جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 29


[ 1 ]

جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 من الهجرة حققه وعلق عليه: محمود القوچانى عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجى الجزء التاسع والعشرون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه، وطبع بنفقة المكتبة الاسلامية طهران شارع البوذر جمهرى تليفون 521966 جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة المحقق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الغر الميامين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين. إن كتاب (جواهر الكلام) في شرح شرائع الاسلام موسوعة سامية غنية عن البيان والتعريف، لشهرتها وانتشار اسمها، إذ هي من أعظم الكتب الفقهية الاستدلالية، وفي مقدمة الموسوعات سعة وجمعا وإحاطة بأقوال العلماء وأدلتهم وأنه الكتاب الكامل في جميع أبواب الفقه كلها الجامع لجميع كتبه، وثمة ميزة تفرد بها: هي أنه على نسق واحد من أوله إلى آخره، وبنفس السعة التى ابتدأ بها انتهى إليها. لذلك وفق الكتاب توفيقا منقطع النظير في إقبال أهل العلم عليه من السلف إلى الخلف، حتى أن المجتهد ليستطيع أن يطمئن إلى استنباط الحكم الشرعي بالرجوع إليه، وقد يستغني به عن كثير من الكتب الفقهية الاخرى. ولما رغب سيادة الناشر الكريم الاستاذ الفاضل السيد إسماعيل الكتابچى - مدير المكتبة والمطبعة الاسلامية بطهران - وفقه الله وسدده في المبادرة باخراج بقية اجزاء جواهر الكلام. حيث سبق لسماحة حجة الاسلام والمسلمين شيخنا الوالد دام ظله أن تصدى تصحيح وتحقيق النصف الاول من هذه الموسوعة، وطبع في (21) جزءا في النجف

[ 3 ]

الاشرف - ورغب أن يكون تحقيقه على النمط الاول فقد عهد إلى بأن اشارك معه في إخراج بقية أجزاء الكتاب التي ينوى إخراجها بما يوافق طبيعة العصر الحاضر وذوق الفقهاء الكرام. ولما رأيت رغبته الملحة أجبته بالرغم من كثرة أشغالي وشغل بالي مبتغيا رضا الله سبحانه بتشجيعه ومساندته خدمة للدين وطمعا بثواب رب العالمين. وبما أن هذا الكتاب مع تعدد طبعاته كان سقيما في نسخة وإخراجه وتشويشه وتشويه عناوينه وأبوابه مع كثرة الاغلاط الفاحشة المغيرة للمعنى لذلك اقتفيت طريقتنا التى كنا نستعملها في تصحيح وتحقيق الاجزاء السابقة مع شيخنا الوالد دام ظله، وهى: 1 - الاعتماد في تصحيح الكتاب على مقابلته بدقة على النسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف (قده) التي تفضل بها علينا الحجة الشيخ محمد تقي الجواهري، وفي بعض الاحيان لم نكتف بهذه النسخة لعدم سلامة العبارة وسلاستها لاحتمال الخطاء فيها، فكنت اراجع النسخة الخطية التى كتبها المصنف طاب ثراه بقلمه الشريف (وهي المحفوظة في المكتبة العامة للسيد الحكيم قدس سره في النجف الاشرف) وقد استفدت منها في عدة موارد، لوجود بعض الاختلافات مع هذه النسخة. 2 - مقابلة المتن على كتاب الشرائع وتمييز المتن عن الشرح بأقواس مشجرة تفصل بينهما وقد عانيت كثيرا في هذه الجهة عند ادماج المؤلف (قده) بعض حروف المتن في الشرح وبالعكس. 3 - إخراج الاحاديث التى يستدل بها في جميع الابواب والاشارة إلى مواضعها في التعليقة بدوا من الوسائل والمستدرك ثم بقية المصادر الخاصة والعامة ومقابلتها على تلك المصادر، والاشارة إلى الاختلافات المهمة دون اليسيرة منها في غالب الروايات التي يستدل بها صاحب الجواهر (قده) فلم نتعرض لتلك الاختلافات الطفيفة.

[ 4 ]

وحيث كان العمل في هذا المضمار يحتاج إلى الاستعانة في المقابلة على النسخة المخطوطة والروايات على مصادرها كان فضيلة الاخ العلامة الشيخ محمد القوچاني وفقه الله خير معين لي، فاني أشكر جهوده في المشاركة وسرعة انجاز هذا المشروع. والحمد لله وله الشكر أولا وآخرا. النجف الاشرف صبيحة يوم ولادة سيد الاوصياء امير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء 13 / رجب / 1395 محمود القوچانى

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب النكاح) الذي هو في اللغة للوطء عند المشهور بل عن المختلف الاجماع عليه، بمعنى اتفاق أهل اللغة، قال في محكى الصحاح: " النكاح الوطء وقد يقال للعقد " وفي محكى المغرب " أصل النكاح الوطء ثم قيل للتزويج نكاح مجازا، لانه سبب للوطء " ولا ينافيه ما عن القاموس من " أنه الوطء والعقد " لانه كثيرا ما يخلط بين الحقيقة والمجاز واللغة والشرع، بل قيل: إنه في الشرع أيضا كذلك، لاصالة عدم النقل وقيل: إنه العقد فيهما، لشيوع استعماله كذلك، فاطلاقه حينئذ على الوطء اطلاق لاسم السبب على المسبب، بل عن الراغب إنه محال أن يكون في الاصل للجماع ثم استعير للعقد، لان أسماء الجماع كلها كنايات، لاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفضعونه " لما يستحسؤنه " وقيل: إنه مشترك بينهما فيهما، لاستعماله فيهما كذلك، والاصل في الاستعمال الحقيقة، وقيل: إن أصله الالتقاء، يقال: تناكح الجبلان إذا التقيا، وعن الفرا " إن نكح المرأة بالضم بضعها أي فرجها " وقيل: أصله الضم، وعن المصباح المنير يقال: " إنه مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكحت الاشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الارض إذا اختلط بثراها " وعلى هذا فيكون

[ 6 ]

النكاح مجازا في العقد والوطء جميعا لانه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما. ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة، نحو نكح في بني فلان، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو نكح زوجته، وذلك من علامات المجاز، وإن قيل: إنه غير مأخوذ من شئ، فيترجح الاشتراك، لانه لا يفهم واحد من قسميه إلا بقرينة، وفيه أن من قال بالاخذ فانما يقول بكونه حقيقة في عرف اللغة فيهما أو في أحدهما، ولا ينافي التجوز باعتبار أصله، على أن لزوم التجوز إنما يسلم إن لم يكن إطلاقه على الوطء من جهة كونه ضما واختلاطا ومخامرة وغلبة والتقاء وهو ممنوع. وعلى كل حال فقد عرفت أن المشهور كونه للوطء لغة، كما أن المشهور كونه للعقد شرعا، بل عن ابن إدريس نفي الخلاف فيه، بل عن ابن فهد والشيخ والفخر الاجماع عليه، لغلبة استعماله فيه، حتى قيل: إنه لم يرد لفظ النكاح في الكتاب العزيز بمعنى الوطء الا في قوله تعالى (1) " حتى تنكح زوجا " بل قيل: إنه فيها بمعنى العقد أيضا، واشتراط الوطء إنما علم من دليل آخر، نعم، في المصابيح للعلامة الطباطبائي الظاهر أن النزاع في المسألة مبني على الخلاف المشهور في الحقيقة الشرعية، فعلي القول بالثبوت يكون النكاح حقيقة في العقد مجازا في الوطء، وعلى العدم يكون الامر بالعكس، والقول بثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ النكاح خاصة دون سائر الالفاظ كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها على ما يوهمه الاجماع المنقول مع بعده في نفسه غير معروف ولا منقول عن أحد، مع أن الظاهر كون الدعوى هناك نفيا وإثباتا على الوجه الكلي، وأن النافي للحقيقة الشرعية يدعى السلب الكلي، وثبوتها في لفظ النكاح أعنى الايجاب الجزئي يناقضه. قلت: هذا حاصل كلام الاصحاب في المقام، لكنه إن لم يتحقق الاجماع لا يخلو من بحث، ضرورة استعمال لفظ النكاح المقابل للسفاح قبل الشرع، نحو


(1) سورة البقرة: 2 الاية 230.

[ 7 ]

إستعمال لفظ البيع والصلح والاجارة ونحوها، بل ظاهر عنوان الاصحاب لها وجعل كل منها في كتاب أنها جميعا من واد واحد، فكتاب عقد البيع وعقد الصلح وعقد الاجارة وعقد النكاح بمعنى واحد، بل لو ادعى مدع أن الاضافة في خصوص الاخير بيانية دون غيرها لكان من الغرائب، وقد عرفت في أول كتاب البيع أن الاصح كونه اسما للنقل لا للانتقال ولا للعقد، كما أوضحناه على وجه لا يكاد يعتريه شك، وقلنا: إنه المطرد في سائر استعمالات ألفاظه، حتى ألفاظه الواقعة في إيجاب عقده، ضرورة عدم صحة إرادة العقد منها بعد فرض كونها إيجابا له، فلا يراد من " بعت " إيجابا " عقدت " ولا الانتقال، بخلاف النقل، وذلك كله جار في لفظ " أنكحت " إيجابا فان إرادة العقد منها واضح الفساد، وكذلك الوطء، فليس حينئذ إلا النقل والتسليط على البضع وإثبات السلطنة عليه، وهذا هو المراد بالنكاح، نحو البيع والصلح والاجارة وغيرها، والعقود إنما هي سبب في حصولها. ولئن كان في اذنيك وقر عن سماع هذا فلا ريب في عدم ثبوت حقيقة شرعية له بل هو لغة وشرعا مستعمل في العقد والوطء خصوصا والضابط في الحقيقة الشرعية ما كان حقيقة في لسان المتشرعة، بمعنى أنه ما كان كذلك عندهم، فهل هو حقيقة عند الشارع فيه أو لا ؟ ولا ريب في عدم ثبوت الحقيقة المتشرعية في لفظ النكاح عندهم، وكونه بمعنى العقد على وجه لو استعملوه في الوطء احتاجوا إلى قرينة نحو قرائن المجازات، بل ستعرف فيما يأتي إنشاء الله تعالى من البحث في العقد عدم معاملة عقد النكاح معاملة غيره من الحقائق الشرعية المجملة، نحو الصلاة وغيرها، على وجه يأتي البحث فيما شك في جزئيته وشرطيته ومانعيته، بل عاملوه معاملة غيره من العقود المستدل باطلاق الاية (1) على نفي جميع ما يدعى شرطيته. ومن الغريب دعوى عدم شيوع النكاح بمعنى الوطء في لسان الشرع، فان ملاحظة الاخبار النبوية (2) فضلا عن غيرها الواردة في النكاح والمرغبة فيه


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح

[ 8 ]

باعتبار النسل ونحوه مما لايراد منه إلا معنى الوطء أقوى شاهد على بطلانها، كما لا يخفى على من خلع ربقة التقليد عن عنقه، بل لا يخفى عليه وضوح فساد دعوى الحقيقة الشرعية في لفظ النكاح من بين أسماء العقود. (و) كيف كان ف‍ (أقسامه ثلاثة): (القسم الاول في النكاح الدائم) (والنظر فيه يستدعى فصولا) الفصل (الاول) (في آداب العقد والخلوة ولواحقها) وفيه حينئذ ثلاثة مباحث (اما) الاول ففى (آداب العقد) (النكاح) مشروع، بل (مستحب لمن تافت) واشتاقت (نفسه) إليه، (من الرجال والنساء) كتابا (1) وسنة (2) مستفيضة أو متواترة، واجماعا بقسميه من المسلمين فضلا عن المؤمنين، أو ضرورة من المذهب بل الدين قال الله تعالى (3) " وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم " فان أمر الاولياء شرعا أو عرفا والسادات بانكاح الايامى أي العزاب من الاحرار مطلقا وخصوص الصالحين من العبيد والاماء والترغيب فيه ليس إلا لفضيلة النكاح ورجحانه في نفسه، وكون الا نكاح سببا لوجوده ومؤديا إلى حصوله، فلو لم يكن النكاح مندوبا إليه ولا مرغبا فيه لزم أن يكون مقدمة


(1) سورة النور: 24 - الاية 32. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح. (3) سورة النور: 24 - الاية 32.

[ 9 ]

المباح مندوبة من حيث إنها مقدمة له، وفساده ظاهر، خصوصا مع ملاحظة قوله تعالى: " إن يكونوا " إلى آخره. الظاهر في أنه رد لما عسى أن يمنع من النكاح ويزهد الناس فيه من خوف العيلة بأن الله الواسع العليم يغنيهم من فضله، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله (1): " اطلبوا الغنا في هذه الاية " وقال صلى الله عليه وآله (2) أيضا: " من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله، إن الله عزوجل يقول: إن يكونوا " إلى آخره. ولا ينافي ذلك قوله تعالى (3): " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى بغنيهم الله من فضله " إذ هو إنما يدل على الاستعفاف لمن لا يجد النكاح ولا يتمكن منه ولو بحصول من ينكحه، وأن ذلك أولى له من تحمل المنة والذل والسؤال في تحصيل ما ينكح به، إذا النكاح وإن كان مندوبا إلا أنه إذا توقف على مقدمات مكروهة مرجوحة سقط الخطاب باستحبابه حينئذ لا أنه ترتفع مرجوحية المرجوح له، والحاصل أن المراد ترجيح الاستعفاف على النكاح المتوقف على عدمه، وهذا لا ينافي استحبابه مع التمكن ولو مع الفقر، على أن المروي عن الصادق عليه السلام (4) في تفسيره " يتزوجوا حتى يغنيهم الله من فضله " ولعل المراد أنهم يطلبون العفة بالتزويج والاحصان ليصيروا بذلك أغنياء، أو ليحصل لهم به الغنا من الفقر، كما رواه إسحاق بن عمار (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحديث الذي يرويه الناس حق إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج، ففعل ثم أتاه فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج، حتى أمره ثلاث مرات ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: نعم هو حق، ثم قال: الرزق مع النساء والعيال " وفي النبوى (6)


(1) الدر المنثور ج 5 صفحه 45. (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2. (3) سورة النور: 24 - الاية 33. (4 و 5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2 - 4. (6) اشار إليه في الوسائل في الباب - 20 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 3

[ 10 ]

" تزوجوا للرزق، فان لهن البركة ". ومن ذلك يظهر لك ما قيل في دفع المنافاة بين الايتين بأن الاولى وردت لنهي عن رد المؤمن وترك تزويج المؤمنة لاجل الفقر: والثانية لامر الفقير بالصبر على ترك النكاح حذرا من تعبه حالة الزواج، أو أن الاولى للنهى عن تركه مخافة الفقر اللاحق، والثانية للامر بالاستعفاف للفقر الحاضر، ضرورة أنه كما لا ينبغي رد المؤمن أو ترك تزويج المؤمنة لاجل الفقر فكذا لا ينبغي ترك التزويج للفقير باعتبار فقره كما سمعته في الخبر السابق، وكما أن الفقر اللاحق لا يمنع، بل يستحب معه التزويج، فكذا الحاضر، فان التزويج معه مستحب أيضا لان الظاهر من الاية الاولى ثبوت الفقر حال التزويج، وأن المراد إن يكونوا فقراء حال التزويج يغنهم الله من فضله بعده، لا أنهم إن صاروا فقراء بعده أغناهم الله، بل الامر بالانكاح حال الفقر يدل على أنه حال النكاح غير مانع، فلا يكون الصبر على تركه مطلوبا، وقد سمعت الخبر المزبور الصريح في ذلك. وحينئذ فلا إشكال في دلالة الاية على المطلوب. نعم ما وقع من غير واحد من الاستدلال عليه بقوله تعالى (1) " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " باعتبار اشتماله على الامر الذي أقرب المجازات إلى معناه الحقيقي بعد تعذره الندب لا يخلو من نظر، ضرورة عدم استفادة أكثر من الاباحة منه، باعتبار تعليقه على خوف ترك


وذكره في الفقيه - ج 3 ص 245 - الرقم 1161 وفيه " تزوجوا الرزق فان فيهن البركة " ولم اعثر على اللفظ الذى ذكره (قده). والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف، فان الموجود في الكافي - ج 5 ص 335 على ما رواه في الوسائل في نفس الباب أيضا والبحار - ج 103 ص 237 بطريق آخر وكنوز الحقائق على هامش الجامع الصغير حرف التاء كلمة " تزوجوا " وكنز العمال ج 8 ص 344 - الرقم 3909 " تزوجوا الزرق فان فيهن يمينا ". (1) سورة النساء: 4 - الاية 3.

[ 11 ]

القسط والعدل المشعر بكون الامر لانتفائه في المأمور به وسلامته عنه، وذلك قرينة واضحة على إرادة الرخصة منه من غير التفات إلى الوجوب والندب، والمعنى حينئذ إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، فانهم كما قيل كانوا يتزوجون اليتامى اللاتي في حجورهم، طمعا في المال أو رغبة في الجمال، فيجتمع عند الواحد منهم منهن ما لا يقدر على القيام بحقه، أو إن خفتم أن تجوروا على من لكم الولاية عليهم من يتامى النساء بأخذ أموالهن وصرفها في مؤن تزويجكم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، ولا تزيدوا حتى لا يحوجكم إلى ذلك، فقد قيل: إن الرجل من قريش كان يتزوج العشر من النساء وأكثر، فإذا اعدم تناول من أموال اليتامى المولى عليهم، فنزلت هذه الاية (1) أو غير ذلك مما قيل في الاية مما هو مشترك فيما ذكرناه من عدم الالتفات فيه إلى الوجوب والندب، وأنه لايراد منه سوى الرخصة والاباحة، نحو قول القائل: " إن خفت من ضرر هذا الطعام فكل من ذلك " فان المفهوم أن الطعام المأمور به خال عن الضرر مرخص في أكله، وأما أن أكله مطلوب ومراد فلا يفهم منه، على أن المفهوم من الاية المنع عما زاد على الاربع، ومن ثم استدلوا بها على حصر الجواز في ذلك، بل أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزولها من كان عنده أزيد من أربع بامساك الاربع وتسريح البواقي (2) وذلك إنما يصح لو كان الامر للاباحة، فان مفهوم العدد حينئذ يقتضى تحريم الزيادة، بخلاف ما لو كان الامر للندب، فانه يقتضي حينئذ عدم استحبابها، وهو أعم من تحريمها، والامر سهل بعد تعدد الادلة على المطلوب غيرها آية ورواية.


(1) تفسير الطبري ج 4 ص 233. (2) الموجود في سنن البيهقى ج 7 ص 149 وغيرها في هذا الباب أنه صلى الله عليه وآله أمر بامساك أربع ومفارقة سائرهن بالنسبة الى من أسلم وكان عنده عشرة أو ثمانية نسوة.

[ 12 ]

ففي النبوي المروي بين الفريقين (1) " النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني " وفي الروضة " من رغب عن سنتي فليس مني " (2) وأن " من سنتي النكاح " (3) وعن الكافي عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام (4) إنه قال: " تزوجوا فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أحب أن يتبع سنتي فان من سنتي التزويج " وعلى كل حال فدلالته على المطلوب ظاهرة، فان سنة النبي صلى الله عليه وآله وطريقته إما واجبة أو مندوبة، إذ لا يطلق على المباح والمكروه أنه من سنته صلى الله عليه وآله وإن كان الحكم بهما منها، على أن قوله صلى الله عليه وآله: " فمن رغب " الى آخره زجر عن الرغبة عن النكاح، وحث منه على الرغبة فيه، وليس إلا لرجحانه وفضيلته. وفي صحيح صفوان بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام (5) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تزوجوا وزوجوا " الحديث. وفي صحيح أبي خديجة عنه عليه السلام أيضا (6) " إن الله يحب البيت الذي فيه العرس، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شئ أبغض إلى الله من الطلاق " بل في النبوي (7) " ما بني بناء أحب إلى الله تعالى من التزويج " وفي آخر (8) " ما من شئ أحب إلى الله عزوجل من بيت يعمر في الاسلام بالنكاح ". وموثق عبد الله بن ميمون القداح عنه عليه السلام أيضا (9) " ركعتان يصليهما


(1) البحار ج 103 ص 220 الطبع الحديث. وسنن ابن ماجه ج 1 ص 567 (أبواب النكاح الباب 2). (2) الوسائل الباب - 48 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 48 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1 و 3. (4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 14 - 10. (6) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق - الحديث 2 - من كتاب الطلاق عن أبى خديجة عن أبى هاشم، الا أن الموجود في الكافي ج 6 ص 54 عن أبى خديجة. (7 و 8) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 4 - 10. (9) الوسائل الباب - 2 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1.

[ 13 ]

المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب ". وخبر كليب الاسدي عنه عليه السلام أيضا (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من تزوج أحرز نصف دينه ". وفي حديث آخر (2) " فليتق الله في النصف الاخر " وحسن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام (3) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أحببت من دنياكم إلا النساء والطيب " وموثق إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام (4) " من أخلاق الانبياء حب النساء ". وموثق يحيى بن يزيد عنه عليه السلام أيضا (5) " ما أظن رجلا يزداد في هذا الامر خيرا إلا ازداد حبا للنساء ". إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك بأنواع الدلالة، خصوصا ما ورد منها في مدح الساعي بالتزويج. كالنبوي المروي عن كتاب عقاب الاعمال (6) " من عمل في تزويج بين مؤمنين حتى يجمعهما زوجه الله ألف امرأة من الحور العين، كل امرأة في قصر من در أو ياقوت، وكان له بكل خطوة خطاها أو بكل كلمة تكلم بها في ذلك عمل سنة، قيام ليلها وصيام نهارها، ومن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان عليه غضب الله ولعنته في الدنيا والاخرة، وكان حقا على الله أن يرضخه بألف صخرة من نار، ومن مشى في فساد ما بينهما ولم يفرق كان في سخط الله ولعنته في الدنيا والاخرة، وحرم الله عليه النظر إلى وجهه ". بل عن داود الظاهري وجوب النكاح، وعن غيره وجوبه على خصوص من


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 11 - 12. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 4 والباب - 89 - من أبواب آداب الحمام - الحديث 8 من كتاب الطهارة. وفي الموضعين " ما أصيب " الا أن في الكافي - ج 5 ص 321 " ما أحب ". (4 و 5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2 - 3 والثانى عن عمر بن يزيد. (6 الوسائل الباب - 12 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 5.

[ 14 ]

تاقت نفسه، وإن كان كل منهما معلوم الفساد، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، بل لعل الضرورة من المذهب والدين على ذلك، نعم في مصابيح العلامة الطباطبائي " إعلم أن الوجوب المنفي هو الوجوب العيني على كل أحد أو على من تاقت نفسه إلى النكاح، وأما الوجوب الكفائي أي وجوب ما يقوم به النوع فيجب القطع بثبوته، حتى لو فرض كف أهل ناحية أو مصر عن النكاح وجب على الحاكم إجبارهم عليه، لئلا ينقطع النسل ويتفاني النوع، والظاهر أنه لا خلاف فيه، ولا في الوجوب العيني إذا أفضى تركه إلى الوقوع في المحرم لان سبب الحرام حرام وتحريم ترك التزويج يستلزم وجوب التزويج، فالحكم بنفي الوجوب رفع للايجاب الكلي، لا سلب كلي، أو المراد نفي الوجوب لمجرد توق النفس، فلا ينافي ثبوته للافضاء إلى المحرم ". وفيه إمكان منع وجوبه الكفائي على وجه يشمل أهل مصر ونحوه، للاصل وإطلاق الادلة، وأقصى ما يمكن تسليم وجوب ما يحصل الفساد في النوع الانساني بتركه، كما أنه يمكن منع الوجوب العيني فيما ذكره بمنع إفضاء ترك التزويج إلى المحرم على وجه العلية، لوجود الاختيار وبقاء القدرة على تركه معه، ولعله لذا أطلق الاصحاب الحكم بالاستحباب لمن تاقت نفسه، هذا كله فيمن تاقت نفسه. (و) أما (من لم تتق) نفسه ف‍ (في) استحبابه ل‍ (ه خلاف) لكن (المشهور استحبابه ل‍) عموم أكثر الادلة وإطلاقها، كقوله تعالى (1): " وانكحوا الايامي " و (قوله) أي النبي صلى الله عليه وآله فيما رواه عنه الكاشاني في مفاتيحه: (تناكحوا تناسلوا) - وفي بعض نسخ المتن وتناسلوا بالواو - فاني اباهي بكم الامم يوم القيامة، حتى أن السقط ليجيئ محبنطئا على باب الجنة، فيقال له: ادخل، فيقول: لا حتى يدخل أبواي " وإن كنا لم نقف عليه على هذا الوجه فيما وصل إلينا من كتب الخاصة


(1) سورة النور: 24 - الاية 32.

[ 15 ]

والعامة. نعم في محكى الفقيه عن الصادق عليه السلام (1) " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تزوجوا، فاني مكاثر بكم الامم غدا في القيامة، حتى أن السقط يظل محبنطئا على باب الجنة " إلى آخره. والكافي والتهذيب عنه عليه السلام أيضا (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " تزوجوا الابكار - إلى أن قال - أما علمتم أنى اباهي بكم الامم يوم القيامة، حتى بالسقط يظل محبنطئا على باب الجنة، فيقول الله عزوجل: ادخل الجنة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلي، فيقول الله تبارك وتعالى لملك من الملائكة: آتني بأبويه، فيأمر بهما إلى الجنة، فيقول: هذا لفضل رحمتي لك " وعن العامة أنهم رووا (3) أنه صلى الله عليه وآله قال: " تناكحوا تكثروا، فاني اباهي بكم الامم حتى بالسقط " لكن الامر سهل، فان لفظ هذه الروايات وإن كان مغايرا، إلا أن المعنى متحد. (ولقوله صلى الله عليه وآله) فيما روته العامة عنه (4) (شرار موتاكم العزاب) وفي طرقنا (5) " إن أراذل موتاكم العزاب " أو " رذال موتاكم العزاب (6) " وعلى كل حال فالعزاب بالضم والتشديد الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، وعن بعضهم أن العزب من لاأهل له، فيخرج عنه المتسرى، بخلاف الاول، والرذل الدون الخسيس، وبالضم ما انتفى جيده، والمستفاد من الحكم بالرذالة رجحان التزويج وكراهة العزوبة، فانها لا تزيد على الخسة والضعة وهي لا تقتضي التحريم وإن كانت لا تنافيه، نعم قد يقتضي ذلك


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 وفيه " أن السقط يجئ محبنطئا ". (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2. (3) الجامع الصغير - ج 1 ص 133. (4) مسند أحمد - ج 5 ص 163 وفيه " شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم " ولم أجد نص ما ذكره (قده) في مصادر العامة مع التتبع الكثير في مظانه وانما رواه بهذا اللفظ في البحار - ج 103 ص 220 الطبع الحديث وفى فقه الرضا عليه السلام ص 77. (5 و 6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 3.

[ 16 ]

لفظ الشرار لكنه محمول على المبالغة في أمر التزويج، والتشديد في كراهة العزوبة، أو على من أفضت به العزوبة إلى الوقوع في المحرم في وجه، أو أن المراد من لا خير فيه من الاراذل كما قيل في قوله تعالى حكاية عن الكفار (1): " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار " يعنون بهم أصحاب الضعة وغيرهم من فقراء المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم ويستهزؤن بهم، أو أن المراد بالعزاب خصوص من لا يعتني منهم بالسنة، ولا يبالى بكمالات الشرع الشريف، ولا ريب في أنه من الاشرار. ثم المراد بالعزب الذي هو من الاشرار والاراذل من ثبت له وصف العزوبة على الدوام، أو في غالب الازمنة والاحوال بحيث يضمحل خلافه في جنبه، ومقتضاه استحباب أن يكون له أهل يتمكن منها غالبا، وليس المراد من ثبت له الوصف في الجملة ولو نادرا لان جل الناس أو كلهم عزاب بهذا التفسير، إذ قل ما يتفق لاحد دوام التأهل من ابتداء البلوغ إلى حين الوفاة لا يتخلله عزوبة أصلا، وخصوصا إذا فسرنا العزوبة بما يشمل الانقطاع من الاهل أيضا، ولا من كان على صفة العزوبة حال الموت خاصة، إذ يلزم منه أن يكون المتأهل الذي اتفقت له العزوبة عند موته من الاشرار، والعزب الذي يتفق له التأهل كذلك من الاخيار، وهو بعيد جدا، فالاعتبار إذن بالغلبة كما ذكرناه، إما في كلا الامرين أو في خصوص العزوبة عملا بمقتضى الاصل. (ولقوله صلى الله عليه وآله) فيما رواه عنه الصادق عليه السلام في خبر القداح المروي عن الكافي (2) (ما استفاد امرء) - بفتح الراء وضمها - (فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره) - صفة بعد صفة، أو استيناف بياني، كأنه قيل وأي فضل فيها فاجيب بأنها تسره - (إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله) أي ترعى حقه، بأن لا تخونه فيهما، ولا يخفى اقتضاء اشتمال التزويج على هذه الامور فضيلته إما لانها مطلوبة ومرادة في ذاتها، أو لكونها مرافق لحصول الطاعة


(1) سورة ص: 38 - الاية 62. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبوا ب مقدمات النكاح - الحديث 10.

[ 17 ]

وتيسير العبادة المطلوبين، وعلى كل حال فالغرض بيان أفضلية التزويج من غيره بشهادة المقام ودلالة العرف، فانه إذا قيل: ليس في البلد أفضل من زيد، فهم منه أنه أفضل علماء البلد، لا نفي الافضل منه وإن أمكن المساوى له، كما يقتضيه المعنى بحسب اللغة. وهذه العبارة تحتمل معنيين: أحدهما أن التزويج أفضل ما يستفاد بعد حصول الاسلام، ومقتضاه أن لا فائدة فيه قبل حصوله، لا أن فضيلته متأخرة عنه، وثانيهما أن الاسلام أفضل ما استفاده المرء، ثم الافضل من بعده التزويج، والمراد من الفائدة إما خصوص الفائدة العاجلة، كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " تسره إذا نظر إليها " الى آخره، وحينئذ فكون التزويج أفضل الفوائد بعد الاسلام ناظر الى ما في الاسلام من الفوائد الدنيوية، كوقاية النفس واحترام المال والعرض، أو مطلق الفوائد دنيوية كانت أو أخروية، كالعبادات، وعلى هذا فالمراد من أفضلية التزويج أفضليته من بعض الوجوه، فلاينا في أفضلية كثير من أفراد المفضل عليه منه من وجه آخر، وليس المراد أفضلية التزويج من كل وجه، ولا الافضلية المطلقة الراجعة الى تعدد جهات الفضيلة في المفضل، أو تفضيل جهة الفضيلة فيه، نعم يمكن اعتبارها بالمعنى الثاني على التقدير الاول، إذ لا مانع منه، ولا يبعد اعتبارها على الثاني أيضا، لما في التزويج من الفوائد العظيمة التى من جملتها حصول النسل وتكثير النوع المعدين لاضعاف ما يقابل به من العبادات. وفي الحديث دلالة على الاكتفاء بالاسلام في الزوجة، وعدم اشتراط الايمان فيها، لان قوله صلى الله عليه وآله: " زوجة مسلمة " وان كان نكرة مثبتة، إلا أن وقوعها في كلام الحكيم يقتضى عمومها. وفي استفادة اشتراط الاسلام منه نظر من أن التقييد بالمسلمة إنما يقتضى خروج غير المسلمة عما هو الافضل، ولا دلالة في ذلك على المنع، ومن أنه لو جاز تزويج الكافرة لما حسن التقييد فيه بالمسلمة، لتأتي وظيفة النكاح حينئذ بغيرها، وإن كان مكروها كما في سائر من يكره مناكحته، فان الكراهة فيها لا تنافي اشتمالها على مصلحة النكاح،

[ 18 ]

ولذا لم يقع الاستثناء عنها في الحديث، الى غير ذلك من الادلة الدالة باطلاقها أو عمومها باشتمالها على الجمع المحلى والمضاف ومن الموصولة وغير ذلك، بل ما ليس فيه شئ من أدوات العموم قد يستفاد منه ذلك بتوسط القرائن، كالتعليل بتوقع النسل وتكثير العدد (1) وتوسيع الرزق (2) والاستعانة بالزوجة على المطالب (3) فان هذه الامور مشتركة بين من تاقت نفسه الى النكاح ومن لم تتق، بل انتفاء القرينة على ارادة الخصوص كاف في الحمل على العموم في هذه المقامات، لاستحالة الترجيح مع فرض عدم التعيين، ومنافاة الابهام لمقام البيان، فيتعين الحمل على العموم، ولعل تقييد بعضهم بمن تاقت لظهور بعض الروايات فيه، نحو ما تضمن النهى عن العزوبة (4) وأن المتزوج يحرز نصف دينه (5) لكن فيه أن العموم في تلك الاخبار محقق معلوم، والعلة غير معلومة وان كانت مناسبة، فلا يجوز ترك الامر المحقق لاجلها، مع أنها قائمة في حق غير التائق، إذ ليس المراد منه من لا شهوة له الى النكاح أصلا، بل من لم تبلغ شهوته حد المنازعة، والوقوع في المحرم ممكن في شأنه، على أن التوقان أمر غير مضبوط الوقوع، ولا المحل، فربما يحصل مع ضيق الوقت عن كسره بالنكاح، فيخشى منه الوقوع في محرم، فلا ينبغى أن يترك النكاح المحلل ليأمن به عن مواقع الفتنة. وأيضا فلا ريب في حسن النكاح ورجحانه لمن لم تتق بعد ثبوت إباحته له من الشرع وان لم تتناوله عمومات النكاح لتكثير النسل، إذ الانسان مدنى بالطبع يحتاج في تعيشه الى الاجتماع، للتعاون والتشارك في تحصيل الغذاء ونحوه، وفي كثرة الخلق


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2 و 3 و 6 والباب - 16 - منها. (2) الوسائل - الباب - 10 و 11 - من أبواب مقدمات النكاح. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1 و 13. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب مقدمات النكاح. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 11.

[ 19 ]

تسهيل لذلك، وما فيه من السببية لنعمة الوجود للاولاد التي هي نحو نعمة الله في الخلاقية، ومن ثم قرنت طاعة الابوين بطاعة الله (1) عزوجل والشكر لهما بالشكر له (2) قال الله تعالى: " أن اشكر لى ولوالديك الى المصير " ولان الاولاد أعضاد في الدنيا إذا أدركوا، وشفعاء للابوين ما لم يدركوا ومن هنا قال (3) زكريا عليه السلام: " رب هب لى من لدنك ذرية " ووصف الله المؤمنين فقال: " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " (4) مضافا إلى ما فيه من تكثير الامة والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وآله (5): " ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلا لعل الله يرزقه نسمة تثقل الارض بلا إله إلا الله " وإلى ما فيه من إبقاء النوع، ولذا خلق الله الشهوة في الانسان حسب ما خلق فيه الشهوة الى الطعام والشراب إبقاء للنفس، ومن المعلوم أن إبقاء النوع يقتضي إرادة النكاح مطلقا، ولا يختص بمن تاقت، وإلى ما فيه من الخلاص من الوحدة المنهى عنها، والاستعانة بالزوجة على امور الدين، وغير ذلك مما لا يخفى حسنه من الامور المترتبة عليه، والاغراض والمصالح الحاصلة به، فلا ريب حينئذ في حسنه باعتبار كونه سببا في حصولها، وعلة لوجودها، فيكون حينئذ مستحبا شرعا، لكون الاغراض المترتبة عليه من الاغراض الشرعية، على أن حسن النكاح عقلا يستلزم استحبابه شرعا، ضرورة استلزام حكم العقل بحسن النكاح حكم الشرع بذلك، للمطابقة، وحكم الشارع يستلزم كونه مرادا ومطلوبا له، لانه حكيم. (* و *) كيف كان (* ربما احتج المانع بأن وصف يحيي عليه السلام بكونه حصورا (6) يؤذن باختصاص هذا الوصف بالرجحان، فيحمل على ما إذا لم تتق النفس *) وبأن قوله


(1) كنز العمال ج 8 ص 280 - الرقم 4789. (2) سورة لقمان: 31 - الاية 14. (3) سورة آل عمران: 3 - الاية - 38. (4) سورة الفرقان: 25 - الاية 74. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 3. (6) سورة آل عمران: 3 - الاية - 39.

[ 20 ]

تعالى (1): " زين للناس حب الشهوات " الى آخره وارد مورد الذم، خرج منه ما أجمع على رجحانه، فيبقى غيره تحت العموم، وبأن في النكاح تعريضا لتحمل حقوق الزوجة والاشتغال عن كثير من المقاصد الدينية، فالاولى تركه إلا مع خشية العنت، فيستحب لمكان الحاجة. (* ويمكن الجواب *) عن الاول (* بأن المدح بذلك في شرع غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا *) ودعوي أن الاصل بقاء الشرائع السابقة إلا ما دل الدليل على نسخه - فان شرعنا ليس ناسخا لجميع ما في الشرائع السابقة بل المجموع من حيث هو مجموع، للقطع ببقاء كثير منها كأكل الطيبات، ونكاح الحلال، والعبادات الثابتة في جميع الملل، وأيضا فوروده في كتابنا الذى هو في شرعنا من دون إشارة الى نسخه دليل على بقائه فيه، وإلا لم يحسن مدحه عندنا - يدفعها أن الكتاب العزيز والسنة المتواترة الدالين على استحباب النكاح في شرعنا مطلقا يثبت بهما النسخ، ويخرج بهما عن مقتضى الاصل، والمدح على ترك الشهوة الغير الراجحة في شرعه، لحصر النفس ومنعها عن اللذات حسن في شرعنا وإن كانت راجحة فيه، مع أن التوصيف بالحصور لم يقع خطابا لاهل شرعنا ابتداء حتى يجب حسنه عندهم، وانما خوطب به زكريا عليه السلام في مقام البشارة بالولد، وذلك يقتضى حسنه عنده لا عندنا. وربما اجيب أيضا بأنه كان مكلفا بارشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضى للسياحة ومفارقة الزوجة المنافيتين لرجحان التزويج، فلذلك مدحه على تركه، لا لان ترك التزويج من حيث هو كذلك مطلوب ومراد حتى يدل على مرجوحيته، والحاصل أن النزاع في حكم التزويج بالنظر الى تركه المطلق، ولا ينافي استحبابه كذلك رجحان الترك على وجه مخصوص، وما يقال: - إن مثله وارد في شرعنا الذى يستحب فيه التزويج لا تركه - يدفعه منع ورود مثله في شرعنا، ضرورة وجوب رجوع الناس الى من يحتاجون إليه، لا أنه يجب عليه السياحة لتعليمهم، ولو سلم ذلك لوجب القول بترك التزويج لمن هذا شأنه، فان ملازمة التغرب والسياحة مما


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية - 14.

[ 21 ]

لا يتأتى معها القيام بحقوق الزوجية، وحصول التمانع بينها وبين الارشاد يقتضى نقديمه كما في يحيى عليه السلام. ولعل الاولى في الجواب أن المراد بالحصور ما عن كثير من المفسرين من أنه المبالغ في حبس النفس عن الشهوات والملاهي، من الحصر بمعني الحبس، وحينئذ فمدحه عليه السلام بتنكبه عن الشهوات وإعراضه عن الملاهي واللذات كما هو المعهود من حاله على ما حكاه عنه العسكري عليه السلام (1) قال: " ما من عبد لله إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا عليه السلام، فلم يذنب ولم يهم بذنب " عكس المعهود من حال غيره الذى زين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة وغيرها من الملاذ الشهوات، فلا دلالة في الاية على رجحان ترك التزويج، ضرورة أن حصوريته بالمعنى المزبور لا تنافي تزويجه للنسل وغيره، لا للشهوة واللذة ونحوهما. ولعله إلى هذا وما يقرب منه يرجع ما أجيب عنه أيضا بأن مدحه عليه السلام ليس على ترك التزويج حتى يدل على مرجوحيته، بل على انكسار الشهوة الطبيعية له بغلبة الخوف واستيلاء الخشية وقهرها بالعبادات والرياضات، ولا ريب في حسن ذلك ومدحه وإن أدى الى ترك التزويج المطلوب، فان تأدية الشئ الى ترك أمر مطلوب لا ينافي حسنه، لتمانع اكثر الطاعات مع اتصاف جميعها بالحسن، وانما أطلق عليه الحصور لان وجود الشهوة فيه بمنزلة العدم، فكأنه حصور لا شهوة له أصلا، وليس إطلاقه عليه لترك النساء الملزوم لترك التزويج حتى يكون مدحا له على ذلك فيستلزم مرجوحية التزويج، ولا لسلب الشهوة ونزعها عنه بالكلية حتى ينافي وروده مورد المدح والثناء، ووقوعه نعتا لمن لا يليق به النقص. وعلى كل حال فلا دلالة في الاية على رجحان ترك التزويج لمن تتق نفسه إليه. بل مما ذكرنا يستفاد الجواب عن الثاني، ضرورة كون الذم المستفاد من آية التزيين لمن لم يبالوا بالدين وحدوده، واتبعوا ما تهواه أنفسهم من حب


(1) البحار - ج 14 - ص 186 - الطبع الحديث.

[ 22 ]

الشهوات من النساء وغيرها ; لا أنه شامل من تزوج على الوجه الشرعي لارادة النسل والذرية، ورفع الوحشة من الوحدة، والاعانة على كثير من الطاعات والعبادات، وإن لم تكن نفسه تائقة الى التزويج، على أن الاية لو كان المراد ظاهرها لنا في رجحان التزويج لمن تاقت نفسه، ضرورة أولوية اندراجه في آية التزيين من غير التائق. وربما اجيب عن الثاني بأن الذم المستفاد من الاية مختص بمحبة ذلك للشهوة البهيمية دون ارادة الطاعة وامتثال الامر، وفيه أن النكاح ليس من قبيل العبادات الموقوفة على إرادة الطاعة وقصد الامتثال حتى يلزم أن لا يكون فعله على غير ذلك الوجه مستحبا ومرادا، بل من المعاملات التى يكفى في رجحانها وفضيلتها ترتب الاثار والاغراض المطلوبة من الامر عليها، وإن لم يكن وقوعها على وجه الطاعة وقصد الامتثال، ومن المعلوم أن ما يقتضى إرادة النكاح والامر به من المصالح كتكثير النسل والامة وإبقاء النوع والخلاص من الوحدة وغيرها مما لا يختلف الحال فيها بين أن يكون وقوع النكاح بقصد الامتثال وإرادة الطاعة، أو لميل النفس وحب الشهوة، نعم وقوعه على وجه العبادة يتوقف على أن يكون الفعل لاجل أمر الشارع وإرادته، ولا كلام فيه، فان كل أمر مطلوب يصير بالنية وقصد الامتثال عبادة، ويحصل به التقرب، وهذا لا يقتضى توقف حصول المطلوب مطلقا على ذلك، وما يقال: إن المستحب ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، فانما أرادوا به إثابة فاعله على بعض الوجوه، لا على كل وجه. وتحقيق المقام أن ما أمر به الشارع إما أن يكون تعلق الامر به لمصلحة في الفعل لا تحصل إلا بقصد الامتثال وإرادة الطاعة، بحيث لا يكون الاتيان به بدون ذلك مرادا ومطلوبا بذلك الامر كأوامر العبادات، فانها وإن كانت بحسب الظاهر متوجهة الى نفس الفعل إلا أنها في الحقيقة متعلقة به من حيث إنه مأمور به ومراد للشارع، لتوقف صحتها على ذلك، وعدم حصول الامتثال بها من دونه، ولا فرق في ذلك بين أن تكون العبادة من قبيل الافعال كالصلاة والزكاة، أو التروك كالصيام والاحرام، إذ كما لا يجزى وقوع الفعل في العبادات الوجودية على أي وجه اتفق فكذا لا يجزى الترك كذلك في العبادات العدمية، بل لابد في كل من الفعل والترك من نية

[ 23 ]

القربة وقصد الامتثال إذا كان عبادة، وإما أن يكون تعلق الامر به لمصلحة حاصلة بنفس الماهية والطبيعة من غير توقف على قصد الامتثال وإرادة الطاعة، كالامر بازالة الاخباث عن الثوب والبدن، فان المطلوب منه طهارتهما حال الصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة، ولا ريب في حصول هذا الغرض، لتحقق الازالة المعتبرة وإن لم يقصد بها التقرب وإطاعة الامر، بل لو كان غافلا عن النجاسة غير شاعر بها واتفق له إزالتها فانه يمتثل بذلك، ويخرج عن عهدة التكليف، وكالامر بانقاذ الغريق، والاطعام في المخمصة وفي عام الجدب، فان الغرض منه ابقاء النفس المحترمة، وإنقاذها من الهلكة، ولا فرق في ذلك بين تحققه بقصد القربة والاتيان به لرجاء النفع، أو لمجرد الرأفة، أو لغير ذلك من الاغراض، فان الخروج عن العهدة حاصل على جميع تلك الوجوه، ومن هذا القبيل أكثر التروك المطلوبة، فان المقصود منها عدم صدور الافعال القبيحة من المكلف، وإن لم يكن الترك بقصد الامتثال والكف عن الفعل القبيح، فان من ترك الزنا يندفع عنه إثمه وإن كان امتناعه عنه للعجز أو الخوف أو الحياء أو للمحافظة على الحشمة والخوف من الفضيحة، فان ذلك كله من أسباب العصمة ورفع الاثم والعقوبة. وبالجملة فامتثال الامر في غير العبادات لا يتوقف على قصد الطاعة وإرادة الموافقة للامر، بل انما يتوقف على موافقة الغرض وترتب المصالح المقضية للامر وإن لم يكن شاعرا به، أو كان ولكن فعله لما فيه من الحظوظ النفسانية، نعم صيرورة تلك الامور عبادة وترتب الاجر والثواب عليها موقوف على حصول القربة وقصد الامتثال، وهي من هذا الوجه داخلة في القسم الاول، فان ترتب الاجر والثواب عليها ليس لامتثال الامر الاصلى فيها، لما عرفت من أنه لا يوجب ذلك، بل لامتثال الامر الثانوي، أي الامر بجعلها عبادة وفعلها من حيث إنها مرادة للشارع. وقد ظهر مما ذكرناه أن استحباب النكاح على القول به غير مختص بالواقع على وجه الامتثال وقصد الطاعة، فان ذلك إنما يتجه لو كان النكاح من العبادات

[ 24 ]

الموقوفة على النية وقصد القربة، وليس كذلك، للاجماع على أنه ليس عبادة بالاصل وإن أمكن صيرورته كذلك بالنية، وقد عرفت أن الطلب في غير العبادة سواء كان على وجه الوجوب أو الندب لا يختص بذلك، بل يعم الواقع بالنية وبدونها، ولا ينافي استحباب النكاح كذلك مرجوحية وقوعه على بعض الوجوه إلا إذا قصد التعبد به وأريد بفعله الاجر والثواب، فانه حينئذ يجب وقوعه بقصد الطاعة والامتثال، وهو من هذا الوجه يندرج في القسم الاول، ويلحقه حكم العبادات، والنزاع في استحبابه هنا ليس من حيث كونه عبادة، لان الكلام في احكام المعاملات. وبذلك كله يعلم الجواب عن الاستدلال بالاية من غير حاجة الى تخصيص محل النزاع، ولا إلى التزام التخصيص البعيد في ذم حب الشهوات بمن لم يتق إلى النكاح. وأما الجواب عن الدليل الثالث فبأن تحمل الحقوق الحاصلة بالتزويج يزيد في الاجر المترتب عليه أو في مطلق الاجر، وهو أي تحمل الحقوق من الامور الدينية ففي الحديث (1) النبوى " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله " وفيه (2) " العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال " وعن أبي جعفر (3) عليه السلام " من طلب الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على جاره لقى الله عزو جل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر " وعن أبى عبد الله عليه السلام (4) أنه قال له رجل: " والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتى بها، فقال: تحب أن تصنع بها ماذا ؟ قال: أعود على نفسي وعيالي، وأصل منها، وأتصدق، وأحج، وأعتمر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس هذا من طلب الدنيا، هذا طلب الاخرة " وحينئذ فلا ينافي التعريض لتحمل


(1) المستدرك الباب - 30 - من ابواب مقدمات التجارة - الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب مقدمات التجارة - الحديث 6 و 15. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب مقدمات التجارة - الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب مقدمات التجارة - الحديث 3.

[ 25 ]

الحقوق رجحان النكاح الذى هو واسطة في حصوله، بل هو مما يؤكد الرجحان ويحققه، وإن حصل الاشتغال بتلك الحقوق عن بعض المطالب الدينية، لان تمانع الطاعات وتضادها لا يخرجها عن كونها طاعات مأمورا بها، وإلا لزم خروج أكثر العبادات الوجودية بل جميعها عن كونها عبادة، فان الافعال لا تجتمع غالبا كالتروك ولا يقدح في ذلك كون الامور المشتغل عنها بتحمل الحقوق كثيرة، ولا كونها أفضل من التحمل المذكور، إذا الكلام هاهنا في رجحان النكاح وفضيلته، لا في كونه أفضل من غيره، وما ذكر على تقدير تسليمه إنما ينافي الثاني دون الاول هذا إذا كان تحمل الحقوق والاشتغال عن المطالب الدينية المذكوران في الاستدلال وجها واحدا لاستحباب ترك النكاح، بأن يكون المنع من تحمل الحقوق لاقتضائه الاشتغال المذكور. أما إذا اعتبر تحمل الحقوق وجها مستقلا للمنع من النكاح لما فيه من التعريض للعصيان والمخالفة وجعل الاشتغال عن المطالب الدينية وجها آخر لمرجوحية النكاح فتقر ير الجواب أن تحمل الحقوق يزيد في الاجر، فلا ضير في اختياره طلبا للثواب، ورغبة في الطاعة، وتعريضه للمعصية الاختيارية لا يمنع عن اختياره، كما في سائر التكاليف، وأن النكاح من الطاعات والامور الدينية عند القائل باستحبابه، فلا يقتضى الاشتغال به عن بعض المطالب الدينية استحباب تركه وكونه مرجوحا، لما عرفت من تمانع الطاعات وتضادها غالبا، نعم لو لم يكن النكاح مطلوبا ولا مأمورا به أمكن القول بمرجوحيته من ذلك الوجه وإن لم يكن في نفسه كذلك لثبوت الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات الخارجة عن ذات الشئ وصفاته اللازمة كما حقق في محله. وبذلك كله ظهر لك قوة القول بالاستحباب مطلقا خلافا لمن عرفت، وللمحكى عن ابن حمزة من أن من تاقت نفسه وكان قادرا عليه يستحب له النكاح، ومن لم تتق نفسه ولم يكن قادرا عليه يكره له ذلك، ومن كان قادرا ولم يتق أو تائقا ولم يقدر لم يكره له ولم يستحب، بل كان النكاح له مباحا، وذلك لان واجد الوصفين أي الشهوة والقدرة جامع بين أمرين يقتضى كل منهما حسن النكاح، فيكون مستحبا له

[ 26 ]

وفاقدهما جامع فيه أمرين يقتضى كل منهما حسن تركه، لقوله تعالى (1): " وسيدا وحصورا " في مدح يحيى على نبينا وآله وعليه السلام. وقوله عزوجل (2): " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا " إلى آخره. فيكون مكروها، وأما من كان واجدا لاحد الوصفين دون الاخر فهو جامع بين جهتى حسن النكاح وحسن تركه، فيتعارض الوجهان فيه ويثبت له حكم الاصل السالم عن المعارض أعنى الاباحة، وفيه منع اقتضاء كل من عدم الشهوة وعدم القدرة حسن ترك النكاح، والاستدلال بالايتين على ذلك قد عرفت ضعفه مما تقدم. وكيف كان فهل هو أفضل أم التخلي للعبادة ؟ قولان: أقواهما الاول، لما في ترك النكاح والاشتغال بالعبادة والرياضة من الرهبانية المنفية في هذه الشريعة، فعن تفسير علي بن ابراهيم (3) في تفسير قوله (4) تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات إلى آخره " إنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون، فأما أمير المؤمنين عليه السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبدا، وأما بلال فانه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبدا، فدخلت امرأة عثمان على عائشة، وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة: مالى أراك متعطلة ؟ فقالت ولمن أتزين ؟ فوالله ما قربنى زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب، ولبس المسوح، وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات انى أنام بالليل، وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقام هؤلاء، فقالوا: يا رسول الله قد حلفنا على ذلك


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 39. (2) سورة النور: 24 - الاية 33. (3) تفسير البرهان - ذيل الاية 87 من سورة المائدة. (4) سورة المائدة: 5 - الاية 87.

[ 27 ]

فأنزل الله: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم (1) " الاية، وفي خبر عبد الله بن ميمون القداح عن أبى عبد الله (2) عليه السلام قال: " جائت امرأة عثمان بن مظعون الى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مغضبا يحمل نعليه حتي جاء الى عثمان، فوجده يصلى، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عثمان لم يرسلنى الله بالرهبانية، ولكن بعثنى بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم وأصلى وامس أهلى، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتى، ومن سنتى النكاح " وفي الموثق عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن مسكين النخعي (3) " وكان تعبدو ترك النساء والطيب والطعام، فكتب الى أبى عبد الله عليه السلام يسأله، فكتب إليه: أما قولك في النساء فقد علمت ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله من النساء، وأما في الطعام فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل اللحم والعسل " وعن رجال الكشى انه روى في الموثق عن إبراهيم بن عبد الحميد (4) قال " حججت ومسكين النخعي فتعبد وترك النساء والطيب والثياب والطعام الطيب، وكان لا يرفع رأسه داخل المسجد الى السماء، فلما قدم المدينة دنى من أبى إسحاق عليه السلام فصلى الى جانبه، فقال: جعلت فداك إنى أريد أن أسألك عن مسائل، قال: إذهب فاكتبها وأرسل بها إلى فكتب جعلت فداك رجل دخله الخوف من الله عزوجل حتى ترك النساء والطعام الطيب ولا يقدر أن يرفع رأسه الى السماء، وأما الثياب فنسك فيها، فكتب: أما قولك في ترك النساء فقد علمت ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله من النساء، وأما قولك في ترك الطعام الطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل اللحم والعسل، وأما قولك: إنه دخله الخوف حتى


(1) سورة المائدة: 3 - الاية 89. (2) الوسائل الباب - 48 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 8 عن سكين النخعي. (4) رجال الكشى ص 316 من الطبع النجف واشار إليه في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب مقدمات النكاح - الحديث 8 وفيهما: سكين النخعي.

[ 28 ]

لا يستطيع أن يرفع رأسه الى السماء فليكثر من تلاوة هذه الآيات (1): الصابرين والصادقين والقانتين، الى آخرها " وأيضا فان المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله الائمة عليهم السلام بالتواتر ايثار النكاح على التخلي للعبادة، ودليل التأسي يقتضى رجحانه بالنسبة الينا. لا يقال: لعل الوجه في ذلك وجود التوقان الى النكاح كما هو الغالب، ولا نزاع في أفضليته حينئذ، إنما النزاع في أفضليته لمن لم تتق نفسه، ولا دلالة للفعل المنقول عليه إلا مع العلم بانتفاء الوصف، وهو ممنوع، لانا نقول: ثبوت الفعل عن النبي صلى الله عليه وآله وصحته عنه يقتضي رجحان التأسي والمتابعة لكل أحد وان كان مخالفا له في الوصف إلا إذا كان مغيرا للحكم، لعموم الادلة وانتفاء ما يصلح للتخصيص فيما عدا الوصف المغير، كيف ولو كان التأسي مقصورا على صورة العلم بتوافق الاوصاف التى يحتمله التغيير بها لزم أن لا يسلم في شئ من الموارد، لقيام الاحتمال في جميعها، فرجحان التأسي في النكاح يقتضى عدم الفرق في ذلك بين وجود التوقان وانتفائه وإن قلنا بثبوته في المتأسى به إلا أن ثبوت الوصف له لا يقتضى استناد الحكم إليه حتى لا يجوز التأسي لفاقده. لا يقال: أن دليل التأسي إنما يقتضى حسن الفعل ورجحانه في نفسه وأما أنه أفضل من غيره فلا يستفاد منه قطعا حتى يثبت أنه أفضل من التخلي، لانا نقول: هو كذلك لو اعتبر التأسي في نفس النكاح، فانه حينئذ انما يدل على حسنه لا على أفضليته، وأما إذا اعتبر بالنسبة الى اختياره وايثاره على التخلي فلا ريب في دلالته على الافضلية، لان رجحان التأسي في إيثار النكاح على التخلي يستلزم رجحان إيثاره عليه، ورجحان إيثار النكاح على التخلي يستلزم رجحان النكاح نفسه بالقياس إليه، وهو المدعى. وما يقال - من أنه يلزم على ذلك استحالة صدور عبادة من النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام مرجوحة بالقياس الى عبادة أخرى مضادة لها، ضرورة اقتضاء صدورها إيثارها على


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 17.

[ 29 ]

الراجحة، وإيثارها عليها يقتضى رجحانها بالتقرير المتقدم، وذلك ينافي كونها مرجوحة مفضولة على ما هو المفروض - يدفعه معلومية عدم اقتضاء نفس صدور العبادة منهم الافضلية من عبادة أخرى مضادة، نعم لو كانت العبادة المأتى بها طاعة مستمرة مانعة عن العبادة المضادة لها، فان صدور مثل هذه الطاعة المطلوب منها الدوام عن الحكيم العارف بحقيقة الحال لا تكون إلا لرجحانها عنده على غيرها من الطاعات المضادة، لان اختيار المفضول والاستمرار عليه مما ينافي الحكمة، والتأسي في مثل هذا الفعل يقتضي الفضيلة والافضلية معا، بخلاف ما إذا كانت العبادة المأتي بها غير مانعة عما يضادها في الجملة، بحيث يمكن الاتيان بهذه تارة وبمضادها أخرى، كما في أكثر الطاعات والعبادات، فان صدورها عن الحكيم لا يقتضى إيثارها ولا كونها أفضل من غيرها، لا مكان صدورها وصدور مضادها عنه في زمانين، فلا يكون صدورها إيثارا، فالتأسي في مثل هذه الافعال انما يقتضى الفضيلة دون الافضلية، ولما كان النكاح أمرا مستمرا يطلب دوامه، فصدوره عنهم عليهم السلام يدل على إيثاره على ما يضاده، وهو التخلي، ومقتضى التأسي فيه كونه أفضل منه على ما قررناه، هذا. وربما يدل على المطلوب أيضا قوله صلى الله وعليه وآله (1)، " ما بني بناء في الاسلام أحب إلى الله تعالى من التزويج " وقوله صلى الله عليه وآله (2) " ما من شئ أحب الى الله عز وجل من بيت يعمر في الاسلام بالنكاح " فانه بعمومه يشمل التخلي أيضا، مضافا الى ما ورد (3) من الحث البليغ عليه، وعموم قوله (4) عليه السلام ايضا: " ما استفاد امرء فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله " وقول الباقر (5) عليه السلام " ما احب أن الدنيا


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 10. (3) الوسائل الباب - 1 و 2 - من أبواب مقدمات النكاح. (4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 10. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 4.

[ 30 ]

وما فيها لى وأن أبيت ليلة ليست لي زوجة، ثم قال: ركعتان يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل عزب يقوم ليله ويصوم نهاره " وقول الصادق (1) عليه السلام " ركعتان يصليهما متزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها الاعزب " وقوله صلى الله عليه وآله (2): " شرار موتاكم العزاب ". والمناقشة - بأن الحث البليغ عليه لا يدل على كونه أفضل من غيره، وبأنه لا يلزم من أفضلية الزوجة ذات الصفات أفضلية مطلق الزوجة، وبأن المتزوج وقع في الخبر الآخر نكرة في مقام الاثبات، فلا يفيد العموم، وبأن العزوبة تندفع بالتسرى، لقول الكاظم (3) عليه السلام " لرجل قال له: ليس لى أهل: أليس لك جواري أو قال أمهات أولاد ؟ قال: بلى، فقال انك لست بأعزب " - يدفعها أن الاستدلال بكثرة الاوامر والمبالغة في الحث والترغيب على وجه يظهر منه الافضلية من غيره، لا بنفس الامر والترغيب وعدم معلومية كون الامور المذكورة صفات للزوجة، لاحتمال الاستئناف وإرادة بيان بعض فوائد الزوجة، والنكرة في الاثبات قد تفيد العموم، لوقوعها في كلام الحكيم، والاشعار بالعلية، واندفاع العزوبة بالتسرى لا ينافي الافضلية، لان العزوبة التى توجب كونه من الاشرار يندفع بأحد الامرين، ففي كل منهما خير يندفع به ذلك الشر المتحقق من موته عزبا، سواء كان متعبدا أم لا. ومن ذلك كله ظهر لك ضعف القول بأفضلية التخلي منه، لما في التزويج من القواطع والشواغل وتحمل الحقوق، ضرورة اقتضاء ذلك زيادة الاجر، فلا يقدح في الافضلية، بل هو مما يحققها ويؤكدها. نعم ربما قيل بالتفصيل بين من كانت عبادته من الاعمال، فالتزويج أفضل منها، لا طلاق ما دل على ذلك، وبين من كانت عبادته تحصيل العلوم الدينية، فهى


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من ابواب مقدمات النكاح - الحديث 1 - 6. (3) البحار - ج 103 ص 220 - الطبع الحديث وفقه الرضا عليه السلام ص 77.

[ 31 ]

أفضل منه، لان كمال الانسان العلم الذى هو الغرض الاصلى من خلقته، قال الله تعالى (1): " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " والمراد بها كما في الحديث (2) المعرفة، وقال الله عزوجل (3): " الله الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علما " مضافا إلى الآيات (4) والمتواتر من الروايات (5) الدالة على علو مرتبة العلم وارتفاع شأنه بحيث لا تساويه فضيلة، ولا تدانيه مرتبة، حتى قرنت شهادة أولى العلم بشهادة الله وشهادة الملائكة (6) وحصر الخشية التى هي أصل العبادة في العلماء (7) وفضل مداد العلماء على دماء الشهداء (8) ونوم العالم ليلة على عبادة سبعين سنة (9) بل ورد " أن العلماء أحب الناس إلى الله " (10) و " إنهم ورثة الانبياء وخلفاؤهم " (11) و " ان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به " (12) و " ان العالم


(1) سورة الذاريات: 51 - الاية 56. (2) البحار - ج 5 ص 312 - الطبع الحديث. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 12. (4) سورة النساء: 4 - الاية 162 وسورة الاسراء: 17 - الاية 107 وسورة سباء: 34 - الاية 6 وسورة المجادلة: 58 - الاية 11 وسورة آل عمران: 3 - الاية 7 و 18. (5) أصول كافى - ج 1 ص 32 والبحار - ج 2 ص 1 المطبوعين حديثا. (6) سورة آل عمران: 3 - الاية 18. (7) سورة فاطر: 35 - الاية 28. (8) البحار - ج 2 ص 14 و 16 الطبع الحديث. (9) البحار - ج 2 ص 22 وفيه " يا على نوم العالم أفضل من الف ركعة يصليها العابد " وفى ص 25 " يا على نوم العالم افضل من عبادة العابد " وفى ص 23 " ساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاما ". (10) البحار - ج 2 ص 25 الطبع الحديث وفيه: " عظم العلماء واعرف فضلهم فانى فضلتهم على جميع خلقي الا النبيين والمرسلين.... ". (11) الوسائل الباب - 8 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 2 و 50 من كتاب القضاء. (12) اصول كافى - ج 1 ص 34.

[ 32 ]

يستغفر له من في السموات والارض حتى الطير في الهواء والحيتان في الماء " (1) وأن عالما ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد " (2) إلى غير ذلك من الفضائل التى لا تحصى كثرة على وجه يقطع ذو الفطرة السليمة الواقف على تمام ما ورد في فضيلة العلم والعلماء أنه أفضل السعادات وأشرف الكمالات، وأنه ينبغى تقديمه على كل فضيلة، وإيثاره على كل طاعة، سواء في ذلك التزويج وغيره، وما ورد في الاخبار من فضل النكاح ليس مما يدانى فضيلة العلم، ولا مما يقاربه، فلا يصلح المعارضة به، ولا الشك في أفضلية العلم بسببه، وان لم يذكر ذلك صريحا فيما ورد به، كما هو واضح بأدنى تأمل، فالواجب حينئذ تقديمه على ما يضاده ويعارضه، والاجتهاد في قطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة والعلائق المانعة عن تحصيله، أو عن الاستكمال فيه، ولا ريب أن التزويج من أكبر الشواغل وأعظم الموانع حتى اشتهر " أن العلم ذبح في فروج النساء " وقيل: " من تعود أفخاذ النساء لم يفلح ". لكن قد يناقش بأن النزاع هنا في التفاضل بين طبيعتي النكاح والتخلى للعبادة من حيث هما نكاح وتخل للعبادة، من غير اعتبار خصوصية في النكاح أو التخلي، بل بمجرد النظر الى الجنسين، نحو قولك: " الرجل خير من المرأة " والتفاضل بينهما على هذا الوجه لا يقتضي أفضلية كل فرد من النكاح على القول بافضلية ولا العكس، بل يجوز على الاول أن يكون بعض أفراد التخلي أفضل منه نظرا الى خصوصيته وإن كان مفضولا ومرجوحا بالنظر إلى طبيعته، وحينئذ يكون التفصيل المزبور ضايعا، ضرورة كون النظر فيه الى خصوصيات الافراد، والنظر في المسألة الى نفس الطبيعتين، فلا ينسلك التفصيل في جملة أقوال المسألة ولا يعد من احتمالاتها، كما يؤيد ذلك حصر الاصحاب الاقوال في المسألة في القولين، حيث إنهم بعد أن نقلوا الخلاف عن الشيخ في استحباب النكاح لمن لم تتق نفسه قالوا: إنه على القول بالاستحباب فهل هو أفضل أم التخلي ؟ فيه قولان.


(1) كنز العمال - ج 5 ص 203 - الرقم 4139 ولم يذكر فيه " الطير في الهواء ". (2) اصول الكافي - ج 1 ص 33.

[ 33 ]

بل من ذلك يظهر الجواب عما قيل على القول بأفضلية النكاح من أنه يقتضى كونه أفضل من التخلي لتحصيل العلم، مع ما فيه من الفضائل التي لا توجد في آخر لا في التزويج ولا في غيره، فان ذلك انما يتوجه لو كان المراد تفضيل النكاح على جميع أنواع التخلي للعبادة، وقد عرفت أن المقصود تفضيله على طبيعة التخلي، مع قطع النظر عن خصوصيات أفراده، على أن المتبادر من العبادة ما تكون من جنس الاعمال لشيوع استعمالها فيه ووقوعها في مقابلة العلم، فلا يدخل التخلي لتحصيل العلم في محل النزاع وإن قلنا إن النزاع في تفاضل الافراد والانواع دون الطبائع والله العالم. وكيف كان فاعلم أن النكاح إنما يوصف بالاستحباب مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة، وإلا فهو بواسطتها تجرى عليه الاحكام الاربعة الباقية، فيجب مع النذر وشبهه، لرجحانه بالاصل، ومع ظن الضرر بالترك، لوجوب دفع الضرر المظنون، قيل: وعند خوف الوقوع في المحرم بدونه، وفيه أن ذلك لا يقتضى الوجوب، ضرورة بقاء الاختيار الذى يكفي في عدم الوقوع فيه، فلا يتوقف على التزويج، اللهم إلا أن يريد أنه أحد الافراد التى تكون سببا لعدم الوقوع في المحرم، وهو كما ترى، ويحرم إذا أفضى الى الاخلال بواجب، كالحج، ومع الزيادة على الاربع، ويكره مع انتفاء الشهوة بالكلية، كما في العنين والمريض مرضا ملازما يمنعه عن الوطء، فان الظاهر رجحان الترك بالنسبة إليه، لانتفاء مصالح النكاح فيه، ومنعه الزوجة من التحصن بغيره، ولاشتغاله عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، كذا قيل، وفيه أن إثبات الكراهة المصطلحة بذلك لا يخلو من نظر، ويتصف بالاباحة إذا تضمن ترك النكاح مصلحة تساوي مصلحة الفعل، فان ذلك قد يتفق، كما إذا خاف من تلف مال معتد به له بواسطة التزويج أو تضييع عيال له في محل آخر مع وجود الشهوة وكمال الرغبة، قيل: وكذا مع عدم قصد الامتثال وإرادة الطاعة بالتزويج، فان النكاح إنما يتصف بالاستحباب مع قصد التقرب به، فبدونه يكون مباحا، وفيه ما عرفت من عدم اعتبار ذلك في مستحب المعاملات

[ 34 ]

وواحبها. وقال ثانى الشهيدين: " إن الاباحة لا تتفق على القول المشهور إلا للغافل عن القصد الراجح، والكلام في الاحكام الخمسة للقاصد، ويمكن فرضه عند الشيخ لمن لم تتق نفسه، فانه في المبسوط اقتصر فيه على نفي الاستحباب، وظاهره بقاء الاباحة، إذ لا قائل بالكراهة " وفيه أنه يمكن فرض الاباحة على القول المشهور بما عرفت، فلا ينحصر في الغافل عن القصد الراجح، على أن ما ذكره من أن الكلام في الاحكام الخمسة للقاصد لا يقتضى نفي الاباحة مع الغفلة عن القصد الراجح خاصة إن أراد بالقصد مطلق القصد، كما هو الظاهر، وإن أراد به خصوص القصد الراجح فحصر الكلام في الاحكام الخمسة فيه باطل، إذ لا ريب في البحث عنها من دون اعتبار الرجحان، وأيضا ما حكاه عن الشيخ ليس بجيد، لتصريح الشيخ - كما قيل - في المبسوط بأن من لا يشتهى النكاح يستحب له أن لا يتزوج، ومقتضاء كراهة التزويج له، لا إباحته، هذا. وربما تجرى الاحكام الخمسة على النكاح باعتبار المنكوحة، فالواجب التزويج بمن يترتب عليه ضرر يجب عليه دفعه بترك تزويجها، قيل: وما لو علم وقوع الزنا من أجنبية، وأنه لو تزوجها منعها منه ولا ضرر، فيجب كفاية، ويتعين عند عدم قيام غيره به، والمحرم: نكاح المحرمات عينا وجمعا، والمستحب: نكاح المستجمعة للصفات المحمودة في النساء، والمكروه: نكاح المستجمعة للاوصاف المذمومة في النساء ونكاح القابلة المربية، والمتولدة من الزنا، والمباح: ما عدا ذلك، كما هو واضح. ثم إن الظاهر استحباب التزويج للفقير والغنى، بل يكره تركه مخافة العيلة، لقوله تعالى (1): " وانكحوا الايامى " الى آخره، ولان النبي صلى الله عليه وآله (2) زوج فقيرا لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجد له إلا أزار، ولم يكن له رداء " وقال: " من سره أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليلقه بزوجة، ومن ترك التزويج مخافة


(1) سورة النور: 24 - الاية 32. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 242.

[ 35 ]

العلية فقد أساء الظن بالله عزوجل " (1) بل في الخصوص (2) أن التزويج يرفع الفقر ويجلب الرزق، وأما قوله تعالى (3) " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله " فقد عرفت عدم منافاتها لذلك، ضرورة كون الفرض الفقير المتمكن من النكاح بلا صداق من غير حاجة الى تحمل المنة والذل في طلب المهر ونحو ذلك، فلا إشكال في رجحان النكاح مطلقا. بل يستحب الزيادة على الواحدة مع الحاجة قطعا، بل وبدونها على الاقوى، للتأسي واطلاق بعض النصوص، ولما في الزيادة من تكثير النسل والامة، ولعروض الحاجة مع عدم التمكن من قضائها مع اتحاد الزوجة، لحيض أو مرض أو غيرهما، قيل: ولقوله تعالى (4): " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " فان أقل مراتب الامر الندب، وفيه بحث تعرفه فيما يأتي انشاء الله، فما عن الشيخ من كراهة الزيادة على الواحدة واضح الضعف، خصوصا بعد ما روى العياشي عن الصادق عليه السلام (5) " في كل شئ إسراف إلا النساء، قال الله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم " إلى آخره، وأما قوله عزوجل (6): " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " فليس المراد من العدل فيه التسوية في النفقة والعشرة حتى يكون الجمع المفضى الى تركه مكروها، لانه أمر ممكن فلا يصح نفي القدرة عليه، ولانه لو امتنع لم يجز الجمع، لوجوب العدل، والتالى باطل بالضرورة، بل المراد به التسوية من جميع الوجوه، أو في المحبة والمودة خاصة، كما دلت عليه النصوص (7) فان ذلك هو العدل الذى لا يستطيعونه ولو حرصوا عليه، وبه يجمع بينها وبين قوله تعالى (8): فان خفتم ألا تعدلوا


(1) الوسائل الباب - 10 - من ابواب مقدمات النكاح الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 10 و 11 - من أبواب مقدمات النكاح. (3) سورة النور: 24 - الاية 33. (4 و 6) سورة النساء - 4 - الاية 3 - 129. (5) الوسائل الباب - 140 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 12. (7) الوسائل الباب - 7 - من أبواب القسم والنشوز والمستدرك الباب - 5 - منها. (8) سورة النساء: 4 - الاية 3.

[ 36 ]

فواحدة " بحمل العدل فيه على المقدور، بل الظاهر استحباب ذلك حتى مع الفقر لاطلاق ما دل (1) على أن التزويج يزيد في الرزق، ولخبر إسحاق بن عمار (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحديث الذى يرويه الناس حق أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج - حتى أمره ثلاث مرات - ؟ قال فقال أبو عبد الله عليه السلام: نعم هو حق، ثم قال: الرزق مع النساء والعيال " هذا. وقد قيل: إن النكاح المحكوم عليه بالاستحباب هو العقد المحلل للوطء، لان لفظ النكاح حقيقة فيه، قلت: قد يحتمل قويا كون المراد منه ما يتناوله والتسرى، لوقوع التعليل في كثير من النصوص بالوجوه المشتركة بينه وبين التزويج، كحصول النسل وتكثير الامة وإبقاء النوع والخلاص من الوحدة وطلب الرزق والولد الصالح (3) فيكون الامر بالتزويج في الايات والاخبار لكونه أحد الفردين الذين يتأتي بهما الاستحباب، لا لانه مراد ومطلوب بخصوصه، ويؤيده خبر عبد الله بن المغيرة (4) عن أبى الحسن عليه السلام " انه جاء رجل الى أبى عبد الله عليه السلام، فقال: هل لك من زوجة ؟ فقال: لا فقال: إنى ما أحب أن لى الدنيا وما فيها وانى بت ليلة وليست لى زوجة، ثم قال: الركعتان يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره، فقال محمد بن عبيد: جعلت فداك فأنا ليس لى أهل، فقال: أليس لك جواري أو قال: أمهات أولاد ؟ قال: نعم، قال: فأنت لست بعزب " والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (يستحب لمن أراد العقد) أمور كثيرة ذكر المصنف منها (سبعة أشياء، ويكره له) أمور أيضا ذكر المصنف منها واحدا، وهو ال‍ (ثامن، فالمستحبات) السبعة: (أن يتخير من النساء من تحمع صفات أربعا: كرم


(1) الوسائل الباب - 10 و 11 - من أبواب مقدمات النكاح. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 و 3 و 6 و 9 والباب - 11 و 15 و 16 - منها والباب - 1 و 2 و 3 - من أبواب أحكام الاولاد. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 6 .

[ 37 ]

الاصل) بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة أو ممن تنال أحدا من آبائها وأمهاتها الالسن ففى الخبر عن سيد (1) البشر " اياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء " وقال صلى الله عليه وآله (2) أيضا: " اختاروا لنطفكم، فان الخال أحد الضجيعين " وفي آخر (3) " تخيروا لنطفكم، فان الابناء تشبه الاخوال " وقال صلى الله عليه وآله أيضا: (4) " أنكحوا الاكتفاء، وانكحوا فيهم، واختاروا لنطفكم " وفي مرسل ابن مسكان (5) عن الصادق عليه السلام " إنما المرأة قلادة، فانظر ما تقلده ". وقيل: المراد من كرم الاصل، من لم يكن مس آبائها رق، وقيل: بأن يكون أبواها صالحين، ويمكن ارادة ما يشمل جميع ذلك منه، على معنى أن ليس في أصلها ما هو معيب ومذموم. (وكونها بكرا) لكونها أحرى بالموافقة والائتلاف، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله (6): " تزوجوا الابكار، فانهن أطيب شئ أفواها " وفي حديث آخر (7) " وأنشفه أرحاما وأدر شئ أخلافا وأفتح شئ أرجاما، أما علمتم أنى أباهى بكم الامم يوم القيامة حتى بالسقط يظل محبنطئا على باب الجنة، فيقول الله عزوجل: أدخل الجنة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلى، فيقول الله عزوجل لملك من الملائكة: آتنى بأبويه، فيأمر بهما الى الجنة، فيقول: هذا بفضل رحمتى لك " وقال لجابر وقد تزوج (8) ثيبا: " هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك ". بل من الخبر الاول يستفاد استحباب كونها (ولودا) مضافا الى الاخبار


(1 و 2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 2. (3) كنز العمال ج 8 ص 242 الرقم 3870 والجامع الصغير ج 1 ص 112 وفيهما " تخيروا لنطفكم فان النساء يلدن أشباه اخوانهن وأخواتهن ". (4 و 5) الوسائل الباب - 13 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 1. (6 و 7) الوسائل الباب - 17 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (8) كنز العمال ج 8 ص 242 - الرقم 3866 و 3917.

[ 38 ]

الكثيره، بل في بعضها (1) " الحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد " قيل: والجمع بين هذه الصفة والبكارة بأن لا تكون صغيرة ولا يائسة، ولا في مزاجها ما يدل عادة على عقمها، كانتفاء الحيض، قلت: الاولى في معرفة كون البكر ولودا الرجوع إلى نسائها من الامهات والاخوات. وينبغي أن تكون (عفيفة) قال جابر بن عبد الله (2): " كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرجة مع زوجها، الحصان على غيره، التى تسمع قوله، وتطيع أمره، وإذا خلابها بذلت له ما يريد منها، ولم تبذل كتبذل الرجل، ثم قال: ألا أخبركم بشرار نسائكم الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود، التى لا تورع من قبيح، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، وإذا خلابها بعلها تمنعت منه كما تتمنع الصعبة عن ركوبها، لا تقبل منه عذرا، ولا تغفر له ذنبا " الى غير ذلك من النصوص المستفاد منها ذلك وغيره من الصفات التى لم يذكرها المصنف ككونها سمراء عيناء، عجزاء، مربوعة (3) طيبة اللت، درمة الكعب، عظيمة الكعثب (4) جميلة، فان الامرأة الجميلة تقطع البلغم، والمرأة السوداء تهيج المرة (5) السوداء، ذات شعر، فان الشعر أحد الجمالين (6) صالحة تعين زوجها على الدنيا والاخرة (7)، وتحفظه في نفسها وفي ماله إذا غاب عنها (8) ولتكن قرشية فان


(1) المستدرك الباب - 14 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 وذيله في الباب - 7 - منها الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 18 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 19 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (5 و 6) الوسائل الباب - 21 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 3. (7 و 8) الوسائل الباب - 9 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 13 - 10.

[ 39 ]

نساء قريش الطفهن بأزواجهن وأرحمهن بأولادهن (1) وغير ذلك، وعلى كل حال فلا تغني البكارة عن العفة حتى إذا فسرت بالعفة في الفرج، فانه قد يظن خلافها بكون نسائها زناة ونشأتها بين الزناة ونحو ذلك، بل ربما علمت رغبتها في الزنا وان لم يتفق لها. (و) كيف كان (لا يقتصر) في اختيار المرأة (على الجمال ولا على الثروة فربما حرمهما) قال الصادق عليه السلام (2) " من تزوج امرأء يريد مالها ألجأه الله إلى ذلك المال " وقال عليه السلام أيضا (3): " إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها وكل الى ذلك فإذا تزوجها لدينها رزقه الله الجمال والمال " وعن ابى جعفر عليه السلام (4) عن رسول الله صلى الله عليه وآله " من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين " وعنه عليه السلام (5) أيضا: " من تزوج امرأة لمالها وكله الله إليه، ومن تزوجها لجمالها رأى فيها ما يكره، ومن تزوجها لدينها جمع الله له ذلك ". (و) يستحب له أيضا عند إرادة التزويج (صلاة ركعتين) وحمد الله بعدهما (والدعا بعدهما) أيضا (بما صورته أللهم إنى أريد أن أتزوج، فقد رلى من النساء اعفهن فرجا وأحفظهن لى في نفسها ومالى، وأوسعهن رزقا، وأعظمهن بركة، أو غير ذلك من الدعاء) بهذه المعاني ونحوها وإن لم يكن بهذه الالفاظ، وإن كان الاولى المحافظة على خصوص ما ورد عنهم عليه السلام قال الصادق عليه السلام (6): " إذا هم أحدكم بالتزويج فليصل ركعتين، ويحمد الله، ويقول: أللهم إنى أريد أن أتزوج، أللهم فاقدر لي من النساء " إلى آخر ما سمعت، وزاد " واقدر لى منها ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتى ". (و) يستحب ايضا (الاشهاد) في الدائم، بل لعل تركه مكروه، لقول أبى الحسن


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 14 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 1 - 4 - 5. (6) الوسائل الباب - 53 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1.

[ 40 ]

عليه السلام في مكاتبة المهلب الدلال (1): " التزويج الدائم لا يكون إلا بولي وشاهدين " بل عن أبي عقيل منا وجماعة من العامة وجوب ذلك فيه، وإن ضعف ما ذكر دليلا من النصوص المروية: (2) من طرق العامة والخاصة، ومن هنا كان المعروف بين الاصحاب خلافه، بل هو من الاقوال الشاذة في هذا الزمان، بل لعله كذلك في السابق أيضا بقرينة ما حكى من الاجماع في الانتصار والناصريات والخلاف والغنية والسرائر والتذكرة على عدم الوجوب، وهو الحجة بعد الاصل والاخبار الكثيرة التى يجب حمل الخبر المزبور في مقابلتها على ما عرفت، بل قول أبى جعفر عليه السلام (3): " إنما جعلت البينة في النكاح من أجل المواريث " يرشد الى عدم الشرط وأن الامر بذلك للارشاد إلى دفع التهمة وتحقق النسب والميراث (و) القسم والنفقات. بل الظاهر استحباب (الاعلان) بذلك الذى هو أبلغ من الاشهاد، للامر به في النبوى (4) فعنه صلى الله عليه وآله " أعلنوا هذا النكاح " بل في المسالك الاستدلال عليه بالخصوص بما روى " أن (5) النبي صلى الله عليه وآله كان يكره نكاح السر حتى يضرب بدف ويقال: أتيناكم أعناكم * فحيونا نحييكم " (و) يستحب ايضا (الخطبة) بضم الخاء (امام العقد) وأكملها كما في المسالك اضافة الشهادتين والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام بعده، والوصية بتقوى الله، والدعاء للزوجين، وإنما استحبت كذلك للتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، وخطبهم منقولة (6) في ذلك مشهورة، بل الظاهر استحبابها قبل الخطبة


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب المتعة الحديث 11. (2) الوسائل الباب - 43 - من أبواب مقدمات النكاح وسنن البيهقى ج 7 ص 125. (3) الوسائل الباب - 43 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 6. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 290. (5) مجمع الزوائد ج 4 ص 288. (6) المستدرك الباب - 33 - من أبواب مقدمات النكاح.

[ 41 ]

بكسر الخاء للتأسي أيضا، وقوله عليه السلام (1) " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم " بل في المسالك أنه يستحب لولى المرأة الخطبة أيضا ثم الجواب، ولا بأس به، نعم الظاهر الاجتزاء بحمد الله والصلاة على محمد وآله، قال الصادق عليه السلام (2): " إن على بن الحسين عليه السلام كان يزوج وهو يتعرق عرقا يأكل فما يزيد على أن يقول: الحمد لله وصلى الله على محمد وآله، ونستغفر الله، وقد زوجناك على شرط الله " بل عن علي بن الحسين عليه السلام (3) إنه قال: " إذا حمد الله فقد خطب ". وكيف كان فلا تجب إجماعا أو ضرورة، خلافا لداود الظاهرى، وقال الصادق (4) عليه السلام وقد سأله عبيد بن زرارة عن التزويج بغير خطبة: " أو ليس عامة ما تزوج فتياتنا ونحن نتعرق الطعام على الخوان ؟ نقول: يا فلان زوج فلانا فلانة، فيقول: نعم قد فعلت ". (و) يستحب أيضا (ايقاعه) أي العقد (ليلا) للنبوي (5) " امسوا بالاملاك فانه أعظم للبركة " وقول الرضا عليه السلام (6): " من السنة التزويج بالليل، إن الله تعالى جعل الليل سكنا والنساء انما هن سكن ". (ويكره إيقاعه والقمر في العقرب) لقول الصادق عليه السلام (7): " من تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى " والظاهر إرادة البرج من العقرب، لا المنازل المنسوبة إليه، وهي الزبانا والاكليل والقلب والشولة، لان القمر يحل في البروج الاثنى عشر في كل شهر مرة، وجملة المنازل التى هذه الاربع بعضها ثمانية وعشرون، مقسومة على البروج الاثنى عشر فيخص كل برج منها منزلتان وثلث، فللعقرب من هذه


(1) البحار ج 93 ص 316 وفيه " اقطع " بدل " أجذم ". (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (3 و 4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 1. (5) لم أعثر على هذا الحديث مع التتبع في مظانه. (6) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (7) الوسائل الباب - 54 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

[ 42 ]

الاربع ما لغيره، قال في المسالك: " والذى بينه أهل هذا الشأن (اللسان خ ل) أن للعقرب من المنازل القلب وثلثي الاكليل وثلثي الشولة، وذلك منزلتان وثلث، وأما الزبانا وثلث الاكليل فهو من برج الميزان، كما أن ثلث الشولة الاخير من برج القوس - الى أن قال -: فلا كراهة في منزلة الزبانا مطلقا، وأما المنزلتان المنتظرتان فان أمكن ضبطهما وإلا فينبغي إجتناب الفعل والقمر فيهما حذرا من الوقوع فيما كره منهما " وفي كشف اللثام " والظاهر أن لفظ الخبر مقول على عرف أهل النجوم، ولا يريدون بمثله إلا الكون في البرج بالمعنى المعروف عندهم، مع الاصل فيما زاد " قلت: بل الظاهر ان الخبر مقول على ما يرى عند عامة الناس من كون القمر في العقرب، لا على ما يقرره أهل النجوم من الدرجات والدقائق ونحو ذلك مما هو جار على مصطلحاتهم، ولكن الاحتياط لا ينبغى تركه، والله العالم. المبحث (الثاني في آداب الخلوة بالمرأة) وهي قسمان: (الاول) (يستحب لمن أراد الدخول) بها (أن يصلى ركعتين، ويدعو بعدهما) بالمأثور أو غيره بعد حمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (و) يستحب له أيضا (إذا أمر المرأة بالانتقال) إليه (أن تصلي) هي (أيضا ركعتين، وتدعو) قيل: كل ذلك لصحيح أبى بصير (1) قال: " سمعت رجلا يقول لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إني رجل قد


(1) الوسائل الباب - 55 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

[ 43 ]

أسننت وقد تزوجت امرأة بكرا صغيرة، ولم أدخل بها، وأنا أخاف إذا دخلت على فراشي أن تكرهني لخضابي وكبرى، قال أبو جعفر عليه السلام: إذا دخلت عليك فمرهم قبل أن تصل إليك أن تكون متوضئة، ثم لا تصل إليها أنت حتى تتوضأ وتصلي ركعتين، ثم مرهم يأمروها أن تصلي أيضا ركعتين، ثم تحمد الله تعالى وتصلي على محمد وآله، ثم ادع الله، ومر من معها أن يؤمنوا على دعائك، ثم ادع الله، وقل: أللهم ارزقني ألفتها وودها ورضاها بى، وارضني بها، واجمع بيننا بأحسن اجتماع وآنس ائتلاف، فانك تحب الحلال وتكره الحرام " لكنه كما ترى لا دلالة فيه على الدعاء منها، وإنما فيه أمر من معها بالتأمين، بل ليس فيه أمرها بالصلاة، وإنما أمرهم بأمرها، أللهم إلا أن يراد بذلك أمرها ولو بالواسطة، كما أنه لا صراحة فيه بأن صلاتها قبل انتقالها إليه، بل هو محتمل لكون ذلك عنده، بل ومتأخر عن صلاته خصوصا بناء على ما عن الجعفريات (1) من أنه " إذا زفت إليه ودخلت عليه فليصل ركعتين ثم يمسح بيده ناصيتها، فيقول: اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لهم في، وما جمعت فاجمع بيننا في خير ويمن وبركة، وإذا جعلتها فرقة فاجعلها فرقة الى خير، فإذا جلس الى جانبها فليمسح بناصيتها، ثم يقول: الحمد لله الذى هدى ضلالتي، وأغنى فقرى، وأنعش خمولى، وأعز ذلتي، وآوى عيلتى، وزوج ايمتى، وحمل رحلى، وأخدم مهنتي، ورفع خسيستي حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على ما أعطيت، وعلى ما قسمت، وعلى ما وهبت، وعلى ما أكرمت ". (و) على كل حال فظاهر الصحيح المزبور أن صلاة الركعتين من الزوج من آداب الدخول، لا الخلوة المجردة عنه لمانع منها أو منه، إلا أن يراد بقيد وصوله إليها الخلوة بها، نعم ظاهره استحباب (أن يكونا) معا (على طهر) بل ظاهر بعضهم استحباب طهارتهما في تمام هذه المدة، أي مما قبل الدخول الى تمام الدعاء، لكن لا يخفى عليك خلو النص عنه، إلا أنه لا بأس به، فان الطهارة أمر مرغوب خصوصا


(1) المستدرك الباب - 41 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4.

[ 44 ]

عند الدعاء. (و) قد عرفت مما سمعته عن الجعفريات أنه يستحب له أيضا (أن) يمسح يده على ناصيتها أي مقدم رأسها ما بين النزعتين، قائلا ما عرفت، ولكن في خبر أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام (1) " فل‍ (يضع يده على ناصيتها إذا دخلت عليه ويقول: أللهم على كتابك تزوجتها، وفي أمانتك أخذتها، وبكلماتك استحللت فرجها، فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويا، ولا تجعله شرك شيطان)، قلت: وكيف يكون شرك شيطان ؟ فقال لى: ان الرجل إذ ادنى من المرأة وجلس مجلسه حضر الشيطان، فان هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان، وإن فعل ولم يسم أدخل الشيطان ذكره، فكان العمل منهما جميعا، والنطفة واحدة " وفي خبر أبى بصير الاخر أيضا (2) " إذا دخلت بأهلك فخذ بنا صيتها واستقبل القبلة، وقل: أللهم بأمانتك أخذتها، وبكلماتك استحللتها، فان قضيت لى منها ولدا فاجعله مباركا تقيا من شيعة آل محمد، ولا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيبا " وفي خبره الثالث (3) ما يستفاد منه استحباب هذا الدعاء كلما أتى أهله، " قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد إذا أتيت أهلك فأي شئ تقول ؟ قال: جعلت فداك واطيق أن أقول شيئا، قال: بلى، قل: أللهم بكلماتك استحللت فرجها، وبأمانتك أخذتها، فان قضيت في رحمها شيئا فاجعله تقيا زكيا، ولا تجعل فيه شركا للشيطان " الحديث. وعلامة شرك الشيطان وعدمه حب أهل البيت عليهم السلام وبغضهم كما استفاضت به النصوص (4). (و) كذا يستحب (أن يكون الدخول ليلا) لما تقدم، ولقوله صلى الله عليه وآله (5)


(1) الوسائل الباب - 53 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 68 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 53 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - والباب 68 منها الحديث 2 و 5 و 6. (5) المستدرك الباب - 31 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 و 3.

[ 45 ]

" زفوا عرائسكم ليلا واطعموا ضحى " ولانه أوفق بالستر والحياء، بل قيل: إنه يستحب أيضا إضافة الستر المكانى والقولي الى الستر الزمانى، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله (1) " إن شر الناس عند الله يوم القيامة الرجل يفضي الى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها " بل في حديث آخر (2) عنه صلى الله عليه وآله أيضا " من يفعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقى أحدهما بالسكة، فيقضي حاجته منها، والناس ينظرون إليه ". (و) يستحب له أيضا (أن يسمي عند الجماع) لما سمعته الخبر (3) السابق، وعن النبي صلى الله عليه وآله (4) " لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله أللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان منا مما رزقتنا، فان قدر بينهما في ذلك ولد لم يضر ذلك الولد الشيطان " بل عن الصادق عليه السلام (5) " إذا أتى أحدكم أهله فليذكر الله، فان لم يفعل وكان منه ولد كان شرك شيطان " وروى البرقى عن على عن عمه (6) قال: " كنت عند أبى عبد الله عليه السلام جالسا، فذكر شرك الشيطان، فعظمه حتى أفزعني، فقلت: جعلت فداك فما المخرج من ذلك ؟ فقال: إذا أردت الجماع فقل: بسم الله الرحمن الرحيم الذى لا إله إلا هو بديع السموات والارض أللهم ان قضيت منى في هذه الليلة خليفة فلا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيبا ولا حظا، واجعله مؤمنا مخلصا مصفى من الشيطان، ورجزه جل ثناؤك " وقال الصادق عليه السلام في خبر الحلبي (7): " إذا أتى أهله فخشي أن يشاركه الشيطان يقول: بسم الله، ويتعوذ بالله من الشيطان " وقال عليه السلام أيضا في خبر القداح (8) عن أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا


(1) الجامع الصغير ج 1 ص 100 عن صحيح المسلم. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 194. (3) الوسائل الباب - 53 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (4) كنز العمال ج 8 ص 254 - الرقم 4160. (5) الوسائل الباب - 68 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 6 وفيه: " إذا أتى أحدكم أهله فلم يذكر الله عند الجماع وكان منه ولد " الى آخر. (6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 68 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 1 - 3.

[ 46 ]

جامع أحدكم فليقل: بسم الله وبالله، أللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني، قال: فان قضى الله بينهما ولدا لا يضره الشيطان بشئ أبدا ". ومما سمعت يستفاد استحباب أن يسمي عند الجماع مطلقا ليلة الدخول وغيرها، (ويسأل الله أن يرزقه ولدا ذكرا سويا) قال الباقر عليه السلام (1): " إذا أردت الجماع فقل: أللهم ارزقني ولدا، واجعله تقيا زكيا مباركا ليس في خلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته الى خير ". ومن آداب الخلوة بالمرأة أيضا خلع الزوج خفيها، وغسل رجليها، وصب الماء من باب الدار الى أقصاها، ففى مرسل الصدوق (2) " أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله علي ابن طالب عليه السلام، فقال: يا علي إذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفيها حتى تجلس واغسل رجليها، وصب الماء من باب دارك الى أقصى دارك، فانك إن فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون من الفقر، وأدخل فيه سبعين ألف لون من البركة، وأنزل عليه سبعين ألف لون من الرحمة ترفرف على رأس العروس حتى تناول بركتها كل زاوية من بيتك، وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار " الى غير ذلك من الاداب المستفادة من نصوصهم عليهم السلام. (و) منها أنه (يستحب الوليمة عند الزفاف) قال الصادق عليه السلام في خبر هشام (3): " إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين تزوج ميمونة بنت الحارث أولم عليها وأطعم الناس الحيس " وفي خبر الوشاء عن الرضا عليه السلام (4) " إن النجاشي لما خطب لرسول الله صلى الله عليه وآله آمنة بنت أبى سفيان فزوجه دعا بطعام، وقال: إن من سنن المؤمنين الاطعام عند


(1) الوسائل الباب - 55 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 147 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث - 1 - وفيه " ان من سنن المرسلين.. "

[ 47 ]

التزويج " وعن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) إنه قال: " لا وليمة إلا في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز " أي التزويج والنفاس بالولد والختان وشراء الدار والقدوم من مكة، بل عن الشافعي قول بوجوبها، لان النبي صلى الله عليه وآله قال لعبد الرحمان بن عوف (2): " أولم ولو بشاة " وفيه أنه محمول على الاستحباب بقرينة تركه ذلك في جملة من أزواجه كما قيل. والظاهر أن المدار على مسماها في الكم والكيف، فقد سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله أولم وأطعم الناس الحسيس، وروى عنه صلى الله عليه وآله (3) أيضا أنه " أولم على صفية بسويق وتمر " وعن (4) أنس " أنه ما أولم رسول الله صلى الله عليه وآله على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثنى فادعو الناس، فأطمعهم خبزا ولحما حتى شبعوا " وعنه صلى الله عليه وآله (5) أيضا " أنه أولم على بعض نسائه بمدين من شعير ". وأما وقتها ففى المسالك عند الزفاف، وفي جامع المقاصد " هل هو بعد الدخول أو قبله ؟ لم أجد به تصريحا " ورواية السكوني (6) " زفوا عرائسكم ليلا وأطعموا ضحى " ظاهرة في أنها بعد الدخول، كما أن خبر النجاشي (7) ظاهر في أنه بعد العقد " قلت: قد يقوى جواز كل من الامرين ولعل التقديم أولى. وعلى كل حال فيستحب (يوما أو يومين) للنبوي (8) " الوليمة في الاول


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 258. (3 و 4) سنن البيهقى ج 7 ص 260 (5) سنن البيهقى ج 7 ص 259 مع اختلاف يسير وذكره بعينه في المغنى ج 8 ص 105. (6) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (7) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (8) لم نجد هذا اللفظ في النبويات مع التتبع التام وانما الموجود في سنن البيهقى ج 7 ص 260 وغيرها في هذا الباب أنه صلى الله وعليه وآله قال " الوليمة في اول يوم حق والثانى معروف والثالث رياء وسمعة.

[ 48 ]

حق، ويومان مكرمة، وثلاثة أيام رياء وسمعة " وقال الباقر عليه السلام (1): " الوليمة يوم، ويومان مكرمة، وثلاثة أيام رياء وسمعة ". (و) ينبغى (أن يدعى لها المؤمنون) الذين هم أفضل من غيرهم، وأولى بالمودة وأقرب الى اجابة الدعاء، نعم لو لم يمكن تخصيصهم فليجمعهم مع غيرهم، ولا يعتبر فيهم عدد مخصوص، وفي المسالك " ولتكن قلتهم وكثرتهم بحسب حال الطعام وعادة البلد، ففي بعض البلاد يحضر الطعام القليل للخلق الكثير من غير نكير، وفي بعضه بخلاف ذلك. (و) كيف كان (فلا تجب الاجابة) عندنا، للاصل وغيره (بل تستحب) خلافا للمحكى عن بعض العامة فتجب، للنبوي (2) " من دعى الى وليمة ولم يجب فقد عصى الله ورسوله " ونحوه آخر (3) وفي ثالث (4) " من دعي الى وليمة فليأتها " لكن لعدم اجتماع شرائط حجيتها في مثل الوجوب وجب حملها على الندب، بل تأكده بل كراهة الترك خصوصا إذا كان الداعي مؤمنا، فان " من حقه على أخيه إجابة دعوته " (5) من غير فرق في ذلك بين القريب والبعيد، بل والبلد وغيره مع عدم المشقة التي لا تتحمل عادة، نعم في المسالك " يشترط في استحباب الاجابة أو وجوبها كون الداعي مسلما وأن لا يكون في الدعوى مناكير وملاهي، الا أن يعلم زوالها بحضوره من غير ضرر عليه، فتجب لذلك، وأن يعم صاحب الدعوة الاغنياء والفقراء، ولو من بعض الاصناف كعشيرته وجيرانه، وأهل حرفته، فلو خص بها الاغنياء لم يرجح الاجابة، ولم تجب عند القائل به، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (6): " شر الولائم ما يدعى لها الاغنياء ويترك الفقراء " وأن يخصه بالدعوة بعينه أو مع جماعة معينين، وأما لو دعى عاما ونادى ليحضرن من يريد ونحو ذلك لم تجب الاجابة ولم تستحب، لان الامتناع والحال هذه لا يورث الوحشة والتأذي، حيث لم يعين، وأن يدعى في اليوم الاول


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 2. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 262. (3 و 4) سنن البيهقى ج 7 ص 261. (5) الوسائل الباب - 122 - من أبواب أحكام العشرة الحديث 15 من كتاب الحج. (6) سنن البيهقى ج 7 ص 262.

[ 49 ]

أو الثاني، ولو في الثالث كره الاجابة ". وقد يناقش في الاخير بعدم استلزام كراهة الوليمة للمولم في الثالث كراهة الاجابة المأمور بها، بل قد عرفت أنها من حق المؤمن على المؤمن، كما أنه قد يناقش في سابقه بأنه لا فرق في استحباب الاجابة بين الدعوة العامة والخاصة، نعم ما ذكره من المثال ليس من الدعوة حتى لو وجهه الى خاص لم يبعد عدم الاستحباب أيضا، بخلاف ما لو نادى وقال " إنى ادعو جميع أهل الدار أو أهل المحلة " أو نحو ذلك على وجه أسمعهم نداءه ودعاءه، بل قد يناقش أيضا في اشتراط التعميم، لا طلاق أدلة الاجابة، وكونها شرا بالنسبة الى المولم لا يقتضي كونها شرا للمجيب، خصوصا إذا كان هو فقيرا، بل وجود المناكير فيها على وجه لا يستلزم إثمه لا يقتضي عدم استحباب الاجابة. وعلى كل حال فلو كان الداعي إثنان فصاعدا، قدم الاسبق، فان جاءا معا ففى المسالك أجاب الاقرب رحما ثم الاقرب دارا كما في الصدقة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) انه قال: " إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما اليك بابا، فان أقربهما اليك بابا أقربهما إليك جوارا فان سبق أحدهما فأجب السابق " قلت: ومع تعارض المرجحات فالقرعة، بل لعلها متجهة حال عدم المرجح الشرعي مطلقا. وكما تستحب الاجابة يستحب الاكل الذى هو الغرض من الدعوة، ولما في تركه من الوحشة وكسر قلب الداعي خصوصا في بعض الاحوال من بعض الاشخاص، مضافا إلى قول النبي صلى الله عليه وآله (2) " من كان مفطرا فليطعم " بل عن بعض من أوجب الحضور إيجاب الاكل ولو لقمة، لما عرفت ولان المقصود من الامر بالحضور الاكل، فكان واجبا، وفيه منع انحصار المقصود فيه، بل مجرد الاجابة كاف في جبر القلب، ولهذا كلف الصائم بالحضور واجبا من غير أكل، ويمنع حصول الوحشة مع إكرامه واجابة دعائه واجتماعه مع الجماعة، والتوعد المذكور إنما هو على ترك الاجابة، لا الاكل كما هو واضح


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 275. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 263.

[ 50 ]

ثم إن الصوم ليس عذرا في ترك إجابة الدعوة، للاطلاق، ولقول النبي صلى الله عليه وآله (1): " إذا دعى أحدكم الى طعام فليجب، فان كان مفطرا فليطعم، وان كان صائما فليصل " أي يحضر ويدعو لاهل الدعوة. والصوم إن كان مما يحرم إفطاره لكونه شهر رمضان أو نذرا معينا أو قضاء شهر رمضان بعد الزوال لم يجز له الاكل، وإلا جاز على كراهة كما في المسالك إن كان موسعا، وإن كان نفلا وشق على صاحب الدعوة صومه استحب له الافطار إجماعا ولان النبي صلى الله عليه وآله (2) " حضر دار بعضهم فلما قدم الطعام أمسك بعض القوم، وقال إنى صائم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يتكلف لك أخوك المسلم وتقول: إنى صائم، أفطر ثم اقض يوما مكانه " بل يقوى استحبابه وان لم يشق على صاحب الدعوة إمساكه، لعموم الامر في خبر الرقى عن الصادق عليه السلام (3) " لافطارك في منزل أخيك أفضل من صيامك سبعين ضعفا " وصحيح جميل عنه عليه السلام (4) " من دخل على أخيه فأفطر عنده ولم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة " ولذلك أطلق المصنف فقال (وإذا حضر فالاكل مستحب ولو كان صائما ندبا) لكن عن التذكرة إنه قرب استحباب الاتمام عملا بظاهر التعليل في النبوى (5) فان التكلف له يوجب المشقة في تركه غالبا وهو مناط الامر بالامضاء، وفيه إيماء الى العلة، فيتعدى الى ما شاركها في المعنى، وهو مشقة الامساك على نفسه، وفيه أنه لا تعليل يصلح لتقييد إطلاق غيره، فتعميم الاستحباب حينئذ أولى، نعم ينبغى أن يكون الباعث على الافطار إجابة الدعوة وامتثال أمر الله فيها ليكون طاعة يترتب عليه الثواب، وإلا لم يترتب عليه شئ من الثواب، وإطلاق الامر بالفطر محمول على تصحيح النية اتكالا على أن الاعمال


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 263. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 264 مع اختلاف يسير. (3 و 4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب آداب الصائم الحديث 6 - 4 من كتاب الصوم. (5) سنن البيهقى ج 7 ص 264.

[ 51 ]

بالنيات. ثم لا يخفى عليك عدم اختصاص أكثر هذه الاحكام بوليمة العرس، بل هي شاملة لغيرها أيضا وإن قلنا باختصاص اسم الوليمة بالطعام المتخذ للعرس على وجه يحتاج إطلاقها على غيره الى قيد، كوليمة الختان ونحوه، كسائر المجازات، بخلاف المطلق الذى هو للاول، وإن كان ذلك لا يخلو من نظر أو منع، بل الظاهر تناول اسم الوليمة للجميع، فهى للقدر المشترك حينئذ، نعم قد يقال للطعام المتخذ للولادة: الخرس والخرسة، وعند الختان العذيرة والاعذار وعند إحداث البناء الوكيزة، وعند قدوم الغائب النقيعة، وللذبح يوم سابع المولود العقيقة، وعند حذاق الصبى الحذاق وهو بفتح أوله وكسره تعلم الصبى القرآن أو العمل، والمأدبة اسم لما يتخذ من غير سبب، لكن ذلك لا تقتضي اختصاص اسم الوليمة، في طعام العرس، بل قوله صلى الله عليه وآله (1): " لا وليمة إلا في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز ". أي التزويج والنفاس بالولد والختان وشراء الدار وقدوم الرجل من مكة - يقتضي عدم اختصاصها بذلك، بل لعل التأمل الصادق في نحو هذا التركيب يقتضي ظهوره فيما قلناه من كونها للقدر المشترك، والامر سهل، والله العالم. وكيف كان فلا خلاف في جواز نثر المال في الاعراس مأكول وغيره، وليس من السفه والسرف، نعم الظاهر عدم ثبوت الاستحباب فيه بالخصوص، كما عن بعض العامة، لكونه من متممات أغراض السرور المطلوب في هذه المواضع، ولا الكراهة لكونه باختلاس وانتهاب ونحو ذلك مما يؤدى الى الوحشة والعداوة، ولانه قد يأخذه غير من يحب صاحبه، لكن إثباتهما بمثل ذلك كما ترى. (و) على كل حال (أكل ما ينثر في الاعراس جائز) بلا خلاف، ولا إشكال عملا بشاهد الحال الذى عليه السيرة في سائر الاعصار والامصار من غير فرق في النثر بين جعله عاما وخاصا بفريق معين، وإن اختص الجواز حينئذ في الثاني بذلك الفريق، كما لو وضعه بين يدعى القرى (و) نحوهم، فلا يجوز لغيرهم الاكل منه إلا


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5.

[ 52 ]

باذن المالك. كما أنه (لا يجوز أخذه) على وجه النقل (إلا باذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال) الحاصل من نحو رميه على جهة العموم من غير وضعه على خوان ونحوه، وإلا لم يجز حتى مع اشتباه الحال، لان الاصل المنع من التصرف في مال الغير إلا بالاذن، فما عن التذكرة من جواز أخذه ما لم يعلم الكراهة لا يخفى ما فيه، وما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) " انه حضر في إملاك فأتي بأطباق عليها جوز ولوز فنثرت، فقبضنا أيدينا، فقال: ملكم لا تأخذون ؟ قالوا: لانك نهيت عن النهب، قال: إنما نهيتكم عن نهب العساكر، خذوا على اسم الله، فجاذبناه وجاذبنا " غير ثابت، وعلى تقديره غير دال على ذلك، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (هل يملك) المباح آخذه (بالاخذ) الذى هو بمنزلة الحيازة للمباح الاصلى من المالك الحقيقي ؟ (الاظهر نعم) كما عن المبسوط والمهذب والارشاد والتذكرة، للسيرة القطعية في الاعصار والامصار على معاملته معاملة المملوك بالبيع والهبة والارث وغيرها، بل هي كذلك في كل مال أعرض عنه صاحبه فضلا عما أباحه مع ذلك، سيما اباحة التملك التى هي متحققة فيما نحن فيه، خلافا لثاني الشهيدين في المسالك فجعله باقيا على ملك مالكه، للاصل حتى يحصل سبب يقتضي النقل، وما وقع إنما يعلم منه إفادة الاباحة، قال: " والفرق بينه وبين مباح الاصل واضح، لان ذلك لا ملك لاحد عليه، فاثبات اليد عليه مع نية التملك كاف في تملكه، بخلاف المملوك إذا أبيح بالاذن، فان ذلك لا يخرج عن أصل الملك وإثبات يد المأذون له فيه ليس من الاسباب الناقلة شرعا، فيتمسك بالاستصحاب إلى أن يعلم المزيل " وفيه أن الاصل مقطوع بما عرفت، ولعل منه الانفال التى أباحوها عليهم السلام لشيعتهم، فانه لا ريب في تملكهم لها بالحيازة بهذه الاباحة، ومن تسلط المالك على ملكه اباحة تملكه. ثم إنه بعد أن ذكر التفريع على القولين جوز الرجوع به ما دامت عينه باقية


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 288 مع اختلاف يسير.

[ 53 ]

في يد الاخذ، فلو أتلفه ولو بالاكل زال ملك المالك عنه، قال: " ولو نقله الاخذ عن ملكه ببيع ونحوه فالاقوى زوال ملك المالك عنه " وفيه أنه مع فرض بقائه على ملك المالك لا يزيله البيع، بل مقتضاه انتقال الثمن إليه، لان الفرض عدم حصول سبب يقتضي ملكه له، والثمن يقوم مقام المبيع للمالك، بل مقتضى ذلك أنه بالموت يرجع الى ورثة المالك أيضا، الى غير ذلك من الاحكام المعلوم خلافها فيما نحن فيه وفي نظائره، من المال الذى غرق في البحر وغيره. ثم قال: " والكلام في أكل الحاضر منه الذي حكم بجوازه في أنه هل يباح الاكل من غير أن يحكم بالملك أم يملك ؟ القولان، وعلى المختار لا يزول ملك المالك إلا بالازدراد، ومثله الطعام المقدم للضيف ويزيد الضيف عن هذا أنه لا يجوز له التصرف بغير الاكل مطلقا إلا باذن المالك، نعم يترجح في نحو إطعام السائل والهرة وإطعام بعضهم بعضا إلى قرائن الاحوال، وهى مما تختلف باختلاف الاشخاص والاحوال والاوقات، وجنس الطعام " وفيه أن المباح أكله لا يجرى فيه هذا الكلام، ضرورة كون الفرض اختصاص الاباحة بالاكل الذى لا يتوقف على الملك ولا يزيد هذا عن الضيف، وإطعام السائل والهرة وغيرها مما ذكره مما جرت السيرة به وقامت القرائن القطعية على تناول الاذن له. وكيف كان فبناء على عدم الملك فلا ريب في أولويته بما يأخذه، فليس لغيره أخذه منه قهرا بل لو بسط حجره لذلك فوقع فيه شئ منه لم يبعد أولويته به أيضا، نعم لو سقط منه قبل أخذه ففى سقوط حقه منه وجهان، كما لو وقع في شبكته شئ ثم أفلت، ولو لم يبسط حجره لذلك، ففى المسالك لم يملك ما سيقط فيه قطعا، وهل يصير أولى به ؟ وجهان يأتيان فيما يعشش في ملكه بغير اذنه ويقع في شبكته بغير قصد، وفيه أنه يمكن المناقشة فيما ذكره من القطع بناء على عدم اعتبار نية التملك في الحيازة، ضرورة إمكان دعوى الملك هنا ولو لم يبسط حجره له، بل هو غير بعيد إذا نوى به التملك بعد وقوعه فيه بناء على ما سمعته من التملك بالحيازة، لمثل هذا المباح، كالاصلى والله العالم.

[ 54 ]

(الثاني) من آداب الخلوة: (يكره الجماع في أوقات ثمانية ليلة خسوف القمر، ويوم كسوف الشمس)، لكراهة التلذذ عندهما، بل قيل: إنه إن صار فيهما ولد كان في ضر وبؤس حتى يموت، وفي خبر سالم عن أبى جعفر عليه السلام (1) " قلت هل يكره الجماع في وقت من الاوقات وإن كان حلالا ؟ قال: نعم ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، ومن مغيب الشمس الى مغيب الشفق، وفي اليوم الذى ينكسف فيه الشمس، وفي الليلة التى ينكسف فيها القمر، وفي الليلة واليوم الذين يكون فيهما الريح السوداء والريح الحمراء والريح الصفراء، واليوم والليلة الذين يكون فيهما الزلزلة، وقد بات رسول الله صلى الله عليه وآله عند بعض أزواجه في ليلة انكسف فيها القمر فلم يكن منه في تلك الليلة ما كان يكون منه في غيرها حتى أصبح، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله البغض كان هذا منك في هذه الليلة ؟ قال: لا، ولكن هذه الاية ظهرت في هذه الليلة، فكرهت أن أتلذذ وألهو فيها، وقد عير الله أقواما، فقال جل وعز في كتابه: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم، فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون (2). ثم قال أبو جعفر عليه السلام: وأيم الله لا يجامع أحد في هذه الاوقات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها وقد انتهى إليه الخبر فيرزق ولدا فيرى في ولده ذلك ما يحب ". (و) كذا يكره (عند الزوال) بعده حذرا عن الحول، إلا يوم الخميس فيستحب، لان الشيطان لا يقرب من يقضى بينهما حتى يشيب، ويكون فهما (قيما خ ل)


(1) الوسائل الباب - 62 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) سورة الطور: 52 - الاية 44 و 45.

[ 55 ]

ويرزق السلامة في الدين والدنيا (1). (وعند غروب الشمس) أي من مغيبها (حتى يذهب الشفق) لما سمعته من الخبر (2) المعتضد بما ورد (3) في الجماع في الساعة الاولى من الليل من أن الولد يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الاخرة. (وفي المحاق) مثلثا: وهو ليلتان أو ثلاث آخر الشهر، حذرا من الاسقاط أو جنون الولد وخبله وجذامه (4) خصوصا آخر ليلة منها التى يجتمع فيها كراهتان من حيث كونها من المحاق وكونها آخر الشهر، فانه يكره الجماع في الليلة الاخيرة منه (5) فتشتد الكراهة لذلك، كما أنها تشتد في خصوص الاخيرتين من شعبان اللتين إن رزق فيهما ولد يكون كذابا أو عشارا أو عونا للظالمين أو يكون هلاك فئام من الناس على يديه (6) والمراد كراهة الوطء في هذه الليالى، سواء كان ليلة الدخول أو


(1) الوسائل الباب - 149 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 والباب - 151 - منها الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 62 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 150 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 63 و 64 - من أبواب مقدمات النكاح. (5) الوسائل الباب - 64 - من أبواب مقدمات النكاح. (6) الوسائل الباب - 63 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 وفيه هكذا " يا على لا تجامع اهلك في آخر درجة إذا بقى يومان، فانه ان قضى بينكما ولد يكون عشارا وعونا للظالمين، ويكون هلاك فئام من الناس على يده " الا أن في البحار - ج 103 ص 282 الطبع الحديث نقلا عن العلل والامالي للصدوق (قده) هكذا " يا على لا تجامع اهلك في آخر درجة منه - يعنى إذا بقى يومان (من شعبان) - فانه ان قضى بينكما ولد كان مفدما، يا على لا تجامع اهلك على شهوة اختها فانه ان قضى بينكما ولد يكون عشارا أو عونا للظالم، ويكون هلاك فئام من الناس على يديه ".

[ 56 ]

غيرها كغيره مما تسمع، نعم عن الكاظم عليه السلام (1) " من تزوج في محاق الشهر فليسلم لسقط الولد " والتزويج حقيقة في العقد، فيمكن الحكم بكراهتهما معا لذلك أيضا (وبعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس) للخبر السابق (2) ولانه لا يرى في الولد ما يحب. (وفي أول ليلة من كل شهر) حذرا من الاسقاط أو الجنون أو الخبل أو الجذام (3) خصوصا ليلة الفطر التى يكون الولد فيها كثير الشر، ولا يلد إلا كبير السن (4) (إلا في) الليلة الاولى من (شهر رمضان) فلا كراهة، بل تستحب إعدادا للصيام وإجراءا لسنة الاباحة، وفي المرسل قال علي عليه السلام (5): " يستحب للرجل أن يأتي أهله ليلة من شهر رمضان، لقول الله عز وجل: احل (6) - الى آخرها - والرفث المجامعة. (وفي ليلة النصف) من كل شهر، للاسقاط أو الجنون أو الخبل أو الجذام (7) وخصوصا نصف شعبان، فان الولد فيها يكون مشوما ذا شأمة في (8) وجهه (وفي السفر إذا لم يكن معه ماء) ل‍ (يغتسل به) إلا أن يخاف على نفسه كما في الخبر (9) وفي آخر (10) " يا على لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن، فانه إن


(1) الوسائل الباب - 54 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 عن على بن محمد العسكري عن آبائه عليهم السلام، ورواه عن أبى الحسن عليه السلام في الباب - 63 - منها الحديث 1 وفيه " من أتى أهله في محاق الشهر " الخ. (2) الوسائل الباب - 62 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (3 و 5 و 7) الوسائل الباب - 64 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 0 - 4 -. (4) الوسائل الباب - 149 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (6) سورة البقرة: 2 - الاية 187. (8) الوسائل الباب - 149 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (9) الوسائل الباب - 50 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (10) الوسائل الباب - 150 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

[ 57 ]

قضي بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم ". (وعند هبوب الريح السوداء والصفراء) والحمراء (والزلزلة) لما عرفت، بل عن سلار وابن سعيد وكل آية مخوفة، وربما أومأ إليه الخبر السابق (1). (والجماع وهو عريان) الذى هو من فعل الحمار، وتخرج الملائكة من بينهما ويكون الولد جلادا (2). (وعقيب الاحتلام قبل الغسل) خوفا من جنون الولد (3) وفي المتن ومحكي النهاية والمهذب والوسيلة وغيرها (أو الوضوء) أي وضوء الصلاة. (و) لم نعرف له سندا كما اعترف به في كشف اللثام نعم (لا بأس أن يجامع مرات من غير غسل يتخللها، ويكون غسله أخيرا) للاصل، وفعل النبي صلى الله عليه وآله (4) بل فرق في الخبر بأن الاحتلام من الشيطان بخلافه، لكن يستحب غسل الفرج ووضوء الصلاة بلا خلاف، كما عن المبسوط وروى الوشا الوضوء عن الرضا عليه السلام (5) وكذا ابن أبى نجران مرسلا عن الصادق عليه السلام (6) " في الجارية يأتيها ثم يريد إتيان


(1) الوسائل الباب - 62 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 58 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 وليس فيه " أنه يكون جلادا " وانما ذكر ذلك للمجامعة تحت الشجرة المثمرة في الوسائل في الباب - 149 - منها الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 70 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 و 3. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 191. (5) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الوضوء الحديث 2 من كتاب الطهارة. (6) ليس في المقام رواية لابن أبى نجران الا رواية واحدة وهى التى ذكرها بعد هذه بعنوان مرسلة التميمي.

[ 58 ]

أخرى " وفي مرسل التميمي عن أبى عبد الله عليه السلام (1) " إذا أتى الرجل جاريته ثم أراد أن يأتي الاخرى توضأ " وعن الرسالة الذهبية المنسوبة الي الرضا عليه السلام (2) " الجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون " والظاهر ضم غين الغسل، ويحتمل الفتح. (و) يكره أيضا (أن يجامع وعنده من ينظر إليه) من ذوي العقول على وجه يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما كما في النص لا يراثه زنا الناظر، ففى خبر زيد عن الصادق عليه السلام (3) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذى نفسي بيده لو أن رجلا يغشى امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما ما أفلح أبدا، إن كان غلاما كان زانيا أو جارية كانت زانية، وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا أراد أن يغشى أهله أغلق الباب وأرخى الستور وأخرج الخدم " وفي خبر راشد (4) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبى، فان ذلك مما يورث الزنا " نعم لا فرق بين المميز وغيره كما هو مقتضى إطلاق المتن وغيره، لاطلاق النص، وربما خص بالاول، بل في خبر النعمان بن علي بن جابر (5) عن الباقر


(1) الوسائل الباب - 155 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 عن عثمان بن عيسى عمن ذكره، وهو سهو، فان الموجود في التهذيب ج 7 ص 459 - الرقم 1837 - ابن أبى نجران (وهو التميمي) عمن رواه، واما عثمان بن عيسى فقد روى رواية أخرى مرسلا ذكرها في التهذيب قبل هذه الرواية، والظاهر أن صاحب الوسائل اشتبه تلك بهذه الرواية، ولذلك نسبها الى عثمان بن عيسى. (2) المستدرك الباب - 117 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 19. (3) الوسائل الباب - 67 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 عن عبد الله بن الحسين ابن زيد عن أبيه عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) الوسائل الباب - 67 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 67 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8 عن النعمان بن يعلى عن جابر.

[ 59 ]

عليه السلام " إياك والجماع حيث يراك صبى يحسن أن يصف حالك، قال: قلت: يا ابن رسول الله كراهة الشنعة ؟ قال: لا، فانك إن رزقت ولدا كان شهرة علما في الفسق والفجور " لكن لا ينافي الاطلاق السابق، ويمكن أن يراد بالمميز ما في الخبر وعن بعض الكتب (1) عن الصادق عليه السلام " نهى أن توطأ المرأة والصبى في البيت ينظر إليهما " وربما احتمل إرادة غير المميز من الصبي والغلام والجارية في أكثر النصوص (2) لكونه الذى لا يجتنب عنه غالبا، ويعرف منه حكم الكبير بالاولوية. (و) كذا يكره (النظر الى فرج الامرأة) خصوصا باطنه (في حال الجماع)، بل (وغيره) بل عن ابن حمزه حرمته عملا بظاهر النهى المحمول على الكراهة قطعا، خصوصا بعد موثق سماعة (3) " سألته عن الرجل ينظر فرج المرأة وهو يجامعها، قال: لا بأس به إلا أنه يورث العمى " وخبر أبى حمزة (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام أينظر الرجل الى فرج امرأته وهو يجامعها ؟ فقال: لا بأس " وفي خبر إسحاق بن عمار عنه عليه السلام (5) أيضا " في الرجل ينظر الى امرأته وهى عريانة، قال: لا بأس بذلك، وهل اللذة إلا ذاك ؟ " لكن يمكن أن يريد ما عدا الفرج هذا. وقد يستفاد من خبر (6) الوصايا استحباب غض البصر، والامر سهل. (و) يكره (الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها) لخبر محمد بن العيص (7) " سأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: أجامع وأنا عريان ؟ فقال: لا، ولا مستقبل القبلة ولا


(1) الوسائل الباب - 67 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 9 مع اختلاف في اللفظ. (2) الوسائل الباب - 67 - من أبواب مقدمات النكاح - 0 -. (3) الوسائل الباب - 59 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 وفيه " ينظر في فرج المرأة ". (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 59 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 1 - 5. (7) الوسائل الباب - 69 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

[ 60 ]

مستدبرها " والمرسل (1) " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها وفي خبر غياث بن ابراهيم عنه عليه السلام (2) أيضا " أنه كره أن يجامع الرجل مقابل القبلة " بل في كشف اللثام عن النبي صلى الله عليه وآله (3) لعن المستقبل، لكن من الغريب جزمه في أحكام التخلي بحرمة الاستقبال والاستدبار حال الجماع من غير نقل خلاف مع جزمه هنا بالكراهة كذلك، وهو الصواب، فانا لم نجده لغيره هناك ولا هنا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، والله العالم. (و) يكره أيضا الجماع (في السفينة) للنهي عن ذلك في المرسل (4) وما قيل من عدم استقرار النطفة. (والكلام عند الجماع بغير ذكر الله) خصوصا الكثير منه، وخصوصا إذا كان من الرجل، للنهى عنه في النصوص (5) وفي بعضها (6) " أنه يورث الخرس في الولد " الى غير ذلك مما اشتملت عليه النصوص، كالدخول بالمرأة ليلة الاربعاء (7) والجماع وهو مختضب بل في خبر سالم (8) عن أبى الحسن عليه السلام " لا يجامع الرجل مختضبا ولا يجامع مع المرأة مختضبة " والجماع على الامتلاء والعجوز، بل في المرسل (9)


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب القبلة - الحديث 3 من كتاب الصلاة. (2 و 4) الوسائل الباب - 69 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 2. (3) الوسائل الباب - 69 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (5 و 6) الوسائل الباب - 60 - من أبواب مقدمات النكاح. (7) الوسائل الباب - 39 - من أبواب مقدمات النكاح. (8) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الجنابة الحديث 3 عن سلم مولى على بن يقطين نقلا عن التهذيب، ورواه في المستدرك عن ثاقب عن على بن يقطين في الباب - 46 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - ورواه في البحار ج 103 ص 289 الطبع الحديث عن سالم مولى على بن يقطين عن على بن يقطين. (9) الوسائل الباب - 152 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

[ 61 ]

عن الصادق عليه السلام " ثلاث يهد من البدن وربما قتلن: دخول الحمام على البطنة، والغشيان على الامتلاء، ونكاح العجائز ". وفي خبر الوصايا (1) " يا على لا تجامع أهلك بعد الظهر، فانه إن قضي بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول، والشيطان يفرح بالحول في الانسان - إلى أن قال -: يا على لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فاني أخشى إن قضي بينكما ولد أن يكون مخنثا أو مخبلا، يا علي لا تجامع امرأتك إلا ومعك خرقة ولاهلك خرقة ولا تمسحا بخرقة واحدة فتقع الشهوة على الشهوة، فان ذلك يعقب العداوة بينكما، ثم يؤديكما الى الفرقة والطلاق، يا علي لا تجامع امرأتك من قيام، فان ذلك من فعل الحمير، فان قضي بينكما ولد كان بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان، يا علي لا تجامع امرأتك في ليلة الاضحى، فانه إن قضي بينكما ولد يكون له ستة أصابع أو أربعة أصابع، يا علي لا تجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة، فانه إن قضي بينكما ولد يكون جلادا قتالا أو عريفا، يا علي لا تجامع امرأتك في وجه الشمس وتلالؤها إلا أن ترخى سترا فيستركما، فانه إن قضي بينكما ولد لا يزال في بؤس وفقر حتى يموت، يا علي لا تجامع امرأتك بين الاذان والاقامة، فانه إن قضي بينكما ولد يكون حريصا على إهراق الدماء، يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء، فانه إن قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد، يا علي لا تجامع أهلك على سقوف البنيان، فانه إن قضى بينكما ولد يكون منافقا مرائيا مبتدعا، يا علي إذا خرجت فلا تجامع أهلك تلك الليلة، فانه إن قضي بينكما ولد ينفق ماله في غير حق، وقرء رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين (2) يا علي لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاثة


(1) ذكر قطعة منها في الوسائل في الباب - 149 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 وبعده في الباب - 150 - منها الحديث 1 وقطعة منها في الباب - 151 - منها الحديث 1 وتمامه في الفقيه ج 3 ص 359 و 360 - الرقم 1712. (2) سورة الاسراء: 17 - الاية 27. .

[ 62 ]

أيام ولياليهن، فانه إن فضي بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم عليك، يا على عليك أن تجامع ليلة الاثنين، فانه إن قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله راضيا بما قسم الله عزوجل له، يا على إن جامعت أهلك ليلة الثلثاء فقضي بينكما ولد فانه يرزق الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يعذبه الله مع المشركين، ويكون طيب النكهة والفم، رحيم القلب، سخي اليد، طاهر اللسان من الغيبة والبهتان، يا علي وإن جامعت أهلك ليلة الخميس فقضي بينكما ولد يكون حاكما من الحكام، أو عالما من العلماء، وإن جامعتها يوم الخميس عند الزوال عند كبد السماء فقضى بينكما ولد فان الشيطان لا يقربه حتى يشيب، ويكون قيما، ويرزقه الله السلامة في الدين والدنيا، يا على إن جامعتها ليلة الجمعة وكان بينكما ولد فانه يكون خطيبا قوالا مفوها، وإن جامعتها يوم الجمعة بعد العصر فقضي بينكما ولد فانه يكون معروفا مشهورا عالما، وإن جامعتها ليلة الجمعة بعد العشاء الاخرة فانه يرجى أن يكون الولد من الابدال إنشاء الله ". لكن في المسالك من هذه الوصية تفوح رائحة الوضع، وقد صرح به بعض النقاد، وفي الوافي لا يخفى ما في هذه الوصايا، وبعد مناسبتها لجلالة قدر المخاطب بها، ولذلك قال بعض فقهائنا: إنها مما يشم منه رائحة الوضع، قلت: لعل سوء التعبير من الرواة وأما نفس الحكم فان الله لا يستحيي من الحق هذا. وفي المسالك ما حاصله: " إن التعليل في هذه النصوص بسقط الولد وخبله وجذامه ونحو ذلك، يقتضي اختصاص الكراهة في جماع يمكن فيه حصول ذلك، أما إذا كانت يائسا مثلا فانه يقوى عدم الكراهة حينئذ، إذا ليس في الباب غير ما ذكر من النصوص، وليس فيها الحكم بالكراهة مطلقا كما أطلقه الفقهاء ". وفيه أنه لا يخفى على المتأمل في المقام وغيره أن المراد من نحو هذه التعليلات ذكر بعض الحكمة في هذا الحكم المبني على العموم، لا أن المراد منها دوران الحكم مدارها وجودا وعدما وإن لم يفهم أحد من الفقهاء منها ذلك، لعدم كونها مسافة لمثله، بل المتأمل يقطع بعدم إرادة ذلك، كما أن الخبير الممارس لاقوالهم عليهم السلام

[ 63 ]

يعلم ذلك منها أيضا. ثم إنه قال بعد ذلك: " وما ذكرناه من تفسير العمى في نظر الفرج ذكره جماعة من الاصحاب، ويحتمل قويا أن يريد به عمى الناظر، إذ ليس هناك ما يدل على إرادة الولد، ولا هو مختص بحالته، وهذا هو الذى رواه العامة (1) في كتبهم، وفهموه، وعليه يحسن عموم الكراهة " وفيه أن حديث الوصايا صريح في التعليل بعمى الولد، مضافا الى حصول الظن من التعليل لغير ذلك مما يرجع الى الولد، خصوصا الكلام الذى يورث خرسه يكون المراد هنا عمى الولد، وروايات العامة وفهمهم دليل على خلاف الحق، لا عليه. ولعل هذا المقدار من الكلام في هذا المقام كاف، لكونه من الكراهة، والامر فيها سهل، وإلا فلا يخفى كثرة فروع المقام، وكثرة شعب الكلام فيها. المبحث (الثالث في اللواحق) وهى ثلاثة: (الاول) لا خلاف بين المسلمين في أنه (يجوز أن ينطر الى وجه امرأة يريد نكاحها وإن لم يستأذنها) وكفيها، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكى منهما مستفيض


(1) كنز العمال - ج 8 ص 254 - الرقم 4152.

[ 64 ]

أو متواتر، كالنصوص من الطرفين، ففي خبر محمد بن مسلم (1) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر إليها، قال: نعم إنما يشتريها بأغلى الثمن " وفي المرسل المروي عن المجازات النبوية (2) للسيد الرضي " إنه صلى الله عليه وآله قال للمغيرة ابن شعبة وقد خطب امرأة: لو نظرت إليها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما " وفي آخر (3) " انه قال لرجل من أصحابه وقد خطب امرأة: انظر إلى وجهها وكفيها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما المودة والالفة " وفي ثالث (4) " من تاقت نفسه الى نكاح امرأة فلينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها " وفي خبر الحسن بن السرى (5) عن الصادق عليه السلام " إنه سأله عن الرجل ينظر الى المرأة قبل أن يتزوجها قال: نعم فلم يعط ماله ؟ " وفي خبره الاخر (6) عنه عليه السلام أيضا " عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها وينظر الى خلفها وإلى وجهها، قال: نعم لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، ينظر إلى خلفها وإلى وجهها " وفي صحيح يونس المروي عن العلل (7) عنه عليه السلام أيضا " الرجل يريد أن يتزوج المرأة يجوز أن ينظر إليها، قال: نعم، وترقق له الثياب، لانه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن " وفي خبر غياث بن إبراهيم (8) عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام " في رجل ينظر الى محاسن امرأة يريد أن يتزوجها، قال: لا بأس إنما هو، مستام فان يقض (يقضى خ ل) أمر يكون " وفي مرسل الفضل (9) عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: أينظر الرجل الى المرأة يريد تزويجها فينظر الى شعرها ومحاسنها ؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن متلذذا " وفي خبر عبد الله بن (10) سنان قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يريد أن يتزوج المرأة فينظر الى شعرها ؟ فقال: نعم


(1 و 2) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 13. (3 و 4) المستدرك الباب - 30 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 3 الا أنه لم يذكر في الاول ذيل الحديث. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 3 - 11. (8 و 9 و 10) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8 - 5 - 7. (جواهر الكلام - ج 4)

[ 65 ]

إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن " وفي حسن هشام وحماد بن عثمان وحفص بن البخترى (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها " الى غير ذلك من النصوص التي يمكن استفادة الندب المتسامح به من الامر في بعضها، والتعليل بالمودة والالفة الذي منه يرتفع دعوى انسياق إرادة الاباحة منه، باعتبار كونه في مقام توهم الحظر. نعم لا ريب في اعتبار كونها ممن يجوز له نكاحها حال النظر، لا نحو ذات البعل والعدة، وإمكان اجابتها عادة، لا المعلوم عدمها، بل قيل باعتبار احتمال إفادة النظر ما لا يعرفه قبله، ولا بأس به اقتصارا على المتيقن المشعر به التعليل، ضرورة عدم الغرر بالنسبة إليه، بل الاولى الاقتصار على من يريد تزويجها خاصة، فلا يكفي إرادة أصل التزويج في الجواز، كما لا يكفي احتمال العزم على تزويجها بعد النظر. وأما اعتبار عدم اللذة بذلك فينبغي القطع بعدمه، لاطلاق الادلة، ولعسر التكليف به على وجه تنتفي الحكمة في مشروعية الحكم المزبور، ولذا كان المحكى عن التذكرة التصريح بجواز النظر مع خوف الفتنة، بل ظاهر المقنعة جواز النظر مع التلذذ، قال بعد الحكم بجواز النظر لمريد التزويج والشراء: " ولا يحل له أن ينظر إلى وجه امرأة ليست له بمحرم ليتلذذ بذلك دون أن يراها للعقد عليها، ولا يجوز له أيضا النظر إلى أمة لا يملكها للتلذذ برؤيتها من غير عزم على ذلك لابتياعها " بل قد يشعر به ما ورد في الامة عند إرادة الشراء الذي شبه ما نحن فيه بها بقوله عليه السلام " مستام " ونحوه، ففي خبر حبيب (2) عن الصادق عليه السلام إنى اعترض جواري المدينة فأمذى، فقال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس، وأما من لا يريد أن يشترى فانى أكرهه " والتلذذ المذكور في الخبر المزبور إنما يراد منه النظر للتلذذ، لا ما يشمل حصول اللذة به، وإن كان الغرض منه اختيار النكاح لا التلذذ. وكذا ما في المسالك من أنه " ينبغي أن يكون النظر قبل الخطبة، إذ لو كان


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 2 من كتاب التجارة.

[ 66 ]

بعدها وتركها لشق ذلك عليها وأوحشها " وكأنه تبع بذلك الكركي حيث قال: " ووقت النظر اجتماع هذه الشروط، لا عند الاذن في العقد، ولا عند ركون كل منهما الى صاحبه، وهو وقت تحريم الخطبة على الخطبة، خلافا لبعض العامة، وينبغى " إلى آخر ما سمعته من المسالك. لكن لا يخفى عليك أن ذلك كله من الاجتهاد في مقابلة النص، كالذي في المتن (و) غيره من أنه (يختص الجواز بوجهها وكفيها) بل قيل: إنه المشهور وإن كنا لم نتحققه، خصوصا بعد ما في النهاية " ولا بأس أن ينظر الرجل الى وجه مرأة يريد العقد عليها، وينظر الى محاسنها ووجهها، ويجوز أن ينظر الى مشيها وجسدها من فوق ثيابها، ولا يجوز له شئ من ذلك إذا لم يرد العقد عليها " وفي الوسيلة " وإذا أراد أن يملك امرأة جاز له النظر الى محاسنها ومشيها وجسدها من فوق الثياب " بل لعله المراد أيضا مما في المقنعة من النظر الى وجهها ويديها بارزة من الثوب، واليها ماشية في ثيابها، وفي الكفاية: يتجه العمل بما تضمنته النصوص من النظر الى الشعر والمحاسن، واختاره أيضا المقدس البغدادي وسيد المدارك والمحدث البحراني، وفي الرياض العمل بها متجه وفاقا للمشائخ الثلاثة لا سيما القديمين وجمع من الاصحاب. مع أنك قد عرفت خلو النصوص عن التخصيص المزبور، وانما في حسن (1) حفص نفي البأس عن النظر الى الوجه والمعاصم، وهو - مع كون المعصم فيه محل السوار غير الكف المحدود عندهم بمفصل الزند - غير مناف لباقي النصوص المتعاضدة بعضها مع بعض المشتركة في التعليل الموافق للاعتبار المقتضى جواز النظر الى جميع بدنها عدا العورة الذى به يزول الغرر والخطر عنه، لانه مستأم يأخذ بأغلى الثمن، ومعط ماله، ومريد للالفة الدائمة، والمودة المستمرة، بل قد يراد بالمحاسن ذلك لا خصوص مواضع الزينة، ولا ما قابل المساوى، خصوصا بعد ظهور بعض (2) نصوص


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب بيع الحيوان - من كتاب التجارة.

[ 67 ]

شراء الامة المشبه ما نحن فيه بها في ذلك، بل يمكن إرادة ما يشمل جميع ما تواجه به من الوجه فيه، كما يشعر به خبر ابن السرى (1) المقابل للوجه فيه بالخلف، مضافا إلى ما في التخصيص المزبور من منافاة الحكمة التى شرع لها الحكم المزبور، ضرورة عدم تيسر اختصاص النظر اليهما فقط باعتبار عدم انفكاك ذلك عن النظر الى الشعر والعنق وغير ذلك مما هو خارج عن حد الوجه، فلا محيص للفقيه الذى كشف الله عن بصيرته عن القول بجواز النظر الى جميع جسدها بعد تعاضد تلك النصوص وكثرتها، وفيها الصحيح والموثق وغيرهما الدالة بأنواع الدلالة على ذلك. (و) أن (له) أن يتأملها و (أن يكرر النظر إليها) إذا لم يكن قد تعمق في الاول وجواز استفادته منه ما لم يكن قد استفاده من النظر السابق. (وأن ينظرها قائمة وماشية) بل قوله عليه السلام فيها: " مستأم " (2) ونحوه صريح في كونه كالمشترى الذي يبالغ في النظر للسلعة التى يريد شراءها ويستقصي بالنظر الى كل موضع مطلوب في دفع الثمن له، بل قد يشكل الفرق بين المقام والنظر الى الاجنبية بناء على اختصاص الجواز بالوجه والكفين، وأن له التكرار في كل منهما مقيدا ذلك بعدم التلذذ والريبة، والفرق بينهما بالاتفاق هنا والخلاف هناك لا يصلح فارقا، ومن الغريب بعد ذلك قول المصنف: (وروى جواز أن ينظر الى شعرها ومحاسنها) بل (و) أن ينظر الى جميع (جسدها) ولكن ينظره (من فوق الثياب) مشعرا بتمريض الرواية، وربما علل بعدم صلاحية هذه الرواية للحجة بالارسال والجهالة وغيرهما، وقد عرفت أن الرواية الدالة على ذلك بأنواع الدلالة بين الموثق والصحيح والحسن وغيرها، بل هي دالة على جواز النظر الى الجسد عارية، نعم في الصحيح المزبور الامر بترقيق الثياب له، ولا بأس به مع فرض قضاء الغرض به، قال يونس بن يعقوب (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة وأحب أن


(1) الوسائل الباب 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 36 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8 - 10.

[ 68 ]

ينظر إليها قال: تحتجر - بالمهملة أو المعجمة - ثم لتقعد وليدخل فلينظر، قال: قلت: تقوم حتى ينظر إليها، قال: نعم، قلت: فتمشي بين يديه، قال: ما أحب أن تفعل " بل لا يبعد رجحان الاقتصار على المتعارف من نظر الخطاب للمخطوبة، هذا. وربما ألحق بجواز نظره إليها جواز نظرها إليه على حسب نظره اللها، لاشتراكهما في العلة، بل ربما كانت فيها أتم باعتبار كون الطلاق بيده دونها، لكن فيه أن العلة كونه مستأما يأخذ بأغلى الثمن، ولا ريب في عدم تحققها بالنسبة إليها وحينئذ فيشكل الالحاق المزبور بعد حرمة القياس عندنا، أللهم إلا أن يقال باشعار التعليل بالالفة في بعض النصوص بذلك، لكن في الاكتفاء بمثله عن الخروج عن مقتضى التحريم نظر أو منع، كمنع جواز ذلك لغير مريد التزويج ولو وليا، لقصور الادلة عن إخراجه عن مقتضى الحرمة، بخلافه في شراء الامة الشامل له ولغيره عدا الفضولي على الظاهر. (وكذا يجوز أن ينظر إلى أمة يريد شراءها) مثلا (والى شعرها ومحاسنها) على المشهور، بل في المسالك دعوى الوفاق عليه، بل وسائر جسدها عدا العورة، بل قيل ويمسها كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في كتاب البيع. (ويجوز) أيضا كما عن الشيخين وجماعة بل في المسالك، نسبته إلى المشهور (النظر الى نساء أهل الذمة وشعورهن، لانهن بمنزلة الاماء) للمسلمين، باعتبار كونهم كغيرهم فيئا لهم، وإن حرم عليهم بالعارض نكاحهن تبعا لذمة الرجال كالامة المزوجة والاماء التى حرمهن ملك المسلمين لهن، أو المراد بمنزلة الاماء للغير لما في صحيح محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر عليه السلام " إن أهل الكتاب مماليك الامام " وخبر زرارة (2) عنه عليه السلام أيضا " إن أهل الكتاب مماليك للامام، ألا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدون العبيد الضريبة الى مواليهم " بناء على جواز النظر الى


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1 وهو صحيح أبى بصير عن ابى جعفر عليه السلام. (2) الوسائل الباب - 45 - من أبواب العدد الحديث 1 من كتاب الطلاق.

[ 69 ]

أمة الغير، كما صرح به بعضهم، بل هو مقتضى التعليل المزبور الصادر من جماعة، بناء على أن المراد به ذلك، بل في المسالك أنه المشهور مقيدا بكون النظر الى وجهها وكفيها وشعرها خاصة بالقيدين، بل هو ظاهر بعض النصوص المتقدمة في شراء الامة نحو قوله عليه السلام: " لا أحب للرجل أن يقلب جارية إلا جارية يريد شراءها " (1) وغيره بل ظاهر النصوص الواردة في مملوكة الوالد (2) المفروغية من كون الاماء يحل منهن لغير المالك في الجملة، بل هو مقتضى السيرة المستمرة في جميع الاعصار والامصار، بل قد يشعر به في الجملة أيضا عدم وجوب ستر رأسها في الصلاة، فالاقوى جواز النظر لامه الغير، وعدم وجوب الستر عما هو متعارف من سيرة المتدينين حتى مع عدم رضا المالك، إذ هو حكم شرعي لا مالكي، ولا ينافي ذلك تقييدهم الجواز بمشترى الامة فيما تقدم سابقا، إذ يمكن كون ذلك منهم لتعرض النصوص لها، على أنك قد عرفت التوسعة في مشترى الامة على المختار بخلاف غيرها، نعم يشكل ذلك على من اقتصر في الجواز فيهما على شئ واحد، هذا. ولكن قد يشكل أصل الحكم هنا بخبر عباد بن صهيب عن الصادق عليه السلام (3) لا بأس بالنظر الى نساء أهل تهامة والاعراب وأهل البوادي من أهل الذمة والعلوج، لانهن لا ينتهين إذا نهين " ضرورة ظهوره في كون العلة عدم الانتهاء بالنهي الذى يمكن كون المراد منه عدم وجوب الغض، وعدم حرمة التردد في الاسواق والزقاق من هذه الجهة، لما في ذلك من العسر والحرج بعد فرض عدم الانتهاء بالنهي، فهو حينئذ أمر خارج عما نحن فيه، ولذا جمع غيرهن معهن، وربما يؤيده ترك أهل الذمة في المروي (4) عن الكافي والفقيه، أللهم إلا أن يكون المراد ذكر التعليل الجامع للجميع، فلا ينافي حينئذ اختصاص أهل الذمة بعلة أخرى هي ما عرفت


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 3 من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 3 و 5 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (3 و 4) الوسائل الباب - 113 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 مع اختلاف في لفظ الاول.

[ 70 ]

التى قد يؤمي إليها ما في خبر السكوني (1) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر الى شعورهن أيديهن " ضرورة ظهور نفي الحرمة في معاملتهن معاملة الدواب المملوكة، وفي خبر أبى البخترى المروي (2) عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على عليهم السلام " لا بأس بالنظر الى رؤوس نساء أهل الذمة " الحديث. و (لكن) مع ذلك كله قد منع ابن إدريس من النظر اليهن، لا طلاق الامر بالغض المقيد بما عرفت، والنهي عن مد العين الى ما متع أصناف منهم في الكتاب العزيز (3) المعلوم عدم ارادة ما نحن فيه منه، وتبعه الفاضل في المحكي عن مختلفه، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان الاول أقوى. نعم (لا يجوز ذلك لتلذذ) بالنظر (ولا لريبة) وهى كما في كشف اللثام ما يخطر بالبال من النظر دون التلذذ، ثم قال: أو خوف افتتان، والفرق بينه وبين الريبة ظاهر مما عرفت، ولذا ذكر الثلاثة في التذكرة، ويمكن تعميم الريبة للافتتان، لانها من " راب " إذا وقع في الاضطراب، فيمكن أن يكون ترك التعرض له هنا وفي التحرير وغيرهما لذلك. قلت: الظاهر أن المراد من الريبة خوف الوقوع معها في محرم، ولعله هو المعبر عنه بخوف الفتنة، فيكون الاقتصار عليهما كما في المتن أجود، والامر سهل بعد معلومية الحرمة عند الاصحاب والمفروغية منه، وإشعار النصوص بل ظهورها بل صريح بعضها فيه، فلا وجه للمناقشة في الثاني منهما بعدم ثبوت حرمة ذلك بمجرد احتمال الوقوع في المحرم، ضرورة كون المستند ما عرفت، لا هذا كما هو واضح. بل لا يبعد حرمته في نفسه بالنسبة الى الاجنبية لا من حيث النظر خاصة، ولذا لم يكن إشكال في حرمته بالسمع واللمس ونحوهما، بل الاحوط والاولى اجتنابه بالتصور، فضلا عن ذكر الاوصاف ونحوه، وفي وصايا النبي صلى الله عليه وآله لعلى


(1 و 2) الوسائل الباب - 112 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (3) سورة الحجر: 15 - الاية 88 وسورة طه: 20 - الاية 131.

[ 71 ]

عليه السلام (1) " يا علي لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك فانى أخشى إن قضي بينكما ولد أن يكون مخنثا مخبلا " والله العالم. (و) كيف كان فلا إشكال كما لا خلاف في أنه (يجوز أن ينظر الرجل الى مثله ما خلا عورته) الواجب عليه سترها في الصلاة (شيخا كان أو شابا حسنا أو قبيحا ما لم يكن النظر لريبة أو تلذذ، وكذا المرأة) بالنسبة الى المرأة، بل في المسالك هو موضع وفاق، بل لعله من ضروريات الدين المعلومة باستمرار عمل المسلمين عليه في جميع الاعصار والامصار، وقد روي (2) " أن وفدا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم غلام حسن الوجه فأجلسه من ورائه، وكان ذلك بمرأى من الحاضرين " ولم يأمره بالاحتجاب عن الناس، وإجلاسه وراءه تنزها منه صلى الله عليه وآله وتعففا وتعليما للناس. بل منه يعلم كالطلاق المصنف وغيره في المقام وغيره عدم الفرق في التلذذ المحرم للنظر بين كونه لهيجان مادة الجماع وبين غيره ولو من حيث انه ولد حسن، فما يستعمله بعض الناس من التلذذ بالنظر الى حسان الوجوه من الاولاد معتذرا عن ذلك بأن التلذذ الحاصل منه كالتلذذ بالنظر الى البناء الحسن ونحوه من مكائد الشيطان وحبائله ومصائده، أعاذنا الله تعالى من ذلك، مع ظني أن ذلك عذر يعتذر به عند الناس، وإلا فلا عذر له عند العالم بالبواطن، وعلى فرضه لا يبعد جوازه على إشكال. ثم إن ظاهر المصنف وغيره بل هو المشهور عدم الفرق في جواز نظر المرأة الى مثلها بين المسلمة والكافرة، بل هو الذى استمرت عليه السيرة والطريقة، خلافا لما عن الشيخ في أحد قوليه، من أن الذمية لا تنظر الى المسلمة حتى الوجه والكفين، فيجب عليها حينئذ الستر منها، لقوله تعالى (3) " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن -


(1) الوسائل الباب - 150 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) رواه ابن قدامة في المغنى - ج 7 ص 463 عن أبى حفص. (3) سورة النور: 24 - الاية 31. .

[ 72 ]

الى قوله تعالى -: أو نسائهن " والذمية ليست منهن، فعلى ذلك ليس للمسلمة أن تدخل مع الذمية الى الحمام، بل مقتضى دليله عدم جواز ذلك لغير الذمية من الكفار، كما هو مقتضى ما حكاه عنه وعن الطبرسي والراوندي في كشف اللثام، مستثنين من ذلك الامة، بل فيه " وهو قوي " ثم حكى عن التذكرة قوة الجواز في الذمية، للاصل وعدم العلم بكون نسائهن بذلك المعنى، ولم يتعرض للكافرة، لكن في السمالك الاشهر الجواز، وأن المراد بنسائهن من في خدمتهن من الحرائر والاماء، فيشمل الكافرة، ولا فارق بين من في خدمتها منهن وغيرها. قلت: قد عرفت المحكي عن الشيخ ومن تبعه من استثناء الامة، نعم يقوى الجواز للاصل والسيرة المستمرة، واحتمال إرادة مطلق النساء من نسائهن، على أن يكون بيان جواز إبداء زينتهن لامثالهن، قال في الكشاف: الظاهر أنه عني بنسائهن أو ما ملكت أيمانهن من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والاماء فكأنه قال سبحانه: النساء سواء في حل نظر بعضهن الى بعض، بل ربما كان في خبر حفص بن البخترى (1) عن الصادق عليه السلام " لا ينبغى للمرأة أن تنكشف بين يدى اليهودية والنصرانية، فأنهن يصفن ذلك لازواجهن " دلالة عليه من التعبير بلفظ " لا ينبغى " ومن التعليل، مضافا إلى ما فيه من العسر والحرج، خصوصا في الزمان السابق، لكن لا ينكر ظهوره في كراهة التكشف لهن، والله العالم. (وللرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطنا وظاهرا) بتلذذ وبدونه حتى العورة على الاصح وإن كره، للنهى عنه المحمول عليها، وفي كشف اللثام ربما يرشد إليه قوله تعالى (2): " فوسوس لها الشيطان ليبدى لهما ما ورى عنهما من سوآتهما " وقوله تعالى (3): " فبدت لهما سوآتهما " وقوله تعالى (4): " ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما " وفيه ما لا يخفى. (و) كذا له أن ينظر (إلى المحارم) التى يحرم عليه نكاحهن نسبا أو


(1) الوسائل الباب - 98 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2 و 4) سورة الاعراف: 7 - الاية 20 - 27. (3) سورة طه: 20 - الاية 121.

[ 73 ]

رضاعا أو مصاهرة أو ملكا (ما عدا العورة) مع عدم تلذذ وريبة، (وكذا للمرأة) أن تنظر إلى جسد زوجها ظاهرا وباطنا حتى العورة بتلذذ وبدونه، وإلى المحارم عدا العورة مع عدم التلذذ والريبة، بلا خلاف في شئ من ذلك، بل هو من الضروريات، فما عن الشافعية في وجه والفاضل في آخر حد المحارب، وظاهر التحرير من أنه ليس للمحرم التطلع في العورة والجسد عاريا واضح الضعف، وإن كان في خبر أبى الجارود (1) عن أبى جعفر عليه السلام المروى عن تفسير على بن ابراهيم في قوله تعالى (2): ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " فهو الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار، والزينة ثلاث: زينة للناس وزينة للمحرم وزينة للزوج، فأما زينة الناس فقد ذكرناه، وأما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها والد ملج وما دونه والخلخال وما سفل منه، وأما زينة الزوج فالجسد كله " لكنه محمول على خصوص الزينة بعنوان الاولوية كما هو واضح. ولو اشتبهت الاجنبية بالمحرمة على وجه الامتزاج وجب الاجتناب مع الحصر، بناء على المقدمة، ومع عدم الحصر لا يجب، كما صرح به الفاضل، في القواعد والكركي، بل صرح الاخير منهما بأن له تكرار النكاح بعد الطلاق إلا إذا فحش، فان فيه ترددا، ثم قال: ولو بقى بعد تكرار النكاح عدد محصور فالمنع قريب، مع احتمال الجواز إلى أن تبقى واحدة استصحابا لما كان، ولان الاشتباه في المجموع. قلت: تفصيل الحال في صورة الامتزاج أن الصور أربعة كما ذكرناه في غير المقام. (الاولى) اشتباه المحصور في المحصور، على معنى محارم محصورة امتزجت مع أجنبيات كذلك، ولا ريب في وجوب الاجتناب بناء على المقدمة. (الثانية) محارم غير محصورة في أجنبيات محصورة، والاجتناب فيها أولى من الاولى.


(1) المستدرك الباب - 84 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2) سورة النور: 24 - الاية 31.

[ 74 ]

(الثالثة) محارم محصورة في أجنبيات غير محصورة، وحكمها عدم الاجتناب على ما سمعته من الفاضل والكركي، بل هو مقتضى غيرهما أيضا. (الرابعة) أن يكون كل منهما غير محصور وامتزج الجميع، فقد يتخيل في بادئ النظر أن الحكم فيها الحل، تمسكا بأصل البراءة، وقاعدة " كل شئ يكون فيه حلال وحرام " (1) ولكن فيه أنه متجه إذا لم يكن قد جعل الشارع للحل عنوانا كما جعله للمحرم، نحو أواني خمر غير محصورة اشتبهت بغيرها من المحلل، أما إذا جعل له عنوانا كما في النكاح فانه قد جعل الحلال ما وراء المحرم، فيعتبر حينئذ في ترتب أثر العقد كون المعقودة ممن هي وراء المحرمات، والشك فيها يقتضي الشك في ترتب أثر العقد الذى مقتضى الاصل عدمه، فالمتجه المنع، وكذا الحال في غير المقام مما جعل الشارع فيه العنوان شيئا وجوديا لا يمكن تنقيحه بالاصل المعارض بمثله، بل قد يتجه نحو ذلك في الصورة الثالثة، خصوصا مع الشك بكون الفرد من المحرم فضلا عن الظن، أللهم إلا أن يدعى أن الشارع أعطى حكم غير المحصور للمحصور المشتبه فيه، من غير فرق بين الحل والحرمة وغيرهما على وجه يحكم على القائدة المزبورة، لكنه لا يخلو من تأمل. والمتجه الاقتصار فيه على ما جرت السيرة والطريقة بعدم اجتنابه ولو للعسر والحرج ونحوهما دون غيره، ومن هنا يتوجه المنع فيما لو بقى عدد محصور من غير المحصور فضلا عما لو بقى فرد واحد منه، هذا كله في الممتزج. أما الفرد المتحد المشتبه ابتداء بين المحرم والاجنبية فان كان الاشتباه باحتمال عروض ما يقتضى تحريمها بالرضاع واحتمال تولد من الاب أو الام أو نكاح من الاب أو نحو ذلك مما يمكن نفيه بالاصل فلا ريب في أن المتجه عدم الاجتناب، ولعل منه قوله عليه السلام (2): " تنكح المرأة ولعلها أختك برضاع أو نسب، وتشترى العبد ولعله حر خدع " وإن كان الاشتباه لغير ذلك كالام مثلا فان رجع الى الشبهة الغير


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 - 4 والثانى نقل بالمعنى.

[ 75 ]

المحصورة، بأن يكون له أم لا يعرفها في الناس فحكمها ما عرفت، وإن رجع الى غير ذلك بأن كانت الامرأة دائرة بين الاجنبية ولا أم له غيرها فيحل له نكاحها، وبين أن تكون هي الام فالمتجه حينئذ الاجتناب، لكونه بحكم الشبهة المحصورة، مضافا الى ما سمعته من القاعدة، ولعل هذا هو المراد من إطلاق بعضهم وجوب الاجتناب إذا اشتبهت الاجنبية بالمحرم في الفرد المتحد، فتأمل جيدا، والله العالم. ثم من المعلوم أن المملوكة في حكم الزوجة مع جواز نكاحها، نعم لو كانت مزوجة للغير أو مرتدة أو مجوسية في قول أو وثنية أو مكاتبة في وجه أو مشتركة لم تكن كذلك، أما لو كانت مؤجرة أو مستبرأة أو مرهونة أو معتدة عن وطء شبهة فانها كذلك على الاقوى، إذ حرمة وطئها فيما يحرم من ذلك كحرمة وطئها حال الحيض أو الصوم أو غيرهما، وربما يأتي لذلك تتمة في محله إنشاء الله. (ولا ينظر الى) جسد (الاجنبية) ومحاسنها (أصلا إلا لضرورة) إجماعا، بل ضرورة من المذهب (و) الدين، نعم (يجوز) عند جماعة (أن ينظر الى وجهها وكفيها) من دون تلذذ ولا خوف ريبة أو افتتان، لانهما المراد مما ظهر منها، كما اعترف به غير واحد، بل عن مسعدة بن زياد في الصحيح المروى (1) عن قرب الاسناد إنه قال: " سمعت جعفرا عليه السلام وقد سئل عما تظهر المرأة من زينتها، قال: الوجه والكفين " مؤيدا بما عن علي بن جعفر عليه السلام (2) عن أخيه عليه السلام باسناد معتبر أيضا علي ما قيل قال: " سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التى لا تحل له ؟ قال: الوجه والكفين " والمرسل عن الصادق عليه السلام (3) " قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما ؟ قال: الوجه والكفان والقدمان " وعن جامع الجوامع عنهم عليهم السلام (4) في تفسير ما


(1 و 3) الوسائل الباب - 109 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 - 2. (2) البحار ج 104 ص 34 الطبع الحديث. (4) تفسير جوامع الجامع ذيل الاية 31 من سورة النور: 24.

[ 76 ]

ظهر " أنه الكفان والاصابع " وفي خبر أبى الجارود (1) عن أبى جعفر عليه السلام " هو الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفين والسوار، والزينة ثلاث: زينة للناس، وزينة للمحرم وزينة للزوج، فأما زينة الناس فقد ذكرناه، وأما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها والد ملج فما دونه والخلخال وما أسفل منه، وأما زينة الزوج فالجسد كله " وعن زرارة (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " الزينة الظاهرة الكحل والخاتم " وعن أبى بصير (3) " سألته عن ذلك، فقال الخاتم والمسكة، وهى القلب " أي السوار، وفي صحيح المفضل (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الذراعين هما من الزينة التى قال الله تعالى: ولا يبدين ؟ قال: نعم وما دون الخمار من الزينة وما دون السوار " بناء على أن المراد مما فوقهما، أي الوجه والكف من الزينة الظاهرة المستثناة، بخلاف ما دونهما كالعنق والذراع، وصحيح ابن سويد (5) " قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: إنى مبتلى بالنظر إلى الامرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا على لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، واياك والزنا ". ولعله لذلك ذكر من في آية الغض والنصوص المتقدمة في الاحرام التى منها " أن أبا جعفر عليه السلام مر بامرأة محرمة قد استترت بمروحة فأماط المروحة بقضيبه عن وجهها " (6) وخبر جابر (7) عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر الانصاري قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يريد فاطمة وأنا معه، فلما انتهينا الى الباب وضع يده عليه فدفعه، ثم قال: السلام عليك، فقالت فاطمة: عليك السلام يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: أدخل ؟ قالت: ادخل يا رسول الله، قال: أدخل أنا ومن معى ؟ فقالت: يا رسول الله ليس علي قناع، فقال: يا فاطمة خذى فضل ملحفتك وقنعي به رأسك، ففعلت - الى أن قال - فدخل


(1) المستدرك الباب - 84 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 109 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 4 - 1. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النكاح المحرم الحديث 3. (6) الوسائل الباب - 48 - من أبواب تروك الاحرام الحديث 4 من كتاب الحج. (7) الوسائل الباب - 120 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

[ 77 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله ودخلت أنا وإذا وجه فاطمة أصفر كأنه بطن جرادة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالى أرى وجهك أصفر ؟ قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله الجوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللهم مشبع الجوعة ودافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمد، قال جابر: فوالله لنظرت الى الدم ينحدر من قصاصها حتى وجهها احمر " الحديث. كل ذلك مضافا الى ما يشعر به كثرة السؤال عن الشعر والذراع دون الوجه والكف مع شدة الابتلاء بهما من معلومية الجواز فيهما دون العدم المعلوم أولوية الشعر والذراع منه، والى السيرة في جميع الاعصار والامصار على عدم معاملة الوجه والكفين من المرأة معاملة العورة، ولذا لم تسترهما في الصلاة، والى العسر والحرج في اجتناب ذلك، لمزاولتهن البيع والشراء وغيرهما. وقيل: لا يجوز مطلقا، واختاره الفاضل في التذكرة وغيره، لاطلاق آية الغض ومعلومية كون المرأة عورة، بل في كنز العرفان تعليل ما اختاره من التحريم باطباق الفقهاء على أن بدن المرأة عورة إلا على الزوج والمحارم، وما تشعر به آية الحجاب (1) وآية الرخصة للقواعد من النساء (2)، وسيرة المتدينين من الستر، والمروى عن الكافي بطريقين (3) عن الصادقين عليهما السلام انهما قالا: " ما من أحد إلا يصيب حظا من الزنا، فزنا العين النظر، وزنا الفم القبلة، وزنا اليدين اللمس " ولامرها بالتنقب عند إرادة الشهادة عليها التى هي من الضرورة في مكاتبة (4) الصفار الاتية وما دل على النهى عن النظر (5) " وانه سهم من سهام ابليس " وخبر سعيد الاسكافي (6) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " استقبل شاب من الانصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر إليها وهى مقبلة، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق، وقد سماه ببني فلان، فجعل ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم


(1 و 2) سورة النور: 24 - الاية 31 - 60. (3 و 5 و 6) الوسائل الباب - 104 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 0 - 4. والثالث عن سعد الاسكاف. (4) الفقيه ج 3 ص 40 - الرقم 132.

[ 78 ]

في الحائط أو زجاجة فشق وجهه، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على صدره وثوبه، فقال: والله لاتين رسول الله صلى الله عليه وآله ولاخبرنه، قال: فأتاه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: ما هذا ؟ فأخبره فهبط جبرئيل بآية الغض ". ولمناسبة ذلك البعد عن الوقوع في الزنا والافتتان ونحوهما المعلوم من الشارع إرادة عدمهما، ولذا حرم ما يحتمل إيصاله اليهما من النظر ونحوه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يترك السلام على الشابة لئلا يسمع صوتها (1) بل التقييد من المجوز بعدم خوف الفتنة والريبة قاض بعدم الجواز غالبا، ضرورة حصول الخوف بالنظر الى كل امرأة لم يعلم حالها، فيحرم حينئذ، ويختص الجواز بمن يأمن ذلك بالنظر إليها من الافراد الغير الغالبة، مع أن دليله قاض بالاطلاق على وجه لو حمل على خصوص هذه الافراد لكان من المأول الذي لا حجة فيه، وتفسير ما ظهر منها بما عرفت كاف في عدم الوثوق، ضرورة اختلافه اختلافا لا يرجى جمعه مع ضعف السند في جملة منه، فلا يبعد إرادة الثياب الظاهرة منه. والصحيح الاول (2) إنما يقضى بجواز إظهار المرأة الوجه والكفين، وهو أعم من النظر، إذ يمكن رفع الشارع وجوب الستر عليها بمجرد احتمال الناظر ومظنته، للعسر والحرج، بخلاف باقى البدن، وإن وجب على الناظر الغض، كما عساه يقال في بدن الرجل بالنسبة إلى المرأة، فانه لا يجب عليه الستر منها وإن حرم عليها النظر إليه. والخبر الاخر (3) مع عدم ثبوت اعتبار سنده قاصر عن معارضة أدلة الحرمة من وجوه، ومحتمل لارادة النظر الاتفاقي الذى يكون مقدماته اختيارية، على معنى أنه لا يجب على الرجل الغض باحتمال وقوع نظره على وجه أجنبية وكفيها، أو مظنته، للعسر والحرج، وإن وجب عليه ذلك بالنسبة الى باقى بدنها،


(1) الوسائل الباب - 131 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 109 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5. (3) البحار ج 104 ص 34 - الطبع الحديث.

[ 79 ]

كما يجب عليه ستر عورته باحتمال وجود الناظر الاتفاقي أو مظنته، ويحتمل أيضا إرادة بيان حلية ذلك في الجملة ولو للقواعد من النساء أو لغير اولى الاربة من الرجال، ولغير ذلك. وصحيح ابن سويد (1) محمول على إرادة إنى مبتلى باتفاق وقوع النظر الى الامرأة الجميلة، وأنه يحصل له بعد ذلك لذة، فأجابه بنفي البأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، وأنك غير متعمد لذلك، ثم حذره عن الزنا، أي عن النظر الذى يخاف منه ذلك، أو أن المراد إياك وزنا العين، أي تعمد النظر للتلذذ ونحوه، لا أن المراد الرخصة له في النظر الى الامرأة الجميلة التى يعجبه. النظر إليها الذى يمكن دعوى الضرورة على عدم جوازه، والضرورة على عدم وقوع ذلك من الامام عليه السلام الذى من عادته الحث والترغيب في عدم ذلك، قال الصادق عليه السلام (2) " من نظر الى امرأة فرفع بصره الى السماء أو غض بصره لم يرتد إليه طرفه حتى يزوجه الله من حور العين " وفي خبر آخر (3) " حتى يعقبه الله إيمانا يجد طعمه " والمراد بمن نظر الى آخره من وقع نظره اتفاقا، ومنه ينقدح احتمال إرادة ذلك من أدلة الجواز، ودعوى - عدم صلاحية النظر الاتفاقي لان يكون موضوعا لحكم شرعى ولو الاباحة - يدفعها منع ذلك باعتبار مقدماته بالمعنى الذى ذكرناه سابقا. ونصوص الاحرام (4) انما هو لحكم الاحرام من حيث إن إحرامها في وجهها، فلا يجوز وضع شئ عليه وإن وجب عليها الستر بما لا يمسه، كما هو المتعارف الان في إحرام النساء المتدينات. وخبر (5) فاطمة عليها السلام يمكن أن يكون بالنظر الاتفاقي، أو لغير ذلك، وإلا فمن المستبعد نظره العمدي إليها بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل يمكن القطع


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النكاح المحرم الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 104 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 9 - 10. (4) الوسائل الباب - 48 - من أبواب تروك الاحرام من كتاب الحج. (5) الوسائل الباب - 120 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

[ 80 ]

بعدمه، ضرورة معلومية كون الاولى خلافه من سائر النساء والرجال، فضلا عن سيدة النساء وجابر، بل في حديث آخر (1) " انها قالت للنبى صلى الله عليه وآله وسلم: خير النساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال، فقال صلى الله عليه وآله: فاطمة منى ". وكثرة السؤال عن الشعر والذراع لملازمتهما النظر الى الوجه والكف غالبا فاكتفى بالنهي عنهما عن حكمهما، على أنه إشعار لا يعارض ما سمعت من الادلة، والسيرة والطريقة معارضة بمثلها من المتدينات والمتدينين في جميع الاعصار والامصار، بل لعل التطلع الى وجوه النساء المستترات من المنكرات في دين الاسلام. والعسر والحرج في مثل الاعراب الذين لا ينتهون إذا نهوا مرتفع بعدم وجوب الغض عنهم، وعدم البأس مع اتفاق وقوع النظر عليهم، فلا ريب في أن ترك النظر أحوط وأقوى. وأما ما ذكره المصنف من جوازه (على كراهية مرة) واحدة (و) حينئذ ف‍ (لا يجوز معاودة النظر) في مجلس واحد، بل ولا إطالته فهو أضعف قول في المسألة، وإن قيل: انه وجه جمع بين ما دل على الجواز وما دل على عدمه، بشهادة النبوى (2) " لا تتبع النظرة النظرة، فان الاولى لك والثانية عليك، والثالثة فيها الهلاك " وعن العيون روايته (3) بدل " فان " الى آخره " فليس لك يا على إلا أول نظرة " وخبر الكاهلى (4) عن الصادق عليه السلام " النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة " مؤيدا ذلك بما في تكرار النظر أو إطالته من خوف الفتنة بخلاف النظرة الاولى الصادرة عن غير شهوة.


(1) الوسائل الباب - 129 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 104 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8 والظاهر أنه ليس بنبوى فانه عن الفقيه بعد نقل رواية عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " وقال عليه السلام: اول نظرة لك والثانية عليك ولا لك والثالثة فيها الهلاك " (3 و 4) الوسائل الباب - 104 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 11 - 6. (جواهر الكلام - ج 5).

[ 81 ]

لكنه كما ترى تأباه أدلة كلا الطرفين، على أن محل البحث في أن الوجه والكفين عورة بالنسبة الى النظر أو ليسا بعورة كما في الصلاة وإن يزيد القدمان فيها معهما، فدعوى كونهما ليسا بعورة في النظر الاولى العمدي دون الثاني واضح الضعف. على أن محل البحث مع الامن من الفتنة، فلا وجه للفرق بينهما بذلك، كما أنه لا وجه للحكم على إطلاق تلك الادلة كتابا وسنة بالمراسيل الغير الظاهرة الدلالة، بل يمكن دعوى ظهورها في إرادة النهى عن اتباع النظر الاتفاقي بالنظر العمدي، كما هو الواقع غالبا، فيكون حينئذ دليلا للمختار. وكيف كان ففى المتن وغيره (وكذا الحكم في) نظر (المرأة) الى الرجل، وأنه غير جائز إلا إلى وجهه وكفيه مرة عند المصنف ومن وافقه، قيل: لوجود المقتضى فيهما، ولقوله تعالي (1): " قل للمؤمنات " لكن فيه - بعد الاغضاء عن اقتضاء ذلك التفصيل الذى ذكره المصنف - أن مقتضى المنع من الاية وغيرها متحقق إنما الكلام في الاستثناء، وليس إلا دعوى التلازم، وأنه متى جاز له النظر الى ذلك منها جاز لها النظر اليهما منه، وفيه منع إن لم يكن اجماعا كما ادعاه في الرياض، قال: " تتحد المرأة مع الرجل، فتمنع في محل المنع، ولا تمنع في غيره اجماعا " وفي محكى التذكرة منع أكثر علماؤنا نظر المرأة الي الرجل كالعكس، فلا يجوز لها النظر إلا إلى وجهه وكفيه، بل قد يشهد له انسياق اتحاد المراد من لفظ " من " في الاية، فبناء على إرادة ما عدا الوجه والكفين منها في المؤمن يتجه ارادة ذلك في المؤمنات، مضافا إلى دعوى العسر والحرج، وإن كان فيهما معا منع. إلا أنه يسهل الخطب عندنا ما عرفته من أن الاقوى الحرمة، فيحرم حينئذ ذلك منها أيضا كما يحرم منه. أما مع التلذذ والفتنة فلا إشكال ولا خلاف في حرمته، ولعل منه المروى


(1) سورة النور: 24 - الاية 31.

[ 82 ]

في عقاب الاعمال (1): قال " اشتد غضب الله على امرأة ذات بعل ملات عينها من غير زوجها وغير ذى محرم منها، فانها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته. " نعم في المسالك تبعا لجامع المقاصد لابد من استثناء الصغيرة التى ليست مظنة الشهوة من الحكم، وكذا العجوز المسنة البالغة حدا ينتفي الفتنة والتلذذ بنظرها غالبا على الاقوى، لقوله تعالى (2): " والقواعد من النساء " ومن استثناء غير المميز بالنسبة الى المرأة، وهو الذى لم يبلغ مبلغا بحيث يصلح لان يحكي ما يرى، لقوله تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا " إلى آخره، ولانه حينئذ بمنزلة سائر الحيوانات. وأما المميز فان كان فيه ثوران شهوة وتشوق فهو كالبالغ في النظر، فيجب على الولى منعه منه، وعلى الاجنبية التستر عنه، وإلا ففى جوازه قولان: من إيذان استئذان من لم يبلغ الحلم في الاوقات الثلاثة التى هي مظنة التكشف والتبذل دون غيرها بالجواز، ومن عموم قوله تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " فيدخل غيره في النهى عن إبداء الزينة له، وهذا أقوى، والامر بالاستئذان في تلك الاوقات لا يقتضى جواز النظر، كما لا يخفى. هذا كله مع الاختيار، أما مع الاضطرار فسيأتي. قلت: قد يقال: إن حكم العورة في الصبى والصبية محدود بالبلوغ الذى هو أول تحقق اسم المؤمن والمؤمنة والرجل والامرأة، فقبله ليستا بعورة لكل من الرجل والمرأة مطلقا، نعم يحرم التلذذ لكل منهما ونحوه، إنما البحث من حيث حكم العورة، قال البجلى (3): " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الجارية التى لم تدرك متى ينبغى لها أن تغطي رأسها ممن ليس بينها وبينه محرم ؟ ومتى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة ؟ قال: لا تغطي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة " يعنى حتى تحيض أي تبلغ،


(1) الوسائل الباب - 129 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (2) سورة النور: 24 - الاية 31. (3) الوسائل الباب - 126 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2.

[ 83 ]

بناء على أن المراد منه عدم حرمة النظر على من ليس بينه وبينها محرم، وقال الرضا عليه السلام في صحيح البزنطى (1) الذى أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وأقروا له بالفقه المروي في الفقيه: " يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين، ولا تغطي المرأة شعرها منه حتى يحتلم " ونحوه صحيحه الاخر المروى (2) عن قرب الاسناد عن الرضا عليه السلام أيضا " لا تغطي المرأة رأسها عن الغلام حتى يبلغ الحلم " متمما ذلك بعدم القول بالفصل ومعتضدا بالاصل بمعنى الاستصحاب، بل وغيره بناء على انسياق غير الصبى والصبية من الادلة ومؤيدا بما يشعر به آية الاستئذان في الاوقات الثلاثة دون غيرها المحمول على ضرب من الادب في الثلاثة، مضافا الى مفهوم قوله تعالى (3) فيها: " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا " الى آخرها. بل لعل ذلك هو المراد من الظهور على عورات النساء، بمعنى القوة على نكاحهن، فلا ينافي حينئذ ما يستفاد من الاية الثانية من كون الاعتبار في التستر منه والاستئذان في غير الاوقات الثلاثة الحلم، بل حمل الاية على ذلك أولى من حمل الصحيحين على غير المميز الذي لا يحسن أن يصف، لكونهما كالصريحين بخلافه. نعم ينبغى عدم وضع الصبية في الحجر وتقبيلها إذا كان قد أتى لها ست سنين بل خمس، فان ذلك ربما يثير الشهوة، ففى مضمر أبى أحمد الكاهلى (4) " سألته عن جويرية ليس بيني وبينها محرم تغشاني فأحملها وأقبلها، فقال: إذا أتي عليها ست سنين فلا تضعها في حجرك " ورواه في الفقيه عنه (5) أنه قال: " سأل أحمد بن النعمان أبا عبد الله عليه السلام، فقال له: جويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ست سنين، قال: لا


(1 و 2) الوسائل الباب - 126 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 4 وفى الاخير " حتى يبلغ الحلم ". (3) سورة النور: 24 - الاية 59. (4) الوسائل الباب - 127 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (5) أشار إليه في الوسائل الباب - 127 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - والفقيه ج 3 ص 275 الرقم 1307 ولكن فيه " سأل محمد بن النعمان ".

[ 84 ]

تضعها في حجرك " وفي خبر زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا بلغت الجارية الحرة ست سنين فلا ينبغى لك أن تقبلها " وفي خبر هارون بن مسلم عن بعض رجاله (2) عن أبى الحسن الرضا عليه السلام " إن بعض بنى هاشم دعاه مع جماعة من أهله، فأتى بصبية له فأدناها أهل المجلس جميعا إليهم، فلما دنت منه سأل عن سنها فقيل: خمس فنحاها عنه " وفي مرسل عتبة (3) قال: " كان أبو الحسن الماضي عليه السلام عند محمد بن ابراهيم والي مكة، وهو زوج فاطمة بنت أبي عبد الله عليه السلام، وكانت لمحمد بن ابراهيم بنت يلبسها الثياب، وتجئ الى الرجال فيأخذها الرجل ويضمها إليه، فلما تناهت الى أبى الحسن عليه السلام أمسكها بيديه ممدودتين، قال: إذا أنت على الجارية ست سنين لم يجز أن يقبلها رجل ليس بمحرم، ولا يضمها إليه " وفي مرفوع زكريا المؤمن (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا بلغت الجارية ست سنين فلا يقبلها الغلام، والغلام لا يقبل المرأة إذا جاز سبع سنين " ولا يخفى عليك ما في تخصيص القبلة والوضع بالحجر بالنهي، مع التعبير بلفظ " لا ينبغى " من التلويج بجواز النظر الذى يدل عليه الاصل بمعنى الاستصحاب وغيره، خصوصا مع عدم أمر الرضا عليه السلام بالغض عن الجارية، بل لا يخفى أن النهي عن ذلك لما فيه من تخوف الفتنة، نحو قول على عليه السلام في خبر (5) غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام: " مباشرة الامرأة بنتها إذا بلغت ست سنين شعبة من الزنا " كل ذلك مضافا الى ما جاء من تغيسل الرجل بنت خمس سنين. وبالجملة يمكن اشتراط حرمة النظر من حيث العورة بالبلوغ إن لم يكن إجماعا، وربما أيد ذلك السيرة المستمرة، نعم لا يمكن رجحان التجنب عن الصبى المميز القابل للتلذذ، الظاهر عليه ذلك كما يتفق في بعض الاولاد، بل ظاهر غير واحد من الاصحاب المفروغية من وجوب التستر عليه (عنه خ ل) ومنع الولي إياه،


(1 و 2) الوسائل الباب - 127 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 3. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 127 - من أبواب مقدمات النكاح 6 - 4 - 5 والاول عن على بن عقبة عن بعض أصحابنا.

[ 85 ]

بل في جامع المقاصد نفي الخلاف فيه بين أهل الاسلام، كما أن فيه أيضا الاجماع على عدم جواز نظر البالغ الاجنبية التى بلغت مبلغا صارت به مظنة الشهوة من دون حاجة الى نظرها، فان تم ذلك كان هو الحجة، وإلا كان محل بحث، لكن لا ريب في أنه أحوط. ويمكن أن يريد البلوغ في معقد الاجماع بل ينبغى تجنبه إذا كان مما يحسن أن يصف ما يرى لعدم ائتمانه، وربما كان وسيلة بوصفه الى حصول الفتنة، بل ربما يكون من مصائد الشيطان وأحد أبوابه ورسله، قال الصادق عليه السلام (1): " سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الصبى يحجم المرأة، قال: ان كان يحسن أن يصف فلا. " وأما القواعد من النساء فالذي يظهر بقاء حكم العورة بالنسبة الى ما يعتاد ستره من الاجساد في مثلهن من البطن ونحوها، نعم لا بأس ببروز وجوههن وبعض شعرهن وأذرعهن ونحو ذلك مما يعتاد في العجائز المسنة. فالمراد من الاية أن القواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا أي يئسن من المحيض والولد والطمع في النكاح لكبر السن لا جناح عليهن إذا خرجن من بيوتهن أن يضعن ثيابهن التى يسترن بها، ثياب الزينة وغيرها من الملحفة والجلباب والخمار ونحوها، بشرط أن يكون ذلك لا على وجه التبرج بزينة، بل يكون للخروج في حوائجهن، ومع ذلك فان يستعففن ويسترن خير لهن، لا أن المراد ارتفاع حكم العورة بالنسبة اليهن الذى يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على خلافه، فضلا عن عموم الادلة وإطلاقها من قوله صلى الله عليه وآله: " النساء عورة " (2) وغيره، وفي خبر يونس (3) قال: " ذكر الحسين أنه كتب إليه يسأله عن حد القواعد من النساء التى إذا بلغت جاز لها أن تكشف رأسها


(1) الوسائل الباب - 130 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 131 - من ابواب مقدمات النكاح الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 110 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 عن على بن أحمد ابن يونس الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 467 الرقم 1871 عن على بن أحمد عن يونس.

[ 86 ]

وذراعها، فكتب: من قعدن عن النكاح " وفي صحيح البزنطي المروى عن قرب الاسناد (1) عن الرضا عليه السلام " سألته عن الرجل يحل له أن ينظر الى شعر أخت امرأته ؟ فقال: لا، إلا أن تكون من القواعد، قلت له: أخت امرأته والغريبة سواء ؟ قال: نعم، قلت: فمالي من النظر إليه منها ؟ قال: شعرها وذراعها " والمراد إذا كانت من القواعد بقرينة أوله، وفي خبر الحلبي (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " إنه قرأ أن يضعن ثيابهن، قال: الخمار والجلباب، قلت: بين يدى من كان ؟ فقال: بين يدى من كان غير متبرجة بزينة، فان لم تفعل فهو خير لها " الحديث. وفي خبر حريز (3) عنه عليه السلام أيضا " أنه قرأ أن يضعن من ثيابهن، قال: الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنة " وفي خبر محمد بن مسلم (4) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " في قوله تعالى: والقواعد من النساء - الى آخره - ما الذى يصلح أن يضعن من ثيابهن ؟ قال: الجلباب " بل في خبر الكنانى (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القواعد ما الذى يصلح لهن أن يضعن من ثيابهن ؟ فقال: الجلباب إلا أن تكون أمة فليس عليها جناح أن تضع خمارها " وفي خبر محمد بن أبى حمزة (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: القواعد - الى آخره - قال: تضع الجلباب وحده ". فما عساه يظهر من عبارة الشهيد وغيرها من ارتفاع حكم العورة عن جميع أجسادهن في غير محله، بل لا يبعد الاقتصار في الرخصة لهن على المستفاد من النصوص المزبورة من خصوص الوجه والكفين بناء على ما سمعته منا من الحرمة، وفي الذراع والشعر وما يخرج بعد وضع الخمار، وفي وضع الملاحف ونحوها مما يستعمله غيرهن مما يسترن به زينتهن، كما أنه لا يبعد استفادة وجوب ستر الزينة من الحلي والثياب الجدد من هذه الاية، بل ومن قوله تعالى: " ولا يبدين زينتهن " (7) وقوله تعالى: (8)


(1) الوسائل الباب - 107 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2 و 3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 110 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 4 - 1 - 6 - 3. (7 و 8) سورة النور: 24 - الاية 31.

[ 87 ]

" ولا يضربن بأرجلهن " فيلحق حينئذ بالعورة في وجوب الستر نفس الزينة من الحلى وغيرها إذا كانت في محالها، وهو غير بعيد، لما فيه من مظنة الفتنة وغيرها. وأما استثناء غير أولى الاربة فستعرف بالمراد منه في البحث عن الخصى. (و) أما ما ذكروه من تقييد ذلك بالاختيار فهو كذلك، إذ لا ريب في أنه (يجوز عند الضرورة) نظر كل من الرجل والمرأة إلى الاخر ولمسه، بل وغيرهما مما تقتضي الضرورة به، لقوله عليه السلام (1): " ما حرم الله شيئا إلا وأحله عند الاضطرار إليه " وقوله عليه السلام (2): " كلما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر " وخبر الثمالى (3) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الامرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إما كسر أو جراح في مكان لا يصلح النظر إليه ويكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له أن ينظر إليها ؟ فقال: إذا اضطرت إليه فليعالجه إن شاءت " ومكاتبة الصفار إلى أبى محمد عليه السلام (4) " في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها محرم هل يجوز أن يشهد عليها وهو من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان وهذا كلامها أو لا تجوز له الشهادة حتى تبرز من بيتها بعينها ؟ فوقع عليه السلام: تتنقب وتظهر للشهود ". ولعله لذا جعل المصنف وغيره ذلك من أفراد الضرورة، فقال في المثال: (كما إذ أراد الشهادة عليها) بل ظاهره عدم الفرق فيها بين التحمل والاداء،


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب القيام الحديث 6 و 7 من كتاب الصلاة مع اختلاف في اللفط. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب قضاء الصلوات الحديث 3 - 13. (3) الوسائل الباب - 130 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (4) الفقيه ج 3 ص 40 الرقم 132.

[ 88 ]

كما صرح به في المسالك بل زاد فيها أيضا على ذلك المعاملة معها ليعرفها إذا احتاج إليها، بل قال بعد أن حكى الاجماع على جواز النظر للحاجة: إن من ذلك النظر إلى من يريد نكاحها أو شراءها. نعم فيها وفي المتن (و) في غيرهما أنه (يقتصر الناظر منها) أو منه (على ما يضطر الى الاطلاع عليه، كالطبيب إذا احتاجت إليه للعلاج ولو الى العورة دفعا للضرر) بل الظاهر جواز اللمس كذلك إذا توقف عليه، كما صرح به في المسالك، لكن قال: " لو أمكن الطبيب استنابة امرأة أو محرم أو الزوج في موضع العورة في لمس المحل ووضع الدواء وجب تقديمه على مباشرة الطبيب، ثم قال: والاقوى اشتراط عدم إمكان المماثل المساوي له في المعرفة أو فيما تندفع به الحاجة، ولا يشترط في جوازه خوف فساد المحل، ولا خوف شدة الضنى، بل المشقة بترك العلاج أو بطء البرء " قلت: ينبغى أن يعلم أولا أنه لا فرق فيما ذكره أولا بين اللمس والنظر، وثانيا أن ظاهر كلامه السابق كفاية الحاجة، وهى أوسع دائرة من الضرورة، بل ربما نافاه اشتراط عدم إمكان المماثل، والذي يقوى في النظر الجواز للضرورة دون الحاجة، لانها هي التى دلت عليها النصوص (1) بخلافها، إذ لم نعثر على ما يدل على جعلها عنوانا في الجواز في شئ مما وصل الينا من الاخبار، نعم قد سمعت الاجماع المحكي، فان تم كان هو الحجة، وإن كان المظنون أن حاكيه قد استنبطه من استقراء بعض الموارد التى ذكرت في النصوص، مضافا الى ما يستعمله الناس في القصد ونحوه، إلا أن ذلك كله لا يقتضى جعل العنوان الحاجة، كما هو واضح. فالاولى الاقتصار في الجواز على خصوص ما في النصوص، وعلى ما قضت به السيرة المعتد بها، وعلى ما يتحقق معه اسم الاضطرار عرفا، سواء كان ذلك بمعارضة ما هو أهم في نظر الشارع مراعاة من حرمة النظر واللمس من واجب أو محرم أولا، فيكون ذلك حينئذ هو المدار في الجواز، وليس من الضرورة النظر الى من يريد


(1) المتقدمة في ص 87.

[ 89 ]

نكاحها أو شراءها، بل ذلك لدليل خاص، ولذا جاز ولو تمكن من وصف الغير ونحوه مما يرتفع به الاضطرار، بل جاز في غير محل الاضطرار. بل من ذلك يعرف ما في القول بجواز النظر الى فرج الزانيين، لتحمل الشهادة، وأن الاقوى فيهما حينئذ المنع، كما عن التذكرة، لانه نظر الى فرج محرم، وليست الشهادة على الزنا عذرا، للامر بالستر، وحينئذ فالشهادة عليه انما تكون مع التفاق الرؤية من دون قصد أو معه بعد التوبة، ان جعلناه كبيرة، خلافا للفاضل في القواعد، فجوزه لانه وسيلة الى إقامه حد من حدود الله، ولما في المنع من عموم الفساد، واجتراء النفوس على هذا المحرم، وانسداد باب ركن من أركان الشرع، ولم يسمع الشهادة بالزنا، لتوقف تحملها على الاقدام الى النظر المحرم وإدامته، لاستعلام الحال بحيث يشاهد الميل في المكحلة، وايقاف الشهادة على التوبة يحتاج الى زمان يعلم منه العزم على عدم المعاودة، فيعود المحذور السابق، وفي المسالك " وهذا القول ليس بذلك البعيد - ثم قال -: وأما نظر الفرج للشهادة على الولادة، والثدي للشهادة على الرضاع، فان امكن إثباتهما بالنساء لم يجز للرجال، وإلا فوجهان، أجودهما الجواز، لدعاء الضرورة إليه وكونه من مهام الدين، وأتم الحاجات خصوصا أمر الثدي، ويكفى في دعاء الضرورة الى الرجال المشقة في تحصيل أهل العدالة من النساء على وجه يثبت به الفعل ". قلت: قد عرفت كون المدار على ثبت في النص وعلى ما جرت به السيرة وعلى صدق الاضطرار الى فعل المحرم، وليس المدار على الحاجة ونحوها نعم قد يتوقف في صدقه مع التمكن من الامرأة أو المحرم، بل وفعل ما يكون به محرما، فالاحوط مراعاة عدم ذلك كله، بل هو الاقوى في الاولين، والله العالم.

[ 90 ]

(مسألتان): (الاولى) (هل يجوز للخصي) البالغ (النظر الى المرأة المالكة) له (أو الاجنبية) عنه ولو لكونه حرا وبالعكس ؟ (قيل: نعم) يجوز، (وقيل: لا) يجوز، لكن لم نعرف القائل بالاول سابقا على زمن المصنف من الاصحاب على وجه العموم، نعم عن الفاضل في المختلف جوازه في المملوك بالنسبة الى مالكته، وعن ابن الجنيد أنه قال: روى (1) عن أبى عبد الله عليه السلام وأبى الحسن عليه السلام كراهة رؤية الخصيان الحرة من النساء، حرا كان أو مملوكا، وهو مع احتمال إرادة الحرمة من الكراهة غير صريح في الفتوى بذلك بعد اقتصاره على نسبته الى الرواية، بل لعله ظاهر في الخلاف كظهور المحكي عن ابن إدريس في أن مذهب الامامية عدم الجواز في الخصي المملوك، فضلا عن غيره، قال: فأما إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا فهل يكون محرما لها حتى يجوز له أن يخلو بها ويسافر معها ؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما وهو مذهبنا أنه لا يكون محرما لها، ولا يجوز له النظر الى ما يجوز لذوى محارمها النظر إليه، والقول الاخر يكون محرما، ويحل له النظر إليها، وهو مذهب المخالف، ثم ذكر أنهم تمسكوا بقوله تعالى (2): " أوما ملكت أيمانهن " وبما روى من حديث (3) فاطمة عليها السلام، وأجاب عن الاية بأن أصحابنا رووا عن الائمة عليهم السلام في تفسيرها أن المراد الاماء دون الذكران، وعن الخبر بأنه رواية المخالف، مع أنه


(1) الوسائل الباب - 125 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 10. (2) سورة النور: 24 - الاية 31. (3) سنن أبى داود ج 2 ص 383 (الطبعة الاولى بمصر) كتاب اللباس الباب - 235.

[ 91 ]

خبر آحاد، بل لعل ذلك أيضا هو مقتضى إجماع الشيخ في الخلاف، قال فيه: " إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا أو مجبوبا لا يكون محرما لها، فلا يجوز أن يخلو بها ولا يسافر معها " ثم استدل باجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، قال: وأما الاية فقد روى أصحابنا أن المراد بها الاماء دون العبيد الذكران، وعن ظاهر فقه القرآن للراوندي الاجماع أيضا على عدم الجواز في الخصي المملوك للمرأة، فضلا عن غيره كما أن فيه أيضا تفسير " ما ملكت أيمانهن " بالاماء ناسبا له إلى رواية الاصحاب، نحو ما سمعته من ابن إدريس، وربما يؤيده إرادة ذلك مما ملك في جميع القرآن أو أغلبه. ولا ينافيه ما عن المبسوط " إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا فهل يكون محرما حتى يجوز له أن يخلو بها ويسافر معها ؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما وهو الظاهر أنه يكون محرما، لقوله تعالى (1): " أوما ملكت أيمانهن " والثانى وهو الاشبه بالمذهب أنه لا يكون محرما، وهو الذى يقوى في نفسي - إلى أن قال -: وقد روى أصحابنا في تفسير الاية أن المراد الاماء " إذ هو كما ترى انما نسب الوجهين الى القيل، ويمكن كونه من العامة وإن قال في أولهما: إنه الظاهر مريدا به من الاية لولا نصوص التفسير، ولكن مع ذلك كله قد اختار في المسالك الجواز مطلقا، بل ربما مال إلى جواز رؤية الفحل الى مالكته، وتبعه بعض من تأخر عنه. (و) على كل حال فلا ريب في أن الثاني (هو الاظهر، لعموم المنع) المستفاد من السنة (2) والاجماع بقسميه على أن المرأة عورة، بل ذلك من ضروري المذهب أو الدين (وملك اليمين المستثنى في الاية المراد به الاماء) التى لم تندرج في نسائهن المنساق منهن الحرائر المسلمات، خلافا لعائشة والشافعي، فالمملوك مطلقا، وخبر البصري (3) محمول على التقية التى يكفى فيها قطعا قول بعضهم بذلك،


(1) سورة النور: 24 - الاية 31. (2) الوسائل الباب - 125 - من أبواب مقدمات النكاح. (3) الوسائل الباب - 124 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4.

[ 92 ]

خصوصا في مثل المقام المعروف بين السلاطين والحكام، ولا يعتبر فيها اتفاقهم على ذلك، كما في المسالك قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يرى شعر مولاته، قال: لا بأس ". وخبر ابن (1) عمار قال: " كنا جلوسا عند أبى عبد الله عليه السلام نحوا من ثلاثين رجلا إذ دخل أبى فرحب به أبو عبد الله عليه السلام وأجلسه إلى جنبه، فأقبل عليه طويلا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لابي معاوية حاجة فلو خففتم، فقمنا جميعا، فقال لى أبى: ارجع يا معاوية، فرجعت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذا ابنك، قال: نعم وهو يزعم أن أهل المدينة يصنعون شيئا لا يحل لهم، قال: وما هو ؟ قلت: المرأة القرشية والهاشمية تركب وتضع يدها على رأس الاسود وذراعيها على عنقه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا بنى أما تقرأ القرآن ؟ قال: بلى، قال: اقرأ هذه الاية لا جناح عليهن في آبائهن - حتى إذا بلغت - ولا ما ملكت أيمانهن، ثم قال: يا بنى لا بأس أن يرى المملوك الشعر والساق ". وخبره الاخر (2) أيضا قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: المملوك يرى شعر مولاته وساقها، قال: لا بأس " خصوصا مع معلومية كون عمار ثقة في العامة وجها يكنى أبا معاوية كما عن فهرست الشيخ، ولعله لذا عظمه بما سمعت، على أن مقتضاها الجواز في الفحل المعلوم عدم جوازه عندنا، بل ربما يشعر إنكار عمار على أهل المدينة بكون ذلك معلوما في مذهب الشيعة. وخبر إسحاق بن عمار (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أينظر المملوك إلى شعر مولاته ؟ قال: نعم وإلى ساقها ". والمرسل المروى في كتب فروع الاصحاب (4) عن النبي صلى الله عليه وآله " إنه أتى


(1) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب - 124 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 وتمامه في الكافي ج 5 ص 531. (2 و 3) الوسائل الباب - 124 - من أبواب مقدمات النكاح 3 - 6. (4) سنن ابى داود ج 2 ص 383 (الطبعة الاولى بمصر) كتاب اللباس الباب - 235.

[ 93 ]

فاطمة عليها السلام بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنه ليس عليك بأس، انما هو أبوك وغلامك " المحتمل كونه صغيرا أهدى للحسنين عليهما السلام. وخبر عبد الرحمان (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوك يرى شعر مولاته قال: لا بأس ". أو يحمل ذلك على النظر الاتفاقي الذى تكون مقدماته اختيارية منها ومنه، كما يؤمى إليه خبر يونس بن عمار ويونس بن يعقوب (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شئ من جسدها إلا إلى شعرها غير متعمد لذلك " والمرسل (3) في الكافي " لا بأس أن ينظر الى شعرها إذا كان مأمونا " والمروى عن قرب الاسناد عن الحسن بن علوان (4) عن جعفر عن أبيه إنه كان يقول: " لا ينظر العبد الى شعر مولاته " وإلا كانت هذه الاخبار هي التى استقر عليها عمل الطائفة. قال القاسم الصيقل: (5) " كتبت إليه ام علي تسأله عن كشف الرأس بين يدى الخادم، وقالت له: إن شيعتك اختلفوا علي في ذلك، فقال بعضهم: لا بأس. وقال بعضهم: لا يحل، فكتب عليه السلام: سألت عن كشف الرأس بين يدى الخادم، لا تكشفي رأسك بين يديه، فان ذلك مكروه " فان الظاهر إرادة الحرمة من الكراهة فيه التى علل بها النهى الذى هو حقيقة في التحريم الذى لا يعارضه لفظ الكراهة في التعليل بعد كونها للقدر المشترك في العرف السابق، وكان اختلاف الشيعة التى أشارت إليه مما وقع منه عليه السلام لتقية وغيرها، حتى ظن سامع الاول أن الحكم كذلك، ولذا بعد أن ظهر الحال استقر مذهب الشيعة على عدم جواز نظر المملوك الفحل الى سيدته، وكونه كالأجنبي.


(1 و 2 و 3 و 5) الوسائل الباب - 124 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 1 - 2 - 7. (4) الوسائل الباب - 124 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 8 عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على عليهم السلام وفيه " الى شعر سيدته ".

[ 94 ]

بل وكذا استقر على عدم الفرق بين الخصي الحر أو المملوك بالنسبة الى غير سيدته، أيضا، ففى خبر عبد الملك بن عتبة النخعي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ام الولد هل يصلح أن ينظر إليها خصى مولاها وهى تغتسل ؟ قال: لا يحل ذلك " وفي خبر محمد بن اسحاق (2) " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام قلت: يكون للرجل الخصى يدخل على نسائه فينا ولهن الوضوء فيرى شعورهن، قال: لا " والمرسل (3) عن مكارم الاخلاق " لا تجلس المرأة بين يدى الخصى مكشوفة الرأس " ولا يعارض ذلك خبر ابن بزيع (4) " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قناع الحرائر من الخصيان، فقال: كانوا يدخلون على بنات أبى الحسن عليه السلام ولا يتقنعن، قلت: فكانوا أحرارا قال: لا، قلت: فالاحرار يتقنع منهم، قال: لا " بعد قصوره من وجوه: منها الموافقة للعامة وللمتعارف عند سلاطينهم وحكامهم، بل لعل في قوله عليه السلام في الجواب: " كانوا " إلى آخره رائحة التقية، كما يؤيد ذلك ما في حديث آخر (5) من أنه لما سئل عن هذه المسألة " فقال: أمسك عن هذا " ضرورة ظهور ذلك في كونه للتقية، كتركه الجواب في المروي عن الحميرى عن الخثعمي (6) عن أبى الحسن عليه السلام قال: " كتبت إليه أسأله عن خصي لي في سن رجل مدرك يحل للمرأة أن يراها وتنكشف بين يديه، فلم يجنبى عليه السلام " فمن الغريب تردد بعض أصحابنا في ذلك. وأغرب منه دعواه اندراجه في غير أولى الاربة المتفقة أخبارنا على تفسيره بغير ذلك، قال زرارة (7) في الصحيح: " سألت أبا جعفر عليه السلام عنه، فقال: الاحمق الذى لا يأتي النساء " وقال أيضا في صحيحه الاخر (8): " سألت أبا عبد الله عليه السلام، فقال: هو الاحمق الذى لا يأتي النساء " وفي موثق البصري (9) سألته عليه السلام عنه قال:


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 125 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2 - 9. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 125 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 - 6 - 8. (7 و 9) الوسائل الباب - 111 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (8) التهذيب ج 7 ص 468 الرقم 1873.

[ 95 ]

" الاحمق المولى عليه الذى لا يأتي النساء " وفي خبر القداح (1) عن أبى عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: " كان بالمدينة رجلان يسمى أحدهما هيت والاخر مانع، فقالا لرجل ورسول الله صلى الله عليه وآله يسمع: إذا افتتحتم الطائف إنشاء الله فعليك بابنة غيلان الثقفية، فانها شموع بخلاء مبتلة هيفاء شنباء إذا جلست تثنت، وإذا تكلمت غنت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، بين رجليها مثل القدح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أراكما إلا من أولى الاربة من الرجال، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله: فعزب بهما في مكان يقال له: العرباء، وكانا يتسومان في كل جمعة " قلت: الظاهر، أن هذين الرجلين كانا مخنثين. ودعوى كون الخصي مقطوع الشهوة يدفعها منع كونه بأقسامه كذلك وإن قلنا باختصاص محل البحث في مقطوع الذكر والانثيين منه، فان انقطاع الشهوة منه أيضا مطلقا ممنوع، مع أن الظاهر صدق اسم الخصي على الجميع، وعن المصباح والقاموس والمجمع وغيرها أنه من سل خصيتاه، فما عن بعضهم من إلحاق من بقي ذكره بالفحل مجرد تشه، وفي كنز العرفان قيل: المراد بهم الشيوخ الذين سقطت شهوتهم، وليس لهم حاجة الى النساء، وهو مروى (2) عن الكاظم عليه السلام، والاربة الحاجة، وقيل: هم البله الذين لا يعرفون شيئا من أمور النساء، وهو مروى (3) عن الصادق عليه السلام وابن عباس، وعن الشافعي انه هو الخصي المجبوب، ولم يسبق الى هذا القول، وعن أبى حنيفة هم العبيد الصغار، وهو كما ترى صريح في تفرد الشافعي بما سمعت. وقد ظهر من ذلك أن المراد بغير أولى الاربة من لا يشتهى النكاح لكبرسن


(1) الوسائل الباب - 111 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 عن أبى عبد الله عن أبيه عليهما السلام ولم يذكر اسم الرجلين وذكرهما في الكافي ج 5 ص 523 ورواه هناك عن أبى عبد الله عن أبيه عن آبائه عليهم السلام. (2) كنز العرفان ص 322 الطبعة القديمة. (3) معاني الاخبار ص 162 وفيه " هو الابله المولى عليه الذى لا يأتي النساء ".

[ 96 ]

ونحوه، شبه القواعد من النساء التى لا ترجو نكاحا ولا تطمع فيه، على أن الظاهر جواز ابداء الزينة لمثله، بمعنى عدم وجوب وضع نحو الملحفة والخمار ونحوهما على ثياب الزينة وحليها، لا أن المراد ارتفاع حكم العورة بالنسبة إليه في جميع الجسد وصيرورته كالمحرم، كما يدعيه الخصم الذى يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على خلافه، وقد سمعت سابقا إطلاق الفتوى ومعقد الاجماع على عدم جواز النظر الى الاجنبية عدا الوجه والكفين، نعم في جامع المقاصد ولو كان شيخا كبيرا جدا هرما ففى جواز نظره احتمال، ومثله العنين المخنث، وهو المشبه بالنساء، واختار في التذكرة انهم كالفحل، لعموم الاية (1) وهو قوى، وربما نزل على الابله الذى لا يحتاج الى النساء ولا يعرف شيئا من أمورهن، وهو كما ترى لم يحكم بشئ، ولعل ذلك منه ومن غيره مؤيد لما ذكرناه سابقا من حرمة نظر الوجه والكفين مطلقا إلا غير أولى الاربة، حتى يكون موضوعا للاية التى لم أقف على من قال إنها منسوخة بآية الغض (2) أما على القول بالجواز لغيرهم فضلا عنهم وعدم جواز غيرهما لهم أيضا، فلا موضوع لاستثنائهم، أللهم إلا أن يلتزموا بجواز نظر من لا إربة له زائدا على الوجه واليدين، كما هو مقتضى كلام جماعة، منهم ثانى الشهيدين وغيره، خصوصا من كتب منهم في آيات الاحكام، فيكون ذلك استثناء منهم على نحو استثناء القواعد من الاجنبية. وأغرب من ذلك كله عدم استبعاد إرادة خصوص الخصى من الاية مع اندراجه في غير أولى الاربة عند هذا القائل، واستبعاد إرادة الاماء مما ملكت أيمانهن بعد ما سمعت ما عن المبسوط والخلاف وفقه القرآن للراوندي والسرائر من نسبة ذلك إلى رواية أصحابنا، بل ركن إليه ابن إدريس الذى لا يعمل بأخبار الاحاد، مع أن ظاهر الاية ذكر الذكور أولا ثم ذكر الاناث بقوله (3) تعالى: " نسائهن أوما ملكت أيمانهن " لبيان عدم كون محال الزينة مثل العورة المحرم نظرها على الرجال


(1 و 2 و 3) سورة النور: الاية 31 - 30 - 31. (جواهر الكلام - ج 6).

[ 97 ]

والنساء والواجب سترها منهما، إلا أنه لما كان من المعلوم عدم اندراج الاماء في النساء ذكرها بالخصوص، فلا تكرار حينئذ، كما توهم، بل الظاهر عدم إرادة خصوص المملوكة بالنسبة الى مالكتها، بل المراد المملوكة ولو لغيرها، وكذا النساء مع احتمال إرادة خصوص ذلك، ويتمم الباقي بعدم القول بالفصل، كل ذلك بعد الاغضاء عما هو معلوم من دين متدينى الامامية من عدم ذلك، فلا يحل لمؤمن التردد في ذلك مخافة أن يكون ذلك منه سببا للجرأة من غيره. ومن ذلك يعلم الحال فيما في الروضة أيضا واتباعها كالكفاية وغيرها، بل ويعلم ما في الرياض المبني على أن الاصل الاباحة، لعدم عموم يقتضي حرمة النظر في المقام وفيما سبق من المقامات، مع أنه يمكن دعوى الضرورة فضلا عن الاجماع، والنصوص على أن المرأة جميعها عورة (1) أي بحكمها في حرمة النظر، ووجوب الستر على وجه القاعدة، كما سمعته من المقداد في الكنز سابقا في حكم الوجه والكفين. المسالة (الثانية) (الاعمى) فضلا عن المبصر (لا يجوز له سماع صوت المرأة الاجنبية) مع التلذذ أو الريبة وخوف الفتنة قطعا، أما مع عدم ذلك فقد يظهر من المتن والقواعد والتحرير والارشاد والتلخيص الحرمة أيضا، (لانه عورة) فيحرم سماعه حينئذ، ويجب عليها ستره على كل حال، بل قيل: إنه المشهور وإنه مقتضى المستفيض من محكى الاجماع، ولعل مراده ما تقدم في الصلاة من حرمة الجهر عليها مع سماع الاجانب، فان في كشف اللثام وغيره الاتفاق على أن صوتها عورة، ولذا حرم عليها ذلك، بل


(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 6 والباب - 131 - منها الحديث 1.

[ 98 ]

وبطلت صلاتها كما حررناه في محله، قال الصادق عليه السلام في خبر (1): " قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولا تبدؤوا النساء بالسلام ولا تدعوهن إلى الطعام، فان النبي صلى الله عليه وآله قال: النساء عى وعورة، فاستروا عيهن بالسكوت واستروا عوراتهن بالبيوت " وقال عليه السلام، أيضا في خبر غياث بن (2) ابراهيم: " لا تسلم على المرأة " وغير ذلك مما سمعته وغيره الذى منه النهي عن الجهر بالتلبية (3) بل قد تقدم في كتاب الصلاة ما يقتضي المفروغية من حرمة الجهر عليها بالقراءة مع سماع الاجانب، وبدونه مخيرة، وكذا الكلام في الاذان. لكن ذلك كله مشكل بالسيرة المستمرة في الاعصار والامصار من العلماء والمتدينين وغيرهم على خلاف ذلك، وبالمتواتر أو المعلوم مما ورد من كلام الزهراء وبناتها عليها وعليهن السلام، ومن مخاطبة النساء للنبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام على وجه لا يمكن إحصاؤه ولا تنزيله على الاضطرار لدين أو دنيا، بل قوله تعالى (4): " فلا تخضعن بالقول " دال على خلاف ذلك أيضا، ولعله لذا وغيره صرح جماعة كالكركي والفاضل في المحكي عن تذكرته وغيرهما ممن تأخر عنه كالمجلسي وغيره بالجواز، بل بملاحظة ذلك يحصل للفقيه القطع بالجواز فضلا عن ملاحظة أحوالهم في ذلك الزمان، من كونهم أهل بادية، وتقام المآتم والاعراس وغيرها فيما بينهم، ولا زالت الرجال منهم مختلطة مع النساء في المعاملات والمخاطبات وغيرها. نعم ينبغى للمتدينة منهن اجتناب إسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع وتحسينه وترقيقه حسبما أومأ إليه الله تعالى شأنه بقوله (5): " فلا تخضعن بالقول " الى آخره، كما أنه ينبغى للمتدينين ترك سماع صوت الشابة الذي هو مثار الفتنة حسبما أومأ إليه أمير المؤمنين عليه السلام في تعليم الناس فيما رواه عنه الصدوق (6) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله


(1 و 2) الوسائل الباب - 131 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 38 - من أبواب الاحرام الحديث 3 من كتاب الحج. (4 و 5) سورة الاحزاب: 23 - الاية 36. (6) الوسائل الباب - 131 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

[ 99 ]

يسلم على النساء ويرددن عليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسلم على النساء ويكره أن يسلم على الشابة منهن، ويقول: أتخوف أن يعجبنى صوتها فيدخل علي من الاثم أكثر مما أطلب من الاجر " بل ينبغى ترك ما زاد على خمس كلمات لخبر (1) المناهي قال: " ونهى أن تتكلم الامرأة عند غير زوجها أو غير ذى محرم منها أكثر من خمس كلمات مما لابد لها منه " المحمول على الكراهة قطعا، لضعف سنده، واشتماله على كثير من النواهي المراد منها ذلك، ولاجماع الامة على جواز الازيد مع الضرورة، وفي المروي عن الخصال (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة تميت القلب: أحدها كثرة مناقشة النساء، يعنى محادثتهن " الى غير ذلك مما لا يخفى على من أعطاه الله تعالى معرفة لسانهم ورمزهم ظهور إرادة الكراهة، وبالجملة سماع أصواتهن كسماعهن أصوات الرجال في القطع بالجواز ما لم يكن أحد الامور السابقة، من غير فرق بين الاعمى والمبصر. كما أنه لا فرق بينهما نصا وفتوى (و) سيرة في أنه (لا يجوز للمرأة النظر إليه، لانه يساوى المبصر في تناول النهى) المستفاد من آية الغض وغيره، وفي المرسل (3) عن أم سلمة قالت " كنت أنا وميمونة عند النبي صلى الله عليه واله وسلم فأقبل ابن ام مكتوم فقال صلى الله عليه وآله: احتجبن عنه، فقلنا: إنه أعمى فقال صلى الله عليه واله وسلم: أعميا وان أنتما ؟ ألستما تبصرانه ". نعم لا بأس بمصافحة الامرأة الاجنبية للرجل من وراء الثياب، وبالعكس فضلا عن مصافحة كل منهما لمماثلة مع عدم التلذذ ونحوه، كما صرح به بعضهم، قال سماعة (4): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مصافحة الرجل المرأة قال: لا يحل للرجل أن يصافح المرأة إلا امرأة يحرم عليه أن يتزوجها: اخت أو ابنة أو عمة أو خالة أو بنت


(1 و 2) الوسائل الباب - 106 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 3. (3) الوسائل الباب - 129 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 مع اختلاف في اللفظ. (4) الوسائل الباب - 115 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2.

[ 100 ]

اخت أو نحوها، فأما المرأة التى يحل له أن يتزوجها فلا يصافحها إلا من وراء الثوب، ولا يغمز كفها " وقال أبو بصير (1): " قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل يصافح الرجل المرأة ليست له بذى محرم ؟ فقال: لا إلا من وراء الثوب " هذا. وفي القواعد والعضو المبان كالمتصل على إشكال، قلت: لعل وجهه من ظهور الادلة في أنه عورة حال الاتصال لا حال الانفصال الذى يكون فيه كالحجر، واستبعاد حرمة النظر الى مثل الاظفار ولمسها والسن والشعر، خصوصا بعد ما ورد (2) من النهى عن الوصل بشعر الغير مع عدم التعرض فيه، لحرمة لمسه والنظر إليه الذى، هو مظنته، خصوصا الاخير، ومن ثبوت حرمته قبل الانفصال فيستصحب، وعدم مدخلية الاتصال وحكم العورة، واستلزام جواز النظر واللمس الى المجموع المقطع أجزاء، وصدق اسم الذكر ونحوه على المقطوع، ولعل الاخير أقوى كما صرح به في جامع المقاصد. ثم لا يخفى عليك أن كل موضع حكمنا فيه بتحريم النظر فتحريم اللمس (المس خ ل) فيه أولى، كما صرح به بعضهم، بل لا أجد فيه خلافا، بل كأنه ضروري على وجه يكون محرما لنفسه، وفي خبر (3) مبايعتهن للنبى صلى الله عليه واله دلالة عليه، ولذا " أمر بقدح من الماء فوضع يده، ثم وضعن أيديهن " مضافا الى ما سمعته من النهى عن المصافحة إلا من وراء الثياب و غير ذلك، ولو توقف العلاج على مس الاجنبية دون نظرها فتحريم النظر بحاله، وكذا العكس، فانه لا تلازم بينهما في جانب العدم، وحينئذ فجواز النظر الى وجه الاجنبية وكفيها لو قلنا به لا يبيح مسها. نعم لا بأس بلمس المحارم على حسب ما سمعته في النظر من غير خلاف يعتد به، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، ولو بملاحظة السيرة القطعية.


(1) الوسائل الباب - 115 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (3) الوسائل الباب - 117 - من أبواب مقدمات النكاح.

[ 101 ]

وأما الخنثى المشكل ففي جامع المقاصد أنه بالنسبة الى الرجل والخنثى كالمرأة، وبالنسبة الى المرأة كالرجل، لتوقف يقين امتثال الامر بغض البصر والستر على ذلك، ثم حكى عن بعض العامة جواز نظر المرأة والرجل إليها وبالعكس، استصحابا لما كان ثابتا في الصغر من حل النظر حتى يظهر خلافه، وليس بشئ، لوجود الناقل عن ذلك، والاشتباه غير مخل بتعلق الحكم، لكن لو شكت المرأة في كون الناظر رجلا أوشك الرجل في كون المنظور إليه امرأة يلزم القول بالتحريم، وهو محل تأمل. ويمكن الفرق بامكان استعلام الحال بخلاف الخنثى، ومن ثم وجب الاحتياط في التكاليف المتعلقة به، قلت: لا يخفى عليك ما في الفرق المزبور، كما أنه لا يخفى عليك ما في جريان المقدمة في نظر كل من الرجل والمرأة إليه، ضرورة كون ذلك من محال أصل البراءة، لاشتراط الحرمة بالنسبة الى كل منهما بالرجولية والانوثية، والفرض عدم العلم به، والشك في الشرط شك في المشروط، ولا يجب على كل منهما ترك النظر مقدمة لحصول تكليفه وتكليف شخص آخر غير، ولعله لذا حكي عن جماعة من العامة الجواز، معللين له بالاستصحاب في حال الصغر، بل أيده بعضهم بما ذكره في الجنائز من أنه يغسله الرجال والنساء، بل ربما يتخيل جريان أصل البراءة في تكليفه نفسه، فيجوز له حينئذ النظر الى كل من الرجل والمرأة وإن علم تحقق أحد الخاطبين بالنسبة إليه إلا أن كلا منهما مشروط أيضا بشرط غير معلوم التحقق، فيكون الشك فيه شكا بالمشروط، وليس هو من الشبهة المحصورة التى تحقق فيها شرط التكليف ولكن اشتبه عليه خصوص الفرد اشتباها لا يسقط التكليف، وفي الفرض لم يعلم فيه حصول شرط أحد التكليفين، فيتمسك حينئذ بأصل البراءة. على أنه يمكن دعوى كون ذلك من الشبهة الغير المحصورة ولو باعتبار العسر والحرج عليه في اجتناب كل من الرجل والمرأة، والاحتياط في التكليف انما توجبه بعد القطع بالشغل لا مطلقا، ولذا يجب عليه ستر جميع بدنه في الصلاة كالمرأة،

[ 102 ]

مقدمة لحصول يقين الفراغ من يقين الشغل، بخلاف محل الفرض الذى لا يقين فيه بخصوص الشغل وإن كان هناك يقين بكلي الشغل، إلا أنه قد يمنع وجوب مراعاته، فلا تجب المقدمة له حينئذ، لكن فيه أنه مخاطب قطعا بحرمة نظر الرجل أو الامرأة، فيجب الاجتناب مقدمة، كما يجب عليه ستر عورتيه بعد أن كان مكلفا في الواقع بستر أحدهما، ونحو وجوب كشف وجهه ورأسه في الاحرام، ووجوب ترك زينتي الرجل والمرأة عليه، وغير ذلك مما يجرى فيه المقدمة باعتبار العلم بحصول الخطاب بأحد الامرين المعين في الواقع المشتبه في الظاهر. نعم لا يجب عليه ستر بدنه عدا العورة من الرجل والمرأة، لعدم العلم بالشغل بناء على عدم وجوب الستر على الرجل من الامرأة وإن حرم عليها النظر، والفرض عدم العلم بكونه امرأة، فلا يقين بالشغل، بخلاف الاول الذى قد علم فيه تحقق الخطاب بالغض إلا أنه لم يعلم من يغض عنه، وقد كان دائرا بين الرجل والمرأة، فلا يتم إلا باجتنابهما، بل والخنثى معهما، لانها إما رجل أو امرأة، والفرض وجوب اجتنابهما عليه أصالة ومقدمة. أما نظر كل من الرجل والامرأة إليه فلا يقين بالشغل بالنسبة إلى كل منهما، فيجوز لكل منهما النظر إليه بل ولمسه، وهكذا الكلام في حكم الخنثى في جميع المقامات، فمتى تحقق الشغل فكان المكلف به مشتبها باعتبار اشتباه حالها وجب ملاحظة المقدمة، وإلا فلا، ومن ذلك عدم نكاحها، وعدم إنكاحها، ومنه وجوب ستر بدنها في الصلاة نحو الامرأة وإن وجب عليها الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه مع عدم سماع الاجانب، أما معه فان أمكنها الاحتياط ولو بتكرر الصلاة أو الصلاة في مكان لا يسمعها الاجانب فيه فالاولى لها مراعاته، وإلا كانت مخيرة، بل قد يقال بتخييرها بين الجهر والاخفات مطلقا باعتبار جهلها به المقتضى لسقوطه، بناء على تناول دليله لمثل الفرض الذى هو الجهل بكونها رجلا أو امرأة، ولعله لذلك أطلق بعضهم تخيرها بينهما، ولكن الاحتياط لا ينبغى تركه.

[ 103 ]

(الثاني) من اللواحق (في مسائل تتعلق بهذا الباب، وهى) مسائل (خمس): (الاولى) (الوطء في الدبر) للجائز وطئها قبلا، (فيه روايتان إحداهما الجواز وهي المشهورة بين الاصحاب) رواية وعملا، بل في الانتصار والغنية ومحكى الخلاف والسرائر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصل وصحيح صفوان (1) قال للرضا عليه السلام: " إن رجلا من مواليك أمرنى أن أسألك عن مسألة هابك واستحيى منك أن يسألك، قال: وما هي ؟ قال: قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها، قال: ذلك له، قال: قلت له: فأنت تفعل، قال: إنا لا نفعل ذلك " وخبر ابن أبى يعفور (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله عزوجل شأنه (3): فاتوهن من حيث أمركم الله، قال: هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: نساؤكم حرث لكم، فاتوا حرثكم أنى شئتم " (4) وخبره الاخر (5) " سألته عليه السلام أيضا عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لا بأس به " ومرفوع البرقى الى ابن أبى يعفور (6) " سألته عن إتيان النساء في أعجازهن، فقال: ليس به بأس، وما أحب أن تفعله " والموثق (7) " عن


(1 و 2) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (3 و 4) سورة البقرة: 2 - الاية 222 - 223. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 - 6 - 7 والثالث مرسل حفص بن سوقة.

[ 104 ]

رجل أتى أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيين، فيه الغسل " وخبر حماد بن (1) عثمان " سألت أبا عبد الله عليه السلام أو أخبرني من سأله عن الرجل يأتي المرأة في ذلك الموضع وفي البيت جماعة، فقال لى ورفع صوته: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من كلف مملوكه ما لا يطيق فليبعه، (فليعنه خ ل) ثم نظر في وجوه أهل البيت ثم أصغى إلى فقال: لا بأس به " ومرسل موسى بن عبد الملك (2) قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن إتيان الرجل المرأة من خلفها، فقال: أحلتها آية من كتاب الله (3) قول لوط: هؤلاء بناتى هن أطهر لكم، وقد علم أنهم لا يريدون الفرج " وخبر عبد الرحمان (4) المروى عن تفسير العياشي قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام وذكر عنده إتيان النساء في أدبارهن، فقال: ما أعلم آية أحلت ذلك إلا واحدة: إنكم لتأتون الرجال شهوة " (5) الى آخرها. وخبر يونس بن عمار (6) " قلت لابي عبد الله عليه السلام أو لابي الحسن عليه السلام: إني ربما أتيت الجارية من خلفها يعنى دبرها، ونذرت فجعلت على نفسي إن عدت إلى امرأة هكذا فعلي صدقة درهم، وقد ثقل ذلك علي، قال: ليس عليك شئ، وذلك لك " الى غير ذلك. وأما رواية المنع فهى خبر سدير (7) قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: محاش النساء على امتى حرام " وفي آخر (8) " محاش نساء امتى على رجال امتى حرام " وخبر هاشم وابن بكير (9) عن أبى عبد الله عليه السلام قال هاشم: " لا يفرى ولا يفرث وابن بكير قال: لا يفرث أي لا يأتي من غير هذا الموضع "


(1 و 2 و 4 و 6) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 3 - 12 - 8. (3) سورة هود: 11 - الاية 78. (5) سورة الاعراف: 7 - الاية 81. (7 و 8) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 5 -. (9) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 وذكر في هامش النسخة الاصلية نسخا عديدة للرواية: " لاتعرى. لا تقرن. لا تعوب. لا تقرأ. لا تقرأن ".

[ 105 ]

ومرسل أبان (1) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن إتيان النساء في أعجازهن، فقال: هي لعبتك لا تؤذها " وخبر معمر بن خلاد، (2) قال: " قال أبو الحسن عليه السلام: أي شئ يقولون في إتيان النساء في أعجازهن ؟ قلت: إنه بلغني أن أهل المدينة لا يرون به بأسا، فقال: إن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول، فأنزل الله عزوجل: نساؤكم حرث لكم، فاتوا حرثكم أنى شئتم من خلف أو قدام خلافا لقول اليهود، ولم يعن في أدبارهن " وخبره الاخر (3) عن الرضا عليه السلام أيضا مثله إلا أنه قال: " أهل الكتاب " بدل " أهل المدينة " و " من قبل أو دبر " مكان " من خلف أو قدام " وخبر الفتح بن يزيد الجرجاني (4) قال: " كتبت إلى الرضا عليه السلام في مسألة، فورد الجواب: سألت عمن أتى جارية في دبرها، المرأة لعبة الرجل، فلا تؤذى، وهى حرث كما قال الله عزوجل " وخبر زيد بن ثابت (5) قال: " سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام أتؤتى النساء في أدبارهن ؟ فقال: سفلت سفل الله بك، أما سمعت الله تعالى يقول: أتأتون الفاحشة ؟ ما سبقكم بها من أحد من العالمين (6) " وخبر أبى بصير (7) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يأتي أهله في دبرها، فكره ذلك، وقال: إياكم ومحاش النساء، وقال: إنما معنى نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم أي ساعة شئتم " بناء على إرادة الحرمة من الكراهة ولو بقرينة ما بعده، وقد حكي الفتوى بها عن القميين وابن حمزة والشيخ أبى المفتوح الرازي والراوندي في اللباب والسيد أبى المكارم صاحب بلابل القلاقل،


(1 و 2) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4 - 1. (3) اشار إليه في الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 وذكره في التهذيب ج 7 ص 460 الرقم 1840. (4) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 وفيه " كتب الى الرضا عليه السلام في مثله " بعد أن ذكر خبر أبى بصير الوارد في ذلك أيضا. (5 و 7) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 11 - 9. (6) سورة العنكبوت: 29 - الاية 28.

[ 106 ]

وفي كشف الرموز وكان فاضل منا شريف يذهب الى التحريم، ويدعي أنه سمع ذلك مشافهة ممن قوله حجة، وهو مؤيد للنصوص، مضافا الى قوله تعالى (1) " من حيث أمركم الله " وإلى الامر (2) بالاعتزال في المحيض للاذى، ولا ريب أن النجو أعظم، بل وإلى آية الحرث (3) فان موضع الحرث الذى يتوقع منه حصول الولد القبل لا الدبر. لكن الجميع كما ترى، فان الخبر الاول ضعيف، والثانى لا دلالة صريحة فيه على المنع، مع اختلاف النسخ فيه، وعدم ظهور المراد من بعضها، بل ظهور بعضها، في الكراهة، والثالث ظاهر في الكراهة. والرابع انما هو في تفسير الاية على أن تحصيل المراد منه لا يخلو من خفاء، إذ هو إن كان لبيان إتيان المرأة من قبلها، لكن من خلفها وحينئذ يكون السؤال من أبى الحسن عليه السلام عن ذلك خرج عن موضوع ما نحن فيه، وإن كان المراد بيان جواز الوطء في الدبر لكن لم يكن المراد من الاية خصوص الدبر كان دالا على المطلوب لا منافيا، مضافا إلى ما في الاول منهما من النقل عن أهل المدينة من التعريض في المخالفة، مع أن المعروف فيما بينهم المنع لا الجواز، فلا يبعد حينئذ وجود الخلل من الراوى في الخبر المزبور، أللهم إلا أن يريد بأهل المدينة الكناية عن الامام عليه السلام وأتباعه، فأقره الامام عليه السلام على ذلك، ثم ذكر ما يدل على فساد استدلال المخالف على المنع بالاية وحينئذ يكون دالا على الجواز لا المنع، وكذا قوله " أهل الكتاب " في الخبر الثاني، أي من عنده علم الكتاب، ويمكن إرادة مالك وأتباعه من أهل المدينة، والكناية عن العامة بأهل الكتاب تشبيها باليهود، وعلى كل حال فالخبر غير واضح. والخامس لم يعلم المراد به، وعلى فرض كونه المعصوم عليه السلام فهو خبر معارض بما عرفت.


(1 و 2) سورة البقرة: 2 - الاية 222. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 223.

[ 107 ]

والمراد من قوله " من حيث أمركم الله " الجهة التى أباحها الله، وهى القبل والدبر، فيكون القيد للتعميم، ولو سلم إرادة القبل منه باعتبار المنع حال الحيض فلا دلالة فيها على عدم الجواز في الدبر، أو بمعنى الجهة التى ندبكم إليها، وهى القبل، وانما خص، لاختصاصه بالاعتزال في الحيض، أو ما سمعته في خبر ابن أبى يعفور (1) الذى يمكن أن يكون معارضا لخبر معمر (2) في تفسير آية الحرث، سيما بعد المروى عن العياشي (3) عنه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إتيان النساء في أعجازهن، فقال: لا بأس، ثم تلا هذه الاية نساؤكم " الى آخرها، وعن زرارة (4) عن أبى جعفر عليه السلام " في قول الله نساؤكم حرث، قال: حيث شاء " أللهم إلا أن يراد منه الاستشهاد بها على أن المراد بالاية الاولى طلب الولد، لمكان الحرث، لا أن المراد بها الجواز في الدبر، ونصوص اللعبة مع ضعفها ولا جابر لها مشعرة أو ظاهرة بالكراهة، بل وكذا المروى عن أمير المؤمنين (5) عليه السلام، وخبر أبى بصير (6) أيضا. ودعوى أعظمية النجو من الحيض أذى ممنوعة، على أن الاذى ربما كان لغير النجاسة من فساد الولد ونحوه مما ورد (7) في مفاسد الوطء في الحيض، ويؤيده أن دم الاستحاضة نجس ولا يجب الاعتزال له. والمراد من آية الحرث تسمية المرأة نفسها حرثا لشبهها بموضعه، ثم أباح إتيانها أنى شئنا، وهو لا يستدعى الاختصاص بموضع الحرث، ولذا يجوز التفخيذ ونحوه إجماعا، بل ادعى بعضهم الاجماع على جوازه فيما بين السرة والركبة. فالمتجه حينئذ حمل نصوص المنع على الكراهة كما أومأ إليه نصوص الجواز بلفظ " لا احب " و " إنا لا نفعله " ونحو ذلك أو على التقية من العامة، فانه مذهب من عدا مالكا وجماعة من الشافعية، والشافعي في رواية كما قيل، وهذا في الحقيقة مرجح آخر للمطلوب أيضا، ضرورة أنه على تقدير الجواز علم حمل رواية المنع، (يعلم


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 5 - 10 - 11. (2 و 5 و 6) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 11 - 9. (7) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الحيض - من كتاب الطهارة.

[ 108 ]

حمل لرواية المنع خ ل) بخلافه على تقدير الحرمة، فانه ليس لرواية الجواز حينئذ وجه صالح. نعم قد يمكن الجمع بين الاخبار بما في خبر ابن أبى يعفور المتقدم من تقييد الجواز بالرضا المؤيد بالنهي عن الايذاء، وبامكان دعوى معلومية تمليك العقد منفعة البضع الذى هو المحل المقصود المتعارف في الوطء المسبب للخيار عيبه، فحينئذ تحمل رواية الجواز على ما إذا رضيت، ورواية المنع على ما إذا لم ترض، فانه لا سلطنة له على قهرها على ذلك، بخلاف القبل، فانه ليس لها المنع، إلا أنه لم أر به قائلا، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع المركب على خلافه. وكيف كان فلا محيص عن القول بالجواز (لكن على كراهية شديدة) استأهلت لفظ الحرمة كما عرفت، فمن الغريب ما في المسالك من الاطناب في المسألة ومناقشة في أدلة الطرفين وخروجه عنها بلا حاصل ولا ترجيح قال: " إن جميع الاخبار من الجانبين ليس فيها حديث صحيح، فلذا أضربنا عن ذكرها " ثم حكى عن العلامة وصف خبري ابن أبى يعفور وصفوان بالصحة، وناقش في الاول بأن معاوية بن حكيم وإن كان ثقة جليلا إلا أن الكشي قال: إنه فطحي، وفي الثاني بأن علي بن الحكم، وهو مشترك بين الثقة وغيره، ومجرد الظن بأنه الاول من حيث إن أحمد بن محمد يروي عنه كثيرا غير كاف. وفيه أولا أن الحجية غير منحصرة في الخبر الصحيح، كما هو مفروغ منه في الاصول خصوصا في مثل المقام الذى تعاضدت فيه الروايات التى عمل بها الاصحاب، وحكوا الاجمع على مضامينها، فمثلها لا يقدح الضعف في سندها، فضلا عن أن تكون من قسم الموثق ونحوه، وثانيا أنه لم يثبت فطحيته لاحتمال التعدد فيه، على أن كلام الكشي معارض بكلام النجاشي بعد تعارف إرادة الامامي من إطلاق ثقة في كتب الرجال كما هو محرر في محله، وأما على بن الحكم فالظاهر اتحاده، وعلى تقدير اشتراكه فالظن كاف في تعيينه كما في غيره من الاسماء المشتركة، ودعوى عدم كفاية الظن واضحة المنع، بل هادمة لكثير من الفقه.

[ 109 ]

ثم أطنب في المناقشة في الاية بدعوى اشتراك لفظ " أنى " بين معنى " أين " ومعنى " كيف " الذى لا يدل عمومه على تعدد الامكنة، بل تعدد الهيئة الشاملة لاتيانهن من قبل أو دبر في القبل، كما ورد (1) في سبب النزول، والمشترك لا يحمل على أحد معنييه بدون قرينة، والقرينة هنا إما منفية عن هذا المعنى أو موجودة في الجانب الاخر، وهى الحرث المقتضي للزرع، وقوله تعالى: " وقدموا لانفسكم " (2) فان المراد منه على ما قيل طلب الولد، وقوله تعالى (3): " فاتوهن من حيث أمركم الله " فان آية الحرث وقعت بعدها كالمبينة لها، وأما ما ورد في سبب نزولها من فعل عمر ذلك (4) وأنه جاء الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال: هلكت فنزلت " فمعارض بما روى (5) من أن سببه الرد على اليهود، وكلاهما مروي من طرق العامة، ويزيد الثاني أنه مروي من طرق الخاصة كما سمعته في صحيح معمر (6) وحمل المشترك على معنييه كما وقع للطبرسي فقال: " المعنى أين شئتم وكيف شئتم " ليس مرضيا عند المحققين. وفيه أن المصرح به في كلام أئمة اللغة أن " أنى " للمكان، فاستعمالها في غيره مجاز، لا اشتراك، وعلى تقديره فعموم الاشتراك عملا بالقرينتين غير ممتنع، بل هو المتجه كما سمعته من الطبرسي، لحصول القرينة، بل تعددها على كل منهما، هذا إن لم نقل: إن عموم الكيفية يقتضي التعميم في المكان كما مر، على أن المكان هو مطلق بالنسبة الى الكيفية، وخبر معمر مع موافقته للعامة معارض بما في خبر ابن أبي يعفور بناء على إرادة الاستدلال بالاية فيه على ذلك، لا على أن المراد بقوله تعالى: " من حيث أمركم الله " الولد، والحاصل من تأمل ما في المسالك هنا وجد فيها مجالا للنظر. وأغربه أنه مع إطنابه خرج من المسألة بلا حاصل، مع أنه لا محيص للفقيه


(1 و 6) الوسائل الباب - 72 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2 و 3) سورة البقرة: 2 - الاية 223 - 222. (4 و 5) سنن البيهقى ج 7 ص 198 - 194.

[ 110 ]

عن القول بالجواز بعد الاجماعات المحكية والروايات المعتبرة والايات المتعددة، بل لعل قوله تعالى (1) مضافا الى ما سمعت: " إلا على أزواجهم أوما ملكت " الى آخره دال أيضا، بل وقوله تعالى: (2) " أتأتون الذكران من العالمين ؟ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " وإن نوقش فيها والله العالم. ثم إن الظاهر من قوله عليه السلام في الموثق: (3) " هو أحد المأتيين " وغيره ما صرح به الفاضل وغيره، بل حكى عن الشيخ وكثير من كونه كالقبل في جميع الاحكام، حتى ثبوت النسب، فلو وطأها في الدبر وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا ألحق به الولد، مع بعده جدا، وتقرير المسمى، فلو طلقها بعده لزمه تمامه، وحد الزانى إن وطأ الاجنبية لا لشبهة، ومهر المثل لو وطأها مع فساد العقد أو المهر، والعدة، فلو طلقها كانت عليها عدة المدخول بها، وتحريم المصاهرة، فيحرم عليه بنتها أبدا، والاخت المملوكة جمعا إلا في التحليل، فلا تحل للمطلق ثلاثا إلا بالوطء قبلا بلا خلاف كما عن المبسوط قال: لقوله عليه السلام (4): " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهي لا تذوق العسيلة في دبرها، والاحصان، فلا يثبت له به الاحصان بلا خلاف، كما عن المبسوط أيضا، فلا يحد من لا يقدر على وطء زوجته إلا في الدبر إذا زنا حد المحصن، واستنطاقها في النكاح، فلا تزول به بكارتها، فيكفى سكوتها في الرضا بالنكاح، مع احتماله كما تسمعه فيما يأتي، قيل: وإلا في نقض الصوم ووجوب الكفارة به ووجوب الغسل فقد اختلف فيها، قلت: لكن قد عرفت مساواته للقبل في ذلك، قيل: وإلا في عدم الغسل عليها بخروج المنى من دبرها، بخلاف ما لو وطئت قبلا فان فيه وجها بوجوب الغسل إلا أن تعلم أن ليس في الخارج من منيها شئ، قلت: قد يقال: إن الاوجه


(1) سورة المؤمنون: 23 - الاية 6. (2) سورة الشعراء: 26 - الاية 165 - 166. (3) الوسائل الباب - 73 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 7 وهو مرسل حفص. (4) المستدرك الباب - 7 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5.

[ 111 ]

خلافه، لاستصحاب الطهارة، على أن ذلك في الحقيقة أمر خارج عن أحكام الوطء، فلا حاجة الى استثنائه، قيل: وإلا في الخروج عن الايلاء، فانه لا تحصل الفئة إلا بالوطء في القبل، قلت: وذلك لان الايلاء لا يقع إلا به دون الوطء دبرا، فلا حاجة الى استثنائه. المسالة (الثانية) قصد (العزل عن الحرة) المنكوحة دواما (إذا لم يشترط في العقد ولم تأذن، قيل) والقائل الشيخان في ظاهر المقنعة وصريح المحكي عن الخلاف والمبسوط وجماعة: (هو محرم) بل في الثاني الاجماع عليه، لما روى (1) عن النبي صلى الله عليه واله " إنه نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها " بل عنه صلى الله عليه واله (2) أيضا " أنه الوأد الخفي " أي قتل الولد، ولان فيه فواتا للغرض من النكاح، وهو الاستيلاد، وللحق الذى للزوجة وهو الالتذاذ، بل ربما كان فيه إيذاء لها. (بل يجب معه دية النطفة) للزوجة (عشرة دنانير) للاجماع عن الشيخ، ولما روي صحيحا (3) عن على عليه السلام من وجوبها على من أفزع مجامعا فعزل، قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الرجل يفزع عن عرسه، فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك بنصف خمس المأة عشرة دنانير " الظاهر كونه في الدية كائنا ما كان السبب، ولا ينافي ذلك اختصاصها بالزوجة، لكون الاب هو السبب في الفوات، فكان كالقاتل الذى أومأ إليه النبوى المزبور، فلا يرث حينئذ، منها بل يخص بالام على كل حال، بل لعل ذلك فيه إيماء الى الحرمة، ولذا رتب بعضهم الدية على الحرمة، بل


(1) المستدرك الباب - 56 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 231. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 112 ]

في المسالك أنه أنسب بالقياس. (وقيل) والقائل المشهور نقلا وتحصيلا: (هو مكروه وإن وجبت الدية، وهو أشبه) بالاصول التى هي الحجة، مضافا الى عدم وجوب أصل الوطء عليه قبل الاربعة، وإلى المعتبرة المستفيضة كخبر البصري (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل، فقال: ذلك الى الرجل " وخبر محمد (2) عن أبى جعفر عليه السلام " لا بإس بالعزل عن المرأة الحرة، إن أحب صاحبها وإن كرهت، وليس لها من الامر شئ " والصحيح (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل، فقال: ذلك الى الرجل يصرفه حيث يشاء " وخبر الحذاء (4) قال: " كان على بن الحسين عليه السلام لا يرى بالعزل بأسا، ويقرأ هذه الاية (5) وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فكل شئ أخذ الله منه الميثاق فهو خارج وإن كان على صخرة صماء " وخبر محمد بن مسلم (6) قلت لابي جعفر عليه السلام: " الرجل يكون تحته الحرة أيعزل عنها ؟ قال: ذلك إليه إن شاء عزل، وإن شاء لم يعزل " وصحيحه الاخر (7) عن أحدهما عليهما السلام " أنه سئل عن العزل، فقال أما الامة فلا بأس، وأما الحرة فانى أكره ذلك، إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها " وفي صحيحة الاخر (8) عن أبى جعفر عليه السلام مثل ذلك، وقال فيه: " إلا أن ترضى أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها " وخبر أبي بصير (9) عن أبى عبد الله عليه السلام المروى عن بصائر الدرجات قلت له: " ما تقول في العزل ؟ فقال: كان علي عليه السلام لا يعزل، وأما أنا فأعزل، فقلت: هذا خلاف، فقال: ما ضر داود عليه السلام أن خالفه سليمان عليه السلام، والله تعالى يقول: ففهمناها


(1 و 2 و 3 و 4 و 6) الوسائل الباب - 75 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 2 - 4 - 1 - 3 - 5. (5) سورة الاعراف: 7 - الاية 172. (7 و 8) الوسائل الباب - 76 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (9) الوسائل الباب - 75 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 6. (جواهر الكلام - ج 7).

[ 113 ]

سليمان (1) وخبر الجعفي (2) " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا بأس بالعزل في ستة وجوه: في المرأة التى أيقنت أنها لا تلد، والمسنة، والمرأة السليطة، والبذية، والمرأة التى لا ترضع ولدها، والامة " الذي منه يستفاد ما عن الفخر من تقييد محل البحث بما إذا كان الجماع في الفرج دون الدبر الذى قل ما يتولد منه، بل قد يلوح منه أيضا أن المنع عن العزل لحق الاستيلاد، كقول النبي صلى الله عليه واله وسلم (3): " إنه الوأد الخفى " لكن مقتضى ما سمعته في خبر ابن مسلم من نفي البأس مع رضا الامرأة أو الشرط أن ذلك حق الامرأة كما صرح به في جامع المقاصد حاكيا له عن تصريح جمع من الاصحاب، وعلى ذلك يتفرع ارتفاع الكراهة أو شدتها كما ستعرف. وعلى كل حال فمن هذه النصوص يعلم إرادة الكراهة من المروى عن النبي صلى الله عليه واله، حتى الثاني منهما، وفوات الغرض مع أنه حكمة غير مطردة قد عرفت ما كشف عنه على بن الحسين عليهما السلام، ولذة الزوجة لا يجب على الزوج مراعاتها، وربما كانت بإنزالها لا بالانزال فيها، ووجوب الدية لا يقتضى الحرمة، على أنه قد يناقش فيه بعدم ظهور الخبر المزبور فيما نحن فيه، وعدم جواز القياس بعد فقد النص، والاعتبار القاطع ونحوهما مما يجدى في التنقيح خصوصا بعد وضوح الفرق بين جناية الوالد والاجنبى والمعارضة بظاهر النصوص المجوزة (4) المشتملة على " أنه ماؤه يضعه حيث شاء " ونحو ذلك مما هو ظاهر أو صريح في عدم استحقاق الزوجة عليه شيئا التى منها يعلم أيضا عدم مقاومة محكى الاجماع لها، فان أقصاه كونه خبرا صحيحا لكنه قاصر عن معارضة ما سمعته من الصحاح وغيرها سيما بعد ما عن الحلى من نسبة القول بالوجوب الى الشذوذ الذى هو ندرة القول به، فيضعف الظن بأصل حكايته. فمن الغريب ما في المتن والقواعد من الحكم بالدية مع القول بالجواز، ومن


(1) سورة الانبياء: 21 الاية 79. (2) الوسائل الباب - 76 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 4. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 231. (4) الوسائل الباب - 75 - من أبواب مقدمات النكاح

[ 114 ]

هنا كان المحكي عن المعظم كالحلي والفاضل في المختلف وثاني المحققين والشهيدين وغيرهم عدم الوجوب، وتسمع تمام الكلام فيه في كتاب الديات إنشاء الله، وكذا الكلام في الاجماع المحكى عن الشيخ في أصل المسألة الموهون بمصير المعظم إلى خلافه، بل عن نهايته ذلك أيضا، كل ذلك مع ما قيل من أن ظاهر عبارته المحكية في المختلف في كتاب الديات أن دعوى الاجماع المزبور انما هو على استحباب تركه لا تحريمه. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى الجواز حتى في الوطء الواجب، لكن مع الكراهة إلا مع الشرط أو الاذن، مع احتمالها فيها أيضا وإن خفت عملا باطلاق النهى المحمول عليها الذى لا يحكم عليه المقيد، مضافا الى قوله النبي صلى الله عليه واله (1): " إنه الوأد الخفي ". وكذا الكلام في الامة التى حكى الاجماع على جواز العزل عنها غير واحد، بل يمكن تحصيله، مضافا الى ما سمعته من النص (2) وخصوصا إذا كانت مجوسية، لقول الباقر عليه السلام في خبر (3) ابن مسلم " لا بأس بأن يطأها ويعزل، ولا يطلب ولدها " بل ظاهر النص والفتوى ومعقد الاجماع جواز العزل عن الامة وإن كانت دائمة، والحرة المتمتع بها التى يجوز أيضا العزل عنها وإن لم تأذن، قولا واحدا كما في جامع المقاصد، وإجماعا كما في غيره، بل والخمسة التى ذكرت في خبر الجعفي (4) وإن كان الاول وهو رفع الكراهة أصلا فيما نفى عنه البأس المرادة هي منه ولو بالقرينة لا يخلو من قوة، خصوصا في بعض النساء التى ورد النهي عن طلب الولد منها الذى هو كناية عن العزل عنها المستلزم لكراهة الانزال فيها، لا العزل عنها، بل عن بعض القائلين بالتحريم استثناء ما إذا كان في دار الحرب ودعته حاجة الى الوطء، هذا. وقيل: هل يحرم عليها العزل لو قلنا به ؟ فيه وجهان، من اقتضاء الحكمة ذلك، ومن الاصل، وكذا القول في دية النطفة له، قلت: إن أريد بعزلها منعها إياه


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 231. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 76 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 3 - 4.

[ 115 ]

من الانزال فيها فلا ينبغى التأمل في الحرمة، بل الظاهر ترتب الدية عليها، ضرورة كونها حينئذ كالمفزع أو أعظم في التفويت إذا كان قد نحت نفسها عنه عند إنزاله، وإن أريد به عدم إقرار النطفة في رحمها بعد فراغه فقد يقوى عدم الحرمة عليها في ذلك، للاصل وغيره، وإن أريد بعزلها إراقة مائها من فرجها قبل إراقة مائه فيها فعلى فرض تصوره فالاقوى عدم الحرمة أيضا، للاصل، وفحوى ما سمعته في الرجل، ثم لا خلاف بل ولا إشكال في لحوق الولد به مع العزل، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قوله صلى الله عليه واله (1): " الولد للفراش " وغيره، وإلى احتمال سبق المنى من غير شعور، قال في مقطوعة ابن أبى عمير: الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء، إلا أنه إن جاء بولد لم ينكره، وشدد في إنكار الولد، والله العالم. المسالة (الثالثة) صرح غير واحد من الاصحاب أنه (لا يجوز للرجل أن يترك وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر)، بل في كشف اللثام نسبته الى الاكثر، بل عن نهاية المرام هو المعروف من مذهب الاصحاب، بل في المسالك هذا الحكم موضع وفاق، ولعله الحجة بعد كونه مدة الايلاء، والصحيح (2) عن الرضا عليه السلام " عن الرجل تكون عنده المرأة الشابة فيمسك عنها الاشهر والسنة لا يقربها ليس يريد الاضرار بها، تكون لهم مصيبة، يكون بذلك آثما، قال: إذا تركها أربعة أشهر يكون بذلك آثما بعد ذلك، إلا أن يكون باذنها " مؤيدا بنفى الحرج (3) والاضرار (4) وبالمروى عن الصادق عليه السلام (5) " من جمع من النساء ما لا ينكح فزنى منهن فالاثم


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (2 و 5) الوسائل الباب - 71 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2. (3) سورة الحج: 22 - الاية 78. (4) الوسائل الباب - 12 - من كتاب احياء الموات.

[ 116 ]

عليه " بل قيل: وبحسن حفص (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدت عليه، فإما أن يفئ وإما أن يطلق، فان كان من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل " وإن كان فيه أنه ظاهر في إلحاق المغاضبة بالايلاء، وهو غير ما نحن فيه، واختصاص السؤال في صحيح بالشابة بعد نفي الحرج وإطلاق الفتوى ومعقد الاجماع، بل في الرياض لا اختصاص بها إجماعا لا ينافي التعميم وإن توهمه بعض القاصرين من متأخرى المتأخرين على ما حكي عنه، فجوز ترك الوطء في غير الشابة تمام العمر، لكنه كما ترى لا يستأهل أن يسطر. نعم في كشف اللثام وغيره تقييد الحكم بالزوج الحاضر المتمكن من الوطء، ولا بأس به بالنسبة الى الثاني مع فرض عدم التمكن الذى يسقط به الوجوب، أما الاول فقد ينافيه الاستدلال من غير واحد على المطلوب بما روته العامة (2) عن عمر " أنه سأل نساء أهل المدينة لما أخرج أزواجهن الى الجهاد وسمع امرأة تنشد أبياتا من جملتها. فوالله لولا الله لا شئ غيره * لزلزل من هذا السرير جوانبه عن أكثر ما تصبر المرأة عن الجماع فقيل له: أربعة أشهر، فجعل المدة المضروبة للغيبة أربعة أشهر " فان مقتضاه عدم الفرق بين الحاضر والغائب، فيجب على النائي الرجوع من السفر لاداء ما عليه ما لم يكن سفرا واجبا، بل لعله مقتضى إطلاق المصنف، وغيره، بل ومعقد إجماع المسالك، بل والصحيح المزبور، لكن السيرة القطعية على خلاف ذلك، أللهم إلا أن يكون المنشأ في ذلك نشوز أكثرهن، فان الظاهر سقوط ذلك كباقي حقوق الزوجية به. أو أنه انما يجب بالمطالبة كالدين وإن كان هو منافيا لا طلاق النص والفتوى، أللهم إلا أن يقال: إن المتيقن منهما ذلك، فيكون حينئذ وجوبه مشروطا


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الايلاء الحديث 2 من كتاب الايلاء والكفارات. (2) كنز العمال ج 8 ص 308 - الرقم 5234 مع الاختلاف في لفظ الحديث والشعر.

[ 117 ]

مثل القسم. كما أن المتيقن منهما النكاح الدائم، فلا يجب ذلك في المنقطع الساقط فيه الايلاء، وأحكام الزوجية من النفقة وغيرها، لانهن مستأجرات. أما الدائمة الامة فلم أجد فيها تصريحا من الاصحاب، وربما كان ظاهر إطلاق النص والفتوى دخولها، لكن معلومية نقص مرتبتها عن الحرة في العدة والقسم وغيرهما يقتضى خلافه، بل ربما كان معروفية كونها على النصف يقتضى حرمة التأخير عنها ثمانية أشهر، وكذا الكلام في الذمية إلا أن ذلك كله تهجس، خصوصا بعد تصريحهم في كتاب الايلاء بعدم الفرق بين الحرة وبينها. كما أنهم ذكروا فيه أيضا اعتبار الدخول بالمرأة، فبناء على اتحاد موضوعه مع ما هنا وإن اختص الاول بأحكام الايلاء دونه، يتجه اعتباره أيضا في المقام، فلا يحرم حينئذ ترك وطء المعقودة أربعة وإن كانت ممكنة، لكن قد يمنع اعتبار ذلك هنا لاطلاق الادلة، فتفترق في موضوعه عن الايلاء، ويحرم الترك وإن لم يجز فيه الايلاء، ولعله لا يخلو من قوة، هذا. وفي المسالك والمعتبر من الوطء الواجب ما أوجب الغسل وإن لم ينزل في المحل المعهود، فلا يكفى الدبر، وفيه أنه كما ينساق المحل المعهود من الوطء وإلا فهو صادق في الدبر، فكذلك ينساق الوطء المخصوص المناسب، لكونه إرفاقا بالزوجة، وأنها لا تصبر على أزيد من ذلك، بل قد عرفت سابقا قاعدة اشتراك الدبر مع الفرج، وأنه أحد المأتيين، ثم لا يخفى عليك الحكم في كثير من الفروع المتصورة في المقام بعد الاحاطة بمدرك المسألة بأدنى التفات.

[ 118 ]

المسالة (الرابعة) (الدخول بالمرأة قبل أن تبلغ تسعا محرم) إجماعا بقسميه، (ولو دخل لم تحرم) بذلك عليه أبدا (على الاصح لكن لو أفضاها حرمت) عليه أبدا (ولم تخرج عن حباله)، كما تسمع تفصيل الكلام في ذلك إنشاء الله بما لا مزيد عليه عند ذكر المصنف له ثانيا في المحرمات. المسألة (الخامسة) (يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلا) لقوله عليه السلام (1): " يكره للرجل إذا قدم من سفره ان يطرفه اهله ليلا حتى يصبح " بل في المسالك لا فرق في الكراهة بين أن يعلم بذلك قبل الليل وعدمه، للعموم، ولعله للتسامح، وإلا فقد يقال: إن المنساق من يطرق ولو بواسطة حكمة الحكم، حال عدم الاعلام المستلزم لعدم الاستعداد، وربما يؤمي إليه خبر جابر (2) قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه واله وسلم في غزوة، فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: أمهلوا (إنها خ ل) حتي ندخل ليلا أي عشيا، لكى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة " بل قد ينساق إرادة الزوجة من الاهل، كما هو المناسب لذكره في النكاح، لكن في المسالك أيضا أن المراد به من في داره أعم من الزوجة، بل فيها أن إطلاق الخبر يشمل جميع الليل، إلا أنه احتمل أيضا اختصاصه بما بعد المبيت عملا بظاهر قوله عليه السلام: " يطرق " وأيده بخبر جابر السابق،


(1) الوسائل الباب - 65 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1. (2) صحيح البخاري ج 7 ص 6 (باب - 10 - من كتاب النكاح) وصحيح مسلم ج 6 ص 55.

[ 119 ]

ولا يخفى عليك قوته. (الثالث) من اللواحق (في خصائص النبي صلى الله عليه واله، وهي) كثيرة مذكورة في كتب العامة والخاصة، لكن عند المصنف كما ستسمع أن أظهرها (خمس عشرة خصلة: منها ما هو في النكاح، وهو) الاكثر، ولذا جرت العادة بذكرها فيه واستطر ادغيرها (فمنها) (تجاوز الاربع بالعقد) الدائم، بلا خلاف فيه بين العامة والخاصة، بل هو من الضروريات، (وربما كان الوجه) فيه على ما قيل: (الوثوق بعد له بينهن دون غيره) لكن في المسالك هو منتقض بالامام عند مشترط عصمته، وفيه أن ذلك حكمة لا يجب إطرادها، كجعل الوجه كون الناس بالنسبة إليه صلوات الله عليه كالمماليك، أو غير ذلك، وعلى كل حال فلا إشكال في أصل الحكم. وفي الكافي مسندا عن أبى بصير وغيره (1) " في تسمية نساء النبي صلى الله عليه واله ونسبهن وصفتهن: عائشة وحفصة وأم حبيب بنت أبى سفيان بن حرب وزينب بنت جحش وسودة بنت زمعه وميمونة بنت الحارث وصفية بنت حي بن أخطب وأم سلمة بنت أبى أمية وجويرية بنت الحارث، وكانت عائشة من تيم، وحفصة من عدى، وأم سلمة من بنى مخزوم، وسودة من بنى أسد بن عبد العزى، وزينب بنت جحش من بني أسد، وعدادها في بنى أمية، وأم حبيب بنت أبى سفيان من بنى أمية، وميمونة بنت الحارث من بنى هلال، وصفية بنت حي بن أخطب من بني إسرائيل، ومات صلى الله عليه وآله عن تسع نسوة، وكان له سواهن التي وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه واله، وخديجة بنت خويلد ام ولده، وزينب بنت أبى الجون التي خدعت، والكندية ". وفي المسالك جميع من تزوج صلى الله عليه واله بهن خمس عشرة: وجمع بين إحدى


(1) الوسائل الباب - 140 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 10.

[ 120 ]

عشرة ودخل بثلاث عشرة، وفارق امرأتين في حياته إحداهما الكلبية التى رأى بكشحها بياضا، فقال: ألحقى بأهلك، والاخرى التى تعوذت منه بخديعة عائشة وحفصة حسدا لها. وقال أبو عبيدة: تزوج رسول الله صلى الله عليه واله ثمانى عشرة، واتخذ من الاماء ثلاثا، وعلل تجاوزه الاربعة بامتناع الجور عليه، لعصمته، وهو منتقض بالامام عند مشترط عصمته، وبظاهر قوله تعالى (1): " إنا أحللنا لك أزواجك " الاية. وهل كان له الزيادة على تسع ؟ قيل: لا، لان الاصل استواء النبي والامة في الحكم، إلا أنه ثبت جواز الزيادة إلى تسع بفعله، والاولى الجواز مطلقا، لما ذكر من العلة، وما ثبت أنه جمع بين إحدى عشرة، قلت: روى الحلبي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن قول الله عزوجل: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك، قلت: كم أحل له من النساء ؟ قال: ما شاء من شئ، قلت: لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج (3) فقال: لرسول الله صلى الله عليه واله أن ينكح ما شاء من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته وأزواجه التى هاجرن معه، وأحل له أن ينكح من غيرهن المؤمنة بغير مهر، وهي الهبة، ولا تحل الهبة، إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله، فأما لغير رسول الله فلا يصلح نكاح إلا بمهر، وذلك معنى قوله تعالى: وامرأة مؤمنة (4) - الاية - قلت: أرأيت قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن (5) - الاية - فقال: من آوى فقد نكح، ومن أرجى فلم ينكح، قلت: قوله تعالى: لا يحل لك النساء من بعد، قال: إنما عني به النساء اللاتى حرم عليه في هذه الاية حرمت عليكم امهاتكم الى آخرها ولو كان الامر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له، إن أحدكم يستبدل كلما أراده، ولكن ليس الامر


(1 و 3 و 4) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50 - 52 - 51. (2) ذكر قطعة منه في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح الحديث 6 وتمامه في الكافي ج 5 ص 387 و 388. (5) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 121 ]

كما يقولون: ان الله عزوجل أحل لنبيه ما أراد من النساء إلا ما حرم عليه في هذه الاية التى في سورة النساء. ومثله خبر الحضرمي (1) عن أبى جعفر عليه السلام بأدنى تفاوت إلا أنه ليس فيه حديث الارجاء، وكذا خبر أبى بصير (2) عن أبى عبد الله عليه السلام أيضا وإن لم يكن فيه حديث الارجاء ولا الهبة، لكن زاد فيه " أحاديث آل محمد صلى الله عليه واله خلاف أحاديث الناس " وكذا خبره الاخر (3) عنه عليه السلام أيضا من دون الزيادة، ولكن قال فيه: " أراكم وأنتم تزعمون أنه يحل لكم ما لم يحل لرسول الله صلى الله عليه واله ". وفي خبر جميل بن دراج ومحمد بن حمران (4) قالا: " سألنا أبا عبد الله عليه السلام كم أحل لرسول الله صلى الله عليه واله من النساء ؟ قال: ما شاء، يقول بيده هكذا، وهي له حلال، يعنى يقبض بيده " بل في الاسعاد شرح الارشاد لبعض العامة " أنه لما خير رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه اخترنه والدار الاخرة، فحرم الله عليه التزويج عليهن مكافاة لحسن اختيارهن، فقال تعالى: " لا يحل لك النساء من بعد الاية " ثم نسخ ذلك، لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه واله في ترك التزويج عليهن بقوله تعالى: إنا أحللنا لك أزواجك الاية " ولعله الذى أومأ إليه الصادق عليه السلام في أول كلامه جواب سؤال السائل عن ذلك وإن كان لم يكتف به السائل أو لم يفهم معنى قوله عليه السلام، فأجابه جوابا اقناعيا، والامر سهل. (و) منها (العقد) للنكاح (بلفظ الهبة، ثم لا يلزمه بها مهر ابتداء ولا انتهاء) كما سمعته في صحيح الحلبي (5) والاصل فيه ما رواه محمد بن قيس (6) عن


(1 و 3 و 4) الكافي ج 5 ص 389 - 388 - 389. (2) ذكر قطعه منه في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالنسب الحديث 2 وتمامه في الكافي ج 5 ص 291. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح الحديث 6. (6) ذكر ذيله في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب عقد النكاح الحديث 8 وتمامه في الكافي ج 5 ص 568.

[ 122 ]

أبى جعفر عليه السلام قال: " جاءت امرأة من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فدخلت عليه وهو منزل حفصة والمرأة متلبسة ممشطة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه واله إن المرأة لا تخطب الزوج، وأنا امرأة أيم لا زوج لى منذ دهر، ولا لي ولد، فهل لك من حاجة ؟ فان تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: خيرا ودعا لها، ثم قال: يا أخت الانصار جزاكم الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا فقد نصرنى رجالكم ورغبت في نساؤكم، فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك وأجراك وأنهمك للرجال ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: كفي عنها يا حفصة، فانها خير منك، رغبت في رسول الله صلى الله عليه واله فلمتيها وعبتيها، ثم قال للمرأة: انصرفي رحمك الله، فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في وتعريضك بمحبتي وسروري، وسيأتيك أمري إن شاء الله، فأنزل الله عزوجل: وامرأة مؤمنة الى آخره، فأحل الله عزوجل هبة المرأة نفسها لرسول الله صلى الله عليه واله، ولا يحل ذلك لغيره ". بل الظاهر أنه كما جاز وقوع الايجاب منها بلفظ الهبة كذلك جاز وقوع القبول منه لها، لاعتبار التطابق، خلافا لبعض العامة، فاشترط في القبول لفظ النكاح لظاهر قوله تعالى (1): " أن يستنكحها " ولا دلالة فيه بعد تحقق نكاحه بلفظ الهبة، فلا ريب في ضعفه، كضعف احتمال كون الذى من خواصه صلى الله عليه واله النكاح بلا مهر مسمى ولا مهر المثل لا قبل الدخول ولا بعده، وذلك بهبة المرأة نفسها بالنسبة الى ذلك، لا أن عقد النكاح يكون بلفظ الهبة أيضا، ضرورة مخالفته لما عند العامة والخاصة، بل ولظاهر الكتاب والسنة مع عدم ما ينافي ذلك. (و) منها (وجوب التخيير لنسائه بين إرادته ومفارقته) لقوله تعالى (2): " يا أيها النبي قل لازواجك: إن كنتن " الى آخره فان السبب في نزولها ما حكاه في كنز العرفان عن تفسير ينسب إلى الصادق (3) عليه السلام " من أن النبي صلى الله عليه واله لما حصل له


(1 و 2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50 - 28. (3) المستدرك الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.

[ 123 ]

الغنائم من خيبر قالت له نساؤه: أعطنا من هذه الغنيمة، قال: قسمتها بين المسلمين بأمر الله، فغضبن وقلن لعلك تظن إن طلقتنا لم نجد زوجا من قومنا غيرك، فأمر الله باعتزالهن والجلوس في مشربة ام إبراهيم حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الاية " أو ما قيل (1) من أن أزواجه سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن زيادة في النفقة وآذينه لغيرة بعضهن من بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه واله منهن شهرا، فنزلت آية التخيير، وهى هذه، وكن يومئذ تسعة، فلما نزلت طلبهن وخيرهن في المفارقة والبقاء، فاخترنه. نعم في المسالك هذا التخيير عند العامة القائلين بوقوع الطلاق بالكناية كناية عن الطلاق، وقال بعضهم: إنه صريح فيه، وعندنا ليس له حكم بنفسه، بل ظاهر الاية أن من اختارت الحياة الدنيا وزينتها يطلقها، لقوله تعالى (2): " وإن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها " الى آخره، قلت: صريح الفاضل في القواعد ومحكى التحرير والشيخ في محكى المبسوط أن هذا التخيير كناية عن الطلاق، وهو من خواصه صلى الله عليه وآله، بل ظاهر كنز العرفان المفروغية من ذلك، حيث إنه تارة حكم به من غير إشارة إلى خلاف، واخرى قال: اختلف في حكم التخيير على أقوال: (الاول) إن الله عزوجل إذا خير فاختارت زوجها فلا شئ، وإن اختارت نفسها فهى تطليقة واحدة، وهو قول ابن مسعود وأبى حنيفة وأصحابه. (الثاني) أنها إذا اختارت نفسها فهى ثلاث تطليقات، وإن اختارت زوجها وقعت واحدة، وهو قول زيد ومذهب مالك. (الثالث) أنه إن نوى بالتخيير الطلاق كان طلاقا وإلا فلا، وهو مذهب الشافعي. (الرابع) انه لا يقع بذلك طلاق وإن كان ذلك من خواصه صلى الله عليه واله، ولو اخترن


(1) البحار ج 22 ص 173 الطبع الحديث. (2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 28.

[ 124 ]

أنفسهن لما خيرهن لبن منه، فأما غيره فلا يجوز له ذلك، وهو المروي (1) عن الصادق عليه السلام حيث قال: " وما للناس والخيار، وإن هذا شئ خص الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله " وقال ابن الجنيد وابن أبى عقيل منا بوقوعه طلاقا مع نيته واختيارها نفسها على الفور، فلو تأخر اختيارها لحظة لم يكن شيئا، والاكثر منا على خلاف قولهما، لقول الصادق عليه السلام (2): " أن تقول لها: أنت طالق ". قلت: قد وردت عدة أخبار (3) من طرقنا في التخيير، وأنها تبين باختيارها، من غير فرق في ذلك بين النبي صلى الله عليه واله وغيره، لكن حملها في محكى التهذيبين على التقية، لموافقتها مع اختلافها لمذاهب العامة، بل قد يظهر أيضا من عدة أخبار أخر أنه ليس من خواصه صلى الله عليه واله البينونة باختيارهن، وإنما كان من خواصه صلى الله عليه واله وجوب التخيير لهن، وأنه إن لم يخترنه يطلقهن، ففي خبر عيسى بن القاسم (4) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت منه، قال: لا، إنما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم خاصة، أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقهن، وهو قول الله عزوجل: قل لازواجك " الى آخره وهو صريح فيما قلناه، بل في خبر محمد (5) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى سمعت أباك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه واله خير نساءه فاخترن الله ورسوله، فلم يمسكهن على طلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن، فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبى عن عائشة، وما للناس والخيار، وإنما هذا شئ خص الله به رسوله " وفيه رد على ما سمعته من مالك، كما أنه قد علمت المراد من التخصيص فيه، بل منه يعلم الوجه في خبر الكنانى (6) قال: " ذكر


(1 و 3) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 0 - من كتاب الطلاق. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق. (4 و 5) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4 - 3 - من كتاب الطلاق والاول عن عيص بن قاسم. (6) الكافي ج 6 ص 138.

[ 125 ]

أبو عبد الله عليه السلام أن زينب قالت لرسول الله صلى الله عليه واله: لا تعدل وأنت رسول الله صلى الله عليه واله، وقالت حفصة: إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا فاحتبس الوحى عن رسول الله صلى الله عليه واله عشرين يوما، قال: فأنف الله عزوجل لرسوله، فأنزل يا أيها النبي قل لازواجك - الاية - قال: فاخترن الله ورسوله، ولو اخترن أنفسهن لبن، وإن اخترن الله ورسوله فليس بشئ " مع احتمال إرادة لبن باطلاق بينونة لا رجعة فيها، ومن ذلك كله يعلم قوة ما سمعته من المسالك، وربما يأتي تتمة لذلك إن شاء الله في كتاب الطلاق. (و) منها (تحريم نكاح الاماء) عليه (بالعقد) قيل: لاشتراطه بخوف العنت، وهو معصوم، وقد ينقض بالامام، وبفقدان الطول، ولا مهر عليه ابتداء ولا انتهاء، وقد يناقش بامكان فقد الطول بالنسبة الى النفقة، وبأنه قد لا توجد الباذلة نفسها بلا مهر، وبأن من نكح أمة غيره كان ولده رقيقا ومنصبه منزه عن ذلك، وفيه منع كونه رقيقا كما ستعرف، وبأن كون الزوجة مملوكة للغير محكوما عليها لغير الزوج مرذول، فلا يليق بمنصبه، وفيه منع رذالته مطلقا وإلا لحرم على الامام أيضا، فالعمدة الاجماع إن تم، ولعله لذا حكي عن بعض العامة جواز نكاحه الامة المسلمة بالعقد، لكن المحكي عن الاكثر المنع، نعم لا بأس في وطئه للاماء بالملك، للاية (1) والفعل، فانه صلى الله عليه واله قد ملك مارية القبطية وكانت مسلمة، وملك صفية وهى مشركة، فكانت عنده إلى أن أسلمت، فأعتقها وتزوجها. (و) منها حرمة (الاستبدال بنسائه والزيادة عليهن) حين نزول هذه الاية عليه (حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: " إنا أحللنا لك أزواجك " الاية) خلافا لما عن بعض العامة من عدم نسخ هذا التحريم أصلا، وفيه منع، بل قد سمعت ما تقدم من النصوص الدالة على عدم وقوع هذا التحريم أصلا، وأنه ليس من خواصه في وقت من الاوقات كصحيح الحلبي (2) وغيره. (ومنها ما هو خارج عن النكاح، وهو) كثير لكن ذكر المصنف منه


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50. (2) المتقدم في ص 120.

[ 126 ]

تسعا (وجوب السواك والوتر والاضحية) للنبوي (1) " ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: السواك والوتر والاضحية " وفي آخر (2) " كتب علي الوتر ولم يكتب عليكم، وكتب علي السواك ولم يكتب عليكم، وكتب على الاضحية ولم يكتب عليكم " خلافا لما عن بعض العامة من عدم وجوب الثلاثة عليه مع ورود هذه الروايات من جانبهم، ولذلك قال في المسالك: نحن أولى بذلك منه. (و) الرابع (قيام الليل) والتهجد فيه، لقوله تعالى (3): " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " وعن بعض الشافعية أن ذلك قد نسخ عنه، وعن آخرين أن ذلك كان واجبا عليه وعلى أمته ثم نسخ، ولم يثبت من ذلك شئ عندنا. نعم ينبغى أن يعلم أن بين قيام الليل والوتر الواجبين عليه مغايرة العموم والخصوص المطلق، لان قيام الليل بالتهجد يحصل بالوتر وبغيره، فلا يلزم من وجوبه وجوبه، وأما الوتر فلما كان من العبادات الواقعة بالليل فهو من جملة التهجد، بل أفضله، فقد يقال: إن إيجابه يغنى عن قيام الليل، لكن فيه أن قيام الليل وإن تحقق بالوتر لكن مفهومه مغاير لمفهومه، لان الواجب من القيام لما كان يتأدى به وبغيره وبالكثير منه والقليل كان كل فرد يأتي به منه موصوفا بالوجوب، لانه أحد أفراد الواجب الكلي، وهذا القدر لا يتأتى بايجاب الوتر خاصة ولا يفيد فائدته، فلابد من الجمع بينهما. (و) الخامس (تحريم الصدقة الواجبة) عليه وهي الزكاة المفرضة للنصوص المتواترة التى منها قوله صلى الله عليه واله (4): " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة " مضافا الى ما في ذلك من الصيانة لمنصبه الشريف عن أوساخ الناس التى تعطى على سبيل الترحم


(1 و 2) لم أجد هذين اللفظين في الروايات مع كثرة التتبع في مظانها، وانما يستفاد مضمونها من الروايات التى ذكرها في الخصائص الكبرى ج 3 ص 253 المطبوعة بمطبعة المدنى. (3) سورة الاسراء: 17 - الاية 79. (4) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6 كتاب الزكاة.

[ 127 ]

وتنبئ عن ذل الاخذ، وأبدل بها الفئ الذى يؤخذ على سبيل القهر والغلبة المنبئين عن ذل المأخوذ منه، وعز الاخذ، ومشاركة أولى القربى له في تحريمها لا يقدح في الاختصاص به، لان تحريمها عليهم بسببه، فالخاصة عائدة إليه، مع أنها لا تحرم عليهم مطلقا، بل من غير الهاشمي مع وفاء نصيبهم من الخمس بكفايتهم، واما عليه صلى الله عليه وآله فانها تحرم مطلقا، وفي المسالك ولعل هذا أولى من الجواب السابق، لان ذلك مبني على مساواتهم له في ذلك، كما تراه العامة، فاشتركوا في الجواب، والجواب الثاني مختص بقاعدتنا، وفي كشف اللثام وتحريم الصدقة الواجبة وإن كانت من بني هاشم ولم تكن زكاة، والظاهر مشاركة الائمة عليهم السلام له فيه، فالخاصة إضافية أو يقال وفاقا للتذكرة: إن التحريم عليهم بسببه، فالخاصة عائدة، إليه وبأحد الوجهين يكون من خواصه صلى الله عليه واله وسلم تحريم الصدقة الواجبة من غير بنى هاشم، قلت: قد عرفت في كتاب الزكاة تحقيق الحال في ذلك. بل (وفي) تحريم الصدقة (المندوبة في حقه صلى الله عليه واله) وحق الائمة عليهم السلام وإن كان فيه (خلاف). (و) السادس تحريم (خائنة الاعين) قيل: (وهو الغمز بها) أي الايماء بها إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، والخائنة مصدر كالعافية، أو نائب منابه، أو اسم فاعل، والاضافة بيانية، والمراد فعلها، وعنه صلى الله عليه وآله (1) " ما كان لنبي أن تكون له خائنة الاعين " وإنما قيل له ذلك لانه يشبه الخيانة من حيث إنه يخفى، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، وفي المسالك الاشهر أن ذلك مختص بغير حالة الحرب، فقد روى (2) " أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أراد سفرا ورى بغيره " وبعضهم طرد الحكم فيه، والتورية اللفظية غير خائنة الاعين.


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 40 والخصائص الكبرى ج 3 ص 279 مطبعة المدنى. (2) سنن أبى داود ج 2 ص 41 (باب - 92 - من كتاب الجهاد) وفيه " إذا اراد غزوة ورى بغيرها " وفى الخصائص الكبرى ج 3 ص 280 المطبوعة بمطبعة المدنى " اشتهر أنه صلى الله عليه وآله كان إذا اراد سفرا ورى بغيره ".

[ 128 ]

(و) السابع (أبيح له الوصال في الصوم) المحرم على غيره الذى قد مر تحقيقه في كتاب الصوم. (وخص) أيضا وهو الثامن (بأنه تنام عينه ولا ينام قلبه) قال صلى الله عليه واله (1): " تنام عيناى ولا ينام قلبى " بمعنى بقاء التحفظ والاحساس قيل: وعلى هذا فلا ينتقض وضوؤه بالنوم، فيحصل باعتباره خاصة أخرى له صلى الله عليه واله، وقد عدت أيضا في خواصه صلى الله عليه واله. (و) التاسع أنه كان (يبصر وراءه كما يبصر أمامه) بمعنى التحفظ والاحساس في الحالتين كما تقدم (وذكر أشياء غير ذلك من خصائصه صلى الله عليه واله) حتى أنه أفردها بعضهم بالتصنيف في كتاب ضخم، والعلامة في محكي التذكرة ذكر منها ما يزيد على سبعين. (فمنها) أنه صلى الله عليه واله كان إذا رغب في نكاح امرأة فان كانت خلية وجب عليها الاجابة وحرم على غيره خطبتها، وإن كانت ذات زوج وجب عليه طلاقها لينكحها، لقضية زيد. (ومنها) وجوب انكار المنكر إذا رآه وإظهاره، ومشاورة أصحابه في الامر، وتحريم الخط والشعر عليه وإن اختلف في أنه كان يحسنهما أم لا، وأنه كان إذا لبس لامة الحرب يحرم عليه نزعها حتى يلقى عدوه ويقاتل، وأن يمد عينيه الى ما متع الله به الناس، وأبيح له دخول مكة بغير إحرام خلافا لامته، وأن يأخذ الطعام والشراب من المالك وإن اضطر اليهما، وتفضيل زوجاته على غيرهن، بأن جعل ثوابهن وعقابهن على الضعف، وجعلهن أمهات المؤمنين، وحرم أن يسألهن غيرهن شيئا إلا من وراء حجاب، وبأنه خاتم النبيين صلى الله عليه واله، وامته خير الامم، ونسخ شريعته جميع الشرائع، وجعلها مؤبدة، وبعثته الي الكافة، وجعل كتابه معجزا ومعجزته باقية محفوظا أبدا، مصونا عن التبديل والتغيير، ونصر بالرعب على مسيرة شهر، وشفعه


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 62. (جواهر الكلام - ج 8)

[ 129 ]

في أهل الكبائر من امته على العموم، وجعله أول شافع ومشفع، وسيد ولد آدم إلى يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الارض، وأول من يقرع باب الجنة، وأكثر الانبياء تبعا، وجعل تطوعه قاعدا كتطوعه قائما من غير عذر، ويحرم على غيره رفع صوته عليه، ومناداته من وارء الحجرات، ومخاطبة المصلي بقوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وغير ذلك مما لا يمكن احصاؤه (و) إن كان (هذه) أي ما ذكره المصنف (أظهرها) لكن ينبغى أن يعلم أن ما يرجع إلى الاحكام الشرعية الاصل الاشتراك، لدليل التأسي حتى يثبت الاختصاص بطريق من الطرق الشرعية، فكلما شك فيه حينئذ من ذلك، يبقى على الاصل كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يلحق بهذا الباب مسألتان): (الاولى) إنه من خواصه عليه السلام أيضا (تحريم زوجاته على غيره) من بعد موته، (فإذا مات عن مدخول بها لم تحل إجماعا) بل ضرورة من المذهب أو الدين، لنص الاية (وكذا القول لو لم يدخل بها على الظاهر) لتناول اللفظ، مع أنه لا خلاف فيه ظاهرا، بل لا موضوع له (أما لو فارقها بفسخ) كالتى وجد بياضا في كشحها (أو طلاق) كالمستعيذة منه (ففيه خلاف، والوجه أنها لا تحل عملا بالظاهر) بسبب صدق الزوجية عليها بعد الفراق في الجملة، فتدخل في إطلاق الاية (1) وقيل: لا تحرم، لصدق سلب الزوجية عنها، ولا عراضه عنها وانقطاع اعتنائه عنها، وقيل بالحرمة إن كانت مدخولا بها، وإلا فلا، لما روى أن الاشعث بن قيس (2) " نكح المستعيذة في زمان عمر، فهم برجمها، فأخبر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 53. (2) انوار التنزيل للبيضاوي ج 2 ص 279 (ذيل الاية 53 من سورة النور).

[ 130 ]

فارقها قبل أن يمسها فخلاها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة " لكن فيهما أن الكليني قد روى في الحسن عن عمر بن أذينة في حديث طويل (1) " أن النبي صلى الله عليه واله فارق المستعيذة وامرأة اخرى من كندة قالت لما مات ولده إبراهيم: لو كان نبيا ما مات ابنه، فتزوجت بعده صلى الله عليه واله وسلم باذن الاولين، وأن أبا جعفر عليه السلام قال: ما نهى الله عزوجل عن شئ إلا وقد عصي فيه، حتى لقد نكحوا أزواج رسول الله صلى الله عليه واله من بعده، وذكر هاتين العامرية والكندية، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: لو سألتهم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لابنه لقالوا: لا، فرسول الله أعظم حرمة من آبائهم " وفي رواية اخرى عن زرارة (2) عنه عليه السلام نحوه، وقال في حديثه: " وهم يستحلون أن يتزوجوا امهاتهم، وأن أزواج النبي صلى الله عليه واله في الحرمة مثل امهاتهم إن كانوا مؤمنين ". ومن ذلك يعلم ما في قول المصنف وغيره، (وليس تحريمهن لتسميتهن امهات، ولا لتسميته صلى الله عليه واله والدا) لان ذلك وقع على وجه المجاز لا الحقيقة، كناية عن تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن، ومن ثم لم يجز النظر إليهن ولا الخلوة بهن، ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، لانهن لا يحرمن على المؤمن فقد زوج رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة عليا عليه السلام، واختيها رقية وام كلثوم عثمان، وكذا لا يقال لابائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وأمهاتهم، ولا لاخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، وإن كان للشافعية وجه ضعيف في إطلاق ذلك كله، لكنه في غاية البعد، نعم قد عرفت الاشارة في الخبرين الى حرمتهن كحرمة الامهات ونساء الاب، فلا يبعد كون المراد من الاطلاق المزبور تنزيلهن منزلة ذلك في حرمة النكاح خاصة، ولو للخبرين، ولا يلزم من ذلك إجراء باقى الاحكام على ذلك خصوصا بعد معلومية خلافه من الادلة كما هو واضح، والله العالم.


(1 و 2) الكافي ج 5 ص 421 مع اختلاف لفظ الثاني بكثير.

[ 131 ]

المسالة (الثانية) (من الفقهاء من زعم أنه لا يجب على النبي صلى الله عليه واله وسلم القسمة بين أزواجه) بل في كنز العرفان أنه المشهور بين أصحابنا (لقوله تعالى (1) ترجي من تشاء منهن وتؤوي اليك من تشاء) أي تؤخر من تشاء وتترك إيواءه فلا تقسم له، وتؤوى اليك من تشاء وتقسم له، ثم لا يتعين عليك ذلك بل تؤوي أيضا من تشاء ممن عزلت، أي وترجي من تشاء ممن أويت، كل ذلك لا جناح عليك فيه، وهو أدنى أن تقر أعينهن - الاية - لعدم كونه قسمة، بل الجميع متساويات في ذلك، ولذلك قيل: إنه لما نزلت أرجى سودة وجويرية وصفية وميمونة وام حبيبة وكان يقسم بينهن ما شاء، وآوى عائشة وحفصة وام سلمة وزينب، فكان يقسم بينهن، فيكون ذلك من خواصه صلى الله عليه واله أيضا، وأن ما كان يفعله من القسمة حتى روي أنه (2) كان يطاف به وهو مريض عليهن ويقول " هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك يعنى قلبه " تفضل منه، أو أنه كان قبل نزول الاية، وربما يؤيد ذلك بكون نكاحه صلى الله عليه واله كالتسري بالنسبة الى غيره، ولذا جاز له الزيادة على الاربع وبلا مهر، وبلفظ الهبة، ولكن مع ذلك قال المصنف (وهو ضعيف) لعموم أدلة القسمة، والاصل الاشتراك، ولان فعله صلى الله عليه واله كان كذلك و (لان في الاية احتمالا يدفع دلالتها، إذ يحتمل أن تكون المشية في الارجاء متعلقة بالواهبات) وفيه أن الاولين يقطعهما الدليل، والثالث قد عرفت أنه كان تفضلا أو قبل نزول الاية، والاحتمال لا يرفع الظهور الذى هو مناط الاستدلال، على أن جمع الضمير هنا وإفراده في الواهبة كالصريح في نفي ذلك، بل في المسالك أنه لم يتزوج بالهبة إلا مرة واحدة على ما ذكره المفسرون


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 51. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 298.

[ 132 ]

المحدثون، مضافا إلى أنه لا معنى لتخصيص الواهبات بهذا الحكم مع عموم اللفظ، وإلى أن غاية الهبة الصحة منه صلى الله عليه واله بلفظها وبلا مهر، وذلك لا يخرجها عن حكم الزوجة، ولا ريب في ضعف الاحتمال المزبور كضعف احتمال تطلق من تشاء وتترك طلاق من تشاء، لعدم الدليل عليه، بل ظاهر الاية خصوصا قوله تعالى: " ذلك أدنى " الى آخرها خلافه، والله العالم. (الفصل الثاني) (في العقد) (و) يقع (النظر في) مقامين: (الصيغة والحكم، أما الاول ف‍) عقد (النكاح) كغيره من العقود اللازمة (يفتقر الى إيجاب وقبول) لفظيين (دالين على القصد الرافع للاحتمال) أي القصد التفصيلي (و) من (العبارة عن الايجاب لفظان: زوجتك وأنكحتك) بلا خلاف ولا إشكال لكونهما مشتقين من الالفاظ الصريحة في ذلك وضعا التى قد ورد القرآن بهما في قوله تعالى (1): " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " وقوله (2): " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " المراد منه العقد قطعا للاجماع وغيره على تحريم معقودة الاب على الابن. (نعم في متعتك) خلاف و (تردد) من كونه من ألفاظ النكاح، ولذا لو نسي الاجل انقلب دائما، ومن كونه حقيقة في المنقطع مجازا في الدائم، والعقود اللازمة لا تقع بالمجاز، وإلا لم ينحصر، مضافا الى ما عن الطبريات من الاجماع عليه


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 37. (2) سورة النساء: 4 - الاية 22.

[ 133 ]

هنا، وإلى ما في النكاح من شوب العبادة التى لا تتلقى إلا من الشارع (و) لكن مع ذلك (جوازه) عند المصنف (أرجح) لمنع المجازية، بل هو للقدر المشترك كلفظ " زوجتك " بقرينة تتبع موارد استعماله في الكتاب والسنة في مطلق الاستعمال والانتفاع، أو لمنع اعتبار الحقيقة في العقود اللازمة، بل يكفى فيها المجازات المتعارفة في مثلها، فيشملها حينئذ آية " أوفوا بالعقود " (1) وغيرها، ضرورة كون العقد حينئذ من جملة المقاصد التى تعتور الانسان، فكلما يتعارف في التعبير عنه وفي الدلالة عليه كاف فيه، كغيره من المعاني والمقاصد، وربما كان ذلك هو السر في خلو النصوص عن التعرض لخصوص الالفاظ، بل التأمل فيما ورد منها في خصوص المقام يشرف الفقيه على القطع بذلك، كما لا يخفى على من لاحظ عدم اعتبارهم خصوص لفظ ولا خصوص هيئة، ومن ذلك يعلم قوة ما ذكره المفيد وغيره في باب البيع من عدم اعتبار لفظ مخصوص، وقد اعترف بذلك في المسالك حيث إنه بعد أن حكى عن الفقهاء أنهم عينوا للعقود اللازمة ألفاظا صريحة وأنهم بنوا أمرها على المضايقة بخلاف العقود الجائزة قال: " والذى يظهر من النصوص أن الامر أوسع من ذلك " الى آخره. لكن لا ريب في أن الاحتياط لا ينبغى تركه خصوصا في النكاح الذى فيه شوب من العبادات المتلقاة من الشارع، والاصل تحريم الفرج إلى أن يثبت سبب الحل شرعا، وأن من المحتمل كون الامر بالوفاء للمتعارف من العقود التى لا طريق إلى معرفتها إلا بضبط الفقهاء الذين نصوا على اعتبار اللفظ الصريح وضعا في العقد اللازم، وأنه لا يكفى فيه المجاز، وبذلك ونحوه قد رجحنا ذلك في عقد البيع، وقد أطنبنا هناك، وحكينا كلمات الاصحاب، ولكن الانصاف عدم خلو القول بالاكتفاء بكل لفظ لا يستنكر العقد به في ذلك العقد ودال بنفسه أو بالقرينة على القصد الخاص من دون اعتبار هيئة خاصة فيه من قوة، ولو بملاحظة خلو النصوص عن التعرض للفظ بالخصوص، بل واشتمالها خصوصا في المقام على المضارع والامر وغيرهما في العقد لانفسهم ولغيرهم، ومن هنا تعرف قوة ما ذكره المصنف وإن كان ينافيه ما


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 134 ]

ستعرفه منه، كما أنه عرفت ما نوقش فيه بأن إطلاق هذا اللفظ على الدائم مجاز، لان المتبادر منه المنقطع، كما هو معلوم، ولما ذكروه من افتقاره الى القرينة، وهى عدم ذكر الاجل، بل ظاهرهم أن الاجل جزء مفهومه، وحينئذ فاستعماله بدونه استعمال للفظ في غير ما وضع له، والتجوز في العقود اللازمة توسع لا يرتضونه، والفرق بينه وبين " زوجتك " واضح، لان " زوجتك " حقيقة في القدر المشترك بين الامرين أو مشترك بينهما اشتراكا لفظيا، وعلى التقديرين فاستعماله في كل منهما بطريق الحقيقة، بخلاف اللفظ الاخر الذى قد اعترفوا بمجازيته، إذ قد عرفت دفعها بمنع المجازية أولا، ومنع عدم كفاية مثل هذا التجوز ثانيا، ودعوى الاجماع على ذلك ممنوعة أيضا، كدعوى الاجماع على عدم العقد به بالخصوص من الطبريات، والاصل يكفى في قطعه ما سمعته من ظهور النصوص في كون ذلك من جملة المقاصد التى خلق الله الالفاظ للانسان في بيانها بالطرق التى ألهمها إياه ودله عليها، من غير فرق بين المجاز والحقيقة، فالاصل حينئذ عدم الاشترط، لاطلاق الادلة، وتعارف العقلاء في بيان المقاصد. وبذلك تعرف الكلام في كثير مما تسمعه في الايجاب، بل (والقبول) وإن ذكره المصنف وغيره أنه هو (أن يقول " قبلت التزويج " أو " قبلت النكاح " أوما شابههما) مثل " رضيت " ونحوه، لكن بملاحظة ما ذكرناه تعرف عدم انحصاره في لفظ مخصوص ولا هيئة مخصوصة، بل يكفي فيه كل لفظ دال عليه بالطريق المتعارف في بيان أفعاله من المقاصد، وعلى كل حال فلا خلاف ولا إشكال في حصوله باللفظين المذكورين وإن تخالف مع الايجاب بأن كان: " زوجتك " فقال: " قبلت النكاح " أو بالعكس، ضرورة قيام الالفاظ المترادفة بعضها مقام بعض، على أن المراد ذكر ما يدل على المقصود من غير اعتبار خصوص دال، كما لا خلاف عندنا. (و) لا إشكال في أنه (يجوز الاقتصار على " قبلت ") كغيره من العقود، خلافا لما عن بعض الشافعية من المنع، لانه كناية لا صريح، كما لو قال: " زوجنيها " فقال: " قبلت " ورد بمنع عدم صراحته، لان الغرض من الالفاظ الدلالة على الارادة،

[ 135 ]

ولفظ " قبلت " صريح في الدلالة عليها، والشبهة آتية فيما لو قال " قبلت التزويج - أو - النكاح " ولم يضفه إليها، لاحتمال إرادة غير التزويج المطلوب، ويندفع بأن اللام ظاهرة في العهد الخارجي، على أن قرينة الحال كافية في مثل ذلك، كما هو واضح، والله العالم. ثم لا يخفى عليك أنه بما ذكرنا يعرف البحث فيما ذكره المصنف (و) غيره، بل في المسالك أنه المشهور، من أنه (لابد من وقوعهما) أي الايجاب والقبول (بلفظ الماضي الدال على صريح الانشاء، اقتصارا على المتيقن) في الخروج عن أصالة عدم الانتقال، وخصوصا في الفروج المطلوب فيها شدة الاحتياط (وتحفظا من الاشتمار المشبه للاباحة) التى لا يعتبر فيها لفظ مخصوص، فضلا عن الهيئة المخصوصة، فلو فرض عدم اعتبار الماضوية هنا والاكتفاء بكل لفظ دال من غير فرق بينه وبين المضارع والامر، كان النكاح وغيره من العقود اللازمة كالاباحات، على أن المضارع محتمل للوعد والامر للطلب، فلا صراحة فيهما في الانشاء المخصوص، ضرورة امكان المناقشة في ذلك كله بالاكتفاء في الخروج عن الاصل بالطلاق أدلة العقود، وما تسمعه من النصوص (1) المؤيدة بأن المقصود من العقد الدلالة على القصد الباطن بلفظ دال عليه، من غير فرق بين الالفاظ، وبمنع صراحة الماضي في الانشاء لاحتماله الاخبار وغيره، ومع فرض ملاحظة النقل وقرائن الاحوال يرتفع الاحتمال عن الجميع، بل الامر بعض أفراد الانشاء، فهو أولى بالنقل الى قصد الانشاء، والاقتصار على المتيقن غير لازم قطعا بعد ظهور الادلة في التناول، على أنه قد يعارضه الاحتياط، كما إذا اتفق وقوع العقد بالامر والمضارع، وأصر الزوج على البقاء على العقد، فان الحكم بنفي الزوجة وتزويجها لغيره مناف للاحتياط، والتحفظ من الاشتمار يمكن بجعل الضابط اللفظ الدال على القصد الباطن بالطريق المتعارف في إفادته، والتعبير عنه.


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المتعة والمستدرك الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 2.

[ 136 ]

وقد أجاد في المسالك بقوله: " من اعتبر الالفاظ المنقولة عن النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام في ذلك يجد الامر أوسع مما قالوه " فان منه ما ذكره المصنف (ولو أتى بلفظ الامر وقصد به الانشاء) للرضا المستفاد من لفظ القبول (كقوله " زوجنيها " فقال: " زوجتك " قيل) والقائل الشيخ وابنا زهرة وحمزة فيما حكى عنهم: (يصح كما في خبر سهل الساعدي) المروى (1) بطرق من الخاصة والعامة، بل في المسالك رواه كل منهما في الصحيح، وهو " إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه واله وقالت: يا رسول الله إنى وهبت لك نفسي وقامت قياما طويلا، فقام رجل، وقال: يا رسول الله زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هل عندك من شئ تصدقها إياه ؟ فقال: ما عندي إلا ازاري هذا، فقال: إن أعطيتها إزارك جلست بلا إزار، التمس ولو خاتما من حديد، فلم يجد شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هل معك من القرآن شئ ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا، سور سماها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: زوجتك بما معك من القرآن " وليس في الخبر في شئ من طرقه أنه أعاد القبول، فما عن السرائر والجامع و المختلف - من المنع استصحابا لعصمة الفرج، وعدم العلم بالاجتزاء بما في الخبر، مع احتمال أن يكون ذلك اللفظ منه صلى الله عليه وآله إيجابا وقبولا لثبوت الولاية له على المؤمن فهو من خواصه صلى الله عليه وآله - واضح الضعف، لان الاستصحاب لا يعارض الدليل، وكفاية الظن بالاجتزاء من الاقتصار على ذلك في جميع طرق الخبر وبعد الاحتمال المزبور، على أنه لم يذكر ذلك من خواصه صلى الله عليه وآله وسلم، مضافا إلى أن المعروف في ولي الصغيرين إذا زوج بينهما التلفظ بكل من الايجاب والقبول، بل في المسالك أنه موضع وفاق، ومن هنا قال المصنف: (وهو) أي القول بالصحة في الفرض (حسن). لكن الانصاف عدم خلو دلالة الخبر المزبور على ذلك من الاشكال، ضرورة عدم إنشاء القبول من الامر فيه وإن كان طلبا لنكاحها، ولذلك طلب منه النبي صلى الله عليه وآله


(1) المستدرك الباب - 2 - من أبواب المهور الحديث 2 وسنن البيهقى ج 7 ص 242 مع تفاوت في لفظ المستدرك.

[ 137 ]

المهر، على أنه لو كان قبولا لزم جواز التخلل بين الايجاب والقبول بالكلام الكثير الذى ليس من متعلقات الايجاب. وما في المسالك - من أن المعهود من عقود النبي والائمة عليهم السلام المنقولة عنهم خصوصا عقد الجواد عليه السلام على ابنة المأمون مؤذن باعتبار عد مثل ذلك مما يتعلق بمصلحة العقد، وليس على اعتبار المقارنة المحضة دليل صالح، والقدر المعلوم اعتباره أن يعد القبول جوابا للايجاب، ويظهر من التذكرة جواز التراخي بين الايجاب والقبول بأزيد من ذلك، فانه اعتبر في الصحة وقوعهما في مجلس واحد وإن تراخى أحدهما عن الاخر - واضح الضعف لما عرفت من عدم إرادة القبول من الامر السابق، فلا إنشائية عقد، والفصل الذى لا يقدح إنما هو فيما كان من متعلقات الايجاب كالشرائط ونحوها، لا الفصل بما لا مدخلية له في ذلك، وإن كان هو من مصلحة المتناكحين، لترغيب أحدهما في الاخر مثلا ونحوه، لكن، يهون الخطب عدم انحصار الدليل على ذلك بذلك، وأن مبنى الاكتفاء بذلك على استفادة الرضا من الطلب الاول. وعلى كل حال فما يظهر من المصنف - من الاقتصار في الاجتزاء بالامر على هذه الصورة بقرينة ما سمعته منه من اعتبار الماضوية فيهما فحينئذ لو قالت الامرأة: " تزوجني " منشأة بذلك الايجاب، فقال: " تزوجتك " لم يصح حينئذ - هو كما ترى، فان الظاهر عدم الفرق، بل لعل هذه الصورة أولى، لسلامتها مما عرفت، ومن تقدم ما هو بمعنى القبول على الايجاب. (و) كذا الكلام فيما ذكره أيضا من أنه (لو أتى بلفظ المستقبل كقوله " أتزوجك " فتقول " زوجتك " جاز) وفاقا للمحكي عن الحسن (وقيل) والقائل ابنا حمزة وسعيد والفاضل في المحكي عنهم: (لابد بعد ذلك من تلفظه بالقبول) للاستصحاب والاقتصار على المتيقن (و) فيه أنه مناف لما (في رواية أبان بن

[ 138 ]

تغلب) عن الصادق عليه السلام (1) (في المتعة أتزوجك متعة فإذا قالت: نعم فهى امرأتك) فانه سأله " كيف أقول لها إذا خلوت بها ؟ قال: تقول أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوما، وإن شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهما، وتسمي من الاجل ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم فقد رضيت، فهى امرأتك، وأنت أولى الناس بها، قلت: فانى أستحيى أن أذكر شرط الايام، قال هو أضر عليك، قلت: وكيف ؟ قال: إنك إن لم تشترط كان تزويج مقام، ولزمتك النفقة في العدة، وكانت وارثا، ولم تقدر أن تطلقها إلا طلاق السنة " وما في رواية ابن أبى نصر عن تغلبه (2) قال: " تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم نكاحا غير سفاح على أن لا ترثيني ولا أرثك كذا وكذا يوما بكذا وكذا درهما، وعلى أن عليك العدة " وما في رواية هشام بن سالم (3) قال: " قلت: كيف أتزوج المتعة ؟ قال: تقول: يا أمة الله أتزوجك كذا وكذا يوما بكذا وكذا درهما " واحتمال اختصاص خصوص ذلك بالجواز كما هو ظاهر المصنف واضح الضعف، كاحتمال اختصاص ذلك بالمتعة، ضرورة أنه متى جاز فيها جاز في الدوام، لعدم الفارق، ولما سمعته في الاول من أنه إذا ترك الشرط كان تزويج دوام. كما أن إشكال ما في الخبر بأنه يلزم من صحة العقد بهذا اللفظ صحته بدون ايجاب، لان " نعم " في جواب القبول لا يكون إيجابا، وذلك باطل قطعا واضح الضعف إيضا، لكونه مصادرة واضحة، إذا القائل بذلك يجعل " نعم " إيجابا لتضمنها مجموع الجملة التى هي " زوجتك " لقيامها مقامها، على أنه يمكن أن يكون النكاح كالصلح يصح وقوع إيجابه من كل من الطرفين، فتكون " نعم " حينئذ قائمة


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 18 - من أبواب المتعة الحديث 1 وذيله في الباب - 20 - منها الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المتعة الحديث 2 عن ثعلبه وهو الصحيح. (3) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المتعة الحديث 3.

[ 139 ]

مقام القبول، وربما كان في النصوص سيما الخبر الاول إشارة الى ذلك، والحاصل أنه لا ينكر قوة القول بالاكتفاء بكل لفظ دال على قصد العقد به على الوجه المتعارف في الدلالة على مثله، من غير فرق بين الماضي وغيره، وبين الحقيقة وغيرها. (و) على كل حال فقد عرفت دلالة الخبر المزبور على أنه (لو قال الولي أو الزوجة: " متعتك بكذا " ولم يذكر الاجل انعقد دائما، وهو) ظاهر في ال‍ (دلالة على) ما سمعته منا من (انعقاد الدائم بلفظ التمتع) الذي قد عرفت أنه للقدر المشترك، وهو تمليك الانتفاع بالبضع، فلا يتشخص للمنقطع إلا بذكر الاجل، كلفظ " زوجتك " و " انكحتك " وإن تعارف استعماله في المنقطع عرف حادث، فمع فرض الاقتصار على ارادة معناه الذى هو التمتع والانتفاع من دون قصد الانقطاع يكون دائما، بل دعواه لا تسمع مع عدم الدلالة على ذلك من حال أو مقال، ويأتى إن شاء الله تحقيق المسألة في محلها. (و) كيف كان فقد عرفت أيضا أنه (لا يشترط في) لفظ (القبول مطابقته لعبارة الايجاب، بل يصح الايجاب بلفظ والقبول بآخر، فلو قال: " زوجتك " فقال: " قبلت النكاح " أو) " نكحت " أو قال الولى مثلا: (" أنكحتك " فقال: " قبلت التزويج ") أو " تزوجت " (صح) بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق الادلة. (ولو قال) أجنبي مثلا: (زوجت بنتك من فلان) مستفهما عن انشاء التزويج (فقال) الاب مثلا: (" نعم ") قاصدا إنشاء التزويج بذلك (فقال الزوج: " قبلت " صح) في المحكي عن الشيخ وابن حمزة والنافع والارشاد والقواعد على أشكال في الاخير (لان " نعم " يتضمن إعادة السؤال، ولو لم يعد اللفظ) فكأنه قال: " زوجت بنتى من فلان " منشئا فقال الزوج: " قبلت " فيدخل حينئذ تحت إطلاق الادلة، بل ربما أومأ إليه ما سمعته من النصوص. (و) لكن قال المصنف (فيه تردد) من ذلك، ومن احتمال اعتبار ألفاظ خاصة على وجه لا يقوم مقامها ما يتضمنها، فلا يخرج عن الاصل إلا بها، وضعف النصوص المزبورة واختصاصها بالمتعة، مضافا الى ما في الرياض من أن مقتضى

[ 140 ]

تضمن السؤال الاستخبار عن وقوع المسؤول في الماضي، ومراعاة التطبيق بينه وبين الجواب يستلزم كونه إخبارا عن الوقوع لا إنشاء للتزويج، فلو صرح به فيه لارتفع التطابق اللازم المراعاة، ومن هنا يمكن أن يقال بعدم وقوع التزويج لو أبدل " نعم " بالصريح إلا أنه قد عرفت قوة القول بعدم اعتبار خصوص لفظ، بل يكفى كل لفظ دال على الانشاء على وجه لا ينكر استعماله في العقد في عرف المتشرعة، وحينئذ فالقول بالصحة لا يخلو من قوة، نعم لو قصد بذلك الاخبار كذبا أو صدقا لم ينعقد قطعا وحينئذ فضعف النصوص المزبورة غير قادح، وكذا اختصاصها بالمتعة مع أنه لا قائل بالفصل، والتطابق لا يجب مراعاته، مع أنه يمكن فرضه في الاستفهام التقريرى الذى يراد منه وقوع العقد، على أن مفروض البحث قصد الانشاء الذى يحصل به جواب المستفهم، ومن الغريب ما سمعته من الرياض من احتمال عدم الاكتفاء لو أبدل " نعم " بالتصريح، والله العالم. (ولا يشترط) هنا (تقديم الايجاب) على القبول، (بل لو قال) المتزوج: (تزوجت) منشئا (فقال الولى: " زوجتك " صح) وفاقا للاكثر، كما في المسالك، بل عن المبسوط الاتفاق عليه، لاطلاق الادلة، وظهور النصوص السابقة فيه من خبر الساعدي (1) وغيره، مؤيدا ذلك بمراعاة الشارع الحياء في البكر، ولذا اكتفى عن رضاها بالسكوت (2) ولاريب في المشقة عليها من جهته بابتدائها بالايجاب، بخلاف ما لو ابتدأ الزوج وذكر ما أنشأ به إرادة النكاح والشرائط و المهر ونحو ذلك، فانه يهون عليها حينئذ قول: " زوجتك " مثلا. وما يقال من أن حقيقة القبول الرضا بالايجاب فمتى وجد قبله لم يكن قبولا، لعدم معناه، يدفعه منع كون المراد بالقبول قبول الايجاب، بل قبول النكاح، وهو متحقق على التقديرين، على أن القبول حقيقة ما وقع بلفظ القبول، ولا إشكال في عدم جواز وقوعه بهذا اللفظ الذى تمنع مادته عن تحقق معناه من دون تقديم


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 242. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب عقد النكاح.

[ 141 ]

الايجاب، وإنما الكلام فيما وقع بلفظ " تزوجت " ونحوه مما هو بمعنى الايجاب، وتسميته قبولا مجرد اصطلاح، بل قد عرفت سابقا احتمال كونه إيجابا، وأن النكاح كالصلح يقع إيجابه من كل من المتعاقدين، كما يؤمى إليه قوله عليه السلام: " فإذا قالت نعم فقد رضيت " إلى آخره، الظاهر في كون ذلك قبولا منها، والاجماع على كون عقد النكاح إيجابا وقبولا لا يقتضى تعيين كل واحد من كل واحد، بل يمكن إرادة القائل بتقديم القبول، هذا المعنى، لا أن مراده التقديم قبولا، إذ قد يمنع تحقق معناه متقدما باعتبار كونه حينئذ كالانفعال الذى يحصل تبعا لحصول الفعل، شبه الانكسار المتعقب للكسر، ولا أن المراد عدم اعتبار معنى القبولية في النكاح المنافى للاجماع بقسميه، بل وظاهر النصوص، فلا يكفى حينئذ اقتران إنشاء التراضي منهما بالنكاح، بل لابد من اتصال أحدهما بالاخر لكن على الوجه المزبور من أيهما كان، فتأمل جيدا. (ولا يجوز العدول عن هذين اللفظين) وما شابههما من الالفاظ العربية (الى ترجمتهما بغير العربية) من الفارسية والتركية وغيرهما إتفاقا منا كما عن المبسوط والتذكرة، للاصل السالم عن معارضة الاطلاق المنصرف الى اللفظ العربي ولو بقرينة كون المخاطب والمخاطب والقرآن عربيا (إلا مع العجز عن العربية) على وجه يشق عليه التعلم، لفحوى ما ورد (1) في الاخرس، كما أوضحنا ذلك كله في كتاب البيع، وذكرنا هناك البحث في اللحن في المادة والاعراب وأنهما أولى من الترجمة على الظاهر، وأنه لا يجب التوكيل وإن تمكن منه. (و) حينئذ ف‍ (لو عجز أحد المتعاقدين تكلم كل منهما بما يحسنه) بعد فرض علم كل منهما بمقصود الاخر (ولو عجزا عن النطق أصلا أو أحدهما) لخرس أصلي أو عارضي (اقتصر العاجز على الاشارة الى العقد والايماء) فان ذلك منه يقوم مقام اللفظ، وفى


(1) الوسائل الباب - 59 - من أبواب القراءة في الصلاة من كتاب الصلاة والباب 19 من أبواب مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق.

[ 142 ]

كشف اللثام هو مما قطع به الاصحاب كما تقدم ذلك كله في كتاب البيع بما لا مزيد عليه، فلاحظ ما هناك في ذلك، وفي غيره من المسائل التى ذكرت هناك وإن كان بينهما نوع مخالفة لما هنا. وكذا لا ينعقد بالكتابة للقادر على النطق، بل ولا للعاجز عنه الا أن يضم إليها قرينة تدل على القصد، فانها حينئذ من أقوى الاشارات، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا ينعقد النكاح بلفظ البيع ولا الهبة) وإن جوزناها للنبى صلى الله عليه واله وسلم، بل تخصيصها بنص الكتاب (1) يرشد الى عدمها في غيره، بل قد يرشد الى العدم في غيرها أيضا (ولا التمليك ولا الاجارة) ولا غيرها من الالفاظ التى لم يتعارف استعمالها في عقده، بل هي منكرة في عرف المتشرعة، بل في المسالك أنه موضع وفاق، وانما نبه بذلك على خلاف بعض العامة حيث جوزه بكل واحد من هذه الالفاظ (سواء ذكر فيه المهرأ وجرده) وآخر اشترط اقترانه بمهر ليخلص اللفظ للنكاح، لكن الجميع كما ترى، وذلك لا ينافي ما سمعته منا من عدم اعتبار لفظ مخصوص، لان المراد الالفاظ التى لم يعلم عدم العقد بها مما هو مستنكر في عرف المتشرعة، نحو استعمال لفظ النكاح في البيع وبالعكس وغيره، بل ربما عد بعضه من الاغلاط، باعتبار خروجه عن قانون اللغة حقيقتها ومجازها، نعم قد يناقش في خصوص " ملكتك " فانه يمكن القول بجوازه مع فرض إرادة معنى " أنكحتك " منه من تمليك سلطنة البضع منه، لانه ليس من الالفاظ التى يستنكر في عرف المتشرعة عقد النكاح بها ولا هو مما علم عدمه، بل ورد التعبير بها عن العقد في النص وعبارات الاصحاب، فلا يبعد اندراجه تحت إطلاق الادلة والامر سهل بعد وضوح المراد ومعرفة الضابط، ولكن مع ذلك لا ينبغى أن يترك الاحتياط، وقد أطنبنا في تحرير ذلك كله في كتاب البيع، فلاحظ وتأمل. ومن ذلك اعتبار التنجيز اتفاقا، فلو علقه ولو بأمر متحقق لم يصح، بل في كشف اللثام لم يصح وإن لم يرد التعليق، لانه غير صريح، فهو بمنزلة الكناية،


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50.

[ 143 ]

وفيه ما لا يخفى من القطع بالصحة لو قال: " إن كان يوم الجمعة فقد زوجتك " على فرض عدم إرادة التعليق منه، هذا. وفى القواعد ويعتبر فيه أيضا إتحاد المجلس، فلو قالت: " زوجت نفسي من فلان " وهو غائب فبلغه فقبل لم ينعقد، وكذا لو أخر القبول مع الحضور بحيث لا يعد في العرف مطابقا للايجاب، وفيه أنه لا دليل على اعتبار اتحاد المجلس فيه وفى غيره من العقود، وفى كشف اللثام لعل السر فيه أنه ما لم يتحقق الطرفان جاز لكل منهما الاعراض، فإذا تحققا في مجلس واحد لزم العقد لعدم الاعراض ظاهرا، بخلاف ما لو تفارقا، إذ لا قرينة على عدم إعراض الموجب، فانه أمر قلبى. وبالجملة فمع التقارن صريح ومع الافتراق بمنزلة الكناية، فكما لا تعتبر وإن قصد المراد في العقد فكذا مع الافتراق وإن لم يعرض في البين، وفيه منع عدم الانعقاد عند ذلك كما عرفته غير مرة، نعم تأخير القبول على وجه ترتفع المطابقة بتخلل كلام أو سكوت اختيارا أو اضطرارا لا يبعد عدم الانعقاد معه، لذهاب هيئة التخاطب العقدى، ولا يقدح ابتلاع الريق ونحوه مما لا يرفع تلك الهيئة التى عليها المدار، والله العالم. (وأما) النظر في (الثاني) أي الحكم (ففيه مسائل): (الاولى) (لا عبرة في النكاح) كغيره من العقود (بعبارة الصبى إيجابا وقبولا) لنفسه ولغيره (ولا بعبارة المجنون) المطبق ولا الادواري في دوره بلا خلاف معتد به أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل ربما كان من الضروريات سلب حكم ألفاظهما في جميع العقود، فكانت كأصوات البهائم بالنسبة الى ذلك وربما يؤمي

[ 144 ]

إليه في الجملة خبر (1) رفع القلم المشهور بناء على إرادة ما يشمل ذلك منه لا خصوص التكليفى. (نعم في) عقد (السكران الذي لا يحصل) ولا يميز ما يخطاب ويخطاب به (تردد) وخلاف من كونه كالمجنون الذى قد عرفت سلب حكم عبارته، فلا تجديه الاجازة المتأخرة، ومن إطلاق الادلة السالم عن معارضة ما يقتضي سلب حكم عبارته إذ يمكن كونه كالمكره الذى يصحح عقده رضاه المتأخر (أظهره) عند المصنف وجماعة (أنه لا يصح، ولو أفاق) بعد ذلك (فأجاز) للاصل، ولان المعتبر قصد المكلف الى العقد والفرض عدمه، والاجازة انما تثمر في الصحيح في نفسه لا الباطل (و) لكن (في رواية) محمد بن اسماعيل بن بزيع في الصحيح (2) (إذا زوجت السكرى نفسها ثم أفاقت ورضيت ودخل بها فأفاقت وأقرته كان ماضيا) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة، ابتليت بشرب النبيذ فسكرت، فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثم أفاقت فأنكرت ذلك، ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه، فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها ؟ ام التزويج فاسد، لمكان السكر، ولا سبيل للزوج عليها ؟ قال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها، قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها، قال: نعم " بل عن الشيخ في النهاية ومن تبعه العمل بها، بل حكى ذلك أيضا عن الصدوق في الفقيه والمقنع، بل مال إليه غير واحد من متأخري المتأخرين كسيد المدارك وصاحب الكفاية والمحدث البحراني، بل أيده الاخير بصحيح الحلبي (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين ؟ قال: فقال:


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2 من كتاب القصاص. (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 4 من كتاب الارث. (جواهر الكلام ج 9).

[ 145 ]

أما التزويج فصحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك، فيعلم أنه كان قد طلق، فان أقر بذلك وأمضاه فهى واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطاب، وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهى امرأته " الحديث. وإن كان هو كما ترى، وفي محكى المختلف تنزيلها على سكر لا يبلغ حد عدم التحصيل، فانه إذا كان كذلك صح العقد مع تقريرها، وفي المسالك وفيه نظر بين، لانه إذا لم يبلغ ذلك القدر فعقدها صحيح وإن لم تقرره وترضى به بعد ذلك فالجمع بين اعتبار رضاها مع السكر مطلقا غير مستقيم، بل اللازم إما إطراح الرواية رأسا أو العمل بمضمونها ولعل الاول أولى. قلت: لعل الامر بالعكس، لصحة الخبر وعدم مهجوريته، كعدم ثبوت سلب حكم عبارة السكران وكونه كالمجنون، ويمكن أن يكون مراد العلامة بالتنزيل المزبور عدم بلوغ السكر الى حد يصدر منه الكلام على وجه الهذيان كالنوم ونحوه، بل هو باق على قابلية قصد العقد كما يؤمي إليه قوله: " فزوجت نفسها " إلا أنه لما غطى السكر عقله لم يفرق بين ذى المصلحة والمفسدة، فهو حينئذ قاصد للعقد، إلا أنه لم يؤثر قصده، لعارض السكر الذى ذهب معه صفة الرشد، فإذا تعقبته الاجازة صح واندرج في آية " أوفوا بالعقود " (1) وغيرها، بل لعله أولى من السفيه بل والمكره في ذلك، فانه أيضا قاصد للعقد، لكنه غير راض به، فإذا ارتفع الاكراه وحصل الرضا كفى ذلك في الصحة، نعم لو فرض سكره على وجه يصدر اللفظ كالهذيان، اتجه حينئذ عدم الصحة ولو تعقبت الاجازة، لعدم القصد حال النطق، وكذا المكره الذى بلغ فيه الاكراه الى زوال العقل حتى صار يصدر اللفظ منه على وجه الهذيان، فان الظاهر عدم الصحة وإن تعقبته الاجازة، ولا يناقش ذلك بامكان فرضه في المجنون، لا مكان دفعها بالاجماع وغيره على سلب عبارة المجنون بجميع أفراده، ودعواه في جميع أفراد من زال عقله من غير فرق بين المجنون وغيره يمكن منعها، خصوصا في مثل السكران الذى كان سكره بسوء اختياره، فيعامل


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 146 ]

معاملة المختار، ولذا كان عقابه في المعاصي الصادرة منه عقاب المختار، بل ربما أوجب عليه الحد، نعم يمكن تنزيل الصحيح المزبور على توكيلها في التزويج، كما هو الغالب والمتعارف، فهو حينئذ فضولي، بل لعل قوله عليه السلام " فهو رضا " يشعر به، ولا ينافيه الانكار في السؤال المراد به الوحشة مما فعلته لا عدم الرضا، بل ولا قوله: فيه " ثم ظنت " الخ، إذ هو مع أنه في السؤال يمكن كونه من الدواعي لحصول الرضا، ومن ذلك يعرف ما في الرياض، فانه بعد أن ذكر ضعف الرواية عن مقابلة القواعد وأنه لا يمكن إلحاقها بالفضولى، لكون المذكور فيها الانكار بعد الافاقة الملازم لعدم الرضا، قال: فطرحها رأسا أو حملها على ما في المختلف وغيره وإن بعد متعين، وفيه ما عرفت مضافا الى مخالفة ما في المختلف إطلاق الادلة أيضا المقيد بالصحيح المزبور، فتأمل جيدا والله العالم. المسالة (الثانية) (لا يشترط في نكاح الرشيدة) وإن كانت بكرا حضور (الولي) على الاصح كما ستعرف تحقيقه إن شاء الله (و) كذا (لا) يشترط عندنا (في شئ من الانكحة) الدائم والمنقطع والتحليل والملك (حضور شاهدين) خلافا لما عن العامة ولابن أبى عقيل منا، فاشترطه في الدائم، لخبر ضعيف (1) موافق للعامة محمول على الاستحباب كما تقدم سابقا، لقصوره عن معارضة ما يقتضى الصحة من إطلاق الادلة وغيره من المعتبرة المستفيضة، ولذا حكى الاجماع على خلافه في محكي الانتصار والناصريات والخلاف والغنية والسرائر والتذكرة (و) حينئذ ف‍ (لو أوقعه الزوجان أو الاولياء سرا جاز) كغيره من العقود، لما عرفت (ولو تآمرا بالكتمان لم يبطل) عندنا خلافا لمالك، فانه وإن وافقنا على عدم اشتراط الاشتهاد


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب المتعة الحديث 11.

[ 147 ]

لكن شرط عدم تواطئهما على الكتمان. المسالة (الثالثة) (إذا أوجب) الموجب في النكاح أو غيره (ثم جن أو اغمي عليه بطل حكم الايجاب) الذى هو قبل التمام بمنزلة العقد الجائز بالنسبة الى ذلك بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، مضافا الى ما دل على شرطية العقد والقصد والرضا ونحوها في العقد الذى هو عبارة عن الايجاب والقبول لا الايجاب وحده، والمراد من اشتراطه مثلا بالنسبة الى الموجب بقاؤه عاقلا الى قبول القابل، لا حال صدور الايجاب منه، فانه ليس شرطا في العقد حينئذ، فإذا فرض ارتفاع القابلية بعد الايجاب قبل القبول لم يحصل الشرط في تمام العقد الذى يراد منه استمراره على الحال الذى حصل له حال نطقه بالايجاب وحينئذ (فلو قبل) القابل (بعد ذلك كان لغوا) نحو قبوله إيجاب المجنون (وكذا لو سبق القبول) بناء على جوازه (وزال عقله، فلو أوجب الولي بعده كان لغوا، وكذا) الكلام (في البيع) وغيره من العقود، بل الظاهر البطلان حتى لو فرض إفاقته قبل القبول على وجه لا ينافى الاتصال، لبطلان حكم الايجاب. بل قد ظهر لك مما قدمنا انه لو نام بعد الايجاب قبل القبول لم يصح القبول وإن كان النوم غير قادح في العقد الجائز، ضرورة اقتضاء ما دل على صحته عدم تأثير النوم في بقائه، لكونه مما يعتاد، بخلاف ما نحن فيه الذى قد عرفت اعتبار عدم استدامة ما ثبت اشتراطه من نحو ذلك الى تمام العقد، ولا ريب في انتفائه مع النوم، لكن في المسالك بعد أن ذكر الايجاب قبل القبول كالعقد الجائز يجوز فسخه، فيبطل بما يبطل به الجائز قال: " ولا يضر عروض النوم كما لا يقدح ذلك في الوكالة ونحوها " لكن هل يصح الاتيان بالقبول للاخر حالته قيل: لا، وبه قطع في التذكرة،

[ 148 ]

لان التخاطب بين المتعاقدين معتبر، وهو منتف مع نوم صاحبه ومن ثم لو خاطب شخصا بالعقد فقبل الاخر لم يصح، ويحتمل الصحة هنا، لان الايجاب توجه الى هذا القابل قبل النوم، والاصل الصحة مع أنه في التذكرة قال في موضع آخر: " لو قال المتوسط للولى: " زوج ابنتك من فلان " فقال: " زوجت " ثم أقبل على الزوج فقال: " قبلت نكاحها " فالاقرب صحة العقد، وهو أصح وجهي الشافعية، لوجود ركني العقد: الايجاب والقبول، وارتباط أحدهما بالاخر، والثانى لا يصح، لعدم التخاطب بين المتعاقدين، ويستفاد منه أن تخلل مثل هذا الكلام بين الايجاب والقبول لا يضر، لانه ليس أجنبيا صرفا " قلت: أو يفرض على وجه لا يقدح في الفورية المعتبرة في العقد، فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة، كما أنه لا إشكال في البطلان مع فرض حصول القبول من القابل بعد نوم الموجب، لما عرفت. إنما الكلام فيمن نام بعد الايجاب ثم استيقظ فقبل القابل، فانه يمكن القول بالبطلان، لفساد حكم الايجاب حينئذ بالنوم بعده بفقد الشرط الذى هو الاستدامة التى قد عرفتها، ويمكن القول بالصحة باعتبار كونه كالعقد الجائز الذى لا يضر فيه النوم، ولعل الاول أقوى وإن كان ظاهر ما سمعته من المسالك المفروغية من الصحة في الفرض، وانما جعل البحث في القبول حال النوم الذى قد عرفت المفروغية عندنا من بطلانه، وتشبيه ما نحن فيه بالعقد الجائز لا دليل عليه وإن تشاركا في بعض الاحكام للدليل المقتضى لذلك فيهما كما هو واضح، والله العالم.

[ 149 ]

المسالة (الرابعة) (يصح اشتراط الخيار) للزوج والزوجة أو غيرهما على حسب ما سمعته في البيع الى مدة مضبوطة أو مطلقا كما احتمله في كشف اللثام، قال: لاطلاق العبارات وإن فرض في المبسوط والخلاف والمهذب خيار الثالث، وفيه أن الاطلاق مساق لاصل قبول الخيار في مقابلة عدم قبوله بالنسبة الى الزوجة، وإلا فالظاهر اعتبار ضبط المدة فيه في كل مقام شرط كالاجل. وعلى كل حال فيصح اشتراطه (في الصداق خاصة) لعموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) بعد معلومية عدم شرطية ذكره في صحة العقد، إذ أقصاه حينئذ جواز فسخه، وبقاء العقد بغير ذكر مهر فتصير كالمفوضة للبضع، وهو جائز. نعم لا يصح اشتراطه في العقد اتفاقا في كشف اللثام وغيره، وقد أومأ إليه المصنف بقوله: " خاصة " لانه ليس معاوضة محضة، ولذا لم يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ولا وصف رافع للجهالة، ويصح من غير تسمية العوض ومع العوص الفاسد، ولان فيه شائبة العبادة التى لا يدخلها الخيار، ولان فسخه باشتراط الخيار فيه يفضى الى ابتذال المرأة وضررها، ولهذا وجب بالطلاق قبل الدخول نصف المهر جبرا له، بل في قوله عليه السلام في خبر (2) أبان: " كان تزويج مقام " إشعار به، كقوله عليه السلام في غيره: " تزويج البتة " (3) ونحو ذلك، بل لعل منافاته لعقد النكاح من ضروريات الفقه، بل قد يتوهم عدم صحة اشتراطه في المهر فضلا عن العقد، لاطلاق بعض العبارات عدم الخيار في النكاح، مؤيدا بأن المهر المذكور في العقد جزء مما وقع عليه، فاشتراط الخيار فيه يقتضى تزلزل الجزء دون الكل، وهو غير معهود، وإلا لاقتضى جواز


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المتعة الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 43 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3.

[ 150 ]

اشتراطه فيما لا يعتبر فيه العوض من العقود، كالصلح والهبة المعوضة، أللهم إلا أن يلتزم ذلك أو يفرق بأنها وإن كان العوض غير معتبر فيها ولكن حيث يذكر يكون حكمه حكم غيره في المعاوضات، ولذا يبطل العقد لو ظهر مستحقا مثلا بخلاف النكاح، وتزلزل الجزء دون الكل معهود في البيع وغيره، فضلا عن النكاح، كما لو اشترط الخيار في بعض أفراد المبيع مثلا دون الباقي فيفسخ العقد حينئذ فيه دون غيره فكذا هنا أيضا يفسخ عقد النكاح بالنسبة الى المهر دون الزوجة، إذ هو المراد من الخيار في المهر، ضرورة عدم تصور فسخ المهر نفسه كما هو واضح. بل يمكن القول بصحة اشتراطه في غير المهر مما يلزمه العقد، غير الزوجة كالشرط ونحوه، ولا إطلاق يعتد به يقتضى نفى الخيار في المهر، بل ربما يمكن دعوى نفى الخلاف فيه أو الاجماع عليه، مضافا الى عدم الاشكال فيه من حيث القواعد. وعلى كل حال فاشتراطه في العقد يقتضى فساد العقد، بناء على أن كل شرط فاسد في عقد يقتضى ذلك، لان الرضا وقع مقرونا به، خلافا لابن إدريس فصحح العقد وأبطل الشرط، لوجود المقتضى وهو العقد، وإنما فسد الشرط، فيلغو نفسه دون العقد وقد تقدم تحقيق الحال في كتاب البيع بما لا مزيد عليه فقول المصنف هنا: (ولا يفسد به العقد) يحتمل عود الضمير فيه الى اشتراط الخيار في العقد المدلول عليه بقوله: " خاصة " بمعنى أنه فاسد، ولكن لا يفسد العقد، فيكون موافقا لما سمعته من ابن إدريس وهو غير معروف بذلك، على أنه لم يشر الى الخلاف في المسألة، مع أن القول فيها ببطلان العقد ببطلان الشرط معروف، بل في كشف اللثام نسبته الى المشهور هنا، وهو نفسه قد تردد في الصحة وعدمها في باب المهر، أللهم إلا أن يكون النكاح له خصوصية، فهو وإن خالف ابن إدريس في غير المقام لكنه في باب النكاح وافقه، ولو لفحوى صحته مع فساد المهر الذى لا ينقص ذكره عن الاشتراط. وربما نوقش أولا بان الظاهر ممن تعرض للمسألة عدم الفرق بين النكاح وغيره من العقود من اقتضاء فساد الشرط فيها فساد العقد وعدمه إلا ما خرج بالدليل،

[ 151 ]

وثانيا بأن ثبوت ذلك للدليل في المهر لا يقتضي التعدية بعد حرمة القياس ووضوح وجه البطلان بفوات الرضا المقرون بالشرط بفواته، وذلك وإن أمكن تقريره في المهر لكن للدليل خرجنا عنه، ومن هنا احتمل عود الضمير فيه الى اشتراط الخيار في المهر، ووجهه حينئذ واضح، ضرورة أن الشرط الصحيح لا يقتضى فساد العقد، لكنه كما ترى خال عن النكتة، بل الحكم بصحة الاشتراط يقتضى عدم فساد العقد، فلا فائدة في ذكره بخصوصه، كما أن المناقشة المزبورة واضحة الدفع، خصوصا بملاحظة ما ذكرناه في البيع. نعم قد يقال: إن الضمير فيه عائد إلى ذلك، والمراد عدم إفساده العقد وإن قلنا بفساده في المهر، إذ أقصاه حينئذ فساد المهر الذى لا يستلزم فساد العقد، فتكون النكتة حينئذ أن الشرط الفاسد في المهر لا يقتضي فساد العقد وإن قلنا: إن الشرط الفاسد في العقد يقتضي فساده، لكن لما ظهر من الدليل عدم فساد العقد بفساد المهر اقتضى ذلك أيضا عدم فساد العقد بفساد المهر بالشرط الفاسد فيه، أو يراد أنه لا يفسد العقد إذا اختار الفسخ في المهر، كما في غيره من عقود المعاوضة، لما سمعته من عدم اعتبار المهر المسمى في النكاح، بخلاف باقي عقود المعاوضة التى متى فسخ العوض فيها انفسخ أصل العقد، ولعل منها عقد المتعة الذى يعتبر فيه المسمى، فمع فرض صحة اشتراط الخيار فيه متى فسخ انفسخ عقد المتعة في المتمتع بها، لعدم صحة عقد المتعة بدون مسمى ابتداء واستدامة، كما أنه متى صح فرض اشتراط الخيار في مسماها صح اشتراط الخيار، لما عرفت من كونها حينئذ كباقي المعاوضات، أللهم إلا أن يدعى معلومية عدم قابلية عقد البضع ولو متعة للخيار، فيتجه حينئذ عدم صحة اشتراطه في مسماها، لاستلزامه الصحة فيها فتخص مسألة المقام في مهر الدائم، فتأمل جيدا، والله العالم.

[ 152 ]

المسالة (الخامسة) (إذا اعترف الزوج بزوجية امرأة وصدقته أو اعترفت هي فصدقها قضي بالزوجية ظاهرا وتوارثا) لان الحق منحصر فيهما، " وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز " (1) من غير فرق في ذلك بين الغريبين والبلديين، خلافا لما عن بعض العامة، فخص صحة الاقرار منهما بالغريبين، واعتبر في البلديين إقامة البينة، بناء على اشتراط الاشهاد فيه، وسهولة إقامته فيهما بخلاف الغريبين، وفيه منع الاشتراط أولا، ومنع اقتضائه ذلك ثانيا، ضرورة أنه على تقديره يعتبر في صحة أصل وقوعه، وفعلهما الثابت باقرارهما يحمل على الوجه الصحيح، على أن الشاهدين لا يعتبر كونهما بلديين، فجاز أن يشهد البلديان غريبين وتتعذر إقامتهما فيؤدي ذلك الى تعطيل الحق بغير موجب، كما هو واضح. (ولو اعترف أحدهما قضي عليه بحكم العقد دون الاخر) المنكر، فان القول قوله بيمينه، نعم إن أقام المدعي بينة أو حلف اليمين المردودة ثبت النكاح ظاهرا ووجب عليها مع ذلك مراعاة الحكم في نفس الامر، فان كان المثبت الزوج فله الطلب ظاهرا وعليها الهرب باطنا، وهكذا، وإن لم يتفق أحد الامرين وحلف المنكر انتفى عنه النكاح ظاهرا، ولزم المدعي أحكام الزوجية على ذلك الوجه لا مطلقا، فان كان المدعي الرجل فليس له التزويج بخامسة ولا امها ولا بنتها مع الدخول بها، ولا باختها ولا بنت أخيها واختها بدون رضاها، بل يقدر بالنسبة إليها كأنها زوجة، ويجب عليه التوصل الى إيصالها المهر بحسب الامكان، وأما النفقة فلا تجب عليه، لعدم التمكين الذى هو شرط وجوبها، وإن كانت المدعية المرأة لم يصح لها التزويج بغيره، ولا فعل ما يتوقف علي إذن الزوج بدونه،


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 153 ]

كالسفر المندوب والعبادات المتوقف عليه، هذا. وفي المسالك لا فرق في ثبوت هذه الاحكام بين حلف الاخر وعدمه، لانها مترتبة على نفس دعوى الزوجية، بل قيل: ولا بين تكذيب المدعي دعواه بعد ذلك وعدمه، قلت: هو كذلك، لكن قد يقال: إن ذلك كله جائز للمدعى إذا اعترف بعد ذلك بأنه قد كان مبطلا في الدعوى، لانه شئ لا يعلم إلا من قبله، مع احتمال الالزام باقراره، فتأمل جيدا، فانه قد تقدم تحقيق المسألة في كتاب الحج عند تعرض المصنف في الاحرام فيما إذ اختلف الزوجان فادعى أحدهما وقوع النكاح فيه وأنكره الاخر، والله العالم. ولو أوقع الرجل المنكر صورة الطلاق ولو بقول: " إن كانت زوجتى فهى طالق " فالظاهر انتفاء الزوجية عنها، وجاز لها التزويج بغيره لا بأبيه وابنه مطلقا، لاعترافها بما يوجب حرمة المصاهرة إلا على الوجه الذي ذكرناه. المسألة (السادسة) (إذا كان للرجل عدة بنات فزوج واحدة ولم يسمها عند العقد) ولا فسرها بغير الاسم فان لم يقصد معينة بطل، لما ستعرفه من اعتبار تشخيص الزوج والزوجة في النكاح على وجه يحصل به التمييز، وأنه لا يكفى فيه المطلق وإن كفى في البيع ونحوه، وإن قصد معينة (لكن) كان (قصده لها بالنية) صح وإن وافقه الزوج عالما بالموافقة، لا اتفاقا من دون قصد للتعاقد والربط، أو وكل القصد إليه في قول، فقبل نكاح من نواها وإن لم تكن متميزة لديه فعلا، فان الاول إلى العلم كاف لاطلاق الادلة، ولكن لا يخلو من نظر تعرفه إن شاء الله. (ف‍) ان (اختلفا في المعقود عليها) بعد الاتفاق منهما على صحة العقد المستلزمة لو رود الطرفين على واحدة معينة بالنية المتفقة منهما كان كل منهما

[ 154 ]

مدعيا منكرا، فيتحالفان حينئذ، وينفسخ العقد إذا لم يكن الزوج مثلا قد أوكل أمر القصد الى الاخر وقبل ما نواه، وإلا كان القول قول المفوض إليه بيمينه، لانه أعلم بقصده، ولانه أمينه وبمنزلة وكيله، فالقول قوله بيمينه، حتى لو ادعى عليه أنه قد صرح بها بعد العقد فأنكر، فانه ليس عليه إلا اليمين، هذا ما تقتضيه الضوابط في الدعاوى. ولكن قد ذكر المصنف وغيره أنهما إن اختلفا في المعقود عليها (فان كان الزوج رآهن) كلهن (فالقول قول الاب، لان الظاهر أنه وكل التعيين إليه، وعليه أن يسلم إليه التى نواها، وإن لم يكن رآهن كان العقد باطلا) والاصل فيه صحيح أبي عبيدة (1) عن الباقر عليه السلام " سألت عن رجل كن له ثلاث بنات فزوج إحداهن رجلا ولم يسم التى زوج للزوج ولا للشهود، وقد كان الزوج فرض لها صداقا، فلما بلغ أن يدخل بها على الزوج وبلغ الزوج أنها الكبرى فقال الزوج لابيها: انما تزوجت منك الصغيرة من بناتك، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن كان الزوج رآهن كلهن ولم يسم له واحدة منهن فالقول في ذلك قول الاب. وعلى الاب فيما بينه وبين الله أن يدفع الى الزوج الجارية التى نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح، قال: وان كان لم يرهن كلهن ولم يسم له واحدة منهن عند عقدة النكاح فالنكاح باطل " وعن الشيخ وأتباعه العمل بهذا الصحيح جامدين عليه من غير تأويل، وأما المصنف فقد سمعت تنزيله إياه، وتبعه عليه الفاضل، بل يمكن عدم الاحتياج الى اليمين في تقديم قول الاب، لاطلاق الصحيح وإن كان الاقوى خلافه، لمعلومية توقف انقطاع الدعوى عليه أو البينة في سائر المقامات، ولو فرض موت الاب قبل تعيينه حيث يكون القول قوله بلا يمين أو معه وحلف على قصده معينة غير التى ادعاها الزوج فالمتجه القرعة، كما في كل زوجة مشتبهة بغيرها، لانها لكل أمر مشكل، وباب المقدمة، مع اختلاف الاحكام في الارث وعدمه، ووجوب الوطء وحرمته ونحو ذلك لا يجرى، والالزام بالطلاق لا دليل عليه، بل ظاهر


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

[ 155 ]

الادلة خلافه، بل يمكن دعوى الاجماع على اعتبار القرعة في نحو المقام. وعلى كل حال فوجه الاشكال في الخبر أنه يدل حينئذ على أن الرؤية كافية في الصحة، والرجوع الى قول الاب وإن خالف ما نواه الزوج وعدمها كاف في البطلان وإن توافقا، مع أن الرؤية لا مدخل لها في صحة العقد وعدمها، ولا تفيد التعيين، ولا عدمها ينافيه، بل ولا تفيد ما نزله المصنف عليه، لان التفويض الى الاب إن كفى مع تولية القبول من غير أن يقصد معينة فلا فرق بين الرؤية وعدمها، فيلزم الصحة على التقديرين، وإن لم يكف بطل على التقديرين، ولا دلالة في الرؤية ولا عدمها على شئ من الامرين وإن كان ظاهر المصنف ذلك، بل وكذا المحكي عن المختلف، فانه قال: " والتخريج في هذه الرواية أن الزوج إذا كان قدرآهن كلهن فقد رضي بما يعقد عليه الاب منهن، ورضي باختياره، ووكل الامر إليه، فكان في الحقيقة وكيله، وقد نوى الاب واحدة معينة، فينصرف العقد إليها، وإن لم يكن قدرآهن كان العقد باطلا، لعدم الرضا بما يسميه الاب ويعينه في ضميره، والاصل في ذلك أن نقول: إن كان الاب قد نوى واحدة بعينها وكان رؤية الزوج لهن دليلا على الرضا بما يعينه صح العقد، وكان القول قول الاب فيما عينه، وإلا فلا " فهو كالصريح في أن العمدة هو التفويض، والرؤية دليل عليه، وإن كان فيه نظر، بل منع، ضرورة أعمية خصوص الرؤية من ذلك، وانما هو إن كان فمن قبول الزوج، مع إجمال الاب، فان ظاهر القبول الرضا بما أوجبه الاب وأراده وعلى كل حال فظاهره كون الرؤية دليلا كاشفا. لكن في كشف اللثام جعل جواز التفويض وعدمه دائرا مدار الرؤية وعدمها، لا أن الرؤية دليل التفويض، وعدمها دليل عدمه الى أن قال: " إنه لا بعد في أن يكون التفويض الى الولي جائزا في النساء التى رآهن، لانهن تعين عنده، دون من لم يرهن لكثرة الجهالة، لا أن الرؤية دليل على التفويض، وأن التفويض جائز مطلقا على أنه إن رأى بعضهن خاصة كان الظاهر تعلق نيته بمن تعلقت بها الرؤية، وإن تعددت فالتفويض في تعيين واحدة منهن، فان ادعى الاب غيرهن لم يسمع منه، لظهور خلافه ".

[ 156 ]

قلت: كأن الذى دعاه الى ذلك ظهور كون القابل أراد ما قصده الاب في صورة الرؤية وعدمها، مع أن الامام عليه السلام فصل بينهما، فعلم منه أن التفويض مع الرؤية صحيح دون غيره، لكن لا يخفى عليك بعد اختصاص جواز التفويض في ذلك، ضرورة عدم اعتبار المعلومية في النكاح، فأي مدخلية للرؤية وعدمها. ومن هنا قال في المسالك بعد أن أشكل التنزيل المزبور بما سمعت: إن اللازم إما العمل بمدلول الرواية من غير حمل كما فعل الشيخ، أوردها رأسا والحكم بالبطلان، كما فعله ابن إدريس، ولعله أجود، لان العقد لم يقع على معينة مخصوصة منهما، وهو شرط في صحته، وإن كان قد يناقش بناء على تنزيل الخبر على ما عرفت بأن التمييز حاصل على الوجه المعتبر، فإن الزوج ينوي قبول نكاح من نواها الاب، وهو وصف مميز لها عما عداها، فأي فرق بين هذا الوصف والوصف بالكبرى والصغرى ونحوهما، نعم يتجه البطلان مع فرض عدم التفويض أو عدم التعيين من الاب حين العقد، فالبحث حينئذ في تنزيل الخبر على ذلك، ولا بأس به جمعا بينه وبين القواعد المعتبرة حتى بالنسبة الى ظهور الرؤية في التفويض، بحيث يكون الزوج مدعيا لمخالفة الظاهر. وبذلك ظهر لك حكم جميع الصور، وهو البطلان فيما إذا لم يقصدا معينة، أو تخالفا في القصد، أو لم يعرف أحدهما ما قصد الاخر، والصحة لو قصدا معينة عالمين بالموافقة، وفيما لو قصد الزوج مثلا قبول من قصدها الاب بتفويض وبغيره مع فرض قصده معينة في قول والتحالف لو اختلفا في المعينة التى أوقعا العقد عليها، نعم قد يتوقف في الصحة في الصورتين الاخيرتين، لعدم صدق امتياز الزوجة فيهما الذى ستعرف اعتباره بالاسم أو الصفة أو الاشارة، ضرورة عدم كون المقصود للاب مثلا منها، إذ ليس هو وصف مميز إلا للاب بخلاف الكبرى مثلا. فالتحقيق اختصاص جواز ذلك بمضمون الصحيح بناء على العمل به دون غيره، لا أن المراد من تنزيله أن ذلك جائز في نفسه مع قطع النظر عن الصحيح، لكونه مقتضى القواعد، فان ذلك مشكل جدا، بل لو قيل بصحته للخبر على وجه يجرى

[ 157 ]

في غير موضوعه كان مشكلا أيضا، لكونه كالمأول بالنسبة الى ذلك، بل هو شبه القضية في واقعة لا يجسر بها على الحكم بما ينافي ما عرفت، هذا. ولو ادعى الزوج عدم التعيين حاله وادعى الاب التعيين بتفويض الزوج أو باطلاقه كان القول قول الاب لانه مدع للصحة، بخلاف الزوج المدعي للفساد، وكذا لو ادعاه باختلاف القصد في التعيين وادعى الاب الصحة باتحاده. المسالة (السابعة) (يشترط في النكاح) بأقسامه (امتياز الزوجة عن غيرها) اتفاقا في كشف اللثام وغيره، كما أنه يشترط امتياز الزوج أيضا كذلك (بالاشارة أو التسمية أو الصفة) الرافعة للاشتراك أو غير ذلك مما يميزهما ويشخصهما في الواقع وإن لم يتعينا حال العقد، بل قد يقال بالاخراج بالقرعة مع فرض التمييز في الواقع والاشتباه في الظاهر، إذ احتمال اعتبار التشخيص المستلزم لمعرفة الشخص في الظاهر أيضا - ولو بعد العقد وإلا بطل، فلا يجدى في اناطة العقد بمتشخص في الواقع مجمل في الظاهر - مخالف لا طلاق الادلة المقتصر في الخروج عنه على المتيقن، وهو العقد على غير المتميز في الواقع مع احتماله، لاصالة عدم النقل المقتصر في الخروج عنها على المتيقن المعهود، وهو المتميز واقعا، وظاهرا، نعم لا يعتبر فيه ذلك حال العقد، بل يكفى فيه التمييز بعده، بل لو اتفق عروض الاشتباه استخرج بالقرعة، لا أنه يكفي بناء العقد على المتشخص واقعا المجمل ظاهرا على أن يستخرج بالقرعة، كالعقد على الكبرى مثلا المعلوم عدم التمكن من معرفتها ظاهرا، لجهل تاريخ الولادة ونحوه، ولعله لا يخلو عن قوة. وربما كان هو الظاهر من عبارة المصنف وغيرها وإن كان التفريح خاصا، بل ومعقد اتفاق كشف اللثام، بل كاد يكون صريح ثاني الشهيدين في المسالك، فانه

[ 158 ]

قال في شرح العبارة: " لما كانت الزوجة معقودا عليها وعينها مقصودة للاستمتاع اشترط تعينها في صحة النكاح، كما في كل معقود عليه سواء أريد عينه كالمبيع أو منفعته كالعين المؤجرة، وكذلك يشترط تعيين الزوج، لان الاستمتاع يستدعى فاعلا ومنفعلا معينين لتعينه (فلو زوجه إحدى بنتيه أو هذا الحمل) أو زوج بنته من أحد ولديه أو من هذا الحمل (لم يصح العقد) بل الثاني أولى، لمشاركته للاول في عدم التعيين، إذ يحتمل كونه واحدا أو أزيد، مضافا الى احتمال كونه غير قابل لنكاح المخاطب، بأن يكون ذكرا أو أنثى أو خنثى مشكلا ". وإن كان قد يناقش بالفرق بين النكاح وبين البيع والاجازة باعتبار قدح الجهالة فيهما دونه، فليس اعتبار التشخيص في النكاح لذلك، ولا لكون الزوج والزوجة معقودا عليهما، فإن العقد عليهما لا يقتضي اعتبار تشخصهما في الصحة، ضرورة صحة العقد على الكلي في البيع والاجارة، فضلا عن غيرهما، نعم الاجماع المحكي ومعهودية التشخيص في النكاح على وجه يقطع بعدم صحة غيره أو يشك في تناول الاطلاق له، فتبقى أصالة عدم النقل بحالها. وبمنع أولوية عدم الصحة في الحمل، ضرورة عدم بناء العقد فيه على عدم التعيين، واحتمال حصوله بالتعدد لا يقتضي البطلان حينه، كما أن عدم معلومية كونه صالحا للنكاح أو نكاح المخاطب لا يقتضي ذلك، ضرورة عدم اعتبار معرفة تأثير العقد حال وقوعه، بل يكفى فيه مصادفته التأثير كما في سائر العقود، فعدم الصحة في الحمل حينئذ ليس لذلك، بل إن كان فهو، لعدم قابلية الحمل لايقاع مثل هذا العقد عليه، وكذا البيع منه والهبة له وغيرهما، ولو بقبول الولي، فهو بالنسبة الى ذلك معامل معاملة الجمادات إلا ما خرج بالدليل، كالوصية له ونحوها، والعمدة فيه الاجماع إن تم وإلا فقد يقال بالصحة المراعاة بقابلية وقوع النكاح، وعدم منافاة التمييز بالتعدد، لا طلاق الادلة، أللهم إلا أن يشك في تناولها لمثل ذلك، فيبقى أصل عدم النقل سالما. وكيف كان فلا يتوهم من العبارة ونحوها وجوب ذكر ما يقتضى التعيين

[ 159 ]

في العقد على وجه لا يجزي اتفاقهما في النية والقصد المعلوم عند كل واحد منهما، فان الظاهر القطع بصحة ذلك كما صرح به في كشف اللثام والمسالك، وتعذر الشهادة بعد عدم اشتراطها عندنا غير قادح، نعم في المسالك من اشترط الشهادة أبطل هنا، لان الشاهد انما يشهد على اللفظ المسموع دون النية، وفيه أنه يمكن الشهادة عليها أيضا بالقرائن المفيدة لها أو بالاقرار فيها بعد العقد أو غير ذلك. وعلى كل حال فليس المراد اعتبار ذكر ما به التعيين في العقد قطعا، بل المراد منه اعتبار التعيين عندهما، بل قد عرفت أنه يجزى على قول ما سمعته من تفويض أحدهما الى الاخر فيه، فينوي ما نواه. نعم لو سمى الكبرى مثلا باسم الصغرى غلطا وقبل الزوج ناويا نكاح الصغرى لم يصح، بخلاف ما لو قال: زوجتك بنتى فاطمة أو هذه فاطمة وكانا متطابقين، فانه لا إشكال في صحته، وكان الثاني تأكيدا. أما إذا لم يكونا متطابقين بأن كانت المشار إليها زينب أو كانت بنته ولكن سماها بغير اسمها ففى صحة العقد ترجيحا للاشارة أو البطلان لعدم بنت له بذلك الاسم أو ليست الحاضرة المسماة به وجهان، أقواهما الاول، ولو قال: زوجتك ابنتى الكبيرة أو الصغيرة أو الوسطى أو البيضاء أو السمراء وله بنات متعددة متميزة بذلك فلا إشكال في الصحة، ولو لم يكن له إلا واحدة فالوصف مؤكد، نعم ربما يشكل الحكم لو كان الوصف بالكبرى واختيها حيث لا بنت له سواها بما سمعت من عدم وجود بنت له كبرى، مع أن الاقوى الصحة، ترجيحا للاسم، فليغو حينئذ إرادة التشخيص بالوصف.

[ 160 ]

المسألة (الثامنة) (لو ادعى زوجية امرأة) فأنكرته (وادعت اختها زوجيته) فان لم يقم أحد منهما بينة على دعواه حلفت الامرأة على نفي دعواه، وحلف هو للمدعية على نفي دعواها إن لم يكن قد دخل هو بها، ولو ردت الاولى عليه اليمين مثلا فحلف هو فهل له رد اليمين على المدعية ؟ وجهان، وعلى الاول فإذا حلفت كان الحكم كما لو أقام كل منهما بينة على إشكال، وإن كان قد دخل بها ففى كون اليمين عليه، لانه المنكر بموافقته للاصل أو عليها بموافقتها الظاهر وجهان، أقواهما الاول، وحينئذ فلو أقام أحدهما خاصة البينة قضي له بها وإن كان الرجل الداخل بالمدعية، واحتمال عدم سماعها منه لتكذيبه اياها بفعله، يدفعه أعمية الدخول من النكاح المدعى، مع فرض عدم القرائن وأصالة ض الصحة لا تشخص وجهه، نعم لا بد له حينئذ من اليمين على نفي ما ادعته الاخت وفاقا للشهيد، ضرورة كونه منكرا بالنسبة الى دعواها، والبينة على زوجية اختها لا يقتضي العلم بكذبها، ضرورة امكان صدق البينة مع تقدم العقد عليها، كما أنها لو أقامت هي البينة حلفت هي معها أيضا على نفي العلم بسبق عقده على اختها مع فرض دعواه عليها لذلك أيضا، أللهم إلا أن يستفاد من فحوى الخبر الاتى عدمه هنا، بناء على عدمهما في مورده، وأنه يكفي ثبوت دعوى كل منهما في فساد الاخرى على وجه لا يحتاج إلى اليمين، ولا استبعاد في سقوط يمين المنكر مثلا مع فرض إقامته بينة على دعوى تقتضي فساد دعوى المدعى، وليست هي بينة منكر، فلاحظ وتأمل. (و) إن (أقام كل منهما بينة، فان كان قد دخل بالمدعية كان الترجيح لبينتها، لانه مصدق لها بظاهر فعله) سيما إذا تكرر (وكذا لو كان تاريخ بينتها أسبق)، لانه حينئذ في حكم من لا بينة له، ضرورة بطلان بينته بالبينة (جواهر الكلام - ج 10)

[ 161 ]

السابقة التى لا تعارضها بينته المفروض تأخرها عن الاولى المراد بها أنها زوجته الان منذ زمان كذا (ومع عدم الامرين) بأن انتفى الدخول واتفقت البينتان بالتاريخ أو أطلقتا أو سبق تاريخ بينته على تاريخ بينتها (بكون الترجيح لبينته) قيل: لرجحان ما على بينتها بأنها تنكر ما هو فعله الذى هو أعلم به من غيره، إذ لعله عقد على الاولى قبل العقد عليها وهى لا تعلم، وإن كان هو مع أنه أخص من المدعى لا يخلو من نظر بل منع، ولخبر الزهري (1) عن علي بن الحسين عليه السلام " في رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها بولي وشهود وأنكرت المرأة ذلك، وأقامت أخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنه تزوجها بولي وشهود ولم توقت وقتا، فقال: إن البينة بينة الزوج، ولا تقبل بينة المرأة، لان الزوج قد استحق بضع هذه، وتريد أختها فساد هذا النكاح، فلا تصدق ولا تقبل بينتها إلا بوقت قبل وقتها أو دخول بها " والمناقشة فيه بالضعف يدفعها عمل الاصحاب به من غير خلاف يعرف على ما اعترف به غير واحد عداما عن المصنف في النكت، بل عن بعض دعوى الاجماع عليه. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن الصور حينئذ في إقامتها البينتين اثنتا عشرة، لانهما إما أن تكونا مطلقتين، أو مؤرختين أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة، وعلى تقدير كونهما مؤرختين إما أن يتفق التاريخان أو يتقدم تاريخ بينته أو تاريخ بينتها، وعلى التقادير الستة إما أن يكون قد دخل بالمدعية أولا، يقدم قولها في سبعة منها، وهى الستة المجامعة للدخول مطلقا باعتبار ظهوره في الزوجية وإن كان قد يمنع ظهوره في ذلك، أللهم إلا أن يفرض اقترانه بما يفيد ذلك، وواحدة من الستة الخالية عنه وهى ما لو تقدم تاريخها، ويقدم قوله في الخمسة الباقية، كما ظهر لك أيضا أن الصور في غير الحال المفروض ستة هي عدم إقامة أحد منهما البينة أو إقامة الرجل دونها أو بالعكس، والثلاثة مع الدخول وعدمه، وقد عرفت الحكم فيها جميعا، فتكون الصور حينئذ ثمان عشرة. لكن في المسالك في شرح قول المصنف هذا الحكم مشهور بين الاصحاب لا يظهر


(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

[ 162 ]

فيه خلاف بينهم، وهو مخالف للقواعد الشرعية في تقديم بينة الرجل مع إطلاق البينتين أو تساوى التاريخين، لانه منكر، ويقدم قوله مع عدم البينة، ومن كان القول قوله فالبينة بينة صاحبه، وفيه أنه منكر بالنسبة الى دعوى المدعية، لا بالنسبة الى من ادعى عليها الزوجية المفروض إنكارها، فانه مدع صرف، نعم قيل: ترجح هذه البينة على بينتها بعد فرض عدم إمكان الجمع بينهما للتنافي بأنها على فعل لا يعلم إلا من قبله، بل لو فرض تصديق الاولى أمكن ترجيح بينته أيضا بأن يقال: إن الاختين حينئذ متداعيان، كل منهما يدعي زوجية الرجل، فمع فرض تصديقه لاحدهما ترجح بينتها على الاخرى باقراره لها بالتزويج، نعم لو لم يكن إقرار منه أشكل تقديم إحدى البينتين على الاخرى مع فرض التنافي وعدم الترجيح، وحينئذ يتجه الرجوع الى القرعة التى هي لكل أمر مشكل، والتحقيق أن الترجيح لما ستعرفه لا لذلك، نعم قد يشكل ترجيح بينتها بالدخول الذى قد عرفت أعميته من النكاح خصوصا مع سبق البينة الرجل في التاريخ لبينتها، فليس حينئذ إلا للتعبد للخبر المزبور، لا للقواعد. أللهم إلا أن يفرض اقتران الدخول بقرائن تقتضي تكذيب بينته. وكيف كان ففى القواعد وجامع المقاصد والمسالك وغيرها أن الاقرب الافتقار في قطع الدعوى الى اليمين ممن قبلت بينته، أما الرجل فلان بينته إنما هي لاثبات ما ادعاه على المرأة الاولى، وبينه وبين أختها دعوى اخرى هو فيها منكر، فلا بد من اليمين لقطع دعواها، ولا يضر إقامتها البينة، لعدم المنافاة، لا مكان سبق العقد، وأما المرأة فيمينها على نفي العلم، لاحتمال علمها بقدم العقد على الاولى، ولتعارض البينتين في أنفسهما بالنظر الى المرأتين. وإن كانت هي مدعية خاصة والدخول إنما كان مرجحا لا مسقطا للبينة المقابلة فيبقى التعارض حينئذ إلى أن تحلف، وليس في ذلك خروج عن النص، إذ غايته ترجيح البينة، وهو لا ينافي إيجاب اليمين، نعم لا يمين مع كون البينة بالسبق، ضرورة اقتضائها حينئذ بطلان البينة المقابلة، وقد يشكل ذلك في المرأة

[ 163 ]

بأن يمينها مع أنه على نفى العلم الذى لا يفيد رفع الاحتمال انما يتوجه إذا ادعى عليها العلم على الاصح، على أنه لا وجه لليمين مع البينة المرجحة شرعا بالدخول، ضرورة كونه كباقي مرجحات البينات من الاعدلية وغيرها التى لا يحتاج معها الى يمين، والنص كالصريح، سيما قوله عليه السلام: " فلا تصدق " في عدم الحاجة الى اليمين، وإلا لكان فيه تأخير بيان عن وقت الحاجة، فلعل القول بعدم الاحتياج إليه مع قبول بينتها لا يخلو من قوة، ودعوى قاعدة وجوب اليمين على كل من قوى جانبه لا دليل عليها، مع أن مقتضاها اليمين على مضمون البينة كما عساه يوهمه بعض العبارات، وهو واضح البطلان، ولذا صرح في كشف اللثام بكون اليمين من ذى البينة على الوجه الذى تقدم، وفيه ما عرفت، واحتمال كون المراد صيرورة قوى الجانب منكرا فيتوجه عليه اليمين لذلك واضح الفساد، بل وكذا بالنسبة الى الرجل أيضا حال قبول بينته لما عرفت، وكونه منكرا بالنسبة الى دعواها لا يستلزم ثبوت اليمين بعد أن أقام بينة تشهد على صحة إنكاره وصدقه فيه، خصوصا مع فرض سبق تاريخها، هذا. ومن التأمل فيما ذكرنا يعلم أن الوجه انسحاب حكم المسألة الى مثل الام والبنت لو ادعى زوجية إحداهما وادعت الاخرى زوجيته، ضرورة عدم مدخلية الاخوة فيه، بل انما هو لتحريمه، وهو مشترك بين الجميع، مضافا الى ما عرفته من موافقة الحكم للقواعد الشرعية في الجملة التى لا فرق فيها بين الجميع كما يؤمى إليه التعليل في الخبر، ضرورة ظهوره في ذلك لا التعبد، ولعله لان المراد أن الزوج باعتبار دعواه استحقاق بضع الاخت كان هو المدعى الذي وظيفته البينة بخلافها، فان دعواها الزوجية ليست دعوى عليه من حيث عقد النكاح الذى هو بمعنى مملوكية بضعها له، وهى ليست دعوى عليه من هذه الجهة، نعم هي مدعية من جهة اللوازم المشتركة بينها وبينه، ويزيد الرجل بدعوي الملكية للبضع بخلافها، ومن هنا قال عليه السلام: " البينة بينة الرجل " فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع، بل قد يدعى ظهور الخبر في التعدية، للتعليل وإن كان مخالفا للقواعد، وحينئذ فما في المسالك -

[ 164 ]

من احتمال عدم الانسحاب بل جزم به في جامع المقاصد وكشف اللثام لكون الحكم على خلاف الاصل فيقتصر على مورده - لا يخفى ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه. المسالة (التاسعة) (إذا عقد على امرأة فادعى آخر) عليها (زوجيتها لم يلتفت الى دعواه) عليها (إلا مع البينة) قال يونس (1) " سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها لك زوج ؟ فقالت: لا، فتزوجها، ثم إن رجلا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج ؟ قال: هي امرأته إلا أن يقيم البينة " ونحوه مكاتبة الحسين بن سعيد (2) وفي خبر عبد العزيز بن المهتدى (3) سألت الرضا عليه السلام قلت له: " إن أخى مات وتزوجت امرأته، فجاء عمى فادعى أنه كان زوجها، فسألتها عن ذلك فأنكرت أشد الانكار، وقالت: ما كان بينى وبينه شئ قط، فقال: يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها " ولا ينافي ذلك مضمر سماعة (4) " سألته عن رجل تزوج امرأة أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه امرأتي، وليست لى بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل " بعد أن كان محمولا على ضرب من الاستحباب للاحتياط، إذ لم نجد عاملا به. وعلى كل حال فظاهر المصنف بل قيل والاكثر أنه لو فرض عدمها كانت دعواه عليها مثلا باطلة، لا يتوجه لها عليها اليمين وإن كانت هي منكرة، إذ اليمين انما تتوجه على المنكر الذى لو اعترف لزمه الحق باعترافه، والامر هنا ليس كذلك، ضرورة أنها لو صادقت المدعي على دعواه لم تثبت الزوجية، لكونه في حق الغير، وهو الزوج المالك بضعها بالعقد المفروض، فلا يقبل قول الغير في إسقاطه،


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (2) أشار إليها في الوسائل الباب - 23 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3 وذكرها في التهذيب ج 7 ص 477 الرقم 1914. (3 و 4) الوسائل الباب - 23 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1 - 2.

[ 165 ]

ومنه يعلم عدم إمكان ردها اليمين عليه، لان اليمين المردودة إن كانت كالاقرار وقد عرفت حكمه، وإن كانت كالبينة فهى بالنسبة الى المتداعيين دون غيرهما، وهو هنا الزوج. لكن قد يناقش بأنه مناف لعموم قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " (1) ونحوه، ودعوى كون المتبادر منه لزوم الحلف لقطع أصل الدعوى المعلوم عدمه هنا لمكان حق الزوج لا اللوازم ممنوعة على مدعيها، ولذا سمعت على من باع المال ونحوه، كدعوى أن العمدة في التعدية الى اللوازم الاجماع، وليس لظهوره إطلاق عبائر الاكثر في عدم السماع مطلقا، ضرورة كون التعدية لظاهر النصوص، وستعرف المراد باطلاق الاكثر، وليس في النص إلا قوله عليه السلام: " هي امرأته حتى يقيم البينة " وهو كذلك، فان اليمين المردودة لا تخرج به عن الزوجية التى تعلق بها حق الغير، وحينئذ فيتوجه له اليمين، كما يتوجه لها الرد عليه وإن لم يسمع ذلك في حق الزوج، لكن فائدته على تقدير الاقرار وما في حكمه ثبوت مهر المثل على الزوجة للمدعي، لحيلولتها بينه وبين البضع بالعقد الثاني، كما لو باع شيئا على أنه له، ثم أقر به لزيد، فاننه يغرم للمقر له عوضه مثلا أو قيمته، وعلى تقدير رد اليمين على المدعى أو نكولها عن اليمين والقضاء للمدعي بالنكول أو مع اليمين فالحكم كذلك، ومن هنا ذهب جماعة كما قيل الى قبول الدعوى وإن لم تكن ثم بينة، ومال إليه في المسالك، لكن قال: " مبنى القولين على أن منافع البضع هل تضمن بالتفويت أم لا ؟ وقد اختلف فيه، فحكموا بضمانه تارة، وبعدمه اخرى، نظرا الى أن حق البضع متقوم شرعا فمن أتلفه وجب عليه عوضه، وهو المهر، والتفاتا إلى أنه ليس مالا للزوج، وإنما حقه الانتفاع به، ومنافع الحر لا تضمن بالفوات، لانها لا تدخل تحت اليد، وينبه (على الاول) حكمهم بوجوب مهر المثل لمن انفسخ نكاحها بارضاعها من يفسد النكاح، ووجوب دفع المهاجرة


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفيه الحكم الحديث 5 من كتاب القضاء وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ".

[ 166 ]

مسلمة الى زوجها الكافر المهر، للحيلولة بينه وبينها بالاسلام، وهو قائم هنا، و (على الثاني) عدم وجوب مهر للزانية ولا لزوجها، وثبوت مهر المثل لها في وطء الشبهة دونه - ثم قال - والقول بسماع الدعوى وثبوت الغرم متجه عملا بالقاعدة المستمرة من ثبوت اليمين على من أنكر، وزجرا عن الاقدام على مثل ذلك ". قلت: ستعرف في الرضاع أن الاقوى عدم مالية البضع، وأن ثبوت المهر في بعض المواضع للدليل، لعدم عده مالا لغة ولا شرعا ولا عرفا، لكن قد يقال بسماع الدعوى وإن لم نقل بماليته ولا بثبوت الغرم للحيلولة، بل للعموم السابق، ولان إقرارها حقيقة أو حكما يثمر ثبوت الزوجية مع توجيه الدعوى على الزوج، فتثبت الزوجية حينئذ باقرارهما أو نكولهما أو اليمين المردودة، بل قد تثبت في حقه أو حقها، ويترتب على ذلك أحكام كثيرة ولو باتفاق فراق الزوج الثاني أو موته عنها أو غير ذلك، كما أنها لو أقرت هي مثلا لم يكن لها مطالبة العاقد بمهر ولا نفقة ولا قسم، إلا أن تدعي الشبهة الممكنة في حقها، فليس مبنى القولين حينئذ ما ذكره. ومن ذلك يعلم حينئذ أن الدعوى تتوجه على الزوج والمرأة معا، إذ لا يعتر في المدعى عليه الاتحاد، فان اتفقا على الحلف أو الرد فلا كلام، وإن اختلفا كان لكل حكمه، كالاقرار منهما أو من أحدهما، ولا فرق في ذلك بين اتحاد المجلس وعدمه، كما هو واضح، كما أن منه يعلم ما في المتن إن كان مراده عدم سماع الدعوى أصلا إلا مع البينة على وجه لم يتوجه له يمين لا على الزوج ولا على المرأة، كما جزم به في المسالك، حتى قال: " إنما جعل المصنف موضوع المسألة الدعوى على المعقود عليها، ليرتب الجزم بعدم سماع الدعوى نظرا الى ما سمعته أولا، فانها لو كانت خلية لسمعت قطعا، وترتب عليها اليمين مع الانكار، ولزوم العقد بالاقرار، وثبوت النكاح لو نكلت، أورد عليه اليمين فحلف " وفيه أنه يمكن إرادة المصنف هنا والنافع وغيره ما سمعته في النص من عدم ثبوت دعواه مطلقا إلا مع البينة، فانها حجة على كل من الزوج والامرأة بخلاف اليمين من كل واحد منهما، فان النكول

[ 167 ]

عنه إنما يثبت في حقه لا في حق الاخر، ولعله لذا قال في القواعد: ولو ادعى زوجية امرأة لم يلتفت إليه إلا بالبينة سواء عقد عليها غيره أم لا، ضرورة معلومية توجه اليمين عليها مع عدم العقد، مع أنه نفى الالتفات الى الدعوى إلا مع البينة. وعلى كل حال ففى المسالك أيضا مما يتفرع على الخلاف الاول جواز العقد على هذه، أي الخلية لغير المدعي قبل انتهاء الدعوى وعدمه، فان قلنا بسماعها بعد التزويج وترتب فائدتها السابقة صح العقد الثاني، وتثبت الدعوى بحالها، لكن العقد الثاني يفيد سقوط تسلط المدعى على البضع، فيحتمل لذلك عدم جواز العقد حتي ينهي الاول دعواه، لسبق حقه، فلا يسقطه الثاني بعقده، نعم لو تراخى الاول في الدعوى أو سكت عنها فجواز العقد أجود حذرا من الاضرار المترتب على المنع، فان الزوج إذا علم بعدم إقدام أحد عليها أمكن أن يؤخر دعواه لذلك، ليطول الامر عليها، ويتوجه عليها الضرر بترك التزويج، فيكون وسيلة إلى الرجوع إليه، وهو يستلزم الحرج والاضرار المنفيين بالاية (1) والرواية (2) وإن قلنا بعدم سماع الدعوى على المعقود عليها أصلا كما ذهب إليه المصنف اتجه عدم جواز تزويجها إلى أن يخرج من حقه بانتهاء الدعوى، ويشكل الامر حينئذ لو ما طل بها وقصد ما ذكرناه، ولعل الجواز حينئذ مطلقا قوي. قلت: قد عرفت عدم سقوط الدعوى بالتزويج عندنا وإن تعدد المدعى عليه به، وعدم تسلط المدعى البضع لو فرض نكول المرأة عن اليمين لا يقتضي عدم جواز التزويج للامرأة الخلية شرعا، بل لو قلنا بسقوط الدعوى منه أصلا أمكن القول بجواز التزويج لذلك، وأقصاه أنه توصلت الامرأة إلى إسقاط دعواه بطريق محلل، كما أن الرجل قد تزوج امرأة خلية شرعا وإن ترتب على ذلك سقوط دعوى المدعى، واحتمال أن مجرد الدعوى يمنعها من التزويج ومن الاقدام عليها


(1) سورة الحج: 22 - الاية 78. (2) الوسائل الباب - 12 - من كتاب احياء الموات.

[ 168 ]

كما ترى وإن لم يطل السكوت الذى تتضرر به المرأة. المسألة (العاشرة) (إذا تزوج العبد بمملوكة ثم أذن له المولى في ابتياعها فان اشتراها لمولاه فالعقد باق) للاصل (وإن اشتراها لنفسه باذنه أو ملكه إياها بعد ابتياعها) له (فان قلنا العبد يملك) مطلقا أو في نحو الفرض (بطل العقد) كما يبطل نكاح الحر للامة إذا اشتراها، لظهور قوله تعالى (1): " إلا على أزواجهم " وغيره في منع الجمع بين سببي الوطء وانقطاع الشركة بينهما، فيكون كل واحد منهما مؤثرا تاما في إباحة الوطء، ففى حال الاجتماع إما أن يرتفع تأثيرهما، وهو معلوم الفساد أو يكون المؤثر واحدا وليس هو إلا الطارى فما في المسالك - من المناقشة في ذلك بأن علل الشرع معرفات، فلا يضر اجتماعها - يدفعه ما عرفته من ظهور الادلة هنا في كونها في الفرض كالعلل العقلية بالنسبة الى ذلك، نعم قد يناقش في ترجيح الطارئ بعدم ما يقتضى ترجيحه، بل لعل الاول أرجح باعتبار سبق تأثيره، فلا يصادف الثاني موضوعا للتأثير، فيتجه بطلان البيع حينئذ لا النكاح، أللهم إلا أن يقال: الاجماع على صحة البيع يرفع ذلك، أو يقال: إن السبب نفسه أقوى في التأثير من استدامة الاول، أو غير ذلك مما يتجه معه حينئذ بطلان النكاح فيما نحن فيه، بناء على ملكية العبد. لكن هل يستبيحها بغير إذن جديدة من المولى إما بلملك أو بالاذن الضمنية المستفادة من الاذن في شرائها لنفسه أم لا ؟ وجوه، أقواها الاخير، للحجر عليه في التصرف وإن قلنا بملكيته، والاذن في شرائها له لا يقتضي الاذن في التصرف إلا مع القرائن التى لا إشكال معها في الجواز، ولا يشكل بأنها وقعت منه في حال عدم الاذن له باعتبار كونها في ملك غيره نحو ما قيل في الوكالة على ما لا يملكه


(1) سورة المؤمنون 23 - الاية 6.

[ 169 ]

الموكل، ضرورة اندفاعه فيهما بأنه سائغ فيما هو تابع، كالوكالة على شراء دار وبيعها بعد الشراء ونحو ذلك، لاطلاق أدلة الوكالة كما هو واضح. هذا كله على القول بملكية العبد (وإلا) نقل بملكيته لمثل ذلك (كان) العقد (باقيا) لعدم وجود ما ينافيه بلا إشكال إذ الابتياع المزبور إما أن يكون فاسدا لوقوعه للعبد المفروض عدم قابليته للملك أو للمولى حينئذ كما عن بعضهم، لان إذنه فيه للعبد تضمن أمرين: مطلق الشراء وكونه مقيدا بالعبد، فإذا بطل المقيد بقي المطلق المدلول عليه بالمقيد ضمنا، لكن في المسالك النظر في الثاني بأنه لا يلزم من الاذن في الشراء للعبد الاذن فيه للمولى، وبقاء المطلق مع انتفاء المقيد في مثل هذه المواضع ظاهر المنع، ومن الجائز أن يرضى المولى بتملك الامة المعينة للعبد، ولا يرضى بتملكها لنفسه، فعدم صحة العقد أصلا قوي، وهو متجه إن لم نقل بلغو نيته أنه للنفس بعد أن كان الشراء المأمور به لا يقع لها، نحو قول القائل: " اشتر بعين مالي كذا لنفسك " ونحو الشراء بعين المال المملوك للمشتري مثلا للغير، كما أوضحناه في دين المملوك عند تعرض المصنف له. وعلى كل حال فالذي ينبغي أن يكون محلا للنظر والتأمل ما لو أذن المولى للعبد في ابتياع الامة له غير ملاحظ الملكية والاختصاص وشراها للعبد كذلك، بل قصد القدر المشترك ببينهما دون الاذن صريحا أو ظاهرا في شرائها للمولى والانتفاع بها للعبد، فان ذلك لا إشكال في صحته، ودون الاذن في شرائها له على جهة الملكية له، فان ذلك لا إشكال في الفساد معه بناء على عدم ملكه إلا على الاحتمال السابق، والمتجه فيه الصحة، لكون العبد مأذونا في أصل الابتياع المنصرف واقعا وشرعا الى من هو أهله دون العبد، من غير حاجة الى قصد العبد، بل قد يتجه ذلك مع قصد العبد نفسه، فانه لا يؤثر في الانصراف المزبور بعد فرض عدم قابليته للتملك. فضلا عن عدم القصد، والاقتصار على نية الشراء بالاذن الصادرة من المولى، واحتمال الفساد - بعدم قصد العبد كونه للمولى أوله - يدفعه منع اعتبار ذلك في صحة البيع، ضرورة كون ذلك في الفرض من الاحكام الشرعية التى لا مدخلية فيها للنية، هذا

[ 170 ]

وقد تقدم البحث في نظير هذه المسألة في باب دين المملوك من هذا الكتاب، فراجعه ثمة، فانه تحقيق بما لا مزيد عليه. (و) كيف كان ف‍ (لو تحرر بعضه واشترى زوجته بطل النكاح بينهما سواء اشتراها بمال ينفرد به أو مشترك بينهما) لانه صار مالكا لها أو لبعضها، فيبطل عقد النكاح فيها أو فيما يخصه، والعقد لا يتبعض، نعم لا يصح له وطؤها في الثاني، لان البضع لا يتبعض بخلاف الاول الذي يملكها تماما عليه، كما هو واضح والله العالم. (الفصل الثالث) (في أولياء العقد) (وفيه فصلان:) (الاول) (في تعيين الاولياء، لا ولاية) عندنا (في عقد النكاح لغير الاب والجد للاب وإن علا والمولى والوصي والحاكم) بل الاجماع بقسميه عليه في غير الام وآبائها، بل وفيهم، لما تعرفه من ضعف الخلاف في ذلك، وأولوية العم والاخ منهم مع التصريح في النصوص بنفي ولايتهما، ففى المرسل (1) عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه أبطل تزويج قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان " وفي صحيح محمد بن الحسن الاشعري (2) " كتب بعض بنى عمى الى أبى جعفر عليه السلام ما نقول في صبية زوجها عمها، فلما كبرت أبت التزويج، فكتب عليه السلام بخطه: لا تكره على ذلك، والامر أمرها " نعم


(1) سنن الدارقطني ج 3 ص 230 (كتاب النكاح الحديث 36 و 37 و 38 و 39). (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2.

[ 171 ]

في خبر أبى بصير (1) " ان الذى بيده عقدة النكاح هو الاب والاخ والرجل يوصى إليه والذى يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري " وفي مرسل الحسن بن (2) على " الاخ الاكبر بمنزلة الاب " لكنه منزل على ضرب من التقية أو على إرادة الولاية العرفية، بمعنى هؤلاء وأشباههم الذين ينبغى لها عدم مخالفتهم إذا لم يضاروها، أو غير ذلك مما لا ينافي الاجماع عندنا على انحصار الولاية بالقرابة فيهما، وما عن ابن أبى عقيل من أن الولي الذى هو أولى بنكاحهن هو الاب دون غيره من الاولياء، لحصر بعض النصوص (3) الولاية فيه مع عدم قدح خلافه في الاجماع، فهو محجوج به، و بالنصوص المشتملة على ثبوت الولاية لهما (4) وعلى تقديم الجد عند التعارض (5) المعتضدة بالشهرة والاجماع بقسميه عليه المخصصة بها بعض نصوص الحصر غير صريح في المخالفة، لاحتمال إرادة ما يشمل الجد من الاب. (و) لكن (هل يشترط في ولاية الجد بقاء الاب ؟ قيل) والقائل الصدوق والشيخ وبنوا الجنيد والبراج وزهرة وأبو الصلاح وسلار: (نعم مصيرا الى رواية لا تخلو من ضعف) في السند - وإن كانت من الموثق - والدلالة وهي رواية الفضل بن عبد الملك (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز " فانها - مع كون الدلالة فيها بمفهوم الحال أو الصفة على ما قيل وإن كان فيه أنها من مفهوم الشرط - لارادة بيان الجواز في هذا الحال فضلا عن حال موت الاب ردا علي من اعتبر موت الاب في ثبوت ولاية الجد من العامة، ومن هنا كان الوجه انه لا يشترط للاستصحاب في بعض الافراد، ولان الجد له


(1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4 - 6. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 5. (4 و 5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث. (6) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 172 ]

ولاية المال إجماعا، فيثبت له ولاية النكاح كالاب، للخبر السابق (1) في تفسير من بيده عقدة النكاح، ولصحيح ابن سنان (2) عن الصادق عليه السلام فيها أيضا قال: " هو ولي أمرها " ولا خلاف في أن الجد ولي أمر الصغيرة في الجملة، وموثق عبيد (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها من رجل، فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الاب زوجها قبله، ويجوز عليها تزويج الاب والجد " الدال على قوة ولاية الجد من ولاية الاب، فلا يؤثر فيها موت الاضعف كالعكس، بل هو أولى، مضافا الى إطلاقه جواز تزويج كل منهما عليها. (و) من هنا كان (الوجه أنه لا يشترط) في ولايته بقاؤه ولا موته، وإن ذهب الى الاخير بعض العامة، بل لعله أقرب من الاول الذى مال إليه الاصبهاني في كشفه محتجا عليه بضعف الادلة من الطرفين، والاصل عدم الولاية إلا فيما أجمع عليه، وهو عند حياة الاب، وهو منه غريب بعد ما عرفت، والمراد من الجد للاب ما هو منساق منه عن أب الاب وهكذا فلا يندرج فيه أب أم الاب للاصل وغيره، لكن عن التذكرة الوجه أن جد أم الاب لا ولاية له مع جد أب الاب، ومع انفراده نظر، وفيه ما لا يخفى. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه (تثبت ولاية الاب والجد للاب على الصغيرة وإن ذهبت بكارتها بوطء أو غيره) ضرورة كون المدار في ولايتهما عليها صغرها لا بكارتها (و) حينئذ ف‍ (لا خيار لها) لو عقداها أو أحدهما (بعد بلوغها على أشهر الروايتين) (4) رواية وعملا، بل لم أجد عاملا بالرواية المخالفة، بل لا بأس بوصفها بالشذوذ الذى أمرنا بالاعراض عن أمثالها معه، قال عبد الله بن الصلت في الصحيح: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها


) (1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4 - 2. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 7 - 8. (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3.

[ 173 ]

ألها أمر إذا بلغت ؟ قال: لا " ومحمد بن بزيع (1) في الصحيح أيضا " سألت الرضا عليه السلام يزوجها أبوه ثم يموت وهي صغيرة ثم تكبر قبل أن يدخل بها زوجها أيجوز عليها التزويج أو الامر إليها ؟ قال: يجوز عليها تزويج أبيها " ومثلها صحيح ابن يقطين (2) وغيره مضافا الى الاصل وتطابق الفتاوى على وجه لم يظهر فيه مخالف كما اعترف به في المسالك، بل في غيرها الاجماع عليه. (و) كذا (لو زوج الاب أو الجد الصغير لزمه العقد، ولا خيار له مع بلوغه ورشده على الاشهر) بل المشهور، للاصل وغيره، بل ربما استدل عليه بصحيح الحلبي (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين ؟ فقال: أما التزويج فصحيح، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك " وبصحيح محمد بن مسلم (4) عن أبى جعفر عليه السلام " في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان ؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم، قلت: فهل يجوز طلاق الاب ؟ قال: لا " وخبر عبيد بن زرارة (5) عن أبى عبد الله عليه السلام المروى في محكي البحار عن كتاب الحسين بن سعيد " في الصبى يتزوج الصبية هل يتوارثان ؟ فقال: إن كان أبواهما اللذان زوجاهما حيين فنعم، قلنا فهل يجوز طلاق الاب ؟ قال: لا " إذ لو كان نكاحهما موقوفا على إجازتهما بعد البلوغ لم يتوارثا صغيرين، لكن فيه أن مجرد الحكم بالصحة والتوارث لا يدل على نفي الخيار، لان ما فيه الخيار نكاح صحيح يترتب عليه الاحكام من توارث وغيره، بخلاف الفضولي الذى لا يترتب عليه الاحكام حتى يجيز، أللهم إلا أن يقال: إن إطلاق الصحة وإشعار الاقتصار على الطلاق فيما بعد البلوغ ظاهر في اللزوم


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1 - 7. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 4 من كتاب الارث. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (5) البحار ج 203 ص 330 الطبع الحديث عن " ين " الذى هو رمز عن

[ 174 ]

الذي يكفي فيه كونه مقتضى الاستصحاب، وآية " أوفوا " (1) وغيرهما. خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية وبني البراج وحمزة وإدريس من أن له الخيار بعد البلوغ، لتطرق الضرر إليه باعتبار إثبات المهر في ذمته والنفقة من غير ضرورة تقتضي ذلك حال الصبا، بخلاف الصبية التى يثبت لها ذلك لا عليها، ولخبر الكناسي (2) عن الباقر عليه السلام " إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار، إذا أدرك أو بلغ خمس عشرة سنة " إلا أن الاول مع أنه مجرد اعتبار يدفعه منع عدم المصلحة في ذلك، خصوصا مع كون المهر في ذمة الاب، والثاني - مع ضعفه سندا بل ودلالة، لاحتمال الخيار بالطلاق أو بالعيب أو نحو ذلك - قد أعرض عنه المشهور، فلا يصلح مثلهما مخصصين لقاعدة اللزوم المؤيدة بالاشعار والشهرة المتقدمتين، بل ربما ظهر من المسالك نفي ظهور الخلاف فيه أيضا كالصبية نعم في صحيح ابن مسلم (3) " سألته عن الصبي يتزوج الصبية، قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، لكن لهما الخيار إذا أدركا " إلا أنه - مع اشتماله على الصبية التي قد عرفت تظافر النصوص والاجماع على نفي الخيار لها - محتمل للخيار بالطلاق أو العيب أو العقد بعنوان الفضولي لا الولاية أو نحو ذلك مما تسمعه فيما يأتي إن شاء الله. (و) كيف كان ف‍ (هل تثبت ولايتهما على البكر الرشيدة ؟ فيه روايات أظهرها سقوط الولاية عنها وثبوت الولاية لنفسها في الدائم والمنقطع، و) حينئذ ف‍ (لو زوجها


كتاب الحسين بن سعيد الا أن في التعليقة أخرجه عن نوادر محمد بن عيسى كما رواه في المستدرك في الباب - 5 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3 والباب - 11 - منها الحديث 2. (1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 9 - 8.

[ 175 ]

أحدهما لم يمض عقده إلا برضاها) كالاجنبي وكالولد الرشيد، وكالثيب الرشيدة التي لا خلاف يعتد به على ما اعترف به في المسالك في انتفاء الولاية عليها، إذ هو في خصوص ولاية النكاح على البكر الكاملة التي لم تتزوج، أو تزوجت ولم توطأ، أو وطئت دبرا، أو ذهبت بكارتها بغير الجماع قبل البلوغ، وبعده على قول وكان لها أب أو جد له كامل حاضر، أما إذا لم يكونا أو كانا غائبين غيبة منقطعة أو ناقصين بجنون أو رق أو كفر مع إسلامهما فلا ولاية لاحد عليها إجماعا محكيا إن لم يكن محصلا. كما أن المشهور في محل البحث نقلا وتحصيلا بين القدماء والمتأخرين سقوط الولاية عنها، بل عن المرتضى في الانتصار والناصريات الاجماع عليه. للاصل الذى لا ينافيه ثبوت الولاية حال النقص بالصغر، ضرورة تغير الموضوع، ولذا انتفت الولاية عنها في غير النكاح حتى التصرف ببدنها بعلاج ونحوه. وظاهر قوله تعالى (1) في المعتدات من الوفاة: " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " كقوله تعالى فيهن (2) أيضا: " فان خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف " وقوله تعالى فيهن (3): " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا " بل قيل: وقوله تعالى: (4) " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " المراد منه أن مطلق المنع عضل لا الاستقلال بالنكاح حال العضل، وإن كان فيه ما فيه، وغير ذلك مما ظاهره استقلالها بالولاية ولو لبعض أفراد البحث، وهو من تزوجت ووطئت دبرا ويتم بعدم القول بالفصل، وصلاحية النسبة بدون الاستقلال لا ينافي ظهورها فيه، كما لا ينافي غلبة اتفاق


(1 و 2) سورة البقرة: 2 - الاية 240 234. (3 و 4) سورة البقرة: 2 - الاية 230 - 232.

[ 176 ]

بعض الافراد حجية ظاهر اللفظ في غيرها بعد فرض عدم تبادر التقييد، ووجود الخلاف لا ينافي تحصيل الاجماع فضلا عن حكايته. وصحيح الفضلاء أو حسنهم (1) عن الباقر عليه السلام " المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها أن تزويجها بغير ولي جائز " والمناقشة فيه - بمنع كون البكر مالكة أمرها وغير مولى عليها، ومنع إفادة المفرد المعرف العموم، وعدم ظهور المراد في ملك النفس والفائدة في الجمع بين السفيهة والمولى عليها - واضحة الدفع، ضرورة ظهور كون المراد ملك النفس بغير النكاح كى يصح الاخبار عنها بالجملة الاخيرة وحينئذ يتجه اندراج محل البحث فيها خصوصا بعد ملاحظة قول الباقر عليه السلام في خبر زرارة (2) عنه " إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشترى وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت فان أمرها جائز، تتزوج إن شاءت بغير إذن وليها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليها ". ومنه يعلم حينئذ أن المراد بوصفها بغير السفيهة التوضيح للمراد بملكها نفسها من كونها رشيدة، ويحتمل إرادة الكناية بذلك عن البلوغ، فيتجه تقييدها حينئذ بكونها غير سفيهة ولا مولى عليها بسبب الجنون، فيكون الحاصل أن المرأة إذا بلغت رشيدة جاز تزويجها بغير ولي، ولا ينافي ذلك قول الصادق عليه السلام في خبر أبي مريم وغيره (3): " الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلا باذن أبيها وقال: إذا كانت مالكة لامرها تزوجت متى شاءت " بدعوى ظهوره في اعتبار عدم الاب في ملك الامر، إذ ليس هو بأولى من كون المراد أنها وإن كانت مالكة أمرها لا تتزوج إلا باذن أبيها إذا كان لها أب مراعاة للوالدية، وحفظا له من عيب الناس، خصوصا بعد عقله ومعرفته بالرجال، وائتمانه وغلبة محبة الرجل الكامل صهرا، والجمع بين


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب عقد النكاح الحديث 6. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 11)

[ 177 ]

السفيهة والمولى عليها لعدم اندراج الاولى في الثانية إذا فرض عدم رشدها في خصوص النكاح وما يشبهه، لا سفها ماليا، فان السفيهة في المال خاصة لا دليل على اعتبار اذن الولى في التزويج الذي هو تصرف غير مالي، والمفرد المعرف باللام للطبيعة المراد منها عموم الافراد هنا، نحو " أحل الله البيع " (1) فلا إشكال حينئذ في دلالة الصحيح المزبور وإن أطنب فيه في المسالك لكنه لا يخفى ما فيه على من تأمله. وصحيح منصور بن حازم عنه عليه السلام أيضا " تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلا بأمرها ". وخبر سعدان بن مسلم (3) عن الصادق عليه السلام " لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير اذن وليها ". وخبر عبد الرحمان (4) عنه عليه السلام أيضا " تتزوج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لامرها، فان شاءت جعلت وليا ". والمرسل عن ابن عباس (5) " إن جارية بكرا جاءت الى النبي صلى الله عليه واله، فقالت: إن أبى زوجنى من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة، فقال صلى الله عليه واله: أجيزى (اخترى خ) ما صنع أبوك، فقالت: لا رغبة لي فيما صنع أبي، قال: فاذهبي فانحكى من شئت، فقالت: لا رغبة لى عن ما صنع أبى ولكن أردت أن اعلم النساء أن ليس للاباء في امور بناتهم شئ ". وخبره الاخر عنه صلى الله عليه واله أيضا " الايم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها ".


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 275. (2 و 3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1 - 4. (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 8. (5) سنن ابن ماجه ج 1 ص 578. (6) سنن البيهقى ج 7 ص 118.

[ 178 ]

وصحيح البزنطي (1) عن أبى الحسن عليه السلام " في المرأة البكر إذنها صماتها، والثيب أمرها إليها ضرورة عدم اعتبار إذنها لو كانت مولى عليها، أللهم إلا أن يكون المراد أن إذنها حيث تعتبر صماتها بخلاف الثيب، فيخرج حينئذ هو ونظيره عن الاستدلال. وخبر صفوان (2) قال: " استشار عبد الرحمان موسى بن جعفر عليه السلام في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: افعل ويكون ذلك برضاها، فان لها في نفسها نصيبا، قال: واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر عليه السلام عن تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: افعل ويكون ذلك برضاها، فان لها في نفسها حظا ". وخصوص خبر الحلبي (3) عنه عليه السلام " سألته عن المتعة بالبكر بلا إذن أبويها، قال: لا بأس ". وخبر القماط (4) " سأل عن المتعة بالبكر مع أبويها، قال: لا بأس، ولا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب ". ومرسل أبى سعيد (5) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: جارية بكر بين أبويها تدعوني الى نفسها سرا من أبويها فأفعل ذلك ؟ قال: نعم واتق موضع الفرج، قال: قلت: فان رضيت بذلك، قال: وإن رضيت، فانه عار على الابكار ". وخبر محمد بن مسلم (6) " سألته عن الجارية يتمتع فيها الرجل، قال: نعم إلا أن تكون صبية تخدع، قال: قلت: أصلحك الله فكم الحد الذى إذا بلغته لم تخدع ؟ قال: بنت عشر سنين ".


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب المتعة الحديث 9 - 6 - 7 مع الاختلاف في لفظ الثاني. (6) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المتعة الحديث 4.

[ 179 ]

ولا يعارض ذلك صحيح أبى مريم (1) عن الصادق عليه السلام " العذراء التى لها أب لا تتزوج متعة إلا باذن أبيها " بعد قصورها عن المعارضة من وجوه، فلا بأس بحمله على الكراهة أو الحرمة من جهة العوارض الاخر كما أومأ إليه الصادق عليه السلام في خبر ابن البخترى (2) عنه " في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها " وسأل أبو الحسن الابادي الحسين بن روح لم كره المتعة بالبكر ؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه واله (3): " الحياء من الايمان " والشروط بينك وبينها فإذا حملتها على أن تنعم فقد خرجت عن الحياء وزال الايمان، فقال: فان فعل ذلك فهو زان، قال: لا. فحينئذ يتم الاستدلال بهذه النصوص على المطلوب بعد إتمامها بعدم القول بالفصل إلا من المحكي عن جمع الشيخ في كتابي الاخبار اللذين لم يعدا للفتوى بسقوط الولاية عنها في المنقطع دون الدائم، على أنه جمع يأباه ظاهر جميع الاخبار، بل والاعتبار، ضرورة أولوية الدائم في ذلك منه باعتبار ما فيه من العار والغضاضة، واحتمال الحبل ونحو ذلك مما لا يقاومه احتمال الفرق بتكثر حقوق الدائم وطول مدته بخلافه في المنقطع، إذ هو كما ترى، ضرورة إمكان طول المدة في المنقطع. ومن هنا يحكى عن بعضهم أنه عكس، فأثبت الولاية في المنقطع دون الدائم، وإن كنا لم نعرف قائله، كما أنا لم نعرف وجها يعتد به له، ولسابقه سوى اعتبار لا يصلح كونه مدركا لحكم شرعي، بل لعل الاعتبار يشهد بسقوط الولاية رأسا، ضرورة تحقق الظلم في جبر العاقل الكامل على ما يكرهه، وهو يستغيث ولا يغاث، بل ربما أدى ذلك إلى فساد عظيم، وقتل وزنا وهرب إلى الغير، وبذلك مع الاصل تتم دلالة الكتاب والسنة والاجماع والعقل. كما أنه مما ذكرنا يظهر لك الحال فيما حكاه المصنف وغيره بقوله: (ومن الاصحاب من أذن لها في الدائم دون المنقطع، ومنهم من عكس) بل قد عرفت أن


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب المتعة الحديث 12 - 10. (3) المستدرك الباب - 93 - من أبواب أحكام العشرة الحديث 11 - 19 من كتاب الحج.

[ 180 ]

الاول لم نعرف قائله ولا وجهه سوى دعوى ظهور ما دل على إسقاط ولايتهما في الدائم، وفيه ما لا يخفى خصوصا بعد النصوص المصرحة في المنقطع التي قد مر جملة منها، وصحيح أبي مريم (1) السابق الذي قد عرفت قصوره عن المعارضة من وجوه وكذا الثاني الذى قد عرفت أنه ذكره الشيخ وجه جمع بين الاخبار، لكنها جميعا تأباه، نعم قد يستدل له بمكاتبة المهلب الدلال (2) " سأل أبا الحسن عليه السلام إن امرأة كانت معي في الدار ثم إنها زوجتني نفسها، وأشهدت الله وملائكته على ذلك، ثم إن أباها زوجها من رجل آخر، فما تقول ؟ فكتب: التزويج الدائم لا يكون إلا بولي وشاهدين ولا يكون تزويج متعة ببكر استر على نفسك واكتم رحمك الله " باعتبار مفهوم الوصف، لكن من المعلوم جريانها على مذاق العامة، على أنها قاصرة عن المعارضة من وجوه، فلا ينبغى التأمل في ضعف القولين المزبورين، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافها. وأما القول الرابع الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ومنهم من أسقط أمرها معهما فيهما) فهو وإن ذهب إليه الصدوق والشيخ وجماعة على ما قيل، بل مال إليه بعض متأخرى المتأخرين للاصل والاخبار الكثيرة (3) إلا أنه لم يبلع حد الشهرة، بل في محكي السرائر أن الشيخ حكم بسقوط الولاية مع غيبتهما عنها وإن كانا على مسافة قريبة، بل فيه أيضا أنه قد رجع عن هذا المذهب بالكلية في كتاب التبيان الذى صنفه بعد كتبه جميعها واستحكام علمه وسيره للاشياء ووقوفه عليها وتحقيقه لها، والاصل لا ريب في انقطاعه كما عرفت، خصوصا بعد اعتراف الخصم بالسقوط مع الغيبة والجنون ونحوهما من العوارض التي لا تسقط معها الولاية في حال الصغر، بل تنتقل الى وليه، فلا إشكال في انقطاع الولاية السابقة التى كانت من حيث الصغر، فلا وجه لاستصحابها كما هو واضح، وأما النصوص فجميعها أو أكثرها قاصر السند ولا جابر، مخالفة لظاهر الكتاب، موافقة لمذهب مالك وابن أبي ليلى


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب المتعة الحديث 12 - 11. (3) الوسائل الباب 6 و 9 من أبواب عقد النكاح.

[ 181 ]

والشافعي وأحمد وإسحاق والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ونحوهم من كبار العامة، غير صريحة في المخالفة باعتبار احتمالها الابكار التى لم يحصل لهن رشد في أمر النكاح وإن بلغن بالعدد ورشدن في حفظ المال، أو النهي كراهة عن الاستبداد وعدم الطاعة والانقياد، خصوصا الاب الذي هو غالبا أنظر لها، وأعرف بالامور منها، وأدعى لما يصلحها، وهو المتكلف بامورها، وبالخصومة مع زوجها لو حدث بينهما نزاع وشقاق، فالذي يليق بها إيكال أمرها إليه كما هو الغالب والمعتاد في الابكار من تبعية رضاهن لرضا الوالد ولو بالسكوت عند نقله، ولذا لا يستأمرها خصوصا بعد أن كان إذنها صماتها. وربما أومأ الى ذلك ما في جملة منها من نفي الامر لهن إذا كن بين الابوين بعد العلم بعدم ولاية للام عندنا، كقول أحدهما عليه السلام في خبر ابن مسلم (1): " لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها، ليس لها مع الاب أمر، وقال: يستأمرها كل أحد ما عدا الاب " وقول الصادق عليه السلام في خبر ابراهيم بن (2) ميمون: " إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر " وقوله عليه السلام أيضا في خبر الفضل بن عبد الملك (3): " لا تستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها هو أنظر لها " بل لعل الظاهر من استئمار غير الاب لها أن لها أمرا وإذنا. ومن ذلك يظهر الوجه في خبري العلا بن رزين (4) وابن أبى يعفور (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا تتزوج ذوات الاباء من الابكار إلا باذن آبائهن " بل لعل النهى فيه إرشاد باعتبار مخالفته لمذهب العامة، وما فيه من العار والغضاضة التي هي مظنة إثارة الفتن، كما أومأ إليه خبر المهلب السابق، بل وخبر إسماعيل (6)


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (3 و 6) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 6 - 15. (4 و 5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 5 - 6.

[ 182 ]

" سألت الرضا عليه السلام عن رجل تتزوج ببكر أو ثيب لا يعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ولكن تجعل المرأة وكيلا فيزوجها من غير علمهم، فقال: لا يكون ذا " ضرورة عدم الولاية لاحد في الثيب. والوجه في خبر الحلبي (1) عنه عليه السلام أيضا " في الجارية يزوجها أبوها بغير رضا منها، قال: ليس لها مع أبيها أمر، وإذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة " أي لا ينبغي لها معرضة أبيها وإن كرهت نفسها، فان اللائق بها إيثار رضا أبيها على رضاها ومحبتها، كما أومأ إليه النبي صلى الله عليه واله في مخاطبته للجارية في الخبر السابق. وفي خبر (2) زرارة " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا ينقض النكاح إلا الاب " المحتمل أيضا إرادة بيان أنه لا ينبغي أن يعترض أحد أمر النكاح بعد تمام مقدماته إلا الاب، فان له اعتراضه ونقضه، بل لعله دال على خلاف المطلوب، ضرورة اقتضائه صحة النكاح إذا وقع منها إذا لم ينقضه الاب وإن لم يكن عن إذنه. وفي خبر عبد الله بن الصلت (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر ؟ فقال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب ". بل مما ذكرنا يظهر لك الوجه في النبوى صلى الله عليه واله وسلم " لا نكاح إلا بولي " والاخر عنه صلى الله عليه واله أيضا إنه قال: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاثا - " مع أن الثاني نقلوه عن الزهري، وقد أنكره، قال ابن الجريح: " سألت الزهري عن هذا الخبر فلم يعرفه " كما حكاه في المسالك، بل المراد من الاول نفي النكاح الكامل قطعا لا الصحيح، كما لا يخفى على من


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب عقد النكاح الحديث 7. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 11 وفيه عن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن البكر - الخ.

[ 183 ]

تأمل إفراده ولاحظ نظائره. كل ذلك مضافا الى ما أطنب فيه في المسالك من المناقشة في جميع هذه النصوص سندا ودلالة، وأضعف من هذا ما عن الحلبيين والمقنعة على اضطراب في عبارتها كما قيل، بل في كشف اللثام اقتصر فيها على ذكر الاب من التشريك بينهما في الولاية، بمعنى توقف الصحة على الرضا منهما معا. كما أومأ إليه المصنف بقوله: (وفيه رواية اخرى دالة على شركتهما في الولاية حتى لا يجوز لهما أن ينفردا عنها بالعقد) إذ لم نعرف له وجها سوى دعوى الجمع بين الادلة بشهادة إشعار الحظ والنصيب ونحوهما مما مر في النصوص السابقة بذلك، وهو كما ترى تأباه كل منهما، والحظ والنصيب لا ينافي الاستقلال، أي يستحب اختيار رضاها ومحبتها الباطنة وإن كانت لا تعارض ولا تتكلم للحياء، وقد راعاه رسول الله صلى الله عليه واله عند خطبة على عليه السلام وغيره الزهراء سلام الله عليها منه، فلا ينبغى لمن له أدنى معرفة بمذاق الفقه وممارسته في خطاباتهم التوقف في هذه المسألة. نعم يستحب لها إيثار اختيار وليها على اختيارها، بل يكره لها الاستبدار كما أنه يكره لمن يريد نكاحها فعله بدون إذن وليها، بل ربما يحرم بالعوارض، بل ينبغى مراعاة الوالدة أيضا، بل يستحب لها إلقاء أمرها إلى أخيها مع عدمهما، لانه بمنزلتهما في الشفقة والتضرر بما يلحقها من العار والضرر وفي الخبرة والبصيرة، ولدخوله فيمن بيده عقدة النكاح في بعض الاخبار السابقة، بل الذي ينبغي أن تخلد إلى أكبر الاخوة إن لم يترجح عليه غيره بالخبرة والبصيرة والشفقة وكمال العقل والصلاح، لانه بمنزلة الاب كما في مرسل الحسن بن علي عن الرضا عليه السلام. وكيف كان فهذا كله إذا لم يعضلها. (أما إذا عضلها الولي وهو أن لا يزوجها من كفو مع رغبتها) ورغبته بمهر المثل أو بدونه، وفي الصحاح " يقال: عضل الرجل أيمه إذا منعها من التزويج " وفيه أيضا " وعضلت عليه تعضيلا إذا ضيقت عليه في أمره، وحلت بينه وبين ما

[ 184 ]

يريد " قلت: قد يرجع الاول للثاني، وعلى كل حال (فانه) تسقط ولايتهما حينئذ و (يجوز لها أن تزوج نفسها ولو كرها إجماعا) منا بقسميه، مضافا إلى الخيانة، وإلى قوله تعالى (1): " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " بناء على دخول بعض أفراد المقام فيه، وكون المراد نهي الناس أجمع الذي يدخل فيهم الاولياء، على معنى أنه لا يكون عضل منكم أو المراد خطاب الاولياء، وعلى كل حال فالمراد بأزواجهن من رضين به أن يكونوا أزواجا، لا خصوص الازواج السابقة وإن احتمل في الاية، ولكن على أي وجه دال على المطلوب، نعم لو قيل بكون المراد نهي الازواج السابقين عن عضل النساء أن يتزوجن بعد خلائهن خرجت عن الدلالة، هذا وربما استفيد من الاية ثبوت الولاية وإلا لم يكن للعضل وجه، وفيه أن العضل ظلما متحقق على كل حال كما هو واضح. وكيف كان فلا تحتاج الى مراجعة الحاكم خلافا للمحكي عن أكثر العامة من سلب عبارتها في النكاح، فيزوجها حينئذ الحاكم، ولم نعرف ذلك لاحد من أصحابنا، نعم عن التذكرة تارة جواز الاستقلال، ناقلا له عن جميع علمائنا، مصرحا بعدم اشتراط مراجعة الحاكم، واخرى اشتراط إذنه واثبات العضل عنده وإلا لم يكن له، كما عن بعض العامة، لكنه واضح الضعف، مخالف للاصل والاجماع بقسميه. وليس من العضل المنع من تزويج غير الكفو شرعا، بل النكاح معه فاسد بناء على ما تعرفه من اشتراط الكفاية في صحة النكاح، بل لعل المنع من غير الكفو عرفا للضعة و نحوها ليس بعضل، فلا يبعد جواز منع الولي عن ذلك، حتى على المختار من عدم الولاية لاحد عليها إذا كان في ذلك غضاضة ونقص وعيب في العرض، وإن كان لو خالفت وعقدت نفسها كان العقد صحيحا، ولو عضلها الاب دون الجد أو بالعكس سقطت ولاية من عضل دون الاخر.


(1) البقرة: 2 - الاية 232.

[ 185 ]

ولو كان المنع عن قسم خاص من النكاح، كالمؤجل أو الدائم أمكن كونه عضلا، خصوصا مع عدم تيسر الاخر ويحتمل العدم، لا طلاق أدلة الولاية المقتصر في تقييدها على المتيقن، وهو المنع من أصل التزويج، وفيه صدق المنع من أصل التزويج حال عدم تيسر الاخر، وقد يفرق بين التزويج الدائم والمنقطع، فيكون عضلا في الاول دون الثاني. ولو اختارت شخصا والولي آخر وكل منهما كفو ففى المسالك " ففي تقديم مختاره نظرا إلى أن رأيه في الاغلب أكمل، ولانه الولي، أو مختارها، لانه أقرب الى ألفتها وجهان: أجودهما الثاني " وفيه أن المتجه الاول بناء على عدم سقوط ولايتهما، لاطلاق الادلة، ولان ذلك يؤدى الى عدم ولايته في أغلب الاحوال، ضرورة إمكان دوام اختيار خلاف مختاره، والظاهر تحقق العضل بمجرد منع الكفو مع رغبتها فيه وإن كان لطلب كفو آخر، بل وإن كان لعدم بذله مهر المثل، ضرورة إمكان عدم خاطب آخر، ولصدق المنع عن التزويج وإن كان لطلب الاعلى، ولان المهر حقها، فلها العفو عن جميعه وبعضه، ولو قلنا باختصاص ولايتهما في الدائم دون المنقطع أو بالعكس ففى تصور العضل منهما مع تيسر القسم الاخر الذى لا ولاية لهما عليه فيه منع، أما مع عدم تيسره فيمكن تحققه حينئذ بمنعها منه، لكنه لا يخلو من إشكال، لاطلاق أدلة الولاية كما عرفته في نظيره، والامر سهل بعد سقوط هذه المسألة عندنا من أصلها، لما عرفته من استقلالها بالولاية. (و) على كل حال ف‍ (لا ولاية لهما) فضلا عن غيرهما (على الثيب) التى قد ذهبت بكارتها بالوطء ولو من زنا أو شبهه قبل البلوغ وبعده (مع البلوغ والرشد) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل يمكن دعوى القطع بذلك على وجه لا ينافيه خلاف العماني، خصوصا بعد ملاحظة الاصل والنصوص التى كادت تكون متواترة السالمة عن المعارض المعتد به، إذ قوله صلى الله عليه واله: " لا نكاح إلا بولي " بعد تسليم كونه من القسم الذى يجوز العمل به من الاخبار عام يمكن تخصيصه بما عرفت، كما أن خبر اسماعيل السابق ونحوه محمول على ضرب من الارشاد، وكذا ما في بعض

[ 186 ]

النصوص من ظهور اعتبار النكاح في الثيب محمول على الغالب ونحوه بعد قصوره عن تقييد غيره من المطلق للشهرة وغيرها، بخلاف من ذهبت بكارتها بغير الوطء من عثرة أو غيرها، فان الاصل وغيره يقتضى ببقاء حكم البكارة لها، فيجرى فيها البحث السابق الذى قد عرفت أن الاقوى عدم الولاية عليها أيضا. (و) كيف كان فلا إشكال في عدم ولايتهما عليها، كما (لا) إشكال في عدم ولايتهما (على البالغ الرشيد) بل ولا خلاف، بل يمكن دعوى الجماع عليه، للاصل (و) بعض النصوص، نعم (تثبت ولايتهما على الجميع) أي البكر والثيب والبالغ (مع الجنون) المتصل بالصغر، بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك أنه موضع وفاق، بل في غيرها الاجماع عليه، للاستصحاب المؤيد باستبعاد عزلهما عن ولاية النكاح خاصة، ضرورة بقاء ولايتهما على المال المشروط انقطاعها بايناس الرشد، مضافا الى ما سمعته من خبر أبى بصير في تفسير من بيده عقدة النكاح. وأما المنفصل بالبلوغ والرشد فظاهر إطلاق المصنف هنا كاطلاق غيره أنه كذلك، بل هو صريح بعضهم، معللين له باطلاق النص وفي كشف اللثام بعد أن حكى عن التذكرة والتحرير أنه تعود ولايتهما قال: " وهو الاقرب، بل لا عود حقيقة، لان ولايتهما ذاتية منوطة باشفاقهما وتضررهما بما يتضرر به الولد " قلت: لم نعثر على نص يقتضي إطلاقه ذلك، وكونها ذاتية لا تستلزمه، فيندرج في إطلاق ما دل على أنه " ولي من لا ولي له " بعد انقطاع ولايتهما بالبلوغ والرشد، بل لولا الاجماع المدعى على ثبوت ولايتهما على المتصل لامكن دعوى نفيها باعتبار كون المسلم منها الثبوت من حيث الصغر المفروض انتفاؤه، خصوصا بعد ما عن المسالك وغيرها في باب الحجر من أن الاكثر على ثبوت الولاية للحاكم على من بلغ سفيها وإن كان أبوه حيا، وإن كان للنظر فيه مجال، ولذا كان المحكي عن الشهيد وجماعة ثبوتها للاب، لما عرفته، وقد تقدم تحقيق الحال فيما تقدم، فلا حظ. لكن ومع ذلك فالانصاف قوة كون الولاية لهما في المتجدد بعد فرض ولايتهما

[ 187 ]

في المتصل، خصوصا بعد معلومية كون المنشأ في ولايتهما الشفقة والرأفة ونحوهما مما لا فرق فيه بين المتصل والمنفصل، وملاحظة قوله تعالى (1): " واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " وغيره خصوصا فيما ورد في الاب الذي هو للولد بمنزلة الرب، ولعله لذا يحكى عن القطيفي دعوى عدم الفرق بين المتصل والمنفصل في باب النكاح، أي في الولاية وعدمها، على أن المتجه على تقدير التفصيل أنه لو كان الجنون أدواريا فاتفق دوره متصلا بالبلوغ كانت الولاية لهما، وبعد انتهائه ترتفع، فإذا جاء الدور الثاني كانت الولاية للحاكم، وهو كما ترى، فتأمل جيدا. (و) على كل حال ف‍ (لا خيار لاحدهم مع الافاقة) للاصل وغيره، بل في المسالك وغيرها الاجماع عليه. (وللمولى أن يزوج مملوكته صغيرة كانت أو كبيرة عاقلة أو مجنونة) راغبة أو كارهة (ولا خيار معه) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، ضرورة كونه مقتضي تسلط الناس على أموالهم، ومقتضى قوله تعالى (2): " فانكحوهن باذن أهلهن ". بل (وكذا الحكم في العبد) الصغير والكبير العاقل والمجنون الراغب والكاره، كما هو ظاهر قوله تعالى (3): " وانكحوا الايامى منكم والصالحين " الى آخره الذى لا ينافيه ذكر الايامى معهم الذين علم اعتبار الاذن فيهم، وقوله (4) " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " وحسن زرارة (5) عن الباقر عليه السلام " سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما " وتسلط الناس على أموالهم، وكونه مالكا للطلاق لا ينافي جواز إجباره على النكاح وإن


(1) سورة الانفال: 8 - الاية 76. (2) سورة النساء: 4 - الاية 29. (3) سورة النور: 24 - الاية 32. (4) سورة النحل: 16 - الاية 77. (5) الوسائل الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 188 ]

تمكن من ازالته به، فما عن بعض العامة من عدم ملك المولى الاجبار عليه لذلك في غير محله، بل له إجباره على الوطء، بل الظاهر عدم الفرق بين تولي السيد القبول عنه وبين الزامه به بعد أن كان إكراهه بحق، كما هو واضح. نعم لا ولاية له على المبعض على الوجه المزبور، بل ولا للكافر على المملوك المسلم، بل قد يشكل ولاية الحاكم حينئذ عليه، لعدم كونه مولى عليه على كل حال، كالصغير والمجنون حتى تترتب الاولياء في حقه، وإنما هو مولى عليه للمالك من حيث المالية، وقد فرض عدم ولاية له في هذا الحال، لا أن الكفر مانع، فيبقى حينئذ بلا ولي بالنسبة الى النكاح ونحوه وإن تولي بيعه الحاكم مثلا على الكافر، فانه لا تلازم، كما لا تلازم بين ثبوتها لولى لطفل والمجنون بالنسبة الى مملوكهما وبين ما نحن فيه، لوضوح الفرق بينهما والله العالم. (و) المشهور على ما في الروضة أنه (ليس للحاكم ولاية في النكاح على من لم يبلغ) ذكرا كان أو انثى، للاصل وعدم الحاجة إليه بعدم البلوغ، لكن فيه ما لا يخفى، ضرورة عدم انحصار مصلحة النكاح في الوطء، ولذا جاز إيقاعه للاب والجد والاصل مقطوع بعموم ولاية الحاكم المستفادة من نحو قوله صلى الله عليه واله " السلطان ولي من لا ولي له " وغيره المراد به أنه قائم مقام الولي حيث لا ولي غيره، على وجه استغنت عن الجابر في خصوص الموارد، نحو غيرها من القواعد، مضافا إلى خبر أبى بصير الوارد في تفسير من بيده عقدة النكاح، بل في صحيح ابن سنان " الذى بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها " ولعله لذا ونحوه ناقش في المسالك فيه، بل أجاد في كشف اللثام حيث إنه بعد أن ذكر المستند السابق قال: " وفيه نظر ظاهر، فان استند الفرق أي بين الحاكم والاب الى الجماع صح، وإلا أشكل " أي بما ذكرناه أللهم إلا أن يقال: إن ولاية الحاكم على الصغير من باب الحسبة بخلاف ولاية الاب والجد والفرض عدم الحسبة حال الصغر، أو يقال: إن ظاهر ما تسمعه من الخبر الاتى في الصغيرين إذا زوجا ومات أحدهما ونحوه من الاخبار المشتملة على التفصيل في الحكم بين تزويج الاب وغيره، وأنه إن كان

[ 189 ]

الاول مضى، وإلا كان فضولا، ضرورة دخول الحاكم في الغير، لكن قد يمنع دوران ولايته على الحسبة، بل ظاهر ما دل عليه من نص وغيره كونه كغيره من الاولياء في موضوع الولاية، وليس هو كولاية عدول المؤمنين، وأيضا قد يمنع عدم الحسبة حال الصغر، ضرورة عدم انحصارها في الوطء ونحوه، وأما الاخبار المزبورة فهى غير مساقة لبيان ذلك، بل المراد منها أن العقد إن كان ممن له الولاية مضى، وإلا كان فضولا كما لا يخفى على من تأملها، فالعمدة حينئذ الاجماع إن تم. نعم لا ولاية له (ولا) لغيره على الاصح (على بالغ رشيد) ذكرا كان أو انثى، للاصل والاجماع بقسميه (وتثبت ولايته على من بلغ غير رشيد) بجنون ولم يكن له ولي من حيث القرابة (أو تجدد فساد عقله إذا كان النكاح صلاحا) له بلا خلاف أجده فيه، بل الظاهر كونه مجمعا عليه، لانه " ولي من لا ولي له " (1) وفي المسالك استظهر من المتن ثبوت ولايته عليهما مع وجود الاب والجد، واستحسنه في المتجدد دون المتصل، وفيه أن المراد بقرينة كلامه السابق مع عدم الولي القريب، بل لعل ظاهر كلامه المتقدم ثبوتها له في المتجدد فضلا عن المتصل وإن كان فيه ما عرفت. (ولا ولاية للوصي وإن نص له الموصي على الانكاح على الاظهر) الاشهر كما في المسالك بل المشهور كما في غيرها، للاصل بعد عدم ثبوت مشروعية الاحداث لهما على وجه يشمل ذلك، وعدم قابلية نقل الولاية من حيث القرابة بعد الموت، لانقطاعها به، كما لا تقبل الحضانة ونحوها مما يختص بالقرابة النقل بالوصاة، ولانتفاء حاجة الصغير إليه. وفيه أن الاصل مقطوع بعموم " فمن بدله " (2) ونحوه مما دل على وجوب إنفاذ ما يعهد به الميت المقتضي صحة جميع ما يوصى به إلا ما علم فساده،


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 105. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 181

[ 190 ]

وانسياق إرادة خصوص الايصاء بالخير للوالدين والاقربين من الضمير في الاية مناف لمعروفية الاستدلال بها في النصوص (1) وكلام الاصحاب على عموم الموصى به، كما لا يخفى على من لاحظ ذلك، على أن النصوص كافية في الدلالة على هذا المضمون. وبصحيح ابن مسلم وأبى بصير (2) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن الذى بيده عقدة النكاح قال هو الاب والاخ والموصى إليه " وخبر أبى بصير (3) عن الصادق عليه السلام " الذي بيده عقدة النكاح هو الاب والاخ والموصى إليه " واشتمالهما على ذكر الاخ لا يسقطهما عن الحجية في غيره مع إمكان حمله على كونه وكيلا لها أو وصيا، وإن صار عطف الوصي عليه من عطف العام على الخاص. ولا يعارض ذلك الصحيح المضمر (4) " سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين وبنتا والبنت صغيرة، فعمد أحد الاخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثم مات أب الابن المزوج فلما أن مات قال الاخر: أخى لم يزوج ابنه، فزوج الجارية من ابنه فقيل للجارية: أي الزوجين أحب اليك الاول أو الاخير ؟ قالت: الاخير، ثم إن الاخ الثاني مات وللاخ الاول ابن أكبر من الابن المزوج، فقال للجارية: اختاري أيهما أحب اليك: الزوج الاول أو الزوج الاخير، فقال الرواية فيها أنها للزوج الاخير، وذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها، وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها " بعد كونه مضمرا في الكافي والتهذيب وعدم ثبوت كون الاخ وصيا على نكاح البنت، وإنكار الاخ الثاني ما فعله الاول، ونسبة ذلك الى الرواية المشعر بالتقية لو فرض كونه من الامام عليه السلام مع التعليل العليل كما هو واضح، كل ذلك بعد منع دعوى عدم ثبوت ولايتهما على الاحداث بعموم ولايتهما على وجه يشمل ذلك.


(1) الوسائل الباب - 32 و 33 و 35 - من كتاب الوصايا. (2 و 3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 5 - 4. (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

[ 191 ]

ولا ينافيه اعتبار المصلحة شرعا الذي هو شرط تصرف الوصي، ضرورة كون الوصي كالوكيل ينتقل إليه كلما كان للموصي فعله حيا (و) لا سيما بعد اعتراف الخصم بأن (للوصي أن يزوج من بلغ فاسد العقل إذا كان به ضرورة الى النكاح) بل نفى بعضهم الخلاف عن ثبوتها في ذلك، بل عن ظاهر الكفاية الاجماع عليه، بل عن القطيفي دعواه صريحا إذ لو كانت غير قابلة لذلك لم تثبت ولايته عليه في هذا الحال، بل تكون حينئذ للحاكم، ودعوى كونها حينئذ مثل الانفاق يدفعها إمكان كونها مثله قبل البلوغ أيضا، ضرورة عدم انحصار مصلحة النكاح في الوطء، بل له مصالح اخر أيضا كثيرة بها يندرج في قوله تعالى (1): " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " ونحوه ودعوى عدم المصلحة أصلا في النكاح للصغير - ولذا لم يجز للحاكم والوصي ونحوهما ممن يعتبر في تصرفه المصلحة التزويج، بخلاف الاب والجد الذي لا يعتبر في تصرفهما ذلك، بل يكفي عدم المفسدة والوطء فعلا هو المنفعة المقصودة من النكاح، وهو ممتنع في الصغير بخلاف البالغ - يدفعها ما عرفت من صدق الاصلاح في النكاح بمعنى العقد عرفا ولو من غير جهة الوطء كما هو واضح. فالاقوى حينئذ ثبوت ولايته على الصغير في النكاح مع الغبطة، كباقي التصرفات، وفاقا للمحكي عن المبسوط والخلاف والجامع وغاية المراد وموضع من المختلف والكركي بل لا فرق بين تصريح الموصي وبين إطلاقه إلا بالصراحة والظهور، وهو غير مجد بعد اعتبارهما معا، نعم لو فرض انسياق غير ذلك منه اتجه العدم، وهو غير محل البحث، كما أن الاقوى عدم الفرق في الصورة المستثناة بين الذكر والانثى، فما عساه يظهر من بعضهم من تخصيص الاستثناء بناء عليه في الذكر لا وجه له. (و) أما (المحجور عليه للتبذير) ف‍ (لا يجوز له أن يتزوج غير مضطر) إذا كان فيه إتلاف لما له، بلا خلاف أجده فيه، بل (و) لا اشكال معتد به، بل (لو أوقع كان العقد فاسدا و) إن أذن له الولي به، لعدم جوازها له حينئذ فلا


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 220.

[ 192 ]

تؤثر أثرأ، نعم (إن اضطر الى النكاح جاز للحاكم) أو غيره، بل وجب عليه (أن يأذن له) فيه دفعا لما يلحقه من الضرر في الدنيا أو الاخرة أو فيهما مقتصرا على ما تندفع به الضرورة مما يليق بحاله، والظاهر أنه يكفي الولي الاذن له بذلك (سواء عين الزوجة أو أطلق) إذ لا يزيد حجره على المملوك الذي يكفى في صحة تزويجه الاذن له بذلك من غير تعيين، بعد معلومية تقييد جواز ذلك له شرعا بما لا ينافي مصلحة ماله ويؤدى إلى فساده، فلا تفريط من الولي باطلاق الاذن المعلوم تقييدها بعدم الافساد، بل يمكن منع التفريط لو لم يأذن الولي أصلا وإن قلنا باثمه، ضرورة عدم استلزام ترك الاذن الاتلاف لماله، ضرورة كونه أي السفيه مكلفا عاقلا يحرم عليه تبذير ماله، فليس له مع عدم إذن الولي إفساد ماله بما لا ينبغي، بل أقصاه سقوط اعتبار إذنه أو انتقال الولاية للحاكم، فيتزوج من تندفع به بالمهر الذي لا يقتضى تبذيرا في ماله، فان خالف وفعل غير ذلك على وجه أدى الى إتلاف ماله فهو جان على نفسه دون الولي. هذا كله مع عدم الاذن أصلا فضلا عن عدم التعيين. فما وقع من بعضهم - من وجوب التعيين عليه وأنه يكون مفرطا إن لم يفعل إذا فرض صدور التزويج من المبذر بالمهر المقتضي لا تلاف ماله ولو بسبب الدخول بها مع جهلها - في غير محله، ضرورة أصالة براءة ذمة الولي من ذلك، وانما عليه أن يأذن بما فيه المصلحة وأن لا يجيز ما يخالفها بعد الوقوع، على أن عقد السفيه بمهر يزيد على مصلحته إما فاسد مطلقا أو مع جهلها بالحال، ولا يفترق حال هذا العقد بالاذن والاجازة وعدمهما، ومع الفساد إما أن يلزمه بالدخول مهر المثل أولا، فعلى الاول إن سلمنا التفريط مع انتفاء الاذن مطلقا فلا نسلمه مع الاذن المطلق خصوصا مع انصرافه الى ما فيه المصلحة، ووجوب الاذن على الولي لا يوجب وجوب التعيين، واستحقاق المثل عليه انما هو بجنايته كاتلافه مال الغير، وعلى الثاني لم يتضرر بشئ وكذا الكلام على باقى التقادير، فلا ريب حينئذ في عدم وجوب التعيين (جواهر الكلام - ج 26)

[ 193 ]

عليه، والاكتفاء عنه بتعيين الشارع له، وتحريم التبذير عليه. (و) كيف كان ف‍ (لو بادر) المبذر الى التزويج (قبل الاذن) من الولي (والحال هذه) من الاضطرار إليه (صح العقد) وإن أتم بعدم مراعاتها عند المصنف والفاضل في القواعد، لاصالة الصحة مع عدم كون التزويج من التصرفات المالية المحضة، لان المهر غير لازم في العقد، والنفقة تابعة كتبعية الضمان للاتلاف. لكن قد يشكل بكونه كالتصرف المالى، بل ذكر المهر فيه منه قطعا، ولذا حجر عليه فيه مع عدم الضرورة، على أن الغرض من الحجر عليه حفظ ماله، وهو لا يتم إلا به، فلابد في صحة العقد من الاذن سابقا أو الاجازة لاحقا، كما صرح به في جامع المقاصد والمسالك، بل هو المحكي عن الخلاف والمبسوط والتذكرة، بل عن الاول نفي الخلاف فيه، بل لا وجه للحجر عليه بعد عدم اعتبار إذن الولي، ضرورة معلومية عدم المنع منه تعبدا، ومن الغريب ما في القواعد من عدم اعتبار الاذن تارة ومن اعتبارها اخرى مع عدم فصل معتد به بين الموضعين، وربما تجشم للجمع بينهما، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال (فان زاد في المهر عن المثل) اللائق بحاله صح العقد، و (بطل) في (الزائد) وإن أذن فيه الولي إن لم ينحصر دفع الضرورة بذلك، لكونه تبذيرا منهيا عنه، لكن لا يبطل العقد بذلك لعدم اعتباره في صحته، ولذا جاز النكاح بدونه فهنا أولى، ولا سيما إذا علمت المرأة بالحال، لانها أقدمت على ذلك، مع احتمال الفساد مطلقا، لكون التراضي انما وقع على المسمى، ولا يقدح العلم، ضرورة كونه كالمعاملة الفاسدة المعلومة لدى المتعاملين، أو في خصوص الجاهلة التى لم ترض إلا بالمسمى، فتكليفها بالعقد مع الاقل منه إضرار بها. ولو تزوج بمن يحيط مهر مثلها بما له مع وجود اللائقة بحاله ممن ليس هي كذلك فسد وإن كان قد أذن له المولى في مطلق التزويج، لانه أيضا تبذير منهي عنه، بل فساد العقد هنا أوضح، ضرورة أنه على الصحة لم يكن للمهر شئ يقدر

[ 194 ]

به، ودعوى صحته حينئذ بدونه كما ترى، خصوصا في الجاهلة، وكذا الرجوع الى مهر السنة في خصوص المقام، نعم قد يحتمل في العالمة أنها يثبت لها مقدار مثل اللائقة بحاله، لانه الذي ينفذ تصرفه فيه دون غيره، أو يتحقق لها شئ في ذمته غير معلوم فيرجع فيه الى الصلح ونحوه. ولو وطأ والحال هذه وجب لها مهر المثل مع جهلها بالتحريم وإن استغرق ماله، لكونه كوطء الشبهة، ولا يشكل ذلك بالاصل وبأنه لو وجب لم يفسد العقد، لانه انما يبطل لئلا يلزمه مهر المثل، فإذا لزمه انتفى المقتضي لفساده، كما أنه إذا اشترى شيئا بغير إذن فتلف في يده، فانه يضيع على البائع، ضرورة اندفاعه بأن الاصل انقطع بالوطء المحرم الموجب لذلك، ووجوب المهر بالجناية لا بالعقد، فما عن الشيخ من عدم وجوب مهر المثل في الفرض في غير محله، وكذا ما عن القاضي من التفصيل بعلمها بحاله وجهلها، وفي كشف اللثام يعني مع الجهل بالتحريم في الحالين، وهو انما يتم إذا علمت بأنها لا تستحق المهر بالوطء، وإلا فهي انما بذلت نفسها في مقابلة العوض. وعلى كل حال فلو لم يأذن له الولي في النكاح مع الحاجة أذن له الحاكم، فان تعذر استقل على الاقوى، لكونه مضطرا الى حق له استيفاؤه فإذا تعذر بغيره استوفاه بنفسه، بل قد يقال بأن له بمجرد امتناع الولي من غير حاجة الى استئذان الحاكم وإن تمكن منه، وإن كان الاحوط له ذلك، فتأمل جيدا.

[ 195 ]

الفصل (الثاني) (في اللواحق، وفيه مسائل) (الاولى) (إذا وكلت البالغة الرشيدة) مثلا (في العقد) عليها لزوج بعينه فخالف وعقدها من نفسه أو غيره كان فضولا، بل لو أذنت له في العقد (مطلقا) بأن قالت له: أنت وكيلي على أن تزوجني أو تزوجني من رجل أو كفو (لم يكن له أن يزوجها من نفسه إلا مع إذنها) فان فعل كان فضولا، لعدم اندراجه في إطلاق التوكيل على ذلك وإن كان هو أحد أفراد المطلق من حيث تعلق الوكالة الظاهرة في إرادة التزويج من غيره أو غير الظاهرة فيما يشمله، بل في المسالك نفي الخلاف في ذلك هنا، نعم لو عممت موضوع الوكالة بأن قالت: أنت وكيلي على تزويجي من رجل أي رجل كان أو من كفو أي كفو كان، وبالجملة جعلت موضوع الوكالة لفظا عاما صالحا لشموله له من حيث تعلق التوكيل صح تزويجها له من نفسه، بناء على أن المنع من هذه الجهة، لا الخبر (1) الذى تسمعه، ضرورة كونه من الوكالة المطلقة بالنسبة الى ذلك، بخلاف الاول الذي هو من مطلق الوكالة المنصرف الى غيره أو غير الظاهر فيما يشمله، فيكون الفرق بينهما كالفرق بين مطلق الوكالة والوكالة المطلقة، لكن في المسالك أن الفرق لا يخلو من نظر، من حيث إنه داخل في الاطلاق، كما هو داخل في التعميم وإن كان العموم أقوى دلالة، إلا أنهما مشتركان في أصلها الى أن قال: فان كانت المسألة إجماعية وإلا فللنظر فيها مجال، ثم حكى عن التذكرة احتمال جواز تزويجها من نفسه مع الاطلاق واحتمال المنع.


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 196 ]

قلت: هذا مضافا الى ما تقدم في كتاب البيع من الخلاف نصا وفتوى في جواز بيع الوكيل من نفسه، والشراء كذلك فيما لو كان وكيلا على البيع أو الشراء، بل من الاقول في تلك المسألة عدم الجواز حتى مع نص الموكل، وذكرنا أن التحقيق هناك الجواز وأن انسياق الغير في أول النظر لا انسياق تقييد، والفرق بين المقامين بغير الاجماع إن كان في غاية الصعوبة وأما النصوص فهى متعارضة ومن المستبعد القول بالمنع لها وإن كانت الاذن من الموكل حاصلة، كاستبعاد القول بالجواز لها أيضا وإن لم يحصل الاذن، وكذا تقدم أيضا في المكاسب في مسألة ما لو دفع إليه مال ليصرفه في المحاويج ماله دخل في المقام، بل منه يعلم قوة القول بالجواز مع الاطلاق المفروض صدقه على ما يقع من الوكيل. بل منه يعلم الحال فيما ذكره المصنف (و) غيره هنا من أنه (لو وكلته في تزويجها منه) أو تزويجها بمن شاء ولو من نفسه (قيل: لا يصح، لرواية عمار) (1) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها، يحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها، تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي، قال: لا - الى أن قال -: قللت: فان وكلت غيره بتزويجها منه، قال: نعم " الحديث (ولانه يلزم أن يكون موجبا قابلا و) لكن (الجواز أشبه) بأصول المذهب وقواعده المستفادة من العمومات الشاملة للفرض، ولا تصلح الرواية المزبورة لقطعها بعد ندرة القول بها والطعن في سندها، بل ودلالتها بما في المسالك من جواز كون المنفي هو قوله: " وكلتك فاشهد على تزويجي " فان مجرد الاشهاد غير كاف، وباحتمال الكراهة من النهي، باعتبار تطرق التهمة الموجبة للفتنة ومخالفة التقية ونحو ذلك، واتحاد الموجب والقابل بعد التغاير الاعتباري الكافي في تناول العمومات والاطلاقات له غير قادح. ولذا صرح المصنف وغيره بل لا أجد فيه خلافا بجوازه في الولي للطفلين والوكيل عن الاثنين وغير ذلك، كما حرر في محله، بل في المتن وغيره هنا (أما


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 197 ]

لو زوجها الجد من ابن ابنه الاخر أو الاب من موكله كان جائزا) مع أنه من مسألة الاتحاد التى يمكن التخلص منها بالتوكيل بحسب الولاية عمن هو ولي عليه، بل قيل: يمكن التخلص للوكيل أيضا بأن يوكل عن نفسه، فيكون موجبا بالوكالة، ويقبل وكيله عنه له وإن كان هو كما ترى من مسألة الاتحاد، ضرورة كون الوكيل قائما مقام الموكل، فكلما جاز له فعله جاز لموكله، نعم لو كان وكيلا على التوكيل فوكل شخصا عن موكله تخلص عن الاتحاد، ومن ذلك وغيره يمكن أن يكون المانع في المسألة الاولى الخبر (1) المخصوص لا الاتحاد فينحصر المنع حينئذ على تقدير القول به في خصوص تزويج الوكيل من نفسه الذي هو مضمون الخبر دون غيره من صور الاتحاد التى منها أن يكون وكيلا عن الزوج والزوجة فتأمل جيدا. المسالة (الثانية) الجارية الحرة المولى عليها (إذا زوجها الولي) للمصلحة بمهر المثل فأزيد من الكفو الحر السالم من العيب المبيح للفسخ لم يكن لها اعتراض بعد الكمال في العقد، ولا في المهر بلا خلاف ولا إشكال، وكذا لو زوجها الاب والجد بذلك مع عدم المفسدة للصحاح المستفيضة النافية للامر لها في تزويج أبيها المندرج فيه الجد له أو الملحق به بالاجماع، قال عبد الله بن الصلت (2): " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها ألها أمر إذا بلغت ؟ قال: لا " وابن بزيع (3) " سألت الرضا عليه السلام عن الصبية يزوجها أبوها ثم يموت، ثم تكبر قبل أن يدخل بها زوجها، أيجوز عليها التزويج أم الامر إليها ؟ قال: يجوز عليها تزويج


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4. (2 و 3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3 - 1 وفى الاول " قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام " الا ان في الكافي ج 5 ص 394 كالجواهر.

[ 198 ]

أبيها " ونحوهما غيرهما، بل مقتضى إطلاقهما ذلك وإن كان (بدون مهر المثل)، ولعله كذلك، وفي جامع المقاصد أنه المعتمد في الفتوى، بل الظاهر عدم الفرق بينهما وبين غيرهما من الاولياء. أما مع عدمها أو مع المفسدة ف‍ (هل لها أن تعترض ؟ فيه تردد) ينشاء من إطلاق النصوص السابقة في الاب وأولويته من العفو الجائز له عن المهر بعد ثبوته، ولان المقصود من النكاح النسل والتحصين ونحوهما لا المهر، فيكون حينئذ هو نفسه مصلحة خالية عن المفسدة، ومن إناطة تصرف الولى بالمصلحة أو عدم المفسدة، ولا ريب في تحقق المفسدة في ذلك مع فرض وجود الكفو الباذل لمهر المثل. (و) لذا قال المصنف (الاظهر أن لها الاعتراض) لكن قد سمعت النصوص السابقة في الاب التي لا تعرض فيها لنقصان المهر وزيادته، ومن هنا أمكن دعوى الفرق بين الاب والجد وبين غيرهما باعتبار عدم المفسدة فيهما واعتبار المصلحة في غيرهما مع منع المفسدة في المقام، إلا أنه كما ترى، خصوصا مع سوق النصوص السابقة لبيان غير ذلك، مضافا الى غلبة التزويج بمهر المثل وكونه المعتاد، فلا يبعد كون ذلك مضارة بالنسبة إليها ما لم تقترن بمصلحة خارجية، والعفو إنما ثبت في مقام خاص بدليل خاص، كما أنه لا يبعد حينئذ توقف العقد المشروط مضيه من الولي بعدم المضارة المفروض تحققها على الاجازة، بناء على عدم اعتبار المجيز في الحال، لخصوص التصرف الخاص في الفضولي، وإلا بطل من أصله، لان النكاح يمضى عليها وتتخير في المهر، فتفسخه إن شاءت، ويثبت لها مهر المثل مطلقا أو بالدخول بتقريب أن العقد والمهر أمران مختلفان، وليس الثاني شرطا في صحته، فالمضارة فيه حينئذ يرتفع بفسخه، ويبقى العقد صحيحا، نعم قد يقال بتسلط الزوج حينئذ على الخيار باعتبار أنه لم يرض بالعقد إلا على الوجه المخصوص ولم يتم له، والزامه بمهر المثل على وجه القهر ضرر منفي، مع احتمال عدمه خصوصا إذا كان عالما بالحال، والحكم لا قدامه على عقد قابل لان يؤول الى ذلك، إذ من الواضح كون الواقع في الخارج أمرا واحدا مشخصا، وعدم فساد النكاح بفساد المهر

[ 199 ]

إنما هو فيما لم يكن منشأ بطلانه عدم قبول أحد المتعاقدين، وإلا لصح لمن عقد له فضولا بمهر خاص أن لا يجيز في النكاح دونه، وهو معلوم البطلان، على أن إلزامها بمهر المثل على وجه القهر أيضا ضرر منفي. ومن ذلك كله تعرف ما في المحكي عن الشيخ من القول بالصحة واللزوم في العقد والمهر، بل وما في قول المصنف وغيره من الاعتراض في خصوص المهر ; بل يظهر لك ما في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما من التشويش للمسألة خصوصا الثاني، فانه مع إطنابه في المسألة لم يأت بشئ محرر فيها، لا في الموضوع ولا في الحكم، نعم قال أولهما في آخر المسألة " والمعتمد في الفتوى أنه إن زوجها كذلك في المصلحة فلا اعتراض لها أصلا، وإلا كان لها فسخ المسمى والنكاح معا، لانه عقد على خلاف المصلحة، وهل لها فسخ الصداق وحده حيث يكون إنشاء النكاح من الولى جائزا ؟ يحتمل ذلك، فان فسخت كان للزوج فسخ النكاح " إذ هو كما ترى، ضرورة أنك عرفت فضولية العقد المخالف للمصلحة لا صحته، والخيار فيه أو في المهر خاصة، ودعوى إمكان فرض المصلحة في أصل النكاح دون المهر يدفعها ما عرفت من كون الواقع في الخارج أمرا واحدا، على أن المتجه حينئذ مضي النكاح لا تخييرها بين فسخه وفسخ المهر خاصة، فلاحظ وتأمل جيدا، فانه قد تلخص مما ذكرناه أنه لا اعتراض لها في النكاح بدون مهر المثل مع المصلحة في ذلك، لا طلاق الادلة بل الظاهر عدم جريان الاقوال السابقة فيه، فما في جامع المقاصد من جعل ذلك موضوع المسألة في غير محله، كما أنه ليس منه ذو المفسدة والمضرة، فان لها الاعتراض فيه قطعا، بل هو فضولي، لعدم ولاية له في نحو ذلك. إنما الكلام في النكاح بدون مهر المثل من حيث كونه كذلك مع قطع النظر عن جهة أخرى تقتضي الفعل أو الترك، فالمحكي عن الشيخ عدم الاعتراض، للاطلاق الذي عرفت أنه غير مساق لذلك، ولاولويته من العفو عنه الممنوعة بعد أن كان هو في موضوع خاص لدليل خاص، وظاهر المصنف وغيره بل هو صريح آخر أن لها الاعتراض في المهر خاصة، لاختصاص الضرر به، وعدم توقف صحة (جهة خ ل)

[ 200 ]

عقد النكاح عليه، وبذلك افترق عن البيع بدون ثمن المثل، فإذا اختارت الفسخ ثبت لها مهر المثل بالدخول في أقوى الوجهين، كما أن الاقوى عدم ثبوت الخيار للزوج خصوصا مع علمه بالحال، لاصالة عدم الخيار في عقد النكاح لقوله عليه السلام " لا يرد النكاح " الى آخره وغيره، وقيل: إن لها الخيار في أصل النكاح لكونه عقدا على خلاف المصلحة، وهو جيد إن كان المراد به الفضولية، لما عرفت من عدم ولاية له على هذا الشخصي من النكاح، وربما قيل بالتخيير بين فسخ النكاح وبين فسخ المهر خاصة، وهو ضعيف، وأضعف منه احتمال فساد العقد باختيارها الفسخ للمهر، إذ جميع ذلك تهجس، والتحقيق ما عرفت خصوصا بعد إيقاع العقد على مقتضى واحد، وتخلف ذلك في بعض المقامات للدليل، فلا يقاس عليه غيره، هذا كله مع العلم بالحال. أما إذا لم يعلم وقد بلغت الصبية وكان الولي قد عقدها بدون مهر المثل ففي جريان الاقوال السابقة باعتبار أصالة عدم مصلحة اقتضت ذلك على وجه يسقط اعتراضها وعدمه، لاصالة الصحة المقتضية ترتب الاثر وجهان، أقواهما الثاني، فيكون حينئذ كبيع الولي بدون ثمن المثل مع عدم العلم بالحال، كما ليس لها الاعتراض مع التزويج بالكفو بمهر المثل، مع دعوى المفسدة إلا بالبينة. المسالة (الثالثة) (عبارة المرأة معتبرة في العقد) عندنا (مع البلوغ والرشد) أي العقل (فيجوز لها أن تزوج نفسها وأن تكون وكيلة لغيرها إيجابا وقبولا) بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل ولا إشكال، لا طلاق الادلة، بل لو قلنا بثبوت الولاية على البكر البالغة الرشيدة للاب والجد لم يستلزم ذلك سلب

[ 201 ]

عبارتها للغير، بل ولا لها باذنه كما هو واضح، فما عن الشافعي من سلب عبارتها مطلقا معلوم البطلان. المسالة (الرابعة) (عقد النكاح يقف على الاجازة على الاظهر) الاشهر، بل المشهور شهرة عظيمة بين القدماء والمتأخرين، بل في الناصريات الاجماع عليه، وفي محكي السرائر نفي الخلاف عنه في غير تزويج العبد نفسه، والامة نفسها بغير اذن المولى، بل فيه الاجماع على ذلك، بل فيه مضافا الى ذلك دعوى تواتر الاخبار به، بل من أنكر الفضولي في غير النكاح أثبته هنا، للاجماع والنصوص، بل لم نعرف الخلاف في ذلك إلا من الشيخ في محكي الخلاف والمبسوط، مع أنه في محكى النهاية والتهذيب والاستبصار وافق المشهور، بل عنه في الخلاف حكاية الاجماع على صحة الفضولي في نكاح العبد، بل لم نعرف له موافقا قبله ولا بعده إلا ما يحكى عن فخر الاسلام، نعم في الوسيلة " إن النكاح لا يقف على الاجازة إلا في تسعة مواضع، وهي عقد البكر الرشيدة على نفسها مع حضور الولي، وعقد الابوين على الابن الصغير، وعقد الجد مع عدم الاب، وعقد الاب على ابنه الصغير، وعقد الام عليه، وعقد الاخ والام والعم على الصبية، وتزويج الرجل عبد غيره بدون إذن سيده، وتزويج نفسه من غير إذن سيده " وكان ذلك اقتصارا على ما في النصوص، ولا ريب في ضعف الجميع، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافها فضلا عما سمعته من محكيه، مضافا الى استفاضة النصوص المعتبرة كخبر محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن رجل زوجته امه وهو غائب، قال: النكاح جائز إن شاء الزوج قبل، وإن شاء ترك " الحديث. وحسن زرارة (2) " سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، قال: ذلك إلى سيده إن شاء أجاز وإن شاء فرق بينهما، فقلت:


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 202 ]

أصلحك الله إن الحكم بن عيينة وأصحابه يقولون، إن أصل النكاح باطل، فلا تحل إجازة السيد له، فقال عليه السلام: إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، فإذا أجاز فهو جائز " وخبره الاخر (1) " سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه، فقال عليه السلام: ذلك الى مولاه إن شاء فرق بينهما - الى أن قال -: فقلت له: إنه في أصل النكاح كان عاصيا، فقال عليه السلام: إنه إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، وإنما عصى سيده " وصحيح ابن وهب (2) " جاء رجل الى أبى عبد الله عليه السلام فقال: إنى كنت مملوكا لقوم وإنى تزوجت امرأة حرة بغير إذن مولاي ثم أعتقوني بعد ذلك، فأجدد نكاحي إياها حين أعتقت، فقال: أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة وأنت مملوك لهم ؟ فقال: نعم وسكتوا عني ولم يتغيروا علي، فقال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، أنت على نكاحك الاول " وصحيح الحذاء (3) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين فقال: النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار " بناء على إرادة العرفي من الولي لا الشرعي، وإلا لم يكن لهما الخيار، ولقوله في آخره: " قلت: فان كان أبوها الذى زوجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الاب، ويجوز على الغلام " والنبوي (4) في البكر التى زوجها أبوها فأتته تستعدى، فقال عليه السلام: " أجيزى ما صنع أبوك " الى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز الفضولي هنا، بل قد أشبعنا الكلام في كتاب البيع في كونه موافقا للقواعد والعمومات، وفي الروايات المتشتتة الدالة على جوازه في سائر العقود، بل وفي غير العقود من الافعال التى رتب الشارع عليها أحكاما، وفي غير ذلك من الفروع والمسائل التى لا يخفى جريانها في المقام بأدنى ملاحظة.


(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث. (4) سنن ابن ماجه ج 1 ص 578.

[ 203 ]

كل ذلك مع عدم الدليل للشيخ سوى أن صحة العقود لابد لها من دليل شرعي وليس، والاخبار (1) الناطقة بفساد النكاح بغير إذن الولي أو المولى، بل ورد (2) أن نكاح الامة بغير إذن سيدها زنا، ولان العقد مبيح فيمتنع صدوره من غير الزوجين أو وليهما، ولان الاجازة شرط الصحة، والشرط لا يتأخر عن المشروط، والجميع كما ترى، ضرورة أن الدليل ما عرفت، بل قد ذكرنا كفاية العمومات في صحته، والاخبار مع أن أكثرها عامية معارضة بأخبار الصحة، قابلة للتأويل بأنه في معرض الفساد إن لم تجز، أو بأنه فاسد مع عدم الاجازة أصلا، والمبيح هو العقد مع رضا المتعاقدين، وقد صدر العقد من صحيح العبارة، ولا يشترط صدوره من المتعاقدين، وإلا لم يجز التوكيل، وبالاجازة يحصل الرضا الذى هو شرط كاشف كما أوضحناه في كتاب البيع، فلاحظ وتأمل، فلا إشكال حينئذ في صحة الفضولي هنا. وحينئذ (فلو زوج الصبية) مثلا صغيرة أو كبيرة (غير أبيها وجدها قريبا كان أو بعيدا لم يمض إلا مع إذنها أو إجازتها بعد العقد ولو كان أخا أو عما) لعدم ولاية غير الاب والجد على ذلك، نعم قد سمعت الكلام في ولاية الوصي والحاكم عليها (و) لكن (يقنع من البكر بسكوتها عند عرضه عليها) عند المشهور بين الاصحاب، لصحيح ابن ابى نصر (3) قال: " قال لى أبو الحسن عليه السلام في المرأة البكر إذنها صماتها والثيب أمرها إليها " وحسن الحلبي (4) " وسئل عن رجل يريد أن يزوج اخته، قال: يؤآمرها، فان سكتت فهو إقرارها، وإن أبت لا يزوجها "


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 5 و 6 و 7 والباب - 17 - منها والباب 11 من أبواب المتعة الحديث 11 وسنن البيهقى ج 7 ص 105. (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 204 ]

وخبر داود بن سرحان (1) " في رجل يريد أن يزوج أخته يؤآمرها، فان سكتت فهو إقرارها وإن أبت لم يزوجها " والمناقشة فيها بأنها في الاذن السابقة والمناط غير منقح يدفعها أولا أنه لا خلاف في عدم الفرق بينهما، بل يمكن دعوى الاجماع عليه، وثانيا إطلاق الصحيح الاول الذي لا فرق فيه بينهما. بل قد يؤيد كفاية السكوت في الاذن اللاحقة صحيح ابن وهب (2) السابق وإن كان هو في غير ما نحن فيه، لكنه دال على أن السكوت المتأخر المقرون بقرائن تدل على الرضا كاف في الصحة، فمع فرض جعل الشارع سكوت البكر إقرارا وإن لم يقترن بقرائن كفى وإن كان متأخرا. نعم قد يتوقف في أصل الحكم، بل عن ابن إدريس الجزم بالعدم، لعدم دلالته على الرضا، وهو جيد على أصله من عدم العمل بأخبار الاحاد، بل يمكن حمل هذه على إرادة السكوت الدال على الرضا ولو بقرائن الاحوال التى منها حياء البكر عن التصريح بالرضا بالتزويج، بخلاف العدم، فانه يمكن أن تقول: إنى لا أريد التزويج، ولا غضاضة عليها بذلك، على أن البكر غالبا تسكت، موكلة الامر الى وليها العرفي. وفيه أنه يمكن أن يكون من الاجتهاد في مقابلة النص المحتمل لان يكون الحكمة في الاكتفاء بالسكوت منها هو ما سمعت وإن لم يكن ذلك مقيدا للعلم، لكن المتجه على ذلك أنه لا إشكال في الاكتفاء بالسكوت الدال قطعا على الرضا، وكذا السكوت المقرون بقرائن ولو ظنية، بل والسكوت من حيث كونه سكوت بكر وإن لم تكن ثم قرائن خارجية، كما أنه لا إشكال في عدم الاكتفاء به مع اقترانه بقرائن تدل على عدم الرضا، بل لعل المتجه ذلك أيضا في المقترن بقرائن ظنية تدل على ذلك أيضا، بل لا يبعد ذلك فيما تعارضت فيه الامارات على وجه لم يحصل الظن بدلالته على الرضا ولو من حيث كونه سكوت بكر، واحتمال القول


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 205 ]

بحجية ما عدا المقترن بما يدل على عدم الرضا قطعا تمسكا باطلاق النص والفتوى ضعيف، لكون المتيقن منهما غير هذه الافراد، فتبقى هي حينئذ على قاعدة كون الشك في الشرط شكا في المشروط. (و) كيف كان فلا إشكال كما لا خلاف في أنه (تكلف الثيب النطق) إلا مع اقتران سكوتها بقرائن عدل على رضاها قطعا، وهل المدار في البكارة والثيبوبة على الزوال بالوطء وعدمه، فيندرج حينئذ في البكر من ذهبت بكارتها بغيره ولو باصبع ونحوه، أو لم تكن بكرا خلقة، بل والموطوءة دبرا ونحو ذلك، أو على وجود هذا الوصف وعدمه، فتندرج من زالت بكارتها أو من لم تكن بكرا في الثيب حينئذ ؟ وجهان، أحوطهما الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن. (ولو كانت) البكر (مملوكة وقف على إجازة المالك) لعدم الفرق عندنا في الفضولي حينئذ بين ذلك وغيره، والمفروض عدم العبرة باجازتها، نعم لابد من تحقق الجازة فيه، ولا يكفى السكوت الذي لم يقترن بما يتحقق حصول الرضا معه وإن كان المالك بكرا، لقاعدة الشك وغيرها. (وكذا لو كانت) المعقود عليها فضولا (صغيرة فأجاز الاب أو الجد صح) أيضا، لما عرفت من عدم الفرق في الفضولي عندنا بين تعقبه الاجازة ممن له العقد أو من وليه الشرعي الذي له ذلك، ولا يكفي السكوت أيضا إلا إذا اقترن بما يدل على إرادة الرضا، بل قد عرفت في كتاب البيع احتمال اشتراط اللفظ في الاجازة، لقوله عليه السلام (1): " إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام " ولانه الحاسم لمادة النزاع، ولذا اعتبروا صريح اللفظ في صيغ العقود لكن قد سمعت صحيح ابن وهب (2) الدال على الاكتفاء بذلك، مضافا الى صدق تحقق الاذن والرضا، هذا وقد تقدم في كتاب البيع تمام الكلام في مباحث الفضولي بما لم نسيق إليه بحمد الله ولطفه وكرمه، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب احكام العقود الحديث 4 من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 206 ]

المسالة (الخامسة) (إذا كان الولي) رقا ولو مكاتبا قد تحرر أكثره فلا ولاية له على ولده الحر والمملوك الذكر والانثى بلا خلاف ولا إشكال، للاصل وغيره، فلو عقد على بنته الصغيرة مثلا الحرة لم يمض عقده وإن لم يناف غرض السيد، بل وإن أذن له، فان إذنه لا تفيده ولاية بعد أن كان ناقصا عنها، لعدم قدرته على شئ، بل لو أذن سيده في العقد على بنته المملوكة له كان ذلك توكيلا من السيد، لا إثبات ولاية، فما عساه يتوهم من بعضهم من ثبوت الولاية حينئذ لما تسمع في كتاب القضاء من أن الاقرب عند المصنف عدم اعتبار الحرية فيه، فينفذ حينئذ قضاؤه بأذن مولاه، وتتبعه الولاية في غير محله، لا مكان الفرق باندراج حكمه بإذن مولاه في القسط والعدل ونحوهما مما أمرنا باتباعه (1)، بخلاف الولاية من حيث الابوة مثلا التى لا شمول في دليلها لمثل الاب المزبور، ومع فرضه فهو في بعض الافراد من تعارض العموم من وجه المرجح فيه غيره عليه من وجوه، بل الظاهر عدم ولايته أيضا من حيث الحكومة وإن أمضينا حكمه، لقصور ما دل عليها عن تناول نحو الفرض الذى هو مولى عليه، كما هو واضح فتأمل. وكذا لو كان (كافرا ف‍) انه (لا ولاية له) أيضا إجماعا على ولده المسلم باسلام امه أوجده أو بوصفه الاسلام قبل البلوغ بناء على اعتباره أو بعده في البكر البالغة إن قلنا بالولاية عليها، لنفي السبيل (2) ولان " الاسلام يعلو ولا يعلى عليه " (3) (ولو كان الاب كذلك ثبتت الولاية للجد خاصة) وبالعكس، ولو كانا معا كذلك كانت الولاية للحاكم الذي هو ولي من لا ولى له (4) بل


(1) سورة الحجرات: 49 - الاية 9. (2) سورة النساء 40 - الاية 141. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب موانع الارث الحديث 11 من كتاب المواريث. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 105.

[ 207 ]

ظاهر العبارة والمحكي عن غيرها عدم ولاية الكافر مطلقا حتى على ولده الكافر لكن فيه أنه مناف لقوله تعالى (1): " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض " بل ولا طلاق ما دل (2) على ولاية الاب والجد المقتصر في الخارج منهما على اليقين، ودعوى الولادة على الفطرة يدفعها بعد التسليم المعاملة للاولاد معاملة الكفار في الاحكام التي منها ذلك، نعم لو كان للمولى عليه الكافر وليان أحدهما مسلم والاخر كافر اتجه انتفاء ولاية الكافر حينئذ تغليبا للاسلام الذى يعلو ولا يعلى عليه (3) المعلل به إرث المسلم الكافر دون العكس، بل المعلل به اختصاص المسلم في الارث وإن كان له ورثة كفار غيره أقرب منه، خلافا للمحكي عن الشيخ من اختصاص الكافر بالولاية، للاية ولاريب في ضعفه، بل لعل احتمال اشتراكهما فيها عملا باطلاق الادلة معا أقرب منه، وإن كنا لم نعرف قائلا به، وعلى كل حال فالاقوى ما عرفت. (وكذا) الكلام فيما (لو جن) الاب أو غيره من الاولياء (أو اغمى عليه) أو سكر فانه لا ولاية له حينئذ، نحو ما سمعته من الكافر إجماعا، لعدم قابليته لها، كالصغير الذى لا ولاية له على مملوكه، بل عن التذكرة نفيها عن السفيه أيضا، لكن قد يشكل بأن الحجر عليه في خصوص التصرف المالي في ماله هذا. وفي المسالك لا فرق بين طول زمان الجنون والاغماء وقصره لقصوره حالته ووجود الولاية في الاخر، وإنما يفرق بين الطول والقصر عند من يجعل ولاية الجد مشروطة بفقد الاب كالشافعي، فيجعل المانع القصير غير مبطل ولا ناقل لها إلى الابعد، كالنوم. وفيه أن ذلك لا يتفرع على القول المزبور، ضرورة اشتراط ولاية الحاكم مثلا بفقد الاب والجد عندنا، فيلزم جريان ذلك فيه،


(1) سورة الانفال - 8 الاية 73. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب موانع الارث الحديث 11 من كتاب المواريث.

[ 208 ]

فالمتجه عدم الفرق على القولين لعدم القابلية بذهاب العقل الموجب للفرق بينها وبين النوم الذي هو عادي للانسان، ولذا لم يعتد به الشارع في كثير من المقامات التى اعتبر في صحتها العقل، كالصوم والوكالة وغيرهما، بل لا يبعد انتفاء الولاية في السكران وإن بقي له تميز في الجملة، كما عن التذكرة التصريح به وإن استبعده في المسالك باعتبار عدم كمالية عقله، فان وجود التمييز في الجملة أعم من ذلك، فلا ولاية له، وفرض كمال تمييزه ينافي كونه سكرانا، كما هو واضح. نعم لا خلاف (و) لا اشكال بل في الكشف الاتفاق عليه في أنه (لو زال المانع عادت الولاية) التى لم يزل ما اقتضاها من صدق الابوة والجدودة، أما الوصي فقد عرفت البحث في عود ولايته في محله. ثم إنه قد يتوهم من تعبير المصنف بلفظ المانع ثبوت أصل الولاية لا سقوطها، ويتفرع على ذلك قيام الحاكم مقامه مع وجود المانع، فيزوج الصغير حينئذ مثلا باعتبار ولاية أبيه وإن قلنا بعدم تزويجه له بولاية الحكومة، لكن لا يخفى عليك إشكاله خصوصا بعد تعبير غيره بكون هذه الامور مسقطات للولاية، فليس للحاكم حينئذ ولاية إلا من حيث كونه ولي من لاولي له، نعم لا يسقطها الاحرام وإن لم تصح عبارة العقد منه حاله إيجابا وقبولا مباشرة ووكالة نصا (1) وإجماعا، لكن الولاية ثابتة له، بل الظاهر عدم ثبوت ولاية الحاكم من حيث عدم الولاية في هذا الحال إلا إذا طال زمان الاحرام واشتدت الحاجة الى التزويج، فيحتمل الانتقال إليه فيه غير المملوك، كما في كشف اللثام، دفعا للضرر، مع احتمال العدم، ولا يستأذن، لان الاذن توكيل، والمحرم ممنوع منه. (و) كيف كان ف‍ (لو اختار الاب زوجا والحد آخر فمن سبق عقده صح) بتقديم قبوله (وبطل المتأخر) بناء على استقلال كل منهما بالولاية، قال الصادق


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب تروك الاحرام من كتاب الحج. (جواهر الكلام - ج 13)

[ 209 ]

عليه السلام في صحيح هشام بن سالم ومحمد بن حكيم (1): " إذا زوج الاب والجد كان التزويج للاول فان كانا جميعا في حال واحدة فالجد أولى " وفي موثق عبيد بن زرارة (2) قلت لابي عبد الله عليه السلام " الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها من آخر، فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الاب زوجها قبله، ويجوز عليها تزويج الاب والجد " الى غير ذلك من النصوص الدالة على الحكم المزبور الذي لم نعرف فيه خلافا بينهم، بل يمكن دعوى الاجماع عليه. ومن الموثق المزبور يستفاد ما ذكره المصنف (و) غيره من أنه (إن تشاحا قدم اختيار الجد) مضافا الى صحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما عليه السلام " إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضا أن يزوجها، فقلت: فان هوى أبوها رجلا وجدها رجلا آخر، قال: الجد أولى بنكاحها " وكذا خبر عبيد بن زرارة (4) الاتى نعم في المسالك أنه لو سبق الاب والحال هذه قاصدا سبق عقد الجد صح عقده وإن كان ترك الاولى، وظاهره استحباب هذه الاولوية، بمعنى أنه ينبغى للاب مراعاة أبيه وطاعته في ذلك، وهو كما ترى مناف لظاهر المتن وغيره، بل والنصوص، بل لعله مناف لما دل (5) على وجوب الطاعة الشامل لمثل الفرض، فلا يبعد كونه عاصيا، بل قد يقال ببطلان عقده حينئذ لاولوية الجد منه في هذا الحال الظاهرة في انتفاء ولاية الاب، بل هو المعنى المعروف المستعمل فيه لفظ الاولى في غير المقام. ولا ينافي ذلك خبر البقباق (6) المروى في الكافي عن الصادق عليه السلام " إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز، قلنا: فان هوى أبو الجارية.


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب قد النكاح الحديث 3. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2 - 1 - 5. (5) اصول كافى ج 2 ص 158 والبحار ج 74 ص 76 الطبع الحديث. (6) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 210 ]

هوى وهوى الجد هوى وهما سواء في العدل والرضا، قال: أحب الى أن ترضى بقول الجد " ضرورة ظهوره في الكبيرة التى لها رضا معتبر بخلاف ما نحن فيه، نعم في التهذيب " أحب الى أن يرضي الجد " ولا دلالة فيه أيضا سيما مع قراءة " يرضى " بالبناء للمجهول، أللهم إلا أن تنزل على الاول بل ربما يؤيده خبره الاخر عنه عليه السلام أيضا (1) " إذا زوج الرجل فأبى ذلك والده فان تزويج الاب جائز وإن كره الجد، ليس هذا مثل الذى يفعله الجد ثم يريد الاب أن يرده " بناء على كون المراد منه ليس الذى وقع من الاب مثل الذى لم يقع بعد من الجد، ولكن يريد فعله ويريد الاب أن يفعل غيره، فان هوى الجد مقدم ولا يمضى ما يقع من الاب حينئذ باعتبار أولوية الجد حينئذ عن التشاح، ولعل ذلك ظاهر قول المصنف وغيره: " قدم اختيار الجد عند التشاح " بل هو معقد المحكي من إجماع الخلاف والمبسوط والانتصار والسرائر والتذكرة. لكن في كشف اللثام أنهما إن عقدا جميعا بعد التشاح أولا بل جهل كل منهما باختيار الاخر قدم السابق اتفاقا، كما في السرائر والغنية بل ربما استفيد صحة عقد الاب مع السبق ولو بعد التشاح من موثق عبيد بن زرارة (2) السابق، بل ومن غيره، فان تم ذلك كله لم يكن محيص عما عليه الاصحاب مؤيدا بالقاعدة وإطلاق الصحيح (3) ومفهوم موثق عبيد، وإلا كان للنظر فيه مجال. (و) على كل حال ف‍ (لو أوقعاه في حالة واحدة) على وجه اقترن العقدان منهما مع التشاح وعدمه (ثبت عقد الجد دون الاب) إجماعا محكيا عن الغنية والسرائر والانتصار والخلاف والمبسوط والتذكرة والروضة وإن لم يكن محصلا، للصحيح (4) السابق وإطلاق مفهوم موثق عبيد (5). ثم إن الظاهر ثبوت جميع ما عرفت من الاحكام للجد وإن علا مع الاب للصدق، فيندرج في جميع ما عرفته من الادلة، نعم في جريان الحكم المزبور على


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 6 - 2 - 3. (4 و 5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3 - 2.

[ 211 ]

مثل الجد وأبيه الذي هو جد أيضا إشكال، ضرورة عدم صدق الجد والاب بل هما جدان أو أبان، لكن قد يظهر من خبر عبيد بن زرارة (1) عن الصادق عليه السلام أولوية الجد باعتبار ولايته على الاب الذي هو ابنه بلا واسطة أو بوسائط قال: " إنى ذات يوم عند زياد بن عبيد الله الحارثي إذ جاء رجل يستعدى على أبيه، فقال: أصلح الله الامير إن أبي زوج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل ؟ قالوا: نكاحه باطل، قال: ثم أقبل علي فقال: ما تقول يا أبا عبد الله فيما سألني ؟ فأقبلت على الذين أجابوه، فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله صلى الله عليه واله إن رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: أنت ومالك لابيك، فقالوا: بلى فقلت لهم: كيف يكون هو وماله لابيه ولا يجوز نكاحه عليه ؟ قال: فأخذ بقولهم وترك قولى " وخبر علي بن جعفر (2) عن أخيه عليه السلام المروى عن قرب الاسناد قال: " سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى جدها أن يزوج أحدهما وهوى أبوها الاخر، أيهما أحق أن ينكح ؟ قال: الذي هوى الجد أحق بالجارية، لانها وأباها للجد ". ولو اختلف الاب والجد في السبق وعدمه فان علم التاريخ فلا إشكال، وإن علم تاريخ أحدهما وجهل الاخر حكم بصحة المعلوم بناء على أصالة تأخر المجهول عنه، وإن جهلا معا قدم عقد الجد بناء على أن مقتضى الاصلين الاقتران الذي عرفت تقدم عقد الجد فيه، وإن قلنا: إن الاقتران أيضا حادث ينفى بالاصل كان الحكم بالقرعة التي هي لكل أمر مشكل (مشتبه خ ل) مع احتمال تقديم عقد الجد، لا طلاق ما دل عليه ما لم يسبقه عقد الاب، فمتى لم يعلم يحكم بتقدم عقده، فتأمل جيدا.


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح الحديث 5 - 8.

[ 212 ]

المسألة (السادسة) (إذا زوجها الولي بالمجنون أو الخصى) أو غيرهما ممن فيه أحد العيوب الموجبة للفسخ (صح) للاصل وقيام الولي مقام المولى عليه الذى يجوز له فعل ذلك لو كان كاملا، إذا العيوب المذكورة لا تنافي الكفاءة التى يمتنع التزويج مع انتفائها من الولي (و) غيره، نعم (لها الخيار إذا بلغت) (بعد الكمال خ ل) للضرر في الالزام، ولا طلاق ما دل على الفسخ بأحد العيوب الشامل لما نحن فيه بعد أن كان الصغر في المولى عليه بمنزلة الجهل لو كان مباشرا فيتخير حينئذ، بل لا يبعد ثبوته للولي أيضا باعتبار نيابته عن المولى عليه المفروض عدم إسقاط إقدامه مع علمه إياه. (وكذا) الكلام (لو زوج) الولي (الطفل بمن بها أحد العيوب الموجبة للفسخ) لكن عن الشيخ في الخلاف إنه أطلق جواز تزويج الولي الصغيرة بعبد أو مجنون أو مجبوب أو مجذوم أو أبرص أو خصي محتجا بأن الكفاءة ليس من شرطها الحرية ولا غير ذلك من الاوصاف من غير ذكر للخيار، وكان وجهه أن الولي بعد أن جاز له ذلك كان كالمولى عليه في الفعل، ولا ريب في عدم ثبوت الخيار له مع علمه وإقدامه عليه، فهو حينئذ كما لو اشترى معيبا للطفل، ودعوى تناول أدلة العيوب لمثل المقام واضحة المنع، ضرورة ظهورها في غيره، فالمتجه حينئذ فضولية التصرف، أو جوازه بلا خيار، لاطلاق ما دل على لزوم التصرف الجائز للولي، وأنه لا اعتراض للمولى عليه عليه، نعم لو وقع من الولي على وجه يثبت فيه الخيار ولو وقع من المولى عليه كما لو زوجه غير عالم بعيبه اتجه ثبوت الخيار حينئذ للولى فضلا عن المولى عليه، فان اختار الفسخ أو اللزوم على وجه كان يجوز له ذلك مضى على الطفل، وإلا فلا، كما أنه لو سكت فلم يختر حتى كمل الطفل مثلا كان الخيار له دون الولي.

[ 213 ]

ولعله لذلك مال إليه في المسالك، فانه بعد أن ذكر عن الشافعية وجها بعدم صحة العقد المذكور من حيث إنه لا حظ للمولي عليه في تزويج المعيب، سواء علم الولي أم لم يعلم، ووجها آخر بالتفصيل بعلم الولي بالعيب، فيبطل كما لو اشترى له المعيب مع علمه أو الجهل، فيصح ويثبت الخيار للولي على أحد الوجهين، أولها عند البلوغ، قال: وهذا الوجه الاخير موجه، وعلى القول بصحة الفضولي يكون المراد بالبطلان في الاول عدم اللزوم، بل يقف على الاجارة بعد البلوغ، ثم قال أيضا: ولو اعتبرنا في عقد الولي الغبطة كما مال إليه بعض الاصحاب فالعقد لازم معها مطلقا، وموقوف على الاجازة بدونها، قلت: قد يقال ذلك مع عدم اعتبارها أيضا، بناء على أن فيه المفسدة والضرر، ولو الغضاضة العرفية والاستنكار، ودعوى ارتفاع ذلك بالخيار يدفعها أن وجود الضرر يرفع صحة التصرف من الولي المعتبر في جواز فعله عدم الضرر، لا أنه يثبت فيه الخيار، ولعل ذلك لا يخلو من قوة إن لم يكن إجماعا، ولم تحصل مصالح تقتضي الفعل أو مرجحات بحيث ترتفع المرجوحية معها، وحينئذ ينفذ ويلزم على المولي عليه على الوجه الذي قد عرفت. ومن ذلك يعرف الكلام أيضا فيما ذكره المصنف (و) غيره من أنه (لو زوجها بمملوك لم يكن لها الخيار إذا بلغت) لعدم اعتبار الحرية في الكفاءة، وعدم كونها أحد العيوب الموجبة للفسخ (وكذا) الكلام في (الطفل) لو زوجه وليه بمملوكة بناء على عدم اعتبار خوف العنت في تزويجه الامة، (و) أما عليه فالمتجه ما (قيل بالمنع في الطفل، لان) الفرض أن (نكاح الامة مشروط بخوف العنت، ولا خوف في) جانب (الصبي)، كما هو واضح. بقي الكلام في جواز عقد الولي الصغيرة مثلا متعة الى ساعة مثلا بكذا لارادة حل النظر الى امها مثلا للاندراج تحت امهات النساء (1) مثلا ونحو ذلك مما هو مقتضى إطلاق النص (2) والفتوى وعموم الوفاء بالعقد (3) وتبيعته للقصد


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهره. (3) سورة الماعدة: 5 - الاية 1.

[ 214 ]

وغير ذلك، بل كاد يكون صريح بعضهم عند ذكره ما يحرم بالعقد من المصاهرة من دون دخول، بل عن المحقق في الشرائع وللولي الانكاح متعة وإن كنت لم أجده فيها نعم عن بعض الناس تقييد ذلك بأن يكون للمولى عليه مصلحة وأن يكون هو المقصود، فلو لم يكن مقصوده المولي عليه لم يصح، فلو عقد على صغيرة لاباحة النظر لامها أو لم يكن له فيه مصلحة لم يصح العقد، ولا يباح النظر، ولا يحرم به أم المعقود عليها، وكذا باقي أحكام المصاهرة، بل جزم بذلك بعض الفضلاء ممن قارب عصرنا وصنف فيه رسالة. لكن لا يخفى عليك أن الجواز هو الموافق لما عرفت، ودعوى اعتبار كون المقصود ذلك للمولي عليه واضحة المنع، لمنافاتها عموم الادلة وإطلاقها، سيما مع ملاحظة كثير مما ذكروه في الحيل الشرعية مما هو منطبق على القواعد في كتاب الطلاق، والتخلص عن الرباء، والجمع بين الاختين، وإسقاط العدة، والاستبراء، وغير ذلك، والفوائد المذكورة في أصل مشروعية النكاح والمتعة والصلح وغيرها من العقود ليست شرطا في صحة العقد، وإنما هي حكم ومصالح لاصل المشروعية، كما هو واضح. وكان عدم نص أساطين الاصحاب على ذلك للمفروغية منه كالمفروغية من عدم اعتبار القصد الى جميع آثار العقد وما يترتب عليه في صحته، وأنه يكفي في ذلك القصد بالعقد الى كونها زوجة باعتبار أنها أنثى، وهي محل له ذاتا وإن لم تكن أهلا للوطء فعلا لارادة ترتيب بعض الاثار ولو حل النظر الى الام ونحوه، ولذا نفى بعضهم عنه الخلاف بين أهل العلم. فمن الغريب ما وقع من الفاضلين المزبورين من الوهم المسطور، وأغرب من ذلك ما ذكره ثانيهما في الرسالة المزبورة مما هو خارج عن محل البحث، والله العالم والهادي.

[ 215 ]

المسألة (السابعة) (لا يجوز نكاح الامة إلا باذن مالكها) الذكر إجماعا أو ضرورة من المذهب أو الدين، بل (ولو كان) المالك (امرأة في الدائم و) أما (المنقطع) فالمعروف بين الاصحاب عدم جوازه، بل هو الذى استقر عليه المذهب، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع عليه، لقبح التصرف في مال الغير، والامر بنكاحهن باذن أهلهن (1) وما يظهر من النصوص (2) أيضا (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والتهذيب (يجوز لها أن تتزوج متعة إذا كانت لامرأة من غير إذنها) لخبر سيف بن عميرة (3) الذى رواه تارة عن الصادق عليه السلام بلا واسطة، واخرى بواسطة على بن المغيرة (4) وثالثة بواسطة داود بن فرقد (5) ومن هنا عده بعضهم ثلاثة أخبار، لكن في المسالك أن مثله اضطراب في السند يضعف الرواية لو كانت صحيحة، فضلا عن مثل هذه الرواية، وربما ناقشه في ذلك بعضهم، وعلى كل حال فمتنه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتمتع بأمة امرأة بغير إذنها قال: لا بأس به ". (و) لا ريب أن (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده، إذ لا يخفى عليك أن مثل هذه الاخبار - المخالفة لقاعدة قبح التصرف في مال الغير والكتاب وإجماع الاصحاب وصحيح البزنطى (6) " سألت تتمتع الامة باذن أهلها، قال: نعم إن الله عز وجل يقول: فانكحوهن باذن أهلهن " وغير ذلك - مما لا ينبغي الالتفات إليها، بل هي من القسم الذي قد أمرنا بطرحه والاعراض عنه، بل ربما


(1) سورة النساء: 4 - الاية 25. (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المتعة والباب - 29 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 14 - من أبواب المتعتة الحديث 1 - 2 - 3. (6) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المتعة الحديث 3.

[ 216 ]

كانت هي مما دس في كتب الشيعة لارادة إفساد مذهبهم، فمن الغريب إطناب بعض الناس في ذلك، وأغرب منه ميله الى القول بمضمونها، وليس ذلك إلا من آفة نعوذ بالله منها، ولو أن مثل هذه الاخبار تزلزل ما استقر عليه المذهب مما كان مثل ذلك لم يبق شئ منه مستقر، وقد قال الله تعالى (1): " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " فلابد من إذنها حينئذ، ولو قلنا بأنها مولي عليها مع كونها بالغة رشيدة، إذ لا تلازم بين الامرين، بل هو من التصرف المالي الغير الممنوعة منه قطعا. المسألة (الثامنة) (إذا زوج الابوان الصغيرين) مراعيين ما يعتبر في جواز ذلك لهما (لزمهما العقد) للاصل، وقيام الولي مقام المولي عليه وللنصوص المعتبرة (2) بل لا خلاف أجده فيه في الصبية، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه فيها، نعم خالف فيه جماعة من الاصحاب في الصبي، فأثبتوا له الخيار عملا ببعض الاخبار (3) القاصر عن معارضة غيره من وجوه، كما عرفته سابقا، فهو إما مطرح أو محمول على الخيار بالطلاق أو أحد العيوب، أو يراد بالخيار فيه الاجازة مع فرض وقوع ذلك من الولي على جهة الفضولي، لعدم الغبطة أو حصول المضارة أو نحو ذلك مما لا بأس به في مقام الجمع بين الراجح والمرجوح. وعلى كل حال (فان مات أحدهما ورثه الاخر) حتى على القول بالخيار، كما حكي عنه التصريح به، ضرورة عدم منافاته لتحقق موجب الارث الذى هو الزوجية.


(1) سورة الحجر: 15 - الاية 9. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح الحديث 8 و 9.

[ 217 ]

(ولو عقد عليهما غير أبويهما) مما (ممن ظ) لا يجوز له تزويجهما كان من الفضولي، بناء على عدم اعتبار المجيز له في الحال، أو يفرض وجود الولي لهما ولم يجز، أو لم يعلم (و) الحكم فيه حينئذ إنه إن (مات‍) امعا أو (أحدهما قبل البلوغ بطل العقد) قطعا، لعدم، تماميته ولو من طرف واحد (وسقط المهر والارث) حينئذ لعدم تحقق موجبهما كما هو واضح. (ولو بلغ أحدهما فرضى) به (لزم العقد من جهته) بناء على أن الاجازة كاشفة، فالمراد باللزوم حينئذ من جهته عدم جواز فسخه له، بل في القواعد في نحو المقام أنه تحرم المصاهرة عليه، بل في كشف اللثام نفي الاشكال فيه، فلا يجوز له إن كان الزوج نكاح الاخت والخامسة وكل من الام والبنت إلا إذا فسخت الزوجة، فلا حرمة على إشكال في الام، وفي الكشف من أن الفسخ كاشف عن الفساد أو رافع له من حينه ثم قال فيها: ومع الطلاق نظر لترتبه على عقد لازم، فلا يبيح المصاهرة إلى أن قال فيها: وإن كان الزوجة لم يحل لها نكاح غيره مطلقا إلا إذا فسخ، والطلاق هنا معتبر، وفي الكشف وهل لها نكاح أبيه أو ابنه ؟ فيه الوجهان في إباحة الام بالفسخ، لكنه قد يناقش باعتبار تحقق النكاح في تحريم ذلك وليس، إذا الفرض عدم حصول الاجازة من الاخر، واحتمال حصولها غير كاف في تحققها، بل الاصل يقتضى عدمها، بل مقتضاه جواز ذلك كله له حتى تحصل وإن انكشف بعد حصولها بطلان التصرف الحاصل بين العقد وبينها، فمن باع ماله من فضولي لم يمتنع عليه الانتفاع به ولو المتلف، أللهم إلا أن يفرق بينه وبين النكاح المطلوب فيه الاحتياط بالانساب وغيرها، أو يلتزم فيهما معا بالحرمة من باب المقدمة، ضرورة أنه على الكشف بالمعنى المعروف عندهم يكون الامر دائرا بين كونها أم امرأته مثلا أو غيرها، فيحرم وطؤها مقدمة لامتثال تحريم نكاح أم الزوجة، ويحرم عليه التصرف في المال، لدورانه بين كونه ماله ومال غيره، فيجب اجتنابه مقدمة لامتثال حرمة التصرف في مال الغير، وبذلك ينقطع استصحاب الجواز السابق، فانه لا يعارض باب المقدمة، بل لعل موضوع المستصحب غير محقق بعد صدور ما يحتمل السببية منه المخرجة له

[ 218 ]

عنه، كما أنه، لم يعلم تناول أدلة الحل للفرض، إذ هي نكاح غير أم الامرأة، ولم يعلم كونها كذلك، هذا أقصى ما يمكن أن يقال. لكن الانصاف عدم خلوه مع ذلك عن الاشكال، خصوصا بعد ملاحظة أصل عدم حصول الاجازة، واستصحاب أحكام الموضوع السابق، مثل جريان هذا العقد والعزل في خبر الحذاء (1) إنما هو للاحتياط في حفظ المال، كالعزل للحمل، فهو مخصوص في محله، ولذا صرحوا باعطائه للوارث مع فرض طول الانتظار ونحوه بجنون ونحوه، فتأمل فانه قد يقال بمعارضة أصالة عدم الاجازة بأصالة عدم حصول المبطل للعقد المتأهل للصحة، والاستصحاب قد انقطع قطعا، ضرورة اندراجها في المعقودة التى هي غير نافذة العقد، نعم هي محتملة لكونها من ذي العقد المقبول أو المردود، ولا أصل ينقح ذلك، فيجب الاجتناب مقدمة كالمعقودة المشتبهة بغيرها، مؤيدا ذلك بتناول أمر الوفاء بالعقد الشامل لمثل هذا العقد للاصيل مثلا، وليس الوفاء به إلا المراعاة لحاله، واجراء حكم المصاهرة ونحوها عليه، لان الوفاء بكل شئ بحسب حاله، بل لعل الامر بعزل المال في الصحيح الاتى (2) لذلك. نعم من الغريب ما سمعته مع احتمال تحريم الام والاب والابن بمجرد صدور العقد فضولا الذي تعقبه عدم الاجارة ولو من طرف واحد، لاحتمال كون الفسخ من حينه، فانه لا يقتضيه أصل ولا قاعدة ولا فتوى، بل يمكن تحصيل الاجماع أو الضرورة بخلافه، والطلاق غير مجد، ضرورة اعتبار تعقبه للنكاح، والفرض عدم تماميته لعدم حصول الاجازة، وإن قلنا بكونها كاشفة بناء على مدخليتها في تأثير الصحة ولو على جهة الكشف الشرعي فلا يؤثر الطلاق حينئذ فسخا، نعم على ما حققناه سابقا من عدم المدخلية لها في الصحة، وأنه يكفي فيها أن يرضى الذي هو في علم الله كالمحقق يتجه تأثير الطلاق لو صادف الصحة على الاصح، لعدم اعتبار العلم بها فيه فتأمل جيدا، فانه دقيق.


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث.

[ 219 ]

وكيف كان (فان مات) هذا الذي قد أجاز (عزل من تركته نصيب الاخر) قبل البلوغ احتياطا، لاحتمال كونه وارثا بالاجازة الكاشفة، نحو ما يعزل نصيب الحمل (فان بلغ فأجاز) العقد (احلف أنه لم يجز للرغبة في الميراث وورث) لانكشاف صحة العقد حينئذ من حين وقوعه، فتحقق الزوجية الموجبة للارث والمهر وغيرهما من أحكامها. (ولو مات الذى لم يجز) قبل البلوغ أو بعده قبل الاجازة (بطل العقد) لعدم تحققه (و) حينئذ ف‍ (لا ميراث) ولا مهر ولا غيرهما من أحكام الزوجية، والاصل في هذه الاحكام صحيح الحذاء (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام وجارية زوجها وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: النكاح جائز وأيهما أدرك كان له الخيار، وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلا أن يكون قد أدركا ورضيا، قلت: فان أدرك أحدهما قبل الاخر، قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي، قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه ؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها الى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر، قلت: فان ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك ؟ قال: لا، لان لها الخيار إذا أدركت، قلت: فان كان أبوها هو الذى زوجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الاب، ويجوز على الغلام، والمهر على الاب للجارية " والمراد بالوليين في صدره بقرينة ما في ذيله من له الولاية عرفا كالعم والاخ، أو في المال خاصة، أو في النكاح أيضا ولكن لم يراع الغبطة المعتبرة في تصرفه، واشتماله على تنصيف المهر بالموت نحو غيره من الاخبار الدالة على ذلك غير قادح في حجية مع احتمال تقدم النصف الاخر. ثم إن ظاهره كالفتاوى اعتبار اليمين في الارث وغيره من الاحكام، فلو لم


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث.

[ 220 ]

تحلف فلا إرث ولا مهر ولو لعارض من موت وغيره، فما في المسالك - من أنه ربما احتمل مع موته قبل اليمين ثبوت الارث، من حيث إنه دائر مدار العقد الكامل، وهو هنا حاصل بالاجازة من الطرفين، بل في القواعد إن مات قبل اليمين بعد الاجازة فاشكال - كما ترى، ضرورة منع كمال العقد بدونه، وأنه لو كان كذلك لم يتوقف على اليمين ابتداء، بل قيل: إن الحلف فيه جار على الاصل باعتبار توقف صحة العقد على الرضا به واقعا على وجه بحيث لو كان حيا لرضيت به زوجا، لا أنها أظهرت الرضا رغبة في الميراث، وإلا فهي غير راضية به زوجا في الواقع وإن كان هو كما ترى، ولو جنت بقي المال على عزله من العين إن أمكن وإلا فمن المثل أو القيمة. وقيل: لو خيف الضرر على الوارث أو المال دفع إليه، وضمن للمجنون إن أفاق وأجاز وحلف، لان استحقاقه الان غير معلوم، والاصل عدمه، وفيه أن استحقاق كل منهما غير معلوم، ولذا أمر بالعزل كما عرفته سابقا، فالمتجه الانتظار. ولو أجاز الزوج ونكل عن اليمين ففي لزوم المهر عليه إشكال من مؤاخذة العقلاء بالاقرار، ومن أنه فرع الزوجية التي لم تثبت إلا باليمين نصا وفتوى، بل هي جزء من علة النكاح أو شرط، ولعل الاول أقوى، لان جزء السبب الرضا، والاجارة تتضمن الاخبار به، فيكون إقرارا في حقه، والافتقار الى اليمين لدفع التهمة، حيث يردا إثبات حق على الغير، مع أنه خارج عن النص لكونه في المرأة خاصة، وعليه ففى إرثه منه إشكال من توقف الارث على اليمين، ومن أن الاقرار لا يوجب المؤاخذة إلا ببعض المهر، فان غاية ما يلزم تحقق الزوجية في طرفه، وهو لا يستلزم هنا إلا ثبوت بعض المهر، ولا دليل على الزائد، وأيضا هو إما صادق أو كاذب، فان كان الاول فليس عليه، إلا بعض المهر، وإن كان كاذبا فلا مهر أصلا، وليس هو كالاقرار بمائة مثلا لامرأة ثم ادعى أنها مهر نكاح يرث منه، ضرورة وضوح الفرق بينهما وحكم المجنونين حكم الصغيرين. نعم قد يشكل جريان الحكم في البالغين إذا زوجهما الفضولي من التساوي في الفضولية، ومن أن في بعض أحكامه ما هو على خلاف الاصل، فيقتصر على مورده، لكن في المسالك تبعا لجامع المقاصد إن هذا أقوى، فيحكم ببطلان العقد

[ 221 ]

إذا مات أحد المعقود عليهما بعد إجازته وقبل إجازة الاخر، سواء قلنا: إن الاجازة جزء السب أو كاشفة عن سبق النكاح من حين العقد، أما على الاول فظاهر، لان موت أحد المتعاقدين قبل تمام السبب مبطل، كما لو مات أحدهما قبل تمام القبول، وأما على الثاني فلان الاجازة وحدها لا تكفي في ثبوت هذا العقد، بل لابد معها من اليمين، وقد حصل الموت قبل تمام السبب، خرج منه ما ورد فيه النص وهو العقد على الصغيرين، فيبقى الباقي، ولان الارث لا يثبت باليمين كما في جامع المقاصد، وفيه - مضافا إلى كون معية اليمين إنما هو بعد الموت لا قبله - أن اليمين لا مدخلية له في الثبوت واقعا، ولا في الارث، وإنما هو كاشف عن إثبات الاجازة، وعن صدق المجيز في إخباره عن رضاه الباطن بالعقد، لا أنه أظهر الرضا للرغبة في الميراث، وأيضا هو كالاجازة في الكشف، لا أنه من تمام السبب الناقل كى يقال بالبطلان لحصول الموت قبله، على أن المتجه بناء على عدم اعتبار بقاء المعقود عليه على صفة القابلية في صحة الاجازة الصحة من غير حاجة إلى اليمين، ضرورة تمامية العقد حينئذ بدونه لا بطلان العقد، بل وكذا لو قلنا باعتبار اليمين لنفي التهمة الذى لا مدخلية له في العقد، كما هو واضح، وما كنا لنؤثر أن يقع مثل ذلك عن مثلهما، نعم يقوى في النظر اعتبار بقاء قابلية المعقود عليه لتأثير العقد فيه، كما عن الفخر التصريح به في شرح الارشاد، خصوصا بناء على ما ذكر في الكشف في بحث الفضولي من احتمال أن الاجازة لها مدخلية في التأثير وإن كان هو واضح الفساد، كما ذكرناه في محله. وحينئذ فيكون ما في النص مخالفا للقواعد، يقتصر عليه، لا يتعدى منه إلا لما علم أولويته أو مساواته له. وأغرب مما سمعت ما وقع من ثانيهما من احتمال الصحة في الفرض باعتبار الاولوية من المنصوص بأن يقال: إن عقد الفضولي إذا كان له مجيز في الحال فلا إشكال في صحته عند القائل بصحته، وإن لم يكن له مجيز في الحال فهو محل إشكال، وعقد الكبيرين فضولا من القسم الاول دون عقد الصغيرين، فإذا ثبت الحكم في الاضعف ثبت في الاقوى بطريق أولى، وهذا متجه لم ينبه عليه أحد.

[ 222 ]

قلت: لا يخفى عليك ما فيه، أما أولا فلان العقد على الصغيرين قد يكون من القسم الاول، كما إذا كان لهما ولي نكاح لكن عقد عليهما الفضولي، بل قد يقال إنهما لا يخلوان من المجيز في الحال، بناء على عموم ولاية الحاكم لمثل ذلك، ولعل مراده أن عقد الصغيرين فضولا قد لا يكون له مجيز في الحال بناء على المشهور وحينئذ فلا إيراد عليه من هذه الجهة. وثانيا أن الاشكال في الصحة وعدمها لا مدخلية له في الاولوية التى تكون سببا لاثبات حكم شرعي. ومن ذلك يعلم الحال فيما ذكره فيها أيضا تبعا لغيره، من انه لو تغير مورد النص بكون العاقد على الصغيرين احدهما الولي والاخر فضولي فمات من عقد له الولي أولا قبل بلوغ الاخر إطرد الحكم، لان الجائز من الطرفين أضعف حكما من اللازم من أحدهما، فإذا ثبت الحكم في الاضعف ثبت في الاقوى بطريق أولى، وبذلك يخرج عن القياس الممنوع. وكذا ما ذكره أيضا فيها فيما لو كانا بالغين وأوقعه أحدهما عن نفسه والفضولي عن الاخر، أو كان أحدهما بالغا والاخر صغيرا، فأوقع له الولي أنه وإن كان أبعد من جهة الخروج عن المنصوص في كونهما معا صغيرين، لكن ذلك منجبر بالاولوية المزبورة ويظهر منهم الجزم بالحكم في هذا أيضا، وهو متجه إذا الجميع كما ترى غير خارج عن القياس الممنوع ما لم يصل ذلك الى حد القطع بأولوية الحكم هنا من مورد النص أو مساواته. وأغرب من ذلك ما فيها أيضا من أن الاقوى اعتبار اليمين وإن لم تحصل التهمة التي هي ليست علة تامة في اعتباره، بل هي حكمة لا يجب اطرادها وحينئذ فلا يستحق شيئا في أعيان التركة بدونه وإن كان ما يعترف به في ذمته أو في عين من الاعيان من المهر أضعاف ما يدعيه، ولا بعد في توقف ملكه لنصيبه من عين التركة عليه، لان ذلك أمر آخر، وحق خارج لا ملازمة بينه وبين ما يقربه، إذلا يخفى أن لفظ النص في الامرأة، وألحقنا الرجل بها إلحاقا، واليمين إنما يراد مع عدم علمه بصدق المخبر، أما لو علم ولو بقرائن قطعية فلا فائدة في اليمين.

[ 223 ]

المسألة (التاسعة) (إذا أذن المولى لعبده) مثلا (في إيقاع عقد النكاح) له (صح) وإن لم يعين له امرأة ولا مهرا بلا خلاف أجده فيه، كما عن بعضهم الاعتراف به، فيجوز له حينئذ تزويج الامة والحرة الشريفة والوضيعة من أهل البلد أو خارجه، نعم ليس له الخروج إليها إلا باذن السيد، (و) لا يشكل ذلك بتفاوت المهر تفاوتا فاحشا، فلا يكفي الاطلاق في التزامه لاندفاعه باقدامه عليه باطلاق الاذن له، على أنه إذا أطلق (اقتضى الاطلاق الاقتصار على مهر المثل) نحو الاطلاق في البيع والشراء ونحوهما وما يقال: إن مهر المثل متفاوت أيضا بتفاوت ذوات الامثال تفاوتا فاحشا يدفعه - مضافا الي إقدامه على ذلك - إمكان دعوى تنزيل الاطلاق على الائقة بحاله وحال مولاه، وحينئذ فلو تزوج من لا يليق مثلها به أو من لا يليق مهر مثلها بالمولى فاما أن يقف النكاح على الاذن، أو يصح ويكون الزائد من مهرها على ما يليق بالمولى على العبد، يتبع به بعد العتق، ولعل الاقوى الوقوف في التى لا تليق بحاله، بخلاف من لا يليق مهر مثلها بالمولى، فيصح النكاح على الوجه الذى عرفت، نعم قد يقال بتسلط الامرأة على الخيار في العقد مع الجهل بالحال، كما ستعرفه في نظائره مع أن الاقوى عدمه. وعلى كل حال (فان زاد) العبد على مهر المثل مع الاطلاق (كان الزائد في ذمته يتبع به إذا تحرر) وإن قلنا بوقف العقد في الشراء بأزيد من ثمن المثل، للفرق بينه وبين المقام بتوقف صحته على الثمن بخلاف النكاح، فانه لا يتوقف على المهر، نعم قد يناقش بأن العبد إن كان أهلا لان يثبت شئ من المهر في ذمته فليثبت جميعه، وبأن المرأة إذا لم تكن عالمة بالحال قد أقدمت على مهر يثبت في ذمة المولى معجلا ولم يحصل، وقد يدفع بأنه أهل هنا للزائد على ما استحقه على المولى بالاذن كما ستعرف، ويمنع كون نكاح العبد مطلقا يوجب كون المهر

[ 224 ]

معجلا في ذمة المولى أو غيره، بل قد يكون كذلك، وقد لا يكون كذلك، فالتقصير منها حيث إنها أقدمت جاهلة بالحكم الشرعي، لكن قد يناقش فيه بأنه مع عدم مدخلية ذلك بعض الصور لا مؤاخذة عليها في الجهل بحكم المعاملة، وقد تدفع بأنه وإن كان لا مؤخذة عليها شرعا بذلك، لكن ما وقعت فيه إنما هو بجهلها وعدم سؤالها، خصوصا بعد معلومية مملوكية العبد لغيره. وأنه كل عليه فلا خيار لها حينئذ نعم لودلس نفسه فتزوجته على أنه حر فبان أنه مملوك كان لها الخيار نصا وفتوى، هذا كله مع الاطلاق. أما لو عين له الزوجة والمهر فلا ريب في نفوذه مع عدم التخطي عما عين له، فان تخطى في الزوجة خاصة أو فيها وفي المهر كان موقوفا على إذن جديدة من المولى وإن كانت مساوية للمعينة. وكذا لو عين له نوع النكاح فتخطى الى غيره، ولو أطلق فلا إشكال في الدائم، ويقوى دخول المنقطع أيضا. ولو كان في المهر خاصة اتبع بالزائد بعد العتق نحو ما سمعته في الزائد على مهر المثل، ونحو ما لو عين له المهر وأطلق له الزوجة، فانهم صرحوا من غير خلاف فيه يعرف بينهم بأنه يتبع بالزائد بعد العتق وإن كانت الزيادة مع المعين لا تتجاوز مهر المثل، وفي خيار المرأة ما عرفت. ولو كان المهر المعين أكثر من مهر مثل التى عقد عليها ففي لزوم العقد والمسمى نظرا الى كونه مأذونا، أو تعلق الزائد بذمته يتبع به بعد العتق كما لو زاد في المطلق، ولانسياق إرادة الاذن بذلك لمن يكون مهر مثلها ذلك، وجهان: عن التذكرة الاول ويقوى في النظر الثاني، فيثبت حينئذ الزائد عن مهر المثل في ذمته بعد العتق، مثل ما لو عين له الزوجة وأطلق له المهر فتخطى عن مهر المثل، فان الزائد عليه حينئذ في ذمته يتبع به بعد العتق، ومن ذلك يظهر لك ما في الحدائق من أنه لو عين له المهر والزوجة فتعدى فيهما أو في أحدهما كان فضولا، ولعله (جواهر الكلام - ج 14)

[ 225 ]

توهمه من بعض نسخ المسالك أو مما في جامع المقاصد، قال: " إن المناسب للقواعد أي مع الزيادة على مهر المثل أو المعين، إما القول بوقف النكاح أو الصداق على إجازة المولى، فإذا فسخ الصداق ثبت مهر المثل بالدخول، وتتخير المرأة " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، (و) الامر في ذلك كله سهل. إنما الكلام في أنه (يكون مهر المثل) المأذون له في الاطلاق والمعين (على مولاه) وفي ذمته، كما هو المشهور على ما في المسالك، أو يكون في ذمة العبد يؤديه مما يتجدد من كسبه إن كان مكتسبا، قيل أو مما في يده إن كان مأذونا في التجارة، وإلا بقي في ذمته، فيقال لزوجته إن زوجك معسر بالمهر فإن صبرت وإلا فلك خيار الفسخ، وهو الذى أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل) والقائل الشيخ وابنا البراج وسعيد على ما يحكى عنهم (في كسبه) بل في كشف اللثام " هو عندي أقوى، لان الاصل براءة ذمة المولى، والاذن في النكاح لا يستلزم تعليق لازمه في الذمة، وإنما يستلزم الاذن في لازمه، وهو الكسب للمهر والنفقه، وأيضا فغاية العبد المكتسب إذا أذن له في النكاح أن يصير في المهر والنفقة بمنزلة الحر المكتسب، وأما المأذون في التجارة فاذنه فيها كأنه يتضمن الاذن في أداء المهر مما في يده، والتعويض عنه بكسبه " انتهى. وفي الروضة " يجب حينئذ على المولى تخلية العبد للتكسب نهارا وللاستمتاع ليلا، إلا أن يختار الانفاق عليه وعلى زوجته من ماله، فله استخدامه بشرط أن لا تزيد اجرة الخدمة على النفقة المبذولة، وإلا كان الزائد مصروفا في المهر، فيجب على المولى بذل الزائد أو تخليته ليصرف الكسب فيهما حيث يفضل " وهو جيد إلا أنه ينبغي تقييد الاستمتاع بالواجب عليه، أما غيره فلا يعارض وجوب طاعة السيد التي لا ينافيها الاذن له في ذلك، نعم لا يجب على الامة المأذونة الطاعة مع معارضة استمتاع الزوج، للفرق الواضح بينها وبين العبد بوجوب ذلك عليه، بخلاف العبد. وعلى كل حال فانما يتعلق بكسبه الحاصل بعد العقد، والنفقة بكسبه الحاصل بعد وجوب الانفاق المشروط بالتمكين، فما كان بيده من كسب قبل ذلك فهو للسيد،

[ 226 ]

والمهر المؤجل يتعلق بالكسب عند حلول أجله فان فضل من السابق عن النفقة شئ فهو للمولى، لان الاكتساب تابع لوجوب الحق. (و) كيف كان فلا ريب أن (الاول أظهر) ضرورة عدم ذمة للعبد صالحة للاشتغال، وإلا لكان المهر جميعه فيها ولم يقل به أحد، كما أنه ليس في الاذن ما يقتضى اختصاص ذلك بخصوص الكسب من أموال السيد، فالمتجه تنزيل ذلك منزلة الاستدانة والشراء المأذون فيهما من السيد وإن انتفع العبد بهما، بل ربما ظهر من خبر علي بن حمزة (1) عن أبي الحسن عليه السلام المفروغية من ذلك " في رجل زوج مملوكا له من امرأة حرة على مأة درهم ثم إنه باعه قبل أن يدخل عليها، قال: يعطيه سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين استدانه باذن سيده " بل يمكن دعوى معلومية ذلك من الاصحاب أيضا، فانهم في غير المقام لا إشكال عندهم في التزام السيد بكل ما يأذن به لعبده من التصرفات التى تستتبع مالا، أللهم إلا أن يفرق بين النكاح وغيره بأن المعوض في الشراء والدين ونحوهما يدخل في ملك السيد، لعدم ملكية العبد، فلابد من ثبوت العوض في ذمته حينئذ، بخلاف النكاح، فان البضع يكون للعبد، وفيه أن المتجه حينئذ كونه في ذمة العبد يتبع به بعد العتق، ولم يقل به أحد، نعم قد يقال: إنه في ذمة العبد، لكونه عوض ما انتقل إليه من البضع، ولكن يستحق على السيد أداؤه حالا أو عند حلول الاجل، ولعل هذا هو المراد من قولهم في ذمة السيد إنه في عهدته أداؤه عن العبد، وإلا فالمهر على الزوج نصا وفتوى، والله العالم. (وكذا الكلام (القول خ ل) في نفقتها) خلافا ودليلا، نعم عن ابن حمزة أنه فصل فيها بين كون العبد مكتسبا ففى كسبه، أي مع اختيار سيده كما حكاه عنه في الايضاح، وإلا فعلى سيده، وإن كان قد يفرق بينهما بأن الاول من المعاوضة التى يعتبر فيها ملك العوض في مقابلة ملك المعوض، بخلاف النفقة التي هي حكم


(1) الوسائل الباب - 78 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 عن على بن أبى حمزه.

[ 227 ]

شرعي متعلق بالزوج وإن وجب على السيد أداؤه عنه للاذن، كما في كفارات الاحرام، هذا. وفي كشف اللثام عن الشيخ أنه إن لم يكن مكتسبا قيل: إنها تتعلق بذمته فيقال لزوجته: إن زوجك معسر بالنفقة فان اخترت أن تقيمي معه حتى يجد، وإلا فاذهبي الى الحاكم ليفسخ النكاح وقيل: تتعلق برقبته، لان الوطء كالجناية، واختاره، وقال: إنه أليق بمذهبنا فان يمكن أن يباع منه كل يوم بقدر ما يجب عليه من النفقة فعل، وإلا بيع كله في الجناية، ووقف ثمنه ينفق عليها، والاعتراض بأنه إذا بيع انتقل الى سيد آخر، والثمن من مال الاول، فكيف ينفق منه على زوجته ؟ ظاهر الاندفاع بمنع كون الثمن حينئذ من ماله، وإن سلم فنقول: إنه بالاذن في النكاح ألزم على نفسه الانفاق على زوجته من ثمنه. لكن الجميع كما ترى، خصوصا مع أن النفقة ليست بأولى من المهر في كونه عوض إتلاف، ولا ريب في أنها على سيده، لانها من توابع ما أذن له فيه، بل ربما ظهر من موثق الساباطى (1) المفروغية منه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة حرة فتزوجها، ثم إن العبد أبق فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولى العبد، فقال: ليس لها على مولاه نفقة، وقد بانت عصمتها منه، فان إباق العبد طلاق امرأته، هو بمنزلة المرتد عن الاسلام، قلت: فان هو رجع الى مواليه ترجع إليه امرأته ؟ قال: إن كان قد انتقضت عدتها منه ثم تزوجت غيره فلا سبيل له عليها، وإن كانت لم تتزوج ولم تنقض العدة فهى امرأته على النكاح الاول " بل يمكن دعوى كونه من الواضحات، فلايطال في تأييده، كما أنه لا يخفى عليك جريان نحو ذلك بما لو كانت الاذن للجارية في التزويج في الصور الاربع، وأنه في أيها يكون العقد فضولا أو لازما، ويلتزم بمهر المثل


(1) الوسائل الباب - 73 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 228 ]

المسألة (العاشرة) (من تحرر بعضه ليس لمولاه إجباره على النكاح) لانه صار شريكا للمولى في الحق المتعلق برقبته، فليس لاحدهما التصرف إلا باذن الاخر، ومنه النكاح، فليس للمولى إجباره عليه مراعاة لجانب الحرية، لان الحر لا يجير عليه، والنكاح لا يختص ببعضه، ولا للعبد الاستقلال به مراعاة لجانب الرقية، بل يعتبر صدوره عن رأيهما، وتكون المهر والنفقه حينئذ بالنسبة، والزيادة هنا عن المعين والمثل يتعلق بجزئه الحر، وعلى كل حال فلا ريب في عدم جواز استقلال أحدهما به، ضرورة كونهما كالشريكين اللذين سأل زرارة الصادق عليه السلام (1) عنهما قال له " في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والاخر لا يعلم، ثم إنه علم بعد ذلك، أله أن يفرق بينهما ؟ قال: للذي لم يعلم ولم يأذن أن يفرق بينهما، وإن شاء تركه على نكاحه " وسأل علي بن جعفر (2) أخاه عليه السلام أيضا " عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما والاخر غائب، هل يجوز النكاح ؟ قال: إذا كره الغائب لم يجز النكاح " بل لعل إطلاق المتن وغيره يقتضى عدم جواز الاستقلال ولو في أيام المهاياة، والله العالم. المسألة (الحادية عشر) (إذا كانت الامة لمولى عليه كان نكاحها بيد وليه) الذى له الولاية على سيدها وحينئذ (فإذا زوجها لزم وليس للمولى عليه مع زوال الولاية فسخه) بعد فرض مراعاة الولي ما يعتبر في جواز تصرفه من الغبطة أو عدم المفسدة، ضرورة


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 عن عبيد بن زرارة. (2) الوسائل الباب - 70 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 229 ]

كونه كباقي التصرفات فيما له الذى ليس له الاعتراض عليه فيه، من غير فرق في المالك المولي عليه بين كونه ذكرا وأنثى، بل في المسالك نبه بذلك على خلاف بعض العامة، حيث منع من تزويج، أمة المولي عليه مطلقا، لانه ينقص قيمتها، وقد تحبل فتهلك، ومنهم من شرط في جواز تزويج الولي كون المولي عليه ممن يجوز له مباشرة التزويج، والكل عندنا ساقط، والفرق بين التصرفين ظاهر، واشتراط التصرف بالمصلحة يرفع احتمال النقص. قلت: بل الظاهر عدم اعتبار كون الولى ممن يجوز له تزويج المولي عليه، فالحاكم والوصي لهما تزويج مماليك الصغار وإن لم يكن لهما تزويجهما، لما عرفت من أن ذلك من ولاية التصرف في المال التي هي لهما، بخلاف نكاحهما. (و) كيف كان ف‍ (يستحب للمرأة أن تستأذن أباها في العقد بكرا كانت أو ثيبا) وإن تأكد في الاولى، بل قد عرفت اعتبار إذنه فيهما من جماعة وإن كان الاقوى خلافه كما تقدم، والاستحباب المزبور مبني عليه، ولذا استدل عليه في المسالك، مضافا الى غلبة كونه أعرف بالانسب من الرجال وأعرف بالاحوال فيها، بل في استبدادها من الغضاضة عليه ما لا يخفى، بل ربما أدى إلى عدم الاهتمام منه بما يهمها في جميع ما يعرض لها من الامور التى يتكلف بها الولي بما سبق من الاخبار الكثيرة (1) الدالة على أن المتولي لتزويجها هو الاب المحمولة بعد معارضتها بما عرفت على ما هو أقل مراتبها من الحمل على الاستحباب، لكن لا يخفى على من تأمل تلك النصوص عدم إفادتها الاستحباب على الوجه المزبور، ضرورة خلوها منطوقا ومفهوما عن الامر لها بالاستئذان خصوصا في الثيب، نعم هي ظاهرة في النهي عن نكاح البكر بدون إذن الاب، وعن مخالفة أمره ونحو ذلك مما يفيد كراهة الاستبداد لها، وهو لا يفيد استحباب الاستئذان، ولعله لذلك ناقشهم في الحدائق فيها وفي المسألة الاتية بعدم الدليل على ما يفيد الاستحباب على الوجه المزبور، أللهم إلا أن يدعى استفادة ذلك عرفا من أمثال تلك الخطابات، بل هو


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح.

[ 230 ]

معنى ولايته المجازية المستفادة من النصوص حتى في الثيب التى قد سمعت خبر اسماعيل (1) عن الرضا عليه السلام فيها وفي البكر، مضافا إلى إطلاق ما دل على الولاية المزبورة. (و) كذا الكلام فيما ذكره المصنف أيضا من أنه يستحب لها (أن توكل أخاها إذا لم يكن لها أب ولاجد)، لانه من الذى بيده عقدة النكاح فيما سمعته من خبر أبى بصير (2) المحمول على الولاية المجازية (و) كذا مرسل الحسن بن علي (3) عن الرضا عليه السلام " الاخ الاكبر بمنزلة الاب " المستفاد منه أيضا ما ذكره المصنف من استحباب (أن تعول على الاكبر إذا كانوا أكثر من أخ) واحد، (و) حينئذ ف‍ (لو تخير كل واحد من الاكبر والاصغر زوجا تخيرت خيرة الاكبر) الذى قد عرفت أنه بمنزلة الاب، مضافا الى ما تسمعه من الخبر (4) الاتى قريبا نعم قد تنضم مرجحات خارجية لخيرة الاصغر، وهو غير ما نحن فيه، إذ محل البحث الترجيح للاكبر من حيث كونه كذلك مع التساوى في المرجحات الخارجية، كما هو واضح. (مسائل ثلاث): (الاولى) (إذا زوجها الاخوان) اللذان قد عرفت انهما أجنبيان عندنا (برجلين فان وكلتهما فالعقد للاول) ضرورة وقوع الثاني حينئذ على امرأة ذات بعل (و) حينئذ ف‍ (ان) كان قد (دخلت بمن تزوجها أخيرا) جاهلة بعقد الاول فرق بينهما بلا خلاف معتد به أجده فيه، وإن حكى عن المبسوط أنه قال فيه:


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب عقد النكاح الحديث 15. (2 و 3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4 - 6. (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 231 ]

إن فيه خلافا، وأنه روى أصحابنا (1) أن العقد وأن الاحوط الاول، بل ربما توهمه بعضهم من عبارة الشيخ في النهاية التى تسمعها. وعلى كل حال فلا إشكال في أنه يفرق بينهما (ف‍) ان كان قد (حملت) منه (ألحق الولد به) وبها، للشبهة التى بمنزلة الصحيح، (وألزم مهر) مثل‍ (ها وأعيدت إلى السابق) واستحقت عليه المسمى، وعن التذكرة احتمال أن لها المسمى على المشتبه أيضا، لانه أمهر على ذلك، ولقول الباقر عليه السلام في خبر محمد بن قيس (2) " إن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في امرأة أنكحها أخوها رجلا ثم أنكحتها امها رجلا بعد ذلك، فدخل بها، فاختلفا فيها، فأقام الاول الشهود، فألحقها بالاول، وجعل لها الصداقين جميعا، ومنع زوجها الذى حقت له أن يدخل بها حتى تضع الولد، ثم الحق الولد بأبيه ". ولو كانا عالمين فهما زانيان لا يلحق بهما الولد ولا تستحق عليه مهرا، ولو كانت هي عالمة خاصة لم تستحق المهر، ولم يلحق بها الولد، بل يختص إلحاقه بالاب، ولو انعكس الامر لم يلحق به الولد، واستحق عليه المهر، كما هو واضح. ولو علم سبق أحدهما وجهل فان علم تاريخ أحدهما وقلنا بتأخر مجهول التاريخ عن معلومه كانت المرأة لمعلوم التاريخ، وإلا فالقرعة، أو فسخ الحاكم النكاح، أو أجبرهما معا على الطلاق، ولعل الاوسط أوسط. (وإن اتفقا في حالة واحدة) بأن علم ذلك، أو كان هو مقتضى الاصلين كما لو علم صدورهما وجهل التاريخ (قيل) والقائل الشيخ في كتابي الاخبار: (يقدم) عقد (الاكبر) إلا أن يدخل بها الاخر، بل اختاره الفاضل في المختلف ابنا سعيد وحمزة، وإن كان الاخير لم يشترط، بل ما عن النهاية والقاضي من إطلاق الحكم بعقد أكبرهما إلا مع دخول الاخر إلا مع سبق عقد الاكبر ظاهر في أن المراد اتفاق العقدين أيضا كما فهمه المصنف منه في محكي النكت،


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 2.

[ 232 ]

والاصل في ذلك خبر وليد بياع الاسفاط (1) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن جارية كان لها أخوان زوجها الاكبر بالكوفة وزوجها الاصغر بأرض اخرى، قال: الاول أحق بها إلا أن يكون الاخر قد دخل بها، فان دخل بها فهى امرأته، ونكاحه جائز " المحمول على صورة الاقتران بمقتضى الاصول. كالمحكي من عبارة النهاية " وإن كان لها أخوان فجعلت الامر إليها ثم عقد كل واحد منهما عليها لرجل كان الذى عقد عليها أخوها الاكبر أولى من الاخر، فان دخل بها الذى عقد عليها أخوها الصغير كان العقد ماضيا، ولم يكن للاخ الكبير أمر مع الدخول، وإن كان الكبير قد سبق بالعقد ودخل الذى عقد عليه الاخ الصغير بها فانها ترد إلى الاول، وكان لها الصداق بما استحل من فرجها، وعليها العدة " وحينئذ فيكون هو موافقا للمحكي عنه في كتابي الاخبار من حمل الخبر على ما إذا جعلت الامرأة أمرها إلى أخويها واتفق العقدان في حالة واحدة، فانه يكون حينئذ عقد الاكبر أولى ما لم يدخل الذى عقد عليه الاصغر، وإن زاد الاول بيان حكم سبق الاكبر مع دخول من عقد له الاصغر، كما أنه زاد في اللتهذيب التصريح بالاقتران، ومثل ذلك لا يكون خلافا في المسألة، وإن أطنب فيه في المسالك، وجعل ذلك من الشيخ قولين، وما حكاه المصنف من إطلاق تقديم الاكبر ثالثا، مع أن المصنف قد بين حكم السابق على وجه لم يظهر فيه خلاف، فيكون موضوع ما حكاه بلفظ القيل صورة الاقتران مع عدم الدخول، وقد عرفت أن الشيخ قائل فيها في الكتب الثلاثة بتقديم الاكبر، بل ينبغى القطع بتنزيه الشيخ عن القول بتقديم عقد الاكبر وإن سبقه عقد الاصغر، خصوصا بعد تصريحه بتقديم عقد الاصغر مع الدخول وإن لم يعلم سبق عقده للاكبر، بل ولو علم الاقتران، ضرورة عدم جدوى الدخول مع فرض تقديم عقد الاكبر وإن كان متأخرا، لانه يكون عقد الاصغر لاغيا والدخول لا يصلح لتصحيحه. وبالجملة ما أطنب فيه في المسالك في تحرير محل النزاع ليس بشئ على


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 233 ]

أن المصنف حكى ذلك بلفظ القيل، ولعله أراد ما في كتابي الاخبار في صورة عدم الدخول، أو أراد ما في الوسيلة، قال فيها: " وإن وكلت أخوين لها على الاطلاق وزوجها كل واحد منهما من رجل دفعة صح عقد الاخ الاكبر، وإن سبق أحدهما صح العقد السابق " وهو صريح فيما حكاه المصنف، بل يمكن تنزيل كلام الشيخ على ذلك كما عرفت. (و) على كل حال ف‍ (هو) أي القول بتقديم عقد الاكبر مع الاتفاق (تحكم) لعدم المرجح، والخبر (1) مع فقده شرط الحجية في سنده ولا جابر غير صالح، على أنه محتمل لكون العقد منهما فضولا، بل لعل هذا الاحتمال منه أقوى من غيره، باعتبار خلوه من أمارات التوكيل، وحينئذ يكون الاول أحق بها، بمعنى أن الذى ينبغي لها إجازة عقد الاخ الاكبر الذى هو بمنزلة الاب، فلو فرض أنها دخلت بمن عقد له الاصغر لم يكن حينئذ لعقد الاكبر محل للاجازة، فينطبق الخبر المزبور على ما ذكره المصنف بقوله (وإن لم تكن أذنت لهما أجازت عقد أيهما شاءت) سواء تقارنا أو اختلفا (والاولى لها إجازة عقد الاكبر) الذى هو بمنزلة الاب (وبأيهما دخلت قبل الاجازة) قولا (كان العقد له) للاكتفاء بالاجازة الفعلية عن القولية، لكون المعتبر الرضا فكلما دل عليه من قول أو فعل كان كافيا على إشكال لنا فيه قد تقدم في محله، أو يفرض تقدم قول عادة قبل الدخول، أو أنها كانت يكفي سكوتها أو غير ذلك، وبذلك كله ظهر لك الحكم في جميع صور المسألة من غير حاجة الى ما أطنب فيه في المسالك من الاكثار في الصور. نعم بقي شئ وهو أنه قد يقال على المختار بصحة نكاح الداخل بالامرأة في صورة عدم العلم بتاريخ العقدين لو فرض وقوع المخاصمة بعد الدخول، لاصالة الصحة في فعل المسلم، وقوله، ولانه قد حكم له بظاهر الشرع بالزوجية، ولم يعلم فسادها بالاقتران أو السبق، فهو نحو مدعي الصحة والفساد، نعم لو كانت المخاصمة


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 4.

[ 234 ]

بينهما قبل الدخول لم يكن ترجيح لاحدهما على الاخر، فلا محيص عن الحكم بالبطلان بناء على أن الاقتران مقتضى الاصلين، وإن لم نقل بذلك أقرع أو يحكم بالخيار للمرأة أو يفسخ الحاكم العقدين أو يجبرهما على الطلاق، بخلاف المفروض، بل لا يعتبر في صحته على الوجه الذى ذكرناه دعوى الداخل سبق العقد، فيكفيه تشبثه بالزوجية، بل قد يقال إن للعاقد الدخول وإن علم بوقوع عقد آخر، إلا أنه لم يعلم كونه سابقا أو مقارنا اعتمادا على أصالة صحة عقده، لكن الانصاف عدم خلو ذلك كله عن بحث ونظر ليس هذا محله، والله العالم. المسألة (الثانية) (لا ولاية للام) ولا لاحد من آبائها (على الولد) الصغير بلا خلاف أجده فيه إلا من الاسكافي الذي يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، للاصل وظاهر النصوص (1) السابقة، خصوصا الحاصرة للولاية في غيرها وغير آبائها، نعم لا يبعد رجحان مراعاة إذن الام في تزويج بنتها للمحكى عن رسول الله صلى الله عليه واله (2) أنه أمر نعيم بن النخاع أن يستأمر ام ابنته في أمرها وقال: " واتمروهن في بناتهن " فما عن الاسكافي من قيام الام وآبائها مقام الاب وآبائه واضح البطلان. وحينئذ (فلو زوجته) كان عقدها فضولا كغيرها من الاجانب (ف‍) ان (رضي لزمه العقد، وإن كره) بطل، لكن عن الشيخ وأتباعه أنه إن رده (لزمها) أي الام (المهر، وفيه تردد) من الاصل بل الاصول، ومن خبر محمد بن مسلم (3) عن الباقر عليه السلام " إنه سأله عن رجل زوجته امه وهو غائب، قال: النكاح جائز إن شاء المزوج قبل وإن شاء ترك، فان ترك المزوج تزويجه فالمهر لازم لامه " وعن الشيخ في النهاية الفتوى به، إلا أنه ضعيف السند غير صالح لقطع الاصول، خصوصا بعد إعراض الفحول ومعارضته


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح. (2) مسند احمد ج 2 ص 97. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح الحديث 3.

[ 235 ]

بما في صحيح الحذاء (1) من غرامة النصف في الفضولي، وإن كنا لم نجد قائلا به صريحا (وربما حمل على ما إذا ادعت الوكالة عنه) ولم تثبت، لانها حينئذ قد فوتت البضع على الامرأة. لكن نظر فيه في المسالك تبعا لجامع المقاصد بأن ضمان البضع بالتفويت مطلقا ممنوع، وإنما المعلوم ضمانه بالاستيفاء على بعض الوجوه لا مطلقا، ثم قال: والاقوى عدم وجوب المهر على مدعي الوكالة مطلقا إلا مع ضمانه، فيجب حينئذ ما يضمنه جميعه أو بعضه، قلت: لا ريب في أن مقتضى القواعد ذلك، والتعليل المزبور عليل. لكن في الحدائق " أن العمدة في ذلك روايات فيها الصحيح وغيره دالة على الضمان بدعوى الوكالة قد ذكرناها في باب الوكالة " قلت: الذى عثرنا عليه من النصوص التى اشار إليها (2) دالة على التنصيف بل لعله المشهور، بل لم نجد للقول بضمان المهر كملا دليلا وإن حكي عن الشيخ في النهاية والقاضى سوى التعليل في خبر التنصيف بأنه " ضيع حقها بترك الاشهاد " وسوى ما في بعضه أيضا من ظهور ذلك، لكنه بعد التصريح بالتنصيف فيه لا وجه للاخذ به، فبعد الاغضاء عما في إرادة التعليل حقيقة منه، ضرورة عدم وجوبه عليه أولا، وعدم تماميته فيما لو أشهد ومات الشهود مثلا، الى غير ذلك مما هو قد كرر في محل تحرير هذه المسألة، فحمل الخبر على ذلك غير وجيه. وربما حمل على إرادة أن المهر لازم لامه لا عليها، أي لها استعادته لو كانت دفعته، والامتناع عنه مع عدم الدفع، وعلى التقديرين هو لها لا عليها، نعم يفهم منه حينئذ عدم لزومه للولد مع الاجازة، بل على الام، ولعله لبذلها إياه من نفسها، فتكون كمن ضمن عن الزوج للزوجة، إلا أنه كما ترى أيضا، فالاولى رد المراد به إلى قائله، أو يحمل على إرادة لزوم المهر، لامه في الجملة على وجه


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 4 - من كتاب الوكالة الحديث 1.

[ 236 ]

ينطبق على التنصيف، بناء على أن العقد بدعوى الوكالة موجب لذلك، مع إنكار الموكل، كما وقع ذلك في الصحيح (1) المعتضد بالخبر الذى هو مستند ذلك، بل ربما أيد بكونه كالفرقة قبل الدخول، وبأنه أقل مخالفة للقواعد من ضمان المهر كملا. فما في الرياض - من أن الاقوى ضمان المهر كملا على تقدير صحة دعوى أن ادعاء الوكالة بمجرده يوجب المهر كملا وإلا فالبحث فيه ساقط من أصله - في غير محله، بل هو مخالف لصريح كلامه في باب الوكالة، فانه هناك قد اختار التنصيف كما لا يخفى على من لاحظه، والله العالم. المسألة (الثالثة) (إذا زوج الأجنبي امرأة فقال الزوج: زوجك العاقد من غير إذنك فقالت: بل أذنت فالقول قولها مع يمينها على القولين، لانها تدعي الصحة) والزوج مدعي الفساد، ومدعى الصحة مقدم، ولان الاذن من فعلها ولا يعلم إلا من قبلها، والمراد بالاذن المتنازع فيه الاذن قبل العقد، فيكون صورة النزاع ما إذا صدر عنها بعد العقد قبل النزاع ما دل على الكراهة، فيتجه حينئذ تقديم قولها بيمينها، لانها على كل من القولين تدعيها، والزوج يدعى الفساد، أما على القول ببطلان الفضولي فواضح، وأما على القول بصحته فإنه يدعى فساده بالكراهة المتأخرة، وهي تدعى صحته بالاذن السابقة، فيكون القول قولها بيمينها، أما لو فرض أن صورة النزاع في حصول أصل الاذن وعدمه ولم يحصل منها ما يقتضي الرد وقلنا بصحة الفضولي لم تتصور الخصومة بينهما، ضرورة إمكان إبطالها دعواه بانشاء الاذن، بل الظاهر أن دعواها الاذن في السابق كاف في الاجازة، أللهم إلا أن يدعى أنها غير قاصدة للانشاء بذلك، فلا يكفي ذلك حينئذ فيها، وفيه أنها وإن لم تكن قاصدة للانشاء، لكن لا ريب في دلالة هذه الدعوى منها على الرضا الكافي في تحقق الجازة، على أنها لو أرادت إبطال دعواه من غير يمين أنشأته.


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1.

[ 237 ]

ولو ادعى الزوج إذنها متقدما على العقد أو متأخرا فأنكرت فان كان قبل الدخول قدم قولها مع اليمين، لان الاذن من فعلها، فلا يعلم إلا منها، والاصل لا يعارض بأصالة الصحة هنا، إلا على القول ببطلان الفضولي، وإلا فالاصل عدم البطلان الشامل للوقوف على الاجازة، وهو لا يجدى، فان نكلت حلف الزوج وثبت العقد، بخلاف الصورة الاولى، إذ لا يمكنه الحلف، لجواز إذنها وإن لم يطلع عليه، خصوصا إذا ادعته قبل العقد. وإن كان بعد الدخول فالاقرب كما في القواعد تقديم قوله لدلالة الدخول عليه، لان الاصل عدم الاكراه والشبهة، نعم هو مبني على أن المدعي من يدعي خلاف الظاهر، وإلا فالاصل عدم الاذن، ولا يجدى كون الاصل في الدخول الشرعية فأنه ليس مما فيه النزاع، وإنما الدخول أمر يظهر منه الاذن لاصله. (الفصل الرابع) (في أسباب التحريم) (وهى) أحد وعشرون وإن اقتصر المصنف منها على (ستة): (السبب الاول) (النسب) ثم الرضاع، والمصاهرة، والنظر، واللمس، والزنا بها، والزنا بغيرها، والايقاب، والافضاء، والكفر، وعدم الكفاءة، والرق، وتبعيض السبب، واستيفاء العدد، والاحصان، واللعان، وقذف الصماء والخرسا، والطلاق، والاعتداد، والاحرام، والتعظيم كزوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم.

[ 238 ]

وكيف كان فيحرم بالنسب وهو الاتصال بالولادة بانتهاء أحدهما إلى الاخر، أو انتهائهما الى ثالث أصول الانسان وفروعه، وفروع أول أصوله، وأول فرع من كل أصل بعد الاصل الاول، وبعبارة أخرى كل قريب إليه ولو بواسطة من هو أقرب منه ما عدا أولاد العمومة والخؤولة. (و) تفصيل ذلك أنه (يحرم) أي (بالنسب سبعة أصناف من النساء) وهى المستفادة من قوله تعالى (1): " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت " الى آخره. ف‍ (الام والجدة وإن علت لاب كانت أو لام) واحدة من السبع، وفي المسالك " أن ضابطها كل أنثى ولدتك أو ولدت من ولدتك ذكرا كان أو أنثى " وفيه أنه إن أريد بالثاني خصوص الام لزم خروج ما عدا الجدة للاب أو الام كجدة الابوين أو الاجداد عن الضابط، مع أن المقصود إدخالها، وإن أريد الاعم منها فلابد من قيد يدل عليه، كقولنا: " بواسطة أو بغيرها " ومعه يجوز الاقتصار على الاول ولا يحتاج الى الثاني. (و) كذا الكلام في (البنت للصلب وبناتها وإن نزلن وبنات الابن وإن نزلن) وقد ضبطها في المسالك أيضا بأنها " كل أنثى ولدت لك أو ولدت لمن ولدلك ذكرا كان أو أنثى " وفيه ما عرفت، فالاولى ضبطها بكل أنثى ينتهى نسبها اليك بواسطة أو بغيرها. (والاخوات لاب كن أو لام أولهما) وليست هن إلا الاناث التى ولدهن وإياك شخص واحد من غير واسطة، ولا يدخل في اسمهن غيرهن، ولذا لم يكن فيهن علو ولا سفل. (و) أما (بناتهن وبنات أولادهن) فهي صنف آخر مقابل للاخت في الاية وحينئذ فالمراد من بنات الاخ والاخت ما يشمل السافلات كبنات أولادها وبناتها، والضابط كل أنثى انتهت الى أبويك أو أحدهما بالتوليد بواسطة أو وسائط


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 239 ]

أو كل أنثى ولدها أبواك أو أحدهما ولو بواسطة. (والعمات سواء كن أخوات أبيه لابيه أو لامه أولهما، وكذا أخوات أجداده وإن علون، والخالات للاب أو للام أولهما وكذا خالات الاب والام وإن ارتفعن)، فالمراد حينئذ من العمة والخالة ما يشمل العمات والخالات العاليات، أي عمة الاب أخت الجد للاب لاب أو لام أولهما، وعمة الام أخت الجد لها كذلك، وعمة الجد أخت جد الاب لاب أو لام أولهما بالغة ما بلغ، وعمة الجدة أخت جد الام كذلك، وخالتهم أي خالة الاب والام والجد والجدة، وهى كالعمة غير أن اتصالها بالجدات واتصال العمة بالاجداد، ومراتب العمات والخالات هي مراتب الاباء والامهات، فأخوات الاباء والامهات في جميع الطبقات عمات وخالات، فضابط العمة حينئذ كل أنثى هي أخت ذكر ولدت له بواسطة أو غيرها من جهة الاب أو الام أو منهما، أو كل أنثى ولدها وأحد آبائك شخص من غير واسطة، والخالة كل أنثي هي أخت أنثى ولدتك بواسطة أو غيرها أو كل أنثى ولدها وإحدى أمهاتك شخص من غير واسطة، فالعمة العليا والخالة العليا هي أخت الجد وإن علا والجدة كذلك، لا عمة العمة وخالة الخالة، فانهما قد يحرمان فيدخلان في المذكورات، وقد لا يدخلان فلا يحرمان كما إذا كانت العمة القريبة أختا لابيه لامه والخالة القريبة أختا لامه لابيها، فان عمة العمة حينئذ تكون اخت زوج الجدة، وخالة الخالة اخت زوجة الجد، ولا نسب بينه وبينهما، فلا تكونان محرمتين عليه، ولا يدخلان في المذكورات، لانتفاء التحريم، بخلاف ما إذا كانا محرمتين، كما إذا كانت العمة القريبة أختا للاب للاب والام أو للاب والخالة القريبة أختا للام للاب والام أو للام، فان عمة العمة تكون حينئذ اخت الجد وخالة الخالة اخت الجدة، فيحرمان ويدخلان في المذكورات. (و) أما (بنات الاخ سواء كان الاخ لاب أو لام أولهما وسواء كانت بنته لصلبه أو بنت بنته أو بنت ابنه وبناتهن وإن سفلن) على حسب الضابط الذى سمعته في بنات الاخت.

[ 240 ]

وعلى كل حال فقد عرفت المراد بالمحرمات السبع المذكورات في الاية سواء قلنا بصدق الاسماء حقيقة على العاليات والسافلات وإن تفاوتت الافراد في الانسياق، أو قلنا به فيما لا واسطة خاصة دون غيره، فمجاز إلا أنه مراد في خصوص الاية، لاتفاق المفسرين كما قيل على إرادة ذلك منها، ولان المقصود منها تفصيل المحرمات كما يقتضيه المقام، ويدل عليه قوله تعالى (1): " واحل لكم ما وراء ذلكم " ولا ريب في أن الحمل على العموم أنسب بالفرض المذكور، لانحصار المحرمات النسبية في السبع على ذلك التقدير، بخلاف ما لو لم ترد منها ذلك، فانه يخرج عنها حينئذ كثير مما يحرم بالنسب، وأيضا فالمعنى الحقيقي للام على هذا التقدير ليس فيه تعدد يصح معه استعمال صيغة الجمع، فيجب حمله على ما يطلق عليه اللفظ ولو مجازا، تحقيقا لمقتضى الجمعية، وإرادة هذا المعنى من الام يقتضى إرادته من غيره، لان الظاهر كون الجمعية في الجميع على نسق واحد، واحتمال كون التعدد باعتبار تعدد المخاطبين خلاف الظاهر، لان خطاب الجماعة للعموم، ومقتضاه ثبوت الحكم لكل واحد دون المجموع، وما يقال إن المجاز هنا لازم إما في الخطاب أو في ألفاظ النسب ولا ترجيح يدفعه منع انتفاء الترجيح، فان التجوز في الثاني أقل، والفائدة فيه أتم وأكمل، على أنه موافق للنصوص (2) المعتبرة المستفيضة الدالة على تحريم نساء النبي صلى الله عليه واله على الحسن والحسين عليهما السلام لو لم تكن محرمة على الناس بآية " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (3) وحرمة حلائلهما عليهما السلام عليه صلى الله عليه واله بقوله تعالى (4): " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " وعلى تحريم بنات الفاطميين عليه صلى الله عليه واله بقوله تعالى (5): " وبناتكم " الى غير ذلك مما يدل على المطلوب، فمن الغريب احتمال


(1) سورة النساء: 4 - الاية 24. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 و 12 والمستدرك الباب - 2 - منها الحديث 6 والبحار ج 43 ص 228 وج 96 ص 239 الطبع الحديث. (3) سورة النساء: 4 - الاية 22. (4 و 5) سورة النساء: 4 - الاية 23. (جواهر الكلام - ج 15)

[ 241 ]

بعضهم أن المراد في الاية خصوص ما لا واسطة فيه، والتحريم في غيره قد استفيد من السنة. (و) كيف كان فيستفاد من الاية مضافا إلى ذلك أن (مثلهن من الرجال يحرم على النساء فيحرم الاب وإن علا) على البنت (والولد وإن سفل) على الام (والاخ وابنه وابن الاخت) على الاخت والعمة والخالة (والعم وإن علا وكذلك الخال) على بنت الاخ وبنت الاخت، والضابط من لو كان امرأة وهي رجل كان محرما مع بقاء النسب بعينه، لان التحريم من أحد الطرفين هنا يستلزم التحريم من الطرف الاخر، ولعل ذلك هو السبب في تخصيص الله تعالى في الاية المحرمات على الرجال ولم يذكر العكس. نعم قد يناقش فيما ذكره بعضهم دليلا لذلك من أن النكاح مثلا أمر واحد بسيط، فلا يكون حلالا وحراما وإن اختلفت إضافته الى الطرفين، فان ذلك لا يخرجه عن وحدته المانعة من اجتماع الحكمين المتضادين بأنه إن أريد من النكاح العقد فهو الايجاب والقبول، وهما فعلان قائمان بمحلين مختلفين، إذ الايجاب فعل الموجب والقبول فعل القابل، فلا يكون شيئا واحدا، وإن أريد منه الوطء فلا ريب في أن المعنى القائم بالواطئ غير المعنى القائم منه بالموطوء، فإن الوطئ‍ في الواطئ بمعنى الفاعلية، وفي الموطوء بمعنى المفعولية، وهما معنيان متغايران، فلا اجتماع للضدين في محل واحد، بل بذلك يظهر لك التعدد في غير النكاح من المعاملات، كالبيع والصلح والاجارة وغيرها وحينئذ فلا مانع من اختلاف الحكم فيها. ولعله لذا ذهب جماعة الى اختلاف حكم المتعاقدين في البيع وقت النداء إذا كان أحدهما مخاطبا بالجمعة دون الاخر، فخصوا المنع بمن خوطب بالسعي، وحكموا بجواز البيع من طرف الاخر نعم رجح جماعة آخرون عموم المنع من حيث الاعانة على الاثم. وليس الحكم بالتحريم في المقام منها قطعا، للفرق الظاهر بين تحريم العقد على أحد الطرفين في نفس الامر عند تحريمه على الاخر، وتحريم العقد عليه لكونه

[ 242 ]

إعانة على ما يحرم على الاخر، فان التحريم على الاول كثيرا ما يكون ثابتا للمتعاقدين بالاصالة من غير أن يكون ثبوته لاحدهما تابعا لثبوته للاخر وإن كان العلم بثبوته لاحدهما منهما موقوفا على العلم بثبوته للاخر، لان توقف العلم على العلم لا يستدعى توقف الحكم على الحكم، فان العلم بتحريم الابن على الام من قوله تعالى (1): " حرمت عليكم أمهاتكم " وإن توقف على العلم بتحريم الام على الابن إلا أن التحريم في الاول ليس بمتوقف على التحريم في الثاني ولا تابع له، بل تحريم الابن على الام تحريم أصلي كتحريم الام على الابن وإن كان تابعا له في العلم والتصديق، ومن المعلوم أن التحريم بهذا الوجه لا يمكن اثباته بتحريم الاعانة، لكونه تابعا لتحريم الفعل على المعان، وموقوفا عليه إذا الاعانة على الاثم فرع تحقق التكليف المؤجل للاثم على تقدير المخالفة، وأيضا فان التحريم من جهة الاعانة مقصور على صورة العلم بتعرض المعان للاثم، إذ مع احتمال الاشتباه في الموضوع أو اعتقاد نفي التحريم على وجه معتبر لم يتحقق هناك إثم تحرم الاعانة عليه، بخلاف التحريم من جهة اللزوم، فانه لا يختص بذلك، بل يثبت مطلقا ولو مع الجهل بالحال، كما هو مقتضى حكمهم بالتحريم هنا مطلقا، وبالجملة لا يحتاج فساد دعوى كون المنشأ في التحريم هنا الاعانة إلى تطويل. فالاولى في الاستدلال على المطلوب في المقام بأن تحريم المعاملة إن كان لتوجه النهى الى عينها أو وصفها اللازم كما في بيع الميتة ونكاح المحارم فالتحريم من أحد الطرفين يستلزم التحريم من الاخر لان تحريمها على الوجه المذكور يقتضي فسادها، وهو يقتضى تحريمها من الطرف الاخر، لكون التحريم من لوازم الفساد ولو كان لتوجه النهى فيها الى أمر خارج كما في البيع وقت النداء، وبيع الامة قبل استبرائها، والعقد على المخطوبة إن قلنا بتحريمه، فالتحريم من أحد الطرفين لا يستلزم التحريم من الاخر إلا من جهة الاعانة على الاثم، للاصل السالم عن المعارض، نعم قد يدعى كراهته.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 243 ]

وحينئذ فآية التحريم دالة على تحريم معظم ما يقصد من النساء عادة، وهو أمران العقد والوطء، فان أريد العقد كما هو الظاهر من وقوعها في سياق أحكام النكاح الذى هو حقيقة فيه شرعا فدلالتها على فساد نكاح المذكورات وثبوت التحريم من الطرف الاخر معلومة مما سبق، وإن أريد الوطء فالوجه في دلالتها أن المراد من تحريم وطء المذكورات أنه لا يحل بسبب محلل بالعقد وإلا فالتحريم بدونه ثابت لجميع النساء، ولا ريب في أن تحريم الوطء بذلك المعنى يقتضى فساد العقد، وفساد العقد يقتضي تحريمه من طرفي الموجب والقابل معا، فيثبت المطلوب الذى هو استلزام التحريم من طرف التحريم من الطرف الاخر، نعم لزوم العقد من أحد الطرفين لا يستلزم لزومه من الاخر لان اللزوم معناه امتناع الفسخ، ولا ريب في جواز اختصاصه بأحدهما وكون العقد من الاخر جائزا يسوغ له فسخه، كما في كل عقد ثبت فيه الخيار من أحد الجانبين، فانه لازم من جانب الاخر كما صرح به الاصحاب ودلت عليه النصوص (1) فما قيل أو عساه يقال: إن العقد اللازم إنما يلزم من الطرفين لان جوازه أحدهما مناف للزوم العقد واضح الضعف، والله العالم. (فروع ثلاثة) (الاول) (النسب يثبت مع النكاح الصحيح) في نفس الامر، والمراد به هنا على ما ذكره غير واحد الوطء المستحق في نفس الامر بأصل الشرع وإن حرم بالعارض لصوم أو حيض أو اعتكاف أو إحرام أو غير ذلك مما يجتمع تحريمه مع الزوجية أو الملك فيدخل حينئذ فيه وطء الجاهل بالاستحقاق، كمن وطأ


(1) الوسائل الباب - 3 و 4 - من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

[ 244 ]

حليلته باعتقاد أنها أجنبية، لعدم علمه بالسبب، كما زوجه الوكيل أو الولي ولم يعلم به، أو لظنه الوقوع على وجه فاسد، كما لو زوجه الفضولي وتوهم فساده، فان ذلك لا يقدح في كون الوطء صحيحا وإن أثم باقدامه عليه معتقدا تحريمه، وإنما فسرنا النكاح بالوطء دون العقد، ليدخل فيه ملك اليمين والتحليل على قول جماعة، فان النسب يثبت بهما إجماعا مع انتفاء العقد فيهما، وحمله على ما يعمهما والعقد مجازا لا يصح مع وصفه بالصحة، لان الملك لا يتصف بها، وإرادة سبب الملك مع ما فيه من العبد والمخالفة لما هو المعهود من الاستناد الى الملك نفسه إنما يصح معها الوصف في السبب الاختياري، كالبيع دون القهري، كالارث الذى لا يجرى فيه التقسيم الى الصحيح والفاسد كما لا يجرى في أصل الملك. وعلى كل حال ففى مصابيح العلامة الطباطبائى المراد من صحة الوطء كونه مستحقا بأصل الشرع، كما هو مقتضى التفسير المزبور، فان تعريف المشتق بالمشتق يكون في الاكثر تعريفا لمبدأ الاشتقاق بمبدأ الاشتقاق، إذ القصد في التعريفات الى بيان المفهوم غالبا دون المصداق، وليس المراد من الصحة هاهنا المعنى المعروف المقابل للفساد، ضرورة كون وطء الشبهة صحيحا بهذا المعنى قطعا، فلا يصح جعله مقابلا للنكاح الصحيح في المتن وغيره إلا مع تقييده بالمستجمع للشرائط، وهو تكلف مستغنى عنه، ومع ذلك فهو خلاف المعهود في الحدود من إرادة المفهوم فيها وفي المحدود، لان تعريف النكاح الصحيح بالوطء المستحق يكون على هذا التقدير من قبيل تعريف أحد المتلازمين في الصدق بالاخر، كتعريف المتكلم بالكاتب قصدا الى بيان المصداق دون المفهوم، وحينئذ فلا يتوقف العلم بالنسب على العلم بكون الوطء صحيحا، بل على العلم بكونه فردا للوطء المستحق، وعلى تقديره فالعلم بالصحة لا يتوقف علي العلم بثبوت النسب، فلا دور. والله العالم. (و) كذا يثبت النسب (مع الشبهة) إجماعا بقسميه، إنما الكلام في المراد به، فقد يقال: إنه الوطء الذى ليس بمستحق في نفس الامر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق أو صدوره عنه بجهالة مغتفرة في الشرع أو مع ارتفاع التكليف

[ 245 ]

بسبب غير محرم، والمراد بالجهالة المغتفرة أن لا يعلم الاستحقاق، ويكون النكاح مع ذلك جايزا كاشتباه المحرم من النساء في غير المحصور بما يحل منهن، والتعويل على إخبار المرأد بعدم الزوج أو بانقضاء العدة أو على شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته أو غير ذلك من الصور التى لا يقدح فيها احتمال عدم الاستحقاق شرعا وإن كان قريبا، فالوطء في التعريف بمنزلة الجنس يدخل فيه الوطء بالشبهة وغيره، وبالقيد الاول أعني نفي الاستحقاق يخرج النكاح الصحيح ؟ فانه الوطء المستحق كما عرفت، وبالثانى يخرج ما عدا ذلك مما هو خارج عن الوطء بالشبهة، وهو أقسام: الاول وطء المكلف العالم بعدم الاستحقاق، وهو الزنا الذي لا شبهة فيه. والثانى وطء الجاهل الذى ليس بمعذور في جهالته وإن ظن الاستحقاق إذا كان ظنه مما لا يجوز التعويل عليه، كما إذا تزوج المفقود زوجها من دون فحص ولا رفع الى الحاكم، ولكن ظن وفاته لطول المدة أو تعويلا على إخبار من لا يوثق به، أو شهادة العدل الواحد، أو تزوج امرأة في عدتها مع جهله بأنهاكم هي، أو تزوج امرأة اشتبه عليه أمرها لشبهة رضاع أو مصاهرة أو غيرهما من أسباب التحريم من دون اجتهاد أو تقليد، الى غير ذلك من الصور التى يجب فيها الفحص والسؤال، ولا يعذر فيها الجاهل بالحال، فان الظاهر أن ذلك كله زنا لا يثبت معه النسب شرعا إلا إذا اعتقد جواز النكاح في تلك الصور لشبهة محتملة في حقه، فإنه حينئذ يكون وطء شبهة، ويصدق عليه حده نظرا الى اعتقاده الاستحقاق، لا لان جهالته مغتفرة في الشرع، والاصل في ذلك أن الفروج لا تستباح إلا بسبب شرعي، فما لم يتحقق فيه السبب المبيح فهو وطء محرم داخل في الزنا، ومن المعلوم أن الشارع لم يبح الوطء بمجرد الاحتمال أو الظن، وإنما أباحه بشرط العلم بالاستحقاق، أو حصول ما جعله أمارة للحل، فبدونهما لا يكون الوطء إلا زنا. ويدل عليه أيضا ما رواه الكليني والشيخ عن الحسن بن محبوب السراد عن أبى أيوب الخزاز عن يزيد الكناسى (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة تزوجت


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب حد الزنا الحديث 3 من كتاب الحدود وفيه " سألت أبا عبد الله عليه السلام ".

[ 246 ]

في عدتها قال: إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فإن عليها الرجم، وإن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فان عليها حد الزاني غير المحصن، وإن كانت تزوجت في عدة بعد موت زوجها من قبل انقضاء الاربعة أشهر والعشرة أيام فلا رجم عليها، وعليها ضرب مأة جلدة، قلت: أرايت إن كان ذلك بجهالة ؟ قال: فقال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلا وهي تعلم أن عليها عدة في طلاق أو موت، ولقد كن نساء الجاهلية يعرفن ذلك، قلت: فان كانت تعلم أن عليها عدة ولا تدري كم هي، قال: فقال: إذا علمت أن عليها عدة لزمته الحجة، فتسأل حتى تعلم ". وصحيح أبي عبيدة الحذاء (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن امرأة تزوجت رجلا ولها زوج، قال: فقال: إن كان زوجها الاول مقيما معها في المصر الذى هي فيه تصل إليه أو يصل إليها فان عليها ما على الزانى المحصن: الرجم قال: وإن كان زوجها الاول غائبا عنها أو مقيما معها في المصر لا يصل إليها ولا تصل إليه فان عليها ما على الزانى غير المحصن، ولا لعان بينهما ولا تفريق - الى أن قال -: قلت: فان كانت جاهلة بما صنعت، قال: فقال: أليس هي في دار الهجرة ؟ قلت: بلى، قال: فما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلا وهى تعلم أن امرأة المسلم لا يحل لها أن تتزوج زوجين، قال: ولو أن المرأة إذا فجرت قالت لم أدر أو جهلت أن الذى فعلت حرام ولم يقم عليها الحد إذا لتعطلت الحدود ". والثالث وطء من ارتفع عنه التكليف بسبب محرم كالسكر، فان المشهور إن وطء السكران بشرب خمر ونحوه زنا يثبت به الحد وينتفى معه النسب كما عن الشيخين وغيرهما التصريح به، بل قيل: لم نقف على مخالف في ثبوت الحد سوى العلامة في التحرير، فنفاه عنه، ولكنه في غيره وافق المشهور، ولا ينافي ذلك عدم علمه بالتحريم حال سكره وإن اشترطناه في أصل ثبوت الحد، لكن من المعلوم


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب حد الزنا الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 247 ]

أن ذلك لا يزيد على اشتراطي التكليف المتحقق في الفرض، باعتبار أن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، وليس هو شرطا زائدا على اشتراط التكليف كى يتجه ارتفاع الحد بارتفاعه، ولا يخفى على من أحاط بالنصوص (1) الوارة في تحريم الخمر وكل مسكر أنها ظاهرة أو صريحة في أن السكران في أفعاله بمنزلة الصاحى في أفعاله، فيترتب ما يترتب عليه من قود وحد ونفي ولد وغير ذلك، وهو معنى قولهم (2) عليهم السلام: " إن الخمر رأس كل إثم " وعدم توجيه الخطاب إليه باعتبار ارتفاع قابليته لذلك لا ينافي ترتب الاحكام ولو للخطاب السابق على حال السكر، كما هو واضح لا يحتاج الى إطناب. فتحصل من ذلك أن وطء الشبهة ثلاثة أقسام: (الاول) الوطء الذى ليس بمستحق مع اعتقاد فاعله الاستحقاق، لجهل بالموضوع أو جهل بالحكم الشرعي على وجه يعذر فيه. (الثاني) الوطء الذى ليس بمستحق مع عدم اعتقاد فاعله الاستحقاق، إلا أن النكاح معه جائز شرعا، كالمشتبه بغير المحصور، والتعويل على إخبار المرأة. (الثالث) الوطء الغير المستحق، ولكن صدر ممن هو غير مكلف، كالنائم والمجنون والسكران بسبب محلل ونحوهم، وما عدا ذلك والنكاح الصحيح الذى قد عرفت كله زنا، هذا. ولكن قد يشكل أولا بخروج المكره أللهم إلا أن يكلف دخوله في الثالث بارادة ارتفاع التكليف بالحرمة، وثانيا بخروج التكون من مائه بمساحقة أو غيرها مما هو ملحق به شرعا، وقد يدفع بكون المراد هنا ثبوت النسب من حيث الوطء، وثالثا بأن ظاهر عبارات الاصحاب يقتضي تحقق الشبهة بمجرد الظن وإن لم يكن من الظنون المعتبرة شرعا، بل حصولها مع احتمال الاستحقاق مطلقا ولو مع الشك أو ظن الخلاف، فانهم أطلقوا القول بلحوق الولد فيما إذا تزوج امرأة بظن أنها


(1) الوسائل الباب - 9 و 15 - من أبواب الاشربة المحرمة كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الاشربة المحرمة الحديث 4 و 7 من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 248 ]

خالية فوطأها ثم بانت محصنة، وكذا فيما لو وطأ أجنبية بظن أنها زوجته أو أمته، وفي غير ذلك من المسائل المفروضة في كلامهم، ولم يقيدوا الظن في شئ منها بكونه معتبرا في الشرع، ولولا تحقق الشبهة بمطلق الظن لوجب تقييده به ولم يجز إطلاقه. وأيضا قد عرف كثير منهم الشبهة على ما قيل بأنه الوطء الذى ليس بمستحق مع ظن الاستحقاق، ولو كان تحقق الشبهة موقوفا على حصول الظن المعتبر لم يصح التحديد بمطلق الظن، لعدم طرد التعريف على ذلك التقدير، حمله على خصوص الظن المعتبر تجوز لا يرتكب مثله في الحدود المبنية على إرادة الظواهر. بل في المسالك تعريفها بالوطء الذى ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، وهو يقتضى حصولها بمجرد الاحتمال وإن كان مساويا أو مرجوحا فكيف بالاحتمال الراجح. قال الشيخ في المحكي عن نهايته: " وإذا نعي الرجل الى أهله أو أخبرت بطلاق زوجها واعتدت وتزوجت ورزقت أولادا ثم جاء زوجها الاول وأنكر الطلاق وعلم أن شهادة من شهد بالطلاق شهادة زور فرق بينها وبين الزوج الاخير، ثم تعتد منه وترجح الى الاول بالعقد المتقدم، ويكون الاولاد للزوج الاخير ". وفي المحكي الخلاف " إذا وجد الرجل امرأة على فراشه فظنها امرأته فوطأها لم يكن عليه الحد، وبه قال الشافعي، وقال ابو حنيفة: عليه الحد، وقد روى ذلك (1) أصحابنا، دليلنا الاصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج الى دليل ". وعن ابن إدريس " وإذا نعي الرجل الى امرأة أو أخبرت بطلاق زوجها لها فاعتدت وتزوجت ورزقت أولادا ثم جاء زوجها الاول - الى آخر ما سمعته من الشيخ وزاد - من وطأ جارية من المغنم قبل أن يقسم وادعى الشبهة في ذلك فانه يدرأ عنه الحد، للخبر (2) المجمع عليه وقد روى (3) أنها تقوم عليه، ويسقط من قيمتها بمقدار ما يصيبه، منها والباقى بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ


(1 و 2) الوسائل الباب - 27 - من أبواب حد الزنا الحديث 0 - 11 من كتاب الحدود. (3) الوسائل الباب - 22 - من أبواب حد الزنا الحديث 6 من كتاب الحدود.

[ 249 ]

عنه بمقدار ما كان له فيها، والاولى ما ذكرناه، لان الاشتباه في ذلك حاصل بلا خلاف، وأيضا فانه يظن أن سهمه أكثر منها ومن قيمتها ". وقال في المتن فيما يأتي: " الوطء بالشبهة يلحق به النسب فلو اشتبهت عليه أجنبية فظنها زوجته أو أمته لحق به الولد، وكذا لو وطأ أمة غيره لشبهة لكن في الامة يلزمه قيمة الولد يوم سقط حيا، لانه وقت الحيلولة، ولو تزوج امرأة بظن انها خالية لظنها موت الزوج أو طلاقه فبان انه لم يمت ولم يطلق ردت على الاول بعد الاعتداد من الثاني، واختص الثاني بالاولاد مع الشرائط، سواء استندت في ذلك الى حكم حاكم أو شهادة شهود أو إخبار مخبر ". وقال في النافع: " ولو تزوج امرأة لظنه خلوها فبانت محصنة ردت على الاول بعد الاعتداد من الثاني، وكانت الاولاد للواطئ مع الشرائط ". وفي محكى التحرير: " الوطء بالشبهة يلحق به النسب كالصحيح، فلو اشتبهت عليه أجنبية فظنها زوجته أو مملوكته فوطأها وجاءت منه بولد لحق به - وقال -: لو ظن خلو الامرأة من زوج وظنت هي موت زوجها أو طلاقه فتزوجها ثم بان حياته وكذب المخبر بالطلاق ردت على الاول بعد الاعتداد من الثاني، ولو حبلت من الثاني لحق به الولد مع الشرائط، سواء استندت في الموت أو الطلاق إلى حكم حاكم أو شهادة شاهدين أو إخبار واحد ". وفي القواعد: " وطء الشبهة كالصحيح في إلحاق النسب، فلو ظن أجنبية زوجته أو جاريته فوطأها فالولد له، ولو تزوج امرأة ظنها خالية وظنت موت زوجها أو طلاقه ثم بان الخلاف ردت على الاول بعد العدة من الثاني، والاولاد للثاني إن جمعت الشرائط سواء استندت إلى حكم حاكم أو شهادة شهود أو إخبار مخبر " الى غير ذلك من العبارات الخالية عن تقييد الظن بكونه معتبرا وبما إذا اعتقد جواز العمل به شرعا. بل النصوص أيضا كذلك قال أبو جعفر عليه السلام في الموثق وغيره عن زرارة (1): " إذا


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

[ 250 ]

نعي الرجل الى أهله أو أخبروها أنه طلقها فاعتدت ثم تزوجت فجاء زوجها الاول بعد فان الاول أحق بها من هذا الاخير، دخل بها أو لم يدخل، ولها من الاخير المهر بما استحل من فرجها " وفي الحسن وغيره عن محمد بن قيس (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل حسب أهله أنه قد مات أو قتل فنكحت امرأته وتزوجت سريته فولدت كل واحدة منهما من زوجها، فجاء زوجها الاول ومولى السرية، قال: فقال: يأخذ امرأته فهو أحق بها، ويأخذ سريته وولدها، أو يأخذ عوضا من ثمنه " وفي الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " سألته عن رجلين شهدا على رجل غابت عنه امرأته أنه طلقها، فاعتدت المرأة وتزوجت، ثم إن الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها وأكذب نفسه أحد الشاهدين، فقال: لا سبيل للاخير عليها، ويؤخذ الصداق من الذى شهد ورجع، فيرد على الاخير، والاول أملك بها، وتعتد من الاخير، ولا يقربها الاول حتى تقضي عدتها " وفي الموثق عن أبى بصير وغيره (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " إنه قال في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها مات أو طلقها، فتزوجت، ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحد، ويضمنان الصداق للزوج مما غراه، ثم تعتد وترجع الى الاول " وخبر أبى بصير (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن عليا عليه السلام قضى في الرجل تزوج امرأة لها زوج فرجم المرأة وضرب الرجل الحد، وقال: لو علمت أنك علمت لفضخت رأسك بالحجارة " والمروى عن تفسير علي بن ابراهيم (5) وغيره " إن


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب العدد الحديث 3 من كتاب الطلاق وفيه " يأخذ رضا من ثمنه " الا أن الموجود في الكافي ج 6 ص 150 كالجواهر. (2) الوسائل الباب - 37 - من أبواب العدد الحديث 2 من كتاب الطلاق وفيه " على رجل غائب عنه امرأته ". (3) الوسائل الباب - 37 - من أبواب العدد الحديث 5 من كتاب الطلاق. (4) الوسائل الباب - 27 - من أبواب حد الزنا الحديث 7 من كتاب الحدود. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب حد الزنا الحديث 17 و 16 من كتاب الحدود.

[ 251 ]

عمر بن الخطاب أتى بستة نفر أخذوا في الزنا، فأمر أن يقام على كل منهم الحد، وكان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرا فقال: يا عمر ليس هذا حكمهم، قال: فأقم أنت الحد عليهم، فقدم واحدا منهم فضرب عنقه، وقدم الثاني فرجمه، وقدم الثالث فضربه الحد، وقدم الرابع فضربه نصف الحد، وقدم الخامس فعزره، وأطلق السادس، فتحير عمر وتعجب الناس من فعله، فقال له عمر: يا أبا الحسن ستة نفر في قضية واحدة أقمت عليهم ستة حدود وليس يشبه شئ منها الاخر، فقال امير المؤمنين عليه السلام: أما الاول فكان ذميا فخرج عن ذمته لم يكن له حد إلا السيف، وأما الثاني فرجل محصن كان حده الرجم، وأما الثالث فغير محصن حده الجلد، وأما الرابع فعبد ضربناه نصف الحد، وأما الخامس فكان من الفعل بالشبهة فعزرناه وأدبناه، وأما السادس فمجنون مغلوب على عقله سقط عنه التكليف " وخبر السكوني (1) عن جعفر عليه السلام عن أبيه " إن عليا عليه السلام اتي برجل تزوج امرأة على خالتها فجلده وفرق بينهما " وخبر الخنثى (2) التى ألحقها أمير المؤمنين عليه السلام بالرجال بعد اعترافها وزوجها بأنها ولدت وأولدت، ثم قال له أمير المؤمنين عليه السلام: " إنك لاجرأ من راكب الاسد " أو قال: " من خاصي الاسد " الى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب باعتبار حكم الشبهة من الاعتداد وإثبات المهر وإلحاق الاولاد من دون سؤال عن كون ذلك كان بطريق معتبر أولا، عالما بالاستحقاق أولا، أو كان الشاهدان معتبرين أولا، وباعتبار إثبات التعزير الذى هو ليس بحد، بل ليس هو إلا الاخلاد الى ظن غير معتبر، وإلا لم يستحق التعزير. فيعلم حينئذ عدم اعتبار حلية الوطء في تحقيق الشبهة، بل يتحقق مع حرمته، فالوطء مع عدم العلم بالحل وانتفاء الظن المعتبر محرم بناء على ما ذكر


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ميراث الخنثى الحديث 2 و 5 من كتاب المواريث.

[ 252 ]

من أن الفروج لا تستباح بالاحتمال، لكن لم لا يجوز أن يثبت به النسب مع ظن الاستحقاق، نظرا الى إطلاق النص والفتوى، وأي مانع من القول بتحريم الوطء وثبوت النسب معه إذا اقتضته الادلة الشرعية، ولعل المناط في الزنا وانتفاء الشبهة العلم بعدم الاستحقاق مع انتفائه، وهو غير حاصل في الفرض وإن علم بتحريم الوطء عليه، بل لم نجد من اعتبر المعذورية في تحقق الشبهة قبل الشهيد الثاني، وتبعه سبطه وصاحب الكفاية، كما ستعرف، بل لعل الشبهة في المقام هي التى يدرأ بها الحد من غير فرق بينهما، ولم يعتبر أحد في تلك المعذورية. وقد يدفع الاشكال من أصله بأنه بعد العلم بتوقف اباحة الفروج على الاذن الشرعي لا يفيدها ظن الاستحقاق، ولا احتماله إلا مع اعتباره وجواز التعويل عليه في الشرع، فبدونه كما هو المفروض ينتفي الاذن، ويثبت التحريم، فلا يكون هناك شبهة مسوغة للوطء كي يكون الوطء وطء شبهة، ومن المعلوم أنه ليس نكاحا صحيحا، لان المفروض أنه غير مستحق في نفس الامر فيتعين أن يكون زنا، لانحصار الوطء في الاقسام الثلاثة على ما قطع به الاصحاب، وأيضا فان تحريم الوطء مع عدم الاستحقاق يستلزم الزنا، لانه ليس إلا الوطء المحرم الذى ليس بمستحق، ولا ريب أن الوطء المفروض كذلك، وحينئذ فاطلاق النص والفتوى مع تسليمه يجب تقييده بالظن المعتبر وما في حكمه أو بما إذا اعتقد الوطئ جواز الاخلاد الى الظن الحاصل له لجهله بالحكم. قال الشهيد في المسالك بعد نقله عن الشيخ والاصحاب تحقق الشبهة في الوطء بظن المرأة خالية عن الزوج أو ظن موت زوجها أو طلاقه سواء استند الى حكم الحاكم أو شهادة الشهود أو إخبار مخبر: " إن الحكم المذكور لا إشكال فيه على تقدير حكم الحاكم أو شهادة شاهدين يعتمد على قولهما شرعا وإن لم يحكم حاكم، إذ ليس هناك نزاع حتى يفتقر الحكم إليه، وحينئذ فيكون ذلك شبهة مسوغة للوطء وموجبة للحاق الاولاد، وثبوت الاعتداد بعد ظهور الفساد، لان وطء الشبهة موجب ذلك، وأما على تقدير كون المخبر ممن لا يثبت به ذلك شرعا كالواحد فينبغي

[ 253 ]

تقييده بما لو ظنا جواز التعويل على خبره جهلا منهما بالحكم، فلو علما بعدم الجواز كانا زانيين، فلا يلحق بهما الولد، ولا عدة عليها منه، ولو جهل أحدهما ثبتت العدة ولحق الولد به دون الاخر " وفي التحرير صرح بالاجتزاء بخبر الواحد، وهو محمول على ما ذكرناه ليوافق القوانين الشرعية. وقال السيد الفاضل في شرح النافع بعد ايراده عبارة المحقق المنقولة: " إنه يجب تقييد الحكم المذكور بما إذا اعتقد الزوج جواز التعويل على ذلك الظن، ليصير الوطء وطء شبهة، فلو كان الظن مما لا يجوز التعويل عليه وعلما بذلك فان الوطء يكون زنا، وينتفى الولد عن الواطئ كما هو واضح " وقال في الكفاية: " لو تزوج امرأة لظنها خالية أو موت الزوج أو طلاقا بحكم حاكم أو شهادة شهود أو إخبار مخبر مع اعتقاد جواز التعويل على ذلك ثم بان فساد الظن ردت إلى الاول بعد الاعتداد من الثاني، واختص الثاني بالاولاد مع الشرائط ولو علما عدم جواز التعويل على قول المخبر بذلك كانا زانيين، فلا يلحق بهما الولد، ولا عدة عليها منه ". وقد ظهر من ذلك أن إطلاق الظن في تعريف الوطء بالشبهة وكذا عدم العلم بالتحريم ليس محمولا على ظاهره، بل هو مقيد بما يجوز معه الوطء على ما صرحوا به واقتضته طريقتهم المعلومة في استباحة الفروج، ومثل هذا التسامح لا يخلو عنه أكثر التعريفات، سيما تعاريف أهل هذا الفن، فانه لا يكاد يسلم شئ منها عن المسامحة والانتقاض بحسب الطرد والعكس، وقد اشتمل كل من التعريفين المذكورين على خلل غير ما ذكر، فان التعريف الاول يخرج عنه وطء غير المكلف كالمجنون والنائم وغيرهما، وكذا الوطء الجائز شرعا مع عدم ظن الواطء الاستحقاق، كما لو أخبرته الامرأة الغير المأمونة بعدم البعل وانقضاء العدة، فان الظاهر جواز التعويل على خبرها وإن لم يفد الظن، لانها مصدقة على نفسها،

[ 254 ]

كما ورد في الاخبار (1) والتعريف الثاني يدخل فيه وطء الظان بعدم الاستحقاق وإن استند الى سبب شرعي، كشهادة العدلين والاجتهاد والتقليد المعتبرين، فانه يصدق معه أنه غير علم بالتحريم، وإنما هو ظان، مع أنه لا خلاف في أنه زنا لا يثبت به النسب، وما في القواعد - من أن الحد إنما يثبت في المحرم بالاجماع، كالخامسة وذات البعل، دون المختلف فيه كالكتابية والمخلوقة من الزنا - يراد منه جواز استناد الواطء مع الاختلاف الى القول بالحل، وليس المراد منه أنه يدرأ عنه وإن علم منه خلاف ذلك، كما هو واضح. كما أنه قد يقال: إن المراد من العلم بالتحريم الذى اعتبر انتفاؤه في التعريف الثاني للشبهة ما يعم الظن المعتبر أو العلم بالحكم الظاهرى، للقطع بفساد الحد على تقدير إرادة العلم القطعي بالحكم الواقعي، وحينئذ فيخرج عن التعريف وطء المخالف الذى لم يعتقد الحل في الظاهر وإن ظن الاباحة في نفس الامر، فانه معلوم الحرمة، فلا يصدق عليه حد الوطء بالشبهة، بل بذلك يظهر انطباق التعريف المذكور على المدعى وأنه لا يصلح الاستناد إليه في تحقق الشبهة بمجرد الاحتمال، بل بمثله يتبين عدم صحة الاستشهاد بما دل على سقوط الحد مع الشبهة والجهل بالحكم، فانه إنما يصح لو أريد منها انتفاء العلم القطعي بالحكم الواقعي، وهو ممنوع بل الظاهر خلافه، لعدم صدق الشبهة والجهالة مع العلم بتحريم النكاح شرعا، وخصوصا مع جعلهما عذرا يدرأ به الحد. وأما حديث الخنثى فانما يصح التأييد به لو كان إسقاط الحد عن زوجها لتجويزه كونها أنثى، وهو ممنوع إذا الظاهر أنه كان يعتقد أنه امرأة نظرا الى ظاهر الحال، حيث كان الغالب عليها مشابهة النساء دون الرجال كما يستفاد من ظاهر الرواية وتقتضيه القرائن الحالية، فان الاقدام على تزويجها مع كون الغالب عليها مشابهة الرجال بعيد الوقوع في العادة.


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب عقد النكاح الباب - 10 - من أبواب المتعة والباب - 24 - من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

[ 255 ]

وأما روايات التعزير فمع عدم صراحة جميعها في وطء الشبهة ولا في أن المأتي به تعزير لاحد محمولة على التهمة في دعوى الجهالة بمظنة الزنا، أو على أن الاقدام على الوطء لظن معتبر لا يعلم الواطء اعتباره، ولو سلم فلا نسلم امتناع التعزير مع الجهل بالحال، وخصوصا مع ظن عدم الاستحقاق، لان الوطء في تلك الحال لا ينفك عن اجتراء على القبيح ومخالفة الاحتياط المطلوب سيما في الفروج، مع ما فيه من قطع المعاذير الباطلة وحسم مادة المعصية، ولا ريب في أنه مطلوب شرعا. وأما فساد ما ذكر أخيرا فيعرف من ملاحطة كلام الفقهاء في الحدود، فانه لم يشترط أحد منهم في الحد العلم بعدم الاستحقاق في تحقق الزنا وانتفائه، وإنما اعتبروا فيه العلم بالتحريم، وبنوا عليه ثبوت الحد مع وجوده، وسقوطه مع انتفائه في جميع المسائل التى فرعوها على اعتبار العلم في حد الزنا، كما لا يخفى على من لا حظ عبارة المصنف والفاضل وغيرهما هناك، هذا. ولكن الانصاف عدم منافاة الاثم في الوطء للشبهة إذا كان منشأه التقصير في المقدمات، ضرورة كون نكاح الكفار ونحوهم جميعه من الشبهة وإن أثموا به باعتبار اختيارهم الاديان الباطلة، وكذا ظان الحلية من غيرهم، ولكن لتقصيره في عدم مباشرة أهل الشرع والالتفات الى ما يراد منه لم يتنبه الى حرمة العمل له بهذا الظن، فانه لا ريب في تحقق الاثم عليه بذلك، كما أنه لا ريب في كونه من الشبهة والسكران إنما خرج بالادلة الخاصة. فالتحقيق حينئذ تعريف الشبهة بما ذكرناه أولا، لكن مع تعميم الاعتقاد للقطع والظن الذى لم يتنبه صاحبه الى عدم جواز العمل به ولو لتقصير منه في المقدمات، وتعميمه أيضا للمقصر فيما اقتضاه كأهل المذاهب الفاسدة وغيره، وجميع ما نافى ذلك من عبارة أو رواية قد عرفت إمكان إرجاعه إليه، بل قد يقال بكفاية الظن بالاستحقاق في النسب وإن لم يعلم الواطء بكفايته في الحلية بعد تنبهه للحال وتقصيره في السؤال كما هو مقتضى إطلاق ما سمعته من النص والفتوى، لعدم كونه

[ 256 ]

زنا، وأولى منه الاقدام على الشبهة المحصورة حتى مع العلم بحرمة الاقدام مع بقاء الاشتباه، ضرورة عدم تحقق الزنا بمطلق الحرمة، وخبر الكناسي والحذاء إنما يدلان على عدم سماع دعوى الجهل بالحكم من الامرأة، لمكان كونه كالضروري، وهو غير ما نحن فيه، وكذا ما في أولهما من لزوم الحجة عليها لو علمت بالعدة ولم تدركم هي، فان عليها السؤال. وبالجملة لا يتحقق الزنا بمثل هذه الحرمة، ولا أقل من الشك في ذلك، فتبقى أصالة ترتب حكم النسب على المسمى اللغوى بحاله، إذ لم يخرج منه إلا بعض الاحكام لولد الزنا المعلوم منه غير الفرد المزبور، ولعله لذا ونحوه أطلق الاصحاب كما سمعت، بل قد سمعت ما يقتضي الاكتفاء بعدم العلم بالحرمة في تحقق الشبهة، ولعله لا يخلو من قوة مع فرض جهله بالحكم الظاهرى وإن كان متنبها للسؤال، لكنه أثم وأقدم، نعم لو علم اجتهادا أو تقليدا بحرمة نكاح المفقود زوجها مع الظن أو الاحتمال أمكن القول بخروجه حينئذ عن الشبهة، وبالجملة لا دليل على اعتبار المعذورية في الوطء الغير المستحق في تحقق الشبهة، بل مقتضى الدليل خلافه فتأمل. وعلى كل حال فلا فرق في حكم الشبهة بين الاعمى وغيره، فما عن الشيخين وابن البراح من عدم تصديقه لو ادعى الشبهة بظن الزوجية للاجنبية التى وطأها محمول على إرادة الفرق بين البصير والاعمى في أصل دخول الشبهة، فانه لما كان الاشتباه في حق الاعمى قريبا جدا وجب عليه غاية التحفظ، فلم يقبل منه دعواها، لمكان التهمة حينئذ، لا أن المراد منه أنه مع كمال التحفظ لو فرض دخول الشبهة عليه لا يجرى عليه حكم المشتبه، ولذا لم يسمع منه دعواها، ضرورة كون ذلك تخصيصا للادلة من غير مخصص قابل لذلك، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (لا يثبت) النسب (مع الزنا) إجماعا بقسميه، بل يمكن دعوى ضروريته فضلا عن دعوى معلوميته من النصوص أو تواترها فيه (جواهر الكلام - ج 16)

[ 257 ]

(فلو زنى فانخلق من مائه ولد على الجزم لم ينسب إليه شرعا) على وجه يلحقه الاحكام، وكذا بالنسبة الى امه. (و) لكن (هل يحرم على الزانى) لو كان بنتا ؟ (والزانية) لو كان ولدا ؟ (الوجه أنه يحرم، لانه مخلوق من مائه) ومائها فلا ينكح الانسان بعضه بعضا، كما ورد في بعض (1) النصوص النافية لخلق حوا من آدم (و) أيضا (هو يسمى ولدا لغة) والاصل عدم النقل، ومناط التحريم هنا عندنا عليها، كما اعترف به في كشف اللثام على وجه يحتمل أو يظهر منه الاجماع على ذلك، بل في المسالك أنه يظهر من جماعة من علمائنا منهم العلامة في التذكرة وولده في الشرح وغيرهما أن التحريم إجماعي، بل الظاهر اتفاق المسلمين كافة على تحريم الولد على امه، وكأنه لازم لتحريم البنت على أبيها وإن حكي عن الشافعية عدم تحريمها عليه نظرا الى انتفائها شرعا، لكنه كما ترى، ضرورة عدم الملازمة بين الانتفاء شرعا والحلية بعد أن كان مناط التحريم اللغة. بل يظهر من النصوص أن التحريم ذاتي لا مدخلية للنسب الشرعي فيه، قال زرارة في المروى عنه (2) في محكي العلل: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن بدو النسل من ذرية آدم عليه السلام فان عندنا أناسا يزعمون أن الله أمر آدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه وأن أصل هذا الخلق من الاخوة والاخوات، قال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا عما يقولون، من يقول هذا ؟ إن الله عزوجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله والمؤمنين والمؤمنات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال ؟ وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نبئت أن بعض البهائم تنكرت له أخته، فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها وعلم أنها أخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خرميتا " وزاد


(1) البحار ج 11 ص 221 الطبع الحديث. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالنسب الحديث 4.

[ 258 ]

في حديث آخر (1) " ان كتب الله كلها مما جرى فيه القلم، في كلها تحريم الاخوات على الاخوة فيما حرم وأن جيلا من هذا الخلق رغبوا عن علم بيوتات الانبياء، وأخذوا من حيث لم بؤمروا بأخذه، فصاروا الى ما قدترون من الضلال - ثم قال -: ما أراد من يقول هذا وشبهه إلا تقويه حجج المجوس، فمالهم قاتلهم الله " وهو صريج فيما ذكرناه، ولذلك حكاه عن البهائم التي لا نسب شرعي بينها، فالقبح الذى لا يخفى على البهائم كيف يخفى على بني آدم إلا على من كان أسوأ منها. مضافا الى ما فيه من نقصان الشهوة المفضي الى اختلال أمر التناسل الذى هو الغرض الاصلي من النكاح، وأن النكاح لما كان من أعظم علل الضم والاجتماع المطلوبين للتعاون والتشارك والتوسل الى الكمالات الكسبية للانسان وجب أن يكونا من الغايات المقصودة منه، لان مصالح الافعال الحسنة غايات في طلب الحكيم العالم بها، وحيث كان الضم والاجتماع حاصلين مع النسب اللغوي خاصة على أبلغ الوجوه وأحسنه لم يكن لعلقة السبب تأثير في حصولهما، لامتناع تحصيل الحاصل، فلا تكون العلاقة السببية مطلوبة مع وجود النسبية إلا مع ضعف تأثيرها في الاجتماع والضم، كما في أولاد العمومة والخؤولة، فانه ينزل الضعف فيه منزلة العدم، ويجبر بالاذن في النكاح المقتضى للضم، كما في الاباعد. وعلى كل حال فلا ينبغى التأمل في أن مدار تحريم النسبيات السبع على اللغة، ولا يلزم منه إثبات أحكام النسب في غير المقام الذى ينساق من دليله إرادة الشرعي لانتفاء ما عداه فيه، وهو قاض بعدم ترتب الاحكام عليه، لان المنفي شرعا كالمنفى عقلا كما أومأ إليه النفى باللعان، فما في القواعد - من الاشكال في العتق أن ملك الفرع والاصل والشهادة على الاب والقود به وتحريم الحليلة وغيرها من توابع النسب - في غير محله، وفي كشف اللثام " كالارث وتحريم زوج البنت على أمها والجمع بين الاختين من الزنا أو إحداهما منه وحبس الاب في دين ابنه ان منع منه - ثم قال - والاولى


(1) ذكر قطعة منه في الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالنسب الحديث 5 وتمامه وفى البحار ج 11 ص 223 الطبع الحديث.

[ 259 ]

الاحتياط فيما يتعلق بالدماء أو النكاح، وأما العتق فالاصل العدم مع الشك في السبب، بل ظهور خلافه، وأصل الشهادة القبول " قلت: لا ينبغى التأمل في أن المتجه عدم لحوق حكم النسب في غير النكاح، بل ستعرف قوة عدم جريان حكمه فيه أيضا في المصاهرات فضلا عن غير النكاح، بل قد يتوقف في جواز النظر بالنسبة الى من حرم نكاحه مما عرفت. لكن الانصاف عدم خلو الحل من قوة بدعوى ظهور التلازم بين الحكمين هنا، خصوصا بعد ظهور اتحادهما في المناط، ومن ذلك كله يظهر لك أنه لاوجه لما في المسالك من التردد في أمثال هذه المسائل، كما هو واضح. (الثاني) (لو طلق زوجته فوطأت بالشبهة فان أتت بولد لاقل من ستة أشهر من وطء الثاني ولستة أشهر) فما فوق الى أقصى الحمل (من وطء المطلق الحق بالمطلق) لانتفائه عن الثاني قطعا، لعدم الولادة كاملا قبل الستة أشهر، والفرض أن الفراش منحصر فيهما، والمسلم لا يحمل على الزنا مع امكان عدمه، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا إلى أقصى الحمل من وطء الثاني ولزيادة من أقصى الحمل من وطء الاول فهو ملحق بالثاني قطعا لما عرفت. (أما لو كان الثاني له أقل من ستة أشهر وللمطلق أكثر من أقصى مدة الحمل لم يلحق بأحدهما) لانتفائه عنهما شرعا (وإن احتمل أن يكون منهما) بأن أتت به لستة أشهر فصاعدا إلى أقصى مدة الحمل من وطئهما معا (استخرج بالقرعة) عند الشيخ فيما حكي عن مبسوطه مؤذنا بالاجماع عليه، وحكاه في الكشف عن فخر الاسلام، لانها لكل أمر مشكل، وهذا منه بعد اشتراك الفراش بينهما، وإن كان التكون منهما وتعارض الاصول في إلحاقه بكل منهما حتى أصالة تأخر الحادث التى هي في المقام لو قلنا بها كانت من الاصول المثبته، ولذا قال في كشف

[ 260 ]

اللثام في رد الاصل بأنه كما أن الاصل عدم التكون سابقا الاصل عدم التكون لاحقا، فالاصل بالنسبة الى كل منهما عدم النسب، لكن مع ذلك في المتن (على تردد أشبهه أنه للثاني، وحكم اللبن تابع للنسب) بل في المسالك نسبته الى الاكثر، معللا له بأن فراش الاول قد زال وفراش الثاني ثابت، فهو أولى من الزائل، ولان صدق المشتق على ما وجد فيه المعنى المشتق منه حالته أولى ممن سبق مع التعارض، للخلاف المشهور أنه مع سبقه يكون مجازا لا حقيقة، وفيه منع ثبوت الفراش للثاني بعد فرض ارتفاع الشبهة، لعدم صدقه هنا حقيقة بناء على أنها فيه بمعنى حال التلبس، بل قد يمنع أصل الفراش في الشبهة للتصريح في الصحاح والقاموس ومختصر النهاية وغيرها بأنه الزوجة، ولا ينافى ذلك لحوق الولد باعتبار احترام الوطء كما في الامة بناء على أنها ليست فراشا كل ذلك مع احتمال القول بأن الطلاق غير مزيل حكم الفراشية ولذا يلحق به مع عدم معارضة غيره. فالاولى الاستدلال على ذلك بالنصوص، وكأنه لم يعثر عليها، ولذا علله بما عرفت (منها) صحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا كان للرجل منكم الجارية يطؤها فيعتقها فاعتدت ونكحت، فان وضعت لخمسة أشهر فانه من مولاها الذى أعتقها، فان وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فانه لزوجها الاخير ". (ومنها) المرسل عن زرارة (2) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل إذا طلق امرأته ثم نكحت وقد اعتدت ووضعت لخمسة أشهر فهو للاول، وإن كان ولد أنقص من ستة أشهر فهو لامه ولابيه الاول، وإن ولد لستة أشهر فهو للاخير ". (ومنها) المرسل (3) عن أحدهما عليهما السلام " في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا، وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للاخير، وإن جاءت بولد أقل من ستة أشهر فهو للاول ".


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 11. (3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 14.

[ 261 ]

(ومنها) خبر أبى العباس (1) قال: " إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للاخير، وإن كان أقل من ستة أشهر فهو للاول " إلا أنها غير وافية بتمام المطلوب الذى منه وطء الشبهة لا بعقد، أللهم إلا أن يدعى عدم القول بالفصل، أو يدعى أن خبر أبي العباس شامل له، أو يقال: إن الحكم فيه للاول لعدم زوال فراشه، أو تتعين فيه القرعة، كما لعله ظاهر المسالك، قال فيها: " وإنما قيد المصنف بالطلاق مع أن إلحاقه بهما ممكن بدونه، كما لو وطأ زوجته ثم وطأها آخر شبهة، فإن الاقسام تأتي فيه، إلا أنه هنا لا يتوجه الخلاف المذكور في هذه، لثبوت الفراش الملحق للنسب بهما، بخلاف صورة الفرض، فان فراش الاول قد زال باطلاق، فكان الثاني أرجح من هذا الوجه، فيتصور الخلاف، وظاهره القرعة ". ومنه صورة الجهل بتاريخ الوطء، فان ظاهر النصوص المزبورة معلوم الامكان، لا ما دار بينه وبين الامتناع. أللهم إلا أن يدعى كون المفهوم منها أعم من ذلك، لكنه مشكل، ولعل المتجه فيه القرعة أيضا بعد ما عرفت من فساد ما في المسالك من دعوى أصالة اللحوق بالثاني، لما عرفته من زوال فراشه بزوال الشبهة، نعم قد يقال بترجيح الفراش الفعلى على الزائل كما عساه الظاهر من أكثر النصوص السابقة مؤيدا بخبر الصيقل (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سمعته يقول وقد سئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها، قال: بئسما صنع، يستغفر الله ولا يعود، قلت: فان باعها من آخر ولم يستبرئ رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للفراش، وللعاهر الحجر " والمراد الاخير الذى عنده الجارية بقرينة خبره الاخر في ذلك (3) إلا أنه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للذى عنده الجارية، لقول رسول الله صلى الله عليه واله: الولد للفراش وللعاهر الحجر " وخبر سعيد الاعرج (4) عنه عليه السلام أيضا: " سأله عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الحمل،


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 12. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 3 - 4.

[ 262 ]

قال: للذي عنده الجارية، لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الولد للفراش " بل منها يستفاد كون الجارية فراشا، وفيه بحث يأتي في محله، ولعل المراد هنا بعد العلم بوطء المالك، ويأتى تمام البحث فيه. أما إذا لم يكن فراش فعلي كما لو فرض اشتباه الجميع فالمتجه القرعة بعد ما عرفت من عدم جريان الاصول على وجه تفيد الالحاق، والمرسل (1) وخبر أبي العباس (2) لا جابر لهما بالنسبة إلى الالحاق بالاخير، بل لعل من ذلك خبر معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده، ورد قيمة الولد على صاحب الجارية " الخبر. وخبر سليمان (4) عنه عليه السلام أيضا " قضى علي عليه السلام في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الاسلام، فأقرع بينهم، فجعل الولد لمن قرع، وجعل عليه ثلثي الدية للاخيرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه واله حتى بدت نواجده، وقال: لا أعلم فيها شيئا إلا ما قضى على " وخبر أبى بصير (5) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه واله عليا الى اليمن، فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما مر عليك، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه واله أتاني قوم تبايعوا جارية فوطؤوا أجمع في طهر واحد، فولدت غلاما، فاحتجوا به كلهم يدعيه، فأسهمت بينهم، وجعلته للذى خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال: النبي صلى الله عليه واله: إنه ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم الى لله إلا أخرج سهم المحق " فتأمل جيدا. وأما اللبن فلا ريب في تبعيته بثبوت النسب وإن حكي التردد فيه في وطء الشبهة عن ابن ادريس، لكنه في غير محله، ضرورة اندراجه في نحو امهاتكم


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 14 (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب احكام الاولاد الحديث 12. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 57 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 2 - 4.

[ 263 ]

اللاتى أرضعنكم " (1) بعد فرض تحقق النسب بوطء الشبهة، كما هو واضح. الفرع (الثالث) (لو أنكر الولد ولا عن انتفى عن صاحب الفراش) بلا خلاف ولا إشكال، (وكان اللبن تابعا)، فلا ينشر حرمة بالنسبة إليه وإن نشر بالنسبة الى الامرأة، للحكم به بوطء صحيح بالنسبة إليها بخلافه، وحينئذ يكون كلبن الشبهة من طرف المرأة الذى ستعرف الكلام فيه إنشاء الله، وإن كان قد يشكل بعدم الفحل شرعا، فيكون كلبن الدر، وقد يدفع بأنه ليس كذلك في حقها بخلاف الملاعن نفسه. نعم يحرم الولد عليه إن كان بنتا مع الدخول بالام، لكونها ربيبته حينئذ، أما إذا لم يكن قد دخل فلعل المتجه عدم الحرمة، للعمومات بعد أن قطع الشارع نسبه عنها باللعان، وما يقال: إنه غير منتفية عنه قطعا، بدليل أنه لو أقر بها بعد اللعان ورثته، يدفعه أن ذلك غير كاف في التحريم، فان البنت المجهولة النسب التى يمكن تولدها عنه لو ادعى كونها بنته قبل مع أنها لا تحرم عليه قبل ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لو أقر به بعد ذلك) اللعان (عاد نسبه) إليه بمعنى أنه يرثه الولد (وإن كان هو لا يرث الولد) بل يقوى في النظر أن ذلك لعدم عود النسب باقراره، لا أنه يعود به وعدم الارث عقوبة، ضرورة عموم ما دل على انقطاع النسب باللعان، والارث منه مؤاخذة له باقراره لا ينافيه، فيبقى حينئذ حكم انقطاع النسب بالنسبة الى غير ذلك، فيقتص منه بقتله، ويحبس في دينه، ويقطع بالسرقة من ماله، وتقبل شهادته عليه، وغير ذلك من أحكام الاجانب، بل لا يعود حكم اللبن إلا بالنسبة إليه خاصة مؤاخذة له بالاقرار، وربما احتمل عوده مطلقا، ولكنه واضح الضعف، وربما يأتي لذلك تتمة إن شاء الله في محله.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 264 ]

(السبب الثاني) من أسباب التحريم (الرضاع) كتابا (1) وسنة متواترة (2) وإجماعا وضرورة من المذهب أو الدين (و) لكن (النظر في شروطه وأحكامه) إذ لا ريب في أن (انتشار الحرمة بالرضاع يتوقف على شروط: الاول أن يكون اللبن عن نكاح) أي وطء بعقد صحيح أو ملك يمين (فلو در) من الامرأة من دون نكاح فضلا عن غيرها من الذكر والبهيمة (لم ينشر حرمة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، للاصل والموثق (3) " عن امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية أو غلاما بذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع ؟ قال: لا " والخبر (4) " عن امرأة در لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكرانا وإناثا أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع ؟ قال: لا " وبهما مع الاجماع يخص العام ويقيد المطلق لو سلم شمولهما لمثل الفرض، بل ظاهرهما عدم النشر به بعد الولادة وإن كانت منكوحة، بل وإن كانت حاملا، كما هو مجمع عليه في الاولى والاشهر في الثانية، بل عن الخلاف والغنية والسرائر الاجماع عليه. بل ربما استدل عليه بظاهر صحيح ابن سنان (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لبن الفحل، فقال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع. (3 و 4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 - 2. (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث.

[ 265 ]

اخرى فهو حرام " بل في خبره الاخر (1) عنه عليه السلام أيضا " عن لبن الفحل، فقال ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة اخرى فهو حرام " بتقريب عدم صدق لبن الولد على الحمل، لكن قد يقال: إنه وإن كان في تعريف لبن الفحل إلا أنه لم يسق لبيان ذلك، ولا لارادة القيدية في جمميع ما ذكره، ضرورة عدم انحصاره في ذلك، فالعمدة حينئذ ما سمعت، خلافا للقواعد والمسالك والروضة وظاهر عبارة المصنف الاتية، للاطلاق الواجب تقييده بما عرفت لو سلم شموله للفرض وعدم انسباق الولادة من الرضاع فيها، لتعارفه كما عساه يومئ إليه إرادته من لفظ الرضاع في الخبرين السابقين. نعم هل يعتبر في الولادة كونها في محل يعيش الولد أو بعد ولوج الروح فيه أو لا يعتبر شئ من ذلك، بل يكفى مطلق الوضع له وإن قلت أيامه ما لم يعرف كونه درا ؟ لم أجد لهم نصا في ذلك، ولا ريب أن الاخير أحوط إن لم يكن أقوى، للاطلاق الذى لا يعارضه عموم الحل بعد أن كان موضوعه ما وراء المحرمات. بقي شئ، وهو أن ظاهر المصنف وغيره اعتبار الوطء في ترتب حكم الرضاع، ومقتضاه حينئذ عدم العبرة بمن حملت امرأته من مائه السابق الى فرجها من دون دخول ثم ولدت، ولكن فيه أنه مناف لاطلاق الادلة الذى لا يقدح فيه ندرة اتفاق ذلك، فالاولى جعل المدار على تكون الولد من مائه على وجه ينسب إليه الولد الذى يتبعه اللبن حتى في نكاح الشبهة الذى ستعرف كونه بحكم النكاح الصحيح بالنسبة الى ذلك، ولعل تعبير الاصحاب بالوطء باعتبار الغلبة، لا أن المراد اشتراط ذلك على وجه يخرح به ما عرفت وإن كان ربما حكي عن ثانى الشهيدين التصريح باعتبار الدخول، ولكن فيه ما عرفت، والله العالم. (وكذا) لا ينشر (لو كان عن) وطء (زنا) ولو مع الولادة إجماعا


(1) أشار إليه في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4 وذكره في الكافي ج 5 ص 440.

[ 266 ]

بقسميه وهو الحجة بعد ما في الدعائم عنه أي علي عليه السلام (1) إنه قال: " لبن الحرام لا يحرم الحلال، ومثل ذلك امرأة أرضعت بلبن زوجها ثم أرضعت بلبن فجور قال: ومن أرضع من فجور بلبن صبية لم يحرم نكاحها، لان اللبن الحرام لا يحرم الحلال " وبعد ظهور الادلة في غيره، خصوصا بعد ما عرفت من عدم تحقق النسب المقتضي لكون اللبن من غير فحل شرعي، فما عن ابن الجنيد - من أنها لو أرضعت بلبن حمل من زنا حرمت وأهلها على المرتضع، وكان تجنبه أهل الزاني أحوط وأولى - في غير محله، سيما فرقه بين الزانى (و) الزانية. نعم (في نكاح الشبهة تردد) كما هو ظاهر من السرائر (أشبهه تنزيله على النكاح) أي الوطء بالعقد (الصحيح) وفاقا للاكثر، بل لم نجد فيه خلافا محققا، فان ظاهر المحكي عن الحلي التردد، ولعله للاصل ومنع العموم في الرضاع المطلق في الاية (2) والاخبار (3) المنصرف الى غير الشبهة، لندرتها واختصاص الملحق لها بالنسب من الاجماع بغير محل الخلاف، ولا نص عام يدل عليه، مضافا الى مفهوم الصحيح (4) السابق الذى عرفت عدم كونه مساقا لارادة القيدية كمنع دعوى الانصراف المزبور الذى لا ينافيه ندرة وقوع الشبهة، فلا ريب حينئذ في اللحوق بالصحيح، للعمومات المؤيدة بما يحصل من استقراء مشاركته للصحيح في لحوق الاولاد به والاعتداد والمهر ونحو ذلك من الظن، لتنزيله منزلته إلا ما خرج، وإن كنا لم نعثر في النصوص على تشبيهه به أو تنزيله منزلته أو حمله عليه، أللهم إلا أن يقال: إن من الشبهة ما ورد فيه (5) " لكل قوم نكاح " المراد منه أن ما بأيديهم من العقود الفاسدة لها حكم النكاح، لا أن المراد منه أنه نكاح حقيقة، ضرورة


(1) المستدرك الباب - 11 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1. (2) سورة النساء: 4 - الاية 23. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4. (5) الوسائل الباب - 83 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2.

[ 267 ]

معلومية بطلان نكاح الام والاخت. هذا كله في الشبهة من الطرفين، وإلا ففي الروضة ثبت الحكم في حق من ثبت له النسب، وهو إن تم إجماعا فذاك، وإلا أمكن التوقيف، سيما فيما إذا كان الزانى الزوج لبعض ما سمعته في الزنا من عدم الفحل شرعا وغيره. وكيف كان فلا ريب في اعتبار العلم بالامرأة في الحرمة، فلو ارتضع من خنثى مشكل وإن كان قد وطئت بالشبهة لم ينشر حرمة، لتخصيص عمومات الرضاع بما ذكرناه، فانه لا يكاد يشك من لحظ النصوص، خصوصا نحو قول الباقر عليه السلام (1): " لا يحرم من رضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة " ونحوه مما كان ظاهره إرادة القيدية من جميع ما يذكر فيه ظهورها في اعتبار الانوثة، لا أن الخارج الذكر خاصة كما يشهد له أيضا ما عساه يظهر من بعضهم من دعوى الوفاق على عدم النشر بالرضاع منها. نعم لا يعتبر في النشر بقاء الامرأة في حبال الرجل قطعا (و) إجماعا ف‍ (لو طلق الزوج وهى حامل منه) ثم وضعت بعد ذلك أو أرضعت وهى حامل بناء على كونه كالولادة (أو) طلقها وهي (مرضع) أو مات عنها كذلك (فأرضعت ولدا نشر) هذا الرضاع (الحرمة كما لو كانت في حباله) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المسالك وغيرها أنه لا فرق بين أن يرتضع في العدة ولا بعدها، ولا بين طول المدة وقصرها، ولا بين أن ينقطع اللبن ثم يعود وعدمه، لانه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه، لكن إن شرطنا كون الرضاع وولد المرضعة في الحولين اعتبر كون الرضاع قبلهما من حين الولادة، وإلا فلا. (وكذا لو تزوجت ودخل بها الزوج الثاني) ولم تحمل منه، بل (و) إن (حملت) منه مع كون اللبن بحاله لم ينقطع ولم تحدث فيه زيادة، فانه للاول أيضا بلا خلاف أجده فيه، كما عن التذكرة الاعتراف به، للاصل الذي مقتضاه ذلك


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

[ 268 ]

أيضا حتى مع زيادته الممكنة كونه للثاني، وعن التذكرة القطع به أيضا، بل لم أجد فيه خلافا عندنا، يحكى عن الشافعي في أحد قوليه أنه إن زاد بعد أربعين يوما من الحمل الثاني فهو لهما عملا بالظاهر من أن الزيادة بسبب الحمل الثاني، فيكون اللبن للزوجين، وفي المسالك " وهذا قول موجه على القول بالاكتفاء بالحمل وإن كان العمل على الاول " قلت: هو فيها ممن اكتفى بالحمل، وحينئذ فالذي ينبغى له العمل عليه لا على الاول. (أما لو انقطع) اللبن انقطاعا بينا (ثم عاد في وقت يمكن أن يكون لل‍) حمل من ال‍ (ثانى) وربما حدد بمضي أربعين يوما من انقطاعه الى عوده حينئذ (كان) اللبن (له دون الاول) بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل في المسالك نسبته الى قطع المصنف والاصحاب، نعم عن الشافعي قول إنه للاول ما لم تلد من الثاني مطلقا، لان الحمل لا يقتضي اللبن، وإنما يخلقه الله للولد عند خروجه لحاجته إليه، وهو غذاء الولد لا غذاء الحمل الذى يتغذى بدم الحيض، وقول آخر إنه يكون لهما مع انتهائه إلى حال ينزل معه اللبن، وأقله أربعون يوما، لان اللبن كان للاول، فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أنه رجع بسبب الحمل للثاني فكان مضافا إليهما، كما لو لم ينقطع، (و) أما أصحابنا فقد عرفت اتفاقهم على كونه للثاني. نعم (لو اتصل) اللبن ولم ينقطع اللبن (حتى تضع الحمل من الثاني كان ما قبل الوضع للاول) زاد عما قبل الحمل أولا، لان الاصل عدم الحدوث من الثاني، وكما يزيد بالحمل يزيد بدونه، (وما بعد الوضع للثاني) خاصة إجماعا من الكل كما عن التذكرة، سواء زاد أم لم يزد انقطع أم اتصل، لان لبن الاول انقطع بولادة الثاني، فان حاجة المولود الى اللبن يمنع كونه لغيره، وفي كشف اللثام نسبته الى إجماع أهل العلم، لان الولادة أقوى من أصالة استمرار اللبن، هذا حاصل ما عند من وقفنا عليه من الاصحاب. ولكن لا يخفى عليك إشكاله في كثير من أفراده، ضرورة عدم مدخلية للعقل في ذلك، ولا دليل شرعي

[ 269 ]

قاطع للعذر يؤخذ به، ولعله لذا قال في كشف اللثام في الاول الذى لا خلاف فيه عندهم ولم يتجدد فيه سبب غير السبب الاول بعد أن حكى عن التذكرة تعميمه بما ذكرنا: فيه تأمل، إذ ربما طال حتى علم أنه در بنفسه لا من الاول، ونحوه يجرى في غيره من الافراد، ودعوى أن العرف كاف في تحقيق هذه النسبة جيدة إن تمت على وفق ما ذكروه، ضرورة إمكان دعوى كون اللبن لهما فيه في بعض الافراد، وحينئذ يمكن أن يكون حكمه نشر الحرمة بالنسبة اليهما معا، لا طلاق أدلة الرضاع وعدمه مطلقا بظهور اعتبار وحدة اللبن، وإلا كان كمن ارتضع من لبن في أثناء كل رضعة من لبن آخر، ولعل هذا أقوى، وكيف كان فالمدار على صدق نسبة اللبن وإجراء الحكم عليه، والله العالم. (الشرط الثاني) (الكمية) إذ لا يكفي في الحريم مسمى الرضاع إجماعا بقسميه، ونصوصا (1) مستفيضة أو متواترة، بل ولا الرضعة الكاملة على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في محكى الخلاف ونهج الحق وعدة مواضع من التذكرة، للنصوص (2) المستفيضة أو المتواترة الواردة في التحديد بغيرها، بل صرح جملة منها بعدم الاعتداد بالرضعة والرضعتين كما ستعرف. فما عن كثير من العامة - كأبي حنيفة وأصحابه ومالك والاوزاعي والثوري والبلخى والليث بن سعد من التحريم بمطلق الرضاع وإن قل راوين ذلك عن علي عليه السلام وابن عباس وابن عمر - معلوم البطلان، ومن الغريب دعوى الليث منهم إجماع أهل العلم على نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم، مع أن المحكي عن الاكثر منهم موافقتنا.


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 و 3 و 4 - من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 270 ]

وأغرب منه ما عن الشيخ في التبيان وابن إدريس في السرائر من حكاية ذلك عن بعض أصحابنا ولم نعرفه، نعم عن المصرى في دعائم الاسلام إنه روى (1) عن امير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " يحرم من الرضاع كثيره وقليله حتى المصة الواحدة " ثم قال وهذا قول بين صوابه لمن تدبره ووفق لفهمه، لان الله تعالى شأنه يقول (2) " وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم " والرضاع يقع على القليل والكثير، وعن ابن الجنيد إنه قال: قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعا في قدر الرضاع المحرم، إلا أن الذى أوجبه الفقه عندي واحتياط المرأ لنفسه أن كلما وقع عليه اسم رضعة وهو ملاة بطن الصبي إما بالمص أو الوجور محرم للنكاح، إلا أنه قد استقر المذهب على خلافهما وعلى رميهما بالشذوذ، مع أنه لا دليل لهما إلا العمومات ومكاتبة علي بن مهزيار (3) في الصحيح لابي الحسن عليه السلام " يسأله عما يحرم من الرضاع، فكتب إليه: قليله وكثيره حرام " والضعيف برجال العامة والزيدية عن زيد بن علي (4) عن آبائه عن علي عليهم السلام إنه قال: " ارضعة الواحدة كالمائة رضعة لا تحل له أبدا " والقوي (5) " الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع حتى يتملا ويتضلع " والحسن المضمر (6) " سألته عما يحرم من الرضاع، قال: إذا رضع حتى يمتلئ بطنه، فان ذلك ينبت اللحم والدم، وذلك الذى يحرم ". لكن الجميع كما ترى ضرورة تخصيص العمومات، وقصور غيرها عن معارضة النصوص الصحيحة الصريحة المشهورة رواية وفتوى بما فيها من الشذوذ والضعف


(1) المستدرك الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4 وفيه " يحرم من الرضاع قليله وكثيره المصة الواحدة تحرم " (2) سورة النساء: 4 - الاية 23. (3 و 4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10 - 12. (5 و 6) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 1.

[ 271 ]

والارسال والاضمار والمكاتبة، وموافقة أهل الخلاف، ومخالفة أهل الحق، وركاكة متن الاولين، واحتمال الاخيرين تحديد الرضعة لا التحديد بها، وإمكان حمل الصحيح على ما يبلغ المحرم بمعنى حصول التحريم بالمقدر، سواء كان قليلا أو كثيرا، بل يمكن تنزيله على الحرمة بعد الفطام، كل ذلك مضافا الى انقراض القائل، واستقرار الاجماع بعدهما على خلافهما، وقطع الاصحاب بشذوذ ما ورد من النشر بما دون العشر، وندرة القائل به، وعدم الاعتداد به، فلا ينبغى الشك حينئذ من هذه الجهة. وكيف كان فللاصحاب في تحديد الرضاع المحرم تقديرات ثلاثة: الاثر والزمان والعدد، والمشهور ثبوت التحريم بكل منها، خلافا للمحكي عن المفيد والديلمي، فخصا الحكم بالعدد، وللصدوق حيث قصره فيما حكي من هدايته على الزمان والمقنع على الاثر مسندا الاخيرين الى الرواية، وللمحكي عن ابن سعيد من تخصيص التأثير بما عدا الاثر. إلا أن الاقوى الاول. (و) المراد بالاثر (هو ما أنبت اللحم وشد العظم) والاصل فيه بعد الاجماع المعلوم والمنقول عن التذكرة والايضاح والمسالك وتلخيص الخلاف وغيرها النبوى المروى في كتب أصحابنا (1) " الرضاع ما أنبت اللحم وشد العظم " وما استفاض عن الصادق عليه السلام من التحديد بذلك ففى الصحيح (2): " ما يحرم من الرضاع ؟ قال: ما أنبت اللحم وشد العظم " وفي الخبرين (3) " لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وشد العظم " وفي خبر آخر (4) " قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاث، فقال: لا إلا ما اشتد عليه العظم ونبت اللحم ". نعم ظاهر النص والفتوى فعلية ذلك، فلو ارتضع رضاعا من شأنه ترتب ذلك عليه


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 461 وفيه " لارضاع الا ما شد العظم وأنبت اللحم ". (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 والباب - 2 - منها الحديث 19. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 23.

[ 272 ]

لكن منع منه مانع كمرض ونحوه لم يؤثر، مع احتماله كما يومئ إليه الاكتفاء بأخبار أهل الخبرة المبني على أنه مما ينبت، بل يومئ إليه أيضا جعل الزمان والعدد كاشفين عنه، ضرورة ابتناء كشفهما على ذلك، لكن قد يقال: إن أقصى ذلك كله الحكم به على غير معلوم الحال، لا الاعم منه وما علم عدمه، ولعل هذا هو الاقوى، ومرجعه الى اعتبار الفعلية التى طريقها ما عرفت. وكذا ظاهر النص والفتوي اعتبارهما معا في الحرمة، فلا يكفى حينئذ أحدهما، خلافا للشهيد في اللمعة، فاكتفى به، بل حكاه السيد في نهاية المرام عن جماعة، وقواه وعلله بالتلازم، واحتمل التعليل به في الروضة، ولكن رجح اعتبار الجمع، وقطع به في المسالك، ورد القول بالاكتفاء بالشذوذ ومخالفة النصوص والفتوى، وكأنه استضعف التعليل بالتلازم، لعدم ظهوره، وعدم ظهور استناد الشهيد إليه، كما يشعر به كلامه في كتابيه، وإلا فالبناء عليه يقتضي الموافقة في كون المحرم وجود الوصفين معا وإن اكتفى في العلم بالتحريم بأحدهما، فأنه للكشف عن وجود الاخر، لا للاستغناء به عنه، وليس في ذلك ما يخالف النص ولا الفتوي، لكنه فرع ثبوت التلازم، وهو في حيز المنع، خصوصا بالنسبة الى إنبات اللحم، ضرورة عدم استلزامه لشد العظم، لبطوء تحلله وتغذيه، فقد تكون بعض الرضعات مغذيا للحم خاصة وبعضها مغذيا للعظم خاصة، كما في صورة استغناء اللحم عن الغذاء. نعم يمكن دعوى التلازم من جهة اشتداد العظم باعتبار سبق اللحم عليه، فلا يشتد العظم إلا بعد أن يستغني اللحم المشتمل عليه عن الغذاء، ويكون الجمع بينهما حينئذ في الاخبار مع إغناء الثاني عن الاول لوجهين: الاول أن نشر الحرمة لهما، والاخر أن تغذى العظم بعد استغناء اللحم عن الغذاء، فبعض الرضعات ينبت اللحم خاصة، وبعضها يشد العظم، والكل معتبر مع احتمال عدمه أيضا، ضرورة إمكان تصور شد العظم خاصة من رضاع امرأة بعد استغناء اللحم من امرأة اخرى. ومن هنا أمكن أن لا يكون نظر الشهيد الى ذلك، بل للاكتفاء في النصوص (جواهر الكلام - ج 17)

[ 273 ]

المتضمنة للتحريم بما أنبت اللحم بدون اعتبار اشتداد العظم، كما في المعتبرين (1) السابقين، وفي الصحيح (2) " قلت له: فما الذى يحرم من الرضاع ؟ فقال: ما أنبت اللحم والدم " والحسن (3) " لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم " والتحريم بما ينبت اللحم يقتضى التحريم بما يشد العظم، للاجماع على اعتبار الاشتداد جمعا أو تخييرا، فإذا انتفى الاول ثبت الثاني، ولا ينافي ذلك اعتبار إنبات الدم في هذه الاخبار، لانه متقدم على إنبات اللحم، فلا يزيد اشتراطه على اشتراطه، وفي كشف اللثام أن المراد بالدم فيهما الغريزى، وهو الذى ينسب إليه الانبات، لا الذى يستحيل إليه الغذاء في الكبد قبل الانتشار منه الى الاعضاء، وكذا لا ينافيه انضمام الاشتداد فيما تقدم من النصوص، لاحتمال تلازم الوصفين، فيصح الجمع والاكتفاء. لكن فيه أن الظاهر تخلف الاشتداد عن الانبات كما عرفت، بل يشهد به الحسن ويقتضيه النظر، فان العظم لبطوء تغذيه يتأخر اشتداده عن نبات اللحم، بل ربما كان التغذى فيه بعد استغناء اللحم عن الغذاء، لانه لسرعة قبوله له وشدة احتياجه إليه يجذ به الى نفسه، فلا يصل الى العظم إلا بعد استغنائه عنه، بل قد يتخلف الانبات عن الاشتداد فيما إذا ورد الغذاء على البدن بعد استغناء اللحم بما تقدمه، فينصرف إلى العظم. وما يقال - من أن الغذاء الوارد على البدن يتوزع على الاعضاء ويأخذ كل عضو منه قسطه اللائق به - فليس على إطلاقه، بل هو بشرط الاحتياج وبقدر الحاجة، وإذا ثبت التخلف مطلقا أو من جهة الاشتداد فقط ظهر التعارض بين ما دل على التحديد بما أنبت اللحم وشد العظم وما دل على التحديد بالاول وحده، والجمع بينهما يتحقق إما بتخصيص الثاني وإما بحمل العطف في الاول على التقسيم أو ارتكاب حذف الموصول فيه مع بقاء الصلة، ويترجح الاول بمطابقة الاصل وفتوى المعظم، وقوة الدلالة


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 و 2. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 18. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

[ 274 ]

فيما دل على الجمع، وقرب الحمل فيما يعارضه، لشيوع التخصيص، بل يمكن إرادة المغذي للعظم من الدم فيه، فيتجه حينئذ اشتراط الاجتماع كما هو المشهور بل قد يقال مع فرض عدم العلم بالتخلف: إن المتجه أيضا التخصيص عملا بظهور اللفظ فيه، واحتمال التلازم لا يكفي في نفيه وفي قطع الاصل، خصوصا بعد معارضة ذلك باحتمال بناء نصوص اللحم وحده على التلازم، بل يمكن إرادة شد العظم من الدم فيها ولو باعتبار تغذيه منه، فتأمل جيدا. وكيف كان فالمراد بانبات اللحم وشد العظم ما كان مسببا عن الرضاع التام بحيث يستقل في حصول الامرين، ويتحقق حصولهما، ويظهر لدى حس أهل الخبرة، فلا يتحقق بالمسمى وإن كان له تأثير في حصولهما، لان الاكتفاء بمطلق التأثير يقتضي فساد التحديد، فأنه لا يزيد على اعتبار أصل الرضاع ولا بالرضعة والرضعات اليسيرة، لان الظاهر اعتبار السببية التامة كما قلنا دون الناقصة، ولان المفهوم من التحديد بما ينبت اللحم ويشد العظم حصول كثرة يعتد بها، وهي غير متحققة في الرضاع اليسير، ولوقوع التصريح في النصوص (1) بعدم حصول الانبات والاشتداد بالرضعة فما فوقها الى العشر، بل بانتفائهما فيهما، كما ستعرفه. فمع ملاحظة الجمع بين النصوص والفتاوى يعلم كون المراد مرتبة خاصة من الانبات والاشتداد، لا مطلق التأثير، كما هو واضح. وهذا التحديد الوارد في النصوص المستفيضة المعتبرة من أقوى الحجج على ابن الجنيد ومن قال بالمسمى من أصحابنا، والظاهر أنهم لم يخالفوا في أصل التحديد، بل حملوا ذلك على مطلق التأثير، وهذا مع عدم ملائمته لمذهب ابن الجنيد قد ظهر فساده مما قلناه. واختلف الاصحاب فيما يحصل به العلم بالاثر فالحلبيان والطبرسي على ما قيل أوقفوا ذلك على حصول التقدير بالزمان أو العدد، وهو ظاهر كتابي الشيخ في الاخبار، حيث بنى العمل على ما تضمن الحديد بأحدهما ورد التقدير بالاثر


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 و 9 و 19 و 21 و 23.

[ 275 ]

إليه بجعله مفسرا له، ويحتمله كلام المفيد والديلمي وابن سعيد، بأن يكون وجه التخصيص فيه إجمال الحد عندهم بالانبات والاشتداد، لا عدم اعتباره من أصله، ومقتضى هذا القول سقوط الفائدة في هذه العلامة، والاستغناء عنها بالزمان والعدد، والمشهور بين الاصحاب أنها علامة مستقلة مقابلة لهما غير متوقفه عليهما، وبه قال الشيخ في النهاية والخلاف والقاضي والحليون الثلاثة والشهيدان والمحقق الكركي وعامة المتأخرين، وهو الاصح، إذ المستفاد من النصوص حصول التحريم به، سوآء وافق أحدهما أو خالف، ولا ينافي ذلك الموثق (1) " لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات " بعد ظهور كون المراد نفي التحريم من هذه الجهة كما أن تعليل عدم النشر بالعشر بعدم إنباتها اللحم لا يقتضي كونه الاصل وأنهما علامتان، إذ لعل المراد عدم نشره الحرمة من هذه الجهة، وأما العدد والزمان فالمفروض نفيهما. نعم قد يقال إن حصر الرضاع المحرم في كثير من النصوص بما أنبت اللحم مع الاشارة في بعضها إلى أن التحريم بالعدد لكونه محصلا لذلك حتى أنه أومأ الى التعريض بما عند العامة من كون العشر تنبته يقتضي أنه الاصل كما هو ظاهر المصنف وغيره، بل لعله لذا وغيره قال في كشف اللثام: " الاظهر في الاعتبار والاخبار كون الاثر هو الاصل، والباقيان علامتان له " انتهى. لكن لا تنحصر علامته فيهما، فقد يتحقق عند أهل الخبرة، بل وعند غيرهم ذلك بدونهما، فالمراد حينئذ من كونهما علامتين الحكم بالتحريم بحصول الاثر عندهما وإن لم يظهر ذلك لاهل الخبرة، لا أن المراد حصر ذلك فيهما وجودا وعدما على وجه يقتضي سقوط هذه العلامة، بل قد يقال إنه لو فرض ولو نادرا معلومية حصول الاثر بالاقل منها ترتب التحريم، نعم قد يشك في ترتبه لو فرض نادرا عدم حصول الانبات مع حصولهما، ضرورة منافاة ذلك لكونهما علامتين، ولا طلاق تحقق التحريم بتحققهما وتنزيل ذلك على الغالب ليس بأولي من جعل ذلك حكمة في دوام حصول التحريم بحصولهما، بل لعل هذا أولى بملاحظة نظائر ذلك في الشرع.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

[ 276 ]

وعلى كل حال فما عن بعضهم - من أن الاصل العدد وإنما يعتبر الاخران عند عدم الانضباط به - واضح الضعف، مع أنه لم نتحقق القائل به، ضرورة ظهور النصوص والفتاوى في كونها علامات مستقلة، كل واحدة أصل برأسها، وأنها كغيرها من العلامات مطردة غير منعكسة، فلا ينتفى التحريم بانتفاء أحدها ما لم ينتف الاخران، أو أن الاصل الانبات والاخران علامتان له على الوجه الذى عرفته، ولعله الاقوى في النظر. نعم ينبغى أن يعلم أن المدار في التحريم بالاثر استقلال الرضاع في حصوله على وجه ينسب إليه، فلو فرض تركيب غذاء الصبي منه ومن السكر مثلا على وجه الامتزاج بمعنى أنه يرتضع الرضعة الناقصة فيكمل غذاءه بالسكر فيكون التغذى والانبات والاشتداد منسوبا اليهما أشكل ثبوت التحريم به، للاصل بعد عدم صدق النسبة، أللهم إلا أن يدعى أنهما وإن امتزجا في المعدة، إلا أن لكل منهما أثرا مستقلا، فيصدق على كل منهما أنه أنبت لحما وشد عظما، فيتحقق التحريم حينئذ إلا أنه كما ترى. نعم قد يدعي ذلك فيما لو فرض استقلال الرضاع بالغذاء في وقت والسكر في وقت آخر، كأن يرتضع بالنهار مثلا ويتغذى باللبن وبالليل يتغذى بالسكر، مع أنه أيضا لا يخلو من إشكال، لعدم العلم بصدق النسبة إليه وتحققها وإن استمر على هذا العمل، والاصل الحل، وربما يومئ إليه ما تسمعه من النصوص على عدم النشر بالعشر إذا كن متفرقات بعد حصره الرضاع المحرم بالذى أنبت. وكيف كان فللعلم بالاثر طريقان: (أحدهما) الرجوع الى قول أهل الخبرة، كما نص عليه جماعة، لان تعيين الموضوع لا يتوقف على الشرع، نعم يعتبر فيه شروط الشهادة من الايمان والعدالة والعدد، فلا حكم للواحد وإن أفاد الظن واكتفي به في مثل المرض المبيح للفطر والتيمم، لان المدار فيه على مطلق الظن، بخلاف المقام المعتبر فيه العلم أوما يقوم مقامه، نعم قد يأتي على قول المفيد والديلمي بالاكتفاء بشهادة الامرأة الواحدة في الرضاع قبول الواحد من باب الشهادة، ولكنه شاذ.

[ 277 ]

ثم إنه لا ريب في اختلاف الحال هنا باختلاف اللبن والاولاد وكمال الرضاع ونقصه والزمان والمكان، وفي حصوله بما دون العدد المعتبر والمدة ؟ وجهان من الاصل وعموم الموثق وغيره، ومن عدم اشتراط الانعكاس في العلامات، فيحمل العموم على نفي التحريم بالنظر الى بعضها، فلا ينافي التحريم ببعض آخر، ولعله الاقوى، وبه قطع في المسالك. (وثانيهما) أن يتحقق الرضاع مدة طويلة كشهرين وثلاثة مثلا مع اختلال شرط الزمان والعدد، كما إذا كانت الرضعات ناقصة واشترطنا الكمال في المدة كالعدد، أو تحقق الفصل في المدة قبل إكمال العدة وقلنا بعدم اشتراط التوالي في النشر بالاثر، فيحكم بالتحريم بهذا الطريق، لان العادة قاضية باستقلاله مثلا في إنبات اللحم وشد العظم وإن لم يرجع فيه الى أهل الخبرة، وهذا القسم وإن لم يصرحوا به إلا أنه داخل فيما قالوه، ولا ينافي ذلك قول الصادق عليه السلام في مرسل ابن أبي عمير (1) السابق: " والرضاع الذى ينبت اللحم والدم هو الذى يرضع حتى يتملا ويتضلع وينتهى من نفسه " من حيث ظهوره في اعتبار الكمال في الانبات، فالناقصة حينئذ لا تنبت، لاحتمال كون المراد الانبات الذى يحصل من المدة والعدد اللذين هما علامتان شرعيتان له، لا عدم حصول الانبات مطلقا، ضرورة مخالفته للوجدان، وكذا اعتبار التوالي في المدة والعدد، فان المراد نفي كونهما علامة له مع عدم التوالى فيهما، وذلك لا ينافي تحققه من طريق آخر كطول المدة ونحوها، فتأمل جيدا. (و) كيف كان فقد عرفت أنه (لا حكم لما دون العشرة إلا في رواية شاذة) (2) وإن صح سندها قد أعرض عنها الاصحاب واستفاضت النصوص بخلافها، ولم نعرف عاملا بها سوى ما عرفته من الاسكافي الذى استقر المذهب على خلافه في ذلك، بل لعله قبله كان كذلك نحو ما سمعته من المصرى أيضا، فليس هو حينئذ محرما مستقلا، ولا كاشفا عن الانبات شرعا، ولا عند أهل الخبرة غالبا، ولو فرض نادرا حصول المرتبة المحرمة من الاثر به أمكن تحقق التحريم به، ولا ينافيه


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10.

[ 278 ]

إطلاق عدم العبرة به في النصوص بعد حمله على إرادة عدم العلم بتحقق ذلك به غالبا، بل لعله يكون وجه جمع بين ما دل على ثبوت التحريم به وما دل على عدمه، بل هو أولى من طرح الاول بترجيح الثاني عليه حتى في الفرض النادر وإن أمكن، لاحتمال عدم اعتبار الشارع له عنوانا للحكم الشرعي لندرته، (و) الامر سهل. إنما المعركة العظمى، في أنه (هل يحرم بالعشرة ؟ فيه روايتان) إحداهما الحرمة، وهى رواية الفضيل بن يسار (1) على ما في بعض كتب الفروع عن أبي جعفر عليه السلام " لا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا المجبور، قال: قلت: وما المجبور ؟ قال: ام تربى وظئر تستأجر وأمة تشترى ثم ترضع عشر رضعات يروى الصبى وينام " المؤيدة بالعمومات والاحتياط خصوصا في الفروج، وبالمفهوم في خبر هارون بن مسلم (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا يحرم من الرضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم، فأما الرضعة والرضعتان والثلاث حتى بلغ عشرا إذا كن متفرقات فلا بأس " وخبر عمرو بن يزيد (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الغلام يرضع الرضعة والرضعتين، فقال: لا يحرم، فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات فقال: إذا كانت متفرقة فلا " وخبر عبيد بن زرارة (4) عن أبى عبد الله عليه السلام


(1) روى في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7 و 11 عن فضيل بن يسار روايتين: الاولى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع الا ما كان مخبورا - وفى معاني الاخبار ص 65 " مجبورا " - قلت: وما المخبور ؟ قال: أم مربية أو أم تربى أو ظئر تستأجر أو خادم تشترى... " والثانية عن أبى جعفر عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع الا المخبورة أو خادم أو ظئر ثم يرضع عشر رضعات يروى الصبى وينام " والظاهر أن ما روى في كتب الفروع مأخوذ عنهما. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 19 عن هارون بن مسلم عن مسعدة. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 5 عن عمر بن يزيد وفيه " يرضع الرضعة والثنتين ". (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 21.

[ 279 ]

" سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه ؟ قال: ما أنبت اللحم والدم، ثم قال: ترى واحدة تنبته ؟ فقلت: اثنتان أصلحك الله، قال: لا، فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات " بناء على مخالفة الجواب بما بعد " حتى " لما قبلها، بل وخبره الاخر (1) عنه عليه السلام أيضا في حديث إلى أن قال: " فما الذى يحرم من الرضاع ؟ فقال: ما أنبت اللحم والدم، فقلت: وما الذى ينبت اللحم والدم ؟ فقال: كان يقال: عشر رضعات، قلت: فهل يحرم عشر رضعات ؟ فقال: دع ذا، ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع " وما عن الفقه (2) المنسوب إلى الرضاء عليه السلام. والثانية لا تحرم وهي موثقة عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرمن شيئا " ونحوه خبر ابن بكير (4) عنه عليه السلام أيضا، وصحيحة علي بن رئاب (5) عنه عليه السلام أيضا قال: " قلت: ما يحرم من الرضاع ؟ قال: ما أنبت اللحم وشد العظم، قلت: فيحرم عشر رضعات ؟ قال: لا، لانه لا ينبت اللحم ولا يشد العظم عشر رضعات " وموثق زياد بن سوقة (6) قلت لابي جعفر عليه السلام: " هل للرضاع حد يؤخذ به ؟ قال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها، فلو أن امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعته امرأة اخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما " وما في المقنع " ولا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وشد العظم، وسئل الصادق عليه السلام (7) هل لذلك حد ؟ فقال: لا يحرم من الرضاع إلا رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينهن " المؤيدة بالاصل وعمومات النكاح وحصر التحريم في المنبت في النصوص (8) المستفيضة مع الظن بعدمه في العشر أو الشك فيه.


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 18 - 3 - 4. (2) المستدرك الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 1 - 14. (8) الوسائل الباب - 2 و 3 - من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 280 ]

ومن أجل ذلك اختلف الفتاوى حتى من المفتي الواحد في الكتاب الواحد على ما حكي، فذهب ابن إدريس في أول كتاب النكاح الى القول بالعشر، وجعله الاظهر في الفتوى والصحيح، ورجع عنه في باب الرضاع، وحكم بأن الخمس عشرة هو الاظهر من الاقوال وقال: " وقد حكينا الخلاف فيما مضى، واخترنا هناك التحريم بالعشر، وقويناه، والذى أفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة، لان العموم قد خصه جميع أصحابنا المحصلين، والاصل الاباحة، والتحريم طار، فبالاجماع من الكل تحرم الخمس عشرة، فالتمسك به أولى وأظهر، لان الحق أحق أن يتبع ". وذهب العلامة في التذكرة والارشاد والتبصرة والتلخيص وظاهر القواعد والتحرير إلى القول بالخمس عشرة، ونص في الاول على أنه المشهور، وبالغ في تقويته، ثم رجع عنه في المختلف، واختار القول بالعشر، واحتج عليه بعمل الاكثر. وقال في اللمعة: " ويشترط أن ينبت اللحم ويشد العظم أو يتم يوما وليلة أو خمس عشرة رضعة، والاقرب النشر بالعشر ". وقال أبو العباس في المهذب: " من شرائط الرضاع ارتضاع المقدر الشرعي، وهو ثلاث: ما أنبت اللحم وشد العظم، أو رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة " ثم خص فيه وفي المقتصر على النشر بالعشر. بل اختلف كلماتهم في الاشهر من القولين، ففي المختلف والمنتصر وغاية المرام ونهاية السيدان العشر هو قول الاكثر، وفي الروضة أنه قول المعظم، وفي التذكرة وزبدة البيان والمفاتيح أن المشهور هو الخمس عشرة، وعزاه في كنز العرفان إلى الاكثر، وفي كنز الفوائد إلى عامة المتأخرين، وفي المسالك إلى أكثرهم، قال: " وأكثر القدماء على القول بالعشر " ورفع بذلك التنافي بين كلامي العلامة في المختلف والتذكرة قلت: الانصاف أن شهرة الخمس عشرة عند المتأخرين محققة، وأما القدماء فانه وإن ذهب كثير منهم إلى العشر كالعماني والمفيد والقاضى والديلمي والحلبي

[ 281 ]

والطوسي وأبي المكارم، بل حكي عن المرتضى وإن كنا لم نتحققه إلا أن ذلك لم يبلغ حد الاشتهار، خصوصا بعد أن كان خيرة الشيخ والطبرسي وغيرهما من القدماء الخمس عشرة، بل حكي عن أتباع الشيخ، بل لعله خيرة أئمة الحديث وفقهاء أصحاب الائمة، كمحمد بن أحمد بن يحيى، وأحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن أبى عمير، والحسن بن محبوب، وحماد بن عثمان، وعلي بن رئاب، وهشام بن سالم، وغيرهم ممن اقتصر على رواية الخمس عشرة دون العشر، كما عساه يومئ إليه ظهور دعوى الشهرة من محكي المبسوط والتبيان ومجمع البيان، بل ربما ظهر من عبارتي الخلاف والتذكرة إجماع الامامية على ذلك، خصوصا الاخيرة، قال فيها: " الرضاع المحرم ما حصل به أحد التقديرات الثلاثة: إما رضاع يوم وليلة، أو رضاع خمس عشرة رضعة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم عند علماء الامامية - ثم قال -: يشترط توالي الرضعات من المرأة الواحدة، فلو تخلل بين العدد رضاع امرأة اخرى لم ينشر الحرمة، ولم يعتد برضاع شئ منهما ما لم يكمل رضاع إحداهما خمس عشرة رضعة متوالية، فلو رضع من إحداهما أربع عشرة رضعة ثم رضع مثلها من اخرى لم يعتد بذلك الرضاع عند علمائنا أجمع " وإن كان هو مع شهرة الخلاف المزبور كما ترى، لكن لا ريب في استفادة شهرة هذا القول أيضا بين القدماء. ومع ذلك هو في غاية البعد عن أقوال العامة رواياتهم، فان للقائلين بالعدد منهم ثلاثة أقوال: (أحدها) الثلاث، وبه قال زيد بن ثابت وأبو ثور وابن المنذر وداود وأهل الظاهر، لمفهوم قوله صلى الله عليه واله (1): " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ". (ثانيها) الخمس، وهو المشهور بينهم، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وطاووس وعطا وسعيد بن جبير و عبد الله بن زبير و عبد الله بن مسعود وعائشة، لما رووه (2) عنها أنها قالت: " كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 455 و 458. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 454.

[ 282 ]

نسخه بخمس معلومات، وأنه صلى الله عليه واله توفي وهي مما تقرأ في القرآن " والحديث مشهور عندهم، أخرجه الستة إلا البخاري. (وثالثها) التحريم بالعشر كما حكي عن عائشة وحفصة وطائفة منهم، لما روى عن عائشة (1) أنها قالت: " نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فما مات رسول الله صلى الله عليه واله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها " ولما رواه عروة في حديث سهلة (2) بنت سهيل " أن رسول الله صلى الله عليه واله قال لها فيما بلغنا: أرضعيه عشرا تحرمي عليه " ولكن المعروف في هذه الرواية عندهم أنه قال لها: " أرضعيه خمسا " ولذلك كانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت أن يراها خمس رضعات وإن كان كبيرا وبذلك تظهر قوة هذا القول باعتبار بعده عمن جعل الله الرشد في خلافهم. ومع هذا (أصحهما) سندا (أنه لا تحرم) وأظهرهما دلالة، بل لا صحة في رواية العشر، ضرورة كون العمدة فيها الرواية الاولى، وفي طريقها محمد بن سنان الذى ضعفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري، وقال: إنه غال لا يلتفت إليه، بل روى الكشى فيه قدحا عظيما، بل عن ابن شاذان أنه من الكذابين المشهورين، على أنها مختلفة المتن، فاسدة الحصر، متروكة الظاهر، إذ هي على ما حضرني من نسخة الوافى مروية عن التهذيب عن ابن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن حريز عن الفضيل بن يسار (3) عن ابى جعفر عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع إلا المجبورة، أو خادم أو ظئر قد رضع عشر رضعات يروي الصبي وينام "


(1) سنن الدارقطني ج 4 ص 179 (كتاب الرضاع الحديث 222) وسنن ابن ماجه ج 1 ص 599 (باب رضاع الكبير). (2) ذكره ابن قدامة في المغنى ج 9 ص 193. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 11 وفيه " الا المخبورة ".

[ 283 ]

وعنه أيضا عن الثيملى عن النخعي عن حريز عن الفضيل بن يسار عن البصري (1) قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان مجبورا، قلت: وما المجبور ؟ قال: ام مربية أو لم ترب أو ظئر تستأجر أو خادم يشتري أو ما كان مثل ذلك موقوفا عليه " وعن الفقيه عن حريز عن الفضيل بن يسار (2) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان مجبورا، قلت: وما المجبور ؟ قال: ام مربية أو ظئر تستأجر أو خادم تشترى " وعن بعض نسخ الفقيه " المحبور " بالحاء المهملة، وهو مع حذف العشرة منه جعل " المحبور " فيه صفة للرضاع، وفسره بأحدى النسوة الثلاث، وفي الاولى من روايتي التهذيب جعل الخادم والظئر مقابلين للمجبورة. وأما أنها متروكة الظاهر فهو واضح، ضرورة عدم اعتبار نوم الصبي في التحريم، وعدم انحصار المحرم في ذلك، فان رضاع المتبرعة أو المستأجرة على عدد خاص وغيرهما محرم قطعا، على أنه إن كان قوله عليه السلام: " قد رضع " الى آخره مختصا بالظئر كان مخالفا للظاهر عند الخصم أيضا، كما أن حصره مخالف له أيضا، فلابد من طرحه أو تأويله، بل اختلال متنه كاف في فساده، ومن هنا احتمل الشيخ أن يكون المراد به نفي التحريم عمن أرضع رضعة أو رضعتين مستدلا عليه بخبر موسى بن بكير (3) عن أبى الحسن عليه السلام " قلت له: إن بعض مواليك تزوج إلى قوم، فزعم النساء أن بينهما رضاعا، قال: أما الرضعة والرضعتان والثلاث فليس بشئ إلا أن يكون ظئرا مستأجرة مقيمة عليه ". وأما خبرا هارون (4) وعمرو بن يزيد (5) فمع الطعن في سندهما - خصوصا


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7 وفيه " الا ما كان مخبورا ". (2) أشار إليه في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7 وذكر نصه في الفقيه ج 3 ص 307 الرقم 1474. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 8 عن موسى بن بكر. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 19. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 5 عن عمر بن يزيد.

[ 284 ]

الاول لان هارون بن مسلم من أهل الجبر والتشبيه، بل هو تارة رواها عن أبي عبد الله عليه السلام بلا واسطة واخرى رواها عنه عليه السلام بواسطة مسعدة بن زياد العبدى - دلالتهما بالمفهوم الذى هو اضعف من المنطوق، على أن الاول إذا كان الظرف فيه متعلقا بالبأس المنفي اقتضى مفهومه تحريم ما دون العشر أيضا مع الاجتماع، ولا ينافيه خبر عمرو بن يزيد، لامكان ذلك فيه، وإلغائه بالنسبة الى ذلك ليس بأولى من إلغائه بالنسبة الى الجميع، على أن يكون المراد منه عدم المحرم على سائر الوجوه بخلاف العشر، فانها قد تحرم فيما لو فرض حصول الانبات بها على نحو الخمس عشرة، على أنه يمكن كون المراد منه ما سمعته من خبر موسى بن بكير المتقدم المعلوم عدم إرادة المفهوم منه. وأما خبر عبيد بن زرارة (1) فهو بالدلالة على خلاف المطلوب أولى، ضرورة ظهوره في كون الجواب " لا " وإلا لذكره، على أنه هو بنفسه روى (2) عن الصادق عليه السلام عدم إنبات العشر، وكذا خبره (3) الاخر الظاهر في نسبة الانبات بها الى غيره، سيما بعد الاعراض عن جوابه ثانيا، بل هو ظاهر في الخروج مخرج التقية. والفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام لم تثبت حجيته عندنا، بل لعل الثابت عدمها. ومن ذلك كله يظهر لك فساد ما عساه يقال: إن القول بالعشر تجتمع عليه جميع الروايات بعد حمل مطلقها على مقيدها على معنى حمل ما دل على النفي بالعشر على المتفرقات، وما دل على الثبوت بها على المجتمعات، ضرورة عدم المكافئة سندا ودلالة، على أنه لا يتم في مثل مرسل (4) المقنع، بل ولا في موثق زياد بن سوقة (5) الذى هو كالتصريح في التحديد بالخمس عشرة، خصوصا بعد ملاحظة


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 21. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3 وفيه عدم ثبوت الحرمة بعشر رضعات. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 18 - 14 - 1.

[ 285 ]

وروده في بيان التحديد، بل يمكن دعوى القطع ممن له أدنى خبرة بكلماتهم عليهم السلام بعدم إرادة مثل هذا التقييد في أمثال هذه الخطابات التي هي صريحة أو كالصريحة في عدم النشر بالعشر ولو مجتمعات، فلم يبق إلا الترجيح، وليس إلا للنفي، لصحة السند، وكثرة العدد، ووضوح الدلالة، وشهرة العمل، والاشتمال على التعليل، وغير ذلك. ولو سلم فلا أقل من الشك بعد تعارض الادلة التي منها مطلقات الانبات في أن العشر يحصل بها الانبات المحرم، والشك في الشرط شك في المشروط، واحتمال التمسك في اثباته بالعشر بمطلق الانبات بعد فرض حصول الانبات بها عرفا يدفعه معلومية إرادة المرتبة الخاصة من الانبات لا مطلقه، ولذا لم يحصل بما دون العشر ولو يسيرا عند الخصم، فهو في الحقيقة مجمل لا مطلق أراد الشارع منه الاطلاق إلا ما أخرجه الدليل، كما لا يخفى على من رزقه الله بصيرة في فهم كلماتهم عليهم السلام التى قد ينكشف بها خلاف ما تقتضيه صناعة فن القواعد الاصولية المبنية على الغالب، فلا ريب حينئذ في أن الترجيح لنفي التحريم بها. (و) منه يعلم أنه (ينشر الحرمة إن بلغ خمس عشرة رضعة) ضرورة استلزام عدم النشر بها النشر بالاكثر، وهو إما الخمس عشرة أوما فوقه أوما بينه وبين العشر، والاخيران باطلان بالاجماع، فتعين الاول، والاجماع هنا مع وضوحه منقول في كلام الاصحاب، فان الشيخ في الخلاف والحلى والابى احتجوا على الخمس عشرة بالاجماع على التحريم، وبه صرح العلامة في المختلف والسيورى في التنقيح بأن بطلان العشر يستلزم ثبوت الخمس عشرة، لعدم القائل بغيرهما من المحققين، وفي المسالك ليس فيما فوق العشر ما يجوز التعويل عليه غير الخمس عشرة بالاجماع، لكن في التقييد إشعار بوجود قول لا يعتد به، وليس القول بما دون العشر، لبطلانه ببطلان العشر قطعا، وكأنه إشارة الى القول بالخمسة عشر يوما، وهو كما ستعرف قول شاذ منقوض ملحوق بالاجماع، فلا ريب في تعين الخمس عشرة، مضافا إلى موثق زياد بن سوقة ومرسل المقنع، وقد اتضح الحال بحمد الله على وجه لم يبق شك في المسألة (أو) شبهة.

[ 286 ]

كما لا شك في ثبوت التحريم لو (رضع يوما وليلة) للموثق المزبور المعتضد بالمرسل المقنع المذكور وفتوى الطائفة قديما وحديثا، بل قد يظهر من محكي التبيان ومجمع البيان والغنية والايضاح وغيرها عدم الخلاف فيه، وفي الخلاف إجماع الفرقة عليه، وفي محكي التذكرة نسبته الى علماء الامامية، وفي كشف اللثام الاتفاق عليه، ومنه يعلم ما عن الفقه (1) المنسوب الى الرضا عليه السلام " والحد الذى يحرم به الرضاع مما عليه عمل العصابة دون كل ما روى، فانه مختلف ما أنبت اللحم وقوي العظم، وهو رضاع ثلاثة أيام متواليات، أو عشر رضعات متواليات محررات مرويات بلبن الفحل " ضرورة أنه لم نعرف بل ولا حكي عن أحد من عصابة الحق العمل بذلك، بل لم نعثر على رواية ولو شاذة توافقه مع كثرة أخبار الباب، على أنه لا يخفى عليك بعد ما بين العلامتين، وهذا أحد المقامات التى تشهد بعدم صحة نسبة هذا الكتاب، مضافا الى ما اشتمل عليه مما لا يليق بمنصب الامامة، ومما هو مخالف للمتواتر عن الائمة عليهم السلام أو ما ثبت بطلانه باجماع الامامية بل الامة، بل منه أيضا يعلم ما في مرسل الصدوق في الهداية عن الصادق عليه السلام (2) " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولا يحرم من الرضاع إلا رضاع خمسة عشر يوما ولياليهن وليس بينهن رضاع " ويحتمل انقطاع الحديث على " النسب " فيكون الباقي فتوى مشعرة بالرواية، وعلى الاول رواية مشعرة بالفتوى، وربما حكي عن المقنع أنه قال: " وروي (3) أنه لا يحرم من الرضاع إلا رضاع خمسة عشر يوما ولياليهن ليس بينهن رضاع " وبه كان يفتى شيخنا محمد بن الحسن، لكنى لم أجده فيما حضرني من نسخة المقنع، بل الموجود فيه ما سمعته من المرسل السابق. وعلى كل حال فهذه الرواية على تقدير ثبوتها ووجود القائل بها لا تزيد على


(1) المستدرك الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2. (2) المستدرك الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 وفيه " قال النبي... " (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 15.

[ 287 ]

خبر مرسل غير منجبر، فلا ينهض لمعارضة مما سبق من النص والاجماع، كما لا ينهض لمعارضتهما صحيح العلاء بن رزين (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الرضاع فقال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدى واحد سنة " فانه وإن كان معتبر السند إلا أن عمل الطائفة بخلافه، فهو من الشاذ الذى أمرنا بطرحه، وصحفه بعض متأخرى المتأخرين بالضم والتشديد أو بالكسر مع الاضافة الى ضمير الارتضاع، على أن المراد الرضاع في الحولين اللذين هما سن الرضاع والسنة فيه، فضلا عن خبر الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان حولين كاملين " وخبر عبيد بن زرارة أو زرارة (3) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدى واحد حولين كاملين " الضعيفين المتروكين أيضا باجماع الطائفة الممكن تأويلهما بارادة الظرفية، ولا يأباه وصف الكاملين. فمن الغريب توقف بعض متأخرى المتأخرين في ذلك فيهما، بل أغرب منه ميله الى اعتبار الحولين لتعدد رواياته وتأيده بالاصل والمخالفة لمذاهب الجمهور، إذ يمكن أن يكون مخالفا لاجماع المسلمين وللاخبار المتواترة عن الائمة الميامين عليهم السلام، بل يمكن أن يكون مخالفا للضرورة من الدين، كالذى عساه يظهر من النصوص السابقة، في المجبور من اعتبار الدوام والاستمرار في تحريم الرضاع الذى لا يخلو من تأييد للحولين، ولكن لو ساغ للفقيه التردد بكلما يجد أو الجمود على كل ما يرد ما اخضر للفقه عود ولا قام للدين عمود، نسأل الله تعالى تنوير البصيرة وصفاء السريرة، فانه الرحيم المنان المتفضل الحنان ذو الفضل والاحسان. ثم لا يخفى عليك ظهور النص والفتوى في الاكتفاء بذلك وإن لم يبلغ العدد، ويمكن أن يكون تحديد الشارع ملاحظا فيه الوسط من الناس، فانه كما اعترف به في المسالك يأتي على العدد تقريبا، وهذه عادة للشارع في ضبط قوانين الشرع في مقامات عديدة، ويكون تحقيقا في تقريب، وقد عرفت أن الاصل الانبات،


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 13. (2 و 3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10 - 8.

[ 288 ]

وأنهما علامتان شرعيتان له على التحقيق الذى تقدم، فما عن الشيخ والتذكرة - من أنهما لمن لم يضبط العدد، ومقتضاه عدم اعتبارهما مع العلم بالنقص عن العدد - في غير محله، خصوصا بعد إطلاق النص والفتوى مع معلومية اختلاف الاطفال في ذلك اختلافا بينا، نعم قد يقال: إن الظاهر من ملاحظة ما سمعت والعدد ونحوهما عدم اعتبار خصوص اليوم والليلة الحقيقتين فيكفي الملفق حينئذ المقابل لهما في المقدار مع ملاحظة الاتصال فيه مع احتمال العدم. كما أنه لا يخفى عليك ظهورهما أيضا ولو للاطلاق في أن المراد ارتضاع الصبي فيهما كلما يحتاج إليه، فلا ينافي ارتوائه حينئذ قبل الليلة بيسير على وجه لم يحتج الى الرضاع إلا بعد اتصاف الليل مثلا، ضرورة تحقق الصدق بعد عدم اعتبار ابتداء إرضاعه من أولهما، ولا استيعابهما بالرضاع، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (يعتبر في) عدد (الرضعات المذكورة) اجتماع (قيود ثلاثة): الاول (أن تكون الرضعة كاملة) بلا خلاف أجده فيه بيننا، للاصل والتبادر والتصريح بها في الاخبار كما عرفت. (و) الثاني (أن تكون الرضعات متوالية) بالمعنى الذى ستعرفه. (و) الثالث (أن يرتضع من الثدي) وأما غير العدد من التقدير فلا يعتبر فيه اجتماع ذلك، نعم يعتبر الارتضاع من الثدى في الثلاثة قطعا، لتوقف تحقق مسمي الارتضاع المعتبر في الجميع عليه، وأما كمالية الرضعة فقد عرفت عدم اعتبارها في الانبات، ضرورة إمكان تحققه بالناقصة إذا بقي على ذلك مدة، كما عرفت. وقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن أبى عمير (1) " الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذى يرضع حتى يتملا ويتضلع وينتهى نفسه " كخبر ابن أبى يعفور (2) " سألته عما يحرم من الرضاع، قال: إذا رضع حتى يمتلئ بطنه، فان ذلك ينبت اللحم والدم، وذاك الذى يحرم " يجب حمله على إرادة بيان المنبت من حيث


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 1. (جواهر الكلام ج - 18)

[ 289 ]

العدد أو نحو ذلك، وإلا كان مخالفا للوجدان، نعم صرح في كشف اللثام وغيره باعتبارها أيضا في التقدير الزمانى، وهو متجه مع فرض انتفاء صدق رضاع يوم وليلة بذلك، لكن دعوى ذلك في جميع الافراد محل شك، كما لو فرض ارتضاع الصبي بعض الرضعة واشتغل بلعب ونحوه حتى تحقق الفصل الطويل ثم ارتضع رضعة كاملة، فانه قد يمنع عدم صدق رضاع يوم وليلة فيه، ضرورة ابتناء ذلك على العرف الذى لا يقدح فيه أمثال ذلك من تأخير وقت رضاع الصبى في الجملة، وعدم الاكمال في الجملة ونحو ذلك مما لا ينافي الصدق عرفا على وجه الحقيقة دون المسامحة، بل لو كان تمام الليلة أو اليوم ببعض الرضعة كفى بلا إشكال، وذلك كاف في عدم اعتبار الكمال بالمعنى المعتبر في العدد فيه، كما هو واضح. وأما التوالي بالمعنى الذى ستعرفه فستعرف تحقيق الحال فيه، ولعل إلى ذلك أومأ في المسالك، حيث قال في شرح المتن: " هذه القيود الثلاثة إنما تعتبر في الرضعات بالنسبة الى العدد، أما غيره من التقديرين فمنها ما يعتبر فيه مطلقا، وهو الارتضاع من الثدى، ومنها ما يعتبر في تقدير الزماني دون النشوي وهو توالي الرضعات، فان المعتبر في رضاع اليوم والليلة كون مجموع غذاء الولد في ذلك الوقت من اللبن بحيث كلما احتاج إليه يجده إذ لم يبق منتفيا في الزمانى إلا الكمال، لكن في الرياض جعل القيود الثلاثة معتبرة في الزماني والعددي محتجا عليه بما لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، فلاحظ وتأمل. ثم إنه هل المعتبر مع ذلك حصول العدد بشرائطه كيف اتفق أم يعتبر مع صحة مزاج الولد ؟ وجهان كما في المسالك، قال: " وتظهر الفائدة لو كان مريضا ورضاعه قليل الكمية وحصول العدد المعتبر منه، بحيث كان مرتويا في جميعها بحسب حاله، فعلى الاول يكفي ذلك في نشر الحرمة عملا باطلاق النص الشامل له، وعلى الثاني يعتبر في الكمية مقدار ما يتناول صحيح المزاج حملا على المعهود، والوجهان آتيان في القدر الزمانى، وما وقفت فيه على شئ يعتد به " قلت: لعل العرف في ذلك مختلف كما لا يخفى على من تأمله.

[ 290 ]

(و) على كل حال ف‍ (يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف) الذى هو المرجع في كل لفظ لم يعين له الشارع حدا مضبوطا. (وقيل): حدها (أن يروى الصبي) مثلا (ويصدر من قبل نفسه) وكانه في محكي التذكرة أرجع القولين إلى قول واحد حيث قال: " إن المرجع في الكاملة إلى العرف، - ثم قال -: إذا ارتضع الصبى وروى وقطع قطعا بينا باختياره وأعرض إعراض ممتل باللبن كان ذلك رضعة " وهو الذى فهمه في كشف اللثام، فإنه قال: " القولان مذكوران في المبسوط، ونسب الثاني إلى أصحابنا، وفي الخلاف قطع به، ونسب الاول إلى الشافعي، والظاهر أن الثاني تفسير للاول، كما هو صريح التذكرة، ولا تنافيه هذه العبارة ولا عبارة المبسوط " وقد سبقه الى ذلك ثانى الشهيدين في المسالك قال فيها: " والقولان للشيخ، وهما في الحقيقة قول واحد، لان ما ذكره ثانيا مما يدل عليه العرف ولا يدل على غيره، وإنما الاختلاف في العبارة، وقد جمع بينهما في التذكرة " ثم حكى ما سمعته عنها وقال: " فجعل العبارتين معا حدا واحدا، وقد فصل المصنف بينهما بقيل، وكذلك العلامة في القواعد والتحرير نظرا الى الشك في تساويهما مفهوما، وكلام الشيخ في المبسوط ليس فيه ما ينافي اتحادهما، لانه قال: والمرجع في ذلك الى العرف، لان ما لا حد له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه الى العرف، غير أن أصحابنا قيدوا الرضعة بما يروى الصبي منه ويمسك، وهذه العبارة هي مستند الجماعة في جعلهما قولين، وليست بدالة على ذلك، وربما نزلت الحكاية بقيل على التنبيه على اختلاف العبارة في ضبطها، لا أنه قول مستقل ". قلت: لا يخفى ظهور ذلك والمحكى عن الخلاف في أنهما قولان مستقلان، وكأن ثانيهما نظر الى الخبرين المزبورين، فلا يكفى حينئذ عدم الارتواء والامتلاء والتضلع ولو لعارض في الصبى أو عادة أو نحو ذلك بخلاف الاول، فأنه يكفى صدق الرضعة عرفا المتحققة بحسب حال الصبى ويكون ذلك فائدة القولين، ولعل الاول أقواهما كما هو ظاهر الاصحاب، ومقتضى القاعدة في أمثال ذلك من الالفاظ، والخبران يمكن إرجاعهما إليه، بل لم نجد عاملا بهما على جهة مخالفة العرف، فتأمل جيدا فانه قد ينكشف بذلك الحال في المسألة السابقة، وهي اعتبار صحة المزاج الذى قد عرفت الوجهين فيها، والله العالم.

[ 291 ]

وكيف كان فقد عرفت أن المدار على العرف، (فلو التقم) الصبي (الثدى ثم لفظه وعاود فان كان أعرض أولا) عن الرضاع لعدم إرادته (فهي رضعة، وإن كان لا بنية الاعراض كالتنفس أو الالتفات إلى ملاعب) بضم الميم أو فتحها (أو الانتقال من ثدى الى آخر) أو غير ذلك مما يكون قرينة على عدم إكمال الاولى (كان الكل رضعة واحدة) عرفا حينئذ، نعم قد يقال بتحقق الرضعة في الاول عرفا بمجرد الاعراض مع عدم قرينة تدل على النقصان على إشكال. (ولو منع) بأن قطعته المرضعة مثلا (قبل استكماله الرضعة لم يعتبر في العدد) قطعا، لما عرفت خلافا للمحكي عن الشافعية من الوجه في تعدد الرضعات بتعدد قطع المرضعة نظرا الى أنه لو حلف " لاأكلت اليوم إلا أكلة واحدة " فاستدام الاكل من أول النهار الى آخره لم يحنث وإن أكل وقطع قطعا بينا ثم عاد إليه حنث، وفيه أنه كفى بالعرف فارقا بين المقامين، وحينئذ لم تحتسب الرضعة الناقصة في العدد وإن لفقت برضعة ناقصة اخرى، بل يخرجان معا عن الاعتداد بهما في العدد. (و) على كل حال فقد عرفت أيضا (أنه لا بد) في العدد (من توالي الرضعات بمعنى أن المرأة الواحدة تنفرد باكمالها) من غير تحقق رضاع اخرى (فلو رضع من واحدة بعض العدد ثم رضع من اخرى بطل حكم الاول) وإن أكملته بعد ذلك. (و) كذا (لو تناوب عليه عدة نساء لم تنشر الحرمة) وإن كن لرجل واحد (ما لم يكمل من واحدة خمس عشرة رضعة ولاء و) حينئذ ف‍ (لا يصير صاحب اللبن) بذلك (مع اختلاف المرضعات أبا ولا أبوه جدا ولا المرضعة اما) لانتفاء الشرط وهو التوالي فتنتفي الحرمة حينئذ بانتفائه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في محكي الخلاف والغنية والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة مضافا الى موثق زياد بن سوقة (1) المتقدم سابقا والى ما عرفت من أن الاصل الانبات والباقيان


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

[ 292 ]

علامتان، ومع الفصل لا يعلم إن لم نقل لا يحصل النبات والاشتداد به وحده الذى هو المتبادر. فمن الغريب بعد ذلك كله دغدغة صاحب المسالك في بعض أفراد ذلك، حيث إنه بعد أن ذكر أن لاعتبار التوالى جهتين: إحداهما ما ذكره المصنف من عدم النشر باكمال العدد من مرضعة اخرى، وذكر دعوى التذكرة الاجماع عليه، والاستدلال له برواية زياد، قال: وهذه الرواية ناصة على المطلوب إلا أنك قد عرفت ما في سندها من الاشكال، ولعل التعويل على الاجماع أولى على ما فيه، وقد خالف في ذلك العامة كافة، فلم يعتبروا المرضعة بل اتحاد الفحل، والاصل وعموم أدلة الرضاع تقتضيه، وتخصيصها باشتراط اتحاد المرضعة يحتاج الى دليل صالح، والرواية ليست حجة مطلقا، أما على المخالف فظاهر، وأما علينا فلضعف السند. ومن ثم لم يعتبرها الاكثر في اشتراط كون العدد خمس عشرة، نظرا الى ذلك، فيبقى الاحتياج الى تحقيق الاجماع وحجيته، وفيه ما لا يخفى، ضرورة تحقق الاجماع وحجيته، والخبر مع أنه من قسم الموثق الذى قد فرغنا من حجيته في الاصول معتضد بفتوى الاصحاب قديما وحديثا، معمول به فيما بينهم في المقام وغيره، فلا ينبغى حينئذ التوقف في عدم النشر بالاكمال من عدة نساء وإن كن لفحل واحد، وأنه لا يكون الفحل أبا ولا أحد من المرضعات اما، وربما وافقنا على ذلك بعض العامة، نعم خالف فيه آخر منهم، فحكم بكونه أبا إذا كن لفحل واحد، لان جميع اللبن له، كما لو اتحدت المرضعة، والزوجات ظروف، ولا تلازم بين الابوة والاموة، فيمكن تحقق كل منهما بدون الاخر كما في النسب، وحينئذ فلو فرض كون المرتضع زوجة صغيرة لصاحب اللبن انفسخ نكاحها دونهن، ولكن يحرمن عليه لو كان ذكرا لانهن موطوآت أبيه لا لكونهن امهات له، كغيرهن ممن وطأ أبوه وإن لم يكن قد رضع منهن إذا الفرض عدم رضاعه من واحدة منهن ما تستحق به ذلك، وهو واضح، وإن كان فيه ما عرفت. كوضوح كون المراد بالتوالي عدم الفصل بخصوص رضاع امرأة اخرى نصا

[ 293 ]

وفتوى، فلا يقدح الفصل بالاكل ونحوه، بل وبوجود اللبن في فمه بلا خلاف أجده فيه، بل يظهر من المسالك وغيرها المفروغية منه، لكن قد يشكل ذلك بناء على كون العدد كاشفا عن الانبات فيما لو كان الفصل بالاكل ونحوه على وجه يعلم عدم الانبات بالخمس عشرة المتخللة، كما لو اتفق الفصل بين كل رضعتين مثلا حتى أكمل الخمس عشرة رضعة، أللهم إلا أن يقال: إن العدد المزبور كاشف شرعا وهو أدرى به، ويمكن أن يكون قد لاحظ الكشف في أغلب أفراده وجعلها علامة دائما محافظة على ضبط الشرع. إنما الكلام في أن القادح في التوالي مسمى رضاع امرأة اخرى أو الرضعة الكاملة، فلا يقدح فيه حينئذ الناقصة، وجهان بل قولان، صريح القواعد الاول، بل لعله ظاهر المصنف والمحكي من عبارة المبسوط، بل في كشف اللثام نسبته الى إطلاق الاصحاب، وفي المسالك ينبغي أن يكون العمل عليه، وصريح المحكي عن التذكره الثاني، لظهور لفظ " رضعة " في الموثق المزبور الذى هو الاصل في هذه الاحكام في ذلك، خصوصا بعد إرادة الكاملة منها في ضمن الخمس عشرة، مع ظهور اتحاد المراد منها فيهما، أللهم إلا أن يقال: إن المنساق من اضافتها الى الامرأة وإن كانت هي بمعنى " من " إرادة مصداق الرضاع منها، لكنه كما ترى، والمناسب لاطلاق دليل الرضاع اعتبار الكاملة، فينبغي أن يكون العمل عليه وإن كان مراعاة الاحتياط أولى، هذا كله في العدد. وأما التقدير ان الاخران فليس في النصوص اعتبار التوالي بهذا المعنى فيهما، فينبغي المدار على حصول مسماهما وعدمه، من غير فرق بين الفصل بالاكل ونحوه وبينه بالرضاع، فكل ما نافي حصول مسماها اعتبر عدمه، ولا ريب في اختلاف الافراد في ذلك بحسب القلة والكثرة، وتغذى الصبى وعدمه، كما هو واضح. ثم إن الظاهر من النص والفتوى كون المراد بالتوالي عدم الفصل المزبور، فيكفي الاصل في الحكم به مع الشك، لا أن المراد به أمر وجودي يلزمه ذلك، فلا يكفى الاصل حينئذ في الحكم مع الشك به وإن علم حصول العدد من الامرأة،

[ 294 ]

لما عرفته من ظهور النص والفتوى بخلافه، مضافا الى إطلاق الرضاع، فتأمل جيدا. (و) كيف كان فقد عرفت أنه (لابد) في التقديرات الثلاثة (من ارتضاعه) أي المرتضع (من الثدى في قول مشهور، تحقيقا لمسمى الارتضاع، فلو وجر في حلقه أو اوصل الى جوفه بحقنة وما شاكلها) من سعوط وتقطير في إحليل أو ثقب من جراحة أو نحو ذلك (لم ينشر) حرمة، لعدم صدق الارتضاع، ولخبر زرارة (1) عن الصادق عليه السلام " لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين " الذى هو نص في المطلوب وإن كان ظاهره غير مراد، فيبقى حينئذ عموم الحل سالما بعد حرمة العمل على العلة المستنبطة، خلافا للعامة للقياس المعلوم بطلانه عندنا بعد فرض حصول موضوعه، بل عن بعضهم الحرمة بالسعوط، لان الدماغ جوف للتغذي كالمعدة، أو لان الحاصل فيه ينحدر إليها في عروق متصلة بها. (وكذا لوجبن فأكله جبنا) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل في كشف اللثام نسبته الى علمائنا أجمع إلا في الوجور، فاعتبره الاسكافي والشيخ في موضع من المبسوط، مع أنه قوى المشهور في مواضع اخر، للمرسل (2) عن الصادق عليه السلام " وجور الصبى اللبن بمنزلة الرضاع " ولكن مع فقده شرائط الحجية وعدم صراحته لاحتمال إرادة المنزلة في الغذاء ونحوه قد أعرض عنه الاصحاب، ولدعوى شمول الرضاع، وهي ممنوعة، ولان العلة في التحريم الانبات، وهو حاصل بالوجور كالرضاع، وفيه منع كون العلة ذلك، ومنع العمل على العلة المستنبطة، ويمكن أن يكون للرضاع مدخلية، فلا إشكال حينئذ في عدم اعتبار الوجور. بل لا يبعد أن يكون في حكم وجور الحليب الوجور من الثدى، فان المعتبر هو ما كان بالتقامه الثدى وامتصاصه، كما صرح به في كشف اللثام، بل قد يشك


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 8. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3.

[ 295 ]

في جريان حكمه بالامتصاص من غير رأس الثدى فضلا عن الامتصاص من غير الثدى كثقب ونحوه، بل وفي جذب الصبي اللبن من الثدى بغير الفم، فتأمل. (وكذا يجب أن يكون اللبن بحاله، فلو مزج بأن ألقى في فم الصبى مائع) مثلا (ورضع فامتزج حتى خرج عن كونه لبنا) استهلكه أم لا غالبا أم لا (لم ينشر) إذ الرضاع وإن تحقق إلا أن المعتبر مع ذلك نصا وفتوى وصول اللبن، بل في كشف اللثام أن ذلك هو المفهوم من الرضاع والارضاع والارتضاع، بل فيه أيضا أن في حكمه امتزاجه بريقه كذلك كما في التذكرة، ولو لم يخرجه عن الاسم جرى عليه الحكم ما لم يحصل مناف من جهة اخرى. (ولو ارتضع من ثدي الميتة) تمام العدد مثلا (أو رضع بعض الرضعات) منها (وهى حية ثم أكملها) منها (ميتة) أو أكمل الرضعة الاخيرة منها كذلك (لم ينشر) الحرمة، لا لان اللبن متنجس أو حرام أو ليس في محل الولادة أو نحو ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه، بل (لانها خرجت بالموت عن التحاق الاحكام) العرفية التي منها صدق كونها مرضعة " وأرضعنكم " ونحو ذلك، (فهى) حينئذ (كالبهيمة المرضعة) التي قد عرفت عدم نشر الحرمة بين الرضيعين منها، والنائمة والغافلة والمغمى عليها ونحوها قد خرجن بالدليل على عدم اعتبار القصد، فيبقى اعتبار الحياة المستفاد من " أرضعنكم " وغيره بحاله، كل ذلك مع عدم ظهور خلاف فيه، بل في كشف اللثام لا حكم للبن الميتة بالاتفاق أيضا كما يظهر من التذكرة. (و) لكن في المتن مع ذلك (فيه تردد)، ولعله مما عرفت ومن إطلاق أدلة الرضاع الذي يجب الخروج عنه بما عرفت، لا أقل من الشك، والاصل الحل. وكذا يعتبر في النشر الوصول الى معدة الصبي الحي، فلا اعتبار بغير المعدة، ولا بالايصال الى معدة الميت، لعدم الامتصاص والارتضاع والاغتذاء ونبات اللحم وشد العظم، فلو وجر حينئذ لبن للفحل في معدته لم يصرأ باله، ولا المرأة اما له، ولا زوجته حليلة ابن، كما هو واضح.

[ 296 ]

(الشرط الثالث) (أن يكون في الحولين، ويراعى ذلك في المرتضع) من حين انفصاله ولو بتكميل المنكسر من الشهور من الخامس والعشرين على وجه يكون شهرا هلاليا أو عدديا، ويحتمل إكماله مما يليه من الشهر وهكذا، فيجرى الانكسار في الجميع حينئذ، والتكملة حينئذ هلالية أو عددية، ولعل الاقوى الاول إن لم يكن الدليل ظاهرا في إرادة تحقق الحولين المراد منهما أربعة وعشرون شهرا هلاليا على وجه يخرج المنكسر عنهما وإن لحقه الحكم، نحو ما سمعته سابقا في خيار الحيوان، ولعل هذا هو المراد من أحد الاحتمالين في جامع المقاصد، قال " والمعتبر في الحولين الاهلة كما في سائر أبواب الفقه، ولو انكسر الشهر الاول فاحتمالان ". وعلى كل حال فلا خلاف معتد به في اعتبار كون الرضاع في حولي المرتضع فلا عبرة بما بعدهما ولو في الشهر والشهرين، بل الاجماع بقسميه عليه، (لقوله) أي النبي صلى الله عليه واله وسلم فيما رواه عنه الصادق عليه السلام في خبر منصور بن حازم (1) وقول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (2) أيضا (لا رضاع بعد فطام ومعناه كما في الفقيه أنه إذا رضع الصبي حولين كاملين ثم شرب بعد ذلك من لبن امرأة اخرى ما شرب لم يحرم ذلك الرضاع، لانه رضاع بعد فطام، أي بعد بلوغ سن الفطام، قال حماد بن عثمان (3): " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لارضاع بعد فطام، قال: قلت: جعلت فداك وما الفطام ؟ قال: الحولان اللذان قال الله عز وجل " وبذلك يعلم المراد من قوله عليه السلام في صحيح البقباق (4): " الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم " لا أن المراد منه اعتبار عدم فطامه قبل الحولين أيضا كما عن الحسن بن أبى عقيل، وإلا كان


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 - 2 - 5 - 4

[ 297 ]

المحكي عنه اعتبار الفطام ويمكن إرادته سن الفطام، فلا خلاف حينئذ في نشره الحرمة فيهما وإن فطم الصبي. إلا أنه مع ذلك فالانصاف عدم خلو اعتبار ذلك عن قوة إن لم يقم إجماع، ضرورة كونه هو مقتضي قواعد الجمع بين الاطلاق والتقييد، وأصالة التأسيس وظهور الفطام في الفعلي منه لا سنه، بل استعماله فيه مجاز، بل في الكافي في تفسير قوله صلى الله عليه واله: " لا رضاع - إلى آخره - أن الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما يفطم لا يحرم ذلك الرضاع التناكح " نعم ما عن الاسكافي من النشر بالرضاع بعد الحولين إذا لم يفطم مناف لصريح النص والفتوى، بل الاجماع بقسميه، مع أنه لا دليل عليه إلا الاطلاق والمفهوم اللذين يجب الخروج عنهما بما عرفت، وخبر داود بن الحصين (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " الرضاع بعد حولين قبل أن يفطم يحرم " الضعيف بلا جابر، أو الموثق الموهون بما عرفت الذى رماه في التهذيب بالشذوذ، وحمله فيه وفي الاستبصار على التقية، بل يمكن حمله على الحولين من ولادتها بناء على عدم اعتبار ذلك في التحريم، (و) الامر في ذلك سهل. إنما الكلام في أنه (هل يراعى) ذلك أيضا (في ولد المرضعة الاصح) عند المصنف وابن ادريس والفاضل في غير المختلف والشهيدين وفخر الاسلام والكركي وغيرهم بل ربما نسب الى الاكثر (أنه لا يعتبر) للعموم، خلافا للتقي وابنى زهرة وحمزة، بل في الغنية الاجماع عليه، للاصل وإطلاق " لا رضاع بعد فطام " (2) وأخبار الحولين (3) ولان ابن فضال (4) سأل ابن بكير في المسجد فقال: " ما تقولون في امرأة أرضعت غلاما سنتين ثم أرضعت صبية لها أقل من سنتين حتى تمت السنتان ؟ أيفسد ذلك بينهما ؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما، لانه رضاع بعد فطام، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا رضاع بعد فطام، أي أنه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حد اللبن، ولا يفسد بينه وبين من شرب من لبنه، قال: وأصحابنا يقولون:


(1 و 2 و 4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7 - 1 - 6. (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 4 و 5 و 8

[ 298 ]

إنها لا تفسد إلا أن يكون الصبي والصبية مما يشربان شربة شربة " وربما حكي عن ظاهر التهذيبين الموافقة على هذا التفسير، وأجيب بمنع الاجماع، بل في كشف اللثام وغيره أنه ادعى الاجماع على خلافه، وأن الظاهر فطام المرتضع والحولين من سنه، لانه المبحوث عنه، لا ولد المرضعة، لعدم مدخليته في البحث ليكون الكلام فيه، والاصل يجب الخروج عنه باطلاق الادلة فضلا عن غيره، وفهم ابن بكير الناشئ عن اجتهاد غير حجة وإن كان من أصحاب الاجماع، هذا. ولكن قد يقال: إنه لا شهرة محققة على عدم اعتبار ذلك، فانه في كشف اللثام قد اعترف باجمال عبارة الشيخين وكثير، كما أنه في محكي المختلف حكي الاطلاق عن أكثر المتقدمين أو الاجماع. قال في المقنعة: " وليس يحرم النكاح من الرضاع إلا ما كان في الحولين قبل الكمال، فأما ما حصل بعد الحولين فانه ليس برضاع يحرم به النكاح قال رسول الله صلى الله عليه وآله (1): " لا رضاع بعد فطام، ولا يتم بعد احتلام، ولو أرضعت امرأة صبيا قد أكمل سنتين وكانت لها بنت جاز التناكح بينهما، إذ هو رضاع بعد انقضاء أيامه وحده على ما وصفناه ". وقال في محكى النهاية: " وينبغي أن يكون الرضاع في مدة الحولين، فان حصل الرضاع بعد الحولين سواء كان قبل الفطام أو بعده قليلا كان أو كثيرا فانه لا يحرم ". وفي محكي المبسوط بعد أن ذكر عدم العبرة برضاع الكبير خلافا لعائشة قال: " الرضاع لا حكم له إلا ما كان في الحولين، فان رضع بعضه في الحولين وبعضه خارج عن الحولين لم ينشر الحرمة، ولا فرق بين أن يكون مفتقرا الى شربه أو مستغنيا ". وكذا في محكي الخلاف، فانه بعد أن ذكر مسألة الكبير قال: " مسألة المعتبر في الرضاع المحرم ينبغي أن يكون في مدة الحولين، فان وقع بعضه


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 12.

[ 299 ]

في المدة وبعضه خارجا عنها لم يحرم ". وفي محكي المراسم " المحرم من الرضاع عشر رضعات متواليات لا يفصل بينها برضاع اخرى، وأن يكون اللبن لبعل واحد، وأن يكون الرضاع في الحولين، ولهذا تقول: إنه متى رضع أقل من العشر لم يحرم، أو رضع بعد الحولين لم يحرم " إلى غير ذلك من عباراتهم التى لا ظهور فيها بارادة حولي المرتضع خاصة، بل يمكن دعوى ظهورها في حولي الولادة مع ذلك، لانه هو مقتضي التعريف في الحولين المشار به الى ما في الاية (1) المعلوم إرادتهما منها، بل من ذلك يظهر دلالة خبر حماد بن عثمان عليه أيضا، بل ليس في تفسير الفقيه للخبر المزبور منافاة لما ذكره ابن بكير، لانه ذكر بعض الافراد في مقابلة العامة الذين يحرمون برضاع الكبير، بل لعل ملاحظة ما في المبسوط والخلاف وذكرهما المسألتين مستقلتين أي رضاع الكبير ومدة الرضاع يشهد لما ذكره ابن بكير. على أنه لو نزل كلام الاصحاب على إرادة حولي المرتضع خاصة يكون لا حد عندهم لمدة الرضاع بالنسبة الى المرضعة، فانه يبقى رضاعها مؤثرا ولو سنين متعددة، وهو مع إشكاله في نفسه لكونه حينئذ كالدر مناف لعادتهم من عدم إهمال مثل ذلك، خصوصا بعد أن تعرض له العامة، فانهم قد اختلفوا في تحديد مدة الرضاع، فذهب جماعة الى أنها حولان لقوله تعالى (2): " والوالدات " الى آخره فدل على أن الحولين تمام مدتها، فإذا انقضت فقد انقطع حكمها، وهو قول سفيان الثوري، والاوزاعي و الشافعي وأحمد وإسحاق والمروى عن عمرو بن مسعود وأبى هريرة وأم سلمة، وعن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين إذا كان يسيرا حكم الحولين، وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى (3): " وحمله وفصاله " إلى آخره وفيه أنه لاقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع، لان الفصال الفطام، وقال بعضهم: مدة الرضاع ثلاث سنين، الى غير ذلك من الشواهد


(1 و 2) سورة البقرة: 2 - الاية 233. (3) سورة الاحقاف: 46 - الاية 15.

[ 300 ]

الكثيرة، لما ذكره، ابن بكير، نعم قد ينافيه موثق داود بن الحصين (1) بناء على تفسيره بما سمعت، ولكن قد عرفت شذوذه. وكيف كان (فلو مضى لولدها أكثر من حولين ثم أرضعت من له دون الحولين نشر الحرمة) على القول الاول، ولم ينشر على الثاني (ولو رضع العدد إلا رضعة فتم الحولان ثم أكمله بعدهما لم ينشر الحرمة) على القولين، لتحقق الفطام في المرتضع والولادة (وكذا لو كمل الحولان ولم يرو من الاخيرة) ضرورة عدم صدق تمام العدد فيهما أيضا (و) هو واضح. نعم (ينشر) على الاول (إذا تمت الرضعة مع تمام الحولين) للمرتضع وعليهما إذا تمت بتمام الحولين له ولولد المرضعة، لا طلاق أدلة الرضاع، واختصاص النفى بما بعد الفطام الذى هو الحولان، لكن قد ينافي ذلك ما في صحيح البقبان (2) من كون الرضاع قبل الحولين الذى لا يصدق مع التمام، بل هو مقيد لاطلاق المفهوم السابق، أللهم إلا أن يراد منه قبل تجاوز الحولين لا قبل تمامهما، فلا يكون منافيا، ولعل ذلك أقوى ولو لفهم الاصحاب المؤيد باطلاق الرضاع، وصدق كونه في الحولين الذى هو معقد الاجماع المحكي، نعم عن غاية المراد " يعتبر في نشر الحرمة في الرضاع أن يكون المرتضع دون الحولين طول مدة الرضاع إجماعا، وخلاف ابن الجنيد حيث نشر الحرمة بعد الحولين ما لم يتخلل فطام ضعيف، لسبق الاجماع وتأخره " الى آخره، ويمكن أن يريد بقرينة ما حكاه عن ابن الجنيد بدون الحولين ما لا ينافي المقارنة، والله العالم. ولو جهل الحال فلم يعلم كونه في الحولين أو في غيرهما ففي القواعد وجامع المقاصد الحكم بالحل من غير فرق بين العلم بتاريخ أحدهما وعدمه، ولعله لقاعدة أن الشك في الشرط شك في المشروط، فيبقى أصل الاباحة بحاله، ولما عرفته منا مكررا من عدم الحكم بالافتران مع تعارض الاصلين وجهل التاريخ، بل هو حادث والاصل عدمه، ولا بتأخر المجهول عن المعلوم كما حررناه في محله، وحينئذ فأصل


(1 و 2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 7 - 4.

[ 301 ]

الحل مرجح على أصل البقاء في الحولين الذى هو غير صالح لا ثبات كون الرضاع فيهما، بل ظاهرهما كون الحكم كذلك حتى في حال الارتضاع مع الشك في زمن الولادة، ولعله كذلك، فتأمل. (الشرط الرابع) (أن يكون اللبن لفحل واحد ف‍) لا حرمة بين المرتضع وامه وأبيه فضلا عن غيرهم مع كون القدر المحرم من اللبن لفحلين، لشبهة، أو مفارقة للاول وتزويج للثاني، وبقاء الولد متغذيا في أثناء العدد بأكل أو وجور ونحوهما مما عرفت عدم قدح تخلله بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل موثق زياد بن سوقة (1) وغيره دال عليه بل يمكن القطع به من النص والفتوى كالقطع منهما بأن المرأة مثلا (لو أرضعت بلبن فحل واحد مأة حرم بعضهم على بعض، وكذا لو نكح الفحل عشرا وأرضعت كل واحدة واحدا أو أكثر) القدر المحرم (حرم التناكح بينهم جميعا) إجماعا ونصوصا، وهو المراد مما اشتهر قديما من كون اللبن للفحل، قال عبد الله بن سنان (2): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لبن الفحل، فقال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة اخرى فهو حرام " وقال سماعة (3): " سألته عن رجل كان له امرأتان فولدت كل واحدة منهما غلاما فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس أينبغي لابنه أن يتزوج بهذه الجارية ؟ فقال: لا، لانها أرضعت بلبن الشيخ " وقال البزنطى: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة أرضعت جارية ولزوجها ابن من غيرها أيحل للغلام ابن زوجها أن يتزوج الجارية التى أرضعت ؟ فقال: اللبن للفحل " وروى مالك بن عطية (5) عن أبى عبد الله عليه السلام أيضا " في الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ثم ترضع


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب

[ 302 ]

من لبنها جارية أيصلح لولده من غيرها أن يتزوج تلك الجارية التى أرضعتها ؟ قال: لا، هي بمنزلة الاخت من الرضاعة، لان اللبن لفحل واحد " وقال صفوان (1) " قلت للعبد الصالح عليه السلام: أرضعت أمي جارية بلبنى، قال: هي أختك من الرضاعة، قال: قلت: فيحل لاخي من أمي لم ترضعها بلبنه، يعنى ليس لهذا البطن ولكن لبطن آخر، قال: والفحل واحد ؟ قلت: نعم هو أخى لابي وأمي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأمك أمها " الى غير ذلك من النصوص الدالة على أن العبرة بلبن الفحل. ولا ينافى ذلك قوله عليه السلام في خبر أبى بصير (2) " في رجل تزوج امرأة فولدت منه جارية، ثم ماتت المرأة فتزوج أخرى فولدت منه ولدا، ثم إنها أرضعت من لبنها غلاما، أيحل لذلك الغلام الذى أرضعته أن يتزوج ابنة المرأة التي كانت تحت الرجل قبل المرأة الاخيرة ؟ قال: ما أحب أن يتزوج ابنة فحل قد رضع من لبنه " فان نفي المحبة ليس صريحا في عدم الحرمة، فيمكن أن يراد منه ما لا ينافيها، خصوصا بعد ما عرفت من النصوص المعتضدة بالفتاوى وعمومات الرضاع، ولعل هذا التعبير منه عليه السلام تقية ممن لا يحرم عنده لبن الفحل من العامة، كعروة بن الزبير و عبد الله بن الزبير واسماعيل بن علية وداود الاصبهاني، ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب وأبى مسلم بن عبد الرحمان وسليمان بن يسار وإبراهيم. وعلى كل حال فلا إشكال في الحرمة مع اتحاد لبن الفحل على الوجه الذى عرفته، كما لا شك في عدمها مع عدمه على الوجه الذى سمعت، بل هو بهذا المعنى شرط في أصل الحرمة بالرضاع على قياس الشرائط السابقة له. أما مع تعدده (و) لو مع اتحاد المرضعة كما (لو أرضعت اثنين) مثلا


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3 عن أبى الحسن عليه السلام والكليني رواه في الكافي ج 5 ص 439 عنه عليه السلام وفى ص 444 عن العبد الصالح عليه السلام. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 5.

[ 303 ]

(بلبن فحلين) الرضاع المحرم (لم يحرم أحدهما على الاخر) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل عن المبسوط والسرائر والتذكرة وغيرها الاجماع عليه، لعدم اتحاد الفحل، فهو حينئذ شرط لخصوص الحرمة بين المتراضعين، لا أصل الرضاع، فانه يحرم بالنسبة الى المرضعة، وكل من الفحلين بالنسبة الى لبنه، كما هو واضح، قال العجلي (1) في الصحيح أو الحسن " سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل (2) وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا فقال: إن الله عز وجل خلق آدم من الماء العذب وخلق زوجته من سنخه فبرأها من أسفل أضلاعه، فجرى بذلك الضلع سبب ونسب، ثم زوجها إياه، فجرى بسبب ذلك بينهما صهر، وذلك قول الله عزوجل: نسبا وصهرا فالنسب يا أخا بني عجل ما كان من سبب الرجال، والصهر ما كان من سبب النساء، قال: فقلت له: أرأيت قول النبي صلى الله عليه واله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فسر لى ذلك، فقال: كل امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة اخرى من جارية أو غلام، فذلك الرضاع الذى قال رسول الله صلى الله عليه واله، وكل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانالها واحدا بعد واحد من جارية أو غلام فان ذلك رضاع ليس بارضاع الذي قال رسول الله صلى الله عليه واله يحرم من الرضاع لا يحرم من النسب، وإنما هو من سبب ناحية الصهر رضاع ولا يحرم شيئا، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة، فيحرم " وقال الساباطي (3) في الموثق " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلام رضع من امرأة يحل له أن يتزوج أختها لابيها من الرضاع ؟ قال: فقال: لا قد رضعتا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: قلت: فيتزوج أختها لامها من الرضاعة، قال: فقال: لا بأس بذلك، إن أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان، فلا بأس " وقال الحلبي (4) في الصحيح " سألت أبا عبد الله عليه السلام


(1) ذكر ذيله في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 5 ص 442. (2) سورة الفرقان: 25 - الاية 54. (3 و 4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 3.

[ 304 ]

عن الرجل يرضع من امرأة وهو غلام أيحل له أن يتزوج أختها لامها من الرضا ؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا تحل، وإن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك ". وبها معتضدة بما عرفت يخص عموم قوله صلى الله عليه واله (1): " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " خلافا للطبرسي، فاكتفى في الحرمة بالاشتراك بالامومة للعموم السابق، وخبر محمد بن عبيدة الهمداني (2) قال: " قال الرضا عليه السلام: ما يقول أصحابك في الرضاع ؟ قال: قلت: كانوا يقولون اللبن للفحل حتى جاءتهم الرواية عنك أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فرجعوا إلى قولك، قال: فقال لى: وذلك لان أمير المؤمنين سألني عنها البارحة، فقال لى: اشرح لي اللبن للفحل، وأنا أكره الكلام، فقال لى: كما أنت حتى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أمهات أولاد شتى فأرضعت واحدة منهن بلبنها غلاما غريبا ؟ أليس كل شئ من ولد ذلك الرجل من أمهات الاولاد الشتى محرم على ذلك الغلام ؟ قال: قلت: بلى، قال: فقال أبو الحسن عليه السلام: فما بال الرضاع يحرم من قبل الفحل ولا يحرم من قبل الامهات، وإنما حرم الله الرضاع من قبل الامهات وإن كان لبن الفحل أيضا يحرم ". وفيه أن هذه الرواية قاصرة عن معارضة ما سمعت من وجوه منها هجرها، كما نبه عليه المصنف بقوله: (وفيه رواية اخرى مهجورة) مع إمكان حملها على أن الرضاع من قبل الام يحرم من ينسب إليها من جهة الولادة دون الرضاع، إذ لا اشكال (و) لا خلاف في أنه (تحرم أولاد هذه المرضعة نسبا) مثلا (على المرتضع منها) وإن لم يكن بلبن فحلهم، لعموم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (3) السالم عن المعارض، وإنما يشترط اتحاد الفحل بين المتراضعين


(1 و 3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 9. (جواهر الكلام - ج 19)

[ 305 ]

الاجنبيين منها، وربما يومئ الى ذلك ظهور الخبر في حرمة الاولاد النسبيين للفحل، أو يحمل على التقية، فانه مذهب العامة، كما حكاه عنهم في محكي السرائر قال فيها: " إن كان لامه من الرضاع بنت من غير أبيه من الرضاع فهى أخته لامه عند المخالفين لا يجوز أن يتزوجها، وقال أصحابنا الامامية بأجمعهم: يحل له تزويجها، لان الفحل غير الاب، وبهذا فسروا قول الائمة عليهم السلام في ظاهر النصوص، وألفاظها المتواترة " اللبن للفحل " يريدون لبن فحل واحد، بل لعل قوله عليه السلام في الخبر المزبور: " كانوا يقولون " الى آخره ظاهر في معلومية الحال بين الشيعة ". وما أبعد ما بين قول الطبرسي وبين ما اعتبره العلامة من اتحاد الفحل في نشر الحرمة من الرضاع، من عدم اختصاصه بين الرضيعين الاجنبيين من امرأة، بل اعتبره في كلما كان الرضاع من الطرفين منشأ للحرمة، ومن هنا قال في القواعد: " لا تحرم أم المرضعة من الرضاع على المرتضع ولا أختها منه ولا عمتها منه ولا خالتها ولا بنات أخيها ولا بنات أختها وإن حرمن بالنسب، لعدم اتحاد الفحل ". وأغرب من ذلك موافقة المحقق الثاني له، فانه قال في شرح هذه العبارة: " أطبق الاصحاب على أن حرمة الرضاع لا تثبت بين مرتضعين إلا إذا كان اللبن لفحل واحد - إلى أن قال -: فعلى هذا لو كان لمن أرضعت صبيا ام من الرضاع لم تحرم تلك الام على الصبي، لان نسبتها إليه بالجدودة إنما يتحصل من رضاعه من مرضعته ورضاع مرضعته منها، ومعلوم أن اللبن في الرضاعين ليس لفحل واحد، فلا تثبت الجدودة بين المرتضع والام المذكورة، لانتفاء الشرط، فينتفي التحريم، ومن هذا يعلم أن أختها من الرضاع وعمتها منه وخالتها منه لا يحرمن وإن حرمن من النسب، لما قلناه من عدم اتحاد الفحل، ولو كان المرتضع أنثى لم يحرم عليه أبو المرضعة من الرضاع، ولا أخوها منه، ولا عمها منه، ولا خالها منه، لمثل ما قلناه، قيل: عموم قوله صلى الله عليه واله " يحرم " إلى آخره يقتضي التحريم هنا، وأيضا فانهم قد أطلقوا على مرضعة المرضعة أنها أم وعلى المرتضعة بلبن أبي المرضعة أنها اخت فتكون الاولى جدة والثانية خالة، فيندرجان في عموم المحرم للجدة والخالة، وكذا

[ 306 ]

البواقى قلنا: الدليل الدال على اعتبار اتحاد الفحل خاص، فلا حجة في العام حينئذ، وأما الاطلاق المذكور فلا اعتبار به مع فقد الشرط، فإنهم أطلقوا على المرتضع أنه ابن للمرضعة، وعلى المرتضعة منها بلبن فحل آخر أنها بنت لها أيضا، ولم يحكموا بالاخوة المثمرة للتحريم بين الابن والبنت، لعدم اتحاد الفحل ". وفيه أن العمدة في الشرط المزبور ما مر من خبري الحلبي وعمار، وهما قد نصا على حرمة أخت المرضعة للاب، فيعلم أن المراد منه اشتراطه في الاخوة بالنسبة الى المرتضعين الاجنبيين من امرأة واحدة في سائر المراتب، من غير فرق بين الخالات والاخوال والاعمام والعمات، فان الاخوة على الوجه المزبور ملحوظة في الجميع، فاتحاد الفحل شرط في تحققها، لا كل ما كان حرمته من الرضاع وإن كان ربما يوهمه ذيل خبر العجلي، لكنه ليس كذلك نصا وفتوى، فيبقى حينئذ ما عداها على عموم قوله عليه السلام " يحرم من الرضاع " إلى آخره، ضرورة عدم التلازم بين اعتبار اتحاد الفحل في تحقق الاخوة المحرمة وإن كانا معا ولدين للمرضعة بالرضاع، وبين اعتباره في الجدة والعمة ونحوهما، على أنه يمكن أن يكون المراد بلبن الفحولة المستفاد من خبر العجلى الذى يكون منشأ وهم العلامة ما كان له أثر في المرتضع ولو بواسطة مرضعته وإن علت ما لم يتخلل فصل باختلاف فحلين، كالاخت الرضاعية من طرف الام التي نصت الرواية على حليتها، فانهما وإن اشتركا في لبن الجدودة إلا أنهما اختلفا في لبن الفحولة من طرف الاب الذى هو أقرب تأثيرا، وحينئذ يتحقق في الفرض اتحاد الفحل بهذا المعنى، ويتجه التحريم. وعلى كل حال فلا ريب في سهو قلمهما الشريف في ذلك، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يستحب) لمن استرضع وليا كان أو غيره (أن يختار للرضاع العاقلة المسلمة العفيفة الوضيئة) قال الباقر عليه السلام (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تسترضعوا الحمقاء العمشاء فان اللبن يعدى وإن الغلام ينزع الى اللبن، يعنى إلى الظئر في الرعونة والحمق " وقال الصادق عليه السلام (2) " كان


(1 و 2) الوسائل الباب - 78 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 2 - 3.

[ 307 ]

أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا تسترضعوا الحمقاء، فان اللبن يغلب الطباع، وقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تسترضعوا الحمقاء فان الولد يشب عليه " وقال عليه السلام (1) أيضا " قال أمير المؤمنين عليه السلام: انظروا من ترضع أولادكم، فان الولد يشب عليه " وقال محمد بن مروان (2) " قال لى أبو جعفر عليه السلام: استرضع لولدك بلبن الحسان وإياك والقباح، فان اللبن يعدى " وقال أيضا في خبر زرارة (3): " عليكم بالوضاء من الظؤرة، فان اللبن يعدى " الى غير ذلك من النصوص المستفاد منها رجحان اختيار الزائد من الاوصاف الحسنة على المذكورة ومرجوحية اختيار أضدادها في الخلق والخلق. (و) من هنا قال المصنف وغيره: إنه (لا) ينبغي أن (تسترضع الكافرة) لما عرفت، ولفحوى قول الباقر عليه السلام في حسن ابن المسلم (4): " لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب الى من ولد الزنا " ومنه يستفاد الجواز اختيارا، مضافا الى الاصل وخبر عبد الرحمان بن أبى عبد الله (5) سأل الصادق عليه السلام " هل يصلح للرجل أن ترضع له اليهودية والنصرانية والمشركة ؟ قال: لا بأس وقال: امنعوهن من شرب الخمر " فلا تقدح نجاسة اللبن حينئذ. (و) لكن لا ريب أن الاولى عدمه إلا (مع الاضطرار)، بل الذى ينبغي معه أن (تسترضع الذمية ويمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير) قال عبد الله بن هلال (6): " سألت الصادق عليه السلام عن مظائرة المجوسي، قال: لا، ولكن أهل الكتاب " وقال (7): " إذا أرضعن، لكم فامنعوهن من شرب الخمر " وقال: أيضا في خبر سعيد بن يسار (8): " لا تسترضع للصبى المجوسية، وتسترضع له اليهودية والنصرانية، ولا يشربن الخمر ويمنعن من ذلك " وقال الحلبي (9) " سألته عن رجل دفع ولده الى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو ترضعه في بيته، قال: ترضعه لك اليهودية والنصرانية في بيتك وتمنعها من شرب


(1) الوسائل الباب - 78 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 79 - من أحكام الاولاد الحديث 1 - 2. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 76 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 2 - 5 - 3. (7 و 8 و 9) الوسائل الباب - 76 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 4 - 1 - 6.

[ 308 ]

الخمر وما لا يحل مثل لحم الخنزير، ولا يذهبن بولدك الى بيوتهن، والزانية لا ترضع ولدك، فانه لا يحل لك، والمجوسية لا ترضع ولدك إلا أن تضطر إليها " وربما كان ظاهر النص والفتوى الوجوب تعبدا أو شرطا في جواز الاسترضاع، فليستأجرها مشترطا عليها ذلك إن لم تكن أمة له كى يتوجه له المنع، بل في كشف اللثام احتمال جوازه مطلقا من باب النهى عن المنكر، إذ لا فرق في التكليف بين المسلم وغيره وإن كان فيه أنه خارج عما نحن فيه، كما أنه يقوى عدم الوجوب، ويمنع من أصله، للاصل والاطلاق وانسياق الندب في هذه النصوص المبتني ذلك فيها على المحافظة على طيب اللبن الذى قد عرفت تأثيره في الصبى. (و) كيف كان فيستفاد من خبر الحلبي المزبور: أنه (يكره أن يسلم إليها الولد لتحمله الى منزلها) مضافا الى عدم أمانتها عليه وربما سقته مسكرا أو أطعمته لحم خنزيز. كما أن منه (و) من غيره يستفاد أنه (تتأكد الكراهة في ارتضاع المجوسية و) أنه (يكره أن يسترضع من ولادتها من زنا و) سأل علي بن جعفر (1) أخاه موسى عليه السلام " عن امرأة زنت هل يصلح أن تسترضع ؟ قال: لا يصلح، ولا لبن ابنتها التي ولدت من الزنا " نعم (روي) بعدة طرق أنه (إن أحلها مولاها فعلها) إذا كانت أمة (طاب لبنها وزالت الكراهية) قال إسحاق بن عمار (2): " سألت أبا الحسن عليه السلام عن غلام لي وثب على جارية لي فأحبلها فولدت واحتجنا الى لبنها فان أحللت لهما ما صنعا أيطيب لبنها ؟ قال: نعم " وروى هشام بن سالم وجميل بن دراج وسعد بن أبي خلف (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " في امرأة الرجل يكون لها الخادم قد فجرت فتحتاج الى لبنها، قال: مرها فلتحللها يطيب اللبن " وفي مرسل جميل (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل كانت له مملوكة فولدت من فجور، فكره مولاها أن ترضع له مخافة أن لا يكون ذلك جائزا له، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فحلل خادمك من ذلك حتى يطيب اللبن ". (و) لكن مع ذلك قال


(1) الوسائل الباب - 75 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 75 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 5 - 3. (4) الوسائل الباب - 39 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2.

[ 309 ]

المصنف: (هو شاذ مستبعدا تأثير التحليل فيما وقع ومضى محرما، وكأنه اجتهاد في مقابلة النص، وربما حملت على الفضولي الذى تعقبته الاجازة، ولا بأس به وإن بعد في بعض ألفاظها، بل لا بأس بحمله على تأثير الاذن في التحليل وإن تأخر في الاخراج عن الزنا شبيه الاذن في بعض أفعال المعاملة، كالقبض ونحوه، وهذا كله في النظر في شروط الرضاع. (وأما أحكامه ف‍ (فيه (مسائل: الاولى إذا حصل الرضاع المحرم) وهو ما اجتمعت فيه الشروط السابقة (انتشرت الحرمة من المرضعة وفحلها الى المرتضع) نفسه ونسله (ومنه اليهما ف‍) صار هو وما تولد منه ابنا لهما و (صارت المرضعة له اما و) صار (الفحل) الذى هو صاحب اللبن (أبا وآباؤهما) من الذكور والاناث (أجدادا وجدات وأولاد) كل من‍ (هما) من المرضعة أو غيرها والفحل أو غيره (إخوة) وأخوات (وإخوتهما أخوالا) وخالات (وأعماما) وعمات بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الظاهر اتفاق أهل الاسلام جميعا عليه إلا من لا يعتد به من العامة الذين قصروا الحرمة على الامهات وأخوات خاصة جمودا على ما في الاية (1) وهو معلوم البطلان خصوصا بعد تواتر قوله صلى الله عليه واله (2) " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " المراد منه على الظاهر أن كلما يحرم من النسب يحرم نظيره في الرضاع، فيشمل حينئذ المحرم من جهة النسب والمحرم من جهة المصاهرة بعد وجود سببها نحوها في النسب، فالبنات والامهات والاخوات العمات والخالات وبنات الاخ وبنات الاخت منه نحوها من النسب في الحرمة، وكذا حليلة الابن الرضاعي ومنكوحة الاب الرضاعي وأم الزوجة الرضاعية والجمع بين الاختين الرضاعيتين ونحو ذلك كلها يستفاد تحريمها منه مضافا الى النسبيات. نعم ينبغي ملاحظة خصوص أسماء المحرمات في إثبات الحرمة من جهة الرضاع، وكشف ذلك أن من الواضح البين عدم مدخلية للشارع في تحقيق موضوعات النسب من الابوة والامومة والعمومة والخؤولة ونحوها، بل هي ليست إلا كغيرها


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 310 ]

من الالفاظ التي مرجعها إلى اللغة والعرف، وإنما جاء من الشارع أحكام رتبها عليها في النكاح وغيره، فالمحرمات السبع وما حرم بالمصاهرة منها من حليلة الابن ومنكوحة الاب وأم الزوجة ونحو ذلك لا مدخلية للشارع في تحقيق أسمائها كما هو واضح، وكذلك لا مدخلية له أيضا فيما حصل بالرضاع من العلقة التى هو قال فيها: " إنها لحمة كلحمة النسب " (1) ولم يعهد من الشارع تحديد للام من الرضاعة ولا الاخت منه ولا غيرها، بل هو لغة وعرفا وشرعا كحال ألفاظ النسب مرجعه الى اللغة والعرف، فالام من الرضاعة والاب منه والاخ منه مثلا وهكذا يرجع فيها إليهما على حسب الرجوع إليهما في أسماء النسب، وقوله صلى الله عليه واله: " يحرم من الرضاع " الى آخره ليس فيه إلا بيان ما يحرم بالرضاع، أي كل شخص من أشخاص المحرم مما كان موضوعه اسما من أسماء النسب، نظيره مما هو مسمى باسمه من الرضاع محرم، من غير فرق بين موضوع المحرم في النسب والمصاهرة وغيرهما، فيكون المقصود منه بيان ما يحرم به لا بيان كيفية علقته وكيفية تأثيره بالنسبة الى ما يرجع الى موضوع الحكم مما ليس هو وظيفة الشرع. وبذلك كله اتضح لك ما ذكره غير واحد من الاصحاب من قصر نشر الحرمة في الرضاع بين الاب الرضاعي والام الرضاعية والمرتضع دون غيرهم من أصول المرضع، وذلك لانحصار عنوان ما يحرم من النسب فيهم، ضرورة كون الاب في النسب وإن علا يحرم عليه كلما تولد منه من الاناث ولو بوسائط، فكذلك يحرم على الاب الرضاعي كلما تولد منه كذلك، والام النسبيه وإن علت يحرم عليها كل ما تولد ولو بوسائط فكذلك الام الرضاعية، وهكذا في كل عنوان من أسماء النسب التى جعلت موضوعا للحل والحرمة في مصاهرة وغيرها يجرى في نحو ذللك العنوان


(1) لم نعثر على هذه الرواية مع التتبع في مظانها وانما الموجود بهذا السياق قوله صلى الله عليه وآله: " الولاء لحمة كلحمة النسب " وقد رواه في الوسائل في الباب - 42 - من كتاب العتق الحديث 2 و 6 نعم ذكر السيد الطباطبائى في تفسير الميزان ذيل الاية 23 من سورة النساء " الرضاع لحمة... " ولا اعلم أنه هل أخذه من كتب الحديث أو من الكتب الفقهية كالجواهر وامثاله.

[ 311 ]

من الرضاع، وليس شئ منها موجودا في اصول المرتضع وفروع اصوله النسبيين، نعم هي متحققة في فروعه خاصة ومن هنا كان نشر الحرمة مقصورا في الثلاثة وعام للمحرم من حيث النسب ومن حيث المصاهرة، وتحريمه في الاخيرة على حسب تحريمها في النسب، لانه إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فلا بأس حينئذ للفحل أن ينكح أخت المرتضع نسبا وإن كانت هي أخت ولده، ضرورة عدم كونها بنتا رضاعية ولا ربيبة كذلك عرفا، والمحرم في النسب منها البنت والربيبة، ومثلهما من الرضاع يحرم عليه، وأما أخت الولد التي هي قدر مشترك غير موجود في الخارج في غير الفردين المذكورين اللذين قلنا بحرمة مثلهما من الرضاع، فليس من عنوان المحرم في النسب كى يتجه تحريمه بعد فرض انحصار المحرم في الشريعة في البنت والربيبة من النسب والرضاع، والفرض أنها ليست منهما في العرف واللغة، ودعوى أنها بنت من الرضاعة شرعا له باعتبار ارتضاع أخيها بلبنه واضحة الفساد، للقطع بعدم علقة عند الشارع للرضاع غير العلقة العرفية التابعة للنسبية التى أومأ إليها رب العزة بعد ذكره المحرمات من النسب بقوله تعالى (1): " وأمهاتكم من الرضاعة وأخواتكم " مكتفيا عن غيرهما بقياسها على أسماء المحرم في نسب أو مصاهرة من العمة والخالة فيها وحليلة الابن ومنكوحة الاب وأم الزوجة وهكذا. وقد ظهر لك من ذلك أن قوله صلى الله عليه واله (2): " يحرم من الرضاع " الى آخره المتفق عليه بين المسلمين، بل الظاهر تواتره عند الفريقين من جوامع الكلم التي قد اوتيت للنبى صلى الله عليه واله، ومن الكلام الذى قد اختصر له اختصارا، كما أنه قد ظهر لك عدم احتياجه الى بيان من يحرم عليه بالرضاع ضرورة صراحته في أن موضوع المحرم به هو موضوع المحرم بالنسب، والمحرم عليه فيه محرم عليه فيه، وبالجملة هو هو لكن مع ضم اسم الرضاع ولفظه الى اسم المحرم بدونه، فنقول بدل تحريم الاخت من النسب تحريم الاخت من الرضاعة، والبنت كذلك، وهكذا في حليلة الابن ومنكوحة الاب، والجمع بين الاختين وغير ذلك مما هو من أسماء النسب تضيف إليه لفظ


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 312 ]

" من الرضاع " ويبقى الحكم بحاله من الحل والحرمة والمحلل له والمحرم عليه، فلا تغيير لعبارة تحريم النسب بشئ إلا بزيادة لفظ " من الرضاعة " الى موضوع التحريم الذى هو اسم من أسماء النسب، فان ذلك هو المعيار والمدار، فكل شئ أردت معرفته من الرضاع تنظر الى شخص عنوان حرمته في النسب، وتضيف إليه من الرضاعة وتحكم بالحرمة. ولا يشتبه عليك أن المراد بنشر الرضاع الحرمة في المصاهرة أنه يحدث مصاهرة بمعنى أن الاجنبية لو أرضعت ولدك مثلا صارت بمنزلة زوجتك، فتحرم أمها، لانها من أمهات نسائكم، كما توهمه جماعة، بل المراد من نشره ذلك على حسب النشر في النسب، أي لابد من وجود سبب الصاهرة وهو النكاح، نعم الرضاع جعل الام لها في الرضاعة بمنزلة الام من النسب في الحرمة التى تسبب فيهما معا عن النكاح، وكذلك منكوحة الاب الرضاعى والابن الرضاعي والجمع بين الاختين من الرضاعة. وبالجملة الرضاع يوجد العقلة النسبية ويتبعها التحريم بالنسب أو بالمصاهرة، لا أنه يوجد المصاهرة، ضرورة عدم اقتضاء الدليل، بل ظاهر الادلة خلافه، بل يمكن تحصيل الاجماع أو الضرورة على ذلك إلا ما دل عليه دليل بخصوصه لا يتعدى منه الى غيره كما ستعرف. فظهر لك أن المدار على عنوان النسب الذى صار موضوعا للمحرم في مصاهرة أو غيرها لا نظائره، فلا يشتبه عليك ذلك بما ينتزع من ألفاظ الاقدار المشتركة مما هي ليست من أشخاص عنوان المحرم في النسب، كما وقع فيه جملة من الاعاظم وارتطم عليهم الامر حتى وقع منهم تحريم جملة مما أحله الله غفلة عن حقيقة الحال. بل لا يحتاج الى ما في التذكرة من استثناء أربع صور من ضابط " يحرم من الرضاع " الى آخره، حيث قال: " يحرم في النسب أربع نسوة قد يحرمن في الرضاع وقد لا يحرمن: الاولى أم الاخ في النسب حرام، لانها إما أم أو زوجة أب، وأما في الرضاع فان كانت كذلك حرمت أيضا، وإن لم تكن كذلك لم تحرم، كما لو أرضعت أجنبية أخاك أو اختك لم تحرم. الثانية أم ولد الولد حرام، لانها

[ 313 ]

إما بنته أو زوجته ابنه، وفي الرضاع قد لا تكون إحداهما، مثل أن ترضع الاجنبية ابن الابن، فأنها ام ولد الولد، وليست حراما. الثالثة جدة الولد في النسب حرام، لانها إما أمك أو ام زوجتك، وفي الرضاع قد لا تكون كذلك كما إذا أرضعت أجنبية ولدك، فان أمها جدته وليست بأمك ولا ام زوجتك. الرابعة أخت ولدك في النسب حرام عليك، لانها إما بنتك أو ربيبتك، وإذا أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت وليست ببنت ولا ربيبة ". ضرورة عدم كون شئ منها عنوانا للمحرم في الشرع، بل موضوع المحرم في الاولى من النسب الام ومنكوحة الاب، ومثلهما في الرضاع حرام أيضا لا ام الاخ كى يحتاج الى استثناء فرد من نظيره في الرضاع. وفي الثانية البنت وحليلة الابن ومثلهما من الرضاع كذلك لا ام ولد الولد كي يحتاج الى ما ذكر. وفي الثالثة الام وام الامرأة، ومثلهما في الرضاع ثابت لاجدة الولد. وفي الرابعة البنت والربيبة، ومثلهما في الرضاع ثابت لا اخت الولد الذى هو لفظ منتزع للقدر المشترك، إلا أنه اتفق انحصار أفراده في النسب في المحرم بخلافه في الرضاع، وليس هو مما جعله الشارع عنوانا للمحرم، أللهم إلا أن يريد العلامة بهذا الاستثناء الذى هو في الاصل لبعض العامة اختصاص خروج الرضاع عن النسب حتى في ألفاظ لوازم النسب الاتفاقية في هذه الالفاظ الاربعة، بمعنى أنه ليس هناك لفظ ولو للازم النسب ينفرد به عن نظير له في الرضاع إلا هذه الالفاظ، لكن ذلك على فرض تماميته ليس له كثير فائدة. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا ما أطنب به القائلون بعموم المنزلة، خصوصا جدى الفاضل المتبحر الاخوند الملا أبو الحسن الشريف في رسالته الرضاعية، بل ويظهر لك أيضا جملة مما ذكره السيد الداماد في رسالته التى عملها في هذه المسألة، وتسمع إن شاء الله زيادة تحقيق لذلك.

[ 314 ]

كما أنه قد ظهر لك الوجه في المسألة (الثانية) وهي (كل من ينسب الى الفحل من الاولاد ولادة ورضاعا يحرمون على هذا المرتضع)، لانهم إخوة من الاب والام أو من الاب، والاخوات من عنوان المحرم بالنسب فيحرم مثله في الرضاع، (وكذا كل من ينسب الى المرضعة بالبنوة ولادة) لكونهم إخوة من الام، فيحرمون وبنيهم (وإن نزلوا) عليه (ولا يحرم عليه من ينسب إليها بالبنوة رضاعا) من غير لبن فحله وإن كان هو أخا من ام، لما عرفت من صراحة النصوص (1) في اعتبار اتحاد الفحل في الحرمة، فيختص هذا الفرد بالخروج من عموم قوله صلى الله عليه واله (2): " يحرم " الى آخره، خلافا للطبرسي كما تقدم الكلام فيه مفصلا، وهل يحرم عليه نسل الاخوة من الام نسبا ورضاعا بمعنى المرتضع بلبن الاخ من الام ؟ الظاهر ذلك، لعموم الخبر واختصاص الاشتراط في المرتضعين من امرأة واحدة كما سمعت البحث فيه مفصلا، والله العالم. المسألة (الثاثة) (لا ينكح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ولا رضاعا ولا في أولاد زوجته المرضعة ولادة) لا رضاعا (لانهم صاروا في حكم ولده) كما في النص (3) وفاقا للشيخ في غير المبسوط وابنى حمزة وإدريس، بل نسبه بعضهم


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالرضاع. (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 315 ]

الى الشهرة، بل ربما ادعي الاجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة كصحيح ابن مهزيار (1) قال: " سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني عليه السلام إن امرأة أرضعت لى صبيا، فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها ؟ فقال لى: ما أجود ما سألت، من ها هنا يؤتي أن يقول الناس حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غير، فقلت له: إن الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لى هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشر متفرقات ما حل لك منهن شئ، وكن في موضع بناتك " وصحيح الحميرى (2) قال: " كتبت الى أبى محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام امرأة أرضعت ولدا لرجل هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرضعة أم لا ؟ فوقع عليه السلام لا تحل له " وصحيح أيوب بن نوح قال (3): " كتب علي بن شعيب الى أبى الحسن عليه السلام امرأة أرضعت بعض ولدى أيجوز لي أن أتزوج بعض ولدها ؟ فكتب عليه السلام لا يجوز ذلك، لان ولدها صار بمنزلة ولدك " والمناقشة - بأن ولدها وولد الفحل لم يكونوا بالرضاع إلا إخوة ولده، وهم غير محرمى النسب، ضرورة اشتراك ذلك بينه وبين الربائب المتوقف حرمتهم على الدخول بأمهم وليس، وقد عرفت أن الرضاع إنما يحرم ما يحرم بالنسب خاصة، لا الاعم منه ومن المصاهرة المتوقف تحريمها في النسب على سبب آخر وهو النكاح فضلا عن الرضاع - كأنها من الاجتهاد في مقابلة النص، فما عساه يظهر من المبسوط والقاضى بل وابن فهد من الحل في الجميع في غير محله. ومن الغريب ما عن الابي من الحل، وأنه المشهور، لكن المحكي من عبارته أنه قال: " لا شبهة أن أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا لا تحرم على أبى المرتضع، لقولهم عليهم السلام: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وهذا لا يحرم في النسب فلا يحرم في الرضاع، لكن ذهب الشيخ في الخلاف والنهاية الى تحريم ذلك تمسكا برواية علي بن مهزيار ورواية أيوب بن نوح، وما أعرف في هذه المسألة مخالفا، فهى مشهورة بين الاصحاب، وعليها العمل " ويمكن أن يريد بنفي الشبهة عن اقتضاء


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10. (2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2 - 1.

[ 316 ]

القواعد ذلك وإن خرجنا عنها بالنصوص، كما عساه يشهد له التعبير بالاشبه المعروف إرادة ما ذكرناه منه في نسخة قديمة، وحينئذ فيكون عدم معرفته الخلاف بالنسبة الى التحريم الذى نقله عن الشيخ وأتباعه، لا كما توهمه بعضهم منه من العكس، وأن المراد نفي معرفته من غير الشيخ وأتباعه، فان أستاده المحقق وقبله ابن إدريس مصرحان بالحرمة، فالمسألة حينئذ لا ريب فيها، وكان الوجه في تخصيص ولد المرضعة بالنسبى دون الفحل عدم حرمة الرضاعى منها على ولده الذى هو المنشأ في التحريم عليه، لما عرفت من اعتبار اتحاد الفحل بخلاف صاحب اللبن، فان جميع أولاده يحرمون على المرتضع نسبا ورضاعا كما تقدم، مضافا الى ما أشار إليه خبر عيسى من أن المنشأ في التحريم لبن الفحل الذى هو مشترك بين الرضاعي والنسبي، بل قد لا يشرب النسبى منه، فلا إشكال في الحكم حينئذ. ومن الغريب تردد بعض متأخرى المتأخرين في أصل الحرمة، بعد ما سمعت من النصوص المعتبرة المعتضدة بالعمل والاحتياط، وأصالة الحرمة في وجه السالمة عن معارضة ما عدا الاصل المقطوع بعد تسليمه وما عدا ما يفهم من نصوص الرضاع من كون عنوان المحرم منه ما يحرم من النسب، والفرض عدمه في المقام كما عرفت الذى يمكن منع دلالتها على الحصر في ذلك. فلا تنافي حينئذ بينها وبين أدلة المقام، ومع التسليم - بل لعله الظاهر المنساق منها، خصوصا بعد ذكرها في مقام التحديد والبيان - يجب تخصيصها بما هنا، كما هو مقتضى القواعد، لا حملها على الكراهة البعيدة عن سياقها، خصوصا خبر ابن مهزيار منها. (و) إنما الكلام في أنه (هل ينكح أولاده الذين لم يرتضعوا من هذا اللبن في أولاد هذه المرضعة وأولاد فحلها ؟ قيل) والقائل الشيخ في الخلاف والنهاية: (لا) يجوز، بل عن الاول منهما الاجماع عليه، لاستلزام صيرورتهم أولادا لابيهم الاخوة بينهم، بل الحرمة بينهم من مقتضى حكم إطلاق المنزلة. (و) لكن مع ذلك (الوجه الجواز) وفاقا للمحكى عن الاكثر، للاصل بعد منع الاجماع المزبور، بل المحكي عنه نفسه في المبسوط الحكم بالجواز، ومن هنا

[ 317 ]

احتمل في إجماعه أنه على التحريم على الاب أو على المنزلة في الجملة، بل قيل: إنه لا خلاف في الجواز، لرجوعه عن الحرمة فيهما إلى الجواز في المبسوط المتأخر عنهما، كما أن المحكي عن الشهيد في بعض تحقيقاته من الحرمة أما أنا لم نتحققه قد رجع عنه في اللمعة التي هي آخر ما صنف، فقطع بالجواز، ومنع استلزام التنزيل المزبور ذلك، ضرورة إمكان كون المراد منه ذلك بالنسبة الى التحريم على الاب، بل لعله المنساق منه، خصوصا خبر ابن مهزيار منها، بل المنساق من كل علة لحكم أنها علة للحكم الذى سيقت له، على أن منصوص العلة بناء على حجيته في غير محل العلة يراد منه تسرية الحكم في كل موضوع وجدت فيه العلة، نحو " حرمت الخمر لا سكاره " المقتضي لحرمة كل مسكر، ومقتضى ذلك الحرمة في كلما صاروا في حكم ولده، لا الحرمة بالنسبة الى أولاده، ضرورة عدم كون ذلك من مفاد العلة، بل هو قسم من مستنبط العلة بتقريب أنهم إذا صاروا بحكم ولده استلزم ذلك صيرورة ولده إخوة لهم، فيحرم نكاحهم فيهم. بل تعدى بعض هؤلاء المتوهمين، وقال: إن ولد الفحل والمرضعة ما حرموا على أبى المرتضع إلا لصيرورتهم إخوة ولده، وهم في النسب منحصرون في الاولاد والربائب، فيحرمون في الرضاع، ومقتضى ذلك التحريم بالرضاع لكل امرأة صارت بمنزلة امرأة محرمة نسبا أو مصاهرة وإن لم يوجد سببها، فتحرم أم المرضعة على أب المرتضع، لصيرورتها بمنزلة أم الزوجة باعتبار كونها جدة ولده، بل ربما صرح بعض هولاء بحرمة أختها عليه، وحينئذ فإذا أرضعت ولده أخت زوجته حرمت امرأته عليه، بل صرح بعض هؤلاء في رسالته بنشر الحرمة أيضا من الفحل وأولاده في آباء المرتضع وأولادهم إذ كما حرم على أبى المرتضع لكونهم بمنزلة ولده باعتبار أخوتهم لولده كذلك بالنسبة الى الفحل وأولاده، ضرورة صيرورة المرتضع ولدا له بالرضاع، فيكون إخوته بمنزلة الولد له على حسب ما سمعته في أب المرتضع، فيحرمون عليه، وهكذا بالنسبة الى جداته من طرف الاب والام على حسب العموم في أب المرتضع.

[ 318 ]

وبالجملة متى ارتضع المرتضعان من امرأة واحدة ولبن فحل واحد انعقدت الاخوة بينهما وبين إخوة كل منهما، وانتشرت الحرمة فيهم وفي الاباء النسبيين والرضاعيين، ومن غير فرق بين المصاهرة والنسب. بل وقفت على بعض الرسائل المعمولة في هذه المسألة، فرأيت فيها أمورا عجيبة وأشياء غريبة يقطع من له أدنى نظر بخروجها عن المذهب أو الدين، حتى التزم فيها حرمة كل امرأة أرضعت أولاد بعض المحرمات نسبا أو رضاعا، لصيرورتها بالرضاع بمنزلة تلك المحرمات، فمرضعة ابن العمة عمة وابن الخالة خالة وهكذا، بل مقتضى ما ذكروه في رسائلهم حرمة بنات عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جميعهن بسبب رضاعه مع عمه حمزة عند امرأة واحدة بلبن فحل واحد، فأنه بذلك صار أخا له، واستلزم ذلك إخوة النبي لجميع إخوة حمزة، فلا يجوز له نكاح أحد من بنات عمه، وهو مخالف لصريح قوله تعالى (1): " إنا أحللنا لك أزواجك - الى قوله - وبنات عمك وبنات عماتك " ولمفاخرة الصادق أو الباقر عليهما السلام مع الرشيد في تزويج النبي صلى الله عليه واله منه لو خطب منه كريمته (2) وهى مشهورة معروفة، بل مخالف لصريح موثق يونس بن يعقوب (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أرضعتني وأرضعت صبيا معى ولذلك الصبى أخ من أبيه وأمه فيحل لي أن أتزوج ابنته ؟ قال: لا بأس " بل هو مناف لموثق إسحاق بن عمار (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج أخت أخيه من الرضاع، فقال: ما أحب أن أتزوج أخت أخي من الرضاعة " ضرورة ظهورها في الكراهة، فلابد من حملها على إرادة الاخت من الرضاعة لاخيه من النسب، بمعنى أن أخاه النسبي قد ارتضع من امرأة، ولها بنت من أبيه الرضاعي أو من غيره، فأنه يحل لاخيه النسبى نكاح هذه البنت وإن كانت أختا لاخيه ومحرمة


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 50. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالنسب الحديث 3 وفيه أن موسى بن جعفر عليهما السلام قال للرشيد، ولا يخفى ان الصادقين عليهما السلام لم يكونا في عهد الرشيد. (3 و 4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالنسب الحديث 3 - 2.

[ 319 ]

عليه، لكن لا يحرم مثله من النسب، فبالرضاع أولى، أو أن المراد لو ارتضع صبي معى من لبني فصار أخي من الرضاعة وله أخت من النسب، فانه يحل لى أن أتزوجها على كراهة لما عرفت، لا أن المراد الاعم من ذلك ومن الاخت التي ارتضعت بلبني مثلا مع أخي، فأنها حرام لكونها أختا من الرضاعة، لا أخت أخ، إذا المراد بها كل من ارتضع بلبنك سواء كانت معك أولا. فمن الغريب ما وقع لجدي في رسالته من الاستدلال بهذا الموثق على التحريم مدعيا أنه المراد من قوله عليه السلام " ما أحب " وإلا لزم حلية خلاف المعلوم مما عرفت، فيحمل على العموم، وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما عرفت، ومن الغريب حمله الموثق الاول في رسالته أيضا على التقية أو على عدم اتحاد الفحل، فانه لم نعرف الداعي الى هذا الحمل. وأغرب من ذلك دعوى هؤلاء أن الاصحاب جميعهم على هذا التعميم، مع أنا لم نقف لهم على شئ من ذلك سوى ما عرفته من حرمة نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا وفي أولاد المرضعة ولادة لظاهر النصوص السابقة، مع أن جماعة حملوها على الكراهة ونفوا التحريم اقتصارا على اختصاص حرمة الرضاع بما يحرم من النسب، وهو جيد لولا النصوص المزبورة التي لا يخفى ظهور قوله عليه السلام في خبر ابن مهزيار (1): " هذا هو لبن الفحل لا غير " وقوله عليه السلام: " حرمت عليه من قبل لبن الفحل " في اختصاصها بالاستثناء، وأنها من المسائل التى يصاب الناس فيها، أي العامة، حيث اقتصروا في التحريم على ما يحرم من النسب، وليس هذه المسألة منه، كما هو واضح بأدنى تدبر للخبر المزبور، أو يراد مطلق الناس على معنى أنه يتأتى قول الناس أي يصح، لان هذا لبن الفحل، أو غير ذلك مما هو مذكور في الوافي وغيره. بل المتجه بناء على ما ذكرناه الاقتصار على مفادها ومفاد الفتاوى، فلا يتعدى الى امهات الفحل، ولا إلى أخواته وغيرها، وكذا المرضعة، بل لا يبعد


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10.

[ 320 ]

جواز نكاح أم المرتضع في أولاد صاحب اللبن وفي أولاد المرضعة، لان صيرورتهم بحكم الاولاد لابي المرتضع لا يقتضي ذلك بالنسبة الى أم المرتضع إلا بالقياس الممنوع عندنا، نعم لا يبعد إرادة الاب وإن علا للمرتضع مع احتمال الاقتصار، كما لا يبعد إلحاق الاب الرضاعي للنسبي في الحرمة. وسوى ما عن الخلاف والنهاية والوسيلة من حرمة أولاده في أولاد الفحل والمرضعة، للتعليل بأن أولادهما بحكم أولاده، وهو يقتضي كونهم بمنزلة الاخوة للمرتضع لابيه، وهو ممنوع، فان الربيبة بمنزلة الولد في الحرمة على الاب، ولا تحرم على أولاده من غير تلك الامرأة، والتعليل للحرمة فيما سيق له من الحرمة على الاب كما عرفت الكلام فيه مفصلا. وسوى ما عن الشيخ في الخلاف والنهاية من حرمة نكاح الفحل في إخوة المرتضع، بل عن إبن إدريس موافقته على ذلك، مع شدة منافاة المحكي عنه في غير ذلك للتعميم المزبور، بل قال: " إنه هو الذى يقتضيه مذهبنا لانه لا يجوز في النسب أن يتزوج الرجل بأخت ابنه ولا بأم امرأته فكذا في الرضاع " بل ظاهر المحقق الثاني في الرسالة الموافقة على ذلك مع شدة إنكاره على هذا التعميم، لكن قال هنا: " الظاهر عدم الفرق بين بنات الفحل بالنسبة الى أبي المرتضع وأخوات المرتضع بالنسبة الى الفحل نظرا الى العلة المذكورة في الحديثين، فان كانا حجة وجب التمسك بمقتضى العلة المنصوصة، وإلا انتفى التحريم في المقامين " وفيه أن ذلك ليس من مقتضى العلة وإنما هو نظيرها، ضرورة اقتضائها صيرورة أولاد الفحل والمرضعة أولادا لابي المرتضع، لا الاعم من ذلك ومن العكس، على أن أخت الولد ليس من عنوان النسب، لان حرمتها لكونها بنتا أو ربيبة دخل بأمها، والرضاع لا يؤثر مصاهرة، وخروج ذلك عن القاعدة بالنسبة الى أبى المرتضع لا يقتضي الخروج بالنسبة الى الفحل. فمن الغريب ما وقع للمحقق الثاني من الحكم هنا بالتحريم لما عرفت، مع نهاية محافظته عن الوقوع في القياس، حتى أنه أنكر على العلامة (جواهر الكلام - ج 20)

[ 321 ]

والشهيد وغيرهم في المسألة الاتية. وسوى ما عن الشيخ في الخلاف وابن إدريس أيضا من حرمة نكاح الفحل أم أم المرتضع، لحرمة ذلك في النسب فيحرم مثله في الرضاع، ولظهور خبر ابن مهزيار (1) فيه، بل هو ظاهر الفاضل في المختلف، فانه بعد أن حكى عن المبسوط الجواز قال: " وهو وإن كان قويا إلا أن رواية ابن مهزيار على خلافه، فان الامام عليه السلام حكم فيها بتحريم اخت الابن من الرضاع وجعلها بمنزلة البنت، ولا ريب أن اخت الابن إنما تحرم بالنسب لو كانت بنتا والسبب لو كانت بنت زوجة، فالتحريم هنا باعتبار المصاهرة، وجعل الرضاع كالنسب في ذلك، فيكون في أم الام كذلك قال: ولو لا هذه الرواية لقلت بقول الشيخ رحمه الله " ونحوه محكي عن الشهيد في النكت، ثم قال: " وليس هذا قياسا لانه تنبيه بجزئي من كلي على حكم الكلي ". وفيه أن ذلك من القياس المنهي عنه، ضرورة صدق تعريفه عليه، إذ ليس هو إلا تعدية الحكم من الاصل الى الفرع، لظن علة متحدة فيهما، والاصل فيما ذكره هو اخت الولد من الرضاع، والفرع هو جدة الولد منه، والحكم المطلوب تعديته هو التحريم الثابت بالاصل في النص، وما يظن كونه علة التحريم هو كون اخت الولد من الرضاع في موضع من يحرم من النسب، أعني البنت النسبية، وهذا بعينه قائم في جدة الولد من الرضاع، فانها في موضع جدته من النسب، بل لعل ذلك أسوء حالا من القياس الذى قد عرفت أنه تعدية الحكم من جزئي الى آخر، لاشتراكهما فيما يظن كونه علة للحكم، وهو رحمه الله قد حاول تعدية الحكم من الجزئي الى الكلي ونبه على العلة وثبوتها في أول كلامه، وأغرب في عبارته فسمى ذلك تنبيها على الحكم، ونفى عنه اسم القياس. وكأن الذى أوقع بعض متأخرى المتأخرين في الوهم هو صدور مثل ذلك من الشهيد وبعض عبارات الخلاف والتذكرة الظاهرة في الاجماع على بعض ما يوافق


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 10.

[ 322 ]

التعميم المزبور، إلا أنه مع احتمال كون المراد منها غير ذلك ورجوعهما (ورجوعهم خ ل) عن ذلك في باقى مصنفاتهم واضطراب كلماتهم في المسائل الاربعة التي قد عرفت البحث فيها لا ينبغى الاقدام في هذه المسائل على أمثال ذلك التى هي ليست مظنة الاجماع، بل يمكن دعواه بالعكس. بل يظهر من غير واحد من الاساطين المفروغية من حكم ما ذكره المصنف بقوله: (أما لو أرضعت امرأة ابنا لقوم وبنتا لاخرين جاز أن ينكح إخوة كل واحد منهما في إخوة الاخر، لانه لانسب بينهم ولا رضاع) مع أن مقتضى كلام أهل عموم المنزلة بل هو صريح بعضهم التحريم، بدعوى أن الاشتراك في الرضاع يعقد الاخوة بين المرتضعين وبين من كان في طبقتهما من الاخوة والاخوات، كما أنه ينشر التحريم في أصولهما وفروعهما، وبالجملة صار الجميع إخوة وإن تعدد آباؤهم وأمهاتهم. لكنه كما ترى، بل هو من الفساد بمكانة، خصوصا بعد الاحاطة بجميع ما ذكرناه الذى منه يعلم عدم الحرمة فيما حكاه المحقق الثاني في رسالته عن بعضهم، وصرح سبطه الداماد في رسالته بكثير منها. وهى حرمة نكاح المرضعة بلبن فحلها التي هي في حباله حين الارضاع أخاها أو أختها لابويها أو أحدهما، أو ولد أخيها أو ولد أختها أو ولد ولدها، أو عمها أو عمتها أو خالها أو خالتها، أو ولد عمها أو عمتها أو ولد خالها أو ولد خالتها، أو أخ زوجها أو أخته، أو ولد ولد الزوج أو ولد أخ الزوج، أو عم الزوج أو عمته أو خال الزوج أو خالته، أو المرضعة بلبنه ولد ولد الزوجة الاخرى. ضرورة عدم المقتضى للتحريم في شئ من ذلك بعد أن عرفت انحصاره عندنا فيما يساوق النسب عرفا، وفي نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا، وأولاد المرضعة، إذا الاولى إنما صارت اخت الولد من الرضاع، وليس هي من عنوان المحرم في النسب، نعم هي تحرم إذا كانت بنتا أو ربيبة قد دخل بأمها، وهي ليست كذلك لا نسبا ولا رضاعا لغة وعرفا، والثانية عمة الولد منه،

[ 323 ]

وليست هي أيضا من عنوانه، وإنما المحرم منها ما كانت أختا نسبا أو رضاعا، وهى ليست كذلك قطعا، والثالثة إنما تحرم للجمع بينها وبين أختها، وذلك منتف، والرابعة جدة ولده من الرضاعة، وهى ليست أيضا من عنوان النسب وإنما تحرم إذا كانت أما نسبا أو رضاعا أو أم زوجة كذلك، وهى ليست كذلك قطعا لغة ولا عرفا، خلافا لمن عرفت من غير أهل التنزيل إذ هذه إحدى المسائل الثلاث السابقة، الخامسة والسادسة بنت أخ ولد صاحب اللبن أو بنت اخت ولده، وهما ليسا من عنوان النسب، بل إنما يحرمان بكونهما بنت الابن أو بنت ابن الزوجة المدخول بها، وهما ليسا كذلك، والسابعة والثامنة بنت عم ولده أو عمته أو بنت ابن خال ولده أو خالته، وهى ليست من عنوان النسب، وكذلك أم الاخ وأم ولد الولد وأم ولد الاخ وأم العم والعمة والخال والخالة، بل ما كان منها مندرجا في عنوان النسب حرم مثله في الرضاع، وما كان متوقفا منها على نكاح أب أو ولد توقفت الحرمة على حصول سببه في النسب والرضاع، على أن بعض هذه الصور مما لا تندرج في محرم ولو على التعميم المزبور، مثل ما إذا أرضعت ولد أخ زوجها إذ هي أم ولده من الرضاع وأم ولد أخيه من النسب، ولا يحرم شئ منهما عليه. وفي رسالة السيد الداماد الفرق بين رضاعها ولد عمها وولد عمتها، فتحرم على زوجها بالاول دون الثاني وكذا ولد الخال وولد الخالة، قال: " لان الزوج يصير أبا لولد عمها من الرضاعة، وأبوه نسبا محرم عليها، فكذا رضاعا، فهو حينئذ بمنزلة عمها، بخلاف ولد العمة، فان الزوج يكون بمنزلة زوج عمتها، وهو غير محرم عليها، وكذا الكلام في ابن الخال والخالة " قلت: قد يقال على طريقتهم: إنها تكون في الاول بمنزلة عمة ولده لقيامها مقام امه النسبية والفرض أنها عمة فتحرم عليه، لصيرورتها بمنزلة أخته، وكذا إذا أرضعت ابن خالتها تكون خالة ولده، فتصير حينئذ أختا لزوجته، فتحرم عليه جمعا. وبالجملة من لاحظ رسالة الداماد قضى منها العجب، وعلم انتهاء الوهم والاشتباه في العلماء، بل وكذا رسالة جدى المرحوم المبرور الاخوند الملا أبى الحسن

[ 324 ]

الشريف وإن كان بين الرسالتين بون عظيم، فانه إن كان لاهل هذا القول كلام يمكن أن يقال فهو ما ذكره فيها، لا ما ذكره السيد في رسالته، فانه شئ لا ينبغي نسبته إلى أصاغر الطلبة فضلا عن العلماء. نعم ينبغي الاحتياط في المسائل الثلاث التى قد سمعت كلام الاصحاب فيها واضطرابه في حكمها، حتى أنه حكى عن الشيخ الاجماع في بعضها، وعن العلامة أيضا لكن من أحاط خبرا بغير ذلك من كلماتهم عرف الصحيح منها من الفاسد، وما هو مظنة الاجماع ومظنة خلافه، وما نشأ من الاشتباه بين القياس الجائز والممتنع، وما نشأ من اشتباه إطلاق المنزلة بالعموم اللغوي، وعدم الفرق بين ما سيقت العلة له وغيره، كما لا يخفى على من له أدنى تأمل وتدبر. والله هو العالم الهادي. المسألة (الرابعة) لا إشكال ولا خلاف في أن (الرضاع المحرم يمنع من النكاح سابقا ويبطله لا حقا) للقطع بعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة في ذلك، كما تطابقت عليه النصوص (1) والفتاوى من الخاصة، بل والعامة، وحينئذ (فلو تزوج) مثلا (رضيعة فأرضعتها من يفسد نكاح الصغيرة برضاعها كامه) فتكون أخته، وزوجته فتكون بنته، (وجدته) فتكون عمته أو خالته، (وأخته) فتكون بنت اخت، (وزوجة الاب) فتكون أختا لابيه، (وزوجة الاخ) فتكون بنت أخيه (إذا كان لبن المرضعة منهما) وإلا كانت ربيبة لهما، فلا يحرم نكاحها عليه (فسد النكاح) قطعا لما عرفت، وللنصوص الدالة على مطلق الحكم المزبور التى ستسمعها في المسألة الاتية، إنما الكلام في المهر الذي أوجبه العقد (ف‍) نقول: (إن انفردت المرتضعة بالارتضاع مثل أن سعت إليها فامتصت ثديها من غير شعور المرضعة سقط مهرها


(1) الوسائل الباب 1 و 10 و 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

[ 325 ]

لبطلان العقد الذى باعتبار) استدامت‍ (ه يثبت) استدامة استحقاق (المهر) بل كل عقد يتعقبه الفسخ والانفساخ من طرف أو طرفين يبطل تسبيبه، ومنه الاقالة والخيار في البيع المقتضيين رد الثمن الى المشترى والمبيع الى البائع، بل ذلك روح البطلان الذى هو كالصحة المستلزم حصولها في طرف ثبوتها في الطرف الاخر، ومن هنا لم يذكر أحد في المقام وجها لثبوت المهر. نعم عن التذكرة إن السقوط أقوى، ولعله يؤذن باحتمال عدم السقوط، ووجهه في المسالك بأن المهر وجب بالعقد، والاصل يقتضي استمراره الى أن يدل دليل على خلافه، ولا نص عليه هنا، والرضيعة لا قصد لها، فكان فعلها بمنزلة عدمه، فيحتمل حينئذ أن يثبت لها نصف المهر، لانها فرقة قبل الدخول كالطلاق، وهو أحد وجهي الشافعية، ويضعف بأنها قياس لا نقول به، فإما أن يثبت الجميع لما ذكره، أو يسقط الجميع من حيث استناده إليها، وكيف كان فالمذهب السقوط. قلت: لما عرفت - بل لعل ذلك هو ظاهر الحكم بالفساد في النصوص السابقة من غير تعقيبه بشئ، ضرورة استلزام فساد العقد رد كل عوض الى صاحبه، وليس هذا كالموت الذى ليس هو من فواسخ عقد النكاح ومبطلاته، بل حاله كحال تلف المبيع في يد المشترى، وأما الطلاق بعد الدخول فمع أنه ليس من الفواسخ بل هو إيقاع رب عليه الشارع أضداد الصحة - يمكن أن يقال إنه حيث كان بعد الدخول الذى هو سبب استقرار المهر سنة (1) وكتابا (2) لم يؤثر فسخا حينئذ إلا بالنسبة إلى البضع، ولعله لان معوض المهر الانتفاع بالبضع ولو آنا، ضرورة عدم مدة معلومة له كى يوزع المهر عليها. نعم كان مقتضى ذلك عدم استحقاق شئ مع الطلاق قبل الدخول، لكن ثبت النصف لدليل خاص، كما هو واضح. (و) من ذلك يعلم الحال فيما (لو تولت المرضعة إرضاعها مختارة) وقد سمى لها مهرا وإن (قيل) كما عن المبسوط وجماعة: إنه (كان للصغيرة


(1) الوسائل الباب - 54 - من أبواب المهور. (2) سورة النساء: 4 - الاية 24.

[ 326 ]

نصف المهر، لانه فسخ حصل قبل الدخول، ولم يسقط) المهر (لانه ليس من) قبل (الزوجة) فأشبه الطلاق حينئذ، لكنه كما ترى لا يخرح عن القياس المحرم ومن هنا قيل بوجوب الجميع عليه، لوجوبه بالعقد، فيستصحب الى أن يثبت المزيل، والتنصيف إنما ثبت بالطلاق، إلا أنه أيضا لا يخلو من نظر، لما عرفته سابقا من لزوم صدق انفساخ العقد وبطلانه، وفساده لبطلان ما ترتب عليه، بل هو معنى البطلان المقابل للصحة في المعاملة، بل هي ظاهرة، في مدخلية الاستدامة وإلا لم يتصور معنى للانفساخ والفساد والبطلان، كما هو واضح بأدنى تأمل، فان لم ينعقد إجماع كان المتجه السقوط، كما في الاولى التى لم يكن لفعلها الذى كفعل البهائم مدخلية في السقوط، ولو قيس بتلف الاموال كان المتجه ضمانها له مهر المثل، لا سقوط المسمى الذى قد يوافقه وقد يخالفه. ومن ذلك يظهر لك الحال فيمن لم يسم لها مهر، فانه لا ريب في كون المتجه الانفساخ وعدم ثبوت شئ لها، ضرورة انحصار ثبوت المتعة لها بالقياس على الطلاق، وهو محرم عندنا، كضرورة انحصار إثبات مهر المثل لها أو نصفه بالقول بغير علم أو بما شابهه، وعدم خلو البضع عن عوض مسلم إذا استوفي بوجه غير فاسد لا مطلقا حتى إذا لم ينتفع به بشئ، فان دعوى عدم خلوه في هذا الحال ممنوعة كل المنع، فلا ريب في أن المتجه ما ذكرنا. ومنه يعلم سقوط البحث عن الرجوع على المرضعة، نعم يجئ البحث فيه بناء على ثبوت شئ من ذلك على الزوج، وفيه قولان منشأهما ضمان البضع بالتفويت باعتبار كونه كالاموال، لانه بقابل بها في النكاح والخلع، ولا يحتسب على المريض المهر لو نكح بمهر المثل فما دون، وكذا المختلعة بمهر المثل. (و) حينئذ ف‍ (للزوج الرجوع علي المرضعة بما أداه إن) كان قد (قصدت الفسخ) بالارضاع، وإلا لم تكن متعدية، بل كانت كمن حفر ئبرا في ملكه فتردى فيه مترد، بل هي محسنة على المرضعة، فلا سبيل عليها، لكن في المسالك تبعا لجامع المقاصد الوجه عدم الفرق في الضمان وعدمه بذلك لان إتلاف الاموال موجب

[ 327 ]

له على كل حال، فان كان البضع ملحقا بها ضمن في الحالين وإلا فلا، والفرق بينه وبين الحفر بعد تحقق الاتلاف فيه دونه واضح، قلت هو كذلك نعم قد يمنع كون البضع من الاموال، ضرورة عدم صدق المالية عرفا، ولذا لم يتحقق به غنى ولا استطاعة، ولا بالمهر في مقابلته خمس ولا غير ذلك من لوازم المالية عرفا، وملك الانتفاع به في مقابلة ملك المهر لا يقضي بكونه مالا، إذا المال قد يكون عوضا شرعا لغير المال كما في الديات وأروش الجنايات، على أن ملك الانتفاع غير ملك المنفعة، ولذا لم يصح له نقلها للغير، كما لا يصح له الرجوع على الزاني، بل وعلى المشتبه، ولا عليها أو على غيرها لو قتلت نفسها، بل من ذلك يعلم أنه ليس من منافع الحر المقابلة بمال فضلا عن أن يكون مالا بنفسه. ولعله لذا قال المصنف (وفي الكل تردد مستنده الشك في ضمان منفعة البضع) قلت: بل كان المتجه الجزم بعدمه، وإلا لكان اللازم الرجوع بمهر المثل سواء كان الذى غرمه أزيد أو أنقص، كما أن المتجه الرجوع على الصغيرة التى رضعت بنفسها بما زاد من مهر المثل على المسمى، ولها الرجوع عليه بما زاد من المسمى عليه، نعم يقاصها بالمساوي من مهر المثل للمسمى. ومن جميع ما ذكرناه يعلم الكلام فيما ذكره في المسالك تبعا لغيره من الصور الباقية التى (منها) ما لو كان الرضاع بفعل الصغيرة والكبيرة عالمة لكن لم تعنها عليه، فان في إلحاقها بالسابقة أو عدم الضمان وجهين: من أنها لم تباشر الاتلاف، ومجرد قدرتها على منعها لا يوجب الضمان، كما لو لم تمنعها من مباشرة إتلاف مال الغير مع قدرتها على المنع. قيل: وربما ظهر من المصنف وأكثر الجماعة أن تمكينها بمنزلة المباشرة، وبه صرح في التذكرة، بل في المسالك أن ظاهر الاصحاب القطع بالحاق التمكين بالمباشرة، ولعله لان المرتضعة غير مميزة، فكان تمكينها من الرضاع بمنزلة الفعل، ولكن إن لم يكن إجماعا لا يخلو من نظر، ومن هنا قال في المسالك: " لو قيل هنا باشتراك الصغيرة والكبيرة في الفعل، فيكون السبب منهما، ولا يرجع

[ 328 ]

الزوج على المرضعة إلا بنصف ما يغرمه لكان أوجه من ضمانها مطلقا ". (ومنها) أن تتولى الكبيرة ولكن مع الحاجة بأن ينحصر الرضاع فيها وتوقف حياة الصغيرة على ذلك، فإن في ضمانها حينئذ وجهين من كونها مأمورة بذلك شرعا، فلا يستعقب فعلها ضمانا وكونها محسنة، ومن تحقق الاتلاف بالمباشرة التي هي من الاسباب، وأقصى ذلك رفع الاثم كالطبيب والبيطار ونحوهما. (ومنها) أن تكون الكبيرة مكرهة، فان الاكراه يسقط ضمان المال المحقق فضلا عن مثل هذا، نعم يمكن دعوى الرجوع على المكره باعتبار قوة السبب على المباشر. ولكن لا يخفى عليك ما في جميع ذلك بعد أن عرفت أن المتجه سقوط المهر، وأن البضع ليس من الاموال، وكان جملة من كلامهم في المقام تبعوا به ما وقع لابي حنيفة وصاحبيه والشافعي، والتحقيق ما عرفت إن لم يكن إجماع أو دليل خاص، والله هو العالم. (و) كيف كان فقد ظهر لك أنه مما يتفرع على الضابط السابق ما (لو كان له زوجتان كبيرة ورضيعة فأرضعتها الكبيرة) ضرورة أنه متى كان كذلك (حرمتا أبدا) إن كان من لبنه وإن لم يكن دخل بالكبيرة، بأن كان قد أولدها شبهة ثم عقد عليها ولم يدخل، أو كان قد دخل بها وطلقها وهي ذات لبن منه ثم بعد العدة قد عقد عليها ولم يدخل بها، فان الصغيرة حينئذ تكون بنته برضاعها من لبنه، فتحرم عليه، والكبيرة أم امرأته، لانه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولو مثل هذه المصاهرة المتحقق سببها بغير رضاع، كما عرفت تحقيقه سابقا. وكذا يحرمان أبدا (إن كان) رضاعها له بغير لبنه، لكن إذا كان قد (دخل بالكبيرة) كي تكون الصغيرة ربيبة قد دخل بأمها والكبيرة أم امرأة (وإلا) يكن قد دخل بها (حرمت الكبيرة حسب) لكونها أم امرأة دون الصغيرة التى هي ربيبة لم يدخل بأمها، نعم ينفسخ عقدها بسبب اجتماعها مع الام في استدامة عقدى نكاحهما التي هي كالعقد عليهما ابتداء الذى لا ريب في بطلانه، لعدم صلاحيته للتأثير فيهما شرعا وتأثيره في إحداهما دون الاخرى

[ 329 ]

ترجيح بلا مرجح، فليس حينئذ إلا البطلان، ومثله يأتي هنا بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الظاهر الاتفاق عليه، بل عن الايضاح دعواه صريحا، لكن ربما أشكل بأن أصالة بقاء صحة نكاح الصغيرة يقتضي ترجيحها، والمانع إنما طرأ في نكاح المرضعة، وفساده بطرو المانع بالنسبة إليها لا يستلزم فساد ما خلا عنه، وقياس ذلك على العقد عليها دفعة قياس مع الفارق، وستسمع الجواب عنه في آخر البحث، مضافا الى منافاته للمعتبرة. قال الصادق عليه السلام في الصحيح (1) وفي خبر ابن سنان (2): " لو أن رجلا تزوج جارية رضيعا فأرضعتها امرأته فسد نكاحه " وقال عليه السلام في الصحيح الاخر (3) " في رجل تزوج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته أو أم ولده، قال: تحرم عليه " بل في خبر ابن مهزيار (4) الاتى التصريح بحرمة الكبيرة والصغيرة، بل لعله المراد من قوله عليه السلام: " فسد نكاحه " أي لكل منهما، فلا إشكال حينئذ في الحكم الاول بأنه بمجرد صدق الامية والبنتية يتحقق انفساخ النكاح، فلا تكون الكبيرة أم امرأته. بل عند التأمل الصادق يستحيل صدق أمية الزوجة فعلا، ضرورة استلزام صدق الامية فسخ الزوجية، لانه أول آنات صدق البنتية، وكذا الكلام في تحقق الجمع في استدامة العقدين بالنسبة للام وبنتها الذى قلنا: إنه يقتضي فسخ العقدين وحرمة الام دون الربيبة التى له تجديد العقد عليها مع فرض عدم الدخول بأمها، إذ يمكن دفع الاول منهما - بناء على تحقق الحرمة بإرضاع من كانت زوجة - بأنه لو سلمنا عدم الصدق المزبور فعلا لكن لا ريب في أنها كانت زوجة وإن انفسخ عقدها في أول أزمنة صدق البنتية بل يمكن دفعه - بناء على عدمه أيضا - بأن ظاهر النص والفتوى الاكتفاء في الحرمة بصدق الامية المقارنة لفسخ الزوجية بصدق البنتية إذا الزمان وإن كان متحدا بالنسبة الى الثلاثة أي البنتية والامية


(1 و 2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1.

[ 330 ]

وانفساخ الزوجية، ضرورة كونها معلولات لعلة واحدة، لكن آخر زمان الزوجية متصل بأول زمان صدق الامية، فليس هي من مصداق أم من كانت زوجتك، بل لعل ذلك كاف في الاندراج تحت امهات النساء، بخلاف من كانت زوجتك، وكأنه إلى ذلك أومأ أبو جعفر عليه السلام فيما تسمعه من خبر ابن مهزيار الاتى المشتمل على الفرق بين الصورتين. وأما الثاني فليس المراد من الجمع أنه تحقق في زمان ثم انفسخ، بل المراد أنه لما اتحد زمان البنتية والامية بالجزء الاخير من الرضاع فاستدامة العقدين عليهما غير ممكن، وانفساخ أحدهما بالخصوص ترجيح من غير مرجح، فليس إلا انفساخهما، وتحرم الكبيرة باعتبار أنها أم الزوجة بالتقريب الذى سمعته، والربيبة لعدم الدخول بأمها يجوز له تجديد العقد عليها، ودعوى اختصاص الام بالانفساخ - لتحقق سبب التحريم فيها وإبقاء الربيبة على عقدها الاول - يدفعها ما عرفته من اتحاد زمان تحققهما، أي البنتية والامية، فلا مجال للترجيح، وتحقق سبب التحريم فيها لا يقتضيه كما هو واضح، واحتمال الترجيح بالقرعة - مع أنه مناف لظاهر النص والفتوى - يدفعه احتمال أن القرعة لاستخراج المتحقق واقعا المشتبه ظاهرا، لا لترجيح المشتركين في السبب، وإلا لجرت في العقد عليهما دفعة. (و) كيف كان ف‍ (للكبيرة مهرها إن كان دخل بها) لانه يستقر به، ولذا تنحصر ثمرة الفسخ في البضع خاصة، نعم بناء على أن البضع من الاموال يمكن الرجوع عليها بما أتلفته عليه من بضعها، فيرجع عليها بمهر المثل، بل في كشف اللثام أنه كما لو طلقها ثم راجعها فأنكرت الرجوع في العدة فحلفت وتزوجت ثم صدقته، فانها تغرم له المهر بما فوتت عليه البضع، وقال: " ولا يجدى الفرق ببقائه هنا بخلافها في المسألة كما في التذكرة " قلت: لكن قد عرفت ما في ذلك كله سابقا. (وإلا) يكن قد دخل بها (فلا مهر لها لان الفسخ جاء منها) ولما عرفته من أن ذلك مقتضى انفساخ العقد، كما في غير ذلك من العقود على ما عرفته سابقا.

[ 331 ]

ومنه يعلم ما في قوله: (وللصغيرة مهرها) وإن لم تحرم عليه، كما في صورة عدم الدخول بالام والارتضاع من غير لبنه (لانفساخ العقد) حينئذ (بالجمع) الذى عرفته، والفرض أنه قد حصل بفعل غيرها، لكن قد عرفت أن مقتضى الانفساخ عدم رجوعها عليه بشئ، خصوصا مع عدم التقصير منه، كما أنك قد عرفت أن القول الذى حكاه المصنف هناك نصف المهر، وهنا جزم بالجميع، مع أن المسألة من واد واحد. (و) كذا لا يخفى عليك ما (قيل:) إنه (يرجع به على الكبيرة) لانها هي التي فوتت عليه البضع. (و) قد عرفت البحث في ذلك مفصلا في جميع الصور، فلا يحتاج الى الاعادة. كما لا حاجة الى البحث فيما (لو أرضعت الكبيرة له زوجتين صغيرتين) ضرورة أنه بعد الاحاطة بما سمعت يعلم متى كان ذلك (حرمت الكبيرة والمرتضعتان إن كان) ذلك بلبنه أو كان قد (دخل بالكبيرة) من غير فرق بين التعاقب والدفعة لانها حينئذ إما بنت أو ربيبة قد دخل بأمها، فتحرم الثانية وإن بانت أمها منه، لحرمة الربيبة من النسب مطلقا فكذا بالرضاع. (وإلا) يكن قد دخل بها (حرمت الكبيرة) التى هي أم زوجته بالتقريب السابق دون المرتضعين لانهما ربيبتان لم يدخل بأمهما، نعم ينفسخ عقدهما معا إذا ارتضعا دفعة، وإلا اختص الانفساخ بالام والاولى، دون الثانية التى ارتضعت بعد تحقق انفساخ عقد الام والبنت، فليست هي حينئذ إلا بنت زوجة لم يدخل بأمها، فلا تحرم، كما لا تحرم بصيرورتها أختا لمن كانت زوجة له، كما هو واضح. (ولو كان له زوجتان وزوجة رضيعة فأرضعتها إحدى الزوجتين أولا) بلبنه مثلا (ثم أرضعتها الاخرى حرمت المرضعة الاولى والصغيرة) لصيروتهما بنتا وأم زوجة بالتقريب السابق (دون الثانية، لانها أرضعتها وهي بنته) لا زوجته كي تندرج تحت " أمهات نسائكم " (1) بل هي ليست إلا أم بنته،


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 332 ]

وليست محرمة على الاب، كما كشف عن ذلك خبر ابن مهزيار (1) عن أبى جعفر عليه السلام قال: " قيل له: إن رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأته الاخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال ابو جعفر عليه السلام: أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولا، فأما الاخيرة فانها لا تحرم عليه، لانها أرضعتها وهى بنته " وهو صريح في المدعى، ولا يلزم منه عدم حرمة الربيبة التي هي بنت من كانت زوجته المدخول بها، ضرورة الفرق بين مصداق قوله تعالى (2): " وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " وبين قوله تعالى (3): " أمهات نسائكم " فان الاولى صادقة قطعا على بنت من كانت زوجة، بخلاف الثانية الظاهرة في اعتبار اجتماع الامية، والزوجية، خصوصا مع اشتراط بقاء المبدء في صدق المشتق وما شابهه. على أنه قد عرفت انحصار المحرم في الرضاع بما يحرم من النسب، وليس في النسب من انحصر صدقها في أم من كانت زوجة، إذ أم المطلقة مثلا ليس حرمتها لذلك، بل لتحقق الصدق قبل الطلاق، وهو سبب التحريم مؤبدا، فليس حرمتها لانها أم من كانت زوجته، بل لانها كانت أم زوجة فعلا، بخلاف الربيبة، فان في النسب بنت من كانت زوجة مندرجة تحت الاية الشريفة، فيحرم مثلها في الرضاع، ولعله لذلك كان المحكي عن الاسكافي والشيخ في النهاية وظاهر الكليني حلية الثانية، بل هو خيرة الرياض وسيد المدارك حاكيا له عن جماعة، بل هو ظاهر الاصفهانى في كشفه أو صريحه أيضا، بل ربما كان ظاهر ما حكاه فيه عن ابن إدريس أيضا. (و) لكن مع ذلك كله (قيل: بل تحرم أيضا) في الفرض (لانها صارت أما لمن كانت زوجته) بل نسبه في المسالك إلى ابن إدريس والمصنف في النافع وأكثر المتأخرين، بل لم يحك القول الاول إلا عن الشيخ في النهاية وابن الجنيد، نعم قال إنه مال إليه المصنف لقول: (وهو) أي التحريم (أولى)


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 1. (2 و 3) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 333 ]

ثم ناقش في الخبر بضعف سنده بصالح بن أبى حماد وهو ضعيف، بل قال ومع ذلك فهو مرسل، لان المراد بأبي جعفر حيث يطلق الباقر عليه السلام وبقرينة قول ابن شبرمة في مقابله، لانه كان في زمنه، وابن مهزيار لم يدرك الباقر عليه السلام، ولو أريد بأبي جعفر الثاني وهو الجواد عليه السلام بقرينة أنه أدركه وأخذ عنه فليس فيه أنه سمع ذلك بلا واسطة، فالارسال متحقق على التقديرين، مع أن هذا الثاني بعيد، لان إطلاق أبي جعفر لا يحمل على الجواد عليه السلام ثم اختار هو ذلك، معللا له بالصدق، لان الاصح عدم اشتراط بقاء المعنى في صدق المشتق، وبمساواة الرضاع للنسب، وهو يحرم سابقا ولا حقا. وفيه ما عرفت من منع الصدق، واعتبار بقاء المبدء في الصدق لو كان هذا منه، لامكان المنع، إذا الموجود لفظ " النساء " لا " الزوجة " وهو جامد لا مشتق، وأيضا لا نظير له في النسب كى يحرم مثله في الرضاع، ومنع الارسال على تقدير إرادة الجواد عليه السلام من أبى جعفر، وكثرة إطلاقه على الباقر عليه السلام لا ينافي حمله على الجواد عليه السلام خصوصا بالقرينة، بل في الرياض ليس في سند الخبر المزبور من يتوقف فيه عدا صالح بن أبى حماد، وهو وإن ضعف في المشهور إلا أن القرائن على مدحه كثيرة، وتوهم الارسال فيه ضعيف قلت: على أن الدليل غير منحصر في الخبر، بل يكفي فيه الاصل وعموم (1) " احل " وغير ذلك بعد عدم الاندراج في أمهات النساء، فالخبر مؤيد حينئذ لا دليل، ولا ينافي ذلك الحكم بالتحريم في الصورة الاولى، لما عرفت من كفاية اتصال زمن الزوجية بزمان صدق الامية في الاندراج تحت أمهات النساء كما ذكرناه سابقا، وكشف عنه الخبر أيضا لاحقا، حيث حرم الاولى والصغيرة. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما قدمناه أن (في كل) من (هذه الصور) الثلاثة التي ذكرها المصنف (ينفسخ النكاح لتحقق الجمع المحرم) إلا صورة من المسألة الثانية التي قدمناها (وأما التحريم) أبدا وعدمه (فعلى ما


(1) سورة النساء: 4 - الاية 24.

[ 334 ]

صورناه) وبيناه. بل (و) منه يظهر لك الحال فيما ذكره المصنف من أنه (لو طلق زوجته) بعد الدخول بها (فأرضعت زوجته الرضعية حرمتا عليه) لكونهما بنتا أو ربيبة مدخولا بأمها وأم زوجته، لكن في المسالك " إن جزمه بتحريم الصغيرة أيضا على تقدير الدخول بالكبيرة مبنى على الاكتفاء بارضاع من كانت زوجته، وقد سبق منه الحكم بخلاف ذلك، لان الاولوية لا تقتضي التحريم، فكأنه قرينة على كونه اختار التحريم في السابقة، أو رجوع عن الحكم - إلى أن قال -: ولا يتوهم اختلاف الحكم من حيث إن الخارجة من الزوجية هنا المرضعة، وهناك الرضيعة، لاشتراكهما في المعنى المقتضي للتحريم وعدمه " وفيه ما عرفت من وضوح الفرق بين المسألتين في الدليل وغيره، ضرورة صدق الربيبة على بنت من كانت زوجته نسبا ورضاعا بخلاف أمهات نسائكم، فانه غير صادق على من كانت امرأة، وصدق الاضافة بأدنى ملابسة لا يقتضي حمل اللفظ عليها، بل لا ينبغي التأمل في اعتبار اجتماع وصف الامية والزوجية في الصدق، فلا يكفي تقدم الزوجية وتأخر وصف الامية عنها بعد انفساخ الزوجية كما في المسألة السابقة، وهذا هو السر في جزم المصنف هنا في هذه، وميله الى الحلية في الاولى كما عرفت الكلام فيه مفصلا، فتأمل جيدا، فان هذه المباحث غير محررة في كلامهم، والله هو العالم. المسألة (الخامسة) (لو كان له أمة يطؤها فأرضعت زوجته الرضيعة حرمتا عليه جميعا) سواء كان بلبنه أو لبن غيره، لصيرورتهما بنتا أو ربيبة قد دخل بأمها وأم امرأة (ويثبت مهر الصغيرة) بأجمعه عليه، لوجوبه بالعقد، مع عدم كون الفسخ من قبلها،

[ 335 ]

وفيه البحث السابق، كما أنه لا يخفى عليك جريان الصورة السابقة (و) انما المراد هنا بيان أنه (لا يرجع به على الامة) التى أرضعت وإن قلنا بالرجوع به في غيرها (لانه لا يثبت للمولى مال في ذمة مملوكه) لعدم تصور أدائه له بعد فرض كونه وما يملكه للمولى، إلا أن الانصاف عدم خلو ذلك عن التأمل إن لم يكن إجماعا، ضرورة اشتراك ضمانه مال الغير - ويتبع به بعد العتق إن أعتق - وضمانه مال مولاه في الدليل الذى هو " من أتلف " ونحوه من الخطابات الوضعية التى لا يعتبر في ثبوت الحكم الوضعي بها تحقق الحكم الشرعي، فللمولى حينئذ مطالبته به بعد العتق، وله استيفاؤه من باب الزكاة ونحو ذلك، نعم إن كان إجماع على الفرق بين مال المولى ومال غيره اتجه ذلك، على أنه يجب تقييده بغير المكاتبة، أما هي فقد جزم في المسالك بالثبوت عليها سواء كانت مكاتبة مطلقة أو مشروطة مطلقا لانقطاع سلطنته عنها، وصيرورتها بحيث يثبت عليها مال. (نعم) هذا كله لو كانت الامة الموطوءة ملكا له أما (لو كانت موطوءة بالعقد) وهي ملك للغير قيل (رجع به عليها، ويتعلق برقبتها وعندي) وعند المصنف (في ذلك تردد) للتردد في أصل ضمان منفعة البضع، (و) أنه بالمسمى أو بمهر المثل، بل قد سمعت أن التحقيق عندنا عدمه، بل (لو قلنا بوجوب العود) أي الرجوع (بالمهر لما قلنا ببيع المملوكة فيه، بل تتبع به إذا تحررت) إذ ليس هو من قبيل الجنايات التى يباع العبد فيها، وإنما هو من قبيل الاموال التى يتبع بها بعد العتق، فقول القائل يتعلق برقبتها لا وجه له، أللهم إلا أن يريد ذلك، كما هو واضح.

[ 336 ]

المسألة (السادسة) (لو كان لاثنين زوجتان صغيرة وكبيرة فطلق كل منهما زوجته وتزوج بالاخرى ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة عليهما) وإن لم يكن بلبن أحدهما، لصيرورتها ام زوجة فعلا بالنسبة إلى أحدهما، وام من كانت زوجة بالنسبة إلى الاخر بناء على التحريم بمثله وإن كان قد سمعت ما فيه (وحرمت الصغيرة على من دخل بالكبيرة) لصيرورتها ربيبة قد دخل بامها، فلو فرض دخولهما معا بها حرمت عليهما معا، كما أنه لو فرض اللبن لاحدهما صارت بنتا له. المسألة (السابعة) (إذا قال: هذه اختي من الرضاع) مثلا (أو بنتي) أو أمي (على وجه) محتمل لان (يصح) ذلك لا معلوم فساده لكبر في السن أو غيره (فان كان) قد صدر ذلك منه (قبل العقد حكم عليه بالتحريم ظاهرا) لعموم (1) " إقرار العقلاء " سواء صدقته المرأة أو كذبته أو لم تكن عالمة بصدقه ولا كذبه، فان أكذب نفسه ووافقته المرأة على ذلك احتمل قويا جواز النكاح، لانحصار الحق فيهما، لكن أطلق في القواعد عدم القبول، وكذا شارحها الكركي والاصبهاني وثاني الشهيدين في المسالك، نعم قال في الاخير: " إنه لو أظهر لدعواه


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 21)

[ 337 ]

تأويلا محتملا بأن قال: إنى اعتمدت في الاقرار على قول من أخبرني ثم تبين لي أن مثل ذلك لا يثبت به الرضاع وأمكن في حقه ذلك احتمل القبول، لا مكانه - لكن قال بعد ذلك -: أطلق الاصحاب عدم قبوله مطلقا لعموم " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " (1) وعليه العمل " وفيه أن المتيقن من الخبر المزبور إلزام المقر بما أقربه لمن أقر له، مع المخالفة له، لا أن المراد به إلزامه بذلك وإن وافقه المقر له على الكذب في الاقرار. ومن الغريب عدم احتمال الثلاثة الاولين القبول في هذه الصورة مع احتمالهم القبول في الرجوع عن الاقرار بعد التزويج، فانه قال في القواعد قبل ذلك: " ولو رجع أحد الزوجين بعد إقراره بالرضاع عنه بعد الفرقة لم يقبل رجوعه ظاهرا، وإن ادعى الغلط الممكن، لان الانكار لا يسمع بعد الاقرار " لكن في كشف اللثام تبعا لجامع المقاصد أنه يفهم من السيد سماعه قبل الحكم بالفرقة، ولعله لكونه إقرارا بالنكاح بعد إنكاره، ثم حكيا عن التذكرة إطلاق عدم السماع، كما أنه حكى في الجامع عن أبى حنيفة قبول الرجوع من المقر عن إقراره، من غير فرق بين الرجل والمرأة، وهو وإن كان على إطلاقه غير جيد، ضرورة عدم قبوله مع المخاصمة، نعم ما قلناه في صورة التصديق على الكذب في الاقرار لا يبعد قبوله في المقام، وفي غيره من المقامات من البيع والملكية والوقفية والزوجية ونحو ذلك، بل إن لم يقم إجماع أمكن دعوى القبول في حال عدم العلم من الخصم فضلا عن صورة الموافقة له على الاقرار الصوري، والمسألة محتاجة الى تأمل تام في غير المقام من أفرادها. وعلى كل حال فلو أوقع العقد على هذا الحال، أي حال الاقرار بالاختية مع التكذيب له من الامرأة مثلا فقد يحتمل في بادى النظر إلزام كل منهما بمعتقده، فيكون العقد فاسدا في حقه، صحيحا في حقها، كما لو ادعى الاختية بعد العقد، لكن دقيق النظر يقضي بخلافه، ضرورة اشتراط الصحة من الطرفين في العقد، ومع فرض انتفائها من أحدهما بظاهر الشرع لابد من انتفائها من الاخر، ومن هنا جزم


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 338 ]

في كشف اللثام بأنه لو أوقع العقد حينئذ لم يقع ظاهرا، وفرق واضح بين ذلك وبين الدعوى بعد العقد، ضرورة ثبوت الصحة ظاهرا في العقد قبل الدعوى، وهي لا تقتضي فساده في ظاهر الشرع، وإنما يلزم بحكم الفساد بالنسبة إليه خاصة مؤاخذة له باقراره وإلا فحكم الصحة في العقد باق كما هو واضح. هذا كله في الاقرار قبل العقد من غير فرق بين وقوعه من الرجل والمرأة. (و) أما (إن كان) من الرجل مثلا (بعد العقد ومعه بينة) على دعواه، أو ادعى عليها العلم فنكلت عن اليمين وحلف هو، أو وافقته على ذلك (حكم بها) له (فان كان قبل الدخول فلا مهر) أصلا ولا متعة لتبين فساد العقد (وإن كان بعده كان لها المسمى) عند الشيخ إذا لم تكن بغيا بأن لم يثبت علمها بذلك قبل الدخول، ولكن ستعرف ضعفه وإن أشعرت عبارته المحكية عنه بالاجماع عليه. (وإن فقد البينة وأنكرت) أي (الزوجة) أو لم تعلم بصدقه ولا كذبه ولم يدع عليها العلم أو ادعاه وحلفت هي على نفيه لزمه الحكم بحرمتها عليه بمقتضى إقراره و (لزمه المهر كله مع الدخول) لعدم ثبوت بطلان العقد، بل هو مستصحب الصحة وإلزامه باجتنابها مؤاخذة له باقراره لا يقتضي انفساخا له (ونصفه مع عدمه على قول مشهور) لانه فرقة قبل الدخول، فيكون كالطلاق، لكنه واضح الضعف، إذ هو مع أنه قياس قد عرفت الفرق بينه وبين الطلاق، فالمتجه الزامه بالمهر كملا مطلقا، أللهم إلا أن يثبت أن كل فرقة قبل الدخول كالطلاق، نعم لو أوقع الطلاق مثلا في هذا الحال أمكن القول بالتنصيف، ودعواه الاختية لا ينافي تأثير الطلاق في حقها بعد فرض تكذيبها، مع احتمال العدم اقتصارا فيما دل على تشطير الطلاق على ما كان الطلاق مفرقا للزوجية، والفرض عدمه هنا باعتقاد الزوج، فتطالب الامرأة حينئذ بالمهر تاما وإن بانت بالطلاق عنه باعتقادها. ومما ذكرنا يعلم ما في المحكي الذى سمعته عن الشيخ من لزوم المسمى أيضا في الاول باعتبار أن العقد هو سبب ثبوت المهر، لانه مناط الشبهة، فكان كالصحيح المقتضي لتضمين البضع بما وقع عليه التراضي في العقد، وفيه أن المقام نحو المقبوض بالعقد الفاسد

[ 339 ]

من البيع وغيره، وليس في شئ مما وصلنا من النصوص أن عقد الشبهة كالصحيح حتى يؤخذ باطلاق التشبيه، ولذا لم يكن لها شئ مع عدم الدخول، فليس حينئذ إلا استيفاء البضع على وجه الضمان، فيضمن بقيمته، وهي مهر المثل عرفا وشرعا كغيره مما يقبض بعنوان العقد الصحيح، بل ليس المقام إلا أحد أفراد قاعدة " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " وهو واضح، هذا كله في دعواه. (و) منه يعلم الحال فيما (لو) كانت الدعوى منها، ضرورة اتحاد الجميع فيما سمعته من الاحكام، ومنه ما إذا (قالت الامرأة ذلك) أي هو أخى أو ابني من الرضاع على وجه يصح (بعد العقد لم تقبل دعواها في حقه) كما لم تقبل دعواه في حقها (إلا ببينة) أو تصديق أو دعوى العلم وحلفها بعد نكوله، أو نحو ذلك، ولا ينافي سماع دعواها رضاها بالعقد، لجواز جهلها به حالة العقد وتجدد العلم لها بخبر الثقات، خلافا لبعض العامة، بل لا يبعد قبول دعواها وإن ادعت العلم بالحال حين العقد، لاطلاقهم سماع دعوى النساء مع البينة، ولعموم " البينة على المدعي " (1) ونحو ذلك، لكن قد يظهر من قواعد الفاضل عدم سماعها ولعله لتكذيب فعلها قولها. وكيف كان صدقها الزوج أو ثبت بالبينة ثبت لها المهر مع الدخول وجهلها وإلا يكن دخل بها فلا مهر لها، ولو كذبها ولا بينة لها لم تقع الفرقة، وعليها أن تمكنه من نفسها ما أمكنها، وتفدى نفسها بما أمكنها تخلصا من الزنا باعتقادها، وليس لها المطالبة بالمسمى كلا وبعضا لا قبل الدخول ولا بعده، لاعترافها بفساد العقد، ولا مهر المثل إن كان أكثر من المسمى، لانه دعوى منها بلا بينة، نعم إنما يثبت لها بعد الدخول أقل الامرين من المسمى ومهر المثل. بل فيما حضرني من نسخة المسالك أن لها ذلك مطلقا، أي في حالتي التصديق والتكذيب إلا إذا كانت بغيا فانه لا شئ لها حينئذ وفيه أنه لا فرق على الظاهر بين دعواها ودعوى الزوج في ذلك، فمع فرض التصديق أو قيام البينة


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 من كتاب القضاء.

[ 340 ]

يتجه لها مهر المثل وإن كان أكثر من المسمى، نحو ما سمعته في دعوى الزوج، وأنه من قاعدة " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " ورضاها بما في العقد لا تلتزم به بعد ظهور فساده، كما لا يلتزم به الزوج على حسب ما عرفته. فمن الغريب موافقته في المسألة السابقة على ثبوت مهر المثل وخلافه هنا، مع اتحادهما في المدرك إلا في الصورة التى فرضناها، وهي ما لو كذبها، فأنه ليس لها حينئذ إلا الاقل، ضرورة كونها مدعية صرفا مع فرض زيادته على المسمى، وما في القواعد من احتمال مطالبته بمهر المثل في هذه الصورة لانه دخول بعد عقد تبين فساده من أصله مع جهلها كما ترى، ضرورة عدم تماميته إلا من قبلها دون الزوج الذى فرض تكذيبه لها. نعم لها إحلافه على نفي العلم إن ادعته عليه أو احتملت علمه، كما هو شأن الحلف على نفي فعل الغير، فان نكل حلفت على البت، كما هو شأن الحلف على إثبات فعل، فيحكم بالفرقة حينئذ ومهر المثل مع الدخول لا قبله، لاعترافها بعدم الاستحقاق، ولو نكلت أو كان قد حلف الزوج أولا فان كان قد دفع الصداق لم يكن له مطالبتها به، لاعترافه باستحقاقها له، إلا إذا طلقها قبل الدخول ارتجع نصفه، وإلا يكن دفعه إليها لم بكن لها المطالبة، لاعترافها بعدم الاستحقاق، فان كان عينا كان مالا مجهول المالك، وكذا إذا قبضته وكان باقيا وكان العقد ثابتا في الظاهر، أما إذا نكلت فظاهر، وأما إذا حلف أولا فليمينه. وربما نوقش في الاخير بأن نفي علمه لا ينفيه، فيمكن أن يحلف على ما ادعته، وعلى كل حال فليس لها مطالبته بحقوق الزوجية وإن نكلت لاعترافها بعدم الاستحقاق، بل ربما وجب عليها الفرار من بعضها مع الامكان، فما عن بعضهم من احتمال مطالبتها بغير القسم والجماع لاقراره بالزوجية ولزوم حقوقها واضح الضعف. نعم قد يقال: إن لها المطالبة في خصوص النفقة باعتبار كونها محبوسة عليه، ومنعها من تمكينه إنما هو من جهة الشرع، مع أنه أيضا كما ترى، وفي كشف اللثام

[ 341 ]

" قد يقال: إنها إن رجعت عن دعواها وصدقت الزوج في عدم الرضاع كانت لها المطالبة بالحقوق، وغاية المطالبة بها الرجوع عن الدعوى، فيبقى جوازها لها " وفيه أن مفروض المسألة المطالبة في حال إصرارها على الدعوى، وكيف كان فهذا كله إذا كانت الدعوى منها بعد العقد، (و) أما (لو كان) ذلك منها (قبله حكم عليها بظاهر الاقرار) نحو ما سمعته في دعوى الرجل، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثامنة) (لا تقبل الشهادة بالرضاع إلا مفصلة) بجميع ما يعتبر عند الحاكم الذى تقوم عنده الشهادة، حتى عدم قئ اللبن بناء على اعتباره عنده بلا خلاف أجده ممن تعرض لها (لتحقق الخلاف في الشرائط المحرمة) للرضاع كما عرفته مفصلا في محاله (و) حينئذ فيقوم (احتمال أن يكون الشاهد استند الى عقيدته) التى اعتقدها باجتهاد أو تقليد المخالفة لما عند الحاكم إلا أن يكون الشاهدان اللذان شهدا عنده مقلدين له، عارفين بما يشترط عنده، ويكون واثقا بمعرفتهما، فيتجه حينئذ احتمال قبول الاطلاق حينئذ، ولعل إطلاق الاصحاب منزل على غير هذه الصورة، خصوصا بعد ملاحظة التعليل، نعم لا يعتبر مع ذلك ذكر وصول اللبن الى الجوف، ضرورة اقتضاء الشهادة بالرضاع ذلك، مع عدم الخلاف بين العلماء في كيفيته بعد أن يكون الرضاع من الثدى، فيكفي فيه حينئذ إطلاق الشهادة بالرضاع، نعم لا تكفي حكاية القرائن، بأن يقول: رأيته قد التقم الثدى وحلقه يتحرك، لان حكاية ذلك لا تعد شهادة، بل إذا علم الشاهد العلم العادي بوصول اللبن الى جوفه بالقرائن المفيدة له يشهد بحصوله على الوجه المفصل، هذا. وفي المسالك " أن مثل ذلك ما لو شهد الشاهد بنجاسة الماء مع الاختلاف الواقع بين الفقهاء فيما به يحصل نجاسة، إذ لابد حينئذ من التفصيل أو العلم بموافقة مذهب الشاهد لمذهب الحاكم " وصريحه كظاهر غيره

[ 342 ]

سراية المسألة في كل ما كان المشهود به ذا شرائط مختلف فيها اختلافا معتدا به أو أسباب كذلك ومنه حينئذ الملك والبيع والوقف والزوجية والطلاق ونحو ذلك مما يقطع الفقيه ملاحظة أفرادها بعدم اعتبار التفصيل في الشهادة بها. ومنه يقدح الاشكال فيما نحن فيه، ويمكن أن يكون الشارع اعتبر ما يظهر من عبارة الشاهد، ونزله منزلة الواقع تعبدا حتى يعلم خلافه، فمتى قال: هذا ملك لزيد، أو زوجة له، أو قد باع، أو قد اشترى، أو نحو ذلك حكم به وإن لم يعلم موافقة لرأي الحاكم، واحتمل كونه ملكا على رأيه أو رأي من يقلده، فيتجه حينئذ مثله في المقام، فيحكم حينئذ بمجرد قول الشاهد هذه اخته من الرضاع وإن لم يعلم موافقته للحاكم أو مخالفته، واحتمال قبول شهادتة فيما تقدم باعتبار عدم جواز إطلاق الحكم بالملكية مثلا إلا مع إرادة ذات السبب المتفق عليه بين الجميع وإلا كان مدلسا بعينه جار في المقام، فالمتجه طرد الحكم في الجميع نحو ما سمعته من المسالك، إذ احتمال الخصوصية في الرضاع لم نتحققها، أللهم إلا أن يكون من جهة معروفية الخلاف المعتد به فيه على وجه يقطع أو يظن كون المراد للشاهد أن يشهد (شهد خ ل) ما كان عنده أو عند مقلده، فيتجه حينئذ جعل المدار على ذلك وشبهه مما حصل في عبارة الشاهد ما يظهر منه بناء على ما شهد به على الخلاف، فانه حينئذ لابد من التفصيل بعدم العلم بكون المشهود به هو ما عند الحاكم، بخلاف ما لو أطلق العبارة، فان الظاهر منه إرادة الواقع، فيتحد حينئذ مع ما عند الحاكم الذى يزعمه أن الواقع ذلك، فتأمل جيدا، وعلى كل حال فذلك معتبر في الشهادة بالرضاع. أما لو شهد بالاقرار به، فلا خلاف أجده في الاكتفاء بالاطلاق، لعدم الاختلاف، وما يقال - من أن المقر ربما ظن محرما ما ليس منه - يدفعه أنه أمر آخر لا تعلق له بالشهادة على الاقرار الذى مع ثبوته لا يجب على الحاكم استفضاله، لعموم مؤاخذة العقلاء باقرارهم (1) ولكن مع ذلك قد يناقش باحتمال


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 343 ]

أن الاقرار على حسب الاعتقاد المفروض بطلانه عند الحاكم المخاصمة لا يؤخذ به، وحمله على ما عند الحاكم وإن لم يعلم تقليده له بل وإن علم تقليده لغيره كما ترى، ضرورة عدم الفرق بين عبارته وعبارة الشاهد، (وأما إخبار الشاهد بالرضاع ف‍) هو كغيره لابد فيه من العلم به ولو بالقرائن المفيدة له عادة، وحينئذ (يكفى) فيه (مشاهدته) الصبى (ملتقما) حلمة (ثدى المرأة) ذات اللبن (ماصا له على العادة حتى يصدر) فيشهد على البت وإلا لم يقدر أن يشهد على مشاهدة ذلك، إذ يمكن عدم حصول الرضاع منه، وبالجملة لابد من حصول العلم بالرضاع له بأى طريق يكون، كما هو واضح. المسألة (التاسعة) (إذا تزوجت) امرأة (كبيرة بصغير ثم فسخت إما لعيب فيه وإما لانها كانت مملوكة فاعتقت أو لغير ذلك ثم تزوجت) زوجا (آخر وأرضعته) أي الصبي (بلبنه حرمت على الزوج، لانها كانت حليلة ابنه) بناء على عدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق (وعلى الصغير لانها) امه و (منكوحة أبيه) وكذا لو تزوجت بالكبير أولا ثم طلقها بعد أن أولدها ثم تزوجت بالصغير فأرضعته من لبن الاول، لذلك بعينه. المسألة (العاشرة) (لو زوج ابنه الصغير بابنة أخيه الصغيرة ثم أرضعت جدتهما أحدهما انفسخ نكاحهما، لان المرتضع إن كان هو الذكر فهو إما عم لزوجته) إن كانت

[ 344 ]

الجدة جدة الصغيرة لابيها (أو خال) إن كانت جدتها لامها، أو كلاهما إن كانت لهما (وإن كان الانثى فهى إما عمة لزوجها أو خالة) أو هما معا على نحو ما عرفت. المسألة الحادية عشر تقبل شهادة النساء في الرضاع على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، إذ هو خيرة المقنعة والناصريات والمراسم والوسيلة والمتن فيما يأتي والنافع وكشف الرموز والمختلف والقواعد والارشاد والايضاح والدروس واللمعة والتنقيح والمعالم والمهذب البارع وغاية المرام والروضة والمسالك على ما حكي عن بعضها، بل قيل: إنه ظاهر الصدوقين والقديمين وأبى الصلاح وابن البراج وكل من أطلق قبول شهادة النساء فيما يخفى على الرجال ولم يصرح بالخلاف هنا، بل في الناصريات نسبته الى أصحابنا مشعرا بالاجماع عليه، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من الشيخ في كتاب الرضاع من المبسوط، وفيه وفي كتاب الشهادات في الخلاف، وابني ادريس وسعيد والعلامة في رضاع التحرير، مع أن الشيخ - ره - قد رجع عن ذلك في شهادات المبسوط المتأخر عن الخلاف، كما أن كتاب الشهادات متأخر عن كتاب الرضاع منه، وكذا العلامة قد رجع عنه في التحرير في كتاب الشهادات منه المتأخر عن كتاب الرضاع، فأفتي فيه بالقبول كما في سائر كتبه، فانحصر الخلاف حينئذ في ابني إدريس وسعيد. فمن الغريب بعد ذلك نسبته في محكي السرائر والتحرير والمسالك الى الاكثر، وفي كشف الرموز الى الشيخ وأكثر أتباعه، وأغرب من ذلك دعوى الشيخ الاجماع ظاهرا في الاول، وصريحا في الاخيرين، بل في شهادات المبسوط عن أصحابنا أنهم رووا (1) أنه لا تقبل شهادة النساء في الرضاع أصلا، مع أن الاجماع


(1) المبسوط ج 8 ص 175.

[ 345 ]

مظنة الاول كما سمعته من المرتضى الذى يشهد له التتبع، والرواية غير موجودة في الاصول المعتمدة ولا مقبولة حتى عند من حكاها في الموضع الذي نقلها فيه، لما عرفت أنه في هذا الموضوع من الكتاب المزبور قد أفتى بالقبول، ويمكن أن يكون قد أخذهما من الاجماع والاخبار (1) على عدم قبول شهادتهن فيما لا يعسر اطلاع الرجال عليه على وجه كان الاصل فيها عدم القبول، مضافا الى أن الرضاع من ذلك، باعتبار إمكان اطلاع المحارم من الرجال عليه، بل والاجانب مع اتفاق الرؤية، أو تعمدها مع عدم الاثم حال التحمل، أو مع تجديد التوبة، أو مع القول بعدم قدح مثله في العدالة، وفيه منع عدم العسر، فان الرضاع مما لا يطلع عليه الرجال غالبا، ولا يحل لهم النظر إليه عمدا، لانه في محل العورة التى لا يحل للاجانب النظر إليها، خصوصا بعد اعتبار التفاصيل السابقة في الشهادة بالرضاع، فلا ريب في كونه مما يعسر الاطلاع عليه لهم، ولم يعتد علم الرجال به بالنظر المشتمل على سائر تفاصيله، وحينئذ فيندرج في جميع ما دل على قبول شهادتهن في مثل ذلك من إجماع ونصوص، نحو قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (2): " تجوز شهادة النساء وحدهن بلا رجال في كل ما لا يجوز للرجال النظر " وفي خبر داود بن سرحان (3): " أجيز شهادة النساء في الصبى، صاح أو لم يصح، وفي كل شئ لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه " كقول الرضا عليه السلام في خبر محمد بن الفضيل (4): " يجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه " الى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك، مضافا الى المعتبرة المستفيضة (5) الدالة على قبول شهادتهن في العذرة والنفاس واستهلال المولود وعيوب النساء المعلوم كون الوجه في ذلك تحريم النظر وعسر الاطلاع وعدم اعتياده، والرضاع إن لم يكن أولى من بعضها فهو مثله، وإلى إطلاق ما دل (6) على قيام امرأتين مقام رجل واحد


(1) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 10 - 12 - 7 - - 0 -. (6) الوسائل الباب - 15 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 من كتاب القضاء.

[ 346 ]

في الشهادات، وإطلاق قول الباقر عليه السلام في رواية ابن أبى يعفور (1): " تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات " وإلى خصوص قول الصادق عليه السلام في مرسلة ابن بكير (2) " في امرأة أرضعت غلاما أو جارية، قال: يعلم ذلك غيرها، قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها " فان مفهوم الشرط المعتبر هو تصديقها حيث يعلم ذلك غيرها، والسند مجبور بما عرفت. ومن ذلك كله يعرف الحال فيما استدل به للخصم من الاصل المقطوع بما عرفت، والاجماع المعارض بمثله الموهون بما سمعت، والمرسل (3) في المبسوط الذى قدبان لك الحال فيه، ودعوى عدم عسر إطلاع الرجال على ذلك الممنوعة على مدعيها، فلا ريب حينئذ في أن الاقوى قبول شهادتهن منفردات فضلا عن حال الانضمام، فيثبت حينئذ كسائر أحوال النساء بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين أو أربع نسوة، وما أبعد ما بين القول بعدم ثبوته بهن وبين المحكي عن القاضي من عدم ثبوته إلا بهن، لكنه شاذ ضعيف، كضعف المحكي عن التحرير من عدم ثبوته برجل وامرأتين، مع تصريحه بجواز النسوة كالرجلين، وثبوت أحوال النساء بالجميع. وكيف كان فلا تكفي في ثبوته المرأة والمرأتان وفاقا للمشهور، للاصل بعد معلومية اعتبار المرأتين بواحد فيما تسمع فيه شهادة النساء، بل قد صرح الاصحاب بأن شهادة النساء حيث تقبل على الانفراد يشترط فيها بلوغ الاربع، واستثنوا من ذلك ميراث المستهل والوصية بالمال، فأثبتوا بالواحدة ربع المشهود به، وبالاثنين نصفه وبالثلاث ثلاثة أرباعه، وما عن ابن الجنيد - من أن كل أمر لا يحضره الرجال فشهادة النساء فيه جائزة كالعذرة والاستهلال والحيض، ولا يقضي به بالحق إلا بأربع منهن، فان شهد بعضهن فبحساب ذلك - مع ضعفه لا يتأتى في مثل الرضاع، فان


(1) الوسائل الباب - 41 - من كتاب الشهادات الحديث 20. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3. (3) المبسوط ج 8 ص 175.

[ 347 ]

الحق فيه لا يقبل القسمة، فالتحقيق حينئذ ما عرفت. خلافا للمحكي عن المفيد من الاجتزاء بشهادة الاثنتين فيما لا يراه الرجال كالعذرة وعيوب النساء والنفاس والحيض والولادة والاستهلال والرضاع، بل قال: " وإذا لم يوجد على ذلك إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه " بل عن سلار موافقته على ذلك غير مشترط عدم وجود غيرها، وعن أبى الصلاح الحكم بشهادة الاثنتين فيما لا يعاينه الرجال، ويمكن أن يدخل فيه الرضاع. وعلى كل حال فلم نجد ما يدل على الاجتزاء بالاثنتين سوى قول الباقر عليه السلام في خبر أبى بصير (1): " يجوز شهادة امرأتين في الاستهلال " وظاهر قول الصادق عليه السلام في المرسل (2) السابق: " لا تصدق إن لم يكن غيرها " ولا ما يدل على الواحدة سوى قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (3) وقد سأله عن شهادة القابلة، فقال: " تجوز شهادة الواحدة " والاول مع أنه في الاستهلال والثانى بالاطلاق الذى يقيد بما عرفت، على أنه لا جابر له في ذلك، والثالث في غير الرضاع، يمكن حمل الاول والاخير على إرادة الاجتزاء بالاثنتين والواحدة ولو بالنسبة الى النصف والربع، بل يمكن حمل عبارة القائل بالواحدة في خصوص المقام على إرادة الندب، كما عساه يومئ إليه عبارة السيد في الناصرية، قال: استحب أصحابنا أن يقبل في الرضاع شهادة المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة واحتياطا فيه، واحتج على ذلك بالاجماع والنبوى " دعها كيف وقد شهدت السوداء " (4) حيث إنها وحدها شهدت بالرضاع، وحينئذ فيرتفع الخلاف في الواحد وإن بعد التنزيل، وإن أبيت فلا ريب في ضعفه، كالاجتزاء بالاثنتين، لما عرفت. ثم لا فرق بناء على القبول بين شهادة أم الزوجة وجدتها وبين شهادة


(1 و 3) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 41 - 2. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 3. (4) سنن الدارقطني ج 4 ص 177 (كتاب الرضاع من رقم 15 الى 19).

[ 348 ]

ام الزوج وجدته وبين غيرهن من النساء، لاطلاق الدليل، خلافا للمحكى عن العامة، ففرقوا بين الصورتين الاولتين، بل الظاهر سماع شهادة بنت الزوجة والزوج ما لم تتضمن شهادة على الوالد، وما عن الشافعية - من أنه لا يتصور شهادة البنت على أمها بأنها ارتضعت من أم الزوج، لاشتراط الشهادة عليه بالمشاهدة - يدفعه منع اشتراطها بذلك، إذ قد يحصل العلم بالاستفاضة ونحوها، ولو شهدت المرضعة بالرضاع منها بين اثنين أو بينها وبين واحد قبلت مع ثلاث أو اخرى ورجل، لانها لم تشهد على فعلها، ولجواز ارتضاعه منها وهي نائمة، ولا تفيد لها أجرة لو ادعتها، بل في القواعد لو شهدت بأني أرضعته فالاقرب القبول ما لم تدع أجرة، أي بأن أقرت بالتبرع أو الابراء أو الاخذ، لانتفاء المانع حينئذ، لكن قد يناقش بأنها شهادة على فعل نفسها، فهى في معنى الدعوى أو الاقرار، وقد يدفع بأن المقصود بالشهادة إنما هو الارتضاع، وهو فعله، بل عن الشافعية وجه بسماع شهادتها وإن ادعت الاجرة وإن لم يقبل منها في دعوى الاجرة، وتقبل شهادتها بالرضاع، والاقوى عدم القبول مطلقا، ضرورة خروج الفرض عن موضوع الشهادة واندراجه في موضوع الدعوى، كما هو واضح، والله العالم. (السبب الثالث) من أسباب التحريم (المصاهرة، وهى) علاقة قرابة تحدث بالزواج جعلها الله تعالى كما جعل النسب، فقال عز من قائل: (1) " هو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا " نعم قد تعارف هنا البحث عن امور الحقت بها إلحاقا وربما عرفها بعضهم بما يشملها توسعا، والامر سهل. وعلى كل حال فهو أي السبب المذكور (يتحقق مع الوطء الصحيح) الناشئ عن العقد ولو تحليلا أو الملك، (ويشكل) تحققه (مع الزنا والوطء بالشبهة) كما ستعرف الكلام فيه (و) في تحققه أيضا ب‍ (النظر واللمس ف‍) الذي


(1) سورة الفرقان: 25 - الاية 54.

[ 349 ]

ينبغى (البحث) فيه (حينئذ في الامور الاربعة). (أما النكاح الصحيح ف‍) كل (من وطأ امرأة) ولو دبرا (بالعقد الصحيح) الدائم أو المنقطع (أو الملك) عينا أو منفعة بالتحليل (حرم على الواطئ) أبدا (أم الموطوءة وإن علت) لاب أو أم (وبناتها وإن سفلن) لابن أو بنت، سواء (تقدمت ولادتهن أو تأخرت ولو لم تكن في حجره) أي في حضانته وحفظه وستره بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل بين المسلمين كافة، بل هو إجماع منهم، لقوله تعالى (1): " وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن " والاماء لو سلم عدم كونهن من النساء فلا فرق بينها وبينهن إجماعا بقسميه. كما أن التقييد بالحجور فيها غير معتبر كذلك، قال علي عليه السلام في خبر غياث بن ابراهيم (2): " الربائب عليكم حرام، كن في الحجر أم لم يكن " وفي رواية إسحق بن عمار (3) عنه عليه السلام: " الربائب عليكم حرام من الامهات اللاتى دخلتم بهن في الحجور وغير الحجور سواء " وفي صحيح ابن مسلم (4): " في رجل كانت له جارية فأعتقت وتزوجت فولدت أيصلح لمولاها الاول أن يتزوج ابنتها ؟ قال: لا هي حرام، وهى ابنته، والحرة والمملوكة في هذا سواء " وفي مرسل جميل (5): " في رجل له جارية فوطأها ثم اشترى أمها أو بنتها قال: لا تحل له أبدا " الى غير ذلك مما لا يعارضه الشواذ المطرحة من النصوص، كرواية رزين (6) قلت لابي جعفر عليه السلام: " رجل كانت له جارية فوطأها فباعها أو ماتت، ثم وجد ابنتها أيطؤها ؟ قال: إنما حرم الله هذا من الحرائر، وأما الاماء فلا بأس "


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 18 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4 - 3 - 2. (5) الوسائل الباب - 21 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 و 8. (6) أشار إليها في الوسائل الباب - 21 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 16 وذكرها بعينها في الاستبصار ج 3 ص 161 الرقم 584.

[ 350 ]

وخبر الفضيل بن يسار (1): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له مملوكة يطؤها فماتت، ثم يصيب بعد ابنتها، قال: لا بأس، ليست بمنزلة الحرة ". (و) كما حرم على الواطئ الام والبنت كذلك يحرم (على الموطوءة) المذكورة (أب الواطئ وإن علا) لاب أو أم (وأولاده وإن سفلوا) لابن أو بنت (تحريما مؤبدا) نصا (2) وإجماعا من المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل ربما أدرجا في آية حلائل الابناء (3) وآية " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (4) وإن كنا في غنية عنه بغيره، هذا كله في الوطء بالعقد والملك. (ولو تجرد العقد عن الواطئ حرمت الزوجة على أبيه) وإن علا (وولده) وإن سفل على حسب ما عرفت، وتقييد حلائل الابناء بالذين من أصلا بكم لاخراج من لم يكن من الصلب كالذى يتبني (ولم تحرم بنت الزوجة عينا بل) إنما تحرم (جمعا و) حينئذ ف‍ (لو فارقها) أي الام قبل الدخول (جاز له نكاح بنتها) إجماعا، لنص الكتاب (5). (وهل تحرم امها بنفس العقد) عليها ؟ (فيه روايتان، أشهرهما) رواية وفتوى (أنها تحرم) بل في الغنية والناصريات الاجماع عليه، لدخولها تحت " امهات نسائكم " (6) وللاخبار (7) والاحتياط، خلافا للحسن، فاشترط الحرمة بالدخول كالبنت، للاصل وصحيح جميل بن دراج وحماد بن عيسى (8)


(1) نقل مضمونها في الوسائل في الباب - 21 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 15 عن الفضيل بن يسار وربعي بن عبد الله قالا: سألناها ورواها في الاستبصار ج 3 ص 161 الرقم 587 كالجواهر. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (3 و 5 و 6) سورة النساء: 4 - الاية 23. (4) سورة النساء: 4 - الاية 22. (7 و 8) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث - 0 - 3. والثانى عن جميل بن دراج وحماد بن عثمان.

[ 351 ]

عن الصادق عليه السلام: " الام والبنت سواء إذا لم يدخل بها، يعنى إذا تزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فانه إن شاء تزوج امها وإن شاء ابنتها " ومضمر محمد بن إسحاق بن عمار (1): " قلت له: رجل تزوج امرأة ودخل بها، ثم ماتت أيحل له أن يتزوج امها، قال: سبحان الله كيف يحل له امها وقد دخل بها ؟ قال: قلت له: فرجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها يحل له امها، قال: وما الذي يحرم عليه منها ولم يدخل بها ؟ " ولان الظاهر من الاية (2) كون الدخول قيدا للنساء في الجملتين، لان ظاهر الصفة والشرط ونحوهما إذا تعقبت جملا متعاطفة رجوعها الى الكل تسوية بينها. والاصل مقطوع بما عرفت، واحتمال صحيح جميل بن دراج أو ظهوره في أن قوله: " يعنى " من كلام الراوي، بل عن الوسائل أنه رواها عن نوادر ابن عيسى عارية عن هذه الزيادة، وحينئذ فلا يكون حجة بعد عدم تعين كلام الامام له، لجواز رجوع ضمير " بها " إلى الام، فالمعنى أنه إذا لم يدخل بالام كانت هي والبنت سواء في الحل، وأما ما يحكى عن الصدوق رحمه الله - من رواية (3) الخبر المزبور " الام والبنت في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلت له الاخرى " - فقد قيل من المحتمل قويا أن يكون ذلك من كلام الصدوق تفسيرا بالمعنى، تبعا لما فسر به في تلك الرواية، نعم قد يقال باستفادة كونه مذهبا له في ذلك لكن ينافيه ما صرح به في المقنع، قال: " إذا تزوج البنت دخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الام وقد روي (4) أن الام والبنت في هذا سواء إذا لم يدخل


(1) الوسائل البالب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 5. (2) سورة النساء: 4 - الاية 23. (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3. (4) المستدرك الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 5.

[ 352 ]

بإحداهما حلت له الاخرى " بل منه يستفاد كون ذلك من تتمة الخبر المزبور، أللهم إلا أن يكون رواه على مقتضى ما فهمه. وعلى كل حال فمع التسليم يكفي طعنا في الخبر المزبور هذا الاختلاف في متنه، ومع ذلك هو مضطرب الاسناد، لانه كما ذكره الشيخ قال: لان الاصل فيه جميل وحماد وهما تارة يرويانه عن الصادق عليه السلام بلا واسطة، واخرى يرويانه عن الحلبي عنه عليه السلام، بل جميل يرويه مرة ثالثة عن بعض أصحابه عن أحدهما عليه السلام ومثل ذلك مما يضعف الاحتجاج به في الثاني، مع أنه مضمر لاصراحة فيه أيضا. وأما الاية فالتحقيق أن القيد في الجمل المتعاطفة التعلق بالاخيرة ولو لاصالة بقاء ما قبلها على الاطلاق وخصوصا هنا، لانه إن علق بالجملتين قوله تعالى: " اللائى " الى آخره لزم الفصل بين الصفة وموصوفها بأجنبيات، وإن علق بها جملة قوله تعالى: " من نسائكم اللاتى " الى آخره لم يصح إلا أن يكون " من " باعتبار الاولى بيانية، وباعتبار الثانية (1) وهو وإن سلم جوازه ولو بأن تحمل بالنسبة اليهما على الاتصالية، نحو قوله تعالى (2): " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض " ويكون المجموع حالا عن امهات النساء والربائب جميعا، لكنه لابد له من قرينة وليست، بل هي على خلافها من النصوص محققة. قال الصادق عليه السلام في خبر ابن عمار (3): " إن عليا عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام من الامهات اللاتى دخلتم بهن في الحجور وغير الحجور سواء، والامهات مبهمات دخل أم لم يدخل، فحرموا وأبهموا ما أبهم الله ". وقال أبو حمزة في خبر العياشي (4): " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوج


(1) هكذا في النسخة الاصلية والصحيح هكذا " وباعتبار الثانية ابتدائية ". (2) سورة التوبة: 9 الاية 67. (3) ذكر صدره في الوسائل الباب - 18 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 وذيله في الباب - 20 - منها الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7. (جواهر الكلام - ج 22)

[ 353 ]

امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها أتحل له ابنتها ؟ قال: فقال: قد قضى في هذا أمير المؤمنين عليه السلام، لا بأس به إن الله يقول: وربائبكم اللاتي في حجوركم - الى آخرها - ولكنه لو تزوج الابنة ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم تحل له أمها، قال: قلت: أليس هما سواء ؟ قال: فقال: لا، ليس هذا مثل هذا، إن الله تعالى يقول: وامهات نساءكم، ولم يستثن في هذه كما اشترطه في تلك، هذه مبهمة ليس فيها شرط وتلك فيها شرط " مضافا إلى غير ذلك من النصوص (1) المصرحة باعتبار الدخول في تحريم الربيبة وعدمه في تحريم الام التى لم يتعرض فيها للتفسير. بل قد يظهر من صحيح منصور بن حازم (2) - الذى استدل فيه الخصم، وهو على خلافه أدل - معلومية قضاء علي عليه السلام في ذلك بين الشيعة حتى أنهم كانوا يفتخرون فيه على غيرهم، قال: " كنت عند أبى عبد الله عليه السلام، فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج بامرأة فماتت قبل أن يدخل بها، أيتزوج بامها ؟ فقال أبو عبد الله: قد فعله رجل منا، فلم نربه بأسا، فقلت: جعلت فداك ما يفخر الشيعة إلا بقضاء علي عليه السلام في هذه السمحة التى أفتى بها ابن مسعود أنه لا بأس بذلك، ثم أتى عليا عليه السلام، فقال له علي عليه السلام: من أين أخذتها ؟ فقال: من قول الله تعالى: وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن الى آخرها، فقال علي عليه السلام: هذه مستثناة وهذه مرسلة وامهات نسائكم، فقال أبو عبد الله عليه السلام للرجل: أما تسمع ما يروى هذا عن علي عليه السلام ؟ فلما قمت ندمت، وقلت: أي شئ صنعت، يقول هو: قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، وأقول أنا: قضى علي عليه السلام فلقيته بعد ذلك، فقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذى كنت تقول، كان زلة مني، فما تقول فيها ؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن عليا عليه السلام قضى فيها، وتسألني فما تقول فيها " كما أن منه يظهر الوجه في حمل الخبرين المخالفين بعد فرض دلالتهما،


(1) الوسائل والمستدرك الباب - 18 و 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (2) ذكر صدره وذيله في الوسائل الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 5 ص 422.

[ 354 ]

وهو التقية المستفادة من هذا الصحيح بوجوه من الدلالة، فحينئذ لا ريب في المسألة والله العالم. (ولا تحرم مملوكة الاب على الابن بمجرد الملك، ولا مملوكة الابن على الاب)، للاصل، وظهور حصر المحرمات في غيرهما، ضرورة عدم اندراجهما في حليلة الابن ومنكوحة الاب، واحتمال كون المراد منهما من جاز وطؤها (و) لو بالملك مقطوع بعدمه، مناف للظاهر من لفظي الحلائل والنكاح. نعم (لو وطأ أحدهما مملوكته) ولو دبرا (حرمت على الاخر) إجماعا ونصا (1) (ولا يجوز لاحدهما أن يطأ مملوكة الاخر إلا بعقد أو ملك أو تحليل)، لقاعدة قبح التصرف في مال الغير بغير اذنه. (و) لكن (يجوز للاب أن يقوم مملوكة ابنه إذا كان صغيرا ثم يطؤها بالملك) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد النصوص (2) إنما الكلام في أن المراد من تقويمها تملكها بعقد شرعي كبيع ونحوه، أو يكفي في دخولها في ملكه مجرد تقويمها على أن تكون مملوكة له بالقيمة في ذمته مثلا لولده، قد صرح غير واحد من الاصحاب بالاول، لاصالة عدم دخولها في الملك إلا بالمملك الشرعي، بل في جامع المقاصد القطع بذلك تارة، ونفى الخلاف اخري، قال: " ولا يكفي مجرد التقويم قطعا، إذ لا ينتقل الملك، إلا بسبب ناقل، وقبله لا يجوز التصرف، ولا أثر للتقويم بدون العقد المملك، ولا خلاف في شئ من هذه الاحكام " وهو إن تم إجماعا كفى، وإلا أمكن أن يحتمل الثاني عملا بظاهر النص (3) وما كان كالمتن من الفتوى، ويكون حينئذ شبه فرض القيميات، وحينئذ يتجه احتمال الاقتصار في هذا الحكم على خصوص الاب لا الجد، وخصوص مملوكة الولد لا البنت، جمودا على ما خلف الاصل على المتيقن، وإن كان الذى يقوى في النظر العموم، للقطع باتحاد الجميع، بل ينبغي


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 5. (2 و 3) الوسائل الباب - 40 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.

[ 355 ]

القطع به على الاول، ضرورة تسلط الجد على التصرفات جمعيها التى منها ذلك، كما أنه ينبغى القطع بعدم الفرق بين الولد والبنت عليه أيضا كما هو واضح. (ولو بادر أحدهما فوطأ مملوكة الاخر من غير شبهة كان زانيا) بلا خلاف ولا إشكال، وفي نشر الحرمة بذلك ما سيأتي (لكن لاحد على الاب) الذى هو أصل للولد ومالك له ولما له، كما كشف عن ذلك النص (1) وبه صرح في القواعد والارشاد والتلخيص والمسالك وجامع المقاصد، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في جامع المقاصد، إلا أنى لم أجد به نصا بالخصوص على وجه يصلح مقيدا لما دل على الحد بالزنا، بل لم أعثر على من استثناه في كتاب الحدود، كما استثنوا سقوط الحد على الوالد بسرقة مال الولد، بل في المسالك في شرح المسألة الرابعة من الشرائع في كتاب الحدود في حد السارق ما هو كالصريح في مفروغية ترتب حد الزاني على الاب لو زنى بجارية الابن، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (وعلى الابن الحد) لا طلاق أدلته (ولو كان هناك شبهة سقط الحد) عنه للامر بدرئه عندها (2) (ولو حملت مملوكة الاب من الابن مع الشبهة) الملحقة للولد بأبيه (أعتق) قهرا، لعدم ملك الاب ولده وإن نزل فينعتق حينئذ على جده المالك للجارية (ولا قيمة على الابن) للاصل وغيره (و) ليس هكذا (لو حملت مملوكة الابن من الاب) شبهة، فانه (لم ينعتق) على الولد المالك للجارية، لان الرجل يملك أخاه (و) لكن (على الاب فكه) منه (إلا أن تكون انثى) فتنعتق قهرا على أخيها، ولا قيمة على الاب. (ولو وطأ الاب زوجة ابنه لشبهة لم تحرم على الولد، لسبق الحل) وكذا العكس، وإن قلنا: إن الشبهة تنشر الحرمة لكن إذا لم يكن العقد مثلا سابقا كما ستعرف البحث فيه، (وقيل: تحرم لانها منكوحة الاب) فتندرج


(1) الوسائل الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 27 - من أبواب حد الزنا الحديث 11 من كتاب الحدود.

[ 356 ]

في عموم (1) " ولا تنكحوا " وفيه أن المراد من النكاح فيها العقد كما ستعرف، (و) عليه (يلزم الاب مهرها) بما استحل من فرجها، (ولو عاودها الولد فان قلنا) بالثاني أي أن (الوطء بالشبهة ينشر الحرمة كان‍) ت حينئذ اجنبية عنه، ف‍ (عليه) لها (مهران) إذا كان قد عاودها مشتبها: أحدهما المسمى السابق، والثاني مهر المثل للوطء الاخير، وهكذا (وإن قلنا) بالاول أي أن وطء الشبهة (لا يحرم وهو الصحيح) عند المصنف كما ستعرفه أو في خصوص الفرض (فلا مهر) عليه (سوى الاول) ضرورة بقائها حينئذ على زوجيته ولم تحرم عليه بوطء أبيه كما هو واضح. والله العالم. (ومن توابع المصاهرة تحريم اخت الزوجة) لاب وأم أو لاحدهما (جمعا لا عينا) كتابا (2) وسنة (3) مستفيضة أو متواترة وإجماعا بقسميه، بل لا يجوز الجمع بينهما بالوطء بالملك، لذلك أيضا، وما في خبر ابن يقطين (4) - " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن اختين مملوكتين وجمعهما، قال: مستقيم ولا احبه لك، قال: وسألته عن الام والبنت المملوكتين قال: هو أشدهما ولا احبه لك " - محمول على إرادة الجمع في الملك أو على التقية، كخبر الحلبي (5) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " قال محمد بن علي عليه السلام في اختين مملوكتين تكونان عند الرجل جميعا قال: قال علي عليه السلام: أحلتهما آية (6) وحرمتهما آية اخرى (7)، وأنا أنهى عنها نفسي وولدى " فان الظاهر كون الداعي الى هذا الاجمال التقية، وإن كان هو ظاهرا في إفادة التحريم، ضرورة ظهور قوله عليه السلام: " وأنا أنهى نفسي " في رجحان آية النهي وأن العمل عليها، بل منه يستفاد ترجيح النهي في العامين من وجه فان ذلك


(1 و 2) سورة النساء: 4 - الاية 22 - 23. (3) الوسائل الباب - 24 و 25 و 26 و 27 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (4 و 5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4 - 3. (6) سورة النساء: 4 - الاية 3 و 24 و 25. (7) سورة النساء: 4 - الاية 23.

[ 357 ]

منه، إذ آية التحليل آية الملك وآية التحريم آية النهى عن الجمع بين الاختين، قال معمر بن يحيى بن بسام (1): " سألت أبا جعفر عليه السلام عما يروي الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام عن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها ولا ينهى عنها إلا نفسه وولده، فقلت: كيف يكون ذلك ؟ قال: أحلتها آية وحرمتها اخرى، فقلنا: هل إلا أن تكون إحداهما نسخت الاخرى أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما ؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده، قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس ؟ قال: خشي أن لا يطاع، ولو أن أمير المؤمنين عليه السلام ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله والحق كله " وكيف كان فلا إشكال في أصل الحكم. (و) من توابعها أيضا تحريم (بنت اخت الزوجة وبنت أخيها إلا برضا الزوجة و) حينئذ ف‍ (لو أذنت صح) وإلا فلا، بلا خلاف معتد به أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع مستفيضا أو متواترا عليه كالنصوص (2) فما عن الاسكافي والعماني من الجواز مطلقا بعد تسليم صحة ذلك عنهما لاطلاق قوله تعالى (3): " واحل لكم ما وراء ذلكم " وخبر علي بن جعفر (4) " سألت أخي موسى عليه السلام عن الرجل يتزوج المرأة على عمتها أو خالتها، قال: لا بأس " المقيدين بغيرهما من النص (5) والاجماع واضح الضعف، كوضوح ضعف المحكي عن الصدوق من المنع مطلقا، لا طلاق جملة من النصوص (6) المقيد أيضا بما عرفت، خصوصا بعد أن كان مذهب جميع العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، بل لا يبعد عدم قدح خلافهما في الاجماع السابق لهما (و) اللاحق، فالمسألة حينئذ لا إشكال فيها. نعم (له إدخال العمة والخالة على بنت أخيها واختها ولو كره المدخول


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 8. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (3) سورة النساء: 4 - الاية 24. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11 - 1 - 0 -.

[ 358 ]

عليها) بلا خلاف معتد به أجد فيه، بل عن التذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصل وعموم الاية (1) وخصوص خبر ابن مسلم (2) عن أبي جعفر عليه السلام " لا تزوج ابنة الاخ ولا ابنة الاخت على العمة ولا على الخالة إلا باذنهما، وتزوج العمة والخالة على ابنة الاخ والاخت بغير اذنهما " ونحوه خبره الاخر (3) وخبر على بن جعفر (4) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن امرأة تزوجت على عمتها وخالتها، قال: لا بأس، وقال: يتزوج العمة والخالة على ابنة الاخ وبنت الاخت، ولا تزوج بنت الاخ والاخت على العمة والخالة إلا برضا منهما، فمن فعله فنكاحه باطل " وخبر مالك بن عطية (5) عن الصادق عليه السلام " لا تنكح المرأة على خالتها، وتزوج الخالة على ابنة أختها " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك، فما عن المقنع من إطلاق المنع كالعكس واضح الفساد، كاحتمال الاستدلال له بقول الصادق عليه السلام في خبر أبي الصباح (6) " لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها " إذ هو مطلق يجب حمله على المقيد هذا، ولكن في بعض القيود إن القول بالجواز وإن كرهتا مناف لخبر ابن مسلم (7) عن الباقر عليه السلام " لا تتزوج الخالة والعمة على ابنة الاخ وابنة الاخت بغير إذنهما ". وفيه أن الذى عثرنا عليه في الاصول من خبر ابن مسلم " تتزوج الخالة " إلى آخره من دون نهي، نعم رواه في المسالك كذلك، والظاهر أنه وهم منه، وعلى تقديره يمكن حمله على إرادة الاذن من العمة والخالة كما جزم به في المسالك، حيث إنه بعد أن ذكر الجواز قال: " ولكن بشرط علم الداخلة بكون المدخول عليها زوجة، وإلا لم يصح، والمصنف أطلق الجواز، وهو محمول على رضا الداخلة، ثم


(1) سورة النساء: 4 - الاية 24. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 - 12 - 3. (5) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9 وفيه " لا تتزوج المرأة... " (6 و 7) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 - 5.

[ 359 ]

على تقدير جهلها بالحال فهل يقع العقد باطلا أم يتوقف عقد الداخلة على رضاها أم عقدها وعقد المدخول عليها ؟ أوجه، أوجهها الوسط، لان جواز عقد الداخلة مشروط برضاها، فلا وجه لابطاله بدونه، وعقد السابقة قد حكم بصحته ولزومه قبل العقد الثاني فيستصحب، والحق في ذلل للداخلة، فتتخير في عقد نفسها بين فسخه والرضا بمصاحبة المدخول عليها، وكون رضاها شرطا في صحة الجمع لا يدل على أزيد من ذلك، لان العقد حينئذ لا يقصر عن عقد الفضولي، وسيأتى تحقيقه " وظاهره المفروغية من اعتبار رضاها، ولعله أخذه ما تسمعه في نكاح الحرة على الامة، بناء على اشتراك المسألة في كيفية دلالة الدليل، وفي حكمة الحكم، وهي الاحترام، إلا أنه ستعرف هناك عدم اعتبار الاذن في الجواز والصحة، وإنما تتسلط هي على الخيار، كما ستسمع، أللهم إلا أن يريدوا ذلك هنا أيضا، وفيه أنه بعد التسليم لا يخرج عن القياس. ومن هنا قال في الرياض: " لا فرق في الجواز بين علم الداخلة بكون المدخول عليها بنت أخ أو أخت أم لا وفاقا للاكثر، للاصل وإطلاق النصوص " وعن العلامة اشتراط العلم ومستنده غير واضح، والنصوص باعتبار إذنهما مختصة بالصورة الاولى، وظاهره عكس ما سمعته من المسالك، نعم في قواعد الفاضل " الاقرب أن للعمة والخالة حينئذ فسخ عقدهما لو جهلتا، لا المدخول عليهما، أي لا عقد المدخول عليهما، لاصالة صحته ولزومه، ولا أحدهما يقع باطلا، لاصالة الصحة واستصحابها مع عدم الدليل على البطلان، فليس حينئذ إلا فسخ عقد أنفسهما مع عدم رضاهما " وفيه أن المتجه ما عرفت من الصحة واللزوم فيهما اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن، وهو الصورة الاولى التي هي المناسبة لاحترام العمة والخالة، لا المفروضة، وخبر أبى الصباح (1) مع أنه ضعيف لا جابر له في خصوص ما نحن فيه، وموافق باطلاقه للعامة يقوى في الظن إرادة الصورة التى صرحت النصوص بالمنع من الجمع فيها من دون الاذن، وهي إدخال بنت الاخ والاخت على العمة والخالة، لا ما نحن


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7.

[ 360 ]

فيه الذى أطلق في النصوص جوازه، بل لو سلم عدم التفات النصوص إلى الاذن وعدمها في هذه الصورة لاكتفينا في حليتها بعمومات الحل، فلا ريب حينئذ في أن الاقوى عدم اعتبار الاذن، وعليه لا يحتاج الى البحث في تنقيح الاحتمالات المذكورة في المسالك تبعا لجامع المقاصد وإن كان الاقوى فيها على القول باعتبار الاذن أن لهما فسخ عقد أنفسهما لا المدخول عليهما، وهو واضح. بل قد يقال إن مقتضى ما ذكرنا جواز الجمع بينهما بعقد واحد بغير إذن منهما، لاختصاص النصوص باعتبار الاذن في صورة إدخالهما على العمة والخالة، أللهم إلا أن يستفاد حكم ذلك مما تسمعه في الجميع بين الحرة والامة بعقد واحد بناء على اتحادهما في كيفية دلالة الدليل، وقد ورد الخبر الصحيح (1) هناك بصحة عقد الحرة دون الامة أي مع عدم الاذن فلاحظ وتأمل جيدا، هذا. وظاهر النصوص والفتاوى اختصاص الحكم في التزويج فلا يحرم الجمع بينهما بالوطء بالملك للتعبير بالتزويج والنكاح في أكثر النصوص (2) وهو حقيقة في العقد، بل لو سلم اشتراكه بينه وبين الوطء فالقرينة على إرادة العقد منه هنا ظاهرة، لان المملوكة ليست أهلا للاذن ولا للسلطنة على النكاح، وكذا لو كانت العمة والخالة أمتين له وأدخل عليهما بنت الاخ والاخت حرتين، بل لعله أولى بالجواز، بل لو انعكس الفرض بأن كانت العمة والخالة حرتين وأدخل عليهما بنت الاخ والاخت المملوكتان، فكذلك أيضا. ودعوى المنع للاولوية من إدخالهما حرتين يدفعها منع الاولوية، لعدم استحقاق الامة الاستمتاع، كاحتمال منع مطلق الجمع للنهي عنه في خبر أبي الصباح (3) ولان النكاح بمعنى الوطء لغة، ولان الملك بمنزلة النكاح في الاستفراش، ولان الحكمة احترام العمة والخالة بالنسبة الى بنت الاخ والاخت والاحتراز عن وقوع البغضة بينهما، إذ قد عرفت ضعف خبر أبي الصباح، ولا جابر له


(1) الوسائل الباب - 48 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 0 - 7.

[ 361 ]

بالنسبة الى ذلك، مع أنه موافق للعامة، وقد عرفت أن النكاح العقد، وأنه على تقدير اشتراكه يراد منه العقد، ووضوح الفرق بينه وبين النكاح في الاحترام والامتهان وغيرهما، فالتحقيق قصر الحرمة على خصوص التزويج. نعم لا فرق فيه بين الحرائر والاماء، لا طلاق الادلة، بل لعل المنع هنا أولى في بعض الافراد، وأما التحليل فالظاهر إلحاقه بالملك في الحكم لا التزويج، كما ستعرف تحقيقه إن شاء الله في محله. كما أن الظاهر عدم الفرق في العمة والخالة بين الدنيا والعليا وإن احتمل الاقتصار على الاولى، لمخالفة الحكم للاصل إلا أن الاقوى التعميم، للاشتراك في العلة، واحتمال شمول اللفظ للجميع، خصوصا في مثل النكاح الثابت نظير ذلك فيه في نظائر هذا اللفظ في المحرمات ونحوها، والله هو العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو تزوج بنت الاخ أو بنت الاخت على العمة أو الخالة من غير إذنهما كان العقد باطلا) لا تنفع الاجازة بعده، لاقتضاء النهى ذلك في المعاملة، بل لعله يقتضي هنا خروج الموضوع عن قابلية النكاح، كالنهي عن النسبيات، ولقول الكاظم عليه السلام في خبر أخيه (1): " فمن فعل فنكاحه باطل " لان رضا العمة والخالة شرط في صحة العقد، فيجب مصاحبته للمشروط، كما هو الاصل في الشرائط، أي الظاهر من أدلتها خصوصا في المقام. (وقيل) والقائل الشيخان وأتباعهما بل نسبه غير واحد إلى الاكثر (كان للعمة والخالة الخيار في إجازة العقد وفسخه أو فسخ عقدهما بغير طلاق) فيكون لهما الفسخ بغير طلاق من زوجهما (والاعتزال) عنهما والاول لوقوع العقدين صحيحين، أما الاول فظاهر، وأما الثاني فلانه صدر من أهله في محله جامعا لشرائطه، فلا يؤثر تجدد البطلان بفسخ العمة والخالة في صحته الاصلية كغيره من العقود الموقوفة على رضا الغير إذا وقع صحيحا، فكانت حينئذ نسبة العقدين إلى العمة والخالة على السواء، ولما كان الجمع موقوفا على رضاهما تخيرا في رفع


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

[ 362 ]

الجمع بما شائا من فسخ عقدهما وعقد الداخلة، لان كلا منهما يحصل به رفع الجمع الذى قد جعل اليهما. وفيه أن العقد الاول لازم بالاصل، ورفع الجمع يحصل بفسخ العقد الطارئ الذى هو متعلق الرضا، ورفع الجمع وإن كان يحصل لكل منهما إلا أن فسخ السابق قد منع منه مانع شرعي، وهو سبق لزومه، فيختص التسلط على رفع الثاني، كما اختص الفساد بعقد الاخت الطارئ على عقد اختها، لا أقل من أن يكون ذلك مرجحا لفسخه على فسخ عقدها، على أن ظاهر النصوص التي سمعتها اعتبار الاذن في صحة العقد الطارئ، فلم تجتمع شرائط الصحة بدونها، بخلاف الاول، ولذا لم يجز له التصرف به قبل استئذانهما وإن كانتا غير عالمين، بل لو ماتتا قبل علمهما لابد من تجديد العقد، فدعوى تمامية شرائط صحة العقد الثاني في غير محلها، بل هو كالفضولى في غير المقام الذى شبهه به المستدل، وحينئذ فيختص هو بالتوقف على الاذن صحة وفسادا، وهو القول الثالث الذى اختاره جماعة من المتأخرين، فجميع ما عرفته في حجية الفضولي من عموم " أوفوا " (1) وغيره، بل لعله أولى بالصحة منه، فان الذى تعقب فيه رضا من بيده عقدة النكاح بخلافهما، وليس في شئ من النصوص هنا زيادة على اعتبار الرضا في المقامين، بل تلك الادلة أوضح في اشتراطه منها هنا، فكما قلنا هناك باندراج العقد المتعقب بالرضا في الاطلاقات والعمومات فكذا هنا، وحينئذ فيراد بما دل على النهي بدون الرضا ما فقده سابقا ولاحقا، ومنه الخبر الذى استدل به للقول الاول، ضرورة شموله لما تعقبه الاذن، بل منه يعلم ما في دعوى دلالة مثل هذا النهى على الفساد، وأغرب منها دعوى دلالته على خروج الموضوع عن القابلية كالنسبية، ضرورة عدم كون المقام من ذلك، فانه محلل بالاذن لا من المحرمات، بل منه يعلم ما في دعوى ظهور الشرطية في المصاحبة، فان شرطية الرضا ليست من هذا القبيل، خصوصا بعد الاحاطة بما ذكرناه من أدلة الفضولي وما وقع في الشرع مما يعلم منه


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 363 ]

كون شرطية الرضا ولو متأخرا في جميع ما اعتبر فيه من العقود كافيا، كما لا يخفى على من كشف الله بصيرته. فبان حينئذ فساد القول الاول الذى لم نتحقق القائل به بعد احتمال إرادة البطلان في نحو عبارة المتن الوقوف على الاذن إلا ما يحكي عن ابن إدريس هنا من بطلان الثاني وتزلزل العقد الاول، وهو القول الرابع في المسألة، محتجا على الاول بما سمعته من الادلة السابقة، ولم يتعرض لدليل الثاني، وفي المسالك كان الاصل فيه نقله عن الشيخ تزلزل العقدين، واعترضه بالنهي الدال على فساد الثاني، وأبقى الاول على حاله، فاضطربت فتواه، لانه إذا وقع الطارئ فاسدا لم يكن لتخيرها في فسخ عقد نفسها وجه، لان المقتضي للفسخ الجمع، ومع وقوع العقد فاسدا لا جمع، ولعل ما ذكره من حمل كلامه على ذلك أولى، وإلا فهو من المستغربات التى لا ينبغي أن تنسب الى فقيه. (و) قد تبين بذلك كله أن القول الثالث لا (الاول) الذي اختاره المصنف (أصح) الاقوال، أللهم إلا أن يرجع إليه كما عرفت. ولو كانت العمة أو الخالة مجنونتين مثلا ففى سقوط اعتبار إذنهما أو انتقاله الى وليهما أو لا يصح العقد لانتفاء شرط صحته وجوه: أوسطها أوسطها (1)، سيما إذا كانتا صغيرتين مثلا، ولكن لم أجد شيئا من ذلك في كلام أحد من الاصحاب، ولا فيما إذا عرض الجنون لهما مثلا بعد العقد، بل ولا غير ذلك من الفروع المتصورة في المقام. هذا كله في حرمة المصاهرة وتابعها بالوطء الصحيح. (وأما الزنا) ونحوه (فان كان طارئا) على الدخول الصحيح بعقد أو ملك (لم ينشر الحرمة) للاصل والاجماع بقسميه، بل لعل المحكي منهما


(1) في هامش النسخة الاصلية هنا تعليقة منه قدس سره وهى: " أقول هو كذلك في مسألة اعتبار اذن الحرة في نكاح الامة قطع بعدم شمول ادلة الولاية لمثله ورجح الصحة حسن وفقه الله ".

[ 364 ]

مستفيض أو متواتر كالنصوص التي (1) منها المشتملة على التعليل بأنه " لا يحرم الحرام الحلال " وأنه " ما حرم حرام قط حلالا " وحينئذ (فمن تزوج بامرأة) ودخل بها (ثم زنى بأمها أو بنتها أولاط بأخيها أو أبيها أو ابنها أو زنى بمملوكة أبيه الموطوءة) له (أو ابنه) كذلك لم تحرم عليه امرأته ومملوكته (فان ذلك كله) وما شابهه (لا يحرم السابقة) بل إطلاقها خصوصا التعليل فيها كالفتاوى عدم الفرق في الزوجة بين المدخول بها وغيرها، خلافا للمحكي عن أبي علي، فقال: " إن عقد الاب أو الابن على امرأة فزنى بها الاخر حرمت على العاقد ما لم يطأها، لعموم " ما نكح آباؤكم " (2) مع عدم القول بالفرق ولموثق عمار عن الصادق عليه السلام (3) " في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد أو الرجل يزني بالمرأة هل يحل لابنه أن يتزوجها ؟ قال: لا، إنما ذلك إذا تزوجها فوطأها ثم زنى بها ابنه لم يضره، لان الحرام لا يفسد الحلال، وكذلك الجارية " بل حكي عنه بعضهم اعتبار الدخول في عدم النشر مطلقا لا في خصوص معقودة الاب والابن، ولعله لفهم التعميم في خبر الكنانى (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحل له ابنتها أبدا، وإن كان قد تزوج ابنتها قبل ذلك ولم يدخل بها فقد بطل تزويجه، وإن هو تزوج ابنتها ودخل بها ثم فجر بأمها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بأمها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها " لكنه ضعيف جدا، بل في الرياض قد ادعى جماعة من الاصحاب الاجماع على خلافه. ويمكن منع إرادة الوطء من الاية أوما يعمه، وعلى تقديره يخص بالاخبار


(1 و 4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 0 - 8. (2) سورة النساء: 4 - الاية 22. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 وفيه " هل يجوز لابيه " كما في الكافي ج 5 ص 420 الا أن في الاستبصار ج 3 ص 164 الرقم 597 هل يحل لابيه ".

[ 365 ]

السابقة والاجماعات، والخبر الاول - مع ما قيل إنه ضعيف سندا ودلالة - قاصر عن تقييد غيره كالثاني نعم ظاهر تقييد المصنف والفاضل الامة بالموطوءة انتفاء الحكم مع انتفاء الوطء لكن في القواعد قبل ذلك بقليل " ولو وطأ أحدهما مملوكة الاخر بزنا أو شبهة ففى التحريم على المالك نظر " ومراده بقرينة ما بعده الزنا بها قبل وطء المالك لها. واختار في جامع المقاصد الحرمة بعد أن حكاها عن الشيخ وابن الجنيد والبراج وجماعة، لعموم " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " مع عدم القول بالفرق، وخبر عمار السابق الذي لا يقدح ضعفه على ما قيل بعد اعتضاده بظاهر الاية وغيره من الاخبار (1) كما في جامع المقاصد وبعد تأييده بأخبار (2) تحريم زوجة أحدهما عليه بزنا الاخر قبل العقد، كما في كشف اللثام، وبعد تأيده أيضا بخبر الكاهلى (3) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن رجل اشترى جارية ولم يمسها فأمرت امرأته ابنه وهو ابن عشر سنين أن يقع عليها، فوقع عليها، فما ترى فيه ؟ قال: أثم الغلام، وأثمت امه، ولا أرى للاب إذا قربها الابن أن يقع عليها " الحديث، هذا. ولكن قد يناقش بأنه - مع مخالفته للاصل وعموم " ما ملكت أيمانكم " (4) وعموم " لا يحرم الحرام الحلال " (5) - منع كون النكاح بمعنى الوطء لغة، لما عرفت، ومعارضة الخبر بقول أبى جعفر عليه السلام في خبر زرارة (6): " إن زنى رجل بامرأة أبيه أو بجارية أبيه فان ذلك لا يحرمها على زوجها، ولا يحرم الجارية


(1) الوسائل الباب 4 و 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (2) الوسائل الباب 4 و 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (4) سورة النساء: 4 - الاية 3 و 24 و 25. (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 12. (6) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

[ 366 ]

على سيدها، إنما يحرم ذلك منه إذا كان أتى الجارية، وهي حلال فلا تحل تلك الجارية أبدا لابيه ولا لابنه " وخبر مرازم (1) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن امرأة أمرت ابنها أن يقع على جارية لابيه فوقع، فقال: أثمت وأثم ابنها، وقد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة فقلت له: أمسكها إن الحلال لا يفسده الحرام " ولعله لذا كان المحكي عن ابن إدريس عدم الحرمة. لكن قد يقال: إن التعارض بين الادلة جميعها من العموم والخصوص والاطلاق والتقييد فيجب حينئذ حمل المطلق فيها على المقيد والعام على الخاص، ودعوى قصوره عن ذلك مدفوعة بما عرفت، بل قد يقال: إن خبر مرازم المسؤول فيه عن قضية الامرأة هو بعينه ما في خبر الكاهلى، وإن الامام عليه السلام أجابه بالامساك تقية، فان المعروف عندهم كما قيل الحل، بل التعليل فيه مبني على ذلك، ضرورة إمكان الشك في اندراجها تحت الحلال قبل اتخاذها فراشا، إذ ليس الملك لها يجعلها كذلك، ولذا لم تحرم على ابنه ولا على غيره بمجرد الملك، بل لعل ابن إدريس قال بالحل بناء منه على ما ذهب إليه من أن الزنا للسابق لا ينشر حرمة، وستعرف ضعفه. واحتمال أن النشر هنا باعتبار قيام الملك مقام العقد - فيكون من الزنا اللاحق الذي قد عرفت أنه لا يحرم الحلال وإن كان قبل الدخول، ولذا تردد العلامة في التحريم هنا، مع قوله بأن الزنا السابق ينشر واللاحق لا ينشر - يدفعه ما عرفت من ظهور كون المراد بالحلال الفرج المستباح بسببه المخصوص كالعقد أو الذى وطأ بسببه الشامل له ولغيره، كالامة المملوكة الموطوءة مثلا. وعلى ذلك يتجه بناء هذه المسألة على مسألة نشر الزنا السابق، وهو الذى ذكره المصنف بقوله: (وإن كان الزنا سابقا على العقد فالمشهور تحريم بنت العمة والخالة إذا زنى بأمها) بل عن المرتضى والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

[ 367 ]

مضافا الى خبر محمد (1) قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع، أيتزوج ابنتها ؟ فقال: لا، فقال: إنه لم يكن أفضى إليها إنما كان شئ دون شئ، فقال: لا يصدق ولا كرامة " وخبر الخزار (2) عنه عليه السلام أيضا قال: " سأله محمد بن مسلم وأنا جالس " الحديث بأدنى تفاوت. وناقش فيه في المسالك بضعف السند، وعدم التصريح فيه بالوطء بل بعدمه الذى لا يليق بمنصب الامامة تكذيبه فيه، وأنه في الخالة خاصة، وحينئذ فيتجه إدراج حكم الزنا بهما في حكم غيرهما الذى ستعرف البحث فيه، لا أنهما بخصوصهما ينشر الزنا بها الحرمة وإن لم نقل به في غيرهما كما وقع من بعضهم. وفيه أنه خبر لا يعرف للطائفة خلاف في مضمونه، على أن الشيخ وإن رواها بطريق موثق لكن الكليني بطريق حسن كالصحيح بابراهيم بن هاشم، ويمكن أن يكون التكذيب عن علم منه بالواقع، ولا زالوا يخبرون بأمثال ذلك، وإلحاق العمة بها لعدم القول بالفصل، بل عن السرائر (3) روى " أن من فجر بعمته أو خالته لم يحل ابنتاهما أبدا " فيمكن أن يكون رواية لم تصل الينا، على أن العمدة الاجماع الذى عرفته، ولا يقدح فيه توقف ابن إدريس فيه. هذا كله مع فرض عدم النشر في الاجنبية، وإلا فلا ريب في النشر فيهما، ضرورة تناول الادلة لهما، بل هما أولى. فمن العجب توقف العلامة في المختلف هنا مع حكمه بالنشر في الاجنبية، ولعله في إثبات الحكم فيها بالخصوص وإن كان فيه ما عرفت من أنه لا ينبغي التأمل أيضا بعد الاجماعين والخبرين المزبورين المؤيدة بمرسل السرائر، والله العالم. (أما الزنا بغيرهما فهل ينشر حرمة المصاهرة كالوطء الصحيح ؟ فيه روايتان إحداهما ينشر (4) وهي أوضحهما طريقا) وأكثرهما عددا وعاملا، (والاخرى


(1 و 2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 368 ]

لا ينشر) (1) ولكن العمل على الاولى وفاقا للاكثر نقلا مستفيضا ومحصلا، بل هو المشهور كذلك، إذ هو خيرة الشيخ في النهاية والتهذيب والاستبصار، وأبى الصلاح وبنى البراج وحمزة وزهرة وسعيد، والعلامة في التذكرة والمختلف، وولده في الايضاح، والشهيد في اللمعة وظاهر النكت، والسيورى في الكنز والتنقيح، وابن فهد في المقتصر وظاهر المهذب، والصيمري في غاية المرام وتلخيص الخلاف، والمحقق الكركي في كنز الفوائد، والشهيد الثاني في الروضة والمسالك، وسبطه الفاضل في شرح النافع، والفاضل الهندي في كشف اللثام، والعلامة الطباطبائى في مصابيحه، والمقدس البغدادي، بل في الكافي روى في " باب الرجل يفجر بالمرأة فيتزوج امها أو بنتها " الاخبار الدالة على التحريم مقتصرا عليها، وظاهره القول بالحرمة، وقد عرفت أن ابن الجنيد حرم مزنية الاب والابن على الاخر بعد التزويج قبل الوطء، وهو يقتضي التحريم بالزنا قبل العقد بطريق أولى، وفي المحكي عن التبيان والطبرسي في مجمع البيان في قوله تعالى (2) " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " و " كل من عقد عليها الاب من النساء تحرم على الابن دخل بها الاب أو لم يدخل بلا خلاف، فان دخل بها الاب على وجه السفاح فهل تحرم على الابن ؟ فيه خلاف، وعموم الاية يقتضي أنها تحرم عليه، لان النكاح يعبر به عن الوطء كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما " واللفظ للاول، والثاني قريب منه، وظاهرهما القول بالتحريم، كما أن ظاهر المصنف هنا ذلك أيضا، وفي الغنية أن تحريم أم المزني بها وابنتها هو الظاهر من مذهب أصحابنا، والاكثر من رواياتهم، ثم حكى إجماع الطائفة على تحريم مزنية الاب والابن على الاخر. وأما القول الاخر فهو خيرة الفقيه والمقنع والمقنعة والمسائل الناصرية والمراسم والسرائر والنافع والارشاد وكشف الرموز، ولم نعرف غيرهم، نعم حكاه في السرائر على ما قيل عن التبيان في تفسير قوله (3): " وأمهات نسائكم "


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6 و 7 و 9 و 10. (2 و 3) سورة النساء: 4 - الاية 22 - 23. (جواهر الكلام - ج 23)

[ 369 ]

وكلامه في هذا الموضع لا يدل على اختيار أحد القولين، وإنما يدل على منع دلالة الاية على التحريم، وهو غير الحكم بنفيه. فمن الغريب دعوى المرتضى في الناصريات الاجماع عليه، مع أن كلامه في الانتصار يعطي اختيار التحريم، وكذا ما يلوح من كلام ابن إدريس من شهرة القول بالحل، على أنك قد عرفت أن معظم أصحابنا المتقدمين عليه على التحريم، وأما المتأخرون فكاد يكون إجماعا منهم. وبذلك كله يظهر لك ما في الرياض ودعواه شهرة الحل، كدعواه أن المشهور بين المخالفين التحريم، مع أن المستفاد من كلام السيد في الانتصار كون المشهور بينهم الحل، بل قد يشعر به قول الصادق عليه السلام في خبر مرازم (1) " وقد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة " إلى آخره. وعلى كل حال فيدل عليه - مضافا الى ما عرفت من الاجماع المحكي - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام " إنه سئل عن رجل يفجر بامرأة أيتزوج ابنتها ؟ قال: لا، ولكن إن كانت عنده امرأة ثم فجر بامها أو بنتها أو اختها لم تحرم عليه امرأته، إن الحرام لا يفسد الحلال " وما رواه الشيخان في الصحيح وغيره عنه (3) عن أحدهما عليهما السلام قال: " سألته عن رجل فجر بامرأة أيتزوج امها من الرضاعة أو ابنتها ؟ قال: لا " وصحيح منصور بن حازم (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل كان بينه وبين امرأة فجور، هل يتزوج ابنتها ؟ فقال: إن كان قبلة أو شبهها فليتزوج ابنتها، وإن كان جماعا


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3. وليس فيه " وان كان جماعا فلا يتزوج ابنتها " وهى موجودة في الاستبصار ج 3 ص 167 الرقم 608.

[ 370 ]

فلا يتزوج ابنتها، وليتزوجها هي إن شاء ". وفي الصحيح عن عيص بن القاسم (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باشر امرأة وقبل، غير أنه لم يفض إليها، ثم تزوج ابنتها، فقال: إذا لم يكن أفضى إلى الام فلا بأس وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها " قيل: هكذا رواه الشيخان في أكثر النسخ، وذكره الاصحاب في كتب الاستدلال، واحتج به الشيخ وغيره على هذا المطلب، وبه يظهر فساد ما في بعض النسخ " رجل باشر امرأته " بالاضافة الى هاء الضمير، فتكون حينئذ لا تعلق لها بهذا الحكم أصلا. ومعتبر يزيد الكناسى (2) " قال: إن رجلا من أصحابنا تزوج امرأة، فقال: احب أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام، وتقول له: إن رجلا من أصحابنا تزوج امرأة قد زعم أنه كان يلاعب امها، ويقبلها من غير أن يكون أفضى إليها، قال: فسألت أبا عبد الله عليه السلام فقال: كذب، مره فليفارقها، قال: فرجعت من سفري، فأخبرت الرجل بما قال أبو عبد الله عليه السلام، فوالله ما رفع ذلك عن نفسه، وخلى سبيلها " وخبر أبي الصباح الكنانى (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحل له ابنتها أبدا " الحديث، والصحيح عن أبى بصير (4) " سألته عن الرجل يفجر بالمرأة أتحل لابنه ؟ أو يفجر بها الابن أتحل لابيه ؟ قال: إن كان الاب أو الابن مسها لم تحل " وخبر علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 5 لم يذكر صدره في الوسائل وانما ذكره في الكافي ج 5 ص 416. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 8. (4 و 5) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 - 2 مع اختلاف لفظ الاول.

[ 371 ]

قال: " سألته عن رجل زنى بامرأة هل تحل لابنه أن يتزوجها ؟ قال: لا " ورواه الحميرى في قرب الاسناد كذلك، وموثق عمار (1) وخبر الكاهلى (2) السابقين. ومن ذلك كله يعلم ما في حجة الخصم، من الاصل المقطوع بما عرفت، والعمومات المخصصة بما سمعت، والاجماع الممنوع أو الموهون بخلاف المعظم، بل إطباق المتأخرين، بل لم نعثر على موافق للناقل له ممن تقدمه سوى آحاد لا يثبت بهم الاجماع، بل لعل عكسه مظنته كما سمعته من ابن زهرة، بل ظاهر الناقل له في الانتصار خلافه، بل ربما ظهر من كلامه فيه الاجماع على ذلك. والاخبار، وهي خبر هشام بن المثنى (3) " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له رجل: رجل فجر بامرأة أيحل له ابنتها ؟ قال: نعم، إن الحرام لا يفسد الحلال " وخبره الاخر قال: (4) " كنت عند أبى عبد الله عليه السلام جالسا، فدخل عليه رجل، فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوجها ؟ قال: نعم وأمها وابنتها " وخبر حنان بن سدير (5) " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحا يحل له ابنتها ؟ قال: نعم إن الحرام لا يحرم الحلال " وخبر سعيد بن يسار (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل فجر بامرأة يتزوج بابنتها، فقال: نعم يا سعيد إن الحرام لا يفسد الحلال " وخبر زرارة (7) " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل فجر بامرأة هل يجوز أن يتزوج بابنتها ؟ قال: ما حرم حرام حلالا قط " وخبر صفوان (8) قال: " سأله المرزبان عن الرجل يفجر بالمرأة وهي جارية قوم آخرين، ثم اشترى بنتها أيحل له ذلك ؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال، ورجل


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 - 2. (3 و 5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 10 - 11. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 عن أبى عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن الرجل " الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 320 الرقم 1343 كالجواهر. (6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6 - 9 - 12.

[ 372 ]

فجر بامرأة حراما أيتزوج ابنتها ؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال " وخبر زرارة (1) السابق المشتمل على حصر الافساد بالوطء الحلال دون الحرام. إلا أن الجميع كما ترى قاصر عن معارضة ما عرفت سندا وعددا وعاملا ودلالة، لاحتمال الجميع الفجور بغير الجماع، أو به ولكن بعد التزويج، أو التقية، وهو أحسن المحامل، وذلك لان هذا الخبر كما يظهر من الانتصار والغنية وغيرهما نبوي (2) أي " لا يفسد الحرام الحلال " وأنه من رواياتهم عنه صلى الله عليه واله وهو صحيح، لكنهم لم يفهموا المراد منه، فظنوا أن المراد منه ما يشمل الحلال تقديرا، وهو ليس كذلك، ضرورة أن الصور ثلاثة: (أحدها) أن يقع الوطء الحرام متعقبا للوطء الحلال بالعقد أو الملك ولا ريب في كون ذلك من أفراده. (ثانيها) أن يقع بين العقد والوطء، وقد عرفت أن ابن الجنيد يقول بالنشر فيه، للموثق الذى سمعت، ولدعوى كون المراد أن الوطء الحرام لا يفسد وطء الحلال، ولولا دعوى الاجماع بخلافه ونفى الخلاف في محكي البيان عنه لكان له وجه، لان النصوص جميعها أو أكثرها مطلقة قابلة للتقييد بالموثق المزبور، إلا أنه لما لم يكن صريحا في ذلك وإمكان دعوى الاندراج تحت " إن الحرام لا يفسد الحلال " ضرورة فعلية الحل فيه بعد العقد، وعدم وقوعه لا ينافي صدق الحلية عليه فعلا بعد حصولها بسببها المخصوص كان الاوجه خلافه، نعم هو متجه في مثل الملك الذى هو ليس سببا خاصا للوطء، ولذا لم تحرم مملوكة الولد على الوالد وبالعكس، بخلاف معقودتهما، ومن هنا كان التحقيق نشر الحرمة بزنا كل منهما في مملوكة الاخر قبل وطئه لها عليه كما عرفت، ولا ينافيه النبوى المزبور (3).


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (2) سنن الدارقطني ج 3 ص 267 (كتاب النكاح باب المهر الرقم 87) وفيه " لا يفسد الحلال الحرام ". (3) سنن الدارقطني ج 3 ص 267 (كتاب النكاح باب المهر الرقم 87).

[ 373 ]

(ثالثها) أن يقع الحرام قبل ايجاد سبب الحل، ولا ريب في عدم تناوله لهذا الفرد، ضرورة كون المراد فعلية الحل لا تقديرها، ودعوى حلية العقد عليها فعلا يدفعها ظهور إرادة أن الحرام من ذلك الصنف لا يفسد الحلال منه، لا أن المراد ما يشمل ذلك والحلال من كلي آخر، بل قد يدعى ظهور لفظ الافساد في بعض هذه النصوص في المتعقب لما هو قابل للافساد من العقد الذى هو سبب حلية الوطء أو الملك المتعقب للوطء وحينئذ تكون هذه النصوص المشتملة على التعليل المزبور الذي هو غير منطبق على ما هو الظاهر إنما خرجت على مذاق العامة وما يعللون به، بل قوله عليه السلام في الخبر السابق: " ولقد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة فقلت له " إلى آخره مشعر بما قلناه من صدور ذلك ونحوه تقية، ولذا قد فصلوا الامر في النصوص التي قد عرفتها، وبينوا بها فساد ما فهمه العامة من النبوي، فكان ذكر التعليل منهم فيما ليس من أفراده ظاهرا رمز منهم على صدور ذلك منهم تقية، وأن الفقيه لا يكون فقيها حتى يفهم ما يلحنوه ويرمزوه له كما ورد عنهم عليهم السلام (1) خصوصا بعد التصريح في تلك النصوص، فليس حينئذ بعد اليوم في المسألة من إشكال، ومما ذكرنا يعلم ما في الرياض ودعواه الشهرة على عدم النشر، كدعواه أن الشهرة بين العامة على النشر وغير ذلك مما لا يخفى فساده بعد الاحاطة بما ذكرنا. نعم لو طلق الرجل البنت التى زنى بأمها بعد تزويجه بها طلاقا بائنا ففى جواز عقده عليها ثانيا وجهان: أحوطهما في الفرج الاجتناب، وأقواهما الجواز، ولو للشك، فبقي عمومات الحل سالمة، وربما كان ذلك وجها آخر في النصوص المعارضة فيكون حينئذ ذاتها حلالا له، لا أنها ما دامت زوجة له، بل مقتضى ذلك الحل له حتى لو زنى بالام بعد الطلاق، لكن لا يخفى عليك ما فيه من الاشكال خصوصا في الفروج، فتأمل جيدا والله العالم، هذا كله في الزنا. (وأما الوطء بالشبهة فالذي خرجه الشيخ) وتبعه عليه المشهور نقلا وتحصيلا (أنه ينزل منزلة النكاح الصحيح، وفيه تردد أظهره) عند المصنف


(1) المستدرك الباب - 15 - من أبواب صفات القاضى الحديث 5.

[ 374 ]

والحلي فيما حكي عنه (أنه لا ينشر) الحرمة (لكن يلحق معه النسب) للعمومات، ولكن الاقوى الاول، لا للظن بكونه أولى من الزنا، ولا للظن من استقراء جملة من أحكامه لحوقه بالصحيح في جميع الاحكام إلا ما خرج، ولا للاندراج في قوله تعالى: " ولا تنكحوا " بدعوى إرادة ما يشمل الوطء والعقد منه، ضرورة عدم تمامية الجميع، بل للاجماع المحكي عن التذكرة المعتضد بنفي الخلاف في محكي المبسوط، وبالشهرة العظيمة نقلا وتحصيلا، بل عن ابن المنذر نسبته الى علماء الامصار، وعد منهم أصحاب النص وهم الامامية، فالعمدة في نشره ذلك، وإن كان لا بأس بتأييده بما ذكر من الاستقراء والاولوية خصوصا مع دعوى كونها من الاولوية العرفية التى يمكن دعوى حجيتها، نعم إنما ذلك إذا كان سابقا على العقد مثلا، أما إذا كان لا حقا فالاقوى عدم النشر كما عن الاكثر، للاصل السالم عن معارضة ما يدل على خلافه بعد ظهوره في السابق، فلاحظ وتأمل. وأما النظر الى ما يحرم لغير المالك النظر إليه واللمس بشهوة فيحرمان المنظورة والملموسة على أب اللامس وابنه عند المشهور بين الاصحاب نقلا بل وتحصيلا، إذ هو خيرة الصدوق والشيخ والقاضي وابني حمزه وزهرة والعلامة في المختلف وولده ويحيى بن سعيد والابي والمحقق الكركي والشهيد الثاني وسبطه على ما حكي عن بعضهم، بل في الغنية نفي الخلاف عن تحريم منظورة الاب على الابن، بل الظاهر أن القول بالجواز مطلقا إنما نشأ من ابن إدريس وبعض من تأخر عنه كالمصنف والفاضل في أكثر كتبه وابن القطان فيما حكي عنه، وإنما الخلاف في منظورة الابن خاصة فصرح المفيد بعدم حرمتها، وتبعه الشهيد في اللمعة، ولعله ظاهر اقتصار أبي الصلاح في الحرمة على منظورة الاب خاصة. نعم ربما لاح من ظاهر ما حكى عن سلار التوقف في الحكم أيضا حيث أسند التحريم الى الرواية. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى الاول، لا للاندراج تحت اسم الحليلة خرج ما خرج بالاجماع وبقي ما بقي ومنه محل البحث، ويتم بعدم القول بالفصل،

[ 375 ]

لظهور منع صدق اسم الحليلة، ولا لان النظر واللمس أقوى من العقد المجرد لكون مثل ذلك قياسا، بل للمعتبرة المستفيضة كصحيح محمد بن اسماعيل (1) " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون له الجارية فيقبلها هل تحل لولده ؟ فقال: بشهوة، قلت: نعم، قال: ما ترك شيئا إذا قبلها بشهوة، ثم قال ابتداء منه: إن جردها ونظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه، وقلت: إذا نظر الى جسدها، فقال: إذا نظر الى فرجها وجسدها بشهوة حرمت عليه " وصحيح ابن سنان (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل تكون عنده الجارية يجردها وينظر الى جسدها نظر شهوة هل تحل لابيه ؟ وإن فعل أبوه هل تحل لابنه ؟ قال: إذا نظر إليها بشهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحل لابنه، وإن فعل ذلك الابن لم تحل للاب " وخبر محمد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " إذا جرد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحل لابنه " وخبر العيص بن القاسم (4) عنه عليه السلام أيضا " أدنى ما تحرم به الوليدة تكون عند الرجل على ولده إذا مسها أو جردها " وخبر ابن سنان (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل تكون عنده الجارية فيكشف فيراها أو يجردها لا يزيد على ذلك، قال: لا تحل لابنه " وخبر داود الابزازي (6) " سألته عن رجل اشترى جارية فقبلها، فقال: تحرم على ولده، وقال: إن جردها فهي حرام على ولده " وخبر البجلي وحفص بن البختري (7) قالوا: " سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول عن الرجل تكون له الجارية أفتحل لابنه، قال: ما لم يكن من جماع أو مباشرة كالجماع فلا بأس " ومرسل يونس (8) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن أدنى ما إذا فعله الرجل بالمرأة لم تحل لابنه ولا لابيه، قال: الحد فيه المباشرة ظاهرة أو باطنة مما يشبه


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 - 6 - 4. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 77 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 2 - 4 والثالث عن داود الابزارى وهو الصحيح. (7) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4. (8) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

[ 376 ]

مس الفرجين ". وليس للخصم المجوز مطلقا والمفصل إلا أصل الحل وعموماته المخصوصة بما عرفت، وموثق ابن يقطين (1) عن العبد الصالح عليه السلام " عن الرجل يقبل الجارية يباشرها من غير جماع داخل أو خارج أتحل لابنه أو لابيه ؟ قال: لا بأس " وخبر الكاهلي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل تكون له جارية فيضع أبوه يده عليها من شهوة أو ينظر منها الى محرم من شهوة، فكره أن يمسها ابنه " والاقتصار على الولد في مقام البيان في أكثر النصوص (3) القاصرين عن معارضة ما تقدم سندا وعددا وعاملا بل ودلالة، إذ الظاهر إرادة الوطء والمباشرة بالشهوة ومس الفرجين ونحو ذلك مما يصنعه الرجل بحليلته من الجماع دخلا وخارجا خصوصا مع ملاحظة خبر البجلي والبخترى ومرسل يونس السابقين، بل لو أغضي عن ذلك، فليس هو إلا مطلق يحمل على المقيد، والكراهة مع إمكان منع كونها حقيقة في المعنى المصطلح في العرف السابق يمكن إرادة الحرمة منها ولو مجازا بقرينة الاخبار السابقة، على أن الظاهر خروجه عما نحن فيه، إذا الظاهر كون الجارية للولد، لا أنها ملك للوالد، والاقتصار في بعض النصوص يمكن أن يكون اتكالا على ما بينوه في النصوص الاخر صريحا وظاهرا، فلا يكون قرينة على إرادة مفهوم اللقب منه، كما هو واضح، فليس في المسألة حينئذ ريب. نعم لا خلاف ولا إشكال في عدم نشر الحرمة بمثل نظر الوجه والكفين بغير شهوة، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاصل والعمومات وما يستفاد من فحاوي النصوص المزبورة، بل قد يقال بعدم النشر بالنظر اليهما بشهوة، لظهور النصوص فيما لا يشمله، كما اعترف به في المسالك، بل ولا ما يشمل ما ماثله من النظر الى ما يبدو عادة من الجارية وإن تلذذ بذلك، بل وغيره أيضا،


(1) الوسائل الباب - 77 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 3 و 5 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 377 ]

لكن لم يعاملها معاملة الامة التى يراد استفراشها بالتجريد والتقبيل، ولمس البواطن ونحو ذلك مما رمز إليه عليه السلام بقوله تارة " جماع " أو " كالجماع " واخرى بالمباشرة ظاهرة وباطنة كمس الفرجين، وثالثة بالجماع داخل وخارج إلى غير ذلك مما هو ظاهر فيما لا يشمل المفروض، كظهوره فيما لا يشمل تجريدها ولمسها ولو للباطن للتداوي أو نحوه وإن تلذذ. فما عساه يظهر من بعضهم من الميل الى النشر بالنظر الى الوجه والكفين بشهوة فضلا عن لمسهما مدعيا أنه الظاهر من كلمات الاصحاب في غير محله وإن أو همته بعض العبارات. نعم لا يبعد القول بالنشر بالتجريد واللمس لباطن الجسد، ووضع البطن على البطن وإن لم يكن ذلك عن شهوة وتلذذ، بل كان منه لارادة إثارة الشهوة وتحريك العضو، عملا بإطلاق الادلة الذى لا ينافيه المفهوم في بعض النصوص السابقة بعد معلومية إرادة إخراج مثل السابق ونحوه مما لم يرد به المعاملة معاملة المتخذة فراشا منه، بل يمكن عدم إرادة المفهوم فيه. كما أنه لا يبعد القول بالنشر فيما ينشر من ذلك بالنسبة الى أم المنظورة وبنتها وفاقا للمحكي عن أبي علي والشيخ، بل عن الثاني منهما دعوى الاجماع عليه، بل وغير ذلك من أحكام المصاهرة، لظهور النصوص المزبورة في قيام ذلك مقام الجماع في ترتب الاحكام، وحينئذ لا فرق في الحكم بين الاب وإن علا والابن وإن نزل، بل لعل إجماع الشيخ يرشد إلى إرادة الاصحاب المثال من ذكر الولد والوالد كما هو غير بعيد إرادته في النصوص، ولعله هو الوجه في الاقتصار على الولد في الاكثر منها، بل قد يشهد بذلك مضافا الى ما عرفت النبوى (1) " من كشف قناع امرأة حرم عليه امها وابنتها " والاخر (2) " لا ينظر الله تعالى إلى رجل نظر


(1) المستدرك الباب - 20 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6. (2) المستدرك الباب - 18 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 8.

[ 378 ]

الى فرج امرأة وابنتها " وصحيح ابن مسلم (1) " من تزوج امرأة فنظر الى رأسها وإلى بعض جسدها أيتزوج ابنتها ؟ قال: لا، إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوج ابنتها " وفي كشف اللثام ونحوه أخبار اخر (2). ومن ذلك قد يقال بحرمة الربيبة ولو حرة بالعقد على أمها الامة، بل والحرة مع النظر واللمس المذكورين، على أن يكون المراد من النصوص سيما مرسل يونس أن كل مصاهرة يعتبر في نشرها الحرمة الدخول، يقوم النظر واللمس المذكوران مقامه، من غير فرق بين الامة والحرة، إلا أنه لما كان ذلك معتبرا في المملوكة دون الحرة التى ثبتت مصاهرتها بالعقد إلا في الربيبة منها استفاضت الرواية في الامة دونها، ومن هنا أطلق في مرسل يونس، بل ربما زاد بعضهم فيما حكي عنه، فخرج بناء على تحقق حكم المصاهرة بالزنا السابق أن النظر واللمس المذكورين إذا حصلا في الاجنبية نشرا حكم المصاهرة كالزنا، مدعيا ظهور النصوص المزبورة في كونهما يقومان مقام الجماع وأنهما مثله، مؤيدا له بالنبويين المزبورين، إلا أنه قول غير معروف القائل كما اعترف به في المسالك، نعم ظاهر المحكي عن الخلاف بل معقد اجماعه فيه تحقق المصاهرة فيهما لو وقعا حلالا أو شبهة إلا إذا كانا محرمين، وإن كانا معا ضعيفين، ضرورة ظهور النصوص التي سمعتها في قيامهما مقام الدخول في تحقق المصاهرة متممين بسبب المصاهرة كالملك للامة والعقد على الام لا مطلقا، بل لو وقعا من المالك للامة محرمين كما لو كانت مزوجة لم يثبتا مصاهرة للاصل بعد ظهور النصوص فيما لا يشمل ذلك. بل المعروف بين الاصحاب قصرهما على خصوص الامة المملوكة دون الربيبة التي هي بنت الامة المعقود عليها وإن كانت مملوكة فضلا عن الربيبة


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 وفيه " فنظر الى بعض جسدها أيتزوج " الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 280 الرقم 1187 والاستبصار ج 3 ص 162 الرقم 590 كالجواهر. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

[ 379 ]

الحرة التي من أمها حرة أيضا، للاصل وظاهر الاية (1) وصحيح العيص (2) " سئل الصادق عليه السلام عن رجل باشر امرأة وقبل غير أنه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها فقال: إذا لم يكن أفضى الى الام فلا بأس وأن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها " وإن كان قد يناقش بأن الاصل والعمومات مخصصة بما عرفت، وصحيح العيص قد عرفت أن الموجود في النسخ الصحيحة " باشر امرأة " فيكون ظاهرا في الاجنبية، ودالا على عدم كون ذلك كالزنا السابق كما عرفت تحقيقه، فيبقى صحيح ابن مسلم المعتضد بظاهر النصوص المزبورة سالما عن المعارض حينئذ بعد إرادة ما يشمل النظر واللمس المزبورين من الدخول في الاية، ولو للنصوص المتقدمة. ولعل ذلك هو الاقوى إن لم يكن إجماعا على عدمه، إذ قد عرفت سابقا المفروغية من اعتبار الدخول في حرمة الربيبة الظاهر فيما لا يشمل النظر واللمس المزبورين، كظهور كلامهم هناك في عدم الفرق بين بنت الامة المعقود عليها والحرة. ومن ذلك كله يظهر لك محال النظر في المتن وما شابهه في هذه المسألة، قال: (وأما النظر واللمس فما يسوغ لغير المالك كنظر الوجه ولمس الكف لا ينشر الحرمة، وما لا يسوغ لغير المالك كنظر الفرج والقبلة ولمس باطن الجسد بشهوة فيه تردد، أظهره أنه يثمر كراهية، ومن نشر به الحرمة قصر التحريم على أب اللامس والناظر وابنه خاصة دون أم المنظورة والملموسة وبنتيهما) مضافا الى ما فيها من جواز اللمس للكف لغير المالك، مع أنه لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، كما عرفته سابقا، وجواز النظر لا يستلزم جواز اللمس، والى ما فيها أيضا من ظهورها في التحريم بنظر الوجه بشهوة، لكونه مما لا يسوغ لغير المالك، مع أن الذى قد سمعته من النصوص السابقة عدم الحرمة بمثله، وإلى ما فيها من دعوى قصر الحرمة على القول بها على أب اللامس وابنه، مع أنك قد عرفت ظهور الادلة


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23 (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

[ 380 ]

في خلاف ذلك، بل يمكن إرادة المثال مما اقتصر عليهما وعلى الوالد من الفتاوى، كالنصوص التى قد عرفت ظهورها أو صراحتها في ذلك، خصوصا المشتملة على الولد خاصة، بل يظهر لك ما في جملة من كلمات القوم هنا، فانى لم أر من حرر المسألة على الوجه الذى ذكرنا. ومن أغرب ما وقفنا عليه هنا للمقداد في التنقيح حيث جعل محل البحث والخلاف في نظر خصوص الفرج ولمسه والقبلة بشهوة، وكأنه لم يلحظ نصا ولا فتوى حال كتابته، نعم ظاهر النصوص والفتاوى أن محل البحث هنا الامة المملوكة، لكن عن الشهيد في نكت الارشاد تحميل نحو المتن الاعم منها بدعوى إرادة الاعم من المالك للرقبة أو البضع، على أن يكون ذلك عنوانا للحرمة فيهما، فيتحصل حينئذ من العبارة جريان الخلاف في نظر ما عدا الوجه والكفين من الوالد وبالعكس، وحكم النظر اليهما وقد عرفت قوته وإن كان الموجود في أكثر الفتاوى بل وأكثر النصوص المملوكة رقبة من المالك، والله العالم. (و) كيف كان فقد ظهر لك أيضا مما ذكرناه في باب الرضاع أن (حكم الرضاع في جميع ذلك) من أقسام المصاهرة (حكم النسب) بل قد سمعت من النصوص ما اشتمل على المحرمة بالرضاع، والله هو العالم. (ومن مسائل التحريم) (مقصدان: الاول في مسائل من تحريم الجمع، وهي ستة:) (الاولى) (لو تزوج أختين) نسبا أو رضاعا لاب وأم أو لاحدهما (كان العقد للسابقة وبطل عقد الثانية) بلا إشكال ولا خلاف سواء دخل في الثانية أو لا، وسواء دخل بالاولى أولا، بل له وطء زوجته السابقة في عدة الثانية لو كان لها عدة لعدم المانع خلافا للمحكي عن أحمد، ضرورة عدم صدق اسم الجمع بين الاختين، فيبقى تحت عمومات

[ 381 ]

الحل، بل هو أولى من حل نكاح الاخت في عدة الاخرى البائنة الذي لا خلاف فيه لذلك أيضا، كما لا خلاف في الحرمة في العدة الرجعية، لكونها فيها بمنزلة الزوجة، نعم صرح جماعة بالكراهة في الاول حتى تخرج منها، لانها من علاقة الزوجية، ولصحيح زرارة " سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوج امرأة بالعراق ثم خرج الى الشام فتزوج امرأة اخرى فإذا هي أخت امرأته التى بالعراق، قال: يفرق بينه وبين التى تزوجها بالشام، ولا يقرب المرأة حتى تنقضي عدة الشامية قلت: فان تزوج امرأة ثم تزوج أمها وهو لا يعلم أنها أمها، قال: قد وضع الله عزو جل عنه جهالته لذلك، ثم قال: إذا علم أنها أمها فلا يقربها، ولا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الام منه فإذا انقضت عدة الام حل له نكاح البنت " الحديث. المحمول عليها فيها وفي البنت لما عرفت، وهو جيد إن ثبت قصوره عن معارضة العمومات السابقة ولو لاعراض المعظم مع أنه ليس ابتداء نكاح وإلا كانت مخصصة به، كما عن ظاهر الشيخ في النهاية والمحكي عن ابني حمزة والبراج، هذا. ولا فرق في الحكم المزبور بين الدائم والمنقطع والمختلف كما لا فرق في جواز العقد على إحداهما في عدة البائن للاخرى من غير فرق بين الطلاق والفسخ وغيرهما، فيجوز حينئذ متعة إحدى الاختين، فإذا انقضى أجلها عقد على الاخرى وإن كانت في العدة، وهكذا، لانها من عدة البائن وليس عليه لنفسه عدة، وهو طريق لاحتيال الجمع بين الاختين على الدوام، ويؤيده قول الصادق عليه السلام في خبر الصيقل (2) " لا بأس بالرجل أن يتمتع أختين " المقتصر في الخروج منه على الجمع بينهما في حالة واحدة، بل يمكن دعوى ظهوره في المفروض مع اعتبار إرادة الاستمرار الذى لا يكون في غير المتعة، لعدم المحلل فيها، وإلا فلا خصوصية للمتعة. لكن في النهاية بعد أن ذكر جواز العقد على إحدى الاختين في عدة طلاق البائن قال " وقد روى فيها أنه إذا انقضى أجلها فلا يجوز العقد على أختها إلا بعد


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 27 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (*

[ 382 ]

انقضاء عدتها " مشيرا بذلك الى صحيح ابن سعيد (1) قال: " قرأت كتاب رجل الى أبى الحسن عليه السلام: الرجل يتزوج المرأة متعة الى أجل مسمى فينقضي الاجل بينهما، هل يحل له أن يتزوج أختها من قبل أن تنقضي عدتها ؟ فكتب لا يحل له أن يتزوجها حتى تنقضي عدتها " المؤيد بخبر يونس (2) وخبر علي بن أبى حمزة (3) وخبر احمد بن محمد بن عيسى المروى عن نوادره (4) بهذا المضمون الذى مرجعه الى قارئ المكتوب، بل عن نهاية المرام لسيد المدارك أن العمل به متعين، بل في التهذيب التصريح بعدم جواز ذلك متعة مدعيا أنه مضمون الصحيح وإن كان هو كما سمعت مطلق بل هو لازم لما سمعته من الشيخ في النهاية وابني حمزة والبراج. لكن لا يخفى عليك أولوية حمله على الكراهة، لقصوره عن مقاومة ما عرفت على وجه يصلح للتقييد ولو لاعراض الاصحاب عنه، بل في السرائر هذه الرواية شاذة مخالفة لاصول المذهب لا يلتفت إليها ولا يجوز التصريح عليها إلا أنه مع ذلك لا ينبغى ترك الاحتياط سيما في الفروج. ولو اشتبه السابق ولم يكن ثم ما يشخصه ولو علم التاريخ بناء على الحكم بتأخر المجهول عن المعلوم أقرع في وجه قوي وإن لم أجد من ذكره هنا، نعم في القواعد " الاقرب إلزامه بطلاقهما، لان الواجب عليه الامساك بمعروف أو التسريح باحسان، ولم يتمكن من الاول فيتعين عليه الثاني، فإذا امتنع منه ألزمه الحاكم به، كما في كل من وجب عليه أمر فامتنع منه، وللزوم الحرج على المرأتين " ولعل غير الاقرب احتمال العدم، واحتمال فسخهما، وفسخ الحاكم، وبطلانهما، وحينئذ فلا يكفي في حلية إحداهما طلاق الاخرى، لاحتمال كون الثانية اللاحقة إلا أن يجدد العقد عليها، وكذا لو قال: " زوجتي منهما طالق " وإن صح الطلاق، لتعين الزوجة في الواقع وإن لم يعلمها بنفسها المطلق، نعم لو جدد العقد على من يريدها منهما صح، كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 27 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1

[ 383 ]

وعلى كل حال فلو طلقهما معا ثبت لهما ربع مجموع مهريهما مع اتفاقهما جنسا وقدرا ووصفا، بل في القواعد ومع اختلافهما على إشكال، ولعله من أن الواجب حينئذ نصف أحدهما، وهو مخالف لربع المجموع، فايجابه عليه يوجب اسقاط الواجب وايجاب غيره، ومن أن النصف لما اشتبه بينهما ولا مرجح لزم التقسيط، وحينئذ فيدفع القسط من كل مهر الى من عين لها، وربما احتمل قسمة المجموع عليهما، لعدم المرجح، والقرعة، والايقاف حتى يصطلحا أو يتبين الحال، ولعل الاقوى من ذلك كله القرعة في مستحقة المهر منهما، لانها واحدة منهما وقد اشتبهت، فمن خرجت القرعة لها استحقت نصف مهرها، ولا إشكال، هذا كله قبل الدخول بهما. أما معه فيثبت المسميان لهما مع جهلهما بالحكم أو وقوع العقدين على وجه يحرم وطؤهما بناء على وجوب المسمى في النكاح الفاسد مع الوطء شبهة، وليس له تجديد عقد على إحداهما إلا بعد مفارقة الاخرى وانقضاء عدتها من حين المفارقة، بل قيل: وكذا عدة الاولى من حين الاصابة، لكونها في نكاح فاسد، وفيه منع عدة عليها، لكون الاصابة منه ولحوق السبب به، وكونه في حكم الاصابة الصحيحة، وحينئذ فلو فارق إحداهما بائنا جدد العقد على الاخرى وإن لم تمض عدتها من حين الاصابة، ولو طلق إحداهما بائنا والاخرى رجعيا وأراد التجديد على الاولى لزم انقضاء عدة الرجعية، ولم يلزم انقضاء عدة البائن إلا من حين الاصابة، بناء على الاحتمال السابق وإن أراد التجديد على الرجعية لم يلزم انقضاء عدة البائن، وإنما يلزم انقضاء عدة الرجعية من حين الاصابة على الاحتمال السابق، ولو أوجبنا مهر المثل في الفاسد مع الوطء شبهة فان اتفق المسمى مع مهر المثل فلا إشكال، وإن اختلف فالقرعة أو الايقاف حتى يصطلحا، والله العالم. (ولو تزوجهما) أي الاختين (في عقد واحد) أو عقدين متفرقين

[ 384 ]

(قيل) والقائل جماعة منهم الشيخ في محكي المبسوط وابنا إدريس وحمزة وغيرهم: (بطل نكاحهما) للنهي (1) المقتضي للفساد، وإن لم يكن في عبادة، ولامتناع نكاح كل منهما مع الاخرى، فيمنع العقد حينئذ على كل منهما العقد على الاخرى، والفرض أن نسبته اليهما متساوية، ولا مرجح، وأحدهما لا بعينه يستحيل كونه موضوعا للصحة، فيتعين البطلان. (و) لكن مع ذلك (روي أنه يتخير أيتهما شاء) وأفتى به الشيخ وأتباعه (والاول أشبه) باصول المذهب وقواعده عند المصنف وغيره من المتأخرين (وفي الرواية ضعف) في السند على ما رواها في الكافي والتهذيب بعلى بن السندي، وهو مجهول، بل وبالارسال، لانه رواها جميل بن دراج عن بعض أصحابه (2) عن أحدهما عليهما السلام " أنه قال، في رجل تزوج أختين في عقدة واحدة، قال: هو بالخيار يمسك أيتهما شاء ويخلى سبيل الاخرى " بل وضعف في الدلالة، لاحتمال إرادة الامساك بعقد مستأنف، نحو خبر الحضرمي (3) قلت لابي جعفر عليه السلام: " رجل نكح امرأة ثم أتى أرضا فنكح أختها وهو لا يعلم، قال: يمسك أيتهما شاء ويخلى سبيل الاخرى " المراد منه قطعا التخيير بين إمساك الاولى بالعقد الاولى وبين طلاقها وإمساك الثانية بعقد مستأنف، ولعل هذا هو العمدة لمن عرفت في ضعف القول المذكور، وإلا فجميع ما ذكر لا يصلح معارضا للدليل الجامع لشرائط الحجية، فانه مع فرض ظهور دلالته لا يقدح الضعف في سنده بعد رواية الشيخين له، على أنه رواه في الفقيه بطريق صحيح عن جميل عن أبى عبد الله عليه السلام، وليس متضمنا لما هو مناف للعقل، فان التخيير قد ورد فيمن أسلم عن أزيد من أربع وغيره، فلا مانع من وقوع العقد صحيحا قابلا للتأثير بالاختيار المتعقب له، أو أنه أثر الصحة في إحداهما وله الخيار في التعيين، مثل ملك الصاع من الصبرة وواحد الشيئين


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 24)

[ 385 ]

أو الاشياء في الوصية. وعلى كل حال فنظائره في الشرع كثيرة، نعم ما سمعته - من ضعف الظن بإرادة ذلك منه خصوصا بعد إعراض المعظم وقوة القواعد المنافية له وإرادة غير المعنى المزبور من نحوه والاحتياط في الفروج - يوهن الركون إليه، إلا أن الانصاف مع ذلك عدم خلو المسألة عن إشكال، لان الاحتمال المزبور لا يخرج الظاهر عن كونه ظاهرا، وهو الحجة، بل ستعرف فيما يأتي من العقد على الازيد من النصاب قوة التخيير، وهو مع ما نحن فيه من واد واحد، والله العالم. المسألة (الثانية) (لو وطأ أمة بالملك ثم تزوج أختها قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف والمبسوط: (يصح) التزويج، (وحرمت الموطوءة بالملك أولا ما دامت الثانية في حباله) وعن التحير اختياره، لكون المحرم الجمع، فيدور الامر بين بطلان التزويج أو الوطء أو كليهما، ولا ريب أن التزوج أقوى من غيره، لكثرة ما يتعلق به من الاحكام التي لا يلحق الوطء بالملك، كالطلاق والظهار والايلاء والميراث وغيرها، بل الغرض الاصلي من الملك المالية فلا ينافي النكاح، إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة منع القوة، وترتب تلك الاحكام لا يدل عليها، بل ولا كون الغرض الاصلى من الملك المالية على الضعف مع تساويهما في الاستفراش الصحيح، بل بعد استفراش الامة اختص تحريم الجمع بتزويج أختها ونحوه، ضرورة انحصار فرد الجمع به، فهو حينئذ نكاح الاخت على الاخت، بل ليس هو من التعارض الذى يفزع فيه الى الترجيح، كما هو واضح. ومن الغريب ما في المسالك من أنه " اجيب عن ذلك ببطلان القياس مع وجود الفارق، فان النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين " إذ لا يخفى عليك عدم

[ 386 ]

كون ذلك من القياس، بل هو من انحصار فرد النهى به، ولعله لذا نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بالتردد فيه، وهو في محله، بل مال إليه في كشف اللثام، فلا يجوز حينئذ تزويج أختها إلا أن يخرج الاولى عن ملكه، نعم لو تزوج إحدى الاختين جاز له شراء الاخرى، لعدم كونه من الجمع المحرم، إلا أنه يحرم عليه وطؤها، ولو وطأ لم تحرم المنكوحة قطعا. (ولو كان له أمتان ف‍) وطأ إحداهما حرمت عليه الاخرى حتى يخرج الاولى عن ملكه إجماعا بقسميه وكتابا (1) وسنة قد سمعت فيما مر بعضها، كخبر الطائى (2) وغيره، قال عبد الله بن سنان (3): " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا كانت عند الرجل الاختان المملوكتان فنكح إحداهما ثم بداله في الثانية فنكحها فليس ينبغي له أن ينكح الاخرى حتى يخرج الاولى من ملكه، يهبها أو يبيعها، فان وهبها لولده يجزؤه ". نعم في القواعد في اشتراط اللزوم إشكال، من صدق الخروج عن الملك، ومن أن العمدة في حل الاخرى حرمة الاولى بحيث لا يتمكن من وطئها، وهو لا يحصل بدون اللزوم، إلا أن الوجه الثاني وإن كان أحوط كما ترى لا يصلح معارضا لا طلاق النص بعد حرمة العلة المستنبطة عندنا، ولعل العمدة الخروج عن الملك، أو الحرمة بالخروج وإن جاز له الرجوع، فانه مع اللزوم يتمكن أيضا من الوطء بعود الملك إليه ولو بالاستقالة. وعن التذكرة القطع بعدم كفاية الهبة ما لم تقبض، لانها إنما تتم به، والبيع بالخيار إذا جاز للبائع الوطء، وهو جيد في الاول بناء على توقف الملك على القبض فيه، بخلاف الثاني، فان جواز الوطء له لا ينافي الخروج عن الملك وإن الفسخ بالوطء، أللهم إلا أن يستفاد اعتبار لزوم الملك من قوله عليه السلام في الخبر السابق: " فان وهبها لولده يجزؤه " باعتبار ظهور كون ذلك أقل المجزئ


(1) سورة النساء: 4 - الاية 23. (2 و 3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6 - 1.

[ 387 ]

مع كون الملك فيه لازما لانه من هبة القرابة. إلا أنه كما ترى، وكذا في القواعد الاشكال في الاكتفاء بالتزوج والرهن والكتابة من كون العمدة هو الحرمة، ومن ظهور النص والفتوى في اعتبار الخروج عن الملك إلا أن الاول كما ترى أيضا، وعن التذكرة القطع بأن الرهن لا يكفي، قال: " لان منعه من وطئها لحق المرتهن، لا لتحريمها عليه، ولهذا يحل باذن المرتهن في وطئها، ولانه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه " ونوقش بأنه يحل وطء المبيعة والموهوبة أيضا باذن المبتاع والمتهب، وقد لا يستبد بالقدرة على الفك، ولا يكفى المطلقة، لتحققها في العقود المخرجة عن الملك أيضا، وعنها أيضا أنه قطع بكفاية الكتابة وفاقا للمحكي عن المبسوط، لانها حرمت عليه بسبب لا يقدر على رفعه إلا أن الجميع كما ترى مخالف لقواعد المذهب وأصوله بعد اتفاق النص والفتوى على اعتبار الخروج عن الملك في حل الثانية، ولعل وجهه أنه لما وطأها بالملك صارت بحكم الزوجة إلى أن يذهب ذلك السبب الذى وطأها به، فيقوم مقام الطلاق، فلا ينبغي التجاوز عنها بمجرد احتمال كون العلة غير ذلك، فيتعدى بعد حرمة القياس عندنا، كما هو واضح، هذا كله في حل نكاح الاخرى له. أما إذا (وطأهما) قبل أن يخرج الاولى عن ملكه (قيل) كما في المتن (حرمت الاولى) عليه (حتى تخرج الثانية عن ملكه) ولكن لم نعرف قائله بناء على كون المراد منه حرمة الاولى وحل الثانية، وقد اعترف في المسالك بعدم معرفة قائله، بل قال: ولا من نقله غير المصنف، نعم ربما احتج له بخبر معاوية بن عمار (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت عنده جاريتان أختان فوطأ إحداهما ثم بداله في الاخرى، قال: يعتزل هذه ويطأ الاخرى، قال: قلت: فان انبعثت نفسه للاولى قال: لا يقربها حتى يخرج تلك عن ملكه " بل وجه من حيث الاعتبار بأن مجرد الملك للامة لا يمنع من الجمع بينها وبين أختها


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 388 ]

كما مر وإنما يمنع الجمع بالوطء بخلاف الحرة، فان الممتنع الجمع بالعقد وإن لم يطأ، فالوطء في الاماء منزل منزلة العقد في الحرائر، فكما أن الحرة تحل أختها بطلاقها المزيل للعقد المحرم فالامة تحل أختها بترك وطئها المنزل منزلة العقد، فانه مع ترك الوطء تصير مملوكة غير فراش، والملك لا يمنع الجمع، وفيه أن الخبر المزبور مع فقده لشرائط الحجية دال على حل الثانية بالاعتزال، ومحل البحث في الوطء بدون اعتزال في الاولى، على أنه بالنسبة الى ذلك معارض بما سمعته من النصوص والاجماع بقسميه على عدم حل الثانية لمن وطأ الاولى إلا باخراج الموطوءة عن الملك، بل ولما تسمعه من النصوص (1) في المقام، والاعتبار لا يصلح معارضا للادلة، فلا ريب في ضعفه، بل وبطلانه، نعم لعل القائل المزبور يريد حرمتهما معا عليه، وحينئذ يكون له وجه تعرفه فيما يأتي. (وقيل) والقائل الشيخ في النهاية وابنا البراج وسعيد وتبعهم جماعة منهم الفاضل في محكى المختلف وولده والشهيد في شرح الارشاد والمحقق الثاني في شرحه على القواعد: (إن كان) الوطء (بجهالة) للموضوع أو الحكم (لم تحرم الاولى) عليه كحرمتها حال العلم، بل يجوز له الرجوع إليها إذا أخرج الثانية عن ملكه ولو للعود إليها (وإن كان) الوطء (مع العلم حرمت) الاولى (حتى تخرج الثانية) من ملكه (لا للعود الى الاولى و) حينئذ ف‍ (لو أخرجها للعود) إليها (والحال هذه لم تحل الاولى) قال فيها ما هذا لفظه: " لا بأس أن يجمع الرجل بين اختين في ملك، لكنه لا يجمع بينهما في الوطء، لان حكم الجمع بينهما في الوطء حكم الجمع بينهما في العقد، فمتى ملك الاختين فوطأ واحدة منهما لم يجز له وطء الاخرى حتى تخرج تلك عن ملكه بالبيع أو الهبة أو غيرهما، فإن وطأ الاخرى بعد وطئه للاولى وكان علما بتحريم ذلك عليه حرمت عليه الاولى حتى تموت الثانية، فإن أخرج الثانية عن ملكه ليرجع الى الاولى لم يجز له الرجوع الى الاولى، وإن لم يعلم بتحريم ذلك جاز له الرجوع الى الاولى على كل حال إذا أخرج الثانية عن ملكه ".


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 389 ]

وحاصله تحريم الاولى بوطء الثانية في حالتى الجهل والعلم، وأنه لا تحل الاولى إلا بعد موت الثانية أو الاخراج عن الملك وإن اختلفا فيه بنية العود الى الولى وعدمه، وأما الثانية فالظاهر عدم اعتبار ذلك في حلها في الحالتين، وكأن الوجه فيه بعد إمكان اندراجه فيما دل على (1) أن وطء إحدى الاختين المملوكتين يحرم الاخرى، ضرورة صدق ذلك بالنسبة الى كل منهما وإن حرم عليه وطء الثانية لكنه لا ينافي نشره الحرمة، فان مثل هذا النهى لا يقتضي الفساد عقلا ولا لغة ولا عرفا، إذ هو كوطء المملوكة في الحيض الذى لا إشكال في نشره حرمة المصاهرة، فان الحرمة هنا ليست هي إلا من حيث الجمع، وإلا فمقتضى الحل وهو الملك متحقق، وبذلك افترق ما نحن فيه عن العقد على الحرة مثلا بعد العقد على اختها، فان النهى عن الجمع هنا منحصر في الثانية، فتختص بفساد عقدها على ما سمعته سابقا كاف في الدلالة على اختصاصها بالفساد دون الاولى، بخلاف المقام المشترك فيه سبب الحرمة بينهما، وهو وطء إحدى الاختين، وقاعدة " لا يحرم الحرام الحلال " - مع أنها لا تأتي في صورة الجهل، ويتم بعدم القول بالفصل، بل يمكن دعوى ظهورها فيما لا يشمل ذلك مما كان محرما في ذاته بزنا ونحوه - معارضة لما هنا بالعموم من وجه، والترجيح له عليها ولو للنصوص المعتبرة المستفيضة التى قد عمل بها جماعة من الاساطين. ففى صحيح أبى الصباح الكنانى (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجل عنده أختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الاخرى، قال: إذ وطأ الاخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الاخرى، قلت: أرأيت إن باعها ؟ فقال: إن كان إنما يبيعها لحاجة ولا يخطر على باله من الاخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان إنما يبيع ليرجع الى الاولى فلا ". وصحيح الحلبي (3) عنه عليه السلام أيضا " أنه سئل عن رجل كانت عنده أختان


(1 و 2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث - 0 - 9. (3) اشار إليه في الوسائل في الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9 وذكره في الكافي ج 5 ص 432.

[ 390 ]

مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الاخرى، قال: إذا وطأ الاخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الاخرى، قلت: أرأيت إن باعها أتحل له الاولى ؟ قال: إن كان يبيعها لحاجة ولا يخطر على قلبه من الاخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان إنما يبيعها ليرجع الى الاولى فلا ولا كرامة " ومثلهما صحيح ابن مسلم (1) عن أبى جعفر عليه السلام. وفي خبر أبى بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له أختان مملوكتان فوطأ إحداهما ثم وطأ الاخرى أيرجع الى الاولى فيطؤها ؟ قال: إذا وطأ الثانية فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت أو يبيع الثانية من غير أن يبيعها من شهوة لاجل أن يرجع الى الاولى ". وخبر علي بن أبى حمزة (3) عن أبى ابراهيم عليه السلام " سألته عن رجل ملك أختين أيطؤهما جميعا ؟ قال: يطأ إحداهما، وإذا وطأ الثانية حرمت عليه الاولى التى وطأ حتى تموت الثانية أو يفارقها، وليس له أن يبيع الثانية من أجل الاولى ليرجع إليها إلا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت ". وخبر عبد الغفار الطائى (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل كانت له أختان فوطأ إحداههما ثم أراد أن يطأ الاخرى، قال: يخرجها من ملكه، قلت: الى من ؟ قال: الى بعض أهله، قلت: فان جهل ذلك حتى وطأها، قال: حرمتا عليه كلتاهما " وهى كما ترى متعاضدة جامعة لشرائط الحجية، فهى حجة مستقلة فضلا عن أن تكون مرجحة لما عرفت، بل الاخير منها صريح في الجاهل، ولا ينافيه صحيح الحلبي (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " قلت له: الرجل يشترى الاختين فيطأ إحداهما ثم يطأ الاخرى بجهالة، قال: إذا وطأ الاخرى بجهالة لم تحرم عليه الاولى،


(1) اشار إليه في الوسائل في الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9 وذكره في الفقيه ج 3 ص 284 الرقم 1352. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 - 10 - 6 - 5.

[ 391 ]

وإن وطأ الاخرى وهو يعلم أنها تحرم عليه حرمتا عليه جميعا " بعد قصوره عنه ولو لاعتضاده باطلاق الادلة السابقة، فلا بأس بالجمع بينهما بارادة عدم الحرمة نحو حال العلم، بل يكفي في حلها إخراج الثانية عن الملك ولو للعود إليها بخلاف حال العلم المستحق زيادة عقوبة بذلك، وبأن الحيل الشرعية وإن اعتبرت في غير المقام لكنه للاقدام على المعصية رفع الشارع اعتبارها هنا. (و) من ذلك كله ظهر لك ما في قول المصنف تبعا للشيخ في المحكي من مبسوطه وابن إدريس، بل نسبه في المسالك الى أكثر المتأخرين (الوجه أن الثانية تحرم على التقديرين) أي العلم والجهل (دون الاولى) فانها تبقى على الحل السابق نحو المعقودتين، بل والمعقودة الحرة الموطوء أختها بالملك بعدها، للاصل، واختصاص النهي عن الجمع بالاخيرة، وقاعدة " لا يحرم الحرام " إلا أن الجميع كما ترى، سيما في صورة العلم التى اتفقت جميع النصوص عليها التى لا يجوز على مقتضى قواعد المذهب طرحها أو تأويلها، نعم ربما طرح بعضهم خبر عبد الغفار منها، واقتصر في العمل على الباقي، ومقتضاه حينئذ بعد مراعاة قاعدة الجمع بين الاطلاق والتقييد تخصيص حرمة الاولى في صورة العلم حتى تخرج الاخيرة عن ملكه دون صورة الجهل، لكنه - مع أنا لم نعرف قائله وإن حكاه الشيخ في التهذيب وشرحه بالاخبار السابقة، كما في المسالك - فيه طرح أيضا لما في النصوص السابقة من اعتبار عدم نية العود الى الاولى في الاخراج عن الملك المحلل للرجوع إليها، أو حمله على ضرب من الندب والكراهة من غير داع، ولعل الاولى منه الحكم بحرمتهما معا على الوجه الذى ذكرناه، وحمل خصوص التفصيل بنية العود الى الاولى وعدمها على صورة العلم، كما عن ابن حمزة، وأو على ضرب من الندب والكراهة لاستبعاد اعتبار ذلك في الحل بعد فرض صحة البيع في نفسه، وارتفاع موضوع الجمع معه الذى يندرج به في عمومات الحل، مضافا الى قاعدة إلى " إصلاح الحلال الحرام " عكس القاعدة السابقة وغيرها، بل قد يقال: إن المراد من ذلك عدم العبرة به إذا أريد به الاحتيال المنافي صحة البيع، فيخرج حينئذ عما نحن فيه، والامر في ذلك كله سهل بعد

[ 392 ]

ظهور الامر في أصل المسألة بحمد الله وفضله. ومنه يعلم ما في جملة من المصنفات خصوصا المسالك، وأطرف شئ فيها نقل صحيح أبى الصباح (1) متهافت المتن على وجه يخرج به عن الحجية، وناقش فيه بذلك، مع أنا لم نعثر على نسخة شاذة توافق ما ذكره، بل الموجود فيما حضرني من الوافي والكافي ما سمعت، وفيها أيضا المناقشة في النصوص السابقة بعدم تعرضها لتحريم الثانية الذى يمكن أن يقال: إن ترك ذلك لوضوحه، إذ لا خلاف نصا وفتوى في حرمة وطئها أولا، وهو كاف في بقاء الحرمة، واحتمال أن وطأه المحرم عليه صار سببا لحله ثانيا باعتبار تحريم الاولى عليه، فيرتفع الجمع كما ترى، وعليه قد يحتمل حينئذ عود حل الاولى له بوطئه المحرم لها، لكن تحرم الثانية عليه، فيرتفع الجمع، وهكذا، وهو كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرناه الذى منه قد يستفاد حكم الاختين اللتين قد لمسهما أو نظرهما نظر شهوة على وجه يقوم مقام الوطء بناء على ما سمعته سابقا دفعة واحدة، فان تحريمهما معا بذلك غير بعيد، بل لعله أولى من حرمة الاولى بوطء الثانية، كما هو واضح. هذا وفي خبر ابن أبى عمير (2) المروي في زيادات التهذيب عن رجل من أصحابنا قال: " سمعته يقول: لا يحل لاحد أن يجمع ثنتين من ولد فاطمه عليها السلام إن ذلك يبلغها فيشق عليها قلت: يبلغها قال: أي والله " وعن العلل روايته مسندا عن حماد بن عثمان عن أبى عبد الله عليه السلام لكن لم أجد أحدا من قدماء الاصحاب ولا متأخريهم ذكر ذلك في المكروهات فضلا عن المحرمات المحصورة في ظاهر بعض، وصريح آخر في غيره، مضافا الى عموم الكتاب والسنة، فهو حينئذ من الشواذ التى امرنا بالاعراض عنها، نعم جزم المحدث البحراني بحرمة ذلك، وعمل فيها رسالة أكثر فيها التسجيع والتشنيع وذكر فيها أنه قد عرضها على بعض معاصريه من العلماء المشاركين له في اختلال الطريقة، ووافقه على ذلك، لكن لا يخفى على من رزقه الله


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9. (2) الوسائل الباب - 40 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

[ 393 ]

معرفة لسانهم وما يلحنون به من أقوالهم ظهور الكراهة منه، مع أنه لا جرأة لنا بسبب شذوذه على الفتوى بها فيهما فضلا عن تزويج غير العلوية عليها الذى مقتضى التعليل أنه يشق عليها أيضا، كما أن مقتضى الخبر المزبور سيما على مذهب المحدث المذكور مطلق من تولد منها ولو من البنات وإن علون فلا يخلو حينئذ كثير من الناس عن ذلك، ومن هنا عد ذلك بعض الناس من البدع، كما أنه احتمل كون الخبر المزبور كانتحال أبى الخطاب أن العلويات إذا حضن قضين الصوم والصلاة (1) والله العالم. المسألة (الثالثة) (قيل) والقائل القديمان والشيخان وابن البراج وغيرهم، بل في كشف اللثام وغيره نسبته إلى أكثر المتقدمين، بل نسبه غير واحد الى الشهرة، بل عن ابن أبى عقيل نسبته إلى آل الرسول (صلوات الله عليهم): إنه (لا يجوز للحر العقد على الامة إلا بشرطين: عدم الطول، وهو عدم المهر والنفقة، وخوف العنت، وهو المشقة من الترك) لقوله تعالى (2): " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان، فإذا احصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، ذلك لمن خشى العنت منكم، وإن تصبروا خير لكم، والله غفور رحيم " وخبر محمد بن صدقة البصري (3) المروي عن تفسير العياشي قال: " سألته عن المتعة أليس هذا بمنزلة الاماء ؟ قال: نعم، أما تقرأ قول الله عز وجل: ومن لم يستطع - الى قوله - ولا متخذات أخدان ؟ فكما لا يسع الرجل


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب الحيض الحديث 15 من كتاب الطهارة. (2) سورة النساء: 4 - الاية 25. (3) الوسائل الباب - 46 - من أبواب المتعة الحديث 1.

[ 394 ]

أن يتزوج الامة وهو يستطيع أن يتزوج الحرة فكذلك لا يسع الرجل أن يتمتع بالامة وهو يستطيع أن يتزوج بالحرة " وصحيح ابن مسلم (1) سأل أحدهما عليهما السلام " عن الرجل يتزوج المملوكة، قال: لا بأس إذا اضطر إليها " ونحوه خبر أبي بصير (2) وصحيح زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن الرجل يتزوج الامة، قال: لا، إلا أن يضطر الى ذلك " ومرسل ابن بكير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عز وجل: ومن لم يستطع منكم طولا، والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الامة أو أقل " وخبر يونس (5) عنهم عليهم السلام " لا ينبغي للمسلم المؤمن أن يتزوج الامة إلا أن لا يجد حرة، ولذلك لا ينبغى له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلا في حال الضرورة، حيث لا يجد مسلمة حرة ولا أمة " وخبر أبى بصير (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا ينبغي للحر أن يتزوج الامة وهو يقدر على الحرة، ولا ينبغي أن يتزوج الامة على الحرة " الحديث. والمناقشة في الاولين بأن ثبوت البأس في المفهوم أعم من المنع يدفعها - بعد إمكان دعوى معروفية التعبير عن ذلك - أنه قد كشف عنه التصريح به في صحيح زرارة، كالمناقشة في غيرهما باشعار لفظ " لا ينبغى " فيه بالكراهة، فانه - بعد إمكان دفعها بمنع إشعاره بذلك - ظاهر في إرادة المنع منه هنا في بعضها ولو باعتبار تكريره في المعلوم إرادة ذلك منه فيه، كخبر أبى بصير وغيره، بل لعل مرسل ابن بكير ظاهر في إرادة المنع منه أيضا، بل منه يستفاد اندفاع المناقشة


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب القسم والنشوز الحديث 1. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 45 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4 - 1 - 5. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3 وفيه " لا ينبغى للمسلم الموسر... وكذلك لا ينبغى له... " (6) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 45 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 وذيله في الباب - 46 - منها الحديث 3.

[ 395 ]

في الاية من الوجوه التسعة المذكورة جميعها أو أكثرها في زبدة البيان للاردبيلي وغيرها. كالمناقشة بعدم إرادة المفهوم باعتبار سوق الاية للارشاد والمخرج عند الحاجة، نحو قوله صلى الله عليه واله (1): " من لم يستطع منكم الباه فعليه بالصيام فانه وجاء " ونحو القول للجار مثلا " إذا أعوزك أمر فصر الينا " وقول الطيب: " إذا خفت فساد الدم فعليك بالرمان، وهيجان الصفراء فعليك بالسكنجبين " الى غير ذلك مما يراد به الارشاد الى المخرج عند الحاجة والضرورة، ويؤيده النبوى (2) " إن الحرائر صلاح البيت، والاماء خراب البيت " ولذا لم يجب نكاح الحرة مع القدرة والامة مع انتفائها، ولو كان الغرض منها الامر والنهي والترتيب في الحكم لوجب ذلك. أو باعتبار أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يظهر للقيد فائدة سوى نفي الحكم عند انتفائه كما بين في الاصول، وللشرط هنا وجه ظاهر غير ذلك، وهو الترغيب في أمر النكاح والحث على فعله بمجرد القدرة عليه ولو بنكاح الامة، مع التنبيه على أن نكاح الحرة أولى وأفضل من نكاح الامة، وأنه لا ينبغي أن يعدل عن الحرة إلا للضرورة. أو باعتبار خروجه مخرج الغالب، فانه إنما يرغب في نكاح الامة غالبا من لا يستطيع نكاح الحرة، فعبر عن مريد نكاح الامة بمن لا يستطيع نكاح الحرة إلتفاتا الى هذه الغلبة. أو باعتبار أن " من لم يستطع " ليس صريحا في الشرط وإن تضمن معناه، ومفهوم الشرط إنما يكون معتبرا إذا كان معنى الشرط مفهوما من صريح اللفظ،


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب الصوم المندوب الحديث 1 من كتاب الصوم مع اختلاف في اللفظ. (2) المستدرك الباب - 47 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 وفيه " والاماء هلاكه ".

[ 396 ]

ولذا عبر عنه بعض الاصوليين بمفهوم " إن ". وبأن المفهوم لو كان معتبرا هنا لزم أن لا يجوز للعبد نكاح الامة مع قدرته على نكاح الحرة، لان " من " من أدوات العموم، فيتناول الحر والعبد واللازم باطل بالاجماع، فكذا الملزوم. وبأن المعلق على الشرطين هو رجحان النكاح، فان معنى قوله تعالى: " فمن ما ملكت أيمانكم " فلينكح مما ملكت أيمانكم، وقضية المفهوم حينئذ انتفاء الرجحان عند انتفاء الشرطين دون الجواز، فلا يقتضي المنع. وبأن قوله تعالى: " وإن تصبروا " الى آخرها يدل على الجواز مع فقد الشرطين، فانه إذا خاف الضرر بالعزوبة أو الوقوع في الزنا فظاهر وجوب النكاح حينئذ، فكيف يكون الصبر معه خيرا، وأيضا فانهم حكموا باستحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه مطلقا، وذلك يقتضى استحباب نكاح الامة مع فقد الحرة لتعينها له حينئذ، والتخصيص بالحرة ولو مع فقدها بعيد جدا، فالمراد أن صبركم عن تزوج الامة مع فقد الشرطين خير، فيكون تزويجها معه جائزا. وبأن هذا المفهوم معارض بمنطوق قوله تعالى: " واحل " (1) و " أنكحوا " (2) و " لامة " (3) والمنطوق مقدم على المفهوم لقوته. وباحتمال كون الاية للامر باتخاذ السرارى مع عدم القدرة على نكاح الحرائر، فلا يكون من محل النزاع في شئ. مضافا الى ما في الاول من أنه إن أريد بالارشاد معناه الاعم أي الهداية إلى ما فيه المصلحة فهو غير مناف للتحريم، ضرورة كون الاحكام الشرعية جميعها إرشادية بهذا المعنى، وإن أريد معناه المصطلح أي الدالة على ما هو الاليق والاصلح بحال العبد في الامور الدنيوية خاصة، كما يستفاد من كلامهم


(1) سورة النساء: 4 - الاية 24. (2) سورة النور: 24 - الاية 32. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 221.

[ 397 ]

في الامر الارشادي وغيره، فادعاه ظهوره من سوق الاية ممنوع بل مقطوع بفساده، إذ ليس في الاية إشعار بذلك، بل قد عرفت دلالتها على خلافه، وسوقها يقتضي أن المراد بيان الحكم الشرعي من حيث الحل والحرمة، لوقوعها بعد آية التحريم (1) المشتملة على ذكر ما يحل من النساء وما يحرم، وتعقيبها بقوله تعالى (2): " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم " الدال على أن المقصود بيان الحكم كما ذكرناه، وأما عدم وجوب نكاح الحرة مع القدرة والامة بدونها فلعدم ما يدل عليه، فان المضمر غير معين، ولو سلم فعدم الوجوب لوجود الصارف عنه، لا لفهم الارشاد من الاية كما ظن. وما في الثاني من أن تسليم حجية المفهوم يقتضي أن الفائدة تخصيص الحكم، ومخالفة المفهوم للمنطوق، وإن احتمل غيره من الفوائد، إذ لو كان الاحتمال قادحا لم يكن المفهوم حجة أصلا، فانه لا خلاف في كون التخصيص من جملة الفوائد، ولا في تعين إرادته مع انتفاء غيره صونا لكلام الحكيم عن اللغو والعبث، إنما الخلاف في أنه مع احتمال الفوائد الاخر يتعين الحمل على هذه الفائدة أو يبقى الكلام محتملا لها ولغيرها، والقائلون باعتبار المفهوم يدعون الاول بناء على غلبة هذه الفائدة بالنظر الى غيرها، وأن المظنون إلحاق المحتمل بالاعم الاغلب، أو أنها هي المفهومة من اللفظ المتبادرة عند الاطلاق، فلا يصرف الكلام عنها إلا بدليل، وهذا معنى قولهم: " المفهوم حجة إذا لم يظهر للقيد فائدة " لا مجرد الاحتمال، فانه سهو بين ناشئ من قلة التأمل، وحينئذ فان أريد مجرد احتمال الحث والترغيب فهو مسلم، ولا يقدح في حجية المفهوم، وإن أريد ظهوره في ذلك فهو واضح المنع، خصوصا مع ملاحظة قوله تعالى: وإن تصبروا " الدال على الحث البليغ على ترك نكاح الامة، وكذا قوله تعالى: " ذلك لمن خشي " المشعر بكون ذلك للضرورة ونحو ذلك مما هو ظاهر في إرادة الترك المنافي للترغيب. وما في الثالث من أن موضوع الحكم على القول بالجواز مطلقا هو كل من


(1 و 2) سورة النساء 4 - الاية 23 - 26.

[ 398 ]

يتأبى من نكاح الامة سواء كان محتاجا إليه أم لم يكن، وسواء أراد نكاحها أو لم يرد، وغير المستطيع ليس غالبا في أفراده، وإنما هو غالب في أفراد المحتاج إلى نكاحها أو المريد له، إلا أنه ليس موضوعا للحكم المزبور بالجواز، لانه غير مقصور عليه، ولا على مريد النكاح لعدم تأثير الارادة في الحكم الشرعي، على أن بناء المناقشة على الظاهر، ومقتضاه اختصاص الجواز بغير المستطيع، وإرادة الغالب على تقديره خروج عن الظاهر، فلا يصار إليه إلا بدليل. وما في الرابع من أن " من " في الاية إما شرطية والفاء في جوابها، أو موصولة والفاء في خبرها، وعلى كل حال فالمفهوم معتبر، أما الاول فلان حجية المفهوم للدلالة على الاشتراط، فمتى حصلت تبعها المفهوم، سواء كان اللفظ صريحا في الشرط أو متضمنا له، كأكثر كلمات الشرط، بلا خلاف نجده بين علماء العربية والتفسير والاصول والفقه وغيرهم، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم ومواضع استدلالهم بأمثال ذلك، بل كل ما دل على اعتبار المفهوم في الاول دال عليه فيها أيضا، ولم يخص أحد النزاع بالاول، وتعبير بعضهم بإن ليس تخصيصا قطعا، بل هو تعبير عن محل النزاع بما يعبر به غالبا، وأما عل الثاني فلان دخول الفاء في الخبر يدل على تضمن الموصول معنى الشرط كما صرح به أئمة العربية فيه، بل وفي كل موصوف، فيكون المفهوم معتبرا، ولا يقدح فيه عدم وضعها لمعنى الشرط كالشرطية، إذ العبرة بفهمه مطلقا ولو بالقرينة، لا باستفادته من جهة الوضع بخصوصه. لا يقال دخول الفاء إنما يقتضي الايذان بالشرط حتى كأن الموصول والموصوف متضمن له دخيل (متضمنا له دخيلا ظ) في معناه، ولا يقتضى كونه متضمنا له حقيقة تضمن كلمات الشرط، مثل " من " و " ما " و " متى " معنى " إن " الشرطية، ومن ثم لم يلتزم فيه الابهام المعتبر في كلمات الشرط، بل جاز أن يكون خاصا، كما في قوله تعالى: " (1) الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات " المسوق للحكاية عن جماعة خاصة، وكذا لم يجب أن يعامل معاملة كلمات الشرط من التزام الفاء في الجواب،


(1) سورة البروج: 85 - الاية 10.

[ 399 ]

وكون الصلة فعلا صريحا مستقبل المعنى، فيجوز " الذي يأتيني له درهم " بدون فاء على قصد السببية، بل يجوز وصله بالظرف وما في معناه مما ليس فعلا صريحا، وهو كثير، بل وبالفعل الماضي كما في الاية، وقول النحاة يتضمن الموصول والموصوف معنى الشرط على ضرب من التسامح. لانا نقول: دخول الفاء دال على إرادة الشرط قطعا باجماع النحاة، لسبقه الى الذهن، وهذا القدر كاف في اعتبار المفهوم المستفاد من فهم أهل العرف الذين لا يفرقون في الدال على الشرط صريحا أو بتضمنه معنى الشرط، كما في كلم المجازاة أو بالقرينة لدخول الفاء في الخبر، فان جميع ذلك مشترك في الدلالة على مقصود المتكلم منطوقا ومفهوما عرفا، وإن اختلف الدال على الاشتراط بالوضع والقرينة، فان أراد بكون الفاء مؤذنة أن الدلالة قد استفيدت فهو مسلم، لكنه غير قادح في المطلوب المبني على فهم الاشتراط ولو من القرينة كما عرفت، وإن أراد بكونها مؤذنة أنها مشعرة لا دالة كما يقضي به لفظ الايذان فهو - مع كونه خلاف ظاهر جعلهم الفاء من أمارات الشرط وأدلته، نحو ايذان اللام الموطئة للقسم بالقسم - واضح الفساد ضرورة عدم الفرق في الدلالة عرفا، في نحو " من جاءك فأكرمه " بين كونها موصولة أو شرطية، ولا يقدح في ذلك استعمالها غير مبهمة في نحو قوله تعالى " الذين فتنوا " الى آخرها، لان دخول الفاء إنما يكون قرينة على إرادة الشرط مع إمكانه، وهو فيما إذا كان خاصا ممتنع، كما أنه لا يقدح عدم المعاملة معاملة أدوات الشرط في التزام الفاء ونحوها مما هي أحكام لفظية لا مانع من أن تتبع وضع اللفظ، بخلاف اعتبار المفهوم، فانه من توابع المعنى دون اللفظ. بل قد يقال بعد التسليم والتنزل إنه لا ريب في أن دخول الفاء مما يتقوى به اعتبار القيد، وتتأكد معه الدلالة في مفهوم الوصف، ولا أقل من أن يصير به المفهوم متوسطا في القوة والضعف بين مفهومي الشرط والوصف، كما يظهر بالتدبر في قول القائل: " الذى يأتيني له درهم " وقوله: " الذى يأتيني فله درهم " فانك

[ 400 ]

ترى أن دلالة الثاني على انتفاء الاستحقاق عند عدم الاتيان أقوى من الاول وإن كانت أضعف من قوله: " إن يأتيني أحد فله درهم " وحينئذ فالقول بمفهوم الوصف يقتضي اعتبار المفهوم، لتحقق الوصف فيه مع زيادة، والقول بعدم اعتباره لا يوجب النفي فيه، لامكان تأثير الزيادة في الحجية، ومن هنا يعلم أن خروج هذا المفهوم من مفهوم الشرط بعد تسليمه لا يقتضى عدم اعتباره، ولا يتوقف على القول بحجية مفهوم الوصف، والله العالم. وما في الخامس من ظهور الاية في خصوص الاحرار باعتبار ظهورها في استطاعة مهر الامة المنتفية في العبد، وفي أن المراد عدم الاستطاعة لفقد الطول، لا لامتناعه، وهى في هذا المعنى ليست إلا في الاحرار، سيما على المختار من عدم ملكية العبد، بل الظاهر من قوله تعالى: " منكم " الاحرار نحو قوله تعالى (1): " وانكحوا الايامى منكم " وكذا قوله تعالى (2): " فمن ما ملكت أيمانكم " الظاهر في الملك فعلا أو إمكانه، وهو ليس إلا في الاحرار، ومع الاغضاء عن ذلك كله فلا مانع من ارتكاب التخصيص في المفهوم لا إلغاؤه، ومع دوران الامر بينهما فلا ريب في تقديم الاول، على أن هذه المناقشة وما شابهها إنما هي في خصوص قوله تعالى: " ومن لم يستطع " لا قوله تعالى: " ذلك لمن خشي " الى آخرها، وهو كاف في ثبوت المطلوب، لان ثبوت أحد الشرطين ها هنا يقتضي ثبوت الاخر، للاجماع على عدم اشتراط أحد الامرين بخصوصه في نكاح الامة، فان الاصحاب اختلفوا في هذه المسألة على قولين لا ثالث لهما: الجواز مطلقا والجواز مع وجود الشرطين معا، فالقول بالجواز المشروط بأحدهما خاصة خلاف الاجماع المركب. وما في السادس من أن المفهوم من تعليق نكاح الامة على عدم استطاعة نكاح الحرة أن نكاح الامة بدل عن نكاح الحرة وقائم مقامه عند فقدها


(1) سورة النور: 24 - الاية 32. (2) سورة النساء: 4 - الاية 25. (جواهر الكلام - 25)

[ 401 ]

أو عدم التمكن منها، ومقتضى ذلك ثبوت ما علم ها هنا من حكم الحرة مع الاستطاعة للامة بدونها، فان المفهوم من جعل شئ بدلا عن آخر بعد بيان حكمته قصد إثبات ذلك الحكم بعينه عند إنتفائه للبدل، وحيث إن المستفاد من قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: " واحل لكم ما وراء ذلكم " (1) هو جواز نكاح الحرة مجردا عن وصف الرجحان والوجوب ولو من جهة العموم فينبغي أن يكون ذلك هو حكم الامة التى هي بدل عنها، فكأنه قيل: احل لكم نكاح الحرائر من النساء، ومن لم يستطع نكاحهن فلينكح من الاماء، فيكون المستفاد منه الجواز لا الرجحان، ولا ينافيه رجحان نكاح الحرة من دليل آخر، على أن سوق الاية لوقوعها بعد ذكر ما يحرم ويحل يقتضي أن المقصود بيان حكم الامة من حيث الحل والحرمة دون الرجحان وعدمه، بل إرادته منافية لقوله تعالى: " وإن تصبروا خير " فان المعنى كما ستعرف أن الصبر على ترك نكاح الامة مع وجود الشرطين خير من نكاحها، وهو صريح في رجحان الترك، فلا يصح الحمل على رجحان الفعل المضاد له. ولعل هذا أولى من الجواب عن ذلك، بأن استفادة الرجحان فرع تقدير الامة وإرادة الطلب، وهو غير متعين، لاحتمال أن يكون المقدر ما يقتضي مجرد الجواز والاباحة، بل هو أولى، لانه متيقن بخلاف الامر، فانه يتضمن شيئا زائدا على الجواز، وهو مشكوك فيه، فيجب نفيه بالاصل، إذ يمكن المناقشة فيه بأن مخالفة الاصل لازمة على تقدير الجواز أيضا، فان الاصل عدم التحريم مع فقد الشرطين، بل المخالفة على هذا التقدير أظهر كما لا يخفى. وأولى من الجواب بأن رفع الرجحان الذى هو بمنزلة الفصل يستلزم رفع الجنس الذى هو رفع الجواز على ما هو التحقيق، وفيه أنه يقتضي رفع الحصة المعينة من الجواز التى تقوم بها الرجحان، لا ارتفاع الجواز مطلقا كما هو المطلوب.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 24.

[ 402 ]

وما في السابع من أن ما ذكره لما يقتضيه نظم العبارة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، ضرورة ظهور الاية في أن الصبر على ترك النكاح مع الشرطين خير من فعله، على أن الصبر الذى قد صرح أهل اللغة به وشهد به العرف - وهو تحمل المشقة وحبس النفس عن الجزع - إنما يناسب ترك النكاح مع الشرطين، لما فيه من المشقة الظاهرة، بخلاف فاقد التوقان والقادر على نكاح الحرة، فانه لا مشقة عليه بترك نكاح الامة لانتفاء الموجب له في الاول، والاستغناء بنكاح الحرة في الثاني، ودعوى ظهور كلمات الفقهاء في الوجوب مع خوف الضرر بالعزوبة أو الوقوع في المحرم فلا يكون الصبر معه خيرا يدفعها أن المسلم وجوبه مع خوف الضرر البدني، ولم يعلم إرادته من الاية، للمحكي عن أكثر المفسرين: منهم جار الله الزمخشري والعلامة الطبرسي أن المراد من خشية العنت خوف الاثم الذى تؤدي إليه الشهوة، وحينئذ يكون حكم نكاح الامة مع خوف الضرر البدني حكم المحرمات بالنسب وغيره، فكما لا تحل تلك به فكذلك هذه، وإلا لزم جواز نكاح المحرمات بأسرها مع الانحصار، بل وجوبه بذلك، وبطلانه ضروري، على أنه لو صح لوجوب تخصيص مفهوم الاية بما عدا ذلك، وليس في هذا ما يقتضى حمل قوله تعالى: " إن تصبروا خير " على أفضلية الصبر مع فقد الشرطين كما ذكره المعترض، وهو ظاهر. وأما وجوب النكاح مع خوف الوقوع في المحرم لغلبة الشهوة كما ذكره بعضهم فقد عرفت ما فيه في محله سابقا، لان ترك المحرم أمر مقدور لا يتوقف على التزويج، ولذا لم يجز ارتكابه مع عدم التمكن من الانكاح المحلل بالكلية وإن بلغ من الشهوة ما بلغ، ولو لا أنه مقدور لما حرم ذلك، والقول بوجوبه وإن فرض اقتداره على ترك المحرم بالتقوي وشدة الورع كما ترى، ضرورة أن القول بوجوبه على تقديره ليس تعبدا محضا، بل إنما هو لاستلزام ترك النكاح الوقوع في المحرم على ما مر سابقا، وقد عرفت ما فيه ولو سلم فتخصيص هذه الصورة أعنى نكاح الامة من ذلك لدلالة الاية عليه لا ينافي طريقة التحقيق، فان تخصيص العمومات غير

[ 403 ]

عزيز، ويشهد له ظاهر كلام الفقهاء والمفسرين، حيث اقتصروا في معنى الاية على ما هو الظاهر، ولم يتعرض أحد منهم حتى القائل بجواز نكاح الامة مطلقا لتأويل الاية وصرفها عن ظاهرها، ولا بقيام الاحتمال فيها، مع ما علم من طريقتهم في استنباط الاحكام من الايات وذكر ما فيها من الوجوه والاحتمالات، وهذا بمنزلة التصريح منهم بعدم وجوب النكاح في تلك الصورة، وإلا فكان ينبغى لهم التعرض لتنزيل الاية على الوجوب حتى يوافق ما ذهبوا إليه، والموجود في كلامهم خلافه. هذا مع إمكان أن يقال: لو أريد من خشية العنت ما يعم خوف الضرر البدني فلا دلالة في الاية على جواز ترك النكاح معه، لعدم تحقق معنى الصبر فيه حقيقة، فان الصبر تحمل المشقة والكلفة، ولا مشقة في ترك النكاح مع خشية الضرر البدني، وإنما الموجود معه خوف حصول المشقة دون المشقة نفسها، بخلاف الترك مع خوف الوقوع في المحرم، فانه لا ينفك عن المشقة الحاصلة باعتبار المنازعة وقهر القوة الشهوية، وعلى هذا فيكون الصبر على ترك النكاح مقصورا على خوف الاثم خاصة وإن كان خشية العنت أعم من ذلك، وإطلاق الصبر على ترك النكاح مع خشية العنت نظرا الى المشقة التى يؤول إليها الترك معها غالبا وإن كان ممكنا إلا أنه تكلف مستغنى عنه، ولو سلم فالواجب تخصيص قوله تعالى: " وإن تصبروا " بما عدا خوف الضرر البدني، لوجوب النكاح معه بمقتضى الحمل على العموم، وهذا أولى من حمله علي أفضلية الترك مع فقد الشرطين، فانه بعيد جدا بخلاف التخصيص، كما أنه يجب حكم الفقهاء باستحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه بناء على عمومه بما عدا هذه الصورة، لدلالة الاية على أن ترك النكاح فيها بالخصوص أفضل، فان الخاص مقدم على العام، ولا بعد في ذلك إذا اقتضته الادلة الشرعية، إذ ربما كان مصلحة ترك نكاح الامة أهم من مصلحة الفعل وإن تاقت النفس إليه، فلا يكون الفعل حينئذ راجحا كما عن بعضهم التصريح به أو كالتصريح. وما في الثامن من أن الخاص ولو كان مفهوما مقدم على العام وإن كان منطوقا

[ 404 ]

لقوته، وما قيل من تقدم المنطوق على المفهوم إنما هو مع التعادل من سائر الجهات، لا أن المنطوق من حيث إنه منطوق مقدم على المفهوم من حيث إنه مفهوم، وما يقال - من أن المفهوم وإن ترجح باعتبار كونه خاصا فالعام يترجح لكونه منطوقا فيتعادل الدليلان - يدفعه أن تعادل الدليلين بتعادل جهتى الترجيح، وهما هنا غير متكافئين، لان الفهم يتسارع الى التخصيص عند جمع الدليلين وملاحظتهما من غير توقف، ولان تخصيص العموم شائع كثير بخلاف إلغاء المفهوم، ولان دلالة المفهوم على المورد المعين أظهر من دلالة المنطوق العام عليه، والترجيح ها هنا ليس إلا لقوة الدلالة خصوصا المفهوم في قوله تعالى (1): " ذلك لمن خشى العنت " حتى قيل: إنه لا يقصر عن المنطوق. وما في التاسع من أن العامل في قوله تعالى: " مما ملكت أيمانكم " فعل النكاح المقدر بقرينة ذكره في الشرط، والتقدير إن من لم يستطيع أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح أو فله أن ينكح مما ملكت، وقد عرفت أن النكاح حقيقة فيما لا يشمل الملك، على أن الحمل على إرادة التسرى ينافيه معلومية عدم اشتراطه بعدم الاستطاعة وخوف العنت، بل وقوله تعالى: " فانكحوهن باذن أهلهن " وقوله تعالى: " فآتوهن أجورهن " بل وقوله تعالى: " وإن تصبروا خير " إذ لا ريب في جواز التسرى والوطء بملك اليمين من دون كراهة ولا منع، سواء قدر على الحرة أو لم يقدر، وسواء خشي العنت أو لم يخش. وقد ظهر لك من ذلك تمامية دلالة الاية على المطلوب، وكفى بها دليلا فضلا عن النصوص المذكورة. (و) لكن مع ذلك كله (قيل) والقائل جماعة: (يكره ذلك) أي نكاح الامة (من دونهما) أي الشرطين (وهو الاشهر) بين المتأخرين، بل في الغنية الاجماع عليه، للاصل المستفاد من عموم الكتاب (2) والسنة (3) وقول الصادق عليه السلام


(1) سورة النساء: 4 - الاية 25. (2) سورة النساة،: 4 - الاية 25. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب مقدمات النكاح.

[ 405 ]

في خبر ابن أبى منصور (1): لا بأس أن يتزوج الامة متعة باذن مولاها " وصحيح البزنطي (2): " سألت الرضا عليه السلام يتمتع الامة باذن أهلها، قال: نعم إن الله تعالى يقول: فانكحوهن باذن أهلهن " وإشعار لفظ " لا ينبغى " في النصوص السابقة (3) وإشعار نصوص النهى عن تزويج الامة على الحرة (4) ومن حيث تخصيص النهى بكونه على الحرة، فلو أن النهى كان عاما لخلا التقييد عن الفائدة، ومن حيث دلالتها على التزويج ولو فالجملة وهو منصرف الى العموم، لعدم الصارف له عنه، وإشعار معقد الاجماع على جواز تزويج الامة على الحرة باذنها، وإشعار ما دل (5) على جواز تزويج الحرة على الامة. إلا أن الجميع كما ترى فان الاجماع لا وثوق به بعد شهرة القدماء نقلا وتحصيلا على خلافه، ومعارض بما سمعته من ابن أبى عقيل من النسبة الى آل الرسول (صلوات الله عليهم) والعمومات مخصصة بما عرفت، بل الاية مساقة لتخصيص قوله تعالى (6): " واحل لكم ما وراء ذلكم " منها، ونصوص المتعة - مع معارضتها بما دل على النهى، مثل خبر يعقوب بن يقطين (7) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يتزوج الامة على الحرة متعة، قال: لا " - لا تنافي ما دل على الاشتراط بالامرين الاخرين، بل قوله عليه السلام في الصحيح منها (8): " نعم إن الله " الى آخره ظاهر في إرادة ما تضمنته الاية المشتملة على اعتبار الشرطين مع ذلك و " لا ينبغى " مع أنه للقدر المشترك بين المحرم والمكروه قد عرفت القرائن الدالة على إرادة الحرمة منه، ونصوص النهى عن تزويج الامة على الحرة من حيث كونه على الحرة


(1 و 2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المتعة الحديث 2 - 3. (3) الوسائل الباب - 45 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (4 و 5) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 0 - 1. (6) سورة النساء: 4 - الاية 24. (7) الوسائل الباب - 16 - من أبواب المتعة الحديث 3. (8) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المتعة الحديث 3.

[ 406 ]

وإن جمع الشرطين ولو لعدم قدرته على وطء التى عنده فيمكن أن يكون شرطا ثالثا، لان المراد كفاية إذنها وإن فقد الشرطين، والتزويج في الجملة لا إطلاق فيه، ويكفي فيه الجواز مع الشرطين، كما أنه يكفي في معقد الاجماع ونصوص تزويج الحرة على الامة. وأضعف من ذلك القول بالتفصيل بين من عنده الحرة وغيره، فلا يجوز للاول، ويجوز للثاني، مع أنه لم نعرف قائله وإن حكي عن الشيخ أنه حكاه عن قوم من أصحابنا، بل ظاهر حكايته المنع وإن رضيت الحرة وهو مخالف لما تعرفه من الاجماع، على أنه قد بالغ بعض الافاضل في نفي هذا القول، وأنه ليس قولا في المسألة، وأن مرجعه الى القول بالجواز، ويؤيده تصريح بعض المتبحرين بأن ليس في المسألة إلا قولين، وظاهر المسالك أن هذا القائل قد اعتبر في المنع وجود الحرة فعلا لا القدرة عليها، لكنه كما ترى أيضا. وعلى كل حال فثبوته قولا في المسألة هنا وهي جواز تزويج الامة مع عدم الشرطين أو أحدهما لا من حيث إذن الحرة وعدمه مشكل، ومع تسليمه فهو أضعف من سابقه كما لا يخفى عليك. وكذا ما عد قولا رابعا، وهو ما يظهر من المفيد من التحريم دون الفساد، فانه ليس قولا في أصل التحريم، مع أنه في غاية الضعف مناف للفهم العرفي المستفاد من الاية والنهى في الرواية في أمثال هذه المقامات مما كان مورده ركني (ركن خ ل) العقد التى هي أولى من نواهى حرمة الجمع، كما هو واضح بأدنى نظر. ثم المراد من الطول هنا المهر وإن كان هو أعم كما سمعت التصريح به في الخبر (1) لكن ألحق به المصنف وغيره النفقة أيضا، وكأنه أخذه من أصل المعنى اللغوي، وهو الزيادة والفضل والسعة في المال، لكن الانصاف أنه يمكن عدم اعتبار غير المهر في الطول الذى هو شرط الجواز وأما النفقة فأمر قد ضمنه الله تعالى خصوصا بعد قوله تعالى (2): " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله "


(1) الوسائل الباب - 45 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 5. (2) سورة النور: 24 - الاية 32.

[ 407 ]

وخصوصا بعد قوله تعالى (1): " وفي السماء رزقكم وما توعدون ". ولو وجد الشرطان فنكح الامة ثم ارتفعا لم يؤثر ذلك في صحة النكاح السابق، بل لو فرض أنه قد كان طلقها طلاقا رجعيا جاز له الرجوع بها وإن فقد الشرطان، لانها بمنزلة الزوجة، ولو أمكنه زوال العنت بوطء ملك اليمين مع فقده الطول للحرة لم يجز له نكاح الامة، لعدم الشرط، وربما احتمل الجواز، لصدق عدم استطاعة طول حرة، وفيه أن خوف العنت شرط آخر، والفرض عدم حصوله، هذا. وفي السمالك " القدرة على وطء الحرة شرط في وجود الطول، فلو كان عنده حرة رتقاء أو ضعيفة عن الوطء بمرض أو صغر أو كانت غائبة عنه بحيث خشي العنت قبل الوصول إليها جاز له نكاح الامة، لفقد شرط الطول ودفعا للحرج، نعم لو قدر مع وجودها على زوال العنت ببعض الاستمتاعات غير الوطء امتنع " وظاهره الجواز من غير مراعاة الاذن من الحرة، وهو لا يخلو من إشكال لما ستعرف، نعم ما فيها أيضا من " أنه لا فرق في المنع عن العقد على القول به بين الدائم والمنقطع، لشمول النكاح المشروط لهما، وأما التحليل فان جعلناه عقدا امتنع أيضا، وإن جعلناه اباحة فلا، كما لا يمتنع وطؤها بملك اليمين " جيد جدا خلافا لبعضهم، فخص المنع بالدائم معللا له بأنه المنساق من الاطلاق وبما سمعته من صحيح (2) نفي البأس عن المتعة الذي قد عرفت سوقه من حيث كونه على الحرة، أو لبيان أصل جواز ذلك باذن أهلها، والانسياق المزبور ممنوع، خصوصا بعد ملاحظة موارد نظائر المقام، كما هو واضح. لكن ما ذكره من المنع في التحليل بناء على العقد يمكن منعه حتى عليه أيضا لظهور النص والفتوى فيما لا يشمله، كما صرح به


(1) سورة الذاريات: 51 - الاية 22. (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب المتعة الحديث 3.

[ 408 ]

بعضهم. والتمكين من نكاح الكتابية بناء على جوازه رافع لخشية العنت الذى هو أحد شرطي الجواز، فيكفي حينئذ في المنع وإن صدق معه عدم طول نكاح المؤمنة المحصنة، أللهم إلا أن يقال بمعونة قوله تعالى (1): " ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم " والعسر في شدة المحافظة عن سؤرها وغيره إن المراد خشية العنت من حيث عدم نكاح المؤمنة، فيكفي حينئذ في جواز نكاح الامة المؤمنة وإن تمكن من نكاح الكتابية، أو يقال بجواز كل منهما له أو نحو ذلك فتأمل جيدا. ولو توقف نكاح الحرة على مهر يجحف بالحال أو زيادة لا يتسامح في مثلها فالظاهر عدم وجوب البذل وإن تمكن، والاستطاعة في الاية (2) محمولة على المتعارف، ولعل ذلك مثل بذل الزيادة المزبورة في تحصيل ماء الطهارة وساتر الصلاة وراحلة الحج، هذا. وفي المسالك " المعتبر في المال المبذول في المهر القدر الزائد عما يستثنى من المسكن والخادم وثياب البدن ونحوها، لان ذلك لا ينافي الفقر، والفقير غير مستطيع، مع احتماله، لتحقق القدرة في الجملة المانعة من نكاح الامة ". قلت: لعل إيكال صدق الاستطاعة طولا الى العرف أولى من التعرض لجزئياته التى لم تنضبط، لاختلافها مكانا وزمانا، ومن ذلك ما ذكره فيها أيضا من أنه " لو كان له مال غائب يتحقق به الطول ولكن لا وصول إليه الان مع خوف العنت فان أمكنه الاستدانة عليه فهو مستطيع، وإلا فلا، ومن ثم جاز له أخذ الزكاة، ولو وجد من يشتريه بأقل من ثمن المثل ففيه الوجهان السابقان. وما فيها أيضا من أنه " لو لم يكن مالكا للمهر ولكنها رضيت بتأجيله فان كان إلى وقت لا يترقب فيه المال عادة فلا عبرة به، وإن كان مما يتوقع فيه القدرة فوجهان،


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 221. (2) سورة النساء: 4 - الاية 25.

[ 409 ]

من تحقق القدرة على الحرة الان، ومن أن المعتبر المال المخصوص للحرة، والفرض عدمه، وشغل الذمة بمثل ذلك مع إمكان كذب الظن فضلا عن الاحتمال لا دليل عليه إن لم يكن فيه ضرورة، وهذا أقوى، ولا فرق بين طلبها مع ذلك مقدار مهر المثل معجلا أو أزيد منه أو أنقص، وكما لا يجب التزام دينها كذلك لا يجب التزامه من غيرها بقرض وعدمه، حيث لا يكون عنده وفاء " إلى غير ذلك مما ليس وظيفة الفقيه التعرض له في مثل الالفاظ التى لا حقيقة لها شرعية، بل ربما كان بعض المتنبهين لمصاديق العرف أعرف من الفقيه بها، والمرجع إليه في معرفة نفسه بخوف العنت وعدم الطول ما لم يعلم كذبه. (و) كيف كان فلا يخفى أنه بناء (على) القول (الاول لا) يجوز له أن (ينكح إلا أمة واحدة لزوال العنت بها) أللهم إلا أن يفرض عدمه فيجوز له الثانية (و) أما (من قال ب‍) القول (الثاني أباح اثنتين) لان الفرض عدم حرمة نكاح الامة عنده للعمومات، نعم لا تجوز له الثالثة (اقتصارا في المنع على موضع الوفاق) وهو الثلاث كما ستعرفه، فيبقى ما عداه على أصل الجواز وعموماته، والله العالم. المسألة (الرابعة) (لا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من حرتين) كما ستعرف إن شاء الله. المسألة (الخامسة) (لا يحوز نكاح الامة على الحرة إلا باذنها) بلا خلاف أجده فيه

[ 410 ]

في المستثنى والمستثنى منه إلا ما عساه يظهر مما حكاه الشيخ عن قوم من أصحابنا من عدم الجواز وإن أذنت، وهو مع أنه غير معروف القائل واضح الضعف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى النصوص قال ابن بزيع (1) في الصحيح: " سألت أبا الحسن عليه السلام هل للرجل أن يتمتع المملوكة باذن أهلها وله امرأة حرة ؟ قال: نعم إذا رضيت الحرة، قلت: فان رضيت الحرة يتمتع منها، قال: نعم " بل قد يشعر به خبر حذيفة بن منصور (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج أمة على حرة لم يستأذنها، قال: يفرق بينهما، قلت: عليه أدب، قال: نعم، إثنى عشر سوطا ونصف، ثمن حدد الزاني وهو صاغر " وغيره من النصوص (3) نعم يعتبر وجود الشرطين السابقين بناء على منع نكاح الامة بدونهما، ولا ينافي وجود الحرة عنده تصور وجودهما بعد إمكان خوف العنت معها لرتق أو مرض أو غيرهما، وعدم الطول لنكاح حرة غيرها، لكن قد يظهر مما في المسالك في المسألة السابقة عدم اعتبار إذن الحرة حينئذ، وفيه أنه مخالف لظاهر الادلة. نعم يمكن عدم اعتبار إذنها على القولين إذا كانت ليست من أهل الاذن لصغر أو جنون، بناء على ظهور اعتبار الاذن في القابلة لذلك، فيبقى غيرها حينئذ على عمومات الحل، مع احتمال العدم، لا طلاق النهى عن نكاح الامة على الحرة، وظهور القابلية إنما هو في المستثنى، فيقتصر عليه في تخصيص المستثنى منه، واحتمال الرجوع إلى إذن الولي لا دليل عليه، إلا إطلاق الولاية الذي لا يشمل مثل ذلك قطعا، فلو تجدد لها القابلية بعد النكاح ففي اعتبار إذنها حينئذ في البقاء أو أن لها الخيار في فسخ عقد نفسها خاصة أو مع عقد الامة وجوه، أما الغيبة ونحوها مما يمنع الاستئذان ممن له أهلية الاذن فالظاهر بقاء اعتبار الاذن معها، لاطلاق


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب المتعة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4 والباب - 49 - من أبواب حد الزنا من كتاب الحدود.

[ 411 ]

الادلة. وعلى كل حال (فان بادر) وعقد من دون إذن (كان العقد باطلا) عند بنى أبى عقيل والجنيد وإدريس والشيخ في محكي التبيان وظاهر المبسوط (وقيل) والقائل الشيخان وأتباعهما: (كان للحرة الخيار في الفسخ والامضاء) لعقد الامة (ولها فسخ عقد نفسها) أيضا، لنحو ما سمعته في عقد بنت الاخ والاخت على العمة والخالة حتى التصريح بالبطلان هنا في بعض النصوص (1) كما هناك، ولكن قد عرفت جوابه هناك، كما عرفت أن الاقوى الصحة مع الوقوف على الاذن شبه الفضولي، بل قد لا ينافيه القول بالبطلان بعد حمله على إرادة العقد بدون الاذن سابقا ولاحقا، كالحكم به هنا في نصوص المقام وغيره، ضرورة عدم صدق النكاح بغير إذن على من لحقه الاذن، بل يمكن إرادة عدم ترتب أثر الصحة قبل الاذن من البطلان، كما اتفق التعبير بذلك عن الفضولي ممن يرى صحته. من ذلك يظهر الوهن في الاستدلال على البطلان بظاهر الاجماعات المحكية على ذلك، وإلا كانت موهونة بالقول الثاني الذى قد يدعى شهرته بين القدماء، بل لعل الشق الاول منه يرجع الى ذلك أيضا كما هو ظاهر كشف اللثام أو صريحه، ضرورة عدم إرادة ما يقابل اللزوم من الخيار فيه، وإلا لاقتضي صحة النكاح بغير رضاها وإن كان لها فسخه، وهو مناف لما دل من نص وإجماع على اعتبار الاذن في الصحة، أللهم إلا أن يستفاد ذلك من اعتبار إذنها أيضا في نكاحها على الامة، مع أنه هناك للزوم، لا لاصل الصحة، ولكن فيه أنه بعد تسليمه لا ينبغي قياس ما نحن فيه عليه بعد اختلافهما في مفاد الدليل، فيحمل حينئذ على إرادة الوقف على رضاها من الخيار فيه، بمعنى أن لها الخيار في صحته وفساده بايجاد الشرط، وهو رضاها وعدمه، وهو عين ما قلناه. نعم قد زاد هؤلاء بأن لها مع ذلك الخيار في عقد نفسها أيضا وكان المراد تخييرها بين رد عقد الامة وبين فسخ عقد نفسها، فلها حينئذ الالتزام بهما معا،


(1) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 و 2 و 5.

[ 412 ]

وليس لها رد عقد الامة وفسخ عقد نفسها. ولعل الوجه فيه ظهور النصوص (1) والفتاوى في أن أمر الجمع بينها وبين الامة إليها، فان رضيت به صح، وإلا كان لها إبطاله، وهو يحصل بأحد أمرين: رد عقد الامة أو فسخ عقد نفسها، فتتخير فيهما، وفيه أنه منحصر في الاول بعد سبق لزوم عقدها، وعدم الدليل على طرو تزلزله كما عرفته سابقا في عقد بنت الاخ والاخت على العمة والخالة، بل فحوى صحيح الحذاء (2) يقضى بخلافه، على أنه مع فسخها عقد نفسها يلزم صحة عقد الامة من دون إذن، فينا في ما دل على اعتبار الاذن في صحة النكاح، وانتفاء الزوجة بعد ايقاع العقد لا يكفي، لصدق النكاح بغير إذن الحرة وإلا لكفى موتها مثلا بعد العقد قبل الاذن. (و) من ذلك كله بان لك أن ما قلناه لا (الاول) ولا الثاني (أشبه) باصول المذهب وقواعده التي هي من صحة الفضولي إلا إذا رجعا إليه على حسب ما سمعت، هذا كله فيما لو تزوج أمة على حرة. (أما لو تزوج الحرة على الامة كان العقد ماضيا) بلا خلاف أجد فيه، بل في الرياض الاجماع عليه للعمومات وغيرها (و) لكن (لها الخيار في نفسها إن لم تعلم) لخبر سماعة (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج امرأة حرة وله امرأة أمة ولم تعلم الحرة أن له امرأة أمة، قال إن شائت الحرة أن تقيم مع الامة أقامت، وإن شاءت ذهبت إلى أهلها، قال: قلت له: فان لم ترض بذلك وذهبت إلى أهلها أفله عليها سبيل إذا لم ترض بالمقام ؟ قال: لا سبيل له عليها إذا لم ترض حين تعلم، قلت: فذهابها إلى أهلها فهو طلاقها، قال: نعم إذا خرجت من منزله اعتدت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت " وخبر يحيى


(1) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة والباب - 7 - من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4 والباب - 49 - من أبواب حد الزنا. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث. (3) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3.

[ 413 ]

الازرق (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوج حرة ولم يعلمها بأن له امرأة وليدة، فقال: إن شاءت الحرة أقامت وإن شاءت لم تقم، قلت: قد أخذت المهر فتذهب به، قال: نعم بما استحل من فرجها ". ولعل المستفاد منهما اعتبار الاذن هنا في اللزوم لا الصحة بخلاف الصورة السابقة، واحتمال اعتباره فيها كالسابقة لا دليل عليه، بل ظاهر العمومات وغيرها خلافه، كما أنه قد يستفاد منهما عدم وجوب إعلام الحرة بأن عنده أمة، للاصل وغيره، ودعوى استلزام ثبوت الحق لها بالخيار لوجوب الاعلام يدفعها منع الملازمة أولا، ومنع ثبوت الحق لها حال الجهل ثانيا، كدعوى ظهور الادلة في اعتبار الاذن في الجمع بينها وبين الحرة من غير فرق بين سبقها على الامة والعكس، وإن اختلفا في تزلزل عقد الامة في الاول والحرة في الثاني، لاصالة لزوم السابق، وكذا الكلام في عقد العمة والخالة على بنت الاخ والاخت كما سمعته هناك من المسالك، بل ظاهرها المفروغية من ذلك، إلا أنها كما ترى مجرد احتمال في الادلة لا يساعد ظاهرها عليها كما عرفت، هذا. ولكن في الرياض " ولو أدخل الحرة على الامة جاز، ولزم علم الحرة بأن تحته أمة إجماعا ونصوصا " ولم نتحقق ذلك، ويمكن أن يريد الاجماع والنصوص على الحكم الاول، وهو الجواز أو يريد اعتباره في لزوم العقد أو غير ذلك، وعلى كل حال فلا خيار لها في عقد الامة الثابت لزومه، خلافا للمحكي عن البيان، فخيرها فيه أيضا لما عرفت، وفيه ما سمعت، وفي محكي المبسوط جعله رواية ولم نتحققها. (ولو جمع بينهما) أي الحرة والامة مثلا (في عقد واحد صح) العقد فيهما مع الاذن منها سابقا ولاحقا لما عرفت، والاصح (عقد الحرة) للعمومات (دون الامة) ولا يقدح تبعيض مورد العقد عندنا، للاصل وغيره، وفي صحيح الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام " أنه سئل عن رجل تزوج امرأة حرة


(1) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

[ 414 ]

وأمتين مملوكتين في عقد واحد، قال: أما الحرة فنكاحها صحيح، وإن كان سمى لها مهرا فهو لها، وأما المملوكتان فان نكاحهما في عقد مع الحرة باطل يفرق بينه وبينهما " وينبغى تقييده مع عدم الاذن، للقطع بالصحة معها، ومنه يعلم أن ليس لها فسخ عقد نفسها، وبالاولى يستفاد عدم فسخه مع سبقه، كما هو واضح، هذا. ولا يخفى عليك أن المبعضة خارجة عن مفهوم الامة، فالمتجه عدم لحوق الاحكام السابقة جميعها حينئذ، فتنكح حينئذ على الحرة من غير إذن، وتنكح عليها الامة من غير إذن، أللهم إلا أن يستفاد من الادلة أن ذلك للشرف بالحرية المختلف كلا وبعضا على وجه لا يكون من القياس ونحوه مما يحرم الاخذ به، والله العالم. المسألة (السادسة) لا يحل وطء الزوجة حتى تبلغ تسع سنين إجماعا بقسميه ونصوصا (1) بل في الموثق " لا توطأ جارية لاقل من عشر سنين، فان فعل فعيبت ضمن " لكنه شاذ يمكن حمله على الدخول في العشر أو على الكراهة أو غير ذلك، نحو قوله عليه السلام في الخبر (3): " لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين " المحمولتين على الترديد من الراوي، أو استحباب التأخير الى العشر، أو اختلاف النساء في تحمل الوطء. ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمستمتع بها إجماعا أيضا بقسميه، مضافا الى إطلاق النصوص، بل صرح غير واحد بالحاق المملوكة بذلك، بل في التنقيح ومحكي نهاية المرام والكفاية وظاهر المجمع الاجماع عليه، وهو الحجة بعد


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 45 - من أبواب مقدمات النكاح الحديث 0 - 7 - 2.

[ 415 ]

إطلاق الخبرين، واشتراك علة المنع وعدم تحمل الصغيرة الوطء، وإفضائه الى الافضاء، وقبح وطء ذات الثلاث والاربع، فيستصحب المنع الى التسع، ولا ينافي ذلك اقتصار جملة من العبارات على الزوجة، لان التخصيص بالذكر لا يقتضى تخصيص الحكم، ولانها مسوقة لبيان التحريم المؤبد والخروج عن حبال الزوجية وعدمه، والثاني مختص بالزوجة، وكذا الاول على أظهر القولين، كما ستعرف. لكن روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل ابتاع جارية ولم تطمث، قال: إن كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحبل فليس عليها عدة، فليطأها إن شاء " وفي الحسن (2) عنه عليه السلام أيضا إنه قال: " في الجارية التي لم تطمث ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة يقع عليها " وخبر عبد الرحمان بن أبى عبد الله (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الجارية التى لم تبلغ المحيض وإذا قعدت عن المحيض ما عدتها ؟ قال: إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلا عدة لها " ويمكن حملها كما اعترف به جماعة على من تجاوز سنها التسع ولم تبلغ الحد الذى يخشى معه الحمل، كذات العشر وغيرها ممن لا تحيض، فيسقط الاستبراء لها عملا بهذه النصوص المطابقة للاصل والحكمة، بل يمكن حملها على الوطء بعد التسع مع عدم مضى مدة الاستبراء من حين الملك، فيصح على تفسير الصغيرة بمن لم تبلغ التسع كما هو المشهور، ولا يعارض ذلك باحتمال تخصيص تلك الادلة بما عدا المملوكة، ضرورة رجحان الاول عليه بوجوه، منها الاجماع المحكي صريحا وظاهرا على حرمة وطئها لدون التسع. نعم روى الصدوق في المحكي من عيونه عن جعفر بن نعيم بن شاذان عن محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (4) عن الرضا عليه السلام " في حد الجارية الصغيرة السن الذى إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها، قال: إذا لم تبلغ استبرأت بشهر، قلت: وإن كانت ابنة سبع سنين أو نحوها مما


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 - 3 - 4 - 11.

[ 416 ]

لا تحمل، فقال: هي صغيرة، ولا يضرك أن لا تستبرئها، فقلت: ما بينها وبين تسع سنين قال: نعم تسع سنين " وهو كالصريح في الجواز، لكنها ضعيفة السند، ركيكة المتن، متروكة الظاهر، متدافعة الصدر والعجز، مخالفة للاجماع والاخبار لا يخلو عليها آثار التقية، فلا يصلح التعويل عليها في مثل هذا الحكم. وكيف كان فالظاهر أن الدبر كالقبل في الحرمة، لاشتراكهما غالبا في الاحكام، ولا طلاق المنع من الدخول المتناول لهما نصا وفتوى، كالطلاق معقد الاجماع المحكي على تحريمه، نعم لا بأس بالاستمتاع بغير الوطء للاصل السالم عن المعارض. ومشتبهة السن كالمعلوم صغرها في الحرمة، للاصل وتعليق الحل في النص على بلوغ التسع، فالشك فيه شك في المعلق، كما هو واضح. وعلى كل حال ف‍ (إذا) أثم و (دخل ب‍) الزوجة ال‍ (صبية) أي التي (لم تبلغ تسعا فأفضاها حرم عليه وطؤها) أبدا (و) إن قلنا (لم تخرج) بذلك (من حباله) كما ستعرف إجماعا محكيا صريحا عن الايضاح والتنقيح وكنز الفوائد وغاية المرام، وظاهرا في المسالك ومحكي كشف الرموز والمقتصر والمهذب البارع، بل والسرائر إن لم يكن محصلا، بل لعله كذلك إذ لم أجد فيه خلافا إلا من المحكي عن نزهة ابن سعيد مع تصريحه بالتحريم في محكي الجامع، والفاضل الهندي في كشف اللثام، ولا ثالث لهما، نعم ربما لاح من المفيد وابن الجنيد، والصدوق ذلك، حيث لم يتعرضوا للتحريم مع تصريح الاولين ببقائها على الزوجية، قال الاول: " إذا جامع الرجل الصبية ولها دون تسع سنين فأفضاها كان عليه دية نفسها، والقيام بها حتى يفرق الموت بينهما " وقال ابن الجنيد: " فان أولج عليها فأفضاها قبل تسع سنين فعليه أن لا يطلقها حتى تموت، وينفق عليها، ويقوم بأمرها، فان أحب طلاقها أغرم ديتها، ولزمه مع ذلك مهرها " وقال الصدوق في المقنع: " ولا تتزوج امرأة حتى تبلغ تسع سنين، (جواهر الكلام - ج 26)

[ 417 ]

فان تزوجتها قبل أن تبلغ تسع سنين فأصابها عيب فأنت ضامن " لكن ذلك لا يثبت به قول، ولذا لم يسند أحد من الاصحاب القول به إليهم. وأما إطلاق ابن البراج في المحكي من جواهره جواز وطء المفضاة إذا تحقق اندمال جرحها فهو محمول على الزوجة الكبيرة، فان الصغيرة لا يتصور فيها ذلك إلا بفرض الافضاء قبل البلوغ والاندمال بعده، وهو فرض بعيد لا ينصرف إليه الاطلاق، إلا أن الانصاف مع ذلك كله عدم خلوه عن القوة، للعمومات وخلو جميع النصوص المعتبرة، مع التصريح في بعضها بالبقاء على الزوجية، كخبر بريد العجلى (1) عن الباقر عليه السلام " في رجل اقتض جاريته يعنى امرأته فأفضاها، قال: عليه الدية إن كان دخل بها فأفضاها قبل أن تبلغ تسع سنين، فان أمسكها ولم يطلقها فلا شئ عليه " وصحيح حمران (2) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك، فلما دخل بها اقتضها فأفضاها، فقال: إن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضها فانه قد أفسدها وعطلها على الازواج، فعلى الامام أن يغرمه ديتها، وإن امسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شئ عليه " وغيرهما من النصوص التى لا ينبغي ترك بيان الحرمة المؤبدة فيها التي هي أولى بالبيان من غيرها من الاحكام، بل لعل قوله عليه السلام " أمسكها " في الخبرين ظاهر في ذلك أيضا. مضافا الى ما في تعطيل هذا الفرج وعدم استنمائه (استمتاعه ظ) المنافي لغرض الشارع، بل ولقوله تعالى (3): " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وخصوصا إذا اندمل جرحها وعادت على ما كانت الذي احتمل السيورى فيه الجواز، بل في كشف اللثام عن بعضهم التصريح به إلا أنه جزم بالعدم معللا له بالاستصحاب وظاهر فتوى الاصحاب، إلا أنهما كما ترى بعد الاحاطة بما عرفت. نعم لم أقف إلا على مرسل يعقوب بن يزيد (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا


(1 و 2 و 4) الوسائل الباب - 34 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 - 1 - 2. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 229.

[ 418 ]

خطب المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرق بينهما ولم تحل له أبدا " وهو خير واحد ضعيف مرسل، بل ظاهره يقتضي التحريم المؤبد بالدخول مطلقا قبلا أو دبرا، أفضى أو لم يفض، عالما كان بالصغر أو جاهلا، وحصول البينونة بمجرد ذلك، وهو خلاف فتوى المعظم، بل الكل في المسألتين، وخلاف النص المعتبر الدال على بقاء الزوجية مع الافضاء فكيف بدونه، فالمتجه طرحه، ودعوى التمسك به فيما لا تنافيه الادلة بعد جبر سنده بالشهرة ممكنة موافقة لصناعة الفقه إلا أنها لا تورث الفقيه ظنا. ومن ذلك كله تعرف ضعف القول بالتحريم المؤبد بالدخول وإن لم يفض الذى أشار إليه المصنف بقوله: (ولو لم يفضها لم تحرم على الاصح) وإن نسب الى الشيخين في المقنعة والنهاية وابن إدريس على أنه لم نتحقق النسبة الى الاول. بل الموجود في نسخة عندنا ما سمعته المشعر بالجواز مع الافضاء فضلا عن عدمه، نعم قيل إن في التهذيب في آخر باب من يحرم نكاحهن بالاسباب " ومن تزوج بصبية فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرق بينهما، ولم تحل له ابدا " واحتج على ذلك بمرسلة يعقوب بن يزيد السابقة، وعلى العبارة المذكورة علامة المتن، ويمكن أن يكون ذلك من التهذيب، ووضع العلامة كان خطأ من النساخ. وأما النهاية والسرائر فانه وإن قال فيهما في أول أبواب النكاح: " وإذا تزوج الرجل بصبية لم تبلغ تسع سنين فوطأها فرق بينهما، ولم تحل له أبدا " لكنهما قالا في باب الزفاف ما يدل على اشتراط الافضاء، قال في النهاية: " ولا يجوز للرجل أن يدخل بامرأة قبل أن يأتي لها تسع سنين، فإن دخل بها قبل أن يأتي لها تسع سنين فعابت كان ضامنا لعيبها، ويفرق بينهما، ولا تحل له أبدا " وقال في المحكي من الثاني: " ولا يجوز للرجل أن يطأ امرأة قبل أن يأتي لها تسع سنين، فان دخل قبل ذلك فعابت كان ضامنا لعيبها، ولا يحل له وطؤها أبدا " ولعله لذا حكي بعضهم عنهما موافقة الاصحاب حملا لاطلاق كلامهما على مقيده، فلم يتحقق حينئذ قول بذلك، فلا وجه لاستعظام جماعة له، حتى توقف لاجله العلامة في المحكي من تحريره، ومال إليه

[ 419 ]

الشهيد الثاني في المسالك وبعض من تأخر. ثم المراد بالافضاء على ما صرح به جماعة جعل مسلكي البول والحيض واحدا، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل قد يظهر من محكي الخلاف الاجماع عليه، خلافا لابن سعيد، فجعله رفع الحاجز ما بين مدخل الذكر والغائط، ولعله محتمل القواعد أو ظاهرها، بل ربما ظهر من بعضهم أنه أشهر القولين، ولعل مراده بين العامة، بل لعله المشهور عندهم لا عندنا، فانه قد صرح غير واحد من أصحابنا باستبعاد وقوعه، لبعد ما بين المسلكين وقوته، بل عن ابن فهد التصريح بعدم ترتب حكم عليه لو وقع، بل في محكي المبسوط بعد أن حكاه عن كثير من أهل العلم قال: " وهذا غلط، لان ما بينهما حاجز عريض قوى " ثم الفقهاء فرعوا على الافضاء إذا كان البول مستمسكا أو غير مستمسك، وهو إنما يصح على ما قلناه، وفي محكي السرائر بعد أن حكاه عن توهم كثير من الناس قال: " وهذا غلط عظيم ". قلت: لكن صرح العلامة في التحرير والمختلف والقواعد بوجوب الدية في كل منهما، وتبعه على ذلك ولده والسيورى، معللين له بصدق اسم الافضاء على كل منهما حقيقة، وبعد وقوع الثاني لا ينافي التسمية عرفا، وكذا الفاضل الهندي، قال: " هو صيرورة مسلك البول والحيض واحدا كما هو الغالب المشهور في تفسيره، أو مسلك الحيض والغائط واحدا على رأي فانه أيضا ممكن داخل في مفهوم لفظ الافضاء، فانه الايصال " بل ظاهر المسالك والروضة ذلك أيضا هذا. وفي المتن فيما يأتي " وأما الفضاء فهو تصيير المسلكين واحدا " وفي النافع هو أن يصير المسلكين واحدا وقيل أن يخرق الحاجز بين مجرى البول والحيض، وفي الصحاح والقاموس " أفضي المرأة جعل مسكيها مسلكا واحدا " وفي مجمع البحرين " يعنى مسلك البول والغائط " وعن الابى في كشف الرموز تفسير عبارة النافع بذلك أيضا، ولعلهما أخذاه من تبادرهما من هذا اللفظ عند الاطلاق، وعليه يكون قولا آخر في المسألة، ومقتضاه حينئذ كون الافضاء برفع الحاجزين معا، فان صيرورة مسلك البول والغائط واحدا لا يتم إلا برفع الحاجز بين مسلك البول والحيض، ومسلك

[ 420 ]

الحيض والغائط، فان مسلك الحيض متوسط بين المسلكين الاخرين، فلا يتحدان إلا باتحاد الجميع، وهو شئ غريب بعيد الوقوع في العادة، وقد استبعدوا ذهاب الحاجز بين مسلكي الحيض والغائط وحده، وخطؤوا القائل فيه، فكيف برفعه ورفع الحاجز الاخر معه، فانه كاد أن يعد ممتنعا إلا أن يراد خرق الحاجزين ولو بتكرار الوطء وفيه بعد من وجه آخر. والاولى صرف هذا الكلام عن ظاهره، وتنزيله على ما يرجع الى غيره من الاقوال، وذلك إما بالحمل على إرادة رفع الحاجز بين مسلكين من مسالكها الثلاث برفع أحد الحاجزين، فيتحد حينئذ مع ما سمعته من العلامة، لكن ينافيه تعريف " المسلكين " إذا المناسب لارادة هذا المعنى التنكير دون التعريف المفهم للعهد. أو بالحمل على مسلكي البول والحيض فيرجع الى القول الاول، وظاهر المسالك تنزيل عبارة الشرائع على ذلك، لكنه مع عدم تعارف التعبير عن مخرج الحيض بالمسلك لا يتأتي في عبارة النافع المقابلة فيها بين هذا المعنى والمعنى الاول أللهم إلا أن يريد بالاول رفع الحاجز بينهما من أصله، وبالثانى خرق ما بينهما إلا أنه كما ترى. أو بحمل المسلكين على القبل والدبر، على أن يكون المراد بصيرورتهما واحدا اتحاد مسلك الغائط ومسلك الحيض من القبل بذهاب الحاجز بينهما، فيعود الى المعنى الثاني، ولعل هذا هو الوجه في تنزيله، بل هو الذى استظهره السيورى فيما حكي عنه من عبارة النافع، بل قد يشهد له شيوع إطلاق المسلكين عليهما، وكذا تعبير العلامة في القواعد عن أحد القولين في المسألة بخرق الحاجز بين القبل والدبر، واستبعاده له بأن الحاجز بينهما عصب قوي يتعذر ازالته بالجماع، بل عن ولده في الشرح التصريح بكون ذلك هو القول الذى حكاه في المبسوط عن كثير من الناس، وحينئذ يكون القول باتحاد المسلكين والقول بخرق الحاجز ما بين القبل والدبر والقول بصيرورة مسلكي الغائط والحيض واحدا واحدا، ويكون

[ 421 ]

الاختلاف بمجرد التعبير. وكيف كان فكلام الفقهاء وأهل اللغة متفق على أن إفضاء المرأة شئ خاص، لا أن المراد به مطلق الوصل أو التوسعة أو الشق أو الخلط كي تترتب أحكامه على كل فرد من أفراد ذلك كما هو مبنى كلام العلامة ومن تابعه، ووجود معنى المطلق في ذلك الخاص لا يقتضي كون المراد المطلق وأن ذكر الخاص من المثال، إذ يمكن أن يكون من الالفاظ المشتركة بين العام والخاص، أو أن المعلق عليه الحكم الخاص من حيث الخصوصية ولو للقرائن، خصوصا بعد مخالفة الحكم للاصول والقواعد المناسبة، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن وهو الخاص من حيث الخصوصية. نعم يبقى الكلام في تعينه من بين الافراد التي سمعتها أقوالا واحتمالا، ولا ريب في أن المظنون منها ما هو المشهور، للشهرة والاجماع المنقول، وتعارف الوقوع وغير ذلك، وما في الصحاح والقاموس يمكن حمله عليه، وإلا كان خلطا بين المعنى اللغوى والمتعارف بين كثير من فقهائهم، ويمكن أن يكونا من الناس الذين غلطوا في ذلك، المشار إليهم في كلام الشيخ وابن إدريس. وكيف كان فلا إشكال في وجوب المهر بافضائها مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة، حرة أو مملوكة، زوجة أو أجنبية، حل له وطؤها أو حرم، إلا إذا كانت مملوكة له أو محللة أو بغيا غير مملوكة، لاطلاق ما دل على وجوبه الشامل للمقام، خلافا لمحكي الخلاف والمبسوط وظاهر الوسيلة والتحرير في المكرهة على الزنا، فلها الدية دون المهر، وهو كما ترى، ضرورة انتفاء الزنا في حقها مع الاكراه، بل عن ديات الخلاف إجماع الفرقة عليه، ونقل الخلاف عن أبى حنيفة. ثم إن حكم المهر في المفضاة حكمه في غيرها، وإنما تعرض الاصحاب هنا لئلا يتوهم دخوله في الدية، فيختلف حينئذ في التسمية وعدمها، وبالنسبة الى عقر الامة وإن كانت بغيا هل هو مهر المثل أو عشر القيمة في البكر ونصف العشر في الثيب ؟ الى غير ذلك من الاحكام التى لا فرق فيها بين المفضاة وغيرها، نعم هذا كله إذا أفضاها بالوطء، أما لو أفضاها بغيره لم يستقر المهر به في الزوجية، ولم يلزمه مهر في الاجنبية، لانه منوط بالدخول، وهو مفقود.

[ 422 ]

وعلى كل حال فلا إشكال بل ولا خلاف معتد به في وجوب الدية بافضاء الزوجة قبل بلوغها التسع، بل عن الشيخ في كتابي الصداق والديات من الخلاف الاجماع عليه، كما لا إشكال في عدم وجوبها بالافضاء بعد التسع، بل عن الشيخ في صداق الخلاف الاجماع عليه وعن أبى العباس تطابق الاقوال والاخبار عليه، وقد دل عليه خبرا بريد (1) وحمران (2) السابقان، فما عن الوسيلة في فصل آداب الخلوة من كتاب النكاح من وجوب الارش به يمكن إرادة الدية منه، كما صرح به في مقام آخر منها كالضمان في المقنع، بل الظاهر ثبوت الدية في افضاء الاجنبية صغيرة كانت أو كبيرة، مملوكة أو حرة، موطوءة بشبهة أو الزنا، مطاوعة أو مكرهة، كما عن بعضهم التصريح به ويقتضيه ظاهر آخر، لاطلاق صحيح سليمان بن خالد (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل وقع بجارية فأفضاها وكانت إذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، قال: الدية كاملة " فيتحصل حينئذ وجوب الدية مطلقا إلا في صورة واحدة، وهى إفضاء الزوجة بعد البلوغ، للاجماع السابق المقيد لاطلاق الصحيح المذكور، فما عن الحلبيين من إطلاق الدية بالافضاء في غير محله، والمراد بها دية المرأة الحرة، وهي نصف دية الرجل إن كانت المفضاة حرة، وإلا فالقيمة ما لم تتجاوز دية الحرة إن كانت أمة، نعم عن العلامة إلحاق الزوجة النحيفة بالصغيرة، وكأنه اجتهاد، وكذا ما عن الشيخ في صداق الخلاف التسوية بين الزوجة والموطوءة بشبهة في الفرق بين الصغيرة والكبيرة مدعيا عليه الاجماع المتبين خلافه بعدم موافقة أحد له عليه فيما أجد. وعن ابن الجنيد سقوط دية الزوجة إذا أمسكها الزوج ولم يطلقها، ولعله لظاهر الخبرين الواجب حملهما على سقوطها صلحا، بأن تختار المقام معه بدلا عن الدية، فان الدية قد لزمته بالافضاء بدلالة النص والفتوى، فلا تسقط مجانا من غير عوض، ولانه لو لم يحمل على الصلح فإما أن يكون المراد سقوط الدية


(1 و 2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 - 1. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 423 ]

بالعزم على الامساك أو بنفس الامساك المستمر الى الموت، بأن تسقط الدية به أو يبقى الحكم بالسقوط مراعى بالموت، فان أمسكها حتى مات تبين السقوط من حين الامساك، أو عدم ثبوت الدية بالافضاء، واللوازم خصوصا بعضها في غاية البعد، فالمتجه الحمل على التزامه بوجه شرعى في مقابلة إسقاط الدية كما قلناه. وإشكاله بالمنع من اشتراط مثله في النكاح - وإذا امتنع اشتراطه كانت المعاوضة عليه أولى بالمنع، وبأن كل شرط أسقطه الشارع في عقد النكاح فهو مناف لمقتضى العقد، ومتى كان منافيا لم يجز التزامه بوجه - مدفوع بمنع بطلان هذا الشرط في عقد النكاح، لتعارض الادلة فيه، ولو سلم فغايته البطلان إذا اشترط في هذا العقد، ولا يقتضي ذلك البطلان إذا وقع التراضي عليه في عقد آخر، بأن يكون شرطا فيه أو ركنا، لاختلاف العقود فيما يعتبر فيها من الاركان والشروط، والاولوية ممنوعة، والمنافاة لمقتضى عقد النكاح لا يستلزم المنافاة لغيره من العقود. فظهر أنه يمكن حينئذ حمل الخبرين على ذلك، بل لعله أولى من حملهما على نفي الاثم، لدفع توهم منافاته التحريم المعلوم ثبوته بالافضاء، إذ يبعده وقوعه في مقابلة إثبات الدية المقتضي لارادتها في جانب النفي ولو في ضمن العموم، بل يبعده أيضا قوله: وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، لان المراد به إما نفي الدية خاصة، أو ما يعمها وغيرها من الاشياء، فينبغي أن يكون المراد به هناك أيضا ذلك حتى لا يحصل التفكيك بين القرينين، والامر في ذلك سهل. ثم لا فرق في الحرمة أبدا بين الدائمة والمتمتع بها، لاطلاق النص (1) والفتوى، ولا ينافيه تعقيب ذلك في كلام الاصحاب بتوقف البينونة على الطلاق وعدمه بعد معلومية إرادة المثال من ذلك، أي تتوقف على حصول أحد أسبابها أو تحصل بمجرد الوطء. نعم الظاهر قصر الحكم على الزوجة الصغيرة المفضاة بالوطء فلا تحرم الكبيرة،


(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 424 ]

ولا المفضاة بالاصبع، ولا المملوكة ولا الاجنبية، للاصل السالم عن المعارض، فما عن الفاضل وولده من تحريم الاجنبية وغيرهما مع ذلك الامة غير واضح، ودعوى الاولوية بزيادة الاثم في الاجنبية ممنوعة، كدعوى أن الزوجية سبب للحل، فلا تكون سببا للتحريم الذى هو ضده، فليس هو إلا الصغر والافضاء، وهما متحققان هنا، ضرورة منع كون التحريم المحض العقوبة مع انتفاء مثل تلك في الاجنبية، فان تحريمها أخف من تحريم الزوجة، فلعله أسقط فيهما ذلك، لثبوت ما هو أشد منه، ومن ثم لم يثبت في المفضاة بالاصبع مع كونه أشد من الافضاء بالوطء، والحكم في النص والفتوى منوط بالزوجية، فتكون جزءا من السبب المحرم، ولا استبعاد فيه إذا اقتضته الادلة الشرعية، خصوصا بعد بطلان القياس، وعدم المنقح من إجماع أو غيره من الادلة المعتبرة، كما هو واضح. ولو ظن أنها كبيرة فأفضاها ثم تبين الخلاف لم تحرم على ما صرح به بعضهم، بل هو ظاهر كثير حيث رتبوا الحكم على الوطء المحرم، للاصل السالم عن معارضة النص والفتوى بعد انسياق غير ذلك منهما، خصوصا بعد فرض كون التحريم عقوبة، كما صرح به غير واحد منهم، وهي إنما تترتب على المحرم دون المباح، نعم أطلق جماعة التحريم بوطء الصغيرة أو إفضائها، بل النص أيضا مطلق، لكن يمكن إرادة الجميع العلم بالصغر، نعم يمكن شمول النص والفتوى للصغيرة المعلوم كونها صغيرة وإن كان جاهلا بحرمة وطئها جهلا يعذر فيه شرعا. ولو اندمل المحل وصلح الوطء لم يعد الحل للاستصحاب وظاهر فتوى الاصحاب، وعن الصيمري القطع به في غاية المرام، وعن السيورى أنه أولى الوجهين، واحتمل العود بزوال علة التحريم، وحكاه في كشف اللثام قولا لبعضهم في موضع منه، وحكم به في موضع آخر، ولعله لما عرفته سابقا من الاشكال في أصل الحرمة بالافضاء، وعلى القول بها فيقتصر بها على المتيقن، وهو غير هذا الفرد، خصوصا بعد قوله عليه السلام (1): " أفسدها وعطلها على الازواج " هذا وقد قيل: إنه يأتي الوجهان


(1) الوسائل الباب - 34 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1

[ 425 ]

على القول بالبينونة وعدمها، لكن فيه أن احتمال العود على القول بها واضح الفساد، كما أنه لو قلنا بالتحريم بمجرد الوطء سقط هذا الفرع من أصله. وكيف كان فلا إشكال في ثبوت التوارث بينهما، لثبوت الزوجية بناء على المختار، وعموم أدلة الارث، وفي تحريم الخامسة والاخت وبنت الاخت والاخ بل والعقد على الامة بدون رضاها، لكن في المحكي عن المهذب البارع استقرب سقوط الاذن في الامة إذا لم يكن عنده غيرها ولا طول دفعا للضرر، وفيه ما عرفت سابقا من أن الاقرب اعتبار الاذن في أمثالها كالممنوع عن وطئها لمرض وغيره، لا طلاق الادلة واندفاع الضرر بالطلاق. نعم الظاهر اختصاص التحريم في الوطء قبلا ودبرا دون باقى الاستمتاعات وفاقا لصريح بعض وظاهر آخرين، للاصل السالم عن المعارض، فما في الروضة من استجواد تحريم الاستمتاع بغير الوطء أيضا في غير محله، وفي استحقاقها القسم مع غيرها وجهان، أجودهما ذلك كما تستحقه الرتقاء والقرناء والحائض والنفساء، لان الغرض منه الانس بالمضاجعة دون المواقعة. ولو وطأها عالما بالتحريم أثم وعزر، ولكن لاحد عليه كالحائض، ولو حملت منه لحق به الولد، نعم لا يثبت الاحصان بها، لان من شرطه التمكن من الوطء، وهو مفقود هنا، فلو زنى أو زنت وجب الحد دون الرجم. ولا إشكال في جواز طلاقها بناء على بقائها على الزوجية، ولا يشترط فيه شرط زائد على غيره من أفراد الطلاق، خلافا لظاهر ما سمعته سابقا من ابن الجنيد من إغرام الدية إن أراد الطلاق، ولا دليل عليه، بل ظاهر الخبرين (1) السابقين توقف الدية على الطلاق، وهو عكس ما قاله، أللهم إلا أن يكون ذلك مراده وإن قصرت عبارته عنه، على أن الظاهر ثبوت الدية لها على كل حال، فلابد من حمل ذلك على الصلح عنها بالامساك، أو حمل قوله عليه السلام: " لا شئ عليه " فيهما على نفي الاثم، ولو طلقها جاز له العود برجعة أو نكاح مستأنف، وكانت عنده


(1) الوسائل الباب - 34 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 و 3.

[ 426 ]

كما كانت قبل. وهل يقع بها الظهار ؟ عن أبى العباس نعم إن حرمنا به غير الوطء من ضروب الاستمتاع وإلا فلا، وهو جيد، وعلي الثاني يكون كالايلاء، وأما اللعان فان كان على القذف وقع، ولا ينافيه اشتراط الاحصان، فانه فيه بمعنى العفة دون المعنى المعتبر في الحد، وكذا لو كان لنفي الولد إن احتمل وطؤه لها بعد البلوغ مع اجتماع سائر الشروط المعتبرة في اللحوق. ويجب عليه الانفاق عليها ما دامت حية بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل قد حكى الاجماع عليه جماعة، والاصل فيه مضافا إلى ذلك صحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل تزوج جارية فوقع عليها فأفضاها، قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حية " وهو كما ترى شامل للبائنة عنه بطلاق ونحوه وغيرها، خلافا للمحكي عن الاسكافي فأسقط النفقة لها بعد طلاقها، وهو محجوج به وبالاجماع بقسميه. بل هو شامل للصغيرة والكبيرة، فان الجارية بنص أهل اللغة هي الفتية من النساء، ولا ريب في شمولها لمن بلغت التسع وتجاوزت عنها إلى أواخر زمن الشباب، إلا أن المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا على اختصاص الصغيرة بذلك، قال في محكي الخلاف: " من وطأ امرأة فأفضاها فان كان قبل تسع سنين لزمه نفقتها ما دامت حية، وعليه مهرها وديتها كاملة، وإن كان بعد تسع سنين لم يكن عليه شئ غير المهر - ثم قال -: دليلنا على ذلك إجماع الفرقة، فانهم لا يختلفون في ذلك " نعم حمل هذا الخبر في محكي الاستبصار على الكبيرة جمعا بينه وبين خبر بريد العجلي مع أنه لا تعارض بينهما، ثم قال: " ولا ينافي هذا التأويل قوله عليه السلام في الخبر الاول: إن شاء طلق وإن شاء أمسك إذا كان الدخول بعد تسع سنين، لانه قد ثبت له الخيار بين إمساكها وطلاقها، ولا يجب عليه واحد منهما وإن كان يلزمه النفقه على كل حال " وهو


(1 و 2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4 - 3.

[ 427 ]

صريح في الانفاق على الكبيرة، ويؤيده إطلاق الصحيح السابق. أللهم إلا أن يقال: إنه مقيد بالاجماع المحكي الذى يشهد له التتبع، فان الشيخ بعد تسليم ذكره ذلك مذهبا له لا مجرد جمع بين الاخبار قد رجع عنه في الخلاف، وادعى الاجماع عليه، أو يقال: إنه معارض بما في الخبرين السابقين من قولهما عليهما السلام: " وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه " فانه عام المنفقة وإن كان واقعا في مقابلة اثبات الدية في الصغيرة. لكن ذلك إنما يقتضي تحقق إرادتها من العموم لا قصر العموم عليها، كما أنه لا يقال: إن التعارض بينهما من وجه ولا ترجيح، ضرورة وجود المرجح لهما دونه بالاصل والاجماع السابق وغيرهما، على أن العموم فيهما وضعي باعتبار كونه نكرة في سياق النفي بخلاف الاثبات الذى هو مطلق يرجع الى العموم، والنفى أصرح في العموم من الاثبات، فلا ريب حينئذ في كون التحقيق ما عند الاصحاب من قصر الحكم المزبور على الصغيرة. نعم عن ابن فهد والصيمري وابن القطان وأحد وجهي القواعد والايضاح والروضة تقييد الحكم بما إذا لم تتزوج بغيره، لزوال علة الوجوب، وهي الزوجية، والتعطيل على الازواج، وامتناع وجوبها بالزوجية على أكثر من واحد، مع أن الاقوى خلافه أيضا، لعموم النص المعتضد بفتوى المعظم وإجماع الخلاف واستصحاب الوجوب بعد منع التعليل بالزوجية، ومن ثم وجبت حال الصغر وبعد البينونة قبل التزويج، وكذا التعليل بالتعطيل، لاحتمال العقوبة، ووجوبها عليهما ليس للزوجية فيهما، بل للافضاء في الاول والزوجية في الثاني، كما هو واضح. ولو أفضى الزوجة بغير الوطء أو وطأ أمته فأفضاها لم يثبت الحكم، للاصل السالم عن المعارض، بل والاجنبية وفاقا لصريح جماعة وظاهر آخرين لذلك أيضا، خلافا للمحكي عن الخلاف، فأوجب الانفاق عليها إن وطأها بعقد شبهة، بل في القواعد وجوبه مطلقا على إشكال، أما لو ظن أنها كبيرة فوطأها وأفضاها فالاقرب وجوب الانفاق عليها، لا طلاق النص خلافا لما عساه يظهر من جماعة

[ 428 ]

العدم، حيث رتبوا ذلك على الوطء المحرم، إلا أنه كما ترى. ثم إن ظاهر النص والفتوى وجوب الانفاق عليها بجميع ما تحتاجه من مؤونة أو كسوة أو مسكن كالزوجة وغيرها من واجبي النفقة، ولا يختص بالاول، فان الاجراء الوارد به لفظ النص يعم الجميع، وكذا الانفاق المعبر به في كلام الاكثر، ولان هذه النفقة إما نفقة الزوجة أو بدلها المستحق لها بتعطيلها على الازواج أو بالعقوبة على الافضاء، وكيف كان فيجب فيها ما يجب في الانفاق على الزوجة، ولو قلنا بوجوب النفقة بالعقد أو اكتفينا فيها بالتمكن من الاستمتاع ولو بغير الوطء حيث لا يمكن كان الواجب عليه نفقة الزوجة ما دامت في حباله، فيستصحب حكمها بعد المفارقة، بل الظاهر قضاؤها لو فاتت كنفقة الزوجة، ولانه الاصل في كل حق مالي ثابت في الذمة، نعم الظاهر سقوطها بموته كما هو واضح، والله العالم. (المقصد الثاني) (في مسائل من تحريم العين، وهي ستة) (الاولى) لا يجوز نكاح المرأة دائما ولا متعة في العدة، رجعية كانت أو بائنة، عدة وفاة أو غيرها، من نكاح دائم أو منقطع، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لقوله تعالى (1): " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " فان المفهوم عرفا النهى عن النكاح نفسه ولو لشيوع التعبير عن تحريم الفعل


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 235.

[ 429 ]

بالنهي عن مقدماته لقصد المبالغة، ولذا لو قال السيد لعبده: " أعزم على هذا الامر أولا تعزم عليه " فهم منه توجه الخطاب بالامر أو النهى عن نفس الفعل دون العزم عليه بخصوصه، على أن الاية قد دلت على تحريم العزم، والمراد منه إما معناه الحقيقي وهو القصد والارادة أو الفعل المعزوم عليه مجازا لكونه ملزوما للعزم، وعلى التقديرين يثبت المطلوب، أما على الثاني فظاهر، وأما على الاول فلان تحريم العزم على النكاح يستلزم تحريم النكاح المعزوم عليه، فانه لو كان جائزا لجاز العزم عليه قطعا، إذ لا حكم للعزم بالنظر إلى ذاته، وإنما يثبت له التحريم والجواز بواسطة ما اضيف إليه من الفعل المعزوم عليه، فان كان محرما فالعزم حرام، وإلا فجائز، بل لا يعقل جواز الفعل مع تحريم العزم عليه، وحيث ثبت تحريم العزم بالاية ثبت تحريم العقد نفسه. وربما وجه الاستدلال بها بمعلومية عدم إرادة النهي عن العزم نفسه، بل المراد منه النكاح، وذلك لاباحة العزم على النكاح بالاجماع، وبقوله تعالى (1) " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء، أو أكننتم في أنفسكم " فان الاكنان في النفس بمعنى الاضمار فيه، وليس ذلك إلا العزم، مع أن رفع الجناح عن التعريض يستلزم إباحة العزم أيضا، لامتناع حصول التعريض بدونه، وفيه أن المعلوم من إباحة العزم على النكاح إنما هو العزم عليه فيما بعد العدة لا العزم عليه فيها، فانه محرم لكونه عزما على محرم، فالاتفاق على إباحة العزم على النكاح بعد انقضاء العدة لا يقتضى حمل العزم على نفس الفعل، إذ يمكن حمله على معناه الحقيقي مع التقييد بالعدة، ومنه يعلم تقييد الاكنان بما بعد العدة، لان العزم على القبيح قبيح، فيمتنع من الحكيم تجويزه، ولان الحكم بالجواز على تقدير استفادته من الاية شرعى، ولا ريب في نفى الجواز الشرعي وإن لم يكن الجواز مستحيلا عند العقل، فان التصريح بجواز العزم على النكاح في العدة مع تحريمه والمنع عنه مما يعد سفها وعبثا، وذلك محال على الله تعالى، ومن ذلك يعلم أن التعريض بالنكاح في العدة إنما يجوز لو كان القصد الى إيقاعه بعدها،


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 235.

[ 430 ]

وذلك إنما يقتضي إباحته العزم بهذا الوجه. وعلى كل حال ف‍ (من تزوج امرأة في عدتها عالما) بالحكم والموضوع عامدا (حرمت عليه أبدا) بمجرد العقد (و) كذا. (إن جهل العدة والتحريم) أو أحدهما (ودخل) بها قبلا أو دبرا (حرمت) عليه (أيضا، ولو لم يدخل) بها (بطل ذلك العقد وكان له استئنافه) بعد انقضاء العدة بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة، قال الصادق عليه السلام في خبري زرارة (1) وداود بن سرحان (2) وفي خبر أديم (3) بياع الهروي الذى يتزوج المرأة في عدتها وهو يعلم: " لا تحل له أبدا " وقال عليه السلام أيضا في الحسن (4) كالصحيح: " إذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ودخل بها لم تحل له أبدا عالما كان أو جاهلا، وإن لم يدخل بها حلت للجاهل ولم تحل للاخر " وفي صحيح ابن الحجاج (5) عن أبى ابراهيم عليه السلام " سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له أبدا ؟ فقال: لا أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأى الجهالتين يعذر ؟ بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه أم بجهالته أنها في عدة ؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو في الاخرى معذور، قال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها، فقلت: فان كان أحدهما متعمدا والاخر بجهل، فقال: الذى تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا " وفي الحسن كالصحيح (6) أيضا عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع، وتتزوج قبل أن يمضى لها أربعة أشهر وعشرا، فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لا تحل له أبدا، واعتدت بما بقي عليها من الاول، واستقبلت عدة اخرى من الاخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (4 و 5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 - 4. (6) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6.

[ 431 ]

فرق بينهما، واعتدت بما بقي عليها من الاول، وهو خاطب من الخطاب " ونحوه موثق ابن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام، وفي الموثق الاخر المضمر (2) " سألته عن رجل تزوج امرأة في عدتها، قال: يفرق بينهما، وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، فلا تحل له أبدا، وإن لم يكن دخل بها فلا شئ لها من مهرها " وفي الحسن أو الموثق (3) " قلت لابي إبراهيم عليه السلام: بلغنا عن أبيك أن الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبدا، فقال: هذا إذا كان عالما، فإذا كان جاهلا فارقها وتعتد، ثم يتزوجها نكاحا جديدا " وفي خبر حمران (4) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة تزوجت في عدتها بجهالة منها بذلك، فقال: لا أرى عليها شيئا، ويفرق بينها وبين الذى تزوج بها ولا تحل له أبدا، قلت: فان كانت قد عرفت أن ذلك محرم عليها ثم تقدمت على ذلك، فقال: إن كانت تزوجت في عدة لزوجها الذي طلقها عليها فيها الرجعة فاني أرى أن عليها الرجم، وإن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها الذى طلقها عليها فيها الرجعة فاني أرى عليها حد الزاني، ويفرق بينها وبين الذى تزوجها، ولا تحل له أبدا " وهى كما ترى واضحة الدلالة على جميع ما عرفت بعد حمل المطلق فيها على المقيد. بل قد يظهر من " الاخر " (5) فيها الحرمة عليهما أبدا بمجرد العلم من أحدهما، وهو كذلك بعد فرض علم الاخر بأن الثاني قد أقدم عالما، ضرورة التلازم هنا بين الحرمة أبدا من طرف الحرمة كذلك من طرف آخر، للتلازم بين فساد العقد من طرف فساده من آخر، إذ هو مركب لا يتصور فيه تبعيض الصحة، بل ربما أدى ذلك الى التناقض، فان مقتضى الصحة ملك المعقود عليه، ومقتضى الفساد عدمه، فيكون الشئ الواحد مملوكا وغير مملوك، نعم قد يجري حكم الصحة ظاهرا على أحدهما والفساد على آخر في الظاهر دون الواقع، كما لو أقر بالزوجية وأنكار الاخر،


(1 و 2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 7. (3 و 4) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 10 - 17. (5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 و 4.

[ 432 ]

فيلزم كل منهما باقراره وإنكاره، وليس هذا تبعيضا للعقد في الواقع، بل هو ليس إلا واحدا، بخلاف المقام المفروض فيه التبعيض واقعا، وإلا لم يكن فيه إشكال أصلا إذا فرض كونه من هذا القبيل، كما لو ادعت الامرأة مثلا بعد تجديد العقد عليها أنها كانت عالمة حال العقد الاول وأقدمت على محرم، وأنكر الزوج علمها بذلك، وادعى أنهما معا كانا جاهلين حال العقد الاول، فلا تترتب حرمة أبدا، فان المتجه حينئذ بقاء العقد الثاني على الصحة ظاهرا وإن وجب على الامرأة في باطن الامر التخلص منه، كما في نظائره. ولا ينافي ما ذكرنا ما في ذيل صحيح ابن الحجاج (1) المعلوم عدم اختصاص الحرمة أبدا في العالم على وجه لو جدد العقد بعد العلم بالحال يكون صحيحا من جهة وفاسدا من اخرى، بل المراد أن الحرمة في الواقع أبدا على خصوص العالم فيهما بعد فرض عدم علم الاخر به، فان العقد كان صحيحا بحسب الظاهر، لعدم ثبوت دعوى مدعي العلم في العقد الاول بعد العقد الثاني بمجرد دعواه. وقد نبه لبعض ما ذكرناه في المسالك، فقال: " وإن جهل أحدهما وعلم الاخر اختص كل واحد بحكمه وإن حرم على الاخر التزويج به من حيث مساعدته على الاثم والعدوان، ويمكن التخلص من ذلك بأن يجهل التحريم أو شخص المحرم عليه، ومتى تجدد علمه تبين فساد العقد، إذ لا يمكن الحكم بصحة العقد من جهة دون اخرى في نفس الامر وإن أمكن في ظاهر الحال، كالمختلفين في صحة العقد وفساده " لكن فيه أولا أن الفساد ليس للاعانة على الاثم إذ يمكن فرض عدمها في الغفلة ونحوها، بل هو لما عرفت، وثانيا ما في كشف اللثام، فانه بعد أن ذكر اختصاص الحرمة في العالم قال: " وإنما تظهر الفائدة إذا بقي الاخر على جهله حتى عاد، أما إذا تجدد له العلم قبل العود فيشكل التحريم من أحد الجانبين خاصة، إلا أن يقال بالحل للاخر إن جهل التحريم أو شخص المعقود عليها ثانيا، ولكن


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4. (جواهر الكلام - ج 27)

[ 433 ]

لا يظهر الفرق بينه وبين صورة علمها إلا بأن يقال بلزوم العقد حينئذ وإن تجدد العلم بالتحريم أو الشخص بعد العقد، ويمكن أن يكون التحريم ثابتا لهما أيضا، لكن للعالم بالذات وللجاهل بالواسطة، لكون التحريم عقوبة على العقد، ولا عقوبة إلا على العالم، ويحتمل أن لا يكون العقد باطلا حين جهل أحدهما وإن كانا حين العقد الثاني عالمين بالحكم والشخص وإن أثم العالم، لكن لا نعرف به قائلا " قلت: بل ولا وجها معتدا به كغيره مما ذكره، وقريب منه ما ذكره المقدس البغدادي من أنه لا مانع من التزام تبعيض الصحة في الواقع، لانها في المعاملة مجرد ترتب آثار، فلا بأس في جريانها بالنسبة الى شخص دون الاخر، وفيه ما عرفت. فالاولى أن يقال: ليس المراد في النص والفتوى الفرق بين علمهما وعلم أحدهما في ذلك، بل المراد إبانة التساوى بين الصورتين، لما عرفت أن الحرمة هنا أبدا من جانب تستلزمها من آخر، لعدم قابلية عقد التبعيض في نفس الامر، ومن هنا اكتفى في المحرمات جميعها بذكر حرمتها من جهة، كما هو واضح. وقد أشرنا إليه سابقا في البحث عن الشبهة، فلاحظ وتأمل تجد الامر ظاهرا، لظهور اعتبار الدخول في العدة في الحرمة أبدا فيما يعتبر فيه ذلك، فلو عقد جاهلا عليها فيها ودخل بها بعد العدة ثم علم بالحال بعد ذلك لم تحرم أبدا، بل كان له الاستئناف كما صرح به في المسالك. ومن الغريب ما في الرياض من الحرمة أبدا بذلك معللا له باطلاق الفتاوى كالنصوص، ثم قال: " وربما اشترط في الدخول وقوعها في العدة، وهو ضعيف " وظاهره المفروغية من ذلك، مع أنه لا ينكر انسياق الدخول في العدة مما أطلق فيه ذلك من النصوص، خصوصا بعد صراحة نصوص الحلبي (1) في ذلك، وموثق ابن مسلم (2) وغيره فانها جميعا بمذاق واحد، وفي خبر أبى بصير (3) عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: " في رجل نكح امرأة وهي في عدتها، قال: يفرق بينهما،


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 6 و 20. (2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 8.

[ 434 ]

ثم تقضي عدتها، فان كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، وإن لم يكن دخل بها فلا شئ لها " فانه كالصريح في ذلك أيضا، على أن الحكم مخالف للعمومات، فالمتجه الاقتصار فيه على المتيقن إذ لا أقل من الشك في تناول الاطلاقات بمثله، ومن ذلك بان لك أن المناسب له المفروغية من عدم الحرمة وذكر الحرمة احتمالا، لا العكس كما هو واضح. وعلى كل حال فقد ذكر غير واحد من الاصحاب أن في إلحاق ذات البعل بذات العدة في الحكم المزبور وجهين: ينشآن من أولوية حرمة الزوج التى هي حكمة الحكم المزبور فيها من ذات العدة، ومن الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن، إلا أن الاول كما ترى، والاولى الاستدلال عليه بأنه من ذات العدة الرجعية قطعا التى قد صرح بها في خبر حمران (1) السابق، وقد اتفق النص (2) والفتاوى على أنها بحكم الزوجة، فيعلم منه حينئذ أن حكم الزوجة، مثل حكمها، كما هو واضح. وبالنصوص، ففي مرفوع أحمد المروى (3) في الكافي والتهذيب " أن الرجل إذا تزوج المرأة وعلم أن لها زوجا فرق بينهما ولم تحل له أبدا " وفي موثق أديم بن الحر (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: " التي تتزوج ولها زوج يفرق بينهما ثم لا يتعاودان أبدا " ونحوه في موثقة الاخر (5) وموثق زرارة (6) عن أبى جعفر عليه السلام " في امرأة فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، وليس للاخر أن يتزوجها أبدا ".


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 17. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب اقسام الطلاق والباب - 13 - منها الحديث 6 والباب - 20 - منها الحديث 11 والباب - 18 و 20 و 21 - من أبواب العدد من كتاب الطلاق. (3 و 4 و 6) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 10 - 1 - 2. (5) الوسائل الباب - 15 - من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 من كتاب الحج.

[ 435 ]

لكن في كشف اللثام " لو عمل بالاخبار الواردة بالتحريم هنا أمكن الحكم بالتحريم مطلقا، مع الجهل والعلم، ومع الدخول وبدونه، لا طلاقها " قلت: هو كذلك لو لا ما عرفت من أن حكمها حكم ذات العدة الرجعية، ولولا ما يظهر من صحيح ابن الحجاج (1) عن الصادق عليه السلام " ومن تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم فطلقها الاول أو مات عنها ثم علم الاخر أيراجعها ؟ قال: لا حتى تنقضي عدتها " واعتبار العلم في المرفوع الدال بمفهومه على عدم الحرة مع الجهل، وهو وإن تناول كالصحيح (2) السابق حال الجهل مع الدخول إلا أنه يجب تقييده بموثق زرارة (3) السابق الظاهر في هذه الصورة، فتبقى صورة الجهل مع عدم الدخول على مقتضى العمومات، بل في الرياض دعوى الاجماع على الحل فيها، وبذلك يتساوى حينئذ حكم ذات البعل لذات العدة كما صرح به جماعة من المتأخرين منهم المحقق الثاني، بل لعله ظاهر الجميع وإن لم يتعرضوا له بالخصوص اتكالا على معلومية اتحاد حكمها لحكم ذات العدة الرجعية. ومنه يعلم ما في نسبة عدم الالحاق الى المشهور، باعتبار قصر الحكم على ذات العدة كما أنه يعلم عدم الحرمة أبدا فيمن عقد على بكر ذات بعل جاهلا ثم دخل بها بعد الطلاق، نحو ما سمعته فيمن عقد على ذات العدة ثم دخل بها بعد الخروج عن العدة، بل لعل الحكم كذلك فيمن عقد على ذات بعل ثم دخل بها في عدتها بائنا، أو عقد على ذات عدة ثم دخل بها بعد أن صارت ذات بعل اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن الذى هو غير الفرض، نعم لا يبعد الحرمة أبدا على من عقد على ذات بعل ثم دخل بها في عدتها الرجعية منه بناء على أنها بحكم الزوجة على وجه يشمل الفرض، نعم لا يلحق بالعدة مدة استبراء الامة في الشراء ونحوه وإن كانت هي بمعناها، بل الحكمة فيهما متحدة، إلا أن المنساق من لفظ العدة غيرها، والحكم مخالف للاصول، أما إذا كانت معتدة لطلاق أو وفاة فلا ريب


(1 و 2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3. (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 436 ]

في تناول الادلة لها. إنما الاشكال في نكاح الامرأة في المدة قبل العدة، كما لو تزوج امرأة بعد وفاة زوجها المجهولة لها أولهما قبل العدة، والاقرب كما في القواعد والمسالك وغيرهما عدم التحريم المؤبد، لعدم كونها ذات بعل ومعتدة واقعا، ضرورة عدم الاعتداد عليها قبل العلم بالوفاة، والاصل الحل، لكن لا يستلزم ذلك جواز الاقدام عليها، ولا صحة العقد عليها، للاكتفاء في عدم جواز ذلك استحقاق العدة عليها للزوج في نفس الامر، فلا يؤثر العقد عليها في نفس الامر وإن استمر جهلها حتى تخرج من عدته ولم يبق له تعلق بها أصلا، ضرورة معلومية عدم الزوجين في آن واحد للمرأة، كما أومأ إليه ثم في خبر الجاهلة (1) بالاعتداد، بل ربما احتمل لذلك نشر الحرمة أبدا، بل قيل: إنه أولى، لكونه في زمان أقرب الى الزوجية، بل هي في ظاهر الشرع زوجة، بل هي داخلة في عموم موثق زرارة (2) عن الباقر عليه السلام المتقدم آنفا، إلا أن الجميع كما ترى، خصوصا دعوى الاندراج في الموثق المزبور الذى بان فيه أن الزوج حي، فالاقوي حينئذ عدم التحريم. بل لعل الاقوى أيضا عدم إلحاق مدة المسترابة التي قد جاءها الدم في أثنائها وانتقلت الى الاعتداد عن الطلاق البائن بالاقراء بالعدة، ضرورة ظهور الحال في كونها في هذه المدة ليست ذات بعل ولا ذات عدة، والحكم بأن تلك المدة من العدة إنما كان في الظاهر، وقد انكشف فساده، فلا تحرم حينئذ مؤبدا بالعقد عليها مع عدم الدخول، ولا به مع الدخول مع الجهل، وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد وشارحاها من دون ترجيح، وليس الوطء بملك اليمين في العدة بل ولا بالتحليل بناء على كونه إباحة من النكاح فيها، وإن استشكل فيه المحقق الثاني ولم يرجح، لكن وجه الترجيح فيه واضح، ضرورة عدم الاندراج في الادلة، والحكم مخالف للاصول والقياس محرم عندنا.


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 17. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 437 ]

المسألة (الثانية) (إذا تزوج في العدة ودخل فحملت وكان جاهلا لحق به الولد) قطعا (إن جاءت به لستة أشهر فصاعدا) الى أقصى مدة الحمل (منذ دخل بها) ولاقصى مدة الحمل من وطء الاول، إذ هو من وطء الشبهة الملحق بالصحيح بالنسبة الى ذلك نصا (1) وفتوى، أما إذا جاءت به لدون الستة أشهر من وطئه ولها فصاعدا من وطء الاول، كان للاول قطعا، كالقطع بخروجه عنهما لو جاءت به لاقصى مدة الحمل لهما، ولو جاءت به في المدة المشتركة ففيه البحث السابق من الحكم به للاول أو الثاني أو القرعة، لكن أطلق هنا وفي القواعد أنه للثاني من غير اشارة للخلاف، والظاهر أن ذلك منهما اتكال على ما تقدم، فان احتمال الخصوصية لهذه المسألة من بين أفراد وطء الشبهة واضح الضعف، ومرسلة جميل (2) وغيرها مما أطلق فيها الحكم هنا بأن الولد للثاني إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا إلى أقصى مدة الحمل من أدلة القول به في جميع أفراد الشبهة، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم. (و) على كل حال (يفرق بينهما) لما عرفته (ويلزمه المسمى) لها أو مهر المثل على الخلاف السابق، وإن كان قد يشعر بالاول هنا خبر أبى بصير (3) وخبر سليمان بن خالد (4) لكن يمكن إرادة الجنس من المهر فيهما لا العهد، لما قدمناه سابقا، كما أنه يمكن القول بوجوب المسمى في خصوص هذا الفرد من الشبهة (وتتم العدة للاول) محتسبة أيام وطء الثاني منها (وتستأنف) عدة (اخرى للثاني) وفاقا للمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل يمكن دعوى الاجماع عليه، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، للصحيح (5)


(1 و 2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 14. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 8 - 7 - 6.

[ 438 ]

والموثق (1) السابقين وغيرهما مضافا الى قاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب. (وقيل) والقائل الصدوق فيما حكي من مقنعه وابن الجنيد (تجزئ عدة واحدة) لموثق زرارة (2) السابق وصحيحه الاخر (3) عن أبي جعفر عليه السلام " في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: يفرق بينها وتعتد عدة واحدة عنهما جميعا " إلا أنهما قاصران عن معارضة النصوص السابقة من وجوه، منها الشهرة والاعتضاد بالقاعدة والاجماع وغير ذلك، فوجب طرحهما أو حملهما على عدم دخول الثاني، فيكون نسبة العدة اليهما لادنى ملابسة أو يراد بالواحدة الاتحاد في المقدار مع فرض العدة الاولى عدة طلاق، أو غير ذلك من المحامل التي هي وإن كانت بعيدة إلا أنها خير من الطرح. (و) كيف كان فلا إشكال ولا خلاف في أن (لها مهرها على الاول) لتحقق موجبه، وتزوجها في عدته لا يقدح في استحقاقه، للاصل (و) إطلاق الادلة، بل قد عرفت وجوب (مهر) المثل أو المسمى مع ذلك (على الاخير إن) دخل بها و (كانت جاهلة بالتحريم) أو أنها في عدة (ومع علمها) بالتحريم ف‍ (لا مهر) لها ضرورة كونها حينئذ بغيا، ولا مهر لبغى، كما أنه لا شئ لها عليه مع الجهل وعدم الدخول، لظهور فساد العقد وعدم استحلال فرجها، وماعن بعض الشواذ من الاخبار (4) من أن لها نصف المهر حينئذ مرفوض عند الطائفة، والله العالم، بقى في أصل المسألة شئ وهو أن المراد بالنكاح في العدة المحرم أبدا ما إذا كان بنفسه أو بوكيله على ذلك وإن كانت الوكالة فاسدة إلا أنه يصدق عليه بذلك أنه نكح في العدة، أما إذا كان قد عقد وكيله على المطلق النكاح فلا حرمة بمجرد العقد وإن علم الوكيل، بل لو وكله على ذلك بالخصوص وكان الوكيل عالما دونه لم تحرم بمجرد العقد، ولو كان العاقد الولي للطفل مع العلم لم يؤثر


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 11 - 21. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 439 ]

في الحرمة وكذا المجنون، بل وإن دخل على إشكال، ولو عقدها الفضولي عن أحدهما فأجازت هي أو أجاز في العدة فالظاهر الحرمة مع العلم أيضا، وكذا لو عقدها الفضوليان عنهما فأجازا في العدة، بل لو تأخرت الاجازة عن العدة أمكن الحرمة أيضا بناء على الكشف، لصدق النكاح الصحيح الذي لو لا كونه في العدة لاثر، ويحتمل العدم اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن، والله العالم. المسألة (الثالثة) (من زنى بامرأة) خلية عن زوج (لم يحرم عليه نكاحها) وإن لم تتب وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، بل في محكى الخلاف الاجماع عليه للعمومات التى منها " إن الحرام لا يحرم الحلال " (1) وخصوص صحيح الحلبي (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها حلالا، قال: أو له سفاح وآخره نكاح، ومثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراما ثم اشتراها بعد فكانت له حلالا " وخبر أبي بصير (3) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل فجر بامرأة ثم بداله أن يتزوجها، فقال: حلال، أوله سفاح وآخره نكاح، أوله حرام وآخره حلال " وخبر زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام " لا بأس إذا زنى رجل بامرأة أن يتزوج بها بعد، فضرب مثل ذلك مثل رجل سرق ثمرة نخلة ثم اشتراها بعد " وخبر هاشم ابن المثنى (5) قال: " كنت عند أبى عبد الله عليه السلام جالسا فدخل عليه رجل فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوجها ؟ قال: نعم، وامها وابنتها " خلافا للشيخين وجماعة، بل في محكى الغنية الاجماع عليه، فاشترطوا التوبة لظاهر الاية (6) مضافا إلى اطلاق غيرها مما تسمعه من النصوص (7) الواردة في المشهورة


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 - 1 - 8. (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 راجع التعليقة في الصفحه 371 الرقم 4. (وهناك هشام بن المثنى - المصحح). (6) سورة النور: 24 - الاية 5. (7) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.

[ 440 ]

وغيرها وخبر أبى بصير (1) " سألته عن رجل فجر بامرأة أراد بعد أن يتزوجها، فقال: إذا تابت حل له نكاحها، قلت: كيف يعرف توبتها، قال: يدعوها إلى ما كان عليه من الحرام، فان امتنعت فاستغفرت ربها عرف توبتها " وخبر إسحاق (2) ابن جرير عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: " الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك ؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء فرجها من ماء الفجور، فله أن يتزوجها، وإنما يجوز له أن يتزوجها بعد أن يقف على توبتها " والموثق (3) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن الرجل يحل له أن يتزوج امرأة كان يفجر بها، فقال: إن أنس منها رشدا فنعم، وإلا فليراودها على الحرام، فان تابعته فهي عليه حرام، وإن أبت فليتزوجها " وخبر محمد (4) عنه عليه السلام أيضا أو عن أبي جعفر عليه السلام " لو أن رجلا فجر بامرأة ثم تابا فتزوجها لم يكن عليه شئ من ذلك " ولا يعارضها النصوص السابقة بعد أن كانت مطلقة وهذه مقيدة معتضدة بظاهر الكتاب وإجماع ابن زهرة، فتحمل عليها كالعمومات. وفيه أنها قاصرة عن ذلك بالشهرة على خلافها، وبموافقتها لابن حنبل وقتادة، والاية - مع أن الظاهر إرادة المشهورة بالزنا منها كما تسمع التصريح به في النصوص - إنما يراد بها الاخبار على قياس قوله تعالى (5): " الخبيثات للخبيثين... والطيبات للطيبين " خصوصا ما ورد أن الخبث هو الزنا والخبيث هو الزاني، واجماع ابن زهرة إنما هو على أصل الحل في مقابل ما يحكى عن البصري من الحرمة مطلقا، فالمتجه حمل هذه النصوص على التقية أو الكراهة.


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 7 - 4 - 2 - 5. (5) سورة النور: 24 - الاية 26.

[ 441 ]

ومنه يعلم عدم الحرمة على غيره بطريق أولى، خلافا لما عساه يظهر من إطلاق المحكى عن الصدوق في المقنع وأبي الصلاح، للاية (1) أيضا على أن زرارة قد روى (2) عن أبى جعفر عليه السلام " سأل عن رجل أعجبته امرأة فسأل عنها، فإذا النساء تنبئ عليها بالفجور، فقال: لا بأس أن يتزوجها ويحصنها " وقال علي ابن يقطين: (3) " قلت لابي الحسن عليه السلام: نساء أهل المدينة، قال: فواسق، قلت فأتزوج منهن قال نعم " وقال زرارة (4) أيضا: " سأله عمار وأنا حاضر عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة، قال: لا بأس، وإن كان التزويج الاخر فليحصن بابه " وقال علي بن رئاب (5) في المروي عنه صحيحا في المحكى عن قرب الاسناد: " سألت أبا عبد الله عن المرأة الفاجرة يتزوجها الرجل المسلم، قال: نعم، وما يمنعه ولكن إذا فعل فاليحصن بابه مخافة الولد " إلى غير ذلك مما لا معارض له إلا دعوى دلالة الاية على ذلك بناء على إرادة النهي من الخبر فيها، لمعلومية كذبه، تعالى الله عن ذلك. وفيها - مضافا إلى ما عن بعضهم من أن المراد منها المشهورة بالزنا كما يشهد به بعض النصوص الاتية، وإلى ظهورها في الحرمة على غير الزاني، والمطلوب الحرمة عليه وعلى غيره - أن ارادة التحريم منها يقتضى أن يباح للمسلم الزاني نكاح المشتركة، وللمسلمة الزانية نكاح المشرك، ولا ريب في بطلانه، للاجماع على أن التكافؤ في الاسلام شرط في النكاح، بل مقتضاها عدم جواز مناكحة الزانى إلا إذا كانت الزوجة زانية، والمعروف من مذهب الاصحاب جوازها على كراهة، فانهم حكموا بكراهة تزويج الفاسق مطلقا، من غير فرق بين الزاني وغيره، نعم


(1) سورة النور: 24 - الاية 5. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 وفيه " فإذا الثناء عليها في شئ من الفجور ". (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 4 - 6.

[ 442 ]

صرحوا بشدتها في شارب الخمر منه، ولو كان تزويج الزاني محرما لاستثني من ذلك. فالظاهر أن الاية خبر أريد به الاخبار دون النهي، والمعنى أن الزاني أي الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يميل إلى خبيثة من شكله أو مشركة تقرب منه في الخباثة، والزانية أي الفاسقة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، وإنما يميل إلى نكاحها من هو مثلها في الفسق أو مشرك يقرب منها في الخبث، فان المشاكلة علة النظام والالفة، والمخالفة سبب الافتراق والنفرة، ويصير المعنى في الاية نحو قوله تعالى: " والخبيثات " إلى آخرها، والمقصود بيان المناسبة والمشاكلة الداعيين، إلى الالفة والمواصلة، وانما قرن الزنا بالشرك تشديدا لامر الزنا وتغليظا لحرمته، حتى أنه لا يشبهه شئ من المعاصي سوى الشرك، أو لان الزاني يسلب عنه الايمان حين ما يزني، لا طاعته الهوى وإشراكه في العبادة، ولذا قال عليه السلام: (1) " لا يزني الزاني وهو مؤمن " أو لان المشرك لا يمتنع من الزنا ولا يبالى منه، إذ لا يعتقد تحريمه كالزاني، فكأنه قيل: إن الزانية لا يميل إليها إلا من لم يعتقد حرمة الزنا كالمشرك، أو يعتقد ولا يجري على مقتضى اعتقاده كالزاني، وحيث كان المراد بما في صدرها ذلك لزم أن يكون المراد من التحريم في آخرها الاخبار عن حال المؤمنين بامتناعهم عما يرتكبه غيرهم من المشركين وفساق المسلمين من الميل إلى الزواني وعدم المبالاة من نكاحهن، إذ لا مناسبة ظاهرة بين نهي المؤمنين والاخبار عن عدم امتناع الفساق عنها حتى يجمع بينهما بالوصف، بخلاف الاخبار، فان المناسبة المحسنة للتعاطف بينهما ظاهرة لا تخفى. على أن إرادة النهي انما يصح لو جعل ذلك إشارة إلى نكاح الزانية خاصة، وهو وإن كان أقرب بحسب اللفظ إلا أن الانسب جعله إشارة إليه وإلى إنكاح


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب النكاح المحرم - الحديث 24.

[ 443 ]

الزاني، وإنكاحه على اعتبار التغليب في المؤمنين، ومراعاة جانب المعنى حيث يصح معه اللفظ أهم في أنظار البلغاء من جانب اللفظ، وحينئذ فلا يصح إرادة النهي لما عرفت من جواز تزويج الزاني على كراهة إلا أن يحمل على ما هو أعم من التنزيه مجازا، وذلك يقتضى سقوط الاحتجاج، إذ لا حصر في المجاز، ويشهد لذلك تخصيص المؤمنين بالحكم، فان الوجه فيه ظاهر على الاخبار بخلاف النهي، فانه يعم المؤمنين وغيرهم من المشركين وفساق المسلمين، لان الكفار معاقبون بالفروع عندنا، فالتعميم حينئذ أنسب. هذا كله مع أنه قيل كما عن سعيد بن المسيب أن الاية منسوخة بآية " وانكحوا الايامى " (1) إلى آخرها وإن كان فيه التخصيص أولى من النسخ، وقيل أيضا: إن النكاح فيها بمعنى الوطء كما عن سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم، وربما اعترض عليه بأن المعنى يؤول حينذ إلى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية، والزانية أن يزني بها إلا زان، وهو معلوم الفساد، لكن قد يدفع بمنع كون المعنى كذلك، بل هو كما روى عن ابن عباس أنه إن جامعها مستحلا فهو مشرك، وإلا فهو زان، وكذا الزاني ولا فساد فيه، نعم الانصاف والتأمل الجيد يقضيان بعدم إرادة النهي على وجه يفيد الخصم، بل هو إن كان فهو على ضرب من التنزيه مستفاد من الاخبار. (وگذا) الكلام (لو كانت مشهورة بالزنا) وإن استفاضت النصوص في تفسير الاية بها، ففي خبري زرارة (2) والكناني (3) واللفظ للاول " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: الزاني - إلى آخرها - قال: هن نساء مشهورات بالزنا، ورجال مشهورون بالزنا، شهروا به وعرفوا به، والناس اليوم بذلك المنزل فمن أقيم عليه حد الزنا أو شهر بالزنا لم ينبغ لاحد أن يناكحه حتى يعرف


(1) سورة النساء: 24 - الاية 32. (2 و 3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2.

[ 444 ]

منه توبة " وخبر محمد (1) عن أبي جعفر عليه السلام " في قول الله عزوجل: الزاني - إلى آخرها - وهم رجال ونساء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله مشهورين بالزنا، فنهى الله عزوجل عن اولئك الرجال والنساء، والناس اليوم على تلك المنزلة، من شهر بشئ من ذلك أو اقيم عليه حد فلا تزوجوه حتى يعرف توبته " وخبر حكم بن حكيم (2) فيها أيضا عن أبى عبد الله عليه السلام " إنما ذلك في الجهر، ثم قال: لو أن انسانا زنى ثم تاب تزوج حيث يشاء " مضافا إلى خبر الحلبي (3) عنه عليه السلام أيضا " لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنا، ولا يزوج الرجل المعلن بالزنا إلا أن يعرف منهما التوبة " إلا أن الجميع مراد منه ضرب من التنزيه، خصوصا بعد عدم معروفية القائل في تخصيص الحرمة بالمشهورة خاصة، ومنه يعلم حينئذ هجر ظاهر هذه الاخبار المقتضي لوجوب حمله على ما عرفت، ولرجحان ما يقتضى الحل مما سمعته من النصوص وغيرها عليها من وجوه. (وكذا) الكلام (لو زنت امرأته) وهي في حباله، فانه لا يجب عليه طلاقها ولا تحرم بذلك عليه (وإن أصرت على الاصح) للاصل والعمومات وغيرها مما عرفت مضافا إلى خبر عباد بن صهيب (4) عن جعفر بن محمد عليهما السلام " لا بأس أن يمسك الرجل امرأته إن رآها تزني، وإن لم يقم عليها الحد فليس عليه من إثمها شئ " بل عن المبسوط الاجماع على بقاء زوجيتها إلا من الحسن البصري، نعم لا ريب في أولوية رفع اليد عنها تخلصا من العار ومن اختلاط المياه وغير ذلك مما يدنس العرض، خصوصا إذا كان ذلك منها قبل الدخول، نحو ما ورد في أنه ينبغي للمرأة أيضا التخلص من الزوج إذا زنى خصوصا قبل الدخول بها، ففي خبر طلحة بن زيد (5)


(1) ذكر ذيله في الوسائل في الباب - 13 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 وتمامه في الكافي ج 5 ص 355. (2 و 3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4 - 1. (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم العيوب والتدليس الحديث 3.

[ 445 ]

عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " قرأت في كتاب علي عليه السلام إن الرجل إذا تزوج المرأة فزني قبل أن يدخل بها لم تحل له، لانه زان، ويفرق بينهما، ويعطيها نصف الصداق " وفي خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل تزوج بامرأة فلم يدخل بها، فزنى ما عليه ؟ قال: يجلد الحد، ويحلق رأسه، ويفرق بينه وبين أهله، وبنفي سنة " وخبر الفضل بن يونس (2) " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فزنت، قال: يفرق بينهما، وتحد الحد، ولا صداق لها " وخبر السكوني (3) عن أبي عبد الله، عن إبيه عليهما السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها الرجل: يفرق بينهما، ولا صداق لها، إن الحدث كان من قبلها " إلى غير ذلك مما هو محمول على ضرب من الندب ونحوه، لاعراض الطائفة عن العمل بمضمونها. فما عن المفيد وسلار من تحريم الامرأة ولو المدخول بها بزناها مصرة عليه لا دليل عليه سوى الاية (4) التي قد عرفت الكلام فيها، على أن استدامة النكاح ليس نكاحها، وفي كشف اللثام " وإن حمل النكاح فيها على الوطء لم يفد المدعى إلا أن يراد وطء غير الزاني، ويكون عدم التوبة إصرارا على أن المفيد قد صرح بوجوب المفارقة، لحرمة نكاحها على غيره أيضا عنده " وسوى الاحتراز عن اختلاط مائه بماء الزنا، ولذا ورد (5) في الاخبار أن من أراد التزويج بمن فجر بها استبرأ رحمها من ماء الفجور، لكنه كما ترى لا يفيد الدعوى، وسوى ما عن بعضهم من الاستدلال بحفظ النسب، وفيه أنه لا نسب للزاني، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب حد الزنا الحديث 8 من كتاب الحدود. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العيوب والتدليس الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب حد الزنا الحديث 9 من كتاب الحدود واشار إليه في الباب - 6 - من أبواب العيوب والتدليس الحديث 3. (4) سورة النور: 24 - الاية 3. (5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

[ 446 ]

(ولو زنى بذات بعل أو في عدة رجعية حرمت عليه أبدا في قول مشهور) بل لا أجد فيه خلافا كما عن جماعة الاعتراف به، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب عدا المصنف هنا، بل في الانتصار الاجماع عليه في ذات العدة، بل عن الغنية والحلي وفخر المحققين الاجماع عليه مطلقا، وفي محكي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا عليه السلام (1) " ومن زنى بذات بعل محصنا كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها وأراد الذي زنى بها أن يتزوج بها لم تحل له أبدا " وفي الرياض عن بعض متأخري الاصحاب أنه قال: " وروى أن من زنى بامرأة لها بعل أو في عدة رجعية حرمت عليه، ولم تحل له أبدا " قال: وهو ينادي بوجود الرواية فيه بخصوصه، كما هو ظاهر الانتصار وجماعة، هذا. مضافا إلى ما قيل من أولوية ذلك من العقد عليها مع عدم الدخول في حال العلم، ومن العقد عليها مع الدخول في حال الجهل. لكن الانصاف أن العمدة في ذلك الاجماع، ولا فرق في إطلاق معقده بين المدخول بها وغيرها، وبين العالمة والجاهلة بل وبين علم الزاني بأنها ذات بعل أو جهله، ولا بين الدائم والمنقطع، نعم لا يلحق بها الامة المستفرشة، لعدم الصدق بل ولا المحللة، فتبقيان على العمومات. ولو كانت هي الزانية دونه لعلمها بأنها ذات بعل دونه ففي الحرمة أبدا إشكال وإن كان ظاهر العبارات عدم شموله، لكن يمكن استفادته من حكم العقد على ذات البعل، بناء على الاولوية المزبورة، وأن حكمها الحرمة أبدا مع علمها دونه بمجرد العقد، كذات العدة التي منها الرجعية، وهي فيها زوجته كما أومأنا إليه سابقا فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع. وكيف كان فلا يلحق الزنا بذات العدة البائنة وعدة الوفاة بذات البعل، ولا الموطوءة شبهة ولا الموطوءة بالملك، للاصل والعمومات السالمة عن المعارض هنا ولذا لم نجد فيه خلافا، لكن في الرياض فيه نظر، لجريان الاولوية الواضحة


(1) المستدرك الباب - 11 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 8.

[ 447 ]

الدلالة في ذات العدة المزبورة، لبناء ما عرفت من الحرمة بالعقد عليها مع العلم، ومع الدخول في حال الجهل، وفيه منع الاولوية المفيدة كما هو واضح، والله العالم. المسألة (الرابعة) (من فجر بغلام فأوقبه حرم أبدا على الواطئ العقد على ام الموطوء واخته وبنته) بلا خلاف أجده بل عن الانتصار والخلاف وغيرهما الاجماع عليه، بل هو في أعلى درجات الاستفاضة والتواتر، وهو الحجة بعد المعتبرة، كصحيح ابن أبي عمير عن رجل (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يعبث بالغلام، قال: إذا أوقب حرمت عليه ابنته واخته " وخبر اليماني (2) عنه أيضا " في الرجل لعب بغلام هل تحل له أمه ؟ فقال: إن كان ثقب فلا " وخبر حماد بن عثمان (3) قلت لابي عبد الله عليه السلام: " رجل أتى غلاما أتحل له اخته ؟ قال: فقال: إن كان ثقب فلا " إلى غير ذلك من النصوص، نعم المنساق منها الغلام الحي، فيبقى غيره على عمومات الحل لكن في القواعد الاشكال فيه من ذلك ومن الاطلاق، بل في جامع المقاصد لم يبعد التحريم، ولا ريب في ضعفه. كما أن ما فيها أيضا - من عدم الفرق في الموطوء بين الغلام والرجل، بل هو من معقد إطباق الاصحاب في جامع المقاصد، بل في الروضة الاجماع عليه - لا يخلو من إشكال إن لم يتم الاجماع المزبور بعد حرمة القياس وعدم القطع بالمساواة، أللهم إلا أن يقال: إن اسم الغلام مما يقع على حديث العهد بالبلوغ، ولا قائل بالفصل بينه وبين من زاد عن ذلك، وفيه عدم معلومية أن لا قائل بالفصل بعد أن كان المعلق في الفتوى كالنص الغلام الذي لا يشمل الكهل والشيخ قطعا، وكذا الكلام فيما إذا كان الواطئ الغلام، لا لعدم تكليفه، فان الحكم الوضعي يشمل المكلف وغيره، بل لان عنوان الحكم فيما عثرنا عليه من النصوص وطء الرجل للغلام،


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 - 7 - 4.

[ 448 ]

خلافا لثاني المحققين، فجعل التحريم أقوى، لعدم الفرق في حكم المصاهرة بين البالغ وغيره، صدق عنوان الحكم عليه بعد البلوغ، فيقال: إنه رجل أوقب وإن كان إبقابه سابقا، والتحريم في النص خارج مخرج الغالب، والجميع كما ترى. نعم الظاهر إلحاق الرضاع بالنسب هنا، لعموم يحرم منه ما يحرم منه (1) كما أنه لا يبعد وفاقا للفاضل وغيره تعدية الحكم إلى الجدات وإن علون وبنات الاولاد وإن نزلن دون بنت الاخت، هذا. وفي القواعد " ولو أوقب خنثى مشكل أو اوقب فالاقرب عدم التحريم " ولعله للاصل مع الشك في السبب، وربما نوقش بأنه إن كان مفعولا وكان الايقاب بادخال تمام الحشفة حرمت الام والبنت على واطيه بناء على نشر الزنا الحرمة، وإن كان فاعلا فالنساء جميعها حرام عليه، كما أنه هو حرام على الرجال، وقد يدفع - بعد تسليم شمول الام التي تحرم ابنتها بالزنا بها له بالنسبة إلى ما يلده - بأن المراد نفى الحرمة من حيث الايقاب الذي ستعرف عدم اعتبار دخول تمام الحشفة فيه، لا من حيث الزنا، ولا من حيث الشك في ذكورته وانوثته، على أن كلامهم في باب إرث الخنثى المشكل إذا كان زوجا أو زوجة يقضى بجوازه، وأيضا فالذي يحرم بالايقاب ما يتولد منه لا ما يلده، وفي الزنا ما يلده، فاختلف موجبهما. وعلى كل حال فلا يحرم على المفعول به بسببه شئ، لكن قيل: أنه حكى الشيخ عن بعض الاصحاب التحريم عليه أيضا، ولعله لاحتمال الضمير في الاخبار الكل من الفاعل والمفعول، ولذا كان التجنب أحوط، وفيه أن المحدث عنه فيها " الرجل " على أن الظاهر عدم جواز مثل ذلك لغة إلا على ضرب من المجاز المقطوع بعدمه هنا، كما هو واضح. هذا كله فيما إذا كان الايقاب سابقا (و) حينئذ ف‍ (لا تحرم إحداهن لو كان عقدها سابقا) للاصل وعدم تحريم الحرام الحلال (2) لكن في مرسل ابن


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب ما يحرم بالرضاع. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11 و 12. (جواهر الكلام - ج 28)

[ 449 ]

أبي عمير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يأتي أخا امرأته، فقال: إذا أوقبه فقد حرمت عليه الامرأة " وعن ابن أبى سعيد في الجامع العمل به، وهو أحوط كما أن الاحوط عدم تجديد العقد لو طلق مثلا بعد الايقاب، بل مال بعض الافاضل إلى عدم الجواز، لكن يقوى الجواز للاستصحاب الذي لا يقدح في جريانه انقطاع ذلك النكاح بالطلاق، وكذا لا يحرم ما دون الايقاب، للاصل وتعليق الحرمة عليه، والمراد به إدخال بعض الحشفة، لانه لغة إدخال القضيب، فيصدق بمسماه بخلاف الغسل المعلق نصا (2) وفتوى على غيبوبة الحشفة التى هي معنى التقاء الختانين، لكن الانصاف انسياق ما يحصل به حرمة المصاهرة في غير المقام مما علق على الدخول والوطء ونحوهما من الايقاب، فان ثبت إجماع على نشره الحرمة وإن لم يحصل ذلك كان متبعا، وإلا كان للتوقف فيه مجال. ولا يحرم غير الثلاثة فلا بأس بنكاح ولد الواطئ ابنته الموطوء أو اخته أو امه بلا خلاف أجده فيه، لكن في مرسل موسى بن سعدان (3) ما ينافي ذلك، قال: " كنت عند أبى عبد الله عليه السلام فأتاه رجل، فقال له: جعلت فداك ما ترى في شابين كانا مضطجعين فولد لهذا غلام ولاخر جارية أيتزوج ابن هذا ابنة هذا ؟ قال: نعم، سبحان الله لم لا يحل ؟ فقال: إنه كان صديقا له، فقال: وإن كان فلا بأس، قال: إنه كان يكون بينهما ما يكون بين الشباب، قال: لا بأس، فقال: إنه كان يفعل به، قال فأعرض بوجهه، ثم أجابه وهو مستتر بذراعه، فقال: إن كان الذى كان منه دون الايقاب فلا بأس أن يتزوج، وإن كان قد أوقب فلا يحل له أن يتزوج " إلا أنى لم أجد به قائلا، مع أنه فاقد لشرائط الحجية، فلا بأس بحمله على الكراهة، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الجنابة الحديث 2 من كتاب الطهارة. (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 3 وفيه " مصطحبين " الا ان الموجود في الكافي ج 5 ص 417 كالجواهر.

[ 450 ]

المسألة (الخامسة) (إذا عقد المحرم) لحج أو عمرة عنه أو عن غيره فرض أو نفل (على امرأة عالما بالحرمة حرمت عليه أبدا) وإن لم يدخل بها إجماعا بقسميه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر، وهو الحجة مضافا الى خبر زرارة وداود بن سرحان (1) عن أبى عبد الله عليه السلام، وخبر أديم بياع الهروي (2) عنه عليه السلام أيضا إنه قال: " والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبدا ". (ولو كان جاهلا فسد عقده) إجماعا ونصوصا (و) لكن (لم تحرم عليه مع عدم الدخول على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف إلا من المرتضى وسلار، فحرماها كما في صورة العلم، لاطلاق خبر أديم بن الحر الخزاعى (3) عن الصادق عليه السلام " إن المحرم إذا تزوج وهو محرم فرق بينهما، ولا يتعاودان أبدا " وخبر الحكم بن عيينة (4) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن محرم تزوج امرأة في عدتها، قال: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا " وخبر إبراهيم بن الحسن (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن المحرم إذا تزوج وهو محرم فرق بينهما، ثم لا يتعاودان أبدا " لكن مع ضعف الجميع وعدم الجابر مطلقة يجب تقييدها بمفهوم الخبرين الاولين المعتضد بالعمومات، وبخبر محمد بن قيس (6) عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحل، فقضى أن يخلي سبيلها ولم يجعل نكاحه شيئا حتى يحل، فإذا أحل خطبها إن شاء، فان شاء أهلها زوجوه، وإن شاؤوا


(1 و 2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب تروك الاحرام الحديث 2 من كتاب الحج. (4) الوسائل الباب - 17 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 15. (5 و 6) الوسائل الباب - 15 - من أبواب تروك الاحرام الحديث 1 - 3 من كتاب الحج وفى الثاني " قضى امير المؤمنين في رجل... الخ ".

[ 451 ]

لم يزوجوه ". بل الظاهر عدم الحرمة وإن دخل، للاصل، وعموم الادلة، وإطلاق المفهوم، والاجماع المحكي عن المنتهى والتذكرة، خلافا للمحكي عن الخلاف والكافي والغنية والسرائر والوسيلة، فحرموها بالدخول أبدا، كذات العدة، بل عن الاول الاجماع عليه، وإن كنا لم نتحققه على ما نحن فيه، وعلى تقديره فهو موهون بما سمعت من دعوى الفاضل الاجماع المعتضد بالاصل وغيره، والقياس على ذات العدة غير جائز عندنا، وإطلاق الاخبار السابقة بعد تقييدها بمفهوم الخبرين غير صالح للاستدلال به، نعم قد يستفاد مما في الفقيه وجود خبر دال، حيث قال: قال يعنى أبا عبد الله عليه السلام (1): " إن تزوج امرأة في إحرامه فرق بينهما، ولم تحل له أبدا " وفي رواية سماعة (2) " لها المهر إن كان دخل بها " لكن مثل ذلك غير كاف في مثل هذا الحكم، هذا. وقد صرح غير واحد بعدم الفرق في الحكم المزبور بين وقوع العقد في أثناء الاحرام الصحيح أو بعد إفساده، ولعله لمعاملته معاملة الصحيح في جميع أحكامه، وكذا لا فرق بين العقد الدائم والمنقطع، نعم في محكي التحرير " الظاهر أن مراد علمائنا بالعقد في المحرم وذات العدة إنما هو العقد الصحيح الذي لو لا المانع لترتب عليه أثره " وفيه أن لفظ التزويج والنكاح للاعم، مع أنك قد سمعت خبر الحكم المشتمل على التزويج في العدة، وهو فاسد مع قطع النظر عن الاحرام، نعم قد يقال: إن المنساق من نصوص المقام وفتاواه العقد الصحيح في نفسه خصوصا خبر ابن قيس، فلا عبرة بالفاسد كنكاح الشغار، بل ولا بالفاسد لفقد شرط من الشرائط الصحة، كالعربية ونحوها، بخلاف ما كان فساده بالعدة والبعل ونحوهما مما هو كالاحرام في الافساد، فتأمل. ولا تحرم الزوجة بوطئها في الاحرام مطلقا مع العلم بالتحريم والجهل، للاصل


(1 و 2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب تروك الاحرام الحديث 4 - 5 من كتاب الحج.

[ 452 ]

من غير معارض، وعموم عدم تحريم الحرام الحلال (1) ومحكي الاجماع. بل صرح غير واحد بعدم الحرمة إن عقد عليها وهى محرمة، وهو محل للاصل خلافا للخلاف، فحرمها أيضا مستدلا عليه بالاجماع والاحتياط والاخبار، ورده في الرياض بأن الاخبار لم نقف عليها، ودعوى الوفاق غير واضحة، والاحتياط ليس بحجة. قلت: يمكن اثباته بقاعدة الاشتراك، أو بارادة الجنس من الالف واللام في بعض النصوص السابقة ونحو ذلك، أللهم إلا أن يدفع الاول بأن الاشتراك في المعنى الصالح وقوعه منهما والفرض أن النصوص دلت على تزويج المحرم بمعنى اتخاذه زوجة، وهو معنى يخص الرجال، فلا تشمله قاعدة الاشتراك، والثاني بأن الجنسية مع فرض إرادتها يراد منها الجنس في معنى اللفظ، والفرض أن المحرم خاص بالذكر فيكون الجنس في ذلك. وفي الجميع نظر أما الاول فلا ريب في تناول القاعدة إياه بعد معلومية كون ذلك من أحكام الاحرام المفروض اشتراكه بين الرجال والنساء، فكل حكم يثبت فيه للرجال يثبت للنساء إلا ما خرج، فإذا ثبت حرمة التزويج لهم ثبت حرمة التزويج لهن، وإن اختلف معنى التزويج لكل منهما باتحاد الزوجة والزوج، ومن هنا لم يتوقف أحد في إثبات غير هذا الحكم من جهة التزويج والتوليد منه ونحو ذلك للنساء، وأما الثاني فالمراد جنسية المحرم بمعنى الشخص المتصف بالاحرام الذى لا ريب في شموله للمذكر والمؤنث كما هو واضح، ومن ذلك كله يقوى اتحاد المحرمة والمحرم في الحكم المزبور، نحو التزويج في العدة ونكاح ذات البعل، بل والزنا فيها كما عرفته سابقا، بل لا إشكال عندهم في الاولين في عدم الفرق في الحرمة أبدا بين نكاح الرجل ذات العدة وبين نكاحها هي، وإن اختلفا في أولية الحرمة أبدا من العالم القادم وتبعية الاخر له فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع، ولعله لذا نفى الخلاف بعض أفاضل العصر عن كون إحرامها كاحرامه دقيق نافع، ولعله لذا نفى الخلاف بعض أفاضل العصر عن كون إحرامها كاحرامه


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11 و 12.

[ 453 ]

هنا، وظاهره المفروغية من المسألة، ولعلها كذلك، والله العالم. المسألة (السادسة) (لا تحل ذات البعل لغيره) إجماعا أو ضرورة (إلا بعد مفارقته وانقضاء العدة إن كانت ذات عدة) ولعل من ذلك العقد متعة على الامرأة ولو في وقت انقضاء أجل الاول وعدته، بل لعل منه تحليل الامة، حال كونها محللة لشخص ولو بعد انتهاء مدة الاول وعدته، ويأتى إن شاء الله تمام الكلام في ذلك. انتهى الجزء التاسع والعشرون، وتم تصحيحه وتهذيبه بيد العبد - السيد ابراهيم الميانجى - عفى عنه وعن والديه، ولله الحمد اولا وآخرا، ويليه ان شاء الله تعالى الجزء الثلاثون واوله: (السبب الرابع) دقيق نافع، ولعله لذا نفى الخلاف بعض أفاضل العصر عن كون إحرامها كاحرامه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية