقفها، وغيرهما. (و) لعل ذلك هو المراد مما (قيل:) والقائل الشيخ في المحكي عن نهايته أنه (يجوز مع الاذن) فلا يرد عليه حينئذ أن الاذن السابقة لا تثمر، لان التحليل إما عقد أو تمليك، وكلاهما لا يقعان قبل الملك، بل يمكن حمل الخبر الذى ذكروه مستندا للشيخ على ما ذكرنا. وهو خبر الكاهلي (1) عن أبى الحسن عليه السلام " قال: قلت: رجل سألني أن أسالك إن رجلا أعطاه مالا مضاربة ليشترى له ما يرى من شئ، وقال له: اشتر جارية تكون معك، والجارية إنما هي لصاحب المال، إن كان فيها وضيعة فعليه وإن كان ربح فله، فللمضارب أن يطأها ؟ قال: نعم " فلا حاجة حينئذ إلى المناقشة في سنده مع أن من الموثق الذى هو حجة عندنا، بعد انصراف ابن زياد في سنده


(1) الوسائل الباب 11 - من ابواب احكام المضاربة الحديث - 1 -

[ 405 ]

إلى ابن أبى عمير، لغلبة التعبير به عنه، ولا في متنه بظهوره في كون الجارية من غير مال المضاربة، ولذا كان ربحها للمالك ووضيعتها عليه، وعدم الاذن فيه بالوطى لامكان دفعها بانه يدل على تأثير الاذن السابق على الشراء، ولا فرق بين مال المضاربة وغيره، وظهور معك في ذلك نعم حمله على ما ذكرنا أولى من الجرأة به على مخالفة القواعد والضوابط، وخصوصا بعد تفرد الشيخ بالعمل به على الوجه المنسوب إليه، هذا كله في الاذن السابقة. (أما لو أحلها) له (بعد شرائها) ولم يكن ثم ربح فيها (صح) قطعا مع القطع بعدم ربح فيها فعلا، لاطلاق الادلة، ولو كان فيها ربح بني على جاز تحليل أحد الشريكين للاخر، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، بل في الرياض هنا " يشكل التحليل مع عدم القطع بعدم الربح إن قلنا بالمنع في صورته، لاحتمال الشركة الموجبة للمنع في نفس الامر، فيجب الترك من باب المقدمة قال ": ويحتمل الجاز مطلقا كما قالوا لاصالة عدم حصول الظهور، ولا ريب أن الاحوط تركه " قلت وإن كان الاقوى الجواز لاصالة عدم الشركة. المسألة (السادسة عشرة:) إذا مات وفى يده أموال مضاربة لمتعددين (فإن علم مال أحدهم بعينه كان أحق به) بلا خلاف ولا إشكال، (وإن جهل) مال كل واحد منهم بخصوصه (كانوا فيه سواء) بمعنى أنه يقسم بينهم على نسبة أموالهم، كما في اقتسام غيرهم من الشركاء، كما سمعته في نظائره في كتاب الصلح هذا، إذا كانت مجتمعة على حدة، أما إذا كانت مع ماله ففي المسالك " إن الغرماء بالنسبة إلى جميع التركة كالشريك، إن وسعت أموالهم أخذوها، وإلا تحاصوا ". قلت: الاصل في ذلك خبر السكوني (1) " عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام أنه كان يقول: من يموت وعنده مال مضاربة قال إن سماه بعينه قبل موته فقال: هذا لفلان فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو أسوة الغرماء " وفيما حضرني


(1) الوسائل الباب - 13 - من ابواب احكام المضاربة الحديث

[ 406 ]

من نسخة الرياض شارحا لمتن النافع (" ولو كان في يده أموال مضاربة لمتعددين فمات وعلم بقاؤها في تركته فلو كان عينها لواحد منهم، أو علمت منفردة بالقرائن المفيدة للعلم، فلا بحث، وإلا تحاص فيه أي في المجتمع من أموال المضاربة الغرماء وأرباب الاموال على نسبه اموالهم للخبر، إلى آخره. قلت: ليس في الخبر سوى أنه إذا لم يذكر الميت مال المضاربة المعلوم كونه في يده فرب المال كباقي الغرماء، وهذا غير ما ذكره من تحاص الغرماء وارباب الاموال في المال المعلوم كونه مال مضاربة لمتعددين، بل أقصاه يكون مشتركا بينهم ثم قال متصلا بما سمعت: " هذا إذا كانت أموالهم مجتمعة في يده على حدة، وأما إذا كانت ممتزجة مع جملة ماله مع العمل بكون موجودا فالغرماء بالنسبة إلى جميع التركة كالشريك، إن وسعت التركة أم والهم أخذوها، وإن قصرت تحاصوا، كذا قيل، و الوجه في حرمان الورثة مع قصور التركة عن مالهم أو مساواتها له مع فرض وجود مال للمورث غير واضح، إلا مع ثبوت موجب ضمان التلف من أموالهم من تعد أو تفريط، لثبوت امانيته وعدم ضمانه للتلف إلا مع أحد الامرين، كما مر، و الاكتفاء في الضمان باحتمال أحدهما مدفوع بالاصل، وعموم (1) " على اليد " مخصص بما دل على أمانته، فالوجه ضرب الورثة مع الغرماء في التحاص، وأخذهم جميع ما لمورثهم مع العلم بعدم تلف شئ منه، ومع احتماله يتحاصون معهم بنسبة مالهم ويمكن حمل كلام القائل عليه بتعميم الغرماء في كلامه للورثة بضرب من التغليب. ولكن يشكل بتوقف ذلك على معرفة مقدار مال الميت، ومعلومية نسبته بالاضافة إلى اموالهم، ولو جهل أشكل الحك في ضربهم معهم في التحاص. قلت: يمكن أن يكون المستند في الاول ما سمعته من النص المؤيد بالفتوى الذى قد تضمن الحكم بكون رب المال غريما مع العلم بكون مال المضاربة في التركة وعدم ذكر الميت له بعينه. وعلى كل حال فهذا كله مع العلم بكون المال (ف‍) ى التركة وأما مع


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

[ 407 ]

عدمه ب‍ (أن جهل كونه) أي ما في يد الميت (مضاربة) لاحتمال التلف أو غيره (قضي به ميراثا) عند المصنف وثاني الشهيدين وسيد الرياض، قضاء الحكم اليد بل لا ضمان عليه للمضاربة، لاصالة البراءة وكونه أمانة لا يضمنها إلا مع التعدي أو التفريط، ولم يثبت، وأصالة بقاء المال لا يقتضى ثبوته في ذمته مع كونه امانة، بل ولا في تركته، وعدم الوصية به أعم من اقتضاء الضمان، إذ لعله تلف من غير تفريط. لكن قد تقدم في كتاب الرهن ما يستفاد منه وجه الضمان، أو الحكم بالبقاء في التركة وإن كان لا يخلو من صعوبة، بل منع، أما الاول فقد يقال: إن الاصل الضمان، لعموم (1) " اليد " وانما خرج الامين الذى يدعي التلف بغير تعد ولا تفريط أما مع عدم دعواه فتبقى قاعدة الضمان بحالها، لا اقل من الشك في شمول ادلة الامين لمثل هذا الفرد، والاصل الضمان والله العالم. إلى هنا تم الجزء السادس والعشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه اليد بل لا ضمان عليه للمضاربة، لاصالة البراءة وكونه أمانة لا يضمنها إلا مع التعدي أو التفريط، ولم يثبت، وأصالة بقاء المال لا يقتضى ثبوته في ذمته مع كونه امانة، بل ولا في تركته، وعدم الوصية به أعم من اقتضاء الضمان، إذ لعله تلف من غير تفريط. لكن قد تقدم في كتاب الرهن ما يستفاد منه وجه الضمان، أو الحكم بالبقاء في التركة وإن كان لا يخلو من صعوبة، بل منع، أما الاول فقد يقال: إن الاصل الضمان، لعموم (1) " اليد " وانما خرج الامين الذى يدعي التلف بغير تعد ولا تفريط أما مع عدم دعواه فتبقى قاعدة الضمان بحالها، لا اقل من الشك في شمول ادلة الامين لمثل هذا الفرد، والاصل الضمان والله العالم. إلى هنا تم الجزء السادس والعشرون من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه ومقابلته للنسخة المصححة التى قوبلت بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه. ويتلوه الجزء السابع والعشرون في أحكام المزارعة والمساقاة انشاء الله تعالى على الاخوندي


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية