جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 35


[ 1 ]

جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 من الهجرة تصحيح وتحقيق وتعليق محمود القوچانى عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجى قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه، وطبع بنفقة المكتبة الاسلامية الجزء الخامس والثلاثون طهران شارع البوذرجمهرى تليفون 521966 جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر

[ 2 ]

نام كتاب: جواهر الكلام مؤلف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: كتاب فروشى اسلاميه تعداد: 3000 جلد نوبت چاپ: دوم 1366 شمسي چاپخانه: آيدا بسم الله الرحمن الرحيم * (كتاب الاقرار) * بمعنى الاعتراف في الصحاح وعن مجمع البحرين، والاذعان المحق عن القاموس، وفي المسالك والاسعاد لبعض الشافعية الاثبات من قولك: قر الشئ يقر إذا ثبت، وأقررته إذا أفدته القرار. وعلى كل حال فهو ليس من العقود والايقاعات، لانه ليس بانشاء، إلا أنه لما كان مشابها للايقاع في الجملة ذكره المصنف فيها، ولذا عرفه في الوسيلة بأنه " إخبار بحق على نفسه "، وفي النافع والدروس " إخبار عن حق لازم له " وفي الايضاح " إخبار عن حق سابق للغير ونفيه لازم للمقر " وفي الروضة " إخبار عن حق سابق على وقت الصيغة " وفي القواعد " إخبار عن حق سابق لا يقتضى تمليكا بنفسه، بل يكشف عن سبقه " إلى غير ذلك من كلماتهم التي لاحظوا فيها التمييز في الجملة. ولعل الاولى من ذلك إيكاله إلى العرف الكافي في مفهومه ومصداقه، وفي الفرق بينه وبين الشهادة والدعوى والرواية والترجمة، وأنه لا فرق فيه بين الاثبات

[ 3 ]

والنفى كالاقرار بالابراء ونحوه الذي لاحظه الفخر، بل ولا بين الاعيان والمنافع والحقوق كحق الخيار والشفعة ونحوهما، بل ولا بين حقوق الناس المستلزمة للمقر له وبين حقوق الله تعالى كالاقرار بشرب الخمر ونحوه، بل لعل تعريفه بالاعم في كتب اللغة والاصحاب للاشارة إلى إيكاله إلى العرف الذي لم يتغير فيه. والاصل في شرعيته بعد الاجماع من المسلمين أو الضرورة السنة (1) المقطوع بها من طرق العامة والخاصة التى ستسمع بعضها، بل في لكتاب العزيز ما يدل على اعتباره في الجملة، نحو قوله تعالى (2): " ءأقررتم وأخذتم على ذلكم اصرى ؟ قالوا: أقررنا " " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " (3): " ألست بربكم قالوا بلى " (4) " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " (5) الذي هو كالنبوي (6) " قولوا الحق ولو على أنفسكم " وخبر جراح المدائني (7) عن الصادق عليه السلام " لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه " وغيرهما مما هو دال على ذلك أيضا، مضافا إلى النبوي المستفيض أو المتواتر (8) " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " ومرسل عطار (9) عن الصادق عليه السلام " المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا " والنصوص


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار وسنن البيهقى ج 6 ص 83 و 84 (2) سورة آل عمران: 3 - الاية 81. (3) سورة التوبة: 9 - الاية 102. (4) سورة الاعراف: 7 - الاية 172. (5) سورة النساء: 4 - الاية 135. (6) البحار ج 77 ص 171 وفيه " قل الحق ولو على نفسك ". (7) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الاقرار الحديث 1. (8) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2 والمستدرك الباب - 2 - منه الحديث 1. (9) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 1.

[ 4 ]

المتفرقة في الابواب التى منها الاخذ به في الحد بالزنا (1) وغيره ومنها إقرار بعض الورثة بالدين (2) وإقرار المريض (3) وغير ذلك. * (و) * كيف كان ف‍ * (النظر) * فيه يكون * (في الاركان واللواحق، وأركانه) * غالبا * (أربعة) * صيغة ومقر ومقر له ومقر به، إذ قد يحتاج إلى مقر له كالاقرار بما يوجب الحد، أللهم إلا أن يقال: إن الحق حينئذ لله تعالى وإقرار له به، والامر سهل.


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب حد الزنا. (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب الاقرار الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الاقرار.

[ 5 ]

* (الاول:) * * (في الصيغة) * * (وفيها مقاصد) * * (الاول:) * * (في الصيغة الصريحة، وهى اللفظ المتضمن للاخبار عن حق واجب، كقوله لك علي أو عندي أو في ذمتي أو ما أشبهه) * وفي المسالك " الاقرار عبارة عن الصيغة المخصوصة، فتعريفها يقتضى تعريفه، فكان قوله: " وهى اللفظ " إلى آخره تعريفا له، كما صرح به غيره " وأنكر عليه ذلك في مجمع البرهان، وقال: " ليست هي الاقرار بل هو الاخبار والتلفظ بها الذي هو مدلولها كما قال المصنف هنا وفي التذكرة وغيرها، نعم قد يطلق عليها الاقرار أيضا باعتبار تسمية الدال باسم المدلول. قلت: لا ريب في ظهور كلماتهم في أن الاقرار من مقولة الالفاظ وإن كان من حيث مدلولها، لا أنه من المعاني المستقلة في نفسها التى مما يدل عليها الصيغة المزبورة نحو الامر والنهى، ضرورة عدم صدق الاقرار مع عدم التلفظ بالصيغة، بخلاف الامر الذي هو للطلب المدلول عليه بالصيغة أو غيرها. بل لعل التأمل بالجيد في كلامهم يقتضى عدم صدق الاقرار على الاشارة الفعلية الدالة على الاعتراف بالحق، لعدم صدق الاخبار عليها حقيقة وإن لحقها حكم

[ 6 ]

الاقرار، أللهم إلا أن يراد من الاخبار في كلامهم مطلق ما يفيد الاعلام بقول أو فعل، إلا أنه كما ترى، وحينئذ فيراد من صيغة الاقرار اضافة البيان لا مثل صيغة البيع الذي هو بمعنى النقل الحاصل بالصيغة وغيرها، ولعل هذا هو مراد ثانى الشهيدين. وعلى كل حال فالامر سهل. نعم قال فيها: " وأراد بالواجب معناه اللغوي، وهو الثابت، فيخرج به الاخبار عن حق مستقبل، فانه ليس إقرارا وانما هو وعد أو ما في معناه، وبهذا يستغنى عما عبر به غيره من قوله: " عن حق سابق " وتناوله للحق المؤجل أظهر من تناول السابق له، لانه أمر ثابت الان وإن كان استحقاق المطالبة به مستقبلا ويمكن اندارجه في السابق أيضا من حيث إن أصل الحق سابق وانما المستقبل المطالبة به، وتأخر استحقاق المطالبة أمر خارج عن الاقرار، لانه عبارة عن التأجيل، وذكره في الاقرار بالحق ليس إقرارا، وإنما هو دفع لما لزم من الاخبار باصل الحق، ومن ثم يقبل الاقرار بالحق لا بالاجل، كما سيأتي " وقد سبقه إلى ذلك الكركي في جامعه. لكن في مجمع البرهان " في عدم كون الاقرار الا بحق سابق تأمل، فان ذلك غير منقول من الشارع، بل مجرد اصطلاح نجده في بعض كتب الاصحاب، بل الذي يفهم من ظاهره أعم من ذلك، ولذلك تراهم يطلقونه على غير ذلك أيضا وهو ظاهر، الا أنه يمكن أن يقال: الاصل براءة الذمة وعدم لزوم شئ، والذي علم كونه اقرارا يلزم به ذلك، وغيره لم يعلم بل ولا يظن بحيث يكون معتبرا ومخرجا للاصل عن أصله، فيبقى تحت النفى، فتأمل. فالمعلق بمنزلة وعد بلزوم شئ له بشرط كذا، ولا دليل على لزومه إذ الاصحاب لم يقولوا بوجوب الوفاء بالوعد على ما يظهر وان كان ظاهر بعض الايات (1) والاخبار (2) وجوب الوفاء بالوعد، الا أن في كون ذلك وعدا صريحا أيضا تأملا، ودخوله


(1) سورة التوبة: 9 - الاية 77. (2) الوسائل الباب - 109 - من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

[ 7 ]

" تحت المسلمون " (1) غير ظاهر، وبالجملة الاصل دليل قوي، والخروج عنه يحتاح إلى دليل أقوى ". قلت: لا يمكن انكار صدق الاقرار على الحقوق المعلقة بنذر أو عهد أو يمين على شئ متوقع أو معلوم الحصول، فإذا أقر مثلا أن لزيد عليه مائة درهم إذا عوفي مريضه بنذر أو عهد أو يمين أو إذا جاء شهر كذا ونحو ذلك مما هو ليس كالمؤجل بل أصل الاستحقاق متوقف على أمر مستقبل لوقوعه بسبب تقبل ذلك كان إقرارا، وإنكار صدق الاقرار عليه أو عدم جريان حكمه عليه من المنكرات التى لا تسمع من مدعيها، أللهم الا أن يقال إنه حق سابق باعتبار تقدم السبب أو قصده على استحقاق المقر له ولو على وجه الشرط، إلا أن ذلك كما ترى. نعم من هذا وغيره يظهر أن مرادهم في التعريف المتييز في الجملة لا مطلق الاقرار، بل صريح كلماتهم تحقق الاقرار بمضمون " له علي " ونحوه، ومما يؤيد ذلك تسالمهم في سائر أبواب الفقه في النكاح وغيره على إجراء حكم الاقرار على كل من المدعي والمنكر، وأن كلا منهما يؤخذ باقراره، ولا ريب في عدم صدق الاقرار بحق سابق على مثل إنكار الزوج أو الزوجه الزوجية، ولا على مثل إنكار البائع المبيع أو المشترى الشراء، ولا على مثل اعتراف الحاكم مثلا بانشاء الحكومة لزيد على عمرو، ونحو ذلك مما لا ينكر عدم صدق كونه إخبارا بحق سابق لازم على المقر للمقر له، مع أنه إقرار قطعا، فيعلم من ذلك كله أنه ليس المراد من هذا التعريف الطرد والعكس، بل إنما هو تعريف لبعض أفراد الاقرار. بل من ذلك يظهر لك زيادة قوة لما ذكرناه من أن ايكال الاقرار إلى العرف أولى من التعرض لتحديده، فانه الذي يميز بين أفراده، حتى أنه في القضية الواحدة يجعل قائلها مدعيا من جهة ومقرا من جهة اخرى، ولعل ما ذكره في الصحاح من أن الاقرار الاعتراف أولى من هذه التعاريف، فتأمل جيدا، فانه


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب المكاتبة.

[ 8 ]

تحقيق نافع، والله العالم. * (و) * كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه * (يصح الاقرار بغير العربية) * من العربي وغيره، بل الاجماع بقسميه عليه، لتناول الاقرار للجميع، بل عن المفاتيح الاجماع على ذلك * (اضطرارا أو اختيارا) * بخلاف العقد والايقاع، نعم يعتبر العلم بالوضع، فلو لم يعلم العربي مثلا مؤدي اللفظ لم يقع قطعا، بل لو ادعى عدم العلم وكان ذلك ممكنا في حقه قبل عملا بالظاهر وأصالة عدم تجدد علمه بغير لغته، ولا فرق بعد دلالة اللفظ على ما يفيد الاقرار بين كونه على القانون العربي مادة وهيئة أو لا ضرورة كون المدار على حصول مسمى الاقرار المعلوم عدم اعتبار ذلك فيه، بخلاف العقود والايقاعات التي هي أسباب لحصول مسبباتها لا كواشف عن أسباب، كالاقرار الذي هو إخبار عن حصول السبب، فيكفي فيه ما يكفي في الاخبار من غير فرق في ذلك بين الحقيقة اللغوية والعرفية والمجاز، ضرورة كون المدار على اللفظ الدال بنفسه أو بقرينة على ما يفيد الاقرار * (و) * من الغريب دعوى بعض الناس ظهور كلمات الاصحاب في اشتراط كون صيغة الاقرار حقيقة عرفا أو لغة. نعم لا خلاف بينهم في اشتراط التنجيز لما فيه من كونه إخبارا عن حق ثابت، وهو لا يقبل التعليق المقتضي لعدم وقوع المعلق قبل وقوع المعلق عليه. ف‍ * (لو قال: لك علي كذا إن شئت أو إن شئت) * بضم التاء أو فتحها * (لم يكن إقرارا وكذا لو قال: إن قدم زيد، وكذا إن رضي فلان أو إن شهد) * أو نحو ذلك لاشتراك الجميع في التعليق المنافي للاخبار وإن كان على صفة يتحقق وقوعها، وليس هذا نحو الاقرار بما ينافيه الذي يؤخذ ببعضه ويترك الاخر، ضرورة كون الشرط والجزاء كلاما واحدا، لكون الحكم بينهما لا في كل واحد منهما، ولا في الجزاء فقط والشرط حرف كما عن بعض أهل العربية. كما أنه لا يخفى عليك الفرق بين المقام وبين ما ذكرناه سابقا من الاقرار بالحق المستقبل المعلق على شئ، فانه ليس إقرارا مطلقا، بل هو إقرار بالحق

[ 9 ]

المعلق بمقتضى السبب المتعلق به، كما هو واضح. * (ولو قال: إن شهد لك فلان فهو صادق لزمه الاقرار في الحال، لانه إذا صدق لزمه (وجب خ ل) الحق وإن لم يشهد) * كما هو خيرة الشيخ في المحكى عن مبسوطه، وابن سعيد في المحكي عن جامعه، وخيرة الفاضل في جملة من كتبه، بل عن فخر الاسلام عن والده نسبته إلى الاصحاب وإن كنا لم نتحققه لغير من عرفت، ووجهه ما أشار إليه المصنف من أنه إذا صدق على تقدير الشهادة لزمه الحق، لوجوب مطابقة الخبر الصادق لمخبره في الواقع، فيكون في ذمته على ذلك التقدير، ومن المعلوم أنه لا دخل للشهادة في ثبوت المقر به في الذمة في نفس الامر، فيثبت حينئذ مطلقا، إذ الصدق مطابقة نسبة الخبر للنسبة الخارجية، فلابد من تحقق النسبة الخارجية في تحقق الصدق على تقدير الشهادة. وبالجملة الشهادة ليست سببا محصلا، بل السبب المقتضى لشغل الذمة أمر آخر من بيع أو قرض أو نحوهما، فإذا حكم بالصدق على تقدير الشهادة فقد حكم بثبوت سبب يقتضي شغل الذمة، ومع ثبوته يجب الحكم على تقدير الشهادة وعدمه، لما عرفت من أن المقتضي للشغل غير الشهادة. وأيضا المال إما ان يكون ثابتا في ذمته أو لا، والثاني باطل لاستلزامه كذب الشاهد على تقدير الشهادة، لانه خبر غير مطابق، لكنه حكم بصدقه على تقديرها، فيكون مخالفا للفرض، فيتعين الاول، وأيضا يصدق " كلما لم يكن المال ثابتا في ذمته لم يكن صادقا على تقدير الشهادة " وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: " كلما كان صادقا على تقدير الشهادة كان المال في ذمته " لكن المقدم حق لاقراره، فانه حكم بصدقه على تقدير الشهادة فالتالي مثله، إلى غير ذلك مما قرر في وجه الحكم المزبور. فما في غاية المراد - من توقف الطلبة فيه باعتبار أن استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي، فيكون التقدير " لكنه لم يشهد فلا يكون صادقا " - واضح

[ 10 ]

الفساد بعد ما عرفت من توجيهه، ولذا قال فيها بعد أن حكى ذلك عنهم: " وهو خطأ، لانه عقيم ". وكذلك ما في حاشية الكركي على الكتاب من أنه " خفي وجه هذه المسألة على كثير من الطلبة نظرا إلى أن الاستثناء هل هو لعين المقدم أو لنقيض التالي ؟ ثم كيف يلزم المال المعلق لزومه على شهادة لم تحصل ! ؟ " ضرورة أنه لا وقع لشئ من ذلك بعد الاحاطة بما ذكرناه. نعم أشكله في غاية المراد بأن تعليق الصدق على شهادته يوجب توقفه عليها، لضرورة التعلق، وشهادته وإن كانت ممكنة في نفس الامر فانها قد تكون ممتنعة بالنظر إلى المقر، والمعلق على الممتنع ممتنع، وبأن التعليق مبطل للاقرار وإن كان المعلق عليه ممكنا، لان الواجب لا يقبل التعليق، ولو كان لامكان الشهادة مدخل في الثبوت لم يكن فرق بين التعليقات مع كونها ممكنة، ولان لفظة " فهو صادق " في قوة " فله علي " وهذه العبارة لا تلزم، فكذا الاخرى وتبعه عليه الكركي وثاني الشهيدين وغيرهما، لظهور كون المراد من مثل هذه العبارة في محاورات الناس أنه من الممتنع شهادة الشخص المزبور، لامتناع الكذب عليه، لا أن المراد الاعتراف بصدقه على تقدير الشهادة، نحو قول أحدهم: " إن شهد فلان أني لست لابي فهو صادق " ولا يريد إلا ما سمعته، للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لابيه. بل في المسالك " لا يخرج بذلك عن التعليق، بل هو أدنى مرتبة منه، فانه إذا قال: " له علي كذا إن شهد به فلان " لا يكون إقرارا اتفاقا، مع أنه صريح في الاعتراف بالحق على تقدير الشهادة والاقرار في مسألة النزاع إنما جاء من قبل الالتزام، فلان لا يكون إقرار أولى، وما ذكر في توجيه الاقرار وارد في جميع التعليقات، فانه يقال: ثبوت الحق على تقدير ثبوت الشرط يسلتزم ثبوته الان، إذ لا مدخل للشرط في ثبوته في نفس الامر " إلى آخر ما قيل في الدليل، وإن كان هو كما ترى، ضرورة أن التعليق في مسألة النزاع بيان لحكم الشهادة

[ 11 ]

على تقديرها، بخلاف غيرها الذي هو تعليق محض. فالعمدة حينئذ في الاشكال عدم ظهور العبارة المزبورة في إرادة الاقرار على الوجه المزبور، بل لعل الظاهر منها خلاف ذلك، ولا أقل من الشك والاصل براءة الذمة، خصوصا بعد ما في مجمع البرهان من احتمال أن القائل المزبور لم يعرف صحة ما ادعى عليه وعدمها، فيقول: أنا أعرف صدق هذا الشخص، فان شهد فهو صادق وإن أعطى المدعى لامكان لزومه لي حينئذ من غير شعور لي بسبب جناية من غير اختيار أو استقراض وكيلي أو نحو ذلك، واحتمال كون المراد ثبوت ذلك في ذمته قبل شهادته، ولم يكن حين الاقرار، فيكون الشهادة بعد ذلك صدقا وحقا، فلا يدل على ثبوت الحق قبل الاقرار، بل قبل الشهادة، فان الصدق يستدعي ثبوت ما يشهد به قبلها لا قبل الاقرار، ويكون إقراره بالصدق حينئذ لمعرفته بصدقه بعدها لا لعلمه بوقوع المخبر به في نفس الامر، نحو ما يقول من لا يعلم بشئ في ذمته: " إنه لو قال المعصوم بأن ذمتك مشغولة فهو صادق " وليس هذا إقرارا بالعلم بما يقوله قبل قوله، بل لا علم له بذلك إلا من قوله، فلو لم يقل لم يلزمه القول به، ولا قبله على تقدير القول. ولعله لذا قال الفاضل في المحكي عن تذكرته بعد أن بالغ في ترجيح ما سمعته من الشيخ: " حتى لو قال زيد الذي علق الصدق على شهادته: لا أشهد وأن المدعى كاذب أو أني أشهد ببراءته، والاقرب أنه إن ادعى عدم علمه بما قال وأن المقر له لا يستحق في ذمته شيئا وأنه توهم أن فلانا لا يشهد فان كان مما يخفى عليه ذلك قبل قوله، وحمل على التعليق، وكان لغوا " وإلى ذلك أشار فخر الاسلام فيما حكاه عن والده " أن المقر إن كان عارفا بهذه الملازمة العقلية لزمة الاقرار وإلا فلا - ثم قال -: وهو الاصح عندي ". قلت: لا يخفى عليك مقامات هذه العبارة، فقد تصدر ممن يريد الالتزام بالحق والاعتراف به، فيقول: إن شهد على ذلك فهو صادق، أي لان الواقع كما

[ 12 ]

شهد، فهو في الحقيقة بمنزلة أن يقول لمن شهد عليه فعلا: " هو صادق " كما اعترف به في المسالك في أول كلامه، وبمنزلة من كان مطلعا مثلا على قيام زيد، فيقول: " كل من يخبر بقيامه فهو صادق " وإن أخبر به زيد فهو صادق ونحو ذلك. وقد تصدر هذه العبارة ممن يعلم ببراءة ذمته وأنه لا يقبل فيها شهادة شاهد ولا خبر مخبر. فيريد من هذا التركيب شبه التعليق على محال، وهذا المقام غالبا يجرى بين المتخاصمين. وقد تصدر من الشاك فيريد بها بيان أني أعلم صدق ذالك بشهادة زيد، وغير ذلك من المقامات التي لا تخفى على من له أدنى خبرة بالمحاورات. نعم قد يقال إنها مع قطع النظر من سائر المقامات تستلزم الاقرار بالحق باعتبار ظهور الحكم بالصدق في معلومية الواقع لديه، وهو لا يختلف بالشهادة وعدمها، وحينئذ يكون التعليق فيها بمعنى أنه إن شهد كان متصفا بالصدق وإن لم يشهد به لم يكن متصفا به، ضرورة تبعية الصدق للاخبار بالواقع لا للواقع نفسه وإن لم يخبر به، وحينئذ فالواقع واقع لا يتغير بشهادته وعدمها، ولكن الاتصاف بالصدق يدور مدار الشهادة وعدمها، فمن الغريب إطناب ثاني الشهيدين تبعا للشهيد في أن المقام كباقي صور التعليق. وأغرب منه دعوى إرادة التعليق على المحال من هذا التركيب على كل حال ومثله دعوى إحتمالها كذلك لمحتملات متعددة، ضرورة أنه لا ينكر ظهور الحكم بالصدق لمن أخبر به فعلا أو لمن يقدر إخباره به في اطلاع الحاكم إلى الواقع وانكشافه لديه، ولذا حكم بصدق من يخبر به. ومن ذلك كله يظهر لك الوجه فيما ذكره الشيخ والمصنف من الفرق بين تعليق الاقرار على شهادة زيد مثلا وبين تعليق الوصف بالصدق، وأن الثاني من لوازمه الاقرار بالحق بخلاف الاول، بل ويظهر لك ما في كثير من الكلمات في المقام

[ 13 ]

التي ذكرناها وغيرها، فتأمل جيدا. ومما ذكرنا قد ظهر لك عدم الفرق بين العبارة المزبورة وبين قوله: " إن شهد علي شاهد بذلك فهو صادق " بل في القواعد والمسالك أن مثله " فهو صحيح " أو " حق " وهو كذلك بناء على إرادة ما يساوى الصدق منه نعم لو قال: " إن شهد لك صدقته " أو " لزمني " أو " أديته " لم يكن مقرا، لعدم الملازمة بين التصديق والحكم بالصدق الذي هو إخبار عن الواقع وما في نفس الامر لان الكذب والصدق بحسب نفس الامر ونحوه قوله: " لزمني " بعد معلومية عدم لزوم الحق بشهادة الواحد، فالمراد منه الوعد بالتزام الاداء وأصرح منهما في الوعد قوله: " أديته " كما هو واضح، بل وكذا لو قال: " فهو عدل " أو نحو ذلك مما لا ظهور فيه في الاعتراف بكون الواقع كما يشهد. * (و) * كيف كان خلاف بل ولا إشكال في أن * (إطلاق الاقرار بالموزون) * من أهل بلد مخصوص * (ينصرف إلى ميزان) * تلك * (البلد) * إذ كان فيها، لان ألفاظ الاقرار كغيرها في الحمل على المتعارف إن كان، وإلا فعلى اللغة. * (وكذلك) * الكلام في * (المكيل) *. بل * (وكذا إطلاق) * النقدين من * (الذهب والفضة فينصرف إلى النقد الغالب) * من المشكوك * (في بلد الاقرار) * إذا كان المقر من أهله، من غير فرق بين المغشوش وغيره والناقص وغيره. وأما لو قال: " له عندي وزن درهم فضة " أو " مثقال ذهب " فلا يجب حمله على النقد الغالب، وهو المسكوك، بل يعتبر فيه مصداقهما ولو من غير المضروب. بل في المسالك " ويفارق النقد الغالب أيضا في أنه يعتبر خلوصه من الغش، بخلاف النقد، فانه يحمل على المتعارف وإن كان مغشوشا، لان ذلك هو المفهوم منهما ". وفيه ما لا يخفى من عدم اعتبار ذلك فيه أيضا إذا كان المغشوش متعارفا في تلك البلد، نحو ما يأتي من ذهب أهل الجزية، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع

[ 14 ]

من وجوب حمل اللفظ على المفهوم منه عرفا وإلا فلغة. نعم قد يظهر من المصنف اعتبار بلد الاقرار وإن تعارف في بلد المقر غيره، وفيه منع، بل الظاهر اعتبار بلد المقر كما عن جماعة التصريح به وإن أقر في بلد تعارف فيها غير ما في بلده إلا مع القرائن. * (ولو كان نقدان غالبان أو وزنان مختلفان وهما في الاستعمال سواء رجع في التعيين إلى المقر) * بلا خلاف أجده فيه وإن عين في الناقص لاصالة البراءة من الزائد، ولو تعذر الرجوع إليه حمل على الاقل، لانه المتيقن. وظاهر تقييد المصنف وغيره بالسواء يقتضى أنه لو كان بعض النقد أو الوزن غالبا في المعاملة حمل الاطلاق عليه، كما صرح به بعضهم أيضا، وفيه منع واضح إذا لم تكن الغلبة في الاستعمال تورث ظنا بالمراد من الاطلاق على وجه يكون هو المفهوم منه عرفا. نعم لا إشكال في اعتبار التعدد في الرجوع إليه في التعيين، ضرورة انسياق المتعارف من اللفظ مع الاتحاد، ولكن في مجمع البرهان " لا يبعد القبول أيضا، لانه يمكن أن يريد غير المتعارف في البلد وإن كان خلاف الظاهر " وفيه ما لا يخفى مع التيين منفصلا، لكونه منافيا لما ثبت عليه بظاهر اللفظ الذي هو حجة شرعية، فهو حينئذ كالانكار بعد الاقرار، وستسمع تمام الكلام في ذلك عند تعرض المصنف له في القصد الثاني، والله العالم. * (ولو قال: له علي درهم) * لزمه درهم واحد وإن كرر إلى المأة مثلا، بلا خلاف ولا إشكال، لاحتمال إرادة التأكيد احتمالا مساويا لعدمه أو راجحا، والاصل براءة الذمة. نعم لو قال: * (ودرهم لزمه اثنان) * بلا خلاف، بل في المسالك ظاهرهم الاتفاق عليه، لان المعطف يقتضى المغايرة، فلا يحتمل التأكيد، واحتمال عدم

[ 15 ]

معرفته بالقانون العربي أو إرادة درهم آخر لزيد ونحوه لا يلتفت إليه بعد تبادر التعدد إلى الذهن، فلا يلتفت إلى الاحتمال البعيد. * (وكذا) * الكلام فتوى ودليلا لو قال: * (ثم درهم) * بل في المتن والتحرير والدروس والمسالك ومحكى المبسوط وتعليق الارشاد، * (أو قال: درهم فدرهم) * لمساواته للاؤلين في العطف المقتضى للمغايرة وعدم التأكيد، وأما احتمال " فدرهم لازم لى " ونحوه لمجئ الفاء غير عاطفة فبعيد لا ينافي الحكم بالظاهر، خلافا للفاضل في قواعده وإرشاده وولده في المحكى من شرحه له، فلا يلزمه إلا واحد. بل عن المبسوط " أنه لا خلاف فيه، لمجيئ الفاء غير عاطفة، والاصل براءة الذمة " وفيه أن الاحمال لا ينافي الظهور الذي هو مدار الحكم، وإلا لجرى نحوه في الصورتين الاولتين اللتين وافق فيهما الخصم، ضرورة إمكان مثل هذا الاحتمال باضمار ونحوه فيهما، هذا. ولكن في المسالك تبعا لما عن التحرير والدروس " أنه قال: " أردت فدرهم لازم لى " اتجه قبول قوله بيمينه لو خالفه المقر له " بل ربما جعل بعض الناس هذا جمعا بين الكلمة، فيحتمل كلام المصنف على ما إذا لم يقل ذلك، وكلام الفاضل على ما إذا قال. وفيه منع القبول مع فرض انفصال القول وتبادر التعدد من اللفظ المزبور، لانه من تعقيب الاقرار بما ينافيه ولو من حيث الظهور المزبور، وإلا لم يحكم بالدرهمين وإن لم يقل، لاصالة البراءة، وفرض تساوى احتمال العطف وغيره، وربما تسمع لذلك زيادة تحقيق إنشاء الله. ولو قال: " درهم ودرهمان " لزمه ثلاثة، لامتناع التأكيد وبعد احتمال غير العطف، وكذا لو قال: " درهم ودرهم ودرهم " لزمه ثلاثة، بل كل ما زاد زاد، لما عرفته من ظهور العطف. لكن في القواعد والارشاد وغيرهما أنه لو قال: " أردت بالثالث تأكيد الثاني "

[ 16 ]

قبل ولو قال: أردت تأكيد الاول ولم يقبل، ولعله لصلاحية تأكيد الثاني بالثالث لفظا بتكرر حرف العطف، بخلاف الاول الخالى منه، فلا يصلح الثالث المشتمل عليه تأكيدا له لفظا فضلا عن عدم صلاحيته له معنى ". لكن قد يناقش بنحو ما سمعته من منافاة القول المزبور للظهور مع فرض الانفصال، فلا يسمع وإلا لم يحكم بالثلاثة وإن لم يقل، لاصالة البراءة مع فرض تساوى الاحتمال. وكذا تجب الثلاثة لو قال: " درهم ودرهم ثم درهم " أو " درهم ثم درهم ودرهم " لامتناع احتمال التأكيد اللفظى، بل عن التحرير والدروس " وكذا درهم ودرهم فدرهم " وهو كذلك بناء على عدم الاعتداد باحمتال مجيئها لغير العطف، هذا كله إذا عبر بما سمعت من التعبير المزبور. * (أما لو قال:) * له علي درهم * (فوق درهم) * أو تحت درهم أو فوقه درهم أو تحته درهم * (أو مع درهم) * أو معه درهم لزمه درهم واحد بلا خلاف أجده فيه، بل لم يحك عن أحد منا التعبير بما لا يقتضى الجزم بذلك إلا الفاضل في محكى التذكرة، فعبر بالاقرب، ولعله لان الاصل براءة الذمة بعد تساوى احتمال إرادة الاقرار بالزائد، واحتمال إرادة درهم لى أو فوقه في الجودة وتحته في الرداءة، بل في المتن والدروس لو قال ذلك * (أو) * قال: * (قبل درهم أو بعده لزمه درهم واحد.) * بل في محكى المبسوط أنه أقوى، كالمسالك وجامع المقاصد أنه أصح، ولعله * (لاحتمال) * إرادة له درهم قبل وجوب درهم لعمرو، أو مضرورب قبل درهم احتمالا مساويا لاحتمال إرادة الاقرار، فهو حينئذ كاحتمال * (أن يكون أراد) * في المثال السابق * (مع درهم لى) * والاصل براءة الذمة * (فيقتصر على المتيقن) *. خلافا للفاضل في القواعد، فقال: يلزمه درهمان، ولعله لان القبلية والبعدية يرجعان إلى الزمان، ولا يتصف بهما نفس الدرهم، فلابد من رجوع التقدم والتأخر

[ 17 ]

إلى المقر، وليس ذلك إلا الوجوب عليه. واجيب بأنهما كما يكونان بالزمان يكونان بالمزية والرتبة ونحوهما، بل لو سلم اختصاصهما بالزمان جاز رجوعهما إلى غير الوجوب، بأن يريد درهم مضروب قبل درهم وما أشبهه، بل لو سلم إرادة الوجوب فيهما جاز إرادته بالنسبة إلى غير المقر بأن يريد لزيد درهم قبل وجوب درهم لعمرو ونحوه. والمناقشة بأنه لو سمع هذه الاحتمالات لسمعت في نحو " له علي درهم ودرهم " الذي قد عرفت الاتفاق على لزوم درهمين يدفعها وضوح الفرق بينهما باعتبار كونها خلاف المعنى الحقيقي فيه، دون مثال القبلية والبعدية الذي لا يدل على المدعى بطريق الحقيقة، بل قد يمنع عدم اتصاف الدرهم بهما مع معلومية كون الظرف إذا وقع بعد نكرة كان صفة، من غير فرق بين ظرف الزمان والمكان، وكون المتعلق في ظرف الزمان هنا كونا خاصا لا يقتضى كون المتعلق وجوب درهم آخر له على المقر. قلت: هذا خلاصة ما ذكروه في المقام، لكن الانصاف ظهور شغل الذمة بدرهمين لو قال: " له علي درهم قبله درهم " أو " بعده درهم " والثلاثة لو قال: " قبله درهم وبعده درهم " بل قد يقال: بلزوم الدرهمين في نحو " فوقه درهم " أو " مع درهم " أو " معه درهم " وإن قلنا لا خلاف بينهم في لزوم درهم واحد، إذ لعله لاختلاف عرف وقتهم وما نحن فيه من العرف، ضرورة دوران المسألة على ذلك، إذ لا نصيب فيها للتعبد * (و) * كيف كان ف‍ * (كذ) * لك يلزمه درهم واحد * (لو قال:) * له علي * (درهم في عشرة و) * قد علم منه أنه * (لم يرد الضرب) * بذلك وإنما يريد الظرفية للدرهم الواحد بلا إشكال ولا خلاف، كما أنه لا إشكال ولا خلاف في لزوم العشرة إذا علم منه إرادة الاقرار بما يقتضيه الضرب. إنما الكلام في صورة الاطلاق، والظاهر لزوم درهم واحد لانه المتيقن،

[ 18 ]

والاصل براءة الذمة، ولا ظهور في العبارة يترجح به أحد الاحتمالين، بل ربما احتمل فيه ثالث، وهو ارادة معنى " مع " من " في " نحو قوله تعالى (1): " ادخلوا في امم " فيلزمه حينئذ أحد عشر، وحينئذ يكون المثال كالمشترك الذي يرجع فيه إلى المقر في التعيين، ويقبل منه بغير يمين إذا لم يدع عليه إرادة خلافه، وإلا حلف، ومع تعذره يؤخذ بالاقل الذي هو المتيقن على كل حال وينفى الزائد بأصل البراءة. * (ولو قال غصبته ثوبا في منديل أو حنطة في سفينة أو ثيابا في عيبة) * أو زيتا في جرة أو تمرا في جراب * (لم يدخل الظرف في الاقرار) * لاحتمال ارادة " لي " في الجميع، وكذا الاقرار بالظرف لا يقتضى الاقرار بالمظروف، فلو قال: " له عندي غمد فيه سيف " أو " جرة فيها زيت " أو " جراب فيه تمر " أو " سفينة فيها طعام " لم يكن إقرارا بالمظروف، لاحتمال " لى " أيضا والوصفية لا يقتضى الاستحقاق على هذا الوصف، إذ لا تنافي بين الاقرار بالموصوف مع التصريح بكون الوصف له، وكذا لو قال: " غصبته فرسا عليها سرج " أو " حمارا على ظهره لحاف " أو " له زمام " أو " دابة مسرجة " أو " دارا مفروشة " أو نحو ذلك. نعم لو قال: " دابة بسرجها " و " دارا بفراشها " دخل، لظهور الباء في ذلك. وكذا لو قال: " ثوبا مطرزا " لان الطراز كالجزء منه، مع احتمال العدم إذا كان الطراز يصنع بعد النسج. ولو قال: " غصبته فصا في خاتم " كان إقرارا بالفص، أما لو قال: " خاتما فيه فص " ففى المسالك " في كونه إقرارا بالفص وجهان، أظهرهما العدم، لاحتمال أن يريد فيه فص لى " وفيه أن المنساق في عرفنا دخوله، على أنه كالجزء منه حتى أنه لو باعه دخل فيه، فهو حينئذ كما لو قال: " له هذا الخاتم " وكان فيه فص،


(1) سورة الاعراف: 7 - الاية 38

[ 19 ]

فلا يقبل منه منفصلا استثناء الفص. بل في القواعد " لو قال: له خاتم وجاء به وفيه فص واستثناه فان الظاهر عدم قبوله " وإن كان قد يناقش بأن الاقرار بالخاتم المطلق لا يقتضى الاقرار بأن فيه فصا، ضرورة صدقه بدونه، ولعله لذا كان المحكى عن الفخر والمقدس صحة الاستثناء، وعن الكركي أنه لا يخلو من قوة. ولو قال: " له عندي جارية " فجاء بها وهى حامل صح استثناء الحمل لعدم اندراجه في الاقرار السابق حتى يكون منافيا، بل عن التذكرة الحمل عندنا لا يدخل في الاقرار ولا في البيع. بل ذكروا في كتاب القضاء أنه لا يسمع دعوى " هذه بنت أمتى " لجواز ولادتها في غير ملكه، بل ولو قال مع ذلك: " ولدتها في ملكى " لاحتمال الحرية أو تملك غيره لها، بل لو أقر بأنها بنت أمة فلان لم يلزمه شئ بمجرد ذلك، وأنه لو فسره بما ينافي الملك قبل منه، لكن مع هذا كله ذكر صحة الاستثناء في القواعد احتمالا، بل عن التحرير والارشاد والايضاح الاشكال في ذلك، ولعله لان الحمل نماؤها فيتبعها، وفيه أنه لا يقتضي التبعية في الاقرار، كما هو واضح، والله العالم. وكيف كان فلا يدخل الظرف في الاقرار بالمظروف ولا بالعكس، فيصح استثناؤه حينئذ منفصلا خلافا للمحكي عن أبي حنيفة، فحكم بدخول كل من الظرف والمظروف في الاخر، وكذا البواقي، وعن أبي علي منا كل مالا يوجد بغير ظرف كالسمن فالاقرار به إقرار بظرفه، وهما معا كما ترى. * (ولو قال: له) * عندي * (عبد عليه عمامة) * ففي المتن وغيره * (كان إقرارا بهما، لان له أهلية الامساك) * فتكون له يد على ملبوسه مثلا، وما في يده لسيده، فإذا أقر بالعبد كان ما في يده لسيده * (وليس كذلك لو قال: دابة عليها سرج) * لعدم اليد للدابة على ما عليها وإن حكي عن بعض الاصحاب إلا أنه كما ترى. ومن هنا لو جاء بعبد عليه عمامة

[ 20 ]

وقال: " هذا العبد لزيد " كانت العمامة له أيضا، ولو جاء بدابة عليها سرج وقال: " هذه الدابة لزيد " لم يكن السرج له. لكن قد يناقش بأن دخول ما على العبد حينئذ من جهة اليد لا من جهة الاقرار، ومع ذلك فالسيد المقر له لا يد له على العبد، وانما اليد عليه للمقر فإذا أقر ببعض ما تحت يده لا يسرى الاقرار لغيره، بل في المسالك " هذا كله أوجه ". ومما ذكر يظهر لك ما في تردد الفاضل في القواعد في دخول السرج والفراش لو قال: " دابة مسرجة " و " دار مفروشة " لانها إذا سلمها بغير الوصف لم تكن المقر بها، فهي كما لو قال: " عبد عليه عمامة " إذ قد عرفت أنه لا منافاة بين التصريح بكون الوصف له وكون الموصوف للمقر له، أللهم إلا أن يدعى فهم العرف مع عدم التصريح بتبعية الاقرار بالصفة للاقرار بالموصوف. ولعل جعل المدار على العرف في جميع ما تقدم أولى من الاطناب حتى فيما حكوا الاتفاق عليه، ضرورة معلومية عدم التعبد في أمثال هذه المسائل، وهو مختلف باختلاف الامكنة والازمنة والاحوال. ولعل من ذلك " له علي ألف في هذا الكيس " ولم يكن في الكيس شئ، فانه يلزمه الالف، لان " علي " يقتضي ذلك، ولا أثر لقوله: " في هذا الكيس " المقتضي لرفع الاقرار، بل الظاهر وجوب الاتمام لو كان ناقصا. بل الظاهر ذلك حتى لو قال: " الالف الذي في الكيس " وإن جزم في القواعد ومحكي التحرير بعدم إلزامه بالاتمام، وفيهما أيضا أنه لو لم يكن فيه شئ ففي لزوم الالف وجهان. لكن قد يقال: إن قوله " علي " ينافي ذلك كله، فيؤخذ به ولا يلتفت إلى غيره مما ينافيه، كما عن التذكرة، وأولى من ذلك الرجوع فيه إلى العرف، ومع الشك فالاصل البراءة.

[ 21 ]

ولعله إلى ما أشرنا من الرجوع إلى العرف مبنى النصوص فيمن أوصى بصندوق وفيه مال، فقال الورثة: إنما لك الصندوق، فقال الصادق عليه السلام: " الصندوق وما فيه له " (1) وفيمن أوصى لرجل بسيف وكان في جفن وعليه حلية، فقال الورثة: إنما لك النصل، فقال الرضا عليه السلام: " لا بل السيف بما فيه له " (2) وفيمن أوصى بالسفينة ولم يسم ما فيها وفيها طعام، فقال الصادق عليه السلام: " هي للذي أوصى له بها، إلا أن يكون متهما، وليس للورثة شئ " (3) والله العالم. * (و) * لو عطف ببل فان كانا مطلقين مختلفين أو معينين لم يقبل إضرابه، والزم بهما، لعموم " إقرار العقلاء " (4) وقاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار بعد أن كان كل منهما غير الاخر ولا يدخل فيه. ف‍ * (لو قال: له) * علي * (قفيز حنطة) * مثلا * (بل قفيز شعير لزمه القفيزان وكذا لو قال: له هذا الثوب بل هذا الثوب) * أو هذا الدرهم بل هذا الدرهم بلا خلاف أجده بين من تعرض له كالشيخ والحلي والفاضلين والشهيدين والكركي وغيرهم. نعم عن أبي علي أنه أوجب ما بعد (ها خ) بل في المختلفين دون ما قبلها، وكأنه مال إليه بعض متأخرى المتأخرين، ولعله لمعلومية كونها للاضراب من غير نكير، ولان الانسان قد يسهو وقد يغلط فيستدرك ببل، مضافا إلى أصل البراءة. ودعوى انسداد باب الاقرار بالاخذ بذلك لجريان نحو ذلك في أكثر الاقرارات ممنوعة، ضرورة كون المدار على ما يقتضيه القانون العربي وتقتضيه قاعدة عدم اعتبار معنى الكلام إلا بعد تمامه، كما في صحيح هشام (5) عن أبي


(1) الوسائل الباب - 58 - من كتاب الوصايا الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 57 - من كتاب الوصايا الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 59 - من كتاب الوصايا الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 4 - من أبواب آداب القاضى الحديث 3 من كتاب القضاء

[ 22 ]

عبد الله عليه السلام قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يأخذ بأول الكلام دون آخره " ودعوى تمامه قبل ذكر بل واضحة الفساد، ضرورة كون المراد من الكلام مجموع ما يتكلم به المتكلم في ذلك الامر، ولا بأس بالزام ذلك، حتى لو قال: " هذا الشئ لزيد، بل لعمرو " فيحكم به حينئذ للاخير منهما مع اتصال الكلام وإن لم يحك فيه خلاف فضلا عن التزامه في المعنيين اللذين هما في الحقيقة كالمختلفين باعتبار التشخيص. لكن مع ذلك كله قد يقال: بعدم صلاحية جميع ما سمعت، لمعارضة قاعدة إقراء العقلاء وقاعدة سماع الانكار بعد الاقرار، خصوصا بعد عدم الخلاف في العمل بهما في الفرض إلا ممن عرفت، وليس العطف ببل من مكملات الكلام ومتمماته كالاستثناء ونحوه، نعم لو دلت قرائن الاحوال على صدور ذلك منه غلطا عمل عليه وحكم بالثاني، كما هو واضح * (أما) * لو كانا مطلقين وكان أحدهما أكثر لزمه الاكثر بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل ولا إشكال بناء على ما عرفت. ف‍ * (لو قال: له قفيز بل قفيزان لزمه القفيزان حسب) * دون الثلاثة وإن حكى عن زفر وداود، لكنه واضح الضعف، ضرورة ظهور اللفظ في إرادة دخول الاقل في الاكثر لا أقل من الشك، والاصل براءة الذمة عما زاد عن الاثنين، وكذا لو عكس وقال " له قفيزان بل قفيز " لدخول الاقل فيه على كل حال. ولو قال: " له دينار بل ديناران بل ثلاثة " لزمه الثلاثة، وهكذا، ولو قال: " دينار بل ديناران بل قفيز بل قفيزان " لزمه ديناران وقفيزان، ولو قال: " دينار وديناران بل قفيز وقفيزان " لزمه ثلاثة دنانير وثلاثة أقفزة وهكذا، لما عرفت. * (و) * إن لم يكن أحدهما أكثر لم يلزمه إلا أحدهما ف‍ * (لو قال: له) * علي * (درهم بل درهم لزمه واحد) * للاصل بعد احتمال إرادته من الثاني عين

[ 23 ]

الاول - بمعنى أنه أضرب ليستدرك، فذكر أنه ليس عليه إلا ذلك، فأعاد الاول ولم يستدرك - احتمالا مساويا لارادة درهم آخر غير الاول لكن في قواعد الفاضل احتمال لزوم الاثنين، بل كأنه مال إليه الكركي في جامعة، بل في الايضاح هو الاصح، لان " بل " للاستدارك والانكار والاعتراف، وتواردهما على محل واحد محال، فتعين التغاير، والانكار لا يقبل. ومحصله أن شرط صحة استعمال " بل " مغايرة ما قبلها لما بعدها، فكما لا يصح أن يقال: " جاء رجل بل رجل " إلا بتأويل أن أحد الرجلين غير الاخر فكذا لا يصح " له درهم بل درهم " إلا بتأويل أن الاول غير الاخر، وإلا كان الاضراب لاغيا. وفيه منع تعين التأويل المزبور على وجه يترتب عليه الحكم بالاقرار بهما، لامكان التأويل الذي ذكرناه وإن خرجت به عن الاضراب، والاصل براءة الذمة، بل ولو مع التزام غلطية هذا الاستعمال. ولو كان أحدهما معينا والاخر مطلقا فان اتحدوا قدرا ووصفا حمل المطلق على المعين، سواء تقدم أو تأخر، كما لو قال: " له درهم بل هذا الدرهم " أو " هذا الدرهم بل درهم " وإنما جمع بينهما لصدق المغايرة مع عدم المنافاة، إذ يصح أن يقال: " له درهم " يحتمل كونه هذا وغيره، بل هو هذا الدرهم لكن يتعين الوصف الزائد في أحدهما، وهو المتعين، فتعين المعين. وإن اختلفا وكان المعين هو الاقل تعين إكمال المقر به بالمعين لزوما وبغيره تخييرا، كما إذا قال: " له هذا القفيز بل قفيزان " فيلزمه المعين مع أحد ما شاء منهما، ولو عكس فقال: " له قفيزان بل هذا القفيز " ففي المسالك " دخل المطلق ولم يتغير حكم الاكثر " وفيه منع التفاوت بينهما بل قد يقال بعدم دخول المطلق في جميع الصور، فيلزم بالمعين وبغيره مما هو مصداق للمطلق، بل يمكن دعوى ظهور اللفظ في ذلك، مضافا إلى قاعدة الاضراب وغيرها، بل لعل هذا أولى مما سمعته من الايضاح في المطلقين.

[ 24 ]

نعم لو جمع بين المختلفين كمية وتعيينا كما لو قال: " له هذا القفيز من الحنطة بل هذان القفيزان من الشعير " فأولى بعدم التداخل، ويلزمه الثلاثة، هذا مع تقدم الاثبات على " بل ". أما إذا تقدم النفي كما إذا قال: " ماله علي درهم بل درهمان " أو " ماله هذا الدرهم بل هذا " أو " هذان " أو " ماله علي درهم بل درهم " فالمتقدم منفى على أصله، والثابت ما بعد " بل " على أنه عطف بلكن لزمه ما بعدها، إذ لا يعطف بها في الاقرار على وجه يكون ما بعدها إقرارا إلا بعد النفي، لوجوب مغايرة ما قبلها لما بعدها نفيا وإثباتا، وإلا فقد يعطف بها بعد النهى لكن لا بحيث يكون ما بعدها إقرارا، وعن بعض النحويين جواز العطف بها بعد الايجاب. ولو قال: " له عشرة لا بل تسعة " لزمه عشرة بلا خلاف بين من تعرض له، ولكن يأتي فيه احتمال لزومهما معا له. * (ولو أقر لميت بمال) * صح بلا خلاف ولا إشكال * (و) * وجب دفعه إلى وارثه، فلو * (قال، لا وارث له غير هذا الزم التسليم إليه) * إن كان دينا بلا خلاف ولا إشكال لعموم " إقرار العقلاء على أنفسهم " (1) مع عدم ضرر على الغير بعد أن يظهر لكون المال في ذمته والمال المدفوع عوضا عنه ماله، ولا يتعين إلا بقبض المستحق أو وكليه. بل ظاهر المصنف والارشاد ووكالة القواعد إلزامه بالتسليم في العين أيضا، بل هو صريح المحكى عن المبسوط والجامع والتذكرة وغيرهم، بل في مجمع البرهان أنه المشهور، بل في التحرير الاجماع عليه، لانه بمنزلة إقراره بأن هذا لهذا ابتداء، ولانه مخاطب بايصال الحق إلى أهله، فيلزم بما هو تكليفه، لان المال في يده. خلافا للفخر والكركي وثاني الشهيدين، فلا يلزم بالتسليم إلا بعد البحث الذي يحصل معه اليأس من الوارث، لانه بعد أن أقر بكونه للميت كان إقراره بأن


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 25 ]

لا وراث له غير هذا إقرار في حق الغير، فلا يلزم بالتسليم المقتضى للتغرير بعين المال لو ظهر بعد ذلك وارث، بخلاف الدين الذي لا تغرير فيه، لكونه باقيا في الذمة على كل حال. نعم لو أراد تسليمها إليه لم يمنع لعدم المنازع الان، فان ظهر وارث آخر طالب بحقه، فان بقيت العين رجع إليها، وإلا تخير في مطالبة من شاء منهما بالمثل أو القيمة. ونوقش بأنه متى جاز وجب كما أنه متى لم يلزم لكونه إقرارا في حق الغير لم يجز له التسليم، فلا معنى لعدم المنع من التسليم مع عدم الالزام، وقد تقدم تحقيق المسألة في كتاب الوكالة، فلاحظ وتأمل. لكن في المسالك هنا " أن مقتضى إطلاق المصنف هنا إلزامه بالتسليم حتى لو علم أن الوارث غيره أو معه - ووجهه - بأن الاقرار وقع جملة واحدة لازمها أن المال لهذا المعين المشار إليه، فيلزم بالتسليم إليه، ولا يلتفت إلى الاحتمال، كما لا يجب علينا البحث في سبب الملك مع احتمال كونه غير صحيح - ثم ضعفه - بأنه مع العلم بوجود وارث للميت غيره أو معه يكون تعيينه الثاني منافيا لاقراره به للميت المسموع، فلا يسمع بل يحكم به لوارثه كيف كان ". وفيه ما لا يخفى من أنه لا وجه لالزام الحاكم له بدفع مال إلى غير صاحبه، بل عليه منعه منه لو فعل، والاقرار بعد فرض العلم بفساده لا يقتضى ذلك، كما هو واضح. والمنساق من عبارة المصنف وما شابهها مع عدم العلم بالحال، وتمام الكلام في المسألة في كتاب الوكالة، والله العالم. * (ولو قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر لزمه الالف، وكذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف) * لعدم الفرق بينهما في المعنى، فان الشرط وإن تأخر لفظا فهو متقدم معنى، وحينئذ فهما سواء في إفادة الالتزام بذلك إذا جاء رأس الشهر إذا لم يعلم منه إرادة الالتزام بهذا اللفظ المخصوص الذي ليس هو من الملزمات الشرعية، بناء على عدم وجوب الوفاء بالوعد، وإلا كان إخبارا منه

[ 26 ]

بالتزامه له بذلك عند رأس الشهر بملزم شرعى غير اللفظ المزبور، فيندرج في قوله صلى الله عليه وآله (1): " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وفي أن " المرء مصدق على نفسه " (2) بعد أن كان في الاسباب الشرعية ما يلزم على هذا النحو كالنذر ونحوه. وهو معنى صحيح، سواء جعلته من الاقرار بالمعلق على معنى الاقرار بموجب السبب الذي شرع فيه التعليق، أو جعلته من الاقرار المعلق، بناء على صحته بالنسبة إلى المستقبل، لان الخبر عما وقع لا يقبل التعليق، لا الخبر بالمستقبل، ضرورة معلومية صحة الاخبار بأن زيدا يضرب عمرا غدا ان ضربه مثلا، كضرورة معلومية دلالة الصيغة المخصوصة في المقام على التزامه بذلك عند رأس الشهر على وجه لا يتوقف بعد على شئ آخر من تجديد سبب ونحوه، فيجب حملها عليه إلا إذا علم إرادة الوعد به. ومن هنا صح للمصنف إطلاق الالتزام بذلك، بل في المسالك حكايته عن جماعة وإن كنا لم نتحققه من أحد سوى الفاضل في التبصرة، حيث قال: " ولو قال: إذا جاء رأس الشهر فله على ألفا وبالعكس لزمه ألف، بخلاف إن قدم زيد " مع أنه غير ظاهر في تمام الموافقة للمصنف، إذ لا يخفى عليك بناء على ما ذكرنا عدم الفرق بين التعليق على رأس الشهر أو على قدوم زيد، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع. وأما اعتبار السبق في الاقرار فقد عرفت الكلام فيه سابقا، وأنه لا دليل عليه، بل ظاهر الاطلاق خلافه، خصوصا قوله عليه السلام (3): " المؤمن أصدق


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 1 وفيه " المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه ". (3) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 1.

[ 27 ]

على نفسه من سبعين مؤمنا ". ومنه يعلم فساد ما في المسالك من " أن العبارة المقتضية للاقرار بالحق المؤخر قد تكون صريحة في التعليق، كما إذا علقه بشرط لا يطابق الاجل الشرعي، كقوله: " إن قدم زيد " ونحوه، وهذا لا إشكال في فساده، وقد تكون صريحا في التأجيل، كقوله: " له ألف مؤجلة إلى شهر " ولا إشكال في لزوم أصل المال، وإنما الاشكال في قبول الاجل، وقد تكون محتملة للتعليق والتأجيل، كقوله: " له ألف إذا جاء رأس الشهر " والخلاف فيه في موضعين: أحدهما في أصل الصحة والثانى على تقدير الصحة في ثبوت الاجل وعدمه " لما عرفت من عدم انحصار وجه الصحة في التأجيل الشرعي. كما أن منه يعلم فساد ما فيها أيضا من تحرير أصل المسألة، حيث قال في الفرض ونحوه من التعليق على الاجل: " إن علم من قصده إرادة التعليق فلا شبهة في بطلان الاقرار، لما تقدم من أن الاقرار يلزمه التنجيز، لانه إخبار عن أمر واقع، فلا يجامع اشتراط وقوعه بأمر مستقبل، لان الواقع لا يعلق بشرط، وإن قصد التأجيل صح إقراره، وإن أطلق ولم يعلم منه إرادة أحد الامرين فظاهر المصنف وجماعة حمله على المعنى الثاني، لانه ظاهر فيه، وحملا للكلام على الوجه الصحيح ما أمكن حمله عليه، ويحتمل قويا الرجوع إليه في قصده، وقبول قوله فيه مطلقا أو مع اليمين إن ادعى المقر له خلاف ما ادعى قصده، لاحتمال اللفظ للمعنيين، وكما أن حمله على التأجيل يفيد حكما شرعيا فكذا حمله على التعليق، لان البطلان أيضا حكم شرعى، والاصل براءة الذمة من التزام شئ بدون اليقين والظهور، وهو منتف هنا، لاشتراك اللفظ بين المعنيين، وفصل بعضهم فقال، إن قدم الشرط فقال: " إن جاء رأس الشهر فعلى كذا " كان إقرارا معلقا فيبطل، وإن أخره كان إقرار بمؤجل، والفرق أنه إذا بدا بالشرط لم يكن مقرا بالحق، وإنما علقه على الشرط، بخلاف ما إذا أخره، فانه يكون قد أقر بالالف أولا، فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر احتمل أن يريد به محلها ووجوب تسليمها، وأن يريد به الاخر، فلا

[ 28 ]

يحمل على الثاني حذرا من تعقيبه الاقرار بالمنافي، بل على الاول، لعدم المنافاة ". قلت: وإليه أشار المصنف بقوله: * (ومنهم من فرق وليس شيئا) * إلا أنى لم أجده لاحد من أصحابنا ممن تقدم عليه، نعم هو المشهور من أقوال الشافعية، بل ومن تأخر عنه إلا الفاضل في التحرير، فقال عند بيان بطلان الاقرار بالتعليق " وكذا إن قال: إن قدم زيد أو رضى فلان أو شهد، أو إذا جاء رأس الشهر فلك على كذا، ولو قال: لك على كذا إذا جاء رأس الشهر لزمه ". وفيه ما لا يخفى من أنه لا فرق في اللغة والعرف بين تقدم الشرط وتأخره، وأن الشرط وإن تأخر لفظا فهو متقدم معنى وله صدر الكلام، مضافا إلى ما عرفت مما ذكرناه من وجه المسألة الذي لا يتفاوت فيه بين التقدم والتأخير. ومنه يعلم وجه النظر في كلام جميع من تعرض للمسألة كالفاضل في القواعد وغيرها، والشهيد والكركي والاردبيلى وغيرهم حتى الشيخ في المحكى عن مبسوطه، حيث بنوا المسألة على عدم ظهور في اللفظ على كونه تعليقا فيبطل، أو تأجيلا فيصح، ولم يلتفتوا إلى الصحة وإن لم يكن تأجيلا، لان في الشرع أسبابا تشرع الالتزام معلقا وقد أخبر بها، وهو مصدق على نفسه، بل لا يكاد يفهم التأجيل من حاق اللفظ المزبور، ضرورة ظهوره في تعليق الملك عليه وأصل الاستحقاق لا أنه قد ملك عليه ولكن أداؤه يستحق عند رأس الشهر، ولو فرض انحصار وجه الصحة في التأجيل كان الجزم بالبطلان حينئذ متجها لظهور اللفظ في تعليق أصل الاستحقاق دونه، كما يحكى عن ثانى الشهيدين في تمهيد القواعد. بل مما ذكرنا يعلم النظر فيما أطال فيه بعض المتأخرين هنا من أنه على تقدير الصحة ولزوم الالف هل تكون حالة كما عن أبى على والمبسوط والسرائر وجامع الشرائع والارشاد وشرحه والايضاح، بل عن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، لتوقف التأجيل على ما يقتضى الاصل خلافه، أو لا تلزم إلا إلى الاجل ؟

[ 29 ]

كما عن الشيخ في أحد قوليه والقاضى والمصنف جزما أو ظاهرا، والفاضل في التذكرة والتحرير والمختلف وجامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان والكفاية، بل في المسالك نسبته إلى الاكثر. وفي جامع المقاصد أن عليه الفتوى، لانه إقرار بهما باعتبار كون التأجيل حقه، فهو نحو قوله: " دراهم طبرية " مثلا، إذ الكلام لم يقع منه إلا جملة واحدة، فلا يحكم عليه بشئ منه إلا بعد تمامه الذي هو التأجيل هنا، بل لو لا ذلك لانسد باب الاقرار بالمؤجل، بل ربما أدى ذلك إلى إنكار أصل الحق المؤجل مخافة الالتزام بالحلول إذا أقر به، إلى غير ذلك مما أطالوا به في الاستدلال على ذلك هنا، وذلك كله مبنى على انحصار وجه الصحة في التأجيل. أما على ما ذكرناه فلا وقع لشئ من ذلك، ضرورة أنه اعترف بأصل الاستحقاق عليه عند رأس الشهر، وفي الشرع من الاسباب ما تشرع ذلك كذلك، ولا يؤخذ بأزيد مما أقر. به، لان الاصل البراءة، نعم يتجه الالتزام بالحلول بناء على إرادة التأجيل من ذلك، لانه ليس في الشرع من الاسباب ما يقتضى التأجيل بغير الشرط الذي هو مخالف للاصل إلا في عقل الدية، فمع فرض عدم احتماله يتجه الالتزام بالحلول، وربما تسمع لذلك تتمة إنشاء الله عند البحث في تعقيب الاقرار بما ينافيه. وبذلك كله ظهر لك التحقيق في أصل المسألة، وأن الصواب إطلاق عبارة المصنف بعد جعل رأس الشهر فيها من باب المثال لكل تعليق وإن لم يكن من الاجال الشرعية. كما أنه يظهر لك التحقيق في مسألة التأجيل وأنه دعوى من المقر الذي اعترف بوجود الحق في ذمته للمقر به إلا إذا احتمل وجود سبب شرع فيه التأجيل من غير اشتراط، كقتل الخطأ الموجب للدية على العاقلة مؤجلة، فلا يحكم عليه حينئذ بالحلول، لاحتمال كون ما أقر به من ذلك، ولو صرح به كان أولى بالقبول قطعا، كما اعترف به الفاضل.

[ 30 ]

لكن في الدروس " ولو أسند الاجل إلى عمل العقد فالقبول أظهر، ومنهم، من قطع به، وهو ضعيف لانا نأخذ بأول كلامه، وهو " له علي ألف " والباقى مناف، فان سمع مع الاتصال فلا فرق بينه وبين غيره، وإلا يسمع فكذلك ". وفيه أنه إنما لم نسمعه مع الاتصال في غيره لتضمنه دعوى الشرطية ونحوها مما هو خلاف الاصل بخلافه كما أشرنا إليه سابقا. وكذا ما فيها أيضا في أصل المسألة " ولو قال: " له علي ألف مؤجل " فهو كقوله: " له علي ألف إذا جاء رأس الشهر " إذا نوى به الاجل فليقبل فيهما على قول قوى، لئلا ينسد باب الاقرار المؤجل، نعم لو أسند الاجل إلى الفرض لم يقبل إلا أن يدعى تأجيله بعقد لازم " إذ لا يخفى عليك أن انسداد باب الاقرار بالمؤجل لا يقتضى ثبوته فيه وإن كان مدعيا بالنسبة إلى غيره، كدعوى تأجيل الفرض بعقد لازم المعلوم عدم سماعها فيه بدون بينة، كما هو واضح، فتأمل جيدا. والله العالم. * (ولو قال المالك) * للعبد مثلا: * (بعتك أباك) * فأنكر الولد أصل الشراء كان القول قوله في ذلك بيمينه، للقاعدة المعلومة * (فإذا حلف الولد) * أسقطت دعوى الشراء عليه. ولكن على كل حال * (انعتق المملوك) * باقرار سيده على أنه باعه من ابنه * (و) * إن لم يحلف الولد، نعم إن حلف * (لم يلزمه الثمن) * ولا غيره مما يترتب على المشترى، وهو واضح. كوضوح عدم الولاء لكل منهما عليه، لانه قد اعترف بأن انعتاقه كان بسبب ملك الولد له، فلا ولاء له عليه، والفرض أن الولد قد أنكر شراءه، فلا يكون له ولاء عليه، وقد تقدم الكلام سابقا في هذه المسألة وجملة من فروعها المتعلقة باعتراف العبد معهما بالشراء وعدمه وغيره. * (ولو قال: ملكت هذه الدار من فلان أو غصبتها منه أو قبضتها منه كان إقرارا له بالدار) * بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له ولا إشكال، إلا ما يحكى

[ 31 ]

عن التذكرة من الحكم بذلك في الاول على إشكال * (و) * لا ريب في ضعفه، ضرورة ظهور العبارة في انتقال الملك منه إليه، كظهور الاخيرين في كونها في يده. نعم هو * (ليس كذلك لو قال: تملكتها على يده، لانه يحتمل المعونة) * بسبب السعي في حصول الائتلاف والاتفاق على المعاملة، ويحتمل إرادة إطلاقه أو شهادته على ذلك وغيرهما مما لا يقتضى إقرارا بملك أو يد مستلزمة له احتمالا مساويا لاحتمال إرادة التمليك منه، بل قد يدعى ظهوره في الاول كما هو واضح. * (ولو قال: كان لفلان علي ألف لزمه الاقرار) * بها بلا خلاف أجده بين من تعرض له، كالشيخ والفاضل والكركي وثاني الشهيدين والاردبيلى، وإلا ما يحكى عن يحيى بن سعيد، فلم يجعله إقرارا والشافعي في أحد قوليه، ولا ريب في ضعفه، لا لان كان لا تدل على الزوال لغة، لقوله تعالى (1): " وكان الله عليما حكيما " وغيره كما في المسالك وغيرها كى يناقش بظهورها عرفا في ذلك أو لغة أيضا، بل لدلالتهما على ثبوت الحق في ذمته، وإن سلم أيضا أنها دلت على زواله، فهو كقوله: " قضيت دينك " ونحوه ممن يكون مقرا بالحق ومدعيا سقوطه. ولعله إلى هذا أشار المصنف في تعليله الحكم * (بأنه (2) إخبار عن تقدم الاستحقاق، فلا تقبل دعواه في السقوط) * أي المستفادة من قوله: " كان " أو صرح بها ولو متصلة بذلك، وعدم سماع الدعوى من المدعى لو ادعى بمثل هذا اللفظ - لعدم ظهوره في الاستحاق الفعلى، أو ظهوره في العدم - لا ينافي جعله إقرارا من المقر، فما عن المبسوط - من احتمال العدم لذلك - واضح الضعف ومن هنا جعل الاقوى خلافه.


(1) سورة النساء: 3 - الاية 17 و 92 و 104 و 111 و 170. (2) وفى الشرائع: " لانه اخبار ".

[ 32 ]

* (المقصد الثاني) * * (في) * الاقارير * (المبهمة:) * * (وفيها مسائل:) * * (الاولى:) * لا خلاف في صحة الاقرار بالمبهم ولو لفظ " شئ " كما عن الشيخ في مبسوطه الاعتراف به، بل لعل ظاهره نفيه بين المسلمين، وفي محكى التذكرة الاجماع عليه، لعموم أدلة الاقرار الذي هو إخبار يقبل الاجمال والتفصيل، مؤيدا بأن الحاجة قد تدعو إليه، وربما كان في ذمته ما لم يعلم قدره، ولابد له من التخلص منه، فيقر به، فيقع بعد الصلح، بخلاف غالب أفراد الانشاء الذي لا ضرورة فيه إلى تحمل الجهالة والغرر مع كونه هو السبب الموجب لثبوت الحق، وعلى كل حال فمن ذلك وغيره قلنا بسماع الدعوى المجهولة وإن لم تكن في دعوى الاقرار به، خلافا لجماعة كما أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب القضاء، فلاحظ وتأمل. وحينئذ ف‍ * (إذا قال: له علي مال) * صح لما عرفت و * (الزم التفسير) * بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال إذا كان المراد منه ما يشمل الالزام بدفع أقل

[ 33 ]

ما يصدق عليه فان امتنع مع قدرته عليه حبس وفاقا للمشهور فيه وفي ترك المدعى عليه جواب المدعى الذي قد أشبعنا الكلام فيه في كتاب القضاء على وجه يعلم منه ضعف القول بعدم حبسه. بل يقول له الحاكم: إن لم تفسر جعلتك ناكلا، فان أصر حلف المقر له الذي لا يتم هنا إلا في صورة الدعوى، لا الاقرار ابتداء بحيث لم يعلم المقر له الحق إلا من إقراره، وغير ذلك مما قيل فيه من استعمال مراتب الامر بالمعروف فيه، فلاحظ وتأمل لتعرف تحقيق المقام مما هناك، إذ لا فرق في الظاهر. ولو مات قبل التفسير ففي التحرير والدورس فسر الوارث وفي القواعد وعن غيرها " طولب الورثة إن خلف تركه " والشرط مراد الاولين قطعا، ضرورة عدم وجوب القضاء إذا لم تكن تركة قطعا. كضرورة مطالبته بالتعيين مع علمه، وإلا فلو قال: " لا أعلم " كان القول قوله بيمينه إذا طلبه المقر له، ثم يسلم المدعى أقل ما يتمول، ولا يسلم إليه ما يدعيه المدعى بيمينه، إذ لا يمين على المدعى إلا مع الرد المفقود في المقام. فما عن التحرير والدروس - من أنه لو قال المقر: " لا أعلم " أو قال المقر: " أنسيت " أمكن قبول تعيين المدعى بيمينه - لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد الاحاطة بما ذكرناه في كتاب القضاء من انحصار طريق ثبوت الحق للمدعى في مثله بالبينة. وكيف كان فمطالبة الوارث بالتعيين مع دعوى العلم عليه لانتقال التركة إليه، لاحق الاقرار الذي لا يورث، كما هو واضح. ولو ادعى المقر له على الوارث بل والمقر أنه أراد بالمال خلاف ما فسره به توجه له اليمين، ولكن يمين الوارث على نفى العلم، وقد يتوهم من عبارة القواعد عدم سماع الدعوى إذا كانت على المقر، لانه أدرى بما أراد، وفيه ما لا يخفى من

[ 34 ]

أنه يقتضى تصديقه بيمينه لا عدم سماع الدعوى عليه، والله العالم. وكيف كان * (فان فسر بما يتمول) * مما هو مصداق له * (قبل ولو كان قليلا) * بلا خلاف أجده فيه، كما عن المبسوط الاعتراف به، بل عن التذكرة الاجماع عليه، بل * (و) * لا إشكال للصدق. نعم * (لو فسره بما لم تجر العادة بتموله كقشر الجوزة أو اللوزة) * ونحوه * (لم يقبل) * لعدم صدق المال عليه فضلا عن انصراف إطلاقه إليه على وجه يثبت في الذمة من غير خلاف أجده في شئ من ذلك، إلا من الفاضل في المحكى عن تذكرته، فقبله، لان المال أعم من غير المتمول، إذ كل غير متمول مال ولا ينعكس. ورده في المسالك وغيرها بأنه وإن دخل فيه إلا أن قوله " علي " يقتضى ثبوت شئ في الذمة، وما لا يتمول لا يثبت في الذمة وإن حرم غصبه ووجب رده. وفيه أن ما لم تجر العادة بتموله إذا اتفق تموله كان مالا، ويثبت في الذمة بل ينبغى القطع به في مثل حبة الشعير والحنطة ونحوهما مما ذكروه مثالا أيضا لغير المتمول مما هي مال ومتمولة عرفا، وإلا فلو فرض عنده جملة من الحب فأتلفها جماعة كل واحد منهم حبة أو أتلف واحد منهم الجميع حبة حبة لم يكن اشكال في ضمانهم، والتسامح في الحبة أو في جزء منها لقلتها لا لعدم ماليتها. ولعل مراد المصنف بغير المتمول هو الذي لم تجر العاده بتموله وجعله من المال والاستيلاء عليه، بل إن اتفق ملكه له تبعا أعرض عنه، فلا يقبل تفسير المال المقر به بذلك، بل لعل الجزء اليسير من المال كذلك، فتأمل والله العالم. * (وكذا) * لا يقبل * (لو فسر المسلم) * لاخر مثله * (بما لا يملكه ولا ينتفع به كالخمر) * التى ليست بمحترمة * (والخنزير وجلد الميتة، لانه لا يعد) * شئ منها * (مالا) * عرفا ولا شرعا فضلا عن ثبوتهما في ذمة له، فما في حاشية

[ 35 ]

الكركي - من أن في إقرار المسلم للمسلم بالخمر إشكال، أقر به عدم القبول - لا يخلو من نظر، أللهم إلا أن يريد الخمر المحترمة، وفيه أن احترامها يمنع من غصبها منه وإتلافها عليه، لا أنه يجعلها مالا له على وجه يضمنها بالاتلاف أو يملكها المسلم بحيث له بيعها وشراؤها، ضرورة كون المستفاد من أدلة الخمر والميتة والخنزير خلاف ذلك، وأنها لا تدخل في ملك المسلم أبدا. وما يقال من أن كل خل مسبوق بالخمرية مع أنه غير مسلم لا يقتضى ملكيته لها على الوجه المزبور، بل أقصاه خروجها حينئذ عن ملكه، ولكن تبقى محترمة ثم تدخل في ملكه بالخلية باعتبار يده واستيلائه. وكيف كان فإذا فسر بها أو بالخنزير المال للذمي فقد صرح غير واحد بالقبول، وأنه يضمن له القيمة، لكن قد يشكل بأنه ليس مالا في الواقع وإن اعتقده المقر له، ولذا أطلق المصنف عدم القبول من المسلم إذا أقر بهما الذمي. وفي الدروس " لو أقر به للمستحل فالاقرب الصحة، ويشكل بأنه لا يعد مالا شرعا، ولا عبرة باعتقاد المقر له، لفساده ولا يرده الاقرار بالخمر ولا الخنزير للذمي، لانه يقر في شرع الاسلام على اعتقاده فيهما إذا لم يتظاهر، نعم لو فسره بجلد الميتة بعد الدبغ وكان المقر له ممن يعتقد طهارته لم يبعد القبول لانه من جملة أمواله " وإن كان ما فيها من الفرق بينهما وبين جلد الميتة لا يخلو من نظر، ضرورة اشتراك الجميع في عدم المالية واقعا، فتأمل جيدا. * (وكذا) * لا يقبل * (لو فسره بما ينتفع به ولا يملك كالسرجين النجس والكلب العقور) * لعدم كونهما مالا * (أما لو فسره بكلب الصيد أو الماشية أو كلب الزرع قبل) * لانها مال بناءا على جواز بيعها، بل في المسالك " وكذا الجرو القابل للتعليم " وفيه نظر. * (ولو فسره برد السلام لم يقبل) * لا * (لانه لم تجر العادة بالاخبار عن ثبوت مثله في الذمة) * بل لانه ليس ما لا لغة وعرفا، ونحوه حد القذف وما شابهه

[ 36 ]

من الحقوق التى لا تندرج في إطلاق المال. ولو فسره بالمستولدة له قبل، كما جزم به الفاضل، بل عن مجمع البرهان لا ينبغى النزاع فيه، لانها مملوكة ومال وشئ فيصح الاقرار بها، وأشكله الكركي بأن " الاستيلاد حق مشترك بينهما وبين الله تعالى، وقبول التفسير لها يقتضى إبطاله - ثم قال -: واحتمل في الدروس اعتبار تصديقها والاستفسار، وفيه قوة ". وفيه أن أقصى ذلك عدم إبطال حق الاستيلاد بالاقرار، فلا يسلمها حينئذ إلى المقر له ولكن يغرم المقر قيمة الولد والمنافع وقيمتها للمقر له من حين الاقرار، لان الاستيلاد حق الله سبحانه وتعالى، وهو مبنى على التغليب، فان مات الولد قبله سلمت إليها واستعيدت القيمة، بل لو قلنا بتسليمها إلى المقر له، وأنه يغرم المقر قيمة الولد يوم سقط حيا، لان الممنوع هو التصرف الناقل للملك ابتداءا، والاقرار إخبار عن حق سابق كان تفسير المالك بها أولى بالقبول. وعلى كل حال فلا وجه للاشكال المزبور، إذا أقصى ما ذكره أن يكون نحو تفسير المال بمال قد دفعه إلى آخر باقرار منه له، فانه ليست له القيمة في ذمته، فتأمل جيدا.

[ 37 ]

* (الثانية:) * * (لو قال: له علي شئ ففسره) * المسلم * (بجلد الميتة أو السرجين النجس قيل: يقبل، لانه‍) * ما * (شئ) * يمكن الانتفاع به، ويحرم أخذهما منه، لثبوت الاختصاص فيها، وفي المسالك نسبته إلى العلامة في أحد قوليه. * (ولو قيل: لا يقبل لانه لا يثبت) * شئ منهما * (في الذمة كان حسنا) * بل جزم به غير واحد، بل لم أجد القول بالقبول في الجلد من المسلم العارف لاحد من أصحابنا، بل عن ظاهر المبسوط والتذكرة الاجماع عليه، وعن مجمع البرهان كأنه مجمع عليه، نعم عن أحد وجهى الشافعية القبول، لقبوله الدباغ. وعن مجمع البرهان " لا يبعد القبول فيه وفي الخنزير والكلب الذى لا منفعة له أصلا إذا كان القائل ممن يعتقد جواز الانتفاع بها، سواء كان كافرا أو مسلما مخالفا أو موافقا جاهلا مع كونه جاهلا بمثله " وفيه أنها قرائن تخرج الفرض عن البحث. واما السرجين النجس ففى التذكرة " في التفسير بالكلب المعلم والسرجين إشكال أقربه القبول، لانها أشياء يثبت فيها الحق والاختصاص، ويحرم أخذها ويجب ردها " وفي الدروس احتمال القبول، وفيه أن ظاهر " له علي " الملك المعلوم عدمه فيه. ومنه يعلم عدم القبول في نظائره مما لا تملك، بل لا يقبل تفسيره بما لا يتمول كحبة الحنطة بناءا على عدم ثبوتها في الذمة، وإن قال في المسالك: إنه أولى بالقبول هنا، وحكاه عن التذكرة، لانه شئ يحرم أخذه، وعلى من أخذه رده، ثم حكى عدم القبول لانه لا قيمة له، فلا يصح التزامه بكلمة " علي " ولهذا لا تصح الدعوى به، ورده

[ 38 ]

يمنع عدم سماع الدعوى به، قال: " وعليه يترتب ثبوته بعلى وإن لم يكن متمولا وهو مناف لصريح كلامه في المسألة السابقة، فلاحظ. على أن سماع الدعوى به لا يقتضى ملكه عليه في الذمة، إذ يمكن دعواه برقه نفسه. وكيف كان فلا يخفى عليك أن الشئ أعم من المال، فكل ما عرفت قبول تفسيره به من الكلاب الثلاثة وغيرها فهنا أولى بالقبول، بل احتمل غير واحد قبول تفسيره بحق رد السلام، وإن كان فيه أن مثله لا يملك، ويسقط بالفوات، وخلاف المتعارف في معرض الاقرار. واحتمل في مجمع البرهان عدم سقوطه بالفوات، فيجب الرد فيما هو واجب، ويستحب في المستحب مع بقاء محله، قال: " ورأيت في كتاب الثوري أنه يصح ممن يرى في حق السلم، فيحتمل القبول " ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام، ككثير من الكلمات في المقام، والله العالم. * (ولو قال مال جليل أو عظيم أو خطير) * أو جزيل * (أو نفيس) * ونحوها من أي مال وغيره * (قبل تفسيره ولو بالقليل) * بلا خلاف أجده إلا من أبى علي في العظيم، فجعله كالكثير الذى ستسمع الكلام فيه، لاحتمال إرادة عظم الخطر من الاولين بكفر المستحل ووزر الغاصب ونحوه، واحتمال أن المقر مما يستعظم القليل ويستكثره، وعنده أنه مال نفيس، على أنه ليس لمعنى هذه الالفاظ حد في الشرع ولا في اللغة ولا في العرف، والناس مختلفة في ذلك، ولوجوب الاخذ في الاقرار بالمتيقن، ومع قيام تلك الاحتمالات وغيرها لا يقين بارداة غير ما فسره به إلى غير ذلك مما ذكروه في المقام الذى مبناه أن لفظ العظيم والخطير ونحوهما ليس من الموضوعات اللغوية أو العرفية للعظمة العددية، إذ لا ريب في استعمال العظيم مثلا حقيقة في غير ذلك من الشرف ونحوه. وحينئذ فمعنى العظيم قدر مشترك بين الجميع الذي من أفراده العظمة من حيث العدد. نعم قد يحصل من قرائن الاحوال وغلبة الاستعمال ونحوهما انسياق في بعض التراكيب نحو " مال عظيم " مثلا لارادة العدد، إلا أنها قرائن أحوال، ومنها

[ 39 ]

حال سكوته عن تفسير العظيم بغير ذلك، فمع فرض ذكر تفسيرها بعد ذلك بما لا مدخلية للعدد فيه قبل، وانكشف به المراد من اللفظ، فكان الانسياق المزبور الذى قلنا: إنه مستفاد من قرائن الاحوال مقيدا بحال عدم التعقيب بالتفسير بغيره. ومن هنا لم يكن ذلك من تعقيب الاقرار بالمنافي، ضرورة عدم كونه من معاني اللفظ حقيقة، بل ولا مجازا، وإنما هو انسياق في حال مخصوص، بل قد يتوقف في الحكم به مع فرض تعذر التفسير بموت ونحوه، وإن كان الظاهر ذلك، وكلامهم لا يأباه، إذا أقصى ما فيه قبول التفسير بغيره لو حصل، فلا ينافي الحكم به حال عدمه، ودعوى وجوب الاخذ بالمتيقن في الاقرار يدفعها معلومية عدمها وأنه يؤخذ بما يدل عليه اللفظ ولو دلالة انسياق على الوجه الذى ذكرنا، بل الظاهر شمول أدلة الاقرار بذلك أيضا، ولعل هذا أقصى ما يوجه به كلامهم، وله شواهد كثيرة. نعم قد تصل هذه القرائن في بعض التراكيب لشدة غلبة الاستعمال إلى حد تجعله كالمعنى المستفاد من وضع اللفظ بحيث لا يسمع فيه التفسير بعد ذلك بغيره، كما ستعرفه فيما لو قال: " له علي مال أكثر من مال فلان " فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فلا إشكال في اعتبار التمول هنا بناءا على اعتباره في المجرد عن العظمة، لما سمعته مكررا من ظهور اللام للتمليك، فالكلام فيه حينئذ كالكلام في ذلك بعد أن قبل تفسيره العظمة مثلا بما لا مدخلية له في المقدار، فيجرى فيه احتمال قبول تفسيره هنا بالقليل وإن لم يكن متمولا الذى قد سمعت القول به من الفاضل في التذكرة، كما أنك سمعت كون التحقيق خلافه. * (ولو قال: كثير قال الشيخ) * في المحكى من خلافه ومبسوطه: * (يكون ثمانين) * وتبعه ابن زهرة وقطب الدين الكيدرى والقاضى، بل هو المحكى عن أبى علي، بل قال: إن العظيم كالكثير في العدد المذكور، بل عن الخلاف والغنية

[ 40 ]

الاجماع عليه، وهو الحجة للقول المزبور. و * (رجوعا في تفسيره الكثرة إلى رواية النذر) * (1) المتضمنة للجواب عما نذرته أم المتوكل إذا عوفي ولدها، وحاصله أن من نذر الصدقة بمال كثير لزمه ثمانين درهما، لقوله تعالى (2) " ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة " فانها عدت فوجدت ثمانين موطنا، بدعوى أن ذلك فيها تحديد لاول مصداق الكثرة أينما وقعت في وصية أو إقرار نحو ما وقع في تحديد الوجه (3) والركوع (4) والمسافة (5) وغيرها من الالفاظ التى لا نصيب للعرف في تعيين أول مصادقيها، ولذا قال في محكى الخلاف: " إذا قال: اعطوه كثيرا من مالي فانه يستحق ثمانين على ما رواه أصحابنا في حد الكثرة " لكن في المحكى عن إقراره الاستدلال بالرواية التي تضمنت أن الوصية بالمال الكثير وصية بثمانين، ولذا اعترف ابن ادريس وغيره بعدم وجود هذه الرواية، قد سمعت ما حكيناه عنه في الوصايا. وعلى كل حال فالرواية مرسلة وموردها خاص بالنذر، وإطلاقها في الاية على الثمانين على فرض تسليمها لا يقتضى انحصار أول المصاديق فيها، أللهم إلا أن يراد أن أقصى ما يثبت إطلاقه عليه ذلك لا غير، لكنه أيضا كما ترى. وعن بعض العامة الموافقة على انحصار الكثير فيما دلت عليه الاية، لكنه جعل العدد اثنين وسبعين مدعيا أن غزواته وسراياه صلى الله عليه واله كانت كذلك، وفي المسالك " أكثر السير على خلاف الامرين، والاشهر فيها أن غزواته كانت بضعا


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 و 4 وفيهما الناذر نفس المتوكل. (2) سورة التوبة: 9 - الاية 25. (3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة. (4) الوسائل الباب - 28 - من أبواب الركوع من كتاب الصلاة. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.

[ 41 ]

وعشرين، وكذا سراياه ستين، وفي كثير منها لم يحصل قتال، ولا يوصف بالنصرة، وبعضها يكون فيها خلافها " قلت: ومن ذلك كله يحصل الظن القوى بعدم كون المرسلة المزبورة عن المعصوم عليه السلام. * (وربما خصها بعض الاصحاب بموضع الورود، وهو حسن) * وأحسن منه عدم العمل بها مطلقا خصوصا مع إجمال المال هنا، فان أفراد المال جنسا ونوعا مختلفة أشد اختلاف. ومن الغريب بعد ذلك كله ما عن ابن الجنيد من جعل العظيم كالكثير في إفادة العدد المذكور، والمعروف بين الاصحاب - عدا من عرفت - العكس، فيقبل فيها التفسير بأقل ما يتمول، نحو ما سمعته في " عظيم " و " جزيل " وإن كان فيه أيضا ما عرفت، والمتجه الرجوع إلى العرف مع مراعاة الاحتياط في أقل المصداق وإن كان هو مختلفا في بعض الاحوال بالنسبة إلى المقر والمقر له. * (وكذا لو قال:) * مال * (عظيم جدا كان كقوله:) * مال * (عظيم) * بلا خلاف أجده فيه، ضرورة تبعيته لما سمعته من الاحتمال في العظيم. * (و) * لكن في المتن * (فيه تردد) * ولعله من ذلك، ومن اقتضائه المبالغة في الكثرة المقتضية زيادتها عما دل عليه اللفظ الخالى عنها، فلا يقبل تفسيرهما بأمر واحد، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الموافقة على ما سمعته في المجرد عن ذلك، إذا لفظ " جدا " ليس إلا تأكيدا للمعنى المراد من العظيم، ومن هنا لم نجد هذا التردد لغيره، كما اعترف به غير واحد. * (ولو قال:) * له علي مال * (أكثر من مال فلان الزم بقدره وزيادة) * كما عن الشيخ ويحيى بن سعيد والشهيدين في الدروس واللمعة والروضة ومجمع البرهان، وظاهرهم عدم قبول التفسير بالكثرة من حيث الاعتبار وإن قيل في لفظ " كثير " ولعله لبعد إرادته هنا من حيث التقييد المزبور. ولكن الفاضل في التحرير والارشاد بعد أن وافق على الحمل ذلك عند

[ 42 ]

الاطلاق قال: " ولو ادعى عدم إرادة الكثرة في المقدار - بل أن الدين أكثر بقاء من العين، والحلال أكثر بقاء من الحرام - وقبل قوله حينئذ في التفسير بأقل ما يتمول ". وفي القواعد: " ولو قال: أكثر من مال فلان وفسره بأكثر عددا أو قدرا الزم بمثله، ورجع في الزيادة إليه - إلى أن قال -: ولو فسر بالبقاء والمنفعة والبركة وكان أقل في العدد والقدر ففى السماع نظر " وظاهره أنه مع الاطلاق وعدم التفسير يحمل على كثرة العدد والمقدار. وفي محكى التذكرة القطع بقبول التفسير بأقل ما يتمول وإن كثر مال فلان، قال: " لانه يحتمل أن يريد به أنه دين لا يتطرق إليه الهلاك، وغير ذلك معرض للهلاك، أو يريد أن مال زيد علي حلال ومال فلان علي حرام، والقليل من الحلال أكثر بركة من الكثير من الحرام - وقال -: وكما أن القدر مبهم في هذا الاقرار فكذلك الجنس والنوع مبهمان، ولو قال: له علي أكثر من مال فلان عددا فالابهام في الجنس والنوع، ولو قال: له من الذهب أكثر من مال فلان فالابهام في القدر والنوع، ولو قال: من صحاح الذهب فالقدر وحده، ولو قال: له علي أكثر من مال فلان وفسره بأكثر منه عددا أو قدرا لزمه أكثر منه، ويرجع إليه في تفسير الزيادة ولو حبة أو أقل ". وفي المسالك بعد حكاية ذلك عنها " وهذا القول هو الموافق للحكم المتفق عليه في المسائل السابقة، فان الكثرة ونظائرها إذا لم تحمل عند الاطلاق على كثرة المقدار واكتفى في نفي الزيادة باحتمال إرادة كثرة الاخطار فكذلك الاكثرية، ودعوى أن كثرة المقدار هي المتبادرة من اللفظ مشتركة بين الموضعين، ولا أقل من قبول تفسيره بما شاء من ذلك لا كما أطلقه المصنف ". وفيه (أولا) إمكان الفرق بين المقام والسابق بالتقييد المزبور الذى تشمئز النفس مما ذكر فيه من الاحتمال، و (ثانيا) أن الموافق للضوابط ما ذكروه هنا، وإن خفى علينا ما ذكروه هناك، فلا ينبغى أن نجرى في المقام على ما ذكروه هناك

[ 43 ]

وإن لم يقولوا به هنا مع عدم معرفة وجه الاول. ثم إن قبول التفسير مع انفصاله بعد فرض ظهور اللفظ في معناه ظهورا كاد أن يلحقه بالتصريح مخالف لقاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار التى تسمعها إنشاء الله في البحث عن تعقيب الاقرار بالمنافي. ومن الغريب ما عساه يظهر من التذكرة من كون اللفظ المزبور مبهما وإن لم يذكر تفسيره، ضرورة عدم اقتضاء قبول التفسير ببعض التأويلات المذكورة الابهام مع عدم ذكرها، والفرض ظهوره في معناه عرفا، ومثله يجرى في الالفاظ السابقة التى إن سلم لهم قبول تفسيرها، بما سمعته من الاحتمال، وأن كان منفصلا فلا يسلم لهم دعوى إبهامها لو لم يذكر التفسير، بل يحكم بمقتضاها العرفي مع مراعاة الاحتياط مع عدم التفسير أو تعذره، فتأمل جيدا. وكيف كان فلا إشكال * (و) * لا خلاف في أنه * (يرجع في) * تفسير * (تلك الزيادة إلى المقر) * لانها مجهولة، بل عن المبسوط أنه يقبل تفسيرها ولو بحبة حنطة بلا خلاف، بل قد سمعت في التذكرة الاجتزاء بأقل من ذلك، بل في المسالك التصريح بعدم اعتبار التمول فيها، لانها جزء من المقر به الذى لا يعتبر في أجزائه ذلك، إذا لابد من انتهائها إلى ما لا يتمول، وإنما يشترط التمول في مجموع المقر به فيما إذا قال: " له علي مال ". ومنه يعلم الفرق بين المقام وبين الاقرار بالمال الذى قد عرفت اعتبار التمول فيه، وفيه أن المنساق مالية ما يكون به أكثر مستقلا، ولعله لذا اعتبر في جامع المقاصد كونها متمولة، فهو واضح. * (ولو قال: كنت أظن) * أو أعتقد * (ماله عشرة) * مثلا * (قبل ما بنى عليه إقراره) * إلا أن يعلم كذبه * (ولو ثبت) * شرعا * (أن مال فلان يزيد عن ذلك لان الانسان يخبر عن وهمه، والمال قد يخفى على غير صاحبه) * بل هو الغالب بلا خلاف أجده بين من تعرض له في الحكم والتعليل، مضافا إلى أصلى

[ 44 ]

البراءة وعدم العلم، بل لا فرق بين قوله قبل ذلك: " إنى أعلم مال فلان " وعدمه، لان علمه مستند إلى ما يظهر له. ولا يشكل ذلك بواقعية اللفظ وتعبديه الاقرار للعلم بأن طريق الواقع هنا اعتقاده، والمقام مقام إخبار لا إنشاء يكون عنوانه الواقع كيف ما كان، وليس في لفظة الذي أقر به دلالة على أن معتقده كذا، وحينئذ فاخباره بأن عليه أكثر من مال زيد لا طريق له إلا اعتقاده، كما لا طريق له إلى معرفة اعتقاده إلا إخباره، نعم إن لم يقل إن معتقدي كذا أمكن القول بالعمل بظاهر إقراره الذى هو ظاهر في مطابقة الواقع لمعلومه إذا لم يذكر خلافه، فتأمل جيدا. ولو علم كذبه في دعواه بأن كان لفلان مال ظاهر أزيد مما ادعاه فلا إشكال في عدم القبول، كما أنه لو شهد بالقدر ثم أقر بالاكثر لم تسمع، وكذا لو أقر بأنه قدر يزيد عما ادعى ظنه، لكن في بعض الكتب أنه ينبغى تقييد ذلك بما إذا لم يطل، بحيث يتجدد له النسيان والاشتباه، وفيه أن مقتضى التعبد بالاخذ بإقراره عدم الالتفات إلى احتمال ذلك. ولو قال: " لى عليك ألف دينار " فقال: " لك علي أكثر من ذلك " لزمه الالف وزيادة، ولو فسر بأكثر فلوسا أو حب حنطة أو حب دخن ففى القواعد الاقرب عدم القبول، ولعله لكونه من تعقيب الاقرار بالمنافي لان أفعل التفضيل سواء قرن بمن أو اضيف من جنس المفضل عليه حقيقة، فاستعماله في غيره مجاز. لكن في محكى التذكرة في المثال لم يلزمه أكثر من الالف، بل ولا الالف، لان لفظة الاكثر مبهمة، لاحتمالها الاكثر في العدد والقدر، فيحتمل أنه أراد أكثر منه فلوسا أو حب حنطة أو حب شعير أو دخن فيرجع إليه في ذلك، ثم قال: " والتحقيق أن " أكثر " إن قرن بمن لم تجب مشاركته في الجنس، وإلا وجب، لان " أفعل " بعض ما يضاف إليه ". بل في جامع المقاصد النظر فيما ذكره أخيرا، لصحة قولنا: " يوسف أحسن

[ 45 ]

إخوته " مع أنه ليس بعضا مما اضيف إليه - إلى أن قال -: " والذى يقتضيه النظر أنه إن لم يذكر المميز في التفضيل فالابهام قائم، والمرجع في التفسير إليه، ولا دليل على وجوب اتحاد الجنس، ومما يذكر من الايات هنا فأكثرها مع المميز، والذى لم يذكر فيه حذف منه اعتمادا على دلالة المقام، ولا يمكن الحكم بشغل الذمة بمجرد الاستناد إلى قرائن الاحوال مع عدم التفسير ". نعم إن فسر بعد ذلك بما ينافيها ولم يكن ثم مجاز في لفظ قبل، وهذا هو المدار كما ذكرناه مكررا، فالكلام حينئذ في المقام مبنى على أن التفسير بغير الجنس في أفعل التفضيل من المجاز فلا يقبل في المنفصل، أو من الحقيقة فيقبل وإن نافى قرائن الاحوال التى منها السكوت، ولعل الاقوى الاول. ولو قال في المثال: " أكثر ذلك " لم تلزم الالف وإنما يلزمه أكثرها، وهو ما زاد على نصفها، وتقدير " من " فيه لبيان الجنس لا للابتداء كما هو الشأن في " من " التفضيلية في المجرد، فيكون التقدير حينئذ " له على الاكثر من بين أفراد الالف " والله العالم. * (ولو قال غصبتك شئيا وقال: أردت نفسك لم يقبل) * بلا خلاف أجده، لان الحر لا يغصب، إذ هو على المشهور الاستيلاء على مال الغير عدوانا، ونفسه ليست مالا، ولتبادر كون المغصوب غير المغصوب منه، ولانه جعل له مفعولين الثاني منها " شيئا " فيجب مغايرته للاول لكن في جامع المقاصد " لم لا يكون " شيئا " بدلا من الضمير، فالفعل حينئذ متعد إلى مفعول واحد ". واجيب بأن المفعول إذا كان حرا لزم إثبات مفعول آخر يتعلق الغصب به حقيقة، وفيه أن البدلية على فرض صحتها كافية في ذلك. واجيب أيضا بأن اشتراط إبدال النكرة من المعرفة أن تكون منعوته، نحو قوله تعالى (1): " بالناصية * ناصية كاذبة " وهو منتف هنا، وفيه أنه مناف


(1) سورة العلق: 96 - الاية 15 و 16.

[ 46 ]

لما حكاه في المسالك عن محققى أهل العربية كالزمخشري وابن هشام من جواز إبدال كل منهما من الاخرى مطلقا. وجعلوا من ذلك قوله تعالى (1): " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " وقوله تعالى (2): " قل هو الله أحد " إلى غير ذلك من الايات القرآنية والشواهد اللغوية، وفيه أنه يمكن قيام الظرف في الاول مقام النعت، ومنع البدلية في الثاني، بل هو خبر للضمير الذى لفظ الجلالة عطف بيان أو بدل منه. نعم قد يقال: إن المنساق في الفرض المفعولية لا البدلية التى هي إن صحت يكون بدل اشتمال فيه، وصحته مع تنكيره وخلوه عن ضمير راجع إلى المبدل منه لا يخلو من نظر، فتأمل جيدا. ولو كان المقر له عبدا فبناء على أن مدرك المسألة الاول صح التفسير به، لانه مال بخلافه على الثاني، إذ لا مغايرة حينئذ، ولعله الاقوى كما عن الشهيد الجزم به. ولو قال: " غصبته " وقال: " أردت نفسه " ففى القواعد قبل، وكذا لو قال: " غبنته " لانه قد يغصب ويغبن في غير المال، وقد يناقش بأنه مناف لما سمعته من تعريف الغصب عند المشهور، نعم لو قلنا بأن الغصب القهر ظلما اتجه حينئذ تفسيره به. أللهم إلا أن يقال: إن أصل البراءة وقاعدة الاخذ بالمتيقن في الاقرار يقتضى قبول تفسيره الغصب بذلك وإن كان مجازا إلا أن إرادة الحقيقة متوقفة على إضمار " مالا " أو " شيئا " والاول أولى، لما عرفت، بل قد يقال: إن قبول تفسيره بذلك أولى مما ذكروه من قبول تفسير الالفاظ السابقة بتلك الاحتمالات البعيدة.


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 217 - 234. (2) سورة الاخلاص: 112 - الاية 1.

[ 47 ]

المسألة * (الثالثة) * * (الجمع المنكر يحمل على الثلاثة كقوله: له دارهم أو دنانير) * مع تعذر التفسير، وإلا الزم به، فان أبى حبس على حسب ما سمعته سابقا، ضرورة عدم الفرق بين المقام وغيره في الابهام، وإن حصل متيقن يؤخذ به، إلا أنك قد عرفت كونه خبرا لا إنشاء، فهو مبهم فيما وقع منه في نفس الامر، كما عرفت الكلام فيه مفصلا. نعم حمله على الثلاثة أو قبول تفسيره بها مبنى على ما حرر في الاصول من أن الحق كون أقله ذلك من غير فرق بين جمع القلة والكثرة عرفا وإن ذكر أهل العربية الفرق بينهما، لكنه لعله اصطلاح خاص، نعم لو فسره بالاثنين بناء على أنه من أهل النظر وكان إخباره مبنيا على ذلك أو قلد من يرى ذلك قبل تفسيره به، أما لو فسره به بارادة المجازية فلا يقبل إذا كان منفصلا. * (ولو قال:) * " له * (ثلاثة آلاف " واقتصر كان بيان الجنس إليه إذا فسره بما يصح تملكه) * بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة معلومية الجنس والوصف في فاقد التمييز من العدد، فيقبل تفسيره حينئذ بما يتمول ولو بحب الدخن ونحوه، نعم لو فسره بقطعة واحدة تقبل التجزئة إلى ثلاثة آلاف جزء لم يقبل، لان المتبادر من ذلك الكم المنفصل لا المتصل، كما هو واضح.

[ 48 ]

المسالة * (الرابعة) * * (إذا قال: له) * على * (ألف ودرهم ثبت الدرهم) * قطعا * (ورجع في تفسير الالف إليه) * لابهامه باعتبار عدم ما يدل في اللفظ على تمييزه. * (وكذا لو قال: ألف ودرهمان) * بل * (وكذا لو قال: مأة ودرهم أو عشرة ودرهم) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عن ظاهر التذكرة الاجماع عليه. لان الدرهم وقع معطوفا لا مميزا فكان كقوله: " ألف وعبد " و " ألف ثوب وفرس " إلا أن عرفنا الان قد يخالفه في مثل قوله: " له على درهم وألف " أو " ألف درهم وعشرون " بناء على أن ذلك ونحو منه أيضا باعتبار عدم ذكر المميز للالف والعشرين، والسابق لا يصلح مميزا للمتأخر عنه. * (أما لو قال: مائة وخمسون درهما) * مثلا * (كان الجميع دراهم) *، للعرف * (بخلاف) * قوله: * (مائة ودرهم) * الذى بالعطف يظهر منه عدم التميز به. * (وكذا) * يراد من الجميع الدارهم * (لو قال: " ألف وثلاثة دراهم ") * بل * (وكذا لو قال: " ألف ومائة درهم " أو " ألف وثلاثة وثلاثون درهما ") * لان العرف يقضى بأن التمييز المتأخر للجميع، خلافا لما تسمعه من الفاضل وغيره ممن حكى عنه، نعم لو فسره بعد ذلك بغيره أمكن القبول بناء على أن ذلك فهم انسياق لا حقيقة، وأن مثله يقبل فيه التفسير بخلافه، بل جزم به في التحرير، لا أنه إذا لم يفسره يبقى مجملا، فيقتصر فيه على المتيقن مما هو أقل ما يتمول. * (ولو قال: " على درهم وألف " كانت الالف مجهولة) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا ما في المختلف من أنه لو قال: " له على ألف وثلاثة دراهم "

[ 49 ]

أو " مائة وخمسون درهما " رجع إليه في تفسير الالف والمائة لا في الدراهم، والدرهم ليس تمييزا للالف وللمائة، وكما يحتمل أن يكون تمييزا للمجموع يحتمل أن يكون تمييزا للاخير، فلا يثبت في الذمة شئ بمجرد الاحتمال، قيل ولقوله تعالى (1): " أربعة أشهر وعشرا " ومقتضاه التعدية إلى نحو ذلك من الامثلة. بل في المسالك عن بعضهم التصريح بأن كل تمييز متأخر يعود إلى الذى يليه خاصة مطلقا لاصالة البراءة، ولانه كالاستثناء المتعقب للجمل المتعددة، خصوصا إذا كان التمييز غير مطابق لجميع الاعداد، كقوله: " مائة وعشرون درهما " فان مميز المائة مفرد مجرور ومميز العشرين منصوب، فلا يصلح لهما. إلا أن ذلك كله كما ترى بعد وروده في الكتاب العزيز (2): " إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة " وفي الحديث (3) " أن النبي صلى الله عليه واله توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة " وقال الشاعر: ولها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الاسحم. إلى غير ذلك مما هو دال على المقصود، مضافا إلى فهم العرف الذى لا وجه معه للاستدلال من بعضهم على الخلاف، إذ هو من قبيل إثبات اللغة بالعقل، ومن الغريب دعوى عدم الالتفات إلى ذلك وإن كان ظاهرا في العرف، بناء على أن القاعدة في الاقرار الاقتصار على المتيقن، فالاحتمال البعيد كاف في ذلك، إذ هو كما ترى لا محصل له. ومما ذكرنا يظهر لك الحال فيما فرعوه على المسألة من صحة البيع لو قال: " بعتك بمائة وعشرين درهما " بناء على فهم العرف، وبطلانه بناء على


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 217 - 234. (2) سورة ص: 38 - الاية 23. (3) البحار ج 22 ص 503 ط الحديث.

[ 50 ]

ما سمعته من المختلف، أللهم إلا أن يقال: فرق بين الاقرار وغيره، للقاعدة السابقة، فتأمل. ولو قال: " له درهم ونصف " ونحوه فالظاهر عرفا إرادة نصف درهم، كما صرح به غير واحد، لكن في الارشاد يرجع إليه في تفسيره، إلا أنا لم نعمل أن ذلك لانكار ظهوره في ذلك، أو لعدم العبرة بهذا الظهور في الاقرار المبنى على اليقين أو الحقائق اللغوية، وإن كان على كل حال فيه ما لا يخفى. نعم لو قال: " له نصف ودرهم " فالنصف مبهم عرفا، وكذا لو قال: " مأة وقفيز حنطة " فالمائة مبهمة، ولا ينافي ذلك ما تقدم من الحمل على الدارهم في نحو مائة وثلاثة دراهم بعد أن كان العرف الذى عليه المدار في جميع الامثلة فارقا. المسالة * (الخامسة) * * (إذا قال: له على كذا كان إليه التفسير كما لو قال: شئ) * فيقبل بما يقبل فيه، كما عن جماعة التصريح بذلك مضافا إلى ما عن الصحاح والقاموس من التصريح بأن " كذا " كناية عن الشئ، بل وإلى العرف إذا لم يكن إشارة إلى شئ مخصوص. لكن عن التنقيح أجمع الادباء على أنه كناية عن العدد، بل عن المهذب البارع لم يوجد في كلام العرب غير ذلك إلا أنهما معا اعترفا بأنه يستعمل عرفا لغير العدد، وبأن الحقيقة العرفية مقدمة وحينئذ فالنتيجة واحدة، بل عن جماعة التصريح بأن اصطلاح الادباء عرف خاص، فلا يحمل عليه ألفاظ العرف العام، بل لو قلنا إنه في اللغة والعرف العام يكون كناية عن العدد وعن الشئ فاللازم في الاقرار

[ 51 ]

الاخذ بالمتيقن، وحينئذ فلو كرره مرة أو أزيد بلا عطف كان تكريرا للاقرار بالشئ * (ولو فسره بالدرهم) * مثلا * (نصبا) * على التمييز كما هو المعروف وعلى القطع كما عن بعض الكوفيين * (أو رفعا) * على البدلية من كذا الذى هو بمعنى شئ * (كان إقرارا بدرهم) * واحد، بل عن التذكرة والايضاح والمهذب البارع والمقتصر الاجماع على ذلك في الرفع، * (و) * لعله كذلك. نعم * (قيل) * والقائل الشيخ وابن زهرة والفاضل في الارشاد والتبصرة: * (إن نصب كان له عشرون) * درهما. * (وقد يمكن هذا مع الاطلاع على القصد) * المتضمن لارادة الكناية به عن عدد مفرد تميزه منصوب، وهو وإن كان متعددا إلا أن أصل البراءة يوجب الاقتصار على المتيقن الذى هو الاقل، وفي محكى التذكرة إن كان المقر عارفا وإلا رجع إلى تفسيره، وعن المختلف وغيره يحمل على ذلك وإن كان من أهل اللسان، وعن السرائر أنه يرجع إلى تفسير المقر. ولا يخفى عليك ما في الجميع ما لم يعلم إرادة المقر الكناية بذلك عن العدد على الوجه الذى ذكرناه، لعدم فهم العرف العام منه ذلك، والاصل البراءة، فيقتصر فيه على المتيقن الذى هو الدرهم إن لم نقل إنه الظاهر منه، بل لو قلنا إنه كناية عن العدد لكن لا يفهم منه عرفا الكناية به على الوجه المزبور، لامكان كون النصب كالرفع في إمكان إرادة الواحد الذى هو عدد أيضا، كما هو واضح، هذا كله إن نصب أو رفع. * (وإن خفض) * على الاضافة * (احتمل بعض الدرهم، وإليه تفسير البعضية) * لامكان إرادته جزء درهم، وكذا كناية عنه احتمالا مساويا لغيره، فيقبل تفسيره به، وحينئذ مع تعذره يقتصر عليه، لانه المتيقن، ومن هنا جزم به المعظم. * (و) * لكن * (قيل) * والقائل من عرفته في صورة النصب: * (يلزمه مائة درهم) * وفيما حضرني من نسخة الشرائع بل هي التى شرحها في المسالك أيضا * (مراعاة لتجنب الكسر) * أي بعض الدرهم * (ولست أدرى من أين نشأ هذا

[ 52 ]

الشرط) * الذى مقتضاه اعتبار الصحة في الدرهم، مع أنه على تقدير، لا يقتضى المائة، بل أقصاه لزوم الدرهم، كما في النافع والدروس واللمعة والتنقيح ونهاية المرام، بل في الاخير والرياض نسبته إلى الاكثر بجعل الاضافة بيانية أو اللحن في الاعراب، فليحق بصورة الرفع والنصب. بل في الايضاح " لو قال كذا درهم صحيح بالجر لم يلزمه مأة باتفاق الكل، وإن كانت موازنة المبهمات بالمعينات بواسطة الاعراب يقتضى ذلك، لان التقييد بالصحيح ينفى احتمال نصف درهم أو ثلث درهم " إلى آخره وإن كان دعواه الاتفاق المزبور لا يخلو من نظر أو منع. ومن الغريب دعوى ذلك من الشيخ، مع أن المحكى عنه الاعتراف بأن الصيغة من غير الاقرار بالشئ لا تكون إقرارا بذلك الشئ ومن المعلوم أن دلالة الاعراب إن كانت فهى ظنية، كمعلومية بناء نقل الاموال على الاحتياط التام بل في الايضاح الاجماع عليها. نعم لو علم من المقر إرادة الكناية بذلك عن العدد على الوجه الذى ذكرناه اتجه حينئذ إلزامه بالمائة، ولعله على هذا يحمل ما سمعته من الفاضل من الحمل على ذلك إذا كان من أهل اللسان، فلا وجه لمؤاخذة الشهيد له بأنه إن أراد بكونه من أهل اللسان كونه عربيا فلا ثمرة له، وإن عنى به كونه نحويا - وهو ظاهر كلامه - فلنا أن نمنع اللزوم، لاصالة البراءة واحتمال الرفع البدل والنصب التمييز والجر والاضافة، إلى آخره. وكيف كان فلا ريب في عدم لزوم المائة مع عدم العلم بارادة الكناية على الوجه الذى ذكرناه، للاصل وعدم فهم أهل العرف موازنة المبهمات بالمعينات بواسطة الاعراب ومقارنة اللفظ لاخر، بل هو في الحقيقة رجوع عن التعيين إلى التخمين، ولا حمل للخطابات الجارية مجرى العرف العام على الاصطلاح الخاص، بل الاقوى عدم لزوم الدرهم بعد احتمال إرادة الجزء على الوجه الذى ذكرناه، هذا.

[ 53 ]

ولكن في حاشية الكركي على الكتاب " أن المصنف علل ما حكاه عن الشيخ بلفظ القيل بمراعاة جانب الكسر، ثم طعن فيه بعدم استلزامه ذلك مبعدا له ذلك بعدم علمه بالمنشأ، لاحتماله البعض، وكأنه أراد بالشرط الخفض وعبارته تحتاج إلى تكلف ما ". قلت: الظاهر بناء على النتيجة المزبورة أنه يريد التعليل بمراعاة جانب الكسر أي الخفض المقتضى للموازنة بأقل عدد يكون كذلك وهو المائة كما يحكى عن الشيخ التعليل به، ورده بأنه لم أدر من أين نشأ هذا الشرط، وهو اعتبار الموازنة المذكورة على تقدير الجر والنصب بعد احتمالها غيرذلك، فتأمل جيدا وإن كانت العبارة غير نقية. ولعل ما فيها من التشويش ناش (1) من عبارة المبسوط، إذ هي تحرير ما فيه، فانه بعد أن جعل الاصح أولا ما ذكره المصنف من لزوم أقل درهم ثم حكى القول بلزوم درهم أو مائة درهم قال: " والزم من قال بما صححناه بأنه إذا كسر كان إقرارا بدون الدرهم، لانه أقل ما يضاف إلى الدرهم، فيقال: ثلثا درهم أو بعشر درهم أو نصف أو ربع أو ثمن نظر الاول بأن لقائل أن يقول: إن ذلك ليس بصحيح، وإنما هو كسر " وهى كما ترى، ضرورة عدم فساد بالتزام كونه كسرا، والامر سهل بعد أن عرفت تحقيق الحال. كسهولة أمر المناقشة من المسالك في المحكى عن التذكرة عن بعض - مما حاصله أنه إن قال: كذا درهم صحيح لزمه مأة، وإن لم يصفه بالصحة اكتفى بالجزء، لان الوصف بالصحة يمنع من الحمل على الجزء، لانه كسر لا صحيح - بأن الصحيح يقبل التجزئة كما يقبلها غيره، فيصح أن يريد به بعض درهم صحيح، بمعنى أن بعض درهم الصحيح مستحق له، وباقيه لغيره، والنعت وإن كان الاصل فيه أن يعود إلى المضاف دون المضاف إليه لانه المحدث عنه إلا أنه مع الجر يتعين كونه


(1) في النسختين الاصليتين: " ناشئا " والصحيح ما أثبتناه.

[ 54 ]

نعتا للمضاف إليه، هو سائغ أيضا مع ظهور قصده، بل لعل التأمل يقضى كونها مناقشة لفظية. ولو وقف قبل تفسيره بجزء درهم، بل يلزم بذلك مع تعذر التفسير، لما عرفت من كونه كذلك في صورة عدم الوقف، فمع الوقف المحتمل للرفع والجر ينبغى الاخذ بالمتيقن، وهو جزء الدرهم، ولا يحتمل النصب بناء على وجوب الالف فيه وفي الوقف، نعم لو قلنا بوجوب الدرهم في صورتي الرفع والجر اتجه حينئذ إلزامه به في الوقف المحتمل لهما إذا أعرب، ولذا حمله غير واحد عليه، بل نسبه بعضهم إلى الاكثر وإن كان فيه ما فيه. * (و) * كيف كان فقد ظهر لك الحال مما ذكرناه فيما * (لو قال:) * له علي * (كذا وكذا) * فان الظاهر منه إرادة التأكيد الموافق لاصالة البراءة، كما لو قال: شئ شئ، وحينئذ * (فان اقتصر) * عليه * (فإليه التفسير) * بما يتحقق به مسماه * (وإن اتبعه بالدرهم نصبا) * على التمييز أو القطع * (أو رفعا) * على البدلية * (لزمه درهم) * واحد وإن خفضه ففيه الكلام السابق من الالتزام بالدرهم أو جزء جزئه الذي مرجعه إلى الجزء أيضا. * (وقيل) * والقائل من عرفت: * (إن نصب لزمه أحد عشر) * درهما بناء على الموازنة المزبورة، فانه أقل عدد مركب من دون عطف، ومع الجر والوقف يلزمه مع تعذر التفسير ما يلزمه مع الجر بلا تكرار، ضرورة احتماله على المختار إضافة جزء إلى جزء ثم أضاف الاخر، فيكون نحو نصف تسع درهم، وحينئذ لا فرق بين تكرار " كذا " المحمول على التأكيد وعدمه. أما على كلام الشيخ فيأتى التزامه بثلاث مائة درهم، لانه أقل عدد اضيف إلى آخر وميز بمفرد مجرور، إذ فوقه أربع مائة إلى تسع مائة، ثم مائة مائة ثم مائة ألف، ثم ألف ألف، فيحمل على المتيقن، واحتمال تركيب أحد عشر وشبهه مما لا يأتي، لان مميزه لا يأتي مجرورا، والمأتان وإن كانت أقل وفي قوة تكرار المائة إلا أنه مثنى والفرض الافراد، وهذا وإن لم يصرح به الشيخ

[ 55 ]

لكنه لازم له. وكذا لو كررها وأتبعه مرفوعا أو منصوبا لزمه واحد على ما قلناه، ومع الجر والوقف يلزمه جزء درهم أو جزء جزء جزء درهم، وهما بمعنى، إذ الاخير أحد مصداق الاول أيضا ولم يحك عن الشيخ هنا شئ لا في النصب ولا في الجر. * (ولو قال: كذا وكذا درهما نصبا أو رفعا لزمه درهم) * بلا خلاف فيه بيننا في صورة الرفع، نعم عن الشافعي قول بلزوم درهم وزيادة، لانه ذكر سببين متغايرين بالعطف، فيجعل الدرهم تفسيرا للقريب منهما، وهو معطوف، فيبقى المعطوف عليه على إبهامه، فيرجع في تفسيره إليه على حسب ما عرفته، وهو مناف لاصل البراءة بعد احتمال جعل الدرهم بدلا من مجموع المعطوف والمعطوف عليه، على أن يكون المعنى " له على كذا وكذا شئ وشئ هو درهم ". ومنه يعلم الحال في صورة النصب المحتملة لكون التمييز بالدرهم لهما أيضا وإن احتملت مع ذلك درهمين، لانه ذكر جملتين وفسر بدرهم، فيعود إلى الجميع كمائة وعشرون درهما واحتملت أكثر من درهم بناء على أنه تفسير للاخير ويبقى الاول على إبهامه، إلا أن أصل البراءة يعين الاول. * (و) * منه يعلم ضعف ما * (قيل) * من أنه * (إن نصب لزمه أحد وعشرون) * كما عن الشيخ ومن عرفت بناء على الموازنة المذكورة التى بعد تسليم احتمال اللفظ تنفى بأصل البراءة وقاعدة الاقتصار في الاقرار بمثل ذلك على المتيقن * (و) * هكذا الكلام في جميع ما ذكر في صور المقام التي عرفت الكلام في أصلها مفصلا. كما عرفت أن * (الوجه الاقتصار) * في المقام ونظائره * (على اليقين إلا مع العلم بالقصد) * إن تعذر التفسير، وإلا كان إليه على حسب ما سمعت

[ 56 ]

في غيره من الاقرار بالمبهم، والزم البيان على نحو ما سمعته في الاقرار بالمبهم. المسألة * (السادسة) * * (إذا قال: هذه الدار) * مثلا * (لاحد هذين) * مثلا صح و * (الزم البيان) * على نحو ما سمعته في الاقرار بالمبهم، إذ لا فرق بي الابهام بين المقر به والمقر له، وحينئذ * (فان عين) * أحدهما * (قبل) * وسلمت إليه، لانه ذويد ولو للاصل، فينفذ إقراره، وربما احتمل عدم قبول إقراره في التعيين، لخروجها عن يده بالاقرار الاول، فهو حينئذ شاهد يجري عليه حكمه، هما معايدهما عليها أو خارجان عنها، وتفصيل ذلك في كتاب القضاء. * (و) * على الاول * (لواد عاها الاخر كانا خصمين) * إلا أن من أقر بها له ذويد، فيكون داخلا والاخر خارجا، ويجري عليهما حينئذ حكم دعوى الداخل والخارج. * (ولو ادعى) * الخارج * (على المقر العلم كان له إحلافه) * على نفيه وعلى البت إن ادعى عليه الغصب مثلا منه، لعموم " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " (1) ولانه لو أقر له تبعه بالغرم عنها، فان نكل حلف المدعى وغرم، ولكن عن التذكرة " لو قلنا إنه لا يغرم لو عاد إلى الاقرار لم يحلف إذا نكل، لانه لا يلزمه شئ، وإن قلنا إنه يغرم عرضنا عليه اليمين، فان حلف سقطت الدعوى، وإن نكل حلف المدعي وغرم " وفيه أن أصل الدعوى غير متوجهة على البناء المزبور فضلا عن الحلف، على أن ما ذكره مبنى على أن اليمين


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 من كتاب القضاء وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وفى المستدرك الباب - 3 - منها الحديث 4 وسنن البيهقى ج 10 ص 252 " البينة على المدعى واليمين على من أنكر ".

[ 57 ]

المردودة كالاقرار، أما بناء على أنها كالبينة أو أصل مستقل برأسه فالمتجه إحلاف المدعى وغرامة المقر وإن لم نقل يغرم بالاقرار، ضرورة كونها كالبينة أو أصلا مستقلا. ثم إن أصر المقر على أنها لمن عين فذاك * (ولو أقر للاخر) * المدعى * (لزمه الضمان) * للمثل أو القيمة، للحيلولة، إذ لا تنتزع من الاول الذي قد سبق حقه بالاقرار السابق، نعم لو صدقه الاول دفعت إليه ولا غرامة، كما أنه كذلك لو ثبت سبق إقراره بها للعين وكذب المقر له ثانيا ذلك، أما إذا لم يكذب فالغرامة له عليه، كما هو واضح. وكيف كان فهل للمقر بعد إقراره للثاني إحلاف الاول ؟ وجهان: من عموم " اليمين على من أنكر " (1) وأنه يدفع به الغرم عن نفسه لو أقر بها، ومن أن المقر مكذب نفسه في دعواه أنها للثاني باقراره الاول، وأنه لو نكل امتنع الرد، إذ لا يحلف على أثبات مال غيره، وفي المسالك " وهو حسن إلا أن يظهر لاقراره ما يدفع التكذيب كالغلط فالاول أحسن " وفيه أن الظاهر حسنه على كل حال. وعلى الاول فحلفه على نفى العلم بأنها للثاني، لانه ربما استند في ملكها إلى الاقرار خاصة، فلا يمكنه الحلف على البت مع احتماله، لانه مالك بحسب ظاهر الحال وقد ادعى فيما هو ملك له، فيحلف على البت. * (ولو قال) * المقر لما طولب بالبيان: * (لا أعلم دفعها إليهما) * برضاهما أو بالدفع إلى وكيلهما، لانحصار الحق فيهما، أو الحاكم * (وكانا) * معا * (خصمين) * فيلزمها حكم المتداعيين الخارجين عن العين، لان يد وكيلهما كانت احتياطا. ثم إن صدقاه على عدم العلم فذاك * (ولو ادعيا) معا * (أو أحدهما علمه) * بأنها لاحدهما * (كان القول قوله مع يمينه) * على نفى العلم، كما أن لاحدهما


(1) راجع ص 56.

[ 58 ]

على الاخر ذلك أيضا إن ادعاه عليه وذلك كله واضح. بل مما ذكرناه في تفسير العبارة يندفع ما أورده الكركي وثاني الشهيدين على المصنف بأن في تسلميه إليهما تسليما لغير المالك بعد أن اعترف أنها لاحدهما دون الاخر قال: " والوجه رفع الامر إلى الحاكم ليسلمها إلى من تثبت له خاصة " إذ قد عرفت أن المراد دفعها إليهما على الوجه المزبور. ولو قال: " هذا لزيد أو للحائط " مثلا فلا إقرار وإن تردد فيه الفاضل وولده بلا ترجيح، لان ترديده بين القابل للملك وغيره يجري مجرى قوله: " هو لزيد أو ليس له " ولا ريب في عدم كونه إقرارا، نعم لو قال: " هو له وللحائط " كان إقرارا له بالنصف في وجه قوي، بل في القواعد وغيرها هو الاقوى، بل ربما احتمل كون الجميع لزيد، لامتناع كون الحائط مالكا فيلغو بعد اعترافه بانحصار الملك فيهما وإن كان فيه أن إلغاء ذكر الحائط لا يقتضى استحقاق زيد ما لم يقر له به، كما هو واضح. المسألة * (السابعة:) * * (إذا قال هذا الثوب أو هذا العبد) * مثلا * (لزيد) * كان من الاقرار بالمبهم عكس السابقة، لان " أو " للابهام لغة وعرفا، وحينئذ * (ف‍) * يأتي فيه ما يأتي في نظائره مما سمعته سابقا. و * (إن عين قبل منه) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال حتى في قبول تعيينه، استصحابا لبقاء حكم يده على الملك، فان وافقه المقر له فذاك * (وإن أنكر) * أي * (المقر له كان القول قول المقر مع يمينه) * فإذا حلف سقطت دعواه ولكن ليس له تسليم ما أقر به له مع إصراره على نفيه منه. * (و) * إنما هو مجهول المالك باقراره الاول ف‍ * (للحاكم انتزاع ما أقر به) * منه وحفظه إلى أن يظهر مالكه، لانه ولى من لا ولى له، وفي المسالك وغيرها

[ 59 ]

" أو يرجع المقر له عن الانكار * (وله إقراره في يده) * التى لم يثبت عدوانها، ولانه يكلف بايصاله إلى مالكه بدس ونحوه. هذا وظاهر ما سمعته من المسالك وغيرها المفروغية من قبول رجوع المقر له إلى التصديق واستحقاقه حينئذ المقر به، ومن عدم تسليمها إلى المقر له بعد نفيها عنه، وفي حاشية الكركي تعليل الاول بانحصار الحق فيهما، وبأنه برجوعه يدعى مالا لا يد لاحد عليه، ولم يسبق منه الاعتراف به لغيره، قال: " فان قيل يلزم من إنكار كونه ملكا له كون الملك لغيره، لامتناع ملك بغير مالك، قلنا: كلامه لا يدل على ذلك بشئ من الدلالات، نعم هو مستفاد من خارج، فلا يكون مانعا من قبول رجوعه إذا لم يثبت بقوله حقا لغيره ثم رجع عنه ". قلت: قد يناقش (أولا) بأن الاعتراف به لغيره مدلول التزام لعبارته و (ثانيا) بأن نفيه له عن نفسه اعتراف بخروجه عنه، فيؤخذ به وإن لم يعترف به للغير، إذ قد عرفت أن متعلق الاقرار يكون إثباتا ونفيا، أللهم إلا أن يكون إجماعا، وقاعدة سماع الاقرار بعد الانكار إنما هي فيما لا يقتضى الرجوع عن الاقرار الاول، كما لو أنكر مثلا دينا لزيد عليه ثم أقر به ونحو ذلك، فتأمل جيدا. ولعله لذا قال في المحكى من قضاء التحرير: " فان رجع المقر له وقال: غلطت بل هو لى ففى قبول ذلك منه إشكال، ولو رجع المقر وقال: غلطت بل هو لى فان كان في يده فالاقرب القبول، وإن لم يكن في يده فالاقرب العدم، لانتفاء سلطنة اليد، وهكذا كل من نفى عن نفسه شيئا ثم رجع فيه قبل أن يقر لغيره أو بعده " إلى آخره. إلا أنه مناف لما جزم به هنا في القواعد ومحكى التذكرة والتحرير والايضاح وجامع المقاصد ومجمع البرهان من التسليم إلى المقر له إذا رجع إلى الانكار الذى قد سمعت المفروغية منه في المسالك وحاشية الكركي معللين له بما سمعت،

[ 60 ]

وبأن أقوال المسلمين وأفعالهم محمولة على الصحة إذا احتملت، وهي هنا محتملة، لاحتمال نسيان كونه له أولا ثم تذكر، واحتمال انتقاله إليه الان بارث ونحوه وقد نهى الشارع عن التجسس ولانه مال لا يدعيه غيره، وصاحب اليد مقر له به، وقد زال حكم الانكار بالتصديق، فيبقى الاقرار سليما عن المعارض. والجميع كما ترى بناء على مؤاخذة المقر باقراره تعبدا وإن كان نفيا، نعم لو قلنا بمؤاخذته للمعارض اتجه قبول رجوعه، لعدم المعارض حينئذ. لكن منه يتجه قبول رجوع المقر فيما أقر به للغير الذي نفاه وبقى مصرا، مع أنه في القواعد جعل الاقرب عدم القبول فارقا بين المقر والمقر له، بل هو المحكى عن الكتب السابقة أيضا بل ظاهر ما سمعته من تعليل الكركي المفروغية من عدم قبول رجوعه، لانه قد صرح بكونه للغير، ولم يقتصر على نفيه عن نفسه كالمقر له، فاقراره الاول حينئذ قد مضى عليه، وحكم عليه به، والمشروط بعدم التكذيب إنما هو نفوذ الاقرار في حق المقر له بحيث يجب عليه تسليم المقر به لا أن ذلك شرط صحة الاقرار في نفسه، إذ لا دليل عليه، نعم قد سمعت ما حكيناه عن قضاء التحرير وعن مجمع البرهان أنه لم يستبعد قبول رجوعه مع إصرار المقر له على الانكار، لما سمعته من أصالة الصحة وعدم المعارض. وفي القواعد الحكم ببطلان الاقرار لو ادعى المقر له جنسا غير ما فسره المقر أو لم يدع شيئا، ونحوه عن المبسوط بناء على أن معنى بطلان إقراره عدم مؤاخذته بما أقر به من الدارهم مثلا تفسيرا التي أنكرها المقر له. وتحقيق المسألة ما أشرنا إليه من أن أقصى أدلة الاقرار إلزام المقر بما أقر به لم أقر له به على وجه لا يسمع إنكاره مع مطالبة المقر له بما أقر به وإن لم يكن له طريق إلا إقرار المقر، أما إذا اعتقد نفيه عنه ونفاه ورجع المقر عن الاقرار وادعى المال لنفسه فلا دليل على لزوم إقراره به. وربما يشهد له في الجملة قولهم: " ينتزعه القاضي أو يقره في يده " معللا

[ 61 ]

بعضهم الاخير بامكان رجوعه به وإن كان فيه ما فيه. بل العبارة في أصل الحكم أيضا لا تخلو من تشويش، ضرورة ظهورها في كون التخيير للقاضي على وجه لا معارضة للمقر في ذلك. مع أن ما ذكروه من التعليل بأن يده غير عادية ونحوه قاض بعدم سلطنة للحكام على مال في يد مسلم يعلم صاحبه بزعمه ومكلف بايصاله إليه ولو بدس ونحوه ولم يثبت عدوان يده عليه. ولعله من هنا جعل فخر المحققين " أو " في قول والده: " ثم إما أن يترك في يد المقر أو القاضي " للترديد لا التخيير، بل عن جامع الشرائع الحكم ببقائها في يد المقر إلا أنه خلاف ظاهر المتن أو صريحه كالارشاد والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك وغيرها على ما حكي عن بعضها نعم في غاية المراد " أنها تبقى في يد المقر إن قبلنا رجوعه، لاصالة بقائه، ولا مكان أن يدعيها فتثبت له، وإن لم نقل به ففي انتزاعها منه وجهان، الاول نعم، لانه عزاه إلى غيره، والحاكم ولي الغير، والثاني لا، لان القابض له أهلية الامساك، الظاهر أنه غير ظالم، لاصالة صحة تصرف المسلم، فتبقى يده على ما كانت عليه، لاصالة بقاء حق الامساك " وإن اعترضه الكركي بأن الاستحقاق خلاف الاصل، كما أن العدوان خلاف الاصل، لتوقف كل منهما على سبب يقتضيه، والاصل عدمه، واليد الشرعية أعم من استحقاقها الادامة وعدمه، لامكان حصول المقر به في يد المقر بوجه حسبة كالتخليص في يد ظالم وإطارة الريح الثوب إلى داره والاصل عدم ما يقتضي أمرا زائدا. ولكن فيه أن يد المسلم يكفي في صحتها الاحتمال، وذو اليد الشرعية أيضا هو المكلف بايصال المال إلى صاحبه، بل التحقيق أن مجهول المالك ليس للحاكم انتزاعه من يده قهرا، لاطلاق أوامر (1) الصدقة به الظاهرة في أن لمن في يده ذلك، وحينئذ فالتحقيق عدم سلطنة الحاكم على انتزاع ما نحن فيه قهرا من


(1) الوسائل الباب - 2 - من كتاب اللقطة الحديث 2 و 7 والباب - 7 - منه.

[ 62 ]

يده لان أقصاه كونه مجهول المالك بلا عدوان من صاحب اليد. ومنه يظهر لك النظر في التخيير المزبور الذي قد صرح به غير واحد. كما أن التحقيق كون الاقرار حجة للمقر له على المقر، فمع فرض تكذيبها لا تكون حجة كالبينة، فحينئذ إذا توافق المقر والمقر له على خطأ الاقرار وكذبه أو التواطوء فيه والفرض انحصار الحق فيهما يتجه قبول الرجوع من كل منهما إثباتا ونفيا، نعم لو أصر المقر على كونه للغير والمقر له على نفيه كان من في يد المال بالخيار بين إبقائه في يده والتوصل إلى إيصاله، والدفع إلى الحاكم بناء على شمول ولايته للفرض. ولا فرق في ذلك بين عدالة المقر وعدمها، فما عن التذكرة والايضاح من اعتبارها في البقاء في يده لا دليل عليه، ولا تصغي في المقام إلى دعوى الاجماع، فان المتعرض من عرفت مع عدم خلو كلامهم عن التشويش والاضطراب، على أن جملة منهم ذكروا الحكم بلفظ الاقرب ونحوه. نعم يبقى الكلام بناء على ما ذكرنا فيما لو رجع المقر والمقر له دفعة، ولعل المتجه فيه كونه للمقر، وأولى من ذلك لو رجع قبل رجوع المقر له، أما لو رجع المقر له والمقر باق على الاقرار أنه له فهو للمقر له دون المقر، فتأمل جيدا، فان المقام لا يخلو من مزلقة للاقدام، والله أعلم بحقائق الاحكام. ثم إن ظاهر قوله في القواعد وغيرها: " لا يسلم للمقر له مع التكذيب " عدم جواز ذلك، لكن قد يشكل بأن المقر مع إصراره على الاقرار بأنه له إذا دفعها إليه مع الانكار لم يكن قد دفع إليه إلا ماله بزعمه، فله التسليم حينئذ بمقتضى إقراره. ومن هنا قيل: إن المراد من نحو العبارة المزبورة عدم التسليم على طريق اللزوم والوجوب. وربما وجه الاول بأن المقر به قد نفاه عن نفسه بتكذيبه، فكيف يجوز

[ 63 ]

تسليمه ما ليس له ؟ بل لعله من الاعانة على الاثم بزعم المقر له، وفي جامع المقاصد " ربما بني ذلك على أن المقر هل هو مؤاخذ باقراره هذا أم لا ؟ فعلى الاول يجوز له التسليم، إذ هو بالنسبة إليه مال المقر له، وعلى الثاني لا يجوز له " وكان فيه إشارة إلى ما ذكرناه من اعتبار عدم التكذيب في حجية الاقرار وعدمه. وليس في شئ من كلامهم التعرض إلى أن موضوع المسألة بالنسبة إلى الحاكم أو بالنسبة إلى ما بين المقر والمقر له، كما أنه ليس فيه التعرض إلى أن ذلك من حيث الاقرار أو من حيث الاطلاع على الواقع أن العين للمقر له، فانه جهة اخرى غير الالزام بمقتضى الاقرار الذي قلنا يعتبر في حجيته على المقر عدم تكذيبه كالبينة، ولذا قلنا فيما سبق: إن العين يبقى في يد المقر يدسها في مال المقر له أو يوصلها إليه بطريق آخر. ولو أصر المقر على عدم التعيين لجهل أو نسيان رجعا إلى الصلح في العين، وفي المسالك " يحتمل قويا - مع عدم اتفاقهما على الصلح - القرعة بينهما في العين، لانها لكل أمر مشكل، خصوصا فيما هو معين عند الله مشتبه عندنا، والحال هنا كذالك ". قلت: كما أنه يحتمل كون الصلح قهرا من الحاكم قطعا للخصومة، فلا مدخلية لاتفاقهما عليه، بل قد يستفاد مما تقدم في الصلح وتسمعه في كتاب القضاء احتمال الحكم باشتراك العين بينهما. ولو قال: " له درهم أو درهمان " ثبت الدرهم وطولب بالجواب عن الثاني، وكذا لو ردد بين ألف وألفين مطلقين، لكن في المسالك احتمال لزوم الاكثر على تقدير البدءة به لانه كالرجوع عن الاقرار، فلا يسمع، ونحوه ما عن أول الشهيدين فيما لو قال: " له علي دينار أو درهم " من الالتزام بالاول، بل عنه أنه قواه، وفي الدروس " لو قال: له علي ألف أو مأة احتمل المطالبة بالتعيين ولزوم الاول، ولو قال: له علي مأة أو ألف احتمل لزوم الثاني ".

[ 64 ]

ولكن الجميع كما ترى ضرورة اعتبار تمامية الكلام نصا (1) وفتوى في اللزوم بمقتضاه، كما هو واضح. المسألة * (الثامنة:) * لو قال: له عندي دراهم وديعة، ففي القواعد والدروس وجامع المقاصد ومحكي المبسوط والتذكرة والتحرير والحواشي قبل تفسيره سواء اتصل كلامه أو انفصل، بل هو مقتضى إطلاق المحكي عن السرائر قبول تفسيره، بل في جامع المقاصد إطباقهم على القبول سواء صدقه عليه المالك أولا، وذكروا وجهه أنه مع الاتصال لا يرفع مقتضى الاقرار فيقبل، وأما مع الانفصال فلان قوله: " عندي " يحتمل الوديعة وغيرها، فيكون التفسير بها تفسيرا للفظ ببعض محتملاته مع اعتضاده بأصل البراءة، هذا. ولكن في القواعد متصلا بما سمعت " ولو ادعى المالك أنها دين فالقول قوله مع اليمين، بخلاف ما لو قال: أمانة " وقد قال بعض شراحه: " إنا لم نجد ذلك لغيره من العامة والخاصة ". ووجه بأن الوديعة تقتضي القبض والاخذ من المالك، فبمقتضى قوله صلى الله عليه واله (2): " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " يجب أن يقدم قول المالك في أنها دين، لان الدين لا يتحقق البراءة منه إلا بأدائه، ولو قدمنا قول المقر لوجب أن يقبل قوله في المسقط كالتلف، وهو خلاف مقتضى الخبر. أو يقال: كونها وديعة يتضمن تقديم قول المقر في الرد وفي التلف، وذلك


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب آداب القاضى الحديث 3 من كتاب القضاء. (2) سنن البيهقى ج 6 ص 95.

[ 65 ]

زائد على أصل كونها عنده، وهو دعوى على الغير، فمقتضى قوله صلى الله عليه واله (4): " البينة على المدعي " يجب أن لا ينفذ الاقرار في ذلك، لان نفوذه إنما هو في حق المقر دون غيره. أو يقال: إن المراد من قبول التفسير في العبارة مع عدم مخالفة المالك. إلا أنه في جامع المقاصد قال: " في الكل نظر، أما الاول فلا نسلم أن تقديم قول المقر يقتضي خلاف مقتضى الخبر، لان ذلك إنما يلزم لو لم يكن يده التي أقر بها تقضى تقديم قوله، أما معه فلا، وذلك لان الاصل براءة ذمته، فإذا أقر بما شغلها وجب الوقوف على مقتضاه، والمقر به هو الاشتغال بحكم الوديعة، فلا يتجاوز إلى حكم الدين وغيره، وأما الثاني فلان نفوذ التفسير بالوديعة يقتضي عدم شغل ذمته بالبينة على الرد أو التلف عند الاختلاف فيهما استنادا إلى أصالة البراءة وعدم تحقق شاغل سوى الوديعة المقر بها، فتقديم قوله ليس لكونه مدعيا ليخالف مقتضى الخبر، بل استنادا إلى أصل البراءة، وأما الثالث فلانه مع مخالفته لظاهر العبارة المتبادر من قبول التفسير غير صحيح في نفسه، لاطباقهم على قبول التفسير، سواء صدق عليه المالك أم لا، ولان اعتبار عدم مخالفة المالك يقتضى عدم الفرق بين هذه المسأله وغيرها وقد صرح المصنف في التحرير بخلاف هذا الحكم، قال: " إذا قال: له عندي دراهم ثم فسر إقراره بأنها وديعة قبل تفسيره، سواء فسره بمتصل أو منفصل فيثبت فيها أحكام الوديعة من قبول ادعاء التلف أو الرد، وبهذا صرح في التذكرة أيضا وشيخنا في الدروس، وهو المختار - ثم قال -: واعلم أن قوله: بخلاف ما لو قال أمانة " المراد به أنه لو قال: له عندي دراهم أمانة وادعى المالك أنها دين قدم قول المقر باليمين لا المالك، والفرق أن الامانة لا تستلزم القبض، لامكان إطارة الريح المال إلى ملك المقر أو وضع المالك إياها أو غيره في


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 من كتاب القضاء.

[ 66 ]

منزله، فلا يثبت دخوله في العهدة إلى الاداء وهذا الفرق ضعيف كما عرفت، والحكم واحد ". قلت: قد تقدم في الكتب السابقة معلومية تقديم مدعي القرض على مدعي الوديعة، لموثق إسحاق بن عمار (1) عن أبى عبد الله عليه السلام المروي في الكافي والتهذيب " في رجل قال لرجل: لي عليك ألف درهم، فقال الرجل: لا ولكنها وديعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: القول قول صاحب المال مع يمينه " وموثقه الاخر (2) الذي رواه المشائخ الثلاثة قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، وقال الاخر: إنما كانت لي عليك قرضا، قال: المال لازم له، إلا أن يقيم البينة أنها كانت وديعة ". بل ظاهر المحكي عن ظاهر التذكرة في ذلك المقام موافقتها لمقتضى الضوابط التي منها أصالة الضمان بالاستيلاء على مال الغير، قال: " لو ادعى صاحب اليد أن المال وديعة عنده وادعى المالك الاقتراض قدم قول المالك مع يمينه، لان المتشبث يريد بدعواه رد ما يثبت عليه من وجوب الضمان بالاستيلاء على مال الغير، فكان القول قول المالك، ولرواية إسحاق " وحكاه في المختلف عن الشيخ في النهاية وابن الجنيد، ثم حكي عن ابن إدريس التفصيل بأن المدعى عليه إن وافق المدعي على صيرورة المال إليه وكونه في يده ثم بعد ذلك ادعى أنه وديعة فلا يقبل قوله، وأما إذا لم يقر بقبض المال أولا بل ما صدق المدعي على دعواه، بل قال: " لك عندي وديعة " فليس الاقرار بالوديعة بالتزام الشئ في الذمة، وقال: وفرق ابن إدريس ضعيف. وبالجملة لا إشكال في أصل المسألة نصا وفتوى، نعم كان الفاضل نظر إلى اقتصار الخبرين على الوديعة، ففرق بينها وبين الامانة، بل عن الشهيد أنه حكي


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الرهن الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الوديعة الحديث 1.

[ 67 ]

عن إملائه التصريح بما سمعته من الفرق المزبور وزاد بأن الاعتراف بالوديعة يستلزم القبض، والاصل فيه الضمان للخبر. نعم قد يناقش بأن الاعتراف بكونها أمانة يستلزم الاعتراف بالقبض، على معنى دخولها في قبضته واستيلائه، ومع فرض أن الاصل فيه الضمان لا يتفاوت بين دعوى الوديعة وغيرها مما يندفع به الضمان. كما أنه قد يناقش بالتنافي بين الحكم بأن القول قول المالك مع اليمين لو ادعى القرض وبين قبول التفسير بالوديعة اتصل كلامه أو انفصل، أللهم إلا أن يريد بالقبول عدم التنافي بين إقراره بأن عنده دراهم وبين كونها وديعة، سواء اتصل أم انفصل لا أن المراد القبول على وجه يمضي على المالك لو ادعى القرض مثلا، والاطباق الذي ذكره في جامع المقاصد واضح المنع إذا فرض إرادته ذلك، وما حكاه عن التحرير والدروس لا ينافي ما ذكرنا من إرادة قبوله من حيث عدم المنافاة فتأمل جيدا. وكيف كان ف‍ * (إذا قال: " لفلان علي ألف " ثم دفع إليه) * ألفا * (وقال: هذه التي كنت أقررت بها كانت وديعة فان) * صدقه المقر له فلا بحث، وإن كذبه أي * (أنكر المقر له) * ذلك، وقال له: " هذه هي وديعة ولي عليك ألف اخرى دينا وهي التي أردتها باقرارك " * (كان القول قول المقر مع يمينه) * وفاقا للاكثر، للاصل، ولان " علي " غير منحصر مدلولها في الثبوت في الذمة، لاحتمال إرادة صيرورتها مضمونة عليه بالتعدي وإن كانت عينها باقية، ولو سلم انسياق الاول منها فهو تبادر إطلاقي يقبل فيه التفسير بخلافه الذي لم يخرجه عن حقيقته، بل أقصاه الخروج به عن إطلاقه مع السكوت عليه، كما عرفت الكلام في نظائره. بل لم أجد في ذلك خلافا إلا من الحلي في المحكي من سرائره منا ومن أبي حنفية وأحمد من العامة. نعم توقف فيه الفاضل في القواعد من دون ترجيح، وكذا الشهيد في المحكي من حواشيه عليها، ولعله لاقتضاء " علي " الايجاب في الذمة بقرينة الاكتفاء بها

[ 68 ]

في الضمان، فلا يقبل تفسيره بالوديعة، بل هو كما لو أقر بثبوت ثوب في ذمته فجاء بعبد قد أعترف بأنه للمقر له مفسرا به ذلك. ولكن فيه ما لا يخفى، ضرورة عدم وضع " علي " لذلك، بل هي للاعم منه مع دخولها في ضمانة وعهدته لتعد أو تفريط، فان صدق كونها عليه لا ينكر، فهي حينئذ للقدر المشترك الذي لو سلم انسياق الذمة منها فلا يخرج تفسيره بها عن الحقيقة، وقد عرفت قبول التفسير بالخلاف في نظائره. مضافا إلى ما عن الشيخ في الخلاف من أنه " أجمعنا على أنه إذا قال: لفلان ألف وديعة قبل منه ذلك، ولو كان قوله: له علي ألف يقتضي الذمة وجب أن لا يقبل تفسيره بالوديعة، لانه أقر بألف ثم عقبه بما يسقطه، ولان حروف الصلات يقوم بعضها مقام بعض، كما في قوله تعالى (3): " ولهم علي ذنب " أي عندي. " ولاصلبنكم في جذوع النخل " (4) أي عليها، فيجوز إرادة " عندي " من " علي " هنا " وإن كان قد يناقش بأن قبوله مع الاتصال الذي لا بحث فيه لا يقتضى قبوله مع الانفصال الذي هو محل البحث، وقيام حروف الصلة مقام بعض من باب المجاز الذي لا يقبل في الاقرار مع الانفصال، وإلا لافسد بابه، فالتحقيق حينئذ في الجواب ما ذكرناه، ولا ينافيه الاكتفاء بها في الضمان الذي يكفي فيه إنشاء كون ما في ذمة زيد مثلا في عهدته الذي هو معناها، لكن لما لم يكن فرد غير الثبوت في الذمة فيه تعين كونها ضمانا، والله العالم. * (وكذا لو قال: " لك في ذمتي ألف " وجاء بها وقال: هي) * أي التي أقررت بها * (وديعة وهذه بدلها) * إذ أقصى ما في كلامه تفسير كيفية كونها في ذمته، ولعله لانها تلفت منه بتعد أو تفريط، فصح الاخبار عنها أنها في ذمته وأن ما دفعه بدل عنها، وكأنه إلى ذلك أشار في الدروس بقوله: " أما لو قال


(1) سورة الشعراء: 26 - الاية 14. (2) سورة طه: 20 - الاية 71.

[ 69 ]

هذه بدلها وكانت وديعة فانه يقبل للمطابقة، أي بين دعواه وتفسيره، فيكون المراد من قوله: " وديعة " في المتن أي كانت وديعة ولكن تلفت تلف ضمان، فصار بدلها في الذمة فدفعه بدلا عنها، وبذلك تطابق تفسيره ودعواه، ولعله لذا لم يحك الخلاف فيها عن ابن إدريس، نعم توقف فيها الفاضل كالاولى ". ولكن في المسالك " إن لم يقبل في الصورة الاولى فهنا أولى، وإن قبلنا قوله فوجهان هنا: أحدهما - وهو الذي قطع به المصنف - القبول، لجواز أن يريد به الف في ذمتي إن تلفت الوديعة، لاني قد تعديت فيها، أو يريد كونها وديعة في الاصل، وأنها تلفت ووجب بدلها في الذمة، وغايته إرادة المجاز، وهو كون الشئ في الذمة وديعة باعتبار أن سببها كان في الذمة، والمجاز يصار إليه بالقرينة، والثاني العدم، لان العين لا تثبت في الذمة، والاصل في الكلام الحقيقة وقد تقدم كثير من الدعاوي المجازية في الاقرار ولم يلتفت إليها، فلا وجه لتخصيص هذه، وهذا لا يخلو من قوة ". وفيه أنه لا وجه للقبول مع فرض المجازية وانفصال القرينة، كما أنه لا ينبغي التردد فيه مع فرض التفسير بأنه وديعة قد تلفت وهذه بدلها، كما فرضها في المسالك، ولانه يؤول إلى ما ذكرناه من التفسير من دون تجوز، نعم لو اعترف بأنها وديعة باقية أمكن فيه حينئذ الكلام السابق الذي منشأ عدم القبول فيه انسياق ثبوت المال في الذمة، بل قد يزيد هنا احتمال عدم القبول بظهور اللفظ ظهورا إن لم يكن حقيقة، في إرادة ثبوت عين المال في الذمة، فهو كالحقيقة بحيث لا يقبل التفسير بالخلاف، كما أن منشأ القبول ودعوى المساواة للاول في الصدق مع الدخول في العهدة مثلا. فالتحقيق حينئذ تفصيل فرض المسألة بما ذكرناه، ولعل عدم القبول في الثاني لا يخلو من قوة، كما سيظهر لك في المسألة الثالثة. وفي جامع المقاصد " أن القبول أرجح، لان غايته إرادة المجاز، وهو كون الشئ في الذمة وديعة باعتبار أن سببها كذلك، والمجاز يصار إليه بالقرينة " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرنا.

[ 70 ]

* (أما لو قال: " لك في ذمتي ألف وهذه التي أقررت بها كانت وديعة " لم يقبل) * كما في القواعد والارشاد والتلخيص والحواشي والمسالك على ما حكي عن بعضها، وعن المبسوط أنه قواه، وفي جامع المقاصد أنه أولى، ولعله * (ل‍) * ما اشتهر بينهم من تعليل ذلك ب‍ * (أن ما في الذمة لا يكون وديعة) *. * (و) * منه يعلم أن هذه * (ليست ك‍) * المسألة * (الاولى ولا كالوسطى) * بل في المسالك " الفرق بينهما واضح، أما الاولى فلانه لم يصرح فيها بكون المقر به في الذمة فلا ينافي كونه وديعة ابتداء. وأما الثانية فانه وإن صرح بكونها في الذمة المنافي لكونها وديعة إلا أنه ادعى أن الذي أحضره بدلها لا عينها، فرفع التنافي بتأويله. وأما الثالثة فقد جمع فيها بين وصفها بكونها في الذمة وكونها وديعة من غير تأويل، فلهذا لم يسمع المجاز وإن كان ممكنا هنا، بأن تكون قد تلفت بعد الاقرار والذي أحضره بدلها وأطلق عليه الوديعة باعتبار كونه عوضا ومسببا عنها، إلا أنه لما لم يدع المجاز لم يكن عن الحقيقة صارف، ولو صرف عنها بمجرد تمحل المجاز من غير أن يدعي لم يحكم بشئ من الحقائق أصلا، فما قيل هنا - من توجيه القبول أيضا كالسابقة في احتمال المجاز - واه جدا كما لا يخفى ". وكأنه عرض بذلك إلى الشهيد في الدروس، لانه قال: " ولو قال: لك في ذمتي ألف ثم أحضرها وقال: هي وديعة فادعى المقر له التغاير ففيه وجهان مرتبان، أولى بالمنع، لان " علي " مشتركة بين العين والذمة، بخلاف الذمة، فانها لا تستعمل في العين، والوجه المساواة، لان تسليمها واجب في الذمة، ولان المجاز ممكن، واستعماله مشهور مع اعتضاده بالاصل المقطوع به، وهو براءة الذمة، ولان التفريط يجعلها في الذمة وإن كانت عينها باقية ". وفي جامع المقاصد " لا يخفى أنه إن كان المشار إليه بقوله وهذه هو الالف الذي قال إنه في الذمة لم يلزمه سوى ما أقر به إذا لم يفسر بشئ آخر، ولو سلمنا أن ما في الذمة ينافي التفسير بالوديعة على كل حال فغاية ما يلزمه أن يكون

[ 71 ]

وقد وصف المقر به بوصف يمنع ثبوت مثله، وإن كان المشار إليه بهذه شيئا غير مذكور، بل هو مقدر، بأن أحضر ألفا، وقال: هذه التي أقررت بها إلى آخره فهنا يتجه وجوب ألف اخرى، وعدم قبول قوله في أن المقر به هو ما أحضره وجهان كالمسألة السابقة، لكن عدم القبول هنا أولى، لان ما في الذمة لا يكون وديعة - ثم قال -: ليس ببعيد القبول، لان قوله: " كانت وديعة " لا ينافي تجدد ثبوتها في الذمة بتلف قارنه الضمان، وغاية ما يلزم ارتكاب المجاز في حكمه بأن المأتي به كان وديعة، فان الوديعة حقيقة التالف، والمأتي بدله، ولا محذور في المجاز إذا دل عليه دليل، خصوصا إذا كان شائعا في الاستعمال ". وفي مجمع البرهان بعد أن ذكر أن ظاهر العبارت الالتزام بالعين قال: " وفيه تأمل، لما قد تقدم من أنه يصح إطلاق كون " علي " على الوديعة، وهو مثل " في ذمتي " لان ظاهر " له علي " ذلك، وإن سلم الفرق وظهور كون " في ذمتي " في غير الوديعة فليس ببعيد إطلاقه عليها، فيحمل عليه للضابطة المتقدمة، وكذا يصح إطلاق ما في الذمة على الحاضرة، وهو متعارف، إما بالمعنى المتقدم، أي باعتبار ما يؤول إليه بالتلف مع التفريط أو بغيره فينبغي القبول هنا أيضا، للضابطة، إذ لم يكن خلاف الاجماع فتأمل ". قلت: وقد تكرر منا غير مرة أن الاقرار من الاخبار الذي وقت حاجته وجوده، فلا يقبل فيه تأخير قرينة المجاز، فلا يخرج بذلك عن الكذب ولا عن الالتزام بمقتضى الاقرار، نعم إذا كان متصلا على نحو غيره من قرائن المجاز قبل، من غير فرق في ذلك بين دعواه وعدمه. ولا ريب في أن مقتضى الحقيقة في قوله: " لك ألف في ذمتي " ثبوت نفس المال في الذمة، وليس هو نحو " على " كما اعترف به في الدروس، حينئذ قوله منفصلا: " وهذه التي أقررت بها كانت وديعة " وقد أحضرها بعينها وادعى أنها هي المراد بما أقر به من كونها في ذمته لا غيرها لم يقبل، لانه من المجاز المنفصل، حتى لو استعد سبب ضمانه لها بالتعدي أو التفريط فانه لا يصدق حقيقة أنها في ذمته

[ 72 ]

قبل التلف. نعم لو قال ثم قال ولو منفصلا: " وهذه - مشيرا إلى الالف التي أقر بها - كانت وديعة " ولم يعترف بما أحضره أنه عينها لم يلتزم بالعين، ضرورة عدم اقتضاء قوله: " كانت وديعة " زيادة على الاقرار بأنها في ذمته، إذ يمكن كونها وديعة في الاصل، وقد تلفت بتعد أو تفريط فاشتغلت ذمته بمثلها وهى التي أقر بها، فهو في الحكم مساو لما لو قال: " له ألف في ذمتي وقد كانت وديعة وتلفت وهذه بدلها " الذي قلنا إنه مطابق لما أقر به، أقصاه أنه تفصيل لكيفية ما ثبت في ذمته، لا زيادة على ما أقر به، فلابد من حمل عبارة المصنف وما شابهها على الصورة الاولى لا الاخيرة. وبذلك يظهر لك النظر في الكلمات السابقة، وخصوصا ما في جامع المقاصد مما ذكره على التقدير الثاني، أما دعوى الاتحاد على التقدير الاولى فهو جيد، ضرورة أن أقصاه بقوله أخيرا: " هذه - مشيرا إلى الالف التى أقر بها أنها - وديعة " فهو إما غالط بوصف ما في الذمة بالوديعة، أو أن المراد كونها وديعة في الاصل ثم صارت في الذمة. وعلى كل حال هي ألف واحدة إذا لم يشر إلى وديعة حاضرة عنده، وهو التقدير الثاني. * (ولو قال: " له على ألف " ودفعها) * أو لم يدفعها كما هو مقتضى إطلاق محكى المبسوط والغنية والتذكرة * (و) * على كل حال ثم * (قال) * منفصلا عن الاقرار السابق: * (كانت) * الالف التى أقررت بأنها له على * (وديعة وكنت أظنها باقية فبانت تالفة) * قبل الاقرار من غير تعد ولا تفريط * (لم يقبل) * بلا خلاف أجده * (لانه مكذب لاقراره) * السابق الذي كان مقتضاه وجودها وأنها له عليه حتى لو أقام البينة بذلك، لاشتراط حجيتها له بعدم تكذيبه لها، نعم لو قال: " بانت تالفة بوجه يكون ضمانها عليه " قبل، لموافقته حينئذ لاقراره الاول، هذا.

[ 73 ]

ولكن في المسالك " لو قيل بقبول قوله أيضا كما في السابقة كان وجها، بل هنا أولى، لان قوله كان مبنيا على الظاهر من أنها موجودة يجب عليه حفظها وكونها عنده كما سبق، إنما ظهر بعد الاقرار تلفها قبله، فلا منافاة بين كلاميه إلا على تقدير تفسير " على " بكونها في الذمة، ولعل إطلاقهم ذلك بناء على أن الظاهر من " على " هو هذا المعنى لا مجرد وجوب الحفظ، وذلك المعنى لو سلم كونه مجازا فقد سمع منه دعوى المجاز فيما سبق ". وفيه أن دعواه التلف قبل الاقرار مناف لقوله: " على " بجميع معانيه الحقيقة والمجازية، ضرورة أنها مع تلفها بغير تفريط ليس عليه حفظها ولا التخلية بينها وبين مالكها فضلا عن دخولها في عهدته، وكون إقراره مبنيا على الظاهر لا ينافي الاخذ منه تعبدا من هذه الجهة، كما هو واضح. إنما الكلام في قوله كمحكى المبسوط والغنية وغيرهما: * (أما لو ادعى تلفها بعد الاقرار قبل) * معللين له بعدم التنافي بين إقراره الاول والتلف بعده، وظاهره القبول بغير بينة، ووجهه أن قوله: " علي " مشترك بين الالتزام بها وغيره، والدعوى الاولى غير منافية له، ولكن في القواعد " قبل بالبينة " ومقتضاه عدم السماع بدونها، كما أن مقتضاه عدم السماع في السابق حتى مع البينة، ووجه الثاني قد عرفته مما قدمناه، أما الاول فلعل وجهه أن ظاهر قوله الاول الالتزام بها إما لتفلها مضمونة أو لدخولها في عهدته، فقوله الاخير مناف، فلا يسمع منه إلا بالبينة. وفيه أن البينة على تلفها بعد الاقرار لا يرفع ضمانه المستفاد من إقراره الاول، اللهم إلا أن يكون قوله: " علي " أعم من الالتزام ومن وجوب الحفظ والتخلية ونحوهما من الحقوق التى لا يقتضى الثبوت في الذمة. ولكن فيه أنه إذا فرض سماع ذلك منه كفى مجرد دعواه التلف بعد الاقرار بيمينه، ولعله لذا في الدروس بعد أن جعل العنوان " لك في ذمتي " قال: " ولو قال: كانت وديعة أظن بقاءها وقد تبين لى تلفها لا بتفريط بلا ضمان علي فان عللنا

[ 74 ]

باحتمال التجوز صدق بيمينه، وإن عللنا باحتمال التفريط اغرم " وإن كان فيه مناقشة من حيث التفصيل بين التلف قبل الاقرار وبعده وبأن محل البحث لو قال: " علي " لا " لك في ذمتي ". إلا أنه على كل حال يعرف منه ما في المناقشة فيما ذكروه من التعليل في المسألة السابقة من احتمال الدخول في العهدة ووجوب الحفظ والتخلية، ونحو ذلك التى مثلها يجئ في المقام لو ادعى التلف بعد الاقرار، مضافا إلى إمكان الفرق بينها بالنسبة إلى اللفظ المزبور من حيث الحقيقة والمجاز اللذين قد عرفت تفاوت قبول تفسير الاقرار مع الانفصال بتفاوتها. المسألة * (التاسعة:) * * (إذا قال: له في هذه الدار) * مثلا * (مائة قبل) * بلا خلاف أجده بين من تعرض له من الشيخ والفاضلين والشهيدين والكركي وغيرهم وإن فرضوا المثال في العبد الذي يقبل فيه التفسير بأرش الجناية، لعموم أدلة الاقرار، إلا أنه لما كان المقر به من غير جنس الدار صار الاقرار مجملا لاحتماله وجوها * (و) * قد عرفت سابقا أنه إذا أقر بمبهم * (رجع في تفسير الكيفية إليه) * على نحو ما سمعته في الاقرار بالمبهم. وحينئذ فان فسره بجزء منها قيمته مأة الذي هو أحد محتملات اللفظ قبل وصار المقر له شريكا بنسبة ذلك الجزء، وكذا يقبل إن فسره بجزء يقصر قيمته عن مأة على معنى أنه اشتراه بذلك، بل في المسالك " وإن قال: إنه دفع في ثمنها مائة وهو اشتراها لنفسه كانت قرضا عليه " ونحوه ما في القواعد ومحكى المبسوط والتذكرة والتحرير والدروس وجامع المقاصد في العبد الذي فرضوه مثلا في المسألة.

[ 75 ]

لكن قد يناقش بأن ذلك ليس من محتملات اللفظ، فيها أيضا " وإن قال: إن المقر له نقد في ثمنها لنفسه مأة سئل ثانيا عن مجموع ثمنه، وهل وزن هو شيئا أم لا ؟ فان قال: الثمن مأة ولم أزن فيه شيئا كان إقرارا له بالدار " وقد يناقش بنحو ما سمعت أيضا. نعم إن قال: إنه وزن أيضا سئل عن كيفية الشراء هل كان دفعة أو على التعاقب ؟ فان قال: دفعة وأخبر أنه وزن مائة أيضا فهى بينهما نصفان، وإن قال: إنه وزن مأتين فللمقر له ثللها، وهكذا. سواء كانت القيمة مطابقة لذلك أم لا. وإن أخبر أنهما اشترياها بعقدين رجع إليه في مقدار كل جزء، وقبل ما يفسره، حتى لو قال: إنه اشترى تسعة أعشارها بمأة والمقر له اشترى عشرها بمأة قبل لانه محتمل، سواء وافق في ذلك القيمة أو لا بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى عن مالك، نعم عن التذكرة تقييد قبوله باليمين، وفيه أنه كغيره من صور التفسير إذا أنكر المقر له. وإن قال: أردت أوصى لله بمأة من ثمنها قبل، وبيعت ودفع إليه من ثمنها المأة، حتى لو أراد أن يعطيه المائة من غير ثمنها لم يكن له ذلك إلا برضاه، لانه استحق ألفا من ثمنها، فوجب البيع في حقه إلا أن يرضى بتركه، بلا خلاف أجده بين من تعرض له من الكتب السابقة، نعم الظاهر أن مرادهم مع احتمال الثلث. وإن فسره بأنه دفع إليه مائة ليشتريها له ففعل ففى المسالك " فهو إقرار له بها " أجمع وفيه المناقشة السابقة، وإن فسره بأنها رهن عنده على المأة ففى قبوله وجهان: من أن ظاهر الاقرار كون الدار محلا للالف، ومحل الدين الذمة لا المرهون الذي هو وثيقة له، ومن أن له تعلقا ظاهرا بالمرهون، وعن المبسوط أنه الصحيح، والتحرير أنه الوجه، والتذكرة أنه أقوى، وجامع المقاصد فيه قوة، وجزم به الفاضل في القواعد. هذا كله مع تصديقه إياه * (فان أنكر) * أي * (المقر له شيئا من تفسيره

[ 76 ]

كان القول قول المقر مع يمينه) * حيث يكون اللفظ قابلا له، لانه أعم بما أراد ولاصالة براءة ذمته مما سوى ذلك. المسألة * (العاشرة:) * * (إذا قال: له في ميراث أبى أو من ميراث أبي مائة) * مثلا * (كان إقرارا) * بلا تناقض عند المشهور، لان المراد تركة أبيه، وقد يكون استحق ذلك بوصية أو دين أو نحوهما من المتعلقات التى يكون في التركة. * (و) * أما * (لو قال: في ميراثي من أبى أو من ميراثي من أبى لم يكن إقرارا) * على المشهور بين الاصحاب * (وكان كالوعد بالهبة) *. * (وكذا لو قال: " له ألف من هذه الدار " صح) * إقرارا بلا تناقض * (و) * أما * (لو قال: " من داري " لم يقبل) *. * (و) * كذا * (لو قال: له في مالى ألف) * ونحو ذلك * (لم يقبل) * للتناقض بين ظهور إضافته إليه المقتضية له ملكا حال الاقرار وبين كونه ملكا سابقا للغير متصلا إلى حين الاقرار، ومن المعلوم عدم كون الشئ الواحد مملوكا لشخصين في زمان واحد. * (ومن الناس) * القائلين بعدم صحة الاقرار مع الاضافة * (ومن فرق بين " له في مالى " وبين " له في داري ") * فجعله إقرارا في الاول بلا تناقض بخلاف الثاني، وذلك * (ب‍) * سبب * (أن بعض الدار لا تسمى دارا) * لانها اسم للمجموع، فإذا قال: " لفلان بعض داري " لم يقبل، لان الباقي على ملكه لا يسمى دارا * (و) * أما * (بعض المال) * فانه * (يسمى مالا) * فإذا قال مثلا: " له في مالى مائة " صح إقرارا، لان الفاضل يسمى مالا. ومن هذا يظهر أنه لا فرق عند هذا القائل بين قوله: " داري لفلان " و " مالى

[ 77 ]

لفلان " لانه استغرق بالاقرار الجميع، فلم يبق مع الاقرار ما يصحح الاضافة إلى نفسه فيهما، وإنما يفرق بينهما حيث يقر ببعض المال والدار، وهو كما ترى ليس بشئ. كالفرق من بعضهم بين " من ميراث أبى " و " في ميراث أبى " في جعل " في " إقرارا دون " من " محتجا بأن " في " تقتضي كون مال المقر ظرفا لمال المقر له بخلاف " من " المقتضية للفصل وللتبعيض الظاهرين في الوعد بأنه يقطع له شيئا من ماله، إذ هو مجرد دعوى بلا شاهد. نعم في المختلف الخلاف في أصل المسألة، فصحح الاقرار في الامثلة المزبورة جمعيها، للاكتفاء في الاضافة بأدنى ملابسة التى هي إن لم تكن من أفراد الحقيقة فلا ريب في أنها من المجاز المشهور، بل قد يدعى هنا أنه المنساق منها عرفا، ولان الاضافة قد تكون للملك وقد تكون للتخصيص، ولما امتنع الحمل على الاول الاستناد الملك المصرح به باللام إلى غيره حمل على الثاني، لوجود القرينة الصارفة للفظ عن أحد محامله إلى غيره مما دلت عليه، ولا يحكم ببطلان الثاني المصرح به للاحتمال في الاول. وتبعه على ذلك الكركي، بل مال إليه أيضا ثانى الشهيدين، بل حكاه هو أيضا عن أولهما وإن لم نتحققه وعلى كل حال فحجتهم ما سمعت. مضافا إلى أن ذلك إن اقتضى التناقض فليقتضه أيضا فيما ذكر، وأنه لا تناقض فيه بين قوله: له في ميراث أبى أو منه، لان ما كان ميراثا لاب المقر ملك له أو على حكم مال الميت مع الدين، وعلى كل تقدير فليس ملكا للمدين وإن اقتضى الاقرار المذكور كونه ملكا له. ودعوى إرادة الاستحقاق لا الملك مخالفة للظاهر بل وللوضع اللغوي والشهرة في الاستعمال العرفي، ولان جاز مثله فيه فجواز نحوه في المسألة المزبورة أولى.

[ 78 ]

* (و) * كذا ما قالوه من أنه لا تناقض فيها * (لو قال: في هذه المسائل: " بحق واجب " أو " بسبب صحيح " أو ما يجرى مجراه صح في الجميع) * إقرارا بلا خلاف فيه بينهم باعتبار كون ذلك قرينة على إرادة الاضافة بأدنى ملابسة، فانه إذا جعل ذلك قرينة على العدول على الظاهر في قوله: " في داري " فصحة الاقرار وإخراج الكلام عن التناقض قرينة عليه أيضا، إذ أقصاه أنه آكد وإلا فهو من حيث نفسه لا يرفع التناقض، بل يزيده ويؤكده. هذا، ولكن يظهر لى خلو هذا البحث عن الثمرة المعتدة بها، بل هو أشبه شئ بالنزاع اللفظى، ضرورة أنه لا كلام ولا بحث في صحته إقرارا على فرض الفهم منه عرفا على وجه يلحق بالحقائق العرفية للهيئة التركيبية بحيث يعد التفسير بما ينافيه منفصلا رجوعا عن الاقرار إلى الانكار، أما مع فرض عدم ذلك ولو بأن يكون من قسم المنساق منه المعنى إن لم يفسر بما ينافيه فقد عرفت قبول التفسير فيه ولو منفصلا. كما لا يخفى عليك أنه مع الرجوع إلى حقيقة اللفظ من حيث هي واضح التناقض، ضرورة مجازية الاضافة بأدنى ملابسة، بل لا ريب في اشتراك قوله مثلا: داري أو عبدي لزيد بين الوعد وإنشاء التمليك، بل لعل مراعاة الحقيقة في الاضافة يقتضى أحدهما وإلا كان تناقضا لو أريد منه بالاقرار، ضرورة رجوعه إلى أن ما هو ملك لى الان لزيد. ودعوى وجوب صون كلام العقلاء عن مثله - بعد تسليمها، لامكان إرادة اللافظ ذلك إفسادا للاقرار، إذ هو من مقاصد العقلاء، وقد تدعو الحاجة إليه تخلصا أو غيره - لا ينحصر علاجها في التنزيل على الاقرار بجعل الاضافة بأدنى ملابسة، وجعل اللام على حقيقتها، بل يمكن جعل اللام للعاقبة أو نحو ذلك مما لا يكون معه إقرارا، بل وعدا وغيره وإن كان مجازا ولا أقل من الشك، والاصل براءة الذمة مما يترتب على كونه إقرارا. وكان مقصودا لاصحاب ذلك كما يومئ إليه تصريحهم بتنزيله على الاقرار

[ 79 ]

لو ضم إليه ما يدل عليه من قوله: " بسبب صحيح " أو " بحق لازم " أو نحو ذلك مما يدل على كونه مستحقا له سابقا بسبب من الاسباب الصحيحة، فيكون حينئذ من القرائن الصارفة والمعينة، بخلاف ما إذا لم يضم إليه شئ من ذلك، فان أقصاه تعين أفراد المجاز بلا قرينة معينة، وحينئذ يكون كالمشترك ونحوه مما لم يعلم كونه إقرارا، وقد عرفت التمسك في نفيه بأصل البراءة ونحوه، وبذلك ظهر لك الوجه في المسألة بحذافيرها. * (المقصد الثالث) * * (في الاقرار المستفاد من الجواب) * * (فلو قال: " لي عليك ألف " فقال: رددتها) * أو قيمتها * (أو أقبضتها) * أو أبرأتني منها * (كان إقرارا) * بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر التذكرة أنه موضع وفاق، والكفاية نسبته إلى قطع الاصحاب، بل لا إشكال فيه، ضرورة اقتضاء الرد والابراء الاعتراف بما ادعاه المدعي عليه، بل هما فرع الثبوت والاستحقاق ولازمها، فادعاؤهما يستدعى ثبوت الملزوم، والاصل عدم ثبوت اللازم، وحينئذ فهو مقر ومدع نحو ما لو قال: " كان له علي دين ألف وقضيت منه خمسمائة " الذي لا خلاف في أنه لا يقبل في القضاء فيه إلا ببينته، وهو واضح. وكذا دعوى قضيتها في جواب " لي عليك ألف " فانه ظاهر ولو من حيث كون الجواب مشتملا على الضمير الراجع إلى ما في كلام المدعي في أن ذلك لك علي * (و) * لكن قضيتها. نعم * (لو قال: زنها) * أو أنقدها أو خذها أوزن أو خذ * (لم يكن إقرارا) *

[ 80 ]

بلا خلاف أجده، لعدم صدق الاقرار على مثله عرفا، خصوصا بعد قوة احتمال الاستهزاء في مثل ذلك، نحو " حل كيسك " أو " هي ميراثك " ونحوهما مما يستعمل في التهكم والاستهزاء في جواب الدعوى، بل ربما كان اللفظ صريحا في التصديق ولكن تنضم إليه قرائن تخرجه عن موضوعه إلى الاستهزاء، نحو قوله: " صدقت وبررت " مع تحريك الرأس الدال على شدة التعجب والانكار وغيرهما مما يستعمل في العرف كثيرا، والغرض أن هذه الالفاظ مع عدم القرائن لا تدل على الاقرار والاعتراف بما ادعاه، وإشعار الحال إذا لم يكن من دلالة لفظ لا يترتب عليه حكم الاقرار الذي قد عرفت. * (ولو قال: نعم أو أجل أو بلى كان إقرارا) * بلا خلاف أجده، بل ولا إشكال، لان قوله: " لي عليك ألف " إن كان خبرا فنعم حرف تصديق له، وإن كان استفهاما بحذف أداته فهي بعده للاثبات والاعلام، كما أن " لا " لنفيه و " أجل " مثلها، بل " بلى " عرفا كذلك، فتقع جوابا للخبر المثبت على إرادة إثباته نحو " نعم " وإن كان لغة لابطال النفي، فلا يجاب بها الاثبات وإن قدر استفهاما محذوف الاداة فهي تأتي لجوابه أيضا وإن كان قليلا لغة نحو قول النبي صلى الله عليه واله (1): " أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا: بلى " لكنه في العرف كثير، والمدار في الاقرار الان عليه، بل لو قلنا بأن استعمالها في الاثبات غلط ولكن يترتب عليه حكم الاقرار وإن كان غلطا، بمعنى خروجه عن القانون اللغوي، كما هو واضح. * (ولو قال: أنا مقر به) * أو بما تدعيه أو بدعواك أو بما أدعيت أو نحو ذلك * (لزمه) * مقتضى الاقرار به. * (ولو قال: أنا مقر واقتصر لم يلزمه، لتطرق الاحتمال) * على المشهور في الاول، للتبادر عرفا خلافا لمحكي التذكرة والدروس وغيرهما، فلا يكون إقرارا


(1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 573 الطبعة الاولى بمصر.

[ 81 ]

حتى يقول: إنه مقر به لك، لانه وإن كان ظاهرا في الاقرار إلا أنه لا ظهور فيه في الاقرار للمخاطب، لجواز إرادة الاقرار للغير، ولتصادم الوجهين وأصالة عدم الاقرار توقف فيه جماعة: منهم الفخر والاردبيلي وغيرهما. وفيه أن الضمير عائد إلى الالف في عبارة المقر له التي هي الدعوى، مؤيدا بصون الكلان عن الهذر والعبث والسفه، ضرورة تحققها لو أجاب مثلا بأني مقر بأن الزكاة مثلا واجبة، ولو أن الاحتمال كائنا ما كان كان معتبرا لكان موجودا حتى لو قال: " لك " لان " مقرا " اسم فاعل يحتمل الحال والاستقبال، فيكون وعدا، كما لو قال: " أقر لك " لكن من الواضح عدم العبرة فيه عرفا، فكذا المفروض. بل في المسالك " مع أنه قد قيل: إن قوله: " اقر به لك " إقرار أيضا لان قرينة الخصومة وتوجه الطلب يشعر بالتنجيز ". قلت: ظاهر جامع المقاصد عدم كونه إقرارا نعم فيه وفي القواعد بل قيل يلوح من التذكرة والدروس التصريح بأن الاقرار بالاقرار إقرار، معللا بعضهم ذلك بأن الاقرار إخبار جازم بحق سابق، والاقرار حق أو في معنى الحق، لثبوت الحق به، فيندرج في عموم " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ": (1) وظاهرهم إرادة الاقرار بأنه لك سابقا لا أنه يقر به فيما يأتي إذ هو وعد. أللهم إلا أن يقال: إنه بقرينة كونه جوابا لقوله: " لي عليك ألف " يفهم منه الاعتراف بالحق فعلا ولكن وعد بالاخبار به فيما يأتي، وكذا الكلام في قوله: جوابا: " لست منكرا له " كما صرح به غير واحد وإن استشكل فيه في محكي التحرير، واحتمل عدمه جماعة: منهم الشهيدان في الدروس والروضة، لاحتمال السكوت المتوسط بين الاقرار والانكار، فيكون حينئذ عدم الانكار أعم من الاقرار وأيضا الاصل عدمه.


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 82 ]

لكن لا يكاد ينكر تبادر الاقرار من مثله عرفا، ولا ينافيه صحة قوله: " لا انكره ولا اقر به " لغة وعرفا، إذا الكلام في قول: " لست منكرا له " نعم صرح غير واحد بعدم كونه إقرارا لو اقتصر على قوله: " لست منكرا " من دون ضم " له " مع أنه لا يخلو من إشكال، كالاشكال فيما حكي عن التذكرة من أنه لو قال: " لا انكر أن تكون محقا " لم يكن إقرارا، لجواز أن يريد في شئ آخر فتأمل. بل لو لا فتوى المصنف ومن تأخر عنه في ما لو اقتصر على قول " أنا مقر " بأنه لم يكن إقرارا لامكن الاشكال فيه بظهوره عرفا في مقام الجواب في الاقرار، خصوصا بعد قوله تعالى (1): " أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ؟ قالوا: أقررنا " وقوله (2): " فاشهدوا " وإن كان في نفسه محتملا للاقرار بغير ذلك. * (ولو قال: اشتريت مني أو استوهبت مني فقال: نعم فهو إقرار) * بالشراء منه أو الهبة كذلك، فيترتب على كل منهما حكمه من المطالبة بالثمن، وكونه ملكا بالاصل للبائع والواهب، وجواز الرجوع لو كان في البيع خيار، أو كان يجوز الرجوع بالهبة أو ظهر بطلانهما أو غير ذلك. ولو قال: " اشتر مني أو اتهب " فقال: " نعم " فهو إقرار على ما صرح به الفاضل والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم وظاهرهم إنه إقرار بالملكية، لان وعده بالشراء منه يقتضي ذلك، إذا البيع الصحيح لا يصدر عن غير مالك، لكن قد يشكل ذلك كله بأنه أعم من الاعتراف له بالملكية له، ضرورة احتمال التوكيل وغيره، ودعوى أن إقراره بذلك يقتضي الاقرار باليد المقتضية للملكية مع أن الاصل عدم التوكيل كما ترى. ولعله لذا فرق في محكي التذكرة بين أن يقول: " اشتر مني عبدى هذا "


(1 و 2) سورة آل عمران: 3 - الاية 81.

[ 83 ]

فيقول: " نعم " وبين أن يقول: " اشتر هذا العبد " فيقول: " نعم " لظهور الاول في الاقرار بالملكية بخلاف الثاني، فانه ظاهر في ملكية البيع لا المبيع. بل عن بعض الجزم بعدم كونه إقرارا بالملكية، ولا أقل من الشك، والاصل العدم. * (ولو قال: " أليس لي عليك كذا " فقال: " بلى " كان إقرارا) * بلا خلاف ولا إشكال، لان " بلى " أصلها " بل " زيدت عليها الالف، فهي رد لقوله: " ليس عليك " الذي دخل عليه حروف الاستفهام ونفى له، ونفي النفي إثبات، فيكون إقرارا، وهذا معنى قوله في المسالك: " إن " بلى " مختصة بالنفي لغة ومبطلة له، سواء كان مجردا، نحو " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل: بلى وربى " (1) أم مقرونا بالاستفهام حقيقة، نحو " أليس زيد بقائم " فتقول " بلى " أو تقريرا نحو " ألم يأتكم نذير ؟ قالوا: بلى " (2) " ألست بربكم قالوا: بلى " (3) إجراء للنفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى، ولذا حكى عن ابن عباس (4) بل في في غاية المراد حكايته عن إطباق العلماء والمفسرين أنه لو قالوا: نعم كفروا " ولعله لان " نعم " تصديق للخبر نفيا كان أو إثباتا. * (و) * من هنا قال غير واحد في المفروض * (لو قال: " نعم " لم يكن إقرارا) * بل نسب إلى الشيخ وأكثر الاصحاب، كما عن الايضاح وغيره وإن كنا لم نتحققه، بل عن الشيخ أيضا نسبته إلى الفقهاء، لانه حينئذ تصديق للنفي لا إثبات للخبر وإبطال للنفي، كما سمعته في " بلى ". * (و) * لكن مع ذلك * (فيه تردد من حيث يستعمل فيه الامران) * أي " نعم " و " بلى " في ذلك * (استعمالا ظاهرا) * في العرف الذي هو مقدم على اللغة،


(1) سورة التغابن: 64 - الاية 7 (2) سورة الملك: 67 - الاية 8 و 9. (3) سورة الاعراف: 7 - الاية 172. (4) تفسير روح المعاني ج 9 ص 101.

[ 84 ]

بل عن جماعة من أهل العربية منهم ابن هشام أنها كذلك لغة، وحكاه في المغني عن سيبويه، بل قال: نازع السهيلي وغيره في المحكي عن ابن عباس وغيره في الاية (1) متمسكين بأن الاستفهام التقريري خبر موجب، وكذلك منع سيبويه من جعل " أم " متصلة في قوله تعالى (2)، " أفلا تبصرون * أم أنا خير " لانها تقع بعد الايجاب، وإذا ثبت أن الاستفهام التقريري إيجاب فنعم بعده تصديق له، واستشهد على ورودها لغة في جواب الاستفهام التقريري بقول الانصار للنبي صلى الله عليه واله وقد قال لهم: " ألستم ترون ذلك لهم ": " نعم " وبقول الشاعر: أليس الليل يجمع ام عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علاني وفي المسالك " وحينئذ فالحكم بكونه إقرارا قوي وعليه أكثر المتأخرين ". قلت: لا يخفى عليك أن أقصا ما في هذه الشواهد صحة قيام " نعم " مقام " بلى " في إفادة الاثبات، وهو لا يجدي في الحكم بكون ذلك إقرارا، نعم لو ثبت أنها في العرف كذلك على وجه لا يراد منها التصديق ولو استعملت فيه كانت مجازا نحو " بلى " ترتب عليها حكم الاقرار، وهو إن كان ظاهر الابى في كشف الرموز لكن دون ثبوته خرط القتاد، ولا أقل من الشك، والاصل عدم الاقرار. بقي الكلام في شئ وهو أن ظاهر ترتب حكم الاقرار على الدلالات اللفظيه وإن كانت ظنية، من غير فرق في ذلك بين الحقائق والمجازات، واحتمال قصره على الاول لا دليل عليه، ضرورة عموم الدليل الدال على الحجية من غير فرق بين الاقرار وغيره، وما اشتهر بين الاصحاب من أن القاعدة في الاقرار الاقتصار على


(1) سورة الاعراف: 7 - الاية 172. (2) سورة الزخرف: 43 - الاية 51 و 52.

[ 85 ]

المتيقن إنما المراد به غير ما كان من دلالة الالفاظ التي هي حجة في غيره، نعم قد تكرر منا قبول التفسير بالمنافي فيما كان يظهر من السياق ونحوه مقيدا بما إذا لم يتعقبه التفسير بالمنافي، وإلا فإذا وصل في الظهور إلى حد يعد تفسيره بالمنافي منفصلا من الانكار بعد الاقرار لا يسمع أيضا. * (المقصد الرابع) * * (في صيغ الاستثناء) * الذي لا خلاف عندنا في جريانه في الاقرار، بل الاجماع بقسيمه عليه، بل وعند غيرنا عدا ما يحكى عن مالك، فمنعه فيه، ولا ريب في فساده، نعم يعتبر فيه عندنا الاتصال العادي بالمعنى الذي يصح في الاستعمال عادة، خلافا للمحكي عن ابن عباس، فجوزه إلى شهر، وحمل على قبول خبره به إلى تلك المدة وإن كان هو كما تراه أيضا، وحكاه في الرياض عن ابن إدريس ولم نتحققه. * (و) * على كل حال ف‍ * (قواعده) * كثيرة قد ذكر منها جملة في الاصول، ولكن اقتصر المصنف منها هنا على * (ثلاثة) *:

[ 86 ]

* (الاولى:) * * (الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي إثبات) * بلا خلاف معتد به بين الخاصة والعامة أجده في الاول، بل استفاض نسبته إلى جميع علماء الاسلام، نعم عن بعض الاصولين حكاية الخلاف فيه عن الحنفية، مع أنه حكى عنهم القول بالنفي في " له علي عشرة إلا ثلاثة " وإن أمكن أن يكون ذلك عندهم لاصل البراءة لا للاستثناء، لكنه على كل حال واضح الفساد، بل ولا في الثاني من غير أبي حنيفة، والبداهة تشهد بخلافه، ضرورة كونه كالاول كما حرر في محله. * (الثانية:) * * (الاستثناء من الجنس جائز) * إجماعا بقسميه، بل * (ومن غير الجنس) * وإن قال المصنف: * (على تردد) * والفاضل على الاقوى مشعرين بوجود الخلاف فيه بيننا، إلا أنه لم نجده كما اعترف به غيرنا، بل عن القاضي في شرح المختصر لا نعرف خلافا في صحته لغة ووروده في كلام العرب والقرآن، وتأويله بما يرجع إلى المتصل لا مقتضي له، وظاهره نفيه بينهم أيضا. لكن عن الفاضل في التذكرة حكاية منع الاستثناء من غير الجنس عن أبى حنيفة إلا في المكيل والموزون والمعدود بعضها من بعض، وحكى عن محمد بن الحسن وزفر وأحمد بن حنبل عدم جوازه مطلقا بحال، بل عن سعد الدين في شرح الشرح حكايته في الجملة عن الامدي. وكيف كان فلا ريب في ضعفه بل فساده نعم في كونه حقيقة أو مجازا خلاف، والحق الثاني. ثم إن الظاهر إرادة دخول المستثنى في المستثنى منه لو لا الاستثناء من الجنس وعدم دخوله فيه من غير الجنس، حتى لو قال: " قام القوم " وأراد منهم معدودين ليس منهم زيد ثم قال: " إلا زيد " كان من غير الجنس.

[ 87 ]

القاعدة * (الثالثة) * * (يكفي في صحة الاستثناء أن يبقى بعد الاستثناء بقية سواء كانت أقل أو أكثر) * كما صرح به غير واحد، بل في الايضاح نسبته إلى أكثر علمائنا وأكثر الاشاعرة وأكثر الفقهاء وأكثر المتكلمين، بل عن المبسوط والغنية والسرائر جواز استثناء الاكثر بلا خلاف إلا من ابن درستويه النحوي وأحمد بن حنبل، بل في التنقيح نسبته إلى الفقهاء، كما أن في نهاية المرام نسبة المنع إلى شاذ. لكن في الايضاح منع قوم من استثناء الاكثر، ومنع القاضي وأبو بكر والحنابلة من الاستثناء الاكثر والمساوي، وأوجبوا في المستثنى أن يكون أقل، وأوجب أبو الحسين البصري بقاء كثرة تقرب من مدلول اللفظ ونحوه غيره، بل نقل عن الاكثرين المحققين في مسألة منتهى التخصيص بالا أو غيرها اعتبار بقاء جمع وكثره تقرب من مدلول العام. وربما يوهم التنافي بينه وبين ما سمعت من كلامهم هنا، ولكن يمكن دفعه بأن المراد في الاصول بيان الحقيقة ولو للهيئة التركيبية وحينئذ لا ريب في اعتبار بقاء كثرة تقرب من مدلول العام بخلافه في الفقه فان المراد أصل الجواز ولو مجازا، لان المراد في المقام ونحوه الالتزام الذي لا تفاوت فيه بين الحقيقة والمجاز. وكيف كان ف‍ * (التفريع) * * (على القاعدة الاولى أنه إذا قال: " له علي عشرة ") * من الدراهم * (إلا درهما كان إقرارا بتسعة ونفيا للدرهم) * لانه أثبت العشرة ثم نفى عنها بالاستثناء واحدا إذ الفرض أنه استثناء، * (و) * قد عرفت أنه من الاثبات نفي. نعم * (لو قال: إلا درهم) * بالرفع وكان مراده الجريان على القانون

[ 88 ]

العربي * (كان إقرارا بالعشرة) * لانه ليس استثناء حينئذ وإلا لنصب، فلابد من حمل " إلا " فيه على معنى غير التي يوصف بها وبما بعدها ما قبلها، ولما كانت العشرة مرفوعة بالابتداء كان الدرهم صفة للمرفوع فارتفع، وكان المعنى عشرة موصوفة بكونها غير درهم، وحينئذ فقد وصف المقر به ولم يستثن منه شيئا، وأقصاها أنها صفة مؤكدة صالحة للاسقاط، إذ كل عشرة هي درهم نحو نفخة واحدة، كما هو واضح. * (ولو قال: " ماله عندي شئ إلا درهم " كان إقرارا بدرهم) * لانه نفي كل شئ وأثبت الدرهم بالاستثناء الذي هو من النفي إثبات. * (وكذا لو قال: ماله عندي عشرة إلا درهم) * بالرفع الدال على أنه استثناء من المنفي التام * (كان إقرارا بدرهم) * فيكون إثباتا * (و) * أما * (لو قال: إلا درهما) * بالنصب * (لم يكن إقرارا بشئ) * على المشهور كما في المسالك. قيل: لا لان النصب غير جائز فيه حتى يكون قرينة على جعله استثناء من الموجب بجعل النفي داخلا على المستثنى والمستثنى منه، فكأنه قال: " المقدار الذي هو عشرة إلا درهما ليس له علي "، أي التسعة ليس له علي، فلا يكون إقرارا بشئ، لان اتفاق النحاة على جواز النصب والرفع فيه وإن كان الثاني أكثر، بل لكونه محتملا لذلك وللاستثناء المقتضي للاقرار بدرهم للقاعدة المزبورة، ولا ريب أن الاصل البراءة. وفيه منع العبرة بمثل الاحتمال المزبور بعد أن كان اللفظ ظاهرا في الاستثناء وإلا لانسد باب الاقرار، بل يشك في أصل جوازه، ضرورة عدم الاستثناء فيه حقيقة كي يتجه نصبه حينئذ عليه، لانه الاخراج من الحكم لا من نفس العدد، بل هو أشبه شئ بالتوصيف الذي هو ممنوع هنا للنصب. واحتمال ذكره على الحكاية في جواب من قال: " لي عليك عشرة إلا درهما " لا يتم في الفرض الذي هو ابتداء كلام، كاحتمال خروجه من النسبة الايجابية التي تسلط عليها السلب، ضرورة أن السالب ليس له إلا حكم واحد وهو السلب، كما هو واضح. فلا صحة له إلا على تقدير وتكلف لا يخرج به عن حقيقة الكلام،

[ 89 ]

بحيث لا يغرم المقر. ومن ذلك ينقدح الاشكال فيما ذكروه دفعا للتنافي بين دخول المستثنى في المستثنى منه وخروجه منه، إذ الشئ الواحد لا يكون داخلا خارجا، بل الاولى في دفعه حينئذ أن يقال: إن دخوله في ظاهر اللفظ لا ينافي خروجه في نفس الامر كما حرر في محله، والله العالم. وحينئذ فإذا قال: " ليس له علي عشرة إلا خمسة " التزم بالخمسة سواء وقف أو رفع أو نصب إلا مع القرينة الدالة على إرادة بيان عدم الالتزام بالخمسة التي يعبر عنها بالعشرة إلا خمسة، كما هو واضح، فتأمل جيدا. * (ولو قال: " له خمسة إلا اثنين وإلا واحدا كان إقرارا باثنين) * بلا خلاف ولا إشكال، إذ الضابط في هذه المسائل أنه مع تعدد الاستثناء إن كان متعاطفا أو الثاني مستغرقا لما قبله سواء ساواه أو زاد عنه، كما لو قال: " له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة - أو إلا ثلاثة ". رجع الجميع إلى المستثنى منه، ويكون الاقرار بالباقي وهو الاثنان في الاول والثلاثة أو الاربعة في الثاني، وإن كان الثاني أقل من سابقه ولم يكن معطوفا عليه عاد الثاني إلى متلوه لا إلى الاول. نعم لو استغرق المتعدد الراجع إلى الاول بالتعاطف أو غيره بطل ما حصل به الاستغراق، كما لو قال: " له علي عشرة إلا ستة وإلا خمسة " أو قال: " له علي عشرة إلا ستة إلا سبعة " فيبطل حينئذ الاستثناء الثاني، لانه لا خلاف كما اعترف به غير واحد في بطلان الاستثناء المستغرق بل في الروضة الاتفاق عليه، ولعله قاعدة ثالثة، بل الظاهر عدم حمله على الغلط بل لو ادعاه لم يسمع، نعم لو تعقبه استثناء آخر يزيل استغراقه كما لو قال مثلا له ثلاثة إلا ثلاثة إلا اثنين احتمل البطلان فيهما أيضا، وبطلان الاول خاصة دون الثاني، فيلزمه درهم حينئذ، وصحتهما فيلزمه درهمان، لان ثلاثة إلا درهمين في مقام درهم، وهو المستثنى بعد الاقرار، ولعل الاخير لا يخلو من قوة، بل عن الفخر الجزم به.

[ 90 ]

* (و) * كيف كان فإذا تعدد الاستثناء ولم يتعاطف ولا استغرق الثاني رجع كل تال إلى متلوه، سواء كان قد ابتدأ بالنفي أو بالاثبات وصار الاستثناء الاول مضادا للمستثنى منه في النفي والاثبات. ف‍ * (لو قال:) * له علي * (عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة كان إقرارا بثمانية) * لان العشرة مثبتة والخمسة منفية، فيبقى خمسة والثلاثة مثبتة، فتضاف إلى الخمسة الباقية، فيصير المقر به ثمانية. ولو ابتدأ بالنفي فقال: " ما له علي عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة " فالاقرار باثنين لان الخمسة مثبتة من النفي، والثلاثة منفية من الخمسة، فيبقى المقر به اثنان، ولو قال: " له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية " فهو إقرار بتسعة، ولو عد إلى الواحد فهو إقرار بخمسة. والضابط على ما ذكرناه أن يسقط المستثنى في الاول من المستثنى منه ويجبر الباقي بالثاني، ويسقط الثالث ويجبر بالرابع، وهكذا، أو يسقط جملة المنفي من جملة المثبت بعد جمعهما، فالمقر به هو الباقي، وهو ضابط آخر، بل قد يضبط أيضا بأن تحط الاخير مما يليه ثم باقيه مما يليه، وهكذا إلى الاول، فالمقر به الباقي. وعلى الثلاثة يكون المقر به مع الانتهاء إلى الواحد خمسة، ضرورة أنه على الاخير يحط الواحد من الاثنين يبقى واحد، يحط من الثلاثة يبقى إثنان، يحطان من الاربعة يبقى إثنان أيضا، يحطان من الخمسة يبقى ثلاثة، تحط من الستة يبقى ثلاثة، أيضا، تحط من السبعة تبقى أربعة، تحط من الثمانية تبقى أربعة أيضا، تحط من التسعة تبقى خمسة، وعلى سابقه يكون المثبت ثلاثين، لانه عشرة وثمانية وستة وأربعة وإثنان، والمنفى خمسة وعشرين، لانه تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحد، فإذا أسقطنا جملة المنفي الذي لا إقرار فيه من المثبت الذي فيه الاقرار يكون الباقي خمسة، وأما على ما ذكرناه فكذلك، كما هو واضح.

[ 91 ]

إنما الكلام فيما ذكره جماعة من أنه لو قال متصلا بقوله: " إلا واحدا إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة " إلى تسعة لزمه واحد، وقال في الدروس: " ولو أنه لما وصل الواحد قال: إلا اثنين إلا ثلاثة إلى التسعة لزمه واحد، لانا نضم الازواج إلى الازواج تكون ثمانية وأربعين، والافراد إلى الافراد تكون تسعة وأربعين، فإذا أسقطنا الاول من الثاني بقي واحد ". وفيه (أولا) أن ضم الازواج إلى الازواج يقتضي أن تكون خمسين، لانها في السابق كما عرفت كانت ثلاثين، ويضم إليها الاثنان والاربعة والستة والثمانية، وهي عشرون، والعشرة لا تعد إلا في المرة الاولى، والافراد إذا ضمت إلى الافراد تبلغ تسعة وأربعين، لانها كانت في السابق خمسة وعشرون، ويضم إليها الثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة، وهي أربعة وعشرون، والواحد لا يعد إلا في المرة السابقة، فيكون المجموع تسعة وأربعين، وحينئذ فتسقط الافراد - التي هي منفية لا الازواج المثبتة - من الازواج، يكون الباقي واحدا. و (ثانيا) أن هذا متوقف على معرفة استثناء الاثنين على وجه يكون مثبتا إذ لا يصح أن يكون مستثنى من الواحد الذي يليه للاستغراق، ولا من الاثنين المستثنى منهما الواحد للاستغراق أيضا، ولا من الخمسة الثابتة التي حصل الاقرار بها، لاقتضائه حنيئذ كونهما منفيين لا ثابتين، ولا من الخمسة المنفية، لاقتضاء الاستغراق في قوله بعدهما: " إلا ثلاثة " ضرورة كون الباقي منها بعد إخراج الاثنين ثلاثة، ودعوى خروجها حينئذ من السبعة المثبتة التي حصلت بضم الاثنين إليها يقتضي تعدد المستثنى به في الاستثناء. وبالجملة هو مجمل غير موافق للضوابط إلا مع القرينة التي لا بأس به معها ولو بأن تجعل جملة الازواج مثبتة مستثنى منها، وجملة الافراد منفية مستثناة، ويكون جملة الكلام بمنزلة إقرار واحد بخمسين، مستنثى منه تسعة وأربعون، ويصير جملة الكلام بمنزلة قوله: " له علي عشرة " يخرج منها تسعة، ويضم إليها ثمانية، ويخرج منها سبعة، ويضم إليها ستة، وهكذا من دون نظر إلى استغراق

[ 92 ]

التالي لمتلوه. وهو كما ترى خارج عن عد المفروغ منها عندهم، بل لا يوافق ما ذكره الشهيد أيضا في عكس أصل الفرض بأن قال: " له علي عشرة إلا واحد إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة " وهكذا إلى التسعة، فانه يلزمه واحد، لان الثلاثة الاول كلها منفية من العشرة، لعدم صحة استثناء التالي فيها من متلوه لاستغراقه، فتكون جملة واحدة مستثناة من العشرة منفية فيها، وهي حينئذ يبقى منها أربعة ثم تجبر بالرابع، وهو الاربعة، فتكون ثمانية، وقد انحط بالخامس منها خمسة بقى ثلاثة، فتجبر بالسادس وهو الستة، تكون تسعة، ويحط منها بالسابع سبعة يبقى اثنان، فتجبر بالثامن، وهو الثمانية، ويكون عشرة، ثم يحط منها التسعة يبقى واحد، كما هو مقتضى ضابط ضم الافراد إلى الازواج وإسقاطها منها، والباقي هو المقر به. ضرورة كون الافراد هنا سبعة وعشرين، لانها الستة الاولى المنفية ثم الخمسة ثم السبعة ثم التسعة وهي سبع وعشرون، والازواج المثبتة ثمانية وعشرون، لانها العشرة والاربعة والستة والثمانية، وهي ثمانية وعشرون، فإذا أسقطت الافراد منها يبقى واحد، نعم لا يأتي فيه الضابط الثالث وإن كان هو كما ترى، ضرورة اقتضاء ما ذكرناه من القواعد بطلان الاستثناء الرابع، لعدم صحته من متلوه، واستغراقه لو رجع إلى العشرة، فليس هو حينئذ إلا بالجعل المزبور الذى لا يلائم القواعد المذكورة، فالالزام بمثله مع عدم القرائن الدالة على إرادة ذلك ممنوع خصوصا بعد النظر إلى أصل البراءة ونحوه. * (و) * كيف كان فقد بان كل بما ذكرناه الحال في جميع أطراف المسألة وضوابطها وقواعدها التي منها أنه * (لو كان الاستثناء الاخير بقدر الاول) * أو أزيد * (رجعا جميعا إلى المستثني منه) * لا إلى متلوه للاستغراق. * (كقوله: " عشرة إلا واحدا إلا واحدا " فيسقطان) * معا * (من الجملة الاولى) * كما هو واضح. * (و) * لا فرق عندنا في صحة الاستثناء في الاقرار بين الاعداد والاعيان

[ 93 ]

للعرف، ف‍ * (لو قال: لفلان هذا الثوب إلا ثلثه أو هذه الدار إلا هذا البيت أو) * هذا * (الخاتم إلا هذا الفص صح، وكان كالاستثناء) * من العدد، * (بل أظهر) * منه في النفي والاثبات، خلافا للمحكي عن بعض الشافعية فمنعه، لان الاقرار بالعين نص فيها أجمع، فالاستثناء منها رجوع بعد الاقرار، ولانه غير المعهود، وفيه من المصادرة ما لا يخفى * (وكذا لو قال: " لفلان هذه الدار والبيت لي " أو " الخاتم لفلان والفص لي " إذا اتصل الكلام) * وإن لم يكن من الاستثناء المصطلح إلا أن له حكمه، ضرورة كونه كلاما واحدا متصلا بعضه ببعض على وجه التقييد ونحوه مما لا يكون ما بعده من الانكار بعد الاقرار عرفا، كما هو واضح. * (و) * على كل حال فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه * (لو قال: هذه العبيد لزيد إلا واحدا) * صح عندنا، إذ هو من الابهام في استثناء الاعيان و * (كلف البيان) * كما سمعته في المبهم غير المستثنى، وحينئذ * (فان عين صح ولو أنكر المقر له كان القول قول المقر مع يمينه) * لانه أعلم بنيته وإن امتنع حبس على ما تقدم في الاقرار المبهم. * (وكذا لو مات أحدهم وعين الميت قبل منه) * لانه أبصر، * (ومع المنازعة فالقول قول المقر مع يمينه) * خلافا للمحكي عن بعض العامة، فلم يقبله، للتهمة ولندرة الاتفاق، كما هو واضح الفساد.

[ 94 ]

* (التفريع) * * (على) * القاعدة * (الثانية إذا قال: " له ألف إلا درهما " فان منعنا الاستثناء من غير الجنس) حقيقة أو حقيقة ومجازا * (فهو إقرار بتسعمائة وتسعة وتسعين درهما) * كما في القواعد والتحرير والارشاد والدروس والمسالك وغيرها، لان إخراج الدرهم منها دال على كونها من جنسه، إذ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فالدرهم من أفراد الالف لولا الاستثناء. لكن فيه أن القاعدة المزبورة تقتضي خروج المستثنى من جنسه، وهو أعم من كونه الالف، بل يكفي كونه من جملة الالف دراهم يصح استثناء الدرهم منها، فلا يقبل تفسيرها بالخالية عن الدارهم، ولعله لذا قال في الايضاح: إن الاصح عدم كونها دراهم، بل عن الشهيد في الحواشي الاقوى أنه يؤتى بالتفسير، إذ لا وجه لذلك إلا ما قلناه. نعم قد يقال: إن العرف يفهم من ذلك كون التمييز للالف أجمع الدراهم، وهو إن تم غير القاعدة المزبورة التي فرعوا عليها ذلك على القول بعدم الجواز، كما هو واضح. * (و) * من هنا قال المصنف وغيره ممن تقدم عليه وتأخر عنه: * (إن أجزناه) * أي الاستثناء من غير الجنس حقيقة على أن يكون مشتركا لفظا أو معنى * (كان تفسير الالف إليه) *، لانها مجملة لا يعينها استثناء الدرهم بعد فرض صحته حقيقة من الجنس وغيره، وحينئذ * (فان) * فسرها بالجنس فلا بحث وإن * (فسرها بشئ) * من غيره كالجوز والنبق ونحوهما فان كان * (يصح وضع قيمة الدرهم منه) * ويبقى منه ما يصلح كونه مستثنى منه * (صح) * والزم بما يبقى منه بعد وضع الدرهم، بلا خلاف أجده فيه بينهم * (وإن كان) * الدرهم

[ 95 ]

* (يستوعبه) * بحيث لم يبق مستثنى منه فلا خلاف بينهم أيضا في عدم صحة التفسير. ولكن * (قيل) * والقائل أبو علي فيما حكي عنه: * (لا يبطل الاستثناء) * ويلتزم بما فسره به الالف * (لانه) * بتفسيره يكون قد * (عقب الاقرار بما يبطله،) * إذ التفسير بيان للالف التي أقر بها أولا مبهمة، ووقع الاقرار بها صحيحا، فكان التفسير بها بمنزلتها، وهو إن كان متأخرا إلا أنه في قوة المتقدم، لانه كشف عن حقيقة ما أقر به أولا لا إحداث أمر جديد لم يكن حتى يقال إنه متأخر، وإنما المتأخر الاستثناء، وقد وقع مستغرقا * (فيصح الاقرار ويبطل المبطل) * ويلزمه الالف المفسرة غير المستثنى منها شئ واختاره الفخر والشهيدان والكركي. * (وقيل: لا يبطل) * إقراره الاول بالمستثنى والمستثنى منه، للاصل وعموم " إقرار العقلاء (1) " * (و) * لكن * (يكلف تفسيره بما يبقى منه بقية بعد إخراج قيمة الدرهم) * كغيره من الاقرار بالمبهم إذا فسره أولا بما لا يصح، فانه يلزم بغير ذلك التفسير كالابتداء وإن تكرر ذلك غير مرة، لاتحاد الدليل، ودعوى كونه من تعقيب الاقرار بالمنافي واضحة الفساد، ضرورة أن التفسير ليس ابتداء إقرار، بل هو بيان وكشف للاول، فمع فرض عدم صلاحتيه يطالب بغيره، لا أنه يؤخذ ببعض ويلغى آخر، ولعل هذا لا يخلو من قوة وإن كنا لم نجد قائلا به قبل المصنف، نعم جزم به الفاضل في الارشاد، وجعله الوجه في المختلف، ولا ترجيح في القواعد ومحكي المبسوط والتذكرة والنافع والتحرير وغيرها، والامر في ذلك كله سهل. إنما الاشكال في منافاة ما سمعته بل وما تسمعه بل في المسألة الاتية لما هو معلوم عند أهل العربية من أن الاستثناء المنقطع لا إخراج فيه، وإنما " إلا " فيه بمعنى " لكن " وحاصله بناء على جوازه حقيقة أن " إلا " تأتي لاخراج ما لولاه لدخل ولغيره، قال نجم الائمة: " إن المتصل ما دخل في المستثنى منه قبل " إلا " لفظا


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 96 ]

أو تقديرا والمنفصل ما خرج قبله " وقد اعترف في المسالك في المسألة الاتية بأن الاستثناء المنقطع لا يقتضي الاخراج فيه، و " إلا " فيه بمعنى " لكن " كما صرحوا به في فنه. وحينئذ فالمتجه في المثال الالتزام بالالف المفسرة من غير أن ينقص منها ما يقابل الدرهم، إذ يكون المراد بقوله: " إلا درهما " لكن درهم ليس له علي، وهو أمر خارج عما أقر به، وإلا فتقدير وضع ما قابل الدرهم المقر به يجعل الاستثناء متصلا لا منفصلا، كما هو الفرض في بناء التفريع عليه. قال العضدي: " اعلم أن الحق أن المتصل أظهر، فلا يكون مشتركا أي لفظا، ولا للمشترك، بل حقيقة فيه ومجاز في المنقطع، فلذلك لا يحمل علماء الامصار على المنفصل إلا عند تعذر المتصل، حتى عدلوا للحمل على المتصل عن الظاهر وخالفوه، ومن ثم قالوا في قوله: " له عندي مأة درهم إلا ثوبا " و " له علي إبل إلا شاة " معناه إلا قيمة الثوب وقيمة الشاة فيرتكبون الاضمار، وهو خلاف الظاهر فيصير متصلا، ولو كان المنقطع ظاهرا لم يرتكبوا مخالفة الظاهر حذرا عنه " وهو صريح في أنه مع التقدير المزبور يكون متصلا. وفي جامع المقاصد عن الفاضل في كتاب نهج الوصول وابن الحاجب أنهما حكيا عن علماء الامصار إضمار قيمة الثوب في " له علي عشرة إلا ثوبا " وهو ظاهر في ذلك أيضا * (و) * من ذلك يعلم الاشكال أيضا فيما ذكره المصنف وغيره من أنه * (لو قال:) * له علي * (ألف درهم إلا ثوبا فان اعتبرنا الجنس بطل الاستثناء) * لانه من غير الجنس * (وإن لم نعتبره) * بل قلنا بجوازه حقيقة أو مجازا * (كلفنا المقر ببيان قيمة الثوب، فان بقي بعد قيمته شئ من الالف صح وإلا كان فيه الوجهان) * السابقان، بل لا أجد خلافا بينهم في شئ من ذلك. نعم في المسالك " إن قلنا: إن الاستثناء المنقطع مجاز فقد صرح بارداة

[ 97 ]

المجاز فلا إشكال في صحته من هذا الوجه، ورجع إليه أيضا في بيان قيمة الثوب، لكن هل يعتبر فيها عدم استغراق الالف ؟ ظاهر كلام المصنف وكثير ذلك، لانهم بنوه على القول بصحة الاستثناء الشامل للحقيقة والمجاز، بل هو في الثاني أظهر، لانه القول الاشهر، ويشكل بأن الاستثناء المنقطع لا يقتضي الاخراج، " إلا " فيه بمعنى " لكن " كما صرحوا به في فنه فلا مانع حينئذ من استغراقه، ويكون بمنزلة جملتين: إحداهما إقرار والاخرى إثبات أمر آخر، ولا إشكال في عدم ثبوت الزائد منه غير المستثنى منه، لان الزائد محض دعوى، وإنما الكلام في المساوى، لكنه مع ذلك يشكل باستلزامه مع الاستغراق إلغاء الاقرار بل قد ذكر بعض الاصوليين والفقهاء أن الاستثناء في المثال المذكور متصل، وأن المراد منه قيمة الثوب، فكأنه استثنى من الالف درهم دراهم بقدر القيمة، فاعتبر فيه عدم الاستغراق كالمتصل، وهذا متجه ". قلت: هو مع أنه أمر آخر غير ما ذكرناه يأتي عليه ما قلنا من الاشكال، بل فيه أوضح، لاعترافه بعدم اقتضاء الانقطاع الاخراج، وأن " إلا " فيه بمعنى " لكن " فلا تفاوت بين المستوعب وغيره في عدم تعلقه بالمقر به، كما عرفت. ولا مخلص عن هذا الاشكال إلا بفرض كلامهم في منقطع علم إرادة سقوط عينه من المقر به ولو بأن يكون له عليه ألف درهم مثلا، فدفع وفاء ثوبا ولم يحاسبه عليه، فأراد الاقرار به كذلك، ولا يلزم من ذلك كونه متصلا، ضرورة أنه لم يقدر القيمة على وجه الاضمار حتى يكون كذلك، بل استدرك الوفاء بالثوب عنها، وهو غير داخل، فأراد إخراج غير الجنس من جنس آخر، وإخراجه منه ليس إلا على معنى تنقيصه منه، ضرورة عدم دخوله فيه حتى يخرج منه، وليس مرادهم أن ذلك من لوازم المنقطع، بل فرض كلامهم في منقطع هو كذلك. بل قد يدعى أن المنساق من نحو هذا الفرد من المنقطع ذلك، كانسياق إرادة النقصان من نحو قوله: " له علي عشرة دنانير إلا خمسة دراهم " مثلا أو " مائة درهم إلا دينارا " وليس هذا لتنقيص من المستثنى منه إخراجا كى ينافي الانقطاع،

[ 98 ]

بل هو أمر آخر غير الاخراج الذي يلحظ في المتصل. ودعوى إجماع علماء الامصار على إضمار القيمة في مثله فيكون متصلا يمكن منعها على مدعيها، ولو سلمت فمفروض البحث إرادة الانقطاع منه، فليس حينئذ إلا دعوى تبادر التنقيص المزبور الذي لا ينافي الانقطاع، بل قد يدعى أن هذا أقرب إلى الحقيقة، وأولى من الاضمار المحصل للاتصال مع ظهور اللفظ في الانقطاع. بل قد يقال بالتزام ذلك في كل مقام يقبله، ومع التعذر يكون منقطعا لا مدخلية له في المستثنى منه، حتى في التنقيص الذي لا ينافي الانقطاع، بل يمكن تنزيل ما عليه علماء الامصار من تقدير القيمة في المثال المزبور على هذا المعنى لا على ما ظنه العضدي من إرادة تحصيل اتصال الاستثناء. بل قد يشهد له أن علماء الامصار إنما لهم كلام في هذا المقام، وإلا فلا مقام له آخر ذكروا فيه ذلك، على أن الاحتمال المزبور مجاز لا قرينة عليه، بل لا يتم فيما ذكرناه من المثال المشتمل على إخراج الدراهم من الدنانير وبالعكس. وبذلك كله يتجه ما سمعت من الاصحاب، بل ظاهرهم أنه مفروغ منه، وعليه فرعوا مسألة التفسير بالمستوعب وغيره، ولقد أطنب الاردبيلي وتبعه بعض من تأخر عنه في إيراد الاشكال المزبور على كلام الاصحاب، ولم يطمئن بمخلص منه، ولكنه قد سأل الله تعالى التوفيق لحل المشكلات، وقد استجاب دعاءه بما عرفت. بل من جميع ما ذكرنا تعرف الحال في باقي ما أورده من الاشكالات على الاصحاب، والحمد لله الذي رزقنا ما اطمأنت به أنفسنا وإن قصرت عنه أذهان جملة من المتفقهة، والله الهادى. * (ولو كانا مجهولين كقوله: له ألف إلا شيئا) * صح، و * (كلف

[ 99 ]

تفسيرهما) * لانه كما يصح الاقرار بالمجهول واستثناء المجهول يصح الجمع بينهما، لعموم " إقرار العقلاء " (1) وغيره. * (و) * حينئذ * (كان النظر فيهما كما قلناه) * في السابق، فان فسرهما بجنس واحد بأن قال: " الالف دراهم والشئ عشرة " فلا بحث، وإن فسرهما بالمختلف فقال: " الالف جوز والشئ درهم " بنى على صحة الاستثناء حقيقة من غير الجنس وعدمه. وفي المسالك " فان أبطلناه صح تفسير الالف وجاء في بطلان الاستثناء أو التفسير الوجهان ". قلت: قد يحتمل بطلان أصل التفسير وتكليفه بتفسير ينطبق عليه المستثنى والمستثنى منه، لانه كلام واحد فتأمل، وإن صححناه حقيقة صحا معا، واعتبر في الدرهم عدم الاستغراق، ومعه يأتي فيه البحث السابق، وإن صححناه مجازا ففي المسالك احتمل قبول تفسيره كما يصح لو صرح بهما مختلفين ابتداء، لان التفسير بيان للواقع لا إحداث حكم كما مر، وقد تقدم أنه مع التصريح بارادة المنفصل يقبل ويحتمل العدم، لان إطلاق الاول منزل على الحقيقة، وإنما يرجع إليه في تفسير المجمل بما يوافق الحقيقة لا بما يخالفها. وذهب جماعة منهم الشهيد في الدروس والعلامة إلى قبول تفسيره بالمنقطع مطلقا مع حكمهم بأنه مجاز حتى حكموا فيما لو قال: " له ألف إلا ثوبا " أنه لو فسر الالف بالجوز قبل، ولا يخلو من نظر لان في قبول المجاز في المنفصل سد باب الاقرار، ودعوى الفرق بينه وبين تفسير المقتضي له واضحة المنع. ومن ذلك يعلم ضعف الاحتمال الاول ولو اقتصر في المسأله على تفسير أحدهما فان قلنا ببطلان المنفصل أو جعلناه مجازا تبعه الاخر في التفسير حملا على الحقيقة، وفيه البحث السابق، بل المتجه تقدير ما يتحقق به الاتصال ويطالب بالبيان في غيره، كما أن في قبول إخباره بالمنفصل الكلام الذي تسمعه.


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 100 ]

ولو كانا مجهولين من كل وجه بأن لا يذكر العدد بأن قال: " له شئ إلا شيئا " أو " مال إلا مالا " صح ورجع في تفسيرهما إليه أيضا، وروعي في الاستغراق والاتصال ما قدمناه في السابقة، ويعتبر مع ذلك في الاول زيادته عن أقل متمول ليستثني منه أقل ما يتمول، ويبقى منه بقية تكون متمولة. وعن بعض العامة بطلان هذا الاستثناء، لاستيعابه في الصورة، فيبطل، ويجب أقل متمول، وهو وإن كان موافقا في الحكم إلا أن فيه نظرا واضحا، ضرورة قبول المستثنى والمستثنى منه للقليل والكثير، فلا يلزمه الاستغراق، وحينئذ فلابد من تكليفه بالتفسير لهما، ويتفرع عليهما مسألة الجنس والاستغرق وعدمهما، نعم على قول البعض المزبور يقتصر في تكليفه على تفسير الاول من غير نظر إلى غيره، وهذه فائدة القولين، كما هو واضح. * (التفريع) * * (على) * القاعدة * (الثالثة: لو قال: " له علي درهم إلا درهما " لم يقبل الاستثناء) * لاستعيابه المقتضي لفساده، فيلزم بالدرهم المقر به بل لو ادعى الغلط لم يسمع منه إلا مع القرائن الدالة على ذلك. * (ولو قال:) * له * (درهم ودرهم إلا درهما ف‍) * عن المبسوط والسرائر أنه * (إن قلنا: الاستثناء يرجع إلى الجملتين كان إقرار بدرهم) * لصحة الاستثناء من مجموع الدرهمين في الجملتين. * (وإن قلنا يرجع إلى الجملة الاخيرة وهو الصحيح) * عند المصنف هنا وفي النافع والابي * (كان إقرار بدرهمين وبطل الاستثناء) * لاستيعابه حينئذ. بل لعله قضية كلام الفاضل في كثير من كتبه وولده والمقداد وسيد المدارك وإن كان لمدرك آخر، وهو بطلان الاستثناء على كل حال، لاستلزامه التناقض

[ 101 ]

والرجوع عن الاعتراف لوقوع الاقرار على الدرهم بلفظ يفيد النصوصية، فلم يصح إخراج أحدهما بعد أن نص على ثبوته، كما لو قال: " جاء زيد المسلم وعمرو المسلم وخالد المسلم إلا زيدا " بخلاف ما لو قال: " له درهمان إلا درهما " فانه قابل للتجوز في الدرهمين. واجيب أن التجوز عن نصف الدرهم بدرهم صحيح لصحة قولنا " له درهم إلا نصفه " فكأنه استثنى من كل درهم نصفه، ونصفا درهم درهم، وذلك لان دلالة لفظ " درهم " على مسماه ليس كدلالة " زيد " العلم على مسماه، إذ لا يمكن أن يراد بالاسم بعض مسماه، بخلاف إرادة البعض من المجموع لصحة إطلاق اسم الكل على الجزء، فلا يلزم النقض، بل غايته التجوز في إطلاق كل من الدرهمين على بعض. والاولى أن يقال: إن المنساق عرفا بعد تعذر الاستثناء مما يليه ومن سابقه استثناؤه من المفهوم عرفا، وهو الدرهمان، كاستثناء الستة من الخمسة والخمسة في قوله: " له علي خمسة وخمسة إلا ستة " ونظائره التي حكى العضدي فيها الاتفاق على صحته. بل لا يخفى بناء على ما ذكره النحاة والمفسرون من الحذف والتقدير في مثل الاستثناء والعطف ونحوهما أن الامر أوسع من ذلك كله. على أن واو العطف بمثابة ألف التثنية عند النحاة والاصوليين، وقد عرفت سابقا أن الاستثناء من العين صحيح مع قيام احتمال التناقض فيه، ومن هنا كان على ما حكي خيرة الخلاف والدروس والحواشي وجامع المقاصد ومجمع البرهان الالتزام بدرهم واحد، ولعله الاقوى لما عرفت، من غير فرق بين القول بالرجوع إلى الاخيرة أو إلى الجميع، وما ذكره الشيخ ومن تبعه من البناء المزبور غير ظاهر، لان الاستثناء إنما يختص بالاخيرة إذا لم يستغرق، أما معه فيجب عوده إلى الجميع، كما يجب عوده إلى المستثنى منه لو كان مستغرقا. ووجهه أن قرينة المقام تقتضي عوده إلى الجميع، والاختصاص بالاخيرة

[ 102 ]

إنما هو مع عدم القرينة، وليس عود الاستثناء خاصة على القول به لكونه حقيقة في ذلك ليمتنع حمله على المجاز، بل لابد من أمر آخر يدل على إرادة المجاز، لجواز الغفلة عن تعذر الحقيقة وعدم إرادة المجاز، بل لان مخالفة الاصل مع العود إلى الاخيرة أقل، فإذا عارضه أمر آخر - مخالفته للاصل أكثر وهو إلغاء الاستثناء وجعله هذرا - تعين ارتكاب العود إلى الجميع، خصوصا بعد ما ذكرناه من الانسياق عرفا في مثل هذا التركيب، ولعله العمدة، وحينئذ فالمراد من الجميع هنا مجموع ما حصل من قوله: " درهم ودرهم " لا كل واحد واحد منهما، لعدم قابليته، والمراد بالجميع في قول القائل برجوعه إليه إذا تعقب الجمل المتعددة كل واحدة بخصوصها، لا نحو الجميع المزبور الذي مستنده الانسياق العرفي في مثل هذا التركيب المحمول على الوجه الصحيح بعد تعذر المستثنى منه في كل واحدة واحدة. أما لو قال: " له ثلاثة دراهم ودرهمان إلا درهمين " صح وكان الاستثناء من الثلاثة القابلة، فيلزمه حينئذ ثلاثة دراهم، بخلاف ما لو قال: " له درهمان ودرهمان إلا درهمين " فانه يرجع إلى المجموع الذي هو الاربعة، لما سمعته من الانسياق، وقد وافق عليه هنا الفاضل وإن منعه في مثل " درهم ودرهم " للفرق بين المفرد والتثنية بالنسبة إلى الاستثناء المزبور من جهة النصوصية وعدمها، إلا أنه كما ترى لا فرق بينهما من حيث إرادة المجموع بعد تعذر كل منهما. ولو قال: " له ثلاثة إلا درهما ودرهما ودرهما " فالظاهر لزوم الاثنين وبطلان خصوص الاخير الذي حصل به الاستغراق، وربما احتمل بطلان الجميع، لكن ضعفه لا يخفى، والله العالم.

[ 103 ]

* (النظر الثاني) * * (في المقر) * * (ولابد أن يكون مكلفا حرا مختارا جائز التصرف) * بلا خلاف * (و) * لا إشكال نعم * (لا تعتبر عدالته) * عندنا بل عن المبسوط نفي الخلاف فيه، كما عن السرائر الاجماع على إطلاق يشمل العدل والفاسق، بل يمكن تحصيل الاجماع على ذلك، لكن في المسالك " نبه بذلك على خلاف الشيخ، حيث حكم بالحجر على غير العدل في التصرفات المالية المقضي لعدم نفوذ إقراره بها ". قلت: قد تقدم البحث في ذلك في السفيه، فلاحظ وتأمل. ولكن الانصاف، عدم قدح مثله في تحصيل الاجماع المزبور، خصوصا بعد إمكان حمل كلام الشيخ على الفاسق فسقا يكون به سفيها، سيما مع ملاحظة ما سمعته منه هنا من نفي الخلاف، وكذا ما يحكي أيضا عن الراوندي وأبي المكارم من اعتبار العدالة في الرشد. ومن الغريب ما يحكي عن الشهيد في الحواشي من أنه يشترط العدالة في المقر إلا في المفلس والموصي في حال المرض والسفيه، وظني أن نسخة الحاكي غلط، وأنها " لا يشترط " ويكون اعتبارها حينئذ في الثلاثة للتهمة، وهذا ليس بشرط في الاقرار من حيث كونه كذلك بل إنما هو في خصوص بعض الافراد في بعض الاحوال مما تسمعه في إقرار المريض. وعلى كل حال * (ف‍) * لا إشكال في عدم اعتبار العدالة في صحته، لعموم أدلته معتضدة بما سمعت، كما أنه لا إشكال بل ولا خلاف عندنا في أن * (الصبي

[ 104 ]

لا يقبل إقراره ولو كان بإذن وليه) * وعن التذكرة لا يقبل عند علمائنا سواء كان مراهقا أو لا، وسواء كان مميزا أو لا، خلافا لبعض العامة، فأجاز إقراره باذن وليه، وهو كما ترى، لما عرفته مكررا من أن عبارته مسلوبة إقرارا وإنشاء، نعم هو كذلك مما لا يصح به إنشاؤه. و * (أما لو أقر بماله أن يفعله كالوصية) * بالمعروف التي قد عرفت الحال في جوازها منه في محله * (صح) * على ما صرح به غير واحد، لقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به التي طفحت بها عباراتهم، بل صريح بعضهم أنه لا خلاف فيها عندهم، وأنه لا ينبغي أن يقع وإن كان لنا فيها إشكال فيما زاد على مقتضي قوله صلى الله عليه وآله (1). " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " ونحوه مما سمعته في محله، ومنه ما نحن فيه، ضرورة عدم التلازم بين جواز وصيته بذلك وجواز إقراره به، ولعله لذا قال الكركي في حاشيته: " لا يصح " فتأمل جيدا. * (و) * كيف كان ف‍ * (لو أقر المجنون) * مطبقا أو أدوارا حال دوره * (لم يصح) * بلا خلاف ولا إشكال. * (كذا المكره) * بجميع أفراده، وعن التذكرة الاجماع عليه، نعم لو اكره على الاقرار بشئ فعدل عنه إلى الاقرار بغيره صح، لعدم الاكراه فيما أقر به، كما لو اكره على الاقرار بمأة فأقر بمأتين الزم به، أما لو أقر بالاقل فهو مكره على ما صرح به غير واحد، وبالجملة فالمدار على تحقق الاقرار على ما أقر به، وقد ذكرنا في كتاب الطلاق جملة من الفروع في (المكره) (2) لا يخفى عليك إتيان ما يأتي منها هنا. * (و) * كذا لا يصح الاقرار من * (السكران) * ولو بمحرم وإن وجب عليه قضاء الصلاة، خلافا للاسكافي فألزم من أسكر حراما باختياره باقراره كقضاء الصلاة، وهو - مع أنه قياس - واضح الفرق، وفي محكي التذكرة " السكران الذي


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2 (2) راجع ج 32 ص 10 - 17.

[ 105 ]

لا يحصل أو لا يكون كامل العقل حال سكره لا يقبل إقراره عند علمائنا أجمع، وكذا الكلام في النائم والمغمي عليه والمبرسم والساهي والغافل وغيرهم من غير المكلفين بلا خلاف أجده في شئ منها، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، ضرورة وضوح اعتبار الاختيار من النصوص المتفرقة في الابواب والفتاوى في جميع الاسباب الشرعية التي منها الاقرار إلا ما خرج بدليله، كضمان المتلفات ونحوه ". * (أما المحجور عليه للسفه فان أقر بمال لم يقبل) * بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم الاجماع عليه، كما تقدم في كتاب الحجر، بل في الدروس هنا " ولا يلزم بعد زوال حجره ما أبطلناه قبله " وفي المسالك " وإذا فك الحجر عنه لا يلزم ما أقر به من المال، هذا بحسب الظاهر، وأما فيما بينه وبين الله تعالى شأنه فيلزمه التخلص مما لزمه منه، كما لو كان قد لزمه بغير اختيار صاحبه، بأن أتلف عليه ما يضمن بالمال " ونحوه في مجمع البرهان. وهو إن تم إجماعا فذاك، وإلا أمكن المناقشة فيه، لعموم " إقرار العقلاء " (1) المقتصر في تخصيصه على الحجر عن تعجيل ما أقر به له، لا أنه لا يلتزم به حتى لو فك حجره، إذ هو غير مسلوب العبارة، ولذا صح بيعه للغير بل ولنفسه باذن وليه، ولا هو أقل من العبد الذي يؤخذ باقراره بعد العتق. اللهم إلا أن يقال: إن الحجر عليه في المال لعدم قابليته لحفظ المال، فكل سبب يصدر منه فيه حال سفهه لا أثر له في الظاهر بدون انجباره بنظر الولي، ومنه المؤاخذة بما صدر منه من الاقرار حاله. نعم لو علم اشتغال ذمته فما بينه وبين الله تعالى فيما أقر به وجب عليه التخلص، بل عن التذكرة أنه لو حصل بيده مال باختيار صاحبه حال الحجر كالقرض لا يلتزمه، لان الجحر منع من معاملته وصار كالصبي، ولكن في المسالك


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 106 ]

" الوجه الضمان إن باشر إتلافه كالصبي " وفيه أن ضمانه حينئذ لا للمعاملة التي هي الفرض، بل للاتلاف الذي لا يعتبر فيه جواز التصرف. نعم الانصاف إن لم يكن إجماعا جواز تصرفاته في ذمته، لان الحجر إنما هو في ماله لا في ذمته فيتبع بها حينئذ بعد فك الحجر، وفي مجمع البرهان بعد أن حكي عن التذكرة أنه إذا سلطه المال على ماله بالبيع وشبهه بعد الحجر لا يجب على أداء ذلك، لانه بتسليطه السفيه على ماله مضيع لماله، فلا عوض له، فكأنه أتلفه بنفسه، قال: " هذا مع عدم علمه بسفه مشكل، بل مع علمه أيضا، فأنه " على اليد ما أخذت " (1) وما سلمه إليه إلا للعوض، بل يكون حينئذ مع علمه بعدم لزوم العوض سفيها أيضا، كالمتصرف فلا يخرج ماله عن ملكه، ولا يلزمه عدم العوض بتسليطه بلا عوض كالهبة ونحوها، فيكف على وجه العوض ؟ فالظاهر العوض بناء على قوانينهم فافهم ". وهو وإن لم يكن عين ما قلناه لكنه قريب منه مع فرض إرادته لزم العوض الذي سماه، وإن كان مراده مطلق الضمان فظاهره أيضا عدم اختصاصه بما إذا باشر الاتلاف، كما سمعته من المسالك، بل يكفى فيه يده. نعم الظاهر أنه بناء على ما ذكرنا لا تسلط له على الولي بتعجيل ذلك إليه للحجر، أما بناء على ضمانه لقاعدة الضمان بالاتلاف وباليد فالمتجه مطالبة الولي، كما لو أتلف السفيه مال الغير بغير اختيار مالكه، بخلاف ما احتملناه الذي مقتضاه صحة المعاملة في ذمة السفيه. نعم مع جهل البائع يثبت له الخيار وإلا كان له الثمن في ذمته، وليس له مطالبة الولي، لان معاملته مع قد وقعت بغير إذنه، فتأمل جيدا، والله العالم. * (و) * كيف كان فلا خلاف في أنه * (يقبل) * إقراره * (فيما عداه) * أي


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 95

[ 107 ]

المال * (كالخلع والطلاق) * ونحوهما مما هو ليس تصرفا ماليا، وإلا أنه قد قدمنا في كتاب الحجر (1) احتمال عدم جواز الخلع له بدون مراعاة الولي البذل جنسا وقدرا، لانه تصرف مالي وإن جاز له الطلاق بلا عوض، كما أنه قد تقدم هناك احتمال عدم وجوب الانفاق عليه لو أقر بنسب يتبعه النفقة وإن ألحقناه به، لانه ليس مالا، فيكون حينئذ كمن لا نفقة له، فينفق عليه من بيت المال وإن التحق نسبه به، بل قد احتملنا عدم نفوذ إقراره بما يوجب القصاص إذا أراد فداء نفسه منه بالمال، بل يجب على الولي فداؤه منه مع الامكان، إلا أن ذلك كله يدفعه ما أو مأنا إليه هنا ممن أن المتيقن من الحجر عليه التصرف في نفس المال دون غيره وإن استتبع مالا، لاطلاق الادلة وعمومها. * (ولو أقر) * حال الحجر * (ب‍) * أمر مشتمل على أمرين: مال وغيره كال‍ * (سرقة) * فانها مال وعليه الحد * (قبل في الحد) * لعدم كونه تصرفا ماليا * (لا في المال) * للحجر عليه فيه، ولا ضرر في التبعيض، لعدم الملازمة بين الحد وبينه، فقد يجتمعان، وقد يوجد ضمان المال بشهادة رجل وامرأتين دون الحد، وقد ينعكس كما في الفرض، وقد أشكل الحال على الاردبيلي، ولكن يدفعه أن ذلك ليس من التناقض في شئ، كما أوضحناه في غير المقام. * (ولا يقبل) * عندنا * (إقرار المملوك) * وإن كان بالغا عاقلا * (بمال ولا حد ولا جناية توجب أرشا أو قصاصا) * بل عن التذكرة وظاهر السرائر وقضاء المبسوط الاجماع على أنه لا يقبل إقراره بعقوبة ولا مال، وفي جامح المقاصد " أجمع أصحابنا على أنه لا يقبل إقراره على نفسه بمال ولاحد ولا جناية مطلقا " وفي المسالك وعن غيرها نفي الخلاف فيه، وعن الخلاف والغنية الاجماع على عدم قبول إقراره بما يوجب حناية على بدنه، وعن المبسوط لا يقبل إقراره بحد عندنا، ولا يقبل إقراره بالمال على مولاه بلا خلاف. وبالجملة فالمسألة مفروغ عنها عندنا، لانه لا مال له، وبدنه مملوك لغيره،


(1) راجع ج 26 ص 57.

[ 108 ]

فإقراره إنما هو في حق الغير، بل لو قلنا بملكه مطلقا أو على بعض الوجوه فهو محجور عليه بالتصرف فيه الذي منه الاقرار. خلافا لبعض العامة فقبله في الحد والقصاص طرفا ونفسا دون المال، لان عليا عليه السلام قطع عبد بإقراره، ولان الاقرار أولى من البينة. وفيه مع عدم ثبوت ما أرسله في طرقنا أنه يمكن أن يكون بتصديق المولى له، والفرق بين البينة والاقرار الذي قد عرفت أنه في حق الغير واضح. * (و) * كيف كان ف‍ * (لو أقر) * وصدقه المولى قبل بلا خلاف، كما عن الغنية والسرائر، بل ولا إشكال، من غير فرق بين المال والجناية، لان الحق لا يعدوهما، والمنع إنما كان لحق السيد وقد انتفى. وقد يظهر من بعض العبارات احتمال العدم في الحد والقصاص، لعدم أهليته للاقرار، لانه لا يقدر على شئ، والمولى لا يملك ثبوت الحد والقصاص عليه. وفيه ما لا يخفى من منع عدم أهليته، للعموم المعتضد بعدم الخلاف، وخصوصا في المال المتحد في المدرك مع غيره، فينزل حينئذ عدم القدرة على ما عارض حق المولى، وحينئذ يتجه تعجيل الحد والقصاص. أما المال فان كان عينه موجودا دفع إلى المقر له، وإن كان تالفا أو لم يصدق المولى أو كان مستندا إلى جناية أو إتلاف * (مال) * (1) تعلق بذمته. و * (يتبع به إذا أعتق) * بلا خلاف ولا إشكال، لعموم " إقرار العقلاء " (2) بعد معلومية عدم ضمان السيد لما يتلفه من مل الغير بغير إذنه. ومنه يعلم أن المراد بما في المتن وغيره من عدم القبول عدم تعجيله مما هو للسيد


(1) وفى الشرائع: " بمال " (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 109 ]

ملكا أو ولاية. هذا، وفي المسالك " والفرق بين المملوك والمحجور عليه للسفه حيث نفذ بعد العتق ولم يقع لاغيا بخلاف السفيه أن المملوك كامل في نفسه، معتبر القول لبلوغه ورشده، إنما منع من نفوذه حق المولى، فإذا زال المانع عمل السبب عمله، بخلاف السفيه، فان عبارته في المال مسلوبة شرعا بالاصل، لقصوره كالصبي والمجنون، فلا ينفذ في ثاني الحال كما لا ينفذ إقرارهما بعد الكمال ". وفيه ما عرفت من أنه مجرد دعوى لا شاهد لها، بل عموم الادلة على خلافها، بل الفرق بينه وبين الصبي في كمال الوضوح. هذا ولكن قد يظهر من المتن اختصاص التبعية بعد العتق بالمال دون الجناية، بل لعله ظاهر الفاضل في القواعد أيضا لانه قال: " لا يقبل إقرار العبد بمال ولا حد ولا جناية توجب أرشا أو قصاصا إلا أن يصدقه السيد، ويتبع بعد العتق بالمال، ولو قيل يقبل ويتبع به وإن لم يصدقه السيد كان وجها " لكنه فرض المسألة في صورة التصديق، ولا ريب في اختصاص المال حينئذ بذلك، ضرورة التعجيل بالحد والجناية مع التصديق بخلاف المال الذي لا يضمنه السيد عنه وإن صدقه. نعم لا فرق بينهما في صورة عدم التصديق بلا خلاف أجده فيه إلا ما في الدروس فان ظاهره التوقف في المقام، قال: " وأما العبد فلا يقبل إقراره بما يتعلق بمولاه من نفسه أو ماله، نعم يتبع بالمال بعد العتق، وقيل يتبع في الجناية أيضا، وكذا لو أقر بحد أو تعزير ". وفي جامع المقاصد بعد أن حكي ذلك عنه قال: " ومقتضي إطلاق عبارة المصنف أنه يتبع في الجميع، ولا أرى مانعا إلا في الحد من حيث ابتنائه على التخفيف ودرئه بالشبهة ". وفيه أن احتمال عدم العبرة باقراره بعد أن كان الظن الاجتهادي بقبوله لا يعد شبهة يسقط بها الحد وإلا كان ظن المجتهد في الحد غير حجة.

[ 110 ]

فالتحقيق التبعية به مطلقا كما عن السرائر والتحرير وقضاء الدروس وكشف اللثام وظاهر قضاء المبسوط وغيرها، بل قد عرفت أني لم أجد خلافا في ذلك، لعموم " إقرار العقلاء " (1) الذي كان المانع من نفوذه معجلا حق المولى، فإذا زال بالعتق مثلا عمل المقتضي عمله، ودعوى عدم أهليته للاقرار لانه لا يقدر على شئ كما ترى، خصوصا بعد اتفاقهم ظاهرا عليه في المال، وتوقف الفاضل فيه في حجر القواعد وجعله وجها هنا في غير محله كما عرفت، ومن هنا لم أجد من اختار العدم في مال أو في جناية أو في حد. * (ولو كان) * العبد * (مأذونا في التجارة فأقر بما يتعلق بها) * من دين ونحوه * (قبل) * على المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا * (لانه يملك التصرف فيملك الاقرار) * لما عرفت من أنه من ملك شيئا ملك الاقرار به، لكن في التذكره استشكله، وفي جامع المقاصد والمسالك أن عذره واضح، بل عن حجر الاخير أن الاصح عدم القبول، ولعله لعموم الحجر على المملوك إلا مادل عليه الاذن، وهو التجارة، وكون الاستدانة من لوازمها ممنوع، ولو سلم افتقارها إليها في بعض الموارد فلا يدل على الملازمة، ولو سلمت فاللزوم غير بين، فلا يدل الاذن فيها على الاذن فيها بالالتزام، وانتفاء دلالتي المطابقة والتضمن ظاهر وشهادة الحال ليست حجة لشغل الذمة الخالية، وتضرر المعاملين بالصبر إلى ما بعد العتق يندفع بالاشهاد، وليس إقرار العبد بأولى من إقرار الوكيل الذي ذكروا عدم نفوذه على الموكل. ومن هنا فصل بعض الناس بين ما كان من لوازمها عرفا وبين ما ليس من لوازمها، وإن تعلق بها فلا يقبل، بل احتمل بعضهم تنزيل إطلاق كلام الاصحاب على ما حكاه من ظاهر التحرير من فرض المسألة في أن سيده أذن له في التجارة والمعاملة بمائة دينار مثلا ولم يدفع إليه شيئا فعاد وبيده أعراض


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 111 ]

يدعي شرائها في ذمته وبقاء الثمن، فانه يقبل إقراره في المقدار الذي أذن له فيه، ويؤخذ منه المال الذي في يده، والفاضل يكون في ذمته يتبع به بعد العتق. وعن آخر احتمال تنزيل عبارة القواعد التي هي كعبارة المتن على أنه أذن له في التجارة بمقدار معين ودفع إليه مالا لتجر به، ثم عاد وبيده أعراض يدعي أنه شراها في ذمته وأن دينها باق، وادعى تلف ما كان في يده، إلى غير ذلك من كلماتهم في المقام التي لا تخلو من تشويش. وتحقيق الحال أن يقال: أنه إن كان الاذن في التجارة على وجه الاستنابة وكانت بمال مخصوص أو بقدر مخصوص كان حاله كحال عامل القراض في أنه يصدق في ما ائتمن عليه، إن كانت الاذن في التجارة مطلقة على وجه يشمل الاستدانة وغيرها كان مصدقا في ذلك، وبالجملة فتصديقه يتبع ما أذن له فيه، وعبارات الاذن مختلفة، بل لاحظ للفيقه في كثير منها، ضرورة كون المدار على ما يفهم منها عرفا. نعم قد ذكرنا في كتاب الوكالة أن قاعدة تصديق الامين فيما ائتمن عليه لا يقتضي عدم صحة الدعوى بين الاذن وبين غير المأذون فيما أقر به وأنكره الاذن في بعض الاحوال، لان أقصاها عدم دعوى له على الامين، بمعنى نفوذ قوله عليه بيمينه، فلا يتوجه له حينئذ غير ذلك، وأما غيره فلا دليل على سقوط دعوى الاذن فيه ولا على نفوذ إقرار المأذون على وجه لم يكن للاذن دعوى على ذلك الغير. وحينئذ فالمتجه في المقام هو ما ذكرناه في الوكالة من أن الوكيل مصدق فيما وكل فيه بالنسبة إليه نفسه، فلو أقر مثلا بأني قد قبضت ما في ذمة زيد منه بالوكالة عنك وتلف من يدى وأنكر الموكل قبضه بعد اعترافه بوكالته لم يكن له على الوكيل إلا اليمين، ولكن له مطالبة من عليه المال ولا تبرأ ذمته منه باعتراف الوكيل أني قد قبضت، كما تقدم الكلام في ذلك محررا، بل لعل هذا معنى قولهم: " إن إقرار الوكيل ليس إقرار على الموكل " نعم قاعدة

[ 112 ]

التصديق مقعدة وما نحن فيه من هذا القبيل. وإن كانت الاذن على معنى رفع الحجر عنه في التصرفات لا على وجه الاستنابة فلا ريب في قبول إقراره فيما رفع الحجر عنه فيه وإن لم يلتزم بذلك الولي، لانه ليس وكيلا عنه، ولعل حمل كلامهم وقولهم: " يؤخذ ما أقر به مما في يده " إلى آخره كما ستسمع على هذا أولى من الاول. * (و) * على كل حال ففي المتن والقواعد ومحكي المبسوط والتحرير والارشاد والدروس وظاهر الغنية وغيرها أنه * (يؤخذ ما أقر به مما في يده وإن كان أكثر لم يضمنه مولاه) * بل في جامع المقاصد لا ريب أن القبول إنما هو بقدر ما في يده، لان الاذن في التصرف إنما يتناوله، فالزائد لا يضمنه المولى * (و) * لكن * (يتبع به إذا أعتق) *. وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن المدار في ذلك على ما يفيده الاذن التي بها يكون العبد بمعنى الوكيل. نعم لو فرض دفع مال إليه وأذن له بالتجارة فيه واستدان لها أزيد مما في يده توجه حينئذ اتباعه به بعد العتق، إذ هو كالاقتراض بلا إذن ونحوه مما يكون ضمانه على العبد دون المولى. ولعله لذا قال في مجمع البرهان في عدم ضمان المولى الزيادة عما في يده تأمل، لان التاجر قد يخسر بحيث يذهب رأس ماله ويلزمه الديون في ذلك، لانه قد يكن ظن النفع للنقل من بلد آخر مثلا باجرة، وظهر بعد النقل عدم حصول الاجرة، أو لوقوع سرقة أو ظلمة أو حرق أو غرق أو نحو ذلك، كما إذا كان وكيلا في التجارة ودفع الدين، فانه على المو كل، فتأمل ". قلت: قد يقال: المراد أن بالاذن في التجارة هنا رفع المنع عن معاملته على الوجه الذي عرفته، لا أنها بمعنى الوكالة عن المولى على وجه تشتغل ذمته بما يستدينه لها، ولا ينافي ذلك ملكية المولى لما في يده، إذ لا مانع من كون العين التي استقرضها مثلا

[ 113 ]

ملكا لمولاه، وكون عوضها في ذمة العبد المأذون، بل لا مانع من التزام مثل ذلك لو اشترى عينا بثمن في ذمته، فان العين تكون ملكا للسيد، ولكن الثمن في ذمة العبد، إذ هو من جملة أموال السيد أيضا، نحو ما لو اشترى المولى بمال في ذمته، فان ما في ذمة عبده باذنه لا يقصر عن المال الذي في ذمته، فيكون للمولى حينئذ ذمتان: إحداهما ذمته والاخرى ذمة عبده، فله جعل ثمن المبيع في كل من الذمتين برضا البائع، ولا يلزم من ذلك جوازه في ذمة الاجنبي، ضرورة عدم كون ما فيها من أمواله كما هو واضح. وحينئذ فإذا اتفق خسارته في التجارة تبقى ذمته مشغولة من دون ضمان على المولى إلا أن يكون وكيلا عنه في ذلك، وليس مجرد الاذن في التجارة توكيلا. بل ربما يؤيد ذلك ذكرهم أحكاما للعبد المأذون لا تنطبق على الوكالة ومنها ما سمعته من أخذ ما أقر به مما في يده وإن زاد اتبع بعد العتق، مع أنه إذا كان وكيلا اتجه الرجوع به على الموكل الذي هو السيد، كما سمعته من الاردبيلي، خصوصا مع إطلاق المعظم العبد المأذون في التجارة سواء دفع له سيده مالا أو لا، وقد يكون في يده شئ وقد لا يكون، فلا إصلاح لهذا الكلام إلا بما سمعت، ويكون الرجوع على ما في يده وإن كان من كسبه الذي هو للمولى أو من الاعيان التي اشتراها في الذمة، باعتبار اقتضاء الاذن ورفع الحجر عنه ذلك، بل قد يقوى عدم جواز الرجوع بها لقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " فتأمل جيدا. وقد أشبعنا الكلام في مسألة المأذون ونقلنا النصوص المتعلقة بها في كتاب القرض (1) فلاحظ. وربما كان بعض ما ذكرناه هنا منافيا لبعض ما هناك. وعلى كل حال فلعله بهذا يمكن إصلاح إطلاقهم السابق أن المأذون في التجارة يقبل إقراره فيما يتعلق بها، فتأمل جيدا. نعم قد يقال: إنه يتوجه على هذا تعلق الدين بكسبه مضافا إلى ما في يده


(1) راجع ج 25 ص 73 و 75.

[ 114 ]

وقد يتكلف تناول ما في يده له أو يقال: لا يلتزم السيد به، لان له قطع الاذن فيبقى العبد مشغول الذمة غير متمكن من الاداء، فيتبع به بعد العتق، وعلى كل حال فهو أمر آخر لا تعلق له في أصل المسألة. وكيف كان فاقراره يقبل فيما يتعلق بالتجارة المأذون فيها دون غيرها وحينئذ فلو أقر بدين ولم يذكر سببه لم ينفذ إلا أن يسنده إلى الوجه الذي يقبل إقراره فيه. وهل يشترط في نفوذ الاقرار وقوعه حالة الاذن أو ينفذ وقد وقع بعد زوال الاذن في المسالك " وجهان، أظهرهما الاول، كما لو أقر الولى بتصرف في مال المولى عليه بعد زوال الولاية " قلت: قد تقدم في الوكالة ما يستفاد منه قوة الثاني. ولا يصح إقرار المولى عليه بحد ولا غيره من العقوبات كالتعزير وضرب اليد في الاستمناء ونحو ذلك، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في جامع المقاصد، بل عن الخلاف والايضاح الاجماع عليه، لان إيلام العبد حق متعلق به وبالمولى، فلا يكفي إقرار المولى. نعم لو أقر عليه بجناية في النفس أو الطرف نفذ فيه، لكن لا على معنى القصاص منه، بل على معنى رفعه فيها أو فدائه بأرشها على حسب ما عرفته في جناية العبد، وكذا لو أقر عليه بمال يرجع إلى ما في يده أو إلى كسبه لعموم " إقرار العقلاء على أنفسهم " (1). أما لو أقر عليه بما يرجع إلى ذمته بعد العتق كان شهادة لا إقرارا، وقد ذكرنا تمام الكلام في كتاب القضاء عند قولهم، " وإذا ادعى على المملوك فالغريم مولاه سواء كانت الدعوى مالا أو جناية " إلى آخره فلاحظ وتأمل كى تعرف مما ذكرنا توجيه الدعوى تارة على المولى خاصة واخرى على العبد كذلك وثالثة عليهما. هذا وفي القواعد " لو أقر عليه بالجناية فالاقرب قبول قوله، ويجب المال


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 115 ]

ويتعلق برقبته، لا في حق العبد كفك الارث، فيعتق بالقيمة وإن قصرت على القولين " والمراد أن إقرار مولاه بالجناية عليه لا ينفذ إلا في حق المولى خاصة، سواء كانت خطأ أو عمدا، دون العبد الذي هو غير المولى، حتى لو فرض موت مورثه المقتضي لفكه بالقيمة ليرث لا يدفع من ماله أزيد من قيمته وإن كانت أقل من أرش جنايته المقر بها. نعم لو كانت جنايته ثابتة بالبينة مثلا اتجه حينئذ فكه بأرشها من التركة وإن زاد على قيمة العبد بناء على أن الواجب فيها الارش كائنا ما كان. وتفصيل الحال في ذلك أنه لو أقر المولى بجنايته خطأ فان كانت مستوعبة لقيمته تخير بين دفعه فيها وبين فدائه بقيمته وإن كانت أقل من الارش على الاصح، لان الجاني لا يجنى على أكثر من نفسه، وقيل بالارش بالغا ما بلغ كما سمعته في المكاتب، ويأتي في الديات، إنشاء الله. وإن لم تكن مستوعبة تخير بين دفع ما قابلها من العبد وبين فكه بأرشها، فلو اتفق موت مورثه في هذا الحال قبل الفداء أو الدفع لم يتغير الحكم المزبور، فتدفع إليه القيمة من التركة فيدفعها إلى المجني عليه أو ما قابل جنايته منها والزائد له، ويفك العبد ويرث بقية المال. نعم بناء على احتمال وجوب الارش كائنا ما كان يمكن دفع ذلك من التركة، لتوقف الفك عليه، ولا يجب على المولى دفعه من نفسه، إذ المولى محير بين دفعه وفدائه، فله اختيار الاول، ويحتمل هنا عدم استحقاقه وإن قلنا باستحقاقه في غير الفرض، لتجدد خطاب الفك بالقيمة هنا، فتقوم حينئذ هي مقام العبد، ويتعلق بها حق المجني عليه. ولان الجناية إنما هي باقراره الذي لا يمضى على العبد، لا أنها ثابتة ببينة أو باقرار العبد، ولعله إلى هذا لمح الفاضل واختار ما سمعت. وإن كانت الجناية المقر بها عمدا فقد عرفت أنه لا قصاص عليه لانه إقرار

[ 116 ]

بحق الغير، بل قد يقال: ليس له دفعه للاسترقاق مع فرض عروض موت المورث في هذا الحال، لكن يدفع القيمة التي أخذها من التركة إليه، نعم لو كان قد دفعه فيها قبل ذلك واسترقه المجني عليه فك منها بها، كما أنه كذلك لو دفعه في الخطأ أيضا. هذا وفي الدروس " فلو أقر أي المولى بالجناية عمدا على المكافئ وأنكر سلم المجني عليه ولم يقتص منه، ولو اتفق موت مورثه بعد إقرار مولاه عليه بالجناية فكه بقيمته، ويتعلق بها حق المجني عليه مع الايعاب، ولا يتوجه هنا الفك بأقل الامرين، لان ذلك وظيفة المولى ". وقد ناقشه الكركي في إطلاقه، بل أطنب في أصل المسألة، بل حكى عن فخر المحققين بناء صورة العمد فيها على أن الواجب في العمد القصاص خاصة أو أحد الامرين: هو أو الدية، وقد حكى عن الاكثر الثاني. ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه. * (و) * كيف كان فقد تقدم في كتاب الفلس (1) أنه لا خلاف معتد به في أنه * (يقبل إقرار المفلس) * بدين سابق * (و) * لكن * (هل يشارك المقر له الغرماء) * لعموم " إقرار العقلاء " (2) * (أو يأخذ حقه من الفاضل) * لانه إقرارا في حق الغير ؟ * (فيه تردد) * المسألة من الاقرار بالعين وغيره في كتاب الفلس (3) فلاحظ وتأمل. * (وتقبل وصية المريض) * والصحيح * (في الثلث وإن لم يجز الورثة) * إجماعا أو ضرورة من المذهب إن لم يكن الدين * (وكذا) * يقبل * (إقراره) * من الثلث * (للوارث أو الاجنبي مع التهمة) * فيهما * (على أظهر القولين) * بل الاقوال التي هي ستة أو سبعة، بل قيل هي عشرة كما أشبعنا الكلام فيه


(1) راجع ج 25 ص 287. (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2. (3) راجع ج 25 ص 287 - 289.

[ 117 ]

وفي غيره من فروع المسألة في كتاب الحجر (1) وقلنا إن هذا القول هو الذي تجتمع عليه نصوص (2) المسألة وأن غيره من الاقوال مستلزم لطرحها أجمع أو بعضها، فلاحظ وتأمل. * (ويقبل الاقرار بالمبهم ويلزم المقر بيانه، فان امتنع حبس وضيق عليه حتى يبين، وقال الشيخ رحمه الله: يقال له إن لم تقر جعلت نكالا، فان أصر احلف المقر له) * كما تقدمت الاشارة إليه في المقصد الثاني. * (و) * كيف كان فقد عرفت أنه لا خلاف ولا إشكال في أنه * (لا يقبل إقرار الصبي بالبلوغ) * أي دعواه * (حتى يبلغ الحد الذي يحتمل البلوغ) * فيه كالعشر سنين، فانه يقبل حينئذ لو ادعاه بالاحتلام فيها، كما صرح به الحلي فيما حكي عنه والفاضل والكركي والشهيدان وغيرهم، بل لم يحك أحد منهم خلافا في ذلك. بل ظاهر المصنف وصريح غيره القبول بلا يمين وإلا دار، ضرورة توقف صحة يمينه على بلوغه، فلو توقف عليها ثبوت البلوغ دار. وفي الدروس " يمكن دفع الدور بأن يمينه موقوفة على إمكان بلوغه، والموقوف على يمنيه إنما هو وقوع بلوغه، فتغايرت الجهة " وفي جامع المقاصد " ضعفه ظاهر، لان إمكان البلوغ غير كاف في صحة أقوال الصبي وأفعاله ". قلت: وهو كذلك إذ دعوى اختصاص اليمين بالاكتفاء بامكان البلوغ مصادرة واضحة، لكن مقتضاه عدم صحة دعواه أيضا مطلقا، للاصل وغيره. وما في مجمع البرهان - من أن دليل المسألة كأنه الامكان وظهور الصدق في المسلمين وعدم إمكان الاشهاد عليه مثل قبول انقضاء العدة عن المرأة وغيره - كما ترى، ضرورة عدم كون الامكان من الادلة، وظهور الصدق في المسلمين إنما هو في البالغ، كقاعدة القبول فيما لا يمكن إلا من قبل المدعي بناء على تسليمها


(1) راجع ج 26 ص 59 - 93. (2) الوسائل الباب - 16 - من كتاب الوصايا.

[ 118 ]

التي منها تصديق المرأة في الحيض وانقضاء العدة، مضافا إلى مادل (1) على تصديقها في نحو ذلك. وحينئذ فثبوت البلوغ بمجرد دعواه أو مع اليمين - بحيث يجب على من بيده مال له دفعه إليه ويجب قبول شهادته وجميع الاحكام المترتبة على البلوغ وإن تعلقت بغيره سواء كان في مقام الخصومة أو لا - لا يخلو من منع، أللهم إلا أن يكون إجماعا. ثم على تقديره فقد صرح غير واحد بأن الصبية مثله أيضا في قبول دعوى الاحتلام، بل عن التذكرة قبوله لو ادعته بالحيض في وقت الامكان، وأشكله في الدروس بأن مرجعه إلى السن، أي مرجعه إلى دعوى البلوغ بالتسع، لان إمكان الحيض لا يكون إلا معه، وناقشه في مجمع البرهان بأنه لا فرق بين الاحتلام والحيض، قد يعرفان بالعلامات قبل العلم بالسن مع الاحتمال ثم يعلم السبق. قلت: قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الحيض وغيره في قاعدة الامكان، وفي جعلهم الحيض علامة للبلوغ، وفي غير ذلك، إنما الكلام هنا في قبول دعواها الحيض على الوجه الذي عرفته في الصبي، ولا ريب في اقتضاء القواعد عدمه، وتوهم الاجماع هنا أيضا كالصبي معلوم العدم، كما لا يخفى على الخبير المتتبع. ولو ادعاه بالانبات اعتبر، لان محله ليس عورة كما صرح به غير واحد، بل لو فرض كونه عورة فهو موضع حاجة، كرؤية الطبيب وشهود الزنا. ولو ادعاه بالسن طولب بالبينة، كما صرح به الفاضل والشهيدان والكركي، وظاهرهم عدم الفرق بين الغريب وخامل الذكر وغيرهما، خلافا للمحكي عن التذكرة، فألحقهما فيها بمدعي الاحتلام لعجزه عن البينة.


(1) الوسائل الباب - 47 - من أبواب الحيض من كتاب الطهارة، والباب - 24 - من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

[ 119 ]

وفيه أن ما يعتبر فيه البينة لا يتغير حكمه بعجز المدعى عنها، وما سمعته في الاحتلام مما لا يجري نحوه هنا يقتضي عدم الفرق بينهما وبين غيرهما في التصديق كما لعله ظاهر المتن إلا أنه واضح الضعف. ويمكن إرادته قبول دعواه البلوغ على الاجمال بناء على أن من أسبابه ما يصدق فيه وهو الاحتلام وإن كان هو أيضا واضح الضعف وإن استوجهه بعضهم، ضرورة عدم صلاحية ذلك لسماع دعواه المجملة، خصوصا بعد ما عرفت من عدم قبول دعواه المفصلة فضلا عن المجملة. ثم لا يخفى عليك إرادة الدعوى من الاقرار في المتن وغيره وإن استلزمت هي بعض الاحكام المتعلقة به، كغيرها من الدعاوى، لكن لا يكون بذلك إقرارا وإلا لم يكلف البينة في السن، ولم يحتج إلى الاختبار في الانبات ولا إلى اليمين في الاحتلام بناء عليه، كما هو واضح. ولو أقر المراهق ثم اختلف هو والمقر له في البلوغ فالقول قوله من غير يمين إن كان الاختلاف قبل تحقق بلوغه، وإن كان بعده قيل يحلف أنه حين أقر لم يكن بالغا، لكن قد ذكرنا في كتاب البيع (1) أنه لو اختلفا فيه كذلك احتمل تقديم قول مدعي البلوغ، لاصالة الصحة، وفي الدروس وجامع المقاصد فيه وجهان.


(1) راجع ج 23 ص 196 - 198.

[ 120 ]

* (النظر الثالث) * * (في المقر له) * وقد ذكر المصنف له شرطا واحدا * (وهو أن يكون له أهلية التملك) * لكن في القواعد وغيرها له شرطان: أحدهما ذلك، والثاني عدم التكذيب، بل في الدروس ومحكي التذكرة وغيرها ثلاثة، والثالث تعيين المقر له فمن أقر لرجل لا يعرف بطل إقراره، لكن قد يشكل بطلان الاقرار المزبور بخروجه عن ملكه بالاقرار على كل تقدير، وإنما تعذر معرفة مستحقه، فيكون مالا مجهول المالك، بل قد يشكل الشرط الثاني بأنه ليس شرطا في صحة الاقرار على نحو الشرط الاول، بل في نفوذه في حق المقر له، كما سمعت تحقيقه في مسألة ما لو رجع المقر له عن إنكاره، ولعله لذا اقتصر المصنف هنا على الشرط الاول الذي لم أجد خلافا فيه، بل ولا إشكالا. * (فلو أقر) * بالملك * (لبهيمة) * مثلا * (لم يقبل) * قطعا نعم في الدروس لو أقر للدابة احتمل البطلان والاستفسار، ونفي عنه البأس بعض الناس، لانه إذا أوصى بذلك لعلفها أو نذره له جاز، كما ذكره الفاضل وجماعة فيما إذا أوصى لها وقصد صرفه لعلفها. وفيه أن ذلك. لا يقتضي صحة الاقرار بالملكية الظاهرة من اللام، والاستفسار إنما يجب في المبهم، ولا إبهام في الفرض، كما لا انصراف إلى إرادة ذلك من مثله * (و) * لو بملاحظة تعذر الحقيقة الذي لا يصلح بمجرده معينا، كما هو واضح. نعم * (لو قال:) * علي كذا * (بسببها صح، ويكون الاقرار للمالك) * كما

[ 121 ]

عن المبسوط، بل عن شرح الارشاد للفخر نسبته إلى نص الاصحاب، لان المراد من السبب كون الالف في ذمته لمالكها بسبب جناية منه عليها أو استيفاء منفعة أو نحو ذلك مما يرجع إلى مالكها. * (و) * لكن مع ذلك كله * (فيه إشكال) * كما اعترف به الفاضل في قواعده وغيرها، * (إذ قد يجب بسببها ما لا يستحقه المالك، كاروش الجنايات على سائقها أو راكبها) * أو قائدها، ولا انسياق في اللفظ للاول، ودعوى غلبة إرادة الاول على وجه يفهم من اللفظ المزبور ذلك واضح المنع وإن أطنب بعض الناس في بيانه بما لا طائل تحته، نعم في الدروس الاقرب الاستفسار، فلو فسره بالجناية على شخص قبل وإن لم يعينه على الاقرب، ويطالب بالتعيين، ويحمتل بطلان الاقرار، كما لو أقر لرجل مبهم، كواحد من خلق الله أو من بني آدم، وقوي الفاضل في هذا القبول ومطالبة الحاكم بالتعيين، ونحوه في المسالك وجامع المقاصد ومحكي التذكرة والحواشي. ولكن لا يخفى عليك عدم دليل على وجوب الاستفسار، ضرورة عدم كونه كالاقرار بالمبهم، وما عن الفاضل من مطالبة الحاكم بالتعيين لا وجه له، لعدم توجه حق له على المقر، وإمكان إبداء العذر عن بيانه، كما هو واضح. نعم لو ادعى المالك أنه قصده توجه له اليمين عليه، وإلا فلا. ولو قال: " لمالكها - أو لزيد - بسببها علي كذا " لزمه بلا خلاف ولا إشكال، خلافا لبعض الشافعية فأبطله، لان الغالب لزوم المال بالمعاملة التي لا تتصور معها، وهو كما ترى. هذا وفي القواعد " ولو قال: بسبب حملها لم يلزمه شئ، إذ لا يمكن إيجاب شئ بسبب الحمل " وفيه أنه إن كان المراد أنه قال: لمالك الدابة علي كذا بسبب حملها توجه عليه إمكان صحة الاقرار وبطلان الضميمة، نحو ما لو قال: " له كذا من ثمن خمر أو خنزير " أو نحوهما، مع احتمال كون المراد

[ 122 ]

بسبب إتلاف حملها أو الوصية له بذلك، وكذا إن كان المراد " علي كذا بسبب حمل بهيمة ". * (ولو أقر لعبد صح) * بلا خلاف كما عن نهاية المرام الاعتراف به * (ويكون المقر به) * حينئذ * (لمولاه) * والفرق بينه وبين البهيمة واضح * (لان للعبد أهلية التصرف) * على وجه يكون صاحب يد، ولذا تصح إضافه البيع والهبة وسائر الانشاآت إليه، وعدم ملكية العبد شرعا لا ينافي الملكية العرفية التي هي عبارة عن السلطنة واليد، فهو إن لم يكن حقيقة، فهو مجاز شائع على وجه ينصرف إليه الاطلاق المزبور، فعموم " إقرار العقلاء " (1) حينئذ بحاله، وملكية مولاه لذلك، لان جميع ما في يده لمولاه، كما هو واضح. ونحو ذلك في الصحة لو أقر لمقبرة أو مسجد أو مشهد من مشاهد الائمة عليهم السلام أو مشعر من مشاعر الله أو نحو ذلك مع الاسناد إلى سبب صحيح من الوقف ونحوه إجماعا كما عن الايضاح، ووجها واحدا كما عن جامع المقاصد، بل لعلها كذلك مع الاطلاق المنصرف عرفا إلى السبب الصحيح وإن توقف فيه بعضهم، نعم لو أسنده إلى سبب باطل ففيه البحث السابق. * (ولو أقر لحمل) * فلانة مثلا * (صح سواء أطلق أو بين سببا محتملا كالارث أو الوصية) * بلا خلاف أجده فيه في صورة التصريح، بل عن ظاهر التنقيح الاجماع عليه، بل عن شرح الارشاد للفخر الاجماع عليه صريحا، بل ولا إشكال لعموم " إقرار العقلاء " (2) ولا ينافي صحة الاقرار اعتبار سقوطه حيا في استقرار ملكه، كما لا ينافي ميراثه والوصية له، وهو واضح. ومن الصحة فيها يستفاد الصحة في صورة الاطلاق، ضرورة الاكتفاء في صحة الاقرار إمكان صحته، خلافا للفخر في إيضاحه فقال: " إن الاصح البطلان " ولم أجد من وافقه عليه، بل المحكى عنه هو في شرح الارشاد كالتنقيح نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه.


(1 و 2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 123 ]

مضافا إلى ضعف وجه المنع، وهو أنه لا ملك للحمل في الحقيقة وإنما يوجد بسبب يصلح للتمليك، فإذا لم يقر به لم يصح، وأن الملك في صورة صحته كالوصية والارث مشروط بسقوطه حيا فقبله لا يعلم الصحة، بل هو مراعي، فكان جانب عدم الصحة أولى على التقديرين. وفيه أن الاقرار محمول على وجود السبب المصحح، والسقوط حيا إنما هو لاستقرار الملك لا لاصل وجوده * (و) * مع تسليمه فالاقرار محمول على المعنى الحاصل بالوصية والارث مثلا الذي قد عرفت عدم لاشكال في صحة الاقرار به مع التصريح، فلا محيص عن الصحة في صورة الاطلاق أيضا. بل * (لو نسب الاقرار) * بذلك * (إلى السبب الباطل كالجناية عليه) * والمعاملة مع المعلوم عدمهما * (فالوجه الصحة) * عند المصنف والفاضل والكركي والشهيدين، بل في المسالك أنه أشهر * (نظرا إلى مبدء (1) الاقرار وإلغاء لما يبطله) * نحو غيره من صور تعقيب الاقرار بالمنافي، مثل الاستغراق في الاستثناء * وقوله: " من ثمن خمر " بل في المسالك " الفرق بينه وبين المعلق على شرط أن الشرط مناف للاخبار بالاستحقاق في الزمن الماضي، فلم يتحقق ماهية الاقرار مع الشرط، بخلافه مع المنافي المتعقب، فانه إخبار تام، وإنما تعقبه ما يبطله، فلا يسمع، وكون الكلام كالجملة الواحدة لا يتم إلا بآخره يتم فيما هو من متمماته كالشرط والصفة، لا فيما لا يتعلق به بل ينافيه، ومن ثم أجمعوا على بطلان المعلق دون المعقب بالمنافي ". وفيه أن ظاهر العبارة في الفرض اتحاد قصد المتكلم بها وإن وقع بيانها تدريجا، فلا فرق عرفا بين سبق الاقرار سندا إلى السبب الباطل وبين تقديم ذكر السبب على الاقرار المسبب به، بخلاف الاستثناء المستغرق الذي هو قصد مستقل عائد إلى نقيض القصد الاول، فهو كالرجوع عن الاول، نحو ما سمعته


(1) وفى الشرائع: " نظرا إلى المبدأ الاقرار ".

[ 124 ]

في الاضراب بلفظ " بل ". بل لعل معنى عدم أخذه عليه السلام بأول الكلام حتى يأتي بآخره (1) هو ما ذكرناه من انتظار ما يتم به ما قصده من افتتاح كلامه إلى آخر ما يتم به مقصوده، فمتى عقبه مستأنف يقتضي فساد الاول لا يسمع، لا ما إذا كان المقصد الاول في نفسه غير صحيح. ولعل الفساد في قوله: " من ثمن خمر " من جهة اعترافه بكونه بالثمن الظاهر في المعاوضة المحمولة على الصحة، فيكون كالمعترف بها مدعيا فسادها، أما لو قال: " له على رطل خمر " مثلا أو " له علي خنزير " لم يلتزم بشئ ولا يقال: إنه قد اعترف بأنه له عليه، فلابد من إلزامه بما يتحقق التزامه، ولا يقبل قوله: " رطل خمر أو خنزير ". بل التأمل في العرف يشهد لما قلناه الذي مرجعه إلى أنه في الفرض قد بين ما أقر به على وجه لا يمكن صحته فالضميمة وما يضم إليه شئ واحد، لا أنه أقر ثم جاء بالمنافي، بل تكلم بكلام لا يمكن وقوعه، فلا يكون إقرارا ولا أقل من الشك في ذلك، والاصل البراءة. ولعله لذلك لم يرجح في محكي المبسوط وشرح الارشاد للفخر والدروس والتنقيح ومجمع البرهان، بل عن أبي علي والقاضي الجزم بالبطلان، وفي الايضاح هو الاصح. * (ويملك الحمل) * بقدر * (ما أقر به بعد وجوده حيا) * كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا، لكن ظاهر المتن ومن عبر كعبارته عدم الملك له قبل تولده وإن منع غيره عن التملك في تلك المدة، بل صرح بعض الناس بذلك، ولعله للاصل وغيره، خصوصا إذا كان مضغة ونحوها من الجمادات، وعزل النصيب له في الميراث اعم من ملكه له. هذا ولكن قد يظهر من بعض حصول الملك له وهو حمل وإن لم تحله


(1) الوسائل الباب - 4 - من آداب القاضى الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 125 ]

الحياة إلا أن إقراره مشروط بتولده حيا، وقد ذكرنا جملة من الكلام في ذلك في غير المقام، ولعل المتجه القول بالكشف بناء على ظهور النص (1) والفتوى في ملك الحمل إذا ولد حيا، ضرورة كونه حينئذ شرطا متأخرا عن المقتضي للملك من الوصية والارث دون غيرهما من الوقف والهبة ونحوهما وإن قبل الولي أو الحاكم له. * (و) * كيف كان فلا إشكال في ملكه بعد تولده حيا، كما لا إشكال في عدم وجوب الاستفسار مع فرض اتحاده، لاستقرار ملكه حينئذ عليه سواء مات بعد ذلك فينتقل إلى وارثه أم بقي، لعدم افتراق الحال في الملك على هذا التقدير، وهو واضح. نعم * (لو أسقط ميتا) * احتيج حينئذ إلى التفسير * (فان فسره بالميراث) * تبين بطلان كونه وارثا و * (رجع إلى) * بقية * (باقي الورثة) * لان الحكم بالصحة كان مراعي بتولده حيا * (وإن قال: هو وصية) * تبين بطلانها و * (رجع إلى ورثة الموصي، وإن أجمل طولب ببيانه) * وعمل عليه كما في القواعد وغيرها. وظاهرهم استحقاق ذلك عليه على وجه إن امتنع حبس نحو ما سمعته في الاقرار بالمبهم ولا يخلو من مناقشة، للاصل بعد عدم ثبوت حق لمعين عليه، فيوكل أمره إليه، وهو أعرف بتكليفه فيه، فيما في المسالك - من أن المتولي لتكليفه بالتفسير حيث يمتنع هو الحاكم ليوصل الحق إلى مستحقه - واضح الضعف، ضرورة عدم تكلفه بذلك بعد أن كان المال في يد من هو ملكف بايصاله إلى مستحقه. ولو تعذر التفسير لموت المفسر ونحوه ففي القواعد ومحكي التذكرة والتحرير وجامع المقاصد بطلان الاقرار، كمن أقر لرجل لا يعرف، ولا مجال للقرعة هنا،


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ميراث الخنثى من كتاب المواريث

[ 126 ]

لعدم انحصار من يقرع بينهم. ولكن أشكل في المسالك ومجمع البرهان بخروجه عن ملكه بالاقرار على كل تقدير، وإنما تعذر معرفة مستحقه، فيكون مالا مجهول المالك، وبطلان ملكه بالموت قبل الوضع إنما أوجب بطلان السبب الناقل إلى الحمل لا بطلان ملك غيره كالوراث، وورثة الموصي، وكما يحتمل كون المقر هو المالك يحتمل كونه غيره. وفي الاول منهما أنه يمكن دفع الاشكال بأن الاصل في المال المقر به أن يكون ملكا للمقر، وإنما خرج عنه بافراره للحمل، وملكه مراعي بولادته حيا، فكان خروجه عن ملكه مراعي كذلك، فان فقد شرط الملك لم يصح الاقرار، لانه كان مراعي، فيرجع إلى أصله ظاهرا. وفيه أنه باقراره للحمل المقتضي كون المقر به لغيره من الورثة أو ورثة الموصي خرج عن مقتضي حكم اليد واحتمال كون المقر مالكا باعتبار احتمال كونه من أحدهم، وإلا فمع القطع بكونه ليس منهم يكون مجهول المالك لو كان قد خرج عن يده، وإلا فهو أعرف بتكليفه فيه بناء على ما ذكرناه، والله العالم. * (ويحكم بالمال للحمل بعد سقوطه حيا) * كاملا * (لدون ستة أشهر من حين الاقرار) * المتعقب للوطء ولو بآن ما بلا خلاف ولا إشكال، للعلم حينئذ بوجوده حين الاقرار، إذ لا يمكن تولده لدون الستة لو لم يكن موجودا، فان الاقل الستة، فيتبين صحة السبب المسوغ له من وصية أو إرث. * (و) * كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه * (يبطل استحقاقه لو ولد لاكثر من) * أقصى * (مدة الحمل) * على الخلاف فيها، للعلم حينئذ بعدم وجوده حال الاقرار، لعدم إمكان تأخره عنها كما بين في محله. * (و) * إنما الاشكال * (لو وضع فيما بين الاقل والاكثر) * من الاقصى ولو

[ 127 ]

في منتهى التسعة فما دونها، لتعارض الاصل والظاهر فيه، إذا لاصل عدم تقدم العلوق به على أزيد من الاقل وعدم استحقاقه المقر به، والظاهر أنه لا يولد لما دون تسعة أشهر للعادة. * (و) * لكن إن * (لم يكن للمرأة زوج) * ولو بالتحليل * (ولا مالك) * تمكن وطؤهما لها * (حكم له به) * لا * (لتحققه حملا وقت الاقرار) * إذ احتمال الشبهة وغيرها حينئذ قائم، بل لقوة الظاهر حينئذ الدال على وجوده في حال الاقرار، وعدم العبرة بالاحتمال المزبور، ولذا يحكم بثبوت نسبة لمن كانت فراشا له معه. * (ولو كان لها زوج أو مولى) * حاضران معها على وجه يمكن حصول وطء منهما لها * (قيل) * والقائل الشيخ ويحيى بن سعيد والفاضل والشهيد والكركي: * (لا يحكم) * بالمال * (له لعدم اليقين بوجوده) * الذي هو شرط في صحة الاقرار له. * (و) * لكن في المتن * (لو قيل يكون له بناء على غالب العوائد كان حسنا) * إذ عادة النساء لا يلدن إلا في تسعة أشهر، فإذا ولدته لهذه المدة من حين الاقرار كان وجوده حين اإقرار غالبا، فلو ولدته فيما بين الاقل والاكثر فوجوده حال الاقرار ثابت بطريق أولى وإن لم يكن غالبا. وعن حواشي الشهيد أنه قوي، لان الاصل في الاقراء الصحة، للقاعدة القائلة بأن الاقرار يحمل على الصحة مهما أمكن، ووجوده حين الاقرار أمر ممكن فلا يحكم ببطلان الاقرار بمجرد الاحتمال. وفيه ما لا يخفى من عدم قاعدة تقتضي ذلك بعد عدم العلم بوجود المقر له بناء على أنه شرط لصحة الاقرار، بل لو لم نقل بشرطيته وقلنا: إن الباطل من علم عدم أهليته للتملك، فيبقى المحتمل تحت عموم " إقرار العقلاء " (1) كما لو


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 128 ]

أقر لشبح لا يعلم أنه انسان أو غيره أمكن تنقيح عدم وجوده حال الاقرار فيما نحن فيه بأصالة عدم تقدمه، لانه حادث والاصل تأخره، والعادة بعد تسليم أنها كما ذكر لا يعمل عليه مع عدم دليل على اعتبارها في مثله، والفرض عدم حصول العلم منها، فالمتجه حينئذ ما ذكره الشيخ والجماعة. بل لعله كذلك في الصورة السابقة إن لم يكن إجماعا، لاتحاد المدرك فيهما، وعدم وجود الزوج والمالك لا يرفع الاحتمال الذي لا يقتضي عدم اعتباره بالنسبة للالحاق لقاعدة الفراش عدم اعتباره في المقام، فالمتجه تساويهما في الحكم مع فرض عدم الاجماع وعدم حصول العلم الذي يكتفي به الشرعيات. ثم لو كان الحمل مستحقا لما أقر له به فان متحدا استحق الجميع ذكرا كان أو نثى بوصية أو ميراث عندنا. * (ولو كان الحمل ذكرين) * أو انثيين مثلا * (تساويا فيما أقر به) * كذلك إلا أن ينص على التفضيل في الوصية لان الظاهر التسوية في كل سبب اقتضى التمليك التشريكي حتى الاقرار إلا مع التصريح بالتفضيل. وإن كان ذكرا وانثى تساويا في الوصية وتفاوتا في الارث، إلا أن يكونا ممن يرثان على السواء، كالاخوة من الام. * (لو وضع أحدهما ميتا كان ما أقر به للاخر، لان الميت كالمعدوم) * إذا كان جهة الاستحقاق الوصية للحمل كيف كان أو الارث بالولادة مع انحصار الارث بالحمل، أما إذا كانت الوصية مفصلة على وجه تكون الوصية لاحدهما لا يرجع إلى الاخرة أو كان إرثا بجهة لا توجب الانتقال إلى الاخر - بأن كانا أخوين لام لا ثالث لهما من جهتها فحياتهما توجب لهما الثلث ولاحدهما خاصة السدس - فلا يكون ما أقر به للاخر مطلقا. ومن هنا قال في المسالك: " الاجود أن يقال: ينزل الميت كأن لم يكن، وينظر في الحي على ما ذكر من حال جهة الاستحقاق، وحينئذ فلابد من الرجوع

[ 129 ]

إلى المقر في الجهة ليعلم مقدار استحقاق الحي، ولا يلزم من كون الميت كالمعدوم على ما أشار إليه في التعليل أن يكون مجموع ما أقر به للاخر كما عرفت ". قلت: يمكن إرادة المصنف وغيره كونه كالمعدوم في بطلان الاقرار بالنسبة إليه، والامر سهل. * (وإذا أقر بولد لم يكن إقرارا بزوجية امه) * عندنا * (ولو كانت مشهورة بالحرية) * والعفاف لاحتمال وطء الشبهة والاكراه ونحوهما، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة فجعليه إقرار بها إذا كانت عفيفة، وضعفه واضح. نعم في المسالك " هل يلزمه باقراره مهر المثل ؟ قولان: أقر بهما ذلك، لاستلزام تولده منه الوطء عادة، ولحوقه به يقتضي كون الوطء شبهة وهو يوجب مهر المثل ". وفيه * (أولا) * إمكان التولد منه بلا وطء و * (ثانيا) * هو أعم من الوطء الموجب لذلك، إذ من المحتمل إكراهها له على ذلك أو غيره، والله العالم.

[ 130 ]

* (النظر الرابع) * * (في اللواحق) * * (وفيه مقاصد:) * * (الاول:) * * (في تعقيب الاقرار بالاقرار) * * (إذا كان في يده دار على ظاهر التملك) * بمقتضي اليد * (فقال) * مقرا * (هذه لفلان بل لفلان بها للاول، وغرم قيمتها للثاني) * إن لم يصدقه * (لانه حال بينه وبينها، فهو كالمتلف) * بلا خلاف معتد به أجده فيه، لعموم " إقرار العقلاء " (1) وللحيلولة التي سمعتها. بل في الايضاح من قواعدهم " أن كل إقرارين متساوي الدلالة على الاقرار صدرا من شخص واحد أهل للاقرار حكم عليه لا على غيره بموجب كل منهما لو لا الاخر، ويقدم الاول فيما يتعارضان فيه، يعني العين، ويكون تفويتا منه على الثاني " وظاهره الاجماع على ذلك. ولا فرق في ذلك بنى أن يكون سلمها هو للمقر له أو الحاكم المستند لاقراره وإن حكي عن بعض العامة، خلافا لابي علي فقال: " إن كان المقر حيا


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 131 ]

سئل عن مراده، وعمل عليه، وإن كان المقر ميتا كان المقر لهما بمنزلة متداعين لشئ هو في يد غيرهما، فيأخذه ذو البينة، ومع عدمها فالحالف، فان حلفا اقتسماه " وفي الدروس " ليس بذلك البعيد " ونحوه عن ظاهر الحواشي. بل مال إليه بعض متأخري المتأخرين، لانه قد يسهو وقد ينسى وقد يغلط وقد يشك، و " بل " للاضراب من غير ارتياب، فرجوعه إما عن تحقيق أو تخمين، وهو سبب الاقرار لهما في كلام متصل في المعلوم انحصار الحق فيهما، أما التخصيص لاحدهما فلا، ومرجع ذلك إلى ما في الدروس، فانه بعد أن نفي البعد عنه قال: " لانه نسب الاقرار إليهما في كلام متصل، ورجوعه عن الاول إلى الثاني يحتمل كونه عن تحقيق وتخمين، فالمعلوم انحصار الحق فيهما، أما تخصيص أحدهما فلا ". وعلى كل حال ففيه أن احتمال السهو وغيره لا ينافي التعبد بظاهر قوله صلى الله عليه وآله (1): " إقرار العقلاء " إلا أن إقرار الثاني (2) وقع بعد تعلق حق الغير به، فلا ينفذ فيه في نفس العين، لكن لما كان ذلك من جهة إقراره الاول صار هو السبب في الحيلولة، نحو الشهادة التي رجع عنها، واتصال الكلام مع ما سمعته من الاحتمال لو أثر لاقتضى الاختصاص بالثاني الذي هو مقتضي رجوعه، بل واستقر عليه، ولذا لو اتفق ملكيته لها سلمها للمقر له ثانيا. ولعله هو الذي سمعته من ابن الجنيد، فكان ذلك قولا غير قوله. وعلى كل حال فهما واضحا الضعف. وأضعف منه ما عن أبي حنيفة من أنه لا يغرم للثاني وإن حكاه في المسالك احتمالا، لان الاقرار الثاني صادف ملك الغير لها، فلا ينفذ عاجلا. وكذا لو قال: " لزيد بل لعمرو بل لخالد " في الدفع للاول والغرامة لكل


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2 (2) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة والصحيح " أن الاقرار الثاني " كما هو كذلك في المسودة التى هي بخط المصنف طاب ثراه.

[ 132 ]

من الاخيرين كمال القيمة، نعم لو قال " بل لعمرو وخالد " لزمه قيمة واحدة بينهما، ولو قال: " لزيد وعمرو بل لخالد " لزمه كمال القيمة لخالد، ولو قال: " بل ولخالد " فالثلث، ويحتمل النصف، لان " بل " للاضراب والعطف يقتضي التشريك مع أحدهما، والاول أظهر. * (وكذا لو قال: غصبتها من فلان بل من فلان) * لان الاقرار بالغصب من الشخص يستلزم الاقرار له باليد الدالة على الملكية، لكن في القواعد الاشكال في ذلك، ولعله لعدم التنافي بين الاقرارين، فان الغصب من ذي اليد صادق وإن لم يكن مالكا، لانها قد تكون في يده باجارة أو اعارة ونحوهما، فيحكم بها للاول، لسبق الاقرار باليد له الدالة على الملكية، ولا يغرم للثاني لانتفاء ما يدل على ملكيته. وفيه أن الاقرار بالغصب إما أن يقتضي الاقرار بالملك على وجه يقتضي الضمان أولا، فان اقتضاه فقد أقر للاثنين بذلك، فكانت كالسابقة فيضمن للثاني، وإن لم يقتض لم يجب الدفع إلى الاول في هذه الصورة فضلا عن الغرم للثاني، لعدم الاقرار له بما يقتضي الملك، لان الفرض أعمية الغصب من الملك، واحتمال الفرق بعد المعارض للاول بخلاف الثاني الذي عارضه حق الاول بسبب الاقرار يدفعه أنه مقتض لعدم الغرامة للثاني وإن صرح بالملكية. أللهم إلا أن يفرق بأن الغصب الذي أقر به ثانيا لا يتقوم على فرض اشتراكه بين امور متعددة لا يقتضي بعضها ذلك، فالتحقيق ظهور الاقرار بالغصب في اليد المقتضية للملك، بل في غير المقام كالمفروغ منه، فتساوى الاولى حينئذ، ومثلها ما لو قال: " غصبته من زيد لا بل من عمرو " أو قال: " غصبته من زيد " أو " غصبه زيد من عمرو " بل ظاهر القواعد عدم جريان الاشكال السابق فيهما وإن كان فيه ما فيه. * (أما لو قال: غصبتها من فلان وهي لفلان لزمه تسليمها إلى المغصوب منه) * باعترافه بالغصب منه المقتضي لوجوب الرد إليه، لاستلزامه كون اليد شرعية

[ 133 ]

* (ثم لا يضمن) * لمن أقر له بملكها، كما عن الشيخ والفاضل وولده وإن وجب دفع المال إليه إذا اتفق صيرورة المال إليه بارث ونحوه، للاصل مع عدم التفريط فيه بإقراره للاول بما أقر به للثاني كالصورة الاولى التي فرط فيها بذلك واستحق عليه الغرم. * (و) * حينئذ ف‍ * (لا يحكم للمقر له بالملك) * لان الاقرار بما قد أثبت لغيره عليه حقا إقرار بما في يد شخص لغيره، فلا يكون مسموعا، بل هو * (كما لو كانت دار في يد فلان وأقر بها الخارج لاخر، وكذا لو قال: هذه لزيد وغصبتها من عمرو) * فيما ذكرناه من التعليل وإن وجب الدفع فيها لزيد باعتبار سبق الاقرار بالملك له، كما صرح به الفاضل وغيره، ولا يغرم حينئذ لعمرو عكس الاولى. لكن قد يشكل بأنه حال أيضا بينه وبين ماله بالاقرار الاول الذي قد عرفت ظهوره في الاعتراف باليد المقتضية للملك، فيحصل التنافي بين الاقرارين في المعنى وإن لم يتنافيا صورة، ومن هنا لم ينفذ إقراره بالملك للثاني مع كونه صريحا فيه. ولعله لذا كان خيرة الفخر والشهيدين والكركي الغرامة للثاني أيضا كالاولى بل جعل الاول الضمان قطعيا إن قلنا بالضمان في المسألة الثانية وإلا فوجهان، وإن كان قد يناقش بأن ضمانه في تلك الصورة بسبب اعترافه فيها بما يقتضي الضمان وهو الغصب، بخلاف هذه الصورة التي لم يعترف فيها إلا بكونها ملكا للثاني فليست أولى منها بالضمان، نعم هي كالاولى بسبب الحيلولة بالاقرار الاول وإن كان متعلقه الغصب، إلا أنك قد عرفت ظهوره في الاعتراف باليد التي مقتضاه الملك. وقد يقال إن الضمان لما سمعته من القاعدة التي من المعلوم انتفاؤها في الفرض، ضرورة عدم إقراره للثاني بعين ما أقر به للاول حتى يحصل التنافي المقتضي للرجوع وإن أقر بالغصب من شخص والملك لاخر، وهما غير متنافيين

[ 134 ]

لتحقق الغصب منه بسبب تعلق حق إجارة ونحوهما مما لا يقتضي الملك، ولا يستلزم ذلك ثبوت الملك لمن أقر له بها باعتبار عدم التنافي لانه باعترافه أولا بأنه قد غصبها من زيد خرجت عن يده على وجه ينفذ إقراره فيها، ولذا كان كالشهادة، واستلزام الاعتراف بالغصب للاعتراف باليد المقتضية للملك إنما هو إذا لم يتصل به ما يقتضي كونها غير يد ملك كما في الفرض، بخلاف الصورتين السابقتين، لكن مقتضى ذلك عدم وجوب دفعها عليه لمن اعترف بغصبها منه، لاحتمال نفوذ الحق، فيرجع إليه في تفسير الحق، ولم نجد أحدا التزم ذلك، وليس إلا لان الاعتراف بالغصب مستلزم للاعتراف باليد المقتضية للملك شرعا، فلا يجدي دعوى كونها غير يد ملك وإن اتصل، كما أنه لم نجد من ادعى التعبد في القاعدة المزبورة، وأن صدق الرجوع له مدخلية في ذلك نحو رجوع الشاهد، وإنما ذكروا وجهها ما سمعته مما هو مشترك بين الصور الثلاثة، فالتحقيق الثلاثة. فالتحقيق حينئذ دفعها للاول والغرامة للثاني. * (ولو أقر بعبد لانسان فأنكر المقر له قال الشيخ) * بل في المسالك وأتباعه وإن كنا لم نتحقق غير القاضي منهم: * (يعتق) * حتى لو أقر العبد بملكيته لثالث وصدقه * (لان كل واحد منهما) * أي المقر والمقر له قد * (أنكر ملكيته) * وإقرار العبد غير مقبول * (فيبقى بغير مالك) * والاصل الحرية، وزاد من تأخر عنه في الاستدلال على ذلك بعد أن فرضوا المسألة من دون الزيادة التي ذكرها بما يرجع حاصله إلى ذلك، وهو كونه لا مالك له بنفي المقر والمقر له وإن اختلفت العبارة في تقريره. وفيه (أولا) أن فرض المسألة لا يتم إلا إذا كانت للمقر يد شرعية على انسان تقتضي سلطنة الملك بحيث يكون مملوكا بمقتضي ظاهر الحال، إذ لو لم يكن كذلك لم ينفذ إقرار المقر وإن صدقه المقر له، بل لا يعد ذلك إقرارا، وحينئذ فلا يلزم من نفي المالك ظاهرا انتفاؤه واقعا بعد أن كان الفرض أن رقية العبد أمر متحقق كما عرفته، بل معنى إقرار المقر أنه ملك وأنه لزيد، وبطلان

[ 135 ]

الثاني بالتكذيب لا يقتضي بطلان الاول وإن كان مقتضاه حصر الملك فيه ونفيه عن غيره، وإلا لكان في غير العبد من الاموال كذلك على وجه يلحق بالمباحات. ودعوى محالية الجمع بين الرقية وانتفاء العلقة عن المقر والمقر له وغيرهما يدفعها ما سمعت من أن نفي العلقة إنما هو ظاهرا فيتبعها نفي الرقية ظاهرا. واحتمال القول إن المراد الحرية ظاهرا التابعة لنفي الرقية ظاهرا يدفعه أن المنفي ظاهرا علقة المعين لا مطلق العلقة، بعد ما سمعت من كون الفرض تحقق ملكيته، فليس العبد حينئذ على هذا الفرض إلا كغيره من الاموال التي لا تكون بنحو ذلك من المباحات قطعا، وحينئذ فأصل الحرية بعد هذا الفرض لا وقع له، ولعله لذا قال المصنف: * (ولو قيل: يبقى على الرقية المجهولة المالك كان حسنا) * بل اختاره سائر من تأخر عنه كالفاضل والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم. ومنه يعلم ضعف ما احتمل الفاضل من الحرية إن ادعاها العبد، بل عن الايضاح أنه الاصح، ففي الدروس والحواشي أنه أقرب لانه مدع ولا منازع له كالكيسي وفيه - بعد ما سمعت من فرض تحقق ملكيته - أنه يجب على الحاكم وعلى المقر العالم بملكيته أن ينازعه ويدافعه، ويثبت اليد عليه ويصونه عن الضياع كما في غير العبد من الاموال. بل منه يعلم أيضا فساد ما أطنب فيه بعض الناس من إنكار ما يقتضي تحقق ملكيته، وأنه ليس هو المفروض في كلامهم، فيبقى أصل الحرية بحاله، إذ قد عرفت مقتضاها على وجه لا ينافيها الانتفاء عن العين ظاهرا. * (ولو أقر أن المولى أعتق عبده ثم اشتراه قال الشيخ: صح الشراء، ولو قيل يكون ذلك استنقاذا لا شراء كان حسنا) * وذلك لانه وإن ذكروا من غير خلاف يعرف بينهم أنه يشترط في الاقرار كون المقر به تحت يد المقر وتصرفه الدالين على الملك لو لا الاقرار، إلا أنه بقرينة كلامهم في المقام مؤيدا بعموم

[ 136 ]

" إقرار العقلاء " (1) وغيره يراد منه عدم نفوذ الاقرار فيما هو في يد غير المقر إذ قد عرفت أن دليل الاقرار إنما يقتضي جوازه على نفسه، لا أن المراد لغوية الاقرار من أصله، بل هو فيما يتعلق بنفسه ماض عليه فعلا، فلا يجوز له استخدامه بمجرد الاذن مما هو في يده دون رضا العبد، ولا يبرأ بدفع منافعه وكسبه إلى صاحب اليد، إلى غير ذلك من الاحكام الكثيرة. نعم هو لا يمضي على غيره، فيبقى على الملكية له شرعا على وجه يصح له ولمعامليه التصرفات أجمع كما اعترف به ثاني الشهيدين، بل والفخر والمقداد في المحكي من شرح الارشاد للاول منهما والتنقيح للثاني، وحينئذ فإذا اشتراه منه المقر بعتقه صح في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، وليس من الاعانة على الاثم قطعا، وهكذا الحال في نظائره أجمع. نعم في المسالك " بخلاف ما لو قال فلانة اختي من الرضاع ثم أراد نكاحها لم يمكن منه لان في الشراء غرض استنقاذه من أسر الرق، وهذا الغرض لا يحصل هناك، إذ يمنع من الاستمتاع بفرج اعترف بأنه حرام عليه ". وفيه أنه يمكن إجراء صورة العقد عليها لغرض من الاغرض، وهو غير الاستمتاع بفرجها، نحو إيقاع صورة الشراء في الفرض وإن لم ينتفع بالعبد. وعلى كل حال فلا إشكال في جواز إجراء الصورة في الفرض، بل ظاهرهم عدم اعتبار إذن الحاكم، كما صرح به في الدروس، خلافا لما يحكي عن بعض من اشتراطه. إنما الكلام في كونه شراء حقيقة من الجانبين أو استنقاذا كذلك منهما أو بيعا من جهة البائع واستنقاذا من جهة المشترى ؟ أوجه أو أقوال، إلا أن الثاني منها في غاية الضعف، ضرورة عدم تصور أخذ البائع الثمن استنقاذا ممن يشتريه، بل والاول وإن توهم من ظاهر المحكي عن الشيخ، ووجه بأنه


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2

[ 137 ]

محكوم برقيته ظاهرا، وإنما يحكم بعتقه على المشترى بعد الحكم بصحة البيع، وبأن العتق يترتب على ملكه المتوقف على صحة الشراء، إذ ليس هنا سبب موجب لانتقاله عن ملك البائع الثابت ظاهرا سواه. لكن فيه منع الحكم برقيته ظاهرا في حق المشتري المعترف بحريته قبل الشراء، فالمتجه فساد الشراء بالنسبة إليه، لامتناع شراء الحر، كمنع دعوى العتق على المشترى بعد الحكم بصحة البيع، ضرورة عدم انعتاق على المشترى، لعدم دخول في ملكه، وإنما ثبت حريته باعتبار نفوذ الاقرار منه بعد استقلال اليد عليه ولو بالاستنقاذ المقتضي لانقطاع تشبث البائع. ومن ذلك يعلم ما في دعوى ترتب العتق على الملك المتوقف على صحة الشراء لعدم سبب غيره، إذ قد عرفت أن السبب الاقرار المزبور لا الشراء. ومن هنا يظهر قوة الثالث الذي مرجعه إلى جريان أحكام البيع الصحيح بالنسبة إلى البائع والاستنقاذ بالنسبة إلى المشترى، ونظائره في الاحكام الظاهرية كثيرة، منها ما مر في النكاح في اعتراف أحد الزوجين بالزوجية وإنكار الاخر وغيره. ولا يخفى عليك ما يتفرع على الوجوه الثلاثة، ضرورة ثبوت خيار المجلس والشرط لهما معا، وخيار الحيوان للمشترى على الاول، بل لو كان البيع بثمن معين فخرج معيبا كان له رده واسترداد العبد، بخلاف ما لو باع عبدا وأعتقه المشترى ثم خرج الثمن المعين معيبا ورده، فانه لا يسترد العبد، بل يعدل إلى القيمة لاتفاقهما على حصول العتق هناك. ولو أشكل في المسالك أصل الخيار على هذا القول بأنه ينعتق على المشتري قهرا بتمام القبول كما ينعتق قريبه إذا اشتراه، بل هذا أقوى، لان هذا حر بالنسبة إليه قبل الشراء، وبالنظر إلى غيره بعده بلا فصل، فلا يتجه ثبوت خيار المجلس للبائع ولا خيار العيب، بل يتجه له الارش، وليس هذا كتصرف المشتري بالعتق

[ 138 ]

وغيره حيث يكون للبائع خيار، لان الممنوع من التصرف إنما هو الواقع باختياره، وهذا لا يتوقف على اختياره، وبهذا يقوى جانب كونه فداء من الجانبين من هذا الوجه وإن كان من جانب البائع لا ينتظم الفداء بحسب الصورة، من حيث جواز أخذه العوض وتوقفه على رضاه، وعلى ما يريده من العوض مخالف لحكم الفداء. ولكنه كما ترى من غرائب الكلام، ضرورة وضوح الفرق بين المقام وبين انعتاق القريب كما عرفت. وكيف كان فلا يخفى عليك ما يتفرع على الاول غير ما ذكرناه. وأما ما يتفرع على الثالث فقد ذكروا ثبوت أحكام البيع أجمع للبائع، فانه بائع حقيقة، فله الفسخ بخيار المجلس والرد بالعيب والغبن والشرط وغير ذلك مما هو من توابع البيع، أما المشتري فليس له الخيار في المجلس، بل ولا الرد بالعيب ولا غير ذلك مما هو من توابع الشراء، لعدم كونه مشتريا حقيقة كي يترتب عليه ذلك أو غيره من أحكام الشراء. نعم قد يقال: إن له أخذ الارش لانه بزعم البائع شراء يوجبه، وبزعم المشترى يستحق جميع الثمن، فالارش الذي هو جزء من الثمن متفق عليه على التقديرين. قلت: قد يقال بثبوت ذلك كله له أيضا، لانه بعد أن كان مشتريا حقيقة بالاضافة إلى البائع، فله إجراء جميع ذلك على البائع من حيث كونه مشتريا حقيقة بالنسبة إليه، كم مال إليه الاردبيلي، أو لانه بيع في ظاهر الشريعة فيتبعه أحكامها كذلك أيضا إلا أن ذلك كله لا يخلو من بحث. نعم قد يقال إنه بانشاء الفسخ في المجلس يعلم استحقاقه رد الثمن، لانه إن كان شراء حقيقة فقد فسخه، وإلا فهو على استحقاقه للثمن، لعدم حصول عقد اقتضى انتقاله عنه بزعمه، فثمرة الفسخ تحصل له على هذا الوجه ودعوى عدم تأثير فسخه بعد زعمه عدم بيع يقتضي الفسخ واضحة المنع، ضرورة عدم مدخلية الزعم في تسبيب الاسباب في حد ذاتها، ولكن هو لزعمه عدم

[ 139 ]

الفسخ ليس له إلزام البائع بما يقتضيه الفسخ حقيقة، ولكن له على الوجه الذي ذكرناه. وبذلك يفرق بين الفسخ الواقع من البائع والفسخ الواقع منه، فان الاول حقيقي، وله الالزام بمقتضاه، بخلاف الثاني، فانه بزعمه ليس كذلك، ولكن يستحق بالرد بالوجه الذي ذكرناه. ولعله على هذا ينزل كلام الاصحاب وإطلاقهم عدم إجراء أحكام البيع بالنسبة إلى المشتري بخلاف البائع، بل يمكن تنزيل كلام الاردبيلى على ذلك لان مراده ثبوت الاحكام له على نحو ثبوتها للبائع، وأن كلامه في المقام لا يخلو من تشويش، فتأمل جيدا فانه لا يخلو من دقة. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك اندفاع ما يورد على هذا الوجه من أن البيع مركب من الايجاب والقبول، ولا يتصور الصحة في جانب والفساد في آخر، وكيف يكون القابل مستنقذا والموجب بائعا ؟ إذ قد عرفت أنه مشتر حقيقة بالنسبة إلى صحة بيع البائع، فجميع أحكام الشراء جارية عليه من جهة البائع وإن كان هو مستنقذا بالنسبة إلى نفسه. * (و) * كذا مما ذكرنا يعلم المراد فيما ذكره المصنف وغيره من أنه * (ينعتق لان بالشراء سقط عنه لواحق ملك الاول) * فلا علقة له حينئذ بزعمه، لايجاد القاطع لعلقته فيه بزعمه وبظاهر الشرع، فيبقى مقرا بعتقه ممن هو في يده بزعم البائع، لا أن المراد أنه ينعتق بالاقرار، ضرورة عدم كون الاقرار من أسباب العتق، وإنما هو كاشف عن السبب له سابقا. * (و) * كيف كان ف‍ * (لو مات هذا العبد كان للمشتري) * إذا كانت دعواه أن المالك أعتقه على وجه يكون الولاء له * (من تركته قدر الثمن مقاصة، لان المشتري إن كان صادقا فالولاء للمولى إن لم يكن له وارث سواه، وإن كان كاذبا فما ترك للمشتري، فهو مستحق على هذا التقدير قدر الثمن على اليقين، و) * أما

[ 140 ]

* (ما فضل) * ف‍ * (يكون موقوفا) * لاحتمال رجوع البائع إلى تصديق المشتري، ومع اليأس يجري فيه البحث السابق الذي عرفته في تكذيب المقر له، كما أنك قد عرفت جملة من الكلام في هذه المسألة وفروعها في كتاب العتق (1). لكن في الدروس هنا إشكال المقاصة بأنه دفع مالا متبرعا به، فإذا استهلك مع التسليط فلا ضمان، وزاد في المسالك بأنه إنما افتدى متقربا إلى الله تعالى باستنقاذ حر، فيكون سبيله سبيل الصدقات، والصدقات لا يرجع فيها. وفي الدروس " وقد يجاب بأن مثل هذا الدفع مرغب فيه للاستنقاذ، ويكون ذلك مضمونا على القابض لظلمه " وزاد في المسالك بأن " المبذول على وجه الفدية لا يمنع من الرجوع فيه، لانه ليس تبرعا محضا، والقربة لا تنافي ثبوت العوض، كما لو فدى أسيرا في بلد المشركين ثم استولى المسلمون على بلادهم، ووجد الباذل عين ماله، فله أخذه ". قلت: قد عرفت في كتاب البيع (2) أن من اشترى مغصوبا عالما بغصبه وتلف الثمن في يد البائع لم يكن له الرجوع عليه لتسليطه عليه، وقد ذكرنا ما عندنا في ذلك هناك، إلا أن المقام ليس منه، وذلك لان المدفوع هنا إنما كان لقطع علقة المالك في ظاهر الشرع، وليس المراد تسليطه على ما دفعه إليه عوض تسليطه على المغصوب على نحو شراء المملوك من مالكه، فلا تسليط منه له على ما دفعه إليه على كل حال. ومع فرضه ليس له الرجوع مع التلف كالمغصوب، بل قد يتوقف في أصل المقاصة مع فرض جهل البائع بما ادعاه المشتري، والفرض تلف العين في يده، وقد كان بوجه شرعي ظاهري يخرجه عن الظلم وإن كان هو محتملا باعتبار عموم " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (3) ونحوه مما يقتضي الضمان، ولا ينافيه الحكم ظاهرا


(1) راجع ج 34 (2) راجع ج 22 ص 305 إلى 309 (3) سنن البيهقى ج 6 ص 95.

[ 141 ]

بعد معلومية الواقع للمشتري. وفي الدروس " ثم إن كان أقر بأن المعتق غير صاحب اليد أو بأنه حر الاصل أو بأنه عتيق صاحب اليد إلا أنه لا ولاء له عليه ضاع ماله، ولو قدر على مقاصة الممسك فله ذلك في صورة كونه معتقا أو عالما بالحرية، لا مع انتفاء الامرين " وظاهره عدم المقاصة في غيرهما كما ذكرنا. ثم إن الظاهر عدم الفرق في الاحكام المزبورة بين شراء من اعترف بحريته وبين من اعترف بعتقه ولم يكن طريق شرعي إلى إثبات ذلك على من في يده، وكذا في غير ذلك. لكن في المسالك " ولو كان إقراره بأنك غصبت العبد من فلان ثم اشتراه منه ففي صحة العقد وجهان: أحدهما الصحة، كما لو أقر بحريته ثم اشتراه وتظهر الفائدة في لحوق أحكام البيع بالنسبة إلى البائع، ووجوب دفعه على المشترى إلى المالك، والثاني المنع، لان التصحيح ثم للافتداء والانقاذ من الرق، ولا يتجه مثله في تخليص ملك الغير ". وفيه أن الاستنقاذ والافتداء للرق ليس منصوصا بخصوصه كي يقتصر عليه، بل هو من عمومات الاحسان ونحوه مما هو مشترك بين الجميع، بل لا ينبغي التأمل في الصحة ولو فرض أن دعواه الغصب منه، كما هو واضح. هذا وفي الدروس أشكل أيضا أصل نفوذ الاقرار بالحرية على وجه يحكم بها بمجرد شرائه، فان في ذلك ضررا على العبد. وربما كان عاجزا عن التكسب، فلا ينقذ إقراره في حقه إلا أن يجعل إقراره بمثابة عتقه مباشرة أو يصدقه العبد على الحرية، وفية معلومية عدم توقف الحرية إخبارا وإنشاء على اختيار العبد، ولذا يصح عتق العاجز وينفذ إقرار مالكه بعتقه.

[ 142 ]

* (المقصد الثاني) * * (في تعقيب الاقرار بما يقتضى ظاهره الابطال) * * (وفيه مسائل:) * * (الاولى:) * * (لو قال: " له عندي وديعة وقد هلكت " لم يقبل) * بلا خلاف أجده بين من تعرض له من الشيخ والفاضل والشهيدين والكركي وغيرهم، لظهور قوله " له عندي " في بقائها، فينافيه دعوى الهلاك، إذ الهالك لا يكون وديعة، وكذا لو قال: " رددتها " * (أما لو قال: " كان له عندي " فانه يقبل) بيمينه بلا خلاف أجده فيه أيضا، لعدم ظهور ذلك في البقاء المنافي لدعوى الهلاك أو الرد، فيبقى على مقتضى قبول قول الودعي في الرد والتلف، نعم لو فرض استعمال أهل العرف - ولو المبتذل - للاولى في معنى الثانية ولو على أن يكون قوله: " وقد هلكت " قرينة على إرادة " كان " اتجه القبول أيضا لما عرفت، ولا يكفي احتمال إرادة ذلك في رفع اليد عن ظاهر ما يقتضي الاقرار الذي به انقطع الاصل وغيره، وقد تكرر منا غير مرة أن ما يوجد في بعض العبارات - من دعوى الاكتفاء في عدم الاقرار بالاحتمال الذي لا يقابل بظاهر الحقيقة - لا ينبغي الالتفات إليه، لعدم دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه.

[ 143 ]

* (ولو قال) * المسلم: * (له علي مال) * ثم قال: * (من ثمن خمر) * غير محترمة * (أو خنزير لزمه المال) * إجماعا مع الفصل، كما عن التذكرة، بل ومع الوصل بلا خلاف أجده فيه، بل في نهاية المرام نسبته إلى علمائنا، لاقتضاء ذلك سقوط الاول، ضرورة عدم سقوط الثمن لهما في شرع الاسلام، لكن في الدروس " قيل " مشعرا بنوع توقف فيه، بل في مجمع البرهان " فيه تأمل، من قاعدة الاقرار المذكورة في التذكرة مرارا، وهي أنه مبني على اليقين، فكلما لم يتيقن لم يلزم بشئ، ولا يخرج عنه بالظن وغيره، ويسمع فيه الاحتمال ولو كان نادرا، ولا شك في أنه يحتمل كون اعتقاده لزوم الثمن بشرائهما لاعتقاده صحة ذلك مطلقا، أو إذا كان الشراء من الكافر، أو لزوم ذلك إذا كان في زمان الكفر، ونحو ذلك وبالجملة مع إمكان احتمال لا يلزمه معه شئ ولا يصير الكلام لغوا محضا ومتناقضا بحسب اعتقاده يشكل الحكم باللزوم بمجرد ذلك، للاصل والقاعدة، ولهذا قال في التذكرة نقلا عن بعض الشافعية: " لو قال: لفلان علي من ثمن الخمر ألف لم يلزمه شئ يرده بحال - إلى أن قال -: ويؤيده نقل الاجماع في التذكرة في صورة الفصل الخارجة عن العادة دون صورة الوصل، وما حكاه فيها أيضا عن الجويني أنه كان يقول كنت أود لو فصل بين أن يكون المقر جاهلا بأن ثمن الخمر لا يلزم وبين أن يكون عالما، فيعذر الجاهل دون العالم، ولكن لم يصر إليه أحد من الشافعية، وقد تبعه في ذلك تلميذه في نهاية المرام، حتى قال: إن ما ذكره الجويني لا يخلو من قوة " ونحوه في الرياض. إلا أن الجميع كما ترى لا ينبغي الالتفات إليه، خصوصا من القاعدة التي قد عرفت ما فيها غير مرة، ولو صحت لانسد باب الاقرار، وأما ما ذكره من التهجسات فليس شئ منها بشئ، ولهذا لم يذهب إليه أحد من العامة الذين مبنى مذهبهم على نحو هذه الاعتبارات. نعم لو قال المقر: " كان ذلك من ثمن خمر أو خنزير فظننته لازما لي " وأمكن الجهل بذلك في حقه توجهت دعواه، وكان له تحليف المقر له على نفيه إن

[ 144 ]

ادعى العلم بالاستحقاق، ولو قال: لا أعلم حلف على عدم العلم بالفساد، ولو لم يمكن الجهل بذلك في حق المقر لم يلتفت إلى دعواه، والله العالم. المسالة * (الثانية) * * (إذ قال: له علي ألف وقطع، ثم قال: من ثمن مبيع لم أقبضه لزمه الالف) * بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، سواء عين المبيع أو أطلق، لاستقرار الاقرار، * (و) * حينئذ فالثاني مجرد دعوى عدم استحقاق التسليم عليه فلا يسمع. نعم * (لو وصل فقال: " له علي ألف من ثمن مبيع " وقطع ثم قال: " لم أقبضه ") * فعن المبسوط والخلاف والقاضي * (قبل سواء عين المبيع) * كهذا العبد * (أو لم يعينه) * وعن الايضاح أنه أقوى، وعن المختلف نفي البعد عنه، وكأنه مال إليه بعض متأخري المتأخرين، لان قوله: " من ثمن مبيع " مقبول من جهة اتصاله، وهو أعم من كونه مقبوضا وغير مقبوض، فإذا قال بعد: " لم أقبضه " فقد ذكر بعض محتملاته بل ما يوافق الاصل، مضافا إلى أصل البراءة والقاعدة التي سمعتها، وأن الانسان محل السهو والنسيان، وفيه أن قبول قوله: " من ثمن مبيع " بمعنى عدم الحكم بمنافاته، لا أنه بحيث يمضى على المقر له على وجه لو وصله بعد ذلك بالمنافي لظاهر الاول القاطع لاصل البراءة قبل، والقاعدة المزبورة قد عرفت عدم إقعادها. ومن هنا قال المصنف: * (وفيه احتمال التسوية بين الصورتين، ولعله أشبه) * باصول المذهب وقواعده، بل هو خيرة الحلي والفاضل والكركي وغيرهم، بل لعل الاقوى عدم القبول لو وصل الكلام بتمامه، بأن قال: " له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه " وفاقا للفاضل والمصنف في النافع والشهيد في اللمعة والمحكي عن الحلي

[ 145 ]

ويحيى بن سعيد، بل مال إليه غير واحد من المتأخرين، لنحو ما سمعته في الاولى من منافاة الاخير للاول الذي مقتضاه ثبوت المال في ذمته على وجه يستحق أداؤه عليه. خلافا للمحكي عن المبسوط والخلاف فيقبل، بل مال إليه في المسالك، بل في نهاية المرام أنه الاصح، وفي الكفاية أنه الاقرب، لان الكلام جملة واحدة، ولامكان صدقه فيما أخبر به وأراد التخلص بالاقرار به، فلو لم يقبل والزم بخلاف ما أقر به لانسد باب الاقرار بالواقع حيث يراد، وهو مناف للحكمة، والمنافاة ممنوعة، وإنما هو وصف زائد على الاقرار المطلق، والواقع هو الاقرار المقيد لا المطلق، كما لو قيد الالف بقيد آخر غير ذلك. وفيه أن كون الكلام جملة واحدة لا يقتضي قبول ما يقتضي إبطال الاقرار منها، وإلا لقبل قوله: " له علي عشرة دراهم قضيتها " وإمكان صدقه لا محصل له، فلا يكفي في رفع اليد عما يقتضيه الاقرار الاول وكذا ما ذكره أخيرا. المسألة * (الثالثة) * * (لو قال: ابتعت بخيار أو كفلت بخيار أو ضمنت بخيار قبل إقراره بالعقد، ولم يثبت الخيار) * بلا خلاف أجده فيه قبل الاردبيلي وتلميذه والخراساني، بل عن موضع من التذكرة ما يشعر بالاجماع عليه، ضرورة ظهوره في العرف في كونه إقرار ودعوى. بل ينبغي القطع بعدم القبول إذا كان المراد منه إفساد ما وقع منه من الضمان والكفالة بذلك بناء على بطلان الشرط المزبور فيها، ولكونه مجهولا باعتبار عدم ذكر الاجل، ضرورة كونه من مدعي الفساد حينئذ الذي لا ريب في عدم قبوله من دون بينة خصوصا بعد معلومية توقف ثبوت الخيار على اشتراطه، والاصل عدمه كغيره من الشرائط، فما وقع من المقدس الاردبيلي - من القبول في الفرض،

[ 146 ]

لكون الكلام جملة واحدة، وللقاعدة والاصل ونحو ذلك مما تكرر منا نقله عنه - لا ينبغي الالتفات إليه. ومن الغريب ما في الرياض من التسوية بين هذه المسألة والمسألة السابقة، وهي لو قال: " له علي كذا من ثمن مبيع لم أقبضه " في الخلاف وإن قلنا نحن: إن حكمهما واحد باعتبار تضمن الاخير دعوى فيما أقر به أولا وإن لم يكن منافيا له، لا أنه أحد أفراده. ومن ذلك يظهر لك النظر فيما اعترف به المخالف في المقام من عدم ذكره منافيا للاول، إذ هو كما عرفت دعوى جديدة فيما أقر به وإن لم يكن منافيا، نحو قوله: " كان لك علي دين وقضيته ". هذا وفي المسالك في المسألة السابقة " وموضع الاشتباة ما إذا كان المقر غير معتقد لزومه على هذا الوجه باجتهاد أو تقليد، وإلا فلا إشكال في اللزوم، لانها مسألة اجتهادية، فيؤخذ على المعتقد بما يدين به، ويبقى على مقتضى نظر المفتي ". وقد سبقه للكلام في هذه المسألة الكركي في جامعه وقال: " وهنا نكتة سنح ذكرها هنا، وهو أن المؤاخذ بهذا الاقرار ونظائره من المواضع المختلف فيها هو كل مقر، سواء كان ممن له أهلية الاجتهاد أم لا، معتقدا قبول مثل ذلك أم لا. أم يقال: إن من يعتقد مثل ذلك وعلم ذلك من مذهبه يعامل بمعتقده ؟ لا أعلم في ذلك كلاما للاصحاب، والذي يقتضيه النظر أنه يلزم بمعتقد الحاكم كائنا ما كان ". قلت: لعله جعله من نقض الفتوى بالحكم الذي بيناه في كتاب القضاء، وكون المسألة عرفية لا يقتضي صدور الكلام من المعتقد على اعتقاده الذي قد يغفل عنه ويتكلم على طريقة العرف، فيصيب في استعماله وإن كان مخطئا في اعتقاده الذي هو ليس اصطلاحا له ولا قرينة على إرادته بخطابه ذلك، نعم لو علم منه الخطاب على ذلك اتجه حينئذ المؤاخذة به، والله العالم.

[ 147 ]

المسالة * (الرابعة) * * (إذا قال: " له علي دراهم ناقصة " صح إذا اتصل بالاقرار،) * لانه حينئذ * (كالاستثناء) * بلا خلاف أجده فيه إلا ما عن الايضاح من أن الاصح عدم القبول عملا بأول الكلام وكون الوصف منافيا للسابق، لاقتضائه الرجوع عن بعضه، ولا يخفى ضعفه، إذ لم يثبت بالاقرار سواه حتى يقال إنه سقط، ولا منافاة بين الامرين، فقطع بعض الكلام عن بعض وإلزمه به بعيد عن مقصد الشارع، خصوصا بعد ما سمعت من صحيح هشام (1) المتضمن عدم الاخذ بالكلام حتى يتم، مضافا إلى فهم العرف كونه كلاما واحدا أو أنه ليس إقرارا ودعوى، ولا رجوعا، بل قيل: لو لا ذلك لادى إلى تعذر الاقرار ممن عليه دراهم ناقصة. نعم لو انفصل لم يسمع بلا خلاف أجده فيه، بل في جامع المقاصد لابحث فيه، ولعله لكونه حينئذ دعوى جديدة يقتضي رفع ما حكم بثبوته، فلا تسمع بدون البينة، لكن عن التحرير احتمال القبول إذا كان التعامل بالناقص غالبا، وهو كذلك. * (و) * على كل حال ف‍ * (يرجع في قدر النقيصة) * مع فرض تعددها * (إليه) * بلا خلاف ولا إشكال. * (وكذا) * يقبل مع الاتصال * (لو قال:) * له علي * (دراهم زيف) * أي مغشوشة لنحو ما سمعته * (لكن يقبل تفسيره بما فيه فضة) من أفرادها المتعددة * (ولو فسره بما لا فضة فيه لم يقبل) * لعدم صدق الدرهم الزيف أي


(1) الوسائل الباب - 4 - من آداب القاضى الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 148 ]

المغشوش عليه، ولو فرض تعارف الناقص والمغشوش معاملة وإطلاقا كالتام والصحيح لم يعتبر الاتصال في قبوله، كما هو واضح. ولو قال: " له علي دريهمات " أو " دراهم صغار " وفسرها بالناقص لم يقبل إلا مع الاتصال، لان الغالب في الدرهم التام وإن كان صغيرا في شكله، نعم لو كان في الدراهم ما يعد صغيرا وكان ناقصا قبل والمدار في هذه وغيرها قبول التفسير مع الانفصال بما يندرج تحت إطلاقها عرفا دون غيره. وأما مع الاتصال فقد تكرر منا قبول كل ما يعد في العرف أنه كلام في مقصد واحد، وبعضه يشهد لبعضه ولو على حسب قرائن المجاز دون غيره مما يكون رجوعا عن الاول، أو دعوى فيه تقتضي رفع ما يقتضيه ولو إطلاقه، ومع الشك يؤخذ بظاهر ما يقتضي الاقرار، ويحتمل العدم، للاصل وغيره. ومن ذلك: المسالة * (الخامسة:) * التي هي * (لو قال: " له علي عشرة لا بل تسعة ") * لم يقبل منه و * (لزمه عشرة) * لان ذلك يعد رجوعا عن الاول عرفا * (وليس كذلك لو قال:) * " له * (عشرة إلا واحدا ") * فانه كلام عن مقصد واحد، واحتمال بداء الاستثناء له بعد الاقرار بالعشرة لا يلتفت إليه في مثله، ولو قال: " أودعتني مأة فلم أقبضها " أو " أقرضتني مأة فلم آخذها " فعن التحرير والتذكرة الجزم بالقبول مع الاتصال، لاستعمال ذلك عرفا مع عدم القبض، بل يستعمل فيه الايجاب وحده، فيقال " أودعتني فلم أستودع " وأقرضتني فلم أقترض " ومن دون تناقض. لكن في القواعد الاشكال في ذلك، بل لا ترجيح في محكي الايضاح والدروس والحواشي، بل في الجامع المقاصد " إن الذي يقتضيه النظر إن باع وأودع وأقرض إن صدق على الايجاب حقيقة لم يفرق بين الاتصال والانفصال في القبول، وإلا لم يقبل مع الانفصال قطعا، ومع الاتصال فالراجح عدم القبول، لانه يقتضي رفع

[ 149 ]

الاقرار من أصله، وأنا في ذلك من المتوقفين " وهو كما ترى لم يأت بشئ، بل احتمال صدق " باعني " على الايجاب وحده بحيث يقبل منه قول: " فلم أقبل " منفصلا واضح الضعف. فالتحقيق الرجوع إلى ما ذكرناه من القاعدة التي مقتضاها هنا على الظاهر القبول في مفروض المسألة مع الاتصال وعدمه مع الانفصال وإن حكي عن التذكرة الاشكال فيه لكنه في غير محله. بقي الكلام في صحة البدل في عبارة المقر، والتحقيق الرجوع فيه إلى ما ذكرناه من القاعدة التي مرجعها إلى العرف. لكن في القواعد " الاقرب صحته إن لم يرفع مقتضى الاقرار، كما لو قال: له هذه الدار هبة أو صدقة " ونحوه عن التذكرة والتحرير والايضاح، وفي جامع المقاصد أنه الاصح، بل عن الحواشي أنه المشهور، وحينئذ يكون المقر به في المثال هبة يجوز له الرجوع فيها، لان البدل مستعمل عرفا ولغة فيجري مجرى الاستثناء، وليس رافعا للاقرار من أصله، والكلام إنما يتم بآخره، مضافا إلى أصل البراءة وغيره، وظاهرهم صحة البدل الذي لا يقتضي رفع الاقرار من أصله. أما لو قال: " له هذه الدار عارية أو سكنى " ففي القواعد " فيه نظر ينشأ من كونه رفعا لمقتضى الاقرار ومن صحة بدل الاشتمال لغة " وعن التذكرة الجزم بالصحة، وعن التحرير أنه أقرب. لكن لا يخفى عليك ما فيه من عدم اقتضاء صحة بدل الاشتمال لغة صحته إقرارا، ضرورة صحة بدل الغلط وبدل الاضراب لغة ولا ريب في عدم قبولهما، لكونهما رجوعا، ولعله لذا جزم الكركي بعدم القبول وإن قال بقبول البدل الذي لا يرفع أصل الاقرار، نحو ما سمعته من الفاضل أولا. ومن الغريب قوله في القواعد أيضا " ولو قال: له هذه الدار ثلثها أو ربعها ففيه الاشكال " أي الذي سمعته منه في بدل الاشتمال الذي لا يخفى وضوح الفرق بينه وبين ذلك باقتضاء الاول بطلان الاقرار من أصله بخلاف الثاني الذي هو كالاستثناء،

[ 150 ]

مع أن المحكي عن الايضاح أن الاقوى عدم قبوله، ولا يخلو من وجه إن لم يفهم العرف منه أنه على حسب المجاز الذي يذكر قرينته متصلة به على نحو الاستثناء، وإلا كان رجوعا حتى مع الشك بناء على ما سمعته سابقا. المسالة * (السادسة) * * (إذا شهد) * على نفسه بالاقرار * (بالبيع وقبض الثمن ثم أنكر) * القبض * (فيما بعد وادعى أنه أشهد تبعا للعادة ولم يقبض قيل) * وإن لم نتحقق هنا قائله من العامة فضلا عن الخاصة * (لا تقبل دعواه لانه مكذب لاقراره) *. وفيه أنه معترف باقراره ولكن يدعى كونه على الوجه المزبور، فلا تكذيب. ومن هنا لم نجد خلافا في القبول نعم عن أبى إسحاق من العامة عدم قبول دعوى الواهب عدم الاقباض بعد إقراره به. وربما احتمل الاشارة بالخلاف هنا إلى ما بنيت عليه المسألة وهو مسألة سماع الدعوى بالاقرار التي قد حررنا الكلام فيها في كتاب القضاء، مع أنه لم نجد خلافا في سماعها، وإنما تردد فيها المصنف وبعض من تأخر عنه. وعلى تقديره لا مدخلية لها في مسألتنا. ضرورة الاعتراف في المقام باقراره، لكنه يدعي كونه على الوجه المزبور بل في الدروس في الهبة " أنه إن قلنا بسماع الدعوى بالاقرار صح له إحلافه على عدم المواطاة وإلا فلا ". * (وقيل) * والقائل الشيخ ومن تأخر عنه إلى الكفاية: * (تقبل) * دعواه ويتوجه له على المقر له اليمين على نفي ما يدعيه من عدم القبض * (لانه أدعى ما هو معتاد) من الاقرار لرسم القبالة مخافة تعذر الشهود أو لغيره. * (وهو أشبه) * باصول المذهب وقواعده التي منها البينة على المدعي واليمين على من أنكر الشامل للفرض، ولا يشكل بكونها تكذيبا لاقراره، * (إذ ليس

[ 151 ]

هو مكذبا لاقراره، بل) * هو * (مدعيا شيئا آخر) * معه، * (فيكون على المشتري اليمين) * لعموم قوله صلى الله عليه واله (1) " واليمين على من أنكر ". * (وليس كذلك) * في سماع الدعوى * (لو شهد الشاهدان بايقاع البيع ومشاهدة القبض، فانه لا يقبل إنكاره، ولا يتوجه) * له * (اليمين) * عندنا وعند أكثر العامة في المحكي عن قضاء كشف اللثام * (لانه إكذاب للبينة) * وهو كذلك فاني لا أجد فيه خلافا إلا من الكركي في حاشية الكتاب، حيث قال " هذا إذا لم يدع المواطاة في القبض عند البينة وإعادة المقبوض بعد المفارقة فان ادعاه كان له الاحلاف أيضا " ونحوه عنه في تعليق الارشاد أيضا. لكن فيه ما لا يخفى ضرورة خروجه عن الفرض إذ هو دعوى إعادة المقبوض بعد مضي البينة لا إنكار ما شهدت به عليه، كما هو واضح. هذا وفي الدروس " لو أقر ثم ادعى المواطاة فله إحلاف المقر له على الاستحقاق لا على عدم المواطاة أما لو أقر بين يد الحاكم ثم ادعاها لم يسمع وكذا لو شهد الشاهد بمشاهدة القبض " وعن شرح الارشاد للفخر أنه يحلف على الاقباض أو الاستحقاق، وفي محكي الكفاية يحلف على الاقباض، لكن في جامع المقاصد والروضة يحلف على الاقباض أو عدم المواطاة. وفيه أن الحلف على نفي المواطاة لا يقتضي نفي دعوى عدم القبض للمواطاة، إذ يمكن عدمه من دون مواطاة، وكأنه هو الذي لحظه الشهيد في عدم الاكتفاء بالحلف على نفيها وإن أبرز الدعوى بها، إلا أن المراد عدم القبض مواطاة، لا أن الدعوى نفس المواطاة، كما هو واضح بأدنى تأمل. نعم قد يناقش في قوله: " أما " إلى آخره بأن إقراره بين يدي الحاكم لا يقتضي عدم قبول دعواه المستأنفة حتى لو حكم الحاكم باقراره الذي لا يزيد على


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وفى المستدرك الباب - 3 - منها الحديث 4 وسنن البيهقى ج 10 ص 252 " البينة على المدعى واليمين على من أنكر ".

[ 152 ]

اعترافه به الان حال الدعوى لكنه يدعي كونه على الوجه المزبور ولم يكن باقراره بمحضر من الحاكم قطع لهذه الدعوى المفروض سماعها منه. كما أنه قد يناقش فيما ذكره المصنف وغيره من أن ذلك ليس تكذيبا لاقراره إلى آخره بأن المراد من تكذيبه هو دعوى خلاف مقتضاه لا إنكاره، ولا ريب في أنه هنا كذلك، لكنه ادعى كون صدوره للوجه المزبور، فان كان ذلك كافيا في قبول دعواه على وجه يستحق اليمين على المدعى عليه لعموم " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " (1) اتجه التعدية لغير المقام، فلو ادعى المقر مثلا أن إقراره كان لمصحلة من المصالح التي منها أن يقر المدعى عليه بماله عليه في مقابلة إقراره الصوري، ومنها دفع ضرر يكون عليه وغير ذلك إلا أن ذلك مناف لما يفهم من المصنف وغيره أن السبب في سماع الدعوى في المقام جريان العادة. بل في جامع المقاصد وغيره تعليله بكونه مما تعم به البلوى، وبنحو ذلك مما يظهر منه خصوصية للمقام سوغت سماع الدعوى فيه وإن كانت مكذبة لاقراره. نعم قول المصنف " إذ ليس إلى آخره طاهر أو صريح في أن المقام ليس من تكذيب الاقرار، بل من دعوى شئ آخر معه، ونحوه غيره في التعليل المزبور وإن كان هو كما ترى، ضرورة صدق التكذيب عليه، إذ دعوى عدم القبض بعد الاقرار به تكذيب له قطعا وإن ذكر وجها لاقراره. ولعل الاقوى في النظر إن لم يكن إجماع عدم خصوصية للمقام، فتسمع الدعوى بما لا ينافي الاقرار مطلقا إذا ذكر وجها ممكنا لاقراره الاول، بل لو ادعى علم المقر له به استحق له اليمين عليه، بل لا يبعد جريان نحو ذلك في البينة، لعموم الادلة التي منها " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (2) وليس


(1 و 2) راجع ص 151.

[ 153 ]

في شئ منها اعتبار عدم استلزمها تكذيبا للاقرار والبينة في القبول وإن ذكر وجها ممكنا لهما. بل لعل اتفاقهم ظاهرا على سماع دعوى الفساد بعد فعل ما حكم الشارع بصحته واعترافه بذلك مؤيد لما ذكرناه، وقد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في كتاب القضاء. * (المقصد الثالث) * * (في الاقرار بالنسب) * الذي أجمع العلماء كافة على قبوله فيه، كما في نهاية المرام، ولا خلاف بين العلماء في ثبوته به كما في الكفاية، مضافا إلى عموم أدلته، وخصوص النصوص (1) الواردة التي فيها الصحيح والقوى والمرسل، وقد تقدم جملة منها في كتاب النكاح. * (و) * كيف كان ف‍ * (فيه مسائل:) *


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث - 0 - من كتاب المواريث

[ 154 ]

* (الاولى:) * * (لا يثبت الاقرار بنسب الولد الصغير) * ولو اثنى * (حتى تكون البنوة ممكنة، ويكون المقر به مجهولا، ولا ينازعه فيه منازع، فهذه قيود ثلاثة) * لا خلاف في اعتبارها في الاقرار بنسب الولد وإن اختلف التعبير عنها، ففي كثير من الكتب التعبير بالعبارة المزبورة، وفي جملة اخرى " يشترط في الاقرار به عدم تكذيب الحس والشرع وعدم المنازع " إلا أن المراد واحد، مضافا إلى ما تقدم اعتباره في المقر من البلوغ والعقل، بل في الرياض من عدم الحجر وإن كان فيه ما فيه. نعم ظاهر ما حضرنا من نسخة الشرائع ومحكي السرائر والنافع اختصاص اعتبارها في الصغير، وليس كذلك قطعا وإن أوهمه المحكي عن عبارة المبسوط أيضا، لكنه قال بعد ذلك: " وإن كان كبيرا، فانه يعتبر فيه أربعة شروط: الثلاثة التي ذكرناه، والرابع تصديقه " ويمكن تنزيل العبارت الثلاثة على ذلك أيضا. بل لعل المعروف من نسخة الشرائع المشروحة فيما عندنا من المسالك عدم التقييد بالصغير، بل لا يكاد يتم قوله: " فلو انتفى " إلى آخره مع فرض بلوغ المقر وصغر المقر به، كما أنه يمكن تنزيل إطلاق الارشاد ومحكي المبسوط والسرائر والتذكرة وغيرها على ما في الكتاب والقواعد والدروس وغيرها من التقييد بامكان التولد عادة، لانه المتيقن من الاجماع الذي هو عمدة دليل المسألة وإن قلنا سابقا في اللحوق بالفراش: " إن ابن العشر يمكن التولد منه على خلاف العادة ". بل في المسالك هنا " أن الاولى اعتبار مطلق الامكان " لكن فيه ما عرفت من عدم الدليل هنا غير الاجماع المعلوم منه ذلك، بخلاف قاعدة الفراش، إذ نصوص المقام لا دلالة في شئ منها على ثبوت النسب بالنسبة إلى غير المقر من أرحامه ففي

[ 155 ]

الخير (1) " إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينتف عنه أبدا " وفي المرسلة (2) " رجل ادعى ولد امرأة لا يعرف له أب ثم امتنع من ذلك قال: ليس له ذلك ". وفي الصحيحين (3) في أحدهما " عن المرأة تسبى من أرضها ومعها الولد الصغير، فتقول: هذا ابني، والرجل يسبى فيلقى أخاه فيقول: أخي ويتعارفان، وليس لها بينة على قولهما، فقال عليه السلام ما يقول من قبلكم ؟ قلت: لا يورثونهم، لانهم لم يكن لهم على ذلك بينة، إنما كانت ولادة في الشرك، فقال: سبحان الله، إذا جاءت بابنها أو بنتها ولم تزل مقرة وإذا عرف أخاه وكان ذلك في صحة من عقلهما ولم يزالا مقرين ورث بعضهم من بعض ". والخبر (4) " عن رجلين جاءا من الشرك، فقال أحدهما لصاحبه: أنت أخي فعرفا بذلك، ثم اعتقا ولكن بعرفان بالاخاء، ثم إن أحدهما مات، فقال: الميراث للاخ يصدقان " إلى غير ذلك من النصوص التي لا دلالة فيها على ثبوت النسب بالنسبة إلى غير المقر وإن كان قد يشم ذلك منها بالنسبة إلى الصغير، خصوصا صحيح المرأة التي أثبت لها إرثه بمجرد إقرارها، بل قوله عليه السلام: " لا ينتفى عنه أبدا " كناية عن كونه له ولدا شرعا أزيد من ولد الفراش. لكنه كما ترى يحتاج إلى إتمام ذلك بالاجماع فالمتجه حينئذ الاقتصار فيه على المتيقن الذي ذكرناه، وليس هو إلا الامكان العادي أللهم إلا أن يقال إن المراد منه ما يمكن فيها ولو نادرا، فيبقى خارق المعتاد الذي هو كالاعجاز خارجا، لا ما يكون فيها ولو نادرا فتتفق الكلمة حينئذ.


(1 و 2) * الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 4 - 3 من كتاب المورايث. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 بسندين. راجع الكافي ج 7 ص 165 و 166. (4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 2 من كتاب المواريث.

[ 156 ]

وعلى كل حال * (فلو انتفى إمكان الولادة لم يقبل، كالاقرار ببنوة من هو أكبر منه سنا أو مثله في السن أو أصغر منه بما لم تجر العادة بولادته لمثله) * بناء على اعتبار العادة * (أو أقر ببنوة) * ولد * (امرأة له وبينهما مسافة لا يمكن الوصول إليها في مثل عمره) * عادة بلا خلاف أجده شئ من ذلك ولا إشكال وإن تصادقا. * (وكذا لو كان الطفل معلوم النسب) * شرعا لغيره * (لم يقبل إقراره) * أيضا كذلك * (وكذا لو نازعه منازع في بنوته لم يقبل) * أيضا * (إلا ببينة) * أ، بالقرعة كما صرح به جماعة، ولعله للاشكال من تعارض الاقرارين، ولفحوى الصحاح المستفيضة الواردة في وطء الشركاء الامة المشتركة (1) مع تداعيهم جميعا في ولدها. ولو دخلت حربية مثلا دار الاسلام ومعها ولد فاستلحقه مسلم أو ذمي مقيم بدار الاسلام لحق به، إلا أن يعلم عدم دخوله دار الحرب وعدم خروجها إلى دار الاسلام وعدم مساحقتها لموطوءته، فلا يلحق لتكذيب الحس إياه ولا يكفي إمكان إنفاذ الماء في قارورة إليها، لبعد وقوعه والانخلاق منه. * (ولا يعتبر تصديق الصغير) * بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الكفاية والرياض، بل في المسالك ومجمع البرهان والمحكي عن جامع المقاصد الاجماع عليه، سواء كان مراهقا رشيدا أولا، بل لا يعتبر تصديقه أيضا بعد بلوغه ورشده، لما سعترفه من عدم سماع إنكاره بعدهما، بل عن نهاية المرام الاجماع على أنه لا يتوقف نفوذ الاقرار به على بلوغه وتصديقه، وفي الكفاية لا نعرف فيه خلافا قلت: ولا إشكالا، ضرورة كونه مع ذلك هو مقتضى إطلاق الادلة ولو استلحق المنتفى باللعان غير صاحب الفراش ففي ثبوت نسبه وجهان، من عدم المنازع ومن إمكان الشبهة، ولعل الاول أقوى.


(1) الوسائل الباب - 57 - من أبواب نكاح العبيد والاماء.

[ 157 ]

ولو استلحق عبد الغير أو أمته ففي ثبوت نسبه مع التصديق أو لا معه إذا كان غير كامل تردد، من العموم ومن أنه يمنع إرثه بالولاء، والاول أقوى. ولو استلحق عبد نفسه الكبير وكذبه لم يثبت النسب، وفي عتقه نظر من إقراره بموجبه ومن عدم ثبوت النسب، والاول أقوى إلزاما له باقراره، نعم لو كان مشهور النسب أمكن عدم العتق، لالتحاقه بغيره شرعا. * (و) * كيف كان ف‍ * (هل يعتبر تصديق الكبير ؟ ظاهر كلامه في النهاية لا) * يعتبر، لان المحكي عنه اقتصاره على اشتراط عدم كونه مشهور النسب، لكن يمكن أن يكون تركه كترك اشتراط الامكان الذي لا ريب في اشتراطه. * (وفي المبسوط) * وتبعه جميع من تأخر عنه * (يعتبر) * ذلك بل عن أبي علي لا نعلم فيه خلافا * (هو الاشبه) * للاصل وغيره. وحينئذ * (فلو أنكر الكبير لم يثبت النسب) * بينهما وإن كان يؤخذ المقر باقراره، بل لا يحتاج إلى الانكار، فيكفي سكوته في عدم الثبوت، ولذا كان المعتبر في كلام الاصحاب التصديق، نعم في قواعد الفاضل اعتبار عدم تكذيبه، ويمكن إرادة التصديق من الذي هو الموافق للاصل، كما هو واضح. * (ولا يثبت النسب) * بين المقر والمقر به * (في غير الولد إلا بتصديق المقر به) * فيثبت لكن على الوجه الذي ستعرفه، كما هو المشهور بين الاصحاب، بل في نهاية المرام والكفاية الظاهر أنه لا خلاف في ذلك، ولعلهما لم يعتنيا بما عن المبسوط من عدم اعتبار التصديق في الصغير ولدا كان أو غيره، أو لم يتحققاه أو نزلا كلامه على ما عن الوسيلة من عدم اعتباره في غير الولد بالنسبة إلى جريان أحكام المقر عليه لا المقر به، وعلى تقديره فهو واضح الضعف، للاصل السالم عن المعارض. * (و) * حينئذ ف * (إذا أقر بغير الولد للصلب ولا ورثه له وصدقه

[ 158 ]

المقر به توارثا بينهما) * بلا خلاف ولا إشكال، لا لثبوت النسب بذلك، بل للنص (1). * (و) * كذا * (لا يتعدى التوارث إلى غيرهما) * بلا خلاف أجده فيه على ما في الرياض، وعن الكفاية وعن نهاية المرام الظاهر أنه لا خلاف فيه، ولعله للاصل الذي خرجنا عنه في الولد الصغير بالاجماع الذي اعترف به غير واحد، لكن عن المبسوط والسرائر والجامع والتحرير والتلخيص التعدية إلى أولادهما خاصة وإن كان لم يظهر لنا وجهه. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو كان له ورثة مشهورون لم يقبل إقراره في النسب) * الموجب للتوارث، لكونه حينئذ إقرارا في حق الغير، ضرورة كون الارث حقا لغيره، وليس من حقوق نفسه حتى يكون مقتضى الاقرار بثبوتها عليه، ولا ينافي ذلك الحكم بالارث لهما إذا تقارا ولا وارث غيرهما، لما سمعته من النص (2) المعتضد بالفتوى، بل وبقاعدة أن المقر له مدع، ولا معارض له، والارث بالولاء مشروط بعدم وارث له، وهو وإن كان لا يكفي فيه الاصل إلا أن ظاهر الادلة هنا الاكتفاء بالاقرار المزبور في عدم الارث له مع وجود أحد المتقاربين نفسه دون غيره. هذا وقد يظهر من الصحيح (3) المزبور عدم الفرق بين الاب والام في لحوق الولد الصغير بالاقرار، بل لعله ظاهر المصنف هنا والنافع، بل قيل هو ظاهر النهاية والمبسوط والوسلية والسرائر والجامع والارشاد والتبصرة والتلخيص، بل قيل إنه خيرة التذكرة والحواشي ومجمع البرهان والمحكي عن التحرير في أحكام الاولاد.


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 من كتاب المواريث.

[ 159 ]

ولكن في الدروس والروضة الاختصاص بالاب، بل في الايضاح " الحق أن النص لا يتناولها " بل فيه " قد وردت رواية بصيغة الجمع المذكر " وهي لا تتناول الاناث عنده وإن كان لم نتحققها، نعم في الخبر (1) لا يثبت نسب تدعيه النساء وينكره الرجال وورثتهم " وهو مع عدم جامعيته لشرائط الحجية يمكن تخصيصه بما دل على ثبوته باقرارها في الولد الصغير (2) مؤيدا بعدم الفرق بينهما وبين الرجل في ذلك. بل قيل: إنها أولى منه فيه، وإمكان إقامتها البينة على أصل الولادة غير إقامتها على ولادة المقر به بخصوصه الذي تتعذر في الغالب، ومن ذلك يقوى الظن بالحاق الام بالاب في ذلك. نعم ينبغي الاقتصار على خصوص الولد للصلب دون ولد الولد، كما صرح به غير واحد، بل عن الكفاية نسبته إلى الاصحاب تارة واستظهار تارة واستظهار نفي الخلاف فيه اخرى، وحينئذ لا يثبت به نسب على حسب ما سمعته في الولد للصلب. أما الالتزام بما يقتضيه الاقرار على المقر نفسه من نفقة وحرمة نكاح مثلا ونحو ذلك كما في كل مقام قلنا بعدم ثبوت النسب فيه بالاقرار فالمتجه ثبوته. وعلى كل حال فظاهر المصنف وغيره، بل هو صريح جماعة ثبوت النسب الذي لا يتعدى إلى غير المقر بالاقرار بالولد وإن اشترط التصديق من الكبير في ذلك، فيكون الفرق حينئذ بين الولد وغيره من المتصادقين بالنسبة إلى التعدية في


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 وهو نقل بالمعنى والظاهر أن هذا اللفظ مأخوذ من عنوان الباب المشار إليه في الوسائل فان فيه " باب أنه لا يثبت نسب وارث تدعيه النساء وينكره الرجال أو ورثتهم ". (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1 من كتاب المواريث.

[ 160 ]

الارث إلى غير المتقارين في الاول دون الثاني، فانه يقتصر عليهما على الوجه المزبور. بل ظاهر المسالك المفروغية من ذلك، حيث قال في شرح قوله: " وإذا أقر بغير الولد " إلى آخره: " هذا من جملة ما افترق فيه الاقرار بالولد من غيره، فان الاقرار بالولد مع التصديق أو بدونه يثبت به النسب، ويتعدى التوارث إلى غيرهما من أنسابهما بشرطه، وأما الاقرار بغير الولد للصلب وإن كان ولد ولد فيختص حكمه مع التصديق بالمتصادقين، لما تقرر من أن ذلك إقرار بنسب الغير، فلا يتعدى المقر، ولو لم يحصل تصديق افتقر إلى البينة ". لكن ربما ظهر من بعض التردد في ذلك، لاصالة عدم التعدي من غير فرق بين الولد الكبير وغيره بعد أن لم يكن نص ولا إجماع " وفي الرياض هو في غاية الجودة كالروضة ونهاية المرام وغيرهما. قلت: يمكن تحصيل الاجماع عليه في الولد أو شهرة تصلح لجبر الخبر (1) والمرسل (2) الدالين على لحوق الولد بالاقرار، وأنه لا ينتفى بالنفي أبدا بالنسبة إلى دلالته على ذلك: وإن اعتبرنا التصديق فيه - لما عرفته من كون الشهرة أو الاجماع على ذلك مع كونه موافقا للقواعد - فيضعف العمل بهما بالنسبة إلى العمل بهما في ذلك وإن كان ظاهر النهاية كما سمعت ذلك، لكن بعد حصول التصديق يثبت النسب المستفاد من فحوى الخبرين المزبورين الدالين على كونه أعظم من الفراش. أما غير الولد فيبقى على قاعدة عدم ثبوت النسب بالاقرار صغيرا كان أو كبيرا إلا مع التصديق ولو من الصغير بعد بلوغه، فيثبت التوارث بينهما خاصة على الوجه


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 4 - 3 من كتاب المواريث.

[ 161 ]

المزبور، لما سمعته من النصوص (1). بل نص غير واحد من الاصحاب على أنه يشترط فيه مع ذلك شرطان آخران: أحدهما أن يكون الملحق به ميتا، فما دام حيا لم يكن لغيره الالحاق به وإن كان مجنونا، والثاني أن لا يكون الملحق به قد نفى المقر به، أما إذا نفاه ثم استلحقه وارثه بعد موته ففي لحوقه وجهان، من سبق الحكم ببطلان هذا النسب، وفي إلحاقه به بعد الموت إلحاق عار بنسبه، وشرط الوارث أن يفعل ما فيه حظ المورث لا ما يتضرر به، ومن أن المورث لو استلحقه بعد ما نفاه باللعان وغيره لحق به وإن لم يرثه عندنا. ولكن في الرياض بعد ذكر هذين الشرطين " للقاصر في فهم المراد بالمشروط بهذين الشرطين عجز، فانه إن كان ثبوت النسب بين المتصادقين بحيث يتوارثان ويتعدى توارثهما إلى غيرهما فللاشتراط وجه، إلا أنهم كما يأتي لا يقولون به، بل صرحوا بأن غاية هذا الاقرار يفيد ثبوت التوارث بين المتصادقين خاصة، وأنه لا يتعدى التوارث إلى غيرهما إلا أن يقرن الدعوى بالبينة، وإن كان ثبوت النسب بينهما خاصة بحيث يتوارثان من دون تعدية - كما هو الظاهر من حكمهم المذكور بعدم تعدية التوارث عنهما إلى غيرهما من الاقارب - فلا وجه للاشتراط، ولا لما مر في توجيه اشتراط الشرط الثاني: من أن للوارث أن يفعل ما لا يضر بالمورث، وذلك فان المشروط بهذا المعنى يحصل بمجرد الاقرار والتصديق الذي هو بمنزلته، وليس فيهما ما يوجب الضرر على المورث، لعدم استيراث المقر به من إرثه ولا من إرث أقاربه، وإنما يورث المقر بعد وارثه إذا لم يكن له وارث غيره " قلت: كان المراد من الشرط الاول الذي مرجع الشرط الثاني إليه أنه مع حياة الملحق به يعتبر إلحاقه ونفيه لا إلحاق غيره به، فلا فائدة لاقرار


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث - 0 -

[ 162 ]

المقر، خصوصا إذا قلنا إنه بالنفي ينتفي على وجه لا يلحقه بالالحاق كصورة العكس. ولذا قال في الدروس الذي هو الاصل في الشرط المزبور لمن تأخر عنه: " لو أقر بأخ من الاب والاب موجود فنفى ثبوته في موضع يجوز النفي لم يتوارثا وإن تصادقا، ولو مات الاب وهما على التصادق أو استلحقه بعد موت أبيه ففي ثبوت نسبه وجهان " ثم ذكر الوجهين السابقين، وظاهره الميل إلى الاخر منهما، بل في المسالك التصريح بأنة أقوى. وفيه أن الادلة التي منها ظاهر نصوص الامة التي ليست فراشا تقتضي أن النفى في الانتفاء كاللحق في الالحاق، فلا ينفع الالحاق في الاول ولا النفي في الثاني، وحينئذ فلا يكون شرطا كي يتجه عليه الاعتراض، والله العالم. ولو تصادق البالغان على نسب ثم رجعا فان كان بنوة لم يقبل، لانه كالفراش بل أشد، بل في الدروس والاقرب القطع بعدم صحة الرجوع في نسب الولد، أما غير البنوة ففي قبول الرجوع وجهان كما في الدروس، إلا أنك قد عرفت ظهور بعض النصوص (1) المزبورة في اعتبار بقائهما على الاقرار في التوارث، لقوله عليه السلام: " لم يزالا مقرين " بل قد عرفت أن ثبوت التوارث بالاقرار على خلاف القواعد. فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن. ولو قال: هذا ولدي من الزنا فهو من باب تعقيب الاقرار بالمنافي، فهل يؤخذ بأول كلامه فيلحق به أو بآخره فلا يثبت به حكم النسب ؟ نظر كما في الدروس. ولو قال: هو أخي واقتصر، ثم قال: أردت اخوة الدين أو الرضاع ففي الدروس الوجه القبول، لامكانه. وفيه أنه خلاف الحقيقة. ولو أقر بأخ فكذبه المقر به صدق بعد موت المقر ففي إرثه نظر، من أن في إنكاره استحقاق الوارث غيره، ومن زوال المانع من ثبوت الاخوة،


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 1

[ 163 ]

وهو التكذيب. ولو أقر ببنوة الكبير فكذبه به فلما مات رجع إلى الاعترف فالاشكال بحاله. ولو أقر الابن بابوة رجل فأنكره فلما مات اعترف بالابوة له فالاشكال هنا ضعيف، لان الاقرار بالبنوة بعد الموت مسموع في الكبير والصغير عند الاصحاب بخلاف الاقرار بغيرها من النسب فينزله هذا الاقرار منزلة الاقرار المبتدأ. وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، والله العالم. المسالة * (الثانية:) * * (إذا أقر بولد صغير فثبت نسبه ثم بلغ فأنكر لم يلتفت إلى إنكاره، لتحقق النسب سابقا على الانكار) * بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل لا يمين له عليه لو طلبه منه، لان غايته استخراج تصديقه أو نكوله، وكلاهما غير مسموع، بل قد يقال: إن ظاهرهم عدم الالتفات إليه حتى بالنسبة إليه في حقه كالولد الفراشي مع احتمال الالتفات أخذا باقراره. المسالة * (الثالثة:) * * (إذ أقر ولد الميت بولد آخر له فأقرا بثالث ثبت نسب الثالث إن كانا عدلين) * لحصول البينة * (ولو أنكر الثالث الثاني لم يثبت نسب الثاني) * الذي كانت ولديته باقرار الاول * (لكن يأخذ الثالث نصف التركة) * لان المشارك له الاول خاصة * (ويأخذ الاول ثلث التركة) * لان نصيبه ذلك بمقتضى إقراره * (و) * أما * (الثاني (باقرار الاول خ ل)) * الذي أقر به الاول ونفاه الثالث يأخذ * (السدس) * من الاصل، * (وهو تكملة نصيب الاول) * إذ ليس له إلا

[ 164 ]

زيادة ما في يد الاول المقر بلا خلاف أجده فيه بل عن السرائر أنه مذهبنا، بل عن موضعين من الايضاح وموضع من جامع المقاصد نسبته إلى الاصحاب، بل عن التذكرة أنه مذهب علمائنا أجمع، كما عن الخلاف الاجماع عليه. وفي الخبر (1) " إذا أقر واحد من الورثة بدين أو وارث جاز ذلك في حصته، وكذا إذا أقر اثنان ولم يكونا عدلين، فان كانا عدلين مضى ذلك على الورثة ". وأوضح منه خبر وهب بن وهب (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: " قضى علي عليه السلام في رجل مات وترك ورثة فأقر أحد الورثة بدين على أبيه أنه يلزمه ذلك في حصته بقدر ما ورث، ولا يكون ذلك في ماله، وإن أقر اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين الزما في حصتهما بقدر ما ورثا، وكذلك إذا أقر بعض الورثة بأخ أو اخت إنما يلزم في حصته وقال علي عليه السلام: من أقر لاخيه فهو شريك في المال، ولا يثبت نسبه، فان أقر اثنان فكذلك، إلا أن يكونا عدلين فيلحق نسبه، ويضرب في الميراث معهم ". ومعناه كما اعترف به الشيخ أنه يلزم بقدر ما يصيب حصته، ففي المثال لو فرض أخوان واخت واعترف بهما أحدهما التزم لها من حصته بالخمس، لان نصيبها لو اعترف بها الاخر معه الخمس، فلما أنكر التزم لها المقر خمس حصته، وهو معنى إلزامه بما فصل من نصيبه، ضرورة كون خمس نصيبه هو الزائد في يده على نصيبه بمقتضى اعترافه، وهو تكملة نصيبه مع أخيه المنكر الذي اقتسم المال معه نصيفن، مؤيدا بأنه لا ينقص باقراره نصيبه الثابت له باعتراف المنكر، وإنما النزاع في الحقيقة بين المقر به والاخ الاخر المنكر، فمع فرض اليمين استحق بعض نصيبه على الاشاعة، وأما نصيب المقر، فلا نزاع فيه لاحد.


(1) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا والظاهر أنه (قد) أخذه من عنوان الباب المشار إليه وفى ذلك الباب روايات بهذا المضمون مع الاختلاف (2) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا الحديث 5 و 6.

[ 165 ]

وبذلك افترق المقام عن المشتركين في مال اللذين مقتضى القاعدة فيهما تلف ما يتلف عليهما بالنسبة، وما يبقى لهما كذلك ومقتضاه قسمة نصيب الاخ المقر بينه وبين اخته أثلاثا ويكون ما أخذه الاخ المنكر عليهما. ولعله لذا قال في المسالك: " ربما قيل في مفروض المتن بقسمة النصف بين المقر والمقر له بالسوية، لقاعدة الشركة، فيكون الثالث كالغاصب لهما ". وفيه أنه كالاجتهاد في مقابلة النص، ضرورة ظهور الادلة نصا (1) وفتوى في تنزيل الاقرار على الاشاعة في الاسهم، مثل الاقرار بالدين، وذلك لان الثاني حق شائع فيما في يد الاول والثالث بالسوية، فلها الثلث من كل منهما. هذا وقد تقدم لنا سابقا في الكتب السابقة زيادة كشف للمسألة، والفرق بين الاقرار وغيره. وعلى كل حال فالضابط في صورة المتن ونظائرها بناء على ما ذكرنا أن يأخذ أصل المسألة على قول المنكر، وأصلها على قول المقر، وتضرب إحداهما في الاخرى ويقسم الحاصل باعتبار مسألة الانكار، فيدفع نصيب المنكر منه إليه، ثم باعتبار مسألة الاقرار، فيدفع نصيب المقر منه ويدفع الباقي إلى المقر به، فمسأله الانكار في هذه الصورة من اثنين، ومسألة الاقرار من ثلاثة، فتضرب أحدهما في الاخر، فثلث المرتفع - وهو اثنان - للمقر ونصفه ثلاثة للمنكر، ويبقى سهم للاخر. وأما الضابط على الثاني فهو أن ينظر في أصل المسألة على قول المنكر ويضرب نصيبه إليه فيها، ثم يقسم الباقي بين المقر والمقر به، فان انكسر صححه بالضرب. فأصل المسألة في هذه الصورة على قول المنكر اثنان، يدفع إليه منهما واحد، والاخر لا ينقسم على اثنين، فتضرب اثنين في أصل المسألة، فالمرتفع وهو أربعة نصفه للمنكر ونصفه للاخر، لكل منهما واحد، كما هو واضح. هذا كله إذا


(1) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا

[ 166 ]

لم يكونا معلومي النسب. * (و) * إلا ف‍ * (لو كانا) * أي الاثنان * (معلومي النسب فأقرا بثالث ثبت نسبه إن كانا عدلين) * لحصول البينة التي يثبت بها، كونهما مقرين لا ينافي كونهما شاهدين. * (ولو أنكر الثالث أحدهما لم يلتفت إليه، وكانت التركة بينهم أثلاثا) * لثبوت نسب الاولين واعترفهما بالثالث، سواء كانا عدلين أو لا، لكن مع عدالتهما يثبت نسبه معهما، وبدونها يثبت شركته معهما بالارث خاصة، لما عرفت من أن الاقرار في غير البنوة لا يثبت النسب، وإنما يثبت التوارث بين المتصادقين على الوجه الذي قد عرفت. المسالة * (الرابعة:) * * (لو كان للميت) * وارث في الظاهر * (إخوة وزوجة فأقرت) * الزوجة * (له) * أي الميت * (بولد) * صغير أو كبير * (كان لها) * الثمن بمقتضى إقرارها، وهو نصف نصيبها لولا إقرارها، ثم ينظر * (فان صدقها الاخوة) * على ذلك * (كان الباقي) * وهو ثلاثة أرباع التركة * (للولد دون الاخوة) *، بل إن كان فيهم عدلان ثبت نسبه أيضا مع ذلك. * (وكذا) * الحكم في * (كل وارث في الظاهر أقر بمن هو أقرب منه) * كالعم المقر بأخ للميت * (دفع إليه جميع ما في يده) * لعموم " إقرار العقلاء " (1) بخلاف الاجنبي الذي هو شاهد غير مقر، وبخلاف الوارث واقعا المعلوم كذب إقراره * (ولو كان مثله) * في الارث * (دفع إليه من نصيبه) * أي المقر * (بنسبة نصيبه) * أي المقر به إلى انصباء الورثة، كما لو أقر أحد الاخوين باخت مثلا دون الاخر دفع المقر من نصيبه - وهو النصف - خمسا منه لانه نسبة نصيب الاخت إلى سهام


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 167 ]

الاخوين، ويبقى من نصيبها خمس آخر في نصيب الاخ غير المقر، ومرجعه إلى أن المقر يدفع إلى المقر له ما زاد من نصبيه لو لا الاقرار على تقدير وجود المقر به، فالزوجة في الفرض تدفع الثمن، لانه الفاضل من نصيبها لو لا الاقرار بالولد، كما أن الاخ يدفع الخمس، لانه الفاضل من نصيبه لو لا الاقرار بالاخت، وهكذا. * (وإن أنكر الاخوة) * الولد * (كان لهم ثلاثة أرباع، وللزوجة الثمن، وباقي حصتها) * لولا الاقرار * (للولد) * بلا خلاف معتد به في شئ من ذلك، بل ولا إشكال بعد الاحاطة بما ذكرناه في المسالة السابقة من القاعدة والنصوص (1) والفتاوى. ولو أقر الوارث ظاهر بمساو فانكر المقر له نسب المقر له وليس له بينة ففي الدروس حاز المقر له التركة مع يمينه عملا بالمتفق عليه فتأمل. المسالة * (الخامسة) * * (إذا مات صبي مجهول النسب فأقر انسان ببنوته ثبت نسبه) * بلا خلاف فيه، كما عن المبسوط، بل قيل ظاهره نفيه بين المسلمين، بل ظاهره وغيره كصريح غير واحد أنه كذلك * (صغيرا كان أو كبيرا، سواء كان له مال أو لم يكن) * ولعله لذا نسبه في جامع المقاصد إلى الاصحاب، وحكي عن الشيخ نفى الخلاف فيه، بل في المسالك في شرح عبارة الكتاب في المسألة بتمامها هذا الحكم مشهور بين الاصحاب ذكره الشيخ في المبسوط وغيره، وادعى على الاتفاق، وفي الروضة أن عليه فتوى الاصحاب واستظهر في الرياض أنه مجمع عليه وأنه لا خلاف فيه يعرف، إلى غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في الاتفاق المزبور على ثبوت النسب بذلك في الميت مطلقا.


(1) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا.

[ 168 ]

* (و) * حينئذ فإذا ثبت نسبه كذلك * (كان ميراثه) * أجمع مع عدم وارث غيره * (للمقر) * لانه أبوه شرعا بالاقرار المزبور كالفراش أو أزيد * (ولا يقدح في ذلك احتمال التهمة كما لو كان حيا ولو مال) * خلافا لابي حنيفة، فلم يلحقه به في الميت ذي المال دون الحي، وهو واضح الضعف، لمعلومية عدم اعتبار التهمة شرعا، وعلى تقديره فلا فرق بين الحي والميت، فاستحسانه غير تام. * (و) * وعلى كل حال فبناء على ما سمعت * (يسقط اعتبار التصديق في طرف الميت ولو كان كبيرا، لانه في معنى الصغير، وكذا لو أقر ببنوة مجنون، فانه يسقط اعتبار تصديقه، لانه لا حكم لكلامه) * كالصبي بلا خلاف كما في جامع المقاصد والرياض ومحكي المبسوط، بل في الثاني الاجماع عن بعض. لكن لا يخفى عليك تتمة ذلك كله باتفاق الاصحاب ظاهرا على الحكم المزبور، وإلا فهو مخالف للقواعد في الكبير، فان عدم إمكان تصديقه لموته أو جنونه لا تقتضي ثبوت النسب فيه بمجرد دعوى المدعي، بل مقتضاه عدمه بناء على أنه شرط في ثبوت النسب، وفحوى نصوص الولد (1) بناء على أن المراد منه الصغير لو لا الاجماع لا يستفاد منها حكمه بعد حرمة القياس والاستحسان. ولعله لذلك استشكل في محكي التذكرة في الكبير وتبعه في المسالك قال: " لاصالة عدم النسب، ولا نص في المسألة ولا إجماع، ولذلك توقف في التذكرة، وعذره واضح، والوجهان آتيان في استلحاق المجنون بعد بلوغه عاقلا سواء مات أو لا " ونحوه في جامع المقاصد إلا أنه قد استقر رأيه أخيرا على موافقة الاصحاب، وكان مرداهما عدم إجماع محصل، وإلا فقد عرفت ما نقلاه عن المبسوط. ومن الغريب قول الكركي في المحكي من تعليقه على الارشاد عدم القبول في


(1) الوسائل الباب - 6 و 9 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث.

[ 169 ]

المجنون مطقا راجح ولم نجده لغيره إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد ما عرفت من الاتفاق المزبور. بل قد يقال إن الولد في الخبر (1) والمرسل (2) السابقين شامل باطلاقه للصغير والكبير والحي والميت والمجنون والعاقل، ولذا سمعت أن ظاهر النهاية عدم الفرق إلا أنه لما كان الاتفاق سن غيره على اعتبار التصديق في الكبير مؤيدا باستعباد نفوذ الاقرار في حقه مع إنكاره حصل الشك فيه إذا كان مع ذلك حيا عاقلا. أما غيره فلا شك، خصوصا بعهد اتفاق الاصحاب - كما عرفت - على ثبوت الحكم، وليس ذلك إثبات شرطية للتصديق في الكبير على كل حال حتى يقال. لا دليل على سقوطها بالموت أو بالجنون، بل هو أخذ بالمتيقن بعد حصول الشك الذي قد عرفت كونه فيه خاصة دون غيره. ولعل هذا هو الوجه في اتفاق الاصحاب، لا الالحاق بالصغير الذي لا يتم على قواعد الامامية التي منها حرمة القياس والاستحسان وكان ما وقع من المصنف وغيره من التعليل بكونه في معنى الصغير مع الموت وأنه لا حكم لكلامه مع المجنون إنما يراد به تقريب النص ورفع الاستبعاد الذي يقع في النفس لا الاستدلال بذلك، وإنما الدليل ما عرفت.


(1 و 2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث

[ 170 ]

المسالة * (السادسة:) * * (إذا ولدت أمته ولدا فأقر ببنوته لحق به وحكم بحريته بشرط) * إمكان تولده منه و * (أن لا يكون لها زوج) * ولا محلل بحيث تكون فراشا له يلحق به ولدها بلا خلاف في شئ من ذلك ولا إشكال، إذ لا ينقص عن الطفل المجهول، لكن هل تكون الجارية ام ولد ؟ في محكي التذكرة إشكال ينشأ من إمكان استيلادها بالنكاح ثم ملكها بعد ذلك، فلا تكون ام ولد، أو أنه استولدها بشبهة أو إباحة، ومن أن الظاهر أنه استولدها في ملكه، لانه محقق. وفي المسالك " ربما يرجع الوجهان إلى تعارض الاصل والظاهر، وترجيح الاصل هو الغالب ". قلت: لا ريب أن مقتضى الاصل عدم كونها ام ولد إذا لم يعلم تاريخ ملكه لها، بل لا ظهور في ولادتها في ملكه بكون علوقها كذلك، نعم لو علم تاريخ ملكه لها وكان يمكن علوقها فيه أمكن القول حينئذ بأن مقتضى الاصل تأخر علوقها، ولكن الكلام في إثبات كونها ام ولد بالاصل المزبور كما تقدم البحث في نظائره. وعلى كل حال فلا ظاهر يعارض الاصل فضلا عن احتمال تقدمه عليه، مع عدم كونه ظاهر شرع حتى لو قال: " ولدي وقد ولدته في ملكي " فان الولادة أعم من العلوق به كذلك، نعم لو أقر بأنها علقت به في ملكه أو أقر بأنها في ملكه منذ سنتين مثلا وعمر الولد الذي استحلقه به سنة مثلا صارت ام ولد قطعا بلا خلاف بل ولا إشكال. * (لو أقر بابن إحدى أمتيه وعينه لحق به) * بلا خلاف ولا إشكال لكن على الوجه الذي عرفته في لحوق الولد باستلحاقه. * (ولو ادعت الاخرى أن ولدها هو الذي أقر به فالقول قول المقر) * حينئذ

[ 171 ]

* (مع يمينه) * لانه منكر، ولو نكل حلفت هي وثبت حقها لها على مقتضى الدعاوي، لكن ذلك كذلك إذا كان في دعواها عليه بذلك حقا لها، بأن تكون بها ام ولد، فيثبت حينئذ كونا ام ولد دون لحوق الولد به، وإلا لم يكن لها الدعوى عليه، إذ الحق حينئذ للولد لا لها. * (ولو لم يعين ومات) * أي المولى لا يعرض على القافة، لعدم الاعتداد بها عندنا، ولا يعتق نصف كل واحد منهما، للقطع بكونه خلاف الواقع، ولا يوقف حتى يصطلحا، ولا يشتركان في حصة المقر به مع عدم ثبوت نسب واحد منهما، ولا غير ذلك من الاحتمالات التي لم نجد قائلا منا بشئ منها، بل ومخالفة للقواعد الشرعية. نعم * (قال الشيخ ره يعين الوارث) * لا بمعنى أن ينشأ تعيينا من دون علم سابق له بحقيقة الحال، لان النسب لا يلحق بالتشهي، بل إذا كان عالما بالحال ولو باقرار المورث قبل إخباره بذلك لان الحق انتقل إليه من المورث. * (فان امتنع) * مع التعيين لعدم علمه أو لغيره * (اقرع بينهما) * وتبعه الشهيد في الدروس * (و) * لكن * (لو قيل باستعمال القرعة بعد الوفاة مطلقا كان حسنا) * بل هو الاقوى وفاقا للمشهور، لحصول الاشكال بموته، لعدم دليل على قبول إخبار الوارث من حيث كونه كذلك، بل هو إقرار في حق الغير، بل قيل: إن التعيين إنما يعتد به إذا كان من جميع الورثة، والمقر به منهم، فلو اعتبر تعيينه لزم الدور وإن كان فيه ما فيه. ثم إذا خرجت القرعة لواحد وكان قد ذكر المقر ما يقتضي امية امه صارت ام ولد بذلك من دون قرعة اخرى. كما هو واضح.

[ 172 ]

المسالة * (السابعه:) * * (لو كان له أولاد ثلاثة) * مثلا * (من أمة فأقر ببنوة أحدهم فأيهم عينه كان حرا والاخران رق) * من غير فرق في المعين بين كونه الاكبر أو الاوسط أو الاصغر، بناء على ما هو المشهور من عدم كون الامة فراشا للمولى وإن وطأها، وأن الولد لا يلحق به إلا بإقراره، كما تقدم البحث فيه سابقا، خصوصا في اللعان. أما لو قلنا: إنها فراش ففي المسالك " تحرر المعين ومن ولد بعده، فان عين الاكبر تبعه الاخيران، وإن عين الاوسط لحقه الاصغر وبقي الاكبر رقا، كما أنه لو عين الاصغر بقى الاكبر والاوسط على الرقية، وكان هو حرا خاصة، وكذا الحكم لو لم يعين واستخرج بالقرعة، إلا أنه بناء على هذا يكون الاصغر ولدا حرا على كل حال، لانه إما مقر به أو تابع، بخلاف الاخرين، وحينئذ فهل يفتقر إلى إدخاله في القرعة ؟ وجهان، من أنها لاخراج المشتبه ولا اشتباه فيه، ولجواز أن تقع على غيره، فيلزم استرقاقه مع أنه معلوم الحرية، ومن أن إدخاله فيها لا لاسترقاقه، بل ليرق غيره إن خرجت عليه ويقتصر بالحرية عليه وهو أحسن - ثم قال -: وربما قيل بمنع حريته، لان امه وإن كانت ام ولد يجوز أن يكون رقيقا في نفس الامر، ويشكل بأنا إذا حكمنا بصيرورتها فراشا ألحقنا به أولادها ظاهرا من غير التفات إلى إمكان كونهم من غيره ولو بوجه صحيح، فلا يقدح هذا التجوز، والاصحاب أهملوا التفريع على هذا القول نظرا إلى الاشهر بينهم من عدم صيرورتها فراشا بالوطء. قلت: لا إشكال في لحوق كل ولد منها به، وهي فراش له، والاحتمالات لا عبرة بها كالحرة، إنما الكلام في أن اعترافه بولد من أولادها لا يقتضي كونها فراشا له دائما، إذ قد يكون وطؤها شبهة وهي فراش لغيره، ومن هنا كان الاقرار بولد

[ 173 ]

من الحرة لا يقتضي الاقرار بزوجيتها، إذ أقصاه أنه وطء يوجب لحوق الولد، وهو أعم من ذلك. نعم لو وطأها بالملك وقلنا: إنها بذلك تكون فراشا لم يحتج إلى لحوق أولادها به إلى إقرار إذ بعد العلم بكونها فراشا له وقد جاءت بأولاد ولم يعلم تجدد فراش آخر يحكم بكون الجميع له. ولعل الاصحاب أهملوا ذكر التفريع المزبور على هذا القول، لان مفروض البحث عدم العلم بفراشيتها إلا من الاقرار بالبنوة، وقد عرفت أنه أعم من ذلك لا لما ذكره، والامر سهل بعد معلومية فساد الاصل الذي بني عليه هذا التفريع، ولهذا أهمل الاصحاب التفريع على ذلك. * (و) * على كل حال ف‍ * (لو اشتبه المعين وقد مات المولى أو لم يعين استخرج بالقرعة) * التي هي لكل أمر مشكل، وقد سمعت الكلام في تعيين الوارث. المسالة * (الثامنة:) * * (لا يثبت النسب) * بالشهادة * (إلا بشهادة رجلين عدلين) * نعم يثبت بالاستفاضة كما أشعبنا الكلام فيه في كتاب الشهادات. * (و) * المراد هنا بيان أنه * (لا يثبت بشهادة رجل وامرأتين على الاظهر) * الاشهر بل المشهور، خلافا للمحكي عن الشيخ في خلافه مدعيا فيه ظاهرا أو صريحا إجماع الفرقة وأخبارهم، بل عنه في المبسوط هنا اختياره في أول كلامه، وأنه قواه في الشهادات، لكن في المسالك هو شاذ، وعن السرائر أن اصول مذهبنا تقضي عدم ثبوته بالرجل والامرأتين، بل عنه في المبسوط في آخر الباب الجزم بعدم ثبوته بذلك أو بالشاهد واليمين، بل قيل هذا منه يرشد إلى أن دعواه في الخلاف والاجماع والاخبار على غير ما نحن فيه، بل قيل: إنهما مساقان للرد على

[ 174 ]

من قال: لا يثبت النسب بإقرار الورثة أصلا وكيف كان فقد ذكرنا في كتاب الشهادات تمام الكلام في أنه لا يثبت بذلك * (ولا بشهادة رجل ويمين،) * فلاحظ وتأمل. نعم لا خلاف عندنا * (و) * لا إشكال نصا (1) وفتوى في أنه * (لا) * يثبت * (بشهادة) * شاهدين * (فاسقين ولو كانا وارثين) * وإن كان يؤخذان بما يتقضيه إقرارهما. المسالة * (التاسعة:) * * (لو شهد الاخوان) * مثلا * (وكانا عدلين بابن للميت يثبت نسبه) * بلا خلاف كما عن حواشي الشهيد، بل قيل: هو محل وفاق حتى من العامة على الظاهر * (و) * أما * (ميراثه) * للمال دونهما فهو المشهور بين الاصحاب، بل عن ظاهر التذكرة الاجماع عليه في مواضع: منها قوله: فيها " لو كان المقر به مما يحجب المقرين عن الميراث حاز المال المقر به، ولا شئ للمقرين إجماعا " إلى آخره. * (ولا يكون ذلك دورا) * كما عن المبسوط في أول كلامه، قال: " يثبت نسبه ولا يرث، لانه لو ورث لحجب الاخوين وخرجا عن الارث، فيبطل إقرارهما، لانه إقرار ممن ليس بوارث، فيبطل النسب، فيبطل الارث، فيلزم من صحة الارث بطلانه ومن بطلانه صحته " لكنه قال بعد ذلك: " ولو قلنا يثبت الميراث أيضا كان قويا، لانه يكون قد ثبت بشهادتهما، فيتبعه الميراث لا بالاقرار " وفي محكي السرائر " أن كلامه الاول كلام المخالف، والثاني مختاره " وهو كذلك لانه أجل من صدور هذه الخرافة منه، خصوصا بعد ما سمعت من الخبرين (2) الناصبين على


(1) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا الحديث 5 و 6 و 7. (2) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا الحديث 5 و 6.

[ 175 ]

العدلين والفاسقين، ومنهما يستفاد قبول إقرارهما وإن كانا فاسقين، لكون المعتبر في صحة الاقرار كونهما وارثين في الظاهر لانه من المعلوم عدم صحة اعتبار كونهما وارثين في نفس الامر، إذ هو لا يجتمع مع خروجهما عن الارث بالاقرار، بل يكفي في قبول إقرارهما كونهما صاحبي يد في الجملة على مال الميت * (و) * من هنا * (لو كانا فاسقين لم يثبت النسب ولكن يستحق دونهما الارث) * لاقرارهما بلا خلاف معتد به أجده فيه، فلا حاجة حينئذ إلى ما سمعته عن الشيخ من كون قبول العدلين من حيث الشهادة لا الاقرار، إذ لا يكاد يظهر فرق بين تسمية ما أخبرا به شهادة أو إقرارا، وبالجملة فالمسألة من والواضحات. المسالة * (العاشرة:) * * (لو أقر) * الاخ مثلا * (بوارثين أولى منه) * دفعة بأن قال: هما الوراثان ولا شريك لهما * (فصدقه كل واحد منهما عن نفسه لم يثبت) * بذلك * (النسب) * قطعا لما عرفته مكررا، نعم لو تصادقا وكانا عدلين والمقر عدل أيضا ثبت النسب أيضا * (و) * لكن * (يثبت الميراث) * المقر به من الوارث لو لا إقراره. * (و) * على كل حال * (دفع إليهما) * معا * (ما في يده) * ولو صدق أحدهما الاخر وكان عدلا والمقر أيضا عدلا اختص بالميراث دون الاخر، لثبوت نسبه دونه. * (ولو تناكرا بينهما لم يلتفت إلى إنكارهما) * بلا خلاف أجده فيه، لان استحقاقهما للارث ثبت في حالة واحدة، وهي الاقرار بهما دفعة، فلم يكن أحدهما أولى من الاخر، بخلاف ما لو أقر بأحدهما ثم أقر بالاخر، فان اشتركهما في التركة متوقف على مصادقة الاول، نعم تبقى الدعوى قائمة بينهما، بل وبين المقر إذا ادعيا عليه العلم، بل وبدونه، إنما الكلام هنا في استحقاقهما الميراث

[ 176 ]

من حيث الاقرار الذي لا ترجيح لاحدهما على الاخر فيه، كما هو واضح. وكذا لا يلتفت إلى تناكر التوأمين، فلو أقر الاخ ببنوة أحد التوأمين لحقه الاخر ولا اعتبار بانكار أحدهما صاحبه. * (ولو أقر) * الوراث ظاهرا الذي هو العم مثلا * (بوارث) * آخر * (أولى منه) * وهو الاخ فقال وارث الميت: زيد أخوه * (ثم أقر بآخر أولى منهما) * وهو الولد فقال: وارثه ولده هذا * (فان صدقه المقر له الاول) * بأن زيد المعين ولده الوراث له * (دفع المال إلى الثاني) * بلا خلاف ولا إشكال، * (وإن كذبه) * أحلف و * (دفع المقر إلى الاول المال) * إلزاما له باقراره * (وغرمه للثاني) * لنحو ما سمعته فيمن أقر بعين لشخص ثم أقر بها لاخر. * (ولو كان الثاني) * المقر له بعد الاقرار بالوارث الاول * (مساويا للمقر له أولا) * بالارث كما لو قال: هذا أخ الميت وارث مع الاول * (ولم يصدقه الاول دفع المقر إلى الثاني مثل نصف ما حصل للاول) * لان ذلك هو الذي أتلفه عليه، نحو ما لو قال: هذه العين لزيد ثم قال: هي له ولعمرو، كما صرح بذلك كله غير واحد من غير تقييد للغرامة بما إذا دفع أو نفس الوراث غيره، بل في الدروس " سواء نفي وارثا غيره أو لا على الاشبه " بل في المسالك نسبة ما في المتن إلى المشهور، بل في غاية المرام ما في النافع الذي هو كالمتن إلى الشيخ في النهاية وغيره من الاصحاب. لكن في القواعد " يغرم للود إن نفى وارثا غيره وإلا فاشكال " كما عن غيره تقييد الغرمة بما إذا كان دفعها إلى الاخ، وكان وجه إشكال الفاضل فيما إذا لم ينف من أنه لما أقر بالاخ أولا من دون ثبوت نسب الولد كان هو المفوت للتركة، ومن عدم المنافاة بين الاقرارين، لامكان اجتماعهما على الصدق، فلم يصدر مناف للاقرار بالولد، إذ ليس قوله: " هذا أخ " أن المال له وأنه الوارث فقط، وقد يكون نسي أن له ولدا، أو لم يعلم ثم تذكر، أو ثبت عنده، وقاعدة الاقرار

[ 177 ]

التي هي (1) الاخذ باليقين وقد سمعت من جماعة أنه لو أقر شخص في يده مال لميت بأن زيدا وارثه ولا وارث غيره لم يلزم بتسليم العين، فهنا أولى. ناقشه في جامع المقاصد بأنه لا يلزم من عدم المنافاة عدم الفرق، والمقتضي للغرم هو إقراره بالاخ أولا المقتضي لاستحقاقه جميع التركة، فاقراره به على هذا الوجه بمنزلة واحدة في وجوب دفع التركة إلى الاخ بمقتضى الاقرار فيغرم، وهو مختار الشيخ في النهاية. والتحقيق في المسألتين معا أعني ما إذا تعرض إلى نفي وارث غير الاخ وعدمه أن يبنى ذلك على أنه هل يؤمر المقر بدفع التركة إلى المقر به بمجرد الاقرار أم يجب البحث على الحاكم ليعلم انحصار الوارث في المقر به إذا رفع الامر إليه ؟ ففيه وجهان تقدما في أحكام المقر له، أصحهما وجوب البحث. فعلى الاصح إن دفع العم بغير إذن الحاكم ضمن، لانه المباشر للاتلاف، وإن دفع باذنه أو كان الدافع الحاكم فان كان بعد البحث والاجتهاد فلا ضمان على أحدهما، وإلا فهو من خطأ الحكام، ولا فرق في ذلك كله بين أن ينفي وارثا غيره أو لا، إذ لا عبرة بذلك في وجوب الدفعه وعدمه. وعلى الوجه الاخران استقل العم بدفع التركة إلى الاخ وجب القطع بضمانه لانه المباشر للاتلاف وإن كان بأمر الحاكم استنادا إلى إقراره فان نفى وارثا غيره ضمن أيضا، وإلا فوجهان، والاصح تفريعا القول بالضمان وقد أومأ شيخنا الشهيد إلى هذا في بعض حواشيه وتبعه ثاني الشهيدين على ذلك كله. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد التأمل بما شرحنا به عبارة المصنف وأنه كمسألة الاقرار بالعين لشخص ثم الاقرار بها لاخر التي لا مدخلية فيها لدفع الحاكم وغيره مما ذكره، ضرورة عدم كون مفروض البحث الاقتصار على الاقرار بالاخ الذي


(1) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة الا أن الموجود في المسودة التى هي بخط المصنف طاب ثراه " وقاعدة الاقرار هي الاخذ ".

[ 178 ]

لا ينافيه الاقرار بالولد، بل المراد الاقرار به وارثا، كضرورة عدم مدخلية ما ذكره من مسألة الامر بدفع العين لما في يده بعد إقراره بأنه لا وارث غيره من دون فحص وعدمه، مع أنك قد عرفت التحقيق فيها، فان البحث في تلك إنما هو من جهة الاحتياط من مجئ وارث معلوم النسب غير من أقر له، ومحل الكلام هنا حصول وارث باقراره، وبالجملة كأنه من غرائب الكلام. بل منه يعلم النظر في غيره من الكلمات، وتحقيق المسألة ما سمعت من كونها كالاقرار بالعين لشخص ثم الاقرار بها لاخر، سواء دفع أو لم يدفع، نعم قد يتوقف الغرمة مع الاقتصار على أنه وارث ثم أقر بمساو له مع أنه قد سمعت تصريح الدروس بعد الفرق، بل هو ظاهر غيره أيضا ولعله لاقتضاء إقراره الاول استحقاقه ولو بمعونة أصالة عدم غيره، فهو كالاقرار باليد المقتضية للملك وتعقيب إقرار آخر بما ينافيها، والفرض أن وارثية الثاني جاءت من إقراره لا من ثبوت نسبه، فتأمل جيدا فان المسألة قد اختل فيها قلم جملة من الافاضل. ولو أقر أحد الاخوين بولد وكذبه الاخر أخذ الولد نصيب المقر خاصة فان أقر المنكر بأخ دفع إليه ما في يده، ولو أقر به الاخ الاول الذي أقر بالاول أيضا لم يكن عليه غرم، لوصول نصيب كل من الولدين إليه، كما هو واضح.

[ 179 ]

المسالة * (الحادية عشر) * * (لو أقر بزوج للميتة ولها ولد أعطاه ربع نصيبه) * لانه الذي يستحقه الزوج مما في يد المقر * (وإن لم يكن ولد أعطاه نصفه) * الذي هو استحقاق الزوج. وهو معنى قوله في النافع: " ولو أقر بزوج للميتة دفع إليه مما في يده بنسبة نصيبه، وهي النصف إن كان المقر به غير الولد والربع إن كان هو الولد ". بل وما عن النهاية والسرائر " إن أقر بزوج للميتة أعطى مقدار ما كان نصيبه من سهمه " وبنحو ذلك عبر الفاضل في القواعد وغيرها، قال: " لو أقر بزوج لذات الولد أعطاه ربع ما في يده، ولو لم يكن لها ولد أعطاه النصف " بل والشهيد في اللمعة. نعم في الدروس كما عن النهاية ومن تأخر عنها " لو أقر بزوج لذات الولد أعطاه ربع ما في يده إن كان المقر ولدا، وإن كان المقر بالزوج أحد الابوين وكان الولد ابنا لم يدفع إليه شيئا، وإن كان بنتا دفع الفاضل عن نصيبه، وهو نصف الثمن ". وإن اعترض الكركي على ما سمعته من إطلاق الفاضل الذي هو كاطلاق المصنف فقال: إنه غير مستقيم، وتبعه ثاني الشهيدين، وذلك لان المتجه - بناء على ما تقدم من كون المقر يعطي ما زاد على نصيبه من سهم المقر له - أن كان التعبير بذلك، لا ربع نصيبه ونصفه مطلقا إذ هو وإن تم في إقرار الولد والاخ مثلا لكنه لا يتم فيما إذا كان المقر الابوين أو أحدهما وكان معهما بنت، فان نصيبهما على تقدير عدم الزوج الخمسان فرضا وردا، ومع وجوده السدسان، والزائد على نصيبهما في الاول لا يبلغ الربع، بل قد لا يتحقق فاضل أصلا، كما إذا كان المقر

[ 180 ]

الابوين أو أحدهما وكان للزوجة ولد ذكر، فانه لا يزيد نصيبهما شئ، نعم ما ذكروه إنما يتم على قاعدة الشركة التي قد عرفت النص والفتوى على خلافهما فيما مضى. قلت: هو كذلك إلا أنه يمكن حمل إطلاقهم على صورة اتحاد الوارث ولدا أو أبا أو اما، فانه يعطى الربع أو النصف مما في يده الذي هو جميع التركة، كما عساه يشعر به اتحاد الضمير في كلامهم، وأنه الظاهر من بعضهم في مفروض مسألة الاقرار بالزوجة التي هي نحو هذا المسألة، أو يحمل على صورة توزيع حصة الزوج المنكرة على الجميع بالسوية، كما سمعته سابقا فيما لو أقر أحد الاخوين باخت، فانه يعطيها خمس نصيبه، لان لها خمسا في المجموع، بل ظاهر بعضهم جعله ضابطا مساويا لظبطه بأنه يعطى الزائد على نصيبه، وليس هو إلا على هذا التقدير. وكيف كان فالامر سهل بعد العلم بعدم كون ذلك رجوعا عن الاول، لاحتمال خصوصية في الفرض، بل أقصاه الاطلاق على الوجه الذي ذكرناه وإن انساق إلى الذهن من العبارات خلافه أو الاهمال في خصوص ما ينطبق على ذلك من أفرادها. * (ولو أقر بزوج آخر) * ماتت عنه الزوجة * (لم يقبل) * في حق الزوج المقر به أولا قطعا بل لا خلاف فيه ولا إشكال، كما أنه لا خلاف * (و) * لا إشكال في أنه * (لو أكذب) * مع ذلك * (إقراره الاول أغرم للثاني مثل ما حصل للاول) * لقاعدة الحيلولة بالاقرار. إنما الكلام في انصرافه إلى التكذيب مع اقتصاره على الاقرار بزوج آخر، كما لو قال: " زيد زوجها " ثم قال: " عمر وزوجها " فعن الاكثر بل عن المشهور اعتبار التكذيب في الغرامة، وإلا كان إقرار لغوا، ولا غرامة، بل في القواعد ومحكي التذكرة نسبته إلى الظاهر من كلام الاصحاب، وعن الفخر والشهيد في حواشيه أن من قواعد

[ 181 ]

الاصحاب الغرامة بالاقرار المضاد للاول إلا في الزوجية والميراث، للنص عليه بل عن التنقيح نحو ذلك، ولعله لفهم العرف في مثله اللغو أو الاشتباه، لمعلومية عدم الزوجين للمرأة على وجه تموت عنها. نعم لو صرح بالرجوع عن الاول اتجه الغرامة حينئذ، للتفويت بالاقرار، إلا أن الشهيد في الدروس جعل فيه وجهين، بل مال إلى الغرامة ثاني الشهيدين، بل في جامع المقاصد هو الاقوى، لان الاصل في الاقرار الصحة، وكون الثاني هو الزوج أمر ممكن، وربما ظن أن الاول هو الزوج فأقر ثم تبين خلافه، فالغاء الاقرار مع إمكان صحته ينافي عموم قوله صلى الله عليه واله (1): " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " ولو حكمنا بفساد الاقرار بمجرد تطرق الاحتمال لبطل أكثر الاقارير، وهو وإن كان لا يخلو من وجه إلا أنك قد سمعت حكاية اتفاق الاصحاب ظاهرا على خلافه. ولعله لفهم أهل العرف من مثله اللغوية، ولا أقل من الشك في كونه إقرارا، والاصل البراءة، وكذا الكلام في جميع نظائره، بل وجه النص المرسل ذلك أيضا، لا أنه لغو تعبدا وإن فهم العرف منه الرجوع. بل لعل اعتبار التكذيب في الاصحاب للعلم بكونه إقرارا. وعلى كل حال ففي الدروس " ولو قلنا بالغرم فتأول كلامه بتزويجه إياها في عدة الاول ثم ماتت فظنت أنه يرثها زوجان وكان مما يمكن في حقه الاشتباه فالاقرب القبول " وجزم به في المسالك وإن كان لا يخلو من نظر في الجملة. * (ولو أقر بزوجة) * للميت * (ولو ولد أعطاها ثمن ما في يده) * لانه حق الزوجة حينئذ * (وإن لم يكن ولد أعطاها الربع) * الذي هو حقها مع عدم الولد، والكلام في إطلاق المتن وما شابهه كالكلام السابق، بل المحكي هنا عن النهاية والسرائر فرض المسألة في إقرار الولد، وكان قراءة " أقر " في المتن بناء للمجهول


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2

[ 182 ]

أظهر في المراد الذي هو مع اتحاد الوارث وكونه ولدا أو غير ولد، ونحوه في ذلك المسألة السابقة. * (وإن) * كان * (أقر باخرى غرم لها مثل نصيب الاولى (1)) * أي نصف الثمن مع فرض التعدد * (إذا لم تصدقه) * الاولى ومع التصديق يقسمان. * (ولو أقر بثالثة أعطاها ثلث النصيب، ولو أقر برابعة أعطاها الربع من نصيب الزوجة) * كما هو واضح، إلا أن ظاهر المصنف وغيره الاكتفاء في الغرامة هنا بمجرد الاقرار بأن هندا زوجة مثلا وإن لم يقل لا زوجة غيرها، بل وإن قال: " وما أدري بأن له زوجة اخرى أو لا " ولعله لنحو ما سمعته في الاقرار بالوارث المساوي بعد الاقرار بالاول الذي مقتضاه ولو للاصل انحصار الارث فيه، فيغرم حينئذ باقراره المقتضي لذلك، كالاقرار باليد المقتضية للملك ثم أقر بعدها بكونه ملكا لزيد، والفرض أن الزوجة الثانية لا طريق إلى ثبوتها إلا إقراره فتأمل جيدا. * (ولو أقر بخامسة وأنكر إحدى الاول لم يلتفت إليه) * بالنسبة إلى ذلك قطعا لسبق إقراره * (وغرم لها مثل نصيب واحدة منهن) * ربع الثمن أو ربع الربع بلا خلاف ولا إشكال، للحيلولة بالاقرار. نعم لو اقتصر على الاقرار بزوجيتها والفرض أنها خامسة باقراره ففي غرامته بمجرد ذلك البحث السابق في الاقرار بالزوج من دون تكذيب. ولا مدخلية هنا لامكان إرث الخامسة فصاعدا، لما سمعته في تزويج المريض ودخوله وطلاقه، فان زوجته ترثه إلى سنة وإن خرجت من العدة، ضرورة كون المراد الاقرار بزوجة خامسة مات عنها، كما هو واضح. وإلا فلو كان الزوج مريضا وتزوج بعد الطلاق ودخل استرسل الاقرار ولم يقف عند حد إذا مات في


(1) وفى الشرائع " مثل نصف نصيب الاولى ".

[ 183 ]

سنته، وعن حواشي الشهيد وشرح الارشاد للفخر والتنقيح الاجماع على قبول الاقرار في مثل ذلك. قلت: لا ينبغي التأمل في قبوله مع التصريح به، لكن هل قبوله بمعنى الشركة للاربعة التي أقر بهن سابقا أو غرامة الخمس للمقر بها ؟ الظاهر الثاني، وعن الاردبيلي أن الوجه الاستفصال من المقر، فيقبل إن فسره بذلك. قلت: لا إشكال في القبول حينئذ بناء على اقتضائه الغرامة على المقر، إذ هو إقرار منه بالتزامه، أما لو فسره بما يقتضي كونه لغوا فالوجه قبوله أيضا على تأمل حتى لو قال: " له خمس زوجات دفعة " ولو فسر الخامسة بالمطلقة في المرض قبل أيضا، وكان نصيب الزوجية منهن ولا غرامة عليه وإن تناكرن فيما بينهن كالاقرار بالاربع دفعة مثلا. ولو اعترف الولد بالزوجة أعطاها الثمن، فان أقر باخرى غرم لها نصف الثمن إن لم تصدقه الاولى، فان أقر بثالثة واعترف الاوليان بها واعترف الثانية بالاولى استعاد من الاولى نصف الثمن لاقرارها، ومن الثانية المقرة بهما سدسه لاعترافه، فيصير معه ثلثا الثمن، يسلم إلى الثالثة منه ثلثا لاعترافه، ويبقى له ثلث آخر عوضا عما اغترمه، ويفوت منه واحد وهو سدس الثمن. ومثاله الثمانية والاربعون مثلا التي ثمنها ستة، فيستعيد من الاولى نصفه: ثلاثة، (1) ومن الثانية سدسه: وهو واحد، لانه الفاضل عن نصيبهما، فيصير معه ثلثا الثمن: أربعة، يدفع ثلثه: وهو اثنان، ويبقى معه اثنان الثلث الاخر، فيفوت عليه واحد: سدس الثمن، لانه غرم للثانية نصف الثمن، وهو ثلاثة.


(1) في النسخة الاصلية المبيضة " نصف ثلاثة " والصحيح ما أثبتناه كما هو كذلك في المسودة التى هي بخط المصنف طاب ثراه.

[ 184 ]

الثانية عشر: لو أقر الاخ من الاب بأخ من الام أعطاه السدس، فان أقر الاخ من الام بأخوين منها وصدقه الاول سلم الاخ من الام إليهما ثلث السدس بينهما بالسوية، لانه الفاضل من نصيبه ويبقى معه الثلثان، وسلم إليهما الاخ من الاب سدسا آخر بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم نسبته إلى نص الاصحاب، فالمسألة حينئذ من ستة وثلاثين: ثلثها اثنا عشر، وستة سدسها، وقد أخذة أولا الاخ من الام باقرار الاخ من الاب، فلما أقر بأخوين بعد منها وصدقه الاول كان لهم الثلث، وهو الاثنى عشر، لكل واحد منهم أربعة، فإذا دفع من سدسه اثنين، لانه الفاضل من نصيبه وأعطى الاخ من الاب السدس وهو ستة كان لكل واحد أربعة. هذا وفي القواعد " يحتمل أن يسلم الاخ من الام الثلثين من السدس، ويرجع كل منهم على الاخ من الاب بثلث السدس " ولعله لقاعدة الشركة في الاعيان التي قد عرفت النص (1) والفتوى على خلافها هنا. وعلى كل حال فلو كذبه فعلى الاول للاول ثلثا السدس، ولهما الثلث الذي هو الفاضل عن نصيبه، وعلى الثاني السدس بينهم أثلاثا، كما هو واضح. ولو أقر الاخ من الام بأخ من الاب أو من الام أو منهما فكذبه الاخ من الاب فللمقر حصته كملا، لعدم مزاحمة الاخ من الابوين أو من الاب له، وأما الاخ من الام فلان مقتضى إقراره به أن يكون لهما الثلث لكل منهما السدس، فليس في يده ما يفضل عن استحقاقه. وكذا لو أقر بأخوين من الاب أو منهما، لعدم نقص حصته بالاقرار


(1) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الوصايا والباب - 5 - من كتاب الاقرار.

[ 185 ]

المزبور، بخلاف ما إذا أقر بأنهما من الام كما سمعت. ولو أقر الاخوان من الام بأخ منها دفعا له ثلثا ما في يدهما، سواء صدقهما الاخ من الاب أو كذبهما، لان لهما الثلث على كل حال، فلا أثر لتصديقه ولا تكذيبه. وكذا لا أثر لهما لو أقر به أحدهما خاصة، فيدفع ثلث ما في يده، لانه الفاضل من استحقاقه. نعم لو صدق وكان عدلا فهو شاهد، فإذا كان المقر كذلك ثبت النسب، فيأخذ حينئذ ثلث ما في يد الاخر المكذب، وإلا فلا. الثالثة عشر: لو كان أحد الولدين عبدا أو كافرا فأقر الحر المسلم بآخر فأعتق العبد أو أسلم الكافر قبل القسمة شاركا مع تصديقهما به، لما تسمعه في كتاب المواريث. ولو كذبا بعد زوال المانع أو كذب الكافر قبل زواله فلا شئ لهما، لان الوراث بزعمهما حينئذ واحد، فلا يصدق الاسلام مثلا على ميراث قبل قسمته، إلا أن يرجع إلى التصديق، فانه يقبل ويقاسم لاعترافهما بأخوته وأنه حر قبل القسمة، مع أنه لا يخلو من إشكال، لان المال صار مستحقا لغيره. ولو كان أحد الولدين غير مكلف عزل النصف، فان اعترف بعد زوال المانع دفع الفاضل عن نصيبه، وإن كذب ملك المعزول. ولو مات قبل الكمال وقد تخلف السدس خاصة ففي القواعد " فان كان أفرزه الحاكم للايقاف فهو للمقر له، وإلا فثلثاه " أي إن كان الحاكم قسم النصف، وميز حصة غير المكلف منه على تقدير التصديق - وهو ثلث الاصل - وترك السدس إلى أن يكمل غير المكلف فلم يتخلف إلى حين موته سواه فهو للمقر له، لان الوارث لغير المكلف هو أخوه المقر وهو معترف له به. وإن لم يكن قد أفرزه الحاكم للايقاف بل كان النصف بأجمعه موقوفا

[ 186 ]

إلى أن ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو السدس كان للمقر به ثلثا السدس: ثلث من جهة كونه شريكا في النصف بثلثه بزعمه، لان الذاهب من الشريكين والباقي لهما، وثلث بالارث من أخيهما، والثلث الاخر للمقر. وعن الشهيد هذا إن تلف بغير سبب الميت، وأما إذا كان بسببه كانفاق وليه عليه كان السدس كله للمقر به، لان له على الصغير دينا باعتراف أخيه الوراث، وهذا ما يقوم به. الرابعة عشر. لو أقر أحد الابوين بابن وأنكر الثاني ثم مات المنكر عن ابن مصدق فالاقرب ثبوت نسب العم مع فرض العدالة. وفي القواعد " ويحتمل العدم، لكن يأخذ من تركة الميت ما يفضل عن نصيبه " ولعله لانها تتضمن الشهادة على أبيه وهي غير مسموعة. وفيه أنها إقرار على نفسه، وليس شهادة على أبيه وإن اقتضى ذلك تكذيبه، بل عن الايضاح " أن الشهادة بالنسب بالنسبة إلى الاب مقبولة من الابن عليه بعد موته بالنص " وهو صريح في وجود النص، مضافا إلى العموم (1).


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الاقرار الحديث 2.

[ 187 ]

* (كتاب الجعالة) * بتثليث الجيم وإن كان كسرها أشهر كما في المسالك، وهي على ما صرح به غير واحد لغة ما يجعل للانسان على شئ بفعله، وشرعا إنشاء الالتزام بعوض على عمل محلل مقصود بصيغة دالة على ذلك، والمراد ما يعتبر فيها شرعا كما في غيرها من العقود والايقاعات، إذ لا حقيقة لها في الشرع غير ما في اللغة كما ذكرناه. وعلى كل حال فلا خلاف بين المسلمين في مشروعيتها، بل الاجماع بقسميه على ذلك. مضافا إلى قوله تعالى (1): " ولمن جاء به حمل بعير " بناء على حجية مثله ما لم يعلم نسخه، بل وإلى قوله تعالى (2): " تجارة عن تراض " بل و " أوفوا بالعقود " (3) بناء على إرادة العهود منها كما عن الصادق عليه السلام (4) وإليه يرجع ما عن الجواد عليه السلام (5) " أن رسول الله صلى الله عليه واله عقد لعلى عليه السلام بالخلافة في عشرة مواطن ثم أنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لامير المؤمنين عليه السلام ".


(1) سورة يوسف: 12 - الاية 72. (2) سورة النساء: 4 - الاية 29. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (4) الوسائل الباب - 25 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3. (5) تفسير البرهان ج 1 ص 413 والبحار ج 36 ص 191.

[ 188 ]

بل قيل إن الايفاء والوفاء بمعنى، والعقد العهد الموثق، ويشمل هنا كل ما عقد الله على عباده وألزمه إياهم من الايمان به وملكية وليه ورسوله وأوصياء رسله وتحليل حلاله وتحريم حرامه والاتيان بفرائضه وسننه ورعاية حدوده وأوامره ونواهيه وكل ما يعقده المؤمنون على أنفسهم من عقود الاناث والمعاملات الغير المحظورة وغير ذلك مما يدل على إرادة ما يشملها من العقد والميثاق وغيرهما. وإلى السنة المستفيضة أو المتواترة من الطرفين (1) كخبر وهب بن وهب (2) عن الصادق عليه السلام " سألته عن جعل الابق والضالة فقال: لا بأس " ونحوه خبر مسمع (3) وعلي بن جعفر عن أخيه عليه السلام (4) و " سئل الباقر عليه السلام عن الرجل يعالج الدواء للناس فيأخذ عليه جعلا فقال: لا بأس، وعن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحول من منزله فيسكنه، فقال: لا بأس به " (5) وخبر عبد الله بن سنان (6) قال: " سمعت أبى سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع فقال: ربما أمرنا الرجل فيشترى لنا الارض والغلام والدار والجارية فنجعل له جعلا، قال: لا بأس " إلى غير ذلك مما يمر عليك بل وما مر في الاجارة مما هو منزل على الجعالة. وإلى أن الحاجة تدعو إلى مشروعيتها، فان العمل قد يكون مجهولا


(1) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب الجعالة وسنن البيهقى ج 6 ص 200. (2) الوسائل الباب - 21 - من كتاب اللقطة الحديث 6. (3) ليس لمسمع خبر في باب الجعالة الا ما رواه في التهذيب ج 6 ص 398 الرقم 1203 وهو وان كان دالا على مشروعية الجعالة الا انه ليس نحو خبر وهب بن وهب. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الجعالة الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 85 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 و 2 من كتاب التجارة. والجملة الثانية مروية عن أبى عبد الله عليه السلام. (6) الوسائل الباب - 4 - من كتاب الجعالة الحديث 1.

[ 189 ]

كرد الابق والضالة ونحو ذلك ما لا يقوم به عقد الاجارة، كما هو واضح. * (و) * كيف كان ف‍ * (النظر في الايجاب والاحكام واللواحق، أما الايجاب فهو أن يقول: من رد عبدي أو ضالتي أو فعل كذا فله كذا) * أو نحو ذلك، بل عن التذكرة الصيغة كل لفظ دال على الاذن في العمل واستدعائه بعوض يلزمه، كقوله: " من رد عبدي أو ضالتي أو خاط ثوبي أو بنى لي حائطا " أو ما أشبه ذلك من الاعمال المحللة المقصودة في نظر العقلاء، وفي الدروس ومحكي التحرير صيغة دالة على الاذن في الفعل بعوض إلي غير ذلك من كلماتهم المتفقة على تحقيق صيغتها بكل لفظ، من غير فرق بين " من رد " و " إن رددت " وغيرهما، وبين التقييد بالزمان والمكان والحال وعدمه. وحينئذ فمعاطاتها ما دل على ذلك من الافعال بكتابة وغيرها وإن كان لا فرق بينها وبين الصيغة في الحكم. إنما الكلام في أنها من العقود المصطلحة أو الايقاعات ظاهر قول المصنف * (و) * غيره * (لا يفتقر إلى قبول) * واقتصاره على ذكر الايجاب ووضعها في قسم الايقاع الثاني، ولعله الاصح، لما تسمعه من صحة عمل المميز بدون إذن وليه بعد وضعها. بل قيل في غير المميز والمجنون وجهان، ومن المعلوم عدم صحة ذلك مع فرض اعتبار القبول فيها ولو فعلا، لسلب قابلية الصبي والمجنون قولا وفعلا عن ذلك، ولذا لا يجوز معه عقد من العقود الجائزة وصحتها من غير مخاطب خاص، والعقد يقصد فيه التعاقد من الطرفين وليس هنا، خصوصا إن قلنا بصحتها ممن لم يسمع عبارة الجعل بقصد العوض، كما هو أحد الاحتمالين في القواعد، بل في الدروس أنه الاقرب، وعن الايضاح أنه الاصح، بل هو خيرة الكركي أيضا إذا لم يكن الراد عالما بأن العمل بدون الجعل تبرع وإن قصد العامل العوض، لعدم انفكاكه من التبرع حينئذ بخلاف غير العالم. وعلى كل حال فوجهه صدق عنوان الجعالة مع فرض كون الصيغة تشمل

[ 190 ]

والعامل وقصده الرجوع، فالمقتضي حينئذ موجود والمانع مفقود، ودعوى اعتبار قصده بالعمل جوابا لايجابه في الرجوع بالعوض لا دليل عليها، بل مقتضى إطلاق الادلة خلافها، بل ظاهر الفاضل في القواعد احتمال الاكتفاء في الرجوع بالرد لا على قصد التبرع ولا الاستحقاق. مضافا إلى عدم اعتبار المقارنة بين الايجاب والقبول وغيرها مما يعتبر في العقود، مع أنه لا دليل على إخراجها عنها كالوكالة، بل يقوى في الظن أن الجعالة على نحو التسبيب الصادر من الشارع نحو " من فعل كذا فله كذا " المعلوم كونه غير عقد، وإطلاق اسم العقد عليها - وإن وقع من المصنف وغيره، بل في معقد إجماع التذكرة أنها عقد جائز، ولعله لذا قال في جامع المقاصد: " ظاهرهم أنها من العقود الجائزة " فيكون القبول فيها فعليا، بل حمل بعضهم نفيهم القبول على نفيه لفظا، كما عبر به الفاضل - يمكن حمله على إرادة العهد منه، بل ينبغي الجزم به، لصدوره ممن ظاهره أو صريحه الايقاعية. وخبر علي بن جعفر (1) عن أخيه عليه السلام المروى عن كتابه " سألته عن رجل قال لرجل: أعطيك عشرة دراهم وتعلمني عملك وتشاركني هل يحل له ذلك ؟ قال: إذا رضي فلا بأس " لا يراد منه القبول العقدى، بل المراد منه عدم البأس مع تراضيهما على ذلك، ويؤيده زيادة على ما ذكرنا ترتب أثرها على من لم يرد الفعل أو لا ثم أراد وفعل، حتى لو تلبس بالعمل ثم رفع يدا عنه ثم عاد إليه وإن توقف فيه بعضهم، بل بناء على العقدية والايقاعية. لكن التحقيق صحته للصدق، وليس ذلك إلا لانها من باب التسبيب، وإلا فمع فرض كونها ذلك فسخا أو كالفسخ لابد من إيجاب جديد، وجواز مثله في الوكالة من باب الاذن لا من بقاء عقدها، على أن القبول هنا في الصيغة العامة إذا كان العمل قابلا للتكرار يقتضي كونها بمنزلة عقود متعددة حتى يكون الفسخ من بعضهم مختصا به دون غيره.


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الجعالة الحديث 1.

[ 191 ]

وبالجملة فالتأمل التام خصوصا بعد ما تسمعه من الاحكام التي لا توافق قواعد العقود العامة مع فرض عدم دليل مخرج لها يقتضي أنها بالتسبيب أشبه. ودعوى أنها كالوصية التي من إيجابها " افعلوا كذا " ونحوه لا يخفى عليك ما فيها بعد الاحاطة بما ذكرناه في الوصية، وأنها قسمان: وصية عهدية، وليست من العقود في شئ، واخرى عقدية، وهي بمنزلة الهبة، ومن هنا لا تمنع إيقاع الجعالة في بعض أفرادها على نظم العقد المشتمل على الايجاب والقبول. إنما الكلام في أصل مشروعيتها على وجه إذا فقدت بعض ما يعتبر في العقود تكون باطلة، ومن هنا قال في المسالك: " تظهر الفائدة فيما لو فعل العامل لا بقصد العوض ولا بقصد التبرع بعد الايجاب، فعلي الاول يستحق العوض، لوجود المقتضي له، وهو الصيغة مع العمل، وعلى الثاني لا يستحق وإن كان قد عمل، لان المعتبر من القبول الفعلي ليس هو مجرد الفعل، بل لابد معه من انضمام الرضا والرغبة فيه لاجله، كما نبه عليه في الوكالة " والذي ذكره في الوكالة عدم الاكتفاء في قبوله العقدى بفعل ما وكل فيه، بل لابد فيه مع ذلك من اقترانه بالرغبة والرضا ووقوعه قبل أن يرد، وكان مراده اعتبار قصد ارتباط القبول بالايجاب وعقده به. وعلى كل حال فالاصح عدم اعتبار ما يعتبر في العقود المصطلحة في الجعالة، بل تصح بدون ذلك وإن كان له فعلها بكيفية العقد، بل لا يبعد اعتبار ما يعتبر فيه حينئذ. ولو كذب المخبر فقال: " قال فلان: من رد ضالتي فله كذا " لم يستحق الراد على المالك شيئا، للاصل وغيره، بل ولا على المخبر كما صرح به في القواعد أيضا وغيرها، للاصل أيضا وغيره، وكذبه لا يوجب ضمانه، وقاعدة الغرور لا محل لها هنا، ضرورة كون التفريط وقع منه بتركه التثبت والتفحص وتعويله على خبره. * (و) * كيف كان فهي * (تصح على كل عمل مقصود) * للعقلاء على وجه

[ 192 ]

يخرج عن كونه سفها كالاجارة * (محلل) * بل في القواعد ضبطه كذلك، نعم لابد من إرادة المعنى الاعم من المحلل ليشمل المباح والمندوب والمكروه كما هو متقضي إطلاق الادلة أو عمومها لا خصوص المباح منه، نعم لا تصح على الحرام بل ولا على الواجب، كما صرح به هنا غير واحد، حتى أنهم قالوا لو قال: " من دلني على مالي فله كذا " فدله من كان المال في يده لم يستحق الجعل، لان ذلك واجب عليه بالشرع، فلا يجوز أخذ العوض عليه، بخلاف ما لو دله من لم يكن في يده، فانه يستحق لعدم وجوبه، وخصوصا إذا لحقه بالبحث عنه مشقة. لكن قد تقدم في المكاسب البحث عن جواز أخذ العوض على الواجب الشرعي والتوصلي العيني والكفائي إلا ما كان واجبا من الاخر بالعوض كالصناعات التي جرت السيرة على أخذ العوض عنها، بل وجوب أشخاصها به وإن كان أصلها واجبا كفائيا. وقد يقال: إن الاصل جواز أخذ العوض خصوصا الجعل الذي ستعرف صحته على عمل راجع إلى غيره، نحو " من رد عبد زيد فله كذا " إلا ما خرج بدليل من إجماع وغيره، وإلا فالوجوب من حيث كونه وجوبا لا ينافي تناول العوض عن الواجب، فلاحظ وتأمل. * (و) * على كل حال فلا خلاف محقق في أنه * (يجوز أن يكون العمل مجهولا) * في الجعالة * (لانه عقد جائز كالمضاربة) * التي بناء مشروعيتها على جهالة العمل، كما أن الغرض من شرعية الجعالة تحصيل الاعمال المجهولة غالبا كرد الابق والضالة ونحوهما مما لا تعلم مسافته مع مسيس الحاجة إليه، بل لعله موضع وفاق كما عن بعضهم. وما عن الوسيلة - من أنه يشترط تعيين العمل والاجرة - ويمكن إرادته إخراج المجهول من كل وجه، بحيث لا يصح الجعل فيه عرفا لا المجهول في

[ 193 ]

الجملة كعمل رد الابق والضالة الذي يصدق عليه كون العمل معينا بالمعنى المزبور، بل جواز الجعالة على مثله من قطعيات الفقه، بل عن الشافعية في أحد الوجهين اشتراط جهالة العمل في الجعالة، لانه الثابت من شرعيتها، فلا يصح على المعلوم وإن كان فيه ما لا يخفى، بل صحتها على المعلوم نحو " من خاط ثوبي هذا " أو " حج عني فله درهم " أو لى، كما هو واضح. هذا كله في العمل. * (وأما العوض ف‍) * عن المبسوط والوسيلة وجملة من كتب الفاضل أنه * (لابد أن يكون معلوما بالكيل أو بالوزن أو العدد إن كان مما جرت العادة بعده) * بل في المسالك وعن الكفاية والمفاتيح المشهور بين الاصحاب اشتراط كون العوض معلوما في صحة الجعالة مطلقا كما يشترط ذلك في عوض الاجارة بل عن جامع المقاصد أطلق الاصحاب عدم جواز كون الجعل مجهولا، وعن الايضاح ومجمع البرهان نسبته إلى الاصحاب. وظاهر ذلك - كما عن المبسوط والتذكرة التصريح به - فساد العقد مع الجهالة، لكن عن الايضاح أن المانع من جهالته لا يقول إنه يبطل أصل العقد، وإنما يبطل المسمى، فلو جعل له جعلا مجهولا صحت الجعالة وكانت له اجرة المثل. ولعله إليه أشار في المسالك، فانه قال: " وحيث كان العوض مجهولا ولم نقل بصحته فسد العقد، وثبت العمل باجرة المثل، ومثله ما لو قال: إن فعلت كذا فأنا أرضيك أو أعطيك شيئا أو نحو ذلك - ثم قال -: وربما قيل بعدم فساد العقد بذلك، وإن اجرة المثل حينئذ هي العوض الازم للعمل بواسطة الجعالة، وهو بعيد ". قلت: لكن قد حكى هو قبل ذلك إطباقهم على صحة الجعالة مع عدم تعيين الجعل، ولزوم اجرة المثل، ونحوه في الروضة، وفي الدروس " ولو كان مجهولا فاجرة المثل قولا واحدا من دون تعرض لبطلان الجعالة " قلت: لا يخفى عليك أن القول بالصحة جعالة في مثل الفرض في غاية البعد، بل هو إما جعالة فاسدة،

[ 194 ]

وما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، كما لو جاء بنحو ذلك في الاجارة، أو أنه جائز شرعا في نفسه ولا يدخل في عقد من العقود، من غير فرق بين الاعيان والاعمال، فله أن يأذن له في سكنى الدار باجرة المثل، كما له أن يستعمل بها من يأمره بالعمل. وكيف كان فاشتراط المعلومية فيه على الوجه المزبور لا تخص المكيل والموزون والمعدود، إذ قد تكون بغيرها، فيعتبر فيه المعلومية بما يرفع الغرر عنه، كما في البيع والاجارة، ولا تكفي المشاهدة عند من لا يكتفى بها في الاجارة. ولعله لذا قال المصنف بعد أن ذكر المعلومية في المكيل إلى آخره: * (ولو كان مجهولا ثبت بالرد اجرة المثل كأن يقول: من رد عبدي فله ثوب أو دابة) * إلا أن إقامة الدليل على ذلك في غاية الصعوبة، لاطلاق الادلة، ولان مبني الجعالة على الجهالة في أحد العوضين قطعا، فصار أمرها مبينا على احتمال الغرر، فكما تمس الحاجة إلى جهالة العمل تمس الحاجة إلى جهالة العوض بأن لا يريد بذل شئ آخر غير المجعول عليه، إذ قد يتفق ذلك (1) بأن يريد تحصيل الابق ببعضه وعمل الزرع ببعضه ونحو ذلك، ودعوى عدم الرغبة في مثل ذلك في العادة مخالفة للوجدان، فأنها مطردة بالرغبة في أعمال كثيرة مجهولة بجزء منها ومما ذكرنا يعلم ما في الاستدلال على أصل الحكم بأنه لا حاجة إلى احتمال الجهالة فيه بخلاف العمل، فانه لا يكاد يرغب أحد في العمل إذا لم يعلمه بالجعل، فلا يحصل مقصود العقد، مع أنه لا محصل له بحيث يرجع إلى دليل معتبر. نعم لو ثبت النهى عن النبي صلى الله عليه واله عن مطلق الغرر أمكن الاستدال به،


(1) جاء في النسخة الاصلية المبيضة أولا " إذ لا يتفق ذلك " ثم رقم " قد " فوق " لا " والظاهر أنه بعنوان التصحيح والبدل عن كلمة " لا " ولكن في المسودة التي هي بخط المصنف طاب ثراه " إذ لا يتفق ذلك ".

[ 195 ]

إلا أنا لم نتحققه في غير البيع والاجارة الملحقة به كما ذكرناه في الصلح (1) لكن مقتضي ذلك صحة الجعل المجهول، والرجوع إلى مسماه في مثل الثوب والعبد ونحوهما، ولم نعلمه قولا لاحد، بل قد سمعت ما في الدروس من وجوب اجرة المثل قولا واحدا. نعم في القواعد " لو قيل بجواز الجهالة إذا لم يمنع من التسليم كان حسنا كقوله: من رد عبدي فله نصفه، من رد ثوبي فله ثلثه " وظاهره الميل إليه، بل عن المحقق الثاني أنه مختاره، ثم قال: " وهو قوي " بل عن التذكرة أنه أقوى، والايضاح أنه أصح ونفي البأس عنه في الروضة، وكأنه مال إليه في المسالك، وعن الكفاية أنه غير بعيد، وعن المفاتيح أنه أظهر، بل عن ظاهر مجمع البرهان اختياره. قلت: لعله الاقوى أيضا، ولا ينافيه ما سمعته من الاجماع على وجوب اجرة المثل في المجهول، لظهور إرادة حاكيه في غير الفرض، قال في الدروس: " ولو كان مجهولا فاجرة المثل قولا واحدا، ولو لم تمنع الجهالة التسليم كثلث العبد المجهول قيل يصح، ولو كان معلوما فأولى بالصحة، إلا أن يمنع الاستئجار على الارضاع بجزء من المرتضع بعد الفصال " قلت: ونحوه ما يجعل للدلال مما زاد على مقدار معين في قول. فتحصل من مجموع ما ذكرناه عدم اعتبار المعلومية في العوض كالاجارة والبيع وعدم الاكتفاء بالمطلق ذي الافراد المختلفة، كالثوب والدابة ونحوهما، وخصوصا مثل الشئ والمال، فيرجع إلى اجرة المثل في الثاني وإلى المسمى في الشخص المجهول، كجزء العبد الابق " ونحوه " ويلحق به جعل ما زاد على المقدار المعين إن قلنا بصحة الجعالة (2) فيه للنصوص وقد تقدم في بحث المرابحة تمام الكلام فيه فلاحظ وتأمل.


(1) راجع ج 26 ص 217 - 218. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب أحكام العقود.

[ 196 ]

وكيف كان فيجوز الجمع في الجعالة بين المدة والعمل، مثل " من رد عبدي من مصرفي شهر فله كذا " لاطلاق الادلة وإن لم نقل بجوازه في الاجارة، كما صرح به هنا في الدروس. وكذا يجوز " من رد عبدي أو أمتي " ويستحق برد أيهما كان. وإذا عين الجعل اشترط كونه مما يملك، فلو جعل حرا أو خمرا بطل، ولا اجرة للعامل إلا ان يتوهم الملك، ولو جعل الذمي لمثله خمرا، صح فان أسلم أحدهما قبل القبض فالقيمة على قول. * (ويعتبر في الجاعل أهلية الاستئجار) * بلا خلاف أجده، كما اعترف به الفاضل في محكي التذكرة، قال: " يشترط فيه أن يكون أهلا لاستئجار مطلق التصرف، فلا ينفذ جعل الصبي والمجنون والسفيه والمحجور عليه لفلس والمكره وغير القاصد، ولا نعلم فيه خلافا " قلت: بل ولا إشكال، لما عرفته مكررا في كل عقد وإيقاع مما يدل على عدم صحة شئ منهما من هؤلاء. * (و) * أما ما يعتبر * (في العامل) * فهو * (إمكان تحصيل العمل) * عقلا وشرعا بنفسه إن شرط عليه المباشرة، أو مطلقا إن لم يشترط، فان لم يمكن تحصيل العمل له كذلك لم يصح الجعل له، كما لا يصح استئجاره، فلو قال: " من استوفي ديني على المسلم فله كذا " لم يدخل الذمي كما في الدروس، أما لو قال: " من رد عبدي المسلم " ففي التذكرة والدروس يدخل الذمي، ولعله لضعف السبيل، لكن قيده في الاخير بما إذا لم يكن الجعل ممتنعا في حقه بأن كان العوض بعضه. وعلى كل حال فالمراد بالامكان ذلك لا جواز التصرف، ضروره عدم الدليل على اعتباره في عامل الجعالة التي قد سمعت قوة القول بأنها من باب التسبيب، ولعله لذا نص في التذكرة وغيرها على استحقاق الجعل برد الصبي المميز ولو من غير إذن وليه، بل في الاول يجوز قطعا، بل المسالك وغيرها في غير المميز وجهان، من حصول الفرض وعدم القصد إلى العوض، ولا يعتبر في العامل التعيين

[ 197 ]

بلا خوف أجده فيه، لاطلاق الادلة مؤيدا، بأنه الاوفق بمشروعيتها إذ الغرض رد الابق مثلا من أي راد كان، بل قد لا يتمكن منه معين، كما أنه قد لا يكون المتمكن حاضرا، وربما لا يعرفه المالك، فإذا أطلق الاشتراط وشاع ذلك سارع من يتمكن منه إلى تحصيله، فيحصل الغرض. * (و) * لكن * (لو عين الجعالة لواحد فرد غيره كان عمله ضائعا) * بلا خلاف أجده فيه، لانه متبرع حيث لم يبذل له اجرة ولا لمن يشمله، نعم في المسالك " هذا إذا شرط على المجعول له العمل بنفسه أو قصد الراد العمل لنفسه أو أطلق، أما لورده نيابة عن المجعول له حيث يتناول الامر النيابة فانه لا يضيع عمله، وكان الجعل لمن جعل له " وفيه أن قصد النيابة مع عدم أمر من المنوب عنه ولا عمل في ذمته لا يجعله نائبا، للاصل، بل لورده عبد المجعول له لم يكن نائبا عنه وإن قال في محكي التذكرة استحقه المولى، لان رد عبده كرده، ويده كيده، وحينئذ فاطلاق المصنف والجماعة في محله. * (ولو تبرع أجنبي بالجعل وجب عليه الجعل مع الرد) * وإن لم يعد نفع إليه، ولا يلزم المالك شئ للعالم ولا للباذل، ولعل منه قوله تعالى (1): " ولمن جاء به حمل بعير " بلا خلاف ولا إشكال، كما اعترف به في جامع المقاصد لما عرفته من أن الجعالة من التسبيب الذي لا يعتبر فيه ملك عوض بعوض، كالبيع والاجارة، كما هو واضح. نعم لو قصد المتبرع المالك فأجاز لزمه بناء على جريان الفضولي فيه، بل وكذا لو قصد الرجوع به عليه. * (ويستحق) * العامل * (الجعل بالتسليم) * إلى يد المالك، مع التصريح بالجعل على ذلك أو إطلاق الرد بناء على أن المتبادر فيه القبض. وحينئذ * (فلو جاء به إلى البلد) * بل والمنزل ولم يقبضه المالك * (ففر لم يستحق الجعل) * بلا خلاف أجده. نعم لو صرح بما لا يتقضي التسليم كالايصال إلى البلد استحق الجعل، بل في مجمع البرهان " لو قال: من خاط لي هذا الثوب


(1) سورة يوسف: 12 - الاية 72.

[ 198 ]

فالظاهر أنه يستحق بالعمل دون التسليم " وهو لا يخلو من وجه. ثم إن الموت كالفرار كما اعترف به في التذكرة والمسالك، بل في الروضة وإن كان في داره أيضا لاشتراكهما في عدم صدق الرد، لكن في القواعد " يحتمل الاستحقاق مع الموت بالنسبة " بل في الايضاح هو الاقوى، لان المانع ليس من قبله، وأن الرد الممكن عادة قد حصل، وتسلميه من الموت ليس داخلا تحت قدرة البشر، بل ربما مال إليه في الجملة في جامع المقاصد والروضة، إلا أنه كما ترى. ولذ اعترف بضعفه في المسالك، إذ لا دخل في ذلك لاستحقاق الجعل على العمل المخصوص المنفي في الصورتين. * (والجعالة) * جائزة من الطرفين، سواء قلنا بكونها عقدا أو إيقاعا بلا خلاف أجده، كما اعترف به في المسالك والكفاية، بل في التذكرة أنها عقد جائز من الطرفين إجماعا، مضافا إلى أن المستفاد من أدلتها كونها بمنزلة أمر للغير بعمل له اجرة، فلا يجب المضي فيه من الجانبين. نعم عن أبي علي لو جعل عاما لمن جاء بالابق فخرج الناس عند عمومه لما جعل من الجعل فأشهد المولى على نفسه بأنه قد فسخ ما كان جعله لم ينفسخ بذلك، ويمكن إرادته ما صرح به في التذكرة والدروس وجامع المقاصد والمسالك من أن العقد إنما ينفسخ إذا علم العامل بالفسخ من كالوكيل إذا لم يعلم بالعزل، وهو وإن كان لا يخلو من إشكال إذا لم يكن إجماعا، ضرورة اقتضاء كونها من الجائز انفساخها بالفسخ علم العامل أو لم يعلم، وعدم انعزال الوكيل حتى يعلم بالعزل إنما هو لدليله المقتصر فيه عليه خاصة، فيستحق حينئذ اجرة المثل لا المسمى لما عمله بعد الفسخ، أما لما عمله قبله ففيه احتمالان: أحدهما ذلك أيضا، والثاني نسبته من المسمى كما ستسمع. وعلى كل حال فلا إشكال في جوازها بل ظاهر كثير منهم وصريح بعض أنها كذلك قبل التلبس وبعده، لكن في المتن أنها * (جائزة قبل التلبس، فان تلبس فالجواز باق في طرف العامل ولازم من طرف الجاعل، إلا أن يدفع

[ 199 ]

اجرة ما عمل) * وظاهره كونها كالرهن في اللزوم من جانب والجواز من آخر. بل ظاهره كالمحكي عن المبسوط والارشاد والتبصرة توقف فسخ الجاعل على دفع الاجرة، وهو أنه لا دليل عليه بل ظاهر الادلة من الاستصحاب وغيره خلافه، بل في المسالك أنه مخالف للاجماع، فلا يبعد إرادته لزومها بالنسبة إلى ما مضى، كما عبر به في الدروس قال: " والجعالة جائزة من طرف العامل مطلقا ومن طرف المالك ما لم يتلبس العامل، فان تلبس فهي جائزة فيما بقي، وعليه فيما مضى بنسبته إلى الجميع " وإن كان هو أيضا لا يخلو من إشكال، ضرورة عدم تصور الفسخ على الوجه المزبور، واستحقاق النسبة من المسمى لا ينافي الفسخ مطلقا كاستحقاق الجميع من عدم العلم بالفسخ، إذ لعله وإن تحقق الفسخ إلا أنه لما كان عمل المسلم محترما وقد عمل على الجعل المزبور استحق بنسبة ما تراضيا عليه. والفرق بينه وبين عامل القراض أن المشروط للعامل فيه جزء من الربح، وقبل ظهوره لا وجود له، ولا معلومية حتى ينسب إليه ما فعل، بخلاف عامل الجعالة، فانه مضبوط يمكن الاعتماد على نسبته، فهو حينئذ كالاجارة التي يطرأ لها الفسخ. لكن قد يناقش بأن الجعالة إنما هي على تمام العمل وإن كان ذا أجزاء كالخياطة والنساجة فضلا عن رد الابق ونحوه، فما يقع سابقا على مسمى التمام مقدمات وإن كانت من أجزاء العمل لكن ليست هي من العمل المجعول عليه، ولذا صرح في المبسوط والتحرير والقواعد والتذكرة والدروس وجامع المقاصد والمسالك والروضة ومجمع البرهان والكفاية وغيرها بأن العامل إذا فسخ قبل إتمام العمل لا شئ له، بل في الكفاية أنه المشهور. وقد علله غير واحد منهم بأنه بفسخه أسقط حقه، وذلك لان الجاعل لم يجعل له العوض إلا في مقابلة مجموع العمل، ولم يحصل غرضه ولم يأت العامل بما شرط عليه، وحينئذ فهو كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح بخلاف الاجارة، والفرق أنها لازمة تجب الاجرة فيها بالعقد، وتستقر شيئا فشيئا،

[ 200 ]

والجعالة جائزة لا يثبت فيها شئ إلا بشرط ولم يوجد، وهذا بعينه جار في فسخ الجاعل بالنسبة إلى عدم استحقاق المسمى، نعم حيث إن العامل لا يقدم على العمل إلا بالعوض ولا تقصير منه فهو غير متبرع، فيبقي على أصالة احترام عمل المسلم فينبغي ضمانه باجرة المثل، ضرورة كون المقتضى له الغرور وعدم التقصير ونحوها لا العقد المقتضي للتقسيط. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف ما احتمله الكركي وجماعة من استحقاق العامل اجرة المثل أو النسبة من المسمى كما إذا فسخ الجاعل، لانه بفسخه إنما أسقط حقه بالنسبة إلى ما بقي لا ما مضى، والفرض أنه أقدم على العوض وفسخه، لان له الحق الفسخ، ويقوى الاحتمال لو مات أو منعه ظالم. وفيه أن إقدامه على العوض على عمل المجموع من حيث إنه كذلك أو على الرد ونحوه مما لا مدخلية لمقدماته الخارجية في تحقق مسماه، نعم لو فرض إرادة الجاعل التوزيع على أجزاء العمل على نحو الاجارة اتجه حينئذ التقسيط على المسمى، إلا أنه ينبغي عدم الفرق بين الجاعل والعامل في ذلك، خصوصا في صورة الموت أو شغل الظالم. ولعل جعل المدار في المسألة على هذا أولى فيقال: إن كانت الجعالة على عمل لا يتجزأ كالرد ونحوه أو يتجزأ ولكن قصد الجعل عليه من حيث تماميته فلا شئ للعامل إذا لم يكن الفسخ من قبل الجاعل، للاصل وغيره، وإن كان بفسخ من قبله استحق اجرة المثل على ما وقع منه من مقدمات العمل خصوصا إذا كان بعضه الذي مقدمة أيضا لتمامه، لقاعدة الغرور، واحترام عمل المسلم، ونفي الضرر، كما في عامل القراض بل لعل الحكم كذلك في صورة الانفساخ بموت الجاعل ونحوه فضلا عن فسخه. ولو قصد توزيع الجعل على العمل ذي الاجزاء على نحو الاجارة اتجه حينئذ الحكم بالتقسيط كما في الاجارة، بل لا فرق في ذلك بين الفسخ من قبل الجاعل والعامل، ومع الاطلاق فالظاهر الاول في الجعالة، فيجري عليه ما سمعت فتأمل جيدا، فان المقام غير محرر في كلماتهم.

[ 201 ]

ولو فسخ العامل ثم أراد العمل بالجعل فهل ينفسخ العقد أم يستمر إيجاب الجاعل ؟ وجهان لا ترجيح بينهما، وفي جامع المقاصد والمسالك يبنى على أن الجعالة هل هي عقد أم لا ؟ فعلي الاول يحتمل الانفساخ، لان ذلك هو قضية العقد الجائز فلا يستحق بعد ذلك بالعمل شيئا، سواء علم المالك بفسخه أو لا، ويحتمل عدمه، لان العبرة بايجاب المالك وإذنه في العمل بعوض، وذلك أمر لا قدرة للعامل على فسخه، وإنما تركه العمل في معنى الفسخ، ومثله ما لو فسخ الوكيل الوكالة ثم فعل مقتضاها. وفيه ما لا يخفى من منافاة الوجه الثاني للقواعد، وبقاء الاذن في الوكالة لا يقتضي بقاء عقد الوكالة الذي يجوز فيه الفسخ، والفرض حصوله منه، فأي وجه لعوده جديدا من دون إنشاء جديدد من المالك. نعم قد يقال على الثاني يتجه عدم بطلانها واستحقاقه العوض بالفعل، لانها عبارة عن الايجاب والاذن في الفعل، وحكمه بعد الاذن بيده لا بيد غيره، نحو العهد واليمين، خصوصا مع كون الجعالة بلفظ العموم ونحوه مما لا وجه لفسخه ممن لا سلطنة له على ذلك، لا بالنسبة إلى نفسه، ولا بالنسبة إلى غيره. وحينئذ فمعنى قولهم: " يجوز للعامل الفسخ " أنه لا يجب عليه الوفاء بالعمل، سواء شرع فيه أم لا، بل يجوز له تركه متى شاء وإن بقي حكم الاول. وكيف كان فقد سمعت إطلاقهم جوازها. لكن قد يستشكل فيه بحيث يترتب عليه عدم قبول دفع العوض في صورة الفسخ بعد وصول الابق والضالة مثلا إلى يد العمل قبل وصولها إلى يد المالك بأنه لا يكاد يتحقق للفسخ معنى حينئذ، إذ لا يجوز له تركها، بل يجب تسليمها إلى المالك أو من يقوم مقامه، فيتم العمل. ويدفعه أن فائدة الفسخ حينذ عدم وجوب السعي في إيصالها للمالك، إذ الواجب عليه حينئذ إعلامه بها، فان كان قد بقي لردها مقدار يعتد به من العوض فالفائدة ظاهرة، وإن لم يكن بقي فالساقط هو ما قابل ذلك المتخلف، ولا يحصل

[ 202 ]

به نقص يعتد به على العامل. ولو توقف إيصالها أو خبرها إلى المالك على عمل يقابل باجرة ففي المسالك أمكن ثبوت اجرة المثل لذلك العمل، لانه عمل محترم مأذون فيه شرعا مبتداء باذن المالك، فلا يضيع على العامل، ويظهر للفسخ معنى على التقديرين. قلت: ليس الفرض في المقام إلا كالامانة الشرعية التي من المعلوم عدم استحقاق العوض على الاعلام بها بعد أن كان واجبا عليه، كمعلومية عدم جواز التصرف له فيها بعد معرفة مالكها بنقل ونحوه حتى يأذن له، نعم قد يقال بسقوط وجوب الاعلام عنه مع فرض توقفه على بذل مال منه. * (ولو عقب الجعالة على عمل معين باخرى وزاد في العوض أو نقص عمل بالاخيرة) * بلا خلاف ولا إشكال مع سماع الجعالتين قبل التلبس بالعمل وإطلاقهما، ضرورة اقتضاء الثانية فسخ الاولى، إذ لا وجه لصحتهما معا إلا مع إرادة زيادته الجعل الاول، فيكون المراد من الثانية أن له ذلك مع الاول، وهو خروج عن الفرض. ومن هنا صرح غير واحد بكون الثانية رجوعا عن الاولى بل في المسالك نسبة ذلك إلى إطلاق الاصحاب. أما إذا لم يسمع العامل إلا إحدى الجعالتين فالعبرة بما سمعه منهما من غير فرق بين الاولى والثانية، كما صرح به الكركي وثاني الشهيدين، ولكن قد يشكل بأنه مع فرض اقتضاء الثانية فسخ الاولى، وقلنا بعدم اعتبار العلم وتحققه يتجه الرجوع إلى اجرة المثل، ولعله لذا صرح الفاضل في المحكي عن تذكرته بذلك. وربما أشكل بأنه أقدم على المسمى، فيستحقه دون اجرة المثل، خصوصا مع زيادتهما عليه، بل ربما احتمل وجوب أقلهما. وفيه أن الاقدام على المسمى بعد فرض انفساخ العقد المقتضي لاستحقاقه لا يقتضي استحقاقه إياه، ولا غرور بعد أن أقدم على عقد جائز للمالك فسخه في

[ 203 ]

كل وقت، وكان له طريق إلى إلزامه به بصلح ونحوه، ولعل هذا هو المتجه سواء زادت اجرة المثل أو نقصت. بل قد يقال باستحقاقه جعل الثانية، لانفساخ الاولى بها وعدم اعتبار السماع في استحقاق الجعل كما سمعته سابقا، فإذا فرض حصول الجعالة الثانية قبل تلبسه والفرض عدم علمه بالثانية إنما سمع الاول خاصة استحق جعل الثانية حينئذ، فتأمل جيدا. نعم لو سمع بالثانية في أثناء العمل ففي القواعد والمسالك وغيرهما له من الاولى بنسبة ما عمل إلى الجميع، وفي المسالك " ومن الثانية بنسبة ما بقي ". لكن أشكله بأنه إنما جعل العوض الثاني على مجموع العمل ولم يحصل، قال: " ويفارق الحكم بالنسبة في الاولى من جهة حصول الفسخ فيها من قبل المالك، فيفسخ عمل العامل، بخلاف الثانية، فانه لم يقع فيها فسخ، خصوصا مع علم العامل بالمال، فان علمه حينئذ للمتخلف واقع بغير عوض مبذول من المالك في مقابلته، لان الجعالة لا تقابل بالاجرة إلا فيما استثني سابقا، وهذا ليس منه - ثم قال -: ويمكن توجيهه بأن عمل العامل بأمر المالك بالعوض المعين، وقد أتمه، ولا سبيل إلى وجوب العوض الاول خاصة للرجوع عنه، ولا إلى مجموع الثاني، لانه لم يعمل مجموع العمل بعد الامر به، ولا سبيل إلى الرجوع إلى اجرة المثل، لان العوض معين، فلم يبق إلا الحكم بالتوزيع ". قلت: لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرنا، وأنه لا يرجع إلى محصل، ضرورة كون المتجه بعد فرض عدم التوزيع في الجعالة اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، وأما ما بقي فهو متبرع لو عمل، لانه مع فرض كون الجعل في الثانية لتمام العمل والفرض سبق بعضه منه لا يندرج فيها، ولا إذن للمالك بغير ذلك كى يضمن له، ولا غرور منه، فتأمل نعم لو سمع بالثانية قبل التلبس بالعمل فعمله استحق الجعل الاخير حينئذ قطعا. هذا كله مع الاطلاق في الجعالتين. أما مع التقييد بالزمان أو المكان فيهما فالظاهر عدم المنافاة، كما لو قال:

[ 204 ]

" من رد عبدي من الشام فله مأة " ثم قال: " من رده من بغداد فله خمسون " أو قال: " من رد عبدي يوم الجمعة فله عشرة " ثم قال: " من رد عبدي يوم السبت فله خمسة ". وكذا لو كانت الاولى مطلقة والثانية مقيدة بزمان أو مكان وكان العوض في الاولى أقل، لجواز اختصاص القيد بأمر اقتضى الزيادة، نعم لو كان المقيد أنقص احتمل كونه رجوعا، لانه إذا رده مع القيد رده مطلقا، فلو استحق الزائد لذلك لزم أن يلغو القيد وأن يجمع بينهما بحمل المطلق على غير صورة المقيد، ولعل هذا أظهر، بل هو المنساق إلا مع القرينة الصارفة عنه حينئذ، فيكون رجوعا، وفي المسالك وهذا أظهر وإن كان في بعض فروضه لا يخلو من نظر بدلالة القرينة، كما إذا كان المكان أو الزمان أقرب من المقيد. وكيف كان فلعل إطلاق الاصحاب العمل بالاخيرة ولا ينافي ما سمعته من التفصيل بعد تنزيله على صورة الاطلاق، ولم أجد تحريرا في كلامهم لكون اقتضاء الجعالة الثانية الفسخ للاولى ذاتيا، بمعنى كونه كذلك وإن كان ناسيا للاولى من حيث التنافي، كالوصية ثانيا بضد ما أوصى به أولا، أو ليس كذلك. كما أني لم أجد لاحد احتمال كون الجعالة ثانيا كالاعواض على الاعمال الاخروية، فانها وإن تكررت تقتضي كون الجميع عوضا، فتأمل جيدا.

[ 205 ]

* (وأما الاحكام فمسائل:) * * (الاولى:) * * (لا يستحق العامل الاجره إلا إذا بذلها الجاعل أولا) * ثم حصل العمل من العامل وإلا * (فلو حصلت الضالة) * مثلا * (في يد إنسان قبل الجعل لزمه التسليم) * ولو بالاعلام والتخلية. * (ولا أجرة) * له على ذلك، لوجوبه عليه، وقد سمعت عدم صحة أخذ العوض عنه، كما صرح به غير واحد، بل عن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، بل لا أجد فيه خلافا. * (وكذا لو سعى في التحصيل تبرعا) * لما سمعت. نعم عن التذكرة " أنه لو قال: " من رد علي مالي فله كذا " فرده من كان المال في يده نظر فان كان في رد من في يده مزيد كلفة ومؤونة كالعبد الابق استحق الجعل، وإن لم يكن كالدراهم والدنانير فلا، لان ما لا كلفة فيه لا يقابل العوض " واستوجهه بعض من تأخر عنه. المسألة * (الثانية:) * * (إذ بذل جعلا) * على رد الضالة مثلا * (فان عينه) * بالدينار ونحوه * (فعليه) * لزم * (تسليمه مع الرد) * بلا خلاف ولا إشكال. * (وإن) * ذكر عوضا ولكن * (لم يعينه) * بل قال: " فله علي اجرة " أو " عوض " أو نحو ذلك * (لزمه مع الرد اجرة المثل) * بلا خلاف ولا إشكال، أيضا لفساد العقد مع احترام العمل أو لانها حينئذ هي الجعالة * (إلا في رد الابق على رواية) * مسمع بن عبد الملك كردين * (أبي سيار (1) عن أبي عبد الله


(1) التهذيب ج 6 ص 398 الرقم 1203.

[ 206 ]

عليه السلام إن النبي صلى الله عليه واله جعل في الابق دينارا إذا أخذ في مصره وإن أخذ في غير مصره فأربعة دنانير) * التي عمل بها المشهور كما اعترف به غير واحد بل في الرياض أن الشهرة بها عظيمة قديمة ومتأخرة، بل عن غاية المرام نسبته إلى المتأخرين كافة، بل عن المقتصر أن الرواية ضعيفة، لكنها تأيدت بعمل الاصحاب وشهرتها حتى صار العمل بها وبما ألحق بها قريبا من الاجماع. بل في محكي الاخلاف " أن أصحابنا رووا أنه إن رد العبد الابق من خارج البلد استحق الاجرة أربعين درهما قيمتها أربعة دنانير، وإن كان من البلد فعشرة دراهم قيمتها دينار - إلى أن قال -: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ". وفي محكي المبسوط " قد روى أصحابنا فيمن رد عبدا أربعين درهما قيمتها أربعة دنانير " إلى غير ذلك مما في محكي المقنعة من أنه ثبتت السنة بذلك، بل في محكي السرائر نسبته إلى التوظيف شرعا تارة وإلى ورود الاخبار بذلك اخرى، وغيرهما مما يشعر بنصوص اخر (1) في المقام تعضد الخبر المزبور المنجبر بما سمعت وبعمل ابن إدريس الذي لا يعمل إلا بالقطعيات وبغير ذلك. * (و) * لكن مع ذلك كله * (قال الشيخ في المبسوط: هذا على الافضل لا الوجوب) * وإلا فالواجب اجرة المثل، وتبعه الابى والمقداد وثاني الشهيدين في المسالك وبعض متأخري المتأخرين على ما حكي عن بعضهم. * (و) * لكن لا يخفى عليك أن مقتضي قواعدهم * (العمل على الرواية) * المنجبرة بما سمعت، بل ربما استشعر من عبارته فضلا عما سمعت الاجماع عليها. وأما تقدير الدنانير بالدراهم على حسب ما سمعت فهو من أنه كذلك في الديات قد سمعت ما في الخلاف من دعوى الاجماع والاخبار، فما في مجمع البرهان - من أنه لا وجه لذلك، لانه غير موجود في الرواية وما رأيته في موضع آخر سوى المتن والتذكرة - في غير محله.


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الجعالة والباب - 21 - من كتاب اللقطة.

[ 207 ]

ولا يلحق بالعبد الامة، لعدم الصدق، وعدم ما يقتضي الالحاق. نعم لا فرق في العبد بين الصغير والكبير والمسلم والكافر والصحيح والمعيب للاطلاق نصا وفتوى الذي مقتضاه ذلك أيضا * (ولو نقصت قيمة العبد) * عن ذلك كما صرح به جماعة بل ربما نسب إلى المشهور إذ نقصان قيمته لا ينافي الجعل الشرعي، كما أنه لا ينافي ثبوت اجرة المثل إن لم نقل بالتقدير هنا، ودعوى أن الواجب أقل الامرين من اجرة المثل والمقدر شرعا، كما في حاشية الكركي، وعن الايضاح وغيره لا وجه لها، هذا كله في العبد الذي قد سمعت الرواية فيه. * (وقيل) * كما صرح به غير واحد * (الحكم في البعير كذلك وإن لم أظفر فيه بمستند) * خاص نحو العبد، نعم قد سمعت ما عن المقتصر، وعن المهذب نسبته إلى كثير ممن تأخر عن عصر الشيخين، بل عن مجمع البرهان أنه المشهور، بل عن جامع المقاصد نسبته إلى الاصحاب، بل عن السرائر نسبته أيضا إلى الاخبار والتوظيف الشرعي كما عن المقنعة أنه مما ثبت به السنة قال فيها: " إذا وجد الانسان عبدا آبقا أو بعيرا شاردا فرده على صاحبه كان له على ذلك جعل، وإن كان وجده في المصر فدينار قيمته عشرة دراهم جياد، وإن كان وجده في غير المصر فأربعة دنانير قيمتها أربعون درهما جياد، وبذلك ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وآله ". إلا أنه مع ذلك استشكل فيه في القواعد، ولعله مما سمعت، ومن الشك في صلاحية ذلك للخروج به عما تقتضيه القواعد من اجرة المثل، وفيه أنه لا شك بعد انجبار المرسل بما سمعت. * (أما لو استدعى الرد ولم يبذل اجرة لم يكن للراد شئ لانه متبرع بالعمل) * كما في القواعد والارشاد والتحرير، بل قيل هو قضية كلام اللمعة، للاصل الذي لا يقطعه طلبه الاعم من كونه باجرة. وفيه أنه مناف لقاعدة احترام عمل المسلم كماله التي اعترفوا بها فيمن

[ 208 ]

أمر غيره بعمل له اجرة ما لم يصرح بالتبرع أو يقصده العامل، بل وقالوا في من أمر غيره بالبيع والشراء وأداء ثمنه إنه يلزمه العوض، وفيمن ضمن بسؤاله وأدي إنه يرجع، بل عن سبعة كتب حكاية الاجماع على ذلك صريحا وظاهرا، بل قيل: ورد به خبران وما اختلف فيه اثنان، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الضمان نعم قد يقال بعدم الاجرة في الرد الذي لم تجر العادة باجرة لمثله، للاصل وغيره. لكن قد يقال هنا بالمقدر في العبد حيث يستحق فيه الاجرة، لاطلاق الرواية التي سمعتها المنزلة على إرادة تقديرا اجرة المثل بذلك، فمع فرض كون المقام مما يستحق فيه اجرة المثل يتجه الرجوع إلى الرواية في تقديرها بعد فرض تنزيلها على ذلك، ولذا لم يكن له شئ حيث لا تكون له اجرة، لابتدائه في العمل من دون أمر. ولعله من هنا ينقدح فرض موضوع المسألة نصا وفتوى فيما إذا كان الرد مما له اجرة في العادة. أما إذا لم يكن له اجرة في العادة فانه حينئذ لم يكن له اجرة مثل كى تقدر بما في الخبر المزبور (1). ومن هنا اتجه كون المدار على ذلك، بل لعله ظاهر المعظم، ولعله لذا جعله في الدروس الاولى إلا أني لم أجده لغيره، نعم قد سمعت ما في ظاهر المقنعة الذي نحوه عن النهاية والوسيلة من استحقاق الجعل المقدر وإن لم يستدع للخبر المزبور، لكن لا جابر له في ذلك، بل والاول أيضا إذ لم نجد عاملا بالخبر المزبور (1) غير من عرفت. بل لم نتحقق ما حكي عن الوسلية، فانحصر الخلاف فيه في المقنعة والنهاية المحتملين لارادة ذكر مضمون الرواية، خصوصا النهاية التي هي متون أخبار، ولعله لذا قال ابن إدريس: " لا يظن ظان أن من رد شيئا من الضوال والابق واللقط يستحق على صاحبه من غير أن يجعل له، فانه خطأ


(1 و 2) التهذيب ج 6 ص 398 - الرقم 1203.

[ 209 ]

فاحش " وكأنه عرض بذلك إلى ما عن ابن مسعود وعمر وشريح وعمر بن عبد العزيز وأصحاب الرأى في إحدي الروايتين راوين له عن علي عليه السلام (1). المسالة * (الثالثة:) * * (إذا قال من رد عبدي فله دينار فرده جماعة كان الدينار لهم جميعا بالسوية) * بلا خلاف ولا إشكال * (لان العمل حصل من الجميع لا من كل واحد) * وهو من مصاديق " من رد " والفرض عدم تفاوت نفس الرد وإن تفاوتت مقدماته، نعم لو فرض تفاوته اتجه حينئذ قسمة الدينار على حسب نسبة تفاوته وكذا لو قال لجماعة: " إن رددتم عبدي فلكم كذا " فردوه، فالجعل بينهم يوزع على قدر العمل على تقدير تفاوته وإلا فعلي الرؤوس. * (أما لو قال: من دخل داري) * مثلا * (فله دينار فدخلها جماعة كان لكل واحد دينار) * بلا خلاف معتد به ولا إشكال سواء دخلوا دفعة أو مترتبين أو مختلفين، * (لان العمل) * على كل حال * (قد حصل من كل واحد) * منهم بخلاف الاول الذي كان الجعل فيه لمن صدر عنه الرد مسستقلا، سواء كان واحدا أو متعددا، إذ الرد لا يتعدد، والذي صدر عنه الرد بالاستقلال إنما هو الجماعة، ولم يصدر عن فرد واحد منهم، ولا كذلك دخول الدار، ولكن يعتبر فيه أن يكون لذلك غاية تصلح للمقابلة بالجعل، نعم لو قال: " من رد عبدا من عبيدي فله دينار " فرد كل واحد عبدا استحق كل واحد منهم دينارا. فما عن المختلف - من احتمال التساوى، فيستحق الداخلون كلهم دينارا واحدا، لانه المبذول، والعموم يقتضى التشريك لا الزيادة على المبذول - لا وجه له، بل هو مناف للغة والعرف، كما هو واضح. نعم لو تشخص الجعل كما لو قال: " من دخل داري فله هذا الدينار " فدخلها جماعة دفعة اشتركوا فيه، لتساويهم في حصول سبب الاستحقاق، ولذا لو ترتبوا


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 200.

[ 210 ]

استحقه الاول منهم، لانه المستحق، فلا يكون للثاني جعل. * (فروع:) * * (الاول:) * * (لو جعل لكل واحد) * مثلا * (من ثلاثة جعلا أزيد من الاخر) * على عمل لا يقبل الاختلاف كرد العبد، بناء على أنه كذلك * (ف‍) * إن جاء به واحد منهم فله جعله. وإن * (جاؤوا به جميعا كان لكل واحد منهم ثلث ما جعل له، ولو كانوا أربعة كان له الربع أو خمسة فله الخمس، وكذا لو ساوى بينهم في الجعل) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. نعم قد يقال بناء على ما تقدم سابقا من أن العامل إذا لم يتم العمل استحق اجرة المثل على ما مضى منه لا نسبته من المسمى يتجه في المقام الرجوع إليها أيضا لا النسبة المزبورة من المسمى المجعول على الاتيان بتمام العمل لا بعضه، بل لعل المقام أولى، لعدم صدق الرد على كل واحد منهم، بل ربما احتمل عدم استحقاق أحد منهم شيئا لذلك، إذ الرد من مجموعهم الذي لم يجعل له جعل. لكنى لم أجد من احتمله هنا ولا الاول حتى في العمل القابل للاختلاف. كخياطة الثوب الذي جعل فيه لكل من الثلاثة مثلا جعلا متفاوتا أو متساويا على خياطته، فخاطه الثلاثة، فانهم ذكروا استحقاق كل من الثلاثة بنسبة ما عمل إلى مجموع العمل مما عين له، والله العالم.

[ 211 ]

الفرع * (الثاني:) * * (لو جعل لبعض الثلاثة جعلا معلوما) * متساويا أو مختلفا * (ولبعضهم) * جعلا * (مجهولا) * جهالة تمنع من التسليم به * (فجاؤوا به جميعا كان لصاحب المعلوم ثلث ما جعل له، وللمجهول ثلث اجرة مثله) مع فرض عدم تفاوتهم فيه، وإلا فبالنسبة حتى من لم يعين له، فان له بنسبة اجرة المثل، زادت على الثلث أو نقصت، كما هو واضح. الفرع * (الثالث:) * * (لو جعل لواحد) * معين * (جعلا على الرد) * مثلا * (فشاركه آخر في الرد) * على وجه التنصيف متبرعا بالعمل لنفسه أو للمالك أو لم يقصد المساعدة * (كان للمجعول له نصف الاجرة، لانه عمل نصف العمل) * ومع فرض التفاوت له بالنسبة بناء على ما سمعت. * (و) * على كل حال ف‍ * (ليس للاخر شئ، لانه تبرع) *. * (و) * لكن * (قال الشيخ) * في المبسوط * (يستحق نصف اجرة المثل، وهو بعيد) * بل ضعيف، بل فاسد، لانه لو استقل بالفعل لم يستحق شيئا إجماعا، لتبرعه بالعمل فيكف يستحق مع المشاركة، ولعله لذا حمل كلامه على ما يرجع إلى العمل بخبر مسمع ولو على بعض الاقوال، ولا بأس به. وعن الفاضل قول باستحقاق العامل الجميع حيث يشاركه لا بنية مساعدته، لحصول غرض المالك. وفيه أن ذلك لا يقتضي استحقاق الجميع كما لو رده الاجنبي بل لعل القول بعدم استحقاقه شيئا أولى من ذلك، لعدم إتيانه بتمام العمل مع فرض

[ 212 ]

المساعدة، فما حصل منه لم يجعل له جعل، وما جعل له لم يحصل منه وإن كان فيه (أولا) أنه لا ينقص عن الاتيان ببعض العمل الذي قد عرفت استحقاقه فيه اجرة المثل أو نسبة المسمى. و (ثانيا) أن عمل المساعد مع إذن المالك يكون من عمله، كما لو وكله أو استأجره، فانه لا إشكال في استحقاقه الجعل حينئذ. نعم في الدروس " لو قال: من رد عبدي بصيغة العموم فوكل واحد آخر أو استأجره على رده ففي استحقاقه الجعل نظر، من إجرائه مجرى التوكيل في المباحات، ومن حمل الاطلاق على المباشرة " وهو مع أنه في العموم لا العامل الخاص غير واضح الوجه، إذ ما ذكره أخيرا لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم فهم المباشرة، والله العالم. ولو قصد الشريك المساعدة للعامل فالجميع، للعامل، كما صرح به غير واحد، وهو كذلك إذا لم يكن قد شرط عليه العمل بنفسه وكان ذلك باذنه كما تقدم الكلام فيه سابقا. وحينئذ فلو قال أحد الثلاثة في الفرع الاول: " أعنت صاحبي " فلا شئ له، ولكل واحد منهما نصف ما شرط له، ولو قال اثنان: " عملنا لاعانة صاحبنا " فلا شئ لهما، وله جميع ما شرط له، ولو أعانهم رابع فلا شئ له، وإن قال: " قصدت العمل للمالك " فلكل واحد من الثلثة ربع ما جعل له، بل وكذا لو قال: " لم أقصد إعانة لهم " فضلا عن قصد التبرع لنفسه، وفي المسالك لو أعان بعض العامل فله من حصته بمقدار عمل اثنين، والله العالم.

[ 213 ]

الفرع * (الرابع:) * * (لو جعل جعلا معينا على رده من مسافة معينة فرده من بعضها كان له من الجعل بنسبة المسافة) * كما عن الشيخ وابن حمزة، وبه صرح الفاضل، بل في المسالك نسبته إلى الاصحاب وغيرهم، والمراد بنسبة المسافة نسبة اجرة ما عمل إلى الاجرة أجمع لا باعتبار المسافة خاصة. وربما أشكل بأن ما فعل ما ضرب الجعل عليه، لانه إنما ضربه على الرد من بغداد مثلا ولا يلزمه ضرب جزئه ببعض الطريق، وقد يكون الغرض متعلقا برده من بغداد، وكما لا يستحق اجرة لما زاد عن بغداد على ما صرح به غير واحد لانه غير داخل فيما جعل لا يستحق لما نقص إلا ان يكون هناك قرينة دالة على أن المطلوب الرد مع الاجرة، وإنما المعين للبعيد لا غير، فيستحق تمام الاجرة في الابعد، وبالنسبة فيما دون. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا في مسألة الفسخ. ومنه يعلم أن المتجه ما ذكره مع إرادة التوزيع، وإلا استحق اجرة المثل بالانقص، لانه عمل محترم بخلاف الرد من الزائد الذي هو تبرع محض، فلاحظ وتأمل. بل لو كان الابعد لا يدخل فيه الاقل المجعول له لم يستحق شيئا من المسمى أيضا على الاصح، لانه لم يجعل له إن رده منه شيئا، فهو حينئذ كما لو جعل على رد شئ فرده غيره، واحتمال وجوب اجرة المثل له لمكان الامر بالرد كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء الامر بالرد من جهة الاذن فيه من ضدها، فلا شئ له حينئذ، كما لا شئ له لو لم يجده في المعين، لمكان انتفاء المجعول له. ولكن استشكل فيه الفاضل، ولعله مما عرفت ومن أنه أمر بالرد في الجملة فيستحق اجرة المثل، وفيه ما سمعت، أللهم إلا أن يفرض كون استدعاء الرد

[ 214 ]

على وجه ما يوجب اجرة لمثل لغير المعين، والله العالم. * (ويلحق بذلك مسائل التنازع، وهي ثلاث:) * * (الاولى:) * * (لو قال: شارطتني) * أي أمرتنى بالعمل وجعلت لي جعلا معينا أو استحق به اجرة المثل * (فقال الملك: لم اشارطك) * ولم آمرك * (فالقول قول المالك بيمينه) * بلا خلاف أجده فيه، لانه منكر، إذ الاصل عدم الامر وعدم الشرط، أما لو كان النزاع في أن المالك هل شارطه على شئ بعينه أو أمره على وجه يوجب اجرة المثل فقد اتفقا على ثبوت شئ في ذمة المالك وإنما اختلفا في تعيينه فكان كالاختلاف في القدر والجنس الذي ستسمع الكلام فيه * (وكذا القول قوله) * أي المالك * (لو جاء بأحد الابقين فقال المالك: لم أقصد هذا) * بلا خلاف أجده فيه أيضا لان مرجعه أي دعوى العامل على المالك الشرط على هذا الابق الذي رده وهو ينكره، فالقول قوله، لاصالة عدم الشرط وإن كانا متفقين على أصله في الجملة، وبهذا خالف السابق. وكذا لو قال المالك: " شرطت العوض عليهما درهما " فقال العامل: " بل على أحدهما " أو " على هذا الحاضر " فان القول قوله أيضا، لاصالة براءة ذمته، وهل يثبت للعامل قسط من رده من المجموع ؟ عن ظاهر التذكرة ذلك، ونظر فيه في المسالك، لانه المجعول عليه لا الابعاض. ومثله ما لو اتفقا على وقوع الجعالة عليهما فرد أحدهما خاصة. قلت: هو من المسألة المتقدمة.

[ 215 ]

المسألة * (الثانية:) * * (لو اختلفا في قدر الجعل أو جنسه فالقول قول الجاعل مع يمينه) * كما عن الشيخ وجماعة في الاختلاف في القدر، لان الفعل فعله، فيقدم قوله فيه، كما يقدم في شرط أصل الجعالة مع أنه منكر بالنسبة إلى دعوى الزيادة، والاصل براءة ذمته، بل ما نحن فيه أولى من عوض الاجارة التي قد سمعت فيها كذلك، فإذا حلف * (قال الشيخ ره و) * من تبعه * (تثبت للعامل) * حينئذ * (اجرة المثل) * لان اليمين تنفى الزائد، ولا ثبت ما يدعيه، فليس حينئذ إلا اجرة المثل بعد الاتفاق على أن العمل بعوض، ولم يثبت فيه مقدر، وهو أحد الاقوال الخمسة في المسألة. والثاني ما أشار إليه المصنف بقوله: * (ولو قيل: يثبت أقل الامرين من الاجرة والقدر المدعي كان حسنا) * لاعتراف العام بعدم استحقاق الزيادة لو كان ما يدعيه أقل من اجرة المثل، ومرجعه إلى أن القول قول المالك، لكن الثابت أقل الامرين لا اجرة المثل على الاطلاق واختاره الفاضل في جملة من كتبه، والشهيد في اللمعة، لان اجرة المثل إن كانت أقل فقد انتفى ما يدعيه العامل بيمين المالك، فتثبت الاجرة لم سمعته سابقا، وإن كان ما يدعيه أقل من الاجرة فلاعترافه بعدم استحقاق الزيادة وبراءة المالك منها، فيكف تثبت له ؟. وبذلك يظهر ضعف إطلاق القول الاول. الثالث تقديم قوله أيضا، لكن يثبت مع يمينه أقل الامرين من اجرة المثل ومدعى العامل، وأكثر الامرين منها ومن مدعي المالك. أما الاولان فلما عرفت، وأما الاخيران فلان ما يدعيه المالك إن كان أكثر من أجرة المثل فهو يعترف بثبوته في ذمته للعامل، فيؤخذ باقراره، والعامل لا ينكره فقد ثبت باتفاقهما.

[ 216 ]

وفي المسالك " وبهذا يظهر قوة هذا القول على الاولين، لكن يبقى الاشكال فيهما من حيث توقف ثبوت ذلك على يمين المالك مطلقا، لانه مع مساواة ما يعترف به المالك لاجرة المثل أو زيادته عليها لا تظهر لليمين فائدة، لانه ثابت باتفاقهما من غير يمين، واليمين لا يثبت غيره، فلا فائدة فيها، وأما نقصان ما يدعيه عن اجرة المثل فقد تظهر فائدة يمينه في إسقاط الزائد عنه مما يدعيه العامل، فيتجه يمينه لذلك ". الرابع تقديم قول المالك إلا أن الثابت بيمينه هو ما يدعيه، لا اجرة المثل ولا الاقل، وهو قول الشيخ نجيب الدين بن نما شيخ المصنف وإليه أشار بقوله: * (وكان بعض من عاصرناه يثبت مع اليمين ما ادعاه الجاعل) * ووجهه أنهما متفقان على وقوع العقد وتشخصه بأحد العوضين، فإذا انتفى أحدهما وهما ما يدعيه العامل بيمين المالك ثبت الاخر، لاتفاقهما على انتفاء سواه، مضافا إلى أصالة براءة ذمته من الزائد على ما يعترف به، كما يقدم قول المستأجر في نفي الزائد من مال الاجارة. وبهذا يظهر جواب ما أورده المصنف عليه ونسبه بسببه إلى الخطأ فقال بعد أن حكاه * (وهو خطأ، لان فائدة يمينه إسقاط دعوي العامل، لا ثبوت ما يدعيه الحالف) * وحاصله أن المالك إنما يحلف على نفي ما يدعيه العامل لا على إثبات ما يدعيه هو فيكف يثبت مدعاه ؟ وجوابه أنه يثبت بالانحصار المتفق عليه وكونه منكرا للزائد وقد حلف على نفيه. وفي المسالك وهذا قوي، وهو خيرة الشهيد في الدروس. قلت: لكن قد يقال إن اختصاص الدعوى بينهما في الامرين لا يقتضي الانحصار واقعا كذلك، ضرورة احتمال كون الواقع خلافهما، ولا لاقتضى اليمين من أحد المتداعيين في اختلاف الجنس في البيع ونحوه على نفيه ثبوت الجنس الاخر، وهو معلوم العدم. الخامس أنهما يتحالفان، لان كل واحد مدع ومدعى عليه، فلا ترجيح

[ 217 ]

لاحدهما، فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الاخر، ولان العقد الذي تشخص بالعوض الذي يدعيه المالك غير العقد الذي تشخص بما يدعيه العامل، فكان الاختلاف فيه كالاختلاف في الجنس، وهذا هو الذي اختاره العلامة في القواعد. ولكن في المسالك فيه نظر، لان العقد متفق عليه، وإنما الاختلاف في زيادة العوض ونقصانه، فكان كالاختلاف في قدر الثمن في البيع، وقدر الاجرة في الاجارة، والقدر الذي يدعيه المالك متفق على ثبوته فيهما، وإنما الاختلاف في الزائد، فيقدم قول منكره، وقاعدة التحالف أن لا يجتمعا على شئ، بل يكون كل منكرا لجميع ما يدعيه الاخر، ثم على تقدير التحالف فالذي يثبت بعد تحالفهما فيه الاوجه المتقدمة من اجرة المثل والاقل واختار في القواعد ثبوت أقل الامرين ما لم يزد ما ادعاه المالك على اجرة المثل، فيثبت الزيادة بتقريب ما سبق ويبقى الاشكال في توقف ثبوت ما يدعيه المالك زائدا عن اجرة المثل أو مساويا على اليمين، كما مر. قلت: قد تقدم الكلام منا في نظير المسألة في كتاب البيع وغيره، وقلنا هناك: إن المدار على كيفية إبراز الدعوى، فان أبرزاها على وجه يقتضي اختلافهما في تعيين شخص ما وقع من السبب فلا ريب في أن المتجه التحالف، ضرورة اقتضاء دعوى كل منهما نفي ما يدعيه الاخر واتفاقهما على جنس العقد الذي قد تشخص بالشخص الذي اختلفا فيه لا ينافي ضابط التحالف، كما هو واضح. وإن أبرزاها على وجه يقتضي الدعوى من أحدهما والانكار من الاخر كما لو كانت في الزيادة والنقصان من حيث كونهما كذلك فلا ريب في أن القول قول المالك، كما اعترف به في جامع المقاصد في المقام، فقال: إنه إذا كان صورة الاختلاف بينهما " استحق عليك كذا بسبب الفعل الفلاني " فقال المالك: " بل كذا " فانه يحلف لنفي الزائد ولا يمين من طرف العامل، وهو مؤيد لما تقدم

[ 218 ]

منا سابقا. بل منه ينقدح لفظية النزاع في نحو المسألة بالنسبة إلى ذلك، بل لعل إطلاق المعظم في الاجارة ونحوه أن القول قول منكر الزيادة مبني على أن الغالب إبراز دعواهما على الوجه المزبور، فان أقصاهما كونهما كالمختلفين في مقدار القرض أو مقدار الدين لا على وجه الاختلاف في تشخيص العقد. وحينئذ فالكلام فيما نحن فيه كذلك، بل أولى، بل ترجع الاقوال الثلاثة إلى قول واحد، ضرورة أن الشيخ وإن أطلق ثبوت اجرة المثل إلا أنه ينبغي القطع بارادته ذلك من حيث هذه الدعوى لا من كل وجه، فان قاعدة الاقرار من المالك أو العامل ولو بعد اليمين قد تقتضي النقصان عنها أو الزيادة عليها، كما أن إطلاق ثبوتها عليه من دون يمين من العامل على نفي ما ادعاه المالك من المسمى منزل على صورة نقصانها منه، أو على فرض إسقاط المالك الدعوى عليه من هذه الجهة، والالتزام له باجرة المثل، وإلا فمع فرض زيادتها على ما يدعيه وعدم رضا المالك بدفعها له حتى يكون مستحقا لها لابد من يمينه على نفيه كى يبقى العمل بلا مسمى شرعى، فيتجه وجوب اجرة المثل له، إذ لا يكفي في استحقاقه إياها يمين المالك على نفي ما ادعاها، ضرورة احتمال كون المسمى ما يدعيه المالك والفرض نقصانه عن اجرة المثل، كما هو واضح بأدني تأمل. ولقد سلف لنا في الكتب السابقة الكلام في نظير المسألة. بل قد يظهر لك من التأمل فيه دفع الاشكال المزبور، المورد على توجه اليمين على المالك في نفي ما ادعاه العامل مع فرض كونه أنقص من اجرة المثل أو مساويا من أنه لا فائدة فيه، إذ بعد وقوعه يلتزم باجرة المثل، والفرض مساواتها أو زيادتها، وذلك لان عموم قول " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " (1)


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 5 وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وفى المستدرك الباب - 3 - منها الحديث 4 وسنن البيهقى ج 10 ص 252 " البينة على المدعى واليمين على من أنكر ".

[ 219 ]

يقتضي استحاق اليمين منه على كل حال، ولو لم يكن إلا بيان الصدق في الدعوى لكفى، إذ هو غرض من أغراض العقلاء. وكذا الاشكال فيما ذكرناه من استحقاق المالك على العامل اليمين إذا أراده منه، بأنه مع فرض وقوعه منه قبل دعوى العالم مسمى خاصا لا فائدة بعد يمين المالك إذا ادعى العامل لان اللازم بعد اليمين أقل الامرين من الاجرة وما ادعاه العامل، فيدفع إليه من أول الامر، فلا يكون موقوفا على يمين المالك، إذ هو كما ترى، ضرورة عدم ثبوت أقل الامرين إلا بعد انتفاء دعوى العامل، ولا يحصل إلا بيمين الماك، كما هو واضح. وقد ظهر لك من ذلك كله أن القول قول المالك في نفي الزيادة، ولكن لما كان الثابت هنا اجرة المثل لضعف ما سمعته عن ابن نما توقف ثبوتها حينئذ على يمين العامل أيضا على نفي ما يدعيه المالك من المسمى إذا فرض نقصانه عنها وأراده منها، وهذا المعنى إذا اريد منه التحالف في المقام لا بأس به أيضا، هذا كله في الاختلاف في القدر. وأما الاختلاف في جنس الجعل ففي المسالك " فيه قولان: أحدهما - وهو الذي قطع به المصنف وقبله الشيخ وجماعة - تقديم قول المالك أيضا، لان القول وقوله في أصله فكذا في جنسه وقدره، لانه تابع له، ولانه اختلاف في فعله فيرجع إليه فيه ". وفيه أن صريح كلام المصنف والشيخ الرجوع فيه إلى اجرة المثل أو الاقل منها ومن المدعي الذي ينبغي ملاحظة قيمته هنا بالنسبة إليها، لا الرجوع إلى ما ادعاه من الجنس، كما هو واضح. " والقول الثاني التحالف والرجوع إلى اجرة المثل، لان كلا منهما منكر ما يدعيه الاخر، ولا قدر يتفقان عليه ويختلفان فيما زاد عليه، بل مجموع ما يدعيه كل منهما ينكره الاخر، وهي قاعدة التحالف " ويمكن القول بارادته

[ 220 ]

للشيخ والمصنف وغيرهما وإن ذكروا فيه أن القول قول المالك، وجعلوه كالاختلاف في القدر، إلا أن المراد جواز دفع المالك اجرة المثل بمجرد الحلف على نفي دعوى العامل، على نحو ما سمعته في القدر، لا أن المراد الالتزام بها حتى لو كانت أكثر من قيمة المسمى وأراد المالك حلف العامل على نفيه. ثم إنه لا يخفى عليك جريان البحث السابق في أن اللازم اجرة المثل مطلقا أو أقل الامرين أو هما وأكثرهما كما سمعته سابقا لكن في المسالك " الاقوى تفريعا على ذلك ثبوت اجرة المثل مطلقا مع مغايرتها جنسا لما اختلف في تعيينه، ومع موافقتها لدعوى العامل جنسا فأقل الامرين أوجه، ومع موافقتها لدعوى المالك خاصة إن كان النقد الغالب الذي تثبت به أجرة المثل هو الذي يدعيه المالك فثبوت الزائد عليه من اجرة المثل إذا كان مدعاه أزيد أجود، وأما أخذ كل من الدعويين باعتبار القيمة ونسبتها إلى اجرة المثل وإثبات الاقل والاكثر فبعيد، لعدم اتفاقهما على ما يوجب إلزامها بالزائد بخلاف الموافق في الجنس ". وفيه أن مقتضي النظر عدم الفرق بينهما، ضرورة عدم جواز أخذ الزائد على قيمة ما فات منه بزعمه، بل أقصاه المقاصة بقيمته، والله العالم. المسألة * (الثالثة:) * * (لو اختلفا في السعي بأن قال: " حصل في يدك قبل الجعل فلا جعل لك ") * بناء على ما عرفت من أنه إذا حصل بيده الابق قبل الجعل لا يستحق جعلا عليه وإن رده، لوجوبه عليه، فإذا ادعاه المالك فقد أنكر استحقاقه الجعل، وقال العامل: " قد حصل بيدي بعد الجعل " * (فالقول قول المالك تمسكا بالاصل) * الذي يقتضي براءة ذمة المالك، لان الشك في الشرط شك في المشروط ولو لتعارض الاصول وتساقطهما، وقد سمعت غير مرة أن العلم بتاريخ زمان الجعل دون الحصول

[ 221 ]

لا يقتضي العلم بحصوله في يده بعده على وجه يترتب عليه ثبوت الجعل، وكذا لو تنازعا في حصوله في يده قبل العلم بالجعل، بناء على عدم الاستحقاق معه، أو في السعي لتحصيله على وجه لا عمل له يستحق به. نعم في المسالك " وعلى ما تقدم نقله عن التذكرة - من أنه إذا حصل بيده قبل الجعل وتوقف تسليمه على مؤونة وحصل الجعل ورده استحق الجعل - لا يتم هذا الاختلاف لاستحقاقه على التقديرين ". قلت: قد مر ما يستفاد منه الكلام في ذلك. ولو تنازعا في التفريط والتعدي حلف العامل، لانه أمين، وفي الدروس خبر السكوني (1) وغياث (2) عن علي عليه السلام يدلان عليه، وعن التذكرة أن الذي يقتضيه النظر ذلك، ولكن لم أقف فيه على شئ. فحينئذ فعلف الدابة ونفقة العبد على المالك على الاقوى، كما في الدروس، وفي جامع المقاصد مؤونة الدابة والعبد وما يلزمه القماش ونحوه مما هو كالنفقة - مثل الجعالة التي إن لم يبذلها ذهب المال أو بعضه الذي هو أزيد من المطلوب - على المالك، لانه ملكه، ويد العامل كيد الوكيل. ولو قال: " إن علمت ولدي القرآن - أو علمتني - فلك كذا " فعلمه البعض وامتنع من تعليم الباقي فعن التذكرة لا شئ له على إشكال. قال: " وكذا لو كان الصبي بليدا لا يتعلم على إشكال. كما لو طلب العبد فلم يجده - وقال أيضا -: أما لو مات الصبي في أثناء التعليم فانه يستحق اجرة ما علمه، لوقوعه مسلما بالتعليم بخلاف رد الابق، فان تسليم العمل بتسليم الابق، وهنا ليس عليه تسليم الصبي ولا هو في يده، ولو منعه أبوه فللمعلم اجرة المثل لما علم - قال -: ولو قال: إن خطت لى هذا القميص فلك درهم فخاط بعضه فان تلف في يد الخياط لم


(1 و 2) الوسائل الباب - 49 - من كتاب العتق الحديث 3 - 1.

[ 222 ]

يستحق شيئا، وإن تلف في يد رب الثوب بعد ما سلمه إليه استحق من الاجرة بنسبة ما عمل ". وفي جامع المقاصد في الفرق بين هذا المسألة ومسألة التعليم نظر، وقد سبق لنا بعض الكلام في بعض هذه المسائل، والله العالم.

[ 223 ]

* (كتاب الايمان) * الايمان جمع يمين وهي لغة الجارحة المخصوصة، ويقال أيضا: على القدرة والقوة، لكن مجاز على الظاهر. وشرعا على ما ذكره غير واحد الحلف بالله أو باسمائه الخاصة لتحقيق ما يحتمل الموافقة والمخالفة في الاستقبال، والمراد بكونه شرعا ما يترتب عليه من الحنث والكفارة ونحوهما من الاحكام التي رتبها الشارع على اليمين، إلا فهو يمين لغة قطعا وإن كان قد يقال: إنها مأخوذة من اليد اليمنى، لانهم كانوا يتصافقون بأيمانهم إذا حلفوا، بل الظاهر أعميه المعنى الشرعي من الاستقبال، ولذا أطلق الفاضل، بل في كشف اللثام التصريح بالماضي والمستقبل، واختصاص الثاني بالكفارة ونحوهما لا ينافي صدق اليمين على الاعم. والمراد باحتمال المخالفة إمكان وقوعها عقلا لا شرعا، فيصح على فعل الواجب وترك الحرام دون الممتنع، خلافا لبعضهم كما تسمع تحقيقه إنشاء الله في المحلوف عليه. نعم اليمين على أقسام: (منها) يمين اللغو، ولها تفسيران على ما في التنقيح: أحدهما الحلف لا مع القصد على ماض أو آت، وثانيهما أن يسبق اللسان إلى اليمين من غير قصد أنها يمين، وكلاهما غير مؤاخذ به، قلت: لعل تفسيرها بغير المؤاخذ بها مطلقا أولى.

[ 224 ]

وفي موثق مسعدة بن صدقة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سمعته يقول في قول الله عزوجل (2): لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، قال: اللغو قول الرجل: لا والله وبلى والله، ولا يعقد على شئ " ونحوه المروي في تفسير العياشي عن عبد الله بن سنان (3) عن الصادق عليه السلام. وفي خبر أبي بصير (4) عنه عليه السلام أيضا في قول الله تعالى: " لا يؤاخذكم الله " - إلى آخرها - قال: " هو لا والله وبلى والله ". وفي خبر أبي الصباح (5) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله: لا يؤاخذكم الله - إلى آخرها - قال: هو لا والله وبلى والله وكلا والله لا يعقد عليها أو لا يعقد على شئ " بل في خبر محمد بن مسلم (6) المروي عن تفسير العياشي تفسير العرضة بذلك، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى (7): ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم، قال: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله " وفي مرسل ابن أبي عمير (8) المروي عن تفسير علي بن ابراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (9) لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم - إلى آخرها - قال: نزلت في أمير المؤمنين وبلال وعثمان بن مظعون، فأما أمير المؤمنين عليه السلام فحلف أن لا ينام في الليل أبدا، وأما بلال فحلف أن لا يفطر في النهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون


(1 و 3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 225. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 17 - من كتاب الايمان الحديث 3 - 5 - 4. (7) سورة البقرة: 2 - الاية 224. (8) الوسائل الباب - 19 - من كتاب الايمان الحديث 1. (9) سورة المائدة: 5 - الاية 87.

[ 225 ]

فانه حلف أن لا ينكح أبدا - إلى أن قال -: فخرج رسول الله صلى الله عليه واله ونادى الصلاة جامعة، وصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟ ! ألا أني أنام الليل وانكح وافطر في النهار، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقام هؤلاء، فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك ؟ فأنزل الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان (1) " ومن هنا قلنا: إن تفسيرها بمطلق غير المؤاخذ بها أولى. و (منها) يمين الغموس، وهي على ما في التنقيح الحلف على الماضي والحال مع تعمد الكذب، وسميت غموسا لانها تغمس الحالف في الاثم أو في النار، وفي بعض الروايات انها من الكبائر، وفي بعض أنها تدع الديار بلاقع. قلت في مرسل ابن حديد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " الايمان ثلاث: يمين ليس فيها كفارة، ويمين فيها كفارة، ويمين غموس توجب النار، فاليمين التي ليس فيها كفارة: الرجل يحلف على باب بر أن لا يفعله، فكفارته أن يفعله، واليمين التي تجب فيها الكفارة: الرجل يحلف على باب معصية أن لا يفعله فيفعله، فتجب عليه الكفارة، واليمين الغموس التي توجب النار: الرجل يحلف على حق امرئ مسلم على حبس ماله ". وفي مرسل الصدوق ره (3) عن الصادق عليه السلام " اليمين على وجهين - إلى أن قال -: وأما التي عقوبتها دخول النار فهو أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم أو على حبس ماله " إلى غير ذلك من النصوص. وعلى كل حال فلا كفارة فيها، لعدم العقد القابل للحل فيها، لانها على


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 89. (2) الوسائل الباب - 9 - من كتاب الايمان الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 9 - من كتاب الايمان الحديث 3 وفيه " على مال امرئ مسلم أو على حقه ظلما " كما في الفقيه ج 3 ص 231 الرقم 1094.

[ 226 ]

الاخبار بما مضى كذبا. و (منها) يمين المناشدة، وهي الحلف على الغير ليفعلن أو يتركن، وسيذكرها المصنف. و (منها) يمين العقد، وهي الحلف على الفعل أو الترك في المستقبل، وهي التي يقع بها الحنث وتجب بها الكفارة. وإليها أشار المصنف بقوله: * (والنظر في امور أربعة) *. * (الاول) * * (ما به تنعقد اليمين) * * (لا تنعقد اليمين إلا بالله أو بأسمائه التي لا يشركه فيها غيره أو مع إمكان المشاركة ينصرف إطلاقها إليه، فالاول كقولنا: " ومقلب القلوب) * والابصار " * (" والذي نفسي بيده " " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ") * بالتحريك الانسان والمملوك ذكرا كان أو انثى. * (والثاني كقولنا: " والله " والرحمن " " والاول الذي ليس قبله شئ "). * (والثالث كقولنا " والرب " والخالق " " والبارئ " والرازق ") * وحاصله أن أقسام اليمين العاقدة ثلاثة مرجعها إلى الحلف بالله أو بأسمائه المختصة به أو الغالبة عليه. فالاول أن يقسم بما يفهم من (منه ظ) ذاته المقدسة بذكر ما يختص به من الافعال صلة أو غيره، نحو قوله: " والذي نفسي بيده " فعن أبي سعيد

[ 227 ]

الخدري (1) " كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نفس أبي القاسم بيده " ونحوه " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة " وعن علي عليه السلام " والذي أصوم واصلي له " إلى غير ذلك. وفي المسالك " وهذا القسم تنعقد به اليمين سواء أطلق أو قصد به الباري تعالى، حتى لو قال: قصدت غيره لم يقبل ظاهرا ولو قبل منه عدم القصد إلى اليمين " قلت: لا يخلوا من نظر. الثاني الحلف بأسمائه المختصة به التي لا تطلق على غيره، كالله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وخالق الخلق، والاول الذي ليس قبله شئ، والحي الذي لا يموت، والواحد الذي ليس كمثله شئ، وعن بعضهم عد " الخالق " " والرازق " منها. وفي المسالك " الاصح أنهما من الثالث، لانهما يطلقان في حق غير الله تعالى، قال الله تعالى (2): " وتخلقون إفكا " وقال تعالى (3): " وارزقوهم " وفيه أن ذلك غير إطلاق لفظ " الخالق " " والرازق " على الاطلاق. والثالث ما يطلق في حق الله وحق غيره، لكن الغالب استعماله في حق الله تعالى وإن تقيد في حق غيره بضرب من التقييد، كالرحيم والرب والخالق والرازق والمتكبر والقاهر. وفي الدروس بعد أن حكي عن بعض جعل قسم الاول الحلف بالله معرضا بالمصنف وغيره، وهو ضعيف، لان مرجعه إلى أسماء تدل على صفات الافعال كالخالق والرازق التي هي أبعد من الاسماء الدالة على صفات الذات كالرحمن والرحيم التي هي دون اسم الذات، وهو الله جل اسمه، بل هو الاسم الجامع.


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 26. (2) سورة العنكبوت: 29 - الاية 17. (3) سورة النساء: 4 - الاية 5.

[ 228 ]

وأجاب عنه في المسالك بأن تخصيصها بذلك من حيث دلالتها على الذات من غير احتمال مشاركة غيره، ومع ذلك ليست من أسمائه تعالى المختصة ولا المشتركة، وإنما جعلوها في المرتبة الاولى لمناسبة التقسيم، فان أسمائه تعالى لما انقسمت إلى أقسام كثيرة: منها المختص به والمشترك الغالب به، وغيره والدال على صفة فعل وغير ذلك من الاقسام لم يناسب إدخال هذه في جملة الاقسام ولو ناسب بعضها لانها ليست أسماء، ولا تأخيرها عنها لانها أخص به تعالى من كثير من الاقسام، فأفردت قسما، وجعلت أولا لجهة اختصاصها، ولكونها قسما لا ينقسم، وما هذا شأنه يقدم في القسمة على ما ينقسم، واسم الله وإن كان أدل على الذات منها إلا أنه من جملة أسمائه تعالى، فناسب ذكره مع باقي الاسماء، فلم يكن فيما ذكروه من التقسيم قصور من هذا الوجه، وإن كان ما اعتبره حسنا أيضا إلا أنه غير مناف لما ذكره الجماعة. قلت: إن كان المراد ما ذكره فالسؤال والجواب لا حاصل له، ضرورة رجوعه إلى مجرد لفظ وتسمية، ولا ريب في أن صدق الحلف بالله على الحلف باسمه المختص به العلمي أتم. بل عن سيد المدارك في نهاية المرام احتمال اختصاص الحلف بلفظ الجلالة، لدعوى تبادره من النصوص (1) الامرة بالحلف بالله وإن كان مخالفا للاجماع في الظاهر، بل والمحكي عن الشيخين، بل قد يمنع التبادر بعد ملاحظة سياق تلك الاخبار الظاهر في إرادة ذاته المقدسة من لفظ المزبور لا خصوصها. بل في الرياض " مع أن في الصحيحة التعبير بالاله وبالله (2) وعليه ينتفى


(1) الوسائل الباب - 15 و 30 - من كتاب الايمان. (2) هكذا في النسخة الاصلية الا أن الموجود في الرياض " مع أن في الصحيحة الاولى وقع التعبير بالا به لا بالا بالله، وعليه ينتفى خصوصية اللفظ " والمراد من الصحيحة التى أشار إليها هي صحيحة محمد بن مسلم الاتية في الصفحة التالية الرقم (6)

[ 229 ]

خصوصية اللفظ قال: - ويشهد له أيضا ما سيأتي من الصحيح (1) الدال بانعقاد اليمين بعمر الله ويا هناه يا هناه من التعليل في الاول بقوله: فان ذلك بالله عز وجل، وفي الثاني بقوله: فانما ذلك طلب الاسم، وليس المراد بالله فيه ما ذكره من الخصوصية قطعا، بل ما ذكرنا من مطلق الذات المقدسة، وحينئذ فيدل التعليل على انعقاد اليمين بكلما دل عليهما، ولو كان غير لفظ الجلالة فلا وجه لما احتمله، ولذا لم يحتمله أحد من أصحابنا، بل أطبقوا على عدم الفرق بين هذه اللفظة وغيرها من أسمائه المقدسة ". قلت: ستعرف عدم مدخلية التعليل الثاني فيما نحن فيه، بل المراد به طلب الاسم أي النداء، وليس من القسم في شئ. وعلى كل حال فالذي وصل إلينا من النصوص المتعلقة في هذا المقام هي خبر علي بن مهزيار (2): " قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك قول الله عزوجل (3): والليل إذ يغشى والنهار إذا تجلى، وقوله عزوجل (4): والنجم إذا هوى وما يشبه هذا، فقال: إن لله عزوجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به عزوجل ". وخبر الحسين بن زيد (5) عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله في حديث المناهي " نهى أن يحلف الرجل بغير الله، وقال: من حلف بغير الله فليس من الله في شئ، ونهى أن يحلف الرجل بسورة من كتاب الله عزوجل، وقال: من حلف بسورة من كتاب الله فعليه بكل آية منها كفارة يمين، فمن شاء بر ومن شاء فجر، ونهي الرجل أن يقول للرجل: لا وحياتك وحياة فلان ". وصحيح محمد بن مسلم (6) " قلت لابي جعفر عليه السلام: قول الله عزوجل:


(1 و 2) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 4 - 1 (3) سورة الليل: 92 - الاية 1. (4) سورة النجم: 53 - الاية 1. (5 و 6) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 2 - 3.

[ 230 ]

والليل إذا يغشى (1) والنجم إذا هوى (2) وما أشبه ذلك، فقال: إن لله عزوجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ". وصحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله، فأما قول الرجل: لا بل شانئك (4) فانه قول أهل الجاهلية، ولو حلف الرجل


(1) سورة الليل: 92 - الاية 1. (2) سورة النجم: 53 - الاية 1. (3) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 4. (4) وعن بعض نسخ الكافي " لا أب لشانيك " قال الجوهرى: " لا أب لشانئك ولا أبا لشانئك: أي لمبغضك، قال ابن السكيت: هو كفاية عن قولهم: لا أب لك " انتهى. وقيل: اسند عدم الاب إلى مبغضة والمراد نسبته إليه رعاية للادب، فيكون المراد بالخبر الحلف على نثل هذا مثل أن يقول: " لا أبا لشانئك ان لم يكن كذا " أي لا أب لك. وعلى نسخة الاصل يمكن أن يكون تقديره " لا، بل أكون من شانئك ومبغضك ان فعلت كذا " أو يكون أصله " لا اب لشانئك ". وقيل يمكن أن يكون " لا " نفيا لما ذكر المخاطب. ويكون حرف القسم في شانئك مقدرا فيكون القسم بعرقي رأسه الملزومين لحياته كما في قولهم: " لعمرك وحياتك " وحينئذ فيكون " شانيك " بفتح النون على صيغة التثنية، قال الجوهرى ناقلا عن ابن السكيت: " الشانان: العرقان يتخذان من الرأس إلى الحاجبين ثم إلى العينين ". وأما قولهم: " يا هناه " فمعناه يا هذا ويا فلان، ويقال في المؤنث: " يا هنناه " قال الجزرى: بفتح النون ويسكن ويضم الهاء الاخيرة ويسكن، وهو في التثنية " هننان " وفى الجمع " هنات وهنوات " وفى المذكر " هن وهنان وهنون " ولك أن تلحقه الهاء لبيان الحركة، فتقول: " يا هنة " وأن تشبع الحركة فتصير ألفا، فتقول: " يا هناه أقبل ".

[ 231 ]

بهذا وأشباهه لترك الحلف بالله، وأما قول الرجل: يا هناه ويا هناه فانما ذلك طلب الاسم، ولا أرى به بأسا، فأما قوله: لعمر الله وقوله لاهاه (1) فانما ذلك بالله عزوجل " وكذا رواه الصدوق (2) ولكن قال في آخره: " وأما قول الرجل لعمر الله وأيم الله فانما هو بالله " ونحوه المروي عن قرب الاسناد (3) وخبر سماعة (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله، وقال: قول الرجل: لا بل شانئك فانما هو من قول الجاهلية، ولو حلف الناس بهذا وشبهه لترك أن يحلف بالله ". وفي خير زرارة (5) المروى عن تفسير العياشي " سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله (6) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، قال: إن ذلك قول الرجل لا وحياتك " وعنه أيضا (7) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " شرك طاعة قول


وقال الجوهرى: " هذه اللفظة تختص بالنداء، وقيل: معنى " يا هناه " يا بلهاء، نسبة إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم " انتهى. وقيل: لما كانوا يذكرونه قبل ذكر المطالب كان مظنة أن يتوهم أنه قسم، فأزال عليه السلام الوهم بأنه ليس المراد الحلف، بل هو نائب مناب الاسم في النداء، ويحتمل بعيدا أن يكون المراد إذا نودى به الله عزوجل. وأما " يا هياه " بالياء المثناة التحتانية فكأنه بمعنى " يا هناه " بالنون، وفى بعض نسخ الفقيه بالنون في المضعين، وهو الظاهر، والتكرير للتأكيد (منه رحمه الله). (1) لا ها الله: الهاء للتنبيه، وقد يقسم بها تقول: " لا ها الله ما فعلت " أي " لا والله " أبدلت الهاء من الواو، وان شئت خذفت الالف التى بعد الهاء، وان شئت أثبتت (منه رحمه الله). (2 و 3) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 4 راجع الفقيه ج 3 ص 230 - الرقم 1085. (4 و 5) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 5 - 11. (6) سورة يوسف: 12 - الاية 106. (7) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 12.

[ 232 ]

الرجل: لا والله وفلان ". ولعله لذا وغيره تردد بعضهم في أصل جواز الحلف بغير الله تعالى، لكنه في غير محله، للسيرة القطعية على جوازه، مضافا إلى الاصل وإلى وجوده في النصوص، كخبر أبي جرير القمي (1) " قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك عرفت انقطاعي إليك ثم حلف وحق رسول الله صلى الله عليه واله وحق فلان وحق فلان حتى انتهيت إليه أنه لا يخرج ما تخبرني به إلى أحد من الناس، وسألته عن أبيه أهو حي أم ميت ؟ قال: قد مات والله - إلى أن قلت -: فأنت الامام، قال: نعم ". وخبر محمد بن يزيد الطبري (2) قال: " كنت قائما على رأس الرضا عليه السلام بخراسان - إلى أن قال -: فقال: بلغني أن الناس يقولون إنا نزعم أن الناس عبيد لنا لا وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه واله ما قلته قط ولا سمعته من أحد من آبائي ولا بلغني عن أحد من آبائي، قال: ولكن إن الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليعلم الشاهد الغائب ". وفي مرفوع القاسم بن علا عن عبد العزيز بن مسلم (3) عن الرضا عليه السلام في حديث طويل في صفة الامام والرد على من يجوز اختياره إلى أن " تعدوا - وبيت الله - الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ". وفي خبر علي بن أبي حمزة (4) عن أبي الحسن عليه السلام قال: " وحقك لقد كان مني في هذه السنة ست عمر ". وفي خبر علي بن مهزيار (5) قال: " قرأت في كتاب لابي جعفر الثاني عليه السلام إلى داود بن القاسم إني قد جئت وحياتك ". نعم هي لا كفارة عليها، للاصل وقول الصادق عليه السلام في خبر ابن أبي يعفور (6)


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 6 - 7 - 8. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 10 - 14 - 13 -.

[ 233 ]

" اليمين التي تكفر أن يقول الرجل: لا والله ونحو ذلك " وخبر ميسرة (1) " إن أمير المؤمنين عليه السلام مر برحبة القصابين بالكوفة فسمع رجلا يقول: لا والذي احتجب بسبع طباق، قال: فعلاه بالدرة فقال له: ويحك إن الله لا يحجبه شئ ولا يحتجب عن شئ، قال الرجل: أنا اكفر عن يميني يا أمير المؤمنين، قال: لا، لانك حلفت بغير الله ". * (و) * كيف كان فلا إشكال في أن * (كل ذلك) * أي الاقسام الثلاثة * (ينعقد به اليمين مع القصد) * بل ولا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (2) بل وإطلاق الادلة كتابا (3) وسنة (4). نعم صرح المصنف * (و) * غيره بأنه * (لا تنعقد بما لا ينصرف إطلاق اسمه إليه كالموجود والحي والسميع والبصير وإن نوى بها الحلف، لانها مشتركة فلم يكن لها حرمة) * في * (القسم) * بل لا أجد فيه خلافا بينهم في ذلك إلا ما يحكي عن الاسكافي من انعقادها بالسميع والبصير، لكن في كشف اللثام لادعائه اختصاصهما به تعالى، ويحتمل كلامه العدم. قلت: بل هو على دعوى الاختصاص خارج عما نحن فيه أيضا، إذ الكلام على فرض اشتراكهما وعدم انصرافها. لكن الانصاف عدم خلو الحكم المزبور من إشكال إن لم يكن إجماعا مع فرض قصد الحالف بها الذات المقدسة، وخصوصا مع القرينة الحالية أو المقالية الدالة على ذلك، لصدق الحلف بالله حينئذ على القسم بها، بل هي مع القرينة كالقسم الاول. ودعوى أن اشتركها أسقط حرمة القسم بها لا شاهد لها، بل قد عرفت


(1) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 9. (2 و 4) الوسائل الباب - 15 و 30 و 32 - من كتاب الايمان. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 89.

[ 234 ]

أن إطلاق الادلة يشهد بخلافها، بل خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام: من حلف وقال لا ورب المصحف فعليه كفارة واحدة " قد يظهر منه ما قلناه، ضرورة اشتراك رب المصحف بين الله تعالى وبين من له بل اشتراكه أوضح منه، لما سمعت. ودعوى أنها كالعقود اللازمة لا يجوز عقدها إلا باللفظ الصريح بنفسه قد عرفت ما فيها في المقيس عليه فضلا عن المقيس، والتخلص عن ذلك باحتمال إرادتهم الحلف بها على الاطلاق لا مع خصوص قصد الذات بها فضلا عن ذكر ما يدل على إرادة ذلك منها مناف لظاهرهم، بل صريح بعضهم كالاصبهاني في كشفه، فانه قال: " وإن نوى الحلف به تعالى " مفسرا بذلك عبارة القواعد التي هي كعبارة الكتاب وغيرها، بل لعل المنساق منها ما ذكره، وحينئذ فلا دليل إلا الاجماع ودون إثباته خرط القتاد. * (ولو قال: " وقدرة الله " " وعلم الله " فان قصد المعاني الموجبة للحال) * الزائدة على الذات كما يقول الاشعري أو المقدور والمعلوم * (لم ينعقد اليمين) * لانها حلف بغير الله تعالى، وقد عرفت عدم الانعقاد به * (وإن قصد كونه قادرا عالما) * باعتبار أنها امور ينتزعها العقل من الذات وإلا فليس إلا الذات * (جرى) * حينئذ الحلف بهما * (مجري القسم بالله القادر العالم) * ولانها في العرف أيمان بالله تعالى وإن قصد الامور المنتزعة، إذ لا يتعين الحلف به تعالى بالحلف بذاته مع مشاركتها للذات في الحرمة، وربما يحترم الذات فلا يقسم لها، بل بما يتعلق بها، وقد سمعت التعليل في الصحيح (2) لكون لعمر الله يمينا بأنه قسم بالله، مع أن مرجعه إلى القسم بعمره الذي هو الحياة. ومما ذكرنا يعلم الوجه في الانعقاد مع الاطلاق المنصرف إلي الحلف بالله


(1) الوسائل الباب - 39 - من كتاب الايمان الحديث 1 وفيه ".. فحنث فعليه كفارة واحدة ". (2) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 4.

[ 235 ]

عرفا، خصوصا إذا كان ممن يعتقد عدم زيادة الصفات، وفي المسالك " يحتمل العدم، لاشتراك اللفظ فسقط حرمته، وكون المسألة اجتهادية قد اختلف فيها أكابر العلماء، فلا ينصرف إلى أحد الامرين بدون القصد، وذلك يوجب وقوف اليمين " وفيه منع الاشتراك، والاختلاف لا ينافي الانصراف غرفا. * (وكذا ينعقد بقوله: وجلال الله وعظمة الله وكبرياء الله) *، لانها وإن شاركت القدرة والعلم في كونها من الصفات لكنها ليست من الصفات التي ذهب بعضهم إلى زيادتها، وإنما مرجعها إلى ذاته المتصفة بالكبرياء والعظمة والجلال، بل عن المبسوط الاجماع على ذلك. ومنه يعلم قوة ما ذكرناه من أعمية الحلف بالله للحلف بذاته أو الامور الانتزاعية الراجعة إليها. ولكن المصنف قال: * (وفي الكل تردد) * وجعله في المسالك " مما عرفت ومن أن اشتراك القدرة والعلم يمنع من الانعقاد بهما وإن قصد بهما أنه كغيرهما من أسمائه المشتركة من غير أغلبية عليه تعالى والعظمة والجلال والكبرياء كذلك لانها تستعمل في الصفة الزائدة، وربما اطلقت على ما يطلق عليه القدرة والعلم، ويقول الانسان: " عاينت كبرياء الله وعظمته " ويريد مثل ذلك، ولان هذه الصفات ليست من أسماء الله تعالى الغالبة ولا المشتركة، فلا تنعقد بها اليمين، لانها لا تنعقد إلا بالله وأسمائه، والاشهر الاول " قلت: والاصح، لما عرفت. * (ولو قال: اقسم بالله أو أحلف بالله) * ينشئ بذلك الحلف * (كان يمينا) * لغة وعرفا، * (وكذا لو قال: " أقسمت بالله " أو حلفت بالله ") * بقصد إنشائه بذلك الحلف بالله تعالى * (و) * اليمين، لاندراجه عرفا فيما دل على الحلف بالله الذي منه قوله تعالى (1): " وأقسموا بالله جهد أيمانهم ". نعم * (لو قال: أردت الاخبار عن يمين ماضية) * أو الوعد بيمين آتية * (قبل: لانه إخبار عن نيته) * والاصل عدم الانعقاد، لكن في المسالك


(1) سورة الانعام: 6 - الاية 109.

[ 236 ]

" يحتمل عدم القبول ظاهرا، لظهور كونه إنشاء، كما لا يقبل إخباره عن قوله: " أنت طالق " أنى أردت طلاقا سابقا " وفيه منع الحكم في المشبه به فضلا عن المشبه، ضرورة عدم اختصاص اللفظ في الانشاء على وجه يحمل الاطلاق عليه وإن لم يكن ثم قرينة حال تشهد بذلك، بل استعماله في الوعد والاخبار من الحقيقة أيضا. ومن ذلك يظهر أنه لا ينبغي الحكم باليمين مع إطلاق اللفظ وعدم قرينة تدل على إرادة الحلف، لاصالة عدم ترتب أحكام اليمين مع عدم العلم بقصدها بعد عدم دلالة اللفظ، وإن كان قد تشعر عبارة المتن وغيرها بالحكم باليمينية مع الاطلاق، لكن فيه منع واضح. نعم بعد أن يحكم باليمنية للقرائن الدالة على ذلك لم يقبل منه ظاهرا وإن أخبر بخلافها، مع احتماله إذا كان مورده تكليفا راجعا إليه، وليس حقا متعلقا بغيره. ومنه ربما ينقدح الفرق في الجملة بينه وبين الطلاق، خصوصا بعد النصوص الواردة في اليمين (1) أنه على ما في الضمير، فتأمل جيدا. * (ولو لم ينطق بلفظ الجلالة) * في الالفاظ الاربعة * (لم ينعقد) * يمينه قطعا وإن نواه وأضمره، لعدم صدق الحلف بالله، وقال الصادق عليه السلام في خبر السكوني: " إذا قال الرجل أقسمت أو حلفت فليس بشئ حتى يقول: أقسمت بالله أو حلفت بالله ". * (وكذا لو قال: اشهد) * مجردا على لفظ الجلالة، بل هو أولى بعدم الانعقاد * (إلا أن يقول: بالله) * بل عن الخلاف ليس بيمين وإن قال، لان لفظ الشهادة لا تسمى يمينا ولم يطرد علف اللغة ولا الشرع، لكن المبسوط أنه إن أراد به اليمين كان يمينا، بل لعله ظاهر المصنف أيضا، بل في المسالك أنه أشهر، وظاهره الميل إليه، قال: " لورود الشرع بهذه اللفظة بمعنى اليمين قال الله تعالى (2) " قالوا: نشهد أنك لرسول الله " والمراد نحلف، ولذلك قال الله تعالى


(1) الوسائل الباب 17 و 12 - من كتاب الايمان. (2) سورة المنافقين: 63 - الاية 1.

[ 237 ]

على الاثر: " اتخذوا أيمانهم جنة ". وفيه أنه لا وجه لجعل ذلك منهم إنشاء يمين مع عدم ذكر لفظ الجلالة، فلابد مع فرض إرادة اليمين منهم على ذلك بقوله تعالى: " اتخذوا أيمانهم " من كون اليمين منهم بغير اللفظ المزبور، نعم هو لا يخلو من قوة من، لتعارف اليمين به في العرف واستعماله في أيمان اللعان، إلا أن ذلك مع العلم بقصد اليمين منه. أما مع الاطلاق فقد يظهر من المصنف بل والفاضل في القواعد الحكم بيمينه أيضا، بل حكاه عن الشيخ أيضا بقوله: * (وفيه للشيخ قولان) * ونحوه الشهيد في الدروس، إلا أن الذي حكاه عنه في المسالك التصريح باعتبار القصد فيه وأنه لا يكون يمينا مع الاطلاق، بل حكى عنه فيها أن لفظ القسم كذلك، نعم غيره فرق بينهما ولعل الفرق أن لفظ القسم ظاهر في ذلك وحمله على غيره خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا مع دعوى إرادته، بخلاف الشهادة. بل في المسالك " بهذا المعنى صرح غير الشيخ من أتباعه والعلامة في المختلف والتحرير - ثم قال -: فإن قيل: القصد معتبر في سائر الايمان فكيف ينعقد هنا مع الاطلاق ؟ فيكون تقييد الشيخ أجود من إطلاق من حكم بصحته مع الاطلاق قلنا: ليس المراد من القصد الذي لم يعتبره القصد إلى اليمين الموجب لانعقاده في نفس الامر، لان ذلك لا نزاع في اعتباره، وإنما الكلام في القصد الذي لا يحكم بوقوعه من اللفظ إذا لم يكن صريحا، وإذا كان صريحا يحكم بوقوعه على من تلفظ به ظاهرا وإن لم يعلم منه قصده إلى مدلول اللفظ، وإن كان محتملا على السواء لا نحكم به إلا مع تصريحه بارادة المعنى المطلوب، هذا بحسب الظاهر وأما فيما بينه وبين الله تعالى فالمعتبر ما نواه، وحينئذ فيحكم بوقوع اليمين ممن سمع منه قول: " أقسمت بالله لافعلن " ما لم يخبر عن إرادة الخبر، ولا نحكم على من سمع منه " أشهد بالله لافعلن " إلا من إخباره بارادة اليمين، وعلى قول الشيخ لا يحكم باليمين فيهما إلا مع إخباره بارادة اليمين، كما لو تلفظ بالكنايات في الطلاق والظهار وقلنا بوقوعه بها أو ببعضها على ما سبق تحقيقه ".

[ 238 ]

قلت: قد حققنا أيضا أنه لا لفظ صريح بذلك بحيث يحكم به على الوجه الذي ذكره، ضرورة اشتراك هذه الصيغ بين الاخبار والانشاء ولا تحمل على الاخير منهما إلا مع القرائن الدالة على ذلك، ولو سلم فالظاهر عدم الفرق فيما عندنا الان من العرف بين اللفظين المزبورين في إرادة القسم به أو عدمه، كما هو واضح بأدنى تأمل، والله العالم. * (و) * على كل حال ف‍ * (لا كذلك لو قال: اعزم بالله) * أو عزمت بالله لافعلن * (فانه ليس من ألفاظ القسم) * بل في كشف اللثام لم يرد قسما إلا للطلب كان يقول: " عزمت عليك لما فعلت كذا " فلا تنعقد به اليمين حينئذ وإن قصده به فضلا عن الاطلاق المحتمل للاخبار عن عزمه والحلف على المعزوم عليه أو الوعد بذلك، خلافا لبعض العامة وإن كان لا يخلو من وجه إن لم يكن إجماعا بناء على التوسعة في ألفاظ القسم، فانه يتحقق عرفا بكل ما يصلح مؤديا له، ويندرج في قولهم عليه السلام (1) " من حلف بالله " وإن كان ظاهر الاصحاب بل وبعض النصوص (2) خلافه. ثم إن المراد بذلك ونحوه عدم كونه يمينا يترتب عليه الكفارة، وإلا فيمكن حرمة الحلف به وإن لم يكن يمينا منعقدة، كما ورد النهي عن قول: " الله يعلم " فيما ليس بصحيح، قال الصادق عليه السلام في خبر وهب بن عبد ربه (3) ووهب بن حفص (4) وغيرهما: " من قال: الله يعلم فيما لا يعلم اهتز عرشه لذلك إعظاما له " وقال: (5) " إذا قال العبد: علم الله وكان كاذبا قال الله عز وجل: ما وجدت أحدا تكذب عليه غيرى ؟ ".


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 3. (2) الوسائل الباب - 15 و 30 - من كتاب الايمان. (3 و 5) الوسائل الباب - 5 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2. (4) الوسائل الباب - 4 - من كتاب الايمان الحديث 3 عن وهيب بن حفص الا أن الموجود في الكافي ج 7 ص 437 وهب بن حفص.

[ 239 ]

* (ولو قال: لعمر الله) * بفتح العين مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف وهو " يمينى " أو " قسمي " * (كان قسما وانعقدت به اليمين) * بلا خلاف معتد به أجده فيه، للنص (1) المتقدم، وإن قيل هو من البقاء والحياة، وهو قريب من العمر بالضم، لكنه لم يستعمل في القسم إلا مفتوحا، وهو بهذا المعنى محتمل للمعاني المانعة من انعقاده، كالقدرة والعلم وغيرهما من الصفات، إلا أنه كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الاصحاب، والله العالم. * (و) * كيف كان فلا خلاف معتد به بيننا نصا وفتوى في أنه لا ينعقد اليمين بغير " الله " على الوجه الذي قدمنا، ف‍ * (لا تنعقد بالاطلاق ولا بالعتاق ولا بالتحريم ولا بالظهار ولا بالحرم ولا بالكعبة والمصحف والقرآن والابوين) * ولا بغير ذلك مما سمعته في النصوص (2) السابقة أو ما يستعمله العامة. * (ولا بالنبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام) * فضلا عن غيرهم من المخلوقات المعظمة والاماكن المشرفة، كالانبياء والملائكة وغيرهم، للاصل وما سمعته من النصوص السابقة الناهية (3) عن الحلف بغير الله والامر بالحلف به إن اريد، بل قد سمعت الاشكال في أصل جواز الحلف بغيره وإن لم يكن منعقدا، وأن الاقوى جوازه، لما عرفت. بل لا ينبغي ترك الوفاء به مع منافاته لتعظيم ما اريد تعظميه شرعا، بل لابد منه مع فرض الاهانة في بعض الاحوال. ولعل هذا هو المراد بالمحكي عن ابن الجنيد من انعقاده بما عظم الله من الحقوق، نحو " وحق رسول الله " و " حق القرآن " لا وجوب الكفارة، كما أنه يمكن أن يراد بما يحكي عنه أيضا من انعقاده بالطلاق والعتاق والصدقة ونحوها انعقاد ما يقبل التعليق منها على ذلك لا على أنه يمين، وإلا كان شاذا يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (4) بذلك أيضا،


(1) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 14 و 15 - و 30 و 31 من كتاب الايمان. (3) الوسائل الباب - 15 و 30 - من كتاب الايمان (4) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان

[ 240 ]

بل لعله من ضروري مذهب الشعية في الطلاق والعتاق ونحوهما. وأما اليمين بالبراءة فقد عرفت الكلام فيه سابقا، ويأتي أيضا، كما أنه لا إشكال في طرح ما تضمن (1) من النصوص من الكفارة على الحلف بآية من آي القرآن أو حمله على ضرب من الندب. * (وكذا) * لا ينعقد بقول * (وحق الله، فانه حلف بحقه، لا به تعالى) * كما في القواعد ومحكي الخلاف وغيرهما، قيل: " لانه مشترك بين ما يجب له على عباده من العبادات التي أمر بها، وفي الحديث (2) " قلت: يا رسول الله ما حق الله ؟ قال: أن لا تشركوا به شيئا وتعبدوه وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة " وبين القرآن، لقوله تعالى (3): " وإنه لحق اليقين " وبين كونه وصفا كغيره من الصفات الراجعة إلى ذاته من غير اعتبار زيادة - إلى أن قال -: فإذا قال: وحق الله لافعلن لم ينعقد، لاشتراكه بين امور كثيرة أكثرها لا ينعقد به اليمين، سواء قصد تلك الافراد التي لا إشكال في عدم الانعقاد بها مع قصدها أم أطلق، لان المتبادر من حقه غيره ". وفيه أن اشتراكه يقتضي عدم الانعقاد به حتى مع قصد الاخير، نحو ما سمعته في السميع والبصير. * (وقيل) * والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه وجماعة: * (ينعقد) *، لانه يمين بالله عرفا ولغلبة استعمالها في المعنى الاخير، ولان " حق " صفة عامة فإذا اضيف إلى الله تعالى اختص به، فكان يمينا كسائر صفات ذاته من العظمة والعزة وغيرهما. * (وهو بعيد) * عند المصنف لكن الانصاف أنه قريب، خصوصا مع ملاحظة


(1) الوسائل الباب - 30 - من كتاب الايمان الحديث 2. (2) روى ذلك مع الاختلاف اليسير في مجمع الزوائد ج 1 ص 50. (3) سورة الحاقة: 69 - الاية 51.

[ 241 ]

استعماله في عرفنا بارادة القسم بالذات فيه من غير التفات إلى شئ آخر، مضافا إلى صدق الحلف بالله عرفا، وإليه يرجع ما عن المختلف والتنقيح من الرجوع إلى عرف الحالف، فان قصد به الحلف بالله انعقد يمينا وإلا فلا. بل وما في الدروس من أنه الاقوى إذا قصد به الله الحق أو المستحق للالهية، قال: " ولو قصد به ما يجب لله على عباده لم ينعقد، ولو أطلق فالاقرب الانعقاد، لان الاستعمال في الاولين أغلب، ولو قال: والحق فوجهان مرتبان وأولى بالانعقاد، لانه وإن اشترك إلا انه في الله أغلب، كالرحيم والعليم والحنان ". واعترضه في الرياض بأنه غير مفهوم من اللفظ، ومجرد القصد إليه غير كاف إذا لم يضم إليه ما ينعقد به " وهو كما ترى. بل إلى ما ذكرناه يرجع ما في كشف اللثام حيث إنه بعد أن حكى ما سمعته من المبسوط قال: " وهو المختار إن أراد الحق الذي هو " الله " ولو أطلق فالاقرب الانعقاد " والله العالم. * (ولا ينعقد اليمين) * على وجه تتعلق به الكفارة ونحوها من أحكامه * (إلا بالنية) * والقصد إليها وإلى العقد بها كما ستسمع تحقيقه إنشاء الله بلا خلاف ولا إشكال. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو حلف من غير نية) * على الوجه المزبور بل كان لسبق لسان أو لدفع ضرر أو غير ذلك * (لم ينعقد سواء كان بصريح) * كقول: " والله " * (أو كناية) * كقول: " والسميع " وغيره مما لا يحمل إطلاقه على اليمين، إذ لا مدخل هنا لصريح اللفظ في عقد اليمين، إذ أقصاه أنه صريح في القسم، وهو غير القصد إلى العقد به. * (و) * على كل حال ف‍ * (هي يمين اللغو) * أو منه التي قد سمعت تفصيل الكلام فيها في أول الكتاب. * (والاستثناء بالمشيئة) * في اليمين بأن يعلقه على مشيئة الله جائز قطعا،

[ 242 ]

بل عن بعض العامة وجوبه لظاهر قوله تعالى (1): ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " وهي مع أنها في غير اليمين أيضا ظاهرة في الادب والارشاد. وعلى كل حال فهو * (يوقف اليمين عن الانعقاد) * بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه لو لم يكن المحلوف عليه الواجب أو المندوب أو ترك الحرام أو المكروه، فلا يحنث حينئذ بالفعل المحلوف عليه، ولا تلزمه الكفارة، للنبوي (2) المنجبر بما عرفت " من حلف على يمين فقال: إنشاء الله تعالى لم يحنث " وخبر السكوني (3) عن أبي عبد الله: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: من استثنى في اليمين فلا حنث ولا كفارة " ولعله المراد من خبر علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى عليه السلام المروي عن كتابه قال: " سألته عن الرجل يحلف على الشئ ويستثنى ما حاله ؟ قال: هو على ما استثنى ". بل ظاهره كالفتاوى الايقاف مطلقا وإن كان المتعلق فعل الواجب أو المندوب، بل حكاه في الرياض عن الاكثر بل في الدروس قول الفاضل بقصره على ما لم يعلم مشيئة الله إياه نادر، بل في الرياض " هو كالاجتهاد في مقابلة النص، بل فيه المناقشة بمنع العلم بتعلق المشيئة بها على الاطلاق، فقد لا يشاؤها في حق هذا الحالف لعارض لا يعلم به ". قلت: قال الفاضل في قواعده: " وضابط التعليق بمشيئة الله أن المحلوف عليه إن كان واجبا أو مندوبا انعقدت " وفي كشف اللثام " ولم يوقفها التعليق، لانهما مما شآء قطعا إلا على رأي الاشعري ". ثم قال: " وإلا فلا " وفي كشف اللثام " لما عرفت من تساوي طرفي المباح في مشيئته تعالى، وعليه ينزل إطلاق الاصحاب والاخبار (5) مع احتمال


(1) سورة الكهف: 18 - الاية 23. (2) سنن البيهقى ج 10 ص 46. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 28 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2 - 0 -.

[ 243 ]

النبوى (1) منها أن من تبرك بذلك في يمينه وفق للوفاء، وقيل بعدم الفرق، لعموم النص والفتوى، وهو بعيد من حيث الاعتبار " وظاهره الميل إليه ونحوه السيد في شرح النافع. بل إن لم يكن إجماعا أمكن القول بعدم إيقاف المشيئة مطلقا إذ المراد منها - كما يظهر من ملاحظة النصوص (2) خصوصا ذيل خبر سلام (3) الاتي استثناء مشيئة الله - عدم وقوع الفعل المحلوف عليه، فانه حينئذ يسلب القدرة عليه، فإذا لم يسلبها على أنه قد شاءه، إذ لا يقع فعل من العبد إلا بمشيئته وإن كان لم يسلبه الاختيار، ومن هنا استفاضت النصوص (4) بالامر بذكر المشيئة مع النسيان متى ذكر، لان التبرك حاصل على كل حال، ففي الرياض " أن إطلاق الخبرين والعبارة وغيرها يقتضي عدم الفرق في الحكم بين قصد التعليق بالمشيئة والتبرك، وبه صرح شيخنا في الروضة خلافا لسبطه في الشرح، فقال بالفرق واختصاص الحكم بالاول ". قلت: الظاهر أن الذي دعاه إلى ذلك ضعف خبر السكوني (5) متنا ودلالة عن إثبات أصل الحكم، فيجب الاقتصار فيه على المتيقن من الفتاوى الجابرة له. ومن ذلك يعلم أنه لا وجه لرده في الرياض بالانجبار، ضرورة عدم معلوميته في الفرض، بل ربما يظهر من بعض تعليلاتهم خلافه. ثم إن ظاهر النص والفتوى أن ذلك كذلك. * (إذا اتصل) * الاستثناء * (باليمين أو انفصل بما جرت العادة) * به في الكلام الواحد، كالتنفس والسعال والتثؤب ونحوهما مما لا يخل بالمتابعة عرفا، ل‍ * (أن الحالف لم يستوف غرضه و) *


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 46 (2) الوسائل الباب - 25 و 26 و 27 و 29 - من كتاب الايمان. (3) الوسائل الباب - 25 - من كتاب الايمان الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 29 - من كتاب الايمان الحديث - 0 -. (5) الوسائل الباب - 28 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 244 ]

لم يتم ما أراد أن يحلف عليه. نعم * (لو تراخي عن ذلك من عذر حكم باليمين ولغا الاستثناء) * بلا خلاف أجده بيننا، للخروج عن العادة وإطلاق أدلة حكم اليمين واستصحابه، بل في كشف اللثام " لو أثر مطلقا لم يتحقق حنث إلا في واجب أو مندوب أو مع الغفلة عنه راسا، لجواز أن يستثنى إذا شاء أن يحنث، خلافا للمحكي عن الحسن وعطا من أن له ذلك ما دام في المجلس " ولا ريب في ضعفه. هذا * (و) * لكن مع ذلك أصل اعتبار المشيئة مع التراخي * (فيه رواية مهجورة) * لم يعمل بها أحد من أصحابنا، بل ولا من العامة، وهي صحيحة عبد الله بن ميمون القداح (1)، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: للعبد أن يستثنى ما بينه وبين أربعون يوما إذا نسي " وزاد في رواية الفقيه (2) " إن رسول الله صلى الله عليه واله أتاه اناس من اليهود فسألوه عن أشياء فقال: تعالوا غدا احدثكم ولم يستثن، فاحتبس حبرئيل أربعين يوما ثم أتاه، وقال: ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت " (3). وفي خبره الاخر عنه عليه السلام (4) أيضا قال أمير المؤمنين عليه السلام: " الاستنثاء في اليمين متى ما ذكر وإن كان بعد أربعين صباحا، ثم تلا هذه الاية: واذكر ربك إذا نسيت ". وراية حمزة بن حمران (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (6) واذكر ربك إذا نسيت، قال: ذلك في اليمين إذا قلت: والله لافعلن كذا وكذا، فإذا ذكرت أنك لم تستثن فقل: إنشاء الله ".


(1 و 2) الوسائل الباب - 29 - من كتاب الايمان الحديث 6 - 7. (3) سورة الكهف: 18 - الاية 24. (4 و 5) الوسائل الباب - 29 - من كتاب الايمان الحديث 4 - 1 (6) سورة الكهف: 18 - الاية 24.

[ 245 ]

ورواية الحلبي وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (1) " في قول الله عزوجل: واذكر ربك إذا نسيت، قال: إذا حلف الرجل فنسى أن يستثنى فليستثن إذا ذكر ". ورواية حسين القلانسي أو بعض أصحابه (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " للعبد أن يستثنى في اليمين فيما بينه وبين أربعين يوما إذا نسى ". وخبر زرارة (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل واذكر ربك إذا نسيت، فقال: إذا حلفت على شئ ونسيت أن تستثنى فاستثن إذا ذكرت ". إلا أنها أجمع لا صراحة فيها في التأثير مع التأخير، ولعله لذا حملت على التعليق بالمشيئة نية ولكن نسي التلفظ بها، أو على ضرب من الندب في اليمين والوعد، نحو خبر مرازم (4) قال: " دخل أبو عبد الله عليه السلام يوما إلى منزل معتب وهو يريد العمرة، فتناول لوحا فيه كتاب فيه قسمة أرزاق العباد وما يخرج لهم، فإذا فيه لفلان وفلان وفلان وليس فيه استثناء فقال: من كتب هذا الكتاب ولم يستثن فيه ؟ كيف ظن أنه يتم ؟ ثم دعى بالدوات فقال: ألحق فيه إنشاء الله، فألحق فيه في كل اسم إنشاء الله ". وخبر أبي بصير (5) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " إن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه واله: عن مسائل: منها قصة أصحاب الكهف، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: غدا اخبركم ولم يستثن، فاحتبس الوحي أربعين يوما حتى اغتم وشك أصحابه، فلما كان بعد أربعين صباحا نزل عليه سورة الكهف - إلى أن قال -: ولا تقولن لشئ - إلى آخرها - فأخبره أنه احتبس الوحي عنه أربعين صباحا، لانه قال لقريش: غدا اخبركم بجواب مسائلكم ولم يستثن ".


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 29 - من كتاب الايمان الحديث 2 - 3 - 5. (4) الوسائل الباب - 26 - من كتاب الايمان الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 27 - من كتاب الايمان الحديث.

[ 246 ]

وخبر سلام بن المستنير (1) عن أبي جعفر عليه السلام " في قول الله (2) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل. الاية فقال: إن الله عزوجل لما قال لادم: ادخل الجنة، قال له: يا آدم لا تقرب هذه الشجرة، قال: وأراه إياها، قال آدم لربه: كيف أقربها وقد نهيتني عنها أنا وزوجتي ؟ قال: فقال لهما: لا تقرباها يعني لا تأكلا منها، فقال آدم وزوجته: نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها، ولم يسثنيا في قولهما: نعم، فوكلهما لله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما، قال: وقد قال الله عزوجل لنبيه في الكتاب (3): ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أن لا أفعله، فتسبق مشيئة الله أن لا أفعله فلا أقدر أن أفعله، قال: فلذلك قال الله عزوجل لنبيه (4) واذكر ربك إذا نسبت، اي استثن مشيئة الله في فعلك ". * (و) * كيف كان فالمشهور على ما اعترف به غير واحد: أنه * (يشترط في الاستثناء النطق، ولا يكفي النية) * لا طلاق الادلة وعمومها المقتصر في تقييدها وتخصيصها على المتيقن الذي هو النطق دون غيره، خصوصا بعد البناء على أن الحكم تعبدي محض، خلافا للفاضل في المختلف فاكتفى بها، وتبعه في كشف اللثام، لما عرفت من اعتبار النية في انعقاد اليمين، فإذا لم ينو فعل القسم عليه إلا معلقا بالمشيئة فلم ينو الحلف عليه مطلقا، فلم ينعقد إلا معلقا بها، وفي الدروس " ولا تكفي النية وإن اقترنت باليمين، قاله في المبسوط وتبعه ابن إدريس، وفي النهاية يكفي إن حلف سرا، وفي المختلف يكفي مطلقا، وهو قوى، وعليه حمل رواية عبد الله بن ميمون (5) جواز استثناء الناسي إلى أربعين يوما ". وفيه أن الاستثناء المزبور عند القائل به لا يتقيد بالمدة المزبورة، ودعوى


(1) الوسائل الباب 25 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) سورة طه: 20 - الاية 115. (3 و 4) سورة الكهف: 18 - الاية 23 و 24. (5) الوسائل الباب - 29 - من كتاب الايمان الحديث 6.

[ 247 ]

أن التقييد بها وارد مورد المبالغة يدفعها أن الازيد من ذلك أبلغ، ولعله لذا أجاب عنها المصنف بالهجر. وأما ما حكاه عن النهاية فلعله لما في كشف اللثام عن بعض الكتب عن الباقر عليه السلام (1) " إذا حرك بها لسانه أجزأ وإن لم يجهر، وإن جهر بها إن كان جهر باليمين فهو أفضل " ونحوه قول الصادق عليه السلام في خبر السكوني: (2) " قال رسول الله صلى الله عليه واله: من حلف سرا فليستثن سرا، ومن حلف علانية فليستثن علانية " وعلى كل حال فلا مخالفة فيهما للمطلوب كفتوى النهاية، ضرورة كون محل البحث تركها سرا وعلانية، والاقتصار على نيتها. هذا وفي القواعد " ولو قال: لاشربن اليوم إلا أن يشاء الله أو لا أشرب إلا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا بتركه فيهما، كما في الاثبات " أي كما أنه يوقف اليمين فلا يحنث بالفعل ولا بالترك لمنعه من الانعقاد فكذا بصيغة الاستثناء، لاتحاد المعنى. وفي كشف اللثام " وقد يقال هنا بالحنث بالترك في الاول والفعل في الثاني لاشتراط الحل، وهو فعل خلاف المحلوف عليه، وهو الترك في الاول والشرب في الثاني بالمشيئة، فما لم يعلم تحققها لم يجز له خلاف المحلوف عليه، بخلاف الاثبات، فانه يتضمن اشتراط العقد أي فعل المحلوف عليه بالمشيئة. ويدفعه أن المباحات يتساوى فعلها وتركها في تعلق مشيئة الله، ووقوع كل منهما كاشف عن التعلق، نعم يفترق الحال في التعليق بمشيئة غيره تعالى كما سيأتي " انتهى. وفي المسالك " ولو قال: والله لافعلن كذا إلا أن يشاء الله أو لا أفعلن إلا أن يشاء الله فوجهنا: أشهرهما أنه كالاول، فلا يحنث بالفعل ولا بعدمه، ويحتمل الحنث في الاول إن لم يفعل، وفي الثاني إن فعل، لان شرط منع


(1) دعائم الاسلام ج 2 ص 95. (2) الوسائل الباب - 25 - من كتاب الايمان الحديث 2.

[ 248 ]

الحنث مشكوك فيه ". قلت: لا ينبغي التأمل في تفاوت المفهوم من قوله: " إن شاء الله " و " إلا أن يشاء الله " في حد ذاتهما، لكن الدليل الذي هو خبر السكوني (1) وغيره شامل لهما، وقد عرفت بناء المسألة عندهم على التقييد، كما أن مقتضاه أيضا عدم الفرق بين تقديم المشيئة على المحلوف عليه وتأخيره عنه وتوسطه، بل الظاهر الصحة مع التأخير وإن لم يكن عازما عليه من ابتداء اليمين، بل عزم عليه في أثنائه أو بعده بلا فصل، كما صرح به غير واحد، إن احتملوا مع ذلك العدم اقتصار على المتيقن، هذا كله في التعليق في مشيئة الله تعالى. أما تعليقها على مشيئة غيره فلا إشكال ولا خلاف في جوازها أيضا، لاطلاق الادلة سواء كان التعليق لعقدها أو لحلها، * (و) * حينئذ ف‍ * (لو قال:) * والله * (لادخلن الدار) * (2) اليوم * (إن شاء زيد) * مثلا * (فقد علق) * عقد * (اليمين على مشيئته) * على وجه كانت شرطا في ذلك. * (فان قال: شئت انعقدت اليمين) * لتحقق الشرط حينئذ، فان ترك حنث. * (وإن قال: لم أشأ لم تنعقد) * اليمين، لفقد الشرط * (و) * كذا * (لو جهل حاله إما بموت أو غيبة) * أو غيرهما * (لم تنعقد اليمين، لفوات الشرط، ولو قال:) * والله * (لادخلن الدار إلا أن يشاء زيد فقد عقدت اليمين) * ولكن له حلها بالدخول قبل مشيئتة، سواء شاء بعد ذلك أو لا، لحصول الحل بفعل مقتضي اليمين، فلا تؤثر المشيئة بعده فيه، كما أنها تنحل بما اشترطه في حلها من مشيئة زيد أن لا يدخل، فان لم يدخلها وشاء زيد أن لا يدخلها بر بمشيئته أيضا * (و) * ذلك لانه * (جعل الاستثناء مشيئة زيد، فان قال زيد: قد شئت أن لا يدخل فقد وقفت اليمين) * أي انحلت، لان متعلق المشيئة المذكورة هو عدم دخوله، فكأنه قال: " لادخلن إلا أن يشاء زيد أن لا أدخل " فلا ألتزم بالدخول * (لان) * المستثنى والمستثنى


(1) الوسائل الباب - 28 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) وفى الشرائع: " لا أدخل الدار ".

[ 249 ]

منه متضادان، ولذا كان * (الاستثناء) * من النفي إثباتا أو * (من الاثبات نفي‍) * ا ولما كان المحلوف عليه إثبات الدخول كان الاستثناء عدم الدخول، فإذا شاءه فقد حل اليمين، ولو فرض أنه قد شاء الدخول فاليمين بحالها، لان مشيئته بالفعل غير مستثناة. وكذا لو جهل حال مشيئته، لان الانعقاد حاصل، وإنما الحل مشروط بمشيئته عدم الدخول، ولم يحصل الشرط الذي مقتضي الاصل عدمه، فلم يقع الحل. وكذا الكلام لو كان متعلق اليمين النفي فله اشتراط عقدها حينئذ بذلك، بأن يقول مثلا: " والله لادخلت الدار إن شاء زيد أن لا أدخلها " والبحث فيه كالسابق في أنه قال: " شئت " انعقدت اليمين، لوجود الشرط، وإن قال لم أشأ لم تنعقد، لفوات الشرط. وكذا لو جهل حال مشيئته لموت أو غيبة، لعدم حصول شرط الانعقاد، كما هو واضح. * (و) * له اشتراط حلها بذلك كما * (لو قال:) * والله * (لا دخلت) * الدار * (إلا أن يشاء فلان) * دخولها، رالكلام فيه كالساق أيضا إلا أن المستثنى منه نفي فيكون الاستثناء إثباتا، فكأنه قال: " لادخلتها إلا أن يشاء زيد أن أدخل ف‍) * ان * (قال) * فلان: * (قد شئت أن تدخل فقد سقط حكم اليمين ل‍) * ما عرفت من * (أن الاستثناء من النفي إثبات) * وحينئذ فان دخل بعد ما شاء بر يمينه، كما أنه يبره أيضا إن لم يدخل قبل مشيئة الدخول، نعم إن دخل وقد شاء أن لا يدخل حنث ولا تنفع مشيئة الدخول بعد ذلك، وإن لم تعرف المشيئة فهي منعقدة أيضا كما عرفت. هذا ما اقتضاه لفظ الاستثناء عند الاطلاق أو مع قصده. أما لو قصد في استثنائه عكس ذلك بأن قال: " أردت بالاستنثاء مخالفة مشيئته " فأردت بقولي: " لادخلن الدار إلا أن يشاء أن أدخل " فاني اخالفه ولا أدخل، وبقوله " لا أدخل إلا أن يشاء أن لا أدخل " فاني اخالفه وأدخل قبل منه ودين بنيته، وانعكس الحكم. إن شاء في الاول قبل أن يدخل انحلت

[ 250 ]

اليمين وارتفع وجوب الدخول، لوقوع الشرط وإن شاء أن لا يدخل في الثاني انحلت اليمين أيضا، لوجود شرط الحل، والتضاد بين المستثنى والمستثنى منه حاصل على هذا التقدير أيضا، والحكم مع الجهل بمشيئته كالسابق. والضابط أنه كلما كان العقد موقوفا وجهل الشرط فلا عقد، وكلما كان الحل موقوفا فهي منعقدة إلا مع علم شرط الحل. ولو فرض أنه قصد الحلف أيضا على المستثنى كالمستثنى منه دين بقصده، ولو جهل قصده مع الاطلاق في صورة الحل بعد العلم بكون المراد أحدهما فمع فرض تبادر مشيئة عدم الدخول في صورة الاثبات والدخول في صورة النفي كما هو الظاهر انصرف إليه وإلا بطل، للاحتمال المفضي إلى جهل الاستثناء الموقف لليمين. * (و) * كيف كان ف‍ * (لا يدخل الاستثناء) * بمشيئة الله تعالى المراد بها الايقاف * (في غير اليمين) * الذي ثبت بدليله، فلا يقاس عليه غيره، لحرمته عندنا خصوصا بعد ما سمعت من الادلة في محلها على اعبتار التنجيز في العقود والايقاعات إلا ما خرج بالدليل منها وهو مناف لذلك، ضرورة كونه تعليقا. لكن عن الشيخ قول بصحته في الطلاق والعتاق والاقرار، بمعنى أنه يوقفه، لاطلاق ما دل على دخوله في اليمين مع دعوى أن تعليق الطلاق والعتق والاقرار على المشيئة يمين أيضا وإن لم يكن بالله، كما مر عليه التنبيه في باب الظهار (1) بل قد عرفت تقارب اليمين والشرط، وهو كما ترى إلا أن قوله المزبور الذي هو: " الايقاف بمعنى البطلان " فهو متحد مع القول بالبطلان مع التعليق على الشرط الفاسد، وإنما يخالفه القول بصحة العقد والايقاع واختصاص البطلان بالشرط كما عن ابن إدريس، وقد عرفت ضعفه في محله وأن الاصح بطلانهما معا، كما هو المحكي عن الشيخ أيضا في الخلاف. * (وهل يدخل) * أي الاستثناء * (في الاقرار ؟ فيه تردد) * وخلاف * (والاشبه) * الاشهر بل المشهور * (أنه لا يدخل) * بل يكون تعقبه إياه


(1) راجع ج 33.

[ 251 ]

كتعقب الاقرار بالمنافي، فيلغو الاستثناء ويلزم الاقرار، خلافا لمن عرفت ممن قال بدخوله فيه موقفا له عليها، لاصالة براءة الذمة، لكنه واضح الضعف، ضرورة كون الاقرار إخبارا وقد عرفت عدم قابليته للتعليق، فهو أولى بالجزم من الطلاق والعتق، فمن الغريب تردد المصنف فيه وجزمه بالاولين، والله العالم. * (والحروف التي يقسم بها) * بشهادة أهل اللسان ثلاثة: وهي * (الباء والواو والتاء) * بل قيل: إن أصلها الباء التي تدخل على الظاهر والمضمر بخلافهما وتليهما الواو التي تدخل على الاسماء الظاهرة جميعها بخلاف التاء المختصة بالقسم بلفظ الجلالة، كقوله تعالى (1) " تالله تفتوء تذكر يوسف " و " تالله لاكيدن أصنامكم " (2) نعم ربما قيل: " ترب الكعبة " و " تالرحمن " لكنه نادر. وعلى كل حال فلا شبهة في انعقاد القسم بقوله: " بالله لافعلن " مع إرادته. بل في المسالك " يحمل عليه عند الاطلاق، لاشتهار الصغية في الحلف شرعا وعرفا ولو قال: لم ارد به اليمين، وإنما أردت وفقت بالله أو اعتصمت به أو أستعين أو أؤ من ثم ابتدأت لافعلن فوجهان أظهرهما القبول إذا لم يتعلق به حق آدمى، كما لو ادعى عدم القصد، وهذا بخلاف ما لو أتى بالتاء أو الواو " قلت: هو لا يخلو من نظر لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما أسلفناه في مسألة دعوى عدم القصد، له لعل كلامه هنا لا يخلو من منافاة لكلامه السابق في الجملة، بل يمكن النظر أيضا فيما يظهر منه من التفصيل بين حق آدمي وغيره باعتبار أن القسم وإن تعلق بآدمى فهو حق لله في عنقه تجب عليه الكفارة مع عدم فعله، لا أنه يتعلق به حق المطالبة والمقاصة ونحوها، مع احتماله كما تسمعه في النذر إنشاء الله. * (وكذا) * ينعقد اليمين * (لو خفض ونوى القسم من دون النطق ب‍) * أحد


(1) سورة يوسف: 12 - الاية 85. (2) سورة الانبياء: 21 - الاية 57.

[ 252 ]

* (حروف القسم) *، فقال: الله لافعلن ولكن * (على تردد) * ينشأ من وروده لغة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله: " وكانه الله (1) ما أردت إلا واحدة " وكون الجر مشعرا بالصلة الخافضة، وبناء اللغة على الحذف والتقدير، ومن استمرار العادة على الحلف بغير هذه الكيفية، بل لا يعرف ذلك إلا خواص الناس، والاصل البراءة، وعن الشيخ في الخلاف اختياره. ولكن لا يخفى عليك أن * (أشبهه الانعقاد) * لاندراجه في إطلاق الادلة بعد أن يكون صحيحا في اللغة، نعم لو رفع أو نصب أشكل إجراء حكم اليمين بأنه لحن، لكن في المسالك الوجهان، بل قال: " أولى بالوقوع هنا مع النصب، لجوازه بنزع الخافض " وفيه أنه غير مطرد، والفرق بينهما وبين الاول واضح، ولعله لذا اقتصر المصنف عليه. ولو قال باله وشدد اللام وحذف الالف بعدها فهو غير ذاكر لاسمه تعالى صريحا، فان البله هي الرطوبة، لكن في المسالك " إن نوى به اليمين انعقد، لانه لحن شائع في ألسنة العوام والخواص، وقد يستجيز العرب حذف الالف في الوقف لان الوقف يقتضي إسكان الهاء، فالوجه وقوع اليمين به مع قصده ". وفيه ما لا يخفى بعد فرض كونه لحنا، ضرورة اشتراط الجريان على القانون العربي في الصيغة العربية في القسم وغيره، نعم إن ثبت ما ذكره من جواز حذف الالف في الوقف مطردا على وجه يشمل المقام وفرض حصوله كذلك اتجه الانعقاد حينئذ. * (ولو قال: ها لله كان يمينا) * بلا خلاف ولا إشكال، لانه مما يقسم به لغة، وتقديره في مثل " لا ها الله فعلت " لا والله فعلت " وها التنبيه يؤتي بها في القسم عند حذف حرفه، بل عن ابن هشام في المغنى أنه يجوز في الصيغة المزبورة


(1) هكذا في النسختين الاصليتين المبيضة والمسودة والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف والصحيح كما جاء في الحديث قول النبي صلى الله عليه وآله لركانة: " " الله ما أردت الا واحدة " راجع سنن البيهقى ج 7 ص 342.

[ 253 ]

حذف الهمزة ووصلها مع اثبات الالف وحذفها. * (وفي) * الانعقاد ف‍ * (أيمن الله تردد من حيث هو جمع يمين) * عند الكوفيين، وإن أورد عليه بجواز كسر همزته وفتح ميمه، ولا يجوز مثل ذلك في الجمع من نحو " أفلس " و " أكلب " لكن عليه يكن القسم به لا بالله، بل وعلى القول الاخر يكون القسم بوصف من أوصافه الذي هو اليمن والبركة لا باسمه. * (و) * لكن * (لعل الانعقاد أشبه لانه موضوع للقسم بالعرف) * بل ينبغي الجزم به بعد ما سمعت من النص عليه، ولا مدخلية لكونه رأسا أو حرفا مفردا مشتقا من اليمن أو جمعا في ذلك بعد تعارف القسم به، والغالب فيه رفعه على الابتداء وإضافته إلى إسم الله، والتقدير " أيمن الله قسمي " ولكن يجوز جره بحرف القسم وإضافته إلى الكعبة وكاف الضمير. * (وكذا) * الكلام في * (" أيم الله " و " من الله " و " م الله ") * مما هو مقتضب من " أيمن " تخفيفا بحذف بعض حروفه وإبداله لكثرة الاستعمال، بل عن ابن آوى في استدراك الصحاح في هذه الكلمات إحدى وعشرون لغه: أربع في " أيمن " بفتح الهمزة وكسرها مع ضم النون وفتحها، وأربع في " ليمن " باللام المكسورة والمفتوحة والنون المفتوحة والمضمومة، ولغتان في " يمن " بفتح النون وضمها، وثلاث لغات في " أيم " بفتح الهمزة وكسرها مع ضم الميم، وبفتح الهمزة مع فتح الميم، ولغتان في " إم " بكسر الميم وضمها مع كسر الهمزة فيها، وثلاث في " من " بضم الميم والنون وفتحها وكسرها، و " م الله " بالحركات الثلاث، وكل ذلك يقسم به، في كشف اللثام " هيم الله " بفتح الهاء المبدلة من الهمزة، والله العالم.

[ 254 ]

* (الثاني) * * (الحالف) * * (ويعتبر فيه البلوغ وكمال العقل والاختيار والقصد) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال كما في غيره من العقود والايقاعات، بل على الاخير منها هنا الاجماع، عن ظاهر الغنية والدروس وغيرهما، مضافا إلى قوله تعالى (1): " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " فان كسب القلوب النية والقصد، وكذا قوله تعالى (2): " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " خصوصا بعد رعاية المقابلة باللغو الذي قد سمعت النصوص (3) السابقة فيه الدالة على المطلوب أيضا وكأن اعادة المصنف ذكره هنا مع ذكره سابقا اعتبار القصد في الصيغة إما لبيان أنه كما يصلح شرطا لها يصلح شرطا له أيضا، أو للتنبيه على مغايرته لها من وجه، بأن يراد منه اتصاف الحالف به في نفسه سواء ربطه بمقصود أم لا، وبالنية ربط القصد بالصيغة الدالة على الحلف، كما ينبه عليه نشره، فانه أخرج باشتراط قصده السكران والغضبان الذي لا يملك نفسه، فانهما لا قصد لهما في أنفسهما، بخلاف الكامل الخالي من موانع القصد، فانه قاصد في الجملة، لكن قد يربط قصده بالصيغة، فيكون قاصدا ناويا، وقد لا يتوجه بقصده إليها، فيكون لاغيا بحلفه، ولعله لذا اعتبر الفاضل في الارشاد في الحالف أن يكون


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 225. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 89. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب الايمان.

[ 255 ]

قاصدا ناويا، وربما تسمع زيادة تحقيق لذلك إنشاء الله. وعلى كل حال * (فلا ينعقد يمين الصغير) * وإن كان مميزا قد بلغ عشرا وإن تعلق بما جاز له من الوصية. * (ولا المكره) * لعموم ما دل على (1) أن الاكراه أحد الامور التي رفعت عن الامة، وخصوص خبر عبد الله بن سنان (2) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يمين في غضب ولا في قطعية رحم ولا في جبر ولا في إكراه، قال: قلت: أصلحك الله فما فرق بين الجبر والاكراه ؟ قال: الجبر من السلطان، ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب وليس ذلك بشئ ". * (ولا المجنون) * مطبقا أو أدوارا لسلب عبارته * (ولا السكران) * لعدم قصده أو عدم العبرة بقصده، بل * (ولا الغضبان إلا أن يملك نفسه) * على وجه يكون كغير الغضبان بالنسبة إلى عقد اليمين، فتشمله العمومات حينئذ بخلاف الاول المنزل عليه قوله عليه السلام (3) " لا يمين في غضب ". إلا أن الانصاف ظهور ذكر الغضبان هنا نصا وفتوى دون باقي العقود والايقاعات، وكذا قول المصنف وغيره: * (وتنعقد اليمين بالقصد) * مضافا إلى ما سمعته من الجمع بين النية والقصد في عبارة الارشاد، بل وغيره كالمصنف الذي قد ذكر أولا اعتبار النية فيه بالصريح والكناية، وثانيا اعتبار القصد في الحالف، وثالثا أنه ينعقد بالقصد، وقبول دعوى عدم القصد منه وإن كان اللفظ صريحا وغير ذلك، في زيادة اليمين باعتبار قصد آخر فيه غير قصد باقي العقود والايقاعات، وأنه لا يكفي في انعقاده مجرد القصد إلى إنشاء صيغة الصريحة، كما في صيغ العقود والايقاعات، بل لابد مع ذلك من قصد العقد والربط بصيغة اليمين، وهو المراد بالنية.


(1) الوسائل الباب - 16 - من كتاب الايمان والباب - 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (2 و 3) الوسائل الباب - 16 - من كتاب الايمان الحديث 1

[ 256 ]

ومن هنا لم يحكم على الحالف بالصيغة الصريحة بانعقاد يمينه إلا أن يضم مع ذلك قرائن قطعية تدل على ذلك، وإلا فمجرد التلفظ بصيغة اليمين لا يحكم عليه بانعقاد اليمين عليه على وجه تجب عليه الكفارة وإن علم منه إرادة الحلف الذي هو أعم من اليمين المنعقدة التي هي من كسب القلب، وهو معنى قول المصنف وغيره: إنها تنعقد بالقصد وإنه لابد في اليمين من النية وغير ذلك مما ذكروه في اليمين دون غيره من العقود والايقاعات، والتأمل فيه يشرف الفقيه على القطع بمدخلية قصد خاص في انعقاد اليمين. ولعله لذلك أطلق في الرواية (1) أنه " لا يمين في غضب " باعتبار غلبة اثارة الغضب للحلف من دون ملاحظة العقد، وكذا ما يحصل من اليمين باكراه الزوجة والام والاب وغيرهما. بل لعله إلى ذلك يرجع ما في الكفاية، قال: " ويدخل في يمين اللغو كل يمين لفظا لم يقرن بها نيتها، كسبق اللسان بعادة أو غير عادة، أو جاهلا بالمعنى، أو للغضب المسقط للقصد، أو لمجرد النفي والاثبات كذلك ". بل ولعله إليه يرجع ما في المسالك في شرح قول المصنف " وينعقد بالقصد " قال: " لا شبهة في انعقادها بالصيغة مع باقي الشرائط، وإنما الغرض أنها لا تنعقد بدونه، فالمقصد من العبارة مفهومها لا منطوقها، ونبه بذلك على خلاف بعض العامة، حيث حكم بانعقاد اليمين بالقسم الصريح وإن لم يقصد، وإنما يتوقف على القصد ما ليس بصريح، كالكناية بالحق والقدرة والكلام ونحو ذلك " خصوصا مع ملاحظة كلامه السابق على هذا، والله العالم. * (ويصح اليمين من الكافر) * وإن كان كفره بححود الخالق * (كما يصح من المسلم) * كما عن الشيخ وأتباعه وأكثر المتأخرين، لاطلاق الادلة وعمومها كتابا (2) وسنة (3) اللذين لا ينافيهما كفره بعد أن كان مخاطبا بفروع


(1) الوسائل الباب - 16 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 89. (3) الوسائل الباب - 15 - و 30 من كتاب الايمان

[ 257 ]

الشريعة، ولعموم قوله صلى الله عليه واله: (1) " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " ولازم ذلك توجه اليمين على الكافر وإن كان جاحدا ولا قائل بالفصل، بل قد يدل انعقادها في مثل ذلك الذي قد يتعلق بالفروج والدماء والاموال على انعقادها في غيره بطريق أولى. بل منه يظهر فساد ما تسمعه من التعليل للعدم بعدم معرفة الكافر بالله المقتضي لعدم اعتبار اليمين منه مطلقا، وقال الصادق عليه السلام في خبر جراح المدائني (2) " لا يحلف بغير الله، وقال: اليهودي والنصراني والمجوسي لا تحلفوهم إلا بالله عز وجل " وقال الحلبي في الصحيح (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل الملل يستحلفون فقال: لا تحلفوهم إلا بالله عزوجل " وسأله سماعة (4) أيضا " هل يصلح لاحد أن يحلف أحدا من اليهود والنصارى والمجوس بآلهتهم ؟ قال: لا يصلح لاحد أن يحلف إلى بالله عزوجل " ونحوه صحيحة الاخر (5) كل ذلك مضافا إلى النصوص الناهية عن عدم الرضا إذا حلف له بالله (6). ومن الغريب بعد ذلك كله المعتضد بعمل الاكثر بل المشهور مناقشة فاضل الرياض بعدم إطلاق يشمل مفروض المسألة لاختصاصه في الكتاب وبعض السنة بمقتضي قاعدة خطاب المشافهة بحاضر مجلسه والمتيقن منهم المسلمون خاصة والتعدية إلى غيرهم ومنهم الكفار مطلقا يحتاج إلى دلالة هي في المقام مفقودة، إذ ليست إلا الاجماع، وهو مفقود في محل النزاع، وأما إطلاق باقي السنة فغير نافع أيضا لوروده لبيان حكم آخر غير حكم المسألة، ولا اعتداد بمثلها فيها كما


(1) الوسائل الباب - 3 - من كيفية الحكم الحديث 5 وفيه " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وفى المستدرك الباب - 3 - منها الحديث 4 وسنن البيهقى ج 10 ص 252 " البينة على المدعى واليمين على من أنكر ". (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 32 - من كتاب الايمان الحديث 2 - 3 - 5. (5) الوسائل الباب - 32 - من كتاب الايمان الحديث 5 بسند الشيخ (قده). (6) الوسائل الباب - 6 - من كتاب الايمان والمستدرك الباب - 4 - منه.

[ 258 ]

مر غير مرة، وأما الصحيحان فليسا من مفروض المسألة، لكون اليمين على المستقبل الموجب مخالفتها للحنث والكفارة، ولا كذلك موردهما، لتعلقه باستحلافهم في مقام الدعوى، وهو غير الحلف الذي قدمناه. ولا يخفى عليك ما في آخر كلامه بعد ما ذكرناه كما اعترف هو به بعد ذلك، بل ولا أول كلامه، ضرورة ثبوت قاعدة الاشتراك في التكاليف بين المسلم وغيره والذكر والانثى والحر والعبد من غير حاجة إلى عموم في خصوص كل مورد، بل لا ينافيها المباشرة الخطابية، نحو " أوفوا بالعقود " (1) ونحوه كما هو واضح بأدنى تأمل. ومن ذلك كله يعلم ما في المحكي عن الشيخ في الخلاف في المتن وغيره بقوله: * (وقال في الخلاف: لا يصح) * مع أن المحكي عنه فيه أيضا الرجوع عن ذلك إلى الاول، بل ربما كان ذلك اتفاقا من الجميع عدا ابن إدريس المعلوم نسبه، فيفيد المسألة زيادة قوة، خصوصا بعد وضوح ضعف ما ذكر دليلا له من الاصل المقطوع بما عرفت، ومن أن الكافر لا معرفة له بالله الذي قد عرفت ما فيه، مع أنه غير شامل لمن كان كفره بما لا ينافي معرفة الله، ومن أن " الاسلام يجب ما قبله " (2) المراد به قطع ما ثبت وجوبه كالصلاة الواجبة ونحوها، وهو غير منعه عن الثبوت في حال الكفر، فلعل اليمين تنعقد عليهم حال كفرهم بحيث توجب مخالفتها عليهم الحنث والكفارة، وإسلامهم بعد يجب ما وجب عليه قبله بالمخالفة من الكفارة. هذا وفي المسالك وتبعه في الرياض الميل إلى ما عن العلامة من التفصيل بين الكافر العارف بالله وغيره، فينعقد من الاول دون الثاني، بل في الرياض نسبته إلى


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) المستدرك الباب - 15 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2 والخصائص الكبرى ج 1 ص 249 وكنز العمال ج 1 ص 17 الرقم 343 والجامع الصغير ج 1 ص 123.

[ 259 ]

التنقيح وسيد المدارك، بل قال: وعليه كثير ممن تبعهم. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، ضرورة صدق الحلف مطلقا فهو حينئذ من الاسباب التي لا مدخلية للمعرفة بالله وعدمها في ترتب أحكامها، بل قد يحصل في فساق مظهري الاسلام من هو أقل من الكافر معرفة بالله تعالى شأنه، وعلى كل حال فلا محيص عما عليه الاصحاب. وتظهر فائدة الصحة في بقاء اليمين لو أسلم في المطلقة أو قبل خروج المؤقتة، وفي العقاب على متعلقها لو مات على كفره ولما يفعله، لا في تدارك الكفارة لو سبق الحنث الاسلام، لانها تسقط عنه به بلا خلاف يظهر، كما اعترف به في الرياض وإن حكى عن سيد المدارك التأمل فيه، وهو في غير محله بعد الخبر المزبور (1) المعتضد بالعمل على وجه يمكن أن يكون إجماعا، كما عن بعض الاعتراف به، وفحوى سقوط قضاء الصلاة الذي سقوط الكفارة أولى منه. * (و) * كيف كان فعلى القول بصحة اليمين منه ففي المتن * (في صحة التكفير منه تردد، منشأه الالتفات إلى اعتبار نية القربة) * به ولم أجده لغيره، إذ لا ريب في أن الكفارة من العبادات المعتبر في خصالها أجمع نية القربة التي لا تقع من الكافر على الوجه الذي ذكرنا سابقا، من غير فرق بين الجاحد وغيره. واحتمال كون المراد من نية القربة قصد التقرب إلى الله سواء حصل القرب أم لا - نحو ما سمعته في عتق الكافر - واضح الفساد، كاحتمال كون وجهه أن بعض خصال الكفارة قد يشك في اعتبار نية القربة فيه كالاطعام والكسوة كما يقوله بعض العامة الذين لم يعتبروا النية إلا في الصوم من خصالها، ضرورة خروجه عن كلمات الاصحاب وقواعدهم. وعلى كل حال فتردده في غير محله، ولذا جزم كل من قال بصحة يمينه بعدم صحة التكفير منه حال كفره، لكن قال: ذلك لا يمنع صحتها وترتب الحنث


(1) المذكور في ص 258 الرقم (2).

[ 260 ]

عليها وعقابه عليها لو مات كافرا. * (ولا تنعقد من الولد مع والده إلا مع إذنه، وكذا يمين المرأة والمملوك إلا أن يكون اليمين في فعل واجب أو ترك قبيح) * بلا خلاف في شئ من ذلك في الجملة، بل عن الغنية الاجماع عليه، لخبر ابن القداح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " لا يمين لولد مع والده، ولا للمرأة مع زوجها، ولا للمملوك مع سيده " وصحيح منصور ابن حازم (2) عنه عليه السلام أيضا قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله لا يمين للولد مع والده، ولا للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة " ونحوه خبره الاخر (3) عن أبي جعفر عليه السلام، وخبر أنس بن محمد عن أبيه (4) عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام قال: " ولا يمين في قطيعة رحم، ولا يمين لولد مع والده، ولا امرأة مع زوجها، ولا للعبد مع مولاه ". وعلى كل حال فقد قيل: إن مقتضاها كالعبارة ونحوها عدم الصحة هنا، لانه أقرب المجازات إلى نفي المهية بعد تعذر الحقيقة، مضافا إلى شهادة سياق الصحيح (5) المتضمن لنفي النذر على المعصية المراد منه نفي الصحة إجماعا بذلك. ومن هنا كان عدم الصحة خيرة الفاضل في الارشاد وثاني الشهيدين في المسالك وغيرهما ممن تبعهما على ذلك، ولان اليمين إيقاع ولا تقع موقوفة. هذا ولكن قول المصنف متصلا بما سمعت: * (ولو حلف أحد الثلاثة في غير ذلك كان للاب والزوج والمالك حل اليمين ولا كفارة) * ظاهر في الصحة بدون الاذن وإن كان له حلها، وكذا عبارته في النافع، بل وعبارة الدروس، بل في المسالك وعن المفاتيح نسبته إلى الشهرة، وحينئذ فلو مات الاب أو طلقت المرأه أو اعتق العبد قبل


(1 و 2) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب - 11 - من كتاب الايمان الحديث 1. (4 و 5) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الايمان الحديث 3 - 2

[ 261 ]

الحل انعقدت وإن لم نشترط بقاء المبدأ في صدق المشتق، لكن من المعلوم عدم اشتراط الاذن في الابتداء بعد الموت والفراق والعتق فكذا في استدامتها، بل يتحقق الحنث والكفارة على هذا القول مع فرض عقدها حال عدم علمهم أو معه ولم يحلوا أو مضى وقت اليمين، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك من الفرق بين القولين. ولعل الاخير منهما أقرب، للعمومات الدالة على لزوم الوفاء باليمين، ولكن ضعفه في الرياض باختصاصها إجماعا بالايمان الصحيحة، وكون اليمين منها في المسألة أول الكلام، ودعواه مصادرة، وعلى تقدير تسليمها تخصص بالمعتبرين (1) الظاهرين في نفي الصحة مفهوما وسياقا، وطرحهما والاقتصار في التخصيص على المتيقن منه بالاجماع - وهو صورة المنع لاعدم الاذن - لا وجه له أصلا إلا على تقدير عدم العمل بأخبار الاحاد، أو بالخبرين خاصة باعتبار تضعيف أحدهما ووجود إبراهيم بن هاشم الذي لم ينص على توثيقه في الاخر، وأقصاه أنه حسن وليس بحجة، ويضعف الجميع حجية الاحاد المعتبرة الاسناد، وجواز التخصيص بها للقطعيات كما برهن عليه في محله، ووثاقة إبراهيم على الرأى الصحيح، مع أن الخبر الذي هو حسن به مروى في الفقيه بطريق صحيح، وبالجملة فلا ريب في ضعف هذا القول وإن كان للاكثر. قلت: فيه (أولا) أن تخصص العمومات بالصحيحة يبطل الاستدلال في كل مقام عليها بأوفوا بالعقود (2) ونحوها، و (ثانيا) أنه قد يقال: إن ظاهر قوله: " مع والده " نفيها مع معارضة الوالد، إذ تقدير وجوده ليس بأولى من تقدير معارضته، بل هذا أولى للشهرة والعمومات، بل قد يقال: إنه منساق من مثل التركيب المزبور، خصوصا مع ملاحظة أن منشأ ذلك تقديم طاعة الوالد والزوج والسيد على أولئك، فيكون الحاصل أنه لا يمين للولد على فعل شئ مع إرادة الوالد تركه سواء تقدمت أو تأخرت.


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2 (2) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 262 ]

بل لو لم يكن هذا المراد لما كان وجه لاستثناء الاذن، ضرورة خلو النصوص المزبورة عن الصحة معها التي لا خلاف فيها بين الاصحاب، بل الاجماع ظاهرا عليها، وليس إلا لان المراد من التركيب المزبور ما ذكرناه، ومعها لاحقا أو سابقا لا معارضة بين الولد والوالد، وليس ذا من الايقاف في شئ، بل أقصاه بقاء اليمين على مقتضى الصحة التي لم يتحقق معارضة المانع لها وهو النهي. ومن هنا كان فتوى أكثر الاصحاب على ذلك حتى المصنف ولا تناقض في كلامه، ضرورة كون المراد بأوله من عدم الانعقاد بقرينة آخره أن للوالد مثلا الحل، فهي يمين متزلزلة، ويصدق عليها أنها غير منعقدة، لا أن المراد من عدم انعقادها فسادها حتى يكون منافيا لتفريع الحل، بل لعل التأمل يقتضي القطع بكون المراد ذلك. فمن الغريب غفلة هؤلاء المتأخرين عن ذلك مع أنه الاصح، وكذا غفلتهم عن حكم المستثنى، فان متأخري المتأخرين أخذوا الاصحاب بأن وجهه غير واضح، لاطلاق النص، وعدم دليل على إخراج هذا الفرد، وتعين الفعل عليه وجودا وعدما لا يقتضي ترتب آثار انعقاد الحلف عليه حتى تترتب الكفارة على الحنث. وأغرب من ذلك قوله في الرياض: " ويمكن أن يوجه كلام الجماعة بما لا ينافي ذلك، بأن يراد من الاحلال الامر بترك ما حلف على فعله، أو فعل ما حلف على تركه، ونفي جواز الاحلال بهذا المعنى لا ينافي عدم انعقاد اليمين أصلا وربما يشير إلى إرادة هذا المعنى عبارة الدروس الموافقة للعبارة في الاستثناء، حيث قال في كتاب النذر وللزوج حل نذر الزوجة فيما عدا فعل الواجب وترك الحرام حتى في الجزاء عليهما، وكذا السيد لعبده، والوالد لولده على الظاهر فتدبر ". إذ هو كما ترى مناف لما هو كالصريح في كلامهم من أن الاستثناء من الانعقاد لا من الاحلال. بل الوجه في كلامهم عدم شمول النصوص المزبورة لهذا الفرد، ضرورة كون

[ 263 ]

الحاصل منها تقديم طاعة الوالد مثلا لو نهى عن متعلق اليمين على ما يقتضيه اليمين من الالزام، وهذا في غير الواجب والحرام اللذين لا مدخلية للوالد فيهما، فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالمراد حينئذ من نفي اليمين مع الوالد في الفعل الذي يتعلق بفعله إرادة الولد وتركه إرادة الوالد، وليس المراد مجرد نهي الوالد عن اليمين الذي لا فرق فيه بين الواجب والحرام وغيرهما، بل المراد ما عرفت مما لا يدخلان هما فيه، فيبقى اليمين والمتعلق بهما على مقتضى وجوب الوفاء باليمين، كما هو واضح بأدنى وتأمل. ولعل الاشتباه في المقام نشأ من الاشتباه في المقام الاول، ومن تخيل كون المانع من الحل الوجوب والحرمة، فناقشوهم بما عرفت، وعبارة الدروس أجنبية عما ذكره. هذا وفي الكفاية " ولو ظهر الحنث قبل الاذن فالظاهر أنه لا كفارة عند الجميع " وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه. * (و) * كيف كان ف‍ * (لو حلف بالصريح وقال لم أرد اليمين قبل منه، ودين بنيته) * لما عرفت من أعمية صراحة اليمين من العقد به، وليس صراحته في الدلالة على العقد به بل هي في كونه يمينا، وهو أعم من العقد عليه، بل قد يقال: لا يحكم عليه بكون اليمين عاقدة بمجرد وقوع الحلف الصريح منه وإن لم يقل ما لم تكن قرائن قطعية دالة على ذلك، وبذلك افترق اليمين عن العقد والايقاع المعبتر فيهما القصد أيضا ولكن صيغهما صريحة في إرادة العقد بهما. كما أنه مما ذكرنا يظهر لك النظر فيما ذكره غير واحد من التعليل هنا للحكم المزبور بأن القصد من الامور الباطنة التي لا يطلع عليها غيره، ولجريان العادة كثيرا باجراء لفظ اليمين من غير قصد، بخلاف الطلاق، فانه لا يصدق لتعلق حق الادمي به، وعدم غلبة عدم القصد فيه، فدعواه القصد خلاف الظاهر، أللهم إلا أن يتكلف إرجاعه إلى ما قلناه. ثم قال في المسالك: " ولو فرض اقتران اليمين بما يدل على قصده كان دعوى

[ 264 ]

خلافه خلاف الظاهر فيتجه عدم قبوله من هذا الوجه، ولكن مقتضى العلة الاول وإطلاق الفتوى القبول، وحق الله لا منازع فيه، فيدين بنيته ". قلت: ينبغي الجزم به مع فرض كون القرائن الظنية ظنا خارجا عن الحجية، لعدم كونه ناشئا من لفظ، كما أنه ينبغي عدم الالتفات إلى دعواه مع فرض كون القرائن قطعية، كما هو واضح. الامر * (الثالث) * * (في متعلق اليمين) * * (وفيه مطالب) * المطلب * (الاول:) * لا خلاف عندنا في أنه * (لا ينعقد اليمين على الماضي نافية أو مثبتة، و) * حينئذ * (لا يجب بالحنث فيها الكفارة ولو تعمد الكذب) * بل الاجماع بقسميه عليه، وهي المسماة بالغموس، لانها تغمس صاحبها في الاثم أو في النار قال الصادق عليه السلام (1): " اليمين على وجهين - إلى أن قال -: وأما التي عقوبتها دخول النار فهو أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم أو على حبس ماله " وقال عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب الايمان الحديث 3 وفيه " على مال امرئ مسلم أو على حقه ظلما " كما في الفقيه ج 3 ص 231 الرقم 1094

[ 265 ]

أيضا (1): " الايمان ثلاثة: يمين ليس فيها كفارة، ويمين فيها كفارة، ويمين غموس توجب النار، فاليمين التي ليست فيها كفارة: الرجل يحلف على باب بر أن لا يفعله، فكفارته أن يفعله، واليمين التي تجب فيها الكفارة: الرجل يحلف على باب معصية أن لا يفعله فيفعله، فيجب عليه الكفارة، واليمين الغموس التي توجب النار: الرجل يحلف على حق امرئ مسلم وحبس ماله " إلى غير ذلك من النصوص، خلافا للشافعي فأوجب فيها الكفارة، ولا ريب في فساده عندنا. * (وإنما ينعقد على المستقبل بشرط أن يكون واجبا) * كصلاة الفريضة وصومها * (أو مندوبا) * كصلاة النافلة وصومها * (أو ترك قبيح) * كزنا ونحوه * (أو ترك مكروه) * كالتغوط تحت شجرة مثمرة * (أو) * ترك * (مباح يتساوى فعله وتركه أو يكون الترك أرجح (2)) * بحسب الدنيا لا إذا كان الفعل أرجح فيها، فانه لا ينعقد على الترك الذي هو المرجوح * (و) * مع انعقادها * (لو خالف أثم، ولزمته الكفارة) * بلا خلاف ولا إشكال كما ستعرف. * (ولو حلف على ترك ذلك) * أي ترك ما يكون فعله أرجح ولو بحسب الدنيا من المباح * (لم تنعقد ولم تلزمه الكفارة، مثل أن يحلف لزوجته أن لا يتزوج أو لا يتسرى) * مع أن فعلهما أرجح من تركهما دنيا أو دنيا * (أو تحلف هي كذلك) * أي أن لا تتزوج مع أن الزوج أرجح لها في الدنيا، قال منصور بن حازم (3): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة حلفت لزوجها بالعتاق والهدى إن هو مات أن لا تتزوج بعده أبدا ثم بدا لها أن تتزوج، فقال: تبيع مملوكها، إني أخاف عليها الشيطان، وليس عليها في الحق شئ، فان شاءت أن تهدي هديا فعلت " وهو وإن لم يكن يمينا بالله، مع احتماله وأن الجزاء العتاق والهدي إلا أنه مشعر بما نحن


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) وفى الشرائع: " أو يكون البر أرجح ". (3) الوسائل الباب - 45 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 266 ]

فيه ولو من جهة التعليل بخوف الشيطان بناء على أن المراد منه الخوف من ذلك إذا لم تتزوج على أنا في غنية عنه بما تسمعه من النصوص الدالة على عدم انعقادها على مثل هذا مما هو مرجوح دنيا أو آخرة ولو تجدد له ذلك. وكذا الكلام فيما ذكره المصنف من قوله: * (أو تحلف أنها لا تخرج معه ثم احتاجت إلى الخروج) * قال عبد الرحمن بن الحجاج (1): " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة حلفت بعتق رقيقها وبالمشي إلى بيت الله أن لا تخرج إلى زوجها أبدا، وهو ببلد غير الارض التي هي فيها، فلم يرسل إليها نفقة، واحتاجت حاجة شديدة ولم تقدر على نفقة، فقال عليه السلام: إنها وإن كانت غضبى فانها حلفت حيث حلفت وهي تنوي أن لا تخرج إليه طائعة وهي تستطيع ذلك، ولو علمت أن ذلك لا ينبغي لها لم تحلف، فتخرج إلى زوجها، وليس عليها شئ في يمينها، فان هذا أبر ". كل ذلك مضافا إلى ما يدل (2) على عدم انعقاد اليمين في هذه الثلاثة، لكونه من المرجوع دنيا أو دينا من النصوص الاتية مع أنه لا أجد في شئ منها خلافا كما اعترف به بعضهم، نعم لو فرض رجحان شئ منها دنيا أو دينا لبعض العوارض انعقدت اليمين، كما عن الشيخ التصريح به في التسري، لعموم ما دل على انعقادها. وربما استفيد من عدم انعقاد اليمين لامرأته على ترك التزويج أنه لا يكره تزويج الثانية فصاعدا وإلا لانعقدت اليمين على تركه، وهو أصح القولين مع عدم العوارض. وفي قواعد الفاضل " إنما تنعقد اليمين على فعل الواجب أو المندوب أو المباح إذ تساوى فعله وتركه في المصالح الدينية أو الدنيوية، أو كان فعله أرجح أو على ترك الحارم أو المكروه أو المرجوح في الدين والدنيا من المباح، فان


(1) الوسائل الباب - 45 - من كتاب الايمان الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 18 و 26 - من كتاب الايمان.

[ 267 ]

خالف أثم وكفر، ولو حلف على فعل حرام أو مكروه أو مرجوع من المباح أو على ترك واجب أو مندوب لم تنعقد اليمين، ولا الكفارة بالترك، بل قد يجب الترك في فعل الحرام وترك الواجب أو ينبغي كغيرهما مثل أن يحلف أن لا يتزوج على امرأته أو لا يتسرى " إلى آخره. وفي التحرير " متعلق اليمين إن كان واجبا كما إذا حلف أنه يصلي الفرائض أو يصوم شهر رمضان أو يحج حجة الاسلام أو لا يزني أو لا يظلم أو لا يشرب الخمر أو غير ذلك من الواجبات انعقدت اليمين، ويجب بالحنث فيهما الكفارة وكذا إن كان مندوبا، كما إذا حلف أنه يصلي النافلة أو يصوم تطوعا أو يتصدق ندبا أو يحج مستحبا لا فرق بينهما في الانعقاد وتعلق الكفارة مع الحنث، وإن كان مباحا كما إذا حلف أنه يدخل النار أو لا يدخلها أو يسلك طريقا دون آخر أو ما أشبه ذلك فان كان البر أرجح في الدنيا وجب الوفاء، فان حنث أثم وكفر، وكذا إن تساوى الفعل والترك، وإن كان الترك أولى في الدنيا جاز الحنث ولا كفارة، ولم ينعقد اليمين، وإن كان مكروها مثل أن يحلف أن لا يفعل النوافل أو لا يتصدق تطوعا لم ينعقد اليمين، ولا كفارة مع الحنث، وإن كان محرما مثل أن يحلف ليقتلن مؤمنا أو ليفعلن الزنا أو ليقطعن رحمه أو ليهجرن المسلمين لم ينعقد اليمين، ويحرم البقاء عليها، ويجب الحنث ولا كفارة ". وفي كشف اللثام في شرح عبارة القواعد المزبورة " والاتيان بالواو هنا وفي السابق بأو يعطي أنه يكفي في انعقاد اليمين على الفعل الرجحان أو التساوي دينا أو دنيا وإن كان مرجوحا في الاخر، ولا ينعقد على الترك إلا إذا كان مرجوحا فيهما، والفرق غير ظاهر، بل إما المراد بالواو " أو " أو العكس، أو المراد في الاول التساوى في الدين خاصة تساوي في الدنيا أو رجح أو في الدنيا خاصة تساوي في الدين أو رجح، بأن لا يراد التساوي في أحدهما والمرجوحية في الاخر، وفي الثاني المرجوحية فيهما جميعا أو بالتفريق، والمراد أن المناط في انعقاد اليمين على الفعل هو التساوي أو الرجحان في أحدهما، وعلى الترك هو المرجوحية في أحدهما

[ 268 ]

وإن اشترط في الاول أن لا يكون مرجوحا في الاخر " انتهى محتاجا إلى التأمل. وفي الدروس " متعلق اليمين كمتعلق النذر، ولا إشكال هنا في تعلقها بالمباح، ومراعاة الاولى في الدنيا أو الدين وترجيح مقتضى اليمين مع التساوي، وهذه الاولوية متبوعة ولو طرءت بعد انعقاد اليمين، فلو كان البر أولى في الابتداء ثم صار المخالفة أولى اتبع، ولا كفارة عندنا ". وفي الكفاية " لا ريب أن متعلق اليمين إذا كان راجحا بحسب الدين والدنيا انعقدت اليمين وإذا كان مرجوحا في الدين والدنيا لم تنعقد والاصل فيه روايات متعددة، كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) وحسنة زرارة (2) التي لا تقصر عن الصحيحة، وصحيحة سعيد الاعرج (3) وغيرها، الظاهر أن متعلق اليمين إذا كان مرجوحا بحسب الدين لم تنعقد، وجاز تركه، وقد قطع به الاصحاب، ويستفاد ذلك من أخبار كثيرة، ويبقى الاشكال في الامر الذي ترجح بحسب الدين ولم يبلغ حد الوجوب وترجح تركه بحسب الدنيا لتعارض عموم الاخبار فيه، وظاهر الاصحاب الانعقاد هنا، ويشكل نظر إلى قول أبي عبد الله عليه السلام في صحيحة زرارة (4): " لا ما كان لك فيها منفعة في أمر الدين أو دنيا فلا شئ عليك فيها، وإنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه مما يعد معصية أن لا تفعله ثم تفعله " والظاهر عدم انعقاد اليمين إذا كان متعلقها المباح الذي ترجح تركه بحسب الدنيا نظرا إلى قول رسول الله صلى الله عليه واله في صحيحتي سعيد الاعرج (5): " إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها " ويؤيده صحيحة محمد بن مسلم (6) وصحيحة


(1 و 2) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 5 - 3 -. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان الحديث 2 عن أبى جعفر عليه السلام مع الاختلاف في اللفظ أيضا. (5) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 1 بسندين. (6) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 269 ]

عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) ومرسلة محمد بن سنان (2) ورواية لعبد الرحمن (3) ومرسلة ابن فضال (4) ورواية ابن بابويه عن الصادق عليه السلام مرسلا (5) وما رواه عن سعيد بن الحسن (6) عنه عليه السلام والاسكال ثابت في المباح الذي يتساوى طرفاه بحسب الدنيا، وقد قطع الاصحاب بالانعقاد هنا، ونقل إجماعهم على ذلك، ويشكل نظرا إلى رواية زرارة (7) ورواية حمران (8) ورواية عبد الله بن سنان (9) ورواية أبي الربيع الشامي (10) وما رواه الشيخ عن الحلبي (11) في الصحيح " كل يمين لا يراد بها وجه الله فليس بشئ في طلاق ولا غيره ". وفي اللمعة " ومتعلق اليمين كمتعلق النذر " وفي الروضة " في اعتبار كونه طاعة أو مباحا راجحا دنيا أو دينا أو متساويا، إلا أنه لا إشكال هنا في تعلقها بالمباح، ومراعاة الاولى فيهما، وترجيح مقتضى اليمين مع التساوي " إلى غير ذلك من عباراتهم المتفقة ظاهرا في انعقاد اليمين على المباح المتساوي فعلا وتركا على فعله أو تركه، فضلا عما إذا كان الحلف في أحدهما مع فرض رجحانه بحسب المصالح الدنيوية. نعم لا ينعقد على المرجوح منه دنيا على إشكال فيه، للمرسل عن بعض أصحابنا (12) عن أمير المؤمنين عليه السلام " في رجل حلف أن يزن الفيل فأتوه به


(1) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 5 (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 3 - 11 - 4 (5 و 6) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 8 - 10 والثانى عن سعد بن الحسن. (7 و 8) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 3 - 2. (9 و 10) الوسائل الباب - 11 - من كتاب الايمان الحديث 7 و 8. (11) الوسائل الباب 14 - من كتاب الايمان الحديث 5. (12) الوسائل الباب - 46 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 270 ]

فقال عليه السلام: لم يحلفون بما لا يطيقون ؟ فقلت: قد ابتليت، فأمر بقرقور - أي سفينة طويلة - فيه قصب فأخرج منه قصب كثير، ثم علم صبغ الماء بقدر ما عرف صبغ الماء قبل أن يخرج القصب، ثم صير الفيل حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صبغ الماء أولا ثم أمر بوزن القصب الذي اخرج، فلما وزنه قال: هذا وزن الفيل ". وقال عليه السلام (1) أيضا: " في رجل مقيد حلف أن لا يقوم من موضعه حتى يعرف وزن قيده، فأمر فوضعت رجله في إجانة فيها ماء حتى إذا عرف مقداره مع وضع رجله فيه. ثم رفع القيد إلى ركبتيه ثم عرف مقدار صبغه، ثم أمر فألقي في الماء الاوزان حتى رجع الماء إلى مقدار ما كان من الماء في القيد، فلما صار الماء على ذلك الصبغ الذي كان والقيد في الماء نظر كم الوزن الذي ألقي في الماء، فلما وزنه قال: هذا وزن قيدك ". وقال (2): " كان رجل جالس وبين يده خمسة أرغفة وجاءه رجل ومعه ثلاثة أرغفة فألقاها معه، فجاء رجل لا شئ معه، فجلس معهما يأكلون فلما فرغوا ألقي إليهما ثمانية دراهم ومضى، فقال صاحب الخمسة لصاحب الثلاثة، خذ ثلاثة دراهم وامض فقال: لا أرى دون النصف، فقال: لا تفعل فحلف أنه لا يرضى دون النصف وارتفعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقصا عليه قصتهما، فقال: كم لك ؟ قال: خمسة، فقال: هذه خمسة عشر، أي ثلاثا، وقال للاخر: كم لك ؟ قال: ثلاثة، فقال: هذه تسعة، وذلك أربعة وعشرون، نصيب كل واحد منهما ثمانية، فلصاحب الثلاثة تسعة، قد أكلت ثمانية، فانما بقي لك واحد، ولصاحب الخمسة خمسة عشر أكل ثمانية وبقي له سبعة ". ونقلناه بطوله لاشتماله على كرامة لحلال المشكلات، والمراد انعقاد اليمين


(1 و 2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب كيفية الحكم الحديث 8 - 5 مع الاختلاف في اللفظ فيهما.

[ 271 ]

على وزن الفيل والقيد ونحوهما مما هو مرجوح بحسب الدينا. اللهم إلا أن يقال بعدم منافاة مثل ذلك للانعقاد. وأما الراجح دينا من الواجب والمندوب وترك الحرام والمكروه فلا إشكال في انعقاده عليه، كما لا إشكال في عدم انعقاده على نقيضه، ولا مدخلية للمصالح الدنيوية في ذلك، فان الاخرة خير وأبقى. ولعل ما ذكرناه هو المحصل من مجموع النصوص، قال محمد بن مسلم (1): " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الايمان والنذور واليمين التي هي لله طاعة فقال: ما جعل لله عليه في طاعة فليقضه، فان جعل لله شيئا من ذلك ثم لم يفعل فليكفر عن يمينه، وأما ما كان يمينا في معصية فليس بشئ " ويمكن إرادة ما يشمل ترك المندوب وفعل المكروه من المعصية فيه ولو بقرينة المقابلة للطاعة الشاملة للواجب والمندوب وترك الحرام والمكروه. وفي مرسل الصدوق (2) قال الصادق عليه السلام: " اليمين على وجهين: أحدهما أن يحلف على شئ لا يلزمه أن يفعله، فحلف أنه يفعل ذلك الشئ، أو يحلف على ما يلزم أن يفعله، فعليه الكفارة إذا لم يفعله " الحديث ولا ريب في شموله للمباح المتساوي والواجب. وقال الصادق عليه السلام أيضا في خبر ميسرة (3): " اليمين التي تجب فيها الكفارة ما كان عليك أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ففعلته فليس عليك شئ، لان فعلك طاعة لله، وما كان عليك أن لا تفعله فحلفت أن لا تفعله ففعلته فعليه الكفارة " ولا ريب في شموله للحلف على ترك الحرام إن لم يكن مختصا به. بل ظاهر خبر زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام حصر الكفارة فيه، قال: " كل يمين حلفت عليه لك فيها منفعة في أمر دين أو دنيا فلا شئ عليك فيها، وإنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه فيما فيه لله معصية إن لم تفعله ثم تفعله "


(1 و 2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 5 - 4 - 2.

[ 272 ]

وإن كان من المعلوم نصا وفتوى كون الحصر فيه إضافيا إلا أنه دال على عدم انعقاد اليمين على المرجوح دنيا أو دينا. وكذا خبره الاخر (1) عنه عليه السلام أيضا " كل يمين حلفت عليها أن لا تفعلها مما له فيه منفعة في الدنيا أو الاخرة فلا كفارة عليه، إنما الكفارة في أن يحلف الرجل والله لا أزني والله لا أشرب الخمر، والله لا أسرق، والله لا أخون، وأشباه هذا، أو لا أعصى ثم فعل، فعليه الكفارة فيه ". وفي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس كل يمين فيها كفارة، فأما ما كان منهما مما أوجب الله عليك أن تفعله فحلفت أن لا تفعله فليس عليك فيه الكفارة، وأما لم يكن مما أوجب الله عليك أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ثم فعلته فعليك الكفارة " وهو شامل للمباح، كما أن صدره دال على عدم انعقاد اليمين على ترك الواجب خاصة أو مع المندوب. وفي خبر حمران (3) قلت لابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: اليمين التي تلزمني فيها الكفارة، فقال: كا حلفت عليه مما لله فيه طاعة أن تفعله فلم تفعله فعليك فيه الكفارة، وما حلفت عليه مما لله فيه المعصية فكفارته تركه، وما لم يكن فيه معصية ولا طاعة فليس هو بشئ " وصحيح زرارة (4) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ الذي فيه الكفارة من الايمان ؟ فقال: ما حلفت عليه مما فيه البر فعليك الكفارة إذا لم تف به، وما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك الكفارة إذا رجعت عنه، وما كان سوى ذلك مما ليس فيه بر ولا معصية فليس بشئ ". وصحيحه الاخر (5) عن أحدهما عليها السلام " سألته عما يكفر من الايمان.


(1) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان الحديث 3. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2 - 3 - 4.

[ 273 ]

فقال: ما كان عليك أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ففعلته فليس عليك شئ إذا فعلته، وما لم يكن عليك واجبا أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ثم فعلته فعليك الكفارة " ونحوه صحيحه الاخر (1) عن أبي جعفر عليه السلام ولا ريب في شموله للمباح المتساوي. وفي خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الرجل يقسم على الرجل في الطعام ليأكل فلم يطعم هل عليه في ذلك الكفارة ؟ وما اليمين التي تجب فيها الكفارة ؟ فقال: الكفارة في الذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه ولا يشتريه ثم يبدو له، فيكفر عن يمينه، وإن حلف على شئ والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير، ولا كفارة عليه، إنما ذلك من خطوات الشيطان " وهو كالصريح في المباح أيضا. وقال الرضا عليه السلام في صحيح البزنطي (3): " إن أبي عليه السلام كان حلف عن بعض امهات أولاده أن لا يسافر بها فان سافر بها فعليه أن يعتق نسمة تبلغ مائة دينار، فأخرجها معه، وأمرني فاشتريت نسمة بمائة دينار فأعتقها " وفي كشف اللثام وهو وإن احتمل كون الحلف فيه هو أنه إن سافر فعليه العتق، لكن الظاهر خلافه، والظاهر أنه لو لم يكن ينعقد لما حلف. كما أن خبر زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قلت: الرجل يحلف بالايمان المغلظة ان لا يشتري لاهله شيئا، قال: فليشتر لهم، وليس عليه شئ في يمينه " من الحلف على المرجوح ولو دنيا أو مما خلاف يمينه خير مما حلف عليه.


(1) أشار إليه في الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 4 وذكره في الكافي ج 7 ص 447. (2 و 3) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 5 - 6. (4) الوسائل الباب 13 - من كتاب الايمان الحديث 2.

[ 274 ]

وكذا خبر محمد العطار (1) قال: " سافرت مع أبي جعفر عليه السلام إلى مكة فأمر غلامه بشئ، فخالفه إلى غيره فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لاضربنك يا غلام فقال: فلم أره ضربه، فقلت: جعلت فداك إنك حلفت لتضربن غلامك فلم أرك ضربته فقال: أليس الله يقول: وإن تعفوا أقرب للتقوى " (2) إلى غير ذلك من النصوص الدالة منطوقا ومفهوما على انعقاده على المباح المستاوي، ومنها ما تسمعه من النصوص (3) المشتملة على اشتراط انحلال اليمين بما إذا كان خلافه خيرا منه. مضافا إلى قوله تعالى (4): " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ؟ تبتغي مرضات أزواجك، والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " وإلى اتفاق الاصحاب ظاهرا كما اعترف به في الدروس والروضة والمسالك وغيرهما، بل في كشف اللثام وعن الغنية دعواه صريحا. فما سمعته من اللمعة - من اعتبار كون متعلق اليمين كمتعلق النذر - واضح الضعف وإن تبعه في الكفاية، كما سمعته لبعض النصوص (5) التي يجب طرحها في مقابلة ما عرفت. بل في كشف اللثام " أنه يمكن أن يقال في خبري حمران (6) وزرارة (7). أنه إذا انعقدت اليمين على شئ كان فيه البر والطاعة لله، فمعنى هذه الاخبار أنه لا يتحقق يمين على شئ لا يكون فيه بر ولا طاعة ولا معصية، فانه إن تساوى أو ترجح الفعل أو الترك دينا أو دنيا فإذا حلفت عليه انعقدت اليمين ووجب الوفاء،


(1) الوسائل الباب 38 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 237. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان. (4) سورة التحريم: 66 - الاية 1 و 2. (5) التي تقدمت الاشارة إليها في ص 268 و 269. (6 و 7) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الايمان الحديث 2 - 3.

[ 275 ]

فكان فيه البر والطاعة " وإن كان هو كما ترى كتأويلهما وغيرهما بما إذا كان خلاف المحلوف عليه خيرا، فالاولى طرحها لقصورها عن المعارضة ولو بالتقييد أو التخصيص من وجوه، أو يحمل القابل منها على إرادة النذر من اليمين، لاطلاقه عليه في كثير من النصوص (1) ويطرح غيره، خصوصا صحيح الحلبي (2) منها الدال على اعتبار نية القربة في اليمين المحتمل أيضا لان يراد من وجه الله فيه أن يكون يمينه باسم الله لا بالطلاق والعتاق. وكذا لا وجه لما سمعته من الكفاية من الاشكال في انعقاد اليمين على الراجح في الدين ولم يبلغ حد الوجوب المرجوح في الدنيا - وحكي عنه في الرياض أو بالعكس وإن خلت منه ما عندنا من نسختها - بدعوى تعارض عموم الاخبار فيه بعد أن اعترف أن ظاهر الاصحاب الانعقاد فيه، وهو كذلك. والخبران اللذان ذكرهما واستشكل في الحكم المزبور من جهتهما لا دلالة فيهما على صورة التعارض المزبور الذي لا وجه له، ضرورة عدم معارضة المصالح الدنيوية للرجحان الاخروي إلا إذا فرض رجوع تلك المصالح إلى الاخرة أيضا على وجه يكون الراجح بسببها مرجوحا، فيندرج فيما تسمعه من النصوص (3) المعتضدة بالفتاوي الدالة على انحلال اليمين إذا فرض أن خلاف متعلقها خير منه. ولذا صرح في المسالك بأنه على القول بكراهة التزويج على امرأته يحتمل انعقاد اليمين مع كون الحالف ممن تنعقد اليمين في حقه لعارض اقتضى


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4 والباب - 8 - منه الحديث 4 والباب - 17 - منه الحديث 4 و 11 والباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 5 والباب - 3 - من أبواب المتعة الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان.

[ 276 ]

رجحان تجويزه كما فرضوا اليمين على ترك كثير من الامور الراجحة بمجرد العوارض. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في عدم الحنث وعدم الكفارة إذا كان خلاف اليمين خيرا منهما، قال سعيد الاعرج (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف على اليمين فيرى أن تركها أفضل وإن لم يتركها خشي أن يأثم، قال: يتركها، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه واله: إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها " وفي مرسل محمد بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " من حلف على يمين فرأى غيرها خير منها فأتى ذلك فهو كفارة يمينه وله حسنة " ومرسل ابن فضال (3) عنه عليه السلام أيضا " من حلف على يمن فرأى ما هو خير منها فليأت الذي هو خير منها وله حسنة " إلى غير ذلك من النصوص التي مر بعضها المعتضدة بفتاوى الاصحاب من غير خلاف فيه بينهم فيما أجد، وكلام الاصحاب في ملاحظة الرجحان الدنيوي من حيث هو كذلك إنما هو في المباح لا في معارضة الرجحان الاخروي، كما أن خبريه (4) إنما هما في عدم انعقاد اليمين المتضمنة خلاف منفعة دنيوية أو اخروية، لكونه حينئذ من المباح المرجوح دينا أو خلاف الواجب أو المندوب أو فعل حرام أو مكروه، والكل قد عرفت عدم انعقاد اليمين عليه، وليس فيهما تعرض لصورة المعارضة التي فرضها، كما هو واضح بأدنى تأمل، خصوصا مع ملاحظة ما اعترف به من فتوى الاصحاب. وكذا الكلام في خبري أبي الربيع الشامي (5) وعبد الله بن سنان (6) عن الصادق عليه السلام " أنه لا تجوز يمين في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا قطيعة رحم " المحمولين على الحلف على خلاف الراجح ولو دنيا أو على غير ذلك


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 3 - 4. (4) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان الحديث 2 و 3. (5 و 6) الوسائل الباب - 11 - من كتاب الايمان الحديث 6 و 7.

[ 277 ]

نعم ما سمعته من النصوص (1) وغيرها ظاهر في عدم انعقاد اليمين على ذلك حتى في صورة التجدد بمعنى أنه كان عند اليمين راجحا ثم صار مرجوحا دنيا أو آخرة كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا إنما الكلام في عود مقتضى اليمين إذا عاد الرجحان وعدمه، ففي الروضة " وفي عود اليمين بعودها بعد انحلاله وجهان، أما لو لم تنعقد ابتداء للمرجوحية لم تعد وإن تجددت بعد ذلك، مع احتماله ". قلت: لا ريب في ضعفه، لظهور النصوص في عدم انعقاده من أول الامر وأنه ليس بشئ، بل لعلها ظاهرة أيضا في أن المتجدد كذلك أيضا وإن جزم البهائي بعوده مع عودها وعدم وقوع المخالفة منها، لكن الاقوى خلافه، لما عرفت وللاصل وغيرهما. بقي شئ وهو الاجمال في خيرية خلاف اليمين التي تقتضي بعدم الحنث وعدم الكفارة هل هو نقيض اليمين كالترك بالنسبة إلى الفعل وبالعكس أو الاعم منه ومن أضدادها ؟ مثل أن يحلف على أن يعطي لزيد كذا وكان عطاؤه لعمرو مثلا خيرا له من عطائه لزيد، بل الاجمال في نفس الخيرية أيضا، ضرورة أن عدم الوفاء بالحلف على مال أو عمل مع فرض عدم رجحان فيه خير له من الوفاء لبقاء ماله في يده وعدم تحمله مشقة التعب في العمل، ولكن يسهل الخطب أن الضابط وجوب الوفاء في جميع محال الشك، لعموم ما دل (2) على وجوب الوفاء به. * (و) * كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه * (لا ينعقد) * اليمين * (على فعل الغير كما لو قال والله لتفعلن) * وهي المسماة بيمين المناشدة * (فانها لا تنعقد في حق المقسم عليه ولا المقسم) * للاصل وغيره، وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) عن الصادق عليه السلام المتقدم سابقا، وخبر حفص وغيره (4) عنه عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 18 و 23 و 24 - من كتاب الايمان. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 1 و 89 والوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان. (3 و 4) الوسائل الباب - 42 - من كتاب الايمان الحديث 2 - 1.

[ 278 ]

" أنه سئل عن الرجل يقسم على أخيه قال: ليس عليه شئ إنما أراد إكرامه ". وما في مرسل ابن سنان (1) عن علي بن الحسين عليهما السلام " إذا أقسم الرجل على أخيه فيما يبر قسمه فعلى المقسم كفارة يمين " مع إرساله محمول على الندب، بل قيل يحتمل أن يراد بالقسم عليه أنه أقسم عنه، كأن يقول: " والله ليأتيني اليوم زيد " لظنه إجابته فلم يجب، أو يحمل على التقية، فان المحكي عن بعض العامة وجوبها عليه. * (و) * كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه * (لا ينعقد على مستحيل) * عقلا أو شرعا أو عادة * (كقوله: " والله لاصعدن) * إلى * (السماء " بل تقع لاغية) * بل عن الخلاف الاجماع عليه، لان الاستحالة تنافي نية الحلف عليه، إلا أن لا يكون عالما بالاستحالة حين الحلف، كأن يقول: " لاقتلن زيدا " وكان قد مات وهو لا يعلم، بل قد سمعت دلالة النصوص (2) على أنها إنما تنعقد فيما فيه بر أو طاعة * (و) * نحو ذلك مما يدل على أنها * (إنما تنعقد على ما يمكن وقوعه) * بالشرط السابق، * (و) * يراد باليمين عليه الالتزام بوقوعه. بل * (لو) * حلف على ممكن و * (تجدد العجز) * مستمرا إلى انقضاء وقت المحلوف عليه أو أبدا إن لم يقيد بوقت * (انحلت اليمين، كأن يحلف ليحج في هذه السنة فيعجز) * فيها إلا أن يكون المحلوف عليه متسع الوقت وفرط بالتأخير، ولو تجددت القدرة بعد العجز في غير المقيد بالوقت أو فيه قبل خروجه وجب بلا خلاف ولا إشكال، وهو غير عود الرجحان، كما هو واضح.


(1) الوسائل الباب - 42 - من كتاب الايمان الحديث 4 (2) الوسائل الباب - 23 و 24 - من كتاب الايمان.

[ 279 ]

* (الطلب الثاني) * * (في الايمان المتعلقة بالمأكل والمشرب، وفيه مسائل:) * * (الاولى:) * * (إذا حلف لا يشرب من لبن عنز له ولا يأكل من لحمها لزمه الوفاء) * مع فرض الرجحان ولو دنيا أو المساواة * (وبالمخالفة الكفارة إلا مع الحاجة إلى ذلك) * ابتداء، فلا ينعقد، لكونه مرجوحا أو في الاثناء، فينحل لما عرفته سابقا * (و) * أولى منه لو كان الاكل راجحا دينا كالهدي والاضحية. نعم مع الانعقاد * (لا يتعداها التحريم) * لعدم شمول اللفظ عرفا إلى غيرها مما ولدته. * (وقيل) * والقائل الشيخ وأتباعه وابن الجنيد على ما حكي عنهم: * (يسري التحريم إلى أولادها على رواية) * قد رواها عيسى بن عطية (1) " قلت لابي جعفر عليه السلام: إني آليت أن لا أشرب من لبن عنزي ولا آكل من لحمها، فبعتها وعندي من أولادها فقال: لا تشرب من لبنها ولا تأكل من لحمها فانها منها " و * (فيها ضعف) * في السند جدا ولا جابر، بل أعرض عنها المتأخرون، فلابد من طرحها أو حملها علي إرادة ما يشمل ذلك من يمينه. بل لا حنث في الفرض بالجبن والاقط والسمن والزبد والكشك منها منفردة وممزوجة بعضها ببعض، لعدم الصدق، إذ اليمين عند الطلاق تنصرف إلى مدلول اللفظ حقيقة، وفي تقديم العرفية على اللغوية أو بالعكس البحث المعلوم، والحق


(1) الوسائل الباب - 37 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 280 ]

تقديم العرفية مع الاطلاق. نعم لو نوى الحالف خلاف الظاهر كنية العام بالخاص، أو المطلق بالمقيد، أو المجاز بالحقيقة، أو بالعكس في الثلاثة صح، كمن حلف لا يأكل اللحم وقصد الابل، أو لا يأكل لحما وقصد الجنس، أو ليعتقن رقبة وقصد مؤمنة، أو ليعتق رقبة مؤمنة وقصد مطلق الرقبة، أو لا شربت له ماء من عطش وقصد قطع كل ماله فيه منه. أما لو نوى ما لا يحتمل اللفظ كما لو نوى بالصوم الصلاة ففي الدروس والقواعد " لغت اليمين فيهما " ولعله لان غير المنوي لا يقع، لعدم قصده، ولا المنوي لعدم النطق به، وفيه نظر، لاطلاق قولهم: " إن اليمين على ما في الضمير " المقتصر في الخروج منه على المتيقن إن كان، وهو حيث لا يذكر ما يراد منه ولو بالاستعمال الغلط، وأما هو فباق على إطلاق الادلة التي منها " من حلف على شئ " (1) ونحوه وخصوصا إذا كان اللافظ ممن لا يحسن العربية مثلا، ونحوه الالفاظ الملحونة مادة. بل لعل مشروعية التورية على الضوابط باعتبار أن الحلف على ما في الضمير، فله أن يذكر شيئا ويريد منه أمرا آخر غير ما اقترحه عليه إن اريد رفعه بالتورية، إلا إذا كان مظلوما، فان اليمين حينئذ على ما في ضميره لا ضمير الظالم الحالف، فتأمل جيدا.


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 2 و 3 وفى الاول " إذا حلف الرجل على شئ " وفى الثاني " من حلف على شئ ".

[ 281 ]

المسالة * (الثانية:) * * (إذا حلف لا آكل طعاما اشتراه زيد لم يحنث بأكل ما يشتريه زيد وعمرو) * وفاقا للشيخ والاكثر، لان الشراء عقد واحد، فإذا اشترك فيه اثنان ولم ينفرد أحدهما به اختص كل واحد في العرف بنصفه، فلم يكمل الصفقة لاحدهما، فلم يقع الحنث، لان الاسماء في الايمان تتبع العرف وحينئذ فليس له جزاء يقال: إن زيدا انفرد بشرائه، بل كل جزء يقال: إنه اشتراه زيد وعمرو، فهو كما لو حلف " لا لبست ثوب زيد " فلبس ثوبا لزيد وعمرو، أو قال: " لا دخلت دار زيد " فدخل دارا لزيد وعمرو، وكذا الكلام في كل فعل اضيف إلى معين فشاركه غيره فيه، كما لو حلف على ثوب نسجه زيد فشاركه في نسجه عمرو، أو ثوب غزلته هند فشاركتها زينب مثلا. وربما احتمل في الفرض الحنث، بل عن المبسوط أنه قواه كسابقه، لانهما لما اشترياه كان كل منهما قد اشترى نصفه عرفا، ومن ثم كان على كل واحد نصف ثمنه، ولذا ثبت لكل منهما الخيار في الحيوان والمجلس وغيرهما، كما أنه ثبت لكل منهما جميع أحكام المشتري والبائع ولعله بذلك يفرق بين الشراء والنساجة والغزل، حينئذ فان كان لزيد نصفه فقد أكل من طعام اشتراه زيد، ولعله لا يخلو من قوة. ومنه يعلم ما في دعوى أنه لا يلزم من لزوم كل واحد نصف ثمنه أن يكون مشتريا لنصفه، وإنما الواقع أن كل واحد منهما نصف مشتر لجميعه لا مشتر تام لنصفه، ضرورة منافاته للصدق العرفي الذي هو المناط. وكذا يعلم ما في التشبيه بالثوب والدار اللذين لا يخفى الفرق بينهما بأن بعض القميص ليس قميصا وبعض الدار ليس بدار، والحال أن زيدا لم يشتر جميع القميص وجميع الدار، بخلاف الطعام الذي يقع اسمه على القليل والكثير، على أن اتحاد

[ 282 ]

العقد لو اقتضى كون المشتري لمجموعهما لكان كذلك حتى مع الشراء لا على الاشاعة بعقد واحد مع إشاعة الثمن وعدمها، والعرف بخلافه. ثم إنه على الاول فالحكم كذلك * (ولو اقتسماه على تردد) * كما عن المبسوط ينشأ من أن القسمة تمييز لما اشتراه زيد عما اشتراه عمرو، فيصدق على ما حصل لكل واحد منهما أنه الذي اشتراه، ومن أن الذي اشتراه غير معين وما حصل له بالقسمة معين، فهذا ليس هو الذي اشتراه بعينه، فلا يحنث به، وليست القسمة بيعا وإن اشتملت على رد، ولا نسلم أن القسمة تمييز ما اشتراه، بل تمييز حقه من المشترك بينهما بالشراء المشترك، ولعله الاقوى، ويمكن إرجاع تردد المصنف إلى أصل المسألة، فلا يكون مختاره الاول، فتأمل. * (ولو اشترى كل واحد منهما طعاما) * منفردا * (وخلطاه قال الشيخ: إن أكل زيادة عن النصف حنث) * مع فرض تساويهما، لانه بالزيادة عن النصف يعلم أنه أكل ما اشتراه زيد. * (وهو حسن) * بناء على أن مدار العلم بتحقق المحلوف عليه، فمع فرض كون الخلط على وجه لا يتحقق معه ذلك إلا بالزيادة على النصف اتجه الوقوف معه وإلا فلا. وأما دعوى عدم الحنث حتى لو أكله كله لانه لا يمكن الاشارة إلى شئ منه بأنه اشتراه زيد فصار كما لو اشتراه زيد مع غيره بتقريب ما تقدم فهي واضحة الفساد، ضرورة عدم توقف الصدق على الاشارة المزبورة، وفرق واضح بينه وبين المشبه به. وأضعف منه ما عن ابن البراج من الحنث بالاكل منه مطلقا محتجا بأنه لا يقطع على أنه يأكل من طعام زيد إذ هو كما ترى، ضرورة كون الحنث منوطا بالقطع بأكل ما اشتراه زيد الذي هو متعلق اليمين، لاعدم القطع بأنه لم يأكل منه. وأما التفصيل - بأنه إن أكل من المخلوط قليلا يمكن أن يكون مما اشتراه

[ 283 ]

الاخر كالحبة والحبتين من الحنطة لم يحنث، وإن أكل قدرا صالحا كالكف والكفين حنث، لانه يتحقق عادة أن فيه ما اشتراه زيد، وإن لم يتعين لغا - فليس مخالفا لما ذكرناه بل مرجعه إلى دعوى التحقيق. وكذا التفصيل بأن الطعام إن كان مائعا كاللبن والعسل وما يشبه ذلك كالدقيق حنث يأكل قليله وكثيره، لامتزاجه واختلاط جميع أجزائه بعضا لبعض، فأي شئ أكله يعلم أن فيه أجزاء مما اشتراه زيد، وإن كان متميزا كالرطب والخبز لم يحنث حتى يأكل أكثر مما اشتراه عمرو، لدخول الاحتمال في المتميز وانتفائه عن الممتزج، فان مرجعه أيضا إلى ما ذكرناه وإن اختاره الفاضل في المحكي عن مختلفة. ومن ذلك يعلم ما في المسالك من ذكر وجوه خمسة في المسألة. * (و) * ومما ذكرناه يعلم الحال فيما * (لو حلف لا يأكل تمرة معينة فوقعت في تمره) * فانه * (لم يحنث إلا بأكله أجمع أو تيقن أكلها) * أجمع فانه الذي يحنث به، إذا أكل بعضها ليس أكلا لها، وكذا في أكل الرمانة وعدمه بالنسبة إلى الحبة، إلا أن يكون عرف يقتضي الصدق. * (و) * على كل حال ف‍ * (لو تلف منه تمرة لم يحنث بأكل الباقي مع الشك) * في كونها فيه، لعدم العلم حينئذ بأكل المحلوف عليها، ولو فرض العلم بدون ذلك اتبع، كما لو كانت من جنس مخصوص ووقعت في أجناس مختلفة، فأكل مجموع جنس المشتبه فيه المحلوف عليه حنث، كما هو واضح. وعلى كل حال فوجوب الاجتناب من باب المقدمة لا مدخلية له في الحنث، كما هو واضح. لكن في المسالك بعد أن ذكر ما سمعت قال: " والفرق بين هذا وبين ما لو اشتبهت الحليلة بنساء أجنبيات حيث حكموا بتحريم الجميع، أو اشتبهت أجنبية بزوجاته أن الاصل في النكاح تحريم ما عدا الحليلة، فما لم تعلم بعينها يحرم النكاح عملا بالاصل إلى أن يثبت السبب المبيح، بخلاف التمرة المحلوف عليها، فان

[ 284 ]

أمرها بالعكس، إذ الاصل جواز أكل التمرة إلا ما علم تحريمه بالحلف، فما لم يعلم يبقى على أصل الحل، وكذا القول في نظائره من الاعداد المشتبهة بغيرها المخالف لها في الحكم، فانه يعلم فيه بالاصل من حل وحرمة وطهارة ونجاسة، هذا من حيث الحنث وعدمه، وهل حل التناول ملازم لعدم الحنث ؟ المشهور ذلك، وهو الذي أطلقه المصنف، واستقرب العلامة وجوب اجتناب المحصور الذي لا يشق تركه، لانه احتراز عن الضرر المظنون، ولا جرح فيه، ويؤيده قوله صلى الله عليه واله (1): " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ". وفيه ما لا يخفى إن كان مراده مدخلية الحنث في ذلك، ضرورة عدم حصوله وإن قلنا بالوجوب من باب المقدمة، حتى لو اشتبهت الامرأة المحلوف عليها في غيرها إلا مع نكاح الجميع، كما هو واضح، والله العالم. المسالة * (الثالثة:) * * (إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدا ف‍) * لا إشكال في الحنث إذا أخبره عنه اختيار، وعدمه إذا أكله فيه، بل جزم المصنف تبعا للمحكي عن الخلاف والمبسوط والجامع بأنه * (إن أكله اليوم حنث، لتحقق المخالفة، ويلزمه التكفير معجلا) * لاندراجه فيما دل على ذلك من الكتاب (2) والسنة (3) بل التوقيت كما يقتضي نفي الفعل فيما بعد الوقت المقدر يقتضيه قبله، فكأنه حلف أن لا يأكله قبل الغد ولا بعده، فكما يحنث بالتأخير يحنث بالتقديم، لان معناه لا أكله إلا غدا. وحينئذ فما أشكله به بعضهم - من أن الحنث لا يتحقق إلا بمخالفة اليمين بعد انعقادها، ولم يحصل قبل الغد الذي هو تمام سبب الوجوب، فلا يحصل المسبب


(1) البحار ج 2 ص 272 ط الحديث. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 89. (3) الوسائل الباب - 23 و 24 - من كتاب الايمان.

[ 285 ]

قبله، وبامكان موته قبل مجئ الغد فيسقط، ولان تعليقه الاكل على مجئ الغد تعليق بما لا يقدر عليه الحالف، فكيف يحنث قبل حصوله ؟ ومن هنا جزم الكركي وتبعه ثاني الشهيدين بمراعاة وجوبها ببقائه إلى الغد، وتمكنه من أكله لو كان موجودا - لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه. ثم قال الثاني: وربما بني الحكم على جواز التكليف مع علم الامر بانتفاء شرطه، وقد مر البحث فيه في الصوم إذا طرأ المانع في أثناء النهار وقد أفسده قبله باختياره (1)، وقد يفرق بين المقام وبنيه بأنه هنا لم يتم سبب الوجوب قطعا، لتعليق اليمين على أمر متجدد ولم يحصل بعد، بخلاف مسألة الصوم المفروضة فيما إذا اجتمعت الشرائط وتم السبب، وإنما طرأ بعد ذلك ما أبطله، فلا يبعد القول بوجوب الكفارة، لاجتماع شرائط التكليف في ابتداء الفعل بخلاف محل الفرض. إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة تحقق مخالفة اليمين وصدقها المقتضية للحنث والتكفير حتى لو مات قبل الغد، لانه مكلف بأكله في الغد الذي هو قيد في الحقيقة للمأمور به لا الامر، بل لا يكاد ينكر كون المراد من نحو المثال عرفا " إني لا آكله إلا غدا " وإن تحقق الحنث بأكله اليوم ووجب التكفير معجلا فهو ليس من قبيل الموقت، ولان المراد منه إن جاء غد لاكلته، فلا وجه لتشبيه بالصوم ونحوه، بل ولو كان هو الصوم التي من شرائط التكليف به أيضا عدم حصول البطلان في أثنائه فقد ذكرنا وجوب الكفارة عليه أيضا، وليس إلا للصدق عرفا المتحقق في المقام، ولولاه لم يكن وجه لوجوبها عليه، وإن بقى على صفات التكليف إلى غد الذي فرض أنه من سبب الوجوب فقبله لا تكليف فلا حنث، فما سمعته من الكركي وثاني الشهيدين من المراعاة واضح الضعف، فتأمل. * (وكذا) * الكلام * (لو هلك الطعام قبل الغد أو بشئ من جهته) *


(1) راجع ج 16 ص 306.

[ 286 ]

بل ينبغي القطع به في الثاني مع فرض إتلافه بعد التمكن من أكله، نعم لو هلك في الغد قبل التمكن من أكله باختياره أو بغير اختياره فهو كما لو تلف قبله. أما إذا هلك فيه لا باختياره لكن بعد التمكن من أكله ولم يفعل ففي المسالك " في حنثه وجهان، من إخلاله بمقتضى اليمين بعد انعقادها مختارا، ومن أن الوقت موسع قد جوز له الشارع تأخيره، لان جميع الغد وقت له، فليس مقصرا بالتأخير، وربما خرج الوجهان على أن من مات في أثناء الوقت ولم يصل هل يجب عليه القضاء أم لا ؟ لان التأخير عن أول الغد كتأخير الصلاة عن أول الوقت. وربما يفرق بينه وبين ما لو قال: " لاكلن هذا الطعام " وأطلق ثم أخر مع التمكن حتى تلف الطعام، فانه ليس هناك لجواز التأخير وقت مضبوط، والامر فيه إلى اجتهاد الحالف، فإذا مات بان خطأه وتقصيره، وها هنا الوقت مقيد مضبوط، وهو في مهلة من التأخير إلى تلك الغاية، وهكذا نقول: من مات في أثناء الوقت ولم يصل لا يقضي على الاظهر ". وفيه أن وقت الموسع العمر وتضييقه مشروط بظن ضيق العمر عنه بقرائن حالية، فلا تقصير مع حصول الموت قبله مطلقا، بل مع ظهور الامارة مطلقا والمخالفة، فلو مات فجأة لم يتبين الخطأ، حيث لم يخالف ما ناطه الشارع به كالوقت الموسع. ثم إذا قلنا بالحنث في الغدد فهل يحكم به في الحال أو قبيل الغروب ؟ وجهان وتظهر فائدة الوجوب المعجل في جواز الشروع في إخراجها حينئذ، وفيما لو مات فيما بين الوقتين، قلت: لا وجه لاحتمال البقاء إلى قبل الغروب بعد فرض تحقق الحنث، كما أنه لا وجه لاحتمال عدم الحنث في المخالفة في المطلق لو مات بعد التمكن ولم يفعل للصدق عرفا، بل ولا في الموسع وإن اقتضى الرخصة في التأخير، إلا أنها لا تنافي صدق عدم الوفاء بيمينه الذي هو المناط في تحقق الكفارة، بل لعل القضاء في الفريضة من ذلك، لصدق اسم الفوات، وتمام الكلام في ذلك في الاصول، هذا كله إذا هلك من جهته.

[ 287 ]

* (و) * اما * (لو هلك) * قبل الغد أو بعده قبل التمكن منه * (من غير جهته لم يكفر) * بلا إشكال ولا خلاف. المسالة * (الرابعة:) * * (لو حلف لا شربت من) * ماء * (الفرات حنث بالشرب من مائها) * عند الشيخ في محكي الخلاف والاكثر على ما في المسالك * (سواء كرع منها أو اغترف بيده أو باناء) * لصدق العرف بل واللغة، لان: " من " للابتداء الذي معناه حينئذ كون الفرات مبدءا للشرب، سواء كان بواسطة أو بغيرها، بل قد يؤيده قوله تعالى (1): " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه -، إلى قوله تعالى - إلا من اغترف غرفة بيده " لان الاستثناء حقيقة في المتصل. * (وقيل) * والقائل الشيخ وابن إدريس في محكي المبسوط والسرائر: * (لا يحنث إلا بالكرع منها) * الذي هو الشرب منه حقيقة، بخلاف غيره فانه مجاز، كالحلف على الشرب من الاداوة الذي لا يحنث فيه بصب الماء منها بيده أو بغيرها ثم يشربه * (والاول هو) * مقتضى * (العرف) * عند المصنف ومن عرفت، بل في المسالك " الشرب من الشئ بواسطة أو غيرها غير منضبط، لانه لو اعتبر عدم الواسطة لزم عدم الحنث بالكرع أيضا لان أخذه بالفم سابق على اشرب، بدليل أنه لو مجه من فيه بعد أخذه لم يكن شاربا، ولو صب من الكوز في القدح وشرب لا يصدق عليه أنه شرب من الكوز، فدل على عدم انضباط الواسطة، وإنما المرجع إلى العرف، وهو دال في الشرب من النهر على ما يعم الواسطة، وفي الكوز على ما كان بغير واسطة، وعلى أن توسط الفم غير مانع مطلقا "، قلت: قد يقال: إن العرف فارق بين الشرب من الفرات وبين الشرب من مائه،


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 249.

[ 288 ]

فالاول لا يصدق إلا على الكرع منه بخلاف الثاني وإن لم يفرق بينهما في المسالك بل جعل موضوع المسأله الشرب من ماء الفرات، وحينئذ فالاستثناء في الاية منقطع، ولا بأس به وإن قلنا بمجازيته، والله العالم. المسالة * (الخامسة:) * * (إذا حلف لا أكلت رؤوسا) * أو لا شريتها مثلا * (انصرف) * عند الاكثر * (إلى ما جرت العادة بأكله غالبا) * وبيعه منفردا * (كرؤوس البقر والغنم والابل) * وإن كان الاخير معتادا عند أهل البادية وبعض البلدان، بل وقرى الحجاز عملا بالانسياق عرفا، خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فلم يلتفت إلى الانسياق، وضعفه واضح. لكن في المسالك " ولعل العرف غير منضبط، والمصنف حمل الاختلاف على العادة، وليس بجيد، بل الاختلاف واقع وإن استقرت العادة في مقابلة اللغة ". وفيه * (أولا) * أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، ضرورة كونه من الانصراف، وإلا فلا ريب في عدم تجدد عرف في الرأس مخالف للغة. و (ثانيا) أنه لا وجه معتد به له مع فرض استقرار العادة في انصراف اللفظ الصادر من أهل العادة على وجه يكون حقيقة، نعم لو لم يبلغ حد الحقيقة وصار مجازا راجحا بناء على تحققه يكون من تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، ومع فرض التردد فيه إنما يحنث بالمتيقن دون غيره، نعم لو فرض تقديم الحقيقة لانها الاصل اتجه حينئذ الحنث بالجميع. * (و) * أما على الاول ف‍ * (لا يحنث برؤوس الطيور والسمك والجراد، و) * لكن * (فيه تردد) * وخلاف كما عرفت. * (ولعل الاختلاف) * المزبور

[ 289 ]

* (عادي) * بمعنى أن منشأه اختلاف العادة في الانسياق المزبور باختلاف الامكنة والازمنة، لا أنه مع فرض استقررها كما سمعته من المسالك، وقد عرفت الضابط على التقادير كلها، والله أعلم. * (وكذا) * الكلام * (لو حلف لا يأكل لحما و) * لكن * (هنا يقوى) * عند المصنف * (أنه يحنث بالجميع) * للعرف المؤيد بقوله تعالى (1): " ومن كل تأكلون لحما طريا " بل عن ابن إدريس أنه قواه أيضا محتجا بترجيح عرف الشرع على العادة وإن كان هو كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء الاطلاق المزبور العرف الشرعي الذي لا مدخلية له في حمل لفظ الحالف المحمول على عرفه الذي هو إن كان في مثل عرفنا سنة الالف والمأتين والاثنين والخمسين لا يندرج فيه الجراد قطعا بل والسمك. * (ولو حلف لا يأكل شحما لم يحنث) * عند الشيخ * (ب‍) * أكل * (شحم الظهر) * الابيض الملاصق للحم بحيث لا يختلط بالاحمر في الظهر، لانه لحم سمين، ولهذا يحمر عند الهزال. * (و) * لكن * (لو قيل يحنث عادة كان حسنا) * لصدق اسم الشحم عليه دون اللحم فيها، بل عن ابن إدريس الاجماع على تسميته شحما، بل لعله في السابق كذلك بدليل استثناء الله تعالى عنه بقوله (2): " حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما " والاصل فيه الاتصال، لانه الحقيقة بخلاف المنفصل الذي لا يحمل عليه الاطلاق إلا مع القرينة، وإن كان قد يشكل بعد التسليم بأنها موجودة، لانه عطف معه " الحوايا أو ما اختلط بعظم " وهو لحم اتفاقا فيلزم أن يصير الاستثناء متصلا ومنفصلا، فحمله في الجميع على المنفصل أولى، إلا أنه قد يجاب عنه بأن العطف في قوة تكرار العامل المقتضي لتكرار الاستثناء، فلا يضر اختلافهما بالاتصال والانفصال، ولو سلم فالتحقيق ما عرفت من أن المدار على العرف الذي هو


(1) سورة فاطر: 35 - الاية 12. (2) سورة الانعام: 6 - الاية 146.

[ 290 ]

شحم فيه فيحنث، والله العالم. * (وإن قال:) * والله * (لا ذقت شيئا) * معينا مثلا * (ف‍) * لا ريب في حنثه بأكله الذي هو ذوق وزيادة ولو * (مضغه ولفظه) *. * (قال الشيخ: يحنث، وهو حسن) * لانه حقيقة في إدراك طعم الشئ في الفم بالقوة المودعة في اللسان، ولا مدخلية لادخاله في الحلق في تحقق مسماه، ولذا جاز في الصائم أن يذوق الطعام من غير أن يفطر به، فاحتمال عدم الحنث به لانه لا يفطر الصائم واضح الضعف بعد أن عرفت عدم الملازمة، بل لو كان المراد من عدم ذوقه الكناية عن أكله حنث به أيضا. المسالة * (السادسة:) * * (إذا قال: لا أكلت سمنا فأكله) * جامدا أو ذائبا * (مع الخبز حنث) *، لتحقق أكله حينئذ، * (وكذا لو أذابه على الطعام وبقي متميزا) * على وجه يصدق أكله بأكل الطعام. أما لو شربه ذائبا بغير طعام ونحوه ففي المسالك " لا يحنث، لعدم دخول الاكل في الشرب، مع احتماله ها هنا نطرا إلى العرف، وهو بعيد، وانضباط العرف ممنوع " ولا يخلو من نظر وإن كان الامر سهلا لان المسألة عرفية، هذا كله إذا حلف على السمن. * (أما لو حلف أن لا يأكل لبنا فأكل جبنا أو سمنا أو زبدا لم يحنث) * لانها مختلفة اسما وصفة وإن كان بعضها في الاصل راجعا إلى بعض، نعم احتمل في المسالك الحنث بالزبد، لاشتماله عليه دون العكس، إذ الزبد مجموعه السمن وباقي المخيض، إلا أنه كما ترى، لان المدار على الاسم عرفا، وفيها أيضا " أنه يدخل في اللبن الحليب واللبا والرائب والمخيض " ولعله كذلك في العرف الان.

[ 291 ]

المسالة * (السابعة:) * * (لو قال: لا أكلت من هذه الحنطة فطحنها دقيقا أو سويقا لم يحنث) * عند الشيخ والمصنف وغيرهما * (وكذا لو حلف لا يأكل الدقيق فخبزه وأكله) * لزوال الاسم الذي هو عنوان الحلف، بل هي حينئذ كما لو نبتت فصارت حشيشا وأكل حشيشها، وكصيرورة البيض فرخا، فالتقييد بالحنطة والدقيق ونحوهما يقتضي زوال اليمين بزوال القيد. بل قد جعلها في الدروس قاعدة، قال: الصفة قيد للموصوف، فلو زالت فلا يمين، ولو جامعت الاشارة فالوجهان، فلو حلف لا يلبس قميصا ففتقه واتزر به لم يحنث، ولو ارتدى به أو اتزر به يقبل فتقه فالاقرب الزوال، لانه ليس لبس مثله، ولو قال: هذا القميص ففتقه ثم لبسه فكما مر، ولو قال: هذا الثوب وهو قميص فارتدى به مفتوقا أو غيره فوجهان أيضا، من تغليب الاشارة ومن أنه قميص في الواقع، فينصرف إلى لبس مثله، وكذا لو قال: لحم سخلة فتكبر أو عبد فيعتق أو حنطة فتخبز عند الشيخ، وقال القاضي والفاضل يحنث لو حلف على حنطة معينة فأكلها خبزا، وكذا لو عين الدقيق فخبزه، إذ الحنطة لا تؤكل غالبا إلا خبزا، أما لو كان التغيير بالاستحالة كالبيضة تصير فرخا والحب زرعا فلا حنث، ولو زالت الصفة ثم عادت عادت اليمين، كالسفينة تنقض ثم تعاد ". وفي المسالك قد جعل المسألة أيضا من باب تعارض الاسم والاشارة، فان هذه تقتضي تعلق اليمين بها ما دامت موجودة وإن تغيرت، وتقييدها بالحنطة والدقيق ونحوهما يقتضي زوال اليمين بزوال القيد، وكأنه أخذه مما سمعت من الدروس إلا أن ما ذكره من التعليل يقتضي أعيمة المسألة من ذلك، بل سمعت خلو عبارة المتن عن الاشارة في الدقيق.

[ 292 ]

وكيف كان فالمخالف فيها القاضي على ما حكي عنه فيحنث، لان الحنطة إنما تؤكل غالبا كذلك فصار كما لو قال: " لا آكل هذا الكبش " فذبحه وأكله، ولان الحقيقة النوعية ما تبدلت وإنما المتغير بعض أوصافها، بخلاف ما لو صارت الحنطة حشيشا والبيض فرخا، وكذا الحكم فيما لو قال: " لا آكل الرطب " فصار تمرا، والبسر فصار رطبا، والعنب فصار زبيبا، أو " لا أشرب من هذا العصير " فصار خلا. وذكر أنه باحث الشيخ في ذلك، وأورد عليه أن عين الحنطة باقية، وإنما تغيرت بالتقطيع الذي هو الطحن، فأجابه بأن متعلق اليمين مسمى الحنطة، والدقيق لا يسمى حنطة، كما أن الخبز لا يسمى دقيقا، فألزمه بأن من حلف لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح ثم قشره وقطعه وأكله لا يحنث، ولا شبهة في أنه يحنث، فالتزم بمثل ذلك في الخيار والتفاح. وفيه وضوح الفرق بعدم خروجهما عن مسماهما بالتقطيع الذي لم يحدث به لهما اسم زائد على كونه خيارا مقطعا، بخلاف الحنطة المطحونة التي لا تسمى حنطة لغة ولا عرفا إلا على وجه المجاز، وبقاء الحقيقة لا ينافي تغير الاسم الذي هو المدار، وبهذا حصل الفرق. وعن الفاضل في المختلف أنه حقق المسألة بما محصله يرجع إلى اختيار القاضي في الحنطة والدقيق، دون الرطب إذا صار تمرا والعنب زبيبا ونحو ذلك، والفرق أن ما يصلح للاكل حالة اليمين على حالته التي هو عليها يتعلق به التحريم على تلك الحالة دون غيرها مما ينتقل إليها عن اسمه الاول، وما لا يؤكل على تلك الحالة يتعلق به التحريم على حالة يؤكل، كالحنطة والدقيق، فيحنث بأكلهما خبزا. قلت، لا إشكال في الحنث مع فرض إرادته أكلها على الوجه الذي تؤكل معه، كما لعله المتعارف في الاطلاق عرفا إنما الكلام في الحنث مع قصده كون عنوان الحلف مصداق اللفظ، ولا ريب في أن التحقيق ما ذكره الشيخ،

[ 293 ]

لما عرفت. بل الظاهر عدم مدخلية ذكر الاشارة مع الاسم هنا، حتى لو كان متعلق اليمين أكل الحنطة والدقيق، كما أشار المصنف إليه بذكر الاشارة في الاول وتركها في الثاني. وما ذكره القاضي من أن المدار على تغير الحقيقة دون الاسم مناف لما يفهم من اللفظ عرفا مع التجرد عن القرائن كما حققناه في الاصول، إذ احتمال كون العنوان الذات لا من حيث التسمية بالاسم المزبور لا دليل عليه، بل ظاهر تعليق الحكم على الاسم إرادة مسماه من حيث كونه مسمى به، كما هو واضح بأدنى التفات إلا مع القرينة. ومن هنا بان أن محل الخلاف بين الشيخ والقاضي في ذلك لا من حيث تعارض الاشارة والاسم، اللهم إلا أن يراد بالاشارة اصطلاح آخر. هذا وقد ذكر في الدروس قبل هذه القاعدة قاعدة تضمنت في الجملة لحكم معارضة الاشارة، قال: " قاعدة: الاضافة تتخصص بالمضاف إليه كدار زيد وسرج الدابة، والاشارة تخصص بالمشار إليه، فلو تبدلت الاضافة زالت اليمين، بخلاف ما أشار إليه، ولو جمع بين الاضافة والاشارة كدار زيد هذه ولم ينو أحدهما فالاغلب تغليب الاشارة، فتبقى اليمين وإن زال ملكه، ويحتمل تغليب الاضافة لربط اليمين بهما، فتزول بزوال أحدهما ". قلت: لعل المتجه في المسألة مع فرضها بالاشارة والاسم ترجيح الاشارة، فحينث حينئذ بالخبز مع احتمال العدم، لما عرفت، والله العالم. * (وكذا لو حلف لا يأكل لحما فأكل إلية) * أي * (لم يحنث) * لعدم الصدق عرفا، لخروجهما عن اللحم والشحم معا لمخالفتها لهما اسما وصفة، وكذا البحث في السنام، وقيل: يحنث، لانها من اللحم، وهو ضعيف، وفي الحنث بما خالط اللحم من شحم الظهر والبطن ما سمعته سابقا أما عدم حنثه بالشحم إذا كان في البطن فهو مقطوع به.

[ 294 ]

* (وهل يحنث بأكل الكبد والقلب ؟ فيه تردد) * قيل من أنهما بمعناه وقد يقومان مقامه، ويؤيده في القلب قوله صلى الله عليه واله (1): " إن في الجسد مضغة " والمضغة القطعة من اللحم، ومن عدم انصراف اللفظ إليهما عند الاطلاق، بل يصح سلب شراء اللحم عن شرائهما. ولا يخفى عليك ما في الاول الذي لا مدخلية له في الصدق الذي هو عنوان اليمين، وفي المسالك " وجهان آتيان في لحم الرأس والخد واللسان والاكارع، وأولى بالدخول لو قيل به ثم، وأما الكرش والمصران والمخ فلا " قلت: وكذا غيره عرفا. المسألة * (الثامنة:) * * (لو حلف لا يأكل بسرا فأكل) * رطبا لم يحنث، وكذا العكس، لمخالفة كل واحد منهما للاخر اسما ووصفا، إذ الاول لما لم يرطب من ثمرة النخل والثاني لما نضج وسرت فيه الحلاوة والمائية. وأما إذا أكل * (منصفا أو) * حلف * (لا يأكل رطبا فأكل منصفا) * وهو الذي صار نصف الواحدة منه رطبة ونصفها بقي بسرا * (حنث) * عند الاكثر على ما في المسالك، لصدق اسم الرطب على الجزء المرطب والبسر على الجزء الذي لم يرطب، فيحنث بأكله. * (و) * لكن * (فيه قول آخر) * عن القاضي وإبن إدريس، وهو عدم الحنث، لعدم صدق كل واحد من اسم الرطب والبسر عليها حقيقة، إذ لا يتبادر من الرطب إلا ما رطب كله ومن البسر إلا ما لم يرطب منه شئ، وإنما لهما اسم خاص، وهو لا يخلو من وجه وإن قال المصنف إنه * (ضعيف) *.


(1) البحار ج 70 ص 50 وفيه " في الانسان مضغة ".

[ 295 ]

وعن الفاضل في المختلف التفصيل بأنه إن أكل البسر منه حنث في البسر ولم يحنث في الرطب، وإن أكل الرطب منه حنث في الرطب لا البسر، وإن أكل الجميع فان كان أحدهما أغلب بأن كان مذنبا جرى عليه حكم الغالب، فالبسر يشمل المذنب، فيحنث به دون الرطب، وما رطب أكثره يحنث به في الرطب دون البسر، ولو تساويا حنث به في الرطب، لانه يطلق عليه اسمه دون البسر، إذ لا يسمى به عرفا. وفي المسالك " هذا إذا أكل الجيمع أو النصف الموافق لمقتضى اليمين أما لو أكل النصف المخالف خاصة فلا إشكال في عدم الحنث ولو كانت يمينه أن لا يأكل رطبة أو بسرة فأكل منصفة فلا إشكال في عدم الحنث، لان الرطبة اسم لما ترطب كلها والبسرة لما لم يرطب منه شئ، ذلك غير متحقق في النصف ولا المعظم، بخلاف مطلق البسر والرطب، فانه يصدق ببعضها " انتهى. ولا يخلو من نظر إلا أن الامر سهل، إذ المدار على الصدق عرفا. المسالة * (التاسعة:) * * (اسم الفاكهة) * لما يتفكه به أي ينعم قبل الطعام وبعده مما لا يكون مقصودا بالقوت من التفاح والمشمش وغيرهما من الثمار، ولا خلاف عندنا في أنه * (يقع) * اسمها * (على الرمان والعنب والرطب) * ولا ينافي ذلك عطف النخل والرمان عليها في الكتاب العزيز (1) لامكان كونه للاهتمام بشأنها ومزيد شرفها، نحو عطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة في قوله تعالى (2): " من كان عدوا لله وملائكته ورسله " وعطف الصلاة الوسطى على الصلوات، خلافا لبعض العامة فلم يجعل الرمان والرطب منها، ولا ريب في ضعفه.


(1) سورة الرحمن: 55 - الاية 28. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 98.

[ 296 ]

وحينئذ * (فمتى حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل كل واحد من ذلك) * وكان اقتصار المصنف من اسم الفاكهة على ذلك للخلاف المزبور، وإلا فلا ريب في وقوعه على غيرها من السفرجل والخوخ والنيمو وغيرها، بل عن الازهري لم أعلم أحدا قال النخل والرمان ليسا من الفاكهة، ومن قال ذلك من الفقهاء فلجهله بلغة العرب وبتأويل القرآن، نعم في المسالك " لا تدخل الخضروات كالقثاء والخيار والباذنجان والجزر والقرع فيه قطعا ". * (وفي البطيخ تردد) * وخلاف، فعن المبسوط دخوله، للصدق ولقوله صلى الله عليه واله (1): " نعم الفاكهة البطيخ " وما روى (2) أيضا " أنه صلى الله عليه واله كان يحب من الفاكهة العنب والبطيخ " ولان له نضجا وإدراكا كالفواكه، وقيل هو من الخضروات، لقول الصادقين عليهما السلام لزرارة (3): " إنه عفى صلى الله عليه واله عن الخضر، فقال: وما الخضر ؟ قال كل شئ لا يكون له بقاء: البقل والبطيخ والفواكه " فان العطف يقتضي المغايرة، والاولى الرجوع فيه إلى العرف، فان فقد فلا حنث للاصل. * (والادم اسم لكل ما يؤتدم به) * أي يضاف إلى الخبز مثلا ويؤكل معه، كالمرق والدهن والجبن والتمر ونحوها * (ولو كان ملحا) * بلا خلاف في محكي الخلاف * (أو مائعا كالدبس أو غير مائع كاللحم) * والجبن، خلافا لبعض العامة، فخصه بما يصطبغ به، والعرف أعدل شاهد عليه، مضافا إلى قوله صلى الله عليه واله (4):


(1) لم نعثر على هذا اللفظ مع التتبع التام في مظانه. (2) المستدرك الباب - 61 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 6 من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 9 من كتاب الزكاة. (4) المستدرك الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 2 من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 297 ]

" سيد إدامكم الملح " وقوله صلى الله عليه واله وقد أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة (1) وقال: " هذا إدم هذه " وقوله صلى الله عليه واله (2): " سيد إدم أهل الدنيا والاخرة اللحم ". المسالة * (العاشرة:) * * (إذا قال: لا شربت ماء هذا الكوز) * مثلا * (لم يحنث إلا بشرب الجميع) * وإن توقف شربه أجمع على التكرار، * (وكذا لو قال: لا شربت ماءه) * والظاهر أنه من تصحيف النساخ، كما عن الشهيد، والصحيح " لاشربن ماءه " بنون التأكيد يريد بذلك أنه لو حلف على فعل شئ من هذا القبيل لا يبر إلا بفعل الجميع، ولو حلف أن لا يفعله لم يحنث بفعل البعض، لان البعض غير المجموع في الموضعين خلافا لما عن بعض العامة من الحنث بالبعض، وهو مناف للعرف المستفاد من اضافة الماء إلى الاداوة المقتضي لتناول الجميع في نفي الاثبات. نعم لو قال: لا شربت من ماء هذه الاداوة أو هذه البئر أو النهر حنث بالبعض * (و) * إن قال: لظهوره في ذلك عرفا، خصوصا بعد عدم صلاحيتها للتبيين. بل قيل: * (لو قال: لا شربت من ماء هذه البئر) * وهذا النهر * (حنث بشرب البعض، إذ لا يمكن صرفه إلى إرادة الكل) * فينصرف عرفا إلى البعض، ولصدق أنه شرب ماء دجلة والفرات على من شرب منهما. * (وقيل: لا يحنث، وهو حسن) * لان التعذر لا يقتضي إرادة البعض المخالفة


(1) المستدرك الباب - 52 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 7 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الجامع الصغير ج 2 ص 35 وفيه " سيد الادام في الدنيا.. ".

[ 298 ]

لما يقتضيه حقيقة اللفظ، وأقصاه عدم الحنث حينئذ، ودعوى فهم العرف إرادة البعض من ذلك ممنوعة في الفرض، لكن في المسالك " ينبغي على هذا ألا ينعقد يمينه، لان الحنث فيه غير متصور، كما لو حلف لا يصعد إلى السماء - ثم قال -: ويتفرع على ذلك ما لو قال: لاشربن ماء هذه البئر أو النهر، فيحتمل حمل اليمين على البعض، فيبر بشرب بعضه وإن قل، والاظهر أنه لا يبر بشرب البعض، بل يكون كالحالف على غير المقدور، فلا ينعقد اليمين، لان البر فيه غير متصور " ولا يخلو من نظر، ولكن لا فائدة في صورة النفي بين القول بعدم الحنث بشرب البعض وبين كونها لاغية، والله العالم. المسالة * (الحادية عشرة:) * * (ولو قال: لا أكلت هذين الطعامين لم يحنث بأكل أحدهما) * كما أنه لو قال: لاكلن هذين الطعامين لم يبر إلا بأكلهما، لان الجمع بين شيئين أو أشياء بصفة واحدة يصير كل واحد مشروطا بالاخر بغير خلاف عندنا على ما في المسالك، خلافا لما عن بعض العامة من الفرق بين الاثبات والنفي، فحكم بالحنث بأحدهما في الثاني، ووافق على توقف البر على أكلهما في الاول، وربما استعمل في العرف كذلك إلا أن الكلام مع قصد الحالف ما يستفاد من اللفظ نفسه، وإلا فيدان بنيته في صورة الاثبات، كما هو واضح. * (وكذا لو) * جمع بين الشيئين أو الاشياء بحرف العطف ف‍ * (قال: لا أكلت هذا الخبز وهذا السمك) * مثلا * (لم يحنث إلا بأكلهما) * كما أنه لا يبر إلا بأكلهما في الاثبات * (ل‍) * ظهور العرف في * (أن الواو العاطفة للجمع، فهي) * حينئذ * (كألف التثنية) * وواو الجمع بالنسبة إلى ذلك من غير فرق بين الاثبات والنفي. * (و) * لكن * (قال الشيخ) * هنا: * (لو قال: لا كلمت زيدا وعمرا فكلم

[ 299 ]

أحدهما حنث، لان الواو تنوب مناب الفعل) * فكأنه قال: " لا كلمت زيدا ولا كلمت عمرا. * (والاول أصح) * من حيث اللفظ نفسه إلا مع القصد، بل جعلها في الدروس قاعدة فقال: " قاعدة: الجمع بين شيئين أو أشياء بواو العطف يصير كل واحد منهما مشروطا بالاخر قضية للواو، فلو قال: لا أكلت الخبز واللحم والفاكهة، أو لاكلنها فلا حنث إلا للثلاثة، ولا بر إلا بها " انتهى. نعم لو قال: ولا عمرا حنث بالكلام مع كل واحد منهما، لصيرورتهما بمنزلة يمينين، حتى أنه لو حنث في إحداهما لم تنحل الاخرى، وكذا لو قال: لا اكلم أحدهما أو واحدا منهما ولم يقصد واحدا بعينه حنث بالكلام مع أحدهما، إلا أنه تنحل اليمين حينئذ، فلا يحنث إذا كلم الاخر، لانها يمين واحدة، والله العالم. المسألة * (الثانية عشرة:) * * (إذا حلف لا آكل خلا فاصطبغ به) * أي جعله إداما للخبز مثلا * (حنث) * لانصراف الحلف إلى أكله منفردا أو مع غيره مع بقائه متميزا * (و) * أما * (لو) * استهلك بالمزج بأن * (جعله في طبيخ) * مثلا * (فأزال عنه اسمه لم يحنث) * وإن بقيت الحموضة وغيرها من أوصافه، لعدم الصدق وكذا السكباج، لكن في كسشف اللثام احتمال الحنث به وإن لم يستهلك فيه الخل، قال: " بناء على أنه لا يسمى بأكل الخل، وكذا لو شرب مرقة فيها خل وإن لم يستهلك " قلت: لعله لمكان المزج، والله العالم.

[ 300 ]

المسالة * (الثالثة عشرة:) * * (لو قال: لا شربت لك ماء من عطش فهو حقيقة في تحريم الماء) * في حال العطش إلا أنه قد يراد منه عرفا عدم التناول من مائه شيئا وإن قل، وفي المسالك " فاللفظ حينئذ خاص والسبب عام عكس المسألة الاصولية، وهي عموم اللفظ مع خصوص السبب " وفيه أن المقام خارج عن ذلك، ضرورة كون المراد الكناية بذلك عن الاعم منه، وليس هذا من عموم السبب. * (و) * على كل حال ففي المتن * (هل يتعدى إلى الطعام) * وغيره ؟ * (قيل: نعم عرفا) * وفي المسالك " فيكون من باب التعارض اللغة والعرف أو الحقيقة المتروكة والمجاز الغالب، وهو حسن من انضباط العرف أو دلالة القرائن إليه، وإلا تمسك بالحقيقة لاصالة البراءة فيما زاد عليها، ولان إرادة العام من اللفظ الخاص ليس من أفراد المجاز المستعملة اصطلاحا، فكيف يحمل عليه عند الاشتباه، وإنما غايته أن يحمل عليه مع قصده أو ظهور القرائن بارادته ". وفيه ما لا يخفى، ضرورة ظهور كلامه في المفروغية من دلالته عرفا على ذلك حتى يكون من التعارض الذي ذكره، ودعوى عدم كونه من أفراد المجاز المستعملة واضحة المنع، إذ هو باب كثير " نحو لا تعطه فلسا " ولا تقبل منه ترابا، بل لعل مفهوم الموافقة نحو قوله: " لا تقل لهما اف " (1) منه، بل لعله من قسم الكناية التي يمكن دعوى كونها من الحقيقة فضلا عن المجاز فتأمل. * (وقيل: لا) * يتعدى منه إلى غيره * (تمسكا بالحقيقة) * لان الايمان تبنى على الالفاظ لا على القصود التي لا يحتملها اللفظ ولم تستعمل لغة فيها، كما إذا حلف على الصلاة وقال: أردت الصوم، فانه لا بقبل اتفاقا، وفيه - بعد التسليم - منع واضح، ضرورة أنه لا مجال عن القول بالتعدية مع فرض القصد، لانه من


(1) سورة الاسراء: 17 - الاية 23.

[ 301 ]

الاستعمال الصحيح الشائع بل المستحسن، لانحو استعمال الصلاة في الصوم، ولعل البحث في هذه ونظائره أن متعلق اليمين هو المكنى عنه باللفظ المزبور أو هو مع معنى اللفظ أولى من هذا البحث وإن كان الاقوى فيه الثاني لانهما مرادان منه. هذا وفي الدروس " قاعدة: لو تعارض عموم اللفظ وخصوص السبب فان نوى شيئا فذاك، وإلا فالاقرب قصره على السبب، لانه الباعث على اليمين، كما لو رأى منكرا في بلد فكرهه لاجله فحلف على عدم دخوله ثم زال المنكر فله الدخول ". قلت: لا يخفى ما فيه، بل فتح باب التخصيص والتقييد بالدواعي يعدم جملة وافرة من الفقه، والله العالم. * (المطلب الثالث:) * * (في المسائل المختصة بالبيت والدار) * * (الاولى:) * * (إذا حلف على فعل) * كالبيع والتزويج وغيرهما * (فهو يحنث بابتدائه) * الذي هو مصداقه، * (ولا يحنث باستدامته) * التي لا يصدق معها اسم الفعل المحلوف عليه * (إلا أن يكون الفعل ينسب إلى المدة) * بأن يقال سكنته مدة أو ركبته كذلك * (كما ينسب إلى الابتداء) * فانه يحنث حينئذ بها كما يحنث بابتدائه. * (فإذا قال: لا آجرت هذه الدار أو لابعتها أو لا وهبتها تعلقت اليمين بالابتداء لا بالاستدامة) * لعدم صدق الاجارة التي هي اسم لايقاع الصيغة الخاصة وكذا البيع والهبة، بل لا استدامة لها وإن بقي آثارها. * (أما لو قال: لا سكنت هذه الدار وهو ساكن بها أو لا أسكنت زيدا وزيد

[ 302 ]

فيها حنث باستدامة السكنى أو الاسكان) * لصدق سكناه وإسكانه استدامة كصدقهما ابتداء، وذلك لانهما ينسبان إلى المدة، فيقال سكنتها شهرا وأسكنته كذلك، إذ الضابط الفارق بين الافعال المحلوف عليها التي استدامتها كابتدائها في الصدوق وغيرها أن ما لا يتقدر بمدة كالبيع والهبة والتزويج وغيرها من العقود والايقاعات والدخول والخروج ونحو ذلك لا يحنث باستدامتها، لان استدامة الاحوال المذكورة ليست كانشائها، إذ لا يصح أن يقال: بعت شهرا، ولا دخلت كذلك. بل قد عرفت أن هذه الاستدامة ليست استدامة للافعال نفسها، بل هي بقاء لاثارها، بخلاف القيام والقعود والسكنى والاسكان واللبس والركوب ونحوها مما يصح نسبتها إلى المدة فيقال: لبسته شهرا. وقمت يوما. وقعدت ليلة. وركبته كذلك. فانه يحنث باستدامته كابتدائه، للصدق عليهما على حد سواء، نعم قد يقع الشك في بعض الافعال كما تسمعه في التطيب والوطء ونحوهما. بل جعل ذلك في الدروس قاعدة، فقال: " قاعدة: الابتداء والاستدامة شيئان، فما ينسب إلى المدة كالسكنى والاسكان والمساكنة دون ما لا ينسب كالدخول والبيع، وفي التطيب وجهان، فلو حلف لاسكنت هذه الدار وهو ساكن بها وجب التحول في الحال وإن بقي رحله لا للسكنى، بخلاف ما لو قال: لا دخلت هذه الدار وهو فيها، أو لا بعت وقد باع بخيار فاستمر عليه، أو لا تزوجت وله زوجة فلم يطلقها ". قلت: كان الوجه في الضابط المزبور أن التقييد بالمدة يقتضي الصدق في تمام المدة، إلا أنك ستعرف الاشكال في صدق اسم الفعل واسم المصدر، وإلا فمن المعلوم عدم صدق " لبس " في آنات استدامة اللبس وإن صدق عليه أنه لابس ومتلبس، نعم قد يطلق الفعل في التقيد بالمدة ويراد الكون والمصدر، وحينئذ يكون عليه المدار، فتأمل جيدا. * (و) * كيف كان فلا إشكال في أن من حلف أن لا يسكن هو * (يبر) * يمينه * (بخروجه) * نفسه فورا * (عقيب اليمين) * وإن بقي رحله ومتاعه بل

[ 303 ]

وأهله، لان الفرض تعلق الحلف بسكناه نفسه ولا بأهله ومتاعه، كما أنه لا إشكال في الحنث مع مكثه نفسه وإن أخرج أهله ورحله، خلافا لبعض العامة فيهما، ويمكن حمله على غير الفرض. * (ولا يحنث بالعود لا للسكنى، بل لنقل رحله) * مثلا وإن مكث بخلاف ما لو حلف على دخولها، ولو مكث بعد اليمين ولو قليلا ففي المسالك " إن لم يكن لاجل نقل متاعه حنث، لصدق الاستدامة " وفيه نظر، ولو كان لاجله بأن نهض يجمع المتاع ونحوه مما يحتاج إليه الخروج فعن التحرير الحنث، لصدق إقامته فيها مع التمكن من الخروج، وفيه منع واضح. ولعله لذا جزم في القواعد بعدمه، لان المشتغل بأسباب الخروج لا يعد ساكنا في الدار. ومن هنا اتفقوا على أنه لو خرج ثم عاد لنقل متاعه أو لعيادة مريض أو نحو ذلك لم يحنث، لعدم صدق السكنى عليه بذلك، بل في المسالك " لو احتاج إلى أن يبيت فيها ليلة لحفظ المتاع فوجهان، أجودهما عدم الحنث، لان الضرورة على هذا الوجه لا تجامع الحنث، بل ربما نافت أصل اليمين " وإن كان فيه ما لا يخفى من الخروج عن أصل البحث الذي هو صدق السكنى وعدمه. ولو خرج في الحال ثم اجتاز بها لم يحنث، لان ذلك لا يعد سكنى وإن تردد فيها ساعة أو أزيد بلا غرض، لعدم صدقها بذلك، إذ ليس المراد منها المكث مطلقا، بل اتخاذها سكنى، وهي لا تصدق بذلك، وإن احتمله في المسالك، ولا ينافي ذلك فورية الخروج عرفا، لان كونها مسكنا لا يخرج عنه بمجرد النية، كما أن المقيم لا يصير مسافرا بمجردها، بخلاف من خرج ثم عاد لالها، فانه بعد أن خرج عن اسم الساكن بخروجه احتاج في عوده إلى صدق اسم الساكن إلى إحداث إقامة يصدق معها ذلك. * (وكذا البحث في استدامة اللبس والركوب) * ونحوهما مما عرفت اتحاد الابتداء والاستدامة في الصدق فيه، اللهم إلا أن يفرق بين الحلف على عدم لبسها

[ 304 ]

أو لا يلبسها، فان الاستدامة يصدق عليها اسم اللبس، لافعل اللبس الذي هو إحداث وتجديد، فتأمل جيدا فانه جار في غيره، والله العالم. * (أما التطيب ففيه التردد) * مع عدم صدق النسبة إلى المدة، ففلا يقال: تطيب شهرا بل منذ شهر وإن كان باقيا عليه، كالطهارة مع البقاء عليها، بل لعله حقيقة في الابتداء مجاز في الاستدامة، ومن صدق اسم المتطيب عليه فعلا، ولذا حرمت عليه الاستدامة في الاحرام. * (ولعل الاشبه أنه لا يحنث بالاستدامة) * لصحة السلب، ولانه لم يحلف على أن لا يكون متطيبا، بل على أنه لا يتطيب، وبينهما فرق. وربما كان عنوان الحرمة في الاحرام كونه متطيبا لا تطيبه، وإلا كان من دليل خارج كحرمة شمه. وكذا الكلام في الوطء الذي لا يقال فيه وطأت يوما أو شهرا، وحينئذ فمن حلف أن لا يطأ لا يحنث بالاستدامة ما لم يعد بعد النزع وإن حرمت على الصائم والمحرم كالابتداء. قلت: هكذا ذكروه، لكن لعل ما أشرنا إليه من التفاوت بين صدق اسم الفعل وبين اسم المصدر آت في المقام ونحوه وإن التفتوا إليه في خصوص التطيب، * (وكذا) * الوطء ونحوهما دون الامثلة السابقة. نعم * (لو قال: لا دخلت دارا) * لم يحنث بالوقوف على الحائط، بلا خلاف كما عن الخلاف والمبسوط و * (حنث بالابتداء دون الاستدامة) * قطعا لانها لا تعد دخولا وإن طال مكثه فيها، كما هو واضح.

[ 305 ]

المسالة * (الثانية:) * * (إذا حلف) * الخارج عن الدار مثلا وقال: * (لا دخلت هذه الدار فان دخلها أو شيئا منها أو غرفة من غرفها) * أو دهليزا خلف الباب أو بين البابين أو تجاوز الباب * (حنث) * للصدق عرفا، بخلاف الطاق خارج الباب وعتبة الدار. * (ولو نزل إليها من سطحها) * الذي لا فرق في اسم الدخول إليها بينه وبين الباب وبين طرح نفسه في الماء فحمله الماء والقعود في سفينة ونحوها فدخلت، إلا إذا لم يكن يريد الدخول فقط من السطح أو حمله الماء أو السفينة قهرا إلى أن دخل، فلا يحنث وإن صعد السطح أو دخل الماء أو السفينة مختارا. لكن عن المبسوط " إن قعد في سفينة أو على شئ فحمله الماء فأدخله أو طرح نفسه في الماء فحمله الماء فأدخله حنث، لانه دخل باختياره، فهو كما لو ركب فدخل راكبا ومحمولا " ونحوه عن الجواهر، ويمكن إرداتهما القصد. وفيه أيضا " أنه إن كان فيها شجرة عالية عن سورها فتعلق بغصن منها من خارج الدار وحصل في الشجرة نظر، فان كان أعلى من السطح لم يحنث بلا خلاف لانه لا يحيط به سورها، وإن حصل بحيث يحيط به السور حنث، لانه في جوف الدار، وإن حصل بحيث يكون موازيا لارض السطح فالحكم فيه كما لو كان واقفا على نفس السطح " انتهى. والامر سهل بعد أن كان المرجع العرف. * (أما إذا) * تسلق من خارج أو من جدار الغير ف‍ * (نزل إلى سطحها) * خاصة ففي المتن وغيره * (لم يحنث، ولو كان محجرا) * لعدم صدق دخولها حينئذ خلافا لما عن بعض من إلحاق المحوط بالدار، لاحاطة جدران الدار به، ولاخر من الحنث بصعوده وإن لم يكن محوطا. لكن الانصاف عدم خلو الاخير من وجه في العرف، خصوصا بعد ملاحظة

[ 306 ]

اندراجه في قوله عليه السلام (1): " من دخل دار غيره بدون إذنه فدمه هدر " فتأمل. وفي المسالك " هذا كله إذا لم يكن السطح مسقفا وإلا كان كطبقة اخرى في الدار " قلت: لم يتضح أن وجه المنع في الفرض عدم صدق الدخول بالتسلق إلى السطح أو من حيث كون السطح ليس دارا، فان كان الاول لم يفرق بين تسقيفه وعدمه، وإن كان الثاني فتوجه المنع فيه واضح. وظاهر الفاضل في القواعد الثاني، قال: " إذا حلف على الدخول لم يحنث بصعوده السطح وإن كان محجرا، فعلي هذا لا يجوز الاعتكاف في سطح المسجد، ولا تتعلق الحرمة به - أي التي للمسجد - على إشكال ". وفي كشف اللثام من الاشكال في دخوله، لان عدم الحنث بالصعود على السطح لا يعين خروجه عن الدار لجواز أن يدخل فيها، لكن لا يدخل صعوده في مفهوم دخول الدار عرفا، ويؤيده ملك صاحب الدار له، ومبني الاحتمالين على أن من المعلوم توقف حصول الدار على السطح، ولكن يحتمل أن يكون توقف الكل على الجزء وأن يكون توقف المشروط على الشرط، فتأمل. * (ولو حلف لا أدخل بيتا) * من بيوت الدار مثلا * (فدخل غرفة) * أو غيرها مما لا يدخل تحت اسم البيت * (لم يحنث) * بلا خلاف كما عن الخلاف والمسبوط، لعدم الصدق بخلاف الدار، ولو كان الحالف في الدار أو في البيت لم يحنث بالاستدامة التي هي ليست من الدخول الذي لم يجر فيه الضابط المزبور، ضرورة عدم صحة نسبته إلى المدة، فلا يقال: دخلته شهرا بل منذ شهر نحو البيع. خلافا لما عن بعض العامة من الحنث بها أيضا، لان حكمها شرعا كالابتداء،


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2 وفيه " من دخل دار غيره فقد أهدر دمه " وفى المستدرك الباب - 23 - منها الحديث 4 وفيه " من دخل على مؤمن في منزله بغير اذنه فدمه مباح ".

[ 307 ]

ولذا حرم المكث على من دخل دارا مغصوبة لم يعلم بها، وهو كما ترى، ضرورة كون العنوان في الغصب مطلق التصرف الذي منه المكث بخلاف اسم الدخول، وحينئذ فلا يتحقق الدخول. * (و) * لا إشكال في أنه * (يتحقق الدخول) * الذي هو عنوان اليمين * (إذا صار) * منتقلا بجميع بدنه * (بحيث لورد بابه كان من وارئه) * فلا يحنث بدخول يده أو رجله، بل لابد من دخول بدنه على وجه يصدق عليه اسم الدخول، وكذا الخروج، والله العالم. المسالة * (الثالثة:) * * (إذا حلف) * الحضري * (لا دخلت بيتا حنث بدخول بيت الحاضرة) * الذي هو المتخذ من الطين والاجر والمدر والحجر والخشب * (ولا يحنث بدخول بيت من شعر أو أدم) * والصوف والجلد وأنواع الخيام، بناء على أن المنساق غيره من البيت عندهم * (و) * هو المتخذ مما عرفت. نعم * (يحنث بهما البدوي ومن له عادة بسكناه) * لدخولهما في متعارفه الشامل لهما والبيت الحاضرة أيضا كما في المسالك. لكن قد يقال بالحنث للحضري بدخولهما أيضا لانهما من البيوت في لغة أهل البادية الذين هم من أهل اللسان، وقد قال الله تعالى شأنه (1) " وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها ". وربما اجيب بأن الاستعمال أعم من الحقيقة، وبعد التسليم فالعرف مقدم على اللغة، ومن هنا قلنا يحنث به البدوي خاصة، ولهذا حكموا باختصاص لفظ الرؤوس والبيوض بأنواع خاصة.


(1) سورة النحل: 16 - الاية 80.

[ 308 ]

قلت: لا يخفى على من نظر كلامهم في الامثلة السابقة وغيرها الخلط بين الانسياق والحقائق، ولعل المقام منه، إذا البيت حقيقة للاعم من ذلك كله، ولكن قد ينساق غيرها من البيت في لسان الحضر، مع أنه يمكن أن يكون المدار مسماه الذي هو عنوان اليمين وإن لم يحضر في ذهن الحالف، بل وإن حضر غيرهما من الافراد ما لم ينو الحلف من نوع خاص، وإلا فلا وجه للفرق بين الحضري والبدوي حتى حكم بالشمول للجميع في الثاني دون الاول مع أنه لم يحضر في ذهنه بيت الحاضرة. وبالجملة فالظاهر من كل متلفظ إرادة عنوان حكمه معنى لفظه إلا مع النية أو الانسياق الدال على إرادته خصوص أفراد منه، وإلا كان الحكم على كل ما يصدق عليه، وعن المبسوط الحنث مطلقا إن كان بدويا وكذا إن كان قرويا يعرف بيوت البادية وإلا فلا. * (ولو حلف لا دخلت دار زيد ولا كلمت زوجته ولا استخدمت عبده كان التحريم تابعا للملك) * عرفا * (فمتى خرج شئ من ذلك عن ملكه) * بأن باع الدار وطلق الزوجة وباع العبد * (زال التحريم) * بل في المسالك " لو اشترى زيد دارا اخرى أو عبدا أو تزوج امرأة حنث بالثاني دون الاول إلا أن يقول أردت الاول بعينه، فلا يحنث بهما، ولو قال: أردت دارا جرى عليها ملكه أو عبدا كذلك أو امرأة جرت عليها زوجيته حنث بكل منهما " قلت: لا إشكال مع إرادته، إنما الكلام مع إطلاقه وخلوه عن النية وجعله العنوان مفاد اللفظ، والظاهر التبعية كما ذكره المصنف، هذا كله إذا لم يضف إلى الاضافة التعيين. * (أما لو) * أضافه بأن * (قال: لا دخلت دار زيد هذه) * مثلا وجعل قصده تابعا لمفاد اللفظ * (تعلق التحريم بالعين ولو زال الملك) * تغليبا للتعيين على الاضافة، واستقر به في القواعد. * (وفيه قول بالمساواة، وهو حسن) * لانسياق إرادة المركب من الاضافة أو التعيين الذي يزول بزوال أحد جزئيه، فلا يحنث بخروجه عن الاضافة، وعن

[ 309 ]

الفاضل في المختلف أنه استقر به في ضمن تفصيل لا يخرج عنه وإن تردد فيه في محكي التحرير والارشاد، والله العالم. المسالة * (الرابعة:) * * (إذا حلف لا دخلت دارا فدخل براحا) * بفتح الباء وهو الارض الخالية من البناء والشجر والزرع سواء * (كان دارا) * أو لم يكن * (لم يحنث) * لعدم الصدق، بل يصح السلب. * (أما لو قال: لا دخلت هذه الدار فانهدمت وصارت براحا قال الشيخ: لا يحنث) * أيضا لانه من تعارض الاشارة والاسم الذي قد عرفت ظهور التركيب في مثله على وجه ينتفي متعلق اليمين بانتفاء أحدههما، فهو حينئذ كالمسألة السابقة التي استحسن المصنف فيها عدم الحنث. * (و) * لكن هنا قال: * (فيه إشكال من حيث تعلق اليمين بالعين فلا اعتبار بالوصف) * ولعله لان الفرض أن الوصف في السابق مقصود غالبا بخلاف الدار، فان الحكم فيها لمحض الاسم أو المشار إليه، قيل: وهذا هو السر في ترجيح المصنف زوال الحنث بانتفاء الوصف في السابقة واستشكاله هنا. ولكن فيه أنه يمكن أن يعكس الاعتبار بأن يقال: إذا كان زوال الوصف في السابقة موجبا لزوال الحكم مع أن حقيقة المحلوف عليه وهو المرأة والعبد والدار باقية فليزك الحكم هنا مع زوال حقيقة المحلوف عليه وهو الدار، لان عرصة الدار المعتبر عنها بالبراح لا تسمى دارا حقيقة. بل يمكن أن يقال بزوال حكم الاشارة أيضا، لانها تعلقت بعين تسمى دارا وهي اسم مركب من العرصة وما تشتمل عليه من البناء وغيره، والجزء الذي هو العرصة غير المركب فلا يكون هو الماشر إليه نعم لو قيل بعدم اشتراط أمر زائد على العرصة في اسم الدار - كما عن

[ 310 ]

بعضهم لان المتعارف في ألسنة الشعراء من إطلاق اسم الدار على ذاهبة الرسوم، بل يقال: دار بني فلان وفلان لصحار ليس فيها عمارة - اتجه الحنث حينئذ لبقاء الاسم والاشارة، إلا أنه ينافيه الجزم في سابقه بعدم الحنث فضلا عما استحسنه سابقا، على أن الحق عدم تسمية العرصة دارا إلا على المجاز الذي يشهد له عدم تبادر الذهن إليها أو تبادر الغير عند الاطلاق، وصحة السلب وغير ذلك من علاماته. وربما تكلف على هذا التوجيه أيضا بيان الوجه في حكم المصنف بزوال الحنث في السابقة واستشكاله هنا، إلا أنه لا حاصل له، والتحقيق ما عرفت من عدم الحنث فيهما، والله العالم. * (ولو حلف لا دخلت هذه الدار من هذا الباب ف‍) * لا إشكال في عدم الحنث لو دخل من منفذ آخر غيرها، كما أنه لا إشكال في أنه إن * (دخل منه حنث) *. * (و) * لكن الكلام فيما * (لو حول الباب عنها إلى باب مستأنف فدخل بالاول قيل: يحنث، لان الباب الذي تناولته اليمين باق على حاله ولا اعتبار بالخشب الموضوع، وهو حسن) * لان الباب عرفا اسم للمنفذ المحتاج إليه في الدخول دون الباب المنصوب عليه، بل لعل تسميته بالباب باعبتار كونه موضوعا عليه، وحينئذ فيحنث بالاول لبقاء اسمه دون الثاني الخارج عنه بالاشارة المفروضة. ومن الغريب احتمال العكس، لان الباب اسم للخشب المتخذ فيدور الحكم مداره، فلا يحنث بالاول، لعدم الباب بخلاف المنفذ الجديد الموضوع عليه الباب التي يصدق الدخول منها. وأغرب منه احتمال عدم الحنث بكل منهما، لانها تحمل على المنفذ والخشب جميعا، لان الاشارة وقعت عليهما جمعيا، فلا يحنث بدخول منفذ آخر وإن نصب عليه الباب، ولا بدخول ذلك المنفذ إذا لم يبق عليه باب. والتحقيق ما عرفت، وحينئذ فلو خلع الباب ولم يحولها إلى موضع آخر حنث بالدخول إلى المنفذ وإن احتمل عدمه بناء على أن الاعتبار بالخشب لا

[ 311 ]

بالمنفذ، ولو نقل الباب إلى دار اخرى فدخلها منه لم يحنث، لان القصد الدار المعينة التي كانت على منفذها، نعم لو أراد أن لا يدخل منها حيث تنصب حنث. ومن الغريب احتماله في المسالك الحنث على الاول. * (ولو قال: لا دخلت هذه الدار من بابها ففتح لها باب مستأنف فدخل به حنث لان الاضافة متحققه فيه،) * وكذا لو قال: لا أدخل باب هذه الدار ففتح لها باب جديد، واحتمال عدم الحنث فيهما لان اليمين انعقدت على الباب الموجودة فصار كما لو حلف أن لا يدخل دار زيد فباعها واضح الضعف، ضرورة عدم اشتراط تناول اللفظ بأن يكون المتناول موجودا عند اليمين، ولذا يحنث لو قال: لا أدخل دار زيد فملك دارا بعد اليمين وباب الدار صادق على كل فرد يكون لها بخلاف دار زيد، فانها لا تصدق إلا على المقيدة بملكه، فإذا زال الملك زالت الاضافة حقيقة، والتبادر أعدل شاهد على ذلك. المسالة * (الخامسة:) * * (إذا حلف لا دخلت أو لا أكلت أو لا لبست اقتضى التأبيد) * لما تحقق في الاصول من أن النفي للطبيعة الذي لا يتحقق بدون ذلك، بخلاف الحلف على الفعل الذي يتحقق بجزئي من جزئياته، كما ذكرناهما في الامر والنهي وقلنا إن الاول لا يقتضي فورا ولا تراخيا ولا وحدة ولا تكرارا، بخلاف النهي الذي مفاده مفاد التكرار باعتبار إرادة النفي الذي لا يتحقق إلا بعدم إيجاد الطبعية مطلقا. نعم هذا كله مع الاطلاق * (فان ادعى أنه نوى مدة معينة) * أو وصفا من الاوصاف وغيرهما مما يقتضي التخصيص أو التقييد * (دين بنيته) * وقبل منه ذلك في نظائره، ولعل من ذلك خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أعجبته


(1) الوسائل الباب - 49 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 312 ]

جارية عمته فخاف الاثم، فحلف بالايمان أن لا يمسها أبدا فورث الجارية أعليه جناح أن يطأها ؟ فقال: إنما حلف على الحرام، ولعل الله رحمه الله فورثه إياها لما علم من عفته " باعتبار أنه نوى عدم مسها محرما أو أنه حلف على عدم مسها وهي مملوكة لعمته، فإذا زال ملكها عنها حلت له، نحو ما سمعته في " عبد زيد " والله العالم. * (ولو حلف لا أدخل على زيد بيتا فدخل عليه وعلى عمرو ناسيا) * ليمينه * (أو جاهلا بكونه فيه فلا حنث) * ولا بحث، لما ستعرفه من ارتفاع حكم اليمين بالنسيان والجهل. * (وإن دخل مع العلم) * به وتذكره اليمين * (حنث سواء نوى الدخول على عمرو وخاصة أو لم ينو،) * وفاقا للمحكي عن الشيخ في الخلاف والاكثر، لصدق الدخول الذي هو حقيقة واحدة لا يختلف باختلاف المقاصد. * (و) * لكن * (الشيخ) * في المبسوط * (فصل) * بين الدخول على عمرو خاصة - على معنى استثناء زيد بقلبه - وبين عدم عزله له، فلا حنث بالاول دون الثاني، لان الدخول يقبل التخصيص كما يقبله القول، فيصدق عليه أنه دخل. على عمرو ولا زيد، وضعفه واضح للفرق بين الاقوال والافعال كما ستعرفه. * (و) * كيف كان ف‍ * (هل يحنث بدخوله عليه في مسجد أو في الكعبة ؟ قال الشيخ: لا، لان ذلك لا يسمى بيتا في العرف) * إلا بضرب من التقييد، كما يقال: الكعبة بيت الله أو البيت الحرام والمسجد بيت الله. * (و) * لكن قال المصنف: * (فيه إشكال يبنى على ممانعته دعوى العرف) * لان الله تعالى أطلق عليهما اسم البيت فقال: (1) " طهر بيتي " وقال: (2) " في بيوت أذن الله أن ترفع " بل عن ابن إدريس أن ذلك عرف شرعي، وهو مقدم


(1) سورة الحج: 22 - الاية 26 - 29. (2) سورة النور: 24 - الاية 36.

[ 313 ]

على العرف العادي لو سلم، وإن كان الجميع كما ترى، ضرورة ظهور إرادة غيرهما من إطلاق البيت لو سلم كونهما من أفراده، ولا عرف شرعي، إذ الاطلاق أعم من الحقيقة، وعلى تقدير تسليمه لا يحمل عليه لفظ الحالف الجاري في تلفظه مجرى العادة، هذا كله في الدخول. * (أما لو قال: لا كلمت زيدا فسلم على جماعة فيهم زيد) * عالما بذلك وباليمين * (و) * لكن * (عزله بالنية) * خاصة أو باللسان معها * (صح) * عزله وتخصيصه، فلا حنث، والفرق بينه وبين الدخول أنه كلام يقبل التخصيص والتقييد، بخلاف الدخول الذي هو ماهية واحدة كالضرب لا يتخصص وإن تخصص الباعث عليه، ولا يقبل الاستثناء، فلا يقال: " دخلت عليك إلا على فلان " بخلاف قول: " سلام عليكم إلا على فلان " كما هو واضح. * (وإن) * نوى السلام عليه معهم أو * (أطلق حنث مع العلم) * به وتذكر اليمين. المسالة * (السادسة:) * * (قال الشيخ رحمه الله: اسم البيت) * لو كان متعلقا لليمين مثلا * (لا يقع على الكعبة ولا على الحمام، لان البيت ما جعل بازاء السكنى، وفيه) * عند المصنف * (إشكال يعرف من قوله تعالى (1) " وليطوفوا بالبيت العتيق ") * وغيره مما مر * (وفي الحديث (2) " نعم البيت الحمام ") وفيه أن الاستعمال أعم والعرف أعدل شاهد على إرادة غيرهما من إطلاق البيت، بل قيل: لا يدخل فيه الغرف والمقصرة ونحوهما مما لا يعد للسكنى، بل عن الخلاف والمبسوط نفي الخلاف فيه وإن كان هو غير


(1) سورة الحج: 22 - الاية 26 - 29. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب آداب الحمام الحديث 1 من كتاب الطهارة.

[ 314 ]

واضح بالنسبة إلى العرف في عرف هذا الزمان، بل وغيره الذي منه ما في الكتاب (1) والسنة (2) من الترغيب للناس بسكنى غرف الجنة، وأن فوقها غرفا تجري من تحتها الانهار، والامر سهل، نعم لا يدخل فيه بعض المتخذ مرفقا للدار. بل * (قال: وكذا) * لا يدخل فيه * (الدهليز) * وهو ما دخل عن باب الدار بينه وبينها * (و) * لا * (الصفة) * المتعارفة عند أهل القرى، وهو كذلك، لعدم إعدادهما للسكنى، بل يقال: لا يدخل فلان البيت وهو واقف في الدهليز والصفة، وإنما يدخلان في الدار عرفا، كما هو واضح. * (المطلب الرابع:) * * (في مسائل العقود) * * (الاولى:) * * (العقد اسم للايجاب والقبول) * بلا خلاف أجده فيه، وحينذ * (فلا يتحقق إلا بهما فلو حلف ليبيعن) * بعقد البيع * (لا يبرأ (3) إلا مع حصول الايجاب والقبول، وكذا لو حلف ليهبن) * بناء على أنها اسم للعقد كالبيع. * (و) * لكن * (للشيخ في الهبة قولان: أحدهما أنه يبرأ (4) بالايجاب) * قال في محكي الخلاف: " إن الحالف لا يهب يحنث بالايجاب سواء قبل الموهوب


(1) سورة العنكبوت: 29 - الاية 58 وسورة سبأ: 34 - الاية 37 وسورة الزمر 39 - الاية 20. (2) البحار ج 8 ص 119 و 128 و 149 و 158 ط الحديث. (3) في الشرائع: " لا يبر ". (4) في الشرائع: " يبر ".

[ 315 ]

أم لم يقبل " ثم نقل عن بعضهم أنه لا يحنث بالايجاب وحده كالبيع، قال: " وهو قوي " وعنه في المبسوط أنه قوي القولين أيضا وهو يدل على تردده، * (و) * على كل حال فهو * (ليس بمعتمد) * لانها كغيرها من العقود. نعم في المسالك تبعا للقواعد يستثنى من ذلك الوصية، فانها عقد يفتقر إلى الايجاب والقبول كما عرفت في محله، لكن لما كان قبولها المعتبر ما كان بعد الموت إجماعا وإن جاز قبله على الخلاف يحنث الحالف عليها بمجرد الايجاب، إذ لا يعقل توقف الحنث على ما يقع بعد الموت أو يجوز وقوعه، ولان المتبادر من الوصية عرفا - إذا قيل فلان أوصى بكذا وقوله أوصيت بكذا - هو الايجاب، وفي المسالك مع احتمال توقف الحنث على القبول إطرادا لباب العقود، ودليلها السابق. قلت: هو الاقوى مع التصريح بعقد الوصية، لانها المحتمل لارادة الايجاب منه خاصة بالقرينة، والله العالم. المسألة * (الثانية:) * * (إطلاق العقد ينصرف إلى العقد الصحيح دون الفاسد) * لا لانه حقيقة فيه دونه، بل لانصراف البيع و " بعه " ونحوهما إلى إرادة الصحيح، وهو الذي يشعر به لفظ الانصراف في عبارة المصنف وغيره، مضافا إلى معلومية كون البيع اسما للاعم منهما على وجه الحقيقة. ومن الغريب ما في المسالك من دعوى كونه حقيقة في الصحيح مجازا في الفاسد لوجود خواص الحقيقة، كمبادرة المعنى إلى ذهن السامع عند إطلاق قولهم: " باع فلان داره " وغيره، ومن ثم حمل الاقرار به عليه، حتى ادعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا، وعدم صحة السلب وغير ذلك من خواصه، ولو كان مشتركا لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الالفاظ المشتركة، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعم من الحقيقة، إذ هو جميعه كما ترى منطبق على الانصراف

[ 316 ]

الذي ذكرنا، وليس شئ منه يدل على الحقيقة والمجاز، كما هو واضح. * (و) * على كل حال ف‍ * (لا يبر بالبيع الفاسد لو حلف ليبيعن، وكذا غيره) * من الصلح والاجارة ونحوهما. المسألة * (الثالثة:) * * (قال الشيخ: الهبة اسم لكل عطية متبرع بها كالهدية والنحلة والعمرى والوقف والصدقة، ونحن نمنع الحكم في العمرى) * قطعا، لانها كالسكنى والرقبي تمليك للمنفعة، بخلاف الهبة التي هي تمليك العين، قوله صلى الله عليه واله (1): " العمري هبة لمن وهبت له " مع فرضه على ضرب من المجاز. * (و) * أما * (النحلة) * ففي المتن والمسالك أنها كالعمرى تمليك للمنفعة أيضا فقال: * (إذ يتناولان المنفعة، والهبة تتناول العين) * إلا أنا لم نتحقق ذلك في النحلة، بل قد يدعى أنها كالهبة، خصوصا بعد إطلاق الزهراء عليها السلام اسم النحلة على فدك والعوالي (2) المعلومين كونهما هبة من أبيها لها. وكذا قوله متصلا بذلك: * (وفي الوقف والصدقة تردد، منشأه متابعة العرف في إفراد كل واحد باسم) * مع أنه لا تردد في عدم تناولها الوقف المقطوع بكونه ليس هبة اسما ولا حكما، بل عن ابن إدريس عدم الخلاف فيه. نعم قد يتردد في الصدقة المندوبة التي هي العطية قربة إلى الله تعالى باعتبار أنها الهبة بعوض هو القرب إلى الله تعالى، بل لا يكاد ينكر صدق اسم الهبة في عرفنا عليه، والاختصاص بالاسم لا ينافي اندراجها في الهبة التي هي للاعم منها ومن فاقدة العوض وذات العوض غير القرب.


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 173 وفيه " العمرى لمن وهبت له ". (2) البحار ج 8 ص 112 ط الكمپانى.

[ 317 ]

أما الواجبة كالزكاة ونحوها فينبغي القطع بعدم كونها من الهبة التي هي عقد، بل ولا الصدقة المندوبة التي هي الزكاة المندوبة والفطرة المندوبة والكفارة المندوبة، نعم يقوى لحوق ما عرفت من الصدقة التي هي في الحقيقة هبة بعوض هو القرب، وثبوت بعض أحكام لها خاصة بها - كعدم جواز رجوع بها ونحوه - لا ينافي ذلك أيضا، ضرورة اختصاص جملة من أفراد المطلق باسم وأحكام لا تثبت في غير الفرد المزبور كالسلم ونحوه، فان هبة الرحم تختص بعدم جواز الرجوع بها، ولم تخرج بها عن اسم الهبة، وحينئذ فكل صدقة هبة ولا عكس وحينئذ فما عن ابن إدريس - من الجزم بأنه لا يبرأ الحالف على الهبة بالوقف ولا بالصدقة لافراد كل باسم، والاصل براءة الذمة، والفرق بين الهبة والصدقة، ومن جملته جواز الرجوع في الهبة على بعض الوجوه دون الصدقة - فيه ما لا يخفى، نعم هو كذلك في الوقف بل وفي الصدقة الواجبة، بل والمندوبة المشخصة باسم كفارة مندوبة ونحوها، دون العطية المتبرع بتمليك عينها قربة إلى الله. وأما العطية ففي المسالك " لا إشكال في تناول العطية المتبرع بها لجميع ما ذكر، لان العطية أعم من تعلقها بالعين والمنفعة، فيدخل في الاولى الهدية والوقف والصدقة، وفي الثانية النحلة والعمرى إلا أنه لا يخلو من إشكال في بعضها كالوقف والعمرى. بل قال فيها أيضا " وربما دخلت الوصية في تعريف الشيخ أيضا، لانها عطية متبرع بها، غايتها أنها بعد الموت، وليس في إطلاق العطية ما يخرجها، ودخولها في الهبة أبعد ". وفيه ما لا يخفى من عدم دخول الوصية في الهبة بل والعطية إلا في العرف المبتذل، ومع فرض كون الحالف من أهله يمكن دعوى اندراجها فيهما. ومما ذكرنا يظهر لك النظر فيما في الدروس أيضا، قال " والهبة تتناول

[ 318 ]

الهدية لا العمرى على الاقرب والوصية والصدقة الواجبة، وفي المندوبة وجهان، وكذا في الوقف، والاقرب المغايرة " إلى آخره. المسألة * (الرابعة:) * * (إذا حلف) * أن يفعل أو أن * (لا يفعل لم يتحقق) * البر ولا * (الحنث إلا بالمباشرة) * التي هي حقيقة الاسناد دون مجازه وإن كان المباشر الوكيل والمأذون والاجير ونحوهم، وكونهم كالمباشر في الحكم الشرعي لا يقتضي جريان حكم اليمين الذي هو تابع لمفاد اللفظ حقيقة أو مجازا، ولعل الامر لايوب عليه السلام بقوله تعالى (1) " وخذ بيدك ضغثا " في امتثال حلفه على أن يضرب زوجته مشعر بما ذكرنا، وحينئذ * (فإذا قال: لا بعت أو لا شريت فوكل فيهما لم يحنث) * لعدم المباشرة، وكذا لو حلف لابيعن أو أشترين مع فرض إرادته مفاد اللفظ، نعم إذا نوى أن لا يفعل على وجه يعم الاذن والامر ونحوهما فلا خلاف في الحنث حينئذ بفعل غيره بأمره به، بل ولا إشكال، فان عموم المجاز من الاستعمال الصحيح المستحسن كعموم الاشتراك، خصوصا في اليمين الذي قد عرفت تصريح النصوص (2) " بأنه على الضمير " بل ظاهر الفاضل في القواعد انصراف الاطلاق عرفا إلى ما يشمل التوكيل، وهو لا يخلو من وجه. هذا كله إذا لم يكن ثم عرف ولو انصرافي. * (أما) * إذا كان كما * (لو قال: لا بنيت بيتا فبناه البناء بأمره أو باستئجاره قيل: يحنث نظرا إلى العرف) * وقواه في المسالك. * (و) * لكن في المتن ومحكي الخلاف والسرائر * (الوجه أنه لا يحنث) * لما سمعته من أن حقيقة الاسناد المباشرة، ولا عرف هنا بحيث هجر المعنى الحقيقي على وجه يكون


(1) سورة ص: 38 - الاية 44. (2) الوسائل الباب - 17 و 21 - من كتاب الايمان.

[ 319 ]

استعماله فيه مجازا، ضرورة الصدق حقيقة لو بنى بنفسه، فالعمل حينئذ بالحقيقة والاستصحاب لحكمها أولى. وفي المسالك بناء هذه المسألة تجميع أفرادها على ترجيح المجاز اللغوية إلا مع معارضة العرف والشرع على وجه تهجر اللغوية، فلا إشكال في ترجيح العرفية حينئذ، قال: " وإن بقيت مستعملة مرجوحة فوجهان مبنيان على ترجيح المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة، وإن استويا في الاستعمال صار حينئذ كالمشترك في المنع، من ترجيح أحد أفراده بغير قرينة أو الحمل على الجميع على قول، وهذه المسألة ترجع إلى جميع هذه القاعدة ". قلت: قد ذكرنا في الاصول ما يستفاد منه النظر فيما ذكره من القاعدة كما أنه قد تكرر منا في هذا الكتاب أن الانسياق العرفي من اللفظ تحمل عليه عبارة الحالف وإن لم يكن من الحقيقة، فمع فرض كون الحالف أراد مفاد إطلاق " لا بنيت " والفرض أنه شامل لما كان بأمره لا محيص عن العمل به، خصوصا إذا كان ممن لا يحسنه، وكذا غيره من الصناعة كالحياكة والصياغة إلا إذا قصد جعل العنوان الحقيقة الاسنادية، كما هو واضح بأدنى تأمل، ومنه يعلم ما في كلام المصنف فتأمل. ولو باع الحالف على نفيه فلا إشكال في الحنث وإن انعقد البيع، كما صرح به في المسالك بل ظاهره المفروغية عنه، قال: " لان النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد، خصوصا إذا كان النهي لو صف خارج كما هنا ". قلت: قد ذكرنا في الاصول أن النهي عن المعاملة لنفسها أو لجزئها يقتضي الفساد عرفا، ويمكن كون الفرض منها باعتبار كونه نفسه مخالفة لليمين، نحو المعاملة المشمتلة على المعاونة في الاثم، بل قد يقال: إن اليمين والنذر والشرط قاطعة لسلطنة المالك عن التصرف المنافي لمتعلقها، خصوصا تعلقها بحق الغير كنذر الصدقة والعتق واشتراطهما أو الحلف عليهما، وحينئذ لو خالف وباع بطل بيعه، ولتحقيق المسألة محل آخر.

[ 320 ]

ثم إنه بناء على اقتضاء اليمين الفساد لو حلف لا يبيع يكون متعلق اليمين البيع الصحيح لو لا اليمين، فيتحقق حينئذ بكل صحيح لولا اليمين لا البيع الصحيح، وإلا لزم الجمع بين النقيضين، لانه يلزم من ثبوت اليمين نفيها، والله العالم. * (ولو قال: لا ضربت فأمر بالضرب لم يحنث) * لنحو ما سمعته في نحو " لا بعت " و " لا اشتريت " الذي لم يعارضه عرف * (و) * لو انسياقا نعم * (في) * قول * (السلطان) * ونحوه ممن عادته أو عادة صنفه عدم مباشرة الضرب * (تردد) * مما عرفته في " لا بنيت " * (أشبهه) * عند المصنف * (أنه لا يحنث إلا بالمباشرة) * لنحو ما سمعته منه في نحو " لا بنيت " وقد عرفت أن الاشبه خلافه. * (ولو قال: لا أستخدم فلانا فخدمه بغير إذنه لم يحنث) * لان الاستفعال حقيقة في طلب الفعل، وورود " استقر " بمعنى " قر " و " استوقد " بمعنى " وقد " غير مناف لكون الحقيقة ما ذكرنا، على أن الحلف إنما يتعلق بفعل نفسه، وخدمة الغير بلا طلب منه ليس من فعله، فلا يتعلق به يمين. * (ولو توكل) * الحالف على أن لا يبيع ولا يشترى * (لغيره في البيع والشراء ففيه تردد والاقرب الحنث) * كما في القواعد * (لتحقق المعنى المشتق منه) * إلا مع قصد نفيهما لنفسه، أو كان المنساق من إطلاقهما عرفا ذلك، كما في نحو " لا أتزوج " ولا أنكح " إذ لا يقال للوكيل: إنه تزوج أو نكح، نعم لو قال: " لا ازوج " و " لا انكح " من الانكاح حنث قطعا، ولعل التردد من التردد في الانسياق المزبور من إطلاقهما، ومع الشك فالاصل إرادة النفي مطلقا.

[ 321 ]

المسألة * (الخامسة:) * * (لو قال:) * والله * (لا بعت الخمر فباعه قيل: لا يحنث) * لما عرفت من انسياق البيع الصحيح المتعذر في الفرض، بل قد سمعت دعوى كون البيع حقيقة فيه. * (ولو قيل يحنث كان حسنا) * بل هو المحكي عن الاكثر * (لان اليمين) * فيه وفي أمثاله * (ينصرف إلى صورة البيع) * صونا للكلام عن الهذر * (فكأنه حلف لا يوقع الصورة وكذا لو قال: لا بعت مال زيد قهرا) *. نعم في المسالك " على هذا التقدير هل يشترط اجتماع شرائط الصحة لولاه ؟ قيل: نعم لانه أقرب المجازات إلى الحقيقة، فيحمل عليه عند تعذرها، ويحتمل عدمه، للاصل ووجود الصورة على التقديرين " وفي القواعد أن الاول أقرب. قلت: لا يخفى عليك قوة الثاني، ضرورة تحقق اسم البيع فيه. * (ولو حلف ليبيعن الخمر) * حقيقة * (لم تنعقد يمينه) * لتعذره. ولو حلف لا يبيع حنث بالبيع مع الخيار، بل في كشف اللثام " قلنا بالانتقال بمجرده أو لا، لان البيع إنما هو العقد " بل فيه وفي القواعد " وبالبيع المختلف فيه صحة وفسادا كوقت النداء ما لم يعلم حاله من الصحة والفساد، بأن لا يكون مجتهدا ولا يمكنه الرجوع إلى مجتهد يرجح أحد الرأيين أو يكون مجتهدا مترددا فيهما، وذلك لان الاصل الصحة، فيحكم بها ما لم يعلم الفساد وإن كان الاصل عدم الحنث " قلت: ولا يخلو بعض ذلك من نظر.

[ 322 ]

* (المطلب الخامس) * * (في مسائل متفرقة) * * (الاولى:) * * (إذا لم يعين لما حلف وقتا) * كان وقته العمر ف‍ * (لم يتحقق الحنث إلا عند غلبة الظن ب‍) * عدم التمكن منه بعد هذا الوقت لظن * (الوفاة) * أو غيره بناء على ان الامر المطلق لا يقتضي فورا ولا تراخيا * (ف‍) * متى ظن * (يتعين قبل ذلك الوقت بقدر إيقاعه كما إذا قال:) * والله * (لاقضين حقه، لاعطينه شيئا لاصومن لاصلين) * ونحو ذلك، فان لم يفعل أثم بالتأخير، ثم إن مات قبل فعله وكان مما يقضي قضي عنه وإلا فات كما لو حلف ليكلمن زيدا فمات قبله، ولو فرض كذب ظنه بأن زال المرض الذي ظن إيصال الموت به أو نحو ذلك فالظاهر بقاء حكم اليمين، ولا يحنث وإن أثم بالتأخير، للاصل ولان التضييق إنما جاء بأمر عارض لا بأصل اليمين، بخلاف المعين بأصله. ومثله إذا عين وقتا للمحلوف عليه وكان أوسع منه، فانه يكون حينئذ كالواجب الموسع في جواز التأخير إلي آخر الوقت، فلو فرض حصول ظن الضيق قبل انتهاء الوقت فلم يفعل وبان كذب ظنه بقي على حكم التوسعة الاولى، وكذا الحكم في الموسع الاصلي كالصلاة، ولا يقوم الضيق لعارض الظن مقام الوقت المضيق ولا خروجه بخروج الوقت، كما هو واضح نعم أصل التوسعة المزبورة في الاوامر المطلقة محل بحث وإن كان هو الاشهر أو المشهور بين الاصحاب، بل لم يذكر في المسالك في مقابله إلا قولا

[ 323 ]

نادرا، وهو أنه يتعين فعله أول أوقات الامكان قال: " نظرا إلى اقتضاء الامر المطلق الفور - ثم قال -: وهو ممنوع ولو سلم لم يلزم مثله في اليمين " لكن ربما قيل بتجديد الاوامر المطلقة التي منها الامر بوجوب الوفاء بالحلف بالوصول إلى حد التهاون والتكاسل عنه عرفا. وفيه أن ذلك ليس غاية يتضيق بها الفعل من حيث فوات الوقت وإن قلنا بحرمته التي يمكن التخلص منها بالعزم على الفعل والاخذ بأدائه وإن تضيق، نعم لو فرض توقف ارتفاع التهاون على الفور بأدائه وجب، وهو أمر آخر غير التضييق بفوت فوات الوقت فتأمل. وقد أشبعنا الكلام فيه في الاصول. ولا يخفى عليك ما في قوله: " ولو سلم لم يلزم مثله في اليمين " ضرورة كون البحث فيه كغيره من الامر المطلق، إذ لا دليل بالخصوص فيه يخرجه عن حكم الامر المطلق، أللهم إلا أن يدعى ظهور بعض نصوص اليمين مضافا إلى الاجماع على عدم الفور فيه، والله العالم. المسألة * (الثانية:) * * (إذا حلف ليضربن عبده) * مثلا * (مائة سوط قيل) * والقائل الشيخ في محكي مبسوطه وخلافه وتبيانه: * (يجزئ) * ضربة واحدة ب‍ * (الضغث) * بالكبس الذي فيه العدد من الشماريخ أو الاسواط، بل عنه في الخلاف الاجماع صريحا، وفي الاخيرين ظاهرا، وعن القاموس " هو قبضة حشيش مختلط الرطب واليابس ". وفي المسالك " هو لغة مل ء اليد من الحشيش ونحوه - ثم قال -: والمراد هنا ضربة بقبضة تشتمل على عدد من القضبان والسياط ونحوهما، ووجه الاجزاء ما في قصة أيوب عليه السلام حين حلف ليضربن زوجته مائة من قوله تعالى (1): " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " الظاهر في تحقق متعلق اليمين المقتضي


(1) سورة ص: 38 - الاية 44

[ 324 ]

لعدم الحنث بضربها بعذق فيه مأة شمراخ، ولان الضرب حقيقة هو وقوع المضروب به على المضروب بقوة بفعل الضارب وقد حصل، بل حصل صدق الضرب مائة باعتبار كون المضروب بالعدد المزبور " بل في كشف اللثام " لا خلاف في أنه لو حلف ليضربنه مائة ضربة بر به لان لكل شمراخ ضربة ". نعم يبقى الكلام في صدق اسم السوط به في مفروض المثال الذي لا يتحقق إلا بضغث يشتمل على مائة سوط، بناء على أن المراد به الحزمة مما يضرب به سوطا كان أو غيره، فيكون متعلق اليمين في المثال حزمة تشتمل على مائة سوط، أما لو فرض كون المحلوف عليه لاضربنه مائة اكتفى بالعذق ذي الشماريخ، بل العدد المزبور، بل لم يستبعد في كشف اللثام صدق اسم السوط حقيقة على الشماريخ. وكيف كان فلا يخفى عليك قوة القول المزبور على هذا التقدير، ضرورة صدق اسم الضرب مائة وإن كان دفعة، واعتبار دعوى التعاقب ممنوعة، بل كادت الاية (1) تكون صريحة بخلافه مضافا إلى العرف. ولكن مع ذلك قال المصنف وتبعه غيره: * (والوجه انصراف اليمين إلى الضرب بالالة المعتادة كالسوط) * وظاهره مخالفة الشيخ في الاكتفاء بالضرب بالضغث،. وهو ليس من الالة المعهودة، ولا يندرج فيه السوط لا من حيث التعاقب والدفعة، * (و) * قد عرفت اندفاعه بارادة القبضة مما يسمى سوطا مقدار مأة من الضغث هنا، فلا مناقشة من هذه الجهة، مضافا إلى عطفه * (الخشبة) * على السوط المقتضي للاجتزاء بها في مفروض المثال الذي هو الضرب مائة سوط، ولا وجه له إلا بدعوى إرادة ما يشملها من السوط، وهي ليست بأولى من الدعوى الاولى، فتأمل جيدا. ثم قال: * (نعم مع الضرورة كالخوف على) * تلف * (نفس المضروب يجزئ الضغث) * وكأنه أخذه مما ورد من الاجتزاء به في الحدود في الحال المزبور، قال 1


(1) سورة ص: 38 - الاية 44.

[ 325 ]

حنان بن سدير (1) عن الصادق عليه السلام " إن رسول الله صلى الله عليه واله اتي برجل أجنبي قد استسقى بطنه وبدت عروق فخذيه وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله فاتى بعرجون فيه مأة شمراخ فضربه به ضربة وخلى سبيله " وذلك قوله تعالى (2) " وخذ بيدك ضعثا فاضرب به ولا تحنث " ولكنه كما ترى إنما هو في خصوص الحدود التي يمكن ترتب الشارع الاجتزاء بالمصداق فيها على حالى الاختيار والاضطرار، ولا يقاس عليها اليمين بعد فرض الصدق اختيارا خصوصا وظاهر قصة أيوب عليه السلام ذلك في الاختيار، فلا وجه لقصر ذلك على حال الاضطرار كما في الحدود نعم يبقى إشكال اسم السوط في خصوص المثال، وقد عرفت الحال فيه. وكيف كان فلو كان المحلوف عليه الضرب أجزأه مسماه وإن كان لا يكفى فيه وضع اليد والسوط ورفعهما والعض والقرض والخنق ونتف الشعر، خلافا لابي علي فقال بالحنث بالعض والخنق والقرص ولابي حنيفة قال بالحنث بالاولين ونتف الشعر (3) نعم في الوكز واللكز واللطم وجهان، أجودهما اعتبار صدقه عرفا. وهل يشترط فيه الايلام ؟ قيل: لا، بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه، لانقسام الضرب إلى المؤلم وغيره، والمقسوم صادق على أقسامه حقيقة، والعام لا يدل على الخاص، ولصدق سلبه عنه، فيقال: ضربه ولم يؤلمه، وهو يقتضي نفي اللزوم، ويخالف الحد والتعزير حيث يعتبر فيهما الايلام بسبب أن الغرض هناك الزجر


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1 من كتاب الحدود. (2) سورة ص: 38 - الاية 44. (3) هكذا في النسختين الاصليتين وفى العبارة تشويش، حيث ان الكلام في تحقق المحلوف عليه بهذه المعدودات وعدمه، فليس القول بالحنث ببعضها خلافا في المسألة

[ 326 ]

الذي لا يحصل إلا به، بخلاف اليمين المعلقة بمصداق الاسم. وقيل: يشترط الايلام كما في القواعد، للعرف ولان اليمين لا تنعقد إلا مع رجحان الضرب بسبب حد أو تعزير أو تأديب، ولا يحصل الغرض بدونه، وفيه أن هذه قرائن، والكلام في جعل متعلق اليمين مسمى الضرب، وإلا فمع القرائن لا يحنث. * (هذا) * كله مع فرض انعقاد اليمين على وجه يقتضى الحنث لو لم يفعل، كما * (إذا كان الضرب) * ل‍ * (مصلحة) * دينية * (كاليمين على إقامة الحد أو التعزير المأمور به) * البالغ مائة سوط أو دونه. و * (أما التأديب على شئ من المصالح الدنيوية فالاولى العفو ولا كفارة،) * لعدم الانعقاد حينئذ باعتبار أن تركها خير منها، ولخصوص خبر محمد بن العطار (1) المنجبر بالشهرة كما في المسالك، قال: " سافرت مع أبي جعفر عليه السلام إلى مكة فأمر غلامه بشئ فخالفه إلى غيره، فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لاضربنك يا غلام، قال: ولم أره ضربه، فقلت: جعلت فداك إنك حلفت لتضربن غلامك فلم أرك ضربته، فقال: أليس الله يقول وإن تعفوا أقرب للتقوى (2) " بل منه يستفاد الاستدلال أيضا بالاية وإن كانت مساقة لغير ذلك. بقي شئ وهو أن ظاهر قول المصنف وغيره. الاولى جواز فعل المحلوف عليه من حيث إنه محلوف عليه، بل صرح الكركي في حاشيته بأن المراد منه الافضل، وفي غاية المراد " ليست هذه الاولوية من الاولويات الدالة على خلاف أو وجه في المسألة، بل المعنى الاولى لهذا الحالف أن يعفو، لا الاولى في الحكم أن يكون كذا، ويحتمل فيه غير ذلك " قلت: لعل المراد منه بيان عدم انعقادها أو انحلالها، لان العفو خير.


(1) الوسائل الباب - 38 - من كتاب الايمان الحديث 1 (2) سورة البقرة: 2 - الاية 237.

[ 327 ]

* (و) * كيف كان ف‍ * (يعتبر في الضغث) * حيث يجتزأ به عن الضرب مائة * (أن يصيب كل قضيب جسده) * كما صرح به غير واحد، ليتحقق صدق الضرب به، لكن في المسالك " سيأتي في باب الحدود عدم اشتراط وصولها إليه أجمع، ويكفي انكباس بعضها على بعض، بحيث يناله ثقل الكل، وهنا أولى بالحكم، لما تقدم من أن المقصود من الحد الردع، وهنا الاسم، والاية (1) تدل عليه، ومن المستبعد في العدد المجتمع إصابة جميعه للبدن، خصوصا إذا اجتمعت المائة كما ذكروه، والوجه التسوية بين الامرين، وحيلولة بعضها ببعض مع إصابة ثقلها كحيلولة الثياب وغيرها مما لا يمنع تأثير البشرة بالضرب، والغرض هنا التخفيف ومراعاة المسمى، كما تدل عليه الاية (2) فالاكتفاء بذلك أولى ". قلت: هذا الكلام على طوله لا حاصل له، ضرورة عدم جريان ما ثبت في الحدود بدليل خاص في المقام المعتبر فيه صدق المحلوف عليه، فمع فرض عدم الصدق للضرب مائة إلا مع إصابتها اجمع على وجه يتحقق الضرب بها لا يكفي وإن اكتفي بها في الحد للتخفيف بدليله. نعم قد يقال: لا يعتبر في صدق الضرب بالضغث ذلك لو كان هو الملحوف عليه، فان المتعارف من الضرب به هو كبسه أجمع ثم الضرب به، وحينئذ لا يحتاج إلى ذكر حكم الحد، وفرق واضح بين الحلف على الضرب مائة وبين الحلف على الضرب بالضغث، بل وبين الضرب بمائة سوط وبينه أيضا. لكن في القواعد الاقرب الاجتزاء بالثاني عن الاول أي لغير ضرورة، وفي كشف اللثام " لانه إنما أفاد كون الالة مائة - ثم قال -: ويحتمل العدم ضعيفا بناء على تبادر التعاقب " ولا يخفى عليك ما في الجميع. * (و) * على كل حال يبر بالسوط الواحد مائة مرة فيما لو حلف على الضرب بمائة إلا أن ينوى ما لا يشمل ذلك، إذ قد يراد ذلك. هذا وفي القواعد وظاهر كشف اللثام أنه * (يكفي ظن وصولها إليه) *


(1 و 2) سورة ص: 38 - الاية 44.

[ 328 ]

ولعله لعموم الاية (1) والخبر (2) ومناسبة التخفيف، لانه يتعسر حصول (تحصيل خ ل) العلم مع الضرب دفعة، ولكن الجميع كما ترى، ضرورة عدم دليل على الاجتزاء بالظن بعد فرض اعتبار وصول الجميع إلى الجسد، والاية والخبر إنما يدلان على صدق الضرب به عرفا، لا على الاجتزاء بالظن، ولعله لذا يحكي عن بعض العامة القول باعتبار العلم. * (و) * كيف كان فقد عرفت أنه * (يجزئ ما يسمى به ضاربا) * وأنه لا يجزئ الوضع، والله العالم. المسألة * (الثالثة:) * * (إذا حلف لا ركبت دابة العبد لم يحنث بركوبها) * مع فرض إرادة حقيقة الاضافة بناء على أنها الملك * (لانها ليست له حقيقة وإن اضيفت إليه فعلي المجاز) * نعم إذا أراد الاختصاص لا إشكال في الحنث، بل قد يقوى ذلك مع الاطلاق، لدلالة العرف عليه، وفي الدروس " الاضافة إلى العبد تقتضي التمليك إن قلنا يملك، وإن أحلنا ذلك أمكن حمله على المنسوب إليه كالدابة، إعمالا للفظ في مجازه عند تعذر الحقيقة، وحمله على ما سيملكه بعد عتقه أو كتابته اقتصارا على الحقيقة الممكنة في الجملة بخلاف الدابة، فانه لا يتصور لها ملك " قلت: لا يخفى عليك ما في الاحتمال الاخير وإن جزم في القواعد بالحنث بركوب الدابة التي يملكها العبد بعد العتق، لكنه واضح الضعف، ضرورة عدم صدق دابة العبد حقيقة، هذا كله إذا كان متعلق يمينه دابة العبد. * (أما لو قال: لا ركبت دابة المكاتب حنث بركوبها لان تصرف المولى


(1) سورة ص: 38 - الاية 44. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 329 ]

ينقطع عن أمواله) * بل هو مالك وإن كان ملكا متزلزلا * (و) * لكن مع ذلك * (فيه تردد) * مما عرفت ومن عدم تمامية الملك، ولذا يمنع من التصرف فيه بغير الاكتساب، مع أنه بمعرض أن يعود رقا، فيرجع ماله إلى مولاه. وربما فرق بين المطلق والمشروط، فيحنث بالاول دون الثاني، والحق الحنث مطلقا للصدق عرفا على وجه لا ينافيه الحجر عليه، كما لا ينافي ملكية الحر الحجر عليه بأحد أسبابه، بل الظاهر تحقق حقيقة الاضافة بهذا القدر من الملك، والله العالم. المسألة * (الرابعة:) * * (البشارة اسم للاخبار الاول بالشئ السار) * وإطلاقها على غيره نحو " فبشرهم بعذاب أليم " (1) مجاز بخلاف الاخبار، فانه صادق على السار وغيره، وبما وقع أولا وغيره، نعم لا فرق فيها بين المتحد والمتعدد، وإذا أخبروا دفعة * (ف‍) * حينئذ * (لو قال:) * والله * (لاعطين من بشرني بقدوم زيد) * مثلا * (فبشره جماعة دفعة استحقو) * ها، * (ولو تتابعوا كانت العطية للاول) * لان خبره البشارة دون غيره. * (وليس كذلك لو قال: من أخبرني، فان الثاني مخبر كالاول) * كما هو واضح. المسالة * (الخامسة:) * * (إذا قال: أول من يدخل داري فله كذا فدخلها واحد) * بعد اليمين أو جماعة * (فله) * ما حلف * (وإن لم يدخل غيره) * لان المراد بالاول الذي لم يسبقه غيره، سواء لحقه غيره أو لا، وإن كان قد ينساق الاول، كما عن بعض العامة


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 21 وسورة التوبة 9 - الاية 34 وسورة الشقاق: 84 - الاية 24.

[ 330 ]

اختياره، إلا أن التحقيق خلافه، فيصدق على المفروض أنه أول داخل، لكن عن المبسوط إن قال: أول من يدخل الدار من عبيدي حر فدخل اثنان معا ودخل ثالث لم ينعتق الاثنان، لانه لا أول منهما، ولا الثالث، لانه ليس بأول، فان قال: أول من يدخلها من عبيدي فهو حر (1) فدخلها اثنان معا وثالث بعدهما تحرر الثالث وحده، لانه أول داخل وحده، وقد روى في أحاديثنا أن الاثنين ينعتقان لانهم رووا (2) أنه إذا قيل أول ما تلده الجارية فهو حر فولدت توأمين أنهما ينعتقان، وظاهره اعتبار الواحد في الاول، وربما أشعر به عبارة المتن، ولكنه في غير محله، ضرروة صدق الاول على الواحد والجماعة. * (و) * كيف كان ف‍ * (لو قال: " آخر من يدخل " كان لاخر داخل) * وهو الذي لم يلحقه غيره، وهو وإن كان مطلقا يتحقق بما بعد موته ما دامت الدار باقية إلا أنه كان لاخر داخل * (قبل موته لان إطلاق الصفة يقتضي وجودها في حال الحياة) * بشهادة العرف، خصوصا بعد ما في المسالك من أن أضافة الدار إليه تقتضي الملك، ولا يتحقق بعد الموت، فالجمع بين الاخير وكون دخوله لدار الحالف يقتضي وجود صفة الدخول حال الحياة، لتحقق دخوله داره، وأيضا فقوله: " وله كذا " يقتضي ثبوته في ذمته على تقدير الدخول، ولا يتحقق ذلك إلا في حال الحياة لان الميت لا يثبت في ذمته شئ إلا في مواضع نادرة ليس هذا منها وإن كان لا يخلو من نظر فتأمل ولو فرض عدم دخول غير الواحد إلى أن مات كان له جعل الاول، لعدم صدق الاخر عليه، إذ الظاهر اعتبار مسبوقيته بغيره، وإلا كان الاول والاخر واحدا، والله العالم.


(1) هكذا في النسختين الاصليتين الا ان الموجود في المبسوط " من عبيدى وحده فهو حر " وهو الصحيح فان هذا القيد هو الفارق بين الصورتين. (2) الوسائل الباب - 31 - من كتاب العتق الحديث 1 والمستدرك الباب - 27 - منه الحديث 1 و 2.

[ 331 ]

المسالة * (السادسة:) * * (إذا حلف لا شربت الماء أو لا كلمت الناس تناولت اليمين كل واحد من أفراد ذلك الجنس) * لان الماء اسم جنس معرف يتناول القليل والكثير والعذب والمالح إلا أن يكون هناك انسياق للاول من الشرب، وأما الناس فهو وإن كان جمعا وقد قيل إن مقتضاه لغة عدم الحنث بكلام واحد، نحو قوله: " لا كلمت ناسا ورجالا " لكن قد حققنا في الاصول أن الجمع المعرف باللام يقتضي الاستغراق الافرادي، أو هو كاسم الجنس المعرف، فإذا قال: " لا أتزوج النساء " أو " لا أشتري العبيد " يحنث بتزويج امرأ واحدة وشراء عبد واحد، والله العالم. المسالة * (السابعة:) * * (اسم المال يقع على العين) * لغة وعرفا إجماعا، بل * (والدين) * عندنا وعند الاكثر من غيرنا على ما حكي * (الحال) * منه * (والمؤجل) *، فيقال: " مال فلان ديون على الناس " و " استوفى فلان ماله من فلان " وشبه ذلك، خلافا لبعض العامة فخصه بالزكوي وآخر فخصه بالعين، وثالث فخصه بما عدا المؤجل والجميع كما ترى. وحينئذ * (فإذا حلف ليتصدقن بماله لم يبر إلا بالجميع) * حتى ثياب بدنه ودار سكناه وعبيد خدمته وغيرها وإن استثنيت من وفاء الدين لدليله، إذ المدار هنا على الاسم الشامل للجميع وللعبد الابق والمال الضال والمغصوب والمسروق والمدبر والموصى به والمعلق عتقه على صفة وام الولد، بل والمكاتب بقسميه وإن قيل فيه وجهان ناشئان من قوله صلى الله عليه واله (1): " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " ومن


(1) المستدرك الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 6 وفيه " المكاتب رق. "

[ 332 ]

أنه كالخارج عن ملكه، لعدم ملكه لمنافعه ولارش الجناية عليه، وربما فرق بين المشروط والمطلق، فيدخل الاول دون الثاني، بل هو خيرة الدروس، ولو كان يملك منفعة بوصية أو إجارة ففي دخولها في إطلاق المال وجهان أظهرهما ذلك، ولهذا يصرف في الدين، أما حق الشفعة والاستطرق فلا، وأرش الجناية خطأ أو عمدا إذا عفى على مال من جملة أفراده، والله العالم. المسالة * (الثامنة:) * * (يقع على القرآن اسم الكلام) * عند الاكثر على ما في المسالك، فإذا حلف أن لا يتكلم حنث بقراءة القرآن حينئذ لقوله تعالى (1) " حتى يسمع كلام الله " ولان الكلام لغة وعرفا هو المشتمل على الحروف الهجائية قليلا كان أو كثيرا مهملا كان أو مستعملا. وكذ التسبيح والتهليل والدعاء والذكر وغيرها من النظم والنثر، وقد قال. رسول الله صلى الله عليه واله (2): " أفضل الكلام أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " " ولا إله إلا الله كلمة ثقيلة في الميزان خفيفة على اللسان " (3) ولا ينافي ذلك قوله تعالى (4): " آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثير وسبح بالعشي والابكار " بعد معلومية كون المراد منه الكلام مع الناس لا مطلق الكلام، كما لا ينافيه عدم انقطاع الصلاة به كقراءة القرآن


(1) سورة التوبة: 9 - الاية 6. (2) صحيح البخاري ج 8 ص 173 ط مصر. (3) يستفاد مضمونه مما رواه في البحار ج 93 ص 175 فراجع. (4) سورة آل عمران: 3 - الاية 41.

[ 333 ]

بعد أن كان العنوان لقطعها قوله صلى الله عليه واله (1): " لا يصلح فيه شئ من كلام الادميين " نعم لو فرض انسياق عرفي ولو من القرائن إرادة خصوص كلام الادميين لم يحنث حينئذ بغيره. * (و) * حينئذ فما * (قال‍) * ه * (الشيخ) * قدس سرة من أنه * (لا يقع) * اسم الكلام * (عرفا) * على القرآن ووافقه عليه الفاضل في محكي الارشاد لا يخلو من نظر إلا إذا كان المراد الانسياق عرفا في الجملة * (و) * إلا ف‍ * (هو يشكل ب‍) * ما عرفت من * (قوله تعالى (2) حتى يسمع كلام الله) * تعالى شأنه وغيره، أو يريد عدم الحنث، لعدم انعقاد اليمين، لانه غالبا طاعة أو غير ذلك. * (و) * كيف كان ف‍ * (لا يحنث بالكتابة والاشارة لو حلف لا يتكلم) * قطعا لعدم تسميتهما كلاما لغة ولا عرفا، بل يصح أن يقال: ما كلمه وإنما كاتبه وأشار إليه، وقد قال تعالى شأنه (3): " إني نذرت للرحمن صوما، فلن اكلم اليوم إنسيا فأشارت إليه " ولو أن الاشارة كلام لحنث بنذرها. خلافا للمحكي عن جماعة من العامة، فحكموا بالحنث بذلك، لقوله تعالى (4): " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا " فاستثنى الرسالة من التكليم، فيدخل الاخيران بطريق أولى، وكذا يدخل الرمز في الكلام في الاية السابقة، لاصالة الاتصال في الاستثناء. والكل كما ترى بل لا يدخل فيه إشارة الاخرس وإن جرى عليه حكم الكلام في كثير من المقامات، لكن لا تدخل بذلك تحت اسمه في المفروض ونحوه، ولو


(1) المستدرك الباب - 21 - من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2 من كتاب الصلاة. (2) سورة التوبة: 9 - الاية 6. (3) سورة مريم: 19 - الاية 26. (4) سورة الشورى: 42 - الاية 51.

[ 334 ]

قال: " لا كلمتك فتنح عني " حنث بخلاف ما لو قال: " أبدا " أو " الدهر " أو " ما عشت " أو " كلاما حسنا " أو " قبيحا " ونحو ذلك مما هو متعلق اليمين، بل لا يعد تكليما له. ولو قال: " لانك حاسد " أو " مفسد " ففي القواعد إشكال، ولعله من الدخول في الجملة القسمية وعدم الاستقلال، ومن أن اليمين تمت قبله مع اشتماله على الحكم والخطاب لغة. قلت: إلا أن يكون المراد غير ذلك ونحوه من الكلام الملحق باليمين. وكذا لو شتمه مواجهة حنث إلا أن يريد كلام موادة. ولو حلف على المهاجرة حنث بالمكاتبة والمراسلة وإن قال الفاضل في القواعد على إشكال، ولعله من الاشكال في شمول المهاجرة لترك جميع ذلك، فانها قطع الموادة، وهي تحصل بكل من ذلك، ولا يعلم أنه حلف على قطع جملة مراتبها أو بعضها، فان الكلام موجب لفظا منفى معنى، فان اعتبر اللفظ كفى نوع من القطع، وإن اعتبر المعنى لزم القطع جملة، لكن لا يخفى عليك أن الظاهر الثاني، ولعله لذا جزم به في الارشاد. ولو حلف أن لا يكلمه فكلم غيره بقصد إسماعه لم يحنث نعم لو ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته ففي القواعد حنث أما لو كلمه حال نومه أو إغمائه أو غيبته أو موته أو صممه لم يحنث، لكن يحنث لو كلمه حال حياته، كما أنه يحنث لو سلم عليه، ولو صلى به إماما لم يحنث إذا لم يقصده بالتسليم كما في القواعد، بل وإن قصده، لعدم الصدق عرفا، والله العالم. المسالة * (التاسعة:) * اسم * (الحلي) * مفردا بفتح الحاء وسكون اللام * (يقع على الخاتم واللؤلوء) * فضلا عن السوار والخلخال وغيرهما. * (فلو حلف لا يلبس الحلي حنث

[ 335 ]

بلبس كل واحد منهما) * للصدق عرفا ولخصوص قوله تعالى في اللولوء (1): " وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " خلافا لبعض العامة، فذهب إلى عدم تناول اسمه للؤلوء، بل قطع به في الدروس، وهو غريب، بل عن التحرير أن العقيق والشيح يسمى حليا في السوار، بل من أفراده الدراهم والدنانير على بعض الاحوال التي تستعملها النساء في الزينة، ولو كان متعلق يمينه الحلي معا بضم الحاء أو كسرها وكسر اللام وتشديد الياء فقد عرفت الحنث في مثله من الجمعع المعرف بكل واحد من أفراده بخلاف الجمع المنكر والمثنى، فانه لا يحنث إلا بمسماهما، وقد سمعت الكلام في الايلاء لو قال لزوجاته، " لا وطأتكن " فلاحظ وتأمل. المسالة * (العاشرة:) * * (التسرى) * في عرفنا * (هو وطء الامة) * ولو مع عدم الانزال كما في الدروس * (وفي اشتراط التخدير) * مع ذلك * (نظر) * أقربه العدم، لان التسري من السر الذي هو الوطء، قال امرئ القيس: فقد زعمت سياسة القوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي (2). خلافا لبعض فقال يحصل بثلاثة امور: ستر الجارية عن أعين الناس، وهو المعبر عنه بالتخدير، والوطء، والانزال، ولاخر فقال: يكفى الستر والوطء، وعن المبسوط اعتبار الوطء والانزال، ولعل ذلك كله لاختلاف العرف باختلاف الازمنة والامكنة، والله العالم.


(1) سورة النحل: 16 - الاية 14. (2) والموجود في ديوان امرئ القيس المطبوع في مصر عام 1378 ص 159 ألا زعمت بسباسة اليوم أننى كبرت وأن لا يحسن السر أمثالى

[ 336 ]

المسالة * (الحادية عشرة:) * * (إذا حلف لاقضين دين فلان) * مثلا * (إلى شهر كان غاية) * عرفا فيجب أن يكون القضاء قبل انقضائه، لان " إلى " للغاية وبيان الحد، وهي خارجة عن المغيا إما مطلقا أو هنا بالقرينة، ولو لكونه منفصلا محسوسا. وربما قيل بجواز تأخيره إلى أن يهل، كما لو قال: " عند الهلال " لان " إلى " كما تكون للغاية تكون بمعنى " مع " كقوله تعالى (1) " من أنصاري إلى الله " أي معه، فلا يحنث حينئذ بالشك. وفيه أنه مناف للعرف الذي مقتضاة كون الشهر ظرفا للاداء وآخره آخر الوقت المعين باليمين، لا أن الهلال وقت له دون ما قبله الذي هو مقتضى الثاني، وحينئذ فيجب احضار الحق متصلا بالهلال، فيدفعه عنده من غير تقديم ولا تأخير، حتى لو قدم عليه لم يبر كمن حلف على أكل الطعام غدا فأكله أو أتلفه قبله، ولا ريب في عدم فهم العرف ذلك عند الاطلاق، نعم لو قصده دين به. * (ولو قال:) * لاقضين دينه * (إلى حين أو زمان قال الشيخ: يحمل على المدة التي حمل عليها نذر الصيام) * وهي الستة أشهر في الاول والخسمة في الثاني، لانه عرف شرعي ناقل عن الوضع اللغوي. * (وفيه إشكال) * بل منع * (من حيث هو تعد عن موضع النقل) * ولم يصل إلى حد الحقيقة الشرعية، خصوصا بعد استعماله في الشرع في غير ذلك، كقوله تعالى (2): " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " " ولتعلمن نبأه بعد


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 52 وسورة الصف: 61 - الاية 14. (2) سورة الروم: 30 - الاية 17.

[ 337 ]

حين " (1) " فذرهم في غمرتهم حتى حين " (2) المفسر في الاخيرين بيوم القيامة، و " هل أتى على الانسان حين من الدهر " (3) المفسر بتسعة أشهر الحمل أو الاربعين سنة بناء على أنه إشارة إلى آدم حيث صور من حمأ مسنون وطين لازب ثم نفخ فيه الروح أربعين سنة. بل في المسالك شارحا لعبارة المتن أيضا " فهو مشترك ولا يمكن حمله على جميع معانيه اتفاقا، فهو مبهم، وما ورد (4) في النذر مختص به على خلاف الاصل، فلا يتعداه " * (وما عداه إن فهم المراد به) * بقصد اللافظ أو قرينة يدل على تعيين أحد معاني المشترك * (وإلا كان مبهما) * يصلح للقليل والكثير، ولا يحصل الحنث إلا بالموت، لاصلة براءة الذمة فيما عدا ذلك، وكذا القول في الزمان والوقت والدهر والمدة وغيرها مما يدل على الزمان المبهم وإن كان فيه منع واضح، ضرورة كونه من المشترك المعنوي لا اللفظي، وعدم الحنث إلا بالموت من جهة الصدق والله العالم. المسالة * (الثانية عشرة:) * لا خلاف ولا اإشكال في أن * (الحنث) * الموجب للكفارة * (يتحقق بالمخالفة اختيارا) *، بل الاجماع بقسميه عليه * (سواء كان بفعله أو بفعل غيره) * الذي يرجع إليه أيضا * (كما لو حلف لا أدخل بلدا فدخله بفعله أو قعد) * باختياره * (في سفينة فسارت به أو ركب دابة) * مختارا * (أو حمله إنسان) * باذنه، إذ في الجيمع


(1) سورة ص: 38 - الاية 88. (2) سورة المؤمنون: 23 - الاية 54. (3) سورة الانسان: 76 - الاية 1. (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 من كتاب الصوم.

[ 338 ]

يصدق أنه دخل البلد راكبا وعلى ظهر وفي سفينة، بل لو حمله بغير إذنه إلا أنه قادر على الامتناع فلم يمتنع يحنث، لصدق الفعل مختارا عليه وإن احتمل عدمه. بل في القواعد الاشكال فيه، لعدم وجود الدخول منه، وإنما استند إلى غيره، إذ المفهوم من الدخول ما كان باختياره كسائر الافعال المنسوبة إلى المختار، ولا اختيار مع السكوت، فانه إنما يتحقق اختيار الدخول بجعل المركوب آلة فيه، إنما تتعين الالية مع الاذن، إذ بدونه ربما كان المقصود دخول المركوب، وإنما دخل الراكب تبعا وإن قصد في نفسه الدخول، فانه كمن قصد الحنث ولم يحنث. وفي كشف اللثام " يحتمل قويا الاكتفاء بالقصد، فانه بقصده جعل المركوب آلة - ثم قال -: ويمكن تعميم الاذن له وجعل السكوت في مقابله " * (و) * لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الصدق عرفا أنه دخل مختارا. نعم * (لا يتحقق الحنث) * عندنا * (بالاكراه) * الذي تطابق النص (1) والفتوى على عدم تأثير كل سبب شرعي معه، ومنه الفعل الذي هو سبب الكفارة. * (ولا مع النسيان) * للحف مثلا كذلك أيضا * (ولا مع عدم العلم) * بالمحلوف عليه كما لو دخل الدار من لا يعرف أنها المحلوف عليها، لعموم قوله صلى الله عليه واله (2): " رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولان البعث والزجر المقصودين من اليمين إنما يكونان مع اختيار الفعل ذاكرا لليمين، ضرورة أن كل حالف إنما قصد بعث نفسه أو زجرها باليمين، وذلك إنما يكون عند ذكرها وذكر المحلوف عليه حتى يكون تركه أو فعله لاجل اليمين، وهذا


(1) الوسائل الباب - 16 - من كتاب الايمان. (2) الوسائل الباب 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 339 ]

لا تتصور إلا مع القصد إليها والمعرفة بها، وفي الثلاثة لا يتصور بعث ولا زجر، إذ هما في الافعال الاختيارية المعلومة دون غيرها. خلافا لجماعة من العامة، فحكموا بالحنث في الجيمع، لوجود المحلوف عليه مع عدم سقوط الكفارة بالاعذار عندهم، لانه قد يجب عليه أن يحنث نفسه ومع ذلك تلزمه الكفارة، كما لو حلف أن لا يفعل الواجب أو يفعل المحرم، فان اليمين تنعقد عندهم وإن وجب الحنث حينئذ، كما أنه يتسحب لو حلف على ترك المندوب إلى غير ذلك من خرافاتهم المعلوم فسادها في مذهبنا. لكن في خبر علي بن جعفر (1) المروي عن قرب الاسناد وغيره أنه سأل أخاه عليه السلام " عن الرجل يحلف وينسى ما قال، قال: هو علي ما نوى " ولعل المراد منه أنه نسي ذكر ما قال ولكن ذكر ما نوى، أو يكون أنه نسي ما قال لفظا ومعنى ويكون الغرض من الجواب أن اليمين لا يبطل في الواقع، بل هو على ما نوى، فإذا ذكره عمل به، أو يكون أنه إذا نسي ونوى العمل إذا ذكر فله الاجر، وإن نوى عدم العلم بعد الذكر فلا. نعم في المسالك وغيرها " هل ينحل اليمين مع عدم الحنث عندنا بالامور الثلاثة ؟ وجهان، أحدهما نعم، لوجود الفعل المحلوف عليه حقيقة، فكان كما لو حنث عمدا بالنسبة إلى ذلك وإن افترقا بالكفارة وعدمها، فقد حصلت المخالفة وهي لا تتكرر، فإذا خالف مقتضاها بعد ذلك لم يحنث، وقد حكموا في الايلاء لو وطأ ساهيا أو جاهلا ببطلان حكمه مع أنه يمين صريحة، وثانيهما لا، لعدم دخوله الثلاثة تحتها، فالواقع بعد ذلك هو الذي تعلقت به اليمين، فيتحقق به الحنث " وعن الشهيد في قواعده أنه استقرب الاول ونسبه إلى ظاهر الاصحاب وكأنه أخذه من كلامهم في الايلاء. مضافا إلى صدق الاتيان بخلاف اليمين، ضرورة صدق أنه شرب الذي هو خلاف " لا أشرب " حتى في صورة الاكراه التوعدي مثلا التي يمكن دعوى أنحلال


(1) الوسائل الباب - 50 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 340 ]

اليمين فيها من حيث نفسها، باعتبار صيرورة خلاف اليمين جزاء للاكراه، وعدم الحنث الذي يترتب عليه الكفارة باعتبار ظهور أدلتها في غير الفرض لا يقتضي عدم اندارج هذه الافراد في متعلق اليمين، فالاقوى حينئذ الانحلال. نعم ينبغي أن يعلم أن الانحلال إنما يكون مع تعذر الاتيان بالمحلوف عليه، كما لو حلف على عدم إيجاد الطبيعة فأوجدها ونحو ذلك، وهو المراد من قولهم: " إن المخالفة لا تتكرر " أما إذا كان متعلق اليمين صوم كل خميس فانه لا تنحل بالمخالفة في خميس مثلا، لمكان تعدد المحلوف عليه وإن اتحد اليمين، كما يشهد بذلك كلامهم في نذر صوم السنة المعينة والشهر والدهر فلاحظ وتأمل، فانه قد اشتبه الحال على بعض الاعلام، والله العالم. * (النظر الرابع) * * (في اللواحق:) * * (وفيه مسائل) *: * (الاولى:) * * (الايمان الصادقة كلها مكروهة) * لقول الله تعالى (1): " ولا تجعلو الله عرضة لايمانكم " وقول الصادق عليه السلام في خبر أبي أيوب الخزاز (2): " لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فانه يقول عزوجل: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " وفي حسن ابن سنان (1) " اجتمع الحواريون


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 224. (2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الايمان الحديث 5 - 2.

[ 341 ]

إلى عيسى فقالوا له: يا معلم الخير أرشدنا، فقال لهم، إن موسى نبي الله أمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين، وأنا آمركم ولا صادقين " ولسدير (1) " من حلف بالله كاذبا فقد كفر، ومن حلف بالله صادقا أثم، إن الله عزوجل يقول: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم " وخبر علي بن مهزيار (2) قال: " كتب رجل إلى أبي جعفر عليه السلام يحكي له شيئا، فكتب: والله ما كان ذلك وإنى لاكره أن أقول: " والله " على حال من الاحوال، ولكنه غمني أن يقال ما لم يكن " إلى غير ذلك من النصوص. * (وتتأكد الكراهة في الغموس) * المراد بها هنا اليمين الصادقة على الماضي وإن لم يكن ذلك معهودا من معناها، لما عرفته سابقا، لكن في كشف اللثام " عن العين أن اليمين الغموس هي التي لا استثناء فيها " وظاهره المستقبل أيضا لا الماضي. وعلى كل حال فهي مكروهة مؤكدة إذا كانت * (على اليسير من المال) * لمرسل علي بن الحكم (3) عن الصادق عليه السلام " إذا ادعي عليك مال ولم يكن له عليك فأراد أن يحلفك فان بلغ مقدار ثلاثين درهما فاعطه ولا تحلف، وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه ". بل يستحب عدم الحلف على العظيم من المال أيضا بقصد الاجلال والتعظيم، لقول النبي صلى الله عليه واله (4): " من أجل الله أن يحلف به أعطاه خيرا مما ذهب منه " ودفع زين العابدين عليه السلام إلى امرأته التي ادعت عليه صداقها أربعائمة دينار (5) وقال: " أجللت الله عزوجل أن أحلف به يمين بر " وظاهر الخبر الاول تحديد اليسير من المال بمقدار ثلاثين درهما لكن أطلق المصنف والفاضل، وفي كشف اللثام


(1 و 2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الايمان الحديث 6 - 1. (3) الوسائل الباب - 3 - من كتاب الايمان الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب الايمان الحديث 3. (5) الوسائل الباب - 2 - من كتاب الايمان الحديث 1.

[ 342 ]

أنه يختلف باختلاف الشخص والحال، ولعل الاقتصار على ما في النص أولى. وعلى كل حال فاليمين الصادقة مكروهة. * (نعم ولو قصد دفع المظلمة) * عنه أو عن غيره من إخوانه * (جاز) * بلا كراهة * (وربما وجبت ولو كذب) * كما في استنقاذ نفس محترمة من القتل مثلا، قال الصادق عليه السلام (1) في رجل حلف تقية: " إن خشيت على دمك أو مالك فاحلف ترده عنك بيمنك " وقال زرارة (2) للباقر عليه السلام: " نمر بالمال على العشارين فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا، ولا يرضون منا إلا بذلك، فقال: احلف لهم فهو أحلى من التمر والزبد " ومنه يستفاد الرجحان فضلا عن عدم الكراهة. وسئل علي عليه السلام (3) " عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحوز بذلك ماله ؟ فقال: نعم " وسأل محمد بن أبي الصباح (4) أبا الحسن عليه السلام " إن امه تصدقت عليه بنصيب لها في داره فكتبه شراء فأراد بعض الورثة أن يحلفه على أنه نقدها الثمن ولم ينقدها شيئا، قال: احلف له " إلى غير ذلك. * (لكن) * في القواعد وغيرها * (إن كان) * ممن * (يحسن التورية ورى وجوبا) * وإن لم يكن يمينا تخلصا من الكذب الواجب اجتنابه ما أمكنه، * (و) * إن لم يحسنها أو أعجله الظالم جاز له * (مع) * الكذب * (اليمين) * عليه و * (لا إثم ولا كفارة) * بلا خلاف ولا إشكال، لما عرفت * (مثل أن يحلف لدفع ظالم عن إنسان أو ماله أو عرضه) * بل تقدم سابقا أنه يكفي في التورية قصده بما حلف عليه غيره وإن لم يجز استعماله، فان الحلف على ما في الضمير بل قد يستفاد من إطلاق نصوص المقام عدم


(1) الوسائل الباب - 12 - من كتاب الايمان الحديث 3 والمستدرك الباب - 8 - منه الحديث 4 راجع الفقيه ج 3 ص 230 - الرقم 1086. (2) الوسائل الباب - 12 - من كتاب الايمان الحديث 6 (3) الوسائل الباب - 12 - من كتاب الايمان الحديث 8 وفيه " عن الحلبي انه سأل أبا عبد الله عليه السلام... ". (4) الوسائل الباب - 43 - من كتاب الايمان الحديث 1

[ 343 ]

وجوب التورية وإن أحسنها، ولا يخلو من قوة وإن كانت أولى مع إمكانها بل تقدم في الطلاق (1) جملة من أحكام التورية وأحكام الاكراه، فلاحظ وتأمل (2). لكن في المسالك هنا " المراد بالتورية أن يقصد باللفظ غير ظاهره، إما في مفرده بأن يقصد بالمشترك معنى غير المطلوب من الحلف عليه، بأن يقصد بما في قوله: " ما لفلان عندي وديعة " الموصولة لا النافية، أو " ماله عندي فراش " ويعني الارض أو " لباس " ويعني الليل أو النساء أو نحو ذلك، أو في الاسناد بأن يقول: " ما فعلت كذا " ويعني في غير المكان أو الزمان الذي فعله فيه، ونحو ذلك " وفيه ما عرفت (3). هذا وفي المسالك بعد أن نسب إطلاق المصنف الكراهة إلى جماعة قال: " وليس على إطلاقه، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه واله حلف كثيرا كقوله صلى الله عليه واله (4) لما حكى عن سليمان عليه السلام أنه قال: " لاطوفن الليلة على سبعين امرأة كلها تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله " الحديث: " وأيم الله والذي نفس محمد بيده لو قال إنشاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " وقوله صلى الله عليه واله أيضا في زيد بن حارثة (5) " وأيم الله لان كان خليقا بالامارة " وغير ذلك من الايمان المروية عنه صلى الله عليه واله (6)


(1) راجع ج 32 ص 207 - 210. (2) هذا على الترتيب الذى جاء في النسخة الاصلية المبيضة، والذى يظهر بالدقة في المسودة التى هي بخط المصنف طاب ثراه - وفيها تشويش وتخريج غريب - أن ما بين القوسين بعد ذكر كلام المسالك والجواب عنه، أي بعد قوله: " وفيه ما عرفت " مع تقديم وتأخير بين جملتي ما بين القوسين أيضا، فخرج في الهامش قوله: " بل تقدم في الطلاق... فلاحظ وتأمل " قبل قوله: " بل قد يستفاد.. مع امكانها ". (3) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة الا أن الموجود في المسودة " وفيه ما عرفت من أن الظاهر أعميتها من ذلك، لان الحلف على ما في الضمير " وبه هذا جاء قوله: " بل تقدم في الطلاق... " كما أشرنا إليه في التعليقة المتقدمة. (4 و 5) سنن البيهقى ج 10 ص 44. (6) سنن البيهقى ج 10 ص 26.

[ 344 ]

ثم قال: - واستثني بعضهم ما وقع منها في حاجة لتوكيد كلام أو تعظيم أمر، فالاول كقوله صلى الله عليه واله (1): " فوالله لا تمل الله حتى يملوا " والثاني كقوله صلى الله عليه واله (2): " والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " وباقي ما ورد عنه من الايمان راجع إلى هذين، وقسمها الاكثر إلى الاحكام الخمسة، فقد تجب في مثل إنقاذ المؤمن من ظالم وإن كان كاذبا ويتأول في الدعوى عند الحاكم إذا توجهت عليه، وقد يحرم إذا كانت كاذبة إلا لضرورة، وقد تستحب لرفع ظالم عن ماله المجحف به، وقد يكره كما إذا كثرت، وعليه تحمل الاية (3) وفي العرضة تنبيه عليه، وكالحلف على القليل من المال، وما عدا ذلك مباح ". قلت: هو على طوله خال عن التحصيل، ضرورة عدم منافاة ما ورد من النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهما السلام من الايمان لاقترانها بما يزيل مرجوحيتها التي لا تصدر عنهم، وبهذا الاعتبار انقسمت إلى الاحكام الخمسة، فلا ينافي الكراهة الثابتة لها مجردة عن هذا الاعتبارات، كما هو واضح. ثم إن عبارة المصنف قد تشعر بوجوب الحلف كاذبا لدفع الظالم عن مال غيره أو عرضه، وأصرح منه عبارة القواعد " وقد تجب الكاذبة إذا تضمنت تخليص. مؤمن أو مال مظلوم أو دفع ظلم عن إنسان أو عن ماله أو عن عرضه ". لكن صرحوا في غير المقام بعدم وجوب الدفاع عن المال مطلقا، بل في الدروس التصريح هنا بأن الحلف لدفع الظالم عن مال نفسه المجحف به مستحب، وفي المسالك " أنه يمكن الفرق بين المال المضر فواته بمالكه وغيره في الامرين ". وفيه أن الظاهر عدم الوجوب في مال الغير مطلقا، نعم يكن حمل. كلامهم


(1) مسند أحمد ج 6 ص 51. (2) سنن البيهقى ج 10 ص 26. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 224.

[ 345 ]

على إرادة القضية المهملة، فانه قد يجب ذلك لمال الغير إذا كان وديعة عنده مثلا، والامر سهل. المسالة * (الثانية:) * لا خلاف في أن * (اليمين بالبراءة من الله سبحانه أو من رسول الله صلى الله عليه واله) * والائمة عليهم السلام * (لا تنعقد) * بل * (و) * لا إشكال، لانه بغير اسم الله بل المشهور أنه * (لا يجب بها كفارة) * كما عرفته في كتاب الكفارة (1) بل قد ذكرنا جملة من أحكامه هناك. * (و) * لكن لا خلاف في أنه * (يأثم ولو كان صادقا) *، بل ولا إشكال للنصوص المشتملة على هذه المبالغة في النهي عنه، حتى أنه في النبوي (2) منها " من قال: إني برئ من دين الاسلام فان كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يعد إلى الاسلام سالما " وفي خبر يونس بن حنان (3) قال: " قال لي: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا، فانه من حلف بالبراءة منا صادقا أو كاذبا فقد برئ منا " إلى غير ذلك من النصوص التي ذكرنا بعضها هناك. لكن قد يستفاد من قول أمير المؤمين عليه السلام في نهج البلاغة (4): " أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه برئ من حول الله وقوته، فانه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لم يعاجل، لانه قد وحد الله سبحانه " جواز تحليف الظالم بالكيفية المزبورة. بل قد يستفاد أيضا من فعل الصادق عليه السلام وتحليفه من وشى به ذلك أيضا،


(1) راجع ج 33 ص 179. (2) سنن البيهقى ج 10 ص 30. (3) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الايمان الحديث 4 عن يونس بن طبيان (4) الوسائل الباب - 33 - من كتاب الايمان الحديث 2.

[ 346 ]

ففي المرسل عن صفوان الجمال (1) " أن أبا جعفر المنصور قال لابي عبد الله عليه السلام: رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الاموال، فقال: والله ما كان - إلى أن قال المنصور -: فأنا أجمع بينك وبين من سعى بك، فجاء الرجل الذي سعى به فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هذا أتحلف ؟ قال: نعم: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويلك تبجل الله فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل: قد برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي، فحلف بها الرجل، فلم يستتمها حتى وقع ميتا، فقال المنصور: لا اصدق عليك بعد هذا أبدا، وأحسن جائزته ورده " ونحوه المروي عن الرضا عليه السلام عن أبيه عليه السلام (2) في محكي الخرائج والجرائح، وعن المفيد أنه رواه في إرشاده مرسلا (3). إلا أني لم أجد من أفتى بذلك من الاصحاب، نعم في الوسائل باب جواز استحلاف الظالم بالبراءة من حول الله وقوته (4) وظاهره الفتوى به، ولا ريب أن الاحتياط يقتضي تركه إلا في مهدور الدم من الناصب ونحوه. * (و) * كيف كان فقد * (قيل) * والقائل المفيد وسلار والتقي على ما حكي عنهم: * (تجب بها كفارة ظهار) * مع المخالفة * (ولم أجد به شاهدا) * معتدا به، وكذا ما عن النهاية والقاضي من كفارة ظهار ثم كفارة يمين، وعن الصدوق صوم ثلاثة أيام والصدقة على عشرة مساكين إذا قال: " هو برئ من دين محمد صلى الله عليه واله، وكلما يملكه في سبيل الله، وأن عليه المشي إلى بيت الله إن كلم ذا من قرابته "


(1) الوسائل الباب - 33 - من كتاب الايمان الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 33 - من كتاب الايمان الحديث 3. (3) أشار إليه في الوسائل الباب - 33 - من كتاب الايمان الحديث 3 وذكره في الارشاد ص 255 ط حجر ايران. (4) وهو الباب - 33 - من كتاب الايمان.

[ 347 ]

والظاهر أن بعض القيود مستغنى عنه في تحقيق الفتوى، * (و) * ما عن ابن حمزة من كفارة النذر مع المخالفة التي هي عنده كفارة شهر رمضان. نعم * (في توقيع العسكري عليه السلام إلى محمد بن يحيى (1) يطعم عشرة مساكين ويستغفر الله تعالى) * وعن الفاضل في المختلف الفتوى به، ولعله ظاهر المصنف وقد مضى تحقيق الحال في ذلك كله، وأنه لا كفارة وإن أثم. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو قال: هو يهودي أو نصراني أو مشرك إن كان كذا لم تنعقد، وكان لغوا) * وإن قلنا أنه من حلف بالبراءة، قال اسحاق بن عمار (2): " قلت لابي إبراهيم عليه السلام: رجل قال: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا وكذا، قال: بئس ما قال، وليس عليه شئ " وسأل أبو بصير (3) أبا عبد الله عليه السلام " عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا وكذا، قال: ليس بشئ ". المسالة * (الثالثة:) * * (لا يجب التكفير إلا بعد الحنث) * ومخالفة مقتضى اليمين ونقضها، لان ذلك هو السبب فيها، ولا يتقدم المسبب على سببه، إذ لا يجوز تقديم العبادة قبل وقت وجوبها، ولا خلاف في أنها لا تجب قبله، بل في المسالك الاجماع عليه. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو كفر قبله لم يجزه) * ضرورة عدم الخطاب بها، خلافا لبعض العامة فجوزه قياسا على تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، ولقوله صلى الله عليه واله (4): " إذا


(1) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الايمان الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 34 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 3. (4) سنن البيهقى ج 10 ص 31.

[ 348 ]

حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فات الذي هو خير، وكفر عن يمينك " وفي لفظ آخر (1) " فكفر عن نفسك وآت الذي هو خير ". وهو كما ترى وإن كان في بعض أخبارنا (2) ما يوافقه إلا أنه محمول على ضرب من الندب أو التقية. ففي خبر طلحة بن زيد (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام كره أن يطعم الرجل في كفارة اليمين قبل الحنث " مع احتمال إرادة الحرمة من الكراهة، نعم عنه عليه السلام أيضا في خبر آخر (4) " إذا حنث الرجل فليطعم عشرة مساكين، ويطعم قبل أن يحنث ". المسالة * (الرابعة:) * * (ولو أعطى الكفارة كافرا أو من تجب عليه نفقته فان كان عالما) * بذلك * (لم تجزه) * بلا خلاف * (و) * لا إشكال ف‍ * (ان جهل واجتهد ثم بان له لم يعد) * عند المشهور. * (وكذا لو أعطى من يظن فقيرا فبان غنيا، لان) * التكليف ب‍ * (الاطلاع على الامور الباطنة يعسر) * وفيه أنه لا عسر في الاعادة لو اتفق الخطأ وإنما هو لو أوجبنا الاداء عليه لمن هو كذلك في نفس الامر ابتداء، كما أوضحنا ذلك وأشبعنا الكلام فيه في الزكاة (5) وقلنا هناك: إن القول بالاعادة الموافقة لمقتضى القواعد لا تخلو من قوة فضلا عن المقام الخالي عن معارضة بعض النصوص (6) التي مرت هناك، فلاحظ وتأمل.


(1) مسند أحمد 4 ص 137 وج 5 ص 63. (2) المستدرك الباب - 13 - من كتاب الايمان الحديث 1. (3 و 4) الوسائل الباب - 51 من كتاب الايمان الحديث 1 - 2. (5) راجع ج 15 ص 327 إلى 332. (6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب المستحقين للزكاة من كتاب الزكاة.

[ 349 ]

المسالة * (الخامسة:) * * (لا يجزئ في التكفير بالكسوة إلا ما يسمى ثوبا) * كما مر في كتاب الكفارة (1) * (و) * حينئذ ف‍ * (لو أعطاه قلنسوة أو خفا لم يجزه لانه لا يسمى كسوة، و) * قد قال الله تعالى (2): " أو كسوتهم ". نعم * (يجزئ الغسيل من الثياب) * أي المغسول * (لتناول الاسم) * وقد مر الكلام في ذلك في بيان جنس الثوب، وأنه لا يكون باليا مرقعا، وغير ذلك من الاحكام في بحث الكفارة (3) مفصلا، فلاحظ وتأمل. المسالة * (السادسة:) * * (إذا مات وعليه كفارة مرتبة ولم يوص) * وجب إخراجها مقدما على الميراث كغيرها من الحقوق المالية و * (اقتصر على أقل رقبة تجزئ) * جمعا بين ذلك وبين حق الوارث بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهرهم أنها من الحقوق المالية وإن كان معسرا في حياته قد تعين عليه الصوم في المرتبة، وليست هي كالعبادات المحضة كالصلاة والصوم الذي لا يجب إخراجها عنه إلا مع الوصية وإن ناقشنا نحن في ذلك في كتاب الوصايا، بل بملاحظة ما ذكرنا هناك يظهر لك الوجه فيما هنا. فلاحظ وتأمل. وحينئذ فالترتيب الواجب عليه يلحظ في تركته، وتخرج منه ما تبرأ به ذمته، إلا أنه يجب الاقتصار على أقل الافراد ما لم يتبرع الوارث بالزائد، ولا عبرة باعساره


(1) راجع ج 33 ص 272 - 275. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 89. (3) راجع ج 33 ص 274 - 276.

[ 350 ]

في حال الحياة، إذ هي كالديون لا يستثنى له معها ما استثنى له في زمن حياته من الدار ونحوها، فيجب عتق الرقبة من ماله مع سعته وإلا فالفرد الاخر، وهكذا. هذا كله إن لم يوص، وإن أوصى وأطلق فهو كما لم يوص. * (وإن أوصى بقيمة) * للرقبة * (تزيد عن ذلك) * الذي هو أقل رقبة * (ولم يجز الوارث كانت قيمة المجزئ) * الذي هو كالدين * (من الاصل والزيادة من الثلث) * الذي يجب إنفاذ وصاياه منه، فهو حينئذ كمن أوصى بحج واجب عليه من بلده في إخراج ما قابل الميقات إلى آخر المناسك من الاصل والزائد من الثلث، ولو فرض عدم سعة ماله لاقل أفراد الرقبة، ولكنه يسع لصيام الشهرين وجب صرفه فيه، ولكن مع الاقتصار على أقل الافراد، وهكذا الاطعام. ولو فرض عدم حصول فرد غير الاقل بما أوصى به من الزيادة لغت ورجعت ميراثا، كما هو واضح. * (وإن كانت الكفارة مخيرة) * ولم يوص اخرجت و * (اقتصر على أقل الخصال قيمة) * وأقل أفراد تلك الخصلة ما لم يتبرع الوارث. * (ولو أوصى بما هو أعلى ولم تجز الورثة فان خرج) * التفاوت * (من الثلث فلا كلام، وإلا اخرجت قيمة الخصلة الدنيا من الاصل وثلث الباقي، فان قام بما أوصى) * وجب إنفاذه * (وإلا بطلت الوصية بالزائد واقتصر على الدنيا) * ولا يجب إخراج الوسطى، لعدم وجوبها بالاصل ولا بالوصية وإن احتمله الفاضل في القواعد، قال: " ولو كان عليه كفارة مرتبة اقتصر على أقل رقبة تجزئ، فان أوصى بالازيد ولم يجز الوراث اخرج المجزئ من الاصل، والزائد من الثلث، سواء وحب التكفير في المرض أو الصحة، ويقتصر في المخيرة على أقل الخصال، ولو أوصى بالازيد اخرج الزائد من الثلث، فان قام المجموع بما أوصى وإلا بطلت في الزائد، ويحتمل الوسطى مع النهوض ". قلت: لان الواجب صرف المجموع من حيث نفوذ الوصية به، وهو بعض الموصى به، فإذا لم يمكن إنفاذ مجموع ما أوصى به يجب المقدور، لعموم " إذا أمرتكم

[ 351 ]

بشئ فاتوا منه ما استطعتم " (1) إلا أنه كما ترى. نعم لو أوصى بقدر معين كان يسع العليا فلم يجز الوارث اقتصر حينئذ على إخراج قيمة الدنيا من الاصل وضم إلى ثلثه وصرف في الوسطى، والفرق بينهما أن الوصية بالعليا نفسها أمر معين فإذ فات لم يكن ما دونه موصى به، فلا يجب إلا الادنى الذي يخرج من الاصل، بخلاف الوصية بقدر يسع العليا المقتضية للتعلق بذلك القدر وبكل جزء جزء، فإذا فات بعضه لعدم خورجه من الثلث يبقى الباقي، وهو صالح عوضا عن جميع الخصال، وليس هكذا الاعلى المعين الذي الاوسط ليس جزء منه ولا موصى به. وإلى ما ذكرنا يرجع كلام الشهيد في الدروس، قال: " وتجب إخراج الكفارة من تركة الميت، ففي المخيرة أدنى الخصال إلا أن يتطوع الوارث بالارغب، وفي المرتبة أدنى المرتبة التي هي فرضه، ولو أوصى بالازيد ورد الوارث فالزائد من الثلث، فلو لم يف بالعليا أجزأت الدنيا، والزيادة ميراث " والله العالم. المسالة * (السابعة:) * * (إذا انعقدت يمين العبد ثم حنث وهو رق ففرضه الصوم في الكفارات مخيرها ومرتبها) * لانه لا مال له يعتق منه أو يطعم أو يكسي بناء على الاصح من عدم أهليته للملك، بل ينبغي القطع بذلك بناء على اعتبار الملكية في عتق الكفارة وإطعامها وكسوتها حتى لو أذن السيد أو المتبرع. * (و) * لكن قال المصنف: * (لو كفر بغيره) * أي الصيام * (من عتق أو كسوة أو إطعام فإن كان بغير إذن المولى لم يجزه وإن أجزاه، وقيل: لا يجزؤه لانه لا يملك بالتمليك والاول أصح، وكذا لو أعتق عنه المولى باذنه) * وظاهره عدم اعتبار الملكية وإلا فاذن المولى لا يفيدها، وهو لا يخلو من وجه


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 326.

[ 352 ]

وفي المسالك بعد أن أرسل اعتبار الملك في الاطعام والكسوة والعتق إرسال المسلمات قال: " هذا إذا لم يأذن له المولى أو نهاه، وإن أذن له بتكفير بالعتق أو الاطعام أو الكسوة ففي إجزائه قولان، منشأهما أنه كفر بما لا يجب عليه، فلا يسقط عنه الواجب، سواء قلنا بملكه أو أحلناه خصوصا العتق، لانه لا عتق إلا في ملك، نعم لو ملكه مولاه المال وقلنا بصحته اتجهت، ومن أن المانع من الاجزاء كان عدم القدرة، فإذا أذن المولى حصلت وجرى مجرى ما لو كفر المتبرع عن المعسر، وقد تقدم البحث في ذلك في الكتابة ". قلت: قد اخترنا هناك الصحة، لاطلاق الادلة، إلا أن ذلك لا يقتضي الصحة في غيره، لاحتمال الفرق بينهما بالملك فيه وإن لم يجز له التصرف فيه بغير التكسب، فمع فرض رفع الحجر عنه الاذن يندرج في إطلاق الادلة أما غيره فلا أهلية له للملك. نعم لو قلنا بعدم اعبتار الملك اتجهت بالصحة حينئذ لاطلاق الادلة أيضا ولعله لا يخلو من قوة، خصوصا بناء على إجزاء المتبرع عن المعسر، إذ هو لا ينقص عنه من هذه الجهة، فلا يعتبر الملك حينئذ حتى في العتق الذي قد ورد فيه (1) " لاعتق إلا في ملك " لكن قد ذكرنا في محله (2) أن المراد منه عدم صحة عتق ملك الغير. بغير إذنه، لا أنه لا يصح عتقه عن كفارة الغير باذن مالكه، وقد ذكرنا بعض النصوص (3) الدالة على ذلك. ولا يقال عدم الاجزاء في العبد لان فرضه الصوم، فلا يجزئ عنه غيره، لان تعين الصوم إنما هو لعدم قدرته على غيره، فمع فرض الاذن وعدم اعتبار الملك يصير قادرا على غيره، ويندرج في إطلاق الادلة، بل لا فرق بين المولى وغيره في ذلك. نعم لابد من إذن العبد إذا نوى الكفارة عنه غيره حتى يكون وكيلا بذلك،


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب العتق الحديث 2 وفيه " لا عتق الا بعد ملك ". (2) راجع ج 34 ص 147 - المسألة العاشرة. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 353 ]

إذ ليست هي كالديون المحضة التي يصح التبرع بها من دون إذن، مع احتماله إذا تعقبت الاذن، بناء على صحة الفضولي في مثله، كأداء الزكاة والخمس من مال من هما عليه كما ذكرناه في الفضولي، بل قد يحتمل جواز التبرع من غير حاجة إلى الاذن إن لم يكن إجماع على خلافه، نحو أداء الصلاة عن الميت ونحوه، فتأمل جيدا. المسالة * (الثامنة:) * قد تقدم البحث في أنه * (لا تنعقد يمين العبد بغير إذن المولى) * وقلنا إن الاصح تسلط المولى على فسخه، لا أن سبق إذنه شرط * (و) * لكن بناء عليه * (لا تلزمه الكفارة قطعا وإن حنث، أذن له المولي في الحنث أم لم يأذن) * ضرورة عدم انعقادها لفقد شرط صحتها وهو الاذن، فلا كفارة بالحنث حينئذ ولا إثم. * (أما لو أذن له في اليمين فقد انعقدت) * بلا خلاف ولا إشكال، وحينئذ * (فلو حنث باذنه وكفر بالصوم لم يكن للمولى منعه) * لاطلاق أدلة الوجوب، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع احتماله إلى أن ينعتق أو يتضيق بظن الوفاة. * (ولو حنث من غير إذنه كان له منعه ولو لم يكن الصوم مضرا) * كغيره من أفراد الصوم، إذنه في اليمين لا ينافيه، إذ هي ليست إذنا في الحنث كي تستتبع الاذن في التكفير. * (و) * لكن * (فيه تردد) * من ذلك ومن أن سبب الوجوب مأذون فيه، والحنث من لوزامه أو توابعه، والاذن في الشئ إذن في لوازمه أو تستلزم الاذن في لوازمه وتوابعه، ومن أن التكفير بالصوم صار واجبا عليه وليس للسيد منعه مما وجب عليه كالصوم والصلاة الواجبين، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولعله

[ 354 ]

الاقوى حتى لو كان مضرا. خلافا لبعض ففصل بينه وبين غير المضر، واختاره في الدروس، قال، " وفرض العبد في جميع الكفارات الصوم، فلو أذن المولى في العتق أو الاطعام ففي الاجزاء خلاف سبق، وإنما تلزم الكفارة إذا كان الحلف باذن السيد والحنث باذنه، ولو حلف بغير إذنه فلغو، وإن حنث باذنه قال الشيخ: يكفر لان الحنث من لوزام اليمين، ولو حلف باذنه وحنث بغير إذنه فله منعه من الصوم المضر به ولو لم يضر به ففي المنع وجهان، ولو زال الرق ولما يبطله السيد بالاقرب الانعقاد، ويراعى فيه ما يراعى في الحر حينئذ، وكذا لو كان الحلف باذنه ثم اعتق، فيعتبر حال الاداء ". وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه. واحتمل في القواعد أن له المنع عن المبادرة، قال: " وإذا انعقدت يمين العبد ثم حنث وهو رق ففرضه الصوم في المخيرة والمرتبة، فان كفر بغيره من إطعام أو عتق أو كسوة باذن المولى صح على رأي وإلا فلا، وكذا يبرأ لو أعتق عنه المولى، ولو حلف بغير إذنه لم ينعقد على قول علمائنا، فان حنث فلا كفارة ولو بعد العتق وإن لم يأذن له المولى فيه، ولو أذن في اليمين انعقدت، وإن حنث باذنه كفر بالصوم، ولم يكن للمولى منعه، ولو قيل بمنع المبادرة أمكن، ولو حنث بغير إذنه قيل: له منعه من التكفير وإن لم يكن الصوم مضرا وفيه نظر، فلو حنث بعد الحرية كفر كالحر، وكذا لو حنث ثم اعتق قبل التكفير ". ولو حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه فلا كفارة قطعا، بناء على أن شرط الصحة الاذن وإلا جاء الكلام السابق. ولو حلف بغير إذن وحنث بها فان أبطلنا يمينه بدونه فلا كفارة، وإن قلنا بكونها موقوفة ففي المسالك " في استلزام الاذن في الحنث الاجازة وجهان، من ظهور دلالته عليه، ومن احتمال الامرين، فيستصحب أصالة البراءة، وهو الاجود - ثم قال -: ويتفرع عليهما الصوم، فعلى الاول له الصوم بغير إذنه، لان الحنث

[ 355 ]

يستعقب الكفارة، فالاذن فيه إذن في التكفير، كما أن الاذن في الاحرام إذن في بقية أفعال الحج، وعلى الثاني يتوقف لزومهما على عتقه إن جعلناه كاشفا عن لزومه حين الحلف، وإن جعلناه سببا فلا كفارة ". قلت: لا يخلو ما ذكره أخيرا من بحث، وعلى كل حال فالاقوى وجوب التكفير عليه بالصوم مطلقا، نعم يبقى الاشكال في أن له المنع من المبادرة كما في كل واجب موسع ومطلق. أو لا كما جزم به الكركي، والله العالم. المسالة * (التاسعة:) * * (إذا حنث بعد الحرية كفر كالحر) * بلا خلاف ولا إشكال، لان الحرية هي حال الاداء، بل * (و) * كذا * (لو حنث ثم اعتق ف‍) * ان * (الاعتبار بحال الاداء) * كالحر لا حال الوجوب، لانها عبادة، والعبادات يراعى فيها حال الاداء لا حال الوجوب، بل الظاهر أن خطابها كذلك وحينئذ * (فان كان موسرا كفر بالعتق أو الكسوة أو الاطعام، ولا ينتقل إلى الصوم إلا مع العجز) * عن الاطعام، * (هذا في المرتبة، وفي المخيرة كفر بأي خصالها شاء) *. خلافا لبعض فجعل الاعبتار بحال الوجوب، لان الكفارة نوع تطهير يختلف حاله بالرق والحرية، فينظر إلى حالة الوجوب كالحد، فانه إذا زنى وهو رقيق ثم اعتق، أو بكر ثم صار محصنا بعد العتق اقيم عليه حد الرق والبكر، وهو كما ترى لا يرجع إلى محصل شرعي يصح الاعتماد عليه، خصوصا بعد أن كان ظاهر الادلة ما ذكرنا، سيما بملاحظة حال الصلاة المختلف كيفية فعلها قصرا وتماما وصلاة قادر وغيره باعتبار حال أدائها، والله العالم.

[ 356 ]

* (كتاب النذر) * الذي هو لغة الوعد بشرط أو مطلقا بخير أو بشر، وعن ابن فارس أن أصل النذر يدل على التخويف وأنه إنما سمي به لما فيه من الايجاب والتخويف من الاخلاف. وشرعا بالمعنى الذي سمعته مكررا في غيره الالتزام بالفعل أو الترك على وجه مخصوص، وإليه يرجع ما عن المهذب والدروس وغيرهما من أنه التزام الكامل المسلم المختار غير المحجور عليه بفعل أو ترك بقول: " لله تعالى " ناويا القربة. والاصل في مشرعيته بعد الاجماع والسنة المتواترة التي سيمر عليك شطر منها قوله تعالى (1): " وليوفوا نذورهم " و " يوفون بالنذر " (2). * (و) * كيف كان ف‍ * (النظر في الناذر والصيغة ومتعلق النذر ولواحقه) * فهي امور أربعة. * (أما الناذر فهو البالغ العاقل المسلم، فلا يصح من الصبي) * وإن ميز وبلغ عشرا وكان المنذور ما يصح منه من الوصية بالمعروف وإن قلنا بشرعية عبادته إلا أنه قد عرفت سلب عبارته التي منها العبادة القولية المترتب عليها أحكام شرعية حتى صارت من هذه الجهة كالايقاع والعقد اللذين لا إشكال في عدم صحتهما منه، للاصل وحديث الرفع (3) والاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى معلومية عدم


(1) سورة الحج: 22 - الاية 29 (2) سورة الانسان: 76 - الاية 7. (3) الوسائل الباب - 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 357 ]

التكليف قبل البلوغ. * (ولا من المجنون) * بقسميه بلا خلاف ولا إشكال، نعم يصح من الادواري حال إفاقته والوثوق بفعله. * (ولا من الكافر) * بأقسامه * (لتعذرنية القربة في حقه) * باعتبار شرطية الايمان بصحة عبادته والفرض عدمه، فلا يتصور نية القربة منه، إذ ليس المراد منها أفعل كذا قربة إلى الله وإن لم يكن الفعل مقربا له، ومن هنا لم أجد خلافا في عدم صحته منه بين أساطين الاصحاب كما اعترف به في الرياض. نعم تأمل فيه سيد المدارك وتبعه في الكفاية، فانهما بعد أن اعترفا بالشهرة وذكرا الدليل المزبور قالا: " وفيه منع واضح فان إرادة التقرب ممكنة من الكافر المقر بالله " وفي الرياض لا يخلو من قوة إن لم يكن الاجماع على خلافه كما هو الظاهر إذ لم أر مخالفا سواهما من الاصحاب، والاحتياط لا يخفى، وهو كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرناه، وقد مر بعض الكلام في ذلك في العتق وغيره، بل الظاهر عدم صحته من المخالف حتى فرق الامامية غير الاثنى عشرية، لما عرفته من أن الايمان بهم عليهم السلام شرط صحة العبادات كما استفاضت به النصوص (1) بل كاد يكون من ضروريات المذهب. * (و) * حينئذ فمع معلومية * (اشتراطها) * أي النية * (في النذر) * كما ستعرف لا ينبغي التأمل في عدم الصحة، إذ هو كالصلاة والصوم ونحوهما مما علم بطلانها من غير الامامي وإن جاء بها جامعة بجميع الشرائط عدا الايمان بهم عليهم السلام أجمع، نعم ستعرف المناقشة في اعتبارها فيه عند تعرض المصنف لذلك. * (لكن لو نذر) * الكافر * (فأسلم استحب له الوفاء) * كما صرح به غير واحد، لما روي من أن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه واله: " كنت نذرت اعتكاف ليلة


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب مقدمة العبادات.

[ 358 ]

في الجاهلية فقال له النبي صلى الله عليه واله: أوف بنذرك " مؤيدا بالاعتبار، وهو أنه لا يحسن أن يترك بسبب الاسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير التي الاسلام أولى بها، مع أن الحكم استحبابي يتسامح فيه. * (و) * كيف كان ف‍ * (يشترط في نذر المرأة بالتطوعات إذن الزوج) * وفاقا للمشهور بين الاصحاب سيما المتأخرين كما قيل، للصحيح (1) " ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة رحمها " مؤيدا بالمعتبرين (2) المتقدمين في اليمين بناء على شيوع إطلاقها على النذر في النصوص المستفيضة. * (منها) * ما وقع الاطلاق فيه في كلام الائمة عليهم السلام كالمعتبرين: أحدهما الموثق بعمار عن سماعة (3) " لا يمين في معصية، إنما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ما جعل لله عليه في الشكر إن هو عافاه من مرض أو عافاه من أمر يخافه أو رد عليه ماله أو رده من سفره أو رد رقه فقال: لله علي كذا وكذا شكرا فهو الواجب على صاحبه أن يفي به " والثاني (4) " جعلت على نفسي شيئا إلى بيت الله تعالى قال: كفر يمينك، فانما جعلت على نفسك يمينا فما جعلته لله تعالى فف به ". و (منها) ما وقع الاطلاق فيه في كلام الرواة مع تقدير الائمة عليهم السلام لهم


(1) الوسائل الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الايمان الحديث 2 والباب - 11 - منه الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4 عن عثمان بن عيسى عن سماعة، وفيه " أو رزقه رزقا " بدل " أو رد رقه " كما يأتي نقله كذلك في الجواهر في ص 367 الرقم (3). (4) الوسائل الباب - 8 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4 وفيه " شيئا إلى بيت الله ".

[ 359 ]

عليه، وهو مستفيض (منها) (1) الخبر " إن لي جارية ليس لها مني مكان ولا ناحية وهي تحتمل الثمن، إلا أني كنت حلفت فيها بيمين، فقلت: لله علي أن لا أبيعها أبدا، وبى إلى ثمنها حاجة لمؤونة فقال: ف لله بقولك " ونحوه آخر (2). وفي ثالث (3) " عن الرجل يحلف بالنذر ونيته في يمينه التي حلف عليها درهم وأقل، فقال: إذا لم يجعله لله فليس بشئ ". وفي رابع (4) " إني كنت أتزوج المتعة فكرهتها وتشاقيت بها، فأعطيت لله عهدا بين الركن والمقام وجعلت علي في ذلك نذرا أو صياما أن لا أتزوجها، ثم إن ذلك شق علي وقدمت على يميني، ولم يكن بيدي من القوة ما أتزوج في العلانية فقال: عاهدت الله أن لا تطيعه، والله لئن لم تطعه لتعصينه ". مضافا إلى ما دل من النصوص (5) على اشتراط اليمين بالقربة المحمول على النذر، لما عرفته من الاجماع على عدم اشتراط اليمين بها. وفي الرباض " وحيث ثبت إطلاق اليمين على النذر فاما أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز والاستعارة، وعلى التقديرين فدلالة المعتبرين على المقصود واضحة، لكون النذر على الاول من جملة أفراد الحقيقة المتعينة، وعلى الثاني مشاركا لها في أحكامها الشرعية، ومنها انتفاؤها عند عدم إذن الثلاثة، هذا مضافا إلى إلغاء الفرق بالاستقراء والتتبع التام الكاشف عن اشتراك النذر واليمين في كثير


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11. (2) الوسائل الباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4. (4) الوسائل الباب 3 - من أبواب المتعة الحديث 1 من كتاب النكاح وفيه " وتشأمت بها " كما يأتي نقله كذلك في الجواهر. (5) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان.

[ 360 ]

من الاحكام، ولذا يقال: إنه اليمين في نفسها وبالجملة بملاحظة جميع ما ذكر يظهر الظن المعتمد عليه بصحة ما عليه الاكثر ". قلت: لا يخفى عليك أن الاستعارة المزبورة في النصوص المذكورة لا تقتضي الشركة التي ذكرها، كما أنه لا حجة في الاستقراء الذي ذكرها، خصوصا بعد افتراقهما بأحكام كثيرة، كنية القربة ورجحان المتعلق وغيرها، وليس الاطلاق المزبور نحو قوله صلى الله عليه واله (1): " الطواف بالبيت صلاة " إذ لا شئ في النصوص أن النذر يمين، كما هو واضح. نعم قد يقال: إن المراد باليمين في المعتبرين ما يشمل النذر بقرينة الشهرة بين الاصحاب والظن باتحاد المنشأ فيهما، وهو وجوب طاعة الزوج وكونه قيما على المرأة. مضافا إلى الصحيح المزبور الذي لا يقدح في حجيته اشتماله على ما لا نقول به من الامور المزبورة وعلى الاستثناء الذي قد يقال بمنافاته أيضا بعد انجباره بالعمل، وقاعدة عدم خرج الخبر عن الحجية بعدم العمل ببعضه والاستثناء إنما هو من التصرف في مالها، ولا ريب في جواز ذلك لها، بل وجوبه في الحج الواجب والزكاة الواجبة، وصلة الرحم كذلك، كما أنه لا ينافيه جواز تبرعها في مالها بغير إذنه، إذ لعل للالزام حكما يفارق التبرع، كما في الولد بل والعبد فيما لا يضر بالسيد، كالحلف على بعض الاقوال المندوبة ونحوها، وكأنه لعموم قواعد الشرع، فلم يجعل له ولا للولد والزوجة يمينا ونذرا مطلقا وإن لم يكن مما نافى حق الزوج وحق الولد وحق السيد. ولعله لذا قال المصنف وغيره: * (وكذا يتوقف نذر المملوك على إذن المالك، فان) * لم يأذن و * (بادر لم ينعقد وإن تحرر، لانه وقع فاسدا) * بل في الرياض نفي الخلاف فيه، بل عن صريح المسالك الاجماع عليه وإن لم أتحققه، مضافا إلى


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 87.

[ 361 ]

عموم أدلة الحجر عليه من الكتاب (1) والسنة (2) وخصوص المروي في الوسائل عن قرب الاسناد (3) " أن عليا عليه السلام كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن له سيده " فما في الكفاية حينئذ من التردد فيه في غير محله. وكان اقتصار المصنف والفاضل في القواعد والتحرير والشهيد في اللمعة في إلحاق النذر باليمين على الزوجة والمملوك لاختصاصهما بالخبرين (4) المزبورين دون الولد والوالد، ولكن في الارشاد والدروس إلحاقه بهما أيضا لبعض الوجوه التي عرفتها. وفي الرياض بعد أن ذكر ما سمعت قال: " ويستفاد منه مشاركة الولد للزوجة والمملوك في توقف نذره على إذن ولداه كما صرح به العلامة في جملة من كتبه والشهيد في الدروس، فلا وجه لاقتصار العبارة ونحوها من عبائر الجماعة على ذكر الاولين خاصة، كما لا وجه لاقتصار السيد في شرح الكتاب على المملوك، لتطرق القدح إلى ما زعمه - من انحصار ما دل على إطلاق النذر على اليمين في بعض ما مر من الاخبار، وضعفه، وقصور دلالته بأن الاستعمال أعم من الحقيقة يمنع من العمل به - بعدم الحصر، لاستفادته من النصوص التي فيها ما هو معتبر السند بالصحة والموثقية، مع انجبار الضعيف منها بالشهرة التي اعترف بها، وأن مبنى الاستدلال ليس دعوى ثبوت كون الاطلاق بعنوان الحقيقة خاصة يرد (5) ما ذكره، بل إما هي على القول بها أو ما قدمنا إليه الاشارة من كونه مجازا أو استعارة يقتضي الشركة مع الحقيقة فيما يثبت لها من الاحكام الشرعية، ومنها عدم الصحة عند عدم


(1) سورة النحل: 16 - الاية 75. (2) الوسائل الباب - 4 - من كتاب الحجر والباب - 87 - من كتاب الوصايا. (3) الوسائل الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 13 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 و 2. (5) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة. وفى الرياض " خاصة ليرد ما ذكره... " وهو الصحيح كما هو كذلك في المسودة التى هي بخط المصنف طاب ثراه.

[ 362 ]

إذن أحد من هذه الثلاثة " وإن كان لا يخفى عليك وجه النظر في كلامه بعد الاحاطة بما ذكرناه. وكان سيد المدارك أخذ الاقتصار على المملوك من جده في المسالك، فانه بعد أن ذكر فتوى الجماعة بالالحاق، وذكر الدليل على ذلك الاطلاق المزبور، وأجاب عنه بأنه مجاز ولا بأس باقرار الامام عليه السلام على مجازيته، قال: " وعموم الادلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر من الكتاب والسنة، لا يتخصص في موضع النزاع بمثل هذه التمحلات - إلى أن قال -: أما المملوك فيمكن اختصاصه بذلك من حيث له الحجر عليه وانتفاء أهلية ذمته للالتزام بشئ بغير إذن المولى ". وفيه أن الحجر عليه لا يتناول قول: " لا إله إلا الله " ونحوهما لو حلف عليها، فالعمدة حينئذ في الاقتصار ما ذكرناه. بل منه ينقدح الشك في الانجبار بالنسبة إلى إلحاق الولد، لعدم شهرة فيه، والظن المزبور بالمساواة باعتبار اتحاد المنشأ لا دليل على حجيته، فتأمل جيدا. وكيف كان فقد تقدم تحقيق الحال في اليمين في توقف الصحة على الاذن وأن له الحل، وتقدم ما يتفرع على ذلك، وقد بنى المسألة غير واحد من الاصحاب على ما تقدم هناك، وستعرف ما فيه، بل ظاهر المصنف وغيره هنا الاول، بل صرح بالفساد لو تحرر قبل الاذن الذي قد عرفت هناك أنه من ثمرات القولين. كما أنه صرح بالاكتفاء بلحوق الاذن هنا كالفضولي بقوله: * (وإن أجاز المالك ففي صحته تردد أشبهه اللزوم) * ولا بأس به بناء على شرطية الاذن، لعموم الادلة وإطلاقها، كما قدمنا تحقيقه في محله. وعن التحرير والارشاد الاشكال في ذلك، إلا أنه قد اخترنا في اليمين عدم اعبتار الاذن وأن له الحل، لاطلاق الادلة، وكأنه ظاهر الدروس هنا، قال: " وللزوج حل نذر الزوجة فيما عدا فعل الواجب وترك الحرام حتى في الجزاء

[ 363 ]

عليهما، وكذا السيد لعبده والوالد لولده على الظاهر، ولو زال الحجر قبل الحل لزم في الاقوى " ونحوه في القواعد، بل في غاية المراد " إن أكثر الاصحاب قالوا: إن له الحل وهو مشعر بالانعقاد ". قلت: وحينئذ فلا يأتي تفريع الاجازة، ولعل وجه ما ذكره المصنف من الفرق بين لحوق الاذن وبين الحرية أن الاول على تأهله ويتم بالاذن، بخلاف الثاني الذي هو كبيع الرهن ثم يفكه، خصوصا بناء على كون الاجازة كاشفة، فتأمل جيدا. هذا ولكن قد يفرق بين المقام وبين اليمين فيشترط الاذن هنا للخبرين (1) في المملوك والزوجة الظاهرين في ذلك المنجبرين بعمل الاصحاب بخلاف مسألة اليمين التي قد عرفت خلو نصوصها عن الاذن أصلا، وإنما الموجود " لا يمين لولد مع والده " (2) إلى آخره، وقد قلنا: إنه ظاهر في المعارضة وإنه يقتضي أن له الحل، لا أن الاذن شرط، وبالجملة لا يخلو كلامهم هنا من تشويش، ومنشأه الاجتهاد في مدرك المسألة، وأنه نصوص اليمين بناء على شموله للنذر أو الخبران في خصوص الزوجة والمملوك، فتأمل جيدا. * (و) * كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه * (يشترط في) * صحت‍ * (ه) * أي النذر * (القصد) * الاختياري الذي قد مر اعتباره في غيره من العبادات والعقود والايقاعات * (فلا يصح من المكره) * بقسيمه * (ولا السكران ولا الغضبان الذي لا قصد له) * ولا غيرهم كالنائم والمغمى عليه ونحوهم مما لا قصد له أو لا قصد معتد به له، بل يشترط فيه أيضا انتفاء الحجر عنه لسفه لو تعلق بمال، نعم لو تعلق بعبادة بدنية، صح لاطلاق الادلة، أما المفلس فلا إشكال في صحته منه لو تعلق بغير المال، أما فيه فان كان في ذمته فكذلك، ويؤديه حينئذ بعد البراءه من حقهم، وإن كان فيما تعلق حق الغرماء به فلا ينفذ فيه معجلا قطعا، ولكن هل تراعى صحته بالفك ؟


(1) الوسائل الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 و 2. (2) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الايمان.

[ 364 ]

وجهان، وكذا المرهون كما قدمنا الكلام فيه سابقا. * (وأما الصيغة فهى إما) * معلقة على شرط يكون به نذر * (بر أو زجر أو) * لا فتكون به نذر * (تبرع، فالبر قد يكون شكرا للنعمة، كقوله: إن اعطيت مالا أو ولدا أو قدم المسافر) * أو عافاني الله أو نحو ذلك * (فلله علي كذا، وقد يكون) * شكرا * (دفعا لبلية كقوله: إن برئ المريض أو تخطاني المكروه فلله علي كذا) * ويسمى نذر مجازاة أيضا. * (و) * أما نذر * (الزجر) * فهو * (أن يقول: إن فعلت كذا فلله علي كذا وإن لم أفعل كذا فلله علي كذا) * وبالجملة ففي المسالك " كل واحد من المزجور عنه والمجازي عليه إما أن يكون طاعة أو معصية أو مباحا، ثم إما أن يكون من فعله أو فعل غيره خارجا عنهما، لكونه من فعل الله كشفاء المريض، ومتعلقه إما فعل أو ترك، فهذه صورة المسألة، والجزاء على الطاعة كأن يقول: " إن حججت - على معنى إن وفقني الله للحج - فلله علي صوم كذا شكرا " والزجر عنها كذلك إلا أنه قصد به الزجر عنها والجزاء على المعصية، كقوله: " إن شربت الخمر فلله علي كذا " زجرا لنفسه أو شكرا عليها، والمائز القصد كذلك، ولا ريب في انعقاد الاول منهما دون الثاني، وفي جانب النفي كقوله: " إن لم اصل فلله علي كذا " أو " إن لم أشرب الخمر.. " فان قصد في الاول الزجر وفي الثاني الشكر على توفيقه له انعقد دون العكس، وفي المباح يتصور امران نفيا وإثباتا، كقوله: " إن أكلت أو لم آكل فلله علي كذا " شكرا على حصوله أو زجرا على كسر الشهوة، وتتصور الاقسام كلها في فعل الغير، كقوله: " إن صلى فلان أو قدم من سفره أو أعطاني " إلى غير ذلك من أقسامه، وضابط المنعقد من ذلك كله ما كان طاعة وقصد بالجزاء الشكر أو تركها وقصد الزجر، وبالعكس في المعصية، وفيما خرج من فعله يتصور الشكر دون الزجر، وفي المباح الراجح دنيا يتصور الشكر، وفي المرجوح الزجر وعكسه كالطاعة، وفي المتساوي

[ 365 ]

الطرفين يتصور الامران، ومثله " إن رأيت فلانا فلله علي كذا " فان أراد إن رزقني الله رؤيته فهو نذر بر، وإن أراد كراهة رؤيته فهو نذر نجاح ". وهو على طوله لا حاصل له بل لا يخلو بعضه من نظر، بل لعل حاصل عبارة المصنف وغيرها خير منه، وهو أن النذر ينقسم إلى معلق على شرط ومتبرع به، ويعتبر في الاول أن يكون متعلق النذر مقصودا فيه الشكر على شئ صالح لان يشكر عليه، أو الزجر عن فعل يرجح له الانزجار عنه، ولو لانه مباح مرجوح، فلو لم يقصد الزجر ولا الشكر - ولو لان الشرط غير صالح لكل منهما عرفا - لم ينعقد النذر، كما هو ظاهر المتن وغيره ممن حصر نذر المعلق في الامرين، ولعله للاصل وظهور النصوص في ذلك، بل قد يدعى أنه المتعارف في النذر، ولعله لذا جزم في الروضة بأنه لو انتفى القصد في القسمين لم ينعقد لفقد الشرط. * (و) * أما الثاني أي * (التبرع) * الذي لم يعلق على شرط فهو ك‍ * (أن يقول: لله علي كذا) * * (ولا ريب في انعقاد النذر في الاولين) * نصا (1) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، نعم لو فرض حصول الشرط قبل النذر انكشف عدم انعقاده لتبين عدم التعليق، ولصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام " سألته عن رجل وقع على جارية له، فارتفع حيضها وخاف أن تكون قد حملت، فجعل لله عتق رقبة وصوما وصدقة إن هي حاضت، وقد كانت الجارية طمثت قبل أن يحلف بيوم أو يومين وهو لا يعلم، قال: ليس عليه شئ " وخبر جميل بن صالح (3) قال: " قد كانت عندي جارية بالمدينة - إلى أن قال -: فأجابني إن كانت حاضت قبل النذر فلا عليك، وإن كانت حاضت بعد النذر فعليك ". * (وفي الثالث خلاف والانعقاد أصح) * وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد. (2 و 3) الوسائل الباب - 5 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2 - 1.

[ 366 ]

الاجماع عليه، لاطلاق الادلة وعمومها كتابا وسنة، (منها) قوله تعالى (1): " إني نذرت لك ما في بطني محررا " و (منها) قول النبي صلى الله عليه واله (2): " من نذر أن يطيع الله فليطعه " ودعوى أن النذر لغة هو الوعد بشرط كما عن تغلب والشرع نزل بلسانهم والاصل عدم النقل يدفعها منع كونه كذلك لغة إذ قد حكي عنه أيضا أنه مطلق الوعد، بل في الرياض لو سلم فنقل المعارض من اللغة واتفاق أهلها على ما ذكره يعارض بالعرف المقدم عليها، وإن كان قد يناقش بمنع معلومية كونه كذلك في زمن صدور الاطلاقات كتابا وسنة. نعم قد يقال: إن جملة من النصوص الدالة على أحكام النذر قد رتبتها على صيغة " لله علي " ونحوها من دون ذكر لفظة بالمرة، ففي الصحيح (3) " من جعل لله عليه أن لا يفعل محرما سماه فركبه فليعتق رقبة أو ليصم شهرين أو ليطعم ستين مسكينا " ونحوه الخبر في العهد (4) " من جعل عليه عهدا لله وميثاقه في أمر الله وطاعته فحنث فعليه عتق أو صيام " وفي صحيح الحلبي (5) عن الصادق عليه السلام " إن قلت: لله علي فكفارة يمين " وفي آخر (6) " فما جعتله لله تعالى فف به " وفي ثالث (7) " ليس من شئ هو لله طاعة يجعله الرجل عليه إلا ينبغي له أن يفي به " وفي


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 35. (2) المستدرك الباب - 12 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2 وسنن البيهقى ج 10 ص 75. (3) الوسائل الباب - 19 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 والباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 7 من كتاب الايلاء والكفارات. (4) الوسائل الباب - 25 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2. (5 و 6) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الكفارات الحديث 1 - 3 من كتاب الايلاء والكفارات. (7) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 6.

[ 367 ]

موثق الساباطي (1) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام " في رجل جعل على نفسه لله عتق رقبة فأعتق أشل أعرج، قال: إذا كان ممن يباع أجزأ عنه إلا أن يكون سماه فعليه ما اشترط وسمي " ونحوه الخبران (2) المتقدمان في نذر عدم بيع الجارية إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المرتبة للحكم على الصيغة المزبورة. واحتمالها التقييد بصورة التعليق وإن كان ممكنا إلا أنه فرع وجود الدليل وليس، ودعوى ورودها مورد الغلب وهو المعلق دون المطلق مردودة، كدعوى ورودها لببان حكم آخر غير الصغية، فان الدعويين لا يجريان إلا في نحو المطلقات، وليس منها الاخبار المزبورة، فانها ما بين عامة لغة وعامة بترك الاستفصال لافادته إياه على الاشهر الاقوى. لكن قد يناقش بأن هذه النصوص وغيرها مما رتب فيها الحكم على الصيغة المزبورة من دون ذكر النذر مبناها على أنها نذر، ضرورة عدم اقتضائها اللزوم إذا لم يكن نذرا، ولا يترتب عليها كفارة النذر، لعدم قسم آخر ملزم عندنا غير اليمين والنذر والعهد، والفرض عدم كونها من الاول والثالث قطعا، فليس إلا النذر، فمع فرض أخذ الشرط في مفهومه كما هو مبنى الاستدلال لم يجد شئ من إطلاقها، كما هو واضح. بل قد يقال إن مقتضى الاصل حينئذ عدم الانعقاد بعد الشك، لمعارضة اللغة بمثلها، والاجماع المحكي بمنعه، فان المرتضى وابن زهرة قد قالا بعدم الانعقاد مدعيا أو لهما الجماع، والنصوص المزبورة - مضافا إلى ما سمعته فيها - بغيرها كموثق سماعة (3) " سألته عن رجل جعل عليه أيمانا أن يمشي إلى الكعبة أو


(1) الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11 والباب - 18 - من كتاب الايمان الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4.

[ 368 ]

صدقة أو نذرا أو هديا إن هو كلم أباه أو امه أو أخاه أو ذا رحم أو قطع قرابة أو مأثما يقيم عليه أو أمرا لا يصلح له فعله، فقال: لا يمين في معصية الله، إنما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ما جعل لله عليه في الشكر إن هو عافاه الله من مرضه، أو عافاه من أمر يخافه، أو رد عليه ماله، أو رده من سفره، أو رزقه رزقا فقال: " لله علي كذا وكذا " شكرا، فهذا الواجب على صحابه، وينبغي له أن يفي به ". وصحيح منصور بن حازم (1) على ما في التهذيب عن الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قال الرجل: علي المشي إلى بيت الله وهو محرم بحجة أو علي هدي كذا وكذا فليس بشئ حتى يقول: لله علي المشي إلى بيته، أو يقول: لله علي هدي كذا وكذا إن لم أفعل كذا وكذا " بل لعلها أوضح دلالة. بل يمكن تقييد ما عداهما بمفهوم الحصر فيهما مؤيدا بما يشعر به غيرهما أيضا من نصوص اخر (2) قد تضمنت تقييد ما وقع من النذر بالشكر. ودعوى أن المقصود منهما بيان لزوم ذكر الله تعالى في النذر وعدم تعلقه بالمحرم، لا لزوم التعليق كما يتوهم - فلا عبرة بمفهومها، فليس هما حينئذ إلا كالمطلق المنساق لبيان حكم آخر غير محل الفرض، مع احتمال ورود التعليق فيهما مورد الغالب في النذر ذلك لا المطلق، مضافا إلى ما يقال في الصحيح من كون الظاهر أن الشرط فيه متعلق بالجملة الثانية خاصة، وحينئد فلا دلالة له، بل فيه دلالة على الاخر - كما ترى، ولا أقل من تعارض هذه الاحتمالات بالاحتمالات السابقة، فيحصل الشك، والاصل عدم الانعقاد. ولعله لذا كان ظاهر الفاضل في الارشاد والشهيد في الدورس التوقف، بل هو


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4 والباب - 23 - منه الحديث 1 والباب - 6 - منه الحديث 1.

[ 369 ]

ظاهر سيد المدارك وصاحب الكفاية، وإن قويا الاول، إلا أن الشهرة العظيمة بل لم نجد الخلاف إلا من السيدين المزبورين ترجح الاول، بل لعل نذر الشكر أعم من المعلق، إذ قد ينعم الله على الانسان نعمة ويريد شكرها بنذر بعض العبادات، قال أبو بصير (1): " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو أن عبدا أنعم الله عليه نعمة إما أن يكون مريضا أو يبتلى ببلية فعافاه الله من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان فان عليه أن يتم ". * (و) * كيف كان فلا خلاف بيننا في أنه * (يشترط مع الصيغة نية القربة) * بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى صحيح الحلبي (2) المتقدم في اليمين عن الصادق عليه السلام " كل يمين لا يراد بها وجه الله عزوجل فليس بشئ في طلاق أو عتق " بناء على إرادة النذر منه. وعلى كل حال فلا إشكال في اعتبار نية القربة فيه، لكن على معنى قصد الامتثال بايقاعه كغيره من العبادات التي تعلق الامر بايجادها على جهة الوجوب أو الندب، ضرورة عدم الامر به هنا، بل ظاهر موثق اسحاق بن عمار (3) كراهة إيقاعه، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني جعلت على نفسي شكرا لله ركعتين اصليهما في السفر والحضر، فاصيلهما في السفر بالنهار ؟ فقال: نعم، ثم قال: إني لاكره الايجاب أن يوجب الرجل على نفسه، فقلت، إني لم أجعلهما لله علي، إنما جعلت ذلك على نفسي اصليهما شكرا لله ولم اوجبه لله على نفسي، فأدعهما إذا شئت قال: نعم ". بل المراد بها إنشاء الالتزام لله لا لغرض آخر، ومن هنا صح لهم


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب المواقيت الحديث 3 من كتاب الحج مع اختلاف يسير في اللفظ وذكره بعينه في التهذيب ج 8 ص 310 الرقم 1152. (2) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 6 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 370 ]

الاستدلال على اشتراطهما بالنصوص الكثيرة، كصحيح منصور بن حازم (1) السابق والموثق (2) المزبور وغيرهما. ومن هنا قال في المسالك: " ومقتضى هذه الاخبار أن المعتبر من نية القربة جعل الفعل لله وإن لم يجعله غاية له، وربما اعتبر بعضهم جعل القربة غاية، بأن يقول بعد الصيغة: " لله " أو " قربة إلى لله تعالى " ونحو ذلك كنظائره من العبادات - ثم قال -: والاصح الاول، لحصول الغرض على التقديرين، وعموم النصوص، والمراد بنية القربة أن يقصد بقوله: " لله علي كذا " معناه بمعنى أنه لا يكفي قوله: " لله " من دون أن يقصد به معناه، وإلا فالقربة حاصلة من جعله لله، ولا يشترط معه أمر إخر كما قررناه " وظاهره حصول النية المعتبرة في العبادات فيه بالقصد المزبور. وأصرح من ذلك عبارته في الروضة، قال: " ويستفاد من الصيغة أن القربة المعتبرة في النذر إجماعا لا يشترط كونها غاية للفعل كغيره من العبادات، بل يكفي تضمن الصيغة لها، وهو هنا موجود بقوله: " لله على " وإن لم يتبعها بعد ذلك بقوله: " قربة إلى الله " أو " لله " ونحوه " وبهذا صرح في الدروس وجعله أقرب، هو الاقرب، ومن لا يكتفي بذلك ينظر إلى أن القربة غاية الفعل، فلابد من الدلالة عليها، وكونها شرطا للصيغة، والشرط مغاير للمشروط، ويضعف بأن القربة كافية بقصد الفعل لله في غيره، كما أشرنا، وهو هنا حاصل، والتعليل لازم، والمغايرة متحققة، لان الصيغة بدونها إن كان كذا فعلى كذا فان الاصل في النذر الوعد بشرط، فتكون إضافته لله خارجة " وفيه ما لا يخفى. وفي حاشية الكركي " عن الدروس يشترط فيها التقرب إلى الله سبحانه، وهل يكفي النية في التقرب أو لابد من التلفظ بالتقرب في تمام الصيغه ؟ الاقوى


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4.

[ 371 ]

الاول - ثم قال -: قلت: إن كان المراد التلفظ بالقربة فالحق أنه لا يشترط، لكن يشترط التلفظ بما يقتضي القربة، مثل لله علي، وبدون ذلك لا ينعقد ". والموجود عندنا في نسختين من الدروس بعد أن اعتبر في تعريف النذر كونه ناويا للتقرب: " وهل يشترط نية القربة للصيغة أو يكفي التقرب في الصيغة ؟ الاقرب الثاني " وهو كالصريح فيما ذكرنا. وفي كشف اللثام في شرح قول الفاضل في القواعد: " ويشترط في الصيغة نية القربة " قال: " بالمنذور وإن كان النذر لجاج اتفاقا، وللاصل والنصوص، ويعطيها قوله: لله، ولا حاجة إلى زيادة قوله: قربة إلى الله، للاصل وإطلاق النصوص والفتاوى ". وفيه أن نية القربة بالمنذور غير نية القربة بالنذر، على أن المنذور نية قربته إنما هو وقت أدائه لا وقت الالتزام به، ولا يتم أيضا لو كان المنذور مباحا متساوي الطرفين أو راجحا في الدنيا، وكان الذي دعاه إلى التفسير المزبور هو عدم تصور نيه القربة في النذر نفسه مع فرض عدم الامر به على وجه يكون عبادة، بل قد سمعت النهي (1) عن الايجاب لله. وأغرب من ذلك دعوى الاجتزاء عن نية القربة المعتبرة في العبادات التي هي امتثال الامر المتعلق بقول: " لله علي " الذي هو إنشاء سبب الالتزام والوجوب، نحو " لزيد علي هكذا وإن فعل كذا " إذ لا يخفى أنه أجنبي عن نيه القربة، ودعوى أنها لازمة له كما سمعته من الروضة واضحة الفساد، كوضوح فساد ما ذكره فيها جوابا عن الشرطية، و (بالجملة) كلماتهم هنا لا تخلو من تشويش. وتنقيح الحال أنه إن أرادوا اعتبار نية القربة في النذر على نحو اعتبارها في العبادة - لان النذر من العبادات كما يقضي به مضافا إلى ما هنا قولهم بعدم صحه وقوعه من الكافر، لتعذر نية القربة منه - فلا ريب في عدم الاكتفاء عنها


(1) الوسائل الباب - 6 - من كتاب النذر والعهد.

[ 372 ]

بقوله: " لله علي " الذي هو جزء صيغة الالتزام، لعدم دلالته عليه باحدى الدلالات بل لابد من نيه القربة مقارنة للصيغة، ويبقى عليهم المطالبة بدليل كونه عبادة، ضرورة توقفها على أمر يقتضيها، وليس، كما أنه لا دلالة في شئ مما ذكروه من النصوص الكثيرة التي ادعوا دلالتها على ذلك، ضرورة أنه لا تفيد سوى اعتبار كون النذر لله، أي لا لغيره، بمعنى أنه يجب في صيغته التي هي سبب الالتزام أن يقول: " لله علي " بمعني عدم انعقاد النذر لو جعل الالتزام لغير الله من نبي مرسل أو ملك مقرب، وهذا غير معنى نية التقرب. وظني والله أعلم أن الاشتباه من هنا نشأ، وذلك لانهم ظنوا أن هذه النصوص والتي دلت على المعنى المزبور دالة على اعتبار نية القربة، ولا يخفى عليك أن كون الفعل لله بمعنى امتثالا لامره مباين لكونه له، بمعنى أنه يعتبر في التزام النذر كون الصيغة الالتزام له لا بغيره ولا مدخليه له في نية القربة، كما هو واضح. وحينئذ فالمعتبر في النذر كونه لله بالمعنى الذي ذكرناه لا غيره، وهذا يجامع نذر المباح وغيره، فان فرض إرادتهم من نيه القربة المعنى المزبور كما هو ظاهر سيد المدارك في شرح النافع حيث قال: " ويشترط في صحة النذر قصد الناذر إلى معنى قوله: " لله " وهو المعبر عنه بنية القربة، وإنما لم يذكره المصنف صريحا، لان الظاهر من حال المتلفظ بقول: " لله " أن يكون قاصدا إلى معناه، حتى لو ادعى عدم القصد لم يقبل قوله فيه " إلى آخره، بل هو ظاهر بعض ما سمعته من المسالك فمرحبا بالوفاق، إلا أنه لا وجه للقول بعدم صحته من الكافر لتعذر نية القربة منه، ولا لقولهم: إن نيه القربة يجزئ عنها قول: " لله " ولا نحو ذلك مما لا يخفى عليك من كلماتهم، حتى قول المصنف وغيره تفريعا على اعتبار نية القربة: * (فلو قصد منع نفسه بالنذر لا لله لم ينعقد) * مع أنك قد عرفت نذر الزجر الذي معناه أن المكلف يوقعه لارادة منع نفسه عن فعل باعتبار عظم المنذور الذي يقتضي وقوع الفعل منه الالتزام به بسبب النذر.

[ 373 ]

نعم لو لم يرد بقول: " لله علي " معناه وإنما ذكر لفظه لغضب ونحوه ولم يقصد إنشاء الالتزام بذلك لله لم ينعقد من هذه الجهة، بل لعل هذا الكلام منهم مشعر بكون المراد من نية القربة التي ذكروها وفرعوا ذلك عليها هو المعنى الذي ذكرناه، لا نية القربة المعتبرة في العبادات التي هي قصد امتثال الامر. بل لعل عبارة الدروس التي ذكرناها في نسختين كذلك أيضا، ضرروة أن الاول الذي جعله غير أقرب هو نية القربة للصيغة على حسب نية العتق، بخلاف الثاني الذي جعله أقرب، وهو التقرب في الصيغة بأن يقو ل: " لله علي " لا نية قربة اخرى، وهو امتثال الامر، فتأمل جيدا فان المسألة دقيقة جدا، ولم أر من حررها. بقي الكلام في شئ آخر، وهو أنه يعتبر في الصيغة قول: " لله " بخصوصه على وجه لا يجزئ غيره من أسمائه المختصة فضلا عن المشتركة المقصود بها ذاته أو يجزئ كل واحد منها، قال في نهاية المرام في شرح قوله في النافع: " ويشترط النطق بلفظ الجلالة، فلو قال: علي كذا لم يلزم ": " إن متقضى عبارة المصنف وأكثر الاصحاب أنه لابد في انعقاد النذر من النطق بلفظ الجلاله، واكتفى الشهيد في الدروس بأحد الاسماء الخاصة، وهو محل إشكال، وكذا الاشكال في انعقاد النذر مع إبدال لفظ الجلالة بمرادفه من الالفاظ العربية " ونحوه في الكفاية. ولعله لظهور النصوص (1) المزبورة في اعتبار قول " لله " خصوصا قوله في صحيح الحلبي (2) السابق: " فان قلت: لله فكفارة يمين " بل عن ظاهر الانتصار اعتبار خصوص هذه اللفظة مدعيا عليه إجماع الامامية، إلا أنه لا يخفى أن سياق النصوص أجمع إرادة خصوص ذاته المقدسة لا خصوص هذه اللفظة، ولذا أرسله الشهيد في الدروس


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث - 0 -. (2) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الكفارات الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 374 ]

إرسال المسلمات من غير نقل خلاف ولا إشعار باحتمال، ومنه ومن سكوت غيره يضعف الاعتماد على الاجماع المزبور. بل المتجه بناء على ما ذكرنا في العقود والايقاعات عدا ما خرج منها بالدليل الاجتزاء بكل ما دل على إنشاء الالتزام لله تعالى شأنه من غير فرق بين الاسماء المختصة وغيرها، كما سمعته في اليمين، بل لا يبعد الاجتزاء بالمرادف من كل لغة لمن لم يحسن العربية على نحو ما ذكرناه في العقد والايقاع، لفحوى الاجتزاء باشارة الاخرس في سائر العقود والايقاعات، بل ظاهر الرياض الانعقاد بالمرادف اختيار أو نحو ذلك يجري في اليمين أيضا، خصوصا بعد اقتضاء الاحتياط ذلك أيضا. نعم لو لم يتلفظ أصلا بل اقتصر على قول " علي كذا " لم ينعقد النذر وإن نوى معنى " لله " كما هو ظاهر الاكثر، للاصل ولقول الصادق عليه السلام في خبر مسعدة بن صدقة (1): " إذا لم يجعل لله فليس بشئ " وخبر إسحاق بن عمار (2) المتقدم في صلاة الركعتين شكرا وغيرهما من النصوص المعضدة بفتاوى الاصحاب. خلافا للمحكي عن ابن حمزة من أنه إن قال: " علي كذا إن كان كذا " وجب الوفاء ولا كفارة، وإن قال: " علي كذا " استحب الوفاء، ففرق بين المشروط وغيره، ولعله لصحيح منصور بن حازم (3) السابق على ما في نسخ الكافي أو يقول: " لله علي هدى كذا " ولكنه كما ترى. بل في المختلف المحتمل عدم الوجب في الجميع، لما تواتر من أن مناط الوجوب تعليق النذر بقوله: " لله "


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 6 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 راجع الكافي ج 7 ص 454 والتهذيب ج 8 ص 303 والموجود في الكافي الطبع الحديث " لله على ".

[ 375 ]

إلا أنه في كشف اللثام " لم أظفر بخبر واحد ينص عليه فضلا عن المتواتر، وما تقدم من الخبرين (1) مع ضعفهما يحتملان الجعل لله بالنية وإن لم يتلفظ به ". وفيه أن النصوص بين صريح وبين ظاهر في ذلك. وفي قواعد الفاضل " لو قال: علي كذا ولم يقل: لله استحب له الوفاء " ولعله لانه طاعة أو حمل صحيح منصور بن حازم (2) على ما في الكافي عليه، وفي كشف اللثام لخبر إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم عليه السلام " قلت له: رجل كانت عليه حجة الاسلام فأراد أن يحج فقيل له تزوج ثم حج، فقال: إن تزوجت قبل أن أحج فغلامي حر، فتزوج قبل أن يحج، فقال أعتق غلامه، فقلت: لم يرد بعتقه وجه الله، فقال: إنه نذر في طاعة الله، والحج أحق من التزويج، وأوجب عليه من التزويج، قلت: فان الحج تطوع، قال: وإن كان تطوعا فهي طاعة لله عزوجل، فقد أعتق غلامه " وفيه أنه مجرد عن قول: " علي " مع الحكم فيه بحرية الغلام. وفي النافع " روى إسحاق بن عمار (4) عن أبي إبراهيم عليه السلام في رجل قال: إن تزوجت قبل أن أحج فغلامي حر فبدأ بالنكاح تحرر الغلام وفيه إشكال إلا أن يكون نذرا ". وعلى كل حال فالامر سهل من أن الحكم مستحب والفرض إن لم يكن نذرا منعقدا فهو وعد أو شبه الوعد.


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4 والباب - 6 - منه الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (3 و 4) الوسائل الباب - 7 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 في الطبع الحديث منه عن أبى عبد الله عليه السلام، الا ان الموجود في الكافي ج 7 ص 455 والاستبصار ج 4 ص 48 عن أبى ابراهيم عليه السلام.

[ 376 ]

وفي خبر عمر من خالد (1) عن أبي جعفر عليه السلام " النذر نذران، فما كان لله وفي به، وما كان لغير الله فكفارته كفارة يمين ". وفي خبر صفوان الجمال (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: بأبي أنت وامي جعلت على نفسي شيئا إلى بيت الله الحرام فقال: كفر بيمينك، فانما جعلت على نفسك يمينا، وماج علته لله فف به ". وأضعف من ذلك ما عن الشيخين والقاضي من الانعقاد بمجرد النية من دون ذكر شئ أصلا، وستعرف ضعفه عند تعرض المصنف له. * (و) * كيف كان ف‍ * (لابد أن يكون الشرط في النذر) * المعلق * (سائغا إن قصد الشكر) * بمعنى كونه مما يحسن الشكر عليه حتى يشكل ما كان من فعل الله تعالى، كالعافية ونحوها الذي لا يوصف بكونه سائغا، فانه خاص بفعل المكلف، والامر سهل بعد وضوح المطلوب. وقد عرفت في نذر الشكر أنه يجوز كون الشرط واجبا أو مندوبا أو مباحا راجحا في الدنيا أو متساوي الطرفين أو ترك محرم أو مكروه، لاطلاق الادلة وعمومها، كما أنك عرفت في نذر الزجر كونه فعل محرم أو مكروه أو ترك واجب أو ترك مندوب أو ترك مباح راجح أو متساوي الطرفين. وبالجملة فالمدار على ما يحسن في العرف النذر له شكرا أو زجرا سواء تعلق به أو بغيره، حتى لو كان على فعل المعاصي من عدو الدين مثلا فيقول: إن افتضح زيد مثلا بأن تجاهر بالزنا وشرب الخمر أو قتل زيد الكافر مثله فلله علي صوم كذا مثلا، وليس اقتصار المصنف على الشكر لخصوصية فيه، إذ لا فرق بين نذر الشكر والزجر والاستدفاع في اعتبار كون الشرط سائغا بالمعنى المزبور الذي هو صلاحته شرعا وعرفا للشكر أو للزجر، كما هو واضح، فلا يصح نذر الزجر على المندوب أو ترك المكروه فضلا عن الواجب والمحرم.


(1 و 2) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 - 3 من كتاب الايلاء والكفارات والاول عن عمرو بن خالد كما في الاستبصار ج 4 ص 55.

[ 377 ]

* (و) * لابد أيضا أن يكون * (الجزاء) * في نذر المعلق أو مطلقا * (طاعة) * أي عبادة من العبادات كما ستعرف تحقيق الحال فيه. * (و) * على كل حال ف‍ * (لا ينعقد) * عندنا * (النذر بالطلاق ولا بالعتاق) * كأن يقول: " زوجتي طالق إن فعلت كذا " أو " عبدي حر إن لم أفعل كذا " بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص متواترة (1) في عدم انعقاد مثل ذلك، سواء قصده نذرا أو يمينا، فانه لا التزام بالحلف بغير الله تعالى وبالنذر بغير الصيغة المعهودة، والله العالم. * (وأما متعلق النذر) * سواء كان معلقا أو تبرعا * (فضابطه أن يكون طاعة مقدورا للناذر، فهو إذن مختص بالعبادات كالحج والصوم والصلاة والهدى والصدقة والعتق) * ونحوها مما هو مأمور به واجبا أو مندوبا على وجه يكون عبادة لصحيح منصور بن حازم (2) وموثق سماعة (3) السابقين وصحيح أبي الصباح الكناني (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: علي نذر، قال ليس النذر بشئ حتى يسمى لله شيئا صياما أو صدقة أو هديا أو حجا " وخبر أبي بصير (5) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول: علي نذر، قال ليس بشئ حتى يسمى النذر، فيقول: علي صوم لله أو يتصدق أو يعتق أو يهدى هديا، فان قال الرجل: أنا أهدى من هذا الطعام فليس هذ بشئ إنما تهدى البدن " وغيرها من النصوص الظاهرة أو المشعرة بذلك. وحينئذ فلو نذر محرما أو مكروها لم ينقعد بلا خلاف نصا وفتوى، بل الاجماع محصلا ومنقولا عن الانتصار وغيره عليه، بل والمباح المتساوي طرفاه


(1) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الايمان. (2 و 4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 - 2. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4. (5) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3.

[ 378 ]

أو كان راجحا في الدنيا، بل في الرياض أو الدين ناسبا له إلى إطلاق غير واحد من الاصحاب، بل عن بعضهم نسبته إلى المشهور، بل عن ظاهر المختلف في مسألة نذر صوم أول رمضان الاجماع، حيث قال بعد اختياره جوازه ردا على المبسوط والحلي، للاجماع منا على أن النذر إنما ينعقد إذا كان طاعة. خلافا للشهيد في الدروس، قال: " وفي تعلق النذر بالمباح شرطا أو جزاء نظر، أقربه متابعة الاولى في الدين أو الدنيا، ومع التساوى رجح جانب النذر، لرواية الحسن بن علي (1) عن أبي الحسن عليه السلام " في جارية حلف لها بيمين فقال: لله علي أن لا أبيعها فقال: ف لله بنذرك " وفيه دقيقة ". بل وللفاضل في القواعد قال: " الثالث - أي من أقسام متعلق النذر - المباحات كالاكل والشرب، وفي لزومها بالنذر إشكال، نعم لو قصد التقوى بها على العبادة أو منع النفس من أكل الحرام وجب ". وربما يؤيده - مضافا إلى خبرى (2) الجارية وإلى عموم الوفاء بالنذر (3) - خبر يحيى بن أبي العلاء (4) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام " إن امرأة نذرت أن تقتاد مزمومة بزمام في أنفها فوقع بعير فخرم أنفها فأتت عليا عليه السلام تخاصم فأبطله فقال: إنما نذرت لله ". إلا أنها جميعا قاصرة عن معارضة النصوص (5) المزبروة المعتضده بما سمعت


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11 وهو نقل بالمعنى. (2) الوسائل الباب 18 - من كتاب الايمان الحديث 5 والباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11. (3) سورة الحج: 22 - الاية 29 وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات. (4) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 8. (5) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 و 3 والباب - 17 - منه الحديث 4.

[ 379 ]

من الشهرة والاجماع المحكي وبالمروي عن ابن عباس (1) قال: " بينما النبي صلى الله عليه واله يخطب إذا هو برجل قائما في الشمس فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم فلا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، قال: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ". بل وبصحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: " في رجل حلف بيمين أنه لا يكلم ذا قرابة له، قال: ليس بشئ فليكلم الذي حلف عليه، وقال: كل يمن لا يراد بها وجه الله فليس بشئ في طلاق أو غيره " بناء على إرادة النذر من اليمين وأن المراد من قوله: " لا يراد بها " إلى آخره أن المنذور يعتبر فيه أن يكون مما يراد به وجه الله تعالى. بل وبما يشعر به صحيح الكناني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " ليس من شئ هو لله طاعة يجعله الرجل عليه إلا ينبغي له أن يفي به، وليس من رجل جعل لله عليه شيئا في معصيته تعالى إلا أنه ينبغي له أن يتركه إلى طاعة الله " بناء على أن المراد مما في صدره التحديد على وجه تكون جميع قيوده معتبرة، بل وبما يستفاد من ملاحظة جميع النصوص من كون النذر مفيدا للالتزام بما هو ثابت لله على العبد قبل النذر والنذر ملزم به، ومن هنا كان المنذور جزاء للشكر، بل لعله لا يتصور كون المباح لله عليه، فان النذر لا يجعل ما ليس لله له. وبغير ذلك مما يظهر للمتأمل في النصوص التي لا يعارضها خبر يحيى (4) السابق الظاهر في كون ذلك راجحا لان " أفضل الاعمال أحمزها " (5) فهو


(1) سنن البيهقى ج 10 ص 75 (2) ذكر صدره في الوسائل الباب - 11 - من كتاب الايمان الحديث 12 وذيله في الباب - 14 - منه الحديث 2. (3 و 4) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 6 - 8. (5) نقله ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله كما في نهاية ابن الاثير في مادة: " حمز ".

[ 380 ]

كالحج ماشيا، بل ولا خبر الجارية (1) بعد احتمالهما الاختصاص بصورة رجحان البيع على وجه يكون مما يتقرب به إلى الله، وترك الاستفصال وإن كان يأباه إلا أنه لا يوجب الصراحة، بل غايته الظهور في العموم، وهو يقبل التخصيص بتلك الصورة، جمعا بينهما وبين تلك النصوص الراجحة عليهما من وجوه التي لا وجه لطرحها في مقابلتهما، سيما بعد قابليتهما للتأويل بما يرجع إليها دونها، مضافا إلى تضمنها الامر بالوفاء بعدم البيع مع رجحانه للحاجة، وهو مناف لما ذكره جماعة من جواز المخالفة في هذا الصورة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه، وعن آخر دعوى الاجماع عليه. وفي خبر زرارة (2) " قلت لابي عبد الله: أي شئ لا نذر فيه فقال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه " معتضدا بما سمعته في اليمين بناء على قاعدة الشركة معه في أحكامه وإن كان قد عرفت ما فيها. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور. وأضعف منه ما في اللمعة من التفصيل بين المعلق وغيره، فيعتبر الطاعة في الاول، ويكفي في الثاني المباح الراجح وإن نسبه في الروضة إلى المشهور، ولكن لم نتحققه، بل المتحقق خلافه، ولعله للجمع بين خبري (3) الجارية والنصوص (4) المزبورة بالاقتصار على ما فيهما من نذر التبرع، إلا أن فيه عدم معلومية كون عدم البيع راجحا في الدنيا، بل ظاهرهما العكس. ومن هنا قيل بالتفصيل المزبور مع الاطلاق في المباح وإن كنا لم نعرف قائله، وهو مناف لما


(1 و 3) الوسائل الباب 18 - من كتاب الايمان الحديث 5 والباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 و 3 والباب - 17 - منه الحديث 4.

[ 381 ]

قلناه من ظهور الخبرين في غير ذلك، فالاقوى حينئذ الاول، بل إن لم يكن إجماع كما عساه يظهر من نفي الاشكال عنه في كشف اللثام أمكن الاشكال في انعقاد النذر على المباح المقترن بما يقتضي رجحانه في الدين، كالاكل للتقوى للعبادة مثلا، لظهور النصوص المزبورة والفتاوى في العبادات الاصلية، فتأمل جيدا. هذا وربما أشكل بعضهم بناء على عدم انعقاد النذر على المباح ما لو نذر الصدقة بمال مخصوص، فانه يتعين اتفاقا، وكذا في مكان مخصوص، ففي خبر علي ابن مهزيار (1) " قلت لابي الحسن عليه السلام: رجل جعل على نفسه نذرا إن قضى الله عزوجل حاجته أن يتصدق في مسجده بألف درهم نذرا، فقضى الله عزوجل حاجته فصير الدارهم ذهبا ووجهها إليك أيجوز ذلك أم يعيد ؟ قال: يعيد " وسيأتي تمام الكلام فيه عند تعرض المصنف لمضمونه. والغرض الان أن المستحق هو الصدقة المطلقة أما خصوصية المال فمباحة، فكما لا ينعقد لو خلصت الاباحة فكذا إذا تضمنها النذر، ويقوى الاشكال حكم كثير من الفقهاء بجواز الصلاة المنذورة في مسجد معين فيما هو أزيد مزية منه، كالحرام والاقصى، مع أن الصلاة في المسجد سنة وطاعة فإذا جازت مخالفتها لطلب الافضل ورد مثله في الصدقة بالمال المعين، واجيب عنه بأن الصدقة المطلقة وإن كانت راجحة إلا أن المنذور ليس هو المطلق، إنما هو الصدقة المخصوصة بالمال المعين وهو أيضا أمر راجح متشخص بالمال المخصوص، والطاعة المنذورة إنما تعلقت بالصدقة بذلك المال لا مطلقا فكيف يجزئ المطلق عنه، ولان الطاعة المطلقة ولا وجود لها إلا في ضمن المعين من المال والزمان والمكان والفاعل وغيرها من المشخصات، فإذا تعلق النذر بهذا الشخص انحصرت الطاعة فيه كما تنحصر عند فعلها في متعلقاتها، فلا يجزئ غيرها. وبهذا يظهر ضعف القول بعدم تعين المكان المنذور للعبادة إن كان غيره أرجح، منه لان ذلك الراجح لم يتعلق به النذر، كما أنه لو تعلق بعبادة مخصوصة


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 382 ]

لا يجرئ غيرها مما هو أفضل منها، ولان فتح هذا الباب يؤدي إلى عدم تعين شئ بالنذر، حتى صوم يوم معين، والحج في سنة معينة، وغير ذلك. فان الصوم والحج في أنفسهما طاعة، وتخصيصهما بيوم أو سنة مخصوصين من قبيل المباح، وذلك باطل اتفاقا، نعم الظاهر عدم انعقاد النذر على ترك الافضل من الافراد، لما عرفت من قوله عليه السلام (1) " كلما كان لك فيه منفعة دينا أو دنيا فلا حنث فيه " وهو غير انعقاد النذر على الفرد المرجوح، فتأمل جيدا. ثم إنه لا خلاف في اعتبار القدرة على المنذور، فلا ينعقد على غير المقدور عقلا كجمع النقيضين، أو عادة كالصعود إلى السماء، أما لو نذر حج ألف عام أو صوم ألف سنة ففي القواعد " احتمل البطلان، لتعذره عادة، والصحة لامكان بقائه بالنظر إلى قدرة الله تعالى وو جوب المنذور مدة عمره " وفي كشف اللثام " أحد الاخيرين هو الاقوى " وفيه أن مبني الاخير على أن ذكر الالف للمبالغة، وهو خلاف ظاهر العبارة، كما أن مبني سابقه على الامكان العقلي، وحينئذ فيجب عليه ما قدر عليه، كما أنه إذا نذر صوم الدهر وجب عليه ما قدر عليه. وفيه أن المنصرف من نذر صوم الدهر دهر الناذر بخلاف الالف سنة، وحينئذ فالاول وهو البطلان أقوى، إلا إذا قلنا بأن المنذور عبادات متعددة فيجب الممكن منها دون غيره، ولذا صرح في كشف اللثام بأن مبني البطلان على كون المنذور عبادة واحدة، وهو ممنوع، وفيه أن الظاهر ذلك، كما سمعت مثله في اليمين. ولو نذر مقدورا ثم تجدد العجز ففي الدروس انفسخ، فان عادت القدرة عاد، قيل: ويكفر لو عجز بعد وقته والتمكن من فعله، وهو حق إن كان مضيقا أو غلب على ظنه العجز بعده وإلا فلا كفارة. وكيف كان فالكلام في تفصيل متعلق النذر من العبادات.


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 383 ]

* (أما الحج فنقول:) * لا خلاف ولا إشكال في لزوم الحج والعمرة بالنذر، لانهما من أكبر الطاعات و * (ولو نذر أن يحج ماشيا لزم) * (1) إن قلنا بأفضلية الركوب منه ولو على بعض الوجوه، لان ذلك لا يخرجه عن رجحانه الكافي في انعقاد النذر، ومن هنا جزم المصنف بلزومه، مع أن مختاره في الحج كون المشي أفضل لم يضعفه المشي عن العبادة وإلا فالركوب أفضل، ضرورة عدم اعتبار كونه أفضل الافراد في انعقاد النذر، بل يكفى رجحانه وإن كان غيره أفضل منه، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الحج (2). * (و) * كذا تقدم هناك (3) البحث في أنه * (يتعين) * مع الاطلاق * (من بلد النذر) * أو الناذر عند المصنف وغيره * (وقيل من الميقات) * وهو الاصح مع التجرد عن القرائن، لان قوله: " ماشيا " حال من الحج، والعامل فيه " احج " فكان وصفا فيه. والحج اسم لمجموع المناسك المخصوصة لان ذلك هو المفهوم شرعا، فلا يجب الوصف إلا حالة الحج والاشتغال بأفعاله، لان ذلك هو مقتضي الوصف، كما إذا قلت: " ضربت زيدا راكبا " خلافا لما سمعته من المصنف وثاني الشهيدين، فيجب المشي في طريقه، لانه المفهوم عرفا من مثله، بل هو الانسب للمعنى اللغوى الذي هو القصد، وفيه أنه لا بحث مع القرائن الحالية أو المقالية الدالة على ذلك، إنما الكلام مع عدمها، ولا ريب في أن حقيقته ما ذكرنا، ولا عرف يعارضه، مثل نذر زيارة الحسين عليه السلام ماشيا، كما هو واضح. وعليه فهل المعتبر بلد النذر كما في المتن أو الناذر ؟ وجهان كما في المسالك، وقيل يعتبر أقرب البلدين إلى الميقات، وفي المسالك هو حسن إن لم يدل العرف على خلافه، ولعله لكون المراد حينئذ المشي في الجملة إلى الحج، وهو يصدق بذلك.


(1) وفى الشرائع " لو نذره ماشيا لزم ". (2) راجع ج 17 ص 349 - 350. (3) راجع ج 17 ص 350.

[ 384 ]

وقد قدمنا (1) أيضا أن آخر الحج رمي الجمار أجمع وإن وقع بعد التحلل، لاطواف النساء كما عن المشهور، لان الحج اسم لمجموع المناسك التي رمي الجمار منها، ولصحيح إسماعيل بن همام (2) عن الصادق عليه السلام قال " في الذي عليه الحج والمشي في الحج: إذ رمي الجمار زار البيت راكبا، وليس عليه شئ " فلاحظ وتأمل. وكذا تقدم الكلام أيضا (3) في وجوب القضاء عليه لوفاته الحج ماشيا، لكن من المعلوم أن من فاته الحج يحتاج إلى لقاء البيت لتحلل بأعمال العمرة، فهل يلزمه المشي في تلك الاعمال ؟ الاظهر لا، لانه خرج بالفوات عن كونه جح المنذور، ولذا وجب قضاؤه، فلا يجب فيه عليه المشي، وربما احتمال الوجوب، لوجوب إتمام الحج على نحو ما وقع الشروع فيه، وفيه منع واضح. ومن ذلك يعلم عدم وجوب المشي لو فسد الحج المنذور ماشيا وإن احتمل في المسالك أيضا، والله العالم. * (ولو حج راكبا مع القدرة أعاد) * بلا خلاف ولا إشكال مع عدم تعيين النذر في سنة معينة مثلا لعدم خروجه عن عهدة التكليف بوفاء النذر مع القدرة عليه. أما مع التعيين فمقتضى إطلاق المصنف وغيره ذلك أيضا للاخلال بالمنذور في وقته، وهو عبادة تقضي بأصل الشرع، أي تتدارك حيث لا تقع الاولى على وجهها، كذا مع وجوبها بالعارض مع اشتركهما في معنى الوجوب، بل تجب الكفارة للاخلال المزبور، ولان أصل الحج وقع عنه إلا أنه بقي المشي واجبا عليه، ولا يمكن تداركه منفردا، فالزم بحجة اخرى ليتدارك فيها المشي، إذ


(1) راجع ج 17 ص 350. (2) الوسائل الباب - 35 - من أبواب وجوب الحج الحديث 3 من كتاب الحج. (3) راجع ج 17 ص 351 و 352.

[ 385 ]

لا يشرع المشي عبادة برأسها، إلا أن الجميع كما ترى. والاولى الاستناد إلى عموم " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " (1) بناء على شمولها للفرض، سواء قلنا بصحة حجه راكبا أم لا، لانه على كل حال فاته الحج عن النذر، وصحة الحج في نفسه لا يجدي في وفاء النذر، وإن كان فيه أيضا أنه منصرف إلى غيره من الموقت بأصل الشرع بخلاف النذر الذي مقتضى المخالفة فيه الانحلال المقتضي لعدم القضاء كاليمين وترتب الكفارة، وإلحاق الموقت بالنذر بالموقت بأصل الشرع قياس بل ومع الفارق، ضرورة كون المراد بالموقت بالنذر دخول الوقت في المنذور على وجه الجزئية بمعنى كون المنذور حج هذه السنة لا الحج فيها، وفرق واضح بينهما لعدم تصور قضاء الاولى وتداركه، لفواته بفوات السنة، بخلاف الثاني الذي هو ظرف للفعل، فانه يمكن قضاؤه بعموم " من فاتته " إلا أنه قد يقال بعدمه في خصوص النذر من حيث ظهور الادلة بانحلاله بالمخالفة، وهو مقتض لعدم الخطاب حينئذ ولو قضاء، هذا كله في القضاء. أما الكلام في صحة ما وقع منه من الحج في نفسه فقد تقدم تحقيقه في الحج (2) وفي نذر الموالاة في الوضوء (3) فلاحظ وتأمل. * (ولو ركب بعضا) * مع القدرة على المشي فهو كما ركب الجميع في الاخلال إلا أن جماعة من الاصحاب منهم الشيخان على ما حكي قالوا هنا لو فعل ذلك * (قضى الحج ومشى ما ركب) * ليجتمع من الحجتين حجة ملفقة ماشيا. * (وقيل) * والقائل المتأخرون * (إن كان النذر مطلقا أعاد ماشيا، وإن كان معينا بسنة لزمه كفارة خلف النذر) * ولا إعادة، لنحو ما سمعته سابقا، بل


(1) لم نعثر على هذا النص في الاخبار مع التتبع في مظانها من كتب الخاصة والعامة، والظاهر أنه مأخوذ من صحيحة زرارة المروية في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب قضاء الصلوات الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) راجع ج 17 ص 352. (3) راجع ج 2 ص 263 - 266.

[ 386 ]

لعل مراد المصنف حكاية القول المزبور في أصل المسألة لا خصوص راكب البعض. * (و) * على كل حال فالقول * (الاول مروي) * وقد تقدم تحقيق الحال فيه في كتاب الحج (1). * (ولو عجز الناذر عن المشي حج راكبا، وهل يجب عليه سياق بدنة ؟ قيل: نعم، وقيل: لا يجب، بل يستحب وهو الاشبه) * باصول المذهب كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الحج (2) فلاحظ. * (ويحنث لو نذر أن يحج راكبا فمشي) * وإن قلنا إن المشي أفضل منه، لما عرفت من كون المدار رجحان المنذور، لا أنه أرحج من جميع ما عداه، ولا ريب في رجحان الحج راكبا في نفسه، لانه أحد أفراد الطبيعة الراجحة، فما في القواعد - من عدم الانعقاد لو قلنا بكون المشى أفضل لانه حينئذ مرجوح - واضح الضعف، وأضعف من ذلك دعوى انعقاد أصل الحج دون الركوب مع أن الناذر قصد المقيد دون المطلق، والتحقيق ما عرفت. * (ويقف ناذر المشي في السفينة) * عند الشيخ وجماعة * (لانه أقرب إلى شبه الماشي) * ولخبر السكوني (3) * (والوجه الاستحباب، لان المشي يسقط هنا عادة) * كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الحج (4) فلاحظ وتأمل. كما تقدم أيضا في كتاب الحج * (و) * في المقام أنه * (يسقط المشي عن ناذره بعد طواف النساء) * عند جماعة، بل قيل إنه المشهور، والتحقيق بعد رمي الجمار، كما سمعت والله العالم.


(1) راجع ج 17 ص 351 - 353. (2) راجع ج 17 ص 353 - 355. (3) الوسائل الباب - 37 - من وجوب الحج الحديث 1 من كتاب الحج. (4) راجع ج 17 ص 351.

[ 387 ]

* (فروع:) * * (لو نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام انصرف إلى بيت الله سبحانه بمكة) * بلا خلاف ولا إشكال، لعدم وصف غيره بالحرام، * (وكذا لو قال: " إلى بيت الله "، واقتصر) * لانه المتبادر من نحوه " فلان زار بيت الله " و " قاصد إلى بيت الله " فهو إن لم يكن علما بالغلبة فلا ريب في أنه المنساق عند الاطلاق. * (و) * مع ذلك * (فيه قول) * للشيخ في محكي الخلاف * (بالبطلان إلا أن ينوى الحرام) * لاشتراك جميع المساجد في ذلك، وفيه منع الاشتراك في ذلك عند الاطلاق، بل قد يدعى انصراف إطلاق اسم البيت إليه، ومع التسليم فالواجب الاتيان لاي مسجد، كما لو نذر أن يأتي مسجدا لا البطلان، إلا أن يريد معينا ينصرف إليه الاطلاق، والفرض عدمه. وعلى كل حال فحيث يجب عليه الاتيان إلى المسجد الحرام وجب عليه عند الوصول إلى الميقات الحج والعمرة، كما في كل داخل عدا ما استثنى، فان كان أحدهم لم يجب عليه أحدهما، بل لا يجب عليه صلاة ركعتين في المسجد على الاصح لعدم دخولهما في مفهوم الاتيان المفروض انعقاد نذره، لانه مستحب في نفسه، بل في المسالك قصد المسجد في نفسه عبادة، لقوله عليه السلام: (1) " من مشى إلى مسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبحت إلى الارضين السابعة " وغيره من الاخبار (2)، والله العالم: * (ولو قال:) * لله علي * (أن أمشي إلى بيت الله) * الحرام * (لا حاجا ولا معتمرا قيل: ينعقد ب‍) * اعتبار اقتضاء * (صدر الكلام) * أحدهما * (و) * حينئذ ف‍ * (تلغو الضميمة) * التي هي " لا حاجا ولا معتمرا " ولا تفيد رجوعا عن الاول بعد تمام النذر.


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 - 0 من كتاب الصلاة.

[ 388 ]

* (وقال الشيخ) * في المبسوط: * (يسقط النذر) * لكونه نذرا في معصية، ضرورة عدم جواز الاتيان إلى البيت بغير أحد النسكين. * (وفيه إشكال ينشأ من كون قصد بيت الله طاعة) * في نفسه وإن لم ينضم إليه أحد النسكين، فيكون نذره منعقدا ووجوب أحدهما أمر خارج من النذر، وإنما يجب بعد الميقات، فلا ينافي تركهما صحة النذر، غايته أن يعصى بتركهما من حيث مجاوزته الميقات بغير إحرام لا من حيث النذر. وفيه أن المنذور هو لقاء البيت مقيدا بكونه غير محرم بأحدهما، وذلك معصية محضة، فلا ينعقد، وكون وجوب الاحرام طارئا على النذر إنما ينفع لو لم يقيد النذر بصفة محرمة أما معه فلا، لانه بدونها غير مقصود وبها غير مشروع، فالقول بعدم انعقاد النذر أقوى، نعم لو قصد بقوله: " لا حاجا ولا معتمرا " أن أحدهما غير منذور، وإنما المنذور المشي إلى بيت الله تعالى من غير أن ينفي فعل أحدهما بغير النذر اتجه ما ذكره وانعقد النذر، ووجب عليه أحدهما عند البلوغ الميقات لا من حيث النذر، بل من تحريم مجاوزة الميقات بغير إحرام بأحدهما مع وجوب مجاوزته للقاء البيت، هذا كله في غير من يجوز له دخول البيت غير محرم، وإلا فلا شبهة في انعقاد النذر لعدم المعصية به حينئذ، والله العالم. * (ولو قال:) * " لله علي * (أن أمشي " واقتصر فان قصد موضعا انصرف إلى) * ما * (قصده) * وانعقد النذر عليه إذا كان طاعة، كالمشي إلى مسجد ونحوه أو عيادة مريض أو نحوهما * (وإن لم يقصد) * موضعا معينا * (لم ينعقد نذره، لان المشي) * من حيث كونه مشيا * (ليس طاعة في نفسه) * وإنما يصير عبادة إذا كان وسيلة ومقدمة إلى طاعة لا مطلقا. * (ولو نذر إن رزق ولدا يحج به أو يحج عنه) * انعقد نذره بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، لعموم الادلة. ولو نذر كذلك * (ثم مات) * الوالد * (حج بالولد أو عنه من صلب ماله) * كما

[ 389 ]

عن النافع والقواعد والتحرير والارشاد وغيرها، بل لا أجد فيه خلافا كما أعترف به السيد فيما تسمعه من نهاية المرام. وعلى كل حال فالاصل في ذلك حسن مسمع بن عبد الملك (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: كانت لي جارية حبلي فنذرت لله عزوجل إن ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه، فقال: إن رجلا نذر لله عزوجل في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الاب وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول الله صلى الله عليه واله ذلك الغلام فسأله عن ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله أن يحج عنه بما ترك أبوه ". إلا أنه قد يشكل بما في الرياض من " أن مفروض المسألة حصول الشرط المعلق عليه النذر الموجب لاخراجه من أصل التركة أو مطلقا كما في ظاهر إطلاق العبارة المحكي في شرح الكتاب للسيد عن أكثر الجماعة، أو بشرط تمكن الناذر من فعل المنذور في حياته، كما صرح به جده في المسالك، والحال أن ما في الرواية عدم حصول الشرط الذي هو الادارك إلا بعد الوفاة، ومعه لم تشتغل ذمة الناذر بالمنذور أصلا، فالا وجه لاخراجه من تركته أصلا، لانه فرع تعلقه بذمته حال حياته ليصير دينا عليه يجب إخراجه منها أولا، أللهم إلا أن يكون تعبدا محضا، لكنه فرع وجود القائل به، وليس، لاتفاق الفتاوى على تصوير المسألة بنحو ما فرضناه، ولذا استدل عليها بما أسلفنا أولا، ومع ذلك فيه إشكالات اخر، لكن يسهل الذب عنها بنوع من التوجيهات، فإذا الدليل على الحكم إنما هو ما قدمناه أولا، مضافا إلى عدم الخلاف فيه الظاهر والمصرح به أولا لكن مقتضاه كمقتضى القاعدة الاصولية اخصتاص الحكم بصورة تمكن الناذر من المنذور في حال الحياة كما في المسالك، لا مطلقا كما عن أكثر الاصحاب ". قلت: لكن فيه أن الشهيد نفسه اعترف في المسالك بأن الاصل في هذا الحكم الحسن المزبور، وقال سبطه في نهاية المرام: " هذه الرواية معتبرة الاسناد، لان طريقها إلى مسمع صحيح وسيد المسامعة وأنه روى عن أبي جعفر عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 16 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 390 ]

روايات كثيرة وقال النجاشي: إنه كان شيخ بكر بن وائل بالبصرة، ووجهها وسيد المسامعة، وأنه روى عن أبي جعفر عليه السلام روايات كثيرة، وروى عن أبي عبد الله عليه السلام وأكثر واختص به، وقال أبو عبد الله عليه السلام: (1) " إني لاعدك لامر عظيم يا أبا سيار " وهذا المدح لا يقصر عن التوثيق، فلا يبعد العمل بروايته، خصوصا مع تلقي الاصحاب لها بالقبول واشتهار مضمونها بينهم، بحيث لا يتحقق فيه خلاف ". وهذا كله يدل على أن العمل بمضمون الرواية وإن خالف القواعد، بل تعبير الاصحاب بمضمونها كالصريح في ذلك، ولو كان مفروض المسألة كما ذكره من الموت بعد التمكن لم يحتج إلى هذه المتعبة العظيمة، إذ الحكم حينئذ يكون موافقا للقواعد، ولا كان ينبغي تعبير الاصحاب عن الحكم بما سمعت الذي لا ينكر ظهور إطلاقه في خلاف ذلك، بل وفي عدم اعتبار حصول الولد في حياته، بل وصريح الرواية في خلافه، لان الامام عليه السلام قد اقتصر في جواب السائل على ما حكاه من الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه واله، وصريحها حصول الادراك بعد الموت، فمع فرض العمل بالرواية المزبورة يتجه الحكم بذلك وإن مات الاب قبل حصول الشرط، وهو الذي يقتضيه إطلاق ما سمعته من الاصحاب. وما أدرى من أين أخذ السيد في الرياض تبعا للسيد في نهاية المرام ما حكاه من الاكثر من اختصاص الحكم بالموت بعد حصول الشرط ؟ وقد سمعت عبائر الاصحاب التي هي كعبارة المتن. نعم قال في الدروس: " لو نذر الحج بولد منه أو عنه لزم، فان مات الناذر استؤجر عنه من الاصل، ولو مات الولد قبل التمكن فالاقرب السقوط، ولو مات بعده وجب القضاء، والظاهر مراعاة التمكن في وجوب القضاء على الناذر ". ولكنه كما ترى لم يفرض عنوان المسألة كموضوع الرواية، لعلنا نوافقه،


(1) رجال النجاشي ص 329 ط ايران.

[ 391 ]

إذ الظاهر بناء على العمل بالرواية الاقتصار على مضمونها الذي هو رزق الولد وإدراك الغلام، ولا يتعدى منهما إلى غيرهما، ومن هنا عبر الاصحاب بذلك، ولم يجعلوا العنوان أمرا كليا شاملا له ولغيره، وبذلك ظهر لك النظر فيما في الرياض والمسالك وغيرهما. وعلى كل حال فمقتضي الصيغة المزبورة تخير الناذر بين الحج بالولد وبين الاستنابة عنه، فان اختار الثاني نوى النائب الحج عن الولد عملا بمقتضي النذر وإن كان الولد صغيرا، وإن احج الولد نوى الولد عن نفسه إن كان مميزا، وإلا حج على نحو الحج بغيره من الاطفال الذي مر في كتاب الحج كيفيته (1). ولو أخر الاب الفعل إلى أن بلغ الولد فان اختار الحج عنه لم يجزه عن جحة الاسلام، وإن أحجه أجزأه، لان ذلك بمنزلة الاستطاعة بالبذل المنذور. ولو مات الاب اخرج ذلك من تركته على حسب ما عرفت من اعتبار حصول شرط النذر أو مع التمكن من المنذور أو مطلقا على المختار، ولكن تخير الوصي بين الامرين كالاب، ولو اختلف الاجرة اقتصر على أقلهما كما في الكفارة المخيرة إن لم يتبرع الوارث بالازيد، ولا ينافي ذلك ما يظهر من الخبر المفروض فيه أمر الوالد بالحج عنه بما ترك أبوه المحتمل أنه الفرد المعتبر إخراجه أو انحصار الارث في الابن ورضاه أو غير ذلك. ولو فرض اختيار الولد الحج عن نفسه بالمال صح أيضا وأجزأه على تقدير استطاعته عن فرضه، لان متعلق النذر حجه بالمال عن نفسه، وذلك لا ينافي كونه حجة الاسلام. ولو مات الولد قبل أن يفعل أحد الامرين بقي الفرد الاخر وهو الحج عنه، سواء كان موته قبل تمكنه من الحج بنفسه أم لا، لان النذر ليس منحصرا في حجه حتى يعتبر تمكنه في وجوبه، وفي المسالك " نعم لو كان موته قبل تمكن الاب من أحد الامرين احتمل السقوط، لفوات متعلق النذر قبل التمكن منه، لانه


(1) راجع ج 17 ص 236 و 237.

[ 392 ]

أحد الامرين، والباقي منهما غير أحدهما الكلي، وهو خيرة الشهيد في الدروس، ولو قيل بوجوب الحج عنه كان قويا، لان الحج متعلق النذر أيضا وهو ممكن، ونمنع اشتراط القدرة على جميع الافراد المخير بينها في وجوب أحدها كما ولو نذر الصدقة بدرهم، فان متعلقه أمر كلي وهو مخير بالصدقة بأي درهم اتفق من ماله، ولو فرض ذهابه إلا درهما واحدا وجب الصدقة به ". وفيه أن الفرق واضح بين ما ذكره من المثال وبين ما سمعته من الدروس، ضرورة انعدام متعلق النذر الذي هو التخيير قبل حصول سبب انعقاده وهو التمكن، فلا يجدي التمكن بعد ذلك من خصوص الفرد الاخر الذي هو غير المنذور، بخلاف ما ذكره من المثال الذي هو تخيير عقلي لا منذور، بخلاف تعذر أحد الفردين بعد انعقاد النذر، فتأمل، والله العالم. * (ولو نذر أن يحج ولم يكن له مال فحج عن غيره أجزأ عنهما) * كما عن النهاية، للصدق وصحيح رفاعة (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل حج عن غيره ولم يكن له مال وعليه نذر أن يحج ماشيا أيجزئ عنه من نذره ؟ قال: نعم " ولكن * (على تردد) * من ذلك ومن أنه أوجب على نفسه الحج كحج الاسلام الذي لا يجزئ عنه الحج عن غيره، ولان الاصل عدم تداخل الاسباب. وربما حمل الخبر على الحج عن غيره تبرعا وفيه أن ذلك أيضا لا يجوز معه التداخل، ولا يناسب اعتبار عدم المال عنده، كما أنه حمل على العجز، وحينئذ وإن لم يجب عليه المنذور ولكن لا بعد في أن يثاب ثوابه، وهو كما ترى. وبقاء الخبر على ظاهره أولى من هذه التمحلات. نعم لا إشكال الاجزاء إذا نوى حين النذر العموم للحج عن نفسه وغيره، وربما حمل الخبر عليه، وهو وإن كان بعيدا إلا أنه لا بأس به، مع عدم العمل به، لموهو نيته بالاعراض عنه إلا من نادر، إذ هو خير من طرحه حينئذ، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 21 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 393 ]

* (مسائل الصوم) * * (ولو نذر صوم أيام معدودة) * كالثلاثة والعشرة * (كان مخيرا بين التتابع والتفريق إلا مع شرط التتابع) * بلا خلاف أجده هنا بيننا، للصدق على التقديرين وإن كان قد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب الصوم (1) نعم عن بعض العامة التنزيل على التتابع. كما أنه لا أجد خلافا بيننا أيضا في لزوم التتابع مع شرطه في النذر معللين له بأنه وصف راجح في الصوم، فيلزم نذره، وظاهرهم المفروغية من ذلك، بل في المسالك أنه لا شبهة فيه، ولو لا أن الامر مستحب يتسامح فيه ويكتفى فيه بأدنى من ذلك لامكن إشكاله بعدم دليل على وجه بحيث يحصل رجحان التتابع فيه من حيث إنه كذلك، أللهم إلا أن يستفاد من المحكي عن النبي صلى الله عليه واله أنه كان يصوم حتى يقال: إنه ما يفطر ويفطر حتى يقال: إنه ما يصوم (2) ونحو ذلك والامر سهل. إنما الكلام فيما يفهم من العبارة في تخصيص التتابع باللزوم وعدم انعقاد نذر التفريق، فيبقى حينئذ على التخيير، ووجه بأنه ليس وصفا مقصودا لنفسه، فلا ينعقد نذره بخلاف التتابع، وهو مناف لما ذكرناه من انعقاد مثله، لعموم الامر بالوفاء (3) ولان المنذور حقيقة هو صوم المتفرق لا نفس التفريق، ولا شبهة في أنه عبادة راجحة، فينعقد نذره وإن كان غيره أفضل.


(1) راجع ج 17 ص 82 و 83. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الصوم المندوب الحديث 5. (3) سورة الحج: 22 - الاية 29. وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 394 ]

على أن التفريق مراعي شرعا على بعض الوجوه، خصوصا إذا فرض كونه أشق من التتابع، وليس هو من الامور الملغاة في نظر الشارع. وحينئذ فلو خالف وصام العشرة مثلا متتابعا احتسب له خمسة منها في وفاء النذر. * (و) * على كل حال فلا خلاف ولا إشكال في أن * (المبادرة فيها) * أي الايام المنذورة على الاطلاق * (أفضل) * للامر بالمسارعة (1) وللخروج عن خلاف القائل بوجوب الفورية فيه * (و) * إن كان الاصح عندنا أن * (التأخير جائر) * ويتضيق بظن الموت أو نحوه مما لا يتمكن بعده. * (و) * كذا لا خلاف بيننا ولا إشكال في أنه * (لا ينعقد نذر الصوم إلا أن يكون طاعة) * لاطلاق ما دل (2) على اشتراط ذلك في المنذور، وحينئذ * (فلو نذر صوم العيدين أو أحدهما لم ينعقد، وكذا لو نذر صوم أيام التشريق بمنى) * بناء على حرمته فيها للناسك أو مطلقا على القولين. * (وكذا لو نذرت صوم أيام حيضها) * ونحوه مما لا يجوز فيه الصوم، خلافا لبعض العامة، فجعل نذر صوم العيد منعقدا، ويقضى يوما مكانه، وفساده واضح. * (وكذا لا ينعقد إذا لم يكن متمكنا) * من المنذور بلا خلاف ولا إشكال * (كما لو نذر صوم يوم قدوم زيد) * مثلا فأنه لا ينعقد عند الشيخ، بل في المسالك في المشهور * (سواء قدم ليلا) * إجماعا كما في الدروس * (أو نهارا أما ليلا فلعدم الشرط) * الذي هو اليوم المراد به لغة وعرفا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فلم يحصل يوم قدوم له كى يتحقق خطاب النذر * (وأما نهارا لعدم التمكن من صيام اليوم المنذور) * لان الفرض مضى بعضه، فالتكليف بصومه تكليف بما لا يطاق، وصوم الباقي منه مع عدم مشروعيته ليس صوم يوم، ولو فرض علمه ليلا بقدومه نهارا فيبيت النية لم يكف أيضا بناء على أن المراد اشتراط فعلية القدوم إذ لا وجوب حينئذ قبله.


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 133. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد.

[ 395 ]

بل في المسالك " ولان علمه بقدومه إنما يستند إلى أمارات قد تتخلف وقد يكذب الخبر أو يحصل له مانع من القدوم، فالعلم المذكور غير حقيقي، وإنما هو ظن راجح ". وفيه أنه يمكن فرضه علما أولا، وأنه يكفي مثل هذه الطمأنينة في العلم الذي عليه المدار في الاحكام الشرعية ثانيا، ولعله لذا حكي في الدروس عن المبسوط التصريح بالاجزاء بل الظاهر أنه كذلك حتى لو كان قدومه في آخر جزء من النهار، لتحقق صدق يوم القدوم. وعلى كل حال في غير هذه الصورة على التقدير المذكور لا ينعقد النذر المزبور. لكن مع ذلك قال المصنف: * (وفيه وجه آخر) * وهو كما في المسالك الانعقاد إن قدم قبل الزوال ولم يكن الناذر أحدث ما يفسد الصوم، ويجب عليه صومه، لان هذا لقدر من النهار قابل للصوم ندبا بل واجبا على بعض الوجوه، فلا مانع من انعقاد نذره، كما لو نذر إكمال صوم اليوم المندوب خصوصا قبل الزوال، وهذا أقوى، بل يحتمل انعقاده وإن قدم بعد الزوال ولما يحدث ما يفسد الصوم بناء على صحة الصوم المندوب، وحينئذ فينعقد نذره. ولو كان صائما ندبا زاد الاحتمال قوة، لانه حينئذ صوم حقيقي مندوب، فيكون نذره طاعة، وفيه منع صحته على وجه يكون وفاء للنذر مع فرض عدم قصده، بل لا دليل على صحة تجديد النية بحيث يجتزأ بها عن ذلك، والاجتزاء بها عن المندوب أو عن الواجب على بعض الوجوه لا يقتضي الاجتزاء بها في خصوص الفرض مع حرمة القياس عندنا، والخبر المشهور (1) أنه " لا صيام لمن لم يبيت الصيام ". ثم قال في المسالك متصلا بما سمعت: " ويمكن بناء الحكم على أن المتنفل إذا نوى الصوم نهارا هل يكون صائما وقت النية أم من ابتداء النهار ؟


(1) المستدرك الباب - 2 - من أبواب وجوب الصوم الحديث 1 من كتاب الصوم.

[ 396 ]

فعلي الاول يتجه عدم صحة النذر، لان المعهود من صوم يوم قدومه صوم مجموع اليوم ولم يحصل، وعلى الثاني يصح لصدق الصوم في المجموع، واستتباع الباقي للماضي ". وفيه أنه وإن قلنا بالثاني يشكل الاجتزاء به عن النذر، لان أقصاه إعطاء ثواب صوم اليوم لاصدقه، على أنه قد عرفت عدم اقتضاء الصحة في المندوب الصحة في الفرض لحرمة القياس. ثم قال: " ويمكن رجوع الخلاف إلى أمر آخر، وهو أن الناذر إذا التزم عبادة وأطلق تسمية الملتزم على م ينزل نذره ؟ فيه وجهان: أحدهما أنه ينزل على واجب جنسه، لان المنذور واجب، فيجعل كالواجب ابتداء من جهة الشرع، لقرب الواجب من الواجب، والثاني ينزل على الجائز من جنسه، لان لفظ الناذر اقتضى التزام الجائز لا الواجب، فلا معنى لالتزامه ما لم يتناوله لفظه، ولعل هذا أظهر، وعليه يتفرع مسائل كثيرة: منها المسألة المذكورة ". قلت: المتجه جعله قسما مستقلا يلحقه حكم كل منهما إذا اقتضى دليل الحكم المزبور شموله لمثله وإلا فلا، خصوصا مثل الحكم الثابت للمندوب من حيث إنه كذلك، ضرورة أنه لا وجه لثبوته فيه بعد فرض فوات عنوان الحكم، بل لا يصح نذره كذلك لما فيه من الجمع بين المتنافيين كما هو واضح. وبذلك كله ظهر لك وجه الضغف المزبور، بل ربما ظهر الاشكال في الصحة لو قصد بنذره إكمال صومه لو كان ممسكا بناء على اختصاص جواز ذلك من حيث كونه مندوبا لا واجبا فتأمل جيدا. * (ولو قال: لله علي أن أصوم يوم قدومه دائما) * على معنى صوم ما وافقه من أيام الاسبوع * (سقط وجوب اليوم الذي جاء فيه) * لما عرفت. * (و) * لكن * (وجب) * عليه * (صومه فيما بعد) * بلا خلاف ولا إشكال، لوجود المقتضي وانتفاء المانع الذي قد كان في يوم القدوم. * (ولو اتفق ذلك اليوم في رمضان صامه عن رمضان خاصة وسقط النذر

[ 397 ]

فيه) * كما هو المشهور على ما في المسالك * (لان رمضان) * (1) لا يصلح فيه غيره، فهو حينئذ * (كالمستثنى) * من المنذور. * (و) * حينئذ ف‍ * (لا يقضيه) * لكن في المسالك " هذا بناء على عدم صحة نذر الواجب وسيأتي البحث فيه، وتردد المصنف في حكمه، وهو خلاف ما جزم به هنا، ولو قلنا بصحته كما هو أقوى القولين وجب صومه بالسببين والنية بحالها، إلا أن الفائدة تظهر مع إفطاره عمدا في وجوب كفارتين لرمضان وخلف النذر ". قلت: قد يقال: إن المنشأ هنا ما سمعت من عدم صلاحية غير رمضان فيه، وهذا غير نذر نفس صومه، ضرورة كون المنذور كلي يوم القدوم وإن اتحد في المصداق مع يوم شهر رمضان، فلو صح نذره لوقع غير رمضان فيه، فتأمل جيدا فانه لا يخلو من دقة. * (ولو اتفق ذلك) * اليوم * (يوم عيد أفطره إجماعا وفي غير وجوب قضائه خلاف، والاشبة) * عند المصنف * (عدم الوجوب) * للاصل، وقاعدة احتياج القضاء إلى فرض جديد وليس، ولخروج العيد عن صلاحية الصوم كالليل، والجهل به لا يخرجه عن الصلاحية، وخصوص الموثق (2) " عن امرأة جعلت عليها نذرا إن رد الله تعالى عليها بعض ولدها من شئ كانت تخافه عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت عنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أم تفطر ؟ قال: لا تصوم، وضع الله عزوجل عنها حقه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها فقال: فما ترى إذا رجعت إلى المنزل أتقضيه ؟ قال: لا، قلت: أفتترك ذلك ؟ قال: لا، إني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره " بناء على مساواة السفر للعيد.


(1) وفى الشرائع " لانه كالمستثنى ". (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3 من كتاب الصوم.

[ 398 ]

وعن الصدوق والشيخ في النهاية والمبسوط وابن حمزة وجوب القضاء، لصحيح ابن مهزيار (1) " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيام التشريق أو سفرأ أو مرضا هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضائه أم كيف يصنع يا سيدي ؟ فكتب إلي قد وضع الله الصوم في هذه الايام كلها، ويصوم يوما بدل يوم إنشاء الله " ونحوه خبر القاسم الصيقل (2). وحمله على الندب في خصوص العيد كما في المختلف لا داعي له ولا شاهد عليه، بل ظاهره خلافه، وهما كما تضمنا قضاء العيد تضمنا قضاء غيره من الاعذار. وفي ثالث (3) " عن رجل جعل على نفسه نذرا صوما فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله عليه السلام، قال: يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك ". والمناقشة بضعف السند والاضمار والمكاتبة مدفوعة بالانجبار بعمل كثير في مثل السفر والمرض ونحوهما غير العيد، بل عن نهاية المرام نسبته إلى القطع به بين الاصحاب مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، بل عن الخلاف التصريح به في المرض على أن خبر ابن مهزيار سليم السند. ودعوى اضطرابه سندا - باشتماله على محمد بن جعفر الرزاز وهو مجهول - ومتنا - باشتماله على يوم الجمعة الذي لا يقول فيه أحد من الاصحاب بسقوط النذر - فيه يدفعها أن كلا منهما غير موجود في نسخة الكافي التي رواية الشيخ عنها، فلا يبعد أن يكون ذلك من النساخ. مضافا إلى عدم خروج الخبر عن الحجية بمثل ذلك، فلا محيص حينئذ عن القول بالقضاء في الجميع بعد الصحيح المعتضد بما سمعت من غيره من النص والفتوى وغير ذلك على وجه لا يصلح لمعارضته الموثق المزبور من وجوه ولا غيره


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2 و 3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2 - 5 من كتاب الصوم.

[ 399 ]

من الاعتبارات التي لا تنافي ثبوت القضاء بالامر الجديد، واختصاص النصوص الثلاث بمن عدا الحائض والنفساء غير قادح بعد الاجماع على عدم القول بالفصل، وتمام الكلام قد ذكرناه في كتاب الصوم (1) فلاحظ وتأمل. * (ولو وجب على ناذر ذلك صوم شهرين متتابعين في كفارة) * مرتبة * (قال الشيخ: صام في الشهر الاول من الايام عن الكفارة تحصيلا للتتابع، فإذا صام من الثاني شيئا صام ما بقي من الايام عن النذر لسقوط التتابع) * وحاصله تقديم خطاب الكفارة على خطاب النذر، من غير فرق بين تقدمه عليه وتأخره عنه، ولعله لامكان تدارك النذر بالقضاء بخلاف الكفارة. * (وقال بعض المتأخرين) * وهو ابن إدريس: * (يسقط التكليف بالصوم لعدم إمكان التتابع وينتقل الفرض إلى الاطعام) * وحاصله تقديم خطاب النذر على خطاب الكفارة، فيقتضي سقوط الصوم، لتعذر التتابع الذي هو شرط فيه، إذ المشروط عدم عند عدم شرطه، ولم يثبت من الشارع كون ذلك عذرا لا يقدح في التتابع، ولا يقاس على إفطار الحائض والنفساء ونحوهما مما ثبت من الادلة عدم انقطاع التتابع فيه. * (و) * لكن مع ذلك قال المصنف: * (ليس) * هذا القول * (شيئا) * موافقا للادلة الشرعية * (و) * إنما * (الوجه صيام ذلك اليوم وإن تكرر عن النذر، ثم لا يسقط به التتابع لا في الشهر الاول ولا في) * الشهر * (الاخير لانه عذر لا يمكن الاحتزاز منه ويتساوى في ذلك تقدم وجوب التكفير على النذر وتأخره) * لاشتراكهما في المقتضي، وهو تعيين اليوم للصوم المنذور بالنذر، والمستفاد من الادلة جواز إيقاعه في كل حين، وسبق الكفارة لا ينافي انعقاده، وصيرورته عذرا غير قاطع للتتابع. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من عدم ما يدل على


(1) راجع ج 16 ص 324 إلى 327.

[ 400 ]

عذرية مثله في حصول التتابع بعد حرمة القياس على إفطار الحائض ونحوها. ومنه حينئذ يعلم قوة كلام ابن إدريس وإن كان فيه أن مبناه على ترجيح خطاب النذر على الكفارة، كما أن مبني الاول على العكس، والرجوع إلى التخيير بين الخطابين جيد لو كان به قائل. وأما سبق الكفارة على النذر وبالعكس فالظاهر عدم مدخليته، ضرورة كون التعارض بين دليلهما، سواء سبق أحدهما أم لا، ومن هنا صرح المصنف بذلك وقد وافق في المسالك على ذلك بناء على مختار المصنف لكن قال: " وإنما يتجه الفرق لو قلنا بتقديم الكفارة وقضاء اليوم عن النذر، فانه على تقدير تقدم النذر تكون قد أدخل على نفسه صوم الشهرين بعد وجوب صوم اليوم المعين بالنذر، فيجمع بينهما بالقضاء، بخلاف ما إذا تقدمت الكفارة، لانه حينئذ يكون كالمستثنى كما استثنى الواقع في رمضان. وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، ولعله لذا قال: " ويحتمل القضاء أيضا، لان الوقت غير متعين لصوم الكفارة بخلاف رمضان " والله العالم. * (إذ نذر صوما مطلقا فأقله يوم) * لعدم صحة الاقل من ذلك عندنا * (وكذا لو نذر صدقة اقتصر على أقل ما يتناوله الاسم) * بلا خلاف فيه بيننا ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه. نعم عن بعض العامة الاجتزاء في الصوم ببعض اليوم ووجوب خمسة دراهم أو نصف دينار، لانهما أقل الواجب منها، وهو واضح الضعف وإن قال في المسالك: " إن مبنى الخلاف على أن المعتبر في النذر أقل واجب من جنسه أو أقل جائز من جنسه، وقد تقدم الكلام فيه، فعلى الاول يجب خمسة دراهم أو نصف دينار، وعلى الثاني يجزئ مسمى الصدقة، وهذا يتجه على القول بعدم جواز إعطاء المستحق الواحد أقل مما يجب في النصاب، والحق أن ذلك على الاستحباب، ومن أوجبه منهم أجاب بأن

[ 401 ]

الخلطاء قد يشتركون في نصاب، فيجب على أحدهم شئ قليل، فيكفيه أن يتصدق بدانق أو ما دونه مما يتمول، ولك أن تقول: إذا حملنا المطلق على الواجب فالاقل من الصدقة غير مضبوط جنسا وقدرا، بل الاموال الزكاتية مختلفة الجنس، وليس لواجبها قيمة مضبوطة، وصدقة الفطرة أيضا واجبة، وليس لها قيمة مضبوطة، فامتنع إجراء هذه القول في الصدقة، وتعين اتباع مفهوم اللفظ " ولا يخفى عليك خلوه عن التحصيل على طوله، إذ المسألة من الواضحات، والله العالم. * (ولو نذر الصيام في بلد معين) * مثلا لا مزية للصوم فيه شرعا * (قال الشيخ: صام أين شاء) * لعدم انعقاد النذر بالنسبة إليه، لعدم رجحان فيه كما هو المفروض، والمنذور يعتبر الرجحان في قيده كما يعتبر في وصفه، لاطلاق ما دل (1) على اعتبار ذلك فيه. * (و) * لكن * (فيه تردد) * من ذلك ومما عرفته غير مرة من أنه لا دليل على اعتبار الرجحان في قيود المنذور بعد انصراف ما دل عليه إلى المنذور نفسه، والفرض حصوله، ضرورة رجحان الصوم المقيد في المكان المخصوص من حيث إنه صوم، فيجب الوفاء به حينئذ، لعموم ما دل (2) على ذلك، بل الصوم المطلق غير منذور حتى يقال باجزاء الصوم حيث شاء، ولا القيد نفسه أي المكان نفسه حتى يقال لا مزية فيه، وإنما هو من قيبل نذر المباح، بل هو الصوم المقيد بكونه في المكان المخصوص، ولا شك في أنه عبادة راجحة، فيندرج حينئذ فيما دل على انعقاد مثله. وبالجملة لا دليل على اعتبار أزيد من الرجحان المزبور، فلا معارض لاطلاق الادلة وعمومها. هذا كله مع عدم المزية وإلا فلا إشكال بل ولا خلاف في تعينها بل عن فخر المحققين الاجماع على ذلك، وإن قال في المسالك: لا يخلو هذه الدعوى


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد. (2) سورة الحج: 22 - الاية 29 وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 402 ]

من نظر وحينئذ فما يحكى عن الفاضل من التفصيل بين ذي المزية فينعقد وغيره فلا ينعقد ليس قولا في المسألة، بل مرجعه إلى موافقة الشيخ، وقد عرفت ما فيه، والله العالم. * (ومن نذر أن يصوم زمانا) * قاصدا به المصداق العرفي الذي لا يعلم أقله إلا عاقل العرف إذ غيره يمكن معرفة بعض أفراده، وأما الاقل الذي لا يزيد ولا ينقص فلا يكاد يتيسر لاحد من الناس إلا السر الالهي، نحو ما قلناه في الوجه والمسافة والركوع ونحوها مما كشف الشارع عن أقل مصاديقها، ومن هنا * (كان) * عليه في الفرض * (خمسة أشهر ولو نذر حينا كان عليه ستة أشهر) * لخبر أبي الربيع الشامي (1) " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل قال: لله علي أن أصوم حينا وذلك في شكر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد اتي علي عليه السلام بمثل هذا، فقال: صم ستة أشهر، فان الله تعالى يقول: تؤتي اكلها كل حين باذن ربها (2) يعني ستة أشهر " وخبر السكوني (3) عن أبي عبد الله عن آبائه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام قال في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: الزمان خمسة أشهر والحين ستة أشهر، لان الله تعالى يقول: تؤتي اكلها كل حين باذن ربها " * (و) * الطعن في سندهما مدفوع بالعمل بين الاصحاب على وجه لم يظهر فيه مخالف كما اعترف به في المسالك. نعم * (لو نوى غير ذلك عند) * وقوع صيغة * (النذر لزمه ما نوى) * لان النذر كاليمين في أن العبرة بما نوى، حتى أنه لو نوى الصدق العرفي في زمانه الذي يصدق باليوم لزمه ما نوى، والله العالم.


(1 و 3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 - 2 من كتاب الصوم. (2) سورة ابراهيم: 14 - الاية 25.

[ 403 ]

* (مسائل الصلاة:) * * (إذا نذر صلاة) * انصرف إلى ذات الركوع والسجود، دون صلاة الجنازة والدعاء إلا مع القصد وحينئذ * (فأقل ما يجزؤه منها ركعتان) * كما عن المبسوط والخلاف. لانهما أقل عدد علم مشروعيته على الاطلاق، بل الظاهر احتياج الاقل والاكثر إلى دليل خاص، ومن هنا اقتصر على ثبوتهما في المقامات الخاصة، فلا ينزل النذر عليه، بل لا يشرع خصوصا بعد المرسل (1) في غير واحد من كتب الاصحاب من أن النبي صلى الله عليه واله قد نهى عن البتراء. * (و) * لكن مع ذلك * (قيل) * والقائل ابن إدريس: أقل ما يجزئه * (ركعة) * وما في المتن * (وهو حسن) * وتبعه جماعة للتعبد بها شرعا، وفي المسالك " ربما بني الخلاف على ما تقدم من أن المعتبر هل هو أقل واجب أو أقل صحيح ؟ فعلى الاول الاول، وعلى الثاني الثاني، ويتفرع على ذلك أيضا وجوب الصلاة قائما أو تجوز ولو جالسا لجوازه في النافلة دون الواجبة اختيارا، ووجوب السورة عند من أوجبها في الواجبة إلى غير ذلك من الجهات التي يفترق فيها الواجب والصحيح مطلقا، وكذا الكلام في صلاتها على الراحلة وإلى غير القبلة راكبا أو ماشيا، ولو صرح في نذره أو نوى أحد هذه الوجوه المشروعة فلا إشكال في الانعقاد، وفي جواز العدول حينئذ إلى الاعلى وجهان، والاجود اتباع القيد المنذور مطلقا ". قلت: قد يشكل إذا كان جواز ذلك فيها من حيث كونها نافلة على وجه للنفل مدخلية في عنوان الحكم المزبور، ولا ريب في خروجها عن النفل بالنذر، فلا ينعقد النذر حينئذ على الوجه المزبور، لخروجها به عن عنوان الحكم الذي وقع النذر عليه، وأولى من ذلك صورة الاطلاق الذي ينبغي الاقتصار في امتثالها على


(1) نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 28 وفيه " ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن البتيراء ".

[ 404 ]

المتيقن في الصحة، وليس إلا بمراعاة حكم الفريضة من القيام والاستقبال والاستقرار وقراءة السورة ونحو ذلك مما يعلم معه حصول الامتثال، لان المنذور طبيعة الصلاة لا النافلة منها خاصة، ضرورة كون النفل والفرض من عوارض الصلاة لا من مقوماتها، فهي لو لا النذر لكانت نافلة مع فرض عدم سبب آخر يقتضي وجوبها. وحينئذ فالمتجه الاقتصار في الاجتزاء في مثل الفرض بركعتين، لانهما القدر المشترك بين الفريضة والنافلة، بخلاف الركعة الواحدة الثابتة في خصوص الوتر، ولا تلازم بين مشروعيتها كذلك ومشروعية نافلة مثلها غيرها بسبب النذر الذي ليس في أدلته ما يقتضي ذلك. وبالجملة إنما يثبت في النذر ما هو ثابت لذات الصلاة من حيث كونها كذلك مع قطع النظر عن نفلها وفرضها. ومن ذلك يعلم فساد البناء المزبور، وربما كان في خبر مسمع بن عبد الملك (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن رجل نذر ولم يسم شيئا، قال: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق برغيف " نوع إشعار بعدم الاجتزاء بالركعة، كما جزم به الكركي في حاشيته، نعم لو نذر الركعة في خصوص مقامها التي شرعت فيه انعقد، لظهور كون الانفراد ذاتيا لها. ثم قال في المسالك: " ويستفاد من قوله: " فأقل ما يجزئه ركعتان " أنه لو صلى أزيد من الركعتين صح، وهو كذلك مع إتيانه بهيئة مشرعة في الواجب أو الندب على الوجهين، كالثلاث أو الاربع بتشهدين وتسليم، وربما قيل: إنه لا يجزئ إلا ركعتان، لان المنذور نفل صار واجبا لم يتعبد في النوافل إلا بركعتين غير ما نص عليه، وهو ضعيف جدا لمنع المقدمتين ".


(1) الوسائل الباب 20 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3.

[ 405 ]

وفيه ما عرفت من أن الواجب بالنذر ماهية الصلاة، فيجب فيها المتيقن على تقديري النفل والفرض، والثلاث والاربع إنما هو في الفرائض المخصوصة التي لا تشمل المنذورة قطعا، فالمتجه حينئذ الاقتصار على ركعتين، واحتمال كون المراد الاجتزاء في نذر الصلاة بركعة الوتر مثلا وصلاة المغرب ونحو ذلك مما هو مشروع - لان المراد مشروعية نافلة جديدة بالنذر ركعة أو ثلاث - خلاف ظاهر القائل، وخلاف مقتضى النذر الذي هو السبب في فعلها لا غيره من الاسباب إلا أن يقصد ذلك كما هو واضح. وفي القواعد " لو نذر صلاة ونوى فريضة تداخلتا، ولو نوى غيرها لم يتداخلا، ولو أطلق ففي الاكتفاء بالفريضة على القول بجواز نذر الفريضة إشكال ". وقد وقع في الدروس ما لا يخفى عليك النظر فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، كما لا يخفى عليك الصحيح منه، قال: " ولو نذر هيئة غير مشروعة كركوعين في ركعة وسجدة واحدة بطل رأسا، ولو نذر هيئة في غير وقتها كالكسوف فوجهان، ولو أطلق عددا لزمه التثنية، لانه غالب النوافل، وقيل: يجوز محاذاة الفرائض فيصلى ثلاثا أو أربعا بتسليمة، ولو نذر صلاة وأطلق قيل تجزئ الركعة للتعبد بها، والاقرب الركعتان، للنهي عن البتراء (1) وفي إجزاء الثلاث أو الاربع الوجهان، ولا يجزئ الخمس فصاعدا بتسلمية إلا أن يقيده في نذره على تردد، ولو قيده بركعة واحدة فالاقرب الانعقاد، والنهي عن التنفل بها، وقد يلزم منه إجزاء الواحدة عند إطلاق نذر الصلاة، ولا تجزئ الفريضة عند إطلاق الصلاة على الاقوى، لان التأسيس أولى من التأكيد " إلى آخره. ومن الغريب ما فيه من انعقاد نذر الخمس فصاعدا بتسلمية خصوصا بعد جزمه سابقا بأنه لو نذر هيئة غير مشروعة لم ينعقد. ثم قال في المسالك: " ولو فصل بين الازيد من الركعتين بالتسليم ففي شرعية


(1) نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 28.

[ 406 ]

ما بعد الركعتين بنية الندب وجهان، من سقوط الفرض بالركعتين فلا وجه للوجوب، ومن جواز كون الواجب أمرا كليا ودخول بعض أفراده في بعض لا يخرج الزائد عن أن يكون فردا للكلي وإن جاز تركه كما في الركعتين والاربع في مواضع التخيير، ومثله الكلام في التسبيحات المعتعددة في الاخيرتين والركوع والسجود وهذا يتجه مع قصد الزائد ابتداء ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم تصوره في الاوامر المطلقة التي لا ريب في حصول الامتثال بأول فرد من أفرادها، ولا معنى للامتثال عقيب الامتثال، والتخيير بين الاقل والاكثر في مواضع التخيير إنما هو بين ماهيتين مختلفتين، كما أوضحناه في محله وكذا أوضحنا وجه التخيير في تسبيحات الاخيرتين وغيرها في محالها، ولكن الجميع غير ما نحن فيه من كون الواجب كلي الصلاة ولم يكن صورة تخيير من الشارع حتى تأتي فيه الوجوه المعلومة، فتأمل جيدا. * (وكذا لو نذر أن يفعل قربة ولم يعينها كان مخيرا إن شاء صام وإن شاء تصدق بشئ وإن شاء صلى ركعتين) * وغير ذلك مما يصدق عليه أنه قربة، * (وقيل: تجزؤه) * من الصلاة * (ركعة) * وفيه البحث السابق إلا أنك قد عرفت كون المراد الاتيان بركعة واحدة امتثالا للنذر، لان المراد عدم الاجتزاء بمثل الوتر لو جاء بها وفاء للنذر، ضرورة عدم كون ذلك محلا للشك في الاجتزاء، لانها طاعة مشروعة وعبادة معروفة. لكن في الرياض قد جعل محل الخلاف بين الاصحاب فيها فقال: " وفي الاجتزاء بمفردة الوتر قولان: أجودهما ذلك وفاقا للحلي وجماعة، لانها من حيث انفرادها عن ركعتي الشفع بتكبيرة وتسلمية عندنا صلاة مستقلة، فيشملها عموم قوله صلى الله عليه واله (1): " الصلاة خير موضوع " خلافا للشيخين وابن بابويه والقاضي


(1) الوسائل الباب - 42 - من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 407 ]

والشهيد في الدروس للنهي في النبوي (1) عن البتراء المفسر في النهاية الاثيرية بأن الوتر ركعة واحدة (2) وللخبر (3) " عن رجل نذر ولم يسم شيئا " - إلى آخره ثم أطنب في المناقشة في الخبرين المزبورين إلى أن قال -: وبالجملة فالاستناد إلى الروايتين لا وجه له من وجوه متعددة، ولعله لهذا لم يستند إليهما السيد وصاحب شرح الكفاية على هذا القول مع ميلهما إليه، وإنما استندا فيه إلى النصوص (4) الدالة على أن الوتر اسم للركعات لثلاث لا لخصوص المفردة، ومشروعية فعلها على الانفراد غير ثابتة، وفي الاستناد أيضا مناقشة، لان مبناه على عدم ثبوت شرعيتها مفردة، وهو ممنوع، لما عرفت من كونها عندنا صلاة مستقلة، فيشملها عموم الرواية السابقة، ولذا أن الشهيد في الدروس خص ما ذكره من عدم الاجتزاء بها في صورة ما إذا نذر صلاة وأطلق، أما لو قيدها بركعة واحدة قال: الاقرب الانعقاد، ونحوه الشهيد الثاني في المسالك حيث خص محل النزاع بتلك الصورة، قال: ولو صرح في نذه أو نوى أحد هذه الامور المشروعة فلا إشكال في الانعقاد، وصرح قبل ذلك بثبوت مشروعية ركعة الوتر فقال في تعليل المنع بالاجتزاء بها (5) مع نذر الصلاة مطلقة لا مقيدة بركعة الوتر: أما مع التقييد بها بل مطلق الركعة الواحدة، فينعقد ويلزم الاتيان بها بلا شبهة ".


(1) نيل الاوطار للشوكاني ج 3 ص 28. (2) هكذا في النسخة الاصلية وفى الرياض " بأن يوتر بركعة واحدة " وهو الصحيح كما هو كذلك في نهاية ابن الاثير. (3) الوسائل الباب - 2 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها الحديث 6 و 7 و 16 من كتاب الصلاة. (5) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة والمسودة الا أن في الرياض " في تعليل المنع بالاجتزاء بها: والركعة نادرة، إذ لم تشرع الا في الوتر فتأمل هذا ولا ريب أن الاحوط عدم الاجتزاء بها مع نذر.. "

[ 408 ]

قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا ولا يصلح كلام الشهيدين في الدروس والمسالك دليلا للمسأله، إذ لا ريب في عدم اقتضاء مشروعية الوتر في مقام خاص مشروعيتها على الاطلاق، والنذر إنما غايته الالزام، لا أنه يثبت مشروعية جديدة كما أنه لا ريب في الاجتزاء بها لو جاء بها امتثالا للنذر في مقامها المعلوم شرعيته، كما أوضحنا ذلك سابقا، فلاحظ وتدبر. * (ولو نذر الصلاة في مسجد معين أو مكان معين من المسجد لزم) * بلا خلاف ولا إشكال * (لانه) * أي المنذور مع قيده * (طاعة) * فيندرج فيما دل على (1) وجوب الوفاء بالنذر، بل الظاهر لزومه على وجه لا يجوز له العدول إلى الاعلى فضلا عن الادنى والمساوي، لان النذر تعلق بها مشخصة بالمكان الخمصوص، فالوفاء به يقتضي عدم إجزاء غيره وإن كان أولى منه، وما روي (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه " أمر من نذر إتيان بيت المقدس بمسجد الكوفة " مع أنه في غير المقام لم يثبت. خلافا لبعضهم، فجوزه قياسا على نذره ما لا مزية فيه، فان ذا المزية بالنسبة إلى ما هو أعلى منه كالذي لا مزية فيه، وهو مع أنه قياس مع الفارق، ضرورة عدم الانعقاد أصلا في المجرد عن المزية عند القائل باشتراطها بخلاف الفرض، وقد ذكرنا سابقا أن قول الصادق عليه السلام في خبر زرارة (3) الذي سأله فيه أي شئ لا نذر فيه: " كلما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه " يراد منه إذا نذر على تركه، لا ما إذا نذرت على راجح يستلزم تركه، والله العالم. * (اما لو نذر الصلاة في مكان لا مزية فيه للطاعة على غيره قيل: لا يلزم) * لخلوه عن الرجحان المعتبر في النذر، ورجحان المكان مزية، فمع فرض عدمها


(1) سورة الحج: 22 - الاية 29 وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات. (2) الوسائل الباب - 25 - من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة. (3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 409 ]

لا ينعقد النذر * (و) * لكن * (تجب الصلاة) * التي هي من متعلق النذر، وعدم وجوب القيد لا ينافي وجوبها * (و) * حينئذ فتجب هي إلا أنه * (يجزئ ايقاعها في كل مكان) *. * (وفيه تردد) * من ذلك ومما عرفت مكررا من أنه لا دليل على رجحان أوصاف المنذور، إذ ليست هي المنذور، فيكفي الرجحان في المنذور، وليس المنذور في الفرض المكان خاصة حتى يرد أنه لا رجحان فيه، بل الصلاة الواقعة فيه، ولا شبهة في رجحانها، فينعقد نذرها، كالصلاة المنذورة في الوقت المعين مطلقا. بل قد سمعت غير مرة أن ذلك هو الاقوى، لمعوم الادلة * (و) * للاجماع كما في المسالك على أنه * (لو نذر الصلاة في وقت مخصوص لزم) * على وجه لا يجزئ فعلها في غيره، سواء كان أدنى منه مزية أو مساويا أو أعلى، ولا فرق بين الزمان والمكان بالنسبة إلى ذلك، ودعوى الفرق بأن الشرع جعل الزمان سببا للوجوب بخلاف المكان فانه من ضروريات الفعل لا سببية فيه كما ترى، إذ لا يلزم من سببية بعض الاوقات بنص الشارع مزية في الصلاة بسببية الوقت الذي يعينه الناذر، فان هذا الوقت المعين بالنذر ليس سببا في وجوب المنذور قطعا، وإنما سببه النذر، والزمان والمكان أمران عارضان، مطلقهما من ضرورات الفعل، ومعينهما بتعيين الناذر، فأي رابطة بين سببية الوقت للصلاة الواجبة بالاصل وبين الوقت الذي هو بتعيين الناذر. ودعوى أن السببية في الوقت حاصلة وإن كان ذلك بالنذر - لانا لا نعني بالسببية إلا توجه الخطاب إلى المكلف عند حضور الوقت، وهو حاصل هنا، ولا يتصور مثل ذلك في المكان إلا تبعا للزمان - يدفعها أن الوقت بالنذر إذا كان مطلقا كيوم الجمعة فتوجه الخطاب إلى الناذر بالفعل عند دخول الجمعة ليس على وجه التعيين، بل الامر فيه كالنذر المطلق بالنسبة إلى العمر، غايته أن هذا

[ 410 ]

مختص بالجمع الواقعة في العمر، فتوجه الخطاب فيه على حد توجهه على تقدير تعيين المكان دون الزمان. بل هنا أقوى، لان الخطاب متوجه إليه بسبب صيغة النذر في أن يؤدي الفعل في ذلك المكان، ويسعى في تحصيله بقدرته عليه في كل وقت بحسب ذاته وإن امتنع بحسب أمر عارض على بعض الوجوه، بخلاف الزمان، فانه لا قدرة له على تحصيله، وهما مشتركان في أصل تقييد العبادة المنذورة بهما، فيجب تحصيلها على الوجه الذي عينه عملا بعموم الاوامر (1) الدالة على الوفاء بالنذر على وجهه، إذ العبادة الخارجة عن قيدهما غير منذورة، وإنما المنذور العبادة في ضمن القيد، ومن هنا قد يقال بالفساد لو نذر المقيد مع فرض عدم المزية فيه وقلنا باعتبارها فيه، إلا أن ظاهر القائلين باعتبارها خلافه. ومن ذلك ينقدح عدم انحلال النذر لو فرض كونه مقيدا ثم طرأ ما يقتضي مرجوحية القيد، ومن ذلك نذر الحج ماشيا فعجز عجزا أيس من القدرة عليه بعد ذلك، أو كان الحج معينا، فان مقتضى ذلك وجوب الحج عليه راكبا، لكنه بعيد مع فرض اتحاد النذر، وأنه لم يقصد القيد بنذر مخصوص، فان المتجه حينئذ انحلاله من أصله، نعم لو أن القيد ملاحظ في النذر وبخصوصه أمكن ذلك، لكونه حينئذ بمنزلة نذرين، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلامهم، والله العالم. * (مسائل العتق:) * * (إذا نذر عتق عبد مسلم لزم النذر) * بلا خلاف ولا إشكال * (ولو نذر عتق كافر غير معين لم ينعقد) * كما صرح به بعضهم، بل ظاهر قول المصنف * (وفي المعين خلاف، والاشبه أنه لا يلزم) * عدم الخلاف في غير المعين وإن كان فيه


(1) سورة الحج: 22 - الاية 29 وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 411 ]

ما لا يخفى، بل قد تقدم في كتاب العتق (1) تحقيق الحال في ذلك، ضرورة ابتنائه على صحة عتقه وعدمه الذي قد عرفت ما عندنا فيه، فلاحظ وتأمل كي تعرف أنه لا خصوصية للنذر في المسألة وإن حكي عن الشيخ أنه حمل خبر الحسن بن صالح (2) " أن عليا عليه السلام أعتق عبدا له نصرانيا فأسلم حين أعتقه " على صورة النذر جمعا بينه وبين خبر سيف بن عميرة (3) " سأل الصادق عليه السلام أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا ؟ قال: لا " المحمول على صورة عدم النذر، لكنه كما ترى واضح الضعف من وجوه. وربما كان ذلك هو الحامل للمصنف على تخصيص الخلاف في المعين باعتبار أن ما دل على صحته من الرواية المزبورة خاصة المعين، مضافا إلى ما قيل من أن غير المعين لا يتصور فيه القربة، بل وصف المنذور المطلق بالكفر يشعر بعلية الوصف في الحكم، وهو مناف للقربة، لانه بمنزلة صلته لكونه كافرا، ولا ريب في تحريمه، بخلاف المعين فانه قد يحصل من خصوصيات بعض الاشخاص ما يوجب ظن صلاحه بالعتق، كما اتفق لمن أعتقه علي عليه السلام، فيتجه قصد القربة فيه، وإن كان هو كما ترى أيضا. * (ولو نذر عتق رقبة أجزأته الصغيرة والكبيرة) * والذكر والانثى * (والصحيحة والمعيبة إذا لم يكن العيب موجبا للعتق) * فانه حينئذ يكون حرا لا يصلح عتقه عن النذر الذي هو عتق المملوك لا الحر، كما هو واضح، نعم لابد من عتق الشخص بتمامه في تحقق صدق الرقبة، فلا يجزئ البعض، لعدم الصدق الذي هو مدار في الاجزاء وعدمه، ففي موثق الساباطي (4) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام " في رجل جعل على نفسه عتق رقبة قد أعتق، أشل أو أعرج، قال: إن كان مما يباع أجزاء عنه،


(1) راجع ج 34 ص 110. (2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب العتق الحديث 2 - 5. (4) الوسائل الباب - 23 - من كتاب العتق الحديث 3.

[ 412 ]

إلا أن يكون سماه فعليه ما اشترط وسمى ". ولو علق نذر العتق على برء المريض مثلا ففي جواز بيعه قبل حصول الشرط قولان ذكرهما الصيمري في شرحه، وقد تقدم بعض الكلام فيهما في كتاب العتق (1) وربما يشهد للعدم ما سمعته في اليمين من أنه لو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فأتلفه قبل الغد أثم به، وتعلق به الكفارة، ونسبه الصيمري إلى علمائنا، وليس إلا لان النذر قبل حصول الشرط له صلاحية التأثير، وإخراجه عن ملكه يزيل صلاحية التأثير. وقد يتفرع على ذلك أنه لو أعتقه قبل حصول الشرط أو تصدق بالمال قبل حصول الشرط الذي علق عليه النذر فالمتجه عدم الصحة، لانه إن أراد بذلك امتثال خطاب النذر فهو كتقديم الواجب قبل وقته، وإن أراد غيره فقد عرفت أنه محجور عليه، لكن في شرح الصيمري الصحة وإن قلنا بعدم جواز بيعه، لانه مسارعة في فعل الخير ومبادرة في الطاعة، وهو كما ترى. ومن ذلك أو أولى منه لو نذر عتقه غدا فأعتقه اليوم، وإن احتمل بعضهم الفرق بين المعلق على شرط والمعلق على صفة، للقطع بحصول الصفة بخلاف الشرط، قال: " ولهذا قال علماؤنا: لو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فأكله اليوم حنث، ولو كان معلقا على شرط فأتلفه قبل حصول الشرط لم يتحقق الحنث قولا واحدا، وحينئذ فلا يصح عتقه قبل الغد " وهو وإن أجاد في الحكم بعدم الصحة قبل الغد إلا أنه لا يخفى عليك ما في فرقه. ثم إنه احتمل الصحة بعد ذلك بل قواها، للفرق بين العتق وأكل الطعام بأن الاول من الطاعات المندوب إلى المسارعة إليها، فتعجيلها خير من تأخيرها. ولكن لا يخفى عليك ما فيه، ومن الغريب جعل ذلك من باب أن المخالفة أصلح دينا أو دنيا، فتجوز ويصح العتق، فتأمل جيدا. * (ومن نذر أن لا يبيع مملوكا لزم النذر) * إذا فرض حصول الرجحان في عدم


(1) راجح ج 34 ص 131.

[ 413 ]

البيع * (و) * لكن * (إن اضطر إلى بيعه قيل) * والقائل الشيخ في محكي النهاية والقاضي: * (لم يجز) * للاصل وخبر الوشا (1) عن أبي الحسن عليه السلام " قلت له: إن جارية ليس لها مني مكان ولا ناحية، وهي تحتمل الثمن، إلا أني كنت حلفت منها بيمين فقلت: لله علي أن لا أبيعها أبدا ولي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤونة، فقال: ف لله بقولك له ". * (و) * لكن * (الوجه الجواز مع الضرورة) * التي يصير بها ما كان راجحا مرجوحا، فانه حينئذ ينحل النذر بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه، وفي المسالك " وكيف كان فالاعتماد على ما اتفق عليه من القاعدة المقررة في أن النذر واليمين لا ينعقدان مع كون خلافهما أرجح في الدين أو الدنيا. ولا مخصص لهذه القاعدة المتفق عليها إلا هذه الرواية، فالقول بالجواز هو الصحيح، وعليه سائر المتأخرين ". قلت: مر الكلام في هذا الخبر عند البحث عن انعقاد النذر على المباح (2) كما أنه مر خبر زرارة (3) الدال على عدم الانعقاد على ترك كل ما فيه منفعة في الدين أو الدنيا. ولو باع ما نذر ترك بيعه من غير ضرورة ففي صحة البيع وفساده وجهان كما في شرح الصيمري من النهي وكونه كالمحجور عليه، ومن إطلاق أدلة البيع، وكون النهي لامر خارج، وقد اختار هو الثاني، والاقوى عندي الاول كما أشرنا إليه سابقا. * (ولو نذر عتق كل عبد قديم لزمه إعتاق من مضي عليه في ملكه ستة أشهر) * بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك ربما كان إجماعا، والاصل فيه مرسل


(1 و 3) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 11 - 1. (2) راجع ص 378.

[ 414 ]

داود بن محمد النهدي (1) قال: " دخل ابن أبي سعيد المكاري على الرضا عليه السلام فقال له: أسألك عن مسألة، فقال: لا أخالك تقبل مني ولست من غنمي، ولكن هلمها، فقال: رجل قال: عند موته كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله، فقال: نعم إن الله يقول في كتابه: حتى عاد كالعرجون القديم (2) فمن كان من مماليكه أتى له ستة أشهر فهو قديم حر " وقد تقدم الكلام فيه في كتاب العتق (3). لكن في المسالك هنا " ولو نذر الصدقة بالمال القديم ونحو ذلك رجع فيه إلى العرف " وهو لا يخلو من نظر يعرف مما قدمنا سابقا، والله العالم. * (مسائل الصدقة:) * * (إذا نذر أن يتصدق واقتصر لزمه ما يسمى صدقة وإن قل) * للصدقة لغة وعرفا، نعم لا تجزئ الكلمة الطيبة ونحوها مما اطلق عليها اسم الصدقة في النصوص (4) بضرب من المجاز، نعم يجزئ إبراء الغريم، وفي جوازها على الغني والهاشمي إشكال كما في الدروس، قال: ولا إشكال مع التعيين، قلت: ولا مع عدمه للصدق عرفا واعتبار الفقر وغير الهاشمي أمر خارج عن مسماها. * (ولو قدر (قيد خ ل) بقدر تعين) * بلا خلاف ولا إشكال. * (ولو قال مال كثير) * وقصد أقل مصداق عرفا * (كان ثمانين درهما) * بناء على أن ذلك كشف من الشارع لاقل مصداقه أو تحديد فيه لذلك.


(1) ذكر قطعة منه في الوسائل الباب - 30 - من كتاب العتق الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 6 ص 195. (2) سورة يس: 36 - الاية 39. (3) راجع ج 34 ص 131. (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الصدقة الحديث 1 والباب - 41 - منها والمستدرك الباب - 40 - منها من كتاب الزكاة وصحيح مسلم ج 3 ص 82 و 83.

[ 415 ]

والاصل فيه مرسل إبراهيم بن هاشم (1) قال: " لما سم المتوكل نذر إن عوفي أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: مائة، وقال بعضهم: عشرة آلاف، قالوا فيه أقاويل مختلفة، فاشتبه عليه الامر فقال له رجل من ندمائه يقال له صقعان: ألا تبعث إلى هذا الاسود فتسأله عنه، فقال له المتوكل: من تعني ويحك ؟ فقال له: ابن الرضا عليه السلام، فقال له: هل يحسن من هذا شيئا ؟ فقال: يا أمير الفاسقين إن أخرجك من هذا فلى عليك كذا وكذا وإلا فاضربني مائة مقرعة، فقال المتوكل: قد رضيت يا جعفر ابن محمد، صر إليه واسأله عن حد المال الكثير، فصار جعفر إلى أبى الحسن علي بن محمد عليهما السلام، فسأله عن حد المال الكثير، فقال له: الكثير ثمانون، فقال له جعفر: يا سيدي أرى أنه يسألني عن العلة فيه، فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله عزوجل يقول: " ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (2) فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين موطنا ". وخبر أبي بكر الحضرمي (3) قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن رجل مرض فنذر لله شكرا إن عافاه الله أن يتصدق من ماله بشئ كثير ولم يسم شيئا، فما تقول ؟ قال يتصدق بثمانين درهما فانه يجزئة، وذلك بين في كتاب الله إن الله يقول لنبيه: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (4) والكثير في كتاب الله ثمانون ". وفي المحكي عن تفسير العياشي عن يوسف بن المنحت (5) " أنه اشتكى


(1) الوسائل الباب - 3 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 وهو مرسل على بن ابراهيم بن هاشم. (2 و 4) سورة التوبة: 9 - الاية 25. (3 و 5) الوسائل الباب - 3 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2 - 4 مع الاختلاف في لفظ الثاني.

[ 416 ]

المتوكل فنذر إن شفاه الله أن يتصدق بمال كثير، فكتب إلى الهادي عليه السلام يسأله، فكتب: تصدق بثمانين درهما، وكتب قال الله لرسوله صلى الله عليه واله: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (1) والمواطن التي نصر الله رسوله ثمانون موطنا، فثمانون درهما من حله مال كثير " وحينئذ فمتى اطلق الكثير من غير فرق بين الدراهم وغيرها اريد منه المصداق المفسر بما عرفت كشفا من الشارع أو تحديدا كالمسافة والوجه والركوع. لكن في المسالك هنا " أن الحكم مختص بالنذر فلا يتعدى إلى غيره من الاقرار والوصايا ونحوها، وقوفا فيما خالف الاصل على مورده، وقد تقدم الكلام في ذلك في البابين ". وفيه أن مقتضى ذلك العمل به في خصوص النذر وإن كان على خلاف قصد الناذر تعبدا للخبرين، وهو بعيد، بل المتجه ما ذكرناه من أنه لا فرق فيه بين النذر وغيره، بل لو نوى الناذر إرادة الكثير في عرفه وفرضنا صدقه على الاقل من ذلك أو أن أقل مصداقه أكثر من ذلك لزمه ما نوى، وكذ الكلام في لفظ القديم، فتأمل جيدا. ومنه يعلم ما في قوله أيضا من أن " الحكم مقصور على نذر الشئ الكثير، كما هو مورد الرواية، وفي معناه أو الاولى منه نذر دراهم كثيرة، وفي الرواية المرسلة جعل مورد النذر المال كما فرضه المصنف وجماعة وفي تعديته إلى غير ذلك كما لو نذر أن يتصدق بثياب كثيرة أو دنانير كثيرة وجهان: من خروجه عن مورد النص المخالف للاصل، ومن أن الكثرة إذا ثبتت مقدرة بشئ ثبتت فيما ناسبه، خصوصا على ما يشعر به التعليل، فانه يدل على إطلاق الكثير بذلك العدد على كل شئ، وبهذا حكم العلامة في المختلف والشهيد في الدروس، ولا يخلو من نظر، لان الكثير استعمل لغة وعرفا في غير ذلك العدد، ودعوى أن ذلك تقدير شرعي، وهو مقدم


(1) سورة التوبة: 9 - الاية 25.

[ 417 ]

عليهما في موضع المنع، والمستند من غير الاجماع لا يخلو من قصور وإن كانت رواية الحضرمي قرينة الامر " إذ قد عرفت ما يظهر منه قوة ما في الدروس، خصوصا بعد استدلال الامام عليه السلام على ذلك بالمواطن، نعم ينبغي الاقتصار على حال اشتباه أقل المصداق فيه عرفا، وإلا فلو فرض وضوح مصداق آخر له أقل أو أكثر وقد قصده الناذر فالمتجه الوقوف على ما قصده. ثم إنه في محكي الهداية والفقيه (1) أطلق الثمانين، كما في المروي في معاني الاخبار مرسلا عن ابن أبي عمير (2) عن الصادق عليه السلام أنه قال " في رجل نذر أن يتصدق بمال كثير، فقال: الكثير ثمانون فما زاد، لقول الله تبارك وتعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (3) وكانت ثمانين موطنا " ومرسل علي بن ابراهيم (4) " إن المتوكل سم فنذر إن عوفي أن يتصدق بمال كثير، فأرسل إلى الهادي عليه السلام يسأله عن حد المال الكثير، فقال له: الكثير ثمانون " وفي مرسلة الاخر (5) " إن المتوكل نذر التصدق بدنانير كثيرة، فأرسل إليه، فقال: الكثير ثمانون ". وعن المقنع ثمانون دينارا، وعن ابن إدريس ردهها إلى ما يتعامل به دراهم كانت أو دنانير، وفي المسالك " هو شاذ " لكن الانصاف أنه لا يخلو من وجه، بل في كشف اللثام " هو قوي ويمكن تنزيل الاخبار وكلامي الصدوق عليه - ثم قال -: وإن تعومل بهما لم يلزم إلا الدراهم، للاصل ". وعن الشيخين وسلار والقاضي وابن سعيد إطلاق ثمانين درهما، لما سمعته من النصوص المشتملة على ذلك.


(1) الفقيه ج 3 ص 232. (2) الوسائل الباب - 3 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3. (3) سورة التوبة: 9 - الاية 25. (4) الوسائل الباب - 3 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (5) تفسير البرهان ج 2 ص 111.

[ 418 ]

وعن الفاضل في المختلف أن الكثرة إن اضيف إلى المال المطلق أو إلى الدراهم حملت على الثمانين درهما، وإن اضيفت إلى نوع آخر حملت على ثمانين منه، فلو نذر ثيابا كثيرة حملت على ثمانين ثوبا، ولعله للانسياق، وخصوص المرسل (1) عن نثر الدر واللئالي " إن المتوكل نذر التصدق بمال كثير إن عوفي فاستفتى الجواد عليه السلام، فقال: إن كنت نويت الدنانير والدراهم فتصدق بثمانين درهما " وإن كان فيه أن الجواد عليه السلام لم يلحق بأيام المتوكل فهو إما اشتباه والجواب لعلي بن محمد الهادي عليه السلام أو لغير المتوكل من الخلفاء. وعلى كل حال فالذي يقوي في النفس ما ذكره، كما أن الذي يقوى ما سمعته من ابن إدريس من كون المراد بالدراهم ما تقع به المعاملة وقت النذر، وقد يحتمل إرادة المتعارف منه وقت السؤال، بل قيل: إن ذلك هو المتعين بناء على الاجتزاء بها مطلقا، فيخرج حينئذ قيمتها في مثل هذا الوقت، والله العالم. * (ولو قال خطير أو جليل فسره بما أراد) * مما قصده به إن كان قصد به شيئا معينا أو مما أراد مما يصدق عليه عرفا ذلك. * (و) * حينئذ * (مع تعذر التفسير بالموت) * مثلا * (يرجع إلى الولى) * كما في غيره من الالفاظ المطلقة، لكن في المسالك " هذا الوصف وإن كان دالا عرفا على زيادة على المتمول إلا أنه قابل للتأويل بأن المال خطير في نفسه شرعا لترتب الكفر على مستحل القليل منه، وقطع اليد التي قيمتها خمسمائة دينار بربع دينار منه، وغير ذلك، فيرجع إليه في التفسير، كما تقدم بحثه في الاقرار، لكن هنا له أن يفسره بما أراده وإن لم يكن قصد شيئا حالة النذر بخلاف الاقرار، فان الواجب عليه تفسيره بما يوجب براءة ذمته، بحيث يكون موافقا للواقع ". وفيه ما لا يخفى من أن المتجه مع عدم قصده المؤل إرادة المعنى العرفي، فلا


(1) مخطوط.

[ 419 ]

يقبل تفسيرها بغيره مع عدم قصده له، وفرق واضح بين المقام الذي يراد منه الاطلاق وبين الاقرار الذي هو الاخبار بشئ معين، كما أن المتجه مراعاة الصدق عرفا لو رجع الامر إلى الولي، نعم لو أقر الولي أنه قصد شيئا معينا فلا إشكال في لزومه في حقه وحق الوارث، والله العالم. * (ولو نذر الصدقة في موضع معين وجب) * سواء اشتمل على مزية أو لا، بناء على المختار من عدم اعتبار الرجحان في الاوصاف والقيود، بل في المسالك وكشف اللثام ذلك حتى على القول الاخر، للفرق بين الصدقة وبين الصلاة والصوم بأن الغرض من الصدقة في المكان المعين الصدقة على أهله، فيكون تعيين المكان في قوة تعيين المتصدق عليه، فلا يصح العدول عنه إلى غيره وإن كان غيره أفضل منه، كما لو نذر الصدقة على شخص معين ابتداء، فانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره، بخلاف الصلاة والصيام، فان العبادة أمر واحد في نفسها، وإنما تتفاضل بالزمان والمكان، فإذا نذرها في مكان لا مزية فيه فكأنه قد نذرها بوصف مباح أو مرجوح، فلا ينعقد على ما تقرر. قلت: هو جيد بناء على إرادته ومن حضر فيه من الاهل أيضا، كما اعترف به في آخر البحث، والامر سهل بعد أن كان المختار في المسألة الانعقاد في مثله. وعلى كل حال فلا يجزئ الصدقة على أهله في غيره، لان المفروض نذر الصدقة في المكان المخصوص. نعم قيل يأتي على القول بعدم تعيين المكان مع عدم المزية عدم اعتباره هنا أيضا إذا صرف المنذور على أهله نظرا إلى أن المقصود الصدقة عليهم وقد حصل، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من نظائر المسألة، فيجب حينئذ مراعاة المكان. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو صرفها في غيره) * ولو على أهله * (أعاد الصدقة بمثلها فيه) * لعدم صدق الامتثال مع التمكن منه إذا كان النذر مطلقا، وضمانه لما أتلفه إذا كان معينا، بل يكفر أيضا كما في القواعد والمسالك، لكن قد يشكل وجوب

[ 420 ]

الاعادة في المعين بانحلال النذر وذهاب العين إلا أن ظاهر الاصحاب خلافه. ولو فرض فساد المكان فالظاهر الاجتزاء بالصدقة على أهله في غيره مع احتمال انحلال النذر، لكونه نذرا واحدا، والفرض انحلاله، لكن الاقوى الاول، وقال ابن مهزيار (1): " قلت لابي الحسن عليه السلام رجل جعل على نفسه نذرا إن قضى الله عزوجل حاجته أن يتصدق في مسجده بألف درهم نذرا، فقضى الله عز وجل حاجته فصير الدراهم ذهبا ووجهها إليك أيجوز ذلك أم يعيد ؟ قال: يعيد " وهو شاهد على ما قلناه بناء على أن المراد يعيد الصدقة في مسجده. وعلى كل حال فقد ظهر لك من جميع ما ذكرناه أنه متى نذر الصدقة على وجه يعين مقدارا وجنسا ومحلا ومكانا وزمانا، بل لا تجزئ القيمة في المتعين، ولا يملك المنذور له الابراء منه، وفي وجوب قبوله نظر ينشأ من توهم أنه كالدين أو الهبة وإن كان لا يخفى عليك قوة الثاني منهما، وحينئذ فان لم يقبله سقط عنه، كما عن الفاضل وولده التصريح به، ولعل مرادهما مع الامتناع أبدا للتعذر حينئذ لا آنا ثم رجع إلى القبول، فتأمل. ولو أطلق قدرا في الذمة صح، ولا يجزئ غيره، والاقوى الاجتزاء باحتساب الدين هنا. ولو أبرأه المستحق هنا أو وهبه المعين قبل قبضه أو اعتاض عنه أمكن الصحة إن كان صيغة نذره " إن لفلان علي كذا " أو " عندي أو له الدابة المعينة " وجوزناه كما في الدروس. وإن نذر الصدقة عليه أو الاهداء إليه أو الايصال لم يجز الابراء والهبة والاعتياض، وعليه يتفرع سقوطه وانتقاله إلى الوارث بعد وفاة المنذور له. نعم في الدروس له مطالبته به على التقادير، وحينئذ لو اختلفا في الدفع حلف المنكر، لكن قد يشكل بانه تكليف شرعي لا يتضيق عليه إلا بعد الوفاة، فليس


(1) الوسائل الباب - 9 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 421 ]

له حق المطالبة. وفي شرح الصيمري بعد أن اختار ما سمعته من الشهيد قال: " إلا مع الامتناع لا يجوز حبسه ولا مقاصته، لاباحة التأخير له " وفيه أنه مناف لجواز مطالبته به، على أنه يمكن فرض النذر مضيقا فتأمل. وكيف كان فيجوز التوكيل في دفعه وقبضه. ولو عين شاة فنمت تفرع النماء على التمليك أو التصدق، فيملكه المنذور له إن قلنا بالتملك القهري. وإن قال: " أن أتصدق " وفي الدروس في ملكه هنا تردد من إجراء مأخذ الاسباب مجرى وقوع المسبب أم لا، ولو جعل المال صدقة بالنذر ففي خروجه عن ملكه تردد من إجرائه مجرى الوقف العام أم لا، وقطع لفاضل بالخروج. وفيه أنه لا وجه لدخوله في الملك مع فرض كون النذر " أتصدق " كما أنه لا وجه لعدم كونه ملكا لو نذره صدقة وقلنا بصحته. ولو نذر صرف زكاة أو خمس على معين لزم إن لم يناف التعجيل المأمور به، بل في الدروس " ولو نافى الافضلية كالبسط وإعطاء الرحم والافقه والاعدل ففيه نظر أقربه مراعاة النذر - ثم قال -: ولو خرج المعين عن الاستحقاق بطل، فلو عاد إلى الاستحقاق فالاقرب عود النذر ما لم يكن قد أخرجه " ولا يخلو من نظر، والله العالم. * (ومن نذر أن يتصدق بجميع ما يملكه لزمه النذر) * مع فرض عدم ما يقتضي زوال الرجحان المعتبر في انعقاد النذر وإلا انعقد فيما لم يكن فيه ذلك دونه، لما عرفته مكررا من الصحة في مثل ذلك وإن قلنا بكراهة الصدقة بجميع المال، إلا أنه مكروه العبادة الذي قد عرفت انعقاد نذره. نعم في المتن وغيره * (فان) * نذر كذلك و * (خاف الضرر قوم ماله وتصدق أولا فأولا حتى يعلم أنه قام بقدر ما لزم) * بالنذر نظرا إلى صحيح محمد بن يحيى

[ 422 ]

الخثعمي (1) قال: " كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر عليه السلام فسلم ثم جلس وبكى، ثم قال: جعلت فداك إني كنت أعطيت لله عهدا إن عافاني الله من شئ كنت أخافه على نفسي أن أتصدق بجميع ما أملك، وإن الله عز وجل عافاني منه، وقد حولت عيالي من منزلي إلى قبة في خراب الانصار، وقد حملت كل ما أملك فأنا بائع داري وجميع ما أملك وأتصدق به، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنطلق وقوم منزلك وجميع متاعك وما تملك بقيمة عادلة، فاعرف ذلك، ثم اعمد إلى صحيفة بيضاء فاكتب فيها جملة ما قومته، ثم انطلق إلى أوثق الناس في نفسك فادع إليه الصحيفة وأوصه ومره إن حدث بك حدث الموت أن يبيع منزلك وجميع ما تملك فيتصدق به عنك، ثم ارجع إلى منزلك وقم في مالك على ما كنت فيه، فكل أنت وعيالك مثل ما كنت تأكل، ثم انظر إلى كل شئ تصدق به عما يستقبل عليك من صدقة أو صلة قرابة أو في وجوه البر فاكتب ذلك كله وأحصه، فإذا كان رأس السنة فانطلق إلى الرجل الذي أوصيت إليه، فمره أن يخرج إليك الصحفية، ثم اكتب فيها جملة ما تصدقت وأخرجت من صلة قرابة أو بر في تلك السنة، ثم افعل مثل ذلك في كل سنة حتى تفي لله بجميع ما نذرت فيه، ويبقى لك منزلك ومالك إنشاء الله، قال: فقال الرجل: فرجت عنى يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله جعلني الله فداك ". وقد اعترف في المسالك بتلقي الاصحاب له بالقبول، وكان مخالفته لضوابط النذر أولا بالصدقة بالقيمة عن منذور العين، وثانيا بعدم وجب تعجيل الصدقة بما لا يضر به من المال، وثالثا بعدم بطلان النذر فيما يضر به من الصدقة منه. ويمكن دفع الاخير بأنه لا وجه للبطلان بعد إمكان دفع الضرر بالطريق الخاص، فيبقى حينئذ ما دل على وجوب الوفاء بالنذر (2) مؤيدا بالصحيح المزبور


(1) الوسائل الباب - 14 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2) سورة الحج: 22 - الاية 29 وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 423 ]

بلا معارض، بل والثاني بعدم ما يدل على وجوب التعجيل، لما عرفت أن الامر بالوفاء للطبيعة التي لا يتقضي فورا ولا تراخيا لاصاله براءة الذمة من التعجيل بحالها، بل والاول بناء على إجزاء القيمة في مثله، ولو لان مقصوده الصدقة بذلك من حيث قدره لا من حيث عينه، ولعله لذا تلقاه الاصحاب بالقبول لعدم مخالفته للقواعد بوجه. ومنه يعلم النظر فيما في المسالك من أنه يبقى الكلام فيما خرج عن النص، كما لو لم يكن نذر الصدقة بجميع ماله بل ببعضه، وإن كان الاولى خلافه، والضرر يندفع بتقويمه، فهل يعمل به كما في الرواية أم يبطل النذر ؟ وجهان من مشاركته للمنصوص في المقتضي، وكون كل فرد من أفراد ماله على تقدير نذر الجميع منذور الصدقة، ولم ينظر إلى آحاده، وإنما نظر إلى المجموع ورجع فيه إلى التقويم، ومن خروجه عن الاصل، فيقتصر فيه على مورده، ولا يلزم من الحكم في الجميع الحكم في الابعاض، لانهما غيران، وهذا أجود، إذ قد عرفت أن الاول أجود لا الثاني، والله العالم. * (ومن نذر أن يخرج شيئا من ماله في سبيل الخير تصدق به على فقراء المؤمنين أو في حج أو في زيارة أو في شئ من مصالح لمسلمين) * لان السبيل الطريق، فالمراد ما كان وصلة إلى الخير والثواب وطريقا إليه من جميع أنواع القرب، وعن الشيخ أنه حصر سبيل الخير في الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين لمصلحة والمكاتبين، وجعل سبل الثواب الفقراء والمساكين ويبدأ بأقرابه، وسبيل الله الغزاة والحج والعمرة، لكنه كما ترى لا دليل عليه، بل العرف شاهد بخلافه إلا أن يقصد الناذر، والله العالم.

[ 424 ]

* (مسائل الهدى:) * * (إذا نذر أن يهدي بدنة) * مثلا إلى مكة أو منى لزم بلا خلاف ولا إشكال، بل في المسالك الاجماع عليه. وإن لم يعين أحدهما * (انصرف الاطلاق إلى الكعبة، لانه الاستعمال الظاهر في عرف الشرع) * ولانها محله شرعا، قال الله تعالى (1) " ثم محلها إلى البيت العتيق " وقال (2): " هديا بالغ الكعبة " ولقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (3): " إنما الهدى ما جعل الله هديا للكعبة " ولكن في صحيح ابن مسلم (4) عن الباقر عليه السلام " في رجل قال عليه بدنة ولم يسم أين ينحر ؟ قال: إنما المنحر بمنى، يقسمونها بين المساكين ". إلا أنه في المسالك " عمل الاصحاب على الاول ما لم يسم منى ولو بالقصد، فينصرف إليها وإلا فلا، والرواية باشتراك محمد لا تصلح معارضا وصحتها إضافية " قلت: قد يقال إنه لا عرف في زماننا لمثل الفرض يقتضي كون المراد الكعبة، فلا يبعد العمل بالنص بالنسبة إلى ذلك. * (و) * على كل حال فلا إشكال في أنه * (لو نوى منى لزم) * إنما الكلام مع الاطلاق. * (ولو نذر الهدي إلى غير الموضعين لم ينعقد، لانه ليس بطاعة) * وقد عرفت اعتبار ذلك في الانعقاد، ضرورة عدم مشرعية الهدي في غيرهما وإن استحب أصل الذبح، ولعل هذا غير ما يأتي للمصنف من انعقاد نذر نحر الهدي في غيرهما.


(1) سورة الحج: 22 - الاية 33. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 95. (3) الوسائل الباب - 4 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 11 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 425 ]

وفي الدروس " ولو نوى غيرهما وقصد الصدقة أو الاهداء للمؤمين صح، وإن قصد الاهداء للبقعة بطل، وإن قصد مجرد الذبح فيها فهو من المباح، وأطلق في المبسوط بطلان النذر، وفي الخلاف الصحة وأوجب التفرقة بها، وفي رواية محمد (1) السالفة " إذا سمي مكانا فلينحر فيه ". قلت: ستعرف تمام الكلام في المسألة، وإنما المراد عدم مشروعية الهدي لغيرهما إلا أن يكون بمعنى الاهداء أو الصدقة كما أومي إليه الشهيد في أول الكلام، والله العالم. * (ولو نذر أن يهدي واقتصر انصرف الاطلاق عرفا في الهدي إلى النعم) * لان الهدي شرعا عبارة عن ذلك، بل عن الخلاف الاجماع عليه * (و) * لكن * (له أن يهدي أقل ما يسمى من النعم هديا) * وإن لم يكن جامعا لشرائط الهدي الذي هو نسك، فهو هدي غير الهدي المعروف في الحج. * (وقيل) * والقائل الشيخ في أحد قوليه: * (كان له أن يهدي) * كل ما يتمول * (وإن كان بيضة) * أو تمرة، لان اسم الهدي يقع على الجميع، فيقال: أهدى بيضة وتمرة، وقال الله تعالى (2): " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " وقد يحكمان بقيمة عصفور أو جرادة، وفي الحديث (3) " من راح في الساعة الخامسة فكانما أهدى بيضة ". وفيه أنه مناف للمنساق من الاطلاق، بل ولقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (4) وسئل عن الرجل يقول أنا أهدي هذا الطعام: " ليس بشئ، إن الطعام لا يهدى " وقال عليه السلام أيضا في خبر أبي بصير (5): " فان قال الرجل أنا


(1) الوسائل الباب - 11 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 95. (3) سنن البيهقى ج 3 ص 226 وفيه " قرب بيضة ". (4) الوسائل الباب - 4 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (5) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد الحديث 3

[ 426 ]

أهدي هذا الطعام فليس هذا بشئ، إنما تهدى البدن " وفي صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام " سئل عمن يقول للجزور بعد ما نحره هذا هدي لبيت الله، فقال عليه السلام: إنما تهدي البدن وهن أحياء، وليست تهدى حين صارت لحما " إلى غير ذلك من الاخبار. بل ظاهرها عدم الفرق بين أن يقول: " علي أن أهدي " أو " أهدي هديا " أو " أهدي الهدى " وعن الشافعي الموافقة في الاخير دون غيره، بل ظاهرها عدم إجزاء غير النعم أو غير البدن حتى مع التصريح باهداء الطعام ونحوه فضلا عن الاطلاق، ولعل المراد أنه الهدي المعتبر شرعا لا مطلق الاهداء، والحصر في البدن في الاخير اضافي. * (و) * على كل حال * (قيل: يلزمه ما يجزئ في الاضحية) * من النعم، فيعتبر السن حينئذ وغيره مما يعتبر فيها، فلا يجزئ المسمى من النعم، بل في المسالك " المشهور في المسألة أن من قال بوجوب الهدي من النعم اعتبر فيه شروط الاضحية وجعله مقابلا للقول الثاني لا غير " وحينئذ فقول المصنف * (والاول أشبه) * ليس قولا لاحد إلا أنك قد عرفت وجهه وإن كان الاوجه خلافه للانسياق والظاهر النصوص، والله العالم. * (ولو نذر أن يهدي إلى بيت الله سبحانه غير النعم قيل: يبطل النذر) * كما في محكي السرائر والجامع والاصباح وغيرها، وفي كشف اللثام هو اختيار الحسن والقاضي وأبي علي، لاختصاص مشروعية الهدي بالنعم، فلا يتعلق النذر بغيره. * (وقيل) * كما عن المبسوط: * (يباع ذلك ويصرف في مصالح البيت) * وعن الفاض اختياره في المختلف، لانه قربة وطاعة ولو لاندراجه في الصدقات ونحوها لا في اسم الهدي.


(1) الوسائل الباب - 4 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 427 ]

وفي صحيح علي بن جعفر (1) " سأل أخاه عليه السلام عن رجل جعل جارية هديا للكعبة كيف يصنع ؟ قال: إن أبي أتاه رجل جعل جاريته هديا للكعبة فقال له: مر مناديا يقوم على الحجر فينادي ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان، وأمره أن يعطي أولا فأولا حتى يتصدق بثمن الجارية ". وفي خبر أبي بكر الحضرمي (2) عن الصادق عليه السلام قال: " جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام قال: إني أهديت جارية إلى الكعبة، فاعطيت بها خمسمائة دينار، فما ترى ؟ قال: بعها ثم خذ ثمنها، ثم قم على هذا الحائط حائط الحجر، ثم ناد، واعط كل منقطع وكل محتاج من الحاج ". وفي خبر آخر لعلي بن جعفر (3) سأل أخاه عليه السلام " عن الرجل يقول هو يهدى إلى لكعبة كذا وكذا ما عليه إذا كان لا يقدر على ما يهديه ؟ قال: إن كان جعله نذرا ولا يملكه فلا شئ عليه، وإن كان مما يملك غلام أو جارية أو شبهه باعة واشترى بثمنه طيبا فيطيب به الكعبة، وإن كانت دابة فليس عليه شئ ". وفي المروي عن قرب الاسناد (4) عنه أيضا أنه سأل أخاه عليه السلام " عن رجل جعل ثمن جاريته هديا للكعبة فقال: مر مناديا يقوم على الجحر فينادي ألا من قصرت نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان وأمره أن يعطي أولا فأولا


(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب مقدمات الطواف الحديث 7 من كتاب الحج. (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب مقدمات الطواف الحديث 8 من كتاب الحج عن أبى الحر عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) الوسائل الباب - 18 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (4) الوسائل الباب - 22 - من أبواب مقدمات الطواف الحديث 2 من كتاب الحج.

[ 428 ]

حتى ينفد ثمن الجارية ". وفي خبر ياسين (1) " أن قوما أقبلوا من مصر فمات منهم رجل فأوصى بألف درهم للكعبة، فسئل الباقر عليه السلام، فقال: إن الكعبة غنية، انظر إلى من أم هذا البيت فقطع به أو ذهبت نفقته أو ضلت راحلته أو عجز أن يرجع إلى أهله فادفعها إلى هؤلاء الذين سميت " بناء على أن الوصية لها كالنذر لها، وحينئذ فيستفاد منه نذر غير الثلاثة وغير النعم، بل قد يستفاد ذلك من الخبر الاخير لعلي بن جعفر وإن أخرج الدابة منه مع أن الدابة أحد الثلاثة التي يظهر من المصنف وغيره كون الخلاف في غيرها. قال: * (أما لو نذر أن يهدي عبده أو جاريته أو دابته بيع ذلك وصرف ثمنه في مصالح البيت أو المشهد الذي نذر له وفي معونة الحاج والزائرين) * وعن السرائر نسبته إلى الرواية إلى أن قال: " أو الزائرين الذين خرجوا للسفر وتناولهم اسم الحاج والزائرين، ولا يجوز لاحد أن يعطي شيئا من ذلك لاحد منهم قبل خروجهم إلى السفر " مع أنه قال فيها: " فان قال: متى كان كذا فلله علي أن أهدي هذا الطعام إلى بيته لم يلزمه ذلك، لان الاهداء لا يكون إلا في النعم ". وفي كشف اللثام وهو صريح في الفرق بين الثلاثة وغيرها، للنص ولذا فرق المصنف أيضا، وقصر الخلاف على غيرها، ومثله المحقق في الشرائع - ثم قال -: ونحو السرائر الاصباح والجامع بزيادة العصفور والدجاج مع الطعام، وكلام القاضي بزيادة الثوب على المملوك والدابة إلا أنهم لم يذكروه رواية ونص أبو علي علي بيع الغلام والجارية وشراء الطيب للكعبة، وقال: ولو قال من الحيوان غير الانسى أو الثمانية الازواج فلم يلزمه شئ، فأخرج الدابة من الثلاثة كما فيما مر من الخبر ونص المبسوط فان عين فان كان مما ينقل ويحول كالنعم والدراهم


(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب مقدمات الطواف الحديث 6 من كتاب الحج.

[ 429 ]

والدنانير والثياب وغيرها انعقد نذره ولزم نقله إلى الحرم وتفرقته في مساكين الحرم إلا أن يعين الجهة التي نذر لها كالثياب لستارة الكعبة وطيبها ونحوهما، فيكون على ما نذره، إن كان مما لا ينقل ولا يحول مثل أن يقول: لله على أن أهدي داري هذه وضيعتي هذه وهذه الشجرة لزمته قيمته لمساكين الحرم، فيباع ويبعث بالثمن إلى مساكين الحرم، فعمم الانعقاد لكى شئ واصرف في المصالح لكنه خص الصرف إلى المساكين، ولعله أحوط، للاخبار ولان الهدي من النعم يصرف إليهم، ولم يوجب البيع وصرف الثمن فيما ينقل، لامكان صرف نفسه، والامر كذلك لكنه إن كان صرف الثمن أصلح للمساكين كان أولى، وعليه ينزل الاطلاق في الاخبار وكلام الاصحاب، وما فيه من التعميم هو المختار، لما عرفت من الاعتبار والاخبار، وهو خيرة المختلف والتحرير ". قلت: يقوى في النظر عدم الفرق بين الثلاثة والنعم وبين غيرها من المال إذا كان المراد الاهداء والصدقة لا الهدى النسكي، كما أنه يقوى صرفه فيما يرجع إليها من تعظيم ونحوه، كما أشعر به خبر (1) التطيب الذي منه يستفاد أولوية البناء ونحوه، ولعل مما يرجع إليها الصرف إلى الحجاج والمعتمرين. والظاهر مساواة النذر للمشاهد المعظمة لها في ذلك أما النذر لمن فيها من الائمة الميامين والاولياء المرضيين فالظاهر إرادة صرفه في سبيل الخير بقصد رجوع ثوابه إليهم من غير فرق بين الصدقة على المساكين والزائرين وغير الصدقة من وجوه الخير التي يرجع ثوابها إليهم، كل ذلك مع عدم قصد من الناذر ينافيه وإلا اتبع قصده، كما أنه يتبع ما يتعارف من لفظه الذي جعله عنوانا لنذره. ولو نذر زيارة النبي صلى الله عليه واله انعقد، لانها من امهات الطاعات، سواء قصد زيارة المسجد أو لا، وكذا زيارة أحد الائمة أو قبور أحد الصالحين. والظاهر انصراف نذر زيارتهم عليهم السلام إلى قصدهم في أمكانهم حتى الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) منهم وإن كان عليه السلام يزار في كل مكان إلا أن يريد ذلك


(1) الوسائل الباب - 18 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 430 ]

لا خصوص السرداب. ولو عين إماما لم يجز غيره وإن عجز عنه وإن أطلق الوقت فهو موسع ولو قيده بوقت وجب، فان أخل بها عامدا ففي الدروس " قضى وكفر وإلا فالقضاء " قلت: قد يتوقف في وجوب القضاء للاصل فتأمل. ويكفى في الزيارة الحضور في المقام وفي الدورس " الاقرب وجوب السلام، لانه المتعارف من الزيارة " وهو كذلك مع فرض التعارف، وعلى كل حال فلا يجب الدعاء ولا الصلاة وإن استحبا، والله العالم. * (ولو نذر نحر الهدي بمكة وجب) *، لانه عبادة فيها وطاعة * (و) * لكن * (هل يتعين) * عليه * (التفرقة بها ؟ قال الشيخ) * وأكثر المتأخرين كما في المسالك: * (نعم عملا بالاحتياط) * لحصول يقين البراءة بذلك، بخلاف ما لم يفرق أو يفرق في غيرها بل قد يدعى انسياق ذلك من الاطلاق، وأنه المقصود من الذبح والنحر، بل قيل: لو لم يلزمه التفرقة لم يصح النذر، إذ لا فائدة، ولا أدب في جعل الحرم مجردة بدون الصدقة فيه، * (وكذا) * الكلام في نذر النحر * (بمنى) * وإن كان فيه أن المنذور نفس الذبح الذي قد عرفت كونه نفسه طاعة فيها، والاصل براءة الذمة من غيره، نعم لو كان هناك عرف يقتضي التفرقة في أهلهما في إطلاق النذر وجب اتباعه على وجه لا يجزئ التفرقة في غيرهما فضلا عن عدم التفرقة أصلا وإلا فلا، والامر سهل بعد أن كان المدار العرف. * (ولو نذر نحره) * أي الهدى الذي نذر سوقه إلى مكة * (بغير هذين الموضعين) * أي مكة ومنى أو أن المراد لو نذر النحر في غير الموضعين على حسب ما هو المتعارف الان بين الناس بمن نذر الذبح في بعض البقع الخاصة من المشاهد وغيرها * (قال الشيخ: لا ينعقد) * لعدم التعبد بذلك شرعا، وقد عرفت اعتبار كون المنذور طاعة. * (ويقوى أنه ينعقد) * وفاقا للمحكي عن الاكثر * (لانه) * يرجع

[ 431 ]

إلى أنه * (قصد) * نذر * (الصدقة على فقراء تلك البقعة، وهو طاعة) * بل قد يقال: إن نفس الذبح لله طاعة، لانه يجب إراقة الدماء وخصوص البقعة من قيود المنذور التي قد عرفت مكررا عدم اعتبار الرجحان فيها نحو الصلاة في البيت، كل ذلك مضافا إلى ما في صحيح محمد بن مسلم (1) عن الباقر عليه السلام " في رجل قال عليه بدنة ينحرها بالكوفة، قال: إذا سمى مكانا فلينحر فيه ". وفي المسالك " قد يستدل به على انعقاد نذر المباح لان الذبح في غير البلدين ليس طاعة بمجرده " وفيه ما عرفت من إمكان كون ذلك من القيود التي لا يعتبر فيها الرجحان وإن قلنا بعدم انعقاد نذر المباح، خصوصا إذا كان المراد من النذر المزبور تفرقته في فقراء تلك البقعة، كما هو ظاهر المصنف وإن قلنا بعدم اعتبار ذلك في صحة النذر، لما عرفت من رجحان نفس الذبح شرعا، بل عن المختلف عدم انسياق التفرقة في أهل تلك البقعة من النذر المزبور، فله التفرقة في غيرها، بل ظاهر المحكي عنه عدم لزوم أصل التفرقة في أهل تلك البقعة، وقد ذكرنا أن المسألة تختلف باختلاف الامكنة والازمنة، ولعل القول بفهم العرف إرادة تفرقته في ذلك الموضع من إطلاق نذر الذبح فيه لا يخلو من قوة. * (ولو نذر أن يهدي بدنة فان نوى من الابل لزم) * ذلك بلا خلاف ولا إشكال * (وكذا لو لم ينو) * بل قصد مسماها الواقعي * (لانها) * لغة وعرفا * (عبارة عن الانثى من الابل) * خلافا لبعض العامة فقال: اسم البدنة يقع على الابل والبقر والغنم جميعا فان نوى شيئا بعينه فذاك، وإلا تخير، وعن آخر منهم أنه يتخير ناذرها بينها وبين البقرة أو سبع شياه، لان المعهود من الشارع إقامة كل منهما مقام الاخرى. ولا يخفى عليك أن كلا من القولين خرافة، خصوصا بعد قول الصادق عليه السلام في خبر حفص بن غياث (2) بطريقين: " من نذر بدنة فعليه ناقة يقلدها ويشعرها


(1 و 2) الوسائل الباب - 11 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 - 2.

[ 432 ]

ويقف بها بعرفة " وقولهم عليهم السلام (1) " البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة " وقوله تعالى (2): " فإذا وجبت جنوبها ". نعم هل يشترط فيها الصحة والكمال وغيرهما من شروط الاضحية أم يكفي ما يطلق عليه اسمها لغة ؟ في المسالك " وجهان قد سلف الكلام فيهما وبنائهما على ما تقدم من أن مطلق النذر هل يحمل على أقل واجب من ذلك الجنس أو على أقل ما يتقرب به منه، ومثله ما لو نذر أن يهدي بقرة أو شاة ". قلت: قد عرفت أن ذلك لا يبنى على ذلك، بل على أنه إن كان المراد الهدي النسكي اعتبر فيه حينئذ ما يعتبر فيه وإلا كفى مسماه، بل الظاهر ذلك حتى مع الاطلاق. * (وكل من وجب عليه بدنة في نذر فان لم يجد لزمه بقرة فان لم يجد فسبع شياه) * بلا خلاف أجده فيه بيننا، ولم يجد إلا الاقل من سبع شياه فالاحوط إن لم يكن الاقوى وجوبه، لقاعدة الميسور، " وإذا أمرتكم " نعم لو قدر على بعض البدنة أو البقرة لا يجزئ، لان البدل مقدم على البعض، لثبوته شرعا على تقدير العجز عن مجموع المبدل من غير التفات إلى القدرة على البعض، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب الذبح من كتاب الحج. (2) سورة الحج: 22 - الاية 36.

[ 433 ]

* (وأما اللواحق فمسائل:) * * (الاولى:) * لا إشكال ولا خلاف نصا (1) وفتوى في أنه * (يلزم بمخالفة النذر المنعقد كفارة) * وهي عند جماعة كفارة * (يمين وقيل: كفارة من أفطر) * يوما * (في شهر رمضان، والاول) * وإن قال المصنف: إنه * (أشهر) * إلا أن الثاني أصح، كما تقدم الكلام فيه مفصلا (2) * (و) * كذا تقدم في أنه * (إنما تلزم الكفارة إذا خالف عامدا مختارا) *، فلاحظ وتأمل، والله العالم. المسالة * (الثانية:) * * (إذا نذر صوم سنة معينة) * مثل هذه السنة من دون اشتراط التتابع * (وجب صومها أجمع) * لاطلاق الادلة وعمومها * (إلا العيدين وأيام التشريق إن كان بمنى) * ناسكا أو مطلقا على الخلاف السابق، لخروجها عن النذر، خلافا للعامة في وجه. * (و) * حينئذ ف‍ * (لا تصام هذه الايام ولا تقضى و) * ذلك لما عرفت من خروجها عن النذر، نعم * (لو كان بغير منى لزمه صيام أيام التشريق) * لوجود المقتضي وانتفاء المانع. لكن قد يشكل ذلك في خصوص أيام التشريق إن لم يكن إجماعا، لشمول اللفظ لها، وعدم لزوم كونه بمنى فيها، فهي حينئذ كأيام الحيض والسفر التي ستعرف وجوب قضائها، وربما كان هذا هو الوجه الذي سمعته من العامة، إلا أنه لا أجد خلافا بين أصحابنا في كونها كالعيدين في خروج ذاتها عن إطلاق النذر إذا كان بمنى،


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات من كتاب الايلاء والكفارات. (2) راجع ج 33 ص 174 - 178.

[ 434 ]

ولعله لان الاصل عدم القضاء. وعلى كل حال * (فلو أفطر عامدا لغير عذر في شئ من أيام السنة قضاه وبنى إن لم يشترط التتابع وكفر) * بلا خلاف في شئ من ذلك، بل ولا إشكال في التكفير للمخالفة المقتضية له نصا (1) وفتوى، بل ولا القضاء لعموم " من فاتته " (2) ولصيرورته بالنذر من الصوم الواجب الموقت الذي يقضي لو فات، وأما البناء فلان الفرض عدم نذر التتابع، ففواته لا يقتضي فوات المنذور الذي هو كل يوم يوم بخصوصه، والتتابع فيه اتفاقي لا نذري، فهو كصوم شهر رمضان الذي ينحل إلى الامر بصوم كل يوم يوم منه على انفراده وإن سمي المجموع باسم السنة والشهر إلا أن المنذور ليس ذلك من هذه الحيثية بل هو ذات كل يوم يوم على وجه لا مدخلية لامتثال كل يوم يوم بالمخالفة له في غيره، مع احتماله، * (و) * لكن ظاهر الاصحاب الاتفاق على عدمه، وأنه لا ينحل النذر بذلك، بل يبقى مخاطبا بما بقي من أيامها ومكلفا بقضاء ما فات مع صحة ما مضى منه قبل المخالفة. نعم * (لو شرط) * التتابع * (استأنف) * عند المصنف لان ذكر التتابع يدل على كونه مقصودا، ولابد من تحصيله وقد فات بتخلل الافطار، فيجب تحصيله بالاستئناف وإتمام السنة بعد انقضاء المعين بقدر ما فات فيها. وفيه أن الاصل البراءة وصوم كل يوم عبادة مغايرة لصوم غيره، وإنما يجب عليه قضاء ما أخل له ولما لم يكن تدارك ما وجب عليه من التتابع الذي هو صفة للعبادة لم يجب عليه، لعدم إمكان الاتيان بالصفة دون الموصوف، إذ الاستئناف إنما يفيد التتابع في القضاء دون المنذور، لان الفرض كون السنة معينة، بل ربما قيل: إن اشتراط التتابع فيها لغو وإن كان فيه ما فيه، ولعله لذا جزم الفاضل في القواعد بعدم الاستئناف. * (وقال بعض الاصحاب) * وهو الشيخ في المبسوط فيما حكي عنه: إنه * (إن


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات من كتاب الايلاء والكفارات. (2) راجع التعليقة (1) من ص 385.

[ 435 ]

تجاوز النصف جاز البناء ولو فرق) * عمدا وإلا فلا، * (و) * نسبه إلى رواية أصحبانا لكن * (هو) * كما ترى * (تحكم) * إن كان مراده بالرواية ما ورد (1) في الشهر والشهرين، لحرمة القياس عندنا، ودعوى الاولوية ممنوعة كدعوى الحقيقة الشرعية في التتابع. وكيف كان فلا يدخل في الفرض شهر رمضان وإن قلنا بصحة نذره إلا إذا قصده، خلافا للفاضل في القواعد، فأدخله لاندراجه في السنة، وحينئذ فيجب بافطاره عمدا كفارتان، نعم على كل حال ليس عليه إلا قضاء يوم واحد، كما هو واضح. هذا كله إن أفطر لغير عذر. * (و) * أما * (لو كان) * الافطار * (لعذر كالمرض والحيض والنفاس بنى على الحالين) * أي شرط التتابع وعدمه، لظهور الادلة في الكفارة في عدم انقطاع التتابع بالافطار لعذر * (و) * حينئذ ف‍ * (لا كفارة) * للاصل. أما القضاء فقولان أجودهما ذلك، لعموم " من فاتته " (2) وللنصوص (3) السابقة، والاخر العدم، للاصل ولانه كالعيد في عدم الدخول في النذر، * (و) * فيه منع واضح، ضرورة عدم قابلية العيد للصوم بخلاف الايام المزبورة. نعم * (لو نذر صوم الدهر صح) * وإن قلنا بكراهته إذ هو مكروه عبادة * (ويسقط العيدان وأيام التشريق بمنى) * لما عرفت وفيها الاشكال السابق، بل ربما احتمل البطلان في الجميع مع إطلاق الصيغة المتناولة للمجموع من حيث هو مجموع ولم يحصل، وإن كان فيه أن المجموع هنا كالمجموع في السنة والشهر الذين عرفت تناولها لكل يوم يوم، والمجموع تابع، ولا يضر تخلفه، خصوصا لعارض، بل


(1) الوسائل الباب - 3 و 5 - من أبواب بقية الصوم الواجب من كتاب الصوم. (2) راجع التعليقة (1) من ص 358. (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2 و 5 والباب - 10 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1.

[ 436 ]

لو صرح بادخالها في النذر، فالاقوى الصحة فيما عداها وإن كان البطلان هنا أولى لو قيل به ثم، كما أنه لا يخلو من وجه لو صرح بدخولها من حيث كون المراد مسمى الدهر على وجه ينتفى بانتفاء اليوم منه، ولكن ذلك خروج عن الفرض الذي هو إطلاق صوم الدهر على نحو إطلاق صوم الشهر والسنة. * (و) * كيف كان فلا خلاف في أنه * (يفطر) * ناذر صوم الدهر * (في السفر) * الذي وضع الله عنه الصوم فيه بعد أن لم يكن قد نواه، بل ظاهرهم وصريح المسالك أن له اختيار السفر وإن كان غير ضروري، نعم قال في المسالك: " تجب الفدية بمد عن كل يوم كالعاجز عن النذر " مع أنه لا يخلو من نظر، ضرورة عدم كونه كالعاجز بحسب ذاته، فلا يثبت له حكمه للاصل وغيره. وعلى كل حال ففي كلامهم هنا شهادة على ما ذكرناه من عدم وجوب نية الاقامة لمن كان عليه قضاء شهر رمضان وقد تضيق، لكون الحضر شرط وجوب الصوم، ولا يجب عليه تحصيله، ومنه المقام ونظائره، والله العالم. * (وكذا) * تفطر * (الحائض في أيام حيضها) * التي حرم الله عليها الصوم فيها * (و) * لكن * (لا يجب القضاء) * عليها ولا على المسافر * (إذ لا وقت له) * لان الفرض نذر صوم الدهر، لا لعدم اندراجها في متعلق النذر، بل لو أخل عامدا لا قضاء عليه لذلك وإن وجب التكفير. ولو كان عليه قضاء شهر رمضان أو صوم كفارة قبل النذر أو بعده فالظاهر خروجهما عن وجوب النذر، وأن ذلك بحكم المستثنى جريا على المتعارف، وحينئد فلا يجب التأخير في قضاء شهر رمضان إلى أن يتضيق بدخول شهر رمضان، لان المستثنى كلية. وأولى من ذلك خروج نفس شهر رمضان وإن دخل في الدهر والسنة إلا أن المراد إيجاب ما يقتضيه النذر منهما، هذا إن قلنا بصحة نذر الواجب، وإلا فلا إشكال في الخروج عن الاطلاق. ومن الغريب احتمال الدخول والخروج في شهر رمضان دون قضائه، وبنائهم

[ 437 ]

الدخول والخروج على مسألة صحة نذر شهر رمضان وعدمه، مع أنه يمكن القول بالخروج وإن قلنا بصحة نذره، للتعارف الذي ذكرناه. ولو عين يوما للقضاء فهل له إفطاره قبل الزوال اختيارا ؟ في القواعد إشكال، وفي المسالك وجهان، قلت: لا ريب أن المتجه عدم جوازه، للنذر وإنما يكون مستثنى إذا تم صحيحا قضاء لا مطلقا وحينئذ فإذا نوى تركه عاد وجوب النذر، إذ الامر لا يخرج عنهما، فالمستثنى اليوم الذي تم صومه قضاء، لا الذي نوى كونه قضاء، وحينئذ فلو أفطره كان عليه كفارة النذر. وفي القواعد متصلا بالاشكال السابق " فان سوغناه ففى إيجاب كفارة خلف النذر إشكال، ينشأ من أنه أفطر يوما من القضاء قبل الزوال ولا كفارة فيه، ومن كون العدول عن النذر سائغا بشرط القضاء، فإذا أخل به فقد أفطر يوما كان يجب صومه بالنذر لغير عذر، إذ العذر صوم القضاء ولم يفعله، وبافطاره خرج عن كونه قضاء، لان سقوط الكفارة في اليوم الاول يوجب سقوطها في اليوم الثاني، وهكذا، أي فيؤدي إلى سقوط النذر وخروج المنذور عن الوجوب ". وفيه أنه لا وجه للاشكال في عدم وجوب كفارة النذر بعد التسويغ وكونه قضاء، والفرض خروجه عن النذر، بل قد يقوى وجب كفارة النذر خاصة لو أفطر بعد الزوال، ضرورة عدم تشخصه قضاء إلا بعد تمامه كذلك فلا يلحقه كفارة قضاء شهر رمضان. لكن في القواعد " لو عين وأفطر بعد الزوال ففي وجوب الكفارتين أو إحداهما وأيتهما إشكال " إلا أن في المسالك وكشف اللثام الميل إلى وجوبهما معا عليه، لانه أخل بالقضاء والمنذرور كليهما من جهتين وإن لم يكن الصوم الذي شرع فيه المنذور، وفيه أنه لا وجه لان يتشخص قضاء، لكونه بعد الزوال وقد نوى، فلا وجه لكفارة النذر، لان الفرض خروجه عن النذر، وإلا فهو نذر لا قضاء، ومن هنا يقوى ما ذكرناه من وجب كفارة النذر خاصة، لانكشاف عدم كونه قضاء وإن

[ 438 ]

نواه هو كذلك فتأمل جيدا. * (و) * كيف كان ف‍ * (السفر الضروري) * الذي يخاف من تركه على نفس محترمة أو مال يضر بحاله أو نحو ذلك * (عذر لا ينقطع به التتابع و) * إن شرط في السنة المعينة وفي صوم الدهر، نعم * (ينقطع بالاختيارى) * لكن لا فائدة فيه صوم الدهر بل والسنة بناء على المختار إلا ترتب الكفارة، لعدم إمكان تداركه فيهما كما عرفته. بقي شئ وهو أنه لو أخر القضاء حتى ضاق الوقت بدخول شهر رمضان فهل تتشخص الايام بكونها قضاء على وجه يلحقها حكم القضاء خاصة أو يبقي لها جهة النذر ؟ وجهان وان كان المنساق في بادئ النظر أولهما، وكذا لو عين أيام القضاء بيمين أو عهد، كل ذلك بناء على خروج أيام القضاء عن النذر وإلا فلا فائدة. ثم إن السفر الاختياري الذي قلنا إنه يقطع التتابع لا يجوز صدوره منه للنذر وإن قلنا بجواز السفر مع تضييق الصوم، إلا أن التتابع أمر آخر، وحينئذ يمكن أن يكون السفر معصية، فلا يحرم الصوم فيه، فلا ينقطع التتابع، وتكون المسألة شبه المسائل الدورية التي يستلزم الوجود فيها العدم، أللهم إلا أن يمنع حرمة السفر وإن استلزم فوات التتابع المنذور فتأمل جيدا. * (ولو نذر سنة غير معينة كان مخيرا بين التوالي والتفرقة) * للصدق * (إن لم يشترط التتابع) * وإلا وجب الاتصال في الامتثال * (و) * حينئذ ف‍ * (له) * في امتثال الاول * (أن يصوم اثنى عشر شهرا) * ولو متفرقة. * (والشهر) * عرفا * (إما عدة بين هلالين) * وإن نقص * (أو ثلاثون يوما) * ولا يكفي في صدقه تلفيق الهلالي بمقدار ما مضي منه من غير على وجه يكون شهرا وإن نقص عن ثلاثين، لانه متى انكسر الشهر، فلم يصم يوما منه وجب في الامتثال صوم ثلاثين يوما * (و) * حينئذ ف‍ * (لو صام شوالا وكان ناقصا أتمه بيوم بدلا عن العيد) * قطعا، وعن الشيخ الاجتزاء به، لدعوى تحقق الصدق، وفيه ما عرفت، * (و) * من هنا * (قيل:) * يتمه * (بيومين، وهو

[ 439 ]

حسن) * لما عرفت من خروجه عن الهلالي بالانكسار بيوم العيد، فلابد في صدق صوم الشهر من ثلاثين يوما حينئذ. * (وكذا) * الكلام * (لو كان بمنى) * بحيث يحرم عليه الصوم * (في أيام التشريق، فصام ذا الحجة قضى) * أي أدى بدل * (يوم العيد وأيام التشريق ولو) * فرض أنه * (كان ناقصا قضى خمسة أيام) * ليكون شهرا ثلاثين يوما. * (ولو صام سنة واحدة) * مبتدأ بهلال المحرم منها * (أتمها بشهر) * ثلاثين يوما * (ويومين بدلا عن شهر رمضان وعن العيدين) * بناء على إرادة السنة تامة إذا فرض تمام شوال وذي الحجة * (ولم ينقطع التتابع بذلك) * لو فرض أنه نذره * (لانه لا يمكنه الاحتراز منه) * في كل سنة، فيكون المنذور التتابع في غير ذلك. * (و) * كذا * (لو كان بمنى قضى) * وأدى * (أيام التشريق أيضا) * وكأن الوجه في فصلها عن شهر رمضان والعيدين أن أيام التشريق قد يقطع إفطارها التتابع إذا كان السفر لها اختياريا. هذا وربما احتمل وجوب صوم السنة العددية في نذر صوم السنة، لان السنة تنكسر لا محالة بسبب رمضان والعيدين، فإذا انكسرت وجب أن يعتبر فيها العدد أجمع، كما أن الشهر إذا انكسر يعتبر فيه العدد. وفيه أن يصدق عرفا صوم السنة مع ملاحظة العدد في خصوص المنكسر منها، نعم قد يحتمل الاجتزاء بصوم السنة بالابتداء من المحرم مثلا إلى المحرم بناء على إرادة ما عدا شهر رمضان إن لم نقل بدخوله في النذر والعيدين منها، والامر سهل بعد أن كان المدار على ما يفهم عرفا. ولو نذر السنة متتابعا فقد عرفت وجوبه عليه، ويصوم رمضان عن فرضه إن لم نقل بدخوله، ويفطر العيدين وأيام التشريق إن كان بمنى، وهل يلزمه تداركها للنذر ؟ فيه وجهان: أحدهما لا، لان المراد صوم ما يمكن صومه منها،

[ 440 ]

وقد فعل، والثاني نعم، لتوقف صدق صوم السنة حقيقة على ذلك. وفرق بين المعينة التي لا يقوم البدل مقام ما فات منها بخلاف المطلقة التي هي كالعوض الكلي في البيع والاجارة، ومن هنا لو أفطر فيها لغير عذر وجب الاستئناف قولا واحدا، بخلاف المعينة التي فيها البحث السابق، وذلك لان المعينة جميع أجزائها معين، فلا يزول تعينه بالاخلال ببعضه ولا يمكن تدراكه، بخلاف المطلقة التي يراد منها إيقاع مجموع العدد متتابعا، ومع الاخلال يتمكن من الاتيان بالمنذور موصوفا بالوصف، فيجب عليه تحصيلا للمكلف به. نعم الظاهر أن الافطار لعذر الحيض والنفاس والمرض والسفر الضروري لا يخل بالتتابع، ولكن يقضي ما فات كالمعين، قال أيوب بن رفاعة (1): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل جعل عليه صوم شهرين متتابعين فيصوم شهرا ثم يمرض هل يعتد به ؟ قال: نعم، أمر الله حبسه، قلت: امرأة نذرت صوم شهرين متتابعين، قال: تصوم وتستأنف أيامها التي قعدت حتى تتم الشهرين، قلت: أرأيت إن هي أيست من الحيض هل تقضيه ؟ قال: لا يجزؤها الاول ". نعم يمكن إجراء خلاف الشيخ في الاكتفاء بتجاوز النصف في حصول التتابع في المطلقة أيضا، بل في الدروس حكاه عن الشيخ في نذر السنة مطلقا، بل في القواعد حكايته عنه في المطلقة. * (ولو نذر صوم شهر متتابع وجب أن يتوخى ما يصح ذلك فيه) * مقدمة لوجوب الوفاء بالنذر * (وأقله أن) * يتوخى شهرا * (يصح فيه تتابع خمسة عشر يوما) * للاكتفاء بالتتابع فيه في مثله نصا (2) وفتوى كما فصلنا الكلام فيه


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب الكفارات الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات مع الاختلاف في اللفظ. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 من كتاب الصوم.

[ 441 ]

في كتاب الصوم (1) فلاحظ وتأمل * (و) * حينئذ ف‍ * (لو شرع في ذي الحجة) * وفاء لنذره المفروض * (لم يجز لان التتابع ينقطع بالعيد) * كما هو واضح. المسالة * (الثالثة:) * * (إذا نذر أن يصوم أول يوم من شهر رمضان لم ينعقد نذره) * عند المرتضى والشيخ وأبي الصلاح وابن إدريس * (لان صيامه مستحق بغير النذر) * فايجابه بالنذر تحصيل للحاصل، ولانه على تقدير كونه يوما من رمضان قد استحق صيامه بالاصل، ولا يمكن أن يقع فيه غيره. * (وفيه تردد) * عند المصنف مما عرفت، ومن أن مقتضي التعليل الاول عدم صحة نذر كل واجب، بل مقتضاه عدم صحة اليمين أيضا، وقد عرفت تواتر نصوص (2) انعقاد اليمين على الواجب، ومنها مضافا إلى عموم أدلة النذر (3) يقوى الانعقاد، وفاقا لاكثر المتأخرين، وإيجاب صومه بأصل الشرع لا ينافي وجوبه من جهة اخرى، وليس هذا صحة غير شهر رمضان، بل هو من تعدد السبب في وجوبه الذي يمكن أن يراد لافادة الانبعاث حذرا من الكفارة، وحينئذ فيجوز ترامي النذر، وتعدد الكفارة بتعدده، كما أنه يجوز نذره واليمين عليه والعهد وغير ذلك مما يقتضي تأكيد وجوبه، وربما فرع على ذلك دخول شهر رمضان في نذر صوم السنة، والدهر مع الاطلاق، وفيه أنه يمكن المنع للعرف لا لعدم صلاحية نذره، والله العالم.


(1) راجع ج 17 ص 82. (2) الوسائل الباب - 23 - من كتاب الايمان. (3) سورة الحج: 22 - الاية 29. وسورة الانسان: 76 - الاية 7 والوسائل الباب - 23 - من أبواب الكفارات الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 442 ]

المسالة * (الرابعة:) * لا خلاف بيننا بل ولا إشكال بل نصوصنا متواترة (1) في أن * (نذر المعصية لا ينعقد، ولا تجب به كفارة، كمن نذر أن يذبح آدميا أبا كان أو اما أو ولدا أو نسبيا أو أجنبيا وكذا لو نذر ليقتلن زيدا) * مثلا * (ظلما أو نذر أن يشرب خمرا أو يرتكب معصية (محظورا خ ل) أو يترك فرضا، فكل ذلك) * وشبهه * (لغو لا ينعقد) * وفي خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نذر أن ينحر ولده، فقال: ذلك من خطوات الشيطان " أي الذي أوقع في نفس بعض العامة، فذهب إلى أن من نذر أن يذبح ولده فعليه شاة وإن نذر ذبح غيره من آبائه وأجداده وامهاته فلا شئ عليه، وآخر منهم إلى أن عليه كفارة يمين، وكذا في كل نذر معصية. رووا عن ابن عباس أن عليه ذبح شاة (3) وفي بعض النصوص من طرقنا موافقة لهم في ذلك، ففي خبر السكوني (4) عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام " أنه أتاه رجل فقال: إني نذرت أنحر ولدي عند مقام إبراهيم إن فعلت كذا وكذا ففعلته، فقال علي عليه السلام: اذبح كبشا سمينا وتصدق بلحمه على المساكين " ولكن حمله الشيخ على الاستحباب. * (ولو نذر أن يطوف على أربع فقد مرت في باب الحج (5) والاقرب أنه لا ينعقد) * كما عن ابن إدريس وغيره، لانه هيئة غير مشروعة، ضرورة كون الثابت


(1) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد. (2 و 4) الوسائل الباب - 24 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1 - 2. (3) سنن البيهقى ج 10 ص 72. (5) راجع ج 19 ص 401.

[ 443 ]

قولا وفعلا الطواف مشيا، وقد قال صلى الله عليه واله (1): " خذوا عني مناسككم ". لكن روى النوفلي عن السكوني (2) عن الصادق عليه السلام قال: " قال علي عليه السلام في امرأة نذرت أن تطوف على أربع، قال: تطوف اسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها " ومثله روى أبو الجهم (3) عنه عن علي عليه السلام، بل عن الشيخ العمل بها في النهاية، كما عن بعضهم الاختصاص بموردها، وهو المرأة دون الرجل. إلا أن ضعفها مع عدم الجابر يمنع من العمل بها في موردها فضلا عن غيره، مضافا إلى مخالفتها للاصل من وجوب ما ينذره الناذر ولم يقصده، ويمكن أن يكون وجهه أن الناذر قصد بذلك فعل طوافين ولكن بالهيئة المزبورة فأبطلها الشارع، لعدم التعبد بها، وبقي وجوب الطوافين أحدهما لليدين والاخر للرجلين، كما أنه يمكن العمل بها على جهة الندب للتسامح فيه، والله العالم. المسالة * (الخامسة:) * * (إذا عجز الناذر عما نذره) * لكونه في سنة معينة أو مطلقة وحصل اليأس * (سقط فرضه) * أداء وقضاء لقبح التكليف بما لا يطاق، ولقوله صلى الله عليه واله (4) " من نذر فبلغ جهده فلا شئ عليه " وحينئذ * (فلو نذر الحج) * مثلا في سنة معينة * (فصد سقط النذر، وكذا لو نذر صوما فعجز، لكن روى في هذا) * محمد ابن منصور (5) عن الرضا عليه السلام * (يتصدق عن كل يوم بمد من طعام) *.


(1) تيسير الوصول ج 1 ص 312. (2 و 3) الوسائل الباب - 70 - من أبواب الطواف الحديث 1 - 2 من كتاب الحج. (4) الوسائل الباب - 8 - من كتاب النذر والعهد الحديث 5 وفيه " من جعل الله شيئا فبلغ.. ". (5) الوسائل الباب - 15 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 2 من كتاب الصوم.

[ 444 ]

قال: " كان أبي يقول: على من عجز عن صوم نذر مكان كل يوم مد " ومثله رواية الكليني عن علي بن إدريس (1) وزاد فيها " من حنطة أو شعير " بل رجح الشهيد العمل بمضمونها إلا أنها غير جامعة لشرائط الحجية، فحملها على الندب متجه. ومثله أو أولى منه أن يعطي من يصوم عنه مدين، لخبر إسحاق بن عمار (2) عن الصادق عليه السلام " في رجل يجعل عليه صيام في نذر ولا يقوى، قال: يعطي من يصوم عنه كل يوم مدين ". وعلى كل حال فما عن بعض من أنه يجب على العاجز عن الصوم المعين القضاء دون الكفارة، أي الفدية وعن آخر العكس واضح الضعف، وقد تقدم الكلام في ذلك في الكفارات (3). وكذا ينبغي أن يحمل على الندب خبر إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن أبي الحسن عليه السلام قال: " سأله عباد بن عبد الله البصري عن رجل جعل لله نذرا على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام، فمشي نصف الطريق أو أقل أو أكثر، قال: ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به " بعد حمله على العجز واليأس من القدرة.


(1) الوسائل الباب 15 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 من كتاب الصوم. (2) الوسائل الباب - 12 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (3) راجع ج 33 ص 199. (4) الوسائل الباب - 21 - من كتاب النذر والعهد الحديث 2.

[ 445 ]

المسالة * (السادسة:) * * (العهد) * الذي في الاصل على ما قيل الاحتفاظ بالشئ ومراعاته * (حكمه حكم اليمين) * كما في النافع والقواعد والارشاد والمسالك، فينعقد حينئذ على المباح المتساوي الطرفين ومن دون تعليق على شرط، ولا يعتبر فيه القربة ولا غيرها مما اعتبر في النذر، للعمومات الدالة على لزوم الوفاء به كتابا (1) وسنة (2) من غير تقييد بما إذا كان متعلقة طاعة ومشروطا بناء على اعتباره في النذر، بل في خبر ابن سنان (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل (4): " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، قال: العهود " وفي الدروس واللمعة والروضة ومحكي النهاية حكمه حكم النذر. قال في الدروس: " تتمة: متعلق العهد كمتعلق النذر، وأحكامه واردة فيه، وصورته أن يقول: عاهدت الله أو علي عهد الله أن أفعل كذا معلقا أو مجردا، ويشترط فيه ما يشترط في النذر، والخلاف في انعقاده بالضمير كالنذر " لكن يسهل الخطب أن الشهيد جوز النذر على المباح ونذر التبرع، نعم في كشف اللثام عن صريح المقنعة والمراسم والوسيلة وظاهر النهاية وجماعة اختصاصه بالراجح. وعلى كل حال فحجتهم على ذلك أصل البراءة في غير محل الاتفاق، وهو مقطوع بما سمعت من العمومات وما يشعر به خبر أبي بصير (5) عن أحدهما عليهما السلام " من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام


(1) سورة النحل: 16 - الاية 91. (2 و 3) الوسائل الباب - 25 - من كتاب النذر والعهد الحديث - 0 - 3. (4) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (5) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الكفارات الحديث 2 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 446 ]

شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " من حيث جعل مورده الطاعة، وهي مورد النذر، ومن حيث ذكر كفارته كفارة النذر على الاصح، كخبر أحمد بن محمد بن عيسى (1) المروى عن نوادره عن أبي جعفر الثاني عليه السلام " في رجل عاهد الله عند الحجر أن لا يقرب محرما أبدا، فلما رجع عاد إلى المحرم فقال أبو جعفر عليه السلام: يعتق أو يتصدق على ستين مسكينا، وما ترك من الامر أعظم، ويستغفر الله ويتوب إليه ". بل قد يشعر خبر علي السابي (2) بمساواة العهد للنذر " قلت: لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك إني كنت أتزوج المتعة فكرهتها وتشأمت منها، فأعطيت لله عهدا بين الركن والمقام، وجعلت على ذلك نذرا وصياما أن لا أتزوجها، ثم إن ذلك شق على وقدمت على يميني، ولم يكن بيدى من القوة ما أتزوج به في العلانية، فقال: عاهدت الله أن لا تطيعه، والله لئن لم تطعه لتعصينه ". ونوقش بأن ذلك لا يدل على عدم انعقاده لو كان مورده غير طاعة، وبأنه معارض بخبر علي بن جعفر (3) عن أخيه عليه السلام " سألته عن رجل عاهد الله في غير معصية ما عليه إن لم يف بعهده ؟ قال: يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين " حيث علق الكفارة على العهد في غير المعصية الشامل للمباح الذي هو مورد اليمين، ولا يقدح شموله للمكروه وخلاف المندوب وخلاف الاولى بعد خروجه بالاجماع المحكي في المسالك، وبأن ذلك غير صالح لتخصيص العمومات سيما مع قصور سند الاول. وعلى كل حال ففي الرياض تظهر ثمرة الخلاف فيما مر وفي توقفه على إذن من يعتبر إذنه على القول الاول دون الثاني إن قلنا بعدم توقف النذر على


(1) الوسائل الباب - 25 - من كتاب النذر والعهد الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب المتعة الحديث 1 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الكفارات الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 447 ]

إذنهم، وإلا فلا ثمرة هنا، كما لا ثمرة فيما مر من المقامين أيضا إن قلنا بانعقاد النذر في المباح المتساوي الطرفين والمتبرع به الغير المعلق على شرط، كما هو الاظهر، ولكن الاولان خلافه فيتحقق فيهما الثمرة ". قلت: التحقيق في الثمرة أنه لا دلالة في شئ من النصوص على مساواة العهد لليمين أو النذر كي يقال بقول مطلق إن حكمه حكمه وشرطه شرطه ومورده مورده، فالمتجه إثبات أي حكم وافق العمومات له من غير فرق بين النذر واليمين. وأما الكفارة فالمتجه كونها كبرى مخيرة لخبر أبي بصير (1) المزبور، إذ لا معارض لذلك سوى إطلاق الصدقة في خبر علي بن جعفر (2) الذي يمكن حمله على إرادة الصدقة على ستين، ولا يلزم من ذلك كون حكمه حكم النذر مطلقا، كما أنه لا يلزم من عدم اشتراط كون متعلقة طاعة مثلا للعمومات مساواته لليمين حتى في الكفارة التي لا دليل عليها فيه، كالقول بأنها كفارة ظهار كما عن المفيد، وكذا دعوى اعتبار الاذن في الولد والزوجة والسيد، بناء على أن ذلك حكم اليمين، إذ العمومات قاضية بخلافه حتى لو قلنا باشتراك النذر معه في ذلك أو غير ذلك، كما عرفت الكلام فيه سابقا، بل لا دليل على انحصار أمره فيهما، إذ يمكن أن يكون قسما ثالثا يوافق كلا منهما في حكم. * (و) * كيف كان ففي المتن تفريعا على حكم كونه حكم اليمين ف‍ * (صورته أن يقول: عاهدت الله أو علي عهد الله أنه متى كان كذا فعلي كذا) * مع أنك قد عرفت أن مقتضى العمومات كتابا وسنة صحته مع التبرع، بل عن الخلاف الاجماع عليه، فيوافق اليمين حينئذ بالنسبة إلى ذلك، فهو المناسب لتفريعه على مساواته لليمين، لا خصوص المعلق. وعلى كل حال * (ف‍) * لا إشكال ولا خلاف في أنه * (إن كان ما عاهد عليه


(1 و 2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الكفارات الحديث 2 - 1 من كتاب الايلاء والكفارات.

[ 448 ]

واجبا أو مندوبا أو ترك مكروه أو اجتناب محرم لزم) * للعمومات وإن قلنا بعدم انعقاد النذر على واجب. * (ولو كان بالعكس لم يلزم) * وإن كان فعل مكروه أو ترك مندوب، وربما يرشد إليه ما سمعته من خبر المتعة (1) الذي مضمونه عدم المستحب مضافا إلى ما عساه يظهر من غير واحد من الاجماع على عدم خروج مورده عن النذر واليمين، وهما معا لا ينعقدان على ذلك، * (و) * إلى عموم قوله (2) " كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث فيه ". نعم * (لو عاهد على مباح لزم) * أيضا * (كاليمين) * للعمومات والخبر المزبور (3) ودعوى كونه كالنذر في اعتبار كون مورده طاعة خالية عن الدليل المعتبد به. * (و) * كذا يظهر منهم الاجماع أيضا على أنه * (لو كان) * ما عاهد على تركه * (فعله أولى) * من ذلك ولو من جهة الدنيا * (أو) * كان ما عاهد على فعله * (تركه) * أولى * (فليفعل الاولى ولا كفارة) * عليه عندنا، كما عن التبيان، لعدم انعقاده لو كان كذلك ابتداء، وانحلاله لو عرض ذلك في الاثناء، والله العالم. * (وكفارة المخالفة في العهد كفارة يمين، وفي رواية) * أبي بصير (4) * (كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وهي الاشهر) * كما سمعت الكلام فيه سابقا (5).


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب المتعة الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) الوسائل الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد الحديث 1. (3 و 4) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الكفارات الحديث 1 - 2 من كتاب الايلاء والكفارات. (5) راجع ج 33 ص 174.

[ 449 ]

المسالة * (السابعة:) * لا خلاف ولا إشكال في أن * (النذر والعهد ينعقدان بالنطق) * بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) كادت تكون متواترة فيه. * (وهل ينعقدان ب‍) * انشائهما في * (الضمير والاعتقاد) * من دون ذكر الصيغة الدالة على ذلك ؟ * (قال بعض الاصحاب) * وهو الشيخان والقاضي وابن حمزة على ما حكى عنهم: * (نعم) * للاصل، ولا أصل له، وعموم الادلة، وهو فرع الصدق لغة وعرفا وليس، ولا أقل من أن يكون مشكوكا، ولانهما عبادة والاصل فيهما الاعتقاد والضمير، ولقوله صلى الله عليه واله (2) " إنما الاعمال بالنيات " و " إنما " للحصر والباء للسببية، وذلك يدل على حصر العمل في النية ولا يتوقف على غيرها وإلا لزم جعل ما ليس بسبب سببا، ولان الغرض من اللفظ إعلام الغير ما في الضمير والاستدلال به على القصد، والله تعالى عالم بالسرائر، ولقوله تعالى (3): " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ". ومن الغريب توقف الفاضل وغيره في القولين مع أن أدلة هذا القول كما ترى، ضرورة أن كونهما عبادة أعم من الاكتفاء فيها بالاعتقاد، إذ قد تكون لفظية كالقراءة والذكر، قد تكون بدنية كالركوع والسجود وأفعال الحج، وقد تكون مالية كالزكاة والخمس. واعتبار النية التي هي القصد القلبي فيها لا يقتضي الاجتزاء بذلك، وأقصى ما يدل عليه الخبر (4) المزبور اعتبار النية في العمل، وأنه بدونها لا أثر له، لا أن


(1) الوسائل الباب - 1 وغيره - من كتاب النذر والعهد. (2 و 4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 284.

[ 450 ]

العمل هي، ضرورة كون الواقع خلافه، وحينذ فهو دال على مغايرة النية للعمل. وكون الباء للسببية لا يدل على أزيد مما ذكرناه من اشتراط النية في صحة العمل شرعا، بل كونها سببا في ذلك مبالغة في شدة اعتبارها، على أن السبب قد يكون تاما وقد يكون ناقصا، ومطلقه أعم من التام، بل الواقع في الاعمال المعتبرة شرعا ذلك، لان النية لا تكفى في صحتها من غير انضمام باقي ما يعتبر فيها. ودعوى انحصار الغرض من اللفظ في الاعلام ممنوعة، إذ يمكن التعبد بذلك، بل هو مقتضي قوله عليه السلام (1): " إنما يحرم الكلام ويحلل الكلام " والاية (2) لا دلالة فيها على الانعقاد بالنية. كل ذلك مضافا إلى النصوص المستفيضة (3) الدالة على أن النذر ليس بشئ حتى يقول كذا، وفيها الصحيح وغيره، وإن نوقش في الاستدلال بها باحتمال كون المراد بها اشتراط قصد القربة خاصة لا اشتراط الصيغه، بل قد يظهر ذلك من سياقها، وإنما ذكر التلفظ والتسمية تبعا للنذور الغالبة، إلا أنه كما ترى لا ينافي ظهورها في اعتبار القول. * (و) * لعله لذا وغيره قال المصنف وفاقا للمحكى عن الاسكافي وابن إدريس وأكثر المتأخرين: * (الوجه أنهما لا ينعقدان إلا بالنطق) * مضافا إلى أصالة عدم ترتب حكمهما على غير ذلك، وكونهما من الاسباب التي لا يكفي فيها مجرد القصد وغير ذلك، وهو الاقوى. نعم لو قيل بصدق العهد لغة وشرعا وعرفا على الانشاء الضميري قوي القول بالانعقاد للعمومات، ولعله لذا قواه في كشف اللثام فارقا بينه وبين النذر باعتباره


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب أحكام العقود الحديث 4 من كتاب التجارة وفيه " انما يحل الكلام ويحرم الكلام ". (2) سورة البقرة: 2 - الاية 284. (3) الوسائل الباب - 1 - من كتاب النذر والعهد. وبهذا أكملنا تعاليقنا على الجزء 35 من جواهر الكلام بجواز مولانا أمير المؤمنين

[ 451 ]

كون النذر في الاصل الوعد، وهو لفظي بخلاف العهد، والله العالم. * (تم قسم الايقاعات) * والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على محمد وأهل بيتة الطاهرين. * (تم قسم الايقاعات) * والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على محمد وأهل بيتة الطاهرين.


على بن أبى طالب عليه أفضل الصلاة والسلام في يوم بعثة سيد الكونين خاتم الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وعلى عترته الطيبين الطاهرين ونسأل الله العلى القدير التوفيق لاتمام تحقيق هذه الموسوعة الفقهية الكبيرة انه سميع مجيب. محمود القوچانى النجف الاشرف - 27 / رجب المرجب / 1396 وتم تصحيحه وترتيبه وتهذيبه في اليوم العاشر من شهر شوال سنة - 1398 - وبتمامه تم المجلد الخامس من الطبعات السابقة، والحمد لله أولا وآخرا، وذلك بيد العبد: السيد ابراهيم الميانجى عفى عنه وعن والديه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية