جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 32


[ 1 ]

جواهر الكلام (في شرح شرايع الاسلام) تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 من الهجرة تصحيح وتحقيق وتعليق محمود القوچاني عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجي قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه، وطبع بنفقة المكتبة الاسلامية الجزء الثاني والثلاثون 32 طهران شارع البوذرجهري تليفون 521966 - 535448 جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر طهران المطبعة الاسلامية

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (القسم الثالث) من الأقسام التى بنى عليها الكتاب (في الايقاعات) جمع إيقاع، وهو اللفظ الدال على إنشاء خاص من طرف واحد (وهي أحد عشر كتابا) أولها (كتاب الطلاق) الذي قيل: إنه لغة حل عقد، ويطلق على الارسال والترك، يقال: ناقة طالق: أي مرسلة ترعى حيث تشاء، وطلقت القوم: إذا تركتهم، وشرعا إزالة قيد النكاح بصيغة " طالق " وشبهها، وفي الصحاح بعد أن ذكر له معان متعددة قال: " وطلق الرجل زوجته تطليقا، وطلقت هي بالفتح تطلق طلاقا فهى طالق وطالقة - إلى أن قال -: وقال الأخفش: لا يقال: طلقت بضم اللام " وفي المسالك " عن ديوان الأدب أنه لغة ".

[ 3 ]

وعلى كل حال فظاهره أنه بمعنى فراغ (ق) الامرأة من اللغة أيضا، وهو كذلك كما حقق في محله أنه ليس في العقود والايقاعات حقيقة شرعية، ضرورة وجودها في هذه المعاني قبل زمن النبي صلى الله عليه وآله، ولكن اعتبر في الصحيح منها امورا، وبهذا المعنى جعله الاصحاب معنى شرعيا مقابلا للمعنى اللغوى هذا وقد عرفت في كتاب البيع الخلاف في أن البيع اسم للنقل أو للعقد أو للأثر الحاصل منه، وأن الأصح الأول، ومثله يأتي في المقام، وإن لم نقل بشرعية المعاطاة فيه بخلاف البيع، لكن ذلك لا ينافي كونه اسما لانشاء فراق الامرأة وإن اعتبر الشارع في الصحيح منه الصيغة الخاصة (1) ومن ذلك يظهر لك ما في التعريف المزبور من المعلوم بناؤه على التسامح، والأمر سهل بعد أن تكرر منا في العقود خصوصا البيع ما يستفاد منه تحقيق الحال في ذلك وفي غيره من المباحث، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فتمام (النظر) في هذا الكتاب يكون (في الأركان والأقسام واللواحق، وأركانه أربعة:


(1) كما ستسمع انشاء الله ما في النصوص من حصر الطلاق بقوله: " أنت طالق " (منه رحمه الله).

[ 4 ]

(الركن الاول) (في المطلق) (ويعتبر فيه شروط أربعة:) (الاول:) (البلوغ) بلا خلاف أجده فيه في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه والنصوص به مستفيضة أو متواترة، ففي خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره " وخبر أبى الصباح (2) عنه عليه السلام أيضا " ليس طلاق الصبي بشئ " وخبر أبى بصير (3) عنه عليه السلام أيضا " لا يجوز طلاق الصبى والسكران " (فلا اعتبار بعبارة الصبى) قبل تمييزه قطعا، بل وبعده (قبل بلوغه عشرا) وإن حكي عن ابن الجنيد أنه أطلق صحة طلاقه مع تمييزه، لمضمر سماعة (4) " سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته، فقال: إذا طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس وهو جائز " وموثق ابن بكير (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم " لكن في مرسل ابن أبى عمير (6) الذي هو بحكم الصحيح عند الاصحاب عن أبى عبد الله عليه السلام " يجوز


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 1 - 4. (4 و 6) الوسائل الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 - 2. (5) الوسائل الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 راجع الاستبصار ج 3 ص 303

[ 5 ]

طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين " بل عن الشيخ روايته عن ابن بكير وتبعه في المسالك وإن قيل: إنه وهم وعلى كل حال فيقيد به إطلاق النصوص السابقة. ولعله إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (وفيمن بلغ عشرا عاقلا وطلق للسنة رواية بالجواز فيها ضعف) وإلا فليس فيما حضرنا من النصوص خبر جامع للوصفين، وحكي عن الشيخين وجماعة من القدماء العمل بذلك، إلا أن المشهور بين المتأخرين بل لعل عليه عامتهم اعتبار البلوغ بالعدد أو بالاحتلام أو بغير ذلك من أماراته لقوة الاطلاق السابق المؤيد بنصوص (1) رفع القلم الشامل للوضعي والتكليفي، وبالاصول، وبعدم الفرق بين الطلاق وغيره من العقود التي قد عرفت سلب عبارة الصبي فيها، وبالشهرة العظيمة، وبخبر الحسين بن علوان (2) المروي عن قرب الاسناد، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم " بل لا يبعد من ذلك إرادة بيان إمكان صحة طلاق الصبي إذا بلغ عشرا عاقلا ولو لبعض الأمزجة في بعض البلدان التي ينبت فيها الشعر أو يحصل فيها الاحتلام، فلا ريب حينئذ في أن ذلك هو الأقوى، وإن وسوس فيه بعض متأخرى المتأخرين بتوهم أنه مقتضي الجمع بين النصوص بعد حمل مطلقها على مقيدها، وفيه أنه فرع المكافئة على أنه غير تام في خبر قرب الاسناد منها، كما هو واضح (و) كيف كان ف‍ (لو طلق وليه) عنه (لم يصح) بلا خلاف فيه منا بل الاجماع بقسميه عليه، (ل‍) لنبوي المقبول (3) " الطلاق بيد من أخذ بالساق " الدال بمقتضى الحصر على " اختصاص الطلاق بمالك البضع) على وجه ينافي الطلاق


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2 من كتاب القصاص والباب - 8 - من أبواب مقدمات الحدود من كتاب الحدود والباب - 4 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 11 من كتاب الطهارة. (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8. (3) كنز العمال ج 5 ص 155 - الرقم 3151.

[ 6 ]

بالولاية دون الوكالة التي هي في الحقيقة طلاق من المالك عرفا، بل لو سلم تناوله لمنع الوكالة أيضا كفى في خروجها عن ذلك النص (1) والاجماع، فيبقى الطلاق بالولاية على المنع الذي لا ينافيه عموماتها بعد فرض ظهور الخبر المزبور بالتخصيص، كل ذلك مع التأييد باستصحاب بقاء النكاح المبني على الشهوة (و) التلذذ لخصوص الزوج على وجه لا يقوم الولي مقامه في ذلك بعد فرض (توقع زوال حجره غالبا) فلا مصلحة - حتى تعطيل الزوجة - تقتضي قيام الولي مقامه في ذلك. وبذلك يظهر لك وجه الحكمة في الفرق بينه وبين من اعتراه الجنون المطبق بعد بلوغه، باعتبار عدم أمدله ينتظر الذي ستعرف قيام الولي عنه في ذلك. بل (و) به يظهر لك الوجه فيما ذكره المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة من أنه (لو بلغ فاسد العقل طلق وليه مع مراعاة الغبطة) بل عن فخر المحققين الاجماع على ذلك (و) إن (منع منه قوم): منهم الشيخ في المحكي عن خلافه، وابن إدريس بل ادعى أولهما الاجماع عليه (و) لكن (هو) كما ترى (بعيد) عن مذاق الشرع، ضرورة منافاته لمصلحة الزوج والزوجة بلا أمد ينتظر بل قيل: ولصحيح أبى خالد القماط (2) قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " الرجل الأحمق الذاهب العقل أيجوز طلاق وليه عليه ؟ قال: ولم لا يطلق ؟ قلت: لا يؤمن ان طلق هوان يقول غدا: لم اطلق أولا يحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليه إلا بمنزلة السلطان " وخبره الآخر (3) قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " رجل يعرف رأيه مرة وينكر أخرى يجوز طلاق وليه عليه، قال: ماله هو لا يطلق ؟ قلت: لا يعرف حد الطلاق، ولا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا لم أطلق، قال عليه السلام: ما أراه إلا بمنزلة الامام، يعني الولي " المراد منهما كونه بمنزلة الامام في الطلاق عنه كما


(1) الوسائل الباب 39 من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب 35 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (3) الوسائل الباب 34 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

[ 7 ]

صرح به في خبره الثالث (1) عنه عليه السلام أيضا " في طلاق المعتوه، قال: يطلق عنه وليه فأنى أراه بمنزلة الامام " وخبر شهاب بن عبد ربه (2) عنه عليه السلام أيضا " المعتوه الذي لا يحسن أن يطلق يطلق عنه وليه على السنة " الحديث. لكن في المسالك المناقشة بعدم وضوح دلالتها، فان السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل ثم يقول له الامام: " ماله لا يطلق ؟ " مع الاجماع على أن المجنون ليس له مباشرة الطلاق ولا أهلية التصرف، ثم يعلل السائل عدم طلاقه بكونه ينكر الطلاق أو لا يعرف حدوده، ثم يجيبه بكون الولي بمنزلة السلطان قلت: قد يقال: إن المراد بالمعتوه ناقص العقل من دون جنون، قال في محكي المصباح المنير: " عته عتها من باب تعب وعتاها بالفتح: نقص عقله من غير جنون أو دهش " وعن التهذيب " المعتوه المدهوش من غير مس أو جنون " وعن القاموس " عته فهو معتوه: نقص عقله أو فقد أو دهش " إلى غير ذلك من كلماتهم التي تقضي بالفرق بين العته والجنون، وحينئذ لا يبعد أن يكون المراد منه من لاعقل له كامل ومثله يصح مباشرته للطلاق لكن باذن الولي، لأنه من السفيه فيه كالسفيه في المال. وعلى هذا لا يكون إشكال في النصوص المزبورة، بل ربما يكون ذلك جمعا بين مادل على أنه " لا طلاق له " كما في جملة من النصوص (3) وبين مادل على جواز طلاقه من النصوص السابقة (4) وغيرها كخبر أبى بصير (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن المعتوه أيجوز طلاقه ؟ فقال: ما هو ؟ فقلت: الأحمق الذاهب العقل، فقال: نعم " بارادة الصحة من ذلك مع الاذن من الولى، لعدم سلب عباراته باعتبار عدم جنونه، وإنما أقصاه النقص الموجب للسفه في ذلك، وعدمها من تلك النصوص مع عدم الاذن، فيثبت حينئذ سفه في الطلاق، ولا عيب في ذلك، غير أني لم أجده مصرحا به في كلام الأصحاب، نعم ربما كان ظاهر بعض متأخرى المتأخرين بل


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 35 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 2 -. -. (3) الوسائل الباب - 34 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 0. (5) الوسائل الباب - 34 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث.

[ 8 ]

قد يقال: بارادته من مثل المتن، للتعبير عنه بفاسد العقل، وهو غير الجنون الذي ذكره بعد ذلك في الشرط الثاني، واحتمال أنه ذكره هنا باعتبار اتصال فساد عقله بحال الصبا يدفعه أن البحث حينئذ من هذه الجهة في كون الولاية حينئذ للأب والجد مثلا أو للحاكم لا في طلاق الولى عنه وعدمه الذي ذكره المصنف وعلى كل حال لا إشكال في دلالة النصوص المزبورة على صحة طلاق الولى عنه، فما سمعته من الشيخ وإبن إدريس - من عدم جوازه لخبر (1) " الطلاق بيد من أخذ بالساق " وظهور قوله تعالى (2) " فان طلقها فلا تحل له " إلى آخرها في وقوع الطلاق منه، ولمشاركته للصبي في المعنى وللاجماع المحكى عن الشيخ - واضح الضعف، ضرورة أنه لو سلم دلالة الخبر المزبور على نفي طلاق الولى فالنصوص المزبورة حاكمة عليه، وكذا الآية التي هي اضعف دلالة من الخبر على ذلك، والقياس على الصبي مع أنه غير جائز يدفعه أنك قد عرفت الفرق بينهما، مضافا إلى النصوص، والاجماع مع وهنه بمصير المشهور إلى خلافه حتى من حاكيه في غير الكتاب معارض بما عن الفخر من الاجماع على الجواز هذا، ولا يخفى عليك أنه بعد تنزيل النصوص المزبورة على ما ذكرناه تدل بالأولوية حينئذ على جواز طلاق ولى المجنون عنه، كما هو واضح (الشرط الثاني) (العقل) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه (فلا يصح طلاق المجنون) مطبقا أو أدوارا حال جنونه (ولا السكران ولا من زال عقله باغماء أو شرب مرقد) أو نوم أو نحو ذلك (لعدم القصد) الذي يترتب


(1) كنز العمال ج 5 ص 155 الرقم 3151. (2) سورة البقرة: 2 الاية 23.

[ 9 ]

عليه الحكم، بعد استفاضة النصوص (1) على انه " لا طلاق لهم ". بل (ولا يطلق الولي عن السكران) وشبهه (ل‍) لأصل وللنبوي (2) بناء على ظهوره في ذلك، ولفحوى المنع في الصبي باعتبار (أن زوال عذره غلب) مثله (ف‍) له أمد يرتقب، بل (هو) حينئذ (كالنائم) الذي لا إشكال ولا خلاف في عدم جواز طلاق الولي عنه، بل (و) لا غيره من التصرفات المالية فضلا عن مثل الطلاق. نعم (يطلق) الولى (عن المجنون) لنصوص المعتوه (3) أو لفحواها التي منها ما قد عرفت، ومنه يعلم ضعف المحكي عن الشيخ وابن إدريس من عدم الجواز، للأدلة التي قد سمعت أيضا ما فيها. (ولو لم يكن له ولي) من أب أو جد (طلق عنه السلطان أو من نصبه للنظر في ذلك) وظاهره كغيره عدم الفرق هنا بين المتصل جنونه بالبلوغ وعدمه، وقد عرفت الكلام فيه في غير المقام، أما فيه فقد يقال: إن ظاهر ما سمعته من نصوص المعتوه (4) خصوصا الأخير منها ذلك، ولا ينافيه تنزيله منزلة الامام المشعر بأن للامام ذلك أيضا بعد قوة احتمال إرادة أنه بمنزلته، حيث يكون له الولاية، وإلا فمن المعلوم أن السلطان ولي من لا ولي له، فلا شركة بينهما فيها، فتأمل جيدا فانه يمكن أن يستدل بما هنا على غير المقام بعد الاجماع على عدم الفصل، فيقال: إن ولاية المجنون مطلقا للأب والجد من غير فرق بين المتصل والمنفصل. والمراد بالمجنون الذي يطلق عنه الولي المطبق. أما الأدوارى فإذا كان له حال عقل كامل يرتقب فالظاهر كونه كالسكران حينئذ لأن له أمدا يرتقب، وللنبوي (5) وغيره وإن أطلق المصنف وغيره، نعم لو فرض تأثير حال جنونه في حال إفاقته على وجه يكون كالمعتوه اتجه حينئذ جوازه


(1) الوسائل الباب - 34 و 36 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2 و 5) كنز العمال ج 5 ص 155 الرقم 3151. (3 و 4) الوسائل الباب 35 من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 10 ]

عنه أيضا، كما أن المتجه - بناء على عدم ظهور النبوى في نفي طلاق الولى كالوكيل وإنما هو بالنسبة للفضولي ونحوه - صحته منه حينئذ، لاطلاق أدلة الولاية أو عمومها، فمن الغريب ما في المسالك من الجزم بعدم جوازه عنه، مع قوله بعدم ظهور النبوى في نفي ذلك، وأغرب منه احتمال تنزيل نصوص المعتوه على الأدواري، فالتحقيق حينئذ ما عرفت من عدم جواز طلاق الولى عنه، لكن في قواعد الفاضل " لو امتنع من الطلاق وقت إفاقته مع مصلحة الطلاق ففى الطلاق عنه - أي حال الجنون - إشكال " وفيه ما لا يخفى، ضرورة عدم اقتضاء ذلك الولاية عليه. بقي شئ، وهو ثبوت الولاية في غير المقام على المغمى عليه والسكران وشارب المرقد وعدمه، وفيه وجهان قد يستفاد من فحوى ما هنا عدمها في غيره حتى المال، مضافا إلى الأصل وغيره، ولعله كذلك فيما لا ضرر في انتظاره، أما غيره فثبوت الولاية فيه قوى، والله العالم. (الشرط الثالث) (الأختيار) بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص العامة مثل " رفع عن أمتى " (1) والخاصة كحسن زرارة (2) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن طلاق المكره وعتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق، ولا عتقه بعتق " الحديث. وخبر عبد الله بن الحسن (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا يجوز الطلاق في استكراه - إلى أن قال -: إنما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار على العدة والسنة على طهر بغير جماع وشاهدين، فمن خالف هذا فليس


(1) الوسائل الباب - 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (2) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 18 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6 عن يحيى بن عبد الله بن الحسن.

[ 11 ]

طلاقه بشئ، يرد إلى كتاب الله عزوجل " والمرسل (1) عنه عليه السلام " لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شئ " وفي آخر (2) " لا يقع الطلاق باكراه ولا إجبار ولا مع سكر ولا على غضب " إلى غير ذلك من النصوص. (فلا يصح طلاق المكره) حينئذ بلا خلاف ولا إشكال، والمرجع فيه كغيره من الألفاظ التي هي عنوان لحكم شرعى إلى العرف واللغة، إذ ليس له وضع شرعى ولا مراد، وقد قيل: إن الاكراه لغة حمل الانسان على ارتكاب ما يكرهه بتخويفه مما يحذره. ولكن جرت عادة المصنفين من العامة والخاصة التعرض لموضوعه في المقام وقد أشار المصنف وغيره إلى أعتبار أمور فيه منها يظهر المراد به، فقال: (ولا يتحقق الاكراه ما لم تحصل امور ثلاثة: كون المكره قادرا على فعل ما توعد به) بولاية أو تغلب أو نحوهما، وزاد بعضهم مع عجز من هدد عن دفعه بنحو فرار أو مقاومة أو استغاثة (وغلبة الظن أنه يفعل ذلك مع امتناع المكره، وأن يكون ما توعد به مضرا بالمكره في خاصة نفسه أو من يجرى مجرى نفسه كالأب والولد، سواء كان ذلك الضرر قتلا أو جرحا أو شتما أو ضربا، و) لكن الاكراه بالاخيرين (يختلف بحسب منازل المكرهين في احتمال الاهانة) وعدمه، فرب وجيه تنقص فيه


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 عن ابراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير أو غيره، عن عبد الله بن سنان وفى الكافي ج 6 ص 126 عن ابراهيم بن هاشم، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي عمير أو غيره، عن عبد الله بن سنان. (2) وردت هذه الجملة في الفقيه ج 3 ص 321 عقيب رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، وفرق بينها وبين الرواية في طبعة النجف، كما وأنه نقل الرواية في الوسائل في الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 9 من دون تتميمها بهذه الجملة، الا أن صاحب الحدائق (قده) استدل بهذه الفقرة بعنوان رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام. والله العالم.

[ 12 ]

الشتمة الواحدة فضلا عن الضربة بخلاف المبتذل، وليس كذلك الجرح والقتل اللذان يستوى فيهما جميع الناس من جهة الألم. ولا يخفى عليك أن إيكال الأمر إلى ما سمعت أولى، ضرورة عدم اعتبار غلبة الظن بالفعل، بل يكفى تحقق الخوف كما سمعته في المرسل (1) فضلا عن العرف، بل لا يعتبر فيه أيضا عدم التمكين من الفرار عن بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك مما فيه ضرر عليه أيضا، وبالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذر أو متعسر، فايكال عنوان الحكم في النص والفتوى إلى العرف أولى. (و) لاريب في تحققه بالتخويف بأخذ المال المعتد به أو المضر به على اختلاف القولين وإن تركه المصنف، بل عن بعض العامة التصريح بأنه ليس إكراها، لكنه كما ترى. نعم (لا يتحقق الاكراه مع الضرر اليسير) الذي لا يستحسن العقلاء فعل المكره عليه لأجله ولا يعد مثله إكراها في العرف، كل ذلك في الاندراج تحت لفظ الاكراه، وإلا فقد عرفت العنوان في النص به وبالاضرار، ولا ريب في تحقق الأخير في الخوف على المال المزبور. وكيف كان فيستثنى من الحكم بالبطلان الاكراه بحق، ولعل منه ما في خبر محمد بن الحسن الأشعري (2) قال: " كتب بعض موالينا إلى أبى جعفر عليه السلام معى أن أمرأة عارفة أحدث زوجها فهرب، فتبع الزوج بعض أهل المرأة فقال: إما طلقت وإما رددتك فطلقها ومضى الرجل على وجهه، فما ترى للمرأة ؟ فكتب بخطه عليه السلام تزوجي يرحمك الله تعالى " وعن بعض الناس أن منه أيضا التهديد بقتل أو قطع مستحق عليه وقد يقال: إنه ليس إكراها أصلا، وعلى كل حال فالطلاق الواقع بسببه صحيح.


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 راجع التعليقة (1) من ص 11. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

[ 13 ]

ولا إشكال في ترتب الحكم على لفظ المكره بحق بعد أن جعله الشارع من الأسباب، من غير فرق بين العقود والايقاعات وغيرها، كالاسلام الحاصل من التلفظ بالشهادتين ولو إكراها، لكن في المسالك " لا يخلو ذلك من غموض من جهة المعنى وإن كان الحكم به ثابتا من فعل النبي صلى الله عليه وآله فما بعده، لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عما في الضمير منزلة الإقرار، والظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنه كاذب، لكن لعل الحكمة فيه أنه مع الانقياد ظاهرا وصحبة المسلمين والاطلاع على دينهم يوجب له التصديق القلبي تدريجا فيكون الاقرار اللسانى سببا في التصديق القلبى " قلت: قد يقال إن ظاهر الأدلة الحكم باسلام قائلهما ما لم يعلم كذبه، فالمنافق المعلوم حاله لا إشكال في كفره، نعم لا عبرة بالظاهر المزبور، إذ يمكن مقارنة الاسلام واقعا للاكراه الظاهرى، بل يمكن صيرورته داعيا له في الواقع، وحينئذ فلا غموض، ودعوى تنزيلهما منزلة الاقرار بالنسبة إلى ذلك ممنوعة، نعم هي سبب شرعي في الحكم بالاسلام وحقن المال والدم ما لم يعلم مخالفة باطن قائلها. ثم لا يخفى عليك أن لفظ المكره كغيره من الألفاظ يراد به المحمول على المكروه له واقعا، ولكن اكتفي في تحققه بظاهر الحال المستفاد من تعقب الفعل للتهديد، فلو فرض حصول ما يرفع الظهور المزبور منه حكم بصحة الطلاق، للعمومات بناء على أن الكراهة مانع ولم يتحقق، أو حصول ما يظهر منه الاختيار بناء على أنه الشرط، ويكفي في الحكم بتحققه ظهوره، وعلى كل حال فقد ذكروا أن من ذلك ما إذا خالف المكره وأتى بغير ما حمله عليه، فان مخالفته له تشعر بالاختيار أو ترفع ظهور الكراهة، وله صور: منها أن يكرهه على طلقة واحدة فيطلق ثلاثا، فانه يشعر برغبته واتساع صدره له حتى الاولى، فيقع الجميع، مع احتمال وقوع الأخيرتين دون الأولى التي لا معارض لمقتضى الاكراه فيها، ولو أوقع الثلاث بصيغة واحدة وكان ممن يعتقد وقوع الواحدة بها فهو كمن أوقعها واحدة، وإن كان ممن يعتقد وقوعها ثلاثا

[ 14 ]

وقع عليه الثلاث، بل لا يحتمل الالتزام بالاثنين هنا كما هو في السابق، لأنه لفظ واحد مخالف للمكره عليه ابتداء بخلاف الثلاث المترتبة. ومنها أن يكرهه على ثلاث طلقات فيوقع واحدة، فانه بالمخالفة المزبورة يظهر منه الاختيار، إلا أنه كما ترى، ضرورة كون الواحدة بعض المكره عليه وقد يقصد دفع المكروه بالاجابة إلى بعضه. ومنها لو أكره على طلاق زوجة معينة فطلقها مع غيرها بلفظ واحد، فانه يشعر باختياره أيضا، نعم لو طلقهما بصيغتين وقع الطلاق على غير المكره عليها وبطل في الاخرى، وقد يحتمل عدم الفرق بينهما. ومنها لو أكرهه على طلاق زوجتيه فطلق واحدة منهما، وفيه ما سمعته في الطلقات، نعم لو أكرهه على طلاق واحدة معينة فطلق غيرها ففي المسالك لا شبهة في الوقوع، لأن ذلك مغائر لما اكره عليه بكل وجه، وفيه أنه يمكن قصده التوصل إلى رفع الاكراه بذلك. ومنها لو أكرهه على طلاق إحدى زوجتيه فطلق واحدة معينة، وفيه أن ذلك أحد أفراد الكلى المكره عليه، نعم لو كان الاكراه على الابهام وعدل إلى التعيين وقع عليها، بل في المسالك لا شبهة في ذلك، لانه غير المكره عليه جزما. ومنها لو أكرهه على أن يطلق بكناية من الكنايات فطلق باللفظ الصريح، أو بالعكس عند القائل بصحته، أو عدل من صريح مأمور به إلى صريح آخر، فانه يقع الطلاق خصوصا في الأول، لأنه قد حمله على طلاق فاسد فعدل إلى صحيح، وعند مجوزه عدل إلى غير الصيغة المكره عليها، إلى غير ذلك من الفروع الكثيرة المذكورة في كتب العامة والخاصة المبتنية على ما قلناه، وكان الأولى تحرير الأصل المزبور وإلا فكثير من هذه الفروع محل للنظر، حتى فيما نفوا الشبهة عن عدم الاكراه فيه، فانه قد يكون وقوعه بالاكراه، والتحقيق في الأصل المزبور الحكم بالصحة مع الشك في تحقق الاكراه، ولذا كانت البينة على مدعيه.

[ 15 ]

ولا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكره عدم التمكن من التورية بأن ينوى غير زوجته أو طلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط أو نحو ذلك وإن كان يحسنها ولم تحصل له الدهشة عنها، فضلا عن الجاهل بها أو المدهوش عنها، لصدق الاكراه، خلافا لبعض العامة، فأوجبها للقادر. ولو قصد المكره إيقاع الطلاق ففي المسالك وغيرها " في وقوعه وجهان: من أن الاكراه أسقط أثر اللفظ ومجرد النية لا تعمل، ومن حصول اللفظ والقصد، وهذا هو الأصح قلت: مرجع ذلك إلى أن الاكراه في الظاهر دون الواقع، وقد تكرر من العامة والخاصة خصوصا الشهيد الثاني في المسالك والروضة في المقام وفي البيع أن المكره حال إكراهه لا قصد له للمدلول، وإنما هو قاصد للفظ خاصة، وفيه منع واضح، ضرورة تحقق الانشاء والقصد فيه، ولذا ترتب عليه الأثر مع الاكراه بحق، ومع تعقب الاجازة بالعقد بل ظاهر قوله عليه السلام: (1) (إنما الطلاق) إلى آخره تحقق الارادة من المكره، بل لعل عدم القصد للمدلول في المكره من التورية التي لم نوجبها عليه، وحينئذ فالمكره قاصد على نحو غيره إلا أنه قصد إكراه لا قصد اختيار، وإن شئت عبرت عن ذلك بالرضا وعدمه. ومن هنا يظهر لك ما في عنوان الوجهين السابقين المبنى على كون المكره غير قاصد، وعليه كان المتجه حينئذ إدراجه في الشرط الرابع، لا أنه يجعل شرطا مستقلا، نعم قد يقال: إن الهازل يقصد اللفظ دون المعنى فلا إنشاء له حينئذ، وبه يتضح الفرق فيهما، أو يقال: إنه قاصد أيضا إلا أنه قصد هزلي لا أثر له في الشرع للأدلة الخاصة ولو تعقبه الرضا، بل قد عرفت اشتمالها على بطلان طلاق الغضبان وإن كنت لم أعرف من أفتى به إلا مع ذهاب العقل به أو القصد، فتأمل جيدا، ولاحظ ما ذكرناه في كتاب البيع. ولو قال: طلق زوجتى وإلا قتلتك فطلق ففي المسالك في وقوع الطلاق


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

[ 16 ]

وجهان: أصحهما الوقوع، لأنه أبلغ في الاذن، قال: " ووجه المنع أن الاكراه يسقط حكم اللفظ فصار كما لو قال لمجنون: طلقها فطلق، والفرق بينهما أن عبارة المجنون مسلوبة أصلا بخلاف عبارة المكره، فانها مسلوبة بعارض تخلف القصد، فإذا كان الأمر قاصدا لم يقدح إكراه المأمور " قلت: هذا مبنى أيضا على ما سمعت من خلو المكره عن القصد، وقد عرفت الحال، نعم قد يشكل بناء على عدم جواز الفضولية في الطلاق بأن اللفظ المزبور الواقع من المكره لم يكن لفظ المكره لأن الفرض عدم الوكالة عنه شرعا، وكونه أبلغ في الاذن لا يقتضى صيرورة لفظه لفظه ليترتب عليه حكمه، ودعوى الاكتفاء بقصد الامر وإن خلا المكره عن القصد لا دليل عليها، وكذا الكلام فيما لو أكره الوكيل على الطلاق دون الموكل فتأمل جيدا. ولو توعده بفعل مستقبل كقوله: إن لم تفعل لأقتلنك مثلا ففي عده إكراها نظر، من حصول الخوف بايقاع الضرر، ومن سلامته منه الآن والتخلص من الضرر يحصل بايقاعه عند خوف وقوعه في الحال، وفي المسالك " وهذا أقوى، نعم لو كان محصل الاكراه في الأجل على أنه إن لم يفعل الآن أوقع به المكروه في الاجل وإن فعله ذلك الوقت ورجح وقوع المتوعد به أتجه كونه إكراها، لشمول الحد له قلت: الظاهر عده إكراها عرفا. هذا وفي المسالك أيضا " ولو تلفظ بالطلاق ثم قال: كنت مكرها وأنكرت المرأة فان كان هناك قرينة تدل على صدقه بأن كان محبوسا قدم قوله بيمينه، وإلا فلا، ولو طلق في المرض ثم قال: كنت مغشيا على أو مسلوب القصد لم يقبل قوله إلا ببينة تقوم على انه كان زائل العقل في ذلك الوقت، لأن الأصل الصحة، وإنما عدلنا في دعوى الاكراه عن ذلك بالقرائن، لظهورها وكثرة وقوعها ووضوح مراتبها بخلاف المرض " قلت: ستعرف قبول قوله في عدم القصد على وجه لا يعارضه أصل الصحة، نعم قد يفرق بين نسبته مع ذلك إلى سبب كالاكراه والغشيان وعدمه، (جواهر الكلام - ج 1)

[ 17 ]

وحينئذ يكون المدار على صدق كونه مكرها ومغشيا عليه عرفا ولو بالطرق المفيدة لذلك، ولا مدخلية لمطلق القرائن إذا لم تفد علما، ضرورة اعتبار العلم في مصاديق الألفاظ والأوصاف والواقعة أو ما يقوم مقام العلم، والله العالم. (الشرط الرابع) (القصد) بمعنى كونه قاصدا بلفظ الطلاق معناه في المقام وفي غيره من التصرفات القولية بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قول الباقر والصادق عليهما السلام في خبر عبد الواحد (1) وصحيح هشام (2) وخبر اليسع (3) ومرسل ابن أبى عمير (4): " لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق " وقول الباقر عليه السلام (5) " لا طلاق على سنة وعلى طهر بغير جماع إلا بنية، ولو أن رجلا طلق ولم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا " ويقرب منه خبر اليسع (6) إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بعموم (7) " لا عمل إلا بنية " (8) " وإنما الأعمال بالنيات " بناء على إرادة القصد منها لا خصوص القربة، وكان استفاضة النصوص في خصوص المقام في مقابل المحكى عن العامة من عدم اعتبار القصد مع النطق بالصريح، نعم هو معتبر في الكناية.


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 - 4 - 2 - 3 والرابع مرسل ابن أبي عمير عن ابن بكير، عن زرارة. (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8 وذيله في الباب - 11 - منها الحديث 1. وفيه " من غير جماع الا ببينة... " كما في الكافي ج 6 ص 62 والتهذيب ج 8 ص 51. (6) ما تقدم من قول الباقر عليه السلام انما ورد في خبر اليسع فقط، وليس هناك خبر آخر بهذا المضمون غير خبر اليسع حتى يقرب منه خبره. (7 و 8) الوسائل الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1 - 10 من كتاب الطهارة.

[ 18 ]

ولعله لذا قال المصنف (وهو شرط في الصحة مع) قولنا ب‍ (اشتراط النطق بالصريح) ضرورة عدم الاكتفاء بذلك عنه، فإن مطلق النطق بالصريح أعم من قصد الطلاق به. وحينئذ (فلو لم ينو الطلاق) وإن نطق به (لم يقع، كالساهي) المرفوع عنه حكم سهوه (1) (والنائم) الذي هو أحد من رفع القلم عنه حتى يفيق (2) (والغالط) الذي هو في الحقيقة لم يقصد اللفظ ولا المعنى، لأنه أراد أن يقول مثلا: " أنت طاهرة " فسبق لسانه فقال: " طالق " فما في المسالك - من الفرق بينه وبين الأولين بأنه قد تخلف فيه قصد المعنى دون اللفظ بخلاف الأولين الذين تخلفا معا فيهما - لا يخلو من نظر إن أراد قصد خصوص لفظ الطلاق. وأغرب من ذلك قوله متصلا بما سمعت: " وهل يقبل دعوى سبق اللسان ظاهر العبارة يدل عليه، ووجهه أن ذلك أمر باطني لا يعلم إلا من قبله، فيرجع إليه فيه، ولأن الأصل عدم القصد، ويحتمل عدم القبول، لأن الأصل في الأفعال والأقوال الصادرة عن العاقل المختار وقوعها عن قصد، ويمكن حمل عدم الوقوع في كلام المصنف عليه في نفس الأمر لا في الظاهر وأما في الظاهر فان وجد قرينة تدل عليه قوى القبول، إالا فلا " إذا هو سهو واضح، فان عبارة المصنف لا تعرض فيها لذلك، وإنما فيها اعتبار القصد واقعا وتخلفه كذلك، نعم سيأتي له التعرض لذلك بقوله: " ولو قال " إلى آخره. وكيف كان فلا خلاف عندنا في بطلان طلاق الثلاثة بل ظني أنه كذلك عند العامة فضلا عن الخاصة وإن لم يعتبروا القصد في النطق بالصريح، لكن ذلك إنما هو في مقابلة اعتبار قصده بالكناية، بمعنى الإكتفاء في النطق بالصريح بقصد معناه بخلاف الكناية التى يعتبر قصد الطلاق بها، ولا يكفى قصد معناها.


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2 من كتاب الصلاة والباب - 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 11 من كتاب الطهارة.

[ 19 ]

نعم قد جوزوا طلاق السكران عصيانا مؤاخذة له بسوء اختياره، نحو ما سمعته منا في القصاص منه ونحوه مما لا يقاس عليه المقام الذي قد استفاضت النصوص أو تواترت ببطلان طلاقه، وجوزوا طلاق الهازل لأنه قاصد اللفظ والمعنى، لكن قصدا هزليا، وقد رووا عن النبي صلى الله عليه وآله " (1) ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة " ولم يثبت الخبر المزبور عندنا، بل من المقطوع به خلافه، بل الظاهر من الارادة في النصوص المزبورة (2) وغيرها الرضا والعمد إلى ذلك على وجه ينافيه، ومن هنا قال العبد الصالح عليه السلام لمنصور بن يونس (3) لما سأله عن طلاق زوجته مداراة لاخته وخالته ولم يرد الطلاق حقيقة: " أما ما بينك وبين الله تعالى فليس بشئ، ولكن إن قدموك إلى السلطان أبانها منك ". ومن ذلك أو يقرب منه عدم جريان حكم الطلاق على من ذكر الصيغة للتعليم أو للحكاية أو تلقينا من غير قصد لمعناها ولا فهم له أو نحو ذلك مما لا يريد منها الطلاق بالمعنى المزبور، وبذلك ظهر لك أن بطلان طلاق الهازل لما عرفت لا لتخلف القصد إلى المدلول وإن قصد اللفظ، نحو ما سمعته من بعضهم في المكره، ضرورة تحقق القصد فيهما معا إلى المدلول، لكن على الوجه المزبور الذي لم يعتبره الشارع نصا وفتوى كما هو واضح (و) على كل حال فقد ذكر غير واحد تفريعا على الشرط المزبور أنه (لو نسي أن له زوجة فقال: " نسائي طوالق " أو " زوجتي طالق " ثم ذكر لم يقع به فرقة) بل لا خلاف أجده فيه، لانه غير قاصد لطلاق زوجته من اللفظ أصلا، وكذا لو قال لزوجته: " أنت طالق " لظنه أنها زوجة الغير هازلا أو وكالة منه، أو قال: " زوجتي طالق " بظن خلوه من الزوجة، وظهر أن وكيله زوجه، وغير ذلك مما هو فاقد قصد الفراق بينها وبينه والعمد إليه، بل لم أجد من أحتمل


(1) سنن البيهقي ج 7 ص 341. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 38 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

[ 20 ]

الصحة في المقام وإن ذكروه فيمن باع مال الغير فبان أنه ماله، ولعله لظهور الأدلة في المقام باعتبار القصد على الوجه المزبور، بحيث لا يجرى فيه احتمال المذكور، ومع فرض اتحاد المقامين يتجه الاستدلال بها على نفيه هناك فتأمل. (و) كيف كان ف‍ (لو أوقع وقال) بعد النطق بصيغته: (لم أقصد الطلاق) بها (قبل منه ظاهرا ودين بنيته باطنا وإن تأخر تفسيره ما لم تخرج) المرأة (عن العدة) وفاقا لما صرح به الشيخ في المحكى من مبسوطه وخلافه وغيره، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر، بل عن ظاهر المبسوط وصريح الخلاف الاجماع، على ذلك (لأنه إخبار عن نيته) التي لم تعلم إلا من قبله، ومقتضى الأصل عدمها، وإنما حكم بها قبل التفسير اعتمادا على ظاهر حال العاقل المختار المعلوم حجيته في ذلك ما لم تصدر الدعوى منه بما ينافيه. لكن أشكله في المسالك وأتباعها باقتضاء مثل ذلك في البيع وغيره من العقود والايقاعات، مع الاتفاق على عدم قبول قوله فيه، مع أن الأمر في الطلاق أشد، لما سمعته في النبوى (1) من أن هزله جد، على أن الدعوى المزبورة وان كانت عن نيته إلا أنها متعلقة بحق الغير الذي يمنع من قبول الدعوى فيه، وإن تعلقت بما لا يعلم إلا من قبله، ولو فرق بين الطلاق وغيره بأن القبول فيه مقيد بالعدة المقتضية لبقاء علقة الزوجية، بخلاف البيع والنكاح وغيرهما لانتقض ذلك بالعدة البائنة، فان الزوجية زائلة معها بالكلية، وإنما فائدتها استبراء الرحم من أثر الزوج، وهو أمر خارج عن الزوجية، ولذا ثبت للوطى بالشبهة مع انتفاء الزوجية أصلا، وربما خص بعضهم الحكم المزبور بالعدة الرجعية، وفيه أنه حينئذ لا ثمرة له، لأن للزوج الرجوع بكل لفظ دل عليه، ومنه دعواه عدم القصد كإنكار الطلاق بل لعله أقوى في الدلالة على ذلك منه، فقبول قوله من حيث إنه رجعة، لا من حيث الرجوع إليه في القصد. ثم قال: ويمكن أن يكون مستند حكمهم لذلك وتخصيص الطلاق رواية


(1) سنن البيهقي ج 7 ص 341.

[ 21 ]

منصور بن يونس (1) في الموثق عن الكاظم عليه السلام قال: " سألت العبد الصالح عليه السلام وهو بالعريض، فقلت له: جعلت فداك إني تزوجت امرأة وكانت تحتي فتزوجت عليها ابنة خالي، وقد كان لى من المرأة ولد، فرجعت إلى بغداد فطلقتها واحدة، ثم راجعتها، ثم طلقتها الثانية، ثم راجعتها، ثم خرجت من عندها اريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة اردت النظر إلى ابنة خالي، فقالت أختى وخالتي: لا تنظر إليها والله أبدا حتى تطلق فلانة، فقلت: ويحكم والله مالي إلى طلاقها من سبيل، فقالوا لي: وما شأنك ليس لك إلى طلاقها من سبيل ؟ فقلت: إنه كانت لي منها ابنة وكانت ببغداد، وكانت هذه بالكوفة وخرجت من عندها قبل ذلك بأربع، فأبوا على إلا تطلقها ثلاثا، ولا والله جعلت فداك ما أردت الله ولا أردت إلا أن اداريهم عن نفسي وقد امتلأ قلبى من ذلك، فمكث عليه السلام طويلا مطرقا، ثم رفع رأسه وهو متبسم، فقال: أما بينك وبين الله فليس بشئ، ولكن إن قدموك إلى السلطان أبانها منك ". وفيه أن الخبر المزبور على العكس أدل كما اعترف به في كشف اللثام، ضرورة كون المراد عدم قبول دعوى عدم القصد ظاهرا لو رفع إلى السلطان، أللهم إلا أن يراد السلطان الجائر الذي لا يقف على قوانين الشرع. ولعل الأولى أن يقال: إن الفرق بين الطلاق وما يشبهه من الايقاع وبين غيره من العقود بأن الطلاق ليس له إلا طرف واحد، وهو الايقاع من الموقع، وأصل الصحة لا يجرى فيه بعد اعتراف فاعله بفساده بما لا يعلم إلا من قبله، بخلاف البيع مثلا، فانه لو ادعى الموجب عدم القصد المقتضى لفساد إيجابه وعدم جريان أصل الصحة عورض بأصالة صحة القبول الذي هو فعل مسلم أيضا، والأصل فيه الصحة التى لا تتوقف على العلم بصحة الايجاب، بل يكفى فيها احتمال الصحة الذي لاريب في تحققه مع دعواه التى لا تمضى إلا في حقه بالنسبة إلى العقد المركب سببه منهما، بخلاف المقام الذي حق الزوجة فيه من الاحكام التي تتبع الموضوع


(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

[ 22 ]

بعد تحققه، فليس حينئذ قبول دعوى عدم القصد من الزوج منافيا لحق الغير على وجه يقتضى عدم سماعها من مدعيها كغيرها من الدعاوى التى هي كذلك وإن كانت هي مقبولة في نفسها لولا هذا التعارض، لما عرفت من استقلاله بالسبب واختصاصه بفعله، فيصدق فيه بما لا يعلم إلا من قبله، واللفظ بمجرده غير معارض، لعدم دلالته على نفس القصد، وإنما حكم به بظاهر حال الفاعل العاقل، ولعله بذلك يفرق بين المقام والاقرار الذى يتبع الحكم فيه صدقه، فمع فرض تحققه عرفا لا يقبل الانكار منه، لعموم " إقرار العقلاء " (1). كما أنه قد يقال في وجه اختصاص الحكم المزبور بالعدة إنه ما دامت فيها يقبل منه ذلك، لبقائها في تعلقه وفي يده على وجه يقبل قوله في الفعل المتعلق بها، نحو إخبار صاحب اليد بما يقبل منه مادام هو كذلك، وإلا لم يقبل قوله، وبخروجها عن العدة تكون أجنبية لا يقبل قوله في الفعل المتعلق بها، نحو إخبار صاحب اليد بالمال بعد خروجه من يده. ومن هنا يمكن الفرق بين الطلاق وغيره من أقسام الايقاع التي لا مدة لها يبقى فيها التعلق، ومنها الطلاق الذي لا عدة له، كطلاق غير المدخول بها، فانه لا يقبل منه دعوى عدم القصد حينئذ، لصيرورتها أجنبية، وحينئذ يكون الأصل فيما نحن فيه قبول إخباره بما لا يعلم إلا من قبله مع بقاء متعلق الخبر تحت يده وإن كانت بائنة، فانه لا ينافي تعلق الزوج بها بالعذر المزبور وإن لم يثبت لها أحكام الرجعة، وثبوت العده للمؤطوءة شبهة لا يقتضي سقوط التعلق المزبور على وجه يترتب عليه الحكم المذكور. وربما أشار إلى بعض ما ذكرنا في كشف اللثام حيث إنه بعد أن حكى الحكم المزبور عن الشيخ وغيره وتعليله بما عرفت قال: " والفرق بين ما بعده وما قبلها أنها في العدة في علقة الزوجية، وبعدها قد بانت وربما تزوجت بغيره، فلا يسمع قوله في حقه وإن صدقته، ولأن الامهال إلى انقضاء العدة وتعريضها للأزواج


(1) الوسائل الباب 3 من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 23 ]

قرينة ظاهرة في كذبه، فهذا فرق ما بينه وبين البيع وسائر العقود، حيث لا يقبل قول العاقد فيها، لأنها بمجردها ناقلة " إلى آخره. فتأمل جيدا، فان ذلك أقصى ما يقال في توجيه قول الأعاظم من الأصحاب وعلى كل حال فلا خلاف أجده في قبول دعواه إذا صادقته، لأن الحق منحصر فيهما، بل ظاهرهم ذلك حتى مع انقضاء العدة، لكن قد يظهر من بعضهم في كتاب الشهادات العدم باعتبار تعلق حق الله تعالى شأنه، فمع فرض صدور ما يحكم به بظاهر الشرع على الصادر منه لا تجدى المصادقة المزبورة التي تنفع مع انحصار الحق، وكذا الكلام في الحرية أيضا. ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين الاقتصار على دعوى عدم القصد واضافة الهزل أو الغلط أو السهو أو نحو ذلك، نعم قد سمعت سابقا ما حكيناه عن الشهيد من الفرق بين دعوى الاكراه مع القرينة وعدمها وبين دعوى المريض عدم القصد أو الاختلال، ولا يخفى عليك ما فيه. (و) كيف كان ف‍ (تجوز الوكالة في الطلاق للغائب إجماعا) بقسميه (وللحاضر على الأصح) وفاقا للمشهور، لاطلاق أدلة الوكالة فيما لا غرض للشارع في اعتبار المباشرة فيه كالعقود والايقاعات التي منها الطلاق، وإطلاق النصوص (1) في المقام التي منها صحيح سعيد الأعرج (2)، عن الصادق عليه السلام " في رجل يجعل أمر امرأته إلى رجل، فقال: اشهدوا أنى قد جعلت أمر فلانة إلى فلان، فطلقها، أيجوز ذلك للرجل ؟ قال: نعم " الذى ترك فيه الاستفصال. خلافا للشيخ في النهاية والمبسوط وأتباعه، فلا يجوز، بل نسبه في الثاني منهما إلى أصحابنا جمعا بين ما سمعت وبين خبر زرارة عن الصادق عليه السلام " لا تجوز الوكالة في الطلاق " بحمل الأول على الغائب والثانى على الحاضر. وفيه مع عدم الشاهد له أنه فرع التكافؤ المفقود في المقام، بل لا حجة في الثاني، للضعف في السند مع عدم الجابر، بل قد عرفت الشهرة على خلافه، بل ستسمع


(1 و 2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث -. 1.

[ 24 ]

فيما نحكيه عن الحسن بن سماعة (1) في وقوع الطلاق بلفظ " اعتدى " القطع بعدمه لكن قد يقال: إن الأولى الاستدال على ذلك بظهور نصوص (2) حصر الطلاق الصحيح في قول الرجل لامرأته في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: " أنت طالق " باعتبار أنها مساقة سوق التعريف الملحوظ قيدية كل ما يذكر فيه، وحينئذ فمن ذلك المباشرة المزبورة المعلوم انتفاء اعتبارها في الغائب، مؤيدا بخبر زرارة (3) بل لعل ذلك هو الوجه فيما يحكى عن الشيخ من اعتبار الغيبة عن البلد وإن حكي عنه الاكتفاء بالغيبة عن المجلس، لكنه خلاف ما صرح به، لأنه المتيقن من عدم اعتبار المباشرة فيه. إلا أنه قد يدفع ذلك بمنع الظن ولو للشهرة العظيمة باستفادة اعتبار المباشرة من ذلك، خصوصا بعد سوقها في إرادة بيان عدم الاجتزاء بالكناية من نحو " أنت خلية " وشبهها، ولذا لم يعتبر في الصيغة الخطاب قطعا، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، لان أمر الفرج شديد. بل لعل ما ذكرناه أيضا هو الوجه فيما حكاه المصنف بقوله: (ولو وكلها في طلاق نفسها قال الشيخ: لا يصح) ولو في حال الغيبة، لظهور تلك النصوص (4) في غيره، لا لأن القابل لا يكون فاعلا، ضرورة أنك قد عرفت الاكتفاء بالتغاير الاعتباري في العقود المركبة من الايجاب والقبول فضلا عن الايقاع الذي هو ليس إلا من طرف واحد، ولا لقوله صلى الله عليه واله (5): " الطلاق بيد من أخذ بالساق " المعلوم إرادة كون ولايته بيده منه على وجه لا ينافي توكيله.


(1) الكافي ج 6 ص 70. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 39 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5. (4) الوسائل الباب - 39 - من أبواب مقدمات الطلاق. (5) كنز العمال ج 5 ص 155 الرقم 3151.

[ 25 ]

(و) لكن مع ذلك (الوجه الجواز) لا طلاق الأدلة ومنع ظهور أدلة الحصر في إرادة التقييد بذلك، خصوصا بعد الشهرة العظيمة على العدم، بل ربما استفيد الجواز من تخيير النبي صلى الله عليه وآله نساءه (1) وإن كان فيه - بعد تسليم إرادة طلاقهن باختيارهن منه لا طلاقه نفسه من تختاره منهن - أن ذلك من خصائصه كما ستعرف الكلام فيه. وعلى كل حال فالاحتياط لا ينبغى تركه لما عرفت، والله العالم. (تفريع:) (على الجواز) وإن كان هو يأتي أيضا على غيره فيما لو وكل غيرها ولو حال الغيبة (لو قال: " طلقي نفسك ثلاثا " فطلقت واحدة قيل: يبطل) لأنها غير الموكل فيه (وقيل: يقع واحدة) لأنها بعض ما وكل فيه. والتحقيق البطلان مع فرض إرادة المرسلة وقلنا ببطلانها، لعدم الوكالة حينئذ فيما وقع من الطلاق الصحيح، بل وكذا لو قلنا بصحتها واحدة، لأن التوكيل عليها بالطريق المخصوص لغرض من الأغراض، فلا يندرج فيه ما وقع من الواحدة بغيره، أللهم إلا أن يفهم منه إرادة الاذن في إيقاع الواحدة كيفما كان. كما أن التحقيق الصحة لو أراد الثلاث المرتبة التي لابد من تخلل الرجعة فيها بتوكيله على ذلك أيضا، أو قلنا باقتضاء التوكيل على نحو ذلك، لان الواحدة حينئذ بعض ما وكل فيه، قد وقعت صحيحة، ولا يجب عليه إتمام ما وكل فيه، أللهم إلا أن يراد اعتبار الهيئة الاجتماعية فيما وكل فيه على وجه تكون الواحدة جزء ما وكل فيه، وحينئذ تكون صحتها بعد وقوعها مراعاة بتمام العمل، ولا ينافي


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 26 ]

ذلك توقف صحة الثلاث على سبق صحة الواحدة، ولا استلزام الحكم بتوقف الثانية على الرجوع صحة الاولى المستصحب بقاؤها، ضرورة اندفاع الجميع بالمراعاة المزبورة، بل المتجه على هذا عدم صحة التوكيل في الثلاث مع فرض عدم الاذن له في الرجوع إلا على إرادة كون الرجوع من الموكل والطلاق من الوكيل كما هو واضح. (وكذا) الكلام فيما (لو قال: طلقي) نفسك (واحدة فطلقت ثلاثا) مرسلة (قيل: يبطل) وهو كذلك بناء على بطلانها، بل لعله كذلك وإن قلنا بوقوع الواحدة، لأنها غير الموكل فيه، لأنه ربما كان له غرض بالواحدة بالطريق المخصوص، أللهم إلا أن تكون قرينة دالة على ما يشملهما. (و) حينئذ فما (قيل) من أنها (تقع واحدة) حتى قال المصنف: (وهو أشبه) لا يخلو من نظر إن كان المراد الثلاث المزبورة، نعم لا إشكال في صحة الواحدة مع طلاقها ثلاثا مترتبة، ضرورة عدم اقتضاء بطلان ما زاد على الاولى لعدم الأذن بطلانها، والأمر في ذلك سهل بعد كون المسألة فرعا من فروع الوكالة التي من المعلوم وجه الحال فيها، حتى في صورة الاطلاق الذي مدار الأمر فيه على ما يفهم، فيجرى عليه حينئذ ما عرفت، وإن أطنب في المسالك، ولكن محصله ما سمعت، والله العالم.

[ 27 ]

(الركن الثاني) (في المطلقة) (وشروطها) أربعة بل (خمسة) لما ستعرفه من أن الأصح اشتراط التعيين. (الاول:) (أن تكون زوجة) بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله من ضروريات المذهب (فلو طلق الموطوءة بالملك لم يكن له حكم) قطعا. (وكذا لو طلق أجنبية وإن تزوجها) بعد ذلك. (وكذا لو علق الطلا ق بالتزويج لم يصح، سواء عين الزوجة كقوله: " إن تزوجت فلانة فهي طالق " أو أطلق) أو عمم (كقوله: كل من أتزوجها) فهي طالق بلا خلاف في شئ من ذلك بيننا نصا وفتوى، ولا إشكال، بل من ضرورة المذهب أنه لا طلاق إلا بعد نكاح، لأنه لازالة قيده، وإنما ذكر المصنف ذلك تعريضا بالعامة المجوزين لذلك، نحو غيره من خرافاتهم الباردة، مع أن في نصوصهم عن عبد الرحمان ابن عوف (2) قال: " دعتني أمي إلى قريب لها فراودتني في المهر، فقلت: إن نكحتها فهي طالق، ثم سألت النبي صلى الله عليه وآله، فقال: انكحها فقال: لا طلاق قبل النكاح ".


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) لم نعثر على هذا الحديث في جوامعهم من السنن الكبرى وكنز العمال والصحاح وغيرها الا أن الموجود في سنن البيهقي ج 7 ص 318 - 321 ما مضمونه ذلك عن غير عبد الرحمان بن عوف.

[ 28 ]

(الثاني) (أن يكون العقد دائما فلا يقع الطلاق بالأمة المحللة) التي لا تندرج في اسم النكاح الذي نفي الطلاق قبله، وأنه لا يكون إلا بعده في النصوص (1) بل (ولا المستمتع بها ولو كانت حرة) بلا خلاف في شئ من ذلك ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه وإن لم يحضرني من النصوص ما يدل على وقوع الطلاق بالمستمتع بها (2) نعم فيها ما يدل (3) على حصوله بانقضاء المدة وبهبتها، ولكن ذلك لا يقتضي عدم صحته عليها، لامكان تعدد الأسباب. أللهم إلا أن يقال بانسياق


(1) الوسائل الباب 12 من أبواب مقدمات الطلاق. (2) روى في الوسائل في الباب - 4 - من أبواب المتعة الحديث 4 و 5 عن الكليني والشيخ (قدهما) باسنادهما عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام " في المتعة ليست من الاربع، لانها لا تطلق ولا ترث، وانما هي مستأجرة " ومن الغريب أنه طاب ثراه - مع تبحره واطلاعه التام على الروايات المتفرقة في أبواب الفقه وغيرها - لم يلتفت إلى هذه الرواية هنا وقال: " ولم يحضرني من النصوص ما يدل على عدم وقوع الطلاق بالمستمتع بها " مع أنه (قده) تعرض لها في بحث المتعة، بل عقد صاحب الوسائل لهذا العنوان بابا وهو " باب أن المتمتع بها تبين بانقضاء المدة وبهبتها ولا يقع بها طلاق " وهو الباب - 43 - من أبواب المتعة وكذلك روى في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب اقسام الطلاق الحديث 4 عن الشيخ (قده) باسناده عن الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " والمتعة ليس فيها طلاق ". (2) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المتعة الحديث 3 والباب - 20 - منها الحديث 3 والباب - 22 - منها الحديث 3 والباب - 25 - منها الحديث 1 والباب - 29 و 41 - منها الحديث 1.

[ 29 ]

الدوام من النكاح الذي لا طلاق قبله في النصوص (1) أو يقال بظهور حصر طلاقها في خبر هشام بن سالم (2) في شرطها مضيا أو إسقاطا في ذلك قال: " قلت: كيف يتزوج المتعة ؟ قال: تقول: يا أمة الله أتزوجك كذا وكذا يوما بكذا وكذا درهما فإذا مضت تلك الأيام كان طلاقها في شرطها، ولا عدة لها عليك " والأمر في ذلك سهل بعد ما سمعت من الاجماع المحقق والله العالم (الثالث:) (أن تكون طاهرا من الحيض والنفاس) بمعنى بطلان الطلاق فيهما بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص فيه (3) مستفيضة إن لم تكن متواترة، مضافا إلى الكتاب (4) بل الظاهر ذلك في الشرعيين منها أيضا المندرج فيهما البياض المتخلل بين الدمين والحيض بالاختبار وغير ذلك مما عرفته في كتاب الحيض، نعم المنساق من النص والفتوى ذات الدمين فعلا أو حكم بخلاف من نقت ولما تغتسل من الحدث، فلا بأس بطلاقها، لإطلاق الأدلة. إنما الكلام في كونهما مانعين، لأنه المتيقن من نصوص (5) بطلان طلاقهما، أو أن الخلو منهما شرط، كما هو مقتضى العبارة وغيرها، فيطل حينئذ طلاق المجهول حالها ؟ وجهان بل قولان: قد يشهد للثاني منهما أن ظاهر النصوص الكثيرة (6) استفادة الشرط المزبور من قوله تعالى (7): " فطلقوهن لعدتهن


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب - 18 - من أبوب المتعة الحديث 3 من كتاب النكاح. (3 و 5) الوسائل الباب - 8 - من أبواب مقدمات الطلاق. (4) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (6) الوسائل الباب - 8 و 9 - من أبواب مقدمات الطلاق. (7) سورة الطلاق: 65 - الاية 1.

[ 30 ]

واحصوا العدة " لأن المراد الأمر بطلاقهن في طهر يكون من عدتهن، والحائض حال حيضها ليس كذلك، وكذا ذات الطهر المواقعة فيه. (و) لعله لذا ذكره المصنف وغيره من الشرائط. بل لو ذكروا أيضا أنه (يعتبر هذا) الشرط (في المدخول بها الحائل) دون غير المدخول بها ودون الحامل، فانه يصح طلاقهما حائضين بناء على مجامعة الحيض للحمل بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لأن غير المدخول بها لاعدة لها، كما أن الحامل عدتها وضع الحمل على كل حال، بل هو السبب في استفاضة النصوص (1) بعد غير المدخول بها والحامل من الخمس التى يطلقن على كل حال، ومنه يعلم كونهما خارجين من إطلاق النهي (2) عن طلاق الحائض خصوصا مع انسياق إرادة هذا الحال من عموم " على كل حال " فلا وجه لاحتمال كون التعارض من وجه، وعلى تقديره فلا ريب في أن الترجيح لخروجهما للاجماع وغيره. بل وكذا يعتبر الشرط المزبور أيضا في (الحاضر زوجها لا الغائب عنها) في طهر مواقعتها (مدة يعلم) بمقتضى عادتها (انتقالها من القرء الذي وطأها فيه إلى) وقت قرء (آخر) وإن احتمل أنها في حال الطلاق حائض أو باقية على الطهر الأول، للنصوص التي هي مابين مطلق (3) في جواز طلاق الغائب ومقيد بالشهر (4) ومقيد بالثلاثة (5) بناء على أن الوجه في اختلافها في التقييد المزبور اختلاف عادة النساء في ذلك، وإلا فالمراد انتقالها من زمان طهر المواقعة إلى زمان طهر آخر، ولعل السر في الاكتفاء بذلك في الغائب تعذر معرفة حالها حينه أو تعسره غالبا.


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 3 - 7.

[ 31 ]

ومن هنا ألحق بالغائب نصا (1) وفتوى كما ستعرف الحاضر المتعذر عليه معرفة حيضها وطهرها أو المتعسر، ولعل ذلك هو السر أيضا في عد الغائب عنها زوجها في المستفيض من نصوص الخمس التي يطلقن على كل حال (2) بل عن أبن أبى عقيل تواتر الأخبار بذلك، وصحيح محمد بن مسلم (3) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته وهو غائب، قال: يجوز طلاقه على كل حال، وتعتد امرأته من يوم طلقها " وخبر أبى بصير (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته وهو غائب فيعلم أنه يوم طلقها كانت طامثا قال: يجوز " إلى غير ذلك من النصوص التى ستسمعها. وحينئذ (فلو طلقها وهما في بلد واحد) متمكنا من تعرف حالها ولو باقرارها وإن لم يكن في طهر واقعها فيه (أو) كان (غائبا) عنها في طهر مواقعتها (دون المدة المعتبرة) بناء على اعتبارها (و) قد بان أنها (كانت حائضا أو نفساء) حاله (كان الطلاق باطلا علم بذلك) حينه (أو لم يعلم) لكونه طلاقا لغير العدة بل قد عرفت أن مقتضي الشرطية المستفادة من الاية (5) والفتاوى بطلانه مع استمرار الاشتباه أيضا. (أما لو أنقضى من غيبته) عنها في طهر مواقعتها (ما يعلم انتقالها فيه من طهر إلى) وقت طهر (آخر) بمقتضى العادة (ثم طلق صح ولو اتفق في الحيض) لتأخر العادة بلا خلاف فيه نصا (6) وفتوى. (وكذا لو خرج في طهر لم يقربها فيه جاز طلاقها) ولو بان أنها حائض (مطلقا) سواء مضت مدة يعلم انتقالها فيها من ذلك الطهر إلى آخر أم لا، كما


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (4 و 6) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6. (5) سورة الطلاق: 65 - الاية 1.

[ 32 ]

صرح به الشيخ في النهاية وغيره، بل لا أجد خلافا فيه، بل حكى الاجماع عليه بعض الأفاضل، لعدم مدخلية ذلك في الغرض، ضرورة صحة طلاقها في كل من الطهرين، فليس حينئذ إلا مصادفة الحيض، وقد عرفت عدم اعتبار العلم بالخلو منه للغائب، نعم لا يجوز طلاقها مع العلم به وإن مضت المدة، لاطلاق ما دل على البطلان به المقتصر في تقييده على المتيقن المنساق إلى الذهن من الغائب غير العالم بحالها. ومن ذلك يعلم أن النزاع في اعتبار المدة وعدمها وفي مقدارها على الأول في الغائب عنها في طهر المواقعة لمكان إرادة تعرف الانتقال منه وعدمه لا مطلقا، ضرورة عدم مدخلية المدة كائنة ما كانت في تعرف حيضها وعدمه حاله، نعم ينبغى مراعاة عادتها الوقتية إن كانت وكان عالما بها لا المدة المزبورة. فمن الغريب إطناب المحدث البحراني تبعا لما حكاه عن سيد المدارك في شرح النافع من عدم الفرق في اعتبار المدة المزبورة بين طهر المواقعة وغيره، لإطلاق مادل على اعتبارها وهو كما ترى، لما عرفت من عدم الإشكال في صحة طلاقها على كل حال. (وكذا لو طلق التي لم يدخل بها وهى حائض كان جائزا) لما عرفت أيضا من عدم العدة لها، فلا تندرج في الأمر بالاية (1) بل من التأمل فيما ذكرنا قد ينقدح وجه جمع بين ما دل من النصوص التي سمعت تواترها على طلاق الغائب على كل حال (2) بحملها على الغائب عنها في طهر لم يواقعها فيه ولم يعلم بكونها حائضا ولو لعادة لها وقتية مثلا معلومة لديه، وبين مادل منها على اعبتار الثلاثة أشهر وهي صحيح جميل بن دراج (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " الرجل إذا خرج من


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7. (جواهر الكلام - ج 2)

[ 33 ]

منزله إلى السفر فليس له أن يطلق حتى يمضى ثلاثة أشهر " وموثق إسحاق بن عمار (1) " قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الغائب الذى يطلق كم غيبته ؟ قال: خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حددون ذلك قال: ثلاثة أشهر " وحسن ابن بكير (2) قال: " أشهد علي بن أبي جعفر عليه السلام أني سمعته يقول: الغائب يطلق بالأهلة والشهور " التي عن الاسكافي العمل بها وطرح ما عداها، وتبعه في المختلف بحملها على من خرج في طهر المواقعة، ضرورة أنه مع مضي المدة المزبورة إما أن تكون مستبينة الحمل، وطلاقها حينئذ للعدة، أو حائضا وهو غير قادح في الغائب، بل قد يحصل ذلك في الامرأة المستقيمة التي هي غير مسترابة بمضي شهر مضافا إلى عدتها. وعليه ينزل موثق إسحاق (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا " وخبر ابن سماعة (4) " سألت محمد بن أبى حمزة متى يطلق الغائب ؟ قال: حدثنى إسحاق بن عمار عن أبى عبد الله أو أبى الحسن عليهما السلام، قال: إذا مضى له شهر " فتجتمع حينئذ جميع النصوص على معنى واحد. وإليه أشار الصدوق في الفقيه بقوله: " وإذا أراد الغائب أن يطلق امرأته فحد غيبته أنه إذا غابها كان له ان يطلق متى شاء خمسة أشهر أو ستة، وأوسطه ثلاثة أشهر، وأدناه شهر " بل لا يبعد إرادة الانتقال من طهر إلى زمان طهر آخر من الشهر في النصوص، ولعل هذا هو الوجه في اختلاف النصوص، وأولى من العمل بأحدهما وطرح الاخر. بل وأولى من الجمع بينها بحملها أجمع على الندب، وأن الغائب متى تحقق فيه الوصف وكان في حال لم يعلم حالها، انتقلت إلى طهر آخر أم لا ؟ أو هي حائض أم لا ؟ جاز له الطلاق ولو بعد يوم المفارقة الذي واقعها فيه بثلاثة أيام لاحتمال حيضها في ذلك اليوم وطهرها منه بعد الثلاثة، كما هو المحكى عن المفيد وسلار وعلي بن بابويه وابن أبى عقيل وأبى الصلاح وغيرهم.


(1 و 2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8 - 2. (3 و 4) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 5.

[ 34 ]

بل مقتضى إطلاقهم أو بعضهم جواز الطلاق مع الغيبة وإن انحصر أمرها بكونها في طهر المواقعة أو في حال الحيض، إذ هو كما ترى مناف لا ستصحاب بقائها على الطهر، مع أنه لا شاهد له سوى اختلافها مع اتحاد راوي الثلاثة (1) والواحد (2) منها وهو أعم من ذلك، بل ليس أولى من الجمع بينها بحمل نصوص الثلاثة على الحد الأوسط لخبري الواحد المنزل على الحد الأدنى، وتقييد إطلاق نصوص الغائب به، فيجوز حينئذ بعد مضى الشهر، كما عن الشيخ في النهاية وابن حمزة وغيرهما. وإليه أشار المصنف بقوله: (ومن فقهائنا من قدر المدة التي يسوغ معها طلاق الغائب بشهر عملا برواية يعضدها الغالب في الحيض) كما أنه أشار إلى سابقه بقوله: (ومنهم من قدرها بثلاثة أشهر عملا برواية جميل عن أبى عبد الله عليه السلام) (3) وقد يقال: إن مرجع القول بالشهر إلى ما ذكرنا من أن به - مضافا إلى العدة - يتحقق الحمل غالبا في المستوية المستقيمة غير المسترابة أو تكون حائضا، وهو غير قادح في الغالب، بل يمكن إرادة الكناية عن الانتقال إلى طهر آخر. وعلى كل حال فلا ريب في أن ما ذكرناه من وجه الجمع أولى من توجيهه بما ذكره الشيخ - وتبعه عليه جماعة بل أكثر المتأخرين على ما قيل - من أن سببه اختلاف عادة النساء في الحيض بالنسبة إلى الشهر والثلاثة والأربعة والأزيد من ذلك والأنقص، فيكون المدار على العلم بالانتقال من طهر المواقعة إلى زمان طهر آخر. وإليه أشار المصنف بقوله: (والمحصل ما ذكرناه وإن زاد على الأمد


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 5. (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7.

[ 35 ]

المذكور) الذي هو الثلاثة بأن كان أربعة مثلا، والمراد العلم حقيقة لا الظن، ولا ينافيه احتمال الحيض لتأخر العادة، ضرورة كون متعلقة الانتقال من زمان طهر المواقعة إلى زمان طهر آخر بمقتضى عادتها، وليس المراد الانتقال المعتبر فيه تخلل الحيض، إذ ذاك لا يمكن ظنه فضلا عن علمه، لأن الفرض مواقعتها، ومن المحتمل احتمالا مساويا علوقها بالحمل الذي يندر مع الحيض أو يتعذر، فيتعين كون المراد ما ذكرنا. ولكن لا يخفى عليك ما في وجه الجمع المزبور، إذ هو مع ما فيه من التنزيل على الأفراد النادرة لا شاهد له، بل ظاهرها خلافه، إذ لم تكن هي في موارد خاصة كى تحمل على ذلك، بل هو بعنوان الضابط الكلى للجميع، ولكن الأمر سهل بعد الاتحاد في اعتبار انتقالها من ذلك الطهر إلى وقت طهر آخر بمقتضى عادتها كى تكون صالحة للطلاق، لكونها بمقتضى ذلك غالبا حاملا، أو في طهر لم يواقعها فيه، أو في حال حيض لا يقدح في الغائب، لا ما ذكروه، نعم لا ريب في أولوية الاستظهار في ذلك بالعلم بتكرر الانتقال، وعليه ينزل اختلاف النصوص. إنما الكلام في أن المدار على ذلك، بحيث إذا لم يعلم الانتقال المزبور لعدم العلم بعادتها لا يجوز طلاقها حتى لو مضى لها ثلاثة أشهر فصاعدا، أو يرجع إلى المدة المذكورة في النصوص، وهي الشهر أو الثلاثة لانها بحكم المسترابة ؟ ظاهر هذا القول الأول، والأقوى الثاني، بل الأقوى الرجوع إلى الشهر الذي قد عرفت الوجه فيه، مؤيدا بما تسمعه من صحيح ابن الحجاج الوارد في الحاضر غير المتمكن من إطلاع حالها (1) بل التدبر بذكر الشهور والأهلة فيه مع التصريح بالاكتفاء بالشهر كالصريح فيما ذكرناه من التحديد على الوجه المزبور، بل هو شاهد للجمع بذلك وإن أشكل على بعض متأخرى المتأخرين المراد به، مضافا إلى أن الغالب في النساء كل شهر حيضة، كما تشعر به أخبار الامرأة الدمية (2) المتقدمة


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الحيض الحديث 3 و 5 و 6 من كتاب الطهارة.

[ 36 ]

في كتاب الحيض. وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، واحتمال إرجاع القول بالاطلاق أو الشهر أو الثلاثة إلى ما ذكرنا بنوع من الاعتبار لا يخلو من بعد في البعض أو منع، خصوصا الأول والأخير، كل ذلك مماشاة لهم على ما ذكروه وإلا فمن المحتمل قويا ان محل البحث في اعتبار أصل المدة وعدمها، وأنها شهر أو ثلاثة في مجهولة الحال التي لم يعلم أيام حيضها من أيام قرئها، إذ من المستبعد دعوى عدم اعتبار العادة مع فرض العلم بها بناء على القول بالاطلاق، ودعوى الاعتبار بالشهر لمن عادتها الأزيد منها، ودعوى الاعتبار بالثلاثة لمن عادتها الأزيد من ذلك، وإنما المتجه اعتبار العادة مع العلم بها. أما مع الجهل بها فيأتي القول بعدم اعتبارها أصلا، للاطلاق، والقول بالشهر لأنه الغالب في غالب النساء، والثلاثة لأنها كالمسترابة، ولزيادة الاستظهار في أمر الفروج، وخيرها أوسطها حينئذ لما عرفت، ولكن عليه يكون ما اختاره المصنف والمتأخرون خروجا عن مفروض المسألة، كما أن عليه يتضح لك فساد كثير من الكلمات، والله العالم. وكيف كان فلا إشكال في صحة الطلاق بعد مضى المدة بناء على اعتبارها مع فرض المصادفة فيها لاجتماع الشرطين: كونها في غير طهر المواقعة، والخلو من الحيض، بل لا خلاف فيه، بل في المسالك الاجماع عليه. وكذا يصح لو بان أنها في حيض، لخبر أبي بصير (1) السابق المؤيد باطلاق نصوص الخمس (2) بل وكذا لو بان أنها في طهر المواقعة، لظاهر النصوص (3) بل في المسالك " أنه أولى بالصحة من الأول الذي قد تخلف فيه الشرطان، بخلافه فانه لم يتخلف فيه إلا شرط واحد " وإن كان هو كما ترى والعمدة ظاهرة النصوص.


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6. (2 و 3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 37 ]

وربما قيل بالعدم لتخلف الشرط الذي لا يقاس على حال الحيض، ولأن الاذن بالطلاق مع مضيها لا يقتضى الحكم بالصحة لو بان الخلاف، وهو كما ترى، خصوصا مع فرض اندراج الفرض وسابقه في نصوص عد الغائب من الخمس التي تطلق على كل حال (1) مؤيدا بخبر الحيض (2) فلا اشتراط في الحال المزبور بأزيد من مضى المدة المزبورة، وتخلف الحكمة في انقضائها باعتبار كونها لاستبراء الرحم لا يقتضي تخلف الصحة الظاهرة من النصوص المزبورة. وكذا لا إشكال ولا خلاف في الصحة مع استمرار اشتباه أنها في حيض أو في طهر المواقعة، لأنه المتيقن من النصوص المزبورة، بل الظاهر الصحة لو طلق قبل المدة المعتبرة فصادف موافقة الشرائط، للاطلاق، واحتمال البطلان - باعتبار كون مضي المدة شرطا، والفرض تخلفه - يدفعه كون الظاهر من نصوصها أنها لاحراز الشرائط المعتبرة، لا أن مضيها من حيث هو شرط، بل لا يبعد الصحة في الحاضر لو طلق قبل العلم بتحقق الشروط فصادف حصولها، نعم لا إشكال في البطلان لو طلق قبلها فبان عدم حصول الشرائط أو استمر الاشتباه كما هو واضح. ولو طلقها بعد أن مضت المدة المعتبرة فأخبره عدل بأنها حائض ففي المسالك في صحة الطلاق وجهان أجودهما العدم، قال " وكذا لو أخبره ببقائها في طهر المواقعة أو بكونها حائضا حيضا آخر بعد الطهر المعتبر في صحة الطلاق، لاشتراك الجميع في المقتضى للبطلان، وصحة طلاقه غائبا مشروطة بعدم الظن بحصول المانع وفيه إمكان منع الاشتراط المزبور، لاطلاق الأدلة المقتصر في تقييدها على صورة العلم خاصة، نعم قد يقال باعتبار خصوص خبر العدل بناء على أنه من العلم شرعا في هذا المقام لا كل ظن. ثم قال فيها أيضا: " إن النفاس هنا كالحيض في المنع والاكتفاء بطهرها منه، فلو غاب وهي حامل ومضي مدة يعلم بحسب حال الحمل وضعها وطهرها من النفاس جاز


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6.

[ 38 ]

طلاقها، كما لو انتقلت من الحيض، ويكفى في الحكم بالنفاس ظنه المستند إلى عادتها وإن كان عدمه ممكنا كما قلناه في الحيض - ثم قال - ولو وطأها حاملا ثم غاب وطلق قبل مضي مدة تلد فيها غالبا ويتيقن، وصادف الطلاق ولادتها وانقضاء نفاسها ففي صحته الوجهان الماضيان في الحيض، والحكم فيهما واحد " وفيه أنه يمكن القول بجواز طلاقها على كل حال ما لم يعلم نفاسها، لاجتماع جهتي الجواز فيه، وهي الحمل وكونه غائبا، ولا مدخلية للمدة هنا فيه وحينئذ فلو وطأها حاملا ثم غاب عنها وطلق قبل مضى مدة تلد فيها غالبا فصادف الطلاق نفاسها صح، وكذا لو صادف ولادتها وانتفاء نفاسها، وليس هو كالطلاق قبل المدة فصادف حيضها وطهرها، وذلك لان احتمال البطلان بسبب احتمال كون مضى المدة شرطا ولم يحصل، بخلاف المقام الذي لا وجه فيه لاعتبار المدة، ضرورة كونها حاملا أو في طهر لم يقربها فيه، وكل منهما لا يعتبر فيه مدة أصلا كما عرفت، إذ المدة إنما اعتبرت لتحصيل الظن بالانتقال إلى طهر آخر باعتبار مواقعته لها في الطهر الذي غاب فيه، وفي الفرض لا تقدح مواقعته، لكونها حاملا أو في طهر لم يواقعها فيه. (و) كيف كان ف‍ (لو كان حاضرا وهو لا يصل إليها بحيث يعلم حيضها) وطهرها (فهو بمنزلة الغائب) في الحكم، كما أن الغائب لو فرض إمكان علمه بحالها كان كالحاضر، لصحيح عبد الرحمان (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة سرا من أهلها، وهي في منزل أهلها، وقد أراد أن يطلقها، وليس يصل إليها ليعلم طمثها إذا طمثت، ولا يعلم بطهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله، يطلقها بالأهلة والشهور، قلت: أرأيت إن كان يصل إليها الاحيان والأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها كيف يطلقها ؟ فقال: إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه يطلقها إذا نظر إلى غرة الشهر الاخر بشهود، ويكتب الشهر الذي يطلقها فيه، ويشهد


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 عن أبي الحسن عليه السلام كما في الكافي ج 6 ص 86 والفقيه ج ص 333.

[ 39 ]

على طلاقها رجلين، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب وعليه نفقتها في تلك الثلاثة الأشهر التي تقعد فيها " وخبر علي بن كيسان (1) " كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامة، وأراد أن يطلقها وقد كتمت حيضها وطهرها مخافة الطلاق، فكتب عليه السلام: يعتزلها ثلاثة أشهر ويطلقها ". لكن لا يخفى عليك أن مقتضى التدبر في الصحيح الأول على وجه يرتفع التنافي عنه يقتضى أن الحد الشهر والأفضل الثلاثة، ولعله لذا قال الشيخ في نهايته: " ومتى كان للرجل زوجة معه في البيت غير أنه لا يصل إليها فهو بمنزلة الغائب عن زوجته، فإذا أراد طلاقها فليصبر إلى أن يمضى مابين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها ". وبذلك ظهر لك وجه شهادة لما قلناه سابقا من أن الحد في الغائب مع عدم العلم بالعادة الشهر الذي هو الغالب في النساء بقرينة الحكم بالحيضة في كل شهر مرة للدمية، وأفضل منه الثلاثة، وأفضل من ذلك الأربعة والخمسة، لزيادة الاستظهار، كما أن منه يعلم اعتبار العادة الشخصية مع فرض العلم بها للامرأة المخصوصة، ضرورة أنها أقوى ظنا من العادة النوعية. وكيف كان فلا أجد خلافا في المسألة إلا من الحلي فيما حكي عنه بناء على أصله من عدم العمل بخبر الواحد، فالحاق الحاضر حينئذ بالغائب قياس، والمتجه بقاؤه حينئذ على حكم الحاضر من عدم جواز طلاقه حتى يعلم انتقالها من طهر المواقعة وخلوها عن الحيض حين الطلاق، ولكنه كما ترى. ولقد تلخص من جميع ما ذكرنا أن الغائب إن غاب عن زوجته في طهر لم يواقعها فيه جاز طلاقها من غير اعتبار مدة، نعم لو علم أيام قرئها لو فرض أن لها عادة وقتية أخره إلى أيام طهرها، بناء على اعتبار مثل هذه العادة هنا، خصوصا


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2.

[ 40 ]

بعد اطلاق المعظم الجواز، ولا ريب في أنه أولى. وإن غاب عنها في طهر المواقعة، فان كان لها عادة راعاها، لاولويتها من العادة النوعية، وإلا انتظرها شهرا، لانه الغالب في نوع النساء والأفضل الثلاثة، بل كلما زاد عليها فهو أولى باستظهار كونها حاملا أو منتقلة إلى طهر آخر. نعم لو غاب عنها مسترابة اتجه وجوب الصبر إلى ثلاثة أشهر حينئذ استصحابا لموضوعها وحكمها، بخلاف مجهولة العادة التى ليست منها موضوعا قطعا، بل ولا حكما، لما سمعته من النصوص (1) المبنية على قاعدة إلحاق المشكوك فيه بالأعم الأغلب بعد فرض تعذر العلم والانتقال إلى مرتبة الظن، كما يومئ إليه اعتبار المدة في النص (2) والفتوى، وبذلك كله ظهر لك وجه الحكم في اختلاف النصوص والراجح من الأقوال في المسألة، مضافا إلى ما تقدم في فروعها. الشرط (الرابع) (أن تكون مستبرأة) من المواقعة التي واقعها إياه بما جعله الشارع طريقا إلى ذلك من الحيضة أو المدة في الغائب والمسترابة (فلو طلقها) حينئذ (في طهر واقعها فيه لم يقع طلاق) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى القطع به من النصوص (3) إن لم تكن متواترة فيه (و) إلى عدم كونه طلاقا للعدة المأمور به في الكتاب العزيز (4) الذي استفاضت النصوص (5)


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و 8. (3) الوسائل الباب 9 من أبوا ب مقدمات الطلاق. (4) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (5) الوسائل الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 و 7 والباب 10 منها الحديث 4 و 5.

[ 41 ]

في كون المراد به الطلاق في مستقبل العدة. نعم (يسقط اعتبار ذلك في اليائسة) التي لا عدة لها بلا خلاف أجدة في ذلك نصا (1) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا (وفيمن لم تبلغ) سن (المحيض) الذي هو التسع لذلك أيضا، وهي المرادة بالتي لم تحض في نصوص الخمس (2) بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال عدا ما يحكي عن السيد في شرحه على النافع من أن الأولى إرادة الأعم منها ومن التي لم تحض مثلها عادة، سواء كان لنقص سنها عن التسع أو لم تكن، فتكون أعم من الصغيرة والمسترابة، وكأنه ليس خلافا بعد أن جعلها من المسترابة التي ستعرف حكمها، نعم لو كان مراده جواز طلاقها على كل حال كغير البالغة تسعا كان مخالفا ومحجوجا باطلاق مادل (3) على عدم جواز الطلاق في طهر المواقعة المقتصر في الخروج عنه على المتيقن أو المتبادر من التي لم تحض، وهي غير البالغة تسعا، خصوصا بعد ما في رواية الخصال من إبدالها بالتي لم تبلغ المحيض (4) بل في بعض روايات العدد (5) تفسير التي لم تحض بها على وجه يظهر منه كونه المراد من التعبير بذلك. (و) كذا يسقط اعتبار الشرط المزبور (في الحامل) أيضا بلا خلاف فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه، ولأن طلاقها معه طلاق للعدة التي هي وضع الحمل، ولأنها إحدى الخمس التي استفاضت النصوص في طلاقها على كل حال (6). إنما الكلام في أن طلاق الحامل يعتبر في صحته الاستبانة أم يكفي فيه مصادفة الواقع كما هو ظاهر المتن وغيره ممن عبر كعبارته ؟ بل هي القاعدة في وضع اللفظ للواقع، إذ الحامل لفظ مشتق بمعنى ذات الحمل، ولا مدخلية للعلم والظن


(1 و 2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب مقدمات الطلاق. 4 و 6) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5.. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العدد الحديث 4.

[ 42 ]

فيه، ولذا لو طلقها بظن أنها حامل فبان خلافه بعد ذلك لم يصح طلاقه، لانكشاف فساد الظن بتبين خلافه، لكن في مصابيح العلامة الطباطبائي " لا يصح طلاق الحامل إلا إذا كانت مستبينة الحمل وقت الطلاق، فلو طلقها ثم تبين الحمل لم يصح - إلى أن قال -: لأن مصادفة الحمل لا تكفي في صحة الطلاق، بل يشترط فيه الاستبانة كما اعتبره الشيخان في المقنعة والنهاية وابن البراج وبنى حمزة وإدريس وسعيد وغيرهم - ثم استدل عليه - بما في الصحيحين من نصوص الخمس من وصف الحامل بالمستبين حملها في أحدهما (1) والمتيقن في الاخر (2) ولا ينافيه إطلاق الحامل في غيرهما، لأن الظاهر من قولهم " يطلقهن " إباحة الطلاق دون وقوعه، والاباحة مشروطة بظهور الحمل، وبأن الطلاق الواقع على غير السنة باطل عندنا بلا خلاف، وطلاق المرأة في طهر المواقعة مع عدم ظهور حملها محرم قطعا إذ لا مسوغ له، فيكون باطلا، وأطلق الفاضلان والشهيدان صحة طلاق الحامل في طهر المواقعة، ولم يقيدوا ذلك بالاستبانة، فان أرادوا صحة طلاقها بمجرد مصادفة الحمل وإن لم يستبن كانت المسألة خلافية، والظاهر أن التقييد مراد في كلامهم، لتبادره من إطلاق طلاق الحامل ووقوع التقييد به في كلام القدماء مع عدم نقل خلاف في المسألة ". قلت: يمكن أن يكون كلام المتأخرين لرفع توهم الشرطية من الوصف في كلام القدماء المبنى على إرادة بيان حكم الاقدام المعلوم توقفه على الاستبانة، لاصالة عدم الحمل، فيحرم عليه إيقاع الطلاق في طهر المواقعة قبل الاستبانة، كحرمته عليه قبل تبين حيضها وطهرها، ولكن لو فعل فبان حصول الحمل أو حصول الحيض والطهر صح، لصدق كونه طلاقا للعدة ولو طلق في طهر لم يواقعها فيه وطلاق أولات الأحمال وغير ذلك.


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 وفيه " الحامل المتبين " كما في الفقيه ج 3 ص 333.

[ 43 ]

وربما يؤيده ما سمعته منهم في الغائب لو طلق قبل المدة فبان مصادفته الشرط من أن الاقوى الصحة المقابل بالاحتمال الضعيف من كون مضى المدة شرطا شرعيا وقد فات، ومثله يأتي في الفرض، بأن يقال: البطلان فيما لو طلق في طهر المواقعة فبان أنها حامل، لفوات شرطية الاستبراء لا لكون الحمل غير بين، وإلا فلو طلق بعد الحيضة فبان أنها حامل وأن الحيض كان في أثناء الحمل بناء على مجامعته له صح قطعا وإن كان غير بين حال الطلاق، وكذا لو طلق بعد المدة فبان أنها حامل وإن لم يكن الحمل مستبينا، وكذا لو طلق المسترابة بعد مضي المدة فبان أنها حامل صح وإن لم يكن الحمل مستبينا حال الطلاق، والصحيحان اللذان ذكرهما لا دلالة فيها على اشتراط صحة الطلاق بذلك خصوصا بناء على ما اعترف به من أن المراد فيهما وفي غيرهما بيان الاباحة المتوقفة على الاستبانة لا اشتراط صحة الطلاق بذلك. وكذا عبارات الأصحاب الذين نسب إليهم الاشتراط لا دلالة فيها على الشرطية قال في المقنعة: " والحامل المستبين حملها تطلق بواحدة في أي وقت شاء " وقال الشيخ في النهاية: " وإذا أراد أن يطلق أمرأته وهي حبلى مستبين حملها طلقها أي وقت " وكذا عبارة ابن إدريس بل عن أبي الصلاح عدم التقييد بالاستبانة. وما عساه ينساق من نصوص (1) النهي عن الطلاق في طهر المواقعة وأنه ليس بطلاق وترجع الامرأة إلى زوجها مما ينافي ذلك، لأنه لو صح طلاق الحامل واقعا وجب التربص فيه حينئذ إلى بيان كونها حاملا أولا يدفعه أن ذلك كله للحكم في الظاهر لأصالة عدم الحمل لا لما لو اتفق بيان الحمل، ويؤيد ذلك كله مضافا إلى إطلاق الأدلة عدم ذكر أحد من الأصحاب ذلك من شرائط المطلقة أو من شرائط الطلاق، فمن الغريب جزم الفاضل المزبور بذلك، ولكن ظني أن المصابيح قد جمعت بعد وفاته من أوراق وحواشي ونحو ذلك، وفيها المنسوخ وغيره، فاشتبه على الجامع وجعلها مصباحا.


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 44 ]

(و) كذا يسقط الشرط المزبور في (المسترابة) التي هي في سن من تحيض وهي لا تحيض لخلقة أو عارض، لكن (بشرط أن يمضى عليها ثلاثة أشهر لم ترد دما معتزلا لها) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، لصحيح إسماعيل بن سعد الاشعري (1) " سألت الرضا عليه السلام عن المسترابة من الحيض كيف تطلق ؟ قال: تطلق بالشهور " ومرسل العطار (2) المنجبر بالعمل عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المرأة يستراب بها ومثلها تحمل ومثلها لا تحمل ولا تحيض وقد واقعها زوجها كيف يطلقها إذا أراد طلاقها ؟ قال: ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثم يطلقها " نعم في المسالك وبعض ما تأخر عنها أنه لا يلحق بالمسترابة من تعتاد الحيض في كل مدة تزيد عن ثلاثة أشهر، فان تلك لا استرابة فيها، بل هي من أقسام ذوات الحيض يجب استبراؤها بحيضة وان توقف على ستة أشهر أو أزيد. هذا وفي الرياض ومن نصوص الخمس (3) يظهر السقوط في الغائب عنها زوجها لعدها منها وإن أهمله المصنف، ولعله غفلة أو مصير إلى القول بالبطلان الذي مضى في طلاق الغائب بعد المدة مع تبين الوقوع، في طهر المواقعة، أو من حيث اختياره اعتبار العلم بالانتقال من طهر إلى آخر، كما عليه أكثر من تأخر، والظاهر أنه هو الوجه في الاهمال، وفيه أنه يمكن اتكالا على ذكر حكم الغائب سابقا، وإلا فقد عرفت أن المراد الانتقال إلى زمان طهر آخر لا طهر حقيقة كما أوضحناه سابقا. (و) على كل حال ف‍ (لو طلق المسترابة قبل مضي ثلاثة أشهر من حين المواقعة لم يقع الطلاق) لما عرفت.


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العدد الحديث 17. (2) الوسائل الباب - 40 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 45 ]

الشرط (الخامس) (تعيين المطلقة وهو أن يقول: فلانة طالق أو يشير إليها بما يرفع الاحتمال) مع فرض التعدد من قول هذه ونحو ذلك (فلو كان له) زوجة (واحدة فقال زوجتى طالق صح، لعدم الاحتمال) حينئذ بل في المسالك وغيرها الاكتفاء بالنية مع التعدد على وجه يظهر منه المفروغية، فان تحقق إجماعا فلا كلام، خصوصا مع العمومات، وإلا فقد يقال: إن ظاهر قول أبى جعفر عليه السلام في صحيح محمد (1): " إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن يجامها: أنت طالق أو اعتدى، يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين " اعتبار ذكر ما يفيد التعيين، وأظهر منه خبر محمد بن أحمد بن المطهر (2) قال: " كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام إني تزوجت بأربع نسوة ولم أسأل عن أساميهن، ثم إني أردت طلاق إحداهن وأتزوج أمرأة اخرى، فكتب إلى أنظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن فتقول: اشهدوا أن فلانة التى بها علامة كذا وكذا هي طالق، ثم تزوج الاخرى إذا انقضت العدة ". مضافا إلى استصحاب بقاء النكاح المتوقف زواله على السبب الشرعي المحتمل مدخلية ذكر ما يقتضى التعيين ولو قرائن أحوال فيه، لا أقل من الشك في تناول العمومات التي لم تسق لبيان مشروعية مسمى الطلاق، أللهم إلا أن يمنع الشك بظاهر المفروغية السابقة، واحتمال أو ظهور كون المراد من الخبرين كون المطلقة معينة في نفسها في مقابل طلاق غير المعينة الذي ستسمع البحث فيه. (و) حينئذ ف‍ (لو كان له زوجتان) مثلا (أو زوجات فقال: زوجتي


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 3 من كتاب النكاح.

[ 46 ]

طالق فان نوى معينة) وذكر ما يقتضي ذلك (صح وقبل تفسيره) لما لا يعلم إلا من قبله من غير يمين، وفي المسالك " يؤمر بذلك على الفور، لزوال الزوجية عنها، ويمنع من الاستمتاع بها إلى أن يبين، ولو أخر أثم، لأن الحق لهما في ذلك، فعليه بيانه إذ لا يعلم من غيره - إلى أن قال: وتجب عليه النفقة لهما قبل البيان، لأنهما محبوستان حبس الزوجات، ولاستصحاب وجوب النفقة لكل واحدة منهما، ولا يسترد المصروف إلى المطلقة بعد البيان. والجميع كما ترى، إذ لا دليل على وجوب الفور في البيان، خصوصا في العدة، وخصوصا في الرجعية، كما لا دليل على وجوب الانفاق عليهما بعد معلومية كون إحداهما أجنبية والاستصحاب المعلوم عدمه في إحداهما ليس حجة فيهما كما حرر في محله، وكونهما محبوستين بتخيلهما البقاء على العقد لا يقتضى وجوب الانفاق عليهما، إذ هو اعتبار محض لا يوافق اصول الامامية. (و) على كل حالل ف‍ (ان لم ينو) واحدة معنية (قيل) والقائل المفيد والمرتضى وابن إدريس والشيخ في أحد قوليه: (يبطل الطلاق لعدم التعيين) بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل في الانتصار ومحكى الطبريات الاجماع عليه، بل ظاهره في الأول اختصاص القول بالصحة بالعامة، فعن أبى حنيفة وأصحابه والنوري والليث أنه يختار أيتهن شاء، ويجعلها المطلقة، وعن الشافعي ذلك أيضا ولكنه صرح بأنه يمنع منهن حتى تبين، وعن مالك تطلق عليه جميع نسائه. (وقيل) والقائل الشيخ فيما حكى عن مبسوطه: (يصح، ويستخرج بالقرعة، وهو أشبه) عند المصنف، بل والفاضل والشهيد في أحد قوليهما ولكن يرجع في التعيين إلى اختياره لا إلى القرعة، ولكن لا يخفى ما في أصل الصحة، ضرورة عدم دليل لها سوى دعوى عموم الأدلة التي لم تسق لذلك، على أن الطلاق لرفع قيد النكاح الذي لم يقع في الخارج إلا على شخص بعينه، والأحدية ونحوها من الأمور الانتزاعية الوهمية لم يقع عليها عقد النكاح. بل ليس الطلاق في الحقيقة إلا من توابع النكاح الذي قد عرفت عدم وقوعه إلا على معين، خصوصا بعد

[ 47 ]

اقتضاء ما يترتب عليه من العدة، ونحوها التعيين، كاقتضاء ما يترتب على النكاح ذلك، بل الظاهر عدم صلاحية الكلى الانتزاعي لقيام معنى الطلاق فيه، كغيره من آثار أكثر العقود والايقاع. وبذلك كله يظهر لك عدم اندراج الفرض في مسمى الطلاق كى يندرج في الاطلاق الذي إن لم يقطع أو يظن بعدم تناوله لمثل ذلك، خصوصا مع ملاحظة الخبرين (1) السابقين وغيرهما من النصوص (2) التي تسمعها في بحث الصيغة المسشتملة على التعيين بعنوان التعريف للطلاق الجامع لشرائط الصحة التى منها التعيين وغيره، بل ظاهر المتن هناك اعتباره أيضا، وأن أقصى نصوص الصيغة التعدية من لفظ " أنت " إلى غيره من ألفاظ التعيين، بل قد يدعى انه المنساق من أكثر النصوص بل الاية (3) فلا أقل من الشك الذى ينبغى البقاء معه على اصالة بقاء النكاح. وقياس معنى طلاق الواحدة من نسائه مثلا على ما تطابق عليه النص (4) والفتوى من تخير من أسلم على أكثر من أربع غير جائز في مذهبنا، وإنما هو مذهب مخالفينا، ولذا وغيره من الاعتبارت الفاسدة أفتوا بالصحة وملؤوا كتبهم من الفروع التى لا تخلو بعضها من خرافة، كما لا يخفى على من لاحظها. بل لعل استفاضة النصوص (5) فيما يقتضى التعيين فضلا عن خلوها عن ذكر المبهم وحكمه مع اشتهاره بين العامة في ذلك الزمان مما يورث الفقيه الظن أو العلم بأنه من المنكرات عليهم نحو غيره مما أبدعوه في الطلاق، بل لو لم يكن في هذا القول إلا التزام جملة أمور لا دليل واضح عليها لكفى في بطلانه، إذ التعيين إن


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 والباب 3 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 3 من كتاب النكاح. (2 و 5) الوسائل في الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) سورة الطلاق: 45 - الاية 1. (4) سنن البيهقي ج 7 ص 181.

[ 48 ]

كان مرجعه القرعة فقد أشكله بعضهم بأنها لكشف الأمر المشتبه، وليس المقام منه، ضرورة خلوه عن القصد في الواقع، اللهم إلا أن يدعى أنها للأعم من ذلك ومن المشكل الذي لا ترجيح فيه بظاهر الشرع، وإن كان مرجعه اختيار المطلق كما عن الفاضل ففيه أنه لا دليل بعد فرض صحة الطلاق على مدخلية اختياره في ذلك إلا القياس على من أسلم على الأزيد من أربع، وهو باطل في مذهبنا أو دعوى أن له النعيين ابتداء فله التعيين استدامة، وهى كما ترى، ضرورة أن له طلاق المعينة ابتداء لاتعيين المطلقة، أو أن ذلك من توابع الطلاق الذي بيده، وفيه أن تعيين المطلقة أمر زائد على الطلاق. ثم على القول به فهل هو معتبر في الطلاق ؟ على معنى عدم حصول أثره إلا به، كما عن الفاضل استصحابا للنكاح، واحتياطا للعدة، ولأنها لو طلقت بالايقاع فإما أن يقع الطلاق على الكل أو على واحد بعينه وفسادهما ظاهر، أو على واحدة مبهمة، وهو أيضا باطل، لأن الطلاق معنى لا يحل إلا بمعين، ولا وجود للمبهم في الخارج، فليس هو حينئذ إلا التزام طلاق في الذمة يتم بالتعيين، لكن ذلك كله كما ترى، على أنه مناف لما دل على سببية السبب وللحكم بتحريمها عليه قبل التعيين الذي قد اعترف هو به، بل قد حكى بعضهم الاتفاق عليه، بل وللحكم بأن لوارثهما المطالبة به فيما لو ماتتا أو إحداهما قبله لبيان الإرث، لعدم بقاء محل للطلاق. ومن هنا كان المحكي عن الشيخ كون التعيين كاشفا، وأن الطلاق قد وقع حين التلفظ، وتتبعه العدة لأنة أوقع صيغة الطلاق منجزة، فيقع بها الطلاق على إبهامه، والتعيين ليس من صيغة الطلاق في شئ نحو من أسلم على الأزيد، وهو أيضا كما ترى، خصوصا بعد ملاحظة عدم كشف التعيين في أفراد الكلى في البيع وغيره. ولو وطأ إحداهما بعد الطلاق بائنا ففي القواعد " إن قلنا يقع الطلاق باللفظ (جواهر الكلام - ج 3)

[ 49 ]

كان تعيينا أي للاخرى، وإن قلنا بالتعيين لم يؤثر الوطء " وفي محكي المبسوط " إن جعل الوطء تعيينا أباح وطئ من شاء منهما، وإنما حرم الجمع بينهما، وإن لم يجعله تعيينا حرمهما، لأنهما قبل التعيين متشبثان بحرمة الطلاق " والأقرب عند الفاضل في القواعد مع أنه لا يجعله تعيينا تحريم وطئهما معا وإباحة من شآء منهما، وفي المسالك " أن الوطء لا يكون بيانا إذا كان قد نوى واحد بعينها، وتبقى المطالبة به بحالها، فان بين في الموطوءة فعليه الحد، والمهر بجهلها أنها المطلقة وإن بين في غير الموطوءة قبل، فان اعدت الموطوءة انه أرادها حلف، فان نكل وحلفت هي حكم بطلاقها وعليه المهر، ولاحد للشبهة، لأن الثبوت باليمين، وإن كان لم ينو واحدة بعينها ففى كونه تعيينا أولا وجهان إلى أن قال -: وربما بنى الوجهان على أن الطلاق يقع عند اللفظ أو عند التعيين، فعلى الأول هو تعيين بخلاف الثاني، ثم إن جعلناه تعيينا فلا مهر للموطوءة، لكونها زوجته حينئذ، وإلا طالبت بالتعيين، فان عين الطلاق فيها وجب المهر إن قلنا بوقوعه عند اللفظ، وإن قلنا بوقوعه عند التعيين ففى وجب المهر وجهان: من أنها لم تكن مطلقة وقته، ومن حصول ماله صلاحية التأثير، ومن ثم حرم الوطء قبل التعيين ". قلت: قد يقال بكون الوطء بيانا ما لم يصرح بخلافه، بل ودالا على التعيين كذلك بناء على وقوع الطلاق باللفظ، أما لو قلنا بوقوعه حينه فلا، بل المتجه جواز وطئهما معا قبله، لعدم الخروچ عن الزوجية بدونه. ولو ماتتا قبله فالمطالبة بالبيان بحالها للارث، وكذلك المطالبة بالتعيين بناء على الوقوع حال التلفظ، وأما على الوقوع به فالمتجه بطلانه حينئذ، لعدم صحة وقوع الطلاق بعد الموت، فيرثهما معا حينئذ. ولو مات هو فالمرجع في البيان إلى القرعة أو يقسم نصيب الزوجية بينهما صلحا، واحتمال قيام وارثه مقامه في ذلك من المضحكات إن أريد به إنشاء البيان، وأن أريد به الإخبار عن مورثه فليس قياما مقامه، بل هو مخبر به وشاهد عليه كغيره

[ 50 ]

من الأجانب أو مدع لو فرض مطالبته بارث أحدهما، بل لعل قيامه مقامه في التعيين كذلك وإن قلنا بوقوع الطلاق حين التلفظ، ضرورة عدم كونه مما يورث، وقياسه على الشفعة والخيار كما ترى، بل المتجه الترجيح (التعيين خ ل) بالقرعة بناء على عموم شرعيتها في مثل ذلك، أو يعزل نصيب زوجة يقسم بينهما صلحا قهريا. ثم لا يخفى عليك توجه النزاع مع الوارث في دعوى البيان الذي ينسبه إلى المورث، بخلاف التعيين الذي ينشؤه هو بناء على قيامه في ذلك، نعم لهم الدعوى عليه بسبق تعيين من المورث وحينئذ يكون كالنزاع في البيان، وكذلك الكلام في النزاع مع المورث في البيان دون التعيين إلا على الوجه المزبور كما هو واضح. وكيف كان فمما ذكرناه يظهر لك الحال فيما اطنب به بعض الأصحاب في هذه الفروع التى يقطع الناظر فيها بفساد مبناها، وأنها لائقة بأهل القياس والاستحسان والأهواء والاراء، وقد ذكرنا جملة من أمثالها في بحث الاختيار من النكاح، بل يكفى في فسادها خلو نصوص الطلاق على كثرتها عن الاشارة إلى شئ منها، بل قد عرفت ظهورها في اعتبار التعيين المنافي لها، بل فيها التعريض بالعامة وما أحدثوه في الطلاق، حتى قال الباقر عليه السلام في خبر معمر بن وشيكة (1) " لا يصلح الناس في الطلاق إلا بالسيف ولو وليتهم لرددتهم فيه إلى كتاب الله تعالى شأنه " وقال هو أيضا والصادق عليهما السلام في خبر أبى بصير (2): " لو وليت الناس لاعلمتهم كيف ينبغى أن يطلقوا، ثم لم أوت برجل قد خالف إلا قد أوجعت ظهره " إلى غير ذلك من النصوص المعرضة بذلك ونحوه مما أبدعوه في الطلاق وسودوا به مصنفاتهم، كما لا يخفى على من لاحظها، والله العالم. (ولو قال: " هذه طالق أو هذه " قال الشيخ رحمه الله: يعين للطلاق من


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 - 3 والثانى عن أبي جعفر عليه السلام كما في الكافي ج 6 ص 57.

[ 51 ]

شاء) لأنه كما لو قال: " زوجة من زوجاتي طالق " في الاشتراك في إيقاع الطلاق على واحدة مبهمة (وربما قيل بالبطلان لعدم التعيين) فيه، وفي المسالك " وفيه نظر، لأن الثانية لم يقع بها طلاق بصيغة الشرعية، ومجرد عطفها على الاولى غير كاف في تشريكها معها في الصغية، وسيأتى استشكال المصنف في نظير المسألة كذلك (لذلك خ ل) ويتجه على هذا أنه إن عين الاولى للطلاق طلقت، وإن عين الثانية لم تطلق، لما ذكر قلت: ظاهر تعليل المصنف هنا وفيما يأتي أن جهة البطلان عدم التعيين، نعم يبقى عليه سؤال الفرق بين ما هنا وما تقدم الذي قد سمعت فيه موافقته للشيخ في الصحة، كما أنه يبقى على الشيخ سؤال الفرق بينهما في الرجوع إلى القرعة في الأول والاختيار في الثاني، ولعل وجه الأول الفرق بين المتواطئ والمبهم، فيصح الطلاق في الأول، لأنه تعيين في الجملة بخلاف الثاني، وإن كان قد عرفت البطلان فيهما عندنا، ووجه الاخر أن الأول يراد به الطبيعة المجردة عن ملاحظة والخصوصية بخلاف الفرض الملاحظ فيه ذلك، نحو الواجب المخير، إلا أنه كما ترى لا يرجع إلى حاصل معتد به. هذا وقد يتوهم من عبارة المتن أنه لا يأتي في الفرض احتمال الصحة لو أراد معينة، حيث لم يذكره كما في السابقة، بدعوى أنه نص في الترديد بخلاف المتواطئ وإحداهما الذي يجوز فيه إرادة المعينة وإن كان ظاهرا في الترديد، ومجرد نيته من دون صلاحية اللفظ للاستعمال فيما أراد غير كاف في الطلاق، ولذا كان المحكى عن المبسوط الصحة فيما لو قال: " طلقت نسائى " مفسرا له بالبعض، بخلاف ما إذا قال: " أربعتكن طوالق " ثم قال: " أردت بعضهن " لم يقبل، لكنه كما ترى مناف لعموم أدلة الطلاق وقاعدة الإدانة له بنيته، وذكر الترديد ظاهرا لغرض من الاغراض غير مناف لذلك، والقبول ظاهرا في المبسوط وعدمه غير الصحة في نفس الأمر كما هو واضح. واما احتمال البطلان هنا وان قلنا بعدم اعتبار التعيين لعدم تكرار الصيغة

[ 52 ]

الذي سمعته من المسالك ففيه أن حرف العطف يغنى في العقود وغيرها، ولذا لا يحتاج إلى تكرير الايجاب في المبيع المتعدد، وليس ذلك من الكناية في شئ، ثم إن قوله: " ويتجه " لا يخلو من نظر، ضرورة رجوعه إلى الترديد بين الصحيح والباطل، ولا يتصور صحة الكلى بالنسبة إليهما بحيث يحتاج إلى التعيين، فالمتجه حينئذ البطلان فيهما أو الصحة في خصوص الفرد الصحيح فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو قال: " هذه طالق أو هذه وهذه " طلقت الثالثة) يقينا عند الشيخ، لانها معطوفة على المفهوم من الترديد، وهو إحداهما المتعلق به الطلاق كذلك وإن لم يكن مذكورا في اللفظ، فيبقى الترديد بين فرديه. (و) حينئذ (يعين من شاء من الاولى أو الثانية) بناء على انه له ذلك (ولو مات استخرجت واحدة) منهما (بالقرعة) بناء على شمول دليلها لمثله ولم نقل بقيام الوارث مقامه في ذلك، فيكتب رقعتان ويستخرج إحداهما. (وربما قيل) والقائل ابن إدريس (بالاحتمال في الاولى والأخيرتين جميعا) لأن الثالثة معطوفة على سابقتها التى هي أولى من غيرها في ذلك مع فرض الصلاحية (فيكون له أن يعين للطلاق الاولى أو الاخيرتين معا) فان مات استخرج بالقرعة برقعتين إحداهما للاولى والثانية للأخيرتين، لأن الفرض كون الترديد كذلك، ولعله أولى من الأول بمقتضى قواعد العربية من حيث اللفظ نفسه، لأن بناء البحث على ذلك، وإلا فمع العلم بقصده لا إشكال حتى لو أراد العطف على الاولى أو غيره. وبذلك يظهر لك المراد مما في المسالك من جعل محل النزاع صورة سرد العبارة من غير قصد، ضروروة عدم إمكان خلوه عن القصد في الفرض، اللهم إلا ان يفرض إرادة ما يقتضيه دلالة اللفظ، لكنه كما ترى. (و) كيف كان ف‍ (الاشكال في الكل ينشأ من عدم تعيين المطلقة)، وفي القواعد إن كلا من القولين، محتمل ولا ترجيح لاحدهما على الاخر.

[ 53 ]

وحينئذ فلابد للقرعة من رقاع ثلاثة: إحداها للاولى والثانية للإخيرتين والثالثة للثالثة خاصة، فإن خرجت أولا رقعة الاولى خاصة حكم بطلاقها، ثم إن خرجت رقعة الثالثة المكتوب فيها اسمها خاصة حكم بالاحتمال الاول وطلقت، وإن خرجت الرقعة الجامعة حكم بعطف الثالثة على الثانية وبقائهما على النكاح، وان خرجت أولا الرقعة الجامعة حكم بعطفها عليها وطلاقهما معا، ولا يحتاج إلى إخراج رفعة اخرى، وإن خرج أولا رقعة الثالثة حكم بطلاقها وبقى الاشتباه بين الاولى والجامعة، فان خرجت الاولى حكم بطلاقها أيضا، وإن خرجت الجامعة حكم بطلاق الثانية منها، وبقاء الاولى على النكاح. وقد يشكل ذلك بأن مرجع هذا الاقراع إلى تفسير المراد باللفظ التابع لدلالته، إذ لا يعلم قصده العطف على الاخيرة أو على أحدهما المطلقة، وليست القرعة طريقا لمثل ذلك، بل متى كان الاشتباه من حيث قيام الاحتمالين في الدلالة الذي على فرض أحدهما يكون من الابهام بخلاف الاخر يتوقف ويرجع إلى الاصول وإن كانت، وليست القرعة طريقا لبيان دلالة الالفاظ، وإنما هي للفرد المشتبه ظاهرا أو للأعم منه ومن المشتبه واقعا، كما في صورة قصد الابهام، بخلاف الفرض الذي لم يعلم فيه قصد الابهام بسبب احتمال إرادة العطف على إحداهما، وإلا لرجع إلى القرعة في تعيين أحد المجازات مع العلم بعدم إرادة الحقيقة وفرض عدم الترجيح، وفي تعيين المراد باللفظ الانشاء أو الإخبار ونحو ذلك، وكأنه " ره " نظر إلى نفس الاشتباه في المطلقة مع قطع النظر عن أن منشأه الدلالة، والأمر سهل. هذا وقد صرح غير واحد بأنه ليس له تعيين إحدى الأخيرتين بناء على قول إبن إدريس، لأن الفرض كونهما معا قسما مقابلا للاولى كما هو واضح، لكن قد يقال: إنه مبنى على صحة طلاق المجموع من حيث إنه كذلك على وجه يقتضي بطلان الطلاق في البعض ولو بفوات شرط من شرائط الطلاق البطلان في الباقي،

[ 54 ]

لفوات المجموع بفواته، ولا يخلو صحة ذلك من بحث وان قلنا بعدم اشتراط التعيين، ضرورة عدم كون المجموع زوجة يصح طلاقه، بخلاف مفهوم الزوجة وأحدهما ونحوه المنطبق على أشخاص الزوجات، فتأمل جيدا، فأنه قد يفرق بين الفرض وبين ذلك. (ولو نظر إلى زوجته وأجنبية فقال: إحدا كما طالق) وقصد المفهوم الكلى ففى صحة الطلاق وصرفه إلى الزوجة وفساده من أصله ما عرفت، لعدم قصد ما يصح به الطلاق ولو المفهوم الدائر بين الزوجتين، ولو قصد معينة (ثم قال: أردت الأجنبية قبل) بلا خلاف ولا إشكال، لأنه أعلم بنيته (و) لم يكن منه ظاهر يقتضي خلاف ذلك. نعم (لو كان له زوجة وجارة كل منهما سعدى فقال: سعدى طالق ثم قال: أردت الجارة قيل) وإن كنا لم نظفر بقائله منا كما اعترف به في كشف اللثام: (لم يقبل، لأن إحدا كما تصلح لهما) عرفا على وجه لا يقتضى المنافاة لما اخبر به بعد ذلك (وإيقاع الطلاق على الاسم) المشترك لفظا (بصرف (ينصرف خ ل) عرفا (إلى الزوجة) فينافي تفسيره بعد ذلك بغيرها، فيكون من الانكار بعد الاقرار. (و) لكن (في الفرق) على وجه يقتضى الاختلاف في الحكم (نظر) واضح، بل عن المبسوط ما يظهر منه الاجماع على قبول تفسيره في الثانية أيضا، لأنه ظهور حال ظنه السامع، لا ظهور دلالة لفظ خصوصا بعد ما عرفت سابقا من تصديقه في دعوى عدم القصد إلى الطلاق بعد إيقاع صيغته، ضرورة اتحادهما في الظهور المزبور، بل ماهنا أضعف حتى لو ظهر منه قصد الانشاء الذي قد عرفت صحة تعلقه بالأجنبية وإن لم يترتب عليه أثره، نعم لو ذكر لفظا يقتضى تعيين الزوجة ثم ذكر بعد ذلك ما ينافيه ولو بارادة التجوز لم يسمع منه لأنه كالانكار بعد الاقرار، بخلاف المقام الذي ظن فيه إرادة الزوجة من أصل الصحة وغيره مما يقتضى الحكم به إذا لم يظهر بعد ذلك ما ينافيه مما لا يعلم إلا من قبله، لا أنه

[ 55 ]

يقتضى كونه منكرا بعد أن كان مقرا، والله العالم. (ولو ظن أجنبية زوجته فقال: أنت طالق لم تطلق) زوجته (لأنه قصد المخاطبة) بضميرها، وهي لا يتعلق بها طلاق، وقصد طلاق الزوجة بغير لفظ يدل عليها غير كاف، خصوصا في الفرض الذي قد تعقب القصد المزبور قصد الخطاب الذى لا ينطبق عليها، نعم لو فرض إرادة الزوجة من الخطاب المزبور دون المخاطبة الأجنبية صح، وبالجملة يعتبر مطابقة المراد باللفظ المقصودة على وجه الاستعمال فيه (ولو كان له زوجتان: زينب وعمرة فقال: يا زينب فقالت عمرة: لبيك فقال: أنت طالق طلقت المنوية) بالخطاب سواء كانت المجيبة أو المناداة (و) لو فرض عدم العلم بقصده بموت ونحوه استخرج بالقرعة، لعدم ظهور في اللفظ في الدلالة لارادة إحداهما. نعم (لو) علم منه أنه (قصد المجيبة ظنا) منه (أنها زينب قال الشيخ: تطلق زينب) ترجيحا للاسم على الاشارة. (وفيه إشكال، لأنه وجه الطلاق إلى المخاطبة بظنها زينب، فلم تطلق المجيبة، لعدم القصد، ولا زينب لتوجه الخطاب إلى غيرها) فلم تحصل المطابقة بين المراد من اللفظ بالقصد الثاني للمقصود الأول، ولا استعمل اللفظ مرادا به منه، بل هو في الحقيقة كما لو قال للأجنبية: أنت طالق ظنا منه أنها زوجته، ولذا أفتى الفاضل بالبطلان، ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك الحال في جميع صور المسألة المتصورة في المقام. كما أنه يظهر انحصار الاشكال في صورتين: الاولى: إذا لم يصدر منه إلا اللفظ المزبور ولم يعلم منه أمر زائد على ذلك، فهل يحمل على المناداة أو المجيبة أو على قصد المجيبة بتخيل أنها المناداة. الصورة الثانية: أن يعلم أنه قصد المجيبة لظن أنها المناداة، وقد عرفت أن الحكم في الثانية عدم طلاق كل منهما، وحيث كان ذلك احتمالا مساويا للاحتمالين

[ 56 ]

في الصورة الاولى أيضا يتجه عدم الحكم بطلاق إحداهما أيضا، فيتفقان في الحكم حينئذ، إذ ليس المقام مقام قرعة كما في الصورة التي ذكرناها، وهي لو علم أنه قصد إحداهما، ولكن لم نعلمه لموت ونحوه، إذ ليس فيها احتمال كون الطلاق للمجيبة بظن أنها المناداة، والله العالم (الركن الثالث) (في الصيغة) (و) من المعلوم كون (الأصل) في (أن النكاح) بعد وقوعه (عصمة مستفادة من الشرع لا تقبل التقايل) ضرورة من المذهب أو الدين (فيقف رفعها على موضع الاذن) منه كغيره من العصم المستصحبة، ولكن لا ريب في مشروعية الطلاق لرفعه، فكان المتجه زواله بتحقق مسماه الحاصل بانشائه بكل لفظ دل عليه لولا ما تعرفه من الادلة على اعتبار خصوص صيغة خاصة (ف‍) يراد منه حينئذ الجامع للشرائط الشرعية التى منها كونه واقعا ب‍ (الصيغة) المخصوصة (المتلقاة) من الشرع (لازالته) أي (قيد النكاح) وهي (أنت طالق أو فلانة) طالق (أو هذه أو ما شاكلها من الالفاظ الدالة على تعيين المطلقة) دون غيرها من الصيغ، ففي صحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل قال لامرأته: أنت مني خلية أو برية أو بته أو بائن أو حرام، فقال:: ليس بشئ " وفي صحيح ابن مسلم (2) " سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية، قال: هذا كله ليس بشئ، إنما الطلاق أن يقول لها في


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.

[ 57 ]

قبل العدة ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق أو اعتدى، يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين " ورواه في المختلف عن جامع البزنطي عن محمد بن سماعة، عن محمد بن مسلم (1) عن الباقر عليه السلام من دون قوله: " أو اعتدى يريد بذلك الطلاق، وفي صحيح الحلبي أو حسنه (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " الطلاق أن يقول لها: اعتدى أو يقول لها: أنت طالق " وفي الكافي عن الحسن بن سماعة (3) " ليس الطلاق إلا كما روى بكير بن أعين أن يقول لها وهى طاهر من غير جماع أنت طالق، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوى ذلك فهو ملغى " وفي الانتصار " إجماع الامامية على ذلك ". قلت: وبذلك افترق الطلاق عن غيره مما توسع في صغيته، لا للأصل الذي ذكره المصنف الذي نحوه جار في غيره، كأصل عدم انتقال المال في البيع ونحوه، ولكن مشروعية البيع الحاصل عقده بانشائه باللفظ الصريح حقيقة أو مجازا متعارفا على اختلاف القولين قطعه، ومثله جار في المقام لولا الادلة الخاصة. (و) على كل حال ف (لو قال أنت الطالق أو طلاق أو من المطلقات لم يكن شيئا ولو نوى به الطلاق) بلا خلاف أجده فيه، لعدم الهيئة الخاصة وإن وجدت المادة بل (وكذا لو قال: مطلقة و) إن (قال الشيخ) في المبسوط (الاقوى أنه يقع إذا نوى) به إنشاء (الطلاق، وهو) واضح الضعف لما عرفت بل يلزمه القول به في غيره من الصيغ السابقة التي اعترف بعدم وقوع الطلاق بها، لا لما ذكره المصنف من أنه (بعيد عن شبه الانشاء) باعتبار دلالته على المضي، ضرورة كونه كالصيغة السابقة بالنسبة إلى ذلك بعد فرض النقل من الاخبار إليه، بل ذكروا أن الماضي انسب بالنقل إلى إرادة الانشاء من غيره، ولذا جعلو صيغ العقود الصريحة بلفظه، فالتحقيق كون الفارق النص المعمول به بين الطائفة قديما


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4 - 1.

[ 58 ]

وحديثا في مقابلة ما أبدعه مخالفوهم من التوسعة في ذلك. حتى أوقعوه بالكناية المراد بها الطلاق. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما في المسالك من المناقشة في ذلك، كما أن منه يظهر لك أن ما يذكره الأصحاب من التعليلات التي لا توافق ما ذكروه في العقود إنما هو لبيان المناسبة بعد الوقوع، وإلا فالعمدة النصوص المزبورة. (و) لعله لذلك (لو قال: طلقت فلانة) بقصد الانشاء (قال) الشيخ: (لا يقع) فما في المسالك من إشكاله بما اتفقوا على وقوعه بمثله في العقود في غير محله (و) لكن (فيه إشكال ينشأ من) وجه آخر، وهو (وقوعه عند) الشيخ وبعض أتباعه ب‍ (سؤاله هل طلقت امرأتك ؟ فيقول: نعم) لخبر السكوني (1) عن الصادق عن أبيه، عن علي عليهم السلام " عن الرجل يقال له: طلقت امرأتك، فيقول: نعم، قال: قد طلقها حينئذ " ومن المعلوم أن قول: " نعم " تابع للفظ السؤال ومقتض، لا علامة على سبيل الانشاء، فكأنه قال: " طلقتها " فإذا وقع باللفظ الراجع إلى شئ لزم وقوعه باللفظ الأصلي إذ هو أولى، بل يمكن القول به دونه للفرق بين الملفوظ والمقدر في الصيغ، واحتمال الفرق بالنص جمود مستقبح. نعم التحقيق عدم الوقوع بهما معا، لما عرفت مما لا يعارضه خبر السكوني بعد ضعفه وعدم الجابر، بل الموهن متحقق، وبعد احتمال كون المراد به الحكم عليه بالطلاق للاقرار، لا أنه إنشاء طلاق، كما لعله المراد من مرسل عثمان (2) عن أبى عبد الله عليه السلام قلت له: " رجل طلق امرأته من هؤلاء، ولي بها حاجة، قال: فتلقاه بعد ما طلقها وانقضت عدتها عند صاحبها، فتقول له: أطلقت فلانة ؟ فان قال نعم فقد صارت تطليقه على طهر، فدعها من حين طلقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدتها، ثم تزوجها، فقد صارت تطلليقة بائنة " وموثق إسحاق عنه عليه السلام (3) أيضا


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6. (2 و 3) الوسائل الباب - 36 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 1 من كتاب النكاح.

[ 59 ]

" في رجل طلق امرأته ثلاثا، فأراد رجل أن يتزوجها فيكف يصنع قال: يدعها حتى تحط وتطهر ثم يأتيه ومعه رجلان شاهدان فيقول: أطلقت فلانة ؟ فإذا قال: نعم تركها ثلاثة أشهر، ثم خطبها إلى نفسه " ونحوه موثقه الاخر (1) وموثق حفص بن البختري (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا، ضرورة ظهورها أجمع أو صراحتها في إرادة الإخبار عن طلاق سابق من قول: " نعم " ومثله لا يصلح لوقوع الطلاق، للاجماع من الأمة على اعتبار الانشاء فيه، ولذا لم يستدل بها أحد في المقام. فمن الغريب ما في الحدائق من التزام الطلاق به حتى مع قصد الإخبار رادا على الأصحاب بهذه النصوص التي يجب حملها على إرادة الاشهاد على إقراره والاستظهار بمضي العدة من حين الاقرار لكونه من المخالفين كما هو واضح. (و) كيف كان فقد بان لك الوجه في أنه (لا يقع الطلاق بالكناية) عندنا التى هي اللفظ المحتمل للطلاق وغيره وإن أريد به بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (3) في الصيغة، بل قد عرفت عدم وقوعه بالصريح من غير الصيغة المخصوصة فضلا عنها، نحو " طلقت " و " أنت مطلقة " وإن اختلف فيها، فما في المسالك من أنه أطبق أصحابنا على عدم وقوعه به مطلقا يعنى بجميع ألفاظ الكناية ولكن اختلفوا في كلمات مخصوصة وهي من جملتها، وقد تقدم بعضها، وسيأتى منها بعض آخر، والفرق بينها وبين غيرها لا يخلو من تكلف واضح الفساد، نعم ستسمع الخلاف في خصوص " اعتدى " منها لظاهر النص (4) الذى ستعرف الحال. ولا خلاف أجده في اعتبار النية بالكناية عند من أوقع الطلاق بها، وأن ذلك هو الفرق بينها وبين الصريح الذي لا يحتاج إلى زيادة عن قصد معناه بخلافها، فانه يحتاج إلى قصد الطلاق بها، ولا يكفى إرادة المعنى الكفائي الدال على الطلاق بنوع


(1 و 2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 - 1. (3 و 4) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 60 ]

من الالتزام، والأمر سهل بعد أن عرفت عدم وقوع الطلاق بها عندنا على كل حال. (و) كذا (لا) يقع (بغير العربية مع القدرة على التلفظ باللفظ المخصوص) وفاقا للمشهور، لظاهر النصوص السابقة (1) مضافا إلى ما ذكرناه في البيع الذي من المعلوم أولوية الطلاق منه بالنسبة إلى ذلك وكونها من المرادف لها والمقصود المعنى اجتهاد كدعوى اندراجه في إطلاق الأدلة الذى هو بعد تسلميه مقيد بما سمعت، بل الظاهر عدم الإجتزاء بالملحون منها للقادر على الصحيح ولو بالتعلم فضلا عنها، للأصل وظاهر النص (2) بل لعله أولى بالمنع، لخروجه عن سائر اللغات، خلافا لما عساه يتوهم من إطلاق الشيخ في النهاية وبعض أتباعه من الاجتزاء بمرادف الصيغة المزبورة من كل لغة، لخبر وهب بن وهب (3) المعروف بالكذب عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " كل طلاق بكل لسان فهو طلاق " الذي لا جابر له، بل الموهن متحقق، بل لا يبعد دعوى كونه مساقا لأصل بيان الاكتفاء بذلك، فيكفى في صحته حال العجز الذي لا خلاف ولا إشكال فيه لذلك، ولفحوى الاكتفاء باشارة الأخرس وغير ذلك مما سمعته في البيع، بل قد يحمل كلام الشيخ ومن تبعه عليه. (و) كذا (لا) يقع (بالاشارة) قولا واحدا، للأصل وظاهر النصوص (4) السابقة (إلا مع العجز عن النطق) فيقع حينئذ بالاشارة المفهمة لارادة الانشاء، وذلك لأنه لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (يقع طلاق الأخرس) وعقده وايقاعه (بالاشارة الدالة) على ذلك على نحو غيره من مقاصده، بل قد عرفت الإجتزاء بها في عباداته فضلا عن معاملاته. وما في روايتي السكوني (5) وأبى بصير (6) عن الصادق عليه السلام " طلاق الأخرس) أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها " وهي التى عبر عنها المنصف بقوله:


(1 و 2 و 4) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (5 و 6) الوسائل الباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 5.

[ 61 ]

(وفي رواية يلقى عليها القناع، فيكون ذلك طلاقا) وفي خبر أبان بن عثمان (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن طلاق الأخرس، قال: يلف قناعها على رأسها ويجذبه " محمول على أن ذلك من أفراد الاشارة، لا اختصاص صحة الطلاق بذلك منها، لضعف الخبرين وإن كان هو الأحوط تخلصا مما حكي عن جماعة منهم الصدوقان من اعتبار ذلك وإن أمكن حمله على ما سمعته أيضا كصحيح ابن أبى نصر (2) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة فيصمت فلا يتكلم، قال: أخرس ؟ قلت نعم، قال: يعلم منها بغض لامرأته وكراهة لها ؟ قلت: نعم، يجوز له أن يطلق عنه وليه ؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: أصلحك الله تعالى لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها ؟ قال: بالذي يعرف بها من فعله مثل ما ذكرت من كراهته لها أو بغضه لها " المحمول على ان الكتابة أيضا من جملة أفراد الاشارة، بل لعلها أقواها، لأنها أضبط وأدل على المراد، ولعله لذا قدمها إبن إدريس على غيرها من أفراد الاشارة، لكن لا دليل عليه سوى الصحيح المزبور الذي لا دلالة فيه على اعتبار الترتيب، وأقصاه الدلالة على ذكر أفراد الاشارة، لخبر يونس (3) " في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته قال: إذا فعل ذلك في قبل الطهر بشهود وفهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنة ". وبالجملة لا يخفى على من له أدنى علم بروايات أهل العصمة عليهم السلام ظهورها فيما ذكرنا من المعنى، وقد تقدم في البيع وغيره ما يؤكده ذلك وما يستفاد منه حكم من لا يستطيع إلا العربية الملحونة مادة أو إعرابا أو غير ذلك، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (لا يقع الطلاق بالكتابة من الحاضر وهو قادر على


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2. (2 و 3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 4.

[ 62 ]

التلفظ قولا واحدا، للأصل والنصوص (1) السابقة الحاصرة للطلاق بالقول المخصوص، وغيرها كقوله عليه السلام (2): " إنما يحرم الكلام ويحلل الكلام " مضافا إلى معلومية عدم وقوع الطلاق بالأفعال، بل ربما ادعى أنه اسم للألفاظ المخصوصة المؤثرة للطلاق، وإلى صحيح زرارة (3) " قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثم بداله فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتى يتكلم به " ومضمر ابن أذينة (4) " سألت عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه، قال: ليس بشئ حتى ينطق به " من غير فرق في ذلك بين الغائب والحاضر، لإطلاق الأدلة، بل في الخلاف والمبسوط الاجماع على ذلك على أن مقتضى قاعدة السببية عدم الفرق فيها بين الجميع في العقود والايقاعات (نعم لو عجز عن النطق) ولو لعارض في لسانه (فكتب ناويا به الطلاق صح) بلا خلاف، لما سمعته في الأخرس نصا (5) وفتوى. (و) لكن مع ذلك كله (قيل) والقائل ابنا حمزة والبراج تبعا للشيخ في النهاية التي هي معدة لذكر متون الأخبار، وإلا فقد سمعت دعواه الاجماع على العدم في كتابي الفتوى (يقع بالكتابة إذا كان غائبا عن الزوجة) لصحيح الثمالي (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى أمرأتي بطلاقها أو اكتب إلى عبد بعتقه يكون ذلك طلاقا وعتقا فقال: لا يكون طلاق ولا عتق حتى ينطق به لسانه، أو يخطه بيده وهو يريد به الطلاق أو العتق،


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب أحكام العقود الحديث 4 من كتاب التجارة. (3 و 4) الوسائل الباب - 14 -. من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 - 1 والثاني عن عمر بن أذينة عن زرارة، قال: " سألته... ". (5) الوسائل الباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 و 4. (6) الوسائل الباب - 14 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 عن أبى جعفر عليه السلام.

[ 63 ]

ويكون ذلك منه بالأهلة والشهور، ويكون غائبا عن أهله " المعلوم قصوره عن مقاومة ما تقدم من وجوه: (منها) موافقة الصحيح المزبور للعامة الذين أوقعوا الطلاق بالكتابة كالكناية، لأنها أحد الخطابين، وأحد اللسانين المعربين عما في الضمير، ونحو ذلك من الاعتبارت التي لا توافق أصول الامامية. و (منها) الشذوذ حتى من القائل به، لعدم اعتباره الكتابة بيده على وجه لا يجوز له التوكيل، بل قد سمعت دعوى الاجماع في مقابله، مؤيدا بالتتبع لكلمات الأصحاب قديما وحديثا، بل لا يخلو ذيله من تشويش ما أيضا. مضافا إلى ما سمعته من النصوص، فكيف يحكم بمثله على غيره وإن كان هو مقيدا والأول مطلقا الا ان من المعلوم اعتبار المقاومة فيه من غير جهتى الاطلاق والتقييد، كما تحرر في الأصول، ولا ريب في فقدها كما عرفت، وحينئذ فالمتجه طرحه أو حمله على التقية أو على كون " أو " فيه للتفصيل الذي يكفي فيه الجواز حال العجز، لا للتخيير، أو غير ذلك من الاحتمالات التي هي أولى من الطرح بعد أن عرفت مرجوحيته بالنسبة إلى مقابله (و) على كل حال فالقول (ليس بمعتمد). فمن الغريب ما في المسالك من الاطناب في ترجيح مضمون الخبر المزبور لمكان صحة سنده وكونه مقيدا والمعارض له مطلق، لكن لا عجب بعد أن كان منشأ ذلك اختلال طريقة الاستنباط كما وقع له، وتسمع مثل ذلك غير مرة، ونسأل الله العفو لنا وله من أمثال ذلك، وأغرب من ذلك تأييده القول بالصحة بالاعتبارات المذكورة في كتب العامة، فلا حظ وتأمل. ثم قال في المسالك: " واعلم انه على تقدير القول بوقوعه بها يعتبر القصد بها إلى الطلاق، وحضور شاهدين يريان الكتابة، وهل يشترط رؤيته حال الكتابة أم يكفي رؤيتهما لها بعدها، فيقع حين يريانها ؟ وجهان، والأول لا يخلو من

[ 64 ]

قوة، لأن ابتداءها هو القائم مقام اللفظ، وإنما تعلم النية باقراره، ولو شك فالأصل عدمها، وحينئذ فتكون الكتابة، كالكناية، ومن ثم ردها الأصحاب مطلقا إطرادا للقاعدة، مع أنهم نقضوها في مواضع كما ترى، ولا فرق في الغائب بين البعيد بمسافة القصر وعدمه، مع احتمال شموله للغائب عن المجلس، لعموم النص (1) والأقوى اعتبار الغيبة عرفا، ولتكن الكتابة للكلام المعتبر في صحة الطلاق، كقوله: " فلانة طالق " أو يكتب إليها " أنت طالق " ولو علقه بشرط كقوله ": إذا قرأت كتابي فأنت طالق " فكتعليق اللفظ " إلى غير ذلك مما ذكره العامة مفرعين له على اصلهم الفاسد. والأصحاب إنما ردوا عليهم الكنايات القولية فضلا عن الفعلية، ولولا النهي عن اللغو في الكلام لأمكن مناقشتهم في كثير مما ذكروه من هذه الفروع على ذلك الأصل الفاسد، والله أعلم بحقيقة الحال. (و) على كل حال ف‍ (لو قال) " أنت (خلية) من الزوج (أو " برية) منه: (أو " حبلك على غاربك " أو " ألحقى بأهلك " أو " بائن أو " حرام " أو " بتة ") أي مقطوعة الزوجية (أو " بتلة ") أي متروكة النكاح أو " لا أنده سربك " أو " أغربي عني " أي غيبي، أو " اغربي " أي تباعدي أو " اذهبي " أو (اخرجي) أو " تجرعي كأس الفراق " أو " ذوقي مرارته " أو " كلى زاده " أو " اشربي شرابة " أو غير ذلك من ألفاظ الكناية التي ذكرها العامة في كتبهم أمثلة للظاهر منها والخفى (لم يكن شيئا (عندنا سواء (نوى الطلاق) بها (أو لم ينوه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (2) السابقة الحاصرة للطلاق بما سمعت والمصرحة بعدم وقوع الطلاق بامثال ذلك. وخلافا لهم، فجوزوا وقوع الطلاق بها مع مقارنة النية لجميع اللفظ كما


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 16 و 15 - من أبواب مقدمات الطلاق. (جواهر الكلام - ج 4)

[ 65 ]

في قول، ولأوله سواء استمرت إلى آخره أولا في آخر، بخلاف ما إذا تقدمت عليه أو تأخرت عنه، نعم لو اقترنت بآخره وجهان، كما أن القولين لهم في أن أولها " أنت " أو الباء من " بائن " إلى غير ذلك من خرافاتهم التى تمجها الأسماع، لأنها من وحي الشياطين بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وكان اعتبارهم النية هنا للفرق عندهم بين صريح اللفظ وكنايته، فلم يعتبروا النية في الأول، فجوزوه من السكران والهازل بخلاف الثاني، فاعتبروا فيه النية على الوجه المزبور. أو يقال: إن الصريح لااشتراك فيه بين معنى الطلاق وغيره، بخلاف الكنائي فانه مشترك بين معنيين، فلابد من قصد المعنى الطلاقي منه بخلاف الأول، وفيه أنه لا صريح في الطلاق على وجه لا يحتمل غيره حتى " أنت طالق " المحتمل للإنشاء والإخبار، ومنه حل الوثاق وغيره. أو يقال: إن المراد عدم اعتبار العلم بحصول النية في الحكم بالطلاق إذا كان بالصريح، بخلاف الكنائي فانه لابد من العلم بذلك بتصريح منه أو بغيره من قرائن الأحوال، أو غير ذلك مما لا حاجة لنا في تحقيقه بعد أن عرفت عدم الوقوع بالكناية عندنا، بل وبالصريح مع عدم القصد إلى الطلاق به وإن أطنب بعض الناس هنا في ذلك. (و) كيف كان فقد بان لك من جميع ما ذكرنا أنه (لو قال: " أعتدى " ونوى به الطلاق) أو استبرئي رحمك لم يكن شيئا، لما سمعته من الأدلة السابقة، مضافا إلى الاجماع في الانتصار ومحكي الخلاف عليه بالخصوص، وإلى أنه من الكناية بل الخفي منها الذي قد عرفت الاجماع وغيره على عدم الطلاق به، نعم قد ذكره العامة في ألفاظ كناية الطلاق، حتى صرح بعضهم بوقوعه به وإن كان غير مدخول بها. ولكن (قيل) والقائل محمد بن أبى حمزة والاسكافي منا (يصح) الطلاق بقول: " اعتدى " بل عن الطاطرى أنه الذي أجمع عليه (وهي رواية الحلبي (1)


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

[ 66 ]

ومحمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام) المتقدمتان سابقا، إلا أن الجميع كما ترى. (و) لذا (منعه كثير) بل الجميع (وهو الأشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها طرح الخبر الشاذ الموافق للعامة المهجور بين الأصحاب، حتى حكوا الاجماع عليه، بل عن ابن سماعة أنه قال: " غلط محمد بن أبى حمزة في ذلك " وأما الاسكافي فمن المعلوم ميله إلى ما عليه العامة من القياس فضلا عن ذلك، فلا محيص للفقيه المستضئ بأنوار أهل العصمة عليهم السلام عن رد هذين الخبرين إليهم بالنسبة إلى ذلك، أو الحمل على التقية التى لا ينافيها ذكر عدم الوقوع بنحو " خلية " و " برية " مما يقع الطلاق بها عندهم، لا مكان الابهام عليهم بالفرق بين ألفاظ الكنايات كما وقع لبعضهم، أو على إرادة معنى الواو من " أو " على معنى ذكر ما يدل على إرادة الطلاق من " أنت طالق " في مقابل قول العامة بوقوع الطلاق أو على إرادة بيان كون الطلاق يقع بحضورها أو غيبتها، فان كان الثاني إليها رسولا يقول لها: " اعتدى ". كما عساه يشهد له الصحيح أو الحسن (2) عن أبى جعفر عليه السلام " الطلاق للعدة أن يطلق الرجل امرأته عند كل طهر، يرسل إليها أن اعتدى فان فلانا قد طلقك " والموثق (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " يرسل إليها فيقول الرسول: اعتدى فان فلانا قد فارقك " قال ابن سماعة رواى الموثق " إنما معنى قول الرسول: اعتدى فان فلانا قد فارقك: يعنى الطلاق أنه لا يكون فرقة إلا بطلاق " وفي الكافي متصلا بذلك: حميد بن زياد عن ابن سماعة عن على بن الحسن الطاطري (4) قال: " الذى أجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق أو اعتدى، وذكر أنه قال لمحمد بن


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 عن أبى جعفر عليه السلام كما تقدم في ص 56. (2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 - 2. (4) الكافي ج 6 ص 70.

[ 67 ]

أبى حمزة: كيف يشهد على قوله، اعتدى ؟ قال: يقول اشهدوا اعتدى، قال ابن سماعة: غلط محمد بن أبى حمزة أن يقول: اشهدوا اعتدى، قال الحسن بن سماعة: ينبغى أن يجئ بالشهود إلى حجلتها، أو يذهب بها إلى الشهود في منازلهم وهذا المحل الذي لا يكون، ولم يوجب الله عزوجل هذا على العباد، وليس الطلاق إلا كما روى بكير بن أعين: إلى آخر ما سمعت سابقا. ومن الغريب بعد ذلك كله ميل ثانى الشهيدين إلى القول المزبور، بل زاد عليه بالتعدي إلى كل كناية هي أولى منه، وربما تبعه على ذلك بعض من تأخر عنه، وأطنب في الكلام، وأظهر العجب، والانصاف أنه أحق بذلك، بل في كلامه نظر من وجوه، زيادة على كون منشئه الخلل في طريقة الاستنباط، بل فيما نقله عن الحسن ابن سماعة خلل على ما في الكافي من أنه روى ذلك عن بكير بن أعين، لا عن ابن بكير الذي طعن فيه وفي روايته، وكان الاعراض عن كلامه وعما فيه أولى، فلاحظ وتعجب، واشكر الله المؤيد المسدد، والله العالم. (ولو خيرها وقصد) تفويض (الطلاق) إليها وجعله بيدها (فان اختارته) أي الزوج (أو سكتت ولو لحظة) تقدح في الاتصال عرفا (فلا حكم) له عندنا، بل وعند المخالفين عدا مالك منهم، فانه قال: " تكون عنده مع اختيارها له على طلقة " وفى إيضاح الفخر " إذا تأخر اختيارها لم يقع اتفاقا وإن اختارت عقيب قوله بلا فصل فالا كثر كالشيخ أنه لا يقع " لكن عن ابن أبي عقيل الاكتفاء باختيارها في المجلس، ولعله لخبر زرارة (1) عن أبى جعفر عليه السلام " قلت له: رجل خير امرأته، فقال: إنما الخيار لهما ما داما في مجلسهما، فإذا تفرقا فلا خيار لهما ". (وإن اختارت نفسها) بقصد الطلاق (في الحال قيل) والقائل بعض العامة: (تقع الفرقة بائنة) نعم عن ابن الجنيد منا ذلك إذا كان بعوض. (وقيل) والقائل بعض آخر منهم وابن أبي عقيل منا: (تقع) الفرقة (رجعية).


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7.

[ 68 ]

(وقيل: لا حكم له) أصلا (وعليه الأكثر) بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا من ابني أبي عقيل والجنيد والمرتضى، بل ظاهر ما حضرني من انتصار الأخير منهم عدم القول به، فينحصر الخلاف حينئذ في الأولين، وأما الصدوق فأقصاه أنه روى ما يدل على ذلك (1)، وقد رجع عما ذكره في أول كتابه من أنه لا يروى فيه إلا ما يعمل عليه، كما لا يخفى على المتصفح له، وعلى كل حال فهو من الأقوال النادرة المهجورة، نحو ما سمعته من القول بوقوعه بقول: " اعتدى " أو نحوه من الكنايات. وحينئذ فحجة المشهور مضافا إلى ما تسمعه من الروايات الخاصة (2) ما تقدم من الرويات (3) الحاصرة للطلاق بالصيغة الخاصة، ضرورة كون المحصل من كلمات العامة والخاصة كون التخيير من الطلاق الكنائي، لا أنه قسم مستقل برأسه كالخلع والمباراة واللعان كى لا يستدل عليه بالحصر في صيغة الطلاق وإن كان يوهمه بعض النصوص (4) وظاهرهم أن الكناية بقولها: " اخترت نفسي " وحينئذ فلو قالت: " أنا طالق " في جوابه لم يكن إشكال في وقوعه حينئذ عند من يجوز مباشرتها له بالاذن فيه، لكونه بالصريح فيكون البحث حينئذ عندنا في صحته بخصوص هذه الكناية وعدمه. وقد يحتمل كون الكناية تخييره لها بقصد الطلاق، ومرجعه إلى الطلاق منه، لكنه معلق على اختيارها، وهو مبني عند العامة على صحة وقوعه بالكناية


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 14 و 15. (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث -. - (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 15 والباب 6 من كتاب الخلع والمباراة.

[ 69 ]

ومعلقا أما عند الخاصة المخالفين في الأصلين ففي جوازه حينئذ في خصوص ذلك منهما، ولعله لذا استدل بعض أصحابنا في المقام على البطلان بما دل على فساد التعليق، وكان السبب في ذلك تشويش كلمات العامة والخاصة في تحقيقه، وإن كان الأصح بطلانه على الاحتمالات الثلاثة التي أظهرها كونه طلاقا بالكناية بقولها: " أخترت نفسي " للمعتبرة المستفيضة المعتضدة بالعمل قديما وحديثا. كخبر عيسى بن القاسم (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت منه ؟ قال: لا، إنما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة، أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقهن، وهو قول الله تعالى (2) " قل لأزواجك " إلى آخره " وهو ظاهر في الاحتياج إلى الطلاق بعد الاختيار وعن بعض النسخ " لطلقن وحينئذ يكون وجه اختصاصه واضحا اما على الأول الموافق لظاهر استدلاله بالآية يكون اختصاصه، بوجوب الطلاق عليه لو اخترن أنفسهن. وخبر محمد (3) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الخيار، فقال: ما هو ؟ وما ذاك ؟ إنما ذاك شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وخبره الاخر (4) " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خير نساءه، فاخترن الله ورسوله فلم يمسكهن على طلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن، فقال: إن هذا حديث كان يرويه ابي عن عائشة، وما للناس والخيار، إنما هذا شئ خص الله به رسوله " وهو صريح في الرد على مالك القائل بأن المخيرة على طلقة إذا اختارت زوجها، وفي أن الحديث الذي يرويه ابي بن كعب عن عائشة من أكاذيبها وافتراآتها، وإنما الحق ما سمعته من تخييرهن في ذلك، ولو أنهن اخترن أنفسهن لطلقهن رسول الله صلى الله عليه وآله بطلاق.


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4 عن عيص بن القاسم كما في الكافي ج 6 ص 137 والاستبصار ج 3 ص 312. (2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 28. (3 و 4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 3.

[ 70 ]

وخبره الاخر (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " ما للنساء والتخيير ؟ إنما هذا شئ خص الله به رسوله ". وخبره الاخر (2) عن أبى عبد الله عليه السلام أيضا " في الرجل إذا خير امرأته فقال: إنما الخيرة لنا ليس لأحد، وإنما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمكان عائشة، فاخترن الله ورسوله، ولم يكن لهن أن يتخيرن غير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ". بل وخبر زرارة (3) " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عزوجل أنف لرسوله عن مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل الله تبارك وتعالى آية التخيير، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وآله تسعا وعشرين ليلة في مشربة ام إبراهيم، ثم دعاهن فخيرهن، فاخترنه، فلم يك شيئا، ولو اخترن أنفسهن كانت واحدة بائنة، قال: وسألته عن مقالة المرأة ما هي ؟ فقال: إنها قالت: يرى محمد صلى الله عليه وآله أنه لو طلقنا أنه لا يأتينا الأكفاء من قومنا يتزوجونا " بناء على أن المراد من أن الله تعالى أنف له، وخصه بهذا التخيير، ومن قوله عليه السلام: " ولو اخترن " إلى آخرها أي كانت تطليقة بعد اختيار أنفسهن تطليقة واحدة بائنة وكأنه لم يصرح بذلك ليكون أقرب إلى التقية. ومنه حينئذ يظهر وجه الدلالة في خبر (4) الكناني وخبر عبد الأعلى (5) وخبر داود بن سرحان (6) وخبر أبي بصير (7) بل قد يستفاد مما مر من النصوص في كتاب النكاح الدالة على عدم صحة تولية النساء هذا الأمر (8) حتى لو جعل


(1 و 2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 13 - 2. (3) الكافي ج 6 ص 137 و 138. (4 و 5) الكافي ج 6 ص 138. (6) الكافي ج 6 ص 138 و 139. (7) الكافي ج 6 ص 139. (8) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 والباب 42 منها.

[ 71 ]

ذلك شرطا كان باطلا. (منها): مرسل مروان عن بعض أصحابنا (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها ؟ قال فقال: ولي الأمر من ليس أهله، وخالف السنة، ولم يجز النكاح ". و (منها) صحيح ابن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى على عليه السلام في رجل تزوج امرأة فأصدقها واشترطت أن بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنة ووليت الحق من ليس بأهله، قال: وقضى على عليه السلام أن على الرجل النفقة، وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة " ونحوه مرسل ابن فضال (3). ولا يخفى ظهور الجميع في عدم جواز التولية المزبورة، ولذا لم يصح اشتراطها فبناء على ان المراد من التخيير هذه التولية لا أنه قسم من التوكيل والتفويض يتجه دلالة هذه النصوص حينئذ على فساده من أصله، وربما كان في قوله عليه السلام في خبر أبن مسلم (4) " ما للنساء والتخيير " إشارة إلى ذلك، وعلى كل حال فلا ريب في أن مذهب الامامية قديما وحديثا عدم التخيير المزبور في مقابلة العامة القائلين بجوازه على شدة اختلافهم فيه، وأنه يقتضي الطلاق البائن أو الرجعي، وللتقية منهم وردت جملة من النصوص مختلفة كاختلافهم. (منها): صحيح ابن مسلم (5) عن أبى جعفر عليه السلام " إذا خيرها وجعل أمرها بيدها في قبل عدتها من غير أن يشهد شاهدين فليس بشئ، وإن خيرها


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح مع اختلاف يسير، وذكره بلفظه في التهذيب ج 7 ص 369. (3) الوسائل الباب - 42 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 عن ابن فضال عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4 و 5) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 13 - 14.

[ 72 ]

وجعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدتها فهي بالخيار ما لم يتفرقا، فان اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحق برجعتها، وإن اختارت زوجها فليس بطلاق " وخبر الصيقل (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " الطلاق أن يقول الرجل لامرأته: اختاري، فان اختارت نفسها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب وإن اختارت زوجها فليس بشئ، أو يقول: أنت طالق، فأي ذلك فعل فقد حرمت عليه، ولا يكون طلاق ولا خلع ولا مباراة ولا تخيير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ". و (منها): صحيح ابن يسار (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لامرأته: قد جعلت الخيار إليك، فاختارت نفسها قبل أن تقوم، قال: يجوز ذلك عليه، قلت: فلها متعة ؟ قال: نعم، قلت: فلها ميراث إن مات الزوج قبل أن تنقضي عدتها ؟ قال: نعم، وإن ماتت هي ورثها الزوج. و (منها): خبر زرارة (3) عن أبى جعفر عليه السلام " قلت له: رجل خير امرأته، قال: إنما الخيار لهما ماداما في مجلسهما، فإذا افترقا فلا خيار لهما، قلت: أصلحك الله فان طلقت نفسها ثلاثا قبل أن يتفرقا من مجلسهما، قال لا يكون أكثر من واحدة، وهو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها، قد خير رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه فاخترنه، فكان ذلك طلاقا، قال: فقلت: لو أخترن أنفسهن ؟ قال ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله لو اخترن أنفسهن أكان يمسكهن ؟ ". و (منها) صحيحه ومحمد بن مسلم (4) عن أحدهما عليهما السلام " لا خيار إلا على طهر من غير جماع بشهود ". و (منها) خبر زرارة (5) أيضا عن أحدهما عليهما السلام " إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب، فان اختارت زوجها فلا شئ ".


(1 و 2 و 3) الوسائل - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 15 - 17 - 12. (4 و 5) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 8 - 9.

[ 73 ]

ومنها) خبر يزيد الكناسي (1) عن أبي جعفر عليه السلام " لا ترث المخيرة من زوجها شيئا في عدتها، لأن العصمة قد انقطعت فيما بينها وبين زوجها من ساعتها فلا رجعة له عليها، ولا ميراث بينهما " ونحوه حسن حمران (2). وهي كما ترى ظاهرة فيما ذكرناه، ولا ينافي ذلك صحة سندها وكثرة عددها، بل اختلافها في أنه رجعي أو بائن كاف في الارشاد إلى ذلك، ضرورة أنه إن كان طلاقا ولكنه بلفظ " اخترت " فالمتجه جريان حكمه عليه، لا أنه بائن على كل حال، وإن كان سببا آخر من أسباب الفراق فليس هو إلا بائنا كاللعان والفسخ بالعيب ونحوهما. واحتمال الجمع بينهما بارادة البينونة إذا حصل سببها من عوض أو عدم دخول أو نحو ذلك كما في المسالك حاكيا له عن ابن الجنيد يأباه ظهورها في أن ذلك حكم التخيير من حيث نفسه، فليس حينئذ إلا الجرى على مذاق العامة. على أنه لم يحك عن أحد الثلاثة منا القائلين بمشروعية التخيير المزبور باقتضائه البينونة التى دل عليها ما سمعته منها وإن نسبه المصنف إلى القيل، فتكون حينئذ شاذة لا قائل بها، كما أن ما فيها من ثبوت الخيار ماداما في المجلس أو قبل أن تقوم قد سمعت دعوى الاتفاق من الفخر على خلافه، بل لعله ظاهر عبارة المصنف، بل هو المحكى عن صريح ابن الجنيد من القائيلن بالقول المزبور، فهو شذوذ آخر وإن حكى عن العماني التعبير بمضمونها. وربما حمل الجميع على إرادة التخيير والخيار بما لا يقدح في الفورية العرفية من المجلس، إلا أنه كما ترى. وربما بنى احتمال الاتصال بين التخيير والاختيار على أن ذلك عقد تمليك أو توكيل، فعلى الأول يعتبر الاتصال كما في غيره من العقود بخلاف الثاني. وفيه (اولا) أن مقتضاه عدم اعتبار المجلس على الثاني، بل يجوز مطلقا و (ثانيا) أي احتمال كونه عقد تمليك في غاية السقوط، ضرورة أنه ليس من


(1 و 2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 10 - 11.

[ 74 ]

موضوعه كما هو واضح، ومن هنا احتمل بعض الناس كونه أمرا آخر مستقلا غيرهما. و (ثالثا) أنه إن كان من عقد التمليك فيكفى في قبوله ما يدل على الرضا بذلك من قول: " قبلت " ونحوه، لا اختصاص قبوله بوقوع الأختيار. وبالجملة فهذه الخرافات ونحوها مما تزيد ما ذكرناه قوة والمقابل ضعفا، وهي لائقة بأهلها. فمن الغريب بعد ذلك كله ميل الشهيد الثاني إلى القول المزبور، لهذه الأخبار التي قد عرفت حالها وما يعارضها وقوة خروجها مخرج التقية، بل قد عرفت التصريح في بعضها بأن ذلك حديث ابى عن عائشة. بل يكن الجمع بينها بأن المراد من هذه الاخبار التخيير التوكيلى أو ما يشبهه، كما عساه يومئ إليه ما سمعته في بعضها من أنها " لو طلقت نفسها ثلاثا وقعت واحدة " لا التولية الممنوعة المنافية لكون " الطلاق بيد من أخذ بالساق المنزل عليها الأخبار السابقة أوغير ذلك. هذا وفي المسالك " أن موضع الخلاف ما لو جعل التخير على الوجه المدلول عليه بلفظه، بأن يريد منها أن يتخير بلفظه أو ما أدى معناه، أما لو كان مراده من التخيير توكيلها في الطلاق إن شاءت كان ذلك جائزا بغير خلاف عند من جوز وكالة الامرأة فيه، ولم يشترط المقارنة بين الايجاب والقبول، كغيره من الوكالات، وكان فرضها حينئذ في ايقاعه بلفظ الطلاق المعهود وما أداه والعامة لم يفرقوا بين قوله: " اختاري نفسك " وبين قوله: " طلقي نفسك " في أنه تمليك للطلاق أو توكيل فيه، وأنه يتأدى باختيارها الفراق بلفظ الطلاق وبلفظ الاختيار وبما أدى معناهما بناء على أن جميع ذلك كناية عن الطلاق أو طلاق صريح، وأنه يقع بالأمرين ". قلت: قد يقال: إن العمدة في الخلاف العامة، فمع فرض كون العامة على

[ 75 ]

ما ذكر ينحصر وجه النزاع معهم بوقوعه بلفظ " اخترت " لصحة وقوعه بالكناية عندهم، أو لخصوص النصوص (1) المخصوصة بذلك، نحو ما سمعته من الخلاف في وقوعه بلفظ " اعتدى " كما هو دليل من وافقهم على ذلك من أصحابنا وعدمه، لما عرفت من نصوص الحصر (2) وخصوص الأخبار (3) التى لا يقاومها الأخبار الاخر (4) لما عرفت، وحينئذ فلا وجه لما ذكره أولا من أن موضع الخلاف ما ذكر. على أنه مبنى على استفادة كون التخيير اسما للانشاء المخصوص من الاية والنصوص (6) فالاختيار حينئذ إيقاع مخصوص مشروط صحته بسبق التخيير، أو أنه بمنزلة العقود شبه الخلع، فيكون قبولا للايجاب الذي هو التخيير. وبالجملة هو قسم من أقسام الطلاق سمى بالطلاق التخييري. لكن فيه أنه لا دلالة في الاية (7) بل ولا في الرواية على شئ من ذلك، وإن كان قد يشم من بعض النصوص (8) إلا أن الظاهر بمعونة الاية كون التخيير على حسب غيره من أفراد التخيير الذي مرجعه التفويض والاذن لها في ذلك، وحينئذ فان طلقت بلفظ الطلاق لم يكن فيه إشكال عند العامة والخاصة، وإن طلقت بقول: " اخترت نفسي " جاز عند العامة بناء على صحته بالكناية، ووافقهم عليه بعض


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل في الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (3) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 و 2 و 3 و 4. (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و 8 و 9 و 10 و 11 و 12 وغيرها. (5 و 7) سورة الاحزاب: 33 الاية 28. (6) الوسائل الباب - 41 -. من أبواب مقدمات الطلاق. (8) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 15 والباب 6 من كتاب الخلع والمباراة الحديث 4.

[ 76 ]

الخاصة، لما سمعته من النصوص (1) والمعروف العدم، وهو الذي استفاض في النصوص (2) التعرض له بخلاف الأول. وأما التخيير بالمعنى الأول الذي مرجعه إلى تولية الطلاق وجعل أمره إليها بعنوان كونها ولية له فهو الذي قد استفاض في النصوص (3) بطلانه، ولذلك لا يصح اشتراطه في عقد النكاح، وهو الذي أومأ إليه بقوله عليه السلام (4): " ما للنساء والتخيير ؟ " و " وليت الحق غير أهله " ونحو ذلك، بل مقتضى ما حكاه عن العامة عدم جوازه عندهم، ضرورة رجوعه إلى أمر شرعى ليس للناس تسلط عليه، ولذا جعلوا التخيير بمنزلة التوكيل الذي قد سمعت حكايته له عنهم، وبذلك بان لك أنه لا وجه لما ذكره أصلا، فتأمل جيدا. ثم إنه رحمه الله قد حكى عن أبن الجنيد أنه لو جعل الأختيار إلى وقت بعينه فاختارت قبله جاز اختيارها، وإن اختارت بعده لم يجز، وقال: " وهذا القول يشكل على إطلاقه باشتراط اتصال اختيارها بقوله، فلا يناسبه توقيته بمدة تزيد على ذلك، إلا أن يتكلف توقيته بمدة يسيرة لا تنافيه، بحيث يمكن فيه فرض وقوع اختيارها أو بعضه خارج الوقت المحدود مع مراعاة الاتصال، ولا يخلو من تكلف ".


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و 8 و 9 و 10 وغيرها. (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 و 2 و 3 و 4 وغيرها. (3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المهور من كتاب النكاح والباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 والباب - 42 - منها. (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 13. (5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 77 ]

قلت: هذا مؤيد لما قلناه من كون التخيير على نحو غيره من أفراده، وليس هو بمنزلة العقود، بل هو من التفويض والاذن في الشئ، ولكن مع عدم التوقيت قد يفهم منه الحالية، ومع التصريح بالمدة تعتبر هي دون ما بعدها. وأغرب من ذلك أنه ذكر فيها أيضا " أنه يجوز له الرجوع في التخيير ما لم يتخير مطلقا، وهو الظاهر من رواية زرارة (1) ولأنه إن كان تمليكا فالرجوع فيه قبل القبول جائز، وإن كان توكيلا فكذلك بطريق أولى - ثم قال -: ومقتضى قوله عليه السلام (2): " إن الخيار لهما " إلى آخره جواز فسخه لكل منها في المجلس وإن وقع التخيير من كل منهما، وهو مشكل من جانبها مطلقا، إذ لا خيار لها في الطلاق مطلقا، ومن جانبه لو كان بائنا، إلا أن الأمر فيه أسهل، لإمكان تخصيصه بالرجعي " إذ فيه أن المراد من الخيار لهما في نفس التخيير، لا في الاختيار المتعقب للتخيير، كما هو واضح بأدنى تأمل. ثم ذكر فيها أيضا " أنه يشترط في هذا التخيير ما يشترط في الطلاق: من استبراء المرأة، وحضور الشاهدين، وغير ذلك " وفيه أن ذلك يتم بناء على أنه طلاق بالكناية، أما على احتمال كونه سببا من أسباب الفراق فالمتجه الاقتصار على مادل عليه نصوصه منها دون غيره. ثم قال: " وهل يكفي سماع الشاهدين نطقهما معا أو نطقها خاصة ؟ ظاهر الرواية (3) والفتوى الأول، وأن الفراق يقع بمجموع الأمرين، فيعتبر سماعهما له، وينزل حينئذ منزلة الخلع، وإن اختلفا في كون الطلاق هنا من جانبها لا جانبه " وفيه أن ظاهر الفتوى حصول الطلاق باختيارها وإن اشتراط صحة ذلك بتخيرها، فهو كطلاق الوكيل حينئذ، بل وكذا لو قلنا بكونه تمليكا لها، إذ هو


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7. (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 وفيه " انما الخيار لها " وفي الاستبصار ج 3 ص 313 " انما الخيار لهما ". (3) الوسائل الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 14 و 15.

[ 78 ]

على كل حال شرط ترتب الأثر على اختيارها، لا أنه جزء من الطلاق، والفرق بينه وبين الخلع في غاية الوضوح، وأما النصوص فهي ظاهرة في كون التخيير في قبل العدة وحضور شاهدين إلا أنه يمكن بناء ذلك على اتصال الاختيار بالتخيير، فشهوده حينئذ شهوده، ويتفق النص والفتوى حينئذ. وبذلك كله بان لك الحال في فروع القول المزبور، كما بان لك الحال في فساد القول من أصله، ومن هنا اقتصرنا على المقدار المزبور من فروعه، وإلا ففي كتب العامة، خرافات كثيرة فرعوها على ذلك، وكفى بالله حاكما وشاهدا ورفيقا ومؤيدا ومسددا. (و) كيف كان ف‍ (لو قيل: هل طلقت فلانة ؟ فقال: نعم) منشئا له بذلك (وقع الطلاق) عند الشيخ في النهاية وبعض أتباعه والمصنف لخبر السكوني (1) الذي لا جابر له كي يصلح معارضا لنصوص (2) الحصر وغيرها مما يقتضي العدم، مضافا إلى الاعتراف بعدم وقوع الطلاق المقدر الذي قام مقامه " نعم " فهو أولى حينئذ بالمنع، وإلى ضعف الدلالة، لاحتمال إرادة الحكم بطلاقها للاقرار من قوله عليه السلام فيه: " فقد طلقها حينئذ " كما عرفت الكلام في ذلك مفصلا. (و) أما (لو قيل: هل فارقت أو خليت أو أبنت ؟ فقال: نعم لم يكن شيئا) عندنا لعدم صلاحية المقدر لا نشاء الطلاق أصلا لو صرح به فضلا عما قام مقامه، والفرض عدم نص بالخصوص. (ويشترط في الصيغة تجردها عن) التعليق على (الشرط) المتحمل وقوعه، نحو " إن جاء زيد " (و) على (الصفة) المعلوم حصولها، نحو " إذا طلعت الشمس " (في قول مشهور)، بل (لم أقف فيه على مخالف منا) بل في الانتصار والايضاح والتنقيح والروضة ومحكي السرائر وغيرها الاجماع عليه، وهو الحجة بعد ظهور نصوص (3) الحصر، ومنافاته لقاعدة عدم تأخر المعلول


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6. (2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 79 ]

عن علته، إذ السبب الشرعي كالسبب العقلي بالنسبة إلى ذلك إلا ما خرج بالدليل، بل هو في الحقيقة من الشرائط المخالفة للكتاب والسنة والمحللة حراما، ضرورة أنه بعد ظهور الأدلة في ترتب الأثر على السبب الذي هو الصيغة فاشتراط تأخره إلى حصول المعلق عليه شرع جديد، أو اشتراط لأمر لا يرجع مثله إلى المشترط وإنما يرجع به إلى الشارع، فلا وجه حينئذ لدعوى اقتضاء الاطلاقات وعموم " المؤمنون " (1) الصحة، مؤيدا ذلك كله باستصحاب بقاء النكاح، وبغير ذلك مما سمعته في العقود التي لا ريب في أولوية الطلاق منها بعدم الجواز. وبذلك كله يتضح لك فساد الطلاق بفساد الشرط، ضرورة اختلال القصد حينئذ، فيبطلان معا، ضرورة الفرق بين القصد والمنجز المفروض اعتباره في صحة الطلاق والقصد المعلق فمن الغريب بعد ذلك كله ميل ثاني الشهيدين في المسالك إلى الصحة لذلك، وقياسا له على الظهار ونحوه مما ثبت في الأدلة، مؤيدا له بأن في تعليقه حكمة لا تحصل في المنجز، فان المرأة قد تخالف الرجل في بعض مقاصده، فتفعل ما يكرهه، وتمتنع مما يرغب فيه، ويكره الرجل طلاقها من حيث إنه أبغض المباحات إلى الله تعالى شأنه، ومن حيث أنه يرجو موافقتها، فيحتاج إلى تعليق الطلاق بفعل ما يكرهه أو ترك ما يريده، فإما أن تمتنع فيحصل غرضه، أو تخالف فتكون هي المختارة للطلاق، وبما تقدم من خبر (2) من علق طلاق امرأة على تزويجها، وسؤاله النبي صلى الله عليه وآله فأجاب بانه " لا طلاق قبل النكاح " ولم يجبه بأن الطلاق المعلق على شرط باطل. وهو كما ترى لا يرجع إلى محصل ينطبق على اصول الإمامية، وإنما هو مناسب لخرافات العامة، ولذا أطبقوا على الجواز فيه، وملؤوا كتبهم من فروعه، والحمد لله الذي عافانا من كثير مما ابتلى به خلقه، ولو شاء لفعل، وكان خلو


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث - 4 - من كتاب النكاح. (2) راجع التعليقة (2) من ص 27.

[ 80 ]

نصوصنا من هذا الخرافات والحصر بالصيغة المنجزة للتعريض بهم. ولا فرق عندنا في عدم جواز التعليق المزبور بين المشيئة وغيرها، نعم لا بأس بها للتبرك، لكن عن المبسوط والخلاف " الاستثناء بمشيئة الله يدخل في الطلاق والعتاق، سواء كانا مباشرين مثل: " أنت طالق إنشاء الله " و " أنت حر إنشاء الله " أو معلقين بصفة نحو: " إذا دخلت الدار فأنت طالق إنشاء الله " و " إذا دخلت الدار فأنت حر إنشاء الله " وإن كان الطلاق والعتق بصفة لا يصح عندنا، وفي اليمين بهما وفي الاقرار وفي اليمين بالله فيوقف الكلام، ومن خالفه لم يلزمه حكم ذلك، لأصالة البراءة، وثبوت العقد، وإذا عقب كلامه بلفظ " إنشاء الله " في هذه المواضع فلا دليل على زوال العقد في النكاح أو العتق، ولا على تعلق حكم بذمته، فمن ادعى خلافه فعليه الدلالة، وروى ابن عمر (1) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من حلف على يمين وقال في أثرها: إنشاء الله لم يحنث فيما حلف عليه " وهو على العموم في كل الأيمان بالله وبغيره ". وكأنه مناف لما ذكره في كتاب الأيمان من الخلاف، قال فيه على ما حكى عنه: " لا يدخل الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلا في اليمين فحسب، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: ويدخل في الأيمان بالله وبالطلاق والعتاق وفي النذور وفي الاقرار، دليلنا: أن ما ذكرناه مجمع على دخوله فيه، وما قالوه ليس عليه دليل ". ومن هنا قال ابن إدريس: " لا يدخل الاستثناء بمشيئة الله عندنا بغير خلاف بين أصحابنا معشر الامامية إلا في اليمين بالله حسب، لأنه لا أجد أحدا من أصحابنا قديما وحديثا يتجاسر ويقدم على أن رجلا أقر عند الحاكم بمال لرجل آخر وقال بعد إقراره: إنشاء الله لا يلزمه ما أقر به، فأما شيخنا أبو جعفر فهو محجوج بقوله، فانه رجع عما قاله في كتاب الطلاق من الخلاف بما قاله في كتاب الأيمان، ففي المسأله الاولى اختار مذهب أبى حنيفة، وفي الثانية مذهب مالك " ثم استدل على صحة المسألتين.


(1) سنن البيهقي ج 10 ص 46 و 47. (جواهر الكلام - ج 5)

[ 81 ]

ودفعه في المختلف بأن " مقصود الشيخ في المسألة الاولى قبول الطلاق والعتق للايقاف بالمشيئة، فيبطل الايقاع، ولو لم يقبلاه كان الاستثناء باطلا، ويكون الطلاق والعتق ماضيين وهو باطل إجماعا منا، ومقصوده في المسألة الثانية بعدم دخوله فيهما أنه يوقف حكم الطلاق والعتاق ويبطلان معه، فلا يبقى للدخول مع صحتهما إمكان ". وفي التنقيح " الأحسن في توجيه كلام الشيخ أن نقول: إن الاستثناء يدخل في الطلاق والعتاق على وجه ولا يدخل على وجه آخر، فالأولى إبطالهما به، كما هو رأى الأصحاب، والوجه الثاني عدم توقيفهما، كما هو رأى المخالفين " والجميع كما ترى، والتحقيق ما عرفت. بل الظاهر عدم قبول غير المستقبل المستفاد من قوله تعالى (1) " ولا تقولن إلى آخره للتعليق بالمشيئة، إذ لا معنى لتعليق الواقع في الماضي، ومنه الاقرار بحق سابق، كما أنه لا معنى لتعليق الاسباب الشرعية التى شاء الله تعالى تسبيبها على المشيئة كما عرفت، وجعل هذا من التوصيف المقارن الذي ستعرف البحث فيه ينافي جعل المسألة (المشيئة خ ل) عنوانا وتخصيص الامور المزبورة بها، كما هو واضح، والله العالم. (ولو فسر الطلقة باثنتين أو ثلاث) لم يقع ذلك عندنا بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل كأنه من ضروري مذهب الشعية، وكذا لو كرر الصيغة مرتين أو ثلاثا قاصدا لتعدد الطلاق، نعم هو كذلك عند العامة على نحو غيره مما أبدعوه في الطلاق. نعم لا خلاف بيننا في وقوع الواحدة في الصورة الثانية، كما أنه لا إشكال فيه أيضا بل الاجماع بقسميه عليه. أما الاولى ف‍ (قيل) والقائل المرتضى في المحكي من انتصاره وإن كنا لم نتحققه وابنا أبي عقيل وحمزة وسلار ويحيى بن سعيد (يبطل الطلاق) من أصله،


(1) سورة الكهف: 18 - الاية 23.

[ 82 ]

للشك في زوال النكاح بذلك بعد ما سمعت من نصوص (1) حصر الطلاق الصحيح بالمجرد عن ذلك الذي يمكن إرادة التعريض به، لمعروفيته عند العامة كالتنجيز والتعيين المعروف خلافهما عندهم، ولأنه بالتفسير المذكور يكون المقصود الطلاق البدعي الذي هو الثلاث بقول: " ثلاثا " المنافى لقوله تعالى (2) " الطلاق مرتان " لا قول " مرتين " وللسنة النبوية التى منها رد النبي صلى الله عليه وآله طلاق ابن عمر ثلاثا (3) وكل من طلق على خلاف السنة رد إليها (4) ولما تسمعه من النصوص (5) الاتية. (وقيل) والقائل المشهور بل عن المرتضى في الناصريات ما يشعر بالاجماع عليه، وكذا عن الخلاف، بل عن العلامة في نهج الحق ذلك صريحا (يقع) طلقة (واحدة بقوله " طالق " ويلغو التفسير) بالثلاث، فلا ينافى ترتب الوحدة على نفس الصيغة المقتضية لذلك. (وهو أشهر الروايتين) عملا كما عرفت، بل قيل ورواية، ففى صحيحي زرارة (6) عن أحدهما عليهما السلام، واللفظ للأول منهما " سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد وهي طاهر، قال، هي واحدة " وخبر عمر بن حنظلة (7) عن أبى عبد الله عليه السلام " الطلاق ثلاثا في غير عدة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم يكن على طهر فليس بشئ " وخبر عمرو بن البراء (8) قال:


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 229. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب مقدمات الطلاق والباب - 8 - منها الحديث 3 (5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق. (6) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 و 3. (7 و 8) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 7.

[ 83 ]

" قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أصحابنا يقولون: إن الرجل إذا طلق امرأته مرة أو مائة مرة فانما هي واحدة، وقد كان يبلغنا عنك وعن آبائك أنهم كانوا يقولون إذا طلق مرة أو مائة مرة فانما هي واحدة فقال: هو كما بلغكم " وفي خبر زرارة (1) عن أحدهما عليهما السلام " في التي تطلق في حال طهر في مجلس ثلاثا، قال هي واحدة وخبر بكير (2) عن أبى جعفر عليه السلام " إن طلقها للعدة إكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق " وخبر أبى محمد الواشى (الوابشى خ ل) (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل ولى امرأته رجلا أن يطلقها على السنة، فطلقها ثلاثا في مقعد واحد، قال: ترد إلى السنة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت بواحدة " وخبر محمد بن سعيد الأموي (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق ثلاثا في مقعد واحد، قال: فقال: أما أنا فأراه قد لزمه، وأما أبى كان يرى ذلك واحدة " المحمول بالنسة إلى نفسه على التقية، أو على الجمع بينها وبين الواقع بارادة إلزامه به إذا كان مخالفا وإرادة الواحدة لو وقع من غيره مما حكاه عن أبيه، وربما يشهد ذلك خبر الخزاز (5) عنه عليه السلام أيضا قال " كنت عنده فجاء رجل فسأله، فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، قال، بانت منه قال، فذهب الرجل ثم جاء رجل آخر من أ صحابنا، فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا فقال: تطليقة، وجاء رجل آخر فقال: رجل طلق امرأته ثلاثا، فقال: ليس بشئ، ثم نظر إلى فقال: هو ما ترى، قال: قلت: كيف هذا ؟ فقال: هذا يرى أن من طلق امرأته ثلاثا فقد حرمت عليه، وأنا أرى أن من طلق امرأته ثلاثا على السنة فقد بانت منه، ورجل طلق امرأته ثلاثا وهي على طهر فانما هي واحدة، ورجل طلق امرأته ثلاثا على غير طهر فليس بشئ ". وفى الخبر (6) عن الصادق عليه السلام في حديث قال فيه: " فقلت: فرجل


(1 و 2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 11 - 12. (3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 13 - 14 16 - 5.

[ 84 ]

قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، فقال: ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه " بناء على إرادة الواحدة من الرد فيه إلى الكتاب والسنة، كما سمعته في خبر أبى محمد الواشى (الوابشي خ ل) ونحوه غيره، بل في الصحيح (1) " طلق عبد الله بن عمر امرأته ثلاثا فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدة فردها إلى الكتاب والسنة " فتأمل. وأما الرواية الاخرى التي تشهد للأول فهي: خبر أبى بصير (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشئ، من خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله تعالى، وذكر طلاق ان عمر ". ومكاتبة عبد الله بن محمد (3) إلى أبى الحسن عليه السلام: جعلت فداك روى أصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقع عليه السلام بخطه أخطأوا على أبى عبد الله عليه السلام لا يلزمه الطلاق، ويرد إلى الكتاب والسنة إنشاء الله ". وخبر هارون بن خارجة (4) عن أبى عبد الله عليه السلام المروى عن كتاب الخرائج قال: " قلت: إنى ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة، فسألت أصحابنا، فقالوا: ليس بشئ إلا أن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: ارجع ألى أهلك، فليس عليك شئ ". والمروى عن الصادق عليه السلام (5) " إياكم والمطلقات ثلاث في مجلس واحد، فانهن ذوات أزواج " وخبر الصيقل (6) " لا تشهد لمن طلق ثلاثا في مجلس. وخبر محمد بن عبيد الله (7) " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن تزويج المطلقات


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 19 8 18 29. (5 و 6) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 17 20. (7) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 9 والظاهر أن قوله عليه السلام: " ومن كان يدين قوم لزمته أحكامهم، ليس من تتمة خبر محمد ابن عبيد الله كما في التهذيب ج 8 ص 59 والاستبصار ج 3 ص 293، وقد روى الصدوق (قده) في الفقيه ج 3 ص 257 خبر ابن عبيد الله مرسلا، ثم قال: " وقال عليه السلام: من كان يدين... الخ " ورواه في الوسائل أيضا كذلك، فهي رواية مستقلة.

[ 85 ]

ثلاثا فقال لي: إن طلاقكم لا يحل لغيركم، وطلاقهم يحل لكم، لأنكم لاترون الثلاث شيئا وهو يوجبونها، ومن كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم " بناء على أن المراد التحذير عنهن إذا كن من المؤمنين. كما صرح به في خبر عبد الله بن طاووس (1) المروى عن الكشي والعيون قال: " قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: إن لى ابن أخ زوجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال: إن كان من إخوانك فلا شئ عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها عنه، فانه عنى الفراق، قال: قلت: جعلت فداك أليس قد روى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد، فانهن ذوات أزواج ؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم " بل هو أيضا أحد أدلة المسألة. ومكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني (2) قال: " كتبت إلى أبى جعفر عليه السلام مع بعض أصحابنا، فأتاني الجواب بخطه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها، فأصلح الله لك ما تحب صلاحه، فأما ما ذكرت من حنثه بطلاقها غير مرة فانظر رحمك الله تعالى، فان كان ممن يتولانا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه، لأنه لم يأت أمرا جهله، وإن كان ممن لا يتولانا ولا يقول بقولنا فاختلعها منه، فانه إنما نوى الفراق بعينه ". مؤيدا ذلك كله بما سمعت أولا من الحصر في الصيغة المجردة وغيره، بل لا ريب في أن القول الأول هو الأقوى من حيث النصوص، ضرورة احتمال النصوص المزبورة إرادة من طلق ثلاثا بتكرير الصيغة المصرح به في خبر الصيرفي (3) عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثا في كلمة واحدة فقد بانت منه ولا ميراث بينهما، ولا رجعة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن قال هي طالق هي طالق


(1 و 2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 11 - 1. (3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 15.

[ 86 ]

هي طالق فقد بانت منه بالاولى، وهو خاطب من الخطاب إن شاءت نكحته نكاحا جديدا، وإن شاءت لم تفعل " المحمول صدره على التقية أو غيرها، إذا هو مخالف للقولين معا. بل قد يقال: لو كان الحكم فيه كالصورة الأخيرة لكان المتجه الجواب عنهما بجواب واحد، وهو وقوع الطلاق واحدة، إذا الحكم في الصورتين متحد عن العامة، فليس حينئذ إلا انحصار المخرج في الاولى بالباطل الموافق للعامة، بخلاف الأخيرة التى تصح منها الواحدة، وبذلك يظهر كونه مؤيدا للنصوص المزبورة، ولو سلم تناولها للصورتين ولو لكون ذلك متعارفا بين العامة وأن بسبب ذلك تعارف السؤال عنه أو لأنه في سياق أداة العموم المقتضى لا فادته العموم كما هو محرر في الاصول - إلا أن ذلك لا يعارض التصريح بعدمه في المكاتبة السابقة وغيرها التى لا وجه لاحتمال صدور ذلك منه لمصلحة من المصالح، إذ ذلك يسد باب الاستدلال في النصوص أجمع. كل ذلك مع الاغضاء عما يقتضيه ظاهر قوله عليه السلام: (1) " من طلق زوجته ثلاثا من وقوع كل طلقة من الطلقات عليها وهي زوجة، وهذا لا يكون إلا من تخلل الرجوع بينها، وحينئذ تكون هذه النصوص موافقة لما تسمعه من ابن أبى عقيل من كون الطلاق بعد الرجوع في ذلك الطهر من غير مواقعة ليس طلاقا، ولا يقع منه وإن تعدد إلا الطلاق الأول، فتكون عنده على واحدة، كما يشهد به جملة من النصوص (2) متحد بعضها مع هذه النصوص في المفاد، فتخرج حينئذ عما نحن فيه بالمرة. ومعارضة هذا كله باحتمال إرادة نفى الثلاث من نفى الشيئية أو احتمال إرادته مع فقد بعض الشرائط كما في طلاق ابن عمر ثلاثا وكانت حائضا كما ترى، على أنه لا يأتي في المكاتبة الصريحة التى يعلم منها إرادة البطلان في الثلاث المرسلة


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 و 6. (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 87 ]

من الرد إلى الكتاب والسنة، لا صحة الواحدة كما سمعته سابقا، وحينئذ يكون الخبر الأخير دليلا لهذا القول، وحينئذ تتفق النصوص المصرح فيها بالثلاث المرسلة على البطلان، فتخصص أو تقيد بها تلك النصوص المدعى شمولها للمرسلة. وبذلك بان لك أن القول الأول أرجح من حيث النصوص إلا أن شهرة الأصحاب قديما وحديثا بل الاجماع المحكى قد رجح كون المراد من النصوص المزبورة ذلك، خصوصا مع ضعف المعارض عدم الجابر، لكن قد يقال باختصاص ذلك بما إذا لم يقصد الطلاق البدعى على وجه أراد من الطلاق في الصيغة ذلك، فيتجه البطلان فيه، لأنه يرجع إلى عدم قصد الطلاق الصحيح، ضرورة عدم تعقل التعدد بدون التكرار وإن بطل الثاني منه أيضا، لعدم مصادفة المحل، أما إذا قصد معنى الصيغة أو لا وأضاف إليها ثلاثا بقصد آخر مستقل فانه يكون حينئذ صحيحا وتلغو إضافته، ضرورة رجوعه إلى بيان ما تعلق به غرضه من عدم الصيغة، نحو قول نوح على نبينا وآله وعليه السلام (1) لما خاف الغرق: لا إله إلا الله ألفا " فيكون مراده في الحقيقة في الثلاث تكرر النطق بها ثلاثا على معنى إنى أقول: " أنت طالق " ثلاثا وربما كان ذلك وجه جمع أيضا، بل ربما يشم في الحملة من مكاتبة إبراهيم (2) السابقة وغيرها. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك النظر في كلام جملة من الأصحاب، خصوصا السيد في الرياض، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فقد بان لك مما سمعته من النصوص السابقة أنه (لو كان المطلق مخالفا يعتقد الثلاث لزمته) لأن ذلك دينه، مضافا إلى الاجماع بقسميه عليه، وإلى خبر عبد الأعلى (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا قال: إن كان مستخفا بالطلاق ألزمته ذلك " وغيره، بل في خبر علي بن أبى حمزة (4) سأل أبا الحسن عليه السلام " عن المطلقة على غير السنة أيتزوجها الرجل ؟


(1) مهج الدعوات للسيد ابن طاووس (قده) ص 379. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 7 1.

[ 88 ]

فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم، وتزوجوهن فلا بأس بذلك " وخبر عبد الرحمان البصري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: امرأة طلقت على غير السنة، فقال: تتزوج هذه المرأة لا تترك بغير زوج " وخبر عبد الله بن سنان (2) " سألته عن رجل طلق امرأته لغير عدة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدتها هل يصلح لى أن أتزوجها ؟ قال: نعم لا تترك المرأة من غير زوج وغير ذلك من النصوص التى مقتضاها عدم الفرق بين الطلاق ثلاثا وغيره مما هو صحيح عندهم فاسد عندنا، كالطلاق المعلق، والحلف به، والطلاق في طهر المواقعة والحيض، وبغير شاهدين. بل مقتضي خبر الإلزام أنه يجوز لنا تناول كل ما هو دين عندهم، ففى خبر عبد الله بن محرز (3) " قلت لأبى عبد الله عليه السلام: رجل ترك أبنته واخته لأبيه وامه، فقال: المال كله لا بنته، وليس للاخت من الأب والام شئ، فقلت: فانا قد احتجنا إلى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس واخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وقضاياهم، خذهم بحقك في أحكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة، فقال: إن على ما جاء به أبن محرز لنورا ". وخبر أيوب بن نوح (4) " كتبت إلى أبى الحسن عليه السلام أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم أم لا ؟ فكتب عليه السلام: يجوز لكم ذلك إن كان مذهبكم فيه التقية منهم والمدارة لهم ". وصحيح محمد بن مسلم (5) عن أبى جعفر عليه السلام " سألته عن الأحكام، قال: تجوز على أهل كل ذى دين ما يستحلون ".


(1 و 2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 - 4. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ميراث الاخوة والاجداد الحديث 2 - 3 - 4 - من كتاب المواريث.

[ 89 ]

وخبر إسماعيل بن بزيع (1) " سألت الرضا عليه السلام عن ميت ترك امه وإخوة وأخوات فقسم هؤلاء ميراثه، فأعطو الام السدس، وأعطوا الإخوة والأخوات ما بقي، فماتت الأخوات، فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا ؟ فقال: بلى، فقلت: إن ام الميت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر، يعنى الدين، فسكت قليلا، ثم قال: خذه " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على التوسعة لنا في أمرهم وأمر غيرهم من أهل الأديان الباطلة. ولا فرق في محل البحث بين العارفة بناء على جواز نكاح المخالف لها وغيرها، ضرروة أن ذلك من التوسعة الشاملة، بل قد سمعت التصريح به في خبر إبراهيم (2) فمن الغريب ما وقع من بعض الناس من الفرق بينهما، نعم استيعاب الكلام في هذا الأصل وفروعه محتاج إلى مقام آخر، نسأل الله التوفيق له. (ولو قال: " أنت طالق للسنة " صح) بلا خلاف ولا إشكال مع فرض اجتماع الشرائط، كما (إذا كانت طاهرا) ولم يواقعها مثلا، ضرورة عدم قدح الضميمة المزبورة في الصحة التي هي مقتضي ما سمعته من الأدلة السابقة، بل عن موضع من الخلاف (وكذا لو قال للبدعة) التي من المعلوم عدم اتصاف غير موضوعها بها كالسنة، ومجرد القول لا يصير السنة بدعة كالعكس، فتلغو الضميمة حينئذ، فيبقى اقتضاء الصيغة الصحة على مقتضي إطلاق الأدلة، بل ينبغي الجزم به مع فرض تجدد التقييد أو التعلق بالبدعة له لفظا فقط أو وقصدا. أما مع فرض قصد ذلك له ابتداء على وجه يكون مراده تفسير الطلاق بذلك أو أطلق وقلنا المراد به ذلك فقد يشكل الصحة بأن مرجع ذلك إلى عدم إرادة


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ميراث الاخوة والاجداد الحديث 6 من كتاب المواريث. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

[ 90 ]

الطلاق التى عرفت اعتبارها في الصحة نصا (1) وفتوى، فالذي وقع غير مراد تأيره، بل المراد عدم تأثيره فلا قصد للطلاق الذي تلفظ به ولا إرادة. ولعله لذا قال المصنف (ولو قيل: لا يقع كان حسنا، لأن البدعى لا يقع عندنا، والاخر غير مراد) بل جزم بذلك الفاضل ومن تأخر عنه، ولا ينافى ذلك عدم مدخلية قصد الصحة في آثار الأسباب الشرعية التى هي بمنزلة الأسباب العقلية في ذلك، إذ الكلام في تحقق السبب في الفرض، خصوصا بعد قصد إرادة غير المؤثر منه الذي هو ليس بسبب. وبذلك ظهر لك الفرق بين إيقاع العقد أو الإيقاع بزعم الفساد وبينه بقصد الفساد الذي مرجع الأخير إلى قصد عدم الأثر له، كما أن من ذلك يعلم حال كل ضميمة تكون مفسرة للمراد بالطلاق المقصود ايقاعه بالفاسد من قول فاسد ونحوه، نعم قد يتم ذلك عند العامة القائلين بترتب الأثر على الطلاق البدعى وإن أثم، وبجواز التعليق، فحينئذ يصح الطلاق المعلق على البدعة وإن لم تكن حال الطلاق متصفة بما يقتضى البدعة، فضلا عن المتحقق فيها ما يقتضيها من الحيض ونحوه، والله العالم. (تفريع:) (إذا قال: " أنت طالق في هذه الساعة إن كان الطلاق يقع بك " قال الشيخ ره: لا يصح لتعليقه على الشرط) وظاهره عدم الفرق بين العلم بحالها وعدمه، ووافقه المصنف والفاضل وغيرهما في صورة الجهل بالحال دون العلم به، فقالو: (وهو حق إن كان المطلق لا يعلم) بحالها (أما لو كان يعلمها على الوصف الذي يقع معه الطلاق فينبغي القول بالصحة، لأن ذلك ليس بشرط) مناف للتنجيز الذي قد عرفت اعتباره (بل) هو (أشبه بالوصف) المقارن للإيقاع (وإن


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 91 ]

كان بلفظ الشرط) الذي لم يرد منه التعليق، بل قد يقال: إن مثله يساق لبيان إرادة الوقو ف البتة كما ذكروا في قول: " أما بعد فاني فاعل " أن المعنى مهما يكن من شئ فاني فاعل أي إن يكن شئ في الدنيا فاني فاعل. أللهم إلا أن يقال: ان ظاهر أدلة الحصر في قول: " أنت طالق " يقتضي عدم سببية الصيغة المشتملة على التعليق ولو الصوري، وفيه منع واضح، خصوصا بعد أن عرفت كونها مساقة للتعريض ببطلان ما عند العامة من صحة الطلاق المعلق حقيقة، على أن مقتضاه حينئذ الفساد في صورة العلم. وبذلك ظهر لك أن المدار في فساد التعليق ما ينافي التنجيز الذي هو مقتضي تسبب السبب وإن كان بالوصف المعلوم تحققه فيما بعد دون غيره، وحينئذ ينقدح قوة احتمال الصحة في الجاهل أيضا، ضرورة عدم منافاه التعليق لجهله للتنجيز المزبور، ودعوى أن قصده حينئذ معلق واضحة المنع، بل أقصاه تعليق إذعانه باقتضاء السبب مقتضاه، وهو معنى لا ينافي التنجيز المزبور الذي هو ترتب المسبب على السبب وعدم تخلفه عنه، كما هو واضح بأدنى تأمل. وبذلك يظهر لك صحة الطلاق الاحتياطي والبيع كذلك مع الشك في الزوجية مثلا أو إنكارها، ضرورة عدم كون ذلك تعليقا، من غير فرق بين ذكره لفظا وعدمه، بل لا فرق بين الامور التى علق الشارع الصحة عليها وغيرها من الأوصاف المقارنة، كما لا فرق بين صورتي الجهل والعلم، لكن الانصاف عدم خلو ذلك عن النظر حتى في العالم كما ذكرناه في غير المقام، لصدق التعليق بمعنى عدم التنجيز فتأمل. (ولو قال: أنت طالق أعدل طلاق أو أكمله أو أحسنه أو أقبحه) أو أخسه وأقبحه أو أردأة أو أسمجه (صح) لإطلاق الأدلة (ولم تضر الضمائم) المزبورة التي يصح وصف الطلاق بها بنوع من التجوز. (وكذا لو قال مل ء مكة أو مل ء الدنيا) أو طويلا أو عريضا أو صغيرا

[ 92 ]

أو حقيرا أو كبيرا أو عظيما أو غير ذلك مما يصح وصفه به بضرب من التجوز. بل الظاهر الصحة حتى لو قلنا بعدم صحة التجوز في ذلك، إذ أقصاه الغلطية التي لا تنافي قصد الطلاق، نعم لو فرض إرادة ما ينافي قصد الطلاق بذلك ولم يكن قد تجدد بعد الصيغة لم يقع حينئذ، لنحو ما عرفته في وصف الطلاق بالفاسد، كما هو واضح. وعن العامة تنزيل أوصاف الحسن على طلاق السنة وأوصاف القبح على طلاق البدعة، وجعلوه كما لو قال: للسنة أو للبدعة، وفيه أن لاوجه له مع فرض عدم القصد إلى ذلك، ودعوى أن الوصف بمل ء الدنيا مثلا يقتضى تقييده بما لا يمكن حصوله فيكون منافيا لصحته كالوصف بالبدعى يدفعها وضوح الفرق بينهما بمنافاة الثاني لقصد الطلاق الصحيح بخلاف الأول، فان أقصاه التجوز أو الغلط بالوصف، ولو فرض كون القصد على وجه ينافي القصد المزبور اتجه حينئذ الفساد في الجميع كما عرفت. (ولو قال:) أنت طالق (لرضا فلان فان عنى الشرط) بمعنى إن رضى وقصده (بطل) الطلاق، للتعليق الذي قد عرفت الحال فيه حتى في المقارن منه مع الجهل المطلق وعدمه (وإن عنى الغرض) الذي هو داع من الدواعى (لم يبطل) سواء كان صادقا في ذلك أو كاذبا، لحصول مقتضى الصحة وعدم المانع. (وكذا لو قال: إن دخلت الدار بكسر الهمزة لم يصح)، للتعليق (وإن فتحها صح إن عرف الفرق) بينهما (وقصده) ضرورة عدم التنجيز في الأول والتعليل في الثاني، نحو قوله تعالى (1): " أن كان ذا مال وبنين " من غير فرق بين صدقه وكذبه، ولو لم يعرف فقصد التعليق مع فتح الهمزة والتعليل مع الكسر انعكس الأمر فان المدار، على القصد، ولو لم يعلم حاله فالظاهر الحمل على الحقيقة كما هو واضح.


(1) سورة القلم: 68 - الاية 14.

[ 93 ]

(ولو قال: " أنا منك طالق " لم يصح) بلا خلاف أجده فيه بيننا ولا إشكال (ل‍) لأصل ولمنافاته لأدلة الحصر التي سمعتها، المؤيدة بظهور الكتاب في (أنه ليس محلا للطلاق) وأن الزوجة محله، كما هو ظاهر قوله تعالى: " وإذا طلقتم النساء (1) " وإن طلقتموهن (2) " والمطلقات (3) " فان طلقها " (4) وغير ذلك فما عن بعض العامة من جعله كناية موجها له بأن النكاح يقوم بالزوجين، فيجوز إضافة الطلاق إلى كل منهما - واضح الضعف. (ولو قال: أنت طالق نصف طلقة أو ربع طلقة أو سدس طلقة) أو نحو ذلك (لم يقع، لأنه لم يقصد الطلقة) التي هي أقل ما تقع إذا كان المراد بالضميمة تفسير ما قصده بالطلاق لامع التجدد، فتكون حينئذ منافية للقصد ولأدلة الحصر وغير ذلك، وما عن العامة - من صحة وقوعه بجميع الأجزاء إلغاء للضميمة، أو للسراية التى لا دليل عليها هنا، بل الأدلة على خلافها - واضح الفساد. (ولو قال: أنت طالق ثم قال: أردت أن أقول طاهر قبل منه ظاهرا) إجماعا محكيا عن الخلاف إذا كانت في العدة كما عن المبسوط ولو بائنة لما عرفته سابقا من قبول قوله في قصده الذى لا يعلم إلا من قبله، ومقتضى الأصل عدمه مع اعترافه بالقصد إلى اللفظ، فضلا عن المقام الذي دعواه عدم القصد إلى اللفظ، بل منه يعلم عدم الفرق في دعوى الغلط بين قوله: " أردت أن أقول طاهر " أو نحوه مما هو قريب إلى " طالق " وغيره إلا مع العلم بفساد الدعوى. وعلى كل حال فالمراد القبول في الظاهر (ودين في الباطن بنيته) فلا تحل له واقعا إلا مع صدقه وإن قبل ظاهرا بيمينه مع عدم موافقة المرأة له في ذلك كما عرفت الكلام في ذلك كله مفصلا. وكأن عدم تقييد المصنف هنا وغيره بالعدة مبنى على ما تقدم سابقا، ولذا كان المحكى عن المبسوط حصر قبوله في العدة. بل الظاهر عدم الفرق في دعوى الغلط بين متقارب الحروف كطاهر وطالق ونحوهما


(1 و 2 و 3 و 4) سورة البقرة: 2 الاية - 231 - 237 - 228 - 230.

[ 94 ]

وبين غيره من فاضلة ونائمة ونحوهما كما صرح به في كشف اللثام، لاتحاد المدرك الذي هو قبوله في دعوى عدم القصد في الجميع وإن كان قد يتوهم من بعض الناس اختصاص الحكم هنا بالأول، فتكون حينئذ هذه المسألة غير المسألة السابقة التي هي دعوى عدم قصد الطلاق بصيغته، لكنه كما ترى، ضرورة عدم مدرك خاص لما هنا إلا الحكم بقبول قوله في عدم القصد الذي ما هنا أولى منه ومقتضاه عدم الفرق بين الجميع. (ولو قال: " يدك طالق " أو " رجلك " لم يقع وكذا لو قال: " راسك أو " صدرك " أو " وجهك " وكذا لو قال " ثلثك " أو " نصفك " أو " ثلثاك ") للأصل وظهور الأدلة في أن محل الطلاق ذات الزوجة المدلول عليها بقول: " انت أو " هذه أو " زوجتى " أو " فلانة " أو ما شاكل ذلك، نعم لو اريد من لفظ الجزء ذلك مجازا بل أو غلطا صح، ومن هنا كان ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم تعلقه بالأجزاء معينة أو مشاعة. بل في المسالك " ظاهرهم عدم الفرق بين الجزء الذي يعبر به عن الجملة كالوجه وغيره، وهو كذلك مع فرض عدم إرادة الجملة به - ثم قال -: ولم يذكروا حكم ما إذا علق بجملة البدن كقوله: بدنك وجسدك وشخصك وجنبك، مع أنهم ذكروا خلافا في وقوع العتق بذلك بناء على أنه المفهوم عرفا من الذات، وينبغي أن يكون هنا كذلك ". قلت: إن كان المراد منها معنى " أنت " و " فلانة " اتجه الصحة وإلا فلا، وفرق واضح بين العتق والطلاق، ولذا غلط العامة في قياسه عليه في جواز تعليقه بالجزء ثم يسرى إلى المجموع كما يسرى العتق، وكأن المصنف نبه بالأمثلة على خلافهم. كما أنه ظهر لك من نصوص الحصر (1) المساقة مساقة الحدود التعريض بكثير


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 95 ]

من خرافات العامة، وحينئذ فالتمجه الجمود عليه في سائر مقامات الشك لأنه حينئذ كالأصل الذي يرجع إليه فيه. (و) لعل من ذلك (لو قال: أنت طالق طلقة قبل طلقة أو بعدها) طلقة، أو بعد طلقة (أو قبلها) طلقة (أو معها) طلقة، أو على طلقة، أن مع طلقة مريدا بذلك كله إنشاء التعدد خارجا بالتعدد لفظا بالطريق المزبور الذي هو غير ذكر العدد بلفظ المرتين والثلاث (لم يقع شئ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن) كذلك لكونه غير المستفاد من الحصر في النصوص (1) المزبورة، ولا يقاس على وقوع الواحدة بقول: " ثلاثا لو قلنا به، لدليله من الاجماع المحكى ونحوه، وإلا فقد عرفت أن مقتضى ذلك عدم وقوع شئ بها، ضرورة كون المقصود بالصيغة التى وضعت لإنشاء طبيعة الطلاق التى تحقق بالواحدة التعدد المحتاج إلى تعدد سببه، إذ ما وقع بعده من المرتين والثلاث وقول " طلقة بعد طلقة " مثلا مفسرا للمراد بالصيغة التى أوقعها هو غير ما وضعت له الصيغة بمقتضى نصوص الحصر قطعا لا أنه قصد التعدد بالضميمة حتى لا يقدح بطلانها في المراد من الصيغة. (و) لكن مع ذلك قال المصنف: (لو قيل: يقع طلقة واحدة بقوله: " طالق مع طلقة " أو بعدها) طلقة (أو عليها) طلقة (ولا يقع لو قال: " قبلها طلقة " أو " بعد طلقة " كان حسنا) واحتمله الفاضل في القواعد. بل في المسالك هو الأصح، قال: " أما الأول فلان القصد إلى الاثنين يقتضى القصد إلى الواحدة، فإذا بطلت الثانية لفقد شرطها تبقى الاولى، لعدم المقتضى له، إذ ليس إلا توهم كونه لم يقصد إلا الطلاق الموصوف بذلك، وهو ممنوع، بل هو قاصد إلى كل واحد منهما، فتقع الواحدة بقول: " انت طالق " وتلغو الضميمة، كما لو قال: " أنت طالق ثلاثا " أو " اثنين " وأما البطلان في الثاني فلأنه شرط في الطلقة الملفوظة كونها واقعة بعد طلقة أو أن يكون قبلها طلقة ولم يقع ذلك، فكأنه قد علق الطلاق الملفوظ على آخر لم يقع، ولأنه قصد طلاقا


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 96 ]

باطلا، لأن الطلاق المسبوق بآخر هو طلاق المطلقة من غير رجعة، وهو باطل بخلاف شرطه أن يكون بعده أو معه، فان الطلاق الواحد لا مانع منه، وإنما المانع من المنضم إليه ". ونحوه في كشف اللثام قال: " لأنه إنما نوى في الأخيرين إيقاع طلقة متأخرة عن طلقة وهو ينافي التنجيز، إلا أن كون طلقها سابقا طلقة صحيحة وأراد تأخير هذه الطلقة عنها فنقع، وأما في غيرهما فانه نوى إيقاع طلقة بها، وإن وصفها بعد ذلك بمقارنة طلقة أو بالتقدم على طلقة فيكون لغوا ". قلت: لكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد التأمل فيما ذكرنا من كون المراد بهذه الصيغ إنشاء التعدد بالوجه المزبور نحو إنشائه بذكر الثلاث والثنتين، وليس من التعليق في شئ، وإلا لاقتضى البطلان في الجميع، ولا الإخبار عن طلقة سابقة، والأصل في ذلك كله العامة الذين ألحقوا العدد بذكر العدد لفظا أو ما يفيده بالتعدد الحسى الخارجي، والمراد بقوله تعالى: (1) " الطلاق مرتان " لغة وعرفا إيقاع الطلاق مرتين المتوقف كل منهما على الزوجية، ولو بأن يرجع بها بعد طلاقها ". وقد ظهر بذلك كله أن الأمثلة المزبورة كلها من واد واحد، ولذا كان المحكى عن المبسوط وقوع طلقة واحدة بالجميع، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت من أن المتجه بمقتضى أدلة الحصر عدم الوقوع أصلا بشئ منها، نعم لو فرض استقلال القصد على معنى الصيغة منها مستقلا والتعدد من الضميمة مستقلا اتجه الصحة في الجميع، والتعليق المتصور في الأخيرين يتصور في غيرهما أيضا، لكن من المعلوم عدم إرادته وإنما المراد من الجميع إنشاء التعدد بذلك على الوجه الذي ذكرناه سابقا. هذا وفي المسالك " نبه المصنف بقوله: " سواء كان " إلى آخره على خلاف


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 299. (جواهر الكلام - ج 6)

[ 97 ]

العامة، حيث حكموا بوقوع الواحدة مطلقا بغير المدخول بها، ووقوع الاثنتين إن كانت مدخولا بها، لأن غير المدخول بها تبين بالواحدة، ولا تقبل الطلقة الاخرى، بخلاف المدخول بها، فانها تقبل المتعدد ". وفيه أنه خلاف المحكى عنهم في المبسوط من وقع اثنتين في الاولى أيضا، بل هو خلاف ما يقتضيه قياسهم، ضرورة كون الاثنتين قد وقعا دفعة، فلا يحتاج إلى أمر آخر والظاهر أنه من المقطوع به عندهم أنه لو قال لغير المدخول بها: " أنت طالق ثلاثا " لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. (ولو قال: " أنت طالق نصفي طلقة " أو " ثلاثة أثلاث طلقة " قال الشيخ ره: لا يقع) للأصل، وظهور نصوص الحصر (1) في غيره، ومعلومية عدم تجزئ الطلاق، فهو حينئذ كقول: " نصف طلقة ". (و) لكن قال المصنف: (لو قيل: يقع) الطلاق (بقوله: " أنت طالق " وتلغو الضمائم، إذ ليست رافعة للقصد كان حسنا) بل في القواعد أنه الأقرب (و) لا (كذا لو قال: نصف طلقتين) الظاهر في إرادة نصف من كل طلقة، ولذا أوقع به بعض الشافعية طللقتين، لانه في قوة نصف طلقة ونصف طلقة بناء على وقوعها تامة عندهم بذلك، وقد يحتمل كون المراد به الطلقة من الطلقتين، بل قيل: إنه الظاهر منه عرفا، ولذا أوقع به بعض آخر من الشافعية طلقة واحدة، لكنه كما ترى، ضرورة أنه إذا كان الوقوع بالصيغة - والضميمة لغو - فهو موجود في الجميع، بل هو كذلك حتى في " أنت طالق نصف طلقة " وإن كان (2) اتحاد إرادة الطلقة من نصفيها وهي مفاد الصيغة فالمتجه الصحة أيضا في الأخير مع فرض إرادة ذلك أيضا، والتحقيق عدم الوقوع في الجميع، لكونه غير مفاد الصيغة المستفادة من


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) جاء في هامش النسخة الاصلية المبيضة برمز (خ ل) " لارادة الطلقة من نصفيها التى هي مفاد ".

[ 98 ]

نصوص الحصر (1) ودعوى إلغاء الضميمة التي من الواضح مدخليتها في قصد الصيغة ظاهرة الفساد، نعم هو كذلك في الضمائم التي لامدخلية لها في ذلك. (تفريع:) (قال الشيخ: إذا قال لأربع) زوجات: (أوقعت بينكن أربع طلقات وقع بكل واحدة طلقة) لاطلاق أدلة الطلاق الذي لا ينافيه الحصر في النصوص (2) بعد تنزيله على غير ذلك، إذ لا ريب في صحة طلاق الزوجتين بأنتما طالقان، والأربعة بأنتن طوالق، بل قد عرفت صحة الطلاق عند الشيخ بقول: " أنت مطلقة " ويقول: " نعم " في جواب سؤال " هل طلقت زوجتك " وهذا أولى. والأصل في هذا الفرع الشافعية، فانه في مبسوطه جري معهم في فروعهم التي (منها) لو قال لأربع: " أوقعت بينكن طلقة " قالوا: يقع بكل واحدة طلقة، لسراية الربع الحاصل من الصيغة التي لا يعتبرون فيها لفظا خاصا، و (منها): ما لو قال للأربعة: " أوقعت بينكن أربع طلقات " وقع لكل واحدة واحدة أيضا، لانه يكون قد أوقع لكل واحدة طلاقا تاما، فوافقهم على الثاني دون الأول المبني على تجزئ الطلاق الممنوع. (و) لكن مع ذلك كله (فيه إشكال، لانه إطراح للصيغة المشترطة) في حصول الطلاق الصحيح في نصوص الحصر (3) على وجه قد عرفت عدم وقوعه بكل ما هو مشكوك في حصوله به بمخالفته لهيئتها أو أحوالها أو أحوال المقصود بها، فضلا عن مظنون العدم، ولا يجدى الإطلاق الذي قد علم تقييده بنصوص الحصر، نعم لو وقع ذلك بعنوان الاقرار بالطلاق لا إنشائه حكم به، كما هو واضح. (ولو قال: " أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا صحت واحدة إن نوى بالأول الطلاق، وبطل الاستثناء) إن قلنا باقتضاء الصيغة ذلك مع عدم الاستثناء، ضرورة بطلانه، لكونه مستغرقا، فوجوده حينئذ كعدمه، ويكون الحال كما إذا لم يكن استثناء،


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 99 ]

نعم بناء على ما عند العامة من وقوع الثلاث بدون استثناء يحكم بصحة الاستثناء مع مراعاة قواعده المشهورة، فيبطل المستغرق ويبقى الثلاث، ويصح غير المستغرق كواحدة بقول: " إلا أثنتين " بقول: " إلا واحدة ". هذا وفي المسالك " قول المصنف: " إن نوى بالأول الطلاق " لا خصوصية له بهذه المسألة، لأن القصد معتبر في جميع الصيغ، وليس هذا كالكناية المفتقرة إلى نية زائدة كما سبق، بل هي من الألفاظ الصريحة، نعم اعتبر القائلون بصحة الاستثناء أن يكون قصده مقترنا بأول اللفظ، فلو بدا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه لم يؤثر الاستثناء، لوقوعه بعد لحوق الطلاق فيلغو ". قلت: يمكن أن يكون الوجه في تقييد المصنف الحكم بالبطلان مع الاستثناء - وإن قلنا بالواحدة بدونه - إذا كان قد قصد من أول الأمر بذلك عدم الطلاق وإن أداه بالعبارة المزبورة التى يمكن دعوى ظهورها في ذلك، باعتبار كون الاستثناء بيانا للمراد بالمستثنى منه، فمع فرض استغراقه يرجع إلى إرادة عدم قصد الطلاق بالمستثنى منه، ولا يقدح في ذلك كون الاستثناء لاغيا، إذ لغويته لا تنافي دلالته على المعنى المزبور، كما لا تنافي ذلك الحكم في الاقرار بلزوم المستثنى منه، وبطلان الاستثناء في مثله للدليل أو لقاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار الذي منه المفروض، مع قاعدة صون كلام العاقل عن الهذيان، على أن معنى الإقرار قابل لإلحاق الإستثناء به، لانه إخبار، بخلاف الإنشاء الذي يتبع ترتب أثره التلفظ بالصيغة المقصود معناها، ومنه يمكن القول بالبطلان بقول: " أنت طالق طلقة إلا طلقة ". كل ذلك مع قطع النظر عن دعوى ظهور أدلة الحصر في غير ذلك، وأن الطلاق الصحيح هو قول: " أنت طالق " مجردة عن قصد أمر زائد على قصد طبيعة الطلاق بها الذي يلزمه وقوع الواحدة بها، نحو باقي الطبائع، وأن الحكم بالواحدة بقول: " أنت طالق ثلاثا " للاجماع المحكي وغيره مما عرفته سابقا، وحينئذ يتجه البطلان من رأس في الفرض، إلا مع فرض قصد الطلاق بقوله " أنت طالق "

[ 100 ]

على نحو المذكور في أدلة الحصر، وأن قصد الثلاث إلا الثلاث أمر آخر قصده مستقلا، فيقع لغوا، فتأمل جيدا كى يظهر لك مما ذكرنا ما في كشف اللثام أيضا وغيره. (ولو قال: " أنت طالق غير طالق " فان نوى الرجعة) بذلك وكان الطلاق رجعيا (صح، لأن إنكار الطلاق رجعة) كما ستعرف، فضلا عن الفرض الذي قصد الرجوع به (وإن أراد النقض حكم بالطلقة) التى تترتب عليه قهرا بانشاء الصيغة المراد معناها التي هي سبب شرعا فيه، فلا يثمر نقضه لها. (ولو قال: طلقة إلا طلقة " لغا الاستثناء، وحكم بالطلقة بقوله: طالق) ما لم يعلم منه عدم قصد الطلاق بذلك، بل قد عرفت إمكان دعوى ظهور التركيب في ذلك. (ولو قال: " زينب طالق " ثم قال: " أردت عمرة ") ولكن غلط لساني (وهما زوجتان) له (قبل) لان المرجع في تعيين المطلقة إلى قصده الذي لا يعلم إلا من قبله، مع أن الفعل فعله لا مشترك بينه وبين غيره، والغلط اللفظى احتمال ممكن واقع كثيرا، فهو كدعوى الغلط بقول: " طالق " وأن المراد قول: " طاهر " ونحوه مما عرفته سابقا. وفي المسالك " وقيد بكونهما زوجتين ليحترز عما لو ادعى قصد أجنبية وغلط في تسمية زوجته، فانه لا يقبل، لان ذلك خلاف الظاهر فان الاصل في الطلاق أن يواجه به الزوجة أو يعلق بها، فدعواه إرادة الأجنبية غير مسموعة ". وفيه أنه يمكن رجوع ذلك إلى دعوى القصد، أو إلى قصد إرادة الاجنبية، كما لو قال: " سعدى طالق " وكان الاسم مشتركا بين زوجته والاجنبية الذي قد عرفت البحث فيه سابقا، والاصل المزبور جار في أكثر أفراد المسألة التي قد عرفت القبول فيها، ولعل وجه التقييد قبول قوله في طلاق عمرة المنوية التي اريدت من قول: " زينب " غلطا لان الفعل فعله، ومتعلقه أمر في يده، لأن الفرض كون كل منهما زوجة له.

[ 101 ]

وأما احتمال عدم وقوع الطلاق بأحدهما، لعدم النطق بلفظ يعين المطلقة - بل جعله في كشف اللثام هو الظاهر ففيه أنه يكفى اللفظ الغلطى مع فرض القصد به، والله العالم. (ولو قال: " زينب طالق بل عمرة " طلقتا جميعا، لان كل واحدة منهما مقصودة في وقت التلفظ باسمها) فتندرج في إطلاق الادلة، بل في كشف اللثام " أن " بل " ليست نصا في الانكار أو النقض، فلتحمل على الجميع " وإن كان فيه أن الظاهر ثبوت الحكم حتى على فرض إرادة النقض الذي لا يرجع فيه إليه بعد فرض حصول سببه الشرعي، نعم لو رجع ذلك إلى إرادة بيان الغلط اللسانى في " زينب " اتجه الفساد حينئذ فيها بناء على قبوله منه، ولكن ذلك خروج عن الفرض. (و) على كل حال فقال المصنف: (فيه إشكال ينشأ من اعتبار النطق بالصيغة) التي هي " أنت مثلا طالق " وتبعه الفاضل في القواعد، فلا يكفي العطف خصوصا إذا كان بلفظ " بل " ولا أقل من الشك، والاصل عدم حصوله، بل في المسالك " الأقوى توقف الثانية على الصيغة التامة مطلقا أي من غير فرق بين العطف بالواو وغيره، نعم لو وقع ذلك على وجه الاقرار حكم بطلاقهما، لانه أقر بطلاق المذكورة أولا ثم رجع مستدركا وأقر بطلاق الثانية، فلا يقبل رجوعه عن الاولى، ويؤاخذ بالثاني، كما لو قال: له علي درهم بل دينار ". قلت: قد عرفت البحث سابقا في الاكتفاء بحرف العطف عن إعادتها، من غير فرق بين الواو وغيرها وإن كان ربما فرق بينها وبين " بل " فحكم بالصحة بها نظر إلى مقتضى الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون قوله: " طالق " في الاولى مرادا في الثانية، بخلاف المعطوف ببل، لانها تفيد الاضراب عن الاولى وإثباته للمعطوفة، فإذا بطل حكم " طالق " في الاولى لم يكن مؤثرا في الثانية، لكنه كما ترى. هذا ولقد أكثر العامة في ذكر الفروع المتعلقة بالابهام، والتعليق، والحلف بالطلاق، وتعقيب الصيغة بالمنافي، وغير ذلك، وقد أطنب الشيخ في المبسوط في

[ 102 ]

ذكر الصحيح منها على أصولنا والفاسد، وبملاحظتها يعلم ما هو المراد من نصوص الحصر (1) وغيرها من التعريض بهم، بل من ذلك يعلم أن الحصر في النصوص المزبورة من الباب التي ينفتح منها ألف باب، لكونه المراد به فساد كثير مما ذكروه. (الركن الرابع) (الاشهاد) كتابا (2) وسنة (3) وإجماعا بقسميه، بل المحكى منهما مستفيض أو متواتر كالسنة، قال أمير المؤمنين عليه السلام في خبر ابن مسلم (4) لمن سأله عن طلاقه: " أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عزوجل ؟ فقال: لا فقال: اذهب، فليس طلاقك بطلاق " وقال الباقر والصادق عليهما السلام في حسن زرارة ومحمد بن مسلم ومن معهما (5): " وإن طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق " وقال الباقر عليه السلام في حسنهما ايضا (6): " الطلاق لا يكون بغير شهود " وقال الصادق عليه السلام: في خبر أبى الصباح (7) " من طلق بغير شهود فليس بشئ " وقال أبو الحسن عليه السلام في حسن أحمد بن محمد بن أبى نصر (8): " يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين، كما قال الله عزوجل في كتابه، فان خالف ذلك رد إلى كتاب الله عزوجل " إلى غير


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق. (2) سورة الطلاق 65 - الاية 2. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث. 7 - 3. (6) الوسائل الباب - 13 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3. (7 و 8) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6 - 4.

[ 103 ]

ذلك من النصوص التي سيمر عليك جملة منها. نعم الظاهر الاكتفاء بشهادة إنشاء الطلاق من الاصيل أو الوكيل أو الولى، ولا يعتبر العلم بالمطلق والمطلقة على وجه يشهد عليهما لو احتيج إليه، لاطلاق الأدلة. لكن عن سيد المدارك في شرح النافع اعتبار ذلك، قال: " واعلم أن الظاهر من اشتراط الاشهاد أنه لابد من حضور شاهدين يشهدان بالطلاق، بحيث يتحقق معه الشهادة بوقوعه، وإنما يحصل ذلك مع العلم بالمطلقة على وجه يشهد العدلان بوقوع طلاقها، فما اشتهر بين أهل زماننا - من الاكتفاء بمجرد سماع العدلين صيغة الطلاق وإن لم يعلما المطلق والمطلقة بوجه بعيد جدا، بل الظاهر أنه لا أصل له في المذهب، فان النص والفتوى متطابقان على اعتبار الاشهاد، ومجرد سماع صيغة لايعرف قائلها لا يسمى إشهادا قطعا. وممن صرح باعتبار علم الشهود بالمطلقة الشيخ في النهاية، قال: " ومتى طلق ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الاسلام كان طلاقه غير واقع - ثم قال -: وإذا أراد الطلاق فينبغي أن يقول: " فلانة طالق " أو يشير الى المرأة بعد ان يكون العلم قد سبق بها من الشهود، فيقول: هذه طالق) ويدل على ذلك - مضافا إلى ما ذكرناه من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم بالمطلقة - مكاتبة محمد بن أحمد بن مطهر إلى العسكري عليه السلام (1) " إنى تزوجت بأربع نسوة لم أسأل عن أسمأئهن ثم أريد طلاق إحداهن وتزويج امرأة أخرى، فكتب: انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهن، فتقول: اشهدوا أن فلانة التي بها علامة كذا وكذا هي طالق ثم تزوج الاخرى إذا انقضت العدة " (2).


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 3 من كتاب النكاح. (2) إلى هنا ينتهى كلام سيد المدارك (قده) في شرح النافع. والموجود في النسخة المخطوطة منه في عام 1167 المخزونة في (مكتبة السيد الحكيم قدس سره العامة) في النجف الاشرف: " لابد من حضور شاهدين يسمعان الطلاق بحيث يتحقق معه الشهادة بوقوعه ".

[ 104 ]

وأطنب في الحدائق في رده، وقال: " إن اعتبار العلم في الجملة مما لا إشكال فيه ولا مرية تعتريه، لا من أهل زمانه ولا من غيرهم، وهو الذي جرى عليه كافة من حضرنا مجالسهم من مشائخنا المعاصرين، وأما العلم الموجب لتميزهما وتشخيصهما فلا أعرف له دليلا واضحا، وجميع ما استدل به لا يخلو من نظر واضح، بل صريح الدليل خلافه، إذ ما ذكره من عدم تحقق الاشهاد بدون العلم ففيه منع واضح إن أراد العلم بالمعنى الذي ذكره، بل هو عين المدعى، وإن أراد في الجملة فهو مسلم، فانه لو قال: " فاطمة زوجتى طالق " والشهود ليس لهم معرفة سابقة إلا بهذا الاسم الذي ذكره، صح، وكذلك المطلق، إذا علموا أن اسمه زيد مثلا فانه يكفى في العلم به، ولا يشترط أزيد من ذلك. وعبارة الشيخ في النهاية إنما تدل على ذلك، فان المراد بقوله: " فينبغي " إلى آخره تسمية المطلقة باسمها العلمي، ومع عدم معرفة الاسم العلمي فلابد من شئ يدل على التعيين، لوجوبه في صحة الطلاق كما تقدم، بأن يشير إلى امرأة جالسة ويقول " هذه طالق " بعد علم الشهود بها ولو في الجملة، بأن تكون بنت فلان، أو اخت فلان، أو البصرية، أو الكوفية، أو نحو ذلك مما يفيد العلم في الجملة. وأما الخبر فالمراد منه اعتبار ما يدل على التعيين من علامة ونحوها بعد تعذر الاسم، بل هو ظاهر في الاجتزاء به مع فرض معرفته، فيكون حينئذ ظاهرا فيما ذكرناه لا فيما ذكره. بل يدل على ذلك صريحا خبر أبى بصير المرادى أو صحيحة (1) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل تزوج أربع نسوة في عقدة واحدة أو قال في مجلس واحد ومهورهن مختلفة قال: جائز له ولهن، قلت: أرأيت إن هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحدة من الأربع وأشهد على طلاقها قوما من أهل تلك البلاد وهو لا يعرفون المرأة ثم تزوج امرأة من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة المطلقة ثم مات بعد


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

[ 105 ]

مادخل بها كيف يقسم ميراثه ؟ قال: إن كان له ولد فان للمرأة التى تزوجها أخيرا من تلك البلاد ربع ثمن ما ترك، وإن عرفت التي طلقت بعينها ونسبها فلا شئ لها من الميراث، وليس عليها العدة، قال: وتقسم الثلاث نسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك، وعليهن العدة، وإن لم تعرف التي طلقت من الاربع قسمن النسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعا، وعليهن جميعا العدة " ورواه الشيخ في الصحيح عن الحسن ابن محبوب وطريقه إليه صحيح، وهو ما صحة سنده صريح في طلاق من لم يعرفها الشهود لشخصها، ولا ينافي ذلك اعتبار التعيين في صحة الطلاق، فان الاشتباه المذكور في ذيله يمكن أن يكون لعروض نسيان لهم أو غيره. نعم ربما يدل على ما ذكره حسن حمران (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا يكون خلع ولا تخيير ولا مباراة إلا على طهر من المرأة من غير جماع وشاهدين يعرفان الرجل ويريان المرأة ويحضران التخيير وإقرار المرأة أنها على طهر من غير جماع يوم خيرها، قال: فقال له محمد بن مسلم: ما إقرار المرأة هنا ؟ قال: يشهد الشاهدان عليها بذلك للرجل حذار أن يأتي بعد فتدعى أنه خيرها وهي طامث فيشهدان عليها بما سمعا منها " إلا أن هذا الخبر لم يتضمن الطلاق، ويمكن حمله على الاستحباب والاحتياط - ثم قال - وبالجملة فان ما ذكرناه من الاكتفاء بالمعرفة الإجمالية هو الذي جرى عليه مشائخنا الذين عاصرناهم، وحضرنا مجالس طلاقهم كما حكاه هو أيضا عما اشتهر في زمانه، وأما ما ادعاه فلم أقف له على موافق، ولا دليل يعتمد عليه. ولم أقف لأحد من أصحابنا على بحث في هذه المسألة سوى ما نقلناه عنه، وقد عرفت ما فيه " (2).


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الخلع الحديث 4. (2) إلى هنا ينتهى كلام صاحب الحدائق في مناقشة سيد المدارك (قدهما) مع تغيير بعض الجملات بالنقل إلى المعنى.

[ 106 ]

وتبعه على ذلك في الرياض، فانه - بعد أن ذكر إطلاق المستفيضة المكتفية بشهادة الشاهدين للصيغة خاصة من دون مراعاة الزائد عليها بالمرة قال: " وهي وإن اقتضت صحة الطلاق مطلقا ولو من دون علمهما بالمطلقة ولو بالاسم أو الاشارة بالمرة إلا أن اللازم مراعاة المعرفة في الجملة بنحو من الاسم أو الاشارة تحقيقا لفائدة الشهادة، والتفاتا إلى بعض المعتبرة - أي المكاتبة المذكورة ثم قال -: وبه صرح شيخنا في النهاية، ولعل هذا أيضا مراد بعض متأخرى الطائفة من اعتباره في صحة الاشهاد علم الشاهدين بالمطلق والمطلقة، ولو أراد العلم بهما من جميع الوجوه لكان بعيدا غاية البعد، بل فاسدا بالضرورة، لاستلزامه تقييد الادلة من غير دلالة، مع استلزام مراعاته الحرج المنفى آية (1) ورواية (2) ومخالفة الطريقة المستمرة بين الطائفة، مع اندفاعه بخصوص الصحيحين - أي خبرى أبى بصير (3) ثم قال -: ربما أشعرت بذلك عموم أخبار (4) صحة طلاق الغائب، لكون الغالب في شهوده عدم المعرفة بالمطلقة، وسيما إذا كانت الغيبة إلى البلاد البعيدة، وبالجملة الظاهر من الادلة كفاية المعرفة بنحو من الاسم أو الاشارة من دون لزوم مبالغة تامة في المعرفة. قلت: هما وإن أجادا في الانكار عليه باعتبار العلم المزبور، لكن فيما اعتبراه أيضا من اعتبار العلم في الجملة بحث، بل فيه من الاجمال ما لا يخفى، على أنه لا وجه له إذا كان مبنى عدم اعتبار العلم بالمعنى المزبور هو كون المراد من


(1) سورة الحج: 22 - الاية 78. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب الوضوء الحديث 5 من كتاب الطهارة. (3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 بسندين راجع الباب - 9 - من أبواب ميراث الازواج من كتاب المواريث والتهذيب ج 8 ص 93 وج 9 ص 296 و 384. (4) الوسائل الباب - 25 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 107 ]

الكتاب (1) والنص (2) والفتوى هو حضور العدلين إنشاء الطلاق من منشئه من غير اعتبار لا تصافهما بالشهادة على وجه يعتبر فيهما ما يعتبر في الشهادة، على (إلى ظ) غير ذلك من تشخيص المشهود عليه ونحوه. بل يمكن دعوى الاكتفاء بشهادة العدلين ذلك وإن لم يقبل شهادتهما على المطلق أو المطلقة لامر لا ينافى العدالة من خصومة أو أبوة أو رقية أو نحو ذلك بناء على اعتبار ذلك في قبولها، واعتبار التعيين أو ذكر ما يفيده في صحة صيغة الطلاق لا مدخلية له في الاشهاد بالمعنى المزبور، فلو قال " زوجتي طالق " أو " فاطمة طالق " وكان الاسم مشتركا بين نسائه وقصد به معينا صح الطلاق وإن لم يعلم الشاهدان المعينة عنده. بل لو أنشأ منشئ الطلاق بحضور عدلين من غير علم لهما بكونه وكيلا أو زوجا أو وليا صح، وكذا لو أنشأه بمحضر ممن لا يبصره ولا يعرفه لعمى أو غيره - فضلا عن معرفة المطلقة - صح أيضا، لإطلاق الأدلة. وبالجملة لا يعتبر في شاهدى الطلاق كونهما شاهدين على المطلق أو المطلقة مقبولي الشهادة عليهما كى يعتبر في صحة الطلاق صحة شهادتهما عليهما. نعم لو قلنا باستفادة اعتبار كونهما شاهدين من الأمر بالإشهاد في الكتاب (3) والسنة (4) لاتجه ما قاله السيد المزبور لاما قالاه، بل اتجه اعتبار كونهما مقبولي الشهادة عليهما، كما عساه يومئ إليه حسن حمران (5) السابق المحمول على ضرب من الاحتياط، لعدم القائل بمضمونه حتى السيد المزبور، لكن قد عرفت عدمه، بل ظاهر الادلة بل صريح بعضها خلافه، وذكر العلامة في المكاتبة لارادة التعيين لا يقتضى ذلك. (و) لعله لذا قال المصنف في تفسير اعتبار الاشهاد: إنه (لابد من حضور


(1 و 3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (2 و 4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق. (5) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الخلع الحديث 4.

[ 108 ]

شاهدين يسمعان الانشاء) أو يريانه في إشارة الاخرس وكتابة العاجز (سواء قال لهما: أشهدا أو لم يقل) ضرورة عدم توقف صدق شهادتهما بل ولا إشهادهما على ذلك، مضافا إلى حسن ابن أبى نصر (1) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل كانت له امرأة طهرت من محيضها فجاء إلى جماعة فقال: فلانة طالق يقع عليها الطلاق ولم يقل اشهدوا ؟ قال: نعم " ونحوه حسن صفوان بن يحيى (2) عنه عليه السلام. نعم قد يقال باعتبار اقتضاء اعتبار الامر بالاشهاد في الاية (3) وغيرها قصد ايقاع الطلاق بحضورهما، فلو طلق من دونه لم يصح وإن سمعه منه من لم يعلم به من وراء جدار مثلا، وإن لم أجد المصرح بذلك إلا أنه يمكن دعوى ظهور كثير من الكلمات فيه. (و) على كل حال فلا إشكال ولا خلاف في أن (سماعهما التلفظ) بانشاء الطلاق أو ما يقوم مقامه (شرط في صحة الطلاق حتى لو تجرد عن الشهادة لم يقع ولو كملت شروطه الاخر) بل قد عرفت أن ذلك مما تطابق عليه الكتاب (4) والسنة (5) والاجماع بقسميه. وكذا تطابقت على اعتبار التعدد فيهما والعدالة (6) (و) حينئذ ف‍ (لا يقع) الطلاق (بشاهد واحد ولو كان عدلا) بل معصوما (ولا بشهادة فاسقين) فصاعدا ولو بلغ الشياع، بل وما يفيد العلم وإن توهم بعض الناس الاكتفاء بالاخير، معللا له بأنه ليس بعد العلم من شئ إلا أنه كما ترى، ضرورة عدم مدخلية العلم بوقوعه فيما يعتبر في صحته (بل لابد) حال وقوعه (من حضور شاهدين) عدلين، نعم يكفى كون (ظاهرهما العدالة). (ومن فقهائنا) كالشيخ في نهايته والقطب الراوندي فيما يحكى عنه (من


(1 و 2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 2. (3 و 4) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (5) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق. (6) سورة الطلاق: 65 - الاية 2 والباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 109 ]

اقتصر على اعتبار الإسلام فيهما) ومقتضاه الاجتزاء بالمسلمين الفاسقين فضلاعن المؤمنين. (و) لا ريب في أن (الأول أظهر) بل ينبغى القطع به، إذ دعوى عدم اعتبارها فيه بعد اتفاق الكتاب والسنة والاجماع بقسميه عليه واضحة الفساد، كدعوى تحققها بالاسلام وإن قارن سائر المعاصي، ضرورة صدق اسم الفاسق عليه الذي يمتنع معه صدق اسم العدل، بل لا ينبغي نسبة هذا القول لاحد من أصحابنا المنزهين عن أمثال ذلك. ولعل ما في النهاية من " أنه متى طلق بمحضر من رجلين مسلمين ولم يقل لهما أشهدا وقع طلاقه، وجاز لهما أن يشهدا بذلك " غير مساق لبيان ذلك، لانه قد تقدم له قبل ذلك بأسطر " أن من الشرائط العامة لجميع أنواع الطلاق أن يكون طلاقه بمحضر من شاهدين مسلمين عدلين، ويتلفظ بلفظ مخصوص " إلى آخره وهو صريح في اشتراط العدالة، كما أنه ظاهر أو صريح في أنها أمر زائد على الا سلام، نحو قوله تعالى (1): " وأشهدوا ذوي عدل منكم " خصوصا بعد ما تقدم له سابقا في كتاب الشهادات من تعريف العدل بمضمون ما في صحيح ابن أبى يعفور (2) بل اعتبر نحو ذلك أيضا في شهادة النساء. فمن الغريب نسبة بعض إليه هنا عدم اعتباره العدالة أو أنها هي الاسلام، ولعل النسبة إلى القطب كذلك، إذ لم يحضرنا كلامه. وأغرب من ذلك الاحتجاج لهما بما في حسن البزنطي (3) عن أبى الحسن عليه السلام " قلت: فان أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق أيكون طلاقا ؟ فقال: من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير " وصحيح بعد الله بن


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (2) الوسائل الباب - 41 - من كتاب الشهادات الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

[ 110 ]

المغيرة (1) قلت للرضا عليه السلام: " رجل طلق أمرأته وأشهد شاهدين ناصبين، قال: كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته " المحمولين بشهادة العدول عن جواب السؤال على التعبير بما هو جامع بين التقية والحق الذى لازالوا يستعملونه، حتى قالوا لبعض أصحابهم في بعض (2) نصوص الطلاق ثلاثا معلمين لهم: " إنكم لا تحسنون مثل هذا " أي فتجمعون بينهما بالعبارة الجامعة، فيراد حينئذ بمعرفة الخير فيه والصلاح في نفسه المؤمن العدل الذي قد يقال: إنه مقتضى الفطرة أيضا، لا الناصب الذي هو كافر إجماعا، بل ولا مطلق المخالف الذي هو الشر نفسه. فما في المسالك من الميل إلى القول المزبور واضح الفساد، ونحوه قد وقع له في كتاب الشهادات، وقد ذكرنا هناك ما عليه، ومن العجيب موافقة سبطه له هنا على ذلك المحكى عن شرحه على النافع، ولعله لقرب مزاجه من مزاجه باعتبار تولده منه. نعم لا عذر للكاشاني في مفاتيحه، سواء قالوا بعدم اعتبار العدالة في شاهدي الطلاق أو قالوا بأنها فيه مجرد الاسلام، فان الامرين كما ترى. وأغرب من ذلك قوله في المسالك بعد أن ذكر رواية البزنطي (3): " وهذه الرواية واضحة الاسناد والدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق، ولا يرد أن قوله عليه السلام " بعد أن يعرف منه خبر " ينافي ذلك، لان الخير قد يعرف من المؤمن وغيره، وهو نكرة في سياق الاثبات لا يقتضي العموم، فلا ينافيه مع معرفة الخير


(1) الوسائل الباب - 41 - من كتاب الشهادات الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 6 وفيه: قال: ثم التفت إلى فقال: فلان لا يحسن أن يقول مثل هذا " كما في الاستبصار ج 3 ص 290 الرقم 1025 الا أن الموجود في التهذيب ج 8 ص 92 " قال: ثم التفت إلى فقال: يا قلان لا تسحن أن تقول مثل هذا ". (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

[ 111 ]

منه بالذي أظهره من الشهادتين والصلاة والصيام وغيرهما من أركان الاسلام أن يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح، لصدق معرفة الخير منه معه، وفي الخبر - مع تصديره باشتراط شهادة عدلين، ثم الاكتفاء بما ذكر تنبيه على أن العدالة هي الاسلام، فإذا اضيف إلى ذلك أن لا يظهر الفسق كان أولى ". ضرورة كونه من الكلام الذي لا يستأهل ردا وإن أطنب في الحدائق، بل والرياض، بل لعل القول به مع عدم الاضافة المزبورة التي جعلها أولى مناف للضروري بين العلماء، كما أنه مناف معها أيضا لعلماء الفرقة المحقة، كما أوضحنا ذلك في كتاب الشهادات. ثم إن الظاهر المنساق من الادلة اعتبار شاهدين خارجين عن المطلق وإن كان وكيلا أو وليا، لكن في المسالك بعد أن اعترف باعتبار ذلك قال: " ثم إن كان هو الزوج فواضح، وإن كان وكيله ففي الاكتفاء به عن أحدهمما وجهان: من تحقق اثنين خارجين عن المطلق، ومن أن الوكيل نائب عن الزوج، فهو بحكمه، فلابد من اثنين خارجين عنهما، وفيه أن أحدهما أعنى الزوج أو الوكيل خارج، لان اللفظ لا يقوم باثنين فأيهما اعتبر اعتبر شهادة الاخر " قلت: يصدق المطلق على كل منهما باعتبار، فلابد من شاهدين غيرهما، كما هو واضح. ومن ذلك يعلم ما في القواعد " ولو كان أحدهما أي الشاهدان الزوج ففي صحة طلاق الوكيل إشكال، فان قلنا به أي الوقوع لم يثبت أي الطلاق بشهادته، لانه هو المدعى ". ثم إن المراد من قول المصنف ره: " ظاهرهما " إلى آخره بيان أن العدالة وإن كانت شرطا لكن يكفي في الحكم بحصولها على وجه يترتب عليه المشروط بها حسن الظاهر ضرورة تعذر الاطلاع على نفس الامر أو تعسره، ولهذا اتفق النص (1) والفتوى على الاكتفاء بذلك في الحكم بحصولها، فلا يقدح حينئذ فسقهما في نفس


(1) الوسائل الباب - 41 - من كتاب الشهادات الحديث 3.

[ 112 ]

الأمر في الحكم بصحة الطلاق ظاهرا لغير العالم بحالهما، بل لا يشترط حكم الحاكم بذلك، كما في غيره من الموضوعات التي علق عليها الحكم. بل في المسالك: هل يقدح فسقهما في نفس الامر بالنسبة إليهما حتى لا يصح لاحدهما أن يتزوج بها أم لا، نظرا إلى حصول شرط الطلاق، وهو العدالة ظاهرا ؟ وجهان، وكذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما، ففي الحكم بالوقوع بالنسبة إليه، حتى يسقط عنه حقوق الزوجية ويستبيح اختها والخامسة وجهان، والحكم بصحته فيهما لا يخلو من قوة ". وقد تبع ببعض ذلك الفاضل في القواعد " ولو أشهد من ظاهره العدالة وقع وإن كان في الباطن فاسقين أو أحدهما، وحلت عليهما على اشكال لكن قال: أما لو كان - أي المطلق ظاهرا أي مطلعا على فسقهما فالوجه البطلان " ولعله لما في كشف اللثام من أن ظهور العدالة إن أفاد إنما يفيد في نظر المطلق، فهما حينئذ ليسا بظاهري العدالة. قلت: قد يقال إن مقتضى قاعدة وضع اللفظ للواقع بطلان الطلاق لكل من هو مطلع على فسقهما فيه، حتى هما أيضا، والاجتزاء بالظاهر للنص (1) والفتوى إنما هو لغير منكشف الحال. نعم لو قلنا إن العدالة هي نفس حسن الظاهر واقعا اتجه الصحة حينئذ حتى مع علم الزوج إذا فرض على وجه لا ينافي صدق حسن الظاهر، لكن لا يخفى ما فيه من البعد. ودعوى ظهور مادل على الاجتزاء بالظاهر من النص (2) والفتوى في ترتب الحكم المعلق عليه وإن بان بعد ذلك خلافه كما في الائتمام ونحوه إن لم نقل إنه عدالة لا دليل عليها، بل ظاهر الادلة في الشهادات وغيرها خلافها، والائتمام مداره على الصلاة خلف من وثق به، فلا يقدح في صدق الامتثال ظهور الفسق بعد


(1 و 2) الوسائل الباب - 41 - من كتاب الشهادات 3. (جواهر الكلام - ج 7)

[ 113 ]

ذلك، على أن الكلام هنا في علم الشاهدين بأنفسهما أو الزوج أو غيرهما المقارن لحال الطلاق. فالتحقيق حينئذ اتحاد حكم هذا الموضوع مع غيره من الموضوعات وإن اجتزئ في الحكم بتحققه بظاهر الحال، لكن مادام الامر مستورا فمتى انكشف الحال ولو بعد ذلك لم يحكم بصحة الطلاق، فضلا عمن كان الحال مكشوفا لديه من الزوج أو الشاهدين أو غيرهم. كما أن المتجه الصحة لو طلق بمحضر من مجهولي الحال فبان عدالتهما، بل وكذا الفاسقين في الظاهر وإن جعله في كشف اللثام أحد الوجهين. هذا ولا ريب في أن ظاهر الكتاب العزيز والسنة وصريح الفتاوى بل الظاهر الاتفاق عليه اعتبار اجتماع العدلين في حضور إنشاء الطلاق، بل هو صريح حسن البزنطى (1) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل طلق امرأته من غير جماع وأشهد اليوم رجلا ثم مكث خمسة أيام ثم أشهد آخر، فقال: إنما أمر أن يشهدا جميعا " الذي ينافيه صحيح ابن بزيع (2) عن الرضا عليه السلام " سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق، فقال، نعم، وتعتد من أول الشاهدين، وقال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا " المحمول بقرينة ما في آخره على إرادة التفريق في الأداء لا في حضور الانشاء، وبذلك كان الاعتداد من أول شهادة الشاهدين، لانه يكون قد وقع بهما، فإذا شهد أولهما بوقت كان الاخر شاهدا به كذلك وإن تأخر في الاداء. (و) حينئذ ف‍ (لو شهد أحدهما بالانشاء ثم شهد الاخر به بانفراده لم يقع الطلاق) بلا خلاف أجده فيه، لما عرفت من اعتبار الاجتماع في شهادة الانشاء، والفرض عدمه في كل من الانشائين. (أما لو شهدا بالاقرار) بالطلاق ولو المحمول على الوجه الصحيح (لم يشترط الاجتماع) فيحكم حينئذ به وإن اختلف وقت أدائهما، سواء شهد على إقراره الواحد شاهدان أو شهدا على إقراره في وقتين، لان صحة الاقرار لا يشترط فيها الاشهاد،


(1 و 2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1 - 2.

[ 114 ]

وإنما المعتبر ثبوته شرعا، وهو يحصل مع تعدده وشهادة كل واحد من الاقرارين، لان مؤداهما واحد، كما لو أقر بغيره من الحقوق. نعم لو سمع الانشاء واحد ثم أقر به عند آخر، أو لم يسمع الانشاء شاهد أصلا ثم أشهدهما على الاقرار لم يقع قطعا (و) لذا قال المصنف: (لو شهد أحدهما بالانشاء والاخر بالاقرار لم يقبل) لان الاقرار إخبار عما وقع سابقا، فإذا لم يصح السابق لفقد شرطه لم يصح الاقرار، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام (1) لرجل أتاه بالكوفة فقال: " أنى طلقت امرأتي بعدما طهرت من حيضها قبل أن أجامعها، فقال: أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك الله تعالى ؟ فقال: لا، فقال: اذهب فان طلاقك ليس بشئ ". (و) كذا ظاهر الكتاب (2) والسنة (3) والفتاوى اعتبار كونهما ذكرين ف‍ (لا تقبل شهادة النساء في) إنشاء (الطلاق) بل ولا الخناثى (لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال) ولو ألفا، بل هو صريح حسن البزنطي (4) قال للرضا عليه السلام: " فان طلق من غير جماع بشاهد وأمرأتين، فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، وتجوز شهادتهن مع غيرهن في الدم أذا حضرته " وصحيح الحلبي (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " سأل عن شهادة النساء في النكاح، قال: تجوز إذا كان معهن رجل، وكان علي عليه السلام يقول: لاأجيزها في الطلاق " وخبر دواد بن الحصين (6) عنه عليه السلام ايضا " كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يجيز شهادة امرأتين في النكاح، ولا يجيز في الطلاق إلا شاهدين


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (3 و 4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث. 4. (5 و 6) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 2 - 35 وفى الثاني " يجيز شهادة امرأتين في النكاح... " كما في التهذيب ج 6 ص 282 والاستبصار ج 3 ص 26.

[ 115 ]

عدلين " إلى غير ذلك من النصوص، بل الظاهر الاتفاق عليه، وما عن ابني أبى عقيل والجنيد بل والشيخ في المبسوط من قبول شهادتهن مع الرجال محمول على ثبوته بذلك بعد إيقاعه بشهادة الذكرين، فلا خلاف حينئذ في المسألة، وقد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في كتاب الشهادات. (ولو طلق ولم يشهد ثم أشهد كان الاول لغوا) بلا خلاف ولا إشكال (ووقع) الطلاق (حين الاشهاد إذا أتى باللفظ المعتبر في الانشاء) قاصدا به ذلك، بأن قال: " إشهدا بأن زوجتى فلانة طالق " وناويا بذلك إنشاء الطلاق وإيقاعه، لا الاشهاد على وقوع الطلاق السابق الفاقد للاشهاد، فان كلا منهما حينئذ باطل وإن كان الاول لعدم الاشهاد، والثاني لعدم الانشاء، والفارق بينهما قرائن الاحوال أو إخباره أو نحو ذلك. وعليه ينزل صحيح أحمد بن محمد (1) " سألته عن الطلاق فقال: على طهر، وكان على عليه السلام يقول: لاطلاق إلا بالشهود، فقال له رجل: فان طلقها ولم يشهد ثم أشهد بعد ذلك بأيام فمتى تعتد ؟ فقال: من اليوم الذي أشهد فيه على الطلاق " كى يوافق ما سمعته من النصوص السابقة المعتضدة بما عرفت.


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتا ب الشهادات الحديث 10.

[ 116 ]

(النظر الثاني) (في أقسام الطلاق) (ولفظه) الذى هو الاعم من الصحيح والفاسد لغة وشرعا وعرفا (يقع على البدعة والسنة) فيقال: طلاق سني وطلاق بدعي نسبته إليهما، بمعنى البدعة المحرمة والسنة المشروعة، وجوبا مخيرا، كطلاق المولى والظاهر الذي يؤمر بعد المدة بالفئ أو الطلاق، كما ستعرف إنشاء الله، وندبا، كالطلاق مع الشقاق وعدم العفة، أو كراهته كالطلاق عند التيام الاخلاق. وعلى كل حال (ف‍) طلاق (البدعة) اصطلاحا (ثلاث طلاق الحائض) الحائل (بعد الدخول مع حضور الزوج معها) بل (ومع غيبته دون المدة المشترطة) على حسب ما تقدم سابقا (وكذا النفساء) فانها كالحائض في الاحكام (أو في طهر قربها فيه) مع عدم اليأس والصغر والحمل ومضى المدة مع حضوره أو مطلقا على البحث السابق. (وطلاق الثلاث من غير رجعة بينها) مرسلة أو مترتبة. (والكل) محرم (عندنا) بعنوان الشرعية، بل عند علماء الاسلام، كغيره من الطلاق الباطل بفقد بعض شرائط الصحة وإن اختصت الثلاثة باسم البدعة اصطلاحا. وربما قيل: إن الوجه في اختصاصها بذلك اختصاصها بورود النهي (1) عنها بخلاف غيرها من الطلاق الباطل لفقد الشرط، ولذا اختص الاثم بها دونه، إلا أنه كما ترى مجرد دعوى، وخصوصا الاخير، فانه لا ريب في حرمته مع الاتيان به بعنوان الشرعية وعدمها مع عدمه، إذ التلفظ بالصيغة من حيث كونه كذلك لا دليل على حرمته حتى في الثلاثة.


(1) الوسائل الباب - 8 و 29 - من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 117 ]

وعلى كل حال فهو (باطل) عندنا ف‍ (لا يقع معه الطلاق) إلا الاخير، فانه لا خلاف في وقوع الواحدة به مع الترتيب، وعلى الخلاف في المرسلة، ولعل إطلاق المصنف البطلان بمعنى عدم ترتب الاثر عليه كملا، خلافا للعامة، فيقع به على بدعيته، وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر لك عدم ورود ما ذكره في المسالك، والامر سهل. (و) أما (السنة) فقد ذكر المصنف أنها (تنقسم أقساما ثلاثة: بائن ورجعي وطلاق العدة) ولكن المعروف جعل الاخير قسما من الثاني لاقسيما له، وحينئذ فينقسم طلاق السنة إلى بائن ورجعي، والرجعي إلى عدي وغيره، وفي القواعد قسم الطلاق الشرعي الذي هو طلاق السنة بالمعنى الاعم إلى طلاق عدة وسنة بالمعنى الاخص، وهو أن يطلق على الشرائط، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، سواء كانت العدة رجعية أو بائنة، ثم يتزوجها بعقد جديد، وهذه القسمة وإن لم تكن متداخلة إلا أنها غير حاصرة، فان الطلاق الشرعي أعم منهما، ثم بعد ذلك قسمه إلى البائن والرجعي، وكذلك فعل في الارشاد، إلا أنه قدم التقسيم إلى البائن والرجعي على السني والعدي. وفي المسالك " التحقيق أن الطلاق العدي من أقسام الرجعى، والطلاق السني - بالمعنى الاخص - بينه وبين كل واحد من البائن والرجعي عموم وخصوص من وجه، يختص البائن عنه بما إذا لم يتزوجها بعد العدة مع كونه بائنا، ويختص السني عنه بما إذا كان رجعيا فلم يرجع ويتزوجها بعد العدة، ويتصادقان فيما إذا كان الطلاق بائنا وتزوجها بعد العدة، ويختص العدي عنه بما إذا رجع في العدة، ويختص السني عنه بما إذا كان الطلاق بائنا وتزوج بعد العدة، ويتصادقان فيما إذا كان الطلاق رجعيا ولم يرجع فيه إلى أن انقضت العدة ثم تزوجها بعقد جديد، فالاجود في التقسيم أن يقسم الطلاق السني إلى البائن والرجعي، والقسمة حاصرة غير متداخلة، ويقسم أيضا إلى طلاق العدة وطلاق السنة بالمعنى الاخص وغيرهما، لا أن يقتصر

[ 118 ]

عليهما، وما ذكرناه من أن الطلاق السني بالمعنى الاخص أعم من البائن والرجعي هو مدلول فتاوى الاصحاب أجمع، وسيأتي بيانه في عبارة المصنف، ولكن الظاهر من الاخبار اختصاصه بالطلاق الرجعي، وعلى هذا فيكون من أقسامه كطلاق العدة ". قلت: هذه المتعبة لا حاصل لها إذا كان المراد منها مجرد بيان اصطلاح لا بيان عنوانات أحكام شرعية مختلفة، وليس إلا في الطلاق العدي بالنسبة إلى تحريم الابد في التسع، ولا خلاف نصا (1) وفتوى في أنه ما سمعته في عبارة المصنف دون غيره، وحينئذ ليس هذا الاختلاف إلا مجرد اصطلاح ونحوه مما لا يترتب عليه حكم شرعي، فيكون الامر فيه سهلا. لكن قد استفاضت النصوص في تقسيم الطلاق إلى طلاق العدة وطلاق السنة، بل في صحيح زرارة (2) عن الباقر عليه السلام " كل طلاق لا يكون على السنة أو على العدة فليس بشئ، قال زرارة: قلت لابي جعفر عليه السلام: فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة، فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين، فتنقضي عدتها بثلاث حيض، وقد بانت منه، ويكون خاطبا من الخطاب، إن شاءت تزوجته، وإن شاءت لم تتزوجه، وعليه نفقتها والسكنى مادامت في عدتها، وهما يتوارثان حتى تنقضي العدة، قال: وأما طلاق العدة الذي قال الله تعالى: (3) فطلقوهن - إلى آخره - فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين عدلين، ويراجعها في يومه ذلك إن أحب


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب أقسام الطلاق. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 وذيله في الباب - 2 - منها الحديث 1. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 1.

[ 119 ]

أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها، ويواقعها حتى تحيض، فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلقها تطليقة اخرى من غير جماع، ويشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها، ويواقعها وتكون معه إلى الحيض أي الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضها الثالثة طلقها التطليقة الثالثة بغير جماع، ويشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قيل له: فان كانت ممن لا تحيض، فقال: مثل هذه تطلق طلاق السنة ". وفي صحيح ابن مسلم (1) عنه عليه السلام أيضا " طلاق السنة يطلقها تطليقة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين، ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها، فإذا مضت أقراؤها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب، وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقراؤها، فتكون عنده على التطليقة الماضية ". وفي صحيح أبى بصير (2) عن الصادق عليه السلام تفسير طلاق السنة بما سمعته في صحيح زرارة، قال: " وأما طلاق الرجعة فأن يدعها حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها بشهادة شاهدين، ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى، ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وعليها أن تعتد ثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة " الحديث. إلى غير ذلك من النصوص. وكيف كان (فالبائن ما لا يصح للزوج بعده (معه خ ل) الرجعة) بها، (وهو ستة) بلا خلاف نصا (3) وفتوى:


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 وذيله في الباب - 2 - منها الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 1 و 2 و 3 و 8 من أبواب العدد والباب - 3 - من أبواب أقسام الطلاق.

[ 120 ]

الاول: (طلاق التي لم يدخل بها) وإن خلا بها خلوة، فانه وإن حكم باعتدادها ظاهرا لكنها بائن باعتبار عدم الدخول قبلا ودبرا، فانه معتبر كالقبل، لصدق المس والادخال والدخول والمواقعة والتقاء الختانين إن فسر بالتحاذى، وإمكان سبق المني فيه إلى الرحم، وكونه أحد المأتيين (1)، نعم يعتبر كون الدخول موجبا للغسل بغيبوبة الحشفة وإن لم ينزل، لخروج ما دونها عما ذكر. (و) الثاني: طلاق اليائسة) وهي من بلغت خمسين أو ستين سنة على ما تقدم في كتاب الحيض. (و) الثالث: (من لم تبلغ) سن إمكان (المحيض) أي التسع وإن دخل بها، للامن من اختلاط المائين، ولقول الصادق عليه السلام في خبر عبد الرحمن (2): " ثلاثة يتزوجن على كل حال: التي لا تحيض ومثلها لا تحيض، قال: وما حدها ؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي يئست من المحيض ومثلها لا تحيض) الحديث.


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الجنابة الحديث 1 من كتاب الطهارة. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العدد الحديث 4.

[ 121 ]

الرابع (و) الخامس: طلاق (المختلعة والمباراة ما لم ترجعا في البذل)، فان رجعا به كان رجعيا، فتلحقه أحكامه في الاقوى: من وجوب الانفاق والاسكان وتحريم الاخت والخامسة وغيرها، فهو حينئذ بائن في حال ورجعي في آخر، كما تعرف ذلك إنشاء الله في محله. (و) السادس: (المطلقة ثلاثا بينها رجعتنان) ولو بعقد جديد بمعنى الرجوع إلى نكاحها، لما ستعرف من عدم أعتبار خصوص الرجعتين بالطلاق في بينونته وحرمتها عليه حتى تنكح زوجا غيره. (والرجعي هو الذي للمطلق مراجعتها فيه، سواء راجع أو لم يراجع) بلا خلاف ولا إشكال، وهو ما عدا الستة المزبورة كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا اعتدت بالاقراء أو الشهور أو الوضع. (وأما طلاق العدة) - الذي هو قسم مركب من البائن والرجعي بناء على أنه مجموع الثلاث، ولذلك جعله المصنف كما عن التحرير قسيما لهما لا قسما من أحدهما (ف‍) يقال: (هو أن يطلق على الشرائط، ثم يراجعها قبل خروجها من عدتها ويواقعها) قبلا أو دبرا (ثم يطلقها في) طهر آخر (غير طهر المواقعة، ثم يراجعها ويواقعها، ثم يطلقها في طهر آخر، فانها تحرم عليه حتى تنكح زوجا) آخر (غيره) بلا خلاف ولا إشكال، وقد سمعت تفسيره بذلك في صحيح زرارة (3)


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 228. (2 و 3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث. - 1.

[ 122 ]

السابق (فان نكحت وخلت ثم تزوجها ف‍) ان (اعتمد ما اعتمده أولا حرمت في الثالثة) عليه أيضا (حتى تنكح غيره، فان نكحت ثم خلت فنكحها ثم فعل كالاول حرمت في التاسعة تحريما مؤبدا) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. ولخبر أبى بصير (1) سأل الصادق عليه السلام " عن الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق، ثم يراجع ثم يطلق، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فيتزوجها رجل آخر فيطلقها على السنة ثم ترجع إلى زوجها الاول، فيطلقها ثلاث تطليقات، فتنكح زوجا غيره، ثم ترجع إلى زوجها الاول، فيطلقها ثلاث مرات على السنة، ثم تنكح، فتلك التي لا تحل له أبدا ". وخبر جميل بن دراج (2) عن أبي عبد الله عليه السلام وإبراهيم بن عبد الحميد عن أبى عبد الله وأبى الحسن عليهما السلام قال: " إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت، ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول، ثم طلقها فتزوجت رجلا، ثم طلقها فتزوجها الاول، ثم طلقها الزوج الاول، فإذا طلقها على هذا ثلاثا لم تحل له أبدا ". وخبر زرارة وداود بن سرحان (3) عن الصادق عليه السلام " إن الذى يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات لا تحل له أبدا ". ومكاتبة محمد بن سنان (4) للرضا عليه السلام " وعلة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلا تحل له أبدا عقوبة لئلا يتلاعب بالطلاق ولا تستضعف المرأة، وليكون ناظرا في أموره متيقظا معتبرا، وليكون يأسا لهما من الاجتماع بعد تسع تطليقات). إلا أن الجميع كما ترى لا صراحة فيه في اشتراط التحريم بالتسع بالطلاق


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2. (2) أشار إليه في الوسائل الباب - 11 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 2. من كتاب النكاح وذكره في الكافي ج 5 ص 428. (3 و 4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 - 8.

[ 123 ]

العدي على الوجه المزبور، بل ظاهره الاطلاق. فالعمدة حينئذ الاجماع. مؤيدا بمفهوم القيد في المروى (1) عن الخصال في تعداد المحرمات بالسنة قال: " وتزويج الرجل امرأة قد طلقها للعدة تسع تطليقات ". وبمفهوم الشرط في المحكي عن الفقه الرضوي (2) فانه بعد أن ذكر كيفية طلاق العدة على ما سمعته قال: " فان طلقها ثلاث تطليقات على ما وصفته واحدة بعد واحدة فقد بانت منه، ولا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا، وأعلم أن كل من طلق تسع تطليقات على ما وصفت لم تحل له أبدا " مضافا إلى عدم تعرضه للتحريم أبدا فيما ذكره من طلاق السنة أيضا. وبخبري معلى بن خنيس (3) عن الصادق عليه السلام واللفظ لاحدهما " في رجل طلق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها، ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها، ثم طلقها من غير أن يراجع، ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوجها أبدا ما لم يراجع ويمس " باعتبار ظهور لفظ التأبيد أو صراحته في العموم لما لو طلقت كذلك طلقات عديدة ولو تجاوزت التسع، وأنها لا تحرم بذلك إلا مع حصول الامرين: من الرجوع والوقوع، وليس نصا في مختار ابن بكير، فيطرح لقبوله التقييد بحصول التحليل بعد كل ثلاث، ومقتضاه حينئذ أنه يتزوجها أبدا بعد حصول المحلل لا مطلقا، وإن كان هو كما ترى.


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) المستدرك الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 6. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 13 بسندين راجع الكافي ج 6 ص 77.

[ 124 ]

ونحوه التأييد بما في الموثق الذي رواه ابن بكير (1) دليلا له عن أبى جعفر عليه السلام " فان فعل هذا بها - مشيرا إلى طلاق السنة - مأة مرة هدم ما قبله وحلت بلا زوج " باعتبار أن خروج الذيل عن الحجية بالاجماع والمعتبرة لا يقتضى خروج الجميع عنها، فقد يكون من إلحاق ابن بكير الذي في سنده به لاجتهاده، ويؤيده اعترافه بعدم سماعه رواية من أحد غير هذا الخبر، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة أن مبنى الحل فيه أبدا على عدم الاحتياج إلى المحلل، لانهدام الطلاق بتزويجه، وقد عرفت أن عنوان المحرمة أبدا في التسع في خبر زرارة وداود بن سرحان هي التي تطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات. نعم قد يؤيد أيضا بتصريح النصوص (2) بالفرق في الحكم بين السني والعدي، وليس إلا في التحريم أبدا بالتسع في الاخير، للتصريح بها بالاحتياج إلى المحلل فيهما، لكن فيه أيضا أن في بعض النصوص تصريحا أيضا بالتحريم أبدا بالتسع في طلاق السنة، كالصحيح (3) " إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت، ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول، ثم طلقها فتزوجت رجلا، ثم طلقها فتزوجها الاول، ثم طلقها هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا " لكنه شاذ لم نجد عاملا به. و (بالجملة) قد عرفت أن العمدة الاجماع، فلا وجه لتوقف بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور. هذا وفي الروضة وغيرها أن إطلاق الطلاق العدي على التسع المرتبة مجاز، لان الثالثة من كل ثلاث ليست للعدة، فاطلاقه عليها إما إطلاق لاسم الاكثر على الاقل، أو باعتبار المجاورة، وفيه أنه يمكن دعوى وضع الطلاق العدي للثلاث


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 16 عن عبد الله بن بكير عن زرارة. (2) الوسائل الباب - 1 و 2 - من أبواب أقسام الطلاق. (3) الوسائل الباب - 11 - ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 125 ]

المزبورة على الوجه المزبور، فلا مجاز حينئذ. ومن هنا قال في كشف اللثام " إن الظاهر من عبارة المصنف وكثير أن مجموع الثلاث الطلقات صورة طلاق العدة، وربما يتوهم من الخبر (1) - ثم قال -: والاجود ما مر في النكاح ويظهر مما سيأتي ونص عليه جماعة منهم ابني إدريس وسعيد من أنه الطلاق الذي يراجع في عدته، والخبر بهذا المعنى، فانه تفسير للآية (2) وقد أمر بها (فيها خ ل) ولا يظهر وجه للامر بالثلاث، فالمراد في الخبر بقوله عليه السلام: " ثم يطلقها... ثم يطلقها " إن أراد وكذا الباقي ". وفي الرياض " المستفاد من قوله في تفسيره: " ما يرجع فيه ويواقع ثم يطلق " هو أن المعتبر فيه أن يطلق ثانيا بعد الرجوع والمواقعة خاصة، وعن بعضهم عدم اعتبار الطلاق ثانيا والاقتصار على الرجعة ". وعن النهاية وجماعة " أن الطلاق الواقع بعد المراجعة والمواقعة يوصف بكونه عديا وإن لم يقع بعده رجوع ووقاع، لكن الطلاق الثالث لا يوصف بكونه عديا إلا إذا وقع بعد الرجوع والوقاع، قيل: وفي بعض الروايات دلالة عليه ". قلت: لاريب في ظهور النصوص وكثير من الفتاوى بكون الطلاق العدي المجموع المركب من الثلاثة على الوجه المزبور، وحينئذ لا يتصور التفريق فيه، ضرورة خروجه بالتفريق بين طلقاته عن كونه عديا حينئذ، نعم يتصور التفريق بين طللقاته التسع بأن يطلق بعد الفرد الاول منه وحصول المحلل للسنة مثلا، ثم يتزوجها بعد العدة لها أيضا، فيطلقها، ثم يتزوجها بعد العدة، ثم يطلقها، ثم يصيبها المحلل، ثم يتزوجها، ثم يطلقها طلاقا عديا للعدة ثلاثا، ثم يصيبها المحلل، ثم يتزوجها فيطلقها طلاقا عديا، وبالجملة لم تتوال أفراد الطلاق العدي، والظاهر ترتب التحريم عليه أبدا، لصدق حصوله ثلاثا. ولكن في الروضة بعد أن ذكر ما سمعت قال: " وحيث كانت النصوص


(1) الوسائل الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 1.

[ 126 ]

والفتاوى مطلقة في اعتبار التسع للعدة في التحريم المؤبد كان أعم من كونها متوالية ومتفرقة، فلو انفق في كل ثلاث واحدة للعدة اعتبر فيه إكمال التسع كذلك وظاهره إمكان التفريق بين ثلاثة، فيكون الطلاق هو الذي يراجع في عدته ويواقع فيها. وفى الرياض " وللنظر فيهما مجال، أما في الاول فلتعليق التحريم المؤبد فيه على وقوعها بحيث يحتاج كل ثلاث منها إلى محلل، ألا ترى إلى الموثق (1) المصرح بأن الذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات ويتزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا، ولا شئ من الطلقات الثلاث العديات المتفرق كل منهما (2) في ثلاث يحتاج إلى محلل، وقد أعترف به في توجيهه احتمال اغتفار الثالثة من كل ثلاث وقع فيها عدية واحدة بأنه المعتبر عند التوالي، وأن الثالثة لم يتحقق اعتبار كونها للعدة، وإنما استفيد من النص التحريم بالست الواقعة بها، فيستصحب الحكم مع عدم التوالي، فبعد الاعتراف بكون المستفاد من النص التحريم بالست الواقعة لها المنحصرة هي في التوالي كيف يمكن دعوى شموله للتسع المتفرقة ؟ ! واعترف به أيضا في توجيه احتمال عدم الاغتفار الذي قواه بأن ثبوته مع التوالي على خلاف الاصل، وإذا لم يحصل اعتبرت الحقيقة، خصوصا مع كون طلقة العدة هي الاولى خاصة، فان علاقتي المجاورة والاكثرية منتفيتان عن الثالثة، إذ لا مجاورة للعدية ولا أكثرية لها، بخلاف ما لو كانت العدية هي الثانية، فان علاقة المجاورة موجودة، وأما في الثاني فلتصريح علي بن إبراهيم (3) في المحكي


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (2) هكذا في النسختين الاصليتين: المسودة والمبيضة، الا أن الموجود في الرياض " كل منها " وهو الصحيح، راجع الرياض في أواخر البحث عن السبب الرابع من أسباب التحريم من كتاب النكاح. (3) البحار ج 104 ص 2 الطبع الحديث.

[ 127 ]

عنه بعين ما في الرضوي (1) مصرحا في آخره، بأن هذه هي التي لا تحل لزوجها الاول أبدا الظاهر في الحصر الحقيقي والمجازي على خلاف الاصل، ونحوه الصدوق في الفقيه، بل ظاهرهما كالرضوي اشتراط الترتيب في تأبد التحريم، لتصريحه بأنه الطلقات التسع التي كل ثلاث منها لابد أن يكون كل واحد منها واحدا بعد واحد المتبادر منه ذلك ". قلت: لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه سقوط كثير من هذا الكلام، ضرورة عدم تحقق الطلاق العدي المفسر بما سمعت في التفريق على الوجه المزبور الذي مقتضاه تحقق التحريم بعد الدخول في الخامسة والعشرين إن كان العدية هو الاولى من كل ثلاث، أو السادسة والعشرين إن كان الثانية بغير طلاق، بل قيل: ولو توقف على طلاق آخر بعده ولم يكن ثالثا كما في الاول لزم جعل ما ليس بمحرم محرما والحكم بالتحريم بدون طلاق موقوف على التحليل، وكلاهما بعيد وذلك أمارة لزوم الاقتصار على مورد النص. نعم قد عرفت شموله للتفريق بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان الذى ينساق في بادئ النظر خلافه أيضا، كما أنه ينساق منه حصول التحريم بمطلق التسع التي تخللها المحلل، خرج ما خرج منها بالاجماع، وهو الخالي عن طلاق عدى، وبقى صور التفريق، لكن دقيق النظر يقتضي خلافهما، فلاحظ وتأمل، ولكن على كل حال كله في الحرة. أما الامة فقد استفاض في النصوص (2) والفتاوى تحريمها المحتاج إلى محلل بطلقتين بينهما رجعة ووقاع، أما تحريمها أبدا بتكرر ذلك ثلاثا فتحرم حينئذ بالست كذلك فلم أقف فيه على دليل بالخصوص، ومن هنا احتمل بعضهم بل جزم آخر إن لم يكن إجماع بعدم حرمتها مطلقا وإن تكرر ذلك أزيد من ذلك، أللهم إلا أن يدعى استفادته من الحكم في الحرة بناء على أنها على النصف منها في هذه،


(1) المستدرك الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 6. (2) الوسائل الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 128 ]

ولم يتصور التصنيف في الطلقة، فجعل عدتها طلقتين، وبتكراره ثلاثا يحصل التحريم به أبدا في حرة أو أمة وإن أختلف موضوعه فيهما، بل يمكن استفادة ذلك من التأمل في النصوص (1) المزبورة، فلاحظ وتأمل مراعيا للاحتياط الذي لا يخفى حاله في جميع أفراد المقام. (و) كيف كان فلا إشكال بل ولا خلاف معتد به كما ستعرف في أنه (لا يقع الطلاق للعدة ما لم يطأها بعد المراجعة، ولو طلقها) بعد المراجعة (قبل المواقعة صح، و) لكن (لم يكن للعدة) الذى من شرطه المواقعة بعدها، فلا يترتب على التسع به تحريم الابد، بل ولا من السنة بالمعنى الاخص، نعم هو منها بالمعنى الاعم، وبه وبغيره من الافراد يعلم عدم انحصار أفراد الطلاق في السني بالمعنى الاخص والعدى وإن أوهمته بعض النصوص (2) لكن لا بد من حملها على ما لا ينافي ذلك. (و) كذا لا إشكال ولا خلاف معتد به في أن (كل أمرأة) حرة (استكملت الطلاق ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غير المطلق، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن، راجعها) في العدة وواقعها أم لم يواقعها ثم طلقها، ثم راجعها كذلك ثم طلقها (أو) لم يراجعها فيها بل (تركها) إلى أن انقضت عدتها، ثم تزوجها بعقد جديد ثم طلقها، وهكذا ثلاثا. وبالجملة لا فرق في ذلك بين العدي السني بالمعني الاخص والاعم، وستسمع شذوذ ابن بكير في تخصيص ذلك بالطلاق العدى دون السني، كشذوذ بعض النصوص (3) المتضمنة لذلك، لمعارضتها بالمستفيض من النصوص (4) أو المتواتر


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق. (2) الوسائل الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق. (3) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11 و 12 و 13. (4) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق. (جواهر الكلام - ج 8)

[ 129 ]

الموافق لاطلاق الكتاب (1) ولإجماع الأصحاب بقسيمه، فالمسألة بحمد الله من الواضحات، وستسمع إنشاء الله فيما يأتي ما يزيدها وضوحا. (مسائل) ست: (الاولى:) (إذا طلقها فخرجت من العدة ثم نكحها مستأنفا ثم طلقها وتركها حتى قضت العدة ثم أستأنف نكاحها ثم طلقها ثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإذا فارقها واعتدت جاز له مراجعتها، ولا تحرم هذه في التاسعة، ولا يهدم استيفاء عدتها تحريمها في الثالثة) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بينا إلا في الاخير من ابن بكير والصدوق، فجعلا الخروج من العدة هادما للطلاق، فله حينئذ نكاحها بعد الثلاث بلا محلل، ولكن قد سبقهما الاجماع ولحقهما، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (2) بالخصوص بخلافهما، منها ما تقدم في تفسير السني والعدي، فضلا عن إطلاق الكتاب (3) والسنة (4). نعم روى أولهما الذي هو ليس من أصحابنا عن زرارة في الصحيح (5) " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الطلاق الذي يحبه الله تعالى والذي يطلقه الفقيه وهو العدل بين المرأة والرجل أن يطلقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين وإرادة في القلب، ثم يتركها ثم تمضي ثلاثة قروء، فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة وهو آخر القرء لان الاقراء هي الاطهار فقد بانت منه، وهي أملك بنفسها، فان شاءت تزوجته وحلت له بلا زوج، فان فعل هذا بها مأة مرة هدم ما قبله وحلت بلا زوج، وإن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلقها ثلاث مرات يراجعها ثم يطلقها لم تحل


(1 و 3) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (2 و 4) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق. (5) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 16.

[ 130 ]

له إلا بزوج ". لكن قال الشيخ: " إنه يجوز أن يكون ابن بكير أسند ذلك إلى زرارة عن أبى جعفر عليه السلام نصرة لمذهبه الذي كان أفتى به، لما رأى أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه، وليس هو معصوما لا يجوز عليه هذا، بل وقع عنه من العدول عن مذهب الحق إلى اعتقاد مذهب الفطحية ما هو معروف من مذهبه، والغلط في ذلك أعظم من إسناده فيما يعتقد صحته بشبهة إلى بعض أصحاب الائمة عليهم السلام ". ولعل السبب في ذلك ما عن ابن سماعة (1) " من أن الحسين بن هاشم سأل ابن بكير هل سمعت فيما ذكرته شيئا ؟ فقال: رواية رفاعة، فقال له: إن رفاعة روى إذا دخل بينهما زوج فقال: زوج وغير زوج عندي سواء فقال له: هل سمعت في هذا شيئا ؟ فقال: لا، هذا مما رزق الله من الرأي - ولذا - قال ابن سماعة: وليس لاحد يأخذ بقول ابن بكير، فان الرواية إذا كان بينهما زوج " وما عن ابن المغيرة (2) أيضا من " أني سألت ابن بكير عن رجل طلق امرأته واحدة ثم تركها حتى بانت منه ثم تزوجها، قال: هي معه كما كانت في التزويج، قال: قلت: فان رواية رفاعة إذا كان بينهما زوج، فقال لى عبد الله: هذا زوج، وهذا مما رزق الله من الراى، ومتى ما طلقها واحدة فبانت ثم تزوجها زوج آخر ثم طلقها زوجها فتزوجها الاول فهي عنده مستقبلة كما كانت، قال: فقلت لعبد الله: هذه رواية من ؟ قال: هذا مما رزق الله من الرأى " إذ لو كان عنده رواية زرارة لأ سند فتواه إليها لا إلى ما ذكره من الرأي. على ان رواية رفاعة ظاهرة بل صريحة في خلافه، قال معاوية بن حكيم: روى أصحابنا عن رفاعة بن موسى (2) " أن الزوج يهدم الطلاق الاول، فان تزوجها


(1) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11. (2) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 12 ولكن أسقط ذيله وذكره في الكافي ج 6 ص 78. (3) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2.

[ 131 ]

فهي عنده مستقبلة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يهدم الثلاث ولا يهدم الواحدة والثنتين ؟ " بل عن ابن المغيرة (1)، أن رفاعة روى عن أبى عبد الله عليه السلام " طلقها ثم تزوجها رجل ثم طلقها فتزوجها الاول إن ذلك يهدم الطلاق الاول " فلا ريب أن ابن بكير قد توهم ذلك من رواية رفاعة التي عرفت أنها بخلافه. بل مما ذكرنا قد ينقدح الشك في موقوفة عبد الله بن سنان (2) الموافقة لما ذكره ابن بكير قال: " إذا طلق الرجل امرأته فليطلق على طهر بغير جماع وشهود، فان تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث، وبطلت التطليقة الاولى، فان طلقها اثنتين ثم كف عنها حتى تمضي الحيضة الثالثة بانت منه بثنتين، وهو خاطب من الخطاب، فان تزوجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث تطليقات، وبطلت الاثنتان، فان طلقها ثلاث تطليقات على العدة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره " أو أنه ذكر ذلك عن ابن بكير وأصحابه أو صدر منه تقية. كخبر المعلى بن خنيس (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته، ثم لم يراجعها حتى حاضت بثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها من غير أن يراجع، ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوجها أبدا ما لم يراجع ويمس " أو غير ذلك. وكيف كان فقد أستقر المذهب على خلاف ابن بكير، وأنه لا فرق بين العدى والسني والمركب منهما في اشتراط الحل بالمحلل بعد الثلاث كما عرفته سابقا، والله العالم.


(1) الكافي ج 6 ص 77. (2 و 3) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 15 - 13.

[ 132 ]

المسألة (الثانية:) (إذا طلق الحامل وراجعها جاز له أن يطأها ويطلقها ثانية) بعد شهر أو مطلقا (للعدة إجماعا) في القواعد ومحكي الايضاح وشرح الصيمري وإن أطلق المنع الصدوقان اللذان لحقهما الاجماع إن لم يكن قد سبقهما، لاطلاق الادلة أو عمومها، وموثق إسحاق بن عمار (1) " قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، قال: تبين منها ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". وموثقه الاخر (2) عن أبي الحسن عليه السلام " سألته عن رجل طلق امرأته وهي حامل ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها الثالثة في يوم واحد تبين منه، قال: نعم ". وموثقه الاخر (3) عن أبى الحسن عليه السلام الاول " سألته عن الحبلى تطلق الطلاق التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال: نعم قلت: ألست قلت لي إذا جامع لم يكن له أن يطلق ؟ قال: إن الطلاق لا يكون إلا على طهر قد بان أو حمل قد بان، وهذه قد بان حملها ". ومرسل ابن بكير (4) قال: " في الرجل تكون له المرأة الحامل وهو يريد أن يطلقها، قال: يطلقها إذا أراد الطلاق بعينه، ويطلقها بشهادة الشهود، فان بدا له في يوم أو من بعد ذلك أن يراجعها يريد الرجعة بعينها فليراجع وليواقع، ثم يبدو له فيطلق أيضا، ثم يبدو له فيراجع كما راجع أولا، ثم يبدو له فيطلق، فهي التي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إذا كان إذا راجع يريد المواقعة والامساك ويواقع).


(1) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 10 - 8 - 9.

[ 133 ]

وخبر يزيد الكناسي (1) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن طلاق الحبلى، فقال: يطلقها تطليقة واحدة للعدة بالشهود والشهور، قلت له: فله أن يراجعها قال: نعم وهي امرأته، قلت، فان راجعها ومسها ثم أراد أن يطلقها تطليقة اخرى، قال: لا يطلقها حتى يمضي لها بعدما مسها شهر، قلت: فان طلقها ثانية وأشهد على طلاقها، ثم راجعها وأشهد على رجعتها ومسها، ثم طلقها التطليقة الثالثة وأشهد على طلاقها لكل عدة شهر، هل تبين منه كما تبين المطلقة على العدة التي لا تحلل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ؟ قال نعم، قلت: فما عدتها ؟ قال: عدتها أن تضع ما في بطنها، ثم قد حلت للازواج. ولا ينافي ذلك النصوص (2) الكثيرة التي فيها الصحيح وغيره المتضمنة لكون طلاق الحامل واحدة، بل في خبر منصور الصيقل (3) عن الصادق عليه السلام النهي عن طلاقها بعد المراجعة فيها حتى تضع، إلا أنها شاذة لعدم القائل بمضمونها إلا ما سمعته من إطلاق الصدوقين، ومحتملة لارادة الاتحاد صنفا بمعنى أنه لا فصل بينهما بانقضاء طهر أو خلو من عدة، واستحباب الاتحاد، بل كراهة التعدد، وغير ذلك مما لا بأس به بعد ترجيح النصوص السابقة بالموافقة لعموم الكتاب (4) والسنة (5) والعمل من زمنهما، بل وقبله إلى زماننا، مع اختلاف الامصار (و) تفاوت المشارب، فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور. نعم (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من نهايته وابنا البراج وحمزة: (لا يجوز) طلاقها (للسنة) بالمعنى الذي هو خلاف العدي، أي طلاقها بعد المراجعة بلا مواقعة، لا السني بالمعني السابق الذي لا يتصور في المقام، لكون انقضاء عدتها وضع الحمل الذي تخرج به عن وصف الحامل التي هو موضوع البحث.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11 -. - 7. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 229. (5) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 134 ]

ودعوى بعض الناس خروجها عن العدة بالثلاثة أشهر فيتصور فيها حينئذ طلاق السنة واضحة الفساد، كما تعرفه في محله وإن قال الصادق عليه السلام هنا في خبر الكناني: (1) " طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الاجلين " لكن في الصحيح (1) " طلاق الحبلى واحدة، وأجلها أن تضع حملها، وهو أقرب الاجلين ". مضافا إلى ما في الكتاب (3) والسنة (4): من أن عدتها وضع الحمل، فلا طلاق سني لها بالمعنى الاخص قطعا، بل لو فرض إرادة الشيخ ذلك كان المعنى أنه لا يصح طلاقها للسنة بمعنى عدم تصوره، وإن كان حمل النصوص عليه حينئذ لا يخلو من صعوبة. وعلى كل حال فما أطنب به في المسالك وأتباعها في تحقيق ذلك في غير محله قطعا. وكيف كان فلا دليل له سوى أنه جمع بين النصوص، لكن لا شاهد له سوى مرسل ابن بكير (5) الذي لا جابر له بحيث يصلح للحكم به على النصوص السابقة، بل الموهن متحقق. (و) من هنا كان (الجواز أشبه) باصول المذهب وقواعده، فضلا عن خصوص إطلاق الادلة السابقة، ضرورة كونها زوجة بالرجوع الذي لا يعتبر في صحته المواقعة نصا (6) وفتوى، فهي محل للطلاق بعموم الادلة وإطلاقها. وكذا ما عن ابن الجنيد من اعتبار الشهر وإن توهمه بعض الناس من بعض العبارات القديمة، لكنه ليس له إلا الخبر المزبور (7) المعرض عنه بين الاصحاب


(1) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3. (2) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد الحديث 2. (3) سورة الطلاق: 65 الاية 4. (4) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد. (5) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 9. (6) الوسائل الباب 18 من أبواب أقسام الطلاق. (7) الوسائل الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11.

[ 135 ]

قديما وحديثا على وجه لا يصلح معارضا لاطلاق النصوص السابقة فضلا عن صريحها، خصوصا بعد إمكان حمله على ضرب من الندب باعتبار حصول البعد فيه عن مشابهة العامة الذين يصححون الطلاق ثلاثا في مجلس واحد إرسالا وترتيبا من دون تخلل رجعة، فضلا عن المواقعة، كما تسمع نظيره في حمل النصوص في المسألة الاتية. وأوضح من ذلك احتمالها كون المراد احتساب طلاق الحامل واحدة وإن كان في طهر المواقعة، لا أنه باطل لذلك كما يتوهم، وربما أرشد لذلك خبر اسحاق ابن عمار (1) السابق. وبذلك كله ظهر لك وجه استقرار كلمة الاصحاب على الجواز بالمواقعة وبدونها بعد مضى الشهر وقبله لو ساعة واحدة. وربما جمع بين النصوص بحمل نصوص الواحدة (2) على من لم يرد بالرجعة الامساك، وإنما أرادها مقدمة لطلاقها، فانه غير جائز، بخلاف ما لو رجع بها لارادة إمساكها ومواقعتها ثم بدا له فطلقها، وهو مع أنه غير جامع لجميع النصوص لا قائل به، على أن هذا الجمع ونحوه إنما هو بعد فرض المتكافئة المعلوم فقدها في المقام، فليس حينئذ إلا العمل بالنصوص المزبورة المعتضدة بما عرفت، وذكر وجه المنصوص المقابلة غير مناف لذلك إن أمكن، وإلا أطرحت وأوكل العلم بها إلى قائلها كما هو مقتضى أصول المذهب وقواعده. المسألة (الثالثة:) (إذا طلق الحائل) طلاقا رجعيا (ثم راجعها فان واقعها وطلقها في طهر آخر صح إجماعا) بقسميه ونصوصا (3) مستفيضة أو متواترة، بل هو


(1 و 2) الوسائل في الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 8 - 0 - 0. (3) الوسائل الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6 والباب 2 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 136 ]

من قطعيات اصول المذهب وقواعده، فضلا عما دل عليه بالخصوص (وإن طلقها في طهر آخر من غير مواقعة فيه روايتان: إحداهما لا يقع الثاني أصلا). وهي صحيحة ابن الحجاج (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " الرجل يطلق امرأته له أن يراجع ؟ قال: لا يطلق التطليقة الاخرى حتى يمسها ". ورواية المعلى بن خنيس (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يطلقها الثانية قبل أن يراجع، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع ". وموثقة اسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم عليه السلام " سألته عن رجل يطلق امرأته في طهر من غير جماع، ثم راجعها من يومه ذلك ثم يطلقها، أتبين منه بثلاث طلقات في طهر واحد ؟ فقال: خالف السنة، قلت: فليس ينبغي له إذا هو راجعها أن يطلقها إلا في طهر آخر، قال: نعم، قلت: حتى يجامع، قال: نعم ". وصحيحة أبى بصير (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن طلاق السنة - إلى أن قال -: وأما طلاق الرجعة فأن يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة اخرى، ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت اشهد شاهدين على التطليقة الثالثة، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وعليها أن تعتد بثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة، فان طلقها واحدة على طهر بشهود ثم أنتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل أن يراجعها لم يكن طلاقه الثاني طلاقا، لانه طلق طالقا، لانه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت


(1 و 2) الوسائل الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 - 5. (3) الوسائل في الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6. (4) ذكر صدرها في الوسائل في الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 وذيلها في الباب 2 منها الحديث 2.

[ 137 ]

خارجة عن ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم يطلق التطليقة الثالثة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الراجعة من يده، فان طلقها على طهر بشهود ثم راجعها وانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت وطهرت ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا، لانه طلقها التطليقة الثانية في طهر الاولى، ولا ينقضي الطهر إلا بمواقعة بعد الرجعة، ولذلك لا يكون التطليقة الثالثة الا بمراجعة ومواقعة بعد المراجعة ثم حيض وطهر بعد الحيض ثم طلاق بشهود، حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس المواقعة بشهود ". ورواية أبى بصير (1) عنه عليه السلام أيضا " المراجعة في الجماع وإلا فإنما هي واحدة " بناء على أن المراد منه بقرينة ما سبق عدم احتساب الطلقة بعد المراجعة طلقة اخرى إلا مع الجماع وإلا فهي الطلقة الاولى، إلى غير ذلك من النصوص. (و) الرواية (الاخرى يقع) الطلاق ويكون ثانيا (وهو الاصح خ ل) (ثم لو راجعها وطلقها ثالثا في طهر آخر حرمت عليه) حتى تنكح زوجا غيره. وهي موثقة إسحاق بن عمار (2) عن أبى الحسن عليه السلام " قلت له: رجل طلق امرأته، ثم راجعها بشهود، ثم طلقها، ثم بدا له فراجعها بشهود، ثم طلقها فراجعها بشهود، تبين منه ؟ قال، نعم قلت: كل ذلك في طهر واحد، قال: تبين منه ". وصحيحة عبد الحميد ومحمد بن مسلم (3) " سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وأشهد على الرجعة ولم يجامع، ثم طلق في طهر آخر على السنة، أتثبت التطليقة الثانية من غير جماع ؟ قال: نعم إذا هو أشهد على الرجعة ولم يجامع كانت التطليقة ثانية). وصحيحة البزنطي (4) " سألت الرضا عليه السلام عن رجل طلق امرأته بشاهدين،


(1) الوسائل الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 19 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5 - 1 - 2.

[ 138 ]

ثم يراجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثم طلقها على طهر بشاهدين، أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها ؟ قال: نعم ". وحسنة أبي على بن راشد (1) " سألته عليه السلام مشافهة عن رجل طلق امرأته بشاهدين على طهر، ثم سافر وأشهد على رجعتها، فلما قدم طلقها من غير جماع أيجوز ذلك له ؟: نعم قد جاز طلاقها ". مؤيدة بعموم ما دل على وقوع الطلاق على الزوجة كتابا (2) وسنة (3) الشامل لموضع النزاع بعد معلومية صيرورتها زوجة بالرجعة ولو من غير جماع نصا (4) وفتوى، فطلاقها حينئذ من أهله في محله. (و) لا ريب في أن هذا (هو الاصح) بل هو المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة لا بأس بدعوى الاجماع معها، إذ لم أجد قائلا بالاولى إلا ما يحكى عن ابن أبي عقيل وقد لحقه الاجماع، فلا إشكال حينئذ في ترجيح هذه النصوص على السابقة، وحملها على ضرب من الاستحباب. (ومن فقهائنا من حمل) رواية (الجواز على طلاق السنة) الذي هو بمعنى خلاف العدي لا الاخص الذي قد عرفته سابقا (و) رواية (المنع على طلاق العدة) الذي قد عرفت اعتبار المواقعة بعد الرجعة فيه، مستشهدا على ذلك بخبر المعلى بن خنيس (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق فلا يكون فيما بين الطلاق والطلاق جماع فتلك تحل له قبل أن تتزوج زوجا غيره، والتى لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره هي التي تجامع فيما بين الطلاق والطلاق ".


(1) الوسائل الباب 19 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (2) سورة البقرة: 2 الاية 230. (3) الوسائل الباب 1 و 2 من أبواب أقسام الطلاق. (4) الوسائل الباب 18 من أبواب أقسام الطلاق. (5) الوسائل الباب 19 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3.

[ 139 ]

مؤيدا بخبر أبي بصير (1) " سألت أبا جعفر عن الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فقال: أخبرك بما صنعت أنا بأمرأة كانت عندي فأردت طلاقها فتركتها حتى (إذا خ ل) طمثت وطهرت، ثم طلقتها من غير جماع، وأشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، وتركتها حتى طمثت وطهرت، ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، حتى إذا طمثت وطهرت طلقتها على طهر بغير جماع بشهود، وإنما فعلت ذلك لانه لم يكن لى بها حاجة ". ولكنه كما ترى، ضرورة عدم دلالة الخبر الاول فضلا عن الثاني إلا على اشتراط التوقف على المحلل بالجماع بين الطلاقين، وهو غير التفصيل المزبور، على انه مناف لما سمعته من النص والاجماع على عدم اشتراطه بذلك، وأن مطلق الطلاق ثلاثا يقتضي توقف الحل على المحلل. (و) لعله لذا قال مصنف: (هو تحكم) لانه لا شاهد له، وقوله عليه السلام في خبر أبن مسلم (2): " على السنة " إنما يراد به الجامع للشرائط الشرعية لا السني بالمعني الاخص، بل قيل: إن بعض أخبار المنع لا تقبله، لظهورها أو صراحتها في عدم وقوع الطلاق رأسا، خصوصا خبر أبى بصير (3) المشتمل على التعليل السابق. لكن لا يخفى عليك أن قول الشيخ ليس تفصيلا في المسألة، ضرورة أن المفروض - وإن قلنا بشرعيته - ليس من العدي قطعا، لما عرفت من اعتبار المواقعة فيه بعد الرجعة، وإنما ذكر ذلك محملا للنصوص النافية، ولا ريب في قابليتها لذلك، خصوصا خبر أبى بصير (4) الذي قد ذكر ما في ذيله لبيان الوجه فيما اعتبره في


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3. (2) الوسائل الباب 19 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (3 و 4) الوسائل الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2.

[ 140 ]

الطلاق العدي من الرجعة والمواقعة، فيراد حينئذ بيان نفي الفاقد لاحدهما عن كونه من العدي. وعلى كل حال فالامر في ذلك سهل وإن كان الاولى منه ما قلناه من بيان ضرب من الاولوية والكراهة، والوجه في ذلك أنه قد اشتهر بين العامة صحة الطلاق في مجلس واحد بالارسال والترتيب من دون تخلل رجعة، ولهذا أشار عليه السلام (1) إلى ردهم في الثاني بأنه طلق مطلقة، فلا ريب في أن المراد من هذه النصوص التعريض بهم، وأن أولى الافراد ما كان أبعد عما عندهم، وهو المشتمل على المراجعة والمواقعة المستلزمة لاعتبار طهر آخر غير الاول، ودونه الطلاق بعد الرجعة في طهر آخر غير الاول، ودونهما الطلاق في ذلك الطهر بعد المراجعة، والكل غير ما عندهم من تعدد الطلاق من غير تخلل رجعة، ولكن الافضل الفرد الاول، وهو الذي أشار إليه الامام عليه السلام بكون غيره مخالفا للسنة، أي المستحب، ولهذا ذكره بلفظ " ينبغي " كما ذكر الباقر عليه السلام ما صنعه هو (2). وبالجملة من تأمل في النصوص يكاد يجزم بكون المراد منها ذلك، وأنها خرجت لبيان هذا الامر. وبذلك كله ظهر لك أن الاطناب في المسالك والحدائق في المقام لا حاصل له، خصوصا بعد استقرار كلمة الاصحاب من زمن ابن أبى عقيل إلى يومنا هذا على ذلك إلا من بعض أهل الوسوسة ممن لم يعض على الامر بضرس قاطع، والله العالم. وربما جمع بين النصوص بأنه إن كان غرضه من الرجعة التطليقة الاخرى إلى أن تبين منه فلا يتم مراجعتها، ولا يصح طلاقها بعد المراجعة، ولا تحسب من الثلاث حتى يمسها، وإن كان غرضه من الرجعة أن تكون في حباله، وله فيها حاجة ثم بدا له أن يطلقها فلا حاجة إلى المس، ويصح طلاقها، ويحسب من الثلاث،


(1) الوسائل الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (2) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3.

[ 141 ]

والوجه أن أكثر ما يكون غرض الناس من المراجعة البينونة، كما أومأ إليه الباقر عليه السلام في خبر أبى بصير (1) السابق. وربما أيد ذلك بالمروي (2) في تفسير قوله تعالى (3): " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " عن أبي عبد الله عليه السلام، " الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو (يحل خ ل) أجلها راجعها، ثم طلقها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله تعالى عن ذلك ". وخبر الحسن بن زياد (4) عنه عليه السلام (لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته ثم يراجعها وليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله تعالى عنه، إلا أن يطلق ويراجع وهو ينوي الامساك) بناء على أن المراد منهما حصول الاضرار بها بعدم المواقعة في العدد الثالث (5) مع كون القصد من المراجعة البينونة، فان العدة قد تكون تسعة أشهر، مع أن غاية ما رخص الشارع تركه للزوجة أربعه أشهر، ولعله لذا صدر من الامام عليه السلام المواقعة بعد كل رجعة. لكنه ايضا كما ترى لا تتفق عليه جميع الاخبار المزبورة، وليس قولا لاحد، بل إن كان المراد من قوله: " فلا تتم مراجعتها " اشتراط صحة الرجعة بالمواقعة فهو من المقطوع بفساده نصا (6) وفتوى، فلا ريب في أن الوجه ما ذكرناه أولا. (وكذا) الكلام فيما (لو أوقع الطلاق بعد المراجعة وقبل المواقعة في الطهر الاول) إذ هو أيضا مثل الاول (فيه روايتان (7) أيضا، لكن هنا الاولى


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3. (2 و 4) الوسائل الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 - 1. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 231. (5) هكذا النسخة الاصلية المبيضة، وفى المسودة بخطه (قده) " في العدد الثلاث " وهو الصحيح. (6) الوسائل الباب 18 من أبواب أقسام الطلاق. (7) الوسائل الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 والباب 19 منها الحديث 5.

[ 142 ]

تفريق الطلقات على الاطهار إن لم يقع وطء) حتى لكل طلقة طهر كما عرفت، ويكون أبعد مما عند العامة من وقوع الثلاث في مجلس واحد مع تخلل رجوع وعدمه مرسلة ومرتبة (أما لو وطأ لم يجز الطلاق إلا في طهر ثان إذا كانت المطلقة ممن يشترط فيها الاستبراء) بلا خلاف ولا إشكال لما عرفت من اشتراط صحة الطلاق بكونه في غير طهر المواقعة، كما هو واضح. المسألة (الرابعة:) (لو شك المطلق في إيقاع) أصل (الطلاق لم يلزمه الطلاق لرفع الشك وكان النكاح باقيا) للاصل، بل ولا يستحب بالخصوص، خلافا للشافعي، نعم لا ريب في رجحان الاحتياط، ولو علم وشك في عدده لزمه اليقين وهو الاقل، من غير فرق بين الثلاث والتسع، هذا للاصل، ولان الشك في شرط التوقف على المحلل وعدد الحرمة المؤبدة شك في المشروط، بل هو كذلك لو كان شكه في السني والعدي وإن علم العدد لما عرفت، وليس الحل مشروطا بالسني حتى يعارض ذلك كما هو واضح. خلافا لمالك وأبى يونس، فأوجبا الاجتناب، لتوهم اجتماع الحظر والاباحة، فيغلب الحظر كما إذا اختلطت الاجنبية بالاخت وموضع النجاسة بغيره، وضعفه ظاهر ضرورة عدم قدر متيقن معلوم في المثال، نعم لو فرض العلم بنجاسة موضع معين من الثوب بوقوع النجاسة وشك في الزائد عليه كان المتجه أيضا نفيه بالاصل، كما في المقام. ولو شك في المطلقة من نسائه وجب اجتناب الجميع مقدمة، نحو اجتناب المشتبهة بالاخت، كما هو واضح في جمع أفراد المسألة. نعم ليس منها كما في المسالك ما " لو دار الاشتباه بين زوجتي رجلين بأن

[ 143 ]

أرادا طلاقهما ولم يوقعا إلا واحدا ثم اشتبهت المطلقة وبدا لهما في طلاق الاخرى، فانا لا نحكم بطلاق واحدة منهما، بخلاف ما لو اتحد الشخص وتعددت المنكوحة، والفرق أن الشخص الواحد يمكن حمله على مقتضى الالتباس وربط بعض أمره ببعض، والرجلان يمتنع الجمع بينهما في توجيه الخطاب - إلى أن قال -: وهذا كما إذا سمعنا صوت حدث بين اثنين ثم قام كل واحد منهما إلى الصلاة لم يكن للآخر أن يعترض عليه، ولو أن الواحد صلى صلاتين وتيقن الحدث في إحداهما ثم التبست عليه يؤمر بقضاء الصلاتين إن اختلفا عددا، وإلا فالعدد المطلق بينهما ". قلت: قد يقال في مثل الطلاق ونحوه - بناء على توجه الخطاب بالتفريق بين الاجنبي والاجنبية إلى الحاكم مثلا - باتيان باب المقدمة أيضا في حقه، أقصاه المعارضة بحق الغير على وجه يحتاج إلى الترجيح، نحو الاشتباه بين الاجنبية والزوجة التي لها حق الوطء أربعة أشهر أيضا. وبذلك يظهر لك إمكان إجراء حكم المقدمة في جميع الخطابات الحسب المتوجهة إلى الحاكم مثلا، وصيرورة الشخصين فصاعدا بالنسبة إلى تكليفه كالانائين للمكلف الواحد في المقام وغيره، كما لو علم أن أحد الشخصين يزني أو يواقع امه أو أخته مثلا وهكذا، فتأمل جيدا. المسألة (الخامسة:) (إذا طلق غائبا) مثلا بأئنا أو رجعيا وانقضت العدة (ثم حضر ودخل بالزوجة ثم ادعى الطلاق لم تقبل دعواه) فيما يتعلق بحق غيره (ولا بينته تنزيلا لتصرف المسلم على المشروع، فكأنه) بفعله (مكذب لبينته) ولقوله وإن أخذنا بما عليه من إقراره. (و) حينئذ ف (لو كان أولدها لحق به الولد) والاصل في ذلك خبر

[ 144 ]

سليمان بن خالد (1) المعتضد بالعمل على وجه لم يظهر لنا مخالف فيه " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهو غائب، وأشهد على طلاقها، ثم قدم فأقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثم إن المرأة ادعت الحبل، فقال الرجل: قد طلقتك وأشهدت على طلاقك، فقال: يلزمه الولد، ولا يقبل قوله ". هذا ولكن في المسالك أشكل الاول بأن تصرفه إنما يحمل على المشروع حيث لا يعترف بما ينافيه، ولهذا لو وجدناه يجامع امرأة واشتبه حالها لا يحكم عليه بالزنا، فإذا أقر بأنه زان يحكم عليه بمقتضاه، والثاني بأنه يتم مع كونه هو الذي أقامها، فلو قامت الشهادة حسبة وأرخت بما ينافي فعله قبلت، وحكم بالبيونة، ويبقى في إلحاق الولد بهما أو باحدهما ما قدم علم من اعتبار العلم بالحال وعدمه. قلت: قد يقال بعدم سماع ما اعترف به مما ينافي فعله إذا كان متعلقا بحق الغير وإن أخذ به في حقه، لعموم إقرار العقلاء (2) كما أن ظاهر الخبر المزبور عدم سماع دعواه حتى لو قامت بينة بمقتضاها، سواء كان هو المقيم لها أولا، مؤاخذة له بفعله المقتضي ترتب ذلك عليه، فالمراد عدم سماع البينة فيما يتعلق بحقه الذي ألقاه بفعله، على أن قيام البينة هنا حسبة مبني على أن المقام منها باعتبار حق الله فيها، أما إذا قلنا إن ذلك من حقوق الادميين فلا سماع للبينة المكذبة بالقول أو الفعل. نعم قد يقال بسماعها إذا أظهر تأويلا مسموعا لفعله، لعموم حجية البينة، وكون مورد الخبر المجرد عن ذكر التأويل، بمعنى أن الجواب عنه عليه السلام مع فرض كون الدعوى على الكيفية المخصوصة التي منها السكوت عن ذكر التأويل الممكن الذي قد حكم غير واحد من الاصحاب بسماعه في الاقرار الذي هو أولى من الفعل، وبذلك كله يظهر لك النظر فيما ذكره غير واحد ممن تبع المسالك فيما عرفت، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 15 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (2) الوسائل الباب 3 من كتاب الاقرار الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 9)

[ 145 ]

المسألة (السادسة:) (إذا طلق الغائب) مثلا طلاقا رجعيا (وأراد العقد على رابعة أو على أخت الزوجة صبر تسعة أشهر، لاحتمال كونها حاملا) لا تنقضي عدتها إلا بذلك، فيستصحب حرمة نكاح الخامسة حتى يعلم الحل، وإلى ذلك أشار صحيح حماد بن عثمان (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهن وهو غائب عنهن متى يجوز له أن يتزوج ؟ ؟ قال: بعد تسعة أشهر، وفيها أجلان فساد الحيض وفساد الحمل ". (وربما قيل: سنة) كما عن الجامع، واختاره الفاضل في القواعد (احتياطا نظرا إلى حمل المسترابة) التي رأت الدم وتأخر عنها الدم الثاني الثالث، فانها تصبر تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أشهر، وذلك سنة، فمع فرص لزوم الاحتياط في ذلك كما يومئ إليه الصحيح المزبور يتجه انتظارها. لكنه كالاجتهاد في مقابلة النص، مضافا إلى ما ستعرفه من الكلام في ثبوت العدة المزبورة لها، كما أنه تقدم لك الكلام في البحث عن كون السنة أقصى الحمل الذي يحكي عن الجامع التعليل به هنا، على أن فيه إمكان منع كون مبنى المنع ذلك، وإنما هو الصحيح المزبور الذي يمكن ملاحظة الغالب فيه الذي هو التسعة في المقام، ولعله لذا اكتفى به المصنف والفاضل في محكي التحرير، مع أن مختارهما العشر في اقصى الحمل، وحينئذ فالمتجه الوقوف على ما في الصحيح المزبور. نعم ظاهر قوله عليه السلام فيه: " فيها أجلان " إلى آخره أن مبنى الحكم المزبور الاستظهار بالمدة المزبورة، فيتجه ما ذكره المصنف والفاضل وغيرهما من عدم الفرق في ذلك بين نكاح الخامسة والاخت، خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فاقتصر على الاولى جمودا على ما في الصحيح المزبور الذي قد اقتصر على مضمونه في المحكي عن


(1) الوسائل الباب 47 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 146 ]

الشيخ ايضا، لحرمة القياس، وأما الاخت فيكفي في جواز تزويجها ما يعلمه من عادة المطلقة من الحيض وإلا فالثلاثة أشهر. وفيه أن ذيله ظاهر أو صريح في التعليل المقتضي للتعدية، فلا حاجة إلى رده بما في المختلف، كما لا حاجة إلى الانتصار له بما في المسالك، ولا ينافي ذلك صحيح محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر عليه السلام " إذا طلق الرجل امرأته وهو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثه أشهر فقد انقضت عدتها " للاجماع على تخصيصه بغير نكاح الخامسة، ومع فرض ظهور ذيله في التعدية المزبورة يتجه تخصيصه أيضا بالاخت. بل الظاهر عدم التعارض بينه وبين الاول، فان انقضاء العدة لا ينافي وجوب الصبر لارادة نكاح الخامسة أو الاخت احتياطا في أمر النكاح، ضرورة عدم كون التسع عدة لمطلقة الغائب، بل ينبغي القطع بعدم جريان باقي أحكام العدة على ما زاد عن الثلاثة أقراء أو الثلاثة أشهر: من الانفاق والرجوع والتوارث وغيرها، ولا إشعار في كلام أحد من الاصحاب بكون التسعة عدة هنا، وإنما أو جبوا الصبر إليها في خصوص نكاح الخامسة أو هي مع الاخت. وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض متأخري المتأخرين، كما أن من الذيل المزبور يظهر الحال فيما ذكره المصنف (و) غيره من أنه (لو كان يعلم خلوها من الحمل كفاه ثلاثة أقراء) إن علم عادة المرأة (أو ثلاثة أشهر) للعلم بانتفاء الحمل الذي يلحظ خروجها عن العدة بوضعه. بل ويعلم أيضا أن المراد بالتسعة أشهر من حين الوطء لا حين الطلاق، فإذا فرض كونه ستة أشهر مثلا ثم طلقها صبر ثلاثة أشهر، فتكمل له تسعة أشهر التى هي مدة التربص المزبور، وكذا الاربعة والخمسة وهكذا، و (بالجملة) يلحظ في أمرها مضي مدة يظهر فيها وضع الحمل لو كان، وقضاء العدة بالحيض إن كانت مستقيمة


(1) الوسائل الباب 26 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 147 ]

أو الاشهر. وعلى كل حال فلو تزوج قبل المدة أثم قطعا، ولكن يصح نكاحه إذا بان وقوعه بعد تمام العدة، كما يبن فساده لو بان وقوعه في أثنائها، بل الظاهر الفساد لو فرض اشتباه الحال، ولو تزوج بعد المدة فبان بقاء المطلقة في العده لاسترابة أو غيرها ففي صحة نكاحه وفساده وجهان، أقواهما البطلان، والله العالم. (النظر الثالث) (في اللواحق) (وفيه مقاصد) (الاول) (في طلاق المريض) (يكره للمريض أن يطلق) زيادة على كراهة أصل الطلاق على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل لم يتحقق الخلاف في ذلك وإن حكي التعبير بلفظ: " لا يجوز " عن المقنعة والتهذيب، " ولا يجوز طلاق يقطع الموارثة بينهما " عن الاستبصار، إلا أنه يمكن إرادتهما من ذلك الكراهة، كما وقع لهما غير مرة خصوصا بعد كون ذلك منهما تبعا لقول الصادق عليه السلام في خبر عبيد بن زرارة (1) " لا يجوز طلاق المريض، ويجوز نكاحه " وفي خبر زرارة (2) " ليس للمريض أن يطلق، وله أن يتزوج " المعلوم حمله على الكراهة، لمعارضته بالنصوص (3) المستفيضة


(1 و 2) الوسائل الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 - 4. (3) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 148 ]

أو المتواترة التي سيمر عليك جملة منها التى فهم الاصحاب منها الصحة بلا إثم ولو بقرينة ما في صحيح الحلبي (1) منها عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل " عن الرجل يحضره الموت فيطلق امرأته أيجوز طلاقه ؟ قال: نعم وإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها " معتضدا بالاصول والعمومات. بل يمكن إرادة عدم مضي تمام حكم الطلاق على طلاقه من عدم الجواز، لما ستعرفه من أنها ترثه وإن انقضت عدتها إلى سنة، نعم قد يقال باختصاص الكراهة فيما إذا لم تكن هي الطالبة للطلاق لكن النهي مطلق وإن قيد إرثها منه بذلك، كما ستعرف. (و) على كل حال ف‍ (لو طلق صح) طلاقه بلا خلاف كما عن المبسوط، بل لعله إجماع حتى من القائل بعدم الجواز الذي لا ينافي الصحة المستفادة من النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة (وهو يرث زوجته ما دامت في العدة الرجعية) إجماعا بقسميه، مضافا إلى معلومية كونها كالزوجة في باقي الاحكام، وإلى موثق زرارة (3) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يطلق المرأة قال: ترثه ويرثها ما دام له عليها رجعة " وصحيحه (4) عنه عليه السلام ايضا " إذا طلق الرجل امرأته توارثا ما كانت في العدة، فإذا طلقها التطليقة الثالثة فليس له عليها رجعة، ولا ميراث " بينهما والصحيح (5) أيما امرأة طلقت ثم توفى عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها


(1) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 الا أنه رواه مضمرا كما في الاستبصار ج 3 ص 304 والكافي ج 6 ص 123 ولكن في الفقيه ج 3 س 354 عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق. (3 و 4) الوسائل الباب 13 من أبواب ميراث الازواج الحديث 4 - 10 من كتاب المواريث. (5) الوسائل الباب 13 من أبواب ميراث الازواج الحديث 8 من كتاب المواريث مع اختلاف يسير، وفى الاستبصار ج 3 ص 344 كالجواهر

[ 149 ]

ولم تحرم عليه فانها ترثه، وتعتد عدة المتوفى عنها زوجها، وإن توفت وهي في عدتها ولم تحرم عليه فانه يرثها " وخبر محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر عليه السلام " إذا طلقت المرأة ثم توفى عنها زوجها وهي في عدة منه لم تحرم عليه فانها ترثه وهو يرثها مادامت في الدم من حيضتها الثانية من التطليقتين الاولتين، فان طلقها الثالثة فانها لا ترث من زوجها شيئا ولا يرث منها " إلى غير ذلك من النصوص المستفيضة أو المتواترة التي لا يقاومها ما في صحيح الحلبي (2) السابق وان كان خاصا بالمرض وهي مطلقة. إلا أنه لشذوذه وعدم القائل بمضمونه قاصر عن التقييد مع احتماله عدة البائن، ولا ينافيه إرثها منه، لما ستعرفه من اتفاق النص (3) والفتوى على إرثها منه بالشروط إلى سنة وإن كانت بائنا، إذ المراد لا يرثها إذا انقضت العدة، كما في خبر الحلبي وأبى بصير وأبى العباس جميعا (4) عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: " ترثه ولا يرثها إذا إنقضت العدة " المعلوم كون الموضوع فيه طلاق المريض، كما لا يخفى على من لاحظ الكافي، فانه رواه بعد أن روى عن أبي العباس (5) طلاق المريض على وجه يعلم منه أن مرجع الضمير فيه ذلك، على أنه لا يتم بقرينة غيره من النصوص إلا على ذلك، فهو حينئذ مقيد لصحيح الحلبي. فمن الغريب ما وقع للخراساني وسيد المدارك من التوقف في الحكم المزبور للصحيح المذكور بعد اعترافهما بكون الحكم كذلك عند الاصحاب الذين هم أدرى منهما بالسنة والكتاب. وأغرب من ذلك ما في الرياض من نقل الجمع المزبور بالتقييد المذكور عن الشيخ، ونفي البأس عنه جميعا بين الادلة ولو لم يكن له شاهد ولا قرينة، مع أن الخبر المزبور بمرأى منه.


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 - 0 - 9. (5) الوسائل الباب 14 من أبواب ميراث الازواج الحديث 2 من كتاب المواريث.

[ 150 ]

ونحو ذلك ما في اللثام من أنه يمكن القول بالفرق بينهما مع قصد الاضرار وإن كان الطلاق رجعيا، ويمكن الحمل على أن الافضل أن لا يرثها، إذ هما معا كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرنا (و) الامر سهل. نعم (لا يرثها في البائن ولا بعد العدة) الرجعيه على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عن الخلاف الاجماع عليه، كما عن المبسوط نفي الخلاف، لانتفاء الزوجية وانقطاع العصمة بينهما، فأصالة عدم الارث بحاله، وفى مرسل يونس (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته ما العلة التي من أجلها إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض في حال الاضرار ورثته ولم يرثها ؟ فقال: هو الاضرار، ومعنى الاضرار منعه إياها ميراثها منه، فألزم الميراث عقوبة " والتعليل في خبر الهاشمي (2) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا ترث المختلعة ولا المبارأة والمستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج وإن مات في مرضه، لان العصمة قد انقطعت منهن ومنه " وصحيح الحلبي (3) السابق بناء على إرادة البائنة منه. بل في المسالك زيادة الاستدلال أيضا بموثق زرارة (4) السابق، لان قيد الرجعة لا يصلح في ميراثها إجماعا، لثبوته مطلقا، فيبقى في ميراثه، وللقرب، وإذا انتفى القيد انتفى الحكم تحقيقا لفائدته، ولعله لذلك استدل في الرياض بعموم المعتبرة المستفيضة المتقدمة في الاستدلال على إرثه منها في الرجعة. لكن قد يقال: إنه لا شئ منها في المريض الذي هو محل البحث، بل لا إطلاق في شئ منها، باعتبار ما فيها من نفي إرثها منه الذي هو قرينة على كون الموضوع الصحيح، نعم يكفي في إثبات ما ذكرناه، خصوصا بعد عدم


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 7 من كتاب المواريث. (1) الوسائل 15 أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث. (3) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2. (4) الوسائل الباب 13 من أبواب ميراث الازواج الحديث 4 من كتاب المواريث.

[ 151 ]

المعارض المقاوم. وبذلك يظهر لك ضعف المحكي عن الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة من القطع بتوارثهما في العدة في البائنة: ولعله لذا نفى الريب المصنف في المحكي عن نكته على النهاية عن اختلاله، وأنه لابد من التنزيل على الرجعة. قلت: خصوصا مع المحكي عنها في الميراث من أنهما يتوارثان في العدة الرجعية، ولا توارث بينهما في حال إن كان الطلاق بائنا، وكذا عن المهذب والمبسوط. وعلى كل حال فليس للشيخ إلا الخبر (1) " في رجل طلق امرأته ثم توفى عنها وهي في عدتها أنها ترثه، وتعتد عدة المتوفي عنها زوجها، وإن توفت وهي في عدتها فانه يرثها " المحمول على الرجعية، وخبر عبد الرحمن (2) عن موسى بن جعفر عليهما السلام " سألته عن رجل طلق امرأته آخر طلاقها، قال نعم يتوارثان " وخبر عمر الازرق (3) عن أبى الحسن عليه السلام " المطلقة ثلاثا ترث وتورث ما دامت في عدتها ". وهما مع قصورهما عن المقاومة لما سمعت من وجوه ليسا نصين في المريض، وإطلاقهما مخالف للاجماع، وإخراجهما عن المخالفة بالتقييد بالمريض يحتاج إلى دليل، ومع ذلك ليسا نصين في طلاق البينونة، لاحتمال " آخر الطلاق " في الاول الاخر المتحقق فيه في الخارج، ويجامع أول الطلقات والثاني، ولا ينحصر في الثالث، فيقبل الحمل على الاولين، " والمطلقة ثلاثا " في الثاني المطلقة كذلك مرسلة بناء على أنها تقع واحدة، فترجع عدة الطلاقين في الروايتين إلى الرجعية. ولعله إلى هذه الاخبار أشار في المسالك بأن للشيخ روايات تدل بظاهرها على التوارث بينهما من غير تفصيل.


(1) الوسائل الباب 36 من أبواب العدد الحديث 7. (2 و 3) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 12 - 13 والثانى عن يحيى الازرق كما في الاستبصار ج 3 ص 291 والتهذيب ج 8 ص 94.

[ 152 ]

وعلى كال حال فلا ريب في ضعف القول المزبور، إذ لا أقل من طرح النصوص أجمع، لضعفها وتعارضها، والرجوع إلى الاصول التي مقتاضها نفي التوارث (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في انها (ترثه هي سواء كان طلاقها بائنا أو رجعيا ما بين الطلاق وبين سنة) لا أزيد ولو لحظة (ما لم تتزوج أو يبرء من مرضه الذي طلقها فيه، ولو برئ ثم مرض ثم مات لم ترثه إلا في العدة الرجعية) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا، إلى النصوص المستفيضة. كخبر عبيد بن زرارة (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل طلق امرأته وهو مريض حتى مضى لذلك سنة، قال: ترثه إذا كان في مرضه الذي طلقها لم يصح بين ذلك ". وخبر أبى العباس (2) عنه عليه السلام أيضا " قلت له: رجل طلق امرأته وهو مريض تطليقة وقد كان طلقها قبل ذلك تطليقتين، قال: فإنها ترثه إذا كان في مرضه، قال: قلت: وما حد المرض ؟ قال: لا يزال مريضا حتى يموت وإن طال ذلك إلى السنة ". وخبره (3) الاخر عنه عليه السلام أيضا " إذا طلق الرجل المرأة في مرضه ورثته ما دام في مرضه ذلك وإن انقضت عدتها، إلا أن يصح منه، قال: قلت: فان طال به المرض، قال: ما بينه وبين سنة ". وخبر الحذاء ومالك بن عطية عن أبى الورد كلاهما (4) عن أبى جعفر عليه السلام " إذا طلق الرجل أمراته تطليقة في مرضه ثم مكث في مرضه حتى أنقضت عدتها فانها ترثه ما لم تتزوج، فان كانت قد تزوجت بعد انقضاء العدة فانها لا ترثه ". والمرسل (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته وهو مريض، قال إن مات في مرضه ولم تتزوج ورثته، وإن كانت قد تزوجت فقد رضيت بالذي صنع، لا ميراث لها " إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على جميع ما عرفت.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 - 8 - 1. (4 و 5) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5 - 6.

[ 153 ]

(ولو قال: طلقت في الصحة ثلاثا) أو نحو ذلك مما ينفي إرثها منه (قبل) في حقه مطلقا لعموم إقرار العقلاء (1) وفي حقها في قول (ولم ترثه) بناء على أن إقرار المريض بما له أن يفعله مقبول وإن كان على الوارث، وينزل منزلة فعله في الصحة. (والوجه) عند المصنف والفاضل في القواعد (أنه لا يقبل بالنسبة إلى) إرث‍ (ها) وإن قبل في غيره كتزويجها ونحوه، للتهمة التي هي الاصل في إرثها منه لو طلقها في حال المرض، ولما في كشف اللثام من أنه إنما يقبل إقراره بما يحرمه الوارث لغيره، وهنا لم يقر بما تحرمه الزوجة لاحد، فانما هو بالنسبة إليها مدع وإن استلزمت الدعوى ثبوت حصتها لسائر الورثة إلا أن الجميع كما ترى. (ولو قذفها وهو مريض فلاعنها وبانت باللعان لم ترثه) بلا خلاف ولا إشكال (لاختصاص) موضوع (الحكم) نصا (2) وفتوى (بالطلاق) وحرمة القياس عندنا، في فلا يلحق به اللعان، ولا الفسخ بالعيب ولو من جهته، ولا تجدد التحريم المؤبد برضاع منها أو لواط منه، ولا غير ذلك. وأولى من ذلك ما لو استند اللعان حال المرض إلى القذف حال الصحة، ضرورة عدم إتيان القياس عند القائل به فيه، لكن في القواعد في تجدد التحريم المؤبد المستند إليه كاللواط نظر، وفي العيب إشكال إن كان من طرفه، ولا وجه له سوى الالحاق بالطلاق الذي لا يخرج عن القياس بعد فرض عدم علة في النصوص يتعدى بها، ولو اريد في الاول أنه إذا طلقها مريضا ثم لاط لواطا أوجب تحريمها عليه أبدا كان المتجه إرثها منه، لاطلاق الادلة واستصحاب موجب الارث. (و) كيف كان ف‍ (هل التوريث لمكان التهمة) بارادة الاضرار بها، فيكون ذلك عقوبة من الشارع. كما سمعت التصريح به في مرسل يونس (3) مضافا


(1) الوسائل الباب 3 من كتاب الاقرار الحديث 2. (2) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث - 0 - 0 (3) الوسائل الباب 14 من أبواب ميراث الازواج الحديث 7 من كتاب المواريث.

[ 154 ]

إلى مضمر سماعة (1) " سألته عن رجل طلق امرأته وهو مريض، قال: ترثه ما دامت في عدتها، وإن طلقها في حال الضرار فهي ترثه إلى سنة، فان زاد على السنة يوما واحدا لم ترثه " (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من استبصاره (نعم). (و) لكن (الوجه) وفاقا للاكثر (تعلق الحكم بالطلاق في المرض لا باعتبار التهمة) لانه العنوان للحكم في أكثر النصوص على وجه لا يصلح ما عرفت لتقييدها بعد عدم الجابر (و) قوة إرادة الحكمة من العلة في المرسل (2) السابق كما لا يخفى على من أحاط خبرا بنظائر المقام. نعم (في ثبوت الارث مع سؤالها الطلاق تردد) من إطلاق الادلة، ومن خصوص خبر الهاشمي (3) السابق (أشبهه أنه لا إرث، وكذا لو خالعته أو بارأته) للخبر المزبور (4) المعتضد بالاصول، بل وبخبر سماعة (5) والمرسل (6) وإن لم يحكم بهما في السابق، لكن لا بأس بتقوية الدليل بهما. ومن ذلك يعلم عدم التنافي بين كون عنوان الارث المرض لا التهمة وبين عدم إرث الثلاثة للخبر (7) المخصوص المعتضد بما عرفت، فان أقصى ذلك الرجوع إلى الاطلاق والتقييد، لا أن مبنى عدم إرثهن عدم التهمة في طلاقهن، فما في المسالك من الاعتراض على المصنف بذلك في غير محله.


(1) الوسائل الباب 14 من أبواب ميراث الازواج الحديث 9 من كتاب المواريث والباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (2) الوسائل الباب 14 من أبواب ميراث الازواج الحديث 7 من كتاب المواريث. (3 و 4) الوسائل الباب 15 من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث. (5 و 6) الوسائل الباب 14 من أبواب ميراث الازواج الحديث 9 - 7 من كتاب المواريث. (7) الوسائل الباب 15 من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب المواريث.

[ 155 ]

(فروع:) (الاول:) (لو طلق الامة مريضا طلاقا رجعيا فاعتقت في العدة ومات في مرضه ورثته في العدة) بلا خلاف ولا إشكال، لانها زوجة ممنوعة بالرق والفرض زواله، بل لا فرق بين الصحة والمرض في ذلك. (ولم ترثه بعدها لانتفاء التهمة) بارادة حرمانها من الارث (وقت الطلاق) لكونها غير وارثة على كل حال، لكن فيه ما عرفت من أن ذلك حكمة لا علة يدور الحكم معها نفيا وإثباتا. ومن هنا قال المصنف: (ولو قيل ترثه كان حسنا)، لكون ما بعد العدة نحو ما قبلها إلى تمام السنة في مطلقة المريض، فهي فيها حينئذ وارثة قد ارتفع مانعها في وقت لها قابلية الارث. (و) من هنا يتجه أنه (لو طلقها بائنا فكذلك) ضرورة كونها في الحالين وارثا قد ارتفع المانع عنها في وقت قابليتها لذلك إلي تمام السنة، فهي حينئذ كغيرها من الورثة. لكن (و) مع ذلك (قيل: لا ترث، لانه طلقها في حال لم تكن لها أهلية الارث) فلا يندرج في نصوص (1) المقام الظاهرة في قابلية مطلقة المريض للارث لولا المرض (الطلاق ظ)، خصوصا مع ملاحظة قاعدة الاقتصار على المتيقن، والفرض عدم عموم أو إطلاق في النصوص صالح لتناول المفروض، فيكون المانع ذلك، لانتفاء التهمة الذي يردد عليه أنها حكمة على الاصح لا علة. ومثله يجري في المطلقة رجعيا بعد العدة، ضرورة كون المراد في النصوص


(1) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق والباب 14 من أبواب ميراث الازواج من كتاب المواريث.

[ 156 ]

بناء على ما ذكرنا أن الزوجة الصالحة فعلا للارث لولا الطلاق إذا طلقت في المرض ترث إلى تمام السنة لا أن المراد إذا تجدد لها الصلاحية للارث تمام السنة، وفرق واضح بين الامرين، كوضوح ظهور النصوص في الاول. (وكذا) الكلام فيما) لو طلقها كتابية ثم أسلمت) بعد العدة في أثناء السنة لو كانت رجعية، أو مطلقا لو كانت بائنا، نعم لو أسلمت في العدة الرجعية ورثت، لانها زوجة، فليست في مفروض المقام الذي هو الارث من حيث كون الطلاق في المرض كما هو واضح. وبذلك يظهر لك النظر في ما في المسالك كما يظهر لك مما قدمناه سابقا أنه لا وجه لتعجبه من المصنف، والله العالم. (الثاني:) (إذا ادعت المطلقة أن الميت طلقها في المرض وأنكر الوارث، وزعم أن الطلاق في الصحة، فالقول قوله، لتساوي الاحتمالين، وكون الاصل عدم الارث إلا مع تحقق السبب) إذ الشك في الشرط شك في المشروط، ولا شئ من الاصول - سواء علم تاريخ الطلاق وجهل تاريخ المرض أو جهلا معا صالح لتنقيحه على وجه يصدق عرفا لكون الطلاق في المرض الذي هو عنوان الحكم، بل قد ذكرنا غير مرة أن الاصول بالنسبة إلى ذلك مثتبة. فمن الغريب ما في المسالك من المناقشة في تعليل المصنف الحكم بتقديم قول الوارث بتساوي الاحتمالين بأنه " إما أن يعلم أن له مرضا مات فيه أو لا يعلم فيه ذلك، بأن احتمل موته فجأة وفي الاول الاصل استمرار الزوجية إلى حين المرض، والطلاق حادث، والاصل عدم تقدمه، وذلك يقتضي ترجيح وقوعه في المرض بأصلين، ومع الوارث أصالة عدم إرث البائنة في حال الحياة إلا مع العلم بسببه هنا،

[ 157 ]

فالاحتمالان غير متساويين، ضرورة معارضة قول الوارث بأصل من الاصلين، فيبقى الاصل الاخر مرجحا للمرأة، وأما الثاني - وهو أن لا يعلم له مرض مات فيه - فترجيح قول الوارث حينئذ واضح، إذ لا معارض لاصله، فالاحتمالان على كل حال غير متساويين. إذ هو كما ترى بعدما عرفت من أن الاصلين المزبورين الاولين لا يصلحان لاثبات الطلاق في المرض الذي هو عنوان الحكم، فلا ريب في بقاء أصل الطلاق المفروض تحققه على اقتضاء عدم الارث، فالمراد بتساوي الاحتمالين أنها من حيث دعواهما من مدعيهما على حد سواء لا شاهد لاحدهما في تشخيص ما ادعاه، فيرجع إلى أصالة عدم الارث، لقاعدة عدم تحقق الشرط وغيره، كما هو واضح. (الثالث:) (لو طلق أربعا في مرضه وتزوج أربعا ودخل بهن ثم مات فيه كان الربع بينهن بالسوية، ولو كان له ولد تساوين في الثمن) وهكذا الحكم لو فرض أزيد من الثمانية، بأن طلق الاربع المدخول بهن وتزوج أربعا آخر ودخل بهن، فان الاثنى عشر تشترك في الربع أو الثمن، وقيد المصنف بالدخول لاشتراط الارث بنكاح المريض له، كما ستسمعه في محله انشاء الله. الرابع: مدار الارث على الموت في المرض مع الطلاق فيه، فلو قتل في أثناء مرضه الذي طلق فيه لم يترتب الحكم المزبور مع احتماله، إلا أن الاول أقوى.

[ 158 ]

الخامس: الظاهر أن المدار أيضا على المرض الذي لا يلحق به غيره من الاحوال المحترمة، كما أنه لا يلحق الفسخ في المرض من المرأة بالطلاق فيه، لحرمة القياس عندنا، بل الظاهر اعتبار المرض السابق على حال النزع، فلا يترتب الحكم على الصحيح الذي حضره الموت وتشاغل بالنزع فيه، مع احتمال عد مثله مرضا، بل قد سمعت تعليق الحكم في الصحيح (1) السابق على حضور الموت، ولكن قاعدة الاقتصار على المتيقن تقتضي الاول، إلا إذا كان حضور الموت لحضور مرض اقتضاه، والله العالم. (المقصد الثاني) (في ما يزول به تحريم الثلاث) فنقول: قد عرفت سابقا أنه لا خلاف معتد به ولا إشكال في انه (إذا وقعت الثلاث على الوجه المشترط) من كونها مترتبة لامرسلة، وبعد تخلل الرجعة لا قبلها (حرمت المطلقة حتى تنكح زوجا غير المطلق) من غير فرق بين السني والعدي وغيرهما، كطلاق غير المدخول بها، والتي رجع بها في العدة من غير المواقعة في ذلك الطهر، أو غيره أو المراد بالوجه المشترط أي غير عدية، بناء على إرادة بيان الحلية بنكاح غير المطلق دائما وأبدا بعد التسع وقبلها، فانها هي التى تكون كذلك، بخلاف العدية التي تحرم أبدا بالتسع، ولا ينفع المحلل فيها، وقد تقدم


(1) الوسائل الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2.

[ 159 ]

حكمها سابقا، ويمكن تحميل الوجه المشترط ما يشمل الامرين (و) الامر سهل بعد وضوح الحال. إنما الكلام فيما (يعتبر في زوال التحريم) بالثلاث من الشرائط، والمعروف بين الاصحاب أنها (شروط أربعة:) أحدها (أن يكون الزوج) المحلل (بالغا) فلا يكفى غير المراهق من الصبيان الذي لا يلتذون بالنكاح ولا يلتذ بهم قولا واحدا بين المسلمين فضلا عن المؤمنين (و) هو الحجة، مضافا إلى ما ستعرف. نعم (في المراهق) للبلوغ منهم (تردد) وخلاف (أشبهه أنه لا يحلل) وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، للاصل ومكاتبة على بن الفضل الواسطي (1) المنجبرة بما عرفت " كتبت إلى الرضا عليه السلام رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيتزوجها غلام لم يحتلم قال: لا، حتى يبلغ، فكتبت إليه ما حد البلوغ ؟ قال: ما أوجب على المؤمنين الحدود " والمروي (2) في طرق العامة والخاصة من النبي صلى الله عليه وآله وذريته من اعتبار ذوق العسيلة من الجانبين، وهو لا يتحقق إلا في البالغ، بناء على أن المراد منه الانزال، كما عن بعضهم، الذي لا ينافيه ماعن النهاية وغيرها من تفسيره بلذة الجماع، المحمول على إرادة الكاملة التي لا تحصل إلا بالانزال. كل ذلك مضافا إلى إمكان دعوى ظهور الكتاب (3) والسنة (4) في كون


(1) الوسائل الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 374 والوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 و 13 والباب 7 منها الحديث 1 و 3. (3) سورة البقرة: 2 الاية 230. (4) الوسائل الباب 4 و 7 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 160 ]

المحلل زوجا آخر مستقل بالعقد، خصوصا وقد وقع في الاية بعد ذلك قوله تعالى: " فان طلقها " ومن المعلوم أن الطلاق لا يصدر عن غير البالغ، لاأقل من الشك في تناول الفرض، والاصل البقاء على الحرمة. فما عن أبى علي والشيخ في أحد قوليه - من الاكتفاء به، كما عن العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم - واضح الضعف وإن جنح إليه في المسالك، للاطلاق وأهلية المراهق لذوق العسيلة التي هي اللذة في الجماع، وضعف الخبر المزبور، إلا أن الجميع كما ترى بعد ما عرفت، خصوصا الاخير الذي من المعلوم كون المذهب جواز العمل به بعد الانجبار بما سمعت. (و) الثاني (أن يطأها) اجماعا من المسلمين ممن عدا سعيد بن المسيب، فاكتفى بالعقد، ونصوصا (1) من الطرفين، بل وكتابا (2) بناء على أن النكاح الوطء أو المراد به هنا ذلك، بل المعتبر الوطء (في القبل) بلا خلاف، لانه المنساق من نصوص (3) ذوق العسيلة، بل لابد أن يكون (وطء موجبا للغسل) بغيبوبة الحشفة أو مقدراها من مقطوعها، لان ذلك مناط أحكام الوطء والدخول في كل مقام اعتبرا فيه، ولا نتفاء ذوق العسيلة من الجانبين بدونه غالبا، ولانه لم يعهد في الشرع اعتبار ما دونه، فوقوعه بمنزلة العدم، مضافا إلى أصالة بقاء الحرمة. نعم ظاهرهم الاتفاق على الاكتفاء بذلك وإن لم يحصل تكرار منه ولا إنزال، فان تم إجماعا كان هو الحجة، وإلا فهو محل للنظر، لظهور نصوص (4) ذوق


(1) الوسائل الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق وسنن البيهقي ج 7 ص 374. (2) سورة البقرة: 2 الاية 230. (3 و 4) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 والباب 7 منها الحديث 1 و 3. (جواهر الكلام - ج 10)

[ 161 ]

العسيلة في خلافه حتى على تفسيره بلذة الجماع الذي قد عرفت ما فيه، ففي خبر أبى حاتم (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثم تتزوج رجلا ولم يدخل بها، قال: لا، حتى يذوق عسيلتها " وخبر زرارة (2) عن أبى جعفر عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يراجعها بعد انقضاء عدتها، قال: فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا تزوجها غيره ولم يدخل بها وطلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الاول حتى يذوق الاخر عسيلتها ". بل روى غير واحد من العامة (3) " أنه جاءت امرأة رفاعة القرطي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: كنت عند رفاعة فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن زبير، وأنه طلقني قبل أن يمسني وفي رواية (4) " وأنا معه مثل هدبة الثوب " - فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " ولا أقل من الشك في شمولها لمحل البحث إن لم يكن إجماعا، والاصل الحرمة، والاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. (و) الثالث (أن يكون ذلك بالعقد، لا بالملك، ولا بالاباحة) لو كانت أمه بلا خلاف، فضلا عن الوطء حراما أو شبهة ولو بالعقد الفاسد بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عدم صدق الزوج في الكتاب (5) والسنة (6) عليه.


(1) أشار إليه في الوسائل الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1، وذكره في الكافي ج 5 ص 425. (2) الوسائل الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 9. (3 و 4) سنن البيهقى ج 7 ص 373 و 374 و 375. (5) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (6) الوسائل الباب 3 و 4 و 7 و 8 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 162 ]

وإلى خصوص خبر الفضيل (1) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل زوج عبده أمته ثم طلقها تطليقتين أيراجعها إن أراد مولاها ؟ قال: لا، قلت: أرايت إن وطأها مولاها أيحل للعبد أن يراجعها ؟ قال: لا حتى تتزوج زوجا غيره، ويدخل بها، فيكون نكاحا مثل نكاح الاول " الحديث. وخبر عبد الملك بن أعين (2) " سألته عن رجل زوج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء الله، ثم طلقها، فرجعت إلى مولاها فوطأها أيحل لزوجها إذا أراد أن يراجعها ؟ فقال: لا حتى تنكح زوجا غيره " ونحوه صحيح الحلبي (3) بعد تقييدهما بكون الطلاق مرتين. وإلى ما تسمعه من استفاضة النصوص (4) المشتمل بعضها (5) على تفسير الاية (6) بما لا يشمل العقد المنقطع فضلا عنهما، بقرينة قوله تعالى: " فان طلقها ". (و) منه يعلم الوجه في (الرابع) الذي هو (أن يكون العقد دائما لامتعة) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى صحيح ابن مسلم (7) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل طلق امرأته ثلاثا ثم تمتع منها رجل آخر هل تحل للاول ؟ قال: لا " وخبر الصيقل (8) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق أمراته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها رجل متعة، أيحل لها أن ينكحها ؟ قال: لا حتى تدخل في مثل ما خرجت منه " ومثله موثق هشام بن سالم (9) وفي خبر الصيقل الاخر (10) " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها رجل متعة أتحل


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 27 من أبواب أقسام الطلاق الحديث - 2 - 1 - 3. (4) الوسائل الباب 3 و 4 من أبواب أقسام الطلاق. (5) الوسائل الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4. (6) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (7 و 8 و 9 و 10) الوسائل الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق الحديث - 2 - 1 - 3 - 4.

[ 163 ]

للاول ؟ قال: لا، لان الله تعالى يقول (1): فان طلقها فلا تحل له، والمتعة ليس فيها طلاق " وموثق عمار بن موسى (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته تطليقتين للعدة ثم تزوجت متعة، هل تحل لزوجها الاول ؟ قال: لا حتى تتزوج ثباتا ". نعم لا فرق في المحلل بين الحر والعبد، لاطلاق الادلة، وخصوص خبر إسحاق بن عمار (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وتزوجها عبد ثم طلقها، هل يهدم الطلاق ؟ قال: نعم، يقول الله عزوجل في كتابه (4) حتى: تنكح زوجا غيره، وهو أحد الازواج " ومن هنا قال الشهيد في المسالك: " أسلم طريق في الباب وأرفعه للعار والغيرة أن تزوج من عبد مراهق إن اكتفينا به أو مكلف للزوج أو غيره، ويستدخل حشفته، ثم يملك ببيع أو هبة، ويفسخ نكاحه، ويحصل التحليل ". (و) كيف كان ف‍ (مع استكمال الشرائط) المزبورة (يزول تحريم الثلاث) كما عرفت. (وهل يهدم) نكاح غير الزوج (ما دون الثلاث) على وجه تكون المرأة لو رجعت إلى زوجها كما إذا لم تكن مطلقة ؟ (فيه روايتان (5) أشهرهما) عملا بين الاصحاب (أنه يهدم، فلو طلق مرة وتزوجت المطلقة ثم تزوج بها الاول بقيت معه على ثلاث مستأنفات، وبطل حكم السابقة) بل لم يعرف القائل بالاولى وإن أرسله في محكى الخلاف عن بعض أصحابنا. والرواية المعمول بها هي موثق رفاعة (6) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (2) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5. (3) الوسائل الباب 12 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (5 و 6) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث. 1

[ 164 ]

رجل طلق امرأته، حتى بانت منه وانقضت عدتها، ثم تزوج زوجا آخر فطلقها أيضا، ثم تزوجها زوجها الاول أيهدم ذلك الطلاق الاول ؟ قال: نعم ". وخبره الآخر (1) الذي رواه عنه ابن أبى عمير عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المطلقة تبين ثم تتزوج زوجا غيره، قال: انهدم الطلاق ". وخبره الآخر (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل طلق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه، ثم يتزوجها آخر فيطلقها على السنة فتبين منه، ثم يتزوجها الاول على كم هي عنده ؟ قال: على غير شئ، ثم قال: يا رفاعة كيف إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجها ثانية استقبل الطلاق ؟ فإذا طلقها واحدة كانت على اثنتين ". وخبر عبد الله بن عقيل (3) قال: " اختلف رجلان في قضية إلى علي عليه السلام وعمر في امرأة طلقها زوجها تطليقة أو اثنتين، فتزوجها آخر فطلقها أو مات عنها، فلما انقضت عدتها تزوجها الاول، فقال عمر: هي على ما بقي من الطلاق، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: سبحان الله، أيهدم ثلاثا ولا يهدم واحدة ؟ ". وقد تقدم سابقا أن معاوية بن حكيم (4) قال: " روى أصحابنا عن رفاعة ابن موسى أن الزوج يهدم الطلاق الاول، فان تزوجها فهى عنده مستقبلة، قال أبو عبد الله عليه السلام: يهدم الثلاث ولا يهدم الواحدة والثنتين ! ! " بل وتقدم غير ذلك مما يظهر منه معلومية خبر رفاعة بين أصحاب الائمة عليهم السلام، حتى توهم منه ابن بكير بما عرفت، فلاحظ وتأمل. كما أنه قد تقدم لك سابقا جملة من النصوص (5) والواردة في تفسير طلاق السنة والعدة، ومنها يظهر أن المطلقة ثلاثا التي لا تحل حتى تنكح زوجا غيره


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 13 عن فضالة والقاسم جميعا عن رفاعة. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 - 3 - 2. (5) الوسائل الباب 1 و 2 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 165 ]

هي التى يقع عليها ذلك من دون تخلل زوج، حتى ما ورد (1) في تفسير قوله تعالى (2): " الطلاق مرتان " منها، ومنه يظهر أنه لا وجه للتمسك باطلاق الكتاب الذي شك في شموله للفرض بعد ذلك إن لم يكن ظاهره خلافه. ولعله لذلك كله حكي عن الشيخ أن روايات الهدم أكثر من عدمه، بل قد سمعت عبارة المصنف، بناء على إرادة الاشهر رواية وعملا، ولكن في مقابلها نصوص آخر أنهاها في الحدائق إلى سبعة، وفيها الصحيح وغيره، وبعيدة عن التأويل والحمل على غير التقية وإن احتمل الشيخ حملها على اختلال بعض شروط المحلل. بل في كشف اللثام بعد أن ذكر جملة منها قال: " وعندي أنه لا تعارض، لاحتمال أن يراد بما في بعضها (3) من كونها " عنده على تطليقتن وواحدة قد مضت " أنها تكون زوجة، ويجوز له الرجوع إليها بعد تطليقتين، فيفيد الهدم، وأن المراد بمضي الواحدة انهدامها ". لكن لا يخفى على من لاحظها امتناعه في بعضها، قال الحلبي في الصحيح (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته تطليقة ثم تركها حتى مضت عدتها، ثم تزوجها رجل غيره، ثم إن الرجل مات أو طلقها فراجعها الاول، قال: هي عنده على تطليقتين باقيتين ". وصحيح ابن مهزيار (5) كتب عبد الله بن محمد إلى أبى الحسن عليه السلام " روى بعض أصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل يطلق امرأته على الكتاب والسنة فتبين منه بواحدة، فتتزوج زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها، فترجع إلى زوجها الاول أنها تكون عنده على تطليقتين وواحدة قد مضت، فوقع عليه السلام بخطه: صدقوا، وروى


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 - 10 - 13. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 229. (3 و 4) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 و 6. (5) أشار إليه في الوسائل في الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 وذكره في الكافي ج 5 ص 426.

[ 166 ]

بعضهم أنها تكون عنده على ثلاث مستقبلات، وأن تلك التي طلقها ليس بشئ، لانها قد تزوجت زوجا غيره، فوقع عليه السلام بخطه: لا ". وصحيح منصور (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " في امرأة طلقها زوجها واحدة أو اثنتين، ثم تركها حتى تمضى عدتها، فيتزوجها غيره، فيموت أو يطلقها، فيتزوجها الاول، قال: هي عنده على ما بقى من الطلاق ". ونحوه خبر زرارة (2) عن أبى جعفر عن علي عليه السلام. وقد أخبر محمد بن قيس (3) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل طلق امرأته تطليقة، ثم نكحت بعده رجلا غيره، ثم طلقها فنكحت زوجها الاول، فقال: هي عنده على تطليقة ". وزاد في الحدائق الاستدلال بصحيح جميل (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا طلق الرجل المرأة، فتزوجت ثم طلقها، فيتزوجها الاول ثم طلقها، فتزوجت رجلا ثم طلقها، فإذا طلقها على هذا ثلاثا لم تحل له أبدا " ونحوه خبر إبراهيم بن عبد الحميد عن الكاظم عليه السلام (5) إلا أنه يمكن إرادة التسع منهما بقرينة " أبدا " أي كررت الثلاث ثلاثا. وعلى كل حال فلا ريب في أن مقتضى اصول المذهب وقواعدة ترجيح الاولى عليها من وجوه، بل صراحتها وصحتها وكثرة عددها، وموافقتها لاطلاق الكتاب (6) والسنة (7) في وجه لا تجدي بعد إعراض الاصحاب - الذين خرجت منهم - عنها،


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث - 9 - 10 - 11. (4) الوسائل الباب 11 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 2. (5) إشار إليه في الوسائل في الباب 11 من أبواب استيفاء العدد الحديث 2 وذكره في الكافي ج 5 ص 428. (6) سورة البقرة: 2 - الاية 229. (7) الوسائل الباب 3 و 4 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 167 ]

بل يزيدها وهنا وأى وهن، خصوصا بعد إشارة النصوص (1) السابقة إلى أن مضمونها قول عمر، وإن خالفه بعض أوليائه بعد ذلك، بل عن الخلاف حكايته عن عمر وأبى هارون والشافعي ومالك والاوزاعي وابن أبى ليلى وزفر والشيباني وغيرهم. فمن الغريب غرور المحدث البحراني بها وإطنابه في المقام بما لا طائل تحته، بل مرجعه إلى اختلال الطريقة، وأغرب منه تردد الفاضل في التحرير مع نزاهته عن هذا الاختلال. ومن العجيب أن ثانى الشهيدين الذي شرع هذا الاختلال قال في المقام: " إن عمل الاصحاب على الاول، فلا سبيل إلى الخروج عنه ". (ولو طلق) الذمي (الذمية ثلاثا فتزوجت بعد العدة ذميا) جامعا لشرائط التحليل (ثم بانت منه) وترافعا إلينا حكمنا لهما بالحل. (و) لو أسلم الذمي ثم (أسلمت) هي بعد المحلل الذمي (حل للاول نكاحها بعقد مستأنف) بلا خلاف أجده فيه، للاطلاق كتابا (2) وسنة (3) (وكذا) الكلام في (كل مشرك). وبناء على جواز نكاح الذمية ابتداء فتصور طلاقها ثلاثا واضح، بل وإن لم نقل به إذا طلقها بعد إسلامه أو قبله ثم راجعها في العدة وهكذا ثلاثا، لان الرجعة ليس ابتداء نكاح، والفرض عدم انفساخ نكاحه باسلامه وإن لم نجوز له ابتداء النكاح. (والامة إذا طلقت مرتين حرمت حتى تنكح زوجا غيره سواء كانت تحت حر أو عبد) لان العبرة في عدد الطلقات عندنا النساء لا الرجال، فالحرة ثلاث وإن كانت تحت عبد، والامة اثنتان وإن كانت تحت حر، خلافا للعامة فالعبرة عندهم فيه الرجال، وتظهر الثمرة في الحرة تحت العبد والامة تحت الحر، وقد استفاضت


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (3) الوسائل الباب 3 و 4 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 168 ]

نصوصنا بخلافهم أو تواترت. ففي صحيح العيص بن القاسم (1) " أن ابن شبرمة قال: الطلاق للرجل، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الطلاق للنساء، وتبيان ذلك أن العبد تكون تحته الحرة فيكون تطليقها ثلاثا، ويكون الحر تحته الامة فيكون طلاقها تطليقتين ". وفي صحيح زرارة (2) عن الباقر عليه السلام " سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة كم طلاقها ؟ وكم عدتها ؟ فقال: السنة في النساء في الطلاق، فان كانت حرة فطلاقها ثلاث وعدتها ثلاثة قروء، وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان وعدتها قرآن " إلى غير ذلك من النصوص، بل في النبوي العامي (3) أيضا " طلاق الامة طلقتان. وعدتها حيضتان ". بل في المسالك الاستدلال عليه في مقابلة العامة بقوله تعالى (4): " الطلاق مرتان " إلى آخره لكونه في الحرة، بقرينة قوله تعالى (5): " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " فان الاتيان للحرة، وأما الامة فلمولاها، ولا ينافي ذلك " ولا يحل لكم " من حيث كونه خطابا للازواج، والاخذ إنما هو الحر دون العبد، لمنع كونه خطابا للازواج بل لمن الاداء من ماله الشامل للازواج وغيرهم، وإن كان هو كما ترى، ضرورة إمكان دعوى كون الاتيان ولو للمولى أيضا، لكن الامر سهل بعد معلومية الحال من نصوص (6) العترة صلوات الله عليهم الذينهم مع كتاب الله تعالى الخليفة عن النبي صلى الله عليه وآله فينا لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض (7).


(1 و 2) الوسائل الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 - 2. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 369 و 426. (4 و 5) سورة البقرة: 2 - الاية 229. (6) الوسائل الباب 24 من أبواب أقسام الطلاق. (7) الوسائل الباب 13 من أبواب صفات القاضى الحديث 34 و 77 من كتاب القضاء.

[ 169 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا تحل للاول بوطء المولى) بلا خلاف، للنصوص (1) السابقة المعتضدة بالاصل وظاهر الكتاب (2) وغيرهما (وكذا لا تحل لو ملكها المطلق، لسبق التحريم على الملك) فيستصحب، ولا طلاق نفي الحل كتابا (3) وسنة (4) حتى تنكح زوجا غيره، وخصوص صحيح بريد العجلى (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " في الامة يطلقها تطليقتين ثم يشتريها، قال: لا حتى تنكح زوجا غيره " وخبره الاخر (6) عن أبى عبد الله عليه السلام إنه قال " في رجل تحته أمة فطلقها تطليقتين ثم اشتراها بعد، قال: لا يصلح له أن ينكحها حتى تتزوج زوجا غيره، وحتى تدخل في مثل ما خرجت منه " وصحيح الحلبي (7) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل حر كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها هل يحل له أن يطأها ؟ قال: لا " بعد إرادة المرتين من البائن فيه. وموثق سماعة (8) " سألته عن رجل تزوج امرأة مملوكة ثم طلقها ثم اشتراها بعد، هل تحل له ؟ قال: لا حتى تنكح زوجا غيره " بعد التقييد بالمرتين. معتضدا ذلك كله بعمل الاصحاب قديما وحديثا، عدا ما يحكى عن ابن الجنيد من الحل، لخبر أبى بصير (9) " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بانا ثم اشتراها بعد، قال: يحل له فرجها من أجل شرائها، والحر والعبد في هذه المنزلة سواء " القاصر عن معارضة ما سمعت من وجوه، فلا بأس بطرحه أو حمله على التقية، أو يقرأ " بائنا " بالنون لا التاء فتحمل البينونة على الشراء قبل الخروج من العدة أو بعدها لا التطليقتين، أو يقيد إباحة الفرج بالشراء بما إذا تزوجت زوجا آخر أو غير ذلك مما لا بأس به بعد عدم مكافئته.


(1) الوسائل الباب 27 من أبواب أقسام الطلاق. (2 و 3) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (4) الوسائل الباب 3 و 4 و 7 من أبواب أقسام الطلاق. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب 26 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 - 6 - 5. (8 و 9) الوسائل الباب 26 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 - 4.

[ 170 ]

فمن الغريب جمع الكاشاني بينه وبين النصوص السابقة بالجواز على كراهة مستدلا على ذلك بصحيح ابن سنان (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت تحته أمة فطلقها على السنة، فبانت منه، ثم اشتراها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجا غيره، قال: أليس قضى علي عليه السلام في هذا ؟ أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا أنهي عنها نفسي وولدي " الذي هو ظاهر في التحريم، خصوصا بعد خبر ابن قسام (بسام خ ل) (2) " سألت أبا جعفر عليه السلام عما يروي الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام عن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها ولا ينهي عنها إلا نفسه وولده، فقلنا: كيف ذلك ؟ فقال أحلتها آية وحرمتها آية اخرى، قلنا هل تكون إحداهما نسخت الاخرى أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما ؟ قال: قد بين لهم إذا نهي نفسه وولده، فقلنا: ما منعه أن يبين ؟ فقال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنين عليه السلام ثبت قدماه أقام كتاب الله كله والحق كله " ونحوه المروى عن كتاب علي بن جعفر عليه السلام (3). (ولو طلقها) أي الامة (مرة ثم اعتقت ثم تزوجها) بعد العدة (أو راجعها) فيها (بقيت معه على واحدة استصحابا للحال الاول)، وحينئذ (فلو طلقها أخرى حرمت عليه حتى يحللها زوج) فان عتقها أو عتقه أو عتقهما لا يهدم الطلاق، ولا يغيرها عن حالها السابق، للاصل وصحيح رفاعة (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد والامة يطلقها تطليقتين ثم يعتقان جميعا هل يراجعها ؟ قال: لا حتى تنكح زوجا غيره فتبين منه " وصحيح محمد بن مسلم (5) عن أبى


(1) الوسائل الباب 26 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 8 من كتاب النكاح عن معمر بن يحيى بن سام الا أن الموجود في التهذيب ج 7 ص 463 معمر بن يحيى بن بسام. (3) البحار ج 10 ص 266 الطبع الحديث. (4 و 5) الوسائل الباب 28 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 - 2.

[ 171 ]

جعفر عليه السلام " المملوك إذا كانت تحته مملوكة فطلقها ثم أعتقها صاحبها كانت عنده على واحدة " وصحيح الحلبي (1) قال أبو عبد الله عليه السلام " في العبد تكون عنده الامة، فيطلقها تطليقة ثم أعتقا جميعا كانت عنده على تطليقة واحدة " وموثق هشام بن سالم (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " إن العبد إذا كان تحته الامة فطلقها تطليقة فاعتقا جميعا كانت عنده على تطليقة واحدة " وهى مع ما ترى من جمعها لشرائط الحجية معتضدة بعمل الاصحاب. فما عن أبن الجنيد - من أن الامة إذا اعتقت قبل وقوع الطلاق الثاني بها انتقل حكم طلاقها إلى الحرائر، فلا تحرم إلا بالثالثة مؤيدا له في المسالك بما وقع لهم في نكاح المشركات إذا أسلم العبد وعنده أربع وأعتق، وفي القسم بين الزوجات إذا اعتقت الامة في أثنائه من أنه متى كان العتق قبل استيفاء حق العبودية يلحق بالاحرار في الحكم، والمقام منه - كالاجتهاد في مقابلة النص بعد تسليم ما ذكره. (و) على كل حال فقد عرفت فيما تقدم أن مقتضى اتفاقهم وما فهموه من نصوص العسيلة من إرادة الدخول كون (الخصي يحلل المطلقة ثلاثا إذا وطأ وحصلت فيه الشرائط) السابقة. (و) لكن (في رواية) محمد بن مضارب (3) لا يحلل، قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الخصي يحلل، قال: (لا يحلل ") ولا جابر لها، بل لم أجد عاملا بها إلا ما عساه يظهر من الحر في وسائله، فلا بأس بحملها على خصي لا يحصل منه الجماع، على أن الخبر المزبور قد رواه الشيخ في زيادات النكاح في التهذيب بهذا الاسناد عن الرضا عليه السلام (4) قال: " سألته عن الخصي يحل قال: لا يحل " وإرادة التحليل منه خلاف المتعارف في التعبير، فلذا احتمل إرادة حل نظره إلى المرئة أو عقده من دون الاختبار بحاله، بل ربما احتمل إرادة سل الانثيين الذي لا يجوز في الانسان، أو أكل الخصيتين، وإن كان رسم


(1 و 2) الوسائل الباب 28 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 - 4. (3 و 4) الوسائل الباب 10 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 1.

[ 172 ]

الكتابة بالياء في النسخ الصحيحة يأباهما. وعلى كل حال فهو شاذ ضعيف مضطرب. (و) كذا قد عرفت فيما تقدم أنه (لو وطأ الفحل قبلا فأكسل حلت للاول، لتحقق اللذة منهما) التي هي المراد من العسيلة، بل وإن لم تحصل اللذة لهما، بناء علي أن المراد الدخول المفروض تحققه بغيبوبة الحشفة، كما هو واضح. (ولو تزوجها المحلل فارتد) بعد وطئه لها حصل التحليل قطعا، ولو كان قبله قبلا ودبرا (فوطأها في الردة لم تحل، لانفساخ عقد) نكاحه (بالردة)، إذ لا عدة لها، فوطؤه حينئذ وطء أجنبي، وكونها زوجته سابقا غير مجد هنا قطعا وإن قلنا بعدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق، لظهور النص (1) والفتوى في اعتبار وطئها حال كونها زوجة، ولذا لم يجد وطؤها بعد عقدها دائما وطلاقها قبل الدخول وإن كان لشبهة فضلا عن غيرها، كما هو واضح. ولو كان لها عدة بوطئه لها دبرا فوطأها قبلا بعد الردة فيها فقد يقوى التحليل إذا فرض عوده إلى الاسلام فيها، لانكشاف كونه وطء زوجة، وكذا الكلام في ارتداد الزوجة بالنسبة إلى الاقسام الثلاثة، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق.

[ 173 ]

(فروع:) (الاول:) (لو انقضت مدة فادعت أنها تزوجت وفارقها وقضت العدة وكان ذلك ممكنا في تلك المدة قيل) والقائل المشهور بل لم أجد فيه خلافا محققا: (يقبل) بلا يمين لا (ل‍) ما في المبسوط من (أن في جملة ذلك ما لا يعلم إلا منها كالوطء) وانقضاء العدة، فانه لا يقتضي تصديقها في غيرهما كالتزويج والطلاق، ومن هنا قال في كشف اللثام: " لا يبعد تكليفه بالبينة فيهما " ولا لانها ادعت أمرأ ممكنا ولا معارض لها، كمدعى الوكالة مثلا على مال شخص أو شرائه، فانه يجوز أخذه منه، لما ستعرفه. (و) لا لانها مصدقة على نفسها لما تسمعه. بل لان (في رواية) حماد الصحيحة عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها، فقال لها: إنى أريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيري، فقالت لى: قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي، أتصدق ويراجعها ؟ وكيف يصنع ؟ قال: (إذا كانت) المرأة (ثقة صدقت) في قولها " بناء على عدم إرادة الشرطية بذلك، لعدم القائل به، ولانه لا مدخلية لوثاقة المدعي من حيث كونه كذلك في تصديقه، ولغير ذلك، فيحمل على الندب ونحوه، فيكون حينئذ دليل المسألة، لا النصوص (2) المستفيضة المتضمنة لتصديق النساء في عدم الزوج، أو خلوها


(1) الوسائل الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب 23 و 25 من أبواب عقد النكاح والباب 10 من أبواب المتعة من كتاب النكاح.

[ 174 ]

منه بموت ونحوه، سواء كان معلوما أو غير معلوم، بل في بعضها (1) " أرأيت لو سألها البينة كان تجد من يشهد أن ليس لها زوج " وهو كالتعليل الشامل للمقام، فإنه قد يناقش بأن ذلك غير المفروض الذي قد صرح في الكتاب (2) والسنة (3) باشتراط الحل بالنكاح فيه الذي هو غير الخلو منه، وقبول قولها في الخلو من الزوج لا يقتضي قبوله في حصول التزويج. كما أنه قد يناقش في الدليل الاول بأن مقتضاه جواز التناول من المدعي الذي لا معارض له لعدم تعلق خطاب مخصوص بالمتناول لا مطلقا ولذا لا يجوز دفع الوديعة إليه مثلا بمجرد دعوى الوكالة أو الانتقال إليه، والمقام من الثاني، ضرورة تعلق خطاب التحريم حتى يحصل نكاح زوج لها، فليس له نكاحها حتى يعلم ذلك ولو بطريق شرعي، ومجرد قولها لم يثبت كونه طريقا لذلك، ودعوى انه ربما مات الزوج أو تعذر مصادفته بعينه ونحوها، فلو لم يقبل منها ذلك لزم الاضرار بها والحرج المنفيان (4) واضحة الفساد، ضرورة عدم الضرر والحرج عليها باجتناب شخص خاص عنها. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه للاستدلال بما هو كالتعليل في النصوص المزبورة لقبول قولها في الخلو، وحينئذ فينحصر الدليل حينئذ بالصحيح المزبور على الشرط المذكور، ولا ريب في أن الاحوط مراعاته، خصوصا بعد ظهور عبارة المصنف والنافع في التوقف في الحكم المزبور، فتأمل جيدا. ومن ذلك يعلم أولوية عدم قبول قولها لو عينته وأنكر أصل النكاح، وإن مال في المسالك إلى قبوله في حصول التحليل وإن لم يثبت موجب الزوجية عليه، لوجود


(1) الوسائل الباب 10 من أبواب المتعة الحديث 5 من كتاب النكاح. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 230. (3) الوسائل الباب 3 و 4 و 7 من أبواب أقسام الطلاق. (4) الوسائل الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 5 من كتاب الطهارة والباب 12 من كتاب احياء الموات.

[ 175 ]

المقتضى لقبول قولها مع عدم تكذيبه، وهو إمكان صدقها مع تعذر إقامة البينة على جميع ما تدعيه، ومجرد إنكاره لا يمنع صدقها في نفس الامر. ولا ينافي ذلك تقديم قوله، لانه منكر، واستصحابا للاصل، ولامكان إقامة البينة على أصل التزويج، لانا لا نقبل قولها إلا في حقها خاصة، والاصل لو عارض لقدح في أصل دعواها مطلقا. وناقشه في الحدائق بأن ظاهر النصوص قبول قولها حيث لا معارض لها في دعواها، وإلا كانت من مسألة المدعي والمنكر. وفيه أن ذلك لا ينافي قبول قولها بالنسبة إلى غير خصمها، على أن التكذيب أعم منه، إذ يمكن فرض ذلك حيث لا دعوى، بل كان ذلك مجرد تكذيب لها كالاجنبي. نعم قد عرفت أنه لا دليل على قبول قولها في ذلك بمجرد إمكان صدقه وإلا فمع فرضه يتجه ما ذكره حتى في صورة الدعوى بالطريق الذي ذكره، فتأمل. (الثاني:) (إذا دخل المحلل فادعت الاصابة فان صدقها حلت للاول) بلا خلاف ولا إشكال، لكونه أمرا لا يعلم إلا من قبلهما (وإن كذبها قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (يعمل الاول بما يغلب على ظنه من صدقهما أو صدق المحلل) واستدل له بأن الفرض تعذر البينة، والظن مناط الاحكام الشرعية غالبا، فيرجع إليه، وهو كما ترى، ضرورة عدم كونه مناطا لتحقق موضوعاتها. والموجود في المبسوط بعد أن ذكر تصديقها مع عدم المعارض " فان قال الزوج الثاني: ما أصبتها فان غلب على ظنه صدقها قبل قولها، وإن كذبها تجنبها، وليس بحرام، ومتى كذبها في هذه الدعوى ثم صدقها جاز له أن يتزوج بها، لجواز أن لا يعلم صدقها فكذبها ثم بان له صدقها فصدقها، فحل له أن يتزوج بها ".

[ 176 ]

وهو صريح في عدم الحرمة بعد حمل قوله " وإن كذبها " على إردة غلبة الظن بكذبها، والامر بالتجنب على ضرب من الندب والاحتياط، فيكون موافقا لما ذكره المصنف بقوله: (ولو قيل: يعمل بقولها على كل حال كان حسنا، لتعذر إقامة البينة بما تدعيه) وفى القواعد " هو الاقرب " وفي المسالك " هو الاقوى لما ذكره المصنف من تعذر إقامة البينة، مع أنها تصدق في شرطه، وهو انقضاء العدة، فكذا في سببه، ولانه لولاه لزم الحرج والضرر، كما أشرنا إليه ". وناقشه في الحدائق بنحو ما سمعته سابقا من أنها بحصول المعارض من مسائل المدعي والمنكر، فهي نظير مالو ادعت المرأة أن لا زوج لها وادعى آخر أنها زوجته، فان الظاهر أنه لا قائل بجواز تزويجها في هذه الحال بناء على أنها مصدقة في دعوى عدم الزوج، والحال أنه يدعى زوجيتها، وإنما قبول قولها مع عدم ذلك، كما هو الظاهر من الاخبار (1) المتقدمة. لكن لا يخفى عليك ما فيه من إمكان القطع بجواز تزويجها وإن ادعى مدع، وإلا لزم تعطيل أكثر النساء بمجرد الدعوى التي لا يجبر صاحبها عليها لتقطع بظاهر الشرع وربما يقال ذلك في مقام نشر الدعوى عند الحاكم وتشاغله بقطعها، لا أن مطلق مجرد الدعوى يقتضي عدم جواز التزويج، وليس ذلك لتصديقها، بل للاصل، كغيرها من الدعاوي في المال وغيره، كما هو واضح. نعم قد يناقش بالشك في قبول قولها في الفرض باعتبار اشتراكهما في الائتمان عليه، ولذا يصدق كل منهما فيه مع عدم معارضة الاخر، وأما مع التعارض فيشكل ترجيح أحدهما على الاخر من دون مرجح، ولعله لذا كان المحكي عن الشيخ الترجيح بغلبة الظن في قول أحدهما، ومقتضاه عدم الجواز مع عدم الترجيح، ولا ينافي ذلك في قبول قولها مع عدم معارضة الزوج باعتبار كونها مؤتمنة عليه.


(1) الوسائل الباب 23 و 25 من أبواب عقد النكاح والباب 10 من أبواب المتعة. (جواهر الكلام - ج 11).

[ 177 ]

نعم قد يقال: لا دليل على الترجيح بغلبة الظن، إلا أن يراد بها الطمأنينة التي هي علم في العرف في مقابلة العلم عند أهل الميزان، فيتجه حينئذ وجوب الاجتناب مع عدمها، لاصالة بقاء التحريم السالمة عن المعارض حتى الصحيح (1) المزبور الظاهر في كون المراد تصديق قولها إذا كان ثقة في مفروض السؤال الذي هو خال عن تكذيب الزوج لها فتأمل جيدا. ولو رجعت عن دعواها الاصابة قبل العقد عليها للزوج الاول لم تحل عليه، لاقرارها المؤاخذة به، وإن لم ترجع إلا بعد العقد عليها لم يقبل رجوعها، لكونه في حق الغير، ولو رجع هو أو هي عن التكذيب إلى التصديق حلت، لاصالة صحة قول المسلم. (الثالث:) (لو وطأها محرما كالوطء في الاحرام أو الصوم الواجب) وفي الحيض أو نحو ذلك (قيل) والقائل الاسكافي والشيخ فيما حكي عنهما: (لا تحل) له، (لانه) وطء (منهى عنه، فلا يكون مرادا للشارع) ولا مندرجا في أدلة التحليل الظاهر في اعتبار المواقعة فيه المستفاد منها الاذن فيه. (وقيل) والقائل المشهور: (تحل، لتحقق النكاح المستند إلى العقد الصحيح) الذي قد جعله الشارع سببا للجواز، والمقام من أحكام الوضع التي لا مانع من ترتيب الشارع لها على المحرم، بل قد عرفت في الاصول ترتيب المشهور صحة العبادة في مسألة الضد على العصيان بترك المأمور به، ولاريب أن المقام بطريق أولى، ودعوى ظهور الادلة هنا أن الشرط الوطء المأذون فيه من حيث كونه كذلك وهو لا يتعلق بالمحرم وإن لم يكن عبادة واضحة الفساد، ضرورة أعمية الاذن المستفادة من الادلة من دعوى اعتبارها في الشرطية، فالاقوى حينئذ الحل


(1) الوسائل الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

[ 178 ]

في الفرض، فضلا عن الحرمة في العارض، لضيق وقت صلاة مثلا. بل الظاهر عدم الفرق الحرمة بما عرفت وبينها بعدم بلوغ البنت تسعا وإن أفضاها، لاطلاق الادلة، ودعوى ظهور الاية (1) في استقلال النكاح المحللة بنفسها دون الصغيرة التي يعقدها المولى واضحة الفساد، إذ الظاهر أن أمثال هذه الخطابات شاملة للوكالة والولاية وغيرهما، كما في غير المقام. ومن هنا لم يكن فرق في المحلل والمحللة بين الجنون والعقل، نعم قد يتوقف في حصول التحليل في الصغيرة لا من هذه الجهة، بل لعدم بلوغها حد ذوق العسيلة، نحو ما سمعته في المراهق دون البلوغ، ومقتضاه عدم الاشكال في عدم حصوله فيها إذ لم تكن مراهقة، وفي المراهقة البحث السابق. إلا أن الذي يظهر من غير واحد من الاصحاب المفروغية من حصول التحليل فيها وإن كانت صغيرة، بناء على عدم اعتبار الحل في الوطء، خصوصا عند تعرضهم للشرائط واقتصارهم على اعتبار البلوغ في المحلل، ولم يتعرضوا للمحللة، فان تم إجماعا وإلا كان للنظر فيه مجال.


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 230 - 228.

[ 179 ]

(المقصد الثالث) (في الرجعة) التي هي لغة المرة من الرجوع، وشرعا رد المرأة المطلقة إلى النكاح السابق، ولا خلاف بين المسلمين في أصل مشروعيتها المستفادة من الكتاب (1) والسنة (2) والاجماع، كما لا خلاف بينهم في أنها (تصح الرجعة نطقا كقوله: " راجعتك ") و " ارتجعتك " مطلقا أو مع إضافة قوله: " إلى نكاحي " ونحو ذلك من الالفاظ الدالة على إنشاء المعنى المزبور بنفسها على تفاوتها بالصراحة أو بقرينة حال أو مقال على حسب غيره من المعاني التى يراد إبرازها بالالفاظ الدالة عليها. هذا ولكن في الروضة بعد ذكر الالفاظ الصريحة في الرجعة قال: " في معناها " رددتك " وأمسكتك " لورودهما في القران (3) بقوله تعالى: " وبعولتهن أحق بردهن " وقوله تعالى (4) " فامساك بمعروف " ولا تفتقر إلى نية الرجعة، لصراحة الالفاظ، وقيل يفتقر إليها في الاخيرين، لاحتمالهما غيرها، كامساك باليد وفي البيت ونحوه، وهو حسن. وفيه أن إرادة المعنى من اللفظ المقصود به الدلالة على ذلك معتبرة في كل لفظ صادر من غير الساهي والنائم والعابث، نعم تختلف الالفاظ الصريحة من غيرها بالحكم على المتلفظ بالاول منها من غير حاجة إلى إخباره بذلك بخلاف الثاني فانه لا يحكم عليه بارادة المعنى المقصود به إلا بإخباره أو وجود القرينة الدالة على ذلك الذي


(1) سورة البقرة: 2 الاية 230 - 228. (2) الوسائل الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق. (3 و 4) سورة البقرة: 2 - الاية 228 - 229.

[ 180 ]

يكون بها صريحا أيضا كما هو واضح بأدنى نظر. إنما الكلام في أمرين لم أجد لهما تحريرا في كلام الاصحاب: (أحدهما): أن الرجعة من أقسام الايقاع، فيعتبر فيها حينئذ قصد الانشاء، واللفظ الصريح الدال عليها عند من اعتبره في نظائرها من العقود والايقاعات، أو ليست كذلك، بل هي من حقوق المطلق، كما عساه يومى إليه هنا اتفاقهم ظاهرا على عدم اعتبار لفظ مخصوص بها، بل ستسمع التصريح نصا (1) وفتوى بحصولها بالفعل المقتضي، للزوجية، بل تسمعهما أيضا في ان أنكار الطلاق رجعة، ونحو ذلك مما لم يعهد منهم نظيره في غيرها من الايقاعات، بل ستسمع تردد المصنف في قبولها للتعليق، (ثانيهما) اعتبار قصد معنى الرجوع فيها أو يكفى حصول ما يقتضر كونها زوجة له فعلا وان لم يتصور معنى الرجوع، كما عساه يومئ إليه الحكم بكون كل من الوطء وإنكار الطلاق رجعة، وربما تسمع لهما فيما يأتي تنقيح في الجملة. (و) كذا لا خلاف بيننا في أنها تصح (فعلا كالوطء) بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن بعض العامة موافقتنا عليه، وقال الصادق عليه السلام في صحيح محمد بن القاسم (2): " من غشي امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحد، وإن غشيها قبل انقضاء العدة غشيانه إياها رجعة ". (و) لا خلاف في عدم اختصاص ذلك بالوطء، بل (لو قبل أو لامس بشهوة) أو بدونها أو نحو ذلك مما لا يحل إلا للزوج (كان رجعة) أيضا (ولم يفتقر استباحته) أي الوطء أو التقبيل أو اللمس بشهوة (إلى تقدم الرجعة) في اللفظ (لانها زوجة) مادامت في العدة، فله فعل ذلك وغيره بها من دون تقدم رجوع، بل قد يظهر من المصنف والقواعد عدم اعتبار قصد الرجوع كما اعترف به غير واحد، بل في التحرير التصريح بأنه لا حاجة إلى نية الرجعة إذا تحقق القصد إلى الفعل بالمطلقة وان كان ذاهلا عن الرجعة، بل في كشف اللثام احتمال ذلك حتى مع نية خلافها، لاطلاق النص (3) والفتوى.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 29 من أبواب حد الزنا الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 181 ]

نعم لا عبرة بفعل الغافل والنائم ونحوهما مما لا قصد فيها للفعل، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غيرها، مثل ما لو ظن أنها غير المطلقة فواقعها مثلا. لكن في الحدائق وغيرها المفروغية من اعتبار قصد الرجوع بالفعل، لان الاحكام صحة وبطلانا وثوابا وعقابا دائرة مدار القصود، وهو كما ترى لا يستأهل ردا، ضرورة تحقق القصد إلى الفعل في المفروض، لكن بدون قصد الرجوع، وهو أمر زائد على أصل القصد بالفعل الذي يخرج به عن الساهي والنائم ونحوهما. وكذا ما قيل من أن النكاح قد انفسخ بالطلاق، فلا يجوز الاستمتاع إلا بعد الرجوع الذي أقل ما يتحقق به قصده، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص (1) والفتوى المصرحين ببقائها في العدة على حكم الزوجة، الذي منه جواز وطئها من غير حاجة إلى قصد معنى رجوع. وبذلك يظهر أن الافعال رجوع وإن لم يقصد بها ذلك، لادالة على الرجوع، كما صرح به في جملة من العبارات، بل قيل إنه أقوى من اللفظ، بل لعل مقتضى إطلاق النص (2) والفتوى ذلك حتى مع قصد العدم أيضا، فيسقط حينئذ ما ذكره في المسالك من التفريع من أنه " لو أوقع الوطء بقصد عدم الرجوع أو مع عدم قصد الرجوع فعل حراما، لانفساخ النكاح بالطلاق وان كان رجعيا، لان فائدة الرجعى جواز الرجوع فيه لابقائه بحاله، وإلا لم يبن بانقضاء العدة، لكن لاحد عليه وإن كان علما بالتحريم، لعدم خروجها عن حكم الزوجية رأسا، ولقيام الشبهة، بل التعزير على فعل المحرم مع العلم لا مع الجهل بالتحريم، ثم إن لم يراجعها فعليه مهر المثل، لظهور أنها بانت بالطلاق، إذ ليس هناك سبب غيره، وإن راجعها بعد ذلك ففي سقوطه وجهان: من وقوع الوطء في حال ظهور خلل النكاح وحصول الحيلولة


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 6 والباب 20 منها الحديث 11. (2) الوسائل الباب 29 من أبواب حد الزنا الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 182 ]

منهما، ومن ارتفاع الخلل أخيرا وعودها إلى صلب النكاح الاول، ومن ثم لو طلقها بائنا كان طلاق مدخول بها، نظرا إلى الدخول الاول، ولان الرجعة رد النكاح الذي زال بطلاق الزوج، ومثله ما لو ارتدت المرأة بعد الدخول فوطأها الزوج في مدة العدة وعادت إلى الاسلام، أو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين ووطأها ثم أسلم المتخلف قبل انقضاء العدة وأولى هنا بعدم ثبوت المهر، لان أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، بل يبقى نقصان العدة، فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمثابة عقدين مختلفين، وأثر الردة وتبديل الدين يرتفع بالاجتماع في الاسلام، ويكون الوطء مصادفا للعقد الاول، ولو قيل بوجوب المهر هنا وبعدمه في تبديل الدين كان حسنا ". بل لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا في المرتد من أنه بالاسلام في العدة ينكشف البقاء على الزوجية، ولعل المقام أولى، من جهة كثرة النصوص (1) بأن الرجعية في العدة زوجة المنزل على إرادة حكم الزوجة الذي منه جواز وطئها، بل ما ذكره أولا من عدم ترتب الحد عليه على ما ذكرناه عند التأمل. (ولو أنكر الطلاق) في العدة (كان ذلك رجعة) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، (لانه يتضمن التمسك بالزوجية) بل في المسالك " هو أبلغ من الرجعة بألفاظها المشتقة منها وما في معناها، لدلالتها على رفعه في غير الماضي، ودلالة الانكار على رفعه مطلقا ". ولعل الاولى الاستدلال بصحيحة أبى ولاد (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن أمرأة ادعت على زوجها أنه طلقها تطليقة طلاق العدة طلاقا صحيحا، يعنى على طهر من غير جماع أشهد لها شهودا على ذلك، ثم أنكر الزوج بعد ذلك، فقال: إن كان إنكار الطلاق قبل انقضاء العدة فان انكاره للطلاق رجعة لها، وإن كان أنكر الطلاق بعد انقضاء العدة فان على الامام أن يفرق بينهما بعد شهادة الشهود بعدما


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق والباب 13 منها الحديث 6 والباب 20 منها الحديث 11 والباب 18 و 20 و 21 من أبواب العدة. (2) الوسائل الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

[ 183 ]

يستحلف أن إنكاره الطلاق بعد انقضاء العدة، وهو خاطب من الخطاب ". وعن الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (1) " وأدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق، فيكون إنكار الطلاق رجعة " ولعل من ذلك يظهر عدم اعتبار قصد معنى الرجوع في الرجعة، ضرورة أن إنكار أصل الطلاق مناف لقصد الرجعة به. ومن هنا أشكل بعضهم الحكم المزبور بأن الرجعة مترتبة على الطلاق وتابعة له، وإنكاره يقتضي إنكار التابع، فلا يكون رجعة، وإلا لكان الشئ سببا في النقيضين، ولا يحتاج إلى دفعه في المسالك " بأن الشارع إذا جعل إنكار الطلاق رجعة فقد قطع التبعية المذكورة، أو يجعل الانكار كناية عن الرجعة، ولا يراد منه حقيقته، فان المقصود حينئذ من إنكار الطلاق إعادة النكاح المتحقق في الرجعة بأي لفظ دل عليه، وهذا منه ". بل في الاخير منه مالا يخفى من ظهور النص (2) والفتوى بارادة الحقيقة من الانكار الذي يترتب عليه الرجوع، بل في الاول أيضا مالا يخفى إن كان المراد تحقق معنى الرجعة فيه، لا أن المراد منه أنه رجعة شرعا وإن لم يتحقق معناها ولا قصده ولكن ذلك ليس بأولى من القول بعدم اعتبار إنشاء معنى الرجوع فيها، بل يكفي فيها اللفظ الدال على كونها زوجة فعلا، بل والفعل وإن لم يقصد معنى الرجوع، وبذلك يتفق خبرا (3) الانكار والفعل، بل يكفى فيه حينئذ قوله: " هي زوجتي الان ". وأما احتمال الاكتفاء في الرجعة بما يقتضيه الانكار ويستلزمه من الرغبة في الزوجية وإرادة البقاء على النكاح الاول، وإلا لم ينكر زواله بالطلاق، وهذا معنى قول المصنف: " لانه يتضمن " أي يستلزمه ويقتضيه فهو كما ترى، وإن


(1) المستدرك الباب 12 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (3) الوسائل الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 والباب 29 من كتاب حد الزنا الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 184 ]

أيده بعضهم بان إرادة الزوجية والرغبة فيها بعد إزالتها ضرب من الرجوع إليها وإن لم يكن بقول ولا فعل، بل بمجرد الارادة والمحبة المدول عليها استلزاما بالانكار، إذ فيه أن مقتضى ذلك اعتبار أن لا يظهر منه عدم إرداة الرجوع، من حيث أن المراجعة به إنما كانت باعتبار أقتضائه التمسك بالزوجية والرغبة فيها والميل إليها، مع أن النص (1) وكلام الاصحاب مطلق. فلا محيص حينئذ عن القول بأن الرجعة ليست من قسم الايقاع، ولا يعتبر فيها قصد معنى الرجوع، بل يكفي فيها كل ما دل من قول أو فعل على التمسك بالزوجية فعلا وإن ذهل عن معنى الطلاق، وهو مراد المصنف. ومن ذلك يعلم انه لا وجه لكثير مما في كتب المتأخرين ومتأخريهم. (ودعوى) ان خصوص الوطء مثلا والانكار رجعة تعبدا وإن لم يكن فيهما إنشاء ولا قصد معنى الرجوع بخلاف غيرهما من أفراد الرجعة المعتبر فيها إنشاء معنى الرجوع (يدفعها) أنه لا دليل معتد به على اعتبار ذلك فيها كي يلتزم إخراج هذين القسمين من بين أفرادها، وقوله تعالى (2): " وبعولتهن أحق بردهن " كقوله تعالى (3): " فامساك بمعروف " أو غيره أعم من اعتبار الامرين المزبورين فيها، فيبقى حينئذ ما يستفاد من تحققها بالانكار والفعل مجردا عنهما من كون الرجعة مطلقا كذلك بحاله من غير معارض، خصوصا بعد ظهور النص والفتوى في أن الرجعة شئ واحد، لا أنها أمران: أحدهما يعتبر فيه الانشاء وقصد معنى الرجوع، وهو ما عدا الافعال والانكار من الاقوال، وربما كان في التأمل في كلمات الاساطين منهم في المقام وغيره قرائن كثيرة على ذلك. (و) كيف كان ف‍ (لا يجب الاشهاد في الرجعة) بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة، مضافا إلى الاصل والنصوص (4) المستفيضة


(1) الوسائل الباب 14 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2 و 3) سورة البقرة: 2 الاية 228 - 229. (4) الوسائل الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 0.

[ 185 ]

أو المتواترة. (بل يستحب) لحفظ الحق ورفع النزاع، قال أبو جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم: (1) " إن الطلاق لا يكون بغير شهود، وإن الرجوع بغير شهود رجعة، ولكن ليشهد بعد فهو أفضل " وقال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي أو حسنه (2) " في الذى يراجع ولم يشهد قال: يشهد أحب إلي، ولا أرى بالذي صنع بأسا " إلى غير ذلك من النصوص، ولا ينافي ذلك عدم قبول قوله في بعض الاحوال الناشئ من تقصيره في عدم الاشهاد، وقوله تعالى (3): " وأشهدوا ذوي عدل " في الطلاق لا الرجعة، أو محمول على الندب لما عرفت. (ولو قال راجعتك إذا شئت أو إن شئت) أو " إذا جاء رأس الشهر " (لم يقع ولو قالت: شئت) على المشهور، كما في المسالك، بل نسبه فيها إلى الشيخ وأتباعه والمتأخرين، لنحو ما سمعته في غيرها من أقسام العقود والانشاآت من منافاته لظاهر مادل على السببية المنافية لتأخر ترتب الاثر. ولكن مع ذلك قال المصنف: (وفيه تردد) من ذلك ومما في كشف اللثام: من أنه " لا يشترط في الرجعة إلا التمسك بالزوجية، ولذا تحقق بالافعال الدالة عليه، فلا يشترط فيها الايقاع ولا الانشاء " قلت: هو مؤيد لما ذكرناه سابقا. لكن مع ذلك قد يناقش بأن عدم اعتبار الانشاء فيها لا ينافي عدم قبول التعليق فيما لو قصده بها، إذ لا مانع ترتب أثرها على إنشاء الرجعة المجرد عن التعليق وإن لم نقل باعتبار ذلك فيها، بل قلنا إنه يكفى فيها التمسك بالزوجية السابقة المجرد عن أصل الانشاء فصلا عن إنشاء معنى الرجوع، فيتجه حينئذ البحث عن صحتها مع التعليق. اللهم إلا أن يقال: إنها بعد أن لم تكن من أقسام الايقاع المعتبر فيها ذلك


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 - 2. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2.

[ 186 ]

ولو بظاهر أدلة التسبيب تصح في المعلق على حسب غيرها من أقسام الانشاء القابل لذلك، نحو قول السيد لعبده: " أكرم زيدا إن جاءك " أو " إذا جاءك رأس الشهر " ونحو ذلك، فان إنشاءها حيث يؤتى به من هذا القبيل، لا من قبيل إنشاء الايقاع. وفيه أنه لا شك في احتياج الرجوع بعد حصول مقتضى الفسخ إلى سبب، ولم يثبت سببية المعلق، ولا إطلاق يتمسك به، فالاصل عدم حصوله. وقد يدفع بأنه يكفي إطلاق أدلة الرجعة التي قد عرفت أن مفادها تحققها بما يحصل من قول أو فعل يقتضي البقاء على الزوجية السابقة وإن لم يقصد إنشاء معنى الرجوع، ولا ريب في حصوله بقول: " أنت زوجتي إذا جاء رأس الشهر " أو " إذا رضيت " أو " رضي زيد " وحصل المعلق عليه. والعامة لم يجوزوا التعليق فيها مع تجويزهم له في الطلاق، وهو مبني على أنها عندهم استباحة بضع، فكانت كالنكاح الذي لا يقبله، لا كالطلاق الذي هو لحرمة استباحة العضو، وهو كما ترى مجرد استحسان واعتبار، ومبنى على أصل فاسد، فتأمل جيدا. (ولو طلقها رجعيا فارتدت فراجع لم يصح) في المشهور على ما قيل، (كما لا يصح ابتداء الزوجية) وإن لم نقل: إن الرجعة ابتداء نكاح، بل لمصادفتها محلا غير قابل للرجوع، ضرورة اقتضاء الارتداد انفساخ النكاح الكامل فضلا عن علقته في المطلقة رجعيا، ومن هنا تبين منه لو لم تكن مطلقة، وما دل على اقتضاء الرجعة الرجوع إنما هو مع انحصار سبب الفسخ في الطلاق، لا مع فرض حصول سبب آخر له، ودعوى صحة الرجعة بمعنى تأثيرها فسخ الطلاق فله أن يطلقها وحينئذ واضحة الفساد، ضرورة عدم صحة الطلاق في البائنة منه بالارتداد. نعم قد يقال بناء على ما ذكرناه سابقا من المراعاة في الفسخ بالارتداد بالاسلام وعدمه إلى انقضاء العدة يتجه حينئذ صحة الرجعة والطلاق أيضا مراعى بإسلامها في العدة، لانكشاف حصولهما حينئذ في المحل القابل لهما، ولعله لهذا نظر المزني من العامة فقال: (تصح الرجعة موقوفة) أما على القول بأن الاسلام في العدة عود جديد

[ 187 ]

من حينه فلا ريب في عدم صحة الرجعة فضلا عن الطلاق بعدها، وعلى هذا ينبغي أن يكون بناء الاسلام. كما أن منه ينبغي التردد لا مما ذكره المصنف بقوله: (وفيه تردد ينشأ من كون الرجعية زوجة) وإن تبعه عليه الفاضل وغيره، فانه بعد تسليم كونها كذلك لا ينافي بينونتها بسبب آخر وهو الردة، كما إذا لم تكن مطلقة، فلا يصح الرجوع بها حينئذ لذلك وإن قلنا: إنها زوجة أو كالزوجة في الاحكام. بل من ذلك يظهر لك ما في المسالك وغيرها من بناء المسألة على أن الطلاق رافع لحكم الزوجية رفعا متزلزلا يستقر بانقضاء العدة، أو أن خروج العدة تمام السبب في زوال الزوجية، مؤيدا للاول بتحريم وطئها لغير الرجعة، ووجوب المهر بوطئها على قول وتحريمها به إذا كمل العدد وفى كشف اللثام بأنها ابتداء نكاح، فان الطلاق زوال له، والزائل لا يعود، وإطلاق الزوجة عليها مجاز، لثبوت أحكامها لها، وهو لا يفيد الزوجية والثاني (1) بعدم وجوب الحد بوطئها، ووقوع الظهار واللعان والايلاء بها، وجواز تغسيل الزوج لها وبالعكس، بل في كشف اللثام نسبته إلى المفهوم من الاخبار والاحكام (والاجماع خ ل) والفتاوى، وزاد بأنها لو لم تكن زوجة كانت الرجعة تجديد نكاح، ولو كان كذلك لافتقر إلى إذنها، ضرورة عدم مدخلية ذلك في صحة رجوعها مرتدة، كضرورة عدم كونها زوجة حقيقة، وإلا لم يكن للرجوع بها معنى، وإنما لها أحكام الزوجة. وكذا بناء المسألة على أن الرجعة ابتداء نكاح أو استدامته، إذ على التقديرين يتجه عدم صحة الرجعة، لانفساخ النكاح بالردة، فلا معنى لا ستدامته، واحتمال عدم الفسخ بالردة هنا، لعدم مصادفتها النكاح الذي تفسخه، وإنما صادفت مطلقة لها علقة يدفعه أن العلقة المزبورة هي علقة النكاح الاول الذي لا يصلح رجوعه مع الردة.


(1) عطف على " للاول " في قوله: " مؤيدا للاول بتحريم وطئها.

[ 188 ]

ومن هنا كان ظاهرهم المفروغية من عدم جواز الاستمتاع بها حال الردة لو رجع بها، ولو أنها مستثناة من التمسك بعصم الكوافر (1) ونكاح الكفار باعتبار عدم كون الرجعة نكاحا جديدا لاتجه حينئذ جواز الاستمتاع بها، بل لا تبين منه حتى إذا انقضت العدة مرتدة، ولا أظن قائلا به. وكذا الكلام أنه لو فرض ارتداد الزوج في زمن العدة الرجعية لم يكن له الرجوع على حسب ما سمعته. (و) بذلك ظهر لك أن ما في القواعد - من أن الاقرب جواز الرجوع - لا يخلو من نظر أو منع. ف‍ (لو اسلمت بعد ذلك استأنف الرجعة إن شاء) لفساد الرجعة السابقة إلا بناء على الكشف الذي ذكرناه. (ولو كان عنده ذمية) فأسلم (فطلقها رجعيا ثم راجعها قيل: لا يجوز، لان الرجعة كالعقد المستأنف) المفروض عدم جوازه عليها ابتداء لان الاول قد انفسخ بالطلاق. (و) لكن (الوجه الجواز، لانها لم تخرج عن زوجيته) كما هو مقتضى إطلاق النص (2) والفتوى، وما سمعته من جواز وطئها من دون قصد الرجوع (فهي) برجوعه لها في العدة (كالمستدامة) التي لم يطلقها، على أن النكاح الاول لو كان زائلا بالطلاق الرجعي لكان العائد بالرجعة إما الاول أو غيره والاول مستلزم إعادة المعدوم، والثاني منتف إجماعا، وإلا لتوقف على رضاها، فالنكاح الاول باق، غايته أنه متزلزل، واستدامته غير ممتنعة في الذمية إذا منعنا ابتداء نكاحها، وإلا سقط التفريع. هذا وظاهر عبارة المصنف وغيره أن موضوع المسألة الاولى الارتداد، بل كاد يكون صريح بعضهم، لكن في كشف اللثام تقييده بالارتداد كتابية، وكأنه لعدم احتمال صحة الرجعة في غيرها، وفيه أنه لا فرق في الارتداد بين الكتابية وغيرها،


(1) سورة الممتحنة: 60 الاية 10. (2) الوسائل الباب 13 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 6 والباب 20 منها الحديث 11.

[ 189 ]

لان الارتداد من حيث كونه ارتدادا فاسخ للنكاح، إلا مع العود للاسلام في العدة، وليس الارتداد بالكتابية يجعل لها حكم الذمية التي يجوز استدامة نكاحها، وإلا لاتجه حينئذ جواز الرجوع بها، لان الرجعة ليس ابتداء نكاح، فيكون حكم المسألة الاولى كالثانية، مع أنك قد عرفت أن المشهور عدم جواز الرجوع فيها بخلاف الثانية، فان الامر بالعكس، فالمتجه حينئذ جعل موضوع المسألة الاولى الارتداد مطلقا كي يتجه القول بعدم جواز الرجعة، فتأمل. وكيف كان فقد يلحق بذلك جواز الرجوع بالزوجة في الاحرام، لعدم كونه ابتداء نكاح، بل يجوز مراجعة الامة لمن نكحها قبل نكاح الحرة لعدم الطول ثم استطاع فنكح الحرة إذا قلنا بعدم انفساخ نكاح الامة، فلو طلقها حينئذ كان له الرجوع بها، وإن لم نجوز له ابتداء النكاح إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك وجهه. (ولو طلق وراجع فأنكرت الدخول بها أولا وزعمت أنه لا عدة عليها ولا رجعة وادعى هو الدخول كان القول قولها مع يمينها، لانها تدعي الظاهر) الموافق للاصل مع فرض عدم الخلوة بها، وإلا كان فيه البحث السابق في النكاح، وكذا لو كانت دعواه إني طلقتها بعد الدخول فلي الرجعة، فأنكرت الدخول، ضرورة اتحاد المدرك في المسألة من غير فرق بين وقوع المراجعة منه وعدمها، نعم يختلفان في إلزامه بالاحكام على مقتضى إقراره من عدم جواز نكاح اختها والخامسة إلا بعد طلاقها في الاول، بخلاف الثاني، فانه يكفي في الجواز انقضاء العدة، وأما حكم المهر بالنظر إلى تنصيفه والمطالبة به وغير ذلك فقد تقدم في كتاب النكاح تفصيل القول فيه في هذا الفرض، وفيما لو كانت الدعوى منها الدخول وأنكره هو، على أنه واضح بأدنى التفات إلى القواعد العامة المتعلقة بالاقرار ونحوه. (ورجعة الاخرس) بالفعل كغيره بالقول و (بالاشارة الدالة على المراجعة) وفاقا للمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، لما عرفته سابقا من الاجتزاء بذلك

[ 190 ]

منه في عقوده وإيقاعاته، والرجعة منها أو أولى بذلك منها (و) حينئذ فما (قيل) - كما عن الصدوقين من اختصاص ذلك (بأخذ القناع من رأسها) - واضح الفساد، لعدم دليل صالح لتقييد مادل (1) على قيام مطلق إشاراته مقام اللفظ الذي يقع من غيره. ومن هنا قال المصنف: (وهو شاذ) وإن أسنده في النافع إلى رواية، بل عن الشيخ وإبن البراج ذلك أيضا، إلا أنه لم نقف عليها، نعم روى السكوني (2) عن الصادق عليه السلام " طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها " ولا إشارة فيه إلى الرجعة، أللهم إلا أن يكون قد فهموا ذلك منه بالضدية، وربما نسب ذلك إلى كتاب الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (3) لكن قد عرفت غير مرة عدم تحقق هذه النسبة عندنا، والامر سهل بعد وضوع الحال، بل يمكن حمل الرواية على تقديرها بل وعبارة الصدوقين على إرادة كون ذلك أحد الافراد. (وإذا ادعت انقضاء العدة بالحيض في زمان محتمل) وأقله في الحرة ستة وعشرون يوما ولحظتان، إحداهما بعد وقوع الطلاق، والاخرى لتحقق الطهر الثالث أو للخروج من العدة، لا أنه جزء منها، لانها ثلاثة قروء، وقد انقضت قبلها، فلا يصح الرجعة فيها، ويصح العقد، وربما قيل: هي منها، لان الحكم بانقضائها موقوف على تحققها، وهو كما ترى لا يدل على المدعى، وقد يتفق الاقل نادرا في الحرة بثلاثة وعشرون يوما، بأن يطلقها بعد الوضع وقبل رؤية دم النفاس المعدود


(1) الوسائل الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) الوسائل الباب 19 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3 " عن السكوني قال: طلاق الاخرس.... " الا أن الموجود في الاستبصار ج 3 ص 301 والكافي ج 6 ص 128 " عن السكوني عن أبى عبد الله عليه السلام قال: طلاق الاخرس.... " (3) الموجود في فقه الرضا عليه السلام ص 33 " والمعتوه إذا أراد الطلاق ألقى على امرأته قناعا وروى انها قد حرمت عليه فإذا أراد مراجعتها رفع القناع عنها يرى انها قد حلت له ".

[ 191 ]

بحيضة، ولا حد لاقله، ثم تطهر عشرة ثم تحيض ثلاثة ثم تطهر عشرة ثم ترى الحيض لحظة، وأما الامة فأقل عدتها بالحيض ثلاثة عشر يوما ولحظتان، بل يتفق الاقل من ذلك فيما سمعته من الفرض النادر. وعلى كل حال فان ادعت الانقضاء في الزمان المحتمل (فأنكر) الزوج مع اتفاقهما على تاريخ الطلاق أو سكوتهما (فالقول قولها مع يمينها) لقول أبى جعفر عليه السلام في صحيح زرارة أو حسنه (1): " الحيض والعدة إلى النساء، إذا ادعت صدقت " والصادق عليه السلام (2) في قوله تعالى (3): " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ": " قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل " وغيرهما من النصوص الدالة على تصديقها في مثل ذلك، بل قد يشعر النهى عن الكتمان في الاية بائتمانهن على ذلك، نحو قوله تعالى (4): " ولا تكتموا الشهادة " على أنه شئ لا يعلم إلا من قبلها فتصدق فيه. بل مقتضى إطلاق ما سمعت عدم الفرق بين دعوى المعتاد وغيره، لكن قرب في اللمعة عدم قبول دعوى غير المعتاد من المرأة إلا بشهادة أربع نساء مطلعات على باطن أمرها، ناسبا له إلى ظاهر الروايات، ولم نعثر إلا على المرسل (5) عن أمير


(1 و 2) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد الحديث 1 - 2. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 228. (4) سورة البقرة: 2 الاية - 283. (5) أشار إليه في الوسائل في الباب 47 من أبواب الحيض الحديث 3 من كتاب الطهارة وذكره في الفقيه ج 1 ص 55 الرقم 207. وقد ورد هذا اللفظ أيضا في رواية السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام بسندين ذكرهما الشيخ (قده): الاول في التهذيب ج 1 ص 398 والاستبصار ج 1 ص 148. راجع الوسائل الباب 47 من أبواب الحيض الحديث 3، والثانى في التهذيب ج 6 ص 271 راجع الوسائل الباب 24 من كتاب الشهادات الحديث 37 ولعل الشهيد (قد ه) أشار إلى هذه الروايات.

[ 192 ]

المؤمنين عليه السلام " إنه قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض: إنه يسأل نسوة من بطانتها هل كان حيضها فيما مضى على ما ادعت ؟ فان شهدت صدقت، وإلا فهي كاذبة " وعن الشيخ حمله على التهمة جمعا بين الاخبار. وفي المسالك بعد ان ذكر ما ذكرناه مع زيادة عدم الفرق بين مستقيمة الحيض والطهر وغيرها، لعموم النص وإمكان تغير العادة قال: " وينبغي استفصالها مع التهمة، وسؤالها كيف الطهر والحيض ؟ وفي بعض الاخبار (1) أنه لا يقبل منها غير المعتاد إلا بشهادة أربع من النساء المطلعات على باطن أمرها، وقربه الشهيد في اللمعة، ولا بأس به مع التهمة وإن ضعف مأخذه ". وفى الحدائق بعد أن ذكر جمع الشيخ قال: " وهو جيد، لما تقدم من النصوص (2) الدالة على قبول قولها في أمثال هذه الامور - ثم حكى عن الشهيد ما سمعت ثم قال -: لا أعرف له وجها، إذ ليس إلا الخبر المزبور المعارض بالاصح سندا وأكثر عددا وأصرح دلالة، فيتعين حمله على التهمة ". قلت: إن كان مراد الجميع أنه في حال التهمة يكون الامر كما ذكره الشهيد وجوبا يدفعه قصور الخبر المزبور عن معارضة النصوص المزبورة المؤيدة بغيرها، بل وباطلاق فتوى الاصحاب، حتى قيل: إنه من المقطوع به في كلامهم، وإن كان المراد استحباب السؤال حال التهمة فلا ثمرة له مع فرض عدم من يشهد لها من النسوة حال التداعي المحتاج فيه إلى حكم من الحاكم لقطع الخصومة، فالمتجه حينئذ قبول قولها مطلقا، نعم يشرع للحاكم الاستظهار بطلب نسوة تشهد لها بذلك، وإن كان ميزانه الحكم لها مع فرض عدم من يشهد لها، بل ومع من يشهد بأن عادتها خلاف


(1) الوسائل الباب 47 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة والباب 24 من كتاب الشهادات الحديث 37. (2) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد والباب 47 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة. (جواهر الكلام - ج 12)

[ 193 ]

ما ذكرت، لما عرفت من إمكان اختلاف العادة. ثم إنه حيث لا تقبل دعواها لكونها قبل وقت الامكان فجاء وقت الامكان ففي المسالك " نظر إن كذبت نفسها أو قالت غلطت وابتدأت دعوى الانقضاء صدقت بيمينها وإن أصرت على الدعوى الاولى ففي تصديقها الان وجهان، من فساد الدعوى الاولى فلا يترتب عليها أثر ولم تدع غيرها، ومن أن إصرارها عليها يتضمن دعوى الانقضاء الان والزمان زمان الامكان ". (ولو ادعت انقضاءها بالاشهر) وكان تاريخ الطلاق معلوما رجع إلى الحساب، وإن لم يعلم أو اختلفا فيه فأنكر الزوج انقضاءها (كان القول قول الزوج لان) مرجعه () أي هذا الاختلاف في الحقيقة إلى ال‍ (إختلاف في زمان إيقاع الطلاق) ولا ريب أن القول قول فيه، لاصالة بقائها في العدة، مؤيدا بأصالة تأخر الحادث. لكن قد يقال بأنه لا يعارض إطلاق الصحيح (1) المزبور الذي مقتضاه رجوع أمر العدة إلى النساء وإلا لاقتضى تقديم قوله أيضا في عدم الانقضاء بالحيض والوضع، ضرورة كون مقتضى الاصل فيهما البقاء على الزوجية أيضا. وربما دفع بأن النزاع هنا في الحقيقة ليس في العدة، فيقبل قولها وإن توجه إليها في الظاهر، بل هو في زمان وقوع الطلاق، وليس مثله داخلا في الاطلاق، وبذلك يظهر حينئذ أن المراد بالاصل ليس أصل البقاء بل هو أصل عدم تقدم الطلاق، فتأمل جيدا، إذ الجميع كما ترى - مع قطع النظر عن شهرة الاصحاب أو اتفاقهم - بعد ظهور النصوص (2) في جعل أمر العدة إليها، وأنها إذا ادعت صدقت المقتضي للحكم بصدقها متى كان محتملا. بل قد يقال: إن مقتضى ذلك تقديم قولها في الانقضاء بالاقراء وإن كذبها


(1) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد الحديث 1. (2) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد والباب 47 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة.

[ 194 ]

الزوج بدعوى تأخر زمان وقوع الطلاق على وجه يقصر عن وقوع الاقراء، لان احتمال صدقها كاف في تصديقها، ومن ذلك يظهر أنه لا وجه لاشتراط قبول قول الزوج بالاتفاق على مضى زمان صالح، كما عساه يتوهم من عبارة المتن ونحوها. (وكذا لو ادعى الزوج الانقضاء) للتخلص من النفقة مثلا فأنكرت هي (ف‍) ان (القول قولها) وإن كان الطلاق فعله، (لان الاصل بقاء) علقة (الزوجية) التي كانت (أولا) مؤيدا بأن الاصل تأخر زمان وقوع الطلاق، بل لافرق في ذلك بين كون العدة بالحيض والاشهر. (ولو كانت حاملا فادعت) انقضاء عدتها مثلا (بالوضع) فأنكر الزوج وضعها بعد اعترافه بحملها (قبل قولها) بيمينها بلا خلاف أجده فيه أيضا (ولم تكلف) بالبينة ولا ب‍ (احضار الولد) الذي قد تعجز عن إحضاره، لاطلاق مادل (1) على تصديقهن في العدة، ولجواز وضعه بحيث لم يطلع عليه غيرها ثم موته أو سرقته، لاطلاق قول الصادق عليه السلام (2): " تفويض الله لها الحمل " الذي منه هذا، ولانه يتعذر أو يتعسر عليها الاشهاد على ذلك في كل حال. بل في القواعد " تصدق حتى لو ادعت الانقضاء بوضعه ميتا أو حيا ناقصا أو كاملا " معرضا بذلك بما عن بعض العامة من تكليفها بالبينة إن ادعت وضع الكامل، لانها مدعية، والغالب حضور القوابل، ومنهم من كلفها في الميت والسقط ايضا، لان ما نالها من العسر يمكنها من الاشهاد. هذا ولكن في المسالك وغيرها تقييد تصديقها في ذلك بالامكان أيضا، قال: " ويختلف الامكان بحسب دعواها، فان ادعت ولادة ولد تام فأقل مدة تصدق فيه ستة أشهر ولحظتان من يوم النكاح، لحظة لامكان الوطء، ولحظة للولادة، فان ادعت أقل من ذلك لم تصدق، وإن ادعت سقطا مصورا أو مصغة أو علقة اعتبر إمكانه


(1) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد الحديث 1. (2) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 195 ]

عادة، وربما قيل: إنه مأة وعشرون يوما ولحظتان في الاول، وثمانون يوما ولحظتان في الثاني، وأربعون ولحظتان في الثالث، لقوله صلى الله عليه وآله (1): " يجمع أحدكم في بطن امه أربعون يوما نطفة، وأربعون يوما علقة، وأربعون يوما مضغة ثم تنفخ فيه الروح ". قلت: لم نعثر على الخبر المزبور في طرقنا، لكن مضمونة موجود، ففي موثق ابن الجهم (2) " سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: قال أبو جعفر عليه السلام: إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة أربعين يوما، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين ". وفي صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل إلى أن قال فيه: " فتصل النظفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما ". وفي خبر محمد بن إسماعيل أو غيره (4) عن أبي جعفر عليه السلام " أربعين ليلة نطفة، وأربعين ليلة علقة، وأربعين ليلة مضغة، فذلك تمام أربعة أشهر، ثم بعث الله ملكين خلاقين " بل مال المحدث البحراني إلى القول المزبور لهذه النصوص معرضا بالشهيد الثاني أنه لم يعثر عليها، والا لم يكن له مناص عن قول المزبور. وفى الرياض " أنه قيل في الثلاثة بالرجوع إلى الامكان عادة، ولا ثمرة الا مع ظهور المخالفة، وهى غير معلومة، وعلى تقدير تحققها فالاظهر العمل بالمعتبرة " لكن فيه أنه لم نعثر على عامل معتد به في هذه النصوص على وجه يترتب عليه عدم قبولا دعواها لو ادعت خلافها، خصوصا في المولود سقطا، وكأنه لان تصديقها في أصل الوضع لا ينافي عدم قبول قولها في وضعه. ومن ذلك ينقدح الاشكال فيما جزم به في المسالك أولا في دعوى ولادته ولدا


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 266 مع الاختلاف في اللفظ. (2 و 3) الكافي ج 6 ص 13. (4) الكافي ج 6 ص 16.

[ 196 ]

تاما قبل الستة أشهر، ولعله لذا أطلق الاصحاب هنا قبول دعواها في الوضع من غير تعرض لامكانه على الوجه المزبور، بل كاد يكون صريح ما سمعته من القواعد، ولعله لعدم مدخلية صدقها وكذبها في ذلك في قبول قولها في أصل الوضع فتأمل جيدا فانه نافع. (ولو ادعت الحمل فأنكر الزوج) كان القول قوله (و) إن (أحضرت ولدا فأنكر ولادتها له) لاحتمال التقاطها له وحينئذ (فالقول قوله) على كل حال بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، للاصل وغيره و (لامكان إقامة البينة بالولادة) فلا يقبل مجرد قولها فيه " والولد للفراش " (1) إنما هو بعد ثبوت ولادتها له على فراشه، وأخبار الائمتان على انقضاء العدة (2) إنما هي إذا كانت حقيقة العدة معلومة أنها بالوضع أو بالاشهر أو الاقراء، دون ما إذا تداعيا في حقيقتها. نعم قد يشكل باطلاق قول الصادق عليه السلام (3) " تفويض الله الحمل لها " بل والباقر عليه السلام (4): " العدة إليها " بل هو مندرج في النهي (5) عن الكتمان الذي استشعر منه الائتمان، كما أنه قد يشكل ماهنا من عدم تصديقها بالولادة، لامكان إقامتها البينة بما تقدم سابقا في المعلوم أنها حامل وأنكر الزوج ولادتها، أللهم إلا أن يفرق بينهما بالاجماع على قبولها هناك، دونه هنا، فتأمل جيدا. (وإذا ادعت نقضاء العدة) التي يرجع أمرها إليه أو الاشهر (ف‍) صدقها الزوج في هذه الدعوى ثم (ادعى) هو (الرجعة قبل ذلك) بالقول أو الفعل (فالقول قول المرأة) بيمينها على البت في الفعلي، وعلى عدم العلم في القولي، لاصالة


(1) الوسائل الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد والباب 47 من أبواب الحيض من كتاب النكاح. (3 و 4) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد الحديث 2 - 1. (5) سورة البقرة: 2 - الاية 228.

[ 197 ]

عدم مقتض لانفساخ الطلاق الذي هو سبب البينونة، بل قد عرفت فيما تقدم أنه محكوم بترتب أثره بمجرد وقوعه حتى يتحقق ما ينافيه، فهو باق على مقتضاه في صور الشك التي منها المقام الذي لم يجعل فيه قول الزوج حجة شرعية في ذلك، بل الظاهر عدم الفرق بين سبق دعواها الانقضاء على دعواه الرجعة قبله (و) بين العكس، ضرورة اتحادهما في الدليل المزبور. نعم (لو راجعها فادعت) هي (بعد) اعترافها بتحقق (الرجعة) منه (انقضاء العدة قبل الرجعة) لتقع الرجعة في غير محلها (فالقول قول الزوج، إذ الاصل صحة الرجعة) فمدعيها حينئذ يقدم على مدعى الفساد، وقبول قولها إنما يقبل مع عدم معارضته لمثل الاصل المزبور الذي لا طريق لافساده ولو بإخبارها بالانقضاء قبل تحقق الرجعة منه. والاصل في المسالة عبارة المبسوط، وهي " أنها إن سبقت بالدعوى فادعت انقضاء العدة ثم ادعى الرجعة قبل الانقضاء فالقول قولها مع يمينها، لانها مؤتمنة على فرجها وانقضاء عدتها، وحكم بوقوع البينونة بقولها، فلا يقبل قول الزوج، ووجب عليها اليمين، لجواز كذبها، فتحلف على أنها لا تعلم بالرجعة قبل الانقضاء، وإن انعكس الامر كان القول قوله مع يمينه، لانها ما لم يظهر انقضاء العدة فالظاهر أنها في العدة، ويحكم بصحة الرجعة، فإذا ادعت الانقضاء قبل الرجعة لم يقبل منها، لانه أمر خفى تريد به دفع الرجعة التى حكم بصحتها ظاهرا، ووجب عليه الحلف، لجواز كذبه وصدقها، فيحلف انه لا يعلم أن عدتها انقضت قبل الرجعة، وإن اتفقت الدعويان أو جهل السابقة فمنهم من أقرع بينهما، فمن خرجت عليه فالقول قوله مع اليمين، وهو الاقوى عندنا، ومنهم من قال: القول قولها مع يمينها، لامكان صدق كل منهما، والاصل أن لا رجعة ". وفي كشف اللثام أنه " يمكن تنزيل عبارة القواعد في المسألتين على موافقته، بأن تكون الفاء فيهما للتعقيب، وهي نحو عبارة الكتاب، قال: " ولو ادعت الانقضاء فادعى الرجعة قبله قدم قولها مع اليمين، ولو راجع فادعت بعد الرجعة الانقضاء

[ 198 ]

قبلها قدم قوله مع اليمين، لاصالة صحة الرجعة " وحينئذ يكون الفاضلان ساكتين عن صورتي اتفاق الدعويين وجهل السابقة، وفيه " أن الاقوى عدم الفرق بين الاقتران وترتب أيتهما فرضت على الاخرى، ثم كيف يكفي الزوج اليمين على عدم العلم بانقضاء العدة قبل الرجعة ؟ وهو اعتراف بعدم العلم بصحة الرجعة ". بل لا فرق أيضا بين اعترافها بالرجعة وعدمه بعد أن كانت دعواهما المفروض قبول قولها فيها بتقدم زمان انقضاء العدة على زمان الرجعة، واعترافها بحصول ما تتحقق به الرجعة من القول مثلا لا ينافي الحكم بفساده بسبب تأخره عن انقضاء العدة التي قد جعل الشارع أمرها إليها، وأنها متى أدعت صدقت. ودعوى أن تقدم انقضاء العدة على الرجوع من أحوال العدة التي لم تجعل إليها - وإنما الذي جعل إليها نفس العدة انقضاء أو بقاء لا تقدمه على الرجوع ونحوه - يدفعها إطلاق النصوص (1) المتضمنة لكون العدة إليها الذي منه قولها: " قد انقضت العدة قبل زمان رجوعك " من غير فرق بين الاتفاق على تعيين يوم انقضاء العدة واختلافهما في يوم الرجوع، بأن قالت: " قد انقضت عدتي يوم الجمعة " وصدقها على ذلك ولكن قال هو: " رجوعي يوم الخميس " وقالت هي مثلا: " يوم السبت " فان القول قولها، وكذا لو اتفقا على وقت الرجعة يوم الجمعة، وقالت هي: " انقضت عدتي يوم الخميس " وقال الزوج " قد انقضت يوم السبت " فان القول قولها في العدة المجعول أمرها إليها، وبين عدم الاتفاق على يوم الرجوع أو الانقضاء، بل هي تقول: " قد انقضت عدتي قبل رجوعك " وهو يقول: " قد وقع رجوعي قبل انقضاء عدتك ". ولو أن اعترافها بالرجعة يقتضي الحكم بها عليها لاصالة الصحة لاقتضى فيما لو قال: " رجعت " منشئا فقالت هي: " قد انقضت عدتي " ضرورة كون الاصل الصحة أيضا، والاعتراف هنا لا مدخلية له لكون الفعل من جانب واحد، بل نظيره قول المطلق: " هي طالق " والامرأة تقول: " أنا حائض " وليس هو كقول المشتري:


(1) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد والباب 47 من أبواب الحيض من كتاب النكاح.

[ 199 ]

" بعتني وأنت غير بالغ " لكون البيع مشترك الوقوع من الجانبين، فقوله مناف لفعله، نحو قول البائع: " بعتك وأنا صبي " وحينئذ فأصالة الصحة بعد فرض كون الفعل من جانب واحد لا يقتضي الحكم به على آخر، مضافا إلى ثبوت الفساد، لقبول قولها في تقدم الانقضاء المقتضي له. بل الظاهر كون الحكم كذلك حتى لو كانت العدة بالاشهر والفرض أن النزاع قد وقع بعد انقضائها في حصول الرجعة في أثنائها أو خارج عنها، فانه لا يحكم بكونها فيها بمجرد قول الزوج، وعدم الحكم بذلك كاف في عدم استحقاقه الزوجية على الامرأة الثابتة بينونتها منه بالطلاق المتوقف فسخه على الرجوع في العدة، ولم يثبت. وبذلك يظهر لك النظر في كثير من الكلمات المسطورة في المقام، ضرورة أنك قد عرفت عدم قبول الزوج (1) في حال من الاحوال، من غير فرق بين اعترافها بأصل الرجعة وعدمها، واتفاقهما على تعيين زمانها واختلافهما في زمن الانقضاء أو بالعكس، وبين إطلاقهما الدعوى من كل منهما، بل إن لم نقل بقبول قولها في الاخير كان كل منهما مدعيا منكرا فيتحالفان، فلا تحقق رجعة أيضا إلا مع فرض النكول، وأصل الصحة لا يحكم به على الاخر بعد فرض كون الفعل من جانب واحد، مع أنه معارض بإطلاق مادل على قبول قولها فتأمل جيدا. هذا كله إذا لم تتزوج، وإلا فإذا تزوجت كانت الدعوى عليها وعلى زوجها، فيأتي فيها البحث المتقدم في النكاح " لو ادعى زوجية امرأة رجل " والتفصيل الذي تقدم سابقا يأتي هنا، وهو واضح بأدنى التفات. كوضوح ثبوت زوجيتها لمدعي الرجعة لو أقام بينة وإن لم تعلم هي بذلك، فإنه حينئذ أحق بها من الاخير بلا خلاف أجده نصا (2) وفتوى إلا ما يحكى عن بعض


(1) هكذا في النسختين المسودة بقلم المصنف (قده) والمبيضة والصحيح " عدم قبول قول الزوج ". (2) الوسائل الباب 15 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 0.

[ 200 ]

البحرانيين من اشتراط صحة الرجعة يعلمها بها، لبعض النصوص (1) الشاذة القاصرة عن معارضة غيرها من وجوه، بل في بعض النصوص (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام نسبة ذلك إلى عمر، وأنه لا يفتي به مجنون. فالمسألة حينئذ من الواضحات وإن أطنب بها المحدث البحراني، وقال: " لمكان الخبر المزبور المعارض بغيره الموافق للمحكي عن عمر المخالف لفتوى الاصحاب أجمع إن المسالة قد بقيت في قالب الاشكال " والله الموفق لنا وله في كشف الحال وتسديد المقال. (ولو ادعى أنه راجع زوجته الامة في العدة فصدقته، فأنكر المولى وادعى خروجها قبل الرجعة فالقول قول الزوج) فلا يقبل من المولى ذلك إلا بينة، لان الامر في العدة إليهن، ولكون الحق بينهما، وقد ارتفعت سلطنة المولى عنهما بالنكاح ماداما عليه. (و) من المعلوم أن الطلاق رجعي، والرجعة فيه من توابعه، فالامر فيه إليهما. بل (قيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه: إنه (لا يكلف) الزوج (اليمين) على ما ادعاه (ل‍) ما عرفت من انحصار (تعلق حق النكاح بالزوجين (بالزوجية خ ل) و) لكن (فيه تردد) ينشأ من ذلك ومن كون المولى في الحقيقة مدعيا، لارتفاعه علقة النكاح، فيتوجه له اليمين عليه، لعموم " اليمين على من أنكر " (3) كما لو ادعى عليه الطلاق البائن مثلا، ولعله الاقوى.


(1) الوسائل الباب 15 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2. (2) المستدرك الباب 26 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 الا أنه لم يذكر ذيله: " أنه لا يفتى به مجنون " وذكره في البحار ج 8 ص 234 طبعة الكمبانى. (3) الوسائل في الباب 3 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء وفيه " اليمين على من ادعى عليه ".

[ 201 ]

(المقصد الرابع) (في جواز استعمال الحيل) وهو باب واسع في الفقه، يختلف باختلاف أذهان الفقهاء حدة وقصورا، وقد أشار الائمة عليهم السلام إليه في الجملة في التخلص من الربا والزكاة وغيرهما، بل في صحيح ابن الحجاج (1) نوع مدح لذلك، قال: " سألته عن الصرف إلى أن قال: فقلت له: أشتري ألف درهم ودينارا بألفي درهم، قال: لا بأس، إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط الف دينار، وكان يقول لهم، نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال. " بل قد ورد في الصلاة (2) " يبطلها فقيه، يحتال لها فيدبرها ". وما دل في تفسير العسكري (3) - في تفسير قوله تعالى (4): " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين " عن علي بن الحسين عليهما السلام " كان هؤلاء قوم يسكنون على شاطئ بحر فنهاهم الله وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا منها لانفسهم ما حرم الله تعالى، فخدوا أخاديد وعملوا طرقا تؤدي إلى حياض، فيتهيأ للحيتان الدخول من تلك الطرق ولا يتهيأ لها الخروج إذا همت بالرجوع، فجاءت الحيتان يوم السبت


(1) الوسائل الباب 6 من أبواب الصرف الحديث 1 من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب 29 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة مع الاختلاف في اللفظ. (3) البحار ج 14 ص 56 الطبع الحديث. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 65.

[ 202 ]

جارية على أمان لها، فدخلت الاخاديد، وحصلت في الحياض والغدران، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر، وبقيت ليلتها في مكان يتهيأ أخذها بلا اصطياد، لاسترسالها فيه وعجزها عن الامتناع، لمنع المكان لها، وكانوا يأخذون يوم الاحد، يقولون: ما اصطدنا في السبت، إنما اصطدنا في الاحد، وكذب أعداء الله تعالى، بل كانوا آخذين لها بأخديدهم التي عملوها يوم السبت، حتى كثر من ذلك مالهم " - إنما هو لعدم موافقة الحيلة للتخلص من النهي عن الاصطياد في يوم السبت، أو لمعلومية منافاة ذلك للغرض المراد من النهي عن الاصطياد، وهو الطاعة والامتثال في مقام الاختبار لهم. ولعل من ذلك ما يتعاطاه بعض الناس في هذه الازمنة من التخلص مما في ذمته من الخمس والزكاة ببيع شئ ذي قيمة ردية بألف دينار مثلا من فقير برضاه ليحتسب عليه ما في ذمته عن نفسه، ولو بأن يدفع له شيئا فشيئا، مما هو مناف للمعلوم من الشارع من كون المراد بمشروعية ذلك نظم العباد وسياسة الناس في العاجل والاجل بكف حاجة الفقراء من مال الاغنياء، بل فيه نقض للغرض الذي شرع له الحقوق، وكل شئ تضمن نقض غرض أصل مشروعية الحكم يحكم ببطلانه، كما أومأ إلى ذلك غير واحد من الاساطين، ولا ينافي ذلك عدم اعتبار إطراد الحكمة، ضرورة كون المراد هنا ما عاد على نقض أصل المشروعية، كما هو واضح. ولعل ذلك هو الوجه في بطلان الاحتيال المزبور، لا ما قيل من عدم قصد حقيقة للبيع والشراء بالثمن المزبور، حتى أنه لذا جزم المحدث البحراني بعدم جوازه لذلك، إذ هو كما ترى، ضرورة امكان تحقق القصد ولو لارادة ترتب الحكم وتحصيل الغرض، إذ لا يجب مراعاة تحقق جميع فوائد العقد، كما اعترف هو به في العقد على الصغيرة آنا ما لتحليل النظر، بل أشارت إليه النصوص (1) في بيع ما يساوي القليل بالكثير تحصيلا للربح الذي به يتخلص من الربا، الذي منه علم


(1) الوسائل الباب 20 من أبواب الربا من كتاب التجارة.

[ 203 ]

عدم منافاة ذلك لغرض الشارع مما حرمه من الربا، فليس هو عائدا على نقض غرض أصل المشروعية، فالتحقيق حينئذ ما عرفت. نعم قد يقال: إن فتح الباب المزبور يعود على الغرض بالنقض، فلا ينافيه ما يصنعه بعض حكام الشرع في بعض الاحوال مع بعض الناس لبعض المصالح المسوغة لذلك، ضرورة أنه قد يتفق شخص غلب الشيطان عليه في أول أمره، ثم أدركته التوبة والندامة بعد ذلك، ثم صار صفر الكف أو مات كذلك، ولكن ذمته مشغولة بحق الخمس مثلا، فان الظاهر جواز السعي في خلاصه، بل رجحانه بالطرق الشرعية التي يندرج بها في الاحسان وتفريج الكربة عن المؤمن، ونحو ذلك من الموازين الشرعية المأمور بها. وكيف كان فلا إشكال ولا خلاف في أنه (يجوز التوصل بالحيل المباحة) شرعا (دون المحرمة في إسقاط ما لولا الحيلة لثبت) لاطلاق الادلة وعمومها مع عدم العلم بمنافاة ذلك لغرض الشارع (و) مطلوبه، بل (لو توصل بالمحرمة أثم وتمت الحيلة) وترتب الحكم الشرعي عليها باعتبار تحقق موضوعه وعنوانه. (فلو أن امرأة) مثلا (حملت ولدها على الزنا بامرأة لتمنع أباه من العقد عليها أو بأمة يريد أن يتسرى بها فقد فعلت) هي وولدها (حراما، و) لكن (حرمت الموطوءة على قول من ينشر الحرمة بالزنا) لتحقق موضوعه وإن كان المقصود منه ذلك، وهكذا غيره، إلا أن يثبت من الشارع ما يقتضي معاملته بضد غرضه، كما في طلاق المريض وحرمان القاتل من الارث ونحوهما. (أما لو توصل بالمحلل كما لو سبق الولد إلى العقد عليها في صورة الفرض لم يأثم) وترتب حكم حرمة نكاح حليلة الولد، وكذا لو كرهت المرأة زوجها وأرادت انفساخ العقد بينهما فارتدت بقول يترتب عليه ذلك وإن لم يزل اعتقادها انفسخ النكاح وبانت منه فعلا مع عدم الدخول، وإلى انقضاء العدة معه إذا لم تتب، والمناقشة فيها - في الحدائق بأن مرجعها إلى إظهار الكفر من غير زوال اعتقاد الاسلام، وهو غير موجب للارتداد شرعا - يدفعها ما عرفت من إمكان فرضها بالارتداد القولي.

[ 204 ]

نعم قد يناقش فيما عدوه من هذا الباب من الحيل لنكاح امرأة واحدة ذات عدة جماعة في يوم واحد، بأن يتزوجها أحدهم ويدخل بها ثم يطلقها، ثم يتزوجها ثانية ويطلقها من غير دخول، فتحل للآخر باعتبار كونها غير مدخول بها. وتسقط العدة الاولى عنها بنكاح ذي العدة لها، فانها لا عدة عليها لنكاحه، وهكذا الثاني والثالث، لعدم تمامية الفرض أولا عندنا، لاشتراط صحة الطلاق بكونه من غير طهر المواقعة، نعم يتم ذلك عند العامة القائلين بعدم اشتراط ذلك. ومن هنا حكي عن الفضل بن شاذان إلزامهم بمثل هذا مشنعا عليهم في طلاق الخلع والطلاق البائن، بل عن المفيد حكاية ذلك عن الفضل، ثم قال: " والموضع الذي لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة دون الامامية أنه يجيزون الخلع والظهار والطلاق في الحيض وفى طهر المواقعة من غير استبانة طهر، والامامية تمنع ذلك، ولذا سلمت مما وقع فيه المخالفون ". لكن فيه أنه لازم لهم في المتمتع بها إذا وهبها المدة ثم عقد عليها ثم طلقها قبل الدخول، وهكذا الآخر إلى العشرة، ولا مخلص من ذلك إلا بدعوى عدم سقوط العدة الاولى لغير الزوج الاول، كما صرح به الكاشاني والمحدث البحراني والبهائي فيما حكي عنه، لكن الانصاف عدم خلوه من الاشكال، لانقطاع حكم العدة الاولى بالعقد الثاني عليها، فلا وجه للعدة منها بعد الطلاق الذي لا دخول معه ضرورة عدم صدق ذات عدة من النكاح الاول عليها، مع أنها ذات بعل فعلا. ولعله لذا يحكى عن الفاضل الداماد التصريح بعدم العدة عليها معه، بل ربما قيل: إنه ظاهر المشهور، بل ستسمع تصريح المصنف وغيره في المسألة السادسة من اللواحق لنحو ذلك، خلافا للقاضي، والله العالم. (ولو ادعي عليه دين قد برئ منه باسقاط أو تسليم) أو غيرهما (فخشي من) جواب دعواه ب‍ (دعوى الاسقاط أن ينقلب اليمين إلى المدعى لعدم البينة) فيحلف ويأخذ منه الدين (فأنكر الاستدانة وحلف جاز،) لكن (بشرط أن

[ 205 ]

يورى ما يخرجه عن الكذب) في اصل الكلام وعن الحنث في اليمين، بل هو في الثاني آكد، بأن يضمر في نفسه ظرفا أو مكانا أو زمانا أو حالا من الاحوال التي يخرج بها عن ذلك، بل ظاهر ثاني الشهيدين في المسالك المفروغية من اشتراط الجواز بالتورية المزبورة. (وكذا) الكلام (لو خشي الحبس) ظلما لاعسار ونحوه (بدين يدعى عليه فأنكر) موريا وحلف كذلك، ولا يشكل ذلك بأن مقتضاه الخروج عن الكذب وعن الحلف كاذبا لو كان المدعي محقا، لمعلومية اختصاص الجواز المزبور بمكان الضرورة (و) إلا ف‍ (النية أبدا نية المدعي إذا كان محقا) على وجه لا تجديه التورية المزبورة في رفع إثم الكذب. (و) الحلف بالله كاذبا للمدعى عليه إذا كان ظالما، كما أنها (نية الحالف إذا كان مظلوما في الدعوى) ففي خبر مسعدة بن صدقة (1) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وقد سئل عما يجوز وما لا يجوز في النية على الاضمار في اليمين، فقال: قد يجوز في موضع ولا يجوز في آخر، فاما ما يجوز فإذا كان مظلوما فما حلف عليه ونوى اليمين فعلى نيته وأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم وبه يقيد إطلاق صحيح صفوان (2) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه، قال: اليمين على الضمير ". لكن قد يناقش بعدم ظهور الخبر المزبور باشتراط الجواز بالتورية المزبورة، بل أقصاه الجواز. واحتمال الاكتفاء في الاستدلال على اعتبار ذلك بما دل على حرمة الكذب فضلا عن الحلف بالله كاذبا فمع فرض مشروعيته قسم خاص لا يتوقف خلاصه عن الظلم بالمحرم يدفعه ظهور جملة من النصوص بعدم حرمة الكذب في نحو الفرض. قال زرارة (3): " قلت لابي جعفر عليه السلام: نمر بالمال على العشار فيطلبون


(1) الوسائل الباب 20 من كتاب الايمان الحديث 1. (2) الوسائل الباب 21 من كتاب الايمان الحديث 2. (3) الوسائل الباب 12 من كتاب الايمان الحديث 6.

[ 206 ]

منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا، ولا يرضون منا إلا بذاك، قال: فاحلف، فهو أحلى من التمر والزبد ". وقال الوليد بن هشام المرادي (1): " قدمت من مصر ومعي رقيق لي ومررت بالعشار فسألني، فقلت: هم أحرار كلهم، فقدمت المدينة فدخلت على أبى الحسن عليه السلام فأخبرته بقولي للعشار، فقال: ليس عليك شئ. وفي صحيح الحلبي (2) " سألته عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز بذلك ماله، قال: نعم ". وخبر محمد بن مسعود الطائي (3) " قلت لابي الحسن عليه السلام: إن أمي تصدقت على بدار لها أو قال بنصيب لها في دار، فقالت لي: استوثق لنفسك، فكتبت إني اشتريت وأنها قد باعتني وأقبضت الثمن، فلما ماتت قال الورثة: احلف أنك اشتريت ونقدت الثمن، فان حلفت لهم أخذته، وإن لم أحلف لهم لم يعطوني شيئا، فقال عليه السلام: فأحلف وخذ ما جعلت لك ". وخبر أبى محمد بن الصباح (4) " قلت لابي الحسن عليه السلام: إن أمي تصدقت على بنصيب لها في دار، فقلت: إن القضاة لا يجيزون مثل هذا، ولكن أكتبه شراء، فقال: اصنع من ذلك ما بدا لك في كل ما ترى أنه يسوق لك، فتوثقت، فأراد بعض


(1) الوسائل الباب 60 من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب 12 من كتاب الايمان الحديث 8. (3) أشار إليه في الوسائل في الباب 9 من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 5. وذكره في الكافي ج 7 ص 33. (4) الوسائل الباب 9 من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 5 عن محمد بن أبى الصباح وكذلك رواه عنه في الباب 23 من كتاب الايمان الحديث 1 كما في التهذيب ج 8 ص 287 وج 9 ص 138 إلا أن الموجود في الفقيه ج 3 ص 228 محمد بن الصباح، وفى ج 4 ص 183 عن أبى الصباح

[ 207 ]

الورثة ان يستحلفني أني قد نقدتها الثمن، وأنا لم أنقدها شيئا، فما ترى ؟ فقال احلف له " إلى غير ذلك من النصوص المؤيدة بما ورد أيضا في الكذب مصلحة (1) من " أن المصلح ليس بكاذب " بناء على أن دفع الضرر عن نفسه أو غيره من المصلحة أيضا، وبما اشتهر على ألسنة أهل العلم من حسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، مدعين وصول العقل إلى ذلك، فتأمل جيدا. ومن الغريب أن ظاهر قول المصنف (ولو أكرهه على اليمين أنه لا يفعل شيئا محللا فحلف ونوى مايخرج به عن الحنث جاز، مثل أن يوري أنه لا يفعله بالشام أو بخراسان أو في السماء أو تحت الارض) عدم الفرق في اعتبار التورية المزبورة في الجواز بين الاكراه وعدمه، وقد عرفت سابقا وتعرف في كتاب الايمان أنه لا ينعقد يمين المكره، ولا إثم عليه به وإن لم يور كما اعترف به في المسالك، ومن هنا قال: " المطابق من المثال أن يحمله على الحلف على ذلك لا على وجه الاكراه، فيورى بما ذكر ونحوه من المخصصات الزمانية والمكانية والحالية، فيخرج به عن الحنث، وهو الاثم في مخالفة مقتضى اليمين ". وكذا الكلام في قوله: (ولو أجبره على الطلاق كرها فقال: " زوجتي طالق " ونوى طلاقا سابقا أو قال: " نسائي طوالق " وعنى نساء الاقارب جاز بل وقوله: (ولو أكره على اليمين أنه لم يفعل) كذا في الزمن الماضي (فقال: " ما فعلت كذا " وجعل ما موصولة لا نافية صح) أللهم إلا أن يريد بذلك بيان أصل الجواز أو رجحانه في الجملة، لا أن ذلك شرط في صورة الاكراه، بل قد عرفت قوة جواز الكذب في السابق للنصوص (2) السابقة، ولدفع الضرر من غير تورية. بل الظاهر عدم الاشكال في الجواز بلا تورية في المثالين الاولين، ضرورة أن اليمين والايقاع يتبع القصد، لان المقام ليس مقام محاورة وتداع كى بلحظ


(1) الوسائل الباب 2 من كتاب الصلح. راجع الباب 141 من أحكام العشرة من كتاب الحج أيضا. (2) الوسائل الباب 12 و 20 و 21 من كتاب الايمان.

[ 208 ]

فيه مقام المخاطبة، نعم في المثال الثالث لا إشكال في جوازه كذبا بلا تورية في صورة الاكراه، بل وفي المصلحة التي يسوغ معها الكذب وإن كان الاولى مع ذلك قصد التورية. أما بدونها ففي جواز التورية والخروج بها عن إثم الكذب والحلف كاذبا وعدمه قولان، قد يظهر الثاني منهما مما تقدم للمصنف ومن قوله أيضا: (ولو اضطر إلى الاجابة بنعم فقال: " نعم " وعنى الابل أو قال: " نعام " وعنى نعام البر قصدا للتخلص لم يأثم) من حيث تقييد ذلك بالاضطرار، ولعله لصدق الكذب عرفا معها في المحاورات، إذ اللفظ محمول على حقيقته المتبادرة، وكذا مجازه المقترن بقرائن الاحوال والمقال. وقيل بالاول أي جواز التورية مطلقا ما لم يكن ظالما، لان العدول عن الحقيقة سائغ والقصد مخصص، بل في المسالك " وهذا هو الاظهر لكن ينبغي قصره على وجه المصلحة، كما يروى عن بعض السلف الصالح أنه كان إذا ناداه أحد ولا يريد الاجتماع به يقول لجاريته: قولي له: اطلبه في المسجد، وكان آخر يخط دائرة في الارض، ويضع فيها اصبع الجارية، ويقول لها: قولي له: ليس هنا واقصدى داخل الدائراة ". قلت: وربما يؤيده ما في بعض النصوص من التعجب ممن يكذب مع أن الكلام له وجوه، وفي آخر (1) إن الصادق عليه السلام في حديث طويل قال لابي حنيفة عند تفسير رؤيا قصت عليه بمحضر منه: " أصبت يا أبا حنيفة، ثم لما قام فسره الامام بخلاف ما ذكره أبو حنيفة، فسئل عن قول أصبت، فقال: إنما أردت أصبت عين الخطاء ". ولكن الاولى بل الاقوى الاقتصار في الجائز منها مطلقا على ما لا يقتضي صدق الكذب معه عرفا مما ينشأ من فهم السامع وتخيله القرائن الدالة على ذلك، نحو


(1) روضة الكافي ص 292 ط طهران 1389. (جواهر الكلام ج 13)

[ 209 ]

ما سمعته من السلف الصالح، لا مطلقا اعتمادا على التخصيص بالضمير الذي لا يكفي في صرف الكلام عن الكذب عرفا، فما سمعته من المسالك لا يخلو من منع. ونحو ما ذكره في شرح قول المصنف (وكذا لو حلف " ما أخذ جملا ولا ثورا ولا عنزا " وعنى بالجمل السحاب وبالثور القطعة الكبيرة من الاقط وبالعنز الاكمه لم يحنث) فانه قال: " هذا من أقسام التورية بصرف اللفظ المشترك إلى بعض معانيه التي على خلاف الظاهر في تلك المحاورة، وهو قصد صحيح بطريق الحقيقة وإن كانت مرجوحة بحسب الاستعمال حتى يلزم فرض بلوغها حد المجاز من حيث تبادر الذهن إلى غيرها كان قصدها صارفا عن الكذب، لان استعمال المجاز أمر شائع وإن كان إطلاق اللفظ لا يحمل عليه عند التجرد عن القرينة، فان المخصص هنا هو النية فيما بينه وبين الله تعالى للسلامة من الكذب حيث لا يكون ظالما بالدعوى عليه بذلك، وإلا لم تنفعه التورية كما مر ". إذ قد عرفت سابقا أن اليمين المجردة عن تعلق للغير تتبع ضمير الحالف حتى لو أراد من اللفظ ما لا يدل عليه حقيقة ولا مجازا، وأما مالها تعلق بالغير ولو على وجه المخاطبة والمحاورة والاخبار ونحوه فلا يجوز التورية بما تنافي ظاهر اللفظ اعتمادا على ما في ضميره، لما عرفت من صدق الكذب عليه عرفا، مع احتمال القول بعدم الحنث في اليمين مع التورية في الضمير وإن أثم لصدق الكذب عرفا، لعدم مدخلية نية المحلوف له هنا في يمين الحالف إلا مع فرض كونه مدعيا بحق، وظاهر آخر كلامه حمل ما في المتن على الثاني، وحينئذ يتوجه عليه ما سمعت. (ولو أتهم غيره في فعل فحلف) المتهم بالفتح للمتهم بالكسر (ليصدقنه) في هذا الامر (فطريق التخلص) من ذلك مع إبقاء الامر على إبهامه باخباره بالنفي وبالاثبات، نحو (أن يقول: فعلت) و (ما فعلت و) ذلك لان (أحدهما صدق) فيبر يمينه وإن كذب في الآخر، فان الاصداق في أحد الخبرين لا ينافي الكذب في الآخر، نعم إنما يتم ذلك إذا لم يقصد التعيين

[ 210 ]

والتعريف، كما هو الظاهر من إطلاق اللفظ، وإلا لم يبر إلا بالصدق في ذكر أحدهما خاصة، كما هو واضح. (ولو حلف ليخبرنه) صدقا (بما في الرمانة) مثلا (من حبة) قبل كسرها مع فرض عدم إرادة التعيين (فالمخرج) من ذلك (أن يعد العدد الممكن فيها) بأن يبتدى بأقل عدد يعلم اشتمالها عليه ثم يضيف إليه إلى أن يعلم خروجها عن ذلك، فيقول فيها مثلا " مأة حبة " ومأة ووأحدة " وهكذا إلى أن يعلم حصول ذلك في ضمن ما ذكره من الاخبار، نعم لو أراد التعيين لم يبر بذلك بل لا بد من كسرها والاحاطة بما فيها من الحب، كما أنه يبر بأول الاخبار إن أراد المطلق من الخبر في كلامه الذي هو أعم من الصدق والكذب والمحتمل لهما. وكيف كان (فذلك وأمثاله سائغ) وقد أكثر العامة في الامثلة لهم في الطلاق بناء منهم على جواز التعليق فيه والحلف به، بل نحوه يجرى عند الخاصة في الظهار مثلا، لقبوله للتعليق عندهم، فلو قال مثلا لامرأته: " إن أكلت هذه الرمانة مثلا فأنت علي كظهر أمي " تخلصت مع فرض لزوم الاكل منها في الجملة بأكل البعض دون البعض على وجه يصدق عليها أنها ما أكلتها، ولو قال لها وهي صاعدة على السلم مثلا: " إن نزلت عن هذا السلم فأنت على كظهر أمي وإن صعدت عليه فأنت علي كظهر أمي " تخلصت بالطفرة أو بحملها مقهورة، فيصعد بها أو ينزل، وباضجاع السلم على الارض وهي عليه، وبانتقالها إلى سلم آخر يكون في جنبه، ونحو ذلك مما يكون به تخلصا عن مصداق ما ذكره، ولو قال لها: " كل كلمة كلمتني بها إن لم أقل لك مثلها فأنت على كظهر أمي " فقالت له: " أنت على كظهر أمي " تخلص بقول ذلك مصرحا بعدم قصد الانشاء، ولو كان في يدها كوز من ماء فقال: " إن قلبت هذا الماء أو تركته أو شربته أو شربه غيرك فأنت على كظهر أمي " تخلصت بوضع خرقة مثلا فيه حتى ينفذ،

[ 211 ]

ولو كانت في ماء فقال لها: " إن مكثت فيه أو خرجت فأنت على كظهر أمي " حملها إنسان منه في الحال (1) إلى غير ذلك من الامثلة التي مرجع الجميع فيها إلى نحو ما عرفت من الاتيان بما لا يصدق عليه المعلق عليه. (المقصد الخامس) (في العدد) جمع عدة من العدد لغة لاشتماله عليه غالبا، وهى بحسب ما تضاف إليه فيقال: عدة رجال وعدة كتب ونحو ذلك، ومعناها شرعا أيام تربص المرأة الحرة بمفارقة الزوج أو ذي الوطء المحترم بفسخ أو طلاق أو موت أو زوال اشتباه، بل والامة إذا كانت الفرقة عن نكاح أو وطء شبهة، نعم لو كان عن وطئ ملك سميت بالاستبراء ولعل منه التحليل، والامر سهل. وكيف كان فقد تطابق الكتاب (2) والسنة (3) والاجماع على مشروعية العدة في الجملة (و) لكن تمام (النظر في) تفصيل (ذلك يستدعى فصولا). (الاول:) (لا عدة على من لم يدخل بها) قبلا ولا دبرا (سواء بانت بطلاق أو فسخ) أو هبة مدة (عدا المتوفى عنها زوجها، فان العدة تجب مع الوفاة ولو


(1) هكذا في النسختين الاصليتين المسودة والمبيضة، والاولى بحسب سياق العبارة أن تكون هكذا " تخلصت بحملها انسان منه في الحال ". (2) سورة البقرة: 2 الاية 228. (3) الوسائل الباب 12 وغيره من أبواب العدد.

[ 212 ]

لم يدخل) بها كما ستعرف، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قوله تعالى (1): " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " والنصوص المستفيضة أو المتواترة، قال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2): " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فليس عليها عدة، تزوج من ساعتها إن شاءت، وتبنيها تطليقة واحدة " وفي موثق أبي بصير (3): " إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها تطليقة واحدة فهي بائن منه، وتزوج من ساعتها إن شاءت ". وقال هو والباقر عليهما السلام في صحيح زرارة (4) " في رجل تزوج امرأة بكرا ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات في كل شهر تطليقة، قال: بانت منه في التطليقة الاولى، واثنتان فضل، وهو خاطب يتزوجها متى شاءت وشاء بمهر جديد، قيل له: فله أن يراجعها إذا طلقها تطليقة قبل أن تمضى ثلاثة أشهر ؟ قال: لا، إنما كان له أن يراجعها لو كان دخل بها أولا، وأما قبل أن يدخل بها فلا رجعة له عليها، قد بانت منه ساعة طلقها ". (و) لا خلاف في أن كلا من (الدخول) والمس (يتحقق بايلاج الحشفة وإن لم ينزل) بل (وإن كان مقطوع الانثيين) فضلا عن معيبهما الذي من المعلوم عادة عدم الانزال وعدم الحمل (ل‍) ما عرفت من (تحقق الدخول بالوطء) منه لغة وعرفا، وهو عنوان الحكم نصا (5) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه، ضرورة كونه المراد من التقاء الختانين الذي رتب عليه الغسل والعدة في المستفيض من النصوص (6) أو المتواتر، وحكمة كون العدة لبراءة الرحم لا تنافي ترتيب الشارع الحكم على معلومية البراءة كما في غيرها من الحكم.


(1) سورة الاحزاب: 33 - الاية 49. (2 و 3) الوسائل الباب 1 من أبواب العدد الحديث 4 - 3. (4 و 5) الوسائل الباب 1 من أبواب العدد الحديث 2 عن أحدهما عليهما السلام. (6) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور الحديث 0.

[ 213 ]

وبذلك يعلم المراد من إدخاله في صحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " سأله أبي وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة فأدخلت إليه فلم يمسها ولم يصل إليها حتى طلقها هل عليها عدة منه ؟ قال: إنما العدة من الماء، قيل له: فان كان يواقعها في الفرج ولم ينزل، فقال: إذا أدخله وجب المهر والغسل والعدة " وفي صحيحه الاخر (2) عنه عليه السلام أيضا " ملامسة النساء هو الايقاع " وموثق يونس بن يعقوب (3) عنه عليه السلام أيضا " لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج ". بل لا فرق بين القبل والدبر في ذلك بلا خلاف أجده فيه، عدا ما عساه يشعر به اقتصار الفاضل في التحرير على الاول، بل ظاهرهم الاجماع عليه، وإن توقف فيه في الحدائق بدعوى انصراف المطلق إلى الفرد الشائع الذي هو المواقعة في القبل، بل به يتحقق التقاء الختانين، خصوصا بعد ما تقدم من الخلاف في الغسل بدخولها فيه، وتبعه في الرياض لولا الوفاق. لكن قد يقال بعد كون الدبر أحد المأتيين وأحد الفرجين وما تقدم سابقا من النصوص (4) في تفسير قوله تعالى (5): " فأتوا حرثكم أني شئتم " يمكن منع أن المنساق من الايقاع والادخال ونحوهما غيره، بل ستسمع ترتب العدة على الالتذاذ في صحيح أبى عبيدة (6) المنزل على ما يشمل ذلك، كما أنك سمعت ترتبها على الماء الصادق بانزاله في الدبر، ويتم بعدم القول بالفصل، على أن كونه شائعا فيما يقع من الوطء لا يقتضي ندرة إطلاق الدخول والاتيان والوقاع والمس، بل والوطء ونحوها عليه، ولا أقل من كونه بالشهرة أو بالاجماع يقوى الظن باردة ما يشمل الفرد المزبور من الالفاظ المزبورة لو سلم انسياق خصوص القبل منها، (وبالجملة)


(1 و 2 و 3) الوسائل في الباب 54 من أبواب المهور الحديث 1 - 2 - 6. (4) الوسائل الباب 73 من أبواب مقدمات النكاح من كتاب النكاح. (5) سورة البقرة: 2 الاية 223. (6) الوسائل الباب 39 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 214 ]

فالمناقشة المزبورة في غاية السقوط. كالمناقشة منهما بنحو ذلك فيما ذكره غير واحد من الاصحاب من عدم الفرق بين وطئ الصغير والكبير، بل هو ظاهر الجميع، ضرورة ظهور النصوص المزبورة وغيرها وضعية الحكم المزبور على وجه لا يختلف الحال بين الصغير والكبير كالغسل، وقوله عليه السلام في الصحيح (1) المزبور: " إنما العدة من الماء " لا ينافي تصريحه بعد ذلك بوجود سبب آخر وهو الادخال. بل قد يقال: لا فرق بين قصده الفعل وعدمه بعد تحقق اسم الدخول والالتقاء ونحوهما التي هي عنوان الحكم في النص (2) والفتوى، وحينئذ فلو أدخلته وهو نائم ترتب الحكم. وبذلك كله ظهر لك أنه لا فرق بين القبل والدبر والصغير والكبير والفحل والخصى الذي يتحقق منه الايلاج وإن لم ينزل، بل يدل على الاخير مضافا إلى ما سمعت صحيح أبى عبيدة (3) " سئل أبو جعفر عليه السلام عن خصى تزوج امرأة وفرض لها صداقا وهي تعلم أنه خصى فقال: جائز، فقيل: إنه مكث معها ما شاء الله ثم طلقها هل عليها عدة ؟ قال، نعم، أليس قد لذ منها ولذت منه ؟ ". ولا يعارضه صحيح ابن أبى نصر (4) قال: " سئل الرضا عليه السلام عن خصي تزوج امرأة على ألف درهم ثم طلقها بعد ما دخل بها، قال: لها الالف الذي أخذت منه، ولاعدة عليها " بعد قصوره عن المقاومة من وجوه، فلا بأس بطرحه أو حمله على خصى لا يتحقق منه دخول، فيكون المراد من دخوله بها الخلوة، والندب من أخذها الالف، وعلى كل حال فهو أولى من الجمع بينهما بحمل الاعتداد في الاول


(1) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور من كتاب النكاح والباب 1 من أبواب العدد (3) الوسائل الباب 39 من أبواب العدد الحديث 1. (4) الوسائل الباب 44 من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 215 ]

على الندب المنافي لما عليه الاصحاب والنصوص (1) السابقة. (أما لو كان مقطوع الذكر سليم الانثيين قيل) في المبسوط: (تجب العدة) إن ساحقها، فان كانت حاملا فبالوضع وإلا فبالاشهر دون الاقراء (لامكان الحمل) عادة (بالمساحقة) مع بقاء الانثيين حينئذ ومن المعلوم أن الاصل في الاعتداد الحمل والتحرز عن أختلاط المائين، ولذا انتفى عمن لا يحتمل ذلك فيها، ولشمول المس ولدخول لذلك وغيره، خرج غيره من الملامسة بسائر الاعضاء بالاجماع، ومس مجبوب الذكر والانثيين جميعا بالعلم عادة ببراءة الرحم، ويبقى هذا المس داخلا من غير مخرج له، ولفظ المبسوط " وإن كان قطع جميع ذكره فالنسب يلحقه، لان الخصيتين إذا كانتا باقيتين فالانزال ممكن، ويمكن أن يساحق فينزل، فان حملت منه اعتدت بوضع الحمل، وإن لم تكن حاملا اعتدت بالشهور، ولا يتصور أن تعتد بالاقراء، لان عدة الاقراء إنما تكون عن طلاق بعد دخول، والدخول يتعذر من جهته ". (و) لكن مع ذلك كله (فيه تردد) لما عرفت، و (لان العدة تترتب على الوطء) والدخول نحوهما مما لا يصدق على المساحقة، والمس حقيقة في عرف الشرع أو مجاز مشهور في الوطء، وكذا الدخول بها، فلا أقل من تبادره إلى الفهم، على أن مطلق يقيد بما دل على اعتبار التقاء الختانين والادخال ونحوهما، وإمكان الحمل بمساحقته لا يكفي في العدة بعد أن كان موضوعها في النص (2) والفتوى الدخول ونحوه مما لا يشملها. (نعم لو ظهر) بالمساحقة (حمل اعتدت منه بوضعه، لامكان الانزال) الذي يتكون منه الولد فيلحق به، لانه للفراش، ويندرج بذلك تحت قوله تعالى (3): " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعين حملهن " بل في القواعد " وكذا


(1 و 2) الوسائل الباب 1 من أبواب العدد. (3) سورة الطلاق: 65 الاية 4.

[ 216 ]

لو كان مقطوع الذكر والانثيين " أي تعتد بالوضع لو ساحقها فحملت، ولكن قال: " على إشكال " ولعله من الفراش، وكون معدن المنى الصلب بنص الآية (1) ومن قضاء العادة بالعدم مع انتفاء الانثيين. وفيه أن المتجه إلحاقه به مع الاحتمال المخالف للعادة، لاطلاق قوله صلى الله عليه وآله (2): " الولد للفراش " بل قد يتجه القول بالاعتداد من مساحقته فضلا عن الاول وإن لم نجد قائلا به، كما أنا لم نجد موافقا للشيخ في الاول، لقوله عليه السلام في صحيح ابن سنان (3) المزبور: " إنما العدة من الماء " وقوله عليه السلام في صحيح أبى عبيدة (4): " لذت منه والتذ منها " وإن صرح بعد ذلك بوجوب العدة للادخال، إلا أن الجمع بينهما وجوبها بأحدهما، بل مقتضى أولهما وجوبها باستدخال مائه من غير جماع أو مساحقة موطوءة حين قامت من تحته إن لم يكن إجماع، كما هو الظاهر من إرساله إرسال المسلمات في كشف اللثام وغيره وفي المسالك بعد أن ذكر أن المعتبر من الوطء غيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا قال: " وفي حكمه دخول منيه المحترم فرجا فيلحق به الولد إن فرض، وتعتد بوضعه، وظاهر الاصحاب عدم وجوبها بدون الحمل هنا " وفيه أن المتجه مع فرضه كونه بحكم الاعتداد قبل ظهور الحمل مخافة اختلاط المائين، بل لعل وجوب العدة لها حاملا يقتضي ذلك أيضا، ضرورة معلومية اشتراط العدة بطلاقها الدخولي، فان لم يكن ذلك بحكمه لم يكن لها عدة حتى معه أيضا، لظهور النصوص (5) المزبورة في اعتبار الالتقاء والادخال والمس ونحوها مما لا يندرج فيها المساحقة، من غير


(1) سورة الطارق: 86 - الاية 7. (2) الوسائل الباب 58 أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح. (4) الوسائل الباب 39 من أبواب العدد والحديث 1. (5) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور من كتاب النكاح والباب 1 من أبواب العدد.

[ 217 ]

فرق بين الحامل وغيرها، والاية (1) إنما يراد منها بيان مدة العدة للحامل، لا أن المراد منها بيان وجوب العدة على الحامل وإن لم تكن مدخولا بها، كما هو واضح بأدنى تأمل. فمن الغريب إثباتهم للعدة بالحمل من دون دخول مائه المحترم فيها، مع أن نصوص العدة (2) التي سمعتها لافرق فيها بين الحامل وغيرها، وقد عرفت أن الاية (3) ليست في أسباب العدة، بل هي في بيان أجل العدة، نحو الثلاثة قروء والثلاثة الاشهر المذكورين لغيرها كما لا يخفى. وأغرب من ذلك فرق الشيخ بين العدة بالاقراء والعدة بالاشهر باشتراط الاولى بالدخول بخلاف الثانية، إذ هو كما ترى خارج عن النصوص المزبورة. ونحو ذلك في الغرابة حكمهم بعدم العدة في المجبوب الذي لا فرق بينه وبين مقطوع الذكر خاصة، بعد فرض حصول ماء من مساحقته يمكن تكون الولد منه ولو على خلاف العاده، لاطلاق قوله صلى الله عليه وآله: " الولد للفراش " المفروض شموله لمساحقة سليم الانثيين، ولو كان الذي ألجأهم إلى ذلك حمل قوله عليه السلام: (5) " إنما العدة من الماء " على إرادة بيان الحكمة لا السبب، ولذا أعقبه باعتبار الادخال في العدة، ولم يجعلوا ذلك سببين للعدة، وحمل قوله عليه السلام: (6) " لذت منه ولذ منها " على خصوص الالتذاذ بالادخال لا مطلقا بحيث يشمل المساحقة لكن كان المتجه عدم التزام العدة حتى مع الحمل منه، وكون منيه محترما لا ينافي سقوط العدة


(1 و 3) سورة الطلاق: 65 الاية 4. (2) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور من كتاب النكاح والباب 1 من أبواب العدد. (4) الوسائل الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (5) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور الحديث 1 من كتاب النكاح. (6) الوسائل الباب 39 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 218 ]

المشترطة بالدخول، والفرض عدمه، فيكون حملها نحو حملها باستدخال قطنة من منيه أو بمساحقة زوجة كانت تحته، وصعوبة التزام ذلك باعتبار كونها حاملا منه كصعوبة التزام عدم العدة لمائه المحترم فيها المحتمل تكون ولد منه، مع أن مشروعية العدة للحفظ من اختلاط الماء، والحكمة وإن لم تطرد لكن ينتفي الحكم الذي شرع لها معها، فليس إلا القول بأن للعدة سببين: أحدهما دخول مائه المحترم فيها بالمساحقة أو بايلاج دون تمام الحشفة، الثاني إيلاج الحشفة وإن لم ينزل بل وإن كان صغيرا غير قابل لنزول ماء منه، فتأمل جيدا فان المقام غير منقح، والله أعلم بالصواب. (و) كيف كان ف‍ (لا تجب العدة) فيما بينها وبين الله (بالخلوة منفردة عن الوطء) وعن وضع مائه فيها (على الاشهر) بل المشهور، بل المجمع عليه وإن كانت كاملة بالبلوغ وعدم اليأس، وكانت الخلوة تامة بكونها في منزله ووطأها فيما دون القبل والدبر، لما سمعته من النصوص (1) السابقة المؤيدة بالاعتبار، وقد عرفت في كتاب النكاح معنى ما ورد من الاخبار (2) الحاكمة بكون الخلوة كالدخول، وما وافقها من كلام الاصحاب، فلاحظ كي تعرف ذلك. (و) تعرف الحكم أيضا فيما (لو خلا ثم اختلفا في الاصابة ف‍) ان (القول قوله) في العدم (مع يمينه) للاصل أو قولها في الثبوت ترجيحا للظاهر على الاصل، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب العدد. (2) الوسائل الباب 55 من أبواب المهور الحديث 2 و 3 و 6 من كتاب النكاح.

[ 219 ]

(الفصل الثاني) (في) عدة (ذات الاقراء) (وهي المستقيمة الحيض) أي التي يأتيها حيضها في كل شهر مرة على عادة النساء، وفي معناها معتادة الحيض فيما دون الثلاثة أشهر، وربما قيل: إنها التي تكون لها فيه عادة مضبوطة وقتا سواء انضبط العدد أو لا، وفيه أن معتادة الحيض فيما زاد على ثلاثة أشهر لا تعتد بالاقراء وإن كانت لها فيه عادة وقتا وعددا كما ستعرف. (و) كيف كان ف‍ (هي (هذه خ ل) تعتد بثلاثة أقراء) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب (1) والسنة (2) (وهي الاطهار) هنا عندنا (على أشهر الروايتين) (3) عملا ورواية، بل لم أقف فيه على مخالف وإن أرسله بعضهم، بل عن صريح الانتصار والخلاف وظاهر الاستبصار وغيرها الاجماع عليه، بل يمكن تحصيله أو القطع بذلك ولو بملاحظة النصوص (4) والفتاوى، كما أنه يمكن دعوى تواتر الادلة فيه أو القطع به، منها وما تسمعه من المفيد - من التفصيل بين الطلاق في مستقبل الطهر فثلاثة أطهار، وفي آخره فثلاث حيضات - مسبوق بالاجماع وملحوق به وإن استقر به بعض جمعا بين النصوص التي ستسمعها، لكنه مع أنه فرع المكافئة المفقودة من وجوه لا شاهد له. ولا فرق فيما ذكرنا بين القول باشتراك لفظ القرء بين الحيض والطهر لفظا أو معنى أو بكونه حقيقة في أحدهما مجازا في الاخر، كما أنه لا فرق بين القول


(1) سورة البقرة " 2 الاية 228. (2) الوسائل الباب 12 من أبواب العدد. (3 و 4) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد.

[ 220 ]

باختلاف معنى القرء بالفتح والضم، وأن الاول للحيض، ويجمع على أقراء، والثاني للطهر، ويجمع على قروء، والقول باتحادهما، وذلك لتصريح النص والفتوى بكون المراد هنا الاطهار على كل حال. قال زرارة (1) في الصحيح أو الحسن: " سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الاقراء التي سمى الله في القرآن إنما هو الطهر بين الحيضتين، فقال: كذب لم يقله برأيه، ولكن إنما بلغه عن علي عليه السلام، فقلت: أصلحك الله تعالى أكان علي عليه السلام يقول ذلك ؟ فقال: نعم إنما القرء الطهر، يقرأ فيه الدم فنجمعه، فإذا جاء الحيض دفعته ". وعنه أيضا (2) عن أبي جعفر عليه السلام " القرء بين الحيضتين " ونحوه صحيح ابن مسلم (3) عنه عليه السلام أيضا، وفي حسن زرارة (4) عنه عليه السلام أيضا " الاقراء الاطهار ". وفي المروي عن مجمع البيان وتفسير العياشي عن زرارة (5) عن أبي جعفر عليه السلام " إن عليا عليه السلام كان يقول: إنما القرء الطهر يقرأ فيه الدم فتجمعه " فإذا جاء الحيض قذفته، قلت: رجل طلق امرأته من غير جماع بشهادة عدلين، قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها وحلت للازواج، قلت: إن أهل العراق يروون أن عليا عليه السلام يقول: إنه أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: كذبوا " وفي صحيح زرارة (6) عن أبي جعفر عليه السلام " المطلقة تبين عند أول قطرة من الحيضة الثالثة، قال: قلت: بلغني أن ربيعة الرأي قال: من رأيي أنها تبين عند


(1) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 4. راجع الكافي ج 6 ص 89. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 1 - 2 - 3. (5) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 19. (6) الوسائل الباب 15 من أبوبا الحديث 8 عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي ج 6 ص 87.

[ 221 ]

أول قطرة، فقال: كذب ما هو من رأيه، إنما هو شي بلغه عن علي عليه السلام ". وفى خبر محمد بن مسلم (1) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن الرجل يطلق أمراته متى تبين منه ؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضه الثالثة تملك نفسها، قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: نعم ولكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم ". وخبر زرارة (2) " قلت لابي جعفر عليه السلام: إنى سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه، وإنما القرء مابين الحيضتين، وزعم أنه إنما أخذ ذلك برأيه، فقال أبو جعفر عليه السلام: كذب، لعمري ما أخذ ذلك برأيه، ولكن أخذه عن علي عليه السلام، قلت: وما قال علي عليه السلام فيها ؟ قال: كان يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، ولا سبيل له عليها، وإنما القرء ما بين الحيضتين، وليس لها أن تتزوج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ". وفي موثقه أيضا (3) عنه عليه السلام أيضا سمعته يقول: المطلقة تبين عند أول قطرة من الدم في القرء الاخير ". وموثق الجعفي (4) عنه عليه السلام أيضا " في الرجل يطلق أمرأته، قال: هو أحق برجعته ما لم تقع في الدم الثالث " إلى غير ذلك من النصوص (حتى ما مر منها في عدم جواز طلاق الحائض (5) وأنه مخالف للسنة لقوله تعالى (6): " فطلقوهن لعدتهن " المعتبرة سندا الصريحة دلالة المعتضدة بعمل الاصحاب بل وبقوله تعالى (7)


الوسائل الباب 16 من أبواب العدد الحديث 1. (2) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 4. وذكر ذيله في الباب 16 منها الحديث 3. (3 و 4) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد 10 - 11. (5) الوسائل الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق. (6 و 7) سورة الطلاق: 65 الاية 1. :

[ 222 ]

" فطلقوهن لعدتهن " بناء على ما سمعته سابقا من تواتر النص (1) بعدم صحة في الحيض عدا ما استثني، فيراد حينئذ من العدة الطهر، أي طلقوهن وقت اعتدادهن وهو كونهن في طهر لم يواقعن فيه، بل عن النبي صلى الله عليه آله (2) قراءة " قبل عدتهن " بل في جملة من نصوصنا (3) تفسيره بذلك، ومع ذلك كله فهي مخالفة للمروي (4) كذبا عن علي عليه السلام، كما أومأت هي إليه. بل منه يعلم حينئذ وجه حمل النصوص المقابلة لها على التقية في ذلك الوقت - ولا ينافيه موافقة بعض العامة في الازمنة المتأخرة للخاصة في كون العدة بالاطهار - نحو صحيح الحلبي (5) عن الصادق عليه السلام " عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة أقراء، وهي ثلاث حيض " ومثله مضمر أبي بصير (6) مع احتمالهما عدم استيفاء الحيضة الثالثة، وموثق القداح (7) عنه أيضا عن أبيه عليهما السلام: " قال: قال علي عليه السلام: إذا طلق الرجل المرأة فهو أحق بها ما لم تغتسل من الثالثة " وقد سمعت تصريحه بأن ذلك مكذوب على علي عليه السلام، فلا ريب في أن المراد أنهم يروون ذلك عن علي عليه السلام أو قاله تقية، خصوصا بعدما سمعت من النصوص الكثيرة المتضمنة للرواية عن علي عليه السلام خلاف ذلك. وكذا مرسل اسحاق بن عمار (8) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " جاءت امرأة


(1) الوسائل الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 323. (3) الوسائل الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 و 7. (4) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 1 و 19. (5) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 7. (6) أشار إليه في الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 7 وذكره في الاستبصار ج 3 ص 330. (7 و 8) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 12 - 13.

[ 223 ]

إلى عمر تسأله عن طلاقها، قال: اذهبي إلى هذا فسأليه - يعنى عليا عليه السلام - فقالت لعلي عليه السلام: إن زوجي طلقني، قال: غسلت فرجك ؟ فرجعت إلى عمر فقال أرسلتني إلى رجل يلعب، قال: فردها إليه مرتين كل ذلك ترجع فتقول: يلعب، قال: فقال لها: انطلقي إليها فانه أعلمنا قال: فقال لها علي عليه السلام: غسلت فرجك ؟ قالت: لا، قال: فزوجك أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك " بناء على أن المراد غسل الفرج من الحيض، وحينئذ يكون كالخبر السابق محمولا على التقية بذكر الرواية عن علي عليه السلام وإن كانت كذبا، كما تضمنته النصوص السابقة. وصحيح ابن مسلم (2) عن أبى جعفر عليه السلام " في الرجل يطلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع، يدعها حتى تدخل في قرئها الثالث ويحضر غسلها ثم يراجعها ويشهد على رجعتها، قال: هو أملك بها ما لم تحل لها الصلاة. " وخبر الحسن بن زياد (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " هي ترث وتورث ماكان له الرجعة من التطليقتين الاولتين حتى تغتسل " محمولان على التقية أيضا في ذلك الزمان، باعتبار شهرة الرواية المكذوبة على علي عليه السلام في ذلك كما سمعت التصريح به من أبى جعفر عليه السلام في عدة نصوص (4) معتبرة، فلا إشكال حينئذ بحمد الله في المسألة. وما عن المفيد - من الجمع بينها بأنه إذا طلقها في آخر طهرها اعتدت بالحيض، وإن طلقها في أوله اعتدت بالاطهار، مع أنه فرع التكافؤ المفقود من وجوه - لا شاهد له وإن استقر به الشيخ فيما حكي عنه، وتبعه بعض متأخري المتأخرين. ثم لا يخفى عليك عدم الفرق في العدة بالاقرار بين مطلقة ومفسوخة النكاح من قبله أو قبلها، بل والموطوءة شبهة بلا خلاف أجده فيه، بل الظاهر ثبوت عدة الطلاق بها أو بالاشهر على حسب ما تسمعه من أقرائها، لانها المتيقن في الخروج عن حكم العدة الثابت بسببها الذي قد عرفته سابقا، وهو إدخال الحشفة أو الماء،


(1) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 1 و 19. (2 و 3) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 15 - 16. (4) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد الحديث 1 و 19 بأسانيد متعددة.

[ 224 ]

وكان الاقتصار على ذكر المطلقة في المتن ونحوه لكونها الاصل في هذه العدة، باعتبار ذكرها في الخصوص كتابا (1) وسنة (2) إلا أن الظاهر ثبوتها لمن عرفت ولو لكونها الاصل في العدة، أو لتوقف اليقين على الخروج منها عليه بعد فرض حصول السبب. كما أنه لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما تقدم في كتاب الحيض من الطهارة معرفة عدد أيام القرء في ذات العادة، وفي غيرها حتى في الدمية التى لا عادة لها، وترجع في تعيين حيضها إلى التمييز، ومع عدمه فالى عادة نسائها، وإلا فثلاثة من شهر وعشرة من آخر، أو سبعة من كل شهر، ضرورة بناء ما هنا على ما هنا ك، كما هو واضح بأدنى التفات. ولا فرق في ذلك بين الحيض الطبيعي وبين ما جاء بعلاج، وكذا الطهر، لتحقق الصدق عرفا مع احتمال جعل المدار على المعتاد، لكن لم أجد لاحد من أصحابنا. وكذا لا فرق بين الحيض والنفاس الذي هو كالحيض، وما في النصوص (3) السابقة من أن القرء ما كان بين الحيضتين محمول على الغالب، أو على إلحاق ما هو كالحيض به، وحينئذ فالمراد به المدة التي بين حيضتين أو حيض ونفاس، فلو طلقها بعد الوضع قبل أن تردما ثم رأته لحظة ثم رأت الطهر عشرا ثم رأت الحيض ثلاثا كان ما بينهما طهر (4) بل في المسالك " أو نفاسين " ويمكن فرضه في نفاس حمل لا يعتبر وضعه في العده كأحد التوأمين إذ طلقها بينهما قبل النفاس من الاول، وعلى كل حال فذلك كله (إذا كانت) المعتدة (حرة سواء كانت تحت حر


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 228. (2) الوسائل الباب 12 وغيره من أبواب العدد. (3) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد. (4) هكذا في النسختين المسودة بقلمه الشريف (قده) والمبيضة ومراده " ثم رأت الحيض ثلاثا ثلاثا كان ما بينهما طهر ". (جواهر الكلام - ج 14)

[ 225 ]

أو عبد) بلا خلاف أجده، لما عرفت سابقا من أن المدار في العدة النساء لا الرجال نصا (1) وفتوى، ولو كانت أمة فقرآن كما ستعرف وإن كانت تحت حر. وفي المبعضة وجهان، من تغليب الحرية، وأصالة بقاء العدة إلى أن يعلم الانتقال، وبقاء التحريم إلى أن يعلم الحل، ومن أصالة البراءة من الزائد، واستصحاب عدمه إلى أن يثبت الناقل بحريتها أجمع، والاول أقوى، خلافا للمحكي عن الشافعية فالثاني. ثم إن ظاهر الكتاب العزيز (2) اعتبار جميع مدة مابين الحيضتين في الطهر، لتوقف صدق الاقراء الثلاثة على ذلك، بل ربما كان ذلك ظاهر ما ورد (3) في تفسير قوله تعالى: " (3) فطلقوهن لعدتهن " من أنه الطلاق قبل العدة، لكن صريح الاصحاب على وجه لا يعرف فيه خلافهم بينهم - بل يمكن دعوى الاجماع عليه - الاكتفاء في القرء الاول بلحظة منه بعد الطلاق، بل لعله ظاهر النصوص (5) السابقة أو صريحها أيضا، ضرورة اكتفائها في خروج الطلقة في الطهر من العدة برؤية الدم الثالث، سواء كان طلاقها في ابتدائه أو وسطه أو آخره. (و) حينئذ ف‍ (لو طلقها واضت بعد الطلاق بلحظة احتسبت تلك اللحظة قرءا ثم أكملت قرءين آخرين، فإذا رأت الدم الثالث فقد قضت العدة) لما عرفت، لا لان بعض القرء مع قرءين تامين يسمى الجميع ثلاثة قروء، نحو قول القائل: " خرجت لثلاث مضين " مع أن خروجه في بعض الثالث، ونحو قوله تعالى (6): " الحج أشهر معلومات " والمراد شوال وذي القعدة وبعض ذي الحجة،


(1) الوسائل الباب 41 من أبواب العدد. (2) سورة البقرة 2 الاية - 228. (3) الوسائل الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 6 و 7. (4) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (5) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد. (6) سورة البقرة: 2 الاية 197.

[ 226 ]

ضرورة كون ذلك مجازا محتاجا إلى القرينة. على أنه منقوض بما لو تم الاولان واضيف إليهما بعض الثالث، بأن طلقها قبل الحيض بلا فصل واتصل بآخره، فان القرء الاول إنما يحسب بعد الحيض مع اعتبار كمال الثالث إجماعا، ولا يكفى دخولها فيه، وآية الحج قد عرفت في محله أن المراد منها تمام ذي الحجة، ولو لصحة استدارك بعض الافعال فيه، كما عرفته في محله. فبان حينئذ بذلك أن احتساب بعض القرء الاول وإن قل قرء في العدة، للادلة الخاصة، وهي ظاهر النصوص (1) السابقة وغيره، خصوصا بعد معلومية عدم اشتراط صحة الطلاق بوقوعه في آخر الجزء الاول على وجه يكون ابتداء العدة الطهر الذي هو بعد الحيض، ولا بوقوعه في ابتداء الطهر الاول على وجه لا يمضي منه إلا مقدار زمان وقوع الطلاق كما هو واضح. نعم قد أطلق غير واحد من الاصحاب خروجها من العدة برؤية الدم الثالث كالنصوص (2) لكن قيده المصنف بقوله: (هذا إذا كانت عادتها مستقرة بالزمان) أي مضبوطة الوقت، سواء كانت مع ذلك مضبوطة العدد أو لا (وإن) لم تكن كذلك بأن (اختلفت صبرت إلى انقضاء أقل الحيض، أخذا بالاحتياط) وفيه إن الظاهر بناء المسألة على ما تقدم في كتاب الطهارة من التحيض برؤية الدم مطلقها لذات العادة وغيرها، لقاعدة الامكان، وأصالة الحيض في دم النساء، أو اختصاص ذلك بذات العادة الوقتية دون غيرها، فلا تتحيض إلا بعد مضي ثلاثة. وأما احتمال وجوب الصبر هنا وإن قلنا بالتحيض بالرؤية في ترك الصلاة والصوم فلا دليل عليه، والاحتياط المزبور أقصى مراتبه الندب، بل مقتضاه الصبر حتي في ذات العادة لامكان تخلفها، بل وبعد الثلاثة في غيرها لامكان استمرار الدم


(1) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد. (2) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد.

[ 227 ]

ورجوعها إلى التمييز المقتضي كون الحيض آخر الدم أو وسطه وغير ذلك. وأما أبعد ما بين القول بوجوب الصبر المزبور في خصوص المقام للاحتياط في الانساب وبين القول بعدمه فيه وإن قلنا به في خصوص الصلاة، باعتبار إطلاق النصوص (1) هنا خروجها بالدم الثالث الذي هو طبيعة الدم المتحقق بمجرد رؤيتها، وإن كان فيه أيضا أنها مساقة لبيان خروجها بالدم الذي هو حيض، فاللام فيه للعهد الذهني حقيقة لا الجنس، فالتحقيق بناء المسألة على ما سمعته في كتاب الطهارة، والاحتياط العام طريقه غير خفي، كما هو واضح. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه أن (أقل زمان تنقضي به العدة) لذات الحيض (ستة وعشرون يوما ولحظتان): إحداهما بعد الطلاق من الطهر الذي وقع فيه، (و) الثانية من الحيض الثالث، (لكن الاخيرة ليست من العدة، وإنما هي) لل‍ (دلالة على الخروج منها)، فاعتبارها حينئذ مقدمة لحصول العلم بذلك، ضرورة أن العدة الاقراء بمعنى الاطهار وليست اللحظة المتأخرة من الطهر قطعا كالقطع بعدم اعتبار شئ زائد على الطهر. (و) لكن (قال الشيخ ره: هي من العدة لان الحكم بانقضاء العدة موقوف على تحققها) وتظهر الثمرة على القولين في التوارث لو فرض موتها أو موته في هذه اللحظة، وفي الرجوع بها فيها، وفي العقد عليها فيها. (و) لا ريب أن (الاول أحق) لما عرفت، بل مقتضى ما سمعته من التعليل خروجها أيضا، ضرورة عدم مدخلية ما توقف عليه الحكم بالانقضاء فيما اعتبر انقضاؤه، بل قد ينتقل من التعليل المزبور كون النزاع لفظيا، وذلك لعدم التحقق الخارجي في الزمان الحكمي الكائن بين الطهر والحيض على وجه تترتب عليه الثمرات المزبورة، لعدم إمكان تعرف آخر زمان الطهر المتصل بأول زمان الحيض، نحو ما قلناه في آخر جزء النهار المتصل بأول جزء من الليل، فمراد الشيخ بكونها من العدة هذا المعنى أو ما يقرب منه، ضرورة كون المراد من اللحظة الجزء الزماني من حصول الدم المتصل


(1) الوسائل الباب 15 من أبواب العدد.

[ 228 ]

بالجزء الزماني قبله، ولا يكاد يتحقق في الخارج على وجه تترتب عليه الثمرات، فتأمل جيدا. هذا كله في ذات الحيض وإلا فقد يتصور انقضاء العدة بالاقل من ذلك في ذات النفاس، بأن يطلقها بعد الوضع قبل رؤية الدم بلحظة، ثم ترى النفاس لحظة، لانه لاحد لاقله عندنا، ثم ترى الطهر عشرة، ثم ترى الدم ثلاثا، ثم ترى الطهر عشرا، ثم ترى الدم، فيكون مجموع ذلك ثلاثة وعشرين يوما وثلاث لحظات، لحظة بعد الطلاق، ولحظة النفاس، ولحظة الدم الثالث التي فيها ما عرفت، والله العالم. (ولو طلقها في الحيض) على الوجه الذي قد مضى في الشرائط (لم يقع) الطلاق عندنا. (ولو وقع في الطهر ثم حاضت مع انتهاء التلفظ بحيث لم يحصل زمان يتخلل الطلاق والحيض صح الطلاق، لوقوعه في الطهر المعتبر، ولم تعتد بذلك الطهر، لانه لم يتعقب الطلاق) حتى يكون عده له، إذ لاوجه لاعتدادها بما وقع فيه الطلاق لعدم صدق كونها مطلقة إلا بعده (و) حينئذ ف‍ (تفتقر) في انقضاء عدتها (إلى ثلاثة أقراء مستأنفة بعد الحيض) وذلك لا يكون إلا برؤية الدم الرابع، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بعد تحقق الغرض، ولولاه لامكن الاشكال في صحة الطلاق المزبور بعدم صدق كونه للعدة المراد به طلاقها في طهر يكون عدة لها، خصوصا مع ملاحظة النصوص (1) الواردة في تفسيرها (2) بل قد عرفت سابقا اقتضاءها وقوع الطلاق أول الطهر لتحقق الاقراء الثلاثة، بعد العلم باغتفار مقدار زمان الطلاق من الاول منها، ولو لاشتراط صحة الطلاق بوقوعه في الطهر، والتزام وقوعه في آخر الاول أو في أثنائه مع عدم الاعتداد به مناف لصريح الادلة المقصر فيها ولو بسبب


(1) الوسائل الباب 9 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 و 7 والباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) سورة الطلاق: 65 الاية 1.

[ 229 ]

إطلاقها على احتسابه من العدة مع الوقوع في أثنائه وإن قل، أما مع الوقوع في آخره الحقيقي فهو وإن صدق كون الطلاق في الطهر لكن لا يصدق أنه في الطهر الذي يكون عدة، كما هو واضح، والله العالم. (فرع:) (لو اختلفا فقالت: كان قد بقي من الطهر جزء بعد الطلاق) لتحتسب به قرءا فتقصر العدة بذلك (وأنكر) هو ذلك، لتحصيل طول مدة العدة التي يكون له الرجوع والتوارث وغيرهما فيها (ف‍) لاريب في أن (القول قولها ل‍) ما عرفته سابقا نصا (1) وفتوى من (أنها أبصر بذلك) منه، (و) من أن (المرجع في الطهر والحيض إليها) وبهما يخرج عن أصالة بقاء العدة واستصحاب الزوجية، لكن ليس له مطالبتها بما دفع إليها من النفقة أخذا له باعترافه، كما أنه ليس لها مطالبته بها إن لم يكن قد دفعها لها أخذا باعترافها، بل قد يقال في الاول مع فرض بقاء عينها بكونها من مجهول المالك ينتظر بها اتفاقهما أو الصدقة به عنهما. هذا وفي المسالك " احتمال جواز أخذها منها في الاول بمعلومية اشتراط استحقاق المطلقة رجعيا النفقة ببقائها على الطاعة كالزوجة، وبدعواها البينونة لا يتحقق التمكين من طرفها، فلا تستحقها على كل حال، ولا يكون كالمال الذي لا يدعيه أحد، لان مالكه معروف " وفيه منع كون ذلك نشوزا مسقطا للنفقة المستحقة عليه باعترافه، فتأمل جيدا، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 24 من أبواب العدد والباب 47 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة.

[ 230 ]

(الفصل الثالث) (في ذات الشهور) فنقول: لا إشكال ولا خلاف في أن (التي لا تحيض) خلقة أو لعارض (وهي في سن من تحيض تعتد من الطلاق والفسخ مع الدخول بثلاثة أشهر إذا كانت حرة) بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، لقوله تعالى (1): " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن " المتناول آخره للفرض، بل وأوله بناء على ما ستعرف، وللنصوص (2) المستفيضة أو المتواترة، كصحيح الحلبي أو حسنه (3) عن الصادق عليه السلام " عدة المرأة التي لا تحيض والمستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر " وغيره. بل يندرج في ذلك من بلغت التسع مادامت لم تصل إلى وقت الحيض عادة، بل وإن بلغته، فان عدتها ما دامت لا تحيض ذلك، نعم لو فرض عروض الحيض لها قبل مضي ثلاثة أشهر على وجه يحصل لها ثلاثة أقراء ليس بينهن ثلاثة أشهر بيض تكون حينئذ من ذوات الاقراء، كما أن ذوات الاقراء لو فرض عروض مانع لهن من ذلك على وجه لم يحصل لها الاقراء الثلاثة على الوجه المزبور تكون من ذوات الشهور، لما ستعرف من أن العدة أحد أمرين: الاقراء الثلاثة أو الشهور، وأيهما سبق كان الاعتداد به وإن لم تكن الشهور متصلة بالطلاق على الاصح الذي ستسمع تحقيقه. وإنما المراد هنا بيان عدة التي لا تحيض وهي في سن من تحيض مادامت على


(1) سورة الطلاق: 65 الاية 4. (2 و 3) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث - 0 - 7 - 0

[ 231 ]

وصف عدم الحيض وهي ما عرفت كتابا وسنة وإجماعا، من غير فرق بين الطلاق والفسخ وغيرهما من أنواع الفراق، بل ووطء الشبهة عدا الوفاة على نحو ذات الاقراء، كما هو واضح. وما في خبر الغنوي (1) مما ينافي ما ذكرنا " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جارية طلقت ولم تحض بعد فمضى لها شهران ثم حاضت أتعتد بالشهرين ؟ قال: نعم: وتكمل عدتها شهرا، فقلت: أتكمل عدتها بحيضة ؟ قال: لا بل بشهر، يمضي آخر عدتها على ما مضى عليه أولها " وخبر ابن سنان (2) عنه عليه السلام " في الجارية التي لم تدرك الحيض، قال: يطلقها زوجها بالشهور، قيل: فان طلقها تطليقة ثم مضى شهر ثم حاضت في الشهر الثاني، فقال إذا حاضت بعدما طلقها بشهر ألغت ذلك الشهر واستأنفت العدة بالحيض، فان مضى بعدما طلقها شهران ثم حاضت في الثالثة تمت عدتها بالشهور، فإذا مضى لها ثلاثة أشهر فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب، وهي ترثه ويرثها ما كانت في العدة " مطرح إذا لم أجد عاملا به. وبذلك ظهر لك أن لا عدة لمثل الفرض إلا بالثلاثة، بل وغيره ممن يأتيها الدم عادة أو اتفاقا في الازيد من الثلاثة أشهر، إذا احتمال اعتدادها بالاقراء - لو فرض حصول طهر لها قبل الثلاثة وإن طالت مدتها إلى السنة أو السنتين فصاعدا، لانحصار اعتدادها حينئذ بها بعد انتفاء التلفيق المختص ببالغة سن اليأس، كما ستعرف، وبعد انتفاء الثلاثة، باعتبار اشتراط اتصالها بالطلاق، وإلا لزم كون الاعتداد بالازيد من الثلاثة، وهو ما تقدمها معها بل لعل المنساق من قوله عليه السلام (3): " أي الامرين سبق " الاتصال - واضح الفساد، ضرورة ظهور ما تسمعه من الادلة في الاعتداد بها وإن كانت منفصلة، خصوصا مع ملاحظة المفهوم فيما هو العمدة من صحيح جميل (4) الاتي، ولا يضر إضافة ما تقدمها إليها في الاعتداد، من حيث معلومية


(1 و 2) الوسائل الباب 2 من أبواب العدد الحديث 9 - 7. (3 و 4) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 3 - 5.

[ 232 ]

احتساب ما قارن الطلاق من الزمان منها، ولو لقوله تعالى (1): " فطلقوهن لعدتهن " ولا ينافي ذلك كونها معتدة بالثلاثة أشهر أيضا، كما هو واضح بأدنى تدبر. بل من تأمل ما يأتي من النصوص (2) المتضمنة لاعتدادها بها في ذات العادة التي هي خمسة أشهر أو ستة أشهر أو أزيد أو أنقص يكاد يقطع بما ذكرنا، ضرورة أن من أفرادها ما لو طلقها في قريب عادتها بحيث يأتيها الدم قبل الثلاثة ثم يتأخر إلى السنة مثلا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (في اليائسة) التي بلغت سن اليأس خمسين أو ستين أو الاول إن لم تكن قرشية أو نبطية وإلا فالثاني (والتي لم تبلغ) التسع الذي هو أول سن إمكان الحيض (روايتان إحداهما أنهما تعتدان بثلاثة أشهر) وهي مضمرة أبي بصير (3) " عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، والتي قعدت عن المحيض ثلاثة اشهر " وخبر ابن سنان (4) عن الصادق عليه السلام " في الجارية التي لم تدرك الحيض يطلقها زوجها بالشهور " وخبر هارون بن حمزة الغنوي (5) سأله " عن جارية حدثة طلقت ولم تحض بعد، فمضى لها شهران ثم حاضت، أتعتد بالشهرين ؟ قال: نعم، وتكمل عدتها شهرا، قال: فقلت: أتكمل عدتها بحيضة ؟ فقال: لا بل بشهر، يمضي آخر عدتها على ما يمضى عليه أولها " وخبر أبي بصير (6) عنه عليه السلام " عدة التي لم تحض والمستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر " مضافا إلى صحيح الحلبي (7) السابق وغيره، بل والاية (8) كما ستعرف، وهو خيرة ابن سماعة والمرتضى وابن شهر اشوب فيما حكي عنه، واحتاط فيه ابن زهرة.


(1) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (2) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 2 من أبواب العدد الحديث 6 - 7 - 9. (6 و 7) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 9 و 7. (8) سورة البقرة: 2 الاية 228.

[ 233 ]

(و) الرواية (الاخرى لا عدة عليهما و) هي حسنة زرارة (1) عن الصادق عليه السلام " في الصبية التي لا تحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض ليس عليهما عدة وإن دخل بهما " وموثقة عبد الرحمن بن الحجاج (2) عنه عليه السلام أيضا " ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لا تحيض قلت: وما حدها ؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قلت، وما حدها ؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة " وصحيح حماد بن عثمان (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي يئست من المحيض والتي لا تحيض مثلها، قال: ليس عليهما عدة، وحسنة محمد بن مسلم (4) " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في التي يئست من المحيض يطلقها زوجها، قال: بانت منه، ولا عدة عليها " وحسنة محمد بن مسلم (5) عنه عليه السلام ايضا " التي لا يحبل مثلها لا عدة عليها " إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى تواترها. فلا ريب في أن هذه (هي الاشهر) رواية بل وعملا، بل لم نعرف القائل بالاولى عدا من سمعت، بل ربما ظهر من غير واحد دعوى الاجماع في مقابله، حتى أن الشيخ ره حكاه عن معاوية بن حكيم من متقدمي فقهائنا، وعن جميع المتأخرين منهم. والاصل في الخلاف الاية السابقة المحكي عن المرتضى الاستدلال بها، بل هي العمدة له، لان المعلوم من مذهبه عدم عمله بمثل الاخبار السابقة، بعد ان أورد على نفسه بان فيها شرطا وهو قوله تعالى (6) " إن أرتبتم " وهو منتف عنهما، ثم أجاب عنه بأن الشرط لا ينفع أصحابنا، لانه غير مطابق لما يشترطونه، وإنما يكون نافعا لهم لو قال تعالى: " إن كان مثلهن يحيض في الآيسات وفي اللواتي لم يبلغن


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب 2 من أبواب العدد الحديث 4 - 1. (4 و 5) الوسائل الباب 3 من أبواب العدد الحديث 1 - 2. (6) سورة الطلاق: 65 الاية 4.

[ 234 ]

المحيض إذا كان مثلهن يحيض " وذا لم يقل تعالى ذلك، بل قال: " إن ارتبتم " وهو غير الشرط الذي شرطه أصحابنا فلا منفعة لهم به، على أن الذي قاله جمهور المفسرين وأهل العلم بالتأويل كون المراد به " إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء وغير عالمين بمبلغها فهي هذه ". ويؤيده ما روي (1) في سبب نزول الآية " أن أبى بن كعب قال: يارسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الاحمال، فانزل الله تعالى الآية " فكان هذا دالا على أن المراد بالارتياب ما ذكرناه، لا الارتياب بأنها آيسة أو غير أيسة، لانه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض فالمشكوك في حالها والمرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة، على أنه لو كان المراد ذلك لكان حقه أن يقول " إن ارتبتن " لان المرجع في ذلك إليهن، ولما قال: " إن ارتبتم " علم إرادة الارتياب بالمعني الذي ذكرناه. وفيه أنه لا خلاف الظاهر من التعبير بالارتياب إذ لو كان ذلك المراد لكان المناسب التعبير بالجهل، على أن جميع الاحكام واردة على حال الجهل بها، فتكون حينئذ لا فائدة فيه، وخبر أبى - مع أنه مقدوح فيه بأنه إن صح لزم تقدم عدة ذوات الاقراء مع أنها إنما ذكرت في البقرة (2) وهي مدنية، وتلك الاية في الطلاق (3) وهي مكية في المشهور - لا يتعين في غير البالغة واليائسة، وأما ما حكاه عن جمهور المفسرين وأهل العلم بالتأويل فهو معارض بما في المحكي عن مجمع البيان في تفسيرها، قال: " فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض فعدتهن ثلاثة أشهر، وهن اللواتي أمثالهن يحضن، لانهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى، وهذا هو المروي عن أئمتنا عليهم السلام (4) ". وفي صحيح الحلبي أو حسنه (5) عن الصادق عليه السلام " سألته عن


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 414 و 420. (2) الاية 228. (3) الاية 4. (4 و 5) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 20 - 7.

[ 235 ]

قول الله عزوجل: إن ارتبتم ما الريبة ؟ فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة، فلتعتد بثلاثة أشهر، ولتترك الحيض، وما كان في الشهر لم يزد في الحيض على ثلاث حيض فعدتها ثلاث حيض ". ومن ذلك كله يعلم أن المراد بالارتياب غير ما ذكره، ولا يبعد ذلك التعبير باليأس، لجواز أن لا يراد به ما هو المعروف عند الفقهاء، ولا الرجوع إليهن في الحيض وعدمه، لان ارتيابها يوجب ارتيابنا إذا رجعنا إليها، بل قيل: إن الرجوع إليها في اليأس المعتبر شرعا ممنوع، فانه في الحقيقة خبر عن السن. بل لعل التأمل الجيد في الاية الشريفة يقتضي استفادة حكم عدة أربع نساء منها مفهوما ومنطوقا، ضرورة أن اليائسة المرتاب فيها تعتد بثلاثة أشهر، وأما التي لا ريبة فيها وهي البالغة سن اليأس فلا عدة لها، لا الثلاثة ولا الاقراء المعلوم حصر العدة بهما، وأما التي لا تحيض المقدر فيها الشرط أيضا فالمرتاب فيها وهي البالغة سن الحيض فثلاثة أيضا، وأما التي لا ارتياب فيها وهي غير البالغة ذلك فلا عدة لها على الوجه المزبور، ولعله المراد من المحكي عن أبى، فان الصغار والكبار شامل للجميع، وبذلك يتم الفائدة من الاية الشريفة، وعلى كل حال فلا ريب في أن الظاهر منها خلاف ما ادعاه. واما الاخبار فمع رجحان غيرها عليها من وجوه - منها مخالفة العامة - لا بأس بحملها على إرادة من بلغت سن الحيض ولكن لم تحض، أو انقطع حيضها ولكن لم تبلغ سن اليأس. وبذلك كله ظهر لك الوجه فيما تسمعه من النصوص من كون العدة أحد الامرين: الاقراء أو الاشهر، أيهما سبق كان الاعتداد بها، ضرورة كون المستفاد من آية الاقراء (1) وآية الاشهر (2) ذلك، فتأمل جيدا. (وحد اليأس أن تبلغ) المرأة (خمسين سنة) وقيل: ستين سنة (وقيل:


(1) سورة البقرة " 2 الاية 228. (2) سورة الطلاق: 65 الاية 4.

[ 236 ]

في القرشية والنبطية: ستين) وفي غيرهما خمسين، وقد مضى تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة، فلاحظ وتأمل. (ولو كان) التي لا تحيض (مثلها يحيض) بمعنى أن انقطاع الدم عنها لامر لم يعلم حاله (اعتدت بثلاثة أشهر إجماعا) إن لم تسبقها أقراء ثلاثة لم يكن بين الحيضتين منها ثلاثة أشهر بيض (و) ذلك لان (هذه تراعي الشهور والحيض، فان سبقت الاطهار فقد خرجت العدة، وكذا إن سبقت الشهور،) لقول أبى جعفر عليه السلام في صحيح جميل عن زرارة (1) " أمران أيهما سبق بانت به المطلقة المسترابة تستريب الحيض، إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس لها دم بانت به، إن مرت ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض، قال ابن أبي عمير: قال جميل: وتفسير ذلك إن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مررت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت فهذه تعتد بالحيض على هذا الوجه، ولا تعتد بالشهور، وإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت " وقول أحدهما عليهما السلام في موثق زرارة (2): " أي الامرين سبق إليها فقد انقضت عدتها، إن مرت ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدتها، وإن مرت ثلاثة أقراء فقد انقضت عدتها ". هذا ولكن قد يتوهم من عبارة المصنف وما شابهها كقواعد الفاضل وغيرها اختصاص هذه - وهي التي يرتفع طمثها ولم يعلم ما الذي رفعه المعبر عنها بمثلها من تحيض - بالحكم المزبور، ومن هنا توهم بعض الناس كالصيمري أن التي يعلم الوجه في رفع طمثها كالرضاع ونحوه تعتد بالاقراء وإن طالت مدتها، وإن كان نحوه المحكي عن القاضى إلا أنه مخالف للنص والفتوى، خصوصا المرضعة التي ورد فيها بالخصوص خبر أبى العباس (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته بعدما ولدت وطهرت، وهي امرأة لا ترى دما مادامت ترضع، ما عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر "


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 5 - 3 - 6.

[ 237 ]

مضافا إلى معلومية صدق المسترابة التي تستريب الحيض وعلى غيرها ممن بلغت سن الحيض ولم تحض. بل قد عرفت تحقق الريبة في الصحيح (1) المزبور بتأخر الحيض عن شهر، كما أنك قد عرفت النصوص (2) المتضمنة للاعتداد بالثلاثة أشهر لمستقيمة الحيض إذا كان في أزيد من ثلاثة أشهر. ومن هنا يعلم الوجه في تفسير مستقيمة الحيض المتقدمة سابقا - التي ذكرنا اعتدادها بالاقراء - بمن لم يتأخر حيضها عادة عن الثلاثة أشهر كما سمعته في تفسير جميل. وبذلك يتضح لك عموم الضابط المزبور لكل معتدة من الطلاق وما يلحق به، وهو أي الامرين سبق إليها اعتدت به، من غير فرق بين أفرداها جميعها، وإنما خص المصنف والفاضل المذكورة في الحكم المزبور، لان فرض الاولى أنها لا تحيض، فليس لها حينئذ إلا ثلاثة أشهر، أما مع فرض سبق الحيض إليها فلا ريب في أنها من ذوات الاقراء إذا كانت تأتيها قبل الثلاثة أشهر، ولارادة ترتيب الحكم الاتي، وهو تربص تسعة أشهر الذي يمكن دعوى اختصاصه فيها دون غيرها ممن سبق إليها. وهو الذي أشار إليه بقوله: (أما لو رأت في الثالث حيضا وتأخرت الثانية أو الثالثة صبرت تسعة أشهر، لاحتمال الحمل) بسبب التأخر المزبور. (ثم) إن تم أقراؤها أو وضعت فذاك وإلا (اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر، وهو أطول عدة) والاصل فيه خبر سورة بن كليب (3) " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته تطلقية على طهر من غير جماع بشهود طلاق السنة، وهي ممن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر، فلم تحض إلا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى، ولم تدر ما رفع حيضتها، قال: إن كانت شابة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلا حيضة واحدة ثم ارتفع طمثها فما


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 7. (2) الوسائل الباب 12 و 14 من أبواب العدد. (3) الوسائل في الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 238 ]

تدرى ما رفعها فانها تتربص تسعة أشهر من يوم طلقها، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة اشهر، ثم تتزوج إن شاءت " المنجبر سنده بعمل الاصحاب. لكنه كما ترى خاص بمستقيمة الحيض التي عرض لها ارتفاع الحيض ولم تعلم بسببه، ومن المحتمل كونه الحمل، إذ لا يرفع الحيض إلا فساد فيه أو حمل. وكان المتجه انتظارها إلى تمام التسع التي تتم بها الاقراء أو ثلاثة أشهر بيض أو وضع الحمل، ومن هنا اقتصر عليها ابن إدريس فيما حكى عنه، إلا أنه طرح للخبر المزبور الذي قد سمعت انجباره بالعمل، فالمتجه الجمود على موضوعه من غير تعد لما ينافي الضابط الذي ذكرناه، وهو الاعتداد بأسبق الامرين إليها. (و) أما ما (في رواية عمار) (1) عن الصادق عليه السلام - من أنها (تصبر سنة ثم تعتد بثلاثة أشهر) قال: " سئل عن رجل عنده امرأة شابة وهي تحيض كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة كيف يطلقها زوجها ؟ فقال: أمرها شديد، تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود، ثم تترك حتى تحيض ثلاث حيض، متى حاضت ثلاثا فقد انقضت عدتها، قيل له: وإن مضت سنة ولم تحض فيها ثلاث حيض، قال: إذا مضت سنة ولم تحض فيها ثلاث حيض يتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر، ثم قد انقضت عدتها، قيل: فان مات أو ماتت، فقال: أيهما مات فقد ورثه صاحبه ما بينه وبين خمسة عشر شهرا " فلم أجد عاملا به وإن أرسل القول به في بعض العبارات، لكن لم أتحققه. نعم في الاستبصار حمله على ضرب من الندب والاحتياط، واستوجهه غير واحد ممن تأخر عنه، (و) عنه (في النهاية) أنه (نزلها على احتباس الدم الثالث) (و) قال المصنف: (هو تحكم) لعدم ما يشعر بذلك فيه، لكن في كشف اللثام تعليله " بنصوصية الاولى في احتباس الثاني بخلاف الثانية، فانه قال: " لم تحض في السنة ثلاثا " - وهو أعم - مع أنه مناسب للاعتبار، فانها عند احتباس الثاني


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 239 ]

تتربص تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، كما هو قضية الخبر الاول، وذلك إن لم تردما في الثلاثة بعد التسعة، فان رأت دما في آخر الثلاثة أي آخر السنة لم يكن بد من التربص ثلاثة اخرى، لتمر عليها بيضا، أو مع الدم الثالث، فليحمل الخبر الثاني عليه، لان السائل إنما ذكر أنها لم تحض في السنة ثلاثا - قال -: فاندفع ما في الشرائع من أنه تحكم من غير ابتناء على ان السنة أقصى مدة الحمل كما في النكت " إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم ذكره ما يقتضي رفع التحكم الذي منشأه عدم إشعار الخبر المزبور بل ولا غيره باحتباس الدم الثالث الذي لا يناسبه إطلاق اعتبار الثلاثة أشهر، لامكان إثباته قبل مضيها، على أن الاشهر البيض قد مرت في ضمن التسعة، واحتمال الحمل لا ينافي الاعتداد بكونها عدة معلومية العدم بانقضاء التسع أو السنة، على أن احتباس الثاني أو الثالث لا مدخل له في هذه الاحكام، لان احتمال الحمل يوجب فساد اعتبار الاثنين، كما يوجب فساد الواحدة وأقصى الحمل مشترك بين جميع أفراد النساء بالتسعة أو السنة أو غيرهما، فالفرق بين جعل مدة التربص للعلم بالبراءة من الحمل سنة تارة وتسعة أخرى يرجع إلى التحكم إلا على احتمال تذكره في نصوص محمد بن حكيم (1) الآتية في دعوى الحبل إلى غير ذلك مما لا يخفى. ومن هنا قال بعد ذلك: " وعلى كل من هذه الاقوال يخالف الحكم في هذه الصورة ما تبين سابقا من الاعتداد بأي الامرين سبق من الاشهر الثلاثة البيض أو الاقراء الثلاثة، فالملخص أنها إن رأت الدم مرة أو مرتين ثم ارتفع لليأس لفقت بين العدتين، وإلا فان استرابت بالحمل صبرت تسعة أشهر أو سنة أو خمسة عشر شهرا، وإلا اعتدت بأسبق الامرين، وقريب منه قول القاضي إذا كانت المرأة ممن تحيض وتطهر وتعتد بالاقراء إذا انقطع عنها الدم لعارض من مرض أو رضاع لم تعتد بالشهور، بل تتربص حتى تاتي بثلاثة قروء وإن طالت مدتها، وإن انقطع لغير عارض ومضى لها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما فقد انقضت عدتها، وإن رأت


(1) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 2 و 3 و 5

[ 240 ]

الدم قبل ذلك ثم ارتفع حيضها لغير عذر أضافت إليها شهرين، وإن كان لعذر صبرت تمام تسعة أشهر ثم اعتدت بعدها بثلاثة اشهر، فإذا ارتفع الدم الثالث صبرت تمام سنة ثم اعتدت بثلاثة أشهر بعد ذلك ". والجميع كما ترى ضرورة أن ما ذكره في الملخص لا يوافق شيئا من الضوابط، بل ولا الفتاوى، لما ستعرف من أن مسترابة الحمل لا يجب عليها الصبر تسعة فضلا عن السنة والخمسة عشرا شهرا، وكذا قول القاضي الذي جعله قريبا من ذلك، فان التفصيل المزبور فيه مناف لما عرفت، وكذا إضافة الشهرين، بل وغير ذلك. وإنما المتجه الجمود على مضمون خبر سورة (1) المزبور، لا أنه يجعل قاعدة كلية في كل مسترابة، ضرورة مخالفته للضوابط من وجوه: (منها) اعتبار التسعة أشهر من حين الطلاق، بناء على ان ذلك فيه لاحتمال الحمل، كما يشعر به تعليل المصنف وغيره، فانه لا يطابق شيئا من الاقوال فيه، لان مدته في جميعها معتبرة من آخر وطء يقع بها، لا من حين الطلاق، فلو فرض أنه كان معتزلا لها أزيد من ثلاثة أشهر تجاوزت مدة أقصى الحمل على جميع الاقوال، وقد يكون أزيد من شهر، فيخالف القولين بالتسعة والعشرة. أللهم إلا أن يقال المراد من آخر وطء تعقبه الطلاق بعد الاستبراء منه، نحو ما وقع لهم من التعبير فيما تسمعه من الفرع الثالث الذي اعترف في المسالك بكون ذلك المراد لهم وإن وقع التعبير بما يوهم خلافه مساهلة، فلاحظ وتأمل. أو يقال: إن المراد بالنسبة إلى الحكم الظاهري إذا لم يعلم تقدم وطئه، فان حكم الفراش لا ينقطع عنه إلا بالطلاق، فيلحظ المدة حينئذ فيه. لكن فيه أن الطلاق الصحيح يقتضى سبق الوطء على الحيض، لعدم صحته في طهر المواقعة، فلا بد من تقدير زمان قبل الطلاق أقل ما يمكن فيه الوطء والحيض بعده، كما صرح به في المسالك فيما يأتي.


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 15)

[ 241 ]

أللهم إلا أن يقال: إن ذلك لا ينفي حكم الفراشية التي تكون سببا للحوق الولد الذي يكفي فيه مجرد الاحتمال ولو في زمن الحيض ولو في حال لم يعلم الزوج به من نوم ونحوه فتأمل جيدا، فان ذلك لا يخلو من بحث أيضا. و (منها) الاعتداد بثلاثة أشهر بعد العلم ببراءتها من الحمل بتجاوز الاقصى لانه مع طرو الحيض قبل تمام الثلاثة إن اعتبرت العدة بالاقراء وإن طالت لم يتم الاكتفاء بجميع ذلك، وإن اعتبر خلو ثلاثة أشهر بيض فالمتجه بعد انتهاء أقصى الحمل الاجتزاء بما مر من الاشهر البيض في أثناء التسعة، لان عدة الطلاق لا يعتبر فيها القصد إليها بخصوصها، ودعوى أن التسعة إنما هي للعلم ببراءة الرحم وليست عدة - كما عساه يشعر به الامر بالتربص فيها في الخبر (1) المزبور ثم الاعتداد بالثلاثة يدفعها ظهور غيرها من ما تسعمه من أخبار محمد بن حكيم (2) في مستريبة الحمل أو مدعيته في أنها عدة، على أن تخلل هذه المدة بين الطلاق والعدة مناف للامر بالطلاق للعدة (3) بل مقتضاه عدم إجراء حكم العدة عليها من التوارث والتزويج فيها جهلا وعلما بالنسبة إلى الحرمة أبدا، وغير ذلك مما هو من أحكام العدة. و (منها) أن ذلك مناف لما تسمعه منهم في مسترابة الحمل من جواز التزويج لها وان استرابت به في اثناء العدة على أن الخبر (4) المزبور لا دلالة فيه على أن التسعة لمكان الحمل وإن كان ربما أشعر به التقييد به، لكن قوله: " من حين الطلاق " ينافيه، على أن مقتضاه الاجتزاء بالثلاثة مثلا لو علمت في أثنائها انتفاء الحمل، إلى غير ذلك مما لا يخفى عدم انطباقه على الضوابط. فالمتجه الجمود على مضمون الخبر (5) المزبور في خصوص المفروض من دون أن يجعل قاعدة كلية، بل الظاهر أن ذلك فيه عدة للموضوع الخاص من حيث


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2. (2) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 2 و 3 و 4 و 5. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (4 و 5) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 242 ]

كونه بالوصف المزبور في النص، لا أن التسعة زمان تربص للاستبراء والثلاثة بعدها زمان العدة. وبذلك يظهر لك الاشكال في خبر عمار (1) بل هو أشد إشكالا مما فيه، على أن موضوعه غير الموضوع في خبر سورة (2) فمن الغريب ذكر مضمونهما على موضوع واحد، ولم نجد في شئ مما وصل إلينا من النصوص ما هو بمضمونهما. وأما أخبار محمد بن حكيم (3) التي هي في مدعية الحبل ومستريبته فهي غير ما نحن فيه، ولقد وقع هنا خبط عظيم في بعض الكلمات، وخصوصا في الحدائق، فانه على إطنابه في المقام وزعمه أنه قد جاء بشئ لم يسبق إليه قد خبط في موضوعات الاحكام وعنوانها، كما لا يخفى على من لاحظ تمام كلامه، ولولا كثرة الكلمات في المقام ودعوى الشهرة من غير واحد في العمل بخبر سورة (4) لامكن تنزيل الخبرين المزبورين على ضرب الندب في الاحتياط والاستظهار نحو ما تسمعه في أخبار محمد بن حكيم (5) وغيره الواردة في دعوى الحبل والمستريبة فيه، فان التأمل الجيد فيها يقتضي اتفاقها في المذاق والمساق، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن المتجه بناء على العمل بالخبر (6) المزبور الجمود على مضمونه الذي هو في الحرة قطعا، وكان اقتصار المصنف على رؤية الدم في الثالث يومئ إلى بعض ما ذكرناه من الجمود، مع أن الخبر المزبور لا صراحة فيه في ذلك بل ولا ظهور، لكن عليه لو رأت في الشهر الاول أو الثاني واحتبس ففي إلحاقه بما ذكروه نظر، من مساواته له في المعنى بل أولى بالاسترابة بالحمل، ومن قصر الحكم المخالف على مورده، فرده إلى القاعدة - وهي الاعتداد بأسبق الامرين - أولى.


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 1 - 2. (3 و 5) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 2 و 3 و 4 و 5. (4 و 6) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 243 ]

نعم لو قيل في مثل ذلك بوجوب مراعاة الاقراء وإن طالت المدة اتجه حينئذ الاقتصار على ما في الخبر المزبور نظرا إلى الاولوية التي ليست من القياس الباطل. ومن الغريب ما في المسالك، فانه بعد أن أطنب في المقام وأشكل العمل بالخبرين (1) المزبورين من وجوه قال: " ولو قيل بالاكتفاء بالتربص مدة يظهر فيها انتفاء الحمل كالتسعة من غير اعتبار مدة اخرى كان وجها " ضرورة منافاة ذلك للقاعدة المزبورة، ولما يأتي من عدم وجوب التربص تسعة في مستريبة الحمل، نعم لا بأس بذلك على ضرب من الندب للاحتياط والاستظهار، وإن كان لا محيص عن العمل بخبر سورة (2) لاعتضاده بفتوى المشهور، فالمتجه الاقتصار عليه في تقييد القاعدة المزبورة من غير تعد لغيره على وجه يجعل عنوانا لمطلق المسترابة إذا رأت الدم في دون الثلاثة أشهر ثم ارتفع حيضها ولو لعارض معلوم من عادة ونحوها، كما وقع من غير واحد، ضرورة زيادة ذلك على مقتضى الدليل المزبور، فيكون تقييدا للقاعدة بغير مقيد، كما أن المتجه جعل الجميع فيه عدة للموضوع المفروص من حيث كونها كذلك وإن بان بعد ذلك كونها غير حامل، لا أنها خصوص الثلاثة بعد التسعة. (ولو رأت الدم مرة ثم بلغت اليأس أكملت العدة بشهرين) بلا خلاف أجده فيه، لخبر هارون بن حمزة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في امرأة طلقت وقد طعنت في السن فحاضت حيضة واحدة ثم ارتفع حيضها، فقال: تعتد بالحيض وشهرين مستقبلين، فانها قد يئست من المحيض " ولما سمعته سابقا من النص (4) الدال على أن لكل شهر حيضة، بل ذلك هو الحكمة في قيام الاشهر مقام الاقراء عند تعذرها على المعتاد، وحينئذ فهي بدل عنها، من غير فرق بين تعذر الجميع أو البعض،


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 1 و 2. (2) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2. (3) الوسائل الباب 6 من أبواب العدد الحديث 1. (4) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 7 و 3 وقد ورد في لفظ الحديث 2 من هذا الباب " لكل شهر حيضة " الا أنه لم يتقدم سابقا.

[ 244 ]

ولا يشكل ذلك بمحتبسة الحيض لعارض، لوضوح الفرق بينهما بامكان عوده فيها دون الفرض. بل مقتضى ذلك وفحوى النص المزبور بل والتعليل في آخره التلفيق بشهر لو فرض مجئ الحيض مرتين، ولا تلفيق في عدة غيرها. بل قد يقال: إن مقتضاهما أيضا إتمام عدتها بعد سن اليأس لو فرض طلاقها قبله مثلا بشهر أو شهرين بل أو لحظة، وكانت ممن تعتد بالشهور، بل لعله أولى من التلفيق المزبور وإن كان إجراء ذلك على مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن اقتضاء فحوى الخبر المزبور لا يخلو من إشكال، بناء على خروج مثل الفرض عن المنساق من إطلاق الادلة، والاصل براءة الذمة من الاعتداد. ودعوى الحكم بأن السابق على زمن اليأس من العدة، فيستصحب يدفعها إمكان منع أنها منها بعد فرض معلومية حالها، لما عرفت من كونها موضوعا جديدا غير داخل في المنساق من الادلة، أللهم إلا أن يمنع ذلك كله بسبب معلومية صدق كونها غير آيس عند الطلاق، فيشملها أخبار العدة (1) وأخبار المطلقة (2) والامر في ذلك كله سهل بعدما سمعت من كون حكمها الاعتداد، ولو لفحوى النص المزبور حتى لو تكن ذات أقراء وقد صادف طلاقها لحظة قبل زمن سن اليأس، نعم لو فرض اتحاد زمان آخر صيغة الطلاق مع أول زمن اليأس اتجه عدم اعتدادها حينئذ. (ولو استمر بالمعتده الدم مشتبها) بأن تجاوز العشرة (رجعت إلى عادتها في زمان الاستقامة) وقتا وعددا أو أحدهما إن كانت وأمكن اعتبارها، بأن لم تتقدم ما اعتادته من الوقت ولا تأخرت عنه، وتجعل الباقي استحاضة، فتلحق بالاول حكم الحيض والباقي حكم الطهر إلى وقت العادة من الشهر الآخر، وتنقضي بذلك العدة كغير المستمر بها الدم من المستقيمة، والتقييد بالاشتباه باعتبار احتماله بالحيض فيما زاد على العادة قبل التجاوز وإن كان بعد التجاوز لا اشتباه لما عرفت (ولو لم تكن لها عادة)


(1 و 2) الوسائل الباب 12 وغيره من أبواب العدد.

[ 245 ]

لابتدائها أو اضطرابها أو كانت ونسيتها (اعتبرت صفة الدم) بشرائطه المتقدمة في باب الحيض (فاعتدت بثلاثة أقراء) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال، لما تقدم في محله من كون ذلك طريقا شرعيا في تشخيص الحيض المقتضي لتشخيص الطهر، فيتبعه حكم العدة، مضافا إلى مرسل جميل (1) عن أحدهما عليهما السلام في خصوص المقام، قال: " تعتد المستحاضة بالدم إذا كان في أيام حيضها أو بالشهور إن سبقت إليها، وإن اشتبه فلم تعرف أيام حيضها فان ذلك لا يخفى، لان دم الحيض دم عبيط حار ودم الاستحاضة أصفر بارد " (ولو اشتبه) على وجه لا يتحقق به التمييز المعتبر شرعا (رجعت إلى عادة نسائها) من أقربائها أو أقرانها على ما تقدم في محله، مضافا إلى خبر محمد بن مسلم (2) هنا سأل أبا عبد الله عليه السلام " عن عدة المستحاضة، فقال: تنتظر قدر أقرائها فتزيد يوما أو تنقص يوما، فان لم تحض فلتنظر إلى بعض نسائها فلتعتد بأقرائها ". ولكنه كما ترى صريح في خصوص المبتدأة التي قد عرفت اختصاص الحكم بها أيضا في محله، لانها هي التي نطقت الاخبار (3) برجوعها إلى نسائها، ويمكن أن يكون إطلاق المصنف وغيره إتكالا على ما تقدم في كتاب الطهارة، نعم ما في الارشاد من التصريح بالمضطربة دون المبتدأة كأنه سهو من القلم، وربما يستظهر من ابن إدريس تقدم عادة النساء على التمييز، لكن المحكي من كلامه مضطرب، بل قيل: إنه لا يكاد يفهم. (ولو اختلفن) أن فقدن (اعتدت بالاشهر) كفاقدة التمييز من المضطربة، لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (4): " عدة المرأة التي لا تحيض والمستحاضة التي


(1 و 2) الوسائل الباب 5 من أبواب العدد الحديث 1 - 2 وفى الثاني أنه سأل أبا جعفر عليه السلام... " الا أن في الفقيه ج 3 ص 333 عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) الوسائل الباب 8 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة. (4) الوسائل الباب 2 من أبواب العدد الحديث 8.

[ 246 ]

لا تطهر والجارية التي قد يئست ولم تدرك المحيض ثلاثة أشهر " وقوله عليه السلام أيضا في خبر أبي بصير (1): " عدة التي لم تحض والمستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر " وقد عدها أيضا في صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام ممن عدتها ثلاثة أشهر، بل في خبر موسى بن بكير عن زرارة (3) كون ذلك كالمفروغ منه. مؤيدا ذلك كله بالنصوص (4) الدالة على إبدال الاشهر عن الاقراء مع تعذرها، على أن يكون لكل شهر حيضة. ومنه هنا لم يكن خلاف بين الاصحاب فيما أجده في اعتدادها بذلك وإن قالوا في كتاب الطهارة بتحيضها بالروايات (5) فيكون حكم العدة هنا مخالفا لما هناك، ولعله لمنافاة تخييرها بالروايات بين الثلاثة من شهر وعشر من آخر أو سبعة من كل شهر في أي مكان من الشهر شاءت، لانضباط العدة الظاهر من النص والفتوى اعتباره. لكن عن ابن إدريس أنه قال: " هنا (6) على قول من يقول بكون حيض هذه في كل شهر ثلاثة أيام أو عشرة أيام أو سبعة أيام، ففي الثلاثة أشهر تحصل لها ثلاثة أطهار، فأما على قول من يقول بجعل عشرة أيام طهرا وعشره حيضا فتكون عدتها أربعين يوما ولحظتين " وظاهره وجود المخالف، ولكني لم أتحققه، بل فيه أنه لا يتعين على القول الاول الثلاثة أشهر، بل يكفي شهران ولحظتان. (ولو كانت لا تحيض إلا في ستة أشهر) أو أربعة (أو خمسة) أو أزيد من ذلك أو أنقص ولو بعد كل ثلاثة (أشهر اعتدت بالاشهر) دون الاقراء بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام اتفاقا كما في الخلاف والسرائر، لخبر زرارة (7)


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث - 9 - 1 - 4 - 0 - والثالث عن موسى بن بكر، عن زرارة، (5) الوسائل الباب 8 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة، (6) وفى السرائر " هذا " راجع ص 341 ط ايران، (7) الوسائل الباب 3 من أبواب العدد الحديث 11،

[ 247 ]

" سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو في أربع سنين، قال: تعتد ثلاثة أشهر ثم تتزوج إن شاءت " وخبر ابي بصير (1) عنه عليه السلام أيضا أنه قال: " في المرأة التي يطلقها زوجها وهى تحيض كل ثلاثة أشهر حيضة، فقال: إذا انقضت ثلاثة أشهر انقضت عدتها، يحسب لها لكل شهر حيضة " وخبر أبي مريم (2) عنه عليه السلام أيضا " عن الرجل كيف يطلق امرأته وهي تحيض في كل ثلاثة أشهر حيضة واحدة ؟ قال: يطلقها تطليقة واحدة في غرة الشهر، فإذا انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلاقها فقد بانت منه، وهو خاطب من الخطاب " ومنه يعلم كون المراد من حيضها في كل ثلاثة أشهر بعدها. وفي صحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: " في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو في سبعة أشهر، والمستحاضة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي تحيض مرة ويرتفع مرة، والتي لا تطمع في الولد، والتي قد ارتفع حيضها وزعمت انها لم تيأس، والتي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم، فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر ". مضافا إلى ما دل (4) من الاعتداد بأسبق الامرين: الاقراء أو الثلاثة أشهر، بناء على عدم اشتراط الاعتداد بالاشهر بوقوع الطلاق بعد ثلاثة أشهر بيض، لاطلاق النص (5) والفتوي، فلو كانت لا تحيض إلا بعد ثلاثة وطلقت حيث بقي إلى حيضها شهر اعتدت بالاشهر أيضا وإن رأت الدم بعد شهر، لصدق ثلاثة أشهر بيض على ثلاث حيض، فانه أعم من أن يكون بعد الطلاق من غير فصل أو مع الفصل، فتكون عدتها ثلاثة أشهر مع الحيض السابق والطهر السابق عليه، ولا بعد


(1 و 3) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 2 - 1. (2) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 3. (4) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 3 و 5. (5) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 248 ]

في اختلاف العدة باختلاف وقت الطلاق طولا وقصرا، بل هو الواقع في المعتدة بالاقراء. وإن أبيت إلا عن اعتبار اتصال أشهر البيض بالطلاق أمكن القول باختصاص ذلك في المسترابة، ومحل الفرض ليس منها، بل هي تعتد بثلاثة أشهر وإن تخلل بينها دم، لا طلاق النصوص (1) المزبورة المعتضدة بالفتاوى، بل كأنه صريح المحكى في المسالك عن التحرير أو ظاهره وإن كنا لم نتحققه. وعلى كل حال ما في خبر الكناني (2) - " سألت الصادق عليه السلام عن التي تحيض كل ثلاثة أشهر مرة كيف تعتد ؟ قال: تنتظر مثل قرئها التي كانت تحيض فيه على الاستقامة، فلتعتد ثلاثة قروء، ثم لتتزوج إن شاءت " وعن التهذيب والفقيه " سنين " بدل " أشهر " مثل خبرى أبى بصير (3) والغنوي عنه عليه السلام أيضا - لم أجد عاملا به، فلا بأس بطرحه أو حمله على إرادة الكناية بذلك عن الاشهر، على معنى احتساب كل شهر بحيضة، كما أومى إليه في خبر أبي بصير (5) السابق، بل لعل حكمة الاكتفاء بالاعتداد بثلاثة أشهر عن الاقراء ذلك. (ومتى طلقت في أول الهلال) بأن انطبق آخر لفظ الطلاق مع الغروب ليلة الهلال (اعتدت بثلاثة أشهر أهلة) بلا خلاف بل ولا إشكال، لانصراف الشهر إلى الهلالي في عرف الشرع، بل وفي العرف العام، بل قد سمعت التصريح بذلك في خبر أبي مريم (6) السابق، نعم قد يقال: يصدق الطلاق في غرة الشهر بأوسع من التقدير المزبور الذي لا يكاد يمكن تحققه في الخارج، وحينئذ فيتسامح مقدار زمان وقوع صيغة الطلاق ونحوه في صدق الثلاثة.


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 10 راجع التهذيب ج 8 ص 122 والفقيه ج 3 ص 332. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث - 14 - 19 - 2. (6) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 4.

[ 249 ]

(و) كيف كان ف‍ (لو طلقت في أثنائه اعتدت بهلالين) لتمكنها منهما، وقد عرفت كون الشهر حقيقة فيهما (وأخذت من الثالث بقدر الفائت من الشهر الاول) ليتحقق صدق الثلاثة الاهلة عرفا ولو لكون ذلك أقرب المجازات إلى الحقيقة (وقيل تكمله ثلاثين) لامكان الهلالية في الشهرين وتعذره في الباقي، فينصرف إلى العددى (وهو الاشبه) عند المصنف. ولكن فيه ما لا يخفى كالقول باعتبار العددى في الجميع، لاه أ يكمل الاول من الثاني فينكسر، ويكمل من الثالث فينكسر، فيكمل من الرابع. وكذا احتمال تلفيق ما نقص من الاول بمقداره من الاخر، بمعنى انه لو فرض وقوعه في النصف من الاول لوحظ النصف من الاخر، ومقتضاه حينئذ تلفيق شهر تكون أيامه ثلاثين يوما إلا نصف يوم، وهو خارج عن الهلالي والعددي، فالاقوى ما ذكرناه أولا، وذلك لان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين مجاز في غيره، ولا يقدح اختلاف مصداقه بالتسعة وعشرين تارة والثلاثين اخرى عرفا في جميع الاجال من غير فرق بين البيع وغيره، ومع تعذر الحقيقة فأقرب المجازات إليها التلفيق بما ذكرناه. وبذلك يعرف الحال في جميع أفراد المسألة، إذ هي غير خاصة في المقام، بل لعل السنة كذلك أيضا، فانها حقيقة في الاثنى عشر شهرا هلاليا، وتلفيقها بما ذكرنا إلا أن تقوم القرينة على إرادة غير ذلك. (تفريع:) (لو ارتابت بالحمل) لحركة أو ثقل أو نحوهما (بعد انقضاء العدة والنكاح لم يبطل) النكاح، للاصل بل الاصول، بل ظاهر حسن محمد بن حكيم (1) عن العبد الصالح عليه السلام عدم اعتبار الريبة بعد الثلاثة أشهر، قال: " قلت له: المرأة


(1) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 4.

[ 250 ]

الشابة التي يحيض مثلها يطلقها زوجها فيرتفع طمثها ما عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: جعلت فداك فانها تزوجت بعد ثلاثة أشهر فتبين لها بعد ما دخلت على زوجها أنها حامل، قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم، رفع الطمث ضربان، إما فساد من حيضة فقد حل لها الازواج وليس بحامل، وإما حامل فهو يستبين بثلاثة أشهر، لان الله تعالى قد جعله وقتا يستبين فيه الحمل، قال: قلت: فانها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فانها ارتابت بعد تسعة أشهر، قال: إنما الحمل تسعة أشهر، قلت: تتزوج ؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فانها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: ليس عليها ريبة تتزوج " الخبر. (وكذا) يجوز لها التزويج، للاصل وغيره (لو حدثت الريبة بعد العدة وقبل النكاح) ولا ينافي ذلك ما في ذيل الحسن السابق (1) وموثقه الاخر (2) " قلت له: المرأة الشابة التي يحيض مثلها يطلقها زوجها ويرتفع حيضها كم عدتها ؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فانها ادعت الحبل بعد الثلاثة أشهر، قال: عدتها تسعة أشهر، قلت: فانها ادعت الحبل بعد التسعة أشهر، قال: إنما الحبل تسعة أشهر، قلت: تتزوج ؟ قال: تحتاط بثلاثة اشهر، قلت: فانها ادعت بعد الثلاثة أشهر، قال: لا ريبة عليها تتزوج إن شاءت " بعد التنزيل على الاولوية والاحتياط، أو على استبانة الحمل لها بعد الثلاثة، على أن الاخير منهما مشتمل على دعواها الحمل نحو خبره الثالث (3) عن أبى عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليهما السلام " قلت له: رجل طلق امرأته فلما مضت عليها ثلاثة أشهر ادعت حبلا، قال: ينتظر بها تسعة أشهر، قال: قلت: فانها ادعت بعد ذلك حبلا فقال: هيهات هيهات هيهات، إنما يرتفع الطمث من ضربين: إما حمل بين وإما فساد من الطمث، ولكنها تحتاط بثلاثة أشهر بعد " وهو غير ما نحن فيه من الاسترابة، ضرورة


(1) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 4. (2 و 3) الوسائل الباب 25 من إبواب العدد الحديث 5 2.

[ 251 ]

أنه لا إشكال في تربصها تسعة مع دعواها الحمل، فانها مكلفة بالاعتداد، والفرض أنها بزعمها من ذوات الاحمال، كما ستسمع الكلام فيه. (أما لو ارتابت فيه قبل انقضاء العدة لم) يجز لها أن (تنكح) عند الشيخ، ومال إليه المحدث البحراني، بل هو خيرة الفاضل في التحرير والمختلف (ولو انقضت العدة) لحصول الشك في الحقيقة في انقضائها وفي براءة الرحم، ولابتناء النكاح على الاحتياط، وحسن ابن عبد الرحمان بن الحجاج أو صحيحه (2)، عن الكاظم عليه السلام " سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حبلا انتظرت تسعة أشهر، فان ولدت وإلا اعتدت ثلاثة أشهر، ثم قد بانت منه " (و) لكن مع ذلك (لو قيل بالجواز ما لم يتيقن الحمل كان حسنا) بل في القواعد " هو الاقرب " لانقضاء العدة شرعا وأصل انتفاء الحمل المؤيد بما عرفت، فيحمل ما سمعته في النصوص السابقة على الندب، نحو الامر بالاحتياط بالثلاثة بعد التسعة. على أن الصحيح المزبور وخبري ابن حكيم الاخيرين في دعوى الحبل، وقد عرفت خروجه عن مفروض المسألة، وأما الاول فظاهر سؤاله أنها تبينت الحمل بعد الثلاثة وبعد الدخول على زوجها، مع أن الامام عليه السلام أجابه بعدم العبرة بهذا التبين وإن كان بعد ذلك متصلا به ذكر التربص تسعة أشهر بالريبة بعد الثلاث. ومنه يعلم اضطراب الرواية ولابد من حمل الاخير فيها على ضرب من الندب، كالامر بالاحتياط فيها ثلاث أشهر. وعلى كل حال هي غير ما ذكره الشيخ الذي مبناه على الظاهر عروض الارتياب لها في أثناء العدة، فيستصحب حالها إلى انقضاء عدة الحامل، ولو لانها من شبهة


(1) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث 1 عن عبد الرحمان بن الحجاج.

[ 252 ]

الموضوع، بخلاف الذي تزوجت وجرى أصل الصحة على العقد المتعلق بغيرها، بل وكذا من انقضت عدتها من دون استرابة التي حكم بظاهر الادلة بخروجها منها. وفيه (أولا) مع كون المشكوك في أنه من أفراد الخاص أو العام من شبهة الموضوع، كما حققنا في محله. و (ثانيا) أن عدم الحمل المستصحب في خصوص الامرأة المشكوك في حالها كاف في الحكم شرعا بعدم كونها من أفراد الخاص، وفي بقاء الحكم العام عليها، والاحتياط إنما هو من الامور المستحبة حتى في الصورتين اللتين وافقنا الشيخ على الحكم فيهما، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (على) سائر (التقديرات إذا ظهر حمل بطل النكاح الثاني، لتحقق وقوعه في العدة) التي هي وضع الحمل دون الاقراء والثلاثة، فانها أمارة في الظاهر لا تعارض الواقع بعد فرض حصوله، كما هو واضح، والله العالم. (الفصل الرابع) (في) عدة (الحامل) (و) لا ريب في أنها (هي) ولو كانت أمة (تعتد بالطلاق بوضعه ولو بعد الطلاق بلا فصل) كتابا (1) وسنة (2) مستفيضة أو متواترة، قد سبق جملة منها في طلاق الحامل ويأتي في أثناء البحث أيضا، وإجماعا بقسميه، بل ظاهر الاولين كون ذلك عدتها دون الاقراء والاشهر، كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا وإن كان الصدوق وابن حمزة على اعتدادها بأقرب الاجلين منهما


(1) سورة الطلاق " 65 الاية 4. (2) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد الحديث - 0 -.

[ 253 ]

ومن الوضع، بل ظاهر المرتضى وابن إدريس وجود مخالف غيرهما وإن كنا لم نتحققه. وكيف كان فقد ذكروا له خبر أبى الصباح (1) عن الصادق عليه السلام " طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الاجلين " وصحيحا الحلبي (2) وأبى بصير (3) عنه عليه السلام أيضا " طلاق الحبلى واحدة وأجلها أن تضع حملها، وهو أقرب الاجلين " وقالوا: إنه قاصر عن معارضة غيره من الكتاب (4) والسنة (5) من وجوه، سيما بعد احتماله إرادة أن وضع الحمل أقرب العدتين باعتبار إمكان حصوله بعد الطلاق بلحظة، بل لعله ظاهر الاخيرين الذي ينبغي حمل الاول عليه، ضرورة أنه لا وجه للحكم بكونه كذلك إلا ما ذكرنا، وهو غير الاعتداد بأقرب الاجلين، وعدم قابلية عبارة الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام (6) للتأويل المزبور غير قادح، لقصوره أيضا، مع عدم تحقق النسبة المزبورة، بل من القوي كونه من تصانيف الصدوق رحمه الله وإن أرسل فيه عن الرضا عليه السلام ما يوهم كونه له. هذا ولكن الانصاف عدم خلو قوله من قوة، ضرورة كونه مقتضى الجمع بين الادلة كتابا (7) وسنة، إذا منها ما دل (8) على اعتداد المطلقة بالثلاثة، ومنها ما دل (9) على اعتداد الحامل مطلقة كانت أو غيرها بالوضع، فيكون أيهما سبق يحصل به الاعتداد، نحو ما سمعته في الثلاثة أشهر والاقراء، بعد القطع بعدم احتمال كون كل منهما عدة في الطلاق كي يتوجه الاعتداد حينئذ بأبعدهما.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد الحديث 3 - 6 - 2. (4) سورة الطلاق: 65 الاية 4. (5) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد. (6) المستدرك الباب 9 من أبوب العدد الحديث 1. (7) سورة البقرة: 2 الاية 228 وسورة الطلاق: 65 الاية 4. (8) الوسائل الباب 12 من أبواب العدد. (9) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد.

[ 254 ]

وأما الصحيحان فالمراد منهما الاعتداد بالوضع حال كونه أقرب الاجلين، فالجمله حالية، فيوافقان الخبر الاول بل جعلها مستأنفة لا حاصل له، ضرورة كون الموجود في الخارج منه كلا من الاقرب والابعد، إذ كما يمكن الوضع بعد لحظة يمكن تأخره تسعة، بل يمكن القطع بفساد إرادة ذلك منهما، وكأن هذا هو الذي دعى المتأخرين إلى الاطناب بفساد قول الصدوق " ره "، وأنه في غاية الضعف، وإلا أن الانصاف خلافه، بل إن كان منشأ الشهرة هذا التوهم الفاسد من الصحيحين كان قولهم بمكانة من الضعف، ضروره عدم المعارض إلا إطلاقات لا تصلح مقابلة للتصريح المصرح به في المعتبر من النصوص المتعددة، فتأمل جيدا. وكيف كان فلا فرق في اعتدادها بذلك (سواء كان تاما أو غير تام ولو كان علقة بعد أن يتحقق أنه حمل) يندرج في إطلاق الكتاب (1) والسنة قال ابن الحجاج في الموثق (2): " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الحبلى إذا طلقها زوجها فوضعت سقطا تم أو لم يتم أو وضعته مضغة، قال: كل شئ يستبين أنه حمل تم أو يتم فقد انقضت عدتها وإن كان مضغة ". وربما ظهر منه أن أقل ما يتحقق به الحمل المضغة، كما عن ابن الجنيد التصريح به، فلا عبرة بالنطفة مع عدم استقرارها إجماعا بقسميه، بل ومعه، وإن قال في المسالك: " فيه وجهان، من الشك في كونه قد صار حملا " لكن من المعلوم عدم العبرة به مع الشك في كونه حملا، ضرورة عدم تحقق الاندراج في أولات الاحمال " ومن الغريب ما حكاه فيها من إطلاق الشيخ انقضاء العدة بالنطفة، بل في كشف اللثام أنه خيرة التحرير والجامع، لعموم النصوص (3) ثم قال فيها أيضا، " والوجهان آتيان في العلقة، من الدم التي لا تخطيط فيها - بل قال -: إنه وافق


(1) سورة الطلاق " 65 الاية 4. (2) الوسائل الباب 11 من أبواب العدد الحديث 1. (3) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد.

[ 255 ]

المصنف وجماعة الشيخ عليها، وهو قريب مع العلم بأنها مبدأ نشوء آدمي وإلا فلا " وفيه أنه لا ريب في كونها مبدأ آدمي، إذ هي كما عن بعض كتب أهل اللغة الدم الجامد المتكون من النطفة، إنما الكلام في صدق الحمل عرفا والا فلا ريب في أن النطفة مبدأ نشوء آدمى، ولذلك اكتفى بها من عرفت، ولا ينافى ذلك احتساب اقصى الحمل من حين الوطء، فانه لا يقتضي صدقه عرفا بذلك. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما في المسالك أيضا من أنه " إذا لم تظهر الصورة والتخطيط لكل واحدة من المضغة والعلقة ولكن قالت القوابل وأهل الخبرة من النساء أن فيه صورة خفية، وهي بينة لنا وإن خفيت على غيرنا حكم بانقضاء العدة وإثبات النسب وسائر الاحكام بذلك، ولو لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا خفية تعرفها القوابل ولكن قلن: إنه أصل لادمي، لو بقي لتصور وتخلق ففي الاكتفاء به قولان، ويظهر من المصنف الاكتفاء به، كما قطع به الشيخ لعموم الاية (1) وخصوص خبر ابن الحجاج (2) ". وفيه - بعد الاغضاء عن الدليل على قبول شهادة القوابل هنا في ذلك، خصوصا بعد أن لم يذكروه في كتاب الشهادات مما تقبل فيه شهادة النساء منفرادت - ما قد عرفت من احتمال كون المدار على صدق الحمل عرفا، لا أنه نشوء آدمي، بل من المحتمل ارادة المصنف ومن عبر كعبارته ذلك ايضا. نعم هو ظاهر التحرير قال: (لا فرق بين ان يكون الحمل تاما او غير تام بعد أن يعلم أنه حمل وان كان علقة، سواء ظهر فيه خلق آدمى من عينين أو ظفر أو يد أو رجل أو لم يظهر لكن تقول القوابل: إن فيه تخطيطا باطنا لا يعرفه إلا أهل الصنعة، أو تلقي دما متجسدا (مستجسدا خ ل) ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، لكن تشهد القوابل أنه مبدأ خلق آدمي، لو بقي لتخلق وتصور، أما لو ألقت نطفة أو علقة انقضت بها العدة ".


(1) سورة الطلاق: 65 الاية - 4. (2) الوسائل الباب 11 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 256 ]

وظاهره عدم اشتراطه في النطفة والعلقة العلم أو الظن بكونها مبدأ نشوء آدمي، وهو ظاهر المبسوط، ولعل الوجه فيه أن النطفة مبدأ مطلقا شرعا، وأن العلقة إنما أريد بها الدم الجامد المتكون من النطفة كما فسرت به في بعض كتب اللغة، وظاهر أنه مبدأ له البتة، وعبر عن الدم الجامد الذي لا يعلم تكونه من النطفة بالدم المتجسد الخالي عن التخطيط. قلت: قد عرفت أن المدار على صدق الحمل عرفا، لا كونه نشوء آدمى، فانه أعم من ذلك، وهذا هو الوجه في تقييد المصنف وغيره بذلك، بل لعل الخبر (1) المزبور كذلك، لا أقل من الشك في صدق الحمل بالمفروض، وقد صرح المصنف وغيره بعدم العبرة به وقد عرفت وجهه، بل الظاهر عدم العبرة بظن أنه حمل فضلا عن الشك، لاعتبار العلم في مصاديق الالفاظ. لكن في القواعد " الشرط الثاني: وضع ما يحكم بأنه حمل أو ظنا، فلا عبرة بما يشك فيه " وشرحها في كشف اللثام " أي مستقر في الرحم آدمي أو مبدأ له، علما وهو ظاهر أو ظنا لقيامه مقام العلم في الشرع إذا تعذر العلم، ولانها إذا علقت دخلت في اولات الاحمال، وربما أسقطت، فان لم يعتبر الظن لم يكن أجلها الوضع، فلا عبرة بما يشك فيه اتفاقا، إذ لا عبرة بمجرد الاحتمال مع مخالفة الاصل ". ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، بل دعوى قيام الظن بأنه حمل مقام العلم واضحة المنع، ويمكن أن يريد الفاضل الظن المخصوص الناشئ من شهادة القوابل كما سمعته منه في التحرير، وإن كان فيه ما عرفت أيضا من عدم الدليل على قبول شهادتهن بذلك. وأما الوضع فالمرجع فيه الصدق عرفا، فلا يصدق على خروج البعض متصلا أو منفصلا ولو المعظم إلا ما لا ينافي صدق وضعه عرفا من تخلف بعض الاجزاء، وهو واضح.


(1) الوسائل الباب 11 من أبواب العدد الحديث 1. (جواهر الكلام - ج 16)

[ 257 ]

كوضوح اعتبار وضعه ملحقا شرعا بذي العدة، من المطلق أو الفاسخ أو غيرهما، أو محتملا أنه منه لكونها فراشا وإن انتفى باللعان، بناء على عدم انتفاء نسبه منه به وإن انتفت أحكام الولد شرعا منه، فلا عبرة بوضع الحمل غير ملحق به شرعا، كما لو كان الزوج بعيدا عنها بحيث لا يحتمل تولده منه. ولا تنقضي به عدة بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في كشف اللثام، إذ الاعتداد به إنما هو لبراءة الرحم، ولا مدخل لبراءته من ولد غير المطلق في انقضاء عدتها منه، والكتاب (1) والسنة (2) وإن عما إلا أن المنساق كون الحمل ممن له العدة، فيبقى نصوص (3) الاعتداد بالاقراء والاشهر على حالها، بل لعل ما تسمعه من مادل على عدم الاجتزاء بوضعه لو كان من زنا في عدة الطلاق ظاهر فيما ذكرناه. وحينئذ فلو أتت زوجة البالغ الحاضر بولد لدون ستة أشهر من الدخول لم يلحقه، فلا يعتبر وضعه في العدة، فان ادعت أنه وطأها قبل العقد للشبهة ولم يصدقها لم تعتد به على الاقوى وإن احتمل كونه منه، لكنه منفي عنه شرعا، لانتفاء الفراش، ولا عبرة بالاحتمال ما لم يستند إلى سبب شرعي بخلاف المنفي باللعان، فان النسب له ثابت بأصل الشرع بالفراش، نعم لو صدقها انقضت العدة به بلا إشكال. (ولو طلقت فادعت الحمل صبر عليها أقصى الحمل، وهو تسعة أشهر) من حين الوطء، لانها بزعمها حينئذ من أولات الاحمال الواجب عليهن الاعتداد بذلك (ثم لا تقبل دعواها) للعلم ببطلانها حينئذ. (وفي رواية) أن أقصى الحمل (سنة وليست مشهورة) كما عرفته في محله. إلا أنك قد سمعت هناك اختيار المصنف كونه عشرة لا تسعة، كما أنك قد


(1) سورة الطلاق: 65 الاية 4. (2) الوسائل الباب 9 من أبواب العدد. (3) الوسائل الباب 4 و 12 من أبواب العدد.

[ 258 ]

سمعت النصوص (1) السابقة الامرة بصبرها تسعة، وفي بعضها (2) أنها الاقصى، لكن تضمنت الامر باحتياطها ثلاثة أشهر مع ذلك، وحينئذ تكون سنة ويمكن إرادة المصنف الاشارة إليها، بل في القواعد هنا " صبر عليها أقصى الحمل، وهو سنة " مع أن مختاره فيها خلاف ذلك، مضافا إلى عدم إشارة في النصوص المزبور أن أقصى الحمل سنة، بل فيها ما ينافي ذلك. ومن هنا قد اختار جماعة العمل بها تعبدا وإن لم يكن الاقصى، بعد تنزيل الامر حتى ما كان بلفظ الاحتياط على الوجوب الذي هو حقيقته. ولكن فيه ما لا يخفى من البعد عن القواعد الشرعية، إذا الفرض انحصار الارتياب فيها بالحمل المفروض كون أقصاه التسعة التي بمرورها قد علم انتفائه، فتكتفي بالثلاثة الاشهر التي في ضمنها عدة لها، بل المتجه حينئذ ظهور عدم كون ما زاد عليها عدة، إذا احتمال كونها عدة لها من حيث الارتياب ودعواها الحمل وإن بان خلافه كما ترى. وأحسن شئ تحمل عليه هذه النصوص تفاوت مراتب الاقصى، ففي الغالب عدم تأخره عن التسعة، وبذلك حده الشارع في جملة من الاحكام، وربما بلغ السنة، لكنه من الافراد النادرة التي لا تنافي إجراء الاحكام على التسعة، ولكن لا باس بالاحتياط له في نحو المقام، لشدة الامر في الفروج. بل لعل رواية عمار (3) السابقة تقتضي خمسة عشر شهرا، وهذا وإن كان منافيا لما ذكرناه سابقا في كتاب النكاح لكن لا بأس بالقول به هنا، للنصوص (4) المزبورة المعمول بها، خصوصا بعد حمل الامر بالاحتياط فيها بالثلاثة على الندب الذي يتسامح فيه، بل ربما كان في لفظ الاحتياط إشعار به، بل أحوط منه الانتظار بها خمسة عشر شهرا لخبر عمار (5) السابق.


(1 و 2) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد الحديث - 0 - 2. (3 و 5) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 1. (4) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد.

[ 259 ]

وبالجملة لا ملحوظ في المقام إلا احتمال الحمل الذي ينبغي الاحتياط فيه بالصبر إلى زمان الطمأنية بعدمه، لان أمر الانساب شديد. (ولو كان حملها اثنين) مثلا (بانت ب‍) وضع (الاول و) إن كان (لم تنكح إلا بعد وضع الاخير). كما عن النهاية وابني حمزة والبراج، لخبر عبد الرحمان (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن رجل طلق امرأته وهي حبلى وكان ما في بطنها اثنان فوضعت واحدا وبقى واحد، قال: تبين بالاول، ولا تحل للازواج حتى تضع ما في بطنها " ولان الحمل صادق على الواحد، فيصدق الوضع بوضعه، ولانه لاريب في أنه كذلك حالة الانفراد فكذا عند الاجتماع، للاستصحاب. وعن أبى على اطلاق انقضاء العدة بوضع أحدهما، ويمكن تنزيله على ما سمعته من الشيخ للخبر المزبور المؤيد بالاحتياط بالنسبة إلى ذلك، للشك في صدق الوضع بوضع أحدهما. (و) لكن مع ذلك (الاشبه) وفاقا للفاضل ومحكي الخلاف والمبسوط ومتشابه القرآن لابن شهر اشوب وغيرهم (أنها لا تبين إلا بوضع الجميع) الذي هو مصداق حملهن، فلا يصدق بوضع بعضه، وكون الواحد حملا لا يقتضي صدق وضع حملهن، نعم لو لم يكن غيره صدق ذلك. وبه ظهر الفرق بين حالي التعدد والاتحاد، وأنه لا وجه للاستصحاب، بل أصالة البقاء على العدة تقتضي خلافه، مضافا إلى معلومية كون العدة لاستبراء الرحم من ولد مشكوك فضلا عن المعلوم، والخبر المزبور لا جابر لضعفه، ويمكن تنزيله على عدم معلومية وجود الثاني حال الطلاق، لامكان انعقاده على وجه يكون حملا بعد الطلاق وإن سبق الوطء عليه، كما لو وطأها حاملا ثم طلقها بعد الوطء بلا فصل، لان المعتبر في انقضاء العدة بوضع التوأمين ولادتهما لاقل من ستة أشهر ولو بلحظة، ليعلم وجودهما حين الطلاق، لكونها أدنى الحمل.


(1) الوسائل الباب 10 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 260 ]

وحينئذ فلو ولدت الثاني لستة أشهر فصاعدا فهو حمل آخر لا يرتبط بحكم الاول الذي قد تحقق وجوده حال الطلاق بوضعه تاما لدون الستة أشهر بخلافه، فتنقضي عدتها حينئذ بوضع الاول، نعم في المسالك " في جواز تزويجها قبل وضع الثاني مع كونه لاحقا بالاول نظر، من الحكم البينونة المجوزة للتزويج، ومن إمكان اختلاط النسب حيث تلده لوقت يحتمل كونه لهما " وفيه أنه لا اختلاط بعد فرض العلم بكونه للاول وكونه متأخر الانعقاد، وإلا فللثاني. لكن بناء على تنزيل الخبر على ما عرفت يكون هو الدليل مع فرض صلاحيته لذلك، وإن كان المتجه الجواز. وقد تسامح الفاضل في القواعد بقوله: " وأقصى مدة بين التوأمين ستة أشهر " وذلك لما عرفت من كون المعتبر في كونهما توأمين ولادتهما لاقل من ستة أشهر، كما عن التحرير التعبير بذلك، أللهم إلا أن يكون مبنى كلامه على التسامح في التعبير بمثل ذلك، كما اعترف به في كشف اللثام، وقال: " إن مثله غير عزيز في كلامهم " فتأمل جيدا. (ولو طلق الحائل طلاقا رجعيا ثم مات في العدة استأنفت عدة الوفاة) بلا خلاف كما عن المبسوط، بل هو كذلك فيما أجد في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المستفيضة أو المتواترة. ففي مرسل جميل بن دراج (1) عن أحدهما عليهما السلام " في رجل طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة ثم مات عنها، قال: تعتد بأبعد الاجلين أربعة أشهر وعشرا ". وخبر هشام بن سالم (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثم مات قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد بأبعد الاجلين: عدة المتوفي عنها زوجها ". وخبر محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سمعته يقول: أيما امرأة طلقت ثم توفى عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ولم تحرم عليه فانها ترثه، ثم


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 36 من أبواب العدد الحديث 5 - 1 - 3.

[ 261 ]

تعتد عدة المتوفي عنها زوجها، وإن توفت وهي في عدتها ولم تحرم عليه فانه يرثها " الحديث. وخبر سماعة (1) " سألته عن رجل طلق امرأته، ثم إنه مات قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، ولها الميراث ". وخبر محمد (2) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر، ثم توفى عنها وهى في عدتها قال: ترثه ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، وإن ماتت قبل انقضاء العدة منه ورثها ورثته " إلى غير ذلك. مضافا إلى ما دل (3) على أنها بحكم الزوجة الشامل للمقام، فيشملها حينئذ عموم الاية (4) وغيره. وإلى أصالة بقائها في العدة وغيرها، بل لا إشكال في شئ من ذلك على تقدير زيادة عدة الوفاة على عدة الطلاق. أما لو انعكس كعدة المسترابة ففي الاجتزاء فيها بعدة الوفاة أي الاربعة أشهر وعشرا أو مع المدة التي يظهر فيها عدم الحمل أو وجوب إكمال عدة المطلقة بثلاثة أشهر بعد التسعة أو السنة أو وجوب أربعة أشهر وعشر بعدها أوجه، أقواها الاول لاطلاق الادلة المزبورة التي مقتضاها اندراجها في المتوفى عنها زوجها، وبطلان حكم الطلاق بالنسبة إلى ذلك، ولا ينافيه وصفها بأبعد الاجلين المنزل على الغالب فلا يعارض إطلاق غيره من النصوص المتروك فيه الوصف المزبور فيكتفى بها حينئذ ما لم يظهر الحمل لاصل العدم، وإلا اعتدت بأبعد الاجلين من وضعه ومن الاربعة أشهر وعشر، كالحامل غير المطلقة.


(1) الوسائل الباب 36 من أبواب العدد الحديث 9. (2) الوسائل الباب 13 من أبواب ميراث الازواج الحديث 5 من كتاب المواريث. (3) الوسائل الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق والباب 13 منها الحديث 6 والباب 20 منها الحديث 11 والباب 18 و 20 و 21 من أبواب العدد. (4) سورة البقرة: 2 الاية 234.

[ 262 ]

ودعوى أن انتقالها إلى عدة الوفاة انتقال إلى الاقوى والاشد، فلا يكون سببا في الاضعف كما ترى مجرد استحسان لا يصلح دليلا للحكم، كدعوى أن التربص بها مدة يظهر فيها عدم الحمل لا تحسب من العدة، وإنما تعتبر بعدها ومن ثم وجب للطلاق ثلاثة أشهر بعدها، فتجب للوفاة أربعة أشهر وعشرا التي هي أبعد الاجلين، إذ هي كما ترى أيضا مناف لما تقدم سابقا من كون الجميع عدة، على أن احتمال ذلك مخصوص في الطلاق بخلاف المقام الذي انقلبت فيه العدة إلى عدة الوفاة. وأغرب من ذلك معارضة النصوص المزبورة بما دل على عدة المسترابة التي لا ينافيها ما هنا، إذ أقصاه تربص الاربعة أشهر وعشرا من غير منع الزائد، وقد عرفت انها منحصرة في خبري سورة (1) وعمار (2) وهما مع الاعراض عن الثاني منهما غير شاملين للفرض قطعا. وأغرب منه ما في المسالك حيث إنه بعد أن ذكر الاوجه المزبورة قال: " والحق الاقتصار في الحكم المخالف للاصل على مورده، والرجوع في غيره إلى ما تقتضيه الادلة، وغايتها هنا التربص بها إلى أبعد الاجلين من الاربعة أشهر وعشر، والمدة التي يظهر فيها عدم الحمل، ولا يحتاج بعدها إلى أمر آخر، ودعوى الانتقال منا إلى الاقوى مطلقا ممنوع، وانما الثابت الانتقال إلى عدة الوفاة كيف اتفق " ضرورة ان المتجه مع فرض كون الثابت ذلك عدم زيادة المدة المزبورة عليها، لما عرفت من أن الاصل عدم الحمل، ومجرد احتماله لا يجدي في وجوب التربص عليها، كما هو واضح، بل ستعرف عدم وجوب ذلك في المطلقة مع فرض حصول عدتها الاقراء أو الاشهر فضلا عنها، هذا كله في الطلاق الرجعى. (و) أما (لو كان بائنا اقتصرت على إتمام عدة الطلاق) بلا خلاف أجده فيه، لانها أجنبية، فهي على استصحاب عدتها غير مندرجة في الاية (3) والرواية (4)


(1 و 2) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2 - 1. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 234. (4) الوسائل الباب 30 من أبواب العدد.

[ 263 ]

وإن ورثت، كما لو طلقها في مرض الموت، وخبر علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا (1) " في المطلقة البائنة إذا توفى عنها زوجها وهي في عدتها، قال: تعتد بأبعد الاجلين " متروك، للقطع والارسال، فلا يصلح معارضا للاصل فضلا عن المفهوم في النصوص السابقة، أو محمول على الندب: بل في كشف اللثام " الظاهر إنه رأي رآه بعض الاصحاب حكاه عنه علي بن إبراهيم ". (فروع:) (الاول:) (لو حملت من زنا ثم طلقها الزوج اعتدت ب‍) السابق من (الاشهر) والاقراء، كما لو لم يكن زنا، (لا بالوضع) الذي قد عرفت سابقا اعتبار كون الموضوع لذي العدة في الاعتداد به، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا في أن لها التزويج حينئذ بعد انقضاء العدة، لعدم العدة لها بوضعه، وكذا لو لم تكن ذات بعل وكانت حاملة من زنا. نعم لو لم تحمل فعن الفاضل في التحرير أن عليها العدة حينئذ، وفي المسالك " لا بأس به حذرا من اختلاط المياه وتشويش الانساب " بل في الحدائق اختياره لخبر اسحاق بن جرير (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك ؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور " وخبر علي بن شعبة المروي عن تحف العقول (3) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام " إنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحل له أن يتزوجها ؟ فقال: يدعها حتى


(1) الوسائل الباب 36 من أبواب العدد الحديث 6. (2 و 3) الوسائل الباب 44 من أبواب العدد الحديث 1 - 2.

[ 264 ]

يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن يكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثم يتزوج بها إذا أراد " الحديث. مؤيدين باطلاق مادل (1) على العدة بالدخول والماء، وإن الحكمة فيها اختلاط الانساب. لكن فيه (اولا) أن بعض الادلة المزبورة تقتضي وجوب العدة في غير محل الفرض الذي لا عدة فيه إجماعا، والخصم لا يخالف فيه. و (ثانيا) أن الخبر الثاني ظاهر في عدم العدة عليه لو علم عدم زنا غيره بها بخلاف الاول، مضافا إلى عدم اختلاط الانساب بذلك، ضرورة أنه مع الدخول بها واحتمال كون الولد منه الحق به لكون " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (2) وإلا فهو لغيره، فلا يبعد حمل الخبرين على ضرب من الندب، خصوصا بعد إطلاق ما دل (3) على جواز التزويج بالزانية على كراهة، وغيره. (ولو وطئت) المرأة (شبهة والحق الولد بالوطء لبعد الزوج عنها) ونحوه مما يعلم به عدم كونه له (ثم طلقها الزوج اعتدت بالوضع من الواطء ثم استأنفت عدة الطلاق بعد الوضع) فلو فرض تأخر دم النفاس عنه لحظة حسب قرءا من العدة الثانية، وإلا كان ابتداء العدة بعده، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك ولا إشكال. بل لو فرض تأخر الوطء المزبور عن الطلاق كان الحكم كذلك أيضا، لعدم إمكان تأخير عدته التي هي وضع الحمل، فليس حينئذ إلا تأخير إكمال عدة الطلاق بعد فرض عدم التداخل بين العدتين - كما هو المشهور - إذا كانتا لشخصين، بل عن الخلاف الاجماع عليه. بل عن طبريات المرتضى " أن امرأة نكحت في العدة ففرق بينهما أمير المؤمنين عليه السلام (4) وقال: " أيما امرأة نكحت في عدتها فان لم يدخل بها زوجها الذي


(1) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 12 و 13 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح. (4) لم نعثر عليه في الجوامع من الوسائل والمستدرك والبحار وغيرها والمسائل الطبرية للسيد المرتضى (قده) مخطوط، نسخة منها في مكتبة " مشهد " على ما نقل عن بروكلمان والكنتورى في كتف الحجب.

[ 265 ]

تزوجها فانها تعتد من الاول، ولا عدة عليها للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وتأتي ببقية العدة عن الاول ثم تأتي عن الثاني بثلاثة أقراء مستقبلة " وروي مثل ذلك بعينه عن عمر (1) " أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها، فنكحت في العدة، فضربها عمر، وضرب زوجها بمخفقة، وفرق بينهما، ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها فان لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فانها تعتد عن الاول، ولا عدة عليها للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وأتت ببقية عدة الاول، ثم تعتد عن الثاني، ولا تحل له أبدا " ولم يظهر خلاف لما فعل فصار إجماعا " انتهى. مضافا إلى الاصل وحسن الحلبي (2) سأل الصادق عليه السلام " عن المرأة الحبلي يموت زوجها فتضع وتتزوج قبل أن يمضى لها أربعة أشهر وعشرا، فقال إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لم تحل له أبدا، واعتدت بما بقي عليها من الاول، وهو خاطب من الخطاب " ونحو عن عبد الكريم، عن محمد بن مسلم (3). فما عن أبى علي والصدوق وفي المحكي عن موضع من مقنعه من التداخل - لاصالة البراءة المقطوعة بما عرفت، وحصول العلم بالبراءة بالاعتداد بأطولهما الذي لا ينافي مشروعيتها للتعبد، كما في كثير من أفرادها، وصحيح زرارة (4) عن الباقر عليه السلام " في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها ؟ قال: يفرق بينهما، وتعتد عدة واحدة منهما جميعا " ونحوه صحيح أبي العباس (5) عن الصادق عليه السلام،


سنن البيهقى ج 7 ص 441. (2) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 6 من كتاب النكاح وفى الجواهر سقط والحديث هكذا " واعتدت بما بقى من الاول، واستقبلت عدة أخرى من الاخر ثلاثة قروء، وان لم يكن دخل بها فرق بينهما واعتدت بما بقى عليها من الاول وهو خاطب من الخطاب ". (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 17 من أبوب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 - 11 - 12 من كتاب النكاح.

[ 266 ]

وخبر زرارة (1) عن الباقر عليه السلام أيضا " في امرأة فقدت زوجها أو نعى إليها فتزوجت، ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: تعتد منهما جميعا بثلاثة أشهر عدة واحدة " التي حملها الشيخ على عدم دخول الثاني بها، الذي يمكن إرادته من قوله عليه السلام فيها " تعتد منهما " على معنى أنه لا عدة للثاني منهما - وإن كان بعيدا لكن لا بأس به بعد رجحان الاول عليه من وجوه. نعم لو كان الاشتباه من المطلق نفسه مثلا اتجه التداخل، وفاقا للفاضلين بأن تستأنف عدة كاملة للاخير واجتزأت بها، لانهما إنما تعلقتا بواحد، والموجب لهما حقيقة إنما هو الوطء، وإذا استأنفت عدة كاملة ظهرت براءة الرحم، ولا ينافي ذلك إطلاق الاكثر إطلاق عدم تداخل العدتين بعد انسياق التعدد منه. وحينئذ فلو وقع الوطء شبهة مثلا في القرء الاول أو الثاني أو الثالث فالباقي من العدة الاولى يحسب للعدتين ثم تكمل الثانية. وكذا لو وطاء امرأة شبهة ثم وطأها شبهة أيضا في أثناء عدتها، بل هي أولى بالتداخل المزبور من الاول، ولا فرق في ذلك بين كون العدتين من جنس واحد أو من جنسين، بأن تكون إحداهما مثلا بالاقراء والاخرى بالحمل، خلافا للمحكي عن العامة من عدم التداخل في وجه مع اختلاف الجنس. وكيف كان فوقت الاعتداد من الشبهة آخر وطئه لا وقت الانجلاء، لان المراد حصول العلم ببراءة رحمها من ذلك الوطء الذي هو في الحقيقة موجب للعدة لا غيره وإن كان عقدا فاسدا، ودعوى أن الشبهة لما كانت بمنزلة النكاح الصحيح كان الانجلاء بمنزلة الفراق فتكون العدة منه كما ترى مجرد استحسان لا يصلح مدركا عندنا، كما هو واضح. نعم قد يقال: إن ظاهر النصوص (2) المزبورة الدالة على عدم التداخل


(1) الوسائل الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح.

[ 267 ]

الاعتداد للشبهة إذا كانت مع عقد تزويج بعد التفريق بينهما، وهو لازم ارتفاع الشبهة، نعم لو كانت الشبهة مجرد الوطء من دون عقد اتجه حينئذ الاعتداد من أخر وطء، ومن هنا كان الاحتياط لا ينبغي تركه. ولو تأخر الوطء شبهة عن الطلاق ولا حمل أتمت عدتها من الطلاق، للاصل المؤيد بتقدمها وقوتها باستنادها إلى عقد جائز وسبب مسوغ، فإذا فرغت منها استأنفت عدة الثاني، وللزوج مراجعتها في عدته إن كان الطلاق رجعيا، فان راجعها انقطعت عدته، وشرعت في عدة الوطء بالشبهة، وليس للزوج وطؤها قطعا، لكونها في عدة، بل في القواعد والمسالك المنع من الاستمتاع بها إلى أن تنقضي عدتها، لكن لا دليل عليه يصلح لمعارضة مادل (1) على الاستمتاع بالزوجة. وبذلك يظهر لك جواز عقده عليها في أثناء عدته لو كان الطلاق بائنا وإن انفسخ بذلك عدته ودخلت في عدة المشتبه، إلا أنه لا مانع منه للعمومات وحرمة الوطء عليه لا تنافي ذلك. ومن الغريب ما في المسالك من ميله إلى الجواز مع قوله بحرمة الاستمتاع معللا له بكونه كالعقد على الحائض والصغيرة اللتين لا يباح وطؤهما، إذ لا يخفى عليك وضوح الفرق بينهما بحلية غير الوطء من أنواع الاستمتاع فيها دونها، وهو كاف في صحة عقد النكاح، إذ المنافي له عدم ترتب حل أثر من آثاره عليه، نحو النكاح في حال الاحرام، ولذلك كان الاقرب عند الفاضل عدم الجواز، لان كل نكاح لم يتعقبه حل الاستمتاع كان باطلا، نعم يتجه عليه منع عدم حل غير الوطء من الاستمتاع. ولو كان المتقدم الاعتداد للشبهة فالمتجه بقاؤها عليها، للاصل ثم استئناف عدة الطلاق، وربما احتمل تقديم عدة الطلاق ثم إكمال عدة الشبهة بعدها، لقوتها لكنه كما ترى.


(1) سورة البقرة: 2 الاية 223.

[ 268 ]

نعم مع الاقتران - بل في المسالك وغيرها أو قبل الشروع في عدة الشبهة - قد يقال بتقديم عدة الطلاق لما عرفت، مع أنه لا يخلو من نظر ومنع، ضرورة توجه الخطابين إليها بهما، فتخير في تقديم أيهما شاءت. وهل له الرجعة في أثناء عدة الشبهة حيث تكون مقدمة ؟ وجهان، بل في المسالك أجودهما المنع، قلت: قد يقال: إن المستفاد من أدلة الرجعة أن له الرجوع بها ما لم تنقض عدته، لا أن شرط رجوعه كونها في عدته، كما عساه يشهد له أنه لا إشكال في جواز الرجوع بالمطلقة رجعيا في زمن الحيض الذي هو ليس من العدة، حتى لو فرض اتصال زمان صيغة الطلاق بالحيض، كما أومأ إليه الشيخ فيما تسمع منه، وإن كان فيه ما فيه. وبذلك يفرق بينه وبين العقد لو كان الطلاق بائنا بناء على ظهور أدلة ذلك في عدم جواز تزويجها، وهي في عدة الغير، وإلا لاتجه الجواز فيهما. ولعله لذا قال في محكى المبسوط في الحامل من الشبهة لو طلقت رجعيا: إن مذهبنا ان له الرجعة في زمن الحمل، قال: " لان الرجعة تثبت بالطلاق، فلم تنقطع حتى تنقضي العدة، وهذه ما لم تضع الحمل وتكمل عدة الاول فعدتها لم تنقض، فتثبت الرجعة عليها وله الرجعة مادامت حاملا، وبعد أن تضع مدة النفاس وإلى أن تنقضي عدتها بالاقراء - إلى أن قال -: وإذا قلنا: لا رجعة له عليها في حال الحمل - فإذا وضعت ثبت له عليها الرجعة وإن كانت في مدة النفاس - لم تشرع في عدتها منه، لان عدة الاول قد انقضت، فتثبت له الرجعة وإن لم تكن معتدة منه في تلك الحال، كحالة الحيض في العدة ". قلت، لكن يتفرع على ذلك جواز عقد الغير عليها زمن الحيض المتخلل في أثناء العدة فضلا عن المتصل بالطلاق، وهو معلوم الفساد، ضرورة احتساب ذلك كله من العدة، ولذا يترتب التوارث مع موتها أو موته فيه، مع معلومية اشتراط ذلك بكونه في العدة أللهم إلا أن يدعى أن مدار ذلك أيضا على عدم

[ 269 ]

انقضائها على كونه فيها، وفيه منع، كمنع دعوى خروج زمن الحيض عن العدة فتأمل جيدا. (الثاني:) (إذا اتفق الزوجان في زمن الطلاق واختلفا في زمن الوضع) فعن الشيخ وجماعة (كان القول قولها) سواء ادعت تقدمه أو تأخره (لانه اختلاف في الولادة، وهى) من (فعلها) المؤتمنة عليه، لانها ذات يد، فكما تصدق في اصله تصدق في وقته أيضا. (و) من هنا (لو) فرض أنهما (اتفقا في زمن الوضع واختلفا في زمن الطلاق، ف‍) ان (القول) حينئذ قوله سواء ادعى تقدمه أو تأخره (لانه اختلاف في فعله) الذى هو الطلاق الذى كما يصدق في أصلة يصدق أيضا في وقته. (و) لكن (في المسألتين إشكال، لان الاصل عدم الطلاق وعدم الوضع فالقول قول من ينكرهما) وهي القاعدة المعلومة عندهم، وهى تأخر مجهول التاريخ عن معلومه، وليس في الادلة ما يقتضي تقديم ذى الفعل على وجه يعارض القاعدة المزبورة في مقام الدعاوي، من غير فرق بين التشخيص بالزمان والمكان وغيرهما من المشخصات التي يتصور فرض التداعي فيها. والرجوع إليهن في العدة لا يشمل مثل الفرض، بل في كشف اللثام أن ذلك إنما هو إذا تيقنت العدة، بل وإذا لم يدع الزوج العلم بكذبها، ولذا حكم في المبسوط وغيره بأنهما " إذا تداعيا وحلفا، فيقول الزوج: " لم تنقض عدتك بالوضع، فعليك الاعتداد بالاقراء " وتقول: " انقضت عدتي بالوضع " فالقول قوله، لان الاصل بقاء العدة ". نعم قد عرفت غير مرة الاشكال منا في اقتضاء القاعدة المزبورة التأخر عن

[ 270 ]

ذلك، فان مرجعه إلى كون الاصل مثبتا فيعارض حينئذ بأصل آخر مثله، وحينئذ فالمتجه عدم الفرق بين العلم بتاريخ أحدهما وعدمه في اقتضاء الاصل عدم تقدم أحدهما على الآخر، ويبقى معه - على تقدير كون (1) المدعى لتأخر الطلاق - أصالة بقاء سلطنة النكاح، فيقدم قوله بيمينه، ومعها - على تقدير دعواها تأخره - أصالة بقاء حقوق الزوجة من النفقة وشبهها. ولو كان الجواب من أحدهما في جواب الدعوى من الآخر لا أدرى ففي القواعد والمسالك وكشف اللثام يلزم باليمين على الجزم أو النكول، فيحلف المدعي حينئذ، ويثبت حقه، فان نكل عمل على مقتضى الاصل، كما إذا كان كل منهما لا يدرى، وظاهرهم المفروغية من ذلك، بل في كشف اللثام أن الوجه فيه ظاهر، فان الشك لا يعارض الجزم، وفي المسالك " أنه لو لم يكن كذلك لم يعجز المدعي عليه في الدعاوي كلها عن الدفع بهذا الطريق ". قلت: قد أطنبنا في كتاب القضاء في تحرير هذه المسألة، وقلنا: إن الظاهر انحصار طريق ثبوت حق المدعي بالبينة إن لم يرض المدعى عليه بيمينه، خصوصا في صورة علم المدعي بكون المدعى عليه لا يدري أو تصديقه في ذلك أو حلفه على ذلك، فان تكليفه اليمين الجازمة حينئذ لا وجه له، كما لا وجه لجعلها ناكلا، فلم يكن للمدعي إلا البينة، كما لو ادعى على غائب أو قاصر أو ميت ونحوه ممن لم يكن منهم إنكار، فلاحظ وتأمل.


(1) هكذا في النسختين المسودة والمبيضة، والصحيح " على تقدير كونه... "

[ 271 ]

(الثالث:) (لو أقرت بانقضاء العدة ثم جائت بولد لستة أشهر فصاعدا منذ طلقها قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (لا يلحق به) الولد إذا أتت به لاكثر من ستة أشهر من وقت انقضاء العدة، لقبول قولها في العدة، وهو يستلزم الخروج عن الفراش المستلزم لانتفاء الولد، مع أصالة التأخر، فلا يبطل قولها الصحيح ظاهرا بالامر المحتمل. (والاشبه التحاقه) به (ما لم يتجاوز أقصى الحمل) من آخر وطء أو من الطلاق أو من انقضاء العدة الرجعية ولم تكن ذات بعل، لانها حينئذ على حكم الفراش السابق في لحوق كل ما يحتمل كونه منه، ولذا لو لم تخبر بانقضاء العدة لم يكن إشكال في لحوق الولد به، بل في المسالك الاجماع عليه، وإقرارها بانقضاء العدة لا يرفع الحق الثابت للفراش المشترك بين الابوين والولد، بل هو في الحقيقة إقرار في حق الغير، مع أنه حصل له المعارض الذي هو في الحقيقة كما لو جاءت به لاقل من ستة أشهر مع إخبارها بانقضاء العدة فتأمل. ثم إن مقتضي إطلاقه مجئ الولد للمدة المزبورة منذ طلقها عدم الفرق بين عدة البائن والرجعية، كما هو أحد القولين في المسألة، لانها بالطلاق قد حرمت عليه بغير الرجعة التي هي كالعقد في البائنة، والآخر الفرق بينهما، فيحسب من انقضاء العدة في الرجعية بخلاف البائنة، لما عرفت من جواز وطئها من دون نية رجوع، وإنما يكون هو رجوعا، وبقاء لوازم النكاح من التوارث ووقوع الظهار والايلاء، وبقاء المعلول دليل على بقاء العلة، فالنكاح باق، وكذا الفراش ولو ببقاء حكمها، ولعله الاقوى. وأما إطلاق المصنف وغيره احتساب المدة من حين الطلاق - المقتضي لكون أقصى الحمل أكثر مما فرض أنه أقصاه كما اعترف به في المسالك قال: " لتقدم

[ 272 ]

العلوق على الطلاق لان المعتبر كونه في الفراش، وهو متقدم على الطلاق الذي لا يصح إلا في وقت متأخر عن الوطء بمقدار ما تنتقل من الطهر الذي أتاها فيه إلى غيره أو ما يقوم مقامه من المدة، وذلك يوجب زيادة الاقصى بكثير " - فقد عرفت الحال فيه في بحث الاسترابة، وأنه إما مبني على التسامح، أو لان حكم الفراش باق إلى حين الطلاق، ويكفي فيه الاحتمال الذي لا يعلم به المطلق على وجه لا ينافي صدق كونها في طهر لم يواقعها فيه بزعمه، مع أنه يمكن وطؤها في زمن الحيض، فانه وإن أثم لا ينافي لحوق الولد بناء على عدم منافاة ذلك لصحة الطلاق لو وقع بعد طهرها، لصدق كونه حينئذ في طهر لم يواقعها فيه، فلاحظ وتأمل. ثم لا يخفى عليك أنه بناء على لحوق الولد بالمطلق تكون المطلقة باقية في العدة، فله الرجعة بها حينئذ لو كان رجعيا، ضرورة لزوم ذلك للحوق الولد به. وأما احتمال الجمع بين تصديقها بانقضاء العدة ولحوق الولد به لحكم الفراشية فلم أجد من احتمله، ولعله لمنافاته مقتضي الادلة الظاهرية، ولذلك التزم الشيخ بنفيه عنه مع القول بمقتضى التصديق، فيتجه حينئذ بقأوها في العدة على القول بلحوقه به، هذا. وقد بقي شئ وهو أنه بناء على قول الشيخ بعدم لحوق الولد به لا يحكم بكونه من زنا، لعدم حصول مقتضيه، فليس إلا الشبهة المقتضية للعدة المقدمة على عدة الطلاق إذا كانت بالحمل، كما سمعته سابقا، فلابد من فرض المسألة في صورة إمكان انقضاء عدتها التي اقرت بها قبل حصول الشبهة، فتأمل جيدا. وكيف كان فلا إشكال في عدم لحوق الولد به مع فرض مجيئها به لازيد من أقصى الحمل إلا مع دعوى فراش جديد ولو وطء شبهة، فان تصادقا عليه فلا إشكال وإن ادعت هي ذلك وأنكر هو فالقول قوله بيمينه، فإذا نكل حلفت هي وثبت النسب إلا أن ينفيه باللعان، فان نكلت فهل يحلف الولد إذا بلغ ؟ ففي المسالك " فيه وجهان أجودهما ذلك إن فرض علمه وإن بعد " وفيه مالا يخفى من الاشكال في (جواهر الكلام - ج 17)

[ 273 ]

إجراء حكم نكوله إلى زمن بلوغ الولد مع كون الدعوى بين الرجل والمرأة، نعم لا باس بإجراء حكم الدعوى الجديدة بين الرجل والولد، فتأمل. ولو سلم الفراش وأنكر أصل ولادتها له كان القول قوله بيمينه، فان نكل حلفت وثبتت الولادة والنسب بالفراش، إلا أن ينفيه باللعان. وعلى كل حال ففي المسالك " وتنقضي العدة بوضعه وإن حلف الرجل على النفي، لانها تزعم أن الولد منه، فكان كما لو نفي الرجل حملها باللعان، فانه - وإن انتفى الولد - تنقضي العدة بوضعه، لزعمها أنه منه " ولا يخلو من غبار فتأمل. ولو ادعت على الوارث بعد موت الزوج أنه كان راجعها أو جدد نكاحها فان كان واحدا، فالحكم كما ادعت على الزوج، إلا أن الوارث يحلف على نفي العلم، ولا لعان معه، وإن كان اثنين فان صدقاها أو كذباها وحلفا أو نكلا فحلفت فكما مر، وإن صدقها أحدهما وكذب الآخر وحلف ففي المسالك " يثبت المهر والنفقة بنسبة حصة المصدق، ولا يثبت النسب إلا أن يكون المصدق عدلين " وفيه أنه يثبت النسب أيضا في حق المصدق، والله العالم.

[ 274 ]

(الفصل الخامس) (في عدة الوفاة) لا خلاف في أنه (تعتد الحرة المنكوحة بالعقد الصحيح) الدائم (أربعة أشهر وعشرا إن كانت حائلا) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب والسنة (1) التي تقدم جملة منها، قال الله تعالى (2): " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ولا ينافيه قوله تعالى (3): " والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول " بناء على أن المراد منها الاعتداد بالسنة، لانها حينئذ منسوخة بالاولى. ولا فرق في الزوجة (صغيرة كانت أو كبيرة) مسلمة أو ذمية من ذوات الاقراء أولا (بالغا كان زوجها أو لم يكن) حرا كان أو عبدا (دخل بها أو لم يدخل) لاطلاق الادلة والاجماع، وخبر عمار (4) المتضمن لعدمها على غير المدخول بها كالمطلقة من الشواذ المطرحة، لمنافاته إطلاق الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، مضافا إلى ظهور الفرق بين عدة الطلاق وعدة الوفاة التي هي في الحقيقة لاظهار التحزن والتفجع على الزوج والاحترام لفراشه، ولذلك اعتبرت بالاشهر، وامر فيها بالحداد بخلاف عدة الطلاق المعتبر فيها الاقراء أولا وبالذات. (وتبين بغروب الشمس من اليوم العاشر) الذي يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية، كما حقق في محله. (لانه نهاية اليوم) للاتفاق كما في كشف اللثام، والاجماع كما في المسالك، على أن المراد بالعشر عشر ليال مع عشرة أيام، خلافا للاوزاعي


(1) الوسائل الباب 30 من أبواب العدد. (2 و 3) سورة البقرة: 2 الاية 234 - 240. (4) الوسائل الباب 35 من أبواب العدد الحديث 4 عن محمد بن عمر الساباطي

[ 275 ]

فأبانها بطلوع فجر العاشر، لتذكير العدد في الآية (1) المقتضي التأنيث في تمييزه، فيكون ليالي، لكن لا يعارض ما سمعت، على أن المحكي عن بعض أهل العربية أن ذلك مع ذكر التميز، أما مع عدمه كما في الآية فلا يدل على ذلك، ويجوز تناوله للمذكر والمؤنث، بل قد يقال: كونه مؤنثا، لا ينافي إرادة عشر ليال بأيامها والامر سهل بعد ما عرفت. وعلى كل حال فلا يشترط عندنا أن تحيض حيضة في المدة، لاطلاق الادلة، وعن العامة قول به وآخر باشتراط أن ترى فيها الحيض كما اعتادته. والمراد بالشهر ما سمعته في أشهر المطلقة الذي قد تقدم البحث في المنكسر منه أيضا نعم ينبغي أن يعلم أنه لو مات وكان الباقي العشر فلا كسر، بل تعتد بها وتضم إليها أربعة أشهر هلالية، وإن كان الباقي أقل لم تعده، وتحسب أربعا هلالية أيضا، وتكمل باقي العشر من الشهر السادس، وإن كان الباقي أكثر جاء البحث السابق في المنكسر فيه، وإن انطبق الموت على أول الهلال حسبت أربعة أشهر بالاهلة، وضمت إليها عشرة أيام من الشهر الخامس، ولو كانت في حال لا تعرف الهلال لحبس أو غيره ولو باخبار من الغير اعتدت بالايام، وهي مائة وثلاثون يوما إستظهارا للعدة المستصحبة. (ولو كانت حاملا اعتدت بأبعد الاجلين) من وضع الحمل ومضي الاربعة أشهر وعشر، وحينئذ (فان وضعت قبل استكمال الاربعة الاشهر والعشرة أيام صبرت إلى انقضائها) وكذا العكس بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة بل قيل: إنه مقتضى الجمع بين آيتي الاحمال (3) والوفاة (4) لدخول الحامل


(1 و 4) سورة البقرة: 2 - الاية 234. (2) الوسائل الباب 31 من أبواب العدد. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 4.

[ 276 ]

حينئذ تحت عامين، فامتثالها الامر فيهما يحصل باعتدادها بأبعد الاجلين. وإن كان فيه (أولا) أن آية أولات الاحمال ظاهرة في المطلقة و (ثانيا) أن مقتضاه الترجيح لاحداهما على الاخرى، ومع عدمه فالجمع بينهما. نعم قد يقال: إنه لو عمل بإطلاق الوفاة لاقتضى خروجها عن العدة بمضيها وإن لم تضع، فيلزم أن يكون عدة الوفاة أضعف من عدة الطلاق، والامر بالعكس، كما يظهر من زيادة عدتها ومن شدة أمرها وكثرة لوازمها، فيكون مراعاة الوضع على تقدير تأخره عن الاربعة أشهر وعشر أولى منه في الطلاق الثابت بالاجماع، ولعل هذا هو السر في اعتدادها بأبعد الاجلين الذي استفاضت به نصوصنا (1) وانعقد عليه إجماعنا، خلافا للعامة، فأبانوها بالوضع ولو لحظة بعد وفاته، وهو كما ترى. (و) كيف كان فلا خلاف نصا (2) وفتوى في أنه (يلزم المتوفى عنها زوجها) إذا كانت حرة (الحداد) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة (3) المستفيضة بل المتواترة التي مر عليك بعض منها، ويمر عليك آخر إنشاء الله. (وهو) لغة وشرعا (ترك ما فيه زينة من الثياب، والادهان المقصود بها الزينة، والتطيب) فيها أو في البدن، والتكحيل بالاسود أو بغيره مما فيه زينة بلونه أو بغيره، بل عن المبسوط أنهن يكتحلن بالصبر، لانه يحسن العين ويطري الاجفان، فالمعتدة ينبغي أن تتجنبه، لما روت ام سلمة (4) أن النبي صلى الله عليه وآله قال لها: " استعمليه ليلا وامحيه نهارا " الحديث. إلى غير ذلك مما تتزين به النساء، كالخطاط والحمرة وماء الذهب والديرم السفداج ونحوها. والحداد من الحد بمعنى المنع، من حدت المرأة تحد حدا: أي منعت نفسها


(1) الوسائل الباب 31 من أبواب العدد. (2 و 3) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 440.

[ 277 ]

من التزيين، فهي حادة، وكذا الاحداد من أحدت تحد إحدادا فهي محدة، بل عن الاصمعي إنكار الاول، لكن الاصح خلافه. والاصل فيه - مضافا إلى النصوص (1) الدالة على الامر بلفظه - صحيح ابن يعفور (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المتوفى عنها زوجها، فقال: لا تكتحل للزينة، ولا تطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تبيت عن بيتها، وتقضي الحقوق، وتمشط بغسله، وتحج وإن كانت في عدتها ". وفي خبر زرارة (3) عن أبى جعفر عليه السلام في حديث " فتمسك عن الكحل والطيب والاصباغ ". وفي خبر أبى العباس (4) عن الصادق عليه السلام " لا تكتحل للزينة، لا تطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تخرج نهارا، ولا تبيت عن بيتها، قلت: أرأيت إن أرادت أن تخرج إلى حق كيف تصنع ؟ قال: تخرج بعد نصف الليل، وترجع عشاء ". وفي خبر أبي بصير (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المرأة يتوفى عنها زوجها وتكون في عدتها أتخرج في حق ؟ فقال: إن بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله سألته، فقالت: إن فلانة توفى عنها زوجها، فتخرج في حق ينوبها ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: اف لكن، قد كنتن قبل أن أبعث فيكن، وأن المرأة منكن إذا توفى عنها زوجها أخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها، ثم قالت: لا أمتشط ولا أكتحل ولا أختضب حولا كاملا، وإنما أمرتكن بأربعة أشهر وعشرا، ثم لا تصبرن، لا تمتشط، ولا تكتحل، ولا تختضب، ولا تخرج من بيتها نهارا، ولا تبيت عن بيتها، فقالت:


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد الحديث 0 - 2 - 1 - 3 والثانى صحيح ابن أبى يعفور. (5) الوسائل الباب 33 من أبواب العدد الحديث 7 في الطبع الحديث " تخرج بعد زوال الشمس " الا أن الموجود في الكافي ج 6 ص 117 " تخرج بعد زوال الليل ".

[ 278 ]

يارسول الله: فيكف تصنع إن عرض لها حق ؟ فقال صلى الله عليه وآله: تخرج بعد زوال الليل، وترجع عند المساء، فتكون لم تبت عن بيتها، قلت له: فتحج، قال: نعم " إلى غير ذلك من النصوص. نعم في موثق الساباطى (1) عن الصادق عليه السلام " إنه سأل عن المرأة يموت عنها زوجها هل يحل لها أن تخرج من بيتها في عدتها ؟ قال: نعم، وتختضب، وتدهن، وتمشط، وتصبغ وتصنع ما شاءت لغير ريبة من زوج " وهو - مع ما قيل من كونه من الشواذ بل في الوافي قد مضى حديث آخر (2) بهذا الاسناد فيما تفعل المطلقة في عدتها، وكان مضمونه قريبا من مضمون هذا الحديث إلا ما تضمن صدره، ويشبه أن يكون الحديثان واحدا، إنما ورد في المتوفي عنها زوجها والمطلقة جميعا، وقد سقط منه شئ - يمكن حمله على إرادة جواز فعل ذلك للضرورة، بل ربما كان في قوله عليه السلام: " لغير ريبة من زوج " إشعار بذلك، على أن التدهن والامتشاط ليس مطلقهما من الزينة. نعم ما فيه من جواز الخروج من بيتها موافق للاصول وظاهر الاقتصار في الفتاوى على وجوب الحداد عليها الذي لا يدخل فيه ذلك قطعا ولموثق ابن بكير (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي توفى عنها زوجها تحج ؟ قال: نعم، وتخرج، وتنتقل من منزل إلى منزل " ونحوه خبر عبيد بن زرارة (4) عنه عليه السلام أيضا، بل ولمكاتبة الصفار (5) في الصحيح للعسكري عليه السلام " في امرأة مات عنها زوجها وهي في عدة منه، وهي محتاجة لا تجد من ينفق عليها، وهي تعمل للناس هل يحوز لها أن تخرج


(1) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد الحديث 7 مع الاختلاف وفيه " بغير زينة لزوج " الا أن الموجود في الوافى ج 12 ص 185 كالجواهر. (2) راجع الوافى ج 12 ص 183 وهو الذى أشار إليه في الوسائل في ذيل الحديث 7 من الباب 29 من العدد وذكره الشيخ في التهذيب ج 8 ص 83. (3 و 4) الوسائل الباب 33 من أبواب العدد الحديث 3 - 5. (5) الوسائل الباب 34 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 279 ]

وتعمل وتبيت عن منزلها في عدتها ؟ فوقع عليه السلام: لا بأس بذلك إنشاء الله ". ولعله لذا كان المحكي عن الشيخ الجمع بين النصوص بحمل النهي عن البيتوتة على الكراهة، بل لم أجد أحدا من معتبري الاصحاب منعها من ذلك، نعم في الحدائق استظهر الجمع بينها بمضمون مكاتبة الصفار على معنى جواز ذلك للضرورة دون غيرها، مؤيدا لذلك أيضا بمكاتبة الحميري (1) لصاحب الزمان روحي له الفداء المروية في الاحتجاج وغيره " سألته عن المرأة يموت زوجها هل يجوز لها أن تخرج في جنازته أم لا ؟ فوقع: تخرج في جنازته، وهل يجوز لها وهي في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا ؟ فوقع: تزور قبر زوجها، ولا تبيت عن بيتها، وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها أم لا تخرج من بيتها في عدتها ؟ فوقع: إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كان لها حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت لها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في منزلها ". لكنه كما ترى منشأه اختلال الطريقة، بل عدم معرفة اللسان، فان النصوص المزبورة ظاهرة لمن رزقه الله معرفة رمزهم واللحن في قولهم فيما هو ظاهر الاصحاب من عدم منعها من ذلك، وأنه يجوز لها من دون ضرورة، لكن على كراهة، خصوصا بعد ملاحظة النصوص المستفيضة الدالة على جواز قضاء عدتها فيما شاءت من المنازل ولو كل شهر في منزل كما في مرسل يونس (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن المتوفى عنها زوجها أتعتد في بيت تمكث فيه شهرا أو أقل من شهر أو أكثر ثم تتحول منه إلى غيره فتمكث في المنزل الذي تحولت إليه مثل ما مكثت في المنزل الذى تحولت منه، كذا صنعتها حتى تنقضي عدتها ؟ قال: يجوز لها ذلك، ولا بأس ". وفي صحيح سليمان بن خالد (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة توفى عنها


(1) الوسائل الباب 33 من أبواب العدد الحديث 8. (2) الوسائل الباب 34 من أبواب العدد الحديث 2. (3) الوسائل الباب 32 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 280 ]

زوجها أين تعتد، في بيت زوجها أو حيث شاءت ؟ قال: حيث شاءت، ثم قال: إن عليا عليه السلام لما مات عمر أتى إلى أم كلثوم، فأخذ بيدها وانطلق بها إلى بيته " (و) غير من ذلك من النصوص، فالمتجه حينئذ ما اقتصر عليه من المنع من الزينة في الثوب والبدن والطيب. نعم (لا بأس بالثوب الاسود والازرق) ونحوهما (لبعده عن شبهة الزينة) في العادة التي قد عرفت أنها المدار، وربما تحصل ببعض الثياب الفاخرة لتي لم تكن مصبوغة. لكن في المبسوط " وأما الاثواب ففيها زينتان: إحداهما تحصل بنفس الثوب، وهو ستر العورة وسائر البدن، قال الله تعالى (1): " خذوا زينتكم عند كل مسجد " والزينة الاخرى تحصل بصبغ الثوب، فإذا اطلق فالمراد به الثاني، والاول غير ممنوع منه للمعتدة وإن كان فاخرا مرتفعا مثل المروي المرتفع والسابورى والدبيقى والقصب والصيقلى وغير ذلك مما يتخذ من قطن وكتان وصوف ووبر، وأما ما يتخذ من الابريسم قال قوم: ما يتخذ منه من غير صبغ جاز لبسه وما صبغ لم يجز، والاولى تجنبه على كل حال، وأما الزينة التي تحصل بصبغ الثوب فثلاثة أضرب: ضرب يدخل على الثوب لنفي الوسخ عنه، كالكحلي والسواد، فلا تمنع المعتدة منه، لانه لازينة فيه، وفي معناه الديباج الاسود، والثاني ما يدخل على الثوب لتزيينه، كالحمرة والصفرة وغير ذلك، فتمنع المعتدة منه، لانه زينة، وأما الضرب الثالث فهو ما يدخل على الثوب ويكون مترددا بين الزينة وغيرها، مثل أن يصبغ أخضر أو أزرق، فان كانت مشبعة تضرب إلى السواد لم تمنع منه، وإن كانت صافية تضرب إلى الحمرة منعت منها " ولا يخفى عليك أنه تطويل بلا طائل، ضرورة كون المدار على ما عرفت، وهو مختلف باختلاف الازمنة والامكنة والاحوال، ولا ضابطة للزينة والتزين وما


(1) سورة الاعراف: الاية 31.

[ 281 ]

يتزين به إلا العرف والعادة التي يندرج فيها الهيئات وغيرها. نعم لا بأس بالسواك، وتقليم الاظفار، وتسريح الشعر، ودخول الحمام، والاكتحال بما لازينة فيه، وافتراش الفرش النفيسة، والمساكن المزينة، وتزيين أولادها وخدمها، ونحو ذلك مما لا يرجع إلى زينتها، بل لا بأس بما يرجع إليها أيضا للضرورة، كالاكتحال بالاسود، ولكن تقتصر على مقدارها، ولذا قال غير واحد: إنها تكتحل به ليلا وتمسحه نهارا. (و) كيف كان ف‍ (يستوي ذلك في الصغيرة والكبيرة والمسلمة والذمية) كما صرح به غير واحد، بل ظاهر المسالك المفروغية منه، بل عن الشيخ في الخلاف نفي الخلاف فيه، لاطلاق الادلة، لكن عن ابن إدريس والفاضل في المختلف التردد فيه، من ذلك ومن أنه تكليف لا يتوجه إلى الصغير، وتكليف الولي غير معلوم، ولا إشارة في الادلة إليه، ولا مفهوم من أمرها بالاحداد، بل في كشف اللثام هو الاقوى وفاقا للجامع، مؤيدا له بظهور أن السر فيه أن لا يرغب فيها ولا يرغب في الصغيرة، ومال إليه في الرياض إن لم يتم الاجماع. قلت: قد يقال: لا يخفى على من رزقه الله فهم اللسان مساواة الامر بالحداد للامر بالاعتداد الذي لا خلاف بين المسلمين فضلا عن المؤمنين في جريانه على الصغيرة، على معنى تكليف الولي بالتربص بها، فيجرى مثله في الحداد، ولا حاجة إلى الاشارة في النصوص إلى خصوص ذلك، ضرورة معلومية توحه التكليف إلى الاولياء في كل ما يراد عدم وجوده في الخارج، نحو ما سمعته في مس الطفل والمجنون كتابة القرآن. وبالجملة فالمراد التربص بها هذه المدة مجردة عن الزينة، وهو معنى يشمل الصغير والكبير والعاقل والمجنون، على معنى تكليف الولي بذلك أو سائر الناس، كما هو واضح بأدني تأمل في أدلة الاعتداد والحداد المستفاد منهما أنهما من خطاب الوضع بالمعنى المزبور، ولذا لم يتوقف صحة الاعتداد على ملاحظة الامتثال. (و) أما الحداد (في الامة) إذا كانت زوجة ففيه (تردد) وخلاف (أظهره) أن (لا حداد عليها) وفاقا لجماعة، بل قيل: إنه الاشهر، لصحيح

[ 282 ]

زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " إن الامة والحرة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد والامة لا تحد " وبه يقيد إطلاق الادلة إن لم يقل بانيساقه إلى الزوجة الحرة، وإلا يحتج إلى التقييد، وكان الصحيح مؤكدا لاصل البراءة وغيره مما يقتضي نفي ذلك عنها. وخلافا لصريح المحكي عن المبسوط والسرائر وظاهر أبى الصلاح وسلار وابن حمزة فأوجبوا الحداد عليها كالحرة، للنبوي (2) " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ولم يفرق. وأجاب عنه في المختلف " أن هذه الرواية لم تصل إلينا مسندة عن النبي صلى الله عليه وآله وإنما رواها الشيخ مرسلة، ولا حجة فيها، والعجب أن ابن إدريس ترك مقتضى العقل، وهو أصالة البراءة من التكليف بالحداد وما تضمنته الرواية الصحيحة وعول على هذا الخبر المقطوع السند، مع إدعائه أن الخبر الواحد المتصل لا يعمل به فكيف المرسل ! ! وهذا يدل على قصور قريحته وعدم تفطنه لوجوه الاستدال ". قلت: الانصاف إن هذا الكلام لا يليق بابن إدريس الذي هو أول من فتح النظر والتحقيق، ولم يعتمد في المقام على الخبر المرسل، بل غرضه الاستدلال باطلاق المتواتر من النصوص الدالة على الحداد في الزوجة الشاملة للحرة والامة، والخبر الصحيح المزبور غير حجة عنده، فلا يحكم على الاطلاق المزبور. والعجب منه في توجيه الجواب عن النبوي المزبور بكونه مرسلا غير حجة وأنه لم يصل إلينا مسندا مع أن مضمونه مقطوع به في نصوصنا، ولم ينتبه للجواب عنه بعدم تناوله للامة بناء على عدم اعتدادها بالاربعة والعشر، وبانسياق الحرة من


(1) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 2. (2) المستدرك الباب 25 من أبواب العدد الحديث 9 وسنن البيهقى ج 7 ص 437.

[ 283 ]

الامرأة فيه، وبأنه مقيد بالصحيح المزبور، والامر سهل بعد وضوح الحال. نعم لا فرق فيه بين الدائمة والمتمتع بها، لاطلاق المزبور. وعلى كل حال فالمشهور على ما حكاه غير واحد أنه واجب تعبدي لا شرطي، فلو أخلت به عمدا فضلا عن النسيان لم يبطل الاعتداد الذي لا يجب عليها تلافيه في غيره، للاصل وغيره، ولا منافاة بين المعصية وانقضاء العدة، فيندرج الفرض حينئذ في جميع ما دل على جواز نكاح المرأة بعد انقضاء العدة من قوله تعالى (1) " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " خلافا للمحكي عن أبى الصلاح والسيد الفاخر شارح الرسالة فأبطلا العدة بالاخلال بها مطلقا أو حال العمد خاصة على اختلاف النقلين، لعدم حصول الامتثال، فيجب الاستئناف، ورد بأنه على شرطيته لا دليل، بل ظاهر الادلة خلافه، ومن هنا وصف غير واحد هذا الخلاف بالندرة. ولكن الانصاف عدم خلوه عن الوجه، خصوصا مع ملاحظة الاحتياط وقاعدة وجوب الشئ في الشئ، والنصوص (2) المتكثرة التي ستمسع جملة منها في تعليل وجوب الاعتداد عليها عند بلوغ الخبر بخلاف المطلقة بوجوب الحداد عليها أي في عدتها بخلافها، بل قال أبو جعفر عليه السلام في خبر زرارة (3) منها: " إن مات عنها زوجها وهو غائب فقامت البينة على موته فعدتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر وعشرا، لان عليها أن تحد عليه في الموت أربعة أشهر وعشرا فتمسك عن الكحل والطيب والاصباغ " لا أقل من الشك في انقضاء العدة بدونه، فتأمل جيدا. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه (لا يلزم الحداد المطلقة بائنة كانت أو رجعية) بل استفاضت النصوص (4) بتزيين الثانية وتشوقها لزوجها لعل الله يحدث


(1) سورة البقرة: 2 الاية 234. (2) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد. (3) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد الحديث 1. (4) الوسائل الباب 21 من أبواب العدد.

[ 284 ]

بعد ذلك أمرا، أي يرجع بطلاقها، كما أنه استفاضت (1) أيضا في نفي الحداد عن مطلق المطلقة. نعم في خبر مسمع بن عبد الملك (2) عن أبي عبد الله عن علي عليهما السلام " المطلقة تحد كما تحد المتوفى عنها زوجها، لا تكتحل، ولا تطيب، ولا تختضب، ولا تمتشط " وهو من الشواذ، وحمله الشيخ على استحباب ذلك للبائنة، ولا ريب في بعده، لقصور الخبر عن إثباته وإن كان مستحبا من وجوه. ويمكن حمله على إرادة الانكار أو على إرادة تجنب السوء لها، كما أومأ إليه خبر علي بن جعفر المروي عن قرب الاسناد (3) عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " سألته عن المطلقة لها أن تكتحل وتختضب أو تلبس ثوبا مصبوغا ؟ قال: لا بأس إذا فعلته من غير سوء " والامر سهل. (ولو وطئت المرأة بعقد الشبهة ثم مات) وقد انحلت الشبهة (اعتدت عدة الطلاق حائلا كانت أو حاملا) بلا خلاف ولا إشكال (و) ذلك لانه بعد أن ظهر الحال (كان الحكم للوطء لا للعقد، إذ ليست زوجة) كي تندرج في المتوفى عنها زوجها، فلم يبق إلا أنها موطوءة وطءا محترما تعتد منه عدة الطلاق، كما في حال حياته، ولعل نص المصنف وغيره على ذلك لخلاف بعض العامة الناشئ من استحسان أو قياس أو اجتهاد فاسد. ولا حداد على غير الزوجة من أقارب الميت حتى أمهات الاولاد من الاماء، للاصل وغيره، وفي مضمر ابن مسلم (4) " ليس لاحد أن يحد أكثر من ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها حتى تنقضي عدتها " وفي مرسل أبى يحيى الواسطي (5)


(1) الوسائل الباب 21 من أبواب العدد الحديث 3 والباب 26 منها الحديث 7 والباب 28 منها الحديث 14. (2 و 3) الوسائل الباب 21 من أبواب العدد الحديث 5 - 6. (4 و 5) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد الحديث 5 - 6.

[ 285 ]

عن أبى عبد الله عليه السلام " يحد الحميم على حميمه ثلاثا والمرأة على زوجها أربعة أشهر وعشرا " وفي النبوي (1) المزبور ما سمعت. وظهور مرسل الواسطي في وجوب الثلاثة لا عامل به، مع أنه قاصر عن ذلك، ولذا حمله بعض على الندب، كظهور تحريم ما زاد من المضمر والمرسل لم أجد قائلا به ايضا، فلا يبعد حمله على الكراهة، والله العالم. (تفريع:) (لو كان له أكثر من زوجة) مثلا (فطلق) بائنا أو رجعيا (واحدة لا بعينها فان قلنا إن التعيين شرط فلا طلاق، وإن لم نشترطه ومات قبل التعيين فعلى كل واحدة الاعتداد بعدة الوفاة، تغليبا لجانب الاحتياط) اللازم مراعاته هنا، كما ستعرف (دخل بهن أو لم يدخل) إلا إذا كن من ذوات الاقراء، فأبعد الاجلين من عدة الوفاة ومن انقضاء الاقراء لكون الاحتياط حينئذ فيه، لانها إن كانت مطلقة فعليها الاقراء، وإن كانت مفارقة بالموت فعليها عدة الوفاة، فيقين البراءة موقوف على ذلك. (و) من هنا (لو كن حوامل) أو إحداهن (اعتددن بأبعد الاجلين) لكون الاحتياط حينئذ فيه على حسب ما عرفت، لكن قيل: إن ذلك بالنسبة إليهما ليس من باب المقدمة، ضرورة عدم توجه خطاب إليها كي يجب عليها تحصيل اليقين بذلك، بل استصحاب الزوجية في كل منهما، واحتمال الطلاق لا يهدمه، كما في الثوب المشترك، وإنما يكون من باب المقدمة بالنسبة إلى من يريد نكاحهما أو إحداهما، فانه لا يسوغ له ذلك حتى يستوفيا معا أبعد العدتين، وإنما لزمهما الاحتياط لانها إذا حرمت عليه حرم عليها، كما أنه إذا وجب عليه اجتناب من إحداهما رضيعته، - وهي مسألة الاناءين - وجب على كل منهما اجتنابه، لانها إذا حرمت عليه حرم


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 437.

[ 286 ]

عليها، ولذلك يسقط حكم الحداد الذي لا مدخلية له في ذلك، ولا مقتضى لوجوبه إحداهما. وفيه أن استصحاب الزوجية لا يعين عدة الوفاة، وإلا لم يكن مقتضى الاحتياط في ذات الاقراء انتظارها الابعد بلا خلاف نجده بين من تعرض لذلك، واقتصار المصنف على عدة الوفاة مبني على الغالب، بل كان المتجه وجوب الحداد عليها، ولم نعرف أحدا صرح بذلك، بل هو قد اعترف بعدمه، وحينئذ فلا وجه لذلك إلا استصحاب بقائها على حكم العدة إلى حصول اليقين بالخروج الذي به يكون الخروج من يقين الشغل، وهو باب المقدمة والاحتياط اللازم. نعم ربما يشكل ذلك في صورة عدم الدخول الذي لا عدة للمطلقة معه باعتبار عدم اليقين بنفيها بعده كي يستصحب، والاصل البراءة. وفيه - بعد معلومية كون الاصل في الفروج الحرمة، لاصالة عدم ترتب أسباب العقد، وليس في عمومات النكاح ما يقتضي الحل في الموضع المشتبه بين العنوان المحلل والمحرم كما أفرغنا الكلام فيه في كتاب النكاح في اشتباه الاجنبية مع الاخت ونحوها - أن المعلوم أن ذات البعل لا تخرج من التحريم إلا بالدخول في عنوان المحللة بالطلاق أو وفاة الزوج عنها أو نحو ذلك، فمع فرض اشتباه اندراجها في أحد العنوانين بالخصوص - بعد العلم بكونها في أحدهما - يجب الاحتياط عليها إلى حصول اليقين باندراجها فيهما على التقديرين، وهذا معنى الاحتياط اللازم وباب المقدمة المذكور في صريح كشف اللثام وظاهر غيره. وعلى كل حال فالاقراء حيث تلحظ تحسب من حين الطلاق بناء على وقوعه، لا بالتعيين، وعدة الوفاة من حينها، حتى لو مضى قرء واحد من حين الطلاق ثم مات الزوج عنها فعليها الاقصى من القرءين ومن الوفاة. ولو مضى قرءان ثم مات الزوج ففي المسالك " فعليها الاقصى من عدة الوفاة ومن قرء ".

[ 287 ]

وفيه أن الاقصى هنا منحصر في عدة الوفاة، إذ لا عبرة بما إذا تجاوز الثلاثة الاشهر الابيض كما عرفت، نعم لو قلنا بوقوعه بالتعيين وقلنا بصحته مع ذلك اتجه اعتبار الاقراء حينئذ من حين الوفاة، لعدم التعيين قبلها، أما إذا قلنا بفساد الطلاق حينئذ لعدم التعيين إلى حين الموت فليس عليهن إلا عدة الوفاة، كما هو واضح. (وكذا) الحال (لو طلق إحداهن بائنا) معينا لها في نفسه مثلا (ومات قبل) ذكر (التعيين فعلى كل واحدة) منهن (الاعتداد بعدة الوفاة إلا في ذات الاقراء على الوجه الذي قد عرفت. (ولو عين قبل الموت انصرف) الطلاق الواقع فيهما أولا (إلى المعينة) التي ذكرها اخيرا (و) لكن (تعتد من حين الطلاق) لما تقدم من وقوع الطلاق بالاول وإن تأخر التعيين و (لا) تعتد (من حين الوفاة و) ذلك لان الفرض كون طلاقها بائنا مبهما ثم عين. نعم (لو كان رجعيا اعتدت عدة الوفاة من حين الوفاة) لما عرفت من انقلاب عدة الرجعية إلى عدة الوفاة لو مات المطلق في أثنائها. وبذلك ظهر لك ما في مناقشة المسالك فلاحظ وتأمل، فان فيها غير ذلك من التشويش في بعض ما ذكره من حكم المسألة، كما لا يخفى على من لاحظه. بل ربما كان فيها أيضا ما ينافي ما قدمه سابقا في بحث التعيين فراجع وتدبر، هذا. وقد بقي شئ وهو أن ظاهر من تعرض للمسألة كالمصنف والفاضل وشارحه وثاني الشهيدين وغيرهم عدم الفرق فيما ذكروه من الحكم المزبور بين المبهم ظاهرا وواقعا، وبين المبهم ظاهرا وهو معين واقعا. وقد يتوهم أن المتجه في الاخير القرعة، لان ذلك المتيقن من موردها، بل قد يقال بجريانها في الاول بناء على عدم اختصاصها بذلك، بل هي في كل مشكل ليس في الادلة ما يقتضي تعيينه، لكن لم أجد أحدا احتمله هنا مع ذكرهم ذلك في الطلاق المبهم. ولعله لعدم الاشكال هنا، لم عرفته من إمكان التخلص الذي هو مقتضى باب

[ 288 ]

المقدمة وقاعدة اليمين والاحتياط اللازم، وانما يحتاج إلى القرعة حيث لا يكون طريق إلى ذلك، كما إذا بقي الزوج مثلا واريد معرفة المطلقة من غيرها، وقلنا بعدم اعتبار تعيينه، أو خرج عن قابلية ذلك، أو كانت المطلقة معينة واشتبهت، وفي أمثال ذلك، لا مثل المقام الذي قد عرفت عدم الاشكال فيه على كل واحد منهن في التخلص من العدة، أو في معلومية الاندراج في عنوان التحليل. إلا أن الانصاف مع ذلك كله الاعتراف بظهور كلامهم في ذلك المقام بجريان القرعة التي هي كاشف واقعا في مثل المقام، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (والمفقود) زوجها (إن عرف خبره أو أنفق على زوجته وليه) من نفسه أو متبرع أو كان له مال يمكن الانفاق منه عليها (فلا خيار لها) وإن أرادت ما تريد النساء وطالت المدة عليها، فهى حينئذ مبتلاة فلتصبر، بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، وللاصل والنصوص (1)، بل في خبر السكوني (2) منها عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام قال في المفقود: لا تتزوج امرأته حتى يبلغها موته، أو طلاق: أو لحوق بأهل الشرك " وإن وجب تقييده بغيره من النصوص. كصحيح الحلبي (3) " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المفقود، قال: المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها، فان لم يجد له أثرا أمر الوالي وليه أن ينفق عليها، فما أنفق عليها فهي امرأته، قال، قلت: فانها تقول: إنى اريد ما تريده النساء، قال: ليس لها ذلك ولا كرامة، فان لم ينفق عليها وليه أو وكيله أمره بأن يطلقها، وكان ذلك عليها طلاقا ". وصحيح بريد (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المفقود كيف يصنع بامرأته ؟ قال، ما سكتت عنه وصبرت يخلى عنها، فان هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه، فيسأله عنه، فان خبر عنه بحياة


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 0 - 3 - 4. (4) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (جواهر الكلام - ج 18)

[ 289 ]

صبرت، وإن لم يخبر عنه بشئ حتى تمضى الاربع سنين دعى ولى الزوج المفقود، فقيل له: هل للمفقود مال ؟ فان كان له مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته، وإن لم يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها، فان فعل فلا سبيل لها أن تتزوج ما أنفق عليها، وإن أبى أن ينفق عليها جبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدة وهي طاهر، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فان جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلقها الوالي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته، وهي عنده على تطليقتين، وإن انقضت العدة قبل أن يجيئ أو يرجع فقد حلت للازواج، ولا سبيل للاول عليها ". وفي الفقيه وفي رواية اخرى (1) " إن لم يكن للزوج ولي طلقها الوالي، ويشهد شاهدين عدلين، فيكون طلاق الوالي الزوج، وتعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تتزوج إن شاءت ". وخبر أبى الصباح (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين، ولم ينفق عليها، ولم تدر أحي هو أم ميت ؟ أيجبر وليه على أن يطلقها ؟ قال: نعم وإن لم يكن ولي طلقها السلطان، قلت: فان قال الولي أنا أنفق عليها، قال: فلا يجبر على طلاقها، قال: قلت: أرأيت إن قالت أنا قال: أنا اريد ما تريد النساء، ولا أصبر ولا أقعد كما أنا ؟ قال: ليس لها ولا كرامة إذا أنفق عليها ". وموثق سماعة (3) " سألته عن المفقود، فقال، إن علمت أنه في أرض فهي تتنظر له أبدا حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه، وإن لم تعلم أين هو من الارض كلها ؟ ولم يأتها منه كتاب ولا خبر فانها تأتي الامام، فيأمرها أن تنتظر أربع سنين، فيطلب في الارض، فان لم يجد له أثرا حتى تمضي أربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر أو عشرا، ثم تحل للازواج، فان قدم زوجها بعد ما تنقضي *)


(1 و 2) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 - 5. (3) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 290 ]

عدتها فليس له عليها رجعة، وإن قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرا فهو أملك برجعتها ". وهي كما ترى بعد الجمع بينها بحمل المطلق على المقيد ظاهرة في عدم الخيار لها مع أحد الامرين. بل قد يقال: إن ظاهر هذه النصوص انحصار تدبير أمرها في زمان انبساط يد الامام عليه السلام، لاحال قصورها، ولعله لذا قال في المحكي عن السرائر: " إنها في زمن الغيبة مبتلاة، وعليها الصبر إلى أن تعرف موته أو طلاقه " وحينئذ فتسقط ثمرة المسألة في هذا الزمان. اللهم إلا أن يقال: إن ذلك نصا وفتوى مبنى على الغالب من القصور في زمن الغيبة، ولا فمع فرض تمكن نائب الغيبة من الاتيان بما ذكرته النصوص يتجه قيامه مقام الوالى في ذلك، لعموم ولايته الشاملة لذلك. بل ظاهر المحدث البحراني تبعا للكاشاني عدم توقف مباشرة هذه الامور على الحاكم، فانه - بعد أن حكى عن المسالك قوله فيها: " لو تعذر البحث عنه من الحاكم إما لعدمه أو لقصور يده تعين عليها الصبر إلى أن يحكم بموته شرعا أو يظهر حاله بوجه من الوجوه، لاصالة بقاء الزوجية، وعليه يحمل ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله " تصبر امرأة المفقود حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه " وعن علي عليه السلام (1) " هذه امرأة ابتليت فلتصبر " ومن العامة من أوجب ذلك مطلقا عملا بهاتين الروايتين " - قال: " ولا يخفى ما فيه من الاشكال والداء العضال والضرر المنفي بالاية (2) والرواية (3) - إلى أن قال -: وهذا مبني على ظاهر ما اتفقت عليه كلمتهم من توقف


(1) المستدرك الباب 18 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 7 وسنن البيهقى ج 7 ص 446. (2) سورة البقرة: 2 الاية 232 وسورة النساء: 4 الاية 19. (3) الوسائل الباب 12 من كتاب احياء الموات.

[ 291 ]

الطلاق أو الاعتداد على رفع الامر إلى الحاكم الشرعي، كما سمعت ما في القواعد من أنه لو مضت مائة سنة ولم ترفع أمرها إلى الحاكم فلا طلاق ولاعدة، بل تبقى على حكم الزوجة، وأن الفحص في ضمن الاربع لابد وأن يكون من الحاكم وفي الحكم بتعينه من الاخبار المزبورة نظر، لما عرفت من أن بعضها (1) وإن دل على الرفع إلى الحاكم إلا أن البعض الاخر (2) خال، وأن الفحص المأمور به لا يتعين كونه من الحاكم، بل يكفي كونه من الولي أو غيره - مؤيدا بما ذكره الكاشاني في الجمع بين النصوص من أنه - إذا فقد الرجل بحيث لم يوجد له خبر أصلا فان مضى عليه من حين فقد خبره أربع سنين ولم يوجد من أنفق على امرأته بعد ذلك ولم تصبر على ذلك أجبر وليه على طلاقها بعد تحقق الفحص عنه، سواء وقع الفحص قبل مضي الاربع أو بعده، وسواء وقع من الولي أو الوالي أو غيرهما، وعدتها عدة الوفاة - إلى أن قال -: وبالجملة لاظهور في النصوص في توقف الطلاق على رفع الامر إلى الحاكم، وأن مبدء الاربع التي يجب عليها التربص فيها من مبد الرفع، وأن الفحص إنما هو من الحاكم - ثم أطنب في بيان ذلك وقال -: ومتى ثبت أن الحكم لا اختصاص له بالحاكم فلا إشكال في أنه مع فقده أو قصور يده لا ينتفي الحكم المذكور، بل يجب على عدول المؤمنين القيام بذلك حسبة، كما قاموا مقامه في غيره، وأما الخبران المذكوران في المسالك فهما عاميان ". ومن لاحظ تمام كلامه ينبغي أن يقضي منه العجب، وذلك لان جميع النصوص المزبورة ما بين صريح وظاهر في مدخلية الوالي في ذلك، بل ما في بعضها (3) من إرسال رسول أو الكتابة إلى ذلك الصقع، كالصريح في بسط اليد، ومع فرض عدم مدخلية الحاكم في ذلك لا مدخلية لعدول المؤمنين الذين ولايتهم فرع ولايته.


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب 2 من كتاب النكاح. (2 و 3) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 5 - 4.

[ 292 ]

بل لو لم نقل بالطلاق توقف اعتدادها بالمدة المزبورة على أمر الحاكم وإن احتمل في المسالك " الاكتفاء بمضيها، لظاهر خبر سماعة (1) أنها تعتد بعد تطلبه أربع سنين، ولاشعار الحال بالوفاة ودلالته عليها " لكن كما ترى (2) ضرورة ظهوره وغيره أن ذلك كله من أعمال الحاكم ومناصبه، فليس لها ولا لغيرها شئ من ذلك بدونه، لا في ضرب الاجل، ولا في الفعل بعده، كما هو واضح، خصوصا بعد ملاحظة الاحتياط، وكون المسألة على خلاف مقتضي الضوابط. كما أنه ينبغى أن يقضي العجب بما فيها أيضا من الاقتصار في الحكم المذكور على خصوص المفقود بسبب سفر وغيبة، دون المفقود بانكسار سفينة أو معركة أو نحو ذلك مما لا أثر له في النصوص المزبورة، فتتزوج هذه من دون رفع أمرها إلى الحاكم، ومن دون تأجيل، بل بالقرائن الدالة على موته. ثم أطنب في بيان ذلك، وحكى عن بعض مشائخه المحققين موافقته على ذلك، وكذا حكى عن الاخوند ملا محمد جعفر الاصبهاني الشهير بالكرباسي، قال: " وقد زوج جملة من النساء اللاتي فقدت أزواجهن في معركة قتال الافغان مع عسكر شاه سلطان حسين في مفازة قرب كرمان ". إذ لا يخفى عليك ما فيه (أولا) من أن مقتضى ما ذكره حرمة التزويج إلى حصول العلم بالموت للمرأة ولمن يريد نكاحها ممن هو عالم بحالها، لا التزويج بالقرائن التى لا توجيه، ومع فرض حصوله بها لا بحث فيه، بل وفي مسألة المفقود بالسفر أيضا وإن لم يكن ثم مخبر بذلك وإن توهمه في المسالك، ضرورة أنه ما بعد العلم من شئ. و (ثانيا) أن العنوان في النصوص المزبورة " المفقود " الشامل لهذه الافراد،


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. (2) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة الا أن الموجود في المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه " لكنه كما ترى " وهو الصحيح.

[ 293 ]

ولا ينافي ذلك ما في بعضها (1) من الارسال إلى النواحي، فان المدار على التجسس عنه في الوجه الذي نفذ فيه، ليعلم حاله، وليس هذا من القياس في شئ، بل هو مقتضى إطلاق اللفظ الذي لا داعي إلى تخصيصه بذكر حال بعض أفراده، كما هو واضح. ومن هنا لم أجد أحدا من أساطين الاصحاب تردد في شئ من ذلك، وقد جعلوا العنوان ما في النصوص من المفقود الشامل لجميع الافراد المزبورة، كما هو واضح بأدنى تأمل. (و) كيف كان ف‍ (لو جهل خبره ولم يكن من ينفق عليها) ولو متبرع (فان صبرت فلا بحث،) ضرورة كون ذلك كله للارفاق بها (وإن رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين، وفحص عنه، فان عرف خبره صبرت، وعلى الامام أن ينفق عليها) في الاجل المزبور (من بيت المال) المعد للمصالح التي هذه منها. (وإن لم يعرف خبره أمرها بالاعتداد عدة الوفاة ثم تحل للازواج) بلا خلاف أجده فيه نصا (2) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، لكن بعد الطلاق من وليه أو الوالي، كما سمعت التصريح به في النصوص (3) المزبورة المعتضدة بالاصل وغيره، عدا موثق سماعة (4) المحمول عليها، خصوصا بعد قوله عليه السلام فيه، " هو أملك برجعتها " بل في كشف اللثام " لا خلاف في المسألة، فان غاية الامر السكوت في مضمر سماعة (5) وعبارات أكثر الاصحاب ". قلت: لا ينافي ذلك كون العدة عدة وفاة، لاحتمال اختصاص هذه العدة للطلاق


(1 و 3) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 - 0 -. (2) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. (4 و 5) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 294 ]

بالمدة المزبورة، ولعل السر ملاحظة موته فيها، باعتبار قضاء العادة بالوقوف عليه مع الفحص أربع سنين في النواحي التي يظن وجوده فيها، فتكون عدة الطلاق هنا بمقدار عدة الوفاة، ومن هنا صرح القائلون بالطلاق بكون العدة عدة وفاة. وإن أبيت إلا وجود الخلاف في ذلك - كما ذكر في المسالك وغيرها، ناسبين له إلى الشيخ وجماعة، وإلى المصنف وغيره ممن عبر نحو عبارته بل جعلوا ثمرة المسألة النفقة والحداد وغيرهما، بل في المسالك الاشكال في العدة أيضا مستظهرا من النصوص أنها عدة الطلاق، قال: إلا أن القائلين بالطلاق صرحوا بكونها عدة وفاة، ولا يخلو من إشكال، ورواية سماعة (1) الدالة عليها موقوفة ضعيفة السند " وفيه أن رواية سماعة ليس دالة على أنها عدة طلاق، نعم مرسل الفقيه (2) دال على ذلك، وهو حجة بعد الانجبار، كما أن موثق سماعة بعد حمل اطلاقه على مقيد غيره يكون كذلك. وأما الحداد فلا ريب في عدم وجوبه وإن توقف فيه الفاضل، - لكنه في غير محله بعد صراحة النصوص (3) المزبورة بالطلاق المقتضي لكون ذلك عدته لا عدة وفاة. على أنه لا إشعار في شئ من النصوص بأن للحاكم حينئذ أن يحكم بموته وإلا لوجب عليها الاعتداد حينئذ، مع أنه لا خلاف ولا إشكال في أن لها الصبر والبقاء على الزوجية ولو بعد تأجيل الحاكم وفحصه، بل لا يبعد وجوب ذلك عليها لو فرض وجود المنفق بعد المدة المزبورة كما أنه لا يبعد أن للحاكم بعد طلاقها لو أرادته بعد اختيارها الصبر بعد الاجل، ولا تحتاج إلى تأجيل آخر. بل لا يبعد عدم احتياج غيرها من الزوجات - اللاتي لم يرفعن أمرهن إلى الحاكم - إلى التأجيل لهن بالخصوص، بل لا يبعد الاكتفاء بالفحص والبحث من الحاكم أربع سنين وإن لم يكن بعنوان التأجيل للمرأة المزبورة، وإن كان هو


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. (2 و 3) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2 - 0 -.

[ 295 ]

خلاف ظاهر صحيح بريد (1) وموثق سماعة (2). بل في قواعد الفاضل " ضرب أربع سنين إلى الحاكم، فلو لم ترفع خبرها إليه فلا عدة حتى يضرب لها المدة ثم تعتد ولم صبرت مائة سنة، وابتداء المدة من رفع القضية إلى الحاكم وثبوت الحال عنده، لا من وقت انقطاع الخبر " لكن يمكن حمله على ما لا ينافي ما ذكرنا. نعم ظاهر أكثر الفتاوى والصحيح المزبور (3) أن مبدأ المدة الرفع المذكور إذا لم يكن ثمة فحص سابق من الحاكم إلا أن في المحكي عن الخلاف " تصبر أربع سنين، ثم ترفع أمرها لتنتظر من يتعرف خبر زوجها في الافاق، فان عرف له خبر لم يكن لها طريق إلى التزويج " إلى آخره. وفي صحيح الحلبي (4) " إذا مضى له أربع سنين يبعث الوالي " ومن المعلوم أنه لا مدة عليها لابتداء رفع أمرها، بل متى انقطع خبره وصدق عليه اسم المفقود ولم يكن لها منفق ولو مبترع رفعت أمرها إلى الحاكم، فلابد من حمل ذلك على إرادة خصوص من يتوقف صدق اسم الفقد عليه على مضي المدة المزبورة لبعد جهة سفره أو غيره وأما إطلاقه إرسال الوالي فيحمل على ما في غيره من المدة المزبورة كما أنه يحمل خبر أبي الصباح (5) على ما إذا كان ذلك بأمر الحاكم، والله العالم. ولو فقد في بلد مخصوص أو جهة مخصوصة بحيث دلت القرائن على عدم انتقاله منها إلى غيرها ففي المسالك " كفى البحث عنه في تلك البلد أو تلك الجهة، فان لم يظهر خبره تربص أربع سنين من غير بحث، فإذا مضت فعل بها ما تقرر من الطلاق أو الامر بالاعتداد، ثم تزوجت إن شاءت، وكذا إن كان فقده في جهتين أو ثلاث أو بلدان كذلك اقتصر على البحث عنه فيما يحصل فيه الاشتباه ". قلت: كأنه فهم التعبد من الاجل المزبور، ويؤيده في محل الفرض استصحاب


(1) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (2) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 - 4 - 5.

[ 296 ]

المنع، ولكن ينافيه فيما لو فرض عدم وفاء الاجل المزبور باستقصاء البحث عنه في محتملاته، والتزام الفعل بها مع انتهاء الاجل المزبور وإن لم يستقص فيه الاحتمال كما ترى مناف للاستصحاب المزبور والاحتياط وغيرهما، والقول بأن ذلك مثال لارادة استقصاء البحث في محتملاته يقدح في القول بالتعبد المزبور، والاحرى مراعاة الاحتياط في كل منهما. هذا وقد عرفت أن مقتضى النصوص المزبورة تخير الحاكم بين المكاتبة وإرسال الرسل، بل وبين غيرهما من طرق الفحص عن أمثال ذلك، لكن في المسالك " يعتبر في الرسول العدالة، ليركن إلى خبره حيث لا يظهر ولا يشترط التعدد، لان ذلك من باب الخبر لا الشهادة، وإلا لم تسمع، لانها شهادة على النفي، ومثل هذا البحث لا يكون حصرا للنفي حتى يقال: إنه مجوز للشهادة، إنما هو استعلام وتفحص عنه ممن يمكن معرفته له عادة، لا استقصاء كلى ". وفيه أن ذلك إذا كان استعلاما وتفحصا فلامدخلية للعدالة فيه أيضا، ضرورة كونه كغيره ما يبحث عنه ويفحص، وقد سمعت ما في موثق سماعة (1) من اعتبار عدم علمها من الارض، وعدم إتيان كتاب منه ولا خبر في رفع أمرها إلى الحاكم، كما أنك سمعت اعتبار عدم وجدان الحاكم أثرا له في الفعل المزبور، بل قد عرفت تضمنها الاعتماد على الكتابة التي هي ليس طريقا شرعيا، وبالجملة لا مدخلية للعدالة في المقام، والله العالم. ثم إنه لا يخفى عليك اختصاص الحكم المزبور بالزوجة، دون الميراث وعتق أم الولد ونحو ذلك مما يترتب على موته، فينتظر في قسمة ماله حينئذ انتهاء عمره الطبيعي، كما استوفينا الكلام في ذلك في المواريث، لحرمة القياس عندنا، فالاصول والقواعد حينئذ بحالها. بل الظاهر اختصاص الحكم بالدائمة دون المتمتع بها، لاشعار الامر بالطلاق


) (1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 297 ]

والانفاق في ذلك، نعم لا فرق بين الحرة والامة في ذلك، كما لا فرق بين الحر والعبد فيه، كما هو واضح. ولو أنفق عليها الولى أو الحاكم من ماله ثم تبين تقدم موته على زمن الانفاق أو بعضه ففي المسالك " لا ضمان عليها ولا على المنفق، للامر به شرعا، ولانها محبوسة لاجله، وقد كانت زوجته ظاهرا، والحكم مبنى على الظاهر " وفيه أن ذلك كله لا ينافي قواعد الضمان بالاتلاف واليد ونحوهما، والظاهر بعد ظهور الحال لا يدفع الضمان، كما في الوكيل الذي قد بان انعزاله بموت الموكل مثلا، إذ المسألة ليس من خواص المقام، والدفع بعنوان النفقة يوجب الضمان بعد ظهور عدم استحقاقها، كما هو واضح. وكيف كان فقد بان لك من النصوص وما ذكرناه فيه أن الشارع راعى بعد الفحص المدة المزبورة احتمالي الحياة والموت، ولذا أمر بالطلاق والاعتداد عدة الوفاة، ليكون ذلك خلاصا للمرأة على كل حال، فتكون المدة المزبورة حينئذ عدة وفاة لو صادفت وإن لم يكن قد بلغها الموت، كما انها تكون عدة طلاق وإن كانت الامرأة من ذوات الاقراء. وحينئذ (فلو جاء زوجها) أي ظهرت حياته (وقد خرجت من العدة ونكحت) زوجا أخر (فلا سبيل له عليها) إجماعا بقسميه، لما عرفت ولظاهر النصوص (1) المزبورة، بل وان اعتدت بأمر الحاكم من دون طلاق على القول به. (وإن جاء في) أثناء (العدة فهو أملك بها) للنصوص (2) المزبورة الدالة على أنها بحكم العدة الرجعية وإن كانت بقدر عدة الوفاة، حتى على القول


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 و 2. (2) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

[ 298 ]

بالاعتداد بأمر الحاكم من دون طلاق، لتصريح موثق سماعة (1) الذي هو دليل القول المزبور بذلك، بل ظاهر قوله فيه، " هو أملك برجعتها " أن له الرجوع بها، لا أنها تكون زوجته قهرا وإن احتمله بعض الناس أو استظهره فيه وفي نحو عبارة المصنف، لكنه في غير محله، خصوصا بعد ملاحظة موافقته لغيره من النصوص التصريح في ذلك، لقوله عليه السلام فيه (2) " فبداله أن يرجع فيها " كما هو واضح. (وإن خرجت من العدة ولم تتزوج) فعن الشيخ (فيه روايتان) وتبعه المصنف ثم قال: (أشهرهما) (3) رواية وعملا (أنه لا سبيل له عليها) بل لم نقف على رواية الرجوع فيما وصل إلينا كما اعترف به غير واحد ممن سبقنا، بل في المسالك " لم نقف عليها بعد التتبع التام، وكذا قال جماعة ممن سبقنا " نعم صريح النصوص (4) السابقة أنه لا سبيل له عليها، حتى موثق سماعة (5) الذي لم يذكر فيه الطلاق. ومنه يعلم ما في تفصيل الفاضل في المختلف بأن العدة إن كانت بعد طلاق الولي فلا سبيل للزوج عليها، وإن كانت بأمر الحاكم من غير طلاق كان أملك بها، وذلك لان الاول طلاق شرعي قد انقضت عدته، بخلاف الثاني، فأن أمرها بالاعتداد كان مبنيا على الظن بوفاته، وقد ظهر بطلانه، فلا أثر لتلك العدة، والزوجية باقية، لبطلان الحكم بالوفاة، مضافا إلى اقتضاء ذلك أولويته بها، حتى لو تزوجت، وقد


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب. النكاح. (2) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1، وفيه " فبدا له. أن يراجعها ". (3 و 4 و) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب. النكاح، والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق. (5) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب. النكاح.

[ 299 ]

عرفت الاجماع على خلافه، والفرق بينهما - بأن الشارع قد حكم به ظاهرا، فلا يلتفت إلى العقد الاول، بخلاف ما لو كان قبل التزويج - كما ترى، ضرورة اتحاد حكم الشارع بالتزويج وحكمه بالعدة بالنفوذ وعدمه، وعلى كل حال فما عن الشيخ في النهاية والخلاف وفخر المحققين واضح الضعف، بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص، والله العالم. (فروع) (الاول:) (لو نكحت بعد العدة ثم بان موت الزوج كان العقد الثاني صحيحا) بلا خلاف ولا إشكال، بل قد عرفت الاجماع عليه لو جاء حيا فضلا عن مجيئ خبر موته. (ولا عدة) عليها من موته كما هو ظاهر النصوص (1) السابقة أو صريحها (سواء كان موته قبل العدة أو معها أو بعدها) وذلك (لان عقد الاول سقط اعتباره في نظر الشرع) بالطلاق أو بالامر بالاعتداد (فلا حكم) له ب‍ (موته كما لا حكم) له في حال (حياته) المصرح به في النصوص (2) بل لا أجد فيه خلافا معتدا به بيننا. وفي المسالك " وربما قيل ببطلان العدة لو ظهر موته فيها أو بعدها قبل التزويج بناء على أنه لو ظهر حينئذ كان أحق، لان الحكم بالعدة والبينونة كان مبنيا على الظاهر، ومستند حكم الحاكم الاجتهاد، وقد تبين خطأه، فعليها


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق. (2) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح. والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

[ 300 ]

تجديد عدة الوفاة بعد بلوغها الخبر كغيرها، بل يحتمل وجوب العدة عليها ثانيا وإن نكحت، لما ذكر، وسقوط حق الاول عنها لو حضر وقد تزوجت لا ينفي الاعتداد منه لو مات، وهذا قول لبعض الشافعية، والمذهب هو الاول، والمصنف نبه بما ذكره من الحكم على خلافه ". قلت: ولعل ذلك هو الداعي إلى فرض المسألة في صورة النكاح، وإلا فقد عرفت فيما مضى أنه لا فرق بين نكاحها وعدمه، نعم لو فرض مجيئ خبر موته وهي في أثناء العدة أمكن القول باستئنافها عدة الوفاة، كما إذا جاءها قبل الشروع بها. أما إذا جاء بعد الاعتداد فلا إشكال في عدم التفاتها، لخلوصها منه حينئذ بالطريق الشرعي، ودعوى اختصاص ذلك بما إذا كان الامر مشتبها لا شاهد لها، بل صريح ما فرض في النصوص من مجيئه بعد العدة خلافه، ولا يرد أنها عدة طلاق رجعي بناء على المختار، ومن حكم عدة الطلاق أنه إذا تجدد الموت في أثنائها انتقلت إلى عدة الوفاة، وإن لم تعلم بالموت إلا بعدها استأنفت عدة الوفاة، وذلك لظهور النص (1) والفتوى في كفاية العدة المزبورة لها هنا على كل حال، كما هو واضح. (الثاني) (لا نفقة على الغائب في زمان العدة ولو حضر قبل انقضائها نظرا إلى) أنها عدة نشأت من (حكم الحاكم بالفرقة) فهي إما عدة وفاة وإن جاز له الرجوع في أثنائها أو عدة طلاق، ولكن لا دليل على النفقة فيه، وإن جاز له الرجوع، بدعوى ظهور الادلة (2) في أن نفقة المطلقة الرجعية فيما لو طلقها هو، لا الطلاق


(1) الوسائل الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق. (2) الوسائل الباب 8 من أبواب النفقات من كتاب النكاح.

[ 301 ]

في مثل الفرض الناشئ من حكم الحاكم الذى هو باق على مقتضي أصالة البراءة بعد خروج الامرأة عن الزوجية. (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) مما عرفت، ومن ظهور النصوص (1) في كونه طلاقا رجعيا وإن كان المباشر له الولى الشرعي الذى هو أولى من الوكيل، بل يظهر من بعضها (2) أن حكم العدة فيه حكم العدة الرجعية وإن لم يكن ثم طلاق، أللهم إلا أن يقال: إن ذلك في خصوص الرجوع لا مطلقا حتى النفقة، ولكنه لا ياتي على المختار من اعتبار الطلاق في فراقها، ولاريب في ظهور النصوص في كونه طلاقا رجعيا وإن طالت عدته. ومما ذكرنا يظهر لك النظر فيما ذكر في بعض الكتب في المسألة، حتى الفاضل في القواعد الذي خص الاشكال في النفقة لو حضر، وظاهره عدم الاشكال في عدم وجوبها مع عدم الحضور، إذ قد عرفت أن المتجه وجوبها باعتبار كون الطلاق رجعيا وإن لم يحضر، ولو قلنا بالاعتداد بدونه وأنه بالحضور ولو بعد العدة ينكشف البطلان يتجه وجوب النفقة لو جاء ولو بعد العدة، حتى لما مضى من العدة وما بعدها، لبقائها على الزوجية حينئذ، كما هو واضح. (الثالث) (لو طلقها الزوج أو ظاهر) أو آلى (واتفق) كون ذلك (في زمن العدة) التي هي من طلاق الحاكم أو أمره (صح) بلا خلاف ولا إشكال، بناء على صحة ذلك في لعدة الرجعية، ضرورة كونها منها إن وقع الطلاق من الولي أو الوالى، لما عرفت من كونه طلاقا رجعيا وإن كانت عدته مقدار عدة


(1) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح والباب 23 من أبواب أقسام الطلاق. (2) الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 302 ]

الوفاة، وبحكم الرجعية إن اعتدت بأمره من دون طلاق، واحتمال كونها بحكمها في خصوص الرجعية دون غيرها جمود (و) لعله لذا جزم المصنف به مع ظهور عبارته السابقة أن العدة بأمر الحاكم من دون طلاق، إلا أن الانصاف عدم خلوه من الاشكال. نعم (لو اتفق) كون ذلك (بعد العدة لم يقع) ولو قبل التزويج (لانقطاع العصمة) بينهما بانقضائها على كل حال مع فرض عدم معرفة خبره، لكن في المسالك وكشف اللثام إشكال صحة وقوع الطلاق على المطلقة الرجعية من دون تخلل رجعة بأن لا تصح عندنا تطليقتان من دون تخلل رجوع بينهما، أللهم إلا أن يقال: إن المطلقة الرجعية باقية على الزوجية حقيقة إلى انقضاء العدة، أو يجعل ذلك بمنزلة الرجوع والطلاق على نحو " اعتق عبدك عني ". هذا وقد تقدم لثاني الشهيدين في بحث النكاح الكلام في أن الطلاق الرجعي مزيل للنكاح زوالا متزلزلا لا يستقر إلا بانقضاء العدة أو أنه جزء السبب في الزوال، وتمامه انقضاء العدة، وفرع على الاخير جواز وقوع الظهار واللعان والايلاء وجواز تغسيلها الزوج وبالعكس، بل جعله هو المراد للمصنف بقوله هناك: " إن الرجعية زوجة " فما أدري ما الذي دعاه إلى الاشكال في خصوص الطلاق الذي هو في الحقيقة كالظهار في اعتبار وقوعه على الزوجة. (الرابع) (لو أتت بولد بعد مضي ستة أشهر من دخول الثاني لحق به) لان الولد للفراش (ولو ادعاه الاول وذكر أنه وطأها سرا لم يلتفت إلى دعواه) لزوال فراشه. (وقال الشيخ ره: يقرع بينهما) نحو ما قاله فيما لو طلقها فتزوجت وأتت بولد يمكن إلحاقه بهما (و) لكن (هو) كما ترى (بعيد) لانها فراش

[ 303 ]

للثاني فعلا بخلاف الاول، فانها كانت فراشا له، فلا ريب في رجحانه عليه، فلا إشكال كي يكون محلا للقرعة، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب النكاح، بل هو في المقام أولى منه من وجوه. (الخامس:) (لا يرثها الزوج لو ماتت بعد العدة وكذا لا ترثه) بلا إشكال، بناء على ما عرفت من انقطاع العصمة بينهما بانقضائها وإن لم تتزوج، بل وإن لم نقل بالطلاق، لما سمعته من تصريح الموثق (1) بأنه لا سبيل له عليها بعدها لو جاء حيا فضلا عن الموت. لكن في المسالك على القول بأنه لو حضر حينئذ كان أحق بها يحتمل ثبوت التوارث، لظهور كونه موجودا إلى تلك الحال المقتضي ببقاء الزوجية في نفس الامر، وكونه أحق بها على تقدير ظهوره دليل على أن الحكم بالبينونة مبني على الظاهر، ومستمر مع الاشتباه لا مع ظهور الحال. وفيه - مضافا إلى ما عرفته من ضعف القول المزبور - أن المتجه عدمه عليه أيضا، لحكم الشارع بانقطاع العصمة بينهما بانقضائه وإن كان هو أولى بها لو جاء، فان ذلك لا يقتضى التوارث بينهما مع عدم مجيئه، كما هو واضح. (و) لذا كان ظاهر المصنف عدم الاشكال في ذلك على كل حال، بل قال: (التردد لو مات أحدهما في العدة) من كونها عدة رجعية أو بائنة (والاشبه الارث) حتى لو قلنا بالاعتداد من دون طلاق، لما عرفت من كونها بمنزلة الرجعة أيضا وإن كان لا يخلو من إشكال.


الوسائل الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 وفيه " فليس له عليها رجعة " وقوله عليه السلام: " لا سبيل للاول عليها " مذكور في صحيح بريد المروى في الوسائل في الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1.

[ 304 ]

السادس: لو غلط الحاكم بالحساب فأمرها بالاعتداد فاعتدت وتزوجت قبل مضي مدة التربص بطل النكاح الثاني لوقوعه على غير الوجه الشرعي، بل هو نكاح لذات بعل شرعا، بل الاقرب تحريمها عليه أبدا مع الدخول، لكونه تزويجا لذات بعل، وهو محرم أبدا نصا (1) وإجماعا كما عرفته في محله، نعم لو بان كون نكاحه لها بعد موته أمكن القول بعدم حرمتها عليه، بل في القواعد " الاقرب صحة الثاني لو تبين موت الزوج الاول قبل العدة ". قلت: لعله لعدم كونها حينئذ ذات بعل في نفس الامر، بل ولا في عدة، لما عرفت من أنها عندنا موقوفة على الطلاق الصحيح الذي يتعقب تربص الاربع سنين، لكن في كشف اللثام: " ويحتمل البطلان، لابتنائه ظاهرا وفى زعم المتعاقدين على الاعتداد المبنى على الخطاء ". ولو عاد الزوج من سفره وقد ظهر الغلط في الحساب فان لم يكن قد تزوجت وجب لها نفقة جميع المدة، وإن كانت قد تزوجت ففي القواعد " سقطت نفقتها من حين التزويج، لانها ناشز، فإذا فرق بينهما فان لم يكن دخل بها الثاني عادت نفقتها في الحال، وإن دخل فلا نفقة لها على الثاني، لانه مشتبه، ولا على الاول لانها محبوسة عليه لحق غيره " ولا يخلو من نظر كما أن ما فيها أيضا من أنه " لو رجع بعد موتها ورثها إن لم تخرج مدة التربص والعدة ويطالب الورثة الثاني بمهر مثلها " كذلك أيضا. ولو بلغها موت الاول اعتدت له بعد التفريق، وإن مات الثاني فعليها عدة وطء الشبهة، ولو ماتا معا فان علمت السابق وكان هو الاول اعتدت عنه بأربعة


(1) الوسائل الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. (جواهر الكلام - ج 19)

[ 305 ]

أشهر وعشرة أيام، أولها يوم مات الثاني، لان العدة لا تجتمع مع الفراش الفاسد، وفراشه قائم إلى وقت موته، وإن سبق الثاني فان كان بين المدتين ثلاثه أقراء مضت عدة الثاني، فتعتد عن الاول، وإن كان أقل أكملت العدة ثم اعتدت من الاول، ولو لم يعلم السابق أو علم التقارن اعتدت من الزوج ثم من وطء الشبهة ". (الفصل السادس) (في عدد الاماء) (والاستبراء) لهن وإن كان قد تقدم الكلام في أكثر أحكامه في كتاب البيع مستوفى، لكن من المعلوم أنه طلب البراءة لغة، والتربص عن وطء الامة مدة بسبب إزالة ملك أو حدوثه شرعا. وأما العدة فهي التربص فيها للنكاح وشبهه على نحو ما سمعته في الحرة، ولعل اختصاصه بالاسم المزبور باعتبار تقدير تربصه بما يدل على البراءة من غير تكرر وتعدد فيه، بخلاف التربص الواجب بسبب النكاح الذي هو مأخوذ من العدة باعتبار تعدد الاقراء والشهور فيه. هذا ولكن قد تطلق العدة على الاستبراء وبالعكس. وكيف كان ف‍ (عدة الاماء في الطلاق مع الدخول) والبلوغ وعدم اليأس (قرآن) بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله كذلك عنده العامة - فضلا عن الخاصة - إلا ما يحكى عن داود منهم، فجعلها ثلاثة أقراء، وقد سبقه الاجماع، بل ولحقه، (و) المشهور كما في الحرة أنهما (طهران) شهرة عظيمة. (وقيل) والقائل الاسكافي والعماني على ما حكي عنهما: (حيضتان) وتبعهما بعض متأخري المتأخرين كسيد المدارك وصاحبي الكفاية والحدائق، بل

[ 306 ]

كأنه مال إليه في الرياض. (و) لكن لاريب في أن (الاول) - مع كونه (أشهر) بل هو المشهور، بل يمكن دعوى الاتفاق عليه من زمانهما إلى زمان المزبورين - أظهر لصحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن حر تحته أمة أو عبد تحته حرة كم طلاقها ؟ وكم عدتها ؟ فقال: السنة في النساء في الطلاق فان كانت حرة فطلاقها ثلاثا، وعدتها ثلاثة أقراء، وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان، وعدتها قرءان " الذي هو كالصريح في اتحاد المراد بالقرء في الحرة والامة. وقد عرفت النصوص (2) والفتاوى بكونه فيها الطهر، بل قد سمعت من النصوص (3) ما يقتضي تفسيره بذلك، من غير فرق بين عدة الحرة والامة بل في بعضها (4) تعليله بكونه يقرء فيه الدم، أي يجتمع ثم يقذف بالحيض دفعة، ولا ينافي ذلك نصوص الحيضتين (5) التي هي كنصوص الثلاث حيض (6) في الحرة التي قد عرفت حملها على التقية، أو إرادة الدخول في الاخيرة لاتمامه، إرادة الامساك عن خصوص التزويج إلى انقضائها كما عرفته سابقا. ولقد أجاد في الوسائل بحمل ماهنا على ما عرفته في نظائرها هناك مع اختلال طريقته، ضرورة انسياق الاتحاد فيهما. فمن الغريب ما وقع لبعض الناس من مستقيمي الطريقة هنا من الاشكال في المقام باعتبار امكان الفرق بين القرءين فيهما، للنص (7) الدال على كونه الطهر


(1) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد. (4) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 4. (5) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 2 و 3 و 4 و 5. (6) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 7 و 8. (7) الوسائل الباب 14 من أبواب العدد.

[ 307 ]

هناك بخلافه هنا، فتبقى نصوص الحيضتين بلا معارض، فتكون مفسرة للقرء هنا أو مقيدة، إذ هو كما ترى، خصوصا بعد ملاحظة الشهرة العظيمة، وملاحظة معلومية كون الرق على النصف من الحر في الحد والقسم وغيرهما، ومقتضاه كون العدة قرء ونصف، إلا أنه لما يعلم نصف القرء إلا بعد انتهائه كانت العدة قرءين، كما أنه جعل المدار في الامة بالنسبة إلى المحلل على التطليقتين باعتبار عدم تعقل التصنيف في الطلاق، وبالجلمة فلا ينبغي الشك في الحكم المزبور. ويلحق بالطلاق فسخ النكاح ولو بسبب بيعها أو بيع زوجها ففسخ المشترى نكاحها، كما صرح بالاخير الفاضل في القواعد لانه كذلك في الحرة، ولاستصحاب المنع المتحقق فيها ولو مدة الاستبراء، إذ احتمال عدم وجوب شئ عليها مقطوع بعدمه، ومن هنا كان الاحتمال المقابل للاعتداد الاستبراء، لخروجه عن مدلول لفظ الطلاق، ومن منع انحصار الاعتداد في مسماه، كما سمعته في وطء الشبهة للحرة ولاصل البراءة المقطوع باستصحاب المنع فيها، ودعوى الفرق بينها وبين الحرة - بأنه ليس للحرة مدة مضروبة لاستبراء رحمها أقل من عدة الطلاق، فلا يمكن الحكم بالبراءة في أقل منها، بخلاف الامة - لا تصلح معارضة للاستصحاب المزبور. نعم لو ثبت أن الاصل في وطء الامة الاستبراء إلا ما خرج من الطلاق ونحوه لكان ذلك متجها، ولكن دونه خرط القتاد. ومن ذلك يعلم الحال في كل فرد حصل الشك فيه بالنسبة إلى اعتبار حكم العدة فيه أو الاستبراء، ولعل من ذلك وطء الشبهة ولو من المالك في المزوجة، وغيره مما يمر عليك في أثناء المباحث. ولعل من ذلك عدة المبعضة وإن ذكر فيها وجهان، إلا أن المتجه للاصل المزبور اعتدادها بعدة الحرة، وأما احتمال ملاحظة المركب مما يقتضيه التقسيط على كل من عدتي الحرة والامة بالنسبة إلى ما فيها من الحرية والامية (1) فلم اجد قائلا به بل ولا من احتمله.


(1) في النسختين الاصليتين " والامة ".

[ 308 ]

(و) كيف كان ف‍ (أقل زمان تنقضي به عدتها ثلاثة عشر يوما ولحظتان): لحظة بعد وقوع الطلاق، ولحظة أخرى من الحيض نحو ما سمعته في الحرة. (و) منه يعلم وجه (البحث في اللحظة الاخيرة) في أنها من العدة أو بها يحصل العلم بانقضائها، ضرورة كون الكلام (كما في الحرة). بل مما تقدم يعلم أيضا إمكان فرضه بأقل من ذلك، وهو عشرة أيام وثلاث لحظات في صورة الطلاق بعد الوضع قبل النفاس بلحظة، ثم يأتي الدم لحظة، ثم تطهر عشرة أيام، ثم تحيض فتخرج حينئذ بأول لحظة من الحيض. هذا كله في ذات الاقراء. (و) أما (إن كانت لا تحيض وهي في سن من تحيض اعتدت بشهر ونصف، سواء كانت تحت حر أو عبد) كما في خبر محمد بن الفضيل (1) عن أبى الحسن الماضي عليه السلام، وفي مضمر سماعة (2) " عدة الامة التي لا تحيض خمسة وأربعون يوما " وفي الفقيه عنه (3) أيضا عن أبى عبد الله عليه السلام " عدة الامة التي لا تحيض خمس وأربعون ليلة - يعني إذا طلقت - " وفي خبر أبي بصير (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " عدة الامة المطلقة شهر ونصف " وفي خبر زرارة (5) عن أبى جعفر عليه السلام الاتي في النصرانية " عدتها في الطلاق عدة الامة: حيضتان أو خمسة وأربعون يوما " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك. وما في آخر (6) من الشهرين فشاذ لا عامل به، بل لا أجد خلافا في الاول في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى معلومية كون الامة في العدة على


(1 و 3) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 5 - 7. (2 و 3) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 7 - 6. (5) الوسائل الباب 45 من أبواب العدد الحديث 1. (6) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 4.

[ 309 ]

النصف من الحرة، والقرآن فيها لما عرفت. بل لعل الظاهر من التأمل في النصوص (1) الواردة في الحرة والامة اتحادهما في كيفية الاعتداد وإن اختلفا في الكمية، وحينئذ يتجه كون العدة في الامة أحد الامرين: القرءين أو الشهر ونصفا، نحو ما سمعته في الحرة من ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر بيض، أيهما سبق كان الاعتداد به. من غير فرق في ذلك بين ذات الاقراء وبين من كانت في سن من تحيض ومثلها لا تحيض، كالمرضعة وذات التسع سنين ونحوهما، وبين التي لا تحيض ومثلها يحيض ولكن لم تحض هي لمرض مثلا، بل وبين من كانت عادتها الحيض في الازيد من الشهر ونصف، نحو ما سمعته في الحرة ممن كانت عادتها أزيد من ثلاثة أشهر، ضرورة أن الامة أضعف من الحرة في العدة. بل الظاهر عموم الضابط المزبور في الامة حتى للمسترابة، بأن جاءها الحيض في الاقل من شهر ونصف ولو بيوم ثم غابت حيضتها، فانها تعتد حينئذ بالشهر والنصف ما لم تأتها حيضة اخرى قبلها. ولا يجري عليها حكم المسترابة في الحرة اقتصار في خير سورة (2) عليها خاصة، لظهوره أو صراحته فيها، ولا تعليل فيه يقتضي التعدية عنها في الحكم المخالف لاطلاق الادلة المزبورة، وكذا خبر عمار (3) الذي قد عرفت الحال فيه سابقا. ولعله للاتكال على ما سمعته في الحرة اقتصروا هنا على ذكر الاعتداد بالقرءين والخمسة وأربعين يوما. هذا ولكن في الرياض بعد أن ذكر الاعتداد بالخمسة والاربعين يوما للتي لا تحيض وهي في سن من تحيض قال: " ولو كانت مسترابة بالحمل كان عليها الصبر بأشهر تسعة، وفاقا لشيخنا العلامة وبعض الاجلة، التفاتا إلى ظواهر النصوص الامرة به في الحرة التي هي كالصريحة في أن الصبر تلك المدة لاستعلام البراءة، ولا يتفاوت


(1) الوسائل الباب 12 و 40 من أبواب العدد. (2 و 3) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2 - 1.

[ 310 ]

فيه الحرة والامة، لكن ظاهرها أن الصبر تلك المدة ليس للعدة، بل إنما هو لمعرفة البراءة، وأما العدة فهي الاشهر الثلاثة التي بعدها، وبمقتضى ذلك يجب عليها الصبر هنا بعد التسعة بشهر ونصف البتة إلا أنى لم أقف على مفت بذلك، بل هم مابين مفت بتسعة ومصرح بعدم وجوبها والاكتفاء بأشهر ثلاثة، التفاتا إلى ظهور الحمل في هذه المدة واختصاص الامر بالزيادة بالحرة، والمناقشة فيه بعد ما عرفت واضحة ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه من وجوه النظر بعد الاحاطة بما ذكرناه هناك، وما أدري ما النصوص التي أشار إليها، فان كان خبر سورة (1) فهو ليس إلا خبر واحد، وقد عرفت الحال فيه، وإن كان المراد نصوص (2) مدعية الحمل فهي غير الاسترابة فيه التي قد عرفت عدم اقتضائها وجوب التربص تسعة وإن استرابت وظهرت أماراته من حركة ونحوها اللهم إلا أن يعلم أنها حامل، ومدعية الحمل غير المسترابة فيه، بل هي بزعمها أنها من ذوات الاحمال، وقد عرفت أنها لا تعتد بعد التسعة، كما أوضحنا الحال فيه هناك، فلاحظ وتأمل حتى تعرف وجوه النظر في كلامه. وقد سبقه إلى هذا الوهم المقداد في التنقيح، بل إنما اغتر به، لانه قال في شرح قول المصنف في النافع: " ولو كانت - أي الامة - مسترابة فخمسة وأربعون يوما ": " هذا هو المشهور، وقال ابن الجنيد: لو اعتدت بشهرين كان عندي أحوط، قال: فان استرابت بالحمل انتظرت ثلاثة أشهر، قال العلامة: الوجه أنها مع الريبة تنتظر تسعة أشهر كالحرة، لتساويهما في زمان الحمل - ثم اعترضه بأنه لا حاجة إلى التسع، لان العلم بالحمل لا يتوقف على مضي أقصى غايته - ولو قلنا بذلك في الحرة فلا تحمل الامة عليها، بل يكتفى بثلاثة أشهر، لانه بمضي ذلك يعلم الحمل، فعدتها بوضعه أو عدمه، فعدتها بالاشهر " وما حكاه عن العلامة هو ما وقع له في المختلف.


(1) الوسائل الباب 13 من أبواب العدد الحديث 2. (2) الوسائل الباب 25 من أبواب العدد.

[ 311 ]

ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما تقدم لنا سابقا وفي المقام الذي لم يظهر لنا فيه مخالف غيرهم من كون عدة الامة قرءين أو شهرا ونصف، وأما القول بالثلاثة فلم نجد له شاهدا ولا موافقا لمن قال به. وقد عرفت الكلام في مسترابة الحمل، وأنه لا يجب فيه الانتظار إلا مع دعواها، أو تكون من مضمون خبر سورة (1) الذي قد عرفت اختصاصه بالحرة، فلاحظ وتأمل. ثم إنه لا يخفى عليك جريان ما ذكرناه هناك في الاشهر الثلاثة من كونها هلالية مطلقا أم لا هنا، إذ المسألة من واد واحد، نعم قد يقال: إن المراد منهما هنا العدديان بقرينة ما سمعته من خبر (2) الخمسة وأربعين يوما أو ليلة، لكن ظاهرهم الاتفاق على الاجتزاء بالهلالي مع فرض وقوع الطلاق مقارنا لغرته، فتكمله خمسة عشر يوما من الاخر، وتعتد به وإن كان في أربعة وأربعين يوما لو فرض نقصانه. نعم لو وقع الطلاق في أثناء الشهر اعتبر الخمسة وأربعون يوما، كما في الخبر (3) الذي حملوه على الغالب من وقوع الطلاق في الانأاء أو تمامية الشهر، بل احتمل بعض الناس في الفتاوى المطلقة أيضا. وفيه أنه إن كان المراد الهلالي فينبغي التزام ذلك في النصف، إذا لاوجه للتفكيك بين قوله: " شهر ونصف " فيكون ثلاثة وأربعون يوما ونصف يوم، وعدم العلم بذلك لا ينافي جريان الحكم عليه لو وقع عليها عقد مثلا بعد ذلك، نعم مضي الخمسة عشر يوما موجب العلم بخروجها عن العدة، لان الشهر إذا كان تاما لا يزيد على ثلاثين يوما. ومن هنا يمكن إرادة الهلالي من الشهر ونصف، لما عرفته من كونه المنساق


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب العدد الحديث 2. (2) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 7 والباب 42 منها الحديث 7. (3) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد 7.

[ 312 ]

منه بعد حمل نصوص (1) الخسمة والاربعين على الغالب الذي عرفت، بل لعل ذلك كذلك حتى لو وقع الطلاق في أثناء الشهر بأن يكمل من الاخر مقدار ما فات منه، بل مقتضى ما عرفت من كون عدة الامة النصف من الحرة ذلك بعد ما عرفت من كون المراد من الثلاثة فيها الهلالية، كما تقدم الكلام فيه مستوفى، فلاحظ كى تعرف المطابقة بين ما هناك وهنا، والله العالم. (ولو اعتقت) الامة (ثم طلقت فعدتها عدة الحرة) بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة كونها حرة مطلقة، فتندرج في أدلتها، بل (وكذا) لا إشكال ولا خلاف في عدم عود عدتها لو فرض وقوع العتق بعد انقضائها، ضرورة كونها طلقت أمة واعتدت كذلك فتشملها جميع الادلة. نعم (لو طلقت طلاقا رجعيا ثم أعتقت في العدة أكملت عدة الحرة، ولو كانت بائنا أتمت عدة الامة) بلا خلاف أجده فيهما، بل لعله إجماع، لا لكون الاولى بمنزلة الزوجة، ضرورة عدم خروجها بذلك عن صدق كونها أمة قد طلقت، فيجب لها عدتها ولو للاستصحاب. ودعوى ظهور نصوص (2) اعتداد الامة في التي هي كذلك إلى آخر العدة بخلاف الفرض الذي لا يدخل في أدلة الحرة ولا الامة، فهو موضوع جديد، فيستصحب حكم المنع فيه إلى انتهاء عدة الحرة، ولا يستصحب حكمها السابق المعلوم كونه من حيث إنها أمة - لو سلمت تقتضي عدم الفرق حينئذ بين البائنة والرجعية فيحتاج خروج الاولى حينئذ إلى نص خاص، وليست بأولى من القول بأن المتجه فيهما الاكتفاء بعدة الامة فيهما، لصدق كونها أمة طلقت، ولكن خرجت الرجعية لدليل خاص وبقي البائنة. والامر سهل بعد اتحاد الامرين في النتيجة المزبورة المستفادة من الجمع بين


(1) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 7 والباب 42 منها الحديث 7. (2) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد.

[ 313 ]

مادل على كل منهما باطلاقه، كصحيح جميل (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " في أمة كانت تحت رجل فطلقها ثم أعتقت، قال: تعتد عدة الحرة " وخبر محمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر عليه السلام " إذا طلق الرجل المملوكة فاعتدت بعض عدتها منه ثم اعتقت فانها تعتد عدة المملوكة " بحمل الاول على الرجعي والثاني على البائن بشهادة خبر مهزم (3) المخبر بالعمل عن أبى عبد الله عليه السلام " في أمة تحت حر طلقها على طهر بغير جماع تطليقة، ثم اعتقت بعدما طلقها بثلاثين يوما، ولم تنقض عدتها، فقال: إذا اعتقت قبل أن تنقضي عدتها اعتدت عدة الحرة من اليوم الذي طلقها، وله عليها الرجعة قبل انقضاء العدة، فان طلقها تطليقتين واحدة بعد واحدة ثم اعتقت قبل انقضاء عدتها فلا رجعة له عليه، وعدتها عدة الاماء " وعدم عمومه لجميع أفراد البائنة غير قادح بعد عدم القول بالفصل، خصوصا على ما ذكرناه أخيرا من بقاء البائنة على الاطلاقات السابقة. (وعدة الذمية كالحرة في الطلاق) وما يلحق به (والوفاة) بلا خلاف محقق أجدة وإن نسبه الفاضل إلى بعض الاصحاب، ولكن قد اعترف غير واحد بعدم معرفته، بل عن بعضهم الاجماع عليه، لاطلاق الادلة وخصوص صحيح السراج (4) عن الصادق عليه السلام في الاخيرة " قلت له: النصرانية مات عنها زوجها وهو نصراني ما عدتها ؟ قال: عدة الحرة المسلمة أربعة أشهر وعشرا ". بل وصحيح زرارة (5) عن أبي جعفر عليه السلام فيها أيضا، لكنه مخالف في الطلاق، قال: " سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها هل عليها عدة منه مثل عدة المسلمة ؟ فقال: لا، لان أهل الكتاب مماليك الامام، ألا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى مواليه ؟ قال: ومن أسلم منهم فهو حر يطرح عنه


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 50 من أبواب العدد الحديث 3 - 4 - 2. (4) الوسائل الباب 45 من أبواب العدد الحديث 2. (5) الوسائل الباب 45 من أبواب العدد الحديث 1 ورواه في التهذيب ج 7 ص 478 الرقم 1918 باختلاف كثير.

[ 314 ]

الجزية، قلت: فما عدتها إن أراد المسلم أن يتزوجها ؟ قال: عدتها عدة الامة حيضتان أو خمسة وأربعون يوما قبل أن تسلم، قال: قلت له: فان أسلمت بعدما طلقها، فقال: إذا أسلمت بعدما طلقها فان عدتها عدة المسلمة، قلت: فان مات عنها وهي نصرانية وهو نصراني فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها، قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعتد من النصراني أربعة أشهر وعشرا، عدة المسلمة المتوفى عنها زوجها، قلت: كيف جعلت عدتها إذا طلقها عدة الامة، وجعلت عدتها إذا مات عنها عدة الحرة المسلمة وأنت تذكر أنهم مماليك الامام ؟ فقال: ليس عدتها في الطلاق مثل عدتها إذا توفى عنها زوجها ". وعن الكافي (1) زيادة " إن الحرة والامة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد والامة لا تحد ". وإليها أشار المصنف بقوله: (وفي رواية تعتد عدة الامة و) لكن (هي شاذة) لم نتحقق بها عاملا، بل ظاهر الجميع أو صريحهم خلافها، فلا تصلح مقيدة لاطلاق الادلة من الكتاب (2) والسنة (3) المؤيد بالاحتياط والاستصحاب، فما في الحدائق - تبعا لما حكاه عن سيد المدارك من الاشكال في ذلك - في غير محله، بل هو ناش عن اختلال الطريقة. وفي المسالك " وحملت على أنها مملوكة، إذا لم ينص على أنها حرة " وفيه أنه مناف لما سمعته من التعليل فيها، فليس حينئذ إلا طرحها في مقابلة ما عرفت، مضافا إلى ما في ذيلها على رواية الكافي من المنافاة لما تسمعه من نصوص (4) اعتداد الامة في الوفاة أيضا. (وعدة الامة من الوفاة) لزوجها (شهران وخمسة أيام، ولو كانت حاملا


(1) الوسائل الباب 45 من أبواب العدد الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 الاية 228 و 234. (3) الوسائل الباب 12 و 30 من أبواب العدد. (4) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث - 0 -.

[ 315 ]

اعتدت بأبعد الاجلين) من الوضع أو المدة بلا خلاف أجده في الاخير، بل الاجماع بقسميه عليه، بل دليله واضح. إنما الكلام في المدة هل هي المذكورة أو أربعة أشهر وعشرا ؟ خيرة المصنف في غير ذات الولد الاول، بل هو المشهور بين الاصحاب، بل في الرياض لعل عليه عامتهم إلا من ندر من متأخريهم، لقاعدة التنصيف، وقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (1) " عدة الامة التي يتوفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام " الحديث. والباقر عليه السلام في الصحيح عن محمد بن قيس (2) " وإن مات عنها زوجها فأجلها نصف أجل الحرة شهران وخمسة أيام " ومضمر سماعة (3) في الموثق " سألته عن الامة يتوفى عنها زوجها، فقال عدتها شهران وخسمة أيام " وصحيح الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام " عدة الامة إذا توفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام " وخبر محمد بن مسلم (5) عنه عليه السلام أيضا " في الامة إذا توفى عنها زوجها فعدتها شهران وخمسة أيام " إلى غير ذلك. خلافا للمحكي عن الصدوق وابن إدريس وظاهر الكليني، بل في كشف اللثام نسبته أيضا إلى التبيان ومجمع البيان وروض الجنان للشيخ أبي الفتوح، لاطلاق الادلة المقيد بما عرفت، وصحيح زرارة (6) السابق. وصحيحه الاخر (7) عنه عليه السلام أيضا " يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة أو على أي وجه كان النكاح من متعة أو تزويج أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشرا ". وموثق سليمان بن خالد (8) عن أبي عبد الله عليه السلام " عدة المملوكة المتوفى


(1 و 2) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 6 - 10. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 7 - 8 - 9. (6) الوسائل الباب 45 من أبواب العدد الحديث 1. (7) الوسائل الباب 52 من أبواب العدد الحديث 2. (8) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 5.

[ 316 ]

عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ". وخبر وهب بن عبد ربه (1) عنه عليه السلام أيضا على ماعن الفقيه " سألته عن رجل كانت له أم ولد فمات ولدها منه، فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها، أله أن أن يطأها قبل أن يتزوج بها ؟ قال: لا يطأها حتى تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم يطأها بالملك من غير نكاح " الحديث. القاصرة عن معارضة ما عرفت من وجوه. بل يمكن حمل ما عدا الاخير منها على أم الولد إذا زوجها مولاها التي تعتد بالاربعة أشهر وعشرا، لتشبثها بالحرية، ولخصوص صحيح سليمان بن خالد (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامة إذا طلقت ما عدتها ؟ فقال: حيضتان أو شهران حتى تحيض، قلت: فان توفى عنها زوجها، فقال: إن عليا عليه السلام قال في امهات الاولاد: لا يتزوجن حتى يعتددن بأربعة أشهر وعشرا وهن إماء ". وخبر ابن وهب (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل كانت له أم ولد فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها، أله أن يطأها قبل أن يتزوج بها ؟ قال: لا يطأها حتى تعتد من الزوج الميت أربعة أشهر وعشرا ثم يطأها بالملك بغير نكاح ". وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ولو كانت ام ولد لمولاها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا) بل في المسالك نسبته إلى الشيخ وأتباعه والمصنف وباقي المتأخرين، وفي الرياض هو الاشهر، بل لعل عليه عامة من تأخر، بل في كشف


(1) الوسائل الباب 20 من أبواب موانع الارث الحديث 12 من كتاب المواريث. (2) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 1. (3) الوسائل الباب 44 من أبواب العدد الحديث 3 وهو خبر وهب بن عبد ربه أيضا كما في الاستبصار ج 3 ص 348 والتهذيب ج 8 ص 153 والكافي ج 6 ص 172 وفى الجميع " أله أن يطأها ؟ قال: تعتد من الزوج... ".

[ 317 ]

اللثام عن الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن المفيد وسلار وابن عقيل وابن الجنيد، فشهران وخمسة أيام مطلقا. وحينئذ تكون المسألة ثلاثية الاقوال، وقد عرفت ما يستدل به لكل منهما، وأن أقواها التفصيل، لرجحان النصوص (1) السابقة بالشهرة العظيمة، وقبول تلك النصوص (2) عدا الاخيرة منها للتنزيل على ام الولد، وأما الاخير منها فهو مع اتحاده مضطرب المتن، لما سمعت من رواية الكليني له بترك قوله فيها " فمات ولدها منه " ومن المعلوم أنه أضبط من غيره. ويؤيده أنه المعروف في كتب الفروع مستدلين به على حكم أم الولد، بل جعله غير واحد منهم مع الصحيح الاخر (3) شاهد جمع على التفصيل المزبور وإن لم يكن مشتملا على نفي الاعتداد بذلك عن غيرها، لكن المراد من شهادته أنه من المحتمل إرادة مضمونة من النصوص (4) السابقة التي قد عرفت رجحان نصوص (5) المشهور عليها بالعمل وغيره. على أن الصحيح الاخر دال على ذلك، ضرورة ظهور الاقتصار في جواب السؤال عن مطلق الامة على ذكر خصوص امهات الاولاد في ذلك. والمناقشة فيه - بأن ذلك كذلك حيث لا يمكن استفادة مطلق الامة منه، وليس إلا مع فقد قوله عليه السلام في الذيل: " وهن إماء " المشعر بالعموم وورود للحكم على مطلق الامة، وكأنه أراد بيان حكم مطلق الامة بقضية علي عليه السلام في أمهات الاولاد، ولكن لما كان ربما يتوهم منه الاختصاص بهن ذكر عليه السلام أن حكمه عليهن كان في حال كونهن إماء ولسن بحرائر، وهذه الحالة بعينها موجودة في فاقدة الولد - يدفعها ظهور كون المراد من ذلك بيان كون الاعتداد عليهن بذلك وإن كن إماء،


(1 و 3) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 0 - 1. (2 و 4) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 5 والباب 45 منها الحديث 1 والباب 52 منها الحديث 2. (5) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد.

[ 318 ]

بأن كن مزوجات ومات الزوج والسيد باق. وحاصله أن ام الولد من السيد تعتد من زوجها بذلك وإن كانت هي أمة، باعتبار بقاء سيدها وعدم انعتاقها من نصيب ولدها، وحينئذ يكون ظاهرا في إرادة الاختصاص بام الولد كما فهمه المعظم. وعلى كل حال فلا إشكال في اعتداد ام الولد بالاربعة أشهر وعشرا، إذ لا معارض لما دل (1) عليها بالخصوص المؤيد بالعمومات سوى إطلاق نصوص الشهرين وخمسة أيام (2) وهى بعد تسليم شمولها لذلك مقيدة بما سمعت. إنما الكلام في أعتدادها بذلك من موت سيدها، ولا خلاف بل الاجماع بقسميه على عدم العدة لها إذا كانت متزوجة، أما إذا لم تكن متزوجة فقد يظهر من المصنف وغيره ممن اقتصر على اعتدادها به من الزوج عدم اعتدادها منه بذلك، بل عن الحلي التصريح به وان عليها الاستبراء خاصة، ونفى عنه البأس في المختلف، بل عن موضع من التحرير الجزم به، للاصل ولاطلاق ما دل (3) على الاستبراء من وطء المالك، لا العدة التي هي من وطء غيره. وعن الطوسي والحلبي وابن حمزة وموضع عن التحرير والشهيد وغيرهم اعتدادها بذلك، بل نسبه غير واحد إلى المشهور، لاستصحاب المنع عنها إلى المدة المزبورة. وللصحيح (4) السابق في أمهات الاولاد، بناء على عمومه لموت المولى والزوج، بل في الرياض أنه في الاول أظهر، وإن كان في أصل عمومه لذلك نظر


(1) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 1 و 3. (2) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد. (3) الوسائل الباب 10 من أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة والباب 18 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (4) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 1 - 4.

[ 319 ]

فضلا عن كونه أظهر، لما عرفت من معناه وصحيح زرارة (1) السابق الشام لام الولد غيره، وموثق إسحاق بن عمار (2) عن الكاظم عليه السلام " سألته عن الامة يموت سيدها، قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها ". ولانها حيث تعتق من نصيب ولدها حرة، وليس لها حينئذ إلا العدة، لان الاستبراء للاماء، متمما ذلك بعدم القول بالفصل. ولفحوى اعتدادها بذلك من الزوج، لكونها متشبثة بالحرية، وفحوى ما تسمعه من النص (3) والفتوى في عدة المدبرة من موت مولاها الذي كان يطأها. بل قيل أو لخبر زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام " في الامة إذا غشيها سيدها ثم أعتقها فان عدتها ثلاث حيض، فان مات عنها فأربعة أشهر وعشر " وحسن الحلبي (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " قلت له: الرجل تكون تحته السرية فيعتقها: فقال: لا يصلح أن تنكح حتى تنقضي ثلاثة أشهر، وإن توفى عنها فعدتها أربعة أشهر وعشرا " وإن كان قد يناقش في ذلك بأنهما في المعتقة قبل الموت، وهي مسألة خرى غير ما نحن فيه. نعم يمكن الاستئناس لهما بما ذكرناه من انقلاب حكم الاستبراء من وطء المالك إلى العدة بصيرورتها حرة، لعدم الاستبراء فيها حينئذ فليس إلا العدة، بل عدة الحرة، والامر سهل بعدما عرفت من الادلة السالمة عن المعارض المكافئ لها. والمناقشة في ذلك - بدعوى ظهور خبر زرارة (6) السابق في اشتراط الغشيان ثم الاعتاق في الاعتداد بالمدة المزبورة، ولازمه عدمه بعدم الاعتاق، وحيث لا قائل بعد ثبوت العدم بالاعتداد بعدة اخرى سوى الاستبراء استقر دلالتها على عدم الاعتداد


(1) الوسائل الباب 52 من أبواب العدد الحديث 2. (2) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 1 - 4. (3) الوسائل الباب 51 من أبواب العدد الحديث 1. (4 و 5) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 1 5. (6) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 5.

[ 320 ]

مطلقا مع عدم الاعتاق، كما هو مفروض البحث، وسند الرواية ليس بذلك الضعف، بل ربما تعد من الحسن، ومع ذلك فهي معتضدة بالاصل المتيقن، وبعموم مادل (1) على ان الامة الاستبراء خاصة من دون تفصيل بين موت مواليهن وعدمه، وبموافقة من لا يرى العمل بأخبار الاحاد - كما ترى، بل لا تستأهل جوابا، ضرورة عدم إرادة الشرطية منها بالنسبة إلى الوفاة التي ذكر حكمها للمفروض حالها بالغشيان والعتق، لان الاعتداد بالوفاة بالمدة مشروطة بذلك أيضا، كما هو واضح بأدنى تأمل. نعم قد يقال: إن مقتضى جملة من الادلة المزبورة عدم الفرق بين ذات الولد وغيره، ومن هنا قال في المسالك: " والعجب مع كثرة هذه الاخبار وجودة أسانيدها لم يوافق الشيخ على مضمونها أحد ! ! وخصوا ام الولد بالحكم، مع أنه لا دليل عليها بخصوصها، وأعجب منه تخصيصه في المختلف الاستدال على حكم أم الولد بموثق إسحاق (2) مع أنه يدل على أن حكم الامة الموطوءة مطلقا كذلك. ومع ذلك فغيرها من الاخبار التي ذكرناها يوافقها في الدلالة، مع أنه فيها ما هو أجود سندا، وسيأتي أن المصنف وغيره أوجبوا عدة الحرة على الامة المدبرة بما هو أقل مستندا مما ذكرناه هنا ". لكن ناقشه بعض الافاضل بأن " العمدة في المسألة الشهرة، وهي هنا على الاستبراء خاصة، فلا تكافئ المعتبرة (3) المزبورة حينئذ بعد الاعراض عنها أصل البراءة وعموم الاستبراء على المملوكة، ومفهوم صحيح سليمان بن خالد (4) السابق فوجب حملها حينئذ على خصوص امهات الاولاد ومفهوم خبر زرارة (5) السابق وإن عم امهات الاولاد إلا أنه مخصص بمفهوم الصحيح المتقدم في امهات الاولاد الشامل للزوج والمولى ".


(1) الوسائل الباب 17 و 18 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 4 - 0 - 1. (5) الوسائل الباب 52 من أبواب العدد الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 20)

[ 321 ]

قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله من الحشو، خصوصا بعد الاحاطة بما قدمناه في المفهومين، بل لم يتحقق عندنا ما يقتضي سقوط هذه المعتبرة عن الحجية من إعراض الاصحاب أو غيره، بل يظهر من كشف اللثام موافقته للشيخ على ذلك، بل حكاه أيضا عن الجامع والنزهة، وعدم التعرض لذلك من كثير من الاصحاب أعم من الاعراض عن هذه النصوص، نعم عن ابن إدريس والفاضل في التحرير والمختلف التصريح بعدم العدة عليها، وأن عليها الاستبراء خاصة، ومثله لا يوهن به النصوص المعتبرة، ولا أقل من حصول الشك من ذلك، والاصل بقاؤها على المنع إلى المدة. وكيف كان فقد بان لك أن الاعتداد للامة ذات الولد من موت السيد إذا لم تكن مزوجة، بل أوفى عدة من زوج، بل وبعد انقضاء العدة إذا لم يكن قد وطأها السيد، وإن تردد فيه ثاني الشهيدين في الروضة، من إطلاق اعتدادها بموت السيد، ومن عدم الوطء الموجب لذلك، إذ السابق على التزويج مع فرض حصوله قد سقط حكمه بالتزويج، لكنه في غير محله، لمعلومية اعتبار الوطء في الاعتداد، وستسمع التصريح في صحيح المدبرة (1) بل قد سمعت الاشارة في حسن الحلبي (2) وخبر زرارة (3) السابقين. نعم قد يقال باقتضاء إطلاق الادلة وجوب اعتدادها من موت السيد وإن تعقب وطء لها ما يصلح للاستبراء من الحيضة وغيرها، لبقائها على حكم وطئه من دون أن يتخلل تزويج يرفعه، فتأمل جيدا. (و) كيف كان فلا يخفى عليك أنه يتفرع على ما ذكرناه من اعتداد الامة ذات الولد من السيد من وفاة الزوج أنه (لو طلقها الزوج رجعية ثم مات وهي في العدة استأنفت عدة الحرة) من الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرا بلا خلاف ولا إشكال لما سمعته في المطلقة الحرة الرجعية (و) أنها (لو لم تكن ام ولد


(1) الوسائل الباب 51 من أبواب العدد الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 1 - 5.

[ 322 ]

أستأنفت للوفاة عدة الامة) شهرين وخمسة أيام، بناء على ما سمعته من الاصح من كون عدتها ذلك، أم على ما سمعته من الصدوق (و) ابن إدريس فتستأنف عدة الحرة أيضا، نعم (لو كان الطلاق بائنا بقيت على عدتها منه) كما سمعته في الحرة، للاصل وغيره. (ولو مات زوج الامة) غير ذات الولد (ثم اعتقت أتمت عدة الحرة، تغليبا لجانب الحرية) واستصحابا للمنع، واقتصارا في تخصيص العموم كتابا (1) وسنة (2) على غير الفرض الذي قد يدعى انسياقه من تلك النصوص، ولصحيح جميل وهشام بن سالم (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " في أمة طلقت ثم أعتقت قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد بثلاث حيض، فان مات عنها زوجها ثم اعتقت قبل ان تنقضي عدتها فان عدتها أربعة أشهر وعشرا " ولما قدمناه سابقا من أنه يستفاد من جملة من النصوص (4) في موارد متعددة غلبة حكم الحرية مع فرض عروضها على مقتضي حكم المملوكة. ولعله إلى هذا أشار المصنف ره بقوله: " تغليبا " إلى آخره بمعنى أنه متى اجتمع مقتضى كل منهما غلب جانب الحرية، ومن ذلك حكم المدبرة التي، وام الولد من موت سيدها السابق، وما تسمعه فيما لو أعتقها سيدها في زمن حياته بعد أن كانت موطوءة له ثم مات عنها، وغير ذلك. بل قد يرجع إلى هذا ما في المسالك من توجيه الغلبة المزبورة من أنها بعد العتق مأمورة بإكمال عدة الوفاة، وقد صارت حرة، فلا تكون مخاطبة بحكم


(1) سورة البقرة: 2 الاية 234. (2) الوسائل الباب 30 من أبواب العدد. (3) الوسائل الباب 50 من أبواب العدد الحديث 1. (4) الوسائل الباب 50 من أبواب العدد والباب 20 من أبواب موانع الارث من كتاب المواريث والباب 12 من أبواب ديات النفس من كتاب الديات.

[ 323 ]

الامة، فيجب عليها إكمال العدة الحرة (1) نظرا إلى حالها حين الخطاب، ولا ينظر إلى ابتداء الخطاب بالعدة، فانها كل يوم مخاطبة بحكمها، وإلا كان محلا للنظر. (ولو كان المولى يطأها ثم دبرها اعتدت بعد وفاته) مع بقائها على حكم وطئه (بأربعة أشهر وعشر، ولو أعتقها) منجزا (في حياته اعتدت) من وطئه المزبور (بثلاثة أقراء) إن كانت من ذواته، وإلا فبالاشهر الثلاثة كالحرة المطلقة بلا خلاف أجده من غير الحلي، للعلة التي أشرنا إليها المؤيدة بالاستصحاب والاحتياط. ولصحيح دواد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في المدبرة إذا مات عنها مولاها إن عدتها أربعة أشهر وعشرا من يوم موت سيدها إذا كان سيدها يطأها، قيل له: فالرجل يعتق مملوكته قبل موته بساعة أو يوم، فقال: تعتد بثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء من يوم أعتقها سيدها ". مضافا إلى ما سمعته سابقا في اعتداد ام الولد من موت سيدها من صحيح زرارة (3) وموثق إسحاق (4) وغيرهما مما يدل على حكم المدبرة، بل قد عرفت سابقا قوة القول باعتدادها بذلك وإن لم تكن مدبرة، وإلى ما سمعته سابقا من خبر زرارة (5) وحسن الحلبي (6) الدالين على الحكم الاخير، المؤيد بما تقدم أيضا. وفي صحيح الحلبي أو حسنه (7) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يعتق سريته أيصلح له أن يتزوجها بغير عدة ؟ قال: نعم، قلت: فغيره، قال: لا حتى تعتد


هكذا في النسختين المبيضة والمسودة والصحيح " اكمال عدة الحرة ". (2) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 7. (3) الوسائل الباب 54 من أبواب العدد الحديث 2. (4) الوسائل الباب 42 من أبواب العدد الحديث 4. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 5 - 1 - 4.

[ 324 ]

ثلاثة أشهر " ونحوه صحيح زرارة (1) عنه عليه السلام أيضا. وفي موثق أبى بصير (1) عنه عليه السلام أيضا " إن أعتق رجل جاريته ثم أراد أن يتزوجها مكانه فلا بأس، ولا تعتد من مائه، وإن أرادت أن تتزوج من غيره فلها مثل عدة الحرة ". وفي خبره الاخر (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل تكون عنده السرية له، وقد ولدت منه ومات ولدها، ثم يعتقها، قال: لا يحل لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها ثلاثة قروء ". بل وصحيح الحلبي أو حسنه (4) عنه عليه السلام أيضا أنه قال: " في رجل كانت له أمة فوطأها ثم اعتقها وقد حاضت وإن كان ظاهره احتساب حيضته الواقعة بعد الوطء وقبل العتق من العدة، ولم يعرف القائل به على ما عن شرح النافع لسيد المدارك، لكن على كل حال دال على المطلوب الذي هو الانتقال عن حكم الامة بالعتق. فما عن ابن إدريس - من إنكار الحكمين لكون المدبرة غير زوجة والمعتقة غير مطلقة والاصل براءة الذمة من العدة - واضح الفساد حتى مع قطع النظر عن النصوص المزبورة، للاستصحاب بعد القطع أو الظن بعدم اندراج كل منهما في حكم الامة، كما هو ظاهر. إنما الكلام فيما تضمنه خبر زرارة (5) وحسن الحلبي (6) السابقان من


(1) أشار إليه في الوسائل في الباب 13 من نكاح العبيد والاماء الحديث 1 من كتاب النكاح وذكره في التهذيب ج 8 ص 175. (2) الوسائل الباب 13 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 من كتاب النكاح. (3 و 4) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 2 8. (5 و 6) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 5 - 1.

[ 325 ]

الاعتداد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشرا ولو مات سيدها بعد ما أعتقها المعتضد بخبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل أعتق وليدته عند الموت، فقال: عدتها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، قال: وسألته عن رجل أعتق وليدته وهو حي وقد كان يطأها، فقال: عدتها عدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء " المراد مما في صدره الموت بعد العتق وما في ذيله من البقاء بعده، فما عن الشيخ من حمله على الندب لا داعى له، بل وبمرسل جميل (2) عن بعض أصحابه إنه قال، " في رجل أعتق ام ولده، ثم توفى عنها قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد بأربعة أشهر عشرا، وإن كانت حبلى اعتدت بأبعد الاجلين ". وقد نسب ذلك في الحدائق إلى المشهور بين الاصحاب تارة، وإلى الشيخ وغيره أخرى، قال: " المشهور بين الاصحاب أن الامة إذا أعتقها سيدها في حياته وكان يطأها فانه لا يجوز لها التزويج بغيره إلا بعد العدة بثلاثة أقراء، وإذا توفى عنها اعتدت عدة الوفاة كالحرة، وكذا لو دبرها - إلى أن قال أيضا -: قد ذكر ذلك الشيخ وغيره " وإن كان المظنون أن ذلك اشتباه منه، بل يمكن حمل كلامه على إرادة ذلك بالنسبة إلى الحكم الاول والاخير، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه بتمامه، خصوصا بعد أن كان المحكي عن الشيخ تقييد النصوص الدالة على ذلك في صورة التدبير، بل عن أكثر الاصحاب كما ستعرف بقاؤها على اعتداد العتق، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، بل لعله ظاهر المصنف وغيره ممن أطلق الحكم المزبور. على أنه لا ريب في منافاته لما سمعته في ذيل صحيح داود (3) الظاهر أو الصريح في اعتدادها بالاشهر أو الاقراء بعد موته المعتضد باطلاق تلك الادلة أيضا، ويكون العتق كالطلاق البائن الذى لا تنتقل عدته بالموت، وبإمكان حمل المعارض على صورة التدبير، بل في الرياض نسبة ذلك إلى أكثر الاصحاب، بل فيه " أن النصوص


(1 و 2) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 6 - 9. (3) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 7.

[ 326 ]

المزبورة غير مكافئة للصحيح المذكور، لا في السند ولا في العمل ولا في غيرهما ". قلت: ولكن الانصاف عدم خلو المسألة من إشكال، لكثرة الروايات (1) المقابلة للصحيحة (2) وبلوغها حد الاستفاضة مع اعتبار سند بعضها، وهى مع ذلك ما بين صريحة ظاهرة، ومعتضدة أجمع بأصالة بقاء الحرمة، وفتوى جماعة، كإطلاق عبارة الحلى وظاهر عبارة ابن حمزة، ويظهر من المختلف الميل إليها أو التردد، فالاحتياط فيها لازم. ثم إنه قد بان لك مما ذكرنا الحال في جميع أحوال الامة، نعم لم يذكر المصنف هنا حكمها في العقد المنقطع، بل ولا الحرة اتكالا على ما سبق في النكاح. كما إنه لم أقف على من تعرض لحكم الامة المحللة، نعم في الوافى " أنه لا يبعد حمل خبر ليث المرادى (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: كم تعتد الامة من ماء العبد ؟ قال: حيضة " على ما إذا كانت محللة للعبد " وظاهره المفروغية من أن حكمها الاستبراء لا الاعتداد، بل لعله ظاهر اقتصار الاصحاب على غيره من الدائم والمنقطع ووطء الشبهة، بل ربما يؤيده ما ذكروه من أن التحليل ملك يمين أو في حكمه، وهو مع كونه إجماعا لا إشكال، وإلا جرى فيه الاصل السابق الذي ذكرناه في أول المبحث، وهو استصحاب المنع بعد عدم ثبوت أصالة الاستبراء في الامة. ولكن على كل حال ينبغي الاعتداد منه بالموت عدة الحرة إذا كانت ذات ولد للسيد، لما عرفت من أنها تعتد كذلك للزوج ولموت السيد إذا لم تكن مزوجة فمع فرض كون التحليل من ملك اليمين يأتي الحكم المزبور أيضا، والله العالم.


(1 و 2) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد الحديث 0 - 7. (3) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد الحديث 6.

[ 327 ]

(و) كيف كان فقد تقدم البحث في كتاب البيع في أن (كل من يجب استبراؤها إذا ملكت بالبيع يجب استبراؤها لو ملكت بغيره من استغنام أو صلح أو ميراث أوغير ذلك، ومن يسقط استبراؤها هناك) أي البيع (يسقط في الاقسام الاخر) لاتحاد المدرك في الجميع، فلا حاجة إلى إعادته. (و) كذا تقدم في كتاب النكاح أنه (لو كان للانسان زوجة فابتاعها بطل نكاحه) إجماعا، لان البضع لا يستباح بسببين، كما هو مقتضي التفصيل في الاية (1) القاطع للاشتراك، بل هو صريح الموثق (2) المتمم بعدم القول بالفصل " عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل، ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين، فقال: حرمت عليه " بل قد يستأنس لذلك بالمعتبرة المستفيضة (3) الدالة على بطلان نكاح الحرة إذا اشترت زوجها، إلى غير ذلك مما تقدم في محله. نعم هو (و) إن بطل نكاحه لكن (حل) له (وطؤها) بملك اليمين (من غير استبراء) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لاطلاق الادلة في إباحة وطء ملك اليمين، بل الاصل البراءة من أصل الاستبراء إلا ما دل عليه الدليل المعلوم قصوره عن تناول الفرض، خصوصا بعد انتفاء أصل حكمة شرعيته، وهي اختلاط الماءين، ضرورة كون الماء الواحد في الفرض وإن اختلفت جهة إباحته، بل قد تقدم في النصوص (4) السابقة ما يدل على عدم وجوب الاستبراء عليه للامة الموطوءة له إذا أعتقها وأراد أن يتزوجها بخلاف غيره، وهو مؤيد لما هنا، فما عن بعض العامة - من وجوب الاستبراء لبعض وجوه اعتبارية لا تنطبق على اصولنا - واضح الفساد.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 25 وسورة المؤمنون: 23 - الاية: 6. (2) الوسائل الباب 46 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 49 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (4) الوسائل الباب 43 من أبواب العدد.

[ 328 ]

(ولو ابتاع المملوك) المأذون (أمة واستبرأها كفى ذلك في حق المولى لو أراد وطأها) مع فرض العلم أو إخبار العبد به وكان ثقة، إذ المعتبر من الاستبراء ترك وطئها في المدة كيفما اتفق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون على المملوك دين وقضاء أولا، خلافا لما عن الشافعي من وجوب الاستبراء مع قضاء الدين، وهو كما ترى. (وإذا كاتب الانسان أمته حرم عليه وطؤها) لما تسمعه في باب الكتابة. (فان انفسخت الكتابة) للعجز مثلا (حلت) له (ولا يجب) عليه (الاستبراء) ما لم يكن وطء محترم بلا خلاف أجده بيننا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، وإن كان يحرم عليه وطؤها بالكتابة، إلا أن ذلك لا يقتضي وجوبه الدائر على تملك شخص آخر لها محتمل الوطء، فأصل البراءة من الاستبراء سالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن بعض العامة تنزيلا لحرمة الاستمتاع بها بالكتابة منزلة الانتقال، وفسخ الكتابة منزلة العود إلى الملك، وهو قياس في قياس. (وكذا لو ارتد المولى أو المملوكة) عن ملة (ثم عاد المرتد) منهما إلى الاسلام (لم يجب الاستبراء) وإن حرم عليه الوطء حال الارتداد، لمثل ما عرفت في الكتابة، نعم لو بيعت عليه ممن يجب الاستبراء منه ثم عادت إليه بشراء مثلا، أو وطأها غيره وطءا محترما ولو لشبهة، أو كان الارتداد عن فطرة وقلنا بقبول توبته على وجه يملك المال بها جديدا، وفرض عودها إليه من الوارث الذي يستبرأ منه بشراء ونحوه وجب الاستبراء، كما هو واضح. (ولو طلقت الامة بعد الدخول) بها (لم يجز للمولى الوطء إلا بعد الاعتداد) وإن لم تنتقل عن ملكه بلا خلاف ولا إشكال. (و) لكن (تكفى العدة عن الاستبراء) للمولى الاول، للاصل وظهور النصوص (1) في جواز وطئها له بعد الفراغ من العدة، بل وللثاني المشتري لها في العدة، لذلك أيضا، خلافا للمحكي عن المبسوط والسرائر في الاخير، بناء على أنهما حكمان لمكلفين لا يتداخلان،


(1) الوسائل الباب 40 من أبواب العدد.

[ 329 ]

وهو جار في الاول الذي قد حكي عن الشيخ في المبسوط والخلاف الموافقة على سقوط الاستبراء فيه، أو بناء على كون الانتقال سببا للاستبراء، والاصل عدم تداخل الاسباب. وعلى كل حال هو لا يعارض ما استظهرناه من النصوص ولعله المراد مما في كشف اللثام من أنه " إنما يتحصل العلم بالبراءة بالتربص إحدى المدد المعهودة، وهو معنى الاستبراء، وأبيح لنا الوقوع عليها بعد ذلك، وقد حصل بانقضاء العدة. وكيف كان فلو طلقت قبل الدخول فلا استبراء قطعا، للاصل، خلافا للمحكي عن بعض العامة، فأوجبه قياسا لزوال ملك الاستمتاع ثم عوده على زوال الملك وعوده، وهو باطل في مذهبنا، بل لعل الاصل عدم وجوب الاستبراء مع عدم العلم بالدخول وعدمه وإن وجب مع انتقال الملك، لحرمة القياس، والله العالم. (ولو ابتاع حربية فاستبرأها فأسلمت) بعده أو فيه (لم يجب استبراء ثان) وإن كان يحرم عليه وطؤها حال الكفر، للاصل بعد إطلاق الادلة السالم عن احتمال اشتراط صحة الاستبراء بكون الامة محللة للمولى لولى الاستبراء بعد عدم الدليل عليه، فيكفي حينئذ وإن كانت محرمة عليه بسبب آخر، لحصول الغرض المقصود، فما عن بعض العامة - من الوجوب، لتجدد ملكه الاستمتاع بالاسلام - واضح الضعف. (وكذا لو ابتاعها واستبرأها محرما بالحج) مثلا (كفى ذلك في استحلال وطئها إذا أحل) لما عرفت، بل هو أوضح.

[ 330 ]

(الفصل السابع) (في اللواحق) (وفيه مسائل:) (الاولى) (لا يجوز لمن طلق رجعيا أن يخرج الزوجة من بيته إلا أن تأتي بفاحشة) حاملا كانت أو حائلا، كما أنها لا يجوز لها أن تخرج هي بنفسها أيضا بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب والسنة قال الله تعالى شأنه: (1) " لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ". وفي صحيح أبي خلف (2) " سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن شئ من الطلاق، فقال: إذا طلق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلقها، وملكت نفسها، ولا سبيل له عليها، وتعتد حيث شاءت، ولا نفقة لها، قال: قلت: أليس الله تعالى يقول: لا تخرجوهن - إلى آخره - فقال: إنما عنى بذلك الذي يطلق تطليقة بعد تطليقة، فتلك التي لا تخرج حتى تطلق الثالثة فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه، ولا نفقة لها، والمرأة التي يطلقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضا تعتد في منزل زوجها، ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها ".


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الوسائل الباب 20 من أبواب العدد الحديث 1 عن سعد بن أبى خلف.

[ 331 ]

وفي موثق اسحاق بن عمار (1) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن المطلقة أين تعتد ؟ قال: في بيت زوجها ". وفي خبر أبى بصير (2) عن أحدهما عليهما السلام " عن الطلقة أين تعتد ؟ قال: في بيتها إذا كان طلاقا له عليها رجعة، ليس له أن يخرجها، ولا لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها ". وموثقة سماعة (3) " سألته عن المطلقة أين تعتد ؟ قال: في بيتها لا تخرج، وإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل، ولا تخرج نهارا، وليس لها أن تحج حتى تنقضي عدتها ". وفي صحيح الحلبي (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلا باذن زوجها حتى تنقضي عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تحض " إلى غير ذلك من النصوص. إلا أن ظاهر غير واحد من الاصحاب بل صريح بعضهم أن وجب الاسكان المزبور من حيث وجوب نفقتها عليه في العدة، ومن هنا كان استحقاقها عليه حيث تستحقها عليه، فلو كانت صغيرة وطئت ولو محرما أو ناشزا من الزوجية أو في أثناء العدة فلا سكنى لها، كما لا نفقة. نعم يفترق عن سكنى النفقة - بناء على ما في القواعد والمسالك وغيرهما بل قيل: إنه ظاهر الاكثر - بعدم جواز خروجها منه ولو اتفقا عليه، بل يمنعهما الحاكم من ذلك، لان فيه حقا لله تعالى شأنه، كما أن في العدة حقا له بخلاف سكنى الانفاق التي حقها مختص بالزوجة، كل ذلك لظهور الكتاب (5) والسنة (6) والفتاوى في ذلك، بل عن الكشاف إنما جمع بين النهيين ليشعر بأن لا يأذنوا وأن ليس


(1 و 2 و 4) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد الحديث 4 - 6 - 1. (3) الوسائل الباب 19 من أبواب العدد الحديث 1. (5) سورة الطلاق 65 الاية 1. (6) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد الحديث - 0 -.

[ 332 ]

لاذنهم أثر. لكن قد يشكل بما في الصحيح الاخير (1) وما في خبر معاوية بن عمار (2) من أن " المطلقة تحج في عدتها إن طابت نفس زوجها " من الدلالة على الجواز بالاذن الذي به يقيد إطلاق الاية وغيرها، ودعوى قصوره عن ذلك بإعراض الاكثر ممنوع، خصوصا، بعد تصريح جماعة من الاصحاب - كما في المسالك منهم أبو الصلاح والفاضل في التحرير - بالجواز. بل عن الفضل بن شاذان " أن معنى الخروج والاخراج ليس هو أن تخرج المرأة إلى أبيها أو تخرج في حاجة لها أو في حق بإذن زوجها، مثل مأتم وما أشبه ذلك، وإنما الخروج والاخراج أن تخرج مراغمة ويخرجها مراغمة، فهذا الذي نهى الله عنه، فلو أن امرأة استأذنت أن تخرج إلى أبويها أو تخرج إلى حق لم يقل: إنها خرجت من بيت زوجها، ولا يقال: فلان أخرج زوجته من بيتها، إنما يقال ذلك، إذا كان ذلك على الرغم والسخطة، وعلى أنها لا تريد العود إلى بيتها وإمساكها على ذلك، لان المستعمل في اللغة هذا الذي وصفناه - إلى أن قال -: إن أصحاب الاثر وأصحاب الرأي وأصحاب التشيع قد رخصوا لها في الخروج الذي ليس على السخط والرغم، واجمعوا على ذلك ". وحينئذ فالقول به لا يخلو من قوة، بل يمكن تنزيل من أطلق على إرادة غير الفرض، خصوصا بعد التصريح من بعضهم فيما يأتي من جواز الخروج إلى حج التطوع بالاذن، ودعوى الفرق بين الخروج إلى حج مثلا وبين الانتقال من منزل إلى منزل آخر خالية عن الدليل، بل إطلاق صحيح الحلبي (3) السابق شامل للامرين، على أن الممنوع كتابا (4) وسنة (5) الاخراج والخروج، فمع فرض جوازه بالاذن


(1) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد الحديث 1. (2) الوسائل الباب 22 من أبواب العدد الحديث 2. (3 و 5) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد الحديث - 1 - 0 -. (4) سورة الطلاق: 65 الاية 1.

[ 333 ]

لا فرق بين أفراده. وكيف كان فقد عرفت استثناء الاتيان بالفاحشة من ذلك في الكتاب (1) وغيره (و) قد اختلف في المراد منها، ففي الكتاب والقواعد (هو أن تفعل ما يجب به الحد، فتخرج لاقامته، وأدنى ما تخرج له أن تؤذي أهله) وظاهرهما بل صريحهما عدم انحصارها في الاول، كما عن بعضهم، بل عن النهاية قد روي (2) " أن أدنى ما يجوز له معه إخراجها أن تؤذي أهل الرجل " بل هو المروي (3) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وكذا في الخلاف والمبسوط والتبيان ومجمع البيان والجامع وغيرها الاقتصار عليه، مستدلا عليه في الاول بالاجماع وعموم الاية (4) وبإخراجه صلى الله عليه وآله فاطمة بنت قيس لما بذت على أحمائها (5) وعن مجمع البيان هو المروي (6) عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام. قلت: وفي خبر محمد بن علي بن جعفر (7) " سأل المأمون الرضا عليه السلام عن ذلك، فقال: يعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها، فإذا فعلت ذلك فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها فعل ". وفي مرسل إبراهيم بن هاشم (8) عنه عليه السلام


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الظاهر أن الشيخ (قده) أراد بذلك ما ورد في خبر محمد بن على بن جعفر ومرسل ابراهيم بن هاشم وخبر ابن أسباط الاتية. (3) الظاهر أنه أريد به ما ذكره الطبرسي في مجمع البيان الذى رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب العدد الحديث 5 قال: " قيل: هي البذاء على أهلها، فيحل لهم اخراجها وهو المروى عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام ". (4) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (5) سنن البيهقى ج 7 ص 433. (6 و 7 و 8) الوسائل الباب 23 من أبواب العدد الحديث 5 - 2 - 1.

[ 334 ]

أيضا في قوله عزوجل " (1): لا تخرجوهن - إلى آخره - " قال: " أذاها لاهل الرجل وسوء خلقها " وفي خبر ابن أسباط (2) عنه عليه السلام أيضا " الفاحشة أن تؤذي أهل زوجها وتسبهم ". لكن عن الفقيه (3) " سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " لا تخرجوهن " فقال: إلا أن تزني فتخرج، ويقام عليها الحد " وفي خبر سعد بن عبد الله (4) المروي عن إكمال الدين وإتمام النعمة قال: " قلت لصاحب الزمان عليه السلام: أخبرني عن الفاحشة المبينة إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها حل للزوج أن يخرجها من بيته ؟ فقال: الفاحشة المبينة السحق دون الزنا، فان المرأة إذ أزنت واقيم عليها الحد، ليس لمن ارادها ان يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لاجل الحد، سفاذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزي، ومن قد أمر الله برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده، ومن أبعده فليس لاحد أن يقربه ". وكأن ذلك هو الذي دعى المصنف وغيره إلى الجمع بما عرفت، على معنى كل فاحشة تقتضي إخراجها وأدناها ذلك، ونفى الزنا في خبر سعد على معنى نفي اختصاص الفاحشة به، فان السحق أعظم منه، ولو كان أذيتها لاهله مئلا مع تباعد المسكن أدبها الحاكم، ولا تخرج منه، وما عن بعضهم - من إخراجها أيضا لاطلاق الادلة - ضعيف. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه (يحرم الخروج عليها ما لم تضطر) إليه لاطلاق الكتاب (5) والسنة (6) والفتاوى، أما مع الاضطرار الذي يصلح معارضا لذلك فيجوز بلا خلاف أجده فيه، لمكاتبة الصفار (7) إلى أبي محمد الحسن بن


(1) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 23 من أبواب العدد الحديث 5 - 3 - 4. (5) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (6) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد (7) الوسائل الباب 55 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 335 ]

علي عليهما السلام " في امرأة طلقها زوجها ولم تجر عليها النفقة للعدة، وهي محتاجة، هل يجوز لها أن تخرج وتبيت عن منزلها للعمل والحاجة ؟ فوقع عليه السلام: لا بأس بذلك إذا علم الله الصحة منها ". ومنه يعلم أن المدار على مقدار ما تتأدى به الضرورة، كما صرح به بعضهم وإن ذكر المصنف (و) غيره أنه (لو اضطرت إلى الخروج خرجت بعد انتصاف الليل وعادت قبل الفجر) إلا أنه يجب حمل ذلك على خصوص ما يمكن دفع الضرورة به، كما أن ما سمعته في موثق سماعة (1) - من أنه إن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل، ولا تخرج نهارا - محمول على ضرب من رجحان الستر لها إذ المفروض فيه الزيارة لا الضرورة. لكن في المسالك التصريح بوجوب خروجها بعد انتصاف الليل والعود قبل الفجر ناسبا إلى المصنف وجماعة، وإلى موقوفة سماعة (2) وهو كما ترى، نعم ورد (3) نحو ذلك في عدة الوفاة. ومن الغريب ما في الرياض، فانه بعد أن نسب وجوب العود قبل الفجر إلى الاشهر قال: " بل لم أقف على مخالف إلا من بعض من ندر ممن تأخر، والاصل فيه الموثق الذي مر، ولا قدح فيه من حيث الموثقية والاضمار كما هو المقرر، مع أنه على تقديره فهو بالشهرة العظيمة منجبر، فهو أظهر إن ارتفع به وبغيره الضرر، وإلا بأن كان الدفع بالغير منحصرا جاز قولا واحدا " إذ هو كما ترى، إذ لا دلالة في الموثق المزبور على ذلك، خصوصا بالنسبة إلى وجوب العود قبل الفجر، لخلوه عن التعرض له أصلا وما فيه من النهي عن الخروج نهارا لا يقتضي ذلك، كما هو واضح.


(1 و 2) الوسائل الباب 19 من أبواب العدد الحديث 1. (3) الوسائل الباب 29 من أبواب العدد الحديث 3 وفيه " قال: تخرج بعد نصف الليل وترجع عشاءا ".

[ 336 ]

إنما الكلام في تحديد الاضطرار المذكور في المتن وغيره، وقد عرفت أن الموجود في مكاتبة الصفار (1) الاحتياج الذي قد يتوهم إرادة العرفي منه. لكن قد يشكل بظهور المكاتبة المزبورة في جوازه من دون إذن من الزوج، وهو في الزوجة - فضلا عن المعتدة - محل منع، نعم مع فرض الاضطرار الذي مرجعه إلى تكليف شرعي صالح لمعارضة حرمة الخروج يتجه حينئذ عدم اعتبار الاذن، بل يكون أصل تحريم الخروج مقيدا بغير الفرض، وليس هو من أقسام التعارض الذي ينظر فيه الاهم وغيره، فتأمل جيدا، فانه لا كلام لهم منقح في ذلك كما في كثير من مسائل المقام. ثم إنه قد يظهر من قول المصنف: " فتخرج لاقامته " كون المستثنى الخروج لاقامة الحد عليها، فتعود حينئذ إلى المسكن، كما هو المحكي عن بعضهم، تقديرا للضرورة بقدرها، لكن فيه أن المنساق من الاية (2) سقوط احترامها بهتكها لسترها بفعل الفاحشة، فحينئذ لا يجب ردها إليه، للاصل بعد أن كان خروجها في الحال المزبور من المستثنى، ولانه لو كان ذلك للحد لوجب مراعة ما ذكروه فيه: من أنها إن كانت مخدرة أقيم الحد عليها في منزلها، وإلا جاز إقامة الحد عليها في خارجة. هذا وفي المسالك " حيث تخرج لاذى أحمائها أو لم نوجب في الاول إعادتها ينقلها الزوج إلى منزل آخر مراعيا للاقرب فالاقرب إلى مسكن العدة ". وفيه (أولا) أن وجوب الاقرب وإن صدر من الشيخ وغيره في صورة تعذر سكنى منزل الطلاق كما ستسمع لكن لا دليل عليه بحيث يوافق اصولنا. و (ثانيا) أنه يمكن أن يقال بعدم وجوب ملاحظة حكم الاعتداد في غير منزل الطلاق، لان النهي في الاية (3) عن الاخراج والخروج عن بيوتهن التي كن فيها قبل الطلاق


(1) الوسائل الباب 55 من أبواب العدد الحديث 1. (2 و 3) سورة الطلاق: 65 الاية 1. جواهر الكلام - ج 21)

[ 337 ]

وبعده، فمع فرض الخروج عنها (1) لا دليل على إعطاء حكم الاعتداد لغيره من المنازل التي تجب على الزوج من حيث الانفاق، فتأمل جيدا. ثم لا يخفى عليك أن موضع النقل في صورة الايذاء لو كانت الدار تسع الجميع، أما لو كانت ضيقة لا تسع لهم ولها ففي المسالك وغيرها " نقل الزوج الاحماء وترك الدار لها " وفيه أنه مع فرض كونها من المسكن اللائق بها معهم وإن كانت ضيقة لا يتعين عليه، للاستثناء في الآية (2) المفسرة في النصوص (3) المزبورة فتأمل. ولو كان الاحماء في دار أخرى لم تنقل المعتدة، بل تؤدب وهي في منزلها، وربما قيل بكونه بعض أفراد المستثنى وإن كان إيذاؤها لهم بالجوار، لكنه كما ترى. ولو كانت في دار أبويها لكون الزوج ساكنا معهم فطلقها فيها فبذأت على الابوين ففي المسالك " في جواز نقلها عنهم وجهان، من عموم الآية المتناولة لذلك، حيث نقول بتفسيرها بالاعم، ومن أن الوحشة لاتطول بينهم كما هي بينها وبين الاحماء، نعم لو كان أحماؤها في دار أبويها أيضا وبذأت عليهم اخرجوا من دونها، لانها أحق بدار الابوين، مع احتمال جواز إخراجها، للعموم ". وهو كما ترى ضرورة انطباق ما ذكره من التعليلات على مذاق العامة، والمتجه على اصولنا - مع فرض شمول المنزل المخصوص لبيوتهن ولو لاستحقاق الزوج السكنى مع أبويها - جواز خروجها بالفاحشة المزبورة، لا أحقية لها بدار أبويها من حيث الابوة، كما أنه لا مدخلية لعدم طول ذلك بينها وبين أهلها بخلاف أحمائها بعد فرض تفسير الفاحشة بما يشمل مثل ذلك، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (لا تخرج في حجة مندوبة) مثلا (إلا باذنه) بلا


(1) وفى النسختين الاصليتين " فمع فرض الخروج عنهن ". (2) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (3) الوسائل الباب 23 من أبواب العدد.

[ 338 ]

خلاف أجده فيه، لخبر معاوية بن عمار (1) السابق المؤيد بإطلاق مضمر محمد بن مسلم (2) " المطلقة تحج وتشهد الحقوق " ولا ينافي ذلك إطلاق قوله عليه السلام في خبر سماعة (3) السابق " ليس لها أن تحج حتى تنقضي عدتها " بعد تقييده بالخبر الاول. وعلى كل حال فذلك يؤيده ما ذكرناه من أنه لا حكم للاعتداد من حيث الاذن، (واحتمال) اختصاص ذلك في السفر لحج ونحوه وإن استلزم قضاء العدة أجمع في خارجه دون الانتقال إلى منزل آخر، فانه لا يجوز وإن اتفقا عليه، بل يمنعهما الحاكم من ذلك (وإن كان ممكنا) لكنه مخالف لمذاق الفقه. (وتخرج في الواجب) المضيق (وإن لم يأذن) لانه من الضرورة حينئذ، كما في كل واجب كذلك، نعم لو كان موسعا اتجه المنع، خصوصا في المقام الذي اجمتع فيه حق الاعتداد والنكاح. (وكذلك) الكلام (في) جميع (ما تضطر إليه ولا وصلة لها) إليه (إلا بالخروج) من حفظ مال أو نفس أو عرض، بل صرح غير واحد بأن من ذلك ما إذا كانت الدار غير حصينة، وكانت تخاف من اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف على نفسها منهم ولو على العرض، أو كانت تتأذى من الجيران أو من الاحماء تأذيا شديدا، ولم يمكن إخراجهم عنها، بأن كانوا في مسكن يملكونه ونحو ذلك. لكن قد ذكرنا سابقا أنه ليس في شئ من النصوص عنوان الضرورة، وإنما الموجود في مكاتبة الصفار (4) خصوص الحاجة للتعيش، فلابد من تقدير الضرورة بما إذا عارض حرمة الخروج المزبورة واجب آخر مضيق مثلا، فيرجح مطلقا وإن كان ذلك أهم منه، بناء على ظاهر كلامهم الذي لم يوكل الامر فيه إلى الترجيح.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 22 من أبواب العدد الحديث 2 - 1 - 3. (4) الوسائل الباب 55 من أبواب العدد الحديث 1.

[ 339 ]

كما أنه لم يذكروا هنا وجوب بذل المال غير المضر بها عليها في دفع ما يقتضي خروجها من المنزل للمقدمة وإن لم يبذل ذلك الزوج، لانها منهية عن الخروج، كما أن الزوج منهى عن الاخراج، وستسمع فيما يأتي ذكرهم المقدمة بالنسبة إلى الزوج، إلى غير ذلك مما يدل على عدم تنقيح كلماتهم في المقام، والله العالم. (و) لا إشكال كما لا خلاف في أنه (تخرج في العدة البائنة أين شاءت) لانقطاع العصمة بينهما، وإن كانت حاملا تجب نفقتها على الزوج للنصوص (1) السابقة المعتضدة بعدم الخلاف، بل الاجماع بقسميه عليه. المسالة (الثانية:) قد عرفت أنه لا خلاف ولا إشكال في أن (نفقة الرجعية لازمة في زمن العدة، وكسوتها ومسكنها) بل الظاهر أنها (يوما فيوما) ضرورة كونها كنفقة الزوجة، بل هي هي، لان الطلاق لم يسقطها، ولا فرق عندنا فيها (مسلمة كانت أو ذمية) لاطلاق الادلة. (أما الامة ف‍) قد عرفت الحال في نفقتها في كتاب النكاح وإن ذكر المصنف هنا أنه (إن أرسلها مولاها ليلا ونهارا فلها النفقة والسكنى، لوجود التمكين التام، ولو منعها ليلا أو نهار فلا نفقة، لعدم التمكين) لكن تمام الكلام في كتاب النكاح، ويتبعها الحكم بالنسبة إلى طلاقها رجعية، فلاحظ وتأمل. (و) كذا تقدم الكلام فيه أيضا في أنه (لا نفقة للبائن ولا سكنى إلا أن تكون حاملا، فلها النفقة والسكنى حتى تضع) إلا انها سكنى نفقة لاسكنى اعتداد على وجه يحرم عليه إخراجها إلى منزل آخر لائق بها ويحرم عليها الخروج، وتقدم الكلام أيضا في أن هذه النفقة للحمل أو للحامل والفروع المتفرعة على ذلك، فراجع وتدبر.


(1) الوسائل الباب 7 من أبواب النفقات من كتاب النكاح.

[ 340 ]

(و) كذا قد عرفت فيما تقدم أنه (تثبت العدة للوطء بالشبهة) بلا خلاف ولا إشكال (و) لكن (هل تثبت النفقة) أيضا (لو كانت حاملا ؟ قال الشيخ: نعم) وربما فرعه على كون النفقة للحمل دون الحامل. (وفيه إشكال ينشأ من توهم اختصاص النفقة) سواء قلنا: إنها للحمل أو للحامل (بالمطلقة الحامل دون غيرها من البائنات) للاصل وغيره، بل هو ليس من التوهم، بل هو المتحقق، فالاصح أن لا نفقة لها مطلقا، والله العالم. (فروع) (في سكنى المطلقة) (الاول:) (لو انهدم المسكن) على وجه لا يمكن إصلاحه أو يعسر بحيث يكون فيه الاعتداد (أو كان مستعارا) قد رجع به المعير، (أو مستأجرا فانقضت المدة جاز له إخراجها) فليس لها إلزامه بذلك. (و) جاز (لها الخروج) فليس له إلزامها بذلك (لانه إسكان غير سائغ) في الاخيرين قطعا، لكونه مالا للغير. نعم في المسالك وغيرها " يجب على الزوج أن يطلبه من المالك ولو باجرة توصلا إلى تحصيل الواجب بحسب الامكان، فان امتنع أو طلب أزيد من أجرة المثل نقلها إلى مسكن آخر وأوجب جماعة تحرى الاقرب فالاقرب إلى الاول اقتصارا في الخروج المشترط بالضرورة على موردها، وهو حسن ". قلت: لاحسن فيه على اصولنا، ضرورة عدم الفرق بين أفراد الخروج المفروض

[ 341 ]

جوازه، إذ كل من القريب والبعيد عنه يتحقق به الخروج عنه، لانه معنى متحد، ولعله لذا قال في كشف اللثام بعد أن حكاه عن المبسوط وغيره، " وفيه نظر ". بل قد يناقش في أصل وجوب تطلب الزوج ذلك من المالك ولو بأجرة المثل، ضرورة عدم صدق الاخراج منه فيهما، كعدم صدق الخروج منها، فلا يندرج في النهي عن الاخراج ولا النهي عن الخروج، وإلا لوجب بذل غير المضر. بالحال وإن زاد عن أجرة المثل، كما هو مقتضى باب المقدمة في تحصيل ماء الوضوء والغسل ونحوهما. بل قد يقال إن مقتضى التكليف بذيها عدم تسلط المعير على الرجوع بالعين إذا كان قد أعارها لان تطلق فيه، ضرورة كونه حينئذ - كالعارية للدفن والرهن وللصلاة ونحوها مما يتعلق به خطاب شرعي - بعد التلبس. يمنع من رد العين إلى مالكها، وأقصى ما يقتضيه فسخ العقد الجائز استحقاق الاجرة عليه، بل ربما يقال بذلك فيما لو أعاره للسكنى فاتفق الطلاق فيه، بناء على اللزوم فيما لو أعاره الثوب مثلا للبس فصلى فيه أو منزلا للسكنى فصلى فيه، فلا محيص حينئذ رفع اليد عن باب المقدمة أو الالتزام بمثل ذلك، ولم أجد أحدا احتمل ذلك، نعم قد يقال: إن اطلاق المصنف وغيره الجواز يقتضي عدم ملاحظة المقدمة، فتأمل. ولو انتفت الضرورة بأن بذله مالكه بعد الخروج ففي وجوب العود إليه وجهان، من زوال الضرورة، ومن سقوط اعتباره بعد الاذن شرعا بالخروج والاخراج منه، والاصل براءة الذمة من العود والاعادة، خصوصا بعد أن كان الغرض الذاتي ملازمة المرأة للمسكن من غير أن تخرج، وقد فات، ولعله الاقوى كما في كشف اللثام وغيره. بل في المسالك في عودها إلى الاول منافاة لمقصود، كانتقالها عنه، وظاهره جريان حكم الاخراج والخروج منه على الثاني، ولا يخلو من نظر، ضرورة ظهور النص (1) والفتوى بل والكتاب (2) في اختصاص الحكم المزبور بمنزل الطلاق


(1) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 1.

[ 342 ]

لاغيره، والاصل براءة الذمة من جريان حكم الاعتداد الزائد على حكم النفقات على الثاني، والله العالم. (ولو طلقت في مسكن دون مستحقها) من المنازل فان رضيت بالمقام فيه وإلا (جاز لها) المطالبة ب‍ (الخروج عند الطلاق إلى مسكن يناسبها) وإن كانت رضيت به حال النكاح، لاستصحاب الجواز السابق لها قبل الطلاق، باعتبار كون ذلك حقا لها، بل عن المبسوط بعد حكمه بالجواز أن عليه حينئذ نقلها إلى أقرب المواضع إلى ذلك فالاقرب (و) إن كان قد عرفت ما (فيه) بل في أصل حكمه بجواز المطالبة (تردد) مما عرفت ومن ظهور الكتاب (1) والسنة (2) في حرمة الخروج عليها من حيث الاعتداد، ولا ينافي ذلك كونه أنقص من مسكنها المستحق لها من حيث الانفاق، إذ يمكن الجمع بينهما بغرم التفاوت. وأولى من ذلك بعدم الجواز ما لو كان قد أسكنها قبل الطلاق في مسكن زائد ثم طلقها فيه، لاطلاق النهي المزبور وإن صرح بعضهم بجواز ذلك له، بل ظاهر المسالك المفروغية منه، لكنه في غير محله، كما هو واضح. نعم يجوز بناء حاجز بحيث لا يضر في مستحقها. ولو لم تمكن الزوج من ضم بقعة اخرى - ولو بابتياعها واستيجارها - إلى المنزل على وجه يصير باعتبارها مسكنا لائقا بها ففي القواعد لزمه ذلك، ووافقه في كشف اللثام إن لم يلزمه غرامة أو ضرر فوق ما يلحقه من نقلها إلى آخر، لكنه وعلى كل حال لا يخلو من بحث. ولو أراد الزوج أن يساكنها في دار واحدة بأن تكون في بيت وهو في بيت آخر فان كانت المطلقة رجعية ففي القواعد لم تمنع، بل في كشف اللثام " عندنا، لان له وطء ها ومقدماته، ويكون لها رجعة وإن لم ينوها كما عرفت، فالخلوة بها أولى


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد.

[ 343 ]

خلافا للعامة ". لكن في المسالك أشكله بعد اعترافه بأنه ظاهر الاصحاب بأن " التمتع بها بالنظر وغيره إنما يجوز بنية الرجعة لا مطلقا، فهى بمنزلة الاجنبية وإن كان حكمه أضعف، فتكون الخلوة بها محرمة كغيرها ". وفيه (أولا) أنه مناف لما تقدم في الرجعة من عدم الحاجة إلى النية على الاصح، و (ثانيا) بما يظهر من النصوص المتكثرة (1) من أن لها التزين والتشوق له ونحوهما استجلابا له، بل والاجتماع معه، بل هو المراد من قوله تعالى (2): " لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " بل في النصوص المزبورة تعليل ذلك بذلك، بل هو المقصود من عدم إخراجهن من بيوتهن، بل لعل سكناها معه هو المنساق من قوله تعالى (3): " أسكنوهن من حيث سكنتم " لا أقل من الشك في شمول ما دل على تحريم الخلوة بالاجنبية لها، والاصل البراءة، خصوصا بعد أن لم نعثر على دليله سوى النبوي (4) الذي لم أجده في طرقنا " لا يخلون رجل بأمرأة، فان ثالثهما الشيطان " وخبر مسمع بن أبى سياب (5) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " فيما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة على النساء أن لا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء " وخبر موسى بن إبراهيم (6) المروي عن المجالس عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست بمحرم " ومرسل مكارم الاخلاق للطبرسي (7) عن الصادق عليه السلام قال: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل الباب 21 من أبواب العدد. (2 و 3) سورة الطلاق: 65 - الاية 1 - 6. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 91 والمستدرك الباب 77 من مقدمات النكاح الحديث 8 من كتاب النكاح. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب 99 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 - 2 - 3 من كتاب النكاح والاول عن مسمع بن أبى سيار.

[ 344 ]

عن النساء أن لا ينحن ولا يخمشن ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء " وغير ذلك مما يمكن حمله على الكراهة، بل لعل المنساق منها ذلك، فان اللسان لسانها، ولا شهرة محققة للاصحاب. نعم في القواعد " إن كانت المطلقة بائنة منع من السكنى معها إلا أن يكون معها من الثقات من يحتشمه الزوج " وفي الوسائل عقد لحرمة ذلك بابا ذكر فيه النصوص المذكورة، وفي المسالك " هذه المسألة من المهمات ولم يذكرها الاصحاب في باب النكاح، وأشاروا إليها في هذا الباب ". قلت: يمكن أن يكون ذلك لعدم الحرمة عندهم، ولعل ذلك للعامة كما يومئ إليه ما ذكره فيها من فروع المسألة، قال: " والمعتبر من الخلوة المحرمة أن لا يكون معهما ثالث من ذكر أو انثى بحيث يحتشم جانبه ولو زوجة اخرى أو جارية أو محرم له، وألحق بعضهم بخلوة الرجل بالمرأة خلوة الاثنين فصاعدا بها، دون خلوة الواحد بنسوة، وفرقوا بين الامرين بأن استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل، ولا يخلو ذلك من نظر - ثم قال -: وحيث يحرم عليه مسكنها والخلوة بها يزول التحريم بسكنى كل واحد منهما في بيت في الدار الواحدة بشرط تعدد المرافق، فلو كانت مرافق حجرتها كالمطبخ والمستراح والبئر والمرقى إلى السطح متحدة في الدار لم يجز بدون الثالث، لان التوارد على المرافق يفضي إلى الخلوة، وحكم السفل والعلو حكم الدار والحجرة، ولو كان البيت متحدا لكنه واسع فبنى حائلا جاز إن كان ما يبقى لها سكنى مثلها، ثم إن جعل باب ما يسكنه خارجا عن مسكنها لم يفتقر إلى ثالث، وإن جعله في مسكنها لم يجز إلا به، لافضائه إلى الخلوة بها وقت المرور ". ولا يخفى عليك ما في ذلك من عدم الانطباق على اصولنا بعد فرض عدم دليل صالح لتفريع ذلك ونحوه عليه، كما هو واضح. ومن الغريب اعتماد بعض الناس هنا على الحرمة بدعوى ظهور عبارة المسالك فيه بقوله: " أشاروا " إلى آخره. وأغرب منه ما يحكي عن بعض من قارب عصرنا من دعوى الاجماع على ذلك

[ 345 ]

فضلا عن دعوى آخر الشهرة، ضرورة أن أمثال هذه الدعاوي لا تورث الفقيه الماهر ظنا بمثل هذا الحكم العام البلوى الذى تنافيه السيرة القطعية، بل وجملة من النصوص (1) الدالة على صحبة غير المحرم في طريق الحج وغيره، لان المؤمن ولي المؤمنة وغير ذلك، والله العالم. (الثاني) (لو طلقها ثم باع المنزل) من غير ذكر للمشترى استحقاقها الاعتداد فيه تخير المشترى بين الصبر وبين الفسخ، سواء كان اعتدادها بالاقراء أو بالاشهر. وإن ذكر ذلك بعنوان الاشتراط عليه (فان كانت معتدة بالاقراء) أو الحمل (لم يصح البيع، لانها) حينئذ (تستحق سكنى غير معلومة) باعتبار تقدم العادة وتأخرها ونقصانها وزيادتها فيمن استقام حيضها وكذا الحمل (فتتحقق الجهالة) بالشرط، فيبطل ويبطل العقد، والعادة المستقيمة في الاقراء والحمل لا تجدي لامكان تغير العادة (ولو كانت معتدة بالاشهر صح لارتفاع الجهالة). وأشكل كلا منهما في المسالك " أما الاول فبأن الاختلاف الحاصل أو الممكن مع اعتيادها استقامة الحيض قدر يسير، فلا تضر جهالته حيث تكون المنفعة في زمانه تابعة للمعلوم، كما جوزوا تبعية المجهول للمعلوم في البيع حيث يكون المجهول تابعا، نعم هذا يجرى على قول من لا يصح بيع المجهول مطلقا، والمصنف منهم كما نبه عليه في بابه، فلذلك أطلق هنا ". وفيه أنه لا وجه للتبعية هنا بخلافها في أس الجدار وبواطن الحيطان التي مبني البيع فيها عرفا على جهالتها، نعم لو قالنا يفتقر مثل ذلك في الشرائط اتجه الصحة وإلا فلا. ثم قال: " وأما الثاني فيمكن مساواته للاول في احتمال الجهالة، لان


(1) الوسائل الباب 58 من أبواب وجوب الحج من كتاب الحج.

[ 346 ]

المعتدة بالاشهر تتوقع الحيض في أثنائها، فتنتقل إليها كما سبق - إلى أن قال -: ومع ذلك يمكن طرو الموت في أثناء العدة، فتبطل وترجع المنفعة إلى ملكه أو ملك ورثته، فلا وثوق بخروج المنفعة عن ملكه مدة العدة، وبهذا يفرق بين بيع العين المؤجرة مدة معينة وبين بيع هذه الدار، لان منافع العين المستأجرة ملك للمستأجر، ألا ترى أنه لو مات كانت لورثته، بخلاف المعتدة، فانها لا تملك منفعة الدار، ولذا لو ماتت كانت منافعها بقية المدة للزوج ". ولا يخفى عليك أن الاخير من غرائب الكلام، ضرورة عدم مدخليته في صحة البيع وفساده، إذ ليس من الشرائط وثوق البائع بعدم عود المنفعة إليه، فان من باع دارا مستأجرة مدة معينة مشروطا فيها الخيار مثلا لا إشكال في صحة بيعه وإن لم يثق البائع بعود المنفعة إليه بالفسخ، نعم إشكاله الاول لا يخلو من وجه، إلا أنه قد يدفع بأن مبنى البطلان في الاول جهالة الاقراء عادة، فان الاستقامة فيها مبنية على الاختلاف بتقدم العادة وتأخرها وزيادة أيامها ونقصانها، فمتى أخذت شرطا كان من الشرائط المجهولة المحكوم بطلانها، ويتبعها بطلان البيع، لا أن مبناه احتمال تغير العادة والانتقال إلى الاشهر، كي يأتي مثله في ذات الاشهر التي هي ذات مدة مضبوطة صح من جهتها البيع بناء على الغالب أو أصالة عدم التغير، فمع فرض التغير ينجبر بالخيار، ومثله لا يوجب جهالة قادحة، فبان الفرق بينهما، وأما دعوى التسامح في اليسير من اختلاف الاقراء حتى في صورة الشرطية فممنوعة. وعلى كل حال فلو حاضت ذات الاشهر في الاثناء فان انقضت عدتها بها في مقدار الاشهر أو أقل ففي المسالك " لا اعتراض للمشتري وكان البحث في بقية الاشهر هل ينتقل منفعتها إلى المشتري أو إلى البائع كما لو ماتت في أثنائها ؟ والاظهر انتقالها إلى البائع، لانها كالمستثناة له مدة معلومة ". وفيه أن مفروض المسألة استثناء اعتدادها تلك المدة، فمع فرض موتها لا اعتداد، فتتمحض الدار للمشترى، وأولى من ذلك اتفاق اعتدادها بالاقل، وليست المنفعة مملوكة للبائع، وإنما يستحق سكنى زوجته فيها تلك المدة بالشرط، كما

[ 347 ]

أنها هي أيضا غير مملوكة لها، وإنما لها حق الاستيفاء، فتأمل جيدا، فان بذلك يظهر لك النظر في غير ذلك من كلامه، بل وكلام غيره ممن تأخر عنه. ولو اتفقت العدة بالاقراء لذات الاشهر أكثر من الاشهر قدمت الزوجة بالباقي، لسبق حقها، وفي تخير المشتري في الفسخ والامضاء وجهان، من فوات بعض حقه، فكان كتبعيض الصفقة، ومن قدومه على ذلك، فانه كما يمكن بقاء استحقاقها طول المدة باستمرارها على عدم الحيض يحتمل نقصانه عنها، وزيادته بالتغيير الطاري وتصحيح البيع للبناء على الغالب أو على أصالة عدم التغير لا يوجب تعيينه. وفي المسالك " الاقوى الفرق بين من يعلم بالحكم وغيره، فيتخير الثاني دون الاول، لان خيار تبعض الصفقة مشروط بجهل ذي الخيار بما يقتضي التبعيض ". وفيه (أولا) أن المقام ليس من خيار تبعض الصفقة قطعا، لان المنفعة ليس من المبيع، بل من صفاته، ولذا لا يتقسط الثمن عليها مع الرضا بفواتها. و (ثانيا) أن خيار التبعيض ليس مشروطا بالجهل بالحكم الشرعي، وإنما هو مشروط بالجهل بالموضوع، كما لو باع ماله ومال غيره غير عالم بذلك، والفرض في المقام علم المشترى بكونه سكنى ذات عدة محتملة للزيادة والنقصان فالمتجه حينئذ عدم الخيار له لاصالة اللزوم بعد إقدامه على الحال المزبور، هذا. وفيها أيضا " وربما أستثني من عدم صحة بيع المسكن - حيث لا نصححه - ما لو بيع على المطلقة، لاستحقاقها حينئذ جميع المنفعة وإن كان بعضها به وبعضها بالزوجية، فان ذلك لا يقدح، كما لو باع ما يملك وما لا يملك مع الجهل بقسط ما صح فيه البيع حالته، وقد تقدم البحث في نظير المسألة في كتاب السكنى إذا بيع المسكن مدة معلومة أو مجهولة كالمقترن بالعمر، وحققنا القول فيه، فليراجع ثمة ".

[ 348 ]

ولا يخفى عليك ما في تنظيره المقام ببيع المملوك وغيره وحضور التقسيط في ذهنه، على أنه قد يشكل ذلك بناء على ما ذكره من عدم الوثوق بالمنفعة، لاحتمال رجوعها إليه بالموت أو بعضها بانقضاء الاقراء في الاقل من الثلاثة، و (بالجملة) لا يخفى عليك حال جميع كلامه في هذا المبحث، ومن الغريب اتباع بعض الناس كالفاضل الاصبهاني له في بعض ذلك، والله العالم. (الثالث) (لو طلقها) في منزل من منازله التي تباع في الدين (ثم حجر عليه الحاكم قيل) والقائل المشهور، بل في المسالك " بين الاصحاب وغيرهم، لم ينقل أحد فيه خلافا " عدا المصنف: (هي أحق بالسكنى، لتقدم حقها على الغرماء) كالمرتهن والمستأجر وغيرهما (وقيل) وإن كان لم نعرفه: (تضرب مع الغرماء) بحقها من أجرة المثل) ووجه بأن حقها في السكنى تابع للزوجية السابقة، ولهذا كان مشروطا بشروطها من بقائها على الطاعة والتمكين وغيره من الشرائط، فلا يكون حقها أزيد من حق الزوجة، والزوجة إنما تستحق السكنى يوما فيوما، وعلى تقدير الحجر عليه لا تستحق السكنى إلا يوم القسمة خاصة، فإذا بقى من استحقاقها في السكنى شئ ضربت به مع الغرماء كالدين، لانه متعلق بذمة الزوج وإن اختص برقبة المسكن الخاص. واجيب بأن حق الزوجة في الاسكان والنفقة في مقابلة الاستمتاع، فكان متجددا بتجدده، بخلاف حق المطلقة، فانه ثابت بالطلاق لمجموع العدة لا في مقابلة شئ، وإن كان مشروطا بشرائط نفقة الزوجة، ومن ثم وجب لها في البائن والحامل. والاصوب في الجواب أن يقال بزيادة المطلقة على الزوجية بتعلق حقها في

[ 349 ]

خصوص المسكن، للنهي عن إخراجها وخروجها (1) فتعلق حق الغرماء حينئذ قد كان على الوجه المزبور، لفرض سبقه. وأما ما في توجيه الاستدلال من تعلق حق الزوجة إلى يوم القسمة ففيه (أولا) أن المتجه ضرب الزوجة مع الغرماء بيوم الحجر خاصة، لمقارنة حقها فيه للحجر وتأخر ما بعده كغيره، كما صرح به هنا الفاضل في القواعد، و (ثانيا) أنه قد تقدم في كتاب الفلس أنه يجري عليه النفقة من ماله له ولمن وجبت نفقته عليه من زوجة وغيرها إلى يوم القسمة تقديما لخطاب النفقة على خطاب الوفاء، والله العالم. (و) على كال حال فلا ريب في أن (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده، لما عرفت من سبق تعلق حقها بالعين على حق الغرماء، هذا كله إذا تقدم الطلاق على الحجر. (أما لو حجر عليه ثم طلق كان) حقها من أجرة المثل (أسوة مع الغرماء) بلا خلاف أجده هنا بين من تعرض له (إذ لا مزية لها) عليهم، قالو ا: وليس ذلك كدين يحدث بعد الحجر لا يزاحم صاحبه الغرماء، لان حقها وإن كان حادثا فهو مستند إلى سبب متقدم، وهو النكاح، وأيضا فانه حق يثبت لها بالطلاق من غير اختيارها، فأشبه ما إذا أتلف المفلس مالا، فانه يزاحم الغرماء، ومقتضاه الضرب بغير المسكن من النفقة. بل هو صريح المسالك في الفرع الرابع، قال: " واعلم أنه لافرق في هذه المسائل بين اجرة المسكن والنفقة، فتضارب الغرماء عند إفلاس الزوج بالنفقة والسكنى جميعا، بل المضاربة بالنفقة ثابتة على كل حال بخلاف المسكن، فانها قد تختص به، فلذلك أفروده بالذكر ". وفيه - إن لم يكن إجماعا - أنه لاوجه لضربها معهم في المسكن فضلا عن النفقة، لكونه من الدين المتجدد، فهو كنفقة الزوجة المتجددة بعد الحجر،


سورة الطلاق: 65 الاية 1.

[ 350 ]

ضرورة أن الطلاق لم يوجب نفقة، وإنما هي نفقة الزوجة: أقصى ما هناك لم يسقطها الطلاق، ومن المعلوم عدم ضرب الزوجة بنفقتها المتجددة بعد الحجر، نعم قد صرحوا في كتاب الفلس أنه تجري نفقة المفلس له ولمن وجبت نفقته عليه من المال إلى يوم القسمة بلا خلاف يعرف فيه بينهم تقديما لخطاب النفقة على خطاب الوفاء، فلاحظ وتأمل. ودعوى اختصاص المطلقة بالحكم المزبور لا دليل عليها، كما أن احتمال إرادتهم الضرب بما زاد من النفقة على يوم القسمة - أما قبله فهي مما تجرى على المفلس من ماله، لانها من واجبي النفقة عليه - مناف لظاهر كلامهم بل صريح بعضهم. ودعوى أن ذلك كالاتلاف - لكون الطلاق من غير اختيارها - يدفعها - مضافا إلى ما ذكرناه من الاشكال في كتاب الفلس في المشبه به - أن النفقة مستحقة بالنكاح لا بالطلاق، وقد كان باختيارها، والذي يثبت بالطلاق حرمة إخراجها وخروجها من المسكن حاله، لا أصل استحقاقها للسكنى، وحينئذ فيشكل أصل ضربها مع الغرماء بالسكنى المتجددة فضلا عن غيرها وإن كان هو مفروغا منه عندهم، نعم هي كباقي النفقة مما تجري بها على المفلس إلى يوم القسمة، وبعدها تكون في ذمته، أللهم إلا أن يكون إجماعا في المقام، والله العالم.

[ 351 ]

(الرابع) (لو طلقها في مسكن لغيره) قد تبرع به لها مثلا لا له (استحقت السكنى في ذمته) لانها من جملة النفقة اللازمة له، إذ لم تكن في بيت له يحرم عليه إخراجها منه، فليس حينئذ إلا استحقاق النفقة، وفي ضربها بها مع الغرماء الاشكال السابق، أللهم إلا أن يكون إجماعا، وعليه (فان كان له غرماء) وقد فلسه الحاكم (ضربت مع الغرماء بأجرة مثل سكناها) اللائقة بها (فإن كانت معتدة بالاشهر فالقدر معلوم) عادة، واحتمال التخلف زيادة ونقصانا منفي بالاصل. (وإن كانت معتدة بالاقراء أو بالحمل ضربت مع الغرماء بأجرة سكنى أقل الحمل أو أقل الاقراء) لانه المتيقن (فان اتفق) كذلك فلا إشكال (وإلا أخذت نصيب الزائد) لتبين استحقاقها حينئذ كدين ظهر بعد القسمة، وربما احتمل رجوعها على المفلس، لتقدير حقها بما أعطيت، فلا يتغير الحكم، وهو واضح الفساد ضرورة كون التقدير المزبور للاستظهار لحق الغرماء، لا أنه حكم من الحاكم بذلك، فلا إشكال في استحقاقها الزائد كما، لا إشكال في ردها التفاوت لو فرض انقضاء عدتها بالاقل من المدة. (وكذا لو فسد الحمل) باسقاط ونحوه (قبل أقل المدة رجع عليها بالتفاوت) لظهور الزيادة عندها على ما تستحقه، ولعل المتجه مع العمل بالاصول دفع مقدار مدة الاقصى لها، لاصالة العدم، والاعدل الجامع وضع ما يخصها على أضعف احتمال بيد الحاكم حتى يعلم الحال.

[ 352 ]

(الخامس:) (لو مات فورث المسكن جماعة) جاز لهم قسمته عندنا لانقلاب عدتها حينئذ عدة وفاة، ولا سكنى فيها حتى لو كانت حاملا، لكن عن الشيخ إطلاق أنه (لم يكن لهم قسمته إذا كان بقدر مسكنها الا بإذنهاأو مع انقضاء عدتها لانها استحقت السكنى فيه على صفته) وفى قسمتها ضرر عليها، فلا يجوز، كمن استأجر دارا من جماعة ثم ارادوا قسمتها، وهو - بعد تقييده بالقسمة المضرة - منطبق على مذهب بعض الشافعية القائلين استحقاقها ذلك في عدة الوفاة كما تجب في غيرها. (و) لعله لذا قال المصنف: (الوجه انها لا سكنى لها بعد الوفاة ما لم تكن حاملا) وتبعه عليه الفاضل، ولكن فيه انها كذلك وإن كانت حاملا كما ستسمع، نعم عن الشيخ أن لها النفقة من نصيب ولدها، وهو مع ضعفه لا يقتضى المنع من القسمة، ضرورة كونها حينئذ كأحد الشركاء، ولا حق لها في خصوص العين، والله العالم. (السادس:) قد عرفت ان مقتضى الآية (1) والرواية (2) عدم الاخراج والخروج من بيوتهن التى كن فيها حال الطلاق، بمعنى المسكن الذى اسكنهن فيه الازواج الا مع المانع، فلو انتقلت مع غير إذن الزوج ففى المسالك (عليها ان تعود إلى الاول مطلقا، ولو أذن لها بعد الانتقال في ان تقيم في المنتقلة إليه كان كما انتقلت


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد. (جواهر الكلام - ج 22)

[ 353 ]

إليه بعد الطلاق باذنه، فان جوزناه جاز هنا وإلا فلا " قلت: قد يقال: إنه لا إخراج في الفرض ولا خروج، فتأمل. و (لو أمرها بالانتقال) من منزل كانت تسكن فيه سواء كان ملكا لزوجها أو مستأجرا أو مستعارا (فنقلت رحلها وعيالها ثم طلقت وهي في الاول اعتدت فيه) دون الثاني الذى يصير بيتها إذا انتقلت ببدنها إليه، إذ المعتبر عندنا الانتقال بالبدن الذى به يتحقق الصدق عرفا دون المال (و) العيال، خلافا للمحكى عن أبي حنيفة، فعكس. نعم (لو انتقلت) ببدنها بنية السكنى (وبقى عيالها ورحلها ثم طلقت اعتدت في الثاني) الذى قد صار بيتها حينئذ بذلك، فيشمله النهى عن الاخراج والخروج. (ولو انتقلت إلى الثاني ثم رجعت إلى الاول لنقل متاعها) مثلا (ثم طلقت اعتدت في الثاني، لانه صار منزلها) الان فمضيها إلى الاول كمضيها إلى زيارة أو سوق، بل ربما استظهر من العبارة ما هو صريح كشف اللثام من أنه لا فرق في الانتقال بين أن يكون انتقال قرار أو تردد وأن كانت تنقل أمتعتها لكنها غير مستقرة في أحدهما، لانها كالمأمورة بالانتقال - وطلقت في الطريق - التى ستعرف حكمها، وعن بعض من كانت مترددة كذلك فان طلقت في الثاني اعتدت فيه وإن طلقت في الاول فاحتمالان، فتأمل. (ولو خرجت من الاول فطلقت قبل الوصول إلى الثاني اعتدت في الثاني) كما في القواعد ومحكي المبسوط (لانها مأمورة بالانتقال إليه) عن الاول الذى خرج عن كونه بيتها بخروجها منه بعد الامر، وللشافعية أوجه ثلاثة اخر: اعتدادها في الاول، لانها لم تحصل في مسكن آخر قبل الطلاق، وتخييرها بينهما، لانها غير حاصلة في شئ منهما مع تعلقها بهما، واعتبار القرب، فان كانت أقرب إلى الثاني اعتدت فيه، وإن كانت أقرب إلى الاول اعتدت فيه. قلت: لا يخفى عليك إن كثيرا من فروع المقام للعامة، وهي مبنية على الرأي

[ 354 ]

والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونحو ذلك من أصولهم الفسادة، وليس في أدلتنا سوى الاية الشريفة (1) المشتملة على النهي عن الاخراج والخروج، والاية الاخرى (2) المشتملة على الامر باسكانهن من حيث سكنتم بناء على أنها في المطلقات، وسوى ما في النصوص (3) من الامر بالاعتداد في بيوت أزواجهن المعبر عنه ببيوتهن. ولعل المنساق خصوصا بقرينة النصوص الاخر (4) الواردة في غير الرجعية المشتلمة على الاذن لهن في الاعتداد أين شئن إرادة بقائهن على حالهن قبل الطلاق، لكونهن كالازواج، و " لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " (5) أي رجوعا من الازواج بهن، ولهذا ورد (6) أمرهن بالتزين والخضاب وغيره من الزينة والتشوق للزوج استجلابا لهواه ورجوعه بالطلاق، فتعتد عنده لهذه الحكمة. وقد عرفت سابقا أن الخروج والاخراج جائز مع اتفاقهما، وأنه يجوز لها الحج مندوبا بالاذن، بل وغير الحج أيضا من الزيارات المندوبة، بل ومطلق السفر ولو للنزهة. ثم إن المعلوم عدم كون ذلك شرطا في صحة العدة، فلو أخرجها آثما أو خرجت هي عاصية حتى مضت عدتها صحت، ولا تحتاج إلى إعادة، لاطلاق ما دل على انقضاء عدتهن بالاقراء أو الاشهر كتابا (7) وسنة (8) وإجماعا، فالامر حينئذ


(1 و 2) سورة الطلاق: 65 - الاية 1 - 6. (3) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد. (4) الوسائل الباب 20 و 32 من أبواب العدد. (5) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (6) الوسائل الباب 21 من أبواب والعدد. (7) سورة البقرة: 2 الاية - 228. (8) الوسائل الباب 12 و 15 من أبواب العدد.

[ 355 ]

بذلك للتعبد المحض، لا أنه شرط. فإذا تقرر لك ذلك كله علمت أنه لم يثبت بالطلاق سوى أنه ليس للزوج إخراجهن عن المنزل ولو إلى منزل آخر بدون رضاهن، وأما خروجهن بدون الاذن فقبل الطلاق غير جائز لهن أيضا. وبذلك كله يظهر لك النظر في كثير من فروع المقام المبنية على تعبدية كون العدة في المنزل الذي يقارن الطلاق وإن انتقل الرجل بعياله ورحله إلى منزل آخر، مع أن في النصوص ما هو صريح في اعتدادها عنده (1) ومن ذلك مسألة الكتاب أيضا. وأزيد من ذلك ما ذكروه من أنه لو أذن لها في السفر ثم طلقها قبل الخروج اعتدت في منزلها، سواء نقلت رحلها وعيالها إلى البلد الثاني، وسواء كان السفر سفر حاجة أو سفر نقلة، لانها طلقت وهي مقيمة فيه، ولو خرجت من المنزل - أي موضع اجتماع القافلة في البلد أو ارتحلت معها - فطلقت قبل مفارقة بيوت البلد فضلا عما بعدها - فالاقرب الاعتداد في الثاني وإن كانت في البلد، إذ لا فرق بين المنزلين في بلد أو بلدين، وقد عرفت أنها إذا طلقت وهي في الطريق بين المنزلين اعتدت في الثاني. وعن الشيخ أنها ما لم تفارق البلد فهي في حكم المقيمة، يعنى أن البلد كالمنزل، فكما أنها إذا طلقت وهي في المنزل الاول اعتدت فيه فكذا إذا طلقت وهي في البلد الاول اعتدت فيه، ولا يكون إلا في ذلك البيت ما لم يكن مانع، لانها ما لم تخرج عن البنيان فهي في البلد إلى آخره. ولو كان سفرها للتجارة أو الزيارة ونحوهما مما لغير النقلة ثم طلقت وقد شرعت في السفر فارقت البنيان أولا فالاقرب أنها تتخير بين الرجوع والمضي في


(1) لم اعثر في الروايات على التصريح بالاعتداد عنده، وانما يستفاد ذلك من مجموع الروايات المروية في الوسائل في الباب 18 و 20 و 21 من أبواب العدد، فهى كالصريحة في ذلك.

[ 356 ]

سفرها، لان المنزل الاول خرج عن بيتها بالاذن في الخروج، ولم يعين لها منزلا آخر يتعين عليها الخروج إليه، لان في إلزام العود إليها إبطال أهبة السفر إن لم تتجاوز البنيان والمشقة من غير الوصول إلى المقصد، والانقطاع عن الرفقة إن تجاوزت، وكل ذلك ضرر. وفيه أن خروج المنزل عن كونه بيتا لها بالاذن واضح المنع. وعن الشيخ الحكم والاعتداد في البلد إن لم تفارق البنيان مطلقا، قال: وإن فارقت البنيان ففيه مسألتان: إحدهما أن يكون أذن لها في الحج أو الزيارة أو النزهة، ولم يأذن في إقامة مدة مقدرة، والثانية أذن لها في ذلك، ففي الاول لا يلزمها العود، فانه ربما كان الطريق مخوفا وتنقطع عن الرفقة، فإذا أرادت العود كان لها ذلك، وإن تعدت في وجهها فان كان أذن لها في الحج فإذا قضت حجها لم يجز لها ان تقيم بعد قضائها، وإن كان أذن لها في النزهة أو الزيارة فلها أن تقيم ثلاثة أيام، فإذا مضت الثلاث أو قضت حجها فان لم تجد رفقة تعود معهم وخافت في الطريق فلها أن تقيم، لانه عذر، وإلا فان علمت من حالها أنها إذا عادت في البلد أمكنها أن تقضي ما بقي من عدتها لزمها ذلك، وإلا فقال بعضهم: لا يلزمها العود، بل لها الاقامة في موضعها، وقال آخرون: يلزمها العود، لانها مأمورة بالعود غير مأمورة بالاقامة، وهو الاقوى، وفي الثانية إن طلقت وهي بين البلدين فكما لو طلقت بين المنزلين، وإن طلقت وهي في البلد الثاني لزمها الاقامة ثلاثة أيام، وهل لها الاقامة المدة المضروبة ؟ قولان، فان لم يكن فالحكم كما في المسألة الاولى ". وعند الشافعية إن لم تفارق البنيان فوجهان: تخييرها بين العود والمضي والعود، لانها لم تشرع في السفر، فهي كما لو لم تخرج من المنزل، ووجه آخر إن كان سفرا لحج تخيرت وإلا وجب العود، وإن فارقت تخيرت، ووجه آخر أيضا، إن لم تقطع مسافة يوم وليلة لزمها الانصراف. وعن أبي حنيفة إن لم يكن بينها وبين المسكن مصيرة ثلاثة أيام لزمها الانصراف، وإلا فان كان الموضع موضع إقامة أقامت واعتدت فيه، وإلا مضت

[ 357 ]

في سفرها. ومما ذكروا أيضا أنه لو نجزت حاجتها في السفر ثم طلقت رجعت إلى منزلها إن بقي من العدة إن رجعت إليه ما يفضل عن مدة الطريق، إذا لا بيت لها سواه، فيجب الاعتداد فيه ولو يوما، وإلا يفضل شئ فلا. ولو أذن لها الاعتكاف فاعتكفت ثم طلقها فيه خرجت إلى بيتها للاعتداد فيه، بل عن التذكرة إجماع علمائنا عليه، لانه واجب مضيق لاقضاء له كالجمعة، خلافا لبعض العامة، وقضت الاعتكاف بعد ذلك مستأنفة له إن كان واجبا كما عن المبسوط، وعن المعتبر والتذكرة والمنتهى إن لم تشترط وإلا بنت، وعن الخلاف إطلاق البناء. ولو كان الاعتكاف في زمان معين بالنذر مثلا ففي الخروج للاعتداد إشكال، بل عن الشهيد القطع بالاعتداد في المسجد، وعن الايضاح على تقدير الخروج ففي القضاء إشكال من أن العذر ليس باختيارها، والزمان لم يقبل الاعتكاف، فظهر عدم انعقاد النذر، وعدم صحة اليومين، ومن الوجوب بالنذر أو باعتكاف اليومين ولم يفعل فيجب القضاء. إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا يخفى عليك ما في كثير منها بعد الاحاطة بما ذكرنا، وخصوصا إذا قلنا بكون المراد من الاية (1) والرواية (2) بقاءها على الزوجية السابقة من الكون في دارها مع زوجها، كما هو مقتضى قوله تعالى (3): " أسكنوهن من حيث سكنتم " وإن هذا معنى قوله عليه السلام (4): " تعتد في بيتها عنده " بل هو معنى النهي عن الاخراج والخروج، أي لا تخرجوهن من حيث كونهن


(1 و 3) سورة الطلاق: 65 الاية 1 - 6. (2) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد. (4) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد الحديث 5 وفيه " تعتد المطلقة في بيتها " وليس فيه كلمة " عنده " راجع التعليقة في ص 355.

[ 358 ]

مطلقات وصرن كالاجنبيات، كما أنهن لا يخرجن من حيث إنهن كذلك. وبالجملة ذلك كله لدفع توهم صيرورتهن أجانب بالطلاق كالبائنة، والمراد بقاء سلطنة الزوج عليهن، واستحقاقهن السكنى معه كالزوجة غير المطلقة، وحينئذ لا بأس باعتدادهن في سفر أو حضر أو اعتكاف أو غير ذلك إذا كن معه معاملات معاملة الازواج، كما أنه لا يتم أيضا لو قلنا بكون الحكم الاعتدادي قد رفع اختيار الزوج في أفراد السكنى، وأوجب المنزل الخاص على وجه لو اقترح غيره لم يكن له، بل لا يتم أيضا لو قلنا بوجوب الاعتداد في منزل الطلاق تعبدا على وجه يكون كالحداد في المتوفى عنها زوجها، بحيث يجب بقاؤها فيه للاعتداد وإن سكن الزوج وعياله غيره وتركها فيه، وهو - مع أنه مناف لقوله تعالى (1): " أسكنوهن من حيث سكنتم " و " تعتد عنده " (2) وغيرهما - لا يتم جملة من كلامهم عليه أيضا، لشدة الاختلاف فيه، وبناؤه على اعتبارات ومناسبات لا توافق اصولنا، خصوصا بعد ملاحظة أن السفر للحج أو مطلقا جائز لها باذنه في العدة، فضلا عما لو طلقها في أثنائه وإذنه مستمرة بالسفر كعزمها عليه، وملاحظة إمكان انتفاء موضوع الاخراج والخروج وبيتها وبيت زوجها في كثير من أفراد المطلقات وكثير من أحوال مصادفة الطلاق لهن، والله العالم بحقائق أحكامه.


سورة الطلاق: 65 - الاية 6. الوسائل الباب 18 من أ بواب العدد الحديث 5 راجع التعليقة الرابعة في الصفحة السابقة.

[ 359 ]

(السابع) قد ذكر غير واحد من الاصحاب بل لا أجد خلافا فيه بينهم في أن (البدو ية تعتد في المنزل الذي طلقت فيه) وإن كان بيتها من صوف أو شعر أو غيرهما، إذ لا فرق بينه وبين الاجر والطين في صدق البيت الذى هو العنوان في الكتاب (1) والسنة (2) بل في كشف اللثام " فلا يجوز لها الخروج، ولا له الاخراج عن القطعة من الارض التي عليها القبة أو الخيمة، ويجوز تبديلهما، فان البيت في المأوى ". كما أن في المتن والقواعد وغيرهما (فلو ارتحل النازلون به ارتحلت معهم دفعا لضرر الانفراد) من الوحشة والخوف وغيرهما (وإن بقي أهلها فيه أقامت معهم ما لم يغلب الخوف بالاقامة، ولو رحل أهلها) التي كانت تستأنس بهم في بيتها (وبقي) من النازلين فيه (من فيه منعة) وتأمن معهم (فالاشبه) كما عن المبسوط جواز النقل دفعا لضرر الوحشة بالانفراد،) بل في كشف اللثام " وإن بقي معها الزوج " وفي القواعد " أما لو هرب - أي النازلون - عن الموضع لعدو فان خافت هربت معهم وإن لم يهرب أو ينتقل أهلها للضرورة، وإلا أقامت إن بقي أهلها، لان أهلها لم ينتقلوا، ولا هي خائفة، فلا بها ضرورة الخوف ولا ضرورة الوحشة ". ولا يخفي عليك ما في جميع ذلك بعد الاحاطة بما ذكرنا، خصوصا ما عساه يظهر منهم من عدم جواز تنقل بيتها من مكان إلى مكان للنزهة أو لطلب الماء أو المرعى أو لغير ذلك مما يفعله البدو، إذ هو كما ترى، ضرورة عدم المفهوم من الكتاب (3) والسنة (4) أزيد من بقائها حال الاعتداد في بيتها لا تخرج منه ولا تخرج


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 1. (2) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد. (3) سورة الطلاق: 65 الاية 1. (4) الوسائل الباب 18 من أبواب العدد.

[ 360 ]

هي على حسب حاله، فلا ينافيه تنقل البدو من مكان إلى مكان وغيره مما هم عليه، كما هو واضح. (الثامن) (لو طلقها في السفينة فان لم تكن مسكنا) لها بأن كانت مسافرة مثلا ففي القواعد تبعا للمصنف (أسكنها حيث شاء) لانها حينئذ كغيرها من المسافرات (وإن كانت مسكنا) لها بأن كان زوجها ملاحا مثلا (اعتدت فيها) لانها حينئذ بيتها بمنزلة الدار للحضرية. وفي المسالك " فان اشتملت على بيوت مميزة المرافق أعتدت في بيت منها معتزلة من الزوج، وسكن الزوج بيتا آخر، وكانت كدار فيها حجرة منفردة المرافق، وإن كانت صغيرة نظر، إن كان معها محرم يدفع الخلوة المحرمة اعتدت فيها، ولو أمكن خروجه منها مع انتفاء الضرر بخروجه بحيث يبقى فيها من يمكنه معالجتها وجب، كما تقدم في البيت الواحد، وحيث تعتد خارجها يجب تحرى أقرب المنازل الصالحة لها إلى الشط، كما تقدم في ضرورة الخروج من منزل الطلاق ". وفي القواعد " هل له إسكانها في سفينة تناسب حالها ؟ الاقرب ذلك " وفي كشف اللثام " خصوصا إذا اعتادت السكنى في السفن وإن لم تكن تلك السفينة مسكنا لها، لعموم " أسكنوهن من حيث سكنتم " (1) ومناسبة حدوث الرجعة مع الاصل، فان النهي إنما وقع عن الخروج والاخراج عن البيوت، فان دخلت السفينة في البيوت فلا إخراج، وإلا فلا بيت حتى يحصل الاخراج عنه، ويحتمل العدم حملا للاسكان على الغالب ". ولا يخفى عليك ما في الجميع أيضا، ضرورة أن المتجه بناء على كلامهم السابق عودها إلى منزلها مع فرض كونها مسافرة وقد قضت وطرها وكان قد بقي من العدة


(1) سورة الطلاق: 65 - الآية 6.

[ 361 ]

ما يمكن قضاؤه في بيتها، كما أن المتجه بناء على مذاقهم وجوب قضائها العدة في تلك السفينة، بل في بيت الطلاق منها إذا كانت مسكنا لها، فلا يجزي غير بيت فيها فضلا عن سفينة أخرى، عن منزل آخر وقد عرفت أيضا جواز الخلوة بالرجعية. (التاسع) (إذا) طلقت وهي في مسكنه فخرجت بغير إذنه و (سكنت في منزلها) فلا أجرة لها قطعا وإن كانت قبل الطلاق ساكنة في منزلها وطلقها وبقيت فيه. (ولم تطالب بمسكن) مع حضوره وملائته (فليس لها المطالبة بالاجرة) كما في القواعد (لان الظاهر منها التطوع بالاجرة) فهي حينئذ كمن قضى دين غيره بغير إذنه. (وكذا لو استأجرت مسكنا فسكنت فيه لانها) إنما (تستحق السكنى) عليه (حيث يسكنها لا حيث تتخير،) وقد يشكل بأن سكناها من جملة النفقات الواجبة التي تستقر في الذمة بفواتها ويجب قضاؤها، ولا يلزم من سكوتها أن تكون قاضية لدينه بغير إذنه، وإلا لم تستحق نفقة إذا امتنع من الانفاق عليه وهي زوجته فأنفقت على نفسها، فانها حينئذ تكون قاضية لدينه بغير إذنه مع وجوب قضائها إجماعا، ودعوى كون الظاهر من حالها التبرع تتخلف فيما إذا صرحت بقصد الرجوع. واحتمال كونه هنا من قبيل نفقة الاقارب - لا نفقة الزوجة، لخروجها عن الزوجية وان الغرض من سكناها تحصين مائه على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقق، فكانت بذلك شبيهة بنفقة الاقارب التي لا قضاء لها بعد فواتها، لانها من البر والصلة، لا المعاوضة - واضح الفساد.

[ 362 ]

وأوضح منه فسادا احتمال الفرق بين السكنى والنفقة، بان السكنى لكفاية الوقت وقد مضى، والمرأة لا تملك المسكن، ولها تملك الانتفاع به، والنفقة عين تملك، تثبت في الذمة، ضرورة اقتضاء ذلك عدم ضمانه للزوجة، بل والكسوة بناء على أنها إمتاع. ومثلهما تعليل المصنف الاخير فانه إنما يتم مع بذل الزوج السكنى لها، لا مع سكونه الذي هو المفروض، فالتحيق ثبوت ذلك لها في ذمته ما لم تكن ناشزا أو تصرح بالتبرع أو يعلم ذلك من حالها. نعم إنما تستحق عليه اجرة مسكن قابل لها، لا خصوص أجرة مسكنها وإن علت، ولا خصوص الاجرة التي استأجرت بها، اللهم إلا أن تكون قد رفعت أمرها إلى الحاكم بعد امتناعه أو تعذره، فأمرها بالاستئجار عليه، فاستأجرت اللائق بها، فان عليه الاجرة المسماة، بل في القواعد لو استأجرت في نحو الفرض فالوجه رجوعها إليه، قال: لو طلقها غائبا أو غاب بعد الطلاق ولم يكن لها مسكن مملوك ولا مستأجر استدان الحاكم عليه قدر اجرة المسكن، وله أن يأذن لها في الاستدانة عليه، ولو استأجرت من دون إذنه فالوجه رجوعها إليه " وإن كان هو كما ترى مع فرض إرادة الاجرة المسماة. (المسالة الثالثة:) (لا نفقة للمتوفى عنها زوجها) ولا سكنى من مال الزوج إذ لا مال له (ولو كانت حاملا) للاصل (و) غيره، كما تقدم الكلام فيه في كتاب النكاح. نعم (روى أنه ينفق عليها من نصيب الحمل) الذي يعزل له، قال الصادق عليه السلام في خبر أبى الصباح الكناني (1): " المرأة المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها


(1) الوسائل الباب 10 من أبواب النفقات الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 363 ]

الذي في بطنها " وقال أحدهما عليهما السلام في صحيح ابن مسلم: والمتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله " بناء على رجوع الضمير إلى الولد وإن لم يجر له ذكر، بل عن النهاية والكافي والمقنع والفقيه الفتوى بذلك. (و) لكن (في الرواية) المزبورة (بعد) باعتبار مخالفتها قواعد المذهب التي (منها) عدم تملك الحمل قبل سقوطه حيا، و (منها) عدم وجوب نفقة الاقارب إلا في حال مخصوص، وهو الاعسار، وكلام الخصم ودليله مطلق، نعم عن الجامع التقييد بذلك و (منها) أن به تعريضا بمال الوارث للتلف حيث يسقط الحمل ميتا. على أنها معارضة بالنصوص الكثيرة، كصحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام سأله " عن المتوفى عنها زوجها ألها نفقة ؟ قال: لا ينفق عليها من مالها وحسن الحلبي (3) سئل الصادق عليه السلام " عن الحبلى المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة ؟ قال: لا ". ومن هنا كان الاقرب عدم النفقة لها كما صرح به جماعة، بل المشهور، بل لم أجد فيه خلافا إلا ممن عرفت، سواء قلنا: إن النفقة للحمل أو للحامل، لان ذلك إنما هو في المطلقة البائن، فما عن المختلف من أنه " إن كانت النفقة للحمل أنفق عليها وإلا فلا " كما ترى. وما في خبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتى تضع " - مع الضعف والمعارضة بما سمعت وعدم القائل بمضونه بل في كشف اللثام الاجماع على خلافه - يحتمل الاستحباب، وأن


(1 و 2) الوسائل الباب 9 من أبواب النفقات الحديث 4 - 6 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 9 من أبواب النفقات الحديث 1 من كتاب النكاح مع الاختلاف في اللفظ. (4) الوسائل الباب 10 من أبواب النفقات الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 364 ]

المراد الانفاق من الجميع حتى إذا وضعت الولد حيا أخذت النفقة من نصيبه. (و) على كل حال ف‍ (لها أن تبيت حيث شاءت) كما سمعت الكلام فيه سابقا. (المسالة الرابعة) (لو تزوجت في العدة لم يصح) بلا خلاف ولا إشكال نصا (1) وفتوى، كما تقدم الكلام في كتاب النكاح، من غير فرق بين حال الجهل والعلم (و) حينئذ (لم تنقطع عدة الاول) قطعا، لان مجرد العقد الفاسد لا يقطعها. (ف‍) حينئذ (إن) عقدها و (لم يدخل الثاني بها فهي في عدة الاولى) بلا خلاف (و) لا إشكال، بل (إن وطأها الثاني عالما بالتحريم فالحكم كذلك) أيضا، لما عرفت من أنه لاحرمة لماء زان سواء (حملت) منه (أو لم تحمل) فهي حينئذ في عدة الاول ولا عدة عليها للثاني، كما تقدم الكلام فيه سابقا أيضا، (ولو كان جاهلا ولم تحمل أتمت عدة الاول، لانها أسبق وأستأنفت اخرى للثاني على أشهر الروايتين) عملا، بل المشهور، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لاصالة عدم التداخل، ولصحيح الحلبي أو حسنه (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الحبلى يموت زوجها فتضع وتتزوج قبل ان يمضي لها أربعة أشهر وعشرا، فقال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ثم لم تحل له أبدا، واعتدت بما بقي عليها للاول، واستقبلت عدة اخرى من الاخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما، واعتدت بما بقي عليه من الاول، وهو خاطب من الخطاب ". وموثق ابن مسلم (3) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن الرجل يتزوج المرأة


(1 و 2) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث - 0 - 6 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9 من كتاب النكاح.

[ 365 ]

في عدتها، قال: إن كان دخل بها فرق بينهما، ولم تحل له أبدا، واعتدت بما بقي عليها من الاول، واستقبلت عدة اخرى من الاخر، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما، وأتمت عدتها من الاول، وكان خاطبا من الخطاب " (1). وخبر علي بن بشير النبال عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه " وإن فعلت ذلك بجهالة منها ثم قذفها بالزنا ضرب قاذفها الحد، فرق بينهما، وتعتد بما بقي من عدتها الاولى: وتعتد بعد ذلك عدة كاملة ". ولما عن طبرسيات المرتضى من " أنه روي (2) أن امرأة نكحت في العدة ففرق بينهما أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: " أيما امرأة نكحت في عدتها فان لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فانها تعتد من الاول، ولا عدة عليه للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وتأتي ببقية العدة عن الاول، ثم تأتي عن الثاني بثلاثة أقراء مستقبلة " وروي مثل ذلك بعينه عن عمر (3) و " أن طلحة كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها فنكحت وهي في العدة، فضربها عمر، وضرب زوجها، وفرق بينهما، ثم قال أيما امرأة نكحت في عدتها فان لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فانها تعتد عن الاول، ولاعدة عليها للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما وأتت ببقية عدة الاول، ثم تعتد عن الثاني، ولا تحل له أبدا " ولم يظهر خلاف لما فعل، فصار إجماعا " انتهى. بل لم أجد خلافا في ذلك ممن تقدم إلا من الاسكافي. وأما الصدوق فانه وإن قال في المحكى عن موضع من مقنعه: " إذا نعي إلى امرأة زوجها فاعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها فطلقها وطلقها الاخر فانها تعتد عدة واحدة ثلاثة قروء " لكن قال في المحكي عن موضع آخر منه: " إذا تزوج


(1) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 18 من كتاب النكاح. (2) راجع التعليقة (4) من ص 264. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 441 وفيه " ان طليحة " كما تقدم في ص 265.

[ 366 ]

الرجل امرأة في عدتها ولم يعلم وكانت هي قد علمت أنه قد بقى من عدتها ثم قذفها بعد علمه بذلك فان كانت علمت أن الذي عملته محرم عليها وقدمت على ذلك فان عليها حد الزاني، ولا أرى على زوجها حين قذفها شيئا، وإن فعلت بجهالة منها ثم قذفها ضرب قاذفها الحد، وفرق بينهما، وتعتد عدتها الاولى، وتعتد بعد ذلك عدة كاملة ". كما أنى لم أعرف له دليلا سوى دعوى أصالة البراءة المقطوعة بظاهر اقتضاء تعدد السبب تعدد المسبب، وصحيح زرارة (1) عن الباقر عليه السلام " في امراة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: يفرق بينهما، وتعتد عدة واحدة عنهما جميعا " وخبر أبي العباس (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما، وتعتد عدة واحدة عنهما جميعا " ومرسل جميل (3) عن أحدهما عليهما السلام " في المرأة تتزوج في عدتها، قال يفرق بينهما، وتعتد عدة واحدة منهما جميعا " وخبر زرارة (4) عن الباقر عليه السلام " في امرأة فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوجت، ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، وليس للاخر أن يتزوجها أبدا. مؤيدا ذلك بأن قاعدة اقتضاء تعدد السبب تعدد المسبب مختصة بما إذا كان السبب مطلقا، وأما إذا كان مقيدا بوقت خاص لا يسع إلا فردا واحدا فلا اقتضاء، لاستحالة التعدد حينئذ بل يكون ذلك دليلا على أن المراد التعريف من اجتماع الاسباب حينئذ، وما نحن فيه من الثاني، ضرورة ظهور جميع أدلة العدد في اتصال العدة بالسبب أو ما يقوم مقامه، كبلوغ الخبر في الوفاة، وهو زمان غير قابل للتعدد، فلا محيص عن التداخل حينئذ، خصوصا بعد أن كان الغرض الاستبراء، وقد حصل بالعدة الاولى، بل ليس


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11 - 12 14 من كتاب النكاح. (4) الوسائل الباب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهره الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 367 ]

المقام عند التأمل إلا كشئ متحد تعددت الاوامر به. نعم قد يقال: إن ظاهر النصوص المزبورة كون التداخل مع فرض عروض السبب في أثناء مقتضي الاول، بمعنى استئناف عدة للمتجدد تكون هي متممة لما بقي من العدة الاولى، وعدة تامة للاخر، لا أن المراد عدم تأثير الثاني أصلا مع فرض عروضه في أثناء عدة الاول، حتى أنه يجتزأ بما بقي من اللحظة مثلا من عدة الشبهة لو فرض وقوع الطلاق في أثنائها، وكأنه واضح الفساد. وعلى كل حال فدليل التداخل ما سمعت، ومن هنا مال جماعة من متأخرى المتأخرين إلى قول ابن الجنيد، حاملين أخبار التعدد على الندب، أو على التقية التي يشهد لها - مضافا إلى ما سمعت من كونه فتوى عمر - خبر زرارة (1) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت وتزوجت، فجاء زوجها الاول ففارقها وفارقها الاخر، كم تعتد للناس ؟ قال: ثلاثة قروء إنما تستبرئ رحمها بثلاثة قروء وتحل للناس كلهم، قال زرارة: وذلك أن الناس قالوا: تعتد عدتين، من كل واحدة عدة، فأبى ذلك أبو جعفر عليه السلام، وقال: تعتد بثلاثة قروء، وتحل للرجال ". ومرسل يونس (2) في امرأة نعى إليها زوجها، فتزوجت، ثم قدم الزوج الاول فطلقها وطلقها الاخر، فقال إبراهيم النخعي عليها أن تعتد عدتين، فحملها زرارة إلى أبى جعفر عليه السلام، فقال: عليها عدة واحدة " إلا أن الجميع كما ترى بعد ما عرفت من الشهرة العظيمة، فضلا عن الاجماع المحكي، بل يمكن دعوى تحصيله، فلا مكافئة حتى يجمع بينهما بذلك. ودعوى عدم معقولية التعدد هنا واضحة المنع، ضرورة أن العدة إنما هي تربص مدة من الزمان عن التزويج، والاتصال بالسبب غير معتبر في مفهومها شرعا ولا لغة، نعم ظاهر الادلة فوريتها، فمع فرض التعدد يكون الفورية حينئذ على


(1 و 2) الوسائل الباب 38 من أبواب العدد الحديث 1 - 2.

[ 368 ]

حسب الامكان بالتعاقب. على انه اجتهاد في مقابلة النصوص المعمول بها بين الاصحاب، بل قد سمعت دعوى الاجماع على مضمونها، فلا تصلح النصوص المزبورة بعد الاعراض عنها مكافئة لها، بل المتجه طرحها أو حملها على ما عن الشيخ من كونها مع عدم دخول الثاني، وحينئذ فيكون ما فيها من الاعتداد منهما على معنى أنه لاعدة عليها للثاني، وقد تقدم جملة من هذا الكلام في هذه المسألة في كتاب النكاح، بل وفي فروع الفصل الرابع من هذا الكتاب، فلاحظ وتأمل. (ولكن) هنا نقول أيضا: (لو حملت) هنا (وكان ما يدل على أنه للاول) ولو بفرض أنه طلقها حاملا ثم وطأها المشتبه (اعتدت بوضعه للاول) قطعا، لان الكلام هنا في المطلقة وإن كان حكم التزويج في العدة شاملا لها ولغيرها (وللثاني بثلاثة أقراء بعد وضعه) إن كانت معتدة بها، وإلا فبالاشهر. (وإن كان هناك ما يدل على أنه للثاني) ولو بولادته لاكثر من أقصى الحمل من وطء الاول ولما بينه وبين الاقل من وطء الثاني (اعتدت بوضعه له، وأكملت عدة الاول بعد الوضع) بلا خلاف ولا إشكال، كما تقدم الكلام في ذلك كله سابقا. نعم في المسالك هنا " أنه إن كانت الاولى بالاشهر فواضح، وإن كانت بالاقراء وعرض وطء الثاني في أثناء القرء لم يحتسب قرء، بل تكمله بعد الوضع إلى أن يبتدئ النفاس إن تأخر عن الولادة، ولو اتصل بها سقط اعتبار ما سبق من الطهر، واحتسب بما بعد النفاس وإن طال زمانه، لانها قد ابتدأت العدة بالاقراء، فلا ترجع إلى الاشهر لو فرض مضى ثلاثة بعد النفاس طهرا بسبب الرضاعة، نعم لو فرض بلوغها بعد الولادة سن اليأس أتمت العدة الاولى بالاشهر، كما سبق نظيره ". وفيه أن المتجه في الاول أيضا الاجتزاء بالاشهر الثلاثة، لما سمعت من النص (1) والفتوى أن العدة أسبق الامرين، الاقراء أو الاشهر، كما أوضحنا


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب العدد الحديث 3 - 5. (جواهر الكلام - ج 23)

[ 369 ]

الكلام في ذلك، من غير فرق بين سبق القرء وعدمه إلا في المسترابة التي قد مر الكلام فيها أيضا. بل قد يشكل أيضا ما ذكره من التلفيق المزبور - بناء على أنه مخالف للقواعد - بأن الفرض غير المنصوص منه. وأشكل من ذلك ما ذكره فيها أيضا من أنه قد يكون إحدى العدتين بالاقراء والاخرى بالاشهر، كما لو طلقها الاول ومضى عليها قرءان مثلا، ثم وطئت بالشبهة ولم تحمل، فانها تكمل الاولى بالاقراء فلو فرض انقطاع دمها في زمن الثانية ثلاثة أشهر أعتبرت بالاشهر، ولو فرض بلوغها سن اليأس بعد الحكم عليها بالاعتداد من الثاني وقبل الفراغ من عدة الاول بأن بقي لها منها قرء أكملت عدة الاول شهرا واعتدت للثاني بثلاثة أشهر وإن كانت يائسة في جميع وقتها، لسبق وجوبها قبل ليأس، كما سبق وجوب إكما الالى قبله، ولا يأتي عندنا اعتداد اليائسة بجميع العدة في زمن اليأس إلا هنا، ولو اعتبرنا زمن استفراش الثاني لها قاطعا لعدة الاول فاستدام فراشه إلى أن بلغت سن اليأس ثم فرق بينهما أكلمت عدة الاول بالاشهر أيضا ثم اعتدت للثاني بها، ضرورة منافاة ذلك لاصل البراءة، ولما دل (1) على عدم العدة على اليائسة الشامل للفرض ولغير ذلك مما يظهر لك مما قدمناه في مسألة التلفيق، فلاحظ وتأمل. وأما ما أومأ إليه أخيرا بقوله، " ولو اعتبرنا " إلى آخره فقد ذكر سابقا " أنه يفهم من قول المصنف: " ولم ينقطع " إلى آخره أن زمن زوجية الثاني ظاهرا ووطئه محسوب من عدة الاول وإن كانت فراشا للثاني، ولا يخلو من إشكال، لان الفراش ينافي الاعتداد المعتبر لبراءة الرحم، خصوصا زمن الوطء بالفعل، ولو قيل بأن مدة كونها فرشا للثاني وهو من حين العقد إلي حين العلم بالحال لا يعتبر من عدة الاول كان وجها، ولو فرض كون وطء الشبهة بغير عقد فالمستثنى من العدة على هذا الوجه زمن الوطء فيبنى على العدة السابقة، لما عرفت من ذلك الامر، ويظهر كونه فراشا


(1) الوسائل الباب 3 من أبواب العدد.

[ 370 ]

للثاني مع جهله وإن كان العقد فاسدا من تعليل إلحاق الولد به بل من ترجيحه على الاول بكونها فراشا بالفعل، نعم لو قيل بانها لا تصير فراشا إلا بالوطء خاصة وإن وقع عقد لفساده شرعا اتجه أيضا، أما نفي فراشها مطلقا كما ذكره في التحرير معللا به عدم قطع العدة فغير واضح ". قلت: قد اشتهر على الالسنة أن الفراش لا يجامع العدة، لكن لا دليل على إطلاقه، بل هو مناف للمعتدة عن وطء الشبهة إذا كانت زوجا لاخر، نعم قد يقال: إنه لما كانت العدة، تربص المرأة عن الوطء المحترم نافاها نفس الوطء، فيستثنى حينئذ زمانه خاصة من العدة، من غير فرق في ذلك بين كون الشبهة عن عقد وعدمه، وربما كان فيما قدمناه سابقا من كون الاصح احتساب العدة للشبهة من وطئها لا من ارتفاع الشبهة نوع إيماء إلى ذلك، بل لولا الاستظهار السابق من الاعتداد ما ذكرناه أمكن احتساب زمن الوطء من العدة فضلا عن غيره، لاطلاق الادلة واستصحاب العدة وغيرهما. وبذلك ظهر لك أنه لا مدخلية لصدق اسم الفراش في المنافاة المزبورة مع فرض عدم الدليل حتى يحتاج إلى الكلام، فتأمل جيدا. ومما قدمناه في المباحث السابقة يعلم الوجه فيما ذكره من الشبهات هنا في المسالك، وخصوصا ما قدمناه في فروع الفصل الرابع، فضلا عن مسألة نفقة الحامل عن شبهة التي قد ذكر فيها هنا وجوها خمسة، وإن كان ثلاثة منها في غاية الضعف، والله العالم. (و) كذا الكلام فيما ذكره المصنف من تتمة المسألة من أنه (لو كان ما يدل علي انتفائه) أي الحمل (عنهما) بأن ولدته لاكثر من مدة الحمل من وطء الاول ولاقل من ستة أشهرر من وطء الثاني لم يعتبر زمن الحمل من العدتين، لفرض خروجه عنهما، وليس محكوما بكونه من زنا، فالمتجه حينئذ إذا كان الامر كذلك (أتمت بعد وضعه عدة الاول، وأستأنفت عدة الاخير) كما هو واضح

[ 371 ]

بعد الاحاطة بما ذكرناه (ولو احتمل أن يكون منهما قيل) والقائل الشيخ: (يقرع بينهما) للاشكال (ويكون الوضع) حينئذ (عدة ممن يلحق) الولد (به و) لكن (فيه إشكال ينشأ من كونها فراشا للثاني بوطء الشبهة، فيكون أحق به) تقديما للفراش الفعلي على غيره، وقد عرفت تمام الكلام في ذلك في كتاب النكاح، بل وفيما مضى من كتاب الطلاق. المسالة (الخامسة:) (تعتد زوجة الحاضر من حين الطلاق أو الوفاة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لقاعدة اتصال العدة بسببها، ولصدق تربصها المدة المزبورة، بناء على أن المراد منه جلوسها عن النكاح المدة المزبورة، كصدق مضي ذلك، فيندرجان حينئذ في إطلاق مادل على ذلك، وللمفهوم في النصوص (1) الاتية في الثانية، ولغير ذلك. (و) كذا (تعتد من الغائب في الطلاق من وقت الوقوع) عند المشهور بين الاصحاب، بل عن الناصريات الاجماع عليه، للنصوص المستفيضة أو المتواترة، كصحيح ابن مسلم (2) قال لي أبو جعفر عليه السلام: " إذا طلق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها ". وصحيح الحلبي أو حسنه (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يطلق امرأته وهو غائب عنها من أي يوم تعتد ؟ فقال: إن قامت لها بينة عدل أنها طلقت في يوم معلوم وتيقنت فلتعتد من يوم طلقت، وإن لم تحفظ في أي يوم أو في أي شهر فلتعتد من يوم يبلغها ".


(1) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد. (2 و 3) الوسائل الباب 26 من أبواب العدد الحديث 1 - 2.

[ 372 ]

إلى غير ذلك من النصوص التي لم أجد لها مخالفا عدا ما يحكى عن التقي من اعتبار البلوغ لظاهر الامر (1) بالتربص الذي يجب الخروج عنه بعد تسليمه بما عرفت، ولان الاعتداد عبادة يحتاج إلى النية، وفيه منع واضح، بل الظاهر إلحاق غير الطلاق من الفسخ (و) غيره به في ذلك. نعم تعتد زوجة الغائب منه (في الوفاة من حيث البلوغ) لا من حين الوفاة على المشهور أيضا، بل عن الناصريات الاتفاق عليه، بل عن السرائر والتحرير نفي الخلاف فيه، للنصوص المستفيضة أو المتواترة. كصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام " في رجل يموت وتحته امرأة وهو غائب، قال، تعتد من يوم يبلغها وفاته ". وخبر أبي الصباح الكناني (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " التي يموت عنها زوجها وهو غائب فعدتها من يوم يبلغها إن قامت لها البينة أو لم تقم ". وصحيح يزيد بن معاوية (4) عن أبى جعفر عليه السلام أنه قال: " في الغائب عنها زوجها إذا توفى، قال: المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها الخبر، لانها تحد عليه ". وصحيح (5) البزنطي عن الرضا عليه السلام المروى عن قرب الاسناد " سأله صفوان ابن يحيى وأنا حاضر عن رجل طلق امرأته وهو غائب فمضت أشهر، فقال: إذا قامت البينة أنه طلقها منذ كذا وكذا وكانت عدتها قد انقضت فقد حلت للازواج، قال: المتوفى عنها زوجها، قال: هذه ليست مثل تلك، هذه تعتد من يوم يبلغها الخبر، لان عليها أن تحد ".


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 228. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث 1 - 2 - 3 والرابع عن بريد بن معاوية. (5) الوسائل الباب 26 من أبواب العدد الحديث 7.

[ 373 ]

إلى غير ذلك من النصوص التي لا يقاومها صحيح الحلبي (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " قلت له: امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك، فقال: إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها، وإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدتها إذا قامت لها البينة أنه مات في يوم كذا وكذا، وإن لم يكن لها بينة فلتعتد من يوم سمعت ". وخبر الحسن بن زياد (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المطلقة يطلقها زوجها ولا تعلم إلا بعد سنة، والمتوفى عنها زوجها ولا تعلم بموته إلا بعد سنة، قال: إن جاء شاهدا عدل فلا تعتدان، وإلا يعتدان ". وخبر وهب بن وهب (3) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام سئل عن المتوفى عنها زوجها إذا بلغها ذلك وقد انقضت عدتها فالحداد يجب عليها ؟ فقال علي عليه السلام: إذا لم يبلغها حتى تنقضي عدتها فقد ذهب ذلك كله، وقد انقضت عدتها " بعد الشذوذ، واحتمال وهم الراوى في المطلقة - كما عن الشيخ - وموافقتها للمحكي عن جميع العامة، واحتمال الاخير الحاضر، كما ستعرف. فما عن ابن الجنيد - من القول بمضمونها - واضح الضعف وإن مال إليه في المسالك جامعا بينها وبين الاولى بالحمل على الندب، لكنه كما ترى، ضرورة كونه فرع المكافئة، على أن الحمل على التقية أولى من الندب. وأضعف من ذلك ما عن الشيخ في التهذيب من التفصيل بين المسافة القريبة كيوم أو يومين أو ثلاثة والبعيدة، فالاولى تعتد من حين الوفاة، والثانية من حين البلوغ، لصحيح منصور (4) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلقها وهو غائب، قال: إن كانت مسيرة أيام فمن يوم يموت زوجها تعتد، وإن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر، لانها لابد أن تحد له " الواضح قصوره عن مقاومة ما عرفت من وجوه، فلا يصلح للجمع بين النصوص حينئذ فلابد من


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث - 10 - 9 - 7 - 12.

[ 374 ]

طرحه أو حمله - كما في الحدائق - على من كان في حكم الحاضر ممن كان في بلاد متسعة جدا، بحيث يمكن تأخر وصول الخبر اليوم واليومين، أورستاق فيه قرى عديدة، وإن كان بعيدا لفرض الغائب فيه. نعم ما ذكره من حكم المحمول عليه متجه، فان ظاهر الاصحاب اعتداد زوجة الحاضر من حين الوفاة وإن لم يبلغها الخبر لمانع من الموانع - كالحبس والمرض ونحوهما - حتى مضى جملة من العدة بل أكثرها بل جميعها. ولعله لظهور أدلة العدة في الاتصال بسببها خرج منها الغائب للنصوص المزبورة المحمول ما فيها من الاطلاق الشامل له ولغيره على التقييد بالغائب في غيرها، أو المنساق من مواردها وفحواها وغيرهما، بل يمكن حمل خبر وهب بن وهب (1) المتقدم على ذلك. واحتمال إلحاق مثل الفرض بالغائب نحو ما سمعته في طلاق الغائب وإن كان ممكنا خصوصا بعد احتمال الجري على الغالب في التقييد بالغائب بل والحاضر في عبارات الاصحاب إلا أنى لم أجد أحدا ذكره، بل ظاهرهم خلافه، مع أنه موافق لما عرفت من قاعدة اتصال المسبب بسببه فلا حاجة للخروج منها. كما أني لم أجد من صرح بمقتضى التعليل المزبور في النصوص من كون ابتداء اعتداد الامة من حين الوفاة، لما عرفت من أنه لاحداد عليها إلا ثاني الشهيدين في الروضة خاصة وأما المسالك فقد جزم فيها بكونها كالحرة في اعتدادها ببلوغ الخبر، بحمل التعليل المزبور على الحكمة دون العلة، ولكن لم يذكر دليلا على ذلك، مع ظهور كثير من النصوص (2) في كونه علة. نعم قد يقال: إن مقتضاه حينئذ كون الحداد واجبا شرطيا لا تعبديا، كى يصح الاستدال من الامام عليه السلام بذلك على كون الاعتداد من بلوغ الخبر بخلاف المطلقة التي لاحداد عليها، وقد عرفت ضعف القول بذلك خصوصا بعد ملاحظة ما دل


(1) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث 7. (2) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث 3 و 4 و 5.

[ 375 ]

من الاطلاق بانقضاء العدة بتربص أربعة أشهر وعشر من الاية والرواية، فتأمل ولو كانت الامرأة مجنونة أو صغيرة ولم يبلغ الولي موت زوجها حتى كبرت أو أفاقت فهل تعتد حينئذ، لان ذلك الوقت بالنسبة إليها بلوغ، أو تحسب عدتها من حين الوفاة، لقاعدة الاتصال السابقة وظهور النصوص في غير الفرض ؟ وجهان، لم أجد لهما تنقيحا في كلام الاصحاب، ولكن ثانيهما لا يخلو من قوة، بل لعل العمل عليه. كما أن الظاهر اعتداد ام الولد من حين وفاة سيدها لقاعدة الاتصال المزبورة التي لا يعارضها النصوص (1) المذكورة بعد أن كان مضمونها الزوجة إلا بدعوى إلالحاق التي لادليل عليها، بل الظاهر كون المحللة كذلك، بناء على أنها تعتد من وفاة المحللة له، نعم لا فرق في الزوجة التي تعتد بالبلوغ بين الحرة والامة والدائمة والمتمتع بها، لاطلاق الادلة، والله العالم. ثم لا يخفى عليك أن ظاهر الاصحاب اعتدادها ببلوغ الخبر (ولو) كان الذي (أخبر غير العدل، لكن لا تنكح إلا بعد الثبوت) شرعا (وفائدته الاجتزاء بتلك العدة) لو بان صدق الخبر، بل لو تزوجت فبان كونه بعد عدتها صح، ولا تحرم عليه وإن فرق الحاكم بينهما ظاهرا قبل ذلك، وأثما بالاقدام، بل صرح بذلك غير واحد، بل لم أجد فيه خلافا، ولعله لاطلاق الادلة وقوله عليه السلام في خبر أبي الصباح (2) السابق " إن قامت لها البينة أو لم تقم " وإن كان - إن لم يكن إجماعا - أمكن المناقشة بارادة البلوغ الشرعي ولو خبر العدل الذي يصدق معه عدم قيام البينة، فلا ينافيه خبر أبى الصباح. وعلى كل حال فهل يقوم اعتدادها لامارة ظنية غير الخبر مقامه حتى يجتزأ بها لو صادف ذلك ؟ وجهان، لم أجد لهما تنقيحا في كلام الاصحاب.


(1) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 376 ]

كما أني لم أجد تنقيحا أيضا لكون الاعتداد عليها بخبر الفاسق مثلا على جهة الوجوب - كما هو المنساق في بادئ الرأي من الاوامر في النصوص (1) أو أن ذلك لها رخصة، لفائدة الاجتزاء بها بعد ذلك لو صادفت، والامر في النصوص إنما يراد به ذلك لانه في مقابلة اعتداد المطلقة من حين الطلاق، ولا ريب في أن الاحوط لها تجديد الاعتداد إذا لم تكن قد عزمت عليه ببلوغ الخبر المزبور، خصوصا مع تركها الحداد. والظاهر قيام الكتابة مقام الخبر، بل كل أمارة تفعل لارادة الاخبار من إرسال ثيابه ونحوها كذلك، لصدق اسم البلوغ بها عرفا، والله العالم. هذا كله في المتوفى عنها زوجها. (و) أما المطلقة فقد عرفت اعتدادها من حين الطلاق في الحاضر والغائب، نعم (لو علمت الطلاق ولم تعلم الوقت اعتدت عند البلوغ) بلا خلاف أجده فيه، لصحيح الحلبي (2) السابق، ولاصالة تأخر الحادث، إذ المراد وإن كان النص والفتوى مطلقين عدم علمها بالوقت على وجه يحتمل الطلاق قد وقع في زمان علمها، أما إذا فرض علمها بسبق ذلك وإن لم تعلم بالخصوص اعتدت بمقدار ما علمته من المدة ثم أكملته بعد ذلك بما يتمها، لتطابق النص والفتوى على اعتداد المطلقة من حين الطلاق وإن لم تعلم به، ففي الفرض تعلم انقضاء جملة من عدتها، فلتعتد باحتسابه، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه.


(1) الوسائل الباب 28 من أبواب العدد الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب 26 من أبواب العدد الحديث 2.

[ 377 ]

المسالة (السادسة:) (إذا طلقها بعد الدخول، ثم راجع في العدة، ثم طلق قبل المسيس لزمها استئناف العدة، لبطلان الاولى بالرجعة) المقتضية فسخ الطلاق وعود النكاح السابق، بل هو معنى الرجوع في الحقيقة، وليست هي سببا لانشاء نكاح جديد، وإلا لتوقف على رضاها، فيصدق حينئذ على الطلاق الثاني أنه طلاق امرأة مدخول بها بالنكاح الذي يريد فسخه بالطلاق، خلافا للعامة، فأوجبوا عليها إكمال العدة الاولى التي بطلت بالفراش الحاصل بالرجعة. (و) كذا الحال فيما (لو خالعها بعد الرجعة إذ هو كالطلاق بالنسبة إلى ذلك وإن (قال الشيخ هنا: الاقوى أن لاعدة، و) لكن (هو) كما ترى (بعيد) خصوصا إذا أراد اختصاص الخلع بذلك عن الطلاق، كما هو ظاهر المتن، ضرورة عدم الفرق بينهما (لانه) كما يصدق على الطلاق أنه طلاق أمرة مدخول بها فتجب العدة لها، كذلك يصدق أنه (خلع عن عقد تعقبه الدخول) لما عرفت من أن الرجعة أفادت عوده إلى النكاح الاول، هذا كله في المطلقة رجعيا ثم راجعها في العدة. (أما لو خالعها) من أول الامر (بعد الدخول) بها وصيرورتها في طهر جديد (ثم تزوجها في العدة، وطلقها قبل الدخول لم تلزمها العدة) كما سمعت الكلام فيه في بحث الحيل، (لان العدة الاولى بطلت بالفراش الجديد) المنافي للاعتداد، ضرورة كونها زوجة حينئذ، وقد انقطع حكم الخلع (و) الفرض أنه أي (العقد الثاني لم يحصل معه دخول) فيندرج فيما دل من الاية (1) والرواية (2) على عدم العدة على المطلقة غير المدخول بها.


(1) سورة الاحزاب: 33 الاية 49. (2) الوسائل الباب 1 من أبواب العدد.

[ 378 ]

(وقيل) والقائل القاضي: يلزمها العدة، لانها لم تكمل العدة الاولى) وظاهره عدم العدة للطلاق الثاني، ولكن يجب عليها إكمال العدة الاولى التي لم تتمها، وانقطاعها إنما هو بمقدار زمان الفراشية، فمع فرض زواله بالطلاق الثاني وجب عليها إكمال الاولى المستصحب بقاؤها. وفيه أن مقتضاه وجوب ذلك عليها أيضا لو فرض طلاقها بعد الدخول الموجب عدة، اللهم إلا أن يدعى دخول الاولى في الثانية حينئذ، وعلى كل حال فهو واضح الضعف، ضرورة انقطاع حكم الطلاق من أصله بالعقد الثاني الذي صيرها زوجة بعد أن كانت مطلقة (و) من هنا قال المصنف: (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده. نعم ربما قال بعض متأخري المتأخرين بوجوب عدة للطلاق المتجدد باعتبار الدخول السابق، لصدق طلاق مدخول بها ولو بالعقد السابق الذي لم يتم عدته. وفيه أن المراد الدخول بالعقد الذي فسخه الطلاق، لا ما يشمل العقد الاول، لا أقل من الشك والاصل عدم العدة، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك في بحث الحيل، فلاحظ وتأمل. المسالة (السابعة) لا خلاف ولا إشكال في أن (وطء الشبهة يسقط معه الحد) الذي عنوانه الزنا (وتجب) له (العدة) لاطلاق مادل (1) على وجوبها بالادخال والماء الشامل للفرض، كما تقدم الكلام في ذلك غير مرة، وفي أن عدته عدة الطلاق. نعم في المسالك والحدائق والمحكي من عبارة الشيخ وجوب العدة للشبهة ولو من الامرأة خاصة، بل أرسلوه إرسال المسلمات، ولكن فيه أنه مناف للاصل ولما


(1) الوسائل الباب 54 من أبواب المهور في النكاح.

[ 379 ]

دل (1) على عدم حرمة ماء الزاني، فلا حق لها عليها في الاعتداد الذي ظاهر قوله تعالى (2): " فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " كونه من حقوقه، ولعله لذا قال في كشف اللثام: " لا عدة عليها وإن لم يكن الولد ولد زنا، كما نص عليه الاصحاب، فان العدة إنما هي حق الواطء، فإذا لم يحرم وطءه لم يكن له عدة ". (و) كيف كان ف‍ (لو كانت المرأة عالمة بالتحريم وجهل الواطئ لحق به النسب، ووجبت له العدة، وتحد المرأة) حد الزانية (ولا مهر) لها لانها بغي بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، كما أنه لو انعكس الامر لحق الولد بالامرأة، ويحد الرجل حد الزاني، ولها عليه مهر المثل، ولا عدة عليها على الاصح، وإن كان هو الاحوط. (ولو كانت الموطوءة) العالمة بالتحريم مع جهل الواطئ (أمة لحق به الولد) قطعا، لانه أشرف الابوين (و) إن كان (عليه) أي (الواطئ قيمته لمولاه حين سقط، ومهر) مثل (الامة) وإن كانت هي بغيا (وقيل: العشر إن كانت بكرا، ونصف العشر إن كانت ثيبا، وهو المروى) (3) كما قدمنا الكلام في ذلك مفصلا في كتاب النكاح، فلاحظ وتأمل.


(1) يستفاد ذلك من قوله صلى الله عليه وآله: " الولد للفراش وللعاهر الحجر المروى في الوسائل في الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (2) سورة الاحزاب: 33 - الاية 49. (3) الوسائل الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 380 ]

المسالة (الثامنة:) (إذا طلقها بائنا ثم وطأها لشبهة قيل) وإن لم نعرف القائل به قبل المصنف: (تتداخل العدتان) بأن تستأنف عدة كاملة للاخير منهما، وتدخل فيها بقية الاولى (لانهما لواحد) والموجب لها حقيقة إنما هو الوطء، وإذا استأنفت عدة كاملة ظهرت براءة الرحم، لانقضائها، ولاولويته من التداخل لشخصين الذي قد سمعت التصريح به في النصوص (1) (وهو حسن) عند المصنف، بل جزم به الفاضل في القواعد (حاملا كانت) المطلقة (أو حائلا) خلافا للمحكي عن الشيخ وابن إدريس، فلا تتداخل، بل في كشف اللثام نسبته إلى إطلاق الاكثر، وفي غيره إلى المشهور، للاصل الذي لا يقطعه ما ذكره من الحكمة ولا الاولوية المزبورة بعد عدم القول بمضمون النصوص المذكورة كما سمعت، وليس الموجب لها في الفرض حقيقة الوطء، بل هو والطلاق، وكل منهما سبب. نعم لو تعدد الوطء من المشتبه اجتزئ بعدة كاملة للاخير، لكون الموجب لها حقيقة هو الوطء. فالاقوى حينئذ عدم التداخل، سواء كانت من جنس واحد - وهو الاقراء أو الاشهر - أو جنسين، بأن كانت إحداهما بالحمل والاخرى بالاقراء، كما لو طلقها حائلا ثم وطأها في الاقراء وأحبلها، أو بأن طلقها حاملا ثم وطأها قبل أن تضع، بل عدم التداخل في الاخير أوضح، بل قد يمنع تحقق التداخل المصطلح فيه، لعدم اتحاد المكلف به، فيرجع حينئذ إلى سقوط سببية أحد السببين، لانه مع فرض انقضائهما أجمع بالوضع الذي كان عدة الاول يكون الثاني لا مقتضى له، أو الاول الذي كان مقتضاه الاقراء مثلا.


(1) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 11 و 12 و 13 من كتاب النكاح.

[ 381 ]

وعلى كل حال فله الرجعة في الطلاق الرجعي إلى أن تضع إن كانت عدة الطلاق بالحمل وطرأ الوطء، بناء على عدم كون الوطء شبهة موجبا للرجوع تعبدا. وإن كانت عدة الطلاق بالاقراء وحدث الحمل من الوطء ففي المسالك " في الاكتفاء بالوضع عنهما نظر، من أنها في عدة الطلاق وإن وجبت عدة اخرى، فالوضع يوجب براءة الرحم من ماء الوطء والزوج مطلقا، ومن أن مقتضى القواعد الماضية حيث ابتدأت عدة الطلاق بالاقراء أن لا تكمل بغيرها، فتكون العدة حينئذ بالاقراء هي الاكثر، فتدخل عدة الحمل فيها لا بالعكس، هذا إذا قلنا: إن الحامل لا تحيض أو اتفق لها ذلك، فيتوقف الانقضاء على إكمال الاقراء بعد الوضع، كما لو لم نحكم بالتداخل، ومثله مالو كان وطء الشبهة عارضا على عدة الحمل وقد بقى للوضع أقل من ثلاثة أشهر، لان الاكثر حينئذ هو عدة الشبهة، ولو فرض رؤيتها الدم زمن الحمل أمكن الجمع بين العدتين والاكتفاء بالوضع عنهما على تقدير مضى الاقراء حالة الحمل، وبالجملة لابد من مراعاة أكثر العدتين عند اجتماعهما حيث نحكم بالتداخل " قلت: لا يخفى عليك ما فيه من التشويش. نعم قد يقال: إن المتجه عدم جواز الرجوع زمن الحمل على القول بعد التداخل، إذ هو كالمسألة الاتية التي ستعرف فيها القول بعدم جواز الرجوع فيه لو كانت عدة لشخص آخر، فضلا عما لو كان عدة له. إنما الاشكال هنا في مقدار مدة الرجوع له على القول بالتداخل، وظاهرهم مع عدم الحيض جواز الرجوع له في جميع مدة الحمل، لانها أجمع محسوبة من بقية الاولى، ولا يخلو من نظر، وذلك لقيام الاشهر مقامها حينئذ، لما عرفت من أن العدة أسبق الامرين. ودعوى وجوب إكمالها بالاقراء حيث افتتحت وإن طالت واضحة المنع، كما نبهنا عليه سابقا، كدعوى أن الانقلاب إلى الاشهر إنما يكون مع عدم الحمل، وحينئذ بعدها لا يجوز الرجوع، لتمحض العدة حينئذ للوطء وانقضاء

[ 382 ]

عدة الطلاق. ودعوى انقلاب عدة الاولى وإن كانت بالاقراء، فنقلت إلى الوضع لاية اولي الاحمال (1) كما ترى، إذ الفرض أن الحمل صار من الوطء الثاني لا الاول الذي قد سبق إيجابه، والعدة بالاقراء أو الاشهر، وآية اولي الاحمال إنما تدل على الحامل وقت الطلاق كما هو واضح. بل من ذلك يعلم النظر فيما في القواعد وشرحها من أنه " لو طلقها رجعيا ووطأها بظن أنها غيرها بعد مضى قرء مثلا فحملت وانقطع الدم كان له الرجعة قبل الوضع، لان الحمل لا يتبعض ليحسب بعضه من الاولى والباقي من الثانية، فيكون جميع أيامه محسوبا من بقية الاولى، وجميع الثانية " إذا هو كما ترى مناف باطلاقه لما ذكرناه: من انقضاء عدتها بالاشهر حينئذ لو فرض سبقها للوضع، فيتمحض الزائد للوطئ فلا يجوز الرجوع فيه، إذ لا خلاف عندهم في أنه لو وطأ المطلقة رجعية بظن أنها غير الزوجة وقلنا: إن مثله ليس رجوعا وجب استئناف العدة، فان وقع الوطء بالقرء الاول أو الثاني أو الثالث فالباقي من العدة الاولى يحسب للعدتين وتكمل الثانية، وله أن يراجع في بقية الاولى دون ما يخص الثانية. وكيف كان فقد عرفت أن الاصح عندنا عدم التداخل، بل لكل وطء عدة مستقلة كالشخصين، لتعدد السببين، بل الاقوى ذلك أيضا لو فسخت المطلقة رجعية في أثناء العدة، بناء على أن لها ذلك، لانها كالزوجة، فتأتي بعدة مستأنفة للفسخ بعد انقضاء عدة الطلاق، ولا يكتفى عن الاولى باستئناف عدة للفسخ، فضلا عن الاكتفاء عن الثاني باكمال الاولى، وإن قال في القواعد: " ولو فسخت النكاح في عدة الرجعي ففي الاكتفاء بالاكمال إشكال " وفي كشف اللثام في شرحها " ففي الاكتفاء بالاكمال أو الاستئناف إشكال، من أن الفسخ إنما أفاد البينونة وزيادة قوة في الطلاق من غير رجوع إلى الزوجية أو حصول وطء محترم، وهو خيرة المبسوط،


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 4

[ 383 ]

ومن أن الطلاق والفسخ سببان للعدة، والاصل عدم التداخل ولما كانت عدتاهما حقين لمكلف واحد - وأبطل الفسخ حكم الطلاق، ولذا لا يثبت له معه الرجعة - استأنفت عدة الفسخ " والجميع كما ترى، والفسخ غير مبطل للطلاق، وإنما هو مانع من جواز الرجوع بها، لفسخ النكاح حينئذ بسبب آخر غيره، فتأمل جيدا. المسالة (التاسعة:) (إذا نكحت في العدة الرجعية) لمشتبه (وحملت من الثاني اعتدت بالوضع من الثاني) قطعا دون الاول، لان الحمل له دونه (وأكملت عدة الاول بعد الوضع) بأشهر أو أقراء، لما عرفت من عدم التداخل (وكان للاول الرجوع في تلك العدة) التي هي له (دون زمان الحمل) الذي هو عدة المشتبه، خلافا للمحكي عن المبسوط من جواز الرجوع له في زمن الحمل، قال: " مذهبنا أن له الرجعة في زمن الحمل، لان الرجعة تثبت بالطلاق، فلم تنقطع حتى تنقضي العدة، وهذه ما لم تضع وتكمل عدة الاول فعدتها لم تنقض، فتثبت الرجعة عليها ما دامت حاملا وبعد أن تضع مدة النفاس وإلى أن تنقضي عدتها بالاقراء - بل قال -: لو قلنا: لا رجعة عليها في زمن الحمل تثبت له الرجعة عليها أيام النفاس وإن كانت هي لم تشرع في عدتها، لان عدة الاول قد انقضت، وهي المانع له من الرجوع وإن لم تكن معتدة منه في تلك الحال، كحالة الحيض في العدة، وقد تقدم الكلام في هذه المسائل وغيرها، فلاحظ وتأمل. إلا أن ظاهرهم في المقام وغيره عدم اجتزائه عن عدة الطلاق بالاقراء لو اتفق حصولهما في زمن الحمل - بناء على مجامعته للحيض - فضلا عن الاشهر لو فرض اعتدادها بها، ولعله لظهور نصوص عدم التداخل (1) المتقدمة سابقا في ذلك،


(1) الوسائل الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح.

[ 384 ]

مؤيدا بان مرجع الجميع إلى انقضاء مدة فلا يكون إلا تداخلا، وليس هو من قبيل الشيئين المتغايرين الخارجين عن موضوع التداخل. والحمد لله الذي وفق لاتمام كتاب الطلاق، وأسأله أن يشفع أوائل مننه بأواخرها فيوفق لما بقي من إتمام الكتب التي منها كتاب الخلع والمباراة.


وبهذا والحمد لله انتهت تعاليقنا على الجزء 32 من كتاب جواهر الكلام بجوار أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يفوتنى التنويه بجهود العلامة الاخ الشيخ محمد القوچانى سلمه الله حيث شارك في انجاز عملي هذا، وارجو من العلى القدير وحده أن يوفقنا لاتمام هذا المشروع الجبار واكمال تحقيق هذه الموسوعة الفقهية الكبيرة انه سميع مجيب. محمود القوچانى النجف الاشرف 15 / صفر الخير / 1396 وتم تصحيحه وتهذيبه وترتيبه في اليوم الرابع عشر من شهر شوال سنة 1397 والحمد لله أولا وآخرا، وذلك بيد العبد: السيد ابراهيم الميانجى عفى عنه وعن والديه بأواخرها فيوفق لما بقي من إتمام الكتب التي منها كتاب الخلع والمباراة.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية