جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 34


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 من الهجرة تصحيح وتحقيق وتعليق محمود القوچاني عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجي قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه، وطبع بنفقة المكتبة الاسلامية، الجزء الرابع والثلاثون 34 طهران شارع البوذرجمهرى تليفون 521966 - 535448 جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر

[ 2 ]

نام كتاب: جواهر الكلام مؤلف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: كتابفروشى اسلاميه تعداد: 3000 جلد نوبت چاپ: دوم - 1366 شمسي چاپخانه: آيدا بسم الله الرحمن الرحيم كتاب اللعان مصدر " لاعن " وربما استعمل جمعا، وهو لغة الطرد والابعاد، وشرعا مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص، ولعل الملاعنة هنا لارادة طرح كل منهما صاحبه وإبعاده عنه، أو تشبيها للعن كل منهما نفسه إن كان كاذبا بلعن كل منهما صاحبه. والاصل فيه قوله تعالى (1): " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ". والسبب فيها - مضافا إلى ما يدركه العقل من المصالح في ذلك - ما عن ابن


(1) سورة النور: 24 - الاية 6 إلى 9.

[ 3 ]

عباس (1) من أنه لما نزلت " والذين يرمون المحصنات " (2) إلى آخرها قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إني لاعلم أنها حق من عند الله تعالى شأنه، ولكن تعجبت أن لو وجدت لكاعا يفخذها لم يكن لي أن اهيجه ولا احركه حتى آتى بأربعة شهداء: فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا حتى جاء هلال بن امية فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا يقال له: شريك بن سمحاء فرأيت بعيني وسمعت باذني، فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فقال سعد: الان يضرب النبي هلال بن امية، وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لارجو أن يجعل الله لي مخرجا فبينما هم كذلك إذ نزل: " والذين يرمون أزواجهم " إلى آخرها (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا ". وروي أن المعرض هو عاصم بن عدي الانصاري (4) قال: " جعلني الله فداك إن وجد رجل مع امرأته فأخبر جلد ثمانين جلدة وردت شهادته أبدا وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل به، وإن سكت على غيظ إلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد قضيت حاجته ومضى، أللهم افتح وفرج واستقبله هلال بن امية، فأتيا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله، فكلم خوله زوجة هلال، فقالت: لا أدري الغيرة أدركته أم بخل بالطعام ؟ وكان الرجل نزيلهم، فقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت الاية، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما. وقال لها: إن


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 394.، وتفسير الطبري ج 18 ص 82، وتفسير الرازي ج 6 ص 342 - ط عام 1307، ومجمع البيان ج 4 ص 128 ط صيدا مع الاختلاف في الالفاظ في الجميع. (2 و 3) سورة النور: 24 - الآية 4 - 6. (4) تفسير الرازي ج 6 ص 342 ط عام 1307 ومجمع البيان ج 4 ص 128 ط صيدا.

[ 4 ]

كنت الممت بذنب فاعترفي به فالرجم أهون عليك من غضب الله، فان غضبه هو النار ". وروي (1) " إن عويمر العجلاني رمى زوجته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة وإلا حد في ظهرك، فنزلت ". وفي طرقنا (2) " إن عباد البصري سأل أبا عبد الله وأنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فوجد مع امرأته رجلا يجامعها ماكان يصنع ؟ قال: فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف الرجل، وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلى بذلك من امرأته، فقال: فنزل الوحي من عند الله تعالى بالحكم فيهما، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك الرجل فدعاه، فقال له: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا، فقال: نعم فقال له: انطلق فأتني بامرأتك، فان الله أنزل الحكم فيك وفيها، فأحضرها زوجها فأوقفهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال للزوج: اشهد أربع شهادات بالله أنك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد، ثم قال: اتق الله فان لعنة الله شديدة، ثم قال: اشهد الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، قال: فشهد، ثم أمر به فنحي، ثم قال للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله أن زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به فشهدت، ثم قال لها: أمسكي، فوعظها وقال: اتقي الله فان غضب الله شديد، ثم قال: واشهدي الخامسة أن غضب الله عليك إن كان زوجك من الصادقين فيما رماك به، فشهدت، قال: ففرق بينهما، وقال لهما: لا تجتمعان بنكاح أبدا بعدما تلاعنتما " إلى غير ذلك مما ورد فيها. (و) كيف كان ف‍ (النظر في أركانه وأحكامه، وأركانه أربعة).


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 393 وفيه " ان هلال بن امية قذف امرأته ". (2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 5 ]

(الاول في السبب:) (وهو شيئان:) (الاول) (القذف) كتابا (1) وسنة (2) بل وإجماعا وإن حكي عن الصدوق في الفقيه والهداية وظاهر المقنع أنه قال: " لا لعان إلا بنفي الولد، وإذا قذفها ولم ينتف جلد ثمانين جلدة " لقول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (3): " لا يكون اللعان إلا بنفي الولد " لكن في خبر محمد بن مسلم (4) عن أحدهما عليهما السلام " لا يكون لعان إلا بنفي ولد، وقال: إذا قذف الرجل امرأته لاعنها " ومن هنا حملهما الشيخ على أنه لا لعان بدون دعوى المشاهدة إلا بالنفي، ولا بأس به بعد معلومية قصورهما عن المعارضة، خصوصا بعد احتمال اضافية الحصر بالنسبة إلى مقتضى المقام، ويكون المراد أنه لا لعان بمجرد الشبهة. وفي وافي الكاشاني في خبر أبي بصير " لعل المراد أنه إذا كانت المرأة حاملا فأقر الزوج بأن الولد منه ومع هذا قذفها بالزنا فلا لعان، وأما إذا لم يكن حمل وإنما قذفها بالزنا مع الدخول والمعاينة فيثبت اللعان، كما دلت عليه الاخبار، ويدل على هذا صريحا حديث محمد عن أحدهما عليهما السلام فانه قد أثبت اللعان بالامرين " وفيه أنه وغيره مضافا إلى الكتاب يدل على إثباته بالقذف على الاطلاق من دون إشارة إلى ما ذكره من التفصيل الذي يمكن دعوى الاجماع على خلافه.


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان. (3 و 4) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 2 - 1

[ 6 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا يترتب اللعان به) أي القذف (إلا على رمي الزوجة المحصنة) غير المشهورة بالزنا (المدخول بها بالزنا قبلا بل أو دبرا) عندنا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، خلافا لابي حنيفة فنفاه فيه (مع دعوى المشاهدة وعدم البينة). (فلو رمى الاجنبية تعين الحد ولا لعان) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إطلاق ما دل على الحد بالقذف كتابا (1) وسنة (2) المقتصر في تقييده باللعان على قذف الزوجة كتابا (3) وسنة (4) وإجماعا بقسميه، مؤيدا ذلك بظهور الحكمة في الفرق بين الزوج والاجنبي الذي لا داعي له إلى القذف من غيره ونحوها. (وكذا لو قذف الزوجة ولم يدع المشاهدة) لقول الصادق عليه السلام في الصحيح (5) " إذ قذف الرجل امرأته فانه لا يلاعنها حتى يقول رأيت بين رجليها رجلا يزني بها " الحديث. وفي مرسل أبان (6) عنه عليه السلام أيضا " لا يكون لعان حتى يزعم أن قد عاين " وفي صحيح ابن مسلم (7) " سألته عن الرجل يفتري على امرأته، قال: يجلد ثم يخلى بينهما، ولا يلاعنها حتى يقول: أشهد أني رأيتك تفعلين كذا وكذا " وفي رواية (8) " إذا قال: إنه لم يره قيل له أقم البينة وإلا كان بمنزلة غيره جلد الحد ". بل في كشف اللثام لعله لا خلاف في اشتراط مشاهدة أنها تزني، ويتفرع على ذلك سقوط اللعان بقذف الاعمى زوجته، لانتفائها في حقه، وينحصر لعانه حينئذ بنفي الولد، لكن أشكله في المسالك - بعد اعترافه مكررا باشتراط الاصحاب المعاينة - بامكان علمه بدون المشاهدة، واشتراطها لو سلم يمكن حمله على من


(1 و 3) سورة النور: 24 - الاية 4 - 6. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب حد القذف من كتاب الحدود. (4) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب اللعان. (5 و 6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 4 - من كتاب اللعان الحديث - 4 - 3 - 2 - 5.

[ 7 ]

تمكن في حقه، أو على جعله كناية عن العلم بذلك، وأنه لا يكفي الظن المستند إلى القرائن أو الشياع منفردا - إلى أن قال -: ويؤيده عموم قوله تعالى (1): " والذين يرمون " ثم أطنب بعد ذلك بما لا حاصل له: بل كأنه اجتهاد في مقابلة النص الذي به يقيد إطلاق الادلة، لا استبعاد في اعتبار ذلك في خصوص اللعان الذى هو وظيفة شرعية منافية لاطلاق أدلة القذف وإن لم نشرطه في أصل الشهادة واكتفينا فيها بالعلم، كما لا استبعاد في سقوط اللعان بذلك حينئذ للاعمى بعد إطلاق أدلة الاشتراط. (ولو كان له بينة) على ما قذفها به (فلا لعان ولا حد) كما تسمع تحقيق الحال فيه. (وكذا لو كانت المقذوفة مشهورة بالزنا) لان اللعان إنما شرع صونا لعرضها من الانتهاك، وعرض المشهورة بالزنا منتهك، لكن في كشف اللثام " لم أر من اشترطه من الاصحاب غير المصنف والمحقق " وظاهره التأمل فيه، ولعله لاطلاق الادلة، وفيه أنه مبني على اعتبار الاحصان بمعنى العفة في حد القذف الذي شرع لسقوطه اللعان في الزوجين، وكما تسمع تحقيقه إن شاء الله في الحدود. هذا (و) قد عرفت أنه مما (يتفرع على اشتراط المشاهدة سقوط اللعان في حق الاعمى بالقذف) إذا قذفها حال عماه (لتعذر المشاهدة) منه حينئذ (و) إنما (يثبت في حقه) اللعان (بنفي الولد) وعرفت إشكال ثاني الشهيدين فيه والجواب عنه. (ولو كان للقاذف بينه وعدل إلى اللعان قال في الخلاف) وتبعه الفاضل في المختلف: (يصح) لاطلاق النصوص (2) الذي لا يقيده مفهوم الحال في


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب اللعان.

[ 8 ]

الاية (1) الخارج مخرج الغالب، مؤيدا بما وقع من النبي صلى الله عليه وآله (2) من الملاعنة من دون أن يسأل عن البينة. (ومنع في المبسوط) وتبعه يحيى بن سعيد في المحكي من جامعه والفاضل في قواعده (التفاتا إلى اشتراط عدم البينة في الاية وهو الاشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها الاقتصار فيما خالف إطلاق أدلة القذف على المتيقن، على أن اللعان حجة ضعيفة والبينة حجة قوية، فلا يعدل إلى الضعيف مع وجود القوي، بل ظاهر النصوص (3) أن أصل مشروعية اللعان لعدم تيسر البينة، وإطلاق النصوص لا وثوق به بعد أن كان محتملا لارادة ما في الاية خارجا مخرج الغالب، كما اعترف به الخصم في رفع دلالة القيد، وعدم سؤال النبي صلى الله عليه وآله لعله لعلمه بالحال، بل في الخبر قرائن دالة على البينة، على أنه من قضايا الاحوال، لا من ترك الاستفصال عقيب السؤال. (ولو قذفها بزنا إضافة إلى ما قبل النكاح فقد وجب الحد، وهل له إسقاطه باللعان) كما لو أطلق أو إضافة إلى زمان الزوجية ؟ (قال في الخلاف: ليس له اللعان اعتبارا بحالة الزنا) الذي رماها به في حال لم يشرع له اللعان فيه، فيبقى عموم " والذين يرمون المحصنات " (4) شاملا له سالما عن معارضة دليل اللعان، لانه لا يقال: قذف زوجته، كما أن من قذف مسلما بالزنا حال كفره لا يقال: إنه قذف مسلما. (وقال في المبسوط: له ذلك اعتبارا بحالة القذف) الذي لا ريب في صدوره منه في حال الزوجية (وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده، لاطلاق أدلة اللعان كتابا وسنة الذي لا يقيده سبب النزول، بل هو كذلك، سواء قلنا باعتبار بقاء مبدأ الاشتقاق في صدق المشتق وعدمه، فانه إنما اعتبر فيها بعد تسليم اعتبار البقاء


(1) سورة النور: 24 - الاية 6 (2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1 - 0 -. (4) سورة النور: 24 - الاية 4.

[ 9 ]

كون الرمي حين الزوجية لا الرمي بما وقع حينها، وكأن التعليل أولا باعتبار حالة الزنا نشأ من توهم ذلك، فحكم بنفي صدق أنه قذف زوجته، فأخرجه من آية اللعان وأدخله في آية القذف، لكنه كما ترى، ضرورة صدق رمي الزوجة وقذفها، فيدخل في آية اللعان حينئذ. (ولا يجوز) للزوج فضلا عن الاجنبي عندنا (قذفها مع الشبهة ولا مع غلبة الظن أو أخبره الثقة أو شاع إن فلانا زنى بها) ولا غير ذلك من صفات الولد ونحوه، لان عرض المؤمن كدمه، بل في كشف اللثام في حسن الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام " أنه نهى عن قذف من كان على غير الاسلام إلا أن يكون اطلعت على ذلك منه " وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) " أنه نهى عن قذف من ليس على الاسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم، وقال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب " إلا انهما كما ترى ظاهران في جواز قذف غير المسلم مع الصدق، وربما يؤيده ما وقع من الائمة عليهم السلام في قذف بعض الناس (3) خصوصا في مشاجرة الحسن عليه السلام مع معاوية لعنه الله وأصحابه بناء على أنهم غير مسلمين أو بحكم غير المسلمين. وعلى كل حال فلا يجوز قذف الزوجة بالامور المزبورة خلافا لبعض العامة، فجوز للزوج قذفها للاجنبي بجميع ذلك، لكنه كما ترى، بل لا يجوز قذفها للاجنبي مع اليقين إذا لم تكن بينة، نعم جاز له ذلك للزوج خاصة وشرع له الشارع التخلص عن الحد باللعان، ولا يجب عليه مع عدم الولد، للاصل، بل لعل الستر عليها ومفارقتها بغير اللعان أولى، بل لا يحرم عليه امساكها أيضا، للاصل وللمرسل (4) " إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: إن له


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب حدالقذف الحديث 2 - 1 من كتاب الحدود. (3) البحار ج 44 ص 80 و 82 و 83. (4) المستدرك الباب - 12 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 7.

[ 10 ]

امرأة لا ترديد لامس فقال صلى الله عليه وآله: طلقها، قال: إني احبها، قال: فأمسكها ". نعم إذا كان هناك ولد يتيقن أنه ليس منه يجب عليه نفيه منه، لان ترك النفى يتضمن الاستلحاق، ولا يجوز له استلحاق من ليس منه، كما لا يجوز نفي من هو منه، وفي النبوي (1) " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ " ومن المعلوم أن الرجل بمعناها. (وإذا قذف في العدة الرجعية) إضافة إلى زمان الزوجية أو زمان العدة (كان له اللعان) كما له الايلاء والظهار، لانها بحكم الزوجة، بل لا يتوقف على رجوعه، بل يصح في الحال، ويترتب عليه أحكامه بخلافهما، لان مدار اللعان على الفراش ولحوق النسب، والرجعية في ذلك كالمنكوحة (و) في التأخير خطر بالموت. نعم (ليس له ذلك في البائن) ولا في الرجعية بعد العدة (بل يثبت بالقذف الحد ولو أضافه إلى زمان الزوجية) لانها أجنبية حينئذ وقد عرفت أن العبرة بزمان القذف، خلافا لبعض العامة، فأثبته مع الاضافة إلى زمانها، أما نفي الولد فله اللعان له ولو في حال الطلاق البائن، كما ستعرف. ولو قذف ثم أبانها كان له اللعان، لصدق رمي الزوجة. ولو قالت: " رميتني قبل أن تتزوجني فعليك الحد " فقال: " بل بعده فلي اللعان " أو قالت: " قذفتني بعد أن بنت منك " فقال: " بل قبله " فالقول قوله، لان القذف فعله، ولان القول قوله في أصله فكذا في وقته، مضافا إلى درء الحد بالشبهة، نعم لو قالت الاجنبية: " قذفتني " فقال: " كانت زوجتي " فأنكرت الزوجية أصلا قدم قولها، للاصل. (ولو قذفها بالسحق لم يثبت اللعان) بلا خلاف ولا إشكال، لظهور أدلته في كونه بالزنا ونفي الولد وحينئذ فلا لعان فيه (ولو ادعى المشاهدة و) لكن


(1) المستدرك الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 5 وسنن البيهقى ج 7 ص 403.

[ 11 ]

(يثبت الحد) به في أحد القولين، لانه قذف بفاحشة، وقد يشكل بأن دليل القذف ظاهر في الزنا واللواط أيضا، والاصل البراءة، فهو حينئذ كالقذف بإتيان البهائم إنما فيه التعزير، ومن هنا كان المحكى عن أبي الصلاح والفاضل في المختلف التعزير خاصة، بل لعله مقتضى حصر المنصف موجب الحد به في الحدود بالرمي بالزنا واللواط، كما ستسمع تحقيق الحال فيه إن شاء الله. (ولو قذف زوجته المجنونة) في حال إفاقتها (ثبت الحد) لاطلاق الادلة (و) لكن (لا يقام عليه إلا بعد المطالبة) منها في حال صحتها (فان أفاقت) وطالبت به (صح اللعان) منه لاسقاطه (وليس لوليها المطالبة بالحد ما دامت حية) لان طريق إسقاطه من جانب الزوج بالملاعنة التي لا تصح من الولي، نعم لو كانت مجنونة ولم تستوف الحد كان لوارثها المطالبة به، لانه من حقوق الادميين، كذا ذكروا ذلك، وهو إن كان إجماعا فذاك وإلا أشكل ذلك بعموم ولاية الولي، وبأنه لا دليل على اعتبار الملاعنة، بل مقتضى الاية (1) أنه لا مدخلية للعان الرجل في نفي حد القذف عنه بلعان المرأة الذي هو لسقوط العذاب عنها، وحينئذ يتجه اللعان منه لاسقاط الحد عنه وإن تعذر اللعان منها بجنون أو موت أو نحو ذلك، فتأمل جيدا، فاني لم أجده محررا وإن ترتب عليه أحكام كثيرة. ولو أضافه إلى حال جنونها فلا حد لعدم القذف بالزنا المحرم، وكذا لو كانت المقذوفة عاقلة حال القذف ولكن أضافه إلى حال جنونها وكان لها حالة جنون معلومة، بل في المسالك أو محتملة، إلا أنه يعزر للايذاء، أما إذا علم استقامة عقلها وليس لها حالة جنون فعن ظاهر الاكثر ثبوت الحد، لاطلاق الادلة. لكن في المسالك تبعا للفاضل في القواعد " يحتمل العدم، لانه نسبها إلى الزنا في تلك الحال، وإذا علم انتفاؤها لم تكن زانية، فيكون ما أتى به لغوا من


(1) سورة النور: 24 - الاية 6 و 7.

[ 12 ]

الكلام ومحالا، فأشبه ما إذا قال: زنيت وأنت رتقاء " وفيه أن العلم بالانتفاء لا يقتضي انتفاء ما رماها به من الزنا، بل أقصاه الكذب في وصفها بالحال المزبور، ولعل من ذلك ما لو قال: " زنيت وأنت مشركة " ولم يعهد منها حالة إشراك، وحينئذ فلو قالت: " ما كنت مشركة ولا مجنونة " كان القول قولها، لاصالة الاسلام والعقل، ويحتمل قوله، لاصل البراءة، والله العالم. (وكذا ليس للمولى مطالبة زوج أمته) ولا الاجنبي (بالتعزير في قذفها) ما دامت حية، لان الحق لها، وللزوج طريق لاسقاطه باللعان الذي لا يحصل من الولي (فان ماتت قال الشيخ: له المطالبة، وهو حسن) وإن كان المملوك لا يورث، لكن ذلك مبني على عدم ملكه، أما ما كان له فأدلة الارث تشمله، على أن من المعلوم أحقية السيد بذلك بعد استصحاب عدم سقوطه. ولو نسبها إلى زنا مستكرهة عليه أو مشتبه عليها أو نائمة فليس قذفها وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد لانه إنما نسبها لامر لا لوم عليه ولا إثم فيه، بل ليس زنا في عرف الشرع، بل عن الشيخ التردد في أصل التعزير وإن كان الاظهر ذلك، للعار والايذاء. وعلى كل حال فلا لعان إلا لنفي الولد، بل جزم به الفاضل وإن استشكل في كونه قذفا، ولعله مما قيل من كون اللعان على خلاف الاصل، والمتبادر من الرمي بالزنا الرمي بما لم يكن عن إكراه، فيقتصر عليه، ولانه الذي يوجب الانتقام منها، وإن كان هو كما ترى. ولو قذف نسوة بلفظ واحد تعدد اللعان، لانه يمين واليمين لا تتداخل في حق الجماعة ولو مع رضاهن بلا خلاف، فان تراضين بمن يبدأ بلعانها وإلا اقرع أو بدأ الحاكم بمن شاء.

[ 13 ]

(السبب الثاني:) (إنكار الولد) بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى، بل قد عرفت حصر اللعان به في النصوص (2) السابقة (و) لكن (لا يثبت اللعان بانكار الولد حتى تضعه) تاما (لستة أشهر فصاعدا من حين) احتمال (وطئها ما لم يتجاوز حملها أقصى مدة الحمل وتكون) مع ذلك (موطوءة بالعقد الدائم، و) حينئذ ف‍ (لو) علم أنه (ولدته تاما لاقل من ستة أشهر لم يلحق به) قطعا (وانتفى بغير لعان) نعم لو ولدته ناقصا اعتبر إمكان لحوقه به عادة، ويختلف ذلك باختلاف حالاته. وتظهر الفائدة في انقضاء عدتها بوضعه لو كان قد طلقها ثم أتت به في العدة ولم يلاعن فيها، فانه يثبت نسبه مع إمكانه، وتبين بوضعه، وقد تقدم في الطلاق ما يدل على معرفة وقت الامكان، ولعله لذا قيد المصنف وغيره بالتمام، فانه الذي يعلم نفيه عنه، وكذا لو علم أنه قد جاءت به بعد مضي أقصى الحمل من الوطء المحتمل لذي الفراش وكان المصنف ترك التصريح به اتكالا على ما ذكره أولا وعلى ذكر الاقل، ضرورة معلومية كونه لغيره شرعا فيهما معا، فلا يحتاج نفيه إلى لعان، بل لو اريد إلحاقه به لم يتمكن من ذلك مع فرض العلم بعدم مقاربته لها قبل النكاح شبهة، وقد أطنب في المسالك في الفرق بين صورة الوضع للاقل والاقصى، بل ادعي أن في عبارات الاصحاب قصورا في تأدية الحكم المزبور، لكنه عند التأمل لا حاصل له، ولا قصور في عبارات الاصحاب بعد معلومية كون المراد لهم أنه علم وضعها للولد للاقل أو بعد الاقصى، كما هو واضح. وعلى كل حال فلو تزوج الشرقي بغربية وأتت بولد لستة أشهر من العقد لم يلحق به، لعدم الامكان عادة، ولا لعان لنفيه، خلافا لبعض العامة حيث اكتفى


(1 و 2) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان.

[ 14 ]

في الالحاق بالعقد وقدرته على الوطء وإن لم يكن عادة، وفرع عليه مسائل (منها) هذه المسألة، و (منها) أنه إذ تزوج بامرأة بحضرة القاضي وطلقها في الحال ثم أتت بولد لستة أشهر من العقد لحق به، ولم ينتف إلا باللعان، و (منها) أنه إذا غاب عنها زوجها وانقطع خبره، فقيل لها: إنه مات فاعتدت ثم تزوجت فأولدها الزوج الثاني أولادا ثم عاد الاول، فالاولاد لاحقون به، ولا شئ للثاني، بل عن بعض العامة الذين وافقونا في اعتبار إمكان الوطء أنه قال: " إذا مضى زمان يمكن فيه قطع ما بين الزوجين من المسافة ثم مضى أقل زمان الحمل فانه يلحق به وإن علم أن أحدا من الزوجين لم يبرح إلى الاخر ". ولا يخفى عليك وضوح فساد ذلك كله، بل منه فشا الزنا في نسائهم ولحوق أولاد غير الازواج بهم، وازدادت ولادتهم خبثا إلى خبث. وكيف كان فقد ظهر لك أن موضع اللعان إمكان لحوق الولد به في الظاهر لولا اللعان وإن علم هو انتفاءه عنه، وإلا فمع فرض الامكان عنده ولو بعد لا يجوز له نفيه، لان الولد للفراش شرعا مع إمكانه، وفي النبوي (1) " أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الخلائق " نعم يجب عليه نفيه مع علمه بعدم تكونه منه ولو باللعان إذا كان الظاهر لحوقه به، هذا كله مع العلم بالحال. (أما لو اختلفا بعد الدخول في زمان الحمل تلاعنا) إذا كان مقتضى قول الزوج نفي الولد لوضعها له تاما دون الستة أشهر على دعواه أو بعد أقصى الحمل لاشتباه حال الصادق منهما، فكان الانتساب إليه ممكنا، وقد ولد على فراشه، فلا ينتفي إلا باللعان، وأصالة تأخر الحادث ونحوها لا تنقح خروجه عن الولادة على الفراش، ومن هنا أثبت من تعرض لذلك اللعان في الفرض، ولم يلحظ شيئا مما تقتضيه الاصول في هذه الدعوى.


(1) المستدرك الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 5 وسنن البيهقى ج 7 ص 403.

[ 15 ]

(و) مما تقدم ظهر لك أنه (لا يلحق الولد) ظاهرا (حتى يكون الوطء) الذي يحصل التولد منه (ممكنا) في العادة (والزوج قادرا) عليه فيها (فلو دخل الصبي لدون تسع فولدت لم يلحق به) لعدم وقوع مثله في العادة، كالموضوع تاما لدون الستة أشهر (و) إن كانا داخلين تحت قدرة الله تعالى شأنه نعم (لو كان له عشر) سنين كاملة (لحق به) الولد (لامكان البلوغ في حقه ولو نادرا،) بل ربما قيل بالاكتفاء بالطعن فيها ولو ساعة واحدة، بل في كشف اللثام نسبته إلى ظاهر المتن والمبسوط والتحرير وإن كان هو كما ترى. (و) على كل حال ف‍ (لو أنكر الولد لم يلاعن إذ لا حكم للعانه) لان الفرض كونه صبيا غير بالغ، وإلحاق الولد به لاحتمال بلوغه لا يقتضي ثبوت بلوغه، نعم لو قال: أنا بالغ بالاحتلام فله اللعان بناء على أن ذلك مما يرجع فيه إليه، لانه لا يعلم إلا من قبله، والفرض إمكان الزمان، أما مع عدم قوله فالاصل عدم بلوغه وإن حكمنا ظاهرا بلحوق الولد به للاحتمال. ولا استبعاد في الحكم بلحوق الولد به دون الحكم بالبلوغ وإن كان اللعان إنما هو لنفي هذا الولد، وإذا لم يكن بالغا لم يحتج إلى اللعان في نفيه وإلا صح، لان لزوم البلوغ لتكون الولد منه في الواقع لا يقتضي الحكم به، كما أن كون اللعان لنفيه لا يقتضي التساوي بينه وبين إلحاق الولد، لان اللعان مشروط بالبلوغ اتفاقا وإلحاق الولد يكفي فيه أدنى إمكان البلوغ، فيعطي كل منهما حكمه في الحكم الظاهري وإن تنافيا في اللوازم التي هي للواقع دون الحكم في الظاهر الذي هو ليس إثبات الموضوع واقعا على وجه يتحقق لازمه معه، ومثل هذا كثير في الفقه، خصوصا في العمل بالاصول،. وبالاحتياط الذي منه ما سمعته في زوجة المفقود التي يطلقها الحاكم بعد طلبه لاحتمال حياته وتعتد عدة الوفاة لاحتمال موته. (و) حينئذ (يؤخر اللعان حتى يبلغ ويرشد) بأن يوثق بعقله وتمييزه

[ 16 ]

كما ستعرف من اشتراطهما في الملاعن. (ولو مات قبل البلوغ أو بعده ولم ينكره الحق به وورثته الزوجة والولد) ولا عبرة بالانكار المتقدم قبل البلوغ، ولو أنكره بعد البلوغ لم ينتف عنه إلا باللعان كغيره ممن حكم بلحوقه لولا اللعان، كما هو واضح. (ولو وطأ الزوج دبرا فحملت الحق به) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام، بل في المسالك ظاهرهم الاتفاق على ذلك، ولعله (لامكان استرسال المني في الفرج) من غير شعور به (وإن كان الوطء في غيره) بل عن بعضهم التصريح بأنه كذلك وأن عزل كما لو وطأ في الفرج، خلافا لبعض فاشترط عدم العزل، لكون العلوق مع ذلك في غاية البعد، لان الذي يحتمل معه سبقه من المني في غاية القلة، وفيه أن الامكان حاصل وإن كان مع العزل أبعد، وتعليل المنصف وغيره بذلك لا يقتضي اعتبار عدم العزل، لما عرفت من أن الامكان المزبور حاصل على التقديرين، فلا فرق حينئذ بين الوطء في الفرج أو في الدبر مع العزل وبدونه في الحكم باللحوق مع احتمال سبق المني من غير شعور. وبذلك يظهر لك النظر فيما أطنب به في المسالك، فلاحظ وتأمل. (ولا يلحق ولد الخصي) الذي لا ينزل في الظاهر (المجبوب) الذي قطع ذكره وانثياه، للعادة في عدم التولد من مثله لعدم الايلاج والانزال، لكن (على تردد) من ذلك ومن عدم العلم لنا بما يكون التكون منه في الواقع، فيمكن حصوله من المساحقة، ولا عادة مستقرة في ذلك، فانه لو فرض خصي مجبوب كانت له زوجة فساحقها فحملت لا يمكن القطع عادة بكونه من غيره، لعدم انكشاف أمر التكون لنا. ومن هنا قال المصنف (و) غيره: إنه (يلحق ولد الخصي) الذي هو يلج ولا ينزل (أو المجبوب) الذي قطع ذكره وانثياه ولكن ينزل بهما (ولا ينتفى ولد أحدهما إلا باللعان تنزيلا على الاحتمال وإن بعد) إذ لا يخفى عليك (جواهر الكلام - ج 1)

[ 17 ]

حصول الاحتمال أيضا في الخصي المجبوب وإن كان هو أبعد من كل واحد منهما، بل لعل التأمل في ذلك وغيره يقتضي الاكتفاء بالاحتمال وإن لم يتحقق الامكان، فهو أزيد من قاعدة ما أمكن في الحيض، بناء على اعتبار تحقق الامكان فيها، ولعله لظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم (1): " الولد للفراش " الشامل للمفروض وغيره، بل قد سمعت توسع العامة فيه، فألحقوا به الولد وإن علم عدم مباشرة منه للزوجة اتكالا على قدرته تعالى شأنه، وإن كان هو واضح الفساد، ضرورة ظهوره في كونه له مع احتمال أنه منه وإن كان بعيدا. (وإذا كان الزوج حاضرا وقت الولادة ولم ينكر الولد مع ارتفاع الاعذار) فعن المبسوط بل المشهور كما في المسالك أنه (لم يكن له إنكاره بعد ذلك إلا أن يؤخر بما جرت العادة به كالسعي إلى الحاكم) لان الحق له على الفور، إذ هو كخيار الرد بالعيب والغبن مثلا في الثبوت لدفع الضرر المقتصر فيه على مقدار ما يرتفع به الضرر وهو الفور، مؤيدا ذلك بأن الولد إذا كان منفيا عنه وجب الفور باظهار نفيه حذرا من لحوق من ليس منه به، وعوارض التأخير من الموت فجأة ونحوه كثيرة، فتختلط الانساب، وبأنه لولا اعتبار الفور لادى إلى عدم استقرار الانساب، وذلك ضرر يجب التحرز عنه. والجميع كما ترى، ضرورة عدم صلاحية شئ من ذلك لتقييد إطلاق ما دل (2) على ثبوت حق النفي له المستصحب ذلك له مع التراخي، والرد بالعيب والغبن مع تسليم الفورية فيه إنما هو لقاعدة الاقتصار على المتيقن في تخصيص اللزوم المستفاد من " أوفوا " (3) ونحوه مما لا يجرى في المقام، مؤيدا ذلك بأن أمر النسب خطير، وقد ورد النهي (4) عن استلحاق من ليس منه، وربما احتاج


(1 و 2) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 3 - 0 -. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 403 وكنز العمال ج 3 ص 225 و 226.

[ 18 ]

ذلك إلى نظر ومهلة. نعم لو أقر بالولد لزمه الولد للنصوص (1) ولقاعدة إقرار العقلاء، بل لم ينتف عنه بعد بنفيه بلا خلاف أجده فيه، بل في القواعد الاجماع عليه، لعدم سماع الانكار بعد القرار حتى لو لاعن، لما سمعت من النصوص (2) وقاعدة إقرار العقلاء التي لا يعارضها دليل اللعان الوارد على قاعدة الفراش، نعم إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة - فيما لو علم أن منشأ إقراره الاخذ بظاهر قاعدة الفراش - بأنه لا يزيد حينئذ حكم قاعدة الاقرار على قاعدة الفراش التي ثبت اللعان لنفي مقتضاها، فتأمل جيدا. ولعله لذلك كله وغيره قال المصنف: (ولو قيل له إنكاره ما لم يعترف به كان حسنا) وتبعه عليه الفاضل، بل ينبغي الجزم بذلك في نحو مفروض المسألة الذي يمكن عدم منافاة الفورية فيه بفرض عدم حصول ما يقتضي نفيه له حال الولادة، إذ المراد بالفور عند من اعتبره هو سقوط حقه مع التراخي إذا كان سبب النفي حاصلا له ومع ذلك تراخى في نفيه على أنه لم يظهر لنا مراد القائل بالفورية هل هو وجوب إنشاء النفي عند حصول مقتضيه له أو وجوب إظهاره عند الحاكم ؟ وإن كان ظاهر ما ذكروه من الفروع الثاني، لكن هو كما ترى. بل ملاحظة ما ذكره في المسالك وغيره منها يقتضي كونها من فروع العامة المبتنية على القياس والاستحسان، قال فيها: " وإن كان معذورا بأن لم يجد الحاكم، أو تعذر الوصول إليه، أو بلغه الخبر ليلا فأخر حتى يصبح، أو حضرته الصلاة فقدمها، أو أحرز مالا له أولا أو كان جائعا أو عاريا فأكل أو لبس أولا، أو كان مريضا أو محبوسا أو ممرضا لم يبطل حقه، وهل يجب عليه الاشهاد على النفي ؟ وجهان، وقد سبق له نظائر كثيرة، ولو أمكن المريض أو الممرض أن يرسل إلى الحاكم ويعلمه بالحال أو يستدعي منه أن يبعث إليه نائبا من عنده فلم يفعل بطل حقه، لان


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث.

[ 19 ]

مثل هذا متيسر له، ومثله ملازمة غريمه ومن يلازمه غريمه، وأما الغائب فان كان في الموضع الذي غاب إليه قاض ونفى الولد عند وصول خبره إليه عنده فذاك، وإن أراد التأخير إلى أن يرجع إلى بلده ففي جوازه وجهان، من منافاة الفورية اختيارا، ومن أن للتأخير غرضا ظاهرا، وهو الانتقام منها باشتهار خبرها في بلدها وقومها، وحينئذ فان لم يمكنه المسير في الحال لخوف الطريق ونحوه فينبغي له أن يشهد، وإن أمكن فليأخذ في السير، فان أخر بطل حقه، وإن لم يكن هناك قاض فالحكم كما لو كان وأراد التأخير إلى بلده وجوزناه " إذ ذلك كله كما ترى لا يوافق اصولنا خصوصا بعد أن لم يكن في شئ مما وصل إلينا من الادلة جعل العذر والغرض عنوانا للحكم حتى يرجع إلى مصداقهما عرفا. (و) كيف كان ف‍ (لو أمسك عن نفي الحمل حتى وضعت جاز له نفيه بعد الوضع على القولين، لاحتمال أن يكون التوقف لتردده بين أن يكون حملا أو ريحا) فلا يكون سكوته منافيا للفور، ولو قال: عرفت أنه حمل (ولد خ ل) ولكن أخرت طمعا في أن تجهض فلا احتاج إلى كشف الامر ورفع الستر ففي المسالك " فيه وجهان: أحدهما أنه يبطل حقه، لتأخير النفي مع القدرة عليه ومعرفة الولد، فصار كما لو سكت عن نفيه بعد انفصاله طمعا أن يموت، والثاني أن له النفي، لان مثل هذا عذر واضح في العرف، ولان الحمل لا يتيقن صرفا، فلا أثر لقوله: عرفت أنه ولد " بل فيها " أن هذا لا يخلو من قوة " مع أنه كما ترى. ثم قال: " ومن الاعذار ما لو أخر وقال: إني لم أعلم أنها ولدت وكان غائبا أو حاضرا بحيث يمكن ذلك في حقه، ويختلف ذلك بكونه في محلة اخرى أو في محلتها أو في دارها أو في دارين، ولو قال: اخبرت بالولادة ولكن لم اصدق الخبر نظر، إن أخبره فاسق أو صبي صدق بيمينه وعذر، وإن أخبره عدلان لم يعذر، لانهما مصدقان شرعا، وإن أخبره عدل حر أو عبد ذكر أو انثى ففيه

[ 20 ]

وجهان: أحدهما أنه يصدق ويعذر، ولانه أخبره (1) من لا يثبت بشهادته الحق، والثاني أنه لا يصدق ويسقط حقه، لان روايته مقبولة، وهذا سبيله سبيل الاخبار، ولو قال: عرفت الولادة ولم أكن أعلم أن لي حق النفي فان كان ممن لا يخفى عليه ذلك عادة لم يقبل، وإن أمكن بأن كان حديث العهد بالاسلام أو ناشئا في بادية بعيدة عن أهل الشرع قبل، وإن كان من العوام الناشئين في بلاد الاسلام فوجهان: أجودهما القبول بيمينه مع إمكان صدقه " ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه. (ولو أقر بالولد صريحا أو فحوى لم يكن له إنكاره بعد ذلك) لما عرفت من قاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار الصادق عرفا على الصريح وغيره (مثل أن يبشر به فيجيب بما يقتضي الرضا، كأن يقال: بارك الله لك في مولودك فيقول: آمين أو إنشاء الله تعالى، أما لو) أجاب بما لا يتضمن الاقرار بأن (قال مجيبا: بارك الله لك أو أحسن الله إليك) أو رزقك مثله (لم يكن إقرارا) ولم يبطل حقه من النفي، خلافا لبعض العامة، فجعله إقرارا، وضعفه واضح. (وإذا طلق الرجل وأنكر الدخول فادعته وادعت أنها حامل منه ف‍) عن الشيخ في النهاية " إن أقامت بينة أنه أرخى سترا) عليها (لاعنها وحرمت عليه، وعليه المهر) كملا (وإن لم تقم بينة كان عليه نصف المهر ولا لعان، وعليها مأة سوط) لصحيح علي بن جعفر (2) " سألته عليه السلام عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فادعت أنها حامل، قال: إن أقامت البينة على أنه أرخى سترا ثم أنكر الولد لاعنها، ثم بانت منه، وعليه المهر كملا " مؤيدا بالظاهر. لكنه كما ترى لا دلالة فيه على ذكر المأة سوط، بل لا وجه له، ضرورة عدم ثبوت حد عليها، فان إنكار الولد منه وإن انتفى عنه بدون لعان لا يقتضي زناها واعترافها بالوطء والحمل منه الذي كان القول قوله في نفيهما للاصل لا يوجب حدا


(1) في المسالك " أحدهما أنه يصدق ويعذر لانه أخبره " بدون " و ". (2) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 21 ]

عليها، لانه أعم، ولا يلزم من انتفاء السبب الخاص المحلل انتفاء غيره من الاسباب وإن لم تدعه لا أقل من أن يكون دعواها ذلك يوجب شبهة يسقط بمثلها الحد، وعدم ثبوت دعواها شرعا لا يحقق وصفه الزنا قطعا، إلا أن ذلك لا يقتضي سقوط الخبر المزبور الدال بمنطوقه ومفهومه على الاحكام المزبورة التي يدل على بعضها الاصل، نعم هو من جملة نصوص الخلوة (1) المقتضية للحكم بالدخول بالنسبة إلى تمام المهر والملاعنة، وقد عرفت البحث في ذلك مفصلا في كتاب النكاح وأنه لا يقتضي الحكم بالدخول بالنسبة إلى تمام المهر، فضلا عن غيره من الاحكام المترتبة على الدخول. (و) من هنا (قيل) والقائل ابن إدريس (لا يثبت اللعان ما لم يثبت الدخول) بالبينة أو الاقرار (وهو الوطء، ولا يكفي) في إثباته (إرخاء الستر) حينئذ (ولا يتوجه عليه الحد لانه لم يقذف) فان إنكار الولد أعم من ذلك (ولا أنكر ولدا يلزمه الاقرار به) حتى يصح اللعان منه، ووجهه في المسالك بعدم ثبوت الوطء الذي به يتحقق الفراش المقتضي للحوق الولد به. (ولعل هذا أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها أصالة عدم الدخول بناء على كونه شرطا في اللعان التي لا يعارضها نصوص الخلوة (2) كما سمعت الكلام فيه مفصلا في كتابه. نعم قد يقال - إن لم يكن إجماع على خلافه -: بلحوق الولد به لاحتمال الوطء بناء على أنه يكفي في الفراش في الزوجة تحقق الزوجية واحتمال الوطء ولكن لا يشرع اللعان في نفيه بناء على اعتبار تحقيق الدخول فيه، ولا تنافي بين الحكمين بعد اقتضاء دليلهما ذلك، ودعوى أن لحوق الولد به يتوقف أيضا على


(1) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور الحديث 3 و 4 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 55 - من أبواب المهور من كتاب النكاح.

[ 22 ]

تحقق الدخول كاللعان يمكن منعها، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. بل أطنب في المسالك عند البحث على تحقق فراش الامة بالامة في بيان تحقق فراش الزوجة الدائمة بالعقد وإمكان وصوله إليها وأنه يلحق به الولد بذلك، فلاحظ وتأمل، فانه لا يخلو من منافاة لما هنا، والله العالم. (ولو) جمع بين سببي اللعان بأن (قذف امرأته ونفي الولد وأقام بينه) على ما قذفها به (سقط الحد) عنه بلا خلاف ولا إشكال (و) لكن (لم ينتف الولد) عنه (إلا باللعان) الذي شرعه الشارع لنفي الولد الذي لولاه لا لتحقق به بقوله صلى الله عليه وآله (1): " الولد للفراش ". (و) كذا (لو طلقها بائنا فأتت بولد يلحق به في الظاهر) كما لو وضعته تاما بعد ستة أشهر فصاعدا من حين وطئه (لم ينتف عنه إلا باللعان). بل (و) كذا (لو تزوجت فأتت بولد لدون ستة أشهر من دخول الثاني) ليعلم نفيه عنه (ولتسعة أشهر فما دون من فراق الاول لم ينتف عنه إلا باللعان) لقاعدة " الولد للفراش " التي لا يعارضها هنا فراش الثاني بعد العلم بانتفائه عنه، كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 3.

[ 23 ]

(الركن الثاني) (في الملاعن:) (و) لا خلاف في أنه (يعتبر) فيه (أن يكون بالغا عاقلا) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى معلومية سلب عبارة غيرهما فيما يشمل المقام الذي هو إما شهادة أو يمين، وكل منهما ليسا من أهله، بل لا يترتب على قذفهما حد كي يراد إسقاطه باللعان وإن عزر المميز على قذفه تأديبا له، بل لعل المنساق من آية اللعان (1) - التي هي الاصل في إثبات شرعيته - غيرهما، وهو واضح. (وفى لعان) جنس (الكافر روايتان أشهرهما أنه يصح) وإن كنا لم نعثر فيما وصل إلينا من النصوص على شئ من ذلك إلا في الملاعنة (2) التي ستسمع الحال فيها، ولعله المراد للمصنف بناء على اتحاد الحكم فيهما، فانه لا قائل بالفصل بينهما، على أن مبنى المنع في الكافر هو كون اللعان شهادة بقرينة قوله تعالى (3): " فشهادة أحدهم " خصوصا بعد قوله تعالى: " ولم يكن لهم شهداء " المعلوم إرادة الشهادة منه، وهي لا تقبل من الكافر، وهذا أمر شامل للملاعن والملاعنة وإن كان هو واضح الفساد، ضرورة صحته من الفاسق وإن لم تقبل شهادته إجماعا على أن قوله تعالى (4): " شهادات بالله " كالصريح في إرادة اليمين منه، بل في الخبر (5) " مكان كل شاهد يمين " وقوله تعالى (6): " ولم يكن لهم شهداء "


(1) سورة النور: 24 - الاية 6 إلى 9. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان. (3 و 4 و 6) سورة النور: 24 - الاية 6. (5) الوسائل الباب - 4 - من كتاب اللعان الحديث 6.

[ 24 ]

وإن كان المراد منه الشهادة قطعا، إلا أنه لا يقتضي كون المراد منها ذلك في قوله تعالى (1): " فشهادة أحدهم " بل معناه أنه إذا لم يكن بينة فيمين، كما هو واضح. على أن المحكي عنه اعتبار الاسلام هنا الاسكافي مطلقا والحلي إذا كان اللعان للقذف، ولا ريب في عدم تمامية الدليل المزبور في الثاني منهما، بل لعله مناف له في الجملة، كل ذلك مضافا إلى قاعدة اتحاده مع المسلم في الفروع وإلى ما سمعته من النصوص (2) الدالة على ملاعنة اليهودية والنصرانية المتممة بعدم القول بالفصل، وهي وإن كان في مقابلها نصوص (3) دالة على عدم الجواز فيها لكنها قاصرة من وجوه كما ستسمع ذلك إن شاء الله. وعلى كل حال يتصور لعان الكافر فيما إذا كان الزوجان ذميين وترافعا إلينا، بل يمكن فرض الزوجة مسلمة والزوج كافرا فيما إذا أسلمت وأتت بولد يلحقه شرعا فأنكره، والله العالم. (وكذا الكلام (القول خ ل) في) لعان (المملوك) فان المشهور جوازه، بل نفي الخلاف عنه في المسالك، لاطلاق الادلة وخصوص الصحاح في أحدها (4) " عن عبد قذف امرأته قال: يتلاعنان كما يتلاعن الاحرار " وفي حسن جميل بن دراج (5) سأل الصادق عليه السلام " عن الحر بينه وبين المملوكة لعان ؟ فقال: نعم وبين المملوك والحرة، وبين العبد والامة، وبين المسلم واليهودية والنصرانية " ونحوهما الثالث (6).


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 2 و 6 والمستدرك الباب - 5 - منه الحديث 1 و 2. (3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 4 و 11 و 12 و 13 و 14. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث - 3 - 2 - 1.

[ 25 ]

خلافا للمحكي عن المفيد والديلمي فاشترطا الحرية مطلقا والحلي فاشترطها في اللعان للقذف، ولم نجد لهم دليلا هنا سوى ما تقدم، وقد عرفت الحال فيه، مضافا إلى صريح المعتبرة التي لا معارض لها سوى خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أن عليا عليه السلام قال: ليس بين خمس من النساء وبين أزواجهن ملاعنة: اليهودية تكون تحت المسلم فيقذفها، والنصرانية والامة تكون تحت الحر فيقذفها، والحرة تكون تحت العبد فيقذفها، والمجلود في الفرية، لان الله تعالى يقول (2): ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، والخرساء ليس بينها وبين زوجها لعان، إنما اللعان في اللسان " ونحوه في الخصال عن سليمان بن جعفر البصري (3) عن جعفر عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام. ولكنهما ضعيفان موافقان للعامة، كالمرسل عن بعض الكتب (4) عن علي عليه السلام أيضا " الخرساء والاخرس، ليس بينهما لعان، لان اللعان لا يكون إلا باللسان " فلا ريب في عدم الاشتراط، والله العالم. (ويصح لعان الاخرس إذا كان له إشارة معقولة) يفهم منها القذف ومعاني الشهادات الخمس بلا خلاف أجده فيه، بل عن الشيخ إجماع الفرقة وأخبارهم، لعموم ما دل (5) على قيام إشارته مقام اللفظ في جميع ما اعتبر فيه ذلك من عبادة كتكبيرة الاحرام وغيرها وعقد وإيقاع، فيصح الفرض فيه حينئذ (كما يصح


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12. (2) سورة النور: 24 - الاية 4. (3) أشار إليه في الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12 وذكره في البحار ج 104 ص 176. (4) المستدرك الباب - 8 - من كتاب اللعان الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 59 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 26 ]

طلاقه وإقراره) على أن الاقوال الخمس هنا إما شهادة أو يمين، وكل منهما صحيح عندنا من الاخرس بالاشارة، مؤيدا ذلك كله بقضاء الضرورة به إذا كان مما يجب عليه نفي الولد للعلم بكونه من غيره، واحتمال انتفائه بنفيه هنا من دون لعان مناف لاصالة اللحوق وغيرها، فليس حينئذ إلا قيام إشارته مقام نطق غيره. (و) لكن مع ذلك كله وغيره (ربما توقف شاذ منا) في قذفه ولعانه (نظرا إلى تعذر العلم بالاشارة) وهو ابن إدريس، قال فيما حكى عنه " لا أقدم على أن الاخرس المذكور يصح لعانه، لان أحدا من أصحابنا غير الشيخ في خلافه ومبسوطه لم يورده في كتابه، ولا وقفت على خبر في ذلك، ولا إجماع عليه، والقائل بهذا غير معلوم، والتمسك بالاية (1) بعيد لانه لا خلاف أنه غير قاذف ولا رام على الحقيقة، والنطق منه حال اللعان متعذر، والاصل براءة الذمة، واللعان حكم شرعي يحتاج إثباته إلى دليل شرعي وأيضا لو رجع بالشهادات عن اللعان عند من جوزه له وجب عليه الحد، والرسول صلى الله عليه وآله قال: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (2) ومن المعلوم أن في إيمائه وإشارته بالقذف شبهة هل المراد به القذف أو غيره ؟ وهو غير معلوم يقينا بلا خلاف - ثم قال -: فان قلنا: يصح منه اللعان كان قويا معتمدا، لانه يصح منه الاقرار والايمان وأداء الشهادات وغير ذلك من الاحكام ". وهو كما ترى متوقف مضطرب، لكن دعواه عدم دلالة إشارته على القذف وعدم إمكان أداء معاني ألفاظ اللعان فيها خلاف الفرض، كما أن دعوى عدم تحقق إشارة للاخرس كذلك منافية للوجدان خصوصا إذا كان منها الكتابة التي يمكن فرض أنه يحسنها، ومن الغريب دعوى عدم الخلاف في عدم كون إشارته قذفا، إذ هو مناف للعرف بل واللغة، على أنه يمكن عروض الخرس له بعد القذف.


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب مقدمات الحدود الحديث 4 من كتاب الحدود.

[ 27 ]

(و) من ذلك وغيره قال المصنف: (هو ضعيف إذ ليس حال اللعان بزائد عن حال الاقرار بالقتل و) غيره. نعم (لا يصح اللعان) منه (مع عدم النطق وعدم الاشارة المعقولة) بلا خلاف ولا إشكال، بل لا يتصور فيها الموضوع فضلا عن الصحة، ودعوى الفرق بين الاقرار والعقود والايقاعات وبين المقام - من حيث إنه يتعين فيه تأديته بلفظ الشهادة واللعن والغضب، والاشارة لا ترشد إلى ذلك وإن أدت معناها، بخلاف غيره من الاقرار والعقد وغيره مما لا يعتبر فيه ذلك وإن اعتبر فيها الصيغ الخاصة إلا أن المراد معناها، فتقوم الاشارة حينئذ في التأدية مقام اللفظ - يدفعها بعد الاغضاء عما فيها ما أشرنا إليه سابقا من التصريح في الادلة بقيام إشارته مقام التكبير والتلبية ونحوهما مما يراد منها اللفظ لكن من القادر عليه، ولو لاطلاق ما دل (1) على قيام إشارته مقام اللفظ من غيره في سائر المقامات، ومن فحوى ذلك يستفاد صحته بغير العربية ممن لا يقدر عليها كالفارسي والتركي وغيرهما، نعم ما تقدم في النصوص (2) السابقة من التعليل وغيره يقتضي عدم صحته من الاخرس كالخرساء، إلا أنها نصوص ضعيفة لا جابر لها، بل الاعراض عنها متحقق، فلا تصلح معارضة لاطلاق أدلة قيام إشارته مقام اللفظ من غيره، كما أوضحنا ذلك في كتب العبادات والمعاملات، فلاحظ وتأمل. ولو كان يحسن الكتابة وقلنا إنها من جملة إشارته فليكتب حينئذ كلمة الشهادة وكلمة اللعن والغضب ويشير إليها أربع مرات، ولا يكلف أن يكتب أربع مرات. ولو قذف ولاعن بالاشارة ثم عاد نطقه وقال: لم أرد اللعان باشارتي قبل قوله


(1) الوسائل الباب - 59 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12 والمستدرك الباب - 8 - منه الحديث 1 و 2.

[ 28 ]

فيما عليه من لحوق النسب به وثبوت الحد دون ماله من الحرمة المؤيدة، ولكن له أن يلاعن في الحال لاسقاط الحد ولنفي النسب إذا لم يمض من الزمان ما يسقط فيه حكم النفي، ولو قال لم أرد القذف أصلا لم يقبل قوله، لان إشارته أثبت حقا لغيره، ولان المفروض دلالتها عليه على وجه يحصل العلم منه، فلا يقبل إنكاره حينئذ، والله العالم. (ولو نفى ولد المجنونة لم ينتف إلا باللعان) منهما لان الاصل اللحوق، ولا يخرج عنه إلا بما ثبت شرعا، وهو الانتفاء باللعان منهما (و) لا دليل على قيام الولي مقامها هنا، بل ظاهر الادلة خلافه، نعم (لو أفاقت فلاعنت صح) بلا خلاف ولا إشكال (وإلا كان النسب ثابتا والزوجية) بلا خلاف ولا إشكال كذلك أيضا للاصل وغيره. (ولو نفي ولد الشبهة انتفى عنه) من غير لعان إذا لم يعترض بوطئها بحيث يلحق به الولد ولم يعلم منه ذلك، كما ستعرف تحقيق ذلك في الامة والمتمتع بها عند تعرض المصنف لهما. ومنه يعلم النظر فيما في المسالك هنا حيث قال: " الموطوءة بالشبهة لا تصير فراشا بحيث يلحق به الولد بمجرده، بل يتوقف لحوقه على اعترافه به أو بأنه لم يطءها في ذلك الوقت الذي يمكن إلحاق الولد به فيه غيره، لان ذلك يستلزم كونه منه أيضا، وهو في قوة الاعتراف به، فيلحق به وإلا فلا ". وفيه أنه يكفي في لحوق الولد به بعد وطئه لها على وجه يصلح لتكون الولد منه عدم العلم بوطء غيره لها إذا لم تكن ذات زوج حاضر معها، لا العلم بالعدم، كما ستعرف الوجه في ذلك، بل ولا ينتفي بانتفائه حينئذ. (و) كيف كان فقد عرفت فيما تقدم من غير خلاف فيه بينهم ولا إشكال أنه (إذا عرف) الزوج خاصة (انتفاء الحمل لاختلال شروط الالتحاق أو بعضها) كما لو ولدته لستة أشهر فصاعدا من حين التزويج وخلوته بها ولكن لم

[ 29 ]

يدخل بها فيما بينه وبين الله تعالى شأنه في وقت يمكن فيه إلحاقه به (وجب) عليه (إنكار الولد واللعان، لئلا يلحق بنسبه من ليس منه) ويترتب عليه حكم الولد في الميراث والنكاح ونظر محارمه وغير ذلك من الامور التي لا ترتفع إلا بنفيه، لاقتضاء قاعدة الفراش الالتحاق به ظاهرا، من غير فرق في ذلك بين علمه بزناها وعدمه، وإن حرم عليه قذفها في الثاني، لاحتمال كون الولد من شبهة، وإنما الواجب عليه نفي الولد عنه واللعان. لكن في المسالك هنا " ربما قيل بعدم وجوب نفيه، وإنما يحرم التصريح باستلحاقه كذبا دون السكوت عن النفي، وذلك لان في اقتحام اللعان شهرة عظيمة وفضيحة يصعب احتمالها على ذوي المروات فيبعد إيجابه " ولا يخفى عليك ضعفه، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، مضافا إلى ظاهر بعض النصوص (1). نعم لو اجتمعت شروط الالحاق بأن ولدته في المدة التي بين أقل الحمل (و) أكثره من حين وطئه (لا يجوز) له (إنكار الولد) والحق به ظاهرا، بل ستعرف التحقيق في عدم مشروعية اللعان لنفيه مع اعترافه باجتماع شرائط الالحاق أو العلم بها، وحينئذ فلا يجوز له نفيه فضلا عن اللعان (للشبهة ولا للظن ولا لمخالفة الولد صفات الواطئ) وموافقتها لصفات المتهم، بل ولو حقق زناها وجاء الولد مخالفا له في الخلق والخلق بل مشابها للزاني، لتظافر الادلة (2) بلحوق الولد للوطء المحترم الصالح للتكون منه، واللعان إنما يرفع اللحوق الناشئ من قاعدة الفراش الظاهرية، كما ستعرف تحقيق ذلك كله في الامة والمتمتع بها على وجه لم نسبق إليه، والله العالم بحقيقة الحال والموفق للصواب.


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 10 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 3 والباب - 105 - من أبواب أحكام الاود من كتاب النكاح والباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.

[ 30 ]

(الركن الثالث) (في الملاعنة) (و) لا خلاف كما لا إشكال في أنه (يعتبر فيها) حال الملاعنة (البلوغ وكمال العقل) لسلب عبارة غير البالغ والمجنونة وغيره مما عرفته مكررا. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه يعتبر فيها (السلامة من الصمم والخرس) لكن على الوجه الذي ذكرناه في كتاب النكاح مفصلا عند ذكر المصنف له في السبب الخامس من أسباب التحريم، ومنه يعلم الحال في وجه ذكر المصنف للامرين شرطا المقتضي بظاهره لصحة اللعان مع انتفاء أحدهما، مع اكتفائه وغيره في التحريم في كتاب النكاح بقذف أحدهما، فلاحظ وتأمل، فان منه يعلم أيضا قوة القول بكون ذلك شرطا في اللعان بالسبب الاخر، وهو نفي الولد، كما هو مقتضي إطلاق الاصحاب هنا، مضافا إلى ظهور خبر السكوني (1) والمرسل (2) عن علي عليه السلام المتقدمين سابقا في ذلك أيضا وضعفهما منجبر هنا بما يظهر من الاكثر من كون ذلك شرطا في سببي اللعان حينئذ. ولا يشكل ذلك باقتضائه الانتفاء بمجرد نفيه من دون لعان مع اقتضاء قاعدة الفراش إلحاقه إن كان المراد من الاشتراط المزبور حصول فائدة اللعان من دون اللعان، كما لو قذفها، فانها تحرم عليه من دون ملاعنة، أو وجوب نفيه عليه،


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12. (2) المستدرك الباب - 8 - من كتاب اللعان الحديث 2.

[ 31 ]

لعلمه بأنه ليس منه مع عدم طريق إلى انتفائه عنه، إذ الفرض عدم مشروعية اللعان معها ولو بالاشارة، إذ لا مانع من التزام الاول، ويكون لعانه معها مجرد ذكره سبب اللعان، فيحصل ثمرته بينهما وإن لم يحصل اللعان كما في القذف. لكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد عن الاشكال فان ظاهر اقتصار المصنف في سبب التحريم على القذف في كتاب النكاح يقتضي عدمه في نفي الولد، بل في صحيح أبي بصير أو موثقه (1) القذف خاصة، قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل قذف امرأته بالزنا وهي خرساء صماء لا تسمع ما قال، فقال: إن كان لها بينة تشهد لها عند الامام جلده الحد، وفرق بينهما، ثم لا تحل له أبدا، وإن لم يكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها، ولا إثم عليها " وكذا حسن الحلبي ومحمد بن مسلم (2) عنه عليه السلام " في رجل قذف امرأته وهي خرساء، قال: يفرق بينهما " نعم في خبر محمد بن مروان (3) عنه عليه السلام " في المرأة الخرساء كيف يلاعنها زوجها ؟ قال: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا ". فما عساه يظهر منه أن ذلك كيفية لعانها في مطلق سببه، لكن بمجرد ذلك لا يجسر على الحرمة أبدا كما لا يجسر على انتفاء الولد الثابت لحوقه بقاعدة الفراش بمجرد نفيه، على أن ذكرهم ذلك شرطا في اللعان أعم من انتفائه بمجرد نفيه، بل أقصاه سقوط اللعان بينهما، وهو أعم من انتفائه، بل ومن الحرمة الابدية، ومن هنا كان خيرة ثاني الشهيدين هنا مشروعية اللعان بينهما في نفي الولد بالاشارة. لكن يبعده - مضافا إلى إطلاق الاصحاب الاشتراط على وجه يشمل السببين - خفاء الفرق بين سقوطه بينهما للقذف وعدمه لنفي الولد، خصوصا مع ظهور كون العلة في الاول الخرس، كما أومئ إليه في النصوص (4) السابقة


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 8 - من كتاب اللعان الحديث - 2 - 1 - 4. (4) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12 والمستدرك الباب - 8 - منه.

[ 32 ]

وإن لم يتعدى منها إلى الخرس في الرجل للاجماع وغيره، ولذا كان ظاهر بعض الافاضل سقوط اللعان بينهما في ذلك، لظاهر الاشتراط المزبور في الفتاوى المعتضدة بما سمعته من خبر السكوني (1) وغيره مع عدم حرمة الابد وعدم انتفاء الولد، للاصل وقاعدة الفراش، وهو جيد إن لم يكن ظاهر خبر محمد بن مروان (2) المتقدم أن كيفية اللعان بينهما في سببية التفرقة بينهما أبدا، بمعنى إجراء حكم اللعان على ذكر سببه وإن لم يحصل، بل قد يدعى ظهور اشتراطهم له ذلك مع عدم ذكرهم الفرق بين القذف ونفي الولد مع أنه لا ريب في كون حكمه كذلك في الاول، فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا مع عدم تحرير المسألة في كلامهم، بل في قواعد الفاضل " وفي اللعان لنفي النسب - أي في الخرساء والصماء إشكال " ولعله مما عرفت من أنه لا طريق إلى انتفائه سواه، ومن إطلاق النص (3) والفتوى نفي لعانهما، وفي كشف اللثام " والاول أقوى ". نعم لا إشكال في ظهور كلمات الاصحاب بسقوط الحد عنه لو أقام بينة على ما قذفها به وعدم جريان حكم اللعان حينئذ، فلا تحرم عليه أبدا، لكن في المسالك " حرمت أيضا عليه كما دلت عليه الرواية السابقة - أي خبر أبي بصير (4) ثم قال -: وربما قيل بأنها تحرم حينئذ، لعدم قذفها بما يوجب اللعان، ويثبت عليها الحد بالبينة، ولا ينتفي عنها بلعانها، والرواية تنافي ذلك، وهي معتبرة الاسناد، لكن في الاكتفاء بها في إثبات هذا الحكم نظر، وعبارة الاصحاب في باب التحريم مصرحة باشتراط قذفها بما يوجب اللعان لولا الآفة المذكورة، فيخرج منها ما لو أقام البينة وما لو لم يدع المشاهدة، وإطلاق هذه الرواية وغيرها يتناول الجميع، والاولى الرجوع في كل موضع يحصل فيه الاشتباه إلى الحكم العام ". قلت: وهو هنا ما ذكره الاصحاب من عدم الحرمة أبدا عليه بذلك،


(1 و 3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12. (2 و 4) الوسائل الباب - 8 - من كتاب اللعان الحديث 4 - 2.

[ 33 ]

لانها منافية للاصل وغيره، على أن إطلاق النصوص بملاحظة فتوى الاصحاب وخبر محمد بن مروان (1) يمكن دعوى كون المراد منه أن التحريم المزبور في مقام اللعان الذي ليس المفروض منه، واشتمال الخبر المزبور على البينة إنما هو بالنسبة إلى دعوى القذف عليه لا ما قذفها به، كما هو واضح. هذا وقد يستفاد من الخبر المزبور عدم الاثم عليها في الاجتماع معه مع عدم البينة لها على قذفه لها وإن حرم هو عليه، ولعله كذلك في كل مقام يعجز عن إثبات الحكم في الظاهر وإن اختص الاثم بالاخر. (و) كذا يعتبر في الملاعنة لنفي الولد (أن تكون منكوحة بالعقد الدائم) بلا خلاف معتد به، بل في المسالك هو موضع وفاق، لان ولد المتمتع بها ينتفي بغير لعان اتفاقا، لكن في كشف اللثام عن الجامع التصريح بوقوعه للنفي، وفيه - مع أنه مناف للاتفاق المزبور وللاصل - أنه مناف لاطلاق قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (2): " لا يلاعن الحر الامة ولا الذمية ولا التي يتمتع بها " وفي صحيح ابن أبي يعفور (3): " لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع بها " ونحوه خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام (4). بل منها يستفاد أيضا عدم وقوعه أيضا للقذف كما هو المشهور شهرة عظيمة،


(1) الوسائل الباب - 8 - من كتاب اللعان الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 10 - من كتاب اللعان الحديث 1 (4) لم أقف على خبر لعلى بن جعفر بهذا المضمون بعد التتبع التام في مظانه من الوسائل والمستدرك والوافى والكتب الاربعة والبحار في باب اللعان وج 10 منها ص 249 - الطبع الحديث - باب " ما وصل الينا من أخبار على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام... " والظاهر انه طاب ثراه أخذه من المسالك حيث ان الشهيد (قده) بعد ذكر صحيحة ابن سنان قال: " ومثله رواية على بن جعفر عن أخيه عليه السلام "

[ 34 ]

بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن السيد والمفيد، لعموم الاية (1) الذي يجب تخصيصه بالنصوص المزبورة وإن كانت آحادا لما تحرر في الاصول من جواز تخصيصه بخبر الواحد فحينئذ لا ريب في اشتراط الدوام في اللعان بالسببين. نعم ينبغي أن يعلم أن ولد المتعة وإن انتفى بمجرد النفي من دون لعان لكن في كشف اللثام لا يجوز له النفي إلا مع العلم بالانتفاء وإن عزل أو اتهمها أو ظن الانتفاء بالقرائن الخارجية، بل قال في شرح قول الفاضل قبل ذلك: " ويلحق به الولد وإن عزل وكذا في كل وطء صحيح أو شبهة، فان المني سباق والولد للفراش، وللاخبار (2) " ولا يخفى عليك ظهور كلامه في أنه يجب إلحاقه به وإن حصل له الظن بعدمه بالامارات في كل وطء صحيح ولو شبهة، بل لا يتوقف إلحاقه به على اعترافه بعدم وطء غيره، فيكفي الاصل له ولغيره في إلحاقه به، كما أومأنا إلى ذلك سابقا، ويأتي إنشاء الله. إلا أنه قد يشكل ذلك بأن ذلك إن كان للفراشية لم يتجه نفيه بالانتفاء وإن لم يشرع اللعان، بل أقصى نفيه لحوق أحكامه بالنسبة إليه من حيث إقراره، وأما حقوق الولد فلا تنتفي لقاعدة الفراش الذي لم يشرع اللعان هنا لنفيه، وإن كان لا للفراشية لم يتجه وجوب إلحاقه به بمجرد احتمال كونه من وطئه وإن لم يعلم وطء غيره، فتأمل جيدا، فانه ربما يأتي لذلك مزيد تحقيق، والله العالم. (وفي اعتبار الدخول بها) في مشروعية اللعان (خلاف) و (المروى) في المعتبرة المستفيضة (أنه لا لعان) ففي خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بأهله ". وفي مرسل ابن أبي عمير عن بعض


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 33 - من أبواب المتعة والباب - 15 - من أبواب أحكام الاولاد من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللعان الحديث 2.

[ 35 ]

أصحابه (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يقذف امرأته قبل أن يدخل بها، قال: يضرب الحد ويخلي بينه وبينها " وفي خبر محمد بن مضارب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " من قذف امرأته قبل أن يدخل بها جلد الحد وهي امرأته " وفي خبر محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر عليه السلام " لا تكون الملاعنة ولا الايلاء إلا بعد الدخول " وفي خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته " وفي خبره الاخر (5) عنه عليه السلام أيضا قال: " سألته عن رجل تزوج امرأة غائبة لم يرها فقذفها، قال: يجلد " وفي خبر محمد بن مضارب (6) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل لاعن امرأته قبل ان يدخل بها ؟ قال: لا يكون ملاعنا إلا بعد أن يدخل بها، يضرب حدا وهي امرأته، ويكون قاذفا " وهي مع تعاضدها واعتبار سند بعضها قد حكى الاجماع على مضمونها في محكي الخلاف وظاهر التبيان وأحكام القرآن للراوندي. (و) لكن مع ذلك كله (فيه قول بالجواز) كما عن بعضهم، بل في قواعد الفاضل أنه الاقرب، ولعله لعموم الاية (7) الذي يجب تخصيصه بما سمعت من النصوص وغيرها، ودعوى تنزيلها على اعتباره بالنسبة إلى نفي الولد - الذي لا يتوقف نفيه قبل الدخول على اللعان إجماعا كما في المسالك، لعدم وجود شرائط الالحاق، فلا إشكال في انتفائه بهذا السبب - يدفعها التصريح في جملة منها بنفي اللعان بينهما بالقذف دون نفي الولد. وحينئذ فما أشار إليه المصنف وغيره بعد حكاية القولين المزبورين بقوله: (وقال ثالث) كما عن السرائر (بثبوته) أي اللعان (بالقذف) بلا دخول (دون نفي الولد) حاملا عليه كلام الاصحاب قال: " لان قبل الدخول القول قول الزوج مع يمينه، ولا يلحق به الولد بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يحتاج في نفيه إلى لعان " واستحسنه


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللعان الحديث 3 - 4 - 5. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللعان الحديث 6 - 7 - 8 (7) سورة النور: 24 - الاية 6.

[ 36 ]

في محكي المختلف في غير محله، لما عرفت من تصريح جملة من النصوص بنفيه في القذف أيضا. لكن لا ريب في أن كلام المصنف وغيره ممن عبر كتعبيره ظاهر في أن من الاصحاب من قال بعدم اشتراط الدخول في اللعان بسببين، لانه جعل التفصيل قولا ثالثا، وفي المسالك " أن قائله غير معلوم، وهو غير موجه لما عرفت من أن الدخول شرط لحوق الولد، فلا يتوقف انتفاؤه على اللعان على تقدير عدمه، والحق رجوع الخلاف إلى قولين بالاشتراط فيهما والتفصيل فيهما (بينهما خ ل) كما مر ". قلت: يمكن القول بعدم اشتراط الدخول في مشروعية اللعان، بل يكفي احتماله، فحينئذ إذا نفاه مع إمكانه منه وادعته المرأة لم ينتف عنه إلا باللعان، نعم ما سمعته من النصوص صريح في اشتراط الدخول في مشروعية اللعان، اللهم إلا أن يحمل على إرادة إخراج حال العلم بعدم الدخول بالنسبة إلى نفي الولد، فانه لا حاجة حينئذ إلى اللعان قطعا في الانتفاء عنه وإن كان هو خلاف ظاهر إطلاق اعتبار الدخول، وحينئذ يتجه اشتراطه في اللعان مطلقا وإن قلنا بلحوق الولد به بمجرد احتمال الدخول. بل وإن قلنا لا طريق إلى نفيه عنه بعد قوله صلى الله عليه وآله (1): " الولد للفراش " كما تسمع ذلك في نظائره، أو يكتفي في انتفائه بمجرد نفيه عنه، لانه لا طريق إلى ما أوجب الشارع عليه من نفيه عنه مع علمه بعدم كونه منه إلا انتفاؤه عنه بمجرد نفيه بعد فرض عدم مشروعية اللعان، كما تسمع تحقيق ذلك في نظائره إن شاء الله فتأمل جيدا، والله العالم. (ويثبت اللعان بين) الزوج (الحر و) الزوجة (المملوكة) على المشهور بين الاصحاب، كما يثبت من دون خلاف بين الحرين والمملوكين والزوج المملوك والزوجة الحرة، لعموم الاية (2) وخصوص حسن جميل (3) عن


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 3. (2) سورة النور: 24 - الاية 6. (3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 2.

[ 37 ]

الصادق عليه السلام " سأل هل يكون بين الحر والمملوك لعان ؟ فقال: نعم، وبين المملوك والحرة، وبين العبد والامة، وبين المسلم واليهودية والنصرانية " وصحيح ابن مسلم (1) سأل الباقر عليه السلام " عن الحر يلاعن المملوكة، قال: نعم إذا كان مولاها الذي زوجها أياه " وحسن الحلبي أو صحيحه (2) عن الصادق عليه السلام في حديث " سألته عن الحر تحته أمة فيقذفها، قال: يلاعنها " وخبر حريز (3) عنه عليه السلام أيضا " بين الحر والامة والمسلم والذمية لعان " وخبر محمد (4) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن الحر يلاعن المملوكة، قال: نعم " وخبر هشام بن سالم (5) " سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك والحر تكون تحته المملوكة فيقذفها، قال: يلاعنها " إلى غير ذلك من النصوص المتعاضدة المعتبرة ولو بالانجبار. (و) لكن مع ذلك (فيه رواية بالمنع) هي صحيحة ابن سنان (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يلاعن الحر الامة ولا الذمية ولا التي يتمتع بها " ورواية علي بن جعفر (7) عن أخيه موسى " سألته عن رجل مسلم تحته يهودية أو نصرانية أو أمة ينفي ولدها وقذفها هل عليه لعان ؟ قال: لا " ورواية السكوني (8) المتقدمة سابقا عن جعفر، عن أبيه، عن علي " ليس بين خمس من النساء وأزواجهن لعان - وعدمنهن - الامة تحت الحر فيقذفها " ورواية الحسين ابن علوان (9) المروية عن قرب الاسناد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " أربعة ليس بينهم لعان، ليس بين الحر والمملوكة " الحديث. لكنها قاصرة عن المعارضة سندا وعددا واعتضادا فلا بأس بحملها على الموطوءة بملك اليمين، أو على التقية، أو على ما إذا تزوجها بغير إذن مولاها


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 5 - 1 - 6 - 8. (5 و 6 و 7 و 8 و 9) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 10 - 4 - 11 - 12 - 13.

[ 38 ]

أو غير ذلك، خصوصا بعد اشتمال جملة من النصوص (1) المزبورة على نفي اللعان أيضا في صورة العكس التي قد نفي الخلاف في المسالك عن ثبوت اللعان فيها، فما عن المفيد حينئذ من عدم اللعان في الفرض واضح الضعف، كالاستدلال له بأن اللعان شهادة والمملوكة ليس من أهل الشهادة الذي قد عرفت ما فيه سابقا من أنه يمين لا شهادة حقيقة، وإلا لاتجه المنع أيضا في صورة العكس التي لا خلاف في ثبوت اللعان فيها. (و) أضعف من ذلك ما (قاله) (ثالث) وهو ابن إدريس، بل حكى عن الاستبصار والمراسم من التفصيل (بثبوته بنفي الولد دون القذف) محتجا بأن قذف المملوكة لا يوجب الحد، فلا يتوقف نفيه على اللعان، بخلاف نفي الولد إذا كانت زوجة، وبأن اللعان حكم شرعي يقتصر فيه على المتيقن، إذ هو كالاجتهاد في مقابل النص، والاطلاق كتابا (2) وسنة (3) وعدم الحد على قذفها لا ينافي مشروعية اللعان باطلاق الادلة وخصوصا لنفي التعزير الثابت بقذف الامة. ومن ذلك يعلم أيضا عدم اشتراط إسلامها، لاطلاق الادلة وخصوص ما سمعته من النصوص التي لا يكافؤها غيرها، خلافا للمحكى عن جماعة منهم ابن الجنيد من عدم ملاعنة الكافرة للمسلم، لنحو ما سمعته في اشتراط الحرية من بعض النصوص والاعتبار التي قد عرفت الحال فيها، ولعله لوضوح ضعفه أهمل المصنف ذكر الخلاف هنا، وإن ذكره في الملاعن، أو أنه اتكل على ذكره هناك. (ويصح لعان الحامل) وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف الاجماع، للعموم


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12 و 13 والمستدرك الباب - 5 - منه الحديث 6. (2) سورة النور: 24 - الاية 6. (3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان.

[ 39 ]

كتابا (1) وسنة (2) وخصوص ما عن النبي صلى الله عليه وآله (3) من أنه لا عن بين هلال ابن امية وزوجته الحامل، وصحيح الحلبي (4) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل لا عن أمرأته وهي حبلى قد استبان حملها وأنكر ما في بطنها، فلما ولدت ادعاه وأقر به وزعم أنه منه، قال: يرد عليه ولده ويرثه، ولا يجلد الحد لان اللعان قد مضى " والمرسل (5) عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال: " إن تلاعنا وكان قد نفى الولد والحمل إن كانت حاملا أن يكون منه ثم ادعى بعد اللعان الولد، فان الولد يرثه، ولا يرث هو الولد بدعواه بعد أن لاعن عليه ونفاه ". خلافا للمحكى عن المفيد وسلار والتقي، لخبر أبي بصير (6) عن الصادق عليه السلام " كان أمير المؤمنين عليه السلام يلاعن في كل حال إلا أن تكون حاملا " وهو - مع عدم مكافئته لما تقدم من وجوه - محتمل لارادة بيان جواز تأخير اللعان لا نفي صحته، ولعله لانه وإن جاز لعانها حاملا (لكن) إن أقرت أو نكلت (لا يقام عليها الحد إلا بعد الوضع) كغيرها مما يثبت عليها الحد، بل ربما حمل الخبر المزبور على نفي ما يجب باللعان من الحد على تقدير نكولها وإن بعد، أو على غير ذلك مما لا بأس به بعد قصوره عن المقاومة. (ولا تصير الامة فراشا بالملك) بلا خلاف أجده فيه وإن خلت به وخلى بها وأمكن تكونه منه، بل في المسالك الاجماع عليه، قال: " بخلاف النكاح الذي يلحق به الولد بمجرد الامكان، لان المقصود منه الاستمتاع والولد، وملك اليمين قد يقصد به ذلك وقد يقصد به التجارة والاستخدام، ولذا لا يتزوج من لا تحل له، ويملك بملك اليمين من لا تحل له - ثم قال بعد ذلك - إذا كان الفراش زوجة دائمة


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2 و 4) الوسائل الباب - 13 - من كتاب اللعان الحديث - 0 - 1. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 394 و 395. (5) المستدرك الباب - 6 - من كتاب اللعان الحديث 1. (6) الوسائل الباب - 31 - من كتاب اللعان الحديث 3.

[ 40 ]

تحقق فراشها من حين العقد وإمكان وصوله إليها، ثم لها بالنسبة إلى الولد حكمان: أحدهما في ظاهر الامر، وهو أنه يحكم بالحاق الولد الذي تلده بعد العقد وإمكان الوصول إليها فيما بين أقل الحمل وأكثره بالزوج وإن لم يعترف به ولم يعلم وطؤه لها، سواء كان من أهل الاعتراف كالبالغ العاقل أو لا كالمجنون والصبي الذي يمكن تولده منه، كابن العشر قبل أن يحكم ببلوغه على ما سبق - ثم إنه بعد ذكر أن الامة بعد الوطء تكون كالحرة في لحوق الولد قال -: يفارق ولد الزوجة في أمرين: أحدهما أنه لا يحكم بلحوقه به إلا مع ثبوت وطئه لها، إما باقراره أو بالبينة بخلاف ولد الزوجة، فانه يكفى إمكان الوطء، والوجه فيه أن المعتبر فيهما ثبوت الفراش، ولما كان في الزوجة متحققا بالعقد وإمكان وصوله إليها كان المعتبر ثبوت ذلك، ولما كان فراشية الامة لا يتحقق إلا بالوطء اعتبر ثبوته، فمرجع الامر فيهما إلى شئ واحد، وهو ثبوت الفراش، إلا أنه في الزوجة يظهر غالبا بغير الزوج بحضور العقد والعلم بامكان وصوله إليها، وفي الامة لا يظهر غالبا إلا منه، لان الوطء من الامور الخفية، فاعتبر إقراره به إن لم يتفق الاطلاع عليه بالبينة نادرا " إلى غير ذلك من كلماته في هذا الشرح الذي أطنب فيه، وتبعه عليه في كشف اللثام. لكن قد يناقش بأنه مناف لما ذكروه في حكم إلحاق الاولاد من اعتبار تحقق الدخول بالزوجة في لحوق الولد بالزوج، بل ولما ذكره هو وغيره سابقا في هذا الكتاب - فيما لو طلق وأنكر الدخول فادعته وادعت أنها حامل - من عدم ثبوت اللعان بينهما، لعدم ثبوت الدخول، وهو الوطء، بل قالوا: لا يكفي إرخاء الستر خلافا للشيخ، بل صرح هو في وجه ذلك بأن فائدة اللعان من الزوج اما نفي ولد يحكم بلحوقه شرعا، وهو موقوف على ثبوت الوطء ليصير فراشا لم يحصل، وهو صريح في توقف صدق الفراش في الزوجة على ثبوت الوطء كالامة. أللهم إلا أن يقال: إن ذلك كذلك مع إنكار الزوج الدخول لا مطلقا، لكنه

[ 41 ]

كما ترى، بل قد يقال: إن المراد من قوله صلى الله عليه وآله (1): " الولد للفراش وللعاهر الحجر " لذي الفراش بمعنى المفترش للزوجة فعلا، لا أن المراد المعدة للفراشية وإن لم يتحقق الافتراش منه باقراره أو بالبينة. إنما الكلام في اختصاص ذلك بالزوجة الدائمة أو كل موطوءة بغير زنا سواء كان بملك يمين أو بتحليل أو عقد متعة، بل أو شبهة كما أشار إليه المصنف في الامة بقوله: (وهل تصير فراشا بالوطء فيه روايتان أظهرهما أنها ليست فراشا، ولا يلحق ولدها إلا باقراره ولو اعترف بوطئها) وتبعه عليه الفاضل والشهيد وغيرهما، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن ظاهر الاستبصار وصريح الجامع، ومال إليه ثاني الشهيدين في المسالك. والرواية التي أشار إليها المصنف الدالة على أنها ليست فراشا هي رواية محمد ابن عجلان (2) وصحيحة عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الاول: " إن رجلا من الانصار أتى أبا جعفر عليه السلام فقال: إني قد ابتليت بأمر عظيم، إني وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجي فانصرفت من الطريق فأصبت غلامي بين رجلي الجارية فاعتزلتها فحبلت، ثم وضعت جارية لعدة تسعة أشهر، فقال له أبو جعفر عليه السلام: احبس الجارية لا تبعها، وأنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فان حدث بك حدث فأوص أن ينفق عليها من مالك " ونحوه في الثاني إلى قوله: " مخرجا " وأورد بدل " احبس الجارية " " لا ينبغي لك أن تقربها ". ورواية حريز (4) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا " في رجل كان يطأ جارية له وأنه


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب اللعان الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2 - 1. (4) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3.

[ 42 ]

كان يبعثها في حوائجه وأنها حبلت، وأنه بلغه عنها فساد، فقال أبو عبد الله: إذا ولدت أمسك الولد ولا يبيعه، ويجعل له نصيبا في داره، قال: فقيل له: رجل يطأ جارية له وأنه لم يكن يبعثها في حوائجه وأنه اتهمها وحبلت، فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد ولا يبيعه، ويجعل له نصيبا من داره وماله، وليست هذه مثل تلك ". والمرسل عن عبد الحميد بن اسماعيل (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له جارية يطائها وهي تخرج فحبلت، فخشى أن لا يكون منه كيف يصنع ؟ أيبيع الجارية والولد ؟ قال: يبيع الجارية ولا يبيع الولد، ولا يورث من ميراثه شيئا ". وصحيح سعيد بن يسار (2) سأل الكاظم عليه السلام " عن الجارية تكون للرجل يطيف بها وهي تخرج فتعلق، قال: أيتهمها الرجل أو يتهمها أهله ؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد ". وسأل الصادق عليه السلام في حديث آخر (3) " عن رجل وقع على جارية له تذهب وتجئ وقد عزل عنها، ولم يكن منه إليها ما تقول في الولد ؟ قال: أرى أن لا يباع هذا يا سعيد، قال: وسألت أبا الحسن عليه السلام، قال: أيتهمها ؟ قلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: يتهمها أهله ؟ فقلت: أما شئ ظاهر فلا، فقال: كيف تستطيع أن لا يلزمك الولد ؟ " المشعران بعدم لحوق الولد مع التهمة. وخبر محمد بن اسماعيل الخطاب (4) " كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 56 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 - 2 - 5. (4) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 4 - عن جعفر ابن محمد بن اسماعيل بن الخطاب كما في الاستبصار ج 3 ص 367 والتهذيب ج 8 ص 180 وفي الجميع " أو فيه مشابهة منك فلا تبعهما " كما ذكرها (قده) كذلك في ج 31 التعليقة الثانية من ص (246).

[ 43 ]

له جارية تخدم فاستراب بها، فهدد الجارية، فأقرت أن الرجل فجر بها، ثم أنها حبلت بولد، فكتب إن كان الولد لك أو كان فيه مشابهة منك فلا تبعه، وبع امه ". وخبر يعقوب بن يزيد (1) " كتب إلى أبي الحسن عليه السلام في هذا العصر رجل وقع على جارية ثم شك في ولده، فكتب إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده " إلى غير ذلك من النصوص المشتركة في الدلالة على عدم كونها فراشا، وإلا لاقتضى لحوق الولد به على كل حال إلا مع العلم بتكونه من غيره بل قد عرفت في كتاب النكاح في بحث لحوق الاولاد أن المحكي عن الاكثر بل المشهور اشتراط لحوق ولد الامة بالواطء بعدم أمارة يغلب الظن فيها بعدم كونه منه، ولو كانت فراشا لم يلتفت إلى الامارة المزبورة كما في الزوجة الدائمة، بل اتفاقهم كنصوص (2) المقام على عدم اللعان بينهما دليل على عدم الفراشية التي شرع اللعان لنفي مقتضاها، وإنما لحوق الولد للاقرار الذى لم يشرع اللعان لنفيه، بل اتفاقهم أيضا على انتفائه بالنفي دليل آخر، ضرورة كون انتفائه بالنفي حينئذ منافيا لقاعدة الفراش وموافقا للحوقه بالاقرار المفروض انتفاؤه. وما في المسالك من " أن السر بانتفائه عنه بنفيه من غير لعان أن الولد الذي يظهر للزوج كونه منتفيا عنه يليق بالحكمة أن يجعل الشارع له طريقا إلى نفيه عنه، ليخرج عنه من ليس منه، ولما نصب لولد الزوجة طريقا إلى النفي باللعان وخصه بالزوجين بقوله تعالى (3): " والذين يرمون أزواجهم " فلا بد من طريق


(1) الوسائل الباب - 55 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12 و 13 والمستدرك الباب - 5 - منه الحديث 6. (3) سورة النور: 24 - الاية 6.

[ 44 ]

آخر لنفي ولد الامة حيث يقتضي الحال نفيه، فإذا لم يمكن باللعان بقى على أصل الالحاق كما لو تعذر اللعان حيث يشرع لزم أن يكون ولد الامة أقوى اتصالا وأحسن حالا من ولد الزوجة الدائمة، فشرع لذلك انتفاءه بمجرد النفي من غير لعان، إذ ليس هناك طريق آخر " كما ترى لا يرجع إلى محصل ولا إلى دليل شرعي، بل لابد من القول بأن مبنى ذلك عدم كونها فراشا بل لا طريق إلى الحكم بالحاق الولد به إلا إقراره المفروض انتفاؤه وأنه ينفي الولد عنه، إذ لا دليل شرعي يقتضي إلحاقه به. بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بعدم انتفائه عنه لو نفاه في مقام يقر بوطئها على وجه حكم الشارع بالحاقه به لامكان تولده منه مع فرض عدم العلم بوطء غيره، بل ولا تهمة منه لها، فيخص حينئذ ما ادعوه من الاجماع على انتفائه بنفيه حيث يمكن أن يكون نفيه لعلمه بعدم تكونه منه، لعلمه بعدم وطئه لها على وجه يمكن تكون الولد منه، وقول الاصحاب أنه ينتفى بنفيه وإن أقر بوطئها يراد منه وإن أقر بكونها موطوءة له في الجملة، لا أنه وإن أقر بأنها موطوءة له وطئا ألحقه الشارع به، لامكان تكون الولد منه وعدم العلم بوطء غيره وعدم تهمتها بذلك. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك الفرق بين الزوجة المدخول بها وبين الامة، ويظهر أيضا معنى كونها ليست فراشا، كما تسمع ما يؤيده إنشاء الله. هذا ولكن في مقابل ذلك كله نصوص وفتاوى (منها) إطلاق قوله صلى الله عليه وآله وسلم (1) " الولد للفراش وللعاهر الحجر " بناء على أن المراد من الفراش المقابل بالعهر مطلق الافتراش بحل ولو بشبهة. و (منها) صحيح سعيد الاعرج (2) سأل الصادق عليه السلام " عن رجلين واقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد ؟ قال: للذي عنده الجارية، لقول رسول


(1 و 2) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث - 0 - 4 -.

[ 45 ]

الله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر " وخبر الحسن الصيقل (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سمعته يقول وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها، قال: ما صنع ! يستغفر الله ولا يعود، قلت: فانه باعها من رجل آخر ولم يستبرئ رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر ولم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجر " ونحوه خبره الاخر (2) إلا أنه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للذي عنده الجارية وليصبر، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر ". و (منها) خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل وطأ جارية فباعها قبل أن تحيض فوطأها الذي اشتراها في ذلك الطهر فولدت له لمن الولد ؟ قال: الولد للذي عنده وليصبر، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر " إلى غير ذلك من النصوص الموافقة لفتواهم في بحث لحوق الاولاد أنه متى وطأ الامة مولاها ألحق به الولد، ولزمه الاقرار به إلا مع العلم بانتفائه منه. ولكن قد يقال إن النصوص المزبورة موافقة لما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله (4) " أنه تنازع إليه سعد وعبد بن زمعة عام الفتح في ولد ولده زمعة، وكان زمعة قد مات فقال سعد: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن أخي كان قد عهد إلي فيه، وذكر أنه ألم بها في الجاهلية، وقال عبد هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عبد بن زمعة هو لك، الولد للفراش وللعاهر الحجر " فيمكن أن يكون النصوص المزبورة للتقية، خصوصا بعد أن لم يكن في مفروض بعضها عاهر،


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (2 و 3) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 - 7 -. (4) سنن البيهقى ج 7 ص 412.

[ 46 ]

نحو خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في وليدة جامعها ربها ثم باعها من آخر قبل أن تحيض فجامعها الاخر ولم تحض فجامعها الرجلان في طهر واحد فولدت غلاما فاختلفا فيه، فسألت ام الغلام فزعمت أنهما أتياها في طهر واحد، فلا تدري أيهما أبوه، فقضى في الغلام أنه يرثهما كلاهما ويرثانه سواء " الذي لا ريب في حمله على التقية. إنما الاشكال في الجمع بين كلمات الاصحاب في المقام وفي بحث لحوق الاولاد، فان ظاهرهم هنا عدم كونها فراشا، وأنه لا يلحق الولد حتى يقر به، وفي ذلك المقام أنه يلحق به الولد علم إقراره به أولا، نعم لو نفاه انتفى، وتظهر الثمرة بالموت مثلا. وقد أطنب فيه في المسالك، والذي استقر رأيه عليه بناء على كون الامة ليست فراشا أنا لا نحكم بلحوق الولد به إلا باقراره، قال: " وأما ما ذكروه في باب إلحاق الاولاد فهو منزل على أن ذلك الحكم الذي يلزم المولى فيما بينه وبين الله تعالى، بمعنى أنه إذا وطأ الامة وطءا يمكن إلحاق الولد به يجب عليه الاعتراف به واستلحاقه، ولا يجوز له نفيه عنه بتهمة امه إلا على تلك الرواية الشاذة، وأما بالنسبة إلينا فلا نحكم بالحاقه به ما لم يعترف به حيث لا نجعلها فراشا، وهكذا القول فيما لو وطأها المولى وغيره، فانه يحكم به للمولى دون الغير إذا كان وطؤه مجوزا، ولكن بالنسبة إلينا لا نحكم به له إلا باعترافه - به هذا وقد حكى عن فخر المحققين أنه قال في شرحه -: إن معنى كونها ليست فراشا أنه لا يلحق ولدها به إلا باقراره به أو بوطئها وإمكان لحوقه به - قال -: وكأنه حاول بذلك الجمع بين حكم الاصحاب بكونها ليست فراشا مطلقا وبين حكمهم في باب لحوق الاولاد بلحوق ولد الامة بالمولى الواطئ، وأنه يلزمه الاقرار به حيث يمكن كونه منه، وأنه لو وطأها غيره ألحق به دون الغير من غير تقييد باقراره به، فجعل مستند ذلك


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 6.

[ 47 ]

الوطء الواقع من المولى، وأقامه مقام الاقرار به من غير أن يعلم كونه واطئا - ثم ضعفه - بأن إلحاقه به مع وطئه لها من لوازم الفراش كما سبق، فلو جعل مترتبا على عدمه لم يبق فرق بين الفراش وغيره، أللهم إلا أن يجعل الوطء الموجب للفراش كافيا في إلحاق الولد بعد ذلك وإن لم يمكن استناده إلى ذلك الوطء الشخصي الثابت، كما هو أحد الاحتمالين في المسألة، ويجعل هذا الوطء القائم مقام الاقرار هو الوطء الذي يمكن استناد الولد إليه، ومع ذلك ففيه مخالفة لما ذكره الجميع في معنى الفراش، فانهم أطبقوا على أن فائدته لحوق الولد به مع إمكانه وإن لم يعترف به، وعدم لحوقه بمن ليست فراشا إلا باقراره، والوجه أن الاكتفاء بالوطء في هذا القسم ليس في محله، وانما محله على تقدير كونها فراشا، لان الوطء حينئذ لا بد من العلم به ليتحقق به كونها فراشا كما قد تحقق " إلى آخر ما ذكره. وفي الروضة بعد أن حكى الاجماع على انتفائه بنفيه قال: " إنما الخلاف في أنه هل يلحق به بمجرد إمكان كونه منه وإن لم يقر به أم لابد من العلم بوطئه وإمكان لحوقه به أو إقراره به، فعلى ما اختاره المصنف والاكثر لا يلحق به إلا بالاقرار به أو وطئه وإمكان لحوقه به، وعلى القول الاخر لا ينتفي إلا بنفيه أو العلم بانتفائه عنه، ويظهر من العبارة وغيرها من عبارات المحقق والعلامة أنه لا يلحق به إلا باقراره به، فلو سكت ولم ينفه ولم يقر به لم يلحق به، وجعلوا ذلك فائدة عدم كون الامة فراشا بالوطء، والذى حققه جماعة أنه يلحق به باقراره أو العلم بوطئه وإمكان لحوقه به وإن لم يقر به، وجعلوا الفرق بين الفراش وغيره أن الفراش يلحق به الولد وإن لم يعلم وطؤه مع إمكانه إلا مع النفي واللعان، وغيره من الامة والمتمتع بها يلحق به الولد إلا مع النفي، وحملوا عدم لحوقه إلا بالاقرار على اللحوق اللازم، لانه بدون الاقرار ينتفي بنفيه من دون لعان، ولو أقر به استقر، ولم يكن له نفيه بعده، وهذا هو الظاهر، وقد سبق في أحكام الاولاد ما ينبه عليه، ولولا هذا المعنى لتنافي ما ذكروه هنا مع ما حكموا به فيما سبق من

[ 48 ]

لحوقه به بشرطه ". قلت: وحاصله هنا اختيار ما أنكر عليه في المسالك ولكن الانصاف أن التأمل التام يقتضي أن مرادهم بعدم فراشية الامة هنا وإن اعترف بوطئها عدم كونها كالزوجة المدخول بها في الحكم بلحوق الولد بمجرد إمكان كونه منه ولا ينتفي عنه إلا باللعان، بل لا بد من الاقرار فيها بالولد أو بالوطء الذي يمكن تكون الولد منه، ولا يكفي كونها موطوءة له في الجملة، كما كان يكفي في لحوق ولد الزوجة مجرد كونها مدخولا بها مع إمكان كونه منه، لكونها فراشا بخلاف الامة، فانها ليست فراشا بهذا المعنى وإن حكم بلحوق الولد به باقراره أو بالعلم بوطئه لها على وجه يمكن تكون الولد منه مع عدم العلم بوطء محترم لغيره، بل قد سمعت تقييد غير واحد له من الاصحاب بما إذا لم تكن هناك أمارة يغلب الظن فيها أنه ليس منه، بل قد سمعت جملة من النصوص (1) الدالة على عدم لحوقه به، وعدم نفيه مع اتهامه لها أو اتهام أهله أو خروجها في الحوائج وإن كان قد عرفت البحث فيها في كتاب النكاح وفي المقام، فلاحظ وتأمل. وكيف كان فالمراد أن اتفاق الاصحاب على الانتفاء بالنفى لا ينطبق إلا على عدم كون الامة فراشا، ومن هنا أشكل على العامة الحال، فانهم بعد أن وافقوا على أن ولد ملك اليمين لا ينتفي باللعان اختلفوا في طريق نفيه لمن علم انتفاءه، فمنهم من سد الطريق عن نفيه نظرا إلى الولد للفراش، وليس هناك طريق إلى النفي، ومنهم من جوز نفيه باللعان للضرورة حذرا من أن يكون أقوى من ولد الزوجة، ومنهم من نفاه بيمينه. والسبب الذي ألجأهم إلى ذلك تخيلهم كون الامة فراشا، ولم يعلموا أنها ليست فراشا يقتضي لحوق الولد به كما يقتضي لحوق ولد الزوجة المحتاج نفيه إلى اللعان،


(1) الوسائل الباب - 55 و 56 و 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (جواهر الكلام - ج 3)

[ 49 ]

وإنما لحوقه به بالاقرار المفروض انتفاؤه، لانه ناف له، ولا ينافي ذلك إلحاق الشارع الولد به مع العلم بوطئه على وجه يمكن تكون الولد منه، ولم يعلم وطء لغيره ولا تهمة، بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بعدم انتفائه عنه لو نفاه في هذا الحال، وإنما ينتفي عنه لو لم يعلم الحال، ويمكن أن يعلم بعدم تكونه منه لسبق وطئه له على وجه لا يمكن تكونه منه، وحينئذ لا يلحق الولد به إلا باقراره، فان نفاه انتفى عنه، بل لا يحكم بلحوقه به إذا لم نعلم وطءه لها على وجه يمكن تكون الولد منه وإن علمنا كونها موطوءة له سابقا على وجه لا يمكن تكون هذا الولد منه، بخلاف الزوجة، فان احتمال وطئه لها كاف في لحوق الولد بعد أن كانت مدخولا بها. ولعله إلى ما ذكرنا يرجع ما سمعت من كلام الفخر من أن معنى كونها ليست فراشا أنه لا يلحق ولدها به إلا باقراره أو بوطئها وإمكان لحوقه به وإن اعترض عليه في المسالك بما سمعت، بل لا يخفى عليك دفعه بعد الاحاطة بما ذكرنا، بل لعل التأمل الجيد في كلامه يقتضي ما ذكرناه من أنه لا ينتفي حينئذ بنفيه في الحالين المزبورين. ومن الغريب أنه في المسالك قد اختار ما ذكرنا على تقدير كون الامة فراشا ولم يتنبه لدفع أصل الاشكال فيه، قال: " وعلى تقدير صيرورتها فراشا بالوطء هل يستمر لذلك ما دامت على ملكه أم يختص الحكم بالولد الذي يمكن تولده من ذلك الوطء خاصة، حتى لو أتت بولد بعد أقصى الحمل من الوطء الذي يثبت باقراره أو البينة لا يلحق به بدون الاقرار به ؟ وجهان من حصول شرط الفراش وهو الوطء، فنزل منزلة العقد الدائم على الحرة، لان وطء الامة إما تمام السبب للفراشية أو شرط فيها، وعلى التقديرين حصل الفراش به كالعقد، فيستمر الحكم حينئذ كما استمر حكم الفراش بالعقد، ولم يشترط بعد ذلك ظهور وطء يلحق به الولد، ومن ضعف فراشية الامة ودلالة تلك النصوص (1) الموجبة لالحاق الولد به على كونه


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح.

[ 50 ]

مولودا في وقت يمكن تخلقه من ذلك الوطء، فيبقى غيره على الاصل، ولا إشكال في انتفائه عنه بنفيه، وإنما تظهر الفائدة لو لم ينفه، فهل يلحق به ظاهرا بمجرد الوطء السابق أم يتوقف على الاقرار به ؟ بنى على الوجهين، والاظهر الثاني ". قلت: ينبغي القطع به، إذ لا دليل على فراشيتها بالوجه الاول، وبه يفرق بينها وبين الزوجة، بل به يرتفع الاشكال بين كلمات الاصحاب في المقام وفي بحث لحوق الاولاد، بل بالتأمل يرتفع الاشكال في النصوص (1) المزبورة، وحاصله أن المحتاج في الالحاق إلى إقرار هو الذي ينتفي بنفيه لو نفاه، وأما الذي يلحق به شرعا ولو لاعترافه بالوطء الذي يمكن تكونه منه مع عدم العلم بوطء غيره ولا تهمة فلا ينتفي بنفيه بل يلحق به للنصوص (2) المزبورة الظاهرة أو الصريحة في عدم ترتب الانتفاء على نفيه لعدم استطاعته نفيه في الحال المزبور فهو ملحق به لذلك شرعا، لا لانها فراش، إذ لا طريق إلى علمه بعدم تكونه منه ليصح له نفيه عنه فتأمل جيدا. بل من التأمل فيما ذكرنا يعلم أن موضوع اللعان في الزوجة مع عدم العلم بالحال، وإلا فمع العلم بالحال وأنه قد وطأها وطأ يصلح لتكون الولد منه لا يشرع له اللعان لنفيه، للحكم بلحوقه شرعا، وللنهي (3) عن نفيه، نعم لو لم يعلم الحال وكان إلحاقه به لقاعدة الفراش التي يمكن علم الزوج بفسادها ولو للعلم بزمان وطئه الذي لا يصلح لتكون الولد منه يصح له حينئذ نفيه، ويشرع له اللعان، فتأمل جيدا، فان ذلك من أسرار الفقه. هذا ولا يخفى عليك جريان ما ذكرناه في الامة في المتمتع بها التي قد سمعت


(1) الوسائل الباب - 55 و 56 و 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 58 - من أبواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب - 33 - من أبواب المتعة من كتاب النكاح.

[ 51 ]

النص (1) والفتوى على نفي اللعان فيها، وأنها بمنزلة الاماء، بل الظاهر اتفاق الاصحاب على عدم كونها فراشا، لكن ينبغي أن يكون على نحو ما سمعته في الامة، ولا ينافي ذلك لحوق الولد به، للنصوص (2) التي هي أصرح من نصوص الامة، بل في صحيح ابن بزيع (3) منها " سأل رجل الرضا عليه السلام وأنا أسمع عن الرجل يتزوج المرأة متعة ويشترط عليها أن لا يطلب ولدها، فتأتي بعد ذلك بولد، فينكر الولد، فشدد في ذلك، وقال: يجحد وكيف يجحد ؟ إعظاما لذلك الجحد " وفي حسن ابن أبي عمير وغيره (4) " إن الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء، إلا أنه إن جاء بولد لم ينكر، وشدد في إنكار الولد " إلى غير ذلك من النصوص التي ذكرناها في محلها التي هي صريحة في لحوق الولد به مع وطئه لها وطءا يمكن تكون الولد منه، بل لعلها ظاهرة فيما قلناه سابقا من عدم نفيه عنه لو نفاه عنه في هذا الحال، نعم ينتفي عنه لو نفاه مع عدم العلم بالحال على الوجه الذى ذكرناه في الامة وكذا الكلام في وطء الشبهة والامة المحللة ولكن الجميع على الوجه الذي قلناه في الامة، وقد تقدم منا في بحث لحوق الاولاد ما يؤكد ذلك، فلاحظ وتأمل، فانه دقيق جدا نافع للجمع بين النصوص والفتاوى. وكأنه تنبه له في الجملة في كشف اللثام في بحث لحوق الاولاد، فانه قيد عبارة الفاضل في القواعد التي هي: " وأما النكاح المؤجل فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة لم يحل له نفيه، لكن لو نفاه " فقال: " من غير اعتراف بالشروط ولا علم انتفى من غير لعان " وهو كالصريح في عدم الانتفاء مع الاعتراف بالشروط الثلاثة التي هي الوطء وتولده لستة أشهر فصاعدا وأن لا يتجاوز أقصى الحمل، وهذا بعينه الذي قلناه


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب اللعان والباب - 4 - من أبواب المتعة الحديث 6 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 33 - من أبواب المتعة من كتاب النكاح. (3 و 4) الوسائل الباب - 33 - من أبواب المتعة الحديث 2 - 5 من كتاب النكاح.

[ 52 ]

في الامة التي من المعلوم عدم الفرق بينها وبين المتعة بالنسبة إلى ذلك نصا وفتوى. بل من ذلك يعلم الوجه في جملة من الكلمات حتى عبارة اللمعة في بحث لحوق الاولاد التي هي كالصريحة في الانتفاء بنفيه وإن فعل حراما في نفيه، لكن المراد منها وما يشابهها أنه يفعل حراما فيما بينه وبين الله تعالى لو نفاه مع علمه باجتماع الشروط الثلاثة، وإن كنا نحن نحكم بظاهر نفيه، إذ لم يعترف هو بها ولا علم لنا بها. كما أن منه يعلم الوجه في قولهم ينتفي بالانتفاء الذي لم نقف على خبر يدل عليه حتى من طرق العامة، مع أنه قد استفاض نقل الاجماع عليه، ولا وجه له إلا ما ذكرناه من أن المراد الانتفاء بنفيه حيث يحتاج اللحوق إلى إقرار ولم تكن هناك قاعدة شرعية تقتضيه، كما ذكرناه في الصورة السابقة، فانه ينتفي بالانتفاء حينئذ لعدم الاقرار، وفائدة النفي حينئذ الحكم بانتفائه عنه وإن كان هو غير لاحق له مع السكوت، والله العالم.

[ 53 ]

(الركن الرابع) (في كيفية اللعان) (ولا يصح إلا عند الحاكم أو منصوبه لذلك) كما صرح به جماعة، بل عن موضع من المبسوط " لا يصح إلا عند الحاكم أو خليفته إجماعا " وعن موضع آخر " اللعان لا يصح إلا عند الحاكم أو من يقوم مقامه من خلفائه " ولعله لانه شهادة أو يمين لا يسجل بهما إلا الحاكم، وإليه يرجع ما قيل من أنه حكم شرعي يتعلق به كيفيات وأحكام وهيئات، فيناط بالامام وخليفته، لانه المنصوب لذلك، ومن أن الحد يقيمه الحاكم فكذا ما يدرؤه. وفي صحيح ابن مسلم (1) سأل الباقر عليه السلام " عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة " الحديث. وصحيح البزنطي وحسنه (2) سأل الرضا عليه السلام " كيف الملاعنة ؟ فقال: يقعد الامام ويجعل ظهره إلى القبلة، ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة عن يساره " الحديث. وفي المرسل (3) عن الصادق عليه السلام " واللعان أن يقول الرجل لامرأته عند الوالي: إني رأيت رجلا مكان مجلسي منها، أو ينتفى من ولدها، فيقول: ليس مني، فإذا فعل ذلك تلاعنا عند الوالي ".


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 4 - 5. (3) المستدرك الباب - 4 - من كتاب اللعان الحديث 3.

[ 54 ]

وفي آخر (1) " والملاعنة أن يشهد بين يدي الامام أربع شهادات " الخبر. وفي المرسل (2) عنه عليه السلام أيضا وعن أمير المؤمنين عليه السلام " إذا تلاعن المتلاعنان عند الامام فرق بينهما " إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في أنه من مناصب الامام وأنه من الحكومة التي هي له، كما أوضحنا ذلك كله في كتاب القضاء ولكن مع ذلك قال المصنف والفاضل في القواعد: " ولو تراضيا برجل من العامة فلاعن بينهما جاز) ونحوه عن المبسوط والوسيلة إلا أنهما لم يصرحا بكونه من العامة، بل زاد في المبسوط " أنه يجوز عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم لا يجوز " وهو مشعر بالاتفاق على جوازه، وكان ذلك مناف لما سمعته. ومن هنا قال في كشف اللثام: " لعل الاول إذا لم يحصل التراضي بغيره، أو المراد بالحاكم الامام، وبخلفائه ما يعم الفقهاء في الغيبة، وبمن تراضيا عليه الفقيه في الغيبة، ولا يجوز عند كل من تراضيا عنده إلا إذا لم يكن حاكم أو منصوبه - قال -: وجعلهما في المختلف قولين، واختار عدم الجواز إلا عند الحاكم أو من ينصبه، وتردد في التحرير ". وفي المسالك " والمراد بالرجل العامي الذي يتراضى به الزوجان الفقيه المجتهد حال حضور الامام لكنه غير منصوب من قبله، وسماه عاميا بالاضافة إلى المنصوب، فانه خاص بالنسبة إليه - ثم قال -: وقد اختلف في جواز اللعان به نظرا إلى أن حكمه يتوقف على التراضي، والحكم هنا لا يخص بالزوجين المتراضيين، بل يتعلق بالولد أيضا. فلا يؤثر رضاهما في حقه إلا أن يكون بالغا ويرضى بحكمه، خصوصا لو اعتبرنا تراضيهما بعد الحكم، لان اللعان لا يقع موقوفا على التراضي، لانه لازم بتمامه لزوما شرعيا، والاظهر الصحة ولزوم حكمه من غير أن يعتبر


(1) المستدرك الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1. (2) المستدرك الباب - 12 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 55 ]

رضاهما بعده ". قلت: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ويثبت حكم اللعان) أي عند من تراضيا به (بنفس الحكم) منه مثل الامام، كما عن الخلاف ولعان المبسوط (وقيل) كما عن قضاء المبسوط (يعتبر رضاهما بعد الحكم) وهو واضح الضعف، وأضعف منه القول بنفوذ حكمه، مع أنك ستعرف في كتاب القضاء تطابق النص (1) والفتوى على أن الحكومة منصب لهم عليهم السلام، ولا تكون إلا لهم أو لمن أذنوا له بها، وحكم المتراضيين به إنما هو من مسألة قاضي التحكيم التي أفرغنا الكلام فيها في كتاب القضاء وإن كان لا يحسن التعبير عنه برجل من العامة، لما سمعته في كتاب القضاء من أنه القاضي الجامع لشرائط الحكومة عدا الاذن منهم. وعلى كل حال فلا إشكال في صحته في زمن الغيبة عند الفقيه الجامع، لانه منصوب منهم على ما يشمل ذلك كما هو مفروغ منه، بل هو كذلك من حين صدور عبارة النصب التي هي قول الصادق عليه السلام (2): " فاني قد جعلته حاكما " فيندرج فيه ذلك الزمان الملحق بزمان الغيبة باعتبار قصور اليد، وتفصيل هذه المباحث قد ذكرناه في كتاب القضاء، فلاحظ وتأمل. (وصورة اللعان) التي نطق بها الكتاب العزيز (3) والسنة الكريمة (4) والفتاوى (أن يشهد الرجل) أولا (بالله أربع مرات أنه لمن الصادقين فيما رماها به) من الزنا أو في أن الولد ليس من مائه، فيقول: " أشهد بالله أني لمن الصادقين في ذلك " لكن ذكر غير واحد أنه إذا أراد نفي الولد قال: " إن هذا الولد من زنا وليس مني " بل عن التحرير زيادة " أنه لو اقتصر على أحدهما لم يجز "


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صفات القاضى من كتاب القضاء. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب صفات القاضى الحديث 1 من كتاب القضاء. (3) سورة النور: 24 - الاية 6 إلى 9. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان.

[ 56 ]

وفيه أنه لا يتم إذا كان اللعان لنفي الولد خاصة من غير قذف بالزنا، إذ لا يختص اللعان في دعوى الزوج كون الولد من زنا، لاطلاق أدلته وإن اختص ظاهر الاية (1) في القذف إلا أن السنة (2) مطلقة في ثبوته في الاعم من ذلك ولا تنافي بينهما، ولذا عد الاصحاب نفي الولد سببا مستقلا عن القذف، كما هو واضح. (ثم يقول) الخامسة: (عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، ثم تشهد المرأة) ثانيا (بالله) تعالى (أربعا أنه لمن الكاذبين فيما رماها به) فتقول: " أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا " (ثم تقول) الخامسة: (إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) فيما رماها به من الزنا، ولا تحتاج هي إلى ذكر الولد، لان لعانها لا يؤثر فيه، ولكن لو تعرضت له لم يضر لتتساوى اللعنات (و) تتقابل. نعم (يشتمل اللعان على واجب ومندوب، فالواجب التلفظ بالشهادة على الوجه المذكور) بلا خلاف أجده بيننا، فلو أبدل صيغة الشهادة بغيرها كقوله: " شهدت بالله " أو " أنا شاهد " أو " أحلف بالله " أو " اقسم " أو " اولي " أو أبدل لفظ الجلالة بالرحمن أو بالخالق ونحوه أو أبدل كلمة الصدق أو الكذب بغيرهما وإن كان بمعناهما أو قال: " إني لصادق " أو " من الصادقين " بدون لام التأكيد أو قال: " إنها زنت " أو قالت المرأة: " إنه كاذب " أو " لكاذب " أو أبدل اللعن بغيره ولو بلفظ الابعاد والطرد أو لفظ الغضب ولو بالسخط أو أحدهما بالاخر لم يقع، لانه خلاف المنقول شرعا، والاصل عدم ترتب أثر اللعان على غير موضع النص والاجماع، بل لم أعثر على خلاف عندنا في شئ من ذلك، نعم عن بعض العامة جواز تغيير لفظ " أشهد " بما يفيدها، وجواز إبدال اللعن بالغضب وبالعكس.


(1) سورة النور: 24 - الاية 6. (2) الوسائل الباب - 4 و 9 - من كتاب اللعان.

[ 57 ]

وفي كشف اللثام " لعل تخصيص الالفاظ المعهودة على النهج المذكور للتغليظ والتأكيد، فان الشهادة تتضمن مع القسم الاخبار عن الشهود والحضور، والتعبير بالمضارع يقربه إلى الانشاء، لدلالته على زمان الحال، ولفظ اسم الذات المخصوص بها بلا شائبة اشتراك بوجه، ومن الصادقين بمعنى أنه من المعروفين بالصدق، وهو أبلغ من نحو صادق، وكذا من الكاذبين، ولكن اختيار هذا التركيب في الخامسة لعله للمشاكلة، لان المناسب للتأكيد خلافه، وتخصيص اللعنة به والغضب بها، لان جريمة الزنا أعظم من جريمة القذف ". قلت: لا يخفى عليك عدم اقتضاء ذلك الجمود المزبور، بل لا صراحة في الكتاب والسنة بذلك، بل ولا ظهور، فان المنساق خصوصا من السنة إرادة إبراز المعنى المزبور، وأن الكيفية المخصوصة إحدى العبارات الدالة عليه، بل لو لا ظهور اتفاق الاصحاب لامكن المناقشة في بعض ما سمعته من الجمود المزبور وإن كان هو الموافق لاصالة عدم ترتب حكم اللعان، وإلا أنه يمكن دعوى ظهور النصوص (1) في خلاف الجمود المزبور، منها الخبر المروي (2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ملاعنة هلال بن امية، فانه قال: " احلف بالله الذي لا إله إلا هو أنك لصادق ". (و) يجب أيضا (أن يكون الرجل قائما عند التلفظ) بألفاظه الخمس، (وكذا المرأة) وفاقا للمحكى عن المقنع والمبسوط والسرائر، لما عن الفقيه من أنه في خبر (3) " يقوم الرجل فيحلف - إلى أن قال -: ثم تقف المرأة فتحلف " وللمحكي من فعل النبي صلى الله عليه وآله (4) من أنه أمر عويمرا بالقيام، فلما تمت شهادته أمر امرأته بالقيام. (وقيل) والقائل الاكثر كما في المسالك قال: " ومنهم الشيخ في النهاية


(1 و 3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث - 0 - 3. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 395. (4) الدر المنثور ج 5 ص 23.

[ 58 ]

والمفيد وأتباعهما وأكثر المتأخرين " (يكونان جميعا قائمين بين يدي الحاكم) لحسن ابن مسلم (1) سأل الباقر عليه السلام " عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة فيقيمهما بين يديه مستقبلا بحذائه ويبدأ بالرجل ثم بالمرأة " وصحيح ابن الحجاج (2) " إن عباد البصري سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام - وحكى قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره عن أهله، إلى أن قال -: فأوقفهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال للزوج: اشهد " إلى آخره. ولعل اختلاف النصوص في الكيفية المزبورة مشعر بالندب، كما عن ابن سعيد التصريح باستحبابه، بل عن الصدوق في الهداية عدم التعرض له كالمصنف في النافع، وفي المرسل (3) عن الصادق عليه السلام أنه قال: " والسنة أن يجلس الامام للمتلاعنين ويقيمهما بين يديه كل واحد منهما مستقبل القبلة " ولا ينافي ذلك صحيح علي بن جعفر (4) عن أخيه عليه السلام سأله " عن الملاعنة قائما يلاعن أو قاعدا ؟ فقال: الملاعنة وشبهها من قيام " مع إرادة أن ذلك من السنة بمعنى الندب، لاطلاق الكتاب (5) كيفية الملاعنة من دون ذكر القيام، ولكن الاحتياط بناء على عدم اعتبار الاقتصار في قيام أحدهما في الكيفية الاولى لا ينبغي تركه. (و) كذا يجب (أن يبدأ الرجل أولا بالتلفظ على الترتيب المذكور وبعده المرأة) فلو بدأت المرأة باللعان لغا، لانه خلاف الثابت من النص (6) والفتوى، ولان لعانها لاسقاط الحد عنها، كما هو مقتضى قوله تعالى: (7)


(1 و 2 و 4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 4 - 1 - 6. (3) المستدرك الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1. (5) سورة النور: 24 - الاية 6 إلى 9. (6) سورة النور: 24 - الاية 6 إلى 9 والوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان. (7) سورة النور: 24 - الاية 8.

[ 59 ]

" ويدرأ عنها العذاب " وهو إنما يجب بلعان الزوج، فما عن بعض العامة من جواز التقديم واضح الفساد كما عن بعض آخر منهم جواز تقديم اللعن أو الغضب على الشهادة، إذ هو مع أنه خلاف المعهود كتابا وسنة مناف للمعنى، ضرورة أن المراد إن كان من الكاذبين في الشهادات الاربع فلا بد حينئذ من تقديمها. (و) كذا يجب (أن يعينها بما يزيل الاحتمال، كذكر اسمها أو اسم أبيها أو صفاتها المميزة لها عن غيرها) لانه الثابت، نعم في المسالك إن كان له زوجتان فصاعدا وإلا اكتفى بقوله: " زوجتي " لكن في كشف اللثام " لعله لا يكفي التعبير عنها بزوجتي وإن لم يكن له في الظاهر زوجة غيرها، لاحتمال التعدد، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أظهر باعتبار كون الواقع في الادلة المعينة، ولو كانت حاضرة يتخير بين ذلك وبين الاشارة إليها " وفي المسالك " لو جمع بين الاشارة والتسمية كان أولى، لان اللعان مبنى على التغليظ والاحتياط، فيؤكد الاشارة بالتسمية " قلت: لكنه غير واجب قطعا. وكذا يجب عليها تعيين الرجل وإن كان يكفي فيه " زوجي " لعدم احتمال التعدد. (و) كذا يجب (أن يكون النطق بالعربية) غير الملحونة (مع القدرة) لانه الثابت، بل قد عرفت اعتبار ذلك في نحو المقام من العقود (و) الايقاعات نعم (يجوز بغيرها مع التعذر) كما جاز في غيرها للضرورة وحصول الغرض من الايمان، كما ذكرناه في محله مفصلا. (وإذا كان الحاكم غير عارف بتلك اللغة افتقر إلى حضور مترجمين ولا يكفي الواحد) ولا غير العدل كما في سائر الشهادات، ولا يشترط الزائد فان الشهادة هنا إنما هي على قولهما لا على الزنا، خصوصا في حقها، فانها تدفعه عن نفسها، خلافا لما عن بعض العامة فاشترط أربع شهود. هذا (و) قد عرفت أنه (تجب البدأة بالشهادات ثم باللعن، وفي المرأة يبدأ بالشهادات ثم بقولها إن غضب الله عليها).

[ 60 ]

(و) كذا قد عرفت أنه (لو قال أحدهما عوض أشهد بالله: أحلف أو أقسم أو ما شاكله لم يجز) فلا حاجة إلى إعادته، كما وقع من المصنف بعد أن ذكر ما يستفاد منه ذلك، والامر سهل. لكن في القواعد زيادة " الموالاة بين الكلمات - أي الشهادات في الواجب وكذا - إتيان كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه - أي الحاكم - عليه، فلو بادر به قبل أن يلقيه عليه الامام لم يصح ". وكان الوجه في الاول الاقتصار أيضا فيما خالف الاصل على الواقع بحضرته صلى الله عليه وآله (1) مما لم يتخلل بينها فصل طويل، وفي كشف اللثام " ولانها من الزوج بمنزلة الشهادات، ويجب اجتماع الشهود على الزنا، ولوجوب مبادرة كل منهما إلى دفع الحد عن نفسه، ونفي الولد إن كان منتفيا - لكن قال -: لم أر غيره من الاصحاب ذكره، وللشافعية في وجوبها وجهان ". وأما الوجه في الثاني فالاخبار المبينة لكيفية اللعان (2) فانها تضمنت ذلك، ولان الحد لا يقيمه إلا الحاكم فكذا ما يدرؤه، مضافا إلى أنه كاليمين في الدعاوى التي لو حلف قبل الاحلاف لم يصح، كما بيناه في محله. (والندب أن يجلس الحاكم مستدبر القبلة وأن يقف الرجل عن يمينه والمرأة) والصبي (عن يمين الرجل) لما رواه البزنطي (3) عن الرضا عليه السلام قال: " أصلحك الله تعالى كيف الملاعنة ؟ قال يقعد الامام عليه السلام، ويجعل ظهره إلى القبلة، ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة والصبي عن يساره " ومحمد بن مسلم (4) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة، فيقيمهما بين يديه مستقبل القبلة بحذاه، ويبدأ بالرجل ثم بالمرأة " ولعل المراد بيسار الامام في الاول جهة يساره التي هي جهة يمين الرجل، ولذا


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1 - 0 - 2. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 4.

[ 61 ]

ذكره الاصحاب دليلا على الحكمين، نعم في المسالك " ليس في الرواية أن الزوجين مستقبلان، وكذلك أطلق المصنف وجماعة " قلت: ولكن نص عليه في الصحيح الاخر (1) والامر سهل، لان الحكم استحبابي يتسامح فيه. (و) من الندب أيضا (أن يحضر من يسمع اللعان) جماعة غير الحاكم من الاعيان والصلحاء، فان ذلك أعظم للامر، وليعرف الناس ما يجري عليهما من التفريق المؤبد أو حكم القذف أو ثبوت الزنا، ولما روي من أنه حضره على عهد رسول الله صلى الله عليه واله جماعة من أصحابه، منهم ابن عباس وابن عمر وابن سهل بن سعيد (2) بل قيل: هم من أحداث الصحابة، والعادة جارية على عدم حضور الصغار وحدهم، وقيل أيضا، أن ما يتأدى به الوظيفة أربعة نفر، فان الزنا يثبت بهذا العدد، فيحضرون لاثباته وإن كان لم أقف له على دليل، إلا أن الامر سهل في المندوبات والاداب والوظائف. (و) منه أيضا (أن يعظه الحاكم ويخوفه بعد الشهادات قبل ذكر اللعن، وكذا في المرأة قبل ذكر الغضب) بتخويفهما يذكر أن عذاب الاخرة أشد من عذاب الدنيا، ويقرأ عليهم " الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " (3) وفي خبر عباد البصري (4) عن الصادق عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل بعد الشهادات الاربع: اتق الله فان لعنة الله شديدة - ثم قال -: اشهد الخامسة - إلى إن قال -: ثم قال صلى الله عليه وآله للامرأة بعد الشهادات الاربع: أمسكى، فوعظها وقال: اتق الله فان غضب الله شديد، ثم قال: اشهدي الخامسة " إلى آخره. (وقد يغلظ اللعان بالقول) بذكر اسماء الله تعالى المؤذنة بالانتقام وبالعظمة والهيبة (والمكان) بأن يلاعن بينهما في البقاع المشرفة، مثل ما بين الركن والمقام


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 4. (2) سنن البيهقى ج 7 ص 394 و 399 فيه سهل بن سعد. (3) سورة آل عمران: 3 - الاية 77. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 62 ]

- أي الحطيم - إن كان في مكة، وفي المسجد عند الصخرة إن كان في بيت المقدس، وعند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن كان في المدينة، وعند المكان المعروف بالاصبعين في مشهد أمير المؤمنين عليه السلام قريبا من مكان رأسه المعظم، وفي باقي المشاهدة المشرفة والمساجد المعظمة، نحو مسجد الكوفة ومسجد سهيل ومسجد براثا وغيرها من المساجد المعلومة (والزمان) كيوم الجمعة بل بعد العصر منه المفسر به (1) قوله تعالى (2) " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " ويوم القدر ونحوهما من الازمنة المعظمة ما لم يستلزم التراخي في ذلك، وستعرف في باب القضاء استحباب التغليظ للحاكم في اليمين الذي منه ذلك، بل ستعرف رجحان التغليظ بين أهل الذمة في أماكنهم المعظمة عندهم من بيعهم وكنايسهم، بل لا يبعد ذلك أيضا بين المجوس وغيرهم في بيوت النيران والاصنام، لمكان تعظيمهما عندهم وإن توقف فيه بعض الشافعية، لكنه في غير محله. (و) لكن من المعلوم أنه إنما (يجوز اللعان في المساجد والجوامع إذا لم يكن هناك مانع من الكون في المسجد) كالجنابة والحيض (فإذا اتفقت المرأة حائضا أنفذ إليها الحاكم من يستوفي الشهادات) منها ولا يشترط فيه الاجتهاد وأولاه عند باب المسجد، لانه أنسب بالتغليظ. (وكذا لو كانت غير برزة) ولا معتادة الحضور لجامع الرجال ولو لشرفها (لم يكلفها الخروج من منزلها وجاز استيفاء الشهادات عليها فيه) نحو غير يمين اللعان من الايمان في الدعاوى، إذ المقام فرد منها، فلاحظ ما ذكرناه في كتاب القضاء من وجه ذلك وكيفيته، لتكون على بصيرة من ذلك ومن غيره مما لا يخفى عليك جريانه في المقام الذي ذكرنا غير مرة أنه فرد من أفراده.


(1) الوسائل الباب - 20 - من كتاب الوصايا الحديث 6 والمستدرك الباب - 20 - منه الحديث 1 والفقيه ج 4 ص 142. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 106.

[ 63 ]

(و) هل اللعان يمين أو شهادة ؟ (قال الشيخ) وتبعه جماعة منهم الفاضل في القواعد: (اللعان أيمان وليس شهادات، ولعله نظر إلى اللفظ، فانه بصورة اليمين) فان قوله: " بالله إنه لمن الصادقين " وقولها: " بالله إنه لمن الكاذبين " كالصريح في ذلك، وإلى صحته من الفاسق والذكر والانثى، وإلى قول النبي صلى الله عليه وآله لهلال بن امية (1): " احلف بالله الذي لا إله إلا هو أنك لصادق " وإلى قوله صلى الله عليه وآله (2) بعد التلاعن: " لولا الايمان لكان لي ولها شأن " وإلى أن كلا منهما يلاعن نفسه ولم يعهد شهادة أحد لنفسه، وإلى أنه لا معنى لكونه من المرأة شهادة فكذا منه، وإلى استحباب التغليظ فيه المعلوم كونه من أحكام اليمين، وإلى غير ذلك مما هو من خواصه دون الشهادة. خلافا للمحكى عن أبي علي بل ربما استظهر من المصنف أيضا لكثرة إطلاقه عليه الشهادة، ونسبته القول بكونه يمينا إلى الشيخ، بل عن الفاضل في المختلف التصريح باختياره، لظاهر قوله تعالى (3) " فشهادة أحدهم " إلى آخر الاية التي أطلق عليه فيها لفظ الشهادة في خمسة مواضع، وكنى عنها في موضعين، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (4) للرجل: اشهد أربع شهادات - وللمرأة - اشهدي " ولقول الصادق عليه السلام (5): " إن عليا عليه السلام قال: ليس بين خمس نساء وبين أزواجهن ملاعنة - إلى أن قال -: والمجلود في الفرية، لان الله تعالى يقول: (6) ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " ولانه يعتبر فيه التصريح بلفظ الشهادة، ولانه به يدرأ عنه ويثبت به عليها كالبينة، بخلاف اليمين فانها لا تدخل في الحدود، ولانه إذا امتنع من اللعان ثم رغب فيه يمكن منه كمن امتنع من إقامة البينة ثم أراد إقامتها، والناكل عن


(1 و 2) سنن البيهقى ج 7 ص 395. (3) سورة النور: 24 - الاية 6. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللعان الحديث 12. (6) سورة النور: 24 - الاية 4.

[ 64 ]

اليمين لا يعود إليها. ولان محمد بن سليمان (1) سأل الجواد عليه السلام " كيف صار الزوج إذا قذف امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله ؟ وكيف لا يجوز ذلك لغيره ؟ وصار إذا قذفها جلد الحد، ولو كان ولدا أو أخا فقال عليه السلام: قد سئل جعفر عليه السلام عن هذا فقال: ألا ترى أنه إذا قذف الزوج امرأته قيل له: وكيف علمت أنها فاعلة ؟ قال: رأيت منها ذلك بعيني كانت شهادته أربعا، وذلك أنه قد يجوز الرجل أن يدخل المدخل في الخلوة التي لا يصلح لغيره أن يدخلها ولا يشهدها ولد ولا والد في الليل والنهار، فلذلك صارت شهادته أربعا إذا قال رأيت ذلك بعيني وإذا قال: لم اعاينه صار قذفا وضرب الحد، إلا أن يقيم عليها البينة، وإن زعم غير الزوج إذا قذف وادعى أنه رآه بعينه قيل له: وكيف رأيت ذلك ؟ وما أدخلك ذلك المدخل الذي رأيت فيه هذا وحدك ؟ أنت متهم في دعواك، فان كنت صادقا فأنت في حد التهمة، فلابد من أدبك بالحد الذي أوجبه الله عليك، قال: وإنما صارت شهادة الزوج أربعا لمكان الاربعة شهداء مكان كل شاهد يمين ". إلا أن الجميع كما ترى، بل ذيل الخبر المزبور صريح في كونه يمينا، ومن الجائز أن لفظ الشهادة في هذه الجمل حقيقة عرفية أو مجاز مشهور في اليمين ولا بعد، لمخالفته لسائر الايمان في بعض الاحكام، بل قيل: إن خبر النفي عن الخمس مع الضعف ليس نصا في كون اللعان شهادة، بل الذي ينص عليه أنه لا يقبل منه الشهادة عليها بالزنا وإن أكده باللعان على أنه غير معمول عليه في ذلك، وكأن التأمل الجيد يقتضي عدم ثمرة لهذا الاختلاف بعد فرض عدم جريان جميع أحكام اليمين وأحكام الشهادة عليه، فلا بأس بالقول بأنه شهادة من جهة ويمين من اخرى،


(1) الوسائل الباب - 4 - من كتاب اللعان الحديث 5 مع الاختلاف في اللفظ وذكره بعينه في الكافي ج 7 ص 403. (جواهر الكلام - ج 4)

[ 65 ]

بل لعل الغالب عليه جهة اليمينية، والامر سهل. (وأما) الكلام في (أحكامه فتشتمل على مسائل) (الاولى:) لا خلاف بيننا ولا إشكال في أنه (يتعلق بالقذف) من الرجل (وجوب الحد) عليه (في حق‍) - ه أي (الرجل،) لاطلاق الادلة كتابا (1) وسنة (2) (و) لا يتعين عليه اللعان عينا نعم (بلعانه) يثبت (سقوط الحد في حقه ووجوب الحد في حق الامرأة،) لانه بمنزلة إقامة البينة، ولكن يسقطه عنها لعانها، كما هو مقتضى قوله تعالى (3): " ويدرأ عنها العذاب " الظاهر في إرادة الحد من العذاب لا الحبس، كما عن أبي حنيفة، فقال: " إن قذف الزوج لا يوجب الحد عليه ولكن يوجب اللعان، ومع امتناعه يحبس حتى يلاعن وحينئذ فاللعان عقوبة قذفه دون الحد، وكذلك المرأة لا تحد بلعانه، بل تحبس حتى تلاعن " وهو مع منافاته لظاهر آية القذف (4) وقوله تعالى: (5) " يدرأ عنها العذاب " في آية اللعان مناف أيضا للنبوي المروي في طرقهم (6) إنه قال لهلال لما قذف زوجته: " البينة أو حد في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فأرسل إليها " إلى آخره. (و) كيف كان (مع لعانهما) يتعلق (ثبوت أحكام أربعة سقوط الحدين وانتفاء الولد عن الرجل دون المرأة) إن تلاعنا لنفيه (وزوال الفراش


(1) سورة النور: 24 - الاية 4. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب حد القذف من كتاب الحدود. (3 و 4 و 5) سورة النور: 24 - الاية 8 - 4 - 8. (6) سنن البيهقى ج 7 ص 395 و 394.

[ 66 ]

والتحريم المؤبد) بلا خلاف ولا إشكال في شئ منها عندنا نصا (1) وفتوى، خلافا لبعض العامة، فنفى تأبد التحريم، وقال: لو أكذب نفسه كان له أن يجدد نكاحها، بل عن بعض العامة قول ببقائهما على الزوجية، والنص (2) من طرقنا وطرقهم حجة عليهما، نعم قيل: يمكن إرجاع الاحكام الاربعة إلى ثلاثة، لان زوال الفراش يدخل في التحريم المؤبد، وفيه أن التحريم المؤبد قد يجامع الفراش كالمفضاة، والامر سهل. ولا خلاف عندنا أيضا كما لا إشكال في أن هذه الفرقة تحصل ظاهرا وباطنا، سواء كان الزوج صادقا أو هي صادقة، خلافا لابي حنيفة، فحكم بعدم حصولها باطنا مع صدقها، وهو واضح الضعف. ومن المعلوم أيضا أن الولد بعد اللعان لا يدعى لابيه، ولكن لا يرمى بأنه ابن زنا، وفي حديث ابن عباس (3) " أن النبي صلى الله عليه وآله لما لاعن بين هلال وامرأته فرق بينهما، وقضى لا يدعى ولدها لاب ولا يرمى ولدها، ومتى رماها أو رمى ولدها فعليه الحد - قيل -: وكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لاب " وسأل الصادق عليه السلام أبو بصير (4) " عن المرأة يلاعنها زوجها ويفرق بينهما إلى من ينسب ولدها ؟ فقال: إلى امه " إلى غير ذلك من النصوص (5). ولو كان الزوج عبدا وشرط مولاه رقية الولد من زوجته الحرة وقلنا بصحة الشرط ففي حريته لو لاعن الاب لنفيه إشكال، من انتفائه عنه شرعا من أنه حق لغير المتلاعنين، فلا يؤثر فيه اللعان مع ثبوت حكم الفراش ظاهرا، وكذا الاشكال في العكس، أي فيما إذا كانت الزوجة أمة والزوج حرا بغير شرط الرقية، من


(1) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب اللعان. (2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللعان وسنن البيهقى ج 7 ص 409 و 410. (3) سنن البيهقى ج 7 ص 394 و 395 و 402 و 410. (4) الوسائل الباب - 14 - من كتاب اللعان الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 6 - من كتاب اللعان.

[ 67 ]

انتفائه عنه شرعا مع كونه نماء مملوكته، فيكون رقا لمالكها، ومن أن اللعان إنما أثر في انتفاء نسبه من الملاعن، وأما تأثيره في الحرية التي هي حق الله تعالى وحق الولد فغير معلوم مع تغليب الحرية، ولعل الاقوى الاول فيهما. (و) على كل حال فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لو أكذب نفسه في أثناء اللعان أو نكل) ولو بكلمة واحدة (ثبت عليه الحد ولم يثبت عليه الاحكام الباقية) التي علم أنها مترتبة على اللعان الذي لا يتحقق إلا باكماله، فبدونه لا يثبت شئ منها، للاصل. (و) كذا (لو نكلت هي أو أقرت رجمت) لانها محصنة إذا كان قد قذفها بالزنا، أما إذا لاعنها لنفي الولد بلا قذف لم يثبت الحد عليها إلا أن تقر بموجبه. (و) في الاول (سقط الحد عنه) بلعانه (ولم يزل الفراش ولا يثبت التحريم) مع فرض إقرارها أو نكولها ولو بكلمة واحدة بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك نصا وفتوى، ففي حسن الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام " إن أقر على نفسه قبل الملاعنة جلد حدا وهي امرأته " وفي خبر علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل لاعن امرأته فحلف أربع شهادات ثم نكل في الخامسة، قال: إن نكل عن الخامسة فهي امرأته ويجلد، وإن نكلت المرأة عن ذلك إذا كان اليمين عليها فعليها مثل ذلك " إلى غير ذلك من النصوص (3) ولا يحتاج في رجمها إلى إقرارها أربعا بعد لعانه الذى هو كاقامة البينة عليها، فمع فرض نكولها عن اللعان لم يسقط الحد عنها الثابت بلعانه، نعم لو أقرت قبل لعانه اعتبر كونه أربعا كغيره من الاقرار بالزنا، كما هو واضح. (ولو أكذب نفسه بعد اللعان لحق به الولد) بلا خلاف فيه نصا (4)


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 3 - من كتاب اللعان الحديث 2 - 3 - 0 -. (4) الوسائل الباب - 6 - من كتاب اللعان.

[ 68 ]

وفتوى، (لكن) فيما عليه لا فيما له، لاقراره أولا بالانتفاء منه، ولذا (يرثه الولد ولا يرثه الاب ولا من يتقرب به، وترثه الام ومن يتقرب بها) كما بينا ذلك كله مفصلا في كتاب الميراث الذي وفق الله لاتمامه قبل المقام، فلاحظ وتأمل. (و) على كل حال (لم يعد الفراش) بالاكذاب المزبور (ولم يزل التحريم) بلا خلاف نصا (1) وفتوى بل ولا إشكال استصحابا لحكم اللعان. (و) لكن (هل عليه الحد ؟ فيه روايتان): ففي صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام " في رجل لاعن امرأته وهي حبلى قد استبان حملها وأنكر ما في بطنها فلما وضعت ادعاه وأقر به وزعم أنه منه فقال: يرد عليه ابنه ويرثه ولا يجلد، لان اللعان قد مضي ". وفي صحيحه الاخر (3) عنه عليه السلام أيضا " سألته عن رجل لاعن امرأته وهى حبلى قد استبان حملها فأنكر ما في بطنها فلما وضعت ادعاه وأقر به وزعم أنه منه فقال: يرد إليه ولده ويرثه، ولا يجلد، لان اللعان قد مضى بينهما ". وفي خبره الاخر (4) عنه عليه السلام أيضا " في رجل لاعن امرأته وهي حبلى ثم ادعى ولدها بعدما ولدت وزعم أنه منه، قال: يرد عليه الولد، ولا يجلد، لانه قد مضى التلاعن ". وفي خبر محمد بن فضيل (5) سأل الكاظم عليه السلام " عن رجل لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم أكذب نفسه هل يرد عليه ولده ؟ قال: إذا أكذب نفسه جلد الحد ورد عليه ابنه، ولا ترجع إليه امرأته ". (أظهرهما أنه لا حد) وفاقا للمحكي عن الشيخ في النهاية والتهذيب،


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب اللعان. (2 و 4 و 5) الوسائل الباب - 6 - من كتابا اللعان الحديث 4 - 2 - 6. (3) الوسائل الباب - 13 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 69 ]

وخلافا له في محكي المبسوط والمفيد في محكي المقنعة وللفاضل في القواعد وشارحه الاصبهاني وثاني الشهيدين في المسالك، قالوا: لما فيه من زيادة هتكها وتكرار قذفها وظهور كذب لعانه، مع أنه يثبت عليه الحد بالقذف، فيستصحب إلى أن يعلم المزيل، ولا يعلم زواله بلعان ظهر كذبه، والاخبار الاولة إنما نفت الحد إذا أكذب نفسه في نفي الولد دون القذف، والحد إنما يجب إذا أكذب نفسه فيما رماها به من الزنا، كما عن صريح المبسوط. إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة أن إكذاب نفسه تنزيه لها لا زيادة هتك وتكرار قذف، وإطلاق أدلة اللعان فضلا عن الاولة مقتض لسقوط الحد، فلا معنى لاستصحابه، بل المتجه استصحاب العكس، وتعليل عدم الجلد في الصحيح المزبور كالصريح في أن لعانه كان بالقذف، ونفي الولد وإن كان من المذكور فيه الاخير كالخبر المعارض المعلوم قصوره عن المعارضة سندا وعددا، خصوصا مع ملاحظة قاعدة درء الحد والاستصحاب وعدم تجدد قذف منه بالاكذاب، والاول قد سقط باللعان. ومن الغريب ما في المسالك، حيث اقتصر على ذكر الخبر الثالث دليلا للقول بالسقوط راويا لمتنه بدل " ولا يجلد " " ولا تحل له أبدا، لانه قد مضى التلاعن " ثم رجح خبر ابن الفضيل عليه بأنه ناص على الحد، بخلاف خبر الحلبي الذي لم يتعرض فيه لذلك، ثم قال: " مع أن في طريق الروايتين من هو مشترك بين الثقة والضعيف، وإنما نجعلها شاهدا على ما اخترناه بالوجه العام " أي الذي ذكرناه أولا، وقد عرفت ما فيه، مع أن في روايات الحلبي الصحيح الصريح في نفي الحد المؤيد بالاستصحاب والتعليل وقاعدة درء الحد وإطلاق أدلة اللعان وغير ذلك مما لا يصلح الخبر المزبور الضعيف معارضا له، فلابد من طرحه أو تأويله بمالا ينافي ذلك من الاكذاب قبل إكمال اللعان كما عن الشيخ، وإن كان هو مناف لما فيه من عدم رجوع الامرأة أو غير ذلك، والله العالم. (ولو اعترفت) هي (بعد اللعان) بأن أكذبت نفسها لم يعد شيئا من

[ 70 ]

أحكام اللعان التي ثبتت به، ولم يجب عليها الحد بذلك إجماعا كما في المسالك، لما قيل من أن حد الزنا لا يثبت على المقر إلا أن يقر به أربع مرات. ومن هنا قال المصنف وغيره: (لم يجب عليها الحد) بذلك (إلا أن تقر) به (أربع مرات) بل (وفي وجوبه معها تردد) من اندفاعه باللعان، ومن فحوى ما سمعته في إكذاب نفسه، والتعليل في النصوص (1) السابقة بأن اللعان قد مضى ولذلك كان خيرة النهاية والسرائر والجامع وغيرها، ومن عموم إيجاب الاقرار أربعا له، وظهور كذبها في اللعان، ولذلك كان خيرة ثاني الشهيدين والفاضل الاصبهاني، بل حكاه الاول عن الشيخ في النهاية وأتباعه وابن إدريس والعلامة، بل نسبه إلى الاشهر وإن كنا لم نتحقق شيئا من ذلك، وكان الذي دعاهما إلى اختياره اختيارهما وجوب الحد على الرجل إذا أكذب نفسه، وقد عرفت ضعفه. ومنه يعلم أن الاقوى سقوطه هنا وإن أقرت به أربعا، لما عرفته هناك، بل كان المتجه على قولهم ثبوت الحد عليها باعترافها الاول، لانه مقتض لفساد لعانها باعترافها بكذبه، فبقى ما اقتضاه لعان الزوج من وجوب الحد عليها بلا معارض، بل تكون حينئذ كما لو نكلت، وقد عرفت أنه خلاف الاجماع، وهو مؤيد آخر للحكمين. ولو عاد الرجل بعد أن أكذب نفسه وقال: لي بينة اقيمها أو الاعن ثانيا لم يسمع منه في سقوط الحد عنه بناء على ثبوته عليه، لان البينة واللعان لتحقيق ما قاله، وقد أقر بكذب نفسه، والعقلاء مؤاخذون بإقرارهم، والبينة إنما تسمع إذا لم يكذبها قولا أو فعلا. ولو اعترف بالولد بعد موته لم يرث منه، كما لو اعترف به في حياته ثم مات، لما عرفت من عدم إفادة هذا الاعتراف في حق الولد شيئا، لكن لو كان للولد


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب اللعان الحديث - 0 -.

[ 71 ]

ولد ورث الجد الملاعن إذا لم يكن أقرب منه، ولا يرث هو ابن الابن، كما يرث الابن، خلافا لابي حنيفة. ولو أقام بينة ثم أكذبها ففي توجه الحد عليه نظر، من إقراره بكذبه الموجب للحد، ومن ثبوت صدقه عند الحاكم بالبينة، ولعل الاول أقوى. ولو لم يكذب نفسه ولا لاعن ثبت عليه الحد، فان اقيم بعضه فبذل اللعان اجيب إليه، فان الحد يدرأ بالشبهة، وكما أن اللعان يدرأ التمام فالبعض اولى، مضافا إلى إطلاق أدلته. المسألة (الثانية:) (إذا انقطع كلامه بعد القذف وقبل اللعان) بأن اعتقل لسانه وعجز عن الكلام لمرض وغيره فان كان لا يرجى زواله فلا ريب في أنه حينئذ (صار كالاخرس لعانه بالاشارة) بل في المتن هو كذلك (وإن لم يحصل اليأس منه،) لحصول العجز في الحال، وحد القذف مضيق وربما يموت، ويلحق به نسب ليس منه، وذلك ضرر، ويحتمل انتظار زواله، للشك في الاكتفاء بالاشارة عن التصريح بالكلمات، والاصل عدم ترتب حكم اللعان عليها.

[ 72 ]

المسألة (الثالثة:) (إذا ادعت أنه قذفها بما يوجب اللعان) فسكت فأقامت عليه البينة ففي المسالك " له أن يلاعن، ولم يكن السكوت إنكارا للقذف ولا تكذيبا للبينة في الحقيقة، ولكنه جعل كالانكار في قبول البينة، وإذا لاعن قال: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما أثبت علي من رميي إياها بالزنا " وفيه أن المذكور في كتاب القضاء إلزامه بالجواب، فان امتنع حبس حتى يجيب، وظاهرهم هناك عدم قيام البينة قبل حصول الجواب منه، فدعوى أن السكوت مطلقا كالانكار في قبول البينة ممنوعة، ومع التسليم فالصدق مطابقة خبره للواقع لا ما قامت عليه البينة، وإلا لصح ذلك منه حتى مع الانكار، بأن يقول: إني لمن الصادقين فيما قامت به البينة علي، لا أقل من الشك في حصول شهادة اللعان الذي هو خلاف الاصل في الفرض فتأمل جيدا. وكيف كان (ف‍) ان (أنكر فأقامت) عليه (البينة) ففي المتن (لم يثبت اللعان وتعين الحد، لانه يكذب نفسه) لكن في القواعد وشرحها والمسالك له اللعان إن أظهر لانكاره تأويلا، كأن يقول: " إني كنت قلت لها زنيت وبذلك شهد الشاهدان ولكنه ليس بقذف، لاني صدقت في ذلك وإنما أنكرت أني قذفتها - أي القول المزبور - كاذبا ". وفي أنه خلاف ظاهر اللفظ الذي يجب الاخذ به في ترتب الحكم الشرعي، ومجرد كونه محتملا لا ينافي الظهور المعتبر، وقد اعترف بذلك في المسالك، حيث قال: " والوجه أنه إن ظهر لانكاره هذا التأويل ونحوه من التأويلات المحتملة قبل،

[ 73 ]

وإلا فلا، لانه خلاف مدلول اللفظ، فلا يكفي في نفيه مجرد الاحتمال ". ولا يخفى عليك ما فيه ضرورة أن المفروض مما نفاه، إذ دعوى أنه غير مناف للظاهر كما ترى. نعم قد يقال: إن هذا بمنزلة إنشاء القذف الجديد الذي صرح في القواعد وغيرها أن له اللعان به، ويسقط الحد عنه وإن كانت صادقة في دعواها، لان من كرر قذف امرأته كفاه لعان واحد. ولعل إطلاق المصنف منزل على الانكار المقتضي لبراءتها، فانه حينئذ لا يصح له اللعان المنافي لما اعترف به من عفتها، بل ليس له أن يقيم البينة والحال هذه، لانه كذب الشهود باعترافه ببراءتها، بل ليس له إنشاء قذف جديد لذلك أيضا، نعم لو مضت مدة يمكن زناها فيها صح منه اللعان حينئذ به، لكن في سقوط حد القذف الذي قامت به البينة وجهان، من أن قوله: " ما زنيت " يمنع من صرفه إلى الاول، ومن إطلاق سقوط الحد باللعان الواحد القذف المتعدد وإن كان الاقوى الاول.

[ 74 ]

المسالة (الرابعة:) (إذا قذف امرأته برجل على وجه نسبهما إلى الزنا) بأن قال: " زنيت بفلان " (كان عليه حدان)، لانه قذف لهما، نعم بناء على ما سيأتي إن شاء الله في الحدود من أنه إن كان القذف متعددا بلفظ واحد يتداخل الحدان، ويكتفي بحد واحد لهما مع الاجتماع في طلبه، وأما مع التفرق فلكل حد، وما نحن فيه من أفراد تلك المسألة فحينئذ إن جاءآ به مفترقين فلا إشكال في تعدد الحد. (و) لكن (له إسقاط حد الزوجة باللعان) دون حده وإن جاءآ به مجتمعين، فان لاعن الزوجة سقط حدها وبقي حد الرجل أيضا، لان التداخل إنما هو إذا حصل حد ولم يحصل، فكان كما لو لم يطلبه، نعم إن لم يلاعن وحد لها تداخل الحدان بناء على القاعدة المزبورة، وإن أطلق المصنف هنا، إلا أنه لا يأبى تنزيله عليها، ولا فرق عندنا في عدم سقوط حد الرجل بين ذكره في شهادات اللعان وعدمه، لان اللعان بالنسبة إلى إسقاط حد القذف مختص بالزوجة. خلافا لبعض العامة، فأسقط حده مع ذكره في لعانها، لان اللعان حجة في ذلك الزنا في طرف المرأة، فكذا في طرف الرجل، لان الواقعة واحدة، وقد قامت فيها حجة مصدقة، (و) فيه أن اللعان إنما هو حجة على قذف الزوجة كما تضمنته الاية (1) لاعلى قذف غيرها، فيبقى حكم قذفه على الاصل. نعم (لو كان له بينة سقط الحدان) لانها حجة مطلقا.


(1) سورة النور: 24 - اللاية 6 الى 9.

[ 75 ]

المسالة (الخامسة:) (إذا قذفها فأقرت قبل اللعان قال الشيخ: لزمها الحد إن أقرت أربعا) لما تسمعه في الحدود إن شاء الله (و) لكن (سقط) الحد (عن الزوج ولو أقرت مرة) لاعترافها بعدم الاحصان. (ولو كان هناك نسب لم ينتف إلا باللعان، وكان للزوج أن يلاعن لنفيه، لان تصادق الزوجين على الزنا لا ينفي النسب، إذ هو ثابت بالفراش) وهو جيد مطابق للقواعد العامة. (و) لكن في المتن وتبعه الفاضل في القواعد (في اللعان تردد) وجعله في المسالك مما سمعت ومن أن اللعان غير متصور، لان الزوجة لا يمكنها أن تقول أشهد بالله أنه لمن الكاذبين في نفي الولد عنه مع تصديقها إياه على الزنا وعلى تولد الولد من الزنا، فان ذلك فرض المسألة، وإنما يتجه اللعان مع تصديقها له على الزنا دون تولد الولد منه. وفي كشف اللثام " وينشأ الاشكال من أن اللعان على خلاف الاصل، ولم يظهر لنا ثبوته إلا إذا تكاذبا، ولا تكاذب هنا، ومن أنه إذا علم انتفاء الولد منه وجب عليه نفيه، ولا طريق إلى انتفائه إلا اللعان، والصبر إلى بلوغ الولد واللعان معه لا يجوز، إذ ربما مات أو مات الولد قبله أو قبل التمكن من اللعان بعده، وحينئذ إنما يلتعن الزوج لانها لا يمكنها الالتعان " وقال قبل ذلك أيضا: " لا إشكال في ثبوت اللعان إذا ادعت النسب، لان الاقرار بالزنا لا ينافيه، وإنما يشكل الامر إذا صادقته على الانتفاء أو سكتت أو اعترفت بالجهل واحتمال الامرين ". قلت: ليس في الكلام المحكي عن الشيخ إشعار باللعان مع التصادق وعلى تقديره ينبغي الجزم بعدم اللعان منها، لعدم تصور صحة وقوعه، لا التردد، وإنما غرض الشيخ أن اعترافها بالزنا يسقط اللعان منها بالنسبة للقذف، أما نفي الولد فلا،

[ 76 ]

إذ الاعتراف بالزنا لا ينافي لحوق الولد، لقاعدة الفراش التي شرع اللعان لها، بل قد يقال بصحة اللعان منها أيضا في صورة اعترافها بالجهل واحتمال الامرين، لامكان شهادتها بالله على كذبه في نفيه مع فرض الالحاق به شرعا، وأما لعانه فلعله لعلمه بعدم الوطء الموجب للالحاق به. وبالجملة فالتردد الواقع من المصنف فيما ذكره الشيخ وتبعه عليه الفاضل في القواعد في غير محله. ومما ذكرنا يعلم النظر فيما في المسالك، بل وكشف اللثام. ومن الغريب دعواه في المسالك أن مفروض المسألة اعترافها بكون الولد من الزنا مع أنه لا أثر لذلك في الكلام المحكي عن الشيخ، والامر سهل بعد وضوح الحال لديك في جميع الصور. المسالة (السادسة:) (إذا قذفها ف‍) ادعى أنها (اعترفت) بذلك (فأنكرت فأقام شاهدين باعترافها قال الشيخ) في محكى المبسوط وتبعه الفاضل في محكى المختلف بل في الاول أنه مذهبنا: (لا يقبل إلا أربعة) لعموم قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " ولان الغرض من ثبوت الاقرار به إثبات الزنا الذي لا يثبت إلا بالاربعة أو الاقرار أربعا، فكان الاقرار به كنفس الزنا، وحينئذ إن لم يقم الاربعة (و) لم يلاعن (يجب) عليه (الحد) للقذف. (و) لكن (فيه إشكال ينشأ من كون ذلك شهادة بالاقرار لا بالزنا) الذي خرج بأدلته عن إطلاق الاثبات بالشاهدين، ومن هنا كان ثبوته بهما خيرة


(1) سورة النور: 24 - الاية 4.

[ 77 ]

محكي الخلاف والسرائر وموضع من المبسوط، نعم إنما يقبل في سقوط الحد عنه الذي يكفي فيه إقرارها به ولو مرة لا ثبوت الحد عليها الذي لا يوجبه إلا الشهود الاربعة بزناها أو إقرارها به أربعا، أللهم إلا أن يشهد الشاهدان بإقرارها كذلك، فان المتجه حينئذ ثبوته عليها بناء على ما عرفت، وقد يحتمل، بل ربما كان ظاهر بعض هنا اعتبار الاربعة في الاقرار أربعا بالنسبة إلى ثبوت الحد عليها، ويأتي تحقيق ذلك في محله إنشاء الله. المسالة (السابعة:) (إذا قذفها فماتت قبل اللعان) أو إكماله في كل منهما (سقط اللعان وورثها الزوج) لبقاء علقة النكاح بينهما (وعليه الحد للوارث) بناء على أن حد القذف يورث، لعموم أدلة الارث (و) لكن (لو أراد دفع الحد) عنه (باللعان) منه خاصة (جاز) لعموم أدلة اللعان فيترتب عليه ما يخصه من الحكم، وهو سقوط الحد عنه، نعم لا يترتب عليه الاحكام المترتبة على لعانهما من الحرمة المؤبدة ونفي النسب لو كان اللعان فيه، (و) حينئذ فيرثها بعد لعانه الذي هو لاسقاط الحد عنه إلا أن (في رواية أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (إن قام رجل من أهلها فلاعنه فلا ميراث له وإلا أخذ الميراث). ولفظها على ما في التهذيب أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قذف امرأته وهي في قرية من القرى، فقال السلطان: مالي بهذا علم، عليكم بالكوفة، فجاءت إلى القاضي ليلاعن فماتت قبل أن يتلاعنا، فقالوا هؤلاء: لا ميراث لك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن قام رجل من أهلها مقامها فلاعنه فلا ميراث له، وإن أبى أحد من أوليائها أن يقوم مقامها أخذ الميراث زوجها ".


(1) الوسائل الباب - 15 - من كتاب اللعان الحديث 1.

[ 78 ]

وفي خبر عمر بن خالد عن زيد بن علي (1) عن آبائه عن علي عليه السلام " في رجل قذف امرأته ثم خرج فجاء وقد توفيت، فقال: تخير واحدة من ثنتين: يقال له: إن شئت ألزمت نفسك الذنب، فيقام عليك الحد وتعطي الميراث، وإن شئت أقررت فلاعنت أدنى قرابتها إليها ولا ميراث لك ". ولكن إرسال الاولى وضعف الثانية مع عدم الجابر - (و) إن كان (إليه ذهب الشيخ في الخلاف) والنهاية والقاضي وابن حمزة بل عن الاول الاجماع عليه وإن كنا لم نتحققه - يمنع من العمل بهما، وخصوصا مع مخالفتهما لاصالة عدم ترتب أحكام اللعان الثابت بين الزوجين بل (وللاصل) في (أن الميراث يثبت بالموت، فلا يسقط باللعان المتعقب). على أن لعان الوارث متعذر غالبا، لتعذر القطع من الوارث على نفي فعل غيره، وإيقاعه على نفي العلم تغيير للصورة المنقولة شرعا، وفرض إمكان إطلاع الوارث وعلمه بانتفاء الفعل حيث يكون الفعل محصورا بأن يدعى عليها أنها زنت في ساعة كذا بفلان أو مطلقا وقد كان الوارث ملازما لها أو للمنسوب إليه في تلك الساعة على وجه يعلم انتفاء الفعل كما في نظائره من الشهادات على النفي المحصور نادر لا ينزل عليه الخبران المزبوران، ولا كلام العامل بهما. وأما إشكالهما بأن الاجتزاء بأي وارث كان مع التعدد ترجيح من غير مرجح فقد يدفع بظهور الخبر الاول في الاكتفاء به ولو مع التعدد وعدم بذلهم أجمع.


(1) الوسائل الباب - 15 - من كتاب اللعان الحديث 2 عن عمرو بن خالد.

[ 79 ]

المسالة (الثامنة:) قد عرفت فيما تقدم أن تكرار القذف قبل اللعان من غير أن يتخلله الحد لا يوجب زيادته عن حد واحد ولا أزيد من لعان واحد إجماعا، كما في المسالك لصدق الرمي على المتحد والمتعدد. إنما الكلام فيما (إذا قذفها فلم يلاعن فحد ثم قذفها به) ف‍ (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط: (لا يحد) لا لما قيل من أن الحد في القذف إنما يثبت مع اشتباه صدق القاذف وكذبه، لا مع الحكم بأحدهما، وكذبه هنا معلوم بقوله تعالى (1): " وأولئك عند الله هم الكاذبون " إذ هو كما ترى، بل للشك في وجوب الحد على القذف الذي حصل الحد عليه، لانه قذف واحد وإن تكرر لفظه تأكيدا، والاصل البراءة، خصوصا مع بناء الحدود على التخفيف، ولذا تدرأ بالشبهات، مضافا إلى ما عن الخلاف من الاجماع والاخبار. (وقيل) والقائل هو أيضا في محكي الخلاف: (يحد تمسكا بحصول الموجب) وهو صدق اسم القذف والرمي، والاصل تعدد المسبب بتعدد السبب الذي لا وجه للشك فيه بعد اقتضاء ظاهر الدليل الذي هو مناط الاحكام الشرعية. (و) من هنا كان (هو أشبه) باصول المذهب وقواعده، وربما يؤيد بأنه لا إشكال في وجوب الحد عليه لو قذفها بغير القذف الذي حد عليه، وليس هو إلا لصدق القذف المشترك بينه وبين رميها بالاول، فتأمل. (وكذا الخلاف فيما لو تلاعنا ثم قذفها به و) إن كان القول (هنا) ب‍ (سقوط الحد أظهر) بل المحكي عن الشيخ اتفاق قوليه على السقوط، ولعله لان اللعان مساو للبينة والاقرار من المرأة في سقوط الحد ثانيا، ولكن الانصاف عدم خلو ذلك


(1) سورة النور: 24 - الاية 13.

[ 80 ]

عن الاشكال، لان اللعان إنما أسقط الحد الذي وجب عليها بلعانه، فهو بمنزلة البينة أو الاقرار بالنسبة إلى ذلك، إذ لم يثبت زناها به، ولا أقرت ولا نكلت، فالقذف الثاني سبب موجب للحد، لعموم الاية (1) واللعان المتقدم لا يصلح لاسقاطه، لاستحالة تقدم المسبب على السبب، وربما يؤيده إطلاق قول الصادق عليه السلام في الصحيح (2): " وإن دعاه أحد - أي ولد الملاعنة - ابن الزانية جلد الحد " الحديث. وحينئذ فهو في الحقيقة كالقذف المتعقب للحد. (و) من هنا (لو قذفها به الاجنبي حد) بلا خلاف أجده وإن كان بعد التلاعن الذي لو كان بمنزلة البينة أو الاقرار لم يحد، لارتفاع عفتها حينئذ المقتضي لسقوط الحد عن قاذفها، (ولذا لو قذفها فأقرت ثم قذفها الزوج أو الاجنبي فلا حد) وإن كان أقرت مرة واحدة لعموم " إقرار العقلاء " (3) وإن لم يثبت عليها الحد إلا بالاربع، إلا أن الاحصان غيره (و) هو واضح. بل لعل المتجه ثبوت الحد أيضا (لو قذفها) الزوج (ولاعن فنكلت ثم قذفها الاجنبي) وإن (قال الشيخ) في المحكي عنه في كتابي الفروع (لاحد) تنزيلا للنكول منزلة البينة أو الاقرار المزيلين للاحصان. (و) لكن الانصاف أنه (لو قيل يحد كان حسنا) وفاقا للمحكي عن الاكثر لعموم الادلة، بعد منع زوال الاحصان بالنكول المحتمل كونه لقصد السلامة من محذور اليمين وإن ترتب عليها الحد من حيث عدم تخلصها عن الدعوى باليمين، لكن ذلك لا يقتضي ارتفاع إحصانها بمعنى عفتها.


(1) سورة النور: 24 - الاية 4. (2) الوسائل الباب - 6 - من كتاب اللعان الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 81 ]

المسالة (التاسعة:) (لو شهد أربعة والزوج أحدهم فيه روايتان: إحداهما ترجم المرأة) وهي رواية إبراهيم بن نعيم (1) عن الصادق عليه السلام سأله " عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: تجوز شهادتهم " مؤيدة بعدم الفرق بين الزوج وغيره في قبول شهادته للمرأة وعليها، بل لعل الزوج أولى بالقبول، لهتك عرضه، فيندرج فيما دل (2) على ثبوت الزنا بشهادة الاربع، بل وبقوله تعالى: (3) " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " فانه مشعر بأنه نفسه شاهد أيضا لو حصل معه تمام العدد وصدق الشهداء على الثلاثة، على أن المقام من الحسب التي لا يدعى فيها خاص، كما حرر في محله، وبغير ذلك من قوله تعالى (4): " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " الشامل للزوج وغيره، بناء على أن الخطاب للحكام ونحوه. (والاخرى تحد الشهود) الثلاثة (ويلاعن الزوج) وهي رواية زرارة (5) عن أحدهما عليهما السلام " في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: يلاعن ويجلد الاخرون " مؤيدة بظاهر قوله تعالى (6): " لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء " بناء على رجوع الضمير فيها إلى القاذفين ومنهم الزوج، فانه لا يقال:


(1) الوسائل الباب - 12 - من كتاب اللعان الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 12 - من ابواب حد الزنا من كتاب الحدود. (3) سورة النور: 24 - الاية 6. (4) سورة النساء: 4 - الاية 15. (5) الوسائل الباب - 12 - من كتاب اللعان الحديث 2. (6) سورة النور: 24 - الاية 13.

[ 82 ]

جاء الانسان بنفسه، ومن ذلك نشأ الخلاف، فعن الاكثر كما في المسالك الاول، وعن جماعة الثاني، والاقوى الاول، وعن الشيخ حمل الرواية الثانية على اختلال بعض الشرائط، ولا بأس به جمعا، وليس هو قولا آخر كما حكاه عنه في القواعد، بل هو عين القول الاول، ضرورة عدم الخلاف في عدم السماع مع اختلال الشرائط، نعم عن السرائر والوسيلة والجامع الجمع بينهما بسبق الزوج بالقذف وعدمه، فيعتبر الاربعة غيره في الاول دون الثاني، لان قوله تعالى: " لو لا جاؤوا " فيمن ابتدأ بالقذف، بل عن السرائر ولقوله تعالى (1): " والذين يرمون أزواجهم " إلى آخرها، فانه قد رمى زوجته ولم يكن له شهداء إلا نفسه، لان شهادة الثلاثة غير معتد بها إلا بانضمام شهادة الرابع، فكأنها لم تكن في الحكم، وإن كان هو كما ترى كالمصادرة، بل آية " لولا جاؤوا " إلى آخرها لا تمنع صدق معية الزوج بعد أن كان أحد الشهداء، بقرينة " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ". وعلى كل حال فهو قول آخر، إذ دعوى أن السبق من اختلال الشرائط ممنوعة، كدعوى الفرق بين سبق الزوج وسبق غيره، وأوضح منهما فسادا التزام الاربع غير القاذف لو كان السابق بالقذف غير الزوج. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (ومن فقهائنا من نزل رد الشهادة على اختلال بعض الشرائط أو سبق الزوج بالقذف) ثم قال: (وهو حسن) وفي المسالك " وهو - أي سبق الزوج - من جملة اختلال الشرائط، ولا بأس بالحمل، لانه طريق الجمع حيث لا تطرح الرواية لضعفها " وفيه أنه كذلك بناء على أن السبق من اختلال الشرائط، وفيه بحث أو منع، بل ظاهر المتن عدم كونه منها، وتمام الكلام فيه في محله. ومنه يظهر ما في تحسين المصنف للقول المزبور المنافي لاطلاق الادلة في قبول بينة الحسب ولو مع السبق.


(1) سورة النور: 24 - الاية 6.

[ 83 ]

وأضعف من ذلك ما عن ابن الجنيد من التفصيل بأن الزوجة إن كانت مدخولا بها ردت الشهادة وحدوا، ولا عن الزوج، وإلا حدت هي، وكأنه قصد الجمع بذلك أيضا، وخص الرد بحالة الدخول لاشتمال روايته على لعان الزوج، وهو مشروط بالدخول، فتعين حمل الاخرى على غيره. ونحوه ما عن الصدوق من الجمع بين الخبرين بناء على ما اختاره من أنه لا لعان إلا إذا نفى الولد بأنه إذا لم ينف الولد كان له أحد الاربعة، وإلا حد الثلاثة ولاعنها، إذ الجميع كما ترى لا شاهد له وفرع المكافئة، وقد عرفت أن رواية القبول أقوى ولو للشهرة. المسالة (العاشرة:) (إذا أخل احدهما بشئ من ألفاظ اللعان الواجبة لم يصح،) لعدم حصول عنوان الحكم، (و) حينئذ (لو حكم به حاكم لم ينفذ،) لانه خطأ، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من أن الحاكم إذا حكم بأكثر كلمات اللعان نفذ وقام الاكثر مقام الجميع وإن كان الحاكم مخطئا في الحكم، وهو واضح الضعف، لان الحكم حينئذ خطأ بالاجماع، فلا ينفذ كسائر الاحكام الباطلة باختلال بعض شرائطها أو أركانها. المسألة (الحادية عشرة:) (فرقة اللعان فسخ) كالرضاع والردة (وليس طلاقا) لغة ولا شرعا ولا عرفا، خلافا لابي حنيفة فجعلها فرقة طلاق، وضعفه واضح. وحينئذ فلا يشترط فيها اجتماع شرائط الطلاق ولا يلحقها أحكامه.

[ 84 ]

المسالة الثانية عشرة: لو ولدت توأمين بينهما أقل من ستة أشهر فاستلحق أحدهما لحقه الاخر، ولا يقبل نفيه، كما في القواعد وشرحها، قال في الاخير: " لانهما من حمل واحد، حتى أنه إن كان نفي الاول ثم استلحق الثاني لحقه الاول أيضا - قال -: وكذا لو نفى أحدهما وسكت عن الاخر لحقاه، لانه لما سكت عن الاخر لحقه واستلزم لحوق الاخر ". وفيه أنه ليس بأولى من اقتضاء نفي الاول نفي الاخر، خصوصا مع قوله في القواعد متصلا بذلك: " ولو ولدت الاول فنفاه باللعان ثم ولدت الاخر لاقل من ستة أشهر افتقر انتفاؤه إلى لعان آخر على إشكال " ولعله من الحكم بانتفاء الاول باللعان، وهو يستلزم انتفاء الثاني مع أصل البراءة من اللعان ثانيا، ومن أصل اللحوق إلا مع التصريح بالنفي واللعان وعدم الاكتفاء بالالتزام كما عن المبسوط، إذ لا يخفى عليك أن الاول من وجهي الاشكال يجري في السابق إذا كان الولد مما ينفي بالانتفاء من دون لعان كما في الامة والمتمتع بها، ضرورة كون النفي حينئذ كاللعان، فلا وجه للجزم بالاول والاشكال في الثاني. وعلى كل حال فان أقر بالثاني لحقه وورثه وورثه الاول أيضا، لاستلزام لحوقه لحوقه كما عرفت، وهو لا يرث الاول، لانكاره أولا، وهل يرث الثاني ؟ ففي القواعد إشكال، ولعله من استلزام انتفائه من الاول انتفاءه من الثاني فكأنه أقر بأنه لا يرث منه، كما أقر به من الاول، ومن أنه لا عبرة في نفي السبب بالالتزام، والاصل اللحوق والتوارث، وهو مناف أيضا للجزم السابق. ولو كان بينهما ستة أشهر فصاعدا فلكل حكم نفسه، لامكان تجدد الحمل بهما، ولا يستلزم لحوق أحدهما لحوق الاخر ولا نفيه نفيه، فان لاعن عن الاول

[ 85 ]

بعد وضعه واستلحق الثاني أو ترك نفيه لحق به وإن كانت قد بانت منه باللعان، لامكان وطئه بعد وضع الاول قبل اللعان، ولو لاعنها قبل وضع الاول فأتت بآخر بعد ستة أشهر ففي القواعد لم يلحقه الثاني، لانها بانت باللعان وانقضت عدتها بوضع الاول، أي فلا يمكنه وطؤها بالنكاح بعده، وفي كشف اللثام " وذكر انقضاء العدة لتأكيد الحجة، وإلا فليست هذه العدة إلا كعدة الطلاق البائن. ولو مات أحد التوأمين قبل اللعان لنفيهما فله أن يلاعن لنفيهما، لاطلاق أدلته، وللعامة قول بأنه لا لعان لنفي نسب الميت. وأنه إذا لم يصح نفيه لم يصح نفي الحي إذا كانا من حمل واحد. هذا وقد تقدم بعض الكلام في كتاب الطلاق في التوأمين وكيفية تولدهما بالنسبة إلى الحكم بكونهما حملا واحدا أو حملا متعددا بالتولد لدون الستة أشهر والازيد، فلاحظ وتأمل، والله العالم بحقيقة الحال.

[ 86 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. (كتاب العتق) قيل: هو بالكسر: الحرية، وبالفتح المصدر كالاعتاق، ويقال: عتق العبد خرج عن الرق، فهو عتيق، وفي المسالك تبعا للفاضل في التحرير " هو لغة الخلوص، ومنه سمى البيت الشريف عتيقا، لخلوصه من أيدي الجبابرة، والخيل الجياد عتاقا، وشرعا خلوص المملوك الادمي أو بعضه من الرق بالنسبة إلى مطلق العتق، وبالنسبة إلى المباشرة - الذي هو مقصود الكتاب - تخليص الادمى أو بعضه من الرق منجزا بصيغة مخصوصة ". قلت: لم أجد المعنى المزبور فيما حضرني من كتب اللغة المتقدمة عليهما من الصحاح وغيره، مع إطنابه في الاول بذكر المعاني له التي منها الكرم والجمال والحرية والرقة بعد الجفاء والغلظة وصلاح المال والسبق مع النجاة والقدم والعتيق الكريم من كل شئ إلى غير ذلك مما لا ينطبق شئ منها على ما ذكر، بل فيه وفي غيره ما هو كالصريح في أن وصف البيت بالعتيق لقدمه، والخيل بالعتاق لجودتها، كما أن فيه التصريح بأن الحرية من معانيه اللغوية، ولعله لذا ؟ فسره بها لغة في التنقيح، وفي كشف اللثام جعله لغة الكرم، هذا كله بالنسبة إلى معناه لغة.

[ 87 ]

وأما شرعا فهو كباقي أسماء أفراد الايقاع من الطلاق ونحوه التي فيها البحث - الذي تقدم في البيع ونحوه من العقود - أنها أسماء لنفس الصيغ أو للاثر الحاصل منها أو للفعل، وقد تقدم التحقيق في ذلك وأنها اسم للاثار، لكن ظاهر التعريف المزبور أنه اسم هنا للفعل، وفيه ما تقدم في محله. (و) كيف كان ف‍ (فضله متفق عليه) بين المسلمين، وخصوصا في يوم عرفة وعشيتها، بل والنصوص (1) فيه من الطرفين متواترة، بل قوله تعالى (2): " فك رقبة " و " أنعمت عليه " (3) وغيرهما دال عليه، مضافا إلى النصوص (حتى روى) إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه رفعه (4) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن (من أعتق مؤمنا أعتق الله) العزيز الجبار (بكل عضو منه عضوا له من النار) فان كانت انثى أعتق الله العزيز الجبار بكل عضوين منها عضوا من النار، لان المرأة نصف الرجل " لكن في صحيح زرارة (5) عن الباقر عليه السلام " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أعتق مسلما أعتق الله العزيز الجبار بكل عضو منه عضوا من النار " ويمكن اتحاد المراد من المسلم والمؤمن في كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، نعم في صحيح ابن عمار وحفص (6) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في الرجل يعتق المملوك، قال: إن الله يعتق بكل عضو منه عضوا من النار ". وفي المسالك بعد أن ذكر الروايات الثلاثة قال: " وخص المؤمن إما لان المراد به المسلم كما في الرواية الصحيحة، أو حمل المطلق على المقيد كما يحمل لفظ " المملوك " في الرواية الاخرى على المسلم أو المؤمن، ويجوز إبقاء كل


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب العتق وسنن البيهقى ج 10 ص 271 و 272. (2) سورة البلد: 90 - الاية 13. (3) سورة الاحزاب: 33 - 37. (4) الوسائل الباب - 3 - من كتاب العتق الحديث 1. (5 و 6) الوسائل الباب - 1 - من كتاب العتق الحديث 2 - 1.

[ 88 ]

واحد من الثلاثة على أصله، وحصول الثواب المذكور على عتق كل مملوك مؤمن أو مسلم أو مطلقا ذكرا أو انثى، وأن يخص ذلك بالذكر بقرينة تذكير لفظه وتقييده بما في الرواية الاخرى إلا أن تقييد الصحيح بالمرسل لا يخلو من نظر، وروى العامة (1) في الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أيما رجل أعتق امرءا مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار، حتى الفرج بالفرج " وفي هذه الرواية التقييد بالاسلام وكون المعتق رجلا لان الامرأ مذكر الامرأة، فلا يتناول الانثى، وفي بعض ألفاظ رواياتهم عنه صلى الله عليه وآله (2) " من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من النار، حتى فرجها بفرجه " وهذه شاملة للذكر والانثى المسلم وغيره ". قلت: وفي نصوصنا في خبر بشير النبال (3) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول من أعتق نسمة صالحة لوجه الله جل وعز كفر الله عنه بها مكان كل عضو منه عضوا من النار " والخبر الذي ذكره أخيرا عنهم مساو لصحيح ابن عمار بناء على إرادة الجنس من المملوك فيه، كما أن المروي في الصحيحين مساو لصحيح زرارة ومع فرض تقيد صحيح المملوك بالمرسل بالنسبة إلى ذلك يتقيد الجميع به أيضا، ولعله كذلك لما حكاه الفخر في شرح القواعد من الاتفاق على المرسل المزبور. كما أنه يقوى الجمع هنا بحمل المطلق على المقيد بالنسبة إلى خصوص المذكور من الجزاء وإن لم نقل به في غير المقام للتنافي فيه دون غيره، ولا ينافي ذلك استحباب العتق المستفاد من قوله تعالى (4): " فك رقبة " وغيره. إنما الكلام في ترتب الجزاء المزبور، وهو العتق من النار.


(1 و 2) سنن البيهقى ج 10 ص 271 و 272. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب العتق الحديث 4. (4) سورة البلد: 90 - الاية 13.

[ 89 ]

ثم إن الظاهر إرادة الكناية باللفظ المزبور عن عتق المعتق من النار بعتقه والترغيب فيه، لا المقابلة حقيقة حتى يأتي الكلام في فقد الاعضاء في المعتق والمعتق وزيادتها، نعم ينبغي ملاحظة الذكورة والانوثة وإن كان الرجاء بالله والظن به السراية فيما يعتق بعتقها من العضوين بالعضو، والله العالم. (ويختص الرق) أي الاسترقاق (بأهل الحرب دون اليهود والنصارى والمجوس القائمين بشرائط الذمة) بلا خلاف في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى أصالة عدم ملك أحد لاحد وغيرها عدا ما خرج بالدليل من استرقاق الكفار أهل الحرب الذين يجوز قتالهم إلى أن يسلموا أو يقيموا بشرائط الذمة إن كانوا من الفرق الثلاثة. (و) من هنا (لو أخلوا) بذلك (دخلوا في أهل الحرب) بالنسبة إلى جواز استرقاقهم اتفاقا محكيا في المسالك، بل ومحصلا. ولا فرق في أهل الحرب بين أن ينصبوا الحرب للمسلمين ويستقلوا بأمرهم أو يكونوا تحت حكم الاسلام وقهره، كمن بين المسلمين من عبدة الاوثان والنيران وغيرهم، إلا أن يكونوا مهادنين للمسلمين بالشرائط المقررة في كتاب الجهاد (1) المذكور فيه كيفية استرقاق الحربي وشرائطه، إذ المراد هنا بيان أصل اختصاص ذلك بالحربي، لا بيان جواز الاسترقاق لكل حربي، كما هو واضح لكل من أحاط خبرا بما في الكتاب المزبور. ثم إذا استرقوا يسري الرق إلى أعقابهم المتجددين بعد الاسترقاق الذينهم نماء الملك وإن أسلموا ما لم يتحرروا، فتسري الحرية في الاعقاب المتأخرة وإلا إذا كان أحد الابوين حرا فتغلب الحرية إلا مع شرط الرق، كما تقدم في كتاب النكاح، ولا فرق في الاسترقاق لمن عرفت بين المؤمن والمخالف والكافر، كما في


(1) راجع ج 21 ص 265 إلى 277.

[ 90 ]

التحرير والقواعد والدروس وغيرها، ولعله لانهم حينئذ كالمباحات التي يملكها من تملكها، نعم لا بأس بتملك من في يد الكفار منهم إذا كانوا حربيين كباقي أموالهم. هذا وفي كشف اللثام في شرح قوله في القواعد: " ولا فرق بين سبي المؤمنين والكفار " قال: " لا فرق في جواز الاسترقاق بين سبي المؤمنين وغيرهم من فرق الاسلام والكفار، وإن اختص الرقيق بالامام عليه السلام أو كانت فيه حصته فقد رخصوا في ذلك للشيعة في زمن الغيبة، وغير المؤمن يملك بالسبي في الظاهر، فيصح الشراء منه، ويقوى التملك بالاستيلاء على مسبيه بغير عوض " وفيه أن ذلك خروج عما نحن فيه من حصول الاسترقاق للحربيين في الجملة للمؤمن وغيره ولو بسرقة واغتيال ونحوهما، لا في خصوص الغنيمة بغير إذن الامام عليه السلام التي هي من الانفال المختصة بالامام عليه السلام المرخص فيها للشيعة زمن الغيبة لتطيب مواليدهم كما تقدم البحث في ذلك في محله (1) ومنه يعلم ما في قوله: " ويقوى التملك " إلى آخره، وتمام التفصيل في ذلك كله في غير المقام، والله العالم. (وكل من أفر على نفسه بالرق مع جهالة حريته) ولو لعدم ادعائها سابقا على الاقرار وكان بالغا رشيدا (حكم برقه) بلا خلاف ولا إشكال، لعموم قوله صلى الله عليه وآله (2): " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " ولقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (3): " كان علي عليه السلام يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك " بل إطلاقهما يقتضي عدم اعتبار الرشد كما هو المحكي عن الاكثر، ولا ينافيه ما دل (4) على منع السفيه من التصرف المالي


(1) راجع ج 16 ص 134 إلى 144. (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2 والمستدرك الباب - 2 - منه الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 29 - من كتاب العتق الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الحجر الحديث 1.

[ 91 ]

ولو إقرارا الظاهر في غير الفرض، بل في المسالك وغيرها " أن الاقرار بالرقية ليس إقرارا بمال، لانه قبل الاقرار محكوم بحريته ظاهرا " وإن كان لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فما قيل - من اعتباره لان إقراره وإن لم يتعلق بمال ابتداء ولكنه كشف عن كونه مالا قبل الاقرار، فانه إخبار عن حق سابق عليه لا إنشاء من حينه، ولامكان أن يكون بيده مال، فان إقراره على نفسه يستتبع ماله، فيكون إقرارا بمال محض ولو بالتبعية - واضح الضعف، لما عرفت من عدم ظهور أدلة منع السفيه فيما يشمل الفرض، فيبقى على مقتضى العموم السابق الذي يلزمه معه تبعية ما في يده. هذا وفي المسالك " ويضعف الاول بأن ذلك لو منع قبول الاقرار لادى إلى قبوله، لانه إذا لم يقبل بقي على أصل الحرية، فينفذ إقراره، فيصير مالا، فيرد فيصير حرا، وذلك دور، والمال جاز دخوله تبعا وإن لم يقبل الاقرار به مستقلا، كما لو استلحق واجب النفقة، فقد قيل: إنه ينفق عليه من ماله باعتبار كونه تابعا لا أصلا، أو يقال: يصح في الرقية دون المال لوجود المانع فيه دونها كما سمع في الاقرار بالزوجية دون المهر ". وفيه منع الملازمة المقتضية للدور، ضرورة اقتضاء عدم قبوله البقاء على الحرية التي لا يقتضي قبول الاقرار مع فرض عدم الرشد، وأما ما ذكره أخيرا من الاحتمال ففيه اقتضاء بقاء المال حينئذ بلا مالك، وقياسه على المهر واضح الفساد. وعلى كل حال فمع قبول إقراره لا يسمع انكاره بعد ذلك، بل لا تقبل بينته التي كذبها بإقراره، نعم في المسالك وغيرها " إلا أن يظهر لاقراره تأويلا يدفع التناقض، فيقوى القبول، كما لو قال: لم أعلم بأني تولدت بعد إعتاق أحد الابوين فأقررت بالرق، ثم ظهر لي سبق العتق على الاقرار بالبينة أو الشياع المفيد لذلك ". قلت: لا يخلو ذلك من بحث ما لم يحصل العلم بفساد إقراره السابق.

[ 92 ]

ولو أنكر المقر له رقيته بقي على الرقية وإن كانت مجهولة عندنا ولا يقبل رجوعه أيضا، لعموم أدلة جواز الاقرار عليه، ويكلف حينئذ بالتوصل إلى مالكه، كما لو أقر بمال شخص فأنكره، ولكن في المسالك " يتجه حينئذ جواز رجوعه، لانه مال لا يدعيه أحد، وإقراره السابق قد سقط اعتباره برد المقر له، فإذا لم يصر حرا بذلك فلا أقل من سماع دعواه الحرية بعد ذلك " وفيه أن رد المقر له لا يقتضي عدم جواز الاقرار على المقر، بل وكذا لو لم يعين المقر له ابتداء ثم رجع وإن قال في المسالك: " أولى بالقبول " لكنه لا يخلو من نظر، خصوصا إذا لم يلتزم نحو ذلك في الاقرار بمال غير الرقية. وإذا بيع العبد في الاسواق لم يقبل دعواه الحرية إلا ببينة عملا بالظاهر، أما مجرد اليد عليه فغير كاف كما في الدروس، فتقبل دعواه حربة الاصل لا عروض الحرية إلا ببينة، قلت: لا يخلو عدم الاكتفاء باليد من بحث قد تقدم هو وكثير من مسائل إقرار العبد في كتاب البيع في باب الحيوان (1) فلاحظ وتأمل، والله العالم. (وكذا الملتقط في دار الحرب) يحكم برقيته للملتقط، بناء على أن الالتقاط من الاستيلاء المملك وإن لم يقصد التملك، وإلا فالمراد يجوز استرقاقه تبعا للدار في اللحوق بحكم أهل الحرب الذين قد عرفت جواز استرقاقهم، نعم يشترط في ذلك أن يكون فيها مسلم يمكن تولده منه ولو انثى، وإلا حكم بحريته للاصل، ولكن فيه بحث إن لم يكن إجماعا قد ذكرناه أيضا في كتاب البيع في باب بيع الحيوان (2) فلاحظ وتأمل، والله العالم. (وإذا اشترى إنسان من حربي ولده أو زوجته أو أحد ذوي أرحامه كان جائزا وملكه) وإن كان ممن ينعتق عليه، ولكن يكون عند جماعة استنقاذا


(1) راجع ج 24 ص 149 إلى 153. (2) راجع ج 24 ص 138 و 139.

[ 93 ]

لا شراء من جانب المشتري، فيملكه حينئذ المشتري بالاستيلاء عليه لا بالشراء (إذ هم في الحقيقة فيئ) للمسلمين فيجوز التوصل إلى ما يقتضي تملكه، وقد تقدم في كتاب البيع في باب الحيوان (1) تحقيق الحال في ذلك، وقد ذكرنا هناك خبر اللحام (2) الدال على صحة الشراء حقيقة. ومن الغريب أن الفاضل جزم بصرف الشراء في الفرض إلى الاستنقاذ، وتوقف في لحوق أحكام البيع له من الخيار والارش، وفي الدروس هنا " ولو اشترى من الكافر قريبه جاز وإن كان ممن ينعتق عليه، ويكون استنقاذا لا شرءاا من جانب المشتري، فلا يثبت فيه خيار المجلس والحيوان، والاقرب أن له رده بالعيب وأخذ الارش واشكل بأن الارش عوض الجزء الفائت في المبيع ولا بيع هنا: وبأنه قد ملكه بالاستيلاء فكيف يبطل ملكه بمجرد الرد، وليس من الاسباب الناقلة للملك شرعا في غير البيع الحقيقي، ودفع بأن قدوم الحربي على البيع التزام بأحكام البيع التي من جملتها الرد بالعيب أو أخذ أرشه، فرده عليه ينزل منزلة الاعراض عن المال، والثمن غايته أن يكون قد صار ملكا للحربي، والتوصل إلى أخذه جائز بكل سبب، وهذا منه بل أولى، لانه مقتضى حكم البيع ". وفيه - مع أنه لا يتم في مال الحربي المعتصم بدخول دار الاسلام بأمان - أنه يقتضي جريان غير ذلك من أحكام البيع التي منها الخيار الذي قد صرح بعدم جريانه عليه، فلا محيص حينئذ بعد القول بالتزام أحكام البيع عن القول بصحته حقيقة، لعدم الانعتاق عليه كما التزم به هنا في المسالك، أو باجراء حكم الصحة عليه في


(1) راجع ج 14 ص 137 و 138. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب بيع الحيوان 2 و 3 من كتاب التجارة.

[ 94 ]

جانب البيع ولو لنصوص (1) الالزام، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب البيع (2) فلاحظ وتأمل. ويمكن أن يقال: إن ما في الدروس مبني على تعدية حكم الرد والارش لما يؤخذ استنقاذا أيضا كالبيع، فان معناه على ما صرح به الفخر في الشرح عوض عن يد شرعية في نفس الامر كهذه أو ظاهرا أو غير شرعية، بل صرح الكركي أيضا بنحو ذلك، وقال: " إن ما يبذله المشتري في الفرض عوض عن يد شرعية " والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف أجده في أنه (يستوي سبي المؤمن والضلال) ولو الكافرين (في استباحة الرق) بل ادعى بعض مشائخنا الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إطلاق الادلة، وإلى خصوص الصحيح (3) عن أبي الحسن عليه السلام قال رفاعة له: " إن الروم يغيرون على الصقالية والروم فيسترقون أولادهم من الجواري والغلمان، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم، ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم قد سرقوا وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال: لا بأس بشرائهم، إنما اخرجوا من الشرك إلى دار الاسلام " وإطلاق خبر إبراهيم بن عبد الحميد (4) عنه عليه السلام أيضا " في شراء الروميات فقال: اشترهن وبعهن " وخبر عبد الله اللحام (5) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل اشترى


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 5 و 6 و 10 و 11 والباب - 4 - من أبواب ميراث الاخوة والباب - 3 - من أبواب ميراث المجوس من كتاب المواريث. (2) راجع ج 24 ص 136. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 1 وفيه " الصقالبة " كما في الكافي ج 5 ص 210 والتهذيب ج 6 ص 162. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 2 من كتاب التجارة. (5) الوسائل الباب - 3 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 3 من كتاب التجارة.

[ 95 ]

امرأة رجل من أهل الشرك يتفخذها، قال: فقال: لا بأس " فمن الغريب ما في المسالك هنا من " أن المراد بالضلال ما يشمل المسلمين منهم والكافرين، فلو سبي كافر مثله ملكه، وجاز شراؤه منه، وكان الكلام في شرائه منه كالكلام في شراء ولده وزوجته منه، ولو كان الكافر ذميا أو مسلما مبدعا فلا إشكال في تملكه، وقد أباح الائمة عليهم السلام شراء ذلك منهم وغيره من ضروب التملكات وإن كان للامام أو بعضه من غير اشتراط إخراج الحصة المذكورة " والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (ازالة الرق تكون بأسباب أربعة: المباشرة والسراية والملك والعوارض). (اما المباشرة فالعتق والتدبير والكتابة) وان اختلفت في كيفية التسبيب بالنسبة إلى احتياج حصول الحرية منها الي أمر آخر غير الصيغة - كالتدبير والكتابة المفتقرين إلى الموت والتأدية - وعدم ذلك، كالعتق، وستعرف ذلك مفصلا. (أما العتق فعبارته الصريحة التحرير) بأن يقول: " أنت - أو هو أو فلان أو نحو ذلك - حر " فانه لا خلاف نصا (1) وفتوى في حصول التحرير به حينئذ، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد النص المتضمن لانشاء العتق به من سيد الساجدين عليه السلام (2) وإلا فقوله تعالى (3): " فتحرير رقبة مؤمنة " لا يقتضي كون الصيغة التي يحصل بها الانشاء ذلك، وإلا لاقتضى قوله تعالى (4): " فك


(1) الوسائل الباب - 28 - من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب الكفارات الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات. (3) سورة النساء: 4 - الاية 92. (4) سورة البلد: 90 - الاية 13.

[ 96 ]

رقبة " نحوه، (و) ليس كذلك اتفاقا محكيا إن لم يكن محصلا كما ستعرف. نعم (في) اشتقاقها من (الاعتاق) بأن يقول: " أعتقتك " (تردد) وخلاف ينشأ من التردد في المراد من النصوص (1) الواردة في ذلك المتقدمة في كتاب النكاح فيمن قال لامته: " اعتقتك وجعلت عتقك صداقك " أنه إنشاء العتق بذلك أو هو إخبار لها بالحال، وإن كان العتق قد حصل قبل ذلك بقول: " هي حرة وجعلت عتقها صداقها " وإن كان الظاهر منها الاول. لكن في الروضة " أن ظاهرهم عدم العتق بها، بل وبالصريح محضا، كحررتك، ولعله لبعد الماضي عن الانشاء، وقيامه مقامه في العقود على وجه النقل خلاف الاصل، فيقتصر فيه على محله " وهو غريب خصوصا بعد أن حكى هو قبل ذلك بيسير اتفاق الاصحاب على صحة العتق في قول السيد لامته: " أعتقتك وتزوجتك " نعم كان المتجه الاقتصار عليها دون " حررتك " التي لم نعثر في شئ من النصوص على إنشاء التحرير بها. كما أن المتجه الاقتصار عليها من التحرير بأنت حر، دون " انت عتيق " أو معتق، ضرورة كون المدار على ما ثبت من النصوص إنشاء التحرير به، وليس هو إلا " أنت - مثلا - حر " و " أعتقتك " بناء على أحد الوجهين في النصوص المزبورة، فلا وجه لالحاق " حررتك " بأعتقتك، كما لا وجه لالحاق " أنت عتيق " بأنت حر، لما عرفت من أن الثابت من النص (2) ذلك، وهو المراد من الصريح في كلامهم، لاصالة عدم زوال الرق، و " اوفوا بالعقود " (3) لا يشمل المقام على الاصح، وإطلاقات العتق المساقة لغير ذلك لا يستفاد منها كيفية الصيغة، خصوصا بعد وهنها أيضا باعراض الاصحاب عن ذلك واقتصارهم على خصوص التحرير أو هو


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب نكاح العبيد والاماء. (2) الوسائل الباب - 28 - من كتاب العتق. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (جواهر الكلام - ج 6)

[ 97 ]

مع الاعتاق. ولذا قال المصنف وغيره، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، بل لعله ظاهر غيره أو صريحه: (ولا يصح) إنشاء العتق (بما عدا التحرير) خاصة أو مع الاعتاق من أي لفظ (صريحا كان أو كناية ولو قصد به العتق كقوله) صريحا كما في القواعد: (فككت رقبتك) أو أزلت قيد الملك، (أو) كناية: (أنت سائبة) أو " لا سبيل لي عليك " أو " لا سلطان " أو نحو ذلك، خلافا للعامة، فجوزوه في الكناية فضلا عن الصريح. ومن ذلك يعلم أن المراد من الصريح أولا في كلامهم ما ذكرناه من أنه الذي ثبت شرعا إنشاء العتق به، لا الدال على المقصود بلا واسطة. بل ومنه يعلم أن وجه التردد في الاعتاق ما ذكرنا. لا كونه صريحا أولا، ضرورة أنه لا مجال لانكار صراحته، بل استعماله في ذلك أزيد من لفظ التحرير، كما لا يخفى على من تصفح النصوص. بل منه أيضا يعلم النظر فيما ذكره في المسالك وبعض من تأخر عنها من أن المدار على الصريح وعدمه، حتى التزم صحة إنشاء العتق بكل لفظ صريح في ذلك، وهو مناف لما عرفته من كلماتهم. بل مما ذكرنا يعلم النظر في عبارة المتن وغيرها إن كان المراد من التحرير والاعتاق فيها جواز اشتقاق الصيغة منهما بأي هيئة كانت، جملة اسمية أو فعلية، ضرورة كونه منافيا لما سمعته من التوقيفية في العتق الذي هو من العبادة أو شبهها في ذلك، فالمتجه حينئذ الاقتصار على الجملة الاسمية من التحرير والفعلية من الاعتاق، بناء على أحد الوجهين في النصوص المزبورة، ودعوى التعدية في كل منهما إلى الاخر لا دليل عليها، بل ظاهرهم خلافها، فتأمل جيدا، فانك لا تجد هذا المقام محررا في غير هذا الكتاب، والحمد لله الموفق المسدد. (ولو قال لامته: " يا حرة " وقصد العتق ففي تحريرها) بذلك (تردد) ينشأ من أنها بغير هيئة الصيغة المعهودة، ومن أنها مجاز بحرف النداء عن

[ 98 ]

معنى " أنت " (والاشبه) عنه المصنف وغيره (عدم التحرير لبعده عن شبه الانشاء) بل في كشف اللثام " إنما هو إنشاء للنداء وإن جاز التجوز به عنه، لكنه استعمال نادر يعد من الكنايات ". قلت: لكنه قد يناقش بأن الفرض عدم إرادة معنى النداء منه، بل المراد منه إنشاء العتق، وليس فيه إلا التجوز بموضوع الصيغة، وهو " أنت " من حرف النداء، ومن المعلوم أن موضوع الصيغة لا يعتبر فيه إلا ما يميزه من لفظ " أنت " و " هو " و " هذا " و " فلان " وغيرها من الالفاظ الحقيقية أو المجازية المعينة له، وإنما الممنوع الكناية والتجوز بمحمول الصيغة الذي هو " حر " ودعوى جزئية موضوع الصيغة منها على وجه لا يجوز تمييزه باللفظ المجازي لا شاهد لها، بل يمكن القطع بعدمها، نعم لو كان المراد من حرف النداء معناه ولكن مع إنشاء التحرير بقوله: " حرة " اعتمادا على تقدير " أنت " بمعونة حرف النداء أمكن الاشكال فيه بكونه خلاف الثابت من الصيغة، ومثله إذا قال: " حر " من دون ذكر الموضوع وإن دل عليه الحال أو غيره، والله العالم. (ولو كان اسمها " حرة " فقال: أنت حرة فان قصد الاخبار لم تنعتق) قطعا (وإن قصد الانشاء صح) كذلك (وإن جهل منه الامران) رجع إلى قوله في نيته، للاشتراك وعدم الوصلة إلى امتياز المراد منه إلا قوله، ويقبل وإن خالف القانون وادعى قصد الاخبار أو عكس، كما إذا لم يقف وجاء به منونا، أو بلا تنوين، فان الاسم غير منصرف بخلاف الصفة. (و) إن (لم يمكن الاستعلام) بموت ونحوه (لم يحكم بالحرية) قطعا (لعدم اليقين بالقصد) أي قصد الانشاء، فيبقى على أصالة الرق (و) لكن في المتن (فيه تردد منشأه التوقف بين العمل بحقيقة اللفظ والتمسك بالاحتمال) وهو كما ترى، ضرورة اشتراك الصيغة بين الاخبار والانشاء، فمع فرض عدم ما يقتضي أحدهما تبقى أصالة الرقية وغيرها بلا معارض، كما هو واضح،

[ 99 ]

والله العالم. (ولابد من التلفظ بالصريح) أو ما يقوم مقامه على الاقوى، كما عرفته فيما تقدم، (ولا تكفي الاشارة مع القدرة على النطق ولا الكتابة). كما في غيره من العقد والايقاع، للاصل وحسن زرارة (1) قال للباقر عليه السلام: " رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثم بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتى يتكلم به " مؤيدا بقوله عليه السلام (2): " إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام ". بل لابد من النطق بالعربية مع القدرة عليها أيضا للاصل أيضا بعد عدم تلقي غير العربي منه عليه السلام، بل لعل المنساق العربي من كل ما كان موضوع الحكم فيه القول واللفظ والكلام ونحوه ذلك. نعم يكفي مع العجز الاشارة المفهمة الملحق بها أو أولى منها سائر اللغات، لفحوى نصوص الاخرس (3) وخصوص صحيح الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أباه حدثه أن أمامة بنت أبي العاص الربيع وامها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تزوجها بعد علي عليه السلام المغيرة بن نوفل إنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها، فأتاها الحسن والحسين عليهما السلام وهي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان والمغيرة كاره لما يقولان: أعتقت فلانا وأهله، فتشير برأسها أن نعم، وكذا وكذا، فتشير برأسها نعم أم لا، قلت: فأجازا ذلك لها ؟ قال: نعم " وغير ذلك مما مر في نظائر المسألة، والله العالم. (ولا بد من تجريده عن الشرط، فلو علقه على شرط مترقب) كقدوم


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 2 من كتاب الطلاق. (2) الوسائل الباب - 8 - من ابواب أحكام العقود الحديث 4 من كتاب التجارة. (3) الوسائل الباب - 59 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 والباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق. (4) الوسائل الباب - 44 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 100 ]

زيد (أو صفة) معلومة الوقوع كطلوع الشمس أو غيره عدا التدبير (لم يصح) وإن وقع الشرط، لانه لا يقع إلا منجزا إجماعا في محكي الخلاف والسرائر والمختلف، وهو الحجة، مضافا إلى محكي الاجماع أيضا على اعتبار التنجيز في مطلق العقد والايقاع إلا ما خرج، وإلى ما ذكرناه مكررا من منافاة ذلك لظاهر الادلة المقتضية لسببيته إذا كان التعليق مقتضيا لتأخر أثره، وإلى أن الثابت سببيته من الادلة الشرعية المنجز، بل مقتضى الاول والاخير عدم صحته وإن كان المعلق عليه متحققا حال الصيغة، لان ذلك لا يخرجه عن كونه إنشاء معلقا. نعم لو علقه بالنقيضين وقع مع اتحاد الكلام، لظهور الجمع بينهما في إرادة التأكيد دون التعليق، مع أنه احتمل العدم فيه للتعليق، بل هو خيرة الفخر في الشرح وإن كان ضعيفا، لكون المفروض إرادة التأكيد لا التعليق، أما مع اختلاف الكلام فالمتجه العدم، لما عرفت، وكذا لا يصح لو قال: " أنت حر متى شئت " وإن بادر إلى المشيئة، لانه من التعليق أيضا حتى لو قال: " إني كنت شئت حين قلت ذلك " لما عرفت من تحقق التعليق وإن اتحد زمان الانشاء والايقاع، ومنه يعلم فساد احتمال حصول التحرير بقوله: " أنت حر " وإلغاء قوله: " متى شئت " ضرورة كون القصد إنشاء معلقا، فلا يترتب عليه الاثر، كما هو واضح. وعلى كل حال فما عن القاضي من الوقوع مع التعليق على الوقت وأبى علي على الشرط واضح الضعف، وكذا ما عساه يظهر من محكى النهاية والاستبصار من أنه يقع مشروطا في النذور والقربات، كقوله: " إن شفاني الله فعبدي حر " دون اليمين كقوله: " إن دخلت الدار فعبدي حر " ونحوه عن الغنية. بل في اللمعة والروضة " لو نذر عتق عبده عند شرط سائغ على ما فصل انعقد النذر والعتق مع وجود الشرط " وفي الاخير " إن كانت الصيغة إن كان كذا من الشرط

[ 101 ]

السائغ فعبدي حر، ووجب عتقه إن قال: لله علي أن أعتقه، والمطابق للعبارة الاول، لانه العتق المعلق لا الثاني، فانه الاعتاق، ومثله القول فيما إذا نذر أن يكون ماله صدقه أو لزيد أو أن يتصدق به أو يعطيه لزيد، فانه ينتقل عن ملكه بحصول الشرط في الاول، ويصير ملكا لزيد قهريا، بخلاف الاخير، فانه لا يزول ملكه به، وإنما يجب أن يتصدق به أو يعطى زيدا، فان لم يفعل بقي على ملكه وإن حنث، ويتفرع على ذلك إبراؤه منه قبل القبض، فيصح في الاول دون الثاني ". وفيه (أولا) أن ذلك ليس من العتق بالصيغة معلقا، بل هو بالنذر الذي ثبت فيه مشروعية التعليق، والبحث إنما هو في إنشاء العتق بصيغته معلقا، و (ثانيا) إمكان منع صحة ذلك، لعدم اقتضاء أدلة النذر مشروعية نذر الاثار التي أوقفها الشارع على صيغ خاصة كالنكاح والطلاق والوقوف ونحوها، بل وكذا الكلام في نذر كون المال لزيد، نعم لو نذر كونه لله خرج عن ملكه ووجبت الصدقة به، وقد تقدم منا البحث في وقوع هذه الاثار لو كانت بالشرط الذي يقتضي أدلته كونه أوسع دائرة من النذر، فلاحظ وتأمل. والله العالم. (وكذا) لا يصح (لو قال يدك حرة أو رجلك أو رأسك أو وجهك) بلا خلاف أجده بين من تعرض له، بل عن الانتصار الاجماع عليه، بل ولا إشكال إذا كان المراد تحرير الاجزاء المزبورة، ضرورة عدم ثبوت مشروعيته، بل الثابت عدمه، أما مع إرادة الكناية بذلك عن الشخص نفسه - ولو مجازا لعلاقة الجزء والكل وإن كان على الوجه الفاسد - فيشكل عدم صحته بتحقق صيغة العتق التي لم يثبت اعتبار ذلك المعتق فيها باسمه أو بما يدل عليه حقيقة، وكون العتق لا يقع بالكناية إنما يراد به ما يدل على التحرير لا المحرر، وفي كشف اللثام إن أراد بالوجه الذات وقع، لكونها من معانيه، وللعامة قول بالوقوع إذا علق على ما يطلق على الجملة كالرأس، وآخر به مطلقا. وفي المسالك بعد أن ذكر عدم وقوع العتق بالاجزاء المزبورة قال: " وإن كان

[ 102 ]

الوجه والرأس قد يطلق على الذات عرفا، لانه خلاف المتبادر، ولعدم نقل مثل ذلك شرعا " وفيه أن التبادر وعدمه لا مدخلية له في المقام، إذ الفرض معلومية كون ذلك مراد اللافظ، وعدم النقل شرعا لمعلومية عدم التعبد فيما يدل على المعتق. ثم قال: " واعلم أنه قد تقدم وقوع الكفالة المتعلقة بالوجه والرأس معللا بأنه قد يعبر بهما عن الجملة عرفا، والفرق بين الكفالة والعتق أن القصد الذاتي منها إحضار البدن، والذات تابعة عرفا، وهنا بالعكس، فان الحرية المقصودة من العتق متعلقها الذات، والبدن تابع إذا جعلناه غيره، وأما الفرق بينهما بأن المعتبر في الكفالة العرف وفي العتق الشرع فلا يخلو من تحكم وإن كان العرف منصرفا في الفرق الاول " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه. بل منه يعلم ما في قول المصنف وغيره: (أما لو قال: بدنك أو جسدك فالاشبه وقوع العتق لانه هو المعنى بقوله أنت حر) أي أنهما في العرف بمعنى واحد، ولا إشكال في وقوع العتق بالاخير، سواء قلنا بكون الانسان جسما أو جسمانيا، فكذا ما كان بمعناه عرفا عاما، ولان المالكية والمملوكية يتواردان على الموضوع الواحد، والمملوكية تتعلق بالهيكل المحسوس قطعا فكذا المالكية المترتبة عليها الحرية، ومن هنا قال في المسالك: " والاقوى الوقوع بذلك إلا أن يكون القائل معتقدا أن الانسان خلاف ذلك، وادعى قصد شئ غيره، فيرجع إليه فيه ". قلت: لا ينبغي التأمل في الصحة إذا كان المراد من ذلك معنى " أنت " أو " زيد " أو نحوهما مما يدل على الجملة، لما عرفت: كما أنه لا ينبغي التأمل في البطلان إذا كان المراد خلاف ذلك، خصوصا مع عدم تناول اسم الجسد والبدن لجميع أجزاء الشخص، كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (هل يشترط تعيين المعتق ؟ الظاهر) عند المصنف

[ 103 ]

أنه (لا) يشترط، بل هو المشهور على ما قيل، بل عن الكنز أنه لم يظهر فيه خلاف، لاطلاق الادلة وتغليب الحرية السالمين عن معارضة عدم صلاحية تعلق الحكم بالمبهم بعد فرض تحققه في الشرع فيما إذا أعتق مماليكه كلهم في مرضه ولم يخرجوا من الثلث ولم يجز الورثة، فانه يخرج قدر الثلث بالقرعة إلا أنه إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة بأنه الثابت من النصوص (1) المتضمنة للصيغة المعينة، وقد عرفت أن الاطلاقات غير مساقة لبيان ذلك، والابهام الثابت في الفرض المزبور لا يستفاد منه جواز الابهام في متعلق الصيغة أولا، وإنما كان المتجه فيه العتق بالثلث المشاع في العبيد إلا أنه لمكان النص (2) صحت القرعة فيه على الثلث المعين، ومن هنا يقوى احتمال الاشتراط، بل قد تقدم في الطلاق ما يستفاد منه قوته زيادة على ذلك، ولعله لذا كان ظاهر الشهيد في الدروس التوقف، بل هو صريح الفخر في الشرح، بل صريح نهاية المرام عدم الجواز بعد أن حكاه قولا، نعم لا محيص عن القول به هنا مع فرض الاجماع المزبور وحينئذ (فلو قال: أحد عبيدي حر صح ورجع إلى تعيينه) عند المشهور أيضا لنحو ما سمعته في الطلاق (3) ولكن قد ذكرنا هناك قوة القول بالرجوع إلى القرعة التي هي لكل أمر مشكل لا المشتبه خاصة، كما يقتضي به أصل مشروعيتها، وهو مساهمة يونس عليه السلام (4) ولا ريب في تحقق الاشكال مع فرض عدم الطريق وفرض وقوع العتق بالصيغة لا بها مع التعيين إذ لم يثبت كون التعيين تشهيا منه حينئذ طريقا شرعا إلى ذلك كما أوضحناه هناك (ف‍) لاحظ وتأمل.


(1) الوسائل الباب - 28 - من كتاب العتق والباب - 30 - من أبواب الكفارات الحديث 1 والمستدرك الباب - 24 - من كتاب العتق. (2) الوسائل الباب - 65 - من كتاب العتق. (3) راجع ج 32 ص 52. (4) سورة الصافات: 37 - الاية 141.

[ 104 ]

نعم بناء عليه (لو عين ثم عدل لم يقبل) لعدم بقاء موضوع العتق بعد تعيينه، فيبقى حينئذ من عدل إليه على أصل الرقية بعد فرض لغوية تعيينه الثاني، وقد تقدم في الطلاق (1) تحقيق الحال في أن التعيين المزبور كاشف عن العتق بالصيغة، وعليه مبني قوة القول بالقرعة أو أنه متمم لها، فيحصل حينئذ من حينه مع سائر الفروع المتعلقة بذلك وبغيره التي لا يخفى عليك جريانها في المقام، فلاحظ وتدبر. (و) منها ما (لو مات قبل التعيين) فانه (قيل: يعين الوارث) الذي هو خليفة الموروث وقائم مقامه حتى في مثل التعيين الراجع إلى التشهي، بل قد يدعى انتقاله إليه بالارث كحق الخيار ونحوه (وقيل: يقرع) لعدم موردية نحو التعيين المزبور، ولا دليل على قيام الوارث مقامه في تعيين المبهمات، فليس حينئذ إلا القرعة (وهو أشبه لعدم اطلاع الوارث على قصده) الناشئ تشهيا، وعدم ثبوت إرثه لذلك، بل قد عرفت قوة القول بالرجوع إليها قبل الموت، بل يظهر من ترجيح المصنف وغيره الرجوع إليها هنا عدم اختصاصها بالمشتبه، وإنما يؤتى بها للترجيح كما قدمنا الكلام فيه في كتاب الطلاق (2) هذا كله في المبهم في نفس الصيغة ويراد إنشاء تعيينه. (أما لو أعتق معينا ثم اشتبه) عليه (ارجئ حتى يذكر) وعمل على مقتضى المقدمة حال عدم الذكر (فان ذكر عمل بقوله) مع عدم المعارض لانه المرجع في نحو ذلك، وتعين من عينه للعتق (ولو عدل بعد ذلك لم يقبل) لانه إنكار بعد إقرار للغير بحق الحرية، بل قيل: إنه يحكم بحرية المعدول إليه أيضا عملا بإقراره المتأخر وإن كان لنا فيه بحث قد تقدم في الطلاق (3) أيضا (فان


(1) راجع ج 32 ص 46 - 48. (2) راجع ج 32 ص 46 - 48. (3) راجع ج 32 ص 54.

[ 105 ]

لم يذكر لم يقرع ما دام حيا لاحتمال التذكر) فلم يتحقق الاشكال الذي هو موضوع القرعة، اللهم إلا أن يستلزم ذلك الضرر والتعطيل، فقد يقال حينئذ بها، ويأتي الكلام حينئذ فيما لو تذكر بعدها بما ينافيها كما تقدم الكلام فيه في كتاب الطلاق (1) فلاحظ. (ولو مات وادعى الوارث العلم) ولو لدعوى اطلاعه عليه منه (رجع إليه) ولكن فيه بحث قدمناه أيضا في كتاب الطلاق (2) (وإن جهل اقرع بين عبيده) بلا خلاف (لتحقق الاشكال واليأس من زواله) واحتمال الرجوع إلى الوارث هنا واضح الفساد. (ولو ادعى أحد مماليكه أنه هو المراد بالعتق) ولو للاطلاع عليه من قبله (فأنكر) المولى (فالقول قوله) أي المولى (مع يمينه) لانه منكر، (وكذا حكم الوارث) لعموم قوله صلى الله عليه وآله (3): " البينة على المدعى (و) اليمين على من أنكر " نعم (لو نكل) عن اليمين (قضى عليه) بالنكول إن قلنا به، وإلا احلف المملوك واعتق كما في غير ذلك من الدعاوي، وهو واضح. (و) كيف كان ف‍ (يعتبر في المعتق البلوغ وكمال العقل والاختيار والقصد إلى العتق والتقرب إلى الله) تعالى (وكونه غير محجور عليه) لسفه أو فلس بلا خلاف أجده في شئ من ذلك عدا من بلغ عشرا من الاول الذي ستعرف الكلام فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عموم الادلة، وخصوص صحيح زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن عتق المكره فقال ليس عتقه بعتق " وصحيحه الاخر خاصة أو مع محمد بن مسلم وبريد بن معاوية وفضيل واسماعيل


(1) راجع ج 32 ص 46. (2) راجع ج 32 ص 52. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ". (4) الوسائل الباب - 19 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 106 ]

الازرق ومعمر بن يحيى (1) عنه عليه السلام أيضا وعن أبي عبد الله عليه السلام " إن المدله ليس عتقه بعتق " وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن طلاق السكران قال: لا يجوز ولا عتقه " ونحوه صحيحه الاخر (3) عنه عليه السلام أيضا، وصحيح حماد وابن اذينة وابن بكير وغير واحد (4) عنه عليه السلام أيضا " لا عتق إلا ما اريد به وجه الله تعالى " ونحوه خبر أبي بصير (5) عنه عليه السلام أيضا، وخبر علي بن أبي حمزة (6) عنه عليه السلام أيضا " لا عتق إلا ما طلب به وجه الله عزوجل " (و) خبر عبد الاعلى مولى آل سام (7) عنه عليه السلام أيضا " لا طلاق إلا على كتاب الله، ولا عتق إلا لوجه الله " إلى غير ذلك. نعم (في عتق الصبي إذا بلغ عشرا وصدقته تردد) وخلاف، فالاكثر كما في كشف اللثام على العدم، لاطلاق الادلة في سلب عبارته، والشيخ على الصحة (ومستند الجواز رواية) الشيخ عن موسى بن بكر عن (زرارة (8) عن أبي


(1) الوسائل الباب - 20 - من كتاب العتق الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 21 - من كتاب العتق الحديث 1 - 2. (4) الوسائل الباب - 4 - من كتاب العتق الحديث 1. (5) الكافي ج 6 ص 178. (6) الوسائل الباب - 4 - من كتاب العتق الحديث 2 وهو خبر أبى بصير الذى أشار إليه (قده) فانه وان رواه في الوسائل عن على بن ابى حمزة عن أبى عبد الله عليه السلام الا أن الموجود في الكافي ج 6 ص 178 على بن أبى حمزة عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام وهناك صحيحة اخرى يدل على المطلوب لم يتعرض لها في الجواهر، وهي الصحيحة التى رواها في الوسائل في الباب - 13 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 2 عن حماد بن عثمان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " لا صدقة ولا عتق الا ما اريد به وجه الله عزوجل ". (7) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان الحديث 9. (8) الوسائل الباب - 56 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 107 ]

جعفر عليه السلام) قال: " إذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له من ماله ما أعتق وتصدق على وجه المعروف فهو جائز " وباسناده عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر (1) مثله، إلا أنه قال: " على حد معروف وحق فهو جائز " بل رواه الكليني أيضا عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد بن عيسى جميعا عن صفوان بن يحيى (2) إلى آخره، وفي النافع أسنده إلى رواية حسنة، وظاهره الميل إليه، بل ربما يؤيده ما تقدم من جواز وصيته بالمعروف التي منها العتق، بل منها التدبير بناء على أنه وصية به، وذلك لاستبعاد صحته تدبيرا وعدمها تنجيزا. ولكن من ذلك كله أطنب في المسالك في بيان سقوط هذه الرواية، وذلك لان في سندها موسى بن بكر، وهو واقفي غير ثقة. وابن فضال، وهو فطحي وإن كان ثقة، والشيخ تارة أوقفها على زرارة، واخرى إلى الباقر عليه السلام، كما أن المصنف أسندها إلى زرارة هنا، وقال في نكت النهاية: " إنها موقوفة " وفي النافع وصفها بالحسن، ولعله أراد غير الحسن المصطلح، إلى أن قال: " فمع هذه القوادح كيف تصلح لاثبات هذا الحكم المخالف لاصول المذهب، بل إجماع المسلمين، فاطراحها متعين، ويمكن حملها وحمل ما ورد (3) في معناها في جواز وقفه وصدقته ووصيته


(1) أشار إليه في الوسائل الباب - 56 - من كتاب العتق الحديث 1 وقد ذكره في التهذيب في موضعين: الاول في ج 8 ص 248 باسناده عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبى جعفر عليه السلام وفيه ".. وتصدق على وجه المعروف فهو جائز ". والثانى في ج 9 ص 181 باسناده عن على بن الحسن عن على بن الحكم عن موسى بن بكر عن زرارة مضمرا. وفيه "... على وجه معروف وحق فهو جائز " ولم نعثر على السند واللفظ اللذين ذكرا في الجواهر والوسائل. (2) أشار إليه في الوسائل الباب - 56 - من كتاب العتق الحديث 1 وذكره في الكافي ج 7 ص 28. (3) الوسائل الباب - 15 - من كتاب الوقوف والصدقات.

[ 108 ]

على أن ابن العشر محل إمكان البلوغ، كما تقدم في أن الولد يلحق به في هذا السن لامكان بلوغه بالمني فبسبب أنه في وقت إمكان البلوغ وجواز التصرف أطلقوا جواز تصرفه، والمراد به إذا انضم إليه ما يدل على البلوغ، بمعنى أنه من حيث السن لا مانع من جهته وإن توقف على أمر آخر، وهذا خير من إطراح الروايات الكثيرة " وتبعه على ذلك بعض من تأخر. ولكن الانصاف عدم كونها بهذه المثابة بعد أن عرفت روايتها في التهذيب والكافي وفي سندها بعض أصحاب الاجماع، كما أن القول بها ليس كذلك، خصوصا بعد التأييد بما عرفت، على أن ما ذكره أخيرا صالح للحكم بصحة العتق وإن لم ينضم إليه أمر آخر يقتضي البلوغ إذا فرض وقوع العتق منه على وجه يمكن معه نية القربة لغفلته عن الاشتراط أو جهل به أو غير ذلك، لاصالة الصحة التى يكفي في الحكم بها احتمال وجود شرط الصحة، مثل الحكم بلحوق الولد وإن لم يحكم ببلوغه، ومثل الحكم بصحة صلاة من شك في الطهارة بعد الفراغ منها، ونحو ذلك يجري في بيعه فضلا عن عتقه، فتأمل جيدا. ثم لا يخفى عليك أن نية القربة هنا مثلها في سائر ما تعتبر فيه، فلا يشترط التلفظ بها وإن اعتبر ذلك في الصيغة (و) هو واضح. كوضوح أنه (لا يصح) ال‍ (عتق) من (السكران) وغيره ممن لا عقل له ولا قصد له، لما عرفت والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يبطل باشتراط نية القربة عتق الكافر لتعذرها في حقه) باعتبار أن اشتراطها يقتضي كون العتق من العبادات، ومن المعلوم اعتبار الاسلام بل الايمان في صحتها، حتى كاد يكون ضروري المذهب إن لم يكن الدين، فلا يتصور حصول نية التقرب بالعبادة مع فقد شرطها، نعم لو قلنا بعدم اشتراطها في صحته وأن النصوص المزبورة محمولة على نفي الكمال وعدم ترتب الثواب بدونها فلا إشكال في صحته حينئذ، ضرورة كونه من المعاملة التي لا إشكال في

[ 109 ]

صحتها منه لا العبادة. (و) لعله لذا (قال الشيخ في الخلاف) والمبسوط: (يصح) مطلقا سواء كان الكفر بانكار الصانع أو غيره، بل بعض الاستدلال للقول المزبور في المسالك وغيره ظاهر أو صريح في ذلك وإن كان هو لا يخلو عن تشويش، فانه حكى الاحتجاج عنه بأن " العتق فك ملك وتصرف مالي ونفع للغير، والكافر أهل لذلك، بل ملكه أضعف من ملك المسلم، ففكه أسهل، ولبناء العتق على التغليب، وجاز حمل الخبر (1) على نفي الكمال، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم (2): " لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " ومن ثم وقع الاتفاق على بطلان عبادة الكافر المحضة دون عتقه ونحوه من تصرفاته المالية المشتملة على العبادة - كالوقف والصدقة - ترجيحا لجانب المالية على العبادة ". وهو كما ترى، إذ لا فرق في اعتبار الاسلام في صحة العبادة سواء كانت مالية أو غير مالية، وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه. وأضعف منه القول بالتفصيل - وإن اشتهر بين المتأخرين - بين كون كفره بجحد الالهية أصلا، فلا يصح منه لتعذر قصد القربة، وبين كونه بجحد النبي صلى الله عليه وآله ونحوه فيصح، لان قوله عليه السلام (3): " لا عتق " إلى آخره - الذي حمله على نفي الصحة أولى لانها أقرب إلى نفي الحقيقة - لا يقتضي إلا اشتراط إرادة التقرب المتوقفة على الاقرار به، ولا يلزم من ذلك حصول المراد الذي هو أمر آخر لا يدل عليه الخبر، بل كونه عبادة مطلقا ممنوع، بل من هذا الوجه، وهو لا يمنع وقوعه من الكافر المقر، إذ هو كما ترى كاد أن يكون من غرائب الكلام، ضرورة اقتضاء الصحة في العبادة موافقة الامر المقتضية ترتب الجزاء عليها، كضرورة كون المراد بنية القربة إنشاء التقرب على وجه يترتب عليه أثره، ولذا نافاها الرياء ونحوه من منافيات الاخلاص من غير فرق بين العبادة المالية وغيرها، بل وبين الزكاة والخمس


(1 و 3) الوسائل الباب - 4 - من كتاب العتق. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 110 ]

وغيرهما، وإرادة وجه الله به المذكورة في النصوص (1) يراد بها ذلك لا إرادته على الوجه الذي ذكره وبذلك كله ظهر لك تطرق النظر في جملة من الكلمات، وقد تقدم منا سابقا بعض الكلام في ذلك، فالتحقيق عدم صحته من الكافر مطلقا، خصوصا مع استلزامه للولاء الذي هو سبيل على المسلم لو كان العبد مسلما، بل المتجه عدم صحته من غير المؤمن بناء على أنه من العبادات إلا أني لم أجد من تعرض له، بل لعل السيرة القطعية تقضي بخلافه، ويمكن التزام خروج ذلك كالمساجد بها من بين العبادات إلا أنه كما ترى، والله العالم. (ويعتبر في المعتق) بالفتح (الاسلام والملك، فلو كان المملوك كافرا لم يصح عتقه) عند الاكثر كما في المسالك، بل عن بعض الاجماع عليه وإن كنا لم نتحقق الاول منهما فضلا عن الثاني، وليس في قوله تعالى (2): " فك رقبة " إلى قوله: " ثم كان من الذين آمنوا " دلالة على صحة ذلك منهم على وجه يترتب عليه أثره، بل يمكن دعوى دلالته على العكس، لقوله تعالى (3): " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " والنهي يقتضي الفساد، ولعدم كونه محلا للتقرب إلى الله تعالى الذي عرفت اعتباره في عتقه، خصوصا بعد الامر (4) بمحادته والنهي (5) عن موادته والاحسان إليه، ولخبر سيف بن عميرة (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 13 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 2 و 3 والباب - 4 - من كتاب العتق. (2) سورة البلد: 90 - الاية 13. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 267. (4 و 5) راجع البحار ج 75 ص 385 إلى 392 وفيها الايات والاخبار الدالة على ذلك. (6) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 5.

[ 111 ]

أيجوز للمسلم أن يعتق مشركا ؟ قال: لا ". إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة كون المراد الردئ من الخبيث في الاية، لا الخبيث من حيث الاعتقاد دون المالية التي قد تكون خيرا من مالية العبد المسلم، ولو سلم فالنهي إنما هو من خصوص الصدقة الواجبة، للاجماع على جواز إنفاق الردئ من المال وجيده بالصدقة ونحوها، وكون محلا للتقرب يتبع المستفاد من الادلة، فمع فرض اقتضاء إطلاقها الامر بعتق مطلق الرقبة مسلمة كانت أو كافرة فلا إشكال في صحة النية حينئذ، إذ ليست عبادية العتق مأخوذة من رجحان الاحسان ونحوه. على أن المصالح المترتبة على ذلك لا يحيط بها إلا علام الغيوب، فربما أدى ذلك إلى إسلامه، كما روي (1) " أن عليا عليه السلام أعتق عبدا نصرانيا فأسلم حين أعتقه " بل ربما ورد (2) في بعض النصوص الامر بسقيهم وإطعامهم معللة بأن " لكل كبد حراء أجر " وخبر سيف مع ضعفه وكونه أخص من المدعى يمكن حمله على ضرب من الكراهة، نحو النهي (3) عن عتق غير المؤمن، لرجحان إطلاق الادلة المعتضد بما سمعته من المروى من فعل علي عليه السلام، ومعلومية جواز عتق غير المؤمن الذي هو أشد من الكافر عليه، (و) من هنا (قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف والمبسوط وعن ابن سعيد في محكي الجامع: (يصح مطلقا و) مال إليه بعض. نعم من الغريب هنا ما (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية: (يصح مع النذر) لا مع عدمه جمعا بين الخبرين (4) المزبورين، وهو كما ترى


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الصدقة الحديث 3 من كتاب الزكاة والتعليل الوارد انما هو لسقى الحيوان كما في سنن البيهقى ج 4 ص 186. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 2 و 5.

[ 112 ]

لا شاهد له، ولا إشعار في شئ منها به، على أن النذر يعتبر فيه رجحان المنذور قبل تعلق النذر، فتنتفي صحته بدونه، كما هو واضح، والله العالم. (ويصح عتق ولد الزنا) كما هو المشهور فتوى وعملا، لاطلاق الادلة، وخصوص خبر سعيد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا بأس بأن تعتق ولد الزنا " الشامل لحال صغره الذي لم يحكم فيه بالتبعية وإن كان من كافرين، وحال كبره مع وصف الاسلام، بل وإن وصف بالكفر في غير السراية، لما عرفت من صحة عتق الكافر. (وقيل) والقائل المرتضى وابن إدريس، (لا يصح بناء على كفره) ذاتا ؟ وإن وصف بالاسلام، بل عن الاخير منهما دعوى الاجماع على ذلك، (و) لكن (لم يثبت) ذلك، ورواية عدم نجابته (2) - الوارد نظيرها في ولد الحائك لا تقتضي ذلك قطعا، وكذا قول الصادق عليه السلام (3): " من ولد للزنا لا يدخل الجنة " ولو سلم دلالتهما والاجماع المزبور فهو في الباطن، على أنك قد عرفت صحة عتق الكافر، والله العالم. (ولو أعتق غير المالك) فضولا (لم ينفذ عتقه ولو أجازه المالك) على المشهور كما في المسالك، بل في كشف اللثام والرياض نفي الخلاف فيه، بل في الروضة الاجماع عليه، قيل لقوله صلى الله عليه وآله (4): " لا عتق إلا بعد ملك " الدال على نفي الصحة،


(1) الوسائل الباب - 16 - من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 9 وفيه " ان ولد الزنا لا يطيب ابدا ". (3) البحار ج 5 ص 285 الطبع الحديث وفيه " ان الله عزوجل خلق الجنة طاهرة مطهرة، فلا يدخلها الا من طابت ولادته " وفيه أيضا "... ولن يدخل الجنة الا طاهر " وفى ص 287 منه " لايدخل الجنة الا من خلص من آدم " وأيضا " من طهرت ولادته دخل الجنة ". (4) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 2. (جواهر الكلام - ج 7)

[ 113 ]

لانه أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة، وقول الصادق عليه السلام في خبر ابن مسكان (1): " من أعتق ما لا يملك فلا يجوز " ولانه عبادة أو فيه شائبة العبادة، وهي لا تقبل الفضولي. قلت: لكن قد يناقش بعد اقتضاء الاول البطلان مع الاجازة، ضرورة كون المراد العتق الذي يترتب عليه الاثر لا مجرد صيغة العتق، فهو نحو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2): " لا بيع إلا في ملك " الذي قد عرفت صحة الفضولي فيه، فانه على مقتضى إطلاق الادلة الجاري نحوه في المقام، ضرورة صحة صدق العتق في ملك عليه بعد فرض الاجازة، ولا دلالة فيه على اشتراط مباشرة الصيغة المعلوم عدمه هنا بمعلومية صحة عتقه من الوكيل والولي، ونحو ذلك الكلام في خبر ابن مسكان. بل منه يعلم ما في الثالث الذي يمكن فيه منع عدم جريان الفضولية في مثل هذه العبادة التي لا يعتبر فيها المباشرة، خصوصا بعد أن كان من أدلة الفضولي خبر (3) الصدقة بمال الغير إذا تعقبته الاجازة، وقد تقدم جملة من الكلام في ذلك في بحث الفضولي (4) نعم ما عن ابن أبي ليلى من نفوذ العتق وتقويمه على الموسر واضح الفساد، هذا كله مضافا إلى ما عرفت من احتمال كونه غير عبادة، والله العالم. (ولو قال: إن ملكتك فأنت حر لم ينعتق مع الملك إلا أن يجعله نذرا) أو عهدا أو يمينا بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل ولا إشكال، للتعليق وعدم الملك حال الصيغة، وفي المرسل عن الصادق عليه السلام (5) " في رجل


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 4. (2) المستدرك الباب - 1 - من أبواب عقد البيع الحديث 3 وفيه " لا بيع الا فيما تملك " وفي سنن البيهقى ج 7 ص 318 " لا بيع فيما لا يملك ". (3) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللقطة الحديث 2. (4) راجع ج 22 ص 273 إلى 284. (5) المستدرك الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 7.

[ 114 ]

يقول إن اشتريت عبدا فهو حر لوجه الله، وإن اشتريت هذا الثوب فهو صدقة لوجه الله، وإن تزوجت فلانة فهي طالق، قال: كل ذلك ليس بشئ، إنما يطلق ويتصدق بما ملك " فما عن بعض العامة من الانعتاق بذلك واضح الفساد، نعم يجب عتقه بصيغة العتق مع الندر مثلا لعموم ما دل على وجوب الوفاء به (1). ولو كانت الصيغة " لله على أنه حر إن ملكته " فظاهر الشهيد صيرورته حرا بدون صيغة كما عن ابن حمزة، ويشكل بأن العتق مشروط بانتقاله إلى ملكه ولو آنا، فلو عتق بمجرد ملكه لزم العتق في غير ملك، واجيب بجواز الاكتفاء بالملك الضمنى كملك القريب آنا ثم يعتق. وفيه أن التزام ذلك فيه بعد أن دل الدليل (2) على عتق القريب بدخوله في ملك قريبه، للجمع بينه وبين " لا عتق إلا في ملك " (3) أما في المقام فلا دليل على انعتاقه بذلك كي يلتزم التقدير المزبور، وأدلة النذر شرعا تقتضي وجوب الوفاء بالمنذور على شرائطه الشرعية، لا أنها تشرع الشئ لنفسه، وإلا لصح الطلاق بدون صيغته بنذره مثلا، وكذا النكاح وغيره، وهو معلوم البطلان، ومن هنا صرح بعضهم بوجوب الصيغة في الفرض، ولعله كذلك للاصل، ولانه ليس من الايقاع في شئ كما أوضحنا ذلك سابقا، ولان النذر إنما يتعلق بفعله، وما في الدروس من تصريح الرواية بذلك لم نتحققه، بل ظاهر ما تسمعه من النصوص في المسائل الاتية الصريحة خلافه، والله العالم. (ولو جعل العتق يمينا لم يقع كما لو قال: أنت حر إن فعلت أو إن


(1) سورة الحج: 22 - الاية 29. (2) الوسائل الباب - 7 - من كتاب العتق. (3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 2 وفيه " لا عتق الا بعد ملك ".

[ 115 ]

فعلت) بلا خلاف فيه بيننا، بل عن الانتصار والخلاف والغنية والسرائر الاتفاق عليه، لنحو ما سمعته في عدم الحلف بالطلاق، وقال الصادق (عليه السلام) لمنصور بن حازم في الصحيح (1): " إن طارقا كان نخاسا بالمدينة، فأتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: يا أبا جعفر إني هالك، إني حلفت بالطلاق والعتاق، فقال له: لا طلاق، إن هذه من خطوات الشيطان " مضافا إلى ما فيه من التعليق الذي قد عرفت عدم جوازه، إذ لا فرق بين اليمين به والتعليق من حيث الصورة، نعم يفترقان بالنية، فان كان الغرض البعث على الفعل إن كان طاعة والزجر عنه إن كان معصية كقوله: " إن حججت فأنت حر " أو " إن زنيت " قصدا للبعث في الاول والزجر في الثاني فهو يمين، وإن كان الغرض مجرد التعليق كان قدم زيد. أو دخلت الدار. أو طلعت الشمس. فهو شرط أو صفة، والله العالم. (ولو أعتق مملوك ولده الصغير) لفرض مصلحة للمولى عليه في ذلك صح، لعموم الاية (2) ولو أعتقه عن نفسه (بعد التقويم) بمعنى إدخاله في ملكه بقيمته لفرض مصلحته في ذلك (صح) بلا خلاف ولا إشكال، لوجود المقتضي وعدم المانع. (ولو أعتقه) كذلك (ولم يقومه على نفسه) بمعنى عدم إدخاله في ملكه (أو كان الولد بالغا رشيدا) لا ولاية له عليه (لم يصح) وفاقا للمشهور، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، وإن احتمل في الدروس الصحة في الاول، ويكون ضامنا للقيمة، كعتق البائع ذي الخيار، لما عرفت من اشتراط الملك في العتق، خلافا للمحكي عن النهاية التي هي متون أخبار من الصحة، لخبر الحسين بن علوان (3) الضعيف ولا جابر له عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: " أتى النبي (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد إلى


(1) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان الحديث 4. (2) سورة البلد: 90 - الاية 13. (3) الوسائل الباب - 67 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 116 ]

مملوك لي فأعتقه بهيئة المضرة لي فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت ومالك من هبة الله لابيك، أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك في مالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولا من بدنه شيئا إلا باذنه " الواجب حمله كما صرح به غير واحد على إرادة رجحان إجازة الولد للوالد في ذلك، وحينئذ فيخرج شاهدا على صحة الفضولي، والله العالم. (ولو شرط على المعتق شرطا) سائغا (في نفس العتق لزمه الوفاء به) في الجملة بلا خلاف كما اعترف به غير واحد، بل في نهاية المرام الاجماع عليه، لعموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) وإطلاق مادل (2) على شرعية العتق الشامل للمشروط وغيره، وخصوص المعتبرة المستفيضة، كصحيح أبي العباس (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا، قال: هو حر وعليه العمالة " وصحيح يعقوب بن شعيب (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جارية وشرط عليها أن تخدمه عشر سنين، فأبقت ثم مات الرجل، فوجدها ورثته ألهم أن يستخدموها ؟ قال: لا " وصحيح محمد بن مسلم (5) عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يقول لعبده: أعتقتك على أن ازوجك ابنتي، فان تزوجت عليها أو تسريت فعليك مأة دينار، فأعتقه على ذلك، فيتزوج أو يتسرى، قال: عليه مأة دينار " وصحيح حريز (6) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قال لمملوكة:


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب العتق. (3) الوسائل الباب - 10 - من كتاب العتق الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 11 - من كتاب العتق الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 3. (6) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 5 عن أبى جرير قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام... " الا أن في الكافي ج 6 ص 191 والتهذيب ج 8 ص 224 =

[ 117 ]

أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال، فيقول له: لي مالك وأنت حر، إن يرضى المملوك فالمال للسيد " إلى غير ذلك من النصوص (1) الدالة على صحة الشرط في الجملة، من غير فرق بين المال والخدمة وغيرهما. نعم في الاخير منهما (2) اعتبار تقدم الشرط على الصيغة ولم أجد به قائلا هنا، بل صريح بعض النصوص (3) السابقة خلافه، فضلا عن إطلاق الاخر والعمومات، وحينئذ فهو عتق وشرط، لا عتق معلق على الشرط، ويتحقق كونه شرطا في العتق بارادة اللافظ وقصده بقوله: " أنت حر ولي عليك ألف " والشرط على وجه يكون المجموع صيغة واحدة دالة على مجموع الامرين. ولكن بقي شئ، وهو أن مقتضي بعض الادلة المزبورة قابلية غير العتق من الايقاع للشرط حتى الطلاق، وقد تقدم في الطلاق خلاف ذلك، وأنه متى قال: " أنت طالق على كذا " ولم تكن كراهة بينهما لا تلتزم به وإن رضيت بذلك، خلافا لمن عرفت، فالاولى الاقتصار في صحة الشرط في الايقاع على خصوص العتق، للادلة الخاصة، وعدم منافاة الشرط فيه القواعد العامة حتى مع عدم القبول، لما ستعرف من كونه مملوكا له عينا ومنفعة، بل هو كل عليه لا يقدر على شئ، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فلا إشكال في صحة الشرط حينئذ إنما الخلاف في اعتبار رضا العبد بالشرط وعدمه، فظاهر المتن وصريح


= والاستبصار ج 4 ص 11 عن أبى جرير قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام... " ولكن في الفقيه ج 3 ص 92 عن حريز قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام. " وفي ذيل الحديث في الجميع " وأنت حر برضا المملوك ". (1) الوسائل الباب - 10 و 12 - من كتاب العتق. (2) هكذا في النسخة الاصلية المسودة والمبيضة والصحيح " منها " فان الضمير يرجع إلى النصوص. (3) الوسائل الباب - 10 - من كتاب العتق.

[ 118 ]

المحكى عن غيره الثاني مطلقا، لانه مالك له ومستحق لمنافعه وكسبه وله الضريبة المقدورة له عليه، فهي إيجاب مال من كسبه، فإذا شرط عليه خدمة أو مالا فقد فك ملكه عنه وعن منافعه واستثنى بعضها، فله ذلك، مضافا إلى عموم أدلة الشرائط (1) وإطلاق أدلة مشروعية العتق (2) وإطلاق النصوص (3) الخاصة المتقدمة عدا الاخير (4) منها. وقيل: يشترط قبوله مطلقا كالكتابة، لاقتضاء التحرير تبعية المنافع، فلا يصح شرط شئ منها إلا بقبول المملوك، وللصحيح الاخير (5) وعدم الدخول في عموم " المؤمنون عند شروطهم " (6) في صدق الشرط عليه عرفا بدون الرضا مع أصل البراءة من الوفاء. وفيه أن ذلك مقتضى التحرير المطلق لا المشروط الذي تحصل الحرية فيه مستحقا عليه ذلك، والصحيح الاخير أخص من المدعى، مع أنك ستعرف ما فيه، ودعوى اعتبار الرضا في صدق الشرط عليه أو في الدخول في عموم " المؤمنون " ممنوعة، ضرورة تبعية الشرط لما يقع فيه: من العقد المحتاج إلى القبول، والايقاع الذي لا يحتاج إليه، وشرطيته بمعنى الالتزام فيه، بل قد عرفت أن إطلاق أدلة العتق مثلا يشمل المطلق والمشروط، وأصل البراءة لا يعارض إطلاق الادلة، فليس حينئذ إلا الصحيح (7) المزبور، لكنه كما عرفت أخص من المدعى. ومن هنا قيل بالتفصيل فيشترط رضاه إن كان المشروط عليه مالا ولا يشترط


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح. والباب - 4 - من أبواب المكاتبة والباب - 6 - من أبواب الخيار من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب العتق. (3) الوسائل الباب - 10 و 11 و 12 من كتاب العتق. (4 و 5 و 7) راجع التعليقة (6) من ص 116. (6) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 119 ]

إن كان خدمة، وذلك لان الخدمة مستحقة للمولى بالاصالة، فشرطها كاستثناء بعض المملوك عن النقل بخلاف شرط المال، فانه غير مملوك للمولى، ولا يجب على المملوك تحصيله، بل الواجب عليه بذل العمل، سواء ترتب عليه المال أم لا، فهو حينئذ كالكتابة المعتبر فيها القبول، وأما الضريبة فتمنع لزومها له بدون قبوله، ولذلك اختاره ثاني الشهيدين وغيره، مضافا إلى ما قيل من الاقتصار في الحكم بالزام العبد شيئا لسيده بدون رضاه على موضع اليقين. وفيه (أولا) ما قيل من أن راوي الرواية (1) المزبورة على ما في التهذيب أبو جرير، لا حريز، وهو غير موثق، فلا تصلح مقيدة حينئذ لما سمعت من النصوص. و (ثانيا) أنها مشتملة على اشتراط كون المال الموجود للعبد للسيد، وقد عرفت أن التحقيق عدم ملكية العبد، وأن جميع ما في يده لسيده، فلا وجه لاشتراطه، وفاقا لما سمعته سابقا من اشتمالها على اعتبار تقدم الشرط الذي لم نجد قائلا به هنا عدا ما يحكى عن الشيخ، وهو مخالف لاطلاق النصوص (2) وخصوصها. بل في الرياض المناقشة في الاخير (3) بأنه " لو اريد بالتعيين معناه الاخص كان حصوله في الشق الاخير وهو اشتراط الخدمة محل نظر، لمكان الخلاف فيه، وعدم استفادة شئ من الصحيحة الاخيرة سوى المظنة، وإن اريد به معناه الاعم الشامل لها صح نظرا إلى حصولها فيه من إطلاق الصحيحة الاخيرة، إلا أنها حاصلة من إطلاق الصحيحة الاخرى (4) في الشق المقابل المشروط فيه المال كما هو محل البحث ". وبالجملة فان كان الظن الحاصل من الاطلاق كافيا في هذا الحكم المخالف


(1 و 3) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 10 و 11 و 12 من كتاب العتق. (4) الوسائل الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 3.

[ 120 ]

للاصل في غير مورد البحث فليكن كافيا فيه، وإلا فلا يكون كافيا مطلقا، والفرق تحكم، والتعيين بالمعنى الاخص لمكان الخلاف غير متحقق، وإن كان قد يناقش بأن الصحيحة الاخيرة على فرض اعتبارها تكون مقيدة لغيرها بالنسبة إلى المال، أما الخدمة فتبقى على مقتضى إطلاق الادلة الذي لا معارض له، بخلاف المال الذي لا أقل من الشك في صحة اشتراطه مطلقا، للاختلاف في النصوص المزبورة، فيكون المتيقن منه حينئذ المقارن للقبول لا مطلقا، (و) الامر سهل بعد وضوح الحال بذلك، وأن الاقوى الصحة مطلقا، لما عرفت ولانه مالك لنفسه ومنفعته وكسبه ومسلط عليه، بل لا يقدر على شئ الذي منه عدم القبول. نعم (لو شرط اعادته في الرق إن خالف) فعن الشيخ في النهاية والقاضي وغيرهما (اعيد) إليه (مع المخالفة عملا بالشرط) وموثق إسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الرجل يعتق مملوكه ويزوجه ابنته ويشترط عليه إن هو أغارها أن يرده في الرق، قال: له شرطه ". (وقيل: يبطل العتق) والشرط (لانه اشتراط لاسترقاق من ثبتت حريته) فيكون شرطا غير سائق، ويتبعه بطلان العتق المقصود وقوعه على الشرط المزبور، ولا يرد مثله في المكاتب المشروط الذي لم يخرج عن مطلق الرقية، ومعنى قول السيد: " فان عجزت فأنت رد في الرق " الرق المحض الذي ليس بكتابة، لا مطلق الرق الذي لم ينف بالكتابة، وعدم الاخص أعم من عدم الاعم، والرواية مع كونها من الموثق الذي فيه ما فيه شاذة كما في المحكي من نكت المصنف على النهاية، فلا يثبت بها الحكم المزبور المخالف لاصول المذهب وقواعده التي منها عدم عود الحر - بعد أن صار حرا - رقا، بل ربما قيل: إن أقصى ما فيه عوده في الرق، وهو صادق مع بطلان العتق وإن كان قد يناقش بأن الرد موضوع للرجوع بعد المفارقة التي لا يقول بها القائل بالفساد، أللهم إلا أن يراد بها في الموثق المجاز من باب تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه كتسمية العنب خمرا


(1) الوسائل الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 121 ]

أو من باب تسمية السبب باسم المسبب، لكنه كما ترى. وعن ابن إدريس بطلان الشرط لما عرفت دون العتق، وتبعه فخر المحققين لبناء العتق على التغليب، وفيه أنه يقتضي الصحة بدون مقتضيها، نعم هو منه مبني على مذهبه في العقود وغيرها، وهو عدم اقتضاء بطلان الشرط فيها بطلانها، لانه التزام مستقل فيها لا مدخلية له فيها، ضرورة عدم كونه شرطا بالمعنى اللغوي، بل المراد أنه التزام، وقد قدمنا في البيع فساده، وأوضحناه. وقلنا: إنه وإن كان بمعنى الالتزام إلا أنه لا ريب بارتباطه بقصد العقد على وجه حصول القصد للعقد المشتمل على الشرط المزبور، ومن هنا قلنا بثبوت الخيار له مع فرض عدم الوفاء به، بل يمكن التزام مثله هنا بناء على مشروعية عود الحر رقا بالوجه المزبور، إلا أن التحقيق خلافه، وشذوذ الموثق (1) المزبور يمنع من العمل به، بل اتفاقهم على عدم الخيار بعدم الوفاء بالشرط بالعتق كاشف عن عدم مشروعية ذلك، ومضعف أيضا للعمل بالموثق المزبور، ضرورة اقتضاء الشرط ذلك مع فرض إمكانه، وإلا لم يكن لشرطيته ولو بمعنى الالتزام الراجع إلى القصد في العقد معنى، كما هو واضح. ومن هنا مضافا إلى ما عرفت كان الاقوى البطلان، كما عن المصنف في النكت والفاضل في جملة من كتبه والشهيد وغيرهم، بل لعله من العتق المعلق، إذ لا فرق بين تعليقه مطلقا وتعليقه مشروطا ولو بتعليق شرطه، وإن كان قد يمنع ذلك أولا، ويلتزم بصحة نحوه للخبر (2) المزبور، ضرورة كونه حينئذ كاشتراط المأة دينار إن تزوج أو تسرى الذي تضمنته الصحاح (3) التي لا يعرف لها رادا بالنسبة إلى ذلك، فالعمدة حينئذ ما ذكرناه من بطلان الشرط نفسه، لما عرفت.


(1 و 2) الوسائل الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 1 و 3 والباب - 37 - من أبواب المهور من كتاب النكاح.

[ 122 ]

(و) مما ذكرنا بان أنه لا إشكال في أنه (لو شرط خدمة زمان معين) على المعتق (صح) بلا خلاف فيه نصا (1) وفتوى على حسب ما سمعته، نعم في نهاية المرام " لو كان الشرط خدمة المولى أو غيره مدة حياته فظاهر الاصحاب عدم صحته للجهالة، ولو قيل بالصحة لم يكن بعيدا، لانه معين في نفسه، فيتناوله عموم قوله صلى الله عليه واله وسلم: (2) " المؤمنون عند شروطهم ". قلت: بل لم نتحقق ما حكاه عن ظاهرهم، بل لعل ظاهر إطلاقهم صحة الشرط خلافه، مضافا إلى ما سمعته سابقا مما يقتضي الجواز، وهل تجب نفقته مدة الخدمة على المعتق ؟ كما عن ابن الجنيد، لقطعه عن التكسب، أو لا كما هو الظاهر، لانها تابعة للملك، والفرض زواله، وحينئذ ينفق عليه من بيت المال، أو يستثنى له تكسب مقدار قوته. (و) كيف كان ف‍ (لو قضى المدة آبقا لم يعد في الرق) بلا خلاف أجده فيه بينهم، بل ولا إشكال حتى لو أراد المولى إعادته لاستصحاب حريته ولقاعدة عدم عود الحر رقا وغير ذلك. (و) لكن (هل) للمولى أن (لورثته مطالبته باجرة مثل الخدمة) في تلك المدة ؟ (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والاسكافي ومن تبعهما على ما قيل: (لا) مطالبة له ولا لهم بالاجرة، بل ليس للورثة المطالبة بالخدمة لو فرض بقاء بعض المدة، لصحيح يعقوب بن شعيب (3) المتقدمة سابقا (والوجه اللزوم) وفاقا لكافة المتأخرين كما قيل، لانها حق متقوم بالمال، فيثبت على من فوته قيمته، وهي اجرة المثل، وأما مطالبة الوارث بالخدمة مع فرض بقاء المدة فلا ينبغي التوقف فيها، ضرورة كونه حقا يورث، والصحيح (4) المزبور منزل على وجدانها بعد انقضاء المدة الذي من المعلوم فيه عدم جواز مطالبة المولى


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 11 - من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 123 ]

فضلا عن وارثه بالاستخدام مثلها، إذ هي ليست من المثليات التي تضمن بمثلها، بل هي بحكم القيمي، أو على أن الشرط قد كان خدمة المولى وقد فاتت بموته، فلا يجب عليه خدمة غيره، وعلى كل حال لا ينبغي الخروج به عما يقتضيه القواعد، والله العالم. (ومن وجب عليه عتق في كفارة) أو غيرها (لم يجزه التدبير) وإن نوى به بلا خلاف ولا إشكال، لان الواجب العتق المنجز، والتدبير وصية بالعتق أو عتق معلق كما تقدم ذلك في الكفارات، وقال إبراهيم الكرخي (1): للصادق عليه السلام " إن هشاما سألني أن أسألك عن رجل جعل لعبده العتق إن حدث بسيده حدث، فمات السيد وعليه تحرير رقبة واجبة في كفارة، أيجزئ عن الميت العبد الذي كان السيد جعل له العتق بعد موته في تحرير رقبته التي كانت على الميت ؟ قال: لا ". (وإذا أتى على) العبد (المؤمن سبع سنين استحب عتقه) للمرسل (2) عن الصادق عليه السلام " من كان مؤمنا فقد عتق بعد سبع سنين، أعتقه صاحبه أم لم يعتقه " المحمول على ذلك، للاجماع بقسميه على عدم انعتاقه بعد ذلك، (و) لكن لا بأس بحملها على الندب وإن كانت مرسلة للتسامح. بل يستحب (عتق المؤمن مطلقا) وإن تأكد في الاول لما فيه من الاحسان إليه بتخليصه من الرق (و) قد سمعت ما ورد (3) في عتق الرقبة المؤمنة. نعم (يكره عتق المسلم المخالف) كراهة عبادة، لقول الصادق عليه السلام (4):


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الكفارات الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات. (2) الوسائل الباب - 33 - من كتاب العتق الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب العتق الحديث 8 والباب - 3 - منه. (4) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 3.

[ 124 ]

" ما أغنى الله عن عتق أحدكم، تعتقون اليوم فيكون علينا غدا، لا يجوز لكم أن تعتقوا إلا عارفا " المحمول على الكراهة، لاطلاق أدلة العتق، وخصوص خبر أبي راشد (1) سأل الجواد عليه السلام " أن امرأة من أهلنا اعتل صبي لها، فقالت: أللهم إن كشفت عنه ففلانة جاريتي حرة، والجارية ليست بعارفة، فأيما أفضل ؟ تعتقها أو تصرف ثمنها في وجوه البر، فقال: لا يجوز إلا عتقها " وغير ذلك وإن كان قد يجري فيه بعض ما سمعته في منع عتق الكافر، والله العالم. (و) كذا يكره (عتق من لا يقدر على الاكتساب) قيل: لصحيح هشام بن سالم (2) " سألته عن النسمة فقال: عتق من أغنى نفسه " وفيه أنه لا دلالة فيه على الكراهة، بل أقصاه تأكد الندب في خصوص من أغنى نفسه، وكذا قول الرضا عليه السلام (3): " من أعتق مملوكا لا حيلة له فان عليه أن يعوله حتى يستغني عنه، وكذلك كان علي عليه السلام يفعل إذا أعتق الصغار ومن لا حيلة له " إنما يدل على استحباب العيلولة به، لا على كراهة عتقه. (و) كيف كان ف‍ (لا بأس بعتق المستضعف) لان الحلبي في الصحيح (4) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرقبة تعتق من المستضعفين، قال: نعم " لكن قد سمعت قول الصادق عليه السلام (5): " لا يجوز لكم أن تعتقوا إلا عارفا " المحمول على الكراهة التي هي أسهل من كراهة عتق المخالف. (ومن أعتق من يعجز عن الاكتساب استحب اعانته) لما سمعت، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 63 - من كتاب العتق الحديث 1 عن أبى على بن راشد (2) الوسائل الباب - 15 - من كتاب العتق الحديث 3. (3) الوسائل الباب - 14 - من كتاب العتق الحديث 1. (4 و 5) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 1 - 3.

[ 125 ]

(ويلحق بهذا الفصل مسائل) (الاولى:) (لو نذر عتق أول مملوك يملكه) مثلا صح النذر وإن كان المنذور مجهولا، لعموم أدلة النذر (1) وخصوص ما تسمعه من النصوص (2) في المقام ثم إن اتفق ملك واحد بشراء أو إرث أو نحوهما أعتق من غير انتظار لملك آخر بعده على الاظهر للصدق عرفا. (ف‍) أما لو (ملك جماعة) دفعة ف‍ (قيل) والقائل الشيخ في النهاية والصدوق وجماعة كما في المسالك بل في الرياض نسبته إلى الاكثر: (يعتق أحدهم بالقرعة) لانتفاء الاولوية عن كل منهم، ولصحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام " في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم، ويعتق الذي يخرج اسمه " ونحوه آخر (4). (وقيل) والقائل: الاسكافي والشيخ أيضا في التهذيب والمصنف في النكت والشهيد في الشرح على ما حكي (يتخير ويعتق) إلا أن يموت فالقرعة، لخبر الصيقل (5) " سألت الصادق عليه السلام عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فأصاب ستة، قال: إنما كان نيته على واحد، فليتخير أيهم شاء فليعتقه " ولانه


(1) سورة الحج: 22 - الاية 29 والوسائل الباب - 3 وغيره - من كتاب النذر والعهد. (2) الوسائل الباب - 57 - من كتاب العتق. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 15 من كتاب القضاء. (4 و 5) الوسائل الباب - 57 - من كتاب العتق الحديث 1 - 3

[ 126 ]

بعد أن كان المقصود واحدا وعدم اختصاص أحدهم بوصف الاولية - بل هي لاحقة لكل منهم، إذ الاول إما بمعنى غير المسبوق، أو بمعنى السابق غير المسبوق، وكل منهما صادق على كل منهم - يتجه التخيير، كما في كل عنوان للامر، فلا إشكال ولا اشتباه كي يلزم بالقرعة، لكن لا بأس باختياره ما يخرج بها، بل لعل ذلك أولى، وعليه يحمل خبر القرعة. (وقيل) كما عن السرائر: (لا يعتق شيئا، لانه لم بتحقق شرط النذر) الذي هو وحدة المملوك، ولا أول للمملوكية دفعة إلا الجملة وعتقها غير مقصود، والاصل البراءة. (و) لكنه كالاجتهاد في مقابلة النص، كما عرفت من أن (الاول) بل والثاني (مروي) وإن اختلفت في الصحة وعدمها، على أنه إنما يتم لو اعتبر في الاولية السبق على جميع المماليك، وهو ممنوع، ولعل الاقوى منهما الاخير، وفي القواعد " يحتمل حرية الجميع لان الاولية وجدت في الجميع، كما لو قال: من سبق فله عشرة فسبق جماعة، فان لكل منهم عشرة " ويؤيده خبر عبد الله بن الهاشمي رفعه (1) قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربها أول ولد تلده، فولدت توأما فقال: أعتق كلاهما " وعن بعض الكتب (2) إرسال نحو ذلك عن علي عليه السلام والصادقين عليهما السلام، وفيه ضعف، لعدم العموم هناك للتنكير، بخلاف لفظة " من " فانها تعم الواحد والكثير، والمرسل لا حجة فيه فضلا عن أن يعارض ما عرفت، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 31 - من كتاب العتق الحديث 1 عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبيه رفعه. (2) المستدرك الباب - 27 - من كتاب العتق الحديث 1 نقلا عن دعائم الاسلام عنهم عليهم السلام الا ان فيها ج 2 ص 305 ذكر رواية عن على وأبى جعفر وأبى عبد الله عليهم السلام انهم قالوا... ثم ذكر عقيب ذلك في ص 306 " وعنهم عليهم السلام " فالضمير يرجع إلى على والصادقين عليهم السلام.

[ 127 ]

المسالة (الثانية:) (لو نذر عتق أول ما تلده فولدت توأمين) دفعة (كانا) معا (معتقين) بلا خلاف أجده لعموم لفظة " ما " وما روي عن بعض الكتب (1) عن الصادق عليه السلام أنه قال: " من أعتق حملا لمملوكة له أو قال لها: ما ولدت أو أول ما تلدينه فهو حر فذلك جائز وإن ولدت توأمين عتقا جميعا " نعم لو ترتبا في الولادة عتق الاول خاصة، لانه الاول حينئذ قطعا. لكن في الرياض بعد الاستدلال بمرفوع الهاشمي المتقدم قال: " وإطلاقه بل عمومه الناشئ من ترك الاستفصال يشمل صورتي ولادتهما معا ومتعاقبا، بل لعله بمقتضى الغلبة ظاهر في الاخير جدا، ولذا أطلق الحكم في العبارة تبعا للنهاية والقاضي وجماعة - إلى أن قال -: وذكر جماعة أنه مذهب الاكثر، وبه يمكن جبر الخبر، مضافا إلى إمكان توفيقهما مع الاصل على تقدير ترجيح العرف على اللغة، إذ يصدق على مجموع التوأمين أنهما أول ما ولدته ولو ولدتهما على التعاقب عرفا وإن لم يصدق ذلك لغة ". وفيه منع صدق العرف مع ملاحظتهما أنفسهما، ومع ملاحظة النسبة إلى غيرهما يصدق على كل متعاقبين، وهو معلوم العدم، والخبر المزبور المعلوم بناء ما فيه على العرف يجب تنزيله على الدفعة، كما أنه يجب حمله على إرادة التعدد من النكرة المذكورة فيه، وإلا كان الواجب عتق واحد منهما فيما لو ولدتهما دفعة، كالمسألة الاولى فضلا عن التعاقب، كما هو واضح. وبذلك فرقوا بين المسألتين فان متعلق الاولى مملوك، وهو نكرة في سياق الاثبات، والثانية لفظ " ما " وهي للعموم، لكن في الرياض " فيه نظر للحوق الحكم بالمضاف دون المضاف إليه، وهو نكرة على الاطلاق، مع أن النص في المسألة متضمن


(1) المستدرك الباب - 27 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 128 ]

للسؤال عن عتق أول ولد تلده، وهو بعينه كالمسألة الاولى ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه، نعم يجب إرادة الموصولة من لفظ " ما " لا الموصوفة التي هي بمعنى أول مولود تلده وإلا كانت كالمسألة الاولى، ولعل الاطلاق يحمل على الاول، كما هو مقتضى النص والفتوى أو على معلومية كون المراد من الاول ما يشمل التعاقب المزبور. ولو ولدت الاول ميتا احتمل بطلان العتق وانحلال النذر، لان شرط النذر وجد في الميت الذي هو ليس محلا للعتق، واحتمل الصحة في الحي الذي تلده بعد ذلك، لان الظاهر تعلق النذر بأول حي تلده، ولعل الاول أقوى. ولو ولدته مستحقا للعتق كالمقعد لم يعتق الثاني أيضا في أقوى الوجهين، بل في المسالك هو أولى من الاول بذلك، لصلاحيته للعتق هنا، غايته اجتماع سببين، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (لو كان له مماليك فأعتق بعضهم ثم قيل له: هل أعتقت مماليكك ؟ فقال: نعم انصرف الجواب إلى من باشر عتقهم خاصة) في نفس الامر، فان العتق لا يتحقق إلا بصيغته وفي الظاهر لانه إنما أقر بعتق عبيده، ويصدق على البعض أنهم عبيده، فلا يؤخذ بعتق الكل، وإن ظهر السؤال فيه، إذ يسمع من المفسر التأويل فضلا عن مثله، ولخبر زرعة (1) سألته " عن رجل قال لثلاثة من مماليك له: أنتم أحرار وكان له أربعة، فقال رجل من الناس: أعتقت مماليكك ؟ قال: نعم، يجب العتق للاربعة حين أجملهم أو هو للثلاثة الذين اعتقوا ؟ فقال: إنما يجب العتق لمن أعتق ".


(1) الوسائل الباب - 58 - من كتاب العتق الحديث 1 عن زرعة عن سماعة قال: " سألته.. " (جواهر الكلام - ج 8)

[ 129 ]

نعم هل يشترط في عدم الاخذ بعتق الجميع الكثرة فيمن أعتقه ؟ في القواعد " الاقرب ذلك " ولعله لصدق " عبيدك " وإلا لم يكن له أن يقول إنما أقررت بعتق الواحد أو الاثنين، فانه تأويل لا يطابقه اللفظ، فلا يسمع، ولكن ظاهر المصنف وغيره العدم، ولعله لجواز أن يقول: " إنما أردت إيقاع العتق في جملتهم " وهو يصدق على واحد منهم. قلت: قد يناقش في ذلك، أولا بأن البحث فيما يحمل لفظه عليه لا في خصوص التداعي وادعاء التأويل، ولا ينبغي التأمل في حمله في الاخير على الجميع ظاهرا أخذا بظاهر اللفظ، بل وفي الاول أيضا، لان الجمع المضاف مفيد له، وخبر زرعة (1) إنما يراد منه في نفس الامر أو أنه لا يحصل العتق بقول: " نعم " المقتضي لاعادة السؤال على الجميع وإن قصد ذلك، بل هو حاصل لمن أعتقهم بصيغة العتق لا أن المراد منه - مع عدم العلم بالحال - بعتق الثلاثة خاصة المعلوم أنه أعتقهم دون الرابع الذي هو محل شك صرفا لجوابه في خصوص المعلوم، إذ هو كما ترى لا يوافق إرادة ما في نفس الامر ولا ظاهر الاقرار، إذ الاول لا فرق فيه بين المتحد والمتعدد، والثاني لا بد من حمله على الجميع، ومن هنا أنكر على العلامة الشرط المزبور بعض من تأخر عنه. لكن في شرح الفخر " أن الجمع المضاف وإن كان الحق أنه للعموم لكن لا يحمل عليه هنا، لانه إذا أعتق ثلاثة من مماليكه يصدق قوله: هؤلاء مماليكي حقيقة، فإذا قيل له: أعتقت مماليكك فقال: نعم وهي تقتضي إعادة السؤال وتقريره، فيكون إقرارا بعتق المماليك الذين انعتقوا، ولا يلزم بغيرهم، لاصالة البراءة، ولان الاقرار إنما يحمل على المحقق المتيقن، لا على ما فيه احتمال، وهل يشترط في الاقتصار عليه كثرة بحيث يصدق عليه الجمع حقيقة أم لا ؟ قولان، ومنشأ القولين أن اللفظ إنما يحمل على الاقرار على أصل الحقيقة، ومن حيث أصل البراءة، ومن


(1) الوسائل الباب - 58 - من كتاب العتق الحديث 1 عن زرعة عن سماعة قال: " سألته.. ".

[ 130 ]

جواز التجوز به أو يتفرع على ذلك الاكتفاء بالواحد وعدمه، فعلى عدم الاشتراط يكتفي بالواحد، وعلى عدمه لا يكتفي بالواحد، ويلزم بعتق ما يصدق على الجمع حقيقة، ويكون في الباقي كالمشتبه " وقد حكاه عنه على طوله في المسالك وأطنب في رده حتى ذكر خمسة أوجه في مناقشته. ولكن الحق عدم ورودها جميعها أو جملة منها، ضرورة كون مراده بل ومراد الاصحاب بل وما في الرواية أنه لا يحكم عليه بالاقرار بعتق الجميع مع الظن أو الشك بارادة الاقرار بمن وقع عتقه منهم، ولانه بمنزلة العهد الذي يحمل اللفظ فيه على المعهود، ولا ينافي ذلك كون الجمع المضاف للعموم المعلوم إرادة كون عمومه على حسبه في نحو " هؤلاء مماليكي ". وبالجملة الغرض حيث إنه لا يحصل ظن بالمراد من اللفظ وأن مراد لافظه التوصل إلى مقصوده بما يؤديه نفس اللفظ لا يحكم عليه بمعنى اللفظ، ويرجع حينئذ إلى المتيقن، لان الاصل براءة الذمة، وعلى ذلك مبني هذه المسألة، فلا وجه لاطناب ثاني الشهيدين فيها، إذ لا كلام في حمل الجمع المضاف على العموم، ومما يؤيد ما ذكرناه فرضهم المسألة فيمن وقع منه عتق بعض مماليكه وغير ذلك مما يصرف اللفظ عن إرادة الاقرار بما يؤديه نفس لفظه مع عدم القرينة. وما أشبه ما نحن فيه بما رواه الوليد بن هشام (1) قال: " قدمت من مصر ومعي رقيق، فمررت بالعاشر، فسألني، فقلت: هم أحرار كلهم، فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بقولي للعاشر، فقال: ليس عليك شئ " سواء كان المراد عدم حصول التحرير بهذا اللفظ أو عدم الحكم عليه بظاهر إقراره، وكان المسألة من الواضحات وإن كثر كلام ثاني الشهيدين فيها في المسالك، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 60 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 131 ]

المسالة (الرابعة:) (لو نذر عتق أمته إن وطأها صح) لما عرفت من عموم أدلة النذر وقابليته للتعليق، وأنه ليس من العتق المعلق وحينئذ (ف‍) تعتق أو تنعتق بتحقق مسمى الوطء نعم (إن أخرجها عن ملكه انحلت اليمين فلو أعادها بملك مستأنف لم يعد اليمين) الذي كان ظاهره التعليق على الوطء بالملك الاول، نحو ما سمعته في الايلاء، نعم لو قصد الاعم من العائد والموجود فلا إشكال في عدم الانحلال، كما لا إشكال فيه مع قصده الوطء بالملك الموجود. إنما الكلام مع الاطلاق، وقد عرفت أن الظاهر منه ما ذكرناه، ويدل عليه مضافا إلى ذلك، صحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن الرجل تكون له الامة فقال: يوم يأتيها فهى حرة، ثم يبيعها من رجل ثم يشتريها بعد ذلك، قال: لا بأس بأن يأتيها، قد خرجت عن ملكه " المحمول على النذر وشبهه، لما عرفت من عدم جواز التعليق في العتق، وفي الروضة " ويشهد له تعليله بأنها قد خرجت عن ملكه، ولو لم يكن منذورا لم يتوقف ذلك على الخروج، كما لا يخفى " وإن كان فيه ما فيه. وعلى كل حال فقد فهم الاصحاب منها ذلك وعملوا به، بل في المسالك ما وقف على راد لها إلا ما يظهر من ابن إدريس. نعم في الروضة وكذا المسالك في تعدية الحكم إلى غير الوطء من الافعال وإلى غير الامة وجهان: من كونه قياسا والفرض مخالفة الحكم للاصل من حيث إن خروجها عن ملكه لا مدخل له في انحلال النذر، لان غايته أن تصير أجنبية منه والنذر يصح تعليقه بالاجنبية كنذر عتقها إن ملكها، وهي في ملك غيره ابتداء


(1) الوسائل الباب - 59 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 132 ]

كما تقدم في نظائره - وفيه ما عرفت من ظهور النذر في الوطء بذلك الملك - ومن إيماء النص إلى العلة بقوله عليه السلام " قد خرجت عن ملكه " وذلك يوجب التعدي إلى ما توجد فيه العلة المنصوصة ". وفي الروضة " وهو المتجه ". وفيه أن المبنى إذا كان ما ذكرنا من الظهور ينبغي أن يكون المدار عليه، لا نفس الخروج عن الملك مطلقا، ضرورة إمكان الفرق بين الوطء وغيره من الافعال في الظهور المزبور، بل ينبغي القطع بايماء التعليل إلى ذلك، لا أن الحكم تعبدي. ثم قال فيهما أيضا: " إن ظاهر الصحيح المزبور جواز التصرف في المنذور المعلق على شرط لم يوجد، وهي مسألة إشكالية " ثم حكى في الروضة عن الفاضل في التحرير " اختيار عتق العبد لو نذر إن فعل كذا فهو حر فباعه قبل الفعل ثم اشتراه ثم فعل، وعن ولده أنه استقرب جواز التصرف في المنذور المعلق على شرط قبل حصوله، وهذا الخبر حجة عليهما ". قلت: قد عرفت ما يمكن الجواب به عن الاول منهما، وأما مسألة التصرف في المنذور المعلق على شرط فقد يقال: إن محلها ما لو كان المعلق عليه متوقعا كمعافاة المريض ونحوه، وأما مع فرض القطع بعدمه فلا إشكال في الجواز، والفرض في المسألة أنه بالخروج عن الملك يمتنع المعلق عليه بناء على أن المراد الوطء بذلك الملك فتأمل جيدا، والله العالم.

[ 133 ]

المسالة (الخامسة:) (لو نذر عتق كل عبد قديم انصرف إلى من مضى عليه في ملكه ستة أشهر فصاعدا) إذا لم يكن هناك عرف يقتضي خلافه أو قصد كذلك، بل نذر وقصد مصداق ذلك في نفس الامر الذي لا يمكن معرفة أول مصاديقه لاحد إلا علام الغيوب أو من أودعه علم ذلك، فانه حينئذ أعرف أهل العرف، ضرورة أن العرف العام إنما يعرف الافراد المعلومة منه، كما أنه يعرف الافراد المعلوم أنها ليست منه، أما أول المصاديق فلا طريق له إلى معرفته، فيكون المقام حينئذ كبيانه عليه السلام تحديد الوجه على التحقيق والركوع والمسافة ونحو ذلك، ومع فرض عدم تجدد عرف آخر يكون هو الميزان. وهذا هو المراد من مرسل النهدي (1) قال: " دخل أبو سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال له: أبلغ من قدرك أن تدعي ما ادعى أبوك ؟ فقال له: مالك أطفأ الله نورك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمت أن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا فوهب له مريم فوهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم، ومريم من عيسى، ومريم وعيسى شئ واحد، وأنا من أبي وأبي مني، وأنا وأبي شئ واحد، فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة فقال: لا أخا لك، بعيد أن تقبل مني ولست من غنمي ولكن هاتها، فقال: رجل قال عند موته: كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله، قال: نعم إن الله عز ذكره قال: حتى عاد كالعرجون القديم (2) فما كان من مماليكه أتى عليه ستة أشهر فهو قديم، فهو حر " وعن تفسير


(1) ذكر ذيله في الوسائل الباب - 30 - من كتاب العتق الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 6 ص 195 وفيهما قال " دخل ابن أبى سعيد المكارى... ". (2) سورة يس: 36 - الاية 39.

[ 134 ]

علي بن إبراهيم أنه رواه عن أبيه عن داود بن سعيد (1) " سألته " وحينئذ يكون حسنا. وعن إرشاد المفيد (2) " قضى علي عليه السلام في رجل أوصى فقال: أعتقوا عني كل عبد قديم في ملكي، فلما مات لم يعرف الوصي ما يصنع، فسأله عن ذلك، فقال: يعتق كل عبد له في ملكه ستة أشهر، وتلا الاية " وكان الشيخ فهم من المملوك العبد فعبر به، ولعله كذلك لا أن المراد منه تعبد محض، وإلا لم يكن وجه للاستدلال بالاية على المكاري الذي هو ليس من غنمه، ويريد البرهان منه على ما ادعاه، وحينئذ يكون المسألة على الضوابط، ويتعدى من المقام إلى غيره، لكن على الوجه الذي ذكرناه، ولعل قول المصنف وغيره: " انصرف " إلى آخره لا يخلو من إشعار. لكن في المسالك " هو شامل للذكور والانثى. ولكن الشيخ عبر بلفظ العبد، وتبعه المصنف والجماعة، وتمادي الامر إلى أن توقف العلامة في تعدي الحكم إلى الامة من حيث إن هذا الحكم على خلاف الاصل، ولا دليل عليه من جهة العرف ولا اللغة، وإنما مستنده الشرع، مع أن الرواية ضعيفة السند مرسلة، واعتذر فخر الدين عنه بأن المسألة إجماعية وأن الاجماع لم يقع إلا على العبد، فلذلك استشكل والده في حكم الامة، والاجماع على وجه يكون حجة ممنوع، بل كثير من العلماء - كابن الجنيد وسلار والصدوق - لم يتعرضوا لها، وإن الاصل فيها الشيخ، وطريقته في النهاية الاستناد إلى الروايات من غير مراعاة طريقها، كما هو المعلوم من عادته، ولكن اتباع ابن إدريس له حملهم على شبهة الاجماع، حيث إنه لا يعتمد على أخبار الاحاد مطلقا، فعمله بمضمونها يدل على فهمه أنه إجماع ". وهو من غرائب الكلام، بل لا يخلو من سوء ظن أو سوء أدب مع من عرفت،


(1) اشار إليه في الوسائل في الباب - 30 من كتاب العتق الحديث 1 عن داود بن محمد النهدي قال. " دخل أبو سعيد... ". (2) الوسائل الباب - 30 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 135 ]

وكيف كان فقد عرفت الوجه في المسألة. بل منه يعلم الوجه في التعدية إلى نذر الصدقة والاقرار ونحوهما مما يكون فيه الموضوع القديم، لكن على الوجه الذي ذكرنا، وليس مبناه دعوى الحقيقة الشرعية التي يمكن القطع بفسادها، كما ظنه بعضهم وذكره وجها للتعدي. وفي مقابله العدم، لمعارضته اللغة والعرف، ومنع الحقيقة الشرعية، وضعف سند الخبر المزبور بالارسال وغيره، وقصر الاجماع المدعى على مورده، وفيه أنه لا وجه للعمل به في مورده مع فرض كون المتكلم من أهل العرف المفروض أن القديم فيه خلاف ذلك، وأنه أراد ما في عرفه، بل يمكن القطع بعدم التعبد بذلك، بل ظاهر استدلال الامام عليه السلام خلافه، فتأمل جيدا. ولو قصر الجميع عن ستة أشهر ففي المسالك " في عتق أولهم تملكا اتحد أم تعدد أو بطلان النذر وجهان " وفيه أنه لا وجه في الصحة بعد فرض كون أقصى مصداق القديم الستة، ثم قال: " وعلى الصحة لو اتفق ملك الجميع دفعة ففي انعتاق الجميع أو البطلان لعدم الوصف الوجهان " قلت: قد عرفت أن المدار على صدق الاتصاف بالقديم الذي هو من مضى له زمان من غير فرق بين المتحد والمتعدد، إلا أن المرجع في أول مصداقه إلى من عرفت، لا أن المراد منه المتقدم على غيره، والله العالم.

[ 136 ]

المسالة (السادسة:) (من أعتق وله مال فماله لمولاه) لما عرفته في كتاب البيع (1) أنه لا يملك شيئا، والعتق إنما هو فك رقبته من دون تمليك شئ له بعده، وحينئذ فنسبة المالية له لادنى ملابسة، بمعنى أن ما في يده ومختص به، كثيابه ونحوها مما كان قد أباح المالك له التصرف فيه تصرف المالك بملكه. (وقيل) والقائل جماعة من القدماء بل في الدروس نسبته إلى كافتهم، وفي نهاية المرام نسبته إلى الاكثر: (إن لم يعلم به المولى فهو له وإن علم به فهو للمعتق إلا أن يستثنيه المولى) لصحيح زرارة (2) عن الباقر عليه السلام في طريق، وعنه وعن الصادق عليهما السلام في طريق آخر (3) وعن أحدهما عليهما السلام في طريق ثالث (4) " سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال لمن المال ؟ فقال: إن كان يعلم أن له مالا تبعه ماله، وإلا فهو للمعتق " وموثقه الآخر (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " إذا كاتب الرجل مملوكه أو أعتقه وهو يعلم أن له مالا ولم يكن السيد استثنى المال حين أعتقه فهو للعبد " ونحوه الموثق الآخر (6) وفي خبر البصري (7) " سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال وهو يعلم أن له مالا فتوفى الذي أعتق العبد،


(1) راجع ج 24 ص 171 - 186. (2 و 4) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 4 - 2 (3) الفقيه ج 3 ص 69 الرقم 236. (5) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 1 عن أبى جعفر عليه السلام الا أن الموجود في الكافي ج 6 ص 190 عن أبى عبد الله عليه السلام. (6) الاستبصار ج 4 ص 10 الرقم 31 والفقيه ج 3 ص 69 الرقم 237. (7) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 6.

[ 137 ]

لمن يكون المال ؟ يكون للذي أعتق العبد أو للعبد ؟ قال: إذ أعتقه وهو يعلم أن له مالا فماله له، وإن لم يعلم فماله لولد سيده ". وفي المسالك بناء هذه المسألة على مالكية العبد، ثم حكى عن المختلف التوقف في الحكم هنا مع قوله بعدم ملكية العبد للنصوص (1) المزبورة وناقشه أولا، ومال إلى القول به أخيرا. قلت: وقد حكاه في كشف اللثام عن الصدوق والشيخ وجماعة ممن منع ملكية العبد، بل عن المصنف أن المنع عن الملك مع بقاء الرقية لا يستلزم المنع في حال الحرية، فإذا ملك التصرف فيه ثم أعتقه أمكن أن يملك في تلك الحال، لانه صار له أهلية الملك، فاستقر له الملك بالتمليك الاول وإن كان هو كما ترى. على أن التفصيل المزبور لا يوافق قواعد الملك ولا قواعد عدمه، ضرورة أن مقتضى الاول كون المال للعبد على كل حال، كما أن مقتضى الثاني كونه للسيد، نعم قد يقال: إن عدم استثنائه مع العلم به قرينة على بقاء إباحته له، فإذا نوى به التملك بعد الحرية أمكن القول بكونه ملكا له، نحو تملك المال المعرض عنه أو المباح للتملك كنثار العرس ونحوه. وعلى كل حال فلا وجه للاستدلال بهذه النصوص على الملكية بسبب الاضافة التي يكفي فيها أدنى ملابسة، وما أشبه هذه النصوص بالنصوص (2) الدالة على أن مال العبد إذا علم به السيد ولم يستثنه عند بيعه العبد للمشتري، وإلا كان للبائع المحمولة على ما يقرب مما ذكرناه تنزيلا للنصوص المزبورة الذي مرجعه إلى حصول القرائن من السيد على الاعراض عن ماله أو إباحته له أو نحو ذلك، ومع فرض عدمها ولو لعدم العلم بالمال يبقى على ملكية السيد، للاصل وغيره، كما


(1) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة.

[ 138 ]

هو واضح. واما احتمال التعبد بما في هذه النصوص المزبورة وإن لم يوافق القوانين الشرعية ففي غاية البعد، والله العالم. (و) بذلك بان لك أن (الاول) مع كونه (أشهر) أشبه باصول المذهب وقواعده، ولا يعتبر في تملك المال على تقدير استثنائه تقديمه على صيغة الحرية، للاصل ولانه على كل حال جزء من الصيغة أو بحكمه تقدم أو تأخر، فان العبرة بالقصد المفروض كونه مقيدا، فلا تؤثر الصيغة لو فرض تقدمها في اللفظ عليه قبل ذكره. خلافا للمحكي عن الشيخ وغيره، لخبر أبي جرير (1) المتقدم الذي قد عرفت عدم القائل به، بل معارض باطلاق الادلة وخصوصها، كما تقدم الكلام فيه سابقا في اشتراط المال على العبد، فما في الايضاح - من أن الاقرب قول الشيخ، لحصول التحرير بصيغته، فيقع الزائد بعد السبب الموجب للتحرير، ولهذه الدقيقة شرط المصنف في الشروط في العقود أن تكون بين الايجاب والقبول - واضح الضعف خصوصا بعد الاحاطة بما ذكرنا سابقا، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 24 - من كتاب العتق الحديث 5 والذى تقدم ذكره كان بعنوان صحيح حريز، راجع التعليقة (6) من ص 116.

[ 139 ]

المسالة (السابعة:) (إذا أعتق) أو أوصى بعتق (ثلث عبيده) مثلا (وهم ستة) والقيمة متحدة (استخرج الثلث بالقرعة) بلا خلاف، بل عن صريح بعض وظاهر آخر الاجماع عليه، بل ولا إشكال، قال الصادق عليه السلام في خبر محمد بن مروان (1): " إن أبا جعفر عليه السلام مات وترك ستين غلاما وأعتق ثلثهم فأقرعت بينهم وأخرجت عشرين فأعتقتهم " ونحوه غيره (2) وفي صحيح ابن مسلم (3) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم، قال: كان علي عليه السلام يسهم بينهم " إلى غير ذلك من النصوص، مؤيدا ذلك بأن المقام من القسمة التي قد عرفت استعمال القرعة فيها، وليس هو من قبيل الوصية بكلي يرجع في تعيينه إلى الوارث، لكن في الدروس عن المصنف في الفرض " يعينه الوارث، والقرعة على الندب والروايات حكاية حال " وهو كما ترى، بل صحيح ابن مسلم ليس من حكاية الحال. ثم إن ظاهر النص والفتوى في المقام وغيره عدم كون القرعة من خواص الامام عليه السلام لكن في خبر يونس (4) قال: " في رجل كان له عدة من مماليك فقال: أيكم علمني آية من كتاب الله فهو حر، فعلمه واحد منهم ثم مات المولى ولم يدر أيهم علمه الاية هل يستخرج بالقرعة ؟ قال: نعم، ولا يجوز أن يستخرجه أحد إلا الامام، فان له كلاما وقت القرعة يقوله ودعاء لا يعلمه سواه ولا يقتدر عليه غيره " وإن لم أر عاملا به، ويمكن حمله على إرادة أن استخراج المشتبه بها على


(1 و 3) الوسائل الباب - 65 - من كتاب العتق الحديث 2 - 1. (2) الوسائل الباب - 75 - من كتاب الوصايا الحديث 1 والباب - 13 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 10 من كتاب القضاء. (4) الوسائل الباب - 34 - من كتاب العتق.

[ 140 ]

وجه يوافق الواقع مختص بالامام أو على غير ذلك. (و) كيف كان ف‍ (صورتها) وكيفيتها يكون بطرق، ولكن المحكي عن النبي صلى الله عليه وآله (1) ما ذكره المصنف وهو (أن يكتب في ثلاث رقاع اسم اثنين في كل رقعة) من غير تعرض فيها للحرية والرقية أو معه، (ثم) يستر و (يخرج على الحرية أو الرقية، فان خرج على الحرية كفت الواحدة وإن خرج على الرقية) استرق ما فيها و (افتقر إلى إخراج اثنين) آخرين، فان خرج على الرقية أيضا أعتق الباقي وإلا استرق. وإن كتب في الرقاع الحرية والرقية من غير أن يكتب أسماء العبيد فليكتب في رقعة حرية وفي رقعتين رقية على نسبة المطلوب في القلة والكثرة، ثم يخرج باسم أحد الاجزاء الثلاثة الذين رتبوا سابقا على الكيفية السابقة. ويجوز أن يكتب في الفرض ستة رقاع إما بأسماء الستة، كل واحد منهم في رقعة ثم يخرج على الحرية أو الرقية كما مر إلى أن يستوفى المطلوب، أو يكتب في اثنين حرية وفي أربع رقية ثم يخرج على واحد واحد إلى أن يستوفيه، وهذا الطريق وإن كان أعدل كما قيل، لان جمع اثنين على حكم واحد يمنع من افتراقهما في الرقية والحرية، ومن الممكن خروج أحدهما حرا والاخر رقا، بل في قواعد الفاضل الاقرب استعماله في جميع الفروض وإن كان هو كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به. لكن المشهور بين الفقهاء هو الاول لما روى (2) " من أن أنصاريا أعتق ستة لا مال له سواهم، فجزأهم النبي صلى الله عليه وآله ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين " نعم هو متجه في بعض الفروض الخارج عن مفروض النص مع عدم إمكان التعديل فيه، أما غيره فالاقوى جواز الجميع فيه. وكيف كان (فإذا تساووا عددا وقيمة) وأمكن تجزئتهم ثلاثا كما في الستة


(1 و 2) سنن البيهقى ج 10 ص 285.

[ 141 ]

مثلا (أو اختلفت القيمة مع إمكان التعديل أثلاثا) كالستة إذا كانت قيمة ثلاثة منهم ستمائة كل واحد مأتان، وثلاثة ثلاث مائة (فلا بحث). أما في الاول فظاهر، وكذا الثاني الذي يضم فيه كل خسيس إلى نفيس، ويجعلان ثلثا. (ولو اختلفت القيمة ولم يمكن التعديل) عددا على حسب اختلافها كما لو كان قيمة واحد من الستة مأتين وقيمة اثنين مأتين وقيمة ثلاثة مأتين عدل بها و (أخرج ثلثهم قيمة) ولو الواحد (وطرح اعتبار العدد) وفاقا للاكثر كما في الرياض، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه. (و) لكن مع ذلك (فيه تردد) من كون القسمة في غير المقام كذلك، ومن خبر الانصاري (1) المستبعد فيه تساوي القيمة، بل عن بعض العامة الجزم باعتبار العدد في التعديل وإن وافقنا على أنه لا يعتق إلا الثلث قيمة، ولا ريب في أن الاقوى الاول، ضرورة كون المقام كغيره، وخبر الانصاري على ضعفه محمول على إمكان التعديل فيه عددا وإن اختلفت القيمة، وكذا نصوص الستين (2). ولو أمكن التعديل عددا خاصة، كستة قيمة اثنين منها مأة، واثنين مأة وخمسون، واثنين ثلاث مأة قسموا ثلاثة بالعدد، فان اخرج على الحرية فخرج اثنان يساويان الثلث قيمة فلا كلام، وإن خرجا ناقصين عتقا وأكمل الثلث من الباقين بالقرعة، وإن خرجا زائدين اعيدت القرعة بينهما، وعتق من يخرج على الحرية، ومن الاخر تتمة الثلث، وقيل: الاولى استعمال القرعة وإخراج واحد واحد حتى يستوفى الثلث.


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 285. (2) الوسائل الباب - 65 - من كتاب العتق الحديث 2 والباب - 13 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 10 من أبواب القضاء والباب - 75 - من كتاب الوصايا الحديث 2.

[ 142 ]

(و) كذا (إن تعذر التعديل عددا وقيمة) كخمسة قيمة واحد مأة واثنين مائة واثنين ثلاث مائة (أخرجنا على الحرية حتى يستوفي الثلث قيمة. ولو قصرت قيمة المخرج أكملنا الثلث ولو بجزء من آخر) مراعاة للقواعد فيه بعد خروجه عن مفروض النصوص، ويستسعى حينئذ ناقص الحرية فيما بقي منها، كما صرح به غير واحد، وإن كان قد يشكل بخروج المسألة عن دليل السراية والاستسعاء، وإلا لم يكن للقرعة وجه، أللهم إلا أن يقال بالاقتصار في ذلك على خصوص الموصى به كالثلث مثلا لا الجزء منه، فتأمل جيدا. وربما احتمل تجزئهم أثلاثا أيضا، فيجعل واحد ثلثا والاربعة الباقية كل اثنين ثلث، ثم يقرع ويتحرر بها ما قابل الثلث ولو جزء من واحد، ليكون قريبا إلى المروي عن النبي صلى الله عليه وآله في قضية الانصاري (1) التي موضوعها غير المفروض. ومن هنا كان الاصح الاول حتى لو كانت قيمة الخمسة متساوية، فيكتب خمس رقاع بأسمائهم ويخرج على الحرية أو الرقية إلى أن يستوفي الثلث. هذا وقد أطنب الكركي في حاشية الكتاب في ذكر الصور الممكنة، وأنهاها إلى ستة وكيفية استخراجها أجمع من عبارة المصنف، ولكن لا طائل تحته بعد الاحاطة بحكم الجميع مما ذكرناه. ثم إن ظاهر النص والفتوى لزوم استخراج الحر من العبيد في مفروض المسألة، ولا يجوز البقاء على الاشاعة، بل صرح به في الدروس، بل قال فيها: " لو نص عليه أي الشيوع فوجهان: من بناء العتق على السراية، ووجوب العمل بقصده " قلت: لعل الاقوى عدم لزوم اعتبار قصده في المقام مع فرض تضرر الوارث بذلك، فتأمل جيدا. ثم إن الظاهر عدم اختصاص الستة في التجزئة المذكورة، بل لو كانت العبيد


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 285.

[ 143 ]

تسعة مثلا جزئت ثلاثا أيضا على أن يكون كل ثلاثة منهم ثلثا، بل لا يبعد التعدية إلى أربعة أجزاء في الثمانية لو أوصى بربعها مثلا، وخمسة أجزاء في العشرة لو أوصى بخمسها، لكن في الدروس " وفي تعدي التجزئة إلى أربعة أجزاء في الثمانية أو خمسة أجزاء في العشرة وهكذا وعدمها فيقرع على الافراد نظر، من قربه إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وآله (1) ومن عدم الاكتفاء به، إذ لابد من إعادة القرعة، وكان مراده الوصية بعتق ثلثهم مثلا وكانوا ثمانية، فيجزؤون أولا أربعة أجزاء، ويستخرج منها جزء حر ثم يقرع جديدا لاكمال الثلث من باقي الاجزاء " إلا أنه كما ترى بعيد. ولعل المتجه أيضا تجزئتهم أثلاثا إذا أمكن التعديل بالقيمة، وإلا أقرع على واحد واحد، نحو ما سمعته في الخمسة، ومجرد قابلية التجزئ لا يقتضي ما ذكره كما هو واضح، ويأتي الاحتمال السابق في تجزئتهم أثلاثا في العدد للقرب مما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لاحظ الثلث أيضا زيادة ونقصا على حسب ما عرفته. ثم إن الظاهر عدم اعتبار كون القرعة بالرقاع على الوجه المذكور في كلامهم وإن كان هو أولى، إلا أن المحكي من فعل النبي صلى الله عليه وآله أنه أقرع تارة بالبعر واخرى بالنوي يومئ إلى التوسع في أمرها، خصوصا بعد ملاحظة السيرة بين المتشرعة المظنون أن ما في أيديهم مأخوذ يدا بيد إلى أهل الوحي، مؤيدا ذلك بأنه لا فرق بعد التفويض إلى الله تعالى شأنه بين الكيفيات، والله العالم.


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 285.

[ 144 ]

المسالة (الثامنة) (من اشترى أمة نسيئة ولم ينقد ثمنها فأعتقها وتزوجها و) جعل عتقها مهرها ف‍ (مات ولم يخلف سواها بطل عتقه ونكاحه، وردت على البائع رقا، ولو حملت كان ولدها رقا، وهي رواية هشام بن سالم) (1) بل وأبي بصير (2) في الصحيح، وفي الدروس عمل بها كثير. (وقيل) والقائل ابن إدريس وغيره من المتأخرين: (لا يبطل العتق ولا يرق الولد و) لاريب في أنه (هو أشبه) بأصول المذهب وقواعده، فهو أرجح، ولذا حمل الصحيح المزبور على وجوه لا بأس بها وإن بعدت، وقد تقدم تفصيل الكلام في كتاب النكاح وعلى تقدير العمل بالخبر المزبور ينبغي الجمود على ما أفاده، لكن في الدروس تعدى وفرع عليه فروعا متعددة، ولعله لما فيه من التعليل الذي لم يظهر وجهه لنا، فلاحظ وتأمل. والله العالم. المسالة (التاسعة) (إذا أوصى بعتق عبد فخرج من الثلث لزم الوارث إعتاقه) لانه القائم مقام الميت مع عدم الوصي (فان امتنع أعتقه الحاكم) الذي هو ولي كل ممتنع، بل قد يقال: إن له ولاية العتق من أول الامر دون الوارث، كما في غيره من الوصايا التي لم ينص الموصي على وصي خاص في تنفيذها، وليس حال الوارث إلا كحال


(1) الوسائل الباب - 25 - من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 71 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 من كتاب النكاح. (جواهر الكلام - ج 9)

[ 145 ]

غيره من الاجانب، بل لعله الاقوى. (و) على كل حال ف‍ (يحكم بحريته حين الاعتاق) الذي هو سبب الحرية وإن طالت مدة ما بينه وبين الموت (لا حين الوفاة) الذي به استقرت الوصية لا الحرية. (و) أما (ما اكتسبه قبل الاعتاق وبعد الوفاة) فعن الشيخ في المبسوط والنهاية (يكون له، لاستقرار سبب العتق) الذي هو الوصية به (بالوفاة) لان السبب المقتضي لانتقال مال الموصي عن ملك الوارث مستند إلى الوصية والموت، فكل منهما جزء سبب، وبالموت يتم السبب، فيكون العبد الموصى بعتقه بعد الموت بمنزلة الحر وإن توقفت حريته على الاعتاق. فيتبعه الكسب، لكن لا يملكه إلا بعد العتق، لانه قبله رقيق لا يملك وإن كان هو الاحق به. وقد يشكل بمنع استقرار السبب بالموت، بل هو مركب من ثلاثة أشياء: الوصية والموت وإيقاع صيغة العتق، كما يتوقف ملك الوصية - لو كانت بمعنى التمليك - على قبوله مضافا إلى الوصية، وموت الموصي قبل القبول لا يملك وإن حصل الامران الاخران، ولو كان سبب العتق قد تم واستقر لزم أن يثبت معلوله وهو العتق ولم يقل به، بل قال بتوقفه على الاعتاق، ومتى لم يكن تاما لم يثبت معلوله، والملك متوقف عليه، ولما امتنع خلو الملك من مالك ولم يكن العبد مالكا لنفسه قبل العتق فهو للوارث. (و) من هنا قال المصنف وتبعه بعض من تأخر عنه: (لو قيل يكون للوارث لتحقق الرق عند الاكتساب كان حسنا) لكن أشكله في المسالك تبعا للدروس زيادة على ما فيه - من أن المراد بالسبب في كلام المستدل غير ما ذكره - بأن الله تعالى جعل الارث بعد الوصية النافذة، والفرض هنا كذلك، وذلك يمنع من ملك الوارث، غايته أن يكون الملك مراعى بالاعتاق، فكيف لا يتبعه الكسب، ويكشف عن سبق ملكه كما يكشف قبول الموصى له عن ملك الوصية من حين الموت،

[ 146 ]

وفي حكمه ما لو أوصى بعين توقف في بعض الجهات، أما الموصى به على وجه لا يتوقف على صيغة كقوله: " أخرجوا عني العين الفلانية في حجة " ونحوها فنماؤها بعد الموت وقبل الاخراج في الجهة تابع لها قطعا، لتعينها لتلك الجهة وخروجها عن ملك الوارث بالموت. وفيه (أولا) أن الاية (1) لا تنافي ملكية الوارث كما في المقابل من التركة للدين، كما أوضحنا ذلك في محله، و (ثانيا) أن الشيخ (ره) قد اعترف بأنه لا يملك إلا بعد عتقه، ولكن يكون قبله أحق به، والكشف هنا لا وجه له بعد أن لم يكن العتق كاشفا عن حريته حين الموت، وضرورة اقتضائه تملك العبد المفروض عدمه، بل لعل المتجه كون الكسب للوارث وإن قلنا ببقاء عين العبد قبل العتق على حكم مال الميت، لان مقتضاه كون الكسب على حكم ماله، والفرض عدم وصيته به، فيكون للوارث كما قيل نحو ذلك في نماء المال بعد الوفاة بالنسبة إلى الدين، فيحكم بكونه للوارث وإن قلنا ببقاء ما قابل الدين من التركة على حكم مال الميت، لانه إنما يتعلق بما كان تركة للميت لا ما يتجدد وإن كان لا يخلو من بحث. لكن على كل حال ما نحن فيه للوارث سواء قلنا بخروج العين الموصى بها عن ملك الوارث أو ببقائها على ملكه حتى تنفذ الوصية، أما على الثاني فظاهر، وأما على الاول الذي مقتضاه بقائها على حكم مال الميت فكذلك، ضرورة كون الباقي على حكمه نفس العين من حين العتق دون منافعه، كما هو واضح بلا تأمل، فلا وجه حينئذ لبناء المسألة على الخروج عن ملك الوارث وعدمه، فتأمل جيدا. هذا وينبغي أن يعلم أنه فرق بين نماء العين كالشجرة ونحوها مما يتبع أصله وبين تكسب العبد المحتاج إلى صيغ ونحوها مما يتوقف على إذن من المالك، ومع عدمها يكون للمالك قيمة المنفعة المستوفاة من العبد، ويمكن أن يراد بالكسب


(1) سورة النساء: 4 - الاية 12.

[ 147 ]

ما يشمل ذلك، وأما حيازة المباحات والتقاط ما يحصل المالك بالتقاطه فيشكل تملك السيد له بدون إذنه له، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك سابقا في بحث ملك العبد، والله العالم. المسالة (العاشرة:) (إذا أعتق مملوكه عن غيره بإذنه وقع العتق عن الامر) عند المشهور خلافا لابن إدريس. (و) إنما الكلام في أنه (ينتقل إلى الامر عند الامر بالعتق) أو بأول جزء من الصيغة ولو على جهة الكشف (ليتحقق العتق بالملك) الذي قد عرفت أنه شرط الصحة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (1): " لا عتق إلا في ملك " أو بتمامها يحصل الامران وإن اختلفت كيفية تسبيبها لهما، وجوه بل أقوال قد تقدم الكلام فيها مفصلا في الكفارات ومنه يعلم أن المراد من قول المصنف (وفي الانتقال تردد) في وقته لا أصله لما قيل من أنه لا خلاف فيه، مضافا إلى دعوى دلالة صحيح عمر بن يزيد (2) المتقدم عليه أيضا وإن كان فيه ما فيه، بل قد يمنع أصل القطع بالانتقال، ويقتصر على وقوع العتق عن الامر دون انتقاله إليه، على أن يكون المراد من " لا عتق إلا في ملك " أنه لا يعتق غير المملوك كما سمعته عن بعض العامة، لا أن المملوك لا يصح عتق مالكه عن غيره إلا بعد انتقاله إلى الغير، بل قد يدعى أن الصحيح


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 2 وفيه " لا عتق الا بعد ملك ". (2) لم يتقدم لعمر بن يزيد رواية تدل على ذلك، والذى يمكن الاستدلال به هو صحيح بريد العجلى المروى في الوسائل الباب - 40 - من كتاب العتق الحديث 2 المتقدم في كتاب الكفارات ج 33 ص 222.

[ 148 ]

المزبور على خلاف ذلك أدل، وحينئذ يكون التردد في أصل الانتقال في عبارة المتن في محله، وقد تقدم تمام الكلام في الكفارات (1) فلاحظ وتأمل، والله العالم. المسالة (الحادية عشرة:) (العتق في مرض الموت يمضي من الثلث) كغيره من المنجزات. (وقيل: من الاصل، والاول مروي) عنهم عليهم السلام (2) بعدة طرق فيها الصحيح وغيره، كما أوضحنا ذلك مفصلا فيما تقدم، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) راجع ج 33 ص 222. (2) الوسائل الباب - 11 - من كتاب الوصايا الحديث 3 و 4 و 6 والباب - 39 - والباب - 67 - منه.

[ 149 ]

(تفريعان:) (الاول:) (إذا أعتق ثلاث إماء في مرض الموت ولا مال له سواهن اخرجت واحدة بالقرعة) إن كانت هي مقدار الثلث، وإلا فما قابله زاد أو نقص ولو جزء منها، كما سمعته في المسألة السابقة التي هي عين هذه المسألة. وعلى كل حال (فان كان بها حمل تجدد بعد الاعتاق فهو حر إجماعا) ضرورة تكونه من حرة، فيتبعها إلا أن يكون أبوه عبدا واشترط عليه الرقية وقلنا بجوازه. (وإن كان سابقا على الاعتاق قيل) والقائل الشيخ وأبو علي: (هو حر أيضا) لكونه تابعا لامه (وفيه تردد) بل منع لعدم المقتضي لها شرعا ولا عرفا، فيبقى على أصل الرقية، بل هو أولى من البيع في ذلك، كما هو واضح، والله العالم. (الثاني:) " إذا أعتق ثلاثة) عبيد مثلا (في مرض الموت ولم يملك غيرهم ثم مات أحدهم) قبل موت السيد أو بعده قبل قبض الوارث (اقرع بين الميت والحيين) ولا ينزل الميت منزلة العدم وإن أبقينا للوارث مثل ما فات، لان الميت إنما مات بعد العتق فهو صالح للحرية والرقية. (و) حينئذ ف‍ (لو خرج الحرية لمن مات حكم له بالحرية) وكانت

[ 150 ]

مؤونة تجهيزه على وارثه أو في بيت المال (وإن خرجت على أحد الحيين حكم على الميت بكونه مات رقا) ومؤونة تجهيزه على سيده. (لكن لا يحتسب) على الوارث (من التركة) بحيث يكون من ثلثيه، لعدم قبضه لها والمراد له المالية، بخلاف الميت الذي احتسبناه عليه من ثلثه لو خرجت القرعة بحريته، لان مراده الثواب وقد حصل له. (و) حينئذ ف‍ (يقرع بين الحيين ويحرر منهما ما يحتمله الثلث من التركة الباقية) كما لو لم يكن له إلا العبدان وأعتقهما، فمع فرض تساويهما في القيمة يعتق ثلثا من خرجت القرعة بحريته. (و) مع اختلافها ف‍ (لو عجز أحدهما عن الثلث) لخسته وفرض خروج القرعة بحريته (أكمل الثلث من الاخر ولو فضل منه) لنفاسته (كان فاضله رقا) بلا خلاف أجده بين من تعرض لذلك من الفضل في قواعده وتحريره والشهيد في دروسه وثاني الشهيدين في مسالكه وغيرهم، بل لعل إطلاق المصنف وغيره عدم الاحتساب يقتضي ذلك حتى مع قبض الوارث، لعدم تسلطه على التصرف وإن ثبتت يده الحسية، فيكون كما لو مات قبل قبضه، لكن في المسالك ومحكي المبسوط الاصح احتسابه، لدخوله في أيديهم وفي ضمانهم وحينئذ فإذا خرجت القرعة لاحد الحيين عتق كله. قلت: قد يقال بعدم احتسابه مطلقا على أحد منهم، ضرورة اقتضاء عتقهم أجمع عتق الثلث من كل واحد، فمع فرض موته يموت من الجميع، كما هو مقتضى قاعدة الاشاعة، وليس الحر واحدا منهم غير معين وإنما هو ثلثه المشاع في الثلاثة، وإن كان بالقرعة يتعين في واحد كما يتعين غيره من المشاع بها. وكون مقصود الميت الثواب لا يقتضي الخروج عن قاعدة الاشاعة، خصوصا لو مات أحدهم قبل موت السيد، فانه بذلك يخرج عن كونه تركة يلحظ ثلثه فيها ويتعين الثلث في الباقيين منه. ومن الغريب اتفاقهم هنا على القرعة بين الميت والحيين مع ذكرهم وجوها

[ 151 ]

ثلاثة فيمن اعتق عبده منجزا ومات قبل موت السيد ولا مال له غيره: أحدها حريته أجمع، لانه لا فائدة للوارث في رقيته، وثانيها رقيته أجمع، لعدم مقابله للوارث لو حكمنا بحريته، وثالثها حرية ثلثه خاصة، مع أن الاول والاخير جاريان في المقام. أللهم إلا أن يقال إن مبنى المسألة على أن المعتق أحد الثلاثة إذا فرض أنه الثلث، لخبر الانصاري (1) المشتمل على التجزءة أثلاثا، لا أن المعتق الثلث من كل عبد وأن الموت قبل السيد لا يبطل حكم تنجيزه بالنسبة إلى الميت دون الوارث، فلا بد حينئذ من القرعة، إذ لعله يكون هو الحر، فيحتسب على الميت الذي نجزه، ويحسب تنجيزه عليه من ثلثه، بل إذا انكشف بالقرعة حريته تبين أنه قد عين الميت الثلث به، فإذا مات احتسب عليه، كما لو عين ثلثه في عين فتلفت بآفة سماوية قبل الموت، فانه لا يكون له ثلث غيرها فكذا هنا، فان تنجيزه له بمنزلة تعيينه ثلثا، فتأمل جيدا فان المقام محتاج إلى تأمل تام. ولو كانت الصورة بحالها ومات اثنان فان المتجه بناء على ما عرفت أنه يقرع بينهم أيضا، فان خرج سهم العتق على أحد الميتين عتق نصفه خاصة وحصل للورثة مثلاه وهو العبد الحي، لعدم احتساب العبد الميت الاخر عنهم وإن خرج سهم الرق عليه أقرع بين الميت الاخر وبين الحي، فان خرج سهم الحرية على الميت الاخر أعتقنا نصفه أيضا، وإن خرج سهم الرق عليه لم يحتسب على الورثة وأعتقنا ثلث العبد الحي. ولو كان موت الميت منهم بالقتل الموجب للقيمة دخل القتيل في القرعة مطلقا، لان قيمته تقوم مقامه على تقدير رقيته، فلا يفوت الوارث المال. ثم إن خرج سهم العتق لاحد الحيين عتق كله وللورثة الاخر وقيمة القتيل، وإن خرج القتيل بان أنه قتل حرا، وعلى قاتله الدية لورثته. ولا يخفى عليك أن ذلك وغيره مبني على أن القرعة هنا بحكم القرعة التي


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 285.

[ 152 ]

هي لتعيين المشتبه، لا قرعة تمييز المشاع التي تقتضي التعيين حالها دون كشف للسابق، بل قد يتوقف في اقتضاء الاولى الكشف أيضا فضلا عن الثانية، خصوصا بالنسبة إلى التزام الغير بالدية أو القصاص. ولعل هذه أو بعض ما سمعته سابقا الدقيقة التي أشار إليها في الدروس، فانه بعد أن ذكر الاقراع بين الميت والحي وذكر أن مؤونة تجهيزه على ورثة العبد أو بيت المال لو خرجت القرعة بحريته قال: " وفيه دقيقة " فتأمل جيدا، هذا كله في العتق بالمباشرة. (وأما) العتق ب‍ (السراية ف‍) المشهور أن (من أعتق شقصا) أي جزءا ولو يسيرا (من عبده) المملوك بأجمعه أو أمته (سرى العتق فيه كله) وإن لم يملك سواه (إذا كان المعتق صحيحا جائز التصرف) والمعتق بالفتح لا مانع من نفوذ العتق فيه، بل لعل ظاهر المتن وغيره عدم الخلاف فيه، بل في الروضة ربما كان إجماعا، لخبر غياث بن إبراهيم (1) المنجبر بما سمعت عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " إن رجلا أعتق بعض غلامه فقال علي عليه السلام: هو حر ليس لله شريك " وخبر طلحة بن زيد (2) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أن رجلا أعتق بعض غلامه فقال: هو حر كله ليس لله شريك " مضافا إلى أولويتها من السراية في ملك الغير التي ستسمع اتفاق النصوص (3) والفتاوى عليها في الجملة فما عن ابن طاووس - من الميل إلى عدم السراية للاصل المقطوع بما سمعت وظاهر جملة من النصوص (4) المطرحة أو المؤولة وإن صح سند بعضها - في غاية الضعف، وربما مال إليه بعض من تأخر عنه ممن لم يكن على الطريقة المستقيمة في استنباط الاحكام، وفي وافي الكاشاني حمل الخبرين المزبورين على صيرورة العبد


(1 و 2) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق. (4) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 3 و 4 و 8.

[ 153 ]

بجميعه حرا إذا سعى في البقية، قال: " ولعل له على مولاه ذلك شاء مولاه أو أبى، ولذلك أطلق الحكم بالحرية " وهو غير المحكي عن ابن طاووس وإن كان مثله في الشذوذ. ولعل الذي ألجأهم إلى ذلك النصوص التي منها خبر حمزة بن حمران (1) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل أعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزنا فقال: أرى أن عليه خمسين جلدة، ويستغفر الله تعالى - إلى أن قال -: قلت: فتغطى رأسها منه حين أعتق نصفها، قال: نعم، وتصلي وهي مخمرة الرأس، ولا تتزوج حتى تؤدي ما عليها أو يعتق النصف الاخر " الذي حمله الشيخ على ما إذا لم يملك إلا نصفها، لخبر الحارثي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل توفى وترك جارية له أعتق ثلثها فتزوجها الوصي قبل أن يقسم شئ من الميراث أنها تقوم وتستسعي هي وزوجها في بقية ثمنها بعد ما تقوم، فما أصاب المرأة من عتق أو رق جرى على ولدها " الذي حمله الشيخ أيضا على ما إذا لم يملك غيرها، وخبر أبي بصير (3) سأل الباقر عليه السلام " عن رجل أعتق نصف جاريته ثم إنه كاتبها على النصف الاخر بعد ذلك، قال: يشترط عليها أنها إن عجزت عن نجومها ترد في الرق في نصف رقبتها " وصحيح الحلبي (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت عند الموت ثلث خادمها هل على أهلها أن يكاتبوها ؟ قال: ليس ذلك لها، ولكن لها ثلثها، فلتخدم بحساب ما أعتق منها " وصحيح ابن سنان (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت ثلث خادمها بعد موتها، أعلى أهلها أن يكاتبوها شاؤوا أو أبوا ؟ قال: لا، ولكن. لها من نفسها ثلثها، وللوارث ثلثاها يستخدمونها بحساب الذي لهم فيها، ويكون لها


(1 و 2) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 3 - 4. (3) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 من كتاب التدبير والمكاتبة. (4 و 5) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 6 - 7.

[ 154 ]

من نفسها بحساب ما أعتق منها " ونحوه صحيح ابن مسكان (1) التي هي من غير الفرض خصوصا بعد إمكان حملها على عدم ملك غيرها وإن كان فيها ترك الاستفصال. (و) على كل حال فلا ريب في أن الاصح ما عليه المشهور، لشذوذ النصوص المزبورة التي ينبغي طرحها إن لم تقبل التأويل، لرجحان الادلة عليها بما عرفت، والله العالم. ف‍ (ان كان له فيه شريك) مسلم أو كافر، إذ لا فرق في السراية بين أن يكون الشريكان مسلمين أو كافرين، أو كان المعتق كافرا إن سوغنا عتق الكافر، أو بالتفريق، لعموم الادلة، وحينئذ فمتى أعتق (قوم عليه إن كان موسرا) بلا خلاف أجده فيه مع قصده الاضرار، إلا ما حكاه في المختلف عن الحلبي من إطلاق وجوب السعي على العبد في الفك، بل ومع عدم قصده عند الاكثر، خلافا للشيخ والقاضي فأوجبا على العبد السعي وللاسكافي فخير الشريك بينه وبين إلزام المعتق قيمة نصيبه، ولا شاهد له. (وسعى العبد في فك ما بقي منه إن كان المعتق معسرا) ولم يقصد المضارة بلا خلاف، بل ومع قصدها وفاقا للاكثر، بل المشهور، بل في الانتصار الاجماع عليه، وعلى الاول أيضا، وبذلك يجتمع أكثر نصوص المقام التي هي الصحيحان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: إن ذلك فساد على أصحابه لا يقدرون على بيعه ولا مؤآجرته، قال: يقوم قيمة فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك عليه عقوبة لما أفسده " وموثق سماعة (3) " سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، فقال هذا فساد على أصحابه


(1) اشار إليه في الوسائل في الباب - 74 من كتاب الوصايا الحديث 3 وذكره في التهذيب ج 9 ص 243 - الرقم 943. (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 9 (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 5.

[ 155 ]

يقوم قيمة ويضمن الثمن الذي أعتقه، لانه أفسده على أصحابه " وخبر البصري (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم ورثوا عبدا جميعا، فأعتق بعضهم نصيبه منه كيف يصنع بالذي أعتق نصيبه منه ؟ هل يؤخذ بما بقي ؟ قال: نعم يؤخذ بما بقي منه بقيمته يوم أعتق " المقيدة بخبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام المنجبر بما سمعت " من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتى يعتق " وصحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، قال: إن كان موسرا كلف أن يضمن " وإن كان معسرا خدمت بالحصص " محتسبة بذلك من السعي، أو نقيد بذلك بما إذا عجزت عن السعي. وعلى كل حال بهما يقيد إطلاق خبري الحسن بن زياد ويعقوب بن شعيب (4) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أعتق شركا له في غلام مملوك عليه شئ، قال: لا " وإطلاق خبر علي (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوك بين اناس فأعتق بعضهم نصيبه، قال: يقوم قيمة ثم يستسعى فيما بقي، ليس للباقي أن يستخدمه ولا يأخذ منه الضريبة ". ونحوه في إطلاق الامر بالسعي حسن محمد بن قيس (6) عن أبي جعفر عليه السلام بل وإطلاق مرسل حريز (7) عن أبي عبد الله عليه السلام سأل " عن رجل أعتق غلاما بينه وبين صاحبه، قال: قد أفسد على صاحبه، فان كان له مال أعطى نصف المال، وإن لم يكن له مال عومل الغلام يوم للغلام ويوم للمولى، ويستخدمه، وكذلك إن كانوا شركاء " إلى غير ذلك من النصوص التي هي بعد حمل مطلقها على مقيدها دالة


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 6 - 3 - 7. (4) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 8. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 10 - 3 - 11.

[ 156 ]

على المشهور مؤيدة في الجملة بقاعدة الاتلاف، ولا ضرر ولا ضرار، المشار إليها في النصوص المزبورة بالافساد. (و) لكن مع ذلك كله (قيل) والقائل الشيخ في النهاية والقاضي ابن البراج: (إن قصد الاضرار فكه إن كان موسرا، وبطل عتقه إن كان معسرا وإن قصد القربة عتقت حصته وسعى العبد في حصة الشريك، ولم يجب على المعتق فكه) بل يستحب له، فان لم يفعل استسعى العبد في الباقي ولم يكن لصاحبه الذي يملك فيه ما بقي استخدامه، ولا له عليه ضريبة، بل له أن يستسعيه فيما بقي من ثمنه، فان امتنع العبد من السعي في فك رقبته كان له من نفسه قدر ما أعتق ولمولاه الباقي، لصحيح محمد بن مسلم (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ورث غلاما وله فيه شركاء فأعتق أحدهم لوجه الله نصيبه، فقال: إذا أعتق نصيبه مضارة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه الله كان الغلام قد اعتق من حصة من أعتق، ويستعملونه على قدر مالهم منه، فان كان نصفه عمل لهم يوما وله يوم، وإن أعتق الشريك مضارا وهو معسر فلا عتق له، لانه أراد أن يفسد على القوم حصصهم " وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن " رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه، فقال: إن كان مضارا كلف أن يعتقه كله، وإلا استسعى العبد في النصف الاخر ". إلا أن الاول قيل لا صراحة فيه في فساد العتق في حصته أيضا، وفيه أنه لم يفرض فيه إلا عتقها، كما أنه قيل أيضا لا صراحة فيه في سعي العبد في صورة عدم المضارة مع اليسار، وفيه مع أنه يمكن حمل عمل اليوم على السعاية أنه يكفي فيه إطلاق الاخر وعدم الدلالة في الثاني منهما على اعتبار اليسار يمكن تقييده بما في الصحيح الاول. وحينئذ يستفاد منهما معا حكم الصور الاربع، وهو الموسر المضار والموسر غير المضار والمعسر غير المضار والمعسر المضار، ففي الاولى يضمن، وفي الاخيرة يبطل، وفي الثانية والثالثة يستسعي.


(1 و 2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 12 - 2

[ 157 ]

وظاهر المحكي عن خلافه قول آخر، وهو ضمان الموسر مطلقا مضارا كان أولا، وبطلان عتق المعسر المضار وسعي العبد مع عدم المضارة. كما أن المحكي عن ابن الجنيد قول رابع، وهو تخيير الشريك في صورة عدم المضارة واليسار بين إلزام المعتق القيمة وبين سعي العبد، قال: ولو اختار الاول كان للمعتق أن يرجع على العبد يستسعيه فيما غرمه من حصة شريكه، لانه إنما غرم ذلك عن العبد وقام مقامه، واستسعى العبد مع الاعسار وعدم المضارة، ولم يتعرض لغير ذلك، بل والمحكي عن أبي الصلاح من إطلاق السعي قول خامس. لكن لا يخفى عليك أن الذي تجتمع عليه جميع النصوص (1) بعد حمل المطلق منها على المقيد ما سمعته من الشيخ والقاضي، بل هو أبعد عن أقوال العامة المحكية في المسألة إلا أن الشهرة على خلافه، بل الاجماع المحكي، وبهما يرجح الجمع الاول عليه، إلا أنه لا بد من طرح بعض النصوص حينئذ. ومن الغريب دعوى الحلي تناقض كلام الشيخ في اعتبار قصد القربة مع المضارة، وقد سمعت صراحة النصوص في ذلك على أن المضارة المزبورة - التي هي من لوازم العتق المزبور المشار إليها في النصوص بالافساد الذي استحق به التقويم عليه إذا لوحظت تبعا على نحو ضم نية التبرد - لا تقدح في التقرب كما هو واضح. وبذلك كله ظهر لك القوة في القولين المزبورين، وأما باقي الاقوال فواضحة الضعف، بل بعضها لا شاهد له. وكيف كان فظاهر النصوص أن جميع كسبه من سعيه الذي يفك به رقبته لا خصوص جزئه الحر، بل قد سمعت التصريح في خبر علي بن أبي حمزة (2) بأنه


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 10.

[ 158 ]

" ليس للاخر أن يستخدمه ولا يأخذ منه الضريبة " بل لعل قوله عليه السلام: في الصحيحين (1) " أن ذلك فساد على أصحابه لا يستطيعون بيعه ولا مؤآجرته " ظاهر في انقطاع التصرف عنه، كما صرح بذلك في المسالك ومحكي النهاية. لكن في القواعد على إشكال، ولعله من استصحاب الرق إلى الاداء، وهو يستلزم تشريك المولى في الكسب وإن كان لا يخفى ما فيه بعد انقطاعه بظاهر النصوص الذي منه يعلم ضعف ما في الايضاح من دعوى قوة الاحتمال المزبور، لانه المأمور بفك نفسه، فيكون من كسبه، ولانه إذا أدى عن كسبه المملوك للسيد كان العتق حينئذ بلا عوض، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص. وعلى كل حال (فان عجز العبد أو امتنع من السعي) ولم يكن بيت مال يفك منه من سهم الرقاب أو غيره (كان له من نفسه ما أعتق وللشريك ما بقي، وكان كسبه بينه وبين الشريك) على النسبة (و) كذا (نفقته، وفطرته عليهما) وغير ذلك من أحكام المبعض، لكن ظاهر المحكي عن ابن إدريس وجوب فك سلطان الاسلام له من سهم الرقاب في صورة العجز، ولم أجده لغيره، بل إطلاق أدلة المقام على خلافه. ثم إن ظاهر المتن عدم جبر العبد على السعي، وهو خلاف ظاهر ما سمعته من النصوص (2) نعم في خبر علي بن أبي حمزة (3) على ما في كشف اللثام " ومتى لم يختر العبد أن يسعى فيما قد بقي من قيمته كان له من نفسه بمقدار ما أعتق، ولمولاه الذي لم يعتق بحسب ماله " وربما يؤيده أن ذلك حق له


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 9. (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 2 و 3 و 10. (3) التهذيب ج 8 ص 221 الرقم 792 وهذه القطعة ذكرت بعد رواية على بن أبى حمزة، ولم يعلم أنها من تتمة الرواية أو من عبارة الشيخ (قده).

[ 159 ]

فلا يجبر عليه، بل في الدروس والروضة ظاهر الاصحاب عدم وجوب السعي عليه. قلت: لكن جزم الفخر في الشرح بكونه قهريا، لان نظر الشرع إلى تكميل الحرية، ولذا عداه إلى ملك الغير قهرا، وللاستسعاء في صحيح الحلبي (1) الدال على قهره، مضافا إلى ظاهر الامر به في النصوص (2). وفيه أن المتجه في الجمع بين هذه النصوص ونصوص المهاياة من الصحيح (3) ومرسل حريز (4) السابقين وخبر علي بن أبي حمزة (5) الحكم بتخيير العبد بين السعي في فك نفسه وعدمه، وهو الذي سمعت نسبته إلى ظاهر الاصحاب، بل هو الموافق لقول المصنف وغيره " كان كسبه بينهما " ولما تسمعه من المهاياة، وإلا كان منافيا لفرض عجزه عن الكسب، بل ولصرف كسبه في فك رقبته، خصوصا بعد ما في المسالك من أن السعي كالكتابة في كونه فكا للرقبة من الرقبة بجملة الكسب، واستقرار الملك بعجز المملوك، وعتق ما قابل المدفوع منه كما في المطلقة، قال: " ويفترقان في اشتراطه بسبق عتق شئ منه دونها وعدم اشتراطه بعقد، ولا تقدير للعوض ولا للاجل، بل بقيمة المثل دونها " ضرورة اقتضاء ذلك احتساب كل ما يحصل من كسبه في فك رقبته لا أنه يكون مملوكا للمولى، إذ ليس مرجع ذلك إلا إلى اختياره، فان شاء السعي في فكاك رقبته فعل وإن شاء لم يفعل، وحينئذ يكون كسبه بينه وبين المولى. بل يتجه قول المصنف (و) غيره: (لو هاياه شريكه في نفسه صح) بل لا أجد فيه خلافا، بل هي ما سمعته في صحيح ابن مسلم (6) ومرسل حريز (7) السابقين وإن كان الذي يقوى أنها من الصلح لا أنها معاوضة برأسها مع احتماله،


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 2 - 12 - 11. (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 2 و 3 و 10. (5) راجع التعليقة (3) من ص 158. (6 و 7) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 12 - 11.

[ 160 ]

مؤيدا بعدم ضرب الاجل ونحوه فيها وعدم لزومها وغيره ذلك مما لا يغتفر في الصلح. وهل هي واجبة مع طلبها أو مطلقا هنا وإن كانت غير واجبة عندنا في المال المشترك الذي لا يمكن قسمته ؟ وجهان ينشآن من توقف جواز التصرف فيه عليها، بل لعل ذلك هو ظاهر الصحيح (1) والمرسل (2) المزبورين، ومن الاصل وإشعار الافساد وعدم استطاعة التصرف فيه في النصوص المزبورة. لكن في الروضة " لو امتنعا أو أحدهما من المهاياة لم يجبر الممتنع، وكان على المولى نصف اجرة عمله الذي يأمره به، وعلى المبعض نصف اجرة ما يغصبه من المدة ويفوته اختيارا " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرنا خصوصا بعد قوله: " يغصبه " ولعله لذا اقتصر في الدروس في نفي الجبر على صورة امتناعهما. (و) كيف كان فإذا وقعت (تناولت) أي (المهاياة) المزبورة مع الاطلاق فضلا عن التصريح الكسب (المعتاد والنادر كالصيد والالتقاط) ونحوهما بلا خلاف أجده فيه بيننا، لاطلاق الادلة التي منها خبر علي بن أبى حمزة (3) السابق، وحينئذ فكل ما اكتسبه في نوبته اختص به نادرا أو غيره، وما اكتسبه في نوبة المولى اختص به كذلك، خلافا لبعض العامة، فجعل النادر مشتركا بينهما، لانه مجهول، وفيه منع قدح مثل هذه الجهالة فيها بعد إطلاق أدلة مشروعيتها، كما هو واضح. (ولو كان المملوك بين ثلاثة) مثلا (فأعتق اثنان) نصيبهما دفعة (قومت حصة الثالث عليهما بالسوية تساوت حصصهما فيه أو اختلفت) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل ولا إشكال، ضرورة تساويهما في سبب الاتلاف المعبر عنه في


(1 و 2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 12 - 11. (3) راجع التعليقة (3) من ص 158. (جواهر الكلام - ج 10)

[ 161 ]

النصوص بالافساد (1) وإن اختلفت خلافا لبعض فجعلها على التفاوت بنسبة الحصتين، وهو واضح الضعف. ولو كان أحدهما معسرا ففي القواعد " قوم تمام الباقي على الموسر، ولو كان معسرا بالبعض قوم عليه بقدر ما يملك، وعلى الاخر بالباقي " بل في كشف اللثام " والكل ظاهر ". لكن لا يخفى عليك أنه بعد استوائهما في التسبيب المقتضى لكون الغرامة بينهما بالسوية ينبغي إجراء حكم كل منهما من اليسار والاعسار عليه، فتأمل. وإن ترتب ولم يؤد الاول شيئا فان لم يشترط الاداء في السراية كان الثاني لاغيا وإلا صح عتقه، ولكن قيمة حصة الثالث منهم على الاول خاصة، لانه استحقها عليه باعتاقه، فلا يتغير باعتاق الثاني، وإنما يؤثر فيما استحق هو عليه، وربما احتمل كون التقويم عليهما كما لو اعتقا دفعة إلا أن ضعفه واضح. وعلى كل حال فالولاء لهما مع صحة عتقهما على قدر العتق. ولو وكل شريكه في عتق نصيبه فبادر إلى عتق ملكه قوم عليه نصيب الموكل على التعجيل، وإلا فللوكيل إعتاقه ولا تقوم، وإن بادر بعتق ما وكل فيه قوم على الموكل، لانه سبب وربما احتمل عدم التقويم، لان المباشر أقوى، وضعفه واضح، ولو أعتقهما دفعة فلا تقويم، وإن أعتق نصفا شائعا منهما أمكن أن يقوم على كل واحد منهما ربع العبد، وإن أعتق نصفا ولم ينو شيئا فالاقرب صرفه إليهما، كما في الدروس، ويحتمل إلى نصيبه لان تصرفه فيما له هو الغالب، ويحتمل إلى نصيب الشريك، لانه المأذون فيه، والبطلان لعدم التعيين، والله العالم. (وتعتبر القيمة وقت العتق) حتى على القول بالانعتاق بالاداء فضلا عن القول بانعتاقه بالعتق أو بالمراعاة (لانه وقت) الاتلاف أو (الحيلولة) بين المالك


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 5 و 9 و 12.

[ 162 ]

وملكه بمنعه من التصرف فيه، مضافا إلى إنسياقه من النصوص (1) بل في صحيح عبد الرحمن (2) عن الصادق عليه السلام التصريح بذلك، بل وفي خبر محمد بن قيس (3) عن الباقر عليه السلام أو صحيحه في صورة سعي العبد، ولا فرق في القيمة بين التزام المولى بها أو العبد، وكذا صحيحه الاخر (4) على أنه لما أعتق نصيبه كلف بالاداء قيمة الباقي فيستصحب. خلافا للشهيدين في الدروس والمسالك فعند الاداء، بناء على الانعتاق به، لانه وقت التلف، ولغيرهما فأقصى القيم من حين العتق إلى حين الاداء، وفيه - مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص - أن التلف شرعي والمضمن سببه، وهو العتق، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (تنعتق حصة الشريك بأداء القيمة لا بالاعتاق) وفاقا للمشهور بل عن المرتضى الاجماع عليه، للاصل ولانه المستفاد من التأمل في أكثر النصوص: كصحيحي (5) الحلبي وغيره بل وخبر محمد بن قيس (6) أو صحيحه المتضمن لقوله عليه السلام: " فليشتره من صاحبه فليعتقه كله " بعد الاجماع في المسالك على عدم الشراء حقيقة، فيحمل على الاداء وإن قال في الرياض في دعوى الاجماع عليه - مع تعبير كثير من الاصحاب بعين ما في الرواية من دون قرينة صارفه - مناقشة إلا أنه كما ترى، ضرورة إمكان القطع بكون مرادهم الاداء المزبور لا الشراء حقيقة الذي قد يمتنع عنه الشريك ويحتاج إلى الجبر أو قيام الحاكم. كما أن ما فيه أيضا - من اعتبار الاعتاق ثانيا بعد الشراء، بل قيل: ونحو هذا عبائر كثير من القدماء كالنهاية والقاضي والصدوق - محمول على ما هو الظاهر


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث - 0 - 6 - 3. (4 و 6) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 4 - 3. (5) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 9.

[ 163 ]

من متأخري الاصحاب من عدم الخلاف في حصول الانعتاق بمجرد أداء القيمة، بل قيل هو الظاهر من عبائر كثير من القدماء كالمفيد والحلي والمرتضى، بل ظاهره الاجماع عليه، فينبغي صرفه في الرواية وكلام الجماعة إلى الانعتاق، خصوصا بعد ملاحظة التصريح فيها بذلك حال السعي الذي هو كأداء القيمة، ولانه لو أعتق بالاعتاق لزم الاضرار بالشريك بتقدير هرب المعتق أو تلف ماله. خلافا لابن إدريس فينعتق بصيغة العتق التي وقعت على نصيبه، لان ذلك هو مقتضى السراية ومدلول الاخبار الدالة عليها، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) " إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال فقد عتق كله " ويروى (2) " فهو حر كله " ويروى (3) " فهو عتيق " وقول علي عليه السلام (4) " هو حر ليس لله شريك " ونصوص الافساد (5) الذي معناه حصول الانعتاق بعتقه، وفيه عدم اللفظ المزبور في المعتبر من نصوصنا، كما أن ما ذكره من الاخبار النبوية من طرق العامة وليست من طرقنا، وقول علي عليه السلام إنما هو فيمن أعتق بعض غلامه، ومحتمل لارادة بيان الواقع فيه نفسه لا التعليل، ولارادة عدم الشريك للتحرير بأداء القيمة أو السعي ليشمل حالي اليسار والاعسار، ونصوص الافساد يراد منها الفساد بالتبعيض المقتضي للمنع عن بيعه ومؤاجرته، فهي حينئذ على ما قلناه أدل. وللشيخ في المحكي عن مبسوطه من أن الاداء كاشف عن العتق بالصيغة وهو الذي حكاه عنه المصنف بقوله: (وقال الشيخ: هو مراعى) ومال إليه في المسالك وغيرها بدعوى أن فيه جمعا بين الاخبار، وفيه أنه ليس في نصوصنا ما يقتضي انعتاقه بالعتق حتى يكون ذلك جمعا بينها، بل هي ظاهرة في الاول، بل صريحة فيه في صورة السعي وفي أن الصيغة سبب للالتزام بالقيمة للموسر، والكشف إنما يلتزم


(1 و 3) سنن البيهقى ج 10 ص 277. (2) سنن البيهقى ج 10 ص 276. (4) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 5 و 9.

[ 164 ]

به لو ثبت في الادلة ما يقتضي سببية الصيغة للتحرير، فيجمع بين ذلك وبين ما دل على اعتبار الاداء بالكشف. فمن الغريب توقف مثل العلامة في أكثر كتبه، وولده والشهيد في النكت في المسألة. وأغرب منه ما في المسالك حيث قال بعد أن ذكر الاقوال والادلة: " والحق أن الاخبار من الجانبين ليست من الصحيح، والاخبار الدالة على اعتبار وقت العتق أكثر " إذ قد عرفت أنا لم نقف على خبر منها في طرقنا، وأن الدال على الاول الصحيح وغيره. وكذلك ما فرعه على هذه الاقوال من مسألة عتق الاثنين من الشركاء الثلاثة مترتبين التي قد عرفت الحال فيها، قال: " فان قلنا ينعتق بالاعتاق قوم على المعتق أولا، وإن قلنا بالاداء ولم يكن الاول أدى قوم عليهما، وإن قلنا بالمراعاة احتمل تقويمه عليهما أيضا، لان عتق الثاني صادف ملكا فوقع صحيحا، فاستويا في الحصة الاخرى وتقويم الاول، لانه بالاداء تبين انعتاق نصيب الشريك قبل أن يعتق، فوقع عتقه لغوا وفي الاول قوة " إذ لا يخفى عليك ما في جزمه بالتقويم عليهما على القول الثاني وذكره الوجهين على الثالث، وكذا ما فرعه أيضا من وقت القيمة الذي عرفت أنه وقت العتق على كل تقدير، للنصوص وغيرها. نعم يتفرع على الاقوال المزبورة ما لو أعسر المعتق بعد الاعتاق، فانه تحصل الحرية وتبقى القيمة في ذمته على القول بحصولها بنفس العتق بخلاف القولين الاخرين. أما موته ففي المسالك " لا يؤثر على الاقوال، أما على التعجيل فظاهر، وأما على التوقف فلان القيمة تؤخذ من تركته كالدين، والاعتاق صار مستحقا عليه في حال الحياة، وقد يوجب سبب الضمان في الحياة ويتأخر الوجوب عنها، كمن حفر بئرا في محل عدوانا فتردى فيها بهيمة أو انسان بعد موته " وفيه إمكان منع الاستحقاق عليه بعد الموت مع فرض كونه ليس من الديون، للاصل وغيره،

[ 165 ]

والقياس على حفر البئر يدفعه صدق الاتلاف معه، بخلافه مع فرض كون الالتزام حال الحياة فتأمل. ولو مات العبد قبل أداء القيمة فعلى القول بالتحرير بالعتق مات حرا موروثا منه، ويؤخذ قيمة نصيب الشريك، وعلى المراعاة ففي المسالك " وقف إلى أداء القيمة، فإذا اديت بان أن الامر كذلك " وفيه إمكان اعتبار قابليته للتحرير عليها، فيسقط حينئذ كما يسقط على القول الثالث، ضرورة عدم صلاحية الميت للعتق، والتزام الكشف فيه هنا مناف لاصل القول، كما هو واضح. ولو أعتق الشريك نصيبه قبل أخذ القيمة لم ينفذ بناء على حصول التحرير بالعتق " وإن أخرناه إلى أداء القيمة فالوجه نفوذه للاصل وغيره، ولان المقصود تكميل العتق، وقد حصل وأغنى عن التكليف بأداء القيمة، وربما احتمل عدم النفوذ، لاستحقاق المعتق تملكه بالقيمة ليعتق عليه ويكون ولاؤه له، ولا يجوز صرف العتق عن المستحق إلى غيره، لكنه كما ترى. نعم لا بأس بالقول بذلك على المراعاة وإن كان ظاهر المسالك كونه كالاول في النفوذ، لكنه لا يخلو من نظر، كما أشرنا إليه سابقا، فلاحظ وتأمل. ولو وطأ الشريك الجارية قبل أداء القيمة فعلى القول بالحرية يلزمه حكم وطء الحرة، وعلى المختار يلزمه نصف المهر بنصفها الحر مع الاكراه، وعلى القول بالمراعاة ففي المسالك " يحتمل ذلك أيضا، لكونها حال الوطء مملوكة له، وثبوت جميعه لها بعد الاداء، لانكشاف كونها حرة حينئذ، ولا حد من جهة الحصة، لحصول الشبهة بالاختلاف في ملكه " وفيه تأمل، بل يمكن منافاته لما سبق منه، إلى غير ذلك من الفروع المذكورة في الكتب المبسوطة التي لا يخفى حكمها بعد الاحاطة بما ذكرنا. و (منها) ما ذكره المصنف بقوله: (ولو هرب المعتق صبر عليه حتى يعود، ولو أعسر أنظر إلى الايسار) ضرورة وضوح الحكمين على المختار وعلى المرعاة،

[ 166 ]

لان حق العتق لا يبطل بذلك، بل يستمر إلى أن يمكن الاداء، لوجود السبب الموجب له وهو الاعتاق، وإن توقف على أمر آخر ولايكون كالحق الفوري يبطل بالتأخير. وحينئذ فيبقى بالنسبة إلى الشريك رقيقا إلى أن يؤدي إليه القيمة، وهل يرتفع الحجر عنه بذلك ؟ يحتمله حذرا من تعطيل ملكه عليه بغير بدل، والاقوى خلافه، للاصل ونصوص الافساد وغير ذلك، والفائدة في نقله المنع عن الملك ببيع ونحوه لا في استخدامه، أما على القول بالحرية فالقيمة دين عليه، فينظر عوده ويساره، كما هو واضح، والله العالم. ولو أراد العبد فك نفسه بالبيع كان للشريك عدم قبوله بالنسبة إلى حصته، للاصل وغيره، ولو أعتقه معسرا ثم أيسر بعد السعي لم يكن للعبد رجوع عليه وإن احتمل، للاصل وغيره، نعم لو أيسر قبل السعي ولو قبل تمامه قيل: قوم عليه، ولا يخلو من نظر، ضرورة ظهور الادلة في أن العبرة حال العتق، ومن هنا لو تجدد إعساره انتظر ولا ينتقل إلى السعي، لكن جزم في القواعد وغيرها بالتقويم، ولا يخلو من نظر. و (منها) ما لو ادعى أحد الشريكين على الاخر عتق نصيبه موسرا فأنكر حلف، وكان نصيب المدعى حرا مجانا على القول بالحرية بالعتق، بخلاف القولين الاخرين، ولو نكل استحق المدعي باليمين المردودة قيمة نصيبه، وبأدائها يحكم بالعتق على المختار، وبدونه على القول الاخر، وكون اليمين المردودة بمنزلة الاقرار أو البينة بعد تسليمه إنما هو فيما وقعت عليه الدعوى من استحقاق الشريك القيمة لا مطلقا. لا يقال إقرار المدعي سبب اختياري في انعتاق حصته فيسرى عليه في حق المدعى عليه، لا لما في حاشية الكركي من منع سببيته الخاصة التي هي مناط السريان، إذ الاقرار سبب كاشف لا محصل للعتق وموجب له، ومناط السريان الثاني خاصة، إذ هو كما ترى مناف لكون الاقرار طريقا شرعيا لثبوت العتق

[ 167 ]

المقتضي للسريان، بل لان الاقرار هنا بالانعتاق لا بالعتق المقتضي له، كما هو واضح. (ولو اختلفا في القيمة) ولا طريق إلى معرفتها لموت العبد ونحوه (فالقول قول المعتق) لاصالة براءة ذمته من الزائد كما في نظائره. (وقيل القول قول الشريك لانه ينتزع نصيبه من يده) فيكون القول قوله، واختاره الشهيد في اللمعة، وفي الدروس مبنى القولين على الخلاف السابق أي إن قلنا: إن السراية تتعجل فالمصداق المعتق، لانه غارم، وإن قلنا تتأخر فالمصداق الشريك، لان ملكه باق، فلا ينتزع إلا بما يقوله كما في المشتري مع الشفيع، (و) الوجه تقديم قول المعتق على كل حال، لانه المنكر للزيادة على التقديرين. نعم (لو ادعى المعتق فيه عيبا) يوجب نقص قيمته أصليا أو عارضيا (فالقول قول الشريك) لاصالة السلامة وعدم حدوث العيب، كما هو واضح. ولو ادعى فيه صنعة تزيد بها القيمة فان تعذر استعلامها حلف المعتق، وإن كان محسنا لها ففي الدورس على الاداء يقوم صانعا، وعلى الاعتاق يحلف المعتق على عدم سبقها، وهو جيد بناء على اعتبار القيمة عند الاداء، ولو أدى القيمة ثم طالبه الشريك بالصنعة فادعى تأخيرها عن الاداء حلف إن أمكن التجدد، والله العالم. (والايسار المعتبر) هنا (هو أن يكون مالكا لقدر قيمة نصيب الشريك فاضلا عن قوت يومه وليلته) له ولعياله الواجبي النفقة، لقوله عليه السلام: (1) " فان كان له مال قوم عليه الباقي " الذي هو في الحقيقة تفسير للموسر في غيره (2) بل ظاهر


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 11 وفيه " فان كان له مال اعطى نصف المال " وفي المستدرك الباب - 16 - منه الحديث 5 عن النبي (صلى الله عليه وآله): "... وله مال قوم عليه الباقي ". (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 7.

[ 168 ]

عبارة المتن عدم استثناء المسكن والخادم اللذين هما من مستثنيات الدين، بل ظاهرها أيضا شمول الدين بمثل ما يملكه أو أكثر، لاطلاق الخبر السابق (1)، ولانه مالك ما في يده، نافذ التصرف فيه، حتى لو اشترى به عبدا فأعتقه نفذ، ولانه لو طالبه بعض غرمائه وجب عليه إبقاؤه وإن كان للباقين ما يستغرق ماله، فلو كان وجود الدين المستغرق يجعله معسرا لحرمت مطالبته على كل واحد منهم كما تحرم مطالبة المعسر والمعتق أولى، لانه مبني على التغليب. لكن قد يناقش بأنه وإن شمله الخبر المزبور (2) بل وإطلاق اليسار في بعض النصوص (3) لكن في خبر البصري اعتبار السعة في المال (4) الظاهر في غير ذلك، ضرورة أن المدين بقدر ما يملكه أو أزيد ليس من ذي السعة في المال، كما أن من ليس عنده إلا مستثنيات الدين كذلك أيضا. ولعله لذا لهجت ألسنة الطلبة في زمن العلامة بالسهو من الناسخ في قوله في الارشاد: " ولو كان عليه دين بقدر ماله فهو موسر " وأن الصواب " معسر " بل عن فخر المحققين إصلاحها بذلك باذن العام من والده، وكتب عليها بخطه " لا يقال هذا مالك قادر على التقويم حقيقة وشرعا فلم لا يكون موسرا، لانا نقول: إن هذا له بدل، لان الدين لم يتعلق بالمال، بل بالذمة، وإذا تعلق بالذمة هو والمعتق وجب التقسيط مع القصور، ولا تقسيط منا " وإن ناقشه الشهيد بأن التقسيط إنما يكون مع مقتضيه، كالفلس والموت، فليس عدمه هنا لعدم تعلقه بالمال، سلمنا لكن التقسيط جائز فيفك بحسابه، وقد صرح به المصنف، وان نفي التقسيط لعدم الحجر لم يلزم منه عدم اليسار على الاطلاق، إذ هو مطالب بالدين والفك في نفس الامر.


(1 و 2) راجع التعليقة (1) من ص 167. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 12. (4) اعتبار السعة في المال انما ورد في صحيحة محمد بن قيس المروية في الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 3.

[ 169 ]

ومن هذا وغيره جزم الشهيد بأن العبارة على حالها، خصوصا بعد أن استشكل في الاعسار وعدمه في الفرض في التحرير وإن جزم بكونه معسرا في القواعد. قلت: لكن الانصاف صدق عدم السعة في المال وأنه ذو عسرة في الفرض حتى لو كانت الديون مؤجلة، والتزام التقسيط في صورة الفلس مما لا يلتزمه فقيه بعد معلومية كون الالتزام بالفك ليس من الديون التي تتعلق بالمال، كالتزام صدق اليسار على من قابل دينه ماله أو زاد، ووجوب الدفع عليه عند مطالبة البعض لكونه قادرا على وفائه لا يقتضي صدق اسم اليسار عليه قطعا فضلا عن صدق ذي السعة في المال، كما هو واضح. وعلى كل حال فالمريض معسر فيما زاد على الثلث بناء على عدم نفوذ تنجيزه في غيره، والميت معسر مطلقا، فلا يسرى عتقه الموصى به وإن وفي الثلث، خلافا لبعض كما ستسمع. (ولو ورث شقصا ممن ينعتق عليه قال) الشيخ (في الخلاف: يقوم) عليه مستدلا عليه باجماع الفرقة وأخبارهم (و) لكن (هو بعيد) للاصل بعد ظهور أدلة السراية في المباشرة، ولذا كان مذهبه في محكى المبسوط العدم، كما هو المشهور بين الاصحاب، نعم لو اشترى أو اتهب سرى، لقيامه حينئذ مقام الاعتاق باختياره الشراء مثلا المسبب للانعتاق، مع أنه لا يخلو من نظر لو كان المدرك ذلك، لعدم صدق الاعتاق عليه لا أقل من الشك، والاصل عدمها كما تقدم ذلك في الكفارات ومنه يعلم أن المدرك غير ذلك. (ولو أوصى بعتق بعض عبده أو بعتقه وليس له غيره لم يقوم على الورثة باقيه) لانهم لم يعتقوه عن أنفسهم، وإنما أعتقوه على المورث، فلا وجه للسراية عليهم ولا على الميت وإن كان وقت الوصية موسرا، لانتقال التركة إلى الوارث بالموت، فصار عند الاعتاق معسرا، فلا يقوم على من لا يملك شيئا وقت نفوذ

[ 170 ]

العتق، كما لو وكل في عتق الشقص وهو موسر فأعتقه الوكيل بعد أن أعسر. خلافا للمحكي عن الشيخ، فيسرى إن وسعه الثلث، لخبر أحمد بن زياد (1) سأل الكاظم عليه السلام " عن رجل تحضره الوفاة وله مماليك خاصة بنفسه وله مماليك في شركة رجل آخر فيوصي في وصيته مماليكي أحرار، ما حال مماليكه الذين في الشركة ؟ قال: يقومون عليه إن كان ماله يحتمل، ثم هم أحرار " الضعيف سندا ولا جابر المحتمل لارادة التنجيز من قوله " أوصى " الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وكذا لو أعتقه عند موته أعتق من الثلث ولم يقوم عليه،) وقد تقدم تمام الكلام في ذلك في كتاب الوصايا. لكن في الدروس هنا " ولو أوصى بعتق شقص من عبده أو دبر شقصا منه ثم مات ولا يسع الثلث زيادة عن الشقص فلا سراية، ولو وسع ففي السراية وجهان، كما لو أوصى بعتق شقص من عبد له فيه شريك ووسع الثلث نصيب الشريك، وهنا روى أحمد بن زياد (2) عن أبي الحسن عليه السلام تقويمه، وعليه الشيخ في النهاية، خلافا للمبسوط وابن إدريس، لزوال ملكه بموته، والاول أثبت، لسبق السبب " وهو كما ترى، ولو أوصى بعتق نصيبه ونصيب شريكه فعلى القول بالسراية فالوصية تأكيد، ويجبر الشريك على أخذ القيمة، بل يحتمل ذلك أيضا على القول الاخر، إذ عتق البعض سبب في التقويم ما لم يمنع مانع وهنا زال المانع، أعنى حق الوارث من التركة بالايصاء، ويحتمل المنع، كما لو أوصى بشراء عبد الغير وعتقه، لانه لا يجبر مالكه على العتق. ومنه - مضافا إلى ما سمعته سابقا من النصوص (3) - يعلم أن المراد هنا نفي التقويم خاصة، أما السعي فهو على مقتضى الادلة السابقة، كما نص عليه المصنف في كتاب الوصايا، فلا يتوهم من كلامهم هنا عدم السعي وعدم التقويم. بل مما تقدم هناك يعلم الحال فيما لو كان قد أوصى بثلثه من دون تعيين


(1 و 2) الوسائل الباب - 74 - من كتاب الوصايا الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق.

[ 171 ]

مصرف خاص ثم أوصى بعتق الشقص، فيحتمل التقويم عليه باعتبار أن له مالا، ويحتمل العدم باعتبار استحقاق صرف ثلثه في وجوه البر عنه، فهو كالوصية به لمصرف خاص في كونه مستحقا، فلا مال له حينئذ، ولعله لذا قال في القواعد: " إن المريض معسر فيما زاد على الثلث والميت معسر مطلقا " فلاحظ وتأمل. نعم لو أوصى بعتق النصيب والتكميل صح مع أنه قال في التحرير وهل يحتمل في الاخير رضا الشريك ؟ إشكال " وهو في محله، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (الاعتبار بقيمة الموصى به بعد الوفاة) بلا خلاف أجده فيه، لانها هي محل نفوذ العتق ووقت خروجه عن الوارث وانتقال التركة إليه، فيعتبر وصول مثله إليه. (و) من هنا صرح الشيخ وأبو علي وغيرهما (ب‍) أن الاعتبار بقيمة (المنجز عند الاعتاق) الذي هو وقت خروجه عن ملكه، فيعتبر في نفوذه بقاء مقدار ضعفه للوارث، خلافا للفاضل في احد قوليه، فجعل المنجز كالمؤخر في اعتبار القيمة عند الموت إن نقصت قيمة المنجز لانه لو بقي عبدا نقص على الوارث أيضا، فلم يتضرر بالتنجيز بشئ، نعم لو زادت قيمته كانت بمنزلة الكسب، فلا يحسب منها تركة ما قابل الجزء المعتق بخلاف ما قابل الجزء الرق. (و) على كل حال ف‍ (الاعتبار في قيمة التركة بأقل الامرين من) حين (الوفاة إلى حين القبض، لان التالف بعد الوفاة) قبل القبض (غير معتبر) في الاحتساب على الوارث. (و) أما (الزيادة) وهي (مملوكة للوارث) باعتبار أنها نماء ملكه، لانتقال التركة إليه، وحينئذ فلو زادت قيمة المعتق عند الوفاة فان خلف ضعف قيمته الاولى فصاعدا اعتق كله، لان الزيادة في الحرية غير محسوبة من التركة، وإن نقص ماله أو لم يخلف سواه فعلى ما سمعته من الفاضل حسب نصيب الرقية من التركة، فتكثر، فيقل العتق، فيكثر الرق، فتزيد التركة، فيكثر العتق، وذلك دورى.

[ 172 ]

وحينئذ فطريق استخراج مقدار المعتق بأن يقال: لو كانت قيمته عشرة مثلا وقت العتق فصارت عند الوفاة إلى عشرين ولم يخلف سواه عتق منه شئ، وله من زيادة القيمة شئ، وللورثة شيئان بازاء المعتق، لما عرفت من استحقاق الوارث الضعف، فيكون العبد بتقدير أربعة أشياء، فيعتق منه حينئذ نصفه الذي هو الان يساوي عشرة، وقد كان يساوي خمسين، وللورثة نصفه الذي يساوي عشرة، وهو ضعف ما عتق منه. ولو كانت قيمته مأة وقت العتق وثلاثة مأة عند الوفاة أيضا قيل أيضا عتق منه شئ، وله من زيادة القيمة شيئان، لانها ضعف الاولى، وللورثة شيئان ضعف ما عتق منه، فيكون العبد بتقدير خمسة أشياء، ثلاثة له، واثنان للورثة، فيعتق منه ما يقابل مأة وثمانين، ويبقى منه للورثة ما يقابل مأة عشرين. ولو صارت قيمته مأتين وخلف السيد مأة غير قيل عتق منه شئ، وله من نفسه باعتبار زيادة القيمة شئ آخر، وللوارث منه ومن المأتين شيئان بازاء ما انعتق، فالمجموع في تقدير أربعة أشياء، شيئان للعبد من نفسه، وشيئان للورثة، والشئ خمسة وسبعون، فيعتق منه ثلاثة أرباعه، ويسلم المأة والربع الاخر للورثة. ولو بلغت قيمته ثلاثمأة وخلف مأة قيل أيضا: عتق منه شئ، وتبعه من نفسه باعتبار زيادة القيمة شيئان، وللورثة من نفسه وباقي التركة شيئان بازاء ما انعتق، فالمجموع في تقدير خمسة أشياء ثلاثة من نفسه، وهي أربعة أخماس نفسه، وللورثة اثنان من نفسه وباقي التركة، فيعتق منه أربعة أخماس، وهي مأتان وأربعون، ويسترق الورثة منه ستين، ويدفع لهم المأة، فيكمل لهم مأة وستون ضعف ما انعتق منه. ولو أعتق وقيمته مأة ثم بلغت عند الموت ألفا قيل: عتق منه شئ، وتبعه تسعة أشياء، وللورثة شيئان بازاء ما عتق، فالعبد في تقدير اثنى عشر شيئا، للورثة سدسه، فيعتق خمسة أسداسه، وهكذا باقي ما يفرض، هذا كله على ما سمعته من

[ 173 ]

الفاضل. أما على ما سمعته من المصنف وغيره فلا عبرة بالزيادة أصلا. نعم لو نقصت قيمته عند الوفاة كما لو عادت إلى خمسة بعد أن كانت عشرة قال الفاضل: لزم الدور أيضا، لان التركة معتبرة بالوفاة، فلا يحصل للوارث ضعف ما عتق، لان المعتق منه ثلثه، وهو يساوي ثلاثة وثلثا، فيجب أن يكون لهم ضعفها عند الوفاة، وهو متعذر، فينقص العتق عن الثلث، وكلما فرض عتق كان للوارث ضعفه، فيكثر نصيب الوارث بقلة المعتق، ويكثر المعتق بكثرة النصيب، فيقل النصيب وهكذا. والتخلص منه باستخراج قدر المعتق بأن يقال: عتق منه شئ عاد إلى نصف شئ، فيبقى العبد في تقدير خمسة إلا نصف شئ تعدل ضعف ما عتق، فيكون الخمسة إلا نصف شئ يعدل شيئين، فإذا أجبرت بنصف شئ وقوبلت بالنصف الناقص كانت خمسة كاملة تعدل شيئين ونصفا، فالشئ اثنان، وقد عاد إلى نصف شئ، فيكون واحدا، وذلك خمس العبد الان، وقد كان قيمته وقت العتق اثنين، وقد بقي للورثة أربعة أخماسه، وذلك يساوي الاربعة الان، وهو ضعف قيمة الجزء المعتق من يوم الاعتاق، ولا دور على قول الفاضل في الفرض، لعدم تغير الحكم عنده لو لم يكن له مال سواه، وإن كان له مال غيره اعتبر ضعف قيمته الان. ولو كان قيمته يوم الاعتاق مأة ثم رجعت إلى خمسين عند الوفاة وقد خلف مأة اخرى غيره فعلى قول الفاضل ينعتق جميعه، لانه الان ثلث التركة، وعلى قوليهما يقال: عتق منه شئ رجع إلى نصف شئ بقي منه خمسون إلا نصف شئ ويكون للورثة المأة وخمسون إلا نصف شئ: تعدل شيئين، وبعد الجبر والمقابلة يكون مأة وخمسين: تعدل شيئين ونصفا، فالشئ ستون، فينعتق منه ثلاثة أخماس، وهي الان ثلاثون، وللورثة مأة وعشرون ضعف ما عتق منه أولا. ولو أعتق ثلاثة أعبد لا مال له سواهم، قيمة كل واحد مأة فعادت قيمة أحدهم إلى خمسين، فان خرجت القرعة للذي انتقص قيمته عتق، ويعتق ثلث الاخر بالقرعة

[ 174 ]

عند الفاضل، وعلى قول غيره لا يعتق من الاخر شئ، لانه قد كان قيمته يوم الاعتاق مأة، وينبغي أن يبقي للورثة ضعفها، وان خرجت لاحد الاخرين فعلى قول الفاضل وغيره ينعتق منه خمسة أسداسه، وقيمتها ثلاثة وثمانون وثلث، ويبقى للورثة سدسه والاخران، وجملة قيمتها مأة وستة وستون وثلثان، وهي ضعف ما عتق، لان المحسوب على الورثة الباقي بعد النقصان، وهي مأتان وخمسون. ولو أعتق عبدين لا مال له سواهما قيمة كل واحد مأة ثم عادت قيمة أحدهما إلى خمسين، فان خرجت القرعة للذي لم تنقص قيمته عتق نصفه وبقي للورثة نصفه والاخر، وهما ضعف ما عتق عند الفاضل وغيره، وإن خرجت للذي انتقص عتق كله على قول الفاضل، وعلى قول غيره يقع الدور، لانه يحتاج إلى إعتاق بعضه معتبرا بيوم الاعتاق وإلى إبقاء بعضه للورثة معتبرا بيوم الموت. وطريقه أن يقال: عتق منه شئ وعاد إلى نصفه، فيبقى للورثة مأة وخمسون إلا نصف شئ بقدر ضعف ما عتق، وهو شيئان، فإذا جبرت وقابلت صار مأة وخمسون تعدل شيئين ونصفا، والشئ ستون، فعرف أن المعتق من العبد يوم الاعتاق ستون، ودعا هذا المبلغ إلى ثلاثين، فيبقى للورثة خمسا هذا العبد وهو عشرون، والعبد الاخر وهو مأة وذلك ضعف ما عتق أولا إلى غير ذلك من الصور المتصورة التي تنطبق على القاعدتين المزبورتين. ويمكن استخراج كثير من هذه الصور على حسب ما عرفت بطريق آخر، وهو أن يؤخذ ثلث القيمة الناقصة ويقسم ثلثا القيمة الزائدة على مقداره، ثم تنظر نسبة الثلث إلى ذلك، فان كان ربعا قيل: عتق ربعه، وإن كان خمسا قيل: عتق خمسه، وهكذا. وهو متحد في النتيجة. وأسهل منه طريق آخر أيضا موافق في النتيجة أيضا، وهو أن تنظر نسبة القيمة الناقصة إلى الاولى، فيكون خمسا أو سدسا أو غير ذلك، فيلحظ مخرج الخمس أو السدس مثلا ويضاعف بمثله، ثم يزيد عليه واحدا ويحكم بانه عتق منه ما يقتضيه نسبة ذلك الواحد إلى ما ضم إليها، فلاحظ وتدبر.

[ 175 ]

وعلى كل حال فالاصل في هذه المسألة هو ما حكاه الفاضل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: " لو كان العتق في المرض ثم تغيرت حالهم بزيادة ونقصان كان التقويم يوم العتق في الحكم، وإن كن مدبرات أو بوصية كان يوم يموت، لان في ذلك وقع العتق، ولو كن حبالى قومن حبالى، وأيتهن عتقت تبعها ولدها، لانه جزء منها وقت وقوع العتق - ثم قال هو -: والوجه التسوية بين العتق المنجز والمؤخر كالتدبير والوصية في أن الاعتبار بالقيمة وقت الوفاة إن نقصت قيمة المنجز، لانه لو بقي عبدا لم يتحفظ على الورثة سوى قيمته الناقصة، فلم يتلف عليهم أكثر منها وأما إن زادت القيمة كانت بمنزلة الكسب، للعلم بعتق شئ من وقت الاعتاق فان زادت قيمة المعتق لم يحسب من التركة ولا عليه، وأما الرق فيحسب زيادته منها ويدخلها الدور إن لم يخلف شيئا سواه أو خلف أقل من ضعف القيمة الاولى " ثم أخذ في طريق استخراج الجزء المعتق بالطريق الذي سمعت أمثلته. ثم حكى عن الشيخ في مبسوطه في مقام آخر أنه قال: " قيمة من أعتق في مرضه تعتبر حين الاعتاق، لانه وقت الاتلاف، وقيمة من أوصى بعتقه تعتبر حين الوفاة، لانه وقت استحقاق العتق، وهذا يوافق قول ابن الجنيد الذي نقلناه أولا وبينا الوجه في ذلك، والاصل في هذه المسألة أن تقول: إن العبد إذا أعتقه مولاه المريض ولا شئ سواه ثم مات قبله هل يكون كله حرا أو كله رقا أو يعتق ثلثه ؟ وجوه ثلاثة، فان قلنا إنه يتحرر كله فالوجه ما قدمناه أولا حين نقلنا كلام ابن الجنيد في هذه المسألة، وإن قلنا بالثاني جاء ما قاله الشيخ وابن الجنيد وطريق استخراج معرفة القدر المعتق منه على قولهما - ثم ذكر الامثلة السابقة إلى أن قال -: وإنما طولنا في مثل هذه المسائل في هذا الكتاب وكثرنا الامثلة لخلو كتب علمائنا عنها، وبكثرة الشواهد يحصل التمهر فيما يرد على الفقيه في هذا الباب " وكل من تأخر عنه كالشهيد الاول والثاني والصيمري اقتصر على نقل كلامه أو أكثره من غير زيادة ولا نقيصة ولا تغيير ولا تبديل حتى في المثال.

[ 176 ]

ولكن قد يناقش (أولا) بأنه لا يظهر وجه تفريع قول الشيخ على القول بموت العبد رقا الذي هو أحد الوجوه الثلاثة كما لا يظهر الوجه في بناء كلامه بتمامه على موته حرا، نعم هو كذلك بالنسبة إلى عدم احتساب النقيصة. و (ثانيا) بأن ما اعتبره من دعوى زيادة القيمة من التركة لا يرجع إلى محصل ضرورة كونها أمرا اعتباريا والعبرة بذي القيمة، والفرض وجوده وملك الوارث ضعفي ما انعتق منه مع فرض عدم وجود غيره، فزيادة القيمة حينئذ إنما هي نماء ملك الوارث، وفي مقابلة الجزء الحر، وكل منهما ليس من تركة الميت، كما هو واضح. خصوصا بعد ملاحظة كون المقام مثل باقي صور الشركة بعد أن جعل الشارع ثلثا للميت وثلثين للوارث في نفس العين، وقد استفاضت النصوص (1) والفتاوى أن من لم يكن عنده إلا عبد وقد نجز عتقه لا ينفذ إلا في ثلث العبد مع عدم إجازة الوارث سواء زادت قيمته عن وقت التنجيز أو نقصت، بل لا يكاد يظهر خلاف منهم في ذلك أو إشكال. ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره في كلام الشيخ وابن الجنيد من دعوى كونه مع النقصان يكون على كلامهم من المسائل الدورية المحتاجة إلى استعمال قواعد الحساب المعدة لاستخراج المجهول، نعم مقصودهم بقولهم: " المعتبر القيمة في المنجز وقت التنجيز " إنما هو لو كان عنده مال غير ما نجزه وأردنا إخراج ضعفيه للوارث حتى يكون ما نجزه ثلثا له لاحظنا القيمة وقت التنجيز، وأخرجنا من المال ما يقابلها، لان ذلك الوقت هو وقت التلف، والنقصان الطارئ لا يحسب على الوارث، أما إذا لم يكن له مال غير ما نجزه فليس للوارث إلا ثلثاه، كما ليس للميت إلا ثلثه زاد أو نقص، نعم لو فرض أن له مالا آخر لا تحصل به مقابلته أعتق من العبد زيادة على ثلثه بمقدار ما يسعه ذلك المال على حسب القيمة وقت


(1) الوسائل الباب - 11 - من كتاب الوصايا الحديث 3 و 4 و 6 والباب - 39 و 67 - منه. (جواهر الكلام - ج 11)

[ 177 ]

التنجيز، وبقي الباقي من العبد رقا، وما أدرى ما الذي دعاه رحمه الله إلى التزام ما ذكره في كلام ابن الجنيد في صورة النقيصة ؟ كما أنه ما أدرى ما الذي دعاه إلى التزام ما ذكره في صورة الزيادة ؟ !. ولعل المقام أشبه شئ بما التزمه البهائي رحمه الله في الوجه بالدائرة البركالية لما كان في رواية (1) " ما دارت عليه الابهام والوسطى " ومن كان له انس بعلم الهيئة انساق إلى ذهنه ذلك، ولم يفسر دارت بما حوت الذي هو المراد. ومن الغريب أن من تأخر عن العلامة اقتصر على نقل كلامه ولم يناقشه في شئ، ولعله لذا فرض المسألة في القواعد فيما إذا كان النقصان بسبب التشقيص، أي إذا كان له عبد مثلا لا غير قيمته ثلاثون، وباعتاقه الذي لا ينفذ إلا في ثلثه ينقص إلى عشرة مثلا، مع أنه قال فيها: على إشكال ينشأ من أنه كالاتلاف ونقص السوق وتفويت مال له، فلا يبطل تصرفه في ثلثه، ومن وجود المقتضى لبطلان العتق فيما زاد على الثلث فيه، فلو كانت قيمته ثلاثين ورجع بالتشقيص كل جزء إلى ثلث قيمته، ثم كسب ثلثين قبل الموت فعلى الثاني أي البطلان لو لا الكسب يصح العتق في شئ، وله من كسبه ثلاثة أشياء وللورثة ستة أشياء لان المعتق منه في تقدير ثلاثة أشياء من قيمته الاولى، لان العبد يحسب عليه نقصان الجزء، لانه لمنفعته، فكان كالواصل إليه، ولا يحسب على الورثة نقصان جزئهم، لعدم وصوله إليهم، فالعبد وكسبه في تقدير عشرة أشياء، فالشئ أربعة، ويحتمل أن يقال: عتق منه شئ وله من كسبه شئ، وللورثة ستة أشياء، فالعبد وكسبه في تقدير ثمانية أشياء، فالشئ خمسة، لانه يؤخذ من حصته من الكسب ما فوت على الورثة من نصيبهم بالتشقيص وهو شيئان، وينبغي أن يكون للورثة من نفسه وضمان التفويت وكسبه مثلا ما انعتق خاصة، وهو كذلك هنا لانه قد انعتق منه خمسة - وهي في تقدير خمسة عشر - وفوت عليهم عشرة من نصيبهم من رقبته، فحصل لهم خمسة من نفسه، وخمسة عشرة من كسبه، وعشرة مما فوت إلى آخر ما أطنب فيه في القواعد، فلاحظ


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب الوضوء الحديث 1.

[ 178 ]

وتأمل والله الهادي المؤيد والمسدد. بقي شئ وهو أن ظاهر المتن وغيره بل هو صريح بعض أن الاعتبار بقيمة الموصي به وقت الوفاة وإن تأخر تنفيذ الوصية عنها، كما لو فرض أنه أوصى بالعتق وتأخر إيقاعه عنها. وقد يقال: إن المتجه فيه اعتبار القيمة وقت التنفيذ لا وقت الوفاة وإن استحق التنفيذ بها لكن المفروض عدم حصوله، فلا يحسب عليه ما قبله إذا فرض زيادة قيمته بالنسبة إلى وقت التنفيذ، فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو أعتق الحامل تحرر الحمل ولو استثنى رقه على رواية السكوني (1) عن أبي جعفر) عن أبيه عليهما السلام " في رجل أعتق أمته وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها قال: الامة حرة وما في بطنها حر، لان ما في بطنها منها " المؤيد بصحيح الوشا (2) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " سألته عن رجل دبر جارية وهي حبلى فقال: إن كان علم بحالها فان ما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم فان ما في بطنها رق " وقد عمل بها الشيخ وبنو زهرة والبراج وسعيد. ولكن قال المصنف رحمه الله (وفيه إشكال منشأه عدم القصد إلى عنقه) ويدفعه أنه بعد العمل بالخبر المزبور يكون كالسراية التي لا تحتاج إلى قصد، بل يتحقق مع قصد العدم ودعوى كونها في الاشقاص لا في الاشخاص كالاجتهاد في مقابلة النص. نعم قد يقال: بعدم صلاحية الرواية للعمل، لضعفها وعدم الجابر وموافقتها للعامة، وأما الصحيح فهو معارض بالموثق (3) عن أبي الحسن الاول عليه السلام " سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة، فلم تدري المرأة


(1) الوسائل الباب - 69 - من كتاب العتق الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 3 - 2 من كتاب التدبير والمكاتبة.

[ 179 ]

حال المولدة هي مدبرة أو غير مدبرة ؟ فقال لي: متى كان الحمل بالمدبرة ؟ أقبل أن دبرت أو بعد ما دبرت ؟ فقلت: لست أدري، أجبني فيهما جميعا فقال: إن كانت المرأة دبرت وبها حمل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر بتدبير امه " المعتضد بالشهرة والاصول والقواعد وغيرها، ومن هنا ينقدح ضعف العمل بالرواية الاولى زيادة على ما عرفت. ولو أعتق بعض الحامل وقلنا بتبعية الحمل أو ادخله في العتق وتأخر الاداء حتى وضعت بنى على ما مر، فعلى اعتبار الاداء يلتزم بقيمة نصيب الشريك من الحمل منفصلا يوم الاداء، وعلى الاخر تقوم حبلى، والله العالم. (تفريع:) (إذا ادعى كل واحد من الشريكين) الموسرين مثلا (على صاحبه عتق نصيبه كان على كل واحد منهما اليمين لصاحبه ثم يستقر رق نصيبهما) إن قلنا إنه ينعتق بالاداء ولو على جهة الكشف، وإن قلنا إنه ينعتق بالاعتاق عتق من غير أن يحلفا أخذا لها باقرارهما، بل في استسعاء العبد هنا نظر، من اعتراف كل منهما باستحقاق قيمة نصيبه من الاخر لا من العبد، وتعذر الاخذ منه لا ينزله منزلة الاعسار وإن اختاره في كشف اللثام، لكنه كما ترى، ولو كان المدعى أحدهما فقد عرفت الكلام فيه سابقا. ولو كانا معسرين عدلين ففي القواعد " فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا، أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا، وإن كان أحدهما عدلا خاصة كان له أن يحلف معه ولعل اقتصاره في ذلك على المعسرين للتهمة باعتبار القيمة في الموسرين، فلا تقبل شهادة أحدهما على الاخر.

[ 180 ]

وفيه أنه يمكن جريانها باختصاص السعي به دون الاخر أيضا، بل بذلك توجهت دعوى أحدهما على الاخر، وإلا فلا معنى لدعوى انسان على آخر أنه أعتق عبده، وإنما ذلك من وظيفة العبد، كل ذلك بعد مشروعية اليمين من العبد هنا مع الشاهد باعتبار كونه لدفع السعي عن نفسه وإن قلنا بعدم ثبوت العتق إلا بشاهدين. مع أنه قد يناقش بأن دفع السعي عن نفسه للشريكين فرع ثبوت العتق منهما، والفرض عدم ثبوته إلا بالشاهدين، ولا يمكن القول هنا بنفي السعي عنه بذلك وإن لم يثبت العتق نحو ما قيل في دعوى السرقة بالنسبة إلى ضمان المال دون الحد، ضرورة إمكان الانفكاك فيه بخلاف المقام، على أنه لا يتم في صورة عدالة أحدهما، إذ الحلف على دعواه عتق شريكه يوجب السعي للمدعي لا نفيه عنه (1) كما هو واضح. هذا وفي المسالك في الصورة الاولى بعد أن حلف المدعي اليمين المردودة قال: " ثم لو شهد هذا المدعي مع آخر ثبت العتق بشهادة الحسبة " وفيه إمكان منع القبول وإن كان هو قد استحق القيمة بيمينه، فلا تهمة من هذه الجهة إلا أنه هو مدع فيما شهد به كما في الشركاء المدعين فتأمل. وكيف كان ففي صورة التداعي معسرين يخرج نصيب كل منهما باقراره عن استقرار يده، ويسعى العبد في قيمته لهما بناء على ما عرفت من كون السعي بجميع الكسب لا خصوص الجزء الحر وإلا فلا يمكنه السعي هنا فإن كلا منهما يأخذ من كسبه ما قابل نصيبه لانكاره العتق فيه، فلا يحصل منه ما ينفك به. ولو اشترى أحدهما بعد دعوى العتق على جهة الفداء نصيب صاحبه عتق عليه ذلك، لاقراره، ولم يسر إلى النصف الذي كان له، ولا يثبت له عليه ولاء بازاء هذا الجزء، لانه لم يصدر عتقه عنه، فان مات ولم يكن له وارث سواه قيل كان ماله مجهول المالك، فان البائع يقول: إنه للمشترى، لكونه عبده، والمشتري يقول: إنه للبائع بالولاء ولكن للمشتري أن يأخذ منه بقدر ما أداه من الثمن، فانه يدعى


(1) وفي النسخة الاصلية المسودة والمبيضة " لا ينفيه عنه ".

[ 181 ]

أن البائع إنما أخذ ظلما وقد ظفر له بمال. وفيه (أولا) أنه يجب عليه دسه في ماله لعلمه بكونه له و (ثانيا) أنه لا ظلم من البائع بعد أن بذل هو الثمن له وأباحه له، فلا وجه لمقاصته فيه. ولو أكذب نفسه في شهادته على شريكه بالعتق ليسترق ما اشترى منه لم يقبل، لانه إنكار بعد إقرار. وأما الولاء لو أعتقه ففي القواعد احتمال أنه له باعتبار أن على العبد ولاء شريكه لا يدعيه سواه، فيثبت له كما في كل مال يدعيه من لا منازع له وإن تضمنت شهادته أولا باعتاق شريكه بطلان الولاء له في نصيب الشريك، لكنه كما ترى ضرورة أنه ليس هو المعتق لهذا الجزء باعترافه أولا فهو لا يدعى ولاء إلا بعد أن أقر بانتفائه عنه، فلا يسمع، ولعله لذا استقرب بعد ذلك انتفاء الولاء عنه، لكن قال: نعم يثبت له المال لاعتراف البائع له بالاستحقاق، أي ومع ذلك هو يدعيه، ولا يضر شهادته السابقة المتضمنة لانتفاء المال عنه، فانه لم يكن حين الشهادة مال نفسه، وحين حصول المال لا ينفيه ولا منازع، فهو حينئذ كمن أقر بما في يده لاخر فأنكره ثم رجع وادعاه، وحينئذ لو مات المشتري قبل العبد ثم مات العبد ورث العبد وارث المال: من الزوجة وغيرها، لا وارث الولاء، إلا أنه لا يخلو من نظر وإن افترق المال والولاء بالاقرار وعدمه، لكن هذا المال لا طريق إلى تملكه إلا الارث بالولاء الذي قد فرض عدم ثبوته له فتأمل. ولو أكذب البائع نفسه فأقر بعتق نصيبه بعد إكذاب المشتري نفسه قدم قول البائع وإن كان مدعيا لفساد العقد، لتصادفهما حينئذ على الفساد بعد إلغاء إكذاب المشتري، لكن لا ولاء له أخذا باقراره الاول، وهل له المال ؟ يحتمل لانه يدعيه من صدقه المشتري حيث ادعى عليه العتق، ولا يسمع إكذابه نفسه ثانيا، والعدم لانه بالبيع الذي فعله إقرار بأن المال ليس له، فلا يسمع إكذاب نفسه ثانيا، ولعله الاقوى.

[ 182 ]

ولو اشترى كل منهما نصيب صاحبه عتق أجمع باعترافهما، ولا ولاء لاحدهما عليه لاقرارهما، فان أعتق كل منهما ما اشتراه ثم أكذب نفسه في شهادته ففي القواعد ثبت الولاء، وفيه نظر، وكذا في قوله: ولو أقر كل منهما بأنه كان قد أعتق وصدق الاخر في شهادته بطل البيعان، ولكل منهما الولاء على نصيبه فتأمل. ولو كان أحدهما معسرا والاخر موسرا عتق نصيب المعسر خاصة إن قلنا بتعجيل السراية، لاتفاقهما عليه بالمباشرة أو بالسراية، وإلا فنصيبه رق، لعدم الاداء، أما نصيب الموسر فلا يعتق مطلقا، لانكاره المباشرة وعدم السراية بدعوى المعسر ولا تقبل شهادته عليه، لانه يجر إلى نفسه نفعا وحينئذ فيحلف ويبرأ من القيمة والعتق، ولا ولاء لاحدهما في نصيب المعسر ولو أقام العبد شاهدا حلف معه وعتق نصيب الموسر بناء على الاجتزاء بالشاهد واليمين فيه. ولو أعتق المعسر من الثلاثة نصيبه تحرر واستقر رق الاخرين إن لم نقل بالسعي، فإن أعتق الثاني نصيبه وكان موسرا سرى في حصة الثالث وكان ثلثا الولاء للثاني. وكيف كان فقد ظهر لك من جميع ما قدمناه أنه يعتبر في السراية زيادة على كون المعتق بالغا جائز التصرف كون العتق باختياره، كما أشار إليه المصنف في مسألة من ورث شقصا ولم يذكر المصنف غير ذلك لكن في القواعد اعتبر شروطا أربعة: " الاول أن يكون موسرا، الثاني أن يعتق باختياره، الثالث أن لا يتعلق بمحل السراية حق لازم كالوقف - قال - والاقرب السراية في الرهن والكتابة والاستيلاد والتدبير، الرابع تمكن المعتق من نصيبه أولا، فلو أعتق نصيب شريكه كان باطلا، ولو أعتق نصف العبد انصرف إلى نصيبه ولزم التقويم، ولو أعتق الجميع صح ولزمه القيمة ". وفيه أن الاول ليس شرطا للسراية، لما سمعت من حصولها مع الاعسار واستسعاء العبد، ومرجع الرابع إلى عتق الشقص المملوك له ولو بعتق العبد أجمع

[ 183 ]

وأما الثالث فقد قيل في وجهه أنه ملك لله، فيمنع من البيع، فلا يصح التقويم والشراء، وفيه أنه لا يتم على القول بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه، وحينئذ يتجه السراية لعموم الاخبار (1) خصوصا بعد ثبوت بيع الوقف في موارد، فلعله منها، ولانه انعتاق قهرى فيكون كما لو عمي أو جذم، وخصوصا أيضا بعد ما قيل في وجه الاقرب من أنه لا يمنع شئ منها، ولان المالك أقوى منها، فإذا لم يمنع من السراية فهي أولى، ولتغليب الحرية، أللهم إلا أن يناقش في الاخير بأنها على خلاف الاصل، وبأنها حقوق لازمة مانعة من البيع، فتمنع من التقويم ولا أقل من الشك، والاصل عدم السراية، ومنه ينقدح الشك فيها في الاول حتى على القول بالانتقال، ولكن الاول لا يخلو من قوة. وفي الدروس يشترط في السراية أن لا يتعلق بالشقص حق لازم كالوقف والكتابة والاستيلاد ترجيحا لاسبق الحقين، وقيل بالسراية للعموم، والسراية إلى الرهن أقوى، وأقوى منه التدبير، وأقوى منهما الوصية بعتق الشقص، والله العالم. (وإذا دفع المعتق قيمة نصيب شريكه) وقلنا بتوقف العتق على الاداء وإلا فعلى التعجيل أو الكشف يحصل العتق بالصيغة (هل ينعتق عند الدفع أو بعده ؟ فيه تردد، والاشبه) عند الشيخ (أنه بعد الدفع ليقع العتق عن ملك و) لكن (لو قيل بالاقتران كان حسنا) كما سمعته في عتق المأمور، لظهور الادلة في انعتاقه بمجرد الاداء، فجمع بينه وبين ما دل (2) على أنه " لا عتق إلا في ملك " بذلك، ويكون الترتيب بينهما حينئذ ذاتيا لا زمانيا، نحو ما سمعته في شراء القريب وانعتاقه عليه، بل قد يقال: لا داعي هنا إلى ذلك بعد ظهور


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 2 وفيه " لا عتق الا بعد ملك ".

[ 184 ]

الادلة بالانعتاق بالاداء الذي هو من المولى كالكسب من العيد، ولا دليل على اعتبار الدخول في الملك في ثبوت الولاء له، إذ يمكن القول بالاكتفاء بذلك في ثبوته له. وعلى كل حال فلا إشكال في عدم احتياج العتق هنا إلى صيغة وإن أوهمه بعض النصوص (1) السابقة التي عبر بمضمونها بعض القدماء. ومن ذلك أشكل الحال على بعض الافاضل، لكنه في غير محله، ضرورة معلومية الحكم المقتضية لتنزيل ما في النصوص المزبورة على إرادة العتق بالاداء، كما أشرنا إليه سابقا. ثم إن الظاهر تبعض الحرية بتبعض القيمة كما في السعي، لكن هل للمولى الامتناع من قبض البعض ؟ يحتمل ذلك، بل قد يحتمل عدم انعتاق البعض لو فرض إعساره عن الجميع وإن كان الاقوى خلافه، والله العالم. (وإن شهد بعض الورثة) على مورثهم (بعتق مملوك لهم مضى العتق في نصيبه) بلا إشكال ولا خلاف، فان إقرار العقلاء على أنفسهم جائز أو كونه بصورة الشهادة (2) لا ينافي كونه إقرارا أيضا. كما انه لا إشكال (و) لا خلاف في أنه (إن شهد آخر) معه (وكانا مرضيين) للشهادة (نفذ العتق فيه كله) لعموم حجية البينة (وإلا) يكونا مرضيين (مضى) العتق (في نصيبهما) للاقرار (ولا يكلف أحدهما شراء الباقي) لعدم كونه معتقا، لكن يستسعى المملوك، لصحيح محمد بن مسلم (3) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل ترك مملوكا بين نفر فشهد أحدهم أن الميت أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيا لم يضمن، وجازت شهادته، واستسعى العبد فيما كان للورثة " ونحوه خبر منصور (4) عن الصادق عليه السلام قال " سألته عن رجل هلك


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 2 و 3. (2) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة. وفي المسودة " وكونه بصورة الشهادة... " وهو الصحيح. (3 و 4) الوسائل الباب - 52 - من كتاب العتق الحديث 1 - 2.

[ 185 ]

وترك غلاما فشهد بعض ورثته أنه حر، قال: إن كان الشاهد مرضيا جازت شهادته، ويستسعى فيما كان لغيره من الورثة ". وعن الصدوق وابن الجنيد العمل بهما، بل عن الشيخ في النهاية استسعاء العبد في الباقي وإن لم يكن مرضيا، وفي المختلف الوجه مضى الاقرار في حق المقر سواء كان مرضيا أولا، ولا يجب السعاية، ثم احتمل كون وجه التفصيل بين المرضي وغيره بالنسبة إلى السعي أن عدالته تنفي التهمة في تطرق الكذب عليه، فيمضي الاقرار في حقه خاصة، وأما في حق الشركاء فيستسعى العبد، كمن أعتق حصته من عبد ولم يقصد الاضرار مع إعساره، وأمنا إذا لم يكن الشاهد مرضيا فانه لا يلتفت إلى قوله إلا في حقه خاصة، ولا يستسعى العبد، بل يبقى حصص الشركاء فيه على العبودية، ويحكم في حصته بالحرية، ولكن قال بعد ذلك: " وهذا عندي محمول على الاستحباب عملا بالرواية ". وفيه أنه لا داعي إلى حملها على ذلك مع عدم المعارض وجامعيتها لشرائط العمل، نعم لا وجه للتعدية عنها إلى وجوب السعي وإن لم يكن مرضيا بلا دليل، ويمكن أن يريد الفاضل عدم وجوب السعي على العبد، لما عرفت من أن ذلك راجع إلى اختياره، فلا يكون مخالفا، كما أن يمكن دعوى أنه يستفاد من النص (1) والفتوى تسلط العبد على الفك ولو بالسعي متى ثبت عتق شقصه ولو قهرا أو بإقرار بنفي الشريك فيه، فلاحظ وتأمل، فانه لا يخلو من نظر أو منع، خصوصا بالنسبة إلى الاخير، بل وسابقيه بناء على اختصاص أم الولد بالدليل، وربما يأتي مزيد تحقيق لذلك، والله العالم. هذا كله في إزالة الرق بالسراية. (وأما) إزالته ب‍ (الملك فإذا ملك الرجل أو المرأة) اختيارا أو اضطرارا (أحد الابوين وإن علوا أو أحد الاولاد ذكرانا وإناثا) أو خناثا (وإن نزلوا انعتق في الحال) بلا خلاف أجده فيه نصا (2) وفتوى، بل الاجماع


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب العتق. (2) الوسائل الباب - 7 و 9 - من كتاب العتق.

[ 186 ]

بقسميه عليه. (وكذا لو ملك الرجل إحدى المحرمات عليه نسبا) كالعمة والخالة وبنت الاخ (و) بنت الاخت. نعم (لا ينعتق على المرأة سوى العمودين) أي الاباء وإن علوا والاولاد وإن نزلوا بالاتفاق كما في كشف اللثام، إلا في الزوج ففيه خلاف، قلت: في المقنعة إلحاق الاخ والعم والخال بالعمودين، لكنه شاذ، بل النص والفتوى على خلافه. (ولو ملك الرجل) أو المرأة (من جهة الرضاع من ينعتق عليه) أو عليها (بالنسب هل ينعتق عليه) وعليها ؟ (فيه روايتان) (1) وقولان (أشهرهما) رواية وفتوى (العتق) كما تقدم ذلك كله وغيره مفصلا في بيع الحيوان (2)، فلاحظ وتدبر. وكذا تقدم فيه (3) وفي كتاب الكفارات (4) (و) في هذا الكتاب أنه (يثبت العتق حين يتحقق الملك) لابعده آنا، كما عن المبسوط، ولا أنه لا ملك، كما عن بعض وإن أوهمه بعض النصوص (5) النافية له المحمول على إرادة المستقر. بل (و) تقدم أيضا أن (من ينعتق كله بالملك ينعتق بعضه بملك ذلك البعض) لاطلاق الادلة (و) أنه (إذا ملك) اختيارا (شقصا ممن ينعتق عليه لم يقوم عليه إن كان معسرا) ضرورة عدم زيادته على عتق ذلك مباشرة (وكذا لو ملكه بغير اختياره) وإن كان موسرا، خلافا لما سمعته من الشيخ في الخلاف. (و) قد


(1) الوسائل الباب - 8 - من كتاب العتق. (2) راجع ج 24 ص 141 - 146. (3) راجع ج 24 ص 141. (4) راجع ج 33 ص 243 - 244. (5) الوسائل الباب - 7 - من كتاب العتق الحديث 2 و 3 و 5.

[ 187 ]

عرفت ضعفه، نعم (لو ملكه اختيارا وكان موسرا قال الشيخ: يقوم عليه، وفيه تردد) قد عرفت منشأه، وتحقيق الحال فيه وفي غيره في كتاب الكفارات (1) فلاحظ، والله العالم. (فرعان:) بل فروع (الاول:) لو أوصى له ببعض ولده فمات بعد موت الموصى قبل القبول فقبله أخوه له ملكه على الاصح، لكن في القواعد وشرحها للاصبهاني " سرى في باقيه على الميت إن خرج قيمة الباقي من الثلث، لاعساره فيما زاد عليه، وذلك لتنزل قبوله منزلة قبول الموصى له، فكأنه قبل في الحياة، وقبوله كاشف عن ملكه حين مات الموصى " وفيه أن قبول الاخ يملكه لا الميت، كما تقدم تحقيقه في كتاب الوصايا. ومنه يعلم ما في قوله أيضا " ولو أوصى له ببعض ابن أخيه فمات وأخوه وارثه فقبله أخوه له لم يقوم الباقي على الاخ، لان الملك يحصل للميت أولا، لقبول الوارث له ثم له بالارث، فكأنه حصل له الملك بغير اختياره " إذ قد عرفت أن الذي يملك بالقبول الوارث لا الميت الذي خرج عن قابلية الملك، والوارث إنما قام مقامه في استحقاق تملك الموصى به بالقبول للادلة الدالة عليه، ولذا لا تتعلق به ديون الميت ولا وصاياه، بل لو قصد القبول للميت بطل، لعدم ما يدل على مشروعيته على وجه يترتب عليه الحكم المزبور، وعلى هذا فالمتجه في الفرض التقويم على الوارث. بل في القواعد احتمال ذلك على الاول أيضا، لانه في الحقيقة حصل باختياره وإن بعد بواسطة قال: " وكذا الاحتمال لو رجع إليه بعض قريبه الذي ينعتق عليه


(1) راجع ج 33 خصال الكفارات: الوصف الثالث.

[ 188 ]

برد عوضه بالعيب " أي كما لو باع بعض أخيه بعين ثم مات البائع، ولم يخلف إلا ابن أخيه، ثم ظهر في العين عيب فرده، فرجع إليه البعض من أبيه، فيقوم عليه، لحصول الملك له باختياره بواسطة، ومقتضى ذكره ذلك احتمالا أن الاقوى عنده خلافه، ولعله لما قيل من أنه إنما اختار رد العوض والرجوع حصل بغير اختياره، لكنه كما ترى، ضرورة أن اختيار المسببات باختيار أسبابها. (الثاني:) لو اشترى هو وأجنبي صفقة قريبه الذي ينعتق عليه عتق كله مع يساره، وضمن قيمة حصة شريكه. الثالث: لو اشترى الزوج والولد امه صفقة وهي حامل ببنت سرى على الولد في الام، وقومت حصة الزوج منها على الابن، لانها تنعتق عليه دونه، وعتقت البنت عليهما معا، لانها بنت الزوج واخت الابن، وليس لاحدهما على الاخر شئ من قيمتها، وكذا لو وهبت الام لهما فقبلاها دفعة، ولو قبلها الابن أولا عتقت عليه هي وحملها وغرم قيمة الام حاملا للواهب دون الزوج الذي لم يحصل له ملك بسبب التلف قبل قبوله وإن احتمل، لكنه واضح الضعف. ولو قبل الزوج أولا عتق عليه الولد كله وعليه قيمة نصفه للواهب، ثم إذا قبل الابن عتقت عليه الام كلها ويغرم نصف قيمتها للزوج، والله العالم.

[ 189 ]

الرابع: (إذا أوصى) مثلا (لصبي أو مجنون بمن ينعتق عليه فللولي أن يقبل إن لم يتوجه به ضرر على المولى عليه) فانفاق ونحوه، بل ربما احتمل الوجوب، وهو أحوط، (فان كان فيه ضرر لم يجز القبول، لانه لا غبطة) للمولى عليه، بل فيه فساد، وذلك (كالوصية بالمريض الفقير تفصيا من وجوب نفقته) على المولى عليه، وحينئذ فلو قبل على هذا الحال كان القبول باطلا، نحو شراء الولي قريب الطفل الذي ينعتق عليه، لانه إتلاف محض. الخامس (1): (إذا أوصى له ببعض من ينعتق عليه وكان معسرا جاز القبول) أو وجب. (ولو كان المولى عليه موسرا قيل: لا يقبل، لانه يلزمه افتكاكه) وإن لم تجب نفقته، (والوجه) عند المصنف والاكثر على ما في المسالك (القبول، إذ الاشبه أنه لا يقوم عليه) لدخوله في ملكه بغير اختياره، والاصل البراءة، وإن كان قد يناقش بأن اختيار المولى كاختياره، ولكن الاقوى عدم التقويم، والله العالم. (وأما) زوال الرق ب‍ (العوارض فهي) أمور: منها (العمى والجذام والاقعاد) بلا خلاف اجده في شئ منها، بل ظاهر غير واحد الاجماع عليه، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع صريحا في الاخير والاول، لقول الصادق عليه السلام في


(1) وهو ثانى الفرعين من الشرائع.

[ 190 ]

الصحيح (1): " إذا عمى المملوك عتق " وفي خبر السكوني (2): " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا عمى المملوك فلا رق عليه، والعبد إذا جذم فلا رق عليه " وفي خبره الاخر (3) عنه أيضا عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " العبد الاعمى والاجذم والمعتوه لا يجوز في الكفارات، لان رسول الله صلى الله عليه وآله أعتقهم " وفي خبر أبي البختري (4) أن امير المؤمنين عليه السلام قال: " لا يجوز في العتاق الاعمى والمقعد " وعن ابن الجنيد في حديث أهل البيت عليهم السلام (5) " أن الرسول صلى الله عليه وآله قال: إذا عمى المملوك أو جذم فلا رق عليه " وعن امير المؤمنين عليه السلام (6) " من اصابته زمانة في جوارحه وبدنه ومن نكل به مولاه فهو حر لا سبيل عليه سائبة " وقال أبو جعفر عليه السلام في خبر الجعفي (7): " إذا عمى المملوك أعتقه صاحبه، ولم يكن له أن يمسكه " بل عن ابن حمزة إلحاق البرص بالجذام، ولم أقف له على دليل. (و) منها (إسلام المملوك في دار الحرب سابقا على مولاه) وخرج منها إلينا بلا خلاف أجده، بل عن صريح المختلف وظاهر غيره الاجماع عليه، مضافا


(1 و 2) الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب - 27 - من أبواب الكفارات الحديث 3 من كتاب الايلاء والكفارات. (4) الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 4. (5) الظاهر ان ابن الجنيد (قده) اقتبس ذلك من رواية السكوني المتقدمة والمروية في الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 2. (6) الظاهر أن ابن الجنيد (قده) اقتبس ذلك من رواية السكوني المتقدمة والمروية في الوسائل الباب - 27 - من أبواب الكفارات الحديث 3 ورواية أبى بصير الاتية والمروية في الوسائل الباب - 22 - من كتاب العتق الحديث 2. (7) الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 6.

[ 191 ]

إلى الخبر (1) " أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حر وأي عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد " بل عن ظاهر المبسوط وصريح الحلي - وإن كنا لم نتحقق الاخير - ذلك وإن لم يخرج، لاية نفي السبيل (2) خلافا للمشهور للاصل وظاهر الخبر السابق (3)، وتمام الكلام فيه في كتاب الجهاد (4). (و) منها (دفع قيمة الوارث) الذي لا وارث لقريبه غيره، وقد أشبعنا الكلام فيه في كتاب الموارث، فلاحظ وتأمل. (وفي عتق من مثل به مولاه تردد) وخلاف (و) لكن (المروي) في مرسل جعفر بن محبوب (5) عن الصادق عليه السلام (أنه ينعتق) قال: " كل عبد مثل به فهو حر " وقال أبو جعفر عليه السلام في صحيح أبي بصير (6): " قضى أمير المؤمنين عليه السلام فيمن نكل بمملوكه أنه حر لا سبيل له عليه، سائبة " إلى آخره، وعن الصدوق " أنه روى في امرأة قطعت يدي وليدتها أنها حرة لا سبيل لمولاتها عليها " (7) إلى غير ذلك من النصوص المنجبرة بالشهرة العظيمة التي لا مخالف لها إلا ابن إدريس لاصله الذي قد تحقق ضعفه في محله، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، فمن الغريب تردد المصنف في ذلك، وأغرب منه الوسوسة من بعض الناس في الحكم في الاسباب الاولة التي لم يخالف فيها ابن إدريس أيضا، والتحقيق ما عرفت. والتنكيل: إذا جعله نكالا وعبرة لغيره، كما في الصحاح، كما أن فيه أيضا " مثل به يمثل مثلا: أي نكل، والاسم المثلة بالضم، ومثل بالقتيل جذعه،


(1 و 3) الوسائل الباب - 44 - من أبواب جهاد العدو الحديث 1 من كتاب الجهاد. (2) سورة النساء: 4 - الاية 141. (4) راجع ج 21 ص 45 و 146. (5 و 6 و 7) الوسائل الباب - 22 - من كتاب العتق الحديث - 1 - 2 - 3

[ 192 ]

والمثلة بفتح الميم وضم الثاء العقوبة، والجمع المثلات وأمثلة، جعله مثلة " إلى آخره. وعلى كل حال فليس في كلام الاصحاب ما يدل على شئ مخصوص، بل اقتصروا على تعليق الحكم على مجرد الاسم تبعا لاطلاق النص، وقد سمعت مرسل الصدوق، ومن طرق العامة روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده زنباع أبي روح (1) " أنه وجد غلاما مع جارية له فجدع أنفه وجبه، فأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: من فعل هذا بك ؟ فقال: زنباع، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال ما حملك على هذا ؟ فقال: كان من أمره كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اذهب فأنت حر " وظاهرها أن الجب تنكيل وتمثيل وليس ببعيد. ويتفرع على ذلك انعتاق الخصيان على مواليهم الذين يفعلون بهم ذلك، فلا يصح شراؤهم لمن يعلم بالحال، نعم لا بأس به مع اشتباه الحال، كما لا بأس بالشراء مع الشك في حصول التنكيل بقطع بعض الاذن الواحدة أو نحو ذلك للاصل وغيره. ثم إن الظاهر عدم الفرق في اقتضاء الاسباب المذكورة الانعتاق بين كونها بفعل الله أو بفعل العبد، لحصول مسماها الذي هو العنوان، نعم يختص التنكيل فيها بالمولى. ولو كان له بعض العبد فنكل به انعتق عليه وضمن قيمة الشقص لشريكه بناء على أن اختياره للسبب اختيار للمسبب، فهو حينئذ كشراء من ينعتق عليه، واستشكل فيه في الدروس من ذلك ومن تحريم السبب، والله العالم. (وقد يكون التدبير والمكاتبة والاستيلاد سببا للعتق) وذلك إذا جمع الشرائط الاتية التي منها موت المولى والولد حي وارث، وكون موت المولى من


(1) سنن البيهقى ج 8 ص 36 وفيه " عمرو بن شعيب عن ابيه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: كان لزنباع.. " مع اختلاف في لفظ الحديث ايضا. (جواهر الكلام - ج 12)

[ 193 ]

فعل الله تعالى دون الاستيلاد لا يقتضي رفع سببيته، كما أن عمى العبد وإقعاده من أسباب العتق وإن كان من قبل الله تعالى، واشتراط المباشرة في السبب تحكم، وفي الحقيقة هذه الاسباب علامات لحكم الله تعالى بالعتق سواء كان بفعل الله تعالى أو بفعل المكلف، نعم يمكن أن لا يجعل الاستيلاد سببا باعتبار أن موت المولى مع بقاء الولد يوجب انتقال ام الولد إلى ملكه أو بعضها، فتنعتق عليه بالملك لا بالاستيلاد، ولكن الامر سهل إذ لا فائدة مهمة في ذلك. وكيف كان فلما كان الاستيلاد سببا في زوال الرق كالتدبير والكتابة (فلنذكر الفصول الثلاثة في كتاب واحد، لان ثمرتها إزالة الرق) وهي مشتركة بينها.

[ 194 ]

(كتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاد) (التدبير هو) تفعيل من الدبر، والمراد به هنا تعليق الحكم بدبر الحياة، وإليه يرجع ما قيل من أنه سمي تدبيرا، لانه دبر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه وأمر آخرته باعتاقه، لان التدبير في الامر مأخوذ من الدبر أيضا، بمعنى النظر في عواقب الامور وأدبارها. وعلى كل حال فلا خلاف بين المسلمين في تحققه بانشاء (عتق العبد) أي المملوك معلقا له على ما (بعد وفاة المولى) أي عندها على نحو غيره من التعليق. (و) إنما الخلاف (في صحة تدبيره بعد وفاة غيره كزوج المملوك ووفاة من يجعل له خدمته) ومن هنا قال المصنف: فيه (تردد أظهره الجواز) وفاقا للشيخ وأتباعه، بل المشهور (ومستنده النقل). وهو صحيح يعقوب بن شعيب (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام الرجل يكون له الخادم ويقول هي لفلان تخدمه ما عاش، فإذا مات فهي حرة، فتأبق الامة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست سنين ثم يجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها إذا بقت، قال: إذا مات الرجل فقد عتقت ".


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 195 ]

وخبر محمد بن جهم (1) المنجبر بالشهرة وبرواية الحسن بن محبوب عنه الذي هو من أصحاب الاجماع قال: " سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام رجل زوج أمته من رجل آخر وقال لها: إذا مات الزوج فهي حرة فمات الزوج، قال: إذا مات الزوج فهي حرة تعتد عدة المتوفى عنها زوجها ولا ميراث لها منه، لانها إنما صارت حرة بعد موت الزوج " وأسند الاول في الكفاية إلى صحيح محمد بن مسلم وإن كنا لم نتحققه. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما أنكره في المسالك وغيرها على المصنف وغيره، حتى قال: " إنما الموجود من النقل صحيح يعقوب الذي هو مختص بوفاة المخدوم، فتعديه إلى غيره غير مستند إلى النقل، فان روعيت الملابسة وهي لا تخرج عن ربقة القياس فلا وجه، لاختصاصه بهذين، لان وجوه الملابسة لا تنحصر، ويجئ على هذا جواز تعليقه بوفاة مطلق الملابس، بل مطلق الناس، لفقد ما يدل على غير المخدوم، وهو قول في المسألة وربما قيل بجواز تعليقه بموت غير الادمي لاشتراك الجميع في معنى التدبير لغة، وهو تعليق العتق على الوفاة، وأكثر الاصحاب لم يتعرضوا لغير المروي، وهو الانسب، لكن يبقى فيه أن الصحيح وارد في الامة فتعديته إلى العبد لا يخلو من نظر، وما اشتهر من أن خصوصية الذكورية والانوثية ملغاة وأن الطريق متحد لا يقطع الشبهة وإن كان متجها " إذ هو كما ترى وإن تبع في أكثره الشهيد. ومن الغريب دعوى تحقق التدبير بالتعليق على وفاة غير الادمي بل لا أعرف القائل به، وما سمعته عن ابن الجنيد إنما هو في العتق المعلق، بل يمكن دعوى حصول القطع من النص والفتوى بخلافه، إذ نحن في عويل من تحققه بموت غير


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 2 والباب - 65 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1 من كتاب النكاح. وفي كلا الموضعين عن محمد ابن حكيم كما في التهذيب ج 8 ص 213 - الرقم 760 والفقيه ج 3 ص 302 - الرقم 1445.

[ 196 ]

المولى ولو المخدوم والزوج، حتى أن ابن إدريس أنكره فيهما، وهو في محله، فان المستفاد من نصوص الباب وفتاوى الاصحاب كون التدبير التعليق على وفاة المولى، وليس في الخبرين المزبورين دلالة على صحته تدبيرا، فيمكن جواز خصوص هذا الفرد من العتق معلقا للخبرين المزبورين بعد كونهما من حجة ولو من جهة الانجبار، ولا يتعدى إلى غير مضمونهما، أو تأويلهما بما يرجع إلى شرط الخدمة في العتق أو النذر وأخويه أو غير ذلك، أو حملهما على التقية، أو تأويل الصحيح بما يرجع إلى التدبير، بدعوى إرجاع الضمير إلى المولى، كما أطنب به المقداد في التنقيح، وإن كان هو كما ترى. وبذلك يظهر لك النظر في كلمات كثير من الناس، إذ المحصل منها تحقق التدبير بالتعليق على الوفاة ولو غير الادمي أو خصوص المولى والمخدوم أن هما مع الزوج أو مطلق الملابس أو مطلق الادمي، وفي المسالك بناء الخلاف على كونه وصية أو عتقا، فلا يصح تعليقه على غير المولى على الاول بخلاف الثاني، مع أنه يمكن استثناء هذا الفرد من الوصية للخبرين، مع فرض دلالتهما على صحته تدبيرا، والتحقيق ما عرفت. وربما يومئ إليه جعل المصنف مضمون الصحيح مسألة مستقلة في آخر كتاب التدبير فقال: " ولو جعل خدمة عبده لغيره ثم قال: هو حر بعد وفاة المخدوم صح على الاصح " ونحوه الشهيد في الدروس قال: " كتاب المدبر وهو المعلق عتقه بموت المولى، لان المولى دبر الحياة فالموصى بعتقه ليس مدبرا والتعليق بموت غير المولى إن جعل له الخدمة نافذ في صحيح يعقوب بن شعيب (1) عن الصادق عليه السلام وحمل عليه الزوج وطرد بعضهم في الموت مطلقا وقصره ابن إدريس على موت المولى، ويظهر من ابن الجنيد جواز تعليقه على موت الغير مطلقا، وسماه تدبيرا، والقاضي لو علق العتق بوقت تحرر عنده، وله الرجوع فيه، وكذا لو علقه


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 197 ]

بقدوم زيد أو برؤيته " وهو كالصريح في أن ذلك مسألة مستقلة لا أنها من التدبير على وجه يجري عليه أحكامه التي ستعرفها. وكذا الشيخ في النهاية، بل والمفيد في المقنعة وغيره. بل يومئ إليه تصريح الصحيح (1) بعدم بطلان تحريره بالاباق ولو كان تدبيرا لبطل، ودعوى اختصاص الحكم المزبور في خصوص المعلق على وفاة المولى ليس بأولى من القول بأن ذلك لعدم كونه تدبيرا، بل الثاني أولى، لظهور أدلة بطلانه بالاباق في الاعم. بل قد يدعى اتفاق أهل الشرع واللغة والعرف على ذلك، ولذا حكي في التنقيح عن ابن إدريس دعوى إجماع المسلمين عليه مقرا على ذلك، بل ظاهر الخصم ذلك، ضرورة استناده في المعلق على وفاة المخدوم والزوج إلى النقل الذي قد يدعى أنه لا دلالة فيه، لا إلى صدق التدبير، بل التأمل في عبارة الفاضل في المختلف يقتضي الاعتراف بعدم كونه تدبيرا عرفا. وأول من اشتبه عليه الامر - فظن أن ذلك من التدبير على وجه تجري عليه أحكامه لذكرهم إياه في كتاب التدبير للشبه به - ابن حمزة في الوسيلة وتبعه المصنف في الكتاب واقتفاه تلميذه الفاضل في جملة من كتبه، وتبعهما الشهيد في غاية المراد، وجرى على منوالها ثاني الشهيدين، وتبعه الصيمري والفاضل الاصبهاني في شرحه على القواعد، والسيد في الرياض وغيرهم، وأخذ بعضهم كلام بعض على وجه يظهر للمتأمل فيه أن كلا منهم قد استمد من الاخر، ولكن التحقيق ما عرفت، والله الموفق والهادي. وحينئذ فيجري عليه حكم العتق المعلق لا التدبير، فيحسب من تصرفات المالك في حال صحته لو فرض موت المعلق عليه في حياة المولى إذا فرض وقوع ذلك في حال صحته ولا يبطل بالاباق، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 198 ]

(و) كيف كان فتمام (العلم به) أي التدبير (يستدعى ثلاثة مقاصد:) (الاول:) (في العبارة وما يحصل به التدبير) (و) لا خلاف ولا إشكال في أن اللفظ (الصريح أنت حر بعد وفاتي) من غير حاجة إلى قول: " أنت رق في حياتي " كما عساه يظهر من الشيخين أو يتوهم (أو إذا مت فأنت حر أو عتيق أو معتق) وإن تردد فيه المصنف في صيغة العتق، إلا أنك قد عرفت هناك تحقيق الحال وأن لفظ العتق أكثر استعمالا من لفظ التحرير، فالصيغة به من الصريح قطعا، والتدبير أولى منه بذلك. بل لا يبعد صحته بغير الجملة الاسمية مثل حررتك وأعتقتك بعد وفاتي وإن سمعت الخلاف فيه في العتق، ولكن ظاهر المتن حصر اللفظ الصريح بما ذكره، ومقتضاه عدم جواز غيره، لانه صريح، بل ظاهر المسالك وكشف اللثام الاجماع على عدم وقوعه بالكناية، إلا أنه لا يخفى عليك ما في دعوى عدم صراحة غير ما ذكر، ضرورة عدم الاشكال في صراحة " حررتك " و " أعتقتك ". كما أنه لا يخفى عليك ما في دعوى عدم الاجتزاء بها وإن كانت صريحة، ضرورة اقتضاء إطلاق الادلة خلافها، بل لم نعرف أحدا صرح بعدم الاجتزاء بها وإن كانت صريحة، نعم قد سمعت ذلك في العتق، ودعوى اتحاده مع التدبير بالنسبة إلى ذلك ممنوعة وإن قلنا إنه قسم من العتق، لكنه يمكن التوسعة فيه، كما يومئ إليه

[ 199 ]

ما ستعرفه من صحته بأنت مدبر (وبالجملة) لا إجماع قطعا على عدم الاجتزاء بها وإن كانت صريحة، فاطلاق الادلة حينئذ بحالها، نعم إن كان هناك إجماع فهو بالنسبة إلى الكناية لا إلى الصريح، كما هو واضح. (و) على كل حال فلا إشكال ولا خلاف في أنه (لا عبرة باختلاف أدوات الشرط) لاطلاق الادلة ولحصول الاختلاف في المأثور منها (وكذا لا عبرة باختلاف الالفاظ التي يعبر بها عن المدبر كقوله: هذا أو هذه أو أنت) أو هو (أو فلان) بل وغير ذلك مما يدل عليه حقيقة أو مجازا كما سمعته في موضوع العتق. (وكذا لو قال متى مات أو أي وقت أو أي حين) أو غير ذلك. (وهو) على المشهور (ينقسم إلى مطلق كقوله: إذا مت، وإلى مقيد) بشرط أو شروط (كقوله: إذا مت في سفري هذا أو في مرضي هذا، أو في سنتي هذه أو في شهرى أو في شهر كذا) أو حتف أنفي أو قتلت أو في بلد كذا أو نحو ذلك، لاطلاق الادلة، وخصوص صحيح ابن حازم (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: إن حدث بي حدث في مرضي هذا فغلامي فلان حر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يرد من وصيته ما شاء ويجيز ما شاء " الحديث وحينئذ فان مات على الصفة المزبورة عتق وإلا فلا، خلافا لموضع من المبسوط، فألحق التدبير المقيد بالمعلق على الشرط، فحكم ببطلانهما، نظرا إلى اشتراكهما في التعليق، واقتصارا في مخالفة التنجيز على المتيقن من النصوص والفتاوى، وفيه أن أطلاق أدلة التدبير كاف في الحكم بجوازه. خصوصا بعد الشهرة العظيمة، على أنه في الخبر (2) " رجل قال: إن حدث بي حدث في مرضي هذا فغلامي فلان حر، قال: يرد من وصيته ما شاء ويجيز منها ما شاء ". (ولو قال: أنت مدبر واقتصر لم ينعقد) كما عن الخلاف، للاصل المقتصر في الخروج منه على المتيقن، خصوصا بعد معلومية كون التدبير قسما من العتق الذي


(1 و 2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الوصايا الحديث 8.

[ 200 ]

قد عرفت الاجماع على عدم وقوعه بالكناية التي منها ذلك، بل ظاهر المسالك وكشف اللثام وغيرهما الاجماع هنا أيضا على عدم الوقوع بالكناية، ولانه إما عتق فلابد فيه من صريح لفظه، أو وصية به فلابد من التصريح بالموصى به. لكن قد يناقش بمنع كونه منها، بل هو من الصريح لغة وعرفا فيه، بل قيل: إنه كان معروفا في الجاهلية، ولا ينافي كونه فردا من مطلق العتق اختصاصه بلفظ لا يصح في المطلق نحو ما سمعته في الخلع، لصراحته فيه دونه، ولعله لذا كان خيرة الفاضل الوقوع بها، كما عن القاضي وأبي علي والمبسوط، بل في الرياض نسبته إلى جمع كثير، بل حكي عن الاولين تحقق التدبير به مع القصد وإن كان كناية، لكنه كما ترى بناء على تحقق الاجماع على عدم جواز التدبير بها، هذا كله إذا اقتصر. (أما لو قال: فإذا مت فأنت حر صح) إجماعا بقسميه (وكان الاعتبار بالصيغة لا بما تقدمها) كما هو واضح. (ولو كان المملوك لشريكين) مثلا بالسوية أو التفات (فقالا) دفعة أو ترتيبا: (إذا متنا فأنت حر) وأطلقا لفظا ونية (انصرف قول كل واحد منهما إلى نصيبه وصح التدبير) كما عن المبسوط، لان اللفظ كما هو صالح لتعليق العتق على شرط فهو صالح أيضا لتعليق نصيب كل منهما على وفاة نفسه، فيحمل على الصحيح صونا لكلامه عن الهذر وترجيحا لجانب الصحة الموافق لغرض الشارع مع إمكان حمله عليه. وفيه - مع أنه مبنى على عدم جواز التعليق على وفاة الغير على جهة التدبير أو غيره - أن الاصل المزبور لا يغير ظاهر اللفظ الذي هو التعليق على وفاة الغير، ضرورة كونه إنشاء لا يتحقق بالنسبة إلى موت الاخر الا بتعليقه عليه، بخلافه على ما ذكر، فانه يكون إنشاء بالنسبة إلى تعليق نصيبه على وفاة نفسه، وإخبارا

[ 201 ]

بالحكم بالنسبة إلى الحكم بعتقه أجمع على تقدير وفاتهما، وحينئذ فالمتجه بناء صحته وبطلانه على جواز تعليقه على وفاة الغير تدبيرا أو غيره وعدمه، وقد عرفت أن التحقيق عدم جوازه مطلقا إلا في خصوص مضمون الخبرين (1) المزبورين، ومنه يعلم الحال في صورة العلم بكون قصدهما ذلك. أما مع قصد تدبير كل منهما نصيبه خاصة فلا إشكال (و) لا خلاف في الصحة إذ (لم يكن حينئذ معلقا على شرط) ولا على دبر حياة غير المولى، بل هو بمنزلة التدبير، كل منهما نصيبه بصيغة تخصه (و) حينئذ ف‍ (ينعتق بموتهما) دفعة (إن خرج نصيب كل واحد منهما من ثلثه) لما تسمعه من أن ذلك حكم التدبير أو أجاز الوارث (ولو خرج نصيب أحدهما) خاصة من ثلثه (تحرر وبقي نصيب الاخر) كله (أو بعضه رقا) على حسب ما يخرج من ثلثه إن لم يجز الوارث. (ولو مات أحدهما تحرر نصيبه من ثلثه وبقي نصيب الاخر رقا حتى يموت) والكسب المتخلل بين الموتين مشترك بين المدبر والمالك الحي بنسبة الملك، كما أنه بين الورثة والمالك الحي لو أجزناه تدبيرا معلقا على وفاته ووفاة شريكه لو فرض موت أحدهما قبل الاخر، وكذا لو أجزناه عتقا معلقا على ذلك لا تدبيرا، ضرورة عدم حصول الحرية قبل موتهما معا، فيبقى على الرقية وكسبه للوارث. نعم في المسالك ليس له التصرف فيه بما يزيل الملك لا غيره كالاستخدام والاجارة، لانه صار مستحق العتق بموت الشريك، وفيه نظر، نعم في جواز نقله عن الملك لو جعلناه تدبيرا نظر مما عرفت، ومن جواز الرجوع في التدبير، وهذا من أفراده، بل عن الارشاد الجزم بعدم جوازه على هذا التقدير، ولعله لعدم ثبوت جواز الرجوع للوارث الذي هو غير المدبر، ودعوى كونه من الحقوق التي تنتقل إلى الوارث


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 1 و 2.

[ 202 ]

يمكن منعها، إذ لعله نحو جواز الرجوع بالهبة للواهب ونحوه من الاحكام التي لا تنتقل إلى الوارث. (و) كيف كان ف‍ (يشترط في الصيغة المذكورة شرطان:) (الاول:) (النية) التي هي شرط في غيرها أيضا من صيغ العقود والايقاعات من غير خلاف فيه ولا إشكال نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه. (فلا حكم) حينئذ (لعبارة الساهي ولا الغالط ولا السكران ولا المحرج الذي لا قصد له) بسبب اكراهه وإلجائه إلى التدبير على وجه يرتفع قصده لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا على حسب ما عرفته من المكره في كتاب الطلاق. (وفي اشتراط نية القربة تردد) وخلاف ينشأ من كون التدبير وصية أو عتقا أو من التردد في اعتبارها في العتق. (والوجه) عند الشيخ والمصنف وجماعة ممن تبعهما (أنه غير مشترط) لاطلاق الادلة، ولما ستعرف من كونه وصية لا عتقا، ولا خلاف في عدم اعتبارها فيها. لكن قد يناقش بما ستعرف من كون المراد بكونه وصية أنها بمنزلتها في جواز الرجوع والاخراج من الثلث وغير ذلك، وإلا فلا ريب في أنه عتق لكنه غير منجز ثبتت مشروعيته، فيشمله حينئذ ما دل (1) على أنه " لا عتق إلا ما اريد به وجه الله تعالى " وغيره من الادلة التي سمعتها على اعتبار القربة في العتق، مضافا إلى الاجماع المحكي عن المرتضى على ذلك وعلى عدم جواز تدبير الكافر، بل وإلى الصحيح (2) " إن كان على مولى العبد دين فدبره فرارا من الدين فلا تدبير له، وإن كان في صحة وسلامة منه - أي الدين كما عن جماعة - فلاسبيل للديان "


(1) الوسائل الباب - 4 - من كتاب العتق الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 203 ]

أي الدين الذي حصل بعد التدبير، بناء على أن الوجه في فساد التدبير في الاول فقد شرط نية القربة، وإن كان فيه ما فيه، لكن الاول كاف في الدلالة على الاشتراط، ولا يعارضه الاطلاق المقيد بما سمعت، بل قد عرفت أنه ليس إلا إطلاق العتق الذي قد سمعت اعتبار نية القربة فيه، بل قيل: إنه لا إطلاق هنا سوى أخبار واردة (1) في غير حكم المسألة، ولعله لذا كان خيرة المرتضى والحلي والفاضل في ظاهر المختلف اشتراطها، وهو الاقوى والله العالم. (الشرط الثاني:) (تجريدها عن الشرط والصفة في قول مشهور للاصحاب) بل عن ظاهر الخلاف والمبسوط والسرائر الاجماع عليه، مضافا إلى ما سمعته مكررا مما يدل على اعتبار التنجيز في كل عقد وإيقاع، ومنه الاجماع المحكي على ذلك إلا ما خرج، بل قد عرفت أن التدبير قسم من العتق الذي قد عرفت اعتبار التنجيز فيه، نعم ثبتت مشروعية التعليق فيه على وجه خاص لا يتعدى منه إلى غيره بعد حرمة القياس عندنا. وحينئذ (فلو قال: إن قدم المسافر فأنت حر بعد وفاتي أو إذا أهل شهر رمضان مثلا لم ينعقد، وكذا لو قال: بعد وفاتي بسنة أو أشهر) أو يوم. (وكذا لو قال: إن أديت إلي أو إلى ولدي كذا فأنت حر بعد وفاتي لم يكن تدبيرا ولا كتابة) فما عن أبي علي من جواز تعليقه على شرط أو صفة مبني على مذهبه في القياس، قال: " ولو جعل له العتق بعد وقت من موت سيده كان ذلك وصية بعتقه في معنى التدبير " وهو كما ترى أيضا، نعم لو قال: " أعتقه بعد كذا من موتي " صح إذ ليس حينئذ عتقا ولا تدبيرا معلقا، والمسألة بحمد الله من الواضحات وإن وسوس


(1) الوسائل الباب - 1 وغيره - من أبواب التدبير.

[ 204 ]

فيها صاحب المسالك لوسوسته في أصل اعتبار التنجيز في العقد والايقاع، بل جعل قول المصنف هنا على قول مشهور مشعرا بذلك، وليس كذلك، فان المصنف لا إشكال عنده في اعتبار التنجيز في سائر العقود والايقاعات، والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف ولا إشكال نصا (1) وفتوى في أن (المدبرة) مثلا (رق) بل الاجماع بقسميه عليه، وحينئذ ف‍ (له وطؤها والتصرف فيها) بوطء واستخدام وغيرهما (وان حملت منه لم يبطل التدبير) خلافا للشافعي فأبطله بالاستيلاد، لكونه أقوى، نعم تكون مستحقة للعتق بسببين مع فرض بقاء ولدها بعد موت سيدها. (و) حينئذ ف‍ (لو مات مولاها عتقت بوفاته من الثلث) قيل: لانه السبب السابق (وإن عجز الثلث) عن بعضها (عتق ما بقي منها من نصيب الولد) ولو فرض عجزه عتق منها نصيبه واستسعت في الباقي كما ستعرفه في حكم ام الولد، ففي صحيح أبي مريم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سئل عن رجل يعتق جاريته عن دبر أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها فقال: أي ذلك شاء فعل " وفي خبر اسماعيل بن مزار عن يونس (3) " في المدبر والمدبرة يباعان يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا، لان التدبير عدة وليس بشئ واجب، فإذا مات كان المدبر من ثلثه الذي يتركه، وفرجها حلال لمولاها الذي دبرها وللمشتري الذي اشتراها منه قبل موته " وهو إن كان من كلام يونس كما هو الظاهر دال على معلومية الحكم في ذلك الزمان، وإلا كان خبرا مؤكدا لما سمعته من خبر أبي مريم، إلا أن مقتضى ما سمعته سابقا - من تعليل إجراء حكم المدبرة أولا بالسيق - أنه لو انعكس الامر جرى عليها حكم ام الولد أولا، فتعتق من نصيب ولدها، فان عجز فمن ثلثه، لكن لا يخفى عليك ما فيه من الاشكال، وربما تسمع تحقيقه


(1) الوسائل الباب - 1 و 3 - من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 2

[ 205 ]

فيما يأتي انشاء الله. (و) كيف كان ف‍ (لو حملت) المدبرة (بمملوك) لمولاها (سواء كان من عقد أو زنا أو شبهة كان مدبرا كامه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، نعم ربما توهم الاشكال في الزنا مع علمها بالتحريم، لانتفائه عنها شرعا، وفيه - مع أن جانب المالية والحيوانية غالب في الامة ولذا كان ولدها من الزنا لمولاها دون مولى الزنا - أن الموجود في النصوص " فما ولدت فهو بمنزلتها " ولا ريب في صدق أنها ولدته وإن كان من زنا. ففي صحيح (1) يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن جارية أعتقت عن دبر من سيدها، قال: فما ولدت فهم بمنزلتها، وهم من ثلثه، وإن كانوا أفضل من الثلث استسعوا في النقصان " إلى آخره ورواه الصدوق مرسلا (2) وزاد " لان الحمل حدث بعد التدبير ". وفي خبر أبي البختري المروي عن قرب الاسناد (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: " ما ولدت الضعيفة المعتقة عن دبر بعد التدبير فهو بمنزلتها يرقون برقها ويعتقون بعتقها، وما ولد قبل ذلك فهو مماليك، لا يرقون برقها ولا يعتقون بعتقها " إلى غير ذلك من النصوص (4) الشاملة لولد الزنا وغيره التي لا يعارضها خبر علي بن جعفر (5) المروي عن قرب الاسناد وكتاب المسائل له قال: " سألته عن رجل قال إذا مت فجاريتي فلانه حرة، فعاش حتى ولدت الجارية أولادا ثم مات ما حالها ؟ قال: عتقت الجارية، وأولادها مماليك " بعد شذوذه والاعراض عنه.


(1 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 4 - 5 - 0 - 6. (2) أشار إليه في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 2 وذكره في الفقيه ج 3 ص 71 الرقم 246.

[ 206 ]

وعلى كل حال ففي التعليل المزبور في خبر يزيد إشعار بأن سراية التدبير للحمل من حيث كونه نماء المدبرة الذي لا فرق فيه بين كونه من الزنا وغيره كالملك، لا من حيث كونه ولدا لها حتى يتبع الولد الشرعي، كما هو واضح. (و) من هنا (لو رجع المولى في تدبيرها لم يكن له الرجوع في تدبير ولدها) كما عن النهاية والخلاف والمبسوط والقاضى وابن حمزة والجامع والنافع، بل في الكفاية نسبته إلى الاكثر، بل عن الخلاف وكنز العرفان عليه إجماع الفرقة، وذلك لان الرجوع فسخ لما حصل بصيغة التدبير لا لما كان تدبره بالنماء الذي لا يقبل الفسخ، ولذا كان الفسخ بالخيار لا يقتضي الفسخ في النماء المتخلل، بل يبقى للمشتري وإن ردت العين للبائع، وإلى ذلك يرجع ما في الدروس والتنقيح وغيرهما من الفرق بين تدبير الام الذي هو بفعل المالك فجاز له الرجوع وبين تدبير الولد الذي هو بالسراية فلا اختيار له فيه، قال في الدروس: " ولو حملت بعد التدبير بمملوك فهو مدبر قسرا، فلا يصح الرجوع في تدبيره وإن رجع في تدبيرها، ونقل الشيخ فيه الاجماع، وجوزه الحليون، لان الفرع لا يزيد على أصله " والله العالم. (و) لكن مع ذلك (قيل) والقائل ابن إدريس وجماعة بل نسب إلى أكثر المتأخرين: (له الرجوع) فيه أيضا، لاطلاق ما دل (1) على جواز الرجوع في التدبير، ولانه فرع تدبرها، فلا يزيد على أصله، ولاطلاق التشبيه بتدبرها، بل قد سمعت ما في خبر أبي البختري (2) من التصريح بأنهم يرقون برقها ويعتقون بعتقها. (و) فيه - بعد تسليم شمول الاطلاق حتى إطلاق المنزلة وحتى خبر أبي البختري - أنه يجب الخروج عنه بما عرفت، كقاعدة عدم زيادة الفرع عن الاصل


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 5.

[ 207 ]

لو سلم كونها قاعدة شرعية على أن (الاول مروي) في صحيح أبان بن تغلب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دبر مملوكته ثم زوجها من رجل آخر فولدت منه أولادا ثم مات زوجها وترك أولاده منها، فقال: أولاده منها كهيئتها، إذا مات الذي دبر امهم فهم أحرار، قلت له: يجوز للذي دبر امهم أن يرد في تدبيره إذا احتاج، قال: نعم قلت: أرأيت إن ماتت امهم بعدما مات الزوج وبقي أولادها من الزوج الحر أيجوز لسيدها أن يبيع أولادها ويرجع عليهم في التدبير ؟ قال: إنما كان له أن يرجع في تدبير امهم إذا احتاج، ورضيت هي بذلك ". والمناقشة فيه - بتضمنه ما لا يقول به المشهور من رقية ولد الحر، وتوقف الرجوع في تدبير الام على رضاها والاحتياج، فلا مكافئة له للعمومات حتى يخصصها، والذب عنه بالتقييد بصورة اشتراط رقية الولد، وبالحمل على الاستحباب لا يدفع هذا الوهن الموجب لعدم التكافؤ، مع عدم تمامية الذب عن الاول بما مر في كتاب النكاح من عدم إفادة الاشتراط الرقية، ولا يجبر هذا الوهن الشهرة المحكية، لكونها بالشهرة المتأخرة معارضة، ولا حكاية الاجماع المتقدمة، لانها بشهرة الخلاف المتأخر بن موهونة، مضافا إلى نسبة الحلي جواز الرجوع إلى مقتضى مذهب الامامية، وفي دعوى (2) الفرق بين تدبير الام وتدبير الولد المذكورة بأن غايته على تقدير تسلمه نفي الاولوية، وهو لا يستلزم نفي الحجية على جواز الرجعة بالكلية، فان العمومات لما عرفت بعد بحالها باقية - مدفوعة بأن الصحيح قد تعرض لحكم المدبرة وولدها، وصرح فيه باختصاص جواز الرجوع في تدبير الام دون الولد، فلا مدخلية لمفروض السؤال، على أنك قد عرفت في كتاب النكاح صحة القول بحصول الرقية بالشرط بما لا مزيد عليه، بل يمكن الاستدلال عليه بهذا الصحيح


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التدبير الحديث 1 (2) عطف على الضمير في قوله: " والمناقشة فيه ".

[ 208 ]

أيضا، وتضمنه للاحتياج والرضا كما في كثير من النصوص (1) غير قادح بعد حمله على الندب، والشهرة المتأخرة غير محققة، لان المصنف والشهيد في الدروس وغيرهما ممن تأخر عنهما قالوا بعدم جواز الرجوع، فلا توهن الشهرة المتقدمة، فضلا عن الاجماعين المزبورين، وابن إدريس تخيل انحصار الدليل في الصحيح الذي لا يعمل به على أصله، وأن العمومات شاملة للمقام، فقال: " إن مقتضى مذهب الامامية جواز الرجوع " وقد عرفت عدم شمولها، وعلى تقديره فهي مخصصة بما عرفت على اصولنا. وأما المناقشة في الفرق المزبور بما سمعت فهي واضحة الضعف بعد الاحاطة بما ذكرناه. وأما خبر أبي البختري (2) فهو - مع ضعفه وعدم روايته في الكتب الاربعة وكونه مطلقا أيضا لاحتمال إرادة رقتهم برقها إلى آخره من حيث سعة الثلث وعدمها، فيقيد حينئذ بما عرفت - ظاهر في التلازم بين الرجوع بالام والرجوع بالاولاد مع أن الخصم لا يقول به، بل لا تقتضيه القواعد أيضا، ضرورة، حصول وصف التدبير فيهم بتدبير الام فلا يزول بزواله فيها من حينه وإن صرح ابن الجنيد باقتضاء الرجوع بها الرجوع بهم، واستجوده في المختلف، ومن ذلك يعلم الحال في التشبيه الذي يمكن دعوى ظهوره في إرادة حصول وصف التدبير، وحينئذ فلا محيص عن كون الاقوى عدم جواز الرجوع. (وكذا) الكلام في (المدبر إذا أنى بولد مملوك) لمولاه لكونه من أمته مدبرة أولا أو من غيرها مع اشتراط الرقية، (فهو مدبر كأبيه) ضرورة عدم الفرق بين المدبر والمدبرة في جميع ما ذكرناه، وفي صحيح يزيد بن معاوية (3)


(1) الوسائل الباب - 1 من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب التدبير الحديث 1. (جواهر الكلام - ج 13)

[ 209 ]

عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل دبر مملوكا له تاجرا موسرا فاشترى المدبر جارية فمات قبل سيده، فقال: أرى أن جميع ما ترك المدبر من مال أو متاع فهو للذي دبره، وأرى أن ام ولده للذي دبره، وأرى أن ولده مدبرون كهيئة أبيهم، فإذا مات الذي دبر أباهم فهم أحرار " بل ربما كان فيه تأييد للمختار في الجملة باعتبار عدم بطلان تدبيرهم ببطلان تدبيره بالموت. بقي الكلا في شئ، وهو أنه لا كلام في أن الاولاد يخرجون من الثلث أيضا لكن مقتضى ما تسمعه فيما يأتي أن التدبير كالوصية في الخروج من الثلث، وأن الخارج الاول فالاول، وحينئذ يخرج الام أولا ثم الاولاد مترتبين، ومن لم يسعه الثلث ولا بعضه يبقى رقا ولا استسعاء، إلا أنه قد سمعت إطلاق استسعائهم في النقصان في خبر يزيد (1) بل لعله ظاهر في توزيع الثلث بينهم، فيتحرر منهم شئ ويستسعون في الباقي، وهو مخالف لما سمعت، وقد تعرض لذلك المصنف في النافع، فأفتى بمضمون الخبر المزبور. وفي الرياض في شرح ذلك " لانه من لوازم التدبير كما سيأتي " وهو كما ترى، أللهم إلا أن يفرق بين التدبير القهري والاختياري. وكذا الفاضل في القواعد، قال: " ولو حملت بعد التدبير فان خرجت هي والاولاد من الثلث عتقوا، وإلا قسط عليهما، فيعتق من كل واحد قدر ما يحتمله الثلث من جميعهم، وسعى في قسطه من الزيادة، لانهم جميعا بمنزلة عبد واحد لم يحتمله الثلث " وهو صريح في أنه لا يقدم عتق الام فضلا عن غيرها من الاولاد وحينئذ فان لم يفضل من الثلث شئ لم يعتق منها ولا من الاولاد شئ، وإن فضل عتق منهم بالنسبة، ولعله لان النص (2) والفتوى إنما دلا على مساواة الاولاد لها في التدبير، لكن في كشف اللثام " ربما يوهم خبر يزيد وعبارة النهاية والسرائر تقديم الام أولا فتأمل جيدا ". (ولو دبرها ثم رجع في تدبيرها فأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من حين


(1 و 2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 4 - 0 -.

[ 210 ]

رجوعه) ولم يتجاوز أقصى مدة الحمل (لم يكن مدبرا لاحتمال تجدده) كما هو مقتضى أصل عدم تقدمه، من غير فرق بين كونها فراشا وعدمه، لقيام احتمال الشبهة الذي لا ينافي حال المسلم، على أن الحكم بتدبره مشروط بعلوقها به مدبرة ولم يتحقق، والاصل بقاءه على الملك (و) الحكم شرعا بلحوقه به أولا من حيث النسب لا يقتضي تحقق شرط التدبير. نعم (لو كان) قد أتت به تاما (لدون الستة أشهر) من حين الرجوع (كان مدبرا) بلا إشكال (لتحقق الحمل بعد التدبير) حينئذ كما لا إشكال في انتفاء تدبيره لو ولدته بعد تجاوز أقصى الحمل من حين التدبير، كما هو واضح. (ولو دبرها حاملا قيل) والقائل الاسكافي والشيخ في النهاية وابنا البراج وحمزة: (إن علم بالحمل فهو مدبر، وإلا فهو رق، وهي رواية الوشا (1)) عن الرضا عليه السلام في الحسن أو الصحيح " سألته عن رجل دبر جارية وهي حبلى فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم فما في بطنها رق " بل في المسالك عمل بمضمونها كثير من المتقدمين والمتأخرين ونسبوها إلى الصحة، والحق أنها من الحسن، وأن صحتها إضافية، بل في الدروس نسبته إلى المشهور، ولعله لذا نسب القول المزبور في المفاتيح إلى الاكثر وإلا فلم نتحققه، بل لم نتحقق ما في المسالك فضلا عنه وعما في الدروس. (وقيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه وابن إدريس وغيرهما بل المشهور: (لا يكون مدبرا، لانه لم يقصد التدبير، وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده المؤيدة بموثقة عثمان بن عيسى (2) الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن الكاظم عليه السلام " سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدر المرأة المولودة مدبرة أو غير مدبرة ؟ فقال لي: متى كان


(1 و 2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب التدبير الحديث 3 - 2.

[ 211 ]

الحمل للمدبرة ؟ أقبل أن دبرت أو بعدما دبرت ؟ فقلت: لست أدري، ولكن اجبني فيهما جميعا، فقال إن كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير امه " وما عن المبسوط من نسبته في موضع إلى رواية أصحابنا وفى آخر منه إلينا، وما عن السرائر من نسبته إلى مقتضى مذهبنا وبما سمعته غير مرة من أن التصرف في الام الحاصل ببيع أو غيره لا يقتضي ترتب أثر ذلك التصرف على الحمل الذي هو موضوع آخر، ويصح تدبير كل منهما بدون الاخر. ودعوى كونه جزء منها واضحة المنع، بعد الاجماع هنا على عدم لحوق حكم الجزئية في صورة عدم العلم بالحمل، خلافا للعامة، فحكموا بالدخول مطلقا، وما في المسالك وغيرها من حكاية قول بالسراية مطلقا مع عدم نسبته إلى القائل منا معلوم يمكن إرادة ما عند العامة به، وأما القاضي منا فقد حكي عنه في المختلف أولا موافقة النهاية وإن كانت عبارته المحكية فيه تقتضي الاطلاق، لكن على كل حال خلافه لا يقدح بالاجماع. وبذلك وغيره يظهر لك عدم مكافئة الحسنة المزبورة للموثق من وجوه، فلا وجه لتقييده بها، خصوصا بعد إمكان الجمع بينهما بما عساه ينساق إلى الذهن من التفصيل بين حالي العلم وعدمه من إرادة تدبير الحمل مع امه في صورة العلم به وعدم استثنائه بخلاف حال عدمه، بل لولا ذلك لخلا الحكم المزبور عن السبب والحكمة، وكونه تعبدا محضا بعيد جدا.

[ 212 ]

المقصد (الثاني) (في المباشر) (ولا يصح التدبير إلا من بالغ عاقل قاصد مختار جائز التصرف) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا في خصوص البالغ عشر سنين من الاول الذي تسمع الكلام فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الادلة الخاصة والعامة، خصوصا بعد ما عرفت من كونه عتقا فيعتبر فيه ما اعتبر فيه. وحينئذ (فلو دبر الصبي لم يقع تدبيره) لسلب عبارته كما في غيره من أفراد العقد (و) الايقاع نعم (روى (1) إن كان مميزا له عشر سنين صح) وصيته وعتقه، و (تدبيره) لا يخلو من أحدهما، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، لكن قد عرفت الحال فيها بالنسبة إلى العتق، مضافا إلى عدم انسياق ما يشمل التدبير من العتق فيها، أما الوصية فقد تقدم في كتاب الوصية جوازها منه بالمعروف، لكن التدبير ليس وصية قطعا، وإنما هو بمنزلتها في الخروج من الثلث ونحوه، لا في الاندراج في مفهومها بحيث يشمله لفظ " من أوصى " ولا عموم منزلة يوثق به على وجه يتناول ذلك. ومن هنا جزم المصنف بصحة وصيته وتردد في عتقه للرواية (2) وجزم بعدم صحة التدبير. فما في المسالك - " من إشكاله بأنه لا وجه للجزم بالعدم هنا مع أن التدبير راجع إليهما قال: " وكذلك صنع العلامة في الارشاد في الوصية والتدبير، ورجوعه


(1 و 2) الوسائل الباب - 44 - من كتاب الوصايا الحديث 4.

[ 213 ]

إلى الرجوع أولى من تكلف الفرق بما لا يجدي " - لا يخلو من نظر، ضرورة كون الوجه ما عرفت. ولذا ستسمع قول المصنف: " إنه بصفة الوصية يجوز فيه الرجوع " وهو كالصريح في عدم اندراجه في مفهومها، بل وعدم عموم تنزيله منزلتها، نعم هو من أفراد العتق الذي تردد فيه، ولعل قوله: " وروى " مشعر بتردد فيه في الجملة أيضا إلا أنه لما كان سلب عبارته معلوما اقتصر في الخروج فيها على المتيقن المنساق، وهو العتق المنجز. وبذلك اتضح الوجه في شهره الاصحاب على جواز وصيته وعدم جواز تدبيره، وعلى أن التدبير وصية أي كالوصية في بعض أحكامه، وأنه ليس ذلك منهم رجوعا، كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (لا يصح تدبير المجنون ولا المكره ولا السكران ولا الساهي) ولا الغالط ولا غيرهم ممن قد عرفت سابقا عدم الصحة فيهم، لاعتبار القصد المفروض عدمه فيهم، بل كان الشرط المتقدم سابقا مغنيا عن ذلك. ولا من المحجور عليه لسفه خلافا لما عن الشيخ من جوازه في الاخير، لكونه تصرفا بعد الموت الذي يرتفع معه حكم السفه، بل عن التحرير أنه استشكله، لكنه كما ترى، وإلا لصح وصية السفيه بثلثه، وهو معلوم البطلان، على أن التدبير عتق منه حال سفهه وإن تأخر أثره إلى ما بعد الوفاة، كما هو واضح. وأما الفلس فستسمع الكلام فيه فيما يأتي إنشاء الله تعالى. (وهل يصح التدبير من الكافر ؟ الاشبه) عند المصنف ومن تبعه (نعم حربيا كان أو ذميا) لاطلاق الادلة، وكونه بمنزلة الوصية التي لا يعتبر فيها النية. بل في المسالك " بنى الخلاف على أن التدبير وصية أو عتق، فعلى الاول يصح من الكافر مطلقا، لعدم اشتراط نية القربة، وعلى الثاني يبنى على اشتراطها

[ 214 ]

في العتق وعدمه، وعلى أن المراد بها قصد التقرب سواء حصل أم لا، فعلى الاول لا يصح تدبير الكافر مطلقا، وهو خيرة ابن إدريس مصرحا بأنه عتق، وعلى الثاني يصح، وعلى الثالث يصح ممن أقر بالله تعالى كالكتابي دون غيره - إلى أن قال -: والاصح صحة التدبير فيه مطلقا ". ولا يخفي عليك ما فيه بعد الاحاطة بما قدمناه هنا وفي الكفارة وفي العتق، ومقتضاه عدم جوازه من الكافر مطلقا، لانه قسم من العتق الذي قد عرفت اشتراط القربة فيه الممتنع وقوعها من الكافر بل ومن المخالف، فلا صحة لشئ من عباداتهم قطعا، كما حررناه غير مرة، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فلا مدخلية للحربي والذمي في الحكم المزبور، خصوصا بعد شمول الحربي للكتابي الذي لا يلتزم أحكام الذمة، والله العالم. (ولو دبر المسلم فارتد لم يبطل تدبيره) بلا خلاف أجده فيه، للاصل وعدم خروج ماله عن ملكه بارتداده. (و) حينئذ ف‍ (لو مات في حال ردته عتق المدبر) من ثلثه، لاطلاق الادلة (هذا إذا كان ارتداده لا عن فطرة). ولو كان عن فطرة لم ينعتق المدبر بوفاة المولى لخروج ملكه عنه) بالارتداد عنها، فلم يحصل شرط الصحة الذي هو الاستمرار على الملك إلى الموت حتى يعتق عنه، لانه لا عتق إلى في ملك. (و) لكن (فيه تردد) من ذلك ومما في المسالك وغيرها من سبق حق المدبر على حق الوارث، فلا ينتقل إليه خصوصا عند من منع من بيع المدبر، فإذا مات السيد انعتق ثلثه لا غير، إذ لا مال له سواه، ثم قال: " وهل يعجل للوارث الثلثان ؟ يحتمله، لعدم فائدة في حبسه عنهم إن لم نقل بقبول توبته، وإلا فالفائدة محتملة بتجدد مال آخر له على تقدير التوبة " وفي المبسوط أطلق القول ببقاء التدبير مع الارتداد، والاشهر التفصيل وإن كان ما ذكره الشيخ متجها لامر نذكره في أحكام المرتد إنشاء الله،

[ 215 ]

وربما قيل بانعتاقه بالارتداد عن فطرة تنزيلا له منزلة الموت، وهو بعيد. قلت: لعل جعل ذلك وجها للتردد أولى من الاول المنافي للنص (1) والاجماع على زوال ملكه عنه بالارتداد وإن قلنا بقبول توبته، والفرض أنه مال قابل للانتقال، بل بقاؤه أو الثلث منه ملكا له مستلزم لملك الكسب الحاصل منه، ولغير ذلك مما لا يلتزم، وسبق حق التدبير بعد فرض انتفاء شرط الصحة قبل الموت غير مجد، ودعوى منع الشرط المزبور - فينتقل إلى الوارث، لعدم اشتراط العتق عنه بملكيته، كما سمعته في " أعتق عبدي عنك " - منافية لما هو كالمسلم عندهم، بل ظاهرهم المفروغية عنه وإن تقدم في كتاب البيع احتمال صحة بيعه مدبرا نحو بيعه جانيا، إلا أن كلامهم صريح في خلافه، كما هو واضح. ولم ندر الامر الذي يذكره في حكم المرتد بحيث يقتضي بقاء صحة تدبيره، والله العالم. (ولو ارتد لا عن فطرة ثم دبر صح) بناء على عدم اعتبار القربة فيه، لاطلاق الادلة وعدم خروج ماله عن ملكه بالارتداد المزبور، لكن مع ذلك قال المصنف (على تردد) ولا وجه له بعد الجزم بصحته من الكافر المبني على عدم اشتراط القربة، ومن هنا جزم بالصحة في القواعد على تقدير عدم الاشتراط، إلا أنه قال: فان تاب نفذ وإلا فلا. وظاهره أن الصحة مراعاة بذلك، وفي كشف اللثام تبعا للدروس وللصيمري تعليل عدم النفوذ مع عدم التوبة بالحجر وإن كان لم يتضح لنا الان الوجه في شئ من ذلك، لكن سهل الخطب عندنا عدم صحته عندنا، لما عرفت من اشتراط نية القربة فيه، وهي متعذرة من الكافر من غير فرق بين المرتد وغيره، ولعل وجه التردد حينئذ ذلك، على معنى أنه يصح جزما لعدم ثبوت الحجر عليه، ويحتمل الصحة مراعاة أو على معنى أنه يصح، ولكن قد تردد فيها لكونه محجورا عليه كالسفيه على وجه لا يصح التصرف منه وإن لحقته التوبة التي تفك


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب حد المرتد الحديث 2 و 3 و 7 من كتاب الحدود.

[ 216 ]

الحجر عنه حين حصولها لا فيما تقدم، بل حكى في شرح ترددات الكتاب عن المبسوط الحكم بالبطلان للحجر، والله العالم. (ولو كان) ارتداده (عن فطرة) ثم دبر (لم يصح) لخروج المال عن ملكه بارتداده، ولاشتراط نية القربة فيه (و) لكن (أطلق الشيخ) في المحكي عن المبسوط (الجواز، وفيه إشكال ينشأ من زوال ملك المرتد عن فطرة) نعم لو فرض تجدد ملك له بعد الردة وقلنا بأنه يملك معها وإن زال الاول صح إطلاقه حينئذ بناء على عدم اشتراط نية التقرب لكن ذلك كله شك في شك. والتحقيق عدم الصحة من المرتد مطلقا لما عرفت. وفي المسالك " إطلاق الشيخ الجواز يدل على منع انتقال المال عنه، وهو قول ابن الجنيد، ولم يفرق بين الملي والفطري، واستفادة الفرق بينهما وإثبات الاحكام المشهورة من النصوص مشكل، وسيأتي البحث فيه " قلت: لا إشكال فيه كما حررناه في محله. ولو ارتد المملوك لم يبطل تدبيره بلا خلاف كما عن الخلاف، للاصل إلا أنه قيد بالارتداد الذي يستتاب فيه، وتبعه القاضي، ولعله لبطلان تدبير غيره كما أنه يبطل تدبيره الاول لو التحق بدار الحرب عندنا كما عن المبسوط، لانه إباق وزيادة، خلافا للشافعي، ولو مات قبل التحاقه عتق، والله العالم. (ولو دبر الكافر كافرا فأسلم بيع عليه سواء رجع في تدبيره أو لم يرجع) لانه على كل حال باق على ملكه، ومستحق لاستخدامه، فهو سبيل له عليه، وعلو منه عليه، وقد تقدم في كتاب التجارة (1) أن مثله يباع على مالكه قهرا، فما عن ابن البراج - من أنه يتخير بين الرجوع في التدبير، فيباع عليه وبين الحيلولة بينه وبينه وكسبه للمولى، وبين استسعائه، وحينئذ فينفق عليه من كسبه فان فضل منه شئ فهو للمولى - لم أقف له على دليل.


(1) راجع ج 24 ص 149.

[ 217 ]

(و) على كل حال ف‍ (لو مات) السيد (قبل بيعه) عليه (وقبل الرجوع في التدبير تحرر من ثلثه) للاطلاق (ولو عجز الثلث تحرر ما يحتمله، وكان الباقي للوارث، فان كان مسلما استقر ملكه وإن كان كافرا بيع عليه) بلا إشكال في شئ من ذلك (ويصح تدبير الاخرس) عندنا (بالاشارة) المفهمة القائمة مقام اللفظ كباقي تصرفاته. (وكذا رجوعه) الذي هو منها من غير فرق بين الذاتي منه والعرضي. (ولو دبر صحيحا ثم خرج ورجع بالاشارة المعلومة صح) لاتحاد المدرك في الجميع، هذا وفي المسالك نبه بقوله: " وكذا رجوعه على خلاف بعض العامة، حيث منع من رجوعه بالاشارة وإن جوز تدبيره بها بناء على أن الرجوع لا يصح عنده بالقول بل بالفعل، وغاية إشارته أن تقوم مقام القول، فلا يزيد الفرع على أصله " قلت: هو ليس حينئذ خلافا فيما نحن فيه، والامر سهل، والله العالم.

[ 218 ]

المقصد (الثالث) (في الاحكام) (وهي مسائل:) (الاولى:) (التدبير بصفة الوصية) في الرجوع وفي الخروج من الثلث وغيرهما من الاحكام التي ستعرفها، لا أنه وصية حقيقة وفاقا للمحكي عن المقنع والمقنعة والخلاف والنهاية والسرائر والغنية والوسيلة والجامع وغيرها، لصحة السلب، ولخروجه عن المعروف في تعريفها الذي مر في محله، ولعدم الاحتياج في تحريره إلى صيغة اخرى، إذ لم يثبت مشروعية إنشاء التحرير بها، كما ثبت إنشاء التمليك بها، ولقول الصادق عليه السلام في صحيح هشام (1) " هو مملوكه بمنزلة الوصية " وفي صحيح معاوية بن عمار (2) " هو بمنزلة الوصية يرجع فيما شاء منها " وفي خبر أبي بصير (3) " المدبر مملوك، ولمولاه أن يرجع في تدبيره - إلى أن قال - وهو من الثلث إنما هو بمنزلة رجل أوصى بوصية ثم بدا له بعد فغيرها من قبل موته ". ولا ينافي ذلك الموثق (4) عنه عليه السلام " سألته عن المدبر أهو من الثلث ؟ قال: نعم،


(1 و 2) الوسائل الباب - 19 - من كتاب الوصايا الحديث 3 - 4. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب التدبير الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب التدبير الحديث 2.

[ 219 ]

وللموصي أن يرجع في وصيته في صحة أو مرض " ضرورة إمكان ترتب ذلك على كونه بمنزلتها، كما هو واضح. بل هو نحو صحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " المدبر من الثلث، وللرجل أن يرجع في ثلثه إن كان أوصى في صحة أو مرض " بل يمكن إرجاع ما في النافع ومحكي المبسوط من أن التدبير وصية إلى إرادة ما عند المشهور من كونه كالوصية، خصوصا بعد قوله في الاول متصلا: " يرجع فيه المولى إن شاء " المشعر بكونه كالوصية في ذلك، وخصوصا بعد ما حكي من ظهور الاجماع في المبسوط على ذلك، إذ قد عرفت أن الاجماع لظن كونه بصفتها لا أنه منها حقيقة، إذ لم نعثر على من سبقه إلى ذلك، وجواز الرجوع فيه وخروجه من الثلث لا يقتضي كونه منها حقيقة، وإنما هما الوجه في تنزيله منزلتها وتشبيهه بها. إنما الكلام في إطلاق تنزيله منزلتها على وجه يرجع إليه في غير ما نص عليه من أحكامها، واختصاصه بما ورد منها دون غيره، فيبقى على ما تقتضيه الاصول والقواعد في العتق المعلق، وجهان أقواهما الثاني كما اعترف به في المسالك، لعدم إطلاق يوثق بارادة حكم الاطلاق منه في النصوص بل والفتاوى. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما في الرياض من أن " ثمرة الخلاف هينة، لعدم ظهورها إلا في النذر وما شاكله، فيتحقق الامتثال بالتدبير لو التزم وصية على ما في العبارة والموثقة (2) وعلى المختار لا بد من وصية اخرى ". بل هو من غرائب الكلام، خصوصا بعد قوله في المسالك بعد ذكره القول بأنه عتق مشروط أو وصية " وهما أصل كثير في تفريع مسائل الباب " وخصوصا بعد ما سمعت من ابتناء جملة من الفروع عليه، بل يكفي في الثمرة أنه يعتبر فيه ما يعتبر في العتق من القربة والصيغة الخاصة ونحوها، بناء على أنه منه حقيقة


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب التدبير الحديث 4 - 2.

[ 220 ]

وإن كان كالوصية في الرجوع والخروج من الثلث ونحوهما من الاحكام، إذ لا يعتبر فيه شئ من ذلك، بناء على أنه من الوصية حقيقة، ضرورة عدم تناول أدلة العتق له. وأغرب من ذلك قوله فيه أيضا: " وبالجملة الاقوال في المسألة ثلاثة أحدها أنه وصية كما في العبارة، وثانيها عتق معلق، وثالثها إيقاع مستقل لكنه بمنزلة الوصية في الاحكام من نفوذه من الثلث وجواز الرجوع فيه، وعليه كما عرفت أكثر الطائفة " إذ مقتضاه عدم جريان الاحكام المزبورة على القول الثاني، مع أنه لم يعرف خلاف في جريانها عليه على كل حال، كما اعترف به في كشف اللثام، بل لم نعثر على قائل صريحا بما نسبه إلى أكثر الطائفة. نعم في موضع من المسالك بعد أن ذكر القولين الاولين قال: " ولو قيل بأن التدبير إيقاع برأسه وإن شابه العتق المعلق بوجه والوصية بوجه كان حسنا وفيه جمع بين الادلة وسلامة من تناقض الاحكام المترتبة عليه غالبا " وهو كالصريح في عدم قائل بذلك، ولعله لصدق العتق المعلق عليه لغة وشرعا وعرفا. لكن قال أيضا في موضع آخر منها: " والتحقيق أنه بمنزلة الوصية لا عينها كما ذكره هنا، لانه لو كان وصية محضة لافتقر في عتقه إلى صيغة بعد الموت، ولا يلزم من كونه بمنزلتها مساواتها في جميع الاحكام، بل المراد أنه بمنزلتها في الاحكام المسؤول عنها في الروايات، وهو كونه من الثلث ويجوز الرجوع فيه ونحو ذلك، وليس بعتق معلق أيضا، كما قال ابن إدريس وغيره، وإلا لما صح الرجوع فيه، فكونه مترددا بينهما في بعض الاحكام ومستقلا بنفسه - ومن ثم وقع بصيغته الخاصة الخارجة عن الامرين - أظهر ". وفيه أن اختلاف الاحكام لا مدخلية له في مهية الشئ وحقيقته، وحينئذ فمراد القائل بكونه بصفة الوصية وليس منها حقيقة وهو الاكثر أنه عتق معلق بصفتها في جواز الرجوع والخروج من الثلث ونحوهما من الاحكام التى لا تقتضي كونه إيقاعا مستقلا كما هو واضح.

[ 221 ]

وكيف كان فلا خلاف بيننا نصا وفتوى في أنه (يجوز الرجوع فيه) بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض إن لم يكن متواترا، ولا فرق فيه عندنا بين أن يكون (قولا كقوله: رجعت في هذا التدبير) أو نقضته أو فسخته أو نحو ذلك (وفعلا) يدل على قصده الرجوع (كأن يهب) وإن لم يقبض (أو يعتق أو يقف) وإن لم يقبض (أو يوصي) به خلافا للشافعي في أحد قوليه (سواء كان) التدبير (مطلقا) بأن علقه على مطلق الموت (أو مقيدا) بالموت في سفره أو مرضه، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة، فخص الجواز بالثاني. (وكذا لو باعه بطل تدبيره) وإن لم يقصد به الرجوع، لاقتضاء البيع خروجه عن ملكه المنافي لبقاء تدبيره. (وقيل: إن رجع في تدبيره ثم باع صح بيع رقبته، وكذا إن قصد ببيعه الرجوع وإن لم يقصد مضى البيع في خدمته دون رقبته وتحرر بموت مولاه،) وظاهره اختصاص الخلاف في البيع إذا لم يقع رجوع قبله ولم يقصد به الرجوع. ونحوه الفاضل في القواعد وإن لم يذكر القيد الثاني، قال فيها: " ويجوز الرجوع في التدبير قولا أو فعلا، فلو وهب وإن لم يقبض أو أعتق أو وقف أو أوصى به أو باعه على رأي أو رهنه بطل التدبير، مطلقا كان أو مقيدا، ويصح العقد وإن لم يرجع في التدبير، وسواء قصد ببيعه الرجوع أولا، وهل يبطل التدبير بالعقود الفاسدة ؟ الاقرب ذلك إن لم يعلم فسادها أو قصد الرجوع، وقيل: لا يبطل التدبير بالبيع إذا لم يرجع فيه، بل يمضي البيع في خدمته دون رقبته ". وفي التنقيح " لا خلاف أنه مع تقدم الرجوع القولي أو التصريح بقصد الرجوع ببيعه أنه يبطل التدبير، ومع عدم الامرين إن صرح ببيع رقبته أو هبتها كذلك وإن صرح ببيع منافعه أو هبتها لم يكن رجوعا، وتحرر بموت سيده أما مع الاطلاق فأكثر الاصحاب قالوا بانصراف البيع والهبة إلى منافعه، وأنه لا يبطل

[ 222 ]

بذلك وقال الحليون ببطلان التدبير وصحة البيع ". وقال في الدروس: " صريح الرجوع رجعت في تدبيره أو نقضت أو أبطلت أو شبهة دون إنكار التدبير، أما لو باعه أو وهبه ولما ينقض تدبيره فأكثر القدماء على أنه لا ينقض التدبير، فقال الحسن يبيع خدمته أو يشترط عتقه على المشتري فيكون الولاء له، وقال الصدوق: لا يصح بيعه إلا أن يشترط على المشتري إعتاقه عند موته، وقال ابن الجنيد: تباع خدمته مدة حياة السيد، وقال المفيد: إذا باعه ومات تحرر ولا سبيل للمشتري عليه، وقال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيعه قبل نقض تدبيره إلا أن يعلم المشتري بأن البيع للخدمة، وتبعه جماعة والحليون إلا الشيخ يحيى على بطلان التدبير بمجرد البيع " إلى آخره إلى غير ذلك من كلماتهم المذكورة في تحرير محل النزاع، لكن ما وصل إلينا من كلمات القدماء غير منطبق على ذلك، وإنما هو في بيع خدمة المدبر إذا أراد بيعه مدبرا. قال في النهاية: " التدبير بمنزلة الوصية يجوز للمدبر نقضه ما دام فيه الروح، فان نقضه جاز له بعد ذلك بيعه وهبته والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف، ومتى لم ينقض التدبير وأمضاه على حاله ثم مات المدبر كان المدبر حرا من الثلث، فان نقص عنه انعتق وإن زاد عليه استسعى في الباقي، ومتى أراد المدبر بيعه من غير أن ينقض تدبيره لم يجز له إلا أن يعلم المبتاع أنه يبيعه خدمته، وأنه متى مات هو كان حرا لا سبيل عليه " وهو كالصريح في جواز بيع خدمة المدبر لانه إذا أطلق البيع انصرف إليها، ونحوه ما في محكي المهذب والكامل. قال في الاول: " يجوز لسيد المدبر أن يبيع خدمته إذا ثبت على تدبيره، ولم يرجع عنه، فيشتريه المشتري كذلك، فيخدمه أيام حياة الذي دبره، فإذا مات عتق من الثلث ". وقال في الثاني: " من دبر مملوكا وأراد بيعه لم يجز له ذلك إلا أن ينقض تدبيره أو يعلم المشتري أنه يبيعه خدمته، وأنه متى مات هو كان حرا لا

[ 223 ]

سبيل له عليه ". وكذا المحكي عن أبي الصلاح قال: " يجوز بيعه في حال تدبيره، فإذا مات مدبره تحرر على مبتاعه، فان كان عالما بتدبيره حال ابتياعه وإلى أن مات مدبره فلا شئ له، وإن لم يعلم رجع إلى التركة بما نقد فيه، وإن كان باعه بعد ما رجع في تدبيره لم يتحرر بموت مدبره ". وأما ابن حمزة فلم يتعرض لهذه المسألة، وإنما اقتصر على بيان عدم جواز رجوعه بنفس التصرف، قال: " وليس له التصرف فيه بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك رجوعا وإذا أراد ذلك رجع ثم باع أو فعل ما شاء ". وأما ابن أبي عقيل فظاهره عدم جواز بيع المدبر إلا مع اشتراط عتقه على المشتري، وأنه يجوز بيع خدمته قال: " ليس للمدبر أن يبيع المدبر إلا أن يشترط على المشتري عتقه، وإذا أعتقه المشتري فالولاء لمن أعتق، وله أن يبيع خدمته، فإذا مات المدبر فالمدبر حر ". وكذلك الصدوق لكن لم يتعرض لبيع خدمته قال: " وإذا أعتق الرجل غلامه أو جاريته على دبر منه ثم يحتاج إلى ثمنه فليس له أن يبيعه إلا أن يشترط على الذي يبيعه إياه أن يعتقه عند موته " وهو كما ترى لا تعرض في كلامهما لانصراف البيع عند الاطلاق إلى الخدمة كما سمعته في تحرير محل النزاع. وكذلك ابن الجنيد على ما حكي من عبارته في المختلف قال: " عن أمير المؤمنين عليه السلام (1) إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باع خدمته المدبر، ولم يبع رقبته، ولا بأس عندنا ببيع رقبة المتطوع بتدبيره إذا احتاج السيد إلى ثمنه، لحديث جابر (2) فأما المدبر عن نذر قد كان ما نذر فيه ووجب على السيد تدبيره فلا يجوز


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 4. (2) المستدرك الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 7 وسنن البيهقي ج 10 ص 308.

[ 224 ]

بيع رقبته، وإنما يباع من هذا خدمته مدة حياة سيده، والاحوط أن يباع ذلك منه بمكاتبة أو غيرها، ولا اختار بيع المتطوع بتدبيره وخدمته الواجب تدبيره في دين أو غيره إلا إذا لم يف ملك السيد بدينه، ولم يكن به غني عن بيعه ولو باع خدمة مدبرة من نفسه لم يسقط ما وافقه عليه بموت السيد، فان كان مال حال وجب عند موته وإن كان منجما كان للورثة على نجومه، كالكتابة " إذ هو كما ترى صريح في خلاف ما سمعته من تحرير النزاع. نعم ظاهر عبارة المقنعة جواز بيع المدبر على وجه يكون ملكا للمشتري، إلا أن يموت المدبر، قال: " ولمالك العبد أن يبيعه بعد التدبير له، غير أنه متى مات البائع صار حرا لا سبيل للذي ابتاعه عليه " ويمكن أن يريد بيع الخدمة ويكون كلام الشيخ ره كالتفسير له، لاستبعاد إرادة بيع الرقبة على الوجه المزبور وإن ذكر الفاضل نحوه في تأويل كلام القائلين ببيع الخدمة، وقال: " إنه كبيع العبد المشترط حريته " إلا أنه كما ترى. وكأنه أخذه مما في محكي المبسوط من أنه " روى أصحابنا (1) أن التدبير باق، إذا مات السيد يعتق في ملك المشتري، وينبغي أن يبيعه بهذا الشرط، ومتى عاد إليه ملكه بغير ذلك فهل يعود حكم التدبير ؟ قال قوم: يعود تدبيره، وإن كان لم ينقض تدبيره فالتدبير باق، لان عندنا يصح بيع خدمته دون رقبته مدة حياته " وهو صريح في انتفاضه بالبيع، خصوصا بعد قوله قبل ذلك، " لو جنى المدبر فان اختار سيده تسليمه للبيع فان استغرق الارش قيمته بيع فيها وبطل التدبير، وإن كان الارش لا يستغرق قيمته ولم يمكن بيع بعضه بيع كله، والفضل لسيده، وإن بيع بعضه كان الباقي مدبرا، وكل موضع زال ملكه عنه زال التدبير ".


(1) المبسوط ج 6 ص 172 ولفظه هكذا " روى أصحابنا أن التدبير باق وإذا مات السيد... ". (جواهر الكلام - ج 14)

[ 225 ]

ونحوه ما عن الخلاف " أن بيع المدبر وهبته ووقفه ناقض للتدبير، ولو وهبه كانت الهبة رجوعا في التدبير سواء أقبضه أولا، وكذا لو أوصى به " ثم قال في الخلاف أيضا: " إذا دبر عبدا ثم أراد بيعه والتصرف فيه كان له ذلك إذا نقض، فان لم ينقض تدبير لم يجز بيع رقبته، وإنما يجوز له بيع خدمته مدة حياته " وبالجملة إنما كلامهم أو أكثرهم في مشروعية بيع خدمة المدبر إذا لم يرد نقض تدبيره، لا في انصراف البيع إليها. والسبب في ذلك بعض النصوص الدالة على ذلك، كخبر السكوني (1) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام " باع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خدمة المدبر ولم يبع رقبته " وخبر علي (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حال حياته، قال: إن أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات انعتقت الجارية " وهما مع ضعفهما وموافقتهما للمحكي عن بعض العامة محتملان لارادة مطلق النقل من البيع كالصلح أو الاجارة مدة معينة فمدة وهكذا وغيرهما لا البيع حقيقة، ضرورة معلومية كون مورده الاعيان لا المنافع، خصوصا مع جهالتها، ودعوى اختصاص الموضع المزبور بذلك كما سمعته من الدروس بعيدة، لقصور الخبرين المزبورين عن إثبات ذلك. وكذا الكلام في خبر أبي مريم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن رجل يعتق جاريته عن دبر أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها حياته ؟ فقال: نعم أي ذلك شاء فعل " وأبعد منه حملهما على إرادة بيع الرقبة إلى أن يموت البائع، فينعتق عليه بمعنى ملكية متزلزلة إلى الموت، كما سمعته من الفاضل وفرع عليها فروعا. وأما ما سمعته من الصدوق وابن أبي عقيل فيدل عليه صحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما عليهما السلام " في رجل يعتق غلامه أو جاريته في دبر منه ثم يحتاج إلى


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث - 4 - 3 - 1. (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 6.

[ 226 ]

ثمنه أيبيعه ؟ فقال: لا، إلا أن يشترط على الذي يبيعه إياه أن يعتقه عند موته " ونحوه صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام الذي ينبغي حملهما على ضرب من الكراهة، كخبر وهب (2) عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام قال: لا يباع المدبر إلا من نفسه " الموافق للمحكي عن بعض العامة. وكذا ما دل على تقييد البيع بالاحتياج أو رضا المملوك كصحيح ابن مسلم (3) " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل دبر مملوكه ثم يحتاج إلى الثمن قال: إذا احتاج إلى الثمن فهو له، يبيع إن شاء وإن شاء أعتق، فذلك من الثلث " وموثق إسحاق بن عمار (4) " قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الرجل يعتق مملوكه عن دبر ثم يحتاج إلى ثمنه، قال: يبيعه، قلت: فان كان عن ثمنه غنيا قال: إن رضي المملوك فلا بأس " وصحيح جميل (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المدبر أيباع قال: إن احتاج صاحبه إلى ثمنه، وقال: إذا رضي المملوك فلا بأس " وخبر أبي بصير (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد والامة يعتقان عن دبر، قال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء وليس له أن يبيعه إلا أن يشاء العبد أن يبيعه قدر حياته، وله أن يأخذ ماله إن كان له مال " لعدم قائل بمضمونها حتى من القائلين ببيع الخدمة. وعلى كل حال فلا ينكر دلالة هذه النصوص أجمع على ناقضية بيع المدبر لتدبيره. مضافا إلى صحيح ابن مسلم (7) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل دبر


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 6 والتهذيب ج 8 ص 263 الرقم 960 والاستبصار ج 4 ص 28 الرقم 96. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب التدبير الحديث 2. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 7 - 4 - 5. (6) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 2. (7) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 227 ]

مملوكا ثم احتاج إلى ثمنه، فقال: هو مملوكه إن شاء باعه وإن شاء أعتقه وإن شاء أمسكه حتى يموت، فإذا مات السيد فهو حر من ثلثه " وخبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " المدبر مملوك، ولمولاه أن يرجع في تدبيره إن شاء باعه وإن شاء وهبه وإن شاء أمهره " مضافا إلى غيرهما من النصوص بل لا ينكر ظهورهما خصوصا الاخير منهما في حصول الرجوع بالبيع إذا قصده، خلافا لما سمعته من ابن حمزة. فتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لا إشكال في بطلان تدبيره برجوعه عنه فله بيعه وغيره، وكذا لو قصد ببيعه الرجوع به، بل وكذا لو أطلق بيعه غير مستحضر لذلك أو لتدبيره، لاقتضاء البيع نقل رقبته، وهو مقتض لابطال تدبيره. نعم لو صرح ببيع خدمته مع إرادة بقاء تدبيره أو ببيع رقبته كذلك ففيه البحث السابق الذي قد عرفت فيه أن الاصح عدم جوازه، وكذا لو أطلق البيع مريدا ذلك من غير إعلام المشتري، والكلام مع القدماء في مشروعية ذلك، ولو حمل كلامهم على نحو ما سمعته منا في حمل النصوص ارتفع النزاع من البين، وخلت المسألة عن الاشكال. ومما ذكرنا يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، والله العالم بحقيقة الحال. (ولو أنكر المولى تدبيره) على وجه لم يقصد الرجوع به (لم يكن رجوعا) لغة ولا شرعا ولا عرفا، ضرورة تمايز إنشاء الرجوع بالشئ وإنكار أصل إيقاعه، خصوصا إذا كان مع النسيان مثلا، فما عن بعضهم - من أنه يكون رجوعا لاستلزامه رفعه في سائر الازمان، فكان أبلغ من الرجوع المقتضي لرفعه في الزمن المستقبل خاصة - واضح الفساد وكذا الكلام في سائر ما كان عنوان إبطاله الرجوع ونحوه من وكالة أو وصية ونحوهما، عدا الطلاق الذي قد ورد النص (2)


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب التدبير الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

[ 228 ]

الصحيح فيه بكونه رجوعا، وقد عرفت تحقيقه فيما تقدم. (و) كذا الكلام فيما (لو ادعى المملوك التدبير وأنكر المولى فحلف) إذ الحلف لم يفد الرجوع، وإنما يؤكد الانكار، ويقتضي ارتفاعه ظاهرا وحينئذ (لم يبطل التدبير في نفس الامر) فلو مات السيد على الحال المزبور بحيث لم يحصل منه ما يدل على الرجوع انعتق المملوك فيما بينه وبين الله تعالى شأنه. وقد تظهر الفائدة ظاهرا لو اعترف المولى بعد الحلف بكذبه فيه، فان جعلنا الانكار رجوعا لم يعد باعترافه وإلا بقي بحاله، فيثبت ظاهرا أيضا حيث يعترف به، بل في المسالك وقد تظهر فائدته أيضا لو كان الحلف لعدم البينة ثم وجدت بعد ذلك، وهو مبني على سماع البينة بعد اليمين، وقد حققنا ذلك في كتاب القضاء، والله العالم.

[ 229 ]

المسالة (الثانية:) لا خلاف نصا (1) وفتوى في أن (المدبر) عن حياة سيده (ينعتق بموت مولاه من ثلث مال المولى، فان خرج منه وإلا تحرر من المدبر بقدر الثلث و) حينئذ ف‍ (لو لم يكن سواه عتق ثلثه) نعم لو علقه بموت المخدوم مثلا وما في حياة المولى وصحته لم يعتبر من الثلث وإن قلنا إنه تدبير بلا خلاف ولا إشكال، لانه كتعجيل العتق في حال الصحة، وإطلاق النص (2) والفتوى خروج المدبر من الثلث منزل على الغالب من كونه معلقا بموت المولى. نعم في المسالك " لو مات المخدوم في مرض موت المولى أو بعده فهو من الثلث، كالمعلق على وفاة المولى، ولو كان واجبا بنذر وشبهه فان كان في مرض الموت لم يتغير الحكم، وإن كان في حال الصحة فان كان المنذور هو التدبير فالاظهر أنه من الثلث أيضا، لانه لا يصير واجب العتق بذلك، بل إنما يجب تدبيره، فإذا دبره برئ من النذر، ولحقه حكم التدبير، وإن كان قد نظر عتقه بعد الوفاة فهو من الاصل كغيره من الواجبات المالية، ومثله نذر الصدق ونحوها بمال بعد الوفاة، وفي التحرير ساوي بين الامرين في خروجه من الاصل، ونقله في الدروس عن ظاهر الاصحاب، والاظهر الاول وحينئذ لو جوزنا تعليق العتق على الشرط فقال: هو حر قبل مرض موتي بيوم مثلا خرج من الاصل، وكذا لو جعلنا المنجزات من الاصل فعلقه على آخر جزء من حياته، ولو نذر عتقه أو الصدقة بالمال أو صرفه في بعض الوجوه السابقة في آخر يوم من أيام صحته فكذلك أو في آخر يوم من أيام حياته على القول الاخر ". قلت: قال في الدروس: " التدبير ثلاثة أقسام: واجب، ولا يصح الرجوع فيه إن قال: لله علي عتق عبدي بعد وفاتي، ولو قال: لله علي أن ادبر عبدي فكذلك


(1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب التدبير.

[ 230 ]

في ظاهر كلام الاصحاب، لان الغرض التزام الحرية بعد الوفاة لا مجرد الصيغة، وعن ابن نما جواز الرجوع لوفائه بنذره بايقاع الصيغة، فيدخل في مطلق التدبير ثم قال فيها في آخر كتاب التدبير -: ولو كان التدبير واجبا أو معلقا بموت الغير فمات في حياة المولى فهو من الاصل " وفي التحرير " أما التدبير الواجب بالنذر وشبهه فلا يجوز فيه الرجوع، ويخرج من أصل المال " وفي الرياض عن الانتصار الاجماع على ما نسبه في الدروس إلى الاصحاب. قلت: قد يناقش فيما ذكره في المسالك أولا بعدم صدق التبرع به في مرض، وإن حصل تنجيزه به ولكنه بسبب حال الصحة، ولا أقل من الشك، والاصل الخروج من الاصل، ولعله لذا أطلق في الدروس الخروج من الاصل مع حياة المولى. بل قد يناقش في الخروج من الثلث فيما بعد الوفاة أيضا، للاصل السالم عن معارضة إطلاق الادلة الظاهرة في وفاة المولى المدبر له، لا فيما يشمل الفرض الذي مقتضي الاصل فيه الخروج من الاصل بعد أن لم يصدق عليه أنه وصية ولا يندرج في إطلاق أدلة التدبير. ومما ذكرنا يعلم الحال فيما ذكره من الامثلة للعتق المعلق على فرض جوازه. بل قد يناقش فيما ذكره في التدبير الواجب بنذر وشبهه من التفصيل بين كونه في المرض وبين كونه في الصحة بأنه مناف لما سمعته من إطلاق التحرير والدروس الذي يؤيده ما عرفت من كون الاصل الخروج من الاصل الذي ينبغي الاقتصار في خلافه على المتيقن الذي هو التبرع المحض على وجه لا يلحق باسم الدين أو ما في حكمه مما يخرج من الاصل، ومنه النذر ولو في حال المرض، إلا أن الانصاف عدم خلوه من الاشكال فتأمل. وقد يناقش فيما ذكره أخيرا أيضا بأن مرجع النزاع إلى لفظ، ضرورة تبعية النذر للقصد الذي لا ينبغي النزاع فيه بعد معلوميته، ومع الاطلاق وعدم قرينة فلا ريب في أن التدبير اسم لنفس إنشاء التدبير بصيغته إلا أن تقوم قرينة على إرادة

[ 231 ]

أثره لا نفس الصيغة، فيكون كنذر حريته بعد الوفاة التي قد يمنع صدق اسم التدبير عليها بعد فرض عدم إنشائه بصيغته الخاصة به، وموافقة النذر للتدبير في النتيجة لا يقتضي الاندراج في الاسم. وعلى كل حال فلا يخرج عن ملكه بالنذر المزبور إجماعا بقسميه، لاستلزامه الحنث في نذره، فلو فعل ففي الرياض صح، للعموم مع عدم المخرج عنه سوى النهي الغير المستلزم للفساد في المعاملات، نعم يأثم وتلزمه الكفارة مع العلم لا مع النسيان على الظاهر لعدم الحنث، وفي الجاهل وجهان، وفيه أن انعقاد النذر يقتضي تشخيصه للنذر كتشخيصه للشرط مثلا كما تسمع تحقيقه إنشاء الله في كتاب النذور. (ولو دبر جماعة فان خرجوا من الثلث) فذاك (وإلا عتق من يحتمله الثلث وبدئ بالاول فالاول) مع فرض ترتبهم، بناء على أن التدبير من الوصية التي مر في بابها أن ذلك حكمها نصا (1) وفتوى أو منزل منزلتها على وجه يشمل الحكم المزبور أو على أن الحكم المزبور على وفق القواعد في الوصية وفي المقام باعتبار أولوية كل سابق على مسبوقه في التعليق بالحق وإن كان لا يخلو من نظر، ضرورة اتحاد الجميع في كيفية التعليق، ومجرد السبق في الوجود لا يقتضي التقدم بعد اشتراك الجميع في الوصية مثلا. (و) على كل حال ف‍ (لو جهل الترتيب استخرجوا بالقرعة) بلا خلاف ولا إشكال، كما أنه لا خلاف ولا إشكال في توزيع الثلث بينهم، فمع فرض إيقاع تدبيرهم بصيغة واحدة. (ولو كان على الميت دين يستوعب التركة بطل التدبير وبيع المدبرون فيه) لانه وصية أو بمنزلتها بالنسبة إلى ذلك، وكذا ما في معناه من التنجيز والايصاء المتقدم عليه لفظا، فيخرج أولا ثم يعتق المدبر من الثلث الباقي، وفي


(1) الوسائل الباب - 66 - من كتاب الوصايا الحديث 1.

[ 232 ]

خبر الحسن بن علي بن أبي حمزة (1) عن أبى الحسن عليه السلام " قلت له: أبي هلك وترك جاريتين قد دبرهما، وأنا ممن أشهد لهما، وعليه دين، فقال: رحم الله أباك قضاء دينه خير له إنشاء الله ". (وإلا) يكن الدين مستوعبا (بيع منهم بقدر الدين) بالقرعة، كما صرح به الصيمري، قال: " فان كان الدين بقدرهم مثلا ولا تركة سواهم كتب رقعة للدين واخرى للتركة بعد أن يقسم العبيد قسمين، وإن كان بقدر ثلث العبيد كتب ثلاث رقاع: واحدة للدين واثنتين للتركة، وكذلك الحكم لو أعتق المريض في مرض الموت ومات وعليه دين واحتجنا إلى بيع بعض المعتقين ". (و) على كل حال فإذا اخرج بها كل من اخرج للدين (تحرر ثلث من بقي سواء كان الدين سابقا على التدبير أو لاحقا على الاصح) الموافق للمشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا إذ لم نعرف مخالفا إلا الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار وليست كتاب فتوى، وتبعه القاضي، ففرق بينهما، فقدم التدبير على الدين إذا كان لاحقا وبالعكس إذا كان سابقا لصحيح أبي بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دبر غلامه وعليه دين فرارا من الدين، قال: لا تدبير له، وإن كان دبره في صحة منه وسلامة فلا سبيل للديان عليه " والحسين بن علي بن يقطين (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن بيع المدبر، قال: إذا أذن في ذلك فلا بأس به، وإن كان على مولى العبد دين فدبره فرارا من الدين فلا تدبير له، وإن كان دبره في صحة وسلامة فلا سبيل للديان عليه، ويمضي تدبيره " القاصرين عن معارضة


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التدبير الحديث 3 مع الاختلاف في اللفظ. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التدبير الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التدبير الحديث 1 عن الحسين عن على ابن يقطين كما في التهذيب ج 8 ص 261 الرقم 950 والاستبصار ج 4 ص 28 الرقم 91.

[ 233 ]

ما تقدم من النصوص (1) الدالة على أنه بمنزلة الوصية وأنه من الثلث وأن قضاء الدين خير له من وجوه، فيطرحان أو يحملان على التدبير الواجب بنذر وشبهه، فإذا وقع كذلك مع سلامة من الدين فلا سبيل للديان عليه، ولو نذره فرارا من الدين لم ينعقد نذره، لانه لم يقصد به الطاعة، بل ظاهرهما اعتبار قصد الفرار في الشق الاول، ولم يقل به أحد، بل هما ظاهران بالنظر إلى سياقهما في التفصيل بين قصد الفرار وعدمه المعبر عنه بالصحة والسلامة، لا تقدم الدين وتأخره، وحينئذ يكونان أعم من المدعى، ويخرجان عن الدلالة على التفصيل المزبور، بل ربما احتمل أن المراد منهما التفصيل بين حالتي الصحة والمرض، بل قيل: إنه المتبادر من اللفظتين عند الاطلاق وإن كان هو كما ترى، إلا أن المراد بيان إجمال الروايتين على وجه لا وثوق بالمراد منهما بحيث يصلح لمعارضة ما عرفت. هذا ولكن في صحيح الحلبي (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قال: إن مت فعبدي حر وعلى الرجل دين، فقال: إن توفى وعليه دين قد أحاد بثمن الغلام بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه، وهو حر إذا أوفى " ولعل وجهه انعتاق جزء منه مع فرض عدم الاحاطة، فيستسعى حينئذ كما أن ترك ذكر الوارث فيه مع أن له حقا أيضا في زيادة قيمته لا يقدح بعد استفادته من خارج. ومنه ينقدح الاشكال فيما ذكره المصنف وغيره من البيع بقدر الدين خصوصا مع تأيد الصحيح المزبور بإطلاق أدلة البيع على وجه يمكن جعله قاعدة في كل من أعتق بعضه، فتأمل جيدا، والله العالم. (وكما يصح الرجوع في المدبر) أجمع (يصح الرجوع في بعضه،) لانه بحكم الوصية التي يجوز فيها ذلك، كما عرفته في كتابها.


(1) الوسائل الباب - 2 و 8 - من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 39 - من كتاب الوصايا الحديث 3.

[ 234 ]

المسالة (الثالثة:) (إذا دبر بعض عبده لم ينعتق عليه الباقي) معجلا للاصل السالم عن معارضة ما دل (1) على ذلك بعد ظهوره في العتق المنجز، خلافا للمحكى عن المرتضى وبعض العامة من القول بالسراية كالعتق المنجز، لانه يوجب استحقاق العتق بالموت، فصار كالاستيلاد الموجب لتقويم حصص الشركاء عليه، وفيه منع الاستحقاق أولا لجواز الرجوع، ومنع الملازمة على تقدير الاستحقاق ثانيا، لعدم تحقق العتق بالفعل، لعدم المقتضى، والفرق بين الاستيلاد والتدبير أن الاستيلاد كالاتلاف، حيث إنه يمنع التصرف بالبيع ونحوه، ولا سبيل إلى دفعه بخلاف التدبير، كما هو واضح. بل في المسالك " لا ينعتق عليه أيضا بعد انعتاق المدبر، لانه حينئذ لا يبقى المعتق موسرا، لانتقال ماله عنه بالموت، بخلاف ما إذا علق عتق نصيبه بصفة فوجدت الصفة وهو موسر وجوزناه، فانه يعتق النصيب ويسرى " وفيه إمكان كونه موسرا بالخروج من الثلث، فان لم يكن له ثلث غيره استسعى العبد، فتأمل. (ولو كان له شريك لم يكلف شراء حصته) على معنى ضمانها له، لما عرفت من عدم المقتضى لذلك، فأصالة البقاء بحالها، والمخالف هنا كالسابق، وجوابه جوابه، بل هنا أولى بعدم السراية، خلافا لبعض العامة، فخير الشريك بين أن يضمنه القيمة وبين أن يستسعى العبد وبين أن يدبر نصيبه أو يعتقه، وهو كما ترى. (وكذا لو دبره باجمعه ورجع في بعضه و) الكلام الكلام.


(1) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق.

[ 235 ]

بل عن الشيخ (ره) أنه (كذلك لو دبر الشريكان ثم أعتق أحدهما لم يقوم عليه حصة الاخر) لان له جهة يعتق لها وهو التدبير، فلا يحتاج إلى جهة اخرى وإن كان هو كما ترى، ضرورة تناول إطلاق أدلة السراية. (و) لذا قال المصنف (لو قيل يقوم) عليه (كان وجها). (ولو دبر أحدهما) خاصة (ثم أعتق وجب عليه فك حصة الاخر) مع الشرائط قطعا، لعموم الادلة السالم عن المعارض. (ولو أعتق صاحب الحصة القن لم يجب عليه فك الحصة المدبرة) عند الشيخ، بل في المتن (على تردد) وقد عرفت ضعفه، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (إذا أبق المدبر بطل تدبيره) بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى خبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن جارية مدبرة أبقت من سيدها سنينا ثم جاءت بعد ما مات سيدها بأولاد ومتاع كثير، وشهد لها شاهدان أن سيدها كان دبرها في حياته قبل أن تأبق، فقال أبو جعفر عليه السلام: أرى أنها وجميع ما معها للورثة، قلت: لا تعتق من ثلث سيدها، فقال: لا، إنها أبقت عاصية لله عزوجل ولسيدها، وأبطل الاباق التدبير " وخبر رزين (2) عن الصادق عليه السلام " في رجل دبر غلاما له، فأبق الغلام فمضى إلى قوم، فتزوج منهم، ولم يعلمهم أنه عبد، فولد له واكتسب مالا، فمات مولاه الذي دبره، فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد، فما ترى ؟ فقال: العبد وولده رق لورثة


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب تدبير الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب التدبير الحديث 2 عن علاء بن رزين.

[ 236 ]

الميت، قلت: أليس قد دبر العبد، فذكر أنه لما أبق هدم تدبيره ورجع رقا ". ولا حاجة بعد ذلك إلى تكلف الفرق بينه وبين الارتداد الذي لا يبطل معه التدبير مع أنه معصية لله عزوجل بأن الاول مع ذلك هو معصية للسيد المحتاج إلى خدمته، بخلاف الارتداد الذي هو معصية للسيد الغني عنه، مع أنه منتقض بعدم بطلانه بالاباق مع التعليق على وفاة المخدوم الذي قد سمعت الكلام فيه، وستسمع إن شاء الله تعالى فالعمدة حينئذ النص والاجماع وكفى بهما فارقا، والله العالم. (و) على كل حال فإذا بطل تدبيره (كان هو ومن يولد له بعد الاباق رقا إن ولد له من أمة) مولاه أو غيره، بل أو حرة إذا كان بحيث يلحق به الولد بلا إشكال في شي من ذلك ولا خلاف. (و) أما (أولاده قبل الاباق) فهم (على التدبير) ولا يبطل تدبيرهم باباقه، للاصل وغيره، بل قد يمنع بطلانه باباقهم فضلا عن إباقه اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النص (1) على أن تدبيرهم قد جاء بالسراية كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في مسألة جواز الرجوع بهم، فلاحظ وتأمل. لكن قد يقال ظاهر الخبر الاول (2) التعليل الشامل لذلك، أللهم إلا أن يمنع كونه تعليلا لبطلانه بمقتضى إطلاق النص والفتوى به وإن لم يكن عصيانا لصغر ونحوه، وقد يحتمل منع ذلك تنزيلا للاطلاق على المنساق والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا يبطل تدبير المملوك لو ارتد) للاصل حتى لو كان عن فطرة (فان التحق بدار الحرب بطل لانه إباق، و) حينئذ (لو مات مولاه قبل فراره تحرر) لحصول المقتضي، فما عن ابن الجنيد - من بطلان التدبير


(1 و 2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب التدبير الحديث - 0 - 1.

[ 237 ]

بالارتداد أو الالتحاق بدار الحرب وأسر المسلمين له - واضح الضعف، لعدم الدليل إلا القياس الذي هو هنا مع ثبوت الفارق محرم عندنا، والالتحاق حيث يكون إباقا يكفي في تحقق البطلان وإن لم ينضم إليه الاسر، كما هو واضح، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (ما يكتسبه المدبر لمولاه ل‍) ما عرفت من (أنه رق) نصا (1) وفتوى، بل إجماعا بقسميه (ولو اختلف المدبر والوارث فيما في يده بعد موت المولى فقال المدبر: اكتسبته بعد الوفاة) وقال الوارث: قبلها (فالقول قوله مع يمينه) للاصل، ولانه صاحب يد (ولو أقام كل منهما بينه فالبينة بينة الوارث) لانها بينة خارج بناء على تقديمها على بينة الداخل، هذا كله إذا كان خارجا من الثلث. أما إذا كان النزاع في صورة ما إذا لم يخلف سواه وكانت قيمته ثلاثين مثلا وقد اكتسب ستين مثلا فادعى الوارث السبق ويلزمه انعتاقه أجمع وكون الكسب له، لانه ضعف قيمته وادعى العبد التأخر، ومقتضاه حرية ثلثه ويتبعه ثلث الكسب وهو عشرون، فيبقى للوارث منه أربعون، وإذا ضمت إلى قيمة العبد كانت سبعين، والمجموع تركة باعتراف الوارث، فينعتق منه ثلثها، وهو ثلاثة وعشرون وثلث، وذلك سبعة أتساع المدبر، فالقول قوله أيضا بيمينه في استحقاق العشرين، ولكن يفك العبد نفسه إن شاء بستة وثلثين من العشرين التي أخذها بجزئه الحر، ولا تحتسب على الوارث، لانه انما يحسب عليه ما يصل إليه، ويبقى له منها ثلاثة عشر وثلث. لكن في المسالك " لا يقال يلزم على هذا أن يثبت له زيادة على ما يدعيه،


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير.

[ 238 ]

لان دعواه التي حلف عليها وقدم قوله فيها أنه انعتق ثلثه واستحق ثلث الكسب، وذلك ثلاثون تمام قيمته، ولازم دعواه أيضا شرعا أن مجموع الكسب للورثة، وليس له إلا رقبته، لان ما يحصل له من الكسب يجب عليه دفعه في فكاك باقيه، وهو بتمامه تمام الباقي، فكيف يستحق الزائد، وهو ينفيه، لانا نقول: إن الزيادة حصلت له من قبل الجزء الحر، وهو حق لله تعالى شأنه يثبت فيه ما يقتضيه الشرع، ولا يلتفت فيه إلى إنكاره، بخلاف المال، وذلك لان مقتضى دعواه في المال لما كانت استحقاق عشرين لم يزده عليها، وأما العتق فان الشرع يحكم بعتق ثلث ما يتحصل بيد الوارث من التركة، ولما اعترف له من الكسب بأربعين وقيمته تساوي ثلاثين فقد تحصل بأيديهم سبعون، فيحكم له منه مقدار ثلثها منه. سواء اعترف به أم أنكره، لان العتق حق لله تعالى شأنه، فيحصل له منه مقدار ثلاثة وعشرين، فإذا اضيفت إلى ما حكم له به من الكسب زاد عن القيمة، فكان الزايد له لاجل ذلك، وقس على هذا ما إذا قصر الكسب عن ضعفه أو خلف شيئا آخر معه لا يبلغ الضعف، فلو كان كسبه مقدار قيمته كان له ثلثه بدعواه التي قدم فيها وضم ثلثاه، وهو عشرون في المثال إلى مجموع المدبر، وقيمته ثلاثون، فيكون الحاصل بيد الوارث خمسين، ويحكم عليه بعتق ثلثها، وهو ستة عشر وثلثاه، وهي خمسة أتساعه، وله ثلث كسبه عشرة، ويجتمع للورثة عشرون من الكسب وثلاثة عشر وثلث من رقبته، وذلك ضعف ما عتق منه " وقد أخذ ذلك كله من الفاضل في القواعد وولده في شرحها. لكن فيه - بعد الاغماء عما في دعوى وجوب دفع ما استحقه بيمينه في فك نفسه - أن دعوى الحرية التي يعلم العبد خلافها لا تكون سببا لملك الزيادة التي يجب عليه دفعها في فكاك نفسه على ما ذكروه فيها بينه وبين الله تعالى شأنه، وكذا عدم سماع إنكاره لها في ظاهر الشرع لو سلم، وإلا فقد يمنع، لاطلاق قوله عليه السلام (1): " الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية " وحينئذ


(1) الوسائل الباب - 29 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 239 ]

فالمتجه معاملة كل منهما باقراره. وزاد في القواعد احتمال كون المسألة دورية، قال: " ولو ادعى الوارث سبق الكسب على الموت والعبد تأخره قدم قوله، فان أقامه بينه قدمت بينة الوارث هذا إن خرج من الثلث، ولو لم يخلف سواه وكان الكسب ستين ضعف قيمته قدم قول العبد أيضا، ويحتسب على الورثة ما يصل إليهم من الكسب باقرارهم، وهل للعبد بالجزء الذي انعتق باقرارهم مقابله من كسبه إشكال، ينشأ من إجراء إقرار الورثة مجرى الاجازة أولا، فعلى الاول يدخلها الدور، فنقول عتق منه شئ، وله من كسبه شيئان وللورثة شيئان من نفسه وكسبه، فالعبد وكسبه في تقدير خمسة أشياء، فالشئ ثمانية عشر، فله من نفسه ثمانية عشر، ومن كسبه ضعف ذلك، وللورثة من نفسه وكسبه ستة وثلثون، وعلى الثاني يعتق سبعة أتساعه، وله من كسبه عشرون، ومنه يستخرج حكم ما قصر الكسب فيه عن ضعفه أو خلف شيئا معه ". قلت: لا أعرف وجها للاحتمال الاول الذي جعل المسألة دورية على تقديره، وذلك لعدم إقرارهم بانعتاق جزء منه على وجه يستحق به من الكسب شئ، ضرورة كون دعواهم تقدم الكسب على وفاة السيد، وهو زمان الرقية، فلا يتصور استحقاق شئ من الكسب بجزئه الحر على دعوى الوارث، كما هو واضح، والله العالم.

[ 240 ]

المسالة (السادسة:) (إذ جني على المدبر بما دون النفس كان) القصاص أو (الارش للمولى) لانه مملوك له فهو حينئذ كالقن (ولا يبطل التدبير) بذلك للاصل (و) غيره، نعم (إن قتل بطل التدبير) لفوات محله (وكانت قيمته للمولى) أو القصاص ولكن (يقوم مدبرا)، إذ قد يقتضي التدبير إذا كان واجبا أو قلنا بعدم جواز بيع رقبة المدبر نقصا بالنسبة إلى قيمته غير مدبر، كما هو واضح، والله العالم. المسالة (السابعة:) (إذا جنى المدبر تعلق أرش الجناية برقبته) كالقن، لاطلاق الادلة، فان كان موجبا للقصاص فاقتص منه فات محل التدبير، وكذا إن استرق لخروجه حينئذ عن ملك سيده، فيبطل تدبيره (و) إن عفى عنه أو رضي المولى بالمال أو كانت الجناية توجب مالا ف‍ (لسيده فكه بأرش الجناية) أو بأقل الامرين على الخلاف المقرر في جناية القن، (وله بيعه) كلا أو بعضا (فيها فان فكه فهو على تدبيره) للاصل (وإن باعه وكانت الجناية تستغرقه فالقيمة لمستحق الارش، فان لم تستغرقه بيع منه بقدر الجناية، والباقي على التدبير) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك ولا إشكال. (ولمولاه أن يبيع خدمته) حقيقة منفردة أو مع رقبته إلى حين موته، أو ينقلها بعقد صلح أو إجارة مدة فمدة على حسب ما سمعته من الخلاف السابق، (جواهر الكلام ج 15)

[ 241 ]

ضرورة عدم خصوصية للمقام. (وله أن يرجع في تدبيره) إن لم يكن واجبا عليه (ثم يبيعه) إن شاء (و) إن شاء فداه. بل (على ما قلناه) سابقا (لو باع رقبته صح وكان ذلك نقضا لتدبيره) وإن لم يقصده، لاقتضاء البيع انتقال الرقبة، وقد عرفت منافاته للتدبير، بناء على أنه لا عتق إلا في ملك، مضافا إلى ظهور النصوص (1) السابقة في ذلك. ولكن قال المصنف هنا: (وعلى رواية إذا لم يقصد نقض التدبير كان التدبير باقيا وينعتق بموت المولى، ولا سبيل عليه) ولم نعثر عليها بالخصوص، إذ ليس إلا ما سمعته مما هو ظاهر في جواز بيع الخدمة (2) لا أنه مع إطلاق البيع يبقى تدبيره، ولعله لذا قال الكركي في فوائده " هذا بخصوصه غير موجود في شئ من الروايات، ولكن المصنف حيث جمع بينها بالحمل على ذلك حكاه بصيغة " على " ولم يقل في رواية، فكأنه قال: على مقتضي رواية باعتبار الحمل الذي ساق إليه اختلاف الروايات " قلت: وقد عرفت عدم قبول النصوص المزبورة للجمع المذكور، فلاحظ وتأمل. (ولو مات المولى قبل افتكاكه) أو استرقاقه (انعتق) لاطلاق أدلة التدبير وسبق سبب الحرية على الجناية، وبنائها على التغليب وحينئذ فالمتجه تعلق أرش جنايته بذمته (ولا يثبت) أي (أرش الجناية في تركة المولى) للاصل وغيره، حتى لو قلنا بثبوته لو اعتق العبد الجاني باعتبار كونه بناء على نفوذ العتق التزاما بالفداء، لتعذر تسليمه لاستيفاء حق الجاني، ضرورة الفرق بينهما بالسبق واللحوق، فما عن الشيخ من كون الارش في تركة المولى ضعيف، نعم لو فرض تدبيره بعد الجناية وقلنا بانعتاقه بالموت واتفق حصوله قبل الفك أمكن القول


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 3.

[ 242 ]

بذلك، كما أن المتجه في الاول بناء على عدم انعتاقه بموت المولى - كما عن بعض أقوال العامة - تخير الوارث بين فدائه فيعتق حينئذ من الثلث وبين تسليمه للاسترقاق وبيعه في جنايته، فيبطل التدبير حينئذ. وفي المسالك عن ابن الجنيد والقاضي لا يبطل، بل يستسعى في قيمته بعد موت المولى، واختاره في الدروس لصحيحة أبي بصير (1) والاظهر البطلان، قلت: لم أجد ذلك فيها، وإنما الموجود هنا " ولو جنى فكالقن ولو عتق قبل الفك ففي رقبته أو ماله، لا على الورثة، وفي المبسوط يؤخذ الارش من بركة المولى كأنه يجري مجرى إعتاق العبد الجاني، ولو كاتبه جزم الشيخ ببطلان التدبير وابن الجنيد وابن البراج ببقائه، وهو الاصح لصحيح أبي بصير (2) ولعل فيما حضره من النسخة سقط. وفي كشف اللثام " عن أبي علي أن له أي المولى أن يدفعه إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت المولى، ثم يستسعى في قيمته " قلت: لا بأس به مع التراضي. ولكن في المقنعة " إذا قتل العبد والمدبر رجلا حرا خطأ فديته على سيديهما، فان لم يؤدياه دفع العبد والمدبر إلى أولياء المقتول فاسترقوا العبد واستخدموا المدبر حتى يموت سيده الذي دبره، فإذا مات سيده خرج عن الرق إلى الحرية، ولم يكن لاحد عليه سبيل ". وقال الشيخ في النهاية: " إذا قتل مدبرا حرا كانت الدية على مولاه الذي دبره إن شاء أو يسلمه برمته إلى أولياء المقتول، فان شاؤوا قتلوه ان كان قتل صاحبهم عمدا، وإن شاؤوا استرقوه، وإن كان قتله خطأ استرقوه وليس لهم قتله، وإذا مات الذي دبره استسعى في دية المقتول وصار حرا " وفيه أنه مناف لما دل


(1 و 2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 2 ويذكره فيما يأتي في الفرع الثالث وجها لمختار الدروس.

[ 243 ]

على استرقاقه (1) الظاهر في خروجه عن ملك مالكه وصيرورته رقا لولي المجني عليه، من غير فرق بين القن والمدبر الذي هو كالقن أيضا خصوصا بعد صحيح أبي بصير (2) عن الباقر عليه السلام " سألته عن مدبر قتل رجلا عمدا فقال: يقتل به، قلت: وإن قتله خطأ فقال: يدفع إلى أولياء المقتول، فيكون لهم، فان شاؤوا استرقوه، وليس لهم قتله، ثم قال: يا أبا محمد إن المدبر مملوك " الذي قد اعترف غير واحد بأنه نص في الباب. ويمكن أن يكون مستند المفيد ره حسن جميل (3) عن الصادق عليه السلام " قلت له: مدبر قتل خطأ من يضمن عنه، قال: يصالح عنه مولاه، فان أبي دفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبره، ثم يرجع حرا لا سبيل عليه ". كما أنه يمكن أن يكون مستند الشيخ خبر هشام بن أحمد (4) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن مدبر قتل رجلا خطأ قال: أي شئ رويتم في هذا الباب ؟ قال: قلت: روينا عن أبي عبد الله أنه قال: يرميه إلى أولياء المقتول، فإذا مات الذي دبره أعتق، فقال: سبحان الله تعالى، فيطل دم امرء مسلم ؟ ! قلت: هكذا روينا، قال: غلطتم، بل يرميه إلى أولياء المقتول، فإذا مات مدبره استسعى في قيمته " بل عن الشيخ في كتابي الاخبار تقييد الخبر الاول بالثاني، وفي المختلف " هو مذهب الصدوق ره في المقنع، وليس بعيدا عن الصواب، لما فيه من الجمع بين الاخبار بما يناسب العتق ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، بل هو صريح كلام الشيخ في المحكي عن مبسوطه وغيره، نعم لا بأس بذلك إذا لم يرد ولي المقتول استرقاقه، وقد دفعه مولاه إليه باقيا على تدبيره ورضي هو بذلك.


(1 و 2) الوسائل الباب - 42 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1. (3 و 4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات النفس الحديث 1 - 5 من كتاب الديات.

[ 244 ]

ولعله لذا قال ابن إدريس فيما حكي عنه بعد أن ذكر كلام الشيخ في النهاية: " لا دليل على صحة هذه الرواية، لانها مناقضة للاصول، وهو الخروج عن ملك من دبره وصار عبدا لاولياء المقتول، فمن أخرجه عن ملكهم بعد دخوله فيه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، ويمكن أن نحمل الرواية على أنه كان التدبير عن نذر واجب لا يجوز الرجوع فيه، فإذا كان ذلك وكان القتل خطأ فأنه بعد موت من دبره يصير حرا ويستسعى في الدية - ثم قال -: والاقوى عندي في الجميع أنه يسترق سواء كان عن نذر أولا، لان السيد ما رجع عن تدبيره، وإنما صار عبدا لحق ". قلت: بل من آخر كلامه يستفاد الحكم في مسألة اخرى، وهو عدم الفرق في الاسترقاق حيث يكون له بين الندب والواجب وغيرهما، ولعله الموافق لاطلاقهم هنا إذ وجوبه لا ينافي استرقاقه بدليل آخر لا مدخلية للمدبر فيه، والاصل براءة الذمة من وجوب فكه. ولو قتل المدبر مولاه ففي القواعد " احتمل بطلان تدبيره مقابلة له بنقيض مقصوده، كالوارث الذي يمنع من الارث بقتله، ولانه أبلغ من الاباق " ولكنه كما ترى لا ينطبق على اصولنا، فالمتجه الانعتاق للاصل وتغليب الحرية بعد منع القياس، والاولوية. وكذا لا ينطبق عليها ما فيها أيضا من أنه " لو دبر عبدين وله دين بقدر ضعفهما عتق من تخرجه القرعة قدر ثلثهما، وكان الباقي والاخر موقوفا، فإذا استوفى من الدين شئ أكمل من عتق من أخرجته القرعة قدر ثلثه، فان فضل عتق من الاخر، وهكذا حتى يعتقا معا أو مقدار الثلث منهما، ولو تعذر استيفاؤه لم يزد العتق على قدر ثلثهما، ولو خرج من وقعت القرعة له مستحقا بطل العتق فيه، وعتق من الاخر ثلثه " إذ هو كما ترى أيضا غير منطبق على اصولنا التي مقتضاها انعتاق ثلثيهما، ثم كل ما جاء من الذين يعتق منهما على السواء، وهكذا.

[ 245 ]

نعم لا بأس بما فيه من " لو دبر عبدا وكان له ابنان وله على أحدهما دين ضعف قيمته عتق من المدبر ثلثاه، لان حصة المديون من الدين كالمستوفى، وسقط عنه من الدين نصفه، لانه قدر حصته من الميراث، ويبقى منه للاخر النصف، وكلما استوفى منها شيئا عتق قدر ثلثه، ولو كان الضعف دينا عليهما بالسوية عتق الكل، ولا شئ لاحدهما على الاخر، ولو تفاوتا فيه فبالنسبة إلى كل منهما " ضرورة انطباق ذلك كله على اصولنا، والله العالم. المسالة (الثامنة:) قد عرفت أنه (إذا أبق المدبر بطل التدبير) نصا (1) وفتوى (و) إن صح تدبير الابق، لاطلاق الادلة، بل قد عرفت أيضا أنه (لو جعل خدمته لغيره مدة حياة المخدوم ثم هو حر بعد موت ذلك الغير لم يبطل تدبيره باباقه) لصحيح يعقوب بن شعيب (2) السابق إلا أنك قد عرفت فيما مضى كون التحقيق عدم كون ذلك من التدبير، لا أنه تدبير مستثنى من إطلاق ما دل (3) على بطلانه بالاباق لو قلنا بشموله، إنما الكلام باقتضاء إباق المعلق عتقه على وفاة الزوج - أو مطلق الغير وقلنا إنه تدبير - البطلان أما على القول بعدم كونه تدبيرا كما سمعت تحقيق الحال فيه فلا إشكال في عدم البطلان، بل قد يقوى ذلك على القول بأنه تدبير اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن الذي هو المعلق على وفاة المولى، خصوصا بعد التصريح بعدم البطلان في المخدوم. فما في المسالك بعد الاشكال منه - " ولو قيل بقصر عدم البطلان على إباق من جعلت خدمته لغيره وعلق تدبيره على وفاة المخدوم كان حسنا، لان هذا الحكم قد صار على خلاف الاصل، فالنظر إلى قاعدة الاصحاب في المسألة وظهور اتفاقهم


(1 و 3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب التدبير. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب التدبير الحديث 1.

[ 246 ]

على أن إباق المدبر مبطل له إلا ما أخرجه الدليل " - لا يخلو من نظر، خصوصا بعد أن لم نتحقق ما ذكره من قاعدة الاصحاب وظهور اتفاقهم عليه، وإنما لهم كلام سابق قبل الخوض في مسألة الاباق دفعا للاستدلال على عدم كونه تدبيرا بما تضمنه الصحيح المزبور من عدم البطلان باباق المعلق على وفاة المخدوم على وجه لا يكون إجماعا بحيث يعتمد عليه في إثبات حكم مخالف للاصل بعد فرض خلو النصوص عما يقتضي الشمول لمثل ذلك، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (فروع أربعة:) (الاول:) (إذا استفاد المدبر مالا بعد موت مولاه فان خرج المدبر من الثلث فالكل له) لكونه حينئذ حرا فكسبه له (وإلا كان له من الكسب بقدر ما تحرر منه والباقي للورثة) بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، هذا إذا كان عتقه معلقا على وفاة المولى، أما لو كان معلقا على وفاة غيره كالمخدوم وتأخر موته عن موت المولى فانه باق على الرقية إلى أن يموت المخدوم، فكسبه لهم مطلقا إلى حصول المعلق عليه. وهو يجوز للوارث الرجوع في تدبيره كما كان ذلك جائزا للمولى ؟ توقف فيه في المسالك أولا من إطلاق جواز الرجوع في التدبير، ومن اختصاص ذلك بمن باشر التدبير، ولذا لم يجز للمدبر أن يرجع بالاولاد، لعدم مباشرته لتدبيرهم، ثم مال إلى الجواز لقيام الوارث مقام الموروث، ولانه يرث الحقوق التي له كحق الشفعة والخيار وغيرهما من الحقوق المالية، ولان الناس مسلطون على أموالهم.

[ 247 ]

لكن قد يقوى خلافه، للاصل الذي خرجنا عنه في المدبر للنصوص (1) الدالة عليه الظاهرة في كونه موصيا أو بمنزلة الموصي في ذلك المقتضية لعدم جواز تبديل وصيته ووجوب إبقائها، إذ هو حينئذ كمن أوصى بشئ تأخر وقته مثلا، والله العالم. (الثاني:) (إذا كان له مال غائب بقدر قيمته مرتين) وكان قد دبر عبدا ثم مات (تحرر ثلثه) معجلا وفاقا للاكثر، لوجود للمقتضى فيه بلا مانع، (و) وقف الثلثان، ثم (كل ما حصل من المال شئ تحرر من) باقي (المدبر بنسبته)، فلو فرض أن قيمته مأة مثلا والمال الغائب مأتان وقد حصل منه مأة تحرر منه ثلثاه (وإن تلف) المأتان مثلا (استقر العتق في ثلثه) خاصة، وعلى هذا فثلث اكتسابه بعد موت السيد له، ويوقف الباقي، فان وصل المال إلى الوارث تبين عتقه أجمع وتبعه كسبه. وفي غاية المراد والمسالك ذكر ذلك أحد الوجهين، والثاني أنه لا ينعتق حتى يصل المال إلى الورثة، لان في تنجيز العتق تنفيذ التبرع في الثلث قبل تسلط الورثة على الثلثين، إذ لابد من التوقف في الثلثين إلى أن يتبين حال الغايب، وحينئذ فينعتق منه في المثال المزبور إذا حصلت مأة نصفه لا ثلثاه، لحصول مثليه حينئذ للوارث، وفي غاية المراد " ربما أمكن احتمال المراعاة " وفي المسالك " ربما يخرج على الوجه الثاني أن للوارث التصرف في الثلثين، كما يحكم بعتق الثلث مراعاة للحقين المتلازمين، فان حضر الغائب نقض تصرفه، وإلا صح خلاف ذلك كله ".


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب التدبير.

[ 248 ]

وفيه أنه لا وجه لتخريج ذلك على الوجه الثاني الذي هو عدم الحكم بتعجيل عتق ثلثيه، نعم هو احتمال على الوجه الاول، بل لا يخلو من قوة، ضرورة كونه مقتضى أصالة عدم وصول المال المقتضي لحرية الثلثين، وكون الحكم شرعا بانعتاقه من الثلث واقعا والفرض عدم العلم لا ينافي العمل بما تقتضيه الاصول، لانه وإن لم (1) يتشخص بها كون الثلث الموجود خصوصا مع ملاحظة الضرر على الوارث بالتعطيل فتأمل جيدا. ومنه يعلم ما في قوله: " وكما يوقف كسبه في الثلثين قبل وصول المال يوقف نفقته، بمعنى أنه ينفق عليه منه، فان وفى وإلا أكمل الوارث، فان حضر المال وأعتق أجمع رجع الوارث بما غرم منها " مضافا إلى ما فيه أيضا من منع إلزام الوارث بالاكمال بناءا على الايقاف، نعم يتجه ذلك بناءا على العمل بالاصول إلى أن يتبين الحال، والله العالم.


(1) هكذا في النسخة الاصلية: المسودة والمبيضة، والظاهر زيادة كلمة " وان ".

[ 249 ]

الفرع (الثالث:) (إذا كوتب ثم دبر صح) لاطلاق الادلة مع عدم منافاتها له، ضرورة عدم خروجه بها عن ملك السيد، فيشمله حينئذ إطلاق أدلة التدبير كما لو أعتقه حالها، وحينئذ فيجتمع عليه الامران: التدبير والكتابة (فان أدى مال الكتابة) قبل موت المولى (عتق) بها أي (بالكتابة وإن تأخر حتى مات المولى عتق بالتدبير إن خرج من الثلث) لعموم أدلته وكسبه له حال حياة المولى على الاقوى، لانه مكاتب، بل في المسالك " في بطلان الكتابة حينئذ وجهان، مثلهما ما لو أعتق السيد مكاتبة قبل الاداء، والوجه أنها لا تبطل للاصل، فان بقي من الاحكام شئ يتوقف عليها تأدى بها " قلت: ستعرف تحقيق ذلك في الكتابة إنشاء الله. (و) على كل حال ف‍ (الا) يخرج من الثلث (عتق منه الثلث وسقط من مال الكتابة بنسبته) أي ثلثهما في الفرض، لحصول تحريره بالتدبير لا بها (وكان الباقي مكاتبا) يؤدي للورثة ما عليه، هذا كله في التدبير بعد الكتابة. (أما لو دبره ثم كاتبه كان نقضا للتدبير) عند الشيخ والاكثر، لان التدبير وصية، وهي تبطل فيما لو فرض وصيته بعبد لانسان ثم يكاتبه، ولان العبد بالكتابة يكون مالكا لنفسه، فكان السيد زال ملكه عنه، فيكون الحكم كما لو باعه. (و) لكن (فيه إشكال) لامكان منع كونه بحكم الوصية في الحكم المزبور، بل هو عتق معلق لا منافاة بينه وبين الكتابة كما في الصورة الاولى، وليست الكتابة مخرجة للعبد عن ملك السيد وإلا لم يجز تدبيره في الصورة الاولى. ومنه يعلم ما في التعليل الثاني، فيكون حينئذ مدبرا ومكاتبا يجري عليه

[ 250 ]

ما سمعته من الحكم في الصورة الاولى، حتى مع الاطلاق واشتباه الحال فضلا عما لو صرح بعدم إرادة الرجوع بالكتابة. ولعله لذا كان المحكي عن ابني الجنيد والبراج ذلك، بل سمعت اختياره في الدروس لصحيح أبي بصير (1) الذي هو " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد والامة يعتقان عن دبر فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء " بل لعله المراد من قول علي عليه السلام في خبر وهب (2) " السابق: لا يباع المدبر إلا من نفسه " بل قد سمعت احتمال كونه المراد من النصوص (3) المجوزة لبيعه بشرط رضاه، وحينئذ فالاقوى الجواز، والله العالم. ثم لا يخفى عليك أن ذلك كله في عقد الكتابة بعد التدبير، (أما لو دبره ثم قاطعه على مال ليعجل له العتق لم يكن إبطالا للتدبير قطعا) لان غايته الوعد بتعجيل العتق على تقدير فعل إذ المقاطعة غير لازمة لاحدهما، فلا تكون منافية، وحينئذ فالمال الذي يكتسبه العبد للمقاطعة ملك للمولى، كما هو واضح والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التدبير الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب التدبير الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب التدبير الحديث 4 و 5 والباب - 7 - منها الحديث 1.

[ 251 ]

(الرابع:) (إذا دبر حملا صح) منضما أو منفردا كما يصح عتقه، لاطلاق الادلة، إذ هو آدمي مملوك (و) لكن (لا يسري) تدبيره (إلى امه) للاصل وغيره، ويجري عليه نفسه حكم التدبير (و) حينئذ ف‍ (لو رجع في تدبيره) بالقول أو بالفعل كما لو صالح عنه (صح) بلا خلاف فيه عندنا، نعم لا بد من معرفة صلاحيته للتدبير حينه (فان أتت به لاقل من ستة أشهر من حين التدبير صح التدبير فيه لتحققه) حينئذ (وقت التدبير) وإن كان لازيد من أكثر الحمل لم يصح، لتبين عدم وجوده حينئذ (وإن كان لاكثر) من الستة ولم يتجاوز أقصى الحمل (لم يحكم بتدبيره لاحتمال تجدده وتوهم الحمل) بل الاصل تأخره كما ذكرنا ذلك غير مرة. نعم في المسالك " ينبغي الفرق بين ما إذا كانت خالية من فراش وعدمه، كما سبق في نظائره، لان الاصل المزبور وإن كان واقعا في الحالين إلا أن الظاهر يعارضه، وأصالة عدم وطء متجدد وصيانة حال المسلمة على تقديره من الحمل على الزنا " وفيه ما عرفته غير مرة من أن ذلك لا يشخص وجوده حال الايقاع والله العالم.

[ 252 ]

(وأما المكاتبة:) التي هي في الاصل مصدر - كالكتابة من الكتب - بمعنى الضم والجمع، يقال: كتبت القربة إذا وكئت رأسها، ومنه الكتابة، لما فيها من ضم الحروف بعضها إلى بعض، والكتبة لانضمام بعضهم إلى بعض، وعرفا اسم للعقد الخاص أو للاثر الحاصل منه أو لغير ذلك مما سمعته مكررا في نظائرها، وكان وجه المناسبة ما فيها من انضمام النجم إلى النجم، أو لكتب كتاب بينهما بالعتق إذا أدى، أو لايجاب المولى على نفسه ذلك من " كتب " أي " أوجب " أو لانها توثق بالكتابة باعتبار كون عوضها مؤجلا من شأنه الاستيثاق بالكتابة موافقا لقوله تعالى: (1) " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " والاصل في مشروعيتها قوله تعالى: (2) " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " مضافا إلى إجماع المسلمين والسنة المتواترة (3). وعلى كل حال (ف‍) تمام الكلام فيها (يستدعي بيان أركانها وأحكامها ولواحقها). (أما الاركان فالصيغة والموجب والمملوك والعوض) إلا أنه ينبغي أن يعلم أولا أن (الكتابة مستحبة) عندنا (ابتداء مع الامانة) أي الديانة (والاكتساب) أي المال المفسر بهما الخير في الاية في صحيح الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن علمتم فيهم خيرا إن علمتم لهم دينا ومالا " وفي صحيح


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) سورة النور: 24 - الاية 33. (3 و 4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث - 0 - 1.

[ 253 ]

ابن مسلم (1) عنه عليه السلام أيضا " الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويكون له بيده عمل يكتسب به، أو يكون له حرفة " وفي خبر العلا (2) عنه عليه السلام أيضا " إن علمتم فيهم خيرا: إن علمتم لهم مالا " وفي صحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما عليهما السلام " الخير: إن علمت أن عنده مالا " وفي صحيح الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام أيضا " إن علمتم لهم مالا " وعن المقنع أنه روي (5) في تفسيرها " إذا رأيتموهم يحبون آل محمد صلوات الله عليهم فارفعوهم درجة " بل في موثق سماعة (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد يكاتبه مولاه وهو يعلم أن ليس عنده قليل ولا كثير، قال: يكاتبه وإن كان يسأل الناس، ولا يمنعه المكاتبة من أجل أنه ليس له مال، فان الله يرزق العباد بعضهم من بعض، والمؤمن معان، ويقال المحسن معان " وعن الشيخ روايته " والمحسن معان ". ومنه يعلم استحباب أصل الكتابة وإن لم يسألها العبد مع عدم الكسب فضلا عن الكسوب، نعم قوله: " والمؤمن معان " مشعر بكونه مؤمنا مؤيدا بما سمعته من مرسل الصدوق (ره)، كما أنه يؤيد أصل ندبها كونها إحسانا وضربا من ضروب العتق الذي قد سمعت شدة الحث عليه، خصوصا بالنسبة إلى المؤمن، وخصوصا إذا كان قابلا للقيام بنفسه، ولو لا ذلك لاشكل إثبات الاستحباب ابتداء وإن نفى عنه الخلاف في الرياض، ضرورة اختصاص النصوص المفسرة للخير فيها بالذين يبتغون الكتاب من المماليك، وإن كان قد يشعر ذكرهم الامرين وتعرضهم للنصوص المفسرة للخير بهما بأن نظرهم إليها، إلا أنه كما ترى لا دلالة في الجميع على الاستحباب ابتداء، نعم بناء على استفادة ندبها من غيرها يحمل ما فيها حينئذ على تأكد الاستحباب بالالتماس بعد الاجماع منا على عدم وجوبها، خلافا لبعض العامة، مضافا إلى ما ورد من أن الامر فيها أحد الاوامر الاربعة المراد بها الندب في الكتاب.


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 5 - 4. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 2 - 3 - 7. (6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 254 ]

(و) حينئذ يتجه قول المصنف وغيره: إنه (يتأكد) استحبابها (بسؤال المملوك) لكن قوله: (ولو عدم الامران كانت مباحة وكذا لو عدم أحدهما) لا يخلو من نظر، ضرورة التصريح بالامر بها في الموثق (1) بل والنهي عن منعه إياها مع عدم المال (2) ولذا قال في النافع: " الكتابة مستحبة مع الديانة وإمكان التكسب، وتتأكد بسؤال المملوك، وتستحب مع التماسه ولو كان عاجزا ". وما في الرياض - من المناقشة فيه " باحتمال ورود الامر فيه مورد توهم الحظر فلا يفيد سوى الاباحة على الاصح كما قرر في محله - إلى أن قال -: وكيف كان فيستفاد منه الاباحة في هذه الصورة وعليها أكثر الطائفة، وعن المبسوط القول بالكراهة، ولا وجه له " - واضح الفساد، خصوصا مع معروفية رجحان فك المؤمن من الرقية، وقد سمعت ما في المرسل (3) بل ظاهر المرتضى في الانتصار أن الخير في الاية (4) الدين، ولعله الموافق لقولهم في الدعاء للمؤمن: " أللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " أو للعرف، فانه يقال للمؤمن: إنه علم منه خير، بل لا يقال لغيره: إنه علم منه خير وإن كان كثير المال، كما اعترف به المرتضى. ومن ذلك يعلم ما في المسالك حيث إنه بعد أن ذكر الخبر (5) المختصر في تفسير الخير على المال قال: " ورجحه بعضهم بأن فيه استعمال المشترك في أحد معنييه، وفي الاول استعماله فيهما، وهو مجاز على أشهر القولين لا يصار إليه بدون القرينة، ويضعف بأن القرينة موجودة، وهي الرواية الصحيحة، ولا تعارضها الاخرى، لان اشتمالها (6) على إثبات شرط آخر، والمثبت مقدم، نعم يمكن


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (3 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 7 - 2. (4) سورة النور: 24 - الاية 33. (6) هكذا في النسخة الاصلية. وفي المسالك " ولا تعارضها الاخر، لاشتمالها... ".

[ 255 ]

إثبات أصل الاستحباب بوجود المال أعني القدرة على كسبه عملا بالرواية الصحيحة، ويتأكد الاستحباب مع وجود الوصفين نظرا إلى الخبر الاخر (1) إلا أن قول المصنف: " ولو عدم الامران كانت مباحة، وكذا لو عدم أحدهما " ينافي ذلك، ولو فقد الشرطان معا لم يستحب لعدم المقتضي له، حيث إن الامر مخصوص بالخبر المفسر بهما أو بالثاني، ولو اتصف بالاول خاصة وهو الامانة لم يستحب، لعدم المقتضى له، وربما قيل بالاستحباب أيضا، لاستعمال الخير فيه وحده في قوله تعالى: (2) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره " يعني عملا صالحا وهو الدين، وقوله تعالى: (3) " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير " أي ثواب، كما اريد بالخير المال وحده في قوله تعالى: (4) " وإنه لحب الخير لشديد " وقوله تعالى: (5) " إن ترك خيرا الوصية " ويضعف بأن استعمال المشترك في أحد معنييه لا يجوز بدون قرينة كاستعماله في المعنيين، وهي منتفية في جانب الدين وحده بخلاف المال، فقد يرجح جانبه بالرواية الصحيحة، والتحقيق إن إطلاق اسم الخير على المعنيين المرادين هنا مجاز، لانه في الشواهد إنما استعمل في العمل الصالح والثواب ونفس المال، والمراد هنا الامانة والقدرة على التكسب، وهما ليستا عملا صالحا ولا ثوابا ولا مالا حقيقة، وإنما يكون التكسب سببا في المال، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز، كما أن إطلاق الامانة القلبية على الاعمال الصالحة المتبادر منها إرادة اعمال الجوارح أو الثواب عليه ولا يعرفه إلا الله تعالى مجازا أيضا، وحينئذ فاطلاقه عليهما أو على أحدهما موقوف على النقل، وهو موجود في إرادتهما وإرادة


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 (2) سورة الزلزلة: 99 - الاية 7. (3) سورة الحج: 22 - الاية 36. (4) سورة العاديات: 100 - الاية 8. (5) سورة البقرة: 2 - الاية 180.

[ 256 ]

الثاني منهما دون الاول، فكان العمل به متعينا، وحيث يفقد الشرطان أو الاول منهما تكون مباحة، ولا تكره للاصل، وقيل تكره حينئذ، وقواه في المبسوط ". وفيه - بعد الاغضاء عن منافاة ما ذكره أولا لقوله أخيرا " أو الاول منهما " - أن الموثق (1) المؤيد بما عرفت كاف في إرادة المؤمن ولو غير ذي المال الذي هو أولى قطعا من إرادة ذي المال خاصة، بل ظاهر انتصار المرتضى أنه المراد بالخير في الاية (2) لا ذو المال خاصة كما توهمه بعض العامة، فانه يصدق عليه أن فيه خير بخلاف الكسوب غير المؤمن، فلا ريب في أولوية ذلك خصوصا بعد معلومية مرجوحية فك رق غير المؤمن أو حرمته. بل لعل ترك ذكر الدين في خبري المال (3) اتكالا على الظهور، ولا أقل من حملهما على المقيد بذكره مع الدين وإن لم نقل بحمل المطلق على المقيد في المندوبات، لكن في خصوص المقام باعتبار ما تقدم من النهي في النصوص عن عتق غير المؤمن (4) -. لا يقال لم يذكر كون المكاتب مؤمنا في الموثق لان تعليله أخيرا بناء على إرادة العبد منه أو مع المولى ظاهر في ذلك، نعم ليس فيه اعتبار سؤال العبد كما سمعته من النافع، ومن هنا قلنا باستحباب الكتابة ابتداءا مع الامرين ويتأكد بالسؤال، وإلا فقد عرفت أن الاية (5) ونصوص تفسير الخير (6) فيها في خصوص


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) سورة النور: 24 - الاية 33 (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 2 و 3. (4) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 3. (5) سورة النور: 24 - الاية 33. (6) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة. (جواهر الكلام - ج 16)

[ 257 ]

السائلين، ولا ينافي ذلك عدم تعرض الموثق للمؤمن الكسوب، لامكان استفادته بالاولوية. وبذلك كله يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، خصوصا ما في الرياض الذي جعل الامر في الموثق المزبور للاباحة باعتبار توهم الحظر إذ بناءا على ذلك لا دليل على استحباب الكتابة ابتداءا من غير سؤال، والله العالم. (و) كيف كان فهي (ليست عتقا بصفة) كما عن بعض العامة، لعدم صدقه عليها عرفا، وعدم قصده في عقدها، والاتحاد في الغاية أو في بعض الاحكام لا يقتضي الاندراج في الاسم، وإلا لدخل كثير من المعاملات في آخر. (ولا بيعا للعبد من نفسه) كما عن التقي وابني زهرة وإدريس وظاهر علي ابن إبراهيم في تفسيره (بل هي معاملة مستقلة) خارجة عن قياس المعاملات من جهة أنها دائرة بين السيد وعبده، وأن العوضين للسيد، وأن المكاتب على مرتبة متوسطة بين الرق والحرية، وليس لها استقلال الاحرار ولا عجز المماليك، ولذا كانت تصرفاته مرددة بين الاستقلال ونقيضه كما ستعرف، إلا أن الحاجة لما كانت داعية إليها - فان السيد قد لا تسمح نفسه بالعتق مجانا والمملوك لا يشعر للكسب ما لم يكاتب تشميره إذا كوتب - شرعها الشارع ورتب عليها أحكاما، ومن هنا اغتفر فيها مالا يغتفره في غيرها، نحو اغتفاره الجهالة في ربح القراض وعمل الجعالة. وعلى كل حال فهي (بعيدة عن شبه البيع) الذي يقتضي المغايرة بين البائع والمشتري، والمبيع هنا هو المشتري، ويقتضي قبول المشتري للملك، وهو منتف عن المملوك، ويقتضي كون العوض ملكا للمشتري والمعوض ملكا للبائع، وهنا الامران للمولى، على أن البيع انتقال عين مملوكة من شخص إلى آخر، فلا بد من تحقق اضافة الملك بين المشتري والمبيع، وهو منتف هنا لتوقف الاضافة على تغاير المضافين المفقود في المقام، ولان ملك العبد يتوقف على حريته، وحريته موقوفة على تملكه فيدور، ولان السيد لا يباع عبده، ومن ثم لا يصح بيعه مالا

[ 258 ]

آخر قولا واحدا، ولانه لو كانت بيعا لثبت المال في ذمته وعتق في الحال، كما لو أعتق على مال، إلى غير ذلك مما لا يخفى من المنافيات لاندراجها في البيع حقيقة. مضافا إلى صحة السلب وتغاير المفهوم عرفا وإطلاق الاسم عليها في بعض النصوص لضرب من المجاز لا يقتضي اندراجها فيه حقيقة وإلا لكان الصلح أولى بذلك، ضرورة كثرة إطلاق البيع والشراء على موارده، فليس حينئذ الاطلاق المزبور إلا على وجه التشبيه البليغ لا الحقيقة. ومن هنا قال الشيخ: الكتابة تفارق البيع من وجوه: (أحدها) أن الكتابة لا بد فيها من أجل والبيع لا يفتقر إليه، و (منها) أن الكتابة يمتد فيها خيار العبد والبيع لا يمتد فيه خيار الشرط، و (منها) أن للبائع أن يشترط لنفسه الخيار، وليس للسيد أن يشترط، ويتفقان في أن الاجل فيهما لابد أن يكون معلوما، ولا يصح كل واحد منهما إلا بعوض معلوم، وإن كان الاختلاف المزبور لا ينافي كونها من البيع حقيقة، إذ الاجل على تقدير اعتباره يكون فيها كاعتباره في السلم من البيع الذي قيل فيه بعدم اعتباره فيه، نحو ما تسمعه فيها أيضا، وامتداد خيار العبد على القول به كامتداد خيار المجلس بامتداده، وخيار الشرط باشتراطه مدة مديدة، واشتراط الخيار لنفسه فيها ستعرف الكلام فيه إنشاء الله، إنما العمدة ما ذكرناه من ثبوت تغاير مفهومها مع مفهومه عرفا. وحينئذ (فلو باعه نفسه بثمن مؤجل لم يصح) كتابة، لما عرفت من عدم كونها من أفراده وإلا لصح وإن لم يقصدها كما يصح البيع في مورد السلم سلما وإن لم يقصده سلما. وما عن المبسوط - من جواز وقوعها بلفظ البيع لافادة المراد وإن قلنا إنها ليس بيعا - مبني على جواز استعمال اللفظ مجازا في العقد كما ذكرنا قوته غير مرة، ولا ينافي ذلك مناسبتها له في المفهوم أو مبني على جواز ذلك بيعا لا كتابة،

[ 259 ]

إذ لا تلازم بين عدم كون الكتابة بيعا وبين جواز بيع العبد من نفسه بثمن مؤجل، فيثبت له حينئذ أحكام البيع لا الكتابة، كما يومئ إليه ما في الدروس، فانه ذكر فروعا متصلة بالمسألة الاول منها، قال: " إن جوزنا بيعه عليه فإذا قال: بعتك رقبتك أو نفسك بكذا فقبل عتق كشراء القريب، ولا ولاء عليه إلا مع الشرط عند الشيخ كما مر ويشكل ببعد ملك الانسان نفسه، ولو صح فكيف يكون الولاء للبائع مع أنه لم يعتقه، والاشتراط يخالف قوله صلى الله عليه وآله: (1) الولاء لمن أعتق ". قلت: ولا يدفع الاشكال الاول كونه كبيع ما في الذمة على الانسان نفسه، لان ذلك مرجعه إلى الاسقاط بعد قابلية المشتري لاصل قبول البيع بخلاف الفرض، فان قابلية شراء العبد نفسه مفقودة، ودعوى صيرورته قابلا ذلك بعقد البيع معه على معنى حصول القابلية والانعتاق دفعه بالقبول - كما ترى، وإطلاق لفظ البيع لا يقتضي صحة ذلك. فالتحقيق عدم صحة ذلك بيعا أيضا فضلا عن أن يكون من الكتابة التي لا يتصور كونها من البيع بالمعنى المزبور في كتاب البيع، بل ظني أن القائل بأنها من البيع لم يرد أنها فرد حقيقة من البيع بالمعنى المعهود الذي لا يخفى مباينته لها، ولا أن البيع مشترك لفظا بين مفهومها وبين غيرها، ضرورة عدم اقتضاء ذلك ثبوت أحكام البيع من خيار المجلس ونحوه مما كان العنوان فيه البيع، بل يريد أن البيع للاعم من ذلك وما يشملها نحو ما سمعته في بيع الخدمة، بل وفي بيع العرية وحينئذ فلا يرد عليه كثير مما سمعته، نعم يدفعه تحقق التباين عرفا بين المفهومين وعدم قدر مشترك بينهما على وجه يشتركان فيما يثبت من الاحكام التي عنوانها البيع، كخيار المجلس ونحوه، والاشتراك اللفظي لا يفيد ذلك، بل لا ثمرة في النزاع فيه، كما هو واضح. (و) بذلك يظهر لك أنه (لا يثبت مع الكتابة خيار المجلس)


(1) الوسائل الباب - 37 - من كتاب العتق الحديث 1 و 2.

[ 260 ]

الذي عنوانه البيعان بالخيار ما لم يفترقا، وكذا الكلام في غيره من الاحكام. هذا وفي الدروس قال: " الثاني - أي من الفروع المزبورة - لو قال له: أنت حر على ألف درهم أو إن أعطيتني ألفا فأنت حر قيل: يبطل، لان العبد لا يملك، والثاني تعليق، ويمكن إلحاقهما بالكتابة ". قلت: لم أجد ذلك لاحد من الخاصة، نعم هو في بعض كتب الشافعية، ومرجعه إلى مشروعية هذين القسمين كمشروعية الكتابة، وهو كما ترى لا يوافق اصولنا التي منها حرمة القياس، نعم قد يقال بصحة الاول باعتبار كونه شرطا في العتق، وقد عرفت صحته، والثاني بناءا على صحة التعليق، وليس من الكتابة في شئ قطعا، ولا من ملحقاتها، كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا تصح من دون الاجل على) الاشهر (الاشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها أصالة بقاء العبد على الرقية التي لا يعارضها إطلاق الكتابة في الكتاب (1) والسنة (2) بعد دعوى دخول الاجل في مفهومها أو احتماله احتمالا مساويا لعدمه، أو انسياق المؤجل منها، خصوصا بعد ملاحظة النصوص (3) التى تعرضت لاحكامها، فانه يظهر منها المفروغية من كونها مؤجلة، حتى ورد عن الصادق عليه السلام في خبر العلا (4) في تفسير قوله تعالى (5): " وآتوهم من مال الله " قال: تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه منها " وورد عنه عليه السلام أيضا في صحيح معاوية بن وهب (6) في حديث المكاتبة " قلت:


(1) سورة النور: 24 - الاية 33 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة. (3) الوسائل الباب - 4 و 5 - من أبواب المكاتبة. (4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة الحديث 2. (5) سورة النور: 24 - الاية 33. (6) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 261 ]

فما حد العجز ؟ قال: إن قضاتنا يقولون: إن عجز المكاتب أن يؤخر النجم إلى النجم الاخر حتى يحول عليه الحول، قلت: فما تقول أنت ؟ قال: لا ولا كرامة، ليس له أن يؤخر نجما عن أجله إذا كان في شرطه " إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في كون بناء الكتابة على ذلك. ولعله إليه يرجع الاستدلال على ذلك بايقاع السلف من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده، فانهم لا يعقدون الكتابة إلا على عوض مؤجل على وجه يقتضي عدم جواز غيره، فكان إجماعا، فلا يرد حينئذ عدم عدم اقتضاء ذلك بطلان الحال، إذ عدم استعمالهم له أعم من البطلان. كما أن ما ذكر أيضا من الاستدلال بأنه على تقدير الحلول يتوجه المطالبة في الحال وهو عاجز عن الاداء حينئذ، فيكون كالسلم في شئ لا يوجد عند الحلول، فلا بد من ضرب أجل له يوجد فيه لئلا يطرق إليه الجهالة الداخلة في الغرر المنهي عنه (1) فيرجع إلى إرادة عدم ثبوت شرعية الحال الذي لا يتمكن منه العبد غالبا، واحتماله في بعض الافراد على بعض الاحوال خصوصا إذا كان مبعضا وكوتب على الجزء الاخر لا ينافي حكمة شرعية الاجل الذي تخرج به المعاملة عن كونها سفهية وعن غير المقدور عليها ونحو ذلك. فما عن الشيخ في الخلاف وابن إدريس ويحيى بن سعيد من عدم اعتبار الاجل للاطلاق لا يخلو من نظر وإن اختاره الفاضل في القواعد وثاني الشهيدين في المسالك، بل الاولى اعتبار أجل يتمكن فيه من أداء المال عادة، فلا يكفي غيره على الاحوط، والله العالم. (و) لا خلاف في أنه (يفتقر ثبوت حكمها إلى الايجاب والقبول) ولو على جهة المعاطاة كغيرها من العقود بناء على عموم شرعيتها، وإن كان لا يخلو جريان المعاطاة هنا من إشكال لعدم ثبوت سيرة عليها، نعم أقواه الثبوت عند بعض، للصدق عرفا وإن كان فيه ما فيه، كما تقدم في نظائره.


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 338.

[ 262 ]

(و) كيف كان ف‍ (يكفي في) عقد (المكاتبة أن يقول كاتبتك مع تعيين الاجل والعوض) ويقول العبد: " قبلت " (وهل يفتقر إلى قوله فإذا أديت فأنت حر مع نية ذلك) في إيجاب المكاتبة ؟ (قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف: (نعم) بل هو الظاهر من كلام ابن إدريس، لاشتراك لفظ المكاتبة بين المراسلة والمخارجة وبين المكاتبة الشرعية، فلا بد من مائز ؟ باللفظ يخرجها عن الاشتراك إلى الصريح. (وقيل) والقائل هو في المبسوط والاكثر بل جعله في الاول هو مقتضي مذهبنا: (بل تكفي النية مع العقد، فإذا أدى عتق سواء نطق بالضميمة أو أغفلها وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده، لاصالة عدم الاشتراط بعد دلالة إنشاء عقد المكاتبة الذي غايته ذلك عليه، بل هو كغيره من الغايات المترتبة على العقود التي من المعلوم عدم وجوب ذكرها، بل المتجه عدم الاحتياج إلى نية ذلك وإخطاره في البال، للاكتفاء بالانشاء المزبور، لكونه صريحا في ذلك، وإلا لم يجز حتى مع النية، بناء على عدم جواز الكناية في العقد وإن كان قد تكرر منا ذكر الاشكال فيه باقتضاء إطلاق الادلة جواز العقد باللفظ الحقيقي والمجازي، إذ ليس هو إلا كغيره من المقاصد التي تبرز بهما، كما تقدم ذلك منا غير مرة. وأصل الخلاف في هذه المسألة إنما هو من الشافعي وأبي حنيفة، وأوجب الاول التصريح باللفظ المزبور، ولم يكتف بنيته، كما لا تكفي نية الايجاب عن التصريح بما يدل عليه، واكتفى الثاني بلفظ " كاتبتك " عن غيره، لانه صريح في ذلك: ضرورة كون المراد من اللفظ المستعمل في إيجاب العقد ما يقتضي الحرية بعد الاداء، كما أن المراد منه على فرض كونها بيعا معنى " بعتك " وعلى فرض كونها عتقا بصفة أنت حر بعد أدائك، واستعمال المكاتبة بمعنى المراسلة والمخارجة غير قادح في الصراحة عند إرادة إنشاء عقد المكاتبة بها، بل لعل ألفاظ العقود والايقاعات جميعها كذلك، إذ مع قطع النظر عن الاتيان بها حال إرادة

[ 263 ]

الانشاء لا تدل على العقد المخصوص ولا الايقاع كذلك، لانها مشتركة بين الاخبار والانشاء مثلا إلا أنها صريحة في معناها في مقام الانشاء. وربما يؤيد ما ذكرنا التأمل فيما تسمعه من النصوص (1) الكثيرة المشتملة على اشتراط الرد في الرق مع العجز الظاهرة في اقتضاء المكاتبة الحرية بقدر ما أدى مع عدم الشرط المزبور، بل كاد يكون صريح بعضها الاجتزاء بقول: " كاتبتك " مع ذكر الاجل والعوض، بل هي ظاهرة في كون ذلك من مفهوم المكاتب والمكاتبة، بل من مفهوم كاتبتك المستعملة في إنشاء العقد إن لم يرد منها التحرير بعد الاداء، فلا ريب في إرادة جعلتك مكاتبا فيها، والنصوص المزبورة ظاهرة في أن المكاتب إن لم يشترط عليه الرد في الرق مع العجز تحرر منه بقدر ما أدى، ودعوى اعتبار قول: " فإذا أديت فأنت حر " مع قول: " كاتبتك " وذكر الاجل والعوض في لحوق وصف المكاتب له ظاهرة الفساد، ضرورة صراحة كل صيغة مشتقة من اسم المعاملة الخاصة في تمام معناها، كما في " بعت " و " صالحت " و " أنكحت " وغيرها. فمن الغريب ميل الفخر وتلميذه الشهيد في نكت الارشاد إلى اعتبار اللفظ المخصوص. مضافا إلى الصيغة المشتملة على ذكر الاجل والعوض، بل ظاهر الثاني منهما أن ذلك من تتمة الايجاب، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف بيننا في أن (الكتابة قسمان: مشروطة ومطلقة و) في أن (المطلقة أن يقتصر على العقد وذكر الاجل والعوض والنية) بالمعنى الذي تقدم (والمشروطة أن يقول مع ذلك: " فان عجزت فأنت رد في الرق ") وحينئذ (فمتى عجز كان للمولى رده رقا، ولا يعيد عليه ما أخذ) قال أبو جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (2): " إن المكاتب إذا أدى شيئا اعتق بقدر ما أدى إلا أن يشترط مواليه إن عجز فهو مردود، فلهم شرطهم " وفي


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث - 0 - 2.

[ 264 ]

صحيحه الاخر (1) عنه عليه السلام أيضا " في مكاتب شرط عليه إن عجز أن يرد في الرق، قال: المسلمون عند شروطهم " وقال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2) " في المكاتب إذ أدى بعض مكاتبته إن الناس كانوا لا يشترطون وهم اليوم يشترطون، والمسلمون عند شروطهم، فان كان شرط عليه إن عجز رجع، وإن لم يشترط عليه لم يرجع " ونحوه صحيحه الاخر (3) عنه عليه السلام أيضا وفي خبره الاخر (4) عنه عليه السلام أيضا في " المكاتب يكاتب ويشترط عليه مواليه أنه إن عجز فهو مملوك، ولهم ما أخذوا منه، قال: يأخذه مواليه بشرطهم " وفي خبر القاسم بن سليمان (5) عنه عليه السلام أيضا " أن عليا عليه السلام كان يستسعى المكاتب، إنهم لم يكوا يشترطون إن عجز فهو رقيق، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: لهم شروطهم " إلى غير ذلك من النصوص التي يمر عليك بعضها. خلافا للعامة، فليست عندهم إلا قسما واحدا، وهو المشروط عندنا، فلا يعتق إلا بأداء جميع المال، لقوله صلى الله عليه وآله (6) " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " المحمول على صورة الشرط، وإليه اومئ في النصوص السابقة التي منها يعلم أيضا طرح خبر جابر (7) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن المكاتب يشترط عليه إن عجز فهو رد في الرق، فعجز قبل أن يؤدي شيئا فقال أبو جعفر عليه السلام: لا يرد في الرق حتى يمضي ثلاث سنين، ويعتق منه بمقدار ما أدى، فإذا أدى ضربا فليس لهم أن يردوه في الرق " أو حمله على ما لا ينافيها، وكذا غيره. وعلى كل حال فقد ظهر لك الفرق نصا وفتوى بين المطلقة والمشروطة بانعتاق قدر ما يؤدي في الاولى وعدمه في الثانية. وأما اشتراكهما ففي أكثر الاحكام. بل في المسالك وغيرها ممن تأخر عنها اشتراكهما في الفسخ بالعجز أيضا


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 7 - 3. (3 و 4 و 5 و 7) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 5 - 6 - 9 - 14. (6) سنن البيهقى ج 10 ص 324.

[ 265 ]

قال: " إذا عجز المكاتب عن مال الكتابة أو بعضه جاز للمولى الفسخ في الجملة، لكن إن كانت مشروطة رجع رقا بالعجز ولو عن درهم من آخر المال، وإن كانت مطلقة وكان عجزه عن النجم الاول فكذلك، وإن كان عن غيره أو عن بعضه بعد أن أدى شيئا أفاد الفسخ عود ما بقي منه واستقر عتق مقدار ما أدى، فاحتيج إلى معرفة العجز المسوغ للفسخ في القسمين، وإن كان مقتضى عبارة المصنف والاكثر أن البحث عن عجز المشروطة خاصة ". قلت: لعل وجهه عدم دليل على اقتضائه الفسخ في المطلقة التي لا يكفي في ثبوت ذلك فيها بمجرد تخلف الاداء عن النجم مطلقا أو إلى نجم آخر، وإلا لاقتضى ذلك في النسيئة في البيع مثلا، ضرورة عدم صدق الشرط على مثله كي يتسلط على الخيار بعدم الوفاء نحو غيره من الشرائط، بل هو من توابع الثمن الذي هو ركن المعاملة المقتضية لتسليمه لا أنه مستحق بالشرط، وإلا لاقتضى الفسخ فيها على وجه يعود جميعه رقا، كما في غيره من الشرائط الموجبة للفسخ بعدم الوفاء بها، وكان العامة توهموا ذلك فجعلوا القسمين قسما واحدا، لكنه كما ترى لا شرطية في المطلقة بخلافه في المقيدة، فتأمل جيدا فانه ربما يأتي لذلك مزيد تحقيق. (و) كيف كان ف‍ (حد العجز) وعلامته في المشروطة كما في النهاية (أن يؤخر نجما إلى نجم) ويجتمع مالان على المملوك، (أو يعلم من حاله العجز عن فك نفسه) وإن لم يؤخر نجما إلى آخر، وتبعه ابن البراج، بل في المسالك نسبته إلى أتباعه أيضا، بل قال: سواء كان ذلك التأخير بسبب العجز عنه أو بالمطل أو بالغيبة بغير إذن المولى، وإطلاق اسم العجز على هذا الشق مجاز باعتبار قسيمه ولمشاركته العجز في المعنى. (وقيل) والقائل المفيد والشيخ في الاستبصار وابن إدريس، بل نسب إلى كثير من المتأخرين: هو (أن يؤخر نجما عن محله) بل في المسالك " سواء

[ 266 ]

بلغ التأخير نجما آخر أم لا، وسواء علم من حاله العجز أم لا، حتى لو كان قادرا على الاداء فمطل به جاز الفسخ إذا أخره عن وقت حلوله ولو قليلا " وإن كان فيه بل وفي السابق أيضا عدم صدق العجز في صورة المماطلة. وعبارة المفيد لا تقتضي ذلك، قال: " إن اشترط في الكتاب أنك إن عجزت عن الاداء أو أبطأت به رجعت عبدا فعجز عن الاداء بعد حلول الاجل أو أبطأ بالاداء وقد حل الاجل كان عبدا على حاله قبل المكاتبة " وهي كالصريحة في اشتراط البطء كالعجز، لانه مع الاقتصار على الاخر يحصل الحكم بالبطء، فتأمل. وعن الصدوق ره " إن كاتب رجل عبدا وشرط عليه إن عجز فهو رد في الرق فله شرط، فينتظر المكاتب ثلاثة أنجم، فان هو عجز رد رقا " وقال ابن إدريس على ما حكي عنه: " وحد العجز هو أن يؤخر نجما إلى نجم، والاولى أن نقول: يؤخر النجم بعد محله، فأما تأخير النجم إلى نجم آخر فعلى جهة الاستحباب الصبر عليه إلى ذلك الوقت " وهو موافق لما سمعته من المفيد، فتكون الاقوال حينئذ في المسألة ثلاثة. وأما كلام ابن الجنيد فمرجعه إلى أن المدار على ما يتحقق به شرطه، كما لا يخفى على من لاحظه، فهو ليس قولا في المسألة. وعلى كل حال ففي المتن (وهو) أي القول الثاني (مروي) مشيرا بذلك إلى صحيح معاوية بن وهب (1) عن الصادق عليه السلام (سألته عن مكاتبة أدت ثلثي مكاتبتها وقد شرط عليها إن عجزت فهي رد إلى الرق ونحن في حل مما أخذنا منها وقد اجتمع عليها نجمان، قال: ترد ويطيب لهم ما أخذوا، وقال: ليس لها أن تؤخر النجم بعد حله شهرا واحدا إلا باذنهم ". وصحيحه الاخر (2) عنه عليه السلام أيضا " قلت له: إني كاتبت جارية لايتام لنا


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 2. (2) ذكر صدره في الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 وذيله في الباب - 5 - منها الحديث 1.

[ 267 ]

واشترطت عليها إن هي عجزت فهي رد في الرق وأنا في حل مما أخذت منك، قال: فقال لي: لك شرطك، وسيقال لك إن عليا عليه السلام كان يقول يعتق من المكاتب بقدر ما أدى من مكاتبته، فقل: إنما كان ذلك من قول علي عليه السلام قبل الشرط، فلما اشترط الناس كان لهم شرطهم، فقلت له: وما حد العجز ؟ فقال: إن قضاتنا يقولون: إن عجز المكاتب أن يؤخر النجم إلى النجم الاخر حتى يحول عليه الحول، قال: قلت: فما تقول أنت ؟ فقال: لا ولا كرامة، ليس له أن يؤخر نجما عن أجله إذا كان ذلك في شرطه " بناء على رجوع لفظ " ذلك " للعجز الذي هو البعيد لا التعجيز بالتأخير عن المحل حتى يكون خارجا عن محل النزاع، إذ هو كما ترى مناف للظاهر، بل وللانكار على ما حكاه عن القضاة، بل ولغير ذلك. ثم إن ظاهر المصنف عدم رواية تدل على القول الاول، لكن قيل يدل عليه المرسل (1) عن بعض الكتب عن أمير المؤمنين عليه السلام " لا يرد في الرق حتى يتوالى نجمان " وموثق إسحاق بن عمار (2) عن الصادق عليه السلام " إن عليا عليه السلام كان يقول: إذا عجز المكاتب لم ترد مكاتبته في الرق، ولكن ينتظر عاما أو عامين، فان قام بمكاتبته وإلا رد مملوكا " بناء على أن المراد من النجم العام، كما يومئ إليه الصحيح (3) السابق بعد حمل قوله عليه السلام: " أو عامين " على الندب. وأما الفسخ في صورة العلم بالعجز وإن لم يحصل التأخير إلى النجم الاخر فلان التأخير حينئذ عبث، ضرورة كونه لرجاء القدرة المفروض العلم بعدمها. لكن في الاول أنه مرسل ووجادة ولا جابر، وفي الثاني أعمية النجم من الحول، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب، لذلك وللتخيير فيها، وأما ما ذكره.


(1) المستدرك الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 13. (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 2.

[ 268 ]

من عدم الفائدة مع العلم بالعجز ففيه منع ظاهر وذلك لان المراد بالعلم هنا أيضا الظن الغالب، لتعذر العلم حقيقة، ويمكن تخلفه ولو ببذله من أحد مثلا قبل حلول النجم الثاني. هذا وفي المسالك " يمكن الاستدلال له بصحيح معاوية بن وهب الاول حيث دل صريحا على جواز الفسخ بتأخير نجم إلى نجم لقوله: " وقد اجتمع عليه نجمان " إلى آخره، ولا دليل صريحا على جواز الفسخ قبل ذلك، بل على تحريم تأخير الاداء، ولا كلام فيه، لان ذلك مقتضي الدين بعد حلوله - قال -: ولعل نسبة المصنف القول الثاني إلى الرواية وإشعار تصديره الحكم بالقول الاول ناش عن ذلك، وإلا لم يكن للعدول عن الرواية الصحيحة وجه ". قلت: لا يخفى عليك ظهور بيان حرمة تأخير الاداء هنا في إرادة الفسخ، كما يشهد له سياق الصحيح (1) المزبور، على أن الظاهر كون المسألة لفظية لا مدخلية للتعبد بالنص فيها، ضرورة كون المدار على ما يشترطه المولى من التأخير عن المحل أو إلى حلول النجم الاخر أو إلى جميع النجوم أو غير ذلك، ومن التعليق على العجز أو المطل أو الاعم منهما الشامل لحال الغيبة أو غيرها، وإلى ذلك أومأ ابن الجنيد وغيره، ومع إطلاق العجز لا يدخل فيه المطل والغيبة قطعا، وإطلاق الصحيح (2) المزبور محمول على التأخير عن المحل بالعجز لا بهما، كما هو واضح. ويتحقق بصدق اسمه بالتأخير عن المحل ولو لحظة مع فرض كون المراد من الشرط تحقق أصل ماهيته، ولو فرض إجمال المراد به عرفا فالاصل اللزوم، واحتمال الرجوع إلى النصوص تعبدا فيه واضح الضعف، للعلم بكون المدار على ما يفهم عرفا وأنه لا يعتد بخلافه. وبذلك يظهر أن المراد من النصوص المفهوم عرفا دون التعبد وإن نافى العرف ولم يفهم منه فيه وحينئذ فصحة الرواية وعدمها لا مدخلية لها في المقام.


(1 و 2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 2.

[ 269 ]

ثم لا يخفى عليك أن ظاهر ما سمعته من عبارة الشيخ الاكتفاء في ثبوت الخيار بالعلم بالعجز ولو قبل حلول النجم الاول كما اعترف به في كشف اللثام، وحينئذ فيصح مقابلته للعجز على القولين، لا أنه يختص مقابلته للعجز على القول الاول، ولعله على ذلك تحمل عبارة الارشاد، قال: " وحده تأخير النجم عن محله على رأي أو يعلم من حاله العجز " وإن كنا لم نجده قولا لاحد، بل في المسالك دعوى الاجماع على عدم جواز الفسخ قبل حلول نجم وإن علم العجز، وحينئذ فيختص صحة مقابلته للعجز بالمعنى الاول كما في المتن، لتحقق المغايرة بينهما دون الثاني الذي مقتضاه ثبوت الخيار بالتأخير عن النجم لحظة، علم العجز أو لم يعلم، بل وإن علم عدمه، وقبله لا يجوز، وحينئذ فتكون عبارة الارشاد غير سليمة كما جزم بذلك فيها تبعا للشهيد في غاية المراد، خصوصا بعد أن جعله فيها قسيما للعجز بالمعنى الثاني المقرون بالرأي، ومقتضاه عدم الخلاف في ثبوت الفسخ به وإن لم يحل نجم، وقد عرفت أنا لم نعرفه قولا لاحد، ولكن الامر سهل. ثم إن ظاهر ما سمعته من النهاية والمتن اعتبار العجز عن فك نفسه، لا العلم بالعجز عن أداء النجم الذي قد حل، ولعله لانهم قد فرضوا المسألة في المشروطة التي بعجزه عن قليل من المال لا ينفك شئ من رقبته، وإنما يختلف الحكم في المطلقة التي قد عرفت كون المفروض في كلام الاصحاب خلافها، وكلام ابن الجنيد الذي قد استحسنه في المسالك وغيرها مرجعه إلى ما ذكرناه من أن المدار على شرطه، كما لا يخفى على من لاحظه. والمراد بالنجم هنا المال المشترط أداؤه في وقت خاص وإن كان المتعارف من النجم الوقت، قيل ومنه ما في الحديث (1) " هذا إبان نجومه " يعني البني، أي وقت ظهوره، ويقال: كان العرب لا يعرفون الحساب ويبنون امورهم على طلوع النجوم والمنازل، فيقول أحدهم: إذا طلع نجم الثريا أديت حقك، فسميت


(1) نهاية ابن الاثير - مادة: " ابن ".

[ 270 ]

الاوقات نجوما، إلا أنه يطلق على المال المجعول عليه في ذلك الاجل، وهو المراد هنا، والله العالم. (ويستحب للمولى مع العجز الصبر على) عاما أو عامين أو ثلاثة، لما سمعته من الموثق (1) وخبر الحسين بن علوان (2) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام كان يؤجل المكاتب بعد ما يعجز عامين يتلومه، فان أقام بحريته وإلا رده رقيقا " ولقول الصادق عليه السلام (3) " ينتظر بالمكاتب ثلاثة أنجم، فان هو عجز رد رقيقا " وقول الباقر عليه السلام في خبر جابر (4) السابق المحمولة أجمع على الندب، لقصورها عن الحكم بالوجوب. بل للتسامح في أدلة السنن أطلق المصنف استحباب الصبر عليه من غير تقييد له بمدة، لامكان القول بافادتها ذلك وإن اختلفت شدة وضعفا بطول المدة وقصرها، مضافا إلى ما في الصبر عليه من الاحسان ورجاء حصول الحرية، وعلى كل حال فما سمعته من الصدوق من تحديد العجز بالثلاثة لهذه النصوص واضح الضعف، ويمكن إرادته الندب. (و) كيف كان ف‍ (الكتابة عقد لازم) من الطرفين (مطلقة كانت) كما هو المشهور، بل عن التحرير الاجماع عليه (أو مشروطة) لاصالة اللزوم المستفادة من الاية (5) والاستصحاب وغيرهما مما ذكرناه في محله، ولا ينافي ذلك جواز الفسخ إذا كانت مشروطة وعجز العبد، لما سمعته من الادلة، كما لا ينافي لزوم البيع ثبوت الخيار فيه في الجملة، وحينئذ فما في القواعد - من أن الكتابة عقد لازم من الطرفين إلا إذا كانت مشروطة وعجز العبد - لا يخلو من شئ إلا أن الامر سهل بعد وضوح المراد.


(1 و 3 و 4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 13 - 9 14. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 3. (5) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 271 ]

وقيل: إنها مطلقا لازمة من طرف المولى جائزة من طرف العبد مطلقا، لان الحظ في الكتابة له دون السيد، فله إسقاط حقه دونه، ولان الكتابة يتضمن تعليق العتق بصفة في العبد، والتعليق يلزم من جهة المعلق دون العبد الذى لا يلزمه الاتيان بالصفة. إلا أنه لم نتحقق القول المزبور وإن حكي عن الخلاف إلا أن المحكي عنه الاستدلال على ذلك باجماع الفرقة وأخبارهم على أن المكاتب متى عجز كان لمولاه رده في الرق إذا كانت الكتابة مشروطة، وهو كالصريح في أختصاص الحكم بها دون المطلقة التي قد سمعت دعوى الاجماع على لزومها من الفاضل. وعلى كل حال لا ريب في ضعفه، وكون الحظ له فيها لا يقتضي عدم وجوب وفاء الدين الذي هو حق المولى أيضا ولا تعليق فيها، بل مقتضاها أداء المال في نجومه، فيجب عليه الوفاء به للاية (1) كما هو واضح. (وقيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (إن كانت مشروطة فهي جائزة من جهة العبد، لان له أن يعجز نفسه) قال: " الذى يقتضيه مذهبنا أن الكتابة إن كانت مطلقة فهي لازمة من الطرفين، وليس لاحدهما فسخ، وإن كانت مقيدة فهي لازمة من جهة السيد وجائزة من جهة العبد، فان عجز لم يجبر على الاكتساب " ووافقه عليه ابن إدريس على ما حكي عنه، وكان وجهه ما سمعته من الخلاف من جواز رده في الرق مع عجزه، فدل على أن له تعجيز نفسه، وإلا لوجب التكسب ولم يجز رده. ولا يخفى ضعفه، فان جواز رده في الرق مع عجزه لا يدل على جواز تعجيز نفسه اختيارا، وإنما يدل جواز الفسخ مع العجز عن أداء ما عليه. وإلى ذلك كله أشار المصنف بقوله: (والاول أشبه) باصول المذهب وقواعده. (ولا نسلم أن للعبد أن يعجز نفسه، بل يجب عليه السعي، ولو امتنع يجبر، وقال الشيخ: لا يجبر، وفيه إشكال من حيث اقتضاء عقد الكتابة وجوب


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 272 ]

السعي، فكان الاشبه الاجبار، لكن لو عجز كان للمولى الفسخ) وكأنه أشار بذلك إلى الفرق بين المقام وبين بيع النسيئة الذي لا يجب فيه على المشتري السعي في وفاء الثمن مع فرض إعساره، لان ذلك ليس مقتضى البيع الذي يجب الوفاء به بخلاف المقام الذي مقتضى العقد فيه وجوب السعي، بل قد سمعت ما دل على المراد بالخير في الاية (1) من النصوص (2) لا أن مقتضاه إثبات مال في ذمته يجب عليه أداؤه مع حصوله له ولا يجب عليه تحصيله. بل به ظهر الفرق بين المقام وبين الدين الذي لا نوجب التكسب على المديون في وفائه، بل منه يعلم أيضا ما في كلام ثاني الشهيدين في المسالك، فلاحظ وتأمل. كما أن مما ذكرنا يظهر ضعف المحكي عن ابن حمزة من جواز المشروطة من الطرفين والمطلقة من طرف المكاتب خاصة بل هو من الغريب، ضرورة مخالفته الاصول، خصوصا في المولى الذي لا حظ له في العتق، على أن الجواز في حقه آت بمعنى أن له فسخ العقد وإن لم يعجز العبد، وهو مناف لما هو كالمجمع عليه بينهم من عدم جواز ذلك، خصوصا بعد أن ذكر غير واحد هنا أن المراد بالجواز من طرف المكاتب أنه لا يجب عليه السعي في مال الكتابة ولا أداؤه على تقدير وجوده معه، بل له أن يعجز نفسه ويمتنع من تحصيل صفة العتق، فللمولى حينئذ أن يفسخ العقد، وله أن يصبر، وليس المراد بجوازه ما هو المعهود في غيره من العقود من أن له فسخ العقد. نعم عن الشيخ في المبسوط قول آخر في تفسير الجواز، وهو أنه لا يلزمه التكسب له وإن قدر عليه، لكن إن كان عنده مال وجب عليه دفعه، واجبر على ادائه مع الامتناع، كمن عليه دين وهو موسر. وقد يقال: إن معنى جوازها من طرف المولى بمعنى أن له تعجيز العبد


(1) سورة النور: 24 - الاية 33. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة. (جواهر الكلام ج 17)

[ 273 ]

ومنعه من التكسب حتى يحصل العجز الموجب للخيار، وعلى كل حال فمعنى لزومها من الطرفين أنه ليس لاحد منهما فسخها بنفسه كغيرها من العقود اللازمة ومع ذلك قد يجوز فسخها للمولى في حال مخصوص، فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو اتفقا على التقايل صح) بلا خلاف ولا إشكال لما عرفت في الاقالة من تناول دليلها لسائر المعاوضات التي منها عقد الكتابة التي هي كالبيع وإن كان فيها شائبة العبادة بالعتق الذي لا يقبل التقايل، بل الظاهر صحته في المطلقة مع أداء البعض أيضا لكن بالنسبة إلى ما بقي، لما عرفت في محله من جريان الاقالة في البعض، نعم الظاهر عدم جريان الاقالة في الجزء الحر أو الكل بعد الاداء، لان الحر لا يعود رقا، والله العالم. (وكذا) يصح (لو أبرأه من مال الكتابة) لاطلاق أدلة الابراء الشامل للمقام، فان المال في ذمة العبد المكاتب لمولاه. (و) حينئذ ف‍ (ينعتق بالابراء) لانه بحكم الوصول، وأولى منه الاحتساب عليه من الحقوق، كما هو واضح. ولو أبرأ من بعض صح وانعتق بحسابه لو كانت مطلقة. (ولا تبطل بموت المولى) كغيرها من العقود اللازمة، للاصل وغيره. (و) حينئذ ف‍ (للوارث المطالبة بالمال) الذي انتقل إليه من مورثه كانتقال باقي حقوق الكتابة التي منها الفسخ لو عجز. (و) حينئذ ف‍ (ينعتق بالاداء إلى الوارث) كما هو واضح. وأما حكمها لو مات المكاتب فستعرف الكلام فيه، والله العالم. وكيف كان فلا خلاف (و) لا إشكال في أنه (يعتبر في الموجب) الذي هو المولى (البلوغ وكمال العقل والاختيار وجواز التصرف) فلا يكفى العشر وإن اكتفينا بها في العتق سواء أذن المولى أولا، ولا يصح من المجنون المطبق ولا الادواري إلا أن يكون حال الافاقة المعلومة. وبالجملة حال هذا العقد كغيره من العقود التي قد تكرر ذكر وجه اعتبار ذلك فيها، خصوصا العقود المتضمنة للتصرف في المال المعلوم حجر الصبي والمجنون

[ 274 ]

عن التصرف فيه، كمعلومية عدم نفوذ تصرف المكره إلا أن يرضى بعد زوال الاكراه على ما عرفته في محله، والمحجور عليه لفلس وسفه ونحوهما إلا مع إذن الغرماء أو الولي. ولو كاتب المريض ففي الدروس وكذا القواعد " يصح إن خرج من الثلث أو أجاز الوارث، لانه معاملة على ماله بماله " قلت: قد يقال إن ذلك لا يكفي في كونه تبرعا فالمتجه الصحة من الاصل مع فرض عدم المحاباة كغيرها من المعاوضات. (وهل يعتبر) فيه (الاسلام ؟ فيه تردد) ينشأ من كون الكتابة عتقا بعوض، وهو لا يصح من الكافر مطلقا مقرا بالله تعالى شأنه أو جاحدا له على ما عرفت، لكونه عبادة لا تصح منه على حال، ومن منع كونها عتقا وإن ترتب عليها التحرير الذي هو أعم من العتق الذي قد عرفت ظهور الادلة في اعتبار النية فيه، هذا إن قلنا بعدم صحة العتق من الكافر مطلقا أو من خصوص الجاحد وإلا فلا إشكال أصلا لاطلاق الادلة بلا معارض. هذا ولكن في الرياض مال إلى عدم الجواز إن لم يكن إجماعا وإن قلنا بالصحة من الكافر، لاصالة الفاسد بعد اختصاص أدلة المشروعية كتابا (1) وسنة (2) بالمسلم الذي هو المخاطب بالاية بقرينة التعليق بعلم الخير المراد به الايمان الذي بزعمه الكافر شرا، ولا عموم في السنة ولا إطلاق سوى الموثقة (3) المتقدمة المتبادر منها كون المولى مؤمنا لا مطلقا، مضافا إلى ظهور قوله عليه السلام " والمؤمن معان " في كون العبد مؤمنا ولا يكون عبدا للكافر غالبا، فلا تحمل الرواية على ما هو فرد نادر جدا، مع أنه لا يصلح مكاتبة الكافر له عند جماعة لوجوب إخراج المسلم عن ملك الكافر فورا، والمكاتبة لا تقتضي الاخراج خروجا تاما،


(1) سورة النور: 24 - الاية 33. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 275 ]

ولا ترفع السلطنة خصوصا في المشروطة، فلا يمكن أن يحمل عليه إطلاق الرواية من هذه الجهة أيضا. وكذا الكلام في عموم " أوفوا " (1) أما على القول بكون الكتابة عقدا جائزا مطلقا أو في الجملة فظاهر، لعدم دخولها من أصلها حينئذ فيه أصلا وكذا على المختار من كونه لازما لما مضى من عموم الاية (2) السابقة من اختصاص الخطاب بالمسلم وعدم موجب للتعدية لا من سنة ولا من اجماع، وثبوتها إلى الكافر في كثير من المعاملات بأحد الامرين لا يوجب ثبوتها مع انتفائهما في المسألة، والقياس حرام بالشريعة، فالقول بالاعتبار لو لم يكن على عدمه إجماع لعله لا يخلو من قوة، ولو قلنا بأن الكتابة معاملة مستقلة لعدم المقتضي لصحتها كلية حتى في المسألة، لما عرفت من ضعف المقتضيات المزبورة، ولم اقف من دونها على دلالة فتأمل، مع أن الاصل على الفساد أقوى حجة سيما إذا كان العبد مسلما، لما مضى، وكذا إذا كان كافرا على القول بعدم صحة مكاتبة العبد الكافر، كما هو الاقوى. وسيأتي أن المرتضى ادعى عليه إجماعنا مطلقا من دون تقييد بكون المولى مسلما. ومن هنا ينقدح وجه آخر في الجواب عن العموم لو سلم، فان الاجماع المزبور ينفي جواز مكاتبة الكافر وآية نفي السبيل (3) تنفي جواز مكاتبة المسلم، وبهما تخصص العمومات المزبورة، فلا فرد للمسألة تشمله فيكون ثمرة للنزاع والمشاجرة، وهو كما ترى. وقد نقلناه بطوله لكثرة محال النظر فيه، ضرورة استفاضة السنة بذكر المكاتب وأقسامه وأحكامه وهو شامل لهما، وليس ذلك منحصرا في الموثقة (4) المزبورة التي في بعض طرقها " المحسن معان " بدل


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) سورة النور: 24 - الاية 33. (3) سورة النساء: 4 - الاية 141. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 276 ]

" المؤمن " وهو شامل للكافر، بل الاية شاملة أيضا، ضرورة استفادة مشروعية المكاتبة المتعارفة منها، والتقييد بعلم الخير للامر بها لا لاصل المشروعية. وكذا عموم " أوفوا " (1) فان الخطاب وإن كان للمؤمنين لكن المراد بيان الشرعية لهم لا اختصاصها بهم، فان أحكام الوضع لا اختصاص لها بمكلف، بل التحقيق مشاركة الكافر للمؤمن في الفروع التي هي من العبادات المنحصرة صحتها في المؤمن، كما بين في محله، وحينئذ فيكفي في التعدية الاجماع على قاعدة الاشتراك، ولا يحتاج إلى إجماع بخصوصه. وستعرف البحث في صحة كتابة الكافر عبده الكافر والاكتفاء بها عن بيعه لانها قاطعة للسلطنة، والبحث في كتابة عبده المسلم وأن التحقيق الصحة في الثاني، فيكون حينئذ موردا للنزاع. (و) من هنا بان لك أن (الوجه عدم الاشتراط) كما هو المشهور إن لم يكن إجماعا، بل عن بعضهم الاعتراف بمجهولية القائل بالاشتراط. وحينئذ (فلو كاتب الذمي) مثلا (مملوكه على خمر أو خنزير) أو نحوهما مما كان حلالا في مذهبهما (وتقابضا) وهما ذميان وترافعا إلينا (حكم عليهما بالتزام ذلك) لانهم ألزموا أنفسهم به (ولو أسلما لم يبطل) ذلك كما في غيره من عقودهم. (وإن لم يتقابضا) وأسلما (كان عليه القيمة) التي هي أقرب شئ إليه بعد تعذر دفعه بالاسلام، كما تقدم نظيره في المهر وغيره، بل في المسالك هنا احتمال جريان القول بالسقوط باعتبار أنه رضي بالعوض المحرم فيدام عليه حكم رضاه، وقد تعذر قبضه بالاسلام بالنسبة إلى المستحق عليه وإن لم ينقلوه هنا. قلت: أولى من ذلك احتمال البطلان لتعذر ملك العوض، ولو أسلما بعد


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 277 ]

تقابض البعض مضى في المقبوض، ولزمه القيمة للباقي، ويأتي فيه الاحتمالان وكذا لو أسلم المولى خاصة أو المملوك، والله العالم. (ويجوز لولي اليتيم أن يكاتب مملوكه مع اعتبار الغبطة للمولى عليه) في ذلك بأن كان بيعه جائزا لحاجة اليتيم، لاطلاق ما دل على ذلك من قوله تعالى: (1) " ويسألونك عن اليتامى قل: إصلاح لهم خير " وغيره مضافا إلى صحيح معاوية بن وهب (2) السابق، بل قد يقال بالجواز للولي الاجباري مع عدم المفسدة وإن لم تكن غبطة. (و) لكن مع ذلك (فيه قول) محكي عن الشيخ في المبسوط (بالمنع) لان الكتابة شبيهة بالتبرع من حيث إنها معاملة على ماله بماله، إذ المال المكتسب تابع للملوك، وفيه أنه قد لا يحصل المال بدون المكاتبة، بل هو الغالب، وكسبه بعد العقد ليس مالا محضا للمولى، وقبله ليس بموجود حتى تكون المعاملة عليه، والله العالم. (ولو ارتد ثم كاتب) عبده المسلم (لم يصح إما لزوال ملكه عنه كما إذا كان عن فطرة، بل لا يصح كتابته لعبده الكافر فضلا عن المسلم (أو لانه لا يقر المسلم في ملكه) إذا كان عن ملة، نعم لو كان كافرا صح لبقاء ملكه له، لكن في الدروس يصح من المرتد عن ملة باذن الحاكم لا بدونه في الاصح، قال: " ويحتمل المراعاة باسلامه ". وفي القواعد " ولو ارتد المولى لم تصح كتابته إن كان عن فطرة، لزوال ملكه عنه، وإن كان عن غيرها فكذلك إن كان العبد مسلما، لوجوب بيعه عليه، ويحتمل وقوعها موقوفة، فان أسلم تبينا الصحة وإن قتل أو مات بطلت، وإن أدى حال الردة لم يحكم بعتقه، بل يكون موقوفا، فان أسلم ظهر صحة الدفع والعتق، ولو ارتد بعد الكتابة أدى العبد إلى الحاكم لا إليه ويعتق بالاداء، فان دفع إليه


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 220. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 1

[ 278 ]

كان موقوفا أو باطلا على التردد، وفي اشتراط الحاكم في الحجر وفي تعجيزه بالدفع إلى المرتد مع التلف إشكال، ولو أسلم حسب عليه مما أخذه في الردة " إلى غير ذلك من كلماتهم التي مقتضاها الحجر على المرتد مطلقا أو مع حكم الحاكم على وجه يبطل تصرفه أو يبقى موقوفا وقد تقدم بعض الكلام سابقا في ذلك ولكن إلى الان لم نتحقق الدليل المقتضي للحجر عليه المنافي لقاعدة تسلط الناس على أموالهم وغيرها. وكيف كان فلا يخفى عليك بناء التعليل في المتن على عدم صحة كتابة الكافر للعبد المسلم، كما هو أحد القولين في المسألة، لانه يجبر على نقله عن ملكه، والكتابة لا توجب الانتقال التام عن الملك، لانها مترددة بين الخروج عنه والبقاء، وتمام الخروج موقوف على أداء المال. والقول الاخر الصحة، ولا يجبر معها، لانها مستلزمة لرفع اليد في الجملة، وتشبث المكاتب بالحرية، وبرفع الحجر عنه في كثير من الاعمال، خصوصا إذا جعلناها بيعا ولازمة من جهة المولى. وربما فرق بين المطلقة والمشروطة، فاكتفى بالاولى دون الثانية، لانه لا يخرج في المشروطة عن الرقية إلا بأداء جميع المال، وهو معرض العجز اختيارا أو اضطرارا. قلت: قد يقال بصحة مكاتبته وترتب أحكامها لو فرض عدم بيعه وتعذر قهره أو لم يعلم الحاكم به، لانها ليست من السبيل المنفي، واحتمال عدم صحتها لمنافاتها للبيع المأمور به (1) يدفعه إمكان التزام بيعه بعد وقوعها مكاتبا، كما تسمعه من ابن الجنيد في صورة ما إذا كان كافرا فأسلم، أو يلتزم ببطلان المكاتبة ترجيحا لما دل (2) على وجوب إخراجه عن الملك ولو لسبق تعلقه على الكتابة، خصوصا مع ملاحظة بيع ام الولد والمكاتب الجاني، وربما يأتي الكلام في صحة كتابته


(1 و 2) الوسائل الباب - 73 - من كتاب العتق الحديث 1.

[ 279 ]

جانيا، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فيتفرع على هذه الاقوال ما إذا كاتبه كافرا فأسلم قبل الاداء وفيه أنه يمكن القول بالجواز هنا وإن قلنا بالمنع، للفرق بين الابتداء والاستدامة كما جزم به الفاضل وغيره، لاصالة اللزوم المانعة من البيع مع حصول الغرض، وهو ارتفاع السلطان، وقيل: لا يلزم لئلا يكون له عليه سبيل، وعن أبي علي يباع مكاتبا ويؤدى إلى المشتري ثمنه لا أزيد، لانه ربا. ثم على تقدير الاكتفاء بالكتابة لو عجز بتخير المولى للاطلاق، فيباع عليه حينئذ، وربما احتمل عدم الخيار له هنا، لاستلزامه تملك المسلم اختيارا، وفيه أنه ليس تملكا، والله العالم. (ويعتبر في المملوك البلوغ وكمال العقل) بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه في غاية المرام إلى القطع به في كلام الاصحاب، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، بل عن بعضهم الاجماع عليه. ولعله (لانه ليس لاحدهما أهلية القبول) ولا دليل على قيام السيد والاب والجد مقامهما في هذه المعاملة المخالفة للاصل المنساق من موارد أدلتها كتابا (1) وسنة (2) العبد المكلف، لا أقل من الشك ولو بملاحظة ما سمعته من الاجماع المزبور. ومن الغريب دعوى عدم الفرق بين المقام وبين اعتبار الاسلام في المولى. وأغرب منه دعوى تناول قوله تعالى: (3) " أوفوا بالعقود " لمثل المقام المتوقف على صحة قيام السيد والاب والجد مقامهما لتتم أركان العقد التي منها القبول، كما هو واضح. ومنه يعلم ما في المناقشة التي في المسالك وغيرها في الحكم المزبور، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) سورة النور: 24 - الاية 33. (2) الوسائل الباب - 1 و 2 - من أبواب المكاتبة. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 280 ]

(وفي كتابة الكافر تردد) ينشأ من إطلاق الامر بالوفاء بالعقد (1 وإطلاق دليل الكتابة، وأنها معاملة كالبيع ونحوه، ومن اشتراط الخير المفسر بالدين (2) في الاية (3) (أظهره المنع) عند المصنف وفاقا للاكثر على ما قيل، بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه معتضدا بعدم نقل خلاف فيه من أحد من القدماء، وإنما ابتدء الخلاف فيه من الفاضل في المختلف، وتبعه بعض من تأخر عنه كالشهيدين، مع أن الاول منهم قد وافق المشهور في غير واحد من كتبه كالقواعد وغيرها. لكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد من الاشكال (ل‍) أن العمدة عندهم في ذلك (قوله تعالى (4): فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) مؤيدا بالامر بالايتاء من الزكاة (5) الممنوع فيه، وبالنهي عن الموادة له (6) وهو إنما يدل على اشتراط الامر بها لا مطلق الاذن فيها ويتبعه الامر بالايتاء، ولا يلزم من توقف الامر بها على شرط توقف إباحتها عليه، وقد عرفت أن الدليل على تسويغ الكتابة غير منحصر في الاية المزبورة. على أنه بعد التسليم إنما يدل على اعتبار ذلك في المولى المسلم لا مطلقا، وليس في الانتصار سوى أنه مما انفردت به الامامية، وليس ذلك إجماعا، وعدم نقل الخلاف لا يقتضي عدمه، بل لعله ظاهر كل من لم يتعرض لاشتراطه في صحة الكتابة من القدماء، بل المحكي عن الشيخ في موضع من المبسوط والقاضي الصحة في المولى المسلم فضلا عن الكافر الذي لا تلازم بينه وبين المسلم بناء على ظهور


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (3 و 4) سورة النور: 24 - الاية 33. (5) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المكاتبة. (6) سورة المجادلة: 58 - الاية 22. راجع البحار ج 75 ص 385.

[ 281 ]

تلك الادلة في عدم صحتها منه، بل لعله ظاهر المصنف وغيره ممن صرح بعدم اشتراط الاسلام في المولى وفرع عليه مكاتبة الذمي لمثله بخمر أو خنزير، فانه إن لم ينزل كلامه هنا على الاشتراط بالنسبة للمسلم لم يكن للحكم الاول حينئذ مورد، كما هو واضح. نعم لا يصح كتابة المرتد عن فطرة منه لعدم قابليته للملك، بل في الدروس وإن كان عن ملة جوزه الشيخ، لان له أهلية المعاوضة، وهو مطالب بالفرق، بل البطلان هنا أولى. لعدم إقراره على ردته وإن كان قد يناقش بأن ذلك لا ينافي قابليته للمعاوضة الثانية بالاصل وغيره، وكفى بذلك فارقا بينه وبين الفطر الذي انقطعت استدامة تملكه فضلا عن ابتدائه، والله العالم. (وأما الاجل ففي اشتراطه خلاف، فمن الاصحاب من أجاز الكتابة حالة ومؤجلة)، لاطلاق الادلة وكونها كالبيع على المعسر (ومنهم من اشترط الاجل، وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده، لما سمعته من الادلة السابقة لا (لان ما في يد المملوك لسيده، فلا تصح المعاملة عليه، وما ليس في ملكه يتوقع حصوله فيتعين ضرب الاجل) إذ يمكن دفعه بفرض مال مقارن، ومعارضته بالبيع على المعسر الذي لا يملك شيئا، أللهم إلا أن يرجع إلى ما ذكرناه كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا. (و) إنما أعاده ليفرع عليه ما تسمعه من أنه (يكفي) فيه بناءا على اعتباره (أجل واحد) عندنا وعند أكثر العامة، لاطلاق الادلة، خلافا لبعضهم فاشترط كونه نجمين فصاعدا، لانه المعهود من عمل الصحابة والتابعين، ولان الكتابة مأخوذة من الكتب بمعنى الضم باعتبار ضم النجوم فيها بعضها إلى بعض، وأقل ما يحصل به ذلك نجمان فصاعدا، ولان الكتابة عقد إرفاق ومن تتمته التنجيم، والجميع كما ترى لا يصلح قاطعا لاطلاق الادلة، ضرورة أعمية عمل الصحابة بعد تسليمه من الاشتراط، كما أن أخذ الكتابة من الكتب بمعنى الضم كذلك إذ بعد تسليم انحصار وجه المناسبة فيه يمكن أن يكون بناؤه على الغالب، والارفاق مع أنه

[ 282 ]

حكمة يمكن حصوله بابعاد الاجل، كما هوا واضح. (ولا حد في الكثرة إذا كانت معلومة) بلا خلاف ولا إشكال، نعم في المسالك يدخل في ذلك ما إذا جعلاه إلى مدة لا يعيشان إليها غالبا، ولا بأس به بالنسبة إلى المولى الذي قد عرفت أنه لا تبطل الكتابة بموته، فتكون حينئذ كالبيع كذلك، للاصل، فينتقل الحكم إلى الوارث حينئذ، أما بالنسبة إلى المكاتب فقد يشكل ببطلانها بموته مطلقا إذا كان مشروطا، وفي الباقي في المطلق، فيكون اشتراط الزائد منافيا لمقتضى العقد، وقد أطلق الشهيد في بعض تحقيقاته جواز التأجيل كذلك مطلقا وحكم بانتقال الحكم إلى الوارث بعد الموت، ولا يخلو في جانب المكاتب من إشكال، قلت: المراد من نفي الحد في الكثرة عدم المانع من حيث كونها كذلك في مقابلة القول بعدم جواز الاجل الواحد، لا أنها جائزة وإن حصل المانع من جهة اخرى، فلا إشكال حينئذ، والله العالم. (ولابد أن يكون وقت) استحقاق (الاداء معلوما) على وجه يكون مشخصا (فلو قال: كاتبتك على أن تؤدي إلي كذا في سنة بمعنى أنها ظرف الاداء لم يصح) للجهالة كما في النسيئة، خلافا للمحكي عن أبي علي والخلاف فأجازه، وخيره في الدفع في مجموع ذلك الوقت، ولا ريب في ضعفه وإن توقف فيه الفاضل في القواعد. (ويجوز أن تتساوى النجوم وأن تختلف) بلا خلاف ولا إشكال لاطلاق الادلة وعمومها، كما يجوز تساوي المقادير فيها (و) اختلافها. نعم (في اعتبار اتصال الاجل بالعقد تردد) وخلاف من إطلاق الادلة ومن كونه خلاف المعهود، كما تقدم الكلام في نظائره منه في المتعة وغيرها. (و) لو جمع في العوض بين المال والخدمة مثلا كما (إذا قال: كاتبتك على خدمة شهر ودينار بعد الشهر صح إذا كان الدينار معلوم الجنس، ولا يلزم تأخير الدينار إلى أجل آخر) لصدق حصول الاجل له، نعم هو نجم واحد، وقد

[ 283 ]

عرفت صحته عندنا، وإنما يتوجه عليه المنع عند من يشترط تعدد النجوم، ثم إطلاق خدمة شهر محمول على المتصل بالعقد كنظائره. (ولو مرض العبد شهر الخدمة بطلت الكتابة) إذا كانت مشروطة أو كان هو مجموع العوض (لتعذر) ه أي (العوض) حينئذ، أما لو كان بعده الدينار وكانت مطلقة لم تبطل، وروعي أداء المال وعتق منه بنسبته. (ولو قال:) كاتبتك (على خدمة شهر بعد هذا الشهر قيل) والقائل الشيخ: (تبطل) بناء (على القول باشتراط اتصال المدة بالعقد، وفيه تردد) بل منع كما عرفته سابقا وإنما ذكر ذلك بخصوصه لبيان أنه لا فرق بين المال والخدمة، والله العالم. (ولو كاتبه ثم حبسه مدة قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن المبسوط: (يجب أن يؤجله مثل تلك المدة) لان القدر الواجب من التأجيل الامهال في تلك المدة ولا قيمة له فيضمنه بمثله. (وقيل) والقائل الشيخ أيضا في موضع آخر من المبسوط: (لا يجب بل يلزمه اجرته مدة احتباسه، وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده، لان المكاتب مضمون بالغصب كالقن، فيضمن منافعه مدة الحبس، وهو أقوى، فان لم يكن ذا صنعة وجب اجرته لعمل مطلقا، وإن كان له صنعة وجب اجرته لتلك الصنعة، وإن تعددت قيل: يلزمه اجرة الاعلى منها، وقيل يجب اجرة الاغلب وقوعا بالنسبة إليه، ويأتي تحقيقه إنشاء الله في كتاب الغصب. (وأما العوض فيعتبر فيه أن يكون دينا منجما) على الاصح (معلوم الوصف والقدر مما يصح تملكه للمولى، فلا تصح الكتابة على عين) مشخصه لا لما قيل من أنها إن كانت بيد المملوك فهي للمولى، فلا يتحقق المعاوضة بها، لانها معاوضة على ماله حينئذ بماله، وإن كانت لغيره لم يصح وإن أذن لاشتراط الملك في العوض حتى يملك المعوض، ولذا لا يصح البيع بعين لغير المشترى على أن يكون

[ 284 ]

المبيع ملكا له والثمن من غيره، إلا أن يكون المراد في الفرض بيع العبد بالعين لصاحبها لانه لا يتم على القول بأن العبد يملك ولو في الجملة، ضرورة تصور مالكية العين، ويكفي في الاذن من سيده في التصرف بها مكاتبته عليها، بل ولا في المبعض إذا اريد المكاتبة معه على جزئه الرق، إذ يمكن كونه مالك العين بجزئه الحر، بل قد يقال بكفاية الاذن من الغير بالمكاتبة على عينه على أن تكون قرضا عليه، ويحصل ذلك بعقد المكاتبة المخرج له عن محض الرقية بحيث يكون صالحا لان يملك المولى عليه ما أثبته في ذمته من المال الحاصل بالسعي الذي هو مملوك للسيد، وصالحا لان يملك عليه الخدمة المملوكة له فعلا. بل لعدم ثبوت مشروعية ذلك والاصل الفساد بعد الشك في تناول إطلاق الادلة لمثله خصوصا بعد الاتفاق ظاهرا عليه، كما اعترف به غير واحد، وخصوصا بعد ما عرفت من اعتبار الاجل فيها الذي محله الدين لا العين. نعم قد يقال: إن ذلك مناف لصحة جعل الخدمة المتصلة بالعقد عوضا، لعدم صدق الدين عليها، ولا أجل فيها والتقييد بشهر ونحوه إنما هو لتقدير المنفعة لا أجل مكاتبة، وحينئذ فلابد من الجمع بارادة اعتبار الدين فيه في مقابل العين، كما يشعر به التفريع، والله العالم. (و) كذا (لا) تصح (مع جهالة العوض) لانها كالبيع بالنسبة إلى ذلك بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر بعضهم أنه كذلك في سائر عقود المعاوضة للنهي عن الغرر وإن كان فيه ما فيه، كما أوضحناه في الصلح وغيره، وعلى كل حال فلا يكفي العوض المجهول (بل) لا بد أن (يذكر في وصفه كلما يتفاوت الثمن لاجله بحيث ترتفع) معه (الجهالة) على نحو ما سمعته في البيع الذي إن لم يكن المقام منه، فهو شبيه به ومنزل منزلته بالنسبة إلى ذلك. وحينئذ (فان كان من الاثمان وصفه كما يصفه في النسيئة وإن كان عرضا وصفه كصفته في السلم)، ضرورة كون المدار على ارتفاع الجهالة في الجميع، كما هو

[ 285 ]

واضح، وكذا لا تصح بعوض لا يملكه كالخمر والخنزير في المولى المسلم، نعم يجوز ذلك في الذميين كما عرفته سابقا. (ويجوز أن يكاتبه بأي ثمن شاء) لاطلاق الادلة وخصوص المرسل (1) " رجل ملك مملوكا فسأل صاحبه المكاتبة أله ألا يكاتبه إلا على الاعلى ؟ قال: نعم ". (و) لكن (يكره أن يتجاوز قيمته) يوم المكاتبة بلا خلاف أجده فيه، بل في الرياض ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه، قلت: لعله لمنافاته للارفاق وللاحسان الذي بني عليه مشروعية الكتابة، مضافا إلى قاعدة التسامح. (و) كذا (تجوز المكاتبة على منفعة كالخدمة والخياطة والبناء) ونحوها إذ هي كالعين في الذمة، لاطلاق الادلة، نعم يصح ذلك (بعد وصفه بما يرفع الجهالة) من التقدير بالعمل كالخياطة لهذا الثوب المشخص، والبناء للجدار المعين مثلا، أو المدة كخدمة شهر أو سنة. والمناقشة - بأن المنفعة ملك فعلا للمولى، فلا يعاوض على ماله بماله، بخلاف المال المتجدد الذي هو ليس بموجود ولا داخل تحل قدرته، أما الخدمة فكالعين الحاضرة، ومن ثم جاز عتقه منجزا بشرط خدمة معينة بغير رضاه دون اشتراط مال بغير رضاه - يدفعها ما في المسالك من أن " عقد الكتابة يخرج المملوك عن ملك المولى محضا وإن كان انتقالا متزلزلا، ومن ثم سقطت عنه نفقته وفطرته، ولم يكن له استخدامه وغير ذلك من توابع الملك، فكانت منفعته وما يتجدد من كسبه تابعة له في الانتقال عن ملكه، ويجوز جعله عوضا عن فك رقبته، ولما كان العتق المنجز يقتضي ملك المعتق منافعه نفسه أيضا وكسبه أعتبر رضاه في اشتراط المال دون الخدمة، لانها تصير كالمستثناة مما يخرج عن ملكه بالتحرير المتبرع به، وهذا لا يلزم منه بطلان جعل الخدمة عوضا في الكتابة الواقعة برضا المكاتب، مضافا


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 286 ]

إلى عموم الادلة " وإن كان لا يخلو من مناقشة، بل هو عند التأمل خصوصا الاخير منه مؤكد للسؤال لا دافع له. فالاقعد في الجواب الاستناد إلى إطلاق الادلة وعمومها، وخصوص الخبر (1) " عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا سنة، فقال: هو حر وعليه العمالة " بناءا على أنه من الكتابة، كما عساه يظهر من غير واحد لا من العتق الذي اشترط فيه شرط وإن كان هو الظاهر، وإلى كون المجعول عوضا أن يخدمه لا استعداده لها التي هي ملك له، بل هو نحو أن يكتسب مالا ويسعى في تحصيله، فتأمل جيدا، والله العالم. (وإذا جمع بين كتابة وبيع وإجارة أو غير ذلك من عقود المعاوضات في عقد واحد صح) كل منها عندنا وإن اتحد العوض، وقسط عليها أجمع، ويكفي معلوميته وإن جهل تقسيطه للاصل وغيره مما مر في كتاب البيع وغيره، خلافا لبعض العامة فأبطلها أجمع، لانها بمنزلة عقود متعددة، فيعتبر العلم بعوض كل واحد منها منفردا خصوصا مع اختلاف أحكامها، وفيه منع واضح، ومنهم من صحح المكاتبة خاصة بكل العوض، وهو كما ترى. ويقابله احتمال بطلانها خاصة باعتبار أن المكاتب لا يستقل بالتصرف إلى أن يتم عقد المكاتبة، وقد وقع البيع والاجارة قبل ملكه للتصرف فوقعا باطلين. وأجاب عنه في المسالك بأن الاستقلال مندفع برضا المولى بذلك، فان الحجر إنما كان لحقه، والاولى الجواب بحصول أثر الجميع دفعة بتمام القبول، ولا بأس بذلك، لاطلاق الادلة وعمومها المقتصر في الخارج عنها على سبق البيع والاجارة على الكتابة. هذا بناءا على ما فهم فيها من فرض مسألة جمع العقود في المكاتب بمعنى أن البيع والاجارة والكتابة للعبد بعقد واحد، لكن في حاشية الكركي تفسير الجمع بأن


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 287 ]

تكون الكتابة للعبد والمعاوضة الاخرى لغيره، وحينئذ فلا إشكال، وكأنه أولى، لعدم قابلية العبد وقت الايجاب لحصول أثره، ولا ينافي ذلك وقوع إيجاب الكتابة التي مبنى شرعيتها على ذلك، على أن مقتضى وقوع الثلاثة للعبد أن تبقى الاجارة والبيع مراعيين بحصول الحرية وعدمها، وأنه لا يستقر ملكه لذلك حتى تحصل الحرية، كما صرح به في المسالك، وهو كما ترى، والله العالم. (و) على كل حال (تكون مكاتبته ب‍) نسبة (حصة ثمنه من البذل) بعد ملاحظة قيمة المبيع واجرة المثل بالنسبة إليه أيضا، وبأدائها يكون حرا، وكذا إذا احتيج إلى معرفة ما يخصه من مال الكتابة، بأن ظهر المبيع مستحقا للغير ولم يجز المالك، فانه حينئذ يوزع العوض على قيمة المملوك حين المكاتبة، وعلى قيمة المبيع واجرة مثل الدار تلك المدة، ويسقط من العوض ما يقابل الفاسد، كما هو واضح، والله العالم. (وكذا يجوز أن يكاتب الاثنان عبدا) واحدا صفقة (سواء اتفقت حصصهما أو اختلفت تساوي العوضان أو اختلفا) لاطلاق الادلة وعمومها وقاعدة تسلط كل من الشركاء على مكاتبة حصته بما شاء منفردا فكذا مع الاجتماع، خلافا للمحكي عن بعض، فمنع من اختلافهما في القدر مع تساويهما في الملك حذرا من أن ينتفع أحدهما بمال الاخر فيما إذا دفع إلى أحدهما مأة مثلا وإلى الاخر مأتين ثم ارتفعت الكتابة بالعجز فيحتاج الاول إلى أن يرجع على الثاني بخمسين، ويكون الثاني قد انتفع بها مدة بقائها في يده من غير استحقاق. وفيه أن الاستحقاق طار من حين الانفساخ، وقبله كان ملكا للقابض متزلزلا، فلا يلزم انتفاع أحدهما بمال الاخر حين التصرف فيه، على أن مقتضى ذلك المنع حتى مع الاختلاف في قدر الملك إذا فرض كون العوض الزائد للاقل ملكا، والمحكي عنه اعتبار التساوي في القدر. (و) على كل حال ف‍ (لا يجوز أن يدفع إلى أحد الشريكين دون

[ 288 ]

صاحبه) بلا خلاف كما عن المبسوط والخلاف، لان الدين حينئذ مع فرض الاتحاد في الجنس، والاجل مشترك بينهما، ضرورة كون الفرض وقوع المكاتبة منهما بعقد واحد، وقد تحقق في محله أنه لا يجوز الدفع إلى أحد منهما خاصة، (و) حينئذ ف‍ (لو دفع شيئا كان لهما) مع إجازة الاخر القبض (و) لكن (لو أذن أحدهما لصاحبه جاز) خلافا للمحكي عن ابني الجنيد والبراج، فجوزا أن يدفع إلى أحدهما دون الاخر ما لم يشترطا عليه أن يكون أداء الكتابة لهما جميعا، نحو ما سمعته عن ابن إدريس في الدين المشترك، لانه لمن عليه التخيير في جهة القضاء، ويعين ما شاء فيه من أمواله، فإذا دفع إلى أحدهما حقه فقد اختار دفع ما يستحقه المدفوع إليه في المدفوع، واختار منع الاخر منه، فلا شركة فيه، كما لو منعه من الاستيفاء من بعض أمواله، وقد تقدم في كتاب الدين ما يعلم منه بطلان ذلك وأن الدين الكلي كالاشاعة في العين المشخصة المشتركة. نعم هو كذلك مع اختلاف العوضين في الجنس والاجل، بل ومع تعيين عوض كل واحد بخصوصه وإن اتحد الجنس والقدر والاجل وإن كان ظاهر المتن والقواعد اتحاد الجميع في الحكم المزبور، بل كاد يكون صريح المسالك إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم اشتراك الدين بينهما، لان الفرض امتياز عوض كل منهما عن الاخر بالجنس أو الاجل أو بالتعيين. ولعل إطلاق المصنف وغيره مبني على أن ذلك من الاذن كما في كشف اللثام وإن كان هو كما ترى، بل مبناه امتياز الدينين وتسلط المكاتب على عمله وسعيه وتخييره في تعيين ما يبذله لدينه، فالفرض حينئذ بمنزلة تعدد في العقد لا مع اتحاده المقتضي لاشتراك الدين وإن كان هو بالنسبة إلى الموليين بحكم المتعدد فيما إذا أدى نصيب أحدهما باذن الاخر، فانه ينعتق بخلاف ما إذا لم يكن باذنه فانه لا يتحقق العتق في أحد النصيبين، وفيما لو عجز فعجز أحدهما وصبر الاخر، (جواهر الكلام - ج 18)

[ 289 ]

إذ هو حينئذ كما لو تعدد، والله العالم. (ولو كانت ثلاثة في عقد واحد صح) عندنا لاطلاق الادلة وعمومها (وكان كل واحد منهم مكاتبا ب‍ (نسبة (حصة ثمنه) أي قيمته (من المسمى) بعد تقويم الجميع، كما لو بيعوا وكانوا المتعددين، لان القيمة هنا ملحوظة، لكون الكتابة بيعا أو شبيهة به، بل هي أولى من البضع الذي قد عرفت في الصداق والخلع ملاحظة قيمته التي هي مهر المثل، فلو كانت قيمة أحدهم مأة والثاني مأتين والثالث ثلاثمأة فعلى الاول سدس المسمى وعلى الثاني ثلثه، وعلى الثالث نصفه. (و) حينئذ ف‍ (تعتبر القيمة وقت العقد) لان سلطنة السيد تزول يومئذ، وعن بعض العامة التوزيع على عدد الرؤوس، ولا ريب في ضعفه. (و) على كل حال ف‍ (أيهم أدى حصته عتق ولا يتوقف على أداء حصة غيره، وأيهم عجز استرق دون غيره،) وكذا لو مات أحدهم، لصدق المكاتبة على كل واحد منهم، فيجري عليه حكمها، بل في المسالك " ولا ينظر إلى أن السيد علق عتقهم بأداء جميعهم حيث قال: فإذا أديتم فأنتم أحرار، لان الكتابة الصحيحة يغلب فيها حكم المعاوضة، ولذلك إذا أبرأ السيد المكاتب عتق، وإذا مات لم تبطل الكتابة، بخلاف العتق المعلق ". وفيه أن مفروض المسألة مع الاطلاق أو التصريح بعدم تعليق عتق أحد منهم على آخر، وإلا فمع تصريح السيد بذلك يبنى على صحة هذا الشرط وعدمه، وعلى فرض صحته فلا ريب في توقف حرية كل واحد منهم على الاخر، بل ربما قيل: لا يعتق بعضهم بأداء ما عليه، وإنما يعتقون معا إذا أدوا جميع المال في صورة الاطلاق، لظهور اللفظ كما في العتق المعلق. وعن ابن البراج إذا كاتب انسان عبدين كتابة واحدة فمات أحدهم قيل للثاني إما أن تختار أن تؤدى باقي الكتابة عنك وعن صاحبك وإما أن تكاتب عن نفسك كتابة جديدة، فأيهما اختار كان له ذلك، وإن كان المتروك مالا فيه وفاء بقسطه من الكتابة أخذ السيد مال الكتابة، وكان على الثاني ما بقي من قسطه منها

[ 290 ]

وكذلك إذا ارتد أحدهما ولحق بدار الحرب، وإن كان ما ترك فيه وفاء بجميع الكتابة فان السيد يأخذ من ذلك جميع الكتابة ويعتقان معا، ويرجع ورثته على الحي بحصته، وبقية ذلك ميراث لهم. (و) هو كما ترى لا ينطبق على شئ من الاصول خصوصا بعد ما تسمع من بطلان الكتابة بموت المكاتب الذي مقتضاه سقوط قدر نصيبه من مال الكتابة، لانه عوض فيهما فيقسط عليهما كالبيع لا أنه ينحصر في أحدهما. نعم (لو شرط كفالة كل واحد منهما صاحبه أو ضمان ما عليه كان الشرط والمكاتبة صحيحين) لعموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) فيلزمه حينئذ حكم الكفالة، وما عن بعضهم - من عدم صحة الكفالة لعدم لزوم مال الكتابة من جهة المكاتب والمشروط كجزء من العوض فيتبعه في الجواز - واضح الضعف بعد ما عرفت من لزومها عندنا، وكذا الكلام في صحة اشتراط الضمان لكن يعتقون حينئذ لصدق الاداء من كل منهم وإن بقي مديونا بغير مال الكتابة الذي كان عليه، نعم لو تقايل الضامن والمضمون له عاد المال إلى ذمة المكاتب ولكن لا يعود رقا، بل يكون حرا مشغول الذمة كما صرح به الكركي هنا في حاشيته على الكتاب. وعلى كل حال فما في المختلف - من أنه إذا رضي المولى بضمانهم كلهم فهو كما لو لم يقع ضمان - واضح الفساد إلا أن يريد كعدم الضمان في كون كل منهما مشغول الذمة بالمال، لكن في الدروس لو شرط السيد بقاء الرق مع هذا الضمان حتى يؤديا أو تخيره في الرجوع على من شاء منهما ففي كلام الشيخ إشعار بجوازه وذكر في الحائريات جواز ضمان اثنين مالا واشتراط رجوعه على من شاء منهما، وهو إن لم يحمل على استحقاق ذلك بالشرط كان على وفق مذهب العامة الذي قد عرفت أن الاصحاب على خلافه، والله العالم. (ولو دفع المكاتب ما عليه قبل الاجل كان الخيار لمولاه في القبض والتأخير) عندنا لاشتراك مصلحة الاجل بينهما، ولقاعدة المؤمنون عند شروطهم،


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 291 ]

ولخبر اسحاق بن عمار (1) عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليهما السلام " إن مكاتبا أتى عليا عليه السلام وقال: إن سيدي كاتبني وشرط علي نجوما في كل سنة، فجئته بالمال كله ضربة فسألته أن يأخذ كله ضربة ويجيز عتقي فأبى علي، فدعاه علي عليه السلام فقال له: صدق فقال له: مالك لا تأخذ المال وتمضي عتقه ؟ فقال: ما آخذ إلا النجوم التي شرطت وأتعرض بذلك إلى ميراثه، فقال علي عليه السلام: أنت أحق بشرطك ". ولا ينافيه صحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا " في مكاتب ينفذ نصف مكاتبته ويبقى عليه النصف فيدعو مواليه ويقول: خذوا ما بقي ضربة واحدة، قال: يأخذون ما بقي ويعتق " بعد حمله على بيان الجواز لا اللزوم ولو لرجحان الاول عليه من وجوه، خصوصا بعد أن لم نعرف قائلا به منا، نعم عن ابن الجنيد وجوب القبول في خصوص ما إذا كان المكاتب مريضا وأوصى بوصايا وأقر بديون، لان في امتناعه حينئذ إبطالا لاقراره ووصيته، وهو كما ترى، وعن بعض العامة قول باجبار المولى حيث لا ضرر عليه، لان الاجل حق من عليه الدين، وقد تقدم في كتاب البيع بعض الكلام في المسألة، والله العالم. (ولو عجز المكاتب المطلق كان على الامام أن يفكه من سهم الرقاب) بلا خلاف أجده، بل ظاهرهم الاتفاق عليه، ولعله للخبر المرسل (3) عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها، قال، يؤدى عنه من مال الصدقة، فان الله يقول في كتابه: وفي الرقاب (4) ". لكن في الرياض " هو بعد الاغماض عن سنده غير واضح الدلالة على ما ذكروه


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب المكاتبة الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 راجع التهذيب ج 8 ص 271 الرقم 990 والاستبصار ج 4 ص 39 الرقم 130. (3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (4) سورة التوبة: 9 - الاية 60.

[ 292 ]

من الوجوب من وجوه، ولذا يظهر من الكفاية التردد فيه تبعا للسيد في شرح الكتاب ولعله في محله إن لم ينعقد الاجماع على خلافه " وكان هذا منه من الغرائب لمعلومية شدة اعتماده على الشهرة في جبرها للسند والدلالة، بل المحكي عنه أنه يرى حجيتها فضلا عن جبرها. إنما الكلام فيما في المسالك تبعا للدروس من أن للمولى رده في الرق إن تعذر ذلك، وحكاه الكركي في حاشية الكتاب على الدروس واستحسنه، ضرورة عدم دليل يدل على خيار المولى في المكاتبة المطلقة مع العجز، بل مقتضى الاصل وغيره خلافه، بل خبره القاسم بن سليمان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن عليا عليه السلام كان يستسعى المكاتب، إنهم لم يكونوا يشترطون إن عجز فهو رق " كالصريح في عدم الخيار في المكاتب المطلق، وإطلاق بعض النصوص (2) الخيار مع العجز لو كان منزل على المشروط، خصوصا بعد قوله عليه السلام " رد رقا " الظاهر في استرقاقه أجمع، وهو إنما يسلم في المشروط بخلاف المطلق إذا أدى بعض مكاتبته، فانه لا يرد جميعه رقا وإن عجز إجماعا أو ضرورة (وبالجملة) المسألة في غاية الاشكال كما أشرنا إليه سابقا، ولم أعثر على من تعرض لتنقيحها، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (المكاتبة الفاسدة لا يتعلق بها حكم بل تقع لاغية) عندنا كغيرها من العقود، والفساد والبطلان عندنا بمعنى، سواء كان الاختلال بالاركان أو بغيرها، خلافا لبعض العامة، ففرق هنا بين الباطلة والفاسدة، وجعل الفاسدة تساوي الصحيحة في امور ثلاثة، وهو كما ترى من خرافاتهم الباردة التي لا تستأهل نقلا، والله العالم. هذا كله في بيان أركان المكاتبة. (وأما الاحكام فتشتمل على مسائل:)


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 9. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب المكاتبة الحديث 3 و 4.

[ 293 ]

(الاولى:) (إذا مات المكاتب وكان مشروطا بطلت المكاتبة) وإن بقى من العوض يسير، (وكان ما تركه لمولاه) وإن كان أزيد من مال الكتابة. (و) كان (أولاده رقا) أيضا للمولى لا لما ذكر مما لا يقتضي انفساخ العقد اللازم، بل للمعتبرة المستفيضة كصحيحة ابن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في مكاتب يموت وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جاريته، قال: إن اشترط عليه إن عجز فهو مملوك رجع ابنه مملوكا والجارية، وإن لم يكن اشترط عليه أدى ابنه ما بقى من مكاتبته وورث ما بقي " وخبر مهزم (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المكاتب يموت وله ولد، فقال: إن كان اشترط عليه فولده مماليك، وإن لم يكن اشترط عليه سعى ولده في مكاتبة أبيهم، وعتقوا إذا أدوا " وغيرهما من النصوص (3) الدالة على ذلك منطوقا ومفهوما. وحينئذ فمؤونة تجهيزه على مولاه، لانه حينئذ بحكم القن، خلافا للخلاف، فحكم فيما لو خلف ما يفي بالمكاتبة بوجوب أداء ما عليه من مال الكتابة وكون الباقي إن كان للوارث، وهو - مع مخالفته الادلة المتقدمة - غير واضح الحجة، بل لم يحك عن أحد موافقته على ذلك سوى الصدوق، فانه أطلق على ما حكي عنه الحكم بوجوب إيفاء ما بقي عليه من اكتسابه على ابنه من الجارية، وأنه يرث ما بقي، من غير تفصيل بين المطلق والمشروط، لكن ربما أشعر سياق عبارته بارادة التعبير بمضمون خبر ابن سنان المتقدم الذي هو في المطلق دون المشروط، فلاحظ.


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المكاتبة الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب موانع الارث الحديث 7 - 0 - من كتاب المواريث.

[ 294 ]

وكذا الكلام إذا كان مطلقا ولم يؤد شيئا على المشهور، بل لم أجد فيه خلافا، بل في الدروس نسبته إلى ظاهر الاصحاب، ولعله لصحيح محمد بن قيس (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتب توفي وله مال قال: يقسم ماله على قدر ما اعتق منه لورثته وما لم يعتق يحتسب منه لاربابه الذين كاتبوه، هو مالهم " وغيره من الصحاح (2) التي تسمعها الدالة بمنطوقها على أن ما يتركه لسيده بقدر ما لم يعتق منه، وبفحواها على عدم الفرق بين الكل والبعض، وصحيح ابن سنان وإن كان سؤاله مطلقا إلا أن قوله عليه السلام في الجواب: " ما بقي " ظاهر فيمن أدى بعضها، نعم خبره مهزم مطلق، بل ظاهره سعي الولد في المكاتبة، ويمكن حمله على سعيهم فيما بقي منها، لكن مع ذلك احتمل في الدروس فيمن خلف مالا يفي بالكتابة ولم يكن قد أدى شيئا أنه يرث قريبه ما فضل من مال الكتابة، لانه كالدين، وهو متجه إن لم يكن إجماعا، استصحابا لبقاء حكم الكتابة التي هي كما عرفت من العقود اللازمة، هذا كله فيمن لم يؤد. (وإن لم يكن مشروطا) وقد أدى بعض مكاتبته (تحرر منه بقدر ما أداه وكان الباقي رقا) بلا خلاف ولا إشكال (و) حينئذ ف‍ (لمولاه من تركته بقدر ما فيه من رق ولورثته بقدر ما فيه من حرية ويؤدي الوارث) التابع له في الحرية والرقية مما حصل له (من نصيب الحرية ما بقي من مال الكتابة) على المشهور شهرة عظيمة، لصحيح محمد بن قيس (3) السابق، وصحيح يزيد العجلى (4) " سألته عن رجل كاتب عبدا له على ألف درهم ولم يشترط عليه إن هو إن عجز عن مكاتبته فهو رد في الرق وأن المكاتب أدى إلى مولاه خمسمأة درهم، ثم مات المكاتب


(1 و 3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 23 - من أبواب موانع الارث من كتاب المواريث. (4) الوسائل الباب - 23 - من أبواب موانع الارث الحديث 5 من كتاب المواريث عن بريد العجلى.

[ 295 ]

وترك مالا وترك ابنا له مدركا، قال نصف ما يدرك المكاتب من شئ فانه لمولاه الذي كاتبه، والنصف الباقي لابن المكاتب، لان المكاتب مات نصفه حر ونصفه عبد للذي كاتبه، وابن المكاتب كهيئة أبيه نصفه حر ونصفه عبد، فان أدى إلى الذي كاتب أباه ما بقي على أبيه فهو حر لاسبيل لاحد من الناس عليه " (و) غيرهما. بل (إن لم يكن له مال سعى الاولاد فيما بقي على أبيهم) كما هي القاعدة في الذي تحرر بعضه، ودل عليه هنا ما تقدم من خبر مهزم (1) (و) حينئذ ف‍ (مع الاداء ينعتق الاولاد) ولكن أداؤهم وسعيهم بالسوية وإن اختلفوا في الاستحقاق للميراث لاختلافهم ذكورة وانوثة، أو القيمة فانهم متساوون فيما عتق منهم وما بقي، ولو تعذر الاستيفاء من بعضهم لغيبة وغيرها اخذ من نصيب الباقي جميع ما تخلف على الاب، إذ ما لم يأخذ الجميع لم يصر الاب بمنزلة من أعتق جميعهم، فلم يفد عتق جميع الباقي، وإذا اخذ الجميع عتق الجميع أي الغائب والباقي، بل لو لم يكن تركة وغاب البعض أو لم يسع سعي الباقي في الجميع، وليس للمؤدي مطالبة الغائب بنصيبه، لان كل جزء مما يؤديه يدخل في عتق نفسه وإن لزمه انعتاق الجميع بالاتمام. (وهل للمولى إجبارهم على الاداء) ولو بالسعي ؟ (فيه تردد) من الامر في ظاهر النصوص (2) ومن كون الحق لهم، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب العتق هذا كله على المشهور بين الاصحاب (و) لكن (فيه رواية اخرى تقتضي أداء ما تخلف من أصل التركة) لانه بحكم الدين (و) حينئذ ف‍ (يتحرر الاولاد، وما بقي فلهم) إرثا. وهي صحيحة جميل بن دراج (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في مكاتب يموت وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جارية وترك مالا، قال: يؤدي ابنه بقية


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب موانع الارث الحديث 7 - 0 - 6 من كتاب المواريث.

[ 296 ]

مكاتبته، ويعتق ويرث ما بقي " ورواية أبي الصباح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث إنه قال: " في المكاتب يؤدي بعض مكاتبته ثم يموت ويترك مالا أكثر مما عليه من مكاتبته، قال: يوفى مواليه ما بقي من مكاتبته، وما بقي فلولده " ونحوها صحيحة الحلبي (2) وغيرها، وقد سمعت صحيحة ابن سنان (3) السابقة ولكن لم نعرف عاملا بها إلا ما يحكي عن الاسكافي، وما سمعته من إطلاق عبارة الصدوق ره. (و) من هنا كان (الاول) مع أنه (أشهر) بل المشهور أظهر ترجيحا لنصوصه المعتضدة بالشهرة على هذه النصوص، بل قيل: إنها معتضدة بالاصول الظاهرة التي لاجلها أفتى الحلبي بما عليه الاكثر، فقال: " والذي ينبغي تحصيله في ذلك أن نقول يرث السيد بمقدار ما فيه من العبودية، وابنه أو وارثه بقدر ما تحرر منه، ويؤخذ بقية مال الكتابة من نصيب وارث المكاتب إذا صار إليه نصيبه، لان الدين الذي هو مال الكتابة يخرج من نصيب الوارث لاجزائه الحرية (4) دون جميع ما خلفه وتركه الميت، لان الاجزاء الباقية على العبودية لا تملك شيئا، لانه مال سيده دونه " إلى آخره وإن كان دعوى كون ذلك هو مقتضى الاصول لا تخلو من مناقشة، والعمدة النصوص المزبورة المرجحة بما سمعت،


(1 و 3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المكاتبة الحديث 2 - 3. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. راجع التهذيب ج 8 ص 271 الرقم 990 الاستبصار ج 4 ص 39 الرقم 130. (4) هكذا في النسخة الاصلية: المسودة والمبيضة، الا أن الموجود في السرائر طبعة حجر " من نصيب المال الوارث الاخر من جهة الجزية دون جميع ما خلفه " وفي المخطوط منه عام 603 المحتفظ به في مكتبة الروضة الرضوية (على صاحبها آلاف التحية والثناء) في " مشهد " خراسان الذي اوقفها الشيخ البهائي (قده) " من نصيب الوارث للاجزاء الحرية دون جميع ما خلفه... "

[ 297 ]

فيجب حينئذ طرح ما قابلها أو حمله على أدائه ما بقي من نصيبه - لا من أصل المال - وإرثه لما بقي إن كان في النصيب بقية، وإن كان ذلك بعيدا إلا أنه لا بأس به بعد رجحان المعارض، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو أوصى له) أي المكاتب الذي تحرر بعضه (يوصيه صح له منها بقدر ما فيه من حرية وبطل ما زاد) على المشهور بين الاصحاب، لخبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتب تحته حرة فأوصت له عند موتها بوصية فقال أهل المرأة: لا تجوز وصيتها له، لانه مكاتب لم يعتق ولا يرث، فقضى عليه السلام أنه يرث بحساب ما اعتق منه، وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فاعتق فأوصى له بوصية، فأجاز له ربع الوصية، وقضى في رجل حر أوصى لمكاتبته وقد قضت سدس ما كان عليها فأجاز بحساب ما اعتق منها، وقضى في وصية مكاتب قد قضى بعض ما كوتب عليه أنه يجاز من وصيته بحساب ما أعتق منه ". وقيل تصح له مطلقا، لانها نوع اكتساب وهو غير ممنوع، ومال إليه في المسالك لضعف الخبر المزبور، هذا إذا كان الموصى غير المولى أما هو فتصح وصيته له مطلقا، فان كانت أزيد مما عليه عتق أجمع وكان الزائد له، كما تقدم تحقيق ذلك كله في كتاب الوصايا، فلاحظ. (ولو وجب عليه حد) فان لم يتحرر منه شئ حد حد العبيد لبناء الحدود على التخفيف، فيرجح فيه جانب العبودية وإن لم يكن عبدا محضا بالكتابة وإن تحرر منه شئ (اقيم عليه من حد الاحرار بنسبة الحرية وبنسبة الرقية من حد العبيد) فان انقسمت الاسواط على صحة وإلا قبض من السوط على النسبة، وصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في المكاتب يجلد الحد بقدر ما اعتق منه " أي ومن حد العبد بقدر ما لم يعتق، وإنما لم يذكره لظهوره، أو


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المكاتبة الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 298 ]

لانه لا يقصر عن الاقل فبين الاكثر، ولو كان الذنب موجبا للحد على تقدير الحرية دون الرقية كالرجم انتفى رأسا وجلد. وكذا لو قذفه قاذف، فانه يجب عليه من حد الاحرار بنسبة الحرية ويسقط ما قابل الرقية إذ لا يجب الحد على قاذفه، بل التعزير، وهو لا ينتصف بل يناط بنظر الحاكم، فيعزره عن جزء الرقية حينئذ بما يراه، والله العالم. (ولو زنى المولى بمكاتبته) التي قد تحرر منها بعض (سقط عنه من الحد بقدر ماله فيها من الرق وحد بالباقي) إذا كان مما يقبل التجزئة كالجلد، ولو لم يقبلها كالرجم سقط أيضا ووجب الجلد، بل لعل الرجم هنا منتف من أصله، لان شرطه الاحصان المشروط بزنا الحر بالحر مع باقي الشرائط، فيجب الجلد حينئذ ابتداء لا لتعذر تبعيض الرجم. وعن بعض العامة عدم الحد في وطء المولى المكاتبة لمكان ماله فيها من الملك وأوجب التعزير، وفيه أنه وطء محرم بمن قد صار أجنبية فيجب الحد، نعم لا يجب كما له لما له فيها من الملك الموجب لانتفاء الحد وإن كان متزلزلا، فيجب بالنسبة، وفي خبر الحسين بن خالد (1) عن الصادق عليه السلام قال: " سئل عن رجل كاتب أمة له فقالت الامة: ما أديت من مكاتبتي فأنا به حرة على حساب ذلك ؟ فقال لها: نعم، فأدت بعض مكاتبتها وجامعها مولاها بعد ذلك، فقال: إن كان استكرهها على ذلك ضرب من الحد بقدر ما أدت من مكاتبتها ودرئ عنه من الحد بقدر ما بقي له من مكاتبتها، وإن كانت تابعته كانت شريكة في الحد، ضربت مثل ما يضرب "، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 299 ]

المسالة (الثانية:) (ليس للمكاتب) بقسميه (التصرف في ماله ببيع) محاباة مثلا (ولا هبة ولا عتق ولا إقراض) ولا غيرها من التصرفات المنافية للاكتساب كالعارية والهدية ونحوها (إلا باذن مولاه)، لانه لم يخرج بالمكاتبة عن العبودية وإنما اقتضت جواز التكسب له خاصة، لصحيح معاوية بن وهب (1) عن الصادق عليه السلام " في مملوك كاتب على نفسه وماله وله أمة وقد شرط عليه أن لا يتزوج فأعتق الامة وتزوجها، قال: لا يصح له أن يحدث فيما له إلا الاكلة من الطعام، ونكاحه فاسد مردود، قيل: فان سيده علم بنكاحه ولم يقل شيئا، قال: إذا صمت حين يعلم ذلك فقد أقر، قيل: فان المكاتب عتق أفترى أن يجدد نكاحه أو يمضي على النكاح الاول ؟ قال: يمضي على نكاحه الاول " وإطلاقه كالمتن ونحوه يقتضي عدم الفرق بين المطلق والمشروط في ذلك. لكن في خبر أبي بصير (2) عن عبد الله عليه السلام " المكاتب لا يجوز له عتق ولا هبة ولا نكاح ولا شهادة ولا حج حتى يؤدي جميع ما عليه إذا كان مولاه قد شرط عليه إن عجز فهو رد في الرق " ونحوه في خبره الاخر (3) عنه عليه السلام أيضا الذي ترك فيه النكاح والشهادة والحج وزاد " ولكن يبيع ويشتري، وإن وقع عليه دين في تجارته كان على مولاه أن يقضي عنه، لانه عبده " وظاهرهما اختصاص الحكم بالمشروط إلا أني لم أجد عاملا بهما، كصحيح الحلبي (4) عنه عليه السلام أيضا


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 والباب - 23 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 3 وذيله في الباب - 26 - منها الحديث 2. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة الحديث - 2 - 3 - 5

[ 300 ]

إنه قال في حديث " في المكاتب يشترط عليه مولاه أن لا يتزوج إلا باذن منه حتى يؤدي مكاتبته، قال: ينبغي له أن لا يتزوج إلا باذن منه إن له شرطه " الظاهر بسبب دلالة مفهوم تعليله على أنه لو لا الشرط لجاز نكاحه، ويمكن حمل الاولين على إرادة بيان عدم جواز التصرفات بالكلية إلى حين الاداء، وليس إلا في المشروط، فان المطلق قد يجوز له التصرف في الجملة قبل أداء الجميع، وذلك كما إذا أدى البعض وتحرر قدر منه فانه يصح تصرفه بنسبة الحرية. ثم إن ظاهر اقتصار المصنف على الهبة والعتق والقرض يقتضي المنع من التصرفات المنافية للاكتساب لا مطلق التصرف، خصوصا بعد ملاحظة كلامه الاتي في اللواحق الدال على إرادة المحاباة من البيع هنا لا مطلقا، فمن الغريب ما في المسالك من نسبة إطلاق المنع إلى المصنف وغيره وأنه لابد من تقييده. وأغرب منه ما في الرياض حيث جعله مسألة خلافية، واستشعر من النسبة المزبورة اتفاق المعظم لا الاجماع وإلا لما صح له مخالفته، ثم أخذ في الاستدلال على القول بالتقييد بأنه مقتضى الجمع بين الصحيحين المتضمنين لعدم جواز التصرف بغير الاكل ولجواز البيع والشراء، ثم تكلف وادعى اقتضاء عقد الكتابة الاذن بالتصرفات التي لم تناف الاكتساب، فتدخل حينئذ في قولهم إلا مع الاذن، إلى غير ذلك من الكلمات التي لا وجه لها بعد ملاحظة كلامهم وتصريحهم - حتى المصنف فيما يأتي - بعدم جواز الرهن والقرض باعتبار المخاطرة. وفي القواعد " وأما العبد فليس له أن يتصرف فيما له بما ينافي الاكتساب كالمحاباة والهبة وما فيه خطر كالقرض والرهن والقراض - إلى أن قال -: وله التصرف في وجوه الاكتساب كالبيع من المولى وغيره، وكذا الشراء، ويبيع بالحال لا بالمؤجل، فان زاد الثمن عن ثمن المثل وقبض ثمن المثل وأخر الزيادة جاز،

[ 301 ]

وله أن يشتري بالدين وأن يستسلف " ومثله في ذلك كله المصنف فيما يأتي من اللواحق وغيرهم. نعم قد يظهر من استثنائهم جواز الاذن جواز التصرف المنافي معها وإن كانت متأخرة فيستلزم جواز الفضولية في العتق حينئذ، ولعله كذلك، لما سمعته في بحث الفضولي وأنه على القواعد وإن احتمل في القواعد فيه الصحة والبطلان، بل قال: " وفي الكتابة إشكال من حيث إنها معاوضة أو عتق " وقد عرفت أنها ليست عتقا قطعا فتصح حينئذ بالاذن سابقة أو لاحقة، بل وبدونها إذا كانت من وجوه الاكتساب المأذون فيها المكاتب، وحينئذ فان عجزا معا استرقهما المولى وإن عجز الثاني استرقه الاول، وإن عجز الاول واسترق عتق الثاني، ولو استرق الاول قبل أداء الثاني كان الاداء إلى السيد، وله النفقة على نفسه وما يملكه بالمعروف، كما أن له البيع من مولاه وغيره، وللمولى أخذه بالشفعة وبالعكس، وفي ثبوت الربا بينه وبين المولى إذا كان مشروطا أو مطلقا لم يؤد إشكال، هذا وستسمع إن شاء الله بعض الكلام في المسألة في اللواحق. (و) كذا (لا يجوز) بلا خلاف ولا إشكال (للمولى التصرف في مال المكاتب) الذي قد تبين من النص (1) والفتوى أنه واسطة بين الرق والحر بالنسبة إلى الاحكام التي منها ذلك، لقاعدة حرمة التصرف في مال الغير بعد أن كان مالكا (إلا بما يتعلق بالاستيفاء) باذنه، لانه مخير في جهة الوفاء، نعم في المسالك " قد يجوز تسلط المولى على الاستيفاء بغير إذنه فيما إذا كان مشروطا وحل النجم ولم يؤده وكان بيده مال بقدره، ولو زاد فالتعيين موكول إليه، فان امتنع عين الحاكم كما في كل ممتنع " قلت: لا فرق بين المشروط والمطلق في ذلك، كما أنه ينبغي إذن الحاكم مع الزيادة وعدمها. (و) لما عرفته من كون المكاتب كالواسطة (لا يجوز له) أي المولى (وطء المكاتبة) وإن أذنت (بالملك ولا بالعقد) لعدم كونها مملوكة محضة


(1) الوسائل الباب - 8 و 22 - من أبواب المكاتبة.

[ 302 ]

أو حرة كذلك، بل لو شرط الوطء عليها في العقد لم يصح بل يبطل العقد على الاصح، وعليه التعزير لا الحد، لانها ملكه، ولذا جاز له عتقها، وقد سمعت ما في خبر الحسين بن خالد (1) من درء الحد عنه بمقدار ما بقي له من مكاتبتها لو جامعها. (ولو طاوعته حدت) أي عزرت إن لم تتبعض، لعدم خروجها عن ملكه، لكن في المسالك " حدت حد المملوك إن لم تتبعض وإلا فبالنسبة " وقد قال قبل ذلك، " إنه إن وطأها المولى عالما بالتحريم عزر إن لم يتحرر منها شئ، وحد بنسبة الحرية إن تبعضت " وكأنه أخذه من الفاضل في القواعد قال: " ولو طاوعت حدت على إشكال دونه، ويعزر مع علمه بالتحريم " وفي الايضاح " إذا وطأ المكاتب المكاتبة لم يجب عليه حد وإن كان عالما بالتحريم، لان ملكه ثابت عليها، لنفوذ عتقه وإن كان ضعيفا، فانه أقوى من الشبهة، قالوا فلا تعزير لسقوطه بالشبهة فيما هو أقوى وأولى، قلنا: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (2) " ادرؤوا الحدود بالشبهات " ولم يدرء التعزير، وكل مقدم على محرم يعزر ". قلت: لا يخفى عليك ما في ثبوت الحد عليها ودرئه عنه مع اشتراكهما في صفة الملك، ولذا قال في القواعد وكشف اللثام: " ولو وطأ إحداهن - أي المكاتبة أو ابنتها أو أمتها - مع علمهما بالتحريم عزرا ولم يحدا للملك، ويدل عليه ما تقدم من خبر الحسين بن خالد (3) الناطق بدرء الحد عمن جامع مكاتبته، وعن بعض العامة أنهما يحدان " ولعل العبارة المزبورة التي حكيناها عن القواعد غير موجودة في بعض نسخها، لاني لم أعثر عليها مشروحة في كشف اللثام ولا في الايضاح، ولم يتعرض لمضمونها في الدروس. وفي التحرير " فان طاوعته عزرت ويعزر للشبهة مع الشرط وعدمه - ثم


(1 و 3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب مقدمات الحدود الحديث 4 من كتاب الحدود.

[ 303 ]

قال في آخر المبحث -: والتعزير الذي أوجبناه إنما هو للعالم منهما، فلو جهلا فلا تعزير، ولو جهل أحدهما عزر الاخر ". ومما ذكرنا يظهر أن لها المهر عليه، لانه من كسبها وإن طاوعته، كما جزم به في الدروس، لانها ليست بزانية، ولذا لم تحد وتكون ام ولد، ولاطلاق خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه عليه السلام " في رجل وقع على مكاتبته، قال: عليه مهر مثلها، فان ولدت منه فهي على مكاتبتها، وإن عجزت فردت في الرق فهي من امهات الاولاد " وخبر السكوني (2) عن الصادق عليه السلام " إن أمير المؤمنين عليه السلام قال في مكاتبة يطأها مولاها فتحمل، قال: يرد عليها مهر مثلها، وتسعى في قيمتها، فان عجزت فهي من امهات الاولاد ". بل قد يقوى تكرر المهر بتكرر الوطء وإن لم يتخلل الاداء، لتعدد السبب، أللهم إلا أن يدعى انسياق الاتحاد من الخبرين، مضافا إلى أصل البراءة، لكن دعوى الانسياق حتى مع التخلل كما ترى، ومن هنا استوجه غير واحد التفصيل بذلك، وقد يحتمل التعدد بالعلم بالحكم، وإلا فمع الشبهة المستمرة مهر واحد. (و) كذا (لا يجوز له وطء) أمة المكاتبة ولا (أمة المكاتب ولو وطأ لشبهة) أو غير شبهة (كان عليه المهر) لما عرفت، نعم لو وطأ بنت المكاتبة المملوكة له لم يكن عليه مهر، لانها أمته، وإنما وجب المهر لنفسها ولامتها لانه من كسبها بخلاف مهر البنت، كما هو واضح. (وكلما يكتسبه المكاتب قبل الاداء وبعده فهو له، لان تسلط المولى زال عنه بالكتابة) نعم لو عجز ففسخ المولى ملكه معه كما تقدم. (ولا تتزوج المكاتبة إلا باذنه) لانها مملوكته، ولما في تزويجها من التغرير بها، ولفحوى ما سمعته من النهي للمكاتب عن ذلك في النصوص (3) السابقة، بل يمكن إرادة الجنس الشامل للذكر والانثى منه، وخصوص خبر


(1 و 2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة.

[ 304 ]

أبي بصير (1) سأل الباقر عليه السلام " عن رجل أعتق نصفه جاريته ثم إنه كاتبها على النصف الاخر بعد ذلك، قال: فليشترط عليها أنها إن عجزت عن نجومها فانها ترد في الرق في نصف رقبتها، فان شاء كان له في الخدمة يوم ولها يوم إن لم يكاتبها، قال: قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: لا حتى تؤدي جميع ما عليها في نصف رقبتها ". (و) حينئذ ف‍ (لو بادرت كان عقدها موقوفا) على الاذن أو على الاداء (مشروطة كانت أن مطلقة) ولم يقع باطلا، لما سمعته من صحيح ابن وهب (2) السابق وغيره، وكذا ليس للمكاتب أن يزوج عبيده من إمائه بغير إذن مولاه، لانه خطر ولا اكتساب فيه. (وكذا ليس له وطء أمة يبتاعها إلا باذن مولاه ولو كانت كتابة مطلقة) لانه تصرف بغير الاكتساب أيضا، وفيه خطر، بل عن بعض العامة عدم الجواز حتى مع الاذن، لكنه كما ترى. نعم لا مهر لها، لانه لو ثبت لكان له، ولاحد لو فعل، لانها مملوكة، فان حملت منه فالولد له، لانه نماء ملكه الذي هو الجارية المملوكة له، فحملها منه حينئذ كحملها من غيره، ولكن لا يعتق عليه الان كما في القواعد وشرحها والتحرير والمسالك، لنقصان ملكه، نعم إن أدى عتق وعتق الولد وإن عجز استرقا معا. وهل تكون ام ولد بعد العتق ؟ وجهان وفي التحرير الاقرب ذلك، وتبعه في المسالك، ولعله لصدق ام الولد عليها، لكن قد يناقش بلحوق حريته بالاداء لا بنفس الاستيلاد الذي هو المنساق من نصوص ام الولد (3) بل المنساق منها


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الاستيلاد من كتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاد.

[ 305 ]

الموطوءة للسيد الحر لا المملوك، والاصل عدم لحوق أحكامها حتى لو أتت به بعد العتق إذا كان لدون الستة أشهر من وقت العتق، لتبين كون العلوق به في الرق. نعم إن كان لما زاد عن ستة أشهر إلى أقصى الحمل احتمل أن تصير مستولدة له عملا بالاصل، مع أنه قد يناقش فيه أيضا (أولا) بمخالفته للغالب، و (ثانيا) بعدم كفاية مثله في تحقق عنوان ام الولد على وجه تلحقها الاحكام، خصوصا إذا لم يكن قد وطأها بعد الحرية بحيث يمكن استناده إليه، وإن وجهه في المسالك بكونها فراشا يلحق به الولد في الجملة قبل الحرية، وهو مستدام بعدها، وإمكان العلوق به بعد الحرية قائم، فيكتفي به لثبوت الاستيلاد ظاهرا وإن افترق فيما بينه وبين الله سبحانه، إلا أنه كما ترى، والله العالم. المسالة (الثالثة:) (كل ما يشترط المولى على المكاتب) من عمل مخصوص زمن الكتابة أو بعد العتق بالاداء أو الاكتساب على وجه معين أو نحو ذلك وبالعكس (في عقد الكتابة يكون لازما) لعموم " المؤمنون " (1) و " أوفوا " (2) وغيرهما (ما لم يكن) منافيا لمقتضى العقد أو (مخالفا للكتاب والسنة) على نحو غيره من الشرائط في العقود، فلو شرط عدم الحرية بعد الاداء أو الوطء بطل الشرط، بل الاقوى بطلان العقد كما تقدم محررا في كتاب البيع (3) الذي مر فيه تسلط من له الشرط على الخيار مع عدم الوفاء مطلقا أو إذا تعذر جبره على الوفاء، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (3) راجع ج 23 ص 210 - 216.

[ 306 ]

المسالة (الرابعة:) (لا يدخل الحمل) المعلوم وجوده حال الكتابة ولو بانفصاله لدون ستة أشهر من حين الكتابة (في كتابة امه) فضلا عن أبيه وإن قصده، لعدم قابليته للمعاملة، وعدم دليل على التبعية، بخلاف التدبير الذي هو عتق يقع على الصغير والكبير، فهو حينئذ كالولد المنفصل، خلافا لبعض العامة فأدخله تبعا لا على جهة السراية كما يتبع الحامل في البيع، وهو واضح الضعف في المقيس والمقيس عليه. (لكن لو حملت بمملوك بعد الكتابة) لكونه من عبد السيد باذنه أو زنا وهي جاهلة بل أو عالمة، كما أطلقه جماعة وإن أشكله في الدروس، لعدم إلحاقه بها شرعا (كان حكم أولادها كحكمها) بمعنى أنه (ينعتق منهم بحساب) ما ينعتق من‍ (ها) كلا أو بعضا بالعتق أو بالاداء أو بالابراء، لما سمعته في صحيحي ابن قيس (1) وبريد العجلي (2) المتقدمين سابقا، ولما قيل من أن الولد من كسبها فيتوقف أمره على رقها وحريتها كسائر كسبها، وهذا ونحوه هو المراد بكونهم بحكمها لا أنهم يصيرون مكاتبين، إذ لم يجر معهم عقد المكاتبة، بل المراد انعتاقهم بانعتاقها من جهة الكتابة، حتى لو فسخت الكتابة ثم عتقت الام لم ينعتق الولد، ولا ينافي ذلك ما سمعته من أداء الاولاد ما بقي من مال الكتابة المطلقة التي قد أدى بعضها للادلة الخاصة. هذا وفي المسالك " وهل يثبت حق ملكهم قبل الانعتاق للام أم للمولى ؟ وجهان، من أنه تابع للام وحق له، ومن أنه من جملة كسبها، فيكون لها، وتظهر الفائدة فيما لو قتله قاتل، فعلى الاول تكون القيمة للمولى كما لو قتلت الام،


(1 و 2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المكاتبة الحديث 2 - 1.

[ 307 ]

وعلى الثاني يكون للمكاتبة تستعين به في أداء النجوم، أما كسب الولد وأرش الجناية عليه فيما دون النفس وأرش الوطء بالشبهة لو كانت جارية فموقوف على عتقها فتكون له، وإلا فللمولى ككسب الام، فلو عجزت الام وأرادت الاستعانة بكسب ولدها الموقوف ففي إجابتها وجهان مبنيان على أن الحق هل هو للمولى أولها ؟ فعلى الثاني لا إشكال في جواز استعانتها به، وعلى الاول يحتمله أيضا، لانها إذا رقت رق الولد وأخذ المولى كسبه، وإذا اعتقت عتق، وقد يفضل شئ من الكسب ففي إجابتها حظ للولد وعدمه، لانه لا حق لها في كسبه، لان الكلام على تقديره، وتظهر الفائدة أيضا في نفقة الولد، والوجه أنها في كسبه، وما فضل فهو الذي يوقف، فان لم يكن له كسب أو لم يف بالنفقة ففيه وجهان، أظهرهما أنها على المولى بناء على أن حق الملك له وإن كان مراعي، والثاني أن ينفق عليه من بيت المال، لان تكليفه النفقة من غير أن يصرف إليه الكسب في الحال إجحاف به، وفيه وجه ثالث أنه على الام، لان كسبه قد تنتفع به فتكون نفقته عليها، لتبعية النفقة للكسب ". وقد تبع ببعض ذلك الدروس قال: " ولو جني على ولدها في طرف فهو موقوف، فان عتق ملكه وإلا فللسيد، فلو أشرفت الام على العجز فلها الاستعانة به، وكذا كسبه، ولو قتل فالقيمة للام، لعدم تمكن السيد من التصرف فيه، ويحتمل للسيد كما لو قتلت الام ونفقته من كسبه فان قصر أتمه السيد، لانه ملكه وإن كان موقوفا، وفي جواز إعتاق المولى إياه وجهان، من تحقق الملك، ومن تعلق حق الام بكسبه في الاستعانة، وحكم ولد الولد من أمته حكم الولد ". وقد تبع هو ما في التحرير قال: " لو قتل الولد احتمل صيرورة القيمة للسيد كالام وعدمه، لانه لا يملك التصرف فيه مع كونه قنا، فلا يستحق قيمته، وقواه الشيخ، ولو جنى عليه أو كسب فالاقوى أنه موقوف يملكه إن عتق وإلا فلسيده، فان أشرفت امه على العجز كان لها الاستعانة، ولو مات الولد قبل عتق الام فكسبه كقيمته لو قتل، ونفقته من كسبه، فان قصرت فالأقوى على السيد

[ 308 ]

لانه يسترقه مع العجز، ويحتمل أخذ الناقص من بيت المال، ولو أعتقه مولاه فان قلنا كسبه للسيد أو أنه موقوف وليس للام الاستعانة به عند العجز، صح وإن قلنا للام أو بالوقف مع جواز الاستعانة لم ينفذ، والاقوى عندي نفوذه على التقديرين " ونحو ذلك في القواعد وشرحها. قلت: لكن قد يناقش في ذلك كله بأن مقتضى القواعد بعد أن لم يكن مكاتبا بكتابه امه ملكية السيد للولد بقاعدة النماء، وليس هو من كسبها وإلا لملكته ووفت به، ومن المعلوم عدمه، ضرورة كونة من نمائها الذى هو مملوك للسيد، وثبوت تبعيته لها في التحرير وعدمه مع فرض بقائه لا ينافي كونه ملكا له الان على وجه يجرى عليه حكم الملك من المعتق ونحوه وحينئذ يتجه كون كسبه وقيمته لو قتل وقيمة أطرافه له أيضا، وليس لها الاستعانة بشئ من ذلك في وفاء نجومها، ونفقته على السيد، ومؤونة تجهيزه كذلك، بل إن لم يكن إجماع جاز له التصرف فيه ببيع ونحوه، خصوصا بعد عدم الدليل على كثير مما ذكروه هنا من وقف الكسب ومن استعانة الام عند العجز وغيرهما، فتأمل جيدا، فان التحقيق ما ذكرناه إن لم يكن إجماع على خلافه، والله العالم. (ولو تزوجت بحر) باذن السيد (كان أولادها أحرارا) مع عدم شرط الرقية عليه بناء على صحته (ولو حملت من مولاها لم تبطل الكتابة) للاصل وغيره وكان الولد حرا، لانها علقت به في ملكه، وتصير ام ولد له بلا خلاف أجده فيه، مضافا إلى ما سمعته من خبر علي بن جعفر (1) ولولاه لامكن المناقشة بنقصان ملكه، فلا يقتضي انعتاقه عليه، نحو ما سمعته في ولد المكاتب من جاريته، لكن على الاول مع كونها مكاتبة تصير ام ولد له. (فان مات وعليها شئ من) مال (الكتابة تحررت من نصيب ولدها)، وهل يتبعها حرية ولدها من غير مولاها لو كان إشكال، لكن جزم في التحرير بانعتاقه تبعا للام.


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 309 ]

(فان لم يكن لها ولد) من المولى حين موته أو لم يف نصيبه بما عليها (سعت في مال الكتابة) أو ما بقي منه (للوارث) قال موسى بن جعفر عليهما السلام في خبر أخيه علي عنه عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في رجل وقع على مكاتبته فوطأها أن عليه مهر مثلها، فان ولدت منه فهي على مكاتبتها، وإن عجزت فردت في الرق فهي من امهات الاولاد " وظاهره أن عليه المهر خاصة دون قيمة الولد، كما جزم به في التحرير في نظير المسألة. لكن في المسالك " وهل عليه قيمة الولد ؟ يبني على ما تقدم من الوجهين، فان قلنا حق الملك فيه للسيد فلا شئ عليه، كما لو قتل ولد المكاتبة، وإن قلنا الحق لها فعليه القيمة، وتستعين المكاتبة بها، فان عجزت قبل الاخذ سقطت، وإن عتقت أخذتها، وإن ولدت بعد ما عجزت ورقت فلا شئ لها، وكذا لو ولدت بعد ما عتقت، لانه حين تعذر تقويمه ليس بكسب مكاتبة " ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، فلاحظ وتأمل. ولو تنازع المولى والمكاتبة في تقدم الولد على الكتابة وتأخره ففي التحرير والقواعد والدروس حلف المولى، ولو تنازع المكاتب والسيد حلف المكاتب قالا: " والفرق أن يده ثابتة عليه، وهو يدعي ملكه فيترجح باليد، والمكاتبة لا تدعى الملك، انما تدعي الوقف، ولم يثبت كون اليد مرجحة للوقف ". قلت: بناء على ملاحظة قاعدة تأخر مجهول التاريخ عن معلومه ينبغي مراعاته، واليد لا تصلح للترجيح ما لم يسندها صاحبها إلى سبب خاص يكون به مدعيا، وبالجملة كلامهم هنا محتاج إلى التأمل فتأمل. ويتصور النزاع في المكاتب بأن يزوجه امته ثم يشتريها المكاتب فالولد قبل الشراء للسيد وبعده للمكاتب.

[ 310 ]

المسألة (الخامسة:) قد عرفت فيما تقدم أن (المشروط رق) وإن أدى أكثر ما عليه (و) حينئذ ف‍ (فطرته على مولاه) كما أطلقه جماعة تبعا لاطلاق النصوص (1) المتقدمة في زكاة الفطرة فطرة العبد على مولاه، وأنه أحد العيال، بل في مرفوع محمد ابن (2) أحمد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي ومن أغلق عليه بابه " ومنه ومن غيره تعرف قوة احتمال كون فطرته عليه وإن لم يعمل به ما لم يعمل به غيره، لانه عياله شرعا، كما سمعته في زكاة الفطرة (3). مضافا إلى ما سمعته في خبر أبي بصير (4) السابق عنه عليه السلام أيضا في خصوص المشروط " وإن وقع عليه دين في تجارة كان على مولاه أن يقضي عنه، لانه عبده " وغير ذلك مما دل على عدم جواز تصرفه بماله في غير الاكتساب ونحوه الذي يكفى في سقوطها عنه، لعدم تمكنه. لكن مع ذلك كله وسوس في المسالك في ذلك، بل مال إلى عدمه، قال: " المكاتب مطلقا قد خرج عن محض الرقية، ولم يصر إلى حالة الحرية وهو مرتبة بينهما كما علم مرارا، ومن سقوط أحكام الرقية عنه سقوط نفقته عن مولاه وتعلقها بكسبه، وقد كان اللازم من ذلك ثبوت فطرته على نفسه أيضا، لانها تابعة للنفقة، لكن قد أطلق جماعة من الاصحاب وجوب فطرة المشروط على مولاه


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة الحديث 9. (3) راجع ج 15 ص 486. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة الحديث 3.

[ 311 ]

والحكم عليه باطلاق الرقية، مع أن علي بن جعفر (1) روى عن أخيه موسى عليه السلام قال: " سألته عن المكاتب هل عليه فطرة رمضان أو على من كاتبه ؟ فقال: الفطرة عليه " ولم يفرق بين القسمين، وفي الدروس اقتصر على نقل وجوب فطرة المشروط على مولاه عن بعض الاصحاب ثم احتمل عدمه محتجا بأنها تابعة للنفقة، وابن البراج صرح بعدم وجوبها على المولى، ولا بأس بهذا القول وإن كان الاشهر خلافه، وأما المطلق فلا تجب فطرته على مولاه اتفاقا ولا على نفسه إلا أن يتحرر منه شئ فتجب بنسبة الحرية ". وفيه - مع مخالفته ما عرفت - أن كون نفقته من كسبه - الذي هو للمولى مع العجز أوله مع عدمه ولكن ليس له التصرف فيه بنحو ذلك قبل الاداء - لا ينافي وجوب فطرته على مولاه، بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص، وخبر علي بن جعفر (2) يمكن حمله على المطلق الذي قد أدى بعض مكاتبته، فان فطرته عليه بمقدار ما فيه من الحرية بخلاف من لم يؤد شيئا، فانه كالمشروط في جميع ما سمعته. ولعل المراد من قول المصنف (ولو كان مطلقا لم يكن عليه فطرته) أنه ليس كالمشروط في وجوبها عليه مطلقا، بل هو إن لم يؤد ففطرته على مولاه وإن أدى بعضا ففطرته بالنسبة، بل في حاشية الكركي هنا بعد أن نسب عدم الفطرة على مولى المطلق إلى المشهور قال: " إلا أنه يشكل بأن المكاتب المطلق إذا لم يؤد شيئا رق أيضا، فتجب فطرته لانها تابعة للملك، وقد صرح بذلك في التحرير في باب زكاة الفطرة، ولو تحرر بعضه فالفطرة عليه وعلى مولاه بالتقسيط وهو جيد " ومن الغريب دعوى الاتفاق على سقوطها عنه وعن مولاه مع عدم تحرير شئ منه مع أني لم أعرفه قولا لاحد إذ لا أقل من أن يكون كالمشروط الذي حكم بوجوب فطرته عليه، لانها تابعة للنفقة، هذا وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في زكاة الفطرة، فلاحظ وتأمل حتى تعرف أنه لا قائل معلوم بما ذكره، وإنما ذكرناه هناك


(1 و 2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب المكاتبة الحديث 2.

[ 312 ]

احتمالا في كلمات بعض القدماء والله العالم. (وإذا وجب عليه) أي المكاتب مشروطا كان أو مطلقا لم يؤد (كفارة) مترتبة أو مخيرة (كفر بالصوم) للحجر عليه بالتصرف في المال بغير الاكتساب، كما سمعته فيما تقدم نصا (1) وفتوى (و) حينئذ ف‍ (لو كفر بالعتق لم يجزه، وكذا لو كفر بالاطعام) لان كلا منهما تصرف في المال بغير اكتساب، (و) قد عرفت منعه منه، بل (لو كان المولى أذن له قيل) والقائل الشيخ في محكي مبسوطه (لم يجزه) أيضا، (لانه كفر بما لم يجب عليه) كالمعسر الذي تكلف التكفير بما لم يجب عليه أو تبرع عنه، المحكي عن الشيخ فيه نفي الخلاف عن عدم إجزاء الكفارة عنه بما أعسر عنه، وحينئذ لم يوافق أحد منهما الامر المقتضي للاجزاء، وإذن المولى إنما اقتضت رفع الحجر عنه لا توجه الخطاب إليه. وفيه أن إطلاق الادلة يقتضي خطابه بذلك سواء كان على التخيير أو الترتيب بعد ارتفاع المانع، ومن هنا نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بتمريضه، بل ظاهر الكركي الاجزاء تبعا لصريح الفاضل في القواعد، بل هو خيرة المصنف في كتاب الايمان، وحينئذ فلا يحتاج إلى ما في المسالك من بناء المسألة على أن التبرع عن المعسر بالكفارة التي ليست فرضه هل يجزئ عنه أم لا ؟ فان قلنا باجزائها أجزأ هنا بطريق أولى وإلا فلا، وفي المختلف ادعى الاجماع على أن التبرع عن المعسر باذنه مجز فيجزئ هنا، وهو الوجه وفي المبسوط ادعى الاجماع على عدم الاجزاء مع أنه في باب الكفارة اختار الاجزاء وجعله الاظهر في روايات أصحابنا، ووافقه ابن إدريس على عدم الاجزاء، وإليه اشار المصنف بقوله: " وقيل لم يجزه " وإن أومأ إلى بعض ذلك في غاية المراد، ضرورة عدم مدخلية تلك المسألة لكون المكاتب موسرا إذا فرض كونه مكتسبا لما يحصل به ذلك، وإلا أنه محجور عليه في التصرف فيه بمثل ذلك، فمع فرض ارتفاع الحجر عنه بالاذن حصل الوصف


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة.

[ 313 ]

وتوجه التخييري والترتيبي بخلاف المعسر، فان التبرع عنه لا يجعله موسرا، كما هو واضح. ومن ذلك ينقدح النظر فيما في الايضاح من أنه بأمر السيد لا يلزمه التكفير بالمال، لان عليه ضررا فيه، لانه يفضي إلى تفويت حريته لعجزه بسببه، ولان التبرع لا يلزم باذن السيد، فحينئذ إذا أذن السيد فيه صارت الكفارة المرتبة مخيرة بالنسبة إليه، وهذا هو الصحيح عندي، وسبب الاشتباه على المانع الاشتراك اللفظي، فان قوله: " كفر بما لم يجب عليه " إن أراد الوجوب العيني سلمناه، وإن أراد الوجوب المخير منعناه، ولما لم يميز بين الوجوبين منع " إذ هو كما ترى، ضرورة أنه بعد فرض تناول إطلاق أدلة الكفارة للمكاتب المأذون وغيره يتجه الترتيب عليه، وضرره مرتفع بفرض اليسار الذي مقتضاه وجود مقابل الكتابة عنده وزيادة، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (السادسة:) (إذا ملك المملوك نصف نفسه) مثلا (كان كسبه بينه وبين مولاه) بلا خلاف ولا إشكال، إذ هو كنماء المشترك بين شريكين (ولو طلب أحدهما المهاياة اجبر الممتنع) كما عن بعضهم، لان لكل منهما الانتفاع بنصيبه، ولا يمكن الجمع بين الحقين في وقت واحد، فكانت المهاياة طريق الجمع بين الحقين ووسيلة إلى قطع التنازع، ولا ضرر فيها، بل هي موافقة لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، مضافا إلى ظاهر خبر عمار بن موسى (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في مكاتب بين شريكين فيعتق أحدهما نصيبه كيف يصنع الخادم ؟ قال: يخدم الثاني يوما ويخدم نفسه يوما " وغيره من النصوص (2) التي تقدمت سابقا في استسعاء المبعض، نعم


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب المكاتبة الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 64 - من كتاب العتق الحديث 4 و 5 و 8.

[ 314 ]

يكفي فيها الاجابة إلى المهاياة اليومية، ولا يجب الازيد. (وقيل: لا يجبر) للاصل بعد أن كانت غير لازمة إلا أن تكون بصلح ونحوه وقسمة لغير معلوم التساوي في جملته لا أفراده، فيتوقف على التراضي، بل لا يظهر كونها قسمة لكون المنافع معدومة، والخبر المزبور مع قطع النظر عن سنده لا يدل على تعيين ذلك كما في المسالك، خصوصا بعد أن كان المفروض فيه الخدمة ومعلوم عدم تساويها. ومن هنا قال المصنف: (وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده التي تقدمت الاشارة إلى جملة منها في كتاب القسمة، بل وفي كتاب الشركة التي من عيوبها ذلك ونحوه، واستحسنه الكركي واختاره في الايضاح، والله العالم. المسالة (السابعة:) (لو كاتب عبده ومات) وخلف ورثة قاموا مقامه في أنهم إذا أعتقوه أو أبرؤوه من النجوم أو استوفوا المال عتق (و) لو (أبرأه أحد الوراث من نصيبه من مال الكتابة) أو استوفاه باذن شركائه (أو أعتق نصيبه صح) وانعتق من المكاتب المطلق مقدار ذلك (ولا يقوم عليه الباقي) في صورتي الاداء والابراء، للاصل بعد فرض عدم تناول دليل التقويم لمثله، خصوصا والمكاتب في المقام هو المورث، وإنما الابراء تنفيذ المكاتبة. على أن التحقيق عدم السراية في المطلق إذا أدى شيئا للمورث وانعتق منه جزء فضلا عن الوارث، لعدم صدق العتق بالتحرير بأداء مال الكتابة التي قد عرفت أنها معاملة مستقلة لا بيع العبد من نفسه ولا عتق بعوض. وأما لو أعتق فان قلنا بعدم السراية لو أعتق المورث بعض مكاتبة أو حصته من المكاتب المشترك لخروجه بالمكاتبة عن محض الرقية فلا تشمله أدلة التقويم المخالف للاصل، خصوصا مع إمكان تضرر المكاتب بالسراية حيث إنه ينقطع عنه

[ 315 ]

بها الولد والكسب اللذان يحصلان له بتحريره بأداء الكتابة، فعدمها هنا أولى، لتنزيل عتق الوارث منزلة إبرائه الذي هو تنفيذ لفعل المورث، وإن قلنا بها في المورث ففي القول بها هنا وجهان، من ذلك ومن صدق مباشرته للعتق ابتداء، فيشمله دليل السراية، ولعله لا يخلو من قوة، بل هو خيرة الكركي في حاشيته. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر ما في المسالك وغيرها من التشويش بعدم ذكر الفرق بين الابراء والعتق وبتكثير الاحتمالات التي منها الفرق بين الابراء من مال الكتابة وبين قبضه باعتبار كونه مختارا في الاول فيكون مختارا في سببه الذي هو العتق، فيسرى بخلاف القبض، فانه غير مختار فيه، ومنها بناء المسألة على أن الكتابة بيع للعبد من نفسه أو عتق بعوض، فعلى الاول لا سراية، وعلى الثاني وجهان، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا في المقام وفي المباحث السابقة. بقي شئ وهو ظاهر المصنف والفاضل في القواعد والتحرير عدم الفرق في الحكم المذكور بين المطلق والمشروط، بل في إيضاح الفخر " أن البحث في المشروط، ولعله المناسب لاستدلال المخالف وتشبيهه بما إذا كان المورث حيا، صرورة عدم انعتاق البعض بأداء البعض فيه لو كان المورث حيا " وفي كشف اللثام جزم بالحكم في المطلق وجعله في المشروط احتمالا، والذي حكاه في الايضاح عن الشيخ التصريح بالمشروط، قال: " لانهما شريكان في العبد، نصيب كل واحد مكاتب على قدر قسطه من مال الكتابة، وكل منهما ينفرد بحقه لا يتعلق عنق نصيبه بأداء مال إلى غيره - إلى أن قال -: والحاصل أن الكتابة بموت السيد تتنزل منزلة كتابتين - ثم حكى عن الشيخ أنه نقل قولا بأنه لا ينعتق - لانهما معا منزلان منزلة المورث ولو أبرأه المورث من البعض لم يعتق فكذا الوارث، ولان المكاتب المشروط إذا كاتبه واحد كان عتق كل واحد من أجزائه معلقا بأداء الكل

[ 316 ]

من حيث هو كذلك، وبموته لم يتجدد عقد آخر فلا ينعتق بعض منه بأداء بعض ماله الكتابة ". قلت: لا يخفى عليك قوة القول بعدم الانعتاق بالاداء أو الابراء في المشروط الذي انتقل إلى الوارث على الوجه المذكور في عقد الكتابة، ودعوى انحلالها بالموت إلى كتابتين واضحة المنع، أللهم إلا أن يقال إن المكاتب المشروط الذي انتقل إلى الوارث كالمال الذي يشتريه المورث مثلا، وله فيه الخيار، فانه يتبع الحصص حينئذ، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الثامنة:) (من كاتب عبده) مطلقا أو مشروطا (وجب عليه أن يعينه من زكاته إن وجب عليه، ولاحد له قلة ولا كثرة) بل المدار على صدق اسم ايتاء المال، خلافا لبعض العامة، فقدره بالربع، ولا شاهد له، نعم ستسمع استحباب حط السدس من النجوم. (و) على كل حال (يستحب) له (التبرع بالعطية إذا لم تجب) وفاقا في ذلك كله للمحكي عن الشيخ في خلافه وكثير من المتأخرين، بل عن الاول دعوى إجماع الفرقة وأخبارهم (1) بل في الرياض هو الحجة في الوجوب والتخصيص بالمولى. مضافا إلى ظاهر الاية (2) فيهما الناشئ عن كون الامر حقيقة في الوجوب، ولا ينافيه استعمال الامر بالكتابة قبله في الاستحباب، وظهور السياق باختصاص الضمير المتعلق به الامر بالمولى، فلا يعم ما عداه، وفي تخصيص المال بالزكاة


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة الحديث - 0 -. (2) سورة النور: 24 - الاية 33.

[ 317 ]

وإن كانت الاية فيه مطلقة، وتخصيص الاية بصورة وجوبها والاستحباب في غيرها تبرعا. وفيه أولا عدم معلومية إرادة الشيخ الاجماع على ما ذكره من الحكم، كما يقضي به التدبر في عبارته المحكية عنه في المختلف، لاحتماله إرادة الاجماع على أصل الايتاء في الجملة، خصوصا بعد أن لم نقف على خبر أصلا فيما ذكره من الحكم المزبور. نعم في صحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن قول الله عز وجل: وآتوهم من مال الله (2) قال: الذي أضمرت أن تكاتبه عليه لا تقول اكاتبه بخمسة آلاف وأترك له ألفا، ولكن انظر إلى الذي أضمرت عليه فأعطه " ونحوه المرسل (3) عن الصدوق (ره). وفى خبر العلا بن الفضيل (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال في قول (5) الله تعالى " وكاتبوهم " إلى آخرها: " تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه منها، ولا تزيد فوق ما في نفسك، قلت: كم ؟ قال: وضع أبو جعفر عليه السلام عن مملوك ألفا من ستة آلاف ". وفي خبر القاسم بن يزيد (6) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا " سألته عن قوله تعالى (7): وآتوهم - إلى آخرها - قال: سمعت أبي يقول: لا يكاتبه على الذي أراد أن يكاتبه ثم يزيد عليه ثم يضع عنه، لكن يضع عنه مما نوى أن يكاتبه


* (1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة الحديث 1. (2) سورة النور: 24 - الاية 33. (3) أشار إليه في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 وذكره الصدوق (قده) في المقنع ص 38. (4 و 6) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة الحديث 2 - 3 والثاني عن القاسم بن بريد. (5 و 7) سورة النور: 24 - الاية 33.

[ 318 ]

عليه " وهي صريحة في خلاف الحكم المزبور. بل هو نفسه احتمل في الاية الوجوب من الزكاة والاستحباب، والخطاب لغير السيد ممن تجب عليه الزكاة، بل قال في المحكي عن مبسوطه: الايتاء واجب عندنا، وهو أن يحط السيد عن مكاتبه شيئا من مال الكتابة ويؤتيه شيئا يستعين به على الاداء، لقوله تعالى (1) " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " وهذا أمر " وظاهره الاجماع على ما ذكره. وقال في محكي التبيان: " قال قوم: المعنى آتوهم من سهمهم من الصدقة ذكره في قوله (2): " وفي الرقاب " ذكره ابن زيد عن أبيه، وهو مذهبنا " وظاهره الاجماع أيضا على ذلك. ومن ذلك يضعف الظن بكون المراد أن الاجماع على الحكم المزبور. ومن الغريب اقتصاره في الرياض على خبر العلا ثم قال: " لكنه ضعيف بابن سنان في المشهور، ومع ذلك كاد أن يلحق بالشواذ، لعدم مفت بمضمونه بالخصوص، فان الاصحاب ما بين مفت بما مر، وحاكم بالوجوب على المولى جاعلا متعلق الوجوب هو الحط من مال الكتابة مع ايتائه شيئا يستعين به على الاداء، وجبت على المولى الزكاة أم لا كما عن المبسوط وجماعة، ومخصص للحكم بالمشروط العاجز عن توفية ثمنه، ومفصل في المطلق بين وجوب الزكاة على المولى، فتجب عليه الاعانة منها، وعدمه فعلى الامام أن يفكه من سهم الرقاب، كما عليه الحلي، وناف للوجوب من أصله حاكم باستحباب الاعانة للسيد بدفعه إلى مكاتبه شيئا من ماله من سهم الرقاب، كما عن ابن حمزة والقاضي - قال -: وهذه الاقوال كما ترى ليس فيها ما يوافق مضمون الرواية عدا ما في المبسوط من تفسيره الايتاء بالحط عن بعض النجوم كما فيها، لكن زاد ويؤتيه شيئا يستعين به على الاداء، فتخالفا


(1) سورة النور: 24 - الاية 33. (2) سورة التوبة: 9 - الاية 60.

[ 319 ]

من هذه الجهة، فلا يمكن المصير إليها بعد كونها بهذه المثابة، ولم يعمل بمضمونها أصلا، نعم عن الاسكافي أنه قال بعد ذكر الاية: يحتمل أن يكون ذلك أمرا بأن يدفع إلى المكاتبين من سهم الرقاب من الصدقات إن عجزوا، ويحتمل أن يكون ندبا للسيد أن يضع عنه جزء من مكاتبته، واحتماله الاخير موافق للرواية إن حملت على الاستحباب ". وفيه ما عرفت من أن مضمون الخبر المزبور قد اشتمل عليه الصحيح وغير الصحيح، وأما العمل به فكل من قال بالندب كالفاضل في المختلف والشيخ ويحيى بن سعيد في محكي التبيان والجامع عامل به، بل قد سمعت تفسير المبسوط الايتاء بذلك، ولا ينافيه زيادة إيتاء شئ له للاستعانة، وبالجملة دعوى كونه من الشواذ كما ترى، فالمتجه العمل بها على جهة الندب، بل لعله المنساق من الاية ولو لعطفه على الامر بالكتابة الذي هو للندب كما عرفت، وإشعار قوله صلى الله عليه وآله وسلم (1) " من أعان مكاتبا على فك رقبته أظله الله في ظل عرشه " وقيل له صلى الله عليه وآله وسلم (2): " علمني عملا يدخلني الجنة فقال: أعتق نسمة وفك رقبة، فقيل: أليسا واحدا ؟ قال: لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعين في عتقها " إذ لا يخفى على من رزقه الله معرفة اللسان أن ذلك ونحوه بل والنصوص السابقة بل والاية يراد به الندب. ودعوى أن المنساق من مال الله في الاية الزكاة واضحة المنع بعد ما عرفت، خصوصا بعد الوصف بقوله تعالى: " الذي " إلى آخرها وعلى تقديره فالمراد بالامر بها الندب، بل لعل ذلك خاص فيمن علم الخير منهم أي الايمان لا مطلقا.


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 320 وفيه " من أعان مجاهدا... أو مكاتبا في رقبة أظله الله في ظله يوم لا ظل الا ظله ". (2) المستدرك الباب - 1 - من كتاب العتق الحديث 16 وسنن البيهقى ج 10 ص 273.

[ 320 ]

كما أن الظاهر عدم اختصاص الايتاء بالحط، وإنما ذكر في النصوص (1) لانه أحد الافراد المتيسرة للمكاتب دائما وإلا فالمراد إيتاؤه من الزكاة الواجبة أو غيرها بحط أو غيره، بل هو المناسب لاطلاق الامر بالايتاء الظاهر في تناول الافراد أجمع، بخلاف الزكاة المختصة بمن تكون عنده، ولعل هذا مرجح آخر لعدم إرادة خصوص الزكاة، بل قد يرجحه أيضا أن ما ذكره المصنف مستلزم للتجوز في الامر بناءا على إرادة القدر المشترك منه بين الواجب لمن عنده زكاة والندب لمن لم تكن عنده والتخصيص وغير ذلك. وبذلك كله وغيره بان لك أن الندب هو الاقوى بل يستحب أن يكون مقدار السدس ويكره له أن يزيد في مال الكتابة لارادة الايتاء منه، كل ذلك لما سمعته من النصوص (2). وأما دعوى دلالة الاية (3) على الوجوب على الوجه الذي ذكره المصنف فلا شاهد لها، وكون الامر له لا يقتضي اختصاصه بالزكاة التي عليه، كما أن آية (4) كون الرقاب مصرفا للزكاة كذلك أيضا، بل دعوى دلالتها على الوجوب على المولى إذا كانت عليه زكاة وعلى الندب إذا لم تكن كادت تشبه العلم بالمغيبات. ومن ذلك كله يظهر لك ضعف الاقوال المزبورة أجمع، ومنها ما في المسالك من " أن الاقوى وجوب الايتاء من الزكاة إن وجبت أو الحط عنه من مال الكتابة أو دفع شئ إليه إن لم تجب " بل هو أضعفها، وكذا ما فيها أيضا تبعا للدروس من أنه " يجب على المكاتب القبول إن أعطاه من جنس مال الكتابة لا من غيره، عملا


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة. (3) سورة النور: 24 - الاية 33. (4) سورة التوبة: 9 - الاية 60. (جواهر الكلام - ج 20)

[ 321 ]

بظاهر الاية، فقد قيل: إن المراد به مال الكتابة " ضرورة عدم اقتضاء الامر بالايتاء وجوب القبول، وعليه لا وجه للتفصيل بين الجنس وغيره كما جزم به في الايضاح. ولا يخفى عليك ما في تعليل دعوى ظهور الاية بأنه قد قيل إلى آخره، وكأنه تبع في ذلك ما في الدروس " ويجب على العبد القبول إن أتاه من عين مال الكتابة أو من جنسه لا من غير جنسه " لكن في القواعد وشرحها " قيل في المبسوط ويجب على المكاتب قبول الايتاء إن دفع المالك من غير مال الكتابة أو من جنسه، لانه من المال المأمور بايتائه ولا يجب الايتاء إذا لم يجب القبول " وفي التحرير " ثم السيد مخير بين أن يحط عنه بعض مال الكتابة وبين أن يؤتيه من جنس مال الكتابة أو من عين مال الكتابة الذي نقص منه، وفي هذين يلزم العبد القبول، وإن أتاه من غير جنسه قال الشيخ: لا يجب على العبد القبول ". ولا يخفى عليك أن بناء ذلك على التلازم الذي أشار إليه في كشف اللثام، وفيه منع واضح، نعم لا حاجة إلى القبول في صورة الحط التي هي بمعنى الابراء الذي قد عرفت في محله عدم حاجته إلى القبول على الاصح وإلا احتيج إليه. ولو عتق قبل الايتاء سقط الوجوب، لفوات محله الذي هو المكاتب، وما عن بعض العامة من أن وقت الايتاء بعد العتق كالمتعة في الطلاق كما ترى مناف لما سمعته من النصوص (1) ولكون العلة فيه الاعانة على الفك، بل ظاهر الامر في الاية (2) إيتاء المكاتب، وإذا عتق لم يكن مكاتبا، ودعوى أنه كالدين - فيجب وإن اعتق، بل عن الدروس اختياره، بل عن المبسوط ذلك أيضا، لانه


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب المكاتبة. (2) سورة النور: 24 - الاية 33.

[ 322 ]

قضية كل حق مالي يثبت في الذمة - واضحة المنع، إذ الايتاء أعم من ذلك. ومنه يعلم أنه لا وجه لمقاصة المكاتب السيد بذلك، لعدم ثبوت شئ له في ذمته، نعم للسيد مقاصته بمعنى احتساب ماله في ذمة المكاتب من الزكاة التي عليه. ولو دفع إليه من الزكاة وكان مشروطا فعجز ورد إلى الرق لم يجب عليه إخراجها لغيره إن كانت منه، ولا ردها لدافعها ليخرجها إن كانت من غيره، لطريان الرقية على الدفع الموجب للملك حال كونه قابلا له، والاصل براءة ذمة الدافع وبقاء الملك بعد أن كان العود إلى المولى إحداث ملك لا إبطالا لما سلف، ومن ثم بقيت المعاملة السابقة بحالها. لكن ضعفه في المسالك بمنع كونه إحداثا بل إعادته في الرق تقتضي نقض جميع ما سبق، ومن ثم عاد كسبه وأولاده ملكا له، وبقاء المعاملة بسبب الاذن الضمنية بها في عقد المكاتبة، فانها تستلزم الاذن في التصرف بالمعاملة ونحوها، ثم قال: " والوجه وجوب صرفه على المستحقين إن كانت منه، وإلا أعادها على دافعها ليصرفها بنفسه، نعم لو كان من المندوبة لم تجب الاعادة ". وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن ذلك فسخ من حينه، وعود كسبه وأولاده للسيد للادلة لا يقتضي تبين انتقاض جميع ما تقدم وإلا لم يكن فرق بين الواجبة والمندوبة، كما هو واضح. والله العالم.

[ 323 ]

المسالة (التاسعة:) (لو كان له مكاتبان فأدى أحدهما واشتبه) فعن المبسوط (صبر عليه لرجاء التذكر) حتى يموت (فان مات) أي (المولى استخرج بالقرعة) وفي الدروس ارجئ ليتذكر، فان زال الرجاء اقرع، وعن الخلاف إطلاق القرعة، لانها لكل أمر مشكل، ويمكن إرادته زوال الرجاء واستقرار الاشتباه والاشكال في مقابل الصبر إلى الموت المستلزم للضرر على المؤدى منهما. ولو اعترف أحدهما بعدم الاداء واختصت دعواه بالاخر ففي إلزام المولى بذلك إشكال، أقواه العدم. (ولو ادعيا على المولى العلم كان القول قوله مع يمينه) لانه شئ لا يعلم إلا من قبله، وإن بين أحدهما وادعى التذكر قبل قوله بغير يمين إن صدقه الاخر أو سكت، وإن كذبه وقال: استوفيت مني فله تحليفه أيضا، ويحلف هنا على البت، لدعواه التذكر، فان حلف بقيت كتابته إلى أن يؤدى، وإن نكل المولى حلف المكذب، وعتق أيضا مع الاول أحدهما باقراره والاخر بيمينه، كما أنهما يعتقان باليمين من كل منهما لو نكل عن يمين نفي العلم قبل دعوى التذكر، والعلم بكذب أحدهما في نفس الامر لا ينافي الحكم في الظاهر، ولو مات المولى قبل التذكر تعينت القرعة لليأس منه. ولكن لو ادعى أحدهما أو هما على الوارث العلم حلف على نفيه كالمورث، وليس له أن يستوفى منهما، لان أحدهما برئ، فأخذ المالين ظلم، ولا من أحدهما قبل القرعة، لعدم تعينه شرعا وكذا القول في المورث بناءا على شرعية القرعة في حياته. ولو بذلا مالا بقدر المتخلف أو الاكثر على تقدير الاختلاف فالوجه انعتاقهما بذلك، كما لو دفع المتبرع.

[ 324 ]

ولو أقام أحدهما بينة بالاداء قبلت، سواء كان في حياة المولى أو بعد موته، وسواء كان قبل القرعة أو بعدها، بل الظاهر فساد القرعة، لان البينة أقوى، وربما احتمل عتقهما معا لكونهما حجتين شرعيتين، وفي كشف اللثام أنه من الضعف بمكانة، للقطع بأن المؤدى منهما واحد، والقرعة لا تستقل بالاعتاق، هذا، وظاهر قول المصنف: (ثم يقرع بينهما لاستخراج المكاتب) بقرينة ما سبق كون ذلك إذا مات المولى بعد أن حلف على نفي العلم لكل منهما، فلا منافاة كما ظنه في المسالك، والامر سهل، والله العالم. المسالة (العاشرة:) المشهور نقلا وتحصيلا أنه (يجوز بيع مال الكتابة) المطلقة والمشروطة بعد الحلول وقبله وغيره من سائر وجوه النقل، كغيره من الديون التي قد عرفت الحال في نقلها بالبيع وغيره، وأن النهي (1) عن بيع ما لم يقبض محمول على ضرب من الكراهة. فما عن مبسوط الشيخ وابن البراج - من عدم جواز بيع المال الذي في ذمة المكاتب للنهي المزبور - واضح الضعف، وكذا ما عن ابن الجنيد: من التصريح بعدم جواز بيعه في المطلقة والمشروطة، لانه نظير بيع حبل الحبلى ولقاح الفحل، إذ فيه منع واضح، ضرورة كون ما في ذمة العبد مالا معلوما مملوكا للسيد كغيره من الديون، وكأنه لحظ عدم استقراره لاحتمال العجز المسلط للمولى على رده رقا مطلقا أو في المشروطة. ولعله الذي لاحظ الشيخ في المحكي من خلافه الجواب عنه، قال: " يجوز بيع المال الذي على المكاتب، فان أدى المكاتب مال الكتابة انعتق على سيده،


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب أحكام العقود من كتاب التجارة.

[ 325 ]

وإن عجز رجع بها على سيده، وكان للمشترى الدرك بما اشتراه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع ذلك - واستدل بأصالة الجواز، والمنع يحتاج إلى دليل وقوله تعالى: (1) " وأحل الله البيع " يدل على ذلك - فان قيل: نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما لم يقبض (2) قلنا: نحمله على ما إذا لم يكن مضمونا، وأما إذا ضمنه فلا بأس " وهو محتمل لبطلان البيع كقول المصنف: (فان أدى المكاتب مال الكتابة انعتق، وإن كان مشروطا فعجز وفسخ المولى رجع رقا لمولاه). وفي المسالك " فإذا صح البيع لزم المكاتب دفع المال إلى المشتري، فإذا أداه إليه عتق، كما لو أداه إلى المولى، ولو لم يدفعه أجمع وكان مشروطا فعجز وفسخ المولى رجع رقا لمولاه وهل يبطل البيع ؟ يحتمله، لان الفسخ يوجب رفع أثر الكتابة، ومن ثم رجع ولده رقا وتبعه كسبه، والعدم لمصادقة الملك حال البيع، فلا يضره الفسخ الطارئ " قلت: فيكون العبد حينئذ رقا للسيد ولكنه مديون للمشتري. وفيه أن مقتضى الفسخ رد العوضين على حالهما السابق، وحينئذ لم يبق في ذمة العبد شئ بعد أن دعا إلى الرقية. نعم قل يقال: بانعتاق المكاتب ببيع ما عليه، لوصول مال الكتابة لسيد أو كوصوله، بل هو أقوى من ضمانه له، فيبقى حرا مشغول الذمة بمال الكتابة للمشتري، فلا فسخ حينئذ للسيد بالعجز عن المال الذي انتقل عنه للمشتري وإن كان له الفسخ حيث كان المال له ويعجز عنه المكاتب، ولا للمشتري الذي لم يقع معه عقد الكتابة، وحينئذ فلا يطالب المشتري البائع بدرك مال الكتابة كما سمعته من الشيخ، ولا يبقى المكاتب مشغول الذمة وإن رجع عبدا لسيده، كما هو أحد احتمالي المسالك، فتأمل جيدا فاني لم أجد ذلك محررا في كلامهم.


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 275. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب احكام العقود الحديث 21.

[ 326 ]

وقاعدة " تلف كل مبيع قبل قبضه من مال بائعه " - لو سلم جريانها في المقام باعتبار تنزيل إعسار العبد بما عليه بمنزلة تلف المبيع مع عدم جريانها في غير البيع من النواقل - إنما تقتضي الانفساخ من حينه لا من الاصل، والفرض صيرورة العبد حرا يدفع عوض ما عليه للسيد، فإذا فرض الانفساخ عاد عوض المشتري إليه، وعاد ما في ذمة المكاتب للسيد، إلا أن المفروض تحرره، فيكون نحو ما سمعته في (من خ ل) الاقالة في الضمان لا أنه يعود رقا للسيد. أللهم إلا أن يقال: فرق واضح بينه وبين الضمان الذي هو انتقال ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وإن ثبت مثله في ذمة المضمون عنه للضامن إذا كان باذنه بخلاف البيع، فانه لم يخرج به المال عن كونه مال الكتابة وإن باعه السيد، فيصدق مع فرض إعسار العبد عجزه عنه، فيتحقق عنوان الخيار للسيد وإن لم يكن المال له، فإذا اختار الفسخ ورجع العبد رقا ذهب مال المشتري، فيطالب السيد به أو لم يذهب بل يبقى العبد مشغول الذمة به كما سمعته من الوجهين. لكنه كما ترى لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن الاصل اللزوم في العقد، والثابت من الخيار في المشروطة مع العجز عن أداء مال الكتابة للسيد لا مطلقا وإن ملكه غيره، فالمتجه حينئذ عدم الفسخ، نعم في انعتاق العبد كما ذكرناه أو يبقى إلى أن يؤدي وجهان، فتأمل. وكيف كان فعلى القول ببطلان بيع مال الكتابة أو فرض فساد البيع من وجه آخر لا يجوز للمكاتب تسليم النجوم للمشتري، وليس له مطالبته بها، لعدم استحقاقه لها، بل هي باقية على ملك السيد، بل لا يحصل عتقه إلا بدفعها إليه كما عن الشيخ والاكثر. وقيل: يحصل أيضا بتسليمها إلى المشتري وإن لم يكن مستحقا لها، لان السيد سلطه على القبض، فهو كما لو وكل وكيلا في القبض. وفيه ما عرفته غير مرة من عدم اقتضاء البيع الفاسد ذلك، ولذا يكون مضمونا عليه لو تلف في يده، بل لعل الاقوى ذلك، حتى لو قال للمشتري بعد البيع:

[ 327 ]

خذها من المكاتب، أو قال للمكاتب: ادفعها إليه بعنوان المعاوضة المفروض فسادها، فانه ليس استنابة مستقلة عن إذن المعاوضة، وحينئذ فللسيد أن يطالب المكاتب بماله في ذمته، والمكاتب يسترد ما دفع إلى المشتري، فان سلمه المشتري إلى البائع كان للعبد الاحتساب به جديدا من مال الكتابة، بل ربما احتمل تعينه لها نظرا إلى تعيين المكاتب بالدفع إلى المشتري، وفيه أن تعيينه مبني على المعاوضة المفروض فسادها، فالتحقيق بقاؤه على حكم مال العبد الذي لم يدفعه لها، والله العالم. (و) لا خلاف كما لا إشكال في أنه (يجوز بيع) المكاتب (المشروط بعد عجزه مع الفسخ) لصيرورته رقا حينئذ فتوى ونصا (1) بل بيعه بعد تحقق عجزه فسخ كما في نظائره. نعم قد أطلق المصنف (و) غيره أنه (لا يجوز بيع المطلق) أي بعد عجزه، ولعله لعدم جواز الفسخ من المولى معه، لاصالة اللزوم وغيرها، وهو مؤيد لما ذكرناه سابقا، لكن قيده الكركي بما إذا لم يتحقق العجز ويستقر الرق في الكل أو البعض، وفي المسالك " يجب تقييده بما إذا لم يبلغ حدا يجوز للمولى فسخ كتابته، فلو عجز عن الاداء بعد حلول المال ولم يمكن الوفاء عنه من سهم الرقاب جاز بيعه، كما يجوز فسخها حينئذ، وقد تقدم " ونحوهما في ذلك الشهيد في الدروس، لكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما قدمناه.


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة.

[ 328 ]

المسالة (الحادية عشرة:) (إذا زوج) السيد (ابنته من مكاتبه) المشروط أو المطلق المؤدي بعض ما عليه أو غير المؤدى (ثم مات) السيد (فملكته) كلا أو بعضا بالارث منه لعدم خروجه بالكتابة مطلقا عن أصل الرقية (انفسخ النكاح بينهما) كما عن الشيخ والاكثر، لما عرفته في محله من عدم اجتماع النكاح والملك. خلافا للمحكى عن ابن الجنيد، فقال: " لو مات السيد وابنته تحت المكاتب الذي شرط عليه الرقية عند عجزه منع من الوطء، وإن أدى كانا على النكاح، لانها لم ترث من رقبته شيئا، وإن عجز بطل النكاح، فان كان ممن يعتق بما أدى بطل النكاح إذا حصل له أداء بعض الكتابة " وهو واضح الضعف. نعم لو لم تكن البنت وارثة بأن تكون قاتلة مثلا فالنكاح بحاله، والله العالم. المسالة (الثانية عشرة:) (إذا اختلف السيد والمكاتب في) قدر (مال الكتابة) فقال السيد: ألفان مثلا، وقال المكاتب: ألف (أو في) قدر (المدة) فقال السيد: سنة، وقال المكاتب: سنتان (أو في النجوم) بأن قال السيد مثلا: جعلنا السنة التي هي الاجل المتفق عليه ثلاثة نجوم كل نجم أربعة أشهر، بحيث يحل في كل نجم ثلث المال، فقال المكاتب: بل جعلناها نجمين بحيث يحل في كل نصف سنة نصف المال (ف‍) في محكي الخلاف (القول قول السيد مع يمينه) أما في المدة فلان الاصل عدم الزائد عما يعترف به، كما في غيرها من سائر المعاوضات، وأما في قدر المال فلان الاصل في المكاتب وكسبه لسيده، ولان المكاتب يدعي العتق

[ 329 ]

بما يدعيه من المقدار والمولى ينكره، والاصل بقاء الرق. وفي الايضاح والمسالك " وبهذا يحصل الفرق بين الكتابة والبيع في الاختلاف في مقدار الثمن، فان الكتابة ليست معاوضة حقيقية، لانها معاملة على مال المولى بماله، والاصل أن لا يخرج ذلك عن ملكه إلا برضاه، لانها أشبه بالتبرع من شبهها بعقود المعاوضات، بل زاد في الاول إنما قدمنا قول المنكر في سائر المواضع لان الاصل معه، وهاهنا مع السيد، ولان العبد هو المدعى للعتق والمولى ينكره، والاصل بقاء الرق ". قلت: بل لو قلنا بأن الكتابة بيع أو كالبيع فالقول قول السيد أيضا، لما عرفته في محله من أن القول قول البايع في المقدار إذا كانت العين قائمة، والفرض قيامها في المقام. ولكن مع ذلك كله قال المصنف: (ولو قيل: القول قول منكر زيادة المال والمدة كان حسنا) بل في المسالك بعد أن جعله الاقوى نسبه إلى الاكثر، وفي حاشية الكركي " نعم، فيكون القول قول العبد في المال، والسيد في المدة والنجوم، وكان الوجه فيما استحسنه المصنف أصالة عدم الزيادة، ولان المولى باعترافه بأصل الكتابة واستحقاقه العتق خرج عن أصالة بقاء ملكه على المكاتب وعلى ماله، ثم هو يدعي زيادة في ذمة المكاتب وهو منكرها فيكون قوله مقدما في ذلك ". لكن لا يخفى عليك عدم جريان الاصل المزبور في الاختلاف في قدر النجوم على الوجه الذي ذكرناه، ويمكن أن لا يريده المصنف أللهم إلا أن يكون قد فرضه الكركي فيما إذا كان الاختلاف في النجوم موجبا للاختلاف في أصل المدة، كما لو اتفقا على أن الاجل نجمان ولكن ادعى المولى أن كل نجم شهر، وادعى المكاتب أن كل نجم شهران، أو اتفقا على أن النجم شهر، ولكن اختلفا في قدر النجوم، فقال المولى، إنهما نجمان وادعى المكاتب أنها ثلاثة، ولا ريب في أن

[ 330 ]

القول قول المولى في ذلك كله، لرجوعه للاختلاف في المدة. بل قد يدعى أن القول قوله أيضا في التقسيط على الوجه الذي ذكرناه أولا، ولكن مع دعوى المكاتب الاربعة في السنة والسيد الاثنين فيها، لاصالة عدم الزيادة في التقسيط وإن كان لا يخلو من نظر أيضا إلا أن منه ينقدح تقديم قول المكاتب لو اختلفا في المدة وكان هو يدعي الاقل والسيد يدعى الاكثر، لغرض الامتناع عن القبض والتعرض لعجز المكاتب أو موته أو غير ذلك من الاغراض، هذا وقد تقدم في كتاب البيع وغيره ماله مدخلية في المقام. بل منه يعلم الوجه في المحكي عن الجامع هنا من أنهما يتحالفان إذا اختلفا في المال أو المدة كما عن الشافعي، بل ويعلم قوة القول بأن القول قول منكر الزيادة مع فرض كون الدعوى فيها وعدمه، والبيع إنما خرج بدليله إذا كانت العين قائمة، ولا دليل على إلحاق الكتابة به في ذلك. بل ويعلم منه أيضا أنه إذا كان الاختلاف بينهما في الجنس فالتحالف، أما إذا كان في الاداء وعدمه فالقول قول السيد بلا إشكال، والله العالم.

[ 331 ]

المسالة (الثالثة عشرة:) (إذا دفع مال الكتابة وحكم بحريته فبان العوض) مستحقا للغير أو (معيبا) بغير الجنس بقي على حكم من لم يؤد، وتبين فساد الحكم الاول. وإن كان العيب جنسيا (فان رضي المولى فلا كلام) لكون المدفوع أحد أفراد الكلي وإن كان للسيد حق الرد والجبر بالارش، فمع فرض إسقاطه بالرضا لم يكن بحث. وما في المسالك - من أنه يجعل رضاه بالمعيب كالابراء عن بعض الحق ثم قال: " وهل يحصل العتق عند الرضا أو حصل من وقت القبض فيه وجهان، أجودهما الثاني - لا يخلو من نظر، خصوصا بعد أن توقف فيها في أن الرد نقض لتبين عدم الملك في أول الامر أو فسخ من حينه من غير ترجيح، ولا ريب في أن التحقيق تحقق الملك بالقبض وأنه ليس للسيد إلا حق الخيار في الرد والجبر بالارش كما مر تحقيق ذلك، وحينئذ فإذا رضي بالمعيب وأسقط حقه من الخيار المزبور فلا إشكال، وكان حرا من أول القبض لا حين الرضا وإن توقف فيه الفاضل في القواعد من دون ترجيح. هذا كله إذا رضي به. (وإن رده بطل العتق المحكوم به) عند الشيخ والمصنف وجماعة إما (لانه مشروط بالعوض) فيتبعه في الاستقرار والتزلزل كما هو حكم المعاوضة، وإما لتبين أنه لم يملكه بالقبض، كما هو أحد الوجهين في المسالك في كل جزئي دفع عن كلي في صرف أو سلم أو غيرهما وإن كان لا يخفى عليك ما فيه كما تقدم الكلام فيه مفصلا في الصرف والسلم، ولذا اقتصر المصنف على تعليله الاول. وأشكله الكركي في حاشيته بأن العتق إتلاف واستهلاك، فإذا حكم بوقوعه

[ 332 ]

لم يبطل، مع أنه مبني على التغليب قال وقول المصنف: " لانه مشروط بالعوض " يقتضي عدم حصوله، وليس كذلك، ومن ثمة لو رضي بهذه استمر العتق بحاله وإن مضى على ذلك مدة طويلة قبل العلم والرضا ولم يكن محجورا عليه في شئ من تصرفاته السابقة، إلا أن يدعى عدم زوال الحجر عن المكاتب بمجرد الدفع إلى أن يتحقق سلامة العوض، وهو خلاف ما يظهر من كلامهم، والمسألة محل نظر، وبطلان العتق لا يخلو من شئ. وقد تبع في ذلك الفاضل في القواعد حيث حكم في موضع منها ببطلان العتق على إشكال. وفي الايضاح " منشأ الاشكال أن يقال: العتق إتلاف واستهلاك فإذا حكم بوقوعه لم يبطل كالخلع، وأن يقال: العتق إنما يستقر باستقرار الاداء، وقد ارتفع الاداء، فيرتفع العتق، - قال -: وهذان الوجهان كتبهما المصنف حاشية بخطه على الاصل ". قلت: لا يخفى عليك ما في الاول، فان العتق إتلاف واستهلاك إذا وقع مستقلا، كما لو أعتق العبد الذي فيه الخيار للبائع على ما حررناه في محله لا ما إذا كان العتق من أصل وقوعه قد وقع متزلزلا وليس هو تصرفا مستقلا، وقاعدة أن الحر لا يعود رقا إنما هي في الاول، وكذا دعوى بنائه على التغليب، فالتحقيق حينئذ ما ذكره المصنف، اللهم إلا أن يدعى أن هذه المعاوضة ليست معاوضة حقيقية كي يجري عليها حكم المعاوضة، لكنه كما ترى. ومما ذكرنا يظهر لك النظر فيما أطنب فيه في المسالك من بناء المسألة تبعا للفخر في إيضاحه على أن الرد بالعيب فسخ متجدد للقبض أو دفع للقبض من أصله، فعلى الاول لا يبطل العتق وعلى الثاني يبطل، لان الرد يكون كاشفا عن بطلان الاداء، إذ لا يخفى عليك ما فيه، فان التحقيق كونه فسخا من حينه ومقتضيا لبطلان العتق، ودعوى الاجماع على عدم وقوع العتق متزلزلا ممنوعة على مدعيها كما عرفته في كتاب العتق.

[ 333 ]

وأغرب من ذلك ما في المسالك أيضا من أنه " لو طلب الارش مع الرضا بالعيب فله ذلك، وتبين حينئذ أنه لم يقبض كمال النجوم، فإذا أداه حصل كمال العتق حينئذ، وإن عجز عنه وكانت مشروطة فللسيد استرقاقه كما لو عجز عن بعض النجوم " إذ هو كما ترى، فان التحقيق كون الارش جبرا لتفاوت النقض بالعيب، لا أن بعض العوض باق، وإلا لم يحصل الحرية بالرضا بالمعيب من حين القبض كما اختاره هو، إذ لو كان ذلك إبراءا لحصل بحصوله لا قبله، كما هو واضح. (ولو تجدد في العوض عيب لم يمنع من الرد بالعيب الاول مع أرش الحادث) لاستصحاب الرد، ولانها ليس معاوضة حقيقة، فليس لها حكم المعاوضات اللازمة. (و) لكن مع ذلك (قال الشيخ: يمنع، وهو بعيد) عند المصنف لما عرفت، إلا أن الانصاف قربه، بل عن الفاضل في التحرير اختياره، وفي حاشية الكركي هو قوى، وذلك لان أصل إثبات الرد فيها للالحاق بالمعاوضات، وإلا فلا دليل بالخصوص، والضرر يرتفع بالارش، وحينئذ فمقتضاه ثبوته فيها على حسبها، بل قد يقال إن الرد لا يتحقق مع العيب، ضرورة كون المراد رده بحاله الذي قد وصل إليه، والفرض أعيبه، ولعل هذا هو الاصل في منع العيب الرد، مؤيدا بقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " وهو مشترك بين الجميع. ومما ذكرنا يعلم أولوية استقرار الارش بالتلف من العيب، وفي القواعد ولو اطلع على العيب بعد التلف كان له رد العتق إلا أن يسلم الارش، فان عجز كان له الاسترقاق كالعجز عن بعض النجوم، وهو نحو ما سمعته من المسالك الذي قد عرفت النظر فيه، والله العالم.

[ 334 ]

المسالة (الرابعة عشرة:) (إذا اجتمع على المكاتب ديون) معاملة مثلا (مع مال الكتابة) لمولاه أو لغيره أولهما (فان كان ما في يده يقوم بالجميع فلا بحث) سواء كان مشروطا أو مطلقا، (وإن عجز) وكان الدين للمولى والمكاتب مشروط فان تراضيا على تقديم أحدهما فلا بحث أيضا وإلا ففي القواعد وشرحها والمسالك كان للسيد أخذ ما في يده عن دين المعاملة أو أرش الجناية ثم يعجزه ويرجعه رقا إن شاء، وإن اختار المكاتب دفع مال الكتابة فللسيد منعه، لاحتمال عدم تمكنه بعد من وفاء دينه، ولا يجد مرجعا له بعد عتقه. وهل له تعجيزه قبل أخذ ما في يده ؟ وجهان: أحدهما لا، لانه قادر على أداء النجوم ما دام المال في يده، وثانيهما له، وفي الايضاح والمسالك أوجههما نعم، لانه يتمكن من مطالبته بالدينين معا وأخذ ما في يده عنهما، وحينئذ فيعجز عن قسط من النجوم. وفيه أنه لا حاجة للمطالبة بهما، لما عرفت أن الاختيار للسيد في أخذ أيهما شاء لا للمكاتب، نعم قد يناقش فيه بأن ذلك كله لا يحقق العجز فعلا وإنما أقصاه القدرة، بل وفي الاول إن لم يكن إجماعا بأن الاختيار في تعيين جهة الدين للمديون لا الديان، ولذا لو دفع المكاتب ما في يده ولم يتعرضا لذكر الجهة ثم قال: قصدت النجوم وأنكر السيد كان القول قول المكاتب، لانه أعرف بقصده، كالمديون بدينين وأحدهما عليه رهن. ودعوى ترجيح دين المعاملة باستقراره بخلاف دين المكاتبة لا حاصل لها على وجه ترجع إلى دليل شرعي، وتمكينه من مطالبته بهما لا يوجب على المديون دفعه إليهما معا كى يحصل العجز عن قسط من النجوم، بل هو على اختياره، لانه المكلف بالاداء والمخاطب به، فالنية نيته والامتثال امتثاله، وحينئذ فالمشروط

[ 335 ]

بالنسبة إلى التخيير المزبور كالمطلق الذي اعترف في القواعد بتخييره في الفرض، بل ظاهره عدم الفرق بين المؤدى بعضا وغيره وإن قيده في كشف اللثام بالاول لكنه لا أثر له. وربما يؤيد ما قلناه ما في الايضاح والمسالك بل وغيرهما فيما لو كانت الديون عليه لغير المولى، كما لو كان عليه دين معاملة لاجنبي وأرش جناية لاخر ومال الكتابة، ولم يف ما في يده بها، فان لم يحجر عليه فله تقديم من شاء منهم كالحر المعسر، إذ ليس ذلك إلا لقاعدة التخيير للمديون المشتركة بين المقامين. وإن حجر عليه (وكان مطلقا تحاص فيه الديان والمولى) على قدر ديونهم من دون تقديم أحدهما على الاخر، لتساويهما أجمع حينئذ في التعليق بما في يده. ويحتمل بل في المسالك هو الاجود أنه يقدم دين المعاملة، لانه يتعلق بما في يده خاصة، بخلاف أرش الجناية الذي له متعلق آخر، وهو الرقبة، وحق السيد الذي بالعجز يعود فيه المكاتب إلى الرقية، ثم يقدم أرش الجناية على مال الكتابة، لان الارش مستقر بخلافه، فانه عرضة للسقوط بالعجز، ولان حق المجني عليه يقدم على حق المالك في القن ففي عوضه بطريق أولى. لكن - هو مع ابتنائه على عود المطلق رقا بالعجز وقد عرفت ما فيه - يدفعه أنها مجرد اعتبارات لا ترجع إلى دليل شرعي بعد كون الجميع ديونا في ذمته، فتندرج فيما دل على تعلقها بما في يد المحجر عليه، كما هو واضح. (وإن كان) المكاتب (مشروطا) ففي المتن وغيره (قدم الدين) على مال الكتابة (لان في تقديمه حفظا للحقين) وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا ولاحقا، وكذا ما قالوه من تقديم حق أرش الجناية عليه وأن في تقديم الدين عليه ومساواته له وجهين كما في الايضاح، إذ الجميع كما ترى مبنية على اعتبارات لا تصلح معارضة لاطلاق الادلة.

[ 336 ]

وأضعف من ذلك ما قيل من أنه لو كان للمولى معهم دين معاملة احتمل مساواته لمال الكتابة، لان ديون السيد ضعيفة باعتبار كونها عرضة للسقوط بالعجز، إذ هو كما ترى لا حاصل له، فان دين المولى لا بدل له كديون الغرماء مع عوده رقا، إذ رقيته بدل مال الكتابة لا غيرها من الديون، كما هو واضح. (ولو مات) قبل أن يقسم ما في يده (وكان مشروطا بطلت الكتابة) كما عرفته سابقا وسقطت النجوم (ودفع ما في يده في الديون خاصة) بل عن المبسوط واختاره في الايضاح سقوط أرش الجناية، لتعلقه بالرقبة وقد فاتت، وتعلقه بما في يده بحكم الكتابة التي قد فرض بطلانها فيتبعها بطلان ذلك التعلق وإن كان هو لا يخلو من نظر، لمنع تعلق أرش الجناية برقبته من أول الامر كالقن، لان له ذمة قابلة لتعلق الدين بها بخلاف القن، ومن هنا تحاص مع الديون. فالتحقيق بناء المسألة على أن أرش جناية المكاتب الموجبة مالا تتعلق أولا برقبته، وله فداؤها بالمال، أو أنها تتعلق أولا بذمته، فان لم يكن له مال كان للمجني عليه استيفاؤها من رقبته، ظاهر كلامهم في المقام الاول، ويأتى بعض الكلام فيه إن شاء الله تعالى، وعليه فمع فرض المسألة في المحجور عليه ولكن مات قبل قسمة ماله يتجه حينئذ مساواة الارش للدين، لتعلقه بالتركة قبل الموت، فيستصحب، ولانه أقوى من دين المعاملة، ولذا تتعلق برقبة القن دونة، وزوال الكتابة ينقله إلى الرقية مع الامكان، بل لا وجه لتقديم الدين عليه هنا وإن احتمل ذلك حال الحياة باعتبار كون الرقبة محلا آخر له، إلا أن الفرض فواتها، ومن ذلك يعلم أنه لا فرق في الحكم المزبور بين المحجور عليه وغيره. (و) كيف كان ف‍ (لو قصر) ما في يده عن الديون (قسم بين الديان بالحصص) على نحو غيره من قاصري التركة (ولا يضمنه المولى) بلا خلاف أجده، للاصل و (لان الدين تعلق بذلك المال فقط) وما في بعض النصوص (جواهر الكلام - ج 21)

[ 337 ]

السابقة من ضمان المولى عنه لانه عبد مطرح أو محمول على ضرب من الندب أو على غير محل الفرض، والله العالم. المسالة (الخامسة عشرة:) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يجوز أن يكاتب بعض عبده إذا كان الباقي حرا) بل في الايضاح اتفاق الفرق عليه، لاطلاق الادلة وعمومها وإفادتها العبد الاستقلال بل (أو رقا له،) أيضا (و) إن (منعه الشيخ) في المحكي عن مبسوطه لتخلف رفع الحجر الذي هو من لوازم الكتابة معه بعدم استقلاله فيما يحتاج إليه من سفر ونحوه من أنواع السعي، ولزوم مشاركته له فيما يدفع إليه من سهم الرقاب من الزكاة لانه كسبه. واجيب باندفاع ذلك بالمهاياة، وبالتزام عدم المشاركة في المدفوع من سهم المكاتبة، لعدم قابلية جزء الرق للملك، والاولى الجواب عن الاول باقتضاء كتابته إياه الاذن في ذلك، وعلى كل حال فالمنع ضعيف. (ولو كان الباقي رقا لغيره فأذن صح) لوجود المقتضي من إطلاق الادلة وعمومها وارتفاع المانع الذي هو الحجر عليه المانع له من السعي. (وإن لم يأذن بطلت الكتابة لانها تتضمن ضرر الشريك) بتبعض العبد، (ولان الكتابة ثمرتها الاكتساب ومع الشركة لا يتمكن من التصرف) واجيب عن الاول بمنع اقتضاء الضرر المزبور الناشي من التصرف بماله المسلط عليه عدم جوازها المستفاد من إطلاق الادلة وعمومها، وعن الثاني باندفاعه بالمهاياه. وفيه أنه لا دليل على لزوم إجابته إليها كما لا دليل على لزومها بعد الاجابة إليها، فلا يحرز التمكن من الاكتساب الذي يتوقف جواز الكتابة عليه، بل منه ينقدح الاشكال في جوازها مع الاذن، لعدم التزامه بالاستمرار عليها، ولعله لذا قيل بعدم الجواز مطلقا.

[ 338 ]

لكن يمكن منع اعتبار إحراز التمكن المزبور في صحة الكتابة، لاطلاق الادلة وعمومها، وخصوص موثق سماعة (1) عن الصادق عليه السلام المتقدم سابقا المشتمل على النهي عن الامتناع عن مكاتبة من ليس له كثير مال ولا قليله، وعلى التعليل بأن المؤمن معان، ومن هنا جزم الفاضل وغيره بالصحة مطلقا وإن كره الشريك، ولعله الاقوى، والله العالم. هذا كله في أركان المكاتبة وأحكامها. (وأما) الكلام في (اللواحق فيشتمل على مقاصد). (الاول:) (في لواحق تصرفاته، وقد بينا) في المسألة الثانية من مسائل الاحكام تمام البحث في (أنه لا يجوز) للمكاتب (أن يتصرف) بما في يده من المال وإن كان مملوكا له (بما ينافي الاكتساب من هبة أو محاباة أو إقراض أو إعتاق) أو فيه خطر (إلا باذن مولاه) فيجوز، لان الحق لهما (و) حينئذ ف‍ (كما يصح أن يهب من الاجنبي) مثلا (باذن المولى فكذا هبته لمولاه) بلا خلاف ولا إشكال، (ونريد أن نلحق هنا مسائل:) (الاولى:) لا إشكال في أن (المراد من الكتابة تحصيل العتق) بالعوض (وإنما يتم باطلاق التصرف في وجوه الاكتساب)، وحينئذ فاطلاقها يقتضي ذلك (فيصح أن يبيع من مولاه ومن غيره وأن يشتري منه ومن غيره) كما يصح له غيرهما من وجوه التكسب، إذ المولى كالاجنبي في ذلك بلا خلاف أجده.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 339 ]

(و) لكن ذكر غير واحد أنه (يتوخى ما فيه الغبطة في معاوضاته) بل ظاهرهم المفروغية منه (فيبيع بالحال لا بالمؤجل إلا أن يسمح المشتري بزيادة عن الثمن فيعجل مقدار الثمن ويؤخر الزيادة) و (أما هو فإذا ابتاع بالدين جاز، وكذا إن استسلف، وليس له أن يرهنه، لانه لا حظ له، وربما تلف منه، وكذا ليس له أن يدفع قراضا) إلى غير ذلك مما ذكروه من الامثلة التي لا طائل في التعرض لها، ولكن جعلوا الضابط في الجائز له التصرف الاكتسابي المشتمل على المصلحة وأن لا يكون فيه خطر كما سمعته في المسألة الثالثة من فصل الاحكام. بل في المسالك هنا " فرقوا بين المكاتب وبين الولي حيث يبيع مال الطفل نسيئة ويرتهنه للحاجة أو المصلحة الظاهرة، فان المراعي هناك مصلحة الطفل، والولي منصوب لينظر له، وهاهنا المطلوب العتق، والمراعي مصلحة السيد، والمكاتب غير منصوب لينظر ". بل فيها أيضا " أنه متى باع أو اشترى لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض، لان رفع اليد عن المال بلا عوض لا يخلو عن غرر، ولذلك ليس له السلم، لان مقتضاه تسليم رأس المال في المجلس وانتظار المسلم فيه ". بل فيها أيضا " لما كان الواجب عليه تحري ما فيه الغبطة ومظنة الاكتساب فعليه أن يبيع بالحال لا بالمؤجل، لان إخراج المال عن اليد بلا عوض في الحال تبرع ومشتمل على خطر، سواء باع بمثل قيمته أو أكثر، وسواء استوثق بالرهن أو الكفيل أم لا، لان الكفيل قد يفلس والرهن قد يتلف، نعم يجوز أن يبيع ما يساوي مأة بمأة نقدا وبمأة نسيئة، ويجوز أن يشتري نسيئة بثمن النقد، ولا يرهن به، فانه قد يتلف، وإن اشتراه بثمن النسيئة ففي جوازه وجهان: من اشتماله على التبرع، ومن عدم الغبن " إلى غير ذلك مما فيها وفي غيرها كالقواعد وشرحيها والتحرير ونحوها، وليس فيها كثير اختلاف، ومرجعها إلى كون المكاتب كعامل القراض بل أشد، لكن إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة في ذلك بعدم

[ 340 ]

الدليل على التعليل المزبور. وصحيح معاوية (1) عن الصادق عليه السلام المتقدم - الذي فيه " لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الاكلة من الطعام " مع أن الموجود في سؤاله " المملوك الذي كاتب على نفسه وماله " المحتمل لكون المراد منه اشتراط عدم التصرف بماله - إنما يراد منه المنع من التصرفات التبرعية كالهبة والعتق ونحوهما، لا مطلق التصرف حتى الاكتسابي منه الذي هو من لوازم عقد الكتابة ومقتضيات إطلاقها. ولذا قال الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (2) السابق في المسألة المزبورة في المكاتب المشروط: " لا يجوز له عتق ولا هبة، ولكن يبيع ويشترى ". بل لعل المستفاد منه ومن غيره أن رفع الحجر عن المكاتب في تصرفاته الاكتسابية شرعي لا مالكي كي يلاحظ إذن السيد فيه وجودا وعدما، كالعامل الذي هو وكيل عن المالك، بل لا عبرة بنهي المالك للمكاتب عن تصرفه الاكتسابي فضلا عن اعتبار إذنه بخلاف العامل. كما أن المستفاد من قوله عليه السلام فيه: " يبيع ويشترى " الاذن له في التكسب الجاري مجرى تكسب العقلاء في النقد والنسيئة والقراض والاجارة بالنقد وبغيره والسلم وغيرها، من غير فرق بين ما كان فيه خطر أولا، وبين أخذ الرهن والكفيل أولا، إذ المدار على التكسب المزبور مكانا وزمانا وأحوالا، بل الظاهر جواز التصرف له بماله بما لا مفسدة فيه للمال ولا حاجة إلى ملاحظة الغبطة، فله بيع الشئ بثمن مثله وغير ذلك. وبالجملة ما ذكروه من التقييدات المزبورة التي هي أشد منها في ولي الطفل لا أعرف له دليلا سوى دعوى كون المكاتب لم يخرج بالكتابة عن الرقية التي مقتضاها الحجر عليه، وأنه كل على مولاه لا يقدر على شئ، وأقصى ما خرج عن ذلك بسبب الكتابة ما اشتمل على القيود المزبورة دون غيره الذي يكفي في مثله الشك فيه.


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة الحديث 1 - 3.

[ 341 ]

لكنه كما ترى مناف لاطلاق الاذن بالبيع والشراء الذي هو كناية عن الاكتساب، ولما هو المعلوم من أن مقتضى عقد الكتابة استقلال العبد بالتصرف في ماله بغير التبرع المؤدي إلى تلف المال بلا عوض. ولو تصرف تبرعا ولم يرده السيد ولو لعدم علم به فتحرر بالاداء صح تصرفه في قول قوي، لما ذكرناه في نظيره من بيع المالك المال المرهون ثم فكه، ولما سمعته في صحيح معاوية بن وهب (1) المتقدم من صحة نكاحه، وقيل بالعدم، لاستلزامه تعليق البيع أو نفوذه مع تعلق حق الغير به من دون إذن منه، والله العالم. المسالة (الثانية:) (إذا كان للمكاتب) مشروطا أو مطلقا (على مولاه مال وحل نجم) من نجومه كان حكمه كالاجنبي مع الاجنبي بالنسبة إلى التقاص (فان كان المالان متساويين جنسا ووصفا تهاترا) قهرا سواء كانا نقدين أو عرضين مثليين، كما في الدروس والمسالك، لما بيناه في محله من عدم ملك شخص على آخر ما يملكه عليه. (ولو فضل لاحدهما رجع صاحب الفضل). (وإن كانا مختلفين) جنسا أو وصفا ولو بالحلول والتأجيل أو اختلاف الاجل وفي الدروس والمسالك أو كانا قيميين (لم يحصل التقاص إلا برضاهما) للاصل وقاعدة التخيير للمديون في جهات القضاء وغير ذلك، لكن قد يناقش في خصوص ما سمعته من الدروس والمسالك بأن ما أشرنا إليه من دليل التهاتر شامل للمثلى والقيمي، أللهم إلا أن يقال: إن دليل التهاتر القهري الاجماع، والمسلم منه المثلان دون القيميين، فلو فرض أن لكل واحد على الاخر عبدا مثلا موصوفا بصفات متحدة لم يتقاصا إلا بالتراضي.


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2.

[ 342 ]

هذا (و) قد عرفت أنه (هكذا حكم كل غريمين) في جميع ما سمعت (و) لكن (إذا تراضيا كفى ذلك) في براءة ذمة كل منهما عما للاخر عليه في المشهور (ولو لم يقبض الذي له ثم يعيده عوضا سواء كان المال أثمانا أو أعراضا) لما تقدم في محله من أن الوفاء معاوضة مستقلة برأسها، ومن أن ما في الذمة مقبوض لمن هو عليه، فلاحظ وتدبر. (وفيه قول آخر) للشيخ في المحكي عن مبسوطه (بالتفصيل) وهو إن كانا نقدين قبض أحدهما ودفعه عن الاخر، وإن كانا عرضين فلا بد من قبضهما، وإن كان أحدهما نقدا فقبض العرض ثم دفعه عن النقد جاز دون العكس، وفي الدروس والمسالك وكان الشيخ يجعل المقاصة بيعا فيلحقها أحكامه من بيع الدين بالدين وشبهه، والله العالم. المسالة (الثالثة:) (إذا اشترى أباه) مثلا (بغير إذن مولاه) سابقا أو لاحقا (لم يصح) إذا لم يكن له مدخلية في التكسب، لعدم ثبوت الاذن له شرعا بمثل هذا التصرف، فيبقى على أصل الحجر عليه وإن لم ينعتق عليه فما عن بعض - من الجواز لانه اشترى مملوكا لا ضرر على المولى في شرائه، ولهذا كان كسبه له، وإن عاد المكاتب في الرق عاد هو معه كالاجنبي - ضعيف لا لما في المسالك من أن صرف المال في ثمنه مع عدم جواز بيعه والتكسب به غير سائغ له وإن لم يعتق في الحال، إذ يمكن منع عدم جوازه له إذا فرض قلة ثمنه مع كونه كسوبا بحيث يستعين به على أداء مال الكتابة بل لان المفروض شراؤه على وجه لا مدخلية له في التكسب، ويكفي في ضرر المولى دفع المال في مقابلة من لا يجوز له التكسب فيه ببيع ونحوه، ولا كسب له يستعين به على أداء مال الكتابة. نعم لو قلنا يجوز له التصرف فيه ببيع ونحوه لم يكن إشكال في جواز شرائه، ضرورة كونه حينئذ كالاجنبي إلا أني لم أجد من صرح بجوازه، بل ظاهر بعض من تعرض لذلك وصريح آخر كالفاضل في القواعد والاصبهاني في شرحها وغيرهما

[ 343 ]

العدم، بل أرسلوه إرسال المسلمات، وإن كان دليله إن لم يكن إجماعا لا يخلو من إشكال للاصل وغيره، وكونه يتحرر تبعا لتحرر الولد الذي لم يعلم حصوله لا يقتضي عدم جواز بيعه، ولعله لذا تردد فيه الكركي في حاشية الكتاب إلا أني لم أجده لغيره. نعم في الايضاح في تقرير دليل القول بجواز الشراء من دون إذن ما يقتضي جواز بيعه عند معاينة العجز، نحو ما سمعته عن بعضهم في ولد المكاتبة، لكن صريحه في تقرير القول بعدم جواز شرائه عدم جواز التصرف فيه بنحو ذلك. ومن الغريب قوله في الحاشية المزبورة: " إني لم أظفر للاصحاب بتصريح بجواز البيع وعدمه " مع تصريح الفاضل في القواعد التي هي بين يديه بذلك، وقد حكى هو عن الايضاح شرحها ما نقلناه عنه قال فيها: " وإذا اشتراه أو قبله في الوصية ملكه وليس له بيعه ولا هبته ولا إخراجه عن ملكه، ولا ينعتق عليه " وقد صرح أيضا في التحرير والدروس بعدم جواز التصرف فيه، بل المصنف في المسألة الثانية قد صرح بعدم جواز التصرف، ويمكن أن يكون دليلهم على ذلك مضافا إلى الاجماع فحوى ما دل على الانعتاق عليه بالملك (1) القاضي بعدم جواز التصرف فيه بنحو ذلك وإن منع من الانعتاق مانع من جهة ضعف الملك أو غير ذلك بل وفحوى، نصوص (2) أولاد المكاتب والمكاتبة الظاهرة في عدم دفع الاولاد عن مال المكاتبة، وغير ذلك، والله العالم. هذا كله إذا لم يأذن له المولى. (وإن أذن له صح) ولو لم يكن له مدخلية فيه، لان الحق لهما (وكذا) يصح من دون إذن (لو أوصى له به ولم يكن في قبوله ضرر) من حيث الانفاق عليه (بأن يكون مكتسبا يستغني بكسبه) وإن كان لو مرض أو عجز أنفق عليه كما في المسالك، لانه من صلاح ماله لا للمواساة الممنوع منها كما


(1) االوسائل الباب - 7 - من كتاب العتق. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب المكاتبة.

[ 344 ]

في أقاربه الاحرار وإن كان قد يناقش بأن ذلك كاف في عدم جواز قبوله المعتبر في صحة الغبطة عنده، فلابد من فرض كونه كسوبا يستعين به على مال الكتابة، ولا يكفي عدم الضرر، بل قد عرفت في كتاب الوصايا جزم المصنف وغيره بعدم صحة الوصية من غير السيد للمكاتب، بل ادعى بعضهم الاجماع عليه مضافا إلى بعض النصوص (1) فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (إذا قبله فان أدى مال الكتابة عتق المكاتب وعتق الاخر مع عتقه، وإن عجز ففسخ المولى استرقهما) معا مثل غيره من عبيد المكاتب، وفي كشف اللثام " لانكشاف أنه الذي ملكه لا المكاتب " وهو كما ترى. نعم في المتن (وفي استرقاق الاب تردد) قيل مما ذكرناه، ومن تشبثه بالحرية بجريانه في ملك ولده، وهو كما ترى. ضرورة أنه لا سبيل إلى إبطال القبول بعد صحته، ولا إلى عتق الاب مع استرقاق الولد، ولعله لذا لم يحك عن غير المصنف احتمال ذلك، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (إذا جنى عبد المكاتب) غير أبيه بما يوجب الارش (لم يكن له أن يفكه بالارش إلا أن يكون فيه الغبطة له) ولو لقصور الارش عن قيمته، فيفضل له ما ينتفع به، أو لان عينه تشتمل على منفعة تعود على المكاتب في ماليته بكسب وغيره. (ولو كان المملوك) الجاني (أب المكاتب) الذي دخل في ملكه بوجه من الوجوه السالفة قيل: (لم يكن له افتكاكه بالارش ولو قصر عن قيمته) أي الاب (لانه يتعجل باتلاف مال له التصرف فيه، ويستبقى ما لا ينتفع به، لانه


(1) الوسائل الباب - 79 و 80 - من كتاب الوصايا.

[ 345 ]

لا يتصرف في أبيه، و) لكن (في هذا تردد) مما سمعت ومن امكان فرض الغبطة له بزيادة كسبه. ولعل هذا أولى مما في حاشية الكركي والمسالك من أن مرجع التردد فيه إلى الاشكال في جواز شرائه وعدمه، فان أجزناه فذاك وإلا فلا، إذ فيه أن المصنف قد جزم بعدم الجواز سابقا أللهم إلا أن يكون هذا التردد بعده، والامر سهل. وفي الايضاح جعل أحد وجهي التردد فيه إمكان الاستعانة بثمنه عند معاينة العجز، وفيه ما ذكرناه سابقا في ولد المكاتبة من أنه لا دليل على خصوص ذلك إلا بعض الوجوه الاعتبارية، والله العالم. (المقصد الثاني) (في جناية المكاتب والجناية عليه، وفيه قسمان:) (الاول:) (في مسائل المشروط وهي سبع:) (الاولى): (إذا جنى المكاتب على مولاه عمدا فان كانت نفسا فالقصاص للوارث، فان اقتص كان كما لو مات) في بطلان الكتابة وانتقال ما في يده وأولاده للوارث (وإن كانت طرفا فالقصاص للمولى، فان اقتص فالكتابة بحالها) للاصل وغيره، وإن عفى هو أو الوارث على مال صح، وبقيت كتابته كما لو كانت الجناية توجب مالا، لان المولى مع المكاتب كالاجنبي بالنسبة إلى ذلك وإن كان ملكا له، وإنما لا يثبت له على ملكه مال في غير المكاتب الذي هو كالحر في

[ 346 ]

قابلية الملك والملك عليه. نعم الاقوى وفاقا للفاضل وولده والكركي والشهيدين والاصبهاني وغيرهم ثبوت الارش له ما لم يزد عن قيمته، وإلا كان له مقدار القيمة، لقوله عليه السلام (1): " لا يجني الجاني على أكثر من نفسه " ومساواته للحر إنما هو في ثبوت مال في ذمته لا في مقدار الارش، فما عن بعض - من ثبوته في ذمته ولو أضعاف قيمته بل قيل إنه مقتضى إطلاق المصنف الارش بل قد يؤيده كلامه في المسألة الثانية - واضح الضعف. وعلى كل حال فان وفي ما في يده بالارش ومال الكتابة وفي الحقين وعتق، وكذا إن قصر عنهما معا، ولكن يفي بمال الكتابة ورضي السيد بالاداء عنه وبقاء الارش، وإلا فقد سمعت سابقا ما ذكروه من تسلط المولى على أخذ ما في يده وتعجيزه عن مال الكتابة، فيرجع حينئذ رقا، وعرفت البحث فيه إن لم يكن إجماعا. ولو لم يكن في يده مال أصلا عجزه المولى إن شاء وسقط أرشه حينئذ، لعدم ثبوت مال له في ذمة عبده، مع احتماله ويتبع به بعد العتق إن حصل، لثبوته في ذمته، وهو قابل لذلك، والاصل بقاؤه، والمسلم من عدم ثبوت المال له في ذمة عبده إنما هو في الابتداء لا الاستدامة، أللهم إلا أن يكون إجماعا وأولى من ذلك في الثبوت ما لو أعتقه بعد جنايته أو أبرأه من مال الكتابة ولم يكن في يده شئ، لاصالة بقائه حال الحرية التي هي أولى بالثبوت من حاله الاول. فما عساه يقال: بل ربما كان ظاهر بعض اختياره - من سقوط الارش حينئذ بل صريح الدروس ذلك لانه أزال الملك عن الرقبة التي كانت متعلق الارش باختياره ولا مال غيرها - واضح الفساد، ضرورة اقتضائه السقوط أيضا لو أدى مال الكتابة سابقا على دفع الارش إذا كان ما في يده يفي بهما، واحتمال الفرق - بأن


(1) الوسائل الباب - 33 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 10 من كتاب القصاص.

[ 347 ]

العتق هنا بسبب من جهته بخلاف ما لو أعتقه مجانا، مع أنه لا يتم في البراء الذي هو بمنزلة الاداء - لا حاصل له. وأضعف من ذلك ما احتمله في الدروس وغيرها من سقوط الارش لو أعتقه وإن كان عنده مال، لتعلق الارش بالرقبة أصالة والمال يثبت تبعا والفرض فواتها، إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، على أن دعوى تعلق الارش بالرقبة في الجناية على المولى يمكن منعها لكونها ملكا له قبل الجناية، فلا وجه لتعلق حقه بملكه، وإنما يثبت له في ذمته إلا على احتمال ستعرفه إن شاء الله فتأمل جيدا، والله العالم. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك ما في قول المصنف وغيره: (وإن كانت الجناية خطأ فهي تتعلق برقبته، وله أن يفدي نفسه بالارش لان ذلك يتعلق بمصلحته) التي هي كنفقته وعلاج مرضه، إذ قد عرفت أن رقبته ملك للسيد، فلا وجه لتعلق حقه بها، نعم لما صار له بالكتابة ذمة قابلة لان يملك عليه بها من غير فرق بين المولى وغيره تعلق أرش جنايته على المولى بها، كما هو مقتضى إطلاق ما دل على ديتها الظاهر في أن موردها الذمم كقيم المتلفات، وإنما تعلقت برقبة العبد في بعض المواضع لعدم ذمة له فعلا يتمكن من الاداء بها مع قوة أمر الجناية وأنه لا يطل دم امرئ مسلم (1) فشرع الاستيفاء منها عوض الذمة، فتأمل جيدا، والله العالم. وكيف كان (ف‍) حكم الخطأ حكم العمد الموجب مالا، وهو ما سمعته من أنه (إن كان ما بيده) من المال (بقدر الحقين فمع الاداء ينعتق، وإن قصر دفع أرش الجناية) وفيه البحث السابق. (فان ظهر عجزه كان لمولاه فسخ الكتابة، وإن لم يكن له مال أصلا وعجز فان فسخ المولى سقط الارش لانه لا يثبت للمولى


(1) الوسائل الباب - 46 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2 والباب - 2 - من أبواب دعوى القتل الحديث 1 من كتاب القصاص وفيهما " لا يبطل دم امرئ مسلم ".

[ 348 ]

في ذمة المملوك مال) وفيه البحث السابق. (وسقط مال الكتابة بالفسخ). والله العالم. المسألة (الثانية:) (إذا جنى على اجنبي عمدا فان) كانت طرفا واقتص منه أو (عفى) على مال أولا عليه (فالكتابة بحالها وإن كانت الجناية نفسا واقتص الوارث كان كما لو مات) في بطلان الكتابة على نحو ما سبق، وإن عفى على مال أو كانت الجناية موجبة له جاز له دفع الارش الذي هو أقل الامرين منه ومن قيمته أو المقدر له بالغا ما بلغ على البحث السابق. وفي المسالك " أولى بالاكتفاء بالاقل هنا، لان الارش يتعلق برقبته وإن استرقه المولى، بخلاف ما لو كانت على المولى، فمراعاة جانب الحرية ثم أقوى، ومراعاة جانب القن هنا أقوى ". قلت: الذي يظهر منهم في المقام وفيما تقدم أن أرش الجناية يحاص الديون، ويوجب التحجير لو طلبه من الحاكم، وغير ذلك مما هو مستلزم لكونه دينا متعلقا في الذمة، لا أنه متعلق بالرقبة، مؤيدا ذلك بأن ظاهر الادلة اتحاد كيفية تعلق الارش فيهما، وحينئذ فيقوى تعلقه بذمته في المقامين، لما عرفت من عدم تعلق حق المولى بملكه. أللهم إلا أن يلتزم بكون فائدته التسلط على بيعه مثلا الذي لم يكن جائزا له بسبب الكتابة التي لا يجوز له فسخها قبل حصول سببه وإن كان هو كما ترى يمكن منعه، خصوصا مع بذله الارش، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلامهم، بل هو كالمتدافع بالنسبة إلى ذلك، والمسألة لا تخص الفرض، بل المراد أن أرش جناية المكاتب مطلقا في ذمته والرقبة كالمرهونة عليه، أو في رقبته وإن كان له فكها بالارش، وقد عرفت أن الاقوى الاول.

[ 349 ]

نعم قد يقال في الفرض الذي هو الجناية عمدا: إنه لما كان الخيار فيه للمجني عليه وطلب الارش الذي هو أزيد من القيمة فهل للمكاتب دفعه بدون إذن المولى كالاقل والمساوي ؟ المحكي عن الشيخ العدم، لانه ابتياع لنفسه، بأكثر من ثمن المثل، وهو لا يملك التبرع، وفي التحرير الوجه عندي جواز دفع الاكثر، ولعله لا يخلو من قوة، والله العالم. (وإن كان) قد جنى عليه (خطأ كان له فك نفسه بأرش الجناية) الذى هو ما عرفته وإن نافى ذلك الاكتساب لكنه لمصلحته التي هي أعظم من نفقته المأذون فيها وعلاج مرضه، بل قد عرفت أن المنهى عنه التصرف التبرعي لا غيره، نعم ظاهر قولهم: " له فك نفسه " تعلق الجناية أولا بالرقبة، ويمكن منعه لما عرفت، فيكون متعلقا بذمته وإن كانت العين كالرهن عليه، بمعنى تسلط المجني عليه على الاستيفاء منها إن لم يدفع له، لاهمية حق الجناية من غيره، فيلاحظ فيه الامران. (و) حينئذ ف‍ (لو لم يكن له مال فللاجنبي بيعه) أجمع (في أرش الجناية) مع الاستغراق وإلا بيع منه قدر الارش وبقي الباقي مكاتبا، فان عجز وفسخ المولى صار العبد مشركا، وإن أدى عتق الباقي، وفي تقويم حصة الشريك على العبد مع يساره أو تمكنه من السعي البحث السابق وإن جزم به الفاضل هنا في القواعد، بل في كشف اللثام " وهل يجبر عليه أو الشريك على القبول ؟ وجهان " لكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا. بقي الكلام في شئ، وهو أن ظاهر بعض وصريح آخر أن المجني عليه إذا أراد البيع لا بد له من فسخ الحاكم الكتابة، لان المكاتب لا يباع وليس له فسخها، لانه ليس بالعاقد لها، بل ولا للسيد قبل حصول العجز المسلط له على الخيار، فليس حينئذ إلا الحاكم. وفيه أنه بعد أن دلت الادلة على تقديم حق الجناية على غيره من كتابة أو رهن أو غيرهما لم يحتج إلى فسخ، بل هو تسلط شرعي على

[ 350 ]

ما يلزمه الفسخ من البيع ونحوه، والله العالم. وكيف كان فله بيعه (إلا أن يفديه السيد) بالارش، (فان فداه فالكتابة بحالها)، ويجب على المجني عليه قبول الفداء إن كانت الجناية خطأ، وإن كانت عمدا ففي المسالك التخيير للمجني عليه كالقن، وفيه أنه بناءا على ما ذكرناه من تعلق الارش بذمته لا رقبته يتجه عليه قبوله، لانه حينئذ كالتبرع بوفاء الدين وأولى بالقبول لو فرض بذل المكاتب الارش في جناية العمد الموجبة مالا. ولو اختار السيد الفداء لم يلزمه الاستمرار عليه ما لم يكن ضمانا، بل له أن يرجع عن اختياره ويسلم العبد، نعم إذا مات العبد بعد الاختيار أو باعه أو أعتقه ففي المسالك " التزم به، لانه فوت بالاعتاق والبيع والتأخير متعلق حق المجني عليه " وكأنه أخذه مما في القواعد من أنه " إن أعتقه السيد كان عليه فداؤه بذلك، لانه أتلف محل الاستحقاق كما لو قتله، وإن عجز ففسخ السيد فداه بذلك أو دفعه " ونحوه في التحرير، لكنه كما ترى خال عن ذكر الموت الذي يمكن المناقشة في التزامه بالفداء معه وإن اختاره ما لم يكن بالتزام شرعي. بل قد يقال بعدم صحة البيع ونحوه مع الجناية عمدا أو عدم لزومه، بل يبقى مراعى بالفداء، فان حصل ففدا وإلا كان له فسخه، بل إن لم يكن إجماعا في العتق لبنائه على التغليب أمكن دعوى ذلك فيه، بل في الدروس الجزم بعدم الصحة، قال: " ولو أعتقه بعد جنايته على أجنبي عمدا لم يصح، وإن كان خطأ فكعتق القن مراعى بضمان الجناية، وعليه أقل الامرين من قيمته والارش، سواء كان الارش لواحد أو جماعة " إلى آخره. بل من ذلك يعلم النظر فيما في المسالك وغيرها من أنه " يضمن المكاتب الارش للمجني عليه لو أدى ما عليه لسيده وانعتق بذلك " قال في الدروس: " ولو جنى ثم أدى مال الكتابة عتق، وضمن اروش الجنايات أو الاقل على الخلاف، لانه أتلف الرقبة بفعله " وقال في المسالك: " ولو فرض عتق المكاتب بأداء النجوم فعليه ضمان الجناية، ولا يلزم المولى فداؤه وإن كان هو القابض للنجوم، لانه

[ 351 ]

يجبر على قبولها فالحوالة على المكاتب أولى " ونحوه في التحرير وغيره، إذ يمكن منع ترتب العتق على الاداء بناء على ما عرفت، خصوصا في الجناية عمدا، وخصوصا إذا قلنا بكون المتعلق الرقبة لا الذمة، فتأمل جيدا والله العالم. المسالة (الثالثة:) (لو جنى عبد المكاتب) على أجنبي عمدا في النفس أو في الطرف فاقتص منه فلا بحث، وإن عفي على مال أو كانت الجناية موجبة له أو كانت (خطأ كان للمكاتب فكه بالارش إن كان دون قيمة العبد) أو مساويا، لعدم التبرع منه (وإن كان أكثر لم يكن له ذلك) إلا بأذن المولى (كما ليس له أن يبتاع بزيادة عن ثمن المثل) إلا أن يفرض حظ له في ذلك بكون العبد كسوبا ونحوه. هذا وفى المسالك " ثم الاعتبار بقيمة العبد يوم الجناية، لانه يوم تعلق الارش بالرقبة، وفيه وجه آخر أنه يعتبر قيمته يوم الاندمال بناء على أنه وقت المطالبة بالمال، وثالث وهو اعتبارها يوم الفداء، لان المكاتب إنما يمنع من بيعه، ويستديم الملك فيه يومئذ، ورابع وهو اعتبار أقل القيمتين من يوم الجناية ويوم الفداء احتياطا للمكاتب وإبقاء للمالك عليه والاوجه آتية في قيمة المكاتب نفسه إذا اعتبرت قيمته " ونحوه في الايضاح لكن اقتصر على الثلاثة. قلت: لا ريب في كون المعتبر قيمته وقت الجناية بالنسبة إلى تعلقها برقبته المقتضي لملاحظة قيمته في ذلك الوقت، كي يعرف مقدار ما تسبب بالجناية من استحقاقها، بل لا وجه لاعتبار القيمة المتأخرة في مقدار سبب الجناية المتقدم الذي لا يتأخر أثره، وليس المقام كقبض المغصوب، بل هو كالاتلاف المسبب لضمانه ما أتلفه ولو على وجه يتعلق استحقاقه بالرقبة على الوجه المزبور وإن لم يملكها، كما أنه لاريب في اعتبار ملاحظة يوم الفداء بالنسبة إلى فك المكاتب له باعتبار

[ 352 ]

الغبطة له في فكه وعدمه. ولو كان عبده أباه أو ولده ففي فكه بالارش الكلام السابق في شرائه. ولو كانت جناية العبد على سيده بما يوجب القصاص اقتص منه من غير حاجة إلى إذن السيد، لاطلاق الادلة المقتضي ثبوت هذا الحق له على وجه يقدم على ما دل على منع التصرف له في ماله، وإن كانت بما يوجب المال لم يثبت له على ماله مال، نعم لو جني على سيد سيده فهو كما لو جنى على أجنبي. هذا وقد يستفاد من عبارة المتن هنا اختيار كون الارش المقدر وإن زاد على قيمة العبد وهو وإن كان أحد قولي الشيخ في المسألة لكنه في غاية الضعف، بل عنه نفسه دعوى الاجماع على خلافه، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (إذا جنى على جماعة فان كان عمدا) وكانت الجناية عليهم دفعة بأن قتلهم بضربة واحدة أو ألقى عليهم جدارا دفعة (كان لهم القصاص) جميعا (وإن كان خطأ) أو عمدا توجب مالا (كان لهم الارش متعلقا برقبته) أو في ذمته على كلام السابق، سواء كانت الجناية متعاقبة أو دفعة (فان كان ما في يده يقوم بالارش فله افتكاك رقبته وإن لم يكن له مال تساووا في قيمته بالحصص) هذا ان أوجبنا الارش بالغا ما بلغ. وإن أوجبنا الاقل من أرش الجنايات كلها ومن قيمته تحاصوا فيه بالنسبة، لان الجاني لا يجني على أزيد من نفسه، اتحدت جنايته أو تعددت، مترتبة أو دفعة، وسبق تعلق الاستحقاق للاول لا ينافي شركة الاخر له بالجناية المتأخرة. ولو كانت الجناية موجبة للقصاص على التعاقب ففي مساواته للارش في الاشتراك وعدمه ما لم يكن قد حكم به لاولياء الاول قولان يأتي تحقيقهما في (جواهر الكلام - ج 22)

[ 353 ]

محله إن شاء الله تعالى، كما انه يأتي تحقيق المراد بالاشتراك في القصاص وما يترتب على العاصي لو فعل من دون إذن، وغير ذلك من هذه المسائل. ولو عفى بعضهم قسم على الباقين، ولو كان بعضها يوجب القصاص استوفي وسقط حق الباقي، وإن عفي على مال شارك، ولو أعتقه أو أبرأه من النجوم ففيه البحث السابق، وكذا لو أدى نجوم كتابته، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (إذا كان للمكاتب أب وهو رق) ل‍ (ه) في جملة عبيدة (فقتل عبدا له لم يكن له القصاص) فيه (كما لا يقتص منه في قتل الولد) بل هذا أولى، لانه لا يثبت للولد على الوالد قصاص بلا خلاف ولا إشكال، نعم لو كان ابنه رقا له وقتل عبيدا من عبيده اقتص منه، لاطلاق أدلته. (و) لذا (لو كان للمكاتب عبيد فجني بعضهم على بعض) بما يوجب القصاص (جاز له الاقتصاص) من دون إذن سيده وإن لم يكن تصرفا اكتسابيا وأدى إلى قتل عبده أجمع (حسما لمادة التوثب) الذى فيه حفظ للمال أيضا، واهتماما بالدماء الذي هي أعظم من الاموال، وربما احتمل العدم للحجر عليه في التصرف في ماله بغير الاكتساب، وفيه منع واضح، ضرورة كون المسلم الحجر عليه في التبرع بالمال، وليس الفرض منه، بل هو في الحقيقة من سياسة المال وحفظه. ولو كانت الجناية توجب مالا لم يثبت له على ماله مال حتى في الاب والولد، وإن احتمل جواز بيعهما له في جنايتهما الموجبة مالا تحصيلا للاستعانة بأرش جنايتهما بعد أن لم يكن له بيعهما قبل الجناية، بخلاف غيرهما من العبيد الذين لم يثبت له عليهم مال بجنايتهم، لانه يملك بيعهم قبل الجناية، إلا أنه

[ 354 ]

كما ترى، وثبوت المال للسيد على المكاتب لو جنى عليه باعتبار خروجه عن محض الرقية، وصيرورة ذمة له يملك بها، فيندرج في أدلة الجناية، بخلاف المملوك فانه لا ذمة له بالنسبة إلى المولى، وهو واضح، والله العالم. المسالة (السادسة:) (إذا قتل المكاتب) المشروط (فهو كما لو مات) تبطل كتابته ويموت رقيقا، وللسيد كسبه وأولاده، فان كان القاتل المولى فليس عليه إلا الكفارة، وإن قتله أجنبي حر فلا قصاص أيضا، ولكن عليه القيمة. ولو كان القتل بسراية الجرح فان كان قبل أن يعتق وقد أدى أرش الجرح إلى المكاتب اكمل القيمة للمولى، وإلا دفع إليه تمام القيمة، وإن كان الجاني المولى سقط عنه الضمان، وأخذ كسبه الذي منه أرش الجرح الذي دفعه إليه، وإن كانت السراية بعد ما عتق بأداء نجومه فعلى الجاني الاجنبي تمام الدية، لان الاعتبار في الضمان بحالة الاستقرار وتكون لوارثه، بل لو كان الجاني المولى كان عليه ذلك أيضا، وإن كان لا ضمان عليه لو جرح عبده القن ثم أعتقه ومات قبل السراية، للفرق بينهما بأن ابتداء الجناية هنا غير مضمون بخلاف المكاتب فان ابتدائها مضمون. (ولو جني على طرفه) أي المكاتب (عمدا وكان الجاني هو المولى فلا قصاص) قطعا، لعدم المكافاة، (و) لكن (عليه الارش) الذي هو من كسبه وعوض عضوه الذي فاته الاكتساب به. (وكذا إن كان) الجاني (أجنبيا حرا) أو مبعضا (و) ذلك لما عرفته من عدم المكافاة. نعم (إن كان) الجاني (مملوكا ثبت) له (القصاص) وليس للسيد منعه ولا إجباره على العفو على مال كالمريض والمفلس، لعدم كونه تصرفا في مال، مع إطلاق أدلة القصاص، وإن احتمل لانه قد يعجز فيعود إلى المولى مقطوع اليد

[ 355 ]

مثلا بلا جابر، إلا أنه كما ترى لا يصلح لتقييد إطلاق الادلة، بل لو عفى عما له من القصاص مجانا صح، لان موجب الجناية القصاص لا المال، وأولى منه لو عفى على أقل من أرش الجناية، وربما احتمل العدم فيهما، بل هو خيرة الكركي في حاشيته في الاول، لانه تصرف غير اكتسابي، وفيه منع الحجر عليه في مثله وإن لم يكن اكتسابا، لانه ليس تبرعا بمال، نعم لو كانت الجناية توجب مالا لم يكن له العفو من دون إذنه. (و) كيف كان ف‍ (كل موضع يثبت فيه الارش) في العمد والخطأ على المولى أو على غيره (فهو للمكاتب، لانه من كسبه) وعوض ما فاته من الاكتساب بسبب الجناية، والله العالم. المسالة (السابعة:) (إذا جنى عبد المولى على مكاتبه عمدا فأراد الاقتصاص) منه (ف‍) عن المبسوط (للمولى منعه) لانه تصرف غير اكتسابي، فلا تنقطع عنه سلطنة المولى، وفيه أن إطلاق الادلة ينافيه، خصوصا بعد ما سمعت من أن له الاقتصاص من غيره ومن عبيده لو جني بعضهم على بعض. ومن الغريب جزم المصنف هنا بأن للمولى منعه المبني على بقاء سلطنة المولى له على ذلك مع جزمه السابق بأن له القصاص من عبيده وأنه إن جني عليه مملوك ثبت له القصاص الظاهر في أن ليس للسيد منعه عن ذلك، ضرورة عدم الفرق في المملوك بين عبد السيد وبين غيره. وتحقيق المسألة مبني على أن المكاتب محجور عليه في سائر تصرفاته المالية وغيرها إلا التصرف الاكتسابي، وإلا ما يرجع إلى الانفاق عليه وعلى غيره ممن نفقته عليه من عبد أو أمة ونحوهما، أو أنه بالكتابة قد ارتفع الحجر عنه

[ 356 ]

مطلقا إلا التصرف التبرعي في ماله، فله استيفاء حقه من القصاص وغير ذلك من التصرفات التي ليست اكتسابية الظاهر الثاني. وصحيح معاوية بن عمار (1) المتقدم سابقا المشتمل - على النهي عن أن يحدث في ماله إلا الاكلة من الطعام مع أنه في المكاتب على نفسه وماله الذي يمكن إرادة اشتراط ذلك عليه من الكتابة على ماله كما ذكرناه سابقا - إنما هو في التصرف في المال، والنهي عن التزويج فيه وفي غيره لا يقتضي المنع عن سائر التصرفات التي يمكن القطع بخلاف ذلك فيها من إيداع ماله والتصرف فيه بركوب ولبس واستعمال ونحو ذلك، كالقطع بثبوت الحق له بسبب الجناية أو غيرها، ولو لانه قد يرجع إلى مال، فيكون سلطنة الاستيفاء له، فتأمل جيدا فاني لم أجد المسألة محررة في كلامهم، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (ان كانت) الجناية (خطأ فأراد الارش لم يملك منعه، لانه بمنزلة الاكتساب) الذى ليس له منعه منه (و) لكن (لو أراد الابراء توقف على رضا السيد) لانه تصرف تبرعي، وكذا في العمد لو عفي على مال ثم أراد الابراء منه، والله العالم. هذا كله في المشروط. (وأما المطلق ف‍) ان لم يكن قد أدى شيئا فهو بحكمه و (إذا أدى من مكاتبته شيئا تحرر منه بحسابه فان جنى هذا المكاتب، وقد تحرر منه شئ) وكانت (جناية عمدا على حر اقتص منه) إلا أن يعفي عنه على مال أولا عليه. (ولو جنى على مملوك) أو على من كان أقل حرية منه (لم يقتص منه لما فيه من الحرية، ولزمه من أرش الجناية بقدر ما فيه من الحرية وتعلق برقبته منها بقدر رقيته) كما هو حكم المبعض في أكثر المقامات. (ولو جني على مكاتب مساو له) في الحرية (اقتص منه) لحصول


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب المكاتبة الحديث 1.

[ 357 ]

المكافاة (و) إطلاق أدلة القصاص نعم (لو كان حرية الجاني أزيد لم يقتص) منه لعدم المكافاة (وإن كانت أقل اقتص منه) لحصولها وزيادة. (ولو كانت الجناية خطأ تعلق بالعاقلة بقدر الحرية، وبرقبته بقدر الرقية) للتبعيض (وللمولى) ولنفسه (أن يفدي نصيب الرقية بنصيبها من أرش الجناية) بالغا ما بلغ أو بأقل الامرين على الاصح (سواء كانت الجناية على عبد أو) على (حر) خلافا لما عن بعض العامة، فجعل دية الجناية على العبد في ذمة الجاني وإن كانت خطأ. (ولو جني عليه حر) أو أزيد حرية منه (فلا قصاص) لعدم المكافاة، (وعليه الارش) الذي هو هنا مركب من بعض دية هذه الجناية على الحر وبعض أرشها على العبد (ولو كان) الجاني (رقا) أو أقل حرية أو مساويا (اقتص منه) في العمد بلا خلاف ولا إشكال، والله العالم.

[ 358 ]

(المقصد الثالث) (في أحكام المكاتب في الوصايا، وفيه مسائل:) (الاولى:) (لا تصح الوصية) التمليكية (برقبة المكاتب) وإن كان مشروطا وعجز ورد في الرق بعد الوصية التي قد عرفت فسادها (كما لا يصح بيعه) ولا نقله بسائر النواقل ولو ممن ينعتق عليه وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد باعتبار كونه كتعجيل عتقه، لكن فيه أنه موقوف على الانتقال المتوقف على جواز النقل بخلاف تعجيل العتق بالاعتاق. (نعم لو أضاف الوصية به إلى عودة في الرق جاز) ويكون من الوصية العهدية أو التمليكية بناء على مشروعية التعليق فيها بغير الموت (كما لو قال: إن عجز وفسخت كتابته فقد اوصيت لك به). وفي المسالك " ثم إن عجز فأراد الوارث انتظاره فللموصي له تعجيزه ليأخذه، وإنما يعجزه بالرفع إلى الحاكم كما في المجني عليه، ويحتمل تقديم الوارث، لان الوصية له مشروطة بفسخ كتابته ولم يحصل الشرط هذا إذا كانت الوصية معلقة على فسخ كتابته مطلقا، أما لو قيدها بكونه هو الفاسخ اعتبر في صحتها عجزه في حياته، وفي التحرير جعل الاطلاق محمولا على عجزه في حياته، وإنما يكتفي بما بعد موته لو صرح به، وهو غير واضح ". وفيه أولا أن ما ذكره احتمالا هو الاصح لما ذكره من الوجه الاول وإن اختاره في التحرير أيضا، بل ظاهر ما تسمعه منه فيما يأتي تقديمه على الوارث مع الاختلاف في الفسخ مع العجز، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه من أنه لا تسلط

[ 359 ]

للموصى له على الفسخ، لعدم دخول الرقبة في ملكه قبله، كما هو واضح. وأما ما حكاه عن التحرير فالذي فيه " أنه لو قال: إن عجز ورق فهو لك بعد موتى صحت الوصية إذا عجز في حياة المولى، وإن عجز بعد موته لم يستحقه، ولو قال: إن عجز بعد موتي فهو لك كان تعليقا للوصية على صفة توجد بعد الموت " وهو أجنبي عما ذكره، لظهور مثاله في المفسوخة قبل الموت، بل من المحتمل ارادته بطلان الوصية التمليكية المقتصر في مشروعيتها نصا وفتوى على التعليق بالموت على وجه يكون الاستحقاق به بخلاف المعلقة على صفة توجد بعد الموت. بل قد يكون في عبارة المتن إشعار بذلك إذا قرئ قوله: " فسخت " بضمير المتكلم، بل وعبارة الكركي في حاشيته، لانه اقتصر على تقييد الصحة بالفسخ حال الحياة وعلى نقل عبارة التحرير في الفسخ بعد الوفاة، فلاحظ وتأمل. (و) على كل حال فلا إشكال بل ولا خلاف في أنه (يجوز الوصية بمال الكتابة) لاطلاق أدلتها، بل هي أولى من بيعه الذي قد عرفت جوازه، كما أنك عرفت الكلام فيه لو عجز بعد ذلك. وفي المسالك هنا " فان أداها - أي النجوم - فهي للموصي له، وإن عجز فللوارث تعجيزه وفسخ الكتابة وإن أنظره الموصى له، وهل يملك الموصى له إبراءه من النجوم ؟ وجهان، أجودهما ذلك، لانه يملك الاستيفاء فيملك الابراء، ووجه العدم أنه ملكه استيفاء النجوم ولم يملكه تفويت الرقبة على الورثة ". قلت: لا يخفى عليك ما في الوجه الاخير، ضرورة اقتضاء الوصية ملكية المال الذي في ذمة العبد، بل قد عرفت في مسألة بيع مال الكتابة احتمال الانعتاق بذلك، واحتمال عدم التسلط على فسخ الكتابة لا ممن انتقل إليه المال، لعدم كون العقد معه، ولا من غيره، لظهور الادلة في ثبوت الخيار له إذا كان المال له ويؤخره عن أجله كما سمعته سابقا، ولا يخلو من قوة. واحتمل الفاضل في القواعد كون التعجيز إلى الموصى له، قال: " والتعجيز إلى الورثة، لان الحق ثبت لهم بتعجيزهم، ويصير عبدا لهم، ويحتمل إلى الموصى

[ 360 ]

له، لتسلطه على العتق بالابراء، ولانه حق له، فله الصبر به " وهو غير ما ذكرناه من الاحتمالين. (ولو جمع بين الوصيتين لواحد أو لاثنين جاز) بلا خلاف ولا إشكال بأن يقول: " مال الكتابة لزيد بعد موتى " وإن عجز وفسخت فرقبته له بعد موتي أو لعمرو " لكن إن أدى المال بطلت الثانية، وإن استرق بطلت الاولى، لكن إن كان قد قبض منه شيئا فهو له، وفي التحرير لو اختلف الموصى له بالرقبة والموصى له بالمال في فسخ الكتابة عند العجز قدم قول صاحب الرقبة، وكذا إن اختلف صاحب الرقبة والوارث، وفيه ما عرفته سابقا، والله العالم. المسالة (الثانية:) (لو كاتبه مكاتبة فاسدة ثم أوصى به جاز) لما عرفته من عدم ترتب أثر على الفاسدة عندنا، خلافا لبعض العامة. (و) حينئذ ف‍ (لو أوصى) له (بما في ذمته لم يصح) لعدم شئ له في ذمته بعد فرض فساد الكتابة، ولا فرق في ذلك كله بين العلم بالفساد والجهل به، كما سمعته في نظائره، وتخيله عدم التأثير للوصية بالرقبة مع جهله بالفساد فتكون وصيته بالمحال كما عن بعض العامة لا ينافي الترتب الشرعي المنوط بسببه المفروض حصوله باطلاق الادلة (و) لذا نسبه في المسالك إلى ظاهر إطلاق المصنف والاصحاب بل صريح بعضهم كالشيخ في المبسوط. نعم (لو قال: فان قبضت منه شيئا فقد أوصيت لك به صح) إذا كان المقبوض من كسب العبد الذى هو باق على ملك السيد الموصى بعد فرض فساد الكتابة، فالوصية له حينئذ بما يقبضه منه وصية في الحقيقة بكسب العبد لا بمال الكتابة، أما لو صرح بالوصية بما يقبضه من مال الكتابة ففي المسالك لم يصح،

[ 361 ]

كما لو أوصى بمال كتابته من دون القبض، ولكن إطلاقه لا يخلو من بحث، والله العالم. المسالة (الثالثة:) (إذا أوصى أن يوضع عن مكاتبه) صح وخرج من الثلث، والمدار فيها على المفهوم من لفظ الوصية ولو بالقرينة، كما في نظائره، فان قال: ضعوا عنه (أكثر ما بقي عليه) أو أكثر ما عليه (فهي وصية بالنصف وزيادة) تتحقق بها الاكثرية عرفا (و) حيث كانت أفرادا متعددة ف‍ (للورثة المشيئة) في تعيين الزيادة) وإن كانت هي وصية أيضا مفوضة إليهم لا ابتداء عطية منهم. وهل يعتبر في الزيادة عن النصف أن تكون متمولة أم يكفي التمول بانضمامها إلى النصف ؟ ففي المسالك " وجهان، أظهرهما الثاني، لان التمول إنما يعتبر في الوصية وغيرها مع الانفراد، أما مع انضمام بعض الاجزاء إلى بعض فالمعتبر المجموع، وإلا لزم عدم صحة الجميع، لان أجزائه تبلغ حدا لا يتمول، والوصية هنا بمجموع النصف والزيادة لا بالزيادة وحدها " وفيه أن العرف لا يفرق في اعتبار التمول بين الامرين، والله العالم. (ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه ومثله فهو وصية ب‍) جميع (ما عليه) وزيادة، لان ما يزيد على النصف نصف الوصية، فيكون محلها زائدا على مجموع المال (و) من هنا (بطلت) الوصية (في الزائد) لعدم المحل لها حينئذ، وكذا لو قال: " ضعوا أكثر مما عليه أو ما عليه وأكثر " ونحو ذلك، ولو قال: " ضعوا عنه أكثر ما عليه ونصفه " وضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه وزيادة شئ، بل في المسالك " لا يعتبر فيه أن يتمول ويقبل التنصيف إلى ما يتمول إلا على الاحتمال السابق، وأما توهم اعتبار تمول الزيادة دون نصفها بناء على أن ما

[ 362 ]

يتمول يصح أن يقال له نصف معتد به وإن لم يتمول، بخلاف نصف ما لا يتمول فهو فاسد، لما ذكرنا من الوصية بالمجموع لا بالزيادة منفردة، سواء نصفها أم لا " وإن كان فيه ما لا يخفى من منافاة العرف لما ذكره. (ولو قال: ضعوا عنه ما شاء) أو ما شاء من مال الكتابة (فان شاء وأبقى شيئا) ولو قل، بل في كشف اللثام وإن لم يتمول (صح) بلا إشكال ولا خلاف (وإن شاء الجميع قيل) والقائل الشيخ في المحكي من المبسوط: (لم يصح) أما في الثاني فظاهر، لان " من " للتبعيض وأما في الاول فلان فيه " من " مقدرة، فهي كالموجودة، وإلا لقال: " ضعوا عنه النجوم " (و) حينئذ فلابد أن (يبقى منه شئ بقرينة حال اللفظ) بل لو قلنا بعدم تعين " من " للتبعيض خصوصا المقدرة لترددها بينه وبين التبيين أمكن أن نقول: إن البعض معلوم على التقديرين، والجميع مشكوك فيه، لقيام الاحتمال، فيرجع إلى معنى التبعيض وإن لم نحمل عليه بالخصوص، ولو دلت القرينة على إرادة التبيين أو إرادة الجميع من غير اعتبار من عمل بها. وربما احتمل وجودها في الصورة الاولى على إرادة ما يتناول الجميع، لكن ظاهر المصنف خلافه، لقوله: " بقرينة حال اللفظ " المحتمل لارادة الافتقار إلى تقدير " من " التي لا يتيقن من معناها إلا التبعيض، ولارادة حال التركيب الذي أشرنا إليه من أنه لو اريد الجميع لقال: " ضعوا عنه النجوم " وإن نوقش في الاخير بالفرق بين الارادتين فانه في الاولى جعل المشيئة إليه في إرادة البعض والجميع، وهذا الفرض لا يتأدى بقوله: " ضعوا عنه النجوم " الذي مدلوله وضع الجميع خاصة لا جعل المشيئة إليه، والاغراض تتفاوت في ذلك، ولعله لذا كان خيرة الفاضل في القواعد وشرحها للاصبهاني تناول الجميع فيه دون المذكور فيه لفظ " من " ويمكن أن يريد بحال اللفظ دعوى الفهم عرفا من أمثاله عدم إرادة الجميع وإن كان هو مقتضاه لغة خصوصا في المجرد من لفظ " من " ولعل هذا هو الاولى،

[ 363 ]

بل هو المدار في كثير من الامثله التي لا فائدة في التعرض لها وإن ذكر جملة منها في القواعد وغيرها، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (إذا قال: " ضعوا عنه أوسط نجومه " فان كان فيها أوسط عددا) خاصة كما إذا كانت ثلاثة نجوم مثلا كل نجم دينار في شهر (أو قدرا) خاصة كما إذا كانت أربعة نجوم مثلا اثنان منها دينار إلى شهر، والثالث ثلاثة إلى شهر، والرابع أربعة كذلك، فان الثالث هو الاوسط في المقدار، لانه فوق ما دونه مطلقا ودون ما فوقه كذلك (انصرف إليه) بلا خلاف ولا إشكال، بل أو أجلا خاصة، كما إذا كانت أربعة مثلا، اثنان منها دينار كل واحد إلى شهر، والثالث دينار إلى ثلاثة، والرابع دينار إلى أربعة مثلا، فان الثالث هو الوسط في الاجل على حسب ما سمعته في القدر، إذ الوسط كما يطلق على المحفوف بمتساويين يطلق على المتوسط بين الناقص والزائد في المقدار مالا أو أجلا. لكن ظاهر الشهيد الاول في شرح الارشاد أنه على كل حال متواطئ قال: " مقدمة: إذا أوصى بلفظ متواطئ مضاف إلى معين ولم يوجد إلا واحد من أفراد معناه تعين ذلك الواحد، وإن تعدد تخير الوارث عند الشيخ، وقال القاضي بالقرعة إذا عرفت ذلك فالاوسط لفظ موضوع للشئ بين الشيئين، والبينية قد تكون مكانية أو زمانية وزيادة ونقيصة " إلى آخر ما ذكره من أمثلة المسألة. ونحوه الكركي في حاشيته، فانه بعد أن ذكر ما ذكرناه من الامثلة قال: " فإذا وجد الاوسط بأحد الاعتبارات تعين، ولو كان بجميعها، فأولى، وإن حصل التعدد كأربعة ثالثها أوسط في القدر وثانيها في الاجل تخير الوارث في التعيين، لان متعلق الوصية متواطئ، فالتعيين فيه إلى الوارث على الاصح " لكن في المسالك " الاوسط لفظ متواطئ، ويراد به الشئ بين الشيئين على السواء، والبينية

[ 364 ]

قد تكون بالزمان، كوسط النهار المتوسط بين طرفيه، وبالمقدار بسبب زيادته ونقصانه كالاثنين المتوسطين بين الواحد والثلثة، والمقدار هنا قد يكون في مال النجوم وقد يكون في الاجال، والنجم لفظ مشترك في هذا الباب بين أجل مال الكتابة ونفس المال المفروض في الاجل كما بيناه سابقا، وقد تقدم في الوصايا أنه إذا أوصى بلفظ يقع على شيئين فصاعدا سواء كان مشتركا أم متواطئا ووجد في مال الموصى منها أفراد متعددة يتخير الوارث في تعيين أيها شاء، وأن فيها قولا ضعيفا بالقرعة، وهذه المسألة من جزئيات تلك المسألة ". ولا يخفى عليك ما في دعوى تخيير الوارث في اللفظ المشترك الذي لم يرد به عموم الاشتراك الذي هو مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة، وليس منها إطلاقه مجردا عنها كما هو محرر في محله، ودعوى رجوع حق التعيين للوارث قد عرفت فسادها في كتاب الطلاق. وكذا لا يخفى عليك ما في دعوى كون لفظ الوسط متواطئا بالنسبة إلى الافراد المزبورة، نعم لا إشكال في تنزيل الوصية على ما كان موجودا من الثلاثة في خصوص تلك الوصية للقرينة، وكذا إذا اجتمعت الثلاثة في واحد منها أو الاثنان منها، فهذه صور خمسة أو سبعة لا إشكال فيها. إنما الكلام في صورة اجتماعها في متعدد بمعنى فرض الوسط في المقدار بالمال في ثانيها والعدد في ثالثها أو الاجل من غير فرق بين اجتماع الاثنين منها في مقابلة الواحد وبين مقابلة الواحد بالواحد، فان تعدد اعتبارات الوسط في بعضها لا يصلح للترجيح على آخر، وظاهرهم هنا بل صريح جماعة تخيير الوارث. وإليه أشار المصنف بقوله: (وإن اجتمع الامران كان الورثة بالخيار في أيهما شاء) بناء على أنه من المتواطئ. (وقيل: تستعمل القرعة، وهو حسن) بل متعين بناء على أنه مشترك، ضرورة أنه لا معنى للتخيير مع إجمال المراد، إلا أن يراد منه مصداق على عموم الاشتراك، فيكون حينئذ من المتواطئ، كما هو واضح.

[ 365 ]

ثم إن ظاهر غاية المراد والمسالك كون المراد بالمثال المفروض في المتن ونحوه نجما واحدا متوسطا، ومن هنا لو كانت النجوم خمسة مثلا متساوية بالمقدار والاجل كان الوسط فيها الخامس دون الثلاثة المتوسطة وإن حفت أيضا بمتساويين، لان الوصية بنجم واحد فلا يصار إلى المتعدد مع إمكان المتحد المطابق للوصية، ولو فرض إرادته ما هو أعم من الواحد بأن يريد ما صدق عليه الوسط مطلقا كان من باب المتعدد، فيتخير الوارث، وكذا الكلام في نظائر المقام. قلت: قد يقال: إن العمدة في ذلك العرف القاضي بكون الوسط في الخمسة الخامس المحفوف من الطرفين بالاربعة، وكذا السبعة والتسعة وأمثالها، بل لعل صدق الوسط على غيره إضافي نحو ما تسمعه في صورة تعذر الاوسط حقيقة التي ذكر المصنف حكمها، لان المراد نجم واحد إذ الاوسط يصدق على المتحد والمتعدد، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (ان لم يكن أوسط لا قدرا ولا عددا) ولا أجلا (جمع بين نجمين، لتحقق الاوسط، فيؤخذ من الاربعة الثاني والثالث، ومن الستة الثالث والرابع) لصدق الحف بمتساويين عليهما، وإن كان في انصراف الوسط إلى مثل ذلك نظر بل منع، نعم لا يبعد ذلك بعد تعذر الحقيقة، وهل يؤخذ منهما واحد خاصة بتخير الوارث أو يؤخذ الاثنان، لان مجموعهما هو الاوسط ؟ وجهان، وظاهر الاصحاب القطع بالثاني، وهو مؤيد لما ذكرناه من عدم فهمهم الواحد من الاوسط. ومن ذلك يعلم ما في مناقشة ثاني الشهيدين، فانه بعد أن اعترف بأن ظاهر الاصحاب القطع بذلك قال: " وفيه نظر، لانهم إذا سلموا أن الاطلاق محمول على الواحد، والانتقال إلى المجاز لتعذر الحقيقة، فالمجاز متعدد بالاعتبارين، لان أحدهما مجاز في الوسط باعتبار أنه بعض أجزائه حقيقة في الواحد، والاثنان حقيقة في الاوسط مجاز بعيد في الواحد، فالحمل عليه ليس أولى من الاخر إن لم يكن المرجح في ذلك الجانب، لظهور مجازيته في الاستعمال " إذ قد عرفت أنهم

[ 366 ]

لم يسلموا ذلك في الاطلاق وإنما حملوا اللفظ على الواحد باعتبار الفهم عرفا كون الواحد في الخمسة مثلا هو الوسط، لا أن المراد بالوسط المفروض في المثال الواحد، ولو لم يكن للنجوم وسط أصلا - كما لو كانت اثنين خاصة - بطلت الوصية، لفقد الموصى به حقيقة، ولا انصراف إلى مجاز بخصوصه بعد تعذرها كما في المثال السابق، لكن في المسالك في الفرض قال: " وفي بطلان الوصية لفقد الموصى به أو الحمل على واحد التفاتا إلى المجاز وبابه المتسع نظر " ولا يخفى عليك ما فيه، والله العالم. المسالة (الخامسة:) " إذا أعتق مكاتبه في مرضه أو أبرأه من مال الكتابة فان برئ فقد لزم العتق والابراء) بلا خلاف ولا إشكال (وإن مات خرج من ثلثه) على ما هو الاصح من أن منجزات المريض منه. (وفيه قول آخر أنه من أصل التركة) قد عرفت الحال فيه في محله. وحينئذ (فان كان الثلث بقدر الاكثر من قيمته ومال الكتابة) مع اختلافهما أو أحدهما مع التساوي (عتق) بلا إشكال أيضا (وإن كان أحدهما أكثر اعتبر الاقل) لان ملك السيد إنما يستقر على الاقل منهما، فان كانت النجوم أقل فالكتابة لازمة من جهته، وقد ضعف ملكه في المكاتب، فليس له إلا المطالبة بالنجوم التي صارت عوضا، وإن كانت القيمة أقل فهي التي تخرج عن ملكه والعبد معرض لاسقاط النجوم بتعجيزه نفسه على قول أو بعجزه على آخر. وحينئذ فإن كان له سوى المكاتب مأتان مثلا وكانت القيمة مأة وخمسين مثلا والنجوم مأة اعتبرت النجوم، وحكم بنفوذ العتق، ولو انعكس الامر اعتبرت القيمة وحكم بنفوذ العتق أيضا، وإن لم يخرج واحد منهما من الثلث بأن كان يملك سوى

[ 367 ]

المكاتب خمسين ضم أقلهما إلى الخمسين وأنفذ العتق في ثلثهما من العبد، فإذا كانت القيمة مأة وخمسين والنجوم مأة ضممنا النجوم إلى الخمسين ونفذنا العتق في ثلثهما، وهو نصف العبد، وذلك لان ثلث العبد قد عتق بالتنجيز وبقي ثلثاه للورثة في مقابلة ثلثي مال الكتابة الذي علم ضرر الوارث بها، فإذا وصل منه ثلث الخمسين الذي هو نصف ثلث المأة انعتق من العبد نصف ثلثه، فإذا ضم إلى الثلث كان نصفا، لان ثلث ونصف، وحينئذ تبقى الكتابة في نصفه الاخر بنصف النجوم، فإذا أداه إلى الورثة عتق، وإن عجز فلهم رد ما بقي بهم في الرق. وإن كان يملك سوى المكاتب مأة والقيمة والنجوم على الحال السابق عتق ثلثاه، وذلك لان ثلثه من المال يقابل ثلث ما للوارث من ثلثي مال الكتابة، فيعتق من العبد ثلثاه وتبقى الكتابة في ثلثه بثلث مال الكتابة وإن كانت القيمة مأة والنجوم مأة وخمسين فكذا يعتق ثلثاه، وتبقى الكتابة في ثلثه بثلث مالها، وهو خمسون. وإلى ذلك كله أشار المصنف كغيره بقوله: (فان خرج الاقل من الثلث عتق والغي الاكثر وإن قصر الثلث عن الاقل عتق منه ما يحتمله الثلث وبطلت الوصية في الزائد ويسعى في باقي الكتابة) التي قد فرضنا بقاءها، لا القيمة وإن احتمل، لانه لا يقصر عن مرتبة القن الذي أعتق وقصر الثلث عن قيمته، إلا أنه كما ترى لا يخرج عن القياس، نعم لو فسخ الكتابة كان حكمه كذلك وإلا فما دام مكاتبا لا ينعتق إلا بأداء مال الكتابة. (وإن عجز كان للورثة أن يسترقوا منه بقدر ما بقي عليه) لا جميعه وإن كان مشروطا، لما عرفته سابقا في المكاتب المشروط الذي انتقل إلى ورثة متعددين وقد أدى قسط بعضهم إليه ولو بأذن الباقين. ومن ذلك يعلم فساد ما احتمل من الفرق في المسألة بين العتق والابراء في المشروط، فيبطل الثاني ولا ينعتق منه شئ مع قصور الثلث عن مال الكتابة، لان هذا الابراء يكون كالابراء من البعض الذي لا يفيد شيئا من العتق للمشروط، فانه

[ 368 ]

رق ما بقي عليه درهم، إذ قد عرفت أن ذلك كذلك إذا بقي مال الكتابة لواحد، لا ما إذا صار لمتعددين منهم المنجز الذي قد وصل إليه حقه تماما فيعتق في مقابله كالوارث. هذا ولكن في المسالك " هو يتم - أي أصل الحكم في المسألة - بلا إشكال على القول بجواز الكتابة من جهة المكاتب، ليكون مال الكتابة غير مستقر، أما على القول بلزومها فلا يخلو اعتباره من إشكال إلا أن يتحقق العجز بالفعل، وأيضا فانه إذا أدى الخمسين في المثال زاد مال المولى، لانه ثبت هذا المال بعقده وورث منه، فينبغي أن يزيد ما يعتقه منه، فيدخلها الدور، وتستخرج حينئذ بالجبر كنظاهرها ". وفيه أن لزومها لا ينافي مراعاته بعدم العجز الذي به يكون المال غير مستقر أيضا، كما أنه لا ينافيه صيرورة المسألة دورية في الفرض المزبور الذى ستعرف صحته في المسألة الاخيرة، نعم قد يقال إن لم يكن إجماع في المسألة إنه يقوم العبد مكاتبا محتملا للعجز وعدمه كالمريض ونحوه، ويخرج حينئذ من الثلث، لانه لو لم يعتقه أو يبرأه لانتقل إليهم مكاتبا، فيكون ذلك هو الذي فوته عليهم، والله العالم. (جواهر الكلام - ج 23)

[ 369 ]

المسالة (السادسة:) (إذا أوصى بعتق المكاتب) أو أعتقه (فمات وليس له سواه ولم يحل مال الكتابة يعتق ثلثه معجلا) عندنا، لوجوب المبادرة إلى تنفيذ الوصية (و) حينئذ ف‍ (لا ينتظر بعتق الثلث حلول الكتابة) خلافا لبعض الشافعية، فاعتبر في عتق الثلث وصول الثلثين إلى الوارث، لان نفوذ الوصية مشروط بكون ضعفها في يد الوارث، ولما لم يرجع هنا إليه ثلثا العبد ولا مقداره من المال لم يحكم بنفوذ العتق في الثلث، وهو واضح الضعف. وذلك (لانه) قد انتقل إليهم ثلثا المكاتب في مقابل الثلث وإن كان انتقاله إليه على وجه (إن أدى حصل ل‍ (هم أي (الورثة) ثلثا (المال وإن عجز استرقوا ثلثيه) استرقاق مكاتبة (و) حينئذ ف‍ (يبقى ثلثاه مكاتبا يتحرر عند أداء ما عليه) كما هو واضح ومنعه من التصرف فيه قبل استقرار أحد الامرين مع نفوذ الوصية بغير مانع لا ينافي صدق وصول الضعف إلى الوارث، والله العالم.

[ 370 ]

المسالة (السابعة:) (إذا كاتب المريض عبده اعتبر من الثلث) وإن كان عقدها عقد معاوضة مالية (لانها) إما بيع العبد من نفسه بثمن أو عتق بعوض، فالعوض حاصل على التقديرين، وهو واصل إلى الورثة في مقابلة العبد، فإذا كان بقدر قيمته أو أزيد انتفى التبرع، لكنها (معاملة على ماله بماله فجرت) حينئذ أي (المكاتبة مجرى الهبة) بخلاف المعاوضة مع الغير بثمن المثل التي ليس فيها تفويت مال بل تبديل مال بمال (و) المعتبر في نظر العقلاء غالبا أصل المالية دون خصوصية العين. نعم (فيه قول آخر أنه) أي عقد المكاتبة (من أصل المال بناء على القول بأن المنجزات من الاصل) لا أنه منه وإن قلنا بأن المنجز من الثلث، مع احتماله لانه لولاه لم يحصل الكسب الذي يمكن حصوله له باحتساب زكاة ونحوها مما لا يحصل للوارث لولا المكاتبة التي لا يلزمها حصول كسب للعبد يحصل للوارث على كل حال، بل الغالب على خلافه، ولا أقل من الخروج بذلك عن اسم التبرع أو الشك فيه، فيبقى على ما يقتضيه القواعد من الخروج عن الاصل، والله العالم. وعلى كل حال فعلى الاول (فان خرج) المكاتب (من الثلث نفذت الكتابة فيه أجمع، وينعتق عند أداء المال فان لم يكن سواه) وأدى النجوم في حياة المولى وكان قد كاتبه على مثلي قيمته عتق كله أيضا، لانه يبقى للورثة مثلاه، فان كاتبه على مثل قيمته عتق منه ثلثاه، لانه إذا أخذ مأة فالجملة مأتان، فينفذ التبرع في ثلث المأتين، وهو ثلثا المأة، ولو كاتبة على مثل قيمته وقبض منه نصف النجوم نفذ الكتابة في نصفه. وإن لم يؤد شيئا في حياة المولى ولم يجز الوارث (صحت في ثلثه وبطلت في الباقي) فأن أدى عتق الثلث، وهل يراد حينئذ في الكتابة بقدر نصف ما أدي وهو

[ 371 ]

سدس العبد إذا كانت النجوم مثل القيمة ؟ فيه في المسالك وجهان كما في المسألة السابقة، ووجه العدم أن الكتابة قد بطلت في الثلثين فلا تعود، وهذا هو الذي جزم به المصنف والجماعة. وفيه (أولا) أن المسألة السابقة قد جزم فيها بالزيادة. و (ثانيا) أن الحكم بالبطلان هنا مراعى بعدم حصول مال للميت ولو بما تصيده شبكته التي نصبها في حياته بناء على ما يحصل فيها بعد موته له، ولاريب في أن المقام أولى من ذلك، ضرورة انتقال ما قابل الثلث من مال الكتابة منه إلى الوارث، فهو حينئذ من تركته تتعلق به وصاياه ومنجزاته كغيره من مال الكتابة، فالمتجه حينئذ في المقام الزيادة كما هو واضح، وتكون المسألة دورية تحتاج إلى الاستخراج بالجبر والمقابلة على حسب ما سمعته في نظائرها من مسائل العتق. ثم لا يخفى عليك أنه قد بان لك في المباحث السابقة جواز عتق السيد المكاتب، لانه باق على ملكه، إنما الكلام في عتقه بالعوارض كالجذام والعمى والاقعاد والتنكيل ؟ الظاهر ذلك لاطلاق الادلة، لكن في الدروس عندي فيه نظر ينشأ من تشبثه بالحرية، فلا يدخل تحت لفظ المملوك، ومن بقاء حقيقة الرقية، ومن ثم لو أسلم في دار الحرب قبل مولاه عتق، ولا يخفى عليك ما في الوجه الاول، والله العالم. هذا كله في التدبير والكتابة. (وأما الاستيلاد فيستدعي بيان أمرين:)

[ 372 ]

(الاول:) (في كيفية الاستيلاد) الذي هو عنوان لجملة أحكام شرعية مخالفة للاصول والقواعد، كعدم جواز نقلها وانعتاقها من نصيب ولدها وغير ذلك من أحكامها التي ستعرف بعضها وتقدم في الكتب السالفة بعض آخر. (و) كيف كان ففي المتن (هو يتحقق بعلوق أمته منه في ملكه) وفي القواعد " وهو يثبت بوطء أمته وحبلها منه - ثم قال -: وإنما يثبت حكم الاستيلاد بامور ثلاثة: (الاول) أن تعلق منه بحر، وإنما تعلق بمملوك من مولاها في موضعين: أن يكون الواطي عبدا قد ملكه مولاه الموطوءة وقلنا إنه يملك بالتمليك وأن يكون الواطئ مكاتبا اشترى جارية للتجارة، فان الجارية مملوكته، ولا يثبت حكم الاستيلاد في الاول، وأما الثاني فان عجز استرق المولى الجميع، وإن عتق صارت ام ولد، وليس للمكاتب بيعها قبل عجزه وعتقه، (الثاني) أن تعلق منه في ملكه إما بوطء مباح أو محرم كالوطء في الحيض والنفاس والصوم والاحرام والظهار والايلاء، ولو علقت في غير ملكه لم تكن ام ولد، سواء علقت بمملوك كالزنا والعقد مع اشتراط الولد، أو بحر كالمغرور والمشتري إذا ظهر الاستحقاق، (الثالث) أن تضع ما يظهر أنه حمل ولو علقه، أما النطفة فالاقرب عدم الاعتداد بها " وستسمع في كلام المصنف الاشارة إلى بعض ذلك. وفي الايضاح " كل مملوكة علقت من مالك حر حين ملكه بحر يلحق به شرعا فهي ام ولد له حقيقة شرعية ". وفي الدروس " هي من حملت من مولاها بحر في ملكه " إلى غير ذلك من كلماتهم، إلا أني لم أجد في شئ مما وصل إلي من النصوص التعرض لبيان تمام

[ 373 ]

موضوعها إلا ما تسمعه من خبر ابن مارد (1) فالمتجه عدم لحوق حكم الاستيلاد في محال الشك. (و) على كل حال ف‍ (لو أولد أمة غيره) ولدا (مملوكا) للزنا أو للعقد المشترط فيه عليه ذلك بناء على صحته أو لغير ذلك (ثم ملكها لم تصر ام ولد) ل‍ (ه) وإن ملكها بعد ذلك عندنا وعند جماعة في المبسوط للاصل وغيره سواء ملكها حاملا أو بعد ولادتها. (ولو أولدها) ولدا (حرا) تابعا له لشبهة أو لعدم اشتراط الرقية أو لغير ذلك (ثم ملكها قال الشيخ) في المبسوط: (تصير ام ولده) على الاقوى للصدق، بل في الخلاف صيرورتها ام ولد في الاول إذا ملكها وملك ولدها بعد ذلك، بل لعله ظاهر ابن حمزة أيضا للصدق، إلا أن المشهور بينهم شهرة عظيمة خلاف ذلك للاصل بعد انسياق غير الفرض من الاطلاق الذي لا عموم فيه ولم يسق لبيان الموضوع (و) خصوص ما (في رواية ابن مارد) (2) عن أبي عبد الله عليه السلام المنجبرة بما سمعت من أنها (لا تصير ام ولد) ل‍ (ه) قال: " في رجل يتزوج أمة فتلد منه أولادا ثم يشتريها فتمكث عنده ما شاء الله لم تلد منه شيئا بعد ما ملكها، ثم يبدو له في بيعها، قال: هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل بعد ذلك، وإن شاء أعتق " بل ظاهرها مع حرية الولد فضلا عن رقيته. نعم لا فرق في صيرورة أمته التي علقت منه ام ولد بين كونه على وجه محلل أو محرم بحيض أو نفاس أو إحرام أو ظهار أو نحو ذلك، بل في القواعد " لو زوج أمته ثم وطأها فعل محرما، فان علقت منه فالولد حر، ويثبت للام حكم الاستيلاد " بل فيها أيضا " لو ملك امه أو اخته أو بنته من الرضاع انعتقن على الاصح، وقيل لا ينعتقن، فلو وطأ إحداهن فعل حراما، ويثبت لهن حكم الاستيلاد " ونحوه عن المبسوط، ولعله لصدق ام الولد وإن كان لا يخلو من نظر


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1.

[ 374 ]

أو منع مع العلم بالتحريم، لنفي الولد عنه شرعا ولثبوت الحد عليه، ومن هنا مال في الدروس إلى العدم، بل عنه وعن غيره القطع بالعدم. وربما يشهد له - مضافا إلى ما ذكرنا - ما سمعته من خبر ابن مارد، ضرورة عدم صدق حدوث الحمل عنده على المزوجة. بل قد يقال: إن المستفاد من الادلة أن يملك وطءها وإن حرم عليه بالعارض لحيض أو نفاس بخلاف المزوجة والبنت والاخت، فانه لا يملك وطءهن وإن ملكهن حتى الاولى التي ملك بضعها غيره بالعقد. ولو اشترى مزوجة الامة فأتت بولد يمكن تجدده بعد الشراء وقبله ففي القواعد " قدمت أصالة عدم الحمل على أصالة عدم الاستيلاد أما لو نفاه فانه ينتفي الاستيلاد قطعا، وفي افتقار نفي الولد إلى اللعان إشكال " ولعله من أنه ولد مملوكته المحكوم هنا بتأخر حملها، ومن أنه ولد من كانت زوجته، والاصل بقاء الفراش مع قوة فراش العقد الدائم، ولحوق النسب وعدم الاكتفاء بالاحتمال في نفسه. قلت: قد تقدم في اللعان ما يستفاد منه تحقيق ذلك، فلاحظ وتأمل، كما أنه تقدم في المباحث السابقة ما يستفاد منه عدم ثبوت مثل موضوع ام الولد بأصالة عدم تأخر الحمل. (ولو وطأ المرهونة فحملت دخلت في حكم امهات الاولاد) ولو من غير إذن المرتهن بلا خلاف ولا أشكال. إنما الكلام في جريان حكم الاستيلاد بالنسبة إلى المرتهن، فيجب على الراهن وضع رهن غيره أو الوفاء، وعدمه لتقدم حقه على الاستيلاد، أو التفصيل بين الموسر والمعسر، فيجب على الاول الابدال أو الوفاء دون الثاني كما عن الخلاف، وفي قواعد الخلاف " هو الاقرب " وعن المبسوط والسرائر " أنه لا يبطل الرهن مطلقا لتأخر الاستيلاد عنه " وعن غيرهما بطلانه لا مطلقا لاطلاق النهي (1)


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1.

[ 375 ]

عن بيع امهات الاولاد، وعن ثالث التفصيل بين الوطء باذن المرتهن فيبطل وبلا إذنه فلا يبطل، وربما احتمل عدم الخلاف في عدم بطلان الرهن، لبقاء الملك عليها وجواز موت الولد، وإنما الخلاف في جواز بيعها. هذا وقد تقدم الكلام في المسألة في كتاب الرهن (1). ولو أولد أمة القراض ففي القواعد " يبطل القراض فيها، وإن كان فيها ربح جعل الربح في مال المضاربة " قلت: مع ظهور الربح وقلنا بملك العامل يتجه حينئذ أن يكون حكمها حكم الامة المشتركة إذا أولدها أحد الشريكين، والله العالم. (وكذا) في جميع ما ذكرنا (لو وطأ الذمي) مثلا (أمته ف‍) أولدها أو (حملت منه،) لعدم الفرق في امهات الاولاد بين المسلم وغيره لاطلاق الادلة (و) لكن (لو أسلمت بيعت عليه) كما عن السرائر وموضع من المبسوط قطعا لسبيله. (وقيل) والقائل الشيخ أيضا في المحكي من خلافه وموضع آخر من المبسوط: (يحال بينه وبينها وتجعل على يد امرأة ثقة) ولا يمكن من التصرف فيها والتسلط عليها، عملا بعموم النهي عن بيعها (2) وعن المختلف تستسعي في قيمتها جمعا بين الحقين. (والاول أشبه) عند المصنف وقد تقدم في كتاب البيع (3) ما يستفاد منه تحقيق ذلك، فلاحظ وتأمل. ويكفي في إجراء حكم ام الولد علوقها بما هو مبدأ انسان ولو علقة بلا خلاف أجده، بل في الايضاح الاجماع عليه، وفي صحيح ابن مسلم (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في جارية لرجل وكان يأتيها فأسقطت سقطا منه بعد ثلاثة أشهر،


(1) راجع ج 25 ص 208. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1. (3) راجع ج 22 ص 334 - 338. (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1.

[ 376 ]

قال: هي ام ولد " ومنه يعلم حينئذ أن المراد بام الولد من حملت بما هو مبدأ نشوء ولد، وإلا فالسقط بعد ثلاثة أشهر ليس بولد قطعا، فيبطل حينئذ التصرف بها حينه ولا ريب في أن المضغة والعلقة كذلك بل والنطفة مع فرض بقائها في الرحم وانعقادها ولدا، وربما يشهد لذلك معلومية بطلان بيع الامة إذا واقعها سيدها وباعها بلا فصل ثم بان أنها من تلك المواقعة قد حملت. نعم لو فرض أنها ألقتها نطفة وكان التصرف بها حال وجودها فيها اتجه حينئذ الحكم بصحة البيع، لعدم العلم بكونها نشوء آدمي، إذ لعلها فاسدة، بخلاف ما لو ألقتها علقة، فانه يعلم كونها نشوء آدمي، فيبطل التصرف بها المقارن لحال كونها نطفة. وعلى ذلك يحمل كلام الاصحاب الذي منه ما في الدروس قال: " ولا بد مع الاشتباه من شهادة أربع من النساء ذوات الخبرة بأن ذلك مبدأ خلق آدمي ولو مضغة أما النطفة فلا، خلافا للشيخ، والفائدة ليس في استتباع الحرية، لانها تزول بموت الولد، فكيف بعدم تمامه عندنا، بل في إبطال التصرفات السابقة على الوضع بالبيع وشبهه ". لكن في الرياض بعد أن ذكر تحقق ام الولد بعلوقها بما يكون نشوء آدمي ولو مضغة قال: " ولا عبرة بالنطفة وفاقا للاكثر، للاصل وعدم تسميتها ولدا في العرف، وهو وإن جرى في نحو المضغة على تقدير تسليمه لكن تلحق بالولد بالاجماع، خلافا للنهاية فألحقها به أيضا، ونظرا منه إلى بناء الاستيلاد على التغليب، ولذا يعتد بالعلقة والمضغة، والنطفة بعد استقرارها للصورة الانسانية تشبه العلقة في الجملة، وهو كما ترى ". قلت: إن كان مراده ما ذكرناه فذاك وإلا كان محلا للنظر، ضرورة عدم الفرق بين النطفة وغيرها بعد تبين انعقادها وصيرورتها نشوء آدمي، فيبطل البيع حينئذ من حين وقوع النطفة في رحمها.

[ 377 ]

هذا، وفي الرياض أيضا أن اطلاق العبارة وغيرها من عبائر الجماعة كالنصوص وبه صرح جملة من الاصحاب أنه لا يشترط الوطء، بل يكفي مطلق العلوق منه. وفيه أن المنساق من إطلاق النص والفتوى الاول الذي قد عبر به أيضا بعض، ولا أقل من الشك، وقد عرفت أن الاصل بقاء حكم القن. وبذلك كله ظهر لك الوجه في الامور الثلاثة التي ذكرها الفاضل فيما حكيناه عنه من عبارة القواعد، كما أنه ظهر لك في بحث المكاتبة الحال في المكاتب إذا وطأ أمته التي اشتراها للتجارة، فلاحظ وتأمل. الامر: (الثاني) (في الاحكام المتعلقة بام الولد، وفيه مسائل:) (الاولى:) (ام الولد مملوكة) ما دام مولاها حيا بلا خلاف ولا إشكال، فيجوز له التصرف بها بغير النقل كالوطء والاجارة وغيرهما، وفي صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن ام الولد، فقال: أمة " وفي خبر ابن بزيع (2) " سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يأخذ من ام ولده شيئا وهبه لها من غير طيب نفسها من خدم أو متاع أيجوز ذلك له ؟ قال: نعم إذا كانت ام ولده " إلى غير ذلك. بل (لا تتحرر بموت المولى، بل من نصيب ولدها) إن كان له نصيب، وإلا - كما لو كان غير وارث لمانع من الموانع - بقيت على الملك، للاصل وظهور النصوص في أن عتقها من نصيب ولدها، بل هو صريحها، ففي الصحيح (3)


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1.

[ 378 ]

" إن كان لها ولد وترك مالا جعلت في نصيب ولدها " وفي المرسل (1) كالصحيح (2) " إن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه " ونحوهما غيرهما (3) فلا تعتق من أصل التركة ولا من مال ولدها غير نصيبه من التركة. بل في الدروس " ويجوز بيعها إذا مات مولاها والدين يستغرق تركته، إذ لا إرث، فلا نصيب لولدها الذي عتقها بعد الوفاة مستند إليه " وإن كان قد يناقش بأن الاصح انتقال التركة إلى الوارث وإن كان الدين مستغرقا، فيتجه انعتاق نصيبه منها بملكه وإن كان الدين مستغرقا، لكن قد يدفع بظهور النص (4) في انعتاقها من نصيب ولدها الذي لا تعلق حق فيه، والفرض في المقام تعلق حق الدين بها، وإن قلنا بملك الوارث، اللهم إلا أن يكلف الولد بما يخصها من الدين، أو هي بالسعي، وهما لا دليل عليهما، بل ظاهر الادلة خلافهما فتأمل جيدا. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في ملك السيد لها (لكن) هي وإن كان كذلك (لا يجوز ل‍) ه أي (المولى بيعها ما دام ولدها حيا إلا في ثمن رقبتها إذا كان دينا على المولى ولا وجه لادائه إلا منها) وكذا يجوز للوارث بيعها فيه على الوجه المزبور، وأما في غيره من الديون بل وغير الديون من المواضع المخصوصة فقد أشبعنا الكلام فيها في البيع (5) بل أشبعنا الكلام في جملة من أحكامها فيه وفي غيره من الكتب السابقة، فلا وجه لاعادته. (و) منها أنه (لو مات ولدها) في حياة أبيه (رجعت طلقا وجاز التصرف فيها بالبيع وفي غيره من التصرفات) نصا (6) وفتوى، بل الظاهر ذلك حتى لو خلف ولدها ولدا، لانسياق ولد الصلب من النصوص وإن قلنا: إنه ولد حقيقة، فلا يشملها حينئذ إطلاق ام الولد. وتندرج في النصوص (7) المتضمنة


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الاستيلاد الحديث 2. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 4 - 0 - 0. (5) راجع ج 22 ص 374 و 375. (6 و 7) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الاستيلاد.

[ 379 ]

لحكم من مات ولدها، فما عن بعض - من كونها ام ولد بذلك - واضح الضعف وإن قال بعض: إنه متجه لو كان وارثا لجده، لانعتاق نصيبه منها عليه دون ما إذا لم يكن وارثا لانتفاء الملك المقتضي للعتق، بل ربما جعل هذا التفصيل قولا في المسألة، وفي الدروس أنه ثالث الاوجه، وفيه أن انعتاق قدر نصيبه منها لا يقتضي كونها ام ولد على وجه تلحقها أحكامها التي منها عدم جواز بيعها، ومنها انعتاقها أجمع من نصيب الولد، للنص والاجماع، لا نصيب الولد منها خاصة، كما هو واضح، والله العالم. المسالة (الثانية:) (إذا مات مولاها وولدها حي جعلت في نصيب ولدها وعتقت عليه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه هنا، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) التي منها خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيما رجل ترك سرية لها ولد أو في بطنها ولد أولا ولد لها فان أعتقها ربها عتقت، وإن لم يعتقها حتى توفى فقد سبق فيها كتاب الله، وكتاب الله أحق فإن كان لها ولد وترك مالا جعلت في نصيب ولدها " وزاد في الفقيه " ويمسكها أولياؤها حتى يكبر الولد، فيكون هو الذي يعتقها إن شاء الله، ويكونون هم يرثون ولدها ما دامت أمة، فان أعتقها ولدها عتقت، وإن توفى عنها ولدها ولم يعتقها فان شاؤوا أرقوا، وإن شاؤوا أعتقوا " وغيره من النصوص التي منها علم الحكم المزبور وإن كان مخالفا للاصل لان أقصى ما تقتضيه قاعدة انعتاق القريب أن ينعتق عليه منها مقدار ما يخصه منها ولا يسري عليه لانه عتق قهري لا اختياري إلا أن النصوص المزبورة المعتضدة بعمل الاصحاب دلت على عتقها عليه أجمع واحتسابها من نصيبه.


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1 و 2.

[ 380 ]

(نعم لو لم يكن له سواها) تركة وكان له ورثة متعددون (أعتق نصيب ولدها منها) لقاعدة القريب (وسعت في الباقي) في المشهور. لما سمعته سابقا في كل من تحرر بعضه، ولا تقوم على ولدها إن كان له مال غيرها، لان انعتاقها عليه قهري، وقد عرفت في كتاب العتق عدم السراية، مضافا إلى ظهور نصوص (1) المقام في انعتاقها عليه من خصوص النصيب لا من غيره، وإلى خصوص مقطوع يونس (2) " في ام ولد - إلى أن قال -: فان كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد، وإذا ملكها الولد فقد عتقت بملك ولدها لها، وإن كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها، وتستسعى في بقية ثمنها " خلافا للمبسوط والاسكافي على ما حكي عنهما، فحكما بالسراية عليه، للنبوي (3) " من ملك ذا رحم فهو حر " وهو مع قصوره عن المعارضة لما عرفت من وجوه ظاهر في من ملكه بأجمعه لا بعضه كما في المقام. (و) لكن (في رواية) أبي بصير (4) عن الصادق عليه السلام (تقوم على ولدها إن كان موسرا) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال: إن شاء أن يبيعها باعها، وإن مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها فان كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر، ثم يجبر على قيمتها، وإن مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة ". (وهي) وإن كانت موثقة إلا أنها (مهجورة) لم يحك العمل بها إلا عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، وقد رجع عنها على ما قيل في غيرها، وفي


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الاستيلاد الحديث 3، (3) المستدرك الباب - 12 - من كتاب العتق الحديث 1. (4) الاستبصار ج 4 ص 14 الرقم 41.

[ 381 ]

الدروس عن الشيخ حمل الدين فيها على ثمنها، وأنه لو مات قبل البلوغ قضى منها الدين، ثم حكى عن ابن حمزة إلحاق غيره من الديون به عملا باطلاق الرواية. وعلى كل حال فالرواية غير نقية الدلالة على المطلوب، ضرورة كونها في الدين نحو خبره الاخر (1) " أي رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات إن شاء أن يبيعها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها باعها، وإن كان لها ولد قومت على ابنها من نصيبه، وإن كان ابنها صغيرا انتظر حتى يكبر، ثم يجبر على ثمنها، وإن مات ابنها قبل امه بيعت في ميراثه إن شاء الورثة " وخبره الثالث (2) عنه عليه السلام أيضا " في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له فمات، قال: إن شاؤوا أن يبيعوها باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، وإن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه، وإن كان ولدها صغيرا انتظر به حتى يكبر ". اللهم إلا أن يكون وجه الاستدلال بها أنه إذا قومت عليه في الدين تقوم عليه في غيره، ضرورة كون المرجع فيهما إلى الوارث وإن أداه في الدين، لان التركة على الاصح تنتقل إلى الوارث وإن تعلق بها حق الدين، ولعل ما في هذه النصوص (3) وذيل خبر محمد بن قيس (4) السابق محمول على استحباب انتظار الولد إذا كان على الميت دين ولا تركة سواها حتى يكبر لو كان صغيرا، واستحباب وفاء الدين للولد حتى تعتق حينئذ عليه، وحينئذ لا تكون مما نحن فيه من أنها تقوم عليه مع عدم تركة سواها، فتأمل جيدا. وكيف كان فظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم السراية مع الاعسار، خلافا. للمحكي عن ابن حمزة من السراية عليه، وأنه يستسعى في قيمتها، ولعله قرأ المقطوع


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 5 من كتاب التجارة. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 4 والباب - 24 - من أبواب بيع الحيوان الحديث 5 والاستبصار ج 4 ص 14 الرقم 41. (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الاستيلاد الحديث 2.

[ 382 ]

السابق بالياء، والذي رأيناه بالتاء المثناة من فوق، بل في الرياض هو كذلك في النسخة الصحيحة المضبوطة، والله العالم. المسالة (الثالثة:) (إذا أوصى لام ولده) صح بلا خلاف ولا إشكال، ولكن (قيل) والقائل جماعة: (تعتق من نصيب ولدها وتعطي الوصية، وقيل) والقائل جماعة: (تعتق من الوصية، فان فضل منها شئ عتقت من نصيب ولدها وهو أشبه) عند المصنف، وقيل كما عن الاسكافي بالتخيير بينهما، وقيل كما عن الصدوق تعتق من ثلث الميت غير ما أوصى به، وقد أشبعنا الكلام في المسألة في كتاب الوصايا وقلنا: إن الاقوى الاول، فلاحظ وتأمل، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (إذا جنت ام الولد خطأ تعلقت الجناية برقبتها) كغيرها من المملوك، لاطلاق الادلة وشدة الامر في الجناية (وللمولى فكها، وبكم يفكها ؟ قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط: يفكها (بأقل الامرين من أرش الجناية وقيمتها)، لان الأقل إن كان هو الارش فظاهر، وإن كان القيمة فهي بدل العين تقوم مقامها، والجاني لا يجني على أكثر من نفسه، والمولى لا يعقل مملوكه. (وقيل) والقائل الشيخ أيضا (بأرش الجناية) بالغا ما بلغ، لاطلاق الادلة. (وهو الاشبه) عند المصنف نحو ما سمعته في المكاتب إلا أن الاقوى خلافه كما عرفت، (وإن شاء دفعها إلى المجني عليه).

[ 383 ]

(وفي رواية مسمع) بن عبد الملك (1) (عن أبي عبد الله عليه السلام) " أن ام الولد (جنايتها في حقوق الناس على سيدها)، وإن كان في حقوق الله تعالى في الحدود فان ذلك على بدنها، يقاص منها للمماليك " وعمل بها الشيخ في المحكي من ديات مبسوطه نافيا الخلاف فيه إلا من أبي ثور، فجعله في ذمتها تتبع به بعد العتق، وربما مال إليه بعض من تأخر عنه، مؤيدا له ببعض الوجوه الاعتبارية ولاريب في ضعفه، لاطلاق أو عموم ما دل (2) على تعلق الجناية برقبة المملوك، بل يمكن حمل خبر مسمع المزبور على أن للسيد الفداء، والله العالم. (ولو جنت على جماعة) دفعة أو متعاقبا ولم يتخلل فداء (فالخيار للمولى أيضا بين فديتها) بأقل الامرين من أرش مجموع الجنايات (أو) القيمة أو أرش كل جناية بالغا ما بلغ وبين (تسليمها إلى المجني عليهم أو ورثتهم) فيسترقونها (على قدر الجنايات) نحو ما سمعته في المكاتب، وإن تخلل كان الفداء أو التسليم لغيره. وفي الدروس " لو جنت على جماعة ولما يضمن السيد فعليه أقل الامرين من قيمتها والارش. وإن ضمن للاول فظاهر المبسوط أنه لا ضمان عليه بعد إذا كان قد أدى قيمتها، بل يشاركه من بعده فيما أخذ " قلت: هو غريب، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 43 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1 من كتاب القصاص. (2) الوسائل الباب - 41 - من أبواب القصاص في النفس من كتاب القصاص.

[ 384 ]

المسالة (الخامسة:) (روى محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام) في الموثق بل في نهاية المرام في الصحيح (في وليدة نصرانية أسلمت عند رجل وولدت منه غلاما، فمات فانعتقت وتزوجت نصرانيا وتنصرت وولدت، فقال: ولدها لابنها من سيدها، وتحبس حتى تضع، فإذا ولدت فاقتلها، و) لفظها " قضى علي عليه السلام في وليدة كانت نصرانية فأسلمت عند رجل فولدت لسيدها غلاما، ثم إن سيدها مات فأصابها عتاق السراية، فنكحت رجلا نصرانيا داريا، وهو العطار، فتنصرت، ثم ولدت ولدين وحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: أما ما ولدت من ولد فانه لابنها من سيدها الاول، واحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ". إلا أني لم أجد عاملا بها حتى أن الشيخ (في النهاية) التي هي متون أخبار شاذة وغيرها قال: (يفعل بها ما يفعل بالمرتدة) عن ملة (و) ما ذاك إلا لان (الرواية شاذة) شذوذا لا يجوز العمل بها معه فيما هو مخالف للعمومات القاضية بكونها كالمرتدة وبقاء ولدها على الحرية، فلابد من قصر الخبر المزبور على أنه قضية في واقعة رأى أمير المؤمنين عليه السلام المصلحة في قتلها ولو من حيث زناها بنصراني أو غير ذلك، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الاستيلاد الحديث 1. وبهذه - والحمد لله - انهينا تعاليقنا على الجزء 34 من كتاب جواهر الكلام (جواهر الكلام - ج 24)

[ 385 ]

المسالة السادسة: لا يجري حكم الاستيلاد إلى الاولاد للاصل وغيره، فلو تزوجت بعبد أو حر شرطت رقية أولاده كان أولادها منه عبيدا يجوز بيعهم في حياة المولى وبعد وفاته. المسالة السابعة: لو ماتت ام الولد قبل أن يفديها السيد لم يجب على المولى شئ، للاصل بعد تعلق الجناية برقبتها، ولو نقصت قيمتها وأراد الفداء ففي القواعد: (فداها بقيمتها يوم الفداء، ولو زادت زاد الفداء، ويجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد ". المسالة الثامنة: لو كسبت بعد جنايتها شيئا فهو لمولاها دون المجني عليه، نعم لو كسبت بعد الدفع فهو للمجني عليه، فلو اختلفا قدم قول المجني عليه، ولو أتلفها سيدها فعليه قيمتها، وكذا لو عيبها فعليه الارش.


بجوار سيد الاوصياء أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء، وأقدم شكرى المتواصل إلى العلامة

[ 386 ]

المسالة التاسعة: لو باعها مولاها لم يقع موقوفا بل باطلا، فلو مات الولد لم ينتقل إلى المشتري ولو كان بعد البيع بلا فصل. المسالة العاشرة: لا يبطل الاستيلاد بقتلها مولاها عمدا إذا عفي الورثة. الحادية عشر: للمولى أرش جناية الاجنبي عليها كغيرها من مماليكه، فان كونها ام ولد لا يخرجها عن ذلك، وله ضمان قيمتها على من غصبها. الثانية عشر: لو شهد اثنان على إقراره بالاستيلاد وحكم به ثم رجعا غرما له قيمة الولد إن كذبهما في نسبه، ولا يغرمان في الحال قيمة الجارية، لانهما إنما أزالا سلطنة البيع ولا قيمة له مع احتمال ضمان الارش للتعيب، بل ولا بعد الموت، لانها


الاخ الشيخ محمد القوچانى لمشاركته في انجاز العمل، واسأل الله عزوجل ان يوفقنا لاتمام

[ 387 ]

محسوبة على الولد، وهى يرث هذا الولد ؟ إشكال فان قلنا به فالاقرب أن للورثة تغريمهما حصته، والله العالم.


هذا العمل الجبار والحاق الاواخر بالاوائل انه سميع بصير. محمود القوچاني النجف الاشرف - 16 / ج 2 / 96 وتم تصحيحه وتهذيبه في اليوم العشرين من جمادى الثانية يوم ولادة مولاتنا وسيدتنا الزهراء سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها سنة - 1398 - والحمد لله أولا وآخرا وذلك بيد العبد: السيد ابراهيم الميانجي عفى عنه وعن والديه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية