جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 36


[ 1 ]

جواهر الكلام (في شرح شرائع الاسلام) تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 الجزء السادس والثلاثون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه تصحيح وتحقيق وتعليق محمود القوچانى الناشر دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

نام كتاب: جواهر الكلام جلد 36 تأليف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتب الاسلامية - تهران بازار سلطاني 520410 تيراژ: 1500 نوبت چاپ: سوم تاريخ انتشار: 1369 چاپ از: چاپخانه حيدري

[ 3 ]

صورة فتوغرافية من الصحيفة الاولى من كتاب الصيد والذباحة للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه

[ 4 ]

صورة فتوغرافية من الصحيفة الاولى من كتاب الصيد والذباحة للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم (قدس سره) العامة في النجف الاشرف ونقدم شكرنا المتواصل إلى مديرها حيث ساعدنا في المراجعة إلى موارد الحاجة عند الشبهة واختلاف النسخ.

[ 5 ]

صورة فتوغرافية من الصحيفة الاخيرة من كتاب الاطعمة والاشربة للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه

[ 6 ]

صورة فتوغرافية من الصحيفة الاخيرة من كتاب الاطعمة والاشربة للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم (قدس سره) العامة في النجف الاشرف.

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. { القسم الرابع } من الاقسام التي بني عليها الكتاب { في الاحكام، وهي إثنا عشر كتابا }. كتاب الصيد والذباحة أي كتاب التذكية بالصيد والذباحة التي هي أعم من النحر، فيراد من الصيد حينئذ بقرينة الذباحة خصوص ما كان تذكية منه، فان له معنيين: أحدهما إثبات اليد على الحيوان الممتنع بالاصالة، والثاني إزهاق روحه بالآلة المعتبرة فيه من غير ذبح، وكلاهما مباحان كتابا وسنة وإجماعا بقسميه عليه، بل ضرورة من المذهب أو الدين. قال الله تعالى شأنه: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1). " وإذا حللتم فاصطادوا " (2). " وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله " (3). وأما السنة فهي متواترة (4) أو مقطوعة المضمون بأعلى مراتب القطع، وسيمر عليك جملة منها في أثناء المباحث إنشاء الله.


(1) و (2) و (3) سورة المائدة: 5 الآية 96 - 2 - 4. (4) الوسائل - الباب - 1 وغيره - من أبواب الصيد.

[ 8 ]

وعلى حال فالمراد بالصيد هنا ما عرفت قبل، وهو غير العنوان المعروف بين الفقهاء حتى المصنف في النافع " كتاب الصيد والذبائح المراد منه - كما في المسالك - معنى الصيد لا نفس الحدث الذي هو التذكية المذكورة بقرينة " الذبائح " فانها جمع " ذبيحة " بمعنى أنها قد تذبح (مذبوحة خ ل) فيكون الكتاب معقودا لبيان الحيوان القابل للتذكية، لا لنفس التذكية، وهذا أقعد وأنسب بالمقصود ". قلت: يمكن أن يراد هذا المعنى أو ما يقرب منه من عنوان المتن، وذكر الذباحة لا يقتضي خصوص التذكية الصيدية منه، والامر سهل. { و } كيف كان ف‍ { النظر في الصيد يستدعي بيان أمور ثلاثة }: { الاول } { فيما يؤكل صيده } { وإن قتل } بعقر ونحوه { ويختص من } سائر أفراد { الحيوان } التي يصطاد بها { بالكلب المعلم دون غيره من جوارح السباع والطير } على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة يمكن دعوى تحصيل الاجماع معها، بل عن الانتصار والخلاف والغنية والسرائر وظاهر سلم المبسوط الاجماع على ذلك. مضافا إلى النصوص المستفيضة المعمول عليها بين الاصحاب قديما وحديثا، كخبر أبي بكر الحضرمي (1) المروي في الكافي والتهذيب وتفسير علي بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سأله عن صيد البزاة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصيد - الحديث 3. .

[ 9 ]

والصقورة والكلب والفهد ؟ قال: لا تأكل صيد شئ من هذه إلا ما ذكيتموه إلا الكلب المكلب، قلت: فان قتله، قال: كل، لان الله عزوجل يقول: وما علمتم من الجوارح مكلبين.. فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه " مع زيادة في الاخير " كل شئ من السباع تمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب المعلمة، فانها تمسك على صاحبها " (1). وفي صحيح الحذاء (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث: " ليس شئ (يؤكل منه خ) مكلب إلا الكلب ". وفي خبر زرارة (3) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث إنه قال: " وأما خلاف الكلاب مما يصيده الفهود والصقور وأشباه ذلك فلا تأكل من صيده إلا ما أدركت ذكاته، لان الله عزوجل قال: مكلبين، فما كان خلاف الكلاب فليس صيده بالذي يؤكل، إلا أن تدرك ذكاته " وغيرها من النصوص. خلافا لابن أبي عقيل الذي استقر الاجماع بعده، بل لعله كذلك قبله، فأباح صيد غير الكلب من السباع المعلمة غير جوارح الطير، كالفهد والنمر وغيرهما وإن لم تدرك ذكاته، ولم أجد له دليلا على ذلك، فضلا عن كونه مقاوما لما عرفت. وحينئذ { فلو اصطاد بغيره كالفهد والنمر أو غيرهما من السباع لم يحل منه } وإن كانت معلمة { إلا ما يدرك ذكاته }. { وكذا لو اصطاد بالبازي والعقاب والباشق وغير ذلك من جوارح الطير معلما كان أو غير معلم } نعم في جملة من النصوص حل الصيد بجوارح الطير كالباز والصقر.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصيد الحديث 4. (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الصيد - الحديث 1 - 3.

[ 10 ]

كخبر أبي مريم الانصاري (1) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصقورة والبزاة من الجوارح هي ؟ قال: نعم هي بمنزلة الكلاب ". وخبر عبد الله بن خالد بن نصر المدائني (2) " (أسألك خ) جعلت فداك البازي إذا أمسك صيده وقد سمي عليه فقتل الصيد هل يحل أكله ؟ فكتب عليه السلام بخطه وخاتمه: إذا سميت (سميته خ ل) أكلته " وغيرهما. إلا أنها معارضة بغيرها من النصوص (3) الدالة على العدم، وأنه لا يحل من ذلك إلا ما أدركت ذكاته، بل يمكن دعوى القطع بها خصوصا بعد الاعراض عن هذه والعمل بتلك على وجه لم ينسب إلى أحد منا القول بذلك، فالمتجه حينئذ طرحها أو تأويلها بما لا ينافي تلك النصوص، أو حملها على التقية، كما صرح به في بعض النصوص أيضا. قال أبان بن تغلب (4): " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان أبي يفتي في زمن بني أميه أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال، وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم، وهو حرام ما قتل ". وقال الحلبي (5): " قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يفتي وكنا نفتي نحن ونخاف في صيد البزاة والصقور، فأما الآن فلا نخاف، ولا نحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته، وأنه لفي كتاب الله، إن الله قال: وما علمتم من الجوارح مكلبين، فسمى الكلاب ". وفي أخرى (6) كون الفهد كالكلب في حل ما قتله، وظاهرها


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الصيد - الحديث 17 - 16 - 0 - 12 -. (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الصيد - الحديث 3 مع اختلاف في اللفظ، وذكره بعينه في الاستبصار ج 4 ص 73 - الرقم 266. (6) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الصيد.

[ 11 ]

اختصاص الحل فيهما، وهو لا يقول به، بل ربما احتمل كون الفهد من الكلب موضوعا بناء على أنه - كما عن القاموس - كل سبع، بل مقتضاه إدراج غيره فيه أيضا، لكن المعروف لغة وعرفا خلافه، ضرورة كون الكلب عبارة عن الحيوان المخصوص النابح، كما اعترف به بعض أهل اللغة. وحينئذ فليس في شئ من النصوص على كثرتها ما يوافق ما ذكره ابن أبي عقيل ونصوص التسوية بين الفهد والكلب لابد من طرحها أو حملها على التقية أو غير ذلك مما لا ينافي. وبذلك كله ظهر لك أنه لا إشكال بحمد الله في المسألة. نعم لا فرق في الكلاب بين السلوقي وغيره والكردي وغيره والاسود وغيره، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد، فحرم صيد الكلب الاسود البهيم لقول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1): " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الكلب الاسود البهيم لا تأكل صيده، لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بقتله " الذي ينبغي حمله على الكراهة، لضعفه عن مقاومة عموم الكتاب والسنة وإجماع الاصحاب على حل صيد الكلب المعلم مطلقا، والمخالف شاذ معلوم النسب، مسبوق بالاجماع وملحوق به، فلا عبرة بخلافه، نحو ما سمعته من ابن أبي عقيل، والله العالم. هذا كله في صيد الحيوان. { و } أما الصيد بغيره من الجمادات ف‍ { يجوز الصيد (الاصطياد خ ل) بالسيف والرمح والسهام وكل ما فيه نصل } بلا خلاف على ما حكاه بعض، بل عن آخر دعوى الاجماع عليه وإن كان قد يناقش الاول بأن المحكي عن الديلمي اشتراط التذكية في الصيد بالثلاثة وإن قال


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الصيد - الحديث 2.

[ 12 ]

في الرياض: " إن عبارته المحكية عنه في المختلف توهم ذلك (وإن أوهمتها خ ل) إلا أنها كالصريحة في الموافقة للاصحاب في (من خ ل) الاباحة بدون التذكية، لكن مع الكراهة ". إلا أن عبارته هذه: " الصيد على ضربين: أحدهما يؤخذ بمعلم الكلاب أو الفهد أو الصقر أو البازي أو النشاب أو الرمح أو السيف أو المعراض أو الحبالة أو الشبك، والآخر ما يصاد بالبندق والحجارة والخشب، والاول كله إذا لحق منه ذكاته حل إلا ما يقتله معلم الكلاب فانه حل أيضا، فان أكل منه الكلب نادرا حل، وإن اعتاد الاكل لم يحل منه إلا ما يذكى، والثاني لا يؤكل إلا ما يلحق ذكاته، وهو بخلاف الاول، لانه يكره، وقد روي تحريم ما يصاد بقسي البندق (1) وقد روي (2) جواز أكل ما قتل بسيف أو سهم أو رمح إذا سمى القاتل ". وأولها وآخرها ظاهر في صدق الحكاية عنه، كما اعترف به في المختلف، نعم قوله: " بخلاف الاول، لانه يكره " يخالفها، لكنه يقتضي خلافا آخر لم يحك عنه، وهو كراهة ما يقتل بالقسم الاول الذي منه الحبالة والشبك والصقر والبازي، وكيف كان فعبارته غير نقية. وبأن المحكي عن أبي الصلاح (3) أنه لا يحل اصطياد الطير بغير النشاب حيث عد في الكافي قتل صيد الطير بغير النشاب من المحرمات، ونحوه ابن زهرة، بل ادعى الاجماع على ذلك، قال: " ولا يحل أكل ما قتل من صيد الطير بغير النشاب ولا به إذا لم يكن فيه حديد بدليل ما قدمناه " وأشار بذلك إلى الاجماع وطريقة الاحتياط، قال: " وما عدا الطير من


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الصيد. (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد. (3) هذه الجملة عطف على قوله (قده) المتقدم في ص 11: " بأن المحكي عن الديلمي ".

[ 13 ]

صيد البر يحل ما قتل منه بسائر السلاح وإن قتله بالعقر في غير الحلق واللبة من بدنه بلا خلاف " بل ربما حكي ذلك أيضا عن ابن إدريس وإن كنا لم نتحققه. نعم لا ريب في ضعف الجميع ومخالفتها لعموم النص والفتوى من غير معارض، قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن قيس (1): " من جرح صيدا بسلاح وذكر اسم الله عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع وقد علم أن سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه إن شاء ". وعن الصدوق روايته باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2). وقال (عليه السلام) أيضا في صحيح ابن مسلم (3): " كل من الصيد ما قتل السيف والرمح والسهم ". وفي صحيح الحلبي (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه بالرمح أو يرميه بالسهم فيقتله وقد سمى حين فعل، فقال: كل، لا بأس به ". وفي خبر علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد " سألته عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف وقطعه نصفين، هل يحل أكله ؟ قال: نعم إذا سمى " وقال أيضا (6): " سألته عن رجل لحق صيدا أو حمارا فضربه بالسيف فصرعه أيؤكل ؟ فقال: إذا أدرك ذكاته أكل، وإن مات قبل أن يغيب عنه أكله " إلى


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 1. (2) أشار إليه في الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 3 ص 204 - الرقم 930. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3 - 4. (6) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 5.

[ 14 ]

غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك جملة منها. نعم لا فرق بين أنواع آلات الصيد (الاصطياد خ ل) من الثلاثة وغيرها مما يدخل تحت اسم السلاح كالخنجر والسكين وغيرهما مما فيه نصل حتى العصا الصغيرة التي في طرفها حديدة محددة. بل الظاهر دخول ما يتجدد من أنواع السلاح إذا كان بالوصف المذكور الذي يقطع بحده أو يشاك به، وإن احتمل الاردبيلي الاختصاص بالرمح المتعارف والسهم كذلك إلا أن الظاهر خلافه. بل قد يحتمل القول بحل الصيد بآلات الحديد كالمخيط والشك (1) والسفود وإن لم يستعمل سلاحا في العادة، لقوة الظن بارادة ما يشمل ذلك من النصوص المزبورة، بل صحيح حريز (2) منها شامل لغير ذلك قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها من الغد أيؤكل ؟ فقال: إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل، وذلك إذا كان قد سمى ". أللهم إلا أن يكون المراد منه الرمية بالسهم، بل لعله الظاهر، وحينئذ فلا دليل على حل الصيد بها خصوصا بعد أصالة عدم التذكية وقول الباقر (عليه السلام) (3): " من جرح صيدا بسلاح " في الخبر السابق الظاهر في كون ذلك شرطا، بل المتجه جعل المدار على ذلك. نعم في الكفاية " في حل الصيد في مثل الآلة الموسومة بالتفنك المستحدثة في قرب هذه الاعصار تردد، ولو قيل بالحل لم يكن بعيدا لعموم


(1) جاء في هامش المخطوط تفسيرا للشك هكذا " هو المسمى بالفارسية: دوك ". (2) الوسائل - الباب - 18 من أبواب الصيد - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 16 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 15 ]

أدلة الحل، ودخوله تحت عموم قول أبي جعفر (عليه السلام) (1): " من قتل صيدا بسلاح " الحديث. وأخبار البندقة مصروفة إلى المعروف في ذلك الزمان. ويؤيده ما ورد في الحديث (2) " أنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين ". وفيه أنها غير نوع السلاح المتعارف، بل هي إن لم تدخل في البنادق السابقة فلا إشكال في اقتضاء فحوى النصوص المستفيضة (3) المتضمنة للنهي عن أكل ما يقتل بها وبالحجر اتحادها معها في الحكم، وإطلاق اسم السلاح عليها باعتبار أنها آلة يقتل بها - كالعمود من حديد والعصا ونحوهما - لا يقتضي اثبات الحكم المزبور، خصوصا بعد أصالة عدم التذكية، بل في الرياض أصالة الحرمة المستفادة من الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة الدالة عليها في الصيد الذي لم يعلم إزهاق روحه بالآلة المعتبرة وإن كانت له جارحة. منها الصحيحان (4) " عن الرمية يجدها صاحبها أيأكلها ؟ قال: إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل " ونحوهما الموثق (5) بزيادة " وإلا فلا يأكل منه ". وفي الصحيح (6) " صيد وجد فيه سهم وهو ميت لا يدري من قتله، قال: لا تطعمه " وإن كان قد يناقش بأن أقصاها الدلالة على عدم الحل مع الشك في تحقق التذكية المعلومة، لا الدلالة على عدم


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 1 وفيه " من جرح صيدا.. ". (2) سنن البيهقي - ج 9 ص 248. (3) الوسائل - الباب 23 - من أبواب الصيد. (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الصيد - الحديث 1 و 2. (5) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الصيد الحديث 3. (6) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 16 ]

حصولها بمثل الصيد بغير السلاح المعهود. وبالجملة قد عرفت أن مقتضى قول الباقر (عليه السلام) (1): " من جرح صيدا بسلاح " إلى آخره اعتبار الجرح بالسلاح في الحل، والظاهر إرادة السلاح المعهود. نعم لا بأس بما يتجدد من نوعه وإن اختلفت الهيئة، ولكن هو إما قاطع بحده أو شاك به، بخلاف مثل بندق التفنك وعمود الحديد غير المحدد، إلا أن الظاهر عدم اعتبار كونه ذا نصل، كما عساه يظهر من المصنف وغيره، بل يكفي فيه كونه مصنوعا قاطعا بنفسه أو شاكا كذلك مما هو سلاح وإن لم يتلبس بعود ونحوه. وهل يعتبر كونه من الحديد أو يكفي فيه غيره كالذهب والفضة ؟ الظاهر الثاني مع فرض عده سلاحا عرفا واتخاذه على نوع السلاح المعهود من القطع بحده أو الوخز به، لكن ستعرف اعتبار الحديد مع الاختيار في الذبح والنحر وإجزاء غيره مع عدمه ولو خشبة أو عظما، بل والسن والظفر على الاصح وإن كانا متصلين إلا أنه لم يثبت اتحاد هذا النوع من التذكية مع النوع الآخر في ذلك، ولذلك اكتفي فيه بالمعراض والسهم وإن لم يكن فيه حديدا ذا خرق مع الاختيار ولم يجز فيها. نعم قد يقال: إن المعهود من السلاح الحديد، فتصرف إليه الاطلاقات، ويبقى غيره على أصالة عدم التذكية إلا إذا خرق، إلحاقا له بالمعراض ونحوه مما ثبت بالادلة، ولا ريب في أنه أحوط، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { لو أصاب معترضا } السهم أو الرمح أو غيرهما مما هو سلاح { فقتل حل } بلا خلاف أجده فيه نصا


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 17 ]

وفتوى، قال الحلبي في الصحيح (1): " سألت الصادق (عليه السلام) عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله، وقد كان سمى حين رمى ولم تصبه الحديدة، قال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فإذا أراده فليأكله " وعن الكليني روايته " فإذا رآه فليأكله ". وعلى كل حال هو دال على المقصود وإن كان الثاني موافقا لخبره الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (2) قال: " سألته عن الصيد يصيبه السهم معترضا ولم يصبه بحديدة، وقد سمى حين رمى، قال: يأكل إذا أصابه وهو يراه، وعن صيد المعراض، قال: إن لم يكن له نبل غيره وكان قد سمى حين رمى فليأكل منه، وإن كان له نبل غيره فلا ". { و } كذا لا خلاف في أنه { يؤكل ما قتله المعراض (بالمعراض خ ل) } الذي هو - كما قيل - خشبة لا نصل فيها إلا أنها محددة الرأس ثقيلة الوسط { إذا خرق اللحم، وكذا السهم الذي لا نصل فيه إذا كان حادا فخرق اللحم } قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة (3): " إذا رميت بالمعراض فخرق فكل، فان لم يخرق واعترض فلا تأكل ". نعم في جملة من النصوص تفصيل في المعراض وغيره مما لا نصل فيه، لكن لم أجد قائلا به، منها ما سمعته في خبر الحلبي السابق (4) ونحوه ما في صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (5) " أنه سئل عما صرع المعراض من الصيد، فقال: إن لم يكن له نبل غير المعراض وذكر اسم الله عليه فليأكل ما قتل، وإن كان له نبل غيره فلا ". وفي خبر زرارة واسماعيل الجعفي (6) أنهما سألا أبا جعفر (عليه السلام)


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3 - 1 - 3 - 4 - 5. .

[ 18 ]

" عما قتل المعراض، قال: لا بأس إذا كان هو مرماتك أو صنعته لذلك ". وفي خبر زرارة (1) " أنه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: فيما قتل المعراض لا بأس به إذا كان إنما يصنع لذلك ". قال: " وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إذا كان ذلك سلاحه الذي يرمي به فلا بأس " (2). وفي المرسل عن علي (عليه السلام) (3) " في رجل له نبال ليس فيها حديد، وهي عيدان كلها، فيرمي بالعود فيصيب وسط الطير معترضا فيقتله، ويذكر اسم الله وإن لم يخرج دم، وهي نبالة معلومة فيأكل منه إذا ذكر اسم الله عزوجل ". والجميع كما ترى لا أجد أحدا من الاصحاب اعتبر ما فيها، فالمتجه حينئذ تنزيله على ما اتفقت عليه كلمة الاصحاب مما سمعته، وهو الحل باعتراض ذي النصل وإن لم تصبه الحديدة، وبخرق غيره إذا لم يكن فيه نصل، أو طرحه أو غير ذلك، على أن متن الاخير منها كما سمعت غير نقي، والله العالم. { و } كيف كان فلا خلاف نصا وفتوى كتابا (4) وسنة (5) في أنه { يشترط في الكلب لاباحة ما يقتله أن يكون معلما } بل هو


(1) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الصيد - الحديث 6 - 10 -. (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الصيد - الحديث 7. وظاهر العبارة هنا أن هذا من تتمة الخبر السابق، والضمير في " قال " يرجع إلى أبي جعفر عليه السلام، إلا أن الامر ليس كذلك، بل هو مرسل مستفل كما جعل بينهما فصلا في الفقيه ج 3 ص 203. (4) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (5) الوسائل - الباب - 1 و 3 - من أبواب الصيد.

[ 19 ]

مجمع عليه، والمرجع في صدق ذلك إلى العرف. { و } لا ريب في أنه { يتحقق ذلك } عرفا { بشروط ثلاثة: } الاول { أن يسترسل إذا أرسله } بمعنى أنه متى أغراه بالصيد هاج عليه إذا لم يكن له مانع. { و } الثاني { أن ينزجر بزجره (إذا زجره خ ل) } كما أطلقه غير واحد، إلا أنه يمكن تنزيله على ما في التحرير والدروس بل والمسالك من تقييده بما إذا لم يكن بعد إرساله على الصيد، فلا يقدح عدم انزجاره بعده، لانه من الفروض النادرة، بل قل ما يتحقق التعليم بهذا الوجه، فلو كان معتبرا لزم سقوط الانتفاع بصيده، مضافا إلى عدم منافاة مثل ذلك للتعليم عرفا. { و } الثالث { أن لا يأكل ما يمسكه } على وجه الغلبة والاعتياد { فان أكل نادرا لم يقدح في إباحة ما يقتله } كما هو المشهور بين الاصحاب القدماء والمتأخرين، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، بل في المختلف بعد أن حكى عن الصدوقين وابن أبي عقيل حل صيد الكلب أكل منه أو لم يأكل قال: " وهذا ليس مشهورا على إطلاقه، لان عند علمائنا أنه إن كان يعتاد أكل الصيد لم يجز أكل ما يقتله وإن أكل نادرا جاز " بل في الدروس احتمال تنزيل كلام المخالف على الندرة، وحينئذ فيرتفع الخلاف في المسألة. وكيف كان فقد احتج للتحريم بالاصل وعدم صدق اسم المعلم مع اعتياد الاكل، وقوله تعالى (1): " فكلوا مما أمسكن عليكم " ولا يتحقق الامساك علينا مع اعتياد الاكل كما يكشف عن ذلك صحيحة


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 4.

[ 20 ]

رفاعة (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب يقتل، فقال: كل، فقلت: أكل منه، فقال: إذا أكل منه فلم يمسك عليك، وإنما أمسك على نفسه ". وخبر محمد (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما قتل الكلب والفهد ؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): الكلب والفهد سواء، فإذا هو أخذه فأمسكه فمات وهو معه فكل، فانه أمسك عليك، وإذا أمسكه وأكل منه فلا تأكل، فانما أمسك على نفسه " وهما حجة اخرى أيضا. مضافا إلى موثق سماعة بن مهران (3) قال: " سألته عما أمسك عليه الكلب المعلم للصيد، وهو قول الله: وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه (4) قال: لا بأس أن تأكلوا مما أمسك الكلب ما لم يأكل الكلب منه، فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه ". لكن في مقابل ذلك نصوص كثيرة (5) فيها الصحيح وغيره دالة على الحل وإن أكل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه، بل في بعضها ما يدل على أن القول بالحرمة قول العامة. قال حكم بن حكيم الصيرفي (6): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الكلب يصيد فيقتله ؟ قال: لا بأس بأكله، قلت: إنهم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 17 - 18 - والثاني عن أحمد بن محمد كما في التهذيب ج 9 ص 28 - الرقم 113. (3) و (5) و (6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 16 - 0 - 1. (4) سورة المائدة: 5 - الآية 4.

[ 21 ]

يقولون: إذا قتله وأكل منه فانما أمسك على نفسه فلا تأكله، فقال: كل، أو ليس قد جامعوكم على أن قتله ذكاته ؟ قال: قلت: بلى، قال: فما تقول في شاة ذبحها رجل ؟ أذكاها ؟ قال: قلت: نعم، قال: فان السبع جاء بعد ما ذكاها فأكل بعضها أتؤكل البقية ؟ قلت: نعم، قال: فإذا أجابوكم إلى هذا فقل لهم: كيف تقولون إذا ذكى ذلك وأكل منه لم تأكلوا وإذا ذكى هذا وأكل أكلتم ؟ ! ". وصحيح ابن مسلم وغير واحد (1) عنهما (عليهما السلام) جميعا " أنهما قالا في الكلب يرسله الرجل، قالا: إن أخذه فأدركت ذكاته فذكه، وإن أدركت وقد قتله وأكل منه فكل ما بقي، ولا ترون ما يرون في الكلب ". وخبر سالم الاشل (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب يمسك على صيده ويأكل منه، فقال: لا بأس بما يأكل، هو لك حلال ". وخبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن صيد كلب معلم قد أكل من صيده، قال: كل منه ". وخبر يونس بن يعقوب (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أرسل كلبه فأدركه وقد قتل، قال: كل وإن أكل ". وخبر زرارة (5) عنه (عليه السلام) أيضا " أنه قال في صيد الكلب إن أرسله الرجل وسمى فيأكل مما أمسك عليه وإن قتل، وإن أكل فكل ما بقي ". وخبر عبد الرحمان (6) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن رجل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد الحديث 2 - 3 - 6 - 4 - 7 - 8.

[ 22 ]

أرسل كلبا فأخذ صيدا فأكل منه، آكل من فضله ؟ قال: كل ما قتل الكلب إذا سميت عليه، فإذا كنت ناسيا فكل منه أيضا وكل فضله ". وصحيح الحلبي (1) عنه (عليه السلام) أيضا " أما ما قتله الكلب وقد ذكرت اسم الله عليه فكل منه وإن أكل منه ". وفي مرسل الصدوق (2) عنه (عليه السلام) أيضا " كل ما أكل منه الكلب وإن أكل منه ثلثيه، كل ما أكل منه الكلب وإن لم يبق إلا بضعة واحدة ". وخبر مسعدة بن زياد (3) عنه (عليه السلام) أيضا " أما ما صاد الكلب المعلم وقد ذكر اسم الله عليه فكله وإن كان قد قتله وأكل منه ". وخبر الحسين بن علوان (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " إذا أخذ الكلب المعلم للصيد فكله أكل منه أو لم يأكل قتل أو لم يقتل ". وخبر أبان بن تغلب (5) عن الصادق (عليه السلام) أيضا " كل ما أمسك عليه الكلب وإن بقي ثلثه ". وخبر أبي سعيد المكاري (6) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن الكلب يرسل على الصيد وسمى فيقتل ويأكل منه، فقال: كل وإن أكل منه ". وسأله (عليه السلام) الحلبي أيضا (7) " عن الكلب يصطاد فيأكل من صيده أفآكل بقيته ؟ قال: نعم ". إلا أنها حملت جميعا على الاكل نادرا ولو كان كثيرا جمعا بين الاخبار، بخلاف ما إذا كان مساويا أو غالبا، بل ربما كان في التعليل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 -.

[ 23 ]

في الصحاح منها بعدم الامساك عليكم حينئذ بل هو ممسك على نفسه إشعارا بذلك، ولعله أولى من حمل أخبار المنع على التقية أو الكراهة فانه فرع التكافؤ، وهو منتف، فان التحريم هو المطابق للاصل والاحتياط وظاهر الكتاب وفتوى الاصحاب والاجماع على اشتراط التعليم، ولا يحصل مع اعتياد الاكل كما قلنا، ولو تحقق فلا ريب في أن المعهود في تعليم الكلب تأديبه على الامساك لصاحبه وزجره عن أكل الصيد، وإطلاقات الكتاب والسنة انما تحمل على المعهود المتعارف، والعامة مختلفون في المسألة، لاختلاف الرواية عندهم، فالحمل على التقية قائم من الطرفين، وإن كان ظاهر الخبر الاول أنهم قائلون بالمنع، إلا أنه يمكن حمله على المنع عندهم ولو من النادر. لكن الانصاف مع ذلك كله عدم خلو المسألة من إشكال في الجملة، لكثرة النصوص المزبورة مع خلوها عن الاشعار في شئ منها بوجه الجمع المزبور عدا ما سمعته من التعليل المزبور، ولو لم يكن إجماعا أمكن الجمع بينها بحمل أخبار المنع على الاكل النادر الذي لا ينافي كونه معلما كما لا ينافي سائر الملكات من ذوي العقول فضلا عن الحيوانات، ولا فرق في ذلك بين الاكل والاسترسال والانزجار، وأخبار الجواز على الكلب الذي كان في تعليمه الاكل مما يصيده، فانه يكون حينئذ معلما على هذا الوجه. ودعوى كونه خلاف المتعارف في التعليم لا ينافي كون الحكم الجواز مع فرض وقوعه، ويكون قوله تعالى (1): " أمسكن عليكم " واردا مورد الغالب، لا أن المراد اشتراطه حتى لو علم الكلب على أكل بعض ما يصيده، خصوصا إذا كان تأديبه على أكل القليل منه ولم يتعده، بل


(1) سورة المائدة: 5 الآية 4.

[ 24 ]

لعل المراد من " فكلوا مما أمسكن عليكم " كلا أو بعضا على حسب ما اقتضاه تأديبها وتعليمها، نعم لو اعتادت غير ما علمت خرجت عن كونها معلمة، فلا يحل صيدها. ويمكن دعوى عدم منافاة ذلك للمشهور، ضرورة ظهور كلامهم في اعتياد الاكل المنافي للتعليم، بل جعل بعضهم ذلك دليلا للمسألة، نعم يظهر من بعض الافاضل كون الحكم عندهم كذلك وإن علم، ولكنه لا يخلو من نظر. كما أنه لا يخفى ضعف القول بالحل مع الاعتياد للاكل من دون تعليم، ضرورة اقتضائه طرح النصوص (1) الدالة على المنع مع استفاضتها واعتضادها بما سمعت من الاجماع المحكي، بل وبالشهرة العظيمة التي كادت تكون كذلك، بل لعلها الآن كذلك، أو حملها على التقية مع أنك قد عرفت اختلاف العامة فيما بينهم، بل فيها المشتمل على المنع من صيد الفهد إلا أن تدرك ذكاته (2) وهو مناف لما عندهم، أو حملها على الكراهة، وهو فرع المكافئة المعلوم فقدها، والله العالم. { و } من ذلك يعلم أنه لا ينبغي الاشكال في أنه { كذلك (كذا خ ل) } لا يقدح في حل صيد الكلب { لو شرب الدم (دم الصيد خ ل) واقتصر } إذا فرض تأديبه على ذلك، بل ظاهر المسالك المفروغية من عدم قدحه وإن لم يكن تعليمه كذلك ويقع منه غالبا، لان الدم غير مقصود للصائد. نعم قال: " في أكل حشوته وجهان: من أنها تؤكل كاللحم، ومن أنها تلقى غالبا ولا تقصد كالدم " قلت: لعل الاقوى الاول،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 16 و 17 و 18. (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الصيد - الحديث 1 و 3.

[ 25 ]

وحينئذ فيراعى تأديبها على ذلك وعدمه. هذا وعن ابن الجنيد أن في حكم أكله منه ما إذا أراد الصائد أخذ الصيد منه فامتنع وصار يقاتل دونه، لانه في معنى الاكل من حيث إن غرضه ذلك، فلم يتمرن على التعليم من هذه الجهة، ولا بأس به. نعم ما يحكى عنه - من التفصيل في أصل المسألة بين أكله منه قبل موت الصيد وبعده وجعل الاول قادحا دون الثاني - غير ظاهر الوجه مع فرض عدم تأديبه على ذلك، وإن قيل: لعله جمع بين الاخبار، إلا أنه كما ترى، ضرورة عدم شاهد عليه لا منها ولا من إجماع يحكى ونحوه، بل يمكن أن يكون في بعضها ما ينافيه، والله العالم. { و } كان ف‍ { لابد من تكرار الاصطياد به متصفا بهذه الشرائط } الثلاثة { ليتحقق حصولها فيه } على وجه يصدق عليه كونه معلما نحو غيره مما يتحقق به ملكة الصنائع ولو على وجه الظن الغالب. { و } حينئذ ف‍ { لا يكفي اتفاقها مرة } وإن كان لعله ظاهر محكي التبيان ومجمع البيان، قال في الاول: " قال أبو يوسف ومحمد: حد التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات، وقال قوم: لا حد لتعليم الكلاب، فإذا فعل ما قلناه فهو معلم وقد دل على ذلك رواية أصحابنا، لانهم رووا أنه إذا أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال فاصطاد جاز أكل ما يقتله " ونحوه في المجمع، وظاهرهما الاكتفاء بالمرة. وأشار بالرواية إلى روايتي السكوني (1) وعبد الرحمان بن سيابة (2) عن الصادق (عليه السلام) الآتيتين في مسألة اعتبار اسلام المعلم المحمولتين على الامتحان دون التعليم، لان الفرض كونه معلما، نعم في خبر زرارة (3)


(1) و (2) الوسائل - 15 - من أبواب الصيد - الحديث 3 - 2. (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الصيد - الحديث 2.

[ 26 ]

السابق عنه (عليه السلام) أيضا " وإن كان غير معلم فعلمه في ساعة ثم يرسله فليأكل منه، فانه معلم " ولكنه ليس نصا في المرة، لان التكرار ممكن في ساعته، خصوصا مع كون المراد بها العرفية. هذا وفي المسالك " الامور المعتبرة في التعليم لابد أن تتكرر مرة بعد اخرى، ليغلب على الظن تأدب الكلب، ولم يقدر أكثر الاصحاب عدد المرات، وذلك لان المعتبر في التعليم العرف، وهو مضطرب، وطباع الجوارح مختلفة، والرجوع في الباب إلى أهل الخبرة بطباع الجوارح واكتفى بعضهم بالتكرار مرتين، لان العادة تثبت بهما، واعتبر آخرون ثلاث مرات، والاقوى الرجوع إلى العرف " ومقتضى كلامه ثبوت القول بالمرة والمرتين للاصحاب، ولم أجد ذلك كما اعترف به بعض الافاضل أيضا. ثم إنه كما يعتبر التكرار في حصول التعليم فكذا في زواله، فيرجع فيه إلى العرف أيضا على المختار، وعلى القول بالمرتين أو الثلاث قيل يعتبر حصولهما، وعلى القول بالمرة فلو أكل منه بعدها حرم ولو في الاولى، والامر في ذلك كله سهل بعد وضوح الحال وكون تعليم الكلب الصيد على نحو تعليم العاقل الصناعة، فيكفي فيه اثباتا ونفيا ما يكفي في ذلك كما هو واضح، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { يشترط في المرسل } للكلب أو السهم مثلا { شروط (أربعة خ): الاول: أن يكون مسلما أو بحكمه كالصبي } المميز الملحق به أو البنت المميزة كذلك، لان الارسال نوع من التذكية نصا (1) وفتوى، وستعرف اشتراط ذلك فيها. وحينئذ { فلو أرسله المجوسي أو الوثني } بل أو اليهودي أو النصراني أو غيرهم ممن هو غير مسلم، بل أو منه ولكن كان محكوما


(1) الوسائل - الباب - 11 و 12 و 13 - من أبواب الصيد.

[ 27 ]

بكفره ولو لنصب أو إنكار ضروري أو غير ذلك { لم يحل أكل ما يقتله } كما أنه لا يحل ما يذبحه أو ينحره { وإن } كان إذا { أرسله اليهودي والنصراني فيه خلاف } كما في تذكيتهما { أظهره أنه لا يحل } للاصل وغيره مما ستعرفه، بل عن الانتصار الاجماع على عدم الحل بارسال الكافر، بل في المجوسي قول بالحل أيضا وإن كان ظاهر عبارة المصنف خلافه. أللهم إلا أن يكون في خصوص التذكيه بالذبح، كما عن ظاهر الصدوق، وستعرف الحال فيه في محله انشاء الله تعالى. كما أنه لا يخفى مجئ الخلاف في المخالف مطلقا باعتبار الخلاف في كفره وعدمه. وكذلك لم يحل صيد غير المميز والمجنون، لعدم القصد المعتبر منهما، كما ستعرف ذلك في الذبح إنشاء الله، والله العالم. { الثاني: أن يرسله للاصطياد، فلو استرسل من نفسه } أو رمى بسهم هدفا مثلا فأصاب صيدا، فضلا عما لو أفلت من يده فأصاب صيدا فقتله { لم يحل مقتوله } بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع على الثاني الذي لا فرق بينه وبين الاول في الحكم المزبور. مضافا إلى أصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج عنها بالمتيقن، وهو الارسال للصيد، خصوصا مع ملاحظة عدم الخلاف فيه التي لا إشكال في اقتضائها الشك في إرادة غيرها من بعض الاطلاقات التي مع ذلك لم تسق لبيان هذا الحكم.


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 11 - من أبواب الصيد - الحديث 1 وذيله في الباب - 12 - منها - الحديث 1 عن القاسم بن سليمان كما في الكافي ج 6 ص 206.

[ 28 ]

وإلى خبر القاسم بن سلمان (1) المنجبر دلالة بما عرفته، وسندا به أيضا وبرواية المشائخ الثلاثة له، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كلب أفلت ولم يرسله صاحبه فصاد فأدركه صاحبه وقد قتله، أيأكل منه ؟ فقال: لا، وقال: إذا صاد وقد سمى فليأكل، وإن صاد ولم يسم فلا ". بل وإلى ما في ذيل خبر أبي بكر الحضرمي (1) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) المتقدم سابقا، قال: " إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه، فهو ذكاته ". والمناقشة في الاول - باحتمال استناد المنع فيه عن الاكل إلى عدم التسمية لا إلى الاسترسال، بل ربما كان في ذيله إشعار بذلك - مدفوعة بعد التسليم بالانجبار بما عرفت، على أن مجرد الاحتمال لا ينافي الظهور الذي هو مبنى أكثر الاحكام، والذيل المزبور الظاهر في كون المعيار التسمية يمكن كون المراد منه الكناية عن اعتبارها مع الارسال المصاحب لها، خصوصا على ما ستعرف من كون الاقوى أن وقتها عنده، وبالجملة لا وجه لهذه المناقشات بعد كون الحكم مفروعا منه. { نعم لو زجره عقيب الاسترسال فوقف ثم أغراه صح } وحل ما يقتله بلا خلاف ولا إشكال { لان الاسترسال انقطع بوقوفه، وصار الاغراء إرسالا مستأنفا } كالمبتدأ الواقع بعد إرسال سابق انقضى. { ولا كذلك لو استرسل فأغراه } من دون أن يزجره ولا زاد إغراؤه في عدوه، ضرورة صدق عدم الارسال منه، أما إذا زاد في عدوه ففي المسالك تبعا لغيره " وجهان: أحدهما الحل، لانه قد ظهر أثر الاغراء، فينقطع الاسترسال، ويصير كأنه جرح باغراء صاحبه،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصيد - الحديث 4.

[ 29 ]

وأصحهما المنع، لانه قد اجتمع الاسترسال المحرم والاغراء المبيح، فقتله بالسببين، فيغلب التحريم، ولو كان الاغراء وزيادة العدو بعدما زجره فلم ينزجر فالوجهان، وأولى بعدم الحل، لظهور إبائه وترك مبالاته باشارة الصائد ". قلت: قد يقال: إن مقتضى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) السابق: " أما ما قتله الكلب وقد ذكرت اسم الله عليه فكل منه " وفي خبر مسعدة بن زياد (2): " أما ما صاد الكلب المعلم وقد ذكر اسم الله عليه فكله " الحديث. وغير ذلك من إطلاق الادلة حل صيد الكلب مطلقا، إلا أنه خرج المسترسل لنفسه بالاجماع ونحوه، وبقي غيره الذي منه المفروض، إلا أن أصالة عدم التذكية - بعد الشك في إرادة الفر المزبور من الاطلاق المذكور الذي لم يسق لبيان ذلك المقيد بالارسال في غيره - يقتضى عدم الحل، خصوصا بعد صدق عدم الارسال وإن زاد في عدوه، وخصوصا مع عدم انزجاره بالزجر وإن قلنا بعدم اعتباره في التعليم بعد رؤية الصيد والارسال، فالاقوى ما ذكره حينئذ. وحينئذ فلو أرسل كلبا معلما فأغراه مجوسي فازداد عدوه لم يؤثر في الحل، كما أنه لو أرسل المجوسي كلبا فأغراه المسلم وزاد عدوه باغرائه لم يؤثر في الحرمة. نعم قد يأتي ذلك على الوجه الاول الذي قد عرفت ضعفه. وكذا لو أرسله فأغراه فضولي فازداد عدوه لم يملك الصيد، بل هو للمرسل وإن كان غاصبا للكلب، ويأتي على الاحتمال الآخر ملك الفضولي له وإن كان غاصبا للكلب، لانقطاع حكم الارسال الاول بالاغراء،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 9 - 11.

[ 30 ]

ولكن لا يخفى عليك ما فيه، وكذا احتمال اشتراكهما في الملك، لحصوله بفعلهما، كما هو واضح. هذا كله في المسترسل لنفسه. وأما المرسل لغير الصيد فصاد لم يحل بمقتضى الشرط المزبور، وستعرف إنشاء الله تمام ما يتفرع على ذلك عند تعرض المصنف له، والله العالم. { الثالث: أن يسمي عند ارساله } آلة الصيد كلبا أو سهما مثلا، بلا خلاف في أصل الشرطية، بل عليه الاجماع بقسميه، مضافا إلى نهي الكتاب عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه (1) والامر في خصوص صيد الكلب (2) والسنة (3) التي ستسمع جملة منها. وحينئذ { فلو ترك التسمية عمدا لم يحل ما يقتله } بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص المستفيضة، كصحيح الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) " من أرسل كلبه ولم يسم فلا يأكله " وخبر زرارة (5) " في صيد الكلب إن أرسله الرجل وسمى فليأكل) وخبره الآخر (6) " إذا أرسل الرجل كلبه ونسي أن يسمي فهو بمنزلة من ذبح ونسي أن يسمي، وكذلك إذا رمى بالسهم ونسي أن يسمي ". { و } منه يعلم أنه { لا يضر لو كان } الترك لها { نسيانا } مضافا إلى الاجماع بقسميه عليه، وإلى خبر عبد الرحمان (7) " وإن كنت ناسيا فكل منه أيضا وكل من فضله ".


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 121. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (3) و (4) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصيد - الحديث 5 - 2 - 4. (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 7.

[ 31 ]

إنما الكلام في أن وقتها عند الارسال على وجه لا يجزئ وقوعها من العامد ما بينه وبين الاصابة، فان فيه قولين: (أحدهما) الاشتراط كما هو ظاهر المقنع والمقنعة والنهاية والخلاف والمهذب والغنية والسرائر والجامع والارشاد والتبصرة وتلخيص المرام والمعالم وتلخيص الخلاف وغيرها مما عبر فيها كعبارة المصنف، ضرورة ظهوره في التوقيت. وحينئذ ففي الخلاف والغنية الاجماع عليه، لانه قال في الاول: " التسمية واجبة عند ارسال الكلب وارسال السهم وعند الذبيحة " واحتج على ذلك باجماع الفرقة وأخبارهم، وقال في الثاني: " التسمية شرط عند إرسال الكلب والسهم وعند الذبح بدليل إجماع الطائفة " ويشهد لهما فتوى المعظم بذلك، فهما الحجة حينئذ. مضافا إلى أصالة التحريم في الصيد حتى يثبت الحل، وهو في الفرض معلوم إجماعا ونصا، فيقتصر عليه تمسكا بالاصل وأخذا بالمتيقن. وإلى أن الارسال منزل منزلة الذكاة، لانها تجزئ عنه إجماعا، فلا تجزئ بعده كما لا تجزئ بعد الذكاة، ولان التسمية يجب أن يقارن بها فعل المرسل كما يقارن بها فعل الذابح، والمرسل لا فعل له سوى الارسال، فيجب اقتران التسمية به، وفي الاخبار ما يلوح إلى ذلك، بل قيل يدل عليه. ففي صحيح الحذاء (1) " عن الرجل يسرح كلبه المعلم ويسمي إذا سرحه، فقال: يأكل مما أمسك عليه ". وصحيح سليمان بن خالد (2) " عن كلب المجوسي يأخذه الرجل المسلم فيسمي حين يرسله أيأكل مما أمسك عليه ؟ قال: نعم، لانه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصيد - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 32 ]

مكلب قد ذكر اسم الله عليه ". وصحيح محمد الحلبي (1) " عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه برمح أو يرميه بسهم فيقتله وقد سمى حين فعل ذلك، فقال: كل لا بأس به ". وصحيح الحلبي (2) " عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضا فيقتله وقد كان سمي حين رمى ولم تصبه الحديدة، فقال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فان أراده فليأكل ". لان التوقيت بالارسال ونحوه في هذه النصوص وإن وقع في كلام الرواة إلا أنه يدل على كون الحكم شائعا معروفا عندهم، والسائلون من فقهاء الاصحاب وأعاظمهم، فيبعد أخذهم لهذا القيد في السؤال من دون أن يكون له مدخل في الحل، وقد أقرهم الامام (عليه السلام) على هذا القيد ولم ينكر عليهم في ذلك، فدل على أنه معتبر في حل الصيد. وفي رواية اخرى للحلبي (3) " عن الصيد يصيبه السهم معترضا ولم تصبه الحديدة وقد سمى حين رمى، قال: يأكله إذا أصابه وهو يراه، وعن صيد المعراض، فقال: إن لم يكن له نبل غيره وكان قد سمى حين رمى فليأكل منه، وإن كان له نبل غيره فلا " وقد وقع فيها التقييد في كلام السائل والامام (عليه السلام) والتقريب في الثاني ظاهر، وفي الاول نحو ما سبق. وفي خبر الحضرمي (4) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) " إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 3. (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3. (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصيد - الحديث 4.

[ 33 ]

فهو ذكاته ". بل قد يؤيده أو يدل عليه النصوص (4) السابقة في صدر المسألة أيضا الظاهرة في أن وقت التسمية وقت الارسال. (والثاني) عدمه، فيكفي التسمية قبل الاصابة، وهو ظاهر القواعد والتحرير والشهيدين في الدروس والمسالك والروضة، لاطلاق الكتاب (5) والسنة (6) التسمية عند الصيد من غير تعيين وقت، ولانه إذا أجزأ التسمية عند الارسال فبالاولى إجزاؤها بعد ذلك، وخصوصا عند الاصابة والجرح، فانه وقت التذكية حقيقة. بل قد يؤيد ذلك أيضا تدارك الناسي لها ما بينه وبين الاصابة، فانه لو لم يكن وقتا للتسمية لما وجب الاتيان بها فيه، بل كان مستحبا كالتسمية عند الاكل. وفيه أن الاطلاق محمول على المعهود المتعارف الذي هو عند الارسال ومنع الاولوية، فان التذكية فعل المرسل دون الآلة، ولا فعل له سوى الارسال، فيكون إرساله بمنزلة التذكية، فيجب أن يقارنها التسمية كما ذكرناه، وتدارك الناسي لها فيه لا يقتضي الاجزاء في حال العمد، إذ يمكن كون ذلك وقتا للناسي دون العامد. ومن هنا بان لك أن الاول هو الاقوى والاحوط وإن كان قد يظهر من بعض النصوص التي قدمناها في مسألة الحل مع أكل الكلب الاكتفاء بالتسمية عند قتل الكلب الصيد، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه. نعم الظاهر الحل لو شك فيها كما عن ابن سعيد في جامعه، لانه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 7 والباب - 12 - منها - الحديث 2 و 5. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصيد.

[ 34 ]

أولى من الناسي، وللخبر (1) " أرمي بسهمي ولا أدري أسميت أم لم أسم ؟ فقال: كل لا بأس " بل لعل أصل الصحة كاف في المقام مع فرض العلم بالاتيان بالفعل بقصد إرادة الصحيح أو ظاهره ذلك ولكن شك في بعض شروطه، فهو حينئذ كمن ذكى ثم شك في التسمية مثلا، أما إذا لم يعلم الاتيان بالفعل على الوجه المزبور ولا كان ظاهره ذلك فقد يشكل الحكم بأصل الصحة على وجه يقطع أصالة العدم بامكان الاتيان بالفعل على غير الوجه الصحيح، بل كان لبعض الاغراض التي تجامع الفاسد. ومن ذلك لو شك في أنه ترك التسمية عمدا، لانه لم يرد الصحيح، أو نسيانا أو لم يتركها، إذ دعوى أولوية ذلك من الناسي غير معلوم، بل قد يشك في مساواته له. ومنه يشك في الاجتزاء بالتدارك لو كان في الاثناء وإن اجتزئ به في الناسي، والخبر المزبور (2) وإن كان مطلقا لكنه لا جابر له، بل يمكن دعوى انسياقه فيما ذكرناه أولا، فتأمل جيدا، فان المسألة غير محررة. وأما الجاهل بوجوبها فلا إشكال في الحل لو فعلها وإن لم يعتقد وجوبها، لعموم الكتاب (3) والسنة (4) المتضمنة لحل ما ذكر اسم الله عليه. ولو تركها عمدا لاعتقاد عدم وجوبها فالمتجه عدم الحل، كما هو ظاهر الاصحاب على ما اعترف به في الدروس وإن أشكله بحكمهم بحل ذبيحة المخالف على الاطلاق ما لم يكن ناصبا، وبعضهم لا يعتقد وجوبها. لكن يدفعه أن المقصود في هذا الحكم عدم التحريم من جهة الذابح فلا ينافي حينئذ الحكم بالتحريم من جهة عدم التسمية.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الصيد - الحديث 1. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (4) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصيد والباب - 15 - من أبواب الذبائح.

[ 35 ]

ونوقش بأنه ليس بحاسم لمادة الاشكال، فان الغالب عدم العلم بمذهب الذابح، وقصر الحكم على من علم من مذهبه الاشتراط يقتضي سقوط فائدة هذا الحكم غالبا، على أن ذلك لو كان مرادا لنبهوا عليه وفي ترك التنبيه عليه دليل على أنه غير مراد. نعم يمكن أن يقال بأن الاصل حمل فعل المسلم على ما هو صحيح في الواقع، كما يقتضيه الحكم باباحة الجلد المأخوذ من المسلم ما لم يعلم كونه ميتة. مضافا إلى السيرة المستمرة في الاعصار والامصار من الشيعة مع أهل الخلاف في العبادات والمعاملات مع تحقق الاختلاف في البين في شروطها بين الفريقين، وتظهر الفائدة حينئذ فيما علم انتفاء التسمية فيه، وهو فرض نادر لا مانع من خروجه عن اختلاف القوم. أو يقال: إن التسمية وإن لم يوجبها جميع أهل الخلاف لكن القائل بعدم الوجوب يثبت الندب، والعادة المستمرة فيما بينهم الاتيان بها وإن لم تجب، فاكتفى بذلك في الذبيحة المجهولة، فتأمل جيدا. ولو كان من عادته التسمية فنسيها فالظاهر الحل لدخوله في الناسي مع عدم تأثير مجرد الاعتقاد، لكن في النافع: " ويؤكل لو نسي إذا اعتقد الوجوب " ولعله لما قيل من اختصاص أدلة الاباحة مع نسيان التسمية بحكم التبادر بمعتقد وجوبها. بل في الرياض " هذا القيد وإن لم يذكره في الشرائع ولا غيره عدا الشيخ في النهاية والحلي في السرائر والقاضي، إلا أن الظاهر بحكم ما مر من التبادر إرادته وإن تركه حوالة على الظهور من الخارج، فما يظهر من التنقيح من التردد في اعتباره حيث حكم بأنه أحوط غير ظاهر الوجه ". قلت: وجهه إطلاق الادلة بعد منع التبادر المزبور، ضرورة صدق النسيان على من كان عزمه الفعل، من غير فرق بين معتقد الوجوب

[ 36 ]

وعدمه، ولعله لذا جزم به العلامة الطباطبائى في مصابيحه، والله العالم. ثم إنه ذكر غير واحد من الاصحاب من غير خلاف يعرف فيه بينهم اعتبار كون التسمية من المرسل { و } حينئذ ف‍ { لو أرسل واحد وسمى آخر لم يحل الصيد مع قتله له } للاصل وخبر محمد بن مسلم (1) بل في المسالك صحيحه وإن كنا لم نتحققه " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القوم يخرجون جماعة إلى الصيد، فيكون الكلب لرجل منهم، ويرسل صاحب الكلب كلبه ويسمي غيره، أيجزئ ذلك ؟ قال: لا يسمي إلا صاحبه الذي أرسل الكلب ". وفي مرسل أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا يجزئ إلا الذي أرسل الكلب " والقصور في السند منجبر بالعمل، على أن مضمونهما مقتضى الاصل المقتصر في الخروج منه على غير الفرض، ولو للتبادر. وأولى بعدم الحل لو أرسل شخص وقصد الصيد آخر وسمى ثالث. { و } كذلك يعتبر من غير خلاف يعرف فيه بينهم أيضا اتحاد السبب المزهق المحلل ف‍ { لو سمى } شخص { فأرسل } كلبه وأرسل { آخر كلبه ولم يسم واشتركا في قتل الصيد لم يحل } للاصل أيضا، بل لو لم يعلم الحال لم يحل أيضا، للاصل المزبور، فضلا عن العلم بالاشتراك، وهكذا الحال في كل سبب محلل اشترك معه غير المحلل إذا لم يعلم استناد الازهاق إلى المحلل. ففي خبر أبي عبيدة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث صيد الكلب، قال: " وإن وجدت معه كلبا غير معلم فلا تأكل ".


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب الصيد - الحديث 1 و 2. (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 37 ]

وفي خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) سألته عن قوم أرسلوا كلابهم وهي معلمة كلها، وقد سموا عليها فلما مضت الكلاب دخل فيها كلب غريب لا يعرفون له صاحبا فاشتركن جميعا في الصيد، فقال: لا يؤكل منه، لانك لا تدري أخذه معلم أو لا ؟ ". وفي مرسل الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) " إذا أرسلت كلبك على صيد وشاركه كلب آخر فلا تأكل منه ". والاخير وإن كان مطلقا شاملا لاشتراك المحلل أيضا إلا أن صريح بعض وظاهر غيره الاتفاق على الحل مع اشتراك الاسباب المحللة، بل كاد يكون صريح خبر أبي بصير السابق، بل لعله مقتضى مفهوم الخبر الاول، والله العالم. { الرابع: أن لا يغيب الصيد } عنه { وحياته مستقرة } بلا خلاف أجده فيه، وحينئذ { فلو وجد مقتولا أو ميتا بعد غيبته لم يحل، لاحتمال أن يكون القتل لا منه، سواء وجد الكلب واقفا عليه أو بعيدا منه } وسواء وجد السهم فيه مثلا أولا، للمعتبرة المستفيضة. كخبر سليمان بن خالد (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها أيأكلها ؟ قال: إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل ". وخبر حريز (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرمية يجدها صاحبها من الغد أيأكل ؟ قال: إن علم أن رميته هي التي قتلته فليأكل، وذلك إذا كان قد سمى ". وخبر سماعة (5) " سألته عن رجل رمى حمار وحش أو ظبيا فأصابه


(1) و (2) الوسائل - الباب 5 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الصيد - الحديث 1 - 2 - 3.

[ 38 ]

ثم كان في طلبه فوجده من الغد وسهمه فيه، فقال: إن علم أنه أصابه وأن سهمه هو الذي قتله فليأكل منه وإلا فلا ". وخبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) في صيد وجد فيه سهم وهو ميت لا يدري من قتله، قال: لا تطعمه ". وفي النبوي عن عدي بن حاتم (2) " قلت: يا رسول الله إذا أهل صيد والرجل يرمي الصيد فيغيب عنه الليلتين والثلاث فيجده ميتا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا وجدت فيه أثر سهمك ولم يكن فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل " إلى غير ذلك من النصوص المستفاد منها اعتبار العلم باستناد الازهاق إلى السبب المحلل، فكان المناسب التعبير بذلك، إذ لا مدخلية للغيبة فيه. قال الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة (3): " إذا رميت فوجدته وليس به أثر غير السهم وترى أنه لم يقتله غير سهمك فكل، يغيب (غاب خ ل) عنك أو لم يغب ". وإليه يرجع خبر الحسين بن علوان (4) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " إن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا رميت صيدا فيغيب عنك فوجدت سهمك فيه في موضع مقتل فكل " باعتبار أن ذلك طريق علم باستناد الموت إليه. وكذا خبر عيسى القمي (5) في حديث " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أرمي فيغيب عني، وأجد سهمي فيه، فقال: كل


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الصيد الحديث 1. (2) سنن البيهقي - ج 9 ص 242. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الصيد - الحديث 5 - 6 - 4.

[ 39 ]

ما لم يؤكل منه، فان كان أكل منه فلا تأكل منه ". وخبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن ظبي أو حمار وحش أو طير رماه رجل ثم رماه غيره بعد ما صرعه غيره، فقال: كله ما لم يتغيب إذا سمى ورماه ". والنبوي (2) " كل ما أصميت، ودع ما أنميت " أي: كل ما قتله كلبك أو سهمك وأنت تراه، و " دع ما أنميت " أي: ما غاب عنك مقتله، ضرورة كون المراد من الجميع هو ما ذكرنا من أن المدار على العلم باستناد القتل إلى السبب المحلل، فيكفي في الحرمة الشك، فضلا عن العلم بالعدم، إلا أنه غالبا لا يحصل مع الغيبة واستقرار الحياة، لاحتمال عروض سبب آخر، ولا يكفي أصالة عدمه، للنصوص المزبورة ومعارضته بأصالة عدم كون موته من رميته مثلا. نعم الظاهر عدم إرادة العلم بمعنى اليقين، بل يكفي فيه الطمأنينة العادية، كما أومأ إليه قوله (عليه السلام): " إذا وجدت سهمك فيه في موضع مقتل ". وأولى بالحل من ذلك لو غاب غير مستقر الحياة، بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى من إطلاق النهاية الحرمة مع الغيبة المنزل على ذلك نحو ما سمعته من إطلاق بعض النصوص (3) اتكالا على الظهور، كما اعترف به في المختلف، وإن ناقشه الحلي فيه في المحكي عن سرائره، لكنه في غير محله، والله العالم. { و } كيف كان فلا خلاف نصا (4) وفتوى في أنه { يجوز


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الصيد - الحديث 7. (2) مجمع الزوائد - ج 4 ص 30 راجع سنن البيهقي ج 9 ص 241. (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الصيد - الحديث 3 و 4. (4) الوسائل - الباب - 22 و 23 و 24 - من أبواب الصيد.

[ 40 ]

الاصطياد ب‍ } كل آلة ك‍ { الشرك والحبالة والشباك } والصقور والفهود والاحجار والبنادق وغيرها، وما عن سلار من أنه روي (1) تحريم ما يصاد بقسي البندق إن أراد تحريمه مع قتله بالبندق فهو حق، وإن كان مع التذكية فهو ممنوع. وعن المفيد عبارة موهمة، وهي " لا يجوز أكل الثعلب والضب. ولا يؤكل ما قتله البندق - إلى أن قال -: وروي (2) أن الجلاهق - وهو قسير البندق - حرام " والتحقيق ما عرفت، وفي خبر غياث بن ابراهيم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه كره الجلاهق ". وعلى كل حال فلا إشكال بل ولا خلاف يعتد به في أنه يحل الاصطياد - بمعنى جعل الحيوان الممتنع تحت اليد - بكل آلة { ولكن لا يحل منه } بغير ما عرفت { إلا ما يدرك ذكاته ولو كان فيه سلاح } لم يصدق عليه أنه رماه به { وكذا السهم إذا لم يكن فيه نصل ولا يخرق } وإنما يصيد بثقله. قال سليمان بن خالد (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما قتل الحجر والبندق أيؤكل ؟ قال: لا " ونحوه صحيح الحلبي (5) وخبر حريز (6) وخبر عبد الله بن سنان (7) عنه (عليه السلام) أيضا، وخبر محمد بن مسلم (8) عن أحدهما (عليهما السلام). وفي خبر الحسين بن علوان (9) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (9) الوسائل - 23 - من أبواب الصيد - الحديث 0 - 2 - 1 - 3 - 4 - 5 - 8. (2) الموجود في المقنعة ص 90 ط حجر هكذا: " ولا يجوز أكل الثعلب والضب، ولا يؤكل ما قتله البندق من الطير وغيره، ورمي الجلاهق وهو قسي البندق حرام ". (8) أشار إليه في الوسائل - الباب 23 - من أبواب الصيد - الحديث 4 وذكره في الكافي ج 6 ص 213.

[ 41 ]

عن أبيه (عليهما السلام) " إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا تأكل ما قتل الحجر والبندق والمعراض إلا ما ذكيت ". وفي خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) " ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فانه ميت، وكلوا ما أدركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه ". وفي خبر عبد الرحمان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، وما أدركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه ". ونحوه خبر زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) إلى غير ذلك من النصوص التي مر عليك شطر منها، وفيها المشتمل على حصر الحل بقتل الكلب المكلب. كما أنه مر عليك نصوص حل الصيد المقتول بالسلاح (4) وذكرنا هناك تفصيل الحال فيه، وتفصيل الحال في السهم ذي النصل وغيره من المعراض ونحوه وأنه لا يدخل فيه الصيد بالآلة المسماة بالتفنك المستحدثة في قرب هذا الزمان، خلافا للكفاية، للعموم الذي قد عرفت البحث فيه هناك، ولا أقل من الشك، والاصل الحرمة، كما تقدم الكلام فيه سابقا، والله العالم. { و } على كل حال فقد { قيل } والقائل الشيخ في محكي النهاية وابنا حمزة وإدريس ويحيى بن سعيد على ما حكي عنهم: { يحرم أن يرمي الصيد بما هو أكبر منه } لمرفوع محمد بن يحيى (5) قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لا يرمى الصيد بشئ أكبر منه " ولانه إذا كان أكبر


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الصيد - الحديث 1 - 2 - 4. (4) الوسائل - الباب 16 - من أبواب الصيد. (5) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 42 ]

منه يقتله بثقله، أو يشترك الثقل والحد في قتله، إلا أنه قاصر سندا عن إثبات الحكم المزبور،: قيل: بل ودلالة، خصوصا على حرمة الاكل ومنع لزوم القتل بالثقل أو بمشاركته، نعم ربما احتمل الحرمة مع احتمال ذلك، للدخول في الوقيذ، مع أنه في محل المنع لما عرفت من النصوص على حل ما قتله السهم وإن أصاب بعرضه. { و } من هنا { قيل } والقائل غير واحد { بل } لعله ظاهر الاكثر أو المشهور: لا يحرم، بل يمكن دعوى الاجماع عليه، نعم صرح غير واحد بأنه { يكره وهو أولى } لقبول المرفوع المزبور لاثبات الكراهة التي يتسامح فيها بخلاف الحرمة. ومن الغريب ما عن القائل المزبور من التصريح بتحريم الفعل والصيد وهو ضعف في ضعف، ضرورة أن الخبر المزبور على فرض قابليته للعمل به لا يدل على أزيد من النهي عن الفعل، وهو لا يستلزم تحريم الصيد، كما هو واضح، والله العالم. الامر { الثاني } { في أحكام الصيد (الاصطياد خ ل) } قد عرفت أن ظاهر النص (1) والفتوى اعتبار استناد موت الصيد إلى السبب المحلل في حل الصيد. { و } حينئذ ف‍ { لو أرسل المسلم والوثني } مثلا { آلتهما فقتلاه لم يحل } لفوات الشرط، ضرورة استناد القتل إلى مجموعهما { سواء اتفقت آلتهما مثل أن يرسلا


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الصيد.

[ 43 ]

كلبين أو سهمين أو اختلفتا، كأن يرسل أحدهما كلبا والآخر سهما، وسواء اتفقت الاصابة في وقت واحد أو وقتين إذا كان أثر كل واحدة من الآلتين. قاتلا } على وجه يستند القتل الخارجي { و } ينسب اليهما. نعم { لو أتخنه المسلم فلم تعد حياته مستقرة ثم ذفف عليه الآخر } وجهز عليه { حل، لان القاتل المسلم }. { و } أما { لو انعكس الفرض } بأن كانت آلة الكافر هي الموجبة للازهاق وآلة المسلم المجهزة { لم يحل } بل { و } كذا { لو اشتبه الحال لم يحل (الحالان حرم خ ل) تغليبا للحرمة } باعتبار أصالة عدم التذكية بعد فرض الجهل بحصول شرطها المقتضي للجهل بالمشروط. { و } من ذلك أيضا { لو كان مع المسلم كلبان وأرسل أحدهما واسترسل الآخر فقتلا لم يحل و } كذا لو اشتبه الحال نعم { لو رمي سهما فأوصلته الريح إلى الصيد فقتله حل } لصدق استناد القتل إليه { وإن كان لو لا الريح لم يصل }. { وكذا لو أصاب السهم الارض مثلا ثم وثب فقتل } بلا خلاف أجده، لان ما يتولد من فعل الرامي منسوب إليه، لكن في المسالك الاشكال فيهما - إن لم يكن إجماعا - بالاستناد إلى سببين في الاول، وبعدم الجريان على وفق قصده في الثاني، إلا أنه قال بعد ذلك: " وكيف كان فالمذهب الحل " وهو كذلك لما عرفت بعد منع كون القتل بسببين على وجه ينافي مصداق الادلة، ومنع اعتبار الجريان على وفق القصد { و } هو واضح. ثم إن { الاعتبار في حل الصيد بالمرسل لا بالمعلم } وفاقا للمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة يمكن دعوى الاجماع معها، بل هو كذلك

[ 44 ]

كما اعترف به بعض الافاضل، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن الشيخ في المبسوط وكتابي الاخبار، مع أن الشيخ نفسه ادعى الاجماع في محكي خلافه على حل الصيد بكلب المجوسي المعلم، وهو الحجة. مضافا إلى اطلاق الادلة وعمومها وكون الكلب آلة كالسكين التي لا فرق فيها بين كونها لمسلم أو كافر. وإلى صحيح سليمان بن خالد (1) الذي رواه المشائخ الثلاثة " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كلب المجوسي يأخذه الرجل المسلم فيسمي حين يرسله أيأكل مما أمسك عليه ؟ فقال: نعم، لانه مكلب وذكر اسم الله عليه ". كل ذلك مع ضعف ما يذكر حجة للشيخ من الاصل المقطوع بما عرفت وظاهر قوله تعالى (2): " وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله " الوارد مورد الغالب من كون كلب المسلم معلما له، فلا يكون حجة لضعفه. وخبر (3) عبد الرحمان بن سيابة (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: كلب مجوسي أستعيره فأصيد به، قال: لا تأكل من صيده إلا أن يكون علمه مسلم " الضعيف في نفسه القاصر عن معارضة الصحيح المزبور المعتضد باطلاق الادلة وعمومها، وبالاجماع بقسميه، فلا بأس بحمله على الكراهة التي يشهد لها قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في


(1) و (4) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الصيد - الحديث 1 - 2. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (3) كلمة " وخبر " معطوفة على قوله (قده): " الاصل المقطوع.. " الذي ذكر حجة للشيخ (قده).

[ 45 ]

المرسل (1): " كلب المجوسي لا يؤكل صيده إلا أن يأخذه مسلم فيقلده ويرسله، قال: وإن أرسله المسلم جاز أكل ما أمسك وإن لم يكن علمه " وكذا قول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (2): " كلب المجوسي لا تأكل صيده إلا أن يأخذه المسلم فيعلمه ويرسله، وكذا البازي وكلاب أهل الذمة وبزاتهم حلال للمسلمين أن يأكلوا صيده " وغير ذلك. وحينئذ { فان كان المرسل مسلما فقتل حل ولو كان المعلم مجوسيا أو وثنيا } فضلا عن غيرهما { ولو كان المرسل غير مسلم لم يحل ولو كان المعلم مسلما } لما عرفت من كون المدار على الارسال دون التعليم، والله العالم. { ولو أرسل كلبه على صيد } معين { وسمى } حين إرساله { فقتل غيره حل } بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال بعد إطلاق الادلة وعمومها، وخصوص خبر عباد بن صهيب (3) الوارد في الرمي الذي لا فرق بينه وبين إرسال الكلب في ذلك قطعا، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سمى ورمى صيدا فأخطأ وأصاب صيدا آخر، قال: يأكل منه " الذي منه ومنهما يستفاد عدم اعتبار قصد عين الصيد وإن اعتبرنا قصد جنسه، لا على وجه لو رمى سهما في الهواء أو فضاء الارض لاختبار قوته أو عبثا أو رمى إلى هدف فاعترض صيدا فأصابه وقتله من غير قصده، فانه لا يحل وإن سمى عند إرساله، لاصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج منها على المتيقن الذي هو الارسال والرمي بقصد جنس الصيد، أما الفرض فلا إشكال في حله.


(1) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب الصيد - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الصيد - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 46 ]

{ وكذا لو أرسله } على سرب ضباء ولم يقصد واحدا بعينه، أو أرسله { على صيود كبار فتفرقت عن صغار فقتلها } الكلب { حلت إذا كانت ممتنعة } لما عرفت من كون المدار على قصد جنس الصيد ولو في ضمن قصد شخص بعينه لا على خصوص ما قصد اصطياده. { وكذا الحكم في الآلة } كالسهم ونحوه من السلاح الذي لا فرق بينه وبين الكلب في الحكم المزبور بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى اتحاد مقتضى الادلة فيهما بالنسبة إلى ذلك حلا وحرمة. إنما الكلام في قول المصنف وغيره: { أما لو أرسله ولم يشاهد صيدا فاتفق إصابة الصيد لم يحل ولو سمى، سواء كانت الآلة كلبا أو سلاحا } الذي مقتضاه اعتبار المشاهدة التي لو نزلت على إرادة مطلق العلم منها أمكن إشكالها بمنافاة ذلك لاطلاق الادلة وعمومها الذي قد عرفت عدم زيادة مقتضاها على كون الارسال أو الرمي للصيد المتحقق مع المشاهدة وعدمها، بل مع العلم وعدمه إلا أن قوله تعليلا للحكم المزبور: { لانه لم يقصد الصيد فجرى مجرى استرسال الكلب } يقتضي كون مراده بالاول غير القاصد لاصل الصيد. أللهم إلا أن يكون مراده عدم إمكان تحقق قصد الصيد مع عدم المشاهدة أو ما يقوم مقامها من أسباب العلم، كما صرح به الفاضل في التحرير، قال: " ولو لم ير صيدا ولا علمه فرمى سهمه أو أرسل كلبه فصاد لم يحل وإن قصد الصيد، لان القصد إنما يتحقق مع العلم " ولكن فيه منع واضح، ضرورة صدق قصد الصيد. ثم قال: " ولو رأى سوادا وسمع صوتا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فبان صيدا لم يحل، سواء أرسل سهما أو كلبا، وكذا

[ 47 ]

لو ظنه كلبا أو خنزيرا، ولو ظن أنه صيد حل، ولو شك أو غلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يحل، ولو رمى حجرا فظنه صيدا فقتل صيدا احتمل الحل، لان صحة القصد تبنى على الظن وعدمه، لانه لم يقصد صيدا على الحقيقة ". وفي القواعد " ولو أرسله ولم يشاهد صيدا وسمى فأصاب صيدا لم يحل " ومقتضى إطلاقه عدم الحل حتى لو كان قد أرسله للصيد وإن علم به أو ظن. لكن في كشف اللثام " الوجه الاجتزاء بالعلم بل الظن، فيحل بارسال الاعمى إذا علم أو ظن، للعمومات، وربما احتمل الاجتزاء بالاحتمال " وكأنه أشار بذلك إلى ما في المسالك، قال: " والاقوى عدم اشتراط مشاهدة الصيد، والاكتفاء بالعلم به بل بظنه، لتوجه القصد إليه، بل يحتمل الاكتفاء بقصده إذا كان يتوقعه وبنى الرمي والارسال عليه، كما إذا رمى في ظلمة الليل وقال ربما أصيب صيدا فأصابه، وعلى هذا يتفرع صيد الاعمى، فان أحس بالصيد في الجملة ولو ظنا فقصده بالرمي أو الارسال فوافق حل " وظاهرهما تحقق صدق قصد الصيد مع الاحتمال وهو كذلك. لكن في مجمع البرهان بعد أن ذكر الامثلة المجردة عن قصد الصيد كرمي السهم للهدف وارسال الكلب للامتحان ونحوهما قال: " هكذا يذكرون هذه المسألة، ولا نعرف دليلها، نعم هي ظاهرة على تقدير ترك التسمية، والظاهر تركها بناء على ظنه، إذ الفرض أنه ظن غير صيد ولا قصد، وأما على تقدير التسمية لاحتمال وقوعه على صيد اتفاقا وإن ظن عدمه فليست بظاهرة، بل الظاهر الحكم حينئذ بالحل، لعموم الادلة، بل خصوصها، إذ ليس في الادلة قصد الصيد، بل قتله مع

[ 48 ]

التسمية وسائر الشرائط، وفهم اشتراط القصد من مجرد أن الظاهر أن الذي يسمي إنما يقصد الصيد ولا يمكن بدون ذلك مشكل، إذ قد يظن عدمه، ويكون محتملا وجوده فيسمي. وبالجملة الفرض ليس بمحال، وإنما البحث معه، ولا يبعد حمل كلامهم على عدم التسمية " إلى آخره. وفيه (أولا) أن بعض كلماتهم صريحة في التحريم مع التسمية كما سمعته من القواعد. و (ثانيا) أن مبنى الحل في ذلك ليس عدم اشتراط قصد الصيد، بل صدق تحققه مع الاحتمال، نعم لو لم يكن قد قصده أصلا بل كان مراده الامتحان ونحوه فصادف صيدا لم يحل وإن سمى لغرض من الاغراض، لما عرفته من أصالة عدم التذكية المقتصر في الخروج منها على المتيقن الذي هو الصيد المقصود دون غيره. ومنه يعلم مواضع النظر فيما سمعته من التحرير، وربما يأتي لذلك زيادة عند تعرض المصنف لبعض هذه الامثلة في الذباحة، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { الصيد الذي يحل بقتل الكلب له أو الآلة في غير موضع الذكاة هو كل ما كان ممتنعا وحشيا كان أو إنسيا } توحش من الحيوان المحلل لحمه المحرم ميتته. { وكذلك ما يصول من البهائم أو يتردى في بئر وشبهها ويتعذر نحره أو ذبحه، فانه يكفي عقرها في استباحتها (استباحته خ ل) ولا يختص العقر حينئذ بموضع من جسدها } بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا. بل في الرياض " كما حكاه جماعة قال -: وهو الحجة مضافا إلى النصوص (1) الآتية في الاخير، لكن ليس فيها التعميم في الحيوان والآلة، والعرف واللغة في الوحشي الممتنع، إذ لا فرد للصيد أظهر


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح.

[ 49 ]

منه، فيدخل تحت عموم ما دل (1) على حله بالاصطياد بمطلق الآلة المعتبرة من غير تذكية، وأما الانسي المستوحش ففي صدق الصيد عليه فيهما حقيقة مناقشة، والاصول تقتضي الرجوع في إباحته إلى مراعاة التذكية، لكن الاجماع والنصوص المزبورة في المتردي (2) ألحقاه بالصيد وإن اختلفا في الالحاق كلا حتى في مقتوله بالكلب ونحوه كما يظهر من الاول، أو في الجملة كما يظهر من الثاني. وأما أن غير الممتنع ليس بصيد فالاصل فيه العرف واللغة، فيندرج تحت عموم ما دل (3) على توقف حل الحيوان على التذكية، مضافا إلى فحوى النصوص (4) الآتية في لزوم التذكية لحل الصيد بعد أن أدرك وفيه حياة مستقرة، وليس ذلك إلا لزوال امتناعه الموجب لانتفاء حكم الصيد عنه، فإذا ثبت انتفاؤه عنه مع حصول الامتناع فيه في الجملة وصدق الصيد عليه حقيقة عرفا ولغة فثبوته عما ليس بممتنع بالاصل أولى، مع أن كون مثله صيدا يستلزم عدم وجود ما يحكم في حله بالتذكية بالذبح والنحر أصلا، وهو فاسد قطعا، والنصوص (5) بخلافه متواترة جدا ". وكأنه عرض ببعض ما ذكره بالمقدس الاردبيلي، فانه بعد ذكر أن دليل وحشي الاصل واضح قال: " وكأن الثاني - أي الاهلي المستوحش - صيد شرعا، ويحتمل لغة أيضا، ولعل عموم ما يدل على جواز أكل ما قتله الآلات المذكورة مثل الكلب من الكتاب (6) والسنة (7) يشمله


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصيد. (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح. (3) و (6) سورة المائدة: 5 - الآية 3 - 4. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (5) الوسائل - الباب - 3 و 5 - من أبواب الذبائح. (7) الوسائل - الباب - 1 و 16 - من أبواب الصيد.

[ 50 ]

فتأمل. وبالجملة هو مثل الوحشي في هذا الحكم لعله بالاجماع أو القياس، والضرورة ورفع الحجر وعدم تضييع المال والعمومات مؤيدات، وكذا الخصوصيات الآتية، فتأمل ". قلت: لا يخفى عليك أن ذلك كله خال عن التحصيل بعد الاعتراف بالاجماع المحقق، بل في المسالك هو موضع وفاق منا ومن أكثر العامة وخالف فيه مالك، فقال: لا يحل إلا بقطع الحلقوم، ومنه يمكن دعوى اندراجه في إطلاق أو عموم قتيل الكلب والسلاح المقتصر في الخروج منه على الانسى غير الممتنع وإن لم يسم صيدا لغة وعرفا. مضافا إلى خبر أبي البختري (1) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " إن عليا (عليه السلام) قال: إذا استصعبت عليكم الذبيحة فعرقبوها وإن لم تقدروا أن تعرقبوها فانه يحلها ما يحل الوحش " الذي هو كالصريح في اتحاد حكم المستوحش بالعارض ووحشي الاصل، وكفى به دليلا بعد انجباره بالعمل والاجماع المزبور، بل والنبوي (2) وإن لم أجده في طرقنا " كل إنسية توحشت فذكها ذكاة الوحشية ". ومنه يظهر المناقشة فيما سمعته من الرياض، بل قد يستفاد منه أن المراد بما في غيره من النصوص في المستعصي ذكر فرد من أفراد تذكية الوحشي لا الاختصاص بذلك. قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3) " في ثور


(1) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 9 - 1. (2) كنز العمال ج 3 ص 241 - الرقم 3792 وفيه " إذا استوحشت الانسية وتمنعت فانه يحلها ما يحل الوحشية ".

[ 51 ]

تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم وسموا، فأتوا عليا (عليه السلام) فقال: هذه ذكاة وحية (1) ولحمه حلال ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر العيص بن القاسم (2): " إن ثورا بالكوفة ثار، فبادر الناس إليه بأسيافهم فضربوه، فأتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبروه فقال: ذكاة وحية ولحمه حلال ". وفي خبر الفضل بن عبد الملك وعبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) " إن قوما أتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن بقرة لنا غلبتنا واستصعبت علينا فضربناها بالسيف، فأمرهم بأكلها ". بل في خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن امتنع عليك بعير وأنت تريد أن تنحره فانطلق منك فان خشيت أن يسبقك فضربته بالسيف أو طعنته بحربة بعد أن تسمي فكل إلا أن تدركه ولم يمت بعد فذكه " الظاهر في كون الامر أوسع من ذلك باعتبار الاكتفاء فيه بخوف السبق. نعم نصوص المتردية لا عموم فيها على وجه يشمل التذكية بعقر الكلب مثلا، ففي خبر اسماعيل الجعفي (5) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): بعير تردى في بئر كيف ينحر ؟ قال: يدخل الحربة فيطعنه بها ويسمي ويأكل ". وفي خبر زرارة (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن بعير تردى في بئر ذبح من قبل ذنبه، فقال: لا بأس إذا ذكر اسم الله عليه " وفي خبر الحسين بن علوان (7) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر


(1) أي سريعة (منه رحمه الله). (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 3 - 5 - 4 - 6 - 7.

[ 52 ]

ابن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " أنه سئل عما تردى على منخره فيقطع ويسمى عليه، فقال: لا بأس، وأمر بأكله ". وفي خبره الآخر بالاسناد السابق (1) عنه (عليه السلام) أيضا " أيما إنسية تردت في بئر فلم يقدر على منحرها فلينحرها من حيث يقدر عليه ويسمى الله عليها ويأكل ". وفى حسن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل ضرب بسيفه جزورا أو شاة في غير مذبحها وقد سمى حين ضرب.. أما إذا اضطر إليه واستصعب عليه ما يريد أن يذبح فلا بأس بذلك ". وفي خبر أبي ثعلبة (3) المروي عن غير طرقنا " قلت: يا رسول الله إن بعيرا تردى فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن لهذه أوابد كأوابد الوحش، فما عسر عليكم منها فاصنعوا به هكذا " والاوابد: المستوحشة. وفي آخر (4) " أنه (صلى الله عليه وآله) سئل عن بعير تردى في بئر فقال (صلى الله عليه وآله): لو طعنه في خاصرته لحل لك ". إلى غير ذلك من النصوص التي منها يظهر لك وجه المناقشة فيما ذكره الاردبيلي رحمه الله قال: " وأما المتردية فظاهر قوله تعالى (5): " والمتردية - إلى قوله -: إلا ما ذكيتم " تحريمه إلا مع التذكية، إلا أن يحمل على القتل بما أمكن " ثم ذكر بعض النصوص السابقة، وقال: " إنها لم


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 8. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الذبائح - الحديث 3. (3) سنن البيهقي ج 9 ص 246 و 247 عن رافع بن خديج. (4) سنن البيهقي ج - 9 ص 246 مع الاختلاف في اللفظ. (5) سورة المائدة: 5 - الآية 3.

[ 53 ]

تدل على غير البعير والبقر، ولا على جواز القتل بمطلق الآلة حتى الكلب والسهم، فيمكن الاقتصار على ما في الروايات، والتعدي لعدم الفرق وفهم العلة وذكر الاصحاب من غير فرق وقائل بالفرق يدل على العموم في الغنم وغيره أيضا، وأما التعدي إلى الكلب فغير معلوم الجواز، بل لا يفهم من عباراتهم، نعم من الذين ذكروا أن حكمه حكم الصيد يفهم ذلك كأنه غير المتردي وغير الصائل، بل المستعصي، فتأمل. وبالجملة إن صدق أنه صيد فحكمه حكمه، وإلا فيقتصر فيه على ما علم جواز قتله به وأكله، مثل القتل بالرمح في المستعصي، فتأمل ". إذ لا يخفى عليك ما في كلامه من التشويش وعدم الاحاطة بجميع النصوص التي منها ما سمعته من قرب الاسناد وغيره، بل لا ينبغي الشك في دخول الصائل في المستعصي الذي قد سمعت قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): " إنها يحلها ما يحل الوحش ". ومنه يمكن تنزيل إطلاق كلامهم على ذلك، حيث قالوا: وكذا الصائل والمتردي، مشيرين به إلى ما ذكروه سابقا من القتل بالكلب والآلة في المستوحش ولو إنسيا، فيكون المراد من العقر في كلامهم ما يشمل العقر بالكلب وغيره. مؤيدا ذلك بدعوى أن التأمل في النصوص المزبورة وغيرها يقتضي أن الشارع شرع فردين للتذكية: أحدهما الذبح والنحر في الحيوان المقدور على ذلك فيه ولو كان وحشيا قد استأنس أو جرح مثلا بحيث لا يستطيع الامتناع بفرار ونحوه، وثانيهما العقر بكلب أو سلاح للحيوان الممتنع ذكاته بالكيفية المزبورة، ولو لاستيحاش بعد الاستئناس أو لصيرورة سبعية فيه بصول ونحوه، أو لتردي في بئر ونحوه، أو لدخول في جحر ضيق أو


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 9.

[ 54 ]

نحو ذلك، وحينئذ يكون الاستيحاش في وحشي الاصل سببا للتذكية المزبورة باعتبار كونه أحد أفراد عدم القدرة عليه لا لخصوصية فيه. كما أنه بناء على ذلك لا مدخلية لصدق الصيد وعدمه في التذكية المزبورة، وهو قوي جدا خصوصا في الوحشي إذا تردى في بئر مثلا أو تحصن في غار وإن خرج بذلك عن الامتناع بالفرار، ولكن في تحصيله من كلام الاصحاب نوع صعوبة في خصوص الانسي المتردي، بل والصائل فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد أن كان الاصل عدم التذكية. نعم يلزم من كلام الاصحاب خصوصا ثاني الشهيدين منهم وصاحب الكفاية اختصاص هذا النوع من التذكية المزبورة بمأكول اللحم، دون غيره من طاهر العين الذي يخرج بتذكية الذبحية عن كونه ميتة، ويصح لبس جلده، ولعله لان المنساق من الادلة - خصوصا قوله تعالى (1): " فكلوا مما أمسكن عليكم " وما شابهه من السنة (2) - مباح الاكل، على أن الاصل في التذكية الذبح، وأن هذا النوع قائم مقامها، ولم يثبت قيامه في غير مأكول اللحم. بل لولا ظهور بعض النصوص (3) والفتاوى لامكن القول بأن هذا النوع من الميتة التي أحلها الشرع، وإلا فليس هو تذكية، فيقتصر على خصوص ما ثبت منه، لكن إطلاق بعض معاقد الاجماعات المحكية بل وبعض النصوص يقتضي كون هذا القسم كالذكاة الذبحية في المأكول وغيره. بل في موثق سماعة (4) " عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال: إذا


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 و 2. (4) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4.

[ 55 ]

رميت وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " وإن اختص بالآلة الجمادية إلا أن الظاهر عدم الفرق بينها وبين الكلب في ذلك وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه فيه، بل وفي الآلة الجمادية وإن كان ظاهرهم فيما يأتي المفروغية من ذلك، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { لو رمى فرخا لم ينهض فقتله لم يحل } لعدم كونه من الحيوان الممتنع، فلا يكون صيدا { وكذا لو } أرسل كلبه على حيوان غير ممتنع كذلك. وحينئذ ف‍ { لو رمى طائرا وفرخا لم ينهض فقتلهما حل الطائر دون الفرخ } بلا خلاف ولا إشكال، لان لكل واحد منهما حكم نفسه بسبب الامتناع الذي يدخله تحت اسم الصيد وعدمه. قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الافلح (1): لو أن رجلا رمى صيدا في وكره فأصاب الطير والفراخ جميعا فانه يأكل الطير ولا يأكل الفراخ، وذلك أن الفرخ ليس بصيد ما لم يطر، وإنما يؤخذ باليد، وإنما يكون صيدا إذا طار " وهو صريح في المطلوب. بل منه يستفاد أصل الحكم المزبور وإن كان يكفي في إثباته أن الاصل عدم التذكية أو عدم كون هذا النوع تذكية المقتصر في الخروج منه على غير الفرض، ولو لانه المنساق من الادلة كتابا وسنة، والله العالم. { ولو تقاطعت الكلاب الصيد قبل إدراكه } على وجه يكون إزهاق نفسه بالتقطيع المزبور { لم يحرم } لوجود شرط الحل وانتفاء المانع، إذ ليس إلا قطع الكلاب له، وهو تذكية لا مناف لها، بل في المسالك " لا فرق بين تقاطعهم إياه وحياته مستقرة وعدمه بخلاف ما لو تقاطعه الصائدون، فان حله مشروط بوقوع فعلهم بعد أن صار في حكم المذبوح


(1) الوسائل الباب - 31 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 56 ]

والفرق أن ذكاته بالذبح معتبرة مع إمكانها بعد أخذ الكلب له لا بدونها فإذا أدركه الصائدون أو بعضهم مستقر الحياة صار حله متوقفا على الذبح فلا يحل بدونه، بخلاف تقاطع الكلاب له قبل إدراكه، فان اعتبار ذبحه ساقط ". قلت: ستعرف عدم الفرق بين الصيد بالكلب أو بالسلاح في أنه متى قطع من الصيد قطعة وكان الباقي مستقر الحياة كان ما قطع منه قطعة مبانة من حي، فهي ميتة، وإلا كان حلالا، كما أنه لو تقاطعه الصائدون بسيوفهم وهو ممتنع حتى صار إزهاق نفسه بذلك كان حلالا مثل صيد الكلاب. نعم لو فرض تقطيع بعض الكلاب له وكان الباقي ذا حياة مستقرة ولم يدركه الصائدون حتى قتله الكلب كان ذلك حلالا لا القطعة التي قطعها الكلب أولا، بخلاف الصائد، فانه متى قطع منه قطعة وكان حياته مستقرة وأدرك ذكاته اعتبر في حله تذكيته، لخروجه عن الامتناع حينئذ، فيعتبر فيه ما يعتبر في غيره من الحيوان غير الممتنع، وستسمع تفصيل الحال في ذلك إنشاء الله، وربما كان ذلك هو مراده في المسالك، لا أنه خلاف في المسألة، فتأمل. والله العالم. { ولو رمى صيدا فتردى من جبل أو وقع في الماء فمات لم يحل، لاحتمال أن يكون موته من السقطة } مثلا، ضرورة كونه من اجتماع السببين المختلفين في التحليل والتحريم، وقد عرفت غلبة جانب التحريم حتى يعلم استناد الموت إلى السبب المحلل، وإلا حرم حتى لو ظن فضلا عن حال الشك أو الظن أو العلم بالعدم، لاصالة عدم التذكية، ولصحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن رجل رمى صيدا وهو على جبل أو حائط فيخرق فيه السهم فيموت، قال: كل


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 57 ]

منه، فان وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه " ونحوه موثق سماعة (1) عنه (عليه السلام) أيضا. وخبر خالد بن الحجاج (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) " لا تأكل الصيد إذا وقع في الماء فمات ". وفي مرسل الفقيه (3) قال (عليه السلام): " إن رميت الصيد وهو على جبل فسقط ومات فلا تأكله، فان رميته فأصاب سهمك ووقع في الماء فمات فكله إذا كان رأسه خارجا من الماء، وإن كان رأسه في الماء فلا تأكله " وفي المسالك " إن الصدوقين قيدا الحل بأن يموت ورأسه خارج من الماء، ولا بأس به، لانه أمارة على قتله بالسهم إن لم يظهر خلاف ذلك ". قلت: وعليه ينزل المرسل المزبور، وبالجملة لا إشكال في الحكم في الفرض بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا وفي المقام من الاصل وغيره. { نعم لو صير حياته غير مستقرة } برميته ثم وقع في الماء مثلا وهو في الحال المزبور { حل، لانه يجري مجرى المذبوح } فلا يكون موته مستندا إلى سببين، بناء على أن هذه الحياة كعدمها، كما هو واضح، والله العالم. { ولو قطعت الآلة } كالسيف ونحوه { منه شيئا } عضوا أو غيره وبقي الباقي مقدورا عليه وحياته مستقرة { كان ما قطعته ميتة } فلا إشكال في تحريمه، لانه حينئذ قطعة مبانة من حي، فيندرج فيما دل (4)


(1) أشار إليه في الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الصيد - الحديث 2 وذكره في الكافي - ج 6 ص 215. (2) و (3) الوسائل - الباب 26 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3. (4) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الذبائح.

[ 58 ]

على أن مثل ذلك ميتة. { و } لكن { يذكي ما بقي إن كان } كما فرضناه من كونه مقدورا عليه و { حياته مستقرة } وأدرك ذكاته، خلافا لما عساه يظهر مما تسمعه من إطلاق الشيخ والقاضي وابن حمزة من الحل وإن لم يذك، لاطلاقهم الحل مع الحركة وخروج الدم، إلا أنه كما ترى مناف لاصول المذهب وقواعده. ومن هنا أمكن حمل كلامهم كالخبر الآتي (1) الدال على ذلك على إرادة القيد المزبور اتكالا على الظهور. فلا خلاف حينئذ في المسأله. نعم إذا لم يكن حياته مستقرة بالضربة المزبورة التي قطعت منه شيئا فالظاهر حله أجمع، ضرورة صدق صيده بقتله الذي هو ذكاة نصا (2) وفتوى مع اجتماع الشرائط من التسمية والسلاح وغيرها مما عرفت، بل لا فرق في الآلة بين السلاح والكلب في الحكم المزبور. { و } كذا { لو قطعته نصفين } أي قطعتين وإن لم يعتدلا { فلم يتحركا } أصلا أو تحركا حركة مذبوح. وبالجملة إذا علم أن إزهاق نفسه كان بذلك { ف‍ } ان‍ { هما } معا { حلال } بلا خلاف، كما عن المبسوط والخلاف والسرائر وإن لم يقيداه بأحد القيدين إلا أن الظاهر إرادتهما ذلك، بناء على الغالب من عدم استقرار الحياة بذلك، كما حكي عنهم التصريح بأن مثله من جملة أسباب عدم استقرار الحياة، كقطع المرئ وشق البطن أو القلب أو قطع الحلقوم، فلا خلاف في الحقيقة. مضافا إلى إطلاق الادلة أو عمومها من غير فرق بين اتحادهما وعدمه وخروج الدم من أحدهما وعدمه، وبين ذي الرأس وغيره.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الصيد - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 و 2.

[ 59 ]

وفي خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد " سألته عن رجل لحق حمارا أو ظبيا فضربه بالسيف فقطعه نصفين، هل يحل أكله ؟ قال: نعم إذا سمى " وإطلاقه موافق لما ذكرناه، وكذا غيره مما تسمعه، بل يمكن تنزيل ما ينافيه مما يأتي عليه كما ستعرف، وإلا كان شاذا. { و } حينئذ فما قيل - من أنه { لو تحرك أحدهما فالحلال هو } كما عن الشيخ في النهاية والقاضي - واضح الضعف إلا إذا كانت حركة استقرار حياة، فان الحلال حينئذ بالتذكية كما ذكرناه. { و } حينئذ فالاصح ما { قيل } من أنهما { يؤكلان } معا { إن لم يكن في المتحرك حياة مستقرة و } إنما كان حركة مذبوح، إذ { هو } كما عرفت { أشبه } بأصول المذهب وقواعده وإطلاق الادلة وعمومها، بل هو الذي استقر عليه المذهب. { وفي رواية يؤكل ما فيه الرأس } وهي رواية اسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل ضرب غزالا بسيفه حتى أبانه أيأكله ؟ قال: نعم يأكل مما يلي الرأس ويدع الذنب ". { وفي أخرى يؤكل الاكبر دون الاصغر } وهي مرسلة النوفلي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قلت له: ربما رميت بالمعراض فأقتل، فقال: إذا قطعه جدلين فارم بأصغرهما وكل الاكبر، وإن اعتدلا فكلهما ". { وكلاهما شاذ } وكذا الثالثة، وهي مرفوعة النضر بن سويد (4) " في الظبي وحمار الوحش يعترضان بالسيف فيقدان، قال: لا بأس


(1) الوسائل - الباب - 16 من أبواب الصيد - الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 4 - 3.

[ 60 ]

بأكلهما ما لم يتحرك أحد النصفين، فإذا تحرك أحدهما لم يؤكل الآخر لانه ميتة " وإن كان بكل قائل، بل قد يظهر من التعليل في الاخير كون المراد من الحياة المتبقية والمثبتة الحياة المستقرة لا مطلقا، وبه يقيد الخبر الذي اطلق فيه الحل مع القد نصفين من دون اشتراط عدم استقرار الحياة مضافا إلى وروده مورد الغالب المتحقق فيه الشرط. وعلى كل حال فليس في شئ منها ولا من غيرها اعتبار خروج الدم بالكلية، خلافا لمن ستعرف من الشيخ وغيره، فاعتبره في الحلية، بل صرح بعضهم بالحرمة مع عدمه، ولكن حجتهم عليه غير واضحة، وإن حكي عن التنقيح أنه نفي البأس عنه، إلا أن الامر سهل باعتبار ندرة عدم خروج الدم مع القد نصفين، بل لعله من المحال عادة. وكيف كان فجملة ما وصل الينا من النصوص ما سمعته من خبر علي بن جعفر (1) وغيره، و (منها) صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث " قال: سئل عن صيد صيد فتوزعه القوم قبل أن يموت، قال: لا بأس به " وهو محمول على كونه غير مستقر الحياة، فانه حينئذ بحكم المذبوح، فلا بأس بتوزيعه. ومثله خبر الحلبي (3) " سألته عن الرجل يرمي الصيد فيصرعه فيبتدره القوم فيقطعونه فقال: كله ". و (منها) خبر محمد بن قيس (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا في حديث قال: " في أيل يصطاده رجل فيقطعه الناس والرجل يتبعه أفتراه نهبة ؟ قال: ليس بنهبة، وليس به بأس " المحمول على عدم خروجه عن الامتناع بصيد الاول، فلا يكون ملكا له، فإذا لحقه الناس


(1) الوسائل - الباب 16 - من أبواب الصيد - الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 من أبواب الصيد - 1 - 3 - 2.

[ 61 ]

وقطعوه على وجه كان إزهاق نفسه بذلك وفرض بقاؤه على الامتناع كان حلالا ولم يكن نهبة من الغير، ونحوه ما عن قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) من أنه قال: " في أيل اصطاده رجل فقطعه الناس والذي اصطاده يمنعه ففيه نهي، فقال: ليس فيه نهي، وليس به بأس ". و (منها) خبر غياث بن ابراهيم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يضرب الصيد فيجد له نصفين، قال: يأكلهما جميعا، وإن ضربه فأبان منه عضوا لم يأكل منه ما أبان، وأكل سائره " أي مع فرض بقائه مستقر الحياة وأدرك ذكاته ولو بالصيد مع فرض بقائه على الامتناع، أما الاول فهو قطعة مبانة من حي. وبذلك كله ظهر لك ما في الاقوال المزبورة التي (منها) ما سمعته من النهاية، قال: " وإن قده نصفين ولم يتحرك واحد منهما جاز له أكلهما إذا خرج منهما الدم، فان تحرك أحد النصفين ولم يتحرك الآخر أكل الذي يتحرك ورمى بما لم يتحرك ". و (منها) ما عن القاضي من أنه " يحل إن ضربه فقطعه نصفين وتحرك كل واحد منهما وخرج منه دم، فان تحرك أحدهما وخرج منه دم دون الآخر فالحلال هو المتحرك دون الذي لم يتحرك ولم يخرج منه دم ". و (منها) ما عن الخلاف: " إذا قطع الصيد نصفين حل أكل الكل بلا خلاف، فان كان الذي مع الرأس أكبر أكل الذي مع الرأس دون الباقي، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يحل أكل الجميع، دليلنا طريقة الاحتياط، فان أكل ما مع الرأس مجمع على اباحته،


(1) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الصيد - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 35 من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 62 ]

وما قالوه ليس عليه دليل، وأيضا روي عن ابن عمر (1) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ما ابين من حي فهو ميت " وهذا الاقل ابين من حي فيجب كونه ميتا، وهذه رواية أصحابنا لا يختلفون فيه ". قلت: قد يشعر كلامه الاخير بارادة ما يخرج به عن الخلاف، بل يمكن حمل كلام غيره على نحو ذلك. و (منها) ما عن ابن حمزة من أنه " إن قتله بحده لم يخل إما قطعه نصفين أو لم يقطعه، فان قطعه نصفين وكانا سواء وخرج منهما الدم حلا، وإن لم يخرج حرم، وإن كان أحد الشقين أكبر ومعه الرأس حل ذلك الشق، وإن تحرك أحدهما حل المتحرك، وإن أبان بعضه حرم ذلك البعض، فان كان الباقي ممتنعا ورماه ثانيا فقتله حل، وإن كان غير ممتنع وأدركه وفيه حياة مستقرة فذبحه أو تركه إذا لم يتسع الزمان لذبحه حتى يبرد حل، وإن كان فيه حياة غير مستقرة حل من غير ذكاة ". وفي المختلف بعد حكايته ذلك عنه قال: " وهو المعتمد عندي " والظاهر إرادة ما ذكره أخيرا، بقرينة استدلاله على ذلك بأن مع وجود الحياة المستقرة يكون المقطوع ميتة، لانه ابين من حي، ومع فقد الحياة يكون مصيدا وقد قتل بالصيد، فلو لم يقطع كان حلالا، فمع القطع لا يزول الحكم عنه، وهو عين المختار. كما أن ما عن ابن ادريس كذلك أيضا، قال: " إذا سال الدم منهما أكلهما جميعا ما تحرك وما لم يتحرك، ولا اعتبار بما مع الرأس


(1) سنن ابن ماجه ج 2 ص 292 وفيه " قال: ما قطع من البهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة ".

[ 63 ]

إذا لم تكن فيه حياة مستقرة (1) فإذا كان كذلك حل الجميع، وإن كان الذى مع الرأس فيه حياة مستقرة فلا يؤكل ما عداه مما ابين منه، لانه ابين من حي، فهو ميتة، فأما إذا لم يكن فيه حياة مستقرة فما هو مما ابين من حي فيؤكل الجميع " وإن قال في أول كلامه: " إذا سال الدم " إلا أنه شرط مبني على الغالب. وبالجملة فالمذهب ما عرفت، فان أمكن رجوع شئ مما سمعت من نص أو فتوى إليه فمرحبا بالوفاق، وإلا كان مطرحا شاذا مخالفا لاصول المذهب وقواعده وإطلاق الادلة وعمومها، كما ذكرناه سابقا، خصوصا ما يقتضيه إطلاق بعضهم من حل المتحرك مطلقا من دون تذكية وإن كان ذا حياة مستقرة، ومن حرمة غير المتحرك وإن كانت حركة المتحرك حركة مذبوح ونحوه مما هو غير مستقر الحياة، ولا دليل لهم سوى الخبر المزبور (2) القاصر في نفسه وعن المكافئة من وجوه عديدة منها الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك كما اعترف به بعض الافاضل فلا بد من طرحه أو حمله على ما يرجع إلى غيره مما هو موافق لاصول المذهب وقواعده. نعم قيل: إن لما ذكروه وجها إن لم يعتبر استقرار الحياة في وجوب تذكية الصيد مطلقا، بل قلنا بوجوبها ما دام فيه حركة ما كطرف العين وركض الرجل ونحوهما، أو اعتبرناه بأحد الامور المزبورة كما عن


(1) الموجود في السرائر المطبوعة والمخطوطة التي اوقفها الشيخ البهائي (قده) والمحتفظ بها في مكتبة الروضة الرضوية على مشرفها آلاف التحية والثناء في " مشهد " خراسان (كتابخانه آستانه قدس رضوي) هكذا " والاعتبار بما مع الرأس إذا لم يكن فيه حياة مستقرة.. ". (2) راجع التعليقة في ص 62.

[ 64 ]

ابن حمزة، وذلك لان المتحرك حينئذ حي واجب التذكية، فيكون الآخر الذي لا حركة فيه قطعة مبانة من حي فيحرم. وفيه (أولا) أن هذا ليس قولا لاحد من الاصحاب، ضرورة ظهور كلامهم بل صريح بعضهم في اعتبار استقرار الحياة في التذكية، من غير فرق بين الصيد وغيره. و (ثانيا) أن اعتبار استقرار الحياة وتفسيره بغير تلك الامور المشهورة مشهور، ومنهم الشيخ الذي هو الاصل في هذا القول، على أن القد نصفين من جملة ما فسروا به عدم استقرار الحياة، فلا وجه لهذا القول حينئذ إلا الخبر المزبور القاصر في نفسه وعن المكافئة من وجوه. وكذلك لا دليل للقول بحل خصوص ما فيه الرأس إذا كان أكبر عدا ما سمعته من الشيخ في الخلاف قد عرفت احتمال الموافقة منه خصوصا مع نسبته في محكي المبسوط ذلك إلى مذهبنا، ولم نعرف له موافقا، إلا ما يحكى عن ابن حمزة. ومنه يقوي ارادة ما ذكرناه، وإلا كان محجوجا بما سمعت، مع أنه لا شاهد له سوى الموثق (1) الخالي عما ذكره من التقييد بالاكبر، وتنزيله عليه جمعا بينه وبين الخبر الآخر (2) فرع الشاهد والمكافئة، وهما معا مفقودان، فالاولى حملها على ارادة كون ذلك أمارة على استقرار حياة ما فيه الرأس الذي هو الاكبر، فيكون المبان منه قطعة مبانة من حي، فيحرم ويحل هو بالخصوص مع التذكية أو ما يقوم مقامها مما ستعرف، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 4.

[ 65 ]

الامر { الثالث } { في اللواحق } { وفيه مسائل }: { الاولى }: { الاصطياد بالآلة المغصوبة } سلاحا أو كلبا أو غيرهما { حرام } بلا خلاف ولا إشكال، إذ هو كغيره من التصرف بالمغصوب الممتنع عقلا وشرعا { و } لكن { لا يحرم الصيد } لاطلاق الادلة وعمومها، ضرورة كونه من المعاملة التي تجامع المحرم، كالذبح بالآلة المغصوبة، بل لو كان المذبوح مغصوبا لم يحرم بمعنى عدم كونه ميتة { و } إن ضمن الغاصب تفاوت ما بين كونه مذبوحا وحيا. بل لا خلاف أجده بيننا في أنه { يملكه الصائد دون صاحب الآلة } لان الصيد من المباحات التي تملك بالمباشرة المتحققة من الغاصب وإن حرم استعماله للآلة، خلافا لبعض العامة في خصوص الحيوان من الآلة كالكلب فجعل صيده لمالكه كصيد العبد المغصوب، وهو مع أنه قياس مع الفارق ضرورة كون العبد أهلا للقصد بخلاف الكلب. ومن الغريب احتمال الاردبيلي هنا ذلك، قال: " إن حصول الملك للغاصب في الشبكة والكلب غير ظاهر، لانه ليس له فعل مملك واضح مستقل ووضع يد، فيحتمل حصوله للمغصوب منه، وعدم حصول ملك

[ 66 ]

لاحد، فيبقى على الاباحة حتى يأخذه آخذ على وجه الملك، نعم في الجرح بالرمح والسهم قد يقال: المملك هو فعله، والآلة ليس لها دخل إلا الآلية، وأن فعله وإتيانه بفعله بمنزلة أخذه ووضع يده، وبالجملة الفعل غير مستقل في أمثال هذه، وليست فيها دلالة شرعية من نص وإجماع، فالاحتياط لا يترك علما وعملا ". { و } لكن فيه ما لا يخفى، ضرورة صدق وضع اليد والدخول تحتها وإن كان بالآلة المغصوبة، كما هو واضح. نعم { عليه } أي الصائد { أجرة مثلها } للمالك كباقي الاعيان المغصوبة، بل لو لم يصد بها كانت عليه الاجرة، لفوات المنفعة تحت يده، بل عن بعض العامة ذلك، حتى القول بكون الصيد للمالك، ولا يخلو من وجه، وإن كان الحق عندنا أنه ملك للصائد وإن صاده بالآلة المغصوبة { سواء كانت كلبا أو سلاحا } أو غيرهما من شبك ونحوه خلافا لمن عرفت من بعض العامة. هذا وفي المسالك " أن قول المصنف: سواء - إلى آخره - راجع إلى ملك الصائد دون صاحب الآلة، تنبيها على خلاف المخالف، كما بيناه لا إلى القريب، وهو ضمان الاجرة، لانهما مستويان نفيا وإثباتا ". قلت: يمكن رجوعه إليه ولو باعتبار نفي الاجرة عند بعض العامة في خصوص الكلب، بناء على أن ما يصيده الكلب لمالكه، فتكون منفعته حينئذ لمالكه، فلا يضمن له أجرة وإن كان واضح الضعف، والامر سهل، والله العالم.

[ 67 ]

المسألة { الثانية }: { إذا عض الكلب صيدا كان موضع العضة نجسا يجب غسله على الاصح } وفاقا للمعظم، لاطلاق ما دل (1) على وجوب غسل ما لاقاه الكلب برطوبة، خلافا للمحكي عن الشيخ في الخلاف والمبسوط، فحكم بطهارته، لاطلاق قوله تعالى (2): فكلوا مما أمسكن عليكم " من دون أمر بالغسل، وربما حكي عن بعض العامة وعن آخر أنه عفو، لمكان الحاجة وعسر الاحتراز. وفيه منع العسر والاحتياج، وإطلاق الآية إنما هو لحل الاكل من حيث إنه صيد، فلا ينافي وجوب الغسل من حيث النجاسة، إذ الاطلاق عرفا حجة فيما يساق له دون غيره مما لم يسق لبيان حكمه، نحو قوله تعالى (3): " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " ونحوه مما لا ينافي المنع من جهة أخرى، بل لو كان كذلك لزم فساد كثير من الاحكام المعلومة بالشرع، كما هو واضح. والله العالم. المسألة { الثالثة: } { إذا أرسل كلبه } المعلم { أو سلاحه فجرحه } فعليه أن يسارع إليه على الوجه المعتاد، كما صرح به جماعة، بل في الرياض " المشهور


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب النجاسات - من كتاب الطهارة. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (3) سورة الانفال: 8 - الآية 69.

[ 68 ]

إيجابها شرطا على الظاهر أو شرعا كما قيل - ثم قال -: ولم أجد لهم دليلا صريحا وإن احتمل توجيهه بأصالة الحرمة وعدم انصراف الاطلاقات إلى صيد لم يتحقق إليه مسارعة معتادة، لان المتبادر منها ما تحققت فيه، وإلا لحل الصيد مع عدمها ولو بقي غير ممتنع سنة ثم مات بجرح الآلة وهو (ولعله خ ل) مخالف للاجماع بل الضرورة، هذا مع إمكان دعوى الاستقراء والتتبع للنصوص والفتاوى على دوران حل الصيد بالاصطياد وحرمته مدار حصول موته حال الامتناع به وعدمه مع القدرة عليه، فيحل في الاول دون الثاني إلا بعد تذكيته، وفي التنقيح عن الحلي الاجماع عليه، حيث قال: ولا يحل مقتول الكلب إلا مع الامتناع إجماعا، وعلى هذا فلو أخذته الآلة وصيرته غير ممتنع توقف حلها على التذكية، فيجب تحصيلها بالمسارعة المعتادة، وهذه الحجة وإن اقتضت الحرمة بعد المسارعة أيضا مع إدراك التذكية وتركها لقصور الزمان ونحوه إلا أن هذه الصورة خرجت بالاجماع ونحوه من الادلة، وحينئذ فما ذكروه لا يخلو من قوة، سيما مع اعتضاده بأن المستفاد من النصوص والفتاوى عدم حل الحيوان مطلقا إلا بالذبح ونحوه، وأن الاكتفاء بغيرهما في الحلية إنما هو حيث حصلت ضرورة كالاستعصاء ونحوه، ويمكن أن ينزل عليه إطلاق بعض العبارات والنصوص بحملها على صورة تحقق المسارعة، لوروده لبيان حكم غير المسارعة، بل هذا التنزيل يتعين نظرا إلى ما مر إليه الاشارة من تلك القواعد المستفادة من تتبع النصوص وكلماتهم وكلمات غيرهم من الجماعة ". قلت: لكن مع ذلك كله قد تأمل فيه في مجمع البرهان والكفاية، بل ظاهر الاول الميل إلى العدم، بل لعله ظاهر كل من اقتصر على غيره

[ 69 ]

في اشتراط حل الصيد، كما أنه ظاهر إطلاق الادلة أو عمومها كتابا (1) وسنة (2). ودعوى انسياق الاطلاق إلى ما فيه المسارعة دون غيره واضحة المنع، خصوصا مع المانع عنها أو مع تعدد الصيد على وجه لا يمكن المسارعة إليه أجمع، والنصوص (3) إنما دلت على وجوب تذكيته إذا أدركه حيا وصار تحت يده كذلك، وهو لا دلالة فيه على وجوب المسارعة شرطا أو شرعا، ولا يستلزم ذلك حل الصيد الذي قد جرح بحيث صار تحت يد الصائد وقبضته ثم ترك سنة مثلا ومات بعدها بالجرح، لاندارجه فيمن أدرك ذكاته ولم يذكه. أما إذا لم يكن كذلك ولو لعدم مسارعته اختيارا أو لمانع ثم وجد الصيد بعد ذلك وعلم أنه قد مات بجرح آلته ولو بالسراية فيحل بناء على الاحتمال المزبور، لاطلاق الادلة، وعدم صدق كونه تحت يده وعدم إدراكه حيا، بل قد مر من النصوص (4) - في الشرط الرابع وفي حل الصيد بالسلاح وإن قتل - ما هو ظاهر في الاباحة ولو لترك الاستفصال، وما ذكره من الاستقراء والتتبع - إلى آخره - لا يقتضي حرمة ما ذكرناه من الفرض، بل أقصاها حرمة غير الممتنع مع إدراك تذكيته وتركها. ولكن مع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغى تركه، خصوصا في الصيد الذي علم صيرورته غير ممتنع بما أصابه من الآلة، وتمكن من الوصول إليه وتعرف حاله أنه قتل بها أو بعده حيا يحتاج إلى التذكية، والله العالم.


(1) سورة المائدة: 5 الآية 4. (2) الوسائل - الباب - 1 وغيره - من أبواب الصيد. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (4) الوسائل - الباب - 18 و 16 - من أبواب الصيد.

[ 70 ]

وكيف كان فان بادر إليه على الوجه المتعارف { وأدركه حيا ف‍ } في المتن وغيره، بل في المسالك وغيرها أن المشهور أنه { إن لم تكن حياته مستقرة فهو بحكم المذبوح } أي حلال من غير حاجة إلى تذكية، لان هذه الحياة كعدمها { و } إن كان ورد { في } بعض { الاخبار } أن { أدنى ما يدرك ذكاته أن يجده يركض برجله أو تطرف عينه أو يتحرك ذنبه }. قال الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1): " كل من كل شئ من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والمتردية، وما أكل السبع، وهو قول الله عزوجل: إلا ما ذكيتم (2) فان أدركت شيئا منها وعين تطرف أو قائمة تركض أو ذنب يمصع فقد أدركت ذكاته فكل ". وفي خبر ليث المرادي (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصقورة والبزاة وعن صيدها، فقال: كل ما لم يقتلن إذا أدركت ذكاته، وآخر الذكاة إذا كانت العين تطرف والرجل تركض والذنب يتحرك " الحديث. وقال الصادق (عليه السلام) أيضا في خبر عبد الله بن سليمان (4): " في كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب وأدركته فذكه ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر البصري (5): " في كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (2) سورة المائدة: 5 الآية 3. (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الصيد - الحديث 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح - الحديث 7 - 6.

[ 71 ]

فكل منه فقد أدركت ذكاته ". وسأله (عليه السلام) الحلبي أيضا في الصحيح (1) " عن الذبيحة فقال: إذا تحرك الذنب أو تطرف العين أو الاذن فهو ذكي ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر أبان بن تغلب (2): " إذا شككت في حياة شاة ورأيتها تطرف عينها أو تحرك اذنها وتمصع بذنبها فاذبحها، فانها لك حلال ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر رفاعة (3): " في الشاة إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الاكتفاء بمثل ذلك الذي هو إما استقرار حياة أو لا ينافيه، أو هو دال على عدم اعتبار استقرارها كما ستعرف تحقيقه في الذباحة إنشاء الله، هذا كله في غير مستقر الحياة. { وإن } أدركه و { كانت } حياته { مستقرة والزمان يتسع لذبحه لم يحل أكله حتى يذكى } وفاقا للمشهور، للامر بتذكيته حينئذ في جملة من النصوص (4) ولصيرورته حينئذ حيوانا غير ممتنع، والنص والفتوى على أنه لا يذكيه غير الذبح، وليس عدم وجود آلة الذبح عذرا. { و } لكن { قيل } والقائل الصدوق وابن الجنيد والشيخ في محكي النهاية والعلامة في المختلف: { إن لم يكن معه ما يذبح به ترك حتى يقتله الكلب (الكلب حتى يقتله خ ل) ثم يأكله إن شاء } لصحيح جميل (5) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن الرجل يرسل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 5 - 4. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (5) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 72 ]

الكلب على الصيد فيأخذه ولا يكون معه سكين فيذكيه بها أفيدعه حتى يقتله ويأكل منه ؟ قال: لا بأس، قال الله تعالى (1): فكلوا مما أمسكن عليكم " بل منه يستفاد الاستدلال باطلاق الادلة كتابا وسنة. وخبره الآخر (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أرسل الكلب وأسمي عليه فيصيد وليس معي ما أذكيه به، قال: دعه حتى يقتله الكلب وكل منه ". ومرسل الفقيه (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أرسلت كلبك على صيد فأدركته ولم يكن معك حديدة فدع الكلب يقتله ثم كل منه ". وأجاب في الايضاح عن الآية بأنها لا تدل على العموم وإلا لجاز مع وجود آلة الذبح، وعن الرواية بأنها لا تدل على المطلوب، لان الضمير المستكن في قوله: " فيأخذه " راجع إلى الكلب لا إلى الصائد والبارز راجع إلى الصيد، والتقدير فيأخذ الكلب الصيد، وهذا لا يدل على ابطال امتناعه، بل جاز أن يبقى امتناعه والكلب ممسك له، فإذا قتله قتل ما هو ممتنع، فيحل بالقتل. وفيه أن تخصيص الآية بعدم الجواز مع وجود الآلة للاجماع وغيره لا يقتضي تخصيصها في محل النزاع، وقد تقرر في الاصول أن العام المخصوص حجة في الباقي. وأما الرواية ففي المسالك " هي ظاهرة في صيرورة الصيد غير ممتنع من جهات: (أحدها) قوله: " ولا يكون معه سكين " فان مقتضاه أن المانع له من التذكية عدم السكين لا عدم القدرة عليه لكونه ممتنعا،


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3. .

[ 73 ]

ولو كان حينئذ ممتنعا لما كان لقوله: " ولا يكون معه سكين " فائدة أصلا. و (الثانية) قوله: " فيذكيه بها " ظاهر أيضا في أنه لو كان معه سكين لذكاه بها، فدل على بطلان امتناعه، و (الثالثة) قوله: " أفيدعه " إلى آخره ظاهر أيضا في أنه قادر على أن لا يدعه حتى يقتله وأنه إنما يترك تذكيته ويدع الكلب يقتله لعدم وجود السكين ". قلت: ولعله لذا مال بعض المتأخرين إلى العمل بالصحيح المزبور المعتضد بغيره، لكن لا يخفى عليك أولا أنه بعد تسليم ظهوره مرجوح بالنسبة إلى ما قابله من الادلة الدالة على أن الحيوان بعد صيرورته غير ممتنع لا يحله إلا التذكية، خصوصا بعد الاعتضاد بالشهرة والاصل وغير ذلك. نعم قد يقال بامكان كون المراد من الصحيح المزبور السؤال عمن ترك المبادرة إلى الصيد بعد أخذ الكلب لتعرف حاله فيدعه حتى يقتله الكلب، وذلك لعدم سكين عنده يذبحه بها لو بادر وأمكنه إدراك ذكاته بعد صيرروته غير ممتنع، فأجابه الامام (عليه السلام) بحليته، فلا منافاة حينئذ بينه وبين غيره من النصوص (1) الدالة على وجوب التذكية لو أدركها المنزلة على من بادر فأدرك التذكية. بل قد يستفاد من الصحيح المزبور قوة ما أشرنا إليه من عدم وجوب المبادرة، وأن له أن يترك الكلب يقتله من غير تعرف حاله وإن أمكنه ذلك، وهو غير ما لو بادر وأدرك تذكيته، فانه لا يجزؤه حينئذ قتل الكلب له، لما سمعته من النص والفتوى، مضافا إلى الاصل وغيره مما دل على أن الحيوان لا يحله إلا الذبح، فتأمل جيدا، فانه قوي وقريب جدا، والله العالم. هذا كله في سعة الزمان لتذكيته. { أما إذا لم يتسع الزمان لذبحه } من غير تقصير الصائد { فهو


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد.

[ 74 ]

حلال ولو كانت حياته مستقرة } وفاقا للاكثر كما في المسالك، لاطلاق وعموم حل قتيل الكلب المقتصر في الخروج عنهما (على ظ) ما أدرك ذكاته دون غيره، مضافا إلى النصوص الدالة على ذلك مفهوما ومنطوقا. (منها) قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): " إن أرسلت كلبا معلما أو فهدا بعد أن تسمي فكل مما أمسك عليك قتل أو لم يقتل، أكل أو لم يأكل، وإن أدركت صيده وكان في يدك حيا فذكه، فان عجل عليك فمات قبل أن تذكيه فكل ". و (منها) خبر محمد بن مسلم وغير واحد (2) عنهما (عليهما السلام) " أنهما قالا في الكلب يرسله الرجل ويسمي، قال: إن أخذه فأدركت ذكاته فذكه، وإن أدركته وقد قتله فأكل منه فكل ما بقي " إلى غير ذلك من النصوص التي فيها ما هو كالصريح في المطلوب (3) بل يندرج فيه ما لو اشتغل بأخذ الآلة وسل السكين فمات قبل أن يمكنه الذبح، بل وما لو امتنع بما فيه من قوة ويموت قبل القدرة عليه فضلا عمن لا يجد من الزمان ما يمكنه الذبح فيه. وبالجملة المدار ما عرفت خلافا للمحكي عن الشيخ في الخلاف وابن إدريس والفاضل في المختلف والتحرير من الحرمة، لانه مستقر الحياة فتوقفت إباحته بتذكيته، كمتسع الزمان، وهو كما ترى كأنه اجتهاد في مقابلة النص (4) المعمول به بين الاصحاب المتضمن لاعتبار التذكية على تقدير إدراكها لا مطلقا، والفرض كونه مفقودا، نعم لو دخل تحت يده وتمكن من تذكيته وتركه حتى مات حرم وإن كان قتيلا للكلب أو السلاح


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد - الحديث 3. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد.

[ 75 ]

بسراية الجرح، إذ هو حينئذ كما لو تردى الحيوان من شاهق ولم يذبحه حتى مات. وإطلاق حل قتيل الكلب والسلاح غير مجد بعد تقييده بما إذا لم يدرك ذكاته، فانه حينئذ لا يحل إلا بها نصا (1) وفتوى كما عرفت، بل لا خلاف فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه إلا ما سمعته من القول بأن من العذر عدم الآلة، وقد عرفت التحقيق فيه. وبالجملة فالمدار في الحرمة على إمكان التذكية ولم يفعل بتقصير منه، والظاهر أن منه أن لا يكون معه مدية يذبح بها، فان ترك استصحاب الآلة للذبح تقصير منه، وكذا لو ضاعت الآلة فمات الصيد في مدة الطلب أو نشبت في الغمد، فان حقه أن يستصحب الآلة في غمد يواسيها (2) وكذا لو اشتغل بتحديد المدية، لانه قصر بعدم تقديمه، كل ذلك لما عرفت من ظهور النصوص. مضافا إلى أن الاصل عدم التذكية المقتصر في الخروج منه على الصورة الاولى دون غيرها السالم عن معارضة الاطلاق الذي هو إن لم يكن ظاهرا في غير الفرض فلا أقل من الشك في تناوله له على وجه يبقى الاصل سليما. بقي شئ: وهو أن الفخر في الايضاح قد اعترض على نحو عبارة المصنف بأنه " إن أريد بعدم اتساع الزمان لها عدم اتساعه لنفس فعل الذكاة كان منافيا لاستقرار الحياة، لان الحياة المستقرة هي ما يمكن أن يعيش صاحبها اليوم واليومين، فلا يدخل تحت المقسم، فلا يصح التقسيم، وإن أريد عدم اتساعه لها ولما يتوقف عليه من تحصيل الآلة والمعاون وغير


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (2) جاء في هامش النسخة المخطوطة المبيضة تفسيرا لذلك هكذا " أي غمد واسع ".

[ 76 ]

ذلك لم يتم الحكم بالحل على تقدير تعذر ذلك، لجواز أن يحتاج في تحصيل الآلة أو المعاون إلى أكثر من يوم أو يومين، فلا يحل بموته على هذا الوجه ". وأجاب عنه في المسالك بجواز اختيار كل من القسمين " أما الاول فلان استقرار الحياة هو إمكان أن يعيش اليوم واليومين، ومجرد الامكان لا ينافي نقيضه، لجواز أن يموت في الحال مع تحقق الامكان، فيصير حاصله كونه متصفا بامكان أن يعيش عادة فاتفق خلاف ذلك ومات قبل أن يتسع الوقت لذبحه، خصوصا ومناط الامكان مجرد الاحتمال، وهو مما يمكن خلافه ظاهرا وفي نفس الامر، وأما الثاني فلان المراد اتساعه لما يتوقف عليه من الآلة ما يعتبر تحصيله عادة كما أشرنا إليه سابقا من سل السكين وأخذها من محل قريب وانتظار المعاون القريب الذي لا ينافي المبادرة عادة، فان القدر المعتبر منها ما يعد في العرف طالبا للتذكية ومبادرا إليها، فإذا فرض موته قبل ذلك حل ولم يناف استقرار الحياة عادة كما أشرنا إليه، ولا يرد عليه الامهال اليوم واليومين كما ذكر ". ثم قال بعد كلام لا مدخليه له فيما نحن فيه: " هذا على تقدير الحكم بكونه في مثل هذه الحالة يعد مستقر الحياة، وقد يقال: إنه على هذا التقدير كان الحكم به ظاهرا، وقد كشف تعجيل إزهاقه عن عدم الاستقرار ومع ذلك لا ينافي الحكم بكونه مستقر الحياة عملا بالظاهر الذي يجوز كذبه، وكذلك حكموا بعدم حله على تقدير أن يجده ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له وقد بقي من حياته زمن لا يسع لذبحه، والاقوى حله هنا أيضا، لانه قبل القدرة عليه لم تكن تذكيته معتبرة، لكونه ممتنعا وبعد إدراكه لم يسع الزمان لها فكالاول، فيدخل في عموم حل الصيد المقتول بالآلة حيث لا يمكن تذكيته ".

[ 77 ]

قلت: لا يخفى عليك ما في الاخير من كلامه من احتمال الكشف المنافي لما هو كالصريح من جعلهم له قسما من مستقر الحياة ظاهرا وواقعا على أن استقرار الحياة عرفي لا يرتفع بسرعة موته قبل إدارك تذكيته. كما أنه لا يخفى عليك ما في أوله أيضا من كون المراد منه الامكان الذي لا ينافيه وقوع النقيض، ضرورة صراحة كلامهم بكونه قسما من مستقر الحياة لم يسع الزمان لذبحه وإن علم عدم إمكان أن يعيش المدة المزبورة، على أنه في آخر المدة المزبورة هو من مستقر الحياة مع عدم المدة وفرض مدة أخرى له ينافي التقدير بها. ولعله لذا أو لغيره اعترف بعض من تأخر عنه بضعف الجواب المزبور، وأن فيه من التعسف ما لا يخفى، واعترف بورود الاشكال على فرض تفسير استقرار الحياة بذلك. هذا وربما أشكل المقام أيضا بأمر آخر، وهو أن جماعة ممن اختار جعل المدار في التذكية وعدمها على مضمون النصوص (1) السابقة من طرف العين وركض الرجل ومصع الذنب فصلوا بين مستقر الحياة وغيره في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فحكموا في الاول بلزوم التذكية في الحل وفي الثاني بعدمه، وهذا التفصيل لا يتصور إلا على تقدير تفسير استقرار الحياة بما ذكره في المبسوط وتبعه الجماعة من إمكان بقاء الحياة المدة المزبورة، فانه هو الذي يتصور فيه التفصيل بين مستقر الحياة، وهو ما أمكن أن يعيش المدة وغيره، وهو ما قابله، وأما تفسيره بادراكه وعينه تطرف ورجله تركض فغير متصور فيه التفصيل الذي مر، إذ لا حركة دون الحركات المزبورة تعد قسما آخر تقابل مستقر الحياة أيضا. هذا وفى الرياض " أنه يمكن الذب عن هذا الاشكال بما هو حقيق


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح.

[ 78 ]

أن يسطر ويرجع إليه في هذا المجال: وهو أن المستفاد من تتبع جملة من العبارات في تفسير غير مستقر الحياة بأنه هو الذي قطع حلقومه أو فتق قلبه أو شق بطنه أن مستقر الحياة ما قابله، وهو الذي لم يحصل فيه أحد من الامور المزبورة، سواء كان ممن يعيش تلك المدة المتقدمة أم لا، واستقرار الحياة بهذا المعنى يجامع ما ذكره ابن حمزة ومن تبعه من أن أدناه طرف العين وركض الرجل، ويمكن تنزيل تفسير الشيخ له بما ذكره من إمكان بقاء تلك المدة عليه بارادته من الامكان ما يقابل إمكان البقاء مع شق البطن ونحوه، ويعضده ما نقله عن الاصحاب من إدراك الذكاة بطرف العين مع موافقته لابن حمزة في تفسير غير مستقر الحياة بما ذكره، لكن في الخلاف ما يأبى عن هذا التنزيل، وبما ذكرنا ظهر عدم الخلاف في اعتبار استقرار الحياة، كما يستفاد من التنقيح، وأنه على تقديره انما هو في تفسيره، ولا ينافيه ما مر عن يحيى بن سعيد من أن اعتباره ليس من المذهب، لاحتمال إرادته من الاستقرار الذي نفاه الاستقرار بمعنى البقاء إلى المدة المذكورة لا مطلقه. وبهذا التحقيق يظهر الجواب عما يرد من الاشكال على فرض استقرار الحياة مع عدم سعة الزمان لادراك الذكاة، ولعل هذا الفرض أيضا من شواهد هذا التحقيق، كما قد نبه عليه المقدس الاردبيلي، فان ما أجيب عنه على طريقة المشهور في تفسير استقرار الحياة لا يخلو من تعسف " انتهى. وفيه مواضع للنظر تظهر لك عندما تسمع تحقيق الكلام في استقرار الحياة في الذباحة، والله العالم. وكيف كان فقد عرفت أن الاصطياد يتحقق بأمرين: أحدهما إزهاقه بالآلة على الوجه الذي تقدم مفصلا. { و } الثاني إثباته كما { إذا صيره الرامي غير ممتنع } بأن يجرحه جراحة مزهقة أو يرميه

[ 79 ]

بما يثخنه ويزمنه أو يسكر جناحه بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعا أو بأن يقع في شبكته المنصوبة له ولو بأن طرده طارد حتى أوقعه فيها، أو يرسل عليه كلبا أو غيره مما له يد عليه فيثبته بعقر أو غيره، أو بأن يلجؤه إلى مضيق لا يقدر على الافلات منه، كما لو أدخله إلى بيت ونحوه وغير ذلك مما يحصل به الاستيلاء على وجه يصدق عليه أنه في حوزته وفي قبضته وتحت يده، فمتى كان كذلك { ملكه وإن لم يقبضه القبض الحسي. وحينئذ { فلو أخذه غيره لم يملكه } أي { الثاني ووجب دفعه إلى الاول } الذي هو مالكه بالسبب الذي عرفت، إذ هو حينئذ كما لو صاده بيده قاصدا لتملكه أو غير قاصد لعدم تملكه إن اعتبرنا ذلك في تملك المباحات، وإلا ملكه مطلقا حتى لو أخذه لينظر إليه، نعم لو سعى خلف صيد فوقف للاعياء لم يملكه حتى يأخذه، كما جزم به في المسالك، لعدم صدق الاستيلاء ونحوه بذلك، فيبقى على مقتضى الاصل والله العالم. هذا كله في الصيد. { وأما الذباحة } التي اعترف في كشف اللثام بأنه لم يرها في كتب اللغة وإن اشتهر التعبير بها في كتب الفقه { فالنظر فيها إما في الاركان وإما في اللواحق، أما الاركان فثلاثة: الذابح والآلة وكيفية الذبح }. { أما الذابح ف‍ } لا خلاف في أنه { يشترط فيه الاسلام أو حكمه } على معنى ما أشار إليه بقوله: { فلا يتولاه الوثني } وغيره من الكفار غير الكتابي وإن كان من كفار المسلمين كالمرتد والغلاة والخوارج

[ 80 ]

والنصاب ونحوهم، وحينئذ { فلو ذبح كان المذبوح ميتة } وإن جاء بالتسمية وغيرها من الشرائط، بل في المسالك وغيرها أنه مجمع عليه بين المسلمين. وعلى المشهور شهرة عظيمة على معنى أنه لا يتولاه الكافر مطلقا وإن كان كتابيا وجاء بالتسمية، بل استقر الاجماع في جملة من الاعصار المتأخرة عن زمن الصدوقين على ذلك، بل والمتقدمة كما حكاه المرتضى والشيخ بعد اعترافهما بأنه من متفردات الامامية، بل كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة التي إن لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح فمضمونها مقطوع به ولو بمعونة ما عرفت. فمن الغريب وسوسة بعض الناس فيه، وكان الذي جراه على ذلك تعبير المصنف وغيره عن ذلك بقوله: { وفي الكتابي روايتان (2): أشهرهما المنع، فلا تؤكل ذبيحة (ذباحة خ ل) اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي } - بناء على أنه كتابي - المشعر بكون المسألة ظنية وأن النصوص فيها مختلفة، ومن المعلوم أن هذه النصوص بين الامامية كالنصوص الدالة على طهارة سؤرهم (3) ونحوها مما هو معلوم خروجها مخرج التقية، كما أومأ إليه خبر بشير بن أبي غيلان الشيباني (4) " سألت أبا عبد الله


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح. (2) الوسائل - الباب 27 - من أبواب الذبائح. (3) الوسائل - الباب - 53 - من أبواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة والباب - 3 - من أبواب الاسآر - الحديث 3 من كتاب الطهارة. (4) الوسائل - الباب - 27 من أبواب الذبائح - الحديث 28.

[ 81 ]

عليه السلام عن ذبائح اليهود والنصارى والنصاب، قال: فلوى شدقه، وقال: كلها إلى يوم ما ". بل لا يخفى على من رزقه الله فهم اللحن في القول أن هذا الاختلاف منهم في الجواب ليس إلا لها. (فتارة) يطلق النهي عن ذبيحتهم، كخبر أبي المعزا عن جماعة (1) عن أبي ابراهيم (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني، فقال: لا تقربوها " وخبر اسماعيل بن جابر (2) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تأكل ذبائحهم، ولا تأكل في آنيتهم يعني أهل الكتاب " وخبر محمد بن عذافر (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل يجلب الغنم من الجبل يكون فيها الاجير المجوسي والنصراني فتقع العارضة فيأتيه بها مملحة، فقال: لا تأكلها " وخبر الحسين الاحمسي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال له رجل: أصلحك الله إن لنا جارا قصابا فيجيئ بيهودي فيذبح له حتى يشتري منه اليهود، فقال: لا تأكل من ذبيحته، ولا تشتر منه " وخبر محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن نصارى العرب أتؤكل ذبائحهم ؟ فقال: كان علي (عليه السلام) ينهى عن ذبائحهم وعن صيدهم ومناكحتهم " وخبر زيد الشحام (6) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة الذمي، فقال: لا تأكل، سمى وإن لم يسم " وموثق سماعة (7) عن أبي ابراهيم (عليه لسلام) " سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني، فقال: لا تقربنها " إلى غير ذلك من النصوص التي هي بنحو ذلك. و (تارة أخرى) ينفي البأس عن ذلك، كصحيح الحلبي (8) سأل


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح الحديث 9 - 10 - 1 - 6 - 5 - 9 - 34 والاول عن أبي المعزا عن سماعة كما في الاستبصار ج 4. ص 81 والكافي ج 6 ص 239. (3) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح - الحديث 8.

[ 82 ]

الصادق (عليه السلام) " عن ذبيحة أهل الكتاب ونسائهم، فقال: لا بأس به " و (ثالثة) يجعل المدار على سماع التسمية وعدمه، كخبر حمران (1) قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في ذبيحة الناصب واليهودي والنصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، فقلت: المجوسي فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم الله، أما سمعت قول الله تعالى (2): ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ؟ " وخبر عامر بن علي (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب ولا ندري يسمون عليها أم لا ؟ فقال: إذا سمعتم قد سموا فكلوا " وخبر حمران (4) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في ذبيحة الناصب واليهود: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، أما سمعت الله يقول: ولا تأكلوا ؟ إلى آخرها ". و (رابعة) يجعل المدار على سماعها أو إخبار رجل مسلم بها، كخبر (5) حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) " إنهما قالا في ذبائح أهل الكتاب: فإذا شهدتموهم وقد سموا اسم الله فكلوا ذبائحهم، وإن لم تشهدوهم فلا تأكلوا، وإن أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سموا فكل " وخبر حريز الآخر (6) سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: إذا سمعتهم يسمون أو شهد لك من يراهم يسمون فكل، وإن لم تسمعهم ولم يشهد عندك من رآهم يسمون فلا تأكل ذبيحتهم ". و (خامسة) على جواز الاكل إلا مع حضورهم ولم يسموا،


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 27 - من أبواب الذبائح. الحديث 31 - 45 - 18 - 38 - 39. (2) سورة الانعام: 6 - الآية 121.

[ 83 ]

كخبر جميل ومحمد بن حمران (1) " سألا أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمون، فقال: فان حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا، وقال: إذا غاب فكل ". و (سادسة) جواز أكل ذبائحهم وإن ذكروا اسم المسيح، لانهم يريدون به الله، كخبر عبد الملك (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في ذبائح النصاري ؟ فقال: لا بأس بها، قلت: فانهم يذكرون عليها اسم المسيح، فقال: انما أرادوا بالمسيح: الله " وخبر أبي بصير (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة اليهودي، فقال: حلال فقلت: وإن سم المسيح، قال: وإن سم المسيح، فانه انما يريد الله " والصواب كون السؤال عن ذبيحة النصراني، لانه هو الذى يسمي المسيح، لا اليهودي المنكر له، ولعل السهو من النساخ. وعلى كل حال فهو مناف لخبر حنان بن سدير (4) قال: " دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وأبي فقلنا له: جعلنا فداك إن لنا خلطاء من النصارى، وإنا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج والفراخ والجداء أفنأكلها ؟ قال: لا تأكلوها ولا تقربوها، فانهم يقولون على ذبائحهم ما لا أحب لكم أكلها - إلى أن قال -: فقالوا: صدق إنا لنقول باسم المسيح ". و (سابعة) إطلاق النهي عن أكلها مع التعليل بأن الاسم لا يؤمن عليه إلا المسلم، كمرسل ابن أبي عمير (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب ؟ فقال: والله ما يأكلون ذبائحهم فكيف تستحلون


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 33 - 35 - 36 - 3 - 4.

[ 84 ]

أن تأكلوا ذبائحهم ؟ إنما هو الاسم، ولا يؤمن عليه إلا مسلم ". وخبر قتيبة الاعشى (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى، فقال: الذبيحة اسم، ولا يؤمن على الاسم إلا مسلم ". وخبر الحسين بن المنذر (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا قوم نختلف إلى الجبل - إلى أن قال -: فنسأل الرعاة - أي الذين يأتون بالذبائح من الغنم - فيقولون: إنا نصارى، فأي شئ قولك في ذبائح اليهود والنصارى ؟ فقال ؟ يا حسين الذبيحة بالاسم، ولا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد " إلى غير ذلك من النصوص (3). و (ثامنة) يجعل المدار على ذكر اسم الله وعدمه، كخبر الورد ابن زيد (4) " قلت لابي جعفر (عليه السلام): حدثني حديثا وأملاه علي حتى أكتبه، فقال: أين حفظكم يا أهل الكوفة ؟ ! قال: قلت: حتى لا يرده علي أحد: ما تقول في مجوسي قال: بسم الله ثم ذبح ؟ فقال: كل، قلت: فمسلم ذبح ولم يسم، فقال: لا تأكله، إن الله يقول: فكلوا (5) - إلى آخرها - " وخبر علي بن جعفر (6) عن أخيه موسى (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة اليهود والنصارى هل تحل ؟ فقال: كل ما ذكر اسم الله عليه ". و (تاسعة) التفصيل بين اليهود والنصارى وبين المجوس، لانهم ليسوا أهل كتاب، كخبر عمر بن حنظلة (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 8. (2) و (3) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 0 -. (4) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 37 - 14 - 17 -. (5) سورة الانعام: 6 - الآية 118. .

[ 85 ]

في قول الله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه قال: أما المجوسي فلا، فليسوا من أهل الكتاب، وأما اليهود والنصارى فلا بأس إذا سموا). و (عاشرة) النهي عن المجوس ونصارى تغلب، كخبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا تأكل من ذبيحة المجوسي، وقال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب، فانهم مشركوا العرب ". و (حادي عشرة) نصارى العرب، كخبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تأكلوا ذبيحة نصارى العرب، فانهم ليسوا أهل الكتاب " وخبر علي ابن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن ذبائح نصارى العرب، قال: ليس هم بأهل الكتاب، ولا تحل ذبائحهم ". و (ثانية عشرة) النهي عن ذبح اليهودي والنصراني والمجوسي أضحيته، كخبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (لا يذبح أضحيتك يهودي ولا نصراني ولا مجوسي " وخبر الحسين بن علوان (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " إن عليا (عليه السلام) كان يأمر مناديه بالكوفة أيام الاضحى أنه لا يذبح نساككم يعني نسككم اليهود ولا النصارى، ولا يذبحها إلا المسلمون ". إلى غير ذلك من الاختلاف الذي يورث الفقيه القطع بخروج هذه. النصوص مخرج التقية التي قد خفى الامر من جهتها في ذلك الزمان على مثل أبي بصير والمعلى، وهما من البطانة. قال شعيب العقرقوفي (6): " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 22 - 23 - 15 - 30 - 13. (6) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديت 25 إلا أنه ترك ذيله وذكر تمامه في التهذيب ج 9 ص 66.

[ 86 ]

ومعنا أبو بصير وأناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب، فقال لهم أبو عبد الله (عليه السلام): قد سمعتم ما قال الله عزوجل في كتابه، فقالوا له: نحب أن تخبرنا، فقال: لا تأكلوها، فلما خرجنا قال أبو بصير: كلها في عنقي ما فيها، فقد سمعته وسمعت أباه (عليهما السلام) جميعا يأمران بأكلها، فرجعنا إليه، فقال لي أبو بصير: سله فقلت ؟ جعلت فداك ما تقول في ذبائح أهل الكتاب ؟ فقال: أليس قد شهدتنا بالغداة وسمعت ؟ قلت: بلى، فقال: لا تأكلها، ثم قال: سله الثانية، فقال لي مثل مقالته الاولى، وأعاد أبو بصير، فقال لي قوله الاول: في عنقي كلها، ثم قال لي: سله، فقلت: لا أسأله بعد مرتين ". وقال سعيد بن جناح وعدة من أصحابنا - بل عن العبيدي أنه حدث به أيضا - عن ابن أبي عمير (1) " إن ابن أبي يعفور ومعلى بن خنيس كانا بالنيل على عهد أبي عبد الله (عليه السلام) فاختلفا في ذبائح اليهود، فأكل المعلى ولم يأكل ابن أبي يعفور، فلما صارا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أخبراه، فرضي بفعل ابن أبي يعفور وخطأ المعلى في أكله إياه ". ومن الغريب بعد ذلك إطناب ثاني الشهيدين في المسالك وبعض أتباعه في تأييد القول بالجواز واختياره، وذكر الجمع بالكراهة ونحوه، وذكره فيها ما لو وقع من غيره لعد من الخرافات. { و } أغرب من هذا أن الفاضل في الرياض مع اعتداله وشدة إطنابه في الانكار على ثاني الشهيدين في ميله إلى القول بالجواز مال بعض الميل إلى العمل إلى ما سمعته { في رواية ثالثة } (2) مقابلة لروايتي (3) الجواز


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 16 - 39 - 0 -.

[ 87 ]

مطلقا وعدمه، وهي { تؤكل ذباحة الذمي إذا سمعت تسميته، وهي } مع أنها { مطرحة } لم يحك القول بها إلا عن الصدوق، بل قد سمعت اختلاف مؤداها أيضا، بل قيل: إنها موافقة للعامة وإن أنكره بعضهم. قال: " لو صح هذا الانكار ولم تكن أدلة الحرمة بالشهرة معتضدة لكان المصير إلى هذه الرواية في غاية القوة، لوضوح الجمع بها بين مطلق الروايتين الاولتين الدالتين على التحريم والحلية، بحمل الاولى على عدم سماع التسمية والثانية على سماعها، وتجعل هذه قرينة على أن المراد بالتعليل المتقدم إليه الاشارة في أخبار الحرمة بأنها اسم ولا يؤمن عليه إلا مسلم المعنى المستفاد منه في بادئ النظر، وهو كون عدم الامن من حيث خوف الترك لا خوف عدم القصد إلى ما دل، نعم لا يمكن الجمع بها بين صريحهما، لكنه غير محتاج إليه أصلا، لضعف سندها، بل وموافقة الثانية منهما للتقية جدا، فالتعارض الموجب للتردد حقيقة انما هو ما وقع بين المعتبرة من أخبارهما، وهو مرتفع بهذه الرواية المفصلة جدا، فلا إشكال في المصير إليها لولا رجحان رواية الحرمة مطلقها وصريحها بالشهرة، لكن بعده - سيما مع ندرة القائل بهذه الرواية - لا مسرح عن العمل بتلك الرواية ولا مندوحة، مع أن من روايات الحلية ما لا يقبل الحمل على هذه المفصلة جدا، مع أنها صحيحة " عن ذبائح اليهود " - إلى آخر ما سمعته في الرابعة (1) - ولكن يمكن الذب عنها بالحمل على التقية مع ندرة القائل بها منا من حيث التسوية فيها بين الفرق الثلاثة، مع أن العماني الذى هو أحد القائلين بالحلية يفرق بينها، فيحكم في ذبيحة المجوسي


(1) ما ذكره في الرياض في المقام هو خبر جميل ومحمد بن حمران المتقدم في الخامسة لا الرابعة، وهو ما تقدم في ص 83.

[ 88 ]

بالحرمة مطلقا، فانحصر القائل بها في الاسكافي خاصة ". وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن النصوص مع قطع النظر عن الشهرة ظاهرة في اشتراط الذبح بالاسلام، لانه اسم ولا يؤمن عليه غير المسلم، ودعوى كون المراد منه ما ذكره ينافيها التعليل به في عدم جواز ذبح عبدة النيران وأشباههم ممن لم يقل أحد بجواز ذلك منهم مع الذكر. قال الحسين بن المنذر (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا نتكارى هؤلاء الاكراد في قطاع الغنم، وإنما هم عبدة النيران وأشباه ذلك، فتسقط العارضة فيذبحونها ويبيعونها، فقال: ما أحب أن تجعل في مالك، إنما الذبيحة اسم، ولا يؤمن على الاسم إلا مسلم ". بل قد يستفاد من ذلك أن هذا حكمة لا تعليل يدور الحكم مداره وإلا ثبت حتى في المشرك إذا سمى، ولم يقل به أحد، كما أنه لم يقل أحد أيضا بجوازه في الناصب إذا ذكر وإن اقتضاه خبر الخصم. وكأن الذي أوقعه في ذلك حتى أظهر بعض الميل إلى الحل في الجملة هو ما أطنب به في المسالك وأتباعه على وجه يتخيل منه كون المسألة نظرية، وقد عرفت أنها من ضروريات المذهب، فلا وجه للتأمل فيها مطلقا، بل نسأل الله تعالى شأنه أن لا يجعل ما وقع لنا من الكلام فيها من اللغو الذي لا نؤجر عليه، هذا كله في اشتراطه بالمعنيين اللذين ذكرناهما. أما اشتراطه بمعنى عدم الصحة من غيره وإن لم يكن كافرا كولد الزنا قبل البلوغ مثلا فظاهر المصنف وغيره ممن جعل الاسلام شرطا ذلك أيضا، ولعله لانه مقتضى ما سمعته من التعليل بأنه لا يؤمن عليه إلا


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح - الحديث 7.

[ 89 ]

مسلم (1) مضافا إلى ما تسمعه من التصريح باشتراط الاسلام في المستفيضة الواردة في المرأة (2) ولا قائل بالفصل. لكن فيه أن ظاهر ذلك من وصف الاسلام فعلا، خصوصا بعد ذكر الائتمان فيه الذي ستعرف عدمه في الصبي، فلا يدخل فيه ولد المسلم، وتبعيته في صحة التذكية لا دليل عليها بالخصوص ولا بالعموم الشامل لمثل ذلك، بل مقتضى سلب قول الصبي وفعله في المعاملة الشاملة لمثل المقام العكس، نعم ما سمعته من النصوص (3) في خصوص المقام دليل صحة تذكيته، وهي لا اختصاص فيها بولد المسلم الشرعي، فيندرج فيها ابن الزنا، بل وابن الكافر إن لم يثبت اندراجه في اسم اليهودي مثلا أو تبعيته له في عدم صحة التذكية. أللهم إلا أن يقال: إن المراد من الصبي في النصوص (4) الصبي التابع للمسلم في الاسلام ولو بمعونة قول الاصحاب هنا: " الاسلام أو حكمه " بل ظاهرهم أن صحة تذكية الصبي باعتبار كونه بحكم المسلم، فيبقي غيره ممن هو محكوم بكفره تبعا أو لم يحكم بكفره ولا باسلامه تحت ما دل على عدم جواز تذكيته من الاصل وشرطية الاسلام المقتضية عدم الحل في فاقدها، من غير فرق بين الصبي الذي لم يكن بحكم المسلم ولا بحكم الكافر والذي هو بحكم الكافر، كما أن مقتضاها عدمه أيضا في البالغ إذا كان في فسحة النظر وإن لم يحكم بكفره حتى يصف الكفر، لكونه غير مسلم قطعا، لعدم وصفه الاسلام، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 و 4 و 7 و 10. (2) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الذبائح - الحديث 6 و 7 و 11. (3) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الذبائح. (4) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الذبائح.

[ 90 ]

{ و } كيف كان فلا خلاف في أنه يجوز أن { تذبح المسلمة والخصي } فضلا عن الخنثى والمجبوب { والجنب والحائض وولد المسلم وإن كان طفل إذا أحسن } والاعمى وولد الزنا والاغلف، ولا إشكال بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لاطلاق الادلة، حتى قوله تعالى (1): " ذكيتم " بناء على دخول الولد والبنت والزوجة في صدق نسبة التذكية إلينا، مضافا إلى النصوص. كخبر أبي بصير المرادي (2) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) لا يذبح اضحيتك يهودي ولا نصراني، وإن كانت امرأة فلتذبح لنفسها ". وخبر عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كانت له جارية تذبح له إذا أراد ". وخبر علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة الجارية هل تصلح ؟ قال: إذا كانت لا تنخع ولا تكسر الرقبة فلا بأس، وقد كانت لاهل علي بن الحسين (عليهما السلام) جارية تذبح لهم ". وخبر مسعدة بن صدقة (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث " أنه سئل عن ذبيحة المرأة، فقال: إذا كانت مسلمة فذكرت اسم الله عليها فكل ". وخبر سليمان بن خالد (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة الغلام والمرأة هل تؤكل ؟ فقال: إذا كانت المرأة مسلمة فذكرت اسم الله على ذبيحتها حلت ذبيحتها، وكذلك الغلام إذا نوى (قوى خ ل)


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2 - 4 - 6 - 7.

[ 91 ]

على الذبيحة فذكر اسم الله، وذلك إذا خيف فوت الذبيحة ولم يوجد من يذبح غيرهما ". ومرسل ابن أذينة (1) عن غير واحد رواه عنهما (عليهما السلام) " إن ذبيحه المرأة إذا أجادت الذبح وسمت فلا بأس بأكله، وكذلك الصبي وكذلك الاعمى إذا سدد ". ومرسل أحمد بن محمد (2) قال: " سأل المرزبان الرضا (عليه السلام) عن ذبيحة الصبي قبل أن يبلغ وذبيحة المرأة، قال: لا بأس بذبيحة الصبي والخصي والمرأة إذا اضطروا إليه ". وخبر عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي " سألته عن ذبيحة المرأة والغلام هل تؤكل ؟ قال: نعم إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم الله حلت ذبيحتها، وإن كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم الله حلت ذبيحته " الحديث. وخبر ابن أبي البلاد (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحه الخصي، فقال: لا بأس ". وخبر محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة الصبي، قال: إذا تحرك وكان له خمسة أشبار وأطاق الشفرة، وعن ذبيحة المرأة فقال: إن كن نساء ليس معهن رجل فلتذبح أعقلهن (أعلمهن خ ل) ولتذكر اسم الله عليه ".


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الذبائح - الحديث 8 - 10 - 11. (4) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 22 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. وذيله في الباب - 23 منها - الحديث 5.

[ 92 ]

ومرسل ابن أبي عمير (1) عن الصادق (عليه السلام) " لا بأس بأن يذبح الرجل وهو جنب ". والمرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) " أنه سئل عن الذبح على غير طهارة فرخص فيه ". وخبر صفوان بن يحيى (3) قال: " سأل المرزبان أبا الحسن (عليه السلام) عن ذبيحة ولد الزنا وقد عرفناه بذلك، قال: لا بأس به، والمرأة والصبي إذا اضطروا إليه ". وخبر مسعدة بن صدقة (4) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " أنه سئل عن ذبيحة الاغلف، قال: كان علي (عليه السلام) لا يرى به بأسا ". إلى غير ذلك. وما في بعض النصوص من اعتبار الضرورة بعدم الرجل الجاري مجرى الغالب أو خوف موت الذبيحة أو غير ذلك في ذبيحة المرأة والغلام لم أجد أحدا أفتى به. كما اعترف به بعضهم، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب أو الكراهة، خصوصا مع أعمية البأس المستفاد من المفهوم من الحرمة، كما أن الظاهر إرادة الاشارة إلى التمييز مما ذكر في بعض النصوص من بلوغ خمسة أشبار وقوى وأطاق الشفرة ونحو ذلك، لا أن ذلك شرط، خصوصا بعد عدم القائل به، نعم قد يقال بعدم حل ذبيحته مع عدم العلم باحراز الشرائط التي لا يكفي فيها قوله فضلا عن عدم قوله، لعدم الدليل القاطع لاصالة عدم التذكية بعد فرض عدم جريان أصل


(1) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 3. (2) المستدرك - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 25 من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 93 ]

الصحة في فعله، وثبوت صحة التذكية شرعا أعم من ذلك، كتطهيره المتنجس، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ (لا يشترط الايمان } بالمعنى الاخص وفاقا للمشهور، للاصل وظاهر التعليل السابق المستفاد منه أن المسلم هو الذي يؤمن على الاسم، والسيرة القطعية المستمرة، ونفي الحرج، وقول الباقر عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (1): " ذبيحة من دان بكلمة الاسلام وصام وصلى حلال لكم إذا ذكر اسم الله " ونصوص (2) شراء الفراء واللحم من سوق المسلمين، وخبر السفرة (3) وغير ذلك. { و } لكن مع ذلك { فيه قول بعيد باشتراطه } وعدم الجواز محكي عن الحلي وأبي الصلاح وابني حمزة والبراج، فعن الاول " إنا لا نحل إلا ذبيحة المؤمن والمستضعف الذي لا منا ولا منهم، بمعنى أنه لا يعرف الحق ولا يعاند عليه ". وعن الثاني " أنه لا تحل ذباحة الكافر وجاحد النص ". وعن الثالث " أنه يجب في الذابح أن يكون مؤمنا أو في حكمه " وعن الرابع " لا يجوز أن يتولى الذبح إلا من كان مسلما من أهل الحق، فان تولاه غير من ذكرناه من الكفار المخالفين لدين الاسلام أو من كفار أهل الملة على اختلافهم في جهات كفرهم لم تصح ذكاته ولم تؤكل ذبيحته " لكن لا صراحة في الاخير، بل ولا ظهور. وعلى كل حال فمنشأ هذا القول من القائل به استفاضة النصوص


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب النجاسات - من كتاب الطهارة والباب - 55 - من أبواب لباس المصلي من كتاب الصلاة والباب - 29 - من أبواب الذبائح. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 94 ]

وتواترها بكفر المخالفين (1) وأنهم مجوس هذه الامة (2) وشر من اليهود والنصارى (3) التي قد عرفت كون المراد منها بيان حالهم في الآخرة لا الدنيا، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الطهارة (4). { نعم } الظاهر كراهة ذلك خصوصا مع وجود المؤمن، لخبر زكريا بن آدم (5) قال أبو الحسن (عليه السلام): " إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنت عليه وأصحابك إلا في وقت الضرورة إليه " المحمول على ذلك كخبر أبي بصير (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري اللحم من السوق وعنده من يذبح ويبيع من إخوانه فيتعمد الشراء من النصاب، فقال: أي شئ تسألني أن أقول ؟ ما يأكل إلا الميتة والدم ولحم الخنزير، قلت: سبحان الله مثل الدم والميتة ولحم الخنزير ؟ ! فقال: نعم، وأعظم عند الله من ذلك، ثم (قال خ ل) إن هذا في قلبه على المؤمن مرض " بناء على إرادة المخالفين من النصاب ولو بقرينة قوله: " يشتري من السوق منهم " فان مطلق المخالف هو المتعارف معاملته في الاسواق لا خصوص النصاب منهم. بل لعله المراد من خبر إبراهيم بن أبي محمود (7) عن أبي الحسن


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب حد المرتد - الحديث 2 و 11 و 13 و 14 و 18 و 19 و 21 و 23 و 25 و 27 و 28 و 29 و 38 و 43 و 48 و 49. (2) المستدرك - الباب - 8 - من أبواب حد المرتد - الحديث 38 وفيه " القدرية مجوس هذه الامة " وفي الحديث 41 " لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الامة الذين يقولون بالقدر ". (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الماء المضاف - الحديث 5 من كتاب الطهارة. (4) راجع ج 6 ص 60 - 66. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 4 - 9.

[ 95 ]

الرضا (عليه السلام) في حديث قال: " حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا " فان ذلك مقالة الاشاعرة من المخالفين. بل وخبر يونس (1) عن الصادق (عليه السلام) " يا يونس من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشرك، ومن زعم أن له جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله، فلا تقبلوا شهادته، ولا تأكلوا ذبيحته " لان هذا قول المجسمة منهم الذي لا تصح ذباحته. وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: { لا تصح ذباحة المعلن بالعداوة لاهل البيت (عليهم السلام) كالخارجي وإن أظهر الاسلام } وكذا غيره، بل لا خلاف أجده فيه، بل عن المهذب وغيره الاجماع عليه، لاستفاضة النصوص (2) المعتضدة بالفتوى بكفره الذي قد عرفت عدم صحة الذبح معه، مضافا إلى موثق أبي بصير (3) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ذبيحة الناصب لا تحل " وموثقه الآخر (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) " لا تحل ذبائح الحرورية " الذين هم كما في المسالك وغيرها من جملة النصاب، لنصبهم العداوة لعلى (عليه السلام) كغيرهم من فرق الخوارج. وقد عرفت تحقيق الناصب في كتاب الطهارة (5). لكن في التنقيح هنا عن بعض المحققين تفسيره بأنه من ينسب إليهم ما يثلم العدالة، واستحسنه، ثم قال: " وكذا حكم من صرح برد ما ورد


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 28 من أبواب الذبائح - الحديث 10 - 2 - 3. (2) راجع التعليقة (1) من ص 94. (5) راجع ج 6 ص 63 - 66.

[ 96 ]

عنهم (عليهم السلام) مع اشتهاره أو تواتره، أو نقص من منزلتهم بحيث يساويهم بآحاد المسلمين " ولا بأس به إذا كان المراد من ذلك تحقق حصول العداوة منه لهم (عليهم السلام) لا مطلقا، لان التحقيق كون الناصب من دان بعداوتهم أو أعلن بها، كما تقدم الكلام فيه مفصلا، وعلى كل حال فلا إشكال ولا خلاف في عدم حل ذبيحة الناصب. لكن في المسالك بعد أن ناقش في سند ما ورد من النصوص على الحرمة ذكر صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة المرجئ والحروري، فقال: كل وقر واستقر حتى يكون ما يكون " وحسن حمران (3) عن الباقر (عليه السلام) لا تأكل ذبيحة الناصب حتى تسمعه يسمي " قال: " وهاتان الروايتان أوضح سندا وهما مناسبتان لروايات الكتاب وأدل بالحل، إلا أن الاشهر استثناء الناصبي مطلقا والحروري من جملته لنصبه العداوة لعلي (عليه السلام) كغيره من فرق الخوارج ". وظاهره الميل إلى حل ذبيحته في الجملة، ولم أره لغيره، كما أني لم أر نسبته إلى الاشهر القاضية بكون الحل مشهورا أيضا لغيره أيضا. وفي الرياض احتمل حمل الحسن المزبور على التقية، قال: " كما يشعر به الصحيح المذكور " وهو جيد وأحسن مما في كشف اللثام من إمكان الجمع بين النصوص بسماع التسمية، لما عرفت من إجماع المسلمين على عدم حل ذبيحة الكافر غير الكتابي وإن جاء بجميع الشرائط، ولا إشكال في كفر الناصب عندنا وإن وقع النزاع في معناه، فلا وجه لشئ من هذه الاحتمالات، بل المتجه طرح ما لا يقبل التأويل منها بالحمل على التقية، أو إرادة مطلق المخالف من الناصب أو غير ذلك.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الذبائح الحديث 8 - 7.

[ 97 ]

وقد ظهر لك من ذلك كله من تحل ذبيحته ومن لا تحل ذبيحته، ومنه الصبي غير المميز والمجنون حين الذبح وإن اجتمعت صورة الشرائط فيهما، لعدم العبرة بفعلهما شرعا. لكن في المسالك: " ربما اختلفت صنف الجنون، إذ ربما كان لبعضهم تمييز، فلا مانع من حل ذبيحته " وفيه أن الشارع ألغا فعله وقوله بعد صدق اسم المجنون كالصبى غير المميز، وإنما خرج المميز بالدليل، ومن هنا لم أجد أحدا غيره استثنى منه فردا، وقياسه على حيازة المباح ونحوه لا وجه له، فهو حينئذ كالنائم وإن اتفق حصول القصد والتسمية من بعض النائمين، إلا أن الشارع لم يعتبر هذا القصد وكذا السكران والمغمى عليه. وأما المكره ففي المسالك " إذا أكره على الذبح فذبح فان بلغ الاكراه حدا يرفع القصد فلا إشكال في عدم حل ذبحه، وإلا فوجهان مثل ما لو أكرهه على رمي السهم، وينبغي أن يكون الملك للمكره إذا لم يبق للمكره قصد " وفيه أنه مناف لاصالة عدم الملك وظهور اعتبار القصد في الصيد كالذبح، ودعوى صيرورته كالآلة له واضحة المنع، نعم لو حازه بعد أن رماه المكره المزبور ملكه، أي المكره بالكسر بحيازته له إذا أدركه حيا، وإلا فمع فرض قتله له بالرمي يكون ميتة كالذبح. بقي شئ: وهو أن الفاضل قد جعل ممن لا يجوز ذبحه من لا يعتقد بوجوب التسمية وإن سمى، ولعله لدعوى ظهور ما دل (1) عليها من الآية وغيرها في فعلها بعنوان اعتقاد تأثيرها في حل الذبيحة، خصوصا بعد ذكر الائتمان الذي لا مورد له مع اعتقاد عدم الوجوب وإن كان فيه


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 121 والوسائل - الباب - 15 من أبواب الذبائح.

[ 98 ]

منع واضح، ضرورة عدم دلالة الاطلاق كتابا (1) وسنة (2) على أزيد من مدخلية ذكرها في حل الذبيحة من غير مدخلية لاشتراط الاعتقاد المزبور كما في غيره من الشرائط، والائتمان قد عرفت أنه حكمة، على أن أقصاه الدلالة على اشتراط الذكر لا الاعتقاد، فتأمل جيدا. لكن مع ذلك قال في الرياض: " لا وجه إن خص المنع بما إذا لم يعلم منه التسمية، وهو أن يقال: إن مقتضى النصوص المتقدمة المعللة بعدم ائتمان غير المسلم اعتبار حصول الامن منه بتحقق التسمية في حل الذبيحة، وهو لا يحصل في ذبيحة من لا يعتقد وجوبها، حيث لا يحصل العلم بتسميته عليها، لاحتمال تركه لها بمقتضى مذهبه، وهذا لا ينافي مقتضاها بحصول الامن بتحققها في المسلم، لان المراد من المسلم فيها من يعتقد الوجوب لا مطلقا، للتبادر والغلبة جدا، فان أكثر أهل الاسلام يعتقدونه قطعا، وبهذا يجاب عن التمسك لضعف هذا القول بالمعاضد المزبور الدال على أصالة الحل في اللحوم المشتراة من أسواق المسلمين، بناء على استلزام صحته لزوم الاجتناب عنها من باب المقدمة، لاحتمال كونها ذبائح من لا يعتقد الوجوب وتركها، وهو مناف للمعاضد المزبور جدا، وذلك لاحتمال كون أكثرية المعتقدين منهم موجبة للاصالة المزبورة، ونحن نقول بموجبها حيث لا تؤخذ الذبيحة من يد من يعلم أنه لا يعتقد وجوب التسمية، وأما إذا أخذت من يده فلا نقول به، وإطلاق الحكم بحل ما يؤخذ من السوق منصرف بحكم التبادر والغلبة إلى غير هذه الصورة وهو ما إذا أخذ من يد من لا يعلم حاله في اعتقاد وجوب التسمية وعدمه


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 121. (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح.

[ 99 ]

وهذا الوجه في غاية المتانة والقوة، ولم أقف على من تفطن له وذكره، فالاحتياط عنه لازم البتة ". قلت: قد يناقش فيه (أولا) بأن مبنى كلام الفاضل شرطية الاعتقاد بحيث لو سمى غير المعتقد لم يجد في الحل، فلا مدخلية لهذا الكلام في مذهبه. و (ثانيا) أن نصوص الائتمان أحد أدلة الشرطية، كالامر بالذكر الظاهر في الوجوب. و (ثالثا) قد عرفت أنه حكمة لا علة، ولذا لا ينفع ذكر التسمية من غير المسلم مع سماعها منه. و (رابعا) أنه يمكن الائتمان في المسلم باعتبار أمرنا فيه بحمل فعله على الاحسن (1) ولا ريب في أنه هنا هو الذكر وإن لم يعتقد الوجوب، لانه لا إشكال في أنه الاحوط عند المسلمين كافة. و (خامسا) أن السيرة على أخذ اللحم ممن نعلم بعدم وجوب التسمية عنده من فرق المسلمين كأخذنا له ممن يعتقد وجوبها. و (سادسها) أن المراد من أصل الصحة المحمول عليه فعل المسلم في أمثال ذلك الصحة في الواقع لا عنده، كما نبه عليه أخذ الجلد ممن يستحل الميتة بالدبغ، بل السيرة في أخذ المجتهد ومقلديه من مجتهد آخر ومقلديه ما هو محل الخلاف بينهم في الطهارة والنجاسة والحل والحرمة وغيره مع عدم العلم بكون المأخوذ حصل فيه الاختلاف، بل يمكن دعوى القطع بذلك في جميع أفعال المسلمين، فالتحقيق عدم الفرق في الحل بين الجميع مع عدم العلم بترك التسمية، والله العالم. { وأما الآلة فلا تصح التذكية } ذبحا أو نحرا { إلا بالحديد }


(1) الوسائل - الباب - 161 - من أبواب أحكام العشرة - الحديث 3 من كتاب الحج.

[ 100 ]

مع القدرة عليه وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها بلا خلاف فيه بيننا كما في الرياض، بل في المسالك " عندنا " مشعرا بدعوى الاجماع عليه كما عن غيره، بل في كشف اللثام اتفاقا كما يظهر، لانه المتعارف في التذكية على وجه يشك في تناول الاطلاق لغيره مع القدرة عليه فيبقى على أصالة العدم. مضافا إلى حسن ابن مسلم أو صحيحه (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذبيحة بالليطة والمروة، فقال: لا ذكاة إلا بحديد " وحسن الحلبي أو صحيحه (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي (عليه السلام): لا يصلح إلا بحديدة " وحسن أبي بكر الحضرمي (3) عنه (عليه السلام) " لا يؤكل ما لم يذبح بحديدة " { و } خبر سماعة بن مهران (4) " سألته عن الذكاة فقال: لا تذك إلا بحديدة، نهى عن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) " إلى غير ذلك. نعم { لو لم يوجد } الحديد { وخيف فوت الذبيحة جاز بما يفري أعضاء الذبيح ولو كان ليطة أو خشبة أو مروة حادة أو زجاجة } أو غير ذلك عدا السن والظفر بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل في المسالك " يجوز مع تعذرها والاضطرار إلى التذكية ما فرى الاعضاء من المحددات ولو من خشب أو ليطة بفتح اللام، وهى القشر الظاهر من القصبة، أو مروة، وهي الحجر الحاد الذي يقدح النار، أو غير ذلك عدا السن والظفر إجماعا " وكذا عن ظاهر غيرها، وفي كشف اللثام مازجا لعبارة القواعد " فان تعذر وخيف فوت الذبيحة أو اضطر إلى الذبح لغير ذلك


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2 - 3 - 4.

[ 101 ]

جاز بكل ما يفري الاعضاء اتفاقا كما يظهر " إلى آخره. لاطلاق الادلة في الحال المزبور، وصحيح الشحام (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يكن بحضرته سكين أيذبح بقصبة ؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة وبالعود إذا لم تصب الحديدة، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به ". وحسن عبد الرحمان بن الحجاج (2) " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن المروة والقصبة والعود يذبح بهن الانسان إذا لم يجد سكينا، فقال: إذا فرى الاوداج فلا بأس بذلك ". وخبر عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا بأس أن تأكل ما ذبح بحجر إذا لم تجد حديدة ". وخبر محمد بن مسلم (4) " قال أبو جعفر (عليه السلام) في الذبيحة بغير حديدة إذا اضطررت إليها، فان لم تجد حديدة فاذبحها بحجر ". وخبر علوان (5) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " إنه كان يقول: لا بأس بذبيحة المروة والعود وأشباههما ما خلا السن والعظم ". وخبر عدي بن حاتم (6) وإن لم أجده في طرقنا " قلت: يا رسول الله إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الطرار وشقة العصا، فقال رسول الله


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 1 - 2 - 4. (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 عن الحسين بن علوان كما سيشير (قده) إليه في 103. (6) سنن البيهقي - ج 9 ص 281 مع اختلاف يسير.

[ 102 ]

(صلى الله عليه وآله): أفر الدم بما شئت واذكر اسم الله " إلى غير ذلك. لكن ليس في شئ منها - عدا خبر محمد بن مسلم - اشتراط خوف فوت الذبيحة، ومقتضاها الجواز وإن لم يخف الفوت، نعم في خبر محمد بن مسلم اشتراط الاضطرار إليها، وهو أعم من خوف الفوت، بل يمكن إرادة مطلق الحاجة إلى الذبح، فلا ينافي حينئذ غيره، ولعله الاقوى، بل يمكن القول بجواز ذلك مع وجود الحديدة إذا أعجلته الذبيحة عن الاتيان بها وإخراجها من غمدها، لظهور التوسعة في الاخبار المزبورة مؤيدا بأن الضرورات تبيح المحذورات، وبعدم الضرر والحرج بفوات المال وتلفه وبغير ذلك، ولعله إليه يرجع ما في القواعد " ولا يجزئ بغير الحديد مع إمكانه، ولا مع تعذره إذا لم يخف فوت الذبيحة إلا مع الحاجة " والله العالم. { وهل تقع الذكاة بالظفر أو السن مع الضرورة } لعدم الحديد وخوف موت الذبيحة مثلا ؟ { قيل } والقائل المتأخرون: { نعم، لان المقصود } الذي هو قطع الاوداج { يحصل } بذلك، وقد عرفت ظهور الادلة في التوسعة المزبورة الموافقة لادلة نفي الضرر والحرج وغيرهما، بل ظاهر النصوص المزبورة سيما النبوي أن المدار مع الضرورة على فري الاوداج بأي شئ يكون، على أن في صحيح الشحام التصريح بالعظم الذي منه السن، وبمعناه الظفر. { وقيل } والقائل الاسكافي والشيخ في محكي الخلاف والمبسوط وابن زهرة في محكي الغنية والكيدري في محكي الاصباح والشهيد في غاية المراد: { لا } يجوز، بل عن الشيخ وابن زهرة دعوى الاجماع عليه بل عن الاول منهما نسبته إلى أخبار الفرقة مع ذلك بعد أن نفى الخلاف

[ 103 ]

فيه، كما أن المحكي عن الاسكافي منهم منع ذلك بكل ما يكون من حيوان كالسن والظفر والقرن وغيرها. وكيف كان فالمنع منهما لعله { لمكان } اطلاق { النهي } عن ذلك الذي مقتضاه العدم { ولو كان } كل منهما { منفصلا } كما عن المبسوط والخلاف والاصباح التصريح به، قال رافع بن خديج (1): " قلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غداء وليس معنا مدا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما انهار (ما انهر خ ل) الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم الانسان، وأما الظفر فمدي الحبشة ". وقد سمعت خبر الحسين ابن علوان (2). إلا أن الاول عامي، بل قد يستفاد من غرابة التعليل فيه إرادة الكراهة من النهي فيه، والثاني مع خلوه عن الظفر لا جابر له، ومعارض بالصحيح (3) المقدم عليه في العظم، بل وعلى خبر رافع، وإن كان هو مقيد والصحيح مطلقا إلا أنه قاصر عن تقييده من وجوه، والاجماع المحكي لا وثوق به بعد تبين عدمه، إذ لم يحك القول المزبور إلا ممن عرفت. بل قيل: إن كون مورده المنع منهما حال الاضطرار غير معلوم، لاحتماله المنع حال الاختيار، بل نزله الفاضل في المختلف والشهيد على ذلك، قال في المختلف بعد أن حكى عن ابن ادريس أنه قال: " والذي ينبغي تحصيله الجواز حال الاضطرار دون الاختيار، لانه لا خلاف بيننا أنه يجوز الذباحة مع الاضطرار وعند تعذر الحديد بكل شئ يفري الاوداج،


(1) سنن البيهقي - ج 9 ص 246. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 3.

[ 104 ]

سواء كان ذلك عظما أو حجرا أو عودا أو غير ذلك، وإنما بعض المخالفين يذهب إلى أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر حال الاضطرار والاختيار، واستدل المخالف بخبر رواه المخالف من طرقهم، وما رواه أحد من أصحابنا " قال: " وهذا الذي ذكره ابن ادريس هو الذي اختاره شيخنا، وإنما اطلق في الكتابين المنع بناء على الغالب " ثم حكى عنه التصريح في التهذيب بالتفصيل بين الاختيار والاضطرار. وفى الدروس " منع الشيخ منهما في المبسوط والخلاف وإن كانا منفصلين، مستدلا بالاجماع، والظاهر إرادته مع الاختيار، لانه جوز مثل ذلك في التهذيب عند الضرورة ". وفى غاية المراد بعد أن حكى عن التهذيب الجواز مع الضرورة قال: " فعلى الظاهر أن مراده في الكتابين مع الاختيار بناء على الغالب " ولم يستبعده في كشف اللثام، وعلى كل حال فالاصح ما عرفت. هذا وظاهر القولين عدم الفرق بين المتصلين والمنفصلين، بل عن المهذب ونهاية المرام نسبة ذلك إلى الاصحاب، نعم حكيا عن أبى حنيفة الفرق بينهما، فمنع في الاول وأجاز في الثاني، ولعله إليه أشار في المسالك بقوله: " وربما فرق بين المتصلين والمنفصلين من حيث إن المنفصلين كغيرهما من الآلات، بخلاف المتصلين، فان القطع بهما يخرج عن مسمى الذبح، بل هو أشبه بالاكل والتقطيع، والمقتضي للذكاة هو الذبح، ويحمل النهي في الخبر على المتصلين جمعا " واحتمله أيضا في غاية المراد، واحتاط فيه في الرياض قال: " وأحوط منه القول بالمنع المطلق ". ثم إن الظاهر بناء على المختار مساواتهما للغير من الآلات، لكن في الدروس استقرب الجواز مطلقا مع عدم غيرهما، بل هو ظاهره أيضا

[ 105 ]

في اللمعة، بل ظاهر القواعد وكشف اللثام أن محل الخلاف ذلك، قال فيها: " وهل يصح بالظفر والسن مع تعذر غيرهما ؟ قيل: نعم، وقيل بالمنع للنهي عنه " بل يمكن دعوى إرادته من الضرورة في المتن وإن كان الظاهر خلافه. كما أن الظاهر كون النزاع في أنهما كغيرهما من الآلات مع الضرورة أو لا تشرع التذكية بهما، وعلى كل حال فلا ريب في أنه أحوط، وإن كان الاقوى الاول، لما عرفته من أنه مقتضى إطلاق الادلة الاولى التي لا يكافؤها غيرها حتى يجمع بذلك، مع أنه لا شاهد، والله العالم. { وأما الكيفية فالواجب قطع } تمام { الاعضاء الاربعة: المرئ } بتشديد الياء أو همز الاخيرة منهما { وهو مجرى الطعام، والحلقوم } أي الحلق { وهو مجرى النفس } ومحله فوق المرئ { والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم } كما عن المشهور، وبالمرئ كما عن بعض، وربما اطلق على الاربعة اسم الاوداج، { و } حينئذ ف‍ { لا يجزئ قطع بعضها } أو بعض أحدها { مع الامكان } لا مع عدمه، في مثل المتردية في مكان لا يتمكن من ذبحها مثلا تمام التمكن { هذا في قول مشهور } بل في نهاية المرام ومحكى المهذب الاجماع عليه، بل والغنية إلا أنه لم يذكر المرئ. { و } لكن { في الرواية } الصحيحة (1) السابقة وغيرها { إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس } به، ولعله لذا مع صدق اسم الذبح به اقتصر عليه الاسكافي، بل في الدروس أنه يظهر من الخلاف ومال إليه الفاضل بعض الميل، وربما مال إليه في المسالك. ولكن فيه أن في حسن عبد الرحمان (2) السابق أيضا " إذا فرى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 1.

[ 106 ]

الاوداج فلا بأس بذلك " وكونها في مقام الضرورة التي هي عدم الحديد لا ينافي الدلالة على ذلك كالاولى. وما في المسالك - من أنه " لا شبهة في أنه مع فري الاوداج تحل الذبيحة. وذلك لا ينافي الاكتفاء بما دونها، فإذا ثبت في الرواية الصحيحة الاكتفاء بقطع الحلقوم لم يكن منافيا له إلا من حيث المفهوم، وليس بحجة، وأيضا فان فري الاوداج لا يقتضي قطعها رأسا الذي هو المعتبر على القول المشهور، لان الفري الشق وإن لم ينقطع، قال الهروي: في حديث ابن عباس (1) " كل ما فرى الاوداج " أي شقها وأخرج ما فيها من الدم، فقد ظهر أن اعتبار قطع الاربعة لا دليل عليه إلا الشهرة، ولو عمل بالروايتين واعتبر الحسن لاكتفي بقطع الحلقوم وحده أو فري الاوداج بحيث يخرج منها الدم وإن لم يستوعبها " وتبعه الاردبيلي وغيره في نحو ذلك - يدفعه أولا ما تقرر في الاصول من حجية المفهوم المزبور، وصلاحية معارضته للمنطوق، خصوصا في المقام باعتبار اعتضاده بالشهرة العظيمة والاجماعين المحكيين، بل يمكن دعوى تحصيله، خصوصا بملاحظة السيرة القطعية وأصالة عدم التذكية التي هي من قبيل الحكم الشرعي المحتاج إلى التوقيف، بل هي منه، فلا يكفي فيها مطلق اسم الذبح بعد تسليم صدقه في الفرض. على أنه يمكن أن يكون الاقتصار في الصحيحة (2) على ذكر الحلقوم باعتبار ما ذكره المقداد من أن الاوداج الاربعة متصلة بعضها مع بعض فإذا قطع الحلقوم أو الودجان فلا بد أن ينقطع الباقي معه، ولعله كذلك في الذبح المتعارف المسؤول عنه في النصوص، لا ما إذا قصد الاقتصار


(1) سنن البيهقي - ج 9 ص 282. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 3.

[ 107 ]

على أحدها، وكأنه لذلك ترك ذكر المرئ فيهما المفسر في كلام غير واحد بما تحت الحلقوم، وحينئذ فالانتهاء بالذبح المتعارف إلى منتهى الحلقوم يستلزم قطع الجميع، لانها مع اتصالها به على وجه الاحاطة ونحوها لا يزيد عرضها على عرضه، وحينئذ فيمكن إرادة ما يشمل الحلقوم من الاوداج في الحسن (1) الذي هو كالصحيح، بل لعل المحافظة على حقيقة الجمعية التي أقلها ثلاثة يقتضي ذلك، ولا أقل من التعارض، ولا ريب في أن الترجيح لذلك لما عرفت من الشهرة والاجماع وغيرهما. وأما المناقشة بارادة الشق من الفري فيدفعها أن المصرح به في الصحاح استعماله بمعنى القطع، بل هو المراد في فري الاوداج في التذكية، وكذا عن غيره، بل لعله المنساق منه فيها عرفا، بل قيل: إن حمله على الشق فيها مخالف للاجماع، إذ القول بعدم الاكتفاء بقطع الحلقوم ولزوم فريها بمعنى الشق لم يذهب إليه أحد من أصحابنا حتى العماني، لانه وإن اكتفي بالشق إلا أنه اكتفى بقطع الحلقوم أيضا، مخيرا بينهما، وهو غير ما دلت عليه الرواية من لزوم فري الاوداج خاصة، وحينئذ فهذا الاجماع أقوى قرينة على إرادة القطع من الفري فيها، مضافا إلى الاجماعات المحكية. وأيضا لا إشكال ولا خلاف في إرادة القطع منه بالنظر إلى الحلقوم بل هو مجمع عليه، فينبغي أن يكون بالنظر إلى الباقي كذلك، وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين حقيقيين أو مجازيين الذي هو غير مرضي عند المحققين. أللهم إلا أن يقال بارادة خصوص الودجين من الاوداج فيه ولو من باب التجوز في هيئة الجمع، لكن يدفعه رجحان المجاز الاخير عليه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 108 ]

لما عرفت، بل قيل: إن الغالب استعمالها فيما يشمل الحلقوم. كل ذلك مضافا إلى ما قيل من أن الاوداج في كلامه يشمل المرئ المفسر في كلامه وكلام غيره بما تحت الحلقوم، وشقه غير ممكن إلا بقطع ما فوقه من الاوداج، فإذا ثبت وجوب قطعها من هذه الرواية ولو من باب المقدمة ثبت وجوب قطع الجميع، لعدم القائل بالفرق بين الطائفة حتى من لم يعتبر المرئ، فانه لم يعتبره مطلقا، لا قطعا ولا شقا، وأما اعتباره شقا خاصة لا قطعا فلم يقل به أحد بالضرورة، وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور. وكذا ما عن العماني من التخيير المذكور بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الخبرين، إذ قد عرفت أن ما ذكرناه أولى منه من وجوه، بل مقتضاه في نفسه فضلا عن مراعاة المرجحات اعتبار قطع الجميع، لعدم التنافي الموجب للجمع بالتخيير، كما هو واضح. بل وأولى مما عساه يستفاد من الفاضل في المختلف من عدم وجوب قطع المرئ، حيث إنه بعد نقل الخبرين قال: " هذا أصح ما وصل إلينا في هذا الباب، ولا دلالة فيه على قطع ما زاد على الحلقوم والاوداج " مريدا بذلك أن قطع المرئ لا دليل عليه، إذ لو أراد بالاوداج ما يشمله لم يفتقر إلى إثبات أمر آخر، لان ذلك غاية ما قيل، بل قال في الرياض: " لولا الاجماع المحكي لا يخلو من قوة، لعدم ذكر المرئ في الروايتين، والاوداج في الثانية غير ظاهرة الشمول له، إذ المراد بها إما المعنى الحقيقي والجمع جمع مجازي منطقي، فهو لا يشمل الحلقوم فضلا عن المرئ، أو المعنى المجازي مراعاة لحقيقة الجمع، وهي تحصل بضم الحلقوم إلى الودجين، ولا يحتاج في صدقها إلى ضم المرئ " بل قال فيه أيضا: " إن ظاهر الغنية الموافقة له، حيث لم يذكر المرئ

[ 109 ]

واكتفى بذكر الحلقوم والودجين خاصة ". إذ لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه من تلازم قطع الاربعة في الذبح المتعارف، وخصوصا المرئ منها الذي هو تحت الحلقوم، وحينئذ فالاكتفاء في النصوص بذكر البعض مبني على ذلك، مضافا إلى ما سمعته من الاجماعين المحكيين على قطع الاربعة المعتضدين بالشهرة العظيمة التي يمكن معها دعوى تحصيل الاجماع. بل قد يقال: إن النصوص والفتاوى إنما هي لبيان الواقع الذي هو حصول قطع الاربعة باعتبار تلازمها في الذبح المتعارف المسؤول عنه، لا أن المراد منها بيان وجوب ذلك في الذبح، بمعنى إمكان الاقتصار فيه على بعضها، وعلى تقديره فقد عرفت الحجة عليه، كما أنك عرفت النظر في كلام جملة من الناس الذين من عاداتهم الوسوسة في الاحكام المفروغ منها خصوصا كيفية الذبح المأخوذ يدا عن يد. نعم بقي شئ كثر السؤال عنه في زماننا هذا، وهو دعوى تعلق الاعضاء الاربعة بالخرزة التي تكون في عنق الحيوان المسماة بالجوزة على وجه إذا لم يبقها الذابح في الرأس لم يقطعها أجمع أو لم يعلم بذلك وإن قطع نصف الجوزة، ولكن لم أجد لذلك أثرا في كلام الاصحاب ولا في النصوص، والمدار على صدق قطعها تماما أجمع، وربما كان الممارسون لذلك العارفون أولى من غيرهم في معرفة ذلك، وهم الذين أشير إليهم في بعض النصوص بمن يحسن الذبح ويجيده (1) والله العالم. { ويكفي في المنحور طعنه في ثغرة النحر، وهى وهدة اللبة }


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 و 3 والباب - 13 - منها الحديث 1.

[ 110 ]

قائما أو باركا على الكيفية المتقدمة في كتاب الحج (1) { و } كيف كان ف‍ { يشترط فيها } أي الكيفية { شروط أربعة: الاول أن يستقبل بها القبلة مع الامكان } بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص. ففي حسن ابن مسلم (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة فقال: كل لا بأس بذلك ما لم يتعمد ". وفي حسنه الآخر (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة ". وحسنه الثالث (4) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة، فقال: كل منها، فقلت له: فانه لم يوجهها، فقال: فلا تأكل منها ولا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم الله عليها، وقال: إذا أردت أن تذبح ذبيحتك فاستقبل بذبيحتك القبلة ". وصحيح الحلبي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، فقال: لا بأس إذا لم يتعمد ". ونحوه غيره (6) ومرسل الدعائم (7) " أنهما (عليهما السلام) قالا فيمن ذبح لغير القبلة إن كان خطأ أو نسي أو جهل فلا شئ عليه، وتؤكل ذبيحته، وإن تعمد ذلك فقد أساء ولا يجب أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمد خلاف السنة "


(1) راجع ج 19 ص 155 و 156. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الذبائح - الحديث 4 - 1 - 2 - 3 - 5. (7) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 وفيه " ولا نحب أن تؤكل ذبيحته.. ".

[ 111 ]

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أصل الاشتراط وعدم البأس مع الجهل والنسيان. وحينئذ { فان أخل عامدا } عالما { كانت ميتة، ولو كان ناسيا صح } بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الاجماع عليه غير واحد. { وكذا لو لم يعلم جهة القبلة } على ما صرح به غير واحد، بل نسبه بعضهم إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، ولعله كذلك لعدم صدق تعمد غير القبلة الذي هو عنوان الحرمة في النصوص السابقة ولاطلاق الجهل في مرسل الدعائم المنجبر بما عرفت، بل وحسن ابن مسلم الثالث. بل منهما يستفاد معذورية الجاهل بالحكم هنا أيضا وإن صدق عليه التعمد، بل لعله المنساق من الحسن المزبور، بناء على أن المراد منه الجهل بالتوجيه إلى القبلة وإن علمها، وحينئذ يكون المراد من قوله: " فانه لم يوجهها " العالم العامد ولو بمعونة فتوى الاصحاب التي لولاها لامكن إرادة بيان حل ذبيحة الجاهل بالحكم إذا وجه والحرمة إذا لم يوجه فيكون دالا على العدم، إلا أن فتوى الاصحاب به على وجه لا أجد خلافا بين من تعرض له ترجح الاول. بل لعل منه أيضا من لا يعتقد وجوب الاستقبال، كما جزم به في المسالك، فتحل ذبيحته حينئذ لغيره ممن يعتقد الوجوب، لكونه من الجاهل حينئذ، وعلى الجاهل (1) أللهم إلا أن يشك في اندراج مثله في الجهل في النصوص المزبورة (2). وكيف كان فالمنساق مما سمعته من النصوص المعتضدة بالفتوى


(1) هكذا في النسختين الاصليتين، والاولى هكذا " وللجاهل ". (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الذبائح.

[ 112 ]

الاستقبال بمقاديم الذبيحة التي منها مذبحها دون الذابح معها، وإن كان قد يتوهم من نحو العبارة المزبورة على قياس " ذهبت بزيد " و " انطلقت به " ونحوهما مما يفيد كونه معه في الذهاب والانطلاق، إلا أن جيد النظر يقتضي خلاف ذلك، خصوصا مع ملاحظة غيره من النصوص المذكور فيها الاستقبال للذبيحة خاصة (1) وخصوصا مع ملاحظة إتيان التعدية بالباء لغير المعنى المزبور، نحو " ذهب الله بنورهم " (2) وغيره مما هو بمعنى أذهب الله نورهم. نعم في مرسل الدعائم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذب البهيمة، أحد الشفرة واستقبل القبلة " ولكنه مع ارساله لا صراحة فيه بل ولا ظهور، لاحتمال ارادة الاستقبال بالبهيمة، بل لعله الظاهر، خصوصا مع ملاحظة غيره من النصوص (4) وعدم القائل باعتبار استقباله خاصة، إلا أنه مع ذلك لا بأس بحمله على الندب الذي صرح به غير واحد، خصوصا بعد ما تسمعه من مرسل كشف اللثام في الابل (5). ثم إن اعتبار الامكان في عبارة المصنف يقتضي سقوط الشرط المزبور مع عدم الامكان، وهو كذلك، ضرورة عدم صدق تعمد غير القبلة


(1) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الذبائح - الحديث 4 - 0. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 17. (3) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (5) الظاهر انه (قده) يريد بذلك ما ينقله عن كشف اللثام في ص 118 وهو " يمكن التمسك في وجوب النحر.. ولكن ورد في معناها رفع اليدين بالتكبير في الصلاة والاستقبال " حيث انه لم يذكر في كشف اللثام في بحث نحر الابل غير ذلك.

[ 113 ]

ولعل منه معاجلة المذبوح على وجه يخشى من موته لو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة، والله العالم. الشرط { الثاني: التسمية } من الذابح التي لا خلاف فتوى ونصا (1) في اشتراطها في حل الاكل مع التذكر، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب العزيز (2) { وهي أن يذكر الله سبحانه } وتعالى، يقول: " بسم الله " و " الحمد لله " و " لا إله إلا الله " ونحو ذلك. قال محمد بن مسلم (3) في الصحيح: " عن رجل ذبح فسبح أو كبر أو هلل أو حمد الله تعالى، قال: هذا كله من أسماء الله تعالى، ولا بأس به ". بل عن بعضهم الاجتزاء بلفظ " الله " تعالى شأنه، لدعوى صدق ذكر اسم الله عليه، وإن كان قد يناقش بأن العرف يقتضي كون المراد ذكر الله بصفة كمال أو ثناء، كاحدى التسبيحات الاربع، لا أقل من الشك، والاصل عدم التذكية، خصوصا بعد الصحيح المزبور الذي لا يخلو من إشعار بذلك. وكذا الكلام في اعتبار العربية وإن كان قد يحتمل العدم، لان المراد من الله تعالى شأنه الذات المقدسة، فيجزئ ذكر غيره من أسمائه، وهي تتحقق بأي لغة اتفقت، وعلى ذلك يتخرج ما لو قال: " بسم الرحمان " وغيره من أسمائه المختصة أو الغالبة غير لفظ " الله " إلا أنه لا يجدي الاحتمال بعد أن لم يكن ظهور معتبر شرعا، بل قد يدعى الظهور بعكسه


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الذبائح. (2) سورة الانعام: 6 - الآية 121. (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 114 ]

ولا أقل من الشك، وقد عرفت أن الاصل عدم التذكية، خصوصا بعد احتمال كون الاضافة فيه بيانية المقتضية لعدم الاجتزاء بغير الاسم المزبور. بل وكذا الكلام في نحو " أللهم اغفر لي " أو " أللهم صل على محمد وآل محمد " وإن قال في المسالك: " الاقوى الاجتزاء " لكن لا يخفى عليك جريان ما ذكرناه خصوصا بعد ملاحظة الصحيح المزبور (1) المشعر بكون ذلك ونحوه من أسماء الله تعالى لا مطلقا. وعلى كل حال { فلو تركها عامدا لم يحل } لما عرفت { و } أما { لو نسي لم يحرم } بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة في المقام (2) والمتقدمة في الصيد (3). قال محمد بن مسلم (4): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يذبح ولا يسمي، قال: إن كان ناسيا فلا بأس إذا كان مسلما وكان يحسن أن يذبح، ولا ينخع ولا يقطع الرقبة بعد ما يذبح ". وفي حسنه الآخر أو صحيحه (5) " أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ذبح ولم يسم، فقال: إن كان ناسيا فليسم حين يذكر، ويقول بسم الله على أوله وعلى آخره ". وفي صحيح الحلبي (6) في حديث " أنه سأله عن الرجل يذبح فينسى أن يسم أتؤكل ذبيحته ؟ فقال: نعم إذا كان لا يتهم وكان يحسن الذبح قبل ذلك، لا ينخع ولا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة " إلى غير ذلك من النصوص التي لا إشارة فيها إلى استثناء غير حال النسيان، فيبقى


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 0 - 2 - 4. (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصيد. (6) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 3.

[ 115 ]

حال الجهل مندرجا تحت إطلاق الادلة، ودعوى أولويته منه أو مساواته لحال الاستقبال واضحة المنع، خصوصا بعد حرمة القياس عندنا، نعم قد يستفاد من قوله (عليه السلام): " إذا كان لا يتهم " تصديقه بدعوى النسيان إذا كان مسلما يرى وجوب التسمية. كما أن الظاهر اعتبار ذكر التسمية بعنوان كونها على الذبيحة، فلا يجزئ التسمية الاتفاقية التي لم تكن بالعنوان المزبور، ولا أقل من الشك في حصول التسمية المعتبرة بدون ذلك، والاصل عدم التذكية. وكذلك الظاهر اعتبار المقارنة العرفية فيها على وجه يصدق التسمية عليها، فلا يجزئ ذكرها عند مقدمات الذبح، كربط المذبوح ونحوه، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): " من لم يسم إذا ذبح فلا تأكله ". ثم إنه لا يخفى عليك عدم وجوب تدارك التسمية بعد تمام الذبح مع النسيان بلا خلاف أجده فيه، كما في الدروس والمسالك، ومن هنا وجب حمل الامر بذلك في صحيح ابن مسلم (2) السابق على ذلك. هذا وفي المسالك " ولو قال: بسم الله ومحمد بالجر لم يجز، وكذا لو قال: ومحمد رسول الله، ولو رفع فيهما لم يضر " ولعله لانه شرك في الاول على وجه يندرج في الاهلال به لغير الله، بل لا يصدق الذبح على اسم الله الظاهر في إرادة الاختصاص منه، خصوصا مع ملاحظة نصوص " إنما هو الاسم، ولا يؤمن عليه غير المسلم " (3) بخلاف صورة الرفع التي يصدق معها التسمية تامة، وعطف الشهادة للرسول (صلى الله عليه وآله) زيادة خير غير منافية، بخلاف ما لو قصد التشريك. ولو قال: " بسم الله واسم محمد " قاصدا أذبح باسم الله واتبرك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 6 - 4. (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 و 4 و 24.

[ 116 ]

باسم محمد فلا بأس، وإن أطلق أو قصد التشريك لم يحل. وأما الاخرس ففي القواعد " عليه أن يحرك لسانه " وزاد في كشف اللثام " ويخطر الاسم بباله كما في سائر الاذكار " وفي المسالك " إن كانت له إشارة مفهمة حلت ذبيحته وإلا فهو كغير القاصد " قلت: لا فرق بين المقام وغيره مما اعتبر فيه اللفظ الذي اكتفي فيه باشارة الاخرس على حسب ما أوضحناه في العبادات والمعاملات. ولو سمى الجنب والحائض بنية احدى العزائم ففي القواعد إشكال، ولعله من الدخول في العموم، ومن النهى المنافي للوجوب، ولكن لا يخفي عليك أن الاقوى الاول، ولا منافاة بين الوجوب الشرطي المعاملي والحرمة. ولو وكل المسلم كافرا في الذبح وسمى المسلم لم يحل وإن شاهده أو جعل يده معه فقرن التسمية بذبحه، لظهور الادلة في اعتبار اتحاد الذابح والمسمي، ولا أقل أن يكون هو المتيقن منها، نعم لا بأس بذبح المسلمين المسميين دفعة واحدة، لاطلاق الادلة، وفي الاجتزاء بالتسمية من أحدهما أحوطه وأقواه العدم، والله العالم. الشرط { الثالث: اختصاص الابل بالنحر، وما عداها بالذبح في الحلق تحت اللحيين، فان نحر المذبوح أو ذبح المنحور فمات لم يحل } لعدم التذكية الشرعية { و } لو لان الاصل عدمها. نعم { لو أدركت ذكاته فذكي } على الوجه الشرعي بأن ذبح المذبوح بعد نحره أو نحر المنحور بعد ذبحه قبل الموت ففي محكي النهاية { حل } لوجود المقتضي وهو التذكية المعتبرة شرعا، ويكون الذبح والنحر الاولان كالجرح الذي لا يمنع التذكية قبل الموت. { و } لكن { فيه تردد } عند المصنف

[ 117 ]

وغيره ممن اعتبر الاستقرار { إذ لا استقرار للحياة بعد الذبح أو النحر } وإن بقي متحركا. ولعل التحقيق أن الحكم يرجع إلى تحقيق ما يعتبر في الحل من الحياة فان اعتبرنا استقرارها لم يحل هنا، لفقد الشرط، وإن اكتفينا بالحركة بعد الذبح والنحر وخروج الدم أو أحدهما كما هو المختار لزم الحكم بالحل إذا وجد الشرط، لكون النحر والذبح حينئذ كالجرحين. إنما الكلام فيما ذكره المصنف وغيره بل لا أجد فيه خلافا من اختصاص الابل بالنحر وغيرها بالذبح من حيث خلو النصوص عن ذلك، إذ الذي عثرنا عليه منها صحيح صفوان (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ذبح البقر، فقال: للبقر الذبح، وما نحر فليس بذكي ". وخبر يونس بن يعقوب (2) " قلت لابي الحسن الاول (عليه السلام): إن أهل مكة لا يذبحون البقر، إنما ينحرون في لبة البقر، فما ترى في أكل لحمها ؟ فقال: فذبحوها وما كادوا يفعلون (3) لا تأكل إلا ما ذبح ". ومرسل الصدوق (4) قال الصادق (عليه السلام): " كل منحور مذبوح حرام، وكل مذبوح منحور حرام ". ومرسل الطبرسي في مجمع البيان (5) " قيل للصادق (عليه السلام): إن أهل مكة يذبحون البقر في اللبة، فما ترى في أكل لحومها ؟ فسكت هنيئة، ثم قال: قال الله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون (6) لا تأكل إلا ما ذبح من مذبحه ". وليس في شئ منها اختصاص الابل بالنحر وغيرها بالذبح، ولعله لذا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2. (3) و (6) سورة البقرة: 2 - الآية 71. (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 4.

[ 118 ]

توقف المقدس الاردبيلي والخراساني في الكفاية تبعا لما يحكى عن بعض الحواشي لثاني الشهيدين من عدم قيام دليل صالح للفرق بين الابل وغيرها في الاختصاص بالنحر والذبح، خصوصا بعد الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " إنه أمر بنحر الفرس ". وفيه أن المرسل منها المنجبر بعمل الاصحاب دال على عدم جواز الذبح للمنحور وبالعكس، ولا ريب في وقوع النحر على الابل، كما يقضي به النصوص الواردة في كيفية نحرها (2) فلا يشرع فيها الذبح حينئذ بل في كشف اللثام " يمكن التمسك في وجوب نحر الابل بقوله تعالى (3): " وانحر " لان الوجوب ظاهره، ومن البين أنه لا يجب نحر غيرها، ولكن ورد (4) في معناه رفع اليدين بالتكبيرة في الصلاة والاستقبال ". قلت: لكنا في غنية عن ذلك بما عرفت، مضافا إلى ما سمعته من بعض النصوص في تذكية المستعصي الدال على النحر للابل، ففي الخبر منها (5) " إذا امتنع عليك بعير وأنت تريد أن تنحره فانطلق منك فان خشيت أن يسبقك فضربته بسيف أو طعنته برمح بعد أن تسمي فكل إلا أن تدركه ولم يمت بعد فذكه ". وفي آخر (6) " بعير تردى في بئر


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل - الباب - 35 و 37 - من أبواب الذبح من كتاب الحج والباب - 3 - من أبواب الذبائح. (3) سورة الكوثر: 108 - الآية 2. (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب تكبيرة الاحرام - الحديث 4 و 13 و 15. و 16 و 17 من كتاب الصلاة. (5) و (6) الوسائل - الباب 10 من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 4.

[ 119 ]

كيف ينحر ؟ فقال: تدخل الحربة فتطعنه بها وتسمي وتأكل " إلى غير ذلك مما يدل على أن البعير ينحر. بل عن الخلاف والغنية النحر في الابل والذبح فيما عداها هو السنة الشريفة بلا خلاف، ثم قالا: " ولا يجوز في الابل الذبح وفي ما عداها النحر، فان فعل ذلك لم يحل الاكل بدليل إجماع الطائفة ". وأما عدم مشروعية النحر في غيرها فلما سمعته في البقر، ولا قائل بالفصل، وللنصوص الواردة في كيفية الذبح (1) الظاهرة في أنها قطع الاوداج الاربعة بطريق الذبح على وجه يظهر منها أنه هو الاصل في التذكية، وأن الخارج منها خصوص الابل، بل يكفي في ذلك أنه الكيفية المتعارفة، فلا يشرع فيها النحر حينئذ، لما سمعته من أن المذبوح لا يجوز أن ينحر كالعكس. بل ظاهر المرسل المزبور (2) أنه ليس في الحيوان ما يجوز فيه الكيفيتان، فمع فرض كون الكيفية المتعارفة في غير الابل الذبح بل هو المنساق من تذكيته يتعين فيه حينئذ، ولا يجزئ النحر حتى لو سلم اشتماله على قطع الاوداج الاربعة، خصوصا مع أصالة عدم التذكية، وخصوصا مع اتفاق الاصحاب ظاهرا على ذلك، بل في كشف اللثام في شرح قول الفاضل في القواعد: " الخامس: اختصاص الابل بالنحر وباقي الحيوانات بالذبح في الحلق تحت اللحيين " قال: " إجماعا كما في الخلاف والغنية والسرائر " بل عن الشهيد الثاني وأتباعه الاجماع أيضا على ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 2 و 3 و 4 - من أبواب الذبائح. (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الذبائح - الحديث 3.

[ 120 ]

وخبر الفرس (1) مع خروجه عن الحجية موافق للعامة، بل ربما يشهد له كون بعض رواته من العامة، وبالجملة لا وجه للوسوسة في الحكم المزبور بقسميه. وأما كون محل الذبح في الحلق تحت اللحيين فقد سمعت ما في الصحيح (2) من أن " النحر في اللبة والذبح في الحلقوم " كما أنك سمعت ما حكاه في كشف اللثام من معقد الاجماعات الثلاثة الذي منه ذلك أيضا، وفي الرياض " واعلم أن محل الذبح الحلق تحت اللحيين بلا خلاف يظهر، لاصالة التحريم في غيره مع عدم انصراف الاطلاقات إلا إلى الحلقوم تحت اللحيين، لانه المعروف المتعارف، فيجب حملها عليه، وفي الصحيح (3) " لا تأكل من ذبيحة ما لم تذبح من مذبحها ". قلت: لا إشكال في شئ من ذلك، إنما الكلام فيما يحصل فيه قطع الاوداج الاربعة وكان في غير المحل المعتاد، بل كان في وسط الرقبة أو أصلها، ولعله يندرج في قولهم: " تحت اللحيين " أيضا، أللهم إلا أن يقال: إنه لا يقضي بقطعها أجمع في غير الذبح بالمحل المعتاد الذي هو تحت اللحيين، خصوصا مع أصالة عدم التذكية. وأما ما هو متعارف في زماننا هذا من اعتبار جعل العقدة التي في العنق المسماة في لسان أهل هذا الزمان بالجوزة في الرأس على وجه يكون القطع من تحتها فلم أجد له أثرا في شئ من النصوص والفتاوى، أللهم إلا أن لا يحصل قطع الاوداج الاربعة بدون ذلك، ولا أقل من الشك والاصل عدم التذكية، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { في إبانة الرأس عامدا خلاف } فعن الاسكافي وابن حمزة والقاضي والنهاية والفاضل في المختلف والشهيدين وظاهر


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 1 إلا أنه لم يتقدم الاول.

[ 121 ]

المقنعة والمقنع والمراسم الحرمة، للنهي في صحيحي الحلبي (1) وابن مسلم (2) المتقدمين في التسمية الدال على الحرمة، وصحيح الحلبي الآخر (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن رجل ذبح طيرا فقطع رأسه أيؤكل منه ؟ قال: نعم، ولكن لا يتعمد قطع رأسه " ومفهوم الموثق (4) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وسئل عن الرجل يذبح فتسرع السكين فتبين الرأس، فقال: الذكاة الوحية لا بأس بأكله ما لم يتعمد ذلك " المحمول على الحرمة ولو بقرينة النهي السابق، وكذا خبر الحسين ابن علوان (5) المروى عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " أنه كان يقول: إذا أسرعت السكين في الذبيحة فقطعت الرأس فلا بأس بأكلها ". وعن الشيخ في الخلاف وابن إدريس والفاضل في جملة من كتبه وكثير الكراهة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه بين المحصلين، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى إجماع الصحابة عليه، ولعله لذا قال المصنف: (أظهره الكراهية) حملا للنهي المزبور عليه ولو بشهادة ما عرفت فضلا عن البأس في المفهوم السابق الذي هو في الاكل الذي ستسمع القول بحله من بعض من قال بحرمة الابانة، على أن الصحيحين الاولين لم يعلم النهي فيهما، إذ من المحتمل كون " لا " فيهما للنفي على أن يكون مدخولها معطوفا على قوله: " يحسن " وحينئذ فغايتهما ثبوت البأس الذي هو أعم من الحرمة في خصوص صورة ترك التسمية وإن كان لا قائل بالفرق بينها وبين غيرها. ودعوى إرادة الحرمة منه هنا - بشهادة السياق الذي مقتضاه السؤال


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 2. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 3 - 6.

[ 122 ]

عنها وباقترانه بالانخاع الذي هو للحرمة - يدفعها منع الحرمة في الثاني أيضا، كما تسمعه إنشاء الله، وأن مقتضى السياق المزبور حينئذ حرمة الاكل التي لا يقول بها كثير منهم، بل عن بعضهم نفي الخلاف في الحل، فانحصر النهي حينئذ في صحيح الحلبي الآخر خاصة، وهو مع غلبة استعماله فيها يمكن إرادتها منه هنا ولو بمعونة ما عرفت، فيقصر عن معارضة الاصل، خصوصا بعد إمكان دعوى أن الكراهة تلوح منه ولو من جهة الاستدراك فيه، واحتمل كونه كالموثق المزبور الذي قد عرفت إرادة الكراهة من البأس فيه، وكخبر علي بن جعفر المروي عن كتابه (1) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن الرجل ذبح فقطع الرأس قبل أن تبرد الذبيحة كان ذلك منه خطأ أو سبقه السكين أيؤكل ذلك ؟ قال: نعم ولكن لا يعود " بل لعل جمعه مع السلخ في النبوي الآتي (2) المحمول على الكراهة مشعر بذلك. وعلى كل حال فالظاهر عدم حرمة الذبيحة بذلك، كما صرح به كثير، ومنهم جملة من القائلين بالحرمة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه، لاطلاق الادلة كتابا (3) وسنة (4) بل ظاهر النصوص المزبورة (5) أنها ذكاة وحية أي سريعة، بل لو جعل " السكين " مفعولا في خبر الحسين ابن علوان المتقدم كان كالصريح في حل الاكل حينئذ، وكذا صحيح الطير (6). خلافا للمحكى عن صريح النهاية وابن زهرة وظاهر ابن حمزة


(1) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الذبائح - الحديث 7 - 0 - 5. (2) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الذبائح.

[ 123 ]

والاسكافي والقاضي، تمسكا بدعوى أن الذبح المشروع هو المشتمل على قطع الاربعة خاصة، فالزائد عليها يخرج عن كونه ذبحا شرعيا، فلا يكون مبيحا، وجرى مجرى ما لو قطع عضوا من أعضائه فمات، وهى كما ترى مجرد دعوى لا دليل عليها، بل مقتضاها حرمة الزيادة وإن لم تكن إبانة، ولا أظن أحدا يقول بذلك، فلا يقطع بمثلها إطلاق الادلة كتابا وسنة فضلا عن خصوصها من صحيح الطير وغيره. ومن الغريب دعوى ابن زهرة الاجماع على ذلك، مع أنه لم يحك عن أحد التصريح بذلك إلا عن النهاية، ولم أتحققه أيضا، ومن هنا يقوى إرادة حاكيه شيئا آخر كما احتمله في الرياض، نعم لا بأس بالقول بالكراهة حملا للبأس في الاكل مع العمد المفهوم من بعض النصوص السابقة عليها. كل ذلك مع التعمد، أما مع الغفلة أو سبق السكين ونحوهما فلا حرمة ولا كراهة، لا في الابانة ولا في الاكل بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق الادلة وخصوصها، قال محمد بن مسلم (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مسلم ذبح وسمى فسبقته حديدته فأبان الرأس، فقال: إن خرج الدم فكل " وقال سماعة (2): " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) سئل عن الرجل يذبح فتسرع السكين فتبين الرأس، فقال: لا بأس به إذا سال الدم " والله العالم. { وكذا } يكره { سلخ الذبيحة قبل بردها أو قطع شئ منها } وفاقا للاكثر بل المشهور، لمرفوع محمد بن يحيى (3) " الشاة إذا ذبحت وسلخت أو سلخ شئ منها قبل أن تموت فليس يحل أكلها " المحمول عليها بعد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 4. (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 124 ]

قصوره عن إثبات الحرمة، كالمرسل عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " إنه نهى أن تسلخ الذبيحة أو تقطع رأسها حتى تموت ". خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية وبني زهرة وحمزة والبراج من حرمة الاكل به، بل عن ابن زهرة منهم دعوى الاجماع عليه، لظاهر الخبر المزبور الذي قد عرفت قصوره عن ذلك. ومن الغريب ما عن الشهيد من أن المفهوم في صناعة اصطلاح أرباب الحديث أن قوله: " رفعه " بمعنى " أسنده " فلا يكون مرسلا، إذ هو كما ترى مع تسليمه لا يلزم من إسناده على هذا الوجه خروجه عن الارسال بجهل الواسطة، والاجماع المزبور متبين عدمه. ومن ذلك كله يظهر لك ضعف القول المحكي عنه من حرمة ذلك، للخبر المزبور، ولانه نوع تعذيب للحيوان المنهي عنه وإن حل الاكل، لاطلاق الادلة، بل قد يقال: لا دلالة في الخبر المزبور على النهي عن أصل الفعل، بل أقصاه عدم حل الاكل، وهو أعم من حرمة الفعل، بل وكراهته، ولا دليل على كون ذلك من التعذيب المنهي عنه، بل هو من إراقة الدماء المأذون فيها (2) ومن هنا كان دليل كراهة السلخ المزبور النبوي (3) المذكور كما أن دليل كراهة الاكل الخبر (4) المسطور. لكن يبقى دليل كراهة قطع شئ منها، ولعله لانه إيلام للحيوان وللنبوي (5) " إن الله كتب الاحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته "


(1) و (3) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الذبائح الحديث 1. (5) سنن البيهقي - ج 9 ص 280.

[ 125 ]

وللخروج عن شبهة الخلاف، فان المحكي عن المبسوط أنه قال: " لا يجوز تقطيع لحمها قبل أن تموت، فان خولف وقطع قبل أن تخرج الروح لا يحل عندنا " وعن الكافي " أن ما قطع منها قبل البرد ميتة " وكأنه جعله قطعة مبانة من حي، وإن كان فيه منع واضح، ضرورة كونه بعد التذكية، فلا تشمله تلك النصوص الظاهرة في غيره، ومن الغريب ما في كشف اللثام من أنه يتجه التحريم للتعذيب وإن حل الاكل، إذ قد عرفت صعوبة دليل الكراهة فضلا عن التحريم، والله العالم. { ولو انفلت الطير } منه { جاز أن يرميه بنشاب أو سيف أو رمح } أو نحو ذلك مما سمعته من آلة الصيد، لصيرورته ممتنعا، فيجري عليه حكم الحيوان الممتنع، مضافا إلى ما تسمعه من خبر حمران (1) فيه بالخصوص، وحينئذ { فان سقط وأدرك ذكاته ذبحه وإلا كان حلالا } كالحيوان الممتنع بالاصالة، بل وكذا الكلام في غير الطير من الحيوان إذا توحش، كما تقدم الكلام فيه مفصلا، والله العالم. الشرط { الرابع: الحركة } الدالة على الحياة أو استقرارها { بعد الذبح } أو النحر { كافية في } صحة { الذكاة } بل عن الصدوق اعتبارها خاصة دون الدم المعتدل، واختاره الفاضل في المختلف. { وقال بعض (الاصحاب خ) } وهو المفيد والاسكافي والقاضي والديلمي والحلبي وسلار وابن زهرة: { لابد مع ذلك من خروج الدم } المعتدل، بل عن الاخير دعوى الاجماع عليه. { وقيل } والقائل الشيخ في محكي النهاية وأكثر المتأخرين: { يجزئ أحدهما } وربما حكي قول رابع، وهو اعتبار خروج الدم المعتدل خاصة، ونسب إلى الشهيد في الدروس، وهو وهم قطعا، قال


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 126 ]

فيها: " ولو اشتبه اعتبر بالحركة وخروج الدم، وظاهر الاخبار والقدماء أن خروج الدم والحركة أو أحدهما كاف ولو لم يكن فيه حياة مستقرة " إلى آخر كلامه الذي هو كأوله صريح في خلاف النسبة المزبورة. نعم ظاهره أولا اعتبارهما معا، وربما يشعر آخر كلامه بالاكتفاء بالحركة. وعلى كل حال فالاصل في هذا الاختلاف اختلاف النصوص، ففي صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الذبيحة، قال: إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الاذن فهو ذكي ". وخبر رفاعة (2) عنه (عليه السلام) أيضا أنه قال: " في الشاة إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية ". وصحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " كل كل شئ من الحيوان غير الخنزير والنطيحة وما أكل السبع، وهو قول الله عزوجل: إلا ما ذكيتم (4) فان أدركت شيئا منها وعين تطرف أو قائمة تركض أو ذنب يمصع فقد أدركت ذكاته فكله ". وفي مرسل العياشي (5) عنه (عليه السلام) أيضا في قول الله: " والمنخنقة " (6) قال: " التى يخنق في رباطها، والموقودة التي لا تجد ألم الذبح، ولا تضطرب ولا يخرج لها دم " إلى آخره. وخبر أبان بن تغلب (7) عنه (عليه السلام) أيضا " إذا شككت في حياة شاة فرأيتها تطرف عينها أو تحرك أذنيها أو تمصع بذنبها فاذبحها فانها لك حلال ". وخبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (8) عنه (عليه السلام) " في


(1) و (2) و (3) و (5) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 4 - 1 - 2 - 5 - 6. (4) و (6) سورة المائدة: 5 - الآية 3.

[ 127 ]

كتاب علي (عليه السلام) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه، فقد أدركت ذكاته " ونحوه خبر عبد الله بن سليمان (1) عنه (عليه السلام) أيضا، إلا أنه قال: " وأدركته فذكه ". وصحيح أبي بصير المرادي (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشاة تذبح فلا تتحرك، ويهرق منها دم كثير عبيط، فقال: لا تأكل، إن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا ركضت الرجل أو طرفت العين فكل ". وخبر الحسين بن مسلم (3) قال: " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ جاء محمد بن عبد السلام، فقال له: جعلت فداك يقول لك جدي: إن رجلا ضرب بقرة بفأس فسقطت ثم ذبحها، فلم يرسل معه بالجواب، ودعا سعيدة مولاة أم فروة، فقال لها: إن محمدا جاءني برسالة منك، فكرهت أن أرسل اليك بالجواب معه، فان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا وأطعموا، وإن كان خرج خروجا متثاقلا فلا تقربوه " ونحوه خبر بكر بن محمد (4) عنه (عليه السلام) أيضا إلا أنه قال: " بفأس من مذبحها، فوقذها ثم ذبحها ". وصحيح الشحام (5) المتقدم سابقا عنه (عليه السلام) أيضا " في التذكية بغير الحديد - إلى أن قال - إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس ". وخبر ليث المرادي (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن


(1) الوسائل - الباب - 11 من ابواب الذبائح - الحديث 7. (2) و (5) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 3. (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الذبائح الحديث 2. (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الذبائح - الحديث 4.

[ 128 ]

الصقورة والبزاة وعن صيدهما، فقال: كل ما لم يقتلن إذا أدركت ذكاته، وآخر الذكاة إذا كانت العين تطرف والرجل تركض والذنب يتحرك " الحديث. وخبري محمد بن مسلم (1) وسماعة (2) المتقدمين سابقا في مسألة إبانة الرأس، ففي الاول منهما " إن خرج الدم فكل " وفي الثاني " لا بأس به إذا سال الدم ". إلا أنهما في مساق بيان عدم ضرر الابانة، لا في تعرف حياة الحيوان، كما أن صحيح الشحام في بيان حل التذكية بغير الحديد إذا كان صالحا لاخراج الدم بقطع أعضاء الذبيحة، لا في تعرف حياة الحيوان وعدمها. وعلى كل حال فصحيح أبي بصير السابق صريح أو كالصريح في الدلالة على كون الحركة بعد الذبح، كما عليه الاصحاب كافة على ما في المسالك والرياض، بل فيه عن الغنية إجماع الامامية عليه. ومنه يعلم المراد من غيره من النصوص التي فيها نوع إجمال بالنسبة إلى ذلك. نعم في بعض الاخبار السابقة كخبر أبان بن تغلب بل وخبري عبد الرحمان وعبد الله بن سليمان بل وخبر ليث ظهور باعتبار الحركة قبل التذكية، لكن في الرياض أنها مشتركة في قصور السند، محتملة للتأويل بما يرجع إلى الاول بنوع من التوجيه وإن بعد في خبر أبان دون غيره خصوصا الخبرين المتضمنين قول علي (عليه السلام) الذي هو مختص بالحركة بعد الذبح، كما نصت عليه الصحيحة السابقة المتضمنة للنقل عنه (عليه السلام) الكاشف عن كون المراد منه حيث يذكى. وفي كشف اللثام " إن خبر أبان لا يدل على الاجتزاء بما كان من الحركة قبل الذبح، وهو ظاهر، ولعله لانه ليس فيه إلا الاذن بذبحها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 4.

[ 129 ]

في تلك الحال، وهي لا تنافي اعتبار الحركة بعد الذبح في حل أكلها. وعلى كل حال فالظاهر اعتبارهما بعد الذبح، ليعلم منهما كون المذبوح قد تم ذبحه وهو حي، بخلاف المتحرك قبل التذكية، فانه لا دلالة فيها على وقوع تمام التذكية حال حياته، والاستصحاب مع أنه قاصر عن إثبات ذلك ظاهر الادلة عدم اعتباره هنا وإلا لاكتفى به وإن لم تحصل حركة قبل ولا بعد. بل قد يستفاد منها عدم الاكتفاء بالحركة المقارنة للذبح على وجه يكون منتهاها بمنتهى الذبح، فان أقصاها مقارنة إزهاق روحه لتمام الذبح وقد يتوقف في الحل بذلك، بل ستسمع التصريح من ثاني الشهيدين باعتبار تأخر الحياة عن الذبح ولو قليلا، بل لعله ظاهر غيره أيضا وإن كان إطلاق الادلة يقتضي خلافه، ولكن لا ريب في أنه الاحوط، خصوصا مع احتمال التعبد في النصوص كما ستعرف. نعم لو فرض العلم بكونه حيا إلى ما بعد تمام الذبح ولم تحصل منه حركة ولا خرج منه دم اتجه الحل وإن كان تحقق هذا الفرض غير معلوم، والامر في ذلك كله سهل. إنما الكلام في الترجيح بين الاقوال المزبورة، ولا ريب في رجحان قول الصدوق من حيث النظر إلى النصوص، ضرورة استفاضة نصوص الحركة (1) وصراحتها، بخلاف نصوص الدم (2) التى ليس شئ منها فيما نحن فيه من الحيوان المشتبه إلا خبر البقرة (3) الذي هو مع قصور سنده


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 والباب - 9 - منها - الحديث 2 و 4. (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 130 ]

غير صريح، بل قيل ولا ظاهر، لاحتماله الحمل على حصول الحركة بعد التذكية، سيما مع كونه من الافراد الغالبة للذبيحة المشتبه حالها الخارج دمها معتدلا بعد التذكية، بخلاف الذبيحة المشتبهة المتحركة بعدها حركة ما جزئية، فانه غير معلوم خروج الدم منها معتدلا. على أنه معارض بالصحيح (1) الصريح في عدم كفاية خروج الدم، وحمله على كون الدم متثاقلا خلاف ظاهره، لكنه مرجوح من حيث الفتوى، إذ لم نعرفه إلا للصدوق، ووافقه عليه بعد مضي جملة من الازمنة الفاضل في المختلف. ومنه يعلم أن الصحيح المزبور معرض عنه، ضرورة ظهوره في أن المعتبر الحركة لا الدم ولا هما معا، وقد عرفت أن من عدا الصدوق والفاضل في المختلف على اعتبار الدم في الجملة، وبذلك يرجح خبر البقرة (2) عليه، بل ربما كان فيه إشعار بمخالفة العامة، وأن ذلك علامة خفية غير الحركة التي هي علامة مشهورة، وحيث ظهر من النصوص أن كلا منهما علامة لم يحتج إلى الجمع بينهما، بل كان كل منهما علامة على ذلك، خصوصا بعد خلو النصوص أجمع عن الاشارة إلى كون مجموعهما علامة، بل ظاهرها خلافه، بل لو كان كذلك كان من تأخير البيان عن وقت الحاجة، بل ربما كان في النصوص ما يشير إلى عدمه بالخصوص، كمرسل العياشي (3) المتقدم في تفسير الموقوذة التي اعتبر فيها عدم الحركة وعدم خروج الدم، إذ لو كان مجموعهما العلامة لم يكن عدمهما معا العلامة، بل كفى عدم واحد منهما. ومن الغريب ما في الرياض من دعوى الجمع بين النصوص باجماع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 131 ]

الغنية على اعتبارهما معا الموهون بمصير بعض القدماء وأكثر المتأخرين إلى خلافه. وأغرب منه تأييد ذلك بأصل الحرمة الذي يكفي في قطعه بعض ما عرفت، فضلا عن النصوص المستفيضة (1) في الحركة التي هي لا إشكال في دلالتها على كون الحيوان حيا، إذ الفرض أنها حركة حي، فيشمله حينئذ كل ما دل على حلية الحيوان الحي المذكى، فعدم الاكتفاء بها مما لا وجه له، كما أنه لا وجه لعدم اعتبار الدم المعتدل، خصوصا بناء على الاكتفاء بمقارنة الازهاق للذبح من غير اعتبار لتأخر الحياة، فانه يمكن حينئذ تعرفه بالدم خاصة الذي لا يخرج عادة من الميت قبل الذبح. وبذلك كله ظهر أن ما عليه المتأخرون أقوى، وإليه أشار المصنف بقوله: { وهو أشبه } بأصول المذهب وقواعده التي منها الجمع بين النصوص في مثل المقام الذي هو في بيان تعرف كون الحيوان حيا بالاكتفاء بأحدهما لا بمجموعهما الذي لا إشارة في شئ من النصوص إليه، بل فيها ما يدل على خلافه { و } لكن مع ذلك كله فلا ريب في أنه أحوط. نعم { لا يجزئ خروج الدم متثاقلا إذا انفرد عن الحركة الدالة على الحياة } قطعا، لعدم ما يدل على كونه علامة، بل الصحيح المزبور دال على عدمه، كالمفهوم في خبر البقرة (2) والله العالم. { و } كيف كان فقد ذكر المصنف وجماعة أنه { يستحب في ذبح الغنم أن يربط يداه ورجل واحدة ويطلق الاخرى ويمسك صوفه أو


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 132 ]

شعره حتى يبرد } لكن لم يحضرنا الآن كما اعترف به في كشف اللثام وغيره سوى خبر حمران بن أعين (1) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتف، ولا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والارسال للطير خاصة، فان تردى في جب أو وهدة من الارض فلا تأكله ولا تطعمه، فانك لا تدري التردي قتله أو الذبح، وإن كان شئ من الغنم فامسك صوفه أو شعره، ولا تمسكن يدا ولا رجلا، فأما البقر فأعقلهما واطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى آباطه وأطلق رجليه، وأن أفلتك شئ من الطير وأنت تريد ذبحه أو ند عليك فأرمه بسهمك، فإذا هو سقط فذكه بمنزلة الصيد ". نعم في المسالك بعد أن ذكر أن مستند الحكم روايات: منها حسنة حمران إلى آخرها قال: " والمراد بقوله (عليه السلام): " ولا تمسك " إلى آخره أنه يربط يديه وإحدى رجليه من غير أن يسمكهما بيده " وهو حسن لو كان هناك دليل على الربط المزبور. { و } على كل حال يستفاد منه ما ذكره هو وغيره من أنه يستحب { في } ذبح { البقر } أن { يعقل يداه ورجلاه ويطلق ذنبه } بل { و } ما ذكره { في الابل } من أنه يستحب أن { يربط أخفافه إلى آباطه وتطلق رجلاه } على معنى جمع خفي يديه وربطهما مما بين الخفين إلى الابطين، وفي صحيح ابن سنان (2) " يربط يديها ما بين الخف إلى الركبة ". بل في المسالك " ليس المراد في الاول - أي حسن حمران - أنه


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الذبائح - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبح - الحديث 1 من كتاب الحج.

[ 133 ]

يعقل خفي يديه معا إلى آباطه، لانه لا يستطيع القيام حينئذ، والمستحب في الابل أن تكون قائمة " وإن كان فيه أنه خلاف ظاهر الاخفاف فيه واليدين في الصحيح، نعم روي (1) " أنه رئي الصادق (عليه السلام) أنه ينحر بدنه معقولة يدها اليسرى " وفي كشف اللثام " عن بعض الكتب (2) أنه سئل كيف ينحر ؟ فقال: يقام قائما حيال القبلة، وتعقل يده الواحدة، ويقوم الذي ينحره حيال القبلة، فيضرب في لبته بالشفرة حتى يقطع ويفري، وكذلك روت العامة (3) أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها) والامر سهل بعد كون الحكم مستحبا، لقصور ما سمعت عن إثبات الوجوب، فحينئذ لا بأس بالحكم باستحباب كل من الكيفيات المزبورة. { و } كذا يستفاد من خبر حمران أيضا ما ذكره هو وغيره من أنه يستحب { في الطير أن يرسل بعد الذباحة } بل سمعت قوله (عليه السلام) فيه: " الارسال للطير خاصة " إلى غير ذلك من الوظائف التى ذكر في المسالك جملة منها ناسبا لها إلى النص، وهي تحديد الشفرة وسرعة القطع، وأن لا يري الشفرة للحيوان، وأن يستقبل الذابح القبلة، ولا يحركه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح، وأن يساق إلى الذبح برفق، ويضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح، ويمر السكين بقوة وتحامل ذهابا وعودا، ويجد في الاسراع، فيكون أرخى وأسهل.


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبح - الحديث 3 من كتاب الحج. (2) المستدرك - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 5. (3) سنن البيهقي - ج 5 ص 237.

[ 134 ]

وفي النبوي (1) " أن الله تعالى شأنه كتب عليكم الاحسان في كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ". وفي آخر (2) " أنه (صلى الله عليه وآله) أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز ". وقد تقدم في كتاب الحج (3) من النصوص ما يستفاد منه وظائف أخر، خصوصا نصوص الاضحية (4) التي وقتها لمن كان بمنى أربعة أيام أولها يوم النحر، وفي الامصار ثلاثة أيام. { و } على كل حال فأول { وقت ذبح‍ } - ها أي { الاضحية ما بين طلوع الشمس إلى غروبها } من كل يوم، فلا تدخل الليالي حينئذ، أو إلى غروبها من آخر أيام التشريق، فتدخل حينئذ، وعن التحرير التردد في ذلك، كما تردد غيره أيضا في ابتداء الوقت أنه من طلوع الشمس أو بعد مضي مقدار صلاة العيد والخطبتين، وإن جزم هنا في المسالك بدخول الليالي، وكون الوقت بعد مضي مقدار الصلاة والخطبتين، وتحقيق الحال في كتاب الحج (5). { وتكره الذباحة ليلا إلا مع الضرورة } لنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، ولقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبان (6) " كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع


(1) و (2) سنن البيهقي - ج 9 ص 280. (3) راجع ج 19 ص 155 إلى 157 و 223 إلى 225. (4) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الذبح من كتاب الحج. (5) راجع ج 19 ص 225. (6) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 135 ]

الفجر " و " يقول إن الله جعل الليل سكنا، قلت: جعلت فداك فان خفنا، قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح " (1) ومنه بل وخبر الحلبي (2) الآتي يستفاد استثناء الضرورة بعد أن جعل خوف الموت مثالا لها. { و } كذا يكره { بالنهار يوم الجمعة إلى الزوال } لقول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي (3) " كان يكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذبح وإراقة الدماء يوم الجمعة قبل الصلاة إلا لضرورة ". { و } كذا يكره { أن تنخع الذبيحة } بمعنى إصابة نخاعها حين الذبح، وهو الخيط الابيض وسط الفقار ممتدا من الرقبة إلى عجز الذنب، وفي كشف اللثام " أنه اختلف فيه - أي الانخاع - كلام اللغويين، وهو يشمل إبانة الرأس، وفي النهاية والوسيلة والسرائر أنه هي " وعلى كل حال فقد عرفت سابقا قوة القول بكراهة الابانة التي إن لم تكن انخاعا فلا ريب في استلزامها الانخاع بمعنييه. ومنه يعلم الوجه في النهي عنه في صحيحي محمد بن مسلم (4) عن الباقر (عليه السلام) " استقبل بذبيحتك القبلة، ولا تنخعها حتى تموت " والحلبي (5) عن الصادق (عليه السلام) " لا تنخع الذبيحة حتى تموت، وان ماتت فانخعها " مضافا إلى ما عن المبسوط من نفي الخلاف عن كراهة النخع بمعنى البلوغ إلى النخاع، بل وإلى ما عساه يظهر من سوق بعض النصوص السابقة (6)، ولعله لذا صرح المصنف في النافع بالكراهة فيها


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الذبائح - الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2. (6) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الذبائح - الحديث 4.

[ 136 ]

مع ميله إلى الحرمة في الابانة. { و } كذا يكره { أن تقلب السكين فيذبح إلى فوق } لقول الصادق عليه السلام في خبر حمران (1) المحمول عليها، لقصوره عن إفادة الحرمة: " ولا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق ". و { قيل } والقائل بعض القدماء: { فيهما يحرم } بل في الرياض خيرته في الاول منهما { و } لا ريب أن { الاول أشبه } بأصول المذهب وقواعده التي منها أصل البراءة، واطلاق الاذن بالذبح (2) وغير ذلك مما تقدم سابقا في الابانة التي هي انخاع وزيادة، ونفي الخلاف السابق، وظهور السوق في بعض النصوص (3) ولا معارض لذلك سوى ظاهر النهي (4) المتعارف إرادة الكراهة منه، فيكفي فيه أدنى قرينة. ومن الغريب ما في الرياض من استدلاله على الحرمة بظاهر النهي في الصحيحين (5) قال: " مضافا إلى النهي المتقدم في الصحيح (6) عن الابانة، وهو يستلزم النخع " وفيه أن استلزامه للنخع لا يقتضي حرمته لو اقتصر عليه، نعم كراهة الابانة كما عرفت تستلزم كراهة الانخاع، كما هو واضح. وأغرب من ذلك دعوى الحرمة في الثاني الذي قد عرفت ضعف


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الذبائح - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 و 3 - وغيرها من أبواب الذبائح. (3) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الذبائح - الحديث 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 و 2. (6) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الذبائح - الحديث 2.

[ 137 ]

الخبر (1) المتضمن للنهي عنه، ولذا حمله المتأخرون كافة على الكراهة، بل لعله مراد من عبر بالنهي من القدماء. وأغرب من ذلك ما عن الغنية من حرمة الذبيحة به أيضا مدعيا عليه إجماع الطائفة، مع أنا لم نعثر على موافق له على ذلك، وليس في الخبر المزبور إلا النهي عنه، وهو أعم من ذلك. ومنه يعلم القول بها في الاول على القول بحرمته، أللهم إلا أن يدعى أن ذلك من كيفية الذبح، فتخرج بمخالفتها عن الذبح الشرعي، لكنها كما ترى، وكذا غيرها من التعسفات التي لا يخرج بها عن إطلاق ما دل (2) على حصول التذكية بقطع الاوداج الاربعة فضلا عما عرفت، والله العالم. { و } كذا يكره { أن يذبح حيوان وآخر ينظر إليه } لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر غياث بن ابراهيم (3) القاصر عن إثبات الحرمة: " لا تذبح الشاة عند الشاة ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه " ولعله المحكي عنه (عليه السلام) من أنه " كان لا يذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه " ومن هنا حملهما المتأخرون على الكراهة، بل لا دلالة فيهما على غير المجانس، إلا أن أمر الكراهة مما يتسامح فيه، فما عن ظاهر النهاية من الحرمة واضح الضعف، ولعله لا يريدها، نعم في كشف اللثام " إلا أن يدخل ذلك في تعذيب الناظر، فيتجه التحريم، وليس ببعيد " وفيه أنه في كمال البعد.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الذبائح - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الذبائح - الحديث 1.

[ 138 ]

وكذا يكره أن يذبح بيده ما رباه من النعم للنهي عنه في الخبر (1) المحمول على الكراهة، لقصور السند، ولانه ربما يورث قساوة القلب، إلى غير ذلك من الوظائف المستفادة من بعض النصوص السابقة وغيرها كما أرسله في المسالك على ما سمعته سابقا، والله العالم. { واما اللواحق فمسائل: } { الاولى }: { ما يباع في أسواق المسلمين من الذبائح واللحوم } والجلود { يجوز شراؤه، ولا يلزم الفحص عن حاله } أنه جامع لشرائط الحل أو لا، بل لا يستحب، بل لعله مكروه، للنهى عنه في حسن الفضلاء (2) " سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون، قال: كل إذا كان ذلك في أسواق المسلمين، ولا تسأل عنه " وإن كان هو في مقام رفع توهم الوجوب، نحو صحيح أحمد ابن أبي نصر (3) عن الرضا (عليه السلام) سأله " عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أذكي هو أم لا ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلى فيه ؟ قال: نعم، إنا نشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه، وليس عليكم المسألة " وصحيحه الآخر (4) أيضا


(1) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب النجاسات - الحديث 6 - 3 من كتاب الطهارة.

[ 139 ]

" سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فرو لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم فضيق الله عليهم ". قلت: وظاهرها عدم الفرق بين (في ظ ل) ما يأخذ من السوق بين معلوم الاسلام ومجهوله وبين مستحل ذبائح أهل الكتاب من المسلمين وغيره، فما عن التحرير من اعتبار كون المسلم ممن لا يستحل ذبائح أهل الكتاب واضح الضعف، خصوصا بعد اشتهار الجواز بين المخالفين الذي كان في ذلك الزمان لا يعرف سوق إلا لهم، ومورد النصوص الاخذ منهم، هذا وقد تقدم في لباس المصلي (1) تفصيل الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه. بل مما ذكرناه هناك من خبر السفرة (2) وغيرها يستفاد الحكم في الجلد المطروح واللحم كذلك في أرض المسلمين وإن لم يكن سوقهم. وفي المسالك هنا " واعلم أنه ليس في كلام الاصحاب ما يعرف به سوق الاسلام من غيره، فكان الرجوع فيه إلى العرف، وفي موثق اسحاق (3) عن الصادق (عليه السلام) إنه قال: " لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت له: وإن كان فيها غير أهل الاسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس " - ثم قال -: وعلى هذا ينبغي أن يكون العمل، وهو غير مناف للعرف


(1) راجع ج 8 ص 53. 62 (2) و (3) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب النجاسات - الحديث 11 - 5 من كتاب الطهارة، والثاني عن العبد الصالح عليه السلام كما في التهذيب ج 2 ص 368 وفي المسالك عن الكاظم عليه السلام.

[ 140 ]

أيضا، فيتميز سوق الاسلام بأغلبية المسلمين فيه، سواء كان حاكمهم مسلما أو لا، وحكمهم نافذا أم لا، عملا بالعموم ". وفيه أنه قد لا يساعد العرف على بعض الافراد، ولكن دعوى عدم اعتبار السوق أولى، فلاحظ ما تقدم منا في لباس المصلي (1) وتأمل، والله العالم. المسألة { الثانية: } { كل ما يتعذر ذبحه أو نحره من الحيوان إما لاستعصائه أو لحصوله في موضع لا يتمكن المذكي من الوصول إلى موضع الذكاة منه وخيف فوته جاز أن يعقر بالسيوف أو غيرها مما يجرح، ويحل وإن لم يصادف العقر موضع التذكية } ولم يحصل الاستقبال، كما قدمنا الكلام في ذلك مفصلا (2). وربما ظهر من بعض هنا المفروغية من جواز عقره بالكلب، لصيرورته حينئذ بذلك كالصيد، وقد تقدم الاشكال منا في ذلك بالنسبة إلى خصوص المتردي، نعم ظاهر النص (3) بل والفتوى عدم الفرق بين خوف الفوت وعدمه، ولو تمكن من بعض أعضاء الذبح فالاولى مراعاته، والله العالم.


(1) راجع ج 8 ص 52 - 54. (2) في ص 48 - 54. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح.

[ 141 ]

المسألة { الثالثة: } { إذا قطعت رقبة الذبيحة } من القفا مثلا { وبقيت أعضاء الذباحة فان كانت حياتها مستقرة ذبحت وحلت بالذبح وإلا كانت ميتة، ومعنى المستقرة } كما في التحرير والقواعد والارشاد { التي يمكن أن يعيش مثلها اليوم والايام، وكذا لو عقرها السبع } مثلا { ولو كانت الحياة غير مستقرة - وهي التي يقضى بموتها عاجلا - لم تحل بالذباحة، لان حركتها كحركة المذبوح }. وبالجملة فمدار موضوع المسألة وما شاكلها على اعتبار استقرار الحياة في الحل بالذبح أو النحر، كما عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وابني حمزة وإدريس والفاضل وولده والشهيد في اللمعة وغاية المراد والسيوري في كنز العرفان والصيمري في تلخيص الخلاف والمقدس الاردبيلي والفاضل الاسترابادي والجواد الكاظمي في آيات الاحكام، بل عن الصيمري نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل في الروضة نسبته إليهم. بل لعله ظاهر المرتضى والطبرسي، إذ الاول في المسائل الناصرية بعد أن حكى فيها عن الناصر تحريم ما ذبح وهو يكيد بنفسه قال: " هذا صحيح، والحجة فيه أن الذي يكيد بنفسه من الحيوان يدخل في عموم ما حرم الله من الموقوذة، لان الموقوذة هي التي قد اشتد جهدها وتعاظم ألمها، ولا فرق فيه بين أن يكون ذلك من ضرب لها أو من آلام يفعلها الله تعالى بها يفضي إلى موتها، وإذا دخلت في عموم هذه اللفظة كانت محرمة بحكم الظاهر ". والثاني منهما قال في مجمع البيان: " والتذكية فرى الاوداج والحلقوم لما فيه حياة، ولا يكون بحكم الميت ".

[ 142 ]

نعم ظاهر أكثر القدماء كالاسكافي والصدوق والشيخ في النهاية وبني حمزة والبراج وزهرة وأبي الصلاح وسلار والطبرسي في جامع الجوامع بل وجملة من المتأخرين كالمحقق في النافع والعلامة في التبصرة والشهيد في الدروس والصيمري في غاية المرام وثاني الشهيدين في المسالك بل هو صريح بعضهم كيحيى بن سعيد في الجامع وثاني الشهيدين في الروضة الاكتفاء في حل الذبيحة بالحركة وحدها أو مع خروج الدم المعتدل، جمعا أو تخييرا من غير اعتبار استقرار الحياة بالمعنى المزبور، كما صرح به الاردبيلي في المجمع والخراساني والكاشاني والمجلسي والعلامة الطباطبائي والفاضل الناراقى وغيرهم من متأخري المتأخرين. بل عن المبسوط الذي قد عرفت اشتراطه لاستقرار الحياة " قال أصحابنا: إن أقل ما يلحق معه الذكاة أن تجده تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه، فانه إذا وجده كذلك ولم يذكه لم يحل أكله " بل عنه " روى أصحابنا أن أقل ما يلحق معه الذكاة أن تجد ذنبه يتحرك أو رجله تركض " محتجا بذلك على تحريم الصيد إذا أدركه وهو مستقر الحياة ولم يتسع الزمان لذبحه، قال: " وهذا أكثر من ذلك ". ثم إن القائلين باعتبار الاستقرار قد اختلفت عباراتهم، ففي المتن وغيره ما سمعته، وإليه يرجع ما عن المبسوط من أنه الذي يمكن أن يعيش يوما أو نصف يوم، كما عن الفاضل في التلخيص وولده في الايضاح والصيمري في تلخيص الخلاف، بل عزاه فيه إلى المشهور، واحتاط به المقداد في التنقيح، وفي محكي الخلاف " أن يتحرك حركة قوية، فان لم يكن فيه حركة قوية لم يحل أكلها، لانها ميتة " وعن ابن إدريس " وعلامتها أن تتحرك حركة قوية، ومثلها يعيش اليوم واليومين " وكأنه أشار بذلك إلى اتحاد ما سمعته من المبسوط والخلاف.

[ 143 ]

وحكى العلامة والشهيد والمقداد عن ابن حمزة " أن أدنى الاستقرار أن تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه " والذي عثرنا عليه من كلامه في الوسيلة في الصيد " أن ما صاده الكلب وأدركه صاحبه لم يخل إما أن يدركه وفيه حياة مستقرة أو غير مستقرة أو يدركه ممتنعا، فالاول إن اتسع الزمان لذبحه لم يحل إلا بعد الذكاة، ويعرف ذلك بأن يحرك ذنبه أو تركض رجله أو عينه تطرف " والمشار إليه بقوله: " ويعرف ذلك " كما يحتمل الاستقرار يحتمل الاتساع، فلا يتعين أن يكون تفسيرا للاول، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي الظاهر الثاني، لوقوع الكلام في حيزه وكونه المستفاد من النص (1) الوارد فيه، ولان المفهوم من كلامه في موضع آخر أن غير المستقر ما كان بحكم المذبوح، ومعلوم أن الحركة يوجد في المذبوح، فلا يصح تفسير الاستقرار بها، ولو فسر بها فالمراد الحركة القوية، كما قاله الشيخ، فلا يكون تفسيرا آخر للاستقرار. وأما التفسيرات الباقية فهي تقريبية متقاربة، بل متوافقة في الحقيقة فان ذات الحركة القوية من شأنها إمكان البقاء يوما أو نصف يوم، بل ويومين، كما يفهم من كلام ابن إدريس السابق، وحينئذ فيرتفع الخلاف في معنى الاستقرار، ويبقى الكلام في اشتراطه وعدمه. نعم ربما فسره بعض الناس بالذي لم يأخذ في النزع، مدعيا أنه هو الذي يمكن أن يعيش المدة المزبورة بخلاف من أخذ فيه، وإليه يرجع ما ذكره بعض آخر من أن غير المستقر هو الذي حركته حركة المذبوح، كمأخوذ الحشوة ونحوه مما يكون قاتلا كالذبح، والمستقر بخلافه. وعلى كل حال فموضع النزاع ما علم كونه غير مستقر الحياة، فانه


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد.

[ 144 ]

قابل للتذكية على النفي مع فرض حصول الحركة منه والدم أو أحدهما غير قابل لها على الاثبات وإن حصلت الحركة والدم. أما المشتبه فمقتضى اشتراط استقرار الحياة حرمته، لان الشك في الشرط شك في المشروط، لكن ظاهرهم الاتفاق على الرجوع إلى العلامة الواردة لحل الذبيحة من الحركة وخروج الدم المعتدل، كما اعترف به العلامة الطباطبائي. قال العلامة في التحرير: " وإذا تيقن بقاء الحياة بعد الذبح فهو حلال، وإن تيقن الموت قبله فهو حرام، وإن اشتبه اعتبر بالحركة القوية وخروج الدم المسفوح المعتدل لا المتثاقل، فان لم يعلم ذلك حرم ". وفي القواعد " وإذا علم بقاء الحياة بعد الذبح فهو حلال، وإن علم الموت قبله فهو حرام، وإن اشتبه الحال كالمشرف على الموت اعتبر بخروج الدم المعتدل أو حركة تدل على استقرار الحياة، فان حصل أحدهما حل وإلا كان حراما ". وفي الارشاد " والمشرف على الموت إن عرف أن حركته حركة المذبوح حرم، وإن ظن أنها حركة مستقر الحياة حل، وإن اشتبه ولم يخرج الدم المعتدل حرم ". وقال الشهيد في اللمعة بعد اشتراط أحد الامرين من الحركة وخروج الدم المعتدل في الحل: " ولو علم عدم استقرار الحياة حرم ". وفي الدروس " ولو ذبح المشرف على الموت كالنطيحة والموقوذة والمتردية وأكيل السبع وما ذبح من قفاه اعتبر في حله استقرار الحياة، فلو علم موته قطعا في الحال حرم عند جماعة، ولو علم بقاء الحياة فهو حلال، ولو اشتبه اعتبر بالحركة وخروج الدم ". وقال الصيمري في غاية المرام: " إذا ذبح المشرف على الموت

[ 145 ]

كالنطيحة والمتردية والموقوذة وأكيل السبع وما ذبح من قفاه اعتبر في حله استقرار الحياة، فلو علم موته قطعا في الحال حرم عند أكثر المتأخرين، وإن علم بقاؤه فهو حلال، وإن اشتبه اعتبر بالحركة المعتبرة عند الذبح وخروج الدم المعتدل أو هما على الخلاف ". وقال الشهيد الثاني في المسالك: " واعلم أنه على القول باعتبار استقرار الحياة وعدمه فالمرجع فيه إلى قرائن الاحوال المفيدة للظن الغالب بأحدهما، فان ظهر به أحدهما عمل عليه، وإن اشتبه الحال رجع إلى الحركة بعد الذبح أو خروج الدم المعتدل على ما تقدم تقريره " إلى غير ذلك من كلماتهم المقتضية حل المشتبه مع تحقق العلامة، لكونها دالة على الاستقرار. فيتجه أن يقال: إنها إذا كانت دليلا على الاستقرار جاز الاكتفاء بها، إذ يمتنع فرض وجودها مع العلم بانتفائه، واللازم من ذلك سقوط اعتبار هذا الشرط، فان فائدته إنما تظهر فيما علم عدم استقراره مع وجود العلامة المقررة، إذ مع انتفائها يثبت التحريم على القولين، أما على القول باشتراط الاستقرار فلانتفاء الشرط، وأما على القول بعدمه فلاناطة الحل عندهم بوجود العلامة، والمفروض انتفاؤها. ودعوى إمكان الجواب عن ذلك - بأن العلامة المذكورة لا توجب القطع باستقرار الحياة، بل هي أمارة ظنية يحصل منها الظن به فلا يلتفت إليها مع العلم بعدم الاستقرار، لان الظن لا يعارض القطع، أما مع الاشتباه فلا مانع من اعتبار ما يفيد الظن - يدفعها ظهور الادلة في التلازم بين وجودها وبين الحياة الكافية في الحل، فيمتنع حينئذ فرض وجودها مع العلم بانتفائها كما ذكرناه أولا، واعترف به المجيب المزبور. ومنه يعلم ما في كلامه متصلا بما ذكره من الجواب المزبور - قال:

[ 146 ]

" ولقائل أن يقول: إن مقتضى ما ذكره العلامة في الارشاد والشهيد الثاني الاكتفاء بالظن في هذا الشرط، فيجب الاكتفاء بهذه العلامة، لافادتها الظن بالاستقرار " ثم أجاب عنه بأنه بعد تسليم الاكتفاء بالظن أن الظن إنما يكتفى به مع انتفاء المعارض، وهو هنا متحقق، فان المفروض عدم الاستقرار، ويمتنع فرضه بدون العلم أو الظن بالانتفاء، فلم يسلم الظن الحاصل من الامارة في هذا الفرض، بخلاف صورة الاشتباه - إذ قد عرفت أنه لا وقع لهذا الكلام من أصله بعد ظهور الادلة في التلازم المزبور بينهما على وجه لا يمكن فرض وجود العلامة مع العلم بانتفاء الحياة الكافية في الحل، وليس في كلامهما أن العلامتين المزبورتين من أمارتي الظن، بل ظاهرهما أن ذلك أمر شرعي، ولعله كذلك، ضرورة أنه لا دليل في الحركة وخروج الدم على استقرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه بوجه من الوجوه، فليس حينئذ إلا التعبد الشرعي الذي لم يلحظ فيه الظن ولا غيره، ولم يلحظ فيه قرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه ولا غير ذلك كما هو واضح. فحينئذ متى حصل العلامتان حكم بالحل على وجه يمتنع فرض وجودهما مع الحرمة لعدم استقرار الحياة، كما أنه لا يمكن العلم بالبقاء مع فرض انتفائهما، كما اعترف به المجيب المزبور، قال: " إن المستفاد مما قالوه عدم اعتبار العلامة مع العلم بالاستقرار، ووجهه أن العلامة إنما اعتبرت للدلالة على الاستقرار، فمع فرض العلم يسقط اعتبارها، لا يقال: أقصى ما يلزم من العلم بالاستقرار كون الحياة ممكن البقاء مدة طويلة، وليس كل ممكن بواقع، فيجوز أن يكون ممكن البقاء ثم يعرض له بعد لحظة ما يزيل حياته، فلابد من رعاية العلامة الدالة على البقاء، لانا نقول: المراد العلم ببقاء الحياة المستقرة حال الذبح بحيث يعلم استناد الموت إلى التذكية، ومع ذلك فلا حاجة إلى العلامة، نعم

[ 147 ]

لو كان المراد العلم بالاستقرار قبل الذبح اتجه اعتبار العلامة للعلم بالبقاء، لكن فرض العلم بهذا الوجه لا ينفك عن وجود العلامة، فلا بأس بطردها فيه، نظرا إلى التلازم بينها وبين فرض الاستقرار حال التذكية، وإن لم يكن محتاجا إليها في الحكم بالحل، والامر في ذلك بين " إلى آخره. وكيف كان فقد ظهر لك أن الفائدة في اشتراط الاستقرار لا تظهر إلا مع فرض العلم بعدمه مع وجود العلامة المزبورة، وقد عرفت امتناعه، فلا فائدة، ومع تسليمه فلا ريب أن ظاهر الكتاب (1) والسنة الحل، بل يمكن دعوى تواتر النصوص (2) أو القطع بذلك منها، خصوصا بعد ملاحظة غير نصوص الحركة التي ذكرناها آنفا. كبعض الاخبار (3) الواردة فيما أخذته الحبالة، وأنها إذا قطعت منه شيئا لا يؤكل وما يدرك من سائر جسده حيا يذكى ويؤكل، فانه إن لم يكن الغالب في المأخوذ بالحبالة المنقطع بعض أجزائه الحياة الغير المستقرة فلا شك في تناوله لها. وكالاخبار (4) الواردة في وجوب ذبح ما يدرك حياته من الصيود الشاملة لغير المستقر إن لم تكن ظاهرة فيه، خصوصا خبر أبي بصير (5) منها المتضمن لقوله (عليه السلام): " فان عجل عليك فمات قبل أن تذكيه فكل " فان التعجيل مشعر بعدم كونه مستقر الحياة، نحو خبره الآخر (6) الوارد في البعير الممتنع المضروب بالسيف أو الرمح بعد


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 و 3 و 4 - وغيرها من أبواب الذبائح. (3) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الصيد. (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد - الحديث 0 - 3. (6) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الذبائح - الحديث 5.

[ 148 ]

التسمية، لقوله (عليه السلام) فيه: " فكل إلا أن تدركه ولم يمت بعد فذكه ". وكالاخبار (1) الواردة فيما قطع بالسيف ونحوه قطعتين المجوزة لاكل الاكثر أو ما يلي الرأس أو المتحرك من القطعتين بعد الذبح، إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في عدم اعتبار الاستقرار زيادة على ما سمعته من النصوص الظاهرة في الاكتفاء بوجود أصل الحياة الذي يدل عليه مع الاشتباه الحركة المزبورة وخروج الدم المعتدل. بل في البحار " الظاهر أن هذا - أي اعتبار الاستقرار - مأخوذ من المخالفين، وليس في أخبارنا منه عين ولا أثر ". قلت: بل الموجود فيها خلافه، بل قد يستفاد منها حل من (ما ظ) كانت حركته كحركة المذبوح بعد فرض صدق اسم الحياة عليه وبقاء أعضاء الذباحة، ومن ذلك ما لو ذبح الابل ثم نحرها أو نحر الغنم ثم ذبحها الذي صرح الشيخ وغيره بالحل، لاطلاق الادلة، ومن حرم بناه على اعتبار استقرار الحياة الذي قد عرفت عدم الدليل عليه. ومن ذلك يظهر لك ما في كلام الاردبيلي وغيره، قال بعد إيراد ما سمعته من عبارة الدروس في المشرف: " لا يخفى الاجمال والاغلاق في هذه المسألة، والذي هو معلوم أنه إذا صار الحيوان الذى يجري فيه الذبح بحيث علم أو ظن على الظاهر موته - أي أنه ميت بالفعل وأن حركته حركة المذبوح، مثل حركة الشاة بعد إخراج حشوها وذبحها وقطع أعضائها والطير كذلك - فهو ميتة لا ينفعه الذبح، وإن علم عدمه فهو حي يقبل التذكية، ويصير بها طاهرا، ويجري فيه أحكام المذبوح، والظاهر أنه كذلك وإن علم أنه يموت في الحال والساعة، لعموم الادلة التي تقتضي


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الصيد.

[ 149 ]

ذبح ذي الحياة، فانه حي مقتول بالذبح ومذبوح بالذبح الشرعي، ولا يؤثر في ذلك أنه لو لم يذبح لمات سريعا أو بعد ساعة. فما في الدروس " فلو علم موته " إلى آخره محل التأمل، فانه يفهم منه أن المدار على قلة الزمان وكثرته، فتأمل. وبالجملة ينبغي أن يكون المدار على الحياة وعدمها لا طول زمانها وعدمه لما مر، فافهم. وأما إذا أشتبه حاله ولم يعلم موته بالفعل ولا حياته، وأن حركته حركة المذبوح أو حركته حركة ذي الحياة فيمكن الحكم بالحل للاستصحاب، والتحريم للقاعدة السالفة " ثم أجرى فيه اعتبار الحركة والدم كما ذكرناه. إذ لا يخفى عليك ما فيه من أنه إن أراد بالحركة المزبورة حركة التقلص التي قد تكون في اللحم المسلوخ ونحوه فلا شبهة في أنه لا عبرة بها، لانه قد زالت عنه الحياة. وإن أراد بها الحركة التي تكون بعد فري الاوداج وشبهه وهي التي تسمى في العرف بحركة المذبوح كما هو الظاهر من كلامه - خصوصا وقد قال بعد ما نقل وجه الحل: " فتأمل، لان الحكم بالحل بعد قطع الاعضاء المهلك مشكل، فانه بعد ذلك في حكم الميت، والاعتبار بتلك الحركة والدم مشكل، فان مثلهما لا يدل على الحياة الموجبة للحل، فلا ينبغي جعلهما دليلا، والتحقيق ما أشرنا إليه " إلى آخره - ففيه أن عدم قبول التذكية أول الكلام، إذ لا شك في عدم مفارقة الروح بعد، كمن كان في النزع وبلغت روحه حلقومه، فانه لا يحكم عليه بالموت وإن علم أنه لا يعيش ساعة بل عشرها. بل مقتضى العمومات والنصوص (1) المزبورة حل مثله، بل يمكن دعوى ظهور جملة من النصوص المزبورة خصوصا الوارد منها في


(1) الوسائل - الباب - 11 و 12 - من أبواب الذبائح.

[ 150 ]

الصيد الذي يعجل موته (1) مؤيدا ذلك بالسيرة المستمرة، خصوصا في مثل الصيد بالآلة المسماة بالتفقة، فان الغالب فيما يصاد بها من الطير تكون حركته حركة المذبوح عند ما يدركه الصائد لان يذكيه. كل ذلك مع عدم دليل معتد به للقول باستقرار الحياة بالمعنى الذي ذكروه عدا ما قيل من أن غير مستقر الحياة بمنزلة الميت، ومن أن استناد موته إلى الذبح ليس بأولى من استناده إلى السبب الموجب لعدم استقرارها، بل السابق أولى، فيكون هلاكه به، ويكون ميتة، على أن الاصل الحرمة بعد انسياق غير المفروض من إطلاق الكتاب (2) والسنة (3). والجميع كما ترى، إذ الاول مجرد دعوى لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها متحقق، بل الثاني كذلك، ضرورة اقتضاء الادلة كون ذبح الحي سببا في الحل وإن حصل سبب آخر بعد الذبح، قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (4): " وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد أجدت الذبح فكل ". ولا ينافي ذلك خبر حمران (5) عنه (عليه السلام) أيضا، قال: " سألته عن الذبح، فقال: إن تردى في جب أو وهدة من الارض فلا تأكل ولا تطعم، فانك لا تدري التردي قتله أو الذبح " بعد أن لم نجد العامل به ممن يعتد بقوله.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (2) سورة المائدة: الآية 3. (3) الوسائل - الباب - 1 و 2 و 3 و 4 - وغيرها من أبواب الذبائح. (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2.

[ 151 ]

كما لا ينافي ذلك ما تقدم في الصيد من اعتبار العلم باستناد الموت إلى السبب الحاصل من الصيد، فمتى شك في اشتراك غيره معه لم يحل، فضلا عن الظن والعلم، لامكان الفرق بينهما بعدم العلم بحصول السبب المقتضي لعدم استقرار الحياة في الصيد بخلافه في الذبح، وإلا فلو علم أن آلة الصيد قد جعلت حياته غير مستقرة وصار كالذبح في المذبوح لم يضر اشتراك سبب آخر معه. ومن ذلك يظهر لك ما في جواب بعضهم عن ذلك بأن ثبوته في الاصطياد لا يستلزم ثبوته في الذبح أيضا، لامكان كون التذكية الصيدية هي ما تخرج روحه بالاصطياد، وليس غيره اصطيادا، ولا كذلك التذكية الذبحية المعتبر فيها قطع الاوداج مع الحياة وإن مات بعد ذلك بسبب آخر معها، إذ قد عرفت عدم الفرق بينهما في ذلك، إلا أن التذكية الذبحية توجب العلم بعدم استقرار حياة المذبوح بعد الذبح بخلاف التذكية الصيدية، ومع فرض كونها كذلك لا فرق بينهما في الحكم، كما هو واضح. هذا وقد ذكر بعض الناس أن الذي خلط الامر في هذا المقام هو ما تقدم في مسألة تذكية الصيد المدرك ذكاته من أن المراد بعدم استقرار الحياة صيرورتها في شرف الزوال وشروعها في الخروج، ولا يبعد أن يكون ذلك مرادهم من قولهم: " لا يمكن أن يعيش اليوم والايام " فانه ما لم يشرع بالخروج لا يمكن الحكم بعدم الامكان، والصيد الذي صار كذلك بالاصطياد يصدق عليه أنه مقتول الآلة، سيما إذا ترك حتى خرج تمام روحه، ومن يحكم بلزوم الذبح حينئذ فليس نظره إلا إلى بعض الاخبار كما مر، ومن لم يعتبر هذه الاخبار حكم بعدم لزوم الذبح حينئذ، واشترط في لزومه استقرار حياة الصيد، لما عرفت. فاختلط الامر، وآل إلى التعدي إلى الذبيحة من غير استبصار.

[ 152 ]

ولا يخفى عليك أنه لا حاصل له، ضرورة عدم الفرق بين الذبيحة والصيد في ذلك، بل النصوص (1) في الاولى ظاهرة في وقوع الذبح على المشرف، وعلى المتشاغل في النزع أظهر منها (2) في الصيد بالنسبة إلى ذلك، كما هو واضح. وبذلك كله ظهر لك صحة تذكية الحيوان وإن كان مشرفا على الموت بسبب آخر غير الذبح على وجه أثر فيه كالذبح، بحيث جعل حياته غير مستقرة، لاطلاق الادلة وعمومها وخصوص النصوص (3) المزبورة، نعم يشترط فيه الحركة بعد الذبح وخروج الدم حتى يعلم أنه قد ذبح حيا وأنه قد زهقت روحه بعد الذبح. فان أرادوا باستقرار الحياة هذا المعنى فمرحبا بالوفاق، كما عساه يومئ إليه ما ذكره الكركي في حاشية الكتاب من أنه (يعلم - أي استقرار الحياة الذي ذكره المصنف - بالحركة المعتدلة أو الدم المعتدل عند الاشتباه " انتهى. ويكون المراد حينئذ باستقرار الحياة أصل قرارها، أي ثبوتها لا أمر زائد، كما أومأ (عليه السلام) إليه بقوله (4): " إذا شككت في حياة الشاة " التي هي العنوان في جملة من نصوص الصيد (5) حيث قال (عليه السلام) فيها: " فان أدركته حيا فذكه " وإلا فلا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه. ومن ذلك كله ظهر لك وجه النظر فيما حكيناه عن الرياض سابقا من تفسير استقرار الحياة بما عرفت.


(1) الوسائل - الباب - 10 و 11 و 19 - من ابواب الذبائح. (2) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصيد والباب - 10 و 11 و 19 - من أبواب الذبائح. (4) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الذبائح - الحديث 5.

[ 153 ]

بقي شئ: وهو ما يكثر السؤال عنه في زماننا هذا، وهو أن الذابح لو فرض خطاؤه بذبحه بسبب عدم قطع الاوداج من محل الذبح ثم أراد تدارك ذلك بأن يقطعها بعد القطع والفرض بقاء الحيوان حيا لكنه حياة مذبوح مقتضى ما ذكرناه الحل من حيث حصول الحياة وإن لم تكن مستقرة بالمعنى الذي ذكروه، نعم قد يشك فيه من حيث عدم حصول قطع الاوداج معلقة بمحلها، ولا أقل من الشك باعتبار انسياق التذكية لغيره والاصل عدمها، ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى، والله العالم. المسألة { الرابعة: } { إذا نذر أضحية معينة زال ملكه عنها } وكانت أمانة في يده للمساكين بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في كشف اللثام إجماعا كما في الخلاف إلا عن بعض العامة، ولعله الحجة، مضافا إلى المرسل (1) وإن لم أجده في طرقنا " إن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله إني أوجبت على نفسي بدنة وهي تطلب مني بنوق، فقال: انحرها ولا تبعها ولو طلبت بمأة بعير " بناء على إرادة الكناية عن عدم الملك بالنهي عن البيع.


(1) لم نعثر على هذه الرواية بنصها وقد ذكرها الشهيد (قده) في المسالك، نعم روى البيهقي قريبا منها في سننه ج 9 ص 288.

[ 154 ]

وكذا المرسل عن علي (عليه السلام) (1) " من عين أضحية فلا يستبدل بها ". ومرسل أبي سعيد الخدري (2) الآتي، ولاستلزام النذر - بعد انعقاده لوجود المقتضي له باعتبار كون الاضحية طاعة - صيرورتها أضحية متعينة للذبح والتفرقة على الوجه المطلوب منها شرعا المنافي لبقاء الملكية على ما في المسالك، وإن كان فيه ما فيه. وحينئذ فلا ينفذ تصرفه فيها ببيع ولا هبة ولا إبدالها بمثلها ولا بخير منها، بل لعل نفس إنشاء تعيينها أضحية يقتضي ذلك، بل عن الشيخ تتعين بالنية حال الشراء وإن لم يتلفظ ولم يشعر ولم يقلد. وفي الدروس " ولو كانت في ملكه تعينت بقوله: جعلتها أضحية، فيزول ملكه عنها، وليس له إبدالها، وإن أتلفها أو فرط فيها فتلفت فعليه قيمتها يوم التلف، وإن أتلفها غيره فعليه أرفع القيم عند الشيخ، فيشتري به غيرها، ولو أمكن شراء أكثر من واحدة بقيمتها فعل ولو كان جزءا من أخرى، ولو قصر عن واحدة كفاه شقص، ولو عجز عن شقص تصدق به، ولو وجد بها عيبا بعد التعيين لا يردها، ويصنع بالارش ما ذكرناه، ولو عابت بعد القبض نحرها على ما بها، ولو تلفت أو ضلت بغير تفريط لم يضمن، فان عادت ذبحها أداء، وإن كان بعد الايام ذبحها قضاء، ولو ذبحها غيره عنه أجزأه، وفي وجوب الارش


(1) لم نعثر على هذا المرسل في كتب الاخبار مع التتبع التام في مظانه، وقد قال العلامة (قده) في المنتهى في كتاب الحج - بحث الضحايا - (المجلد الثاني ص 760): " مسألة: إذا عين الاضحية... احتج الشافعي بما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: من عين أصحية فلا يستبدل بها... " وتعرض له الشهيد الاول (قده) في غاية المراد في كتاب الحج كما سيذكر عبارته قريبا في الجواهر. (2) سنن البيهقي ج 9 ص 289.

[ 155 ]

هنا بعد، فان قلنا به تصدق به إن لم يمكن الشراء به ". وفي الارشاد " إذا نذر أضحية زال ملكه عنها، وإن تلفت بتفريط ضمن وإلا فلا، ولو عابت من غير تفريط نحرها على ما بها، ولو ذبحها غيره ولم ينو عن المالك لم يجز عنه، وإن نوى عنه أجزأ، ولا يسقط استحباب الاكل من المنذورة، ويتعين بقوله: جعلت هذه الشاة أضحية، ولو قال: لله علي التضحية بهذه تعينت، ولو أطلق ثم قال: هذه عن نذري ففي التعيين إشكال ". وفي غاية المراد " يفهم من التعيين أمران: أحدهما وجوب ذبح المعينة ما دامت سليمة، الثاني البراءة من النذر لو تلفت، والشيخ في المبسوط أراد الاول وأفتى بالتعيين، لما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: " من عين أضحية فلا يستبدل بها " ولانه لا يقصر عن سياق الهدي المقتضي لتعينه للذبح ولو لم يتقدم نذر ويحتمل عدم التعيين، لما روي (1) أن النبي (صلى الله عليه وآله) شرك عليا (عليه السلام) في هداياه، والتشريك إنما يكون بالنقل، ولاصالة البقاء على الاطلاق، وفي الوجهين نظر، أما الاول فلجواز أن يراد به المنذور المعين، والحمل على السياق قياس، وأما الثاني فيمكن سبق قصد علي (عليه السلام) إن ثبت كونه من صورة النزاع، ويمكن أن يقال: إنه إن قرنها بنسك عاقدا بها تعينت بالمعنى الاول لا الثاني، وكذا إن عقد بالتلبية وساقها في حج القران، ويستثنى هاتان الصورتان من الاشكال، ويتجه فيما عداهما، وأما المعني الثاني فيحتمل كتعيين الزكاة، وهو ضعيف، لاشتغال الذمة بالاضحية، فلا يبرأ إلا بها ". قلت: هو قوي بناء على تعين الاضحية بالتعيين بدون نذر،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب أقسام الحج - الحديث 4 و 14 و 25 و 32.

[ 156 ]

ضرورة أولويته من ذلك، فهو حينئذ كالدين الذي يكون وليا عليه، ومع فرض التعيين لا إشكال في البراءة، وكان اتفاقهم هنا على التعين بالتعيين بنذر مثلا أو بانشائه لكونها قسما من الهدي الذي حكمه كذلك، ولعله لان الامر بها مالي مطلق، فاشبه الدين والفرض كون الخطاب له، فيكون حينئذ له ولاية التعيين، فإذا عينها في فرد تعين من دون نذر أو يمين أو عهد فضلا عن النذر. ومن الغريب ما حكاه في المسالك عن بعض من عدم زوال ملكه عنها في مفروض المسألة حتى يذبح ويتصدق باللحم، وله بيعها وإبدالها، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد، فانه لا يزول ملكه عنه إلا باعتاقه ولعله أراد بعض العامة، وقد رده بأنه قد أشرنا إلى الفرق بين الامرين في هذا ونظائره فيما سلف، فان نذر الاضحية يقتضي صيرورتها حقا لمن يستحق لحمها، كما لو نذر أن يكون ذلك الحيوان صدقة، بخلاف ما لو نذر أن يعتق أو يتصدق، فان المستحق عليه هو إيقاع العتق على ماله أو الصدقة به، فالمنذور ليس هو المال، بل الصيغة الواقعة عليه، فلا يخرج عن ملكه بدونها. وفيه - بعد الاغضاء عن وجه الفرق بين نذر الحيوان صدقة وبين نذر أن يتصدق به المبني على صحة نذر نتيجة السبب، وقد عرفت ما فيه في كتاب العتق - أن ظاهره الموافقة على جواز بيع العبد المخصوص المنذور عتقه، وهو واضح المنع، وقد تقدم الكلام فيه سابقا. كما أنه قد يظهر من كلامه أن المقام من نذر النتيجة الذي قد تقدم منا في كتاب العتق أن الاقوى عدمه، لظهور أدلة النذر في كونه من الملزمات، لا أنه سبب يقوم مقام العتق والطلاق والنكاح والبيع والاجارة وغيرها مما كان ظاهر أدلته توقفه على انشاء مخصوص وصيغة مخصوصة. وعلى كل حال فليس المقام منه قطعا، ولذا كان مجمعا عليه هنا

[ 157 ]

فيما بينهم، بخلاف ذلك المقام الذي لم يعرف القائل به إلا الفاضل وبعض من تبعه، على أنك قد سمعت ما ذكره الشهيد والفاضل من التعيين بانشاء التعيين بلا نذر فضلا عنه، وليس إلا لفهمهم له من أدلة الاضحية أو من حكم الهدي أو من غير ذلك وإن ناقشهم فيه بعض الناس بأنه إنما يتجه في النذر دون غيره. وبذلك كله يظهر لك أن المقام له خصوصية، لا من مسألة نذر النتائج، ومن هنا يتجه الاقتصار فيه على الاضحية، ولا يلحق بها العقيقة فضلا عن غيرها، بل قد يتوقف في إلحاق أخوي النذر به، فتأمل جيدا. بقي شئ: وهو أنه بناء على تعين الاضحية بانشاء التعيين من دون نذر فأي فائدة للنذر في ذلك، ويمكن أن يقال: إنه به يحصل الالتزام بخلاف الانشاء بدونه، إلا أنه مخالف لظاهر القائل، ضرورة ظهور كلامه في أن الانشاء كالنذر في التعيين المزبور، ومن هنا يمكن أن يقال: لا فرق بين الانشاء المزبور وبين النذر الذي ليس فيه إلا انشاء النذر، وهو غير انشاء التعيين، ولا يخفى عليك أن أصل الحكم المزبور لا يخلو من نظر، وربما مضى في كتاب الحج (1) نوع تنقيح له، فلاحظ. والله العالم { و } على كل حال فلا إشكال - بعد صيرورة مفروض مسألة الكتاب أمانة في يده - في أنه { لو أتلفها } هو ولو بتفريط منه أو عيبها كذلك أو الاجنبي { كان عليه } للفقراء { قيمتها } لعموم " من أتلف " (2) وهي قيمته، لكن عن الشافعي ضمان أكثر الامرين


(1) راجع ج 19 ص 192 - 196. (2) المراد هو الحديث المشتهر على ألسنة الفقهاء " من أتلف مال الغير فهو له ضامن " إلا أنه لم أجد نص ذلك مع التتبع التام في مظانه، وإنما هي قاعدة مصطادة من =

[ 158 ]

من المثل أو القيمة، ولا ريب في ضعفه، وليس عليه إلا القيمة يوم التلف، فيشتري هو بها أو الحاكم مثلها فصاعدا، حتى لو وجد به أزيد من واحدة وجب، فان لم يجد به مثلها اشترى ما دونه. بل قد سمعت ما في الدروس من أنه يشتري شقصا، ولا بأس به، إذ ليس الفرض كمن نذر إعتاق عبد فقتل، فانه يأخذ قيمته ولا يشتري بها عبدا آخر ويعتقه، لان ملكه باق عليه، ومستحق العتق قد هلك، بخلاف مستحق الاضحية، والقيمة المضمونة على من أتلف قد تعلق بها حق الغير، فهي للفقراء أضحية، فوجب الشراء بها ولو جزءا من أضحيته، لانه شئ عن أضحيته أيضا، كما لو اشترك جماعة في أضحية. نعم ما في المسالك - من أنه لو تعذر الشراء حتى الشقص اشترى بها لحما وفرقه على وجهها، لانه أقرب إلى التضحية من تفرقة الدراهم، ولو تعذر جميع ذلك تصدق حينئذ بها - لا يخلو من إشكال بل منع، لعدم الدليل، وما ذكره وجه اعتباري هو ونحوه يذكر تقريبا للدليل. { و } على كل حال ف‍ { لو نذرها أضحية وهي سليمة فعابت } من دون تفريط عيبا يمنع من الاضحية فضلا عن غيره { نحرها على ما بها، وأجزأته } لان الفرض تعينها وبقاؤها في يده أمانة، وفي


= عدة روايات كما أشار إلى ذلك أيضا شيخنا صاحب الجواهر (قده) في كتاب الغصب - ج 37 ص 60 - فمن تلك الروايات ما رواه في الوسائل - الباب - 10 و 11 و 14 - من كتاب الشهادات. والباب - 5 و 7 - من كتاب الرهن - الحديث 2 منهما. والباب - 29 - من كتاب الاجارة. والباب - 18 - من كتاب العتق - الحديث 1. و 5 و 9. والباب - 22 - من أبواب حد الزنا - الحديث 4. والباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4 من كتاب الحدود والتعزيرات.

[ 159 ]

المرسل العامي عن أبي سعيد الخدري (1) " إنه قال: اشتريت كبشا لاضحي به فعدى الذئب فأخذ منه الالية، فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال: ضح به ". بل { و } كذا { لو ضلت أو عطبت أو ضاعت من غير تفريط لم يضمن } وسقط عنه خطاب النذر بل والاضحية، لما عرفت. نعم لو وجدت بعد ذلك ذبحها في يوم الاضحية، بل قد سمعت ما في الدروس من أنها تذبح قضاء، وفيه نظر، والله العالم. المسألة { الخامسة: } { لو نذر أضحية فذبحها يوم النحر غيره ولم ينو عن صاحبها } أو نوى غيره { لم تجز عنه } أي الناذر، للاصل ولعدم سقوط النية المعتبرة في كل عمل بالنذر { و } إن اقتضى تعيينها. نعم { لو نوى } التضحية بها { عنه أجزأته وإن لم يأمره } به للاجماع كما عن الخلاف، ولما في كشف اللثام من أنه إنما نذر كونها أضحية وقد حصل، فانه أعم من التضحية بنفسه إلا أن ينوي ذلك في النذر، وإن كان فيه ما فيه، كتعليله في المسالك بأنها تعينت للذبح الذي قد وقع موقعه، فيأخذ صاحبها لحمها ويفرقه، ضرورة أنه غير متجه بناء على اعتبار النية من الناسك نفسه، ولو أن تعيينها للذبح يجزئ عنها اكتفى به وإن لم ينوها عن صاحبها، وكأنه لذلك لم يجتز به مالك، ولكن قد عرفت الاجماع منا الذي هو دليل المسألة إن لم نقل بتوقف الاجزاء


(1) سنن البيهقي - ج 9 ص 289.

[ 160 ]

على الاجازة، وإلا كان دليله دليل الفضولي بناء على جريانه في مثل ذلك، فتأمل جيدا، والله العالم. ثم إنه هل يجب على الذابح أرش ما نقص بالذبح ؟ الاشهر الاقوى العدم، للاصل بعد أن لم يفوت عليه شيئا مقصودا، بل خفف عنه مؤونة، وربما قيل بثبوته، لان إراقة الدم من المالك مقصودة وقد فوتها عليه، وفيه أن ذلك شئ لا يضمن. وأضعف منه ما عن آخر من التفصيل بأنه إن ذبحها وفي الوقت سعة فعليه الارش، لانه لم يتعين ذبحه حينئذ، وإن ضاق ولم يبق إلا ما يسع الذبح فذبحها فلا أرش عليه، لتعيين الوقت، وعلى تقدير الارش فيحتمل كونه للمضحي، لانه ليس من عين الاضحية المستحقة للمساكين ويحتمل كونه لهم، لانه بدل الاضحية التي ليس للمضحي فيها إلا الاكل، والثالث أن يسلك به مسلك الضحايا، ولعله الاقوى، كأرش العيب بتفريط، وحينئذ فيشتري به شاة أو جزءها أو لحما ويتصدق به على التفصيل السابق. هذا كله مع عدم صدور غير الذبح والنحر من الاجنبي، أما إذا أتلفه مع ذلك بتفريق ونحوه ففي المسالك " هو كالاتلاف، لان تعيين المصرف إليه لا إلى الذابح، فيضمن حينئذ له القيمة، ويشتري بها على نحو ما مر " قلت: يمكن القول بالاجتزاء به أيضا كالذبح خصوصا بناء على الفضولي. ثم على تقدير الضمان فالوجه ضمان قيمة اللحم بناء على عدم ثبوت الارش بالذبح، ويحتمل ضمان أرش الذبح وقيمة اللحم، وقيمتها عند الذبح كما في صورة الاتلاف، وأكثر الامرين من قيمتها وقيمة اللحم، لانه فرق اللحم متعديا بعد ما ذبح متعديا.

[ 161 ]

وفي المسالك بعد ذكر الاحتمالات: " وهذا يطرد في كل من ذبح حيوان غيره وأكل لحمه، إلا أن الاحتمال الاول منفي، لان الذبح غير مستحق " قلت: لا يخفى عليك ما فيه، مضافا إلى إشكال الفرق بين الاحتمال الثالث والثاني. ثم إن ظاهر الاصحاب هنا أن المتولي للشراء بالقيمة أو بالارش وللمطالبة بهما الناذر دون الحاكم وإن صارت الشاة بنذره للفقراء، ومقتضى القواعد العامة تولي الحاكم الذي هو وليهم في ذلك، إلا أن الظاهر عدم انقطاع تمام ولايته بنذره، والله العالم. المسألة { السادسة: } { إذا نذر الاضحية وصارت واجبة لم يسقط استحباب الاكل منها } عندنا، لاطلاق الادلة (1) بل لو قلنا باستحباب الصدقة بها كما عن الشيخ لم يسقط جواز الاكل منها الذي هو من أحكامها عنده وإن لم يكن على وجه الاستحباب، خلافا لبعض العامة، فمنع من الاكل من الاضحية المنذورة، قياسا على الزكاة الواجبة والكفارة والهدي الواجب عندهم، وهو واضح الضعف، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الذبح من كتاب الحج.

[ 162 ]

المسألة { السابعة: } لا خلاف نصا (1) وفتوى ولا إشكال في احتياج السمك إلى تذكية، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص مستفيضة بل متواترة فيه (2) خصوصا مع ملاحظة ما دل منها على حرمة الطافي منه (3) وما مات منه في الماء (4) وما في بعضها من أنه ذكي (5) لا يراد به عدم احتياجه إلى التذكية، وكذا قوله تعالى (6): " أحل لكم صيد البحر " وقوله تعالى (7): " لتأكلوا منه لحما طريا " لا دلالة فيهما على ذلك، بل حلية نفس الصيد لا تقتضي أن ذكاته صيده كيف ما كان، كما لا تقتضي ذلك في صيد البر، بل هذا وشبهه نحو ما دل على كون الماء طهورا (8) مما لا دلالة فيه على كيفية التطهير، حتى لو أريد بالصيد المصيد إذ أقصاه حينئذ أن يكون نحو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 31 و 33 و 34 - من أبواب الذبائح. (3) و (4) الوسائل - الباب - 33 من أبواب الذبائح -. (5) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح الحديث 5 و 6. (6) سورة المائدة: 5 - الآية 96. (7) سورة النحل: 16 - الآية 14. (8) سورة الفرقان: 25 - الآية 48 والوسائل - الباب - 1 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 1 و 4 و 8 و 9 و 10 من كتاب الطهارة.

[ 163 ]

ما دل على أصل الاباحة من الآيات (1) والروايات (2) التي لا تدل على حل أكل الحيوان الذى قد ثبت في الشرع أن منه ميتة ومنه مذكى، وأن التذكية من الاحكام الشرعية المحتاجة إلى التوقيف. ومن هنا كان المعروف بين الاصحاب أصالة عدمها مع الشك في موضوعها الشرعي، كما أن الاصل عدم حصولها مع الشك في تحققها بعد معلومية المراد منها شرعا. وعلى كل حال ف‍ { ذكات‍ } - ه أي { السمك } المتفق عليها { إخراجه من الماء حيا } مع عدم عوده إلى الماء وموته فيه وإن لم أجد في شئ مما وصل إلي من نصوص الباب اللفظ المزبور عدا المرسل في الاحتجاج (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث " إن زنديقا قال له: والسمك ميتة، قال: إن السمك ذكاته إخراجه من الماء، ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه، وذلك أنه ليس له دم، وكذلك الجراد ". نعم في موثق أبي بصير (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صيد المجوس للسمك حين يضربون بالشبكة ولا يسمي وكذلك اليهود، فقال: لا بأس، إنما صيد الحيتان أخذها ". وفي خبر الكناني (5) عنه (عليه السلام) أيضا " عن الحيتان يصيدها


(1) ذكر في البحار ج 2 ص 268 - 272 آيات عديدة تدل على أصالة الاباحة فراجعه. (2) ذكر المجلسي (قده) في البحار ج 2 ص 272 - 282 - الطبع الحديث عدة روايات تدل على أصل الاباحة. راجع الحديث 3 و 12 و 18 و 19 و 20 و 47 و 48 و 57 و 58 من هذه الصفحات. (3) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح - الحديث 8. (4) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 11.

[ 164 ]

المجوس، قال: لا بأس، إنما صيد الحيتان أخذها ". وفي حسن الحلبي (1) عنه (عليه السلام) أيضا " أنه سئل عن صيد المجوس للحيتان حين يضربون عليها بالشباك ويسمون بالشرك، فقال: لا بأس بصيدهم، إنما صيد الحيتان أخذها " إلى غير ذلك من النصوص التي بنحو ذلك، فكان التعبير به أولى وإن كان متناولا للاخراج من الماء حيا، إلا أنه أعم منه، ضرورة تناوله لمطلق إثبات اليد عليه، وهو حي. { و } منه ما ذكره المصنف وغيره من أنه { لو وثب فأخذه قبل موته حل } وكذا لو أخذه كذلك بعد انحسار الماء عنه، مضافا إلى محكي الاجماع المعتضد بعدم خلاف فيه في الثاني، وخصوص خبر علي ابن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) في الاول الذي حكى الاتفاق عليه أيضا في كشف اللثام، قال: " سألته عن سمكة وثب في نهر فوقعت على الجد (3) من النهر فماتت هل يصلح أكلها ؟ فقال: إن أخذتها قبل أن تموت ثم ماتت فكلها، وإن ماتت قبل أن تأخذها فلا تأكلها ". ولا ينافي ذلك قول الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (4): " لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان، وما نضب الماء عنه فذلك المتروك " والموثق (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل


(1) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 9. (2) و (4) الوسائل - الباب - 34 من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 6 وفي الثاني " لا يؤكل... ". (3) الجد بالضم والجدة: شاطئ النهر. (5) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 وفيه " لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان وما نضب الماء عنه " كما في التهذيب ج 9 ص 7 والاستبصار ج 4 ص 60.

[ 165 ]

عن الذي ينضب عنه الماء من سمك البحر، قال: لا تأكله " بعد تقييدهما بما إذا لم يأخذه حيا. ومن ذلك يظهر لك أن تذكية السمك إثبات اليد عليه على أن لا يموت في الماء، فهو حينئذ كحيازة المباح الذي هو بمعنى الصيد الموافق له، لا المعنى الذي هو التذكية المخصوصة، ولعله لهذا المعنى اطلق عليه أنه " ذكي " (1) بل اطلق عليه في بعض النصوص اسم الميتة، كقوله (عليه السلام) في البحر (2): " الطهور ماؤه الحل ميتته " إذ ليست تذكيته كتذكية الحيوان المشتملة على فري الاوداج ونحوها، بل في المرسل في بعض آخر (3) عن كتاب علي " عما أصاب المجوسي من الجراد والسمك أيحل أكله ؟ قال: صيده ذكاته، لا بأس به ". بل لعل التعبير بذلك عن الذكاة مقيدا بعدم الموت في الماء أولى منهما، لكي يشمل الصيد بالحظيرة والشبكة ونحوهما وإن لم يحظرهما صاحبهما مع عدم موت ما يصاد بهما في الماء الذي ستسمع تنزيل الصحيحين (4) الآتيين عليه من غير واحد من الاصحاب، مشعرين بالمفروغية عن حصول الذكاة بذلك، وهو ليس إخراجا ولا أخذا عرفا ولكنه صيد بما عملته يده، كما أومأ إليه التعليل الذي ستعرفه فيهما. وعلى كل حال فعنوان التذكية ما سمعت، بل عن الشيخ في النهاية الحل بادراكه له خارجا من الماء يضطرب وإن لم يأخذه، لخبر أبي


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 و 6 و 7. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الماء المطلق الحديث 4 من كتاب الطهارة. (3) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 8. (4) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح الحديث 2 و 3.

[ 166 ]

حفص (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أن عليا (عليه السلام) كان يقول في صيد السمك: إذا أدركتها وهى تضطرب وتضرب ببدنها وتحرك ذبنها وتطرف بعينها فهي ذكاتها ". بل عن المصنف في نكتها الحل بخروجه من الماء حيا وموته خارجه وإن لم يدركه ولم ينظر إليه، ولعله لخبر عبد الله بن بحر عن رجل عن زرارة (2) " قلت: السمك تثب من الماء فتقع على الشط فتضطرب حتى تموت، فقال: كلها " ورواه في الفقيه عن أبان عن زرارة (3) باختلاف في ألفاظه دون معناه. والحسن كالصحيح (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أن عليا (عليه السلام) قال: إن السمك والجراد إذا خرج من الماء فهو ذكي، والارض للجراد مصيدة وللسمك قد تكون أيضا " مضافا إلى النصوص الدالة على حل ما صاده المجوسي من السمك مع النظر إليه أنه أخرجه حيا ومات في غير الماء، أو العلم بكونه كذلك. ففي أحدها (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صيد المجوس للسمك آكله ؟ قال: ما كنت لآكله حتى أنظر إليه " ومثله صحيح محمد بن مسلم (6) عنه (عليه السلام) أيضا. وفي خبر عيسى بن عبد الله (7) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صيد المجوس، قال: لا بأس إذا أعطوكه حيا، والسمك أيضا، وإلا فلا تجيز شهادتهم إلا أن تشهده " بناء علي أن صيد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 4 - 5. (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 3. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2 - 3.

[ 167 ]

المجوس لا عبرة به، وإنما العبرة بنظر المسلم له أو العلم به. ولكنه مع ذلك كله ففي المتن { ولو أدركه بنظره فيه خلاف أشبهه أنه لا يحل } وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، للاصل بعد الحصر في النصوص (1) السابقة بالاخذ الذي لا يشمل الفرض، بل يمكن إرادته من الخبر الاول (2) بل لعل قوله (عليه السلام) في صدره: " في صيد السمك " مشعر به، ضرورة عدم صدق الصيد عليه بدونه، بل قيل: إن الادراك فيه في الاخذ أظهر منه في الاحساس، بل لعل الحسن الاخير (3) كذلك أيضا، بل قوله (عليه السلام) فيه أخيرا: " وللسمك قد تكون أيضا " مشعر بذلك أيضا، باعتبار إرادته أنها تكون مصيدة له إذا أخذ منها حيا. وخبر زرارة (4) مع إرساله وإضماره قاصر عن معارضة ما تقدم من وجوه، ونصوص المجوسي (5) إنما تدل على صحة تذكيته للسمك باخراجه كما هو مقتضى غيره من النصوص، لعدم اعتبار التسمية فيه بلا خلاف فيه نصا (6) وفتوى التي لا يؤمن عليها إلا المسلم، نعم لا يقبل قوله: إني أخرجته حيا، فإذا شهده علم أنه ذكاه. { و } من ذلك يعلم الوجه فيما ذكره المصنف وغيره، بل هو المشهور من أنه { لو أخرجه } أو أخذ { مجوسي أو مشرك } فضلا عن كتابي { فمات في يده حل } بل عن ابن إدريس الاجماع عليه،


(1) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 و 9 و 11. (2) و (4) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 4. (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 3. (5) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح. (6) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح -

[ 168 ]

خلافا لما عن ظاهر المفيد من التحريم، ولا ريب في ضعفه وإن احتاط به ابن زهرة، لعدم دليل له عدا الاصل المقطوع بما عرفت، ودعوى اعتبار الاسلام في التذكية التي منها إخراج السمك الممنوعة على مدعيها، خصوصا بعد النصوص المزبورة (1) المشعرة بالفرق بينها وبين تذكية الحيوان باعتبار التسمية في الثانية دونها، لان ذكاة السمك أخذه أو صيده. { و } خبر عيسى (2) المتقدم القاصر سندا بل ودلالة - لابتنائها على دلالته على اشتراط أخذ المسلم له منهم حيا، كما عن ظاهر الاستبصار فيكون إخراجهم له بمنزلة وثوبه من الماء بنفسه إذا أخذه المسلم، وهو ضعيف جدا، لان المراد ولو بقرينة آخره مشاهدته - لا يصلح معارضا لما عرفت. نعم { لا يحل أكل ما يوجد في يده حتى يعلم } ولو شرعا { أنه مات بعد إخراجه من الماء } في الارض حيا، بحيث يكون مذكى أو أخذه أو صيده، لما سمعته من النصوص السابقة، لان الاصل عدم التذكية، ومن المحتمل أخذه طافيا أو ميتا في الماء، ولا أصل يقضي بصحة في فعله وقوله كالمسلم حتى يكون قاطعا لذلك، كما هو واضح. بل في الدروس " إذا وجد في يد مسلم سمك ميت حل أكله وإن لم يخبر بحاله، عدلا كان أو فاسقا " وإن كان قد يشكل، بناء على جواز الانتفاع بميتة السمك ولو بدهنه، فان وجوده حينئذ في يده أعم من تذكيته التي ينبغي حمل المسلم عليها، والله العالم. { ولو أخذ وأعيد في الماء فمات لم يحل وإن كان ناشبا في الآلة }


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح. (2) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 3.

[ 169 ]

وفاقا للمشهور { لانه مات فيما فيه حياته } كما في صحيح عبد الرحمان (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السمك يصاد ثم يجعل في شئ ثم يعاد إلى الماء فيموت فيه، فقال: لا تأكله، لانه مات في الذى فيه حياته ". وصحيح الخزاز (2) " سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اصطاد سمكة فربطها بخيط وأرسلها في الماء فماتت أتؤكل ؟ قال: لا ". وخبر عبد المؤمن (3) " أمرت رجلا يسأل لي أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صاد سمكا وهن أحياء ثم أخرجهن بعد ما مات بعضهن، فقال: ما مات فلا تأكل منه، فانه مات في ما كان فيه حياته " بناء على كون المراد صيد السمك وإبقاؤه في الماء بآلة ونحوها. بل لو قلنا بكون مورده خاصا بغير ما نحن فيه، وهو موته في الماء قبل إخراجه، ويعبر عنه بالطافي المحرم باجماعنا المستفيض على تحريمه والصحاح وغيرها (4) من أخبارنا إلا أن الجواب عام والعبرة بعمومه دون خصوصه. مضافا إلى التعليل العام له ولغيره أيضا. خلافا للعماني، فقال: " يحل ما مات في الآلة المعمولة للصيد " للصحيح (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء يدخل فيها الحيتان فيموت بعضها فيها، قال: لا بأس به، إن تلك الحظيرة انما جعلت ليصاد بها ".


(1) و (2) الوسائل - الباب 33 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 1. (3) و (5) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 3. (4) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 و 4 والباب - 35 - منها - الحديث 4.

[ 170 ]

وصحيح محمد ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " في الرجل ينصب شبكة في الماء ثم يرجع إلى بيته ويتركها منصوبة ويأتيها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فمتن، فقال: ما عملته يده، فلا بأس بأكل ما وقع فيها ". إلا أنهما - مع قصورهما عن المقاومة لتلك الادلة المعتضدة بالشهرة العظيمة بل لعلها إجماع - غير صريحين في الموت في الماء، إذ من المحتمل كون الحظيرة والشبكة في مكان يكون الماء فيه مدا وجزرا، فيكون موت السمك حينئذ فيها بعد الجزر، وصيرورته في الآلة المقتضية لملك الصائد باعتبار كونها مما عملته يده، بل لعل التعليل بذلك مشعر بما ذكرناه، بل قيل: يكفي في الحل احتمال كون الموت خارج الماء، لان الاصل بقاء الحياة وإن كان فيه ما فيه، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { هل يحل أكل السمك حيا } بعد تذكيته بالاخذ مثلا ؟ { قيل } والقائل الشيخ في محكي المبسوط: { لا } يجوز لدخول موته في تذكيته، ولذا لو عاد إلى الماء ومات فيه حرم، ولو كان قد تمت ذكاته لما حرم بعدها. { والوجه الجواز } وفاقا للمشهور { لانه مذكى } بالاخراج، لاطلاق الادلة (2) السابقة، فضلا عن قوله (عليه السلام) في النص السابق (3): " هو ذكي " الذي لا ينافيه حرمته لو مات في الماء بعد ذلك، إذ أقصاه أنه يشترط فيه مع ذلك عدم موته في الماء، نعم مرسل الاحتجاج (4) السابق قد يشهد لذلك، بل ورواية ابن أبي


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح - الحديث 2. (2) و (4) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح - الحديث 0 - 8. (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 3.

[ 171 ]

يعفور (1) الواردة في الجراد، فيها " إن الله تبارك أحله وجعل ذكاته موته، كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها ". لكن - مع أن الاول منهما مرسل وفي غير الكتب الاربع، ولم يذكره الفقهاء في الكتب الاستدلالية - لم أجد أحدا عمل بمضمونهما، بل يمكن القطع بعدم اعتبار الموت حتف الانف في تذكيته، وحينئذ فالمذهب الجواز، لما عرفت. ولعله لذا لو قطع منه قطعة بعد خروجه فهي حلال وإن عاد الباقي إلى الماء، سواء مات فيه أو لا، كما نص عليه في الدروس، نعم لو قطع منه قطعة وهو بعد في الماء حي أو ميت لم تحل، لانه قطعة مبانة من حي غير مذكى، إذ ليس في الادلة ما يقتضي ذكاة تلك القطعة بأخذها، كما هو واضح، والله العالم. { ولو نصب شبكة } مثلا { فمات بعض ما حصل فيها واشتبه الحي بالميت قيل } والقائل الشيخ في محكي النهاية والقاضي: { حل الجميع حتى يعلم الميت بعينه } للصحيحين (2) السابقين المؤيدين بخبر مسعدة ابن صدقة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سمعت أبي (عليه السلام) يقول: إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فما أصاب فيها من حى أو ميت فهو حلال ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك ". بل وبخبر علي بن جعفر (4) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 4. إلا أنها واردة في الخز لا الجراد، وليس لابن أبي يعفور رواية في الجراد بهذا المضمون. (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح الحديث 2 و 3. (3) و (4) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح الحديث 4 - 6.

[ 172 ]

" سألته عن الصيد يحبسه فيموت في مصيدته أيحل أكله ؟ قال: إذا كان محبوسا فكله، فلا بأس ". وبالمعتبرة المستفيضة المتضمنة للصحيح وغيره (1) الدالة على أنه إذا اجتمع الحلال والحرام فهو حلال حتى يعرف الحرام بعينه فتدعه، وغير ذلك مما يخرج به عن قاعدة المقدمة. { وقيل } والقائل الاكثر بل المشهور: { يحرم الجميع تغليبا للحرمة } لقاعدة المقدمة المؤيدة بخبر عبد المؤمن الانصاري (2) المتقدم سابقا، وللمعتبرة المستفيضة الدالة على أنه ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال (3) التي هي أرجح من تلك المعتبرة بالاعتضاد


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - من كتاب التجارة والباب - 61 - من أبواب الاطعمة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) الرواية الواردة بهذا اللفظ ليست إلا ما رواه ابن أبي جمهور في غوالي اللئالى عن النبي (صلى الله عليه وآله) على ما ذكره في المستدرك - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 5. وقد ذكر المحدث البحراني (قدس سره) في تعليقة (منه رحمه الله) على كتابه الحدائق الناضرة ج 1 ص 150 بعد التأييد - لاستدلاله - بهذا الخبر ما هذا لفظه: " إنما جعلنا هذا الخبر مع صراحته في المدعى من المؤيدات لعدم الوقوف على سنده من كتب أصولنا، وإنما وقفت عليه في غوالي اللئالي ". نعم يمكن أن يستفاد هذا المعنى من مضامين بعض الروايات: (منها) صدر صحيحة ضريس الكناسي المروية في الوسائل - الباب - 64 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 1. و (منها) صحيحتي الحلبي الآمرتان ببيع المذكى المختلط بالميتة ممن يستحل الميتة، حيث لم يجوز الامام (عليه السلام) أكل المشتبه، راجع الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 2. و (منها) رواية إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) الواردة في الشاتين المشتبهين، راجع البحار ج 65 ص 140. وأين هذا من المعتبرة المستفيضة التي ادعاها الشيخ (طاب ثراه) والظاهر أنه (قده) =

[ 173 ]

بالشهرة، بل لو سلم تكافؤهما اتجه الرجوع إلى باب المقدمة، بل لعل التأمل الجيد فيه يقضي بكون النصوص الاولى في غير المحصور، كما يشهد له بعض الامثلة فيها، بخلاف النصوص الثانية الظاهرة في المحصور بقرينة الاجماع، ولا أقل من أن تكون مقيدة لتلك النصوص السابقة إن لم نقل إن العلم الاجمالي في المحصور من المعرفة بعينه. وكيف كان فلا يعارض ذلك الصحيحان (1) الظاهران في صورة التمييز التى لا يقول بها الخصم، وإنما هو مذهب ابن أبي عقيل الذي عرفت ضعفه، وحينئذ فهما بالنسبة إلى ما نحن فيه مأولان، ضرورة ظهور أن الموت في الشبكة والحظيرة مقتض للحل، لا أنهما في صورة اشتباه الحرام والحلال، وكذا الكلام في خبر مسعدة (2) الذي مقتضاه حل ما في الشبكة من حي أو ميت محكوم عليه بأنه ميت فيها، ولو للاصل الذي تعرف الكلام فيه. وعلى كل حال فهي في غير الفرض الذي هو الاشتباه بين الحلال والحرام، باعتبار موته في الماء المقتضي لحرمته، لا المحكوم بكونه جميعه


= استأنس في ذلك بعبارة الرياض وأخذه منه، حيث قال في المقام ما هذا لفظه: " نعم ربما يعضد ما ذكروه المعتبرة المتضمنة للصحيح وغيره الدالة على أنه إذا اجتمع الحلال والحرام فهو حلال أبدا حتى تعرف الحرام بعينه، ولكنها معارضة بمثلها الدال على أنه ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال، وهذا أرحج للاعتضاد بالشهرة، وعلى تقدير التساوي والتساقط ينبغي الرجوع إلى مقتضى القاعدة في الشبهة المحصورة، وهو الحرمة من باب المقدمة ". (1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح 2 و 3. (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح - الحديث 4.

[ 174 ]

حلالا من غير فرق بين حيه وميته، فلا اشتباه، بل ليس فيهما إطلاق يشمل هذه الصورة التي هي اشتباه الميت بالحي. هذا كله مع أنك قد سمعت احتمالهما الموت خارج الماء، فيكون الجميع مذكى، بل في المسالك وغيرها أنه كذلك مع الشك في الموت في الماء، والاصل بقاء الحياة إلى أن فارقته، والاصل الاباحة، وإن كان فيه أن مثل ذلك لا يثبت التذكية التي يقتضي الاصل عدمها { و } بذلك كله ظهر لك أن الثاني لا { الاول حسن }. بقي شئ: وهو أنه قد تضمن مرسل أبان (1) عن الصادق (عليه السلام) وخبر السكوني (2) عنه (عليه السلام) أيضا حل السمكة التي في بطن السمكة، قال في الاول: " قلت: رجل أصاب سمكة وفي جوفها سمكة، قال: يؤكلان جميعا " وقال في الثاني: " إن عليا (عليه السلام) سئل عن سمكة شق بطنها فوجد فيها سمكة، فقال: كلهما جميعا " وهما إن لم يكونا ظاهرين في كون السمكة ميتة فلا ريب في شمولهما لها، ولعله لاستصحاب حياتها إلى حين إخراج التي في بطنها، فيكون ذلك تذكية لهما. إلا أنك قد عرفت ما في هذا الاصل، فالعمدة الخبران، إلا أني لم أجد العمل بهما على وجه يجبرهما، ولا ريب في أن الاحوط اجتنابها، إلا أن يعلم حياتها حين الاخراج، ويأتي تمام الكلام في ذلك عند تعرض المصنف في الاطعمة له إنشاء الله تعالى، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2.

[ 175 ]

المسألة { الثامنة: } { ذكاة الجراد أخذه (حيا خ) } نحو ما سمعته في السمك، ولعله لانه نثرة من حوت في البحر، كما في خبر مسعدة بن صدقة (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن أكل الجراد، فقال: لا بأس بأكله، ثم قال (عليه السلام): إنه نثرة من حوت في البحر، ثم قال: إن عليا (عليه السلام) قال: إن الجراد والسمك إذا خرج من الماء فهو ذكي. والارض للجراد مصيدة، وللسمك قد تكون أيضا ". وقال الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن هارون الثقفي (2): " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الجراد ذكي، وأما ما مات في البحر فلا تأكله ". وفي خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن الجراد يصيده فيموت بعد أن يصيده أيؤكل ؟ قال: لا بأس ". وفي خبره الآخر (4) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن الجراد يصيبه ميتا في الماء أو في الصحراء أيؤكل ؟ قال: لا تأكله ". وفي المروي عن كتاب على بن جعفر (5) " عما أصاب المجوس من الجراد والسمك أيحل أكله ؟ قال: صيده ذكاته، لا بأس به ". وصحيح سليمان بن خالد (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 4 - 2 - 1. (5) و (6) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 8 - 4.

[ 176 ]

عن الحيتان يصيدها المجوس، فقال: إن عليا (عليه السلام) كان يقول: الحيتان والجراد ذكي ". وفي خبر حماد بن عيسى المروي عن قرب الاسناد (1) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يذكر عن أبيه (عليه السلام) قال: قال علي (عليه السلام): إن الحيتان والجراد ذكي كله " إلا أنه يمكن إرادة الطاهر من الذكي منه هنا، كمرسلة ابن المغيرة (2) عنه (عليه السلام) أيضا " الجراد ذكي حيه وميته ". وعلى كل حال فلا ريب في ظهور النصوص المزبورة فيما صرح به غير واحد من الاصحاب بل لا أجد فيه خلافا بينهم من أن الكلام في تذكية الجراد كالكلام في السمك حتى في عدم اعتبار التسمية والاستقبال، وأنه لا يشترط في أخذه الاسلام، بل قيل لم يذكره المفيد هنا، فلا خلاف، إلا أنه مع كونه خلاف ما حكاه في كشف اللثام وغيره عنه يمكن أن يكون تركه اتكالا على ما ذكره في السمك بناء على اتحاد حكمهما، ولعله لذا احتاط فيه ابن زهرة كما احتاط هناك. لكن في الرياض " في استفادة الاتحاد المزبور من النصوص إشكال، لانها غير صريحة في ذلك، بل ولا ظاهرة، نعم ربما يستأنس له بالنصوص المتقدمة الدالة على أن السمك والجراد ذكي كما في الصحيح (3) والموثق (4) وأنهما إذا خرجا من الماء فهما ذكيان، كما في الخبر (5) من حيث ذكره مع السمك وتعليق الحكم بالذكاة عليهما معا المشعر باتحادهما حكما، مضافا


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 9 - 8 - 9 - 3. (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الذبائح - الحديث 4.

[ 177 ]

إلى دلالة الاولين (1) منهما على حلهما بالذكاة النفسية لهما، خرج منهما ما إذا ماتا حتف أنفهما بالاجماع فيهما والنصوص المتقدمة في السمك (2) والرواية الاخيرة (3) فيهما، حيث اعتبرت في حلهما خروجهما، والمراد به بحكم التبادر والغلبة كما مضى الخروج باليد وغيرها، فيدل على اعتبار الاخذ هنا أيضا ". وفيه ما لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه من النصوص المنجبر ما في بعضها - من الضعف والارسال - بالعمل الظاهرة في الاتحاد في التذكية التي هي فيهما الاخذ والصيد، فلا وجه للمناقشة المزبورة. والمراد بما في الموثق (4) المزبور خروج السمك من الماء لا هو والجراد الذي لم يتعارف في صيده أخذه من الماء، والمعنى أن الجراد إذا صيد والسمك إذا صيد بأن أخرج من الماء كل منهما ذكي، أي هذا تذكية له. بل يمكن ارادة التذكية من لفظ " ذكي " في كثير من النصوص المزبورة (5) ولو باعتبار كونها مساقة لذلك لا الطهارة، والامر سهل بعد وضوح المطلوب الذي هو كون الجراد كالسمك في التذكية التي هي فيهما أخذهما حيين أو صيدهما كذلك مع عدم موت الاول منهما في الماء. { و } حينئذ ف‍ { لا يشترط في آخذه الاسلام } كما سمعته في السمك، نعم لابد من العلم بتذكيته له بمشاهدة أو غيرها، فلا يكفي


(1) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب الذبائح - الحديث 4. والباب - 37 - منها - الحديث 9. (2) الوسائل - الباب - 31 و 33 - من أبواب الذبائح. (3) و (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 3. (5) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 و 6 و 7 والباب - 32 - منها - الحديث 4 و 6 والباب - 37 - منها - الحديث 3 و 4 و 8 و 9.

[ 178 ]

قوله فضلا عن فعله، لما عرفت. { و } حينئذ ف‍ { لو مات } الجراد { قبل أخذه لم يحل } بلا إشكال ولا خلاف كالسمك، لعدم حصول تذكيته { وكذ لو وقع في أجمة نار فأحرقتها وفيها جراد لم يحل وإن قصده المحرق } لعدم صدق اسم الصيد والاخذ على ذلك، قال عمار بن موسى (1): " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السمك يشوى وهو حي، قال: نعم لا بأس به، وسئل عن الجراد إذا كان في قراح فيحرق ذلك القراح فيحترق ذلك الجراد وينضج بتلك النار هل يؤكل ؟ قال: لا ". ولا ينافي ذلك خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن الجراد يشوى وهو حي، قال: نعم لا بأس به، وعن السمك يشوى وهو حي، قال: نعم لا بأس به " المراد منه شواؤه بعد صيده، نعم لو فرض إمكان كون النار آلة صيد للجراد بأن يؤججها ويصطاده بها حل حينئذ، كالصيد بغيرها من الآلات على حسب ما سمعته في السمك المصاد بالشبكة والحظيرة وغيرهما، والله العالم. { ولا يحل الدبى } بفتح الدال مقصورا { حتى يستقل بالطيران } ليكون صيدا حينئذ باعتبار امتناعه بطيرانه { فلو أخذ قبل استقلاله لم يؤكل } بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه. وفي صحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن الدبى من الجراد، قال: لا حتى يستقل بالطيران ".


(1) و (2) الوسائل - الباب 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 5 - 6. (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 وفيه " سألته عن الدبى من الجراد أيؤكل ؟.. ".

[ 179 ]

وفي موثق عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الذي يشبه الجراد - وهو الذي يسمى بالدبى ليس له جناح يطير به إلا أنه يقفز قفزا - أيحل أكله ؟ قال: لا يؤكل ذلك، لانه مسخ، وعن المهرجل، فقال: لا يؤكل، لانه مسخ، ليس هو من الجراد ". وظاهر عبارة المتن وغيره أن الدبى الصغير من الجراد قبل أن يستقل بالطيران، وحكاه في كشف اللثام عن الصحاح والديوان والنهاية، قال: " وهو يشمل ما إذا نبت له جناح صغير، وهو المراد هنا، كما نص عليه الفقهاء وسيظهر، والمشهور عند اللغويين أنه الذي لم ينبت له جناح، وفي النهاية الاثيرية: وقيل: هو نوع يشبه الجراد، ويؤيده خبر عمار - السابق - وفي نظام الغريب أن الدبى من الجراد، أول ما يظهر من بيضه، وفوقه البرقان، وهو أول ما يصفر ويظهر فيه خطوط، وفوقه المسبح، وهو ما يظهر فيه خطوط بيض وسود وصفر قبل ظهور حجم أجنحته، وفوقه الكتفان، وهو ما ظهر حجم أجنحته، فإذا نظرت موضعها رأيته شاخصا، وفوقه الغوغاء بالمد والقصر، وهو أول ما تظهر أجنحته، ويصير الاحمر إلى الغبرة، ويستقل من الارض، ويموج بعضه في بعض ولا يتوجه جهة واحدة ". قلت: هو حرام على كل حال، لما عرفت، ولانه من الحشرات. بقي شئ: وهو ما تعارف في زماننا من صيد الاطفال للسمك والجراد، ولا إشكال في حله بصيدهم، لما عرفت من عدم اعتبار البلوغ في التذكية الذبحية فضلا عن هذه التذكية التي هي في الحقيقة من حيازة المباحات. لكن يستفاد من عدم قبول خبر المجوسى وأنه لابد من مشاهدته


(1) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الذبائح - الحديث 7.

[ 180 ]

عدم اعتبار أيضا بخبر الصبي، فحينئذ يحرم أكل ما في يده من الجراد والسمك وإن أخبر بصيده له على الوجه الشرعي، لعدم الدليل على قبول خبره، إلا أن يدعى سيرة تقتضي إلحاقه بالمسلم في ذلك، كما ألحقته به في التذكية الذبحية، وقد مضى بعض الكلام في ذلك. هذا وقد يستفاد من توسعة الامر في تذكية السمك والجراد صحة وقوعها من المجنون، بناء على صحة الحيازة منه، لانها نوع منها، فيصدق على إثبات يده أنه أخذ وصيد، أللهم إلا أن يقال: إنه لا عبرة بقصده، وفيه تأمل، والله العالم. المسألة { التاسعة: } قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): { ذكاة الجنين ذكاة أمه (1) } بل روي ذلك أيضا مستفيضا حد الاستفاضة إن لم يكن متواترا عن عترته (صلوات الله عليهم). ففي صحيح يعقوب بن شعيب (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحوار تذكى أمه أيؤكل بذكاتها ؟ فقال: إذا كان تماما ونبت عليه الشعر فكل ". وفي موثق سماعة (3) " سألته عن الشاة يذبحها وفي بطنها ولد قد أشعر، قال: ذكاته ذكاة أمه ". وفي صحيح ابن مسلم (4) " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن


(1) المستدرك - الباب - 16 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 وسنن البيهقي - ج 9 ص 335. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 - 2 - 3.

[ 181 ]

قول الله عزوجل: أحلت لكم بهيمة الانعام (1) قال: الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه، فذلك الذي عنى الله عزوجل " ونحوه رواه العياشي (2) عنه (عليه السلام) أيضا. ورواه أيضا عن زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام). بل روي أيضا عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض أصحابنا (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " عن قول الله عزوجل: أحلت - إلى آخرها - قال: الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه ". ونحوه رواه الصدوق في العيون بسنده عن الفضل بن شاذان (5) عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وأوبر ". وفي صحيح الحلبي (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا ذبحت الذبيحة فوجدت في بطنها ولدا تاما فكل، وإن لم يكن تاما فلا تأكل ". وفي صحيح ابن مسكان (7) عن أبي جعفر (عليه السلام) " أنه قال في الذبيحة تذبح وفي بطنها ولد، قال: إن كان تاما فكله، فان ذكاته ذكاة أمه، وإن لم يكن تاما فلا تأكله ". وفي خبر جراح المدائني (8) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا ذبحت ذبيحة وفي بطنها ولد تام فكله، فان ذكاته ذكاة أمه، فان لم يكن تاما فلا تأكله " إلى غير ذلك من النصوص التي من بعضها يعلم أن المراد من النبوي المزبور بيان الاكتفاء عن ذكاة الجنين بذكاة أمه، بل لعل الظاهر حصر مقتضى الحل فيه بذلك.


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الذبائح - الحديث 9 - 10 - 11 - 12 - 4 - 6 - 7.

[ 182 ]

فما عن بعض العامة - من إعرابها بالنصب على المصدر، أي ذكاته كذكاة أمه، فحذف الجار ونصب مفعولا، فأوجب تذكيته كتذكية أمه - معلوم الفساد، ضرورة أن أهل البيت (عليهم السلام) أدرى بما فيه من غيرهم، وكونه على المعنى المزبور لا تذكية للجنين أصلا فلا وجه لاضافة الذكاة إليه يدفعه معلومية الاكتفاء بأدنى ملابسة باضافة مثله، على أن المراد بذلك الكناية عن حل الاكل، فهو حينئذ بحكم المذكى بالنسبة إلى حله بسبب تذكية أمه. كل ذلك مضافا إلى ما في الروضة وغيرها من أن في التأويل المزبور لرواية النصب من التعسف ما لا يخفى، بل هو مخالف لرواية الرفع دون العكس، لامكان كون الجار عليها لفظ " في " أو الباء على معنى دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه أو كون ذكاته بسبب ذكاتها أو نحو ذلك مما يوافق رواية الرفع في المعنى. وعلى كل حال فلا إشكال في حصول ذكاة الجنين بذلك { إن تمت خلقته } لما سمعته من النصوص (1) التى قد يستفاد منها أن من تمام خلقته أن يشعر أو يوبر، كما عن صريح بعض وظاهر آخر تحديدها بذلك، ولعله به يجمع بين النصوص والفتاوى المقتصرة على اشتراط أحدهما بناء على التلازم بينهما، بل لو قلنا بعدمه - كما عساه يظهر من الصدوق في المقنع حيث اعتبر فيه تمام الخلقة ونسب الاشعار للرواية - كان وجه الجمع بين النصوص ذلك أيضا. وشاهده الصحيح (2) السابق الذى اعتبرهما معا الذي قد يستفاد من العطف فيه عدم التلازم بينهما وإن كان يمكن أن يكون الوجه فيه أنه آخر تمام الخلقة. { و } كيف كان فقد { قيل } والقائل الشيخ والقاضي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الذباح - الحديث 0 - 1.

[ 183 ]

وابن حمزة والديلمي والحلي على ما حكي: إنه كذلك إن تمت خلقته { ولم تلجه الروح و } إلا ف‍ { لو ولجته لم يكن بد من تذكيته } فلو خرج ميتا بعد ولوج الروح فيه كان ميتة، لاطلاق أو عموم ما دل (1) على اشتراط تذكية الحي الممنوع تناولهما للفرض، كمنع تناول الميتة له، ومع التسليم يقيد أو يخص بالنصوص (2) المزبورة التي هي أرجح منها من وجوه وإن كان بينهما تعارض العموم من وجه، ولانه قبل ولوج الروح في تربية روح أمه، فيكون إزهاق روحها بالتذكية تذكيته، وأما بعده فانه في تربية روحه، فيحتاج إلى تذكيته الذي مرجعه إلى مجرد اعتبار لا يصلح معارضا لاطلاق الادلة المزبورة أو الظاهرة في ولوج الروح ولو من حيث صدق اسم التذكية، خصوصا موثق عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الشاة تذبح فيموت ولدها في بطنها، قال: كله، فانه حلال، لان ذكاته ذكاة أمه، فان خرج وهو حي فاذبحه وكل، فان مات قبل أن تذبحه فلا تأكله، وكذلك البقر والابل " فان الموت في البطن ظاهر في ولوج الروح. { و } لعله لذلك قال المصنف: { فيه إشكال } بل جزم غيره بعدم الفرق، بل في الرياض عن الكفاية وغيرها نسبته إلى المتأخرين، كل ذلك مع بعد الفرض فيما ذكروه أو امتناعه، إذ لا يعلم ولوج الروح فيه قبل خروجه حيا، إذ التحرك في البطن أعم من الحياة، اللهم إلا أن يكون كالانسان الذي دلت النصوص (4) على ولوج الروح فيه { و } الله العالم.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3 والوسائل - الباب - 4 - من أبواب الذبائح. (2) و (3) الوسائل - الباب 18 - من أبواب الذبائح - الحديث 0 - 8. (4) الكافي ج 6 ص 12 - 16.

[ 184 ]

نعم { لو لم يتم خلقته لم يحل أصلا } بلا خلاف أجده فيه، بل عن الانتصار وغيره الاجماع عليه، للنصوص (1) السابقة وغيرها. { و } على كل حال فقد ظهر لك أنه { مع الشرطين } أي التمام وخروجه ميتا المستفاد من فحوى الكلام { يحل بذكاة أمه } لا بدونهما أو أحدهما. { و } لكن { قيل } كما عن المبسوط: { لو خرج حيا ولم يتسع الزمان لتذكيته حل أكله } لكونه غير مستقر الحياة، فيلحق بحكم الميت الذي ذكاته بذكاة أمه، وبه صرح الشهيدان وغيرهما. { و } لكن { الاول أشبه } بأصول المذهب وقواعده التي مقتضاهما الحرمة مطلقا المقتصر في الخروج عنهما على المتيقن، مضافا إلى الموثق (2) السابق، فهو حينئذ كما لو خرج مستقر الحياة المعلوم حرمته إجماعا بقسميه، لعدم اندراجه في النصوص المزبورة (3) فيبقى على عموم ما دل (4) على حرمة الميتة. ومن الغريب ما في الدروس من احتمال الحل، قال: " ولو خرج حيا لم يحل إلا بالتذكية، ولو ضاق الزمان عنها فان لم يكن فيه حياة مستقرة حل، وإلا ففي الحل وجهان، من اطلاق الاصحاب وجوب التذكية إذا خرج حيا، ومن أنه مع قصور الزمان في حكم غير مستقر الحياة " ضرورة عدم الدليل على كونه بحكمه، بل ظاهر الادلة خلافه، بل قد عرفت تصريح الموثق (5) باعتبار التذكية مع الحياة، ولا فرق بين سعة الزمان لذبحه وعدمه، كغيره من الحيوان المعتبر فيه التذكية إلا


(1) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الذبائح. (2) و (5) الوسائل - الباب 18 - من ابواب الذبائح - الحديث 8. (4) سورة المائدة: 5 - الآية 3.

[ 185 ]

ما خرج بدليله، كالمتردية والصيد ونحوهما. نعم لا تجب المبادرة إلى شق جوف الذبيحة التي في بطنها جنين قد ولجته الروح زيادة على المتعارف، لاطلاق الادلة السابقة وإن كان هو أحوط. ولا يخفى عليك أن تفسير الشرطين بما ذكرنا وإن كان لا يخلو من تعسف لكنه أولى من دعوى رجوع المصنف من الاشكال إلى الجزم، والمراد بهما التمام وعدم ولوج الروح، على أنه لا يتم في قوله: " والاول أشبه " المراد منه الحرمة مع الخروج حيا كما في الدروس مطلقا، ولازمه حينئذ أن من شرط الحل عدم الخروج حيا، فتأمل جيدا. وبذلك كله ظهر لك حكم الجنين الذي تذكى أمه، بل وغير ذلك، كجنين الميتة والحية غير المذكاة، إذ من المعلوم حليته لو خرج مستقر الحياة وذكي ولو من الميتة، لاطلاق الادلة وعمومها، وخصوص خبر علي ابن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد " سألته عن شاة استخرج من بطنها ولد حي بعد موتها هل يصلح أكله ؟ قال: لا بأس " المعلوم إرادة نفي البأس عن أكله من حيث خروجه من الميتة وإلا فلابد من تذكيته، لاطلاق ما دل (2) على اعتبارها في الحي، بل بناء على ما ذكرنا يعتبر ذلك وإن كان غير مستقر الحياة، وعلى القول باعتبار الاستقرار لا يكون قابلا للتذكية، بل يكون ميتة كما لو خرج ميتا منها بعد أن ولجته الروح. وأما لو خرج تام الخلقة حتى في الشعر قبل أن تلجه الروح فربما ظهر من بعض الناس حله لاصل الاباحة، إلا أن الظاهر خلافه، لظهور الادلة في اعتبار تذكية الجنين في حله وأن تذكيته بتذكية أمه، فلا يحل


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الذبائح - الحديث 14. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 3 والوسائل - 4 - من أبواب الذبائح.

[ 186 ]

بدونها، لعدم التذكية حينئذ، بل ذلك هو مقتضى حصر تذكيته بتذكيتها، والله العالم. { خاتمة تشتمل على اقسام } { الاول في مسائل من أحكام الذباحة } { وهي ثلاث: } { الاولى: } { يجب متابعة الذبح حتى يستوفى الاعضاء الاربعة } بتمامها، بحيث لا يخرج عن الكيفية المتعارفة بالتراخي في زمان القطع. وحينئذ { فلو قطع بعض الاعضاء وأرسله فانتهى إلى حركة المذبوح ثم استأنف قطع الباقي حرم، لانه لم يبق فيه حياة مستقرة } فالاستئناف بمنزلة ذبح الميت، والاول غير مجد، لعدم قطع الاربع به، وجعله في الدروس من شرائط الذباحة، قال: " ثامنها متابعة الذبح حتى يقطع الاعضاء، فلو قطع البعض وأرسله ثم يتممه (1) فان كان في الحياة استقرار أو قصر الزمان حل، وإلا فالاقرب التحريم، لان الاول غير محلل، والثاني يجري مجرى ذبح الميت " ونحوه الكركي في حاشية الكتاب والارشاد. واستشكل فيه الفاضل في قواعده، قال: " يستحب متابعة الذبح حتى يستوفي أعضاءه الاربعة، فلو قطع البعض وأرسله ثم استأنف قطع الباقي فان كان بعد الاول حياته مستقرة حل، وإلا حرم على إشكال،


(1) هكذا في النسخة الاصلية، وفي الدروس " ثم تممه ".

[ 187 ]

لاستناد إزهاق الروح إلى الذبح " بل جزم بالحل في الارشاد، قال: " ولو قطع بعض الاعضاء ثم زفف عليه بعد إرساله فالاقرب الاباحة، سواء بقي فيه حياة مستقرة - وهو الذي يمكن أن يعيش اليوم أو الايام - أو لا ". وتفصيل الكلام فيها أنه إذا قطع البعض وأرسله ثم قطع الباقي وكانت حياته مستقرة فلا خلاف في الحل، بل في المسالك نفي الريب فيه، ثم قال: " بلا خلاف، وكان (1) الاستناد فيه إلى الثاني وإن لم يصادف قطع الاربعة التي هي شرط الحل، لان اشتراط قطعها في الحل إنما هو على تقدير وجودها، وإلا فلو فرض انقطاع بعضها لعارض قبل الذبح وبقي الحيوان مستقر الحياة كما يتفق ذلك في غير الحلقوم والمرئ لم يعتبر في حله غير قطع الموجود قطعا، وإلا لزم أن يكون حيوانا محللا مستقر الحياة لا يقبل التذكية، وهو باطل اتفاقا ". وإن أمكن مناقشته إن لم يكن إجماعا بأن مقتضى قوله (عليه السلام) (2): " إذا فرى الاوداج فلا بأس " وغيره مما دل على اعتبار التذكية في الحل كتابا (3) وسنة (4) المراد بها فري الاوداج الاربعة الحرمة، لعدم الشرط، ولا بعد في عدم قبول الحيوان المزبور التذكية، خصوصا إذا كان ذلك عارضا لا خلقة، وخصوصا لو بقي جزء يسير من بعضها وفرض استقرار حياته، فان جعل ذلك تذكية لا يخلو من بعد، بل لو فرض خلق الله تعالى شأنه فردا من الحيوان بلا أعضاء للذباحة لم يكن القول بعدم قابليته للتذكية بعيدا.


(1) هكذا في النسختين المخطوطتين وفي المسالك " وإن كان.. ". (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الذبائح - الحديث 1. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الذبائح.

[ 188 ]

وكذا لا خلاف عندهم في الحل مع قصر الزمان على وجه لا يقدح في التتابع المتعارف في الذبح، ولا يخرجه عن كون الفعل متحدا، والله العالم. وأما إذا كانت الحياة غير مستقرة ففيه وجهان بل قولان: أحدهما الحل كما سمعته من الارشاد، بل هو خيرة المصنف حيث قال: { ويمكن أن يقال: يحل، لان إزهاق روحه بالذبح لا غيره، وهو أولى } ووافقه عليه في المسالك، والثانى التحريم كما سمعته من الشهيد والكركي، لما تقدم من أنه بالقطع الاول صيره في حكم الميت، وهو غير كاف في الحل، لعدم استيفاء الاعضاء المعتبرة فيه، والثاني غير كاف أيضا فيه، لانه قطع بعد أن أبقاه الاول في حكم الميت. وكأن المصنف لاحظ بما ذكره الجواب عن ذلك بأن هناك قسما ثالثا، وهو استناد الاباحة إلى القطعين، وهما مستقلان بالمطلوب، لان هذا الزائد لو أثر لقدح في (مع خ ل) تتالي الذبح بحيث يقطع بعض الاعضاء بعد بعض على التوالي، فيأتي بعد قطع الاول قبل قطع الثاني ما ذكر قلت: لكن لا يخفى عليك المناقشة فيه بما عرفت، بل هي هنا قوية باعتبار عدم الاجماع فيها، فالتحريم حينئذ متجه، لعدم حصول قطع الاعضاء الذي هو التذكية الشرعية، والخروج عن ذلك في مستقر الحياة للاجماع المزبور لا يقتضى الخروج عنه في المقام، مؤيدا ذلك بأن المنساق والمتيقن من كيفية الذبح ما حصل فيها التتابع على حسب المعتاد، وغيره محل الشك، والاصل عدم التذكية. ولعل هذا أولى مما سمعته من الدروس الذي لا يتم على المختار من عدم اعتبار استقرار الحياة، ضرورة كون المتجه - بناء على ذلك وعلى الاجتزاء بما بقي من أعضاء الذباحة كما سمعته في مستقر الحياة - الاكتفاء

[ 189 ]

بقطع ما بقي من الاعضاء، على أن يكون هو التذكية، فيعتبر فيه التسمية، لا الاول، إذ هو حينئذ كمستقر الحياة الذي قطع بعض أعضائه ثم استرسل، بخلاف ما لو جعل قسما ثالثا، وهو استناد الازهاق إلى الذبح الحاصل من القطعين، فانه قد يشكل الاجتزاء بالتسمية الاولى، خصوصا إذا كان متولي الثاني غير الاول، بناء على جواز تعدد الذابح، وإن كان لا يخلو من شك في الجملة باعتبار إمكان دعوى انسياق غيره من الادلة، والاصل عدم التذكية وإن فرض تتابع الفعل منهم على أن يقطع كل واحد منهم عضوا بعد قطع الآخر وفرض كون التسمية من الجميع، نعم الظاهر عدم الاشكال في الحل لو فرض اشتراكهم في القطع على وجه يكون منسوبا إلى مجموعهما، كما لو قطع الاثنان مثلا الاوداج بجر منهما للسكين. ومن ذلك كله يعلم الوجه في الحرمة وإن لم نقل باعتبار استقرار الحياة، فما في المسالك - من أن هذا كله مبني على اشتراط استقرار الحياة في المذبوح، أما لو اكتفينا بعده بالحركة أو خروج الدم سقط هذا البحث، واعتبر في الحل أحدهما أو كلاهما - لا يخلو من نظر، والله العالم. المسألة { الثانية: } { لو أخذ الذابح في الذبح فانتزع آخر حشوته معا كان ميتة، وكذا كل فعل } مقارن للذبح { لا تستقر معه الحياة } ومزهق للنفس كالذبح، لاشتراك السببين في إزهاق روحه، وأحدهما محلل والآخر محرم، فهو حينئذ كاشتراك الصيد وغيره في القتل الذي اتفق النص (1)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الصيد.

[ 190 ]

والفتوى على الحرمة به، ضرورة ظهور الادلة في اعتبار استقلال السبب المحلل في إزهاق روحه، نعم لا عبرة بالمعد السابق ولا بالمجهز المتأخر، لاطلاق الادلة، بخلاف ما إذا اشتركا معا كما في الفرض، ولا أقل من الشك، والاصل الحرمة. ولا فرق في ذلك بين القول باستقرار الحياة وعدمه، فما في المسالك - من أن هذا إذا اعتبرنا استقرار الحياة، وإلا كفى في حكمه الحركة بعد الذبح أو ما يقوم مقامها وإن تعدد سبب الازهاق - لا يخلو من نظر، والله العالم. المسألة { الثالثة: } قد عرفت سابقا أنه لا خلاف نصا (1) وفتوى بل ولا إشكال { إذا تيقن بقاء الحياة بعد الذبح فهو حلال } لاطلاق الادلة وعمومها وخصوصها، حتى على القول باعتبار الاستقرار، إذ هو معتبر حين الذبح لا بعده، نعم لابد في الحكم بالحل من إحرازه حينه بناء على اعتباره. { و } كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه { إن تيقن الموت قبله فهو حرام } لاندراجه في الميتة المحرمة كتابا (2) وسنة (3) وإجماعا بقسميه { ولو اشتبه الحال } تعرفه بالعلامتين أو إحداهما على الخلاف السابق.


(1) الوسائل - الباب - 11 و 12 - من أبواب الذبائح. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 191 ]

{ و } لو { لم يعلم حركة المذبوح ولا خروج الدم المعتدل } - بناء على الاكتفاء بأحدهما - لظلمة ونحوها { فالوجه تغليب الحرمة } للاصل بعد ظهور النصوص (1) في اشتراط الحل بذلك، والشك في الشرط شك في المشروط، وربما احتمل الحل استصحابا لبقاء الحياة، ولكن لا يخفى ضعفه. هذا وفي المسالك " ومثله يأتي في الحكم باستقرار الحياة قبل الذبح حيث نعتبرها، فانه مع العلم ببقائها يحكم بالحل، وبعدمها بعدمه، ومع الشك يتعارض أصالة بقائها وبقاء التحريم، والاقوى حينئذ اعتبار الحركة بعد الذبح، وقد أشرنا إليه سابقا ". وفيه أنها لا تدل على الاستقرار قطعا بالمعنى الذي ذكروه، وكذا الدم، بل ولا مجموعهما، نعم هما أو أحدهما يدلان على أصل الحياة، كما عرفت الكلام في ذلك مفصلا. بقي شئ: وهو أن صريح المسالك بل قد يظهر من غيره أيضا اعتبار تأخر حياة المذبوح بعد الذبح ولو قليلا، ولا ريب في أنه أحوط، لكن في تعيينه على وجه يحكم بالحرمة لو فرض العلم بمقارنة إزهاق روحه لتمام قطع الاوداج نظر، لاطلاق الادلة وصدق تذكية الحي، ونصوص الحركة بعد الذبح (2) إنما هو في مشتبه الحال أو لحصول العلم بالازهاق بالتذكية لا لاخراج الصورة السابقة المفروض فيها العلم بالمقارنة، أما مع عدم العلم بها فلا بد من الحركة المتأخرة ليحصل العلم بذلك وإلا حرم، واحتمال المقارنة غير كاف، والاصل لا ينقحها. ولكن مع ذلك كله فلا ريب في أن الاحوط ما ذكره، خصوصا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 و 12 - من أبواب الذبائح.

[ 192 ]

بعد إمكان التعبد باعتبار الحركة المتأخرة في النصوص، وقد مضى بعض الكلام في ذلك، والله العالم. القسم { الثاني } { في ما يقع عليه الذكاة } من الحيوان وجملة القول فيه أنه مأكول وغير مأكول، والثاني نجس العين وغير نجس، وغير النجس آدمي وغير آدمي، والاخير (ما ظ) لا نفس له وما له نفس، والاخير باعتبار الخلاف في قبول التذكية وعدمه أربعة أقسام: السباع والمسوخات والحشرات وغير ذلك، وستعرف الكلام فيها إنشاء الله تعالى. كما أنك عرفت الكلام في تذكية غير ذي النفس من المأكول كالسمك والجراد، وأنه بها يكون جائز الاكل، وعرفت تذكية ذي النفس من المأكول الصيدية والذبحية والنحرية حتى ذكاة الجنين منه، وأنه بها يكون جائز الاكل باقيا على حكم طهارته قبلها، بخلاف غير المأكول منه، فانه بتذكيته يكون باقيا على الطهارة دون جواز الاكل. وأما غير المأكول من غير ذى النفس فلا حكم لتذكيته، لانه طاهر ذكي أو لم يذك، والاصل في مأكول اللحم من ذي النفس التذكية، لانه مقتضى كونه مأكولا وللاجماع بقسميه، وقوله تعالى (1): " إلا ما ذكيتم " و " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " (2) والنصوص المتواترة الواردة


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (2) سورة الانعام: 6 - الآية 118.

[ 193 ]

في الصيود والذبائح، فلا إشكال في هذا القسم. كما لا إشكال في عدم قبول الاول من القسم الثاني - وهو نجس العين - للتذكية ولا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه بل الضرورة. إنما البحث في الاربعة الاخيرة، وقد يقال: إن مقتضى الاصل عدم التذكية التي هي من الاحكام الشرعية التوقيفية، وبها يخرج الحيوان عن اسم الميتة بالمعنى الاخص، ويبقى على حكم الطهارة الاولى، فما لم يعلم من الشرع قبوله لها يكون بحكم الميتة، ودعوى أن الاصل بقاؤه على الطهارة بالتذكية العرفية - أو أن القاعدة الطهارة في كل شئ حتى يعلم أنه نجس شرعا المقتصر في الخروج عنهما على الميت حتف أنفه دون المذبوح بالذبح الشرعي الذي هو قطع الاوداج فيما شرع فيه الذبح، وهما وإن لم يفيدا كون الحيوان مما يذكى شرعا، إلا أن احتمال ذلك كاف للحكم بالطهارة التي هي حكم المذكى شرعا من غير المأكول - يدفعها أن الميتة لغة وشرعا التي زهقت نفسها، إذ هي من الموت المقابل للحياة، فالميتة والميت غير الحي سواء كان مذكى أو غيره إذ لم يثبت لها حقيقة شرعية. نعم قد تطلق في مقابل ما ثبت له تذكية شرعية من مأكول اللحم، ولكن ذلك لا يقتضي الاختصاص بذلك، على أنه لو سلم كون الميتة غير المذكاة شرعا في الواقع يمكن أن يقال في المشكوك في قابليته للتذكية شرعا: الاصل عدمها أيضا، باعتبار أنه جعل شرعي يخرج الحيوان عن اسم الميتة التي هي لم يجعل لها الشارع تذكية، فمن شك في الجعل كان الاصل عدمه، وهو فصل مقوم للميتة، ضرورة عدم جعل للشرع في تحقق الميتة حتى يقال: الاصل عدمه أيضا، بل ليست هي إلا ما لم يجعل الشارع لها تذكية، وهي أمر يتحقق بالاصل، وحينئذ فكل ما شك في

[ 194 ]

تذكيته شرعا مندرج في اسم الميتة التي قد استفاضت النصوص (1) بعدم جواز الانتفاع بشئ منها، ولا يخرج منها إلا المعلوم أنه مما يذكى شرعا. بل يمكن دعوى رجوع الاستثناء في قوله تعالى (2): " إلا ما ذكتيم " إلى ما يشمل الميتة والنطيحة والمتردية وأكيل السبع، بناء على أن المذكاة ميتة بالمعنى الذي ذكرناه واستثنى منها المذكى وإن كان خلاف الظاهر، بل خلاف ما ورد في تفسيرها من النصوص (3) لكن لا ينكر ظهور سوقها من النصوص (4) الواردة في تفسيرها في مأكول اللحم من الحيوان، بل يمكن دعوى القطع في ذلك، فلا يستفاد منها عموم قبول التذكية لكل حيوان كي ينقطع الاصل الذي ذكرناه، كما ظنه في كشف اللثام بعد أن قال: " ليس التذكية إلا الذبح ". " ولا دليل على نقلها في الشرع، والاصل استصحاب الطهارة ". وفيه أنه وإن سلمنا كون كيفية التذكية الذبح لكن الكلام في قبول كل حيوان لها، واستصحاب الطهارة وقاعدتها لا يقتضيان قبوله، نعم هما يقتضيان الطهارة التي هي حكم تذكيته لولا إطلاق وعموم الميتة بالمعنى الذي ذكرناه، فان مقتضاه تناول كل ما لم تثبت تذكيته شرعا، ولو للشك في قبولها. بل قد يقال: إن مقتضى خبر علي بن حمزة (5) سأل الصادق


(1) الوسائل - الباب - 34 من أبواب الاطعمة المحرمة - من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (3) و (4) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الذبائح. (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 3 من كتاب الصلاة عن علي بن أبي حمزة قال: " سألت أبا عبد الله وأبا الحسن (عليهما السلام).. ". كما هو كذلك في الكافي ج 3 ص 397 - 398 إلا أن الموجود في التهذيب ج 2 ص 203 - 204 عن علي بن أبي حمزة قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لباس الفراء.. ".

[ 195 ]

(عليه السلام) " عن لباس الفراء والصلاة فيها، فقال: لا يصلى إلا في ما كان منه ذكيا، فقال: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد ؟ فقال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه، قلت: وما لا يؤكل لحمه من غير النعم، قال: لا بأس بالسنجاب، فانه لا يأكل اللحم، وليس هو مما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب " - حصر قبولها في المأكول إلا ما خرج، كما اعترف به في كشف اللثام أيضا، أللهم إلا أن يقال: إن المراد منه ذلك بالنسبة إلى الصلاة فيه لا مطلقا، بل لعله الظاهر منه. فالعمدة حينئذ دعوى صدق اسم الميتة على كل حيوان زهقت روحه بأي طريق يكون: خرج منها المذكى شرعا وبقي غيره، أو أنها لكل حيوان لم تثبت له تذكية شرعية وإن ذكي بالتذكية العرفية، ومن هنا لو شك في كيفية التذكية شرعا ولم يكن ثم إطلاق يحكم بعدم التذكية وكون الحيوان ميتة نجسة، كما يحكم بعدم الاكل للمشكوك في أكله، لاصالة عدم التذكية. نعم صحيح ابن بكير (1) - " إن زرارة سأل الصادق (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسدة، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل الله أكله ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاحفظ هذا يا زرارة، فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذابح، فان كان غير ذلك مما نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 196 ]

شئ منه فاسدة، ذكاه الذابح أو لم يذكه " - ظاهر في أن الذبح تذكية لكل حيوان، وكذا لو كانت الرواية " الذبح " بناء على أن المراد منه ذبح أو لم يذبح. وأظهر منه صحيح علي بن يقطين (1) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال: لا بأس بذلك " إذ لو لم تقبل التذكية كانت ميتة لا يجوز لبسها مؤيدا بما يفهم من مجموع النصوص المتقدمة في لباس المصلي (2) من قبول التذكية لكل حيوان طاهر العين حال الحياة وإن لم يكن مأكول اللحم، ولكن لا يصلى فيه عدا ما استثني، فلاحظ وتأمل، بل وبغير ذلك. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أن قول المصنف: { وهي تقع على كل حيوان مأكول، بمعنى أنه يكون طاهرا بعد الذبح، ولا تقع على نجس العين، كالكلب والخنزير، بمعنى أنه يكون باقيا على نجاسته بعد الذبح، وما خرج عن } هذين { القسمين فهو أربعة أقسام } بل خمسة غير مستوف لتمام الاقسام، ضرورة عدم انحصار التذكية في الذبح، ولا أن معناها في المأكول الطهارة خاصة، بل هي مع جواز الاكل، نعم هي كذلك في غير المأكول، ولكن الامر سهل بعد وضوح المطلوب، خصوصا بعد ما سلف له مما يستفاد منه ما ذكرناه. وعلى كل حال فالقسم { الاول المسوخ } غير السباع وما لا نفس له سائلة منها وما كان من الحشرات { و } المشهور على ما قيل: إنه { لا تقع عليها الذكاة } خصوصا مع ملاحظة القائل بنجاستها { ك‍ } الشيخ


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 من كتاب الصلاة (2) راجع ج 8 ص 65 - 67 و 78.

[ 197 ]

والديلمي وابن حمزة وهي { الفيل والدب والقرد } وغيرها مما تضمنتها النصوص (1). لكن في المسالك " إن أجمع الروايات خبر محمد بن الحسن الاشعري (2) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) " الفيل مسخ كان ملكا زانيا، والذئب مسخ كان اعرابيا ديوثا، والارنب مسخ كان امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، والخنازير قوم من بني اسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني اسرائيل، حيث نزلت المائدة على عيسى (على نبينا وآله وعليه السلام) لم يؤمنوا فتاهوا، فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، والفأرة هي الفويسقة، والعقرب كان نماما، والدب والوزغ والزنبور كان لحاما يسرق في الميزان " - قال -: وهذه المسوخ كلها هلكت، وهذه الحيوانات على صورها. " ومجموع ما فيها أنها اثنا عشر، وفي خبر الكلبي النسابة (3) " الوبر والورك " والاول بسكون الباء: دويبة على قدر السنور غبراء أو بيضاء حسنة العينين لا ذنب لها، شديدة الحياء حجازية، والثاني محركة: دابة كالضب، أو العظيم من أشكال الوزغ، طويل الذنب صغير الرأس. وقد سمعت في الجراد أن الدبى والمهرجل من المسوخ، كما أن في غيره من النصوص (4) عد الكلب والطاووس والمارماهي والزمير والدعموص والخفاش وسهيل والقنفذ والزهرة والعنكبوت والقملة والبعوض


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 7 - 8 من كتاب الاطعمة والاشربة. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 و 6 و 8 و 12 و 15 من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 198 ]

وهي جملة ما وقفنا عليه من النصوص. لكن عن الفقيه زيادة النعامة والسرطان والسلحفاة والثعلب واليربوع، وربما نسب إلى بعض النصوص، بل ربما احتمل أنها من تتمة رواية محمد (1) لا من كلامه. وفي بعض النصوص (2) " إن الله مسخ سبعمائة عصوا الاوصياء بعد الرسل، فأخذ أربعمائة منهم برا، وثلاثمائة بحرا " والامر سهل بعد أن لم يكن الحكم عندنا دائرا على مسماها، للاصل المزبور. { وقال المرتضى } ووافقه الشهيد: { تقع } عليها الذكاة، بل في غاية المراد نسبته إلى ظاهر الاكثر، بل في كشف اللثام إلى المشهور، للاصل الممنوع على مدعيه حتى بمعنى استصحاب الطهارة أو قاعدتها، والسبب - في وقوعها على المأكول الانتفاع بلحمه وجلده، وهو متحقق فيها في الجلد - الذي لا يرجع إلى محصل ينطبق على أصول الامامية، وبعض النصوص (3) - الواردة في حل الارنب والقنفذ والوطواط وهي مسوخ، وليس ذلك في لحمها عندنا، فيكون في جلدها - الذي هو بعد أن لا يكون معمولا عليه عندنا وموافقا للتقية يكون من المأول الذي ليس بحجة، نعم قد يصلح مؤيدا لما سمعته من الصحيح (4) المقتضي لصحة التذكية فيها، ولكن ينبغي أن يكون المدار على الجلود التي تلبس عادة أو صالحة للبس.


(1) راجع الفقيه ج 3 ص 213. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9 من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 و 7 من كتاب الاطعمة والاشربة. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 199 ]

القسم { الثاني } الذي هو { الحشرات } وهي التي تسكن باطن الارض { كالفأرة وابن عرس والضب و } نحوها فان { في وقوع الذكاة عليها تردد } ا بل خلافا { أشبهه أنه لا يقع } وفاقا للاكثر بل المشهور، للاصل المزبور السالم عن معارضة الصحيح (1) ونحوه بعد انسياق غير ذلك من الجلود فيه وإن كان بلفظ الجمع، فلا أقل من الشك، وقد عرفت أن الاصل عدم التذكية، والله العالم. القسم { الثالث: الآدمي } الذي قد عرفت أنه { لا تقع عليه الذكاة } إجماعا أو ضرورة، لا { لحرمة } تذكيت‍ { - ه } التي لا تنافي الطهارة بعد وقوعها ولا تتم في الكافر منه ونحوه مما يجوز قتله، بل لما عرفت. { و } حينئذ { يكون ميتة ولو ذكي } كما هو واضح، والله العالم. القسم { الرابع: السباع } من الوحوش والطيور، وهى ما تفترس الحيوان بنابها أو مخلبها للاكل، أو كل ما كان ذا مخلاب أو ناب يفترس من الحيوان أو ما يتغذى باللحم { كالاسد والنمر والفهد والثعلب و } نحوها ف‍ { - في وقوع الذكاة عليها تردد } بل وخلاف وان لم نعرف حكايته، لكن في كشف اللثام " المشهور الوقوع، وعدمه قول المفيد وسلار وابن حمزة ذكروه في الجنايات، وكذا الشيخ في الخلاف ". { و } على كل حال ف‍ { - الوقوع } هنا { أشبه } وفاقا للمشهور، بل في غاية المراد لا نعلم مخالفا، بل عن بعض دعوى الاتفاق عليه، بل عن السرائر الاجماع عليه، لموثقي سماعة المعتضدين بما عرفت، ففي أحدهما (2) " سألته عن جلود السباع ينتفع بها، قال: إذا رميت


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 200 ]

وسميت فانتفع بجلده " وفي الآخر (1) " سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال: أما لحوم السباع والسباع من الطير فانا نكرهه، وأما الجلود فاركبوا عليها، ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه) إذ لولا وقوع التذكية عليها لم يجز الانتفاع بجلودها، ضرورة كونها حينئذ ميتة لا يجوز الانتفاع بشئ منها إلا ما استثني. بل وبالسيرة المستمرة في جميع الاعصار والامصار على استعمال جلودها، وبما ورد من النصوص (2) في جواز استعمال جلد السمور والثعالب، بل في خبر أبي مخلد (3) " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل معتب، فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما، فقال أحدهما: إني رجل سراج أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي ؟ قال: نعم، قال: ليس به بأس " وبغير ذلك مما مر في لباس المصلي (4). ومن الغريب بعد ذلك كله ما في المسالك من التردد في الحكم المزبور استضعافا لموثقي سماعة وكونهما مضمرين، وظهور كونه الامام (عليه السلام) غير كاف في العمل بمقتضاهما، إلى آخر ما ذكره مما لا يخفى عليك النظر فيه بعد أن كان الموثق الثاني مسندا في محكي الفقيه (5) والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل - الباب - 4 و 5 - من أبواب لباس المصلي من كتاب الصلاة. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (4) راجع ج 8 ص 64 - 67. (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 3 راجع الفقيه ج 1 ص 169 - الرقم 801.

[ 201 ]

{ و } على كل حال { تطهر بمجرد الذكاة } عند المشهور للاصل وإطلاق الموثقين (1). { وقيل } والقائل الشيخان والمرتضى: { لا تستعمل } جلده { مع الذكاة حتى تدبغ } لخبر أبي مخلد (2) السابق القاصر سندا ودلالة، ودعوى كون المتفق عليه بخلاف ما قبل الدبغ التي لا محصل لها بعد اقتضاء الاصل جواز الاستعمال، للحكم بالطهارة التي إن لم تحصل بالتذكية لم تحصل بالدبغ عندنا، بل يمكن أن يكون الوجه في ذكر الامام (عليه السلام) لضرب من التقية، خصوصا بعد أن كان الرجلان غير معلومين، وقد تقدم في الطهارة (3) ولباس المصلي (4) تمام الكلام في هذه المسائل. وأما الكلام في غير الاقسام الاربعة فهو مبني على الاصل المزبور والعموم المذكور، نعم لا إشكال في قبول ما كانت حرمته عارضة فيها، كالجلال والموطوء للاستصحاب، وأما غيره فقد عرفت أن الاصل عدم التذكية إلا ما يندرج منها في الصحيح (5) المزبور، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 والباب - 3 - منها الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (3) راجع ج 6 ص 349 - 352. (4) راجع ج 8 ص 73. (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب لباس المصلي - الحديث 1 من كتاب الصلاة.

[ 202 ]

القسم { الثالث } { في مسائل من أحكام الصيد } { وهي عشرة: } { الاولى: } لا خلاف ولا إشكال في أن { ما يثبت في آلة الصائد } على وجه يخرج عن كونه ممتنعا { كالحبالة والشبكة } والفخ ونحوها { يملكه ناصبها } للاصطياد { وكذا كل ما يعتاد للاصطياد به } بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لصدق الصيد والاخذ والحيازة ونحوها مما هو سبب الملك في مثله من المباح، بل ما في صحيحي الحظيرة ونصب الشبكة المتقدمين في ذكاة السمك - قال في الاول منهما (4) جوابا عن السمك الذي يدخل فيها: " لا بأس به، إن تلك الحظيرة إنما جعلت ليصطاد بها " وفي الآخر (5) " ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها " - مبني على أن ذلك أخذ وصيد أو مثلهما، خصوصا بعد ما ورد (6) أن ذكاة السمك أخذه وصيده، إذ هو أولى من التخصيص، وبالجملة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 35 من أبواب الذبائح - الحديث 3 - 2. (3) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح - الحديث 8 والباب - 32 - منها - الحديث 8 والباب - 34 - منها - الحديث 1.

[ 203 ]

لا ريب في تحقق الاخذ والصيد والحيازة لما نشب لآلته المنصوبة لذلك. كما أنه لا ريب في تملك المباح الذي منه ما نحن فيه بذلك، قال (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (1): " من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الارض كلت وتاهت وسيبها صاحبها لما لم يتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل له عليها، إنما هي مثل الشئ المباح " الدال على تملك الشئ المباح بأخذه. وفي خبر السكوني (2) " في رجل أبصر طائرا فتبعه حتى سقط على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): للعين ما رأت ولليد ما أخذت ". وخبره الآخر (3) " الطير إذا ملك جناحه فهو صيد، وهو حلال لمن أخذه " كمرسل ابن بكير (4) " إذا ملك الطائر جناحه فهو لمن أخذه " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على تحقق ملك المباح بأخذه وصيده، ولا ريب في تحققهما بالاستيلاء عليه والدخول تحت يده وقبضته ولو بالآلة المقصود التوصل بها إلى ذلك، من غير فرق بين الشبكة ونحوها وبين الكلب والصقر ونحوهما، إذ ليس المراد خصوص الاخذ باليد الحسية قطعا.


(1) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب اللقطة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 15 - من كتاب اللقطة - الحديث 2 والباب - 38 - من أبواب الصيد - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الصيد - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الصيد - الحديث 1 عن ابن بكير عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) كما هو كذلك في التهذيب ج 9 ص 61، إلا أن الموجود في الكافي - ج 6 ص 222 عن ابن بكير عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام).

[ 204 ]

{ و } متى ملكه بذلك { لا يخرج عن ملكه بانفلاته بعد إثباته } الذى هو سبب لملكه كما عرفت، للاصل، وحينئذ فنماؤه له، ولا يملكه غيره إذا صاده، من غير فرق بين التحاقه بالوحوش وعدمه، وبين تعذر الوصول إليه وعدمه، إذ المملوك لا يخرج عن الملك بذلك كالعبد الآبق والدابة الانسية إذا توحشت. { نعم لا يملكه } بلا خلاف أجده فيه { بتوحله في أرضه ولا بتعشيشه في داره ولا بوثوب السمكة إلى سفينته } ولا بنحو ذلك مما لم يقصد به الاصطياد، فلا يصدق عليه اسم الاخذ ولا الصيد ولا نحوهما مما يكون سببا لملكه له، فيبقى على إباحته الاصلية، يملكه كل من يأخذه بل لا يثبت له حق اختصاص به، بحيث لو أثم ودخل داره مثلا وأخذه ملكه، لما عرفت. نعم له حق اختصاص بمعنى أنه ليس لاحد التصرف في داره، ولعله هو مراد الفاضل في القواعد، لاحق الاختصاص المانع عن التملك، لعدم الدليل، بل لعله كذلك لو نشب في الآلات المعتاد الاصطياد بها إلا أنه لم ينصبها له { و } لا كان من قصده الاصطياد بها فضلا عن غيرها. بل صرح بعض بأنه { لو اتخذ موحلة } مثلا { للصيد فنشب بحيث لا يمكنه التخلص لم يملكه بذلك، لانها ليست آلة معتادة } تدخل في إطلاق الادلة القاطعة لاصالة عدم تملكه { و } إن كان { فيه تردد } بل منع كما صرح به غير واحد، ضرورة عدم تعليق الحكم في النصوص على الاخذ بالآلة والصيد بها كي تنصرف إلى المعتادة، بل هو معلق على الصيد والاخذ ونحوهما مما يخرج به عن الامتناع ويدخل به تحت يد الصائد وقبضته، بل التعليل في الصحيحين (1) المزبورين


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 و 3.

[ 205 ]

يقتضي خلافه، وأن المدار على كل ما يعمله للاصطياد به. { و } لعله لذا صرح غير واحد بأنه { لو أغلق عليه بابا ولا مخرج له أو } جعله (صيره خ ل) { في مضيق لا يتعذر قبضه } أو نحو ذلك { ملكه } لزوال امتناعه حينئذ ودخوله تحت يده وقبضته الذي هو المدار، لا الاخذ بالآلة فضلا عن المعتاد منها. { و } لكن { فيه أيضا إشكال } لامكان منع صدق اسم الاخذ { و } الصيد بذلك، بل { لعل الاشبه أنه لا يملك هنا إلا مع القبض باليد أو الآلة } للاصل المقتصر في الخروج منه على المتيقن الذي هو ما عرفت، وليس مطلق الخروج عن الامتناع أخذا أو قبضا ودخولا تحت اليد، والله العالم. { ولو أطلق الصيد من يده لم يخرج عن ملكه } قطعا مع عدم قصد إطلاقه أو مع عدم قطع نيته عن ملكه، واحتمال أن للصيد خصوصية - باعتبار أن سبب الملك فيه اليد، فإذا زالت زال، أو باعتبار صدق الصيد على المصيد الممتنع وإن سبقت يد عليه، أو لخصوص الطير من الصيد باعتبار ما دل من النصوص (1) على أنه إذا ملك جناحه فهو صيد وإن كان في السابق ملك - لم أجده لاحد هنا، وربما يأتي في خصوص الطير منه كلام، والله العالم. { وإن نوى إطلاقه وقطع نيته عن ملكه هل يملكه غيره باصطياده ؟ الاشبه } عند المصنف والاكثر كما في المسالك { لا } يملكه { لانه لا يخرج عن ملكه } الثابت بسببه الشرعي { بنية الاخراج } التي لم يثبت كونها سببا في ذلك، ضرورة توقف الخروج عن الملك على سبب شرعي قاطع لاستصحابه كالدخول فيه.


(1) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الصيد.

[ 206 ]

نعم في المسالك " هل يكون نية رفع ملكه عنه أو تصريحه باباحته موجبا لاباحة غيره له (1) ؟ وجهان: أحدهما العدم، لبقاء الملك المانع من تصرف الغير فيه، وأصحهما اباحته لغيره، لوجود المقتضي له، وهو إذن المالك فيه، وهو كاف في اباحة ما يأذن في التصرف فيه من أمواله، فلا ضمان على من أكله، لكن يجوز للمالك الرجوع فيه ما دامت عينه موجودة، كنثار العرس، وكما لو وقع منه شئ حقير ككسرة خبز فأهمله، فانه يكون مبيحا له، لان القرائن الظاهرة كافية في الاباحة، ويوضحه ما يؤثر عن بعض الصالحين من التقاط السنابل لذلك ". قلت - بعد الاغماض عما في قوله: " أو تصريحه باباحته " إلى آخره خروج (2) ذلك عن البحث، بل ينبغي القطع بالاباحة، إذ الناس مسلطون على أموالهم (3) -: الظاهر عدم التلازم بين الاعراض والاباحة التي هي إنشاء خاص، وقد لا يخطر بباله الاذن في ذلك، نعم ربما يحصل ذلك من شاهد الحال في نثار العرس ونحوه مما هو غير مسألة الاعراض التي هي عبارة عن رفع اليد عما هو ملك له من غير انشاء الاباحة فيه لغيره، والبحث في أن ذلك نفسه مقتض للخروج عن ملك المالك، وصيرورة الشئ كالمباح الاصلي يملكه الآخذ بأخذه، ولا سبيل للاول عليه، كما عن الشيخ في المبسوط، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: { وقيل: يخرج، كما لو وقع منه شئ حقير فأهمله، فانه يكون كالمبيح له } في جواز الاخذ، وإلا فقد عرفت الفرق بين الاعراض


(1) هكذا في النسخة الاصلية، وفي المسالك " لاباحة أخذ غيره له " وهو الصحيح. (2) هكذا في النسختين المخطوطتين: المبيضة والمسودة، وهو سهو من قلمه الشريف، والصحيح " لخروج " أو " من خروج ". (3) اشار إلى الحديث النبوي المروي في البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث.

[ 207 ]

والاباحة التي قد تستفاد من شاهد الحال ونحوه مما لا ينبغي الاشكال في جواز الاخذ معه، وأن ما يؤثر عن بعض الصالحين من التقاط السنابل لذلك، بل يمكن دعوى السيرة القطعية على ذلك ونحوه. نعم فيه بحث بالنسبة إلى التصرفات الناقلة حتى التزم الاردبيلي أنه يملك الثمن وإن لم يكن مالكا للمثمن، وأن دعوى لا بيع إلا في ملك لم يثبت، وقد ذكرنا نحن سابقا الكلام في مثل هذه الاباحة التي منها ما ذكروه في المعاطاة (1) بناء على أنها إباحة، ومنها ما ذكرناه في إباحتهم (عليهم السلام) الانفال (2) وغير ذلك في مقامات متعددة. وكأنه لذلك قال المصنف: { ولعل بين الحالين فرقا } (أولا) بالحقارة وعدمها في الصيد المعتد به. و (ثانيا) بأن مرجع ذلك إلى الاباحة من المالك - كنثار العرس - لا الخروج عن ملكه بالاعراض. وأما دعوى أن الاصل في الصيد انفكاك الملك عنه بالاعراض - لانه إنما حصل باليد والفرض زوالها، وبذلك يفرق بين الصيد وغيره، باعتبار أن ملك الصيد كان بسبب اليد وقد أزالها قصدا، بخلاف المال الحقير المملوك نوعه بسبب شرعي غير اليد، فلا يزول بالاعراض، كدعوى أنه قد أزال ملكه عنه باختياره فيزول، لان القدرة على الشئ قدرة على ضده - لا محصل لها، ضرورة انقطاع الاصل بما ثبت شرعا من سبب التملك الذي لا يقتضي كون زواله سببا أيضا للزوال، لعدم التلازم بينهما، وسبب الملك متى تحقق مسببه وإن زال هو بعد ذلك كغيره من أسباب الملك، فلا بد من مزيل آخر.


(1) راجع ج 22 ص 210 - 240. (2) راجع ج 16 ص 134 - 154.

[ 208 ]

نعم قد يقال: إن صحيح ابن سنان (1) دال على كون الشئ بعد الاعراض عنه كالمباح الاصلي، وأظهر وجه الشبه فيه خروجه عن ملكه، وتملكه لمن يأخذه على وجه لا سبيل له عليه، بناء على أن المراد منه صيرورة البعير كالمباح باعتبار إعراض صاحبه عنه، فيكون حينئذ مثالا لكل ما كان كذلك، بل لعل قوله (عليه السلام): " إن أصاب مالا " منزل على ذلك، على معنى إن أصاب مالا غير البعير، ولكن هو كالبعير في الاعراض، مؤيدا ذلك بخبر السفينة (2) الذي قد استوفينا الكلام فيه في كتاب القضاء، بل قد ذكرنا هناك جملة من الكلام المتعلق في مسألة الاعراض. ودعوى ابن ادريس الاجماع عليه، فلاحظ وتأمل. والله العالم. المسألة { الثانية: } { إذا أمكن الصيد التحامل طائرا أو عاديا بحيث لا يقدر عليه } لبقائه على الامتناع { إلا بالاتباع المتضمن للاسراع لم يملكه الاول } للاصل بعد فرض عدم حصول سبب الملك من الاخذ والحيازة والصيد على وجه يصدق عليه كونه تحت يده وفي قبضته ولو بأن يثخنه ويبطل امتناعه ويصيره على وجه يسهل أخذه واللحوق به عادة، بخلاف الفرض الذي هو إضعاف قوته بضربه لكن بقي مع ذلك قادرا على الامتناع بالطيران والعدو بحيث لا ينال إلا بالاسراع الموجب لغير المعتاد من المشقة.


(1) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب اللقطة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب اللقطة.

[ 209 ]

{ و } من هنا { كان لمن أمسكه } لصدق كونه الصائد والآخذ والحائز، بل ليس للاول حق اختصاص، للاصل، والله العالم. المسألة { الثالثة: } { إذا رمى الاول صيدا فأثبته وصيره في حكم المذبوح } بعدم استقرار حياة له أو عدم إدراك ذكاة له فلا ريب في دخوله في ملكه بذلك، لما عرفت من صدق الاصطياد والحيازة به، وفي المرسل (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " أنه مر مع أصحابه بظبي حاقف - أي مثخن عاجز عن الامتناع - فهم أصحابه بأخذه، فقال (صلى الله عليه وآله): دعوه حتى يجئ صاحبه ". وحينئذ فان كان كذلك { ثم قتله الثاني فهو للاول } لما سمعت { ولا شئ على الثاني } لانه لم يتلف عليه شيئا، إذ الفرض أنه مقتول وإن لم يقتله { إلا أن يفسد لحمه } أو جلده { أو شيئا منه } فيضمن أرش ذلك حينئذ. { و } أما { لو رماه الاول فلم يثبته ولا صيره في حكم المذبوح } بل بقي على امتناعه { ثم قتله الثاني فهو له } لانه الذى اصطاده وحازه { دون الاول و } لكن { ليس علي‍ } - ه أي { الاول ضمان شئ مما جناه } وإن أفسد منه ما فسد برميته، لانه رماه وهو مباح.


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 188 مع اختلاف يسير. وذكره الشيخ (قده) بعينه في المبسوط ج 6 ص 375.

[ 210 ]

{ ولو أثبته الاول ولم يصيره في حكم المذبوح } بل هو ذو حياة مستقرة يعيش بها مدة فقد عرفت أنه يملكه بذلك { ف‍ } لو { قتله الثاني فهو متلف } له بلا إشكال، ويضمنه، لعموم " من أتلف " (1) { فان كان أصاب محل الذكاة } منه { فذكاه على الوجه } المعتبر في التذكية { فهو للاول و } له { على الثاني الارش } وهو تفاوت ما بين كونه حيا مثبتا ومذبوحا، لان ذلك هو المتلف عليه، إذ الحيوان باق على ملكه. { وإن أصابه في غير المذبح فعليه قيمته إن لم يكن لميتته قيمة } لعموم " من أتلف " (2) وغيره، ضرورة تعين الذكاة للصيد الميت مع إدراكها الذي هو المفروض لولا قتل الثاني له { وإلا } بأن كان المقصود منه مالا تحله الحياة من أجزاء كالريش والعظم { كان له الارش } وهو تفاوت ما بين قيمته ميتا ومزمنا بجرح الاول. { وإن جرحه الثاني ولم يقتله فان أدرك } هو أو المالك أو غيرهما { ذكاته } وذكاه { فهو حلال } وملك { للاول } ولكن له على الثاني الارش كما عرفت. { وإن لم يدرك ذكاته فهو ميتة، لانه تلف من فعلين: أحدهما مباح } وهو فعل الاول { والآخر محظور } وهو فعل الثاني الذي صادف حيوانا غير ممتنع، وقد عرفت التحريم في مثله، إذ هو { كما لو قتله كلب مسلم } قد سمى { و } كلب { مجوسي } أو كلب آخر لم يسم عليه. { و } لكن { ما الذي يجب على الجارح } الثاني للاول ؟ { فالذي يظهر } عند المصنف وغيره { أن الاول إن لم يقدر على


(1) و (2) راجع التعليقة (2) من ص 157. .

[ 211 ]

ذكاته } ولم يدركها { فعلى الثاني قيمته بتمامها معيبا بالعيب الاول } لانه صار حراما وميتة بفعله. قال في المسالك: " وهو بخلاف ما إذا جرح شاة نفسه مثلا وجرحها آخر فتلفت بهما، حيث لا يجب على الثاني إلا نصف القيمة، لان كل واحد من الجرحين محرم والافساد حصل بهما جميعا، وهنا فعل الاول اكتساب وإصلاح وذكاة، فلا يوزع عليه شئ، نعم ينقص عن الاول مقدار ما نقص منه بالجرح الاول، فلو كان الصيد يساوي غير مزمن عشرة ومزمنا تسعة وجب على الثاني تسعة، هذا إذا لم يكن قيمته مذبوحا أنقص من قيمته مزمنا، وإلا وزع النقص عليهما، لان فعل الاول وإن لم يكن إفسادا إلا أنه مؤثر في الذبح وحصول الزهوق، فينبغي أن يعتبر في الافساد - لانه شريك في الذبح - حتى يقال: إذا كان غير مزمن يساوي عشرة ومزمن (1) تسعة ومذبوحا ثمانية يلزم الثمانية، والدرهم الآخر أثر في فواته الفعلان جميعا، فينبغي أن يوزع عليهما حتى يهدر نصفه، ويجب نصفه مع الثمانية، إلا أن المصنف أطلق، ولعله لان المفسد يقطع أثر فعل الاول من كل وجه، ولانه يصدق عليه أنه أتلف على المالك حيوانا مجروحا، والاول أظهر ". قلت: لعله لاستناد الاتلاف إلى الفعلين، لان الفرض أن جرح الثاني لولا الاول لم يقتل، وكذلك جرح الاول، فهما معا سبب الاتلاف، لكن لا يخفى عليك أن ذلك يقتضى كون حكمه حكم الشاة، وما ذكره من وجه الفرق اعتباري لا يرجع إلى دليل معتبر، والله العالم. { وإن } أدركه و { قدر } على ذبحه { فأهمل } وتركه حتى مات { ف‍ } - فيه وجهان: أحدهما أنه لا يجب على الثاني إلا


(1) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة، والصحيح " ومزمنا " كما في المسالك.

[ 212 ]

أرش جراحته، لان الاول صار مقصرا حين تمكن من الذبح ولم يذبح، وأصحهما أن الضمان على الثاني، لان غاية الاول الامتناع من تدارك ما يعرض للفساد بجناية الجاني مع إمكان التدارك، وذلك لا يسقط الضمان، كما لو جرح جارح شاته فلم يذبحها مع التمكن منه، فانه لا يسقط الضمان عن الجاني. نعم في مقدار ما يضمنه وجهان: أحدهما أنه يضمن كمال قيمته مزمنا أيضا كما لو زفف عليه ابتداء، بخلاف ما إذا جرح عبده أو شاته وجرحه غيره لما أشرنا إليه سابقا، والثانى وهو خيرة المصنف وغيره أنه يكون { على الثاني نصف قيمته معيبا } إذ هو كما لو جرح عبده وجرحه غيره، لان الموت حصل بفعلهما، وكل واحد من الفعلين إفساد له، أما الثاني فظاهر، وأما الاول فلان ترك الذبح بعد التمكن يجعل الجرح وسرايته إفسادا، ولذلك لو لم يوجد الجرح الثاني وترك الاول الذبح كان الصيد ميتة. قلت: لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه أن المتجه النصف مطلقا، فان إهماله لا يرفع الاشتراك في الفعل المقتضي لذلك، فهو حينئذ كالشاة التي جرحها المالك ولو لمصلحة ثم جرحها غيره ثم سرى الجرحان على الوجه المزبور، فتأمل جيدا. { ولعل فقه هذه المسألة ينكشف باعتبار فرض نفرضه، وهي دابة قيمتها عشرة جنى عليها } جان { فصارت تساوي تسعة، ثم جنى } عليها { آخر فصارت إلى ثمانية ثم سرت الجنايتان } على وجه اشتركا في الاتلاف { ففيها احتمالات خمسة } بل سبعة { لا يخلو أحدها من خلل }. قال المصنف: { وهو إما إلزام الثاني بكمال قيمته معيبا، لان

[ 213 ]

جناية الاول غير مضمونة بتقدير أن يكون مباحا، وهو ضعيف } في بعض أفراده { لانه مع إهمال التذكية جرى (يجري خ ل) مجرى المشارك بجنايته } كما في مسألة الصيد التي عرفت الكلام فيها. وفي الدروس بعد أن حكى ذلك كله عن المصنف قال: " وهذا الاحتمال لو صح لم يشترط فيه كون الصيد مباحا، فان جناية المالك على ماله غير مضمونة أيضا، وقدرة المالك على التذكية قد لا تتحقق، فلا ينتظم هذا الوجه مستقلا، بل بقيد القدرة على التذكية " إلى آخره. قلت: وعلى كل حال فهذا الوجه لا يتأتى في المسألة المفروضة إلا على تقدير كون الدابة صيدا، وقد عرفت أن المتجه النصف، سواء قدر على التذكية وأهمل أولا، لان الافساد مستند إلى فعليهما، فلا بد من الحكم بتوزيع القيمة ثم إسقاط ما يخص المالك، كما تقدم الكلام فيه. أللهم إلا أن يقال: إن الثاني هو الذي يستند القتل إليه وإن سرى جرح الاول مع جرحه، إلا أن فعل المعية والجمعية ونحوهما قد حصل من الثاني، والاول قد صار بمنزلة المعد والشرط، وحينئذ يتجه هذا الاحتمال في مفروض المسألة، كما عن الشيخ فارضا له في جناية المالك وجناية غيره، ولم أجده لغيره، نعم قد ذكروا ذلك في الصيد إذا أثبته الاول وجرحه الثاني وسرى الجرحان حتى مات بهما، فارقين بينه وبين الشاة التي جرحها المالك ثم جرحها الغير وماتت بهما، وقد عرفت البحث في ذلك. وعلى كل حال فالاحتمال في المسألة إما هذا { وإما التسوية } بينهما { في الضمان } بمعنى إنه يجب على كل واحد منهما خمسة دنانير، وتوجيهه بطريقين: أحدهما أنه يجب على كل واحد منهما أرش جراحته وهو دينار، لانه نقصان تولد من جنايته، وما بقي وهو ثمانية تلف بسراية الجراحتين، فيشتركان فيه فهما حينئذ متساويان في الارش والسراية.

[ 214 ]

والتوجيه الثاني كما في المسالك أن على كل واحد نصف قيمته يوم جنايته، لان الجناية إذا صارت نفسا دخل أرشها في بدل النفس، وكل واحد منهما لم يضمن إلا نصف النفس، فلا يدخل فيه إلا نصف الارش ولا يدخل النصف الآخر فيما ضمنه الآخر، ولذلك لو قطع يدي رجل فسرى دخل أرش اليد في بدل النفس، ولو قطعهما ثم قتله غيره لم يدخل أرش اليد في بدل نفس ضمنها الآخر، ثم يرجع الاول على الثاني بنصف أرش جنايته، لانه جنى على النصف الذي ضمنه الاول وقومناه عليه قبل جنايته، ومن غرم شيئا بكمال قيمته له أن يرجع بما جنى عليه بما ينقصه، ألا ترى أن من غصب ثوبا وجنى عليه آخر فخرقه ثم تلف الثوب وضمن المالك الغاصب تمام القيمة فانه يرجع على الجاني بأرش التخريق، وإذا رجع عليه كذلك استقر على كل واحد منهما خمسة، وعلى هذا فالمالك مخير في نصف دينار بين أن يأخذه من الاول أو الثاني، فان أخذه من الاول رجع على الثاني، وان أخذه من الثاني استقر عليه، وحصل التسوية بينهما على التقديرين. وفيه ما لا يخفى من الفرق بين الفرض وبين الثوب الذي ضمانه باليد ولو تلف بآفة سماوية، بخلاف الفرض الذي لا ضمان فيه إلا للجناية إذ الدابة في يد مالكها، فلا وجه لرجوع الاول على الثاني بشئ، ضرورة تساويهما بسبب الضمان الذي هو الجناية، لقاعدة الاتلاف { و } غيرها كما { هو } واضح. وكيف كان فقد ضعف هذا الوجه بأنه { حيف } وظلم { على الثاني } لانه جنى على ما هو أقل من قيمته، وضمن كالجاني على الازيد قيمة، وبأنه مبني على عدم دخول الارش في بدل النفس، وهو خلاف القول المنصور، لان بدل النفس مشتمل عليه، فلو لم يدخل

[ 215 ]

فيه لزم تثنية التغريم. وربما أجيب عن الاخير بأنه يمكن الفرق بينه وبين أرش الحر لان الجرح ينقص قيمة الحيوان المملوك، فان أخذ بعدها عوض النفس أخذها بعد ذلك النقص بخلاف الحر، فان جرحه أو قطع عضوه لا ينقص ديته المقدرة، فيلزم محذور تثنية الغرامة. وإلى ذلك كله أشار في الدروس، حيث إنه بعد أن ذكر التساوي في الضمان معللا له بالتساوي في الارش والسراية قال: " ويشكل بعدم دخول الارش في ضمان النفس، ويجاب بأن ذلك في الاولى، لانه لا ينقص بدله باتلاف بعضه ". وفيه أن المملوك أولى بعدم الدخول باعتبار صدق " من أتلف " (1) مع فرض السراية للجرح المزبور، وهو لا يقتضي أزيد من ضمان قيمته التي هي المدار، إذ لا مقدر لجراحاته، كما هو واضح. وأما إشكال التسوية بينهما في الغرامة مع اختلاف قيمة مجنيهما ففي غاية المراد أنه أجاب عنه شيخنا - أي عميد الدين حيث إنه نصر هذا الوجه - بأن الثاني نقصه أكثر مما نقصه الاول، إذ الاول نقصه العشر والثاني التسع، فهو يقابل زيادة القيمة. وأقول: في مقابلة التفاوت بين النقيصتين نظر، لان التفاوت بين التسع والعشر جزء من تسعين جزءا من عشرة، والتفاوت بين العشرة والتسعة العشر، وهو تسعة أجزاء من تسعين، وظاهر ما بينهما من التفاوت. وعلى كل حال فضعف هذا الوجه واضح، ضرورة أنه لا معنى لضمانه أزيد من قيمته وقت جنايته، خصوصا إذا صيرها الاول بجنايته إلى قيمة ردية ثم جنى عليها الثاني.


(1) راجع التعليقة (2) من ص 157.

[ 216 ]

وأضعف منه الوجه الثالث الذي أشار إليه المصنف بقوله: { أو إلزام الاول بخمسة ونصف والثاني بخمسة } معللا في المسالك بأن جناية كل واحد منهما درهما مثلا، ثم سرت الجنايتان، والارش يسقط إذا صارت الجناية نفسا، فيسقط نصف الارش عن كل واحد منهما، لان الموجود منه نصف القتل ويبقى النصف، فعلى الاول خمسة من حيث هو شريك، ونصف درهم هو نصف أرش جنايته، لانه حصل منه نصف القتل، فلا يندرج تحته إلا نصف الارش، وعلى الثاني خمسة: نصف درهم هو نصف أرش جراحته، وأربعة ونصف هي نصف قيمة العبد عند جنايته. { وهو } كما ترى لا حاصل له، مع أنه { حيف أيضا } عليهما، بل في الدروس " لم أر أحدا عده وجها بغير تراجع ولا بسط إلا المحقق، ولعله أراد به أحد الامرين، لظهور بطلانه بدونهما " وهو كذلك، ضرورة جمعه لدخول بعض الارش في بدل النفس دون بعض. ومراده بالتراجع هو أن يرجع الاول الذي فرضنا غرامته خمسة ونصفا على الثاني بنصف، لانه جنى على ما دخل في ضمانه، وحينئذ يأخذ المالك من الثاني أربعة ونصفا، وإن فرض أنه أخذ منه خمسة فليس له على الاول إلا خمسة، وحينئذ فلا زيادة في القيمة. وبالبسط هو أن يقسم العشرة ونصف على عشرة ونصف، فيضرب ما على الاول وهو خمسة ونصف في عشرة، فتكون خمسة وخمسين، فيأخذ من كل عشرة ونصف واحدا، فعليه خمسة وسبع وثلثا سبع، ويضرب ما على الثاني، وهو خمسة في عشرة يكون خمسين، فعليه أربعة وخمسة أسباع وثلث سبع، وذلك قيمة الحيوان من دون زيادة عليها. وإليه يرجع ما في المسالك من أنه قد يقرر هذا الوجه بطريق آخر

[ 217 ]

يسلم من محذور الزيادة في القيمة، بأن يجعل ما ذكر في الوجه من اثبات العشرة والنصف أصلا للقسمة، حتى لا يؤدي إلى الزيادة فتبسط الاجزاء آحادا، فيكون أحد وعشرون جزءا، ويقسط العشرة عليه، ليبقى التفاوت مرعيا بينهما مع السلامة من الزيادة، فيجب على الاول أحد عشر جزءا من أحد وعشرين جزءا من عشرة، وعلى الثاني عشرة أجزاء من أحد وعشرين جزءا من عشرة، فان أردت معرفة مقدار ما على كل واحد منها من العشرة تاما ضربت مجموع ما يلزم كلا منهما - وهو عشرة ونصف - في القيمة - وهو عشرة - يبلغ مائة وخمسة، وهذه الاعداد كل عشرة ونصف منهما دينار، فنصيب الاول منها خمسة وخمسون، هي خمسة دنانير وسبع وثلثا سبع، والثاني نصيبه منها خمسون هي مضروب خمسة في عشرة، فإذا أخذت من كل عشرة ونصف واحدا كان المجتمع أربعة دنانير وخمسة أسباع دينار وثلث سبع دينار، فالمجموع عشرة. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه، إذ هو مع أنه مبني على أفراد الارش عن بدل النفس فيه حيف على الثاني { أو } عليهما، كما عرفت والله العالم. وكذا القول ب‍ { الزام الاول بخمسة والثاني بأربعة ونصف } لان الجراحتين سرتا وصارتا قتلا، فعلى كل واحد نصف القيمة، إلا أن القيمة يوم الجناية الاولى عشرة ويوم الجناية الثانية تسعة، فيغرم كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنايته. { وهو } وإن كان متضمنا لدخول الارش في بدل النفس إلا أنه { تصييع } نصف { على المالك } إذ الفرض كون القيمة عشرة، وقد مات بجنايتهما، فلا وجه لسقوط شئ من قيمته. { أو } القول ب‍ { الزام كل واحد منهما بنسبة قيمته يوم جنى

[ 218 ]

عليه وضم القيمتين وبسط العشرة عليهما ف‍ } - في الفرض جمع القيمتين يصير تسعة عشر، لان قيمته يوم الجناية الاولى عشرة، ويوم الجناية الثانية تسعة، فإذا بسطت العشرة على ذلك بمعنى جعلها تسعة عشر سهما { يكون على الاول عشرة أسهم من تسعة عشر من عشرة } وعلى الثاني تسعة أسهم من تسعة عشر من عشرة. وإن شئت قسمت العشرة على نصفي القيمتين أي تسعة ونصف، فيكون خمسة منها على الاول وأربعة ونصف على الثاني. وإن أردت ايضاح ذلك ومعرفة ما على كل واحد من العشرة ضربتها في تسعة عشر تبلغ مائة وتسعين، فعلى الاول منهما مائة وعلى الثاني تسعون، ثم هذا العدد كل تسعة عشر منه بواحد، فيكون المائة خمسة دراهم مثلا وخمسة أجزاء من تسعة عشر جزءا من درهم، وهو ما على الاول، والتسعون أربعة دراهم وأربعة عشر جزءا من تسعة عشر جزءا من درهم فإذا أضيف إلى هذه الاربعة عشر جزءا ما على الاول من الاجزاء - وهي خمسة - صارت تسعة عشر، وهي درهم كامل، وإذا أضيف إلى ما على الاول من الدراهم وهو خمسة وما على الثاني وهو أربعة صار المجموع عشرة كاملة. { وهو } وإن كان يدخل فيه الارش في بدل النفس ويحصل به تمام القيمة - بل حكاه في المسالك عن الاكثر ومنهم الشيخ - إلا أنه { أيضا } يقتضي { الزام (حيف لالزام خ ل) الثاني بزيادة } على الاربعة ونصف، وقد عرفت أنه { لا وجه لها } وأنها ظلم، لانه ما جنى عليه إلا وقيمته تسعة، ودعوى أن المطلوب حفظ القيمة - فلو ألزمناهما بنصف القيمتين ضاع على المالك نصف، مع أن التلف منهما، فلابد حينئذ من تقسيط هذا النصف درهم على نسبة المالين اللذين عليهما،

[ 219 ]

وهما الخمسة والاربعة ونصف - لا محصل لها على وجه يرجع إلى القواعد الشرعية. { والاقرب أن يقال: يلزم الاول خمسة ونصف، والثاني أربعة ونصف، لان الارش يدخل في قيمة النفس، فيدخل نصف أرش جناية الاول في ضمان النصف، ويبقى عليه نصف الارش مضافا إلى ضمان نصف القيمة } يوم جنايته وهو الخمسة، فيكون عليه خمسة ونصف، وكذا الثاني يدخل نصف أرشه في ضمان النصف، ويبقى عليه نصف، مضافا إلى ضمان نصف القيمة يوم جنايته، وهو الاربعة، فيكون المجموع أربعة ونصف. وفيه أن الارش على تقدير دخوله يدخل مطلقا في بدل النفس الذي حصل منهما، فيدخل مجموع الارش اللازم لهما في بدل النفس التي اشتركا في إتلافها ودفعا البدل عوضا عنها. ولعله لذا وغيره قال المصنف: { وهذا أيضا لا يخلو من ضعف }. نعم قد يقال: إن الاول لما انفرد بالجناية على وجه لو سرى جرحه لالزم بالعشرة التي هي تمام القيمة كان عليه ذلك إلا مقدار ما شاركه الثاني فيه، وهو نصف قيمة التسعة التي هي حال جناية الثاني، ويبقى الباقي عليه، وحينئذ فلا تكون الزيادة أرشا، بل لا يكون ضمان الاول النصف، بل هو ما عدا مقدار شركة الثاني، وإنما يكون عليه النصف لو اشترك معه غيره في مبدأ جنايته، والفرض أنه مستقل بها ولم يشاركه الثاني إلا في التسعة. أو يقال: إن الزائد أرش ولكن يعتبر في حق الاول دون الثاني، لاستقلاله أولا بالجناية على وجه لا يتصور شركة من بعده معه فيما استقر في ذمته من الارش، فيجب عليه حينئذ ما نقص بجناية، وهو درهم

[ 220 ]

مثلا، مضافا إلى نصف القيمة التي هي التسعة وقت جناية الثاني، وهو أربعة ونصف، فيجتمع عليه خمسة ونصف، ولا يعتبر الارش في حق الثاني، وذلك لان جناية الاول وحدها نقصت الدرهم ثم جناية الثاني وسراية جناية الاول تعاونتا على تفويت الباقي. أو يقال: لا شركة للثاني في أصل جناية الاول بخلافه، فانه شريك مع الثاني في جنايته وفي سرايته، أما الثاني فواضح، لانه الفرض، وأما الاول فلان صيرورة القيمة ثمانية باعتبار كونها ذات جرحين، لا خصوص جرح الثاني مع قطع النظر عن كونه ثانيا صيرها كذلك، فمن هنا كان على الاول زيادة على الثاني، سواء قلنا بدخول الارش وعدمه. أما على الاول فلان الاول يضمن سراية جرحه على قيمة مبدئها، وليس هو نصفا، لانه لا شريك له في مبدئها، بل هو ما عدا مقدار الشركة، وهو نصف التسعة التي هي القيمة في مبدأ جناية الثاني الذي قد عرفت شركة الاول معه في سبب نقص القيمة إلى ثمانية. وأما على تقدير عدم دخول الارش فلما عرفت من أن الارش على الثاني - وهو الدرهم - يشاركه الاول، لان نقصان القيمة إلى الثمانية باعتبار كون الجرح ثانيا، ولا يكون كذلك إلا بملاحظة الاول، ولا يجدي الزام الاول بالارش بعد فرض عدم اندمال الجرح الذي هو أيضا له مدخلية في نقصانها إلى الثمانية، ومن هذه الجهة كان عليهما نصف الثمانية ونصف أرش جناية الثاني. ولعل ما في المسالك اشارة إلى بعض ما ذكرناه، خصوصا جوابه أخيرا عما أورد على هذا الوجه بأنه إنما شارك في جنايته على ما قيمته عشرة، فكيف يلزم بزيادة عن خمسة ؟ قال: " فان التسوية بينهما إنما تتجه إذا اشتركا في مبدأ الجناية، أما إذا انفرد الاول بزيادة لم يقدح

[ 221 ]

ذلك في تفاوتهما ووجوب أزيد من النصف عليه، لانه شارك في تسعة واختص بواحد، وهو واضح ". وكذا الاردبيلي فانه قال بعد أن ذكر الاحتمال المزبور: " وهذا الاحتمال لا يخلو من قوة، وليس مبنيا على اخراج أرش جناية الاول وادخال الثاني، بل على أنه ما كان للاول شريك إلا بعد أن صيره تسعة مع شركته في قتله وإتلافه بالكلية، وما كان له شريك قبل التسعة وليس النقصان على المالك معقولا، ولا على الثاني أكثر من جنايته، وهو اتلاف نصف التسعة، فلا يكون إلا على الاول ما فعله مستقلا وما شارك، ولانه المبتدئ، ولامكان أن يكون لفعله تأثير في القتل أكثر من الثاني، لانه صار شريكا بعد بعض التأثير، فكأنه أتلف بعضه وميته ثم صار هذا شريكا له، أو كأنه فعل أكثر من اتلاف نصف العشرة فانه كان مستقلا إلى أن صارت تسعة، وفيها حصل له شريك " إلى آخره. وإن كان ما قررناه أوضح. وعلى كل حال فهو الاقوى في النظر وفاقا لظاهر جماعة. هذا ولا يخفى عليك أنه لا فرق في الاحتمالات المزبورة بين جناية الاجنبي والمالك { و } حينئذ ف‍ { - لو كانت إحدى الجنايتين من المالك سقط ما قابل جنايته، وكان له مطالبة الآخر بنصيب جنايته } الذي فيه الاحتمالات المزبورة. بل في المسالك جريانها أيضا في مسألة الصيد، قال: " إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى ما يجب على الجاني الثاني على الصيد الذي قد أثبته الاول، ونقول: أيما حكم به من هذه الاوجه على الاول يسقط ويلزم للاول ما يقابل جنايته، كما لو كانت إحدى الجنايتين من المالك على عبده والاخرى من غيره ".

[ 222 ]

قلت: قد عرفت أن المصنف في مسألة الصيد قد استظهر التفصيل بين إدراك المالك التذكية وعدمه، ففي الاول يغرم الثاني نصف قيمته معيبا وفي الثاني كمال قيمته معيبا، وفي الدابة جعل الاقرب ما سمعته من غير اشارة إلى التفصيل المزبور ثم ضعفه، وإن كان ما ذكره هنا من الاقرب ينطبق على ما ذكره في الصيد مع الاهمال، وكذا سمعت ما ذكره في المسالك هناك وما قلناه عليه، كما أنك سمعت ما حكيناه عن الدروس، فلاحظ وتأمل. هذا وفي القواعد " ولو ترتب الجرحان أي من الصائدين وحصل الازمان بالمجموع فهو بينهما، وقيل: للثاني، فعلى الاخير لو عاد الاول فجرحه فالاولى هدر والثانية مضمونة، فان مات بالجراحات الثلاث وجب قيمة الصيد وبه جراحة الهدر وجراحة المالك، ويحتمل ثلث القيمة وربعها ". قلت: كأن وجه احتمال كونه للثاني ما قدمناه سابقا من كون السبب فعل الثاني الذي حصل الجمع والضم اللذين سببا الاهلاك، وفعل الاول حينئذ من قبيل الشرط أو المعد، وحينئذ فيختص الضمان بالاول الذي هو جرحه ثالثا، لكن يقوم عليه، وبه الجراحتان السابقتان، وهذا كله مؤيد لما ذكرناه من الاحتمال فيما ذكره المصنف أولا من الاحتمالات. بل لعل ما ذكره أيضا في المسألة { الرابعة: } كذلك أيضا، وهي { إذا كان الصيد يمتنع بأمرين كالدراج والقبج يمتنع بجناحه وعدوه فكسر الرامي جناحه ثم كسر آخر رجله قيل }

[ 223 ]

والقائل الشيخ في محكي المبسوط: { هو لهما } لاشتراكهما في المجموع الذي هو السبب في إثباته. { وقيل: } هو { للاخير، لان بفعله تحقق الاثبات، والاخير قوي } إذ لا يخفى عليك أن المسألة كالجرحين المترتبين، ولذا قال في المسالك في آخر المسائل: " وبقى من أحوال المسألة ما لو ترتب الجرحان وحصل الازمان بمجموعهما فهو بينهما، وقيل: هو للثاني، وقد تقدم توجيه القولين فيما لو كان الصيد ممتنعا بأمرين فأبطل أحدهما أحدهما والآخر الآخر ". وهو ظاهر في اتحاد مدرك المسألتين، لكن الانصاف إمكان الفرق بصدق اسم بقاء الامتناع على الصيد فيستقل بأخذه الثاني ويكون الاول حينئذ له كالمعين بخلاف الجرحين الساريين، والله العالم. المسألة { الخامسة: } { لو رمى الصيد اثنان } مثلا دفعة { فعقراه ثم وجد ميتا } حل بلا خلاف ولا اشكال، لان كلا منهما أصابه حال امتناعه، فيكفي ذلك في تذكيته، سواء استند موته إليهما أو إلى أحدهما معينا أو مشتبها، وكذا لو كانا متعاقبين والثانى هو الذى أثبته وقتله، لان موته حصل بالجرح الواقع حال امتناعه { ف‍ } يكون تذكيته له. بل هو كذلك أيضا { إن } لم يعلم وقد { صادف } الرمي { مذبحه فذبحه } على وجه جامع لشرائط الذباحة { فهو حلال } أيضا { وكذا إن أدركا } ذكات‍ { - ه أو أحدهما فذكاه }. { فان } لم يصب مذبحه و { لم تدرك ذكاته ووجد ميتا لم يحل،

[ 224 ]

لاحتمال أن يكون الاول أثبته ولم يصيره في حكم المذبوح فقتله الآخر وهو غير ممتنع } فيكون ميتة، لانه في هذه الحال لا يحله إلا الذبح، وأولى من ذلك ما لو علم أن الاول أثبته والثانى خاصة قتله أو هو مع الاول، لما عرفت من صيرورته غير ممتنع باثبات الاول، فلا يحله إلا الذبح، كما هو واضح. هذا كله من حيث الحل والحرمة، وأما حكمه من حيث الملك فقد عرفته سابقا وتعرفه أيضا، والله العالم. المسألة { السادسة: } { ما يقتله الكلب بالعقر يؤكل } بلا خلاف { و } لا اشكال، كما أنه لا خلاف في أنه { لا يؤكل ما يقتله بصدمه أو غمه أو إتعابه } اقتصارا في الخروج عن أصل عدم التذكية على المنساق والمتيقن، وهو الازهاق بالعقر الذي هو المراد بالامساك في الآية (1) وغيرها الذي لا ريب في عدم صدقه على الاخير، بل في كشف اللثام أن الاول داخل في الموقوذة، والثانى في المنخنقة، وفي النبوي (2) " ما اهريق الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا " بل يمكن إرادة الادماء من إمساك الجوارح إن كان الاشتقاق من الجرح بمعناه لا بمعنى الكسب. وكذا لو اشتبه سبب موته، لاحتمال كونه سبب غير محلل، ومن ثم حكم بتحريمه على تقدير أن يغيب عن عين المرسل ما لم يعلم استناد موته إلى العقر المحلل استصحابا لحكم التحريم إلى أن يثبت الناقل عن الاصل، والله العالم.


(1) سورة المائدة: 5 الآية 4. (2) سنن البيهقي - ج 9 ص 247 وفيه " ما انهر الدم... ".

[ 225 ]

المسألة { السابعة: } { لو رمى صيدا فظنه كلبا أو خنزيرا أو غيره مما لا يؤكل فقتله فبان صيدا لم يحل } بلا خلاف أجده فيه، بل ادعى بعض الناس الاجماع عليه، لانسياق قصد الصيد المحلل من إطلاق الادلة الذي خرج به عن أصل عدم الحل وعدم التذكية. { وكذا لو رمى سهما إلى فوق } عبثا أو لقصد غير الصيد { فأصاب صيدا } لم يحل { وكذا لو مر بحجر ثم عاد فرماه ظانا بقاؤه فبان صيدا، وكذا لو أرسل كلبا ليلا } مثلا لغرض غير الاصطياد { فقتل } لم يحل أيضا { لانه لم يقصد الارسال } للصيد { فجرى مجرى الاسترسال } إلى غير ذلك من الامثلة المجردة عن قصد الصيد، إنما الكلام في تحققه مع عدم العلم بالصيد أو عدم مشاهدته ولو مع ظنه، وقد تقدم البحث في ذلك مفصلا. نعم قد يظهر من المصنف وغيره اعتبار قصد صيد الحيوان المأكول. وفيه أنه مع الاكتفاء بقصد أصل الصيد وقلنا باباحة اصطياد غير المأكول من السباع ونحوها وإن لم يجد ذلك إلا في الطهارة يتجه حال ما صاده بقصد كونه غير المأكول فبان مأكولا وطهارة ما صاده بظن أنه مأكول فبان غير مأكول مما يصح تذكيته بالصيد، لحصول الشرط الذي هو قصد الصيد، ولا يعتبر فيه التعيين، ولذا يحل لو قصد معينا فصاد غيره. ويمكن حمل كلام المصنف وغيره على إرادة ما لا يذكيه الاصطياد من غير المأكول، إذ لا قصد فيه للصيد المحلل، بل هو كقصد صيد

[ 226 ]

الكلب والخنزير والآدمي ونحوها، أو يقال: إن أدلة التذكية الصيدية ظاهرة في المأكول، وغير المأكول إنما صح تذكيته بالصيد للخبر الوارد في السباع (1) الظاهر في تعيينها وقصدها، فيبقى غيره على أصالة عدم التذكية في الصورتين، ولكنه كما ترى، ضرورة ظهور الخبر المزبور في كون تذكيتها على حسب غيرها من الصيد. هذا وقد تقدم تحقيق الحال في اعتبار المشاهدة أو العلم أو الظن في حل الصيد، أو في تحقق قصد الصيد، أو في صدق ذكر اسم الله عليه وعدمه، وقد قلنا: إن ظاهر الادلة عدم الاعتبار أصلا، وحينئذ يتحقق صدق الصيد وذكر الاسم مع الاحتمال فضلا عن الظن أو العلم غير المشاهدة، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا مع أصالة عدم التذكية، والله العالم. المسألة { الثامنة: } { الطير إذا صيد مقصوصا لم يملكه الصائد } بلا خلاف أجده فيه، لظهور النصوص في اعتبار حل صيده ملك جناحيه، قال الصادق (عليه السلام) في الموثق (2): " إذا ملك الطائر جناحه فهو لمن أخذه ". وفي خبر اسماعيل بن جابر (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قلت له: الطائر يقع على الدار فيؤخذ أحلال هو أم حرام لمن أخذه ؟ قال:


(1) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الصيد - الحديث 6 - 2.

[ 227 ]

يا اسماعيل عاف هو أو غير عاف ؟ قلت: وما العافي: قال: المستوي جناحاه المالك جناحيه يذهب حيث شاء، قال: هو لمن أخذه حلال ". وفي خبر السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الطائر إذا ملك جناحيه فهو صيد، وهو حلال لمن أخذه ". ونحوه موثق اسحاق بن عمار (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بصيد الطير إذا ملك جناحيه ". نعم هي ظاهرة في حله مع ملك جناحيه وإن لم يعلم إباحته، بل وإن كان فيه أثر يدل على اليد المقتضية ملكيته، بل وإن علم أنه مملوك لم يعرف صاحبه، بل لعله صريح صحيح زرارة (3) المروي عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب جميل بن دراج عن زرارة عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في رجل صاد حماما أهليا، قال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه ". بل هو أيضا ظاهر ما استطرفه من جامع البزنطي عن اسحاق بن عمار (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الطير يقع في الدار فنصيده وحولنا حمام لبعضهم، فقال: إذا ملك جناحه فهو لمن أخذه، قال: قلت: يقع علينا فنأخذه وقد نعلم لمن هو، قال: إذا عرفته فرده على صاحبه ". وصحيح أحمد بن محمد بن أبى نصر (5) " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير يساوي دراهم كثيرة وهو مستوي


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 37 - من أبواب الصيد - الحديث 3 - 4 - 5 - 6. (5) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 228 ]

الجناحين فيعرف صاحبه أو يجيئه فيطلبه من لا يتهمه، فقال: لا يحل له إمساكه، يرده عليه، فقلت له: فان صاد ما هو مالك لجناحيه لا يعرف له طالبا، قال: هو له ". وموثق محمد بن الفضيل (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن صيد الحمامة يسوى نصف درهم أو درهما، قال: إذا عرفت صاحبه فرده عليه، وإن لم تعرف صاحبه وكان مستوى الجناحين يطير بهما فهو لك ". ومرسل الصدوق (2) قال: " قال: الطير إذا ملك جناحيه فهو لمن أخذه إلا أن يعرف صاحبه، فيرده عليه ". قال: " ونهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن صيد الحمام بالامصار " (3). وفي خبر النوفلي عن السكوني (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): للعين ما رأت ولليد ما أخذت ". وجميعها ظاهر فيما قلناه وإن اختلفت جهة الظهور فيها. ولا ينافي ذلك ما تقدم سابقا من عدم خروج الصيد المملوك بامتناعه، لامكان القول بصحة تملك خصوص الطير المستوي الجناحين وإن كان مملوكا، كلقطة ما دون الدرهم وفي المفازة، بل يمكن القول بجريان حكم الصيد عليه في التذكية أيضا. بل لعل في النصوص المزبورة إيماء إلى ذلك، خصوصا مع تأييدها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الصيد - الحديث 2 - 3 - 4. (4) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 229 ]

بما تقدم من اجراء التذكية الصيدية في الحيوان الاهلي إذا توحش أو امتنع، لكن ظاهر الاصحاب خلاف ذلك، وأن الطير كغيره من الاموال المملوكة التي يجري عليها حكم الالتقاط ونحوه. بل ظاهر قول المصنف والفاضل في القواعد وغيرهما: { وكذا مع كل أثر يدل على الملك } أن عدم حل صيد المقصوص باعتبار كون القص أثر يقتضي الحكم بأنه مملوك، وليس من المباح الذي يجري عليه حكم الصيد، لا من حيث كونه غير مستوي الجناحين، ولذا ألحقوا به كل أثر يدل على اليد المزبورة من شد خيط ونحوه في رجله أو في عنقه أو في جناحه، قال في الدروس: " وكل صيد عليه أثر الملك كقص الجناح لا يملكه الصائد وكذا غيره ". بل ظاهرهم ذلك وإن كان القص لا يمنعه من الطيران، نعم تأمل المقدس الاردبيلي في دلالة ذلك ونحوه على التملك، لان أقصاه الدلالة على أنه كان في يد انسان، وهو أعم من الملكية، إلا أن يثبت أن ذلك مملك على كل حال، وهو غير ظاهر بناء على اشتراط القصد في تملك المباح وعدم الغفلة أو عدم قصد عدم التملك أو الاخذ والتصرف بقصد التملك، وليس في الاثر المزبور دلالة على ذلك، بل يمكن كون القص بآلة من دون مباشرة أحد إلى غير ذلك مما ذكره مما هو مناف لظاهر الاصحاب. بل في المسالك التصريح بعدم اعتبار هذه الاحتمالات، قال: " في حكم المقصوص أن يكون مقرطا أو مخضوبا أو موسوما، لدلالة هذه الآثار على أنه كان مملوكا وربما أفلت، فيستصحب حكم الملك ولا ينظر إلى احتمال فعل ذلك به عبثا من غير قصد التملك، لان الاثر يدل على اليد، واليد يحكم لها بالملك ولو لم يعلم سببه، بل وإن احتمل عدم صحة

[ 230 ]

السبب، وكذا لا ينظر إلى احتمال أنه اصطاده محرم وفعل ذلك به ثم أرسله فانه تقدير بعيد. وفي الرياض " أن حاصل ذلك يرجع إلى ترجيح الظاهر في هذه المسألة على أصالة الاباحة، وعدم الحكم بمالك له بالكلية، وهو وإن كان خلاف التحقيق إلا في موارد مخصوصة إلا أنه يمكن استفادته من الصحيح السابق (1) حيث اكتفي فيه بالملك لمن يدعيه بمجرد دعواه الغير معلوم أنها صادقة أم كاذبة بعد أن ذكر أنه ليس المدعي محل التهمة، ولا ريب أن تلك الدعوى بمجردها ولو قرنت بعدم اتهام مدعيها لا تفيد سوى الظهور والمظنة، ولعل المظنة الحاصلة من ترتب اليد بكونه مع النية أقوى من المظنة الحاصلة بمجرد الدعوى المقرونة بعدم تهمته، هذا مع أن أصالة الملك على تقدير تسليم جواز الاستناد إليها مطلقا معارضة بأصالة بقاء عدم ملك الصائد لما صاده، وبعد التعارض والتساقط يبقى إثبات ملكيته محتاجا إلى حجة أخرى عن المعارض سليمة، ولا وجود لها هنا بالكلية سوى اطلاق النصوص (2) بأنه لمن أخذه، وقد مر إلى جوابه الاشارة ". وقد ذكر سابقا " أن عدم تملك المقصوص ونحوه باعتبار الاثر الدال على ترتب اليد الموجب للملكية له بمجرده، كما عليه جماعة ودل عليه بعض النصوص المتقدمة ونحوه مضاهية في السند " للعين ما رأت ولليد ما أخذت " (3) - قال -: وأما على القول بعدم إفادته ذلك بمجرده - بل لابد معه من النية كما عليه آخرون، لاستصحاب بقاء عدم الملكية، واختصاص ما مر من النصوص بحكم التبادر بصورة مقارنة النية لترتب اليد - فكذلك، لما


(1) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الصيد - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الصيد. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب الصيد - الحديث 1.

[ 231 ]

عرفت من الظهور المستفاد من وجه اختصاص النصوص بتلك الصورة، فلا يلتفت إلى احتمالات منافية للملكية، كأن فعل ذلك به عبثا من غير قصد التملك ". وهو كما ترى لا يصلح جوابا عما تقتضيه إطلاق النصوص المزبورة الذي لولا الاجماع لكان شاملا لمعلوم الملكية. وأضعف من ذلك دعوى معارضة أصالة الاباحة بأصالة عدم تملك الصائد المقطوعة بما دل على تملكه لما يصيده كتابا (1) وسنة (2) المقتصر في الخروج منه على المملوك خاصة لا غيره، فلا يقدح احتمال كون الطير مملوكا ولو لكونه متكونا من بيض مملوك أو غير ذلك مما لا ينافي اطلاق الادلة المزبورة الذي مقتضاه عموم الحل إلا للمملوك لا خصوص المباح منه، ومع التسليم فلا ريب في صلاحية الاصل لتنقيح ذلك، وإلا لم يحل الصيد أصلا، لاستحالة العلم بكونه مباح الاصل أو تعسره، كما هو واضح. وأضعف من ذلك ما ذكره من الاستفادة من الصحيح المزبور التي لا ترجع إلى حاصل يصلح لان يكون دليلا شرعيا بعد تسليم العمل بما في الصحيح المزبور من وجوب الدفع بمجرد الدعوى التي لا تهمة فيها إذا لم يحصل العلم منها، وربما أمكن إرادة ذلك من الصحيح، خصوصا مع فرض كون المراد من العلم الذي عليه المدار الطمأنينة. وبذلك كله يتجه الاخذ باطلاق الادلة، خصوصا مع احتمال عدم اليد أو احتمال كونها غير صالحة للملك باحرام أو ارتداد فطري أو نحوهما إلا إن ظاهر من تعرض للحكم هنا ممن وقفنا على كلامه عدم الفرق بين الطير وغيره، وبين القص وغيره من الآثار التي تدل على حصول اليد المقتضية


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 - 4 وغيرها - من أبواب الصيد.

[ 232 ]

للملك، وبين ملك الجناح وعدمه مع فرض عدم الاثر، ولذا قال في كشف اللثام في شرح عبارة الفضل: " لو كان مالكا جناحه أو ساقطه ولا أثر عليه لملك فهو لصائده ". وكذا قول المصنف في مقابل ذي الاثر: { وإن كان مالكا جناحه فهو لصائده إلا أن يكون له مالك } ولو مجهولا، فيكون لقطة وعلى هذا لو انتقلت الطيور من برج إلى آخر لم يملكها الثاني } مع فرض أنها كانت مملوكة لذي البرج الاول. وبالجملة لا فرق عندهم بين الطير وغيره من الصيد، إن كان فيه أثر يدل على اليد جرى عليه حكم اللقطة، وإلا كان لآخذه، وهو إن تم إجماعا كان هو الحجة التي يمكن تنزيل النصوص المزبورة عليه، وإلا كان المتجه ما سمعت. وبيض الطير تبع للانثى، فمع فرض وجود المالك لها يكون ملكا له كغيره من الحيوانات غير الآدمي. ولو كان الحمام المتحول من برج إلى آخر مباحا ففي دخوله في ملك صاحب البرج ما تقدم من الكلام فيما إذا عشش في داره طائر، نعم في المسالك أن البرج أولى بالملك من ذلك، لانه يقصد لذلك، وقد عرفت أن المدار على صدق الحيازة والدخول تحت اليد والقبضة. ولو شك صاحب البرج في أن الحمام الداخل من المباح أو ملك الغير ولا أثر لليد عليه فهو أولى به، لاطلاق الادلة، نعم في المرسل (1) النهي عن حمام الامصار، ويمكن حمله على الكراهة أو على المعلوم أن له مالكا. ولو علم اختلاط ملك الغير بملكه فان كان محصورا اجتنب الجميع حتى يصالح، وكذا في الاجتناب لو اختلط المملوك للغير بالمباح وكان


(1) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الصيد - الحديث 4.

[ 233 ]

محصورا. نعم إن لم يكن محصورا جاز، وفي المسالك " ومن هذا الباب ما لو انثالت حنطة انسان على غيره أو انصب مائع في مائع وجهل المقدار فالحكم كما ذكر في اختلاط الحمام، والطريق التخلص بالصلح، ولو ملك انسان ماءا بالاستقاء ونحوه ثم صبه في نهر لم يزل ملكه عنه، ولكن لا يمنع الناس من الاستقاء، لانه غير محصور " قلت: لا يخفى عليك ما تقتضيه القواعد العامة في ذلك وغيره، والله العالم. المسألة { التاسعة: } قد عرفت في ما تقدم أن { ما يقطع من السمك } حال حياته { بعد } تذكيته ب‍ { - اخراجه من الماء } مثلا { ذكي، سواء ماتت أو وقعت في الماء مستقرة الحياة، لانه مقطوع بعد تذكيتها } وليس هو من الاجزاء المبانة من حي المحكوم بأنها ميتة المراد بها المقطوعة قبل تذكيته، كما هو واضح، والله العالم. المسألة { العاشرة: } { إذا أصابا صيدا دفعة فان } تساويا في سبب الملك بأن { أثبتاه فهو لهما } وفي المسالك " وذلك بأن يكون كل واحد منهما مذففا أو مزمنا لو انفرد، وكذا لو كان أحدهما مزمنا لو انفرد بأن كسر الجناح والآخر مذففا لو انفرد، لان كل واحد من المعنيين يثبت الملك، ولا

[ 234 ]

فرق بين أن يتفاوت الجراحتان صغرا وكبرا أو يتساويان، ولا بين أن يكون في غير المذبح أو فيه أو أحدهما فيه والآخر خارجه ". قلت: لا فرق بين أن يكون جرح كل منهما كذلك { و } عدمه بعد استناد الاثبات إلى مجموعهما الذي هو سبب الملك، إذ الفرض كونهما دفعة. نعم { لو كان أحدهما جارحا والآخر مثبتا فهو للمثبت } منهما { ولا ضمان على الجارح، لان جنايته لم تصادف ملكا لغيره }. { ولو } اشتبه الحال بأن { جهل المثبت منهما } بعد العلم بأنه أحدهما { ف‍ } - عن بعض { الصيد بينهما } ظاهرا، لاتحاد نسبتهما إليه واستحالة الترجيح من غير مرجح، وإن كان الاحوط أن يستحل أحدهما من الآخر. { و } لكن { لو قيل يستخرج } المثبت منهما الذي هو المالك { بالقرعة كان حسنا } لان الفرض العلم بكونه أحدهما، ولا قاعدة شرعية تقتضي الاشتراك أو التعيين، فيكون من المشكل الذي له القرعة. هذا وعلل في المسالك احتمال القرعة في الفرض بأنا لا نعلم أن أحدهما أثبته دون الآخر، والاشتراك يوجب تمليك من ليس بمقطوع الملك، والقرعة لكل أمر مشكل، وهذا أولى، ولو علمنا أن أحدهما المذفف وشككنا في الآخر هل له أثر في الازمان والتذفيف أم لا ؟ فالوجهان، وأولى بالقرعة هنا، لان ملك المذفف معلوم دون غيره. قلت: لا يخفى عليك ما فيه من عدم موافقة مفروض المتن للتعليل المزبور، نعم هو موضوع آخر كما ذكره في القواعد، قال: " ولو أصاباه دفعة وكان أحدهما مزمنا أو مذففا دون الآخر فهو له، ولا ضمان على الآخر، وإن احتمل أن يكون الازمان لهما أو لاحدهما فهو لهما، ولو

[ 235 ]

علمنا أن أحدهما مذفف وشككنا في الثاني للمعلوم النصف والنصف الآخر موقوف على التصالح، ولو أثبته أحدهما وجرحه الآخر فهو للمثبت، ولا شئ على الجارح، ولو جهل المثبت منهما اشتركا، ويحتمل القرعة ". وفي كشف اللثام في شرح قوله: " على التصالح " قال: " أو يتبين الحال، للاشكال، وقد يقال: يكون بينهما نصفين، فيكون للاول ثلاثة أرباعه وللثاني ربعه، كمتداعيين في نصف عين بيد ثالث مع الاتفاق على تفرد أحدهما بالنصف الآخر وتعارض البينتين ". قلت: لا يخفى ما فيه، كما لا يخفى عليك ما تقتضيه القواعد العامة في ذلك، والله العالم.

[ 236 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. كتاب معرفة أحكام الاطعمة والاشربة التي هي من المهمات للانسان باعتبار كونه جسدا لا يمكن استغناؤه عنهما، قال الله تعالى (1): " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام " مع التوعد الشديد كتابا وسنة على تناول المحرم منهما، حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2): " أي لحم نبت على الحرام فالنار أولى به " ومن المعلوم المقرر في الاصول أن العقل والشرع تطابقا على أصالة الاباحة والحل في تناول كل ما لم يعلم حرمته من الشرع ولو لاشتماله على ضرر في البدن من المأكول والمشروب. قال الله تعالى شأنه (3) في مقام الامتنان على عباده: " هو الذي


(1) سورة الانبياء: 21 - الآية 8. (2) مجمع الزوائد ج 10 ص 291 وفيه " أيما عبد نبت لحمه من سحت.. ". (3) سورة البقرة: 2 - الآية 29.

[ 237 ]

خلق لكم ما في الارض جميعا " وقال: " يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا " (1) " قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " (2). وقال الصادق (عليه السلام) (3): " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي ". وقال (عليه السلام) أيضا (4): " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الاصول في مقابل القول بأن الاشياء على الحظر أو الوقف. نعم قال الله تعالى (5): " ويسألونك ما إذا أحل لهم، قل: أحل لكم الطيبات " والطيب وإن أطلق على الحلال كقوله تعالى (6): " كلوا من طيبات ما رزقناكم " - ويقابله إطلاق الخبيث على الحرام في قوله تعالى (7): " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " - وعلى الطاهر في قوله تعالى (8): " فتيمموا صعيدا طيبا " وعلى ما لا أذى فيه في النفس والبدن، كما يقال: زمان طيب، أي لا أذى فيه من حر أو برد إلا


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 168. (2) سورة الانعام: 6 - الآية 145. (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 60 من كتاب القضاء. (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (5) سورة المائدة: 5 - الآية 4. (6) و (7) سورة البقرة: 2 - الاية 172 - 267. (8) سورة النساء: 4 - الآية 43.

[ 238 ]

أن الاولين غير مرادين هنا، ضرورة عدم الفائدة في الجواب على الاول منهما، بل وعلى الثاني الذي هو توقيفي من الشارع، بل في المسالك ولا الثالث، لان المأكول لا يوصف به وإن كان فيه منع واضح. ثم قال: " فتعين أن يكون المراد ردهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه، فردهم إلى عادتهم وما هو مغرز في طبائعهم، ولان ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفا، وسيأتي في الاخبار ما ينبه عليه، والمراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الاوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي وذوي الاضطرار من جفاة العرب، فانهم يستطيبون ما دب ودرج، كما سئل بعضهم عما يأكلون فقال: كل مادب ودرج إلا أم جنين، فقال بعضهم: لتهن أم جنين العافية لكونها أمنت أن تؤكل ". وفيه أن أكلهم ذلك لا يقتضي استطابتهم له. ومنه يعلم ما في مجمع البرهان قال: " معنى الخبيث غير ظاهر، إذ الشرع ما بينه، واللغة غير مرادة، والعرف غير منضبط، فيمكن أن يقال: المراد عرف أوساط الناس واكثرهم حال الاختيار من أهل المدن والدور لا أهل البادية، لانه لا خبيث عندهم، بل يستطيبون جميع ما يمكن أكله، فلا اعتداد بهم " بل ربما نوقش أيضا بأنه إن أراد إحالة التنفر والاشمئزاز إلى عرفهم فهو إنما يتم لو علم أنه معنى الخباثة وهو بعد غير معلوم، وإن أراد إحالة الخباثة إلى غيرهم فلا عرف لها عند غير العرب، لانها ليست من لغتهم ولم يتعين مرادفها في لغتهم. هذا مع أن طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضا مختلفة في التنفر وعدمه جدا، كما لا يخفى على من اطلع على أحوال سكان بلاد الهند والترك والافرنج والعجم والعرب في مطاعمهم ومشاربهم، ولذا خص بعض بعرف

[ 239 ]

بلاد العرب، وهو أيضا غير مفيد، لان عرفهم في هذا الزمان غير معلوم مع أنه لو كان مخالفا للغة لم يصلح مرجعا، وكذا عرفهم في زمان الشرع. وبالجملة لا يتحصل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطا يرجع إليه، فيجب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعا، كفضلة الانسان، بل فضلة كل ما لا يؤكل لحمه من الفضلات التحتية المنتنة، وكالميتات المتعفنة ونحوها، والرجوع في البواقي إلى الاصل الاول، ولا يضر عدم حجية بعض العمومات المبيحة للاشياء لتخصيصها بالمجمل، إذ الاصل العقلي والشرعي في حلية ما لم يعلم حرمته كاف في المطلوب. وربما يؤيد ذلك بأن عقاقير الادوية المركبة تنفر عنها غالب الطباع وتشمئز منها أكثر النفوس مع أنها ليست خبيثة عرفا ولا محرمة شرعا، بل ربما كان عدم الاعتياد سببا في تنفر الطبع، كما في الجراد الذي تنفر عنه طباع العجم دون العرب، وكالحية والفأرة والضب ونحوها التي تنفر عنها طباع أهل المدن دون أهل البادية، وربما كانت الحرمة الشرعية سببا في ذلك كالخنزير الذي يستطيبه النصارى دون المسلمين. إلا أنه لا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة كون المراد من الخبيث الذي هو عنوان التحريم هو ما يستخبثه الانسان بطبعه السليم من آفة من حيث ذاته وينفر منه ويشمئز منه، من غير فرق بين العرب والعجم وأهل المدن والبادية وزمان اليسار وغيره، إذ هو معنى قائم في المستخبث لا يختلف باختلاف الازمنة والامكنة والناس، ويقابله الطيب الذي هو كذلك، فلا عبرة بنفرة بعض الطباع، لعدم تعود أو لعدم ملائمة لخصوص ذلك الطبع أو لغير ذلك مما يكون سببا للنفرة لا من حيث الطبع الانساني المشترك بين غالب أفراده. أو يقال: إن المراد بيان سهولة هذه الملة وسماحتها وعدم الحرج

[ 240 ]

فيها وعدم التكليف الابتلائي فيها، كما اتفق لبني اسرائيل الذين حرم عليهم بعض الطيبات بسبب أفعالهم، وإن المحرم فيها الخبائث، والمحلل فيها الطيب لتشتد الرغبة في الدخول فيها، قال المفضل (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): لم حرم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك عباده وأحل لهم ما سواه من رغبته منه فيما حرم عليهم ولا زهد فيما أحل لهم، ولكنه خلق الخلق، فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم، بأحله لهم وأباحه تفضلا منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر وأحل له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره أن يتناول منه بقدر البلغة لا غير ذلك - ثم قال -: أما الميتة فانه لا يدمنها أحد إلا ضعف بدنه ونحل جسمه ووهنت قوته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلا فجأة، وأما الدم فانه يورث أكله الماء الاصفر، ويبخر الفم ويورث الكلب والقسوة في القلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يؤمن على حميمه، ولا يؤمن على من يصحبه وأما لحم الخنزير فان الله تبارك وتعالى مسخ قوما من صور شتى مثل الخنزير والقرد والدب وما كان من المسوخ، ثم نهى عن أكل المثلة (عن أكل الثلاثة خ ل عن أكله مثله خ ل) لكيلا ينتفع الناس به، ولا يستخفوا بعقوبته، وأما الخمر فان الله حرمها لفعلها وفسادها، وقال: مدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش، ويذهب بنوره، ويهدم مروته، ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على محرمه وهو لا يعقل ذلك، والخمر لا يزداد شاربها


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 241 ]

إلا شرا " إلى غير ذلك من النصوص (1) الواردة في بيان علل تحريم ما حرمه عليهم. ولذا ورد (2) أنه " سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عند ذلك عما أحل لهم، فقال: أحل لكم الطيبات كما حكاه الله تعالى شأنه بقوله (3): يسألونك ماذا أحل لهم قل: أحل لكم الطيبات وما علمتم " إلى آخرها. وحينئذ يكون الحاصل أن المراد بيان أن الذي حرمه عليهم من الخبائث بخلاف ما أحله لهم، فانه من الطيبات، لا أن المراد جعل ذلك عنوانا للحل والحرمة حتى يشكل باختلافه باختلاف الناس ويرمى لذلك بالاجمال. { و } على كل حال ف‍ { - النظر فيه } أي الكتاب المزبور { يستدعي بيان أقسام ستة: } { الاول: } { في حيوان البحر } { ولا يؤكل منه إلا ما كان سمكا } أو طيرا بلا خلاف أجده فيه بيننا، كما اعترف به في المسالك، بل عن الخلاف والغنية والسرائر والمعتبر والذكرى وفوائد الشرائع الاجماع عليه، وهو الحجة بعد تبينه على


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) الدر المنثور - ج 2 ص 259. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 4.

[ 242 ]

وجه يمكن دعوى تحصيله، وإن وسوس فيه بعض متأخري المتأخرين لاختلاف الطريقة. مضافا إلى عموم ما دل على حرمة الميتة (1) بناء على إرادة مطلق ما فارقته الروح منها، أو على أن الاصل عدم حصول التذكية الشرعية المسوغة للاكل في كل ما شك فيه من الحيوان. وإلى ما عساه يظهر من موثق الساباطي (2) المسؤول فيه عن الربيثا فقال: " لا تأكله فانا لا نعرفه في السمك يا عمار " ولا يقدح في حجية العلة فيه عدم العمل في مورده باعتبار معارضته بما هو أقوى منه مما يدل على كونه من السمك (3). وبذلك كله ينقطع أصل البراءة والاباحة، بل ويخص عموم حل الصيد الشامل لما عدا السمك وما دل على حل الازواج الثمانية وغيرها من الكتاب والسنة. بل قد يقال بتبادر السمك خاصة من الاول ولو لكونه المعهود صيده من البحر والمذكور في مقام الامتنان على العباد بقوله (4): " لحما طريا " خصوصا بعد ملاحظة اقتضاء إرادة العموم منه حل كثير من حيواناته المحرمة إجماعا وكتابا وسنة (5) للضرر أو الخباثة أو غيرهما على وجه يكون الخارج أكثر من الداخل. بل لعل الثاني أيضا منصرف، للتبادر وغيره إلى حيوان البر خاصة،


(1) سورة المائدة: 5 الآية 3. (2) و (3) الوسائل - 12 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 - 0. (4) سورة النحل: 16 - الآية 14. (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 243 ]

والمرسل (1) " كل ما كان في البحر مما يؤكل في البر مثله فجائز أكله، وكل ما كان في البحر مما لا يجوز أكله في البر لم يجز أكله " - مع خروجه عن الحجية فضلا عن قصوره عن المعارضة - موافق للعامة، كالصحيح (2) " كل شئ في البحر ليس له قشر مثل الورق ليس بحرام، وإنما هو مكروه " والخبر (3) " عن أكل لحم الخز، قال: كلب الماء، إن كان له ناب فلا تقربه وإلا فأقربه ". وحينئذ فوسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور أو ميله إلى الحل في الجملة - بل ربما حكي عن الصدوق أيضا وإن كنا لم نتحققه - في غير محله، نعم لا خلاف بين المسلمين بل وغيرهم في حل السمك منه بل لعله من ضروري الدين. كما لا خلاف معتد به بين المؤمنين في اشتراط ذلك بأن يكون { له فلس } أي قشر كالورق { سواء بقي عليه كالشبوط والبياح أو لم يبق كالكنعت } الذي هو حوت سيئة الخلق تحتك بكل شئ فيذهب فلسها، ولذا لو نظرت إلى أصل أذنها وجدته فيه. { أما ما ليس له فلس في الاصل كالجري ففيه روايتان (4): أشهرهما } رواية { التحريم } بل هي إن لم تكن متواترة فمقطوعة المضمون باعتبار تعاضدها وروايتها في الكتب الاربعة وغيرها وتعدد كيفية دلالتها. (فمنها) في خصوص الجري نهيا وتصريحا بالحرمة أو بالكراهة (5)


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 19 - 0 -. (3) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 و 7 و 15 و 16 و 17.

[ 244 ]

المراد منها ذلك، والنهي عن بيعه (1) وضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالدرة من يفعل ذلك ونداؤه في الاسواق بذلك (2) وأن التجنب عن ذلك من شرائط محض الاسلام ومن الايمان (3) وغير ذلك من وجوه الدلالة. (ومنها) النهي عن بيع ما لا قشر له من السمك (4) الذي يظهر من النصوص (5) أنه هو علامة الحل والحرمة. (ومنها) التصريح بكونه والزمير والمارماهي من المسوخ (6) التي قد عرفت النهي عن أكلها في خبر المفضل (7) السابق وغيره (8). بل وعملا، بل عن الخلاف والغنية والسرائر الاجماع عليه، بل لعله كذلك، إذ لم نجد مخالفا إلا ما يحكى عن القاضي والشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، مع أنه في كتاب المكاسب منها جعل التكسب بالجري وغيره من السمك الذي لا يحل أكله من المحظور، بل قال في باب الحدود منها: " ويعزر إن أكل الجري والمارماهي أو غير ذلك من المحرمات، فان عاد أدب ثانية، فان استحل شيئا من ذلك وجب عليه القتل " ومقتضاه كونه من ضروري المذهب أو الدين، فليس حينئذ إلا القاضي الذي هو من أتباعه، ويمكن ارادته الحرمة من الكراهة. فمن الغريب بعد ذلك ميل بعض الناس إلى القول بالكراهة جاعلا لها وجه جمع بين الاخبار التي لا يخفى على من لاحظها إباء جملة منها


(1) و (2) و (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 11 - 3 - 5. (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9 و 10. (4) و (5) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8 و 4. (7) و (8) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 0.

[ 245 ]

لذلك، على أن الجمع بذلك فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه: منها موافقة رواية الحل للعامة التي جعل الله الرشد في خلافها، بل لا يخفى على من لاحظها الايماء فيها لذلك. قال زرارة في الصحيح (1): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجريث، فقال: وما الجريث ؟ فنعته له، فقال: لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه 2) - إلى آخرها ثم قال -: لم يحرم الله شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شئ ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام، وإنما هو مكروه ". ومحمد بن مسلم في الصحيح (3) أيضا: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجري والمارماهي والزمير وما ليس له قشر حرام هو ؟ فقال: يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الانعام: قل: لا أجد فيما أوحي قال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه، ولكن قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها ". ولهذين الصحيحين مال أو قال بعض متأخري المتأخرين إلى الحل جامعا بينهما وبين غيرهما من النصوص بالكراهة، لصحيح الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) " لا يكره شئ من الحيتان إلا الجري " وخبر حكم (5) عنه (عليه السلام) أيضا " لا يكره شئ من الحيتان إلا الجريث ". لكن عن الشيخ في كتابي الاخبار إباحة ما عدا الجري من السمك وقال: " الوجه في الخبرين المزبورين أنه لا يكره كراهة التحريم إلا


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 19 - 20 - 17 - 18. (2) سورة الانعام: 6 - الآية 145.

[ 246 ]

الجري وإن كان يكره كراهة الندب والاستحباب " وظاهره التفصيل بين الجري وغيره. ولا ريب في ضعف الجميع، للنصوص التي إن لم تكن متواترة فهي مقطوعة المضمون باعتبار كثرتها وتعاضدها وروايتها في الكتب الاربعة وغيرها في الجري وغيره مما لا قشر له. قال محمد بن مسلم في الصحيح (1) " أقرأني أبو جعفر (عليه السلام) شيئا من كتاب علي (عليه السلام) فإذا فيه أنهاكم عن الجري والزمير والمارماهى والطافي والطحال ". وقال سماعة (2): " قال الصادق (عليه السلام): لا تأكل الجريث ولا المارماهي ولا طافيا ولا طحالا، لانه بيت الدم ومضغة الشيطان ". وفي خبر حبابة الوالبية (3) " رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمار، ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني اسرائيل وصيد بني مروان، فقام إليه فرات بن آصف (أحنف ظ) فقال: ما صيد بني مروان ؟ قال: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا ". وفي خبر حنان بن سدير (4) قال: " سأل العلاء بن كامل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عنده عن الجري، فقال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) أشياء من السمك محرمة، فلا تقربه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما لم يكن له قشر من السمك فلا تقربه ". وقال الكلبي النسابة (5): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجري فقال: إن الله مسخ طائفة من بني اسرائيل، فما أخذ منهم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 5. .

[ 247 ]

بحرا فهو الجري والزمير والمارماهي وما سوى ذلك، وما أخذ منهم برا فالقردة والخنازير والوبر والورك وما سوى ذلك ". وفي الفقيه قال الصادق (عليه السلام) (1): " لا تأكل الجري ولا المارماهي ولا الزمير ولا الطافي، وهو الذي يموت في الماء، فيطفو على رأس الماء ". وباسناده عن محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام): (لا تأكل الجري ولا الطحال ". وباسناده أيضا إلى حبابة الوالبية (3) " سمعت مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنا أهل بيت لا نشرب المسكر ولا نأكل الجري ولا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستن بسنتنا ". وعن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون المروى في العيون (4) " محض الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله - إلى أن قال -: وتحريم الجري من السمك والسمك الطافي والمارماهي والزمير وكل سمك لا يكون له فلس ". وفي خبر عبيد الله المروي عن كتاب صفات الشيعة (5) عن الصادق (عليه السلام) " من أقر بسبعة أشياء فهو مؤمن: البراءة من الجبت والطاغوت، والاقرار بالولاية، والايمان بالرجعة، والاستحلال للمتعة، وتحريم الجري، والمسح على الخفين ". وخبر الاصبغ بن نباتة (6) عن علي (عليه السلام) " لا تبيعوا الجري ولا المارماهي ولا الطافي ". وخبر محمد بن مسلم (7) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12.

[ 248 ]

الجريث، فقال: والله ما رأيته قط ولكن وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) حراما ". وخبر أبي بصير (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يكره من السمك، فقال: أما في كتاب علي (عليه السلام) فانه نهى عن الجريث ". وخبر أبي سعيد (2) " خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرجنا معه نمشي حتى انتهى إلى موضع أصحاب السمك فجمعهم، ثم قال: أتدرون لاي شئ جمعتكم ؟ قالوا: لا، قال: لا تشتروا الجريث ولا المارماهي ولا الطافي على الماء، ولا تبيعوه ". وفي مرسل ابن فضال عن غير واحد من أصحابنا (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " الجري والمارماهي والطافي حرام في كتاب علي (عليه السلام) ". وفي صحيح الحلبي (4) عنه (عليه السلام) أيضا: (لا تأكل الجري ولا الطحال، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كرهه، وقال: إن في كتاب علي (عليه السلام) النهي عن الجري وعن جماع من السمك ". وفي خبر الاصبغ بن نباتة (5) عن علي (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي " أمتان مسختا من بني اسرائيل، فأما التي أخذت البحر فهي الجريث، وأما التي أخذت البر فهي الضباب ". وفي مرفوع هارون بن عبد الله إلى علي (عليه السلام) (6) " إن الجري كلمه من الماء، فقال: عرض الله علينا ولايتك فقعدنا عنها،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 13 - 14 - 15 - 16 - 22 - 23.

[ 249 ]

فمسخنا الله، فبعضنا في البر وبعضنا في البحر، فأما الذين في البحر فنحن الجراري، وأما الذين في البر فالضب واليربوع ". إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الحرمة في الجميع من وجوه كما ذكرناه، منها اعتبار القشر في الحل وعدمه في الحرمة. قال حماد بن عثمان (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الحيتان ما يؤكل منها ؟ فقال: ما كان له قشر، قلت: ما تقول في الكنعت ؟ قال: لا بأس بأكله، قال: قلت: فانه ليس له قشر، فقال: بلى ولكنها حوت سيئة الخلق تحتك بكل شئ، فإذا نظرت في أصل أذنها وجدت لها قشرا ". وفي خبر السندي عن يونس (2) قال: " كتبت إلى الرضا (عليه السلام) السمك لا يكون له قشور أيؤكل ؟ قال: إن في السمك ما يكون له زعارة فيحتك بكل شئ فتذهب قشوره، ولكن إذا اختلف طرفاه يعني ذنبه ورأسه فكل " وإن كنا لم نجد من اعتبر العلامة المزبورة لفاقد القشور، ولا بأس مع شهادة التجربة لها، ومرجعها إلى القشور أيضا. وفي خبر اسحاق صاحب الحيتان (3) قال: " خرجنا بسمك نتلقى به أبا الحسن (عليه السلام) وقد خرجنا من المدينة، وقد قدم هو من سفر له، فقال: ويحك يا فلان لعل معك سمكا، فقلت: نعم يا سيدي جعلت فداك، فقال: انزلوا، فقال: ويحك لعله زهو، قال: قلت: نعم فأريته، فقال: اركبوا لا حاجة لنا فيه " والزهو: سمك ليس له قشور. وفي خبر عمر بن حنظلة (4) " حملت الربيثا في صرة فدخلت على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 250 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته عنها، فقال: كلها، وقال: لها قشر ". وفي خبر حنان بن سدير (1) " أهدى فيض بن المختار إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ربيثا فأدخلها عليه وأنا عنده، فنظر إليها، فقال: هذه لها قشر، فأكل منها ونحن نراه) إلى غير ذلك من النصوص، مضافا إلى ما دل منها على حرمة أكل المسوخ (2) التي هي المثلة. ومع ذلك كله - مضافا إلى الشهرة العظيمة، بل هي إجماع، وإلى ما سمعته من محكي الاجماع - لا ينبغي الوسوسة في الحكم المزبور، خصوصا في مثل هذا الزمان الذي كاد يكون من ضروري المذهب. فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين فيه التي نشأت من اختلال الطريقة، وكان المنشأ لها ولامثالها ثاني الشهيدين، بل والمصنف في بعضها، حتى في مثل المقام، حيث قال: { وكذا الزمار والمارماهي والزهو، لكن أشهر الروايتين (3) هنا الكراهية } وظاهره الميل إلى التفصيل بين الجري وبين الثلاثة، بل كاد يكون صريحه في النافع، وقد سمعت ما حكيناه عن الشيخ في كتابي الاخبار. إلا أنه قد ظهر مما ذكرناه من النصوص والاجماعات وغيرها عدم الفرق بين الجميع في الحرمة التي يجب حمل ما خالفها على التقية التي هي مرجح آخر لما ذكرنا من النصوص المعتضدة بالشهرة ومحكي الاجماع { و } غيرهما. نعم لا خلاف في أنه { يؤكل الربيثا والاربيان والطمر والطبراني


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 وغيره. (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 251 ]

والابلامي } وغيرها من أصناف السمك ذي القشور، قال محمد بن الطبري (1): " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن سمك يقال له: الابلامى وسمك يقال له: الطبراني وسمك يقال له: الطمر وأصحابي ينهون عن أكله، فكتب: كله لا بأس به، وكتبت بخطي " وليس إلا لان لها قشورا وفلوسا التي هي علامة الحل، لما سمعته من النصوص (2). مضافا إلى صحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قلت له: يرحمك الله إنا نؤتى بالسمك ليس له قشر، فقال: كل ماله قشر من السمك وما ليس له قشر فلا تأكله ". وقال حماد بن عثمان (4): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الحيتان ما يؤكل منها ؟ قال: ما كان له قشر ". وفي مرسل حريز (5) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يكره الجريث ويقول: لا تأكل من السمك إلا شيئا عليه فلوس، وكره المارماهي). وفي خبري عبد الله بن سنان (6) ومسعدة (7) " كان علي (عليه السلام) بالكوفة يركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: لا تأكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر من السمك ". وفي مرسل الصدوق (8) قال الصادق (عليه السلام): " كل من السمك ما كان له فلوس، ولا تأكل ما ليس له فلس " إلى غير ذلك من النصوص التي ينبغي أن يقضي العجب بعد ملاحظتها من الوسوسة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9 - 0 - 1 - 2 - 3 - 4 - 6 - 7 - والاول عن سهل بن محمد الطبري، وفي التهذيب ج 9 ص 13 - الرقم 47 عن سهل عن محمد الطبري.

[ 252 ]

في الحكم المزبور والحمل على الكراهة التي يأباها حرص علي (عليه السلام) ونداؤه في الاسواق وضربه من يبيعها، مع أن كثيرا من لفظ الكراهة في المقام يراد منه الحرمة بقرائن عديدة في الخبر (1) المتضمن له وغيره، ومنها أنه (عليه السلام) " كان لا يكره الحلال ". وأما الربيثا فقد سمعت ما دل على حل أكلها في النصوص (2) مضافا إلى خبر محمد بن اسماعيل (3) " كتبت إلى الرضا (عليه السلام) اختلف الناس في الربيثا فما تأمرني به فيها ؟ فكتب (عليه السلام) لا بأس بها ". وخبر علي بن حنظلة (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الربيثا، فقال: قد سألني عنها غير واحد، واختلفوا علي في صفتها، قال: فرجعت فأمرت بها فجعلت ثم حملتها إليه، فسألته عنها، فرد علي مثل الذي رد، فقلت: قد جئتك بها فضحك، فأريته إياها، فقال: ليس به بأس " إلى غير ذلك من النصوص التي لا يقاومها موثق عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الربيثا، فقال: لا تأكلها، فانا لا نعرفها في السمك " بعد عدم وجود عامل به، ويمكن حمله على حيوان خارج عن اسم السمك. وأما الاربيان فلا خلاف نصا وفتوى في حله، قال يونس (6): " قلت لابي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في أكل الاربيان ؟ فقال لي: لا بأس بذلك، والاربيان ضرب من السمك ". وفي مرسل محمد بن جمهور (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 3 - 8 - 4 - 5 - 10.

[ 253 ]

" أنه سئل عن الاربيان، وقال: هذا يتخذ منه شئ يقال له: الربيثا فقال: كل، فانه جنس من السمك، ثم قال: أما تراها تقلقل في قشرها ". هذا كله في السمك { و } أما غيره من حيوان البحر ف‍ { - لا يؤكل السلحفاة } أي الرق { ولا الضفادع ولا السرطان } بل { ولا شئ من حيوان البحر ككلبه وخنزيره } وغيرهما مما عرفت، لما عرفت. وفي خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) " لا يحل أكل الجري ولا السلحفاة ولا السرطان، قال: وسألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات أيؤكل ؟ قال: ذلك لحم الضفادع لا يحل أكله ". وما في خبر أحمد بن اسحاق (2) المروي عن مكارم الاخلاق " كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله عن الاسقنقور يدخل في دواء الباه وله مخاليب وذنب أيجوز أن يشرب ؟ فقال: إذا كان له قشور فلا بأس " محمول على ارادة نفي البأس عنه إذا كان من السمك، وإلا كان مطرحا نحو ما سمعته في كلب الماء. إنما الكلام في قبول التذكية لما لا يؤكل من الحيوان البحري على وجه يخرج عن حكم الميتة، سواء كان له نفس سائلة أو لا، بناء على لحوق حكم الميتة لغير ذي النفس أيضا، قال الفاضل في القواعد: " ولو ذبح حيوان البحر مثل كلبه وفرسه وغيرهما لم يحل " وليس فيه إلا نفي الحل الذي قد عرفت المفروغية منه بالنسبة إلى جميع حيوان البحر إلا السمك والطير. لكن قال في كشف اللثام في شرح العبارة المزبورة: " ولو ذبح حيوان البحر ما يشبه منه ما لا يقبل التذكية من حيوان البر مثل كلبه


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8.

[ 254 ]

وما يشبه ما يقبلها منه مثل فرسه وما لا يشبه شيئا منهما غيرهما لم يحل أكله اتفاقا، لما مر من حرمة ما سوى السمك، ولكن جميع ذلك يقبل التذكية إن كانت له نفس سائلة حتى كلبه وخنزيره فيطهر، ويجوز استعماله في غير الاكل للعموم ". قلت: قد عرفت البحث سابقا في العموم المزبور على وجه يقطع أصالة عدم التذكية حتى في حيوان البحر وحتى ما لا يقبل التذكية شبهه في البر كالخنزير، فالوجه التوقف في ذلك. نعم قد يقال بثبوتها في كلاب الماء خاصة، للسيرة ولخصوص بعض الاخبار المتقدمة في لباس المصلي في الخز (1) أما غيره فجريان التذكية فيه لا يخلو من بحث. ولو سلم ففي خصوص ما تجري التذكية في شبهه في البر لا مطلقا أللهم إلا أن يثبت عموم يقتضي قابلية كل حيوان ذي نفس للذبح المزبور، وأنه يخرج به عن اسم الميتة، أو يقال: إن التذكية المخرجة عن اسم الميتة عرفية لا شرعية، فتقع حينئذ على كل حيوان ذي نفس، وهما معا محل للبحث، هذا كله في ذي النفس. أما غير ذي النفس فاجراء حكم التذكية عليه أشد اشكالا بناء على اجراء حكم الميتة بالنسبة إلى استعماله عليه وإن كان طاهرا، لان إلحاق تذكيته بتذكية السمك باخراجه من الماء حيا قياس، بل قد يشكل جريان حكم هذه التذكية للجري ونحوه من السمك المحرم فضلا عنه بناء على أن ثبوتها شرعا للمأكول من السمك لا مطلقه، وأشكل من ذلك إجراء التذكية الذبحية التي هي ظاهرة في ذي النفس لا مطلقا، وقد تقدم بعض الكلام


(1) راجع ج 8 ص 86 - 90.

[ 255 ]

في ذلك في لباس المصلي (1) وفي كتاب الصيد والذباحة (2) فلاحظ وتأمل واحتط، فان المسألة غير منقحة على وجه تستريح النفس في الحكم بها، والله العالم. { ولو وجد في جوف سمكة } ذكاها بأخذها حية سمكة { أخرى } فعن الشيخين وغيرهما { حلت إن كانت من جنس ما يحل، وإلا فهي حرام } ومقتضاه الحل وإن لم يعلم بحياتها حين الاخذ { وبهذا روايتان طريق أحدهما السكوني (3) } عن الصادق (عليه السلام) " إن عليا (عليه السلام) سئل عن سمكة شق بطنها فوجد في جوفها سمكة، قال: كلهما جميعا " { والاخرى مرسلة } إلا أن المرسل لها أبان الذي هو من أصحاب الاجماع عن بعض أصحابه (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: " قلت: رجل أصاب سمكة في جوفها سمكة، قال: يؤكلان جميعا ". { و } لكن { من المتأخرين } كابن إدريس والفاضل في محكي التحرير وولده والمقداد { من منع استناد إلى عدم اليقين بخروجها من الماء حية } الذي هو تذكية السمك، فتبقى على أصالة عدم التذكية التي لا يقطعها الخبران بعد الضعف والارسال وعدم الجابر وإن كان المرسل من أصحاب الاجماع كما بين في محله. { و } لكن { ربما كانت الرواية أرجح استصحابا لحال الحياة } المقطوع بها في الجملة ولو قبل ابتلاع السمكة لها إلى حين الاخذ، فيكون


(1) راجع ج 8 ص 67. (2) راجع ص 192 - 195. (3) و (4) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 - 1 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 256 ]

الخبران مؤكدين للقاعدة لا مثبتين حكما مخالفا لها، فلا يقدح عدم حجيتهما، ولعله لذا مال إليه المصنف هنا، بل هو خيرته في النافع والفاضل في القواعد. لكن لا يخفى عليك ما فيه من كون الاصل المزبور من الاصول المثبتة المعارضة باستصحاب الحرمة وبأصالة عدم حصول التذكية المتوقفة على شرط لا ينقحه الاصل، والفرض عدم حجية الخبرين، والله العالم. { ولو وجدت السمكة في جوف حية } فعن النهاية { أكلت إن لم تكن تسلخت، ولو تسلخت لم تحل } لخبر أيوب بن أعين (1) عن الصادق (عليه السلام) " قلت له: جعلت فداك ما تقول في حية ابتلعت سمكة ثم طرحتها وهى حية تضطرب آكلها ؟ قال: إن كان فلوسها قد تسلخت فلا تأكلها وإن لم تكن تسلخت فكلها " ولكنه مع قصوره ومعارضته لما دل (2) على كيفية ذكاة السمك ظاهر في الحية المضطربة. { و } من هنا قال المصنف: { الوجه أنها لا تحل إلا أن تقذفها والسمكة تضطرب } بل قال: { ولو اعتبر مع ذلك أخذها حية لتحقق الذكاة } لمثلها { كان حسنا } ضرورة كونها كغيرها من السمك المعتبر فيه ما عرفت، وابتلاع الحية لها لا يوجب حكما آخر لها، والخبر المزبور بعد عدم حجيته مطرح أو محمول على صورة أخذها حية، والنهي عن أكلها مع تسلخ فلوسها مخافة الضرر، فما عن المختلف - من العمل بالخبر المزبور مع اعتباره في ذكاة السمك أخذه - واضح الضعف، أو منزل على ما ذكرناه، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الذبائح من كتاب الصيد والذباحة.

[ 257 ]

{ ولا يؤكل الطافي } من السمك { وهو ما يموت في الماء، سواء مات بسبب كضرب العلق أو حرارة الماء أو بغير سبب } أو ما يلقيه البحر ميتا أو يموت لنضب الماء عنه، بلا خلاف أجده بيننا في شئ من ذلك فتوى ونصا بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص. قال الحلبي في الصحيح (1): " سألت الصادق (عليه السلام) عما يوجد من السمك طافيا على الماء أو يلقيه البحر ميتا فقال: لا تأكله ". وقال الشحام (2): " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عما يوجد من الحيتان طافيا على الماء أو يلقيه البحر ميتا آكله ؟ قال: لا ". وقال الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (3): " لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان، ولا ما نضب الماء عنه ". وقال (عليه السلام) أيضا في صحيحه الآخر (4): " لا يؤكل ما نبذه الماء من الحيتان ولا ما نضب الماء عنه ". وقال الصادق (عليه السلام) في الموثق (5): " ولا يؤكل الطافي من السمك " إلى غير ذلك. مضافا إلى ما دل على تحريم الميتة من الكتاب (6) والسنة (7) والاجماع. خلافا لاكثر العامة من الحل مطلقا، ولبعض منهم، ففرق بين الموت بسبب خارج فيحرم، والموت من قبل نفسه فيحل، وضعفهما واضح، ولعل مرسل المغيرة (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " وذكر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (8) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 3 - 6 - 4 - 5. (6) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (7) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 258 ]

الطافي وما يكره الناس منه، فقال: إنما الطافي من السمك المكروه ما تغير ريحه " على مذاق العامة. { وكذا ما يموت في شبكة الصائد في الماء } الذي فيه حياته { أو في حظيرته } كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا (1) وقد حملنا ما دل من النصوص (2) على ذلك على الموت خارج الماء في المصيدة، ولعل من ذلك ما في خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) (سألته عما حسر عنه الماء من صيد البحر وهو ميت أيحل أكله ؟ قال: لا، قال: وسألته عن صيد البحر نحبسه فيموت في مصيدته، قال: إذا كان محبوسا فكل فلا بأس ". بل { و } تقدم الكلام أيضا (4) في أنه { لو اختلط الميت بالحي بحيث لا يتميز } وأنه { قيل: حل الجميع و } لكن قد عرفت أن { اجتنابه أشبه } بأصول المذهب وقواعده التي منها باب المقدمة، لكن في الفقيه (5) قال الصادق (عليه السلام): " إن وجدت سمكا ولم تعلم أذكي هو أم غير ذكي - وذكاته أن يخرج من الماء حيا - فخذ منه، فاطرحه في الماء، فان طفا على الماء مستلقيا على ظهره فهو غير ذكي، وإن كان على وجهه فهو ذكي، وكذلك إذا وجدت لحما ولم تعلم أذكي هو أم ميتة فألق منه قطعة على النار، فان انقبض فهو ذكي وإن استرخى على النار فهو ميتة " ثم قال: " وروي في من وجد سمكا ولم يعلم


(1) راجع ص 171 - 174. (2) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الذبائح من كتاب الصيد والذباحة. (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7. (4) راجع ص 171. (5) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 259 ]

أنه مما يؤكل أو لا فانه يشق عن أصل ذنبه، فان ضرب إلى الخضرة فهو مما لا يؤكل، وإن ضرب إلى الحمرة فهو مما يؤكل " (1). وفي كشف اللثام " ذكر الصدوق والمفيد والسيد وسلار وبني حمزة وإدريس وسعيد والفاضل في التحرير أنه إذا وجد سمكة ولا يدري أذكية هي أم لا فلتعتبر بالماء، فان طفت على الماء مستلقية على ظهرها فهي غير ذكية، وإن طفت عليه على وجهها فهي ذكية، قال السيد: ويجب على هذا الاعتبار أن يقول أصحابنا في السمك الطافي على الماء: إنه ليس بمحرم على الاطلاق، بل يعتبرونه بما ذكرناه، فان وجد طافيا على ظهره أو وجهه عملوا بحسب ذلك، واستدل عليه بالاجماع، وقال ابن زهرة: يعتبر السمك بطرحه في الماء، فان رسب فهو ذكي، وإن طفا فهو ميت واستدل عليه بالاجماع ". قلت: كان ذلك لاستعلام موته وحياته فعلا لا الميت المعلوم موته، ضرورة عدم صلاحية ذلك لمعرفة موته الصيدي وغيره، فان السمك متى مات طفا مستلقيا على ظهره، سواء كان موته بصيد أو بغيره، وإطلاق النص (2) والفتوى حرمة الطافي المراد به الميت في الماء لا مشتبه الحال، وحينئذ فاطلاق الاصحاب بحاله لا يرد عليه ما ذكره السيد، كما لا يرد على ما ذكره في التحرير من وجوب الاجتناب مع اشتباه الميت بغيره أنه ينبغي الاعتبار المزبور لا الاجتناب. هذا ولكن في الدروس " ويحرم الطافي، وهو ما يطفو على الماء ميتا إذا علم أنه مات في الماء، ولو علم كونه مات خارج الماء حل، ولو اشتبه فالاقرب التحريم " وقال في المقنع: " إذا اشتبه السمك هل


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 260 ]

هو ذكي أم لا طرح على الماء، فان استلقى على ظهره فحرام، وإن كان على وجهه فذكي " واختاره الفاضل، وظاهره كون المراد معرفة موته السابق من ذكاته لا الفعلية، وربما كان ذلك ظاهر غيره أيضا. لكن لا يخفى عليك ما فيه من الاشكال، ضرورة عدم الفرق في طفوه بعد موته بين كونه عن إخراج أو خروج أو إخراج مسلم أو غير مسلم، والله العالم. { ولا يؤكل الجلال } الذي ستعرف المراد به انشاء الله تعالى { من السمك } كغيره من أفراد الجلال على المشهور بين الاصحاب نصا (1) وفتوى، كما ستعرف انشاء الله تعالى { حتى يستبرأ بأن يجعل في الماء يوما وليلة } عند الاكثر على ما في المسالك وكشف اللثام، لخبر يونس (2) عن الرضا (عليه السلام) " سأله عن السمك الجلال فقال: ينتظر به يوما وليلة ". لكن في الفقيه " أن رواية القاسم بن محمد الجوهري (3) السمك الجلال يربط يوما إلى الليل في الماء " وفي كشف اللثام عن الصدوق والشيخ الاكتفاء بذلك. ولا ريب أن الاول أحوط وأشهر عملا وأولى، لاستصحاب الحرمة بل يمكن ارجاع الاخير إليه باحتمال ارادة دخول تمام الغاية ولو للجزء الاول. نعم هما معا خاليان عما ذكره المصنف { و } غيره من أنه { يطعم علفا } وأن يكون طاهرا، بل ظاهرهم كونه { طاهرا } فعلا،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث - 5. (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 راجع الفقيه ج 3 ص 214 الرقم 992 و 993.

[ 261 ]

فلا يكفي النجس ولو عارضا، ويمكن أخذهم الاول مما ورد (1) في استبراء غير السمك من البعير والشاة والبقرة والبطة والدجاجة من اعتبار الغذاء والتربية مدة كذا، خصوصا مع ذكر غير السمك في الخبرين المزبورين، فقال في الاول (2): الدجاجة تحبس ثلاثة أيام، والبطة سبعة أيام، والشاة أربعة عشر يوما، والبقرة ثلاثين يوما، والابل أربعين يوما " مما هو معلوم إرادة تغذيه في مدة الحبس بغير العذرة، وكذا الثاني (3) الذي فيه أيضا " أن البقرة تربط عشرين يوما، والشاة تربط عشرة أيام والبطة تربط ثلاثة أيام، والدجاجة تربط ثلاثة أيام " مما هو معلوم إرادة الغذاء والتربية في مدة الحبس ولو للنصوص الاخر (4) فيعلم كون المراد من الجميع الحبس مع الغذاء والتربية. بل ربما يؤيده مرسل علي بن أسباط (5) " في الجلالات، قال: لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن " الذي إن لم يرد به ما تحقق فيه وصف الجلل وأن الخلط لاستبرائه أمكن استفادة حصول الرفع بذلك كما يحصل به الدفع، أي إذا كان الجلل لا يحصل مع الخلط ابتداء فكذلك يرتفع بالحبس مع التغذية بغير ما حصل به الجلل بعد تحققه، لحصول الخلط حينئذ ولو مع ترتب الزمان، بل لعل أصل الاستبراء بالحبس مع الغذاء ليتحقق هذا القسم من الخلط الرافع للجلل، فتأمل جيدا فانه دقيق جدا. نعم قد يشكل اعتبار الطهارة في العلف، أللهم إلا أن يدعى الانسياق وإلا كان زيادة في جلله، مضافا إلى الاستصحاب، بل هو مقتضى كونه طاهرا ذاتا وعرضا، مضافا إلى الاحتياط وإلى ظهور ارادة ذلك من اطلاق


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 5 - 6 - 0 -. (5) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 262 ]

الاصحاب، إذ الطاهر حقيقة ما ليس بنجس ذاتا ولا عرضا. وربما يشهد له ما تسمعه من الخبر (1) في استبراء شارب لبن الخنزيرة إذا لم يشتد الذي نص فيه على علفه الكسب والشعير ونحوهما، وحينئذ فيكفي ذلك في تقييد الخبر المزبور (2) وعدم تحقق الجلل بأكله ولو خاصة لا يقتضي الاكتفاء به في الزوال، وإن كان هو مقتضى ما ذكرناه من استفادة حصول الرفع بما يحصل به الدفع من خبر الخلط (3) إلا أن الاستصحاب وظهور كلمات الاصحاب ودعوى الانسياق يقتضي الاقتصار على العلف الطاهر فعلا مدة الحبس، بل في التحرير اعتبار كون الماء الذي يحبس فيه السمك طاهرا، ولا ريب في أنه أحوط وأولى، والله العالم. { وبيض السمك } المعبر عنه الآن بالثرب من { المحلل حلال } وإن كان أملس { و (كذا خ) بيض المحرم حرام } وإن كان خشنا بلا خلاف محقق أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع على الاول، خصوصا مع ملاحظة السيرة القطعية على استعمال الصحناة التي هي طبخ السمكة جميعها وخصوصا مع ملاحظة التبعية في بيض غيره من الحيوان كالدجاجة والطاووس والبطة وغيرها مما ستعرفه مع أولوية ما نحن فيه بالتبعية منه. ففي خبر ابن أبي يعفور (4) عن الصادق (عليه السلام) " أن البيض إذا كان مما يؤكل لحمه فلا بأس به وبأكله، وهو حلال ". وفي خبر داود بن فرقد (5) عنه (عليه السلام) أيضا " كل شئ


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4. (2) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7. (5) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2.

[ 263 ]

لحمه حلال فجميع ما كان منه من لبن أو بيض أو أنفحة كل ذلك حلال طيب ". بل قد يدعى كونه مع عدم انفصاله عن السمك من أجزائه على وجه يشمله دليل الحل والحرمة له، بل قد يدعى أن ذلك هو السبب في الحكم بالتبعية ولو في البيض المنفصل كالدجاج ونحوه باعتبار كون مبدئه قبل انفصاله جزء من الحيوان المحلل والمحرم أو كالجزء، فيبقى على الحل والحرمة بعد الانفصال. هذا وفي الرياض الاستدلال على المقام بالخبرين المزبورين بعد تنقيح دلالتهما بارادة الحرمة من نفي البأس في مفهوم الاول ولو لدخول قوله (عليه السلام): " وهو حلال " في جواب الشرط، فيكون المفهوم نفي الحلية، وإرادة القيدية من الثاني الذي مفهومها حجة بلا خلاف لا الوصفية المحضة. لكن قد يناقش بعدم صدق البيض عرفا على ثروب السمك، وإنما أطلقه الاصحاب عليه لضرب من المجاز، باعتبار كونه مبدأ تكون السمك، كالبيض وغيره، نعم قد يستفاد منهما تبعية ذلك في الحل والحرمة وإن لم يكن بيضا عرفا، والامر سهل. وعلى كل حال لا ينافي ما ذكرنا إطلاق جماعة من الاصحاب ممن تقدم على المصنف حلية الخشن من بيض السمك دون الاملس والمستماع الذي قد يتوهم منه كون ذلك مدار الحرمة والحل فيه دون التبعية المزبورة، وحينئذ فيحرم الاملس وإن كان من المحلل، ويحل الخشن وإن كان من محرم، بل ربما حكي عن ابن ادريس أنه فهم ذلك منهم وأنكره، وقال: " لا دليل عليه بل السيرة المستمرة على استعمال الصحناة تقتضي

[ 264 ]

خلافه " بل أيده في محكي المختلف بعموم قوله تعالى (1): " أحل لكم صيد البحر، وطعامه متاعا لكم " لامكان تنزيل الاطلاق المزبور على إرادة التميز عند الاشتباه، كما أومأ إليه المصنف ومن تأخر عنه بقوله: { ومع الاشتباه يؤكل ما كان خشنا لا ما كان أملس } بل لعله الظاهر منهم وإن كنا لم نقف على خبر بالتفصيل المزبور. إلا أنه يمكن شهادة التجربة له، وإلا لاقتضى حرمة الاملس من المحلل والخشن من المحرم، ولا دليل عليه، بل ظاهر ما سمعته من الادلة خلافه بل المحكي عن ابن إدريس في كشف اللثام أنه فهم من الاطلاق المزبور التفصيل بذلك في المحلل من السمك وأنكر عليهم بما سمعت، ومع تسليمه فهو في محله، أما على الاول فهو مثلهم في الانكار أو أولى، ضرورة اقتضائه الحل مطلقا، وهو مناف لما سمعته مما يقتضي التبعية المزبورة القاطعة لاصل الحل، من غير فرق بين المتصل والمنفصل، فالتحقيق حينئذ ما ذكرناه، والله العالم. القسم { الثاني } { في البهائم } { و } لا خلاف بين المسلمين في أنه { يؤكل من الانسية } منها جميع أصناف: { الابل والبقر والغنم } بل هو من ضروري الدين { و } المشهور بيننا شهرة كادت تكون إجماعا كما اعترف به غير واحد


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 96.

[ 265 ]

إن لم تكن كذلك أنه { يكره الخيل والبغال والحمير الاهلية } في الثلاثة، بل عن الخلاف الاجماع على ذلك، كما عن الانتصار والغنية أنه من متفردات الامامية في الاول والثالث، للاصل والنصوص المستفيضة أو المتواترة أو المقطوع بمضمونها. قال محمد بن مسلم (1): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فقال: حلال ولكن الناس يعافونها ". وقال أيضا في خبره الآخر (2): " إنه سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ والوطواط والخيل والحمير والبغال، فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهاهم من أجل ظهورها أن يفنوها، وليست الحمير بحرام - ثم قال -: إقرأ هذه الآية: قل: لا أجد (3) - إلى آخرها - " الذي لا يقدح في حجيته اشتماله على معلوم الحرمة، خصوصا مع احتمال كون الجواب فيه عن الثلاثة. وفي خبر عمر بن خالد عن زيد بن علي (ع) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: " أتيت أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا من الانصار فإذا فرس له يكيد بنفسه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انحره يضعف لك به أجران: بنحرك إياه واحتسابك له، فقال: يا رسول الله ألي منه شئ ؟ قال: نعم كل


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 6 - 4. والثالث عن عمرو بن خالد.. كما في التهذيب ج 9 ص 48. (3) سورة الانعام: 6 - الآية 145.

[ 266 ]

وأطعمني، قال: فأهدى للنبي (صلى الله عليه وآله) فخذا منه، فأكل منه وأطعمني ". وفي خبر زرارة (1) المروي عن تفسير العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن أبوال الخيل والبغال والحمير، قال: وكرهها، قلت: ليس لحومها حلالا ؟ قال: فقال: أو ليس قد بين الله لكم: والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون (2) قال: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة (3) فجعل للاكل الانعام التي قص الله في الكتاب، وجعل للركوب الخيل والبغال والحمير، وليس لحومها بحرام ولكن الناس عافوها ". وفي خبر زرارة ومحمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألاه عن أكل لحوم الحمير الاهلية، فقال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أكلها يوم خيبر، وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت، لانها كانت حمولة للناس، وإنما الحرام ما حرم الله في القرآن ". وفي خبر أبي الجارود (5) عنه (عليه السلام) أيضا " سمعته يقول: إن المسلمين كانوا جهدوا في خيبر، فأسرع المسلمون في دوابهم، فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) باكفاء القدور، ولم يقل إنها حرام، وكان ذلك إبقاء على الدواب ". وفي خبر محمد بن مسلم (6) المروي عن العلل عنه (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8. (2) و (3) سورة النحل: 16 - الآية 5 - 8. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 6.

[ 267 ]

أيضا، قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهى عنها من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها، ليست الحمير بحرام، ثم قرأ هذه الآية (1) قل: لا أجد - إلى آخرها - ". وفي خبر أبي الحسن الليثي (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: " سئل عن لحوم الحمير الاهلية فقال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أكلها، لانها كانت حمولة للناس يومئذ، وإنما الحرام ما حرم الله في القرآن وإلا فلا ". وفي خبر محمد بن سنان (3) المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) " أنه كتب إليه في جواب مسائله: كره أكل لحوم البغال والحمير الاهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها وقلتها، لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها ". إلى غير ذلك من النصوص التي منها أيضا تحليل ألبان الاتن، كحسن العيص (4) سأل الصادق (عليه السلام) " عن شرب ألبان الاتن، فقال: لا بأس بها ". ولم أجد خلافا في العمل بمضمونها إلا من المفيد فيما حكي عنه في


(1) سورة الانعام: 6 الآية 145. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 عن أبي لحسن الميثمي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: " سئل أبي عن لحوم... " إلا أن الموجود في العلل ص 563 ط النجف الاشرف أبو الحسن الليثي. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8. (4) الوسائل - الباب 60 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 وفيه " عن شرب ألبان الاتن ؟ فقال: اشربها " وفي خبر أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي رواه في الوسائل بعد هذا الحديث " عن شرب ألبان الاتن فقال لي: لا بأس بها ".

[ 268 ]

كشف اللثام من تحريم البغال والحمير والهجن من الخيل، بل قال: " إنه لا تقع الذكاة عليها " ومن الحلبي فيما حكي عنه أيضا من تحريم البغال. ولعله لمرسل أبان بن تغلب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن لحوم الخيل، فقال: لا تؤكل إلا أن تصيبك ضرورة، وعن لحوم الحمير الاهلية، فقال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أكلها يوم خيبر ". والمرسل (2) في محكي المقنع " عن النبي (صلى الله عليه وآله) كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير والحمر الانسية حرام ". وصحيح ابن مسكان (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أكل الخيل والبغال، فقال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها ولا تأكلها إلا أن تضطر إليها ". وصحيح سعد بن سعد (4) عن الرضا (عليه السلام) " سألته عن لحوم البرازين والخيل والبغال، فقال: لا تأكلها). وخبر أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان يكره أن يؤكل لحم الضب والارنب والخيل والبغال، وليس بحرام كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن لحوم الحمير الاهلية، وليس بالوحشية بأس ".


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 وفي ذيله " عن لحوم الحمر الاهلية، قال: وفي كتاب علي (عليه السلام) أنه منع أكلها " وما ورد من لذيل في الجواهر هو خبر ابن مسكان الذي رواه في الوسائل بعد مرسل أبان. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 9. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 5 - 7.

[ 269 ]

وهي - مع عدم حجية بعضها من حيث السند ولا جابر بل الموهن محقق، والتصريح في غيرها من النصوص بأن النهي عن الحمير يوم خيبر بل وغيرها من الخيل والبغال للاحتياج إلى ظهورها لا لحرمتها، بل في المسالك الاستدلال بصحيح الضرورة على الحل من حيث إطلاق الضرورة فيه واشتمالها على ما لا يقول به الحلبي من تحريم البغل خاصة، بل والمفيد الذي قد خص الحرمة في الهجين من الخيل - غير مكافئة لما عرفت من وجوه، منها الاعتضاد بالشهرة العظيمة ومحكى الاجماع إن لم يكن محصله ومخالفة الكتاب والعامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، فتعين طرحها أو حملها على الكراهة أو التقية أو غير ذلك مما لا ينافي القول المزبور. نعم هي { على تفاوت بينها (فيها خ ل) بالكراهية } بل في صريح المسالك وظاهر غيرها الاتفاق على التفاوت المزبور، وعن المشهور أن كراهة البغل أشد، لتركبه من الفرس والحمار، وهما مكروهان، وعن القاضي وظاهر الحلي أن كراهة الحمار أشد، لان المتولد من قوي الكراهة وضعيفها أخف كراهة من المتولد من قويها خاصة، ولكن التعليلين كما ترى. وعلى كل حال فالخيل أخفها، خصوصا بعد أكل النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) منها (1)، ولعل البغل أشد من الحمير للشهرة، ويحتمل الحمير، لكثرة نصوص النهي عنها (2) والامر سهل، هذا كله في الانسية. أما الوحشية فلا خلاف أجده في حلها، كما ستعرف إنشاء الله، نعم في الدروس عن ابن ادريس والفاضل كراهة الحمار الوحشي، وعن


(1) الوسائل - الباب - 5 ؟ - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 270 ]

الحلبي كراهة الابل والجاموس، والذي في مكاتبة أبي الحسن (عليه السلام) (1) في لحم حمر الوحش " تركه أفضل ". وروي (2) في لحم الجاموس لا بأس به. قلت: يأتي الكلام في حمار الوحش، وأما الابل والجاموس فقد يظهر من المصنف وغيره عدم الكراهة فيها وفي غيرها من الانعام، لكن قال الصادق (عليه السلام) في خبر اسماعيل بن أبي زياد (3): " ألبان البقر دواء وسمونها شفاء ولحومها داء " وفي خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لحوم البقر داء " ونحوه خبر السكوني (5) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام). وفي خبر عبد الحميد ابن المفضل السمان (6) " سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن سمن الجواميس فقال: لا تشتره ولا تبعه " لكن عن الشيخ أن هذا الخبر موافق لمذهب الواقفية، لانهم يعتقدون أن لحم الجواميس حرام، فأجروا السمن مجراه وذلك باطل عندنا لا يلتفت إليه. قلت: ولعله لذلك نفي البأس عن لحم الجواميس وشرب ألبانها وأكل سمونها في خبر عبد الله بن جندب (7) وقال أيوب بن نوح (8): " سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الجاموس وأعلمته أن أهل العراق يقولون: إنه مسخ فقال: أو ما علمت قول الله: ومن


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المباحة. (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5. (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 2 - 3.

[ 271 ]

الابل اثنين ومن البقر اثنين (1) " فلا دلالة حينئذ في نفي البأس على نفي الكراهة، كما عساه يظهر من الدروس، والله العالم. { هذا وقد يعرض التحريم للمحلل من وجوه: أحدها الجلل، وهو أن يغتذي عذرة الانسان لا غير } على المشهور لمرسل موسى بن أكيل (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " في شاة شربت بولا ثم ذبحت، فقال: يغسل ما في جوفها، ثم لا بأس به، وكذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة، والجلالة هي التي يكون ذلك غذاؤها) بناء على أن المنساق من العذرة فضلة الانسان أو أنها المراد بها، كما تقدم في منزوحات البئر (3) وفي المرسل الآخر (4) " في الجلالات لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن ". خلافا للمحكي عن أبي الصلاح، فألحق غيرها من النجاسات بها في تحقق الجلل المحرم، ولا دليل له معتد به يصلح لقطع الاصل والعمومات بعد منع صدق اسم الجلل على ذلك عرفا، وبعد ما سمعته من المرسل المعتضد بالعمل، وما في الصحاح - من أن الجلالة البقرة التي تتبع النجاسات - تفسير بالاعم. وللمحكي عن الشيخ في المبسوط، فلم يعتبر الاختصاص بالعذرة، إلا أنه جعل الحكم حينئذ الكراهة في التي يكون أكثر علفها ذلك لا التحريم، قال في محكي الخلاف: " الجلال عبارة عن البهيمة التي تأكل العذرة اليابسة أو الرطبة - إلى أن قال -: فان كان هذا أكثر علفها


(1) سورة الانعام: 6 الآية 144. (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (3) راجع ج 1 ص 230. (4) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 272 ]

كره لحمها عندنا - ثم قال -: وروى أصحابنا تحريم ذلك إذا كان غذاؤه كله من ذلك ". وربما يشهد له المرسل الثاني الذي يمكن الجمع بينه وبين المرسل الاول بارادة خصوص المحرم من الجلال من التفسير فيه، لا مطلق الجلال، ولكن لا يخفى عليك سهولة الامر بعد فرض كون الحكم الكراهة في الفرد المزبور لا التحريم. وعلى كل حال { ف‍ } المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة أنه { يحرم } أكل الجلال { حتى يستبرأ، وقيل } والقائل الاسكافي والشيخ في المحكي عنهما: { يكره } بل عن الثاني منهما نسبته إلى مذهبنا إلا أنك قد عرفت كون الجلال عنده المحكوم عليه بالكراهة هو الذي يكون أكثر علفه العذرة، لا الذي لا علف له غيرها الذي ظاهره الحرمة فيه باعتبار نسبته إلى روايات أصحابنا التي لا محيص عن العمل بها. ومن ذلك يظهر لك المناقشة في النسبة المزبورة في مفروض البحث بل القول بالكراهة في الفرد الذي ذكره ليس مختصا به، بل هو مذهب أكثر علمائنا، كما اعترف به غير واحد، وحينئد فينحصر الخلاف في محل البحث في الاسكافي الذي يمكن دعوى لحوقه بالاجماع إن لم يكن مسبوقا به، بل عن بعض الاجلة حمل كلامه على ما يرجع إلى المشهور، فلا خلاف حينئذ، وعلى تقديره فلا ريب في شذوذه وضعفه، إذ لا دليل سوى الاصل المخصص بالمعتبرة المستفيضة المروية من طرق العامة والخاصة. ففي صحيح هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (لا تأكلوا من لحوم الجلالات، وإن أصابك من عرقها فأغسله ". وفي خبر حفص بن البختري (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام):


(1) و (2) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2.

[ 273 ]

" لا تشرب من ألبان الابل الجلالة، وإن أصابك شئ من عرقها فاغسله ". وفي خبر زكريا بن آدم (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " أنه سأله عن دجاج الماء، فقال: إذا كان يخلطن فلا بأس " وفي آخر (2) " إذا كان يلتقط غير العذرة فلا بأس " قال (3): " ونهى عن ركوب الجلالة وشرب ألبانها، وقال: إن أصابك شئ من عرقها فأغسله ". ومنه ومن غيره يعلم ارادة الحرمة من البأس في مفهومه كالمرسل السابق. كل ذلك مضافا إلى ما تسمعه من نصوص (4) الاستبراء الظاهرة في حرمة الاكل قبله { و } من هنا كان { التحريم أظهر } وحينئذ فما في الكفاية - من أن مستند التحريم أخبار لا يستفاد منها أكثر من الرجحان، مع ما عرفت من العمومات الدالة على الحل، فالقول بالكراهة مطلقا أقرب - واضح الضعف، خصوصا بعد ما قيل من أن مبناه عدم كون النهي حقيقة في التحريم الذي قد عرفت بطلانه في محله، على أنه هو قد اعترف بحمله عليه مع الشهرة، ولو لكونها حينئذ قرينة، ولا ريب في تحققها في المقام، كما صرح به في أول الكلام.


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 والموجود فيه " أنه سأله عن دجاج الماء فقال: إذا كان يلتقط غير المعذرة فلا بأس " وليس لزكريا في المقام غير هذه الرواية، وما ذكره من اللفظ في الجواهر هو ذيل مرسل علي بن اسباط المروي في نفس الباب الحديث 3 وفيه " في الجلالات، قال: لا بأس بأكلهن إذا كن يخلطن ". (2) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 وهو مرسل الصدوق (قده). (4) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 274 ]

وكيف كان فقد ذكر غير واحد أن النصوص (1) والفتاوى المعتبرة خالية عن تعيين المدة التي يحصل فيها الجلل، وغاية ما يستفاد من المرسل الاول (2) اعتبار كون العذرة غذاؤه، ومن الثاني (3) عدم البأس بأكله مع الخلط، وكل منهما بالاضافة إليها مجملة، واحتمال استفادتها من مدة الاستبراء - باعتبار دعوى اقتضاء ارتفاعه بها بحبسه عنها تحققه (4) بتغذية فيها - لم نجد له أثرا في كلام الاصحاب، ولعله لوضوح منع الاقتضاء المزبور. وعن بعضهم تقديرها بأن ينمو ذلك في بدنه ويصير جزءا منه، وآخر بيوم وليلة، واستقربه الكركي، قال: " ويرجع في كونه جلالا إلى العرف، وقدره بعض المحققين بيوم وليلة، وهو قريب كما في الرضاع المحرم، لانه اقصر زمان الاستبراء " وثالث بأن يظهر النتن في لحمه وجلده، يعني رائحة النجاسة التي اغتذت بها. والجميع كما ترى - وإن مال في المسالك إلى الاخير - لا دليل عليه سوى اعتبارات لا تصلح دليلا، ومن هنا جعل بعضهم المدار على ما يسمى جلالا عرفا، وفي الرياض " هذا أقوى، لانه المحكم فيما لم يرد به من الشرع تعيين أصلا " وفيه ما عرفته سابقا من أنه لا عرف منقح الآن يرجع إليه، لعدم استعماله فيه، ولعله لذا قال في الكفاية بعد أن جعل الظاهر الرجوع إليه: " وفي معرفته إشكال " بل لعل مبنى الاقوال المزبورة ذلك أيضا، ولذا رجع بعضهم فيه إلى الرضاع المحرم في الجملة. نعم قد يقال: إن المتجه الرجوع إلى العرف في صدق ما سمعته في تفسيره بالمرسل السابق (5) وهو يصدق بكون ذلك غذاؤها، بل لعله


(1) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 3. (2) و (5) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (4) وفي النسخة الاصلية " وتحققه " والصحيح ما أثبتناه.

[ 275 ]

لا يقدح فيه بعض الخلط الذي لا ينافي الصدق المزبور. وعلى كل حال فلا بأس بالتغذي بغير العذرة من النجاسات وإن نبت لحمه عليها إلا ما تسمعه في لبن الخنزيرة، للاصل وإطلاق أدلة الحل التي لا يعارضها القياس على تغذي العذرة بعد بطلانه عندنا، ولا نمو الجزء من النجاسة بعد الاستحالة، ولعله لذا لا يقدح التسميد في العذرة للمزارع وإن صارت سببا في النمو، قال في خبر وهب بن وهب المروي عن قرب الاسناد (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " انه كان لا يرى بأسا بأن يطرح في المزارع العذرة " مضافا إلى السيرة المستمرة وغيرها. ثم لا يخفى عليك أن الجلل إنما يفيد تحريم الاكل للحيوان دون النجاسة للاصل وغيره، والامر بالغسل للعرق أعم من نجاسة الحيوان، بل ومن العرق نفسه، خصوصا بعد الشهرة على الطهارة، إذ يمكن كون المراد به للصلاة، باعتبار صيرورته فضلة ما لا يؤكل لحمه المانعة من الصلاة وإن كانت طاهرة، فما في طهارة كشف اللثام - من أن الظاهر النجاسة وحكاه عن الفاضل في المنتهى - واضح الضعف، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة (2). بل لا يبعد بقاء قابلية الحيوان المزبور للتذكية المفيدة بقاء طهارته وإن حرم أكل لحمه، للاصل أيضا وغيره الذي مقتضاهما أيضا بقاؤه على جواز استعماله في الركوب وغيره، والنهي عن ذلك إنما هو لضرب من الكراهة، لعدم العامل به على الحقيقة فيما أجد. وكيف كان فالظاهر الاتفاق نصا (3) وفتوى على قابلية عود الجلال


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) راجع ج 5 ص 284 وج 6 ص 77 - 80. (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 276 ]

إلى حل الاكل، بل لعل ذلك هو مقتضى كون عنوان الحكم الجلل الذي قد عرفت تفسيره بما سمعت، ضرورة انتفاء الحرمة بانتفاء مصداق تفسيره المزبور الذي مقتضاه عدم كونه جلالا حينئذ، واحتمال حرمة أكله حينئذ للاستصحاب وإن زال الاسم مناف لظهور كون العنوان في الحكم ما عرفت كما حررناه في حكم العصير، وحينئذ فالمتجه جعل المدار في عوده إلى الحل على ذلك. ومن هنا قال في المسالك: " إن ما لا تقدير لمدته شرعا يعتبر في حله زوال اسم الجلل عنه عرفا، وذلك بأن يطيب لحمه ويزول نتنه على ذلك الوجه، وما ورد على تقديره حكم معتبر من نص أو اجماع اعتمد عليه " وتبعه عليه غيره. نعم في الرياض " أنه ينبغي تقييده بعدم إمكان استنباط مدته من مدة الجلالات المنصوصة بنحو من فحوى الخطاب والاولوية " وذلك كله إنما ينطبق على ما ذكرناه، وإلا لكان المتجه فيما لا تقدير فيه البقاء على الحرمة، للاصل كما اختاره الناراقى، لكنه كما ترى. بقي شئ: وهو أنه قد يظهر من غير واحد أن ما له تقدير معتبر شرعا يعود إلى الحل وإن بقي على وصف اسم الجلل، لاطلاق الدليل، لكن قد يناقش بانصرافه إلى ما هو المتعاد من زوال الاسم بذلك، ولا أقل من أن يكون به محل شك، لا ما علم بقاء وصف الجلل فيه حتى يكون مستثنى حينئذ من حكم الجلال لا موضوعه وإن كان هو محتملا، إلا أن الاظهر خلافه، والله العالم. { و } على كل حال ف‍ { - في } مدة { الاستبراء } في بعض الجلال { خلاف } نصا وفتوى { و } لكن { المشهور } فيهما بل لا أجد خلافا فيهما أن { استبراء الناقة } والبعير بل مطلق

[ 277 ]

الابل وإن كانت صغارا { بأربعين يوما } بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، بل اعترف غير واحد أن ذلك من المتفق عليه نصا (1) وفتوى. { و } أما { البقرة } أي جنسها من غير فرق بين الذكر والانثى والصغير والكبير، فالمشهور أنها { بعشرين } يوما بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، لخبر السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تغذى ثلاثة أيام، والبطة الجلالة بخمسة أيام، والشاة الجلالة عشرة أيام، والبقرة الجلالة عشرين يوما، والناقة الجلالة أربعين يوما " المنجبر بما عرفت والمعتضد بخبر مسمع (3) على ما عن بعض النسخ. { وقيل } والقائل القاضي والشيخ في المبسوط على ما حكي عنهما: { تستوي البقرة والناقة في الاربعين } للاصل المقطوع بما عرفت، وخبر مسمع (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) على ما في التهذيب والاستبصار عن الكافي المنافي لما هو الموجود الآن في نسخ الكافي، - كما اعترف به غير واحد - من الثلاثين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى أربعين يوما، والبقرة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى ثلاثين يوما، والشاة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى عشرة أيام، والبطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربى (تربط خ ل) خمسة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام " المؤيد بخبرين آخرين ضعيفين:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2.

[ 278 ]

أحدهما مرفوع يعقوب بن يزيد (1) عن الصادق (عليه السلام) " الابل الجلالة إذا أردت نحرها تحبس البعير أربعين يوما، والبقرة ثلاثين يوما، والشاة عشرة ". والثاني خبر يونس (2) عن الرضا (عليه السلام) " الدجاج يحبس ثلاثة أيام، والبطة سبعة أيام، والشاة أربعة عشر يوما، والبقرة ثلاثين يوما، والبعير أربعين يوما، ثم تذبح ". ومن هنا قال بعض الافاضل: الظاهر السهو في نسخة الكتابين المزبورين، بل قال: لا يمكن أن يكون لهما حجة، لمصيرهما في الشاة إلى السبعة مع تضمن الخبر المزبور العشرة على النسخة الموجودة من الكافي أو الخمسة على نسخة الكتابين، وإن كان قد يناقش بما ستعرف من معلومية جواز العمل ببعض الخبر دون بعضه. نعم عن الصدوق والاسكافي التقدير بالثلاثين، للنصوص (3) المزبورة إلا أنه - لضعفها وإن تعددت وتأيدت بأصالة الحرمة مع عدم الجابر - قاصرة عن مقاومة الخبر الاول (4) المنجبر والمعتضد بما سمعت. بل في الرياض " أن أكثر هذه الروايات شاذة، بمعنى أنها لا يمكن أن تكون مستندا لهما بمصير الاول منهما إلى العشرين في الشاة والثاني إلى أربعة عشر فيها، وهي متفقة في رد الاول، وما عدا الاخيرة منها على رد الثاني " وإن كان يناقش بعدم اقتضاء ذلك شذوذ الخبر على وجه لا يستدل به على المطلوب في البعض الموافق، كما هو محرر في محله، نعم


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 - 5 - 1. (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 و 4 و 5.

[ 279 ]

هي غير حجة لما عرفت، ومرجوحة بذلك { و } من هنا كان { الاول أظهر }. { و } أما { الشاة } فالمشهور استبراؤها { بعشرة } بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، لخبري السكوني (1) ومسمع (2) ومرفوع يعقوب (3) المنجبرة بما عرفت. { وقيل } والقائل الشيخ في محكي المبسوط: { بسبعة } ولم نجد له دليلا على ذلك إلا ما في كشف اللثام من أنه مروي في بعض الكتب (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي خبر مسمع (5) على ما عن بعض نسخ التهذيب " خمسة " ولم نجد به عاملا، وكذا المحكي عن الصدوق من العشرين، نعم عن الاسكافي أنها أربعة عشر، للخبر الضعيف السابق الذي لا جابر له، فهو ساقط عن قابلية الاستدلال به فضلا عن أن يعارض غيره. { و } حينئذ فلا ريب في أن { الاول أظهر }. وأما البطة فالمشهور أنها بخمسة، بل عن الغنية الاجماع، لخبري السكوني (6) ومسمع (7) المنجبرين بما سمعت، وعن الشيخ في الخلاف سبعة للخبر (8) الضعيف المتقدم سابقا الذي قد عرفت حاله، خصوصا بعد اشتماله على الاربعة عشر في الشاة والثلاثين في البقرة، ولا يقول بشئ


(1) و (2) و (3) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 4 - 1 - 2 - 5 -. (4) المستدرك - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 3. (5) التهذيب ج 9 ص 45 الرقم 189.

[ 280 ]

منهما في كتبه، وما في مرسل القاسم بن محمد الجوهري (1) من أنها تربط ثلاثة أيام لم أجد عاملا به إلا ما يحكى عن الصدوق، كالمرسل (2) أنه ستة، وعن الشيخ إلحاق شبهها بها، بل في كشف اللثام تبعه عليه غيره. وأما الدجاجة فالمشهور أنه ثلاثة أيام، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لخبري السكوني (3) ومسمع (4) وغيرهما، لكن عن المقنع أنه روي (5) يوما إلى الليل، ولم أجد عاملا به، وعن الشيخ وغيره إلحاق شبهها بها أيضا. وبذلك كله ظهر لك أن ما عدا الخبر الاول لا يخلو من شذوذ في الجملة، ولا جابر له بخلافه، فانه مع اعتباره في نفسه منجبر بالشهرة المحققة والمحكية في كلام جماعة، ومعتضد فيما عدا البطة بالاجماع المحكي عن الخلاف، وفيما عدا الدجاجة بالاجماع المحكي عن الغنية، ومن هنا قال في الرياض: " فلا مسرح عن العمل به ولا مندوحة ". فما يظهر من شيخنا الشهيد الثاني وجملة ممن تبعه من الاضراب عنه وعن كل من الاقوال المتقدمة والمصير إلى القاعدة، وهي اعتبار أكثر الامرين من هذه المقدرات وما يزول به الجلل ليخرج عن حق الادلة لا وجه له وإن كان أحوط بلا شبهة، مع إنه إحداث قول مستأنف لم يوجد به قائل من الطائفة. قلت: أشار بذلك إلى كلامه في الروضة، قال: " ومستند هذه التقديرات كلها ضعيف، وينبغي القول بوجوب الاكثر، للاجماع على عدم اعتبار أزيد منه، فلا تجب الزيادة، والشك فيما دونه، فلا يتيقن زوال التحريم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 - 7 - 1 - 2 - 8.

[ 281 ]

مع أصالة بقائه من حيث ضعف المستند، فيكون ما ذكرناه طريقا للحكم ". وفيه أن المتجه حينئذ الرجوع إلى ما يزول به صدق اسم الجلل، ضرورة كونه بعد ضعف المستند كالذي لا تقدير له. والرجوع إلى أكثر الامرين إنما يتجه إذا لم يكن هناك قاعدة يرجع إليها، وهي ما عرفت. وقال في المسالك: " وحيث كانت الطرق ضعيفة فينبغي الوقوف من ذلك على محل الوفاق، وهو مراعاة أكثر التقديرات، حيث لا قائل بما زاد عليها ". وهو وإن لم يذكر أكثر الامرين كما سمعته في الروضة لكن فيه أيضا أن المتجه الرجوع إلى القاعدة لا أكثر ما في النصوص المفروض عدم صحتها، فهي وجودها كعدمها، نعم لو علم منها أن المقدر أحد ما فيها واشتبه كان المتجه ما ذكر، لا مع عدم العلم مع فرض عدم اعتبار شئ منها، إذ هو حينئذ كفاقد التقدير الذي قد اعترف هو وغيره بالرجوع فيه إلى القاعدة التي هي زوال وصف الجلل إن لم يستفد حكمه من فحوى ونحوها، كما هو واضح. نعم قد يقال إن لم يكن إجماع: إن بناء اختلاف هذه التقادير على اختلاف أفراد الجلل قوة وضعفا بالنسبة إلى زواله في المدة المزبورة وعدمه أو يقال باستحباب الزائد على الاقل الذي تضمنه الدليل المعتبر، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { - كيفيته } أي الاستبراء { أن يربط } ويمنع عن الغذاء بالعذرة { ويعلف علفا طاهرا هذه المدة } على الوجه الذي قد تقدم الكلام فيه في السمك، فلاحظ وتأمل مراعيا للاحتياط في التخلص من احتمال الجلل، بل قيل: إنه يستحب ربط الدجاجة التي يراد أكلها أياما ثم يذبحها وإن لم يعلم جللها، للنبوي (1) المروي عن كتاب حياة الحيوان " إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا أراد أن يأكل


(1) حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 331 ط مصر 1378.

[ 282 ]

دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها " وإن لم يذكره أساطين الاصحاب بل هو مخالف للسيرة، ولكن الامر سهل، والله العالم. العارض { الثاني: أن يشرب } الحيوان { لبن خنزيرة ف‍ } في المتن وغيره { إن لم يشتد كره } لحمه، بل في صريح اللمعة وعن غيرها ولحم نسله أيضا { و } إن كان لم يحضرني الآن ما يدل عليه بالخصوص. نعم خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن جدي غذي بلبن خنزيرة، فقال: قيدوه واعلفوه الكسب والندى والشعير والخبز إن كان استغنى عن اللبن، وإن لم يكن استغنى عن اللبن فيلقى على ضرع شاة سبعة أيام ثم يؤكل لحمه " يدل على أنه { يستحب استبراؤه بسبعة أيام } كما ذكره المصنف وغيره بناء على حمل الامر فيه بذلك عليه، وعلى أن المراد بالغذاء فيه عدم الاشتداد أللهم إلا أن يستفاد منه مرجوحية عدم الاكل قبل هذا، وليست إلا الكراهة. { و } على كل حال ف‍ { ان اشتد حرم لحمه ولحم نسله } أبدا ولا استبراء بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل عن الغنية الاجماع على التحريم، وفي المسالك " أن فيه نصوصا كثيرة لا تخلو من ضعف، لكن لا راد لها " وإن كنا لم نعثر منها إلا على موثق حنان بن سدير (2) الذي رواه المشائخ الثلاثة وغيرهم، قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عنده عن جدي رضع من لبن خنزيرة حتى شب وكبر واشتد عظمه ثم إن رجلا استفحله في غنمه فخرج


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 - 1. وفي الاول " سئل عن حمل غذي... ".

[ 283 ]

له نسل، فقال: أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، وأما ما لم تعرفه فكله فهو بمنزلة الجبن، ولا تسأل عنه ". وموثق بشير بن مسلمة (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " في جدي يرضع من خنزيرة ثم ضرب في الغنم فقال: هو بمنزلة الجبن، فما عرفت أنه ضربه فلا تأكله، وما لم تعرفه فكل ". ومرفوع ابن سنان (2) " لا تأكل من لحم جدي رضع من لبن خنزيرة " ونحوه مرسل الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) وخبر السكوني السابق (4) ومرسل للصدوق عن المقنع (5) بمضمون خبر حنان. وإطلاق ما عدا الموثق المزبور وإن شمل صورتي الاشتداد وعدمه كاطلاق خبر السكوني المعارض لها الآمر بالاستبراء الظاهر في تحقق الحل بعده مطلقا، إلا أنه بعدم الخلاف السابق والاجماع المحكي وظهور " يرضع " في الموثق الاخير في التجدد والاستمرار المقتضي للاشتداد حمل على التفصيل المزبور الذي قد يكون هو مقتضى أصالة عدم الحرمة في غير المشتد التي


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 عن بشر. ابن مسلمة وهو الصحيح كما في التهذيب ج 9 ص 44 والاستبصار ج 4 ص 76 والكافي ج 6 ص 250. (2) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 عن ابن سنان عن أبي حمزة رفعه قال: " لا تأكل من لحم حمل... " كما في الكافي ج 6 ص 250 والتهذيب ج 9 ص 44 والاستبصار ج 4 ص 76. (3) أشار إليه في الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. وذكره في الفقيه ج 3 ص 212. - الرقم 985. (4) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4. (5) المستدرك - الباب - 17 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 284 ]

لا يعارضها إطلاق الاخبار المزبورة بعد أن لم تكن حجة لضعفها وعدم الجابر، بل الموهن موجود، فليس حينئذ إلا الحمل على التفصيل المزبور الذي مرجعه في غير المشتد إلى الندب والكراهة المتسامح فيهما. ثم لا تلحق بالخنزيرة الكلبة ولا الكافرة لحرمة القياس، ولا يختص الحكم بالجدي المحمول في النصوص على المثال، لما سمعته من فتوى الاصحاب ولا خصوص الارتضاع لذلك أيضا، نعم في خبر أحمد بن محمد (1) " كتبت إليه جعلني الله فداك من كل سوء، امرأة أرضعت عناقا حتى أفطمت وكبرت وضربها الفحل ثم وضعت أفيجوز أن يؤكل لحمها ولبنها ؟ فكتب فعل مكروه، ولا بأس به ". وهو دال على الكراهة بناء على ارادة كون الاكل فعلا مكروها ولو بقرينة السؤال، وإن كان يحتمل إرادة الارضاع، والله العالم. { الثالث: إذا وطأ الانسان } صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا حرا أو عبدا عالما أو جاهلا مكرها أو مختارا { حيوانا مأكول (2) } اللحم قبلا أو دبرا { حرم لحمه ولحم نسله } ولبنهما بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن بعض نسبته إلى الاصحاب الظاهرة في الاجماع، بل ادعاه آخر، لخبر مسمع (3) المنجبر بما عرفت عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة التي تنكح، فقال: حرام لحمها وكذلك لبنها ". وخبر محمد بن عيسى (4) أو صحيحه، لان الظاهر كونه العبيدي


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) وفي الشرائع " مأكولا " والظاهر أنه (قده) أبرز علامة التنوين لهذه الكلمة في قوله: " دبرا ". (3) و (4) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 1.

[ 285 ]

وأنه ثقة عن الرجل - والظاهر أنه الهادي أو العسكري (عليهما السلام) - " إنه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة، قال: إن عرفها ذبحها وأحرقها وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سائرها ". وموثق سماعة (1) " عن الرجل يأتي بهيمة شاة أو بقرة أو ناقة، فقال: عليه أن يجلد حدا غير الحد ثم ينفى من بلاده إلى غيره، وذكروا أن لحم تلك البهيمة محرم ولبنها ". وروايات ابن سنان والحسين بن خالد واسحاق بن عمار وفيها الصحيح وغيره عن الصادقين (عليهم السلام) (2) " في الرجل يأتي البهيمة، فقالوا جميعا: إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار ولم ينتفع بها، وإن لم تكن البهيمة له قومت وأخذ ثمنها منه، ودفع إلى صاحبها وذبحت وأحرقت بالنار، ولم ينتفع بها - إلى أن قال -: فقلت: وما ذنب البهيمة ؟ قال: لا ذنب لها، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل هذا وأمر به لكي لا يجتزئ الناس بالبهائم وينقطع النسل ". وحسن سدير (3) عن الباقر (عليه السلام) " في الرجل يأتي البهيمة قال: يجلد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت مما يؤكل لحمه، وإن كانت مما يركب ظهره أغرم قيمتها وجلد دون الحد، وأخرجت من المدينة التي فعل بها إلى بلاد أخر حيث لا يعرف فيبيعها فيها كي لا يعير بها ".


(1) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 1 - 4 من كتاب الحدود والتعزيرات.

[ 286 ]

والخبر المروي عن تحف العقول (1) " سأل يحيى بن أكثم موسى البرقعي عن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأي الراعي ينزو على شاة منها، فلما بصر صاحبها خلى سبيلها فدخلت في الغنم، كيف تذبح ؟ وهل يجوز أكلها أم لا ؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن الثالث (عليه السلام) فقال: إنه إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما، فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف، فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان، فيقرع بينهما، فأيهما وقع السهم بها ذبحت وأحرقت ونجا سائر الغنم ". وهذه النصوص وإن خلت عن التصريح بالنسل المتفق ظاهرا على حرمته أيضا إلا أنه قد يستفاد ولو بمعونة الاتفاق المزبور من الذبح والاحراق وعدم الانتفاع. بل الظاهر عدم الفرق بين نسل الذكر والانثى، للنهي عن الانتفاع (2) وللافساد والامر بالاحراق (3) ولفحوى ما ورد في المتغذي بلبن الخنزيرة (4) وإن توقف فيه بعض الناس، واحتمال اختصاص أصل الحكم في الانثى لدعوى انصراف وطئ البهيمة وعود ضمير " لبنها " في غاية السقوط، بل يمكن اتفاق النص والفتوى على خلافه، ضرورة كون البهيمة كالدابة الشاملة للذكر والانثى، كضرورة اسم النكاح بمعنى الوطئ والاتيان ونحوهما


(1) ذكره نقلا بالمعنى في الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 راجع تحف العقول ص 355 طبعة بيروت. وذكره في البحار ج 65 ص 254. كالجواهر. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 1 من كتاب. الحدود والتعزيرات. (4) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 287 ]

للجميع، وقوله (عليه السلام): " وكذلك لبنها " (1) لا يقتضي التخصيص ولو بمعونة الاتفاق ظاهرا على ذلك. نعم قد يقال باختصاص الحكم بذات الاربع كما عن جماعة منهم الفاضل، لانه المنساق عرفا، بل ومن النص، بل قيل: إنها لغة كذلك فيقتصر عليه، خصوصا بعد مخالفة الحكم للاصول، واحتمال العموم - بل قيل: إنه المشهور، فيشمل الطير، لانها لغة اسم لكل ذي روح لا يميز كما عن الزجاج، ولذلك سميت بذلك - واضح الضعف، لما عرفت. ثم إن الواطئ إما أن يكون مالك البهيمة أو غيره، وعلى التقديرين إما أن تكون البهيمة مما يقصد لحمها ولبنها كالشاة والبقرة، أو ظهرها كالخيل والبغال والحمير وإن جاز أكلها، فان كان الاول وكان الموطوء يراد لحمه فلا خلاف نصا (2) وفتوى في ذبحها وحرقها، والنفي في موثق سماعة (3) إنما هو للواطئ، ولا أجد قائلا به، كما أنه كذلك لو كان المراد منه الموطوء. وإن كان المراد ظهره نفي الموطوء إلى غير بلد الواطئ مما لا يعرف فيه، فيباع ويدفع ثمنه إلى مالكه، كما عن الشيخ وابن إدريس، للاصل. وعن المفيد وابن حمزة من الصدقة به على الفقراء والمساكين عقوبة، ولا دليل على استحقاق العقوبة بذلك، بل ظاهر الادلة عقوبته بغيرها من التعزير ونحوه. بل ربما نوقش في أصل النفي المزبور بأنه لا دليل عليه سوى حسن سدير (4) الظاهر في تغاير المالك والواطئ، وإن كان يدفعه - ولو بمعونة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 1 - 2. (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4 من كتاب الحدود والتعزيرات.

[ 288 ]

عدم الخلاف المحكي على ذلك - ظهور الحسن المذكور في عموم الحكم المزبور كالاحراق وإن كان مورده المتغايران إلا أن المراد منه بيان الحكم على التقديرين، خصوصا بعد التعليل بعدم التعيير الشامل للامرين. وإن كان غير المالك والموطوء يراد لحمه فلا خلاف نصا (1) وفتوى في الذبح والاحراق وإغرام الثمن لمالكها. وإن كان المراد ظهره أغرم الثمن لمالكه ونفي في غير بلاد وبيع، كما سمعته في الحسن (2) لكن في دفع الثمن للمالك باعتبار بقائه على ملكه وإن أغرم له القيمة، والجمع بين العوض والمعوض عنه إنما يمنع في عقود المعاوضة، أو للواطئ لانه الذي أغرم القيمة، بل لعل التعبير بالثمن في الحسن مشعر بصيرورة المثمن له، أو يتصدق به لعدم استحقاقهما معا له أما المالك فلاخذ العوض، والواطئ فلعدم ملكه لها، فليس إلا الصدقة ولعله لا يخلو من قوة. بل منه يظهر قوة ما سمعته من المفيد في الاول وإن كان القول برجوعه إلى الواطئ مطلقا أقوى بالنظر إلى قواعد الفقه. ثم إن ظاهر المصنف وغيره اختصاص الحكم المزبور بأقسامه في مأكول اللحم دون محرمه كالهر والكلب والفيل، ونحوها، مع احتماله على معنى وجوب إحراقه وعدم جواز الانتفاع به، لاطلاق جملة من النصوص (3) التي لا ينافيها ما في آخر (3) من التعرض لحرمة اللحم، إذ المعنى حينئذ أنه يحرم لحمها إن كانت مأكولة، فهو حكم من الاحكام. بل قد يقال: إن اقتصار المصنف وغيره هنا في عنوان المسألة على المأكول لكونه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 1 - 4 - 0 - من كتاب الحدود والتعزيرات. (4) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 2 و 3.

[ 289 ]

في معرض بيان ما يحرم لحمه بالعارض. { و } على كل حال ف‍ { - لو اشتبه } الموطوء { بغيره قسم فريقين } أو نصفين متساويين مع إمكانه { وأقرع عليه مرة بعد أخرى حتى تبقى واحدة } فتحرق أو تنفى على حسب ما عرفت بلا خلاف أجده فيه، للخبرين (1) المنجبرين بذلك وإن قلنا باقتضاء القاعدة خلاف ذلك من اجتناب أو غيره، نعم ظاهر الخبرين الاشتباه في محصور، بل صرح به بعض متأخري المتأخرين، بل يمكن تنزيل إطلاق غيره عليه، فيبقى حينئذ غير المحصور على حكمه وإن أمكن القول بالاقراع مطلقا في غير المحصور، لامكانه بناء على عدم مراعاة التنصيف، لتعذره حتى في المحصور، حيث يكون العدد فردا، فيراد من النصف في النص (2) الفريق حينئذ، وإن كان الاولى مراعاة التنصيف حقيقة مع إمكانه، وإلا جعل الفرد مع أحد النصفين اقتصارا على المتيقن، ومحافظة على الحقيقة أو القريب إليها. نعم لا تختص القرعة في الواحدة المشتبهة، بل تجري مع التعدد وإن كان مورد الخبرين ذلك. بل الظاهر جريان القرعة مع تلف بعض القطيع بموت أو سرقة ونحوهما، فيجعل التالف في فريق ويقرع، فإذا خرجت القرعة نجى الباقي. والمدار في الوطئ على مسماه، كما في غير المقام، نعم لا يحصل بايلاج الخنثى المشكل، لعدم العلم بكونه ذكرا، والله العالم. { ولو شرب شئ من هذه الحيوانات خمرا لم يحرم لحمه } مع عدم النفوذ فيه { بل } وإن نفذ، ولكن قيل كما عن المشهور: { يغسل ويؤكل } بل في كشف اللثام نسبته إلى الاصحاب، ولعله للاستظهار،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 4.

[ 290 ]

لسرعة نفوذ الخمر فيه، والمرسل عن السرائر (1) لانه نسبه إلى الرواية قال فيها: " وقد روي أنه إذا شرب شئ من هذه الاجناس خمرا ثم ذبح جاز أكله بعد أن يغسل بالماء، ولا يجوز أكل شئ مما في بطنه ولا استعماله " بعد الانجبار بما عرفت. { و } على كل حال فالمشهور أيضا أنه { لا يؤكل ما في جوفه } من الامعاء والقلب والكبد وإن غسل، بل عن ابن زهرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد اعتضاده بالشهرة المزبورة، مضافا إلى خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في التهذيب والكافي المنجبر والمعتضد بما عرفت، بل لعله في الثاني منهما من الموثق، كما وصفه في محكي الخلاف والدروس، لان الراوي له ابن فضال عن أبي جميلة، وعن الكشي عن بعض دعوى أنه من أصحاب الاجماع. وعلى كل حال فقد قال (عليه السلام) " في شاة شربت خمرا حتى سكرت فذبحت على تلك الحال: لا يؤكل ما في بطنها " وإن كان هو أخص من المدعى من وجوه، إلا أنه يمكن إتمامه بالشهرة وعدم القائل بالفرق بين الشاة وغيرها. خلافا للمحكي عن ابن ادريس من الكراهة، وعن الفاضل في المختلف أنه استقر به، ومال إليه ثاني الشهيدين والاردبيلي وبعض متأخري المتأخرين استضعافا للخبر المزبور عن إفادة الحرمة سندا ودلالة، والاصل الحل. وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرنا، بل قد يقال: إن دعوى أخصيتها بالاضافة إلى دلالتها على حرمة ما في البطن مع الذبح حين السكر خاصة ممنوعة، إلا إذا ثبت فتاوى الفقهاء بالعموم للمذبوح وغيره، وهو غير واضح بعد استناد الاكثر إلى الرواية وتعليل الحكم في جملة منها بما


(1) السرائر ص 366 ص 3. (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 291 ]

يختص بموردها مع وقوع التصريح في بعضها باختصاص الحكم به، ولعله المراد من إطلاق بعضها كالعبارة ونحوها مما لو يوجد فيه شئ من ذلك وعلى تقدير عدم اتفاق الفتاوى على ذلك فاتفاقها على العموم غير معلوم، بل العدم معلوم، ولا إجماع يوجب العموم، فالقول بالتخصيص متعين، وعليه فتكون الرواية وافية بتمام المدعى. نعم إنما تكون أخص منه على القول بعمومه، وليس فيه حجة على من يخصصها. فلا شبهة في المسألة أصلا، سيما مع دعوى الاجماع السابق على أنه مع فرض إطلاق الاصحاب ذلك يكون هو القرينة على إرادة العموم في الجواب وإن كان السؤال خاصا، والله العالم. { ولو شرب } شئ منها { بولا لم يحرم } اللحم أيضا بلا خلاف ولا إشكال، بل ولا يغسل للاصل، مع ما قيل من إمكان الفرق بينه وبين الخمر بسرعة نفوذ الثاني فيه دونه، وإن كان قد يناقش بأن غسل اللحم إن كان لنفوذ الخمر فيه كما هو الظاهر لم يتم الفرق بينه وبين ما في الجوف، وإن لم يصل إليه لم يجب تطهيره، مع أن ظاهر الحكم غسل ظاهر اللحم الملاصق للجلد، وباطنه المجاور للامعاء، والرواية خالية عن غسل اللحم. وقد تدفع بأن المراد إمكان التخلص من البول بالغسل بخلاف الخمر فان الغسل لا يخرج أجزاءه النافذة في الاجزاء، بخلاف البول الذي لا تقبله الطبيعة ولا تتغذى به، والامر سهل، فان المراد توجيه النص الذي هو العمدة في الفرق. { و } كيف كان فلا خلاف في أنه { يغسل ما في بطنه ويؤكل } لمرسل موسى بن أكيل النميري (1) المتقدم عن أبي جعفر (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2.

[ 292 ]

" في شاة شربت بولا ثم ذبحت، فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس وكذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلالة " المنجبرة بالشهرة العظيمة بل لم أجد فيه خلافا، كما اعترف به بعض وإن كان هو قاصرا عن تمام المدعى. بل في المسالك بعد التردد في الحكمين المزبورين قال: " هذا كله إذا كان ذبحها عقيب الشرب بغير فصل أو قريبا منه، أما لو تراخى بحيث يستحيل المشروب لم يحرم، ونجاسة البواطن حيث لا يتميز فيها عين النجاسة منتفية " وظاهره اختصاص موضوع المسألة بغير ذلك، وتبعه عليه غيره، إلا أنه مناف لظاهر الاكثر أو الجميع، ويمكن كون الغسل تعبديا لا للنجاسة، بل مقتضى المرسل المزبور أن اعتلاف العذرة كذلك ما لم يكن جلالا، أللهم إلا أن يراد مثلها في الحل خاصة، كما أنه يمكن دعوى إرادة الذبح حال الشرب، بحيث تكون عين النجاسة باقية، والله العالم. { و } كيف كان فلا خلاف بيننا بل وبين أكثر المسلمين في أنه { يحرم الكلب } بل الاجماع بقسميه عليه، لانه نجس وسبع وممسوخ فيشمله ما دل على حرمة ذلك من نص (1) واجماع، خلافا للمحكي عن مالك. { و } كذا يحرم { السنور } بلا خلاف فيه بيننا أيضا { أهليا كان أو وحشيا } للنص (2) عليه بخصوصه، ولانه سبع كما في بعض النصوص عن كتاب علي (عليه السلام) (3) مضافا إلى كون


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 و 3. (2) سنن البيهقي - ج 6 ص 11. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاسآر - الحديث 2 من كتاب الطهارة.

[ 293 ]

السبع هو الحيوان المفترس بطبعه أو للاكل كما عن القاموس، أو الذي له ناب أو أظفار يعدو بها على الحيوان ويفترسه، أو الذي يأكل اللحم. وعلى كل حال هو منه، فيشمله ما دل على حرمتها من إجماع محكي معتضد بنفي الخلاف أو محصل ونص (1) خلافا لمالك أيضا وبعض الشافعية، وعن آخر منهم الفرق بين الوحشية والانسية، فأحل الاول دون الثاني قياسا على حمار الوحشي، والله العالم. { ويكره أن يذبح بيده ما رباه من النعم } كما تقدم في الذباحة (2) التي هي محل هذه المسألة لا المقام، ضرورة كون الكراهة الفعل لا الاكل بل في خبر محمد بن الفضل (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) " لا تربين شيئا ثم تذبحه " وهو شامل للنعم وغيره. أللهم إلا أن يقال: المراد بذلك الكناية عن الاكل أيضا، والله العالم. { و } على كل حال فلا خلاف بيننا بل وبين المسلمين في أنه { يؤكل من الوحشية البقر والكباش الجبلية } التي هي على ما قيل الضأن والمعز الجبليان { والحمر والغزلان واليحامير } بل الاجماع بقسميه عليه هنا، مضافا إلى النص (4) في الظبي وحمار الوحش واليحمور والايل الذي هو على ما قيل بقر الجبل أو ذكر الاوعال، والسيرة المستمرة بل الضرورة، نعم ظاهر المتن والقواعد والتحرير وغيرها حصر المحلل من الوحش فيها، بل هو صريح محكي الغنية إلا أنه زاد الاوعال سادسا.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع ص 138. (3) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الذبائح - الحديث 1 من كتاب الصيد والذباحة. (4) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المباحة والباب - 17 - من أبواب الصيد - الحديث 2 و 4 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 294 ]

لكن قد يشكل ذلك بالخيل والابل والبغال لو كانت وحشية، لاطلاق ما دل على حلها إنسية كانت أو وحشية، ودعوى الانصراف إلى الاول خاصة ممنوعة كما في بقر الوحش وحماره. بل قد يشكل بالنعامة بناء على أنها من غير الطير وأنها حلال، ولكن يمكن عدم إرادة الفاضلين الحصر بل ربما كان منهما ما ينفي الظهور، حيث عقبا تحليل الخمسة من الوحوش النص على تحريم السباع، والمفهومان متعارضان في الخارج عن السباع والانواع الخمسة، فلا يستفاد حكمه منهما. { و } على كل حال فلا خلاف بيننا في أنه { يحرم منها ما كان سبعا، وهو ما كان له ظفر أو ناب يفترس به، قويا كان كالاسد والنمر والفهد والذئب أو ضعيفا كالثعلب والضبع وابن آوى } بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السيرة المستمرة، وفي مرسل الكافي (1) " لا تأكل من السباع شيئا " وفي صحيح الحلبي (2) " لا يصلح أكل شئ من السباع، وإني لاكرهه وأقذره " وفي موثق سماعة (3) " عن لحوم السباع وجلودها، فقال: أما لحوم السباع والسباع من الطير فانا نكرهه، وأما الجلود فاركبوا ولا تلبسوا شيئا تصلون فيه " وفي النهي عن الصلاة فيه دلالة على إرادة الحرمة من الكراهة. وفي مرسل الفقيه (4) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام " ونحوها رواية داود بن فرقد (5) وموثق سماعة (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المأكول من الطير والوحش، فقال:


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 - 5 - 4 - 1 - 3. (4) أشار إليه في الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 3 ص 205 - الرقم 938.

[ 295 ]

حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من الوحش، فقلت: إن الناس يقولون من السبع، فقال لي: يا سماعة السبع كله حرام وإن كان سبعا لا ناب له، وإنما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا تفصيلا ". إلى غير ذلك من النصوص المنجبر ما يحتاج إلى الجبر منها بما عرفت والمعتضدة بما سمعت. فوسوسة بعض الناس في الحكم المزبور لبعض النصوص - كصحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدم في نصوص حلية الحمير (2) وصحيح زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ما حرم الله في القرآن من دابة إلا الخنزير ولكنا نكره " وصحيحه الآخر (4) الذي سأل فيه أبا جعفر (عليه السلام) " عن الجريث، فقال: قل لا أجد - إلى آخر الآية (5) - ثم قال: لم يحرم الله شيئا في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شئ من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام إنما هو مكروه ". وفي صحيح ابن مسلم (6) أيضا بعد الامر بقراءة الآية قال: " إنما الحرام ما حرم الله ورسوله


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6. (2) المتقدمة في ص 265 - 267. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. وفيه " ولكنه النكرة " وفي التهذيب ج 9 ص 43 - الرقم 179 " ولكنه النكرة ". (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 19. وفيه " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)... " إلا أن الموجود في التهذيب ج 9 ص 5 - الرقم 15. والاستبصار ج 4 ص 60 - الرقم 207 " سألت أبا جعفر (عليه السلام)... ". (5) سورة الانعام: 6 - الآية 145. (6) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 20.

[ 296 ]

في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء، فنحن نعافها " وفي حسن زرارة ومحمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) لما سألاه عن لحم الحمير الاهلية، قال: " إنما الحرام ما حرم الله عزوجل في القرآن) وفي صحيح زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " أكل الغراب ليس بحرام، إنما الحرام ما حرمه الله في كتابه، ولكن الانفس تتنزه عن كثير من ذلك تقززا (3) ". وغيرها من النصوص المحمولة على التقية أو مطرحة - لا وجه لها. { و } كذا لا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه في أنه { يحرم الارنب والضب والحشرات كلها } التي هي صغار دواب الارض أو التي تأوى نقب الارض { كالحية والفأرة والعقرب والجرذان والخنافس والصراصر وبنات وردان والبراغيث والقمل } وغيرها مما هو مندرج في الخبائث أو الحشرات أو المسوخ، وما في الصحيح (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عزوف النفس وكان يكره الشئ ولا يحرمه، فأتي بالارنب فكرهها ولم يحرمها " محمول على التقية، وفي المروي عن الدعائم (5) عن علي (عليه السلام) " أنه نهى عن الضب والقنفذ وغيره من حشرات الارض ". { و } كذا لا خلاف في أنه { يحرم اليربوع والقنفذ والوبر


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (3) القز: إباء النفس الشئ وبالضم التباعد من الدنس كالتقزز (القاموس). (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 21. (5) المستدرك - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6. وفيه " من خرشة الارض " إلا أن الموجود في الدعائم ج 2 ص 121 كالجواهر.

[ 297 ]

والخز والفنك والسمور والسنجاب والعظاءة واللحكة، وهي دويبة تغوص في الرمل يشبه بها أصابع العذارى } وغيرها، وما في خبر زكريا بن آدم (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إن أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه ؟ فقال: إن كان له ناب فلا تأكله، قال: ثم سكت ساعة فلما هممت بالقيام قال: أما أنت فانى أكره لك فلا تأكله ". وخبر أبي حمزة (2) " سأل أبو خالد الكابلي علي بن الحسين (عليه السلام) عن أكل لحم السنجاب والفنك والصلاة فيهما، فقال أبو خالد: السنجاب يأوى الاشجار، فقال: إن كان له سبلة كسبلة السنور والفأرة فلا يؤكل لحمه، ولا تجوز الصلاة فيه، ثم قال: أما أنا فلا آكله ولا أحرمه " مطرح أو محمول على التقية، خصوصا بعد ما تقدم في الصلاة (3) من معلومية كونهما غير مأكولين. وفي خبر حمران بن أعين (4) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخز، فقال: سبع يرعى في البر ويأوى الماء ". وعلى كل حال فقد ظهر لك أن عنوان التحريم - مضافا إلى ما دل عليه بالخصوص - الخبث والمسخ والحشرات والسبع أو كل ذي ناب بناء على أنه أعم من السبع، كما هو ظاهر موثق سماعة (5) والله العالم.


(1) و (4) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2. (2) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (3) راجع ج 8 ص 94 و 96. (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 298 ]

{ القسم الثالث } { في الطير } { والحرام منه أصناف } مضافا إلى بعض أفراده بالخصوص: { الاول: ما كان ذا مخلاب } أي ظفر { قوي يعدو به (يقوى به خ ل) على } افتراس { الطير كالبازي والصقر والعقاب والشاهين والباشق، أو ضعيف } لا يقوى به على ذلك { كالنسر والرخمة والبغاث } بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) التي تقدم جملة منها كخبر داود بن فرقد (2) وغيره. لكن في وافي الكاشاني " المخلب: الظفر لكل سبع من المواشي والطائر، أو هو لما يصيد من الطير والظفر لما لا يصيد " وفي الصحاح " المخلب للطائر والسباع بمنزلة الظفر للانسان ". قلت: قد يظهر من عد الاصحاب النسر والرخم والبغاث من ذي المخلب المحرم عدم اعتبار الصيد في الحرمة، قال في الدروس بعد أن ذكر كما ذكر المصنف: " وهو - أي البغاث - ما عظم من الطير وليس له مخلاب معقف، وربما جعل النسر من البغاث " وقال الفرا: " بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها كالرخم والحدأة " وفي الصحاح عن ابن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 1.

[ 299 ]

السكيت " البغاث طائر أبغث، إلى الغبرة، دون الرخمة، بطئ الطيران وفي المثل: إن البغاث بأرضنا تستنسر، أي من جاورنا عز بنا ". وبالجملة ظاهرهم عدم اعتبار القوة على الصيد في حرمة ذي المخلب ويمكن أن يريدوا نحو ما ذكروه في حرمة ذي الناب من الافتراس به ولو ضعيفا، بحيث لا يعد به سبعا، فكذلك هنا، وقد سمعت ما في موثق سماعة (1) من تفسير النبوي، والله العالم. { و } على كل حال ف‍ { في الغراب روايتان: } إحداهما تقتضي حله مطلقا، كموثق زرارة بن أعين (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " إن أكل الغراب ليس بحرام، إنما الحرام ما حرم الله في كتابه، ولكن الانفس تتنزه عن ذلك تقززا (3) " وموثق غياث (4) عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام) " إنه كره أكل الغراب لانه فاسق ". والاخرى تقتضي حرمته مطلقا، كصحيح علي بن جعفر (5) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) " سألته عن الغراب الابقع والاسود يحل أكلهما، فقال: لا يحل أكل شئ من الغربان: زاغ ولا غيره " ومرسل الصدوق (6) عن الصادق (عليه السلام) " لا يؤكل من الغربان زاغ ولا غيره، ولا يؤكل من الحيات شئ ". وخبر أبى يحيى الواسطي (7) قال: " سئل الرضا (عليه السلام) عن الغراب الابقع، فقال: إنه لا يؤكل، وقال: من أحل لك الاسود ؟ ". بل وخبر أبى اسماعيل (8) " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن بيض الغراب، فقال:


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (2) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 3 - 6 - 4 - 5. (3) راجع التعليقة (3) في ص 296.

[ 300 ]

لا تأكله " لتبعية حل البيض وحرمته لحل اللحم وحرمته، وفى المرسل (1) " إن النبي (صلى الله عليه وآله) أتي بغراب فسماه فاسقا، وقال: والله ما هو من الطيبات ". ومن هنا اختلف الاصحاب فيه، فعن الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار والقاضي الاول مطلقا على كراهة، واختاره المصنف في النافع، وعن الشيخ في الخلاف التحريم مطلقا مدعيا عليه إجماع الفرقة وأخبارها. { وقيل } وإن كنا لم نعرف قائله: { يحرم الابقع والكبير الذي يسكن الجبال، ويحل الزاغ، وهو غراب الزرع، والغداف، وهو } كما عن المبسوط والخلاف { أصغر منه يميل إلى الغبرة ما هو } أي ميلا يسيرا كالرماد، بل لعله يعرف بالرمادي لذلك. نعم عن ابن إدريس حل الزاغ منه خاصة، قال: " الغربان على أربعة أضرب، ثلاثة منها لا يجوز أكل لحمها، وهو الغداف الذي يأكل الجيف ويفرس، ويسكن الخربات، وهو الكبير من الغربان السود، وكذا الاغبر الكبير، لانه يفرس ويصيد الدراج، فهو من جملة سباع الطير، وكذلك لا يجوز أكل لحم الابقع، الذي يسمى العقعق، طويل الذنب، فأما الرابع وهو غراب الزرع الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ فان الاظهر من المذهب أنه يؤكل لحمه على كراهة دون أن يكون محظورا، وإلى هذا يذهب شيخنا في نهايته وإن كان قد ذهب إلى خلافه في مبسوطه ومسائل خلافه، فقال بتحريم الجميع، وذهب في الاستبصار إلى تحليل الجميع " إلى آخر ما ذكر. لكن الموجود في النهاية " يكره أكل الغربان " وفي الخلاف " الغراب كله حرام على الظاهر في الروايات، وقد روي في بعضها رخص، وهو


(1) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 301 ]

الزاغ، وهو غراب الزرع، والغداف، وهو أصغر منه، أغبر اللون كالرماد وقال الشافعي: الاسود والابقع حرام، والزاغ والغداف على وجهين: أحدهما حرام والثاني حلال، وبه قال أبو حنيفة، دليلنا إجماع الفرقة وعموم الاخبار في تحريم الغراب، وطريقة الاحتياط " وظاهره أو صريحه تحريم الجميع، مع أنه حكى عنه في التنقيح تحليل الزاغ والغداف. وفي المبسوط " ما لا مخلب له من الطير مستخبث وغير مستخبث فالمستخبث ما يأكل الميتة ونحوها، وكلها حرام، وهو النسر والرخم والبغاث والغراب ونحو ذلك عندنا وعند جماعة، وروي (1) أن النبي (صلى الله عليه وآله) أتي بغراب فسماه فاسقا، وقال: ما هو والله من الطيبات، والغراب على أربعة أضرب: الاول الكبير الاسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف، والثاني الابقع، فهذان حرامان، والثالث الزاغ، وهو غراب الزرع، والرابع الغداف، وهو أصغر منه، أغبر اللون كالرماد، قال قوم: هو حرام لظاهر الاخبار، وقال آخرون: هو مباح، وهو الذي ورد في رواياتنا ". وفي المحكي عنه في فصل ما يلزم المحرم من الكفارة التصريح بأن الغراب من غير المأكول، ولكن مع ذلك حكى عنه في التنقيح أن الاولين حرام والثالث مباح والرابع مختلف فيه. وفي اللمعة " ويحل غراب الزرع في المشهور، والغداف وهو أصغر منه إلى الغبرة ما هو ". وفي التحرير " ويحرم الغداف من الغربان، وهو الكبير الاسود الذي يأكل الجيف ويفترس، ويسكن الخربان، وكذا الاغبر الكبير الذي يفرس ويصيد الدراج. وكذا الابقع طويل الذنب، وأما الزاغ وهو


(1) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 302 ]

غراب الزرع الصغير الاسود ففيه قولان: أقربهما الكراهة ". وفي القواعد " وأما الغراب فيحرم منه الكبير الاسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف والابقع، وأما الزاغ وهو غراب الزرع والغداف وهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد ففي تحريمهما خلاف ". وفي كشف اللثام وفي المحيط والمجمل والمفصل وشمس العلوم " أن الغداف الغراب الضخم " وفي الصحاح والديوان والمغرب المعجم وغيرها من أنه غراب القيض، قال في المغرب: " ويكون ضخما وافر الجناحين ". وفي العين والمغرب المهمل " أنه غراب القيض الضخم الوافي الجناحين " وفي الاساس والسامي والمهذب " أنه غراب أسود " وفي التحرير والسرائر ما سمعت، ثم قال: " والمراد هنا المعنى الاول، لان فيه الخلاف ". وكيف كان فقد تلخص من ذلك أن الاقوال فيه أربعة أو خمسة: الحل مطلقا، والحرمة كذلك، والتفصيل بين الزاغ وغيره، أو هو مع الغداف، وربما كان ظاهر اللمعة التوقف في الزاغ دون الغداف. وعلى كل حال فلم نجد شيئا يدل على شئ من هذه التفاصيل، كما اعترف به غير واحد، سوى ما عساه يقال مما أرسله في الخلاف من ورود الرخصة في الاخيرين، مع الانجبار بدعوى الشهرة، أو يقال: إن رواية الحل منجبرة بالشهرة فيهما بخلاف الاخيرين، فان رواية التحريم على حالها فيهما، أو يقال: إن الزاغ منه قد نص على تحريمه في صحيح التحريم (1) بخلاف الغداف، أو غير ذلك مما هو كما ترى، خصوصا بعد عدم العمل بما أرسله في الخلاف المنبئ عن عدم ثبوته عنده، وخصوصا بعد عدم تحقق شهرة بسيطة معتد بها.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 303 ]

وطرح الخبرين (1) معا والرجوع إلى علامات الحل والحرمة مع دعوى تحقق الاولى في الزاغ والغداف أو في أحدهما وتحقق الثانية في غيرهما لا يوافق أصول المذهب بعد جمعهما لشرائط الحجية، على أن الثلاثة من علامات الحل في المجهول الذي لم يرد فيه من الشرع تحريم، فليس حينئذ إلا الترجيح بينهما على إطلاقهما، ولا يخفى عليك أن رواية التحريم (2) أصح سندا ومعتضدة بغيرها مما دل عليه من نص وإجماع محكي ومخالفة العامة والاحتياط وأصالة عدم التذكية وغير ذلك. واحتمال معارضة ذلك - بأن رواية الحل (3) أصرح دلالة، لاعمية عدم الحل من الحرمة، وصلاحيتها قرينة على إرادة الكراهة، خصوصا بعد اشتمالها على تنزه النفس، وباعتضادها بخبر غياث (4) المشتمل على التصريح بالكراهة، وبعمومات الحل وعلاماته - يدفعه أن حمل عدم الحل على الكراهة ليس بأولى من حمل الحل على التقية المتعارف خروج النصوص مخرجها، ودعوى عدم العلم بمذاهب العامة في ذلك بل المحكي عنهم التفصيل لا تعارض دعوى ثبوتها من المطلع على مذاهبهم، والكراهة في خبر غياث أعم منها بالمعنى المصطلح، على أنه مشتمل على التعليل بكونه فاسقا، بل فيه إشعار بموافقة النبوي المشتمل على ترك النبي (صلى الله عليه وآله) لما جئ به إليه وسماه فاسقا، وعمومات الحل يدفعها ما عرفت سابقا من أصالة عدم التذكية ومعظم علاماته في المجهول، كما ستعرف. بل قد يقال: إن الغراب جميعه له مخلب وإن كان مخلب الزاغ والغداف منه ضعيفا، خصوصا بناء على إرادة مطلق الظفر منه، نحو


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 3. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 3 - 1 - 2.

[ 304 ]

ما سمعته في الناب من الوحش الذي يظهر من موثق سماعة (1) الآتي في تفسير النبوي المشتمل عليه، على أنه علامة للحرمة وإن لم يكن سبعا، فيحتمل مثله في المخلب، إذ المروي (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) النهي عن ذي الناب من الوحش والمخلب من الطير، فإذا كان المراد من الاول حرمة صاحبه وإن لم يكن سبعا يقوى إرادة مثله في ذي المخلب ولا أقل أن من ذلك كله يحصل الشك، والاصل عدم التذكية، فالاحوط والاقوى اجتناب الغراب بأقسامه، والله العالم. الصنف { الثاني ما كان صفيفه } أي بسط جناحيه حال طيرانه كما هو مشاهد في جوارح الطير، لا الصفيف بالمعنى الاعم الذي هو استقلال الطير بالطيران، كما أطلق في جملة من النصوص (3) إذ المراد هنا الاول قطعا، وعلى كل حال فمتى كان صفيفه بالمعنى الاول { أكثر من دفيفه } الذي هو بمعنى ضرب جناحه على دفته المقابل للصفيف بالمعنى الاخص { فانه يحرم } بريا كان أو بحريا، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص. قال زرارة (4): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يؤكل من الطير، فقال: كل ما دف ولا تأكل ما صف ". وفي موثق سماعة (5) " كل ما صف وهو ذو مخلب فهو حرام، والصفيف كما يطير البازي والحدأة والصقر وما أشبه ذلك، وكل ما دف فهو حلال ".


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 82 - من أبواب تروك إلاحرام - الحديث 3 والباب - 12 -. من أبواب كفارات الصيد - الحديث 6 والباب - 40 - منها الحديث 1 من كتاب الحج. (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 1 - 2.

[ 305 ]

وقال ابن أبي يعفور (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني أكون في الآجام فيختلف علي الطير فما آكل منه ؟ فقال: كل ما دف ولا تأكل ما صف ". وفي الفقيه في حديث آخر (2) " إن كان الطير يصف ويدف فكان دفيفه أكثر من صفيفه أكل، وإن كان صفيفه أكثر من دفيفه فلا يؤكل، ويؤكل من طير الماء ما كان له قانصة أو صيصية، ولا يؤكل ما ليس له قانصة أو صيصية " إلى غير ذلك من النصوص التي هي كما تدل على حل ذي الدفيف تدل على حرمة ذي الصفيف المحمول - بقرينة المرسل المزبور وما يشاهد من الوجدان في الصقر ونحوه مما ذكر مثالا له في الموثق - على الاكثرية لا الاستدامة والاستمرار. نعم ليس في شئ منها ما يدل على المتساوي، إلا أن المصنف وغيره قالوا: { ولو تساويا أو كان دفيفه أكثر لم يحرم } ومقتضاه الالحاق بالاكثر في الحل، بل عن بعض أنه المعروف من مذهب الاصحاب، قيل: ولعله لعموم أدلة الاباحة كتابا (3) وسنة (4) وخصوص ما دل على إباحة كل ما اجتمع فيه الحلال والحرام (5). وفيه أنه مناف لاصالة عدم التذكية المخصص لادلة الاباحة وخصوص ما دل على غلبة الحرام على الحلال (6) مع الاجتماع، وإن كان قد يناقش في الاخير من الدليلين بعدم الاجتماع بعد أن كان علامة كل من الحل والحرمة الاكثرية التي لا يتصور اجتماعهما، فيبقى المتساوي موضوعا خارجا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 4. (3) و (4) راجع ص 237. (5) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (6) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 5 من كتاب التجارة.

[ 306 ]

عما يقتضي الحل والحرمة، فيرجع فيه إلى الاصل بعد فقد العلامات، وهو على الخلاف الذي عرفته سابقا، كما هو واضح، ونحوه ما تعارض فيه علامة الحل وعلامة الحرمة مع فرضه، كما ستعرف. والصنف { الثالث ما ليس له قانصة } وهي في الطير بمنزلة المصارين في غيره { ولا حوصلة } بتخفيف اللام وتشديدها هي للطير كالمعدة لغيره، وعن بعض كتب أهل اللغة اتحادها مع القانصة { ولا صيصية } وهي الشوكة التي خلف رجل الطير خارجة عن الكف، وهي له بمنزلة الابهام للانسان { فهو حرام، وما } كان { له أحدها فهو حلال ما لم ينص على تحريمه } بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على ذلك. قال ابن سنان (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الطير ما يؤكل منه ؟ فقال: لا تأكل ما لم تكن له قانصة ". وسأل زرارة (2) أبا جعفر (عليه السلام) " عن طير الماء، فقال: ما كانت له قانصة فكل وما لم تكن له قانصة فلا تأكل ". وقال الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (3): " كل الآن من طير البر ما كانت له حوصلة، ومن طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام، لا معدة كمعدة الانسان - إلى أن قال: والقانصة والحوصلة يمتحن بهما من الطير ما لا يعرف طيرانه وكل طير مجهول ". وقال (عليه السلام) أيضا في موثق مسعدة بن صدقة (4): " كل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 3 - 4.

[ 307 ]

من الطير ما كانت له قانصة ولا مخلب له، قال: وسئل عن طير الماء فقال: مثل ذلك ". وقال (عليه السلام) أيضا في موثق ابن بكير (1): " كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصية أو حوصلة ". وسأله (عليه السلام) ابن أبي يعفور (2) " عن الطير يؤتى به مذبوحا، فقال: كل ما كانت له قانصة " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الاكتفاء بأحدها في الحل وعلى الحرمة مع انتفائها أجمع. وكيف كان فقد تلخص من ذلك - بعد تحكيم الخاص على العام والمطلق على المقيد والمنطوق على المفهوم - أن للحرمة علامات أربعة: المخلب وأكثرية الصفيف وانتفاء الثلاثة والمسخ، وللحل أربعة أيضا: أكثرية الدفيف والحوصلة والقانصة والصيصية، ولا إشكال مع فرض عدم تعارض العلامات في الوجود الخارجي كما ادعاه بعض، وربما يشهد له ظاهر بعض النصوص (3) بل لعل أكثرية الصفيف منها لازم للجوارح باعتبار قوتها وجلادتها بخلاف الدفيف الذي يكون في الطير الضعيف. بل المراد من قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (4): " كل ما صف وهو ذو مخلب " التفسير لا التقييد، لمعلومية عدم اشتراط ذلك في العلامة المزبورة، وعن بعض النسخ " وقال عمران الحلبي: فهو ذو مخلب " وهو أظهر مما قلنا. أما مع فرض التعارض في الوجود فالظاهر تقديم احدى علامات


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 - 6. (3) راجع الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 والباب - 19 - منها - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 وهو خبر سماعة.

[ 308 ]

الحرمة على الثلاثة التي هي علامة للحل في المجهول نصا وفتوى، ومع فرض وجود إحدى علامات الحرمة من المخلب وأكثرية الصفيف أو المسخ لا جهالة، فما وقع من بعضهم هنا من جريان الوجهين احتمال الحل والحرمة في غير محله. نعم لو تعارض المخلب أو المسخ مع أكثرية الدفيف أمكن ذلك، لكون التعارض بينهما حينئذ بالعموم من وجه، فمع عدم الترجيح يرجع إلى غيرهما من الادلة، لكن قد عرفت أن المتجه عندنا الحرمة، لاصالة عدم التذكية خلافا لبعض، بل ظاهر النص والفتوى حرمة المسخ وذي المخلب مطلقا على وجه يرجح على ما دل على حلية الاكثر دفيفا ولو لصحة السند وكثرة العدد وغيرهما من المرجحات، فيخص بها الدليل الآخر. كما أن الظاهر نصا وفتوى عدم الفرق بين طير البر والماء في العلامات المزبورة، بل قد سمعت التصريح به في القانصة في موثق مسعدة (1) بل هو ظاهر خبر سماعة (2) أيضا، وما عساه يتوهم من خبر زرارة (3) وغيره من الفرق في غير محله. نعم ربما كان الغالب القانصة في طير الماء والحوصلة في طير البر أو أنهما في كل منهما أظهر، فيمكن أن يكون التفصيل فيه وفي غيره لذلك، أو أنهما بمعنى، كما عن بعض كتب اللغة، كما أن الغالب عدم معرفة أكثرية الصفيف والدفيف منه في طير الماء. وحينئذ فيؤكل ما وجد فيه علامة الحل من طير الماء وإن كان يأكل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 - 3. (3) ذكر صدره في الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 وذيله في الباب - 18 - منها - الحديث 2.

[ 309 ]

السمك، لاطلاق الادلة، وخصوص خبر نجية بن الحارث (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن طير الماء ما يأكل السمك منه يحل ؟ قال: لا بأس به كله ". ومن الغريب ما يحكى عن بعض من حمل الخبر المزبور على التقية، ضرورة عدم خلاف في ذلك بيننا، إذ ليس أكل السمك يجعله من السباع، بل قد سمعت أن الصرد الذي حكموا بحله يأكل العصافير، أللهم إلا أن يريد بحمله على التقية من حيث دلالته على حل طير الماء مطلقا من دون مراعاة العلامات، ولعل حمله حينئذ على ما سمعته من التفصيل في غيره أولى منها، والله العالم. الصنف { الرابع: ما يتناوله التحريم عينا كالخفاش } الذي يقال فيه: الخشاف كما في عرفنا الآن، ويقال له أيضا: الوطواط، كما عساه الظاهر من بعض نصوص المسوخ (2) التي ذكر فيها أن منها الوطواط، وفي آخر (3) عد الخفاش مكانه، فيعلم من ذلك اتحادهما، لكن عن بعض أن الوطواط الخطاف، ونقله في الصحاح أيضا، بل عن القاموس الوطواط: الخفاش وضرب من الخطاطيف، ولكن الاول أصح، لما ستعرف إنشاء الله من حل الخطاف وعدم كونه من المسوخ. وعلى كل حال فلا خلاف أجده نصا (4) وفتوى في حرمته { و } حرمة { الطاووس } المنصوص على أنه من المسوخ أيضا، وعلى أنه حرام اللحم والبيض، قال الرضا (عليه السلام) (5): " إن الطاووس


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 - 12 - 6. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 و 13 و 14 و 5.

[ 310 ]

مسخ، كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤمن فوقع بها ثم راسلته بعد ذلك فمسخهما الله طاووسين أنثى وذكر، فلا تأكل لحمه وبيضه " وفي خبر سليمان بن جعفر (1) " الطاووس لا يحل أكله ولا بيضه " والله العالم. { ويكره الهدهد } بلا خلاف أجده فيه، وفي صحيح علي بن جعفر (2) " سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الهدهد وقتله وذبحه فقال: لا يؤذى ولا يذبح، فنعم الطير هو " وفي خبر الجعفري (3) عن الرضا (عليه السلام) " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن قتل الهدهد والصرد والصوام والنحلة " وفي خبر آخر عنه (عليه السلام) (4) " في كل جناح هدهد مكتوب بالسريانية آل محمد خير البرية " إلى غير ذلك من النصوص التي لا يخفى ظهور الكراهة منها، خصوصا بعد عده في جملة المعلوم كراهته والتعليل بكونه نعم الطير، كما لا يخفى ظهور النهي عن الذبح ونحوه في كراهة أكل اللحم، بل عساه يشعر به ما تسمعه في خبر الخطاف (5) من استدلال الامام (عليه السلام) على ما فعله من أخذه مذبوحا من يد من كان في يده ودحي الارض به بالنبوي المزبور. وفي كشف اللثام " والاخبار كلها إنما تضمنت النهي عن قتله، وسواء بقي على ظاهره من التحريم أو أول بالكراهة، لعدم ثبوت الحرمة بأخبار الآحاد بدون ضميمة فتوى الاصحاب، فلا يثبت بها حرمة الاكل، ولا تبعد الكراهة احترازا عن القتل " ولا يخلو من نظر، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الصيد الحديث 1 - 3 - 2 من كتاب الصيد والذباحة. (5) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الصيد - الحديث 3 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 311 ]

{ وفي الخطاف روايتان (1) } ومن هنا كان في حرمته وحله قولان، ففي خبر الحسن بن داود الرقي (2) قال: " بينما نحن قعود عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ مر رجل بيده خطاف مذبوح فوثب إليه أبو عبد الله (عليه السلام) حتى أخذه من يده ثم دحا به الارض ثم قال: أعالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم ؟ لقد أخبرني أبي عن جدي إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن قتل الستة: النحلة والنملة والضفدع والصرد والهدهد والخطاف " ورواه في الكافي عن داود أو غيره (3) وفيه " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن قتل الستة: منها الخطاف، وقال: إن دورانه في السماء أسفا لما فعل بآل بيت محمد (صلوات الله عليهم) وتسبيحه قراءة الحمد لله رب العالمين، ألا ترونه يقول: ولا الضالين ؟ ". وفي خبر التميمي (4) عن محمد بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): استوصوا بالصنينات خيرا - يعني الخطاف - فانهن آنس طير الناس بالناس، ثم قال: أتدرون ما تقول الصنينة إذا هي مرت وترنمت، تقول: بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين، حتى تقرأ أم الكتاب، فإذا كان في آخر ترنمها قالت: ولا الضالين ". وفي حسن جميل بن دراج (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قتل الخطاف أو إيذائهن في الحرم، فقال: لا يقتلن، فاني كنت مع علي بن الحسين (عليهما السلام) فرآني أوذيهن، فقال: يا بني لا تقتلهن ولا تؤذهن، فانهن لا يؤذين شيئا " ولهذه النصوص حكي عن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الصيد - الحديث 0 - 3 - 2 - 4 - 1 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 312 ]

الشيخ في النهاية وابني إدريس والبراج الحرمة. { و } لكن لا ريب أن { الكراهية أشبه } وفاقا لغير من عرفت من الاصحاب، لانه لسانها، مضافا إلى قصورها عن إثبات الحرمة، خصوصا بعد معارضتها بأخبار الدفيف (1) وخبر عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " عن الرجل يصيب خطافا في الصحراء أو يصيده أيأكله ؟ فقال: هو مما يؤكل، وعن الوبر يؤكل ؟ قال: لا هو حرام " وموثقه الآخر (3) " عن الخطاف، قال: لا بأس به، وهو مما يحل أكله، لكن كره، لانه استجار بك ووافى منزلك، وكل طير يستجير بك فأجره ". وفي المختلف عن كتاب عمار (4) " خرء الخطاف لا بأس به، وهو مما يحل أكله، ولكن كره، لانه استجار بك " وغيرها المنجبرة بما عرفت من الشهرة العظيمة. بل لعل قوله (عليه السلام): " فانهن لا يؤذين شيئا " مشعر بطهارة ذرقهن المقتضي لحل الاكل، واحتمال التعجب في خبر عمار الاول - الذي لم ينحصر الدليل فيه - خلاف الظاهر بلا داع، بل لعل قوله: " وعن الوبر " إلى آخره يشعر بعدمه، كاشعار قوله: " في الحرم " بأن النهي عن إيذائهن باعتبار كونهن في الحرم، بل جمع الخطاف مع معلوم الكراهة يقتضي ذلك أيضا، وإلا لاستلزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو في عموم المجاز، وهما معا خلاف الاصل، والاخذ من يد


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) و (4) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الصيد - الحديث 6 - 5 من كتاب الصيد والذباحة. (3) أشار إليه في الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الصيد - الحديث 5 من كتاب الصيد والذباحة، وذكره في التهذيب ج 9 ص 80 - الرقم 345.

[ 313 ]

المالك ودحو الارض به لا ينافي كونه لبيان الكراهة الشديدة، والله العالم. { و } على كل حال فلا خلاف أجده في أنه { يكره الفاختة والقنبرة والحبارى، وأغلظ منه كراهية الصرد والصوام والشقراق وإن لم يحرم } شئ منها، لوجود علامة الحل فيها، والاجماع بقسميه عليه بل قد يشكل في الاولى منها، إذ قول الصادق (عليه السلام) (1) في الفاختة: " إنها طائر مشؤوم يدعو على أهل البيت، ويقول: فقدتكم فقدتكم " لا يدل عليها لو لا فتوى الاصحاب والتسامح، وكذا الحبارى لما سمعته. نعم يدل على الثانية منها قول الرضا (عليه السلام) (2) في المعتبرة: " لا تأكلوها ولا تسبوها ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فانها كثيرة التسبيح، وتسبيحها لعن الله مبغضي آل محمد (صلوات الله عليهم) ". بل عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (3) " ما أزرع الزرع لطلب الفضل فيه، وما أزرعه إلا ليناله المعتر وذو الحاجة، ولتنال منه القنبرة خاصة ". وعن الرضا (عليه السلام) (4) قال علي بن الحسين (عليهما السلام): " القنزعة التي على رأس القنبرة من مسحة سليمان بن داود (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) وذلك أن الذكر أراد أن يسفد أنثاه فامتنعت


(1) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب أحكام الدواب - الحديث 2 من كتاب الحج. نقل بالمعنى. (2) و (3) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب الصيد - الحديث 1 - 2 - من كتاب الصيد والذباحة. (4) ذكر بعضه في الوسائل - الباب - 41 من أبواب الصيد - الحديث 4 وتمامه في الكافي ج 6 ص 225.

[ 314 ]

عليه، فقال لها: لا تمتنعي ما أريد إلا أن يخرج الله مني نسمة تذكره فأجابته إلى ما طلب، فلما أرادت أن تبيض قال لها: أين تريدين تبيضي ؟ فقالت له: لا أدري أنحيه عن الطريق، قال لها: إني خائف أن يمر بك مار الطريق، ولكن أرى لك أن تبيضي قرب الطريق، فمن يراك قربه توهم إنك تتعرضين للقط الحب من الطريق، فأجابته إلى ذلك، وباضت وحضنت حتى أشرفت على النقاب، فبينما هما كذلك إذ طلع سليمان (على نبينا وآله وعليه السلام) في جنوده والطير تظلله، فقالت له: هذا سليمان قد طلع علينا في جنوده ولا آمن أن يحطمنا ويحطم بيضنا، فقال لها: إن سليمان رجل رحيم بنا، فهل عندك شئ خبأتيه لفراخك إذا نقبن ؟ قالت: نعم عندي جرادة خبأتها منك انتظر بها فراخي إذا نقبن، فهل عندك شئ خبأته ؟ قال: نعم عندي تمرة خبأتها منك لفراخنا، فقالت: فخذ أنت تمرتك وآخذ أنا جرادتي ونعرض لسليمان ونهديهما له فانه رجل يحب الهدية، فأخذ التمرة في منقاره وأخذت الجرادة في رجليها ثم تعرضا لسليمان، فلما رآهما وهو على عرشه بسط يديه لهما، فأقبلا فوقع الذكر على اليمين ووقعت الانثى على اليسار فسألهما عن حالهما، فأخبراه، فقبل هديتهما، وجنب جنده عن بيضهما ومسح على رأسهما ودعا لهما بالبركة، فحدثت القنزعة على رأسهما من مسحه (عليه السلام) ". وأما الحبارى ففي التحرير " وبها رواية شاذة " والذي أجده فيها صحيح عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل أبى أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع ما تقول في الحبارى ؟ قال: إن كانت له قانصة فكل " وصحيح كردين المسمعي (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبارى، قال: وددت أن عندي منه فآكل منه حتى أتملا " وخبر بسطام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 2.

[ 315 ]

ابن صالح (1) " سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا أرى بأكل الحبارى بأسا، وأنه جيد للبواسير ووجع الظهر، وهو مما يعين على كثرة الجماع ". وهي غير دالة على الكراهة، بل لعل صحيح كردين دال على الندب. وأما الصرد والصوام فقد سمعت النهي (2) عنهما في أخبار الهدهد إلا أنه لا دلالة فيها على الاشدية، نعم يمكن إرادة الاشدية من الحبارى التي قد عرفت الحال فيها بخلافهما، خصوصا بعد ما سمعت في الخطاف من غضب الامام (عليه السلام) (3) وشدة إنكاره والتعريض بأمر آخر مستدلا على ذلك كله بنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الستة، وهذا وإن قضى بالشدة في الجميع إلا أنه لا بأس بالتزام ذلك. هذا وفي كشف اللثام " الصرد طائر فوق العصفور يصيد العصافير، قال النضر بن شميل: ضخم الرأس ضخم المنقار، له برثن عظيم أبقع نصفه أسود ونصفه أبيض، لا يقدر عليه أحد، وهو شرير النفس شديد النفرة، غذاؤه من اللحم، وله صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعن إليه شد على بعضهن، وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قتل من ساعته وأكله، ومأواه الاشجار ورؤوس التلاع وأعالي الحصون، قيل: ويسمى المجوف، لبياض بطنه والاخطب لخضرة ظهره، والاخيل لاختلاف لونه، وقال الصنعاني: إنه


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 عن نشيط بن صالح كما في الكافي - ج 6 ص 313 وهو الصحيح. إذ ليس في الرواة من يسمى ببسطام بن صالح. (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الصيد - الحديث 2 و 3 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 316 ]

يسمى السميط مصغرا " قلت: لعل شدة كراهته لكونه حينئذ شبيها بالسباع. وأما الصوام فعن السرائر والتحرير " هو طائر أغبر اللون، طويل الرقبة، أكثر ما يبيت في النخل " ولم نقف على ما يدل على شدة كراهته. وأما الشقراق فهو على ما قيل: طائر أخضر مليح بقدر الحمام، خضرته حسنة مشبعة في أجنحته سواد، ويكون مخططا بحمرة وخضرة وسواد، وعن الجاحظ أنه ضرب من الغربان، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر عمار (1): " كره قتله لحال الحيات، قال: وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يوما يمشي وإذا الشقراق قد انقض فاستخرج من خفه حية " ولعل شدة كراهته لكونه شبيها بالغراب كما سمعته، والله العالم. { ولا بأس بالحمام كله } بلا خلاف نصا وفتوى، قال الصادق (عليه السلام) لداود الرقي (2): " لا بأس بركوب البخت وشرب ألبانها وأكل لحومها وأكل الحمام المسرول " وفي خبر آخر (3) أطيب اللحمان لحم فرخ الحمام " الخبر. فهو حينئذ بجميع أصنافه حلال لا كراهة فيه { كالقماري } منه. وفي كشف اللثام " هي جمع " قمري " وهو منسوب إلى قمر بلدة تشبه الجص لبياضها، حكاه السمعاني عن المجمل، وقال: وأظن أنها من بلاد مصر، ولم أر فيه، وإنما رأيت في تهذيب الجمل لابن المظفر أنه منسوب إلى طير قمر، وهو كما يحتمله يحتمل توصيف الطير بالقمر جمع أقمر، كما قيل في المحيط وغيره: إنه إنما سمي به، لانه أقمر اللون، وقيل:


(1) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب الصيد الحديث 1 من كتاب الصيد والذباحة. (2) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 على رواية البرقي.

[ 317 ]

إن القمري هو الازرق ". { والدباسي } جمع " دبسي " بضم الدال، وهو الاحمر بلون الدبس بكسر الدال، قسم من الحمام البري، وقيل: هو ذكر الحمام (اليمام خ ل). { والورشان } بكسر الواو وإسكان الراء وإعجام الشين، جمع " ورشان " بالتحريك، والمعروف أنه ذكر القماري، وقيل: طائر يتولد بين الفاختة والحمامة. { وكذا لا بأس بالحجل } الذي هو القبج أو ذكره أو نوع منه. { والدراج والقبج والقطا والطيهوج } الذي هو شبيه بالحجل الصغير غير أن منقاره وعنقه ورجليه حمر وما تحت جناحيه أسود وأبيض. { والدجاج والكروان } هو طائر يشبه البط. { والكركي والصعو } جمع صعوة، ولعلها المسماة في عرفنا الآن بالزيطة، لما قيل من أنه طائر أزرق لا يستقر ذنبه، لكن في كشف اللثام " جمع صعوة من صغار العصافير أحمر الرأس ". وغير ذلك من الطيور الموجود فيها علامات الحل أو أحدها الخالية مما يقتضي التحريم، مضافا إلى ما في بعضها من النصوص الخاصة. كخبر محمد بن حكيم (1) عن الكاظم (عليه السلام) " اطعموا المحموم لحم القباج فانه يقوى الساقين، ويطرد الحمى طردا ". وخبر علي بن مهزيار (2) " تغديت مع أبي جعفر (عليه السلام) فأتي بقطا، فقال: إنه مبارك، وكان أبي (عليه السلام) يعجبه، وكان يقول: أطعموه صاحب اليرقان، يشوى له فانه ينفعه).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2.

[ 318 ]

ومرسل السياري (1) وخبر علي بن النعمان (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " من سره أن يقل غيضه فليأكل لحم الدراج ". وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضا (3) " من اشتكى فؤاده وكثر غمه فليأكل الدراج " إلى غير ذلك مما ورد في الدجاج وغيره (4) بل أرسل ثاني الشهيدين النص على الحجل والطيهوج والكروان والكركي والصعوة والامر في ذلك كله سهل. { و } قد عرفت فيما تقدم أنه لا خلاف ولا إشكال في أنه { يعتبر في طير الماء ما يعتبر في الطير المجهول من غلبة الدفيف أو مساواته للصفيف أو حصول أحد الامور الثلاثة: القانصة أو الحوصلة أو الصيصية، فيؤكل مع } احدى { هذه العلامات } وعدم ما يقتضي التحريم { وإن كان يأكل السمك } لاطلاق الادلة، وخصوص بعضها كما تقدم الكلام فيه مفصلا. { و } كذا تقدم أيضا أنه { لو اعتلف أحد هذه عذرة الانسان محضا لحقه حكم الجلل ولم يحل حتى يستبرأ، فتستبرأ البطة وما أشبهها } بناء على استفادة لحوقه من النص (5) عليها { بخمسة أيام، والدجاجة وما أشبهها } بناء على الالحاق المزبور { بثلاثة أيام، وما خرج عن ذلك يستبرأ بما يزول عنه حكم الجلل، إذ ليس فيه شئ موظف } كما عرفت الكلام في ذلك كله بما لا مزيد عليه، فلاحظ وتأمل. نعم في المسالك هنا قد عد اللقلق من طيور الماء التي يرجع فيها إلى


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3. (2) و (3) المستدرك - الباب - 16 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (4) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الاطعمة المباحة. (5) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 319 ]

العلامات، وقد سألنا بعض من ادعى صيده فأخبر بوجود الثلاثة فيه، ولكن حكى لنا بعض الثقات عن العلامة الطباطبائي الفتوى بحرمته، ولعله لما قيل من أن صفيفه أكثر من دفيفه، فلا يجدي وجود الثلاثة فيه، لما عرفته سابقا، والله العالم. { و } على كل حال فلا خلاف في أنه { يحرم } أكل { الزنبور (الزنابير خ ل) الذي هو - مع كونه من المسوخ كما في بعض النصوص (1) { و } ذو سم - من الخبائث ك‍ { - الذباب والبق } والسلابيح والديدان حتى التي في الفواكه منها، وإن تردد فيه بعض الناس، لكنه في غير محله، نعم قد يتوقف في كل ما كان حرمته من جهة الاستخباث مع فرض استهلاكه في غيره، خصوصا إذا كان من الحيوان، باعتبار عدم ثبوت تذكية شرعية له من حيث الاكل على نحو السمك والجراد، فانه حينئذ يكون من الميتة المحرمة نصا وإجماعا على وجه لا يرتفع بالاستهلاك الذي مرجعه إلى عدم التمييز لا إلى الاستحالة فتأمل جيدا. بقي الكلام في النعامة التي أظهر الله تعالى شأنه قدرته فيها، فركب صورتها من الطير والجمل على وجه كالواسطة بينهما في الشكل، ولذا كان المحكي عن الجمهور أنها خلق مستقل ووضع مبتدأ ليست فرعا لغيرها، لا كما عن بعضهم من أنها متولدة بالاصل بين جمل وطائر، ضرورة معلومية خطائه، إذ اللقاح إنما يكون بين حيوانين متشاكلين، والبعير ليس من شكل الطير، ولا في الطيور ما يتوهم مسافدته مع الجمل، كما أومئ إليه في حديث المفضل (2) قال (عليه السلام): " فكر في خلق


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7. (2) البحار - ج 2 ص 97 وج 64 ص 58 الطبع الحديث.

[ 320 ]

الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عزوجل أن نتاجها من فحول شتى، قال: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وتنتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالباري جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان في ما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السبع، وليس في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة التي فيها عضو من الفرس وعضو من الجمل وأظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما، كالذي نراه في البغل، فانك ترى رأسه وأذنيه وكفه وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الاعضاء من الفرس والحمار، ونشجيه (1) كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار، وهذا دليل على أن الزرافة ليست من لقاح أصناف شتى، كما زعم الجاهلون بالله، بل هي خلق عجيب من خلق الله، للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ ". قلت: وكذلك النعامة، فانها من بدائع الصنع ودلائل عدم انتهاء القدرة، ومضاهاتها للطير والجمل ليس لانها فرع لهما ومتكونة بينهما، وإلا لكان في كل عضو منها شبه لكل منهما، وليس الامر فيها كذلك، فان المرئي فيها خلافه. نعم قيل: المشهور أنها من قسم الطيور، كما نص عليه من اللغويين


(1) وفي البحار: " وشحيجه ".

[ 321 ]

الجوهري وصاحب القاموس، ومن الاطباء نصير الدين الكشي وداود الانطاكي، ومن الفقهاء الشيخ وعلي بن بابويه في كفارات الاحرام وابن إدريس والعلامة والشهيدان وابن فهد والصيمري والكركي في مسألة موت الطير في البئر. وربما يؤيده أنها على هيئة الطيور وصفاتها في قائمتها وجناحها وريشها ومنقارها وبيضها، بل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) النص على أنها من الطير في خطبته التي ذكر فيها عجائب خلق الحيوان (1). لكن عن الدميري أن المتكلمين على أنها من الوحش، وليست بطائر وإن كانت تبيض ولها جناح وريش، إلا أنها لما لم تطر لم تكن طيرا، ولذا يجعلون الخفاش طائرا - وإن كان يحبل ويلد وله اذنان بارزتان ولا ريش له - لوجود الطيران له، وعن سلار وابن سعيد اختيار ذلك. وربما يؤيده قوله تعالى (1): " وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه " وقوله تعالى (2): " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن " وقول الصادق (عليه السلام) (3) وقد سئل عن الدجاج الحبشي: " ليس من الصيد، إنما الطير ما طار بين السماء والارض " وقول الجواد (عليه السلام) (4) وقد سأله يحيى بن أكثم عن صيد المحرم: " إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، وإذا أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا - إلى أن قال -:


(1) نهج البلاغة: الخطبة 183 " ص 731 ط ايران ". (2) سورة الانعام: 6 الآية 38. (3) سورة الملك: 67 - الآية 19. (4) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 1 من كتاب الحج. (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 2 من كتاب الحج.

[ 322 ]

وإذا كان من الوحوش فعليه في حمار الوحش بدنة، وكذلك في النعامة " وفي طريق آخر (5) " إن كان حمار وحش فبقرة، وإن كان نعامة فبدنة " مضافا إلى عظم جثتها وارتفاعها عن جثة الطيور. لكن قد يقال: إن الآيتين محمولتان على الغالب، والمراد من الرواية الاولى حصر ما يمتنع من الطير بطيرانه، كما يدل عليه قوله (عليه السلام): " ليس من الصيد " بل عن الكافي " إنما الصيد " بدل قوله: " إنما الطير " ومن الثانية إلحاق النعامة بالوحش من حيث إنها صيد، فان امتناعها بالعدو كالوحوش دون الطيران، لعدم استقلالها به، ولا ينافي ذلك كونها طيرا فان الدجاج من الطيور قطعا، ولا يستقل بالطيران، وعظم جثتها وارتفاعها لا ينافي كونها طيرا، فان من الطيور ما هو أعظم منها وأرفع كالرخ الذي هو طائر هندي يأوى جبال سرانديب، ومنه - كما قيل - ما هو أعظم من البعير، وربما قصد المركب وأغرقه، وبيضه كالقبة العظيمة. وكيف كان فهي حلال وفاقا لظاهر المبسوط أو صريحه، بل قد يستفاد منه الاتفاق على ذلك باعتبار دعواه فيه عدم الخلاف في وجوب الجزاء على المحرم بصيده الحيوان المأكول الوحشي، ونص على عدم الجزاء في غيره من المأكول الانسي والمحرم الوحشي، ثم قال: " الصيد على ضربين: أحدهما له مثل كالنعام وحمار الوحش والغزال، وهو مضمون بمثله من البدنة والبقرة والشاة " ثم ذكر الضرب الثاني وهو ما لا مثل له، وبين حكمه. ومقتضى التدبر في كلامه أن النعامة من جنس المأكول، لان لها جزاء إجماعا، وقد عرفت نفيه الخلاف عن الجزاء للمحلل الوحشي دون غيره، فتكون النعامة محللة إجماعا.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 1 من كتاب الحج.

[ 323 ]

ثم ذكر حكم البيوض التي لها مقدر منصوص، وهي بيض النعام وبيض القطا وبيض القبج، وبين مقدراتها الشرعية، ثم قال: " إذا كسر بيض ما يؤكل لحمه من الطيور غير ما ذكرناه من المنصوص عليه كان عليه قيمته " وهو واضح الدلالة على حل النعام وكونه من جنس الطيور. وظاهر النافع وصريح سلار ويحيى بن سعيد - وإن كان ظاهرهما أو صريحهما - كونها من الوحوش لا الطيور، بل حلها ظاهر كل من جعل المحرم على المحرم صيد الحيوان المحلل الممتنع بالاصالة وخصوص الاسد والثعلب والارنب والضب والقنفذ واليربوع وبعض الافراد الخاصة من المحرم كالشهيد في الدروس والروضة والمسالك، ضرورة حرمة صيدها على المحرم إجماعا، كضرورة عدم ذكرها في الافراد المحرمة التي نصوا عليها، فليست هي إلا من المأكول، بل هو بملاحظة ما ذكرناه من الاجماع على حرمة صيدها على المحرم ظاهر السيوري في التنقيح والكنز والخراساني في الكفاية والفاضل الاصبهاني في شرح القواعد. بل قد يستفاد من التأمل في كلماتهم المفروغية من كون النعامة من المأكول، ولعله كذلك، إذ لم نعرف مخالفا في ذلك إلا الصدوق في الفقيه حيث قال: " ولا يجوز أكل شئ من المسوخ - وعد النعامة منها - " مع أنه في الخصال ذكر من الاخبار (1) ما يستفاد منه حصرها في الثلاثة عشر، وليست النعامة منه، وكذا في المجالس، بل استقصى في العلل في الباب الذي عقده لذكر علل المسوخ وبيان أصنافها الروايات الواردة في ذلك (2) ولا ذكر للنعامة في شئ منها، فخلافه إما مرتفع لاضطرابه في مبنى الحكم أو غير قادح في تحصيل الاجماع، خصوصا بعد ملاحظة إطباق المتأخرين عنه على الحل من غير إشارة من أحد منهم إلى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 12 و 13 و 14.

[ 324 ]

خلافه في الفقيه الذي هو بين أيديهم، حتى في مثل الخلاف والمختلف المعدين لامثال ذلك. على أنه لو كان حل النعامة من خصائص العامة لعرف تحريهما في المذهب، كما علم تحريم الضب والارنب وغيرهما مما اختصوا به، فان أحكام المطاعم والمشارب متميزة عن غيرها بظهور الخلاف والوفاق، لظهور السيرة فيها بالتناول والاجتناب، بل الحيوان بخصوصه متميز من بينها باستمرار العادة على التوقي عما يحرم منه، حتى أن أجرى الناس على المعاصي وارتكاب المناهي لا يجترى على أكل الحيوان المحرم، بل ربما تورع عن المشتبه حتى يتبين له الحل. مؤيدا ذلك كله بعمل المسلمين وتظاهرهم في سائر الاعصار والامصار على أكلها وأكل بيضها من غير احتياط ولا تناكر، بل ليست هي عندهم إلا كالغزلان ونحوها من الصيود المحللة، بل بيض النعام لا يزال يباع ويشترى في سوق المسلمين، ويوهب ويهدى بمرئى من العلماء والصلحاء وأهل الورع والتقوى من دون نكير ولا أمر باحتياط ولا وسوسة، بل هي سيرة مستمرة معلومة بدلالة الطارف على التالد ونقل الولد عن الوالد وحكاية الخلف فعل السلف حتى تتصل بزمان صاحب الشرع على وجه يعلم كون الحكم منه بالقول أو الفعل أو التقرير، فكان ذلك إجماعا محصلا من السيرة المزبورة فضلا عن تحصيله من المفروغية التي ذكرناها بين الاصحاب، خصوصا مع ملاحظة نصهم على الحيوان المحرم، والمفروض تناول الناس للنعامة وبيضها في أزمنتهم، ولم يذكر أحد فيها شبهة أو احتمالا، وذلك إن لم يستفد منه الضرورة فلا ريب في حصول اليقين منه بكونها من قسم الحلال، كما هو واضح. كل ذلك مضافا إلى ما قيل من أصالة الحل والاباحة المستفادة من

[ 325 ]

العقل والكتاب العزيز، كقوله (1): " خلق لكم " وغيره، والسنة كقوله (عليه السلام) (2): " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " وغيره، وإن كان قد يناقش بعدم جريانه في مثل الحيوان المعتبر في حله التذكية التي مقتضى الاصل عدمها في المشكوك في قابليته لها. ومن تناول ما دل على حل الطيبات وحرمة الخبائث في الكتاب العزيز (3) لها، لانها من الاطعمة التي تستطيبها الانفس وتستلذها من غير فرق بين الحاضر والباد والمعدم وذي اليسار والعجمي والعربي، وإن كان قد يناقش بأنه لا يتم في الحيوان أيضا بعد ما عرفت من استفادة اعتبار التذكية في حله من قوله (4): " إلا ما ذكيتم " وغيره متمما بأصالة عدم حصولها في المشكوك في قابليته شرعا لها. نعم قد يستدل لحلها بقوله تعالى (5): " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " وقوله عز من قائل (6): " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وقوله عزوجل (7): " غير محلي الصيد وأنتم حرم " لان النعامة من جملة الصيد المحرم على المحرم إجماعا ونصوصا مستفيضة أو متواترة (8). بل لعل قوله تعالى (9): " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 29. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 60 من كتاب القضاء. (3) سورة الاعراف: 7 الآية 157. (4) و (5) و (6) و (7) و (9): سورة المائدة: 5 - الآية 3 - 95 - 96 - 1 - 95 -. (8) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب كفارات الصيد من كتاب الحج.

[ 326 ]

ما قتل من النعم " دال عليه باعتبار ظهوره في أن كل من النعم مثلا من الصيد، ولا مماثل للابل غير النعام. والمراد بالصيد المحرم على المحرم خصوص الحيوان المحلل، كما هو أحد القولين في المسألة، بل عن ظاهر السيوري الاجماع عليه، بل لعله المتبادر من الصيد، لانه الغاية القصوى منه، ولظهور قوله تعالى (1): " فكلوا مما أمسكن عليكم " فيه، بل إطلاق الاخبار الكثيرة (2) جواز الاكل من الصيد من غير تقييد بالمحلل دال عليه أيضا، ضرورة ظهور ترك التقييد فيها على كثرتها في عدم دخول المحرم في إطلاق الصيد، وكذا الروايات الواردة في اضطرار المحرم إلى الصيد أو الميتة (3) المتضمن أكثرها أنه " يأكل من الصيد ويفدي ولا يأكل من الميتة " والظاهر من الآيات المزبورة حل الصيد لو لا الاحرام، فيتركب قياس على هيئة الشكل الاول، وهو النعامة صيد محرم على المحرم، وكل صيد محرم على المحرم فهو حلال، فالنعام حلال. ولا ينافي ذلك ثبوت الكفارة لبعض الافراد المحرمة بدليل مخصوص، ولذا لم يعم كل حيوان محرم، وإطلاق الصيد في بعض كلام العرب لاستحلالهم جميع الافراد قبل ورود المنع، بل قد يدل قوله تعالى (4): " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " من وجه آخر، وهو أن الصيد فيه بمعنى الصيد نحو قوله تعالى (5): " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " وقوله تعالى: " ليبلونك الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ومن هنا احتج به الاصحاب على تحريم ما اصطاده المحل على المحرم، بل


(1) و (4) و (5) و (6) سورة المائدة: 5 - الآية 4 - 96 - 95 - 94. (2) الوسائل - - الباب - 2 و 3 و 4 وغيرها - من أبواب الصيد من كتاب الصيد والذباحة. (3) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب كفارات الصيد من كتاب الحج.

[ 327 ]

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) وابن عباس (2) الاحتجاج به على من خالف في ذلك من الصحابة. وعلى هذا فمعنى تحريم الصيد في الآية تحريم أكله، وتخصيصه بحالة الاحرام يدل على جواز أكل المحل منه، واللازم منه حل النعامة للمحل، لدخولها في الصيد المحرم على المحرم، وتبعية المفهوم للمنطوق في العموم والخصوص، بل لعل قوله تعالى (3): " فإذا حللتم فاصطادوا " دال على المطلوب أيضا، ضرورة ظهوره في أنه يباح للمحل كل صيد حرم على المحرم، والنعام مما حرم على المحرم، فيحل للمحل. والمراد من إباحة الصيد للمحل إباحته له ولو للاكل الذي هو الغاية القصوى منه، فلا أقل من دخوله في الاطلاق، والحمل على مجرد إبطال الامتناع في غاية البعد بل إن اشترطنا في تحريم الصيد على المحرم كونه محللا أو قلنا بتحريم قتل الحيوان لغير الوجه المأذون فيه شرعا اتضحت الدلالة. بل قد يدل على المطلوب قوله تعالى (4): " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر - إلى قوله -: ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون " بناء على أن المراد من ذي الظفر كل ما ليس بمنفرج الاصابع، كالابل والنعام والبط، كما في كنز العرفان، بل قيل: إنه المشهور بين قدماء المفسرين، بل حكاه في مجمع البيان والدر المنثور عن ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة ومجاهد والسدي وابن جريح، وعلى ظهور التخصيص باليهود الحل لغيرهم، وإلا لم يكن لذكرهم فائدة، كما اعترف به في الكنز


(1) و (2) تفسير الدر المنثور - ج 2 ص 332. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 2. (4) سورة الانعام: 6 - الآية 146.

[ 328 ]

أيضا، ويشعر به قوله: " ذلك جزيناهم ببغيهم " بل وقوله (1): " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ". وحينئذ تتم الدلالة على المطلوب الذي يدل عليه أيضا - بناء على أن النعامة من الوحوش - عموم قول الصادق (عليه السلام) في خبر علي بن أبي شعبة المروي عن تحف العقول (2): " وأما ما يحل أكله من لحوم الحيوان فلحم البقر والغنم والابل، ومن لحوم الوحش كل ما ليس له ناب ولا مخلب " ونحوه المروي عن دعائم الاسلام (3). بل وعموم ما دل (4) على حل الحيوان مطلقا عدا ما استثني في الكتاب (5) خرج من ذلك السباع والحشار والمسوخ، والنعامة ليست من الاوليين قطعا، ولا من الثالث على الاصح كما عرفت. وبناء على أنها من الطيور يدل على حلها جميع ما دل على حل ما دف منها وحرمة ما صف (6) لمعلومية كونها من ذوات الدفيف، بل لا صفيف فيها آنا من الآنات، ولا ينافي ذلك عدم استقلالها بالطيران، ضرورة صدق الدفيف الذي هو الضرب بالجناحين على الدفتين وفي خبر جميل (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي عن جامع البزنطي " أنه سأل عن الدجاج السندي أيخرج من الحرم ؟ قال: نعم،


(1) سورة النساء: 4 الآية 160. (2). الوسائل - الباب - 42 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 عن الحسن بن علي بن شعبة الذي هو صاحب كتاب تحف العقول. (3) المستدرك - الباب - 32 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (4) و (5) سورة المائدة: 5 الآية 1 - 3. (6) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (7) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 3 من كتاب الحج.

[ 329 ]

إنها لا تستقل بالطيران، إنها تدف دفيفا ". على أن النصوص ظاهرة في عدم خلو الطير عن الصفيف أو الدفيف ولا ريب في أن النعامة بناء على أنها منه من ذات الدفيف، كما أنه لا ريب في حلها بملاحظة ما ذكرناه في علامات الحل والحرمة للطير، فلاحظ وتأمل. كل ذلك مضافا إلى ما روي في النعامة بالخصوص من طرق العامة والخاصة، فمن الاول ما رواه المجلسي في البحار نقلا عن مسند أحمد وأبي يعلى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي (1) قال: " إنه اصطاد أهل الماء حجلا فطبخوه وقدموا به إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا، فقال رجل: إن عليا يكره هذا، فبعث إلى علي (عليه السلام) فجاء وهو غضبان، فقال له: إنك لكثير الخلاف علينا، فقال (عليه السلام): أذكر الله رجلا شهد النبي (صلى الله عليه وآله) أتي بعجز حمار وحشي وهو محرم، فقال: إنا قوم محرمون فأطعموه أهل الحل ؟ فشهد إثنا عشر رجلا من الصحابة، ثم قال: أذكر الله رجلا شهد النبي (صلى الله عليه وآله) أتي بخمس بيضات من بيض النعامة فقال: إنا محرمون فأطعموه أهل الحل ؟ فشهد إثنا عشر رجلا من الصحابة، فقام عثمان ودخل فسطاطه وترك الطعام على أهل الماء " وهو دال صريحا على حل بيض النعام، وقد عرفت سابقا تلازم حل البيض وحل اللحم. ولا يقدح وروده من طريق الجمهور بعد مطابقته لظاهر الكتاب وفتوى الاصحاب وارتفاع التهمة لهم في ذلك، خصوصا بعد تضمنه منقبة علي (عليه السلام) ومثلبة عدوه، وكونه حجة عليهم فيما خالفوه


(1) البحار - ج 99 ص 160 ومسند أحمد ج 1 ص 100 والمجلسي نقله عن المناقب لابن شهر اشوب وهو ينقل عن أحمد وأبي يعلى.

[ 330 ]

من جواز أكل المحرم ما يصطاده المحل، وفيه تكذيب لما صححوه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من أكل الصيد وهو محرم (1) وما كان مثل ذلك يجوز الاستشهاد به. ومنها ما رواه ابن شهراشوب في المناقب عن أبي قاسم الكوفي والقاضي نعمان في كتابيهما عن عمر بن حماد باسناده عن عبادة بن الصامت (2) قال: " قدم قوم من الشام حجاجا فأصابوا أدحى نعامة - أي مبيضها - فيه خمس بيضات وهم محرمون، فشووهن وأكلوهن، ثم قالوا: ما أرانا إلا وقد أخطأنا، وأصبنا الصيد ونحن محرمون، فأتوا المدينة وقصوا على عمر القصة، فقال: انظروا إلى قوم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسألوهم عن ذلك ليحكموا فيه، فسألوا جماعة من الصحابة فاختلفوا في الحكم في ذلك، فقال عمر: إذا اختلفتم فهاهنا رجل كنا أمرنا إذا اختلفنا في شئ بالرجوع إليه، فيحكم فيه، فأرسل إلى امرأة يقال لها: عطية، فاستعار منها أتانا، فركبها وانطلق بالقوم معه حتى أتوا إلى علي (عليه السلام) وهو بينبع، فخرج إليه علي (عليه السلام) فتلقاه، فقال: هلا أرسلت إلينا فنأتيك ؟ فقال عمر: الحاكم يؤتى إليه في بيته، فقص عليه القوم، فقال علي (عليه السلام) لعمر: مرهم فليعمدوا إلى خمس قلائص من الابل، فليطرقوها للفحل، فإذا أنتجت أهدوا ما نتج منها جزاء عما أصابوا، فقال عمر: يا أبا الحسن إن الناقة قد تجهض، فقال علي (عليه السلام): وكذلك البيضة قد تمرق، فقال عمر: فلهذا أمرنا أن نسألك ".


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 188. (2) البحار ج 99 ص 159.

[ 331 ]

ومن الثاني صحيح أبي عبيدة الحذاء (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن رجل محل اشترى لرجل محرم بيض نعامة فأكله المحرم، قال: على الذى اشتراه للمحرم فداء، وعلى المحرم فداء، قلت: وما عليهما ؟ قال: على المحل جزاء قيمة البيض لكل بيضة درهم، وعلى المحرم جزاء، لكل بيضة شاة ". وصحيح عبد الله الاعرج (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيضة نعامة أكلت في الحرم، قال: تصدق بثمنها ". والصحيح عن ابن رئاب عن أبان بن تغلب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في قوم حاج محرمين أصابوا أفراخ نعام، فأكلوا جميعا قال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها جميعا، فيشترونها على عدد الفراخ وعلى عدد الرجال ". وعن الشيخ روايته في التهذيب مسندا عن أبي جميلة وابن رئاب (4) وزاد " قلت: فان منهم من لا يقدر على شئ، قال: يقوم بحساب ما يصيبه من البدن، ويصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما ". والتقريب في مجموع الاخبار أنها دالة على معلومية حل النعام في الصدر الاول وفي زمان الائمة (عليهم السلام) وأن بيضها كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) يهدى ويؤكل من غير نكير، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما رده لمكان الاحرام لا للتحريم، ولو كان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 من أبواب كفارات الصيد - الحديث 5 - 6 من كتاب الحج والثاني عن سعيد بن عبد الله الاعرج. (3) أشار إليه في الوسائل في الباب - 18 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 4. من كتاب الحج وذكره في الفقيه ج 2 ص 236 الرقم 1123. (4) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 4 من كتاب الحج.

[ 332 ]

في أصل الشرع حراما لبينه النبي والائمة (صلوات الله عليهم) في مقام الحاجة إلى البيان، بل قوله (عليه السلام) في أحد الصحيحين (1): " قيمة " وفي الآخر (2): " ثمن " واضح الدلالة على تعارف بيعه وتقويمه، إذ المحرم لا ثمن له، وبالجملة لا يكاد ينكر ظهور النصوص المزبورة في المفروغية من ذلك، وفي معلومية حل النعام وبيضه عندهم كما هو واضح. كل ذلك مع ضعف دليل التحريم، كضعف القول به، إذ ليس هو إلا ذكر الصدوق لها من المسوخ، وهي محرمة إجماعا ونصوصا (3) وكون النعامة من الطيور المنوط حلها بعلامات الدفيف والحوصلة والقانصة والصيصية، والاربعة مفقودة في النعامة، أما الاول فلاختصاصه بالمستقل بالطيران، وهي لا تستقل به، واما الثلاثة فبالمشاهدة والنقل، ومعلومية التلازم بين البيض واللحم، وبيضها حرام، لتساوي طرفيه بشهادة الحس فيحرم لحمه أيضا. والجميع كما ترى، ضرورة فساد توهم المسخ فيها بعد ثبوت الحل بما ذكرناه من الادلة التي تقصر هذه عن مقاومتها من وجوه، على أن العلامات المزبورة للمشتبه من الطير والبيض دون النعامة التي هي - بعد تسليم كونها طيرا على وجه يندرج في إطلاقه في (4) نصوص العلامات (5) -


(1) و (2) الوسائل - الباب 24 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 5 - 6. من كتاب الحج. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (4) هكذا في النسخة المخطوطة المبيضة، لكن الموجود في النسخة المخطوطة بقلم. المصنف (قده) " ما في " وهو الصحيح. (5) الوسائل - الباب - 18 و 19 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 333 ]

من معلوم الحكم لحما وبيضا بالادلة السابقة. كما أن عد الصدوق لها من المسوخ - بعد أن لم يسنده إلى حجة تقطع العذر - لا ينبغي أن يصغى إليه، واحتمال كون ذلك من ذيل ما رواه من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في غاية البعد خصوصا بعد أن كان مرويا في الكافي (2) والتهذيب (3) من دون هذه الزيادة التي لا يخفى على العارف بأساليب الكلام كونها من كلام الصدوق، ودعوى أنه ما أخذ ذلك إلا من خبر وصل إليه - إذ هي ليست مسألة اجتهادية - كما ترى، فان مجرد ذلك لا يسوغ لنا التعويل عليه على وجه نحرم به ما قامت الادلة على حله، ضرورة كونه بعد التسليم يمكن أن يكون خبرا لا نقول بحجيته، على أن خلو نصوص المسوخ (4) - المشتملة على تفصيلها وعللها بل ظهورها في حصرها بغيرها حتى ما رواه الصدوق نفسه فيها في الخصال والمجالس والعلل - أوضح شاهد على وهمه في ذلك أو على تصحيف البغاقة بالمعجمتين بينهما ألف وكأنها البوم، أو على غير ذلك. وبالجملة كان تطويل الكلام أزيد من ذلك في حكمها من اللغو الذي أمرنا بالاعراض (عنه ظ) وإنما وقع ما وقع منا لما حكي عن بعض من قارب عصرنا من الفتوى بالحرمة، والله الموفق والهادي. { و } كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا هنا وسابقا أن { بيض


(1) راجع الفقيه ج 3 ص 213 الرقم 988. (2) لم يتعرض الكليني (قده) في الكافي لهذا الخبر، وانما الراوي له فقط الصدوق والشيخ " قدهما " راجع الوافي المجلد 3 " الجزء 11 ص 10 ". (3) راجع التهذيب ج 9 ص 41 الرقم 174 والاستبصار ج 4 ص 74 الرقم 271. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 334 ]

ما يؤكل } لحمه { حلال، وكذا بيض ما يحرم حرام } بلا خلاف أجده، بل عن ظاهر المختلف وصريح الغنية الاجماع عليه، وفي كشف اللثام الاتفاق عليه، ولعله كذلك مضافا إلى الخبرين (1) المتقدمين في بيض السمك الدالين على التبعية المزبورة التي يشهد لها مع ذلك أيضا خبر أبي الخطاب (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يدخل الاجمة فيجد فيها بيضا مختلفا لا يدري بيض ما هو ؟ أبيض ما يكره من الطير أو يستحب ؟ فقال (عليه السلام): إن فيه علما لا يخفى، أنظر إلى كل بيضة تعرف رأسها من أسفلها فكل، وما سوى ذلك فدعه ". وخبر أبي يعفور (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني أكون في الآجام فيختلف علي البيض، فما آكل منه ؟ فقال: كل منه ما اختلف طرفاه " باعتبار تقرير الامام (عليه السلام) السائل على ما عنده من كلية التبعية المزبورة. بل قد يقال: إن التبعية المزبورة هي مقتضى الاصل، لكون البيض كالجزء منه، خصوصا بعد استقراء ما ورد (4) من ذلك بالخصوص في مثل الغراب والطاووس والدجاج وغيرها، بل لعل منها ما هو ظاهر في التبعية المزبورة، هذا كله في المعلوم. { و } أما { مع الاشتباه } ف‍ { يؤكل ما اختلف طرفاه


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 والباب - 40 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 راجع ص 262. (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 - 6. والثاني عن ابن أبي يعفور. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 والباب - 7 -. منها - الحديث 5 والباب - 20 - منها - الحديث 2 و 5 والباب - 27 - منها - الحديث 7.

[ 335 ]

لا ما اتفق } بلا خلاف، بل في ظاهر كشف اللثام وعن صريح الغنية الاجماع عليه، بل هو محقق، للخبرين (1) المزبورين وخبر مسعدة (2) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل من البيض ما لم يستو رأساه، وقال: ما كان من بيض طير الماء مثل بيض الدجاج وعلى خلقته أحد رأسيه مفرطح وإلا فلا تأكل " والمفرطح: العريض. وخبر عبد الله بن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا " عن بيض طير الماء، فقال: ما كان منه مثل بيض الدجاج يعني على خلقته فكل ". وصحيح محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) " إذا دخلت أجمة فوجدت بيضا فلا تأكل منه إلا ما اختلف طرفاه فكل ". ولا يخفى بعد التدبر في جميع هذه أن المراد من الاطلاق أو العموم في بعضها خصوص المشتبه الذي هو مورد جملة منها صريحا أو ظاهرا، بل لعل ما دل على الكلية المزبورة كالخبرين المتقدمين في السمك خاص في المعلوم، فيحكم على الاطلاق المزبور الشامل له وللمشتبه. وفي الرياض " وإطلاقها أو عمومها وإن شمل البيض الغير المشتبه أيضا إلا أن ورود أكثرها فيه مع الاجماع على اختصاص الضابط هنا به اقتضى حل بيض ما يؤكل لحمه مطلقا ولو استوى طرفاه، وحرمة بيض ما لا يؤكل لحمه كذلك وإن اختلف طرفاه، عملا بعموم ما دل على التبعية، هذا مع اعتضاد الحكم بالحل في الاول مطلقا بعموم ما دل على الاباحة من الكتاب (5) والسنة (6) والحكم فيه في صورة اختلاف الطرفين


(1) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 و 6. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 - 2 - 1 وليس في ذيل الثالث " فكل " كما في الكافي ج 6 ص 248 والتهذيب ج 9 ص 15. (5) راجع الآيات المتقدمة في ص 237. (6) المتقدمة في ص 237.

[ 336 ]

والحكم بالحرمة في الثاني في صورة تساويهما باتفاق نصوص الضابطين على الحل في الاول والحرمة في الثاني ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه، هذا كله على تقدير انفكاك الضابطين وإمكان تعارضهما، كما لعله المشاهد في مثل بيض النعام، وأما على تقدير التلازم بينهما كما هو ظاهر الخبر الاول فلا إشكال أصلا، والله العالم. { و } كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أن { المجثمة حرام، وهي التي تجعل غرضا وترمى بالنشاب حتى تموت } ضرورة كونها ميتة حينئذ { و } كذا { المصبورة وهى التي تجرح وتحبس حتى تموت }. { القسم الرابع } في { الجامدات } أي غير الحيوان الحي وإن كان مائعا كالخمر { ولا حصر للمحلل منها } الذي هو مقتضى أصالة الحل { فلنضبط المحرم } حتى يكون ما عداه محللا. وكأنه أشار بذلك إلى الفرق بين الحيوان والجامد بعدم جريان الاصل المزبور فيه، لاصالة عدم التذكية وغيرها، بل ومع قطع النظر عن ذلك، فان ضوابط الحل والحرمة فيه على وجه لا يحتاج فيه إلى الاصل المزبور، من غير فرق بين الحيوان البري والمائي والوحشي والانسي والطير وغيره، كما عرفت الكلام فيه مفصلا. لكن في المسالك " التحقيق أن هذا كله لا يفيد الحصر، بل هو

[ 337 ]

الغالب، ولهذا أسلفنا في أول الباب أن ما يوجد من الاشياء التي لا نص للشارع فيها سواء كانت حيوانا أو غيره يحكم فيها بالحل، حيث تكون مستطابة، لآية (1) " أحل لكم الطيبات " إلا أن الحيوان مضبوط في الجملة زيادة على غيره ". وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا من وجود الضوابط في الحيوان على وجه لا يخرج منها الحلال والحرام منه في البهائم الانسية والوحشية والبرية والبحرية والطيور، إذ البحر يحرم كل حيوان فيه عدا السمك، وهو عدا ذو الفلس، والبهائم الانسية يحل منها الانعام والحمولة ويحرم من الوحشية السباع، بل كل ذي ناب والمسوخ والحشرات وذوات السموم، ويحل منها الخمسة أو الستة ومسمى الانسي منها حتى الحمولة وغير ذي الناب، وليس أحد أفراد النوع المحرم، وأما الطيور فيحرم منها ذو المخلب وما كان صفيفه أكثر من دفيفه والممسوخ وفاقد العلامات الثلاثة وما نص عليه بالخصوص كالغراب، ويحل منه ما كان دفيفه أكثر أو مساويا وما كان فيه إحدى العلامات الثلاثة مع عدم معارضة شئ مما يقتضي التحريم، فلم يبق منها شئ يحتاج فيه إلى الاصل، كما لا يخفى على من أحكم ما قدمناه، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { فقد سلف منه } أي المحرم { شطر في كتاب المكاسب (2) ونذكر هنا خمسة أنواع: الاول الميتات } المقابلة للمذكاة من ذي النفس وغيره { وهي محرمة إجماعا } بقسميه وكتابا (3) وسنة (4) وخصوصا ما لا يقبل التذكية منه لنجاسة وغيرها.


(1) و (3) سورة المائدة: 5 - الآية 4 - 3. (2) راجع ج 22 ص 8 - 24. (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 338 ]

{ نعم قد يحل } من طاهر العين { منها } حال حياته { ما لا تحله الحياة، فلا يصدق عليه الموت } المفروض كونه السبب في التحريم { وهو الصوف والشعر والوبر والريش، وهل يعتبر فيها الجز ؟ الوجه أنها إن جزت فهي طاهرة } بلا إشكال ولا خلاف { وإن استلت غسل منها موضع الاتصال، وقيل: لا يحل منها ما يقلع، والاول أشبه، والقرن والظلف والسن والبيض إذا اكتسى القشر الاعلى والانفحة }. { وفي اللبن روايتان (1) إحداهما الحل، وهي أصحهما طريقا، والاشبه } عند المصنف { التحريم، لنجاسة بملاقاة الميت } كما قدمنا الكلام في ذلك كله مفصلا في كتاب الطهارة (2)، فلاحظ وتأمل. وإن كان هو من حيث الطهارة والنجاسة إلا أن لازمهما الحل والحرمة، ولعله ظاهر المصنف وغيره ممن استثناها من حرمة أكل الميتة هنا، بل هو مقتضى الاصول، من غير فرق بين الصوف والشعر والعظم وغيرها حتى الانفحة، وما تسمعه في بعض النصوص (3) من عد العظم في محرمات الذبيحة لم نجد عاملا به من كبراء الاصحاب، والله العالم. { وإذا اختلط الذكي بالميت وجب الامتناع من } أكل‍ { - ه } مع الحصر { حتى يعلم الذكي بعينه } بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، خصوصا مع الامتزاج، لقاعدة المقدمة المؤيدة بالنبوي (4) " ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال "


(1) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع ج 5 ص 311 - 331. (3) الوسائل - الباب - 31 من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 11. (4) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 5 من كتاب التجارة.

[ 339 ]

وغيره مما تضمن الاجتناب عن مثله (1) واستعمال القرعة (2) ونحوها. خلافا للمقدس الاردبيلي وبعض من تبعه فجوزه، لدعوى الاصل الممنوعة، كما قررناه في محله، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (3) ": " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " وصحيح ضريس الكناسي (4) سأل أبا جعفر (عليه السلام) " عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين بالروم فآكله ؟ فقال: أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكله، وأما ما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام " المحمولين - خصوصا الاخير منهما الذى يمكن أن يكون شاهدا للاول - على غير المحصور، وإلا لكان مقتضاه حل الجميع لشخص واحد، وهو مقتض لارتفاع حكم الميتة حينئذ مع الاشتباه بغيرها، وهو معلوم العدم، بل ما تسمعه من نصوص المنع عن بيعه إلا على مستحل الميتة (5) شاهد على ما قلناه. { و } كيف كان ف‍ { هل يباع ممن يستحل الميتة ؟ قيل } والقائل الشيخ في محكي النهاية وابن حمزة فيما حكي عنه: { نعم } لصحيح الحلبي (6) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة وأكل ثمنه " وحسنه عنه (عليه السلام) أيضا (7) أنه " سئل عن رجل كانت له غنم وبقر فكان يدرك المذكى


(1) البحار - ج 65 ص 140. (2) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 4. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (4) الوسائل - الباب - 64 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 0 - 1 - 2.

[ 340 ]

منها، فيعزله ويعزل الميتة، ثم إن الميت والمذكى اختلطا كيف يصنع به ؟ قال: يبيعه ممن يستحل الميتة، فانه لا بأس به ". ومال إليه المصنف في الجملة حيث قال: { وربما كان حسنا إن قصد بيع المذكى حسب } وكأنه لاحظ الجواب بذلك عما ذكره ابن إدريس وغيره من المنع، لما عرفت من حرمة الانتفاع بالميتة بالبيع وغيره، لان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. ولكن قد يشكل بما في المسالك من أنه مع عدم التميز يكون المبيع مجهولا ولا يمكن إقباضه، فلا يصح بيعه منفردا، وبأنه قد يأخذ أكثر من ثمن المذكى إذا باع الاثنين ظاهرا، وبأنه يقصد بيع الواحد والمشترى أكثر، وبأنه لو كان مع قصد ذلك يصح البيع لصح بيعه لغير المستحل، وبأن المستحل مشارك لغير المستحل في الحكم الذي هو عدم جواز الانتفاع المقتضي لعدم صحة البيع من غير المستحل، لان الاصح مخاطبة الكافر بالفروع. ولعله لذا قال في المختلف تخلصا من ذلك: " إنه ليس بيعا، بل استنقاذ مال الكافر برضاه " وإن كان قد يناقش - مع كونه منافيا لاصالة الحقيقة - بعدم انحصار المستحل لها في غير محترم المال كالذمي ونحوه، ورضاه لا يقتضي جواز المعاملة معه بوجه فاسد يؤثر إباحة ماله الذي فرضنا احترامه. نعم قد يقال: إن المراد بالبيع في النص مطلق النقل الذي يكون بالصلح والهبة المعوضة ونحوهما مما لا يشترط فيه المعلومية، أو يقال بالاكتفاء في صحة البيع مع قصد المذكى منهما وإن اشتبه بغيره، خصوصا بعد فرض كونه معلوما لهما، ويكفي في القبض التخلية بينه وبينه، وليس فيها إعانة على الاثم إذا قبض الكافر الجميع لنفسه، وكونه مكلفا بالفروع لا ينافي

[ 341 ]

صحة البيع، ضرورة عدم اقتضاء وجوب الاجتناب الخروج عن المالية، ولذا لو أتلفه متلف على اشتباهه يضمنه، لعموم الادلة. وبالجملة فالمتجه العمل بالخبرين (1) الجامعين لشرائط الحجية، خصوصا بعد الشهرة المحكية في مجمع البرهان على العمل بهما، وابن إدريس طرحهما على أصله، بل لا ريب في أولوية ذلك مما في الدروس من الميل إلى تعرفه بالعرض على النار بالانبساط والانقباض كما سيأتي في اللحم المطروح المشتبه، لخبر شعيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل دخل قرية فأصاب فيها لحما لم يدر أذكي هو أم ميت ؟ قال: فاطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، وكلما انبسط فهو ميت " ضرورة كونه علامة للمطروح الذي لا يعلم كونه بأجمعه مذكى أو ميتة، لا المختلط الذي هو مفروض المسألة، ودعوى عدم الفرق بينهما في ذلك ممنوعة بعد حرمة القياس، على أنه بعد تسليمه يقتضي جواز كل منهما عملا بمجموع النصوص، والله العالم. { وكلما أبين من حي } من أجزائه التي تحلها الحياة { فهو ميتة } حقيقة أو حكما { يحرم أكله واستعماله، وكذا ما يقطع من إليات الغنم، فانه لا يؤكل، ولا يجوز الاستصباح به بخلاف الدهن النجس بوقوع النجاسة } بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص مستفيضة فيه (3) كما تقدم الكلام فيه مفصلا في


(1) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 2. (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 عن اسماعيل ابن شعيب. (3) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب الصيد والباب - 30 - من أبواب الذبائح من كتاب الصيد والذباحة والباب - 6 - من أبواب ما يكتسب به - من كتاب التجارة.

[ 342 ]

المكاسب (1) فلاحظ. { الثاني: المحرمات من الذبيحة } التي لا أجد فيها خلافا معتد به كما اعترف به غير واحد { خمس } بل الاجماع بقسميه عليها، بل المحكي منهما مستفيض: { الطحال والقضيب والفرث والدم والانثيان } واقتصار المفيد والديلمي في المحكي منهما على ما عدا الفرث والدم لمعلومية حكمهما للاستخباث وغيره، كما أن التعبير بالكراهة في الطحال وغيره كما عن الاسكافي يراد منها الحرمة. كل ذلك مضافا إلى النصوص، ففي مرسل ابن أبي عمير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث والدم والطحال والنخاع والعلبا والغدد والقضيب والانثيان والحيا والمرارة " ورواه في الخصال أيضا (3)، إلا أنه ذكر " الرحم " موضع " العلبا " و " الاوداج " موضع " المرارة " وقال: " أو قال: العروق " وعن نسخة " الغدد " موضع " العلبا ". وخبر اسماعيل بن مرار (4) عنهم (عليهم السلام) " لا يؤكل مما يكون في الابل والبقر والغنم وغير ذلك مما لحمه حلال الفرج بما فيه ظاهره وباطنه، والقضيب والبيضتان والمشيمة، وهو موضع الولد، والطحال لانه دم، والغدد مع العروق، والنخاع الذي يكون في الصلب والمرارة والحدق والخرزة التي تكون في الدماغ والدم ".


(1) راجع ج 22 ص 13 - 17. (2) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4. (3) أشار إليه في الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 وذكره في الخصال ج 2 ص 54 ط حجر. (4) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 343 ]

ومرسل الفقيه (1) قال الصادق (عليه السلام): " في الشاة عشرة أشياء لا تؤكل: الفرث والدم والنخاع والطحال والغدد والقضيب والانثيان والرحم والحيا والاوداج " وكذلك رواه في محكي الخصال، إلا أنه بعد " أوداج ": " أو قال: العروق " (2). ومرسل البرقي في المحكي من محاسنه (3) " حرم من الذبيحة سبعة أشياء - إلى أن قال -: فأما ما يحرم من الذبيحة فالدم والفرث والغدد والطحال والقضيب والانثيان والرحم ". وفي مرفوع أبي يحيى الواسطي (4) " مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم والغدد وآذان الفؤاد والطحال والنخاع والخصى والقضيب، فقال له بعض القصابين: يا أمير المؤمنين ما الطحال والكبد إلا سواء، فقال (عليه السلام): كذبت يا لكع، آتني بتورين من ماء أنبئك بخلاف ما بينهما، فأتى بكبد وطحال وتورين من ماء، فقال: شقوا الكبد من وسطه والطحال من وسطه ثم أمر فمرستا جميعا في الماء فابيضت الكبد ولم ينقص منها شئ ولم يبيض الطحال، وخرج ما فيه وصار دما كله ". وخبر ابراهيم بن عبد الحميد (5) عن أبي الحسن (عليه السلام)


(1) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 8 - 2 - 1. (2) أشار (قده) إلى هذه الرواية بعد نقل مرسل ابن أبي عمير المتقدم في ص 342، وليس في الخصال في المقام بهذا المضمون إلا رواية واحدة. (3) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 19. وفيه. " حرم من الذبيحة عشرة أشياء... " كما في المحاسن ص 471 طبع طهران 1370 وقد نقله (قده) كذلك فيما يأتي قريبا بعنوان خبر محمد بن جمهور المروي عن المحاسن ولكن في البحار ج 66 ص 38 نقلا عن المحاسن " حرم من الذبيحة سبعة أشياء... ".

[ 344 ]

" حرم من الشاة سبعة أشياء: الدم والخصيتان والقضيب والمثانة والغدد والطحال والمرارة ". وفي خبر مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إذا اشترى أحدكم اللحم فليخرج منه الغدد، فانه يحرك عرق الجذام ". ومرسل الخصال (2) " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يكره أكل خمسة: الطحال والقضيب والانثيان والحيا وآذان القلب ". وفي خبر محمد بن جمهور المروي عن المحاسن (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " حرم من الذبيحة عشرة أشياء، وأحل من الميتة عشرة أشياء، فأما الذي يحرم من الذبيحة فالدم والفرث والغدد والطحال والقضيب والانثيان والرحم والظلف والقرن والشعر، وأما الذى يحل من الميتة فالشعر والصوف والوبر والناب والقرن والضرس والظلف والبيض والانفحة والظفر والمخلب والريش ". بل في خبر صفوان بن يحيى الازرق (4) " قلت لابي إبراهيم (عليه السلام): " الرجل يعطى الاضحية لمن يسلخها بجلدها، قال: لا بأس، إنما قال الله عزوجل: فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر (5) والجلد لا يؤكل ولا يطعم ". وخبر أبان بن عثمان (6) المروي عن العلل " قلت لابي عبد الله


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 - 10 - 19 - 14 - 11. (5) سورة الحج: 22 - الآية 36.

[ 345 ]

(عليه السلام): كيف صار الطحال حراما وهو من الذبيحة ؟ فقال: إن إبراهيم (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) هبط عليه الكبش من ثبير وهو جبل في مكة ليذبحه أتاه إبليس فقال له: أعطني نصيبي من هذا الكبش، فقال: أي نصيب لك ؟ وهو قربان لربي وفداء لابني، فأوحى الله إليه أن له فيه نصيبا، وهو الطحال لانه مجمع الدم والخصيتان لانهما موضع النكاح ومجرى النطفة، فأعطاه إبراهيم (عليه السلام) الطحال والانثيين، قلت: فكيف حرم النخاع ؟ قال: لانه موضع الماء الدافق من كل ذكر وأنثى، وهو المخ الذي في فقار الظهر ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): يكره من الذبيحة عشرة أشياء منها: الطحال والانثيان والنخاع والدم والجلد والعظم والقرن والظلف والغدد والمذاكر، وأطلق في الميتة عشرة أشياء: الصوف والشعر والريش والبيض والناب والقرن والظلف والانفحة والاهاب واللبن، وذلك إذا كان قائما في الضرع " إلى غير ذلك من النصوص (1) الواردة في الدم والطحال، ومنها الصحيح وغيره. ولا يخفى عليك دلالة الجميع على الخمسة المتفق عليها، بل وعلى الثمانية باضافة الثلاثة التي أشار إليها المصنف بقوله: { وفي المثانة والمرارة والمشيمة تردد، أشبهه التحريم، لما فيها من الاستخباث }. لكن في المسالك بعد ذكر بعض النصوص التي ذكرناها قال: " وكلها ضعيفة السند، وتحريم ما ذكر مجتمع من جملتها، فلذلك لم يحكم المصنف بمضمونها، لقصورها عن إفادة التحريم، فيرجع إلى الادلة العامة، وقد علمنا منها تحريم الدم والخبائث وتحليل الطيبات، فما كان منها خبيثا يحرم لذلك، وهو الخمسة التي صدر بها المصنف جازما بها، وفي معناها


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 346 ]

الثلاثة التي نقل فيها الخلاف واختار تحريمها، وهي المثانة والمرارة والمشيمة وعلل تحريمها بالاستخباث إشارة إلى ما ذكرناه من عدم دليل صالح على تحريمها بالخصوص، بل ما دل على تحريم الخبائث، والباقية لا يظهر كونها من الخبائث، فتحريمها ليس بجيد ". وفيه ما لا يخفى من عدم ظهور الخباثة في بعضها، بل لا وجه للتردد في الحرمة معه، كما لا وجه للفتوى بها مع التردد فيها، لعدم تحقق عنوان التحريم حينئذ الذي لا يعارضه عدم تحقق عنوان الحل أيضا، ضرورة اقتضاء ذلك بعد تسليمه الرجوع إلى الاصول، ولا ريب في اقتضاء أصل الحل والبراءة منها عدم الحرمة. كما هو واضح. فالتحقيق كون المستند النصوص المزبورة المنجبر ضعف أسانيدها بالشهرة العظيمة المحققة والمحكية، بل عن المرتضى وابن زهرة الاجماع على حرمة ما عدا المرارة من الثلاثة، وعن ظاهر الخلاف دعواه أيضا في المثانة، فإذا ثبت باجماعهم الحكم بالحرمة في ما عدا المرارة ثبت الحكم بها فيها بالقطع باستخباثها، مع احتمال الاجماع المركب، لاتفاق كل من حرم ما عداها في الظاهر على حرمتها، وعدم ذكرها في معقد الاجماع لمعلومية حكمها، كما سمعته في الفرث والدم، أو لاستبعاد أكلها أو لغير ذلك. وفي الرياض " ومن هنا يمكن دعوى عدم الخلاف في حرمتها وحرمة المشيمة، لان الاصحاب ما بين مصرح بحرمة الاربعة عشر مع المشيمة كما عليه الحلي والقواعد والدروس واللمعة، ونسبه في الروضة إلى جماعة ممن تأخر عن الحلي، ومفت بحرمتها خاصة من دون ذكر المثانة، كالشيخ في النهاية وجملة ممن تبعه، كالقاضي وابن حمزة، بل في المختلف والتحرير نسبته إلى المشهور، ومفت بحرمة هذه الثلاثة مع الخمسة، كالشرائع

[ 347 ]

والمسالك وغيرهما، ومفت بحرمة الثمانية مع الفرج، كالفاضل في الارشاد والتحرير والمختلف) إلى آخره. قلت: الذي وقفنا على حكايته ممن تقدم على المصنف أن المفيد وسلار قالا: " لا يؤكل الطحال والقضيب والانثيان " ولم يذكرا غيرها والمرتضى قال: " انفردت الامامية بتحريم الطحال والقضيب والخصيتين والرحم والمثانة) وزاد عليه في الخلاف الغدد والعلبا والخرزة " وعن أبي الصلاح وابن زهرة " يحرم سبعة: الدم والطحال والقضيب والانثيان والغدد والمشيمة والمثانة " وقال الشيخ في النهاية وتبعه ابن حمزة: يحرم أربعة عشر: الدم والفرث والطحال والمرارة والمشيمة والفرج ظاهره وباطنه والقضيب والانثيان والنخاع والعلبا والغدد وذات الاشاجع والحدق والخرزة ". ونقص ابن البراج الدم لظهوره، وزاد ابن إدريس المثانة، فهي عنده خمسة عشر، واختاره الفاضل ناسبا له إلى أكثر علمائنا، وعن الاسكافي " يكره من الشاة أكل الطحال والمثانة والغدد والنخاع والرحم والقضيب والانثيين ". وبعد تسليم إرادة الخلاف فأقصاه خلاف السيدين، وهو لا يقدح في الاجماع، كما لا يقدح فيه ما عن الحلبي من التعبير بكراهتها، وكذا الاسكافي ضاما إليها الطحال والمثانة والرحم والقضيب والانثيين، مع احتمال أو ظهور إرادتهما الحرمة منها، على أنه محجوج بالنصوص المزبورة المجبورة بما عرفت. ولا يقدح تعارضها بالمفهوم والمنطوق باعتبار اقتضاء الحل في بعض والحرمة في آخر، ضرورة أنه بعد تسليم صلاحية معارضة المفهوم للمنطوق فأقصاه كونه من باب العام والخاص الذى يجب فيه تحكيم الثاني على الاول كما هو مقرر في محله. وبذلك كله اتضح لك وجه الحرمة في الثمانية المزبورة، وبه يخص

[ 348 ]

عموم ما دل على الحل من عموم الكتاب (1) والسنة (2) كما هو واضح. بل لا يبعد حرمة غيرها من تمام الخمسة عشر عدا ذات الاشاجع منها وإن قال المصنف: { أما الفرج والنخاع والعلبا والغدد وذات الاشاجع وخرزة الدماغ والحدق فمن الاصحاب من حرمها، والوجه الكراهية } إلا أن الاقوى خلافه، للنصوص المزبورة المنجبرة بالشهرة المحكية عن المختلف والتحرير وإجماع ظاهر الخلاف على الغدد والعلبا وخرزة الدماغ وصريح الغنية على الاولين مع عدم تبين خلاف شئ من ذلك، خصوصا مع إمكان إرادة المقتصر على البعض بيان أن ذلك محرم منها، لا انحصار التحريم فيما ذكره، سيما مع تركه الدم والطحال المعلوم حرمتهما، وكذا المرارة، بل قد يقال: إن ثبوت الاثنين أو الثلاثة بالاجماع المزبور يقتضي ثبوت الجميع، لعدم القائل بالفصل. كل ذلك مضافا إلى ما في الرياض من أن الاول مروي في الخصال بسند صحيح على الظاهر، وخبر إبراهيم بن عبد الحميد منها مروي في المحاسن بسند موثق، وخبر إسماعيل بن مرار ليس فيه ما يتوقف فيه إلا إسماعيل الذي ذكر في الرجال ما يستأنس به للاعتماد عليه، وإلى غير ذلك من تعاضد النصوص، وروايتها في الكتب الاربع وغيرها، وعمل الجميع بها في الجملة، بل عمل بها من لا يعمل بأخبار الآحاد، كابن إدريس وغيره، وهو يقضي بتواترها إليه أن القطع بمضمونها، ولا يقدح تعارض مفهوم بعضها مع منطوق الآخر بعد تحكيمه عليه لو سلم معارضته له، فلا محيص عن العمل بها، نعم لم أقف على ما تضمن ذات الاشاجع منها، فيتجه الحكم بحلها، أللهم إلا أن يتمم الحكم فيها بعدم القول بالفصل.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (2) الوسائل - الباب - 11 وغيره - من أبواب الذبائح من كتاب الصيد والذباحة.

[ 349 ]

على أن المراد بها غير معلوم، فان الاشاجع كما عن الجوهري أصول الاصابع التي يتصل بعصب ظاهر الكف، والواحد " أشجع " بفتح الهمزة وحينئذ فذات الاشاجع مجمع تلك الاصول، وفي مجمع البرهان " الظاهر أن الاشاجع وذات الاشاجع واحد، ولكن لا توجد المذكور في كل البهائم المحللة، إلا أن يقال: هي أصول الاصابع والظلف وغيره، فتوجد في الغنم والابل والبقر، ويمكن وجودها بالمعنى الاول في الطيور ويشكل تميزها ". قلت: ويسهل الخطب ما عرفت من عدم الدليل على حرمتها. وأما خرزة الدماغ فعن الفقهاء أنه حبة في وسط الدماغ بقدر الحمصة إلى الغبرة ما هو (تميل إلى الغبرة في الجملة خ ل) يخالف لون الدماغ، أي المخ الذي في الجمجمة. والحدق جمع حدقة، وهي سواد العين الاعظم. والمراد بالمشيمة كما في غاية المراد قرينة الولد الذي تخرج معه، والجمع " مشائم " مثل " معائش " لكن عن القاموس هي محل الولد، كما في الخبر موضع الولد (1). والنخاع عرق مستبطن الفقار، وهو أقصى حد الذبح. والعلباوان عصبتان عريضتان صفراوان ممدوتان من الرقبة على الظهر إلى الذنب. ثم إن الظاهر من إطلاق المصنف وغيره وصريح غير واحد عدم الفرق في الذبيحة بين الكبير كالجزور وبين الصغير كالعصفور، لكن في الروضة " يشكل الحكم بتحريم جميع ما ذكر مع عدم تميزه، لاستلزام تحريم جميعه أو أكثره للاشتباه، والاجود اختصاص الحكم بالنعم من


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 350 ]

الحيوان الوحشي دون العصفور وما أشبهه ". واستجوده في الرياض فيما كان مستند تحريمه الاجماع، لعدم معلومية تحققه في العصفور وشبهه، مع اختصاص عبائر جماعة من الاصحاب - كالصدوق وغيره وكجملة من النصوص (1) - بالشاة والنعم، وعدم انصراف إطلاق باقي الروايات والفتاوى إليهما، وأما ما كان المستند في تحريمه الخباثة فالتعميم إلى كل ما تحققت فيه أجود، ومع ذلك فالترك مطلقا أحوط. وفيه أن دليل معظمها أو أجمعها ما سمعته من النصوص وإن تأيدت في بعضها بالخباثة ونحوه، فما ذكره (رحمه الله) لا يرجع إلى حاصل يعول عليه، والتحقيق حرمة الجميع في كل ذبيحة لكن بعد تحقق مسماه أما مع عدم ظهوره فلا، إذ لا يصدق أكله أو أكل شئ منه حينئذ، إذ لعله غير مخلوق في الحيوان المزبور، مضافا إلى السيرة المستمرة على ذلك، نعم لو علم شيوع أجزاء المحرم منها في جملة اللحم اتجه اجتنابه أجمع. وربما يشهد له في الجملة ما تسمعه في الطحال المشوي، ودعوى عدم تناول شئ من النصوص السابقة للحيوان الصغير إلا في الدم والطحال أو مع الرجيع بناء على استخباثه ممنوعة، خصوصا بعد الاطلاق في خبر إسماعيل عنهم (عليهم السلام) (2) والعلم بارادة المثال من الشاة في غيره لكل حيوان تحقق فيه مسمى المحرمات المزبورة، نعم لا ينكر اختصاصها في الذبيحة. أما مثل الجراد والسمك فلا، بل لا يعلم خلق كثير من هذه المحرمات


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 8 و 9. (2) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 351 ]

فيهما أو أجمعها عدا الدم الذي ستعرف الكلام فيه والرجيع الذي مدار حرمته فيهما على الاستخباث الذي يمكن منعه هنا، خصوصا إذا أكل في جملتها على وجه لا يعد فيه أكل شئ من الخبيث، لاستهلاكه في ضمن المأكول، ولعل من ذلك ما يقع من فرث الغنم مثلا في لبنها، وإن بقي أجزاء منه بعد إخراجه منه استهلكت فيه، فتأمل جيدا. { و } كيف كان فلا خلاف في أنه { يكره الكلى وأذنا القلب والعروق } بمعنى عدم حرمة شئ منها، للاصل وغيره الذي لا يعارضه النهي عن العروق وآذان القلب في بعض النصوص (1) المزبورة التي لا جابر لها في ذلك، بل الاتفاق ظاهرا على عدم إرادة الحرمة منه، فلا محيص عن حمله على الكراهة. بل لم نعثر في الكلى منها إلا على مرسل سهل عن بعض أصحابنا (2) " إنه كره الكليتين، وقال: إنما هما مجتمع البول " وهو مع كونه مرسلا ومضمرا غير صريح في إرادة الحرمة بها، خصوصا بعد خبر محمد بن صدقة (3) عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يأكل الكليتين من غير أن يحرمهما، لقربهما من البول " الصريح في الكراهة ونحوه المروي عن العيون بأسانيده عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (4) وبعد ما عن المرتضى في الانتصار من الاتفاق على كراهتهما، والله العالم. { ولو شوى الطحال مع اللحم ولم يكن مثقوبا لم يحرم اللحم } وإن كان تحته. { وكذا لو كان اللحم فوقه } لم يحرم وإن كان الطحال


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 و 10. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 - 13 - 17.

[ 352 ]

مثقوبا { أما لو كان مثقوبا وكان اللحم تحته حرم } بلا خلاف أجده لموثق عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقد سئل عن الجري يكون في السفود مع السمك، فقال: " يؤكل ما كان فوق الجري ويرمى ما سال عليه الجري، قال: وسئل عن الطحال في سفود مع اللحم وتحته الخبز وهو الجوذاب، أيؤكل ما تحته ؟ قال: نعم يؤكل اللحم والجوذاب، ويرمى بالطحال، لان الطحال في حجاب لا يسيل منه، فان كان الطحال مثقوبا أو مشقوقا فلا تأكل ما يسيل عليه الطحال ". وفي الفقيه (2) قال الصادق (عليه السلام): " إذا كان اللحم مع الطحال في سفود أكل اللحم إذا كان فوق الطحال، فان كان أسفل من الطحال لم يؤكل، ويؤكل جوذابه، لان الطحال في حجاب، ولا ينزل منه إلا أن يثقب، فان ثقب سال منه ولم يؤكل ما تحته من الجوذاب فان جعلت سمكة يجوز أكلها مع جري أو غيرها مما لا يجوز أكله في سفود السمك أكلت التي لها فلوس إذا كانت في السفود فوق الجري وفوق التي لا تؤكل، فان كانت أسفل من الجري لا تؤكل ". وفي مجمع البرهان " هي مرسلة فيه ". وقريب منها رواية ضعيفة في التهذيب (3) والكافي (4) أيضا وزيد " سئل عن الطحال يحل أكله، قال: لا تأكل فهو دم " وزيد أيضا قوله: " وتحته خبز وهو الجوذاب " وبالجملة بينهما مغايرة، ولكن ليست بمعنوية، وظاهره أنها غير خبر عمار. وفي الوافي (السفود بالتشديد: الحديدة التي يشوى بها اللحم، والجوذاب بالضم: خبز أو حنطة أو لبن وسكر وماء نارجيل علقت


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 1 - 3 - 2 - 1.

[ 353 ]

عليها لحم في تنور حتى تطبخ ". بل عن الصدوقين عدم أكل اللحم إذا كان أسفل من الطحال مطلقا بخلاف الجوذاب، فيؤكل مع عدم الثقب، ولا يؤكل مع الثقب، وإن كان هو كما ترى غير واضح الوجه مع شذوذه، بل مخالف للنص المؤيد بالاعتبار المشتمل على التعليل القاضي بعدم الفرق بين الطحال وغيره مما لا يؤكل، ومن هنا كان المحكى عن الصدوقين وابن حمزة مساواة غير الطحال مما لا يؤكل كالجري في اعتبار العلو والسفل، مضافا إلى التصريح به في صدر الموثق. خلافا للفاضل في محكي المختلف، فخص الحكم بالطحال استضعافا للرواية التي هي من قسم الموثق الذي فرغنا من حجيته في الاصول، سيما بعد الاعتضاد هنا بالشهرة أو عدم الخلاف، وباتحاد الحكم فيهما، وهو سيلان أجزاء من المحرم على المحلل. ومن هنا كان المتجه تقييد الحكم بالتحريم في المسألتين بصورة إمكان السيلان من الاعلى المحرم إلى الاسفل المحلل، فلو قطع بعدم السيلان لم يحرم، للاصل بعد انسياق السيلان من مورد النص والفتوى، بل قد عرفت التعبير به في الموثق الذي وجهه اختلاط أجزاء ما يحرم أكله مع ما يحل، بل لو فرض حصول ذلك مع فرض كون المحلل فوق المحرم إلا أن بينهما مماسة على وجه تحصل الممازجة في بعض الاجزاء اتجه التحريم أيضا، إلا أن المتجه بناء على ذلك تحقق السيلان المقتضي للتحريم. لكن في الرياض " أن إطلاق النص والفتوى يقتضي الحرمة مع الشك في السيلان، مع احتمال تقييدهما بصورة القطع به أو ظهوره، فيحل في غيرهما عملا بالاصل، ولا ريب أن التجنب أحوط ". وفيه أن إلحاق الظهور بالقطع محتاج إلى الدليل بناء على التقييد المزبور.

[ 354 ]

بقي شئ: وهو أنه قد يظهر من الموثق عدم الاكتفاء في الحرمة في الطحال بالثقب الحاصل من السفود الذي هو السيخ في عرفنا، ولكن إطلاق الفتوى بخلافه، ولذا فرض فيها الشوي مع الطحال من دون كونه في سفود، ولا ريب أن الاجتناب هو الاحوط أو الاقوى، ضرورة عدم الفرق في الثقب بين كونه من السفود أو غيره، والله العالم. { الثالث: الاعيان النجسة } أصالة { كالعذرات النجسة } وغيرها بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى السنة المقطوع بها إن لم تكن متواترة اصطلاحا، بل لعل التعليل في قوله تعالى (1): " فانه رجس " دال عليه بناء على إرادة النجس منه، مضافا إلى الاستخباث في جملة منها. { وكذا } يحرم { كل طعام مزج بالخمر أو النبيذ المسكر أو الفقاع وإن قل، أو وقعت فيه نجاسة وهو مائع كالبول، أو باشره الكفار وإن كانوا أهل ذمة على الاصح } من كونهم نجسين، كما ذكرنا الكلام فيه مفصلا في كتاب الطهارة (2) فينجس حينئذ الطعام المائع إذا باشروه فيحرم أكله، لكونه كالنجس بالنسبة إلى ذلك بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا، بل النصوص الواردة في اجتناب السمن الواقع فيه فأرة وغيره (3) كادت تكون متواترة، بل هو من القطعيات إن لم يكن من الضروريات. وكذا يجب اجتناب كل طعام امتزج بشئ من النجس أو المتنجس


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 145. (2) راجع ج 6 ص 41 - 44. (3) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب الاطعمة المحرمة والباب - 6 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

[ 355 ]

إذا كان محصورا، للمقدمة، بل ولغيرها مع فرض عدم انفكاك المتناول عن جزء من المحرم، كما هو واضح، والله العالم. { الرابع: الطين } بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص الواردة فيه المشتملة على كون أكله من مكائد الشيطان (1) ومصائده الكبار وأبوابه العظام (2) ومن الوسواس (3) ويورث السقم في الجسد ويهيج الداء (4) ويورث النفاق (5) ويوقع الحكة في الجسد ويورث البواسير ويهيج داء السودا ويذهب بالقوة من الساقين والقدمين (6) وأنه مثل الميتة والدم ولحم الخنزير (7) وأن من أكله ملعون (8) وأن من أكله فمات فقد أعان على نفسه (9) ولا يصلى عليه (10) وأن من أكله وضعف عن قوته التي كانت قبل أن يأكله وضعف عن العمل الذي كان يعمله قبل أن يأكله حوسب على ما بين ضعفه وقوته وعذب عليه (11) وأن الله تعالى شأنه خلق آدم من طين فحرمه على ذريته (12) وأنه أكل لحوم الناس وخصوصا طين الكوفة، لقول الصادق (عليه السلام) (13): " من أكل طينها فقد أكل لحوم الناس، لان الكوفة كانت أجمة ثم كانت مقبرة ما حولها " وغير ذلك. لكن في المسالك " المراد بها ما يشمل التراب والمدر " بل في مجمع البرهان " المشهور بين المتفقهة تحريم التراب والارض كلها حتى الرمل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (7) و (8) (9) و (11) و (12) و (13) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 - 9 - 10 - 2 - 3 - 11 - 15 - 7 - 2 - 5 - 15. (6) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 13 وفيه " ويهيج عليه داء السوء " كما في البحار ج 60 ص 150. (10) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 356 ]

والاحجار " وفى الرياض ما حاصله من أنه يستفاد من استثناء طين قبر الحسين (عليه السلام) منه نصا (1) وفتوى عموم الحرمة للتراب الخالص والممزوج بالماء الذي هو معناه الحقيقي لغة وعرفا، مضافا إلى تعليل التحريم بالاضرار للبدن الوارد في بعض النصوص (2) والفتاوى بناء على حصول الضرر في الخالص قطعا، ومنه يظهر وجه ما اشتهر بين المتفقهة من حرمة التراب والارض كلها حتى الرمل والاحجار، وضعف ما أورد عليهم من أن المذكور في النصوص الطين الذي هو حقيقة في التراب الممزوج بالماء، إلا أن يخص الايراد بصورة القطع بعدم ضرر هذه الاشياء، وهو حسن إن صح ثبوتها، مع أن الظاهر عدمها، بل الظن حاصل بضررها مطلقا، فتأمل جيدا. قلت: هو كما ترى، ضرورة معلومية حرمة أكل الطين تعبدا نصا (3) وفتوى، وأن ذكر الضرر فيه من حكم حرمته، ومن هنا يحرم القليل منه المقطوع بعدم ضرر فيه، فمن الغريب جعل ذلك علة يدور الحكم معها وجودا وعدما. وكأن الذي أوقعه في ذلك تصدير ثاني الشهيدين الاستدلال على حرمته بما فيه من الاضرار الظاهر بالبدن. وحينئذ فمحل البحث حرمة التراب ونحوه على نحو حرمة الطين، ولا ريب أن مقتضى الاصول عدمها، ضرورة خروجه عن مسماه، إذ هو لغة وعرفا كما اعترف به غير واحد تراب مخلوط بالماء، وعن القاموس " الطين معروف، والطينة قطعة منه، وتطين: تلطخ به ". وفي خبر معمر بن خلاد (4) عن أبي الحسن (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 - 0 - 1.

[ 357 ]

" قلت له: ما يروي الناس في أكل الطين وكراهته ؟ قال: إنما ذلك المبلول، وذلك الدر " نعم هو ظاهر في عدم الفرق بين الرطب منه واليابس الذي هو المدر المشتمل عليه الخبر. وفي مرفوع أحمد بن أبي عبد الله (1) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن أكل المدر " نعم في مجمع البرهان " لابد أن يكون ممتزجا أولا به " وفيه أن المدار على صدق الطين عرفا. ودعوى اقتضاء حرمته حرمة التراب - باعتبار كونه ترابا وماء ومن المعلوم عدم حرمة الثاني - واضحة الفساد، ضرورة رجوعها إلى شبه العلة المستنبطة، كما أن دعوى استثناء التربة الحسينية منه يقتضي ذلك ضرورة كون المستثنى نصا (2) وفتوى طين القبر، وهو لا يقتضي حرمة التراب في المستثنى منه، وإن قلنا بالشفاء في تربته إلا أن المستثنى من المحرم طين قبره. قال الصادق (عليه السلام) في مرسل الواسطي (3): " الطين حرام أكله كلحم الخنزير، ومن أكله ثم مات منه لم أصل عليه إلا طين القبر، فان فيه شفاء من كل داء، ومن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء ". وقال سعد بن سعد (4): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الطين، فقال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلا طين الحائر، فان فيه شفاء من كل داء وأمنا من كل خوف ". وفي خبر سماعة بن مهران (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 12. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث. - 1 - 2 - 4.

[ 358 ]

" أكل الطين حرام على بني آدم ما خلا طين قبر الحسين (عليه السلام) من أكله من وجع شفاه الله " إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على استثناء طينه التي لا تنافيها نصوص الاستشفاء بتربته (1) الشاملة له ولغيره من التراب، ضرورة كون المراد من تربته محل قبره الشريف، لا خصوص التراب منه، كما هو واضح، والمستثنى طينه دون ترابه الباقي على أصل الاباحة كغيره من أفراد التراب الذي لا يقيد إلا بالضرر. وربما يؤيد الحل السيرة المستمرة على أكل الكمأة وعلى أكل الفواكه ذات الغبار وغيرها مما لا ينفك الانسان عنه غالبا، خصوصا في أيام الرياح، بل يمكن القطع بعدم وجوب اجتناب الطعام بوقوع أجزاء تراب أو طين فيه وإن قلت، والله العالم. وعلى كل حال { فلا يحل شئ منه } أي الطين { عدا } الطين من { تربة الحسين (عليه السلام) فانه يجوز الاستشفاء } به بلا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص (2) فيه مستفيضة أو متواترة، وفيها المشتمل على القسم { و } غيره من المؤكدات (3). نعم { لا يتجاوز قدر الحمصة } بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه اقتصارا على المتيقن في مخالفة معلوم الحرمة، وقول


(1) الوسائل الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7 والباب - 70 - من أبواب المزار - الحديث 1 و 5 و 8 والباب - 72 - منها - الحديث 2 من كتاب الحج (2) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (3) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة والباب - 70 - من أبواب المزار - الحديث 2 من كتاب الحج.

[ 359 ]

الصادق (عليه السلام) في حسن سدير (1): " ولا تتناول منها أكثر من حمصة، فان تناول منها أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا ". وفي الخبر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " إن الله تعالى خلق آدم من الطين فحرم الطين على ولده، قال: قلت: فما تقول في طين قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) ؟ قال: يحرم على الناس أكل لحومهم ويحل لهم أكل لحومنا، ولكن اليسير من مثل الحمصة ". وفي مرسل المصباح (3) " أن رجلا سأل الصادق (عليه السلام) فقال: إني سمعتك تقول: إن تربة الحسين (عليه السلام) من الادوية المفردة، وإنها لا تمر بداء إلا هضمته، فقال: قد كان ذلك أو قلت ذلك، فما بالك ؟ فقال: إني تناولتها فما انتفعت بها، قال (عليه السلام): إن لها دعاء، فمن تناولها ولم يدع به واستعملها لم يكد ينتفع بها، قال: فقال له: ما أقول إذا تناولتها ؟ قال: تقبلها قبل كل شئ، وتضعها على عينك، ولا تتناول منها أكثر من حمصة، فان من تناول أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا، فإذا تناولت فقل: أللهم إني أسألك بحق الملك الذي قبضها وأسألك بحق الملك الذي خزنها، وأسألك بحق الوصي الذي حل فيها أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعله


(1) الوسائل - الباب 59 من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 عن حنان بن سدير وفيه " من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا " كما نقله (قده) كذلك في ص 368. وما ذكر من المتن فهو مرسلة الشيخ (قده) في المصباح المتهجد التي رواها في الوسائل بعد حسن حنان بن سدير، كما هو كذلك في البحار ج 101 ص 135 أيضا، وسيأتي ذكر المرسل في الجواهر بعد أسطر. (2) الوسائل - الباب - 72 - من أبواب المزار - الحديث 1 من كتاب الحج. (3) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 7.

[ 360 ]

شفاء من كل داء، وأمانا من كل خوف، وحفظا من كل سوء، فإذا قلت ذلك فاشددها في شئ، واقرأ عليها إنا أنزلناه، فان الدعاء الذي تقدم لاخذها هو الاستئذان عليها، وقراءة إنا أنزلناه ختمها ". نعم ظاهر المصنف وغيره الاقتصار على الشرط المزبور لتناولها، لكن في كشف اللثام بعد أن روى المرسل المزبور قال: " وهو يعطي اشتراط الاستشفاء بها بالدعاء والقراءة، وقوله: " فإذا قلت ذلك فاشددها " إلى آخره يعطي أن يكون المراد بالتناول الاخذ من القبر لا الاكل " وفيه أن دلالته على الكمال أقوى من وجوه. ثم قال: " وعن جابر الجعفي (6) أنه شكا إلى الباقر (عليه السلام) علتين متغايرتين (متضادتين خ ل) كان به وجع الظهر ووجع الجوف، فقال (عليه السلام) له: عليك بتربة الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: فقلت: كثيرا ما استعملها ولا تنجح في، قال: فتبينت في وجه سيدي ومولاي الغضب، فقلت: يا مولاي أعوذ بالله من سخطك، وقام فدخل الدار وهو مغضب، فأتى بوزن حبة في كفه فناولني إياها، ثم قال: استعمل هذه يا جابر، فاستعملتها، فعوفيت لوقتي، فقلت: يا مولاي ما هذه التي استعملتها فعوفيت لوقتي ؟ فقال: هذه التي ذكرت أنها لم تنجح فيك شيئا، فقلت: والله يا مولاي ما كذبت فيما قلت، ولكن لعل عندك علما فأتعلمه منك، فيكون أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، قال: فإذا أردت أن تأخذ من التربة فاعمد إليها آخر الليل، واغتسل بماء القراح، وألبس أطهر ثيابك، وتطيب بسعد، وادخل فقف عند الرأس فصل أربع ركعات، تقرأ في الاولى الحمد مرة واحدى عشرة مرة قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد مرة وإحدى عشرة مرة


(1) المستدرك - الباب - 56 - من أبواب المزار - الحديث 1 من كتاب الحج.

[ 361 ]

إنا أنزلناه، وتقنت وتقول في قونتك: لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله عبودية ورقا، لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، سبحان الله مالك السماوات وما فيهن وما بينهن سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، ثم تركع وتسجد ثم تصلي ركعتين أخراوين، تقرأ في الاولى الحمد مرة واحدى عشرة مرة قل هو الله أحد، وفي الثانية الحمد مرة وإحدى عشرة مرة إذا جاء نصر الله وتقنت كما قنت في الاولتين، ثم تسجد سجدة الشكر، وتقول ألف مرة: شكرا، ثم تقوم وتتعلق بالتربة وتقول: يا مولاي يابن رسول الله إني آخذ من تربتك باذنك، أللهم فاجعلها شفاء من كل داء، وعزا من كل ذل، وأمنا من كل خوف، وغنى من كل فقر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وتأخذ بثلاث أصابع ثلاث مرات، وتدعها في خرقة نظيفة أو قارورة زجاج، وتختمها بخاتم عقيق عليه ما شاء الله لا قوة إلا بالله استغفر الله، فإذا علم الله منك صدق النية لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل، وترفعها لكل علة، فانها تكون مثل ما رأيت ". قال: " ونحو ذلك خبر آخر (1) إلا أن فيه في أولى كل من الركعتين إحدى عشرة مرة سورة الاخلاص من بعد الحمد، وليس فيه القنوت، وروي (2) لاخذ التربة غير ذلك من القراءة والدعاء بلا تعرض لصلاة أو غسل " قلت: وهو أعظم شاهد على إرادة الكمال. ثم قال: " وفي الكامل لابن قولويه مسندا عن محمد بن مسلم (3) إنه كان وجعا فأرسل إليه أبو جعفر (عليه السلام) شرابا مع الغلام


(1) البحار - ج 101 ص 137. (2) الوسائل - الباب - 73 - من أبواب المزار - الحديث 1. (3) البحار - ج 101 ص 120.

[ 362 ]

مغطى بمنديل، فناوله الغلام إياه، وقال: اشربه فانه قد أمرني أن لا أبرح حتى تشربه، قال: فتناولته فإذا فيه رائحة المسك وإذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته، قال لي الغلام: يقول لك مولاي: إذا شربت فتعال، فتفكرت فيما قال لي وما أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي، فلما استقر الشراب في جوفي فكأنني نشطت من عقال، فأتيت بابه واستأذنت عليه، فصوت إلي: صح الجسم أدخل، فدخلت عليه وأنا باك، فسلمت عليه وقبلت يده ورأسه، فقال: وما يبكيك يا محمد ؟ فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة وقلة القدرة على المقام عندك أنظر إليك، فقال لي - إلى أن قال -: يا محمد إن الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي، وهو أفضل ما استشفي به فلا تعدو أدبه، فانا نسقيه صبياننا ونساءنا، فنرى فيه كل خير، فقلت: جعلت فداك إنا لنأخذ منه ونستشفي به، فقال: يأخذ الرجل فيخرجه من الحائر وقد أظهره، فلا يمر بأحد ممن به عاهة ولا دابة ولا شئ به آفة إلا شمه فتذهب بركته، فيصير بركته لغيره، وهذا الذي نتعالج به ليس هكذا، ولو لا ما ذكرت لك ما تمسح به شئ ولا شرب منه شئ إلا أفاق من ساعته، وما هو إلا كالحجر الاسود أتاه أصحاب العاهات والكفر والجاهلية، وكان لا يتمسح به أحد إلا أفاق، وكان كأبيض ياقوتة فاسود حتى صار إلى ما رأيت، فقلت: جعلت فداك وكيف أصنع به ؟ فقال: أنت تصنع به مع إظهارك إياه ما يصنع غيرك، تستخف به فتطرحه في خرجك (وفي أشياء دنسة خ) فيذهب ما فيه مما تريد به، فقلت: صدقت جعلت فداك، قال: ليس يأخذه أحد إلا وهو جاهل بأخذه، ولا يكاد يسلم للناس، فقلت: جعلت فداك وكيف لي أن آخذه كما تأخذه ؟ فقال: أعطيك منه شئ ؟ فقلت: نعم، قال:

[ 363 ]

فإذا أخذته فكيف تصنع به ؟ قلت: أذهب به معي، قال: في أي شئ تجعله ؟ قلت: في ثيابي، قال ؟ فرجعت إلى ما كنت تصنع، اشرب عندنا منه حاجتك ولا تحمله، فانه لا يسلم لك، فسقاني منه مرتين، فما أعلم أني وجدت شيئا مما كنت أجد حتى انصرفت ". وفيه مسندا عن الثمالي (1) قال للصادق (عليه السلام): " جعلت فداك إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين قبر الحسين (عليه السلام) يستشفون به هل في ذلك شئ مما يقولون من الشفاء ؟ قال: يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، وكذلك طين قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك طين قبر الحسن وعلي ومحمد (عليهم السلام) فخذ منها فانها شفاء من كل سقم، وجنة مما يخاف، ولا يعدلها شئ من الاشياء التي يستشفي بها إلا الدعاء، وإنما يفسدها ما يخالطها من أوعيتها وقلة اليقين لمن يعالج بها، فأما من أيقن أنها له شفاء إذا تعالج كفته باذن الله عن (من خ ل) غيرها مما يعالج به، ويفسدها الشياطين والجن من أهل الكفر يتمسحون بها، وما تمر بشئ إلا شمها، وأما الشياطين وكفار الجن فانهم يحسدون ابن آدم (عليها يتمسحون بها خ) فيذهب عامة طيبها، ولا يخرج الطين من الحائر إلا وقد استعد له ما لا يحصى منهم، وأنها لفي يدي آخذها وهم يتمسحون بها ولا يقدرون مع الملائكة أن يدخلوا الحائر، ولو كان من التربة شئ يسلم ما عولج به أحد إلا برئ من ساعته، فإذا أخذتها فأكنها، وأكثر عليها ذكر الله عزوجل، وقد بلغني أن بعض من يأخذ من التربة شيئا يستخف


(1) ذكر بعض قطعه في الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 وتمامه في المستدرك في الباب - 53 - من أبواب المزار - الحديث 9 من كتاب الحج.

[ 364 ]

به، حتى أن بعضهم ليطرحها في مخلاة الابل والبغل والحمار وفي وعاء الطعام وما يسمح به الايدي من الطعام والخرج والجوالق، فكيف يستشفي به من هكذا حاله عنده ؟ ولكن القلب الذي ليس فيه اليقين من المستخف بما فيه صلاحه يفسد عليه عمله ". ومن الغريب أنه قال بعد أن رأى هذه الاخبار: " وإذا سمعت الاخبار أشكل عليك الاستشفاء بها ما لم تعلم تحقق الشروط فيها " إذ قد عرفت أنها جميعها آداب لتناولها على الوجه الاكمل في سرعة التأثير ونحوه، لا شرائط لاصل التناول، كما هو مقتضى إطلاق النصوص (1) والفتاوى، بل في النصوص المزبورة قرائن متعددة على ذلك. ومن هنا قال في الرياض: " لم أقف على مشترط لذلك أصلا، بل صرح جماعة بأن ذلك لزيادة الفضل ". قلت: كأن الامر من الواضحات، إنما الكلام في المحل الذي يؤخذ منه الطين الشريف، ولا ريب في أن المنساق نفس القبر الشريف أو ما يقرب منه على وجه يلحق به عرفا، ولعله الحائر دون غيره، ويناسبه قاعدة الاقتصار على المتيقن. وفي خبر يونس بن الربيع (2) عن الصادق (عليه السلام) " إن عند رأس الحسين (عليه السلام) لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام، قال: فأتينا القبر بعد ما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر، فلما حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا من رأس القبر مشبه السهلة حمراء قدر الدرهم، فحملناها إلى الكوفة، فخرجنا وأقبلنا نعطي الناس "


(1) الوسائل - الباب - 70 - من أبواب المزار من كتاب الحج. (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 70 - من أبواب المزار - الحديث 1 من كتاب الحج وتمامه في الكافي - ج 4 ص 588.

[ 365 ]

وقد سمعت ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خروجها من الحائر. لكن في مرسل سليمان بن عمر السراج (1) عن الصادق (عليه السلام) " يؤخذ طين قبر الحسين (عليه السلام) من عند القبر على سبعين ذراعا ". وفي مرسل آخر له (2) " على سبعين باعا ". وفي خبر أبي الصباح (3) عنه (عليه السلام) أيضا المروي عن الكامل " طين قبر الحسين (عليه السلام) فيه شفاء وإن أخذ على رأس ميل ". وفي خبر أبي بكر الحضرمي (4) المروي عنه (عليه السلام) في الكتاب المزبور " لو أن مريضا من المؤمنين يعرف حق أبي عبد الله (عليه السلام) وحرمته وولايته أخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواء وشفاء ". وقد سمعت ما في خبر الثمالي (5) عنه (عليه السلام) من أنه يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال، وفي مرسل الحجال (6) عن


(1) الوسائل - الباب - 67 من أبواب المزار الحديث 3 من كتاب الحج. (2) الوسائل - الباب - 67 من أبواب المزار الحديث 4 من كتاب الحج. على رواية ابن قولويه (رحمه الله). (3) و (6) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب المزار - الحديث 9 - 7 من كتاب الحج. (4) ورد في كامل الزيارات عن أبي بكر الحضرمي روايتان في المقام بلفظ واحد إلا أن في الاولى منهما " وأخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء " وفي الثانية " أخذ له من طينه على رأس ميل كان له دواء وشفاء " كما في الجواهر، ونقل الاولى في الوسائل - الباب - 72 - من أبواب المزار - الحديث 4 ولم يتعرض للثانية وانما وردت في كامل الزيارات ص 279 فراجعه. (5) الوسائل الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3.

[ 366 ]

الصادق (عليه السلام) " التربة من قبر الحسين (عليه السلام) على عشرة أميال " وعن علي بن طاووس أنه روي فرسخ في فرسخ (1). وفي كشف اللثام بعد أن ذكر هذه الروايات قال: " وشئ منها لا يدخل في المتبادر من طين القبر، فالاحوط الاقتصار على المتبادر، لضعف الاخبار ". وفي المسالك " وقد استثنى الاصحاب من ذلك تربة الحسين (عليه السلام) وهي تراب ما جاور قبره الشريف عرفا أو ما حوله إلى سبعين ذراعا، وروي إلى أربعة فراسخ (2) وطريق الجمع ترتبها في الفضل، وأفضلها ما أخذ بالدعاء المرسوم، وختمها تحت القبة المقدسة بقراءة سورة القدر ". وفي الروضة " والراد بطين القبر الشريف تربة ما جاوره من الارض عرفا، وروي إلى أربعة فراسخ، وروي ثمانية فراسخ (3) وكلما قرب منه كان أفضل، وليس كذلك التربة المحترمة منها، فانها مشروطة بأخذها من الضريح المقدس أو خارجه كما مر مع وضعها عليه، وأخذها بالدعاء ولو وجد تربة منسوبة إليه حكم باحترامها حملا على المعهود ". وفي التنقيح " وهل هي مختصة بمحل أم لا ؟ عبارة المصنف تدل على أنها من قبره، وهو على الافضل، ونقل الشهيد أنها تؤخذ من قبره إلى سبعين ذراعا، وقيل من حرمه وإن بعد، وكلما قرب من القبر


(1) البحار - ج 101 ص 131. (2) و (3) لم اعثر على رواية اربعة فراسخ أو ثمانية فراسخ، وإنما الموجود في مرفوعة منصور بن العباس التي رواها الشيخ (قده) في التهذيب وذكرها في الوسائل - الباب - 67 - من أبواب المزار - الحديث 1 من كتاب الحج " حرم الحسين (عليه السلام) خمس فراسخ من اربع جوانبه ".

[ 367 ]

كان أفضل، بل لو جئ بتربة ثم وضعت على الضريح كان حسنا ". وفي الرياض " ثم إن مقتضى الاصل ولزوم الاقتصار فيما خالفه على المتيقن من ماهية التربة المقدسة وهو ما أخذ (1) من قبره أو ما جاوره عرفا، ويحتمل إلى سبعين ذراعا، وأما ما جاوز السبعين إلى أربعة فراسخ أو غيرها مما وردت به الرواية فمشكل إلا أن يؤخذ منه ويوضع على القبر أو الضريح، فيقوى احتمال جوازه حينئذ، نظرا إلى أن الاقتصار على المتيقن أو ما قاربه يوجب عدم بقاء شئ من تلك البقعة المباركة، لكثرة ما يؤخذ منها في جميع الازمنة، وسيؤخذ إلى يوم القيامة، وظواهر النصوص بقاء تربته الشريفة بلا شبهة، وبما ذكرنا صرح جماعة كالفاضل المقداد في التنقيح وشيخنا في الروضة ". وفي نهايه المرام للصيمري " يحصل الفرق بين الارمني وبين تربة الحسين (عليه السلام) بأمور - إلى أن قال -: الثالث أن التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة، والارمني ليس بمحترم، والمحترم من التربة الذي لا يجوز تقريب النجاسة منه هو ما أخذ من الضريح أو من خارج ووضع على الضريح المقدس، أما ما أخذ من خارج ولم يوضع على الضريح فانه لم يثبت له الحرمة إلا أن يأخذه بالدعاء المرسوم ويختم عليه، فيثبت له الحرمة حينئذ ". إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تخلو من بحث من وجوه: منها أن التعليق والاخذ بالدعاء لا يحقق الاضافة، والمتجه ما ذكرناه في الاكل وإن جاز تناول ما ورد في النصوص (2) للاستشفاء بالطلي وللتحرز وغيره


(1) هكذا في النسختين الاصليتين وكذلك في الرياض، إلا ان الصحيح " هو ما اخذ... " بدون الواو. (2) الوسائل - الباب - 70 - من أبواب المزار من كتاب الحج.

[ 368 ]

من المنافع التي تستفاد من النصوص. وعلى كل حال فظاهر الفتاوى الاقتصار على استثناء قبر الحسين (عليه السلام) من بين قبورهم (عليهم السلام) حتى النبي (صلى الله عليه وآله) بل المعروف كون ذلك من خواصه، كما ورد به بعض النصوص (1) لكن قد سمعت ما في خبر الثمالي (2) وقوله (عليه السلام) لمحمد بن مسلم (3): " الشراب الذي شربته فيه طين قبور آبائي " ولكن لم نجد عاملا بذلك على وجه يحل أكله كحل أكل طين القبر، لكن لا بأس بالاستشفاء به بمزجه بماء أو حمله لذلك أو تناول التراب من قبورهم (عليهم السلام) بناء على اختصاص الحرمة في الطين. وعلى كل حال فانما يجوز أكل طين القبر للاستشفاء دون غيره ولو للتبرك في عصر يوم عاشوراء ويومي عيدي الفطر والاضحى كما هو صريح بعض وظاهر الباقين، خلافا للمحكي عن الشيخ في المصباح، فجوزه لذلك في الاوقات الثلاثة، لكن لم نقف له على حجة، فضلا عن أن تكون صالحة لمعارضة إطلاق النص والفتوى، مضافا إلى قول الصادق (عليه السلام) في خبر حنان (4): " من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا " هذا كله في طين القبر. وأما غيره ففي المتن { وفي الارمني رواية بالجواز، وهي حسنة، لما فيها من المنفعة للمضطر (المضطر خ ل) إليها } قلت: هي رواية


(1) الوسائل - الباب - 72 - من أبواب المزار - الحديث 2 من كتاب الحج. (2) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (3) البحار - ج 101 ص 120. (4) الوسائل - الباب - 95 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6.

[ 369 ]

أبي حمزة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن طب الائمة " إن رجلا شكا إليه الزحير، فقال له: خذ من الطين الارمني، وأقله بنار لينة واستف منه فانه يسكن عنك ". وعنه (عليه السلام) أيضا (2) أنه قال " في الزحير تأخذ جزءا من خريق أبيض وجزءا من بزر القطونا وجزءا من صمغ عربي وجزءا من الطين الارمني يقلى بنار لينة ويستف منه " وفي المرسل عن مكارم الاخلاق للطبرسي (3) " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن طين الارمني يؤخذ منه للكسير والمبطون أيحل أخذه ؟ قال: لا بأس به، أما أنه من طين قبر ذي القرنين، وطين قبر الحسين (عليه السلام) خير منه ". وهي على ضعفها وعدم الجابر لها لا دلالة في الاخير منها على الاكل اللهم إلا أن ينساق من المبطون فيه باعتبار تعارف أكله دواؤه، بل ولا في الاول منها على الاكل نحو أكل طين القبر، بل أقصاه جواز أن يستف به دواء ممزوجا مع غيره بعد خروجه عن مسمى الطين. وعلى كل حال فلا ريب في عدم مشروعيته على حسب مشروعية طين القبر بناء على اندراجه في الطين المنهي عنه. كما أنه لا إشكال في جواز تناوله لدفع الهلاك، وعن الايضاح نفي الخلاف عن جواز أكله لذلك، قال: " لان الميتة والدم أفحش منه والهلاك يبيحهما، فهذا أولى " بل لا إشكال في جوازه لدفع كل ضرر لا يتحمل مع انحصار الدواء فيه على حسب غيره مما هو أفحش منه. إنما الكلام في التداوي به مع عدم الانحصار واحتمال النفع على حسب


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 60 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 - 2 - 3.

[ 370 ]

غيره من الادوية، ولا ريب في جوازه مع فرض عدم تناول إطلاق ما دل (1) على النهي عن الطين لمثله، ولعله كذلك، خصوصا مع ملاحظة السيرة المستمرة على التداوي به من دون ملاحظة الضرورة المسوغة للمحرمات، ولعل هذا هو المراد للمصنف وغيره ممن جوز تناوله للضرورة، لا أن المراد الضرورة المسوغة لغيره من المحرمات، إذ لا خصوصية له حينئذ، والله العالم. { الخامس: السموم القاتلة قليلها وكثيرها } بلا خلاف ولا إشكال بل الاجماع بقسميه عليه، للنهي (2) عن قتل النفس والضرر وغيرهما، وقال في مرسل تحف العقول (3) عن الصادق (عليه السلام): " كل شئ يكون فيه المضرة على بدن الانسان من الحبوب والثمار حرام أكله إلا في حال الضرورة - إلى أن قال -: وما كان من صنوف البقول مما فيه المضرة على الانسان في أكله نظير بقول السموم القاتلة ونظير


(1) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) سورة النساء: 4 - الآية 29 وسورة البقرة: 2 - الآية 195. (3) لم أعثر على هذا النهي بعد التتبع في مظانه، وقد ورد الامر بنزح سبع دلاء أو تحريك ماء البئر لوقوع سام أبرص فيها. راجع الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. نعم روى في الوسائل - الباب - 64 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث " أنه سئل عن العظاءة يقع في اللبن، قال: يحرم اللبن. وقال: إن فيها السم ". والعظاية والعظاءة: دويبة ملساء أصغر من الحرذون تمشي مشيا سريعا ثم تقف. وتعرف عند العامة بالسقاية، وهي انواع كثيرة. والظاهر ان العظاءة والوزغ والسام ابرص من جنس واحد. ولعله (قده) اراد بالنهي الذي اشار إليه ما ورد في خبر عمار، إلا انه لم يذكر فيه الموت، بل المستفاد منه ان مجرد الوقوع في اللبن موجب للحرمة.

[ 371 ]

الدفلى وغير ذلك من صنوف السم القاتل فحرام أكله ". بل ورد النهي (1) عن شرب ماء مات فيه سام أبرص، لان فيه سما. { أما ما لا يقتل القليل منها كالافيون والسقمونيا في تناول القيراط والقيراطين إلى ربع الدينار في جملة حوائج المسهل فهذا لا بأس به، لغلبة السلامة، ولا يجوز التخطي إلى موضع المخاطرة منه كالمثقال من السقمونيا والكثير من شحم الحنظل والشوكران } ويقال له: الشيكران باعجام الشين وإهمالها، وهو نبت له ورق كورق القثاء، وله زهر أبيض، وبزره كالانيسون { فانه لا يجوز، لما يتضمن من ثقل المزاج وإفساده } وهما معا محرمان. وفي الدروس " نهى الاطباء عن استعمال الاسود من السقمونيا الذي لا ينفرك سريعا ويجلب من بلاد الجرامقة، وعما جاوز الدانقين من الافيون قالوا: والدرهمان منه يقتل، والدرهم يبطل الهضم إذا شرب وحده، وقدروا المأخوذ من شحم الحنظل بنصف درهم، وقالوا: إذا لم يكن في شجرة الحنظل غير واحدة لا تستعمل، لانها سم ". وبالجملة كلما كان فيه الضرار علما أو ظنا بل أو خوفا معتدا به حرم، نعم لو فرض فعل ذلك للتداوي عن داء جاز وإن خاطر إذا كان جاريا مجرى العقلاء، لاطلاق بعض النصوص. قال اسماعيل بن الحسن المتطبب (2): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني رجل من العرب ولي بالطب بصر، وطبي طب عربي، ولست آخذ عليه صفدا، قال: لا بأس، قلت له: إنا نبط الجرح ونكوي بالنار، قال: لا بأس، قلت: ونسقي هذه السموم الاسمحيقون


(1) الوسائل - الباب - 42 - من أبواب الاطعمة المحرمة الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 134 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2.

[ 372 ]

والغاريقون، قال: لا بأس، قلت: إنه ربما مات، قال: وإن مات قلت: نسقي عليه النبيذ، قال: ليس في حرام شفاء " الحديث. وقال يونس بن يعقوب (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق وربما انتفع به وربما قتله، قال: يقطع ويشرب ". وفي خبر إبراهيم بن محمد (2) عن أبي الحسن العسكري عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قيل للصادق (عليه السلام): الرجل يكتوى بالنار وربما قتل وربما تخلص، قال: قد اكتوي رجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على رأسه ". وقال محمد بن مسلم (3): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يعالج بالكي ؟ فقال: نعم إن الله تعالى جعل في الدواء بركة وشفاء وخيرا كثيرا، وما على الرجل أن يتداوى، ولا بأس به ". وقال يونس بن يعقوب (4): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشرب الدواء وربما قتل وربما سلم منه، وما يسلم أكثر، فقال: أنزل الله الدواء وأنزل الشفاء، وما خلق الله تعالى داء إلا وجعل له دواء، فالشرب وسم الله تعالى ". وفي خبر الحسين بن علوان (5) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر قال: " قيل: يا رسول الله أنتداوى ؟ قال: نعم، فتداووا، فان الله لم ينزل داء إلا وقد أنزل له دواء، وعليكم بألبان البقر، فانها ترف من كل الشجر " إلى غير ذلك، مضافا إلى السيرة المستمرة وغيرها، والله العالم.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 134 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 7 - 8 - 9 - 10.

[ 373 ]

{ القسم الخامس } { في المائعات } { والمحرم منها خمسة: } { الاول: الخمر } بلا خلاف فيه بين المسلمين، بل هو من ضروريات دينهم على وجه يدخل مستحله في الكافرين { و } كذا لا خلاف في أنه يحرم { كل مسكر } ولو قلنا بعدم تسميته خمرا، بل الاجماع بقسميه عليه، وفي النبوي (1): " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) وفي الصحيح وغيره (2): " إن الله تعالى لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر ". وحينئذ فكلما كان كذلك فهو حرام { كالنبيذ } المتخذ لذلك { والبتع } بكسر الموحدة وفتحها مع إسكان المثناة المتأخرة { والفضيخ والنقيع والمزر } بتقديم المعجمة على المهملة وغيرها من الاشربة التي تعمل للاسكار، وإنما خصها تبعا للنص، كصحيح ابن الحجاج (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمزر


(1) المتسدرك - الباب - 11 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 15. (2) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب الاشربة المحرمة. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 374 ]

من الشعير، والنبيذ من التمر " وفي المرسل (1) كالصحيح: " الخمر من خمسة أشياء: من التمر والزبيب والحنطة والشعير والعسل ". والمراد بالمسكر: ما وجد فيه طبيعة الاسكار ولو بالكثير منه، فانه يحرم قليله أيضا بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص فيه إن لم تكن متواترة اصطلاحا فهي مقطوعة المضمون، ففي الصحيح وغيره (2) " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وزيد في آخر (3) " قلت: فقليل الحرام يحله كثير الماء، فرد عليه بكفه مرتين لا. لا " وفي الخبر (4) " ما تقول في قدح من المسكر يغلب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره، فقال: لا والله، ولا قطرة تقطر منه في حب إلا أهريق ذلك الحب ". { و } كذا لا خلاف في أنه يحرم { الفقاع قليله وكثيره } بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر أو قطعي، كالنصوص التي فيها أنه خمر مجهول (5) وأنه الخمر بعينها (6) وأن حده حد شارب الخمر وأنه خمرة استصغرها الناس (7) وفي بعضها (8) " كل مسكر حرام وكل مخمر (خمر خ ل) والفقاع حرام " بل صرح غير واحد بأنه كذلك وإن لم يكن مسكرا، ولعله لاطلاق النصوص المزبورة، إلا أن التدبر فيه يقتضي كونه من المسكر ولو كثيره. أما الصنف الذي لا يسكر منه فلا بأس به، للاصل وغيره، ويمكن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 0 - 1. (4) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 8 - 7 - 3. (7) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 375 ]

إرادة المصنف ذلك بجعل الفقاع معطوف (1) على مدخول الكاف، ومنه الذي كان يعمل لابي الحسن (عليه السلام) في منزله كما في الصحيح (2) وعن ابن أبي عمير (3) أنه لا يعمل فقاع يغلي، ولعله من ذلك ذكر غير واحد أنه إنما يحرم مع الغليان الذي هو النشيش الموجب للانقلاب، إلا أن المصنف وغيره أطلق الحكم، ولعله بناء على المتعارف في عمله وإن أمكن منعه، خصوصا بعد صحيح علي بن يقطين (4) عن الكاظم (عليه السلام): " سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في الاسواق ويباع ولا أدري كيف عمل ولامتى عمل، أيحل أن أشربه ؟ قال: لا أحبه " المشعر بالكراهة أو الظاهر فيها لا الحرمة. بل هو مقتضى القواعد الشرعية التي منها حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، ومنها أن كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو حلال لك حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه، وبذلك يظهر لك أنه لا يكفي في الحرمة تسميته فقاعا، بل لابد من العلم بكونه من القسم المحرم. لكن في المسالك " والحكم معلق على ما يطلق عليه اسم الفقاع عرفا مع الجهل بأصله أو وجود خاصيته، وهي النشيش، وهو المعبر عنه في بعض الاخبار بالغليان (5) ". وفي الرياض بعد أن جعل المدار على الاسم وحكى عن جماعة التقييد المزبور واستدل له بظاهر الصحيح المزبور الذي اعترف باشعاره بالكراهة قال: " قيل: ونزله الاصحاب على التحريم، ولا ريب فيه مع إطلاق


(1) هكذا في النسختين المخطوطتين: المسودة والمبيضة، والصحيح " بجعل الفقاع معطوفا ". (2) و (3) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 - 2.

[ 376 ]

الاسم عليه حقيقة عرفا، وأما مع عدمه ففيه إشكال وإن كان الترك أحوط ". وفيه ما عرفت من أنه لا وجه للتنزيل المزبور بعد اشتراك الاسم ووقوع العمل على وجهين، وقاعدة حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح وغير ذلك. على أنه بعد فرض اعتبار الغليان في حرمته يشكل الاكتفاء بالنشيش، ضرورة كونه عرفا للانقلاب بالنار، وكونه المراد به كذلك في العصير - لظهور بعض النصوص (1) - لا يقتضي كون المراد به هنا كذلك، كما هو واضح. وعلى كل حال فليس من المعلوم كونه منه ما تعارف في زماننا استعمال الاطباء له من ماء الشعير المغلي، والله العالم. { و } كذا { يحرم العصير } العنبي وإن قلنا بطهارته { إذا غلى، سواء غلى من قبل نفسه أو بالنار، ولا يحل حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا } كما تقدم الكلام فيه وفي الزبيبي والتمري وكل عصير مفصلا في كتاب الطهارة (2) فلاحظ وتأمل. { و } أما { ما مزج بها أو بأحدها وما وقعت فيه من المائعات } فهو حرام بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة عدم تحليل المحرم بالمزج، مضافا إلى تنجيس المائع الذي وقع فيه شئ من النجس منها، فيحرم حينئذ لذلك، بل الظاهر حرمة الممتزج بالطاهر منها إذا لم تتحقق استحالته إلى غيره من المحلل أو استهلاكه على وجه يلحق بها، ولو للسيرة المستمرة التي تجعلها بحكم غير المحصور من المشتبه، ضرورة عدم حلية المحرم بالاستهلاك بمعنى عدم التمييز بين أجزاء المحلل والمحرم، كما هو واضح. والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3. (2) راجع ج 6 ص 13 - 37.

[ 377 ]

{ الثاني: الدم المسفوح } المصبوب السائل كالدم في العروق لا كالكبد والطحال { نجس: فلا يحل تناوله } ولو قليلا منه، بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر أو قطعي، كالنصوص (1) التي منها ما تقدم في محرمات الذبيحة المشتملة على تعليل تحريمه بأنه يورث الكلب والقسوة في القلب والماء الاصفر والبخر وغير ذلك. نعم ظاهر القيد في العبارة وغيرها بل هو صريح غير واحد حل ما في اللحم منه في الذبيحة، بل في الرياض عن جماعة التصريح بالاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصل والسيرة المستمرة وقاعدة نفي الحرج في الدين، ضرورة تحققه مع فرض حرمته، لعدم خلو اللحم منه وإن غسل مرات، بل الظاهر إلحاق ما يتخلف في القلب والكبد، لذلك أيضا وغيره، تردد فيه في المسالك مما سمعت ومن الاقتصار بالرخصة المخالفة للاصل على موردها، ثم قال: " ولو قيل بتحريمه في كل ما لا نص فيه ولا اتفاق وإن كان طاهرا لكان وجها، لعموم تحريم الدم وكونه من الخبائث ". وفيه أنه قد اعترف سابقا بتخصيص العموم بمفهوم المسفوح، ومنع العلم بخباثته، خصوصا بعد تعارف أكله معهما كاللحم الذي معه ذلك، وقد تقدم في كتاب الطهارة (2) تمام القول في الدم المتخلف، فلاحظ وتأمل. وكذا تقدم في وجه التعبير بالمسفوح مع أن الدم من ذي النفس محرم مطلقا ونجس كذلك من غير فرق بين مسفوحه وغيره إلا ما استثني، أللهم إلا أن يقال: لا دم من ذي النفس إلا مسفوحا،


(1) الوسائل - الباب - 1 و 31 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع ج 5 ص 363 - 365.

[ 378 ]

أو أن المحرم منه والنجس المسفوح منه خاصة، وهما معا كما ترى، وقد تقدم تفصيل الحال في كتاب الطهارة (1) وحكينا عبارة المنتهى الموهمة ذلك، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { - ما ليس بمسفوح } مما يخرج من الحيوان غير ذي النفس { كدم الضفادع والقراد وإن لم يكن نجسا } للاصل وغيره { فهو حرام } بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى الاجماع عليه لا { لاستخباثه } إذ قد يمنع في البعض، بل لكونه تابعا لحرمة الحيوان ذي الدم، ضرورة كونه من أجزائه، أما إذا لم يكن محرم الاكل كالسمك فيمكن منع الحرمة فيه، بل عن المعتبر الاجماع على أكله بدمه، ولعله كذلك للسيرة القطعية عليه وعلى غيره مما هو مأكول كالجراد ولتناول دليل حل أكله لدمه معه. ومن هنا يظهر لك الفرق بين المأكول وغيره من غير ذي النفس، بل والنظر في جملة من كلمات الاصحاب حتى الفاضل في الرياض وإن أطنب في المقام، قال: " ومقتضى اطلاق المتن مضافا إلى الاصل والعمومات حل ما عدا المسفوح من الدم كدم الضفادع والقراد والسمك، وهو ظاهر جملة من الاصحاب المستدلين به على طهارته، كابني إدريس وزهرة والمختلف، ولعله صريح الماتن في المعتبر في دم السمك، حيث استدل فيه على طهارة دمه بأنه لو كان نجسا لوقفت إباحة أكله على سفح دمه بالذبح، كحيوان البر، لكن الاجماع على خلاف ذلك، وأنه يجوز أكله بدمه، وهو ظاهر في دعوى الاجماع عليه، ولا بأس به في مورد عبارته لما ذكره، مضافا إلى ما مر مع التأمل في خباثته، ويشكل في غيره مما


(1) راجع ج 5 ص 354 - 362.

[ 379 ]

مر ومن القطع بخباثته، فيشمله عموم ما دل (1) على تحريم كل خبيث، ولعل هذا أظهر، وفاقا للاكثر، بل لم أقف فيه على مخالف صريح عدا من مر ومن قيد المحرم من الدم بالمسفوح ولم يذكر تحريم غيره كالغنية والتعارض بين عموم ما دل (2) على تحريم كل خبيث وعموم المفهوم فيما قيد فيه المحرم من الدم بالمسفوح وحصر فيه إن كان تعارض العموم والخصوص من وجه والاصل والعمومات ترجح المحلل منهما إلا أن اعتضاد المحرم بعمل الاكثر يرجحه، هذا مع ضعف المحلل بمخالفة مفهوم الحصر فيه الاجماع من الكل، لدلالته على حل ما عدا الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، والبناء فيه على التخصيص وحجية الباقي حسن إن بقي من الكثرة ما يقرب من مدلول العام، وليس بباق بلا كلام، ولا مفر عن هذا المحذور إلا بجعل الحصر منافيا أو منسوخا، وأياما كان يضعف الاستناد إليه في المقام، كما لا يخفي على ذوي الاحلام، ومن هنا يتجه ما ذكره شيخنا في المسالك من أن الاصل في الدم التحريم إلا ما خرج بالنص والوفاق ". وهو على طوله لا حاصل له، بل فيه النظر من وجوه، والتحقيق ما عرفت من الفرق بين المأكول وغيره، بل لا ينبغي التأمل في جواز أكله معه، نعم لو كان منفردا لم يحل، لا للعلم بخباثته، بل لاطلاق ما دل على حرمة الدم كتابا (3) وسنة (4) الذي يمكن منع منافاة قوله: " مسفوحا " له، بناء على إرادة المراق منه، لا خصوص ما يشخب من الاوداج، فيكون الحاصل حينئذ أن الدم متى كان مجتمعا وليس بتابع


(1) و (2) سورة الاعراف: 7 - الآية 157. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 380 ]

للحم ونحوه حرم مطلقا، فتأمل جيدا. وكذا لا إشكال ولا خلاف في حرمة العلقة وإن كانت من المأكول، لا أنها نجسة كما صرح به غير واحد، بل عن الخلاف دعوى الوفاق عليه وهو الحجة بعد إطلاق نجاسة الدم الذي قد أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1). كما أنه أشبعناه أيضا في نجاسة ما يوجد في البيض من الدم (2) الذي هو إن لم يكن من العلقة فهو نجس أيضا، للاطلاق المزبور، خلافا لما عن الذكرى والمعالم وغيرهما من طهارة العلقة، للاصل بعد عدم انصراف الاطلاق إليها، سيما التي في البيضة مع عدم معلومية تسمية ما فيها علقة فلا تشمله حكاية إجماع الخلاف المتقدم. وفي الرياض " وهو حسن إلا أن نجاسة العلقة من الانسان بالاجماع المزبور ثابت، وهو يستعقب الثبوت فيما في البيضة، لعدم القائل بالفرق بين الطائفة، فاذن الاشبه النجاسة مطلقا، لكن مع تأمل ما في ثبوتها لما في البيضة، بناء على التأمل في بلوغ عدم القول بالفرق المزبور درجة الاجماع المركب الذي هو حجة، والاحتياط واضح سبيله ". ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه هنا وما تقدم في كتاب الطهارة (3) فلاحظ وتأمل. { و } كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه هنا وفي كتاب الطهارة (4) أن { ما لا يدفعه الحيوان المذبوح } المأكول لحمه { ويستخلف في اللحم طاهر، وليس بنجس ولا حرام } والله العالم.


(1) راجع ج 5 ص 354 - 362. (2) و (3) راجع ج 5 ص 362. (4) راجع ج 5 ص 363.

[ 381 ]

{ ولو وقع قليل من دم (الدم خ ل) } نجس (النجس خ ل) { كالاوقية فما دون في قدر وهي تغلي على النار } فقد روي بل { قيل }: إنه { حل مرقها إذا ذهب الدم بالغليان } ففي صحيح سعيد الاعرج (1) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل ؟ قال: نعم، فان النار تأكل الدم ". وفي خبر زكريا بن آدم (2) سألت الرضا (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب، واللحم اغسله وكله، قلت: فان قطر فيه الدم. قال: الدم تأكله النار إنشاء الله ". وعن المفيد والشيخ في النهاية والديلمي والتقي العمل بهما، بل عن المفيد والديلمي عدم التقييد بالقليل، كما أن المحكي عن الاخير عدم الفرق بين الدم وغيره من النجاسات، وإن كان يرده - مضافا إلى الاجماع المحكي عن التحرير والدروس، بل لعله الظاهر من غيرهما - صريح الخبر المزبور المشتمل على الفرق بينهما، ومنه يعلم عدم إرادة التعدية في التعليل. { و } على كل حال ف‍ { - من الاصحاب } وهو الحلي وتبعه المتأخرون { من منع الرواية، وهو حسن } لشذوذ الاولى بل قيل وضعفها وإن كان الاصح خلافه، وضعف الثانية مع عدم الجابر، بل عن القميين رمي بعض رواتها بالغلو ووضع الاحاديث. بل في كشف اللثام " أن شيئا منهما لا يدل على جواز الاكل قبل الغسل، وإنما ذكر فيهما أن النار تأكل الدم دفعا لتوهم السائل أنه لا يجوز الاكل وإن غسل، لان الدم ثخين يبعد أن تأكله النار، فهو ينفذ في


(1) الوسائل - الباب - 44 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 382 ]

اللحم، فلا يجدي الغسل، ويمكن تنزيل كلام الشيخين عليه، ففي المقنعة وإن وقع دم في قدر تغلي على النار جاز أكل ما فيها بعد زوال عين الدم وتفرقها بالنار، وإن لم تزل عين الدم منها حرم ما خالطه الدم وحل منها ما أمكن غسله بالماء، وفي النهاية فان حصل فيها شئ من الدم وكان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها، لان النار تحيل الدم، وإن كان كثيرا لم يجز أكل ما وقع فيه " ولا بأس به وإن أمكن مناقشته في الاحتمال والتنزيل. لكن على كل حال لا يخرج بهما عن قاعدة نجاسة المائع بالملاقاة وعدم طهره بالغليان، بل لعل التعليل في الخبر المزبور (1) يرشد إلى وقوع ذلك من الامام (عليه السلام) على وجه الاقناع لمصلحة من المصالح، كالموافقة لبعض روايات العامة أو بعض مذاهبهم، ضرورة عدم مدخلية أكل النار للدم طهارة المرق (2) الملاقي له، على أنه يقتضي التعدية إلى سائر المائعات غير المرق، ولا أظن القائل يلتزمه، كما أنه لا يلتزم اشتراط بقاء القدر يغلي بالنار إلى أن يعلم أكل النار له، إلى غير ذلك مما لا يصلح انطباق التعليل المزبور عليه. ولعله لذا حكي عن الفاضل حمل ذلك على الدم الطاهر، وإن نوقش بأنه لا يناسبه التعليل المزبور بناء على حرمة أكله، لان استهلاكه في المرق إن كفى في حله لم يتوقف على النار، وإلا لم تؤثر النار في حله لكن يدفعه احتمال كون مراد القائل أن التعليل حينئذ إقناعي تكفي فيه أدنى مناسبة، وهي إرادة بيان عدم النفرة من الدم المزبور المستخبث وإن كان طاهرا يأكل النار له، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 44 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2. (2) هكذا في النسختين المخطوطتين المسودة والمبيضة، والصحيح " في طهارة المرق ".

[ 383 ]

هذا كله في المرق { أما ما هو جامد كاللحم والتوابل فلا بأس به إذا غسل } لاطلاق ما دل (1) على تطهير المتنجس بالغسل الشامل للمقام، مضافا إلى الخبر (2) السابق وغيره، وغليانه بالمرق المتنجس لا يمنع ذلك، إذ يمكن تجفيفه ثم غسله، خلافا للمحكي عن القاضي من أنه مع كثرة النجاسة وكونها خمرا لا يؤكل شئ مما في القدر، سواء كان مائعا أو غيره. ولا ريب في ضعفه، بل يمكن دعوى الاجماع على خلافه، كما لعله يظهر من بعض، وشدة نفوذ الخمر لا تمنع الطهارة بالغسل. ولا فرق في الغسل بين كونه بالقليل أو الكثير، للاطلاق. أللهم إلا أن يكون من التوابل ما لا يقبل التطهير، لكن عن التنقيح ينبغي غسله بالكثير، ولا يخلو من نظر إن أراد الشرطية مطلقا. { الثالث: كلما حصل فيه شئ من النجاسات كالدم أو البول أو العذرة } أو غيرها مما تقدم تفصيلها في كتاب الطهارة أو المتنجس بها حتى الميت قبل غسله، بناء على ما هو الاصح من تعدي نجاسته، وعلى كل حال { فان كان مائعا حرم } بلا خلاف ولا إشكال، لصيرورته نجسا بذلك { وإن كثر } ولا إشكال في حرمة تناول النجس ذاتا أو عرضا. { ولا طريق إلى تطهيره } ما عدا الماء منه في ظاهر الاصحاب كما اعترف به في كشف اللثام، بل عن السرائر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاصل، لعدم تحقق الغسل فيه عرفا، وعدم ثبوت تطهيره بالملاقاة للكثير أو امتزاجه به مع فرض عدم انقلابه إلى الماء الذي ثبت


(1) الوسائل - الباب - 2 و 3 و 5 و 7 - من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة. (2) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1.

[ 384 ]

تطهيره بذلك، وإطلاق الطهورية لا يفيد الكيفية، كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1) وفي ضعف ما يحكى عن العلامة من القول بطهارته مطلقا أو الدهن منه بتخلل الماء الكثير في أجزائه بحيث يعلم وصوله الاجزاء فلاحظ وتأمل، بل إطلاق النصوص دال على بطلانه. لكن في كشف اللثام هنا " ولا يبعد عندي الفرق بين الادهان وغيرها، فيحكم بطهر الادهان دون غيرها وإن رأى الاكثر أن طهر الادهان أبعد، وذلك لانها لدسومتها بعد ما تتفرق في الماء تطفو عليه بخلاف سائر المائعات ". وفيه أنه لا يجدى تفرقها مع عدم انقلابه إلى الماء الذي ثبت تطهيره بالملاقاة دون غيره من أجزاء المائع، فان كل جزء يفرض وإن ضعف لم يحصل له مطهر شرعا، فهو حينئذ كأجزاء نجس العين بالنسبة إلى ذلك، والله العالم. { وإن كان له } أي المائع { حالة جمود فوقعت النجاسة فيه جامدا كالدبس الجامد والسمن والعسل ألقيت النجاسة وكشط ما يكتنفها والباقي حل } بلا خلاف فيه نصا وفتوى، ولا إشكال. قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقي، وإن كان ذائبا فلا تأكله، واستصبح به، والزيت مثل ذلك ". وقال الحلبي في الصحيح (3): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه، فقال: إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فانه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء


(1) راجع ج 6 ص 147.

[ 385 ]

فانزع ما حوله وكله، وإن كان الصيف فارفعه حتى يسرج به، وإن كان بردا فاطرح الذي كان عليه، ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه " إلى غير ذلك من النصوص. بل الظاهر أن الامر فيها بطرح ما حوله بناء على علوق أجزاء منه حالة جموده بالميتة، وإلا فلو فرض أن له حالة جمود على وجه لم تعلق منه أجزاء لم يجب طرح ما حوله أيضا، لعدم التنجس، ضرورة كونه من اليابس المحكوم بكونه ذكيا، وهو واضح، كوضوح كون المرجع في الجمود والذوبان إلى العرف، والله العالم. { ولو كان المائع } المتنجس بملاقاة النجاسة { دهنا جاز الاستصباح به تحت السماء } بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاصل وإطلاق النصوص (1). والمشهور بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه أنه { لا يجوز تحت الاظلة } لكن إطلاق النصوص (2) يقتضي خلافه، بل في كشف اللثام " لم نظفر بخبر مفصل ولا ناه عن الاستصباح مطلقا أو تحت الاظلة ". قلت: ولعله لذا حكي عن الشيخ جوازه صريحا، وعن ابن الجنيد ظاهرا، بل عن الفاضل في المختلف الجواز أيضا مطلقا، إلا أن يعلم أو يظن بقاء شئ من عين الدهن، فيحرم تحت الظلال وإن كان في استثنائه نظر واضح، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في المكاسب (3). { و } على كل حال فعلى تقدير عدم الجواز ف‍ { هل ذلك لنجاسة دخانه ؟ الاقرب لا } وفاقا لظاهر الاصحاب { بل هو تعبد } محض مع فرض وجود دليل عليه { و } ذلك لان { دواخن الاعيان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (3) راجع ج 22 ص 15 و 16.

[ 386 ]

النجسة } والمتنجسة { عندنا طاهرة، وكذا كل ما أحالته النار فصيرته رمادا أو دخانا } بل أو فحما { على تردد } وخلاف تقدم الكلام فيه في محله (1) مفصلا. وما عن مبسوط الشيخ من أنه لابد أن يتصاعد من أجزاء الدهن - قبل إحالة النار له - بسبب السخونة المكتسبة من النار، فإذا لقى الظلال أثر بنجاسته، وكأنه الوجه فيما سمعته من استثناء الفاضل في المختلف، وليس خلافا في ذلك، مع أنه يمكن منعه عليه. ومع تسليمه فلا دليل على تحريم تنجيس ذلك، أللهم إلا أن يكون ذلك من الاسراف باعتبار تنقيص منفعة المال بتنجيسه على وجه يتعذر أو يتعسر تطهيره. ثم إن الظاهر إرادة ما عدا النفط ونحوه من الدهن والزيت في النصوص، كما أن الظاهر إلحاق الجامد المتنجس بالمائع فيه. ثم إنه قد يظهر من المصنف وغيره عدم جواز الانتفاع به في غير ذلك، كطلي الاجرب ونحوه، وهو مبني على عدم جواز الانتفاع بالنجس والمتنجس الذي لم يقبل التطهير إلا ما خرج بدليل خاص ولو سيرة ونحوها إلا أنه لا يخلو من بحث، وقد أشبعنا الكلام فيه في المكاسب (2) أيضا وقلنا: إن العمدة في ذلك الاجماع المحكي وخبر تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) (3) فلاحظ وتأمل. { و } كيف فلا خلاف نصا وفتوى في أنه { يجوز بيع الادهان النجسة } عارضا { ويحل ثمنها، لكن يجب إعلام المشتري


(1) راجع ج 6 ص 266 - 276. (2) راجع ج 22 ص 8 - 13. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبوب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 387 ]

بنجاستها } للنص، وهو خبر معاوية (1) عن الصادق (عليه السلام) " في سمن أو زيت أو عسل مات فيه جرذ، فقال: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، وأما الزيت فيستصبح به، وقال في بيع ذلك الزيت: يبيعه ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به " ولتحريم الغش ولغير ذلك من غير فرق بين كون المشتري ممن يستحل النجس وعدمه. خلافا لبعض، فقيد وجوب الاعلام بما إذا كان المشتري مسلما، وإطلاق النص والفتوى يدفعه. ولو لم يعلمه بالحال ففي المسالك " ففي صحة البيع وثبوت الخيار للمشتري على تقدير العلم أو فساده وجهان: من أن البيع مشروط بالاعلام فلا يصح بدونه، ومن الشك في كونه شرطا، وغايته أن ينجبر بالخيار، والنهي عن بيعه بدونه لو سلم لا يستلزم الفساد في المعاملات، ثم على تقدير الصحة فهو كبيع المعيب من دون الاعلام بالعيب في ثبوت الارش والرد على التفصيل ". قلت: لا دلالة في شئ من النصوص على اشتراط صحة البيع بذلك حتى الخبر المزبور المشتمل على الامر بالتبيين، فان أقصاه وجوب الاعلام، لا اشتراط صحة البيع بذلك، بل مقتضى اطلاق الاذن يبيعه عدم اعتبار قصد الاستصباح في البيع من البائع فضلا عن المشتري، وإن كان هو ظاهر قولهم: " يجوز بيعه للاستصباح به " لكن يمكن حمله على إرادة بيان عدم جواز بيعه بقصد الاكل، أو بيان أن فائدة الاستصباح تكفي في جواز بيعه أو غير ذلك. ومع فرض اعتبار القصد فهل يعتبر بالنسبة للمشتري أيضا ؟ يمكن ذلك، بل لعل دلالة الخبر المزبور عليه أظهر من البائع، كما أنه يمكن


(1) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2.

[ 388 ]

اختصاص قصد الفائدة المزبورة في الجواز دون تدهين الاجرب مثلا، لكن في كشف اللثام هنا عدم الفرق بينهما، هذا وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المكاسب (1) ومنه اختصاص الدهن المتنجس بالحكم المزبور دون غيره من المائعات وإن قلنا بجواز الانتفاع بها، والله العالم. { وكذا } الكلام في‍ { - ما يموت فيه حيوان له نفس سائلة } من المائعات، إذ لا فرق بينه وبين غيره من النجاسات. { أما ما لا نفس له } سائلة { كالذباب والخنافس فلا ينجس بموته ولا ينجس ما يقع فيه } بلا خلاف ولا إشكال. وفي النبوي (2) " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقلوه، فان في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء ". وفي صحيح أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الذباب يقع في الدهن والسمن والطعام، فقال: لا بأس بأكله (كل خ ل) ". وسئل الصادق (عليه السلام) في خبر عمار (4) " عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه فقال: كل ما ليس له دم فلا بأس به " إلى غير ذلك. لكن في كشف اللثام استثناء المسوخ من ذلك بناء على نجاستها، وفيه أن تحكيم إطلاقهم عدم البأس على إطلاق نجاسة المسوخ أولى من العكس، والله العالم.


(1) راجع ج 22 ص 16. (2) سنن البيهقي - ج 1 ص 252 و 253. (3) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب النجاسات - الحديث 1 من كتاب الطهارة.

[ 389 ]

هذا { و } قد استقر المذهب الآن بل وقبل الآن على أن { الكفار أنجاس } كالكلاب والخنازير { ينجس المائع بمباشرتهم له سواء كانوا أهل الحرب أو أهل ذمة } وإن كان قول المصنف هنا: { على أشهر الروايتين (1) } مشعرا بنوع تردد فيه، بل منه تحير بعض المتأخرين عنه، فوسوس في الحكم أو مال إلى الطهارة مطلقا أو أهل الكتاب خاصة. لكن قد تقدم في كتاب الطهارة (2) ما يرفع الوسوسة المذكورة الناشئة من اختلال الطريقة، خصوصا بعد شهرة الطهارة بين العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، وصدر بعض الاخبار (3) تقية منهم. { وكذا لا يجوز استعمال أوانيهم التي استعملوها في المائعات } إلا بعد غسلها، لنجاستها حينئذ باستعمالهم { وروى } أنه { إذا أراد مؤاكلة المجوسي أمرة بغسل يده } وهو وإن كانت صحيحة - قال العيص (4): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهود والنصارى، فقال: لا بأس إذا كان من طعامك، وسألته عن مؤاكلة المجوسي، فقال: إذا توضأ فلا بأس ". وفي صحيحة القاسم (5) " أنه سأله عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي، فقال: إن كان من طعامك وتوضأ فلا بأس " - { و } لكنها { هي } رواية { شاذة } لم نجد عاملا بها إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار لا كتاب فتوى. مع أن المحكي عنه فيها أنه صرح قبل ذلك بأسطر قليلة بأنه " لا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم، ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها


(1) الوسائل - الباب - 52 و 53 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع ج 6 ص 41 - 46. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 53 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 - 4 - 1 - والاخير عن عيص بن قاسم.

[ 390 ]

بالماء، وأن كل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لانهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه " فلا بد حينئذ من حمل كلامه المتأخر عن ذلك على إرادة المؤاكلة التي لا تستلزم تعدي النجاسة، والامر بغسل اليد حينئد لازالة النفرة مما يكون غالبا في أيديهم من مباشرة القذارات، كما عن المصنف التصريح بذلك في نكت النهاية، بل لا يبعد حمل الصحيح المزبور على ذلك، والله العالم. هذا { و } قد ظهر لك مما ذكرنا أنه لا اشكال ولا خلاف في أنه { لو وقعت ميتة لها نفس } سائلة { في قدر } فيها مائع { نجس ما فيها } للملاقاة { وأريق المائع } أو طهر إن كان ماء مطلقا { وغسل الجامد } من اللحم وغيره { وأكل } قال الصادق (عليه السلام (1): " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة، قال: يهراق مزقها ويغسل اللحم ويؤكل " وقد تقدم الكلام في مسألة الدم، والله العالم. { ولو عجن بالماء النجس عجين (عجينا خ ل) لم يطهر بالنار إذا خبز على الاشهر } بل المشهور، بل في المسالك هنا " إنما خالف في ذلك الشيخ في النهاية في باب الطهارة، فحكم بطهره بالخبز، مع أنه في الاطعمة منها حكم بعدم طهره، ومستنده على الطهارة رواية (2) - مع ضعف سندها - لا دلالة فيها على ذلك، فالقول بالطهارة ساقط رأسا ". قلت: قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الطهارة (3) والله العالم. { الرابع: الاعيان النجسة، كالبول مما لا يؤكل لحمه، نجسا كان


(1) الوسائل - الباب - 44 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 17 و 18 من كتاب الطهارة (3) راجع ج 6 ص 273 - 276.

[ 391 ]

الحيوان كالكلب والخنزير أو طاهرا كالاسد والنمر } فانه لا يجوز شربها اختيارا إجماعا أو ضرورة. { وهل يحرم مما يؤكل } لحمه بناء على طهارته التي قد أشبعنا الكلام فيها في كتاب الطهارة (1) ؟ { قيل } والقائل الشيخ في ظاهر المحكي من نهايته، وابن حمزة في صريح المحكي عنه، والفاضل والشهيدان: { نعم إلا أبوال الابل، فانه يجوز للاستشفاء بها } لان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر قوما اعتلوا بالمدينة أن يشربوا أبوال الابل فشفوا (2) وقال الكاظم (عليه السلام) في خبر الجعفري (2): " أبوال الابل خير من ألبانها، ويجعل الله الشفاء في ألبانها " وعن سماعة (4) " أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن شرب أبوال الابل والبقر والغنم للاستشفاء، قال: نعم لا بأس به ". { وقيل } والقائل المرتضى وابني الجنيد وإدريس فيما حكي عنهم: { يحل الجميع، لمكان طهارته } فيبقي على الاصل والعمومات. { والاشبه } عند المصنف هنا { التحريم لاستخباثها } وإن كانت طاهرة. بل في الرياض " هو في غاية القوة، إما للقطع باستخباثها كما هو الظاهر، أو احتماله الموجب للتنزه عنه ولو من باب المقدمة، مضافا إلى الاولوية المستفادة مما قدمناه من الادلة على حرمة الفرث والمثانة التي هي


(1) راجع ج 5 ص 287 - 289. (2) المستدرك - الباب - 23 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2 وسنن البيهقي ج 10 - ص 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 7 مع اختلاف في لفظ الثاني.

[ 392 ]

مجمع البول، بناء على بعدهما بالاضافة إلى البول عن القطع بالخباثة، فتحريمهما مع ذلك يستلزم تحريم البول القريب من القطع بالاستخباث بالاضافة إليهما بطريق أولى، ويزيد وجه الاولوية فيه أن حرمة الفرث بظهور النصوص المعتبرة في سهولة الروث من الخيل والبغال والحمير بالاضافة إلى أبوالها في وجوب التنزه عنهما أو استحبابه، حتى ظن جماعة لذلك الفرق بينهما بالطهارة في الروث والنجاسة في البول، والفرث في معنى الروث قطعا، وحينئذ فتحريم الاضعف يستلزم تحريم الاشد بالاولوية المتقدمة، وحيث ثبت الحرمة في أبوال هذه الحمول الثلاث المأكول لحمها على الاظهر الاشهر بين الطائفة ثبت الحرمة في أبوال غيرها من كل مأكول اللحم، لعدم القائل بالفرق ". وفيه ما لا يخفى من منع القطع بالاستخباث الموجب للحرمة، وعدم كفاية الاحتمال، لعموم أدلة الحل كتابا (1) وسنة (2) ومنع الاولوية، بل قد يظهر من اقتصار تلك الادلة على تعداد غير البول الحل فيه، وكذا ما ذكره في زيادة وجه الاولوية، ضرورة عدم اقتضاء ذلك حرمة الاسهل، خصوصا بعد حمل تلك النصوص على ضرب من الكراهة، ولو من جهة الخباثة التي لم تصل إلى حد توجب التنجس. ومن هنا كان الحل هو الاشبه بأصول المذهب وقواعده، بل عن المرتضى الاجماع عليه، بل عنه نفي الخلاف في ذلك بين من قال بطهارتها مؤيدا ذلك بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بشرب أبوال الابل (3) الذي لم يعلم منه أن الوجه فيه الضرورة المبيحة للمحرم، بل لو كان كذلك


(1) راجع الآيات المتقدمة في ص 237. (2) تقدم بعضها في ص 237. (3) المستدرك - الباب - 23 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2.

[ 393 ]

لم يكن وجه لاختصاص بول الابل، ضرورة مساواتها لغيرها من الضرورة المفروضة. واحتمال أن يقال بجواز شربها وإن لم يصل إلى حد الضرورة المبيحة للنص - وبذلك يفرق بين المقامين - يدفعه أنه ليس بأولى من القول بأن ذلك لانه يجوز شربه مطلقا، ومنه التداوي به، خصوصا مع عدم تقييد الرخصة بما عثرنا عليه من النصوص به في كلام الامام (عليه السلام) وإن وقع في كلام السائل، كما في خبر سماعة (1) المشتمل على غير الابل. ودعوى تضعيف الاول - بمعارضته بالادلة السابقة التي منها الاجماع المحقق والمحكي على حرمة الروث والمثانة الدالة على حرمة البول بما مر من الاولوية التي هي من الدلالة الالتزامية التي لا فرق بينها وبين المطابقية الموجودة في إجماع السيد في الحجية - واضحة الفساد. ومن ذلك يعلم الحل في كل ما لم يعلم خباثته من رطوبات الحيوان حتى بصاق الانسان وعرقه وغيرهما، وإن قيل: إن المشهور الحرمة، مع أنا لم نتحقق ذلك، بل جزم بها في الرياض بناء على كلامه السابق الذي هو وجوب الاجتناب مع الاحتمال، قال: " وليس التكليف باجتنابه تكليفا مشروطا بالعلم بالخباثة، بل هو مطلق، ومن شأنه توقف الامتثال فيه بالتنزه عن محتملاته، وإن هو حينئذ إلا كالتكليف باجتناب السمومات والمضرات ". وفيه ما لا يخفى، ضرورة كون مبنى الحرمة في هذا الخوف والمخاطرة ونحوهما مما يكفي فيه الاحتمال المعتد به، بخلاف الاول الذي قد يدعى عدم تحقق الخباثة في نفس الامر فيه، لان مبناها النفرة الوجدانية، والفرض انتفاؤها، فلا يتصور تحققها في نفس الامر، ومع التسليم فلا يجب الاجتناب


(1) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 7.

[ 394 ]

للعمومات السابقة، كمحتمل النجاسة، والله العالم. { الخامس: ألبان الحيوان المحرم } أكله { كلبن اللبوة والذئبة والهرة } بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية الاجماع عليه إن لم يكن محصلا، مضافا إلى مفهوم المرسل السابق المتقدم في البيض المنجبر بالعمل هنا، وهو " كل شئ يؤكل لحمه فجميع ما كان منه من لبن أو بيض أو إنفحة فكل ذلك حلال طيب " (1). ومنه - مضافا إلى الاجماع - تعلم تبعية اللبن للحل والحرمة كالبيض. بل في الرياض زيادة على ذلك الاستدلال بأن اللبن قبل استحالته إلى صورته كان محرما قطعا، لكونه جزء يقينا، فبحرمة الكل يحرم هو أيضا، إذ لا وجود للكل إلا بوجود أجزائه، فتحريمه في الحقيقة تحريم لها، مع أنه قبل الاستحالة دم، وهو بعينه حرام إجماعا، فتأمل جيدا، وإذا ثبت التحريم قبل الاستحالة ثبت بعدها استصحابا للحالة السابقة، هذا مع أن اللبن أيضا بنفسه جزء، فلا يحتاج في إثبات تحريمه إلى الاستصحاب بالمرة. وفيه ما لا يخفى من عدم اندراج اللبن في اللحم المفروض كونه عنوانا للحرمة، بل لو فرض كونه الحيوان أمكن منعه أيضا عرفا، كبوله وروثه وكونه مستحيلا مما كان جزءا لا يقتضي بقاؤه جزءا. إذ من (ومن ظ) الغريب دعواه الاستصحاب لحال الدم الذي قد انقلب إلى موضوع آخر. ثم قال: " ومن هذا يظهر لك وجه حكمهم بكراهته مما يكره لحمه " أي التي أشار إليها المصنف وغيره { ويكره لبن ما كان لحمه مكروها، كلبن الاتن مائعه وجامده، وليس بمحرم } بل اعترف هو بعدم الخلاف فيه تارة وبالاتفاق أخرى.


(1) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2.

[ 395 ]

ثم قال: " ولا ينافيها النصوص الواردة في شيراز الاتن، كالصحيح (1) " هذا شيراز الاتن اتخذناه لمريض لنا، فان أحببت أن تأكل منه فكل " والصحيح الآخر (2) " عن شراب ألبان الاتن، فقال: اشربها " والخبر (3) " لا بأس بشربها " فان غايتها الرخصة ونفي البأس عنه الواردان في مقام توهم الحظر، ولا يفيدان سوى الاباحة بالمعنى الاعم الشامل للكراهة، فتأمل بعض في التبعية في هذه الصورة أيضا لا وجه له، سيما والمقام مقام كراهة يتسامح في دليلها، ويكفي فيها فتوى فقيه واحد فضلا عن الاتفاق ". وفيه أيضا ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، خصوصا والعنوان للكراهة اللحم لا الحيوان الذي يأتي فيه ما ذكره سابقا، وإن منعناه عليه أيضا، بل إن لم يكن إجماعا كما ادعاه أمكن المنع في الكراهة، خصوصا بعد قوله (عليه السلام) في المرسل السابق (4): " إن لبن ما يؤكل لحمه حلال طيب " المشعر بعدم الكراهة، وبعد نفي البأس عن شرب ألبان الاتن (5) الذي قد يشعر أيضا بعدم الكراهة، بناء على ظهوره في نفي طبيعة البأس، وبعد النصوص المستفيضة الدالة على استحباب شرب مطلق اللبن. قال أبو جعفر (عليه السلام) (6): " لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل طعام ولا يشرب شرابا إلا قال: أللهم بارك لنا فيه وأبدلنا خيرا منه إلا اللبن، فانه كان يقول: أللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ".


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 60 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 1 - 3 - 4. (4) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (5) الوسائل - الباب - 60 - من أبواب الاطعمة المباحة. (6) الوسائل - الباب - 55 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 1.

[ 396 ]

وفي مرسل عبد الله الفارسي (1) عن الصادق (عليه السلام): " قال له رجل: إني أكلت لبنا فضرني، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا والله ما يضر لبن قط، ولكنك أكلته مع غيره، فضرك الذي أكلته فظننت أن اللبن الذي ضرك ". وفي الخبر (2) عنه (عليه السلام) أيضا: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس أحد يغص بشرب اللبن، لان الله تعالى يقول: لبنا خالصا سائغا للشاربين " (3). وفي خبر خالد بن نجيح (4) عنه (عليه السلام) أيضا: " اللبن طعام المرسلين ". وفي خبر أبي الحسن الاصبهاني (5): " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: رجل وأنا أسمع: جعلت فداك إني أجد الضعف في بدني فقال له: عليك باللبن، فانه ينبت اللحم ويشد العظم ". وفي المرسل (6) عن أبي الحسن الاول (عليه السلام): " من تغير عليه ماء الظهر فانه ينفع له اللبن الحليب ". وفي خبر أبي بصير (7): " أكلنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) فاتينا بلحم جزور، وظننت أنه من بيته فأكلنا، ثم اتينا بعس من لبن فشرب منه، ثم قال لي: أشرب يا أبا محمد، فذقته، فقلت: جعلت فداك لبن، فقال: إنها الفطرة، ثم اتينا بتمر فأكلنا " أي أن الانسان مفطور على شربه، لانه يشربه حين يولد.


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 55 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 5 - 3 - 6 والاول مرسل عبيد الله بن أبي عبد الله الفارسي. (3) سورة النحل: 16 - الآية 66. (6) و (7) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 3.

[ 397 ]

وفي خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليكم بألبان البقر، فانها تخلط من كل الشجر ". وفي الخبر (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألبان البقر دواء ". وفي آخر (3): " شكوت إلى أبي جعفر (عليه السلام) ذربا وجدته فقال: ما يمنعك من شرب ألبان البقر ؟ وقال لي: أشربتها قط ؟ فقلت له: نعم مرارا، فقال: كيف وجدتها ؟ فقلت: وجدتها تدبغ المعدة وتكسوا الكليتين الشحم، وتشهي الطعام، فقال لي: لو كانت أيامه لخرجت أنا وأنت إلى ينبع حتى تشربه ". وفي خبر الجعفري (4): " سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: أبوال الابل خير من ألبانها، ويجعل الله الشفاء في ألبانها ". وفي خبر موسى بن عبد الله بن الحسن (5) قال: " سمعت أشياخنا يقولون: ألبان اللقاح شفاء من كل داء وعاهة، ولصاحب البطن أبوالها ". وفي المرسل (6) عن الصادق (عليه السلام): " أن التلبين يجلو القلب الحزين كما تجلو الاصابع العرق من الجبين ". بل عنه (عليه السلام) أيضا (7) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " لو أغنى عن الموت شئ لاغنت التلبينة، قيل: يا رسول الله وما التلبينة ؟ قال: الحسو باللبن، وكررها ثلاثا " إلى غير ذلك من النصوص التي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3 - 2. (4) و (5) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 4. (6) و (7) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2.

[ 398 ]

منها نصوص طبخ اللحم باللبن (1) وأنه مرق الانبياء (2) وأنه قد جعل الله القوة والبركة فيهما (3) وبذلك كله يظهر لك ما في التبعية المزبورة، والله العالم. { القسم السادس في اللواحق } { وفيه مسائل: } المسألة { الاولى: } { لا يجوز استعمال شعر الخنزير اختيارا } - بناء على ما هو الاصح من نجاسته، فضلا عن غيره من أجزائه - فيما يشترط فيه الطهارة وغيره، لانه حينئذ من الاعيان النجسة التي قد تقدم في المكاسب (4) حكاية الاجماع من غير واحد على عدم جواز الانتفاع بها، مضافا إلى خبر تحف العقول (5). وإلى ما قيل من اقتضاء تعلق الحرمة بالخنزير ذلك، لا خصوص الاكل، لانه الاقرب إلى الحقيقة، خصوصا بعد ذكره مع الميتة التي


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 0 - 1 - 5. (4) راجع ج 22 ص 10 و 23. (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 399 ]

حكمها ذلك نصا (6) وفتوى لا خصوص الاكل، وخصوصا مع ملاحظة الشهرة أيضا. وإلى ما عن السرائر من دعوى تواتر الاخبار به وإن كنا لم نظفر بخبر واحد، كما اعترف به في كشف اللثام. بل في خبر سليمان الاسكافي (2): " سأل الصادق (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به، قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلي ". وفي خبر الحسن بن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قلت: شعر الخنزير يجعل حبلا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ، فقال: لا بأس به ". بل وخبر برد الاسكافي (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إنا نعمل بشعر الخنزير، فربما نسي الرجل فصلى وفي يده شئ منه، قال: لا ينبغي أن يصلي وفي يده شئ منه، وقال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به، وما لم يكن له دسم فاعملوا به واغسلوا أيديكم منه ". بل وخبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا: " قلت له: إني رجل خراز لا يستقيم عملنا إلا بشعر الخنزير نخرز به، قال: خذ منه


(1) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب النجاسات - الحديث 3 من كتاب الطهارة. (3) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 عن الحسين بن زرارة. (5) و (5) في الوسائل في الباب - 58 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4 - 3 من كتاب التجارة.

[ 400 ]

وبرة فاجعلها (وبره فاجعله خ ل) في فخارة ثم أوقد تحتها حتى يذهب دسمه ثم اعمل به ". وفي ثالث (1): " عن شعر الخنزير يعمل به، قال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلثه ويبقى ثلثاه، ثم اجعله في فخارة ليلة باردة، فان جمد فلا تعمل به، وإن لم يجمد ليس عليه دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة ". وليس في شئ منها اشتراط الضرورة التي أشار إليها المصنف وغيره بقوله: { فان اضطر استعمل ما لا دسم فيه، وغسل يده } منه، بل في الرياض نسبته إلى المشهور، نعم فيها المنع في الجملة. لكن في الرياض " متى ثبت ذلك ثبت المنع مطلقا إلا عند الضرورة لعدم القائل بالفرق بين الطائفة، إذ كل من قال بالمنع عن استعماله قال به كذلك إلا في الضرورة، وكل من قال بجوازه قال به مطلقا من دون استثناء صورة أصلا ". أما بناء على عدم نجاسته كما عليه المرتضى، أو بناء على عدم دليل على المنع من الاستعمال أصلا كما عليه الفاضل في المختلف، والقول بالمنع في صورة الدسم خاصة كما هي مورد الخبرين، والجواز في غيرها مطلقا ولو اختيارا لم يوجد به قائل أصلا، وصورة الجواز في الخبرين وإن كانت مطلقة تعم حالتي الاختيار والاضطرار إلا أنها مقيدة بالحالة الثانية، للاجماع المزبور جدا، وقصورهما بالجهالة مجبور بالشهرة مع زيادة انجبار في أحدهما بكون الراوي فيه عبد الله بن المغيرة الذي قد حكي الاجماع على تصحيح ما يصح عنه. إلا أن ذلك كله كما ترى لا يطمأن بما يحصل منه، فالاقوى حينئذ


(1) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة.

[ 401 ]

الجواز مطلقا، لا لما سمعته من المختلف المعارض بما ذكرناه في المكاسب (1) من الاجماع المحكي على عدم جواز الانتفاع بالاعيان النجسة وخبر التحف (2) بل لظهور النصوص (3) المزبورة فيه التي لا يحكم ما فيها من النهي عن استعمال ذي الدسم منه على إطلاق غيره بعد ظهور إرادة الارشاد منه للتحفظ عن النجاسة المانعة عن الصلاة وغيرها، فتكون النصوص حينئذ جميعها دالة على الجواز مطلقا، وبه يخرج عن إطلاق معقد الاجماع المحكي وعموم خبر التحف، كما خرج بالسيرة وغيرها عن ذلك التسميد بالعذرة وغيرها. كل ذلك مع إجمال الضرورة في كلامهم، فان اريد بها ما يسوغ معها تناول المحرم فهو مع خلو النصوص قطعا منها ينبغي عدم الفرق معها بين ذي الدسم وعدمه، لا بين شعر الخنزير وغيره، وإن اريد بها مطلق الحاجة فهي إنما توافق المختار من القول بالجواز مطلقا، ضرورة عدم صلاحية ذلك عنوانا للحرمة، لعدم انضباطه، فتأمل جيدا، والله العالم. { ويجوز الاستقاء بجلود الميتة } لما لا يشترط فيه الطهارة { وإن كان نجسا } كما في النافع والارشاد ومحكي النهاية بل وابن البراج، لانه قال: الاحوط تركه. { و } لكن { لا يصلى من مائها } ولا يشرب بلا خلاف، بلا الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (4) لنجاسة المقتضية لذلك


(1) راجع ج 22 ص 10. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (3) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (4) الوسائل الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة والباب - 61 - من أبواب النجاسات - من كتاب الطهارة.

[ 402 ]

{ و } لعدم جواز شربه، بل { ترك الاستقاء أفضل } بل متعين، لاطلاق ما دل على حرمة الانتفاع بها (1) بل بكل نجس العين إلا ما استثني بالسيرة وغيرها على وجه لا يقاومه ما دل على جواز ذلك بحيث يقيد به كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا (2) ومن الغريب ما عن الصدوق من أنه لا بأس بأن يجعل جلد الخنزير دلوا يستقى به الماء، والله العالم. المسألة { الثانية: } { إذا وجد لحم ولا يدري أذكي هو أم ميت } لعدم أمارة شرعية { قيل } والقائل غير واحد، بل في الدروس كاد يكون إجماعا: { يطرح في النار، فان انقبض فهو ذكي، وإن انبسط فهو ميت } بل في الرياض حكايته عن بعض الاصحاب والغنية صريحا مؤيدا بفتوى ابن إدريس الذي لا يعمل بأخبار الآحاد، بل في غاية المراد " لا أعلم أحدا خالف فيه إلا المحقق والفاضل أو رداه بلفظ القيل المشعر بالضعف " وإن كان فيه أن الفاضلين في الارشاد والنافع والقواعد والفخر في الشرح صرحوا بالحرمة. بل هو صريح الفاضل المقداد في التنقيح وللصيمري في نهاية المرام حاكيا له عن محرر أبي العباس وثاني المحققين في الحاشية والشهيدين في الروضة، لاصالة عدم التذكية المقطوعة عند الاولين بخبر شعيب (3) عن


(1) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) راجع ج 5 ص 296 - 304. (3) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 عن اسماعيل ابن شعيب.

[ 403 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) المنجبر سنده بما سمعت وبرواية البزنطي له الذي هو من أصحاب الاجماع " في رجل دخل قرية فأصاب بها لحما لم يدر ذكي هو أم ميت، قال: يطرحه على النار، فكلما انقبض فهو ذكي، وكلما انبسط فهو ميت ". لكن قد يناقش باستبعاد وجدانه في القرية مطروحا على وجه لا يعلم كونه ميتة باعتبار إعراض أهل القرية واجتنابهم له ولا مذكى باستعمالهم ولو بالتقطيع ونحوه الظاهر في فعل المسلم المحمول على الوجه الصحيح، فيتجه حمل الخبر المزبور على إرادة رجحان الاستظهار فيما يأخذه من أيدي أهل القرية من اللحم - التي يمكن اشتمالها على الذمي وغيره وإن كانت في بلاد الاسلام ومحكوم بكونهم مسلمين - حتى يعلم الخلاف، إذ مفروض المسألة فيما لم يحكم شرعا بكونه مذكى، ولو لان عليه أثر الاستعمال في أرض الاسلام الذي هو المراد من المعتبرة (1) التي فيها الصحيح والموثق وغيرهما الدالة على أن " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو حلال أبدا حتى تعرف الحرام بعينه ". بل القرية أولى من الحكم بتذكية اللحم الموجود في الطريق، جمعا بينها وبين القواعد المعتضدة بفتوى الاصحاب وجملة من النصوص التي منها الخبر المزبور المشتمل على مراعاة الامارة في معرفة المذكى من الميتة وعدم الاكتفاء بالاصل المزبور، ومنها نصوص المختلط (2). نعم لا بأس بالاصل المزبور في غير اللحم، بل وفيه مع وجود أثر الاستعمال في أرض المسلمين، كما يدل عليه القوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) " أنه سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) الوسائل - الباب - 36 و 64 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (3) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب الذبائح - الحديث 2 من كتاب الصيد والذباحة.

[ 404 ]

كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، قال: يقوم ما فيها ثم يؤكل، لانه يفسد، وليس له بقاء، فان جاء طالب غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو مجوسي، قال: هم في سعة حتى يعلموا " وليس ذلك إلا للحكم بالتذكية باعتبار الآثار على اللحم في أرض الاسلام المحمول على كونه من المسلم حتى يعلم العدم كما قدمنا الكلام مفصلا في لباس المصلي (1) وغيره (2). ولا ريب في أولوية القرية بذلك، إلا أن يفرض لحم لا أثر للاستعمال عليه معرض عنه فيما بينهم، فانه محكوم بكونه ميتة حينئذ. ومن الغريب ما في الدروس تفريعا على الرواية المزبورة من أنه يمكن اعتبار المختلط بذلك إلا أن الاصحاب والاخبار أهملت ذلك، إذ قد عرفت الاشكال في مضمون الخبر المزبور، فضلا عن التعدي منه إلى المختلط المعلوم فيه الميتة الذي هو من الشبهة المحصورة التي يجب اجتنابها، مع شدة وضوح الفرق بين الموضوعين. وأغرب منه ما في الرياض من توجيهه بدعوى ظهور الخبر في تلازم علامتي الحل والحرمة للمذكى والميتة من دون أن يكون لخصوص مورد السؤال فيه في ذلك مدخلية، ولا شبهة فيما ذكره، لكن يأتي عليه ما قرره، أي من الاهمال المزبور، إذ هو كما ترى لا ظهور في الخبر المزبور بذلك، إذ يمكن كونه علامة ولو للغلبة في خصوص المشتبه بين كون جميعه مذكى أو ميتة، لا المختلط الذي تطابق النص (3) والفتوى على اجتنابه، خصوصا بعد القطع بعدم تحقق العلامة المزبورة في متروك


(1) راجع ج 8 ص 51 - 56. (2) راجع ج 6 ص 346 - 348 وص 172 من هذا الجزء. (3) الوسائل - الباب - 36 و 64 - من أبواب الاطعمة المحرمة.

[ 405 ]

التسمية أو الاستقبال أو نحوهما من الشرائط التي يكون الذبيحة بها ميتة شرعا، فالمتجه بناء على العمل بالخبر المزبور الاقتصار على مورده. نعم لو كان اللحم قطعا متعددة فلابد من اعتبار كل قطعة على حدة لامكان كونه من حيوان متعددة ولو فرض العلم بكونه متحدا جاز اختلاف حكمه، بأن يكون قد قطع بعضه منه قبل التذكية. ولا فرق على القولين بين وجود محل التذكية ورؤيته مذبوحا ومنحورا وعدمه، لان الذبح والنحر بمجردهما لا يستلزمان التذكية، لجواز تخلف بعض الشروط. وكذلك لو وجد الحيوان غير مذبوح ولا منحور لكنه مضروب بالحديد في بعض جسده، لجواز كونه قد استعصى فذكي كيف اتفق، حيث يجوز في حقه ذلك، إذ المدار على إمكان كونه مذكى على وجه يباع لحمه. ثم إنه لو اختبر بالعلامة المزبورة فوجد بعضه ميتا بالانبساط لا يخرج بذلك عن موضوع المشتبه، ويندرج في موضوع المختلط، بل يبقى غيره على مقتضى استعمال الامارة فيه، ضرورة كون المراد بالمختلط الذي أخرجناه عن الحكم المذكور ما كان معلوم الاختلاط بغير الامارة المزبورة كما هو واضح، والله العالم. المسألة { الثالثة: } { لا يجوز أن يأكل الانسان من مال غيره } ولو كان كافرا محترم المال { إلا بأذنه } بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه إن لم تكن ضرورة، والكتاب (1) والسنة (2) دالان عليه، بل العقل أيضا.


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 من كتاب القصاص.

[ 406 ]

{ و } لكن { قد رخص } كتابا وسنة بل وإجماعا { مع عدم الاذن في التناول } في الجملة { من بيوت من تضمنته الآية إذا لم يعلم منه الكراهية } وهي قوله تعالى (1): " ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج، ولا على المريض حرج، ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت امهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ". قال الحلبي في الصحيح (2): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية ما يعنى بقوله: أو صديقكم ؟ قال: هو والله الرجل يدخل بيت صديقه، فيأكل بغير إذنه ". وقال الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة (3) في قول الله عزوجل: " أو صديقكم ": " هؤلاء الذين سمى الله عزوجل في هذه الآية يأكله (يأكل خ ل) بغير إذنهم من التمر والمأدوم، وكذلك تأكل المرأة بغير إذن زوجها، وأما ما خلا ذلك من الطعام فلا ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر جميل بن دراج (4): " للمرأة أن تأكل وتتصدق، وللصديق أن يأكل في منزل أخيه ويتصدق ". وقال زرارة (5): " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن هذه الآية، فقال: ليس عليكم جناح فيما طعمت أو أكلت مما ملكت مفاتحه ما لم تفسد ".


(1) سورة النور: 24 - الآية 61. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2 - 3 - 4.

[ 407 ]

وفي مرسل ابن أبي عمير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في قول الله عزوجل: أو ما ملكتم مفاتحه، قال: الرجل يكون له وكيل يقوم في ماله فيأكل بغير إذنه ". وفي صحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عما يحل للرجل من بيت أخيه من الطعام، قال: المأدوم والتمر، وكذلك يحل للمرأة من بيت زوجها ". وفي خبر أبي اسامة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " ليس عليكم جناح " الآية: قال: " باذنه وبغير إذنه ". وفي مرسل علي بن إبراهيم (4) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه، فكان بعد ذلك إذا بعث أحدا من أصحابه في غزاة أو سرية يدفع الرجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدين، فيقول: خذ ما شئت وكل ما شئت، وكانوا يمتنعون من ذلك حتى ربما فسد الطعام في البيت، فأنزل الله عزوجل ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا، يعني حضر أم لم يحضر إذا ملكتم مفاتحه ". نعم لا خلاف أجده فيما اعتبره المصنف من القيد، وهو عدم العلم بالكراهة اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن، بل لعل الاطلاق المزبور كتابا وسنة منصرف إلى غيره، بل قيل: يكفي معرفة الكراهة ولو بالقرائن الحالية المفيدة للظن الغالب بها. بل في كشف اللثام " إن لم يعلم أو يظن منه كراهية الاكل كما لو نهى عنه صريحا أو شهد مقاله أو حاله بالكراهة، وهذا الشرط معلوم بالاجماع والنصوص " وظاهره الاكتفاء بمطلق الظن فضلا عن الغالب،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة الحديث 5 - 6 - 7 - 8.

[ 408 ]

بل هو ظاهر غيره أيضا. بل في مجمع البرهان " أن الاكتفاء بذلك أمر ظاهر ". قلت: لعل وجهه أن الآية مسوقة لبيان الاكتفاء في حل التناول بالقرائن المزبورة التي مقتضى العادة فيها ذلك، فهي حينئذ أمارة أذن الشارع بالاخذ بها، إلا أن الظاهر إنسياقها إلى ما هو المتعارف من كون ذلك دالا على الاذن ولو ظنا، لا مع العلم أو الظن بالعدم ولو لامارة ترجح على الامارة المزبورة في الدلالة على العدم. بل قد يتوقف في صورة الشك الناشئ من تعارض الامارتين، لاصالة حرمة التناول، والادلة إنما هي منساقة لغيرها كما عرفت، ولا ينافي ذلك استفادة إذن شرعي من الآية على وجه استثني من القاعدة، ضرورة أنه لولاها لم يكن له الاخذ بما تدل عليه القرائن المزبورة. هذا ولكن في الرياض " لا ريب في أن الاكتفاء بالمظنة أحوط وإن كان في تعينه نظر بعد إطلاق الكتاب والسنة المستفيضة بجواز الاكل من غير إذن الشامل لصورة الظن بعدمه، بل لصورة العلم بعدمه أيضا، إلا أنها خارجة بالاجماع ظاهرا، وليس على إخراج الصورة الاولى منعقدا، لتعبير كثير كالحلي عن الشرط بشرط أن لا ينهاه المالك ". وفيه ما عرفت من انسياق الاطلاق إلى غير الفرض، خصوصا صورة غلبة الظن التي يطلق عليها العلم كثيرا، فتأمل جيدا. ثم إن مقتضى الاطلاق كتابا وسنة وفتوى عدم الفرق في المأكول بين ما يخشى فساده وعدمه، خلافا لما عن المقنع من التقييد بذلك، كالبقول والفواكه، كما في كشف اللثام، ولشاذ غير معروف على ما في الرياض، فقيده بالاول، ولم نعرف له شاهدا، بل ما سمعته شاهد على خلافه، خصوصا نصوص التمر (1) التي من المعلوم


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2 و 6.

[ 409 ]

عدم خوف فساده. بل في الرياض وقريب من ذلك ما في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) (1) " لا بأس للرجل أن يأكل من بيت أبيه وأخيه وامه واخته أو صديقه ما لا يخشى عليه الفساد من يومه بغير إذنه، مثل البقول والفاكهة وأشباه ذلك ". وإن كان فيه أن الظاهر إرادة الوصف من قوله: " يخشى عليه الفساد " لقوله: " ما لا " فيكون شاهدا لما سمعته من المقنع الذي يعبر بعبارته غالبا، حتى قيل إنه من مصنفاته، ولكن يسهل الخطب عدم حجيته عندنا. ومن الغريب ما في كشف اللثام من الاستدلال له بخبر زرارة (2) الذي قد عرفت دلالته على خلافه باعتبار اشتماله على التمر. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور. نعم قد يقال بالاختصاص بما يعتاد أكله دون نفائس الاطعمة التي تدخر غالبا ولا تؤكل شائعا، بناء على انسياق الاطلاق إلى ذلك أو على مراعاة قاعدة الاقتصار، خصوصا بعد ما حكي عن بعضهم أنه يفهم منه ذلك. نعم لم أجد قائلا باختصاص التمر والمأدوم، وإن كان ظاهر ما سمعته من الخبرين (3) ذلك، مع ما قيل من احتمال أن يراد بقوله (عليه السلام): " ما خلاف ذلك " في خبر زرارة الاشارة إلى غير البيوت المزبورة، وحينئذ فلا صراحة فيه بالحرمة وإن كان هو كما ترى، نحو ما قيل من أن الرواية الاخرى لا تدل على عدم حل غيرهما إلا بمفهوم


(1) المستدرك - الباب - 21 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2 و 6.

[ 410 ]

اللقب الذي هو ليس بحجة، والاولى من ذلك كله القول بعدم صلاحيتهما لتقييد إطلاق غيرهما من الكتاب (1) والسنة (2) والفتاوى. وكذا لا فرق بمقتضى الاطلاق المزبور بين كون الدخول بالاذن وعدمه خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فقيد جواز الاكل بالاول، والاطلاق حجة عليه، لكن في التنقيح " لابن إدريس أن يقول الاكل في البيت يستلزم الدخول فيه، واللازم منهي عنه إجماعا إلا بالاذن فكذا الملزوم، وهو الاكل. وأما مع إذن الدخول فلا ينهض الدليل، لان الملزوم، وهو الاكل. وأما مع إذن الدخول فلا ينهض الدليل، لان اللازم وهو الدخول ليس بمنهي عنه، فلا يكون الاكل منهيا عنه، وأيضا الاصل تحريم أكل مال الغير بغير إذنه، خرج ما خرج بالاتفاق، فيبقى الباقي على أصله، وهو التحريم، وأيضا إذن الدخول قرينة دالة على إذن الاكل، وحيث لا إذن فلا قرينة، لان الاكل محرم بالاصل ". ورده في الرياض بأن " النهي عن الدخول بغير إذن على تقدير تسليمه هنا لا يستلزم النهي عن الاكل بعد حصوله، والتلازم بين النهيين غير ثابت، وما ذكره من أن الاصل تحريم مال الغير - إلى آخره - مسلم إلا أن المخصص له في المسألة من إطلاق الكتاب والسنة موجود، والتمسك بالاصل معه غير معقول، وما ذكره من أن إذن الدخول قرينة - إلى آخره فيه أولا منع كونه قرينة، لعدم التلازم بين الاذنين قطعا وثانيا على تقدير تسليمه نقول: إن عدم الاذن الاول لا يستلزم عدم الاذن الثاني، ولو استلزم فلا ضير فيه بعد الاتفاق - حتى منه - على أن مبنى المسألة جواز الاكل من دون إذن ولا رخصة، فأي ضرر في عدمه، وإن هذا منه إلا إرجاع المسألة المستثناة عن قاعدة النهي عن أكل مال الغير إلا


(1) سورة النور: 24 - الآية 61. (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة.

[ 411 ]

باذنه إليها، وحينئذ لا يترتب على استثنائها فائدة أصلا، وهو مخالف للاتفاق فتوى ودليلا ". قلت: هو جيد في الجملة، إلا أن الانصاف مع ذلك كله أن يقال: إن الاطلاق منصرف إلى ما هو متعارف من حصول شاهد الحال بالاذن في الدخول والاكل، وأنهما على حد سواء في ذلك، أما لو فرض تصريحه بعدم الاذن في الدخول أو فهم من حاله ذلك لا يحل له الاكل حينئذ بعد فرض إثمه بالدخول، لعدم انصراف الاذن في الآية إلى المفروض، خصوصا بعد ما عرفت من انصرافها إلى المتعارف الذي هو غير ذلك، كما هو واضح. ولعل هذا أولى مما ذكره له في كشف اللثام بعد أن حكى قوله ورده بعموم الآية قال: " ولكن له أن يقول: إنها إنما أذنت في الاكل لا في الدخول، والاصل حرمته إلا بالاذن، فإذا دخل بغير إذن وجب عليه الخروج، فيحرم عليه اللبث للاكل، وأما حرمة الاكل فلا دليل له ظاهرا، فانه لا يستلزم اللبث وإن فعله لابثا " إذ هو مع أنه كما ترى يمكن مناقشته باقتضاء حرمة الكون حرمة الاكل الذي هو تصرف في فضاء الدار، إذ هو حينئذ كأكل الغاصب ماله في الدار المغصوبة. ثم قال: " ويمكن أن يقال: إنها إذا أذنت في الاكل أذنت في ما دونه بطريق أولى، ودخول البيت دونه ". وفيه أيضا ما لا يخفى، خصوصا بعد ملاحظة النهي في غيرها (1) عن دخول بيت الغير مع عدم وجدان أحد فيها وعدم الاستئناس. والتحقيق ما عرفت من كون المراد بالآية الاذن فيما هو متعارف بين الناس من دخول القريب الدور المذكورة والاكل فيها من دون إذن.


(1) سورة النور: 24 - الآية 27.

[ 412 ]

ثم إن الظاهر أولوية بيوت الاولاد من المذكورين، خصوصا بعد استفاضة النصوص (1) في توسعة الامر بالنسبة للوالد، وأن الولد وماله لابيه، " وأن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وأن ولده من كسبه " (2) ويمكن تركه لظهوره، مع احتمال كونه المراد من " بيوتكم " في الآية ولو بارادة الاعم الشامل له، ولا ينافي ذلك معلومية إباحة بيت الانسان نفسه له بعد ما ذكر من احتمال كون الوجه في ذكر ذلك مع البيوت المزبورة بيان اتحادها معه وأنها بمنزلة بيته { و } الامر سهل. ثم إن الظاهر إرادة الرخصة في الاكل فيها، ف‍ { لا يحمل منه } للاكل في غيرها إلا ما كان متعارفا من الشئ اليسير المتشاغل في أكله ولو بعد الخروج عنها، نعم لا يتعدى إلى غير ذلك من أموالهم، اقتصارا فيما خالف الاصل المزبور على المتيقن وإن كان هو أقل مما يتلفه بالاكل ولقوله (عليه السلام) (3) فيما مضى: " وأما ما خلا ذلك من الطعام فلا " الحديث. بل الظاهر عدم التعدية إلى المأكول في غير البيوت لقاعدة الاقتصار وغيرها. نعم قد ذكر غير واحد أنه يرخص فيما يدل عليه الاكل بمفهوم الموافقة كالشرب من مائه والوضوء به، أو دل عليه بالالتزام، كالكون بها حالته، وهو جيد إلا في دعوى فهم الوضوء ونحوه. نعم لا بأس بدخول البيوت لغير الاكل أو الكون بها بعده أو قبله للسيرة، ولانه المفهوم من الرخصة المزبورة على معنى أنه لا جناح عليكم في الدخول ولا في الاكل.


(1) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) سنن البيهقي - ج 7 ص 479 و 480. (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 413 ]

والمراد بالآباء والامهات ما يشمل الاجداد والجدات الذين هم أولى من الاعمام والعمات، للسيرة أيضا، ولانسياق ذلك من الجمع هنا. وأما " ما ملكتم مفاتحه " فقيل: هو العبد، وقيل: من له عليه ولاية، وقيل: ما يجده الانسان في داره ولا يعلم به، وقد سمعت ما في المرسل (1) الذي هو كالصحيح من أنه " الرجل له وكيل يقوم في ماله ويأكل بغير إذنه " وقريب منه ما سمعته في مرفوع علي بن إبراهيم (2). وفي الرياض " أن العمل بهما حسن، إلا أن حصر الفرد فيما تضمناه مشكل، بل ينبغي الرجوع فيه إلى العرف ". وفيه أن من المقطوع عدم إرادة معناه حقيقة على وجه يكون عنوانا للرخصة كي يرجع في معناه إلى العرف، بل المراد به المعنى الكنائي، ولا يبعد إن لم يكن إجماعا على عدمه إرادة ما تحقق فيه الاذن من ملك المفاتيح الذي هو كناية عرفية على إطلاق التصرف، كما سمعته في المرفوع، وحينئذ يكون المراد بالآية بيان الرخصة للاكل من البيوت المزبورة من دون تحقق إذن مخصوصة وبيانها فيما تحقق الاذن في غيرها من البيوت، فلا يكون حينئذ مملوك المفاتيح من البيوت التي يصح الاكل منها من غير إذن من صاحبه. نعم يتجه الرجوع إلى العرف في الصديق الذي لا حقيقة له شرعية كما أومأ إليه في الصحيح (3) " ما يعنى بقوله: أو صديقكم ؟ قال: هو والله الرجل يدخل بيت صديقه فيأكل بغير إذنه " بناء على أن المراد منه الايكال إلى العرف جوابا عن السؤال. وعلى كل حال فلا يلحق بالنسب الرضاع هنا، لقاعدة الاقتصار


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 5 - 8 - 1.

[ 414 ]

بعد انسياق خصوص النسب، والله العالم. { وكذا } يستثنى من القاعدة المزبورة أكل { ما يمر به الانسان من } ثمر { النخل } على المشهور بالشرائط المذكورة في محلها الذي منها عدم الكراهة { وكذا الزرع والشجر على تردد } من المصنف هنا فيهما، وإن جزم بالجواز في بيع الثمار الذي قد مر فيه تفصيل الكلام في المسألة مشبعا (1) فلاحظ وتأمل، والله العالم. المسألة { الرابعة: } { من تناول خمرا أو شيئا نجسا } فضلا عن أن يكون متنجسا { فبصاقه طاهر ما لم يكن متلوثا بالنجاسة } بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لاصالة الطهارة المقتصر في الخروج عنها على صورة التغيير بالاجماع وإطلاق الادلة بلزوم الاجتناب عن تلك العين النجسة، وإنما لم ينجس البصاق بالملاقاة مع كونه مائعا لعدم الدليل على التنجس بها مطلقا، بل قيل: لا دليل على نجاسة كل مائع كليا إلا الاجماع، وهو مخصوص بالمائعات الظاهرة لا الباطنة، بل صرحوا بعدم نجاستها مطلقا، لانها من توابع الباطن الذي هو كذلك، نعم قد يمنع ذلك بالنسبة إلى بعض أجزاء الغذاء المتخلف في الفم إذا أصابته عين النجاسة. كل ذلك مضافا إلى خبر أبي الديلم (2) عن الصادق (عليه السلام) المنجبر بالعمل وبرواية من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه له


(1) راجع ج 24 ص 127 - 135. (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابوب النجاسات - الحديث 1 من كتاب الطهارة.

[ 415 ]

وفيه " رجل شرب الخمر فبزق فأصاب ثوبي من بزاقه، قال: ليس بشئ ". { وكذا } الكلام فيما { لو اكتحل بدواء نجس ف‍ } ان { دمعه طاهر ما لم يتلون بالنجاسة } على وجه تكون أجزاء النجاسة، بل النجس منه مع كونه في الباطن خصوص تلك الاجزاء، لاما لاقاها من دمعه، لما عرفت من عدم تنجس البواطن، لظهور أدلة التنجيس في غيرها. { ولو جهل تلونه فهو على أصل الطهارة } وحينئذ فكلما أصاب ثوبا أو غيره ولم يعلم استصحابه جزء من أجزاء النجاسة لم يحكم بنجاسة ما أصابه وإن علم تلوث البزاق في الفم. وبالجملة لا يشترط في الحكم بالطهارة العلم بزوال عين النجاسة عن الفم والعين، فما في كشف اللثام من احتمال العلم باشتراط ذلك ضعيف، كما هو واضح، والله العالم. المسألة { الخامسة: } { الذى إذا باع خمرا أو خنزيرا } على مثله في الاستحلال بحيث ملك الثمن عليه { ثم أسلم ولم يقبض الثمن فله قبضه } بعد إسلامه للحكم بصحة العقد وإقرارهم عليه المستلزم لاستحقاق العوض، كما إذا أسلم بعد قبضه وبقاء العين في يده، وما في الاخبار (1) من تحريم ثمنها لو بقي على عمومه لحرم وإن كان قبضه حين الكفر، ولحرم على المسلم أخذه من الكافر وفاء مثلا عن دين له عليه، وهو معلوم الفساد نصا وفتوى.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

[ 416 ]

ففي صحيح محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) " في رجل كانت له على رجل دراهم فباع خنازير أو خمرا وهو ينظر فقضاه، قال: لا بأس، أما للمقضي فحلال، وأما للبائع فحرام ". ومنه يعلم ما قررناه غير مرة من أن المراد بصحة العقد بالنسبة إليه وملكه نفس إجراء حكم الصحة والملك عليه، باعتبار كونهم مقرين على ذلك، لا أنه ملك حقيقة، وعلى هذا تحمل النصوص (2) المزبورة الدالة على حرمة ثمنها، كما أوضحناه في غير المقام وإن اشتبه ذلك على بعض الاعلام، بل في كشف اللثام هنا بعض ذلك أيضا، فلاحظ. وعلى كل حال فلا ريب في أنه محكوم بملكه له عليه باعتبار الاقرار المزبور على ما عنده من الاحكام التي منها ملك ثمن الخمر، فهو كالمال الذي قبضه ثمنا عنها ثم أسلم، فله حينئذ مطالبته به وقبضه، كما أن لنا تناوله منه قبل إسلامه فضلا عما بعد إسلامه الذي يجب ما قبله. وفي الرياض ربما استأنس للحكم المزبور بما ورد في كتاب المهور من الخبر (3) " النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا من خمر وثلاثين خنزيرا ثم أسلما بعد ذلك ولم يكن قد دخل بها، قال: ينظر كم قيمة الخمر وكم قيمة الخنزير فيرسل بها إليها، ثم يدخل عليها ". وفيه أنه لا انس به، وقد مر تفصيل الكلام في ذلك في كتاب النكاح (4) بل وغيره من الكتب السابقة، ومنه يعلم الحال فيما لو كان قد أسلف في خمر مثلا ثم أسلم، وغير ذلك من فروع المسألة، فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل الباب - 60 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ما يكتسب به - من كتاب التجارة. (3) الوسائل الباب - 3 - من ابواب المهور - الحديث 2 من كتاب النكاح. (4) راجع ج 31 ص 9 - 31.

[ 417 ]

والاولى الاستدلال بالمروي عن يونس (1) عن مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمى ثم أسلم قبل أن يحل المال، قال: له دراهمه " والله العالم. المسألة { السادسة: } { يحل (يطهر خ ل) الخمر إذا انقلبت خلا، سواء كان (انقلابها خ) بعلاج أو من قبل نفسها، وسواء كان ما يعالج به عينا باقية أو مستهلكة، وإن كان يكره العلاج، ولا كراهية فيما ينقلب من نفسه، ولو ألقى في الخمر خلا حتى يستهلكه لم يحل ولم يطهر، وكذا لو ألقى في الخل خمرا فاستهلكه الخل }. { وقيل } والقائل الشيخ في محكي النهاية وتبعه غيره: { يحل إذا ترك حتى يصير الخمر } الملقى { خلا } أو المأخوذ منه { ولا وجه له } يعتد به، كما تقدم الكلام في ذلك كله وغيره مفصلا في كتاب الطهارة (2) فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة. (2) راجع ج 6 ص 284 - 292.

[ 418 ]

المسألة { السابعة: } لا خلاف ولا إشكال في جواز استعمال أواني الخمر الصلبة التي لا ينفذ فيها بعد تطهيرها منه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عموم الادلة وخصوصها. نعم قال الشيخ وتبعه عليه غيره: { أواني الخمر } الرخوة التي ينفذ فيها المتخذة { من الخشب والقرع والخزف غير المغضور لا يجوز استعمالها، لاستبعاد تخلصها } منه باعتبار سرعة نفوذه فيها، للطافته ولبعض النصوص (1). { و } لكن { الاقرب الجواز بعد إزالة عين النجاسة وغسلها } بالقليل أو الكثير مرة واحدة أو { ثلاثا } أو سبعا على الخلاف المتقدم في كتاب الطهارة (2) هو وتفصيل المسألة وذكر النصوص (3) فيها على وجه لم يبق معه إشكال في جواز الاستعمال. بل قد ذكرنا هناك أن النصوص المزبورة لا تدل على الكراهة فضلا عن الحرمة، لكونها مساقة للمنع عن الانباذ فيها المحلل، مخافة صيرورته به خمرا ولو باعتبار ما في الاناء من الرائحة، لا لجواز استعمالها بعد الغسل الذي لو سلم عدم نفوذ الماء في أجزائه التي تخللها الخمر لا يمنع من حصول التطهير به لما يصل إليه منها، فان تطهير الباطن وغسله يحصل بوصول الماء إليه كما في المحشو والملبد ونحوهما، فيبقى ما لا يصل إليه منها


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب النجاسات - الحديث 2 من كتاب الطهارة. (2) راجع ج 6 ص 352 - 354. (3) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الاشربة المحرمة.

[ 419 ]

على النجاسة دون غيره، ولا تسري نجاسته، لكون الجزء الملاقي له تحققت طهارته بتحقق غسله، فهو كما لو غسلت بعض الجسم المتنجس وبقي الباقي منه، فانه يطهر ذلك المغسول وإن كان متصلا بالمتنجس إلا أنه اتصال مغسول حصل طهارته بتحقق الغسل فيه بغيره مما لم يحصل فيه مسمى الغسل، ومثله لا يقتضي التنجيس عندنا، لان السراية بهذا المعنى ليست من مذهبنا كما هو واضح، فتأمل. المسألة { الثامنة: } لا خلاف معتد به في أنه { لا يحرم شئ من الربوبات والاشربة } من السكنجبين والجلاب ونحوهما عدا ما عرفت { وإن شم منه رائحة المسكر كرب الرمان والتفاح } والسفرجل والتوت وغيرها { لانه لا يسكر كثيره } وللاجماع بقسميه عليه والاصل والنصوص (1) التي تقدمت هي وغيرها من أدلة المسألة في كتاب الطهارة (2). نعم قد يحرم بالعارض، كما إذا أدى ذلك إلى التهمة بشربه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) " أنه شرب يوما عسلا فقالت له بعض زوجاته: إني أشم منك رائحة الخمر، فقال: إني شربت عسلا، فآلى على نفسه أن لا يشرب من ذلك بعد ذلك " والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب الاشربة المحرمة. (2) راجع ج 6 ص 37 - 38. (3) البحار - ج 66 ص 292 مع الاختلاف في اللفظ، وفيه " ريح المغافير " راجع البحار ج 22 ص 229 الطبع الحديث.

[ 420 ]

المسألة { التاسعة: } { يكره أكل ما باشره الجنب والحائض إذا كانا غير مأمونين، وكذا يكره أكل ما يعالجه من لا يتوقى النجاسات } ولا يحرم شئ من ذلك وإن ظن نجاسته على الاصح. كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في كتاب الطهارة (1) والله العالم. { و } كذا يكره { أن يسقي الدواب شيئا من المسكرات } لخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن البهيمة والبقرة وغيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك ؟ قال: نعم يكره ذلك " المراد منه معناها المصطلح لا الحرمة، كخبر غياث (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن تسقى الدواب الخمر ". وفحوى ما دل على النهي عن سقيها الطفل، قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي الربيع (4): "... لا يسقيها عبد لي صبيا ولا مملوكا إلا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذبا بعد أو مغفورا له ". وخبر عجلان (5) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المولود يولد فنسقيه الخمر، فقال: ألا من سقى مولودا مسكرا سقاه الله من الحميم وإن غفر له ". وخبره الآخر (6) عنه (عليه السلام) أيضا، قال: " يقول


(1) راجع ج 1 ص 377 - 381. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 5 - 4 - 1 - 2 - 3.

[ 421 ]

الله عزوجل: من شرب مسكرا أو سقاه صبيا لا يعقل سقيته من ماء الحميم مغفورا له أو معذبا ". وفي المروي عن الخصال بسنده إلى علي (عليه السلام) (1) " من سقى صبيا مسكرا وهو لا يعقل حبسه الله عزوجل في طينة خبال حتى يأتي مما صنع بمخرج ". وفي المروي عن عقاب الاعمال مسندا (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " من شرب الخمر سقاه الله من سم الاساود ومن سم العقارب - إلى أن قال -: ومن سقاها يهوديا أو نصرانيا أو صابئا أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها " والله العالم. { و } كذا { يكره الاسلاف في العصير } لخبر يزيد بن خليفة (3) " كره أبو عبد الله (عليه السلام) بيع العصير بتأخير " بناء على إرادة السلف منه أو الاعم منه ومن بيعه مشروطا تأخيره إلى مدة. لكن عن النهاية الاستدلال على ذلك بأنه لا يؤمن أن يطلبه من صاحبه ويكون قد تغير إلى حال الخمر، فاعترضه ابن إدريس بأن السلف لا يكون إلا بالذمة ولا يكون في العين، فإذا كان في الذمة لزمه تسليم ما في ذمته من العصير من أي موضع كان، سواء تغير ما عنده إلى حال الخمر أم لم يتغير، فلا وجه للكراهة. وأجاب عنه الفاضل بامكان أن يريد بالسلف بيع عين مشخصة يسلمها إليه في وقت معين، وأطلق عليه السلف مجازا، كما ورد السلف في مسك (مسوك خ ل) الغنم مع المشاهدة، أو يحمل على الحقيقة وتعذر عليه تحصيل العصير عند الاجل لانقلابه كذلك.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 6 - 7. (3) الوسائل - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 3 من كتاب التجارة.

[ 422 ]

وفي المسالك " لا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، وقوة كلام ابن إدريس " قلت: قد عرفت أن الاصل الخبر المزبور الذي يكفي في الكراهة المتسامح فيها، والامر سهل. { و } كذا يكره { أن يستأمن على طبخه من يستحل شربه قبل أن يذهب ثلثاه إذا كان مسلما } وإن أخبر بطبخه على الثلث، وفاقا للفاضل في محكي تلخيصه وإرشاده وتحريره. { وقيل } كما عن النهاية والسرائر والجامع والايضاح والدروس والتنقيح وغيرها: { لا يجوز مطلقا }. { والاول } الذي هو الجواز { أشبه } باصول المذهب وقواعده التي منها تصديق صاحب اليد على ما يده، ومنها حمل فعل المسلم على الاحسن الذي هو الصحة الواقعية وإن لم يخبر، ولذا يستحل المجتهد ومقلدته ما في يد مجتهد آخر ومقلدته محال الاختلاف في الطهارة والحل وغيرهما، بل عليه مدار الناس في ذبائح العامة وأخذ الجلود منهم وغير ذلك مع اختلاف مذاهبهم، وأصالة عدم ذهاب الثلثين مقطوعة باخبار صاحب اليد وحمل فعل المسلم على الصحة الواقعية، خصوصا إذا كان الغليان الذي هو عنوان التحريم قد استفيد من إخباره. ولصحيح معاوية بن وهب (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن البختج، فقال: إذا كان حلوا يخضب الاناء وقال صاحبه: قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث فاشربه ". وحسن عمر بن يزيد (2) " إذا كان يخضب الاناء فلا بأس ". ومن هنا يتجه حمل حسن عمر بن يزيد (3) سأله " عن الرجل يهدي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 3 - 2 - 1. وفي الثاني " إذا كان يخضب الاناء فاشربه ".

[ 423 ]

إلي البختج من غير أصحابنا، فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، وإن كان ممن لا يستحل فاشربه " على الكراهة. كموثق ابن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج وهو يقول قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنه يشربه على النصف، فقال: لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه، قال: نعم ". وصحيح علي بن جعفر (2) سأل أخاه (عليه السلام) " عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به أتى بشراب زعم أنه على الثلث فيحل شربه قال: لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا ". والموثق (3) " عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب ". لقصورها أجمع عن مقاومة ما عرفت، خصوصا وليس في الاخير إلا ثبوت البأس الذي يجامع الكراهة، كما أن سابقه فيمن لم يعلم استحلاله ولا يقول به الخصم، بل لا يقول باعتبار الاسلام والمعرفة في قبول إخبار صاحب اليد، بل هو مناف لما سمعته في ذيل الموثق السابق عليه. وعلى كل حال فلا ريب في قصورها عن مقاومة ما سمعته من قاعدة إخبار صاحب اليد وقاعدة الصحة في فعل المسلم، فيتجه حملها على ضرب من الكراهة، والاحتياط عن خصوص الخمر والمسكر والعصير باعتبار شدة ما ورد (4) فيه من المبالغة في تحريمه. فما في كشف اللثام


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 7 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 4 - 7 - 6. (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاشربة المحرمة.

[ 424 ]

والرياض من الحرمة واضح الضعف. ومن الغريب ما في الاول، فانه بعد أن ذكر الموثق الاول قال: " وإذا حرم بمجرد كونه ممن يشربه على النصف فمع استحلاله أولى، وإذا حرم مع إيمانه وإخباره فبدونهما أولى " ضرورة بناء الاولوية المزبورة على ثبوت الحكم في الاصل، وهو معلوم العدم، بل أولى من ذلك القول باشعاره بارادة الكراهة من النهي في غيره أيضا بعد معلومية إرادتها من النهي فيه، والله العالم. { و } كذا { يكره الاستشفاء بمياه الجبال الحارة } كما يستعمله الاكراد بلا خلاف أجده فيه، لخبر مسعدة بن صدقة (1) عن الصادق (عليه السلام) " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الاستشفاء بالحميات، وهي العيون الحارة التي تكون في الجبال التي يوجد فيها رائحة الكبريت، فانها تخرج من فوح جهنم " القاصر عن معارضة الاصول والعمومات المتضمنة للجواز، خصوصا بعد مرسل محمد بن سنان (2) " كان أبي يكره أن يتداوى بماء الكبريت " ولذا حمل على الكراهة، نعم قد يستفاد من تعليله كراهية مطلق استعماله، والله العالم. { و } كيف كان ف‍ { - من اللواحق النظر في حال الاضطرار و } ذلك لان { كل ما قلنا بالمنع من تناوله فالبحث } كان { فيه مع الاختيار و } أما { مع الضرورة } فلا خلاف في أنه { يسوغ التناول ل‍ } - ما عدا الخمر منه، قيل: أو الطين، بل الاجماع بقسميه عليه.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الماء المضاف - الحديث 3 من كتاب الطهارة. (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2.

[ 425 ]

مضافا إلى { قوله تعالى } (1): " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ". وقوله تعالى (2): " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم } فان الله غفور رحيم ". { وقوله تعالى } (3): " ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " }. وإلى قاعدة نفي الضرر والضرار (4) ونفي الحرج (5) وإرادة اليسر (6) وسهولة الملة وسماحتها (7) وقاعدة كلما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر التي ينفتح منها ألف باب (8). وإلى ما في خبر المفضل الطويل (9) من " أنه تعالى علم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله لهم وأباحه تفضلا منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر، فأحله في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 173. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (3) سورة الانعام: 6 - الآية 119. (4) المستفادة من الروايات المروية في الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات. (5) المصطادة من الآية الكريمة المذكورة في سورة الحج: 22 - الآية 78. (6) المأخوذة من الآية الشريفة الواردة في سورة البقرة: 2 - الآية 185 (7) المستفادة من الروايات العديدة التي منها ما رواه في الكافي ج 2 ص 17 ومنها ما رواه في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب مقدمة العبادات - الحديث 26 وغيرهما. (8) استفيدت هذه القاعدة من الروايات المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب قضاء الصلوات من كتاب الصلاة. (9) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 426 ]

لا غير " ونحوه مرسل محمد بن عبد الله (1) ومحمد بن عذافر (2). وإلى مرسل الصدوق المروي عن نوادر الحكمة (3) " من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئا من ذلك حتى يموت فهو كافر ". ومرسل الدعائم (4) عن علي (عليه السلام) " المضطر يأكل الميتة وكل محرم إذا اضطر إليه ". وعن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) (5) " قال الله سبحانه: فمن اضطر إلى شئ من هذه المحرمات فان الله غفور رحيم، ستار لعيوبكم أيها المؤمنون رحيم بكم حتى أباح لكم في الضرورة ما حظره في الرخاء " وإلى غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك بعضها. وحينئذ { فليكن النظر في المضطر وكيفية الاستباحة، أما المضطر ف‍ } - عن النهاية { هو الذي يخاف التلف } على نفسه { لو لم يتناول } قال فيها: " ولا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه، ولا يتملا منه ". وفي المسالك " وافقه عليه تلميذه القاضي وابن إدريس والعلامة في المختلف " ولعله لانه المتيقن في الرخصة، ولخبر المفضل (6) ومرسل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) أشار إليه في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 وذكره في علل الشرائع ص 483 ط النجف. (3) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (4) و (5) المستدرك - الباب - 40 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 4 - 5. (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 427 ]

محمد بن عبد الله (1) ومحمد بن عذافر (2) المتقدمين. وفيه أن عنوان الرخصة المضطر الذى لا ريب في تحققه بغير ذلك والخبران المزبوران بعد الاغماض عن السند لا دلالة فيهما على الاختصاص وآية المخمصة مع عدم القائل بتقييد الاضطرار فيها حتى من الخصم لا تصلح لتقييد إطلاق غيرها لو سلم ظهورها في التقييد من جهة الشرطية. ومن هنا قال المصنف بل المشهور كما في المسالك: { وكذا } يتحقق الاضطرار { لو خاف المرض بالترك } بل { وكذا لو خاف (خشي خ ل) الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارة العطب } بذلك { أو } إلى { ضعف } عن { الركوب } أو المشي { المؤدي إلى خوف التلف }. بل الظاهر تحققه بالخوف على نفس غيره المحترمة، كالحامل تخاف على الجنين، والمرضع على الطفل، وبالاكراه وبالتقية الحاصلة بالخوف على إتلاف نفسه أو نفس محترمة أو عرضه أو عرض محترم أو ماله أو مال محترم يجب عليه حفظه، أو غير ذلك من الضرر الذي لا يتحمل عادة، بل لو كان مريضا وخاف بترك التناول طول المرض أو عسر علاجه فهو مضطر خوفا. ولا فرق في ذلك كله بين السفر والحضر، إذ المدار على صدق الاضطرار الظاهر تحققه بخوف الضرر الذي لا يتحمل عادة إذا كان خوفا معتدا به عند العقلاء، لا مجرد وهم فضلا عن العلم والظن، بل قد يدعى تحققه عرفا مع عدم معارضة واجب من حفظ النفس ونحوه. وعلى كل حال متى تحقق الاضطرار عرفا { فحينئذ يحل له تناول


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (2) راجع التعليقة (2) ص 426.

[ 428 ]

ما يزيل به تلك الضرورة، ولا يختص ذلك نوعا من المحرمات إلا ما سنذكره } عن قريب إنشاء الله، لاطلاق الآيات (1) والروايات (2) وغيرهما من الادلة السابقة على الرخصة في الجميع. { و } كيف كان ف‍ { - لا يترخص الباغي } لقوله تعالى (3): " فمن اضطر غير باغ " بل في الايضاح الاجماع عليه وعلى العادي وإن اختلف في المراد منهما، ففي المتن { و } غيره الباغي: { هو الخارج على الامام } العادل. قال الصادق (عليه السلام) في مرسل البزنطي (4): " الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق لا يحل له الميتة " وعن التبيان ومجمع البيان أنه المروي عن الصادقين (عليهما السلام) (5). { وقيل } كما عن الحسن وقتادة ومجاهد: { الذي يبغي الميتة } ويتلذذ بها. وقيل كما عن الزجاج: المفرط المتجاوز للحد الذي أحل له. وقيل كما عن ابن عباس: غير المضطر، ولعله يرجع إلى ما سمعته عن الحسن، وكذا ما قيل من أنه المستحل لها. وعن النهاية وابني البراج وإدريس أنه باغي الصيد بطرا ولهوا للخبرين الآتيين (6). { و } كذا { لا } يترخص { العادى، وهو } كما عن النهاية وابني البراج وإدريس، وفي مرسل البزنطي (7) المتقدم { قاطع الطريق }.


(1) المتقدمة في ص 425. (2) المتقدمة في ص 426. (3) سورة البقرة: 2 - الآية 173. (4) و (5) و (7) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 - 6 - 5. (6) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 و 2.

[ 429 ]

{ وقيل } كما عن الحسن وقتادة ومجاهد: هو { الذي يعدو شبعه } وعن ابن عباس: أنه الذي يعدو سد الرمق، وعن الزجاج: المقصر وقيل: المتزود منها. وقيل: العادي بالمعصية طريقة المحقين. وعن التبيان ومجمع البيان أنه مع تفسير الباغي بالخارج على الامام هو المروي عن الصادقين (عليهما السلام). وفي خبر عبد العظيم الحسني (2) عن الباقر (عليه السلام) وخبر حماد بن عثمان (3) عن الصادق (عليه السلام) أنه السارق، قال في الاخير في قوله تعالى (4): " فمن اضطر " إلى آخرها: " الباغى باغي الصيد، والعادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة ". وفي الاول في قوله عز وجل: " فمن اضطر " إلى آخرها: " العادي السارق، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار، كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفر ". قلت: قد يقال: إن الظاهر إرادة المعنى المطابق لقوله تعالى في


(1) و (3) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 6 - 2. (2) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 عن محمد بن علي الرضا (عليه السلام) وهو الصحيح، لان عبد العظيم عدوه من أصحاب الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) فهو لم يدرك الباقر (عليهم السلام). (4) سورة البقرة: 2 - الآية 173.

[ 430 ]

الآية الاخرى (1): " غير متجانف لاثم " من الباغي والعادي، للاتفاق ظاهرا على تفسير المتجانف للاثم بالميل إلى أكل الميتة استحلالا أو اقترافا للاثم، بخلاف البغي والعدوان الذي قد عرفت الاختلاف في تفسيرهما وإن كان منه ما ينطبق على ما ذكرنا. ومنه يظهر رجحان ذلك على احتمال العكس، بأن يراد بالمتجانف للاثم خصوص الباغي والعادي، وحينئذ فيكون المراد الرخصة للمضطر من حيث كونه كذلك، لا المتناول لها القادم على الاثم في ذلك أو المستحل لها، فانه لا رخصة لهما ولو في حال الاضطرار، ضرورة عدم كون الباعث لهما الاضطرار بل البغي والعدوان، أي التجانف للاثم في أكل الميتة حال الاختيار، بل في الحقيقة لا اضطرار بالنسبة إليه، ضرورة عدم حالة امتناع له حتى يكون ما فيه من الحال حال اضطرار له، إذ المنساق من قوله (2): " فمن اضطر " الرخصة للممتنع حال الاختيار إن اتفق اضطراره. وحينئذ فقوله: " غير متجانف " كالحال المؤكدة والكاشفة، وكذا قوله: " غير باغ ولا عاد " بناء على إرادة معنى غير المتجانف للاثم منهما، ولا ينافي ذلك النصوص المزبورة التي لم تثبت حجيتها، ومع التسليم يكون ما فيها أمر آخر (3) تنتفي الرخصة فيه أيضا مضافا إلى ذلك. وحينئذ فالمتجه بناء على الاول الرخصة للممتنع عنها اختيارا إذا اضطر إليها ولو كان باغيا أو قاطعا للطريق كما عن أبي حنيفة، لاطلاق


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 3. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 173. (3) هكذا في النسختين الاصليتين، والصحيح " يكون ما فيها أمرا آخر ".

[ 431 ]

الادلة فضلا عن مطلق العاصي بسفره، وإن استشكل فيه الفاضل من قصر الاخبار على ما ذكر، ومن عموم الآية والاشتراك في العلة، واستناد الضرورة إلى سفر هو معصية، والمعصية لا توجب الرخصة. بل عن الاسكافي وعلي بن إبراهيم والشيخ أبي الفتوح الجزم بالعدم، بل ذكر الاول منهم أنه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وهو المحكي عن الشافعي، بناء على أن المراد من الآية الرخصة للمضطر الموصوف بكونه غير باغ ولا عاد مطلقا، لا في خصوص الاكل الذي هو المنساق من الآية، إلا أنه لا يخفى عليك ما في الجميع بعد ما عرفت والله العالم. { وأما كيفية الاستباحة فالمأذون فيه حفظ الرمق } مع كون الاضطرار بالنسبة إليه خاصة { و } حينئذ ف‍ { - التجاوز حرام، لان القصد حفظ النفس } والفرض حصوله، فلا ضرورة بعده، ومن هنا قالوا: إن الضرورة تقدر بقدرها، بل عن ظاهر التبيان ومجمع البيان وروض الجنان وصريح الخلاف الاجماع على حرمة التجاوز. بل ستسمع عن المنتهى والتذكرة ما يؤيد ذلك في المحرم المضطر لاكل الصيد، سواء بلغ الشبع أو لا، خلافا لبعض العامة، فأباح الشبع، وضعفه واضح. نعم لو اضطر إليه للالتحاق بالرفقة جاز أو وجب حيث يجب، ولو افتقر إليه ولكن يتوقع مباحا قبل رجوع الضرورة قيل: تعين سد الرمق وحرم الشبع. وهل للمضطر التزود من الميته ؟ الاقرب ذلك، كما عن أبي علي، لاشتراك العلة مع الاصل، ويحتمل العدم بناء على حرمة الانتفاع بها، وإنما خرج الاكل بالنص والاجماع، وضعفه واضح.

[ 432 ]

ولو لقيه مضطر آخر لم يجز له بيعها عليه، إذ لا ضرورة في البيع ويجب دفعها إليه بغير عوض إذا لم يكن هو مضطرا في الحال وإن توقعه للتساوي في الاحترام ووجوب الحفظ مع رجحان الاضطرار في الحال على المتوقع، لاحتمال العدم. { وهل يجب التناول للحفظ ؟ قيل: نعم } بل قد يظهر من بعض الاجماع عليه { وهو الحق } لوجوب دفع الضرر وحفظ النفس وللمرسل (1) السابق المنجبر بالعمل، خلافا لاحد وجهي الشافعي من جوازه له، لكونه ضربا من الورع، فيكون الصبر عليه كالصبر على القتل لمن يراد منه إظهار كلمة الكفر. وفيه ما لا يخفى من وضوح الفرق بين الامرين بعد تسليم الحكم في المقيس عليه، بل الظاهر أن نحو التلف غيره من المضار على النفس المبيحة للتناول، فعلم أنه متى جاز التناول لذلك وجب حفظا للنفس، فليس هنا جواز بمعنى الاباحة وتساوي الطرفين، نعم قد يأتي ذلك في غير النفس. وعلى كل حال { ف‍ } ظهر لك أنه { لو أراد التنزه والحال حالة خوف التلف } للنفس بل أو الضرر الذي لا يتحمل عليها { لم يجز } ذلك، لانه إلقاء بيده في التهلكة ولما سمعته، والله العالم. { ولو اضطر إلى طعام الغير وليس له الثمن وجب على صاحبه } الحاضر غير المضطر إليه { بذله، لان في الامتناع إعانة على قتل المسلم } وقد قال (عليه السلام) (2): " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر


(1) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 4 من كتاب القصاص وفيه " من أعان على قتل مؤمن... " وفي المستدرك الباب - 2 - منها - الحديث 4 " من اعان على قتل مسلم.. ".

[ 433 ]

كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله " ولانه يجب عليه حفظ النفس المحترمة ولو لغيره. خلافا لمحكي الخلاف والسرائر فلم يوجباه، للاصل بعد منع كونه إعانة، وعدم دليل يدل على وجوب حفظ نفس الغير مطلقا، حتى لو توقف على بذل المال، إذ ليس إلا الاجماع، وهو في الفرض ممنوع، بل لعل السيرة في الاعصار والامصار على خلافه في المقتولين ظلما مع إمكان دفعه بالمال، وفي المرضى إذا توقف علاجهم - المقتضي حياتهم باخبار أهل الخبرة - على بذل المال. إلا أنه لا يخفى عليك ما في ذلك كله، ضرورة المفروغية من وجوب حفظ نفس المؤمن المحترمة، وربما يشهد لذلك ما تقدم في النفقات التي أوجبوها على الناس كفاية على العاجز، مضافا إلى النصوص الدالة على المواساة وغيرها، بل لعله من الامور التي استغنت بضرورتها عن الدليل المخصوص. نعم لو كان هو مضطرا إليه أيضا لم يجب بذله له إلا أن يكون نبيا أولى به من نفسه أو وصي نبي كذلك، بل لا يجوز بذله لغيرهما، وإن قال في المسالك: " الاصح الجواز مع التساوي في الاسلام والاحترام لعموم قوله تعالى (1): " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ولان المقصود حفظ النفس المحترمة وهو حاصل بأحدهما، فلا ترجيح ". لكن فيه أن ظاهر الآية في غير الفرض، كما أن من المعلوم عقلا ونقلا تقديم حفظ نفسه التي يعبد الله بها على غيره، بل لعل ذلك من الالقاء بيده إلى التهلكة، ودعوى كونه كثبات المجاهد لمثله مع ظهور أمارات العطب فانه غير ملق بل فائز واضحة المنع.


(1) سورة الحشر: 59 - الآية 9.

[ 434 ]

فالتحقيق عدم جواز إيثاره، كما لو كان ذميا أو بهيمة أو غيرهما من محترم الدم. نعم لو لم يكن مضطرا إليه وجب عليه بذله للمضطر إليه كما عرفت، بل في المسالك " مسلما كان أو ذميا أو مستأمنا " بل فيها " وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على الاظهر " ولا يخلو من نظر. ولو لم يبذله المالك فللمضطر أخذه منه قهرا، بل ذكروا أن له أن يقاتله عليه، بل لعله المتجه وجوب ذلك عليه، بناء على ما سمعته في المتن من وجوب أكله منها حفظا لنفسه. إلا أن ذلك كله لا يخلو من نظر وإن تجشم بعضهم له بادراجه في الدفاع، ولكن عليه فلو قتله كان دمه هدرا، بخلاف العكس، بل في المسالك " لو منعه - أي غير المضطر - المضطر فمات جوعا ففي ضمانه له وجهان: من أنه لم يحدث فيه فعلا مهلكا، ومن أن الضرورة أثبتت له في ماله حقا، فكأنه منعه من طعامه " وإن كان لا يخفى عليك ضعف الوجه الثاني. كما أن ما فيه أيضا من أنه " في مقدار ما يجب على المالك بذله من سد الرمق أو القدر المشبع وجهان مبنيان على القدر الذي يحل من الميتة " كذلك لما عرفته من وضوح ضعف الثاني منهما عندنا، لان الضرورة تقدر بقدرها، إلا أن يفرض ضرورته إلى أزيد من ذلك. ثم إن كان المضطر قادرا على دفع ثمنه لم يجب على المالك بذله مجانا قطعا، لان ضرورة الجائع تندفع ببذله الثمن القادر عليه، بل لو كان عاجزا لم يجب بذله كذلك وإن قيل، كما حكاه المصنف بقوله: { وهل له المطالبة بالثمن ؟ قيل: لا، لان بذله واجب فلا يلزم العوض } لاصل ومعلومية عصمة مال المسلم، ووجوب البذل عليه لا ينافي ثبوت العوض في ذمة المبذول له، فهو حينئذ كوجوب بذل

[ 435 ]

الطعام في الغلاء على المحتكر والتسعير عليه الذي لا خلاف في أن له العوض وليس هو كاستنقاذ المشرف على الهلاك في عدم وجوب أجرة المثل التي لا تندرج في عموم " من أتلف " (1) ولا غيره مما يقتضي الضمان. ولعل هذا مرادهم بما ذكروه من الفرق بين المقام وبين تخليص المشرف بأنه هناك يلزمه التخليص وإن لم يكن للمشرف مال، ولا يجوز التأخير إلى تقدير الاجرة وتقريرها، بخلاف ما هنا، وإن قال في المسالك: " لا يخلو هذا الفرق من قصور ". ثم قال: " وربما ساوى بعضهم بين الامرين، حيث يحتمل الحال موافقته على أجرة يبذلها أو يقبلها، فلا يلزمه تخليصه حتى يقبل الاجرة كالمضطر، كما أنه لو لم يحتمل الحال مساومة المضطر يجب عليه بذله، ولا يلزمه العوض، بخلاف ما إذا احتمل وإن لم يكن هناك مال مقدور عليه " وظاهره الميل إلى ذلك، إلا أنه كما ترى، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين، كوضوح ضمان الثمن في الاخير، لقاعدة " من أتلف " وغيره بخلاف الاجرة. نعم لو بذله مجانا وجب عليه قبوله وإن استلزم المنة التي لا تقابل حفظ النفس. ولو بذله بالعوض ولم يقدره فأكله المضطر كان عليه قيمته في ذلك الزمان والمكان، لانه من الاباحة بالعوض، فلا يحتاج إلى معلومية قدر المبذول، بل له الشبع كائنا ما كان. وفي المسالك " أو مثله إن كان مثليا " وفيه أنه مناف لقاعدة لا ضرر ولا ضرار لو بذل له ماء مثلا في الارض القفراء ووفاه عند وروده الماء بمثله، فتأمل.


(1) راجع التعليقة (2) في ص 157.

[ 436 ]

وإن قدر العوض فان لم يفرد له ما يأكله فله الاكل كذلك حتى يشبع مع فرض وقوع التراضي بذلك على أن يكون من الصلح أو الهبة بالعوض أو نحوهما، وإن أفرده فان كان المقدر ثمن المثل أخذه بعقد بيع جامع لشرائط صحته أو صلح كذلك أو غيرهما أو معاطاتهما، وله أن يأخذ حينئذ ما فضل، وإن كان أكثر من ثمن المثل فسيأتي البحث فيه. وإن أطعمه المالك ولم يصرح بالاباحة ففي المسالك " فيه وجهان، أصحهما أنه لا عوض عليه، ويحمل على المسامحة العادية في الطعام، سيما في حق المضطر " وفيه أن الاصل الضمان مع عدم تصريحه بالمجانية ولو بظهور حال يقوم مقام التصريح. ومنه يعلم ما في قوله متصلا بما سمعت: " ولو اختلفا فقال المطعم: أطعمتك بعوض وقال المضطر: بلا عوض ففي تصديق المطعم لانه أعرف بكيفية بذله أو المضطر لاصالة براءة ذمته وجهان " ضرورة كون المتجه بناء على ما ذكرناه أن القول قول المطعم. ومن الغريب ميله إلى الضمان في صورة الايجار بعد ما سمعته منه، قال: " ولو افتقر المضطر إلى وجور الطعام في فمه فوجره المالك وهو مغمى عليه بنية العوض ففي استحقاقه العوض وجهان، والاولى القول بالاستحقاق هنا، لانه خلصه من الهلاك، وكان كالعفو من القصاص إلى الدية، ولما فيه من التحريض على تدارك المضطرين، ووجه العدم أن المضطر لم يطلب ولم يتناول، فكان المالك متبرعا، والاقوى الاول " مع أنه يمكن كون الامر بالعكس، ضرورة قوة السبب على المباشر في الفرض. ثم قال فيها أيضا: " وكما يجب بذل المال لابقاء الآدمي يجب

[ 437 ]

بذله لابقاء البهيمة المحترمة وإن كانت ملكا للغير، ولا يجب البذل للحربي والكلب العقور، ولو كان للانسان كلب غير عقور جائع وشاة فعليه إطعام الشاة " وفيه منع، بل قد يقال بأولوية الكلب، لامكان ذبح الشاة بخلاف الكلب. هذا كله لو كان صاحب الطعام حاضرا، ولو كان غائبا أكل منه وجوبا وغرم قيمة ما أكل إن كان متقوما، وفي المسالك " ومثله إن كان مثليا وفيه ما عرفت. ولا فرق في ذلك بين القدرة على العوض وعدمها، لان الذمة تقوم مقام الاعيان، والله العالم. { وإن كان الثمن موجودا وطلب ثمن مثله وجب } على المضطر { دفع الثمن } حفظا لنفسه، ولا يجوز له قهر صاحبه بدونه اتفاقا كما في كشف اللثام. { ولا يجب على صاحب الطعام بذله لو امتنع من بذل العوض، لان الضرورة المبيحة لاقتساره مجانا } لو قلنا به { زالت بالتمكن من البذل } نعم قد يقال بوجوب بذله له من غير ذكر المعاوضة وإلزامه بالقيمة بعد ذلك. { وإن طلب زيادة عن الثمن قال الشيخ: لا تجب الزيادة } وربما حمل على صورة العجز، وفيه أن لفظه المحكي عن مبسوطه على ما في المسالك - (إذا امتنع صاحب الطعام من بذله إلا بأزيد من ثمن مثله فان كان المضطر قادرا على قتاله قاتله، فان قتل المضطر كان مظلوما، مضمونا، وإن قتل المالك كان هدرا، وإن لم يكن قادرا على قتاله أو قدر فتركه حذرا من إراقة الدماء فان قدر على أن يحتال عليه ويشتري منه بعقد فاسد حتى لا يلزمه إلا بثمن مثله فعله، فان لم يقدر إلا على

[ 438 ]

العقد الصحيح فاشتراه بأكثر من ثمن مثله قال قوم: يلزمه الثمن، لانه باختياره بذل، وقال آخرون لا تلزمه الزيادة على ثمن المثل، لانه مضطر إلى بذلها، فكان كالمكره عليها، وهو الاقوى عندنا " - خال عن التقييد بذلك، بل ظاهر تعليله وغيره القدرة عليها. ومن هنا قال المصنف: { ولو قيل: تجب } الزيادة { كان حسنا } وتبعه غيره { لارتفاع الضرورة بالتمكن } من بذل العوض ولو زائدا فلم يجب على المالك بذله، لانه غير مضطر حينئذ { و } لعله الاقوى. نعم { لو امتنع صاحب الطعام والحال هذه } أي بذل المضطر الزيادة { جاز له قتاله دفعا لضرورة العطب } لا كما ذكره الشيخ من جواز القتال بدون دفع الزيادة. { ولو واطأه فاشتراه بأزيد من الثمن كراهية لاراقة الدماء قال الشيخ } كما سمعته من عبارته: { لا يلزمه إلا ثمن المثل، لان الزيادة لم يبذلها اختيارا، وفيه اشكال، لان الضرورة المبيحة للاكراه ترتفع بامكان الاختيار } ولما عرفت من وجوب بذلها عليه، والله العالم. { ولو وجد ميتة وطعام الغير فان بذل له الغير طعامه بغير عوض أو عوض هو قادر عليه } غير مضر بحاله { لم تحل } له { الميتة } بلا خلاف ولا إشكال، لعدم صدق الاضطرار، وإن بذله بزيادة كثيرة ففي المسالك " في تقديمه على الميتة مع القدرة أوجه: أحدها أنه لا يلزمه ولا بأس به مع الاضرار بالحال، أما مع عدمه فالمتجه تقديمه عليها، لعدم صدق الاضطرار. { ولو كان صاحب الطعام غائبا أو حاضرا ولم يبذله وقوي صاحبه على دفعه عن طعامه أكل الميتة } لوضوح صدق الاضطرار في الاخير، أما الاول فوجه بأن الميتة محرمة لحق الله تعالى المبني على المساهلة، وبأن

[ 439 ]

إباحة الميتة للمضطر منصوص (1) عليها، وجواز الاكل من مال الغير بغير إذنه من الاجتهاد، وبأن الميتة يتعلق بها حق واحد لله تعالى، ومال الغير يتعلق به الحقان واشتغال الذمة، إلا أن الجميع كما ترى. والاولى الاستدلال بصدق الاضطرار بعد اطلاق الادلة وعمومها بحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، والممنوع شرعا كالممنوع عقلا، فيتحقق الاضطرار الذي هو عنوان الرخصة. ومنه يعلم وجه ضعف احتمال أكل الطعام لصدق القدرة على طعام حلال العين، فأشبه ما إذا كان المالك حاضرا وبذله، والتصرف في مال الغير منجبر بثبوت عوضه في الذمة. وأضعف منه احتمال تخييره بين الامرين لتعارض الحقين، نعم يتجه - بناء على ما ذكرنا - ذلك في الحاضر إذا لم يبذل، لعموم " الناس مسلطون على أموالهم " (2) من غير فرق بين كونه قويا أو ضعيفا. { و } حينئذ فالقول بأنه { إن كان صاحب الطعام ضعيفا لا يمنع أكل الطعام، وضمنه، ولم تحل الميتة } لا يخلو من نظر. ودعوى الفرق بينه وبين الغائب - بأن الغائب غير مخاطب بدفعه إلى المضطر، وماله باق على أصل احترامه، بخلاف الحاضر، فانه مأمور شرعا بدفعه، فإذا امتنع جاز أخذه قهرا موافقة لامر الشارع، ولم يكن بسبب ذلك مضطرا إلى الميتة - واضحة الفساد. ولعله لذا قال المصنف: { وفيه تردد } وإن كان أولى من ذلك الجزم بالعدم، خصوصا بعد الجزم بالحكم في الغائب، والله العالم. { وإذا لم يجد المضطر إلا الآدمي ميتا حل له إمساك الرمق من


(1) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب الاطعمة المحرمة. (2) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 440 ]

لحمه } وإن كان محترما إذا لم يكن نبيا أو وصي نبي، ولا ينافي ذلك كون ميتته محترمة، لاطلاق الرخصة في الميتة الشاملة للفرض عند الاضطرار، ولان حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، بل مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين أكله نيام أو مطبوخا أو مشويا، وإن كان الاولى الاقتصار على الاول مع فرض اندفاع الضرورة به، محافظة على مقدار الضرورة في هتك حرمته بخلاف الميتة من غيره، فانه لا احترام لها. ومن ذلك يعلم الوجه في المستفاد من قول المصنف: " وإذا لم يجد " إلى آخره من أنه إذا وجد المضطر ميتة ولحم آدمي أكل الميتة دون الآدمي من غير فرق بين الخنزير وغيره، نعم ينبغي تقييده بمحترم الميتة من الآدمي دون غيره الذي هو كالخنزير ونحوه. وكذا المحرم لو وجد الصيد ولحم الآدمي قدم الصيد، وإن قيل بتقديم الميتة على الصيد في حقه مطلقا، أو إذا لم يقدر على الفداء، كما عن النهاية والتهذيب، وإلا أكل الصيد، لان الميتة نجسة مضرة تنفر عنها الطبائع. وعن أبي علي التفصيل بين ميتة ما يقبل الذكاة وبين غيرها، فتقدم الاولى على الصيد دون الثانية، وعن الصدوق ذلك مع القدرة على الفداء. وعن الخلاف والمبسوط والسرائر بل والتهذيب والاستبصار في وجه التفصيل بأنه إن كان الصيد حيا أكل الميتة مطلقا، لانه إذا ذبح الصيد كان ميتة، أما لو وجد لحم الصيد الذي ذبحه المحل في الحل كان أولى من الميتة، لان تحريمه أخف من وجوه: منها أنه طاهر، ومنها أنه خاص بالمحرم، ومنها أنه لا يضر، ومنها أنه لا تنفر منه الطباع. ولكن الشيخ أطلق الحكم في اللحم، وفصل ابن إدريس بأنه يأكله إن قدر على الفداء وإلا فالميتة.

[ 441 ]

والاصل في ذلك اختلاف الاخبار، ففي الحسن (1) أن الحلبي سأل الصادق (عليه السلام) " عن المحرم يضطر فيجد الميتة والصيد أيهما يأكل ؟ قال: يأكل الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله ؟ قال: بلى قال: إنما عليه الفداء، فليأكل وليفد). وفي خبر اسحاق (2) " أن عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا اضطر المحرم إلى الصيد وإلى الميتة فليأكل الميتة التي أحل الله له ". وجمع بينهما ونحوهما بوجوه: (منها) التقية. و (منها) الفرق بين المتمكن (3) من الفداء وعدمه. و (منها) الفرق بين لحم الصيد والحي منه. و (منها) احتمال الثاني أن لا يكون وجد الصيد أو لم يتمكن منه وإن اضطر إليه. وقد تقدم تحقيق الحال فيها في الحج (4). ثم إن الظاهر وجوب الاقتصار في الاكل من الصيد على سد الرمق مع فرض كون المضطر إليه ذلك، نحو ما سمعته في الميتة، بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه هنا، بل عن التذكرة الاجماع عليه، خلافا لبعض، فجوز له الشبع، لسقوط الاثم بالاضطرار، وفيه ما لا يخفى بعد ما عرفت، والله العالم. { ولو كان حيا محقون الدم لم يحل } لعدم جواز حفظ النفس باتلاف أخرى، ولذا لم يكن تقية في الدماء، ولا فرق في ذلك بين السيد والعبد والولد والوالد والشريف والوضيع، بل في المسالك والكافر المحترم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب كفارات الصيد - الحديث 1 - 11. من كتاب الحج. (3) هكذا في المبيضة إلا أن الموجود في النسخة المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه " الفرق بين التمكن ". (4) راجع ج 20 ص 335 - 340.

[ 442 ]

كالذمي والمعاهد { و } غيرهما. نعم { لو كان مباح الدم } كالحربي والمرتد والزاني المحصن وغيرهم جاز قتله و { حل له منه ما يحل من الميتة } وإن كان القتل في بعضهم موقوفا على إذن الامام (عليه السلام) لكن ذلك مع الاختيار. ولو كان له على غيره قصاص ووجده في حالة الاضطرار قتله قصاصا وأكله، بل في المسالك أن أصح الوجهين جواز قتل الامرأة والصبيان من أهل الحرب، لانهم ليسوا بمعصومي الدم، وليس المنع من قتلهم في الاختيار لاحترامهم، ولهذا لا يتعلق به كفارة ولا دية، بخلاف الذمي والمعاهد وإن كان لا يخلو من نظر، والله العالم. { ولو لم يجد المضطر ما يمسك رمقه سوى نفسه } بأن يقطع قطعة من فخذه ونحوه من المواضع اللحمة فان كان الخوف فيه كالخوف على نفسه في ترك الاكل أو أشد حرم القطع قطعا، وإن علم السلامة حل قطعا، بل وجب. وإن كان أرجى للسلامة { قيل: } جاز له أن { يأكل من المواضع اللحمة كالفخذ } لانه إتلاف بعض لاستبقاء الكل، بأشبه قطع اليد مثلا بسبب الآكلة. { وليس شيئا } عند المصنف { إذ فيه دفع الضرر بالضرر، ولا كذلك جواز قطع الآكلة، لان الجواز هناك إنما هو لقطع السراية الحاصلة، وهنا إحداث سراية }. لكن قد يناقش بأن حدوث السراية على هذا التقدير غير معلوم، والفرض كون المضطر خائف الهلاك بسراية الجوع على نفسه كسراية الآكلة. نعم لا يجوز له أن يقطع من غيره ممن هو معصوم الدم اتفاقا، كما في المسالك، إذ ليس فيه إتلاف البعض لابقاء الكل، بل الظاهر ذلك

[ 443 ]

وإن قطع بسلامة المقطوع منه. وكذا لا يجوز للانسان أن يقطع جزءا منه للمضطر وإن قطع بالسلامة إلا أن يكون المضطر نبيا، فانه يجوز وإن قطع بالسراية، والله العالم. { ولو اضطر إلى خمر وبول تناول البول } وإن كان نجسا، لانه أخف حرمة منها وعدم الحد عليه، لانه لا يسلب العقل، والايمان ولا يؤدي إلى شر كالخمر. نعم لو وجد ماء متنجسا قدمه على البول لانه نجاسته عارضية، كما أنه يقدم ميتة ما يؤكل لحمه على ما لا يؤكل لحمه للخفة. ولو وجد ميتة ما يؤكل وما لا يؤكل حيا إلا أنه يقبل التذكية ذبح ما لا يؤكل وقدمه على الميتة، لنجاستها وأشدية حرمتها كما يعلم من الكتاب (1) والسنة (2). ولذا اقتصر عليها مع أخواتها في الكتاب (3) بل حصر التحريم فيها مع غيرها في الآية الاخرى (4) وإن كان هو إضافيا أو قبل تحريم الغير كما عرفته سابقا. وكذا يقدم عليها مذبوح الكافر وخصوصا من اختلف في ذبيحته لانه ليس ميتة وإن كان بحكمها، وليس فيه ما في الميتة من المضار التي علل بها تحريمها (5) وبالجملة فالمدار على الترجيح إن حصل لكونه حينئذ أقل قبحا وإلا فالتخيير.


(1) و (3) سورة المائدة: 5 - الآية وسورة الانعام: 6 - الآية 145. وسوره النحل: 16 - الآية 115. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاطعمة المحرمة. (4) سورة البقرة: 2 - الآية 173. (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 444 ]

{ ولو لم يجد إلا الخمر قال الشيخ في المبسوط } ومحكي الخلاف: { لا يجوز دفع الضرورة بها } لقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): " المضطر لا يشرب الخمر، لانه لا يزيده إلا عطشا " ولفحوى ما سمعته مما دل على حرمة التداوي بها مع الانحصار من الاجماع المحكي والنصوص (2) ضرورة كونه أحد أفراد الضرورة، ولاختصاص مورد الرخصة للمضطر في الآيات الكريمة (3) في غيرها. { و } قال الصدوق وابنا إدريس وسعيد وجماعة على ما حكي عنهم والشيخ { في النهاية: يجوز، وهو الاشبه } بأصول المذهب وقواعده التي علم منها أهمية حفظ النفس ونفي الحرج والضرر في الدين. مضافا إلى خصوص ما تقدم في خبر المفضل (4) وخبري محمد بن عبد الله (5) ومحمد بن عذافر (6) من التصريح بجواز تناول الخمر للمضطر. وخصوص قول الصادق (عليه السلام) في خبر حماد بن عيسى وعمار بن موسى (7) " في الرجل أصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا، قال: يشرب منه قوته ". وإلى أولوية إباحتها من إباحة ما هو أفحش منها من الميتة والخنزير وغير ذلك، والله العالم. { ولا يجوز التداوي بها ولا بشئ من الانبذة، ولا بشئ من


(1) و (2) والوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 13 - 0 -. (3) سورة البقرة: 2 - الآية 173 وسورة المائدة: 5 الآية 3 وسورة الانعام: 6 الآية 119. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (7) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 1. والراوي له هو عمار بن موسى فقط كما في التهذيب ج 9 ص 116 - الرقم 502.

[ 445 ]

الادوية معها شئ من المسكر } أو غيره من المحرمات { أكلا ولا شربا } مع عدم الانحصار بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه فضلا عن محكيه في كشف اللثام، لاطلاق أدلة التحريم السالمة عن معارضة الرخصة فيه للمضطر المعلوم عدم تحققه في الفرض. بل لعله كذلك مع عدم العلم بالانحصار، لعدم تحقق عنوان الرخصة أيضا، بل المشهور على ما في المسالك وكشف اللثام عدم الجواز حتى مع الانحصار، بل عن الشيخ في الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه، لصحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن دواء عجن بالخمر، فقال: لا والله ما أحب أن أنظر إليه فكيف أتداوى به، فانه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير ". وحسن ابن أذينة (2) " كتبت إلى الصادق (عليه السلام) أسأله عن رجل ينعت (يبعث خ ل) له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر سكرجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللذة إنما يريد به الدواء، فقال: لا ولا جرعة، ثم قال: إن الله عزوجل لم يجعل في شئ مما حرم دواء ولا شفاء ". وخبر أبي بصير (3) قال: " دخلت أم خالد العبدية على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده، فقالت: جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق، وقد عرفت كراهتك له وأحببت أن أسألك عن ذلك، فقال لها: وما يمنعك من شربه ؟ قالت: قد قلدتك ديني فألقى الله عزوجل حين ألقاه فأخبره أن جعفر بن محمد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 4 - 1. (3) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 2. وأسقط في الوسائل بعض قطعات الحديث، وذكره بتمامه في الكافي ج 6 ص 413.

[ 446 ]

أمرني ونهاني، فقال: يا أبا محمد ألا تسمع هذه المسائل ؟ لا، فلا تذوقي منه قطرة، وإنما تندمين إذا بلغت نفسك إلى ها هنا، وأومأ بيده إلى حنجرته يقولها ثلاثا: أفهمت ؟ قالت: نعم ". وعن الصادق (عليه السلام) أيضا (1) " لا يتداوى بالخمر ولا بالمسكر، ولا تمتشط النساء به، فقد أخبرني أبي عن جدي (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: إن الله عزوجل لم يجعل في رجس حرمه شفاء ". إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن حملها على عدم الانحصار، كما أنه يمكن إرادة عدم حصر الدواء في المحرم من التعليل، أو ينزل على الغلبة، على أنه لم نجد القائل به في غير الخمر. ولعله لذا - مؤيدا بما سمعته من حل تناوله عند الاضطرار الذي لا ريب في كون المقام منه بشهادة الوجدان وأهل الخبرة، بل وقوله تعالى (2): " وإثمهما أكبر من نفعهما " الظاهر في حصول نفع به، وخبر عبد الرحمان بن الحجاج (3) المروي عن طب الائمة " إن رجلا سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الترياق، فقال: ليس به بأس، قال: يا ابن رسول الله إنه يجعل فيه لحوم الافاعي، فقال: لا تقذره علينا " - أطلق القاضي الجواز، وتبعه جماعة من متأخرى المتأخرين، وهو الاقوى. ومن الغريب جزم المصنف بالعدم مع قوله: { ويجوز عند الضرورة أن يتداوى بها للعين } بل حكاه في المسالك عن الاكثر، وفي كشف اللثام عن الشيخ وجماعة، مستدلين عليه بعموم وجوب دفع الضرر، وخصوص


(1) المستدرك - الباب - 15 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 4. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 219. (3) الوسائل - الباب - 136 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 8.

[ 447 ]

خبر هارون بن حمزة الغنوي (3) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل اشتكى عينه فبعث له كحل يعجن بالخمر، فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة فان كان مضطرا فليكتحل به " ضرورة منافاته للتعليل الذي هو منشأ المنع في السابق. ولعله لذا كان المحكي عن ابن إدريس المنع هنا أيضا محتجا بالتعليل السابق المؤيد بمرسل مروك (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل من نار " بعد القول بحرمة مطلق الانتفاع به، لخصوص ما ورد فيه (5) مضافا إلى ما سمعته في مطلق الاعيان النجسة. ولكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن الاصح الجواز مع الاضطرار وإن قلنا بحرمة الانتفاع به مطلقا مع عدمه، ويمكن حمل المرسل المزبور عليه، والله العالم. { خاتمة } تشتمل على امور منها { في الآداب } وهي كثيرة اقتصر المصنف منها على إثني عشر أو ثلاثة عشر: الاول والثاني اللذان أشار إليهما بقوله: { يستحب غسل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الاشربة المحرمة - الحديث 5 - 2. (3) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الاشربة المحرمة .

[ 448 ]

اليدين قبل } تناول { الطعام وبعده } للمروي (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " غسل اليدين قبل الطعام ينفي الفقر، وآخره (وبعده خ ل) ينفي الهم ". وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) " غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة في العمر. واماطة للغمر عن الثياب، ويجلو البصر ". وعن الصادق (عليه السلام) (3) " من غسل يده قبل الطعام وبعده عاش في سعة، وعوفي من بلوى في جسده ". وعن الباقر (عليه السلام) في خبر أبى حمزة (4) " يا أبا حمزة الوضوء قبل الطعام وبعده يذيبان (يذهبان خ ل) الفقر، قلت: بأبي وأمي يذهبان ؟ قال: يذيبان ". وعن الصادق (عليه السلام) (5) " من سره أن يكثر خير بيته فليتوضأ قبل حضور الطعام ". وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (6) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم، ويصح البصر ". وفي المسالك " المراد بالوضوء هنا غسل اليدين " قلت: لعله لانهم لم يذكروا ذلك في مستحبات الوضوء ولم يعهد استعماله من أهل الشرع بل لعل المستعمل خلافه، مضافا إلى ظهور بعض النصوص (7) الآتية في البدأة فيه. وفي كشف اللثام " قد روي استحباب غسل اليدين جميعا وإن لم.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 4 - 6 - 5 - 1 - 3 والاول نقل بالمعنى. (6) المستدرك - الباب - 42 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 6. (7) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 449 ]

يأكل إلا باحداهما ". قلت: لعل المستفاد مما سمعت من الاخبار السابقة استحباب غسلهما معا كما ذكر، واستحباب غسل اليد التي يأكل بها. بل في خبر سليمان الجعفري (1) " أنه ربما أتي بمائدة فأراد بعض القوم أن يغسل يده فيقول أبو الحسن (عليه السلام): من كانت يده نظيفة فلا بأس أن يأكل من غير أن يغسل يده " ما يقتضي الرخصة في عدم الغسل مع نظافة اليد. ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين كون الطعام جامدا ومائعا، ولا بين كونه يباشر باليد أو بآلة وإن كان الحكم مع المباشرة آكد، بل هو الاصل في الشرعية، لان الاكل من صاحب الشرع وخلفائه كان كذلك. { و } الثالث (مسح اليدين بالمنديل) بعد الغسل من الطعام لا قبله، بل لا يبعد كراهته. قال الصادق (عليه السلام) (2): " إذا غسلت يدك للطعام فلا تمسح يدك بالمنديل، فانه لا تزال البركة في الطعام ما دامت النداوة في اليد ". وعن مرازم (3) " رأيت أبا الحسن (عليه السلام) إذا توضأ قبل الطعام لم يمسح (لم يمس خ ل) بالمنديل، وإذا توضأ بعد الطعام مسح بالمنديل (مس المنديل خ ل) " ولعل إطلاق المصنف المسح عائد إلى الغسل المتصل به. وإنما يستحب مسحهما بالمنديل من أثر ماء الغسل لا من أثر الطعام قبله، فان ذلك مكروه، وإنما السنة في لعق الاصابع.


(1) الوسائل - الباب - 64 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 10. (2) و (3) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 1.

[ 450 ]

قال الصادق (عليه السلام) (1): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أكل أحدكم فمص أصابعه التي أكل بها قال الله عزوجل: بارك الله فيك ". وقال (عليه السلام) أيضا (2): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلعق أصابعه إذا أكل ". وقال (عليه السلام) (3): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه في فيه فمصها ". وقال (عليه السلام) أيضا (4): " إني لالعق أصابعي حتى أرى أن خادمي يقول: ما أشره مولاي ". وقال (عليه السلام) أيضا (5): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلطع القصعة، ويقول: من لطع قصعة فكأنما تصدق بمثلها ". وقال (عليه السلام) أيضا (6): " إنه كره أن يمسح الرجل يده بالمنديل وفيها شئ من الطعام تعظيما للطعام حتى يمصها أو يكون إلى جانبه صبي يمصها ". ثم إنه يستحب مسح الوجه والحاجبين بعد الغسل، قال الصادق (عليه السلام) (7): " مسح الوجه بعد الوضوء يذهب بالكلف ويزيد في الرزق ". وعن المفضل (8) " دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فشكوت الرمد، فقال: إذا غسلت يدك بعد الطعام فامسح حاجبيك وقل ثلاث مرات:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب آداب المائدة الحديث 2 - 3 - 4 - 5 - 1. (6) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 1. (7) و (8) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب آداب المائدة - - الحديث 1 - 2.

[ 451 ]

الحمد لله المحسن المجمل المنعم المفضل، قال: ففعلت فما رمدت عيني بعد ذلك ". نعم لا صراحة في الاخير على كون المسح بهما قبل المسح بالمنديل، بل ولا الاول وإن نص عليها، لكن يمكن كونه المنساق، والله العالم. { و } الرابع { التسمية عند الشروع }. قال الصادق (عليه السلام (1): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا وضعت المائدة حفها أربعة آلاف ملك، فإذا قال العبد: بسم الله قالت الملائكة: بارك الله عليكم في طعامكم، ثم يقولون للشيطان: أخرج يا فاسق، لا سلطان لك عليهم، فإذا فرغوا فقالوا: الحمد لله قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فأدوا شكر ربهم، فإذا لم يسموا قالت الملائكة للشيطان: أدن يا فاسق فكل معهم، فإذا رفعت المائدة ولم يذكروا الله (ولم يذكروا اسم الله عليها خ ل) قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فنسوا ربهم ". وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): " من أكل طعاما فليذكر اسم الله عليه، فان نسي ثم ذكر الله بعد تقيأ الشيطان ما أكل واستقل (واستقبل خ ل) الرجل الطعام ". وعن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من ذكر اسم الله عند طعام أو شراب في أوله وحمد الله تعالى في آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام أبدا ". ومنه يستفاد استحباب الاتيان بها في الاثناء بعد النسيان كما تسمعه في بعض النصوص (4) الآتية أيضا.


(1) و (3) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 5. (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 3. (4) راجع التعليقة (2) ص 452.

[ 452 ]

وعنه (عليه السلام) أيضا (1) " إذا وضع الغداء أو العشاء فقل: بسم الله فان الشيطان يقول لاصحابه: أخرجوا فليس ها هنا عشاء ولا مبيت، وإن نسي أن يسمي قال لاصحابه: تعالوا، فان لكم ها هنا عشاء ومبيتا ". وعنه (عليه السلام) أيضا (2) " إن الرجل المسلم إذا أراد أن يطعم طعاما فأهوى بيده وقال: بسم الله والحمد لله رب العالمين غفر الله عزوجل له قبل أن تصير اللقمة إلى فيه، ولو نسي التسمية فليقل عند الذكر: بسم الله على أوله وآخره ". ويستفاد منه استحباب التحميد معها أيضا. كما أنه يستفاد من صحيح ابن الحجاج (3) عن الصادق (عليه السلام) " إذا حضرت المائدة وسمى رجل منهم أجزاء عنهم أجمعين " الاجتزاء بتسمية واحد وإن كان يستحب من الجميع. { و } الخامس { الحمد } لله تعالى شأنه { عند الفراغ } لما سمعته، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (4) " ما من رجل يجمع عياله ويضع مائدته فيسمون في أول طعامهم ويحمدون في آخره فترتفع المائدة حتى يغفر لهم ".


(1) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 وليس في ذيله " ولو نسى التسمية فليقل... " كما في الكافي ج 6 ص 293 وهذه الجملة مستفادة من رواية داود بن فرقد المروية في الباب - 58 - من تلك الابواب - الحديث 1 ولكن ليس فيها: " عند الذكر ". (3) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 6.

[ 453 ]

بل يستحب أيضا تكراره في الاثناء، قال زرارة (1): " أكلت مع أبي عبد الله (عليه السلام) طعاما فما أحصي كم مرة قال: الحمد لله الذي جعلني أشتهيه ". وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): " أذكروا الله على الطعام ولا تلفظوا (ولا تلغطوا خ ل) فانه نعمة من نعم الله ورزق من رزقه يجب فيه عليكم شكره وذكره وحمده ". ويستحب أن يقول إذا فرغ: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأيدنا وآوانا وأنعم علينا وأفضل، والحمد لله الذي يطعم ولا يطعم " (3). { و } السادس { أن يسمي على كل لون على انفراده } عند الشروع في الاكل منه، قال داود بن فرقد (4) لابي عبد الله (عليه السلام): " كيف أسمي على الطعام ؟ فقال: إذا اختلف الآنية فسم على كل إناء، قلت: فان نسيت أن أسمي، قال: تقول: بسم الله على أوله وآخره " بناء على إرادة اختلاف الالوان من اختلاف الآنية فيه. كما في المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) قال: " ضمنت لمن سمى على طعام أن لا يشتكي منه، فقال ابن الكوا: يا أمير المؤمنين لقد أكلت البارحة طعاما فسميت عليه فأذاني، قال: لعلك أكلت


(1) الوسائل الباب - 59 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 6. (3) لما رواه في الوسائل في الباب - 59 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 9. (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 61 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. وذيله في الباب - 58 - منها - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 3.

[ 454 ]

ألوانا فسميت على بعضها ولم تسم على بعض، قال: نعم، قال: من هاهنا أوتيت يا لكع ". وقال مسمع (1): " شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) ما ألقى من أذى الطعام إذا أكلت، فقال: لم تسم، فقلت: إني لاسمي وإنه ليضرني، فقال: إذا قطعت التسمية بالكلام ثم عدت إلى الطعام تسمي، قلت: لا، قال: فمن هاهنا يضرك، أما أنك لو كنت إذا عدت إلى الطعام سميت ما ضرك ". وعن علي (عليه السلام) (2): " ما اتخمت قط، لاني ما رفعت لقمة إلى فمي إلا سميت " ومنهما تستفاد أحكام أخر، والله العالم. { ولو قال } في الاواني المتعددة: { بسم الله على أوله وآخره أجزأ } وإن كان تكرارها أفضل. { و } السابع { يستحب الاكل باليمين مع الاختيار } لاستحباب التيامن، بل قال الصادق (عليه السلام) (3): " لا تأكل باليسرى وأنت تستطيع " نعم لو كان له مانع من ذلك فلا بأس. { و } الثامن والتاسع { أن يبدأ صاحب الطعام وأن يكون آخر من يشبع (يمتنع خ ل) } لئلا يحتشموه، وعن الصادق (عليه السلام) (4) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أكل مع القوم أول من يضع يده وآخر من يرفعها، ليأكل القوم ". { و } العاشر { أن يبدأ } الغاسل { في غسل اليد } قبل التناول { بمن على يمينه } أي صاحب الطعام بعد غسل يده، { ثم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 61 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 0. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 1.

[ 455 ]

يدور عليهم إلى الاخير } لما عن الكافي والعلل من أن في بعض الاخبار (1) يغسل أولا رب البيت يده، ثم يبدأ بمن على يمينه، وإذا رفع الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل، لانه أولى بالصبر على الغمر. وعن البصائر حكاية فعل الكاظم (عليه السلام) كذلك. وفي خبر مسعدة بن صدقة (2) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر ابن محمد عن أبيه (عليهما السلام) " صاحب الرحل يتوضأ أول القوم وآخر القوم بعد الطعام " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على استحباب البدأة والاختتام به. لكن في خبر الفضل بن يونس (3) قال: " لما تغدى عندي أبو الحسن (عليه السلام) وجئ بالطشت بدئ به، وكان في صدر المجلس، فقال: ابدأ بمن على يمينك، فلما أن توضأ واحد أراد الغلام أن يرفع الطشت، فقال: دعها، واغسلوا أيديكم فيها " وظاهره البدأة في الغسل الاول بمن على يمين الخادم، ويحتمل الغسل الاخير. وفي خبر محمد بن عجلان (4) عن الصادق (عليه السلام) " الوضوء قبل الطعام يبدأ بصاحب البيت لئلا يحتشم أحد، وإذا فرغ من الطعام بدأ بمن على يمين الباب، حرا كان أو عبدا ". وفي كشف اللثام " الظاهر موافقته لخبر الفضل، وأن يمين الباب هو يمين الخادم حين يدخل ". ونحوه المروي عن المحاسن (5) إلا أنه قال: " فإذا فرغ من الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل ".


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3 و 4. (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 7 - 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 51 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 456 ]

ويمكن أن يكون المستحب كيفيتين، أو أن البدأة بمن على يمين الباب الذي هو يمين الخادم حين يدخل إذا لم يكن صاحب المنزل جالسا أو غير ذلك، والامر سهل. ويستحب الدعاء لصاحب الطعام، وليختر ما كان يدعو به رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) " طعم عندكم الصائمون وأكل طعامكم الابرار وصلت عليكم الملائكة الاخيار ". { و } الحادي عشر { أن يجمع غسالة الايدي في إناء واحد } لخبر الفضل (2) السابق، وعن الصادق (عليه السلام) (3) " اغسلوا أيديكم في إناء واحد تحسن أخلاقكم ". وفي خبر عبد الرحمان المروي عن المحاسن (4) قال: " تغدينا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتي بالطشت، فقال: أما أنتم يا أهل الكوفة فلا تتوضؤون إلا واحدا واحدا، وأما نحن فلا نرى بأسا أن نتوضأ جماعة، قال: فتوضئنا جميعا في طشت واحد ". وفي خبر الوليد بن صبيح (5) قال: " تعشينا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ليلة جماعة فدعا بوضوء، فقال: تعالوا حتى نخالف المشركين الليلة، نتوضأ جميعا " ولعل المراد جميعا مترتبين. { و } الثاني عشر والثالث عشر { أن يستلقي الآكل بعد الاكل، ويجعل رجله اليمنى على رجله اليسرى } كما في خبر البزنطي (6) عن الرضا (عليه السلام) " إذا أكلت فاستلق على قفاك، وضع


(1) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 2 - 1 - 3 - 4. (6) الوسائل - الباب - 74 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1.

[ 457 ]

رجلك اليمنى على اليسرى ". ويستحب الاكل أيضا بثلاث أصابع أو بمجموعها، قال الصادق (عليه السلام) (1): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل بثلاث أصابع، ولا يفعل كما يفعل الجبارون، يأكل أحدهم باصبعيه ". وفي المرفوع (2) " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يستاك عرضا ويأكل هرتا، والهرت أن يأكل بأصابعه جميعا " (3). وليأكل أيضا مما يليه، قال الصادق (عليه السلام) (4): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أكل أحدكم فليأكل مما يليه ". وقال هو (عليه السلام) أيضا في حديث آخر (5): " ويأكل كل انسان مما يليه، ولا يتناول من قدام الآخر شيئا ". وقال (عليه السلام) أيضا (6): " إن لكل شئ حدا ينتهي إليه وما من شئ إلا وله حد، فأتي بالخوان فقيل: ما حده ؟ قال: حده: إذا وضع الرجل يده قال: بسم الله وإذا رفعها قال: الحمد لله، ويأكل كل انسان من بين يديه، ولا يتناول من قدام الآخر ". { ويكره الاكل متكئا } قال الصادق (عليه السلام) في خبر معاوية بن وهب (7): " ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 68 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2. (3) في الوسائل والوافي المجلد 3 - الجزء 11 - ص 64 " ويأكل هرثا، والهرث... " وفي الكافي ج 6 ص 297 " ويأكل هرتا، والهرت " كالجواهر، وتعرض لهذا الحديث في مجمع البحرين في مادة " هرث ". (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 66 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2 - 3. (7) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 1.

[ 458 ]

متكئا منذ بعثه الله إلى أن قبضه تواضعا لله عزوجل " ونحوه خبر المعلى ابن خنيس (1) عنه (عليه السلام) أيضا، لكن زاد " وكان يكره أن يتشبه بالملوك، ونحن لا نستطيع أن نفعل ". وسأله (عليه السلام) أيضا عثمان بن عيسى (2) " عن الرجل يأكل متكئا، قال: لا ولا منبطحا " إلى غير ذلك من النصوص. بل في خبر كليب (3) منها " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا قط ولا نحن ". لكن في خبر عمر بن أبي شعبة (4) وحماد بن عيسى (5) " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يأكل متكئا، ثم ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما أكل متكئا حتى مات ". وعن محمد بن مسلم (6) " أنه دخل على أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم وهو يأكل متكئا، قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره، فجعلت أنظر إليه، فدعاني إلى طعامه، فلما فرغ قال: يا محمد لعلك ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأته عين يأكل وهو متكئ مذ بعثه الله إلى أن قبضه، ثم رد على نفسه، فقال: لا والله ما رأته عين يأكل وهو متكئ منذ بعثه الله إلى أن قبضه، ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام منذ بعثه الله إلى أن قبض، ثم رد على نفسه، ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه، أما أني لا أقول إنه كان لا يجد،


(1) و (2) و (3) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 4 - 8 - 5 والثاني عن عثمان بن عيسى عن سماعة، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)... ". (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 10.

[ 459 ]

لقد كان يجيز الرجل الواحد المأة من الابل، فلو أراد أن يأكل لاكل، ولقد أتاه جبرئيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الارض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقص مما أعده الله له يوم القيامة شيئا فيختار التواضع لله - إلى أن قال -: وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد ويأكل أكلة العبد ويطعم الناس خبز البر واللحم يرجع إلى أهله فيأكل الخبز والزيت " الحديث. محمول (1) على بيان الجواز أو على اقتضاء الوقت ذلك أو غير ذلك. نعم لا بأس بوضع اليد على الارض حال الاكل، قال الصادق (عليه السلام) في خبر ابن الحجاج (2): " رآني عباد بن كثير البصري وأنا معتمد يدي على الارض فرفعها فأعدتها، فقال: يا أبا عبد الله إن هذا لمكروه، فقلت: لا والله ما هو بمكروه ". وفي خبر الفضيل بن يسار (3) " كان عباد البصري عند أبي عبد الله (عليه السلام) يأكل، فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) يده على الارض، فقال له عباد: أصلحك الله أما تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذا ؟ فرفع يده فأكل، ثم أعادها أيضا، فقال له أيضا، فرفعها ثم أكل، فأعادها فقال له عباد أيضا، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): والله ما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذا قط ". وعلى كل حال فالظاهر استثناء ذلك من الاتكاء لو قلنا بدخوله في


(1) هكذا في النسختين المخطوطتين، وفي العبارة تشويش، والصحيح " وهو محمول " أو أن يغير قوله (قده) فيما تقدم: لكن في خبر عمر بن أبي شعبة " هكذا " وما في خبر عمر بن أبي شعبة... ". (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 4 - 1.

[ 460 ]

مطلقه وفي المسالك احتمال إرادة بيان الجواز من هذه النصوص، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينه عنه نهي تحريم. ونحوه ما في الدروس " ويكره الاكل متكئا، والرواية بفعل الصادق (عليه السلام) ذلك لبيان جوازه، ولهذا قال: " ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا قط " وروى الفضيل بن يسار جواز الاتكاء على اليد عن الصادق (عليه السلام) وأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينه عنه مع أن في رواية أخرى لم يفعله، والجمع بينهما أنه لم ينه عنه لفظا وإن كان يتركه فعلا " وفيه أن الموجود في الخبر أنه صلى الله عليه وآله لم يأكل متكئا، لا متكئا على اليد. نعم يستحب كون الجلوس على الايسر لما عن الحسن بن علي (عليهما السلام) (1) " في المائدة إثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها، أربع منها فرض، وأربع منها سنة، وأربع منها تأديب، فأما الفرض فالمعرفة والرضا والتسمية والشكر، وأما السنة فالوضوء قبل الطعام، والجلوس على الجانب الايسر، والاكل بثلاث أصابع، ولعق الاصابع، وأما التأديب فالاكل مما يليك، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس ". ومنه يستفاد استحباب أمور أخر، ولا ينافي ما فيه من استحباب الجلوس على الايسر ما في غيره من النصوص (2) " أنه (صلى الله عليه وآله) كان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد ". وفي خبر آخر (3) عن الصادق (عليه السلام) قال أمير المؤمنين


(1) الوسائل - الباب - 112 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب آداب المائدة. (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 461 ]

(عليه السلام): " إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد، ولا يضعن إحدى رجليه على الاخرى ويتربع فانها جلسة يبغضها الله ويمقت صاحبها ". وفي كشف اللثام " قال الخطابي: الاتكاء هنا أن يقعد متمكنا مستويا جالسا، بل السنة أن يقعد عند الاكل مائلا إلى الطعام منحنيا، وقال ابن الاثير: المتكئ كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه، والتاء فيه بدل من الواو، وأصله من الوكأ، وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، قال: ومن حمل الاتكاء على الميل إلى أحد الشقين فأوله على مذهب الطب، فانه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا، ولا يسيغه هنيئا وربما تأذى به ". قلت: لعل الاتكاء في العرف غير ذلك، نعم الظاهر أن جلسة العبد عدم تمكنه من الجلوس، والله العالم. { و } يكره { التملي من الاكل } للنبوي (1) " ما ملا ابن آدم وعاء أشر من بطنه، فان كان ولابد فثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك " وقال الباقر (عليه السلام) (2): " ما من شئ أبغض إلى الله عزوجل من بطن مملوء " وقال الصادق (عليه السلام) (3): " إن البطن ليطغى من أكله، وأقرب ما يكون العبد من الله إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله إذا امتلا بطنه ".


(1) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 5 و 9 مع الاختلاف في اللفظ. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1.

[ 462 ]

ولاستلزام الامتلاء كثرة الاكل الذي استفاضت النصوص بكراهته قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1) وخبر الحسين بن المختار (2) ويونس بن عمار (3): " كثرة الاكل مكروه ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر أبي بصير (4) وخبر صالح (5): " إن الله يبغض كثرة الاكل ". وقال (عليه السلام) (6): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المؤمن يأكل في معاء واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء " إلى غير ذلك. بل لعله المراد من قوله تعالى (7): " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " خصوصا بعد ما ورد فيها (8) " إن الله تعالى قد جمع الطب في آية واحدة بقوله: كلوا واشربوا ولا تسرفوا ". وقال عمر بن إبراهيم (9): " سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لو أن الناس قصدوا في المطعم لاعتدلت أبدانهم ". وقال الصادق (عليه السلام) في خبر حفص بن غياث (10): " ظهر إبليس ليحيى بن زكريا (عليه السلام) وإذا عليه معاليق من كل شئ، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق ؟ فقال: هذه الشهوات التي أصيب بها ابن آدم، فقال: هل لي منها شئ ؟ فقال: ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة والذكر لله، قال: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 10 - 9 - 5 - 6 - 7 - 8 - والسادس عن عمرو بن ابراهيم. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 11 وفيه " ان البطن إذا شبع طغى " كما سيذكره قريبا، وليس للحسين في المقام خبر غيره. (7) سورة الاعراف: 7 - الآية 31. (8) مجمع البيان ذيل الآية 31 من سورة الاعراف.

[ 463 ]

وقال ابليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حفص الله على جعفر وآل جعفر أن لا يملؤوا بطونهم من طعام أبدا، ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يعملوا للدنيا " ومنه يستفاد كراهة الشبع أيضا. وقال الباقر (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة (1) والصادق (عليه السلام) في خبر ابن المختار (2): " إن البطن إذا شبع طغى ". وفي مرفوع علي بن حديد (3) " قام عيسى بن مريم خطيبا، فقال: يا بني اسرائيل لا تأكلوا حتى تجوعوا، وإذا جعتم فكلوا، ولا تشبعوا فانكم إذا شبعتم غلضت رقابكم وسمنت جنوبكم ونسيتم ربكم ". وفي خبر سلمان الفارسي (4) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة ". وقال الصادق (عليه السلام) (5): " ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل جائعا خائفا لله ". مضافا إلى الامر بالثلث في الاكل (6) بمعنى جعل ثلث بطنه للطعام والآخر للشراب والثالث للتنفس. وإلى إفضائه طول الجشاء الذي ورد فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (7) " إن أطولكم جشاء في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة ". وفي آخر (8) عن الصادق (عليه السلام) " سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا يتجشأ، فقال: يا عبد الله اقصر من


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 10 - 9 - 2. (2) و (6) في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 11 - 5. (7) و (8) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 3.

[ 464 ]

جشاءك، فان أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا ". وإلى ما في وصية علي (عليه السلام) لكميل (1) " يا كميل إذا أنت أكلت فطول أكلك يستوف من معك وترزق منه غيرك، يا كميل إذا استويت على طعامك فاحمد الله على ما رزقك، وارفع بذلك صوتك ليحمده سواك، فيعظم بذلك أجرك، يا كميل لا توقر معدتك طعاما، ودع فيها للماء موضعا، وللريح مجالا " المستفاد منه أحكاما أخر، إلى غير ذلك. وينبغي الاقتصار على الغداء والعشاء، وأن لا يأكل بينهما شيئا، فان فيه فساد البدن (2). قال الله تعالى (3): " لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ". نعم لا ينبغي ترك العشاء، فانه أول خراب البدن ومهرمته (4) بل من ترك ليلة السبت والاحد متواليين ذهب منه قوة لا ترجع إليه أربعين يوما (5) وأن في الجسد عرقا يقال له: العشاء يدعو على من ترك العشاء حتى الصبح (6) فلا ينبغي تركه ولو لقمة أو حشفة (7) والعشاء بعد العشاء الآخرة، فانه فعل النبيين والائمة المرضيين (عليهم السلام) (8).


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 4. (2) لما في الوسائل - الباب - 45 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (3) سورة مريم: 19 - الآية 62. (4) لما في الوسائل - الباب - 46 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 و 2. (5) و (6) لما في الوسائل - الباب 46 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 4 - 5. (7) لما في الوسائل - الباب - 46 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 8 والباب - 48 - منها - الحديث 3. (8) الوسائل - الباب - 47 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3 و 5.

[ 465 ]

بل { وربما كان الافراط حراما لما يتضمن من الاضرار } المحرم ولو ظنا، بل أو خوفا معتدا به. { و } على كل حال فمما ذكرنا يعلم أنه { يكره الاكل على الشبع } بل هو أولى بالنهي، وقال الصادق (عليه السلام) (1): " الاكل على الشبع يورث البرص " إلى غير ذلك. والفرق بين الشبع والتملي أن الشبع هو البلاغ في الاكل إلى حد لا يشتهيه، سواء امتلى منه بطنه أم لا، والتملي مل ء البطن وإن بقيت شهوته للطعام، كما يحكى ذلك عن معاوية بعد أن دعا النبي (صلى الله عليه وآله) عليه بذلك (2) وحينئذ فبينهما عموم وخصوص من وجه. ويكره أيضا رفع الجشاء إلى السماء، قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (3): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا تجشأتم فلا ترفعوا جشاءكم إلى السماء ". ونحوه آخر عن الباقر (عليه السلام) (4) عن النبي (صلى الله عليه وآله) وزاد " ولا إذا بزق، والجشاء نعمة من الله، فإذا تجشأ أحدكم فليحمد الله عليها ". { و } أما كراهة { الاكل باليسار } مع الاختيار فقد سمعت ما يدل عليه عند ذكر استحباب الاكل باليمين، بل قال سماعة (5): " سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأكل بشماله ويشرب بها، فقال: لا يأكل بشماله ولا يشرب بشماله ولا يتناول بها شيئا ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر جراح المدائني (6): " كره


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 3. (2) الغدير للاميني (ره) ج 8 ص 304 - 305. (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 4. (5) و (6) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2.

[ 466 ]

للرجل أن يأكل بشماله أو يشرب بها أو يتناول بها ". نعم ينبغي أن يستثنى العنب والرمان، لقول الصادق (عليه السلام) في خبر أيوب (1): " شيئان يؤكلان باليدين جميعا: العنب والرمان " ولعله على ذلك يحمل ما في خبر حماد بن عثمان (2) قال: " أكل أبو عبد الله (عليه السلام) بيساره وتناول بها " أو على بيان الجواز، أو على ما في خبر ابي العرندس (3) المروي عن قرب الاسناد " رأيت أبا الحسن (عليه السلام) بمنى وعليه نقبة ورداء وهو متكئ على جواليق سود على يمينه، فأتاه غلام اسود بصفح فيه رطب، فجعل يتناول بيساره، فيأكل وهو متكئ على يمينه، فحدثت بذلك رجلا من أصحابنا، فقال: حدثني سليمان بن خالد أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: صاحب هذا الامر كلتا يديه يمين ". أو على أن المراد غير أكل الرطبة والعنبة ونحوهما من الاكل باليسار ومتكئا، بل المراد الغداء والعشاء ونحوهما، والله العالم. { ويحرم الاكل على مائدة يشرب عليها شئ } من الخمر، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح هارون بن الجهم (4)، قال: " كنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة حين قدم على أبي جعفر فختن بعض القواد ابنا له وصنع طعاما ودعا الناس، وكان أبو عبد الله (عليه السلام) فيمن دعي، فبينا هو على المائدة يأكل ومعه عدة على المائدة، فاستسقى رجل منهم فأتي بقدح فيه شراب لهم، فلما أن صار القدح في يد الرجل قام أبو عبد الله (عليه السلام) عن المائدة، فسئل عن قيامه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 5 - 4 - 6 والثالث عن الحسين بن أبي العرندس. (4) الوسائل - الباب - 62 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1.

[ 467 ]

فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر ". وفي رواية أخرى (1) " ملعون من جلس طاعما على مائدة يشرب عليها الخمر ". وفي خبر جراح المدائني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأكل على مائدة يشرب عليها الخمر ". وفي الموثق (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقد " سئل عن المائدة إذا شرب عليها الخمر أو مسكر، فقال: حرمت المائدة، وسئل فان أقام رجل على مائدة منصوبة يأكل مما عليها ومع الرجل مسكر لم يسق أحدا ممن عليها بعد، فقال: لا تحرم حتى يشرب عليها، وإن وضع بعد ما يشرب فالوذج فكل، فانها مائدة أخرى، يعني كل الفالوذج ". بل في المتن وغيره { من المسكرات أو الفقاع } بل في كشف اللثام نسبته إلى الاصحاب، ولعله للموثق المزبور، أو بناء على أن الخمر اسم لكل مسكر، أو على الالحاق به، للقطع بعدم الخصوصية حتى في الفقاع الذي هو خمر مجهول واستصغره الناس. وفي كشف اللثام " أو لوجوب الانكار على شاربها، وأقله القيام عن المائدة والامتناع من حضورها " بل تعدى الفاضل إلى الاجتماع على اللهو والفساد، بل عن ابن ادريس " لا يجوز الاكل من طعام يعصى الله به ". ولكن في المسالك بعد أن حكى عن الفاضل وابن ادريس ذلك قال:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 62 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 2 - 3 وفي الاول " طائعا " بدل " طاعما " كما في الكافي - ج 6 ص 268. (3) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب الاشربة المحرمة الحديث 1.

[ 468 ]

" ولم نقف على مأخذه، والقياس باطل، وطريق الحكم مختلف، وعلل بأن القيام يستلزم النهي عن المنكر من حيث إنه إعراض عن فاعله وإهانة له، فيجب لذلك ويحرم تركه بالمقام عليها، وفيه نظر، لان النهي عن المنكر إنما يجب بشرائط من جملتها جواز التأثير، ومقتضى الروايات تحريم الجلوس والاكل حينئذ وإن لم ينه عن المنكر ولم يجوز تأثيره، وأيضا فالنهي عن المنكر لا يتقيد بالمقام، بل بحسب مراتبه المعلومة على التدريج وإذا لم يكن المقام من مراتبه لا يحرم فعله ". وفي كشف اللثام " وبالجملة يحرم الجلوس على مائدة يعصى الله عليها، بل حضور مجلس يعصى الله تعالى فيه، إلا أن يضطر إليه أو يقدر على إزالة المنكر، لوجوب إنكاره، ولان مجلس العصيان في معرض نزول العذاب بأهله، ويؤيده قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1): " ولا تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، فان العبد لا يدري متى يؤخذ ". وفيه ما لا يخفى، واحتمال ارادة حضور مطلق المجالس المنعقدة على المعاصي والمعدة لها من تلك النصوص - وإن ذكر فيها الخمر باعتبار غلبة استعماله في ذلك الوقت مع الغناء والرقص والضرب بالعود ونحوها مما هو شائع في تلك الازمنة - يدفعه عدم ظهور النصوص المزبورة بل والفتاوى فيه، بل يمكن دعوى ظهورهما خصوصا النصوص في غيره، ولا يبعد كون الحكم المزبور تعبديا لا يتعدى منه إلى غيره. نعم لو حصل مقتض للحرمة من وجه آخر فلا بأس بالقول بها، ولكن هي غير حرمة نفس المائدة بمجرد شرب شخص ممن هو عليها خمرا أو مسكرا التى هي المرادة من النص والفتوى.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 43.

[ 469 ]

وكذا يحرم استتباع ولده إذا دعي، قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1): " إذا دعي أحدكم إلى طعام فلا يستتبعن ولده، فانه إن فعل أكل حراما ودخل عاصيا " وعن البرقي روايته في المحاسن كذلك (2) إلا أنه رواه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعله موافق لقاعدة حرمة التصرف بمال الغير بغير إذنه، وكان حرمة أكله حينئذ - وإن كان مدعوا - باعتبار عدم العلم بالاذن له مع الحال المزبور نعم لو فرض فحوى تدل على ذلك لم يكن به بأس. وفي الدروس وغيرها كراهة استتباع المدعو إلى طعام ولده، وكأنه حمل الخبر المزبور عليها، ولكنه لا يخلو من نظر، لما عرفت. وكذا يحرم أكل طعام لم يدع إليه، لخبر الحسين بن أحمد المنقري عن خاله (3) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أكل طعاما لم يدع إليه فكأنما أكل قطعة من نار " وقد اعترف به في الدروس هنا معللا له بالرواية التي وجهها ما عرفته سابقا، فما عن بعض من الكراهة لا يخلو من نظر. وكذا يكره الاكل ماشيا إلا مع الضرورة، قال الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (4): " لا تأكل وأنت تمشي إلا أن تضطر إلى ذلك ". ولعل منها ما في خبر السكوني عنه (عليه السلام) أيضا (5) " خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الغداة ومعه كسرة قد غمسها في اللبن وهو يأكل ويمشي وبلال يقيم الصلاة، فصلى بالناس ".


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 63 - من أبواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2.

[ 470 ]

كما أن ما في خبر عبد الرحمان عنه (عليه السلام) أيضا (1) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا بأس أن يأكل الرجل وهو يمشي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك " محمول على بيان الجواز، إلى غير ذلك من النصوص المستفاد منها غير ذلك فعلا وتركا. (منها) ما استفاضت فيه من استحباب رفع ما سقط من الخوان وأكله ولو مثل السمسمة (2) ومن أنه شفاء من كل داء لمن أراد أن يستشفي به (3) وخصوصا داء الخاصرة (4) وينفي الفقر ويكثر الولد (5) ومهر الحور العين (6) نعم من أكل في الصحراء تركه للطير والسباع ولو فخذ شاة (7). و (منها) إذا أكل الثريد فليأكل من جوانبه دون رأسه وذروته فان الذروة فيها البركة، وتأتي منها البركة (8). و (منها) الابتداء بالملح والاختتام به، فانه يعافى من اثنين وسبعين نوعا من أنواع البلاء منها الجنون والجذام والبرص (9) وفي بعضها (10) " أيسرها الجذام " وفي ثالث (11) " أهونها الجنون والجذام والبرص ووجع الحلق والاضراس ووجع البطن " بل في آخر (12) " من افتتح طعامه بالملح ذهب عنه سبعون داء وما لا يعلمه إلا الله " و " لو يعلم الناس


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 76 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 0 - 3 - 1 - 4 - 7. (7) الوسائل - الباب - 72 - من أبواب آداب المائدة. (8) الوسائل - الباب - 65 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 و 2 و 7. (9) و (10) و (11) و (12) الوسائل - الباب - 95 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2 - 13 - 9.

[ 471 ]

ما في الملح لاختاروه على الترياق المجرب " (1) بل قال الصادق (عليه السلام) (2): " من ذر الملح على أول لقمة يأكلها استقبل الغنى " وفي آخر (3) " ذهب عنه نمش الوجه ". لكن في خبر اسماعيل بن جابر (4) عنه (عليه السلام) أيضا " إنا لنبدأ بالخل عندنا كما تبدأون بالملح عندكم، وإن الخل ليشد العقل " وفي خبر الديلمي (5) عنه (عليه السلام) أيضا " إن بني اسرائيل كانوا يستفتحون بالخل ويختمون به، ونحن نستفتح بالملح ونختم بالخل " وفي مرسل الصدوق عنه (عليه السلام) أيضا (6) " إن بني أمية يبدؤون بالخل في أول الطعام ويختمون بالملح، وإنا نبدأ بالملح في أول الطعام ونختم بالخل " وفي خبر الهمداني (7) " إن رجلا كان عند الرضا (عليه السلام) بخراسان فقدمت إليه مائدة عليها خل وملح فافتتح بالخل، قال الرجل: جعلت فداك أمرتمونا أن نفتتح بالملح، فقال (عليه السلام): هذا مثله - يعني الخل - وأن الخل يشد الذهن ويزيد في العقل ". وفي الدروس " ويستحب البدأة بالملح والختم به، وروي الختم بالخل " وفى الوسائل " ويأتي ما يدل على استحباب الافتتاح بجملة من الاطعمة والاختتام بها، فيجمع بينها وبين ما تقدم إما باستحباب الجمع أو بالتخيير أو بحمل أحاديث الملح على الابتداء الحقيقي لكثرتها وشهرتها وصراحتها وما عداها على الابتداء الاضافي، وكذا الختم ".


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 95 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3 - 15 - 5 وفي الثالث " بنمش الوجه " وهو بالتحريك نقط بيض وسود. (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 96 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 3 - 4 - 2.

[ 472 ]

" ولدغت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقرب، فقال لها لعنك الله ما تبالين مؤمنا آذيت أو كافرا، ثم دعا بملح فوضعه على موضع اللدغة ثم عصره بابهامه حتى ذاب (1) - وفي خبر آخر (2) " فدلكه فهدأت - ثم قال: لم يعلم الناس ما في الملح ما احتاجوا معه إلى ترياق ". و " الطعام إذا جمع ثلاث خصال فقد تم: إذا كان من حلال وكثرت الايدي عليه وسمي في أوله وحمد الله في آخره " (3). و " ما من رجل يجمع عياله ويضع مائدته فيسمون في أول طعامهم ويحمدون في آخره فترفع المائدة حتى يغفر لهم " (4). و " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل كل الاصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحل الله له مع أهله وخدمه إذا أكلوا، ومع من يدعوه من المسلمين على الارض، وعلى ما أكلوا عليه، وما أكلوا إلا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه " (5). و " كان الرضا (عليه السلام) إذا خلا ونصب مائدته جلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس، ولا يدع صغيرا ولا كبيرا منهم، حتى أن رجلا من أهل بلخ قال له يوما: لو عزلت لهؤلاء السودان مائدة، فقال له: مه، إن الله تبارك وتعالى واحد والام واحدة والاب واحد " (6). و " من حق المسلم على المسلم أن يجيبه إذا دعاه ولو على خمسة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 4. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2 - 3 - 6. (6) اقتبس (قده) ذلك من الروايات المروية في الوسائل في الباب - 13 - من أبواب آداب المائدة الحديث 3 - 2 - 1.

[ 473 ]

أميال، فان ذلك من الدين " و (1) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيب الدعوة " (2) و " أن من أعجز العجز رجلا دعاه أخوه إلى طعامه فتركه من غير علة " (3). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لو أن مؤمنا دعاني إلى طعام ذراع شاة لاجبته، وكان ذلك من اللين (من الدين خ ل) ولو أن مشركا أو منافقا دعاني إلى جزور ما أجبته، وكان ذلك من الدين " (4). وفي حديث المناهي (5) " نهى عن إجابة الفاسقين إلى طعامهم " وقال (صلى الله عليه وآله) في وصيته لابي ذر (6): " لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تأكل طعام الفاسقين، يا أبا ذر أطعم طعامك من تحبه في الله، وكل طعام من يحبك في الله ". وقال الصادق (عليه السلام) (7): " أجب في الوليمة والختان ولا تجب في خفض الجواري ". و " إذا دخل عليك أخوك فاعرض عليه الطعام، فان لم يأكل فاعرض عليه الماء، فان لم يشرب فاعرض عليه الوضوء " (8) و " المؤمن لا يحتشم من أخيه، وما أدري أيهما أعجب ؟ الذي يكلف أخاه إذا دخل


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 6 - 9. (4) و (5) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2. (6) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 4. (7) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (8) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 474 ]

عليه أو المتكلف لاخيه " (1). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2): " من تكرمة الرجل لاخيه أن يقبل تحفته ويتحفه بما عنده، ولا يتكلف له شيئا، ولا أحب المتكلفين ". و " كفى بالمرء إثما أن يستقل ما يقرب إلى إخوانه، وكفى بالقوم إثما أن يستقلوا ما يقر به إليهم أخوهم " (3). نعم قال الصادق (عليه السلام) (4): " إذا أتاك أخوك فاته بما عندك، فإذا دعوته فتكلف له " و " تعرف مودة الرجل لاخيه بكثرة أكله من طعامه " (5). و " إذا دخل الرجل بلدة فهو ضيف على من بها من إخوانه وأهل دينه حتى يرحل عنهم " (6). و " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " (7). و " من حقه أن يعد له الخلال " (8) و " الضيف يلطف به ليلتين، وإذا كان الليلة الثالثة فهو من أهل البيت يأكل ما أدرك " (9). بل " الضيافة أول يوم حق والثاني والثالث، وما كان بعد ذلك فهو صدقه " (10).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2. (5) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 و 7. (6) الوسائل الباب - 25 من أبواب آداب المائدة الحديث 1. (7) و (8) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 3. (9) و (10) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2 .

[ 475 ]

ولا ينبغي النزول عند من لا يكون عنده ما ينفق عليه (1) كما أنه لا ينبغي خدمة الضيف فضلا عن استخدامه (2). و " إذا دخل الضيف دخل بالرزق الكثير، وإذا خرج خرج بالمغفرة " (3) بل " ما من ضيف حل بقوم إلا ورزقه في حجره " (4). وينبغي أكل المضيف مع ضيفه وأن يكون أول من يضع يده وآخر من يرفعها (5). ومن حق الضيف إعداد الخلال له (6) لانه يستحب التخلل، وقد " نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخلال والسواك والحجامة " (7). والتخلل يطيب الفم وينقيه، ومصلحة اللثة والنواجد ومجلبة للرزق (8). لكن نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن التخلل بالرمان والآس والقصب، وقال: إنهن يحركن عرق الآكلة (9) " ونهي أبو الحسن (عليه السلام) عن التخلل بعود الريحان وقضيب الرمان، لانهن يهيجان عرق الجذام " (10). بل عن الصادق (عليه السلام) (11):


(1) لما في الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب آداب المائدة. (3) و (4) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 3. (5) لما في الوسائل - الباب - 41 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (6) لما في الوسائل - الباب - 40 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (7) الوسائل - الباب - 104 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3. (8) يستفاد هذه الآثار من الروايات المروية في الوسائل في الباب - 104 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 و 4 و 5 و 7. (9) و (10) و (11) الوسائل - الباب - 105 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 5 - 6 - 2.

[ 476 ]

" من تخلل بالقصب لم تقض له حاجة ستة أيام ". وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يتخلل بكل ما أصاب ما خلا الخوص والقصب (1). وقال (عليه السلام) أيضا (2): " لا يزدردن أحدكم ما يتخلل به، فانه يكون منه الديبلة " وهي داء في الجوف، وسئل أيضا (3) " عن اللحم الذي يكون في الاضراس، فقال: أما ما كان في مقدم الفم فكله، وما كان في الاضراس فاطرحه ". لكن قال الفضل بن يونس (4): " تغدى عندي أبو الحسن (عليه السلام)، فلما أن فرغ من الطعام أتي بالخلال، فقلت: جعلت فداك ما حد هذا الخلال ؟ فقال: يا فضل كل ما بقي في فمك فما أدرت عليه لسانك فكله، وما استكن فاخرجه بالخلال، وأنت فيه بالخيار إن شئت أكلته وإن شئت طرحته ". قلت: لعل المدار على الوصول إلى حد الاستخباث وعدمه. وينبغي إكرام (الخبز) الذي لولاه لم يصل الناس ولم يصوموا، ولم يؤدوا فريضة من فرائض الله (5) وقد عمل فيه ما بين العرش إلى الارض، وما فيها من كثير خلقه (6) ومن إكرامه أن لا ينتظر به غيره إذا وضع (7)، ولا يوطأ ولا يقطع (8) ولا يوضع تحت القصعة، بل


(1) الوسائل - الباب - 105 - من ابواب آداب المائدة - الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 106 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 4 - 3 - 2. (5) وهذا مضمون ما رواه في الوسائل في الباب 6 من أبواب مقدمات التجارة - الحديث 6 من كتاب التجارة. (6) الوسائل - الباب - 79 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (7) الوسائل - الباب - 83 - من أبواب آداب المائدة. (8) الوسائل - الباب - 84 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2.

[ 477 ]

هو مكروه (1) كالقطع بالسكين (2) والشم كشم السباع (3) واحصاؤه فانه يحصي على من أحصاه. لكن في المرفوع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا لم يكن له أدم يقطع الخبز بالسكين " وفي آخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا " أدنى الادم قطع الخبز بالسكين " وحمل على الضرورة. ومن وجد كسرة فأكلها كانت له حسنة، ومن وجدها في قذر فغسلها ثم رفعها كانت له سبعين حسنة (6) وقد دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عائشة فرأى كسرة كادت أن تطأها فأخذها فأكلها، ثم قال: يا حميرا " أكرمي جوار نعم الله عليك، فانها لم تنفر من قوم فكادت تعود إليهم " (7). و " دخل أبو جعفر الباقر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج قال للمملوك: أين اللقمة ؟ قال: أكلتها يا ابن رسول، فقال: أما إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب فأنت حر لوجه الله، فاني أكره أن استخدم رجلا من


(1) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب آداب المائدة. (2) الوسائل - الباب - 84 - من ابواب آداب المائدة. (3) الوسائل - الباب - 85 - من أبواب آداب المائدة الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 84 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 3 - 4. (6) و (7) الوسائل - الباب - 77 - من أبواب آداب المائدة الحديث 3 - 4.

[ 478 ]

أهل الجنة " (1). وقصة الثرثار (2) معلومة ذكرناها في كتاب الطهارة (3). وقد أعطى دانيال صاحب معبر رغيفا لان يعبر به، فرماه وقال: ما أصنع بهذا، عندنا قد يداس بالارجل، فرفع يده دانيال، فقال: أللهم أكرم الخبز فقد رأيت يا رب ما صنع الرجل وما قال، فأوحى الله إلى السماء أن تحبسي الغيث، وأوحى إلى الارض أن كوني طبقا كالفخار فلم يمطروا وبلغ من أمرهم أن يأكل بعضهم بعضا، فلما بلغ ما أراد الله تعالى من ذلك قالت امرأة لاخرى ولهما ولدان: يا فلانة تعالي نأكل أنا وأنت اليوم ولدي، وإذا كان غدا أكلنا ولدك، قالت لها: نعم، فأكلناه فلما جاء غد امتنعت عليها الاخرى، فقالت لها: بيني وبينك نبي الله دانيال فاختصمتا إليه، فقال لهما: وقد بلغ الامر إلى ما أرى ؟ قالتا له: نعم وأشد، فرفع يده إلى السماء ودعا لهم، فانكشف عنهم ما كانوا فيه " الحديث (4). وقال الرضا (عليه السلام) في خبر يعقوب بن يقطين (5): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): صغروا رغفانكم، فان مع كل رغيف بركة " وقال يعقوب بن يقطين (6): " رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يكسر الرغيف إلى فوق " الحديث. وفضل (خبز الشعير) كفضل الائمة (عليهم السلام) على الناس


(1) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب أحكام الخلوة - الحديث 1 من كتاب الطهارة. (2) رواها في الوسائل - الباب - 40 - من أبواب أحكام الخلوة - الحديث 1 من كتاب الطهارة. (3) راجع ج 2 ص 50. (4) الوسائل - الباب - 79 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1. (5) و (6) الوسائل - الباب - 86 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 1 - 2.

[ 479 ]

وما من نبي إلا وقد دعا لآكل الشعير وبارك عليه، وما دخل جوفا إلا وأخرج كل داء فيه، وهو قوت الانبياء وطعام الابرار، وأبى الله أن يجعل قوت أنبيائه إلا شعيرا (1). وما دخل في جوف المسلول شئ أنفع له من خبز الارز (2) وليطعم المبطون. فانه يدبغ المعدة ويسل الداء سلا (3). ونعم القوت (السويق) يمسك الجائع ويهضم طعام الشبعان ولو كان رؤوسا (4) وقد عمل بالوحي من السماء (5) وهو طعام النبيين (6) وينبت اللحم ويشد العظم (7) وخصوصا إذا شرب بالزيت، فانه حينئذ يرق البشرة ويزيد في الباه (8) والسويق الجاف يذهب بالبياض (9) أي البرص وثلاث راحات منه على الريق ينشف البلغم والمرة حتى لا يكاد يدع شيئا (10) وقال الصادق (عليه السلام) (11): " السويق يجرد المرة والبلغم من المعدة جردا، ويدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء " وإذا لت السويق لم ينفع لاطفاء الحرارة وتسكين المرة (12) ومن شرب السويق أربعين صباحا امتلا كتفاه قوة (13) وقال أبو الحسن الماضي (عليه السلام) (14): " السويق إذا غسلته سبع مرات وقلبته من إناء إلى إناء آخر فهو يذهب


(1) روى ذلك في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (2) و (3) روى ذلك في الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3. (4) روى ذلك في الوسائل في الباب - 4 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 و 8. (5) و (6) و (7) و (11) و (13) روى ذلك في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 4 - 2 - 6 - 7. (8) و (9) و (10) و (12) و (14) روى ذلك في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 3 - 1 - 4 - 2.

[ 480 ]

بالحمى وينزل القوة في الساقين والقدمين ". و (سويق الشعير) ينفع للبرسام (1) و (العدس) يقطع العطش ويقوي المعدة، وفيه شفاء من سبعين داء، ويطفئ الصفراء، وينظف الجوف، وكان الصادق (عليه السلام) لا يفارقه إذا سافر، وإذا هاج الدم بأحد من حشمه قال: إشرب من سويق العدس، فانه يسكن هيجان الدم، ويطفئ الحرارة (2) وإن جارية أصابتها استحاضة لم تنقطع عنها حتى أشرفت على الموت فأمر أبو جعفر (عليه السلام) أن تسقى سويق العدس، فسقيت فانقطع عنها وعوفيت (3). و (سويق التفاح) يقطع الرعاف (4) بل قال الصادق (عليه السلام) (5): " ما أعرف للمسموم دواء أنفع من سويق التفاح " وعن ابن يزيد (6) قال: " كنا إذا لسع بعض أهل الدار حية أو عقرب قال: اسقوه سويق التفاح ". وسيد الادم والطعام في الدنيا والآخرة (اللحم) (7) وهو سيد أدم أهل الجنة (8) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحما يحب اللحم (9) وقال (صلى الله عليه وآله): " إنا معاشر قريش قوم


(1) روى ذلك في الوسائل في الباب - 7 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (2) و (3) روى ذلك في الوسائل في الباب - 8 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 وفي الاول " يبرد الجوف " بدل " ينظف الجوف ". (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 92 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 3. (7) روى ذلك في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 و 2. (8) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3. (9) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 1.

[ 481 ]

لحمون " (1) وترك أبو جعفر (عليه السلام) ثلاثين درهما للحم يوم توفي وكان رجلا لحما (2). ومن ترك اللحم أربعين يوما ساء وتغير خلقه وبدنه، ومن ساء خلقه فأذنوا في أذنه (3) وليستقرض على الله وليأكله (4) واللحم ينبت اللحم، والسمك يذيب الجسد (5) والدبى يزيد في الدماغ (6) وكثرة أكل البيض تزيد في الولد (7) وما استشفى مريض بمثل العسل (8) ومن أدخل جوفه لقمة شحم أخرجت مثلها من الداء (9). وما ورد من قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الله يبغض البيت اللحم واللحم السمين " يراد منه البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس، واللحم السمين المتبختر المختال في مشيته (10). نعم في خبر عبد الرحمان العرزمي (11) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان علي (عليه السلام) يكره إدمان اللحم، ويقول: له ضراوة كضراوة الخمر " وسأله (عليه السلام) الساباطي أيضا (12) عن شراء اللحم، فقال: " في كل ثلاث، فقال له: لنا أضياف وقوم ينزلون


(1) و (2) و (10) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 2 - 6. (3) و (4) روى ذلك في الوسائل في الباب - 12 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3. (5) روى ذلك في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 7. (6) روى ذلك في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 43. (7) روى ذلك في الوسائل في الباب - 39 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5. (8) روى ذلك في الوسائل في الباب - 49 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (9) روى ذلك في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (11) و (12) الوسائل الباب - 17 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 5.

[ 482 ]

بنا، وليس يقع منهم موقع اللحم شئ، فقال: في كل ثلاث، قلت: لا نجد شيئا أحضر منه، ولو استدموا (استأدموا خ ل) بغيره لم يعدوه شيئا، فقال: في كل ثلاث " وقال (عليه السلام) أيضا (1): " كل يوما بلحم ويوما بلبن ويوما بشئ آخر ". لكن قال (عليه السلام) أيضا (2): " ما ترك أبي إلا سبعين درهما حبسها للحم، إنه كان لا يصبر عن اللحم " وقال زرارة (3): " تغديت مع أبي جعفر (عليه السلام) خمسة عشر يوما في شعبان كل يوم بلحم، ما رأيته صام فيها يوما واحدا " فعلم من ذلك اختلاف الوجوه فيه. وعلى كل حال فأطيب اللحم (لحم الضأن) ولو علم الله خيرا منه لفدى به إسماعيل (عليه السلام) (4) والاولى أكل الذراع منه والكتف واجتناب الورك (5) وإن كان هو على كل حال أطيب من غيره. نعم (لحم البقر) يذهب بالبياض خصوصا مع السلق (6) كما أن شحمها يخرج مثله من الداء (7). وأطيب (لحم الطير) لحم فرخ قد نهض أو كاد أن ينهض (8) والاوز جاموس الطير، والدجاج خنزيره، والدراج حبشه (9). ولكن من سره أن يقل غيضه فليأكله، أي لحم الدراج (10)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 6 - 1 - 3. (4) لما رواه في الوسائل في الباب - 13 - من أبواب الاطعمة المباحة. (5) لما رواه في الوسائل في الباب - 24 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) لما رواه في الوسائل في الباب - 14 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 1. (7) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3. (8) و (9) لما رواه في الوسائل في الباب - 16 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 1. (10) لما رواه في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 3.

[ 483 ]

ويطعم المحموم لحم القباج، فانه يقوي الساقين ويطرد الحمى طردا (1) ولحم القطاة مبارك وينفع مشويه لليرقان (2). وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يؤكل اللحم غريضا (3) أي نيا، والقديد لحم سوء يسترخي المعدة ويهيج كل داء، ولا ينفع من شئ بل يضر (4) ولا أهيج للداء منه (5) وشيئان صالحان لم يدخلا جوفا فاسدا إلا أصلحاه، وشيئان فاسدان لم يدخلا قط جوفا صالحا إلا أفسداه، فالصالحان الرمان والماء الفاتر، والفاسدان الجبن والقديد (6) بل أكل الغاب منه - أي المنتن - يهدم البدن وربما قتل، كدخول الحمام على البطنة ونكاح العجائز وغشيان النساء على الامتلاء (7) واللحم باللبن الحليب يشدان الجسم (8). وأحب الطعام إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (النارباجة) (9) وهو مرق الرمان معرب، كما أن (السكباج) - الذي قال الشحام: " دخلت على الصادق (عليه السلام) وهو يأكله بلحم البقر " (10) - مرق الخل معرب. وقال الصادق (عليه السلام) (11): " ما شئ أحب إلي من


و (1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 89 - من أبواب آداب المائدة - الحديث 2. (4) و (5) و (6) و (7) لما رواه في الوسائل في الباب - 23 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 1 - 3 - 4. (8) لما رواه في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (9) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5. (10) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (11) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 و 1. .

[ 484 ]

الثريد، ولم أجد أوفق منه، ولوددت أن الاسفاناجات حرمت " وهو المرق الابيض الذي ليس فيه حموضة. وأكل (اللحم كبابا) - أي مشويا - يذهب الضعف والحمى (1). و (الرأس من الشاة) موضع الذكاة وأقرب من المرعى وأبعد من الاذى (2). وإدمان أكل (السمك) الطرى يذيب الجسد وشحم العينين (3) نعم لا بأس بأكله بعد الحجامة سكباجا ومشويا معه ملح (4) بل لا بأس بأكله في بعض الاوقات بخبز أو غير خبز (5) ولكن لا يبيت وفي جوفه سمك لم يتبعه بتمرات أو عسل وإلا لم يزل عرق الفالج يضرب عليه حتى يصبح (6). وأكل (البيض) يذهب بقرم اللحم وليست له غائلته (7) أي أذاه، وكثرة أكله خصوصا بالبصل يزيد في الولد (8) ولكن مخه - أي صفاره - خفيف وبياضه ثقيل (9). و (الهريسة) ينشط للعبادة أربعين يوما وهي المائدة التي أنزلت


(1) لما رواه في الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاطعمة المباحة. (2) كما رواه في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الاطعمة المباحة. (3) لما رواه في الوسائل في الباب - 37 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 و 3. والباب - 38 - منها - الحديث 10. (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 و 5. (5) و (6) لما رواه في الوسائل - الباب - 36 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3. (7) و (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 6 - 4.

[ 485 ]

على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) وتدفع الضعف وقلة الجماع (2). و (الجبن) داء لا دواء فيه، لكنه نافع بالعشي ويزيد في ماء الظهر (3) وهو والجوز إذا اجتمعا في كل واحد منهما شفاء وإذا افترقا كان في كل واحد منهما داء (4) وقال الصادق (عليه السلام) (5): " نعم اللقمة الجبن تعذب الفم وتطيب النكهة وتهضم ما قبله، وتشهي الطعام، ومن تعمد أكله رأس الشهر أو شك أن لا ترد له حاجة ". وأكل (الجوز) في شدة الحر يهيج الحر في الجوف ويهيج القروح على الجسد، وأكله في الشتاء يسخن الكليتين ويدفع البرودة (6). ونعم الطعام (الارز) يوسع الامعاء ويقطع البواسير، وأن أهل العراق يغبطون عليه (7) وكانوا (عليهم السلام) يدخرونه للتداوي من وجع البطن وغيره (8). و (الحمص) المطبوخ يؤكل قبل الطعام وبعده (9) وهو جيد لوجع الظهر (10) وبارك عليه سبعون نبيا (11).


(1) و (2) لما رواه في الوسائل في الباب - 32 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (3) لما رواه في الوسائل - الباب 62 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (4) لما رواه في الوسائل - الباب - 63 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 64 - من أبواب - الاطعمة المباحة الحديث 1. (6) لما رواه في الوسائل - الباب - 65 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (7) لما رواه في الوسائل - الباب - 66 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (8) كما رواه في الوسائل - الباب - 66 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 و 5 و 7. (9) و (10) و (11) لما رواه في الوسائل - الباب - 67 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 4.

[ 486 ]

وأكل (العدس) يرقق القلب ويسرع الدمعة (1) بل قد روي أنه بارك عليه سبعون نبيا (2) لكن في خبر محمد بن المفيض (3) " أكلت عند أبي عبد الله (عليه السلام) مرقة بعدس، فقلت: جعلت فداك إن هؤلاء يقولون: إن العدس قدس عليه ثمانون نبيا، فقال: كذبوا ولا عشرون نبيا ". وأكل (الباقلاء) يمخخ الساقين ويزيد في الدماغ ويولد الدم الطري (4) وبقشره تدبغ المعدة (5). و (اللوبيا) تطرف الرياح المستبطنة (6). وطبخ (الماش) وتحسيه يدفع البهق وكذا جعله في الطعام (7). و (التمر) حلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) (8) وما قدم إليه طعام فيه تمر إلا بدأ بالتمر (9) وأن فيه شفاء الادواء (10) ومن أكله على شهوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياه لم يضره (11) وقال سليمان بن جعفر الجعفري (12): " دخلت على أبي الحسن الرضا


(1) و (2) لما رواه في الوسائل - الباب - 68 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 6. (3) الوسائل - الباب - 68 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 عن محمد بن الفيض وهو الصحيح كما في الكافي ج 6 ص 343. (4) و (5) لما رواه في الوسائل - الباب - 69 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3. (6) و (7) لما رواه في الوسائل - الباب - 70 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 1 - 2. (8) و (9) و (10) و (11) كما رواه في الوسائل - الباب - 72 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 6 - 4 - 13 - 11. (12) الوسائل في الباب - 73 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 3.

[ 487 ]

(عليه السلام) وبين يديه تمر برني، وهو مجد في أكله بشهوة، فقال: يا سليمان أدن فكل، فدنوت فأكلت معه وأنا أقول له: جعلت فداك إني أراك تأكل هذا التمر بشهوة، فقال: نعم إني لاحبه، قلت: ولم ؟ قال: لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان تمريا، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) تمريا، وكان الحسن (عليه السلام) تمريا، وكان أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) تمريا، وكان سيد العابدين (عليه السلام) تمريا، وكان أبو جعفر (عليه السلام) تمريا، وكان أبو عبد الله (عليه السلام) تمريا، وكان أبي (عليه السلام) تمريا، وأنا تمري، وشيعتنا يحبون التمر لانهم خلقوا من طينتنا وأعداؤنا يا سليمان يحبون المسكر، لانهم خلقوا من مارج من نار ". وخير التمور (البرني) فانه يذهب بالداء ولا داء فيه، ويذهب بالاعياء ويشبع ويذهب بالبلغم، ومع كل تمرة حسنة (1) ويطيب النكهة والمعدة، ويهضم الطعام، ويزيد في السمع والبصر، ويقوي الظهر، ويزيد في مائه، ويخبل الشيطان، ويباعد منه، ويقرب من الله (2) ويهنئ ويمرئ (3) وشرب الماء عليه يدفع اليبوسة، كما أنه بدونه يدفع الرطوبة (4). بل لعل جميع التمر كذلك. و (العجوة) أم التمر، وهي التي أنزلها الله لآدم من الجنة (5) وحملها معه نوح في السفينة (6) ومن تصبح بتمرات منها لم يضره ذلك


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 73 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 12 - 8. (2) لما رواه في الوسائل - الباب - 73 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 6 و 7. (5) روى ذلك في الوسائل في الباب - 74 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) روى ذلك في الوسائل في الباب - 74 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 7 عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إن الذى حمل نوح معه في السفينة من النخل العجوة والعذق ".

[ 488 ]

اليوم سم ولا سحر (1) فنعم التمر هي لا داء ولا غائلة (2). و (الصرفان) هو العجوة أو منها (3) ولذا ورد فيه أنه سيد تموركم (4) ونعم التمر لا داء ولا غائلة (5) وفيه شفاء (6). ومن أكل في كل يوم سبع تمرات عجوة على الريق من تمر العالية لم يضره سم ولا سحر ولا شيطان (7) ومن أكل سبع تمرات عجوة عند منامه قتلت الديدان في بطنه (8). وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحب (العنب) (9) ويعجب علي بن الحسين (عليهما السلام) (10) ويذهب الغم وخصوصا الاسود منه (11) والرازقي منه أحد الخمسة التي نزلت من الجنة: الرمان الامليسي والتفاح الشيقان والسفرجل والعنب الرازقي والرطب المشان (12). وإن لكل ثمرة سما فإذا أتي بها فلتمس بالماء ولتغمس فيه (13). و (الزبيب) وخصوصا الطائفي يكشف المرة، ويشد القلب، ويطفئ الحرارة، ويذهب بالبلغم، ويشد العصب، ويذهب بالاعياء، ويحسن


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) روى ذلك في الوسائل - الباب - 74 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 6 - 9 - 11 - 11 - 10. (4) روى في الوسائل - الباب - 75 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (7) و (8) الوسائل - الباب - 77 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (9) و (10) لما رواه في الوسائل - الباب - 82 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 1. (11) الوسائل - الباب - 83 - من أبواب الاطعمة المباحة. (12) الوسائل - الباب - 79 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (13) الوسائل - الباب - 80 - من أبواب الاطعمة المباحة.

[ 489 ]

الخلق، ويطيب النفس، ويذهب بالسقم (1) ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء على الريق لم يمرض إلا مرض الموت (2). و (الرمان) سيد الفاكهة التي هي مائة وعشرون لونا (3) يشبع الجائع ويمرئ الشبعان (4) وأكل حبة منه تمرض شيطان الوسوسة أربعين صباحا (5) وكان أبو عبد الله (عليه السلام) يأكل الرمان كل ليلة جمعة (6) ومن أكل رمانة أنارت قلبه ورفعت عنه الوسوسة أربعين صباحا (7) بل ليس من حبة تقع منه في المعدة إلا فعلت ذلك (8) وينقي الافواه (9) ويزيد في ماء الرجل (10) ويسرع في شباب الصبيان (11) وليس من حبة من الحلو منه تقع في معدة مؤمن إلا أبادت داء، وأذهبت شيطان الوسوسة (12) وأكل الرمان الحلو يزيد في ماء الرجل ويحسن الولد (13) وبشحمه تدبغ المعدة دبغا، وينفي الحمة، ويهضم الطعام، ويسبح في الجوف (14) بل أكل كل الرمان (رمان خ ل) بشحمه يدبغ المعدة ويزيد


(1) الوسائل - الباب - 84 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 و 3 وفيه " بالغم " بدل " بالسقم " كما أنه ليس فيه " ويشد القلب ويطفئ الحرارة " وهذه الجملة موجودة في رواية المحاسن التي رواها في البحار ج 66 ص 152. (2) الوسائل - الباب - 98 - من أبواب آداب المائدة. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10) و (11) لما رواه في الوسائل في الباب - 85 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 3 - 4 - 5 - 7 - 10 - 12 - 13 - 14 (12) و (13) لما رواه في الوسائل - الباب - 86 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (14) الوسائل - الباب - 87 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 10 - وفيه " ويشفى التخمة " بدل " وينفى الحمة ".

[ 490 ]

في الذهن (1) وخصوصا المزمنة (2) ويذهب الحفر، وطيب النفس (3) ومن أكل رمانا عند منامه فهو آمن من نفسه إلى أن يصبح (4) ودخان شجر الرمان ينفى الهوام (5). و (التفاح) نضوح المعدة (6) ويطفئ الحرارة، ويبرد الجوف، ويذهب الحمى والوباء (7) ومن شمه وأكله خرج من جسده كل داء وغائلة وعلة، وسكن ما يوجد من قبل الارواح كلها (8) وينفع من السحر والسم واللمم والبلغم الغالب، وليس شئ أسرع منه منفعة (9) وليطعم المحموم التفاح، فما من شئ أنفع منه ولو يعلم الناس ما في التفاح ما داووا مرضاهم إلا به (10) بل الاخضر منه الذي يكرهونه الناس يقلع الحمى ويسكن الحرارة (11) ويدفع الوباء ويرفعه (12). نعم الحامض منه أحد التسعة التي يورث أكلها النسيان (13) وهي الكزبرة، والجبن وسؤر الفأرة، وقراءة كتابة القبور، والمشي بين امرأتين، وطرح القملة والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد (14)


(1) و (2) و (3) و (4) لما رواه في الوسائل - الباب - 87 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 7 - 9. (5) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) و (7) و (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 89 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 4 - 5 - 2. (10) و (11) و (12) لما رواه في الوسائل - الباب - 90 - من أبواب الاطعمة المباحة الحديث 4 - 1 - 7. (13) هكذا في النسختين المخطوطتين المسودة والبيضة، والصحيح " نعم أكل الحامض منه أحد التسعة التي يورث النسيان ". (14) كما رواه في الوسائل - الباب - 91 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1.

[ 491 ]

و (السفرجل) يقوي القلب (1) ويسخي البخيل ويشجع الجبان (2) ويصفي اللون ويحسن الولد (3) ويطيب المعدة ويذكي الفؤاد (4) ويذهب بطخاء الصدر (5) ويجم الفؤاد (6) ويدبغ المعدة (7) ويزيد في العقل والمروءة (8) ومن أكل سفرجلة على الريق طاب ماؤه وحسن ولده (9) بل من أكل سفرجلة أنطق الله الحكمة على لسانه أربعين صباحا (10) ويذهب بهم الحزين كما تذهب اليد بعرق الجبين (11) وما بعث الله عزوجل نبيا إلا ومعه رائحة السفرجل وأكل منه (12) ومن أكل السفرجل ثلاثة أيام على الريق صفا ذهنه، وامتلا جوفه حلما وعلما، ووقي من كيد إبليس وجنوده (13). و (التين) أشبه شئ بنبات الجنة، يذهب بالبخر، ويشد العظم وينبت الشعر، ويذهب الداء، ولا يحتاج معه إلى دواء (14). و (الكمثرى) يجلو القلب، ويسكن أوجاع الجوف باذن الله تعالى (15) ويدبغ المعدة ويقويها، وهو والسفرجل سواء، وهو على الشبع أنفع منه على الريق، ومن أصابه طخاء - أي كرب على قلبه - فليأكله على الطعام (16).


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10) و (11) لما رواه في الوسائل في الباب - 93 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 1 - 10 - 4 - 9 - 12 - 16 - 17 - 11 - 2 - 8. (12) راجع الوسائل - الباب - 93 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 7 والمستدرك - الباب - 69 - منها - الحديث 5 و 12. (13) لما رواه في الوسائل - الباب - 94 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (14) الوسائل - الباب 95 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (15) و (16) لما رواه في الوسائل - الباب - 96 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2.

[ 492 ]

وأن (الاجاص) الطري يطفئ الحرارة، ويسكن الصفراء، وأن اليابس منه يسكن الدم، ويسل الداء الدوي - أي المهلك - (1). و (الاترج) يؤكل بعد الطعام، فان آل محمد (صلوات الله عليهم) يفعلون ذلك (2) وأمروا به كذلك (3) وعلى الشبع (4) والخبز اليابس يهضم الاترج (5). و (الغبيراء) (6) لحمه ينبت اللحم، وجلده ينبت الجلد، وعظمه ينبت العظم، ومع ذلك فانه يسخن الكليتين، ويدبغ المعدة، وهو أمان من البواسير والتقطير، ويقوي الساقين، ويقمع عرق الجذام (7). و (البطيخ) شحم الارض لا داء ولا غائلة فيه (8) وفيه عشر خصال: طعام وشراب وفاكهة وريحان وأدم وحلوا وأشنان وخطمي وبقل ودواء (9) ويغسل المثانة أيضا (10) ويذيب الحصى منها (11) ويدر البول (12) ويزيد في الباه (13) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعجبه الرطب بالخربز (14) وأكله أيضا بالسكر وبالتمر (15).


(1) كما رواه في الوسائل - الباب - 97 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (2) و (3) و (4) كما رواه في الوسائل - الباب - 99 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 2 - 5. (5) لما رواه في الوسائل - الباب - 98 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) هي تمرة تشبه العناب. (7) كما رواه في الوسائل في الباب - 101 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (8) و (10) و (12) و (13) كما رواه في الوسائل - الباب - 102 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 10. (9) المستدرك - الباب - 77 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 8. (11) و (14) الوسائل - الباب - 102 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 11 - 3. (15) كما رواه في الوسائل - الباب - 102 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 و 7.

[ 493 ]

نعم لا يؤكل على الريق، فانه يورث الفالج (1) نعوذ بالله، ولا يؤكل المر منه، فانه لم يقبل ميثاق المودة المأخوذ على كل حيوان ونبت (2). وليؤكل (القثاء) بالملح (3) وقال الصادق (عليه السلام) (4) " إذا أكلتم القثاء فكلوه من أسفله، فانه أعظم لبركته ". وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعجبه (الدباء) في القدور - وهو القرع - (5) وكان يلتقطه من الصحفة (6) وهو يزيد في الدماغ والعقل (7). وقال الصادق (عليه السلام) لحنان (8): " كل (الفجل) فان فيه ثلاث خصال: ورقه يطرد الرياح، ولبه يسربل البول، وأصله يقطع البلغم " وفي رواية أخرى (9) " ورقه يمرئ " وقال (عليه السلام) أيضا في خبر درست (10): " الفجل أصله يقطع البلغم، ولبه يهضم، وورقه يحدر البول حدرا " الخبر. ونعم البقلة (السلق) (11) فانه يقمع عرق الجذام، وما دخل جوف المبرسم مثل ورق السلق (12) وإن الله رفع عن اليهود الجذام بأكلهم


(1) لما رواه في الوسائل - الباب - 102 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 13. (2) كما رواه في الوسائل - الباب - 103 - من ابواب الاطعمة المباحة. (3) و (4) الوسائل - الباب - 124 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (5) الوسائل - الباب - 120 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 47. (7) الوسائل - الباب - 120 - من أبواب الاطعمة المباحة 3 و 4. (8) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 121 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 3. (11) و (12) الوسائل - الباب - 117 - من ابواب الاطعمة المباحة الحديث 3 - 2 .

[ 494 ]

السلق وقلعهم العروق (1) وإن بني اسرائيل شكوا إلى الله سبحانه وإلى موسى (عليه السلام) ما يلقون من البياض، فأوحى الله إلى موسى مرهم فيأكلوا لحم البقر بالسلق (2) وقال الرضا (عليه السلام) (3): " أطعموا مرضاكم السلق، يعني ورقه، فانه فيه شفاء ولا داء معه، ولا غائلة له، ويهدئ نوم المريض، واجتنبوا أصله، فانه يهيج السوداء ". وأكل (الجزر) ولو مسلوقا يسخن الكليتين ويقيم الذكر (4) وأمان من القولنج والبواسير، ويعين على الجماع (5). و (الشلجم) يذيب عرق الجذام، قال الصادق (عليه السلام) (6): " عليكم بالشلجم فكلوه وأديموه، واكتموه إلا عن أهله، فما من أحد إلا وبه عرق من الجذام فأذيبوه بأكله ". و (الباذنجان) يذهب بالداء ولا داء له (7) حار في وقت الحرارة وبارد في وقت البرودة، معتدل في الاوقات كلها، جيد على كل حال (8) ولعل المراد من وقتي الحرارة والبرودة وقت الاحتياج إليهما، كما أشار إليه في مضمر الهاشمي (9) قال: " قال لبعض مواليه: أقلل لنا من البصل، وأكثر لنا من الباذنجان، فقال له مستفهما: الباذنجان ؟ قال: نعم الباذنجان، جامع الطعم، ينفي الداء، صالح للطبيعة، منصف في أحواله، صالح للشيخ والشاب، معتدل في حرارته وبرودته، حار في


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 117 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 5 - 1. (4) و (5) كما رواه في الوسائل - الباب - 122 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (6) الوسائل في الباب - 123 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (7) و (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 125 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 3. .

[ 495 ]

مكان الحرارة، وبارد في مكان البرودة ". وهو جيد للمرة السوداء (1) وعند جذاذ النخل لا داء فيه (2) وقال الصادق (عليه السلام) (3): " إذا أدرك الرطب ونضج العنب ذهب ضرر الباذنجان ". و (البصل) يطيب النكهة، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الجماع (4) ويذهب بالنصب، ويشد العصب، ويزيد في الخطى - أي القوة في المشي ويذهب الحمى (5) ويشد اللثة (6) ويشد الظهر، ويرق البشرة (7) ومن دخل بلادا فليأكل من بصلها يطرد عنه وباءها (8). و (الثوم) إنما نهى عنه رسول الله (عليه السلام) لريحه، فقال: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا (9) بل ورد الامر باعادة كل صلاة صلاها من يأكله ما دام يأكله (10) نعم لا بأس بالتداوي به، لكن لا يخرج من أكله إلى المسجد (11). و (الكراث) يدفع داء الطحال (12) ويطيب النكهة، ويطرد الرياح، ويقطع البواسير، وهو أمان من الجذام لمن أدمن عليه (13) ومثله في البقول كمثل الخبز في سائر الطعام، أو قال: الادام، والشك


(1) و (2) و (3) لما رواه في الوسائل - الباب - 125 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 4 - 6. (4) و (5) و (6) و (7) لما رواه في الوسائل - الباب - 126 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 1 - 2 - 3. (8) لما رواه في الوسائل - الباب - 127 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (9) الوسائل - الباب - 128 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (10) و (11) كما رواه في الوسائل - الباب - 128 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 8 - 2 -. (12) و (13) لما رواه في الوسائل - الباب - 110 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2.

[ 496 ]

من الراوي (1) وقال حنان بن سدير (2): " كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) على المائدة فملت على الهندباء، فقال: يا حنان لم لا تأكل الكراث ؟ قلت: لما جاء عنكم من الرواية في الهندباء، قال: وما الذي جاء عنا ؟ قلت له: إنه قيل عنكم إنكم قلتم إنه يقطر عليه من الجنة في كل يوم قطرة، فقال: على الكراث إذن سبع قطرات، قلت: فكيف آكله ؟ قال: اقطع أصوله واقذف برؤوسه " وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأكل الكراث بالملح الجريش (3). لكن في خبر يونس بن يعقوب (4) " رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يقطع الكراث بأصوله فيغسله بالماء ويأكله " بل في خبر أبي داود (5) عن رجل " أنه رأى أبا الحسن (عليه السلام) بخراسان يأكل الكراث من البستان كما هو، فقيل له: إن فيه لسمادا، فقال: لا يعلق به شئ، وهو جيد للبواسير " الخبر. ونعم البقلة (الهندباء) التي هي سيدة البقول (6) وفضلها عليهم كفضلهم (عليهم السلام) على الناس (7) وهي بقلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (8) خرجت من الجنة (9) وهي شفاء من ألف داء، بل من كل داء، وما من داء في جوف بني آدم إلا قمعه الهندباء، وإذا دق وصير على قرطاس وصب عليه دهن البنفسج ووضع على الرأس


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 112 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 4 - 3 - 2 والاخير عن داود بن أبي داود عن رجل. (4) الوسائل - الباب - 111 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2. (6) و (7) و (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 105 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3 - 4 - 6.

[ 497 ]

ذهب بالحمى والصداع (1) وما من صباح إلا وينزل عليها قطرة من الجنة (2) بل ليس من ورقة إلا وعليها قطرة من الجنة (3) ومن هنا استفاضت النصوص في النهي عن نفضها عند أكلها (4) ومن بات وفي جوفه سبع ورقات من الهندباء أمن من القلولنج ليلته تلك إنشاء الله تعالى (5) ومن أحب أن يكثر ماؤه فليكثر أكل الهدباء (6). وقال الصادق (عليه السلام) (7): " عليك بالهندباء، فانه يزيد في الماء، ويحسن الولد، وهو حار لين، ويزيد في الولد الذكورة " ولعله لمكان لينها ورد أنها معتدلة (8) وقال الرضا (عليه السلام) (9): " عليك بأكل بقل الهندباء، فانها تزيد في المال والولد، ومن أحب أن يكثر ماله وولده فليدمن أكل الهندباء " بل قال الصادق (عليه السلام) (10): " من سره أن يكثر ماله وولده الذكور فليكثر من أكل الهندباء ". وقال (عليه السلام) أيضا (11): " ما يرضى أحدكم أن يشبع الهندباء ولا يدخل النار ؟ ". و (الحوك) بقلة الانبياء، وفيه ثمان خصال: يمرئ، ويفتح


(1) كما رواه في الوسائل - الباب - 106 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 107 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 4 - 0 -. (5) لما رواه في الوسائل في الباب - 106 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (6) الوسائل - الباب - 106 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 و 3 وفيهما " من أحب أن يكثر ماله وولده فليدمن أكل الهندباء ". (7) و (8) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 105 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 - 3 - 8 - 11. (11) الوسائل - الباب - 105 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 15 - وفيه " يسيغ " بدل " يشبع " وفي البحار - ج 66 ص 209 " يشبع ".

[ 498 ]

السدد، ويطيب الجشاء والنكهة، ويشهي الطعام، ويسل الداء، وهو أمان من الجذام، إذا استقر في جوف الانسان قمع الداء كله (1). والمراد به (الباذروج) الذي كان يعجب أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) وهو - كما قيل - نوع من الرياحين بري يقال له بالفارسية: بادرنجبويه وقال النخعي (3): " حدثني من حضر مع أبي الحسن (عليه السلام) المائدة، فدعا بالباذروج وقال: إني أحب أن استفتح به الطعام، فانه يفتح السدد، ويشهي الطعام، ويذهب بالسل، وما أبالي إذا افتتحت به ما أكلت بعده من الطعام، فاني لا أخاف داء ولا غائلة، قال: فلما فرغنا من الطعام دعا به أيضا، ورأيته يتبع ورقه على المائدة ويأكله ويناولني منه، وهو يقول: اختم طعامك به، فانه يمر (يمرئ ظ) ما قبل، كما يشهي ما بعد، ويذهب بالثقل، ويطيب الجشاء والنكهة " الخبر. وقال الصادق (عليه السلام) (4): " ليس على وجه الارض بقلة أشرف ولا أنفع من (الفرفخ) وهو بقلة فاطمة (عليها السلام) لعن الله بني أمية، هم سموها البقلة الحمقاء بغضا لنا، وعداوة لفاطمة (عليها السلام) " ووطأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرمضاء فأحرقته، فوطأ على الرجلة وهي بقلة الحمقاء فسكن عنه حر الرمضاء، فدعا لها، وكان يحبها ويقول: ما أبركها (5). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (6) " عليكم بالكرفس


(1) و (2) كما رواه في الوسائل - الباب - 108 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 1. (3) الوسائل - الباب - 109 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 114 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (6) الوسائل - الباب - 113 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1.

[ 499 ]

فانه طعام إلياس واليسع ويوشع بن نون " وهي بقلة الانبياء (1) لكن عن قادر الخادم (2) قال: " ذكر أبو الحسن (عليه السلام) الكرفس فقال: أنتم تشتهونه وليس من دابة إلا وهي تحتك به ". وفي الوافي " أي تحك نفسها عليه " وفيما حضرني من نسخة الوسائل روايته " وليس من دابة إلا وهي تحبه " فلا منافاة. و (الصعتر) (3): دواء أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان يقول: " إنه يصير للمعدة خملا كخمل القطيفة " (4) وعن أبي الحسن (عليه السلام) (5) أنه شكا إليه بعض الواسطيين رطوبة فأمره أن يستف الصعتر على الريق. وكان علي (عليه السلام) يحب (الكمأة) (6) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7): " الكمأة من المن، والمن من الجنة وماؤها شفاء للعين ". وعن أبي جعفر أو أبي الحسن (عليهما السلام) (8) إنه ذكر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 113 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 2. (3) الصعتر أو السعتر: نبات طيب الرائحة يخلف بزرا دون بزر الريحان، زهره أبيض إلى الغبرة. (4) و (5) الوسائل - الباب - 130 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (6) و (7) الوسائل - الباب - 118 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. والكمأة جمع الكم ء: نبات يقال له أيضا: شحم الارض، يوجد في الربيع تحت الارض، وهو أصل مستدير كالقلقاس لا ساق له ولا عرق، لونه يميل إلى الغبرة. يقال له بالفارسية: " قارچ ". (8) الوسائل - الباب - 115 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3.

[ 500 ]

السداب (1) فقال: " أما أن فيه منافع: زيادة في العقل، وتوفير في الدماغ، غير أنه ينتن ماء الظهر ". وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه جيد لوجع الاذن (2). وعليكم بالخس، فانه يصفي الدم (3). وأكل (التفاح الحامض) و (الكزبرة) يورث النسيان (4). وما تملأ رجل من (الجرجير) (5) بعد أن يصلي العشاء فبات تلك الليلة إلا ونفسه تنازعه إلى الجذام (6) ومن أكله بالليل ضرب عليه عرق من الجذام من أنفه، وبات ينزف الدم (7) وعن النبي (صلى الله عليه وآله) فيه (8) " ما من عبد بات وفي جوفه شئ من هذه البقلة إلا بات الجذام يرفرف على رأسه حتى يصبح، إما أن يسلم وإما أن


(1) السداب أو السذاب: نبات ورقه كالصعتبر ورائحته كريهة. (2) و (3) لما رواه في الوسائل - الباب - 115 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 1. (4) لما رواه في الوسائل في الباب - 91 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1. (5) قال المجلسي " قدس سره " في البحار - ج 66 ص 238: " توضيح: اعلم أن الذي يظهر من كتب أكثر الاطباء أن البقلة المعروفة عند العجم " تره تيزك " ليس هو الجرجير، بل هو الرشاد، قال ابن بيطار: الجرجير صنفان: بستاني وبري، كل واحد منهما صنفان: فأحد صنفي البستاني عريض الورق، فستقي اللون، ناقص الحرافة، رحض طيب، والثاني ورقه رقاق شديد الحرافة، وقال صاحب الاختيارات: الجرجير بري وبستاني، البري يقال له: " الايهقان " والبستاني يقال له بالفارسية: " كيكير " والجرجير البري يقال له: الخردل البري، ويستعمل بذره مكان الخردل، وقال: الرشاد الحرف، ويقال له بالفارسية: " سپندان " و " تره تيزك ". ". (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 116 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 10.

[ 501 ]

يعطب " وقال الصادق (عليه السلام) (1): " الهندباء والباذروج لنا، والجرجير لبني أمية " وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كره الجرجير (2) وعن أبي جعفر (عليه السلام) (3) " الجرجير شجرة على باب النار " وعن الصادق (عليه السلام) (4) " كأني أنظر إلى الجرجير يهتز في النار " وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) " كأني أنظر إلى منبته في النار ". لكن في خبر موفق (6) " كان مولاي أبو الحسن (عليه السلام) إذا أمر بشراء البقل يأمر بالاكثار منه ومن الجرجير، فيشترى له، وكان يقول: ما أحمق بعض الناس يقولون: إنه ينبت في وادي جهنم، والله تعالى يقول: وقودها الناس والحجارة (7) فكيف تنبت البقل ؟ ! " وهو محمول على ضرب من المصالح. و (العناب) يذهب بالحمى (8) وفضله على الفاكهة كفضلهم (عليهم السلام) على الناس (9). و (الخل) و (الزيت) طعام الانبياء وإدامهم (10) وما اقفر بيت فيه الخل والزيت (11) وقال الصادق (عليه السلام) (12): " عليك


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 116 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 5 - 6 - 8 - 3. (2) الوسائل - الباب - 116 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 2 على رواية البرقي. (7) سورة البقرة: 2 - الآية 24. (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 135 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2. (10) و (11) و (12) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 12 - 9.

[ 502 ]

بالخل والزيت، فانه مرئ، وإن عليا (عليه السلام) كان يكثر أكله وإنى أكثر أكله، وإنه مرئ ". والخل يشد العقل (1) وأحب الاصباغ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) ونعم الادام، يكسر المرة ويحيي القلب (3) وينير القلب (4) والاصطباغ منه يقطع شهوة الزنا (5) وإن الله وملائكته يصلون على خوان فيه خل وملح (6). وعليك بخل الخمر، فاغتمس فيه الخبز، فانه لا يبقى في جوفك دابة إلا قتلها (7) ويشد اللثة (8). وكلوا الزيت وادهنوا به، فانه من شجرة مباركة (9) ودهنة الاخيار، وإدام المصطفين، مسحت بالقدس مرتين، بوركت مقبلة، وبوركت مدبرة لا يضر معها داء (10) ومن أكل من الزيت وأدهن به لم يقربه الشيطان أربعين يوما (11). وكذا (الزيتون) من شجرة مباركة (12) يطرد الرياح (13) ويزيد في الماء (14). وما استشفى مريض بمثل (العسل) (15) فان لعقة منه شفاء من كل داء (16) وخصوصا إذا أخذته من شهده (17) وهو مع قراءة القرآن


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) لما رواه في الوسائل - الباب - 44 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3 - 6 - 21 - 7 - 22. (7) و (8) لما رواه في الوسائل - الباب - 45 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 2. (9) و (10) و (11) لما رواه في الوسائل - الباب - 47 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 4. (12) و (13) و (14) كما رواه في الوسائل - الباب - 48 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 2 - 4. (15) و (16) و (17) لما رواه في الوسائل - الباب - 49 - من ابواب الاطعمة المباحة - الحديث 4 - 5 - 8.

[ 503 ]

ومضغ اللبان يذيب البلغم (1) وكان يعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) وأكله حكمة (3) وإذا مزج شئ من الزعفران وطين قبر الحسين (عليه السلام) وعجن بماء السماء نفع المرضى (4) وإذا مزج معه الشونيز (5) وأخذ منه ثلاث لعقات نفع لقلع حمى الغب الغالبة، وذلك لان هذين الجزئين مباركان، قال الله تعالى في العسل: فيه شفاء للناس (6) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحبة السوداء: شفاء من كل داء إلا السام، قيل: يا رسول الله ما السام ؟ قال: الموت وهما لا يميلان إلى الحرارة والبرودة، ولا إلى الطبائع، وإنما هما شفاء حيث وقعا (7) وإذا استوهب شئ من مهر الزوجة بطيب نفسها واشترى به عسل ثم سكب عليه من ماء السماء ثم شرب نفع من وجع البطن بل ومن كل وجع، لانه معجون جمع البركة والشفاء والهنى المرئ (8). و (السكر) مبارك طيب (9) ينفع من كل شئ ولا يضر من شئ (10) وخصوصا السليماني منه الذي يدفع الوباء، وأول من اتخذه سليمان بن داود (عليهما السلام) (11) ومن كان عنده ألف درهم وليس عنده غيرها واشترى بها سكرا لم يكن مسرفا (12) وليس شئ أحب إلى أبي عبد الله (عليه السلام) من السكر (13) وإذا سحق ثم مخض بالماء


(1) و (2) و (3) و (4) و (7) و (8) لما رواه في الوسائل - الباب - 49 - من ابواب الاطعمة المباحة الحديث 5 - 1 - 12 - 13 - 15 - 14 -. (5) الشونيز: الحبة السوداء، ويعبر عنه بالفارسية، " سيماه دانه ". (6) سورة النحل: 16 - الآية 69. (9) و (10) و (12) و (13) لما رواه في الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5 - 1 - 3 - 7. (11) كما رواه في الوسائل في الباب - 52 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3.

[ 504 ]

وشرب على الريق وعند المساء يرفع حمى الربع (1) وإغمار سكرة ونصف بالماء ووضع حديدة عليها وتنجيمها من أول الليل بعد أن يقرأ عليها شيئا من القرآن فإذا أصبح مرسه بيده ثم شربه، فإذا كان الليلة الثانية أضاف إلى ذلك سكرة أخرى، فتكون سكرتين ونصفا ثم فعل مثل الاول، فإذا كان الليلة الثالثة صيرها ثلاث سكرات ونصف، وفعل أيضا مثل ذلك يدفع الحمى بل كل مرض (2) وأكل سكرتين عند النوم يدفع الوجع (3) والسكر الابيض إذا دق وصب عليه الماء البارد وشرب يرفع المرض (4). ونعم الادام (السمن) (5) بل هو دواء، وفي الصيف خير منه في الشتاء، وما دخل جوفا مثله (6) وسمون البقر شفاء (7) وقال أبو الجارود (8): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن اللحم والسمن يخلطان جميعا، قال: كل وأطعمني " ولا بأس بالخبز يطينه بالسمن (9). نعم السمن لا يلائم الشيخ، بل كرهه أبو عبد الله (عليه السلام) له (10) بل قال: " إذا بلغ الرجل خمسين سنة فلا يبيتن وفي جوفه شئ من السمن " (11).


(1) لما رواه في الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 5. (2) لما رواه في الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 6 و 4. (3) كما رواه في الوسائل - الباب - 51 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3. (4) كما رواه في الوسائل - الباب - 52 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 4. (5) و (6) و (7) و (8) و (9) لما رواه في الوسائل - الباب - 53 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 1 - 3 - 2 - 5 - 6. (10) و (11) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب الاطعمة المباحة - الحديث 3 - 1.

[ 505 ]

إلى غير ذلك مما تكفلت النصوص بيانه أمرا ونهيا، وأوكله الاصحاب إليها على عادتهم في كثير من المندوبات، نعم ذكر الشهيد في الدروس جملة وافية منها، هذا كله في الاكل. اما الشرب فالماء سيد الشراب في الدنيا، بل والآخرة (1) فانه سيد شراب الجنة أيضا (2) وطعمه طعم الحياة (3) ومن تلذذ به في الدنيا لذذه الله من أشربة الجنة (4) وقال أبو الحسن (عليه السلام) (5): " إني أكثر شرب الماء تلذذا ". ولا بأس بكثرته على الطعام - غير الدسم - ولا يكثر منه على غيره (6) بل قال أبو الحسن (عليه السلام) (7): " عجبا لمن أكل مثل ذا - وأشار بكفه - ولم يشرب عليه الماء كيف لا تنشق معدته ". وقال ابن أبي طيفور المتطبب (8): " دخلت على أبي الحسن الماضي (عليه السلام) فنهيته عن شرب الماء، فقال: وما بأس بالماء، وهو يدير الطعام في المعدة، ويسكن الغضب، ويزيد في اللب، ويطفئ المرار ". و " دعا أبو عبد الله (عليه السلام) بتمر، وأقبل يشرب عليه


(1) و (2) و (3) كما رواه في الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 3 - 4 - 6. (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2 - 3. (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الاشربة المباحة الحديث 1 - 2 - 3.

[ 506 ]

الماء، فقيل له: لو أمسكت عن الماء، فقال: إنما آكل لاستطيب عليه الماء " (1). نعم لا ينبغي شرب الماء على غير الطعام أو على الدسم، ففي مرفوع الحلبي (2) " قال أبو عبد الله (عليه السلام) وهو يوصي رجلا: أقل شرب الماء، فانه يمد كل داء " كقوله (عليه السلام) أيضا في خبر آخر (3): " لا تكثر من شرب الماء، فانه مادة لكل داء " وفي ثالث (4): " لا يشرب أحدكم الماء حتى يشتهيه، فإذا اشتهى فليقل منه " و " لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم " (5). وفي خبر السكوني (6) عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أكل الدسم أقل شرب الماء فقيل له: يا رسول الله إنك لتقل شرب الماء، قال: هو أمرأ لطعامي " بل في المرفوع (7) " شرب الماء على أثر الدسم يهيج الداء ". وشرب الماء من قيام بالنهار أقوى وأصلح للبدن (8) ويمرئ الطعام (9) وأدر للعروق (10) بخلاف شربه كذلك في الليل، فانه يورث الماء الاصفر (11) وعليه ينزل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (12): " إياكم وشرب الماء قياما على أرجلكم، فانه يورث الداء الذي لا داء له إلا أن يعافيه الله " وغيره مما أطلق فيه النهي عن الشرب من قيام (13)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1 - 2 - 3 - - 4 - 6 - 7. (8) و (9) و (10) و (11) و (12) لما رواه في الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 1 - 2 - 7 - 2 - 10 -. (13) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 4 و 6 و 12.

[ 507 ]

بل الشرب بالليل (1) كما أنه ينزل إطلاق ما دل على رجحان الشرب من قيام (2) على غير الليل. وقال الصادق (عليه السلام) (3): " إذا أردت أن تشرب الماء بالليل فحرك الاناء، وقل: يا ماء ماء زمزم وماء الفرات يقرءاك السلام " الخبر. وليمص الماء مصا، ولا يعب عبا، فانه يورث الكباد (4) والشرب بثلاثة أنفاس أو نفسين أفضل منه بنفس واحد (5) بل هو مكروه، فانه شرب الهيم (6). وليسم عند كل مرة كما يفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7) بل قال الصادق (عليه السلام) (8): " إن الرجل منكم ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله له بها الجنة، إنه ليأخذ الاناء فيضعه على فيه ويسمي ثم يشرب، فينحيه وهو يشتهيه، فيحمد الله تعالى، ثم يعود فيشرب، ثم ينحيه وهو يشتهيه، فيحمد الله عزوجل، ثم يعود فيشرب، فيوجب الله عزوجل له الجنة ". قلت: وخصوصا إذا ذكر مع ذلك عطش الحسين (عليه السلام)


(1) البحار - ج 66 ص 471 وفيه ما يدل على مرجوحية الشرب بالليل دون النهي. (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 5 والباب - 8 - منها. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 5. (4) لما رواه في الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (5) لما رواه في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2 و 12. (6) لما رواه في الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (7) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 3. (8) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1.

[ 508 ]

وأهل بيته، ولعن قاتليه ومانعيه شرب الماء، بل يكتب له مائة ألف حسنة، ويحط عنه مائة ألف سيئة، وترفع له مائة ألف درجة، وكأنما أعتق ألف نسمة، وصيره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد (1). وينبغي أن يكون حمده بالمأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " الحمد لله الذي سقانا عذبا زلالا، ولم يسقنا ملحا أجاجا " وقال الصادق (عليه السلام) (3): " إذا شرب أحدكم الماء فقال: بسم الله ثم قطعه فقال: الحمد لله ثم شرب فقال: بسم الله، ثم قطعه فقال: الحمد لله ثم شرب فقال: بسم الله، ثم قطعه فقال: الحمد الله سبح ذلك الماء له ما دام في بطنه إلى أن يخرج ". نعم في المرسل (4) أنه سأل الصادق (عليه السلام) " عن الشرب بنفس واحد فقال: إن كان الذي يناولك الماء مملوكا لك فاشرب في ثلاثة أنفاس، وإن كان حرا فاشرب بنفس واحد ". ومن سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم (5) بل قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6): " من سقى مؤمنا شربة ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل ". وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشرب في القدح الشامي ويعجبه (7).


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1 وفيه " أعتق مائة ألف نسمة... ". (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 2 - 4. (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 3. (5) و (6) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1 - 2. (7) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1 و 2.

[ 509 ]

قال (صلى الله عليه وآله): " لا تأكلوا في فخار مصر، ولا تغسلوا رؤوسكم بطينها، فانه يذهب بالغيرة ويورث الدياثة " (1). وشر ماء على وجه الارض ماء برهوت الذي بحضر موت، وخير ماء على وجهها ماء زمزم (2) وهو شفاء من كل داء (3). وقال صارم (مصادف خ ل) (4): " اشتكى رجل من إخواننا بمكة حتى سقط في الموت، فلقيت أبا عبد الله (عليه السلام) في الطريق فقال: يا صارم (مصادف خ ل) ما فعل فلان ؟ فقال: تركته في الموت، فقال: أما لو كنت مكانكم لسقيته من ماء الميزاب، فطلبنا عند كل أحد فلم نجده، فبينما نحن كذلك إذ ارتفعت سحابة ثم أرعدت وأبرقت وأمطرت، فجئت إلى بعض من في المسجد وأعطيته درهما وأخذت قدحه، ثم أخذت من ماء الميزاب، فأتيته به، فسقيته منه، فلم أبرح من عنده حتى شرب سويقا وصلح وبرئ ". وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (5): " اشربوا ماء المطر، فانه يطهر البدن، ويدفع الاسقام، قال الله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام (6) ". وقال الصادق (عليه السلام) (7): " البرد لا يؤكل، لان الله


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 3. (2) و (3) لما رواه في الوسائل في الباب - 16 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1 و 3. (4) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب الاشربة المباحة الحديث 1. (5) و (7) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الاشربة المباحة الحديث 2 - 3. (6) سورة الانفال: - الآية 11.

[ 510 ]

عزوجل يقول: يصيب به من يشاء (1) ". وقال (عليه السلام) أيضا (2): " ما أخال أحدا يحنك بماء الفرات إلا أحبنا أهل البيت، ويصب في ماء الفرات ميزابان من الجنة " وقال (عليه السلام) أيضا (3): " يدفق فيه كل يوم دفقات من الجنة) ولو كان بيننا وبينه أميال لاتيناه نستشفي به " (4) بل قال (عليه السلام) (5): " لو كان عندنا لاحببت أن آتيه طرفي النهار " بل قال علي بن الحسين (عليه السلام) (6): " إن ملكا يهبط كل ليلة جمعة معه ثلاثة مثاقيل من مسك الجنة فيطرحها فيه، وما من نهر في شرق الارض ولا غربها أعظم بركة منه " إلى آخره. ولعن نوح (عليه السلام) يوم الطوفان ماء الكبريت والماء المر (7). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (8): " علمني جبرئيل دواء لا أحتاج معه إلى دواء، وهو أن يؤخذ ماء المطر قبل أن ينزل إلى الارض، ثم يجعل في إناء نظيف ويقرأ عليه الحمد إلى آخرها سبعين مرة وقل هو الله أحد والمعوذتين سبعين مرة، ثم يشرب منه قدحا بالغداة وقدحا بالعشي، فوالذي بعثني بالحق نبيا لينزعن الله بذلك الداء من بدنه وعظامه ومخه وعروقه ". وقال (صلى الله عليه وآله) أيضا (9): " أربعة أنهار من الجنة


(1) سورة النور: 24 - الآية 43. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 6. (7) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (8) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (9) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 4.

[ 511 ]

الفرات والنيل وسيحان وجيحان، الفرات الماء في الدنيا والآخرة، والنيل الغسل، وسيحان الخمر، وجيحان اللبن ". ولا يشرب من أذن الكوز، ولا من كسر إن كان فيه، فانه مشرب الشيطان (1) بل يشرب مما يلي شفتيه (2) بل الوسطي منهما (3) وفي حديث المناهي (4) " لا يشربن أحدكم الماء من عند عروة الاناء، فانه مجتمع الوسخ ". ونهي (صلى الله عليه وآله) عن شرب الماء كما يشرب البهائم، ثم قال: " واشربوا بأيديكم، فانها خير آنيتكم " (5) وعن الصادق (عليه السلام) (6) " أنه مر النبي (صلى الله عليه وآله) بقوم يشربون الماء بأفواههم، فقال: اشربوا بأيديكم، فانه من خير آنيتكم ". وفي المرفوع عنه (صلى الله عليه وآله) أيضا (7) " أنه نهى عن اختناث الاسقية " أي تثنى أفواهها ثم يشرب منها. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا (8): " صاحب الرحل يشرب أول القوم، ويتوضأ آخرهم " وليشرب ساقي القوم آخرهم (9) والله العالم. هذا وقد بقي جملة كثيرة في جملة من النصوص لم تجر عادة الاصحاب بذكرها في كتب الفقه، نعم قد ذكر الشهيد في الدروس جملة وافرة، وقد تأسينا به، وذكرنا هذه النبذة، والله الموفق والمعين.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) لما رواه في الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الاشربة المباحة - الحديث 2 - 3 - 6 - 4 - 5. (6) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (7) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 1. (8) و (9) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الاشربة المباحة - الحديث 1 - 2.

[ 512 ]

إلى هنا تم الجزء السادس والثلاثون، وقد بذلنا غاية الجهد في تنميقه وتحقيقه والتعليق عليه وتصحيحه فنشكره تعالى على ما وفقنا لذلك، ونسأله أن يديم توفيقنا لاخراج بقية الاجزاء ويزيد من فضله أنه ذو الفضل العظيم. ويتلوه الجزء السابع والثلاثون في كتابي الغصب والشفعة إنشاء الله تعالى. النجف الاشرف محمود القوچاني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية