جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 37


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء السابع والثلاثون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه تصحيح وتحقيق وتعليق محمود القوچاني الناشر دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

نام كتاب: جواهر الكلام - جلد 37 تأليف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتب الاسلاميه - تهران بازار سلطاني تيراژ: 1250 نوبت چاپ: سوم تاريخ انتشار: زمستان 1367 چاپ از: چاپخانه حيدري

[ 3 ]

صورة فوتوغرافية من الصحيفة الاولى من كتاب الغصب للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه وبهامشها أثر قلمه الشريف

[ 5 ]

صورة فوتوغرافية من الصحيفة الاولى من كتاب الغصب للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم (قدس سره) العامة في النجف الاشرف. ونقدم شكرنا المتواصل إلى مديرها حيث ساعدنا في المراجعة إلى موارد الحاجة عند الشبهة واختلاف النسخ

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين. كتاب الغصب (والنظر في السبب والحكم واللواحق) (أما الاول) (فالغصب هو) لغة أخذ الشئ ظلما كما في القاموس وغيره قال في الاول: (غصبه يغصبه: أخذه ظلما كاغتصب، وفلانا على الشئ: قهره) وفي الصحاح (الغصب: أخذ الشئ ظلما، تقول: غصبه منه وغصبه عليه بمعنى، الاغتصاب مثله، والشئ غصب ومغصوب) نعم في الاسعاد لبعض الشافعية زيادة (جهارا) لتخرج السرقة ونحوها وعن ابن الاثير أنه أخذ مال الغير ظلما وعدوانا.

[ 8 ]

وإليه يرجع ما في الكتاب والقواعد والنافع والارشاد والدروس واللمعة والتنقيح من أنه (الاستقلال باثبات اليد على مال الغير عدوانا) بل في المسالك نسبته إلى الاكثر، إذ ليس فيها إلا تبديل الاخذ بالاستقلال نظرا إلى صدق الغصب بذلك وإن لم يكن أخذا كما لو كان المال في يده فغصبه، مع أنه يمكن إرادة ما يشمل ذلك من الاخذ الموافق لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " على اليد ما أخذت ". وأبدل الاستقلال في التحرير والايضاح بالاستيلاء على مال الغير بغير حق، كما أنه في التبصرة والروضة وغيرهما من كتب متأخري المتأخرين تبديل المال بالحق، فقالوا: " الاستيلاء على حق الغير عدوانا " وفي الكفاية والمفاتيح " الاستيلاء على حق الغير بغير حق " وستعرف الوجه في ذلك كله. وعن الوسيلة " الاحتواء على مال الغير بغير تراض ". وفي التنقيح " أن الفقهاء يطلقون الغصب على ما في التعريف الاول وعلى ما يشبهه من المفهومات إما بالاتلاف مباشرة أو تسبيبا، وإما بالقبض بالبيع الفاسد " ونحوه قول بعض الشافعية: " إن كل مضمون على ممسكه مغصوب " وفي المسالك " أن الاظهر إطلاقه على ما يقتضي الاثم وغيره والاغلب الاول ". قلت: الذي يحضرني من استعمال لفظ الغصب في الكتاب والسنة قوله تعالى (2): " يأخذ كل سفينة غصبا " وقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي ولاد (3) في شأن البغل الذي استأجره حيث قال: " فلي


(1) المستدرك - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95. (2) سورة الكهف: 18 - الاية 79. (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 9 ]

عليه علفه ؟ قال: لا، لانك غاصب " وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (1) " إذا اغتصب أمة فاقتضت فعليه عشر قيمتها " و " الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها " (2) وقول أبي الحسن (عليه السلام) (3) في ذكر ما يختص بالامام: " وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب، لان الغصب كله مردود " وفي الخبر (4): " من غرس أو زرع في أرض مغصوبة فله الزرع والغرس، وعليه الاجرة لصاحب الارض ". وفي آخر (5): " عن رجل اغتصب امرأة فرجها ". وفي ثالث (6): " أول فرج غصبناه ". وفي النبوي (7) " من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة ". وفي آخرين (8) " من غصب أرضا " و " غصب فدك " (9) و " غصب على (عليه السلام) الخلافة " و " غصب أولاده حقوقهم " (10). وعلى كل حال فليس للغصب حقيقة شرعية قطعا، كما أنه ليس له أحكام مخصوصة زائدة على المضمون بقاعدة اليد و " من أتلف " كي يحتاج


(1) الوسائل - الباب - 82 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 5 - 3. (4) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب وهو نقل بالمعنى. (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 1 من كتاب النكاح. (6) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب ما يحرم بالكفر - الحديث 2 من كتاب النكاح، وفيه (إن ذلك فرج غصبناه). (7) لم أعثر على مصدره من كتب الاخبار مع التتبع التام في مضانه، وإنما ذكره ابن قدامه في المغنى ج 5 ص 378 السرخسي في كتاب المبسوط ج 11 - ص 49. (8) كنز العمال ج 5 ص 328 الرقم 5741 وهو نبوى واحد، وفيه (من غصب رجلا أرضاه (9) ورد في الزيادة المخصوصة لامير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير: (غصب الصديقة... فدكا) (10) جاء في البحار - ج 8 ص 388 من طبعة الكمبانى " الذين غصبوا ال محمد (ص) حقهم "

[ 10 ]

إلى المتعبة في تنقيح معناه، وقولهم: " إن الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال فيضمن القيمة وإن زادت عن دية الحر، ويكلف إذا أتلف المثلى بالمثل وإن تضاعفت قيمته " ستعرف تحقيق الحال فيه. وعلى تقديره فالمتجه ملاحظة المعنى اللغوي لا الاصطلاحي بين الفقهاء الذي مبناه ملاحظة الضمان لا خصوص كونه غصبا، والا فليس المأخوذ غلطا أو نسيانا مغصوبا قطعا. ومن هنا يظهر لك الحال فيما اطنبوا فيه في المقام من المناقشة في التعريف الاول بعد ان ذكروا ان المراد بالاستقلال فيه الاقلال: اي الاستبداد به، وان احترز به عما لو ازعج المالك عن ماله ولم يستول عليه، فانه لا يضمن لو تلف المال، وكذا لو هد مقود الدابة المركوبة لمالكها مع قوته على دفعه. وبالمال عن اثبات اليد على ما ليس بمال الحر، فانه لا يضمن، نعم يشمل المال العين والمنفعة المجردة عنها، كما لو آجر داره ثم استولى عليها، فانه يكون غاصبا للمنفعة، ويخرج منه منفعة البضع، فانها وإن دخلت في المنفعة لكن لا تدخل في المال الذي ينقسم إليه العين والمنفعة، فالداخل هنا في المال منفعة خاصة، وهي منفعة المال لا مطلق المنفعة، كما أن المراد بالعين عين خاصة، وهي عين المال لا مطلق العين. وباضافة المال إلى الغير عن مال نفسه، كما لو أثبت يده على ماله عدوانا، كالمرهون المشروط كونه في يد المرتهن مثلا، فانه ليس بغاصب. وبالعدوان عن إثبات يد المرتهن والولي والوكيل والمستأجر وغيرهم مما لا يكون عدوانا. فأوردوا عليه - وإن كان لا يخفى عليك ما في بعضه أو جميعه - بأنه ينتقض في عكسه بما لو سكن مع المالك قهرا أو بغير إذنه وإن قدر

[ 11 ]

المالك على دفعه فلم يفعل، فانه غير مستقل باثبات اليد، لمشاركة المالك له في اليد، بل ربما كان المستقل بها في الثاني هو المالك. بل ينتقض بما لو اشترك إثنان في غصب مال بحيث يعجز كل واحد عن الاستقلال به منفردا، فانه لا استقلال لكل واحد بالمال، وإنما هو مركب منهما، مع أن كل واحد منهما محكوم بكونه غاصبا، ومن ثم تخير المالك في تضمين من شاء منهما. وإلى ذلك نظر من بدل الاستقلال بالاستيلاء. وبما لو أذن غير المالك لغيره في سكنى داره والساكن جاهل بالحال، فانه ليس بغاصب لانه غير متعد، والآذن وإن كان متعديا بالاذن إلا أنه غير مستقل باثبات اليد، مع أنه الغاصب شرعا، والضمان راجع عليه. وبما لو استقل باثبات اليد على حر صغير أو مجنون فتلف بسبب، كلدغ حية أو وقوع حائط عند الشيخ كما سيأتي. وبأن منفعة البضع قد تضمن، كما لو تعمدت الرضاع المحرم، أو رجع الشاهدان بالطلاق عنه. وبما لو استولى المالك على ماله المرهون عدوانا، فانه يضمنه مع التلف بالمثل أو القيمة، ويكون رهنا وحق المرتهن لا يسمى مالا. وبما لو استقل باليد على حق الغير في نحو المدرسة والرباط والمسجد والتحجير، فانه في جميع ذلك غاصب مع أنه لم يستول على ماله. وبما لو غصب الوقف العام، فانه ليس ملكا للغير أو الخاص على القول بانتقال ملكه إلى الله تعالى، وإليه نظر من بدل المال بالحق. وبما سيأتي من الصور التي يضمن فيها المال بالتسبيب من دون أن تستقل يده، كما لو فتح قفص الطائر أو حل قيد الدابة ونحو ذلك. وبمن ترتبت يده على يد الغاصب جاهلا، فقد سموه غاصبا،

[ 12 ]

وجوزوا الرجوع عليه، مع أنه غير عاد، وكذا من سكن دار غيره أو لبس ثوبه غلطا. ومن هنا عدلوا عن التعريف المزبور إلى ما سمعت، وإن اختلفت عباراتهم في المعدول إليه أيضا. وفي المسالك " ومن تعريفاته أنه الاستيلاء على مال الغير بغير حق، وهو أعم من الاول، وسالم من كثير مما يرد عليه، ومتناول لهذه الاسباب الاخيرة الموجبة للضمان مع عدم العدوان، فان عدم الحق أعم من العدوان لان المستولي على مال الغير جهلا أو غلطا غير عاد وإن كان ذلك بغير حق، كما لا يخفى - إلى أن قال -: وعذر الاول أن الثابت في هذه المواضع حكم الغصب، لا حقيقته التي لا تتم إلا بالتحريم، ويبقى فيه مشاركته للاول في الاستيلاء على حق الغير مما ليس بمال، فكان الاجود على هذا عبارة ثالثة، وهي الاستيلاء على حق الغير بغير حق، وإليه نظر في الكفاية والمفاتيح، فان الاستيلاء يتناول مشاركة المالك في الانتفاع بماله وإن لم يكن مستقلا، وكذا المشارك في الغصب لغيره من غير أن يكون أحدهما مستقلا، والحق يشمل المال من عين أو منفعة وغيره، كما ذكر في الامثلة وغيرها، وبغير حق يشمل باقي أفراد الضمان الذي لم يتحقق معه العدوان، والاظهر في الاستعمال إطلاق الغصب على ما يشمل المقتضى للاثم وغيره وإن كان الاغلب الاول ". قلت: ومنه ما في الدروس وغيرها من " أن تحريم الغصب عقلي وإجماعي وكتابي وسني، قال الله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (1). " ويل للمطففين " (2). " الذين يأكلون أموال


(1) سورة البقرة: 2 الاية 188. (2) سورة المطففين: 83 الاية 1.

[ 13 ]

اليتامى ظلما " (1). وقال النبي (صلى الله عليه وآله) (2): (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام... لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيب نفسه).) إلى آخره ونحوه غيره. ومنه يعلم عدم كون ما ذكر أخيرا من الجاهل والناسي غاصبا، ضرورة عدم الاثم فيه، وإن ثبت له حكم الغصب الذي هو الضمان الناشئ من قاعدة " على اليد " الشاملة للغصب وغيره. كما أنه من الجميع يعلم عدم الغصب في المتلف مباشرة أو تسبيبا من دون استيلاء وإن ضمنه بقاعدة الاتلاف أو الضرار. بل مما ذكرنا يعلم الخبط في كثير، ضرورة عدم حقيقة شرعية للغصب، بل هو باق على المعنى اللغوي الموافق للعرفي الذي يمكن عدم اندراج السرقة فيه، وإليه نظر من اعتبر الجهار فيه، بل لابد فيه من قهر واستعلاء ونحوهما. وكأن الاكثر لم يلحظوا فيما سمعته من تعريفهم إلا كشف المعنى المزبور من حيث كونه سببا للضمان الذي يتعلق بالمال، وإن ذكروا غيره من أسباب الضمان معه في كتاب الغصب، ولم يختلط عليهم المعنى المزبور وإن اختلفت عباراتهم في تأديته نحو اختلاف عبارات أهل اللغة في تأدية المعنى اللغوي التي ربما يكون بعضها أوضح من الاخرى. والذي يسهل الخطب عدم أحكام شرعية معلومة زائدة على الضمان عنوانها الغصب كي يحتاج إلى التعب في تحقيق معناه إلا نادرا، كتكليف الغاصب بالرد وإن استلزم المشقة الشديدة بتلف المال وغيره.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 10. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في الثمن - الحديث 3 من كتاب القصاص.

[ 14 ]

وحينئذ لا ريب في الرجوع فيه إلى المعنى اللغوي الموافق للعرفي دون الاصطلاحي الذي سمعت نسبته في التنقيح إلى الفقهاء بعد تسليمه كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (لا يكفي) في تحقق كون المال مغصوبا (رفع يد المالك ما لم يثبت الغاصب يده) كما صرح به الفاضل وغيره، بل عن التذكرة نفي الشك فيه، لما عرفت من كونه الاخذ أو الاستقلال أو الاستيلاء، والجميع غير صادق وإن أطلق على الشخص نفسه أنه مغصوب بمعنى كونه مقهوار. وحينئذ (فلو منع غيره من إمساك دابته المرسلة فتلفت لم يضمن. وكذا لو منعه من القعود على بساطه أو منعه من بيع متاعه فنقصت قيمته السوقية أو تلفت عينه) كما في النافع ومحكي التحرير والتبصرة وشرح الارشاد للفخر وإن لم يذكر في بعضها تمام الامثلة، بل في المسالك وغيرها نسبته إلى المشهور، للاصل بعد عدم تحقق الغصب بعدم إثبات اليد. لكن عن التذكرة بعد أن نفى الشك عن عدم تحقق الغصب في الدابة المزبورة قال: " وهل يضمن ؟ قال بعض علمائنا: لا يضمن، وفيه إشكال ". ومنه يعلم أنه لا يلزم من عدم كونه غاصبا عدم كونه ضامنا، لامكان سبب آخر غير الغصب. ولعله لذا قال في المسالك وتبعه عليه غيره: " إنه ينبغي أن يختص ما ذكروه بما لا يكون المانع سببا في تلف العين بذلك بأن اتفق تلفها مع كون السكنى غير معتبرة في حفظها والمالك غير معتبر في مراعاة الدابة، كما يتفق لكثير من الدور والدواب، أما لو كان متوقفا على

[ 15 ]

سكنى الدار ومراعاة الدابة لضعفها أو كون أرضها مسبعة مثلا فان المتجه الضمان، نظرا إلى كونه سببا قويا مع ضعف المباشر " وهو المحكي عن الشهيد في بعض فتاواه والكركي، واستحسنه في الرياض لعموم " لا ضرر ولا ضرار " (1). قال: " ومن هنا يتوجه الحكم بضمان نقص القيمة السوقية للمتاع إذا حصل بمنع المالك عن بيعه ولو مع بقاء العين وصفاتها، وذكر القائل المتقدم أنه لم يضمن قطعا، لان الفائت ليس بمال بل اكتسابه، وهو كما ترى، لاتحاد وجه الحكم بالضمان هنا وفيما مضى، وهو صدق الاضرار المنفي شرعا، وليس فيه ما يقتضي تخصيص الضرر المنفي بما يكون متعلقه مالا، ولعله لذا اختار الشهيد في بعض فتاواه الضمان هنا، وإن قوى في الدروس عدم الضمان مطلقا وفاقا للمشهور، كما في المسالك والكفاية ". قلت: لا ينبغي التأمل في عدم ضمان نقصان القيمة السوقية، لعدم تفويت مال عليه بمباشرة أو تسبيب، ومن هنا لم تضمن منافع الحر إجماعا، مع أن قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " تأتي فيه. على أن استفادة الضمان من القاعدة المزبورة متوقفة على الانجبار بفتوى الاصحاب، إذ لا اقتضاء لها إلا عدم مشروعية ما فيه الضرر والضرار في الاسلام على معنى النهي عن إيجاده، وهو إنما يقتضي حرمة ذلك، لا الجبر بالضمان المتوقف على إرادة انتفاء وجوده في الدين المنزل على إرادة جبر ما يحصل منه فيه بالغرامة، لانه أقرب المجازات إلى نفيه، بل يمكن دعوى إرادة ذلك حقيقة من النفي بلا تجوز. إلا أن ذلك كله كما ترى لا يصلح دليلا لذلك من دون انجبار


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب احياء الموات.

[ 16 ]

بفتوى الاصحاب فضلا عن الفتوى بخلافه، بل في الدروس وجامع المقاصد والروضة لم يضمن في الفرض قطعا، مع حكمهم بالضمان في الاول مع فرض التسبيب. وما يحكى عن الشهيد في بعض فتاواه مع أنه لم نتحققه من الفتاوى المهجورة، خصوصا بعد اتفاقهم ظاهرا في أسباب الضمان الثلاثة على انحصار اقتضائها الضمان في تلف المال عينا أو منفعة، كما هو واضح. نعم ما استحسنه من الضمان في الاول تبعا لمن عرفت في محله، مع فرض تحقق معنى السببية المقتضية للضمان في الصورة المفروضة، والاصل فيه ما سمعته من الفاضل في محكي التذكرة وإليه أشار في الدروس بقوله: " وللفاضل وجه بالضمان وإن لم يسم غاصبا " ولكن ظاهرهما احتمال الضمان مطلقا، لا في خصوص صورة التسبيب التي قيد بها كلامهم من عرفت. على أنه إن كان منشأه قاعدة نفي الضرر كما سمعته من الرياض يتجه اطلاق الضمان حتى في صورة عدم كونه سببا، ضرورة وحصول الضرر بمنع امساكه الذي اتفق تلف الدابة معه بأكل سبع في ارض غير مسبعة على وجه يكون سببا، ولا اظن انه يلتزمه سيد الرياض، ومنه يظهر ضعف كلامه زيادة على ما سمعت. وعلى كل حال فعلى القول بالضمان في صورة التسبيب خاصة فالظاهر عدم اندراجها في اطلاق المشهور عدم الضمان المراد منه - بقرينة التفريع على ما ذكروا بمعنى الغصب - عدمه من حيث الغصب الذي هو سبب في ضمان المغصوب وإن تلف بآفة سماوية، لكون اليد يد ضمان، فالغرض انه بمجرد رفع يد المالك لا يدخل في ضمانه دخول المغصوب الذي لا يتحقق إلا باثبات اليد مع ذلك.

[ 17 ]

بل يؤكد ذلك ما تسمعه من المشهور حتى المصنف من الجزم بالضمان أو التردد فيه فيما لو منعه من حراسة ماشيته حتى تلفت، فلا يتوجه ما وقع من هؤلاء الجماعة من دعوى تقييد المشهور بما ذكروه، فان مقتضاه قول المشهور بعدم الضمان في صورة الاتلاف التسبيبي المجمع على الضمان به كما ستعرف. واحتمال استثناء خصوص السبب المزبور منه واضح الفساد. نعم قد يشك في حصول التسبيب في الصورة المزبورة ونظائرها من دعوى احتمال كون الثابت من السبب المقتضي للضمان ما لا يشمل الفرض المزبور، كما ستعرف تحقيق ذلك فيما يأتي إنشاء الله تعالى. هذا كله فيما إذا لم يحصل إلا منع المالك عن ماله. (أما لو قعد على بساط غيره أو ركب دابته ضمن) لتحقق معنى الغصب الذي هو الاستقلال أو الاستيلاء أو الاحتواء بل أو الاخذ بذلك فيهما، بل في القواعد " ويتحقق إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة، فيكفي الركوب وفي الفراش الجلوس عليه " وهو صريح في استثنائهما من المنقول، وإن كان هو كما ترى. فلا اشكال في تحقق الغصب مع الجلوس على البساط وركوب الدابة، سواء قصده أم لا، وسواء كان المالك حاضرا وأزعجه أم لا، لتحقق الاستيلاء عليه على وجه العدوان حيث نعتبره، أو مطلقا حيث يكتفى به في الضمان. وربما قيل باشتراط نقل المنقول في ضمانه، فلا يكفي مجرد ركوب الدابة من غير أن تنتقل به والجلوس على البساط كذلك، نظرا إلى أن ذلك هو القبض في البيع وغيره لامثاله من المنقولات. وجوابه منع عدم تحقق القبض مطلقا بذلك، فان القبض له حكمان:

[ 18 ]

أحدهما دخوله في ضمانه، وهو حاصل بالركوب والجلوس من غير نقل، والثاني تمكينه من التصرف، وهذا يشترط في الركوب، ونحوه إذن المالك فيه، ولا فرق في هذا بين أن ينقله وعدمه، فلا وجه لاخراج التصرف بغير النقل من القبض على هذا التقدير. وكأنه لا حاصل له، وإن كان الفاضل في محكي التذكرة قد ذكر أيضا " أن للقبض في البيع حكمين على ما سمعته من التفصيل إلا أن ذلك لا مدخل له في رد بعض الشافعية القائل بأن القبض هنا كالبيع لا يتحقق في المنقول إلا بنقله، حتى أن الكركي في باب تسليم المبيع أشكله بأنه لو أخذه المشتري بيده ولم ينقله بل تسلمه في موضعه الذي كان فيه ثم تلف لا يكون في ضمانه، مع أنه في يده، وخبر عقبة بن خالد (1) يدل على ذلك، إلا أن ما دل على ثبوت الضمان باثبات اليد ينافيه، والجواب يحتاج إلى فضل تأمل، وتحقيق هذا موقوف على تحقيق معنى إثبات اليد " انتهى. فكون القبض له حكمان لا مدخل له في ذلك، على أن مرجع الحكمين المزبورين إلى القبض والاقباض، لا إلى اختلاف معنى القبض في المقام وفي البيع. فالتحقيق في الجواب عدم اعتبار النقل في قبض المنقول في المقامين بل في كل مقام اعتبر الشارع فيه القبض لتحققه عرفا باثبات اليد بتصرف بل وبدونه وإن لم يحصل فيه نقل، كما حققنا ذلك في كتاب البيع، فلاحظ وتأمل، والله العالم. ومن الغريب ما يظهر من الفاضل في المقام من التفصيل في المنقول بين الدابة والفراش وبين غيرهما. فيتحقق القبض في الاولين بالركوب


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الخيار - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 19 ]

والجلوس وإن لم يكن نقل، بخلاف غيرهما. ولا نعرف له وجها إلا دعوى العرف المردودة على مدعيها، ضرورة اتحاد الجميع فيه. وأغرب منه دعوى كون القبض هنا كالقبض في البيع الذي ذكروا فيه أنه في المكيل والموزون لا يحصل إلا بكيله ووزنه، فيقتضي حينئذ توقف الغصب على ذلك، وهو معلوم الفساد. (و) على كل حال فلا خلاف ولا إشكال عندنا في أنه (يصح غصب العقار ويضمنه الغاصب) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1) وإلى صحة بيعه وغيره مما يتوقف على تحقق القبض. فما عن أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف - من عدم تصور غصبه لعدم تصور إثبات اليد فيه - واضح الضعف، بل (و) الفساد، ضرورة كونه (يتحقق) عرفا (غصبه باثبات اليد عليه مستقلا من دون إذن المالك) من غير فرق بين أن يزعج المالك فيخرجه ويدخلها بقصد السكنى وعدمه بأن يستولي عليها ويتسلم مفاتيحها وإن لم يدخلها أصلا. لكن في القواعد " أنه يتحقق الغصب في العقار بالدخول وإزعاج المالك، فان أزعج ولم يدخل أو دخل لا بقصد الاستيلاء ولم يزعج لم يضمن ". ويمكن حمله على إرادة تحقق الغصب بذلك، خصوصا مع ملاحظة كلامه في التذكرة، لا توقفه عليه كما فهمه منه في المسالك، وأورد عليه بالساكن مع المالك، وبغصب العقار مع غيبة المالك. ثم الظاهر أن تقييده بقصد الاستيلاء للاحتراز عن الداخل لا بقصده بل لينظر إليه ليتخذ مثله مثلا، فانه ليس بغاصب عرفا قطعا.


(1) المتقدمة في ص 9.

[ 20 ]

لكن لو انهدمت في تلك الحال فعن التذكرة في الضمان إشكال ينشأ من أنه قد حصل التلف في يده كما لو أخذ منقولا من بين يدي مالكه لينظر إليه فتلف، فانه يضمنه، ومن الفرق بينهما بأن اليد على العقار حكمية لا حقيقية كاليد على المنقول، فلابد في ثبوت اليد على العقار من أمر آخر، وهو قصد الاستيلاء. وفي جامع المقاصد بعد أن ذكر كلاما يوهم اعتبار الامرين في غصب العقار قال: " وينبغي أن يقال: المزاحم للمالك في العقار إما أن يدخل عليه مستوليا أو لا، وعلى كل من التقديرن إما أن يزعجه أو لا وعلى كل تقدير إما أن يكون الغير قويا والمالك ضعيفا أو بالعكس أو يكونان قويين، هذه عدة صور ": من يدخل على المالك مستوليا ويزعجه أو لا يزعجه ولكل منهما قوة فيضمن النصف، لان الازعاج للمالك غير معتبر في الغصب للعقار كما ذكره في التذكرة. ولا يعتبر قصد الاستيلاء إذا تحقق الاستيلاء وإن اعتبره هنا وفي التحرير، لحصول اليد والاستيلاء حقيقة، فهذه صورتان. ولو دخل الضعيف على القوي بقصد الاستيلاء فليس بغاصب، إذ لا أثر لقصد شئ لا يتمكن من تحقيقه، ولو دخل القوي على الضعيف مستوليا (بحيث خ) اضمحلت يده، فالمتجه كونه غاصبا للجميع، ولا فرق في هذين الموضعين بين الازعاج وعدمه، فهذه أربع صور اخرى. ولو أزعج القوي لمثله ولم يدخل أو القوي الضعيف كذلك ففي تحقق الغصب إشكال، ينشأ من أن قبض العقار يكفي فيه التمكن من التصرف والتخلية وتسليم المفتاح كما سبق في البيع، وبذلك يدخل تحت

[ 21 ]

يد المشتري وفي ضمانه، فيجب أن يكون هذا القدر كافيا في صدق الغصب، ومن أن العرف قاض بأن الغصب إنما يتحقق بالدخول، لان الاستيلاء به يحصل. ونحو ذلك قال في التذكرة هنا، وفي التحرير جزم باشتراط الدخول، والمسألة موضع تردد، ولا يتصور إزعاج الضعيف القوي. ولا أثر لانتفاء الدخول والازعاج إلا إذا كان المالك غائبا فأسكن غيره مع جهل الغير، فان في الدروس أن الآمر غاصب لان يد المأمور كيده، والساكن ليس بغاصب وإن ضمن المنفعة، ويشكل بما لو انهدمت الدار وهو فيها مثلا، فان عدم التضمين مع إثبات يده بغير حق وإن كان مغرورا بعيد، فان قال بثبوته ولم يسمه غاصبا فلا مشاحة في التسمية وهو ملخص ما ذكره في التذكرة كما أن ما فيها تلخيص ما في بعض كتب الشافعية. ولعل الاولى من ذلك إيكال الامر في صدق الغصب وصدق أخذ اليد إلى العرف الذي هو المرجع في نحو ذلك، ضرورة عدم حصول كشف العرف بما ذكره في صورة دخول الضعيف على القوي واستيلائه على ما تصرف فيه وثبت يده عليه، فان عدم تحقق الغصب به بناء على أنه الاستيلاء ممنوع، إذ قوة المالك لا تنافي صدق الاستيلاء وإثبات اليد من الضعيف، وأوضح من ذلك استيلاء الضعيف دار المالك القوي الخالية عنه. على أنه لو سلم عدم تحقق الغصب بناء على اعتبار القهر فيه أو الاستقلال المفقود في الصورة الاولى فلا ريب في الضمان من حيث قاعدة اليد وان لم يكن غصبا. وكذا ما ذكروه في صورة دخول القوي على الضعيف مستوليا من

[ 22 ]

اضمحلال يد المالك وكونه غاصبا للجميع، إذ يمكن منعه مع فرض بقاء تصرف المالك وعدم رفع يده، وقدرة القوي على رفع يده لا يقتضي استقلاله باثبات اليد، وحينئذ فلا يتجه ضمانه الجميع على التقدير المزبور، ودعوى اختصاصه باليد ممنوعة كل المنع، أللهم إلا أن يفرض دخوله على وجه لم يبق له يد أصلا وكان الجميع في يد القوي واستيلائه، وربما يشهد لذلك ما عن بعض النسخ من فرضه على هذا الوجه. وكذا ما ذكروه في صورة الاشكال الذي لا ينبغي حصوله مع فرض كون الازعاج لتحقق الاستيلاء الذي يكفي مثله في قبض العقار وصيرورته تحت يده، كما في غصب الملك دار بعض رعيته، فان احتمال توقف صدقه على دخوله واضح المنع في العرف. كما أنه لا ينبغي حصوله بالازعاج الذي لم يقصد به الاستيلاء على الدار، فان هرب المالك وإزعاجه خوفا من الملك على نفسه لا يقتضي غصب الدار مع فرض عدم إرادة الاستيلاء عليها. وبالجملة إيكال الامر إلى العرف في صدق الغصب والقبض وإثبات اليد أولى من الاطناب في ذكر الافراد المختلفة باعتبار خصوصياتها. ومن هنا لم يمكن كشف المعاني العرفية باعتبار عدم الاحاطة بخصوصياتها التي تدرك بالذوق وحسن الانتقاد في كل موضع بخصوصه، ولعل إلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: " ويتحقق " إلى آخره، ضرورة عدم ذكره زيادة على ما سمعته من التعريف، فليس المراد منه إلا الايكال إلى العرف الذي لا ريب في تحققه بازعاج المالك من داره واستيلائه عليها بأخذ المفاتيح مثلا ونحوه وإن لم يدخل إليها كما عرفت. (وكذا لو أسكن غيره) فيها بعنوان الاذن منه والرخصة، من غير فرق بين جهل الساكن بالحال وعلمه، وإن كان في الثاني يكون

[ 23 ]

كل منهما غاصبا، كما ان كلا منهما ضامن في الاول وان لم يكن الجاهل غاصبا، لعدم علمه بالحال الا انه ضامن باثبات اليد واستيلائه على مال الغير بغير حق في الواقع، فهو كالغاصب في ضمان العين والمنفعة وان لم يسم غاصبا اصطلاحا، لان ضمان المأخوذ باليد بعد فرض تحقق صدقه عرفا لا يتوقف مع ذلك على صدق الغصب معه، لعموم قاعدة اليد، فنفي الضمان من بعضهم هنا عما لم يتحقق فيه الغصب وان تحقق فيه اثبات اليد لا وجه له، أو يراد منه نفيه من حيث الغصب. وعلى كل حال (فلو سكن الدار مع مالكها قهرا لم يضمن الاصل) أي جميع الدار، لعدم استقلاله لاثبات اليد، بل مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين ضعف المالك وقوته، لان الفرض عدم رفع يده، بل هي باقية على نحو ما لو كان قويا. (و) من هنا (قال الشيخ: يضمن النصف) مع فرض تساوى يديهما على الدار، وتبعه الاكثر بل المشهور، بل لا نجد فيه خلافا محققا. (و) لكن في المتن وتبعه بعض من تأخر عنه (فيه تردد، منشأه عدم الاستقلال من دون المالك) فلا يتحقق الغصب الذي هو الاستقلال باثبات اليد، ولم نجده لاحد ممن تقدمه فضلا عن الجزم بعدمه، وإن حكاه المصنف في النافع قولا، بل عن التنقيح نسبته إلى المبسوط إلا أنا لم نتحققه، وعلى تقديره فهو واضح الفساد، ضرورة صدق الغصب بذلك عرفا المقتضي لاعتبار الاستيلاء فيه دون الاستقلال أو للقول بتحققه هنا ولو بالنسبة إلى النصف. ودعوى اعتباره فيه على معنى رفع يد المالك ولو على جهة المشاركة واضحة الفساد، لان العرف أعدل شاهد بخلافها، بل مقتضى ذلك عدم

[ 24 ]

الضمان على الشخصين المشتركين في غصب شئ واحد على وجه الاستقلال لكل منهما، وهو معلوم الفساد أللهم إلا أن يفرق بين شركة المالك وغيره، ولكن العرف على خلافه قطعا. ودعوى كون الغاصب حينئذ مجموعهما الذي حصل له وصف الاستقلال وتضمينه يقتضى التوزيع بينهما يدفعها إمكان القول بمثله في الفرض وإن سقط الضمان بالنسبة إلى المالك، باعتبار عدم تصور ضمان ماله لنفسه، بل إن لم يكن إجماعا أمكن القول بضمان الغاصب لجميع عين الدار مع فرض إثبات يده عليها جميعها بالتصرف والانتفاع ونحوهما، وإن كان المالك أيضا متصرفا بها أجمع، فان اجتماع اليدين على الكل بالمعنى المزبور غير ممتنع، والحكم بالتنصيف في الملكية في مثله باعتبار عدم تعقل الحكم بملكية الجميع الذي هو مقتضى اليد لكل منهما، فليس حينئذ إلا التنصيف بينهما كالبينتين، لا لان يد كل منهما على النصف كما أوضحنا ذلك في كتاب القضاء. أما في المقام فلا مانع من الحكم بضمان الغاصب لجميع العين باستيلائه على جميعها الذي لا ينافيه استيلاء المالك أيضا على جميعها، هذا بالنسبة إلى العين. أما بالنسبة إلى المنفعة فيضمن الغاصب كل منفعة للعين التي صارت في يده واستيلائه، سواء استوفاها أو لا، نعم ما استوفاها المالك منها تسقط عن ضمانه باعتبار استيفاء المالك لها، فتأمل جيدا فانه دقيق. هذا وفي الرياض تبعا للكفاية لابد من التقييد بكونه متصرفا في النصف مثلا بحيث يمنع المالك من أنواع التصرفات فيه، كالبيع والهبة وأمثالهما، لا مجرد السكنى. وفيه أنه يكفي في ضمانه النصف إثبات يده بالسكنى على الاشاعة

[ 25 ]

وإن لم يمنعه عن التصرفات المزبورة، لصدق " على اليد ". وعن مجمع البرهان أن ذلك - أي ضمان النصف - إذا شاركه في كل موضع من البيوت، بحيث ما يزاحمه ولا يزعجه إلا عن النصف، ثم قال: " ويمكن أن يكون الحكم كذلك إذا شاركه في البيوت من غير تعيين نصف، بل يقول له: أنا وأنت نكون في هذه الدار مع إثبات يده على الكل وعدم منعه من شئ، مثل الشريكين بالنصف وأحدهما يأذن للاخر ". واستجوده بعض من تأخر عنه، وقال: " لا فرق بعد فرض تصرفه في قدر النصف أو أقل أو أكثر، لان المتصرف في جميع الدار مثلا إثنان، فيحال الضمان عليهما كالجنايات، فلو جنيا عليه ومات من جنايتهما كانت الدية عليهما نصفين وإن كان أحدهما جرحه ألف جرح والاخر جرحا واحدا ". قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه، وأنه لا يقاس المقام الذي بناء الضمان فيه على قاعدة اليد على الجناية التي يصدق أنهما معا قتلاه وإن تعددت جناية أحدهما دون الاخر، بخلاف المقام الذي فرض فيه صدق الاستيلاء على الجميع واليد على كل منهما، فيضمن الجميع من كانت يده يد ضمان دون الآخر، إذ ليس يد كل منهما على النصف حتى يختص ضمانه به. وكذا لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه ما في المحكي عن أبي العباس في كتابيه من أن الغاصب لا يضمن من الاجرة إلا قدر ما ينتفع به من السكنى، إذ قد عرفت أن المتجه ضمانه لكل منفعة عدا


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البهيقي ج 6 ص 95.

[ 26 ]

ما استوفاها المالك، من غير فرق بين ما استوفاها وما لم يستوفها، لان يده ضمان على العين وعلى المنفعة، بل القائل بالتنصيف يضمنه منفعة النصف وإن لم يستوفها. بل قد يظهر لك بالتأمل فيما ذكرناه ما ذكره غير واحد من التفريع على القول بالتنصيف - منهم الفاضل المقداد في التنقيح - أنه لو كان المالك أكثر من واحد هل يلزم الغاصب النصف أيضا أو بالنسبة فلو كان إثنين لزمه الثلث، وثلاثة لزمه الربع ؟ الاقرب الاخير كما لو تعدد الغاصب. والتحقيق يقتضى الضمان على نسبة ما استولى عليه واستقل به إن نصفا فنصف وإن ثلثا فثلث وإن ربعا فربع، وهكذا. وظاهره كون التحقيق غير ما جعله الاقرب أولا. وفي الرياض أن ظاهر العبارة ونحوها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في ضمانه النصف بين وحدة المالك وتعدده، ويحتمل تخصيصها بالصورة الاولى والرجوع في الثانية إلى الضمان بالنسبة، ثم حكى ما سمعته من التنقيح، وقال: هو جيد. قلت: قد عرفت أن ضمان العين يتبع اليد والاستيلاء، فمع فرض صيرورتها أجمع تحت يده على وجه لا ينافي كونها مع ذلك تحت يد المالك يتجه ضمان الجميع، نعم لو فرض تصور كون الداخل تحت يده النصف مشاعا أو الثلث كذلك من دون تصرف في الجميع اتجه حينئذ ضمان ذلك عليه خاصة. وأما المنفعة فيضمن منها منفعة ما كان في يده من غير فرق بين ما استوفاه وغيره عدا ما استوفاه المالك، نعم لو فرض كون ما في يده النصف ولكن نسبة انتفاعه بها إلى انتفاع المالك ثلثان وثلث اتجه حينئذ ضمان النصف للعين والثلثين للانتفاع.

[ 27 ]

وبالجملة فالمسألة في غاية الغموض ومحتاجة إلى التأمل التام. والله العالم. هذا كله في قهر الغاصب المالك لقوته بالنسبة إليه. (و) أما (لو كان الساكن ضعيفا عن مقاومة المالك لم يضمن) من حيث الغصب قطعا بناء على اعتبار القهر في مفهومه الذي لا يتصور في الفرض، وأما ضمانه من حيث اليد فقد عرفت الحال فيه، وأن المتجه فيه الضمان. وفي الدروس " لو سكن الضعيف مع المالك القوي فهو ضامن للمنفعة، وفي كونه غاصبا الوجهان " قلت: قد عرفت ضمانه العين أيضا لو تلفت، لقاعدة " على اليد " وإن لم نقل بكونه غاصبا. (ولو كان المالك غائبا ضمن) بلا خلاف أجده فيه بيننا وإن كان الساكن ضعيفا، معللين له بأنه غاصب، لان الاستيلاء حاصل في الحال، وأثر قوة المالك سهولة انتزاعه من يده وليس بمتحقق. ولكن لا يخفى عليك أن مثله آت في الحاضر القوي، ضرورة عدم الفرق في سكناه مع عيال المالك بين حظور المالك وغيبته، وكذا سكناه في دار المالك القوي الخالية التي صرح في التحرير بضمانها، إذ القهرية منتفية على كل حال، كما أن الاستيلاء حاصل على كل حال. ولا يراد بالاخذ المستفاد من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " على اليد ما أخذت " أزيد من هذا، بل الظاهر عدم اعتبار قصد الغصبية فيه، ومنه يعلم الوجه في ضمان المأخوذ للنظر ونحوه وان استشكل فيه من عرفت. بل في الدروس " لو رفع كتابا بين يدي المالك فان قصد الغصب


) (1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4. وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 28 ]

فهو غاصب، وإن قصد النظر إليه ففي كونه غاصبا الوجهان " مع أن منشأ الوجهين المذكورين في كلامه سابقا الشك في أن الغصب الاستقلال أو الاستيلاء، وهما معا في الفرض حاصلان. نعم يمكن الشك في كون المراد بالاخذ المستفاد من قوله (صلى الله عليه وآله): " على اليد ما أخذت " الاستبداد بالشئ كالمالك أو الاعم منه ومما يشمل الاخذ للنظر ونحوه، الظاهر الثاني، بل لعله الموافق لكلمات الاصحاب في غير المقام التي لا تخلو من تشويش نشأ من إطناب الشافعية في تنقيح أفراد الغصب عرفا، ولعله لانه من حيث كون الغصب سببا للضمان عندهم. وأما نحن فقاعدة اليد أعم عندنا منه، ومساوية له في كيفية الضمان بالآفة السماوية وغيرها وإن كان هو أيضا سببا لقوله (عليه السلام) في الخبر السابق (1): " كل مغصوب مردود ". نعم ينبغي تنقيح قاعدة اليد، ولا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه تحقيق القول فيها، وأنه لابد في الضمان من إثباتها، لانه هو معنى الاخذ، لكن يكفي فيه الاخذ المشترك ولو مع المالك، كما عرفت البحث فيه، والاولى من ذلك إيكاله إلى العرف، والتمسك في محال الشك فيه بأصل البراءة ونحوه كما سمعته في الغصب والقبض، والله العالم. (وكذا لو مد بمقود دابة فقادها) بقصد الاستيلاء عليها أو ساقها كذلك (ضمن) وإن كان مالكها حاضرا لكن غير مثبت يده عليها، لانه حينئذ غاصب بمعنى مستقل باثبات يده ومستول ومحتو (و) آخذ.


االوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس وفيه (الغصب كله مردود).

[ 29 ]

نعم في المتن (لا يضمن لو كان صاحبها راكبا لها) كما في محكي المبسوط، ومرادهما على الظاهر كونه مع ذلك قادرا على منع الغاصب، كما في القواعد وجامع المقاصد والمسالك وغيرها، لعدم صدق الاستيلاء فضلا عن الاستقلال والاخذ. وإليه يرجع ما في الارشاد إلا أن يكون المالك راكبا إلا مع الالجاء، بمعنى كونه ملجأ غير قادر على دفعه، كقوله في غيره: " ولو يمد بمقود دابة وصاحبها راكبها فلا استقلال إلا مع ضعفه عن المقاومة ". ولعل وجهه حينئذ صيرورة يده بمنزلة العدم في جنب القائد المفروض كونه قاهرا مستوليا نحو ما سمعته في الداخل القوي على مالك الدار الذي يده معه - لضعفه وان لم يزعجه - بمنزلة العدم، فيضمن الجميع حينئذ، مع انك قد عرفت الاشكال فيه سابقا مع صدق بقاء يده وتصرفه وان كان الغاصب قادرا على رفعهما الا انه ما لم يتحقق لا يصدق الاستقلال والاستيلاء للجميع، ومثله يأتي في المقام، ولعله لذا تأمل فيه المقدس الاردبيلي، خصوصا مع ملاحظة الحكم له باليد في مقام التنازع. كما انه قد يشكل ما ذكروه من عدم الضمان لو كان المالك الراكب قادرا بما تقدم تقدم لهم من ضمان النصف بدخول الساكن قهرا مع المالك، ولعله لذا لم يفرق بعضهم بين المسألتين، بل لعل حكاية العدم قولا في المسألة السابقة كما في النافع مأخوذ من هذه المسألة. وربما فرق بأن القائد لا استيلاء له مع المالك الراكب على نصف ولا ربع، لانه أقوى يدا وأكثر تصرفا، ولهذا يحكم له بها عند التنازع. وفيه أنه لا يتم على القول بالتنصيف عند التداعي، كما عن الخلاف والسرائر وثاني المحققين والشهيدين، بل عن ثاني الشهيدين التصريح في

[ 30 ]

باب الديات بأن جنايتها بيدها على القائد والراكب بالتنصيف، فيضمن النصف أيضا هنا باعتبار إثبات يده مع يد المالك. كما لو ركبها معه. بل قد يقال بضمانه الكل في الفرض باعتبار صدق الاستيلاء والاخذ الذي لا ينافيه قدرة المالك على الدفع إذا لم يدفع، كما إذا لم يكن راكبا لها وكان حاضرا قادرا على الدفع، أقصاه إثبات يده، ولا ينافى ذلك يد الغاصب، بل ولا استقلاله واستيلاؤه وأخذه واحتواؤه، بل هو بقوده لها وعدم ممانعة المالك له استولى عليه وعليها، نحو ما سمعته في الساكن المتصرف بجميع الدار مع عدم إزعاج المالك، ولعل إيكال الامر في ذلك إلى العرف المختلف باختلاف الاحوال والخصوصيات أولى. وعلى كل حال فلا خلاف ولا إشكال في ضمانه لها لو اتفق تلفها بقوده لها وإن كان الراكب قويا على الدفع، بل لا يبعد ضمانه لمنفعتها التي فاتت على المالك بقوده، وكذا لو ساق الدابة وكان لها جماح فشردت بسوقه فوقعت في بئر ضمن، والله العالم. (وغصب الامة الحامل) مثلا (غصب لحملها (لولدها خ ل) أيضا بلا خلاف ولا إشكال (لثبوت يده) بل استقلاله واستيلائه (عليهما) فيضمنهما حينئذ معا، ولو بضمان تفاوت قيمتها حاملا وحائلا لو أسقطت. وإن تلفت وتلف بعد الوضع ففي المسالك ألزم بالاكثر من قيمة الولد وقيمتها حاملا إن اعتبرنا الاكثر وإلا فقيمته يوم التلف، ولعل المراد قيمة الولد يوم التلف فيكون المعنى أنه إذا تلف الولد بعد الوضع غرم الاكثر من قيمة الولد إلى يوم التلف، مضافا إلى الاكثر من تفاوت قيمتها حاملا وحائلا، وعلى القول باعتبار وقت التلف كان عليه قيمة الولد حينه وقيمة التفاوت كذلك إن كان.

[ 31 ]

وكأن ما في المسالك مأخوذ مما في التحرير، قال فيه: " لو غصب الامة الحامل كان غاصبا للحمل، فلو تلف الحمل ألزم بقيمته، بأن يقوم الامة حاملا وغير حامل، ويلزم بالتفاوت، ولو تلف بعد الوضع ألزم بالاكثر من قيمته وقت الولادة إلى يوم التلف، وكذا البحث في الدابة الحاملة. وعلى كل حال فلا إشكال في ضمان الحمل والحامل في الفرض. بل في التذكرة والتحرير (وكذا يضمن حمل الامة المبتاعة بالبيع الفاسد) لعموم " على اليد " (1) لكن في القواعد والدروس وجامع المقاصد والمسالك وغيرها عدم الضمان، لعدم كونه مبيعا حتى يضمن بقاعدة ما يضمن بصحيحه، فهو حينئذ أمانة في يد المشتري. وفيه أنه مع فرض عدم إذن من المالك إلا الاذن البيعية التي فرض عدمها يتبين الفساد، فيتجه الضمان حينئذ لعدم الاذن، والاصل الضمان، وقاعدة ما يضمن بناء الضمان فيها على ذلك، وإلا فهي ليست من أسبابه من حيث نفسها، وحينئذ فلا حاجة إلى ما في الدروس من حمل القول بالضمان على إرادة اشتراط دخول الحمل. نعم لا وجه للقول بضمان حمل المقبوض بالسوم مع فرض كون السوم على الحامل دون الحمل كما صرح به غير واحد، لكونه أمانة صرفة في يده، وضمان الحامل على خلاف مقتضى القواعد، فيقتصر عليه. لكن عن التذكرة التصريح بضمانه أيضا. ويمكن حمله على المفروض دخوله في السوم مع الحامل أو يقال بأنه مقتضى عموم " على اليد " الذي


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 32 ]

لا ينافيه كونه بالاذن بعد انصراف الامانة المنفي عنها الضمان إلى غير الفرض، فتأمل جيدا. هذا وقال في الدروس: " ولو أثبت يده على مسجد أو رباط أو مدرسة على وجه التغلب ومنع المستحق فالظاهر ضمان العين والمنفعة ". وقد يشكل الضمان في المسجد ونحوه من المشاعر مما لم تكن المنفعة فيه ملكا للناس وإن ملكوا الانتفاع به، إذ هو غير المنفعة، فلا مالية حينئذ حتى يتجه الضمان وإن تحقق الغصب في مثله. ولعله لذا صرح بعض الشافعية بتحقق الغصب والاثم باقامة من قعد في مسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط، ويجب الرد في الاعيان الاختصاصية، وفي المنافع الاختصاصية بتعلق الاثم، ثم قال: " ولا ضمان في شئ من متعلقات الاختصاص ". وهو جيد فيما ليس هو بمال كالمسجد. أما ما كان ملكا للمسلمين أجمع كالطرق ونحوها فلا بأس بالقول بالضمان عينا ومنعفة، بل المسجد الموقوف، لا المخلوق مشعرا كذلك أيضا إن قلنا بكونه ملكا للمسلمين عينا ومنعفة، وإن كان هو لا يخلو من نظر، لقوة احتمال كونه كالتحرير في الخروج عن المالية. وقد تقدم ما في المسالك من انتقاض التقييد في التعريف بمال الغير بما لو استولى المالك على ماله المرهون عدوانا، فانه يضمنه مع التلف بالمثل أو القيمة، ويكون رهنا، وحق المرتهن لا يسمى مالا وإن نزل منزلته. وبما لو استقل باليد على حق الغير في نحو المدرسة والرباط والمسجد والتحجير، فانه في جميع ذلك غاصب مع أنه لم يستول على ماله. وبما لو غصب الوقف العام فانه ليس ملكا للغير، أو الخاص على القول بانتقال ملكه إلى الله إلا أن يراد من الغير ما يشمل الله تعالى،

[ 33 ]

وهو بعيد. وفي الدروس " وإضافة المال إلى الغير - أي في التعريف - ليخرج به مال نفسه، فانه لو أثبت يده على مال نفسه عدوانا كالمرهون في يد المرتهن فليس بغاصب، إلا أن ينزل استحقاق المرتهن منزلة المال، مع أنه لو تلف بعد التعدي ضمن قيمته أو مثله، ويكون رهنا ". قلت: لا إشكال في تحقق الغصب بمعنى القهر على غير الحق الذي هو نوع من الظلم في مثل ذلك، وأما الضمان فلا يكون إلا للمال، ووجوب دفع المثل أو القيمة لتكون رهنا لو أتلفه ليس ضمانا لحق الارتهان. بل هو حكم شرعي لدليله، والله العالم. (ولو تعاقبت الايدي الغاصبة على المغصوب تخير المالك في إلزام أيهم شاء أو إلزام الجميع) أو البعض (بدلا واحدا) على حد سواء أو مختلفا بلا خلاف ولا إشكال، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل في مجمع البرهان دعواه، لان كلا منهم غاصب مخاطب برد العين أو القيمة، لقوله (عليه السلام) (1): " كل مغصوب مردود ". و " على اليد ما أخذت " (2) وقوله تعالى (3): " فمن اعتدى عليكم " و (جزاء سيئة) (4) وغيرهما مما دل على العقاب بمثل ما عوقب (5)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس وفيه (الغصب كله مردود). (2) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4. وسنن البيهقي ج 6 ص 95. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 194. (4) سورة يونس: 10 - الاية 27. (5) سورة النحل: 16 - الاية 126.

[ 34 ]

وأن الحرمات قصاص (1) ونحوه. ولا فرق في تعاقب أيديهم بين كونه بصورة الضمان ببيع فاسد ونحوه وعدمه، نعم قرار الضمان على من تلف المغصوب في يده منهم، بمعنى أنه لو رجع المالك على غيره رجع هو عليه مع فرض عدم زيادة في العين يختص الاول بضمانها بخلاف ما لو رجع عليه نفسه، فانه لا رجوع له على غيره، لان ذمته المشغولة للمالك بالبدل وإن جاز له إلزام غيره باعتبار الغصب بأداء ما اشتغلت ذمته به، فيملك حينئذ من أدى بأدائه ما للمالك في ذمته بالمعاوضة الشرعية القهرية. وبذلك اتضح الفرق بين من تلف المال في يده وبين غيره الذي خطابه بالاداء شرعي لا ذمي، إذ لا دليل على شغل ذمم متعددة بمال واحد، فحينئذ يرجع عليه ولا يرجع هو. كما أنه اتضح لك أيضا جواز مطالبة الكل ببدل واحد على السواء ومختلفا، لانه إذا جاز له مطالبة كل منهم بالجميع فالبعض بطريق أولى، ويرجع حينئذ غير من تلف المال في يده على من تلف المال في يده بمقدار ما أدى. بل ظاهر عدم تقييد الايدي بكونها غاصبة في النافع واللمعة يقتضي عدم الفرق في الضمان بين الجاهل والعالم وإن افترقا في الاثم وعدمه والغرور وعدمه. بل هو صريح المحكي عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد والمسالك والروضة والكفاية، بل لم يرد المصنف من التقييد المزبور إخراج الجاهل، لتصريحه بعد ذلك بالرجوع على الجاهل. نعم ما تقدم في الدروس سابقا - من أن الساكن في البيت بأمر الغاصب جاهلا يضمن المنعفة - ظاهر في ضمانها خاصة، ومن هنا نشأت


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 194.

[ 35 ]

الشبهة على المقدس الاردبيلي، فتردد أو مال إلى عدم الرجوع على الجاهل المغرور الذي لم يعلم اندراجه في قوله (صلى الله عليه وآله) في خبر سمرة بن جندب (1): " على اليد " الذي لم تثبت صحته ولا تواتره بعد معلومية عدم كونه غاصبا، وإلا لكان آثما. وفيه - بعد إمكان تحصيل الاجماع على خلافه - أن عدم تواتره بل وعدم صحته لا يقدح بعد العمل به الجابر له سندا ودلالة، بل نصوص المغصوب التي منها قوله (عليه السلام) (2): " كل مغصوب مردود " شاملة له، ضرورة صدق المغصوبية على ما في يده وإن لم يكن هو الغاصب. وعدم كونه مخاطبا بالخطاب التكليفي لجهله لا يقتضي عدم كونه مخاطبا بالخطاب الوضعي، وقاعدة الغرور ظاهرة في الرجوع عليه وإن رجع هو على من غره فيما إذا لم تكن يده يد ضمان ولم يكن التلف مباشرة منه بغير غرور، كما لو أعاره الغاصب إياه عارية غير مضمونة أو أودعه إياه فتلف بآفة سماوية مثلا. أما إذا كانت يده يد ضمان أو باشر هو اتلافه بغير غرور فلا رجوع له، كما ستسمع تفصيله إنشاء الله تعالى عند تعرض المصنف له. والمراد من عبارة الدروس ما ذكرناه سابقا من ان الضمان للمنفعة مستقر على الساكن بخلاف العين، فانه يرجح به على الغار، كما صرح به في المقام، قال: " وتعاقب الايدي العادية على العين يوجب تضمين كل واحد منهم، وقرار الضمان على من تلفت في يده، فيرجع غيره عليه لو رجع عليه، ولو كان فيهم يد غير عادية فقرار الضمان على الغار ".


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس وفيه " الغصب كله مردود ".

[ 36 ]

وان كان لا يتم إطلاقه فيما لو كانت اليد الاولى عادية غارة والثانية مغرورة والثالثة عادية لعلمها بالغصب مثلا، فلو رجع المالك على الثانية المغرورة لم يكن قرار الضمان على الغار الذي هو الاول، فالمتجه تقييد ذلك بما إذا كان التلف في يد المغرور لا مطلقا. حتى في مثل الفرض الذي لم يكن التلف في يده. أو يقال باختصاص قاعدة الغرور بما إذا كان التلف في يده، وحينئذ يتجه في المثال الرجوع على من تلف المال في يده خاصة دون الاول، بخلافه على السابق، فان المتجه فيه التخيير بين الرجوع على الغار وإن رجع هو على من تلف المال في يده وبين الرجوع على من تلف المال في يده ابتداء جمعا بين القاعدتين، لعدم تنافيهما، هذا. ومرادنا بما ذكرنا من رجوع الجاهل على غيره لو رجع عليه إذا كان مغرورا، أما مع عدم الغرور فلا رجوع له، بل هو حينئذ كالعالم في ذلك، بل مرادنا أيضا بالجاهل غير العالم بالغصب، من غير فرق بين الغافل والناسي وغيرهما، والله العالم. (والحر لا يضمن بالغصب ولو كان صغيرا) لا عينا ولا منفعة بلا خلاف محقق أجده فيه، على معنى كونه كغصب المال الموجب للضمان وإن مات حتف أنفه، بل ولا إشكال، ضرورة عدم كونه مالا حتى يتحقق فيه الضمان، وما في النافع - من أنه لو كان أي التلف لا بسببه كالموت ولدغ الحية فقولان - لم نتحققه، ونحوه ما عن المفاتيح من نسبة ما في المتن إلى القيل والكفاية إلى المشهور. ولذا قال في محكي المهذب والمقتصر: " إن الاصحاب على خلافه " أي القول المحكي في النافع كما عن التنقيح الاعتذار عنه بالمسامحة، بل فيه وفي الروضة الاجماع على عدم ضمان الصغير إذا كان تلفه بالموت الطبيعي، ومن هنا طفحت عباراتهم

[ 37 ]

بعدم ضمان الحر بالغصب، وأنه إنما يضمن عينا بالجناية عليه مباشرة أو تسبيبا (و) منفعة بالاستيفاء أو تسبيبا على الوجه الذي سيأتي إنشاء الله. بل (لو أصابه غرق أو حرق أو) غيرهما فضلا من أن يصيبه (موت في يد الغاصب من غير تسبيبه لم يضمنه) للاصل، كما عن مبسوط الشيخ وإيضاح الفخر وغيرهما، بل في المسالك نسبته إلى الاشهر بل عن الكفاية إلى المشهور (و) ان كنا لم نتحققه. بل (قال) الشيخ (في كتاب الجراح) من المبسوط: (يضمنه الغاصب إذا كان صغيرا) أو مجنونا (وتلف بسبب، كلدغ الحية والعقرب ووقوع الحائط). بل في الدروس ومحكي الخلاف والمختلف هو قوي، وعن المقتصر هو حسن، بل عن التبصرة وتعليق الارشاد وغيرهما اختياره، وهو المحكي عن أبي حنيفة أيضا، ولا ترجيح في النافع وكشف الرموز والتحرير والارشاد والتذكرة في موضع منها. وغاية المراد والتنقيح والمهذب البارع والروضة على ما حكي عن بعضها. نعم لا وجه ظاهر يقتضي الضمان، إذ دعوى كونه بغصبه صار سببا شرعا لتلفه كحفر البئر واضحة المنع. والخبر (1) " من استعار حرا صغيرا فعيب ضمن " لا جابر له ولا عامل به، ومناسبة الضمان للعدوان - بل عدمه يفضي إلى الاحتيال في قتل الاطفال - مجرد اعتبار، والضمان في نقل المملوك الصغير والمجنون إلى المسبعة أو المضيعة كما عن التذكرة لا يقتضي الضمان في الفرض، لظهور التسبيب فيه بخلافه. ومن الغريب ما عن الفاضل من الجزم في موضع من محكي التذكرة


(1) الوسائل - الباب - 12 - من

[ 38 ]

بعدم الضمان في مثله وتردده في المقام، فالمتجه عدم الضمان مع فرض عدم تقصير منه في حفظه بالاهمال ونحوه، وربما يحمل القول بالضمان على ما لو اهمل، بحيث يكون سببا في تلفه، لكونه غير قابل لحفظ نفسه، بخلاف ما إذا لم يهمل فاتفق تلفه بأمر لا مدخل لاهماله فيه، وحينئذ يكون النزاع لفظيا. ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين الصغير والمجنون كما صرح به جماعة. بل في مجمع البرهان أن الظاهر عدم الفرق بينهما وبين الكبير إذا حبس بحيث لا يقدر على الخلاص منه ثم حصل في الحبس شئ أهلكه. لظلمته وعدم قدرته على الفرار من أذيته، إذ هو حينئذ كالطفل، بل كالحيوانات التي لا شعور لها، فعلة الضمان فيهما سواء. وربما كان في ذلك نوع إيماء إلى ما ذكرنا إذا كان المراد منه أن لحبسه على الوجه المزبور مدخلا في تلفه على وجه يكون سببا وإن كان كبيرا قابلا للدفع عن نفسه إلا أنه منعه عن ذلك على وجه صار كالصغير الغير القابل للدفع عن نفسه. وكذا ما في جامع المقاصد والروضة من أنه لو كان بالكبير خبل أو بلغ رتبة الصغير لمرض أو كبر ففي إلحاقه وجهان، ضرورة كون الوجه في الضمان ما عرفت، إذ لا خصوصية للصغير من حيث كونه كذلك، بل ليس إلا لعدم قابليته للدفع عن نفسه، فغيره مما كان كذلك في القصور مثله في الضمان مع الاهمال على الوجه المزبور، والله العالم. (ولو استخدم الحر فعليه (لزمه خ ل) الاجرة) بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لان منفعته متقومة حينئذ، فهو كمن أخذ مال

[ 39 ]

غيره (و) لو لان منفعته المزبورة تقابل بمال. أما (لو حبس صانعا لم يضمن أجرته ما لم ينتفع به) فضلا عن غير الصانع بلا خلاف أجده فيه، بل في الكفاية هو مقطوع به في كلام الاصحاب، وإن عبر في التذكرة بلفظ الاقوى مشعرا باحتمال الضمان فيه، بل في مجمع البرهان قوة ذلك، لقاعدة نفي الضرر مع كونه ظالما وعاديا، فيندرج في قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) و " جزاء سيئة سيئة " (2) وغيرهما مما دل على المقاصة والعقاب بمثل ما عوقب (3) فالضمان حينئذ لذلك لا للغصب الذي لا يقتضيه، باعتبار عدم كون المغصوب مالا تتبعه منافعه ولو شرعا في الدخول تحت اليد واسم الغصب وغيرهما. وحكاه في الرياض عن خاله العلامة في حواشيه عليه، حيث قال: " إن ثبت إجماع على ما ذكره الاصحاب وإلا فالامر كما ذكره الشارح ". ومال إليه في الرياض حيث يكون الحابس سببا مفوتا لمنافع المحبوس. ثم قال: " يحتمل قويا اختصاص ما ذكره الاصحاب بصورة عدم استلزام الحبس التفويت كما فرضناه بل الفوات، وربما يستفاد ذلك من التذكرة حيث إنه مع تصريحه بما ذكره الاصحاب قال في عنوان البحث: منفعة بدن الحر تضمن بالتفويت لا بالفوات، انتهى. ويظهر الفرق بين المقامين فيما لو حبسه مدة لها اجرة في العادة، فان كان لو لم يحبس لحصلها كان حبسه سببا لتفويتها. فيضمن هنا كما ذكراه، وإن كان لو لم يحبس لم يحصلها أيضا لم يكن حبسه سببا لتفويتها، وهذا هو مراد


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 194. (2) سورة الشورى: 42 - الاية 40. (3) سورة النحل: 16 - الاية 126.

[ 40 ]

الاصحاب في حكمهم بنفي الضمان فيه كما احتملناه من كلامهم، ولا شبهة فيه ". قلت: لا يخفى فساد الاحتمال المزبور على من لاحظ كلمات الاصحاب، بل فرضهم المسألة في حبس الصانع كالصريح في عدم الضمان وإن كان سببا. والمراد بالتفويت في عبارة التذكرة الاستيفاء، كما يشعر به تفريع ذلك عليها فيها، قال: " منفعة بدن الحر تضمن بالتفويت لا بالفوات فلو قهر حرا واستعمله في شغل ضمن أجرته، لانه استوفى منافعه، وهي متقومة، فلزمه ضمانها، كما لو استوفى منافع العبد، ولو حبسه مدة لمثلها اجرة وعطل منافعه فالاقوى أنه لا يضمن الاجرة، لان منافعه تابعة لما لا يصح غصبه، فأشبهت ثيابه وأطرافه، ولان منافعه في يده، لان الحر لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت تحت يده فلم يجب ضمانها، بخلاف الاموال، وهو أصح وجهي الشافعية، والثاني أنه يضمنها، لان منافعه تتقوم بالعقد الفاسد. فأشبهت منافع الاموال، فقد فوتها بحسبه فضمنها كمنافع العبد، أما لو منعه من العمل من غير حبس فانه لا يضمن منافعه وجها واحدا، لانه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه، فالحر أولى ". وهو كالصريح فيما ذكرناه، على أن التسبيب الذي ذكره إنما يقتضي الضمان إذا تعلق بتلف الاموال، ومنفعة الحر معدومة، فلا يتصور التسبيب لتلفها، كما أن قاعدة نفي الضرر والضرار وغيرها مما ذكره من الآيات لو اقتضت الضمان على وجه تشمل الفرض لا تثبت فقها جديدا، ضرورة اقتضائها الضمان بالمنع عن العمل أو الانتفاع بماله وغير ذلك مما عرفت عدم القول به من العامة الذين مبنى فقههم على القياس

[ 41 ]

والاستحسان فضلا عن الامامية الذين مبنى فقههم على القواعد المقررة الثابتة عن أهل بيت العصمة، فلا وجه للضمان في الفرض كما قطع به الاصحاب (لان) الحر لا يدخل تحت اليد على وجه تدخل منافعه معه كالمال ولو شرعا. بل (منافعه في قبضته) كثيابه باقية على أصالة عدم الضمان (و) إن ظلم وأثم بحبسه أو منعه عن العمل. نعم (لو استأجره لعمل) في زمان معين (فاعتقله ولم يستعمله فيه) استقرت الاجرة عليه قولا واحدا كما عن المهذب البارع، ولا نزاع فيه كما في جامع المقاصد، ولعله - بعد إرادة الاجماع منه - الحجة بعد اقتضاء عقد الاجارة ملك الثمن، وعدم الاستيفاء إنما كان لتقصير من المستأجر، وقد فات الزمان، والاصل عدم بطلانها، كما أن الاصل عدم قيام غير الزمان الذي هو متعلق العقد مقامه. ولعل مثله ما قيل من أنهم ذكروا قرارها أيضا فيما لو استأجره لقلع ضرسه فبرأ بعد أن مضت مدة يمكنه القلع فيها باذلا الاجير نفسه فيها، وإنما كان التأخير من جانب المستأجر، وذلك لما عرفت من اقتضاء العقد ملك الاجرة على الوجه الذي سمعته، والفرض لم يبق محل للعمل، والاصل عدم الانفساخ وعدم قيام غير متعلق العقد مقامه، فهو حينئذ كالاجير الخاص وكذا ما كان مثله، إذ ليس لقلع الضرس خصوصية. أما لو استأجره على عمل فاعتقله مدة يمكن فيها استيفاء العمل ولم يستوفه وبذل الاجير نفسه للعمل كذلك ولم يستوفه منه ففي استقرار الاجرة (تردد) كما في التذكرة والقواعد والارشاد وغاية المراد (و) لكن (الاقرب ان الاجرة لا تستقر) كما في التحرير وجامع المقاصد وتعليق الارشاد والمسالك والروضة والرياض وغيرها على ما حكي عن بعضها (لمثل ما قلناه) من ان منافع الحر تضمن

[ 42 ]

بالاستيفاء لا بالفوات، فمنفعته في المدة المزبورة غير مضمونة على الحابس وان بذلت له، فالعمل باق على استحقاقه عليه بالعقد الذي يقتضي ملك الاجرة بملك العمل عليه وتسليمها بتسليمه الذي لم يحصل، ولا دليل على الاكتفاء عن تسليمه بالحبس المدة المزبورة ولا بالبذل فيها. (ولا كذلك لو استأجر دابة) مثلا لنقل متاع مثلا (فحبسها بقدر الانتفاع) أو بذلت له كذلك فتسلمها ولم يستوف، لان منفعتها حينئذ مضمونة عليه، فتقوم مقام المنفعة المستحقة له بعقد الاجارة ولو بالتهاتر القهري باعتبار كونه مستحقا عليه من منفعة الدابة المزبورة، لانها مضمونة عليه في يده مقدار ما هو مستحق له، وهو أقرب من اجرة المثل التي هي بدل ما يفوت من المنفعة لو لم يكن له مقدار ما فات في يده مما هو مضمون عليه، فتأمل جيدا فانه دقيق جدا. وربما كان في عبارة الاصحاب شهادة على ذلك، حتى عبارة المصنف ومع قطع النظر عن ذلك فالاجماع بقسميه على قيام تسليم العين المملوكة مقام تسلم المنفعة المستحقة بعقد الاجارة، بخلاف الحر. فما عن إجارة التذكرة والمسالك من الاستقرار في الحر بذلك أيضا واضح الضعف وإن قواه الاردبيلي هنا، لما سمعته مما ذكروه في الاستئجار على القلع للضرس الذي قد عرفت الفرق بينه وبين المقام بعد تسليم الحكم فيه. ولان العقد موجب للعوضين، وقد بذل هذا عوضه، فيلزمه العوض الاخر، كما في نفقة الزوجة والمهر، فانها لها إذا مكنت نفسها وإن لم يستمتع بها، ويجب عليها تسليم نفسها إذا تسلمت المهر الذي هو قياس لا يأتي في نحو المقام الذي هو من عقود المعاوضة المقتضية ملكا بملك وتسليما بتسليم، بخلاف التمكين الموجب للنفقة الذي هو من الاحكام،

[ 43 ]

وكذا تسليم نفسها بالمهر. على أنه يكفي في الفرق ثبوت الدليل على وجوب التمكين بالنفقة وتسلم المهر، ولا دليل في المقام على الاكتفاء عن حصول العمل الذي هو مقتضى عقد الاجارة بالمدة المزبورة، خصوصا إذا لم ينو المحبوس ولا الحابس الوفاء والاستيفاء عما عليه من العمل. وفي الايضاح " والتحقيق إن هذا هل هو تمليك للمنافع، فإذا أهمل استعمالها حتى تلفت لم يضمن أو هو كالدين في ذمة الحر، فلا يسقط إلا بالاستيفاء أو الابراء ؟ والاشبه الثاني، لان الحر يستحق عليه في ذمته ولا يملك عينه ولا منافعه، ولانها معدومة، فيتبع الاصل في الملك أو اليد، وهما منفيان في الحر، ويرد استحقاق المستأجر الاول اجرة المثل على من استعمل الاجير الخاص ". وهما كما ترى ليس من التحقيق في شئ، خصوصا بعد أن أشكله بما ذكره أخيرا. ومن هنا قال في جامع المقاصد: " في هذا البناء نظر، إذ لا يلزم من ملك المنافع استقرار الاجرة بالحبس في المدة المذكورة، لان العقد المملك إذا لم يوجب الاستقرار فلا دليل على ثبوته بمضي المدة المذكورة ". ومرجعه إلى ما ذكرناه من عدم الدليل على قيام الحبس أو البذل المدة المزبورة مقام تسلم العمل، بخلافه في المال وفي الاجير الخاص. لكن قال متصلا بما سمعت: " ووجه شيخنا الشهيد الاستقرار في بعض حواشيه بأن المنافع ملكها المتسأجر وتلفها مستند إلى فعله، ويؤيده الحكم باستقرار الاجرة على قلع الضرس مع البرء وسبق التمكين من قلعه ". قلت: هو كما ترى راجع إلى ما سمعته من الفخر، ويرد عليه

[ 44 ]

ما عرفت، والله العالم. (ولا يضمن الخمر) مع تلفها (إذا غصبت من مسلم) وكان الغاصب مسلما على الاشهر في محكي المختلف، بل المشهور في المسالك، بل بلا خلاف - أي بين المسلمين - في محكي الخلاف، بل إجماعا في التذكرة، فما عن أبي علي - من إطلاق ضمان الخمر المغصوبة بقيمتها خلا - واضح الضعف، وإن نزل على الخمر المتخذة للتخليل إلا أنه مناف لاطلاق معقد الاجماع ونفي الخلاف المزبورين، بل صريح الشهيدين والكركي عدم ضمان المتخذة للتخليل وإن أثم، بل قيل يغرر، بل في المسالك أنه المشهور، لانها على كل حال غير مملوكة للمسلم وإن سبق ملكه قبل الخمرية، فلا وجه لضمانها. وما عن المقدس الاردبيلي - من التأمل في أصل الخروج عن الملكية بذلك وفي عدم ضمانها بالمثل أو بالخل - من الوسوسة، وكذا ما عن ظاهر المفاتيح أو صريحها من ضمان المتلف لها، ضرورة ظهور النصوص والفتاوى في عدم ملكية المسلم للخمر مطلقا وإن كان المتخذ للتخليل منها محترما، بمعنى الاثم في غصبه ووجوب رد عينها وإن انقلبت خلا عند الغاصب. (و) كذا (لو غصبها الكافر) من المسلم، كما صرح به غير واحد، بل عن الخلاف نفي الخلاف أيضا، لما عرفت مما هو مشترك بين الكافر (و) المسلم. نعم (تضمن إذا غصبت من الذمي متسترا ولو) كان الذي (غصبها) منه (المسلم) باجماع الفرقة وأخبارها في محكي الخلاف بل قيل: إن الاجماع أيضا ظاهر المبسوط والسرائر والتذكرة. أما المتظاهر فلا ضمان وإن كان الغاصب كافرا قولا واحدا.

[ 45 ]

(وكذا) الكلام في (الخنزير) بالنسبة إلى ضمانه وعدمه في المسلم والمتستر والمتظاهر وغير ذلك مما عرفت. وضمانه بالقيمة عند مستحليه بلا خلاف ولا إشكال، وكذا الخمر يضمنها المسلم للذمي المتستر بها بالقيمة عند مستحليها باجماع الفرقة وأخبارها في محكي الخلاف والتذكرة، ولا بحث فيه كما في جامع المقاصد، لاستحالة ثبوت الخمر في ذمة المسلم وإن كانت مثلية. بل عن المبسوط والسرائر والتحرير والمختلف وغيرها ذلك أيضا إذا كان الغاصب كافرا، بل ظاهر التذكرة الاجماع عليه، بل عن الخلاف دعوى إجماع الفرقة وأخبارها عليه أيضا. خلافا للمحكي عن القاضي في أحد قوليه من القول بضمان مثلها، وفي جامع المقاصد والمسالك تقييد ضمان القيمة بما إذا ترافعوا الينا، وفي القواعد الاشكال في ذلك، كقول المصنف: (ويضمن الخمر بالقيمة عند المستحل لا بالمثل ولو كان المتلف ذميا على ذمي، وفي هذا تردد). ولعل منشأه أنها مال مملوك وهو مثلي، فيضمن بمثله، وقد امرنا باقرارهم على ما عندهم (1) ومن أنه يمتنع في شرع الاسلام الحكم باستحقاق الخمر وإن كنا لا نعترضهم إذا لم يتظاهروا بها، فامتنع الحكم بالمثل للعارض، فيجب الانتقال إلى القيمة، كما إذا تعذر المثل في المثلي. ولعل هذا أقوى، خصوصا مع ملاحظة اشتراط التستر في احترامها، فمتى حكم لهم بها ظاهرا زال احترامها. وما عساه يقال - من أنه لا يلزم من الحكم باستحقاقها إظهارها - يدفعه أن الحكم باستحقاقها ظاهر في ذلك، خصوصا إذا انجر إلى الاظهار عند الامتناع من الاداء فحبس حتى يؤدي، وخصوصا مع ملاحظة


(1) الوسائل - الباب - 68 - من ابواب الجهاد - من كتاب الجهاد.

[ 46 ]

ما سمعت من الاجماع المحكي المعتضد بالشهرة بقسميها، والله العالم. (وهنا أسباب اخر يجب معها الضمان) غير الغصب جرت عادتهم في البحث عنها في كتابه. (الاول: مباشرة الاتلاف) بلا خلاف فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل الاجماع بقسميه عليه إن لم يكن ضروريا (سواء كان المتلف عينا، كقتل الحيوان المملوك وتخريق الثوب، أو منفعة كسكنى الدار وركوب الدابة وإن لم يكن هناك غصب) أي استقلال يد على أنه عدوان. (الثاني: التسبيب، وهو كل فعل يحصل التلف بسببه كحفر البئر في غير الملك، وكطرح المعاثر في المسالك) بلا خلاف أجده في أصل الضمان به، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه. مضافا إلى خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر شيئا في طريق المسلمين فأصاب فعطب فهو له ضامن ". وصحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن الشئ يوضع على الطريق فتمر به الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه ". وخبر أبي الصباح الكناني عنه (عليه السلام) أيضا " من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن ".


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 2 من كتاب الديات.

[ 47 ]

وصحيح زرارة (1) عنه (عليه السلام) أيضا " قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليه رجل فوقع فيها، فقال: عليه الضمان، لان كل من حفر بئرا في غير ملكه كان عليه الضمان ". وموثق سماعة (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحفر البئر في داره أو في ملكه، فقال: ما كان حفر في داره أو ملكه فليس عليه ضمان. وما حفر في الطريق أو غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها ". إلى غير ذلك من النصوص التي منها المعتبرة المستفيضة الدالة على غرامة الشاهد إذا رجع عن شهادته بعد ما قضي بها للاول قدر ما أتلفه من مال الرجل (3) وعلى أنه يقتل إذا قتل بشهادته، وقال الشاهد: تعمدت الشهادة عليه زورا (4) وعلى غرامة دية اليد مثلا لو شهد عليه بالسرقة ورجع وقال: إني اشتبهت (5) وعلى غرامة المهر لو شهد بطلاق زوجة ثم تزوجت، أو بموت زوجها ثم جاء زوجها أو رجع الشاهد عن شهادته بالطلاق (6) ومنها دل على رجوع المغرور (7) ومنها ما دل على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 - 3 من كتاب الديات. (3) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات. (4) الوسائل - 12 - من كتاب الشهادات. (5) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات. (6) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب الشهادات. (7) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 5 والباب - 2 - من ابواب العيوب والتدليس. والباب - 7 - منها - من كتاب النكاح.

[ 48 ]

تسبيب الاكراه وغير ذلك المعلوم عدم خصوصية الطريق فيها، كمعلومية عدم خصوصية لما ذكر فيها من الافراد، خصوصا بعد ملاحظة العموم في صحيح الحلبي منها وغيره. نعم عبر الاصحاب عما فيها بالسبب واختلفوا في تعريفه، فعرفه المصنف هنا بما سمعت، وفي الديات بما لولاه لما حصل التلف عنده لكن علة التلف غيره، كحفر البئر ونصب السكين والقاء الحجر، فان تلف عنده بسبب العثار. وفي القواعد هنا " السبب ايجاد ما يحصل التلف عنده إذا كان مما يقصد لتوقع تلك العلة، كالحافر وفاتح الرأس الظرف. والمكره على الاتلاف، والمباشرة هي ايجاد علة التلف، كالقتل والاحراق ". وقال في قصاصها: " اقسام المزهق ثلاثة: شرط وعلة وسبب، فالشرط ما يقف عليه تأثير المؤثر ولا مدخل له في العلية، كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع، إذ الوقوع مستند إلى علته، وهي التخطي، ولا يجب به قصاص، وأما السبب فهو ما له أثر ما في التوليد، كما للعلة، لكنه يشبه الشرط من وجه، ومراتبه ثلاثة: الاول: الاكراه - وذكر تفصيل الحال فيه - الثاني: شهادة الزور - ثم ذكر تفصيل الحال فيها - الثالث: نحو تقديم الطعام المسموم إلى الضيف - وذكر تفصيل الحال فيه - ". وقال في دياتها: " السبب هو كل ما يحصل التلف عنده بعلة غيره، إلا أنه لولاه لما حصل من العلة تأثير كالحفر مع التردي ". وقال في الايضاح في وجه التردد في ضمان الولد بموته جوعا " لو حبس الشاة أو حبس المالك عن حراسة ماشيته فاتفق تلفها أو غصب دابة فتبعها ولدها: " ينشأ في الاول من أنه مات بسببه، لصحة إسناده

[ 49 ]

إليه عرفا، ولان للسبب هو فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلة سواه، وهذا تفسير بعض الفقهاء، وزاد آخرون: ولولاه لما أثرت العلة، وهذا التفسير أولى. فعلى هذا ليس هو السبب، ولانه يمكن اعتياضه بغيره فهو أعم، فليس بسبب ولا يد له عليه، ولا مباشرة ولا ضمان، وهذا منشأ النظر في الباقيين، وأيضا ينشأ في الثاني من أنه تصرف في المالك لا في المال، ومن حيث إنه سبب عرفا، وأما في الثالث فمن حيث إنه سبب لحدوث ميل يشبه القسري لوجود ميل الولد إلى امه طبعا فهو سبب، ومن الشك في كونه سببا شرعيا في الضمان، والاصل البراءة ". وقال في غاية المراد في بيان الوجه في سببية دلالة السارق: " إن السبب على ما فسره الفقهاء هو إيجاد ملزوم العلة قاصدا لتوقع تلك العلة، ومنهم من يفسره بأنه فعل ما يحصل عنده التلف لكن لعلة غيره، فهو أعم من الاول، لا مكان سبب آخر بدل منه ". وقال في جامع المقاصد: " عرف في الدروس السبب بأنه فعل ملزوم العلة، وقريب منه ما ذكره الشارح الفاضل، والمعنى قريب، وقول المصنف: إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة غير محتاج إليه، بل هو مضر، إذ حفر البئر قد لا يقصد الحافر به توقع العلة الموجبة للتلف ولا قصدها اكثري، مع الضمان قطعا للسببية، وكأنه أراد الاحتراز عما إذا كان حدوث المقتضي للتلف على تقدير ذلك الفعل نادرا، فانه لا يعد سببا، ولعله أراد بقصده كون شأنه ذلك، وكان الاولى أن يقول: هو إيجاد ما يحصل التلف عنده لكن بعلة اخرى إذا كان السبب مما يتوقع معه علة التلف، بأن يكون وجودها معه أكثريا. واعلم أن شيخنا الشهيد في شرح الارشاد فسر السبب بتفسيرين - ثم حكى عبارته السابقة وقال -: في الاول نظر، لانه إنما يصدق في الغاصب إذا قدم

[ 50 ]

طعام الغير لآكل مبيحا له، لانه قاصد حينئذ بالتقديم الاكل، ولا ريب أن حفر البئر سبب وطرح ما يتعثر به سبب بغير خلاف، والظاهر أن مراد الجماعة كونه يقصد توقع العلة باعتبار الشأن، فيكون تقديره هكذا: السبب إيجاد ملزوم العلة الذي شأنه أن يقصد معه توقع تلك العلة ". وقال في مجمع البرهان بعد أن حكى عن بعض زيادة قصد توقع تلك العلة على تعريفه بأنه إيجاد ملزوم العلة المتلفة: " نحن ما نقدر على فهم المذكور من دون زيادة فكيف مع الزيادة " وذلك لانه ذكر سابقا أن الملزومية غير ظاهرة، وإنما الظاهر كونه موقوفا عليه علية العلة، وأنها لم تتحقق إلا بعد تحققه، لا أنه لازمة لوجوده، فانه معلوم عدم استلزام الحفر للتردي والالقاء. ولعل المراد بالملزومية ذلك المقدار فقط، إذ لا يحتاج إلى شئ بعد وجوده إلا المباشرة ". وقال في المسالك: " إن ما له مدخل في هلاك الشئ إما أن يكون بحيث يضاف إليه الهلاك في العادة إضافة حقيقية له أو لا يكون كذلك، وما لا يكون كذلك إما أن يكون من شأنه القصد به ما يضاف إليه الهلاك أو لا يكون كذلك، وما يضاف إليه الهلاك يسمى علة، والاتيان به مباشرة. وما لا يضاف إليه الهلاك ولكن يكون من شأنه أن يقصد بتحصيله ما يضاف إليه سمي سببا، والاتيان به تسبيبا ". إلى غير ذلك من كلماتهم التي لم نعرف الداعي لهم إلى صدورها بعد خلو نصوصهم عن اللفظ المزبور عنوانا للحكم، وإنما الموجود في النصوص ما عرفت، ومنه يتعدى إلى أمثاله بعد العلم بعدم الخصوصية للمذكور فيها، أو يستند إلى ما سمعته من العموم في بعضها، والاصل البراءة فيما لا يضاف إليه الاتلاف حقيقة، ولا يندرج في الامثال المزبورة بل مع الشك فيه كذلك أيضا.

[ 51 ]

ولعل المحصل منها الضمان على وجه يجعل ضابطا هو إيجاد ما يصلح أن يقصد حصول التلف به في بعض الاحيان ولو بواسطة غيره معه، سواء كان له مدخلية في علية العلة كالحفر أو في وجودها كالغرور والاكراه، ومع فرض قصور العبارة عن تأديته لا يلتفت إليها. ودعوى أن المحصل منها الضمان بمفهوم السبب الذي قد عرفت الخلاف في تعريفه على وجه بنوا الضمان وعدمه في بعض الفروع عليه واضحة الفساد، ضرورة كون الثابت خصوص بعض المصاديق التي لا ينتقل منها إلى جعل عنوان الحكم مفهوم السبب الذي ذكروه خصوصا، بعد العلم بأن ما سمعته من التعريف له من الامور الاصطلاحية، لا أنه مفهوم عرفي. بل لا يبعد كون المراد لهم ضبط ما استفادوا الضمان به من النصوص المزبورة، لا أن المراد كون المدار على صدق اسم السبب، خصوصا بعد أن لم يكن له معنى منقح عرفا. بل ربما أطلق اسمه على المعلوم عدم الضمان به، وليس في شئ من النصوص ما يقتضي جعل مفهومه عنوانا، بل السبب المذكور هنا غير موافق لمعنى السبب بمعنى العلة التامة ولا السبب الاصطلاحي الذي هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، بل ليس هو إلا من الشرائط كما سمعت الاعتراف به من الفاضل. فالتحقيق حينئذ كون المدار على المستفاد من النصوص المزبورة وغيرها مما صرح فيها بالضمان به، والتعدية منه إلى مشابهه في ذلك بالاجماع أو بفهم عرفي ينتقل منه إلى كون المذكور مثالا لما كان من سنخه، ولعل ذلك وجه التردد فيما سمعته من الامثلة، وإلا فتعريف السبب المزبور صادق عليه، كصدق التسبيب بالمعنى العرفي.

[ 52 ]

والظاهر عدم كون التعدي والتفريط الموجبين للضمان في الامين من ذلك حتى يصح التعدي منها إلى ما ماثله في غير الامين، فيكون دلالة السارق وفتح الباب ومنع المالك حراسة ماشيته موجبا للضمان، باعتبار إيجاب مثله في الامين الذي مدار ضمانه على التعدي والتفريط الصادق ثانيهما في المفروض إذا كان من الامين دون غيره، فتأمل جيدا في جميع ما ذكرناه، فانه دقيق نافع لم أجده محررا في كلامهم. ومنه يعلم عدم اعتبار قصد توقع العلة فيه ولا أكثرية ترتب التلف به ولا منشأيته، ضرورة إطلاق النصوص المزبورة الضمان بالامور المذكورة من غير تقييد لشئ منها بشئ من ذلك، كضرورة كون مراد الاصحاب بما ذكروه من موجبات التضمين بالتسبيب هنا أن الضمان يكون به، لا أن المراد متى صدق السبب حصل الضمان، ضرورة وقوع حفر البئر الذي لا إشكال في كونه سببا نصا (1) وفتوى على وجوه عديدة لا ضمان فيها. ولعله لذا وغيره قيد ما حكاه بعضهم من الاجماع على التضمين بالسبب بقوله: " في الجملة ". وقال في المسالك: " واعلم أيضا أن تمثيل المصنف السبب بحفر البئر في غير الملك تخصيص للسبب الموجب للضمان، فان حفره - وإن كان في ملك الحافر - يكون سببا في الهلاك لكنه غير مضمون، فالسبب المعرف سبب خاص وهو الموجب للضمان وإن كان التعريف صادقا على ما هو أعم " وإن كان آخر كلامه لا يخلو من نظر في الجملة. وعلى كل حال فقد أطلق المصنف وغيره كون حفر البئر في غير الملك سببا للضمان، وهو أعم من الحفر في طريق مسلوك أو في ملك الغير


الوسائل - الباب - 8 - من ابواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 53 ]

أو في ملك مشترك، بل عن ظاهر الغنية الاجماع على ذلك. ومقتضى إطلاقهم عدم الفرق في المتردي بين أن يكون المالك أو غيره، وبين الداخل باذنه أو غيره، وبين كون البئر مكشوفة أو مغطاة، بل مقتضى إطلاق غير واحد عدم الفرق بين كون ذلك لمصلحة المسلمين وغيره، بل عن الفخر التصريح بالاخير. لكن عن الشيخ والفاضل وثاني الشهيدين والاردبيلي عدم الضمان إذا كان الحفر في الطريق لمصلحة المسلمين، كالحفر للبالوعة والاستقاء ونحو ذلك، واستحسنه المصنف. إلا أن ما سمعته من النصوص المشتمل على العموم اللغوي وترك الاستفصال يقتضي الضمان مطلقا، بل قيل: إن المستفاد منها كون التعدي موجبا للضمان، فيشمل الحفر في الملك المشترك، مؤيدا بما حكي من إطلاق الفتاوى ضمان المتعدي بالحفر. أللهم إلا أن يقال: إن المنساق من ذلك التعدي في جميع الحفر لا في مثل الفرض وإن وجب عليه الاجتناب فيه من باب المقدمة، فيبقى على أصالة البراءة، وربما احتمل ضمان النصف مطلقا أو إن كان الشريك واحدا، وإلا فثلثان إن كانوا ثلاثة وهكذا. ويأتي تمام الكلام في المسألة إنشاء الله تعالى في الديات. كما أنه يأتي إنشاء الله تعالى تمامه في الضمان بالمعاثر المصرح به في جملة من الكتب، وهي شاملة للدكة والقمامات كقشور البطيخ ونحوها. بل عن المبسوط التصريح بالضمان في الاخير، نعم قيده المصنف والفاضل في المحكي من تحريره وإرشاده بمن لم ير القمامة، والاصل فيه ما سمعته من الصحيح (1) بل لا يبعد القول بالضمان فيما فعله لضرورته،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 54 ]

إذ لا تنافي بين الجواز والضمان. وعلى كل حال فلا خلاف ولا إشكال في التضمين بالتسبيب في الجملة. (لكن إذا اجتمع السبب المباشر قدم المباشر في الضمان على ذي السبب، كمن حفر بئرا في ملك غيره عدوانا فدفع غيره فيها إنسانا فضمان ما يجنيه الدفع على الدافع) لما عرفته من تقديم المباشرة على التسبيب الذي لم اجد خلافا بينهم، بل ارسلوه ارسال المسلمات في المقام وفي القصاص والديات، بل عن كشف اللثام الاجماع عليه بل في مجمع البرهان " ان من المعلوم عقلا ونقلا اسناد الفعل الى القريب دون البعيد الذي هو سبب السبب وله مدخلية ما في ذلك الشئ، وهو ظاهر، وكأنه مجمع عليه ". قلت: وهو كذلك، بل لعل التضمين بما ذكروه من السبب الذي قد عرفت كونه من الشروط بأعتبار قربه الى علة التلف، فهو اقوى من غيره من الشرائط التي لها مدخلية في التلف ايضا، الا ان القريب منها سموه بالسبب وجعلوا التضمين به، ولا ريب في أن المباشرة أقرب منه، بل السبب في الحقيقة قد صار من آلات المباشر في مباشرته، كقتله بالسيف والدفع في البئر وإلقائه على السكين المغصوب مثلا، واغراقه في الماء الذي وضعه الغير وهكذا. إلا أنه مع ذلك كله قد ناقش فيه في الرياض بأن القوة لا تدفع الضمان عن السبب بعد وجود ما يقتضي ضمانه أيضا، وهو ما مر من حديث نفي الضرر (1) ولا امتناع في الحكم بضمانهما معا وتخير المالك في الرجوع إلى أيهما شاء كالغصب، فلو لا الاجماع الظاهر المعتضد بالاصل لكان القول بضمانهما كترتب الايدي في الغصب في غاية الحسن.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 55 ]

ثم قال: " وعلى هذا نبه خالي العلامة دام ظله في حاشيته على شرح الارشاد، إلا إن ظاهره سلمه الله المصير إليه أو بقاؤه في شباك التردد من دون أن يقطع بما ذكره الاصحاب، ولعله لتوقفه في فهم الاجماع وتردده في قبول حكايته من ناقله، لعدم قطعه به، وهو حسن، ولكن الاجماع ظاهر، فالمصير إلى ما ذكروه متعين ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد التأمل فيما ذكرناه، ضرورة أن القوة إذا كانت على وجه لا يسند الفعل إلا إلى ذيها تدفع الضمان عن السبب الذي ظاهر ما دل على التضمين به انما هو فيما إذا لم يكن معه مباشر قوي. نعم قد يشك في صورة ما لو قصدا الاشتراك في الاتلاف، بأن فعل ذو السبب سببه لارادة مباشرة الاتلاف من المتلف، كما لو نصب سكينا في الارض ليدفعه الآخر عليه مثلا، مع أن التحقيق فيها أيضا كون الضمان على المباشر الذي يسند الفعل إليه وإن كان ذلك معينا له وصار فعله من المعدات، كما هو واضح بأدنى تأمل في الفرق بين المعدات القريبة والبعيدة، ولعله لذا قالوا في القصاص: إنه يحبس ذو السبب إلى أن يموت، والقصاص على المباشر، هذا كله في اجتماع المباشرة والتسبيب. أما اجتماع السببين بأن يحفر واحد بئرا ويضع آخر عنده حجرا فيعثر به إنسان فيقع في البئر ففي المسالك " إن اتفقا في وقت واحد اشتركا في الضمان، لعدم الترجيح، وإن تعاقبا فالضمان على المتقدم في التأثير، لاستقلاله بالضمان أولا، فكان أولى وهو سبب السبب، فيجب وجود المسبب عنده ". وكأنه أراد ما في التذكرة قال: " ولو تعدد السبب فالضمان على المتقدم منهما إن ترتبا، كما لو حفر شخص بئرا في محل عدوانا

[ 56 ]

ووضع آخر حجرا فيه فعثر إنسان بالحجر فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر، لانه السبب المؤدي إلى سبب الاتلاف، فكان أولى بالضمان، لان المسبب يجب مع حصول سببه فيه، فوضع الحجر يوجب التردي، أما لو انتفى الترتيب فالضمان عليهما، كما لو حفر ووضع الحجر فان الضمان عليهما ". قلت: لا يخلو كلامهما من خفاء في الجملة، والذي ذكره غيرهما أنه يقدم الاول في الجناية وإن تأخر حدوثه عن الآخر، وربما احتمل ترجيح الاقوى، كما لو نصب سكينا في البئر المذكور، وقد يحتمل قويا تساوي السببين، لاشتراكهما في التلف الحاصل خارجا، وأنه لو لا الحجر لم يحصل التردي في البئر، كما أنه لو لا البئر لم يؤثر العثور بالحجر تلفا، بل لو فرض كون كل من السببين متلفا لو استقل إلا أنهما اشتركا فيما تحقق في الخارج من التلف يتجه أيضا فيه الاشتراك في الضمان، وتمام الكلام في ذلك في الديات إنشاء الله تعالى. وكيف كان فقد استثنى غير واحد من الاصحاب من قاعدة تقديم المباشر ما إذا ضعف المباشر، وفي الدروس واللمعة الاقتصار على استثناء الغرور والاكراه، بل في القواعد الاقتصار على الثاني منهما، كما في الارشاد الاقتصار على الاول منهما، إلا أن الظاهر إرادة المثال ضرورة ضعف الريح والشمس والنار والسبع وغيرها مما لا عقل له ولا اختيار. ولعله لذا قال في المسالك: " وله صور كثيرة تأتي جملة منها وقد تقدم منها مسألة الغرور بتقديم الطعام إليه جاهلا، فان الضمان يستقر على الآمر ". قلت: بل لو لم يكن منه أمر بل مجرد تقديمه له ضيافة وإن قال في التذكرة: من قال: كله ولم يقل إنه ملكي ولا طعام فلان غصبته

[ 57 ]

بل أطلق فوجهان، أقواهما الضمان، لانه غره أيضا، بل لو كان الطعام ملك المأمور المغرور ضمنه له أيضا، لانه وإن كان قد سلطه عليه وصيره بين يديه إلا أنه باعتقاده أنه ملك الغير وأنه مسلط على إتلافه بغير عوض، فليس تسليمه له تسليما تاما يتصرف فيه تصرف الملاك، فلذلك ضعف مباشرته بالغرور، وما اشتهر من أن قرار الضمان على من تلف في يده المال انما هو في غير الفرض. وأما المكره فهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ولا يضمن المكره المال وإن باشر الاتلاف، والضمان على من أكرهه، لان المباشرة ضعفت مع الاكراه، فكان ذو السبب هنا أقوى) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، نعم قد تقدم في كتاب الطلاق (1) تفصيل ما يتحقق به الاكراه. وفي المسالك " ربما قيل هنا باشتراط زيادة خوف ضرر لا يمكن تحمله، والاشهر الاول " قلت: ولعله لصدق الاكراه الذي هو عنوان الحكم نصا (2) وفتوى وإن كان الضرر يسيرا. ثم إن ظاهر الاصحاب في المقام عدم رجوع المالك على المكره بشئ بخلاف الجاهل المغرور، فان له الرجوع عليه وإن رجع هو على الغار، ولعله لعدم صدق " أخذت " الظاهر في الاختيارية عليه بخلاف المغرور، مضافا إلى ظهور رجوع المغرور في ضمانه وإن رجع هو، وحينئذ يكون المراد من قولهم: " الضمان على المباشر إلا مع قوة ذي السبب " أنه يستقل السبب بالضمان مع قوته، ولا يشاركه المباشر إلا في الغرور، كما أنه يستقل المباشر بالضمان ولا يشاركه السبب.


(1) راجع ج 32 ص 11 - 14. (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب جهاد النفس - من كتاب الجهاد.

[ 58 ]

ولكن مع ذلك - إن لم يكن إجماعا - لا يخلو من نظر، خصوصا مع عود النفع إلى المباشر باعتبار مباشرته الاتلاف وإن رجع هو على المكره. بل قد يقال: إن القاعدة تقتضي اختصاص الضمان بالمباشر الذي هو المكره والمغرور وإن أثم المكره والغار، لاستقلال المباشر بالاتلاف ولكن ضمنا للدليل لا لقوة السبب على المباشر المخصوصة بما إذا كان الاسناد حقيقة للسبب دون المباشر الذي هو كالريح والشمس. بل قد يقال بشمول قوله (عليه السلام) (1): " كل مغصوب مردود " له وإن كان مكرها على تناول المغصوب والتصرف فيه. بل ينبغي الجزم به فيما لو كان مغصوبا في يده قبل الاكراه فاكره على إتلافه، بل هو كذلك في كل مضمون في يده ثم أكره على إتلافه، لان رجوع المالك حينئذ عليه باعتبار حكم الضمان السابق، بل لا ينافيه كلام الاصحاب المراد منه عدم الرجوع من حيث الاتلاف الاكراهي خاصة، باعتبار ضعف حكم المباشرة بالاكراه، ولذا رفع الشارع حكم الاكراه عن المكره (2) الذي يمكن إرادة ما يشمل الوضع منه أيضا وإن لم يكن كذلك في الخطأ والنسيان للدليل. أما إذا كان مضمونا في يده سابقا فانه يبقى على حكم ضمانه وإن اكره على إتلافه، حتى لو كان الاكراه بالحكم الظاهري من حاكم الشرع، نعم هو يرجع على المكره الذي قد صار بمنزلة من تلف المال في يده بالنسبة إلى قرار الضمان بعد أن رفع الشارع حكم التلف في يد المكره عنه، وكذا الكلام في المغرور والغار بالنسبة إلى ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس وفيه (الغصب كله مردود). (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب جهاد النفس - من كتاب الجهاد.

[ 59 ]

ومنه يعلم الوجه في تخير المالك في الرجوع عليهما، فان رجع على المكره بالكسر لم يرجع على المكره بالفتح، بخلاف العكس على نحو ما سمعته في قرار الضمان على من تلف المال في يده في الايادي المتعاقبة. كما أنه مما ذكرنا يعلم الفرق بين المضمون في يد المكره وبين غيره كالوديعة، وإن كان فيه البحث السابق، فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع في أطراف المسألة. هذا وكان المصنف أشار بالاقتصار على المال إلى الاحتراز عن النفس فان الاكراه على إتلافها لا يوجب سقوط الضمان عن المكره، نعم في الجرح إشكال من حيث تناول قوله (عليه السلام) (1): " لا تقية في الدماء " له وعدمه، وقد تقدم لنا بعض الكلام في ذلك، ويأتي إنشاء الله تعالى، والله العالم. (ولو أرسل في ملكه ماء فأغرق مال غيره أو أجج نارا فيه فأحرق لم يضمن ما لم يتجاوز قدر حاجته اختيارا) ولا علم ولا ظن التعدي فضلا عما لو علم أو ظن عدم التعدي بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك الاتفاق، للاصل بعد عدم التفريط وعموم تسلط الناس على أموالهم (2). وزاد في المسالك بأن سببيته في الاتلاف ضعيفة بالاذن له من قبل الشارع في فعل ذلك في ملكه، فلا يتعقبه ضمان. وإن كان لا يخلو من نظر إن لم يكن إجماعا مع فرض إسناد الاتلاف إلى فعله، لظهور خطأ ظنه أو قطعه وقدرته على المنع، لصدق الاتلاف


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 1 من كتاب الامر بالمعروف وفيه (فإذا بلغ الدم فليس تقية). (2) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 60 ]

عليه حقيقة، فيكون من المباشرة، والاذن الشرعية لا تنافي حكم الوضع الذي هو الضمان الحاصل باتلاف النائم والغافل والمجنون والصبي، أللهم ألا أن يمنع إطلاق سببية الاتلاف للضمان على وجه يشمل الفرض، لعدم ثبوت " من أتلف مال غيره فهو له ضامن " رواية من طرقنا ولا قاعدة وثبوت الضمان في المذكورين للاجماع. إلا أن الانصاف عدم خلو ذلك عن النظر، ضرورة المفروغية من قاعدة " من أتلف " التي لهجت بها ألسنة الفقهاء في كل مقام، وربما كان في بعض النصوص (1) إشعار بها، بل قد عرفت أن المقام من المباشرة باعتبار كونه من توليد فعله كالقتل بنحو ذلك خطأ، واعتقاد عدم التعدي بعد ظهور خطأه لا أثر له. نعم قد يقوى عدم الضمان في الفرض إذا اتفق عصف الهواء بغتة بعد إشعال النار مثلا، فانه يمكن منع إسناد الاتلاف إليه حينئذ، بل هو من السبب الجائز له نحو حفر البئر في ملكه فألقت الريح فيها شيئا، ولعله عليه ينزل إطلاق محكي المقنعة والنهاية والمبسوط والسرائر عدم الضمان إذا أشعلها في ملكه فحملتها الريح إلى غيره. وعلى كل حال فمما ذكرنا يعلم أنه لا إشكال في الضمان مع التجاوز عن قدر الحاجة والعلم أو الظن بالتعدي، بل في المسالك " لا شبهة في الضمان، لتحقق التفريط المقتضي له مع وجود السببية الموجبة للضمان " وفي الكفاية أنه مقطوع به في كلامهم، ولا أعرف فيه خلافا.


(1) راجع الوسائل الباب - 10 و 11 و 14 - من كتاب الشهادات والباب - 5 و 7 - من كتاب الرهن - الحديث 2 منهما والباب - 29 - من كتاب الاجارة والباب - 18 - من كتاب العتق الحديث 1 و 5 و 9 والباب - 22 - من ابواب حد الزنا - الحديث 4 والباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 4 من كتاب الحدود.

[ 61 ]

بل منه يعلم أيضا قوة القول بالضمان مع انتفاء أحد الامرين، كما هو مقتضى اشتراط عدمه بهما في بعض العبارات، بل هو صريح المحكي عن التحرير واللمعة، بل والكفاية وإن اعتبر الظن القوي فيها. بل والدروس وإن اعتبر العلم ولم يكتف بالظن. وكأنه مال إليه في المسالك فيما لو علم التعدي وتركه اختيارا وإن كان فعله بقدر حاجته، قال: " لان ترك قطعه مع علم التعدي إلى الغير وقدرته على قطعه تعد محض، نعم مع عدم العلم ولا الظن قد يشكل الضمان على تقدير تجاوز الحاجة، لان فعله مأذون فيه على التقدير، ولا تفريط " قلت: قد عرفت صدق الاتلاف عليه وإن كان مأذونا غير مفرط. وحينئذ فظاهر قول المصنف: (مع علمه أو غلبة ظنه أن ذلك موجب للتعدي إلى الاضرار) كالفاضل في القواعد والارشاد لا يخلو من نظر، ولعل المراد بالظن في كلامهم ما يشمل قضاء العادة بسريانه كما لو كان الهواء شديدا بحيث يحمله إلى ملك الغير وإن اتفق عدم شعوره بذلك لبلادة أو غيرها. وفي القواعد في كتاب الديات " وإن كان الهواء عاصفا ولا حائل أو أجج أكثر من قدر الحاجة مع غلبة الظن بالتجاوز ضمن " ونحو ذلك ما عن غصب التذكرة. وظاهره الاكتفاء بعصف الهواء عن غلبة الظن. والتحقيق ما عرفت من كون المدار على صدق الاتلاف حقيقة ولو بالتوليد إن لم يكن إجماع على خلافه، من غير فرق بين التجاوز في الحاجة وعدمه، وبين العلم أو الظن بالتعدي وعدمه، نعم لو كان ذلك من التسبب لم يكن عليه ضمان ما لم يعلم التعدي أو يغلب على ظنه ولو

[ 62 ]

لكونه من شأنه ذلك. وبما ذكرنا يفرق بين تأجيج النار في العاصف وبين تأجيجها بلا ريح ثم يعرض الريح في الاثناء كما أشرنا إليه سابقا. هذا وفي المسالك " ولو اتفق جفاف شجر جاره بالنار بسبب المجاورة فالحكم كما لو سرت إليها، إلا أن يكون أغصان الشجرة في هواء أرض موقد النار، فلا ضمان إذا كان عطفها غير ممكن، وإلا اتجه الضمان، لانه ليس له إتلافها مطلقا كما تقرر في موضعه. وفي التذكرة أطلق عدم ضمانها متى كانت في هواء موقد النار، وضمانها إن لم يكن كذلك من غير تقييد بعلم التعدي أو تجاوز الحاجة، محتجا بأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة ولا يخفى ما فيه ". قلت: قد تقدم تحقيق الحال في المسألة سابقا، والله العالم. (ويتفرع على السبب فروع): (الاول) (لو ألقى صبيا في مسبعة أو حيوانا يضعف عن الفرار ضمن لو قتله السبع) وإن لم نقل بأن موت الصبي المغصوب سبب يوجب ضمان الغاصب مطلقا، لانه أقوى من المباشر الذي لا يحال عليه الضمان. خلافا للمحكي عن مبسوط الشيخ من عدم الضمان، لان الحر لا يدخل تحت اليد، وفيه عدم انحصار الضمان بذلك، ضرورة ضمانه بمباشرة الاتلاف وتسبيبه على الوجه الذي قدمناه وإن لم يكن غصبا، بل لا فرق بين الصغير وغيره كالمجنون ونحوه ممن لا يتمكن من التخلص.

[ 63 ]

نعم لا يضمن الكبير الذي يمكنه التحرز عادة باتفاق إتلاف السبع له، لان ذلك لا يعد سببا في حقه، وإنما وقع بالاتفاق، كما لو وضع الصبي في غير المسبعة فافترسه السبع اتفاقا، فانه لا يضمنه على المشهور خلافا للشيخ ومن عرفت، وعنه احترز المصنف بقوله: " مسبعة ". لكن في القواعد " لو نقل صبيا حرا إلى مضيعة فافترسه سبع ففي الضمان إشكال ". بل في التذكرة " لو نقل صبيا حرا إلى مضيعة فاتفق سبع فافترسه فلا ضمان عليه، إحالة للهلاك على اختيار الحيوان ومباشرته، ولم يقصد الناقل بالنقل ذلك، وفيه إشكال، أما لو نقله إلى مسبعة فافترسه سبع وجب الضمان، وبه قال أبو حنيفة، لانه قصد الاتلاف بالنقل، للشافعية وجهان، أشهرهما أنه لا ضمان ". وفي جامع المقاصد بعد أن جعل منشأ الاشكال عدم دخول الحر تحت اليد وحصول السبب قال: " وهذا الاشكال ليس بشئ بعد ما سبق في كلامه من أن الصبي إذا ألقاه في مسبعة فافترسه السبع ضمنه، وكذا ضمانه لو تلف بسبب لدغ الحية ووقوع الحائط على الرأي. فان إلقاؤه في مضيعة أقرب إلى توقع علة الهلاك من هذه الاخيرة، والاصح الضمان فيه وفي المجنون كما سبق ". قلت: لعل الفرق أنه لا تسبيب باتفاق افتراس الاسد له في المضيعة باعتبار عدم اعتياده، فيها بخلاف أرض المسبعة، فيكون الاول كضمانه لو تلف بلدغ حية أو عقرب الذي توقف هو فيه، ونسب الضمان إلى رأي، بخلاف أرض المسبعة، بل كاد يكون ما ذكرناه صريح ما حكيناه عنه في التذكرة، والله العالم.

[ 64 ]

(الثاني) (لو غصب شاة فمات ولدها جوعا ففي الضمان تردد، وكذا لو حبس مالك الماشية عن حراستها فاتفق تلفها، وكذا التردد لو غصب دابة فتبعها الولد) كما في القواعد والارشاد والكفاية، بل والايضاح باعتبار عدم الترجيح فيه، بل والتذكرة وإن اقتصر على الثاني، بل واللمعة وإن اقتصر على الاخير. نعم قرب في الدروس فيه الضمان، وفي الروضة أنه أقوى، وجعل منشأ النظر في غاية المراد في الثلاثة عدم الاستقلال، فلا يتحقق غصب ومن أنه سبب في الاتلاف، إذ لولاه لم يتحقق التلف وإن كان لعلة اخرى خارجة. وفي جامع المقاصد والمسالك الاولى أن يقال: إن منشأ النظر الشك في كونه سببا في التلف وعدمه، لانتفاء المباشرة للاتلاف والغصب. ثم قال في الاول: " والتحقيق أن يقال: إن قصد توقع العلة في التلف بغصب الشاة والدابة وحبس المالك عن حراسة الماشية حيث يكون التلف متوقعا ثابت، ومعه فالضمان لازم، لضعف المباشرة، ومثله ما لو منع المالك من إمساك دابته المرسلة حيث يتوقع تلفها مع بقائها مرسلة، ويختلف الامر في ذلك باختلاف الاحوال، فربما كان بقاء الدابة المرسلة أياما وشهرا لا يتوقع معه التلف، فلا ضمان لو حبس المالك فاتفق على سبيل الندرة - إلى أن قال -: ولو منعه مبيعه فاتفق تلفه فلا ضمان، لعدم تحقق معنى السببية في التلف بالمنع من البيع، إذ ليس مما يقصد بمنع البيع توقع حدوث علة التلف، ولو كان مشرفا على الموت فمنعه من

[ 65 ]

بيعه ليذكيه المشتري أو منعه من تذكيته فهنا يحتمل الضمان احتمالا لا يخلو من وجه، لوجود معنى السببية " إلى آخره. وكأنه إليه عرض في المسالك، حيث قال في المسائل الثلاث: " والحق أن منشأ التردد انما يكون من الشك في السببية هنا، إذ لو سلمت لم يبق إشكال في الضمان، ومنشأ الشك فيها مبني على تعريف السبب، فعلى ما ذكره المصنف من تعريفه إذا مات الولد جوعا بحيث لو لا غصب الام لما مات عادة فالسببية متحققة فيه، لكن اتفاق تلف الماشية بعد حبس المالك عن حراستها قد يكون بسبب حبسه وقد لا يكون، فان فرض فهو سبب أيضا، وإن فسر السبب بايجاد ما يحصل التلف عنده لعلة اخرى إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة كما عرفه جماعة فيتوقف ثبوت سببيته على قصد الغاصب للشاة والحابس للمالك إلى إتلاف الولد والماشية، والاصح الضمان مع استناد التلف إلى فعل الغاصب، بمعنى أنه لو لا الغصب والحبس لما تلفت عادة، فان الواقع في العبارة أعم منه لتحقق السببية حينئذ، والقصد غير معتبر في تحققها وترتب أثرها كما اقتضاه التعريف الذي اخترناه " انتهى. وفي الايضاح " منشأ النظر في الاول من أنه مات بسببه، لصحة اسناده إليه عرفا، ولان السبب هو فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلة سواه، وهذا تفسير بعض الفقهاء " إلى آخر ما حكيناه عنه سابقا في شرح قول المصنف: " الثاني التسبيب ". ومما ذكرناه في ذلك المقام وغيره يظهر لك النظر في جملة من هذه الكلمات، ضرورة أنك قد عرفت كون السبب هو ما دلت عليه النصوص المزبورة أو ألحق به باجماع ونحوه، وما عداه فالاصل براءة الذمة من الضمان به، فالمتجه عدم الضمان حينئذ في المسائل المفروضة بعد فرض

[ 66 ]

الشك في السببية الشرعية بالمعنى الذي ذكرناه، ولا يجدي كونها أسباب عرفية أو مشابهة لما في النصوص مما ذكر فيها الضمان به بعد حرمة القياس عندنا وعدم الاجماع على الالحاق وعدم دلالة عرفية على وجه يندرج فيها، فتأمل جيدا فان تحقيق المقام ونظائره مبني على ما قدمناه سابقا، والله العالم. (الثالث) (لو فك القيد عن الدابة فشردت أو عن العبد المجنون فأبق ضمن، لانه فعل يقصد به الاتلاف) فيندرج في السبب المنتزع من النصوص السابقة (1) (وكذا لو فتح قفصا عن طائر فطار مبادرا أو بعد مكث) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عن الكفاية أنه المعروف من مذهب الاصحاب، بل عن ظاهر التذكرة الاجماع في الاخير أو في الثلاثة كما عن المبسوط والغنية نفي الخلاف فيها، وكذا عن المبسوط أنه لو أهاج الدابة فشردت أو الطائر فطار بلا خلاف أي منا ومن العامة، وعن التذكرة لو أهاج الطائر ضمن قولا واحدا. بل صرح غير واحد بأنه لو أفسد الطائر مثلا بخروجه ضمنه، لان فعل الطائر منسوب إليه، وإن كان لا يخلو من نظر. خصوصا في مثل إتلاف الدابة بعد الفك بعض الاحوال، ضرورة إمكان منع السببية الشرعية، ولو تلفت هذه الثلاثة بغير الجهة التي هي فعل السبب كأن مات الطائر مثلا فلا ضمان، لعدم مدخلية السبب وعدم وضع اليد الموجب للضمان. واحترز بالمجنون عن العاقل الذي صرح غير واحد بعدم ضمانه،


(1) الوسائل - الباب - 8 و 9 و 11 - من ابواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 67 ]

لقوة المباشر على السبب كفتح الباب، وقد أشار اليهما المصنف بقوله: (ولا كذلك) الحكم (لو فتح بابا على مال فسرق أو أزال قيدا عن عبد عاقل فأبق) بل لم أجد خلافا في الاول منهما وإن أشعر به نسبته إلى المشهور في الكفاية إلا أنا لم نتحققه، بل لعل الثاني أيضا كذلك (لان التلف بالمباشرة لا بالسبب). نعم قيد الاخير في محكي التذكرة وجامع المقاصد والكفاية بما إذا لم يكن آبقا، لكن في التذكرة في الضمان حينئذ إشكال، من حيث استناد فعله إليه، فكان مباشرا، ومباشرته معتبرة، لانه عاقل، ومن حيث أن المالك قد اعتمد ضبطه، فاطلاقه إتلاف عليه، فكان كحل المجنون والدابة، فلا شك في صدق السببية، وليس هناك مباشر يمكن أخذ الحق منه، وكونه قادرا على التحفظ مع عدمه لا ينفع، وهذا أقوى لمكان التسبيب، كما يأتي في غصب الحر مع صدق التصرف في مال الغير، ولانه بهذه العادة قد أشبه الدابة ونحوها، وفيه أنه مناف لقاعدة تقديم المباشر على السبب. هذا وفي الدروس " ولو فتح بابا على عبد محبوس فذهب في الحال ضمنه عند الشيخ، ونقل عن كل العامة عدم الضمان، ولا فرق بين كونه عاقلا أو مجنونا، آبقا أو غير آبق، بالغا أو صبيا ". ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، وقد يستأنس للضمان بما ورد من الضمان باطلاق الغريم (1).


(1) لم اعثر على ما ادعاه مما ورد من الضمان باطلاق الغريم، وقد تعرض هو (قده) لهذه المسالة في ج 26 ص 197 - 198 ولم يستدل بما ذكره هنا، وانما استند في الحكم بالضمان إلى قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وفحوى ما ورد في القاتل الذي رواه في الوسائل - الباب - 15 - من كتاب الضمان - الحديث 1 ولو كان بذلك المضمون رواية خاصة لتعرض لها هناك بطريق اولى.

[ 68 ]

وعلى كل حال فقد أشار المصنف وغيره بقوله: " فطار مبادرا " إلى آخره إلى خلاف بعض الشافعية حيث حكم بالضمان في الاول دون الثاني لبعض الوجوه الاعتبارية. (وكذا) لا ضمان (لو دل السارق) لما عرفت، لكن الفاضل في الارشاد هنا قال بالضمان، ونسبه غير واحد ممن تأخر عنه إلى مخالفة جميع الاصحاب، وفي غاية المراد " قد تصفحت كتب أصحابنا فلم أجد أحدا قال بالضمان ". قلت: وإن لم ينص على عدمه من تقدمه غير المصنف إلا أن قاعدة تقديم المباشر على السبب المعلومة عندهم تقتضي كون الضمان على السارق، وربما نزل ما في الارشاد على ما إذا كان مستأمنا فدل السارق على أمانته، ولا بأس به وإن كان خروجا عما نحن فيه. فاتضح بذلك كله أن الضمان على المباشر الذي هو أقوى من السبب. بل الظاهر عدم الضمان على ذي السبب مع عدم العلم بكون التلف به مجردا عن مباشر أقوى منه، فلو حصل التلف بمباشرة غيره ولم يعلم كونه ممن يقدم على السبب أو لا لم يضمن، للاصل وظهور النصوص السابقة (1) في اعتبار التلف به في التضمين به. وأولى من ذلك بعدم الضمان ما إذا لم يعلم أصل كون التلف به، كما لو وجد دابة - مثلا - ميتة في البئر المحفورة عدوانا ولم يعلم أنها ماتت في الخارج ثم رميت به أو بترديها به. أما لو علم مدخليته في التلف ولكن لم يعلم مباشرة غيره معه على وجه يرتفع الضمان معها فقد يتوهم الحكم بضمان ذي السبب حينئذ، لاصالة عدم الغير. لكن لا يخفى عليك أنه من الاصول المثبتة بعد ما عرفت من ظهور


(1) الوسائل - الباب - 8 و 9 و 11 - من ابواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 69 ]

النصوص (1) في اعتبار كون العطب به خاصة في الضمان، فلاحظ وتأمل والله العالم. (ولو أزال وكاء الظرف فسال ما فيه ضمن إذا لم يكن يحبسه إلا الوكاء) بلا خلاف كما عن المبسوط والسرائر، بل ولا إشكال مع فرض كونه مطروحا على الارض، ضرورة كونه مباشرا للاتلاف أو بحكمه. (وكذا) لو سقط بفعله أو بما يستند إلى فعله، كما (لو سال منه ما ألان الارض تحته فاندفع ما فيه ضمن) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له (لان فعله سبب مستقل بالاتلاف) إذ السقوط بالميلان الناشئ من الابتلال الناشئ من الفتح، وهو مما قد يقصد به ذلك، ولعله بمعونة فتوى الاصحاب ملحق بالمستفاد من النصوص السابقة (2) أو يندرج فيها. (أما لو فتح رأس الظرف فقلبته الريح) الحادثة أو زلزلة أو وقوع طائر (أو ذاب بالشمس ففي الضمان تردد) كما في التحرير والارشاد. (ولعل الاشبه أنه لا يضمن) لا (لان الريح والشمس كالمباشر، فيبطل حكم السبب) ضرورة قوة السبب بالنسبة إليهما بعد عدم قابليتهما للضمان، بل للشك في السببية المزبورة شرعا على وجه يترتب عليها الضمان، خصوصا بعد عدم تعارف قصد الاتلاف بالفتح بتوقع الهبوب، والاصل البراءة. خلافا للفخر في المحكي من شرح الارشاد وغاية المراد والدروس وجامع المقاصد وتعليق الارشاد والمسالك من الحكم بالضمان، لان فعله سبب تلفه، إذ لو لا الفتح لما ضاع ما فيه، ولم يتخلل بينهما ما يمكن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 و 9 و 11 - من ابواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 70 ]

إحالة الحكم عليه، فوجب الضمان، إذ هو كما لو جرح انسانا فأصابه الحر أو البرد فسرت الجراحة، فانه يضمن فكذا هنا، بل عن مجمع البرهان لا إشكال في الضمان إذا علم كون فعله سببا فقط لا غير ولم يعلم استناده إلى غيره بالكلية. ولا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه من كون المدار على السبب الشرعي المستفاد من النصوص المزبورة (1) أو ما يلحق به باجماع ونحوه، والمقام ليس كذلك، خصوصا في مثل حدوث الريح الذي جزم بعدم الضمان فيه في محكي المبسوط فارقا بينه وبين إشراق الشمس، بل عنه وعن الغنية نفي الخلاف في عدم الضمان به، وفي الكفاية أن عدم الضمان به أقرب. وعن التذكرة التوقف في الضمان به بخلاف الشمس، فاستوجه الضمان بها، قال: " لانها مما يعلم طلوعها، فيكون الفاتح له معرضا ما فيه للشمس، بخلاف هبوب الريح الذي هو غير منتطر ولا متوقع، فالهلاك حينئذ لم يحصل بفعله، وليس فعله مما يقصد به تحصيل ذلك العارض، ففعله غير ملجئ، والامر الحادث مباشر، فلم يتعلق الضمان بفعله، فكان كما لو فتح الحرز فسرق غيره أو دل سارقا فسرق ". قلت: لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه، ضرورة صدق السببية على مذاقهم فيهما، بل في جامع المقاصد أن وجود الريح كثير موجب لتوقع القلب والانقلاب، نعم يتوجه عدم الضمان بناء على ما ذكرناه من كون سبب الضمان شرعيا، وهو ما تضمنته النصوص (2) المزبورة أو ألحق به باجماع ونحوه ولو على وجه تنجبر به الدلالة كما هو واضح.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 و 9 و 11 - من ابواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 71 ]

وكذا الكلام فيما إذا أزال أوراق الكرم وجرد عناقيدها للشمس حتى أفسدتها، أللهم إلا أن يقال فيه وفي أمثاله بصدق إسناد التلف إليه حقيقة، فيخرح حينئذ عما نحن فيه. ولو فرض مجئ إنسان فأسقطه فلا شبهة في كون الضمان عليه، لانه مباشر أو كالمباشر في القوة من الاول، بل الظاهر ضمان الاخير فيما لو فتح رأسه وأخذ ما فيه في الخروج ثم جاء آخر ونكسه، وإن احتمل اشتراكهما في ضمان الخارج بعد النكس، إلا أن الاول أصح، ضرورة كون الثاني المباشر أو بحكمه. ولو فرض في الجامد مجئ آخر بعد الفتح فقرب منه نارا حتى ذاب وضاع فالضمان على الثاني، لكونه مباشرا أو بحكمه، وربما احتمل عدم ضمانهما معا، لان مجرد الفتح لا يقتضي الضمان فيه، وعدم تصرف الثاني في الظرف ولا في المظروف، إلا أنه كما ترى. وأولى من ذلك ما لو كان رأس الزق مفتوحا من المالك فجاء إنسان فقرب منه النار. هذا ولا يخفى عليك الحال فيما لو حل رباط سفينة فغرقت بالحل أو غرقت بسبب حادث من هبوب ريح أو غيره، وفي المسالك الجزم بالضمان في الاول، وفي الثاني الوجهان، والله العالم. (ومن الاسباب) الموجبة للضمان على نحو ضمان الغصب (القبض بالعقد الفاسد) كعقد البيع ونحوه من العقود الموجبة لانتقال الضمان إلى القابض، بلا خلاف أجده فيه، بل هو المعروف من مذهب الاصحاب، بل في المسالك هو موضع وفاق، لعموم " على اليد " (1) ولان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، كما تقدم الكلام في ذلك مستوفى


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 72 ]

في كتاب البيع (1) وغيره، ولم نجد من تأمل في ذلك سوى المقدس الاردبيلي، وهو في غير محله. نعم قد يتأمل في وجه القاعدة المزبورة في صورة العكس، وهي كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده وإن كانت مسلمة بينهم أيضا كالاولى، كما أوضحنا ذلك كله في محله. ونزيد هنا بأن نقول: لعل الوجه في الاجماع المزبور في الصورتين أما الضمان في الاولى فلعموم " على اليد " ولان الاقدام منهما قد وقع بعنوان المعاملة التي مقتضاها الضمان من دون نظر إلى صحتها وفسادها، بل لاحظا مسماها المشترك بين الصحيح والفاسد، والفرض أن مقتضاها الضمان الذي هو مضمون " على اليد " ولا فرق في ذلك بين العلم بالفساد والجهل به. وأما الثانية فقد لاحظا مسماها المشترك بين الصحيح والفاسد الذي مقتضاه عدم الضمان، فمع فرض كونه العنوان يترتب عدم الضمان على تقديري الصحة والفساد مع العلم والجهل به، إذ عدم الضمان ليس من أحكام الصحيح منه، ولا أن الاذن مقيدة بالصحيح منه، ضرورة عدم ملاحظة ذلك لهما، وإن زعما أو أحدهما الصحة لكنه لا على وجه تقيد الاذن بها، بل ليس الصادر منهما ولا العنوان لهما إلا المسمى المشترك بين الصحيح والفاسد الذي مقتضاه عدم الضمان، لعدم كونه من أحكام الصحيح منه، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، بل يمكن الجزم بأنه وجه الاجماع، والله العالم. (و) منها أيضا (القبض بالسوم، فان القابض يضمن)


(1) راجع ج 22 ص 257 - 260.

[ 73 ]

عند الاكثر بل المشهور، كما في المسالك وغيرها، لعموم " على اليد ما أخذت " (1) المقتصر في الخروج منها على غير الفرض من الامانة. خلافا للمحكي عن موضع من السرائر والمختلف والايضاح ومجمع البرهان بل في المسالك والكفاية، وهو متجه للاصل بعد كون القبض المزبور باذن المالك، فيكون أمانة كالوديعة. وفيه منع اقتضاء ذلك عدم الضمان حتى في مثل الفرض، خصوصا بعد الشهرة على الضمان فيه، بل ربما أرسلوه إرسال المسلمات، بل المحكي عن كثير - حتى المختلف والايضاح والمسالك ومجمع البرهان - التصريح بالضمان فيما إذا دفع البائع لعبد كلي موصوف عبدين للمشتري ليتخير فأبق أحدهما إلحاقا له بالمقبوض بالسوم إن لم يكن منه، لعموم " على اليد " (2) وقد تقدم الكلام في ذلك كله أيضا. ومنه يعلم عدم اختصاص الحكم بالمقبوض للشراء المعبر عنه بالسوم، بل المراد منه الاعم من ذلك، وهو كل مقبوض ليكون مضمونا عليه حينئذ، فيندرج فيه قبض المرأة المال ليكون مهرا والرجل ليكون عوض خلع ونحو ذلك، لاتحاد المدرك في الجميع، والله العالم. (وكذا استيفاء المنفعة بالاجارة الفاسدة سبب لضمان اجرة المثل) أو الاقل منها ومن المسمى بلا خلاف أجده فيه، لقاعدة " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " وعموم " على اليد " (3) و " من أتلف " (4) وأصالة احترام مال المسلم. نعم في المسالك أن ضمان ذلك من باب المباشرة للاتلاف، لا من


(1) و (2) و (3) المستدرك - الباب 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البهيقي ج 6 ص 95. (4) راجع التعليقة في ص 60.

[ 74 ]

باب الاسباب، وإدخالها في السبب تجوز قال: " ومن حكم إتلاف مال الغير مع عدم تسليط المالك أن يلزمه العوض إما بعين إذا كان أو قيمة المثل أو أجرته عينا كان أو منفعة ". وفيه أن المراد هنا بالسبب كون ذلك من أسباب الضمان، لا أن المراد الضمان بالتلف السببي، وفرق واضح بينهما. وهل العين مضمونة بالاستيفاء ؟ قال في جامع المقاصد: (الذي يلوح من كلامهم العدم، والذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لان التصرف في العين غير جائز، فهو بغير حق، فيكون في حال التصرف استيلاؤه عليها بغير حق، وذلك معنى الغصب، إلا أن كون الاجارة الفاسدة لا يضمن بها كما لا يضمن بالصحيحة مناف لذلك، فيقال: إنه دخل معه على عدم الضمان بهذا الاستيلاء وإن لم يكن مستحقا، والاصل براءة الذمة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة، وإنما تضمن المنفعة خاصة، ولو لا ذلك لكان المرتهن ضامنا مع فساد الرهن، لان استيلاءه بغير حق، وهو باطل). قلت: قد قدمنا الكلام مستوفى على وجه يعلم منه عدم المنافاة بين ضمان العين وبين القاعدة المزبورة، ويعلم منه أيضا الفرق بين الرهن وبينهما، فلاحظ وتأمل. فانه مع ذلك قد يقوى عدم ضمانها أيضا، والله العالم.

[ 75 ]

(النظر الثاني) (في الحكم) لا خلاف بيننا في أنه (يجب رد المغصوب ما دام باقيا) بل الاجماع بقسميه عليه إن لم يكن ضرورة من المذهب، مضافا إلى قوله (عليه السلام) (1) في النصوص السابقة: " كل مغصوب مردود ". بل الظاهر كون الحكم كذلك (ولو تعسر) واقتضى هدم البناء أو خراب السفينة (كالخشبة تستدخل (المستدخلة خ ل) في البناء و (أو خ ل) اللوح في السفينة) ضرورة بقائها على ملكه ووجوب ردها إليه فورا، وقد سمعت قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): " إن الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها ". (و) حينئذ ف‍ (لا يلزم المالك أخذ القيمة) خلا لابي حنيفة وتلميذه الشيباني، فانهما قالا بملك الغاصب لهما، فلا يجب عليه ردها ولكن يلزمه قيمتها، ولا ريب في مخالفة ذلك قواعد الاسلام بل الواجب عليه مع استخراجها رد اجرتها من حين الغصب إلى حين الرد والارش إن نقصت. (وكذا) الكلام فيما (لو مزجه مزجا يشق تمييزه كمزج الحنطة بالشعير أو الدخن بالذرة) وحينئذ (يكلف تمييزه وإعادته)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس، وفيه (الغصب كله مردود). (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 5.

[ 76 ]

نعم لو بلغت حد الفساد على تقدير الاخراج بحيث لا يبقى لها قيمة فلا خلاف ولا إشكال في وجوب تمام القيمة عليه. ولكن هل يجبر على إخراجها ؟ ظاهر الدروس العدم، قال فيها: " يجب رد المغصوب إلى مالكه إجماعا، ولقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وإن تعسر، كالساجة في البناء واللوح في السفينة وإن أدى إلى خراب ملكه، لان البناء على المغصوب لا حرمة له، ويضمن أرش نقصانهما وأجرتهما، ولو علم تعيبهما وأنه لا ينتفع باخراجهما ضمنهما الغاصب بقيمتهما " بل عن صريح المبسوط ذلك أيضا. بل في المسالك " ظاهرهم عدم وجوب ردها وأنها تنزل منزلة المعدومة " وإن قال بعد ذلك: " ولو قيل بوجوب إعطائها المالك إذا طلبها كان حسنا وإن جمع بين القيمة والعين ". قلت: لكنه مناف لقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " ومناف أيضا لملك القيمة التي هي عوض شرعي يقتضي ملك معوضه للدافع، أللهم إلا أن يقال: إنها عوض مالية وإن بقي هو مملوكا، لكنه كما ترى، وستسمع إنشاء الله تحقيق الحال في المسألة الآتية. ولعل احتمال وجوب بقائها وأخذ الاجرة عنها خاصة أو مع القيمة للعين للحيلولة لتعذر إيصالها كما هي لكن مع ملاحظة سلب المنفعة الخاصة أيضا أولى وإن لم أجد من احتمله هنا. وعلى كل حال فقد ظهر لك أنه لو أدرج لوحا مغصوبا في سفينة وجب قلعه إن لم يخف من نزعه هلاك نفس محترمة أو مال كذلك، بأن كانت على وجه الارض مثلا أو أدرجه في أعلاها على وجه لم يخش من


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4. وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 77 ]

نزعه الغرق، وخلاف أبي حنيفة آت هنا. وإن كانت في اللجة وخيف من النزع غرق حيوان محترم - آدمي أو غيره - أو مال كذلك لغير الغاصب الجاهل بالغصب ففي القواعد والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك والروضة وظاهر غيرها عدم وجوب النزع، بل في مجمع البرهان لا خلاف فيه، جمعا بين الحقين، ولاحترام روح الحيوان، سواء كان الغاصب أو للغاصب أو غيره. وفيه إمكان إلزام الغاصب ومن بحكمه بذبح الحيوان مقدمة لايصال مال الغير الواجب عليه فورا، ودعوى حرمة ذبحه لغير الاكل ممنوعة. ولو كان المال للغاصب أو من بحكمه وهو العالم بأن فيها لوحا مغصوبا فالظاهر وجوب النزع، وفاقا للفاضل في القواعد والتحرير وولده والشهيد والكركي، بل هو قضية إطلاق المصنف وغيره، بل في المسالك نسبته إلى صريح الاكثر، لان دفع المغصوب واجب فورا، ولا يتم إلا به، والضرر هو الذي أدخله على نفسه بعدوانه الذي لا يناسبه التخفيف. وعن المبسوط والتذكرة وظاهر السرائر عدم وجوب النزع، لان السفينة لا تدوم في البحر، فيسهل الصبر إلى انتهائها إلى الشط، فتؤخذ القيمة للحيلولة إلى أن يتيسر الفصل ورد اللوح مع أرش النقص إن نقص جمعا بين الحقين، بخلاف الساجة في البناء الذي لا أمد له ينتظر. وهو كما ترى مجرد اعتبار لا يرجع إلى محصل، ودعوى سقوط المقدمة لقاعدة الضرر ونفي الحرج واضحة السقوط بعد أن كان هو السبب في إدخالهما عليه. بل لو اختلطت السفينة بسفن كثيرة للغاصب ولم يوقف على اللوح إلا بفصل الكل فالظاهر ذلك أيضا للمقدمة، وإن حكي عن الشافعية احتمال العدم، لكنه في غير محله، لما عرفت من تطابق النص والفتوى

[ 78 ]

على إلزام (1) الغاصب هنا بالاشق على وجه يقدم على نفي الضرر والحرج، كما أومأ (عليه السلام) إليه بقوله (2): " الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها " ضرورة اقتضائه رده على مالكه وإن استلزم خراب الدار أجمع، كما هو واضح. بل قد يقال: إن للمالك أخذ ماله من الغاصب الممتنع عن دفعه في كل حال وإن استلزم ذلك تلف نفس الغاصب مع فرض عدم التمكن منه إلا في الحال المزبور، وخصوصا مع حاجة المالك له في تلك الحال لحفظ نفسه مثلا، فان احترام نفس الغاصب في الفرض غير معلوم، ولعل قوله تعالى (3): " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " يشعر بذلك، ضرورة ظهوره في سقوط احترامه بالبغي والعدوان وإن كان في غير المفروض كما قدمنا الكلام فيه سابقا. بل قد يشعر به في الجملة سقوط احترامه في الدفاع عن المال ولو يسيرا، أللهم إلا أن يفرق بينهما بأن ذلك حيث يمكن رفع الغاصب يده عن الغصب، فمع امتناعه يسقط احترامه، بخلاف الفرض الذي يجب فيه على الغاصب حفظ نفسه المفروض توقفه على بقاء العين المغصوبة في يده، بل له أخذ مال الغير قهرا ابتداء مقدمة للحفظ. وفيه إمكان منع الرخصة له في بقاء المغصوب في يده حفظا لنفسه باعتبار كونه باغيا وعاديا قبل حال الاضطرار، فلا رخصة له، وفرق بينه وبين الاضطرار ابتداء لاخذ مال الغير لحفظ نفسه، لعدم البغي


(1) في النسخة الاصلية المبيضة (التزام) والصحيح ما أثبتناه كما هو كذلك في النسخة المخطوطة بقلمه الشريف. (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 5. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 173.

[ 79 ]

والعدوان قبل حال الضرورة، مع أنه يمكن منع الرخصة فيه إذا فرض توقف حياة المالك على بقائه، لانه لا تقية في الدماء، فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو خاط ثوبه) مثلا (بخيوط مغصوبة فان أمكن نزعها) على وجه تصل إلى مالكها (الزم) الغاصب (ذلك) وإن استلزم فساد الثوب (وضمن ما يحدث من نقص). (ولو خشي تلفها بانتزاعها لضعفها ضمن القيمة) كما في القواعد والدروس وغيرهما (1) لكونه كالمعدوم باعتبار تعذر رده، وظاهرهم عدم وجوب الاخراج حينئذ، كما اعترف به في المسالك، ولكن في جامع المقاصد في شرح عبارة القواعد التي هي كعبارة المصنف " ولو طلب المالك نزعها وإن أفضى إلى التلف وجب، ثم يضمن الغاصب النقص، ولو لم يبق لها قيمة غرم جميع القيمة، ولا يوجب ذلك خروجها عن ملك المالك، كما سبق من أن جناية الغاصب توجب أكثر الامرين ولو استوعبت القيمة أخذها ولم تدفع العين ". ونحوه في المسالك قال: " الخيط المغصوب إن خيط به ثوب ونحوه فالحكم كما في البناء على الخشبة، فللمالك طلب نزعه وإن أفضى إلى التلف، ويضمن الغاصب النقص إن اتفق، وإن لم يبق له قيمة ضمن جميع القيمة، ولا يخرج بذلك عن ملك المالك كما سبق، فيجمع بين العين والقيمة ". وهو كما ترى مناف لظاهرهم الذي اعترف به في المسالك سابقا، ومن هنا جزم في مجمع البرهان بعدم وجوب النزع في مثل الفرض، بل قال: " يمكن أنه لا يجوز، وتتعين القيمة، لانه بمنزلة التلف، فتلزمه


(1) وفي النسختين الاصليتين المسودة والمبيضة (وغيرها).

[ 80 ]

القيمة فقط، وحينئذ يمكن جواز الصلاة في ذلك الثوب المخاط، إذ لا غصب فيه يجب رده، كما قيل بجواز المسح بالرطوبة من الماء المغصوب الذي حصل العلم لحاله بعد الغسل وقبل المسح ". وهو جيد موافق لما قلناه سابقا من اقتضاء ملك المالك القيمة خروج المغصوب عن ملكه، لكونها عوضا شرعيا عنه، وقد تقدم سابقا في وطء حيوان الغير الموجب لدفع القيمة عنه ما يؤكد ذلك في الجملة. بل قد تقدم أيضا أن من كان في يده المغصوب لو رجع المالك عليه وغرمه كان له الرجوع على من استقر التلف في يده، على وجه يملك ما كان في ذمته للمالك عوض ما أداه. بل ستسمع ملك الغاصب المغصوب إذا أدى قيمته للحيلولة وإن كان متزلزلا، بل كان ذلك مفروغ منه عند التأمل في كلماتهم في مقامات متعددة ظاهرة أو صريحة في أن المؤدي عن المضمون عوض شرعي عنه على وجه يقتضي الملك للطرفين، من غير فرق بين الموجود من العين مما لا قيمة له وبينها إذا كانت كذلك لو انتزعت، كما في الفرض الذي يتعذر فيه الرد لنفس العين المغصوبة. بل لعل قول المصنف وغيره: (وكذا لو خاط بها جرح حيوان له حرمة لم تنتزع إلا مع الامن عليه تلفا وشينا، و) إلا (ضمنها) مؤيد لذلك، ضرورة اقتضائه جواز التصرف للآدمي مثلا بما خيط به جرحه، وليس ذلك إلا للخروج عن ملكه بضمان القيمة له بتعذر الرد لاحترام الحيوان، وإن كان لنا نظر وتأمل في أصل ما ذكروه هنا. قالوا واللفظ لثاني الشهيدين منهم في المسالك: " إن خيط به جرح حيوان فهو إما محترم أو غيره، والمحترم إما آدمي أو غيره، فالآدمي إن خيف من نزعه تلفه أو غيره من المحذور المجوز للعدول إلى التيمم

[ 81 ]

من المرض والشين لم ينزع، وعلى الغاصب قيمته، ثم إن خاط جرح نفسه فالضمان مستقر عليه، وإن خاط جرح غيره باذنه وهو عالم بالغصب قيل كان قرار الضمان عليه، والاجود قراره على المباشر، وأما غير الآدمي فعلى ضربين: أحدهما غير المأكول، والحكم فيه كالآدمي، لانه لا ينتفع به مع ذبحه، والثاني المأكول، فان كان لغير الغاصب لم ينزع، لحرمة روحه، وإن كان للغاصب فوجهان: إنه يذبح ويرد الخيط، لامكان الجمع بين الحقين، وهو جائز الذبح، وأظهرهما - وهو الذي يقتضيه إطلاق المصنف - المنع كما في غير المأكول، لان للحيوان حرمة في نفسه، ولهذا يؤمر بالانفاق عليه، ويمنع من إتلافه بغير الذبح للاكل، وقد روي (1) أنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذبح الحيوان إلا لاكله ". قلت: قد يناقش (أولا) بامكان منع جعل مسوغ التيمم عذرا في عدم وجوب الرد هنا مطلقا، لما عرفته من تكليف الغاصب بأشق الاحوال في الرد وإن استلزم الضرر عليه والمشقة، فمع فرض أنه قد خاط به جرحه وكان في نزعه مشقة لا يخشى منها التلف وإن جاز التيمم لها أو يخشى الشين من نزعه يتجه تكليفه بذلك إلزاما له بأشق الاحوال، لانه هو الذي أدخل الضرر عليه باختياره الغصب الذي مقتضاه ذلك، واحتمال الفرق بين الضرر المالي وغيره لا دليل عليه، نعم قد يتجه ذلك مع الخوف على النفس الذي يسقط معه خطاب الرد، فتأمل جيدا. (وثانيا) بامكان إلزامه بشراء ما يجوز ذبحه من الحيوان إذا كان للغير، مأكولا أو غيره، مقدمة لذبحه ونزع الخيوط منه، وإن أدى ذلك إلى ضرر عليه، فضلا عن إلزامه بذبح ما يجوز ذبحه من الحيوان الذي له، ودعوى حرمته لغير الاكل واضحة المنع.


(1) سنن النسائي ج 7 ص 211 وفيه قال صلى الله عليه وآله: (حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع وأسها فيرمى بها).

[ 82 ]

(وثالثا) بمنع إطلاق قرار الضمان عليه حتى في صورة علم ذي الجرح بغصب الخيوط وطلبه التخييط بها. وعلى كل حال فإذا مات الحيوان الذي خيط به جرحه فان كان غير الآدمي نزع منه الخيط، وفي الآدمي وجهان: أصحهما كما في المسالك وغيرها العدم، لما فيه من المثلة، والآدمي محترم حيا وميتا، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) (1): " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي ". قلت: قد يقال باستثناء ذلك، كما ذكروه في النبش للتوصل إلى المال، بل يمكن منع كون ذلك من المثلة المحرمة، خصوصا في بعض الافراد. وأما غير المحترم من الحيوان وهو ما يصح إتلافه بغير التذكية كالخنزير والكلب العقور فلا يبالي بهلاكه ونزع الخيط منه. ويلحق بهما الكافر الحربي بل والمرتد عن فطرة بل والزاني المحصن ونحوهم ممن هو غير محترم النفس، وكذا لو عرض عدم احترامها بردة ونحوها بعد الخياطة. واحتمال عدم الجواز باعتبار كون الحد وظيفة الامام وعدم جواز قتل المحارب في بعض الاحوال على بعض الاقوال كما ترى، ضرورة عدم كون ذلك من الحد، بل هو أخذ ماله المستلزم لموت غير محترم النفس، ونحوه يجري في المحارب. والكلام هنا يجري نحوه في لوح السفينة في صورة ما إذا كان فيها حيوان وإن لم يذكر احتمال الذبح هناك، كما نبهنا عليه، والله العالم. (ولو حدث في المغصوب عيب) مستقر لا سراية له (مثل تسويس التمر أو تخريق الثوب رده مع الارش) سواء كان بفعل


(1) سنن البيهقي - ج 4 ص 58.

[ 83 ]

الغاصب أو غيره، وسواء زال معه الاسم أو غيره، بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل هو مقتضى وجوب رد المغصوب وضمان ما فات منه المستفادين من العقل والكتاب والسنة (1) والاجماع. خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من أنه إذا غير الغاصب المغصوب تغييرا أزال به الاسم والمنفعة المقصودة منه - كما إذا قطع الثوب أو طحن الحنطة مثلا - ملكه وضمن قيمته للمالك، بل عنه لو دخل لص دار رجل مثلا فوجد بغلا وطعاما ورحى فضمد (2) البغل وطحن الطعام ملك الدقيق، فان انتبه صاحب الدار بعد ذلك كان للص قتاله عن دقيقه فان أتى الدفع عليه فلا ضمان على اللص. وهو كما ترى مناف لقاعدة بقاء الملك، بل وللمعلوم من الشرع، والله العالم. (ولو كان العيب غير مستقر) بل هو سار لا يزال يزداد إلى الهلاك (كعفن الحنطة قال الشيخ) في المحكي من مبسوطه: الاقوى أنه (يضمن قيمة المغصوب) لانه بشرفه على التلف صار كالمستهلك، فيضمن الغاصب حينئذ مثله أو قيمته، بل مقتضى ذلك بناء على ما قدمناه كون المغصوب ملكا للغاصب، وعن التذكرة أنه أظهر قولي الشافعية. لكن قال المصنف: (ولو قيل برد العين مع أرش العيب الحاصل ثم كلما ازداد دفع أرش الزيادة) حتى يهلك (كان حسنا) وإن فعل ذلك المالك عنادا، لعدم كونه تالفا حقيقة، بل جزم به كل


(1) راجع ص 33 (2) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة، والمسودة المخطوطة بقلمه الشريف غير مقروة، ومن المحتمل (فحمل)

[ 84 ]

من تأخر عنه. نعم في قواعد الفاضل ذلك على إشكال ينشأ من حصول البراءة بدفع العين وأرش النقص، فيجوز أن يعانده المالك بعدم التصرف فيه إلى أن يتلف، ومن استناد النقص إلى السبب الموجود في يد الغاصب. ولا يخفى ما في الوجه الاول، ضرورة عدم اقتضاء دفع أرش الحاصل كونه كمال الحق الواجب، لعدم حدوث تلف شئ يكون مضمونا بعد، فإذا حدث ضمنه، لانه مستند إلى جنايته، ومعاندة المالك بالطريق الشرعي الذي هو تسلط الانسان على ماله لا تقتضي سقوط أرش الجناية المضمونة. وفي جامع المقاصد تقييد الحكم المزبور بما إذا لم يتمكن المالك من العلاج بسهولة، وإلا ففيه تردد، وتبعه في المسالك، قال: " هذا إذا لم يمكن إصلاحه، وإلا سقط أرش ما زاد على ذلك، لاستناد الفائت إلى تقصير المالك، كما لو جرحه فترك علاج الجرح مع قدرته عليه، فانه لا يكون مضمونا ". قلت: يمكن منع عدم الضمان في الجرح، بل نفى الخلاف بعضهم عن الضمان لو جرحه فترك المداواة حتى مات، قال: " لان السراية مع ترك المداواة من الجرح المضمون على الجارح " نعم لو فصده الفصاد مداواة لمرضه بأمر الطبيب فترك شده أو ترك كل منهما شده حتى نزف الدم فمات فخيرة الكتاب والتحرير والارشاد والتلخيص أنه لا ضمان على الفصاد، واستشكل فيه الفاضل في القصاص من استناد الموت إلى سراية الجرح، فهو كغيره من الجراحات التي يهمل المجروح مداواتها، وعلى كل حال فما نحن فيه من الاول. لكن قد يقال: إن الارش الذي دفعه الغاصب إنما هو أرش عيب

[ 85 ]

سار، على معنى تقويم الحنطة صحيحة بكذا ومعيبة بالعيب المزبور بكذا، فهو كمال حق المالك، فلا وجه لضمان ما تجدد بعده، إذ هو حينئذ كرجوع المشتري على البائع بمثل العيب المزبور لو فرض سبقه أو حدوثه في الثلاثة على وجه يكون ضمانه على البائع، ودعوى التزام ذلك فيه أيضا واضحة المنع، فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو كان) المغصوب باقيا (بحاله رده، ولا يضمن تفاوت القيمة السوقية) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المسالك نسبته إلى أكثر أهل العلم، لان الفائت رغبات الناس، لا شئ من المغصوب. خلافا لشذاذ من العامة، وخصوصا إذا فات القيمة ثم عادت إلى ما كانت وقت الغصب، نعم لو كان التفاوت بسبب نقصان في العين ضمن ذلك، كما ستعرف الكلام فيه وفي غيره، والله العالم. وكيف كان (فان تلف المغصوب ضمنه الغاصب بمثله إن كان مثليا) بلا خلاف معتد به أجده فيه، كما اعترف به بعضهم بل هو من قطعيات الفقه، كما يومئ إليه أخذه مسلما في سائر أبوابه، وفي جامع المقاصد الاجماع عليه، بل في غاية المراد أطبق الاصحاب على ضمان المثلى بمثله إلا ما يظهر من ابن الجنيد، فانه قال: " إن تلف المضمون ضمن قيمته أو مثله إن رضي صاحبه " ولعله يريد القيمي، والمراد من ضمانه بمثله عدم تسلط المالك على إلزامه بالقيمة لو أرادها، كما أنه لا تسلط للغاصب على إلزام المالك بقبول القيمة لو بذلها. لكن لم نعثر في شئ مما وصلنا من الادلة عدا معقد الاجماع والفتاوى على المثلي والقيمي عنوانا كي يرجع فيهما كغيرهما إلى العرف بعد انتفاء الشرع.

[ 86 ]

نعم قال الله تعالى شأنه (1): " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " و " جزاء سيئة سيئة مثلها " (2) و " إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (3) إلى غير ذلك مما ورد في المقاصة التي مقتضاها ضمان الشئ بمثله العرفي لا الاصطلاحي. نعم خرج الحيوان، لما في صحيح أبي ولاد (4) من ضمان قيمة البغل وغيره مما ورد فيه القيمة (5) بناء على إرادة الالزام بها على وجه لا يجزئ غيرها من الخبر المزبور، فيتجه حينئذ احتمال كون الاصل الضمان بالمثل العرفي إلا ما خرج بالدليل. ولعله لذا ذهب المصنف فيما تقدم من كتاب القرض (6) إلى ضمان القيمي بمثله، لاطلاق ما دل على قرض الشئ بمثله الصادق بالمثل العرفي، وقد تقدم الكلام فيه في محله. وعلى كل حال فالآيات المزبورة لا دلالة في شئ منها على المثلي المصطلح الذي ستسمع ما ذكروا له من التعاريف المتعددة. بل قيل: إن المراد بالآية إن كان بيان التشبيه الخاص بمعنى عدم التجاوز في مقدار الاعتداء عما اعتدى به فهو حينئذ أجنبي عن المثلي المصطلح، ضرورة كون المرد حينئذ التساوي في مقدار الاعتداء في القتل والجرح وأخذ المال من دون ملاحظة المثل أو القيمة، بل ليس فيها


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 194. (2) سورة الشورى: 42 - الاية 40. (3) سورة النحل: 16 - الاية 126. (4) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - من كتاب النكاح. (6) راجع ج 25 ص 20.

[ 87 ]

حينئذ إلا حكم واحد، وهو الرخصة في الاعتداء بمقدار اعتداء المعتدي، وأن لا يتجاوز عنه، والمراد بالمقدار هو أن يحكم أهل العرف بإنهما سيان في المنفعة والفائدة، ويرضى العقلاء بتملك كل منهما مقام الآخر من غير فرق بين المثل والقيمة. وإن كان المراد التشبيه المطلق، يعني يجوز لكم الاعتداء على نحو يماثل اعتداء المعتدي في الاعتداء والمعتدى به فهذا إطلاق ينصرف إلى العموم في كلام الحكيم، وحينئذ فهو يشتمل على حكمين: الاول الرخصة في الاعتداء، والثاني أن ذلك على سبيل المثلية في كل شئ، وهو يشمل المثلي والقيمي أيضا، ففي كل منهما يجب اعتبار المماثلة في الاعتداء والمعتدى به في كل شئ إلا مع التعذر وهو يناسب مذهب ابن الجنيد بلزوم المثل في القيمي أيضا إلا مع التعذر، فلا تدل الآية على التفصيل المزبور. فالمناص بأن يبنى تفسير الآية على الوجه الثاني، ويخص عمومه بدليل خارجي مثل صحيح أبي ولاد (1) أو يقال: إن حكم القيمي ليس داخلا في الآية أو يعترف بمذهب ابن الجنيد، فيندرج مسألة الرجوع إلى المثل في المثلي تحت عموم الآية، لا لان لفظ المثل فيهما (فيها ل ظ) بمعنى المثلي المصطلح، بل لان المماثل المصطلح من أفراد المماثلة المعتبرة في الآية بالمعنى ويخرج القيمي بالصحيحة المزبورة. إلى آخر ما ذكره القائل المزبور، فانه وإن كان كلامه لا يخلو من غشاوة وقبح تأدية وخلل في النقل عن ابن الجنيد الظاهر في ضمان مطلق المغصوب بقيمته، وتوقف الاجتزاء بالمثل على رضا المالك، بناء على رجوع القيد في كلامه إلى الاخير، وإن كان راجعا إليهما كان مراده كون التخيير حينئذ بيد المالك بين المثل والقيمة مطلقا، كما هو المعروف


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 88 ]

في النقل عنه، لكنه راجع إلى ما ذكرناه من عدم دلالة الآية على اعتبار المثلي الصطلح، بل إن كان ولابد فيكفي المثل العرفي. ولعله لذا قال المقدس الاردبيلي بعد أن أشكل ما ذكره من تعاريف المثلي ما حاصله من أن تحقيقه مشكل جدا، وهو مبنى احكام كثيرة والذي تقتضيه القواعد أنه لفظ عليه أحكام بالاجماع والكتاب والسنة وليس له تفسير في الشرع، وما ذكر مجرد اصطلاح، فيمكن أن يحال إلى العرف، وهو كل ما يقال إن لهذا مثلا عرفا يؤخذ به، فان تعذر أو لم يكن أصلا فالقيمة، بل ينبغي ملاحظة مثل المتلف، فلا يجزئ مطلق الحنطة عن الصنف الخاص المتلف، بل لا فرق بينها وبين الثوب بل والفرس وغيرهما إذا كان لهما أمثال عرفية. قلت: لكن ذلك كله كما ترى مخالف للاجماع بقسميه، بل ولما هو كضروري الفقه بين العامة والخاصة، فيمكن أن يقال بملاحظة ذلك وملاحظة الامر بالقيمة في الحيوانات والمنافع (1) والسفرة المتلقطة في الطريق وكان فيها بيض ولحم وغيرهما (2) وغير ذلك مما ورد فيه الامر (3) بالقيمة وله أمثال عرفية: إنه لا يراد المثل العرفي، بل هو شئ فوق ذلك، وهو المماثلة في غالب ما له مدخلية في مالية الشئ، لا المماثلة من كل وجه المتعذرة، ولا مطلق المثل العرفي الذي يطلق مع وجود جهة الشبه في الجملة، وهذا لا يكون إلا في الاشياء المتساوية المتقاربة في الصفات والمنافع والمعلوم ظاهرها وباطنها. ومن هنا كان الحيوان قيميا، باعتبار أنه وإن وجد له مثل عرفا


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب اللقطة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 89 ]

ولكن لم يعلم باطنه المختلف أشد اختلاف، وكذا الثوب بل والارض التي فيها قطع متجاورات والمنافع المختلفة كل الاختلاف باعتبار الاستيفاء، وفرض وجود المثل المنطبق على المعنى المصطلح في بعض الافراد لا يوافق إطراد قواعد الشرع، فلذا كان المدار على النوع بل الصنف. (و) بذلك يتضح لك المراد في تعريف المشهور كما في المسالك وغيرها للمثلي بأنه (هو ما يتساوى قيمة أجزائه) وزاد بعضهم التمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والادهان وما أشبه ذلك. ولعل المراد تساوي قيمة أجزاء الصنف من النوع منه، بل الاشخاص من الصنف، بل على أن يكون ذلك التساوي من حيث الذات لا الاتفاق، وحينئذ فالمن من شخص الحنطة الخاصة مثلا والدهن الخاص مثلا قيمة أجزائه متساوية، ضرورة كون الرطل بدرهم مع فرض كون المن بدرهمين وهكذا. ولا يرد النقض بالثوب أو الارض الذي يمكن دفعه بعدم غلبة ذلك فيهما، وفرض بعض الافراد كذلك لا يناسب إطراد قواعد الشرع. بل مما ذكرنا يعلم اندفاع ما أورد في مجمع البرهان بأنه إن أريد التساوي بالكلية فالظاهر عدم صدقه على شئ من المعرف، إذ ما من شئ إلا وأجزاؤه مختلفة في القيمة في الجملة، مثل الحنطة والشعير وجميع ما قيل إنه مثلي، فان قفيزا من حنطة يساوي عشرة وآخر يساوي عشرين، وإن أريد التساوي في الجملة فهو في القيمي أيضا موجود، مثل الارض والثوب ونحوهما، وإن أريد مقدارا خاصا فهو حوالة على مجهول. قلت: قد عرفت أن المراد المساواة في غالب ما له مدخلية في المالية، وتفاوت أفراد الحنطة وإن كان معلوما إلا أنك قد عرفت المساواة في أشخاص الاصناف، ولا يكفي الاتحاد في اسم النوع المنافي لقاعدة لا ضرر

[ 90 ]

ولا ضرار ولغيرها. ولعله أشار إلى ما ذكرنا الشهيد في الدروس بتعريفه المثلي بأنه المتساوي الاجزاء والمنفعة المتقارب الصفات، بل هو في الحقيقة كشف لتعريف المشهور، لا أنه تعريف آخر وإن توهمه غير واحد. بل لعله المراد من تعريفه له في غاية المراد أيضا بأنه ما تتساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية، على معنى إرادة التساوي المزبور لا أن المراد به الاتحاد في اسم القليل والكثير منه كالماء والحنطة كي يرد عليه الانتقاض بالارض. وإليه يرجع ما في التذكرة عن بعض من أنه ما لا يختلف أجزاء النوع الواحد منه في القيمة، وربما يقال في الجرم والقيمة، ويقرب منه قول من قال: إنه الذي يتشاكل في الخلقة ومعظم المنافع، أو ما تتساوى أجزاؤه في المنفعة والقيمة، وزاد بعض من حيث الذات لا من حيث الصفة. بل لعله المراد أيضا من تعريفه بالمقدر بالكيل والوزن على معنى غلبة التساوي في أجزائها على الوجه المزبور في كثير من أفرادها المتعارفة، فلا يرد النقض بالمعجونات. ومن هنا زيد فيه اشتراط جواز السلم فيه أو اشتراط جواز بيع بعضها ببعض بتشابه الاصلين في قضية التقابل. فلا يرد ما في المسالك من أنه اعترض على العبارات الثلاثة بأن القماقم (والمغارف خ) والملاعق المتخذة من الصفر موزونة، ويجوز السلم فيها، وبيع بعضها ببعض وليست مثلية، مضافا إلى ما أورد هو عليه بمنع جواز السلم فيها، لاختلافها وعسر ضبطها. وإلى ما ذكرناه سابقا من أن المراد التساوي ذاتا لا اتفاقا بصنع صانع ونحوه.

[ 91 ]

بل يرد عليه ما قيل من اقتضائه كون الشئ مثليا في بلد قيميا في آخر، لمكان اختلافهما في الكيل والوزن وعدمهما، إذ قد عرفت أن المراد بذا المتعارف في الغالب باعتبار كشفه عن تساوي أجزائه، لا أن المراد مثليته من حيث الكيل والوزن المختلفين باختلاف البلدان. وبالجملة فالمراد من التعاريف واحد، وهو التساوي الذاتي في غالب ما له مدخلية في الرغبة والقيمة، وأن يكون ذلك غالبا في أفراد الاصناف لا اتفاقا. بل لعله المراد أيضا مما في الارشاد وشرحه الاسعاد لبعض الشافعية من تعريفه بأنه ما أمكن ضبطه بكيل أو وزن وجاز السلم فيه. بل لعله المراد أيضا مما حكاه في الرياض عن خاله في دفع ما سمعته من المقدس الاردبيلي من أنه لعل المراد التقارب المتعارف المعتد به عند أهل العرف، أي ما يكون متساوي الاجزاء عرفا يكون مثليا، وغير المتساوي كذلك غير مثلي، وأيضا المثلي ما تعارف تحقق المثل له بحيث يساويه ويماثله في الطبيعة والمميز النوعي والصنفي، وهو أقرب إليه من كل جنس وإن كان مثل الدرهم والدينار. بل يعلم مما ذكرنا أيضا أنه لا وقع لما اعتذر به الكركي عن التعريف المزبور بأن الظاهر منه إرادة ضبط المثلي بحيث يتميز فضل تميز، لا التعريف الحقيقي، أو يكون التمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والادهان داخلا في التعريف، فيكون انكشافه بهذه الامثلة، ضرورة أنك قد عرفت كون المراد بالتعريف المزبور ما لا يحتاج معه إلى الاعتذار المذكور. ومن الغريب ما في المسالك من أنه اعترض عليه بأنه إن أريد بالاجزاء كل ما تركب عنه الشئ لزم أن لا تكون الحبوب مثلية، لانها تركب من القشور والالباب، والقشر واللب مختلفان في القيمة،

[ 92 ]

وكذلك التمر والزبيب، لما فيهما من العجم والنوى، وإن اريد الاجزاء التي يقع عليها اسم الجملة لزم أن لا تكون الدراهم والدنانير مثلية، لما يقع في الصحاح من الاختلاف في الوزن والاستدارة والاعوجاج ووضوح السكة وخفائها، وذلك مما يؤثر في القيمة. بل مما ذكرناه يظهر لك المناقشة فيما في الرياض وغيره من أنه " لا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعاريف عدا العرف واللغة، وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما عليه، إذ هي فرع تعليق الحكم بلفظ المثل في دليل، وليس بموجود عدا قوله تعالى (1): (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وفيه نظر، لاحتمال كون المراد بالمثل فيه أصل الاعتداء لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه، فتأمل ". إذ قد عرفت أن المراد به ذلك ولو بمعونة ما سمعت من النص والفتوى. ثم قال (هذا مع أنه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي عدا الاجماع والاعتبار، وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات، فليرجع في خصوص الافراد إلى ما أجمع على كونه مثليا أو قيميا، ولا إشكال فيما ظهر فيه، ويشكل الامر فيما عداه، وينبغي الاحتياط في مثله بالرجوع إلى الصلح والتراضي إن أمكن، وإلا فلا يبعد ترجيح مختار الاكثر، لرجحانه بالشهرة، ولولاها لكان العمل بالتخيير بين الاراء متجها، كما هو الحال في ترجيح الاقوال المختلفة التي لا مرجح لاحدها على الآخر من الادلة، وربما يرجح مختار الاكثر على أكثر ما عداه أيضا بسلامته عن النقض الذي يورد عليه من شموله


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 194.

[ 93 ]

للثوب، لان قيمة أجزائه متساوية مع أنه قيمي، وذلك فانه يمكن أن يقال: إن الثوب ليس بمتساوي الاجزاء، فان ذراعا منه قد يسوى عثمانيا والآخر شاهيات، بل ربما لا يكون له قيمة أصلا) بل من التأمل فيما ذكرنا يظهر لك أنه من غرائب الكلام. على أنه يمكن أن يقال بل قيل: إن الظاهر من الآية (1) رخصة المالك بأخذ المثل بالمماثلة العامة إرفاقا بالمالك، فلا يجوز للغاصب التجاوز عنه مع تقاضيه ذلك، لا أنه لا يجوز للمالك مطالبة الغاصب بالقيمة، فان الظاهر أن التالف في حكم المثمن، والعوض في حكم الثمن والتخيير بيد البائع في التعيين، فيجوز للمالك مطالبته بالقيمة، ولا يرضى إلا بذلك في عوض ماله، ولا يمكن التمسك بأصالة براءة الغاصب عن لزوم القيمة، لاستصحاب شغل الذمة الموقوف براءتها بأداء حق المالك وإرضائه، لكون مطلوبا. بل ربما يقال: إن النقدين هما الاصل في الاعواض في الغرامات وغيرها، كما يشعر به بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الزكاة (2) على ما يخطر في البال، ولعله إليه نظر الاسكافي في إطلاقه ضمان القيمة وتعليق المثل على التراضي. وعلى كل حال فقد ظهر لك من جميع ما ذكرنا أن المثلي المصطلح هو الذي يمكن لعقلاء العرف الحكم بمثل له مساو فيما له مدخلية في ماليته في غالب صنفه، وما ليس كذلك فهو قيمي، ولو لان المغصوب مثلي معيب ولم يكن في غالب صنفه معيب كذلك، فيكون الحاصل أن


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 194. (2) الظاهر أن نظره (قده) إلى موثقة اسحاق بن عمار التي ذكرها في ج 15 ص 204 ورواها في الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7.

[ 94 ]

المراد بالمثلي في كلامهم هو الذي له مثل بمعنى أنه مساو له في جميع ما له مدخلية في ماليته من صفاته الذاتية لا العرضية كالمكان والزمان على وجه يكون غالبا في صنفه، وما عداه قيمي، فتأمل فانه جيد. وأما وجه تعيين الغرامة به مع فرض تحققه فللاجماع والاعتبار وغيرهما، والله العالم. (فان تعذر المثل) المزبور بعد أن كان موجودا حين تلف المغصوب كما في التذكرة والمسالك وغيرهما (ضمن قيمته) أي المثل بلا خلاف أجده فيه، بل قيل: إنه إجماعي، لنفي الضرر وقبح التكليف بما لا يطاق، والاضرار بتأخير الحق، فتعينت القيمة المزبورة جمعا بين الحقين. لكن قد يناقش إن لم يكن إجماعا بأن ذلك لا يقتضي وجوب القبول على المالك لو دفع الغاصب، فان له التأخير إلى حال التمكن من المثل. أللهم إلا أن يكون ذلك ضررا على من عليه الحق ولو باعتبار بقاء ذمته مشغولة بناءا على أن مثله ضرر منفي أيضا، وفيه تأمل. أو يقال: إنه مقتضى قوله (عليه السلام) (1): " المغصوب مردود " بناء على إرادة ما يشمل رد المثل أو القيمة من الرد فيه، فيكون ذلك تكليفا للغاصب، فيجب القبول على من له الحق مع دفع الحق. هذا وقد يظهر من بعض عبارات التذكرة والايضاح عدم وجوب القبول عليه وأن له التأخير إلى وجدان المثل، فيملك المطالبة، وحينئذ يرتفع الاشكال من أصله. وعلى كل حال فالمراد قيمته (يوم الاقباض) أي حينه (لا يوم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس وفيه (الغصب كله مردود).

[ 95 ]

الاعواز) ولا أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف، ولا أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الاعواز، ولا أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت الاعواز، ولا أقصاها من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة، ولا أقصاها من وقت انقطاعه وإعوازه إلى وقت المطالبة، ولا أقصاها من وقت تلف المغصوب إلى وقت المطالبة، ولا قيمته يوم التلف، ولا قيمته يوم المطالبة، ولا أنه إن كان منقطعا في جميع البلاد فالاعتبار بقيمته يوم الاعواز وإن كان في تلك البقعة فالاعتبار بقيمته يوم الحكم بالقيمة، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، وإنما بعضها وجوه وبعضها أقوال للعامة. نعم في الايضاح أن الاصح ضمانه أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة، ولم نعرفه لغيره، بل هو مبني على وجوب ضمان أعلى القيم في المغصوب، وستعرف ضعفه. كما أن بعض الوجوه مبنية على ضمان المغصوب مع تجدد تعذر المثل بقيمته لا قيمة المثل. وقيل: إنهم اختلفوا في باب القرض في وقت وجوب قيمة المثل في المثلي إذا تعذر على أقوال، فبعض على أنها تجب قيمة يوم المطالبة، وبعض وقت القرض، وبعض وقت التعذر، ولا فرق ظاهر بين المقامين، بل عن ابن إدريس التصريح بأن الحكم فيهما سواء. وفيه منع تحقق خلاف معتد به، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، ضرورة كونه بعد ثبوت المثل في الذمة في القرض والغصب يستصحب بقاؤه إلى حين أدائه، وتجدد تعذره لا يرفع الحكم الوضعي الذي هو ملكية المثل عليه، ولذا يجب عليه أداؤه مع فرض تجدد التمكن منه، فهو إلى حين الاقباض ليس له في ذمته إلا المثل الذي تؤدى القيمة بدلا عنه

[ 96 ]

بطلب من المالك أو اختيار من الغاصب على الوجهين السابقين فتبرأ الذمة حينئذ على وجه لو تمكن من المثل بعد ذلك لم يجب عليه دفعه بلا خلاف أجده فيه بيننا. وبذلك يفرق بينه وبين المالك وملكه، فان المقام شبه أداء الدين بغير جنسه مع التراضي أو قلنا بأن ولاية ذلك بيد الغاصب، بخلاف ما يؤدى للحيلولة، فانه ليس بدلا عن العين بنفسها، بل هو بدل عن حيلولتها. وعلى كل حال فالغرض أن أداء قيمة المثل عند تعذر المثل ليس لثبوتها في الذمة، بل الثابت في الذمة المثل، والقيمة أداء عنه، فلا نعتبر إلا قيمته حين القبض. نعم لو قلنا بالتعذر تثبت في الذمة القيمة اتجه اعتبارها عنده، لا وقت الاقباض، لكونه حينئذ كتلف القيمي بناء على ذلك فيه، لكن لا دليل عليه، بل مقتضى استصحاب بقاء المثل في ذمته خلافه، والاعواز لا يرفع الحكم الوضعي كما ذكرناه. ومن هنا مضافا إلى ما ستعرف من عدم ضمان أعلى القيم في المغصوب يظهر لك ضعف الوجوه المزبورة، بل وغيرها من الوجوه المحتملة في المقام غير العشرة المذكورة في كلام العامة. هذا وفي التذكرة " والمراد بالفقدان أن لا يوجد في ذلك البلد وما حواليه " وزاد في المسالك " مما ينقل منه إليه عادة، كما بين في انقطاع المسلم فيه " ونحوه عن الكفاية، ومرجعه إلى ما عن جامع المقاصد من أن المرجع فيه إلى العرف. وفيه أنه ليس في شئ من الادلة العنوان بذلك حتى يرجع إليه، بل مقتضى تكليف الغاصب بالاشق لزوم تحصيل المثل ولو من البلاد النائية التي لا ينقل منها عادة إن لم يسلتزم التكليف بالمحال.

[ 97 ]

ولعله لذا قال في التحرير وغيره: (لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل فالوجه وجوب الشراء). وفيه أنه مناف لما دل على نفي الضرار (1) والحرج في الدين (2) والخروج عنه في خصوص رد العين المغصوبة لا يقتضي الخروج عنه في مثلها، فالمتجه جعل المدار على ذلك، والله العالم. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لو أعوز فحكم الحاكم بالقيمة) ولم يدفعها المحكوم عليه برضا من خصمه أو عدمه (ف‍) اتفق أنها (زادت أو نقصت) بعد الحكم المزبور (لم يلزم ما حكم به الحاكم، وحكم بالقيمة وقت تسليمها) ضرورة عدم اقتضاء الحكم المزبور تعينها، وإنما هو بيان قدر الاستحقاق في ذلك الوقت لو دفع، وذلك (ل‍) ما عرفت من (أن الثابت في الذمة ليس إلا المثل) وانما تدفع القيمة بدلا عنه، فيكون المدار حينئذ على حين القبض، كما هو واضح بعد الاحاطة بما ذكرناه. هذا ولا يخفى عليك اقتضاء التقييد بما سمعت في أصل المسألة أنه لو لم يكن المثل موجودا وقت التلف تجب قيمة التالف، بل هو الذي استظهره في جامع المقاصد، لصيرورته بفقد المثل قيميا حين التلف. وقد يناقش بعدم المنافاة بين ثبوته في الذمة وبين تعذر أدائه في ذلك الوقت، ودعوى صيرورته قيميا واضحة المنع، إذ المثلي لا يتعين كونه كذلك بتعذر المثل، وإلا لزم عدم وجوب دفعه لو تمكن منه بعد ذلك قبل الاداء، لثبوت القيمة حينئذ في الذمة، ولا أظن أن القائل المزبور يلتزمه، لوضوح ضعفه، فالمتجه ثبوت المثل في ذمته على كل حال،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات. (2) سورة الحج: 22 - الاية 78.

[ 98 ]

وتعذر أدائه حال التلف لا يقتضي عدم ثبوته في الذمة، فان عدم التمكن من وفاء الدين لا يقتضي عدم ثبوته في الذمة، وحينئذ لم يكن للتقييد المزبور فائدة. ولعله لذا تركه، المصنف بل قيل والمبسوط والتحرير والارشاد والدروس، بل في الاخير ما هو كالصريح في ذلك، قال: " فان تلف فعليه ضمان المثل، فان تعذر فقيمته يوم الاقباض، سواء تراخى بتسليم المثل عن تلف العين أم لا " والله العالم. ولو أتلف الغاصب مثليا وظفر به المالك في غير مكان الاتلاف فعن ابن إدريس أن له إلزامه به في ذلك المكان وإن كان هو أعلى قيمة من مكان الغصب وكان حمله يحتاج إلى مؤونة، قال (لانه الذي يقتضيه عدل الاسلام والادلة وأصول المذهب) ووافقه الفاضل وولده والشهيد والكركي لان وجوب رد المظلمة فوري، ولا تراعى مصلحة من حقه أن يؤخذ بأشق الاحوال. لكن عن المبسوط ما حاصله على طوله أنه إذا اختلفت القيمة فللمالك قيمته في بلد الغصب أو يصبر حتى يصل إليه ليستوفى ذلك للضرر المنفي، قيل: وهو المحكي عن القاضي والشافعي. ونوقش بمنافاته لفورية الحق، وبأن تأخير الاداء ورد المظلمة ضرر على المالك، والضرر لا يزال بالضرر، بل قيل: إذا تعارض الضرران فالترجيح لنفي ضرر المالك، إذ الضرر المنفي إنما هو من شرع الحكم، والغاصب هنا أدخله على نفسه، مضافا إلى أنه يؤخذ بأشق الاحوال، وإلى إطلاق ما دل على وجوب رد المظلمة (1) وعلى تسلط المظلوم على


(1) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب جهاد النفس - من كتاب الجهاد.

[ 99 ]

استيفائها متى تمكن منها (1) والفرض أن الثابت في ذمته المثل، ودعوى اعتبار المكان في مثليته واضحة المنع لغة وشرعا وعرفا. نعم يتجه بناءا على ذلك أنه ليس للمالك الامتناع لو بذله الظالم في غير بلد الظلم وإن اقتضى ضررا على المالك لقلة القيمة مثلا، وإن تردد فيه في جامع المقاصد ولم يرجح. بل قد ينقدح من ذلك أن على الغاصب ضمان المثل وإن خرج بالزمان أو المكان عن التقويم، كما لو أتلف عليه ماء في مفازة ثم اجتمعا على نهر، أو أتلف عليه جمدا في الصيف ثم اجتمعا في الشتاء، وإن ذكر فيه في القواعد احتمالين، ثانيهما أن عليه قيمة المثل في تلك المفازة أو الصيف من دون ترجيح، بل في الدروس قوة الاحتمال الثاني، بل لعله خيرة الفخر، بل هو خيرة الفاضل في التذكرة، بل في جامع المقاصد نسبته إلى اختيار الاصحاب وغيره وأنه لا محيد عنه، وإن كنا لم نعثر على من تعرض له بالخصوص غير من عرفت. لكن قد عرفت أن الثابت في ذمته المثل، كما هو مقتضى إطلاق الفتاوى ومعقد الاجماع، والمكان والزمان لا مدخلية له في حقيقة المثلية، وقاعدة الضرار مشتركة بينه وبين المالك، وأخذه بأشق الاحوال إنما هو في رد العين المغصوبة لا المثل، ولذا صرح في جامع المقاصد بل لعله ظاهر غيره أيضا بعدم ضمانه غير المثل لو بقي له قيمة في الجملة في غير المكان المزبور، وإنما ذاك حيث لا يكون له قيمة. على أن المتجه بناء على ذلك ضمانه المثل في أقرب الاماكن والازمنة إلى النهر والشتاء، لا قيمته في ذلك المكان والزمان.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب فعل المعروف - من كتاب الامر بالمعروف والبحار ج 75 ص 17.

[ 100 ]

ودعوى أنه لما كان مثله في الشط لا قيمة له فالعدول إلى قيمة مثله الآخر غير معقول، فتعين الرجوع إلى قيمة عين المغصوب في مكانه أو زمانه، خالية عن الدليل، بل ظاهر الدليل خلافها، ضرورة اشتغال الذمة بالمثل حال التلف وإن اختلف باختلاف الامكنة والازمنة في القيمة، ولا دليل على عود اشتغال الذمة بالقيمة، بل مقتضى الاصل خلافه، والله العالم. هذا كله في المثلي. (وإن لم يكن) المغصوب المتلف (مثليا) بل كان قيميا كالحيوان ونحوه مما لم يكن لعقلاء العرف طريق للحكم بالمساواة فيما له مدخلية في ماليته من صفاته الذاتية في الصنف (ضمن قيمته) بلا خلاف معتد به في ذلك هنا، نعم تقدم للمصنف في كتاب القرض (1) ضمان القيمي بمثله، وقد سمعت الكلام فيه هناك. كما أنك سمعت الكلام في المحكي عن ابن الجنيد المحتمل لارادة ما لا ينافي المشهور منه، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لظهور صحيح أبي ولاد (2) وغيره مما دل على ضمان الحيوان (3) عبد أو غيره في كون اللازم القيمة، ومنه نصوص عتق الشريك (4) المقتضي للسراية المأمور فيها بالتقويم، فليس للمتلف دفع المثل العرفي إلا مع رضا المالك، كما أنه ليس للمالك اقتراحه عليه. وما في بعض أخبار العامة - عن عائشة (5) قالت: " صنعت حفصة


(1) ج 25 ص 20. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب موجبات الضمان - الحديث 2 من كتاب الديات. (4) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب العتق. (5) سنن أبي داود ج 2 ص 267 - ط مصر عام 1371 وفيه (صفية) بدل (حفصة).

[ 101 ]

طعاما فبعثت به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذني الافكل فكسرت الاناء، فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت ؟ فقال: إناء مثل الاناء وطعام مثل الطعام " وعن أنس (1) " أن امرأة كسرت قصعة أخرى فدفع النبي (صلى الله عليه وآله) قصعة الكاسرة إلى صاحبة المكسورة، وحبس المكسورة في بيته " - ليس حجة عندنا مع إمكان حمل الاخير منهما على علم النبي (صلى الله عليه وآله) بحصول الرضا منهما بذلك، بل وإمكان حمله والاول على تحقق المثلية فيهما، وغير ذلك. نعم للاصحاب خلاف في تعيين القيمة، فعن المقنعة والمراسم وموضع من المبسوط والنهاية وفي النافع وكشف الرموز أنها (يوم غصبه و) كأنه مال إليه في الارشاد، بل في التحرير (هو اختيار الاكثر) لانه أول وقت دخول العين في ضمان الغاصب، والضمان انما هو لقيمته، فيضمن بالغصب حالة ابتدائه. وفيه أن الحكم بضمان العين بمعنى أنه لو تلفت وجب القيمة بدلها، لا وجوب قيمتها حينئذ، فان الواجب ما دامت العين باقية ردها، ولا ينتقل إلى القيمة إلا مع التلف، فلا يلزم من الحكم بضمانها على هذا الوجه اعتبار ذلك الوقت. نعم قد يستدل له بما في صحيح أبي ولاد (2) المتضمن غصب البغل بمخالفته لما وقع بينه وبين صاحبه " أرأيت لو عطب البغل أو أنفق أليس كان يلزمني ؟ فقال الصادق (عليه السلام): نعم قيمة بغل يوم خالفته ". وفيه احتمال تعلق الظرف بالفعل المدلول عليه بقول " نعم "


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 96. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 102 ]

فيكون المراد يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل لو عطب، بمعنى أنها تتعلق بك ذلك اليوم، وحينئذ فحد القيمة غير مبين فيه، فلا ينافي ما دل على القيمة يوم التلف الذي ستعرف أنه الاصح. ودعوى أن الاول أظهر ممنوعة، بل قيل: إن ما ذكرناه أظهر بشهادة قوله فيه بعد ذلك: " فان أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر، قال (عليه السلام): عليك قيمته ما بين وقت الصحة والعيب يوم ترده عليه، قلت: فمن يعرف ذلك ؟ قال: أنت وهو، إما أن يحلف على القيمة فيلزمك، وإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا فيلزمك " الحديث. الظاهر في اعتبار القيمة يوم الرد لا الغصب. وإن كان فيه (أولا) أن الموجود فيما حضرني من نسخة التهذيب الصحيحة المحشاة " ترده عليه " من دون لفظ " يوم " ومعناه أنك ترد الارش عليه مع البغل. (وثانيا) أنه على التقدير المزبور كما يخالف يوم الغصب يخالف يوم التلف، ضرورة كونه غير يوم الرد، فلا يوافق المختار، بل ولا شيئا من الاقوال. بل إن جعلت الظرف فيه متعلقا بقوله: " عليك " كان منافيا أيضا لما عرفت من أن الضمان المعلق ثابت بالمخالفة، والمحقق حال حصول العيب، فالمتجه أن يراد منه أن عليك رد الارش حين ترد البغل، لا أن الارش يتعلق وجوبه بك يوم رد البغل لا يوم حصول العيب، فيوافق حينئذ المراد من النسخة الساقط فيها لفظ اليوم. ولقد أطنب بعض الفضلاء في بيان معنى المزبور، لعدم وقوفه على النسخة التي ذكرناها، وحينئذ لا يكون منافيا للمختار ولا مؤيدا له. نعم ربما قيل: إنه ظاهر فيه. باعتبار أن سؤال الراوي عن الضمان

[ 103 ]

بسبب التلف لا بسبب المخالفة، فمطابقة الجواب للسؤال يقتضي أن يكون المراد منه: نعم يلزمك يوم خالفته هذا الحكم، يعني يصير حكمك في هذا اليوم لزوم قيمة البغل إن هلك، والمتبادر منه بعد معلومية أنه ليس المراد قيمته ميتا هو أقرب زمان حياته إلى الموت، وهو قبيل التلف، وهذا معنى قيمته يوم التلف. بل لعل تنكير (بغل) يومئ إلى ذلك أيضا، إذ هو إشارة إلى أنه يفرض الميت حيا، وإلا فلا ريب أنه لا يكفي قيمة أي بغل يكون، وهو مناسب لكون الظرف لغوا متعلقا بيلزمك، وإلا فلا يناسب التنكير، إذ البغل يوم المخالفة حي بالفرض والاستصحاب، فالاولى تعريفه. ثم إن الظاهر بناء قوله (عليه السلام): " حين اكترى " على غلبة عدم التفاوت في هذه المدة القليلة وعلى الاستصحاب، وإلا فلم يقل أحد باعتبار القيمة حين الكري، كما هو واضح. وكيف كان فلا دلالة في الصحيح المزبور على القول المذكور، ولعله لذا ترك أصحاب القول المزبور الاستدلال به واقتصروا على الوجه الذي قد عرفت ضعفه، ومن الغريب نسبة المصنف والفاضل في التحرير إياه إلى الاكثر، مع أنه لم نعرفه لغير من عرفت، والله العالم. (وقال في المبسوط) ومحكي النهاية في موضع منهما (والخلاف) والوسيلة والغنية والسرائر والايضاح واللمعة والمقتصر والتبصرة على إشكال وكذا شرح الارشاد للفخر على ما حكي عن بعضها: إنه (يضمن أعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف) بل في المختلف أنه أشهر، بل عن بيعه نسبته إلى علمائنا، وفي المتن (وهو حسن) وكأنه قال به أو مال إليه في الكفاية، وكذا المسالك، بل فيها " أن في خبر أبي ولاد ما يدل على وجوب أعلى القيم بين الوقتين " وقواه في الروضة أيضا،

[ 104 ]

لمكان هذا الخبر الصحيح، مع أنه ذكر الاستدلال به للقول السابق. ولكن لا يخفي عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه عدم إشعار في الصحيح المزبور فضلا عن الدلالة، أللهم إلا أن يقال: إنه بناءا على تعلق الظرف بالفعل المستفاد من قول: " نعم " يكون المراد أن ابتداء الضمان من ذلك اليوم إلى يوم التلف، فيضمن الاعلى منه حينئذ، بل إن جعل متعلقا بالقيمة يكون المراد منه ذلك أيضا، لعدم معقولية ضمان القيمة مع وجود العين، فيكون الحاصل أنه تلزمه القيمة مع العطب من يوم المخالفة. إلا أن ذلك كله كما ترى تجشم وخلط بين الضمان التقديري المتحقق بالمخالفة والضمان التحقيقي الحاصل يوم التلف كما هو واضح. نعم قد استدل له بأنه مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم، ولو تلف فيها لزمه ضمانه فكذا بعده، وأنه يناسب التغليظ على الغاصب الذي يؤخذ بأشق الاحوال. وفيه أن الزيادة للسوق ما دامت العين باقية غير مضمونة إجماعا، ولا يلزم من ضمانها لو تلفت في تلك الحال ضمانها مع عدم تلفها فيها، لان ضمانها على تقدير تلفها في الحالة العليا ما جاء من قبل الزيادة، بل من حيث الانتقال من ضمان العين إلى القيمة لفوات العين، وهو منتف على تقدير عدم تلفها في تلك الحالة العليا، وأخذه بأشق الاحوال إنما هو بالنسبة إلى رد العين نفسها لا مطلقا، لعدم الدليل، بل الاصول تقضى بخلافه. وأضعف من ذلك ما عن المصنف في أحد قوليه من أنه يضمن الاعلى من حين الغصب إلى حين رد القيمة، إذ هو كما قيل مبني على أن القيمي يضمن بمثله كالمثلي، وإنما ينتقل إلى القيمة عند دفعها لتعذر

[ 105 ]

المثل، فيجب أعلى القيم إلى حين دفع القيمة، لان الزائد في كل آن سابق على الدفع من حين التلف مضمون تحت يده، ولهذا لو دفع العين حال الزيادة كانت للمالك، فإذا تلفت في يده ضمنها. ولعله إليه أشار المصنف بقوله: (ولا عبرة بزيادة القيمة ولا بنقصانها بعد ذلك على تردد) إذ منشأ التردد في ذلك كون الواجب في القيمي المثل أو القيمة، وإلا فلا إشكال في عدم اعتبار زيادة القيمة ونقصانها بعد يوم التلف على جميع الاقوال عدا القول المزبور. وهو كما ترى مع ضعف المبني عليه ينبغي تقييده بما إذا تعذر المثل، وحينئذ يتجه ضمان المثل يوم الاقباض كما عرفته في المثلي. على أنه لا يتم بالنسبة إلى ضمان العليا حال وجود العين. ولعله لذا قيل: إن وجه القول قاعدة الضرر، وذلك لان عدم تمكينه منها حين ارتفاع القيمة ضرر عليه وتفويت لتلك المنفعة العليا، ومن هنا كان هو خيرة العلامة الاكبر الآغا محمد باقر البهبهاني فيما حكي عنه، إلا أنك قد عرفت فيما تقدم اقتضاء القاعدة المزبورة ضمان الاعلى مع فواته وإن رد العين نفسها، وهو مخالف للاجماع بقسميه، بل قد عرفت عدم الضمان فيما لو منعه من بيع ماله بقيمة عالية، كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا. وبذلك كله يظهر لك أن الاقوى وجوب القيمة حين التلف وفاقا للفاضل في جملة من كتبه والشهيد والسيوري والكركي والاردبيلي، بل هو المحكي عن القاضي، بل في الدروس وكذا الروضة نسبته إلى الاكثر، وذلك لانه وقت الانتقال إلى القيمة، وإلا فقبله مكلف برد العين من غير ضمان للنقص السوقي إجماعا، واحتمال منع الانتقال إلى القيمة حين

[ 106 ]

التلف وإن كان هو وقت الانتقال إلا أنه ينتقل إلى الاعلى حينه يدفعه عدم الدليل. ودعوى أنه قاعدة الاشتغال باعتبار اقتضاء التلف الانتقال إلى القيمة، والفرض أنها ذات أفراد، فتتوقف البراءة على دفع أعلاها يدفعها ما تحقق في الاصول من أن مثله يجري فيه أصل البراءة، ضرورة رجوعه إلى الشك في التكليف بين الاقل والاكثر. واحتمال الاجمال في التأدية المجعول غاية لضمان ما في اليد واضح الفساد، ضرورة صدق التأدية على الاقل، وإنما الشك في التكليف في متعلق التأدية أنه قيمة يوم التلف أو الاعلى، والاصل براءة الذمة من الثاني. واحتمال ترجيحه بمناسبته لاخذ الغاصب بالاشق مع أنه لا دليل على اعتبار مثل هذا الظن الحاصل من مثله ليس بأولى من ترجيح الاول بانسياق بدلية قيمة يوم التلف عن العين التي لو ردها في ذلك اليوم لبرأ، إذ هو معنى البدلية لا القيمة السابقة. ودعوى أن القيمة بدل شرعي والفرض عدم العلم من الشارع أن البدل قيمة يوم التلف أو العليا يدفعها الانسياق المزبور من كل ما دل على الضمان. وبه يدفع ما عساه يقال من معارضة أصل البراءة الذي قدمناه بأصالة عدم وصول الحق إلى مستحقه، وعدم براءة الظالم من ظلامته. بل وبه يندفع ما يقال أيضا من أن أصل البراءة لا يشخص قيمة يوم التلف، إذ لعله يوافق قيمة يوم الغصب إذا فرض كونها أقل، أللهم إلا أن يمنع الانسياق المزبور على وجه يكون دليلا شرعيا، فيشكل الحال حينئذ.

[ 107 ]

ولعله لذا كان المعروف بين الاصحاب ضمان الاعلى، بل لم يذكر بعضهم قيمة يوم التلف قولا بل ولا وجها، بل لم نتحققه ممن تقدم على الفاضل وإن حكي عن القاضي، بل سمعت نسبته في الدروس إلى الاكثر. ولكن لا ريب في أن الاحتياط لا ينبغي تركه، بل الظاهر أنه لابد من ملاحظة أعلى القيم في التقويم يوم التلف على معنى إلزام الغاصب بقيمة العين المعتورة عليها أوقات في يده قد اختلفت قيمتها فيها مع فرض مدخلية ذلك في القيمة. هذا ولا يخفى عليك أن محل الخلاف كما صرح به غير واحد ما إذا كان نقصان القيمة مستندا إلى السوق، أما إذا استند إلى حدوث نقص في العين ثم تلفت فان الاعلى مضمون إجماعا، كما في المسالك والروضة ولو على معنى ضمان أرش النقصان وقيمة العين حال التلف، والله العالم. (و) كيف كان فقد عرفت مما ذكرناه في تحقيق المثلي أن (الذهب والفضة) مضروبين أو غير مضروبين إذا لم يكن فيهما صنعة محللة (يضمنان بمثلهما) كما صرح به غير واحد، بل في المسالك نسبته إلى المشهور، ضرورة إمكان الحكم بالمساواة في الصنف على الوجه الذي ذكرناه، ودعوى أن الصحاح من الدراهم والدنانير مختلفة في الوزن والاستدارة والاعوجاج ووضوح السكة وخفائها على وجه يؤثر في القيمة يدفعها بعد تسليمها ما عرفت من أن المدار على المساواة في الصنف، والفرض حصوله، فلا يقدح اختلاف البعض. (و) لكن مع ذلك (قال الشيخ): هما قيميان ف‍ (يضمنان بنقد البلد، كما لو أتلف ما لا مثل له) وفي المسالك " ولعله نظر إلى الاختلاف، فانه لا يجري عليه تعريف المثلي بأنه ما تساوى أجزاؤه،

[ 108 ]

لانه اختار في المبسوط هذا التعريف من غير أن يعتبر تقاربها في الصفات ولا يدخل فيه بدونه، ولكن لابد من مراعاة ذلك في التعريف، وإلا لم يدخل فيه شئ من المثليات، لاختلاف صفات أصنافها الموجب لاختلاف قيمتها من الحبوب والادهان وغيرهما ". وفيه - مع إطلاق الشيخ قيمة الذهب والفضة لا خصوص الدراهم والدنانير منهما - أنه لا ريب في حصول التساوي في أجزاء أصنافهما على الوجه الذي ذكرناه. (و) على كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور، فيضمن بالمثل حينئذ. نعم (لو تعذر المثل) ضمنه حينئذ بالنقد كما عرفته في كل مثلي تعذر مثله (فان كان نقد البلد مخالفا للمضمون في الجنس) بأن كان أحدهما ذهبا والآخر فضة (ضمنه بالنقد) وإن اختلفا في الوزن، لعدم الربا فيه. (و) كذا (إن كان من جنسه واتفق المضمون والنقد وزنا صح) أيضا، لما عرفت. (وإن كان أحدهما أكثر قوم بغير جنسه) ويؤخذ قيمته (ليسلم من الربا) فيأخذ كمال حقه، ورده ابن إدريس بمنع ثبوت الربا هنا، لانه مختص بالبيع، فلا يضر اختلافهما في الوزن، وكذا لو غاب فرده مع أرش النقص من جنسه. وإلى رده أشار المصنف بقوله: (ولا يظن أن الربا يختص بالبيع، بل هو ثابت في كل معاوضة على ربويين متفقي الجنس) وزنا وقد عرفت في كتاب البيع (1) تحقيق الحال في ذلك. نعم يمكن أن يمنع كون المقام من المعاوضات، بل هو من الغرامات


راجع ج 23 ص 336 - 337.

[ 109 ]

التي لا تندرج في أدلة الربا المراد منها الارباء الحاصل بفعل المتعاملين بل لو سلم تناول أدلته لمثل ذلك كان بينه وبين ما دل على أداء القيمة العموم من وجه، ويمكن الترجيح لما هنا باطلاق الفتاوى. أللهم إلا أن يقال: إن المقام من المعاوضة بعد فرض كونه مثليا، لما عرفت من كون الثابت في الذمة المثل، والقيمة عوض عنه مع التعذر، خصوصا إذا قلنا بتوقف ذلك على رضا المالك، وإنما يتجه ذلك على قول الشيخ بكونه قيميا، مع إمكان منع كونه معاوضة مصطلحة على التقدير المزبور، حتى مع اعتبار رضا المالك الذي لا ينافي كونه غرامة برضاه، فتأمل جيدا، والله العالم. (ولو كان في المغصوب صنعة محللة لها قيمة غالبا كان على الغاصب مثل الاصل وقيمة الصنعة وإن زاد) بذلك (عن الاصل ربويا كان أو غير ربوي، لان للصنعة قيمة تظهر لو أزيلت عدوانا ولو من غير غصب) فلا يكون من الربا الذي هو الزيادة في أحد العوضين، كما صرح بذلك كله في محكي المبسوط والسرائر والتحرير والارشاد وموضع من التذكرة. لكن أشكله في الدروس بعموم الربا، وزاد في المسالك " أنه لم يخرج بالصنعة عن أصله، وإنما اشتمل على وصف زائد، وقد صرحوا في باب الربا بأنه لا فرق بين المصنوع وغيره في المنع من المعاوضة عليه بزيادة، وهذا أقوى، فضمانها بالقيمة أظهر، مع أنا نمنع من بقائه مثليا بعد الصنعة، لان أجزاؤه ليست متفقة القيمة، إذ لو انفصلت نقصت قيمتها عنها ". قلت: قد عرفت البحث في باب الربا عن الصفات الحاصلة للربوي بالعمل ونحوه، كما أنك عرفت هنا قوة احتمال منع الربا في الغرامات.

[ 110 ]

بل مما ذكرنا يعلم الحال في المغصوب ذي الصنعة إذا كان من النقدين وكان نقد البلد الذي هو قيمة له موافقا له في الحس ومختلفا معه في الوزن، فان كونه قيميا لا يدفع احتمال الربا عنه، بل لابد من تقويمه بغير الجنس حينئذ، إلا بناء على ما ذكرناه من عدم جريان الربا في الغرامات. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن المعروف بين من تعرض للمسألة كون المفروض مثلي الاصل قيمي الصنعة، وعن موضع من التذكرة أنه قيمي، وفي المسالك أنه أظهر، للمنع من بقائه مثليا بعد الصنعة، لان أجزاءه ليست متفقة القيمة، إذ لو انفصلت نقصت قيمتها متصلة كما لا يخفى. وفيه أن ذلك ليس ضابطا للمثلي كما عرفته، بل هو تساوي الاجزاء على حالها بالمعنى الذي ذكرناه سابقا. ومنه ينقدح قوة احتمال كون المصنوع مثليا مع صنعته، كما احتمله في الدروس وإن استبعده في المسالك، بل لعل جزمهم به في الدراهم والدنانير يؤيد ذلك، ضرورة اشتراك الجميع في أن لعقلاء العرف طريقا للحكم بالمساواة في الصنف، هذا كله لو تلف المغصوب المصنوع. أما لو تلفت الصنعة فقط فانه يضمنها، ولا حجر في كون ضمانها من جنس جوهر الاناء، لانتفاء الربا، إذ لا معاوضة بين جنسين لا حقيقية ولا حكمية كما هو واضح. وظاهرهم الاتفاق على كونها حينئذ قيمية، فليس للمالك الالزام بعودها، كما أنه ليس عليه قبول ذلك لو بذله الجاني، وفرق واضح بين المقام وبين الالزام بتسوية الحفر في الارض الذي هو من قبيل رد المغصوب إلى محله، والله العالم. (وإن كانت الصنعة محرمة) كما في آنية الذهب والفضة والصنم

[ 111 ]

والصليب وغيرها (لم يضمنها) سواء أتلفها خاصة أو مع ذيها، بلا خلاف أجده فيه، بل في الكفاية نسبته إلى قطع الاصحاب، لان الغصب لا يصير ما لا قيمة له شرعا ذا قيمة، ولا يجعل ما هو محرم - يجب إتلافه على جميع المكلفين من غير فرق بين الغاصب وغيره - قيميا محترما. وهذا ولكن في القواعد " لو أتلف آنية الذهب ففي ضمان الزائد بالصنعة إشكال ينشأ من مساواة الغاصب غيره وعدمها " مع أنه قال فيها قبل ذلك: " وإذا كسرت آلات الملاهي فلا ضمان، فان احرقت ضمن قيمة الرضاض، وكذا الصليب " بل صرح به غيره، بل في الكفاية نسبة ذلك إلى قطع الاصحاب. نعم للعامة خلاف في الحد المشروع لابطالها على وجهين: أحدهما أنها تكسر حتى تنتهي إلى حد لا يمكن اتخاذ آلة محرمة منها لا الاولى ولا غيرها، وعن الكركي أنه ليس ببعيد، لانه أزجر لمن هي له. وفيه أنه تعد عن الاذن في التصرف في مال الغير، ومن هنا كان الاظهر عند العامة أنها لا تكسر الكسر الفاحش لكنها تفصل، ولكن في حد التفصيل عندهم وجهان: أحدهما أنها تفصل مقدارا لا تصلح لاستعمال الحرام، فإذا رفع وجه البربط وترك على شكل قصعة كفى، والثاني تفصل إلى حد لو فرض اتخاذ آلة محرمة من مفصلها لوصل إلى الصانع التعب، ولا ريب في أن الاظهر منهما الاول، اقتصارا في حرمة التصرف في مال الغير على مقدار الاذن، بل لا يبعد الضمان على من تجاوز الحد المزبور، فيضمن حينئذ التفاوت بين قيمتها مكسورة إلى الحد المشروع وبين قيمتها منتهية إلى الحد الذي أتى به. كما أنه لا خلاف أجده هنا في ضمان قيمة الرضاض، وهو الذي

[ 112 ]

يبقى بعد الكسر، بل الكفاية نسبته إلى قطع الاصحاب، لانه مال مملوك محترم، لكن عن ظاهر جماعة في باب المكاسب أن آلات اللهو لا تعد مالا، وأنها غير مملوكة، للخبر (1) والقاعدة، وقولهم بعدم ضمان المتلف لها قيمتها، بل قيل: إن الامر في الصلبان والاصنام واضح، ولا قائل بالفرق، وأنه ربما جمع بين كلامهم في المقامين بارادة ملك المادة دون الصورة، وعدم ضمان المادة لو توقف إتلاف الصورة عليها، أو لا تملك مطلقا ولكنها غير الرضاض بعد الكسر. قلت: قد تقدم ما عندنا في باب المكاسب (2) ومنه يعلم الحال في المقام فلاحظ وتأمل، وعلى كل حال فاشكال الفاضل في غير محله، والله العالم. (ولو كان المغصوب دابة فجنى عليها الغاصب أو غيره) بما لا مقدر فيه في الانسان (أو عابت من قبل الله سبحانه ردها مع أرش النقصان) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عموم الادلة وخصوص صحيح أبي ولاد (3) السابق. (وتتساوى بهيمة القاضي وغيره في الارش) عندنا، لاطلاق الادلة ولان المدار على تفاوت المال لا مالكه. خلافا للمحكي عن مالك واحمد في إحدى الروايتين من أن في قطع ذنب بهيمة القاضي تمام القيمة، لانها لا تصلح له بعد ذلك. وفيه ما عرفت من أن النظر في الضمان إلى نفس المال لا إلى


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 والباب - 103 - منها الحديث 4. (2) راجع ج 23 ص 25 - 27. (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب الحديث 1.

[ 113 ]

غرض المالك، ولذا كان في وطء الولد جارية الاب بالشبهة مهر المثل كما في وطء الاجنبي، وإن حرمت بالاول على الاب، كما هو واضح. لكن في التذكرة " لو غصب شيئا تتفاوت قيمته بالنسبة إلى أربابه كما لو غصب حجة انسان بدين أو ملك فالاقرب ضمان التفاوت بالنسبة إلى ربه إن غصبه منه، وإن غصبه من غيره لم يضمن بالزيادة، بل بما يساوي قيمته بالنسبة إلى ذلك الغير " وجعل الشأن في الخاتم والنعل بالنسبة إلى كبر الاصبع وغيره كذلك، ولم أجده لغيره كما أنه لا وجه له واضح، ضرورة عدم ثبوت مالية للشئ في نفسه عرفا بذلك. بل ظاهر كلام الاصحاب خلافه، بل في الدروس (أن مركوب القاضي كغيره وإن صيره أبتر " وكذا لو أتلف وثيقة خيال (جمال خ ل) أو خفا لا يصلح إلا لواحد، والله العالم. (و) كذا لو كان ذلك فيما له مقدر في الانسان منها إذ (لا تقدير في قيمة شئ من أعضاء الدابة) عند المشهور، بل لا أجد فيه خلافا إلا ممن ستعرفه (بل) نسبه بعض إلى الندرة، ف‍ (يرجع) فيه (إلى الارش السوقي) كغيره من الاموال من غير فرق بين الفرس والبقرة وغيرهما وبين ما ينتفع بظهرها ولحمها أو أحدهما أو بغيرهما وغيرها، خلافا لاحمد بن حنبل في الاولين (و) لابي حنيفة في الثلاثة الاخيرة. نعم (روى) عاصم بن حميد (1) عن الباقر (عليه السلام) ومسمع (2) عن الصادق (عليه السلام) " أن عليا (عليه السلام)


(1) لم نجد لعاصم بن حميد رواية بهذا اللفظ وانما روى في المقام عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ما سيذكره (قده) في الجواهر. (2) الوسائل - الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 4 من كتاب الديات.

[ 114 ]

قضى (في عين الدابة) ب‍ (ربع) ثمنها " أي (قيمتها كما روى أبو العباس (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " من فقأ عين دابة فعليه ربع ثمنها ". وفي صحيح عمر بن أذينة (2) المروي في التهذيب " كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رواية الحسن البصري يرويها عن علي (عليه السلام) في عين ذات الاربع قوائم إذا فقئت ربع ثمنها، فقال: صدق الحسن، قال علي (عليه السلام) ذلك ". كما أنه روى فيه صحيحا عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " قضى علي (عليه السلام) في عين فرس فقئت ربع ثمنها ". قيل رواه في الكافي (4) حسنا بابراهيم بل قيل هو صحيح في زيادات حدود الفقيه (5): ومنه يعلم ما في المسالك وغيرها من الطعن في السند، نعم لم نجد بها عاملا سوى ما عن النهاية والوسيلة من أنه في فق ء عين البهيمة ربع قيمتها بعد الحكم فيهما أيضا أن الجناية على أعضائها بحسب قيمتها، ولولا ندرة القائل بذلك لكان العمل بها في خصوص العين متجها، بل يمكن القول بعدم العلم بالاعراض عنها بعد احتمال عدم العثور عليها، فان الشهيد في غاية المراد مع سعة باعه قال: " لم أعثر على غير الاخبار الثلاثة " نعم إن علم الاعراض عنها فلا محيص عن طرحها أو حملها على ما


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 1 - 2 - 3 من كتاب الديات. (4) اشار إليه في الوسائل في الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 3 وذكره في الكافي ج 7 ص 367. (5) الفقيه ج 7 ص 127 (باب نوادر الديات).

[ 115 ]

كان الارش فيه ذلك خصوصا (و) قد (حكى الشيخ (رحمه الله) في المبسوط والخلاف عن الاصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، وفي العينين كمال قيمتها، وكذا كل ما في البدن منه إثنان). قال في الاول منهما بعد أن حكم بضمان الارش في الاعضاء: " وروى أصحابنا في عين الدابة نصف قيمتها، وفي العينين كمال قيمتها، وكذلك قالوا في سائر الاطراف مما في البدن منه إثنان ففيه كمال القيمة ". وقال في الثاني: " إذا قلع عين دابة كان عليه نصف قيمتها، وفي العينين جميع قيمتها، وكذا كل ما كان في البدن منه إثنان ففي الاثنين جميع القيمة، وفي الواحد نصف قيمتها، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارها " مع أن المحكي عنه فيه في آخر المسألة التاسعة من الغصب الحكم بالارش، والحكم أيضا به في ذنب حمار القاضي لا القيمة باعتبار كونه واحدا. اللهم إلا أن يريد بالارش هو ما ذكره فيه من النصف والكل. كما أنه لم نجد ما ذكره من الرواية كما اعترف به في السرائر وغيرها، بل قد عرفت أنه نفسه روى في التهذيب ما سمعت. وفي المختلف " يمكن حمل الرواية والاجماع الذي ادعاه الشيخ على غير الغاصب في إحدى العينين بشرط نقص المقدر عن الارش). وهو كما ترى انما يتم ذلك في العبد كما ستعرف من أن جناية غير الغاصب عليه مضمونة بالمقدر من قيمته، وإذا تجاوزت دية الحر ردت إليها، وكلام الشيخ وما ادعاه من الاخبار والاجماع في الدابة. ومن الغريب ما في الرياض حيث حكى عن الشيخ أولا القول المزبور في الغاصب، مع أن الشيخ لم يفرق بين الغاصب وغيره في المسألة. وثانيا قال في مسألة العبد: " ولذا حمل الفاضل في المختلف كلام الشيخ عليه " مع أن كلا من كلام الحامل والمحمول خال عن ذكر العبد،

[ 116 ]

على أن قوله: " في إحدى العينين " لا وجه له. أللهم إلا أن يكون عدم تصور نقص المقدر فيه عن الارش بعد أن كان الواجب تمام القيمة، وبالجملة لا وجه للحمل المزبور. وأغرب منه ما في المسالك، حيث إنه بعد أن روى الاخبار الثلاثة الاول وذكر حمل المختلف قال: " وهذا الحمل حسن لو صحت الرواية، ومع ذلك فمدلولها خلاف ما ادعاه " ضرورة عدم الحسن فيه، بل قد عرفت صحة الرواية ولكن هجرها مع فرضه ومعارضتها بما سمعت منع من العمل بها، كما أنه منع من العمل بما حكاه الشيخ من الاجماع والاخبار أنه لم نعرف ذلك لاحد ممن تقدمه لا فتوى ولا رواية، بل فتواه نفسه وروايته بخلافه. (و) بذلك كله ظهر لك أن ما عليه المشهور من (الرجوع إلى الارش السوقي) مطلقا (أشبه) باصول المذهب وقواعده، لانه مال كغيره من الاموال، ولا يقاس على الانسان في ذلك، كما لا يقاس على العبد في الرجوع إلى دية الحر مع التجاوز، فتؤخذ القيمة حينئذ مع تلفه وإن تجاوزت دية الحر، والله العالم. (ولو غصب عبدا أو أمة فقتله أو قتله قاتل ضمن قيمته ما لم تتجاوز دية الحر، ولو تجاوزت لم يضمن الزيادة). قال في الخلاف في باب الغصب: " إذا قتل عبدا كان عليه قيمته ما لم تتجاوز قيمته دية الحر عشرة آلاف درهم، وكذا إن كانت أمة ما لم تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم دية الحرة - إلى أن قال -: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم " وظاهر ذكره ذلك في الباب المزبور أن الغاصب حكمه ذلك. قيل: وأظهر منها في ذلك عبارة المبسوط قال: " وإن كان عبدا

[ 117 ]

نظرت. فان قتله ففيه قيمته، وإن زادت على دية الحر لم يلزمه أكثر من ذلك ". بل قيل: إنه قد طفحت بذلك عباراتهم في باب القصاص والديات فيما يكاد يزيد على عشرين موضعا من دون تعرض من أحد منهم لاستثناء الغاصب إلا الشهيد الثاني وكاشف اللثام، إلا أنه يمكن أن يقال: إن ذلك منهم من حيث الجناية لا الغصب، بل يمكن إرادة الشيخ ذلك فيما سمعته من خلافه. بل في المختلف " الظاهر أن مراد الشيخ بقوله في المبسوط: - إنه لا يلزم القاتل الزيادة عن دية الحر - الجاني دون الغاصب، لانه أشار في المبسوط إلى ما اخترناه من لزوم الزائد، لانه قال: إذا غصب عبدا فقطع آخر يده فان رجع السيد على الغاصب رجع بأكثر الامرين مما نقص وأرش الجناية، وإن رجع على القاطع رجع بالارش، وهو نصف القيمة، والزائد في مال الغاصب، لاختصاص ذلك بالجاني، فلا يتعدى إلى الغاصب، لما فيه من مخالفة الاصل، فان العبد مال " وإن كان قد يقال بامكان فرق الشيخ بين الطرف والنفس، بل هو مقتضى الجمع بين كلاميه. وعلى كل حال ففي المتن (ولو قيل: يضمن) الغاصب (الزائد بسبب الغصب كان حسنا) بل عن ابن إدريس والفاضل وولده والشهيدين والكركي وغيرهم الجزم بذلك، ولذا نسبه في المسالك وغيرها إلى أكثر المتأخرين، بل فيها أنه " يرتفع الخلاف " بناء على ما سمعته من المختلف، بمعنى اتفاق الجميع على ضمان الغاصب تمام القيمة وإن تجاوزت دية الحر، وذلك لانه مال فيضمن بقيمته، وإنما اقتصرنا في غير الغاصب على الدية عملا بالاتفاق، فيبقى ما عداه على الاصل.

[ 118 ]

على أن الرجوع إلى دية الحر مع التجاوز إنما هو من حيث الجناية التي لا تنافي وجود سبب آخر للضمان، وهو الغصب الذي لا رجوع فيه، كما لو مات في يده، فانه يضمن قيمته وإن تجاوزت بلا خلاف محقق أجده فيه كما ستعرف، بل لعل غيره من أسباب الضمان كالقبض بالسوم والعارية المضمونة كذلك، كل ذلك مضافا إلى تكليف الغاصب بأشق الاحوال. هذا ولكن قد يناقش باطلاق ما دل على الرجوع مع التجاوز، من غير فرق بين الغاصب وغيره، ففي الصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " دية العبد قيمته، وإن كان نفيسا فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يتجاوز دية الحر ". وفي صحيح ابن رئاب (2) عنه (عليه السلام) أيضا " إذا قتل الحر العبد غرم قيمته وادب، قيل: وإن كانت قيمته عشرين ألف درهم ؟ قال: لا يتجاوز قيمة العبد دية الاحرار ". ونحوه خبر أبي الورد (3). وفي المرسل في الايضاح (4) " إن العبد لا يتجاوز بقيمته دية مولاه ". وظاهره عدم الفرق بين الغاصب وغيره، بل ظاهر المرسل منها عدم الفرق بين الموت والقتل، بل قد يؤيده الصحيح الاول، إلا أن الاجماع على خلافه، بل لعل قوله (عليه السلام) في الصحيح الاول:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ديات النفس - الحديث 2 - 3 من كتاب الديات والثاني عن ابن رئاب عن الحلبي. (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ديات النفس - الحديث 1 من كتاب الديات. (4) ج 4 ص 583.

[ 119 ]

" دية العبد " ظاهر في الجناية، فليس إلا المرسل الذي لا جابر له، بل قد عرفت أن الموهن له محقق، أما الجناية المقتضية لكون القيمة بحكم الدية فيبقى الحكم فيها على الاطلاق الذي ينبغي الخروج به عما يقتضي ضمان القيمة وإن تجاوزت، وليس التعارض بينها من وجه، بل هو فرد آخر للخاص، فتأمل جيدا. وربما يؤيد ذلك ما تسمعه من الشيخ والمصنف في النافع والفاضل في الارشاد في المسألة الآتية، وهي الجناية على ما فيه مقدر من الاعضاء، حيث وافقوا الشيخ فيها على عدم الفرق بين الغاصب وغيره في دفع المقدر ما لم يتجاوز دية الحر في العضو، والله العالم. (و) بذلك كله ظهر لك أنه لا خلاف ولا إشكال في أنه (لا يضمن القاتل غير الغاصب سوى قيمته ما لم تتجاوز، ولو تجاوزت دية الحر ردت إليه) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1). نعم لو قتله غير الغاصب في يد الغاصب مثلا (فان) لم تزد قيمته عن دية الحر فلا إشكال، وإن (زاد الارش) أي القيمة (عن) مقدر (الجناية) الذي هو دية الحر (طولب الغاصب بالزيادة دون الجاني) على قول الاكثر، وفيه البحث السابق، ومن الغريب جزم المصنف بذلك هنا وعدمه في الاول الذي هذا من فروعه، كما هو واضح، والله العالم. هذا كله في الجناية. (أما لو مات في يده ضمن قيمته ولو تجاوزت دية الحر) كما صرح به غير واحد، بل في الكفاية لا أعرف خلافا بينهم في ذلك،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ديات النفس - من كتاب الديات.

[ 120 ]

لكن في الدروس " لو مات لزمته قيمته وإن تجاوزت دية الحر عند المتأخرين، خلافا للشيخ مدعيا عليه الاجماع " وإن كنا لم نتحققه، بل المحكي عن الشيخ في الخلاف التصريح بذلك كالسرائر، بل اقتصر غير واحد على نقل الخلاف عن الشيخ في مسألة القتل كما عرفت. وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لقاعدة ضمان القيمة في المغصوب بالغة ما بلغت المقتصر في الخروج عنها على الجناية لو قلنا بالرجوع إلى دية الحر فيها، ولا استبعاد في الاحكام الشرعية المبنية على حكم خفية، والله العالم. (ولو جنى الغاصب) أو غيره (عليه بما دون النفس فان كان تمثيلا) وتنكيلا (قال الشيخ: عتق وعليه قيمته) لقول الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن محبوب (1): " كل عبد مثل به فهو حر " الذي لا ينافيه ذكر المولى في غيره (2) حتى يحمل عليه، مؤيدا بأن الحكمة في الانعتاق بتنكيل المولى جبر وهن المنكل، لما فاته من التكسب. (و) لكن (فيه تردد ينشأ) مما عرفت و (من الاقتصار بالعتق في التمثيل) المخالف للاصل (على مباشرة المولى) لانه المتيقن، بل لا جابر للمرسل المزبور بالنسبة إلى ذلك، مضافا إلى قوله (صلى الله عليه وآله) (3): " لا عتق إلا في ملك " بناء على انعتاقه


(1) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب العتق - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب العتق - الحديث 2 وفيه (فيمن نكل بمملوكه أنه حر....) (3) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب العتق - الحديث 2 وفيه (لا عتق إلا بعد ملك).

[ 121 ]

على المنكل لا المولى، واحتمال الحكمة معارض باحتمال كونها المؤاخذة على سوء فعل المولى، بل هو الظاهر. وما أبعد ما بين القول بالمزبور والقول بعدم الانعتاق بتنكيل المولى فضلا عن غيره كما عن ابن إدريس، بل المصنف تردد فيه أيضا في كتاب العتق وإن كنا بينا هناك ضعف ذلك بل بطلانه، إلا أن المتجه الاقتصار على تنكيل المولى الذي هو المنساق نصا (1) وفتوى كما هو واضح. ومن الغريب ما عن الفاضل في بعض فوائده من بناء الخلاف في الحكم على الخلاف في الحكمة أنه الجبر أو العقوبة، فعلى الاول ينعتق دون الثاني، إذ هو مع أنه إحالة على مجهول لا وجه له بعد معلومية عدم إطراد الحكمة على وجه تثبت بها أحكام شرعية. وكذا ما عن غيره من بنائه على خروج العبد بالتنكيل عن الملكية، أو المولى عن أهلية التملك بالنسبة للعبد، أو عقوبة محضة، فعلى الاخيرين لا عتق، بخلاف الاول كما هو واضح. نعم لو أقعد أو عمى أو جذم في يد الغاصب انعتق وضمن الغاصب قيمته، والله العالم. (و) كيف كان فعن الخلاف وموضع من المبسوط أن (كل جناية) على المغصوب (ديتها مقدرة في الحر فهي مقدرة في المملوك بحساب قيمته) المنزلة فيه منزلة الدية (وما ليست مقدرة في الحر ففيها الحكومة) سواء كانت الجناية من الغاصب أو من أجنبي، بل هو كذلك لو كان التلف بآفة سماوية، لانه في يده مضمون بلا خلاف أجده في الاخير، أي ما لا مقدار له. وما عن المبسوط من الاقتصار على خصوص جناية الغاصب ليس


(1) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب العتق الحديث 2.

[ 122 ]

خلافا في المسألة، ضرورة اشتراك الجميع في مدرك الحكم، وهو كونه مضمونا عليه، ولا مثل له ولا قيمة مقدرة، فلابد من الارش. وأما الاول فهو خيرة النافع والارشاد ومجمع البرهان، بل عن المقتصر أن المشهور رده مع رد دية السيد مثلا وهي نصف القيمة، بل عن الخلاف أن عليه إجماع الفرقة وأخبارهم، ولعله يريد بالاخبار قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): " جراحات العبيد على نحو جراحات الاحرار في الثمن " ونحوه المرسل (2) وفي قوله (عليه السلام): " الثمن " إشعار بارادة الاعضاء. وفي الايضاح الاستدلال عليه بعموم النص مفسرا له في حاشيته بأن ما فيه من الحر ديته فيه من العبد قيمته، وعن الخلاف أيضا إجماع الفرقة وأخبارهم على هذه العبارة، وعن السرائر أنه ورد في الرقيق المماليك من بني آدم نصف القيمة، وكمالها في المتحد في البدن والمتعدد. ولعل وفاق الفاضلين هنا مؤيد لما ذكرناه في المسألة السابقة من ظهور الروايات (3) في الاعم من الغاصب وغيره، إذ لا فرق بين المقام وبين السابق، بل لعل تلك الروايات أظهر دلالة في كون قيمة العبد حيث تضمن بأي سبب من أسباب الضمان لا تتجاوز دية الحر، وخروج الموت في يد الغاصب مثلا لا ينافي ذلك، ضرورة بقاء الجناية الموجبة لكون القيمة بحكم الدية على مقتضى إطلاق النصوص المزبورة كما ذكرناه سابقا. (و) لكن مع ذلك قال المصنف: (لو قيل يلزم الغاصب أكثر الامرين من المقدر والارش كان حسنا) كما هو صريح محكي


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ديات الشجاج والجراح - الحديث 2 من كتاب الديات. (2) الفقيه ج 4 ص 95 الرقم 313. (3) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب العتق.

[ 123 ]

المبسوط في موضع منه والحلي والفاضل وولده والكركي والشهيدين وغيرهم، وعن كشف الرموز أنه قريب، والدروس والكفاية أنه قوي بل في جامع المقاصد أنه مذهب الاكثر، بل في الرياض أن عليه عامة من تأخر، بل عن المهذب البارع أن المشهور رده مع الارش بالغا ما بلغ. وكان الوجه في ذلك أن الاكثر إن كان هو المقدر فهو جان، والحر أصل للعبد في ذلك إجماعا بقسميه ونصوصا (1) وإن كان الاكثر الارش فهو مال مضمون عليه بعموم " على اليد " (2) كغيره من الاموال، ولا منافاة بين العمل بجهتي الضمان. وبذلك يفرق بين الغاصب وغيره، فيضمن الاول الارش وإن زاد عن المقدر في دية الحر، بخلاف الثاني فانه يضمن من حيث الجناية معه خاصة، والاتفاق نصا وفتوى على التقدير لها بما عرفت ما لم تتجاوز دية الحر، وإلا ردت إليها. وحينئذ فلو جنى عليه جان وهو في يد الغاصب تخير المالك بين الرجوع على الغاصب بأكثر الامرين ويرجع هو على الجاني بالمقدر، وبين الرجوع على الجاني بالمقدر وبالزيادة إن كانت على الغاصب الذي يضمن كل نقص بكون على العين ولو بآفة سماوية. ولكن في ذلك المناقشة السابقة التي منشأها مساواة الغاصب لغيره في الجناية الموجبة للدية المقدرة في المملوك بالقيمة، والله العالم. هذا كله مع عدم استغراق الجناية القيمة. (أما لو استغرقت قيمته) بأن جنى الغاصب على ما فيه قيمته كالانف والذكر مثلا (قال الشيخ (رحمه الله) في محكي الخلاف:


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ديات النفس - من كتاب الديات. (2) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 124 ]

(كان المالك مخيرا بين تسليمه وأخذ القيمة وبين إمساكه ولا شئ له، تسوية بين الغاصب في الجناية وغيره) وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم. ولعل مراده بالاخبار إطلاق قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر أبي مريم (1): " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أنف العبد أو ذكره أو شئ يحيط بقيمته أنه يؤدي إلى مولاه قيمة العبد ويأخذ العبد " ونحوه خبر غياث (2) المراد منهما مع مشيئة المولى ذلك، للقطع بعدم خروجه عن ملكه بذلك. وبالاجماع ما أرسلوه ارسال المسلمات في كتاب القصاص والديات، بل قيل: إنه حكي عليه الاجماع صريحا وظاهرا في خمسة مواضع من غير إشارة منهم إلى الفرق بين الغاصب وغيره عدا نادر من بعض الناس. مؤيدا ذلك كله بأن في رده مع القيمة جمعا بين العوض والمعوض عنه، بل وبما قيل من أن المضمون مع تلف الكل هو جميع القيمة فقط، فلا يعقل وجوبها في البعض مع بقاء الجملة على ملكه، وإلا لاستوى الكل والبعض بل يزيد حكم البعض على الجملة، وإن كان فيه ما فيه. (و) لكن مع ذلك (فيه التردد (تردد خ ل) السابق الذي منشأه اختصاص هذه النصوص كغيرها من النصوص السابقة بغير الغاصب الذي فيه ضمان اليد، بل جزم الحلي والفاضل وولده والشهيدان والكركي بوجوب دفع الغاصب إياه مع القيمة وإن كانت الجناية مع غيره، وذلك لان العبد مضمون، وكل عضو عضو منه كذلك، فكل عضو فات منه يلزمه قيمته مع أصالة بقاء العبد على ملكه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 125 ]

ومن هنا ربما اجتمع للمالك عدة قيم، كما لو قطع واحد رجله وآخر يده وثالث عينه ورابع أذنه، فان للسيد إمساكه ومطالبة كل منهم بقيمة ما جنى، كما نصوا عليه في باب الديات، ولا جمع بين العوض والمعوض، لان العوض قيمة العضو، والمعوض ذلك العضو الفائت لا العبد، ولذا لو قطع إحدى يديه ودفع إليه نصف القيمة لم يجب عليه تسليم نصف العبد. كل ذلك مضافا إلى الضرر على تقديري الدفع وعدمه، خصوصا إذا كان العبد كسوبا لا يمنعه قطع أنفه مثلا، وحمل الغاصب على الاجنبي قياس. ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع، والعمدة تناول النصوص المزبورة للغاصب وغيره وعدمه، ضرورة عدم معارضة شئ من ذلك للنصوص المفروض تناولها، كما أنه على تقدير عدم التناول لا وجه لوجوب الدفع على المالك، فان المقام ليس من الجمع بين العوضين الممنوع، كما هو واضح، ولولا الشهرة المزبورة لكان الاول لا يخلو من قوة. وكيف كان فعلى الفرق بين الغاصب وغيره يتجه وجوب أكثر الامرين عليه من القيمة التي لا تتجاوز دية الحر والارش وإن تجاوز، وقد يحتمل وجوب القيمة عليه وإن تجاوزت، باعتبار تنزيل الشارع الانف منزلة الكل، ولا ريب في وجوبها على الغاصب وإن تجاوزت بناء على الفرق بينه وبين الجاني غير الغاصب، فكذا الانف لو قطعه، فيكون المراد في الانف القيمة في الغاصب وغيره، إلا أنه قيدت في الثاني بعدم التجاوز بخلاف الاول، إلا أنه كما ترى، بل مقتضاه ذلك في الجناية على ما يوجب نصف القيمة الذي قد عرفت أنه يجب منه في الغاصب أكثر الامرين مع تقييد نصف القيمة بعدم التجاوز، لانها تجب

[ 126 ]

من حيث التقدير الشرعي باعتبار الجناية وإن كان النقص المالي أقل منها. وعلى كال حال بناء على الفرق بين الغاصب وغيره لو جنى جان على المغصوب بما يحيط بقيمته كان للمالك الرجوع على كل منهما، ولكن لو دفعه إلى الجاني وأخذ القيمة منه كان له الرجوع على الغاصب بالقيمة ناقصا لا تاما، مع احتماله لان العين مضمونة في يده، ودفعها للجاني لاخذ قيمته بقدر الجناية لا يسقط ضمانها. ولعل هذا مراد الفاضل في القواعد، قال: " ولو جنى عليه بما فيه القيمة فالاقوى وجوب دفعه مع القيمة، سواء باشر الغاصب أو الاجنبي، أي وهو في يد الغاصب، بخلاف الجاني على غير المغصوب، فان رجع على الاجنبي دفع إليه العبد ورجع بقيمته على الغاصب، وإن رجع على الغاصب بهما فالاقوى رجوع الغاصب على الجاني مجانا " انتهى. وكان الوجه في الاخير أنه دفع جناية الجاني الذي استقر عليه التلف عنه، فيرجع بها، واشتراط رد العبد انما هو مع التمكن منه لا مطلقا، حتى لو مات أو أبق مثلا، ويحتمل الرجوع عليه بقيمة العبد مقطوع الانف مثلا، لانها تقوم مقامه مع التعذر، ويأخذ منه قيمة الصحيح، ويحتمل أن لا يرجع بشئ لتعذر شرط الرجوع، فيسقط المشروط، ولعله لا يخلو من قوة. ولو جنى العبد المغصوب بما يوجب القصاص نفسا أو طرفا واقتص منه ولو بعد رده للمولى ضمنه الغاصب، وكذا لو سرق أو ارتد عن فطرة فقطع أو قتل، نعم لو غصبه بعد ارتداده أو سرقته أو استحقاق القصاص عليه مثلا ضمن قيمة عبد مستحق للقتل. ولو جنى بما يوجب تعلق المال برقبته فداه الغاصب بأقل الامرين من أرش جنايته وقيمته، ويحتمل بأرش الجناية بالغا ما بلغ، كما ستسمع

[ 127 ]

إنشاء الله تمام الكلام فيه عند ذكر المصنف له. وبالجملة كل نقص يكون فيه مضمون عليه ولو كان منه أو من آفة سماوية، بل في التحرير " لو جنى على سيده فجنايته مضمونة على الغاصب أيضا، لانه من جملة جناياته الموجبة للنقص " وحنيئذ فان اقتص المولى فعلى الغاصب أرش العضو التالف بالقصاص كما في التذكرة، بل قال: " وإن عفا على مال ثبت المال على العبد، وفداه الغاصب بأقل الامرين من أرش الجناية وقيمة العبد كالاجنبي " وإن كان لا يخلو من تأمل، باعتبار أن السيد لا يثبت له على ماله مال، ومن هنا لو كانت الجناية خطأ لم يستحق السيد على الغاصب شيئا من حيث الجناية، لانها لا توجب شيئا. نعم لو تراضى الغاصب مع السيد على مال للعفو عن القصاص الذي يوجب على الغاصب النقص صح، بل قد يقال بوجوب الدفع على الغاصب مقدمة لرد العين كما هي الواجب عليه، بل قد ينقدح من ذلك وجوب دفع الازيد من قدر الجناية. ومنه ينقدح قوة القول بوجوب فدائه في الجناية المالية على الاجنبي بالازيد من مقدر الجناية مقدمة لوجوب الرد، فتأمل جيدا فانه قد يفرق بين السيد والاجنبي بعد فرض إرادة السيد القصاص منه، لاختياره حينئذ عدم رد العين كما هي فيسقط الخطاب بذلك. وكيف كان فانما يضمن الغاصب نقص القيمة حيث يحصل ولو بسبب من العبد، ولا يضمن أرش نفس العضو الذي فرض قطعه بسرقة أو جناية، لانه ذهب بسبب غير مضمون، فأشبه سقوطه بغير جناية. ولو زادت جناية العبد عن قيمته ثم مات فعلى الغاصب قيمته يدفعها إلى سيده، فإذا أخذها تعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذ ولي

[ 128 ]

الجناية القيمة من المالك رجع على الغاصب بقيمة أخرى، لان المأخوذة أولا استحقت بسبب وجد في يده، فكانت من ضمانه. أما لو كان العبد وديعة فجنى بما تستغرق قيمته ثم قتله المستودع وجب عليه قيمته وتعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذها ولى الدم لم يرجع المالك على المستودع بشئ، لانه جنى وهو غير مضمون. ولو جنى العبد في يد المالك بما يستغرق قيمته ثم غصبه غاصب فجنى في يده بالمستغرق أيضا ففي التحرير بيع في الجنايتين، وقسم ثمنه بينهما، ورجع المالك على الغاصب بما أخذه الثاني، لان الجناية في يده وإن كان للمجني عليه أولا أخذه دون الثاني، لان الذي أخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا، فلا يتعلق به حقه، ويتعلق به حق الاول، لانه بدل عن قيمة الجاني. ولو مات العبد في يد الغاصب فعليه قيمته بينهما، ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة، لانه ضامن للجناية الثانية، ويكون للمجني عليه أولا أن يأخذ كما قلناه، فتأمل جيدا، فان بعضه لا يخلو من بحث، والله العالم. (ولو زادت قيمة المملوك بالجناية) التي لا مقدر لها شرعا رده ولا شئ عليه للاصل، كالسمن المفرط في نحو العبد والجارية مما لا يقصد فيه اللحم، بلا خلاف أجده فيه، لكن عن المبسوط فيما لو حلق لحية الامة فلم تنبت من دون غصب فزادت قيمتها، قال: نعتبرها بعبد إن زالت لحيته نقصت قيمته. وعن أبي العباس وثاني الشهيدين فيها الحكومة، وفيه أنه لا دليل عليه، كما تعرفه في الديات إنشاء الله. أما لو كان له مقدر (كالخصاء أو قطع الاصبع الزائد) المقدرين بتمام القيمة وثلث دية الاصبع الاصلية (رده مع دية الجناية)

[ 129 ]

كما عن الشيخ وغيره، بل في الكفاية أنه المشهور (لانها مقدرة) فيتناوله دليلها وإن لم تنقص القيمة. نعم قد يشكل ذلك من الشيخ إذا فرض استيعاب القيمة بأنه لا يوافق ما سمعته منه من تخيير المالك بين الرد وأخذ القيمة وبين الامساك ولا شئ له، فيتجه في المقام ذلك لا الرد مع المقدر، بل عن موضع من مبسوطه التصريح بذلك، وفيه ما عرفت سابقا. كما أن ما في القواعد - من أنه لا شئ في قطع الاصبع الزائدة كالسمن المفرط - لا يخفى عليك ما فيه، لما عرفت من أن لها مقدرا بخلافه. نعم في محكي التحرير لو سقط ذو المقدر بآفة سماوية وكان تزيد به القيمة لا شئ، بل في القواعد ذلك أيضا، إلا أنه قال: على إشكال، لكن عن التذكرة والايضاح أن الاقرب وجوب القيمة، بل في جامع المقاصد أنه أصح، لانه يضمن بالتلف تحت اليد العادية كما يضمن بالجناية، وكأنه مصادرة، والتقدير للجناية لا يقتضي التقدير لغيرها، كما أشرنا إليه سابقا، والله العالم. (و) على كل حال فلا يخفى أن (البحث في المدبر والمكاتب المشروط) والمطلق الذي لم يؤد شيئا (وأم الولد كالبحث في القن) ضرورة اشتراك الجميع في المملوكية، نعم لو تحرر البعض جرى على كل من جزء الحر والملك حكمه، كما هو واضح، والله العالم. (وإذا تعذر) عادة (تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل) مثلا أو قيمة (ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة، ولو عادت كان لكل منهما الرجوع) كما صرح بذلك كله غير واحد من أساطين الاصحاب. كالشيخ وابن إدريس والفاضل والشهيد والكركي

[ 130 ]

وغيرهم، بل في المسالك نسبته إليهم مشعرا بالاتفاق عليه، بل في محكي الخلاف والغنية نفي الخلاف عن ملك المغصوب منه البدل المزبور، بل ظاهرهما على ما قيل بين المسلمين. نعم في قواعد الفاضل ما صار سببا للوسوسة في الحكم المزبور، فانه قال في موضع منها: " ولو أبق العبد ضمن في الحال القيمة للحيلولة، فان عاد ترادا، وللغاصب حبس العين إلى أن يرد القيمة عليه على إشكال، فان تلف العبد محبوسا فالاقرب ضمان قيمته الآن واسترجاع الاولى " وقال في آخر: " ويجب رد العين ما دامت باقية، فان تعذر دفع الغاصب البدل، ويملكه المغصوب منه، ولا يملك الغاصب العين المغصوبة، فان عاد فلكل منهما الرجوع، وهل يجبر على إعادة البدل لو طلبه الغاصب ؟ إشكال ". لكن في جامع المقاصد بعد أن شرح العبارة الاولى قال: " واعلم أن هنا إشكالا، فانه كيف تجب القيمة ويملكها بالاخذ ويبقى العبد على ملكه ؟ وجعلها في مقابل الحيلولة لا يكاد يتضح معناه ". وقال في شرح الاخرى: " ومقتضى كلامهم أن تملكه للحيلولة يقتضي أن لا يكون في مقابل العين المغصوبة، وتحقيقه لا يخلو من إشكال ". وتبعه ثاني الشهيدين، حيث إنه بعد أن ذكر بقاء العين المغصوبة على ملك المالك وأن ملك القيمة للحيلولة قال: " هكذا أطلقوه، ولا يخلو من إشكال، من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح، ولو قيل بحصول الملك لكل منهما متزلزلا أو توقف ملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وإن جاز له التصرف فيه كان وجها في المسألة ". واستحسنه في الكفاية. قلت: لكنه مخالف لما عرفته من الاتفاق المؤيد بمعلومية عدم

[ 131 ]

اعتبار توقف ملكية المالك القيمة على الغاصب على خروج المغصوب عن قابلية التملك بموت ونحوه، كما يومئ إليه ما دل (1) على الضمان بالضياع والسرقة ونحوهما في الامين المفرط، فان المال لم يخرج بذلك عن قابلية التملك، بل من المقطوع به الضمان في نحو الوقوع في بحر ونحوه مما يحصل معه اليأس من الرجوع، وليس هو حينئذ إلا من ضمان الحيلولة. بل أدلة الضمان التي منها " على اليد " (2) شاملة لذلك قطعا، فهي حينئذ مقتضية لملك المالك القيمة، ضرورة كونه معنى ضمانها الذي هو شغل الذمة بالمثل أو القيمة على نحو اشتغالها به لو تلف، كما يقضي به إطلاق الضمان عليهما نصا (3) وفتوى، فحينئذ يكون مملوكا عليه ذلك، كما أنه مملوك للمالك. فهو بالنسبة إلى ذلك كالدين الذي لا ريب في ملكه لصاحبه إذا دفعه إليه، فالقيمة المدفوعة حينئذ مملوكة والعين باقية على الملك للاصل، ولانها مغصوبة، وكل مغصوب مردود، وأخذ القيمة غرامة للدليل الشرعي لا ينافي ذلك. على أن دفع البدل للحيلولة إن لم يكن على وجه الملكية للمالك لم يجد في دفع ضرر المالك، بل ربما يكون ضررا عليه بوجوب حفظه ونحوه عليه، كما أن جواز التصرف فيه إن لم يكن على وجه يشمل ما يعتبر فيه الملك كذلك أيضا، فليس حينئذ إلا الملكية التي لا تستلزم خروج المبدل عنه عن ملك الاول، بل لعل قوله (صلى الله عليه وآله) (4):


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الوديعة - الحديث 1. (2) و (4) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي. ج 6 ص 95. (3) الوسائل - الباب - 1. و 3 - من كتاب العارية.

[ 132 ]

" حتى تؤدي " ظاهر في خلافه. مضافا إلى أصالة بقائه على ملكه وإلى ما عرفته من الاتفاق عليه، ولذا لم يذكروا خلافا بل ولا إشكالا في ملك نمائه المنفصل له، ودعوى أنه من الجمع بين العوض والمعوض عنه الممنوع منه شرعا واضحة الفساد، بل هي مجرد مصادرة. وبذلك كله ظهر لك أن المغصوب أحوالا ثلاثة: (أحدها) حال وجود العين على وجه يتمكن من ردها إلى مالكها، فليس عليه إلا وجوب الرد، وإطلاق الضمان عليه على معنى دخوله في ضمان لو حصل سببه، وهو التلف أو الضياع أو نحوهما مما يشمل الحيلولة. و (الثاني) ذلك إيضا إلا أنه يتعذر أو يتعسر ردها، فعليه ضمان قيمتها تحقيقا لا تقديرا، وهو المسمى بضمان الحيلولة، ومعه يملك المغصوب منه القيمة المضمونة عليه باعتبار كونها كالدين على الغاصب، فيملكها من هو له وإن بقيت العين مملوكه له أيضا للاصل وغيره مما عرفت. (الثالث) حال تلف العين وخروجها عن قابلية الملك بموت ونحوه، فيتعلق مثلها أو قيمتها في ذمة الغاصب تعلق الديون. وليس في كلام الفاضل في القواعد الذي ذكرناه منافاة لشئ من ذلك، بل هو صريح كلامه كغيره من الاصحاب على وجه لم يعرف فيه خلاف بينهم، وانما إشكاله في حبس الغاصب العين إلى أن يقبض ما دفعه من بدل الحيلولة، باعتبار كونه كالمعاوضة التي لكل من المتعاوضين حبس العوض على الآخر حتى يحصل التقابض. والاقوى خلافه، ضرورة عدم المعاوضة التي مقتضاها ذلك في المقام وإن كانت هي معاوضة معنوية، فليست هي إلا نحو من كانت عنده عين لمن له عنده كذلك، فانه ليس له الحبس كما هو واضح. خصوصا

[ 133 ]

بعد قوله (عليه السلام) (1): " المغصوب مردود " والفرض بقاؤه، وإشكاله أيضا في جبر إعادة المالك البدل لو طلبه الغاصب منه باعتبار ملكه له، والاصل اللزوم، ولتوقف تمام البدلية على تمامية الملك التي منها عدم تسلط الغاصب عليه بنحو ذلك. بل في الايضاح " لو كان بحيث يجبر على الرد لكان نقصا في البدلية، إذ قد لا يرغب المعاملون فيه " وإن كان فيه أنه مع خروجه عن ملك المغصوب منه لا يجب عليه إعادته قطعا، بل عنه في الحاشية دعوى الاجماع عليه. فلا مانع حنيئذ من رغبة المعاملين فيه. نعم قد يقال: إن مقتضى قوله (صلى الله عليه وآله) (2): " حتى تؤدي " مضافا إلى الاتفاق ظاهرا أن ملك المغصوب منه متزلزل، بمعنى كونه مراعى بعود المال، فينفسخ الملك حينئذ قهرا بالاداء الذي هو غاية الضمان. ومن هنا جزم في التذكرة بأن القيمة المدفوعة يملكها المغصوب منه ملكا مراعى بالحيلولة، فيزول بزوالها، وفي جامع المقاصد هو واضح، بل هو الذي جزم به في القواعد أولا فقال: " يترادا ". ومن هنا تعجب الكركي منه، فقال: " والعجب أن المصنف جزم فيما سبق بالتراد وتردد في أن للغاصب حبس العين إلى أن يأخذ البدل، ومن هنا تردد في إجبار المالك على الدفع لو طلبه الغاصب، وينبغي عدم التردد في وجوب الرد حينئذ، لان هذا الملك ثبت على طريق القهر،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس، وفيه (الغصب كله مردود). (2) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4. وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 134 ]

لاجل عدم وصول ملك المالك إليه، فان كان على جهة البدلية فإذا استحق المالك ملكه وجب عود مال الغاصب إليه، لامتناع زوال البدلية وعدم رجوع كل من البدلين إلى مالكه، وإن كان على جهة الحيلولة فقد زالت، فلا وجه لعدم الرد أصلا، لان الحال دائر بين الامرين " إلى آخره. وإن كان يرفع عجبه ما ذكرناه من احتمال تمامية ملك المالك لما أخذه على وجه لا تسلط للغاصب على فسخه، فان له الرضا بما قبضه عوضا عن ماله كما عرفت. وعلى كل حال فلا إشكال - بناء على ما ذكرنا - في أن للغاصب التسلط على جبره على رده حينئذ، لكن رد عينه خاصة أو بدلها، لانمائها المنفصل الذي صار في ملكه، أما المتصل فيرده مع العين على حسب غيره مما يملك متزلزلا. وعلى هذا يكون معنى قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " بيان أن أخذها موجب لضمان ما أخذته بتلف أو حيلولة مثلا أو قيمة حتى تؤدي العين، إلا أنه لا وجود للغاية مع التلف، فيستقر الملك على المضمون بخلاف الحيلولة، فان الغاية محتملة الحصول، فإذا حصلت ارتفع ضمانها السابق واللاحق، على معنى رجوع ما دفعه من المثل والقيمة لسبب الضمان إليه، مؤيدا ذلك بمعلومية أن ما دفعه بسبب ضمانه قد كان بدلا عن العين، لمكان الحيلولة، فيعود إلى صاحبه بعود المبدل إلى صاحبه. واحتمال عدم استحقاقه - العود باعتبار أنه دفعه غرامة شرعية، وخصوصا مع تلف عينه، ويكون ذلك هو وجه الاشكال في عبارة


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 135 ]

الفاضل - واضح الفساد، ضرورة منافاته للاتفاق ظاهرا، بل هو قد صرح في المقامين بالتراد، وللبدلية التي ذكرناها، وللغاية التي فسرناها وللاعتبار، بل لا يبعد كونه من الجمع بين العوض والمعوض الممنوع، فليس إشكال حينئذ إلا في تسلط الغاصب على جبره على ذلك، أو أن له الرضا به عوضا عما غصب منه. والاقوى بناء على ما ذكرناه أن له جبره، بل في احتمال أن له الحبس حتى يدفع إليه، لانه وإن لم يكن معاوضة حقيقة فهو كالمعاوضة وإن كان الاصح خلافه كما ذكرناه. فلو حبسه وتلف كان ضامنا لقيمته الآن ويرجع بما دفعه أولا. بل يقوى ذلك وإن قلنا بجواز حبسه، كما هو ظاهر عبارة القواعد السابقة، وذلك لان حكم الغصب قد زال على تقدير جواز الحبس، فهي يد غير الاولى، لكونها مستحقة، إلا أنها يد ضمان أيضا، كالقبض بالسوم، لانه الاصل في كل يد قد استولت على مال الغير إلا ما خرج من الوديعة واللقطة ونحوها، كما حررناه غير مرة. ومن هنا جعل الضمان في المقام بقيمته يوم التلف، مع أن مذهبه ضمان المغصوب بأعلى القيم، إذ ليس هو إلا لخروج اليد عن حكم الغصب باستحقاق الحبس ووجوب رد المالك القيمة الاولى. وبذلك يظهر لك ما في المحكي عن السيد العميد في شرحه للعبارة، قال: " هذا إنما يتمشى على وجوب قيمة يوم التلف، أما لو أوجبنا الاكثر كان له الاكثر من القيمتين الاولى والثانية ". وإن وجهه في جامع المقاصد بأنه إن كان الاقل هو القيمة الاولى فقد دفعها عوضا عن العين باستحقاق، فلا يجب ما سواها، وإن كان الاقل هو الثانية فهي المستحقة بالتلف، لان الاولى للحيلولة

[ 136 ]

وقد زالت بجواز الحبس. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه وبعد الاغضاء عن لفظ " الاقل " في كلامه الذي قيل إنه من سهو القلم، وإلا فالمراد " الاكثر " بل في جامع المقاصد بعد التوجيه المزبور قال: " وفيه نظر، لان المدفوع للحيلولة لم يكن عوضا عن العين قطعا، ولهذا لا تخرج بذلك عن ملك المالك، ولا يستقر ملكه على المدفوع حيث كانت العين باقية، على ملك المالك مضمونة على الغاصب، وخرج بجواز الحبس إلى أن يقبض القيمة عن كونه غاصبا، فوجبت قيمته يوم التلف ". وإن كان قد يناقش بامكان بقاء حكم الغصب، وهو ضمان الاعلى للاصل، وإن خرج عن مسماه وعن الاثم ببقائه تحت يده، والامر سهل بعد أن كان المختار وجوب القيمة يوم التلف. إلا أن المتجه في المقام بناء على ذلك أنه يستقر ملك المالك على ما أخذه للحيلولة من القيمة إذا فرض اتحادها في الزمانين، كما أنه يتجه مطالبة المالك بالزائد إذا فرض كونها أعلى يوم التلف، ضرورة بقاؤها على ضمان الغاصب، أما إذا فرض العكس ففي تسلط الغاصب على استرجاع الزائد نظر، أقواه العدم، للاصل ولان دفعه مستحقا عليه وغير ذلك. ومن هنا يتجه ما ذكره المعظم من ضمان أعلى القيم في هذا القسم، بل يتجه أيضا ضمان ما يتلف من العين المغصوبة من النماء المتصل والمنفصل، كما جزم به في جامع المقاصد، وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد من حيث إنه لم يدخل تحت يده التي هي سبب الضمان، لان الفرض تجدده بعد دفع القيمة وبراءته من العين، فأولى بأن يبرأ من النماء.

[ 137 ]

وفيه (أولا) أنه سبب تلفه على المالك. (وثانيا) منع براءته من الضمان للعين فضلا عن نمائها للاصل، ولذا قلنا بوجوب القيمة عليه يوم التلف مع فرض كونها أعلى من يوم الحيلولة، إذ الدفع لها لا يقتضي البراءة من الضمان، نعم لو فرض تلفها ولم يكن لها نماء ولا زادت قيمتها كانت قيمته يوم الحيلولة مجزئة، إذ لا يجب للعين الواحدة قيمتان، أللهم إلا أن يقال: إن ذلك كله داخل في القيمة المدفوعة بدلا عنها، كالمنافع في أحد القولين على ما ستسمع إنشاء الله. بقي شئ: وهو أنه لو أخذ المالك قيمة الحيلولة في الايدي المتعاقبة مثلا من الاول مثلا فاستحق هو الرجوع بما أداه للمالك على من حصلت الحيلولة في يده من الايدي المتأخرة أمكن القول بملكه له متزلزلا على حسب ملك المالك له لو رجع به ابتداء، وعلى حسب ملك ما دفعه هو إليه، لانه يأخذه بدلا عما دفعه للمالك باعتبار حصول المغصوب في يده، فيملكه على حسب ملك المالك لما أخذه منه، فإذا عادت العين ورجعت إلى المالك عاد هو بما دفعه للمالك، وعاد من كانت الحيلولة في يده بما أخذه الغاصب الاول منه، إلا أن نماء الاول للمالك ونماء الثاني للغاصب. واحتمال القول هنا بعدم جواز رجوع ذي اليد الاولى على من حصلت الحيلولة في يده بل يختص الحكم في خصوص التلف واضح الفساد، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما ذكرناه في مسألة الايدي المتعاقبة. ثم إن الحيلولة التي تبقى العين فيها على ملك المالك وإن ملك القيمة إنما هي مع معلومية بقاء العين على ملك مالكها إلا أنه منع مانع من تسليمها، أما إذا كانت الحيلولة تقتضي زوال ملك المالك عنها في ظاهر

[ 138 ]

الشرع كالاقرار بالغصب بعد البيع وكالشهادة على أنها مال الغير ونحو ذلك مما يحكم به في ظاهر الشرع أن العين لغير من أقر له المقر فإذا دفع القيمة للمالك فهل العين أيضا تبقى على ملك مالكها كالقسم الاول من الحيلولة أو تنزل هذه الحيلولة منزلة التلف. فيملك الحائل إذا أدى للمالك العين التي حال بينها وبين مالكها بالاقرار ؟ لم أجده محررا هنا، بل ظاهرهم فيما يأتي الاول، ولكن الثاني محتمل، وربما يشهد له بعض الكلام السابق في باب الاقرار، والله العالم. (و) كل حال فلا خلاف ولا إشكال في أن (على الغاصب الاجرة إن كان مما له أجرة في العادة من حين الغصب إلى حين دفع البدل) بل الاجماع بقسميه عليه، لما عرفته فيما تقدم من ضمان كل ما فات في يد الغاصب ولو بآفة سماوية، إذ المنافع أموال فتضمن كالاعيان. نعم ظاهر قول المصنف وغيره: " فيما له أجرة في العادة " إخراج نحو غصب الغنم والمعز والشجر، حيث لا منفعة له تستأجر عادة، كما عن المبسوط التصريح به، مع أنه قيل إن كلام الحلي والفاضل والكركي وثاني الشهيدين في كتاب الاجارة في مسألة ما لو استأجر تفاحة للشم أو دراهم أو دنانير للزينة ينافي ذلك، إلا أن التحقيق خلافه وإن قلنا بصحة الاجارة في مثلها، لكنها لا تعد عرفا إتلاف مال على الغاصب مع فرض عدم استعدادها لذلك. نعم لو تعددت المنافع كالعبد الخياط والحائك ففي القواعد وعن غيرها لزم أعلاها (و) ستسمع تحقيق ذلك عند تعرض المصنف له إنشاء الله تعالى. بل (قيل) كما في التذكرة ومحكي المبسوط وظاهر غيرهما: إنه يضمن الاجرة المزبورة (إلى حين إعادة المغصوب) فالمنافع المتجددة

[ 139 ]

بين دفع القيمة للحيلولة وبين رد العين أو تلفها مضمونة (و) إن كان (الاول أشبه) عند المصنف باصول المذهب وقواعده التي منها أصل البراءة، وأن القيمة المأخوذة منزلة منزلة المغصوب، فكأنه عاد إليه، بل هي الواجبة عليه، وقد دفعها فبرأ، وأنه استحق المالك الانتفاع بالقيمة التي هي عوض وبدل في المعنى، فلم يبق له على الغاصب حق في ذلك المال، وإلا لم تكن فائدة للغاصب في الدفع. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من بقاء العين المغصوبة على ملك المالك، وعلى وجوب ردها على الغاصب مع التمكن، وعلى ضمانها وضمان نمائها، وأن القيمة للحيلولة غرامة شرعية ثبتت بالادلة، وهي لا تقتضي براءة ولا تغييرا للحال الاول. ومن هنا قال في جامع المقاصد: " إن الذي يقتضيه النظر الوجوب، لبقاء الغصب كما كان، نعم على القول بأن للغاصب حبس المغصوب إلى أن يقبض البدل يتأتى عدم وجوب الاجرة بعد دفعه " وإن كان فيه إمكان القول بالوجوب حتى على التقدير المزبور، ضرورة عدم المنافاة بين البقاء على حكم الغصب بالنسبة إلى ذلك كضمان النماء وبين جواز الحبس له، كما أشرنا إليه سابقا. فالتحقيق الوجوب، وخصوصا إذا كان تعذر الرد ناشئا عن اختيار الغاصب، بل قد يقال بوجوب الاجرة حتى مع استمرار الاشتباه وعدم معرفة كون المغصوب باقيا، أو تلف على وجه لا تكون له اجرة إن لم يكن إجماعا على خلافه للاصل، فتأمل. والله العالم. (ولو غصب شيئين ينقص قيمة كل واحد منهما إذا انفرد عن صاحبه كالخفين) اللذين قيمتهما مجتمعين مثلا عشرة وقيمة كل واحد منفردا ثلاثة (فتلف أحدهما ضمن التالف بقيمته مجتمعا)

[ 140 ]

وهو خمسة (ورد الباقي وما نقص من قيمته بالانفراد) وهو إثنان بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، إلا من الشهيد إن كان خلافا كما ستعرف، بل ولا إشكال، لضمان الغاصب كل نقص يكون في يده على المغصوب ولو من حيث الاجتماع والانفراد اللذين فرض مدخليتهما في القيمة. ولكن في اللمعة في الفرض يضمن قيمة التالف مجتمعا، وهو يقضي بأنه لا يلزمه إلا خمسة، ولعله لانه لم يتلف غيره، ولان نقص الباقي نقص سوق، فلا يضمن. وفيه أنه تلف مع صفة الاجتماع المشتركة بينهما، والفرض ضمانها، ونقص السوق الذي لم يضمن هو الذي لا يكون بسبب شئ في المغصوب ولو وصفا، لا المفروض الذي هو كفك تركيب باب، كما هو واضح. (وكذا) الكلام (لو شق ثوبا) موضوعا على الشق (نصفين فنقصت قيمة كل واحد منهما) منفردا (ب) واسطة (الشق) المزبور وإن لم ينقص مجموعهما، ولو لان منفعة أحدهما متوقفة على الآخر لصغر النصف عن الاستقلال وعدم وجود مماثل له (ثم تلف أحدهما) فانه يغرم قيمة النصف الذاهب مجتمعا ويرد الباقي مع أرش نقصانه الحاصل بالانفراد، إذ هو حنيئذ كمسألة الخفين وإن أوهم التعبير خلافه، إلا أن التشبيه بهما شاهد على ما ذكرناه. نعم لو فرض مع ذلك حصول نقص عليهما بالشق ضمنه أيضا حتى لو ردهما، وهو واضح كوضوح عدم شئ عليه غير التغرير لو ردهما، والفرض عدم نقص قيمتهما بالشق. (أما لو أخذ فردا من خفين يساويان عشرة) مثلا (ف) أتلفه أو (تلف في يده وبقي الآخر في يد المالك ناقصا عن قيمته) مجتمعا (بسبب الانفراد) الحاصل له بعد غصب الآخر (رد قيمة التالف

[ 141 ]

لو كان منضما إلى صاحبه) بلا خلاف، إذ هو كما لو أتلف رجل أحدهما (و) الآخر الآخر. نعم (في ضمان ما نقص من قيمة الآخر تردد) كما في محكي التحرير، من أنه لم يدخل تحت يده كي يكون مضمونا عليه كالاول، ومن عدم انحصار الضمان في الغصب، بل من التسبب الصادق في المقام، كحبس المالك عن ماشيته، وقواه في محكي الايضاح وجامع المقاصد، وفي المسالك هو الاصح كفك أجزاء الباب والسرير ونحوهما مما لم يعتبر فيهما إلا الجزء الصوري الذي هو كالاجتماع في زوجي الباب والخف. إلا أنه قد عرفت تحقيق الحال عندنا في مثل الضمان بذلك ونحوه مما لم يتضح لنا اندراجه في المستفاد من نصوص الضمان به، والاصل البراءة. وعلى الاول يكون المضمون حينئذ سبعة، وعلى الثاني خمسة، ويحتمل كونه ثلاثة وإن لم أجد به قائلا، باعتبار أنه قيمة المتلف، لان تلفه في يده لم يكن إلا حالة التفريق، فمع فرض اعتبار قيمة يوم التلف يتجه ضمان الثلاثة التي هي قيمته. وفيه أن ضمان الخمسة باعتبار تلفه عنده مضمونا عليه منضما، لان الفرض غصبه كذلك، وأما الاثنان فضمانهما على تقدير القول به من التسبب الذي لا ينافي ضمان القيمة يوم التلف. ومن هنا لم يقطع لو أخذه على وجه السرقة، وكان قيمته مع نقصان الثاني نصابا، بل عن التذكرة الاجماع عليه، قال فيها: " لو أخذ أحدهما على صورة السرقة وقيمته مع نقصان الثاني نصاب لم يقطع إجماعا، لان الزائد إنما ضمنه في ذمته بتفريقه بين الخفين، فكان كما لو ذبح شاة

[ 142 ]

تساوي ربع دينار في الحرز ثم أخرجها وقيمتها أقل، فانه لا يقطع، فكذا هنا ". قلت: لا إشكال في عدم القطع بالنقصان في الثاني المفروض تتمة النصاب به، لعدم كونه من السرقة، إنما الكلام في نقصان المسروق نفسه، والظاهر عدمه أيضا، لان نقصانه وإن كان مضمونا عليه لكنه غير داخل في المسروق نفسه، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف عندنا ولا إشكال في أنه (لا يملك) الغاصب (العين المغصوبة بتغييرها) بعمل من الاعمال (وإخراجها عن الاسم والمنفعة سواء كان ذلك بفعل الغاصب أو فعل غيره، كالحنطة تطحن، والكتان يغزل وينسج) للاصل والاجماع بقسميه، خلافا لابي حنيفة كما قدمنا الكلام فيه سابقا، ولا شئ للغاصب عن عمله الذي هو غير محترم بسبب عدم الاذن فيه وإن زادت به القيمة، بل إن كان مما يمكن رده إلى الحالة الاولى وأراد المالك رده وجب على الغاصب ذلك، ويضمن أرش النقص إن كان. نعم لو يرضى المالك ببقائه على الحالة لم يكن له رده، لحرمة التصرف في مال الغير، بل هو كذلك مع الجهل بحاله أيضا، كما أنه للمالك إذا لم يمكن رده كطحن الحنطة، وأرش نقصه إن فرض على الغاصب، وذلك كله واضح. (ولو غصب مأكولا) مثلا (فأطعمه المالك) بأن قال له: هذا ملكي وطعامي أو قدمه إليه ضيافة أو نحو ذلك مما يتحقق به الغرور منه (أو شاة فاستدعاه وذبحها مع جهل المالك ضمن الغاصب) بلا خلاف ولا إشكال وإن كان المالك المباشر للاتلاف ولتسلم المال، إلا أنه ليس تسليما تاما يتصرف به المالك تصرف الملاك في أملاكهم

[ 143 ]

على أنه مال له. وكذا لو أودعه المالك أو آجره إياه أو أعاره إياه عارية غير مضمونة أو أرهنه، فان التسليم في ذلك كله غير تام وباق على ضمان الغاصب ولو للشك في صدق الاداء معه، بل قد يشك في صدقه مع تعميم الانتفاع مع عدم التمليك اللازم، لعدم كون يده حينئذ يد مالك، كما كانت على المغصوب. نعم لو وهبه المالك هبة لازمة أو أقرضه له كان تسليما تاما، ومن هنا لو رفع إليه عوض حقه الثابت عليه على سبيل الهبة اللازمة فأخذه المالك على هذا الوجه ونوى الدافع عن حقه كان وفاء على الاقوى كما عن التذكرة. بل صرح غير واحد بالاكتفاء في ذلك بالاهداء، ومقتضاه جريان مثله في المقام، ضرورة عدم الفرق بين الغاصب والمديون بالنسبة إلى ذلك بعد أن كان الاعتبار بنيته في التشخيص دون الديان، ولذا يجب عليه القبول لو بذله، ولا يشترط في كل منهما الاعلام بكونه الدين أو المغصوب بعد الاستيلاء التام على وجه الملكية التامة، ولذا اكتفى الاصحاب بالدس في المال على وجه يكون في يده على أنه من أمواله، وبالجملة فالمدار على صدق الاداء في المقام. بل في القواعد أنه " لو أمر الغاصب المالك بالاكل مع جهله بالحال فباعه أو بالعكس فالاقرب زوال الضمان " لانه قد تصرف باختياره لا بقول الغاصب، فصادف التصرف ملكه، ولان العين لو كانت مملوكة للغاصب لكان على المتصرف بمخالفة الآمر الضمان، وكل ما يقتضي الضمان على تقدير الملك لا يتصور فيه الغرور، إذ تغريره إنما هو بكونه ملكا له. وعلى تقدير الملك فالضمان ثابت، وبه جزم الكركي.

[ 144 ]

لكن قد يناقش بأنه - وإن كان غير مغرور - لا يصدق عليه أنه أدى المال، والاصل بقاء الضمان، وكذا لو غصبه من الغاصب وأتلفه بنية العدوان منه. أللهم إلا أن يقال: إنه وإن كان لا يصدق على تسليمه أنه أداء إلا أنه صار في عهدة المالك لو كان مملوكا لغيره، ومثله يسقط الضمان على من عليه الضمان ولو لظهور أدلة الضمان في غير الفرض، أو غير ذلك. وعلى كل حال فلا إشكال في الضمان في مفروض المتن، لان المباشرة ضعيفة بالغرور المانع عن استتباع الضمان المقتضي لعدم غرم الغاصب، وحينئذ فالسبب أقوى في الاتلاف الموجب للضمان، بل هو المستقر عليه لعدم تعقل ضمان المالك لماله وإن قلنا بضمان المغرور في غير المقام، كما صرح به من تعرض له من الاصحاب من غير نقل خلاف، بل عن التذكرة أنه الذي يقتضيه مذهبنا. لكن في القواعد " لو زوج الجارية من المالك فاستولدها مع الجهل نفذ الاستيلاد وبرأ الغاصب، وفي الارش إشكال ". وفيه منع براءته من الضمان مع عدم العلم بالحال، فلو تلفت قبل ظهور الحال وهي بيد المالك على أنها زوجة وهي مملوكة للغاصب لم يبرأ، لكون التسليم غير تام، كما أن فيه أيضا منع الاشكال في الارش سواء قلنا: إنه أرش ما ينقص منها بالولادة أو أنه تفاوت ما بين قيمتها طلقا وقيمتها أم ولد محتمل البقاء والموت، ولذا لا يعاد على الغاصب لو مات الولد، لان العيب الذي ثبت لم يزل، وإنما انقطع بعد مدة والمأخوذ أرشا إنما أخذ على تقدير رجاء انقطاعه وعروض زواله. أو أن الارش هنا مهر أمثالها أو العشر أو نصفه، ضرورة كون المفروض من

[ 145 ]

مسألة الغرور التي قد عرفت عدم الخلاف في ضمان الغاصب، بل هو أيضا ممن جزم بذلك، فالفرق بينهما غير جيد (و) لا واضح. نعم (إن أطعمه) أي الطعام (غير المالك قيل) والقائل غير واحد: إن المالك (يغرم أيهما شاء) للمباشرة والغصب (لكن إن أغرم الغاصب لم يرجع على الآكل) الذي هو مغرور له (وإن أغرم الآكل رجع الآكل على الغاصب لغروره) الذي صار به مباشرته ضعيفة بالنسبة للسبب، فيكون قرار الضمان عليه. (وقيل) وإن كنا لم نتحقق قائله منا: (بل يضمن الغاصب من رأس، ولا ضمان على الآكل) أصلا (لان فعل المباشر ضعيف عن التضمين بمظانة الاغترار، فكان السبب أقوى) نعم هو قول الشافعي في القديم وبعض كتب الجديد، والمشهور عند الشافعية الاول، وهو الاصح، لان ضعف المباشرة لا يبلغ حدا ينتفي به الرجوع عليه مع كونه متصرفا في مال الغير ومتلفا له على وجه يندرج في قاعدة " من أتلف مال غيره فهو له ضامن " ولكن ينجبر غروره برجوعه على الغار، بل لعل قوله (عليه السلام) (11): " المغرور يرجع على من غره " ظاهر في ذلك كما تقدم الكلام فيه سابقا، والله العالم. (ولو غصب فحلا فأنزاه على الانثى كان الولد لصاحب الانثى وإن كانت للغاصب) كما صرح به الشيخ والحلي والفاضل والشهيدان


(1) لم نعثر على هذا النص من أحد المعصومين (عليهم السلام). وإن حكى عن المحقق الثاني (قده) في حاشيتة الارشاد أنه نسب إلى النبي الاكرم (صلى الله عليه واله). والظاهر أته قاعدة فقهية مستفادة من عدة روايات ورد بعضها في التدليس. راجع الوسائل - الباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 5 من كتاب النكاح والباب - 2 - منها - الحديث 2 والمستدرك - الباب - 1 - منها - الحديث 5.

[ 146 ]

والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل في جامع المقاصد الاجماع عليه على الظاهر، وفي المسالك وغيرها نفي الخلاف فيه، بل يمكن تحصيل القطع به من السيرة المستمرة في سائر الاعصار والامصار على تبعية الولد في غير الانسان للانثى من غير فرق بين الغاصب وغيره. فتأمل بعض الناس فيه - بأن الولد من الفحل، فلا يكاد يوجد الفرق بينه وبين الحب إذا نبت في أرض الغير - في غير محله، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص، على أنه قيل: يمكن الفرق بأن النطفة لا قيمة لها، وليست مملوكة بعد انفصالها، ولا واجبة الرد إلى مالك الفحل، والنشوء والنماء من الانثى، ولا كذلك الحب، فانه مملوك له قيمة، ويجب رده، وإن كان فيه ما فيه، والله العالم. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه (لو نقص الفحل بالضراب ضمن الغاصب النقص) كما في غيره من الاعيان المغصوبة (وعليه أجرة الضراب) عند أهل البيت (عليهم السلام) كما في محكي السرائر، بل فيه " ما قاله شيخنا في مبسوطه من أن أجرة الفحل لا تجب على الغاصب، لان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن كسب الفحل (1) فهو حكاية مذهب المخالفين، فلا يتوهم متوهم أنه اعتقاده " (و) لكن مع ذلك في المتن وغيره (قال الشيخ في المبسوط: لا يضمن الاجرة). (و) على كل حال فلا ريب في أن (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الشيخ إن كان (لانها عندنا ليست محرمة) وعن مكاسب التذكرة ونهاية الاحكام نسبته إلى


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 3 وفيه (نهى رسول الله (صلى الله عليه واله) عن عيب الفحل وهو أجرة الضراب) وفي المبسوط ج 3 ص 96.

[ 147 ]

علمائنا، فتكون حينئذ منفعة محللة مضمونة عليه. بل قد يقال بضمانها بفواتها تحت يده وإن لم يستوفها، بل ينبغي الجزم به إذا كان مما يعتاد استئجاره لذلك، أما مع عدمه فلا يخلو من إشكال، إذ صحة الاجارة أعم من الضمان بالغصب، وإلا لوجب على من غصب تفاحة أجرتها للشم أو دراهم أو دنانير أجرتها للزينة بناء على صحة الاستئجار لذلك والتزامه في غاية البعد، لعدم صدق فوات المال، ولعله لذا قيد المصنف وغيره ضمان الاجرة بما إذا كان المغصوب مما له أجرة في العادة. وعلى كل حال فعلى الغاصب أجرة الضراب، لما عرفت، والنبوي المروي في غير طرقنا (1) من أنه نهى (صلى الله عليه وآله) عن عسب الفحل، أي ماؤه وضرابه محمول على الكراهة أو على بيع مائه، فلا إشكال في الحكم حينئذ، والله العالم. (ولو غصب ما له أجرة وبقي في يده حتى نقص كالثوب يخلق والدابة تهزل لزمه الاجرة والارش ولم يتداخلا، سواء كان النقصان بسبب الاستعمال أو لم يكن) بلا خلاف ولا إشكال في الاخير، وإن قالوا لو انتقص العبد بسقوط عضو منه مثلا بآفة يضمن الارش والاجرة لما قبله سليما ولما بعده ناقصا، إذ لا يعقل اجرة شئ معدوم بعد عدمه. أما الاول وهو الذي يكون نقصه باستعماله فهو الذي صرح به الشيخ والفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم، بل لا أجد فيه خلافا لاصالة عدم تداخل الاسباب، إذ فوات الاجزاء في يد الغاصب سبب لضمانها، والانتفاع سبب آخر لضمان الاجرة، فلا يتداخلان كالاول، لكن في القواعد والدروس احتمال وجوب الاكثر من الارش والاجرة،


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 339.

[ 148 ]

وهو الضعيف من وجهي الشافعي. وأضعف منه تعليله بأن النقصان نشأ من الاستعمال، وقد قوبل بالاجرة، فلا يجب له ضمان آخر، وإلا لوجب ضمانان لشئ واحد ولان نقص الاجزاء ملحوظ في الاجرة، ولذا لم يضمنها المستأجر بل والمستعير، ولان ما ينقص بالاستعمال تعتبر اجرته زائدة على ما لا ينقص به، فلو لا كونها ملحوظة لم تتحقق الزيادة، إذ كل ذلك لا يقتضي الاكثر المزبور، وإنما يقتضي دخول الارش في الاجرة. مع ما في الاول من أن الاجرة لم تجب للاستعمال، وانما تجب لفوات المنفعة على المالك، فتجب وإن لم تستعمل، كما أنها تجب وإن لم يفت شئ من الاجزاء، فلم يجب ضمانان لشئ واحد. وفي الثاني إنا نمنع لحظ الاجزاء الناقصة في الاجرة، ولم لا يكون سقوط ضمانها للاذن في الاستعمال الشامل لاتلافها كالمستعير، وثبوت الزيادة المذكورة غير معلوم، وبتقديرها لا يدل على التداخل، كما أنه مع فرض الملاحظة لا تداخل أيضا، والله العالم. (ولو أغلى الزيت) مثلا (فنقص) وزنه (ضمن النقصان) وإن لم تنقص القيمة بلا خلاف أجده بين الخاصة والعامة، بل وإن زادت قيمته على ما قبل الغليان، لانه مثلي يضمن بمثله، وعمله الذي قد زاد به الواقع تبرعا لا يقوم مقام ذلك. فما في المسالك من احتمال الرد ولا غرامة - لان ما فيه من الزيادة والنقصان يستندان إلى سبب واحد، فينجبر النقصان بالزيادة - واضح الضعف، لما عرفت. وإن نقصت قيمته دون عينه رده مع أرش النقصان الذي هو مضمون عليه بالغصب. وإن نقصا معا رد مثل الناقص مع الباقي، إلا إذا كان ما نقص

[ 149 ]

من القيمة أكثر مما نقص من العين، فيلزمه مع مثل الذاهب أرش نقصان الباقي، لان الفرض عدم عود القيمة بعود الكمية الاولى. ولو لم ينقصا معا رده، ولا شئ عليه كما هو واضح. (ولو أغلى عصيرا فنقص وزنه قال الشيخ) في محكي المبسوط بل والخلاف وإن كنا لم نتحققه: (لا يلزمه ضمان النقيصة، لانها نقيصة الرطوبة التي لا قيمة لها) إذ النار تعقد أجزاء العصير، ولهذا تزيد حلاوته (بخلاف الاولى). (وفي الفرق تردد) بل منع، ولذا كان أكثر المتأخرين أو جميعهم على خلافه، وذلك لان الواقع نقص محسوس في العين فيجب بدله، مع منع معلومية كون الذاهب أجزاء مائية خاصة بخلاف الزيت وإن تفاوتا بالقلة والكثرة. وكذا يضمن النقص لو خلل العصير ونقصت عينه دون قيمته، بل وكذا إذا صار الرطب تمرا والعنب زبيبا واللبن جبنا أو سمنا أو زبدا، ولعله لان الجميع مثلي وقد نقص نقيصة حسية فيضمن وإن زادت قيمته في الحال الآخر الذي هو الاقل، نعم قد يشكل الضمان بالمثل باعتبار عدم المثل للاجزاء التالفة، فيتعين القيمة، والله العالم.

[ 150 ]

(النظر الثالث) (في اللواحق) (وهي نوعان: (النوع خ) الاول في لواحق الاحكام، وهي مسائل:) (الاولى) (إذا زادت قيمة المغصوب بفعل الغاصب) أو غيره فيه صنعة اقتضت تلك الزيادة (فان كانت) تلك الصنعة (أثرا) محضا لا عينا (كتعليم الصنعة وخياطة الثوب) بخيوط المالك (ونسج الغزل وطحن الطعام) وصياغة النقرة (رده ولا شئ له) بلا خلاف ولا إشكال، لعدم احترام العمل بغير إذن من المالك، بل كانت تلك الصفات من توابع مال المالك، فلو أتلفها أو تلفت في يده كان ضامنا لها، كما تسمع تحقيقه إنشاء الله تعالى عند تعرض المصنف له. (ولو (وإن خ ل) نقصت قيمته) أي المغصوب (بشئ من ذلك ضمن الارش) لما عرفته مكررا من كون يد الغاصب يد ضمان، كما عرفت فيما تقدم أنه إن لم يمكن رده إلى الحالة الاولى رده إلى مالكه بحاله مع أرش النقصان إن كان. وإن أمكن رده إلى الحالة

[ 151 ]

الاولى، فان رضي به المالك لم يكن للغاصب رده إلى ما كان، وإن ألزمه الرد إلى الحالة الاولى لزمه ذلك مع أرش النقص عما كان قبل تلك الزيادة، ولا يجبر على رفاء الثوب الذي شقه وإصلاح الاناء الذي كسره مع الارش بعد ذلك، للاصل ولانه لا يعود إلى ما كان بذلك، بل يضمن الارش خاصة، كما أنه لا يضمن تلك الزيادة بتلك الصنعة بعد الامر له بالرد المقتضي لاتلافها، وإنما يضمن ما نقص من قيمة أصل النقرة بالكسر. كما صرح بذلك كله الفاضل في القواعد، قال فيها: " ولو صاغ النقرة حليا ردها كذلك، فلو كسر ضمن الصنعة، وللمالك إجباره على ردها نقرة، ولا يضمن أرش الصنعة، ويضمن ما نقص من قيمة أصل النقرة " ونحوه المحكي عن التحرير والدروس وغيرهما. لكن قد يشكل (أولا) أصل الاجبار بعد عدم الضرر على المالك والضرر على الغاصب بقاعدة نفي الضرر والضرار مع منع عدم صدق التأدية بنحو ذلك. ويدفع بقاعدة تسلط الناس على أموالهم، وهو الذي أدخل الضرر على نفسه بتعديه، وبأنه لا ريب في عدم تأديته كما غصب، وهو واضح. و (ثانيا) بأنه لا فرق بين أصل النقرة وبين الصنعة بعد صيرورتها ملكا للمالك، فان كان الامر بالرد إذنا باذهابها فلا تضمن فكذلك هو إذن في النقصان بعد فرض لزومه لردها نقرة. واحتمال الفرق - بأن الصياغة جناية من الغاصب على مال المالك والنقص بالكسر مسبب عنها فيضمنه، وأمر المالك باعادة العين كما كانت لا يقتضي سقوط الضمان، لبقاء الغصب المقتضي للضمان إلى حصول التسليم التام حتى لو تلفت العين في حال ردها إلى البلد وقد أمره

[ 152 ]

بذلك، بخلاف الصنعة التي لم تكن العين عليها في وقت الغصب ولم تستقر للمالك في ذمة الغاصب - يقتضي عدم ضمانه الصنعة حتى لو تعمد إتلافها، لعدم دخولها ابتداء تحت يد ضمانه، بل يقتضي عدم الضمان لو أعلف الدابة المغصوبة حتى سمنت وقد كانت في مكان بعيد ثم أمره المالك برده فورا على وجه يستلزم فوات سمنها، بل قد يقال: إنه يقتضي عدم الضمان لو غصبه من المالك سمينا ونقله إلى مكان بعيد محافظا على بقاء سمنه ثم أمره المالك برده فورا على وجه يقتضي زوال السمن المزبور، لعدم الجناية منه في وجود السمن. ولعل لذلك كله التزم بعض الناس بضمان الصنعة، وقال في جامع المقاصد: " وفي الفرق نظر ينبغي تأمله - ثم قال - ويختلج بالخاطر فرق ينبغي تأمله بعد ذلك، وهو إن طلب المالك رد الحلي نقرة يقتضي عدم قبول الصنعة، بخلاف رد السمين إذا استلزم رده الهزال، وبخلاف نقصان العين بالكسر، فانه لا يقتضي ذلك، ولا منافاة بين ملكية السمن والرضا بها، وطلب الرد على الفور وإن علم هزاله به للاعتماد على كون ما ينقص من العين مضمونا عليه ". وفيه أنه يمكن تقرير مثله في الصنعة، بأن يقال: إن أمره في الرد للاعتماد على ضمان كل نقص يكون بذلك وإن علم استلزامه لخراب الصنعة - ثم قال -: " ويمكن أن يفرق بوجه آخر، وهو أن الامر برد الحلي نقرة يدل على عدم قبول الصنعة والترخيص في إتلافها بخلاف ما ينقص بالكسر، لان الامر بالكسر لا يقتضي قبول الناقص من الفضة وإن كان لازما عنه لا محالة، فهو محسوب من جملة المؤونة الواجبة على الغاصب، فانه لو أمره المالك برد الدابة إلى بلد الغصب وكان ذلك مستلزما للهزال لا يكون دالا على عدم إرادة السمن والترخيص في إتلافه فيكون من باب المقدمة، كالعلف والسقي ".

[ 153 ]

قلت: لا يخفى عليك ما فيه من التشويش وصعوبة الفرق بين ما ذكره من الوجهين وإن حاول الفرق بينهما بفهم العرف الاذن في الصنعة وعدمها في السمن، والعلم باستلزام الرد الهزال لا يقتضي الاذن. نعم لو صرح أو علم من حاله عدم إرادة السمن المنافي للتضمين لان من عادته ركوب الدابة المضمرة اتجه حينئذ عدم الضمان كما هو واضح. أو بامكان الجمع بين إرادة وصولها إليه مع إرادة بقائها سمينة وإن كان لا يتحقق في الخارج، بخلاف إرادة ردها نقرة مع الصنعة. إذ هي النقرة المصنوعة المأمور بردها نقرة، أي بلا صنعة كما هو واضح بأدنى تأمل، فان مرجعه إلى عدم ضمان كل ما أمر به المالك من إتلاف مالية لماله كأصل المال، بخلاف ما لم يكن مأمورا به مما هو مضمون على الغاصب وإن كان هو لازم تحقق المأمور به في الخارج المفروض استحقاق الغاصب إياه، فانه ليس لازما لامره، فبقي على قاعدة الضمان، والله العالم. (وإن كانت) زيادة القيمة في المغصوب لان الغاصب قد زاد فيه (عينا) محضة كالغرس ونحوه (كان له أخذها وإعادة المغصوب وأرشه لو نقص) كما تسمع تفصيل الكلام فيه إنشاء الله عند ذكر المصنف له. (و) إن كانت غير محضة كما (لو صبغ الثوب) المغصوب بصبغ منه فان كان الحاصل مجرد تمويه لا يحصل منه عين لو نزع فليس للغاصب النزع إن رضي المالك، وله إجباره عليه في أقوى الوجهين لان الواجب عليه إعادة العين كما كانت، ولانه قد يريد تغريمه أرش النقصان الحاصل وإزالته، ويحتمل ضعيفا العدم لانه كقصارة الثوب. وإن كان الحاصل بالصبغ عينا لا أنه تمويه محض فان كان يمكن فصله (كان له إزالة الصبغ بشرط ضمان الارش إن نقص الثوب) وإن لم يأذن المالك، بل وإن منع، وفاقا للشيخ وابني زهرة وإدريس

[ 154 ]

والفاضل في أكثر كتبه، والشهيدين والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل في المسالك أنه الاشهر، بل في المختلف والتنقيح هو المشهور، بل في الرياض أنه المشهور، خصوصا بين المتأخرين. ومن الغريب بعد ذلك كله ما في الايضاح من أنه لا خلاف في منع الغاصب من الازالة لو نقص الثوب بها، ولا في إجابته مع عدم هلاك الصبغ وعدم نقص الثوب أصلا. أللهم إلا أن يريد بذلك مع العلم بالنقص بعد حمل عبارات الاصحاب على النقص المحتمل، إلا أنه كما ترى مناف لاطلاقهم، كمنافاة ما تسمعه من والده وغيره لما ذكره أخيرا من نفي الخلاف عن الاجابة. وعلى كل حال فلا ريب في أن المشهور ما عرفت خلافا للمحكي عن الاسكافي والفاضل في المختلف من أنه ليس للغاصب قلع الصبغ بدون إذن المالك، فان لم يرض دفع قيمة الصبغ ووجب على الغاصب قبوله، واستجوده في التنقيح، بل قال: " وعليه الفتوى " وفي الرياض بعد أن حكاه عن خاله العلامة البهبهاني في حاشيته على مجمع البرهان قال: " وهو غير بعيد نظرا إلى قواعدهم المقررة في الغصب ". بل في المختلف بعد أن حكى عن المشهور الاول، واختار مذهب الاسكافي محتجا باستهلاك عين الغاصب، وعدم انتفاعه بصبغه، واستلزام قلعه التصرف في مال الغير بغير إذنه، قال: " ومن العجيب إيجاب التمكين على المالك من أخذ الصبغ وإن تعيب ثوبه وعدم قبول عوض الصبغ منه، وإجبار الغارس المستعير للارض على أخذ قيمة الغرس من المالك إذا دفعها، مع أن المالك أذن في الغرس ولا ضرر عليه ولا على أرضه بأخذ الغرس، والمالك هنا لم يأذن في الصبغ، وعليه ضرر في أخذه من ثوبه ".

[ 155 ]

وفيه أن ذلك انما يرد على الشيخ المحكي عنه ذلك، أما على الاصح من عدم التسلط على الاجبار المخصوص كما بيناه في محله فلا عجب، كما أن دليله لا يرجع إلى حاصل، ضرورة أعمية مفروض البحث من استهلاك عين مال الغاصب وعدم انتفاعه به، أو أنه مخصوص بما أمكن فصله على وجه يكون مالا، وعلى تقديره فقاعدة تسلط الناس على أموالهم ولو إتلافا عامة للامرين، واستلزام القلع التصرف في مال الغير لا يقتضي سقوط احترام مال الغاصب. (ودعوى) أنه كما أن وقوعه عدوانا لا يقتضي إسقاط مالية الغاصب فله التصرف فيه بالقلع فكذلك عدوانه لا يقتضي نفي سلطنة المالك عن ملكه، فله أن يمنع الغاصب عن التصرف فيه بالقلع، وحيث تعارض الحقان ينبغي أن يترجح جانب المالك، لعدم تقصيره وتداركه مال الغاصب بالقيمة، بل هو أولى كما مضى (لا يخفى عليك) ما فيها من عدم اقتضاء ذلك ترجيح المالك على وجه ينتقل إليه مال الغاصب بالقيمة قهرا على مالكه، بل أقصاه عدم تسلط أحدهما على الآخر في ذلك، فتبقى قاعدة تسلط الناس على أموالهم، وقاعدة إيصال كل مال إلى صاحبه وغيرهما على حالها، ولكن يولي الحاكم من يخلص كل مال عن الآخر ويوصله إلى صاحبه، أو نقول بولاية ذلك إلى المالك، باعتبار دخول الغاصب عليه، فهو كمن ألقى في دار غيره شيئا، فان للمالك إزالته. وبالجملة ما ذكروه من الترجيح المزبور لا يقتضي الوجه المذكور وإن تمموه باعتبارت لا تصلح مدركا شرعيا، فالتحقيق ما ذكرناه. بل هو أولى من الشركة في المتساويين التي أوجبنا فيها الاجبار بطلب أحد الشريكين مع الاشاعة فيها دون المقام، ولذا قيدوا بعدم

[ 156 ]

الضرر هناك دونه هنا، فهو كمالين متلاصقين لشخصين لم يرض كل منهما بتخليصه من الآخر، فانه لا ريب في تولي الحاكم ذلك، فكذا المقام المحتمل تولي المالك، لما عرفت من العدوان من الغاصب، أما إذا لم يكن عدوانا من أحدهما، بأن أطار الريح ثوبا في إجانة صبغ لآخر وتعاسر أو كان يمكن الزوال كان المتولي الحاكم على الظاهر. وعلى كل حال فمع فرض تضرر الغاصب بنقص ماله أو بهلاكه بالازالة لا جبر له، لانه ذو الاختيار السئ الذي أدخل الضرر على نفسه بخلاف المالك المظلوم، ولذا وجب الارش عليه لو نقص الثوب بذلك دونه. وإلى ما ذكرنا يرجع استدلال الشمهور بأنه إن لم يجب الازالة كان عدوانا آخر، والظالم لا يستباح ظلمه والتعطيل ضرر عليهما، كما أن بيع كل واحد ماله منفردا عن الآخر لا يرغب فيه، فليس إلا الاجابة. وغير ذلك مما ذكروه وإن كان ما ذكرناه أولى، بل لعله لا ينافي كلام الاصحاب، وإن كان يوهم في الظاهر أن للغاصب مباشرة الازالة إلا أن المراد بيان حق المطالبة بالازالة وإن كان مع التعاسر يتولى الامر من عرفت ليوصل حق كل واحد إلى صاحبه. (و) من ذلك يعلم أنه كما أن للغاصب حق المطالبة بالازالة فكذا (لصاحب الثوب إزالته أيضا) مباشرة أو استحقاقا، لما عرفت بل هو أولى (لانه) فعله (في ملكه بغير حق) ولذا صرح الفاضل في القواعد والارشاد بل والتحرير ومحكي المبسوط والايضاح باجبار الغاصب على الفصل مع طلب المالك وقبول الصبغ لذلك وإن تضرر الغاصب بنقص ماله أو هلاكه، ويدفع الارش لنقص ثوب المالك، لانه الذي أدخل الضرر على نفسه، فتبقى قاعدة إيصال الحق إلى مستحقه بحالها.

[ 157 ]

فما في محكي التذكرة - من أنه هل يملك إجبار الغصب على فصله ؟ الاقرب أنه إن كان له غرض كان له ذلك، وكذا إن كان للصبغ قيمة، وإلا فلا - لا يخلو من نظر وإن وجه بأنه إن خلي عن الغرض وكان المنفصل منه يضيع بالكلية أو يحدث في الثوب نقصان بحيث لا يفي بأرشه قيمة المفصول كان تخسيرا للغاصب عنادا أو عبثا، إلا أنه كما ترى مجرد اعتبار لا يرجع إلى دليل. ومن هنا قال في القواعد: " يجبر وإن استضر بعدم الصبغ أو نقصت قيمته " وهو واضح. (و) مما ذكرنا يعلم أيضا أنه (لو أراد أحدهما ما لصاحبه بقيمته لم يجب على أحدهما إجابة الآخر، وكذا لو وهب أحدهما صاحبه لم يجب على الموهوب له القبول) لما فيه من المنة، بلا خلاف أجده فيه إذا كان الطالب الغاصب وإن احتمله في الكفاية، إلا أنه لم نجده لغيره حتى من العامة مع وضوح ضعفه. وأما إذا كان المالك فهو المشهور نقلا وتحصيلا، بل هو مقتضى كل من قال باجابته لو طلب الازالة، نعم قد سمعت كلام أبي علي ومن وافقه أو مال إليه، بل عن التذكرة ذلك أيضا إذا كان لا يمكن فصل الصبغ ولا يحصل منه، لانه لا ذريعة إلى تصرفه في ثوبه إلا بدفع قيمة الصبغ. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا. كما أن منه يعلم النطر فيما في القواعد والتذكرة والروضة وغيرها من أن لصاحب الثوب الامتناع من البيع لو طلبه الغاصب دون العكس ضرورة عدم الفرق بينهما في جواز الامتناع بناء على ما ذكرنا. وما يقال - من أنه لو لم يجبر الغاصب أضر بالمالك، لان بيع الثوب وحده مظنة قلة الراغب فيه، لمكان عيب، الشركة فيفضي إلى عسر البيع وقلة القيمة - مجرد اعتبار.

[ 158 ]

ومن هنا اعترف في جامع المقاصد بأن ذلك لا يتجه على القول بعدم تملك ماله بالقيمة إذا لم يرض، لاستلزامه نقل الملك مع عدم الرضا، إذ الجمع بين الحقين ودفع الضرر عن المالك مشترك بين المقامين، كما أن ضرر المالك مشترك أيضا في المقامين، وحيث ضاق به الخناق قال: " وبالجملة فقول المختلف لا يخلو من وجه ". وفيه أنه لا داعي إلى القول بالحكم المزبور كي يلتجئ إلى ذلك، بل لعل التأمل في المتن ومحكي المبسوط وغيره يقتضي ما قلناه من عدم الاجبار مطلقا، وهو الاصح وإن قيل هو أضعف وجوه الشافعية التي منها أيضا تسلط كل منهما على جبر الآخر، والله العالم. (ثم) لا يخفى عليك أنه مع عدم إمكان الفصل أو إمكانه والتراضي بالشركة (يشتركان فان لم ينقص قيمة مالهما) بأن كان الثوب يساوي عشرة والصبغ كذلك ومصبوغا عشرين (فالحاصل لهما). (وإن زاد) لزيادتهما معا لا لزيادة أحدهما فصار يساوي ثلاثين (فكذلك) في صيرورة الحاصل بينهما، ونحوه لو زادت بسبب العمل خاصة، لان كل واحد منهما قد زاد بالصنعة، والزيادة الحاصلة بفعل الغاصب إذا استندت إلى الاثر المحض تسلم للمغصوب منه، والمفروض هنا زيادة نصف الاثر والنصف الآخر للصبغ. (ولو زادت قيمة أحدهما) خاصة (كانت الزيادة لصاحبها، وإن نقصت قيمة الثوب بالصبغ لزم الغاصب الارش) لان يده يد ضمان لمثل ذلك (ولا يلزم المالك ما ينقص من قيمة الصبغ) لعدم عدوانه. (ولو بيع مصبوغا بنقصان من قيمة الصبغ لم يستحق الغاصب شيئا إلا بعد توفية المغصوب منه) تمام (قيمة ثوبه على الكمال)

[ 159 ]

لان نقص الثوب من غير تغير السوق مضمون عليه (و) لذا (لو بيع مصبوغا بنقصان من قيمة الثوب) لا بتغير السوق (لزم الغاصب إتمام قيمته). ولو كانت قيمة كل منهما خمسة وساوى المصبوغ عشرة إلا أنه لارتفاع قيمة الثوب في السوق إلى سبعة وانحطاط قيمة الصبغ فيه إلى ثلاثة كان للمالك سبعة: هي نصف العشرة وخمسها، وللغاصب ثلاثة: خمس العشرة وعشرها، لان الحكم يتعلق بما صارت القيمة إليه، ولا أثر للخمسة بعد تغير السوق، ولو انعكس الامر انعكس الحكم أيضا، لان نقص السوق غير مضمون إذا لم يكن لنقص في العين أو صفاتها. هذا كله إذا كان الصبغ من الغاصب، أما إذا كان مغصوبا من آخر فان لم يحدث بفعله نقصان عليهما أو على أحدهما لم يغرم شيئا، وكانا شريكين في الثوب المصبوغ كما سبق. نعم يجب عليه الفصل مع إمكانه لو طلباه أو أحدهما، وإن حدث النقص فيهما أو في أحدهما عما كان قبل الصبغ غرمه الغاصب لمن حصل في حقه. ثم إن مقتضى الشركة التي ذكرناها اشتراكهما في الثمن، ومع فرض نقصه يرجع كل منها على الغاصب بنقصه، لكن عن التذكرة فيما إذا حدث نقص مثل أن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وبلغت قيمة الثوب مصبوغا عشرة يكون الثمن لصاحب الثوب، ويغرم الغاصب الصبغ للآخر، وتأمل في مقتضى الشركة المزبورة، ولا نعرف له وجها. وفي المسالك بعد أن حكم بالشركة مع عدم النقصان على حسب ما سبق في الغاصب والمالك قال: " وإن حدث نقصان فان بقيت قيمة الثوب فهي لصاحب الثوب، ويغرم الغاصب الصبغ للآخر وإن زادت

[ 160 ]

بما لا يبلغ قيمة الصبغ فالزائد لمالك الصبغ، ويغرم الغاصب له الباقي وإن زادت عنهما فهو بينهما بالنسبة، هذا كله إذا لم تنقص القيمة السوقية لاحدهما، وإلا اعتبرت النسبة كما مر ". وظاهره المنافاة لما ذكرناه من الشركة المزبورة، أللهم إلا أن يتجشم له، والامر سهل بعد وضوح الحال، كوضوح عدم الضمان مع استناد النقصان إلى تغير السوق لا إلى فعل الغاصب. ولو كان الصبغ مغصوبا من مالك الثوب فان لم يحدث بفعله نقصان فيهما فهو للمالك، ولا غرم على الغاصب، ولا شئ له وإن زادت القيمة لان الموجود منه أثر محض، وإن حدث بفعله نقصان غرم، وإذا أمكن الفصل فللمالك إجباره عليه وتضمينه النقص إن حصل، وليس للغاصب الفصل إذا رضي المالك، وذلك كله واضح، والحمد لله. المسألة (الثانية:) (إذا غصب دهنا كالزيت أو السمن) أو نحو ذلك مما لا يمكن تمييزه (فخلطه بمثله) ذاتا ووصفا (فهما شريكان) حقيقة على وجه يملك كل منهما في مال الآخر، أو حكما كما صرحا به غير واحد، بل في المسالك نسبته إلى الاكثر وقد حققنا ذلك في كتاب الشركة (1) بل لا خلاف بينهم فيه هناك، بل حكينا الاجماع بقسميه عليه. لكن في محكي السرائر هنا أن مال المالك كالمستهلك إن شاء الغاصب أعطاه من زيته المخلوط وإن شاء أعطاه من غيره مثل زيته، مدعيا أنه


(1) راجع ج 6 ص 290 - 295.

[ 161 ]

الذي تقتضيه اصول المذهب، لان عين الزيت المغصوب قد استهلك، لانه لو طالبه برده بعينه لما قدر على ذلك. وفيه أنه لا شئ في اصول المذهب يقتضي الخروج بذلك عن الملك وإلا لخرج بالاختلاط أيضا بغير اختيار أو برضا منهما، كما أنه ليس في شئ منها (ما ظ) يقتضي الانتقال عن الملك بمحض التعدي لو غصب رطلا من هذا ورطلا من هذا وخلطهما، فانهما يكونان بذلك هالكين، وانما تقتضي اصول المذهب بقاء كل منهما على ملك مالكه، ويجرى عليهما حكم المشترك بالاتلاف والبيع ونحوهما، أو يثبت أن مثله سبب شرعي للشركة على وجه يكون الحبة الواحدة مشتركة بينهما وإن كانت في الواقع هي لاحدهما، كما تقدم ذلك كله وغيره في كتاب الشركة (1). وحينئذ فلا فرق بين المزج الاختياري والاتفاقي والغصبي في حصولها به، وليس هو من الهلاك الموجب للضمان، ضرورة إمكان التأدية ولو في ضمن الجميع، أقصاه أنه يكون أداه مع غيره، بل ليس هو من الحيلولة التي بمعنى تعذر إيصال المال إلى مالكه لمانع عن إيصاله، بخلاف المقام الذي قد تعذر فيه إيصاله منفردا، لا أصل الايصال، فهو حينئذ كالثوب المصبوغ أو كالصبغ الذي صبغ به الثوب، فانه لا شئ منهما ينتقل إلى الذمة على وجه الضمان لكونه تالفا أو للحيلولة، بل هو كباقي تعذر صفات المغصوب من الصحة والعيب ونحوهما. (و) بذلك كله يظهر لك الحال فيما (لو (إن خ ل) خلطه بأدون أو أجود) وقد قالوا في كتاب الشركة بحصولها به في القمسين الاولين على معنى الشركة بالثمن على نسبة القيمة. أما الثالث ففي المتن (قيل: يضمن المثل، لتعذر تسليم العين وقيل يكون شريكا في


(1) راجع ج 26 ص 290 - 295.

[ 162 ]

فضل الجودة، ويضمن المثل في فضل الرداءة إلا أن يرضى المالك بأخذ العين) وظاهره عدم الترجيح كالمسالك وغيرها. لكن في القواعد والتذكرة والارشاد والمختلف والدروس وجامع المقاصد اختيار الشركة في الثاني، بل صرح غير واحد منهم بأنه يقسم معه بالسوية مع فرض التساوي، لان الزيادة الحاصلة زيادة صفة حصلت بفعل الغاصب أو عنده عدوانا. فلا يسقط حق المالك من العين بسببها كما لو صاغ النقرة وعلف الدابة فسمنت وعلم العبد صنعة، ودخول الضرر بذلك على الغاصب إنما كان بسوء اختياره. لكن في محكي المبسوط " أن الغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه أو مثله من غيره، فان باعه قسم الثمن بينهما على قدر الزيتين، والصحيح أن هذا كالمستهلك، فيسقط حقه من العين، ويصير في ذمة الغاصب، لانه قد تعذر أن يصل إلى عين ملكه بعينها، فإذا انتقل إلى الذمة يكون الغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه فيلزمه قبوله، لانه قد تطوع خيرا من زيته، لا لانه أعطاه عين ماله، وبين أن يعطيه مثله من غيره " ونحوه عن السرائر، واختاره في التحرير. وفيه منع الاستهلاك الملحق بالتلف الموجب للانتقال في الذمة، وإلا كان المساوي كذلك، مع أن الشيخ لا يقول به، بل دعوى كونه مال المالك مستهلكا ليس بأولى من القول بأن مال الغاصب مستهلك فلا شئ له، وهو واضح الفساد، فالتحقيق بقاء مال المالك على ملكه. ولكن الظاهر أن له من الثمن بنسبة ماله، كالمال المخلوط بغير اختيار، إذ دعوى كون ذلك كالآثار التي تحصل من فعل الغاصب واضحة الفساد، ضرورة كون علو قيمته بأجزاء عينية من مال الغاصب الذي بغصبه لم يخرج عن الاحترام ولا يدخل في ملك المالك قهرا.

[ 163 ]

وبذلك يظهر لك ما في كلام الاولين، ويمكن حمل ما في القواعد والارشاد والتذكرة وغيرها من إطلاق الشركة على الوجه الذي ذكرناه، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار وغيرها من الاستصحاب ونحوه، لا أن المراد الشركة حقيقة، لعدم الدليل، والضرر على مالك الجيد مع فرض إرادة المساواة على تقدير التساوي في الكم، ولا دليل على الشركة في العين بحسب القيمة على وجه يكون لمالك الجيد في العين أزيد قدرا مما كان له، بل لعل ظاهر الادلة خلافه، بل هو من الربا بناء على عمومه لمثل ذلك. هذا وفي الرياض " واعلم أن ما ذكره الاكثر في المقامين أظهر إن أرادوا نفي الخيار للغاصب وإثباته للمالك، وإن أرادوا لزوم القبول عليه فمشكل، حيث يعتذر لعدم قبوله بعذر موجه، ككون ماله حلالا ومال الغاصب الممزوج به مشبوها أو نحوه، فان إيجاب القبول عليه ضرر وأي ضرر، فالتحقيق في المقامين ثبوت الخيار للمالك ". وفيه ما لا يخفى، بل هو من غرائب الكلام، ضرورة اقتضاء المزج المزبور الشركة مع من له المال حتى لو علم كونه للغير، فان ذلك لا يجعله بمنزلة التالف حتى ينتقل إلى المثل. وكأن الذي أوقعه في هذا الكلام المقداد في التنقيح، فانه في المساوي حكى عن الشيخ في المبسوط قولين: أحدهما ضمان الغاصب، فيتخير بين الدفع من الممزوج وبين غيره، وثانيهما الشركة، لانه قادر على بعض عين ماله وبدل الباقي، ولا معنى للتخيير مع وجود بعض العين، كما لو غصب صاعين فتلف أحدهما، فان المالك يأخذ الموجود وبدل التالف، ولا يلزمه أخذ بدل الكل، فكذلك في صورة النزاع، وهو اختيار المصنف والعلامة في المختلف. وفيه نظر، لان العين وإن وجدت لكن يتعذر تسليمها منفردة،

[ 164 ]

فليست كالصاعين، وجاز أن يكون في زيت الغاصب شبهة وإن ساواه في الماهية، وهو مع أنه كما ترى لا ترجيح فيه. وقال في المزج بالاجود: " لا خلاف في أن للغاصب الدفع من العين، ويجب على المالك القبول، لاشتماله على الزيادة عن حقه مع تبرع الغاصب بها، وهل للغاصب الدفع من غيرها مما يساوي مال المالك وحينئذ يجب على المالك القبول، إذ لا تفاوت عليه أم لا ؟ يظهر من كلام الشيخ الاول، وتبعه ابن إدريس، والاجود أن الخيار للمالك، فله المطالبة بالعين منه، لوجود حقه فيها، والزيادة تبرع من الغاصب، كما لو علم العبد صنعة، فان له أخذ عبده وإن زادت قيمته، وله المطالبة بالمثل من غيرها، لما قلناه أولا ولجواز اشتماله على منة لا يجب تحملها ". وهو - مع ما فيه من منافاة ما استجوده لما نفى الخلاف فيه، مع فرض كون المراد على الاطلاق، كما سمعته من الرياض، بل هو ظاهر التعليل أيضا، ومع منافاة الخيار إذا كان ذلك من قبل تعلم الصنعة، ضرورة وجوب القبول عليه - لا حاصل له، وكأنه لم يسمع في المقام وفي كتاب الشركة حصولها في ذلك وفي المساوي، ولم يلحظ كلام الاصحاب وتعبيرهم بالشركة في المقامين وإن كانت على التفصيل الذي ذكرناه. ومن الغريب نفيه الخلاف، وقد عرفت المخالف، وهو القائل بالشركة على معنى كونه في الثمن على النسبة، فانه لا يجب عليه القبول حينئذ. وأما الاول الذي هو الخلط بالادون ففي القواعد والتذكرة وجامع المقاصد والروضة يتخير المالك بين المثل والعين مع الارش، لانه في حكم المستهلك بالاختلاط المزبور، إلا أن حق المالك لا يسقط من العين بفعل

[ 165 ]

الغاصب مع إمكان التوصل إلى البعض، والنقص في الخليط يجب جبره بالارش إذا كانا غير ربويين، أو كانا وقلنا بعدم جريان الربا فيه، باعتبار أنه غرامة عما جناه الغاصب على ماله لا بيع، بل ولا معاوضة بناء عن عموم الربا لسائر المعاوضات. فما في الرياض من إشكال الارش في الربويين بذلك لا يخلو من نظر. هذا وفي المبسوط والسرائر والارشاد واللمعة والدروس وغيرها أنه يضمن بالمثل، لانه مستهلك، وفي التنقيح لا خلاف في أنه يضمن بالمثل، ولا يخفى عليك ما في القولين بعد الاحاطة بما ذكرناه، كما لا يخفى عليك ما في نفي الخلاف. والتحقيق بقاء المال على ملك مالكه، ويشتركان في قيمته بالنسبة، كما لو اختلط المالان بغير اختيار، وما أدري ما الذي دعاهم إلى الفرق بين المزج الغصبي وبين المزج الاتفاقي ؟ فتأمل. بل ذلك صريح الاستدلال في الرياض وغيره على الحكم في المساوي فضلا عن غيره بأن عين مال المالك موجودة في الجملة، وغايته أنها بغيرها ممتزجة، وذلك لا يخرجها عن ملكه، ولان في ذلك إيصال المالك إلى بعض حقه بعينه وإلى بدل بعضه من غير زيادة فوت، فكان أولى من إيصاله إلى بدل الكل. إذ هو كما ترى أجنبي عن اقتضاء المزج المزبور الشركة، ولو على الوجه الذي ذكرناه، كما هو واضح. والله العالم. هذا كله في الخلط بالجنس. (أما لو خلط بغير جنسه) كما إذا خلط الزيت بالشيرج وخلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير (لكان مستهلكا وضمن المثل) كما صرح به الفاضل والشهيدان والشيخ فيما حكي عنه وغيرهم، بل في الكفاية أنه أشهر، بل لا أجد فيه خلافا، لانه

[ 166 ]

تالف، لبطلان فائدته وخاصيته، بخلاف الجيد مع الردي المتفقين في الجنس. نعم احتمل في التذكرة قويا ثبوت الشركة، كما لو مزجاه بالرضا أو امتزجا بأنفسهما، وفي المسالك " له وجه، لان إسقاط حقه من العين مع وجودها بعيد، إلا أنه يشكل بأنه على تقدير القسمة الاجبارية يكون قد حتمنا على المالك أخذ غير المثل إن كان الطالب هو الغاصب، أو كلفنا الغاصب بغير المثل في المثلي إن كان الطالب المالك، وكلاهما خارج عن قواعد الغصب، لكنه وارد على تقدير امتزاجهما بغير الغصب كما مر. وفيه جمع بين الحقين ". قلت: ظاهرهما المفروغية من الشركة في مثله إذا كان بغير الغصب وقد تقدم في كتاب الشركة أن ظاهرهم تحققها بمزج المتفقين في الجنس أما غيره فلا، إلا أنا احتملناه هناك، لكن على معنى الشركة في الثمن على حسب نسبة قيمة المال، لا على معنى ملك كل منهما بعض ما للآخر المنافي للاصل بلا دليل، ولا بأس بالقول بمثله في المقام، ولا منافاة فيه لقواعد الغصب، إذ ليس هو من التلف الموجب للمثل، بل هو من مزج المالين الذي لا يمكن تخليص أحدهما من الآخر، والله العالم. المسألة (الثالثة:) لا خلاف في أن (فوائد المغصوب مضمونة بالغصب، وهي مملوكة للمغصوب منه) لانها نماء ملكه (وإن) كان قد (تجددت في يد

[ 167 ]

الغاصب أعيانا كانت كاللبن والشعر والولد والثمر أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابة) بل الاجماع بقسميه عليه، بل وعلى عدم الفرق أيضا في المنافع بين الفوات والتفويت. (وكذا) الكلام في (منفعة كل ما له اجرة بالعادة) لان المنافع محسوبة أموالا شرعا، وقبضها بقبض العين، أما إذا لم يكن لها اجرة في العادة كالغنم والشجر ونحوهما مما لا تستأجر عادة لذلك وإن قلنا بصحة إجارتها لبعض الانتفاعات إلا أنها ليست أموالا عرفا، والاصل البراءة، بل قد يقال بذلك حتى لو استوفاها، بأن نشر ثيابه على الشجر مثلا أو ربط دابته بأصله، نعم لو كان قد آجره لذلك كانت الاجرة للمغصوب منه بعد الاجارة، كما هو واضح. انما الكلام فيما لو تعددت منافعه كالعبد الخياط الحائك ففي القواعد في موضع منها " والمنافع المباحة مضمونة بالفوات تحت اليد والتفويت، ولو تعددت المنافع كالعبد الخياط الحائك لزمه اجرة أعلاها، ولا تجب اجرة الكل " وفي موضع آخر منها " إن الغاصب يضمن الاجرة، أي للعين المغصوبة وإن لم ينتفع باجرة المثل عن عمل مطلق مدة الغصب، ولو انتفع بالازيد ضمن الازيد، وإن انتفع بالانقص ضمن اجرة المطلق ". وفي الدروس " لو استعمله بما له اجرة زائدة عن اجرة المثل المطلقة لزمه الزائد ". لكن في الروضة " لو تعددت المنافع فان أمكن فعلها جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب اجرة ما أمكن، وإلا كالخياطة والحياكة والكتابة فأعلاها اجرة، ولو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعددة يمكن جمعها ضمن الاعلى ". وفي المسالك " إن استعملها في الاعلى ضمنها، وإن استعملها في

[ 168 ]

الوسطى أو الدنيا أو لم يستعملها ففي ضمان اجرة متوسطة أو الاعلى وجهان - ثم قال -: وفي القواعد اعتبر في اجرة الصانع الاعلى، ثم حكم في مطلق المغصوب بضمان اجرة المثل عن عمل مطلق، ولعل المطلق شامل للاعلى، لان المراد باجرة المطلق اجرته لعمل يليق به عادة من غير تقييد بعمل مخصوص، كالكتابة مثلا، أو الخياطة أو ركوب الدابة أو تحميل التراب عليها أو البر، فيتناول الاعلى حيث يكون قابلا، وربما فسر المطلق بالمتوسط، فيختلف الحكم ". وكأنه أشار بما ذكره أخيرا إلى ما في جامع المقاصد من أن المراد بالعمل المطلق المتوسط الذي لا يكون مقيدا بقيد القلة والكثرة، وفي فهم المتوسط من المطلق خفاء، إلا أن ما سيذكره في العبارة يرشد إلى ذلك، ووجه ضمانه أن المتوسط هو الغالب، فان إدآب الاجير لنفسه فوق المعتاد نادر، كما أن الرضا بالتراخي أيضا نادر. فان قلت: كيف وجب في المنافع اجرة الاعلى ووجب في العمل اجرة الاوسط ؟ قلت: لا أولوية بالنسبة إلى المنافع للقادر عليها، فان كلا منهما ممكن على حد سواء، بخلاف العمل، فان في مراتبه تفاوتا. ثم قال في وجه الآخر بعد تفسيره المطلق بالمتوسط أيضا: " أما الاول فلانه قد استوفاه، فيجب بدل ما استوفاه، وأما الثاني فلان الزائد على الانقص قد فات، وهو محسوب على الغاصب) واختصر في شرح العبارة الاولى على التعليل بعدم استيفاء الكل دفعة والمنفعة العليا من جملة ما فات تحت اليد. فتجب اجرتها، والمراد اجرة المثل. وكأنه فهم من عبارة " اجرة المثل " ذات العمل المتحد، فلاحظ الوسط فيه، إلا أن الاطلاق يقتضي الاعم، فيمكن أن يقال: إن المراد

[ 169 ]

بمطلق مثل العمل مدة الغصب هو ملاحظة اجرة المثل لتلك العين المغصوبة القابلة للانتفاع بها تلك المنافع المتعددة إن كانت من غير ملاحظة منفعة مخصوصة إن لم تكن قد استوفى الاعلى منها وإلا كان له، فان استعملت في الادنى ضمن اجرة المطلق المزبور، كما إذا لم يستعملها، ودعوى لزوم ذلك للاعلى ممنوعة، نعم مقتضاه عدم الفرق بين العبد ذي المنافع المتعددة وغيره. ولعله لذا أطلق في الدروس، بل لا يبعد أن يكون ذلك من الفاضل رجوعا عما ذكره أولا من ضمان الاعلى، ضرورة عدم فوات الاعلى بخصوصها، إذ هو أحد المنافع الفائتة على البدل، بل لا يبعد التقويم بما ذكرنا حتى في ذي المنافع المتعددة القابل للاتيان بها إجمع دفعة، فان ذلك أيضا أحد الابدال، فتأمل جيدا، فانه دقيق، وهو الاصح. نعم يلحظ الوسط من كل منفعة الموافق للمعتاد لا النادر، كما أنه يلحظ في الدابة وغيرها اجرتها في الوقت المعتاد فعله، كالنهار دون الليل إلا أن يكون له منفعة معتادة في الليل أيضا وبالجملة فالميزان ما عرفت، والله العالم. (و) على كل حال فقد ظهر لك مما ذكرنا غير مرة أنه (لو سمنت الدابة في يد الغاصب أو تعلم المملوك صنعة أو علما فزادت قيمته ضمن الغاصب تلك الزيادة) على معنى دخولها في ضمانه، كما لو كانت سمينة كذلك عند المالك. وحينئذ (فلو هزلت) الدابة (أو نسي) المملوك (الصنعة أو ما علمه فنقصت القيمة لذلك ضمن الارش) وهو التفاوت (وإن رد العين) على المالك، لما عرفته من ضمانه ذلك ولو للمتجدد من

[ 170 ]

فعله مما يكون أثرا تابعا لعين المالك. (ولو تلفت) العين قبل أن يردها (يضمن قيمة الاصل والزيادة) التي هي الارش كما في غير ذلك من الصفات التي كانت عند المالك أو تجددت عند الغاصب، والله العالم. (فرعان:) (الاول:) (لو زادت القيمة لزيادة صفة) كانت في يد المالك أو تجددت عند الغاصب (ثم زالت) تلك (الصفة ثم عادت الصفة) بعينها كما لو كانت كاتبا فنسي ثم تذكر، أو ذا صنعة كذلك (و) عادت (القيمة) بعودها (لم يضمن قيمة الزيادة التالفة، لانها انجبرت بالثانية) فكأنها لم تزل، على أن ملاحظتها مع الموجودة حال التلف غير معقولة، ضرورة كونه بمنزلة ملاحظتها مرتين، إذ ليست هي إلا صفة واحدة، والمتجددة ليست غيرها على وجه تضم معها. أللهم إلا أن يراد ضم مقدار النقص السابق مع القيمة حال التلف، كما أنه يدفعه مع العين لو ردها. (و) على كل حال فلا ضمان، للاصل وصدق الاداء لما أخذ حتى على المعنى الذي ذكرناه سابقا، وقاعدة نفي الضرر وأن الظالم لا يظلم وغير ذلك. نعم (لو نقصت الثانية عن قيمة الاولى ضمن التفاوت) لعدم الجابر حينئذ للنقص الفائت، بل لعل الامر كذلك فيما إذا لم يكن العائد

[ 171 ]

عين الاول، كالسمن الذي تعقبه هزال ثم السمن على وجه عادت القيمة بالسمن الاول، بحيث لو لوحظ الاول والحادث لم يبلغ (لم يتجاوز خ ل) القيمة المزبورة وإن كان السمن المتجدد من الله تعالى شأنه وليس هو السمن الاول، إلا أنه لما كان فرض ملاحظته مع الاول لا يزيد في قيمة العين - بل إما القيمة واحدة أو ينقصها - لم يكن وجه لضمان الفائت الذي هو على هذا التقدير ليس بفائت. لكن في المسالك " فيه قولان: أحدهما أنه ينجبر أيضا ويسقط الغرم كما لو أبق العبد فعاد أو جنى على عينه فابيضت ثم زال ذلك البياض، والثاني العدم، لان السمن الثاني غير الاول، والاول وقع مضمونا، والثاني تجدد هبة من الله تعالى شأنه كالاول لو كان متجددا، فلا يحصل للغاصب بسببه شئ، وهذا أظهر ". وفيه ما عرفت، نعم هو متجه لو فرض زيادة القيمة بملاحظة التالف مع الموجود، ولا يبعد أن يكون على ذلك المدار في الانجبار وعدمه في سائر الصفات، فكل صفة ذاهبة يمكن تقديرها مع المتجددة وتزداد القيمة بذلك هي لا تنجبر بالمتجددة، وكل صفة لا يمكن تقديرها مع المتجددة أو أمكن ولكن لا تزيد بها القيمة عن المتجددة بل هي هي أو تنقص لا تضمن وتنجبر بالثانية. وحينئذ فكل من المحكي عن صريح المبسوط والارشاد من إطلاق الانجبار في مثل السمن، كظاهر المصنف لاصالة عدم الضمان، وصريح محكي التذكرة وجامع المقاصد وظاهر الدروس من إطلاق عدم الانجبار، لان الثاني مال متجدد للمالك والاول مال ذاهب، ولثبوت الضمان بالهزال الاول، ولا دليل على البراءة منه، فالاصل يقتضي بقاءه، لا يخلو من نظر، لما عرفت من التفصيل المزبور الذي لا يخفى عليك ما في الاصلين

[ 172 ]

المزبورين معه خصوصا الاخير الممنوع قرار الضمان فيه، بل هو متزلزل مراعى، كضمان الحيلولة وكضمان الصفة الذاهبة المحتمل عودها بعينها، كالتذكر بعد النسيان الذي لا إشكال في الانجبار فيه. بل لا يبعد أن يقال بكون التفاوت لو دفعه إليه متزلزلا مراعى بعدم العود كالحيلولة، فلو رد العبد الذي نسي الصنعة ودفع معه الارش ثم تذكرها وهو في يد المالك رد إلى الغاصب ما أخذ منه، فان المدار في ذلك على قاعدة نفي الضرر والضرار التي مقتضاها ما عرفت. (واحتمال) أن يقال: إن التالف مال قد ذهب في يد الغاصب وهو مضمون عليه، وما تجدد نماء مال المالك هبة من الله تعالى شأنه، فلا وجه لجبره الاول، بل يأخذ الارش منه وإن رد العبد إليه بالقيمة السابقة (يدفعه) أنه ضرر على الغاصب منفي بالقاعدة المزبورة التي لا ينافيها غصبه، فان الظالم لا يظلم، بل ليس الفرض إلا كغصب دابة هزلت وكانت قيمتها هزلة وسمينة واحدة، فانه لا شئ على الغاصب بلا خلاف أجده، كما تسمعه من المصنف وقد قدمنا الكلام فيه سابقا، ضرورة كون الذاهب حينئذ لا قيمة له، فتأمل جيدا، فاني لم أجد ما ذكرناه من الضابط محررا في كلام الاصحاب. بل لا يخلو كلام بعضهم من تشويش، كالفاضل في التذكرة الذي قد سمعت صريح المحكي عنه من عدم الانجبار في مسألة السمن، قال في العبد: " إذا مرض عند الغاصب ثم برئ رده من غير شئ " وهو مناف لذلك، والله العالم. وكيف كان فهذا كله فيما لو تجددت صفة مثل الاولى كالسمن المفروض (أما لو تجددت صفة غيرها مثل أن سمنت فزادت قيمتها ثم

[ 173 ]

هزلت فنقصت قيمتها ثم تعلمت صنعة) مثلا (فزادت قيمتها ردها وما نقص بفوات الاولى) بلا خلاف أجده، فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل هو مقتضى الضابط الذي ذكرناه، ضرورة زيادة القيمة بتقدير السمن الفائت مع الصفة المتجددة، فيضمنه الغاصب الذي قد فات تحت يده. بل لو تكرر النقصان وكان في كل مرة مغايرا بالنوع للناقص في المرة الاخرى ضمن الكل، حتى لو غصب جارية قيمتها ماءة فسمنت وبلغت القيمة ألفا وتعلمت صنعة فبلغت ألفين ثم هزلت ونسيت الصنعة فعادت قيمتها إلى ماءة ردها وغرم ألفا وتسعمأة، وكذا لو علم المغصوب سورة من القرآن أو حرفة فنسيها ثم علمه حرفة أو سورة أخرى فنسيها أيضا ضمنهما. نعم إن لم تكن مغايرة بأن كانت سورة واحدة أو حرفة واحدة مرارا وهو ينساها في كل مرة لم يضمن إلا أكثر المراتب نقصانا. وإن قال في المسالك: فيه الوجهان، كما قال في العبد: " إذا مرض ثم برئ فزال أثر المرض ففي جبر الصحة للفائت منها وجهان: نعم، لان الصحة الثابتة هي الاولى وبه قطع في التذكرة، والثاني العدم، لمنع كونها الاولى، بل يكفي الشك فيستصحب حكم الضمان، وكذا الحكم فيما لو رده مريضا ثم برئ وزال الاثر ". وقال أيضا: " لو غصب شجرة فتحات ورقها ثم أورقت، أو شاة فجز صوفها ثم نبت يغرم الاول، ولا يجبر بالثاني، لانه غيره، بخلاف ما لو سقط سن الجارية المغصوبة ثم نبت شعرها أو امتعط (تمعط خ ل) شعرها ثم نبت، فانه يحصل الانجبار، والفرق أن الورق والصوف متقومان فيغرمهما، وسن الجارية وشعرها غير متقومين، وانما يغرم أرش

[ 174 ]

النقص الحاصل بفقدانهما وقد زال هكذا، قيل: وهذا يتم في الشعر، أما في السن فلا، لان لها مقدرا في الحر، فيكون حكمها في الرق بنسبته من القيمة ". قلت: لا يخفى عليك الحال في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه من الضابط المزبور، كما أنه لا يخفى عليك خروج ضمان نحو الصوف والورق عما نحن فيه، ضرورة كونها أعيانا مملوكة لا مدخلية للمتجدد منها في مالية الذاهب، بل ولا إطلاقه الفرق بين الشعر والسن كما تعرفه في محله إنشاء الله تعالى، فتأمل جيدا. ولو زادت قيمة الجارية بتعلم صنعة محرمة كالغناء ثم نسيته ففي المسالك: " قيل: لم يضمن النقصان، لانه محرم والمضمون الزيادة المحترمة، وربما احتمل هنا الغرم، لان الواجب على الغاصب قيمتها كذلك، ولهذا لو غصب عبدا مغنيا يغرم تمام قيمته ". قلت: ينبغي الجزم بالاحتمال المزبور، ولا ينافي ذلك ما سمتعه من عبارة القواعد من تقييد المنافع المضمونة بالمباحة، لان الظاهر إرادة إخراج المنافع المحرمة كالغناء واللعب بآلات اللهو ونحو ذلك مما هو غير زيادة القيمة بتعلم العلوم التي استعمالها محرم كالسحر والموسيقى وغيرهما مما يزيد في القيمة معرفته وإن لم يستعمله، ولو لانه قد يحتاج إليه على وجه لا حرمة فيه، كما هو واضح.

[ 175 ]

الفرع (الثاني:) (لا يضمن من الزيادة المتصلة ما لم تزد به القيمة كالسمن المفرط) في الحيوان الذي لا يراد فيه ذلك (إذا زال والقيمة على حالها أو زائدة) بلا خلاف ولا إشكال، إذ المعتبر من هذه الصفات ما له أثر في القيمة دون غيره، من غير فرق بين الموجود حال الغصب والمتجدد، بل قد عرفت أن المدار على قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " مضافا إلى قاعدة " على اليد ". وكأنه احترز بقوله: " والقيمة بحالها " عما لو كان بعض السمن لا أثر له في القيمة وبعضه له أثر فزال الجميع، فانه يضمن قيمة ما له أثر فيها دون ما زاد عليه، والله العالم. (المسألة الرابعة:) لا خلاف ولا إشكال في أنه (لا يملك المشتري ما يقبضه بالبيع الفاسد) الذي معناه عدم ترتب الاثر عليه، فيبقى حينئذ على ملك المالك، وتسميته شراء مع فساده لاعمية البيع من الصحيح والفاسد، أو مجازا بناءا على أنه حقيقة في الصحيح وإن كان هو واضح الفساد، بل مقتضاه الاجمال المقتضي لبطلان الاستدلال على نفي ما شك فيه من الشرائط والموانع بناء على احتماله. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه أي المشتري (يضمنه)

[ 176 ]

وما يتجدد من منافعه) أعيانا وغيرها، لاصالة الضمان المستفاد من عموم " على اليد " (1) وغيرها، وهو مبنى قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، مضافا إلى إقدامه على كونه مضمونا عليه لو صح البيع بمعنى أن تلفه من ماله، فيكون في فاسده كذلك. بل لا غرور فيه بالنسبة إلى ذلك في صورة علم البائع بالفساد فضلا عن غيرها. ومن هنا لم يفرقوا في الضمان المزبور بين العالمين والجاهلين والمختلفين، ووسوسة بعض الناس في صورة العالمين أو علم البائع في غير محلها. (و) كذا يضمن (ما يزداد من قيمته لزيادة صفة فيه) ولو متجددة في يده ثم ذهبت فنقصت قيمته. (ف) يرده حينئذ مع الارش، إذ هو حينئذ كالعين المغصوبة في هذه الاحكام. بل في المتن وغيره (إن تلف في يده ضمن العين بأعلى القيم من حين قبضه إلى حين تلفه إن لم يكن مثليا) لانه من المغصوب الذي عرفت حكمه كذلك عند المصنف وغيره، باعتبار أن المالك لم يأذن في قبضه إلا على تقدير صحة البيع، فبدونه يكون موضوعا بيده بغير حق. لكن في المسالك " هذا يتم على تفسير الغصب بأنه الاستيلاء على مال الغير بغير حق، أما لو اعتبرنا العدوان لم يتم كونه غاصبا إلا بتقدير علمه بالفساد وجهل البائع، أما مع جهلهما أو جهل المشتري فليست يده يد عدوان، والوجه حينئذ أنه يضمن القيمة يوم التلف إن لم نقل في الغاصب مطلقا كذلك، وإلا كان الحكم فيه كذلك مطلقا بطريق أولى ". وفيه أنه على تقدير العلم ليس بغاصب أيضا، لما عرفت من أنه


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقى ج 6 ص 95.

[ 177 ]

القاهر غيره، كما عرفت أن الوجه في ضمان الاعلى إن كان صحيح أبي ولاد (1) اختص بالغاصب، وإلا فما ذكرناه من الوجه له لا يخصه خصوصا إذا قلنا: إن وجهه الدخول في الضمان بمجرد القبض على معنى كونه مخاطبا برده أو قيمته لو تلف في كل آن، فإذا فرض حصول العليا في ذمته في آن من الآنات لا دليل على سقوطها إلا إذا رد العين نفسها، والامر سهل بعد ما عرفت من تحقيق الحال في المغصوب فضلا عن مفروض المقام. وكيف كان فلا يخفى عليك أن المقام - حيث يكون الفساد من جهة كون المبيع مستحقا للغير - من مسألة تعاقب الايدي على المغصوب التي قد عرفت تحقيق الحال فيها، كما أنه تقدم في كتاب البيع (2) جملة من أحكام المسألة. إلا أن المصنف وغيره ذكروا ذلك منها هنا باعتبار بعض الاحكام الخاصة بها من حيث الشراء من الغاصب، فقال: (ولو اشترى من غاصب) ولم يجز بناء على جريان الفضولي فيه (ضمن العين والمنافع) على حسب ما عرفت (ولا يرجع على الغاصب) بشئ إذا غرم منهما (إن كان عالما) ضرورة كونه كالغاصب حكما، إذ لا غرور منه. (و) لكن (للمالك الرجوع على أيهما شاء) في المطالبة بالعين أو بدلها ومنافعها وصفاتها حتى المتجدد في يد المشتري منها، لان كلا منهما مصداق " على اليد ما أخذت " (3) و " المغصوب


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1. (2) راجع ج 22 ص 413 - 416. (3) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4. وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 178 ]

مردود " (1) وغير ذلك من الادلة كتابا (2) وسنة (3) وإجماعا بقسميه. (فان رجع على الغاصب) بالبدل (رجع الغصب على المشتري) الذي استقر الضمان عليه بالتلف في يده، لعدم الغرور. (و) لذلك (إن رجع) المالك (علي‍) - ه أي (المشتري لم يرجع على الغاصب) بشئ (لاستقرار التلف في يده) الموجب للرجوع عليه، كما أوضحناه في مسألة تعاقب الايدي. نعم لو كان قبل بيعه قد استوفى شيئا من المنافع أو مضى زمان يمكن استيفاء شئ منها فيه أو نقصت في يده نقصانا مضمونا اختص بضمانه من غير أن يرجع به على المشتري ابتداء أو عودا، بل لا رجوع للمشترى على الغاصب مع علمه حتى بالثمن مع تلفه إجماعا عقوبة له. بل في المسالك أن الاشهر عدم الرجوع به مع وجود عينه، بل ادعى عليه في التذكرة الاجماع وإن كان لا يخلو من نظر قد تقدم في كتاب البيع (4). بل عن المصنف في بعض رسائله قول بجواز الرجوع به حينئذ، بل في الروضة حكايته عنه مطلقا، بل قواه هو فيها مصرحا بأن الواقع خلاف الاجماع المزبور، بل الشهيد في اللمعة أيضا صرح بالرجوع مع بقاء العين مع العلم والجهل، ولا ريب في قوته من حيث القواعد. هذا كله مع علمه.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس، وفيه (الغصب كله مردود. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 194 وسورة الشورى: 42 - الاية 40 وسورة النحل: 16 - الاية 126. (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب. (4) راجع ج 22 ص 205

[ 179 ]

(وإن كان المشتري جاهلا بالغصب رجع على البائع بما دفع من الثمن) إن باقيا وبدله إن كان تالفا، لظهور فساد العقد الموجب لتراد العوضين. ثم إن كانت قيمة العين بقدر الثمن فذاك، وإن كانت أزيد ففي رجوعه على الغاصب بالزيادة عن الثمن وجهان، من أن الشراء عقد ضمان، وقد شرع فيه على أن يكون العين من ضمانه وإن كان الشراء صحيحا، ومن دخوله على أن يكون المجموع في مقابلة الثمن، وهو يقتضي كون الزائد عليه في معنى التبرع به وإعطائه إياه بغير عوض، فأخذ (فإذا أخذ خ ل) منه عوضه فيرجع (رجع خ ل) به. وفي المسالك " وهذا قوي، ولا يمنع من ذلك كون البيع عقد ضمان، لانه إن كان المراد من كونه عقد ضمان أنه إذا تلف المبيع عنده تلف من ماله واستقر عليه الثمن فهذا مسلم، ولكن لم يكن شارعا فيه على أن يضمن القيمة، ومعلوم أنه لو لم يكن المبيع مغصوبا لم يلزمه شئ بالتلف، غايته أن يكون ما قابل الثمن من المبيع مأخوذا بعوضه والباقي سالم له بغير عوض، فكان الغاصب غارا موقعا إياه في خطر الضمان، فليرجع عليه، وإن كان المراد غيره فلم قلتم: إن الشراء عقد ضمان مطلقا، وحينئد فان رجع المالك على المشتري جاهلا بعوض المبيع لم يرجع به على الغاصب البائع إن لم تزد قيمته عن الثمن، وإن رجع به على الغاصب رجع به على المشتري، وإن رجع بالزيادة على المشتري رجع بها على الغاصب، وإن رجع بها على الغاصب لم يرجع بها على المشتري، ويظهر من إطلاق المصنف عدم رجوع المشتري بالدرك مثلا أو قيمة، ومن تعليله بكون قبضه مضمونا عدم رجوعه بالزائد، وقد عرفت جواب التعليل ". قلت: الظاهر صحة إطلاق المصنف (وللمالك مطالبته بالدرك

[ 180 ]

إما مثلا أو قيمة، ولا يرجع بذلك على الغاصب، لانه قبض ذلك مضمونا، ولو طالب الغاصب بذلك رجع الغاصب على المشتري) الذي هو غير مغرور بالنسبة إلى ذلك، ويده يد ضمان للشئ مثلا أو قيمة لو فسد البيع بفساد صيغة ونحوها، كما لا إشكال في عدم رجوعه به، وهذا معنى إقدامه على كون العين مضمونة عليه، لا ما ذكره. وما في الروضة - من أن ضمانه للمثل والقيمة أمر زائد على فوات العين الذي قد قدم على ضمانه وهو مغرور من البائع بكون المجموع له بالثمن، فالزائد بمنزلة ما رجع عليه به، وقد حصل في مقابلته نفع بل أولى - لا محصل له، خصوصا قوله: " فالزائد " إلى آخره. بناء على عدم رجوعه بمثله. ثم قال: " هذا إذا كانت الزيادة على الثمن موجودة حال البيع، أما لو تجددت بعده فحكمها حكم الثمرة، فيرجع بها أيضا كغيرها مما حصل له نفع في مقابله على الاقوى، لغروره ودخوله على أن يكون ذلك له بغير عوض ". وهو مثل سابقه أيضا، ضرورة كون الاقدام المزبور إنما هو على تقدير صحة البيع لا مطلقا، إذ هو معنى كون البيع عقد ضمان كما عرفت، ودعوى أن الفعل نفسه غرور ممنوعة بعد ما عرفت من كون مبناه كذلك نحو الفساد بغير ذلك من الخلل في الشرائط الذي لا كلام عندهم في ضمان المشتري المبيع بزيادة قيمته حتى مع علم البائع بالفساد دون المشتري وإن وسوس فيه بعض الناس لكنه في غير محله. واحتمال الفرق بأن ذلك إنما نشأ من الجهل بالحكم الشرعي الذي لا مدخلية فيه للبائع بخلاف المقام الذي منشأه الجهل بالموضوع، والفرض علم البائع به دونه.

[ 181 ]

يدفعه (أولا) أن المسألة عندهم عامة لما إذا كان البائع عالما أو لا وإن فرضت في المقام مخصوصة. (وثانيا) مبنى الضمان عندهم أن فعل البائع من التسبيب الذي ترتب عليه فعل المشتري، سواء كان البائع عالما أو لا، كتسبيب حفر البئر للتردي فيها وإن لم يقصد الحافر ذلك ولا علمه. وفيه إمكان منع التسبيب المقتضي للضمان فضلا عن كون القرار عليه، خصوصا بعد ملاحظة ما ذكرنا من أن مقتضى الاقدام على المعاوضة ذلك، فتأمل جيدا، والله العالم. هذا كله بالنسبة إلى الثمن. (و) أما (ما يغترمه (ما يغرمه خ ل) المشتري مما لم يحصل له في مقابلته نفع كالنفقة والعمارة) إذا نقضها المالك (فله الرجوع به على البائع) الذي هو الغاصب، لانه دخل على أن يكون ذلك له بغير غرم، وإنما جاء الضرر من تغرير الغاصب، وكذا القول في أرش نقصانه، وظاهرهم عدم الخلاف فيه، معللين له بالغرور الذي هو من السبب المقتضي للضمان مقدما على غيره مما هو أضعف منه. وهو إن تم إجماعا فذاك، وإلا كان للنظر فيه مجال لا يخفى عليك وجهه بعد الاحاطة بما ذكرناه من منع مثله سببا يقتضي الضمان على وجه يقدم على مباشرة المشتري، مضافا إلى اقتضاء معنى كون البيع عقد ضمان على الوجه الذي ذكرناه ذلك أيضا، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) من ذلك ما (لو) كان المبيع جارية ف (أولدها المشتري كان) الولد (حرا) قطعا، لانه ولد شبهة من الحر، فيلحق بأبيه (و) إن (غرم قيمة الولد) للمالك باعتبار أنه نماء ملكه وقد أتلفه عليه.

[ 182 ]

(و) لكن (يرجع بها على البائع) الغاصب كما صرح به في الموثق (1) ولانه أقدم على أن يسلم له الولد حرا من غير غرامة. والكلام في تخيير المالك كغيره من مسائل الغرور، فقيل: لا يرجع المالك إلا على الغاصب باعتبار كونه الغار. (وقيل في هذه: له مطالبة أيهما شاء، لكن لو طالب المشتري) المغرور (رجع) بها (على البائع) الغاصب الغار (ولو طالب البائع لم يرجع) بها (على المشتري) لان قرار الضمان عليه، لانه أقوى. (وفيه احتمال آخر) وهو - كما في المسالك - إلحاق عوض الولد بما حصل له نفع في مقابلته كالمهر، لان نفع حرية الولد يعود إليه. ويمكن أن يريد به احتمال عدم التخيير، بل يتعين رجوع المالك ابتداء على البائع بناء على كونه الغار، نحو ما سمعته فيمن قدم إلى غيره طعام الغير وأكله، والامر سهل خصوصا بعد ما عرفت من أن الاصح في تلك التخيير. (أما ما حصل للمشتري في مقابلته نفع كسكنى الدار وثمرة الشجر والصوف واللبن فقد قيل: يضمنه الغاصب لا غير، لانه سبب الاتلاف، ومباشرة المشتري مع الغرور ضعيفة، فيكون السبب أقوى، كما لو غصب طعاما وأطعمه المالك) الذي قد عرفت الكلام فيه سابقا. (وقيل: له إلزام أيهما شاء، أما الغاصب فلمكان الحيلولة، وأما المشتري فلمباشرة الاتلاف، فان رجع على الغاصب رجع على المشتري لاستقرار التلف في يده، وإن رجع على المشتري لم يرجع على الغاصب) لما عرفت من كون قرار الضمان عليه، وهو المحكي عن الشيخ وابن إدريس. (والاول أشبه) عند المصنف هنا وفي كتاب التجارة ومحكي


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 5 من كتاب النكاح.

[ 183 ]

التنقيح، لقوة السبب على المباشر، بل لو قلنا بجواز رجوع المالك على المشتري باعتبار حصول التلف في يده كان له الرجوع على الغاصب للغرور. فانه أقدم على أن تكون هذه المنافع له مجانا من غير دفع عوض فهو كما لو قدم إليه طعام الغير وأكله فرجع المالك عليه. لكن لعل خلافهم هنا يومئ إلى عدم تحقق قاعدة الغرور في المقام، وإلا فلا مدخلية لحصول النفع في مقابلته، إذ ليس هو بأعظم من أكل المغرور الطعام الذي قدم إليه، ومع ذلك جزموا بكون الضمان أو قراره على الغار. ولعله لذا قال في الرياض: " والقول بعدم الرجوع أوفق بالاصل مع عدم معلومية صلوح المعارض للمعارضة، بناء على عدم وضوح دليل على ترتب الضمان على الغار بمجرد الغرور وإن لم يلحقه ضرر، كما فيما نحن فيه بمقتضى الفرض، لاستيفائه المنفعة في مقابلة ما غرمه، والاجماع على هذه الكلية غير ثابت بحيث يشمل مفروض المسألة، نعم ربما يتوجه الرجوع حيث يتصور له الضرر بالغرور، كما إذا أخذت منه قيمة المنافع أزيد مما يبذله هو في مقابلتها من غير ملكه ونحو ذلك " وإن كان ما ذكره لا يخلو من نظر، ضرورة عدم مدخلية التضمين بقاعدة الغرور في حصول الضرر وعدمه، بل هو من باب قوة السبب على غيره ولو مباشرة. نعم إنما المتجه ما ذكرناه من منع تحقق الغرور الذي يترتب عليه الضمان، إذ المسلم منه ما يترتب فعل الغير على فعله من حيث المجانية ابتداء، كالاباحة والهبة والعارية ونحوها، بخلاف ترتب فعل المشتري هنا على زعم كونه مالكا الحاصل من وقوع عقد البيع مع البائع، خصوصا مع جهل البائع بالحال كالمشتري، فتأمل.

[ 184 ]

ولو كان المغصوب جارية بكرا فافتضها المشتري فرجع عليه بالعوض ففي المسالك في رجوعه به الوجهان، لحصول نفع في مقابلته، وأولى بعدم الرجوع هنا لو قيل به ثم، لانه بدل جزء فيها أتلفه فأشبه ما لو قطع عضوا من أعضائها، وأما المنافع التي لم يستوفها وفاتت تحت يده فيرجع عليه بها ففي حكم ما لم يحصل له في مقابلته نفع وأولى بالرجوع، لانه لم يتلف ولا شرع في العقد على أن يضمنها. قلت: لا يخفى عليك وجه الكلام في الاخير بعد الاحاطة بما ذكرناه إن لم يكن إجماعا والظن بعدمه، فان ملاحظة اختلافهم في مسألة الزيادة ومسألة ما كان له نفع في مقابله ومسألة حرية الولد وعدم خلافهم في الرجوع فيما يغرمه من النفقة والعمارة وفيما لا نفع له في مقابلة ما فات تحت يده وغير ذلك تقتضي عدم تنقيح المسألة عندهم على وجه تكون إجماعية، وإن أمكن وجه الفرق بين مسألة الزيادة والغرامة بأن الزيادة من مقتضى ضمان المعاوضة الذي أقدم عليه، فلا رجوع له بها، بخلاف الغرامة، فانه خارجة عن المعاوضة، وإنما تترتب على إيقاع البائع البيع، كتقديم الطعام للاكل، وإن كان فيه ما فيه أيضا كما لا يخفى عليك بعد التأمل فيما ذكرناه، والله العالم. المسألة (الخامسة:) التي تقدم في كتاب البيع (1) والنكاح (2) تفصيل الكلام فيها، ولكن لا بأس باعادته على الاجمال هنا، فنقول: (لو غصب


(1) راجع ج 24 ص 225 - 228. (2) راجع ج 30 ص 222.

[ 185 ]

غاصب (مملوكة فوطأها فان كانا) معا (جاهلين بالتحريم) للجهل بتحريم الزنا مطلقا، أو لتوهم حلها خاصة، لدخولها بالغصب في ضمانه، وإن كان لا تقبل دعواهما ذلك إلا مع احتمالها، للقرب من عهد الاسلام، أو للتولد في موضع بعيد منه، أو لقصور في معرفة ذلك أو لظن أنها جاريته وأنه سيدها، أو لغير ذلك (لزمه مهر أمثالها) كما عن المبسوط والسرائر والتحرير وجامع المقاصد وغيرها (للشبهة) المقتضية ضمان قيمة منفعة البضع المقدرة بذلك بعد عدم التقدير شرعا. (وقيل) كما عن بعض أصحابنا على ما في محكي السرائر: (عشر قيمتها إن كانت بكرا، ونصف العشر إن كانت ثيبا) بل هو خيرة الارشاد والدروس هنا، بل قد تقدم في كتاب النكاح (1) ما يستفاد منه قوته، للنصوص المستفيضة حد الاستفاضة أو متواترة التي فيها الصحيح وغيره المشتلمة على التعليل المستفاد منه عدم الاختصاص في المورد وعلى التفصيل الذي يحكم به على المطلق منها. قال ابن سنان في الصحيح (2): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لم يعلم بحبلها فوطأها، قال: يردها على الذي ابتاعها، ويرد عليه نصف عشر قيمتها، لنكاحه إياها ". وفي الكافي وفي رواية اخرى (3) " إن كانت بكرا فعشر قيمتها وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها ". وفي حسن عبد الملك بن عمر (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) راجع ج 30 ص 222. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب احكام العيوب الحديث 1 - 4 - 3 من كتاب التجارة.

[ 186 ]

" يرد الحبلى ويرد معها نصف عشر قيمتها " ونحوه خبر فضيل (1) وسعيد بن يسار (2). وما في التهذيب (3) - من رواية حسنة اخرى لعبد الملك عنه (عليه السلام) أيضا " في الرجل يشتري الجارية وهي حبلى فيطؤها، قال: يردها ويرد عشر ثمنها إذا كانت حبلى " - محمول على الغلط من الراوي أو الناسخ باسقاط لفظ " نصف " ليطابق غيره. وفي خبر طلحة بن زيد (4) " إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر ثمنها، فان كانت حرة فعليه الصداق ". وفي الصحيح (5) سأل الصادق (عليه السلام) " أرأيت إن أحل جارية لاخيه ما دون فرجها فغلبته الشهوة فافتضها ؟ قال: يغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها ". وفي صحيح ابن صبيح (6) " في رجل تزوج امرأة فوجدها أمة دلست نفسها - إلى أن قال (عليه السلام): ولمواليها عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها " إلى غير ذلك من النصوص المذكورة في كتاب النكاح (7) ووطء أحد الشريكين في البيع (8).


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب احكام العيوب - الحديث 8 - 9 - 7 من كتاب التجارة. (4) الوسائل - الباب - 45 - من أبواب المهور - الحديث 2 من كتاب النكاح. (5) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 من كتاب النكاح. (6) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 من كتاب النكاح (7) راجع ج 30 ص 218 - 228 و 366 - 372. (8) راجع ج 24 ص 243 - 245.

[ 187 ]

بل حكيت الشهرة على هذا القول مستفيضا فيما إذا ظهر استحقاق الامة الموطوءة، بل عن صريح خلاف الشيخ وظاهر إيضاح النافع الاجماع عليه. فمن الغريب بعد ذلك دعوى أن القول المزبور في غاية الضعف، وأن دليله في غير مورد البحث، بل من النصوص المزبورة يستفاد ضعف القول بمهر المثل إن لم يكن المراد به المذكور في النصوص المزبورة. كما أن منها يستفاد ضعف القول الآخر الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وربما قصر بعض الاصحاب هذا الحكم) أي مهر المثل أو العشر ونصفه (على الوطء بعقد الشبهة) دون الوطء بغيره، لان منفعة البضع لا تضمن بدونه، كما يظهر في الزانية، وكأنه من الاجتهاد في مقابل النص والفتوى بل الاجماع. كما أن الظاهر من النصوص المزبورة عدم عشر آخر عوض البكارة التي ازيلت بالوطئ المشتمل على استيفاء منفعة البضع وجناية زوال البكارة. ولعله لذا قال بعضهم بوجوب عشر آخر مضافا إلى وجوب العشر لو افتضها بالاصبع، فلو اكتفي به في الوطء أيضا كان الانتفاع بالوطء بغير عوض. إلا أن ذلك كما ترى كالاجتهاد في مقابلة النص أو الظاهر كالنص المعتضد بالاصل وغيره. ومن هنا استظهر في الدروس بالتداخل على تقدير وجوب العشر دون مهر المثل، قال: " ولو كانت بكرا فعليه مع المهر أرش البكارة إن قلنا بمهر المثل، وإن قلنا بالعشر فالظاهر التداخل ". ولعله لظهور نصوص العشر فيه، بخلاف مهر المثل الذي مستنده على القول به القاعدة التي لا يدخل فيها أرش الجناية.

[ 188 ]

لكن قد يناقش (أولا) بظهور نصوص أخر (1) فيه كالعشر قد تقدمت في المباحث السابقة. و (ثانيا) بأن مهر المثل ملحوظ فيه أرش البكارة كما في الحرة التي لا أجد أحدا - ممن يعتد به - ذكر فيها أرش الجناية مضافا إلى المهر، وحينئذ (ف‍) يدخل فيه دية البكارة. نعم (لو اقتضها باصبعه لزمه دية البكارة) وهي العشر أو التفاوت أو أكثر الامرين، وهو الاصح كما سمعته سابقا في جناية الغاصب. (ولو وطأها مع ذلك لزمه الامران) لانهما حينئذ سببان مستقلان والاصل عدم تداخلهما، كما جزم بذلك كله في التحرير وغيره قال: " ولو اقتضها باصبعه لزمه أرش البكارة، فان وطأها بعد ذلك لزمه الامران، ولو ذهبت البكارة بالوطء لم يجب أكثر من المهر أو العشر ". ومن ذلك يعرف النظر فيما في المسالك، حيث إنه بعد أن ذكر وجه وجوب الامرين في الاقتضاض بالاصبع ثم الوطء قال: " وذهب جماعة منهم العلامة في التحرير والشهيد في الدروس إلى التداخل، لان البكارة ملحوظة على تقدير وجوب المهر أو العشر، ويزيد باعتبارها الواجب، ولو وجب أرش البكارة منفردا لزم وجوب مهر ثيب لا بكر كما لو اقتضها باصبعه ثم وطأها، فلا وجه للجمع بينهما، واجيب بأن ملاحظة البكارة في مهر المثل أو العشر لا يقتضي التداخل، لان ملاحظتها من حيث إن وطء البكر خلاف وطء الثيب، فملاحظتها باعتبار الوطء لا باعتبار الجناية، فلابد للبكارة من شئ زائد، وهو عشر آخر على قول أو أرش نقصان قيمتها عن حالة البكارة إلى الثيبوبة نظرا إلى نقصان (نقص خ ل) المالية ".


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب حد الزنا - من كتاب الحدود والتعريرات.

[ 189 ]

وفيه (أولا) أنك قد سمعت ما في التحرير والدروس من التداخل في الوطء دون الفرض الذي لم يحضرني أحد قال بالتداخل فيه، بل ولا وجه معتد به له، ويمكن أن يكون نص المصنف وغيره عليه للتنبيه على خلاف بعض العامة. و (ثانيا) أن ما ذكره من عدم التداخل في صورة الوطء وإن كان هو المحكي عن المبسوط والتذكرة وجامع المقاصد وبيع الروضة ومحتمل السرائر لما ذكره من التعليل إلا أنك عرفت ظهور النصوص على كثرتها في عدم وجوب شئ غير العشر أو مهر المثل، خصوصا مع ملاحظة أنها في مقام البيان، بل يمكن أن يكون من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص. نعم بقي شئ في مفروض المسألة، وهو احتمال استحقاق مهر البكر وإن كان وطؤها بعد الاقتضاض بالاصبع، بناء على أن المراد من البكر هي التي لم توطأ وإن ذهبت بكارتها باصبع ونحوه، إلا أن المنساق إلى الذهن خلافه، فتستحق حينئذ في الفرض أرش البكارة ومهر الثيب: نصف العشر أو غيره. وعلى كل حال فقد ظهر لك مما ذكرناه أن القول بالتداخل في زوال البكارة بالوطئ لذلك لا يقتضي القول به في مفروض المسألة، وهو واضح. كما أن منه يعلم عدم وجوب أكثر الامرين به من العشر والتفاوت وإن قلنا به في غير ذلك من جناية الغاصب فيما له مقدر، للنصوص التي منها المشتمل على الغصب وما في معناه المقتصر على وجوب العشر (1) فما في القواعد - من احتمال ذلك بل عنه في المختلف الفتوى به - لا يخلو من نظر، نعم هو كذلك فيما لو اقتضها باصبعه، كما أشرنا إليه سابقا.


(1) الوسائل - الباب - 45 - من أبواب المهور - الحديث 2 والباب - 35 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 والباب - 67 - منها - الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 190 ]

بل الظاهر وجوب العشر أيضا لو وطأها بالعقد بزعم الصحة، لما سمعته من كون المستفاد من النصوص (1) على كثرتها أن ذلك هو المقدر لها في كل وطء محترم لم يثبت له مسمى، وخصوص خبر المدلسة (2). فما في القواعد من احتمال وجوب الاكثر في العقد في غير محله، قال فيها: " فلو وطأ الجارية جاهلين بالتحريم فعليه مهر أمثالها، أو عشر قيمتها مع البكارة ونصفه مع الثيبوبة، ويحتمل مع البكارة الاكثر من الارش والعشر، ومع العقد الاكثر من الارش والعشر ومهر المثل " وإن كان في قراءة " مهر المثل " بالرفع أو الجر إشكال، إلا أن الظاهر الاول، فيكون احتمالا مستقلا، لا أنه داخل في الاكثر. وعلى كل حال فالتحقيق ما ذكرناه من وجوب العشر مطلقا، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أن (عليه اجرة مثلها من حين غصبها إلى حين عودها). نعم في جامع المقاصد والمسالك تقييد ذلك بغير زمن الوطء الذي قد ضمن فيه منفعة البضع. وفيه - مع قصور الزمن المزبور بحيث لا يقدح في تقويم اجرة مثلها - أنه يمكن أن يكون لها منفعة تجامع الوطء، فيضمنها أيضا. ثم الكلام فيما لو تعددت منافعها على وجه يمكن جمعها أو لا يمكن كالكلام السابق، وربما كان في إطلاق المصنف وغيره هنا اجرة المثل إيماء إلى اعتبار الاعلى إذا لم يكن قد استوفاه، ودعوى انطباق اجرة


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب احكام العيوب - من كتاب التجارة. (2) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 191 ]

المثل عليه ممنوعة، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (ولو أحبلها لحق به الولد) للشبهة بلا خلاف معتد به، بل عن الخلاف والمبسوط الاجماع على ذلك في مسألة ظهور استحقاق الامة الموطوءة في باب البيع. فما عن المقنعة والنهاية - من الحكم برقية الولد إلا أن يرضيه الاب عنه بشئ - شاذ أو يريدان ما ذكره المصنف (و) غيره من أن (عليه قيمته يوم سقط حيا) بل لا أجد فيه خلافا، لا لانه وقت الحيلولة بين مولى الامة وبين ما هو من نمائها وتابع لها، فيقوم حينئذ دقيقا وتدفع قيمته للمولى، كما علله به غير واحد، إذ هو كما ترى، بل للنصوص المستفاد منها ذلك، ولولاها لاشكل الحال في أصل ضمانه، لانه حر ولم يكن مالا للمالك، وقد حال الغاصب بينه وبين صاحبه. ودعوى أن المراد بالحيلولة هو أنه لولا أنه مشتبه يلحق به الولد لكان ملكا للمولى واضحة الفساد. نعم قد يقال بضمان الغاصب بتفاوت قيمة الجارية بذلك لا قيمة الولد، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة، وتظهر ثمرة ذلك فيما تسمعه من عدم الضمان لو سقط ميتا وغيره، والله العالم. (و) كذا يضمن الغاصب (أرش ما ينقص من الامة بالولادة) بلا خلاف ولا إشكال، لما عرفت من ضمان ذلك كله على الغاصب، وهو واضح. (ولو سقط ميتا قال الشيخ رحمه الله) في محكي المبسوط: (لم يضمنه) الغاصب (لعدم العلم بحياته) وتبعه في التحرير والدروس.

[ 192 ]

(وفيه إشكال ينشأ من تضمين الاجنبي) لو أسقطه مع أن الاصل أيضا عدم حياته. (و) لكن (فرق الشيخ بين وقوعه بالجناية وبين وقوعه بغير جناية) قال ما لفظه: " لو أحبلها الغاصب جاهلا بالتحريم ثم ولدته ميتا لم يضمن الغاصب قيمة الولد، لانه لا يعلم كونه حيا قبل هذا، ولانه ما حال بينه وبين سيده في وقت التصرف، ولو ضربها أجنبي فألقت الجنين ميتا فعلى الضارب الضمان، لان الالقاء عقيب ضرب بطنها مسقط للولد غالبا، بخلاف ما إذا سقط لنفسه، لان الاصل الموت حتى يعلم غيره ". وظاهره التردد في الفرق، بل هو صريح كلامه الآتي، ومثله الفاضل في القواعد، بل عن غير واحد الجزم بضعفه، باعتبار أن عدم العلم بحياته ثابت على التقديرين، مع أنه لا يتم إطلاقه مع العلم بحياته ولو بولادته بعد الاربعة أشهر أو الخمسة، بناء على ما في النصوص (1) من ولوج الروح فيه حينئذ، أو لغير ذلك من ولادته كامل البدن على وجه يظهر منه أنه كان حيا، خصوصا مع الحركة ونحوها. كما أنه لا يتم أيضا بالنسبة للجاني، ضرورة أعمية الجناية من الحياة، فانها قد تكون في حال العلم بعدم ولوج الروح فيه، ولذا كان المحكي عنه في الديات الضمان بها مطلقا على وجه يظهر منه المفروغية من ذلك أو الاجماع عليه، كنسبة الحلي له إلى الروايات. ومن ذلك يعلم كون التعليل المزبور منه تقريبا لا تحقيقا، فلا وجه للايراد عليه، بل يحتمل كون مراده تنزيل الجناية منزلة الحياة بالنسبة إلى الضمان، وإلا فلا فرق بين السقوط من دون جناية، ومعها بالنسبة


(1) الكافي ج 6 ص 13.

[ 193 ]

للحياة والموت، نعم يتجه الفرق بينهما بثبوت الدليل على الجناية من إجماع أو نصوص أو غيرهما من غير فرق بين العلم بولوج الروح فيه وعدمه، بل حتى لو علم عدم ولوجها فيه، بخلاف السقوط. واحتمال أن ضمانه هنا لان يد الغاصب يد ضمان يدفعه أنه حر لا يدخل تحت اليد، ولا يرد ضمان الغاصب إياه بجناية الاجنبي لدليله إن كان، وإلا اشكل الرجوع على الغاصب، لعدم كونه جانيا وعدم يد ضمان له عليه، نحو ما قاله بعضهم من عدم رجوع المالك بالمهر على من غصب جارية وباعها فوطأها المشتري، لعدم الاستيفاء منه وعدم دخول البضع تحت اليد، بل هذا اولى. بل إن لم يكن دليل على ذلك اشكل أصل رجوع المالك، لانه انعقد حرا، فليست ديته إلا للغاصب، ودعوى أن القاعدة ضمان يد الغاصب كل ما يضمن بجناية جان يدفعها أنه بعد انعقاده حرا ليس من المغصوب في شئ. كما أن ضمان القيمة يوم الولادة للنص (1) والفتوى لا يقتضي الضمان مع السقوط ميتا، والفرض انعقاده حرا. فما في الارشاد وجامع المقاصد والمسالك من ضمان الغاصب دية جنين أمة لا يخلو من نظر حينئذ، على أن المتجه حينئذ ضمانه مقدر الحياة، كما لو ولد مريضا، وخصوصا إذا كان سقوطه ميتا في زمن الولادة. ومن هنا قيل: إن الذي صرحت به عباراتهم وأفصحت به رواياتهم في باب الديات أن جنين الامة إذا لم تلجه الروح أو لم تعلم حياته له مقدر شرعا، وهو عشر قيمة أمه وقت الجناية، وإن ولجته الروح فقيمته يوم سقط حيا.


(1) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 5 من كتاب النكاح.

[ 194 ]

(و) حينئذ ففي الفرض (لو ضربها أجنبي فسقط) جنينها (ضمن الضارب للغاصب دية جنين حر) لان الولد محكوم بحريته للشبهة (وضمن الغاصب للمالك دية جنين أمة) قيل: لانه ضامن للمالك قيمته على تقدير كونه مملوكا، كما لو ولد حيا. وفي المسالك " ولا يتوقف مطالبته بحقه على أخذ الغاصب حقه من الجاني، بل كل واحد من الحقين متعلق بذمة غريمه من غير تقييد بالآخر ". وقد يظهر من هذه العبارة بل وعبارة المتن وغيره أنه لا تخيير للمالك في الرجوع هنا على الجاني والغاصب، وإنما يتعين حقه على الغاصب خاصة، ولعله لما عرفت من أن مقتضى القواعد اختصاص حق الجناية بالغاصب، لانه انعقد حرا، فلا حق للمالك عليه إلا أن يكون هناك دليل مخصوص فيتبع، ولعله خاص بالرجوع على الغاصب كما هو ظاهر من عرفت، لا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن منه إن كان إجماعا أو استظهارا مما ورد (1) في ضمانه لو ولد حيا أو غير ذلك. بل المتجه بناء على ما سمعته منهم التفصيل بين ولوج الروح وعدمه فيضمن الغاصب في الاول قيمته يوم سقوطه مفروض الحياة، وفي الثاني دية جنين، فتأمل جيدا، فان كلامهم في المقام لا يخلو من تشويش. ولو كان الجاني هو الغاصب ففي المسالك " ضمن للمالك دية جنين أمة، وباقي دية جنين الحرة للامام، لان القاتل لا يرث، والامة رقيقة لا ترث " والله العالم. هذا كله في الجاهلين. (ولو كان‍) - ا أي (الغاصب والامة عالمين بالتحريم فللمولى المهر) والولد والارش (إن أكرهها الغاصب على الوطء) بلا خلاف


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 195 ]

ولا إشكال، بل في المسالك الاتفاق عليه (وعليه) أي الغاصب (الحد) لكونه زانيا. (وإن طاوعت حد الواطئ) بل هما معا (ولا مهر) في المشهور، للاصل والنبوي (1) " لا مهر لبغي " الذي لا وجه للبحث في سنده بعد أخذ الاصحاب له مسلما، ولا في دلالته على المطلوب بعد العموم اللغوي المحتاج في تقييده بالحرة إلى دليل، وإطلاق لفظ المهر لا يقتضي ذلك وإن اختصت اسم المهيرة بالحرة، لكن من الشائع أيضا في النص (2) والفتوى إطلاقه على عوض بضع الامة، فيقال: مهر الامة، وأن لها مهر، أو مهرها عتقها، وغير ذلك. وكون اللام للتمليك أو الاختصاص أو الاستحقاق والثلاثة منتفية عن الامة لا ينافي انسياق إرادة ما ثبت بسبب وطئها، سواء كان لها أو لغيرها أي مولاها، نحو ما يقال: الاجرة للدار أو للدابة. ودعوى أن زناها لا ينافي ثبوت حق المالك من حيث المالية يدفعها أن مالية البضع لا تخلو من شائبة التعبد، ولذا لا يثبت عوضه على حسب غيره من المنافع، بل لابد له من ضابط خاص، فلا يثبت حينئذ إلا حيث يثبته الشارع. (وقيل) وإن كنا لم نعرف القائل قبل المصنف: (يلزمه عوض الوطء، لانه للمالك) نعم هو خيرة الفاضل في التذكرة والمختلف وثاني الشهيدين في بيع الروضة ورهنها، بل مال إليه أولهما في الدروس،


(1) لم نعثر على هذا اللفظ بعد التتبع في مظانه، وإنما الموجود في سنن البيهقي ج 6 ص 6 (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن مهر البغي) و (لا يحل.... ولا مهر البغي) وأنه (سحت) أو (خبيث). (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب نكاح العببد والاماء من كتاب النكاح.

[ 196 ]

بل هو ظاهر إطلاق بيع اللمعة. (و) لا ريب في أن (الاول أشبه) باصول المذهب التي منها أصل البراءة المعتضد بما سمعت السالم عن معارضة ما عرفت، إلا أنه قد يستفاد من الصحيحتين السابقتين (1) ثبوته للمولى ولو من ترك الاستفصال ونحوه. (إلا أن تكون بكرا، فيلزمه أرش البكار) بلا خلاف أجده فيه، بل عن فخر الاسلام الاجماع عليه، لانها جناية، وكل جناية مضمونة على الغاصب، بل لو زالت بكارتها في يده بغير ذلك ضمنها أيضا، ونفي المهر لها لا ينافي ثبوت ذلك لها، وإن كان لم يظهر له فائدة بناء على أن أرش البكارة عشر قيمتها، وهو المقدر لها مهر، فمع فرض زناها وقلنا لا مهر لمولاها لانها بغي كان له أخذ العشر من حيث الجناية بزوال البكارة. ولكن قد يشكل ذلك بما سمعته سابقا من ظهور النصوص (2) في دخول أرش البكارة في المهر بناء على أنه العشر، فمع فرض إسقاطه من الشارع لكونها زانية يتبعه هو أيضا في السقوط، فتأمل جيدا. (ولو حملت لم يلحق به الولد وكان رقا لمولاها) بلا خلاف بل ولا إشكال، لان الفرض كونه زانيا، فليس له إلا الحجر وكذلك هي، إلا أنه يبقى كونه نماء للمالك فيملكه حينئذ من هذه الجهة كولد البهيمة من حيث النسبة. كما أنه لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (يضمن الغاصب ما ينقص بالولادة) كما في كل عين مغصوبة.


(1) في ص 186. (2) المتقدمة في ص 185 و 186.

[ 197 ]

(ولو مات ولدها في يد الغاصب ضمنه) ضرورة كونه مغصوبا كأمه. (ولو وضعته ميتا) ففي ما حضرنا من نسخ المتن (قيل: لا يضمن، لانا لا نعلم حياته قبل ذلك، وفيه تردد) لكن في المسالك " أن المصنف جزم هنا بضمانه " ولعله عثر على نسخة اخرى، بل لعلها هي الاصح، ضرورة كون الجنين في الفرض مملوك كحمل البهيمة، فيكون مضمونا على الغاصب، والحمل الذي لم تلجه الروح أو لم نعلم حياته له قيمة شرعا، وهو العشر فيضمنه. هذا ولكن في القواعد " ولو وضعته ميتا فالاشكال كما تقدم " ومقتضاه اتحاد المسألتين، وفي جامع المقاصد " وربما رجح الضمان هنا بأن التقويم في الاول إنما هو بعد وضعه حيا بخلافه هنا، ولا أثر له، لان المراد التقويم المخصوص، لا وجوب دية الجنين الذي يراد وجوبه في الموضعين ". قلت: ولا يخفى عليك وضوح الفرق بين المسألتين، ومن الغريب ما في التحرير والدروس ومحكي المبسوط من الجزم بأنه لا شئ عليه، إذ هو كما ترى. (و) على كل حال ف‍ (لو كان سقوطه بجناية جان لزمه دية جنين الامة على ما يذكر في الجنايات). (ولو كان الغاصب عالما وهي جاهلة لم يلحق به الولد) لكونه زانيا (ووجب) عليه (الحد والمهر) بلا خلاف ولا إشكال. (ولو كان بالعكس) أي هو جاهل وهي عالمة (لحق به الولد وسقط عنه الحد و) أما (المهر) ففيه البحث السابق (وعليها الحد) لانها زانية، والله العالم.

[ 198 ]

المسألة (السادسة:) (إذا غصب حبا فزرعه أو بيضا فاستفرخه قيل) والقائل الشيخ في المحكي من غصب خلافه ومبسوطه وابن حمزة في الوسيلة: (الزرع والفرخ للغاصب) محتجا عليه بأن عين المغصوب قد تلفت، فلا يلزم الغاصب سوى قيمتها أو مثلها، بل عنه في الخلاف من يقول: إن الفرخ عين البيض وأن الزرع هو عين الحب مكابر، بل المعلوم خلافه. (وقيل) والقائل الاكثر، بل في الدروس أنه فتوى من سبق الشيخ: إنه (للمغصوب منه) بل عن الناصرية نفي الخلاف فيه، بل عنها وعن السرائر الاجماع عليه، بل عن الخلاف في باب الدعاوي والمبسوط في باب العارية التصريح بما عليه الاصحاب، ومن هنا أساء الادب ابن إدريس بقوله: " فقد دخل رحمه الله في جملة من يكابر ". (و) على كل حال ف‍ (هو أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها استصحاب الملك لهما وإن تغيرت الصورة التي هي ليست عنوان الملكية، ولذا لا إشكال في بقائهما على الملك لو فرض استحالتهما إلى ذلك من دون غصب، ضرورة كون الاستحالة بالنسبة إلى ذلك كتغيير صفات الشئ من السمن ونحوه. بل من القطعيات عندهم عدم خروج الثوب مثلا عن الملك بقطع الغاصب له قطعا متعددة، حتى قيل: إن الشيخ نفسه من المصرحين بذلك، مع أنه أولى بصدق اسم التلف عليه. وكون البيضة تصير علقة ونحوها إذا صارت فرخا فتخرج بذلك عن الملك، فيملكها الغاصب حينئذ بوضع اليد نحو ما سمعته في الخمر

[ 199 ]

إذا تخللت - مع أنه لا يتم في الزرع، ومبني على خروجها عن الملك بذلك - لم يحك عن الشيخ مثله في العصير إذا انقلب خمرا في يد الغاصب ثم صار خلا في يده، بل ظاهره كغيره أن للمالك فيه حقا يقتضي تملكه له وإن لم يكن في يده وإن كان هو مطالبا بدليله في الخمر كما ستعرف. وبالجملة لا يخرج المال عن الملك بمثل الاستحالة المزبورة، ولا يرد النقص بملكية صاحب الانثى ما يتكون من عسب الفحل فيها الذي أقصاه أن يكون استحالة بعد أن عرفت الدليل على ذلك. على أنه ربما فرق بعدم ملكية النطفة، بخلاف الحب والبيض، وبعدم معلومية كيفية التكون أنه من نطفة الفحل على وجه تكون نطفة الانثى من المعدات لها أو بالعكس أو أنه منهما، وإن كان هو على كل تقدير خارج بدليله، بخلاف مفروض البحث الباقي على أصالة الملكية التي لا دليل على الخروج عنها بلباس الصور المتعددة التي من المعلوم عدم صيرورة الشئ بها تالفا إذ التلف العدم، لا تغيير الصورة التي لا وجه لملك الغاصب بها، مع أنها ليست من فعله، إذ لم يصدر منه إلا الاحضان ووضع البذر في الارض ونحو ذلك من فعل المعدات لصيرورة الحب زرعا مما هي غير صالحة لنقل الملك عن مالكه، ضرورة كون ذلك من النماء التابع للملك وإن اختلف مع نماء النخلة مثلا بالحصول مع بقاء الاصل بخلافه فان الاجزاء الاصلية باقية معه. وكيف كان فالمسألة مفروغ منها، وإن أطنب فيها بعض الناس برد ما ذكره الفاضل في المختلف عليه، إلا أنه في غير محله، بل لعل إكثار الكلام فيها من اللغو المنهي عنه، والله العالم. (ولو غصب عصيرا فصار خمرا ثم صار خلا) في يد الغاصب قبل أن يدفع بدله بل وبعده إذا كان على وجه كدفع الحيلولة (كان

[ 200 ]

للمالك) على ما صرح به غير واحد، بل عن رهن غاية المرام والمسالك نفي الخلاف فيه، لانه عين ماله. (و) حينئذ ف‍ (لو نقصت قيمة الخل عن قيمة العصير ضمن الارش) لوجوب رده تاما، كما صرح به غير واحد، بل في مفتاح الكرامة به صرح الاصحاب كالشيخ وابن إدريس ومن تأخر عنه. قلت: إن تم الاجماع في ذلك كله وإلا فلا يخلو من إشكال، ضرورة أنه بصيرورته خمرا خرج عن ملك المالك وصار في ذمة الغاصب المثل، لانه تلف أو بمنزلته، فإذا صار خلا لا دليل على عوده إلى ملك المالك، بل يمكن أن يكون من المباح، يملكه من يسبق إليه، أو يكون من هو في يده أولى به. وعلى كل حال فلا دليل على عوده إلى ملك المالك. ولعله لذا حكي عن الفاضل وولده والشهيد والكركي الاشكال في رده إلى المالك في باب الهبة، بل ستسمع الاشكال فيه أيضا في القواعد. بل قال فيها هنا أيضا: " ولو غصب خمرا فتخلل في يده حكم بها للغاصب، ويحتمل المالك " بل عن ولده في شرح الارشاد أنه قواه بل في الايضاح صححه، بل عنه في الكتابين أن وجه الاحتمال الثاني ثبوت الاولوية للمالك باليد للتخليل، ومقتضاه كون موضوع المسألة الخمر المتخذة للتخليل، بل قد يؤيده أنها التي يتصور فيها الغصب دون غير المحترمة. ولعل وجهه أن فائدة احترامها جواز إبقائها في يده، وعدم وجوب إراقتها، لا أنها تكون ملكا له إذا صارت خمرا في يد غيره وإن أثم بأخذها منه، أللهم إلا أن يكون إجماعا على ذلك، كما يحكى عن الخلاف نفي الخلاف عن وجوب ردها للمالك، وعن التذكرة أنه مذهبنا، فان

[ 201 ]

تم إجماعا فذاك وإلا كان محلا للمنع. (ودعوى) أن ما نحن فيه غير غصب الخمر التي تخللت في يده لان العصير مملوك لمن هو في يده، وإنما طرأ عليه مانع الملك، فيزول بزواله، بخلاف الخمر، فانها لم تكن مملوكة له بوجه، فتخللها في يده إحداث ملك لمن هي في يده (واضحة الفساد) ضرورة أن سبق الملكية بعد زوالها بصيرورتها خمرا غير مجد. كما أن شهرة الفرق بين الخمر المحترمة وغيره بحيث يقتضي ملك المالك لها لو صارت خلا ولو تحت يد غيره لا حاصل لها إن لم يكن إجماعا أو غيره مما يصلح لان يكون دليلا شرعيا. ومن ذلك كله يظهر لك النظر في كثير مما في المسالك وغيرها، ومنه قوله فيها: " وعلى تقدير تخمير العصير في يد الغاصب لو اختار المالك تغريمه قبل انقلابه خلا فله ذلك، فإذا أخذ العوض فانقلب خلا في يد الغاصب وجب رده وأخذ البدل، كما لو دفعه حيث لم يمكنه رد المغصوب لمانع آخر، مع احتمال استقرار ملك الغاصب عليه حينئذ، لخروجها عن أهلية الملك حين الخمرية، وبراءته منها بدفع البدل وتخليلها أوجب حدوث ملكيته لمن هي في يده، ولو طلب المالك أخذها خمرا مع أخذ البدل ففي إجابته إليه وجهان: من خروجها عن ملكه، ومن ثم وجب البدل تاما، ومن بقاء الاولوية، لامكان إرادة التخليل، ومن ثم عاد ملكه إليها قبل دفع البدل، وهذا أقوى، إلا أن يعلم من حاله أنه يتخذها للشرب لزوال حقه حينئذ، وكون إعادتها إليه تعاونا على الاثم والعدوان، ثم على تقدير إعادتها إليه مع البدل فصارت خلا في يد المالك ففي وجوب رد المثل إلى الغاصب وجهان: من أنه أخذه للحيلولة وقد زالت، ومن أنه ملك متجدد، لان العصير لما صار خمرا صار تالفا، فوجب بدله، والاقوى الاول، لان الاصل ماله، وإنما حدث له مانع الخمرية، فإذا زال

[ 202 ]

المانع عاد الملك، ولم يبطل حقه منه رأسا، وإنما زال الملك بالفعل وبقي بالقوة القريبة منه ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه وإن كان قد أخذ كثيرا منه مما في القواعد، قال: " ولو غصب عصيرا فصار خمرا ضمن المثل، وفي وجوب الدفع إشكال، فان أوجبناه فصار خلا في يد المالك ففي وجوب رد المثل إشكال، فان صار خلا في يد الغاصب رده مع أرش النقصان إن قصرت قيمة الخل " ضرورة ظهور ما ذكره أولا وأخيرا، بل صريحه أن البدل المأخوذ هو بدل حيلولة. وفيه أنه لا وجه لها بعد خروج المال عن ملكية المالك، وما ذكره من المانع والقوة القريبة من الفعل لا حاصل له، بحيث يرجع إلى دليل معتبر، بل لا يخفى عليك النظر في كلامه من غير ذلك، بل وما سمعته من القواعد، لاشتراك الجميع في الاحتياج إلى الدليل على الوجه الذي ذكرناه، والله العالم. المسألة (السابعة:) (لو غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع ونماؤه للزارع) بلا خلاف أجده فيه، بل في التنقيح عليه انعقد الاجماع اليوم، قلت: واليوم بل وقبل اليومين، إذ لم نجد مخالفا في ذلك منا كل ذلك مضافا إلى خبر عقبة بن خالد (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أتى أرض رجل فزرعها بغير إذنه حتى إذا


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 203 ]

بلغ الزرع جاء صاحب الارض، فقال: زرعت بغير إذني فزرعك لي وعلي ما انفقت، أله ذلك أم لا ؟ فقال: للزارع زرعه ولصاحب الارض كراء أرضه " ونحوه موثق سماعة (1) بل وموثق آخر (1). بل هو على وفق اصول المذهب وقواعده ضرورة كون الزرع والغرس ملك الغاصب، والارض إنما هي من المعدات كالماء والهواء ونحوهما. نعم عن أبي علي أن لصاحب الارض أن يرد ما خسره الزارع ويملك الزرع، وهو ليس خلافا في أصل الملكية، وإنما هو قريب من قول أحمد بن حنبل: " إن جاء صاحب الارض والزرع قائم فيها لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخير المالك بين أن يبقيه إلى الحصاد باجرته وأرش النقص، وبين أن يدفع إليه نفقته، ويكون الزرع له، لان رافع بن خديج قال (3): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زرع أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شئ، وله نفقته، ومثله خبره الآخر عنه (صلى الله عليه وآله) (4) أيضا ".


(1) الوافي - ج 10 ص 144 (الفقيه في حديث سماعة....) وهو بمضمون خبر عقبة والظاهر ان ذلك من عبارة الصدوق (قده) لا من الحديث، حيث انه روى في الفقيه ج 3 ص 149 و 150 عن سماعة رواية طويلة وفي اخرها أورد ما أسنده في الوافي إلى رواية سماعة، ومما يؤكد ذلك أن الشيخ (قده) روى في التهذيب ج 7 ص 142 والاستبصار ج 3 ص 112 و 113 عن سماعة ما رواه في الفقيه إلى هذه القطعة، وكذلك الكليني (قده) في الكافي ج 5 ص 275 وفي الوسائل - الباب - 11 - من أبواب بيع الثمار الحديث 7 و 8 من كتاب التجارة، ولم يذكر احد من هؤلاء القطعة التي بمضمون خبر عقبة وأسندها في الوافي إلى حديث سماعة. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب - الحديث 2. (3) و (4) سنن البيهقي - ج 6 ص 136.

[ 204 ]

إلا أنهما من غير طرقنا، بل لعل النصوص المزبورة للتعريض بفساد القول والافتراء في اخباره، على أنهما ظاهران في الملك القهري الذي هو خلاف ظاهر المحكي عن ابن الجنيد. نعم في الموثق (1) " في رجل اكترى دارا وفيها بستان فزرع في البستان وغرس نخلا وإشجارا وفواكه وغير ذلك ولم يستأمر صاحب الدار في ذلك، فقال: عليه الكراء، ويقوم صاحب الدار الغرس والزرع قيمة عدل، ويعطيها الغارس، وإن كان استأمره فعليه الكراء وله الغرس والزرع، يقلعه ويذهب به حيث شاء ". لكنه خبر متحد، قد أعرض عنه الاصحاب، فلا يصلح الخروج به عن العمومات فضلا عن الادلة السابقة كما هو واضح. ورواه في التهذيب (2) ومحكي الفقيه (3): " ويقوم صاحب الدار الغرس والزرع قيمة عدل إن كان استأمره، وإن لم يكن استأمره فعليه الكراء " إلى آخره. وحينئذ يكون دالا على المطلوب لا مخالفا له. ولعله لذا لم أعثر على موافق لابن الجنيد وإن مال إلى ما سمعته منه في الصبغ جماعة، وتعجب الفاضل في المختلف من مخالفة الشيخ لابن الجنيد في الصبغ - مع قوله في المستعير للغرس بوجوب الاجابة عليه لو بذل صاحب الارض قيمة الغرس - لا دلالة فيه على اختيار ذلك،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب - الحديث 2 مع اختلاف يسير ونقله من دون اختلاف في الكافي ج 5 ص 297. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب الحديث 2 والتهذيب ج 7 ص 206 الرقم 907. (3) اشار إليه في الوسائل - الباب - 33 - من كتاب الاجارة الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 3 ص 156 - الرقم 684.

[ 205 ]

على أنه قد صرح هنا بعدم وجوب القبول، نعم صرح بموافقته في مسألة الصبغ، بل مال إليه غيره أيضا. ويمكن أن يكون الوجه مضافا إلى ما سمعته من النصوص إمكان الفرق بينهما باعتبار تعسر زوال الصبغ أو عدم نفع معتد به فيما زال منه بخلاف الزرع والغرس، أو شدة التبعية فيه على وجه يكون أثره من الصفات بخلافهما، أو غير ذلك، والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف ولا إشكال في أن (عليه اجرة الارض وإزالة زرعه وغرسه) وإن تضرر بذلك، فانه الذي أدخله على نفسه، قال عبد العزيز بن محمد (1): " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أخذ أرضا بغير حقها أو بنى فيها، قال: يرفع بناؤه ويسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حق، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر ". (و) عليه أيضا (طم الحفر وأرش الارض إن نقصت) بالزرع أو بالقلع بلا خلاف ولا إشكال. (و) كذا عرفت أنه لا خلاف معتد به ولا إشكال في أنه (لو بذل صاحب الارض قيمة الغرس لم يجب على الغاصب إجابته) وما سمعته من الاسكافي قد عرفت ضعفه، وإن قال في جامع المقاصد: " إنه لو وجد به قائل - أي غيره - لكان قويا " إذ هو كما ترى. بل لو رضي بالابقاء بالاجرة لم يجب عليه، للاصل ولتسلط الناس على أموالهم. (وكذا) لا خلاف ولا إشكال في أنه (لو بذل الغاصب)


(1) الوسائل - الباب - 33 - من كتاب الاجارة - الحديث 3.

[ 206 ]

اجرة الارض أو قيمتها (لم يجب على صاحب الارض قبوله) للاصل (و) غيره بل (لو وهبه (ولو هبة خ ل)) لم يجب عليه، لذلك ولما فيه من المنة. (ولو حفر الغاصب في الارض بئرا) مثلا كان عليه طمها) مع طلب المالك، لوجوب إعادة العين كما كانت مع الامكان (وهل له طمها مع كراهية المالك ؟ قيل) والقائل الشيخ وابن زهرة فيما حكي عنهما: نعم) نهاه المالك أم لم ينهه. رضي أم لم يرض (تحفظا من درك التردي). وفيه أن ذلك لا يقتضي جواز التصرف له في مال الغير، وإنما أقصاه الضرر عليه، وهو الذي أدخله على نفسه، على أنه يمكن زوال الضمان عنه بالرضا بالبقاء على وجه يرتفع عدوانه، بناء على اعتبار ذلك في الضمان. بل هو المحكي عنه في ديات المبسوط، قال: " لو حفر بئرا عدوانا ثم إن المالك رضي ببقائها بعد الحفر العدواني سقط الضمان " بل عنه هنا التصريح بأن الصحيح براءته بالابراء. وعليه يكون النزاع حينئذ معه في أن الرضا بالبقاء أو النهي عن الطم يقتضي الابراء كما سمعته منه في الديات ووافقه عليه المصنف والفاضل على ما قيل فيها أم لا يقتضي ذلك، لانه أعم فيبقى الضمان مستصحبا ؟ ولعل الاقوى فيه ما ذكره بل القول بعدم البراء لو صرح بالابراء لا يخلو من وجه، كما ستعرف. ومن ذلك يعرف ما في قول المصنف: (ولو قيل للمالك منعه كان حسنا، والضمان يسقط عنه برضا المالك باستبقائها) بناء على الوجه الذي ذكرناه، وإن تبعه عليه من تأخر عنه.

[ 207 ]

نعم الاحسن منه القول بأنه له منعه وإن بقي الضمان عليه، لما عرفت خصوصا بعد ما سمعت سابقا من النظر في اعتبار العدوان في الضمان بذلك، لاطلاق الادلة الذي لا ينافيه الضمان، خصوصا مع ابتداء الحفر على العدوانية، كما في المقام الذي لا يدفع السببية الشرعية الرضا المتأخر مع التصريح فضلا عن مجرد الكراهة للطم التي لا تنافي إرادة البقاء على الضمان مع ذلك. ومن هنا تردد في محكي التحرير في الابراء إذا أبرأه، من أن المالك لو أذن فيه ابتداء لم يضمن، ومن أن حصول الضمان لتعديه بالحفر والابراء لا يزيله، لان الماضي لا يمكن تغييره عن الصفة التي وقع عليها، ولان الضمان ليس هنا للمالك، فلا يصح الابراء منه، ولانه ابراء مما لا يجب، فلم يصح. ولا يخفى عليك الحال بعد التأمل فيما ذكرناه على أي وجه يفرض البحث، والله العالم. فلاحظ وتأمل. المسألة (الثامنة:) (إذا حصلت دابة) مثلا (في دار لا) يمكن أن (تخرج إلا بهدم فان كان حصولها) فيها (بسبب من صاحب الدار ألزم بالهدم والاخراج، ولا ضمان على صاحب الدابة) لعدم العدوان منه، وخصوصا إذا كان ذلك غصبا من صاحب الدار للدابة مثلا، لما عرفت من وجوب رد المغصوب إلى مالكه، وإن ترتب عليه ضرر إضعاف المغصوب. (وإن كان من صاحب الدابة ضمن الهدم) وخصوصا إذا

[ 208 ]

كان بسبب غصبه للدار بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له منا، بل في المسالك وغيرها عدم الاشكال في الحكمين. لكن قد يقال حينئذ بوجوب ذبح الحيوان إن كان مما يؤكل ولم يرض المالك بالهدم، وخصوصا إذا كان قيمته أقل من أرش الهدم اللهم إلا أن يكون ذلك نحو الغرس في أرض الغير غصبا، فانه يملك حفرها لقلع غرسه، ويضمن الارش للمالك إن كان. وقد يفرق بينهما بتوقف الاستيلاء على تمام ماله بالحفر فيملكه، بخلاف المقام المفروض تمكنه من ذبح الحيوان من غير تصرف في دار المالك الواجب عليه إرجاعها له تامة. نعم لو لم يكن الحيوان مما يذبح أمكن القول حينئذ بذلك، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار. وكيف كان فالامر في ذلك سهل. إنما الكلام فيما ذكره المصنف بقوله: (وكذا إن لم يكن من أحدهما تفريط ضمن صاحب الدابة الهدم، لانه لمصلحته) بل في المسالك نسبته إلى المشهور، بل قيل: لا خلاف فيه بيننا. لكن قال في المسالك: " ويشكل بأن التخليص والمصلحة قد تكون مشتركة بينهما، بل هو الاغلب، وقد تكون مختصة بصاحب الدار، بأن لا يكون لصاحب الدابة حاجة إلى إخراجها، لصغرها أو عدم صلاحيتها للانتفاع، وصاحب الدار يحتاج إليها في موضع الدابة عاجلا والفرض انتفاء التفريط، نعم لو خيف هلاك الدابة بدون الاخراج اتجه وجوبه، لحرمة الروح، ومع ذلك ففي اقتضاء ضمان صاحب الدابة نظر ". قلت: الذي ينبغي في هذه ونحوها بعد ملاحظة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة الجمع بين الحقين ترجيح الاعظم ضررا منهما على الآخر إذا لم

[ 209 ]

يكن عن تفريط كما هو المفروض، ومع فرض التساوي من كل وجه يرجع إلى القرعة أو إلى اختيار الحاكم، وهكذا في كل حقين تزاحما ولا مرجح لاحدهما ولو من جهة التفريط وعدمه. وكان وجه ما ذكره الاصحاب في الفرض أن صاحب الدابة مكلف بأخذها من دار الغير وتخليص ملكه منها، فكل ضرر حصل على صاحب الدار بالنسبة إلى ذلك وجب جبره على صاحب الدابة، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار. ولعل مثل ذلك لو جاء السيل بنخلة زيد مثلا فأثبتها في أرض الغير، فان عليه تخليص ملك الغير منها، وجبر كل ضرر يكون من ذلك عليه. ولعله لذا ذكره في التذكرة مفروغا منه، بل قال فيها: " هو ظاهر مذهب الشافعية أيضا، لانه إنما نقض بتخليص ملكه " نعم حكي عن بعض الشافعية أنه لا يضمن صاحب الفصيل شيئا، لانه لا تفريط من أحد، والاخراج لابد منه، لحرمة الروح، ثم قال: " وإنما يتم هذا فيما إذا خيف هلاكه لو لم يخرج ". قلت: بل قد يقال بضمانه حينئذ أيضا، لان خوف الهلاك لا يدفع الضمان عنه. ثم قال: " وهكذا إذا باع دارا فيها حباب لا تخرج إلا بنقض الباب، فإذا نقلها كان إصلاح ذلك عليه، لانها لتخليص ملكه " وهو كالصريح في المفروغية من ذلك، نعم لو اختار صاحب المال إتلاف ماله لاجل أن لا يغرم كان له ذلك، كما هو واضح. والله العالم. (ولو أدخلت دابة رأسها في قدر) مثلا (وافتقر إخراجها) منه (إلى كسر القدر فان كانت يد مالك الدابة عليها أو فرط في

[ 210 ]

حفظها ضمن) القيمة إن لم يكن لمكسوره قيمة أو الارش إن كان (وإن لم يكن يده عليها وكان صاحب القدر مفرطا - مثل أن يجعل قدره في الطريق - كسرت القدر عنها ولا ضمان في الكسر) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بين من تعرض له من الشيخ والفاضل والشهيدين والكركي. نعم في التذكرة في صورة تفريط صاحب الدابة " فان كانت غير مأكولة اللحم لم يجز ذبحها، ووجب كسر القدر مع ضمانه، وإن كانت مأكولة اللحم فهل تذبح أو يكسر القدر ؟ الاقرب ذبحها، لانه ينتفع بلحمها، فيقل الضرر على صاحبها، والنقص إن كان فمن صاحبها وقع حيث وقع التفريط منه ". قلت: قد يلوح منه الترجيح بقلة الضرر، إلا أن ما ذكره أخيرا يأتي في الاول مع فرض كون التفريط منه. وفي الدروس بعد أن ذكر الحكم كما ذكره المصنف وغيره قال: " ولو كان كسرها أكثر ضررا من قيمة الدابة أو أرشها احتمل أن تذبح الدابة ". وفيه - مضافا إلى عدم تفصيله بين المأكول وغيره - إمكان منعه مع فرض كون التفريط منه، لانه حينئذ السبب في إدخال الضرر على نفسه. ثم قال: " أما لو أدخل دينارا في محبرته وكانت قيمتها أكثر منه ولم يمكن كسرها لم تكسر المحبرة، وضمن صاحبها الدينار مع عدم تفريط مالكه، ولو دخلت زهرة اليقطين في إناء الغير فعظمت اعتبر التفريط، ومع انتفائه يتلف أقلهما قيمة ويضمن صاحب الآخر، وإن تساويا فالاقرب أن الحاكم يجبرهما، فان تمانعا فالقرعة ".

[ 211 ]

وفيه إشعار في الجملة بما ذكرناه من الميزان في تزاحم الحقوق، لكن لا يخفى عليك ما في قوله: " فالاقرب " إلى آخره، سواء أراد الاجبار أو التخيير، أللهم إلا أن يريد من التخيير أن الحاكم يخير كلا منهما في كل من الامرين، لاشتراكهما معا في مفاد الاصول وغيره، إلا أنه لما كان ذلك لا يقطع الامر لاحتمال التمانع في الخارج امر بالقرعة، وإلا فمع فرض سبق أحدهما إلى شئ من الفردين لم يكن عليه إثم، إلا أن ذلك أيضا كما ترى. والتحقيق ما ذكرناه من كون التخيير في القطع للحاكم، وأولى منه الرجوع إلى القرعة، والله العالم. ولو فرطا معا فعن التذكرة كسرت القدر أيضا، وضمن صاحب الدابة، لانه لمصلحته، وفيه إشكال، بل عن الاردبيلي الجزم بعدم الضمان. (و) كيف كان ف‍ (- ان لم يكن من أحدهما تفريط ولم يكن المالك معها وكانت القدر في ملك صاحبها كسرت، وضمن صاحب الدابة، لان ذلك لمصلحته) كما في القواعد ومحكي المبسوط وغيره، بل في المسالك أنه المشهور. لكن أشكله بنحو ما سمعته سابقا من " أن المصلحة قد تكون مشتركة وقد تكون مختصة بصاحب القدر أو غالبة، خصوصا إذا كان ما يبقى من القدر بعد الكسر له قيمة، فان حفظه مصلحة لمالكها، وقد تكون قيمة القدر أو أرشه تزيد عن قيمة الدابة على تقدير إتلافها، فالزام صاحب الدابة زيادة عن قيمة دابته بعيد، وأيضا فقد تكون مأكولة اللحم فلا يفوت عليه بذبحها ما يقابل القدر أو ما يفوت منها، وكون المقصود خلاص الحيوان لانه ذو روح لا يتم مطلقا، لانه على تقدير صلاحيته للذبح لا يتعين تخليصه ببقائه ليكون حكمه حكم القدر مع

[ 212 ]

اشتراكهما في عدم التفريط. واحتمل في الدروس ذبح الدابة مع كون كسر القدر أكثر ضررا من قيمة الدابة أو أرشها ترجيحا لاخف الضررين، وبالجملة فحكم المسألة مع انتفاء التفريط مشكل وإن كان المشهور ما ذكره المصنف ". قلت: لا يخفى عليك - بعد الاغضاء عما في بعض كلامه - عدم الاشكال في ذلك وفي غيره من الامثلة المذكورة في المقام من بلع الشاة جوهرة الغير وغير ذلك، مع الاحاطة بما ذكرناه من الميزان في تزاحم الحقوق. ولعل إطلاق الاصحاب أن المصلحة لصاحب الدابة مبني على اقتضاء بقاء القدر هلاكها، فالضرر عليه حينئذ بالبقاء، دون صاحب القدر الذي يأخذ قدره بعد الموت تاما، ومن هذه الجهة خصوا صاحب الدابة بالضمان، أما لو فرض عدم ذلك مع كون القدر في رأسها وإن تضررت فالمصلحة مشتركة بينهما، كما هو واضح، خصوصا مع فرض احتمال تلفه لو بقي على رأسها، والفرض أن لمكسوره قيمة، فتأمل. نعم بقي شئ: وهو أن التفريط جهة مرجحة لغير المفرط على كل حال وإن عظم ضرره في ظاهر كلامهم، إلا أنه لا يخلو من إشكال في بعض الافراد. هذا وفي المسالك أيضا " واعلم أن عطف المصنف قوله: " ولم يكن المالك معها " على ما إذا لم يكن من أحدهما تفريط غير جيد، لان عدم كون المالك معها قد يكون من موجبات عدم التفريط، وقد يجامع التفريط، وكذا قوله: " وكانت القدر في ملك صاحبها " فانه من أمثلة عدم التفريط، فعطفه عليه المقتضي للمغايرة وكونه شرطا آخر مع عدم التفريط ليس بجيد، وكان حقهما أن يكونا مثالين لعدم التفريط،

[ 213 ]

ولو جعل الواو للحال قرب من المقصود، وإن كان لا يخلو من قصور في الجملة ". قلت: قد يقال: إن وجود المالك مع الدابة مقتض لضمان ما تحته وإن لم يكن مفرطا، ومن هنا جعله في الاول مقابلا للتفريط، وأما القدر فالواو فيه للحال كما ذكر، فلا إشكال في العبارة حينئذ، والله العالم. المسألة (التاسعة:) (قال الشيخ (رحمه الله) في المبسوط: إذا خشي على حائط جاز أن يسند بجذع) مثلا (بغير إذن مالك الجذع مدعيا للاجماع) أي قال: بلا خلاف (وفي دعوى الاجماع) المزبور (نظر) ضرورة عدم حكاية موافق له ممن تقدمه أو عاصره. نعم في الدروس بعد أن حكى ذلك عنه قال: " وحينئذ الاقرب ضمان عينه واجرته وإن انتفى الاثم " وهو - مع أنه غير صريح في وفاقه - لا مدخلية له في ثبوت الدعوى المزبورة. ولعله لذا نزله في جامع المقاصد على خصوص خوف تلف النفس المحترمة، قال: " والحق أنه إن خيف بترك ذلك ضرر على نفس محترمة ونحو ذلك جاز إسناده، لجواز إتلاف مال الغير لحفظ النفس. ويضمن العوض، ويلوح من تعليل الشيخ إرادة هذا المعنى، حيث قال: إن مراعاة المصالح الكلية أولى من الجزئية مع التعارض، وهذا حيث لا يمكن نقضه أو يخاف المعالجة قبله ".

[ 214 ]

قلت: لا دلالة في كلامه على خصوص تلف النفس، ويمكن حمل كلامه على ما ذكرناه أيضا من الميزان مع التعارض في الحقوق، فيقدم الكلي منها على الجزئي، كما لو كان حائط في طريق المسلمين مثلا أو كانت قنطرة كذلك، فان إسناده بجذع الغير مع فرض انحصار الامر فيه والجبر بالارش والاجرة ونحو ذلك أولى، فانه جهة مرجحة أيضا، ولعل ذلك باب عظيم ينفتح منه أمور كثيرة، فتأمل، والله العالم. المسألة (العاشرة) (إذا جنى العبد المغصوب عمدا فقتل ضمن الغاصب قيمته) يوم تلفه غير مستحق عليه القصاص أو أعلى القيم من يوم غصبه إلى يوم تلفه أو غير ذلك مما عرفت البحث فيه سابقا. إنما المراد هنا بيان كونه مضمونا على الغاصب وإن كانت الجناية من العبد بلا تفريط من الغاصب، ولا أجد خلافا في ذلك بل ولا إشكالا لما عرفته مكررا من كون يد الغاصب يد ضمان وإن تلف بآفة سماوية. ولا فرق في الضمان المزبور بين القصاص فيه بعد رده إلى سيده أو قبله، ضرورة عدم براءته بالرد المزبور، لثبوت الاستحقاق عليه في يده والفرض ضمانه، وكذا لو ارتد في يد الغاصب فقتل بعد رده إلى السيد أو قبله. نعم لو غصبه مرتدا أو سارقا فقتل أو قطع عنده فالاقوى ضمانه إياه مستحق القتل أو القطع، ضرورة عدم خروجه بالارتداد ولو فطريا عن الملك، فله قيمته، بل صرح بعضهم بجواز بيعه كذلك، خصوصا

[ 215 ]

بعد القول باختصاص جواز قتله للسلطان بناء على أنه من الحدود، وقد لا يظفر به. ومن هنا يظهر لك أنه لا فرق في الردة بين الفطرة والملة إذا كانت مقتضية للقتل. فما في القواإعد - من الاشكال في ذلك مما عرفت ومن وجود السبب في يد المالك فهو كوجود المسبب وأنه لا يضمن بالجناية فلا يضمن باليد، وأن إزالة ملك المالك لا تضمن بالقتل فأولى أن لا يضمن إزالة يده - واضح الضعف، إذ كل ذلك كما ترى. وأضعف من ذلك قوله متصلا بالاشكال السابق: " فان منعناه ضمن النقص الزائد على المقدر لو حصل زائد عليه " سواء كان مراده خصوص القطع أو الاعم منه ومن الارتداد، على معنى أنه لو كان قيمته ماءة فقطع ونقصت قيمته إلى عشرين فانه يضمن الزائد على جنايته التي هي نصف القيمة، وهو ثلاثون، أو كانت قيمته ألفي دينار فقتل فانه يضمن الغاصب حينئذ ألف دينار. إذ هو كما ترى لا وجه له بعد أن كانت الجملة غير مضمونة على الغاصب كما هو المفروض، فالمتجه عدم ضمانه شيئا، وهو واضح. وأضعف منهما قوله متصلا بذلك: " وكذا الاشكال لو انعكس " أي ارتد أو سرق في يد الغاصب فقتل أو قطع في يد المالك، ضرورة منافاته لما سبق منه ومن غيره في خصوص ذلك. بل ولقواعد الغصب التي منها ضمان العين المغصوبة على الغاصب على كل حال من غير فرق بين الآفة السماوية وغيرها. نعم لو ارتد في يده ثم مات في يد المالك من غير قتل ضمن الارش خاصة، لانه رده ناقصا والفرض عدم قتله، فلا يضمن كمال القيمة،

[ 216 ]

كما أنه لا يبرأ بالموت عن الارش ضرورة تحقق النقصان فيه وإن تلف بالموت لا بالعيب الحادث في يد الغاصب. ومن ذلك يعلم أن الوجه فيما لو اشترى مرتدا أو سارقا فقتل أو قطع في يد المشتري عدم رجوعه بشئ على البائع مع فرض علمه وإقدامه المسقطين لخيار العيب، أما مع الجهل فله الارش خاصة، فما في القواعد من الاشكال في أنه من ضمان البائع في غير محله، والله العالم. (و) كيف كان ف (- ان طلب ولي الدم الدية) في مفروض المسألة على الوجه الشرعي المقرر في العبد (لزم الغاصب أقل الامرين من قيمته ودية الجناية) كما صرح به الفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم، بل لا أجد فيه خلافا بيننا، وإن قال في المسالك: " إنه الاشهر " مشعرا بوجوده، إلا أنا لم نتحققه. وعلى كل حال فوجهه أنه الذي يستحقه الولي مع فرض كون طلبه على الوجه الذي ذكرناه، ضرورة أن الدية إن كانت أقل فظاهر، وإن كانت القيمة أقل فان الجاني لا يجني على أكثر من نفسه. نعم لو اقترح غير ذلك بأن طلب أضعاف قيمته على العفو عن القصاص عنه وجب على الغاصب بذله لما عرفته من تكليفه بالاشق بالنسبة إلى رد العين، فكل ما يتوقف على ذلك يجب عليه دفعه، وقد احتمله في جامع المقاصد هنا، بل مال إليه غيره. ولعله لا ينافيه ما في المتن وغيره بعد تنزيله على ما ذكرناه، أللهم إلا أن يقال: لا يجب على الغاصب بذل الزائد المقترح، لكن فيه منع واضح. ولو مات العبد المزبور دفع الغاصب القيمة التي ثبتت عليه بالغصب للمالك، فان رجع المجني عليه على المالك بالقيمة التي هي بدل العين التي تعلق بها حق الجناية دفعها إليه مع فرض المساواة بين القيمة المدفوعة

[ 217 ]

للغصب وبين قيمة الجناية، ورجع على الغاصب بقيمة اخرى بلا خلاف أجده في شئ من ذلك ولا إشكال، عدا استحقاق رجوع المجني عليه على المالك بالقيمة، لاحتمال اختصاص رجوعه على الغاصب، فيختص المالك حينئذ بما أخذ، كما أنه يختص الجاني بأرش جنايته لو أخذه، ولا يرجع عليه المالك، فهما حينئذ كرجلين لكل واحد منهما دين على ثالث، بل عن التذكرة نفي البأس عن ذلك وأن المشهور عند الشافعية الاول. قلت: لعل وجه رجوعه على المالك أنه قبض قيمة العين التي تعلق بها حق المجني عليه على وجه ينتقل منها إلى قيمتها. بل قد يتوهم عدم رجوع المجني عليه على الغاصب باعتبار عدم ضمانه للعين التي تعلقت بها الجناية بالنسبة إلى الجاني، ولذا لا يجوز له ردها للسيد بعد الجناية. لكن يدفعه أنا نمنع ذلك بعد تعلق الحق فيها، كما يمنع بالنسبة إلى قيمتها أيضا، لقيامها مقامها، فالذي جوز رجوعه على الغاصب هو دفعه لما تعلق لحق المجني عليه من غير إذن، نحو رجوع الديان على من دفع عينا من تركة الميت إلى وارثه مثلا بغير إذن منه، نعم لو كان الدفع باذن المجني عليه اتجه عدم الرجوع حينئذ. وعلى كل حال فليس هو كدينين على ثالث، بل هو دين واحد تعلق به حقان وإن رجع السيد على الغاصب إذا أخذه منه ذو الحق المقدم عليه باعتبار ضمانه عليه، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلامهم. ومن ذلك أيضا ما يظهر من غير واحد من التفاوت بين القيمة المضمونة للجناية وبينها للغاصب، بناء على ضمان أعلى القيم له، فيختص المالك حينئذ بالزائد، ولا رجوع للمجني عليه في ذلك، مع أنه قد يشكل

[ 218 ]

ذلك خصوصا لو فرض الاعلى بعد حصول الجناية، بأن حق الجناية إنما تعلق بالرقبة، ولذا لو مات ولم يكن مضمونا سقط، ولكن لما كان مضمونا بالغصب قامت قيمته مقام عينه في التعلق، فأي قيمة كانت للغصب يتعلق بها حق الجناية، لانه تابع له في ذلك، فلا فرق بين القول بالاعلى وغيره. ولو كان العبد وديعة فجنى بالمستغرق ثم قتله المودع بالفتح فعليه قيمة يتعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذها الولي لم تجب قيمة اخرى على المودع، لانه جنى وهو غير مضمون عليه، كما هو واضح، هذا كله في الجناية الموجبة قصاصا في النفس. (وإن أوجبت قصاصا فيما دون النفس فاقتص منه ضمن الغاصب الارش) على حسب ما تقدم الكلام فيه سابقا لو جنى هو عليه نفسه. (وإن عفي على مال ضمن الغاصب أقل الامرين) على حسب ما سمعت الكلام فيه في النفس، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع فلا حاجة إلى عود الكلام. ولو جنى في يد سيده بالمستوعب ثم غصب فجنى اخرى بالمستوعب ولم يحكم به للاول ففي القواعد ومحكي التذكرة وجامع المقاصد بيع فيهما، ويرجع المالك على الغاصب بما أخذه الثاني منهما، لان الجناية وقعت في يده وكان للمجني عليه أولا أن يأخذه دون الثاني، لان الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا، فلا يتعلق به حقه، ونحو ذلك ما ذكرناه سابقا عن التحرير. والظاهر كون المراد مع اختيارهما البيع، لا أنه يباع عليهما قهرا، إذ لا إشكال في جواز استرقاقه لهما، كما لا إشكال في استرقاق الاول له من دون حاجة إلى حكم به، و أنه لو استرقه الاول ثم جنى الجناية

[ 219 ]

الثانية اختص بالثاني. نعم يشتركان فيه مع فرض عدم استرقاق الاول له مثلا على ما قدمناه سابقا من عدم اختصاص ذي الجناية الاولى به ولا الثاني وإن أوهم الاخير بعض النصوص (1) لكنه معارض بغيره (2) كما تقدم البحث فيه سابقا، ويأتي إنشاء الله، والامر في ذلك كله سهل. إنما الكلام في استحقاق رجوع الاول بما يأخذه المالك من الغصب عوض جناية الثاني، التي هي مضمونة عليه دون الثاني، وقد وجهه في جامع المقاصد بأن حق المجني عليه أولا متعلق بقيمة العبد كلها، لان الفرض أن الجناية مستوعبة، وقد وجد باقي القيمة، فيتعلق به حقه، وأما الثاني فلان الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانيا، وهو نصف القيمة المستحق له، فلا يتعلق به حقه مرة اخرى، لاستحالة تعلق حقه به مرتين، والنصف الآخر من القيمة قد فات بتعلق حق المجني عليه أولا به، فكان القيمة من أول الامر مقدار النصف. وأما المجني عليه الاول فان حقه متعلق بتمام القيمة والجناية الثانية لكونها مضمونة على الغاصب في حكم المنتفية، فيبقى تعلق حقه بالقيمة جميعها ثابتا، ولما لم تكن الجناية الاولى مضمونة على الغاصب لم يكن للمالك الرجوع لما أخذه المجني عليه أولا. قلت: لكن قد يقال: إن ما أخذه المالك بسبب الغصب لا مدخلية له في الجناية، فلا يتجه رجوع الاول عليه بها، إذ هما حيثيتان، مختلفتان، وأقصى الادلة اشتراك الجنايتين برقبة العبد دون غيره، وإلا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب القصاص في النفس الحديث. - 2 من كتاب القصاص.

[ 220 ]

لا قتضى شركة الثاني، فان الفرض كون الثانية كالاولى في التأثير، ولا مدخلية للسبق، فمع فرض وجود باقي القيمة يتعلقان به معا وإن كان هو عوض الثانية منهما. وفيه أن المجني عليه الاول أولى بذلك، لان المالك بحكم منقطع السلطان عليه بالجناية الاولى المفروض كونها مستوعبة، أقصى ما هناك قد زاحمتها الجناية الثانية في عينه دون القيمة الحاصلة بسبب الضمان الذي هو تدارك ما أخذه الثاني. أللهم إلا أن يقال: إن الضمان المزبور لم يكن للمجني عليه الاول، لان الفرض عدم منع الغاصب له عن استيفاء جنايته، وإنما هو للمالك باعتبار بقاء العين على ملكه قبل الاستيفاء. وعلى كل حال ينبغي أن يكون الذي يضمنه الغاصب قيمة نصف عبد مستحق عليه الجناية الاولى، لان الفرض أن غصبه كذلك، لا نصف قيمته بدون الوصف المزبور كما عساه يظهر من كلام المتعرضين له. وكيف كان فالمسألة محتاجة إلى التأمل. ولو مات في يد الغاصب فعليه قيمته، تقسم بينهما، ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة، ويكون للمجني عليه أولا أن يأخذه منه بناء على ما عرفت، وفيه البحث السابق، ولو وهب المجني عليه ثانيا ما أوجبته الجناية للمالك فالرجوع بالنصف بحاله، نعم لو وهبه للغاصب لم يبعد سقوط الرجوع به، فتأمل. ولو جنى على سيده عمدا فاقتص منه وليه ضمن الغاصب كالاجنبي، لاطلاق الادلة، ولو جنى على طرف فاقتص منه سيده ضمن الغاصب أكثر الامرين على الوجه السابق. وما في القواعد - من الاشكال في أصل الضمان باعتبار أنه إذا

[ 221 ]

سلمه للمولى فقد مكنه منه غاية التمكن - واضح الضعف. نعم لو كانت الجناية خطأ أو شبه عمد فلا ضمان على الغاصب لعدم ثبوت مال للسيد على عبده، وما عن الايضاح من الضمان أيضا كالاجنبي واضح الضعف. نعم لو فرض حصول نقص في قيمته بالجناية المزبورة ضمنه كما يضمنه لو حصل في العمد من حيث الجرأة، وهو غير أرش الجناية. ولو عفا السيد على مال ففي التذكرة ثبت المال على العبد، وفداه الغاصب بأقل الامرين من أرش الجناية وقيمة العبد كالاجنبي، وحكاه في جامع المقاصد عنها، ثم قال: " ووجه أن المال ليس بثابت هنا أصالة من أول الامر، فيمتنع ثبوته، لاستلزامه وجوب مال للسيد على عبده وإنما هو عوض عن جناية ثابتة مستحقة على العبد مضمونة على الغاصب فلا يمتنع ثبوت عوضها، لان الخيار في ذلك إلى المجني عليه ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه، وحمله على إرادة العفو عنه على المال بالمعنى الاقتراحي لعدم القصاص منه كما تقدم سابقا لا يقتضي الفداء بأقل الامرين، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (الحادية عشر:) (إذا نقل المغصوب إلى غير بلد الغصب لزمه إعادته) إن كان مالكه فيه بغير إشكال، لتوقف الاداء والرد على ذلك. أما لو كان مالكه في غيره وجاء به الغاصب إليه ففي المسالك " تخير المالك بين أن يقبضه حيث يدفعه إليه وبين أن يأمره بالرد إلى المكان الذي غصبه فيه، لانه عاد بنقله، فكان الرد عليه حيث يطلبه

[ 222 ]

المالك وله أن يأمره برده إلى بعض المسافة، بل هو أولى ". قلت: قد يناقش فيه إن لم يكن إجماعا بعدم الدليل عليه، بل مقتضى الاصل أو الاصول خلافه، بل ظاهر " تؤدي " (1) بل و " مردود " (2) ذلك أيضا إذا كان المراد الرد إلى المالك. أللهم إلا أن يقال: إن الظاهر من الرد إرجاع الشئ إلى المحل الذي أخذه منه خصوصا بعد الاعتضاد بفتوى من وقفنا عليه من الاصحاب. ثم قال: " وحيث يرضى المالك ببقائه دون المكان الاول ليس للغاصب الزيادة عليه، لانه تصرف في المغصوب بغير إذن المالك، فلو تجاوز به المأذون فللمالك إلزامه باعادته، لتعديه في النقل كأصله ". قلت: قد يناقش بوجوب الاعادة مع فرض المجئ به إلى بلد الغصب وإن أثم بذلك. وكيف كان فحق المالك على الغاصب الرد لا مؤونته (و) حينئذ ف‍ (لو طلب المالك الاجرة عن إعادته لم يلزم الغاصب ل‍) ما عرفت من (أن الحق هو النقل) لا اجرته (ولو رضي المالك به هناك لم يكن للغاصب قهره على الاعادة) قطعا. إنما الكلام في قهر المالك الغاصب على الرد في غير بلد الغصب، وفي المحكي عن التذكرة أنه لو نقل حرا صغيرا أو كبيرا من موضع إلى موضع آخر بالقهر فان لم يكن له غرض في الرجوع إلى الموضع الاول فلا شئ عليه، وإن كان فاحتاج إلى مؤونة فهي على الناقل على إشكال. بل في المسالك الجزم به، ضرورة عدم دليل على ذلك بعد ما ذكرناه من عدم الضمان بقاعدة لا ضرر ولا ضرار ونحوهما، فتأمل جيدا، والله العالم.


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس.

[ 223 ]

(النوع الثاني) (في مسائل التنازع) (وهي ست:) المسألة (الاولى:) (إذا تلف المغصوب واختلفا في القيمة ف‍) - عن المقنعة والنهاية أن (القول قول المالك مع يمينه) بل (و) عن التحرير (هو قول الاكثر) وإن كنا لم نجده لغيرهما. (وقيل) والقائل الشيخ والحلي والفاضل وولده والمقداد والشهيدان والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم: (القول قول الغاصب) بيمينه، بل في المسالك نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل في الرياض إلى عامتهم. (و) لا ريب في أنه (هو أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها أصالة براءة ذمته باعتبار أنه غارم ومنكر. لكن في صحيح أبي ولاد (1) " فمن يعرف ذلك - أي القيمة - ؟


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 224 ]

قال: أنت وهو، إما أن يحلف هو على القيمة فتلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا فيلزمك " مؤيدا بأعرفية المالك بقيمة ماله من الغاصب الذي يناسبه الاخذ بأشق الاحوال. ولعله لذا قال في الكفاية: " لا يبعد ترجيحه " وفي الرياض " لو لا إطباق متأخري الاصحاب على العمل بالاصل العام وإطراح الرواية لكان المصير إليها في غاية القوة ". قلت: لكن قد يقال: يمكن حمله على إرادة بيان إن ذلك طريق لمعرفة القيمة مع التراضي بينهما في ذلك، لا أن المراد بيان تقديم قوله مع عدم التراضي وإلا لم يكن معنى لقوله (عليه السلام): " أو يأتي.... بشهود " ضرورة عدم الحاجة إليهم في إثبات قوله، بناء على أن القول قوله. بل قد يشعر قوله: " إما " بما ذكرناه، لان معادله المقدر " وإما أن يحلف هو فيلزم ما يحلف عليه، أو يرد اليمين عليك فيلزمه ما تحلف عليه أو يأتي بشهود ". ولعل التأمل الجيد يقتضي أن المراد بالصحيح المزبور بيان انحصار معرفة القيمة كما هي بهما، لكن بالحلف على الوجه المزبور أو بالشهود، وهو كذلك فان كلا منهما مدع بالنسبة إلى تعيين كون القيمة كذا في الواقع، وقولنا بتقديم قول الغاصب يراد منه تقديمه بالنسبة إلى نفي شغل ذمته بالزائد، لا على تعيين كون القيمة كذا، فلا دلالة في الصحيح المزبور على فرض المسألة بما عند الاصحاب من كون المراد شغل ذمة الغاصب بالزائد وعدمه. بل إن لم يحمل على ما ذكرناه من التراضي بينهما على اليمين

[ 225 ]

لم يكن معنى لقوله (عليه السلام): " تعرفها أنت وهو " ضرورة كون المعرفة للمالك حينئذ، بناء على أن القول قوله، وليس المراد من قوله (عليه السلام): " فان رد اليمين عليك " اليمين المردودة المصطلحة، إذ تلك إنما هي على نفي ما يدعيه المنكر لا على إثبات ما يدعيه الغاصب فلا محيص حينئذ عن حمل الصحيح المزبور على ما ذكرناه، وإلا نافى قواعد القضاء، فتأمل جيدا. والله العالم. وأما التأييد المزبور فليس دليلا شرعيا، فالاقوى حينئذ تقديم قول الغاصب في نفي الزيادة على ما أقر به، لكن مع ذكره قيمة للعين المغصوبة ممكنة. (أما لو ادعى ما يعلم كذبه فيه مثل أن يقول: ثمن الجارية حبة أو درهم لم يقبل) قطعا، للعلم بكذبه، وهل يقدم حينئذ قول المالك بيمينه لانتفاء الوثوق بالغاصب، لظهور كذبه وحصر دعواه فيما علم انتفاؤه فيلغى قوله بالكلية أو يطالب بما يكون محتملا فيقبل منه وهلم جرا ؟ وجهان. وفي جامع المقاصد لم أجد تصريحا بأحدهما، لكن في التحرير صرح بالثاني منهما، وهو الذي قواه في الروضة والمسالك اطرادا للقاعدة، ولا يلزم من إلغاء قوله المخصوص لعارض كذبه إلغاء قوله مطلقا حيث يوافق الاصل، وهو كذلك. ولو اختلفا بعد زيادة قيمة المغصوب في السوق في وقتها فادعى المالك أنها قبل التلف والغاصب بعده فالقول قول الغاصب أيضا بيمينه، لانه منكر، والله العالم.

[ 226 ]

المسألة (الثانية:) (إذا تلف وادعى المالك) فيه (صفة يزيد بها الثمن كمعرفة الصنعة ف‍) لا خلاف أجده هنا في أن (القول قول الغاصب مع يمينه لان الاصل يشهد له) إذ معرفة الصنعة حادث، والاصل عدمه، نعم في الكفاية في عموم صحيح أبي ولاد (1) ما يخالفه، وقد عرفت الحال فيه. وكذا لو كان الاختلاف في تقدمها لتكثر الاجرة، لاصالة عدمه أيضا، وكذا لو ادعى المالك تخلل الخمر في يد الغاصب فأنكره الغاصب، فان القول قول الغاصب بيمينه، للاصل أيضا، والله العالم. هذا كله في دعوى المالك الصنعة الحادثة التي تزيد بها القيمة. (أما لو ادعى الغاصب عيبا) متجددا لكن عند المالك (كالعور وشبهه) مما هو عارض للعبد بعد الصحة (وأنكر المالك فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل الصحة، سواء كان المغصوب موجودا أو معدوما). لكن في المبسوط " إذا غصب عبدا فرده وهو أعور فقال سيده: عور عندك، وقال الغاصب: بل عندك فالقول قول الغاصب، لانه غارم، فان اختلفا في هذا والعبد قد مات ودفن فالقول قول سيده إنه ما اعور، والفصل بينهما إذا مات ودفن فالاصل السلامة حتى يعرف عيبا، فكان القول قول السيد، وليس كذلك إذا كان حيا، لان العور مشاهد موجود ".


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الغصب الحديث 1.

[ 227 ]

وأول من تعرض لرده الحلي في السرائر، قال: " فان غصب عبدا فرده وهو أعور واختلفا فقال سيده: عور عندك وقال الغاصب: بل عندك قدم قول الغاصب، لانه غارم، وقال بعض أصحابنا: فان اختلفا والعبد قد مات ودفن فالقول قول سيده إنه ما كان أعور، والذي يقوى عندي أن القول قول الغاصب، لانه غارم في المسألتين، والاصل براءة الذمة، وهذا الذي ذكره بعض أصحابنا تخريج من تخريجات المخالفين والذي تقتضيه اصول المذهب ما ذكرناه ". وأما الفاضل فقد وقع له في القواعد عبارات ثلاثة: الاولى " لو تنازعا في عيب يؤثر في القيمة ففي تقديم أحد الاصلين نظر ". والثانية " لو ادعى الغاصب عيبا تنقص به القيمة كالعور قدم قول المالك " وفي جامع المقاصد أنه رجوع عن التردد إلى الجزم. والثالثة " لو ادعى المالك تجدد العيب المشاهد في يد الغاصب والغاصب سبقه فالقول قول المالك على إشكال). قلت: لا يخفى عليك أن التحقيق ما ذكره الشيخ من الفرق بين المسألتين مع إنكار المالك وجود أصل العور، كما هو ظاهر قول الشيخ: " ما اعور " أو صريحه، لانه الذي يقتضيه الاصل بجميع معانيه. ولعله لذا جزم الفاضل بتقديم قول المالك فيه، بخلاف ما إذا كان العور محققا ولكن النزاع بينهما في سبقه ولحوقه، ولا أصل يقتضي شيئا منهما حتى مع العلم بالتأريخ، بناء على ما حققناه في محله، ولا الاقتران الذي مقتضى الاصل أيضا عدمه، مع أنه يمكن فرض المسألة مع القطع بعدمه، ولعله لذا تردد الفاضل. ولكن فيه أن أصل براءة ذمة الغاصب بحاله حينئذ سالم عن المعارض ولهذا جزم الشيخ فيه بأن القول قول الغاصب لانه غارم. وإن كان

[ 228 ]

لم يثبت ما ادعاه من السبق، من حيث تعارض أصلي تأخر الغصب عن العيب والعكس. ومنه يعلم ما في جامع المقاصد، حيث إنه جعل وجه النظر في عبارة الفاضل ناشئا من تعارض الاصلين، قال: " فان الاصل براءة الذمة من أرش ذلك، والاصل السلامة في العبد إلى حين إثبات اليد، فتعارضهما أوجب التردد - ثم قال -: لا يخفى إن التعارض غير واضح، لان أصل السلامة من العيب يقتضي شغل ذمة الغاصب لضمان جميع العبد ومع ذلك لا يبقى أصل البراءة، لوجود الناقل عنه، ولان الاصل عدم تقدم العيب ". وتبعه على ذلك في المسالك. إذ لا يخفى عليك ما فيه، لان أصالة عدم تقدم العيب معارضة بأصالة عدم تقدم الغصب مع فرض جهل التأريخ، أو بناء على أن العلم به كالجهل به، وهو منشأ نظر الفاضل، وأصل السلامة من العيب بعد وجوده الذي هو بمعنى استصحابها إلى حين الغصب ليس هو إلا أصل عدم تقدم العيب على الغصب المعارض بمثله، كما هو واضح. ومنه يعلم ما في عبارة المصنف أيضا إن كان مراده ما يشمل دعوى تقدم العور وتأخره، كما يشعر به قوله: " سواء " إلى آخره معرضا به لما سمعته من الشيخ المقتضي عدم معنى لاصل السلامة مع فرض وجود المغصوب معيبا كما عرفت. ولقد أجاد الفاضل في المختلف حيث إنه بعد أن حكى كلام الشيخ وابن إدريس قال: " والوجه أن نقول: إن كان السيد ادعى بعد موته ودفنه أنه اعور عند الغاصب وادعى الغاصب أنه اعور عند المالك فلا فرق بين المسألتين، وإذا كان قد أنكر عوره مطلقا قدم قوله، وهو الظاهر من كلام الشيخ، فانه قال: القول قول السيد إنه ما اعور

[ 229 ]

والاصل السلامة، ولانه لولا ذلك لما بقي فرق بين الموت وعدمه " وهو جيد جدا، موافق لما حققناه. نعم لو فرض كون دعوى الغاصب أنه أكمه لا عور حادث أمكن حينئذ تقديم قول المالك، لاصالة السلامة التي هي بمعنى غلبة السلامة الواردة على أصل البراءة، إلا أن الكلام في حجية الغلبة المزبورة على وجه تصلح قاطعا للاصل المزبور في المقام، ومع فرضه لا إشكال في الضمان حينئذ لما ذكره، فتأمل جيدا. بل مما ذكرناه يعلم ما في كثير من الكتب، حتى الدروس وإن وافق ما قلناه في الجملة، قال: " ولو اختلفا في تقدم العيب حلف الغاصب عليه، لانه غارم، قاله الشيخ وابن إدريس، ولو قيل: يحلف المالك لان الاصل السلامة وعدم التقدم كالمبيع كان وجها، ولو اختلفا في العيب بعد موته أو انقطاع خبره حلف المالك عند الشيخ والغاصب عند ابن إدريس، والاول أصح ". إذ لا يخفى عليك ما في الوجه الذي ذكره، ضرورة التعارض فيما ذكره من أصل السلامة وعدم التقدم كما عرفت، وحلف المالك على ذلك في البيع لاصالة لزوم العقد والبراءة من الارش، بخلاف المقام المقتضي لشغل ذمة الغاصب الذي مقتضى الاصل براءتها، فتأمل جيدا. والله العالم. المسألة (الثالثة:) (إذا باع الغاصب شيئا) أو وهب مثلا (ثم انتقل إليه بسبب صحيح) كميراث ونحوه ولم نقل بأن ملك الفضولي لما باعه

[ 230 ]

إجازة (فقال للمشتري: بعتك ما لا أملك) والآن قد انتقل إلي بسبب صحيح (وأقام بينة هل تسمع بينته ؟ قيل: لا، لانه مكذب لها بمباشرة البيع) الظاهر في أنه ملكه. (وقيل) والقائل الشيخ والفاضل والشهيدان وغيرهم: (إن اقتصر على لفظ البيع ولم يضم إليه من الالفاظ ما يتضمن إدعاء الملكية) كأن يقول: بعتك ملكي أو هذا ملكي أو قبضت ثمن ملكي أو أقبضته ملكي (قبلت وإلا ردت). بل لا أجد فيه خلافا بين من تعرض له منا، بل لم أجد القائل بعدم السماع مطلقا، بل عن المبسوط أنه لم يذكره لاحد من العامة، وإنما ذكره احتمالا، مع أنه واضح الضعف، ضرورة عدم اقتضاء ايقاع البيع مثلا البيعية على وجه يكون تكذيبا للبينة، بحيث لا تكون حجة له إذ البيع حقيقة يقع على الملك وغيره، وتنزيل إطلاق البيع على ما يملكه فيما لو باع النصف مشاعا للقرينة الدالة على ذلك لا يقتضي تنزيل إيجاد صيغة البيع على الملكية بحيث تنافي دعواه اللاحقة وبينته، خصوصا مع ملاحظة عموم قوله (صلى الله عليه وآله): (1) " البينة على المدعى واليمين على من أنكر ". ولو أقر بالغصبية بعد أن باعه وقبل الانتقال إليه بسبب صحيح وكذبه المشتري اغرم الثمن للمالك إن أجاز البيع وإلا فقيمته، لكن في القواعد " ولو أقر بائع العبد بالغصبية من آخر وكذبه المشتري اغرم البائع الاكثر من الثمن والقيمة للمالك " ولم يظهر لنا وجه له معتد به، والمتجه ما قلناه، وحينئذ فلو فرض زيادة ما قبض من الثمن عنها


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم - والباب - 25 - منها الحديث 3.

[ 231 ]

وجب عليه دسها في مال المشتري. هذا ولكن ليس للمشتري مطالبته بما دفع إليه من الثمن بعد عدم تصديقه في إقراره كما أنه ليس للبائع مطالبة المشتري مع عدم الاجازة إلا بأقل الامرين من القيمة والثمن، لان الاولى إن كانت أقل فليس له غيرها بمقتضى إقراره، وإن كان الثمن أقل فليس له سواه في ظاهر الشرع، سواء أجاز المقر له أم لا بعد عدم تصديق المشتري. ولو عاد العبد إليه بفسخ أو غيره وجب رده على مالكه واسترجع ما دفعه كما في القواعد وغيرها، بل صرح بعضهم بأن ما دفعه كان للحيلولة، ومقتضاه بقاء العين على ملك المالك وإن دفع له القيمة كما سمعته في الحيلولة، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب الاقرار. ولو كان إقراره في مدة خياره ففي القواعد ومحكي غيرها انفسخ البيع، لانه يملك فسخه، فقبل إقراره بما يفسخه، إذ الاقرار يجب أن ينفذ حيث يمكن نفوذه، وهو ممكن على هذا التقدير، فكان كما لو أعتق ذو الخيار أو باع، ولكن قد تقدم في بحث الحيلولة وفي كتاب الاقرار ما يظهر منه نوع تأمل في ذلك وبحث في القاعدة المزبورة على وجه يحصل منها الانفساخ ظاهرا وإن لم ينشأ الفسخ، فلاحظ وتأمل. ولو أقر المشتري خاصة لزمه رد العبد إلى المقر له، ويدفع الثمن إلى بائعه، ولو اعتق المشترى العبد لم ينفذ إقرارهما معا عليه، وكذا لو باعه على ثالث لم يصدقهما، ولو صدقهما العبد بعد عتقه فالاقرب القبول، وفاقا للفاضل في بعض كتبه، لعموم " إقرار العقلاء " (1) ومن أنه في الاعتاق مانع لوقوعه صحيحا، ومنشئ العقد والايقاع أعلم به.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحدبث 2.

[ 232 ]

لكن في القواعد " ويحتمل عدمه، لان العتق حق لله تعالى، كما لو اتفق العبد والسيد على الرق وشهد عدلان حسبة بالعتق " بل هو المحكي عن المبسوط والتذكرة والايضاح. والاقوى الاول، والفرق بين الامرين واضح، وعلى الثاني فللمالك تضمين أيهما شاء، فيضمنه يوم العتق بناء على المختار، فان ضمن البائع رجع على المشتري، لانه أتلفه، وإن رجع على المشتري رجع بالثمن خاصة. ولو مات العبد وخلف مالا ففي التحرير هو للمدعي إن لم يخلف وارثا ولا ولاء لاحد عليه، وفيه أن المتجه كونه للامام، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (إذا مات العبد) المغصوب مثلا (فقال الغاصب: رددته (اليك خ) قبل موته وقال المالك: بعد موته فالقول قول المالك مع يمنيه) لتعارض الاصلين وتساقطهما، أو أن مفادهما الاقتران الذي لا يفيد البراءة، مضافا إلى اتفاقهما على عدمه، مع أنه حادث والاصل عدمه، وعلى كل حال فيبقى أصل بقاء الضمان بحاله على قطعه لاصل البراءة. ومن هنا كان المشهور على ذلك، بل لا أجد فيه خلافا (و) إن قال المصنف والفاضل في التحرير: (قال في الخلاف: ولو عملنا في هذه بالقرعة كان جائزا) إلا أنا لم نتحققه، فان عبارته المحكية عنه في المختلف في تعارض البينتين قال: " إذا غصب عبدا ومات واختلفا فقال الغاصب: رددته حيا ومات في يد المالك، وقال المالك: رددته

[ 233 ]

ميتا، وأقام كل منهما بينة بما ادعاه سقطتا، وعدنا إلى الاصل وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم رده، ولان كل منهما مدع موت العبد عند صاحبه وتكافئا سقطتا (1) وبقي الاصل وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم رده، وإن عملنا في هذه المسألة على القرعة كان جائزا ". ولعله لذا حكاه في الدروس عنه في ذلك، قال: " ولو اختلفا في رده أو في موته قبل الرد أو بعده أو في رد بدله مثلا أو قيمة حلف المالك، ولو أقاما بينتين تساقطتا، ويحلف المالك، وفي الخلاف يجوز العمل بالقرعة لتكافؤ الدعويين، وهو حسن بل واجب، وقال ابن إدريس: البينة للغاصب، لانها تشهد بما يخفى ". قلت: ولعله كذلك إن لم ترجح بينة الداخل أو الخارج، وإلا كان العمل عليها دونها، كما حققناه في كتاب القضاء. ولعل ما عن المبسوط هنا مبني على ترجيح بينة الداخل، قال: " إذا أقام كل منهما بينة عمل على ما نذكره في تقابل البينتين، وإن قلنا: إن البينتين إذا تقابلتا سقطتا وعدنا إلى الاصل - وهو بقاء العبد عنده حتى يعلم رده - كان قويا ". لكن في محكي السرائر أن الذي قواه مذهب الشافعي في تقابل البينتين لا مذهب أصحابنا، وإنما مذهب أصحابنا بلا خلاف بينهم الرجوع إلى القرعة، لانه أمر مشكل، وهذا ليس من ذلك القبيل، ولا هو منه بسبيل، ولا في هذا إشكال - إلى أن قال -: إنما تسمع بينة الغاصب، لانها تشهد بأمر قد يخفى على بينة المالك، فلا إشكال هنا حتى تستعمل فيه القرعة، بل مثاله رجل غصب مالا ثم قال الغاصب: رددته وقال


(1) وهكذا في النسختين الاصليتين المبيضة والمسودة بقلمه الشريف، وفي المختلف (وتكافئا ولا ترجع سقطتا) وفي الخلاف (وتكافئا ولا ترجيح فسقطتا) وهو الصحيح.

[ 234 ]

المغصوب منه: ما رددته، فالقول قول المغصوب منه، فان أقام كل منهما بينة سمعت بينة الغاصب، لان لبينته مزية على بينة المغصوب منه، لانها تشهد بأمر قد يخفى على بينة المالك، وكذا لو ادعى قضاء الدين وأنكر المالك وأقام كل منهما البينة - إلى أن قال -: ولا يقول أحد من علمائنا: إنه يستعمل هنا القرعة، ولا يعاد إلى الاصل " وحاصله تقديم بينة الخارج على الداخل، وقد ذكرنا في كتاب القضاء تفصيل الحال والاقوال فلاحظ وتأمل. نعم حاول في المختلف جعل الفرض من المتضادين الذي هو محل القرعة أو التساقط والرجوع إلى الاصل، وذلك لان الموت أمر وجودي طارئ على الحياة، فهو حينئذ ضدها، ولا يمكن الجمع بينهما، فحصل الاشتباه الموجب للقرعة أو التساقط والرجوع إلى الاصل. ولعله لذا جزم به في الدروس. لكن فيه أن ذلك لا يخرج المسألة عن مسألة بينة الداخل والخارج فلابد حينئذ من بناء ترجيح إحدى البينتين على ذلك، نعم يرجع إلى القرعة في البينتين المتضادتين ولم تكن أحدهما بينة داخل وخارج، كما في دعوى رجل زوجية امرأة ودعوى آخر كذلك، فتأمل جيدا. هذا كله في الرد حيا أو ميتا. أما رد أصل المغصوب أو قيمته أو مثله فلا إشكال ولا خلاف في أن القول قول المالك، لان الاصل عدم ذلك، فهو منكر، ولا يشكل ذلك باقتضائه التخليد في السجن حينئذ، لامكان الالتزام بذلك، كما لو أقام المالك بينة عليه بوجود عين المغصوب، فيحبس إلى أن يتحقق الحاكم عدم العين عنده، فيلزمه بالمثل أو القيمة، وقد يحتمل الانتقال إلى ذلك من أول الامر، لسقوط التكليف بنفس العين بدعوى الرد التي هي

[ 235 ]

كدعوى التلف التي ذكرها المصنف وغيره فقال: المسألة (الخامسة) (إذا اختلفا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه) بل لا أجد فيه خلافا بينهم، بل عن ظاهر غاية المراد بل والتذكرة الاجماع عليه، وليس - مع أنه مخالف للاصل - إلا لانه لو لم يقبل لزم تخليده الحبس لو فرض صدقه، إذ قد يصدق ولا بينة له. وفي المسالك " ولا يرد مثله فيما لو أقام المالك البينة ببقاء العين، فانه حينئذ يكلف بردها ويحبس مع إمكان صدقه، إذ البينة ببقائها لا تقتضي المطابقة في نفس الامر، لانه يمكن الفرق هنا بأن بقاءها ثابت شرعا، وظاهر الحال يقتضي صدق البينة فيه، فيجوز البناء على هذا الظاهر وإهانته بالضرب والحبس إلى أن يظهر للحاكم كون تركه ليس عنادا، فإذا تعذر الوصول إلى العين انتقل إلى بدلها كما هنا، بخلاف البناء على الاصل، فانه حجة ضعيفة مختلف فيها بين الفقهاء والاصوليين، فلا يناسبها التضييق بالعقوبة ونحوها ". قلت: لكن ذلك كله كما ترى لا يوافق قواعد الامامية، ضرورة كونه مجرد اعتبار، فان ثبت إجماع فذاك، وإلا كان المتجه الحبس إلى أن يظهر للحاكم على نحو البينة. وكيف كان (فإذا حلف) من أول الامر أو بعد اليأس من دفع العين (طالبه المالك بالقيمة لتعذر العين) ولو للحيلولة التي قد عرفت اقتضاؤها ذلك، فما عن بعض العامة - من أنه ليس للمالك المطالبة بالقيمة لانه يزعم بقاء العين فلا يستحق بدلها - واضح الضعف، والله العالم.

[ 236 ]

المسألة (السادسة:) (إذا اختلفا فيما على العبد من ثوب أو خاتم) أو نحوهما فقال المالك: هو لي، وقال الغاصب: هو لي (فالقول قول الغاصب مع يمينه) بلا خلاف أجده فيه (لان يده) حالة الغصب (على الجميع) فيقدم قوله، ولا يعارضه سبق يد المالك بعد زوالها بطرو يد الغصب التي حكم بسببها بضمانه للعين والمنفعة، والله العالم.

[ 237 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أعلام الحق وأدلاء الخلق، السادة الولاة والذادة الحماة. كتاب الشفعة الذي ذكره المصنف وغيره متصلا بكتاب الغصب تنبها على أن ذلك كالمستثنى من حرمة أخذ مال الغير قهرا، للسنة المتواترة التي سيمر عليك جملة منها في تضاعيف الكتاب والاجماع بقسميه عليه، بل هو من المسلمين، وما يحكى عن جابر بن زيد والاصم من إنكار الشفعة على فرض صحة الحكاية من الشواذ المعلوم بطلانه، خصوصا بعد الطعن في عقيدة جابر منهما بالخروج.

[ 238 ]

وعلى كل حال ففي بعض كتب الشافعية أنها اختلف في مأخذها لغة هل هي مشتقة من الشفع بمعنى الضم أو الزيادة أو التقوية، أو من الشفاعة ؟ أقوال متقاربة. وفي التنقيح " هي مأخوذة من الزيادة، لان سهم الشريك يزيد بما يضم إليه، فكأنه وتر فصار شفعا ". وفي المسالك تبعا للتذكرة وجامع المقاصد " مأخوذة من قولك: شفعت كذا بكذا إذا جعلته شفعا به، كأن الشفيع يجعل نصيبه شفعا بنصيب صاحبه، ويقال: أصل الكلمة التقوية والاعانة، ومنه الشفاعة والشفيع، لان كل واحد من الوترين يتقوى بالآخر ومنه شاة شافع للتي معها ولدها، لتقويتها به ". وفيه ما لا يخفى، إلا أن الامر سهل، كسهولة الامر فيما ذكر في تعريفها المحكي عن أبي الصلاح وابني زهرة وإدريس وغيرهم بأنها استحقاق الشريك المخصوص على المشتري تسليم المبيع بمثل ما بذل فيه أو قيمته. (و) في القواعد هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه بالبيع، كقول المصنف هنا: (هي استحقاق أحد الشريكين حصة شريكه بسبب انتقالها بالبيع). وفي النافع " استحقاق حصة الشريك لانتقالها بالبيع ". وفي الاسعاد لبعض الشافعية " هي حق تملك قهري يثبت للشريك على الحادث بالعرض الذي ملك به ". ويقرب منه ما في الدروس " حق ملك قهري يثبت بالبيع لشريك قديم على شريك حادث فيما لا ينقل عادة مع إقراره " إلى غير ذلك، ضرورة معلومية كون المراد منها التمييز في الجملة لترتب الاحكام عليه، وإلا فتمامه يعلم بالاحاطة بالادلة التي ستعرفها إنشاء الله، وليس المراد

[ 239 ]

منها التحديد الحقيقي، ولا أن ذلك للاختلاف بينهم في معنى شرعي لها كما ذكرنا ذلك غير مرة. وحينئذ فلا ثمرة فيما في المسالك من أنه ينتقض تعريف الكتاب في طرده بما لو باع أحد الشريكين حصته للآخر، فانه يصدق عليه أن المشتري قد استحق حصة شريكه الآخر بسبب انتقالها بالبيع، ولا عذر في أن الشريك بعد بيع حصته ليس بشريك، لمنع زوال اسم الشريك عنه، بناء على أنه لا يشترط في صدق المشتق حقيقة بقاء المعنى المشتق منه، ولا مخلص من ذلك إلا بالتزام كونه حينئذ مجازا كما يقوله بعض الاصوليين، لكن الاصحاب لا يقولون به، وعلى هذا فتصدق الشركة بعد المقاسمة، ويلزم ثبوت الشفعة لاحد الشريكين المتقاسمين حصة الآخر إذا باعها لغيره، وهم لا يقولون به، ويصدق مع تكثر الشركاء إذا كانوا ثلاثة فباع أحدهم لاحد الآخرين، فانه حينئذ يصدق بقاء شريكين قد انتقلت الحصة المستحقة بالبيع إلى أحدهما من شريكه، إلا أن يقال هنا: إن الشريك لم يستحق حصة شريكه، بل بعض حصته، وهي المنتقلة بالبيع دون باقي حصته، وهي حصة الشريك الآخر، حيث إن شريكه يشمل الشريكين، بناء على أن المفرد المضاف يفيد العموم، فلم يتحقق استحقاقه حصة شريكه، ويؤيد هذا أن الحصة وإن كانت صادقة ببعض ما يستحقه الشريك كما يقال باع حصة من نصيبه وإن قلت إلا أنه باضافتها إلى الشريك تناولت جميع حصته، بناء على القاعدة المذكورة وقد أشرنا إليها فيما سبق، ولا مخلص من هذه المضايقات إلا بدعوى كون الشريك بعد انتقال حصته لم يبق شريكا عرفا، والاستحقاق بسبب بيع أحد الشريكين الآخر لا يتحقق إلا بعد تمام البيع، ومعه تزول الشركة عرفا وإن صدقت لغة.

[ 240 ]

وكأنه أشار بهذا التطويل إلى بيان ما في جامع المقاصد من الايراد على تعريف الفاضل بأنه صادق على استحقاقه انتزاع حصته ببيعه إياها، ثم إن الحصة لا يعلم أي حصة يراد بها، وكذا الشريك لا يتعين أي شريك يراد به. لكنه على كل حال هو كما ترى مع طوله وقلة محصوله لا يخلو بعضه من خلل، ضرورة كون المراد استحقاق حصة الشريك الحادث بسبب انتقالها إليه بالبيع، ولو سلم إرادة الاول كما هو ظاهر تعريف القواعد فالمراد استحقاق الشريك حصته التي باعها لغيره، فلا يرد شئ مما ذكر، وقول المصنف: " أحد الشريكين " كالصريح في عدم تحققها مع الكثرة فلا يرد ما ذكر من بيع أحد الثلاثة. وأغرب من ذلك ما ذكره في مسألة المشتق، ودعواه الاجماع ظاهرا على عدم اعتبار بقاء المبدأ في الصدق ثم تفريعه على ذلك لزوم تحقق الشفعة بعد المقاسمة، مع أنه ممنوع في مثل الحائض والشريك، وعلى تقديره فلا يلزم منه ما ذكره بعد النص والفتوى على اعتبار عدم القسمة في ثبوتها، إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك حاله. وكذا ما في الرياض تبعا للتنقيح من " أن تعريف المصنف في النافع وإن انتقض في طرده بأمور - منها ما لو باع أحد الشريكين حصته للآخر، فانه يصدق عليه أن المشتري قد استحق حصة شريكه الآخر بسبب انتقالها بالبيع - إلا أنه أجود مما عرفها في القواعد " إلى آخره. لانتقاضه طردا زيادة على ما ينتقض به الاول بأنه قد يستحق الشريك حصة شريكه المنتقلة عنه بالبيع لا بسبب الشفعة بل بسبب آخر، كالارث وغيره، وإنما لا ينتقض ما هنا به لتعليل الاستحقاق بالانتقال بالبيع، ليخرج ما كان الانتقال لا به، بل بغيره من النواقل، كالهبة والاصداق

[ 241 ]

والصلح ونحو ذلك. (و) الامر في ذلك كله سهل. انما الكلام في (النظر في ذلك) أي كتاب الشفعة وهو (يعتمد (يستدعي خ ل) خمسة مقاصد:) (الاول) في (ما تثبت فيه الشفعة) (و) لا خلاف بيننا بل وبين غيرنا عدا النادر الذي عرفته في أنها (تثبت في الارضين كالمساكن والعراص والبساتين) بل تثبت في ذلك (إجماعا) بقسميه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص من الطرفين (1). (وهل تثبت فيما ينقل كالثياب والآلات والسفن والحيوان ؟ قيل) والقائل الاسكافي والشيخان في المقنعة والنهاية والاستبصار والصدوقان والمرتضى وأبو صلاح وابن البراج وابنا زهرة وإدريس بل وحمزة في الظاهر على ما حكي عن بعضهم: (نعم) تثبت (دفعا لكلفة القسمة، واستنادا إلى رواية يونس عن بعض رجاله (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)) التي ستسمعها، ونفى عنه البعد في الدروس واختاره في الرياض، وفي المسالك وغيرها نسبته إلى أكثر المتقدمين وجماعة من المتأخرين، بل في الانتصار الاجماع عليه، وأنه من متفردات الامامية، بل عن


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشفعة وسنن البيهقي ج 6 ص 109. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 242 ]

ابن إدريس الاجماع أيضا وإن كنا لم نتحققه، لان عبارته المحكية عنه في المختلف كما تحتمل ذلك تحتمل إرادة عموم معقد الاجماع أو إطلاقه فلاحظ. (وقيل) والقائل الشيخ والطبرسي والراوندي وسلار والفاضل ووالده وولده والآبي والشهيدان في اللمعة والروضة على ما حكي عن بعضهم: (لا) تثبت، بل عن الخلاف نسبته إلى أكثر أصحابنا، بل عن التذكرة إلى المشهور، بل في الدروس نسبته إلى المتأخرين (اقتصارا في التسلط على مال المسلم بموضع الاجماع، واستضعافا للرواية المشار إليها، وهو أشبه) عند المصنف وفاقا لمن عرفت. إلا أن الرواية المزبورة رواها المشائخ الثلاثة (1) عن الصادق (عليه السلام) " عن الشفعة لمن هي ؟ وفي أي شئ هي ؟ ولمن تصلح ؟ وهل يكون في الحيوان شفعة ؟ وكيف هي ؟ فقال: الشفعة جائزة - وفي الفقية واجبة - في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشئ بين الشريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه، فشريكه أحق به من غيره وإن زاد على اثنين فلا شفعة لاحد منهم ". ومعتضدة بما في الفقيه باسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الله بن سنان (2) " أنه سأله عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه، قال: يبيعه، قلت: فانهما كانا إثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه، فلما أقدم على البيع قال له الشريك: أعطني قال: هو أحق به، ثم قال (عليه السلام): لا شفعة في الحيوان إلا أن يكون الشريك فيه واحدا ". وبصحيح ابن سنان (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه فقال أحدهم: أنا أحق،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2 - 7 - 4.

[ 243 ]

أله ذلك ؟ قال: نعم إذا كان واحدا ". وبصحيح الحلبي (1) في التهذيب وحسنه كالصحيح في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا أنه قال " في المملوك بين شركاء يبيع أحدهم نصيبه فيقول صاحبه: أنا أحق به، أله ذلك ؟ قال: نعم إذا كان واحدا، قيل له: في الحيوان شفعة ؟ قال: لا " المحمول على إرادة نفيها في الحيوان إذا لم يكن الشريك واحدا بشهادة خبر الفقيه الذي به أيضا يقيد إطلاق نفيها في الحيوان في غير الخبر المزبور. وبذلك جمع الشيخ بينها، ولعله أولى من الجمع بينها بتخصيص المملوك من الحيوان، كما تسمعه من الفاضل في المختلف، وعلى كل حال فهي مؤيدة لمرسلة يونس. مضافا إلى إطلاق قول أبي عبد الله (عليه السلام) في حسن الغنوي (2) " سألته عن الشفعة في الدور أشئ واجب للشريك ؟ ويعرض على الجار وهو أحق بها من غيره ؟ فقال: الشفعة في البيوع إذا كان شريكا فهو أحق بها من غيره بالثمن " وغيره من الاطلاقات. وإلى ما يفهم من خبر عقبة بن خالد عن (3) أبي عبد الله (عليه السلام) " قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الارض والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار، وقال: إذا أرفت الارف وحددت الحدود فلا شفعة ". كل ذلك مضافا إلى الاجماع المحكي المعتضد بالشهرة المزبورة الجابرين لما في النصوص المزبورة من الضعف في السند أو الدلالة. مضافا إلى مخالفة العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 244 ]

وربما نوقش في الشهرة المزبورة بأن الصدوقين وابن أبي عقيل لم يذهبوا إلى الاطلاق المزبور. قال في المقنع: " لا شفعة في سفينة ولا طريق ولا حمام ولا رحى ولا نهر ولا ثوب ولا في شئ مقسوم، وهي واجبة في كل شئ عدا ذلك من حيوان أو أرض أو رقيق أو عقار ". وقال أبوه: " الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان أو عقار أو رقيق إذا كان الشئ بين شريكين، وليس في الطريق شفعة ولا في نهر ولا في رحى ولا في حمام ولا في ثوب، ولا في شئ مقسوم ". ولعله لذا حكى عنهما في الدروس إثباتها في الرقيق والحيوان. وقال ابن أبي عقيل: " لا شفعة في سفينة ولا رقيق ". وفي النهاية بعد أن صرح بثبوت الشفعة في الضياع والعقار والحيوان والمتاع قال: " ولا شفعة فيما لا يصح قسمته مثل الحمام والارحية وما أشبههما ". ومن ذلك يعلم أن في المسألة أقوالا لا قولين خاصة، كما عساه يظهر من المصنف وغيره ثبوتها في المنقول مطلقا وعدمها فيه كذلك، والتفصيل بما سمعته من الصدوقين والشيخ في النهاية، بل ومن ابن أبي عقيل إذا كان يثبتها فيما عدا ما ذكر، وتفرد الفاضل في المختلف بثبوتها في الاراضي وفي خصوص المملوك وإن حكاه المصنف فيما يأتي، إلا أنا لم نتحققه. ولا يخفى عليك وجه الجميع بعد الاحاطة بما ذكرناه، مضافا إلى خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا شفعة في سفينة ولا في نهر ولا في طريق


(1) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 245 ]

ولا في رحى ولا في حمام ". وخبر سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ليس في الحيوان شفعة ". والمرسل في الكافي (2) " إن الشفعة لا تكون إلا في الارضين والدور فقط " المنجبر بما عرفت من الشهرة بين المتأخرين بل إطباقهم، بل قد سمعت حكايتها على الاطلاق. وقول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (3) " لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما ". وقوله (عليه السلام) في خبر السكوني (4): " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم ". وقول أحدهما (عليهما السلام) في المرسل (5): " الشفعة لكل شريك لم يقاسم ". وقول علي (عليه السلام) (6): " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم ". والمرسل في الفقيه (7) عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قضى بالشفعة ما لم تؤرف. يعني تقسم " بناء على ظهورها في كون مورد الشفعة القابل للقسمة، بخلاف الحيوان ونحوه، بل ذكر الارف التي هي علامة الحدود في قسمة الاراضي مشعر بأن موردها خصوص الاراضي. بل في بعض كتب الشافعية أن الاصل في عدم ثبوتها في المنقول حديث


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشفعة - الحديث 3. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 - 2 - 3 - 7 - 8.

[ 246 ]

جابر (1) " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وطرقت الطرق فلا شفعة " ورواه البخاري (2) " إنما الشفعة " إلى آخره باعتبار أنه خصها بما تدخله القسمة والحدود والطرق، وهذا لا يكون في المنقولات. بل عن الشيخ الاستدلال بهذه النصوص على الاختصاص، مضافا إلى خبر جابر منها " لا شفعة إلا في ربع أو حائط " ورواه في الاسعاد " الشفعة في كل مشترك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فيأخذ أو يدع " (3). والانصاف أن ذلك كله مما يورث الشك للفقيه، خصوصا بعد عدم الشهرة المحققة المعتد بها للقدماء في ذلك، بل ما حكاه المرتضى عن العامة من اتفاقهم عدا مالك على عدم ثبوتها في المنقول معارض بما عن الخلاف من حمل مرسل يونس (4) على التقية من أبي حنيفة ومالك، كما أن ما ادعاه من الاجماع لم نتحققه، إذ لم نعرف من وافقه على ذلك ممن تقدمه إلا المفيد، مع أنه حكى عنه في المختلف أنه لم يصرح بشئ، وإن كان هو خلاف الموجود عندنا في مقنعته من التصريح بذلك في آخر كلامه، وإلا ابن الجنيد، ولم نقف على عبارته، وليس النقل كالعيان، وأما الصدوقان وابن أبي عقيل فقد عرفت الحال في كلامهم. وأما النصوص السابقة المرسل بعضها والمضطرب الآخر منها في الحيوان الذي يستبعد الجمع بينها بما ذكرناه، لان السؤال في بعضها قد


(1) و (2) سنن البيهقي - ج 6 ص 102. (3) كنز العمال - ج 4 ص 2 - الرقم 1. (4) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 247 ]

وقع عنه بعد المملوك المقيد بوحدة الشريك، على أن حمل النصوص المطلقة على ذلك مع عدم خصوصية للحيوان في غاية البعد، كطرح نصوص السفينة، والاطلاقات المزبورة يشك في إرادة الفرض منها، خصوصا مع ملاحظة الشهرة وعدم سوقها لبيان نحو ذلك. فالتحقيق حينئذ الاقتصار على المتيقن فيما خالف الاصول العقلية والنقلية، وهو الاخذ في غير المنقول، وحمل النصوص في المملوك والحيوان (1) على ضرب من الندب، بل لا يبعد حمل مرسل يونس (2) عليه، والله العالم. هذا كله في المنقول فعلا. (أما الشجر والنخل والابنية فتثبت فيها الشفعة تبعا ل‍) بيع (الارض) بلا خلاف أجده فيه، بل عن المبسوط نفيه في موضعين، بل قيل إن ظاهره نفيه بين المسلمين، ولعله كذلك، بل قد يظهر من ذكر القولين فيما لو أفردا في المتن وغيره الاجماع على ثبوتها في صورة الضم. كل ذلك مضافا إلى دخول الابنية في المساكن التي قد سمعت التصريح بها وبالدور في نصوصنا (3) نعم ليس في شئ منها ذكر الحائط بمعنى البستان الشامل للارض والغرس، وإنما هو موجود في نصوص العامة (4) إلا أنه لا فرق عند الاصحاب بينه وبين البناء، كما أنه ليس في شئ من نصوصنا لفظ البناء، بل فيها الاراضي والمساكن والدور، ومن هنا قد يتوقف فيما لا يدخل تحت اسم المسكن والدار من البناء، كجدار ونحوه وإن حكي عن ظاهر جماعة وصريح آخرين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة الحديث. - 2. (3) الوسائل - الباب - 2 و 4 و 5 - من كتاب الشفعة. (4) سنن البيهقي ج 6 ص 104 و 109.

[ 248 ]

ثبوت الشفعة فيه تبعا للارض، لكنه لا يخلو من نظر، أللهم إلا أن يكون ذلك مثالا لكل ما يثبت في الارض سواء كان مسكنا أو غيره. نعم لا إشكال في تناول اسم الدار لجميع ما يثبت فيها من الابواب والاخشاب والاعتاب ونحوها من المنقولات التي أثبتت تبعا للدار، بل في بعض كتب الشافعية دخول المفاتيح أيضا، وإن كان فيه منع واضح وإن قلنا بتبعيتها لبيع الدار عرفا، كتبعية ثياب العبد ومقود الدابة ورحلها، إلا أن ذلك لا يقتضي التبعية في الشفعة التي مدارها اسم البستان والدار والمسكن لا ما يتبعها عند بيعها، فتأمل جيدا فانه دقيق. على أن الاصل المزبور يقتضي الاقتصار على المتيقن، ولعله لذا جزم في القواعد والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد بعدم الشفعة فيما لو كانت أرض الغرفة سقف صاحب السفل المختص، لعدم التبعية لارضه حينئذ، ولكن في الدروس لا شفعة فيها عند الفاضل مشعرا بنوع تردد فيه. أما لو كان السقف لهما ففي القواعد إشكال، من حيث إنه في الهواء، فليس بثابت، ولا ترجيح في التحرير والدروس، بل في التذكرة الاقرب أن لا شفعة، بل في جامع المقاصد أنه الاصح، لان ثبوت الشفعة فيها تبعا للارض ولا أرض هنا، وعدم النقل عادة لا يخرجها عن كونها منقولة في الاصل وصائرة إلى النقل. إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه، لصدق اسم المسكن والدار، وكون الشئ منقولا أو ثابتا ليس عنوانا في شئ من النصوص، ولعله لذا حكي عن الفخر أن الاولى ثبوت الشفعة، بل لولا ذلك لاشكل حينئذ الشفعة في مسكن الاسفل، باعتبار أن أعلاه ملك لغيره، إلا أنه كما ترى يمكن القطع بعدمه، والله العالم. (و) على كل حال فلا إشكال في البناء والغرس التابع للارض

[ 249 ]

نعم (لو افردا بالبيع نزل على القولين) السابقين بلا خلاف أجده فيه، وكذا لو بيعا مع أرض اخرى. أما لو بيعا مع مغرسهما وأسهما خاصة من أرض البستان والدار فالاصح عند الشافعية عدم الشفعة، لان المبيع من الارض هنا تابع، وهو الاس والمغرس، والمتبوع هنا البناء والشجر (1) ولا يخلو من وجه للشك في التبعية هنا، لعدم صدق البستان والدار على الفرض، إذ هما اسم للمجموع المركب من ذلك، وهو المدار. ومنه حينئذ يعلم عدم الشفعة في الدار التي أرضها غير مملوكة للشريكين ولو لانها مفتوحة عنوة وقلنا بعدم ملكها تبعا للآثار، أو كانت وقفا على غيرهما أو كانت مستأجرة أو عارية أو نحو ذلك، فانها وإن صدق عليها اسم الدار والبستان لكنه لا بيع فيها لارضها مع الآثار حتى تتحقق الشفعة حينئذ. ولو كان في أرض البستان أو الدار زرع يجز مرة بعد اخرى فالذي صرح به بعض الشافعية الشفعة في أصوله وإن كان الجزة الظاهرة لا شفعة فيها. أما إذا لم يكن كذلك بل يجز دفعة واحدة ويؤخذ فلا شفعة فيه. قلت: لعل الاصح خلافه فيهما، ضرورة عدم دخولهما في اسم الحائط والدار حتى تتحقق الشفعة فيه، وليس هو من التوابع الثابتة، ومن هنا كان المحكي عن الخلاف وفقه الراوندي والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد وغيرها عدم الثبوت فيه من دون تفصيل. ولو كان في الدار نخلة أو شجرة أو نحوهما مما لا تسمى بستانا فلا شفعة فيها ببيع الدار، إذ ليس هي منها في شئ، والتبعية الجعلية في البيع لا تجدي، بل قد عرفت أن التبعية العرفية كذلك ما لم تدخل في المسمى على وجه تكون من أجزاء الدار عرفا، مثل الرفوف المثبتة فيه.


(1) في النسختين الاصليتين (والمتبوع وهو البناء والشجر) والاولى ما أثبتناه.

[ 250 ]

بل لو فرض بناء بيوتها أجمع بالخشب ونحوه ثبت فيها الشفعة تبعا للارض، لصدق اسم المسكن والدار، بل لا يبعد إلحاق بناء القصب ونحوه مما يكون مبنيا على الثبات والدوام على وجه الجزئية منها، فتأمل جيدا، فان المدار ما عرفت، وإلا فالفروع المتصورة في المقام كثيرة لا يصعب عليك بحمد الله شئ من أحكامها بعد الاحاطة بما ذكرناه، حتى أصالة عدم الشفعة مع الشك. نعم تتجه الشفعة في ذلك وإن لم تدخل تحت اسم المسكن والبستان والدار بناء على أن البناء والغرس مثال لكل ما يثبت في الارض على هذا النحو، ولذا تثبت الشفعة في الحمام والدكان والرحى والبئر ونحوها مع السعة، ولا يدخل شئ منها في اسم البستان، والدار كما أومأنا إليه في الجدار المبني في أرض. ومن ذلك ينقدح الشفعة حينئذ في النخلة في الدار وفي المنارة مثلا في البستان، بل وفي البيوت التي تبنى فيها لاجل إحراز الثمرة أو لاجل حيواناتها أو لنحو ذلك، بل وما يثبت فيها من حشيش ونحوه وإن كان مما ينقل، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) كيف كان ففي التحرير والنافع (من الاصحاب من أوجب الشفعة في العبد) من المنقول خاصة (دون غيره من الحيوان) فضلا عن غيره، إلا إنا لا نعرفه كما اعترف به الشهيد وغيره، نعم قد سمعت من الفاضل في المختلف اختياره، لصحيحي المملوك (1) السابقين، ونفي الشفعة في الحيوان في أحدهما وفي غيرهما من النصوص. لكن - مع أنه قول - لم نعرف من وافقه عليه لا ممن تقدمه ولا ممن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 3 و 4.

[ 251 ]

تأخر عنه، بل قد عرفت ما في خبر الفقيه (1) المشتمل على نفيها في الحيوان مع التعدد، وبه يجمع بين النصوص. فالمتجه حينئذ عدم الفرق بين المملوك وغيره من أصناف الحيوان إلا أنك قد عرفت ما يدل على عدم جريانها في مطلق المنقول حيوان وغيره، على وجه لا تقاومه النصوص المزبورة بحيث يقيد بها، وكذا مرسل يونس السابق وغيره مما سمعت، ولا أقل من حصول الشك بعد تصادم المرجحات جميعها، والادلة كذلك حتى المطلقات، فيتجه الرجوع إلى الاصل الذي مقتضاه عدم ثبوت الشفعة في غير محل اليقين كما سمعت الكلام فيه سابقا. بل من ملاحظة الاصل المزبور يرجح حينئذ اعتبار قابلية القسمة في محل الشفعة (و) إن قال المصنف: (في ثبوتها في النهر والطريق والحمام و) نحوها م‍ (ما يضر قسمته تردد). لكن (أشبهه) باصول المذهب وقواعده التي قد سمعتها (أنها لا تثبت) وفاقا للشيخ وسلار وابني حمزة والبراج والفاضل وولده والشهيد وأبي العباس والمقداد والكركي وثاني الشهيدين على ما حكي عن بعضهم، بل لعله ظاهر ما سمعته من الصدوقين بل وابن أبي عقيل، بل عن بعض نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل عن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، بل في المسالك هو المشهور خصوصا بين المتأخرين، بل في الدروس عليه المتأخرون. فمن الغريب ما عن المحدث البحراني من الانكار على الفاضل نسبته إلى أكثر علمائنا قائلا: إن الشهرة إنما وقعت بعد العلامة. إذ لا يخفى عليك ما فيه.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 7.

[ 252 ]

على أنه لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن المفيد والمرتضى وابني زهرة وإدريس وأبي علي والقاضي، ولا سابع لهم، على أن مقنعة الاول خالية عن التعرض لخصوص ذلك، نعم فيها تعميم لكل مبيع مشاع. والمحكي عن مهذب الاخير منهم الوفاق للمشهور. وعلى كل حال فيدل على الاول - مضافا إلى الاصل المزبور - ما سمعته من النصوص (1) المشتملة على نفيها في النهر والطريق والرحى والحمام بعد الاجماع على تقييده بغير القابل للقسمة إن لم يكن ذلك هو المنساق منه، بل لعل المنساق منه ولو بضميمة ما عرفت كون ذلك مثالا لكل ما هو غاير قابل لها من الاراضي. واحتمال حمله على التقية يدفعه أن المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وابن شريح والثوري ومالك في إحدى الروايتين ثبوت الشفعة في ذلك، نحو ما سمعته من المرتضى، وهم أولى بالتقية من غيرهم. بل عن الخلاف الاستدلال على ذلك بخبر جابر العامي (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله): " إنما جعلت الشفعة فيما لم يقسم " باعتبار أن " لم " لا تدخل إلا على ما يمكن قسمته ويصح اتصافه بها ولو وقتا، ولهذا يصح أن يقال: " السيف لا يقسم " ولا يقال: " لم يقسم " فالنفي بها حينئذ بمعنى عدم الملكة لا بمعنى السلب. قلت: لعل الاستدلال به باعتبار كون المنفي بها وصفا أو صلة للمقسوم، وإلا فالنفي بها على غير الوجه المزبور موجود في المروي من طرقنا، كقول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل (3): " الشفعة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشفعة. (2) سنن البيهقي - ج 6 ص 102. (3) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 3.

[ 253 ]

لكل شريك لم تقاسمه " وقولهم (عليهم السلام) في عدة أخبار (1): " الشفعة لا تكون إلا لشريك لم تقاسمه ". بل قد يقال بظهوره أيضا في ذلك، لكن لا من حيث خصوص النفي بلم، بل من حيث قوله: " يقاسمه " و " لا يقاسمه " في ذلك أيضا، خصوصا مع قوله (صلى الله عليه وآله) في أحدهما (2) أيضا: " إذا أرفت الارف وحددت الحدود فلا شفعة " في ذلك أيضا. بل وإلى إشعار قوله (صلى الله عليه وآله) في الخبر المزبور: " لا ضرر ولا ضرار " بناء على أن المراد بذلك من حيث احتمال طلب الشريك الحادث القسمة المحتاجة إلى مؤونة، كما عساه يشهد لذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " إذا أرفت " إلى آخره. وإن كان قد يناقش باحتمال كونه تجدد الشركة وسوء الشريك، بل لعله أظهر، وذلك لان الشفعة إنما تثبت بانتقال الملك عن الشريك إلى المشتري، فلابد أن يكون الضرر الذي تناط به الشفعة في ظاهر النص وكلام الاصحاب ناشئا من جهته، وضرر طلب المشتري القسمة ليس ضررا ناشئا منه، لسبقه على الانتقال وثبوته للشريك على كل حال، فضرر طلب القسمة لازم على كل تقدير، بل هو من لوازم الشركة فيما يقبل القسمة، فلا يمكن أن يكون مثله الضرر الذي تناط به الشفعة. بل المراد أن نفوذ سلطنة الشريك على بيع نصيبه على أي حال ضرر على شريكه، كما أن منعه منه ضرر أيضا، فاللازم من ذلك أحقية الشريك من غيره إذا بذل ما بذل غيره، وهذا لا يختلف فيه القابل للقسمة وغيره، نعم أقصى ذلك أنه حكمة لا يجب إطرادها، وأقصاها الاطلاق أو العموم المقيد أو


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة. (2) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 254 ]

المخصص بما سمعت. وأما مرسل يونس (1) وإجماع المرتضى فقد عرفت الحال فيهما سابقا بل مما سمعته هنا يزداد ذلك فيهما، وبعد التنزل والقول بتصادم المرجحات والادلة حتى مطلقها فالاصل المزبور باق بحاله، ومقتضاه عدم الشفعة في ذلك. بل ربما قيل: إنه يشك في أصل دخول الحمام والطاحونة وغيرهما في مرسل الكافي (2) النافي للشفعة في غير الارضين والمساكن، باعتبار اقتضاء المقابلة فيه إرادة الارض الخالية عن البناء، وإن كان هو كما ترى خصوصا في مثل الحمام والطريق والدكان المعلوم ثبوت الشفعة فيها مع فرض قبول القسمة كما ستعرف، والله العالم. (و) كيف كان ففي المتن (نعني بالضرر) المانع عن الاجبار على القسمة (أن لا ينتفع به بعد قسمته) بل في المسالك " لضيقه أو لقلة النصيب أو لان أجزاؤه غير منتفع بها كالامثلة المذكورة إذا كانت بالغة في الصغر هذا الحد، فلو بقي للسهم بعد القسمة نفع ما ثبتت الشعفة " إلى آخره. وحينئذ (فالمتضرر لا يجبر على القسمة) بخلاف الآخر. قلت: قد حققنا ذلك في بحث القسمة على وجه يعلم منه فساد تخصيص الضرر بذلك، بل هو أعم منه ومن نقص القيمة الفاحش، فلاحظ وتأمل. بل قد يتوقف في منع الضرر إذا كان من حيث قلة النصيب لا من حيث نفس القسمة، وإن كان لا يخلو من وجه والله العالم. (ولو كان الحمام أو الطريق أو النهر مما لا يبطل) أصل


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 255 ]

(منفعته بعد القمسة) وإن لم تكن المنفعة السابقة بناء على ما سمعته من المصنف في تحديد الضرر المانع من الاجبار (اجبر الممتنع وتثبت الشفعة). أما إذا قلنا: إنه عدم إمكان الانتفاع به على الوجه السابق أو عدم النقص الفاحش بالقيمة فلابد من فرض عدمه على كل منهما في ثبوت الشفعة حينئذ، ضرورة توقف قابليته للقسمة على وجه يتحقق فيه الاجبار على ذلك، والفرض أنه عنوان الشفعة. وحينئذ فلو كان أحد المذكورات ضيقا بحيث لا يمكن الانتفاع به بعد القسمة لا في الوجه السابق ولا في غيره أو تنقص قيمته نقصانا فاحشا لم تثبت فيه الشفعة على التقادير الثلاثة، بناء على اعتبار قابلية القسمة فيها. أما مع السعة بحيث يمكن الانتفاع به على الوجه السابق بعد قسمته ولا تنقص قيمته تثبت الشفعة، كما لو كان الحمام واسعا، بحيث يسلم لكل من الشريكين حمام، وكذا الطريق والنهر، بل والبئر إذا فرض سعتها على وجه يمكن أن تبنى فتجعل بئرين لكل واحد منهما بياض يقف فيه ويرتفق به، فلا إشكال حينئذ في ثبوت الشفعة لتحقق قابلية القسمة حينئذ. بل في القواعد والدروس ومحكي المبسوط والتحرير (وكذا لو كان مع البئر بياض أرض) مزرع مثلا وأمكن التعديل (بحيث يسلم البئر لاحدهما) والبياض لآخر وإن لم ينتفع به على الوجه السابق ولكن له منفعة اخرى، بناء على ما ذكره المصنف في الضرر كما عن التذكرة التصريح بذلك، ضرورة تحقق قابليته القسمة على ذلك، نعم لو قلنا باعتبار بقاء المنفعة السابقة لم تثبت الشفعة، إلا أن يفرض بقاء قابلية الارض للزراعة بمطر أو بماء آخر غيره.

[ 256 ]

وكذا الكلام في غيره من بيت الرحى، ونحوه بل ينبغي القطع به لو فرض كون الرحى المشتركة أربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كل منهما بحجرين، كما في القواعد ومحكي المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد التصريح به لو فرض سعة بيت الرحى بحيث يمكن جعله موازنا لما فيه المرافق مع سلامتها، أو لما فيه الرحى، أو كان موضع الحجر في الرحى واحدا لكن لها بيت يصلح لغرض آخر وأمكنت القسمة، بأن يجعل موضع الحجر لواحد وذلك البيت لآخر ليتحقق الانتفاع لكل منهما على الوجه الذي اعتبره المصنف تحققت الشفعة (1) لنحو ما سمعته في البئر. لكن في الدروس " لو اشتملت الارض على بئر لا يمكن قسمتها وأمكن أن تسلم البئر لاحدهما مع قسمة الارض تثبت الشفعة في الجميع قيل: وكذا لو أمكن جعل أكثر بيت الرحى موازنا لما فيه الرحى، ويلزم منه أنه لو اشتملت الارض على حمام أو بيت ضيقين وأمكن سلامة الحمام أو البيت لاحدهما أمكن أن تثبت، وعندي فيه نظر، للشك في وجوب قسمة ما هذا شأنه ". قلت: وفيه أنه لا فرق بينه وبين ما ذكره من البئر والارض الذي جزم به، ولعله يريد النظر في الجميع، وأما تحقيق حال وجوب قسمة مثل ذلك فقد ذكرناه في كتاب القسمة في القضاء، فلاحظ وتأمل. ثم المراد بالشفعة في الرحى إذا بيعت مع الارض المثبتة فيها وكذا البئر على نحو ما سمعته في البناء والغرس، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (في دخول الدولاب والناعورة في الشفعة إذا بيعا مع الارض تردد) ونظر كما في القواعد (إذ ليس


(1) هكذا في النسخة الاصلية، وفى العبارة تشويش.

[ 257 ]

من عادته أن ينقل) فيتبع الارض، ومن أنهما منقولان في أنفسهما. ولكن الاصح ثبوتها كما في التحرير والايضاح والدروس وجامع المقاصد وغيرها على ما حكي عن بعضها، لتناول اسم الدار والحمام والبستان له إذا كان من جملة المرافق، كتناولها للابواب المثبتة عادة مع قبولها للنقل عادة، بل لو قلنا بعدم دخولها في الاسم أمكن القول بتبعيتها، لنحو ما سمعته في الجدار والحمام والرحى ونحوها، وحينئذ فما عن التذكرة من أن الاقرب عدم الدخول لا يخلو من نظر، نعم لو بيعا منفردين لم يكن شفعة بلا خلاف ولا إشكال بين القائلين بعدم ثبوتها في المنقول. كما لا خلاف (و) لا إشكال بينهم في أنه (لا تدخل الحبال التي تركب عليها الدلاء في الشفعة) لانها من المنقول كالدلاء بنفسها (إلا على القول بعموم الشفعة في المبيعات). بل لا خلاف بينهم أيضا إلا ما تسمعه من الشيخ في المبسوط منهم (و) لا إشكال في أنه (لا تثبت الشفعة في الثمرة) مؤبرة كانت أو لا (وإن بيعت على رؤوس النخل أو الشجر منضمة إلى الاصل و) إلى (الارض) لانها قد صارت من المنقول، إذ لا يراد دوامها، وانما لها أمد معين ينتظر، فليست هي من التوابع الثابتة ولا داخلة في مفهوم البستان، ولذا لا تدخل في بيع الاصل بعد ظهورها. خلافا لما عن المبسوط من الثبوت فيها وفي الزرع، وهو المحكي عن أبي حنيفة ومالك، وضعفه واضح. ولا شفعة في الارض المقسومة عندنا إلا ما يحكى عن العماني منا، ويمكن دعوى أنه مسبوق بالاجماع وملحوق به، مضاف إلى الاصل والنصوص المستفيضة أو المتواترة المروية من طريقي العامة (1)


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 102 إلى 105

[ 258 ]

(و) الخاصة (1) التي منها ما مر " لا شفعة إلا لشريك لم تقاسمه ". نعم (تثبت) الشفعة (في الارض المقسومة بالاشتراك في الطريق أو الشرب كبئر ونهر (إذا بيع معها) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به بعضهم، بل في محكي الخلاف الاجماع عليه وإن كان قد اقتصر على الطريق كالمقنع والمهذب والوسيلة تبعا لما تسمعه من النص (2) وإلا فأكثر الفتاوى على عدم الفرق بينه وبين النهر والساقية، وفي بعضها التعبير بالشرب، بل في آخر التصريح بالبئر، لكن ستسمع الاشكال فيه من الفاضل. نعم ظاهرهم الاتفاق على عدم الفرق بين الدار والبستان، والاصل في ذلك - مضافا إلى الاستصحاب في بعض الافراد وعدم تمامية القسمة، للاشتراك في الطريق مثلا - حسن منصور بن حازم بابراهيم (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دار فيها دور وطريقهم واحد في عرصة فباع بعضهم منزله من رجل هل لشركائه في الطريق أن يأخذوا بالشفعة ؟ فقال: إن كان باع الدار وحول بابها إلى طريق غير ذلك فلا شفعة لهم. وإن باع الطريق مع الدار فلهم الشفعة ". وقريب منه ما يحكى عن الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) (4). وربما ايد أيضا بحسنة الآخر بالكاهلي (5) بل وسمه غير واحد بالصحة، ولعله كذلك قلت لابي عبد الله (عليه السلام): دار بين قوم اقتسموها فأخذ كل واحد منهم قطعة فبناها وتركوا بينهم ساحة فيها ممرهم، فجاء رجل فاشترى نصيب بعضهم أله ذلك ؟ قال: نعم،


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة. (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث. - 1 - 2. (4) المستدرك - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحدبث 4.

[ 259 ]

ولكن يسد بابه ويفتح بابا إلى الطريق، أو ينزل من فوق السطح ويسد بابه، فان أراد صاحب الطريق بيعه فانهم أحق به، وإلا فهو طريقه يجئ حتى يجلس على ذلك الباب ". ونحوه الموثق (1). ولكن لا تعرض فيهما لبيع الدار مع الممر كما هو محل البحث، بل ظاهرهما ثبوت الشفعة في الطريق خاصة، فالدليل حينئذ منحصر في الاول الذي ظاهر ترك الاستفصال فيه عدم الفرق بين كون الدار مقسومة بعد أن كانت مشتركة أو منفردة من أصلها، كما صرح به في التذكرة والمسالك والروضة والكفاية والرياض. بل قيل: إنه ظاهر المقنع والنهاية والمبسوط والخلاف والمهذب وفقه الراوندي والغنية والسرائر والتبصرة والمفاتيح. بل لعله مراد الجميع وإن فرض الحكم في الارض المقسومة مع الاشتراك في الطريق في المتن والوسيلة والنافع والقواعد والتحرير في موضع منه والارشاد والمختلف والدروس واللمعة كما حكي عن بعضها. لكن في جامع المقاصد " أنه الذي يقتضيه صحيح النظر، لان ضم غير المشفوع إلى المشفوع لا يوجب ثبوت الشفعة في غير المشفوع اتفاقا، والمبيع الذي لا شركة فيه في الحال ولا في الاصل ليس من متعلقات الشفعة، إذ لو بيع وحده لا تثبت (لم تثبت خ ل) فيه شفعة بحال، وإثباتها لا يكون إلا لمحض الجواز، فإذا ضم إلى المشترك وجب أن يكون بحكمه كذلك، ولعموم قوله (عليه السلام) (2): " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم " ولا شركة هنا لا في الحال ولا في الاصل، ولخبر


(1) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 7.

[ 260 ]

أبي العباس (1) " الشفعة لا تكون إلا لشريك " وفي معناها نصوص البصري (2) وهارون (3) وعبد الله بن سنان (4) والسكوني (5) وكلها حجة على عدم ثبوت الشفعة في الدار الغير المشترك إذا كان الطريق مشتركا ". وهو كما ترى، ضرورة كونه كالاجتهاد في مقابل إطلاق الدليل المزبور الحاكم على إطلاق النصوص المزبورة الظاهر في اعتبار الشركة فعلا المعلوم عدم اعتباره في الفرض، للنص المزبور المعمول به بين الاصحاب وإن خالف إطلاق تلك الاخبار المزبورة. على أنه لا فرق بين المقسوم وغيره في عدم ثبوت الشفعة فيه لولا النص المزبور، وكان مقصوده الاقتصار فيما خالف الاصل وإطلاق الادلة على المتيقن وهو المقسوم، وفيه أنه لا فرق بينه وبين الظاهر في الحجية. ولعله لذا ونحوه تعجب منه في المسالك، قال: " وأما معارضة روايتي منصور (6) الصحيحة والحسنة بتلك الاخبار الدالة على اعتبار الشركة وترجيح تلك بالكثرة وموافقتها للاصل فعجيب، لان مدلولها على تقدير قطع النظر عن سندها اعتبار الشركة بالفعل كما ذكرناه، وروايتي منصور دلت على الاكتفاء بالشركة في الطريق، فهي خاصة وتلك عامة، فيجمع بينهما بتخصيص العام بما عدا ذلك ". هو في محله. واحتمال كونه مع الشركة في الاصل أنه لا يحتاج إلى التخصيص باعتبار صدق الشركة مع عدم القسمة ولو في الطريق أو الشرب بخلاف ما إذا لم يكن شركة في الاصل يدفعه ظهور الادلة في إدارة الشركة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشفعة الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 - 2. (6) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 و 2.

[ 261 ]

في نفس المشفوع لا في بعضه، وإلا لكفى حينئذ عن الطريق برأس الجدار ونحوه مما هو معلوم عدمه، فلا محيص حينئذ عن القول بأن سبب ثبوت الشفعة في الفرض لدليل خاص غير سبب الشفعة المعهود الذي هو الاشتراك مع عدم القسمة. بل ظاهر الصحيح المزبور عدم اعتبار كون الطريق قابلا للقسمة لو بيع مع الدار في ثبوت الشفعة فيهما وإن اعتبرنا ذلك لو بيع بانفراده كما عرفته سابقا. ولعل ذلك لما قيل من الاكتفاء بقبول القسمة في المجموع لا لابعاضه، أو لان هذه القابلية كعدمها، ضرورة كون الشئ مقسوما، فلا مدخل لقابليته وعدمها، إلا أنه كما ترى لا يخلو من غبار، ولكن العمدة في ثبوت الحكم المزبور الصحيح المذكور الذي باطلاقه يقتضي عدم اعتبار ذلك، وبعد كونه صحيحا وأطلقت الفتوى بمضمونه يتجه الخروج به عن كل ما يقتضي عدمها في ذلك. فما عساه يظهر من الدروس من اعتبار ذلك قال: " ولا مع القسمة إلا مع الاشتراك في الطريق والنهر اللذين يقبلان القسمة على الخلاف " في غير محله وإن كان وجهه الاقتصار على المتيقن في تبعية الدار للطريق الثابتة فيه الشفعة. وفيه ما عرفت من أن الظاهر كالمتيقن في الحجية، بل قد عرفت أيضا أن مقتضى إطلاق الحسن المزبور ثبوت الشفعة للاشتراك في الطريق لا للشفعة فيه، وكأنه قسم آخر مما أثبت الشارع فيه الشفعة. هذا وفي التذكرة " الاقرب عندي أن الطريق إن كان مما يمكن قسمته والشريك واحد وبيع مع الدار المختصة بالبائع صفقة فللشريك الآخر أخذ الطريق خاصة إن شاء، وإن شاء أخذ الجميع، وإن لم يمكن

[ 262 ]

قسمته لم يكن له أخذه خاصة، بل إما أن يأخذ الجميع أو يترك ". وهو وإن كان صريحا فيما ذكرناه من عدم اعتبار قابليته القسمة في الطريق في ثبوت الشفعة في الدار مثلا، لكن قد يناقش بأن المجموع إما أن يكون متعلق الشفعة أو لا، فان كان الاول وجب أن يأخذ الجميع أو يترك، وليس له تبعيض الصفقة، وإن كان الثاني لم يثبت له شفعة في غير الطريق ولا فيه إلا إذا كان واسعا قابلا للقسمة. وربما اجيب بأن هذا منه، بناء على المشهور المعروف بينهم من أنه ليس للشفيع أخذ البعض وترك البعض، بل إما أن يأخذ الجميع أو يترك. وفيه أن ذلك لا يقتضي التفصيل المزبور، مضافا إلى ما قيل من أن هذا الشرط ترك ذكره فيما يقرب من عشرين كتابا، ولا دليل عليه يصح الاستناد إليه، وإن كان قد يقال: إنه يكفي في الدليل أن ذلك هو المتيقن من دليل الشفعة المخالفة للاصل التي مبنى ثبوتها على رفع الضرر، فلا وجه لمشروعيتها، معه فان التبعيض ضرر، خصوصا في بعض الافراد، ولا يزال الضرر بالضرر، بل ينبغي الجزم بعدمها في مثل الفرض إذا فرض عدم طريق للمشتري إلا الطريق المخصوص الذي يريد أن يشفع فيه الشفيع، وقابليته للقسمة غير مجد بعد فرض أخذ الشفيع له أجمع وبقاء الدار بلا طريق. ولعله لذا جزم الشافعية بعدم الشفعة هنا في الطريق وإن كان قابلا للقسمة، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فانهم جزموا بالشفعة في الطريق حينئذ دون الدار، لعدم الشركة فيها، وإن عرفت أنه مخالف لما عندنا من ثبوت الشفعة فيهما. ومن ذلك كله يظهر لك أنه لا فرق في ثبوت الشفعة بين قابلية

[ 263 ]

الطريق للقسمة وعدمها، لاطلاق الدليل، وأن الشفيع على كل حال إما أن يأخذ الجميع أو يترك كما سمعته من المشهور، ودعوى ثبوت شفعتين مع سعة الطريق أصلية وتبعية بخلاف ما إذا لم يكن واسعا فانه شفعة واحدة في المجموع خالية عن الدليل، بل ظاهر الادلة خلافها، فتأمل جيدا. هذا وربما ظهر مما سمعته من التذكرة من وحدة الشريك اعتبار ذلك في صحة الشفعة في الفرض بناء على عدم ثبوتها في الكثرة، ولعله كذلك وإن تردد فيه بعض المعاصرين، لكنه في غير محله، لما تسمعه من الادلة في اعتبار ذلك في الشفعة من غير فرق بين الفرض وغيره. ودعوى ظهور سؤال الصحيح المزبور في التعدد مضافا إلى معروفية ذلك في الطرق المرفوعة واضحة الفساد، إذ يمكن أن يكون ترك التعرض للسؤال المزبور للتقية، كما في غيره من النصوص الظاهرة في ذلك، أو على المجاز جمعا بينه وبين ما دل على عدمها مع الكثرة، وتعارف التعدد في الطرق المرفوعة لا يقتضي ثبوت الشفعة فيها كما هو واضح. واحتمال خروج الفرض بخصوصه عن حكم الكثرة في غاية البعد، خصوصا بعد إطلاق الاصحاب من دون إشارة إلى استثنائه كما ستعرف، والله العالم. هذا كله في بيع الارض مع الطريق أو الشرب (و) أما (لو افردت الارض المقسومة بالبيع لم تثبت الشفعة في الارض) بلا خلاف ولا إشكال، مضافا إلى الصحيح (1) (و) الموثق (2) المزبورين. نعم (تثبت في الطريق أو الشرب إن) بيعا و (كان) كل منهما (واسعا يمكن قسمته) بناء على ما عرفته من اعتبار ذلك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث 2 - 3.

[ 264 ]

في الشفعة، وإلا ثبتت وإن لم يقبلا كما عرفت البحث فيه سابقا. بقي شئ: وهو أن ظاهر المعظم إلحاق الشرب بالطريق في الحكم المزبور وإن كنا لم نجده في نصوصنا، بل ولا في نصوص العامة، فان كان إجماعا وإلا كان محلا للاشكال، خصوصا بعد ما عرفت من أصالة عدم الشفعة في غير الفرض فضلا عنه، وعلى الاول ينبغي الاقتصار على النهر والساقية، لانه المتيقن منه، كما عساه يومئ إليه تعبير المصنف به هنا، ثم نفاها بعد ذلك عن المقسوم إلا مع الشركة في الطريق والنهر. كما أنه في التذكرة جعل العنوان النهر والساقية ثم قال: " ولو كانت المزرعة مختصة وبئرها التي الزرع منها مشتركة حتى بيعت المزرعة والبئر ففي ثبوت الشفعة في المزرعة بمجرد الشركة في البئر إشكال ينشأ من الاقتصار على مورد النص فيما يخالف الاصل، ولا شك في مخالفة الشفعة للاصل، ومن أنها مشتركة في المستقى، والشافعي ألحق الشركة في البئر بالشركة في الممر ". قلت: لا يخفى عليك ما في الوجه الثاني بعد فرض عدم الدليل عليه، بل مطلق الشرب إن لم يكن إجماعا، ولم نتحققه، خصوصا بعد ما سمعته من الاقتصار على الطريق في الكتب السابقة. ومن ذلك يعلم عدم ثبوتها في الدار بالشركة في أس الجدار ونحوه للاصل المعتضد بظاهر النص والفتوى وإن ثبتت فيه نفسه. بل لا يخفى عليك أن المتجه بملاحظة ما ذكرنا من أصالة عدم الشفعة وخصوصا في صورة الاشتراك في الطريق الحكم بعدمها في محال الشك حتى لو فرض حصوله ببيع بعض الدار مثلا وبعض الطريق ونحوه من الصور لم يحكم، بها باعتبار كون المنساق من النص بيع الدار مع تمام

[ 265 ]

ممرها. اللهم إلا أن يفرض القطع بعدم مدخلية ذلك أو الظن على وجه معتد به. ومن ذلك أيضا الشركة في الطريق أو النهر مع كون الدار وقفا والاخرى طلقا على البحث الذي تسمعه فيما يأتي إنشاء الله، والله العالم. (ولو باع عرصة مقسمومة) مثلا (وشقصا من أخرى) غير مقسومة (صفقة فالشفعة في الشقص خاصة بحصته من الثمن) وهكذا الحكم في كل بيع مشفوع وغيره صفقة بلا خلاف ولا إشكال، بل حكي الاجماع عليه صريحا وظاهرا، لوجود المقتضي فيه على وجه يندرج في إطلاق الادلة دون غيره، واتحاد الصفقة لا يخرج كلا منهما عن حكمه. بل لا خيار للمشتري كما صرح به المصنف وغيره فيما يأتي، لا قدامه على البعض لو صار، ولانه حدث سبب التبعيض في ملكه. بل مقتضى التعليل الثاني الذي ذكره المصنف وغيره فيما يأتي عدم الفرق في ذلك بين الجاهل والعالم. فما في بعض الكتب من ثبوت الخيار مع الجهل اشتباه، منشأه تخيل كون المقام من أفراد خيار تبعيض الصفقة المشروط بالجهل، لكن ستسمع فيما يأتي عن الاردبيلي احتمال ثبوته مع الجهل قائلا: إنه أشار إليه المحشي. ولا فرق بين كون غير المشفوع من مصالح المشفوع كبقر الضيعة وعدمه، خلافا لمالك. والمراد بنسبة قيمته من الثمن أن يقوم المجموع ثم يقوم المشفوع فينسب قيمته إلى مجموع القيمتين، فيأخذ من الثمن بتلك النسبة، فإذا قيل قيمة المجموع مثلا ماءة وقيمة المشفوع خمسون أخذه الشفيع بنصف الثمن، وهكذا. والله العالم.

[ 266 ]

(و) كيف كان فلا خلاف معتد به في أنه (يشترط) في ثبوت الشفعة (انتقال الشقص بالبيع، فلو جعله صداقا أو صدقة أو هبة أو صلحا فلا شفعة) بل حكى الاجماع عليه جماعة، ولعله كذلك، لان خلاف ابن الجنيد في ذلك حيث أثبتها في الهبة بعوض وغيره غير قادح في محصل الاجماع فضلا عن محكيه وفي محكى المبسوط إجماع الفرقة وأخبارها على عدم الشفعة في الصداق. ويدل عليه مضافا إلى ذلك وإلى الاصل المزبور - مفهوم قول الصادق (عليه السلام) في حسن الغنوي (1) السابق: " الشفعة في البيوع ". بل وقوله (عليه السلام) في مرسل يونس (2): " الشفعة جائزة في كل شي.... إذا كان الشئ بين شريكين فباع أحدهما نصيبه فشريكه أحق به من غيره ". بل وغير ذلك من النصوص الظاهر في القيدية التي هي أقوى من غيرها دلالة. واحتمال ورود هذه المفاهيم مورد الغالب في بعض والسؤال في آخر فلم تبلغ درجة الحجية يدفعه أنه واضح المنع، خصوصا بعد ملاحظة الانجبار بما عرفت. وإلى خصوص صحيح أبي بصير (3) عنه (عليه السلام) أيضا في خصوص الصداق " سألته عن رجل تزوج امرأة على بيت في دار وله في تلك الدار شركاء، قال: جائز له ولها، ولا شفعة لاحد من الشركاء عليها " بناء على ظهور نفيها من حيث كونه صداقا لا من حيث تعدد الشركاء ولو بملاحظة الانجبار.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 267 ]

ومن الغريب بعد ذلك ما في المسالك وبعض أتباعها من أنه " لا دليل صريح للمشهور، وإنما تضمنت الروايات ذكر البيع، وهو لا ينافي ثبوتها بغيره ومن ثم خالف ابن الجنيد، فأثبتها بمطلق النقل حتى بالهبة بعوض وغيره، لما أشرنا إليه من عدم دليل يقتضي التخصيص، ولاشتراك الجميع في الحكمة الباعثة على إثبات الشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك، ولو خصها بعقود المعاوضات كما يقوله العامة كان أقعد، لان أخذ الشفيع للموهوب بغير عوض بعيد، وبه خارج عن مقتضى الاخذ " إلى آخره. إذ هو كما ترى - بعد الاغضاء عما فيه من عدم صحة النقل المزبور عن ابن الجنيد - يمكن منع الاشتراك في وجه الحكمة، وعلى تقديره لا يعارض ما سمعته من الادلة، كاطلاق ما دل على ثبوتها بعد تسليمه على وجه يشمل الفرض، لاحتمال كونه مساقا لغير ذلك، والله العالم. (ولو كانت الدار) بعضها (وقفا وبعضها طلقا فبيع الطلق لم يكن للموقوف عليه شفعة ولو كان واحدا) كما في النافع والدروس والرياض ومحكي المبسوط، بل في الاخير نفي الخلاف فيه، وفي سابقه عن الحلي نسبته إلى الاكثر، ولعله الاقوى (لانه ليس مالكا للرقبة على الخصوص) وإن كان واحدا حال بيع الشريك، ضرورة قصد الواقف تمليك الموقوف عليهم في سائر الطبقات، ولذا يتلقون منه لا من الموقوف عليه الاول، وخصوصا إذا كان الواحد المزبور من أفراد غير المنحصر ابتداء إلا إنه اتفق الانحصار فيه، كما لو كان الوقف على بني زيد فاتفق انحصار ذلك في واحد فان التمليك للجنس حينئذ. وعلى كل حال فلا ريب في الشك في الاندراج في إطلاق أدلة الشفعة التي قد عرفت أنها على خلاف الاصل إن لم يكن الاظهر عدم الاندراج، خصوصا مع ملاحظة القيدية في مرسل يونس التي منها ظهور

[ 268 ]

كون الشركة بينهما على وجه يكون لكل منهما بيع نصيبه. (وقال المرتضى) في الانتصار ما حاصله أنها (تثبت الشفعة) للموقوف عليه مطلقا، قال ما نصه: " مما انفردت الامامية به القول بأن لامام المسلمين وخلفائه المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين أو على المساجد أو على مصالح المسلمين، وكذلك كل ناظر بحق في وقف من وصي وولي " وادعى على ذلك كله الاجماع، وقال أيضا: " إنه من منفرداتنا، وإن باقي الفقهاء يخالفون ". ثم قال: " ويمكن أن يقال للمخالف على سبيل المعارضة له: الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر، فأولى الاشياء بأن يدفع عنها الضرر حقوق الفقراء ووجوه القربات، فان قالوا: الوقوف لا مالك لها فيدفع الضرر عنه بالمطالبة بشفعته قلنا: إذا سلم أنه لا مالك له فهاهنا منتفع بها ومستضر يعود إلى المشاركة فيها، وهم أهل الوقوف، ومصالح المسلمين إنما يجب دفع الضرر عنها مثل ما يجب من دفع الضرر على الآدميين ". وفيه لا يخفى بناء على انتقال الموقوف في مثل ذلك إلى الله تعالى شأنه، ضرورة عدم اندراجه حينئذ في أدلة الشفعة، بل وعلى القول بكونه ملكا للمسلمين، بناء على عدم ثبوت الشفعة مع الكثرة الذي قد اعترف هو به في الكتاب المزبور، بل قد عرفت الشك في الاندراج في إطلاق الشفعة مع الاتحاد ابتداء فضلا عن غيره، ولعله لذا لم يثبتها العامة وإن قالوا بها مع الكثرة. ومن هنا جزم غيره بخلاف ما ذكره. ومنه يعلم ما في دعوى إجماعه المزبور الذي لم نجد من وافقه عليه لا قبله ولا من تأخر عنه، عدا ما يحكى عن التقي تلميذه، ولم نتحققه. لما قيل من أنه لم نجده في الكافي، بل عن السرائر أن الاكثرين على

[ 269 ]

خلافه، بل قد سمعت ما عن الشيخ من نفي الخلاف عن ذلك، بل قيل إن ظاهره نفيه بين المسلمين. نعم في الدروس وغيرها أن المتأخرين على ثبوتها مع كون الموقوف عليه واحدا، لانه مالك حينئذ على المشهور، بل لم يعرف فيه خلاف، فيندرج في إطلاق الادلة، ولا مانع إلا كونه محجورا عليه في التصرف، وذلك لا ينافي كونه مالكا مقاسما، ولذلك ثبت لغيره ممن هو محجور عليه في التصرف، كما لا ينافيه الانتشار بعد ذلك، كانتشار المملوك بالبيع والموت ونحوهما، مضافا إلى الاشتراك في الحكمة أو العلة. إلا أن ذلك كله كما ترى لا ينافي انسياق غيره من الادلة، بل قد يشك في ثبوتها لذي الطلق لو فرض بيع الوقف على وجه يصح وإن قال في المسالك: " لا إشكال في ثبوتها حينئذ، لوجود المقتضي وانتفاء المانع " ضرورة إمكان منع وجود المقتضي عليه بعد انسياق غير ذلك من الادلة، وخصوصا في الوقف العام أو الخاص مع تعدد الشركاء. وكأنه تبع في ذلك ما في جامع المقاصد ومحكي التحرير من التصريح بالجواز، بل في الدروس القطع بذلك، ولم يذكر أحد منهم التقييد بالواحد، بل ظاهر المسالك وجامع المقاصد ثبوتها على كل حال، وفيه منع واضح، والله العالم.

[ 270 ]

* المقصد الثاني * (في الشفيع) (وهو) مع قيوده المتفق عليها إلا من نادر (كل شريك) ولو في الطريق أو النهر (بحصة مشاعة) على جهة الطلق (قادر على الثمن) فعلا أو قوة دافع له غير مماطل ولا هازل. (و) مع ذلك (يشترط فيه الاسلام إذا كان المشتري مسلما) وأما قابلية القسمة والاتحاد فلا اتفاق عليهما، أما الاول فلما عرفت، وأما الثاني فستعرف الكلام فيه. وحينئذ (فلا يثبت الشفعة بالجوار) عندنا، وفي المسالك أنه مذهب الاصحاب إلا العماني، بل في المفاتيح لا خلاف فيه منا، فلم يعده مخالفا، ولعله لشذوذه كما في الدروس، بل عن الخلاف والغنية والسرائر الاجماع عليه. وهو كذلك، بل يمكن دعوى القطع به أيضا من النصوص (1) المتفقة على اعتبار الشركة في الشفعة ولو في الطريق. ويمكن حمل كلامه على خصوص ذلك، فان المحكي عنه أنه قال: " لا شفعة لجار مع الخليط " وهو بمفهومه يقتضي ثبوتها للجار في الجملة فيمكن إرادته ما ذكرنا، لا مطلق الجوار المحكي عن أبي حنيفة وجماعة


(1) الوسائل - الباب - 3 و 4 - من كتاب الشفعة.

[ 271 ]

من العامة، للنبوي المروي في طرقهم (1) " أن الجار أحق بالشفعة " أو " بشفعته " الذي اجيب عنه باحتمال كون الاضمار فيه أنه أحق بالعرض عليه لا الاخذ بالشفعة. وإن كان هو كما ترى يمكن إرادة الشريك من الجار فيه، خصوصا بعد ملاحظة معارضته لغيره، وخصوصا بعد ما رووه عن عمر بن الثريد عن أبيه (2) قال: " بعت حقا من أرض لي فيها شريك، فقال شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: الجار أحق بشفعته " أو " بالشفعة " وخصوصا بعد التوسعة في إطلاق الجار على الزوجة باعتبار الاشتراك في العقد (و) إن بعدت عنه في المكان. بل (لا) شفعة (فيما قسم وميز إلا مع الشركة في طريقه أو نهره) على الوجه الذي عرفته سابقا بلا خلاف أجده إلا منه أيضا، كما اعترف به غير واحد، بل لعل ما سمعته من الاجماع على نفيها بالجوار يدل عليه، بل لا ريب في لحوقه بالاجماع إن لم يكن قد سبقه أيضا. بل لعله كذلك خصوصا بعد ملاحظة المقطوع به من النصوص إن لم يكن المتواتر في اعتبار الشركة وعدم القسمة في الشفعة من قولهم (عليهم السلام): " لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما " (3) و " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم " (4). و " الشفعة لا تكون إلا لشريك " (5). و " الشفعة لكل شريك لم يقاسمه " (6). و " إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة " (7). و " إذا أرفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة " (8) وغير ذلك، والله العالم.


(1) سنن البيهقي ج 6 ص 106. وكنز العمال - ج 4 ص 2 - الرقم 14 و 17. (2) ذكر ذيله في سنن البيهقي ج 6 ص 105 عن عمرو بن الشريد عن أبيه. وفيه (الجار أحق بسقبه). (3) و (4) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 5. (5) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 272 ]

(و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال بين العامة والخاصة نصا وفتوى في أنها (تثبت بين شريكين). (و) لكن الكلام في أنها (هل تثبت لما زاد عن شفيع واحد ؟) ففي المتن (فيه أقوال: أحدها: نعم تثبت مطلقا على عدد الرؤوس. والثاني: تثبت في الارض مع الكثرة، ولا تثبت في العبد إلا للواحد. والثالث: لا تثبت في شئ مع الزيادة على الواحد). (وهو أظهر) وأشهر، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك كما ستعرف. بل لم نعرف القول الاول لاحد منا، إذ المحكي عن ابن الجنيد في الانتصار أنه يوجب الشفعة في العقار فيما زاد على اثنين، وإنما يعتبر الاثنين في الحيوان خاصة، نعم في المختلف بعد أن حكى عن الصدوق التفصيل المزبور قال: " وكذا اختار ابن الجنيد ثبوت الشفعة مع الكثرة، ويمكن أن يريد التفصيل أيضا، فلا يكون حينئذ قائل منا بالقول المزبور وعلى تقديره فهو أبو علي خاصة ". وأما الثاني فلا أجد قائلا به أيضا، إذ الصدوق قد استثنى الحيوان فانه بعد أن ذكر خبر طلحة بن زيد (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام) " الشفعة على عدد الرجال " قال: " وسئل الصادق (عليه السلام) عن الشفعة لمن هي ؟ وفي أي شئ ؟ وهل تكون في الحيوان شفعة ؟ وكيف هي ؟ قال: الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان أو أرض أو متاع إذا كان الشئ بين شريكين لا غيرهما فباع أحدهما نصيبه، فشريكه أحق به من غيره، فان زاد على إثنين


(1) اشار إليه في الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 5 وذكره في الفقيه ج 3 ص 45 - الرقم 156.

[ 273 ]

فلا شفعة لاحد منهم (1) - ثم قال -: قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده، فأما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء وإن كانوا أكثر من إثنين، وتصديق ذلك ما رواه أحمد بن محمد ابن أبي نصر عن عبد الله بن سنان (2) قال: سألته عن مملوك بين شركاء أراد أحدهم بيع نصيبه، قال: يبيعه، قلت: فانهما كانا إثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه، فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني، قال هو أحق به - ثم قال -: قال (عليه السلام): لا شفعة في حيوان إلا أن يكون الشريك فيه واحدا " وهو كالصريح فيما حكيناه عنه، فلم يكن حينئذ قائل منا بالقول المزبور أيضا. فمن الغريب ما عن صاحب الكفاية من اختيار القول المزبور، وأغرب منه ما سمعته من الصدوق الذي حمل مرسل يونس (3) المزبور المشتمل صريحا على الحيوان وغيره على ما عدا الحيوان. وأغرب من ذلك استشهاده على ما تخيله أنه جمع بين النصوص بالصحيح المزبور، ولعله لذا وافق في المقنع المشهور، كالمحكي عن أبيه في رسالته وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) بناء على أنه له. وحينئذ فيكون القول الثالث خيرة الصدوقين والشيخين وعلم الهدى وسلار وأبي الصلاح وبني حمزة والبراج وزهرة وإدريس والراوندي والطبرسي والكيدري والفاضلين والشهيدين والكركي والاردبيلي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم. بل في الانتصار ومحكي الغنية والسرائر والتنقيح الاجماع عليه، بل في الاول منها ومحكي الخلاف والمبسوط أنه من متفرداتنا، وأنه لم يوافقنا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2 - 7 - 2.

[ 274 ]

عليه أحد، بل في الانتصار أيضا أن الاجماع سبق ابن الجنيد، فلا اعتبار بخلافه. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك وإلى الاصل ومرسل يونس (1) ونصوص (2) المملوك والحيوان ولو على القول بثبوت الشفعة فيهما وما عن الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) - صحيح عبد الله بن سنان (3) " لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة ". ولا معارض لذلك إلا خبرا السكوني (4) وطلحة بن زيد (5) " الشفعة على عدد الرجال " و " على الرجال " وهما - مع الطعن في سنديهما وموافقتهما لاطباق العامة - محتملان لما في الانتصار من إرادة وجوبها بالشركة، سواء زادت السهام أو نقصت، بعد حمل لفظ " الرجال " و " الشركاء " - إن لم نقل بكون الجمع حقيقة في الاثنين فصاعدا، أو بارادة المجاز منه، نحو قوله تعالى (6): " فان كان له إخوة " - على إرادة الشركة في الاملاك الكثيرة، لا في الملك الواحد. ثم قال: " وأما الخبر الذي وجد في روايات أصحابنا أنه أذا سمح بعض بحقوقهم من الشفعة فان من لم يسمح بحقه على قدر حقه فيمكن أن يكون تأويله أن الوارث لحق الشفعة إذا كانوا جماعة - فان الشفعة عندنا تورث - متى سمح بعضهم بحقه كانت المطالبة لمن لم يسمح، وهذا لا يدل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة الحديث 2 - 0 - 1 - 5. (5) أشار إليه في الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 5 وذكره في الفقيه ج 3 ص 45 - الرقم 156. (6) سورة النساء: 4 - الاية 11.

[ 275 ]

على أن الشفعة في الاصل لاكثر من شريكين ". وإلا ما يوهمه خبرا منصور بن حازم (1) المتقدمان المحمولان أيضا على التقية أو غيرها مما عرفت كخبر عقبة بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء ". ومن الغريب بعد ذلك كله ما في المسالك وبعض أتباعها من الوسوسة في الحكم المزبور، فانه بعد أن ذكر في الاولى النصوص للطرفين وأنه يمكن أن يقال: إنه مع تعارض الروايات الصحيحة تتساقط ويرجع إلى حكم الاصل قال: " وفيه نظر، لمنع التعارض، لان هذه الروايات أكثر وأوضح دلالة، لان رواية ابن سنان (3) التي هي عمدة الباب لا صراحة فيها، حيث إنه أثبت الشفعة للشريكين باللام المفيدة للاستحقاق أو ما في معناه، والمطلوب لا يتم إلا إذا أريد ثبوتها بين الشريكين لا لهما، ولا ينافيه قوله: ولا تثبت لثلاثة، إذ لا قائل بالفرق بين الاثنين والثلاثة، ولجواز إرادة عدم استحقاق كل واحد من الثلاثة بخصوصة دون الآخر، وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلا أن فيه طريق للجمع مع أن رواية منصور (4) أصح طريقا، ومقيدة لرواية (ومؤيدة برواية خ ل) ابن سنان الآتية (5) ". وهو من غرائب الكلام، وكأن الذي أوقعه في ذلك ما في مختلف الفاضل، فانه بعد أن ذكر المسألة بتمامها قال: " وقول هؤلاء لا يخلو من قوة لصحة حديث منصور بن حازم (6) وادعاء ابن إدريس


(1) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 و 2. (2) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (3) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة الحديث 1. (4) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 276 ]

الاجماع على سقوطها مع الكثرة خطأ ". ولا يخفى عليك ما فيه، خصوصا حكمه بخطأ الاجماع المزبور الذي هو مع شهادة التتبع له قد سبقه إليه من تقدمه ووافقه عليه من تأخر عنه، وصحيحة منصور لم يذكر فيها حكم الكثرة وإنما فيها ثبوت الشفعة مع اللفظ الموهم لها، فكيف تصلح معارضة لما ذكر فيه الحكم صريحا، ولعله لذا جزم في الروضة بموافقة المشهور، وهو فيها أفقه منه في المسالك كما لا يخفى على من لاحظهما. ثم إن المنساق من الادلة والفتاوى عدم الشفعة مع الكثرة السابقة على عقد البيع، كما لو كان الشئ مشتركا بين ثلاثة فيبيع أحدهم نصيبه. أما إذا كانت لاحقة كما لو كان الشئ مشتركا بين إثنين فباع أحدهما نصيبه على إثنين دفعة أو ترتيبا ثم علم الشريك بذلك فالظاهر ثبوتها كما عن الشهيد في حواشيه. وفي الدروس " لو باع أحد الشريكين بعض نصيبه من رجل ثم باع الباقي من آخر فعلى المشهور للشريك الاخذ منهما أو يترك، وعلى الكثرة له أخذ نصيب الاول والثاني، وفي مشاركة الاول له أوجه: المشاركة لانه كان شريكا عند العقد، وعدمها لان ملكه مستحق للشفعة، والتفصيل إن عفي عنه شارك، لقرار ملكه، ويشكل بأن القرار إنما حصل بعد استحقاق الشريك الشفعة، فلا يكون مقاوما للقار أولا، ويضعف بأن حقيقة الملك سابقة " وكلامه الاول صريح في ثبوتها على القول بالاتحاد. بل ظاهر الفاضل في القواعد المفروغية من ذلك، قال فيها في التفريع على القول بالكثرة: " ولو باع الشريك نصف الشقص لرجل ثم الباقي لآخر ثم علم الشفيع فله أخذ الاول والثاني وأحدهما، فان أخذ الاول لم يشاركه الثاني، وإن أخذ الثاني احتمل مشاركة الاول، وعلى ما

[ 277 ]

اخترناه من سقوط الشفعة مع الكثرة للشفيع أخذ الجميع وتركه ". وكأنه لما ذكرناه من اندراج الفرض في إطلاق الادلة، ضرورة صدق اتحاد الشريك، بل لو كان مثله مسقطا للشفعة لما أغفلوه، إذ ليس هو من النادر. بل لعل الاتحاد المزبور هو وجه تخييره بين أخذ الجميع وتركه، ضرورة كونه كالشفعة الواحدة التي لا تتبعض، وبيع الشريك من شخصين ولو على التعاقب لا يرفع ظهور الادلة في عدم التبعيض المزبور. والمراد توجيه كلامه بما ذكرناه، وإلا فللمانع أن يمنع التبعيض في الفرض باعتبار تعدد البيع المقتضي لتعدد الاستحقاق، كما يظهر لك فيما لو فرض علم الشريك ببيع بعض نصيبه من المشتري الاول فشفع فيه، ثم بعد ذلك باع شريكه ما بقي من نصيبه لآخر مثلا، فان لشريكه عدم الشفعة، ولا يكون ذلك تبعيضا. واحتمال الفرق بين ذلك وبين محل البحث لصدق التبعيض فيه دون الفرض المزبور لا منشأ له على وجه يرجع إلى محصل بعد فرض ثبوت الاستحقاق للشريك بالبيع الاول، سواء حصل الثاني أو لم يحصل، فهما حينئذ سببان لا مدخلية لاحدهما في الآخر. واحتمال عدم ثبوت الشفعة إلا مع بيع تمام النصيب ولو من إثنين فلا يتحقق شفعة ببيع بعض النصيب خاصة لا أظن أحدا يلتزمه، فتأمل جيدا، فان الامر لا يخلو من خفاء، وإن كان القول بأن له أخذ الجميع والبعض وليس هو من التبعيض - خلاف ما سمعته من الفاضل - لا يخلو من قوة. ولكن على كل حال من التأمل فيما ذكرنا يظهر النظر فيما في جامع المقاصد، حيث إنه وجه كلام الفاضل بأنه " إذا أخذ الجميع لم تتكثر

[ 278 ]

الشفعاء، فلم يتحقق المنافي، بخلاف ما إذا أخذ البعض ". إذ لا يخفى عليك ما فيه كما اعترف هو به من أنه إنما يجئ هذا المحذور لو أخذ من الثاني، أما إذا أخذ من الاول خاصة فلا يتكثر الشفعاء حينئذ لعدم شفعة للثاني. بل قد يقال: إنه لو أخذ الجميع فللاول الشفعة في نصيب الثاني على الاحتمال الذي ذكر، لانه كان شريكا ومستحقا في وقت البيع للثاني فلا يزول استحقاقه بأخذ ملكه، فلا يتم ما ذكره. وأيضا فانه في وقت البيع الثاني كان المشتري الاول مالكا قطعا، فان استحق الشفعة بملكه ثبت مع تعدد الشركاء والشفعاء، وإن لم يستحق مع كونه شريكا تخلف الاثر. نعم على القول بأن كون ملكه مشفوعا ينافي استحقاقه لا إشكال، كما أنه لا إشكال في الاول أيضا بناء على اعتبار بقاء الملك للشفيع في الشفعة، فمع فرض أخذ الشريك الاول الجميع لم تكن شفعة للمشتري الاول لانتقال ملكه عنه. بل لعل صحيح النظر يقتضي عدم الشفعة له أصلا، لوجود المانع بالنسبة إليه، وهو الكثرة، بخلاف الاول الصادق عليه الاتحاد بملاحظة شركته مع البائع التي بها اندرج في إطلاق الادلة، بخلاف المشتري الاول الذي تحقق معه كثرة الشركاء بشركة البائع وشريكه الاول. وأما المناقشة في أصل ثبوت الشفعة للشريك الاول - بأن قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (1) السابق: " فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة " يقتضي منع الكثرة اللاحقة كالسابقة - فيدفعها ظهور إرادة معنى الكون من الصيرورة في المقام ولو بملاحظة


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 279 ]

غيره من النصوص إن لم يكن ذلك هو المنساق، فتأمل جيدا. وربما يأتي إنشاء الله تعالى لذلك تتمة. وكيف كان فالمتجه على القول بثبوت الشفعة مع الكثرة أن تكون على الرؤوس لا السهام، كما عن الصدوق، لما سمعته من خبري طلحة (1) والسكوني (2) ولان سبب الاستحقاق الشركة في الجملة ولو بأقل جزء ولذا لو انفرد ذو الحصة القليلة أخذ الكل كذى الحصة الكثيرة، وليس ذلك إلا من جهة كون السبب الشركة، والاصل عدم التفاضل. ولا ينافي ذلك التوزيع في تعلق الديون على قدرها دون الرؤوس بعد اختصاصه بالدليل الكاشف عن كون التعلق من جهتها، لا أصل الدينية المشتركة بين القليل والكثير، بخلاف المقام. خلافا للمحكي عن أبي علي فجعلها على قدر السهام، ولكن قال: " ويجوز قسمتها على عدد الرؤوس " ومقتضاه التخيير. واحتجوا له بأن المقتضي للشفعة الشركة، والمعلول يتزايد بتزايد علته وينقص بنقصها إذا كانت قابلة للقوة والضعف. وفيه (أولا) أنه لا يقتضي التخيير، و (ثانيا) منع التزايد إذا لم يظهر من الادلة، إذ لعل أصل الشركة هي العلة، من غير فرق بين قلة النصيب وكثرته، ومن هنا كان القول الاول أصح كما اعترف به غير واحد، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف كما عن غير واحد الاعتراف به في أنه (تبطل الشفعة بعجز الشفيع عن) دفع (الثمن) مع عدم رضا المشتري بالصبر، وأنه لا يكفي بذل الضامن والرهن والعوض، بل ربما كان ظاهر المسالك في أول تعريف الشفيع أو صريحها الاتفاق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 5.

[ 280 ]

على اعتبار القدرة عليه فيه الذي لا ريب في منافاة العجز لها، وفي مجمع البرهان " دليل اشتراط القدرة في الشفعة على الثمن ولو بالقرض وبيع شئ وسقوطها مع العجز يمكن أن يكون إجماعا ". قلت: وقد يدل عليه في الجملة - مضافا إلى ذلك وإلى الاصل - فحوى حسن علي بن مهزيار (1) " سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن رجل طلب شفعة أرض فذهب على أن يحضر المال فلم ينض، فكيف يصنع صاحب الارض إذا أراد بيعها، أيبيعها أو ينتظر مجئ شريكه صاحب الشفعة ؟ قال: إن كان معه في المصر فلينتظر به إلى ثلاثة أيام، فان أتاه بالمال، وإلا فليبع وبطلت شفعته في الارض، وإن طلب الاجل إلى أن يحمل المال من بلد آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف وزيادة ثلاثة أيام، فان وفاه وإلا فلا شفعة له ". وإن قيل: هو ظاهر في الشفعة قبل البيع، لان المراد بصاحب الارض الشريك الاصلي الذي هو البائع إلا أن الاصحاب قاسوا حال المشتري عليه، لكن قد يمنع ظهوره في ذلك كما عساه يشهد له قوله: " طلب شفعة أرض " فان الشفعة حقيقة لغة وعرفا: الاستحقاق بعد البيع، بل قيل: المراد حينئذ بالطلب الاخذ بها، بل لعل البطلان أيضا ظاهر في ذلك، وحينئذ يكون المراد بصاحب الارض المشتري. بل لو قلنا بارادة المعنى الحقيقي من الطلب فيه لا الاخذ كان المراد أنه أرادها ومضى ليحضر الثمن ليحصل استحقاق الاخذ بها أو التملك على حسب ما سمعته في اعتبار سبق دفع الثمن كان أيضا دالا على المطلوب، فتأمل جيدا. بل في الرياض " هذا مع احتمال أن يكون الالحاق على تقدير


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 281 ]

صحة ما ذكره من باب تنقيح المناط القطعي لا القياس الخفي " وإن كان فيه منع العمل بالاصل حتى يتجه التنقيح المزبور ضرورة عدم قائل بسقوط الشفعة بانتظار البائع الثلاثة بل إطلاق الادلة مناف لذلك. وعلى كل حال ففي جامع المقاصد والمسالك " يتحقق العجز باعترافه، وفي تحققه باعساره وجهان " وفي الاخير منهما " أجودهما العدم، لامكان تحصيله بقرض ونحوه " وفيهما معا " ينتظر به ثلاثة أيام كمدعي غيبته ". ولعل ذلك منهما بناء على عدم اختصاص التحديد المزبور في الحسن المذكور بغيبة الثمن مع وجوده، بل هو للاعم من ذلك ومن تحصيله، فان المراد من قوله: " لم ينض " لم يحصل ولم يتيسر ويتنجز. بل في المسالك في شرح قول المصنف: (و) كذا تبطل (بالمماطلة) " والمراد بالمماطل القادر على الاداء ولا يؤدي، ولا يشترط فيه مضى الثلاثة، لانها محدوة للعاجز، ولا عجز هنا، ويحتمل إلحاقه به لظاهر رواية ابن مهزيار (1) عن الجواد (عليه السلام) بانتظاره ثلاثة أيام حيث لم ينض الثمن ". وكأنه أخذه مما في جامع المقاصد، فانه بعد تفسير المماطل بما عرفت قال: " وهل يتحقق كونه مماطلا قبل الثلاثة ؟ ظاهر إطلاقهم يقتضي ذلك، ولاشعار رواية ابن مهزيار (2) عن الجواد (عليه السلام) بانتظاره ثلاثة أيام حيث لم ينض الثمن ". ولكن ليس فيه أن الثلاثة تحديد للعاجز كما سمعته من المسالك، بل لم أعرفه لغيره، بل ظاهرهم الاتفاق على عدمه، وأنه لا شفعة له مع فرض عجزه المتحقق باعترافه أو بالقرائن أو بغير ذلك حال البيع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 282 ]

وإن تجدد له القدرة بعد ذلك بيسير، بل ظاهرهم سقوطها بتحقق المماطلة كذلك. بل (وكذا لو هرب) الذي ذكر فيه في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما " أنه إن كان قبل الاخذ بالشفعة فلا شفعة له، وإن كان بعده فللمشتري الفسخ " ولا يتوقف على الحاكم كما حكاه في الثاني منهما عن التحرير، لعموم " لا ضرر ولا ضرار " (1) ولان الاخذ لما كان مبنيا على القهر لم يلزم المشتري حكمه، بخلاف ما إذا هرب المشتري عن أداء ثمن المبيع. نعم في مجمع البرهان بعد أن ذكر دليل البطلان بالعجز قال: " وكذا دليل البطلان بالمماطلة مع الوجدان، فانه كالعجز بل أقبح، وكذا الهرب بعد البيع لئلا يعطي الثمن معها، ولكن ينبغي أن يكون المراد بالمماطلة والعجز إلى وقت يضر بحال المشتري أو البائع عرفا الصبر إليه ولو كان قليلا، ويؤيده جواز الصبر ثلاثة أيام مع دعوى غيبة الثمن وصبر الثلاثة أيام بعد مدة الرواح إلى بلد الثمن ومجيئه ". ولكن فيه أيضا أنه مناف لظاهر الاصحاب، فانهم اعتبروا في الشفيع القدرة على الثمن، وفرعوا على ذلك أنه لا شفعة للعاجز ولا للمماطل ولا للهارب وإن كان هو على ضرب من التجوز في الاخيرين، ضرورة صدق القدرة عليهما، ثم ذكروا مسألة التأجيل لمدعي غيبة الثمن، وظاهرهم أنه متى تحقق العجز حال البيع لا شفعة، وكذا متى تحقق المطل والهرب المنافي للفورية مع فرض حصوله قبل الاخذ بها بعد تحقق سببها. نعم لولا الاصل السابق قد يناقش في الشرط المزبور على الوجه المذكور إن لم يكن إجماعا بأنه لا دليل عليه بحيث يعارض إطلاق ما دل


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 283 ]

على ثبوتها ببيع الشريك نصيبه، نعم فحوى الحسن المزبور يقتضي التأجيل ثلاثة أيام مطلقا، فان لم يكن ثم إجماع اتجه جعلها غاية للجميع. بل ظاهرهم عدم التقييد بالضرر في ثلاثة المصر وإنما قيدوه به لو ادعى غيبته في بلد آخر الذي هو مضمون الحسن السابق. قال المصنف: " ولو ادعى غيبة الثمن أجل ثلاثة أيام، فان لم يحضره بطلت شفعته، فان ذكر أن المال في بلد آخر اجل بمقدار وصوله إليه وزيادة ثلاثة أيام ما لم يتضرر المشتري) ونحوه غيره، بل لا أجد خلافا بينهم في ذلك، بل عن الغنية بعد أن ذكر التأجيل المزبور على الوجه المذكور قال: " هذا إذا لم يؤد الصبر عليه إلى ضرر، فان أدى إلى ذلك بطلت شفعته بدليل إجماع الطائفة ". نعم في مجمع البرهان بعد أن ذكر أن وجه ذلك نفيه عقلا ونقلا قال: " لكنه غير ظاهر، لانا نجد وقوعه في الشرع كثيرا، فليس له ضابط واضح، خصوصا مع وجود النص " (1). قلت: لا ريب في رجحان العمل بدليله مع فرض تحققه بالاحالة على بلد بعيد مثلا بعد الاعتضاد بما عرفت وأصالة عدم الشفعة التي كان الضرر منشأ مشروعيتها وإن كان التعارض بينهما من وجه، والامر في ذلك سهل. ثم إن ظاهر الخبر المزبور أن ابتداء الثلاثة من حين شفعته لا من حين البيع، والظاهر صدقها مع التلفيق لو وقعت خلال اليوم، كما صرح به في جامع المقاصد والمسالك. وفي الاول منهما " وهل تعتبر الليالي بحيث تلفق ثلاثة أيام وثلاث ليال ؟ لا تصريح بذلك، ولو قلنا: ان مسمى اليوم شامل لليل اعتبرت، نعم لو وقع البيع أول الليل فالليالي داخلة تبعا ". وهو جيد إن لم يرد


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 284 ]

دخول الرابعة أيضا تبعا. لكن في الثاني منهما " وتعتبر الثلاثة ولو ملفقة لو وقع الامهال في خلال اليوم، والليالي تابعة للايام، فان وقع نهارا اعتبر إكمال الثلاث من اليوم الرابع، ودخلت الليالي تبعا، ولو وقع ليلا اجل ثلاثة أيام تامة وتمام الليلة من الرابعة كذلك ". وفيه أنه لا حاجة إلى إكمالها مع فرض الصدق بدونها بل وبدون الاولى، ولكن دخلت تبعا للايام كدخول المتأخرة إذا احتيج إلى التلفيق من يومها كما هو واضح. ويعتبر في الذهاب إلى بلد المال حصول ما يحتاج إليه عادة من رفيق وغيره، ولا يجب تحصيله باجرة حملا للاطلاق على المعتاد الذي هو مراعى أيضا في بقائه أيضا في نفس البلد لتحصيل المال. ثم إن المحكي عن التذكرة وصرح به في جامع المقاصد والمسالك كون المراد ببطلانها على تقدير عدم إحضاره في المدة المضروبة سقوطها إن لم يكن أخذ، وتسلط المشتري على الفسخ إن كان قد أخذ. قيل: ولعله كذلك، لان الحكم بالبطلان إنما هو مراعاة للمشتري، فإذا رضي بأخذ الشفيع بالتأخير فقد أسقط حقه، وليس في إطلاق الرواية ما ينافي ذلك، لان غايتها إسقاط حق الشفيع من التسلط على المطالبة، وهو لا يستلزم إسقاط حق المشتري من المطالبة بالثمن بعد إجراء الصيغة الناقلة. وبالجملة لا دلالة فيها على بطلان حق الشفيع، وعلى تقديره لا ضير فيه أيضا، وإن هي حينئذ إلا كما ورد (1) في خيار التأخير من بطلان البيع مع إطباق الاصحاب على بقاء الصحة وثبوت الخيار لا فساده من أصله.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الخيار - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 285 ]

فما في الكفاية - من أن هذا التفصيل غير مذكور في الرواية - محل مناقشة إن أراد الرد بها عليه، وإن أراد عدم استفادة ما ذكره منها فحسن إلا أنه لم يستند إليها في ذلك، ولعله أخذه مما قدمناه من الحجة. وفيه ما لا يخفى من أنه لا حجة تقتضي العدول عن ظاهر قوله (عليه السلام) (1): " بطلت شفعته " وقوله (عليه السلام): (2) " ولا شفعة له " إلى إرادة نفي اللزوم لا الصحة بعد تعبير الاصحاب أيضا بالبطلان الظاهر في الانفساخ لو وقعت وعدم استحقاق لها إن لم تقع. لكن مع بقاء طلب المشتري إرادة الثمن من الشفيع، لان ذلك هو ظاهر النص (3). أما لو رضي بالتأخير في ابتداء الامر أو في أثناء الثلاثة فلا يندرج في النص (4) المزبور، فيبقى على ما تقتضيه القواعد من الصحة، بخلاف ما لو مضت الثلاثة وهو مستمر على طلب الثمن فلم يأت به الشفيع، فان ظاهر النص حينئذ عدم الاستحقاق والانفساخ، فلو رضي بعد ذلك لم يجد في ثبوت حق الشفعة أو في بقاء الثمن في ذمة الشفيع، كما لو كان في الابتداء مثلا، خصوصا بعد إمكان الفرق بينها وبين العقد الذي له جهة صحة ولزوم، بل قاعدة الضرر ونحوها إنما تزلزل لزومه الذي هو مناط الضرر. ومن هنا ينصرف ما دل على نفي الصحة فيه إلى اللزوم بخلاف الشفعة التي هي أشبه شئ بالايقاع وباختيار الفسخ واللزوم ونحو ذلك مما لم يجر فيه التعارف المزبور، فبقاء اللفظ على حقيقته حينئذ أولى، لعدم الصارف عنه.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 286 ]

هذا كله على القول بعدم مدخلية دفع الثمن في ملك الشقص، وإلا فلا ريب في عدم الصحة، كما تسمع تحقيقه إنشاء الله، والله العالم. (و) لا خلاف ولا إشكال في أنها (تثبت للغائب) بل عن الخلاف والتذكرة الاجماع عليه، وفي محكي الغنية يستحق الشفعة من علم بالبيع بعد السنين المتطاولة بلا خلاف وإن كان حاضرا في البلد، وكذلك حكم المسافر إذا قدم من غيبته. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك وإلى إطلاق الادلة - خبر السكوني (1) المنجبر بعمل الطائفة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " وصي اليتيم بمنزلة أبيه، يأخذ له الشفعة إذا كان له فيه رغبة، وقال: للغائب الشفعة ". ولا فرق نصا وفتوى بين طول الغيبة وقصرها. نعم ينبغي تقييده بما إذا لم يتمكن من الاخذ بنفسه أو وكيله كما صرح به الفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم، وإلا فان أخر مع إمكان المطالبة كذلك بطلب شفعته كما صرح به في محكي التذكرة. بل في التحرير " لو أشهد على المطالبة ثم أخر القدوم مع إمكانه فالوجه بطلان شفعته، وكذا لو لو يقدر على المسير وقدر على التوكيل فترك ". وكذا لا تسقط شفعته بترك الاشهاد وإن تمكن منه فضلا عما لو عجز عنه أو قدر على إشهاد من لا يقبل قوله أو على من لم يقدم معه أو من يحتاج إلى التزكية. أما لو ترك الطلب بمعنى إنشاء الاخذ قولا بعد علمه بالحال وعدم تمكنه من المسير والتوكيل في دفع الثمن فلم أجد لهم تصريحا فيه، ولكن


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 287 ]

ينساق من فحواه عدم بطلان الشفعة، لعدم ثبوت الفورية على الوجه المزبور، والاصل بقاؤها. ولو كان للغائب وكيل عام ففي التحرير فله الاخذ بالشفعة مع المصلحة للغائب وكذا لو كان وكيلا في الاخذ وإن لم يكن مصلحة. وفيه أنه لا فرق بينهما في مراعاتها مع الاطلاق وعدمها مع التصريح. وفيه أيضا أنه " لو ترك هذا الوكيل الاخذ كان للغائب المطالبة بها مع قدومه، سواء ترك الوكيل لمصلحة أو لا " وهو كذلك إن لم يكن ذلك منه إسقاطا لها مع فرض عموم وكالته ووجود المصلحة فيه. ومن لم يعلم بالحال كالغائب وإن كان حاضرا، وكذا المريض الذي لا يتمكن من المطالبة بنفسه ولا بوكيله، ونحوهما المحبوس ظلما أو بحق يعجز عنه، إما إذا كان محبوسا بحق يقدر عليه فهو كالمطلق، إلى غير ذلك من الفروع التي ذكروها في المقام. مضافا إلى غيرها مما هو حاضر في الذهن. لكن لا يخفى على من تأمل كثيرا منها أنه قد يتوهم الفرق بين الحاضر والغائب، حيث ذكروا التأجيل للاول بالنسبة إلى إحضار المال بالثلاثة أيام، وأنه متى انقضت ولم يحضره بطلت شفعته، سواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر، بخلاف الغائب، فانه على شفعته مع فرض عدم تمكنه من القدوم والتوكيل ولو سنين، سواء قار (بادر خ ل) في إنشاء الشفعة أو لم يقر (لم يبادر خ ل). ولعله لظهور الحسن (1) المزبور المشتمل على التأجيل بالثلاثة في


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 288 ]

غيره، أما هو فباق على إطلاق الادلة المقتضي لبقاء الشفعة، والاصل عدم سقوطها. ولكن التحقيق عدم الفرق بين الحاضر والغائب الذي هو أحد أفراد المطلق، وإنما ذكره الاصحاب بخصوصه تبعا للنص عليه، وإلا فالحاضر أيضا إذا فرض كون المانع له عن إحضار الثمن عذر شرعي مثل مرض أو حبس بحق يعجز عنه أو غير ذلك كان حكمه حكمهم، ولا ينافيه الحسن المزبور الظاهر في البطلان من حيث عدم نضوض الثمن بمعنى عدم تيسره، لا من جهة أخرى. بل قد يقال بجريانه في الغائب، على معنى أنه ينتظر به زيادة على زمن قدومه على المتعارف ثلاثة أيام أيضا من حيث تيسر الثمن ونضوضه الذي هو حكم الشفيع في نفسه، كما عساه يومئ إليه تضمنه ذكر الثلاثة لمن ادعى غيبة الثمن في بلد آخر، فلاحظ وتأمل جيدا، فان المسألة غير منقحة في كلامهم. والمغمى عليه كالغائب كما في القواعد والتحرير وجامع المقاصد والدروس، أي ينتظر إفاقته وإن تطاول الاغماء، إذ لا ولاية لاحد عليه، فلا يتصور الاخذ عنه، كما في الدروس وجامع المقاصد، فان أخذ أحد لغا، وإن أفاق وأجاز ملك من حين الاجازة لا قبلها، فالنماء للمشتري قبلها، قيل: ولعله لانه لا مجيز له في الحال، فيكون كالصبي الذي لا ولي له في أحد القولين. وفيه أنه خلاف ما اختاره في البيع من عدم اشتراط هذا الشرط، كما أن مختاره هناك كون الاجازة كاشفة، ولذا قيل: إن ذلك منه بناء على عدم جريان الفضولي في الشفعة.

[ 289 ]

وفيه أن ما ذكرناه من دليله شامل لها، على أن مقتضاه عدم النقل أيضا، والله العالم. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في ثبوتها (للسفيه) أيضا، لاطلاق الادلة، بل عن الخلاف الاجماع على ذلك، بل هو مندرج في المحكي من معقد إجماع الغنية على أن لولي غير كامل العقل أن يأخذ له بالشفعة، إلا أن الذي يأخذ له الولي ولو باجازته له ذلك أو إذنه له فيه على حسب غيره من التصرفات المالية. ولا ينافي ذلك اقتصار غير واحد - بل الاكثر على ما قيل - على الصبي والمجنون، وخصوصا مثل عبارة المتن المذكور فيها ثبوت الشفعة للسفيه، ومع ذلك اقتصر في أخذ الولي على الصبي والمجنون، فان ذلك قد يوهم اختصاص أخذ الولي بهما دونه. ومن هنا قال في المسالك: " كان على المصنف جمع الضمير المضاف إلى الولي، ليتناول السفيه، لئلا يتوهم أنه يتولى الاخذ دون الولي، بقرينة تخصيص الطفل والمجنون بأخذ الولي ". قلت: يمكن أن يكون ذلك للفرق بينهما بسلب عبارتهما دونه، فلا يأخذ لهما إلا الولي بخلافه، فانه له الاخذ بنفسه مع إجازة الولي، بل قد يحتمل جواز ذلك له مع رضا المشتري بالبقاء في ذمته أو إبرائها له، وإن كان هو خلاف ظاهر الاصحاب. وكذا لا أجد خلافا بينهم في ثبوتها للمفلس، لاطلاق الادلة، وإمكان رضا المشتري بالبقاء في ذمته أو إبرائها، أو استدانته من غير ماله الذي تعلق به حق الغرماء، أو رضوا هم بدفع ذلك من ماله، وإن كان لا يجب عليهم، بل لهم منعه من ذلك بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال.

[ 290 ]

وعلى كل حال يتعلق حينئذ حقهم بالشقص إذا شفع به كما في غير ذلك من المال المتجدد له. نعم في القواعد والتحرير وجامع المقاصد ليس للغرماء الاخذ بها ولا إجباره عليها وإن بذلوا له الثمن، ولا منعه منه وإن لم يكن له فيه حظ، لانه لا ملك له قبل الاخذ ليتعلق به حقهم، وكونها حقا ماليا لا يقتضي التعلق المزبور للاصل، ولا يجب عليه الاكتساب لهم، ولان ذلك حق له، وليس من لوازمه التصرف فيما تعلق حقهم به من ماله، فلا دخل له بذلك وإن لم يكن فيه حظ له. ولو أخذ ولم يتيسر له الثمن ولم يرض المشتري بالصبر كان له الانتزاع منه، ولا ينافيه تعلق حق الغرماء، لانه انتقل إليه على الوجه المزبور، كما هو واضح. (وكذا) لا خلاف ولا إشكال في ثبوتها أيضا (للمجنون والصبي) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إطلاق الادلة وخصوص خبر السكوني (1) المتقدم في الثاني منهما. (و) لكن (يتولى الاخذ) عنهما (وليهما) كما في غير ذلك من امورهما، نعم قيده المصنف ومن تأخر عنه بكون ذلك (مع الغبطة) إلا أنه لم نجده في كلام من تقدم عليه حتى معقد إجماع الخلاف وغيره، ولعله لحظ الرغبة المراد بها المصلحة في الخبر المزبور (2). وفيه أنه يمكن إرادته ذلك في خصوص الوصي لا مثل الاب والجد الذي قد ذكرنا في غير المقام أن المعتبر في تصرفهما له عدم المفسدة كما هو ظاهر النصوص (3) بل عن فخر الاسلام إطلاق ذلك في مطلق الولي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 6 و 11 - من أبواب عقد النكاح والباب - 28 - من أبواب المهور - من كتاب النكاح والباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج من كتاب الارث.

[ 291 ]

إلا أن الاصح الفرق بينهما وبين الوصي مثلا، والله العالم. (ولو ترك الولي المطالبة) بالشفعة مع الغبطة (فبلغ الصبي أو أفاق المجنون فله (فلهما خ ل) الاخذ) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه. ولا ينافي ذلك التراخي المزبور (لان التأخير لعذر (للعذر خ ل)) وهو الصبا والجنون، وتقصير الولي لا يسقط حقهما الثابت لهما حال قصورهما بالنص (1) والفتوى، وإنما المتجدد لهما عند الكمال أهلية الاخذ لا أصل الحق، بل لو عفا الولي في الحال المزبور لم يمض عفوه حتى من الاب والجد مع فرض مفسدة في ذلك للمولي عليه. كما لا ينافيه أيضا الضرر على المشتري بطول الانتظار، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة إطلاق النص والفتوى، خصوصا بعد أن كانت هو السبب في إدخال الضرر على نفسه بذلك، وخصوصا بعد ثبوت مثله في الغائب. بل لعل الاقوى جواز تجديد الولي الاخذ وإن ترك سابقا أو عفا، كما صرح به بعضهم، لبطلان تركه وعفوه، فلا يترتب على أحدهما أثر، وليس هما من التراخي المسقط للشفعة قطعا، لان تقصيره السابق بمنزلة عدمه بعد فرض بقاء حق الشفعة للمولى عليه. أللهم إلا أن يكون بذلك فاسقا على وجه ترتفع به ولايته، وفيه منع واضح، وعلى تقديره يمكن عودها بالتوبة حينئذ، فاستشكال بعضهم في ذلك بالنسبة إلى الولي خاصة دون الطفل مثلا عند بلوغه فان له الاخذ في غير محله، كما هو واضح، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 292 ]

(و) على كل حال لا غرامة عليه كما عن بعضهم التصريح به للاصل وغيره. نعم (إذا لم يكن في الاخذ غبطة حيث تعتبر أو كان فيه فساد حيث يكون عدمه هو المعتبر (فأخذ الولي) مع ذلك (لم يصح) بلا خلاف ولا إشكال، لان الفرض عدم تصرفه على الوجه المشروع، وكان ضامنا لما دفعه من الثمن، والشقص باق على ملك المشتري. هذا وفي جملة من كتب الفاضل وجامع المقاصد والروضة أنه لا شفعة لهما بعد الكمال إذا كان الترك من الولي أصلح من الاخذ، أو كان في الاخذ فساد على المولى عليه. ولعله كذلك إذا كان ذلك لاعسار الصبي ونحوه مما يقتضي عدم ثبوت الشفعة له للعجز، بناء على سقوط الشفعة به كما عرفت. أما إذا لم يكن كذلك فيشكل السقوط، لاطلاق الادلة. ولا ينافيه عدم جواز أخذ الولي المعتبر فيه المصلحة أو عدم المفسدة. ولعله لذا قال في محكي الخلاف: " إذا كان للصبي شفعة والحظ له في تركه فترك الولي وبلغ الصبي رشيدا فله المطالبة بالاخذ وله تركه، لانها حقه، وليس على إسقاطها دليل، وأيضا جميع العمومات التي وردت في وجوب الشفعة تتناول هذا الموضع، ولا دلالة على إسقاطها بترك الولي ". وهو جيد جدا، بل هو مقتضى كل من أطلق أن لهما الشفعة مع الكمال لو ترك الولي من غير تقييد بما إذا كان ذلك مع الغبطة. فما في الرياض - من أنه لا يظهر خلاف في أنه لو كان الترك لعدم المصلحة لم يكن لهم بعد ارتفاع المانع الاخذ بالشفعة - في غير محله. ودعوى أنه إذا كان حينئذ الحظ في الترك وجب أن يصح كما يصح الاخذ واضحة الفساد، إذ ليس من آثار صحة الترك سقوط حق الشفعة

[ 293 ]

للمولى عليه، بل أقصاه موافقة الشارع فيما قرره له في الفعل والترك. نعم لو عفا وأسقط وفرض مصلحة تقتضي صحة ذلك كان من آثارها السقوط، فلا شفعة لهما بعد الكمال لذلك. ولو جهل الحال أن ذلك كان لمصلحة أو لا فهو كباقي تصرفات الولي، لكن في القواعد " فلو ترك فلهما بعد الكمال المطالبة إلا أن يكون الترك أصلح " وفي جامع المقاصد " أن مقتضاه أن لهما المطالبة مع الجهل لظهور كون الاستثناء متصلا - ثم قال -: وفيه لان المطالبة (1) فرع الثبوت حينئذ، والثبوت إنما يتحقق مع المصلحة، والفرض جهالة الحال، فلا مقتضي للثبوت، وهذا وجيه ". قلت: مضافا إلى حمل فعل المسلم أو تركه على الوجه الصحيح، وخصوصا الولي الذي لا اعتراض للمولى عليه إلا مع العلم بفساد فعله وتركه، ولو لا ذلك لكان المتجه الثبوت للاستصحاب، ولا دليل على اشتراط ذلك بترك الولي له مع المصلحة فيه. ومن ذلك يعلم ما في الروضة تبعا لما سمعته من جامع المقاصد " فان ترك في موضع الثبوت أي مع المصلحة فلهم عند الكمال الاخذ لا من ترك لعدم المصلحة، ولو جهل الحال ففي استحقاقهم الاخذ نظرا إلى وجود السبب فيستصحب، أم لا إلتفاتا إلى أنه مقيد بالمصلحة ولم يعلم ؟ وجهان، أجودهما الثاني " والله العالم. (وتثبت الشفعة للكافر على مثله) وإن كان البائع مسلما بلا خلاف، بل عن جماعة الاجماع عليه، لاطلاق الادلة وعمومها السالمين عن المعارض عدا إطلاق الخبر (1) " ليس لليهودي والنصراني شفعة "


(1) وفي جامع المقاصد (وفي استحقاقهما المطالبة والحال هذه نظر، لان المطالبة فرع...) (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 294 ]

المقيد إجماعا بارادة نفيها لهما على المسلم الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ولا تثبت له على المسلم ولو اشتراه من ذمي) أو غيره بلا خلاف فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه. بل المحكي منهما مستفيض إن لم يكن متواترا، مضافا إلى الخبر المزبور وقوله تعالى (1): " لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " وإلى أن " الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (2) " فلا يقهر الكافر المسلم على أخذ ماله من يده. (وتثبت للمسلم على المسلم والكافر) إجماعا أو ضرورة من المذهب إن لم يكن الدين، والله العالم. (وإذا باع الاب أو الجد) وإن علا (عن اليتيم) أو المجنون (شقصه المشترك معه) لمصلحة انفاق أو غيره (جاز أن يشفعه) كما صرح به الشيخ والفاضل في بعض كتبه وولده والشهيدان والكركي على ما حكي عن بعضهم، لاطلاق الادلة، بل لا أجد فيه خلافا. نعم في قواعد الفاضل " وللاب وإن علا الشفعة على الصغير والمجنون وإن كان هو المشتري أو البائع عنهما على إشكال " بل في مختلفه الجزم بالعدم في الوكيل على بيع ما يستحق الشفعة به، محتجا بأن قبول الوكالة رضا منه بالتمليك للمشتري، وحينئذ تسقط الشفعة، بل في جامع المقاصد توجيه الاشكال المزبور بذلك. ولكنه كما ترى، ضرورة عدم الدلالة على ذلك، بل لعل إيقاع العقد المذكور تمهيد للاخذ بها وتحقيق لسببه، فلا يكون الرضا به مسقطا لها بل الرضا بالسبب رضا بالمسبب، لا أن إيجاد العلة - وهي البيع - ينافي طلب المعلول وهو الشفعة.


(1) سورة النساء: 4 - الاية 141. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب موانع الارث - الحديث 11 من كتاب الارث.

[ 295 ]

(و) دعوى أن عدم الشفعة للتهمة له بتقليل الثمن يدفعها - مع أن ذلك مناف لائتمانه الشرعي - إمكان فرض بيعه على وجه (ترتفع التهمة) باحضار العدول والحضور عند الحاكم ونحو ذلك (لانه) أي الاخذ بها (لا يزيد عن بيع ماله من نفسه) المعلوم جوازه، فالاشكال في ذلك فضلا عن الجزم بالعدم في غير محله. وكذا تثبت الشفعة للولد على والده، لاطلاق الادلة، وإن قال في جامع المقاصد: " فيه احتمالان وفي الاستحقاق قوة ". بل مما ذكرنا يعلم ثبوتها أيضا للوكيل في البيع والشراء، بل في جامع المقاصد " أن ذلك له قولا واحدا " وإن كان فيه أن المخالف الشيخ فيما حكي من مبسوطه والفاضل في المختلف، واستشكل فيه في محكي التذكرة، لنحو ما سمعته سابقا، وقد عرفت ضعفه. لكن لم يظهر لنا الفرق بين الولي والوكيل حيث حكي عن المبسوط أن للاول الشفعة بخلاف الثاني، كما أن المحكي عنه في التذكرة الجزم بها للاول والتوقف فيها في الثاني، ونحوه الكلام في العبد المأذون (و) كيف كان ف‍ (هل ذلك للوصي ؟ قال الشيخ) في مبسوطه: (لا) يجوز له ذلك (لمكان (لامكان خ ل) التهمة) ولفظه: " إذا باع ولي اليتيم حصته من المشترك بينه وبينه لم يكن له الاخذ بالشفعة إلا أن يكون أبا أو جدا، لان الوصي متهم، فيؤثر تقليل الثمن، ولانه ليس له أن يشتري لنفسه بخلاف الاب والجد ". ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، ولذلك قال المصنف: " ولو قيل بالجواز كان أشبه " باصول المذهب وقواعده (كالوكيل) الذي قد عرفت الحال فيه، بل جزم به الفاضل في بعض كتبه والشهيدان والكركي لما عرفته بل عن ظاهر المختلف الاجماع

[ 296 ]

على أنه يجوز للوصي أن يشتري لنفسه كالاب والجد، وفي جامع المقاصد والمسالك لا بحث في الصحة إذا رفع أمره إلى الحاكم فباع فأخذ بالشفعة لارتفاع التهمة حينئذ. وهو جيد لو انحصر مستند الشيخ في ذلك، وقد سمعت التعليل به وبغيره، وإن كان هو فاسدا كما عرفت، والله العالم. (وللمكاتب) المشروط والمطلق (الاخذ بالشفعة) بلا خلاف ولا إشكال، لانقطاع سلطنة المولى عنه بالنسبة إلى ذلك (وحينئذ ف‍ (لا اعتراض لمولاه) عليه حتى لو كان هو البائع أو المشتري. ولو باع المكاتب شقصا على المولى ببعض مال الكتابة ثبتت الشفعة لشريكه، فان كان مشروطا وفسخت الكتابة فالاولى بقاء الشفعة اعتبارا بحال البيع، وربما احتمل سقوطها لخروجه بذلك عن كونه مبيعا، والاول أصح. (ولو ابتاع العامل في القراض شقصا وصاحب المال شفيعه) لانه مشترك بينه وبين غيره (فقد ملكه بالشراء) مع فرض عدم الربح (لا بالشفعة) بلا خلاف أجده فيه بيننا ولا إشكال، لان العامل كالوكيل عن المالك، فكل ما يشتريه للقراض هو ملك لرب المال، فلا يتصور شفعة له حينئذ في ماله، إذ الملك لا يملك من جهتين، واستحقاقه القصاص على عبده لو جنى عليه ليس ملكا لملكه. فما عن الكركي في بعض حواشيه المكتوبة بخطه على جامع المقاصد - من أنه لا يمتنع أن يستحق الملك بالشراء ثم بالشفعة، إذ لا يمتنع اجتماع العلتين على معلول واحد، لان علل الشرع معرفات - واضح الفساد وإن كان ستسمع اختيار مثله من المصنف والفاضل وغيرهما في الفروع على القول بالكثرة، ضرورة عدم وجود العلة بعد أن

[ 297 ]

كان الشراء له بالوكالة عن العامل، والفرض ظهور أدلة الشفعة بل صراحتها في بيع الشريك حصته من غير من له الشفعة، كما هو واضح. (و) حينئذ فلو أراد المالك الاختصاص به بأن يفسخ المضاربة فيه (لا اعتراض للعامل إذا لم يكن ظهر ربح، و) لكن (له المطالبة بأجرة عمله) المحترم كما في غير ذلك من أعيان المضاربة. وإن لم يختر المالك الفسخ بقيت المضاربة بحالها، وليس للعامل أجرة بل له شرطه من الربح، ولا يلزم من ملك صاحب المال له الفسخ، فان جميع مال القراض مملوك له، وذلك كله واضح من قواعد الشفعة والمضاربة. فمن الغريب ما عن المبسوط من عدم الترجيح في المسألة، والاقتصار على نقل أقوال ثلاثة فيها: أحدها ما عرفته، والثاني أنه يأخذه بالشفعة، والثالث عدم أخذه بها ولا بغيرها، وكأنها للعامة، ولا وجه للاخيرين منها فيما فرضناه من موضوعها. نعم لو ظهر الربح للعامل في المبيع وقلنا بملكه بذلك على وجه يكون شريكا للمالك بمقدار ما يخصه من الربح فالمتجه الموافق لقواعد المضاربة أنه حينئذ يكون شريكا في الشقص مع صاحب المال، سواء فسخ المضاربة أم لا، وليس لصاحب المال أن يأخذ نصيب العامل من الربح بالشفعة أيضا، لان العامل لم يملكه بالشراء الذي هو شرط ثبوت الشفعة، وإنما ملكه بظهوره، سواء قارن الشرط أم تأخر. نعم لو فرض أن ما اشتراه به من الثمن قد ظهر فيه الربح وقلنا بملكه به على وجه صار شريكا اتجه حينئذ كون المبيع مشتركا بينه وبين المالك بالبيع، بل اتجه أخذ المالك فيه بالشفعة، أما في الفرض فلا ملك للعامل بالبيع وإن كان الربح مقارنا، لان ملكه طار على ملك

[ 298 ]

رب المال، فالبيع لم يفد إلا ملك رب المال بأجمعه للمبيع، لان الثمن له. ثم إن العامل يملك ولو على جهة الترتب الذاتي، وحينئذ فليس ذلك من أسباب استحقاق الشفعة، لاختصاص موردها بالبيع نصا وفتوى، وليس لصاحب المال قطع تسلط العامل على الحصة بالفسخ ورده إلى الاجرة، كما تسمعه من بعض الشافعية، بل يستقر ملكه عليها إن لم يتجدد ما يبطله كخسارة المال لا غير، لاصالة بقاء ملكه عليه إلا بوجه ناقل شرعا، وهو منتف هنا. وهذا هو حاصل ما في الدروس " وليس للمالك أخذ ما اشتراه العامل بالشفعة، بل له فسخ المضاربة فيه، فان كان فيه ربح ملك العامل نصيبه، وإلا فله الاجرة ". لكن في قواعد الفاضل " ويملك صاحب مال القراض بالشراء، لا بالشفعة إن لم يكن ربح أو كان، لان العامل لا يملكه بالبيع، وله الاجرة ". وربما استظهر منه أن للمالك الاختصاص بالعين على كل حال وأنه ليس للعامل إلا الاجرة وإن كان قد ظهر الربح. ولذا حكى في جامع المقاصد النظر فيه عن حواشي الشهيد بأن فتوى المصنف ملك الربح بالظهور، وحينئذ يملك العامل حصة من الشقص ويكون شريكا قال: " ثم أجاب بما لا يدفع السؤال، ثم اعترف بورود السؤال ". قلت: قد يدفع بأن المراد استحقاق الاجرة مع الفسخ وعدم ظهور الربح، كما عساه يشعر به قوله: " لان العامل " إلى آخره المراد منه أنه وإن كان ربح ويملكه العامل إلا أن ملكه له بسبب اقتضاء عقد المضاربة ذلك، لا البيع الذي لم يحصل منه إلا ملك رب المال للجميع

[ 299 ]

باعتبار كون الثمن ملكا له وملك العامل طار عليه، فلا شفعة له بملك العامل، لانه لم يملكه بالبيع الذي هو عنوان الشفعة، وإنما ملكه بظهور الربح، والذي ملكه بأجمعه أولا بالبيع إنما هو رب المال، فلا يتصور له شفعة على كل حال. بل يشهد لذلك أيضا ما في تحريره قال فيه: " ولو اشترى المضارب بمال القراض شقصا في شركة رب المال فليس لرب المال فيه شفعة على الاقوى لان الملك له، ولو كان فيه ربح فكذلك، سواء قلنا إن العامل يملك بالظهور أو بالانضاض، لانه شراء مأذون فيه، وإن لم يكن ظهر ربح لم يكن للعامل اعتراض، ولو كان له الاجرة عن عمله " أي لا اعتراض له عليه لو أراد فسخ المضاربة والاستبداد بالشقص وإن كان له حينئذ اجرة عمله، كما في غيره من أعيان المضاربة مع فرض عدم الربح، أما معه فله نصيبه. وحينئذ فينزل ما في القواعد على إرادة هذا المعنى، وكأنهم أهملوه اتكالا على قواعد المضاربة، ولعل هذا أولى من دفعه بما في التذكرة عن بعض الشافعية من الوجه الثالث في المسألة، وهو أن للمالك أن يأخذ بحكم فسخ المضاربة، لانه لما امتنع استحقاقه الشفعة فلا أقل من أن يستحق قطع سلطنة العامل عن الشقص، لانه ممكن، فلا يلزم من امتناع الشفعة لامتناعها انتفاء هذا، كما نقول فيما إذا جنى المرتهن على عبد المولى، فانه يكون للمولى فكه من الرهن بسبب الجناية، وحينئذ فيكون على صاحب المال اجرة المثل عن عمله لكونه محترما، سواء ظهر فيه ربح أو لا، إذ يرد عليه أن فسخ المالك إذا طرأ على المضاربة لا يسقط استحقاق العامل من الربح الذي ثبت استحقاقه، لان الفسخ إنما يؤثر بالنسبة إلى مستقبل الزمان لا فيما مضى، فيجب أن يقال: إن ظهر ربح فللعامل

[ 300 ]

حقه منه إن قلنا يملكه بالظهور، وإلا فله الاجرة، وهو المطابق لما سمعته من الدروس. والمناقشة فيه - بأن هذا الحكم آت في جميع أقسام المضاربة فلا خصوصية لكون الشقص مشفوعا في ثبوت الفسخ - يدفعها أنه لا مانع من كون الحكم كذلك، إذ لم يظهر من أحد أن لما ها هنا خصوصية، بل يمكن إيكال ما في بعض العبارات من الاجمال إلى وضوح الامر بملاحظة قواعد المضاربة وكأن الذي دعاهم إلى ذكر الفرع أن الشيخ في المبسوط ذكره، وذكر فيه أقوالا ولم يرجح أحدها، فأرادوا تنقيح ذلك على قواعد الامامية تعريضا بما سمعته من بعض الشافعية. هذا ولكن في جامع المقاصد " يمكن الجواب عن السؤال الاول بأن العامل وإن استحق الحصة من الربح بالظهور إلا أن استحقاق الاختصاص بسبب الشركة سلط المالك على قطع استحقاقه من العين، فان الشركة هنا إن لم تكن موجبة لاستحقاقه التملك لكونه مالكا حقيقة فلتكن رافعة لتملك العامل بعض العين، ومتى فات حقه من الربح استحق اجرة المثل ولو لم يظهر ربح ففي استحقاق الاجرة إلى حين الفسخ كلام يأتي إنشاء الله تعالى، وهذا لا بأس به، إذا عرفت ذلك فقول المصنف: لان العامل لا يملكه بالبيع تعليل لقوله: يملك صاحب مال القراض بالشراء لا بالشفعة على تقدير الربح، ومعناه أن استحقاق العامل متأخر عن العقد، فلا يمكن أخذه بالشفعة، وفيه تنبيه على استحقاق العين والاختصاص بها من دون العامل وإن ظهر ربح، لان حق المالك وهو الاختصاص بسبب الشركة أسبق، فلا يزيله حق العامل الطارئ، بل

[ 301 ]

للمالك فسخ استحقاقه، وينتقل إلى اجرة المثل، وهذا هو تحقيق هذا المحل ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه من أنه - (أولا) هو بعينه ما سمعته من بعض الشافعية الذي قد اعترف هو بفساده وأورد عليه ما ذكرناه. و (ثانيا) أن ما ذكره من اقتضاء الشركة قطع سلطنة العامل لا نعرف له وجها يطابق اصول الامامية. فمن الغريب قوله: " إن هذا تحقيق هذا المحل " وما كنا لنؤثر أن يقع منه مثل ذلك، وربما كان التزام سوء تعبير الفاضل وغيره أولى من مخالفة الضوابط الشرعية. وإذا بيع شقص في شركة مال المضاربة فللعامل الاخذ بها مع الغبطة فان عفا فللمالك الاخذ، وهو معنى ما في الدروس من أنها تثبت للعامل فان ترك فللمالك الاخذ. بل وما في التذكرة من " أن للعامل في المضاربة الاخذ بالشفعة إذا بيع شقص في شركة المضاربة، فإذا أخذ فان كان هناك ربح فلا حصة له في ذلك، بل الجميع للمالك، لان العامل لا يملكه بالشفعة، فالجميع لصاحب المال، وكذا إن لم يكن ربح، وللعامل الاجرة، ولو ترك كان لرب المال الاخذ، لان المشتري بمال المضاربة له. هذا إذا لم يظهر في الحصة التي اشتراها المضارب ربح، ولو كان قد ظهر فيه ربح لم يكن هناك شفعة، لا للعامل ولا لرب المال، لزيادة الشركة على إثنين ". قلت: ضرورة كون العامل حينئذ شريكا ورب المال والشريك البائع في الارض المزبورة مثلا. لكن قد يناقش فيما ذكره - من عدم شئ للعامل وإن كان ربح،

[ 302 ]

وإنما له الاجرة - بأن أخذه بالشفعة إن كان من عمل المضاربة فله ربحه، وإلا فلا اجرة له. وقوله: " لان العامل لا يملك بالشفعة " يدفعه أنه لا يملك بها ولا بغيرها من النواقل، وإنما يملك بظهور الربح، ولم يجز له الاخذ بها إلا لانها من عمل المضاربة وإن كان الملك لرب المال كالشراء. ولو كان للعامل الشفعة بمعنى أنه اشترى للمضاربة شقصا له فيه الشفعة - لانه الشريك - كان له مع عدم الربح الاخذ، لان ملك الشقص لغيره، وكذا مع الربح إذا لم نقل بملكه بالظهور، أما معه فلا شفعة له به، لصيرورة بعضه ملكا له بالظهور، ولا وجه للشفعة بملكه كما سمعته في رب المال، والشفعة بما يخص رب المال منه تبعيض للشفعة. لكن في التحرير هنا احتمالان قال: " ولو كان المضارب شفيعه ولا ربح في المال فله الاخذ، لان الملك لغيره، وإن كان فيه ربح وقلنا لا يملك بالظهور فكذلك، وإن قلنا يملك بالظهور احتمل الشفعة وعدمها كرب المال " ولعله لنحو ما سمعته من الكركي سابقا وتسمعه فيما يأتي من الفروع العشرة. ثم قال: " وإن باع المضارب شقصا في شركته لم يكن له الاخذ بالشفعة، لانه متهم على إشكال " وفيه ما عرفت سابقا من عدم صلاحية التهمة مانعا، والله العالم.

[ 303 ]

(فروع) (على القول بثبوت الشفعة مع كثرة الشفعاء) قد جرت العادة بذكرها وإن لم نقل بها تشحيذا للاذهان، ولانه قد ينتفع بها على المختار أيضا في حال إرث المتعددين الشفعة (وهي) كثيرة، وقد اختار المصنف منها (عشرة:) الفرع (الاول) (لو كان الشفعاء أربعة) مثلا (فباع أحدهم) نصيبه وقلنا بسقوط حقه من الشفعة بذلك، للشك في ثبوتها معه، والاصل عدمه إن لم يكن المنساق من الادلة خلافه، خصوصا بعد ملاحظة أن حكمة شرعها قاعدة الضرر، فلا يجري استصحاب بقائها مع احتماله أيضا، لكن الاقوى الاول (و) حينئذ فإذا (عفا آخر) منهم بأن أسقط حقه من الشفعة (ف‍) الذي ذكره غير واحد كالشيخ والفاضل والشهيدين والكركي على ما حكي عن بعضهم بل في المسالك أنه المشهور وإن كنا لم يتحققه قبل المصنف أن (للاخرين أخذ المبيع و) لا تسقط الشفعة بفعل الاولين. نعم (لو اقتصرا في الاخذ على حقهما لم يكن لهما، لان الشفعة لازالة الضرر، وبأخذ البعض يتأكد). وفيه (أولا) أن الضرر هو الذي أدخله على نفسه باقدامه على شراء ذي الشفعاء المتعددين إذا قلنا بتوزيع الشفعة عليهم.

[ 304 ]

و (ثانيا) أن الشفعة حق مالي قابل للتقسيط والانقسام، بل هو المنساق من قوله (عليه السلام) (1): " الشفعة على عدد الرجال " ضرورة أن معنى كونها عليهم دون السهام توزيعها عليهم، ولا معنى للتوزيع إلا بارادة تبعية شفعة كل واحد نصيبه. و (ثالثا) أن العفو يقتضي استقرار المعفو عنه على ملك المشتري كما لو عفوا جميعا. و (رابعا) قد سمعت سابقا ما حكاه المرتضى (رحمه الله) من أنه في روايات أصحابنا إذا سمح بعض بحقوقهم من الشفعة فمن لم يسمح بحقه على قدر حقه، فالمتجه حينئذ سقوط حق الاولين وبقاء حق الاخرين، بل ليس لهما أخذ حق الاولين بالشفعة، لعدم ثبوته لهما، وهو المحكي عن أبي علي والفاضل في موضع من التذكرة. ودعوى أن الشفعة كالخيار لو ورث - فانه واحد لا يتبع الحصص فيمضي فسخ الواحد على الجميع وإن لم يرضوا بذلك - يدفعها بعد تسليم ذلك وضوح الفرق بينها وبينه بكونه راجعا إلى فسخ العقد، وهو غير قابل للتبعيض بخلاف الشفعة، فان مرجعها إلى نقل ملك المشتري إلى الشفيع من دون فسخ عقد، ومع فرض تعدد المستحقين وكون الاستحقاق على عددهم لا مناص عن القول بالتوزيع على حسب ما ذكرناه. وعلى كل حال فمما ذكرنا يعلم حينئذ جريان حكم هذا الفرع على القول بالاتحاد في صورة الارث التي ذكر في المسالك فيها احتمالا آخر وهو بطلان حق الجميع بعفو البعض، بناء على أنهم يأخذون الشفعة للمورث ثم يتلقون منه، فيكون عفو بعضهم بمثابة عفو المورث عن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 5.

[ 305 ]

بعض حقه، بل هو المحكي عن ابن شريح في أصل المسألة أيضا وإن كان هو واضح الفساد. وأوضح فسادا منه احتمال عدم سقوط حق واحد من الاولين في أصل المسألة، لان الشفعة لا تتبعض فيغلب جانب الثبوت، إذ هو مع أنه كما ترى مناف لقاعدة تسلط الناس على حقوقهم كأموالهم، مضافا إلى ما سمعته من الخبر المزبور، والله العالم. (و) مما ذكرنا يعلم الحال فيما (لو كان الشفعاء غيبا) كلهم أو بعضهم (ف‍) ان (الشفعة لهم) على الوجه الذي ذكرناه. إلا أن المصنف بناء على مختاره السابق من عدم تبعيض الشفعة قال: (فإذا حضر واحد فطالب فاما أن يأخذ الجميع أو يترك، لانه) ربما لا يأخذ الغائبان، فتتفرق الصفقة على المشتري، فهو حينئذ بمنزلة أن (لا شفيع الآن غيره. ولو حضر آخر أخذ من الآخر النصف أو ترك) لانهما حينئذ بمنزلة أن لا شفيع غيرهما (فان حضر الثالث أخذ الثلث أو ترك، وإن حضر الرابع أخذ الربع أو ترك). إلا أن ذلك كله مع منافاته لما ذكرناه سابقا من الادلة قد يناقش فيه (أولا) بأن الغيبة لا تسقط حق الشفعة، فلا وجه لاخذ الاول الجميع على وجه يكون ملكا له، والفرض أن له الربع وعدم عفو أحد منهم، واحتمال حصوله بعد ذلك لا يجعل الحق تماما له الآن، إذ احتمال الكشف لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، وخوف التبعيض لا يقتضي ثبوت الحكم المزبور، كما أن الاخذ منه بعد ذلك كذلك أيضا، وبعد الاغضاء فاقتضاء احتمال التبعيض إيقاف الحق أولى من أن يقتضي التسلط

[ 306 ]

على حق غيره على وجه يكون ملكا له، بل هو مناف لاشتراك الحق بينهم. و (ثانيا) بأن المعلوم من الادلة أخذ الشفيع من المشتري لا من الشفيع الذي استحق الملك بالشفعة لا بالشراء، وتعلق حق الشفيع الغائب فيما شفع فيه إن كان مانعا من الانتقال فلا وجه لاخذ الاول الجميع بها وإن لم يكن مانعا فلا دليل على فسخ ما ملكه الشفيع الاول الذي مقتضى الاصل لزومه، بل قد يقال: إن أخذ الثاني من الاول تبعيض لما أخذ بالشفعة أيضا، ولا دليل عليه، بل هو مقتضى ما ذكروه أنه لابد للحاضرين من الاجتماع وشفعتهم في الشقص أجمع إذا أرادوا الاشتراك بها من المشتري، وإلا فمتى ترتبوا لم يحصل ذلك، لان كل واحد منهم لا ينتقل إليه مقدار نصيبه للتبعيض، والاخذ منه خلاف المفروض الذي هو كون الاخذ من المشتري. و (ثالثا) ما ذكره من التعليل بالتبعيض لا يتم إلا بالنسبة إلى الاول، أما من بعده فاقتصاره على نصيبه لا يضر بالمشتري، لان الشقص قد أخذ منه تاما على التقديرين بخلاف اقتصار الاول على حصته، فانها تفرق الصفقة على المشتري. ومن هنا احتمل على هذا في القواعد والدروس وجامع المقاصد تخيير الثاني بين أن يأخذ النصف أو الثلث، فإذا قدم الثالث ووجدهما قد تساويا في الاخذ أخذ الثلث منهما على السوية، وإن وجد الثاني قد اقتصر على الثلث تخير بين أن يأخذ من الاول نصف ما في يده، وهو تمام حقه ولا يتعرض للثاني، وبين أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، لانه يقول: ما من جزء إلا ولي منه ثلثه، فان ترك الثاني حقه حيث لم يشاطر الاول فلا يلزمني أن أترك حقي، ثم له أن يقول للاول ضم ما

[ 307 ]

معك إلى ما أخذته لنقسمه نصفين، لانا متساويان في الحق. وحينئذ فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر، لانا نحتاج إلى عدد له ثلث ولثلثه ثلث، وأقله تسعة يحصل منها ثلاثة في يد الثاني وستة في يد الاول، ثم ينزع الثالث من يد الثاني واحدا ويضمه إلى الستة التي في يد الاول يكون سبعة ويقتسما بها بينهما، وهي لا تنقسم على إثنين، فتضرب إثنين في تسعة تبلغ ثمانية عشر، للثاني منها أربعة، وهي مضروب الاثنين اللذين بقيا له في اثنين تبقى منها أربعة عشر، لكل واحد من الاول والثالث سبعة، وإذا كان ربع الدار ثمانية عشر كان جملتها اثنين وسبعين. وفيه (أولا) أن عدم حصول التبعيض بأخذه لا يقتضي التخيير المزبور، بل يقتضي الاقتصار على حقه أو المشاطرة مع الاول، لاحتمال عدم أخذ الغائب، كما جزم به في جامع المقاصد وهو ظاهر المصنف. و (ثانيا) أنه مع أخذه مقدار حقه مشاعا لا تسلط للشريك عليه، إذ لا زيادة له عنده. كل ذلك بعد البناء على أن الشركاء ثلاثة كما فرضها في القواعد حتى يكون حقه الثلث أو يراد الثلث بعد حق الاول، فينطبق حينئذ على مثال المتن. وعلى كل حال هو واضح الضعف لا ينطبق على قواعد الامامية، وإنما هو مناسب لمذاق العامة. واحتمل أيضا أن لا يأخذ الثالث من الثاني شيئا بل يأخذ نصف ما في يد الاول فيقسم المشفوع أثلاثا، بناء على أن فعل الثاني لا يعد عفوا عن السدس، بل اقتصارا على حقه، وإلا لاتجه بطلان حقه، لان العفو عن البعض عفو عن الكل على قول، وإنما أخذ كمال حقه مع أنه

[ 308 ]

قد قال بعضهم بسقوط حقه، لكونه قد عفا عن بعضه، ولكنه في غاية الضعف. ولعل الاحتمال المزبور هو الموافق لما قلناه، بناء على أن الشركاء ثلاثة أو يأخذ نصفا مما في يده بعد إخراج ربعه حتى ينطبق المختار على مثال المتن، والله العالم. الفرع (الثاني:) (لو امتنع الحاضر أو عفا لم تبطل الشفعة) للاصل وغيره مما عرفت (و) لكن على ما ذكرنا (كان للغائب) قدر استحقاقه وعلى ما ذكره المصنف وغيره له (أخذ الجميع) أو الترك. (وكذا لو امتنع ثلاثة أو عفوا كانت الشفعة بأجمعها للرابع إن شاء) على مختار المصنف والجماعة، وأما على ما قلناه فله الربع خاصة، والله العالم. الفرع (الثالث:). (إذا حضر أحد الشركاء فأخذ) الجميع (بالشفعة) بناء على ما سمعته من النصف (و) غيره ف‍ (قاسم) وكلاء الغائبين فان له ذلك، لان الحق الآن مختص به (ثم حضر الآخر) الغائب (ف‍) ان عفا استمرت القسمة، وإن (طالب) وأخذ ففي القواعد وغيرها (فسخ القسمة) إن شاء (وشارك الاول)

[ 309 ]

لان حقه شائع في المأخوذ وفي باقي السهام. ولكن قد يناقش بأصالة بقاء القسمة الواقعة بينه وبين الوكلاء، إذ المستحق هو حينئذ، والغائب حقه متجدد فيما أخذه الاول، فلا وجه للتسلط على فسخ القسمة، ولذا بناء على ما ذكرناه إذا أخذ حصته وقاسم مع وكلاء الغائبين لم يكن لاحد منهم الفسخ. (وكذا لو رده الشفيع الاول) أي ما شفع فيه، وهو الجميع على مختار المصنف (بعيب ثم حضر الآخر كان له الاخذ) للجميع، كما صرح به الفاضل والكركي وثاني الشهيدين (لان الرد) المزبور أبطل الاخذ من أصله فكان (كالعفو) الذي قد عرفت أن حكمه ذلك. وعن محمد بن الحسن الشيباني أنه يختص الثاني بأخذ حصته خاصة لان الاول أسقط حق الثاني مما زاد على حصته، ورده بالعيب أحدث ملكا جديدا للمشتري بعد أن خرج عنه، فلا يكون كالعفو، بل كعوده إلى المشتري ببيع أو هبة. واحتمله الفاضل في القواعد. ولكن لا ريب في ضعفه، ضرورة أن الرد أوجب فسخ الاخذ ولم ينشئ سببا جديدا للملك، فلا يساوي عوده بالعقد، وأما على المختار فليس للآخر إلا نصيبه، كما أنه ليس للاول إلا ذلك، فإذا فرض رد نصيبه كان كالعفو بالنسبة إليه، ولا حق للآخر فيه، كما هو واضح، والله العالم.

[ 310 ]

الفرع (الرابع:) (لو استغلها الاول) أي ظهرت الثمرة ظهورا تخرج به عن تبعية الاصل بعد أخذه وقبل أخذ الثاني (ثم حضر الثاني) مثلا (شاركه في الشقص دون الغلة) التي ملكه الاول بكونها نماء ملكه المنحصر فيه قبل أخذ الثاني، كما أن الاول لا يملك ما حصل من غلة الشقص بعد الشراء وقبل الاخذ بالشفعة، بل هو للمشتري. نعم لو كان الاول وكيلا عن الثاني وأخذ لهما بالوكالة كان شريكا له، بل لو قبل ذلك فضولا وأجاز - بناء على جريان الفضولي في الشفعة - كان كذلك أيضا، كما هو واضح. فما عن بعض الشافعية - من احتمال مشاركة الثاني للاول على كل حال - في غاية السقوط، ولا يخفى عليك حكم ذلك بناء على المختار، والله العالم. الفرع (الخامس:) (لو قال الحاضر) ابتداء مثلا: (لا آخذ) الجميع بالشفعة (حتى يحضر الغائب لم تبطل شفعته) قطعا بناء على التراخي. وأما على الفور فالاقوى كما في المسالك ومحكي المبسوط والتذكرة أنه كذلك أيضا، وفي الدروس أن فيه قوة (لان التأخير لغرض لا يتضمن الترك) بحيث ينافي الفورية، إذ قد لا يسلم له الشقص المشفوع، مع فرض اقتضاء الاخذ دفع جميع الثمن الذي قد يكون كثيرا

[ 311 ]

ويصعب عليه تدبيره في تلك الحال، بل الاغراض كثيرة في عدم التعجيل مضافا إلى عدم دليل على الفورية من النصوص على وجه ينافيه ذلك، فيبقى استصحاب بقائها بحاله. (و) لكن (فيه تردد) وإشكال كما في القواعد، لما تسمعه من الاجماع المحكي على الفورية التي ينافيها ذلك، لتمكنه من الاخذ ولا أقل من الشك في كون ذلك عذرا، فان ضرره لا يدفع بضرر المشتري. على أنك قد عرفت مخالفة الشفعة للاصل، فينبغي الاقتصار فيها على اليقين، ولعله لذا ربما مال إليه بعض المحققين وإن كان الاقوى الاول، ولا يخفي عليك عدم جريان الفرع المزبور على المختار، والله العالم. الفرع (السادس:) (لو أخذ الحاضر ودفع الثمن ثم حضر الغائب فشاركه ودفع إليه النصف مما دفع إلى المشتري (البائع خ ل)) وهكذا (ثم خرج الشقص مستحقا) بعد أن ترتبوا في الاخذ فالمشهور كما في المسالك (كان دركه على المشتري دون الشفيع الاول، لانه كالنائب عنه) أي المشتري (في الاخذ) من الثاني، إذ الشفيع إنما يأخذ من المشتري لهم وإن أخذ بعضهم من بعض ظاهرا، أو كالنائب عن غيره من الشفعاء في الاخذ من المشتري. وعلى كل حال فلا درك عليه، لاستحقاقهم جميعا الشفعة على المشتري وإن ترتبوا في الاخذ، فان الترتب الذي قد عرفت كونه كالنيابة لا يغير هذا الحكم.

[ 312 ]

ولكن قد يناقش بأن ذلك لا ينطبق على قواعد الامامية، إذ هو اعتبار محض، ضرورة أن أخذ الثاني ليس مبنيا عندهم على أخذ الاول بل يفتقر إلى أخذ جديد وصيغة خاصة كالاول، وملك الاول للجميع لا يرتفع من أصله بأخذ من بعده، بل من حين الاخذ، ومن ثم كان مجموع النماء المنفصل له، فكونه كالنائب في محل المنع وخصوصا في عهدة الثمن، فان المشتري لم يتسلم من غير الاول شيئا، وإنما الاول أخذ من الثاني نصفه، فلا وجه لرجوعه به على المشتري. ومن هنا حكي عن بعض الشافعية أن هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من أجرة ونقص قيمة الشقص، وأما الثمن فكل يسترد ما سلمه ممن سلمه إليه بلا خلاف، بل عن التذكرة أنه المعقد، كما عن الكركي أنه استجوده، وفي المسالك استحسنه. ولكن الانصاف أن التفصيل المزبور لا يخلو من نظر أيضا، ضرورة كون المفروض مع ملاحظة ملك كل منهم من الآخر حقيقة يكون كترتب المشترين بعضهم من بعض من غير فرق بين الثمن وغيره، وإلا كان كالنائب فيهما. ولا يخفى عليك أن الاول أوفق بالقواعد، كما لا يخفى عليك سقوط الفرع المزبور على المختار، والله العالم.

[ 313 ]

الفرع (السابع:) (لو كانت الدار بين ثلاثة) مثلا (فباع أحدهم من شريكه) ففي محكي الخلاف في موضع منه والدروس (استحق الشفعة الثالث دون المشتري، لانه لا) يعقل أن (يستحق) الانسان (شيئا على نفسه) ولظهور أدلة الشفعة في غيره أو صراحتها، فان قوله (عليه السلام) (1): " فشريكه أحق من غيره بالثمن " صريح في غير المشتري، إذ لا يصدق عليه نفسه أنه غيره. مضافا إلى ظهورها أجمع في تعدد المشتري والشفيع والبائع على وجه يقتضي أن ذلك هو موضوع الشفعة الثابت من الشرع، لاشتمالها على ذكر ذلك في مقام الضابط والبيان على نحو القيود التي تذكر في التعريف، وحينئذ فاما أن يأخذ الجميع بها أو يترك لئلا تتبعض الشفعة. (وقيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه وموضع من خلافه: (يكون بينهما) وحينئذ فهو أي الشريك مخير بين أخذ نصف المبيع أو تركه لا جميعه كما في المسالك وغيرها. ثم قال فيها: " فان قال المشتري: خذ الكل أو اترك الكل وقد تركت أنا حقي لم يلزمه الاجابة، ولم يصح إسقاط المشتري الشفعة، لان ملكه مستقر على النصف بالشراء، فأشبه ما إذا كان للشقص شفيعان حاضر وغائب فأخذ الحاضر الجميع ثم عاد الغائب، فان له أن يأخذ نصفه، وليس للحاضر أن يقول اترك الكل أو خذ الكل وأنا تركت


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 314 ]

حقي، ولا نظر إلى تبعض الصفقة عليه، فانه لزم من دخوله في هذا العقد ". قلت: قد يناقش بأن الشفعة من الاسباب الاختيارية في نقل الملك لا القهرية، وحينئذ فمع فرض عدم اختيارها لا مانع من سقوطها، واستقرار ملكه على المشفوع من حيث الشراء لا ينافي سقوط استحقاقه إياه من جهة الشفعة، وحينئذ يكون بمنزلة عفو أحد الشفيعين، فيلزم الثالث بأخذ الجميع أو تركه حذرا من تبعض الشفعة، إذ لا شفيع حينئذ غيره. وعلى كل حال فقد مال إلى القول المزبور المصنف بقوله: " ولعله أقرب " ونحوه الفاضل في المختلف، بل في جامع المقاصد أنه أصح، بل قيل إنه الظاهر من التذكرة أيضا. وكأنه لاشتراكهما في العلة الموجبة للاستحقاق، ولا يمتنع أن يستحق تملك الشقص بسببين: البيع والشفعة، لان علل الشرع وأسبابه معرفات فلا يمتنع أن يجتمع إثنان منها على معلول واحد، ولان للشفعة أثرا آخر غير استحقاق الملك، وهو منع الشريك الآخر من تملك مقدار مشفوعه بالشفعة، وهذا الاثر لا مانع منه. إلا أن الجميع كما ترى بعد أن عرفت قصور أدلة الشفعة عن ثبوتها في الفرض، بل قيل: إن سبب الاستحقاق بالشفعة مترتب على سببه بالشراء ومتفرع عليه، فليسا معلولي علة واحدة حتى يقال: إنه لا يمتنع تملك الشقص بسببين، وإن علل الشرع لا يمتنع اجتماعها، بل إنما ملكه أولا بسبب الشراء، وبعد الشراء استحقه بالشفعة، فيعود المحذور من كونه يستحق تملك ملكه. بل قيل: إنه على تقدير اجتماع العلتين بعد الشراء فأثرهما مختلف

[ 315 ]

لان الشراء علة في نقل الملك إليه من غيره، والاستحقاق بالشفعة أثره قرار ملكه عليه، فأحدهما غير الآخر وجودا وأثرا. وإن كان ذلك كله لا يخلو من نظر، ضرورة عدم المنع من ترتب الملك على الشراء وترتب الشفعة عليه، نحو الانعتاق للقريب المترتب على ملكه الحاصل بالشراء، لان استحقاق الشفعة أمر غير الملك الحاصل من الشراء. ثم إن الثمرات المترتبة على ذلك كثيرة، فان للشفعة أحكاما حتى مع الاقالة عن عقد البيع. فالعمدة في الجواب ما ذكرناه، ولولاه لاتجه ما ذكره الشيخ والجماعة، وكأنهم غفلوا عن أن مفاد النصوص ما ذكرنا فلا موضوع للشفعة شرعا، لان الفرض مشمول لنصوصها، ولكن المانع عدم تعقل استحقاق ذلك على ملكه حتى يتجه الجواب عنه بأنها معرفات لا علل تامة. ومن الغريب تسالمهم على ما ذكرناه فيما تقدم من أنه لو اشترى العامل ما فيه شفعة للمالك، معللين له بأن المالك يملكه بالشراء لا بالشفعة وقولهم هنا: إن الاقرب والاصح والاقوى صحة الشفعة للمشتري نفسه. ومما ذكرنا يعلم أنه لا وقع لما اجيب عما ذكره المستدل بأن للشفعة أثرا آخر إلى آخره بأن استحقاق الملك ومنع الشريك معلولا علة واحدة، وهو استحقاق الشفعة، فيمتنع تخلف أحدهما عن الآخر، وقد امتنع أحدهما من جهة استلزامه المحال، فينبغي أن يمتنع الآخر إلا مع الدليل المقتضي لذلك. وكيف كان فقد ظهر لك أن القول المزبور في غاية السقوط وإن كان لما ذكرناه لا لما ذكروه مما هو واضح الاندفاع، والله العالم.

[ 316 ]

الفرع (الثامن:) (لو باع إثنان من) الشركاء مثلا (ثلاثة) مثلا (صفقة فللشفيع أخذ الجميع وأن يأخذ من إثنين ومن واحد، لان هذه الصفقة) وإن كانت واحدة في الصورة إلا أنها بسبب تعدد البائع والمشتري بمنزلة عقود متعددة) فلا تبعيض للشفعة لو اقتصر على الاخذ من واحد فضلا عن الاثنين، إذ هي شفعات متعددة، كما لو باع كل واحد من كل واحد بصيغة مستقلة. (و) كذا (لو كان البائع واحدا من اثنين كان له) أي الشفيع (أن يأخذ منهما أو من أحدهما) لما عرفت. ومثله ما لو كان البائع إثنين من واحد أو من إثنين كما قال المصنف: (ولو باع إثنان) مثلا (من إثنين كان ذلك بمنزلة عقود أربعة) ضرورة أن كل واحد منهما باعتبار بيعه لاثنين كان عقده بمنزلة عقدين. وحينئذ (فللشفيع أن يأخذ الكل وأن يعفو وأن يأخذ الربع أو النصف أو ثلاثة الارباع) ولا يشاركه الاول في شفعة الثاني ولا هما في شفعة الثالث فيما لو أخذ الجميع دفعة أو ترتيبا على وجه لا ينافي الفورية أو قلنا بعدم اعتبارها، بناء على اعتبار بقاء الملك في استحقاقها كما قدمناه سابقا، وإلا شاركه الاول فيهما وهما في الرابع، وهو واضح. كوضوح كون المسألة من أربعة وعشرين لو أخذ من الثاني خاصة وقلنا بقسمة الشفعة على السهام، من إثني عشر على القول بقسمتها على الرؤوس.

[ 317 ]

ومن ثلاثين إن أخذ من الثالث وقلنا بالقسمة على السهام، ومن ثمانية عشر على القسمة على الرؤوس. وتصح من ماءة وعشرين - بناء على احتمال مشاركة الاول للشفيع وإن زال ملكه - في صورة ما لو كان للشفيع نصف العقار المشفوع ولشريكه الآخر الذي باع من الثلاثة نصفه، فباع من كل واحد منهم سدسا، وقلنا بكون الشفعة على حسب السهام. أما على القول بأنها على عدد الرؤوس تصح من ستة وثلاثين كما أطنب في بيان ذلك في المسالك لما أجمله الفاضل والكركي في ضابط ذلك. إلا أنه لا فائدة مهمة فيه، وإنما المراد هنا بيان أنه لا تبعيض في الشفعة مع تعددها بتعدد البائع والمشتري، بل قد يقال بتعددها أيضا بتعدد الثمن (1) وإن كان البائع والمشتري والمبيع واحدا في الظاهر. وأولى من ذلك بالتعدد بيع الشقصين من دارين وإن كان البائع والمشتري واحدا وعلى كل حال فلا تبعيض في ملك كل واحد من المشتريين الذي ملكه بعقد واحد حقيقة، بل هي في الجميع شفعات متعددة وإن كان لا يخلو بعض الافراد من نظر، خصوصا مع ملاحظة مخالفة الشفعة للاصل. أللهم إلا أن يقال: إن الادلة مطلقة والمتيقن من تبعيض الشفعة الممتنع هو ما اقتضت الشفعة تفريق ملك الشخص الواحد الذي ملكه بجهة واحدة دون غيره، وكأنه المراد من تبعض الصفقة هنا ولو بمعونة اتفاقهم ظاهرا على تعددها بالتعدد المزبور، فلا ينافي ذلك جريان حكم الصفقة الواحدة في غير الشفعة في بعض الافراد إن كان، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (ليس) للمشتريين ولا (لبعضهم


(1) وفي النسخة الاصلية المبيضة (الثمين).

[ 318 ]

مع الشفيع شفعة، ل‍) أن (انتقال الملك إليهم دفعة، فيتساوى الآخذ والمأخوذ منه) ومن المعلوم نصا وفتوى أنه يشترط في ثبوت الشفعة لاحد الشريكين على الآخر تقدم ملك المستحق على المستحق عليه (و) هو منتف هنا في المشترين بعقد واحد. نعم لو كانوا مترتبين ثبت لبعضهم في الجملة كما (لو باع الشريك حصته من ثلاثة في عقود متعاقبة، فله) أي الشفيع (أن يأخذ الكل وأن يعفو وأن يأخذ من البعض) دون الآخر، لما عرفته من تعدد الشفعة بتعدد المشترين. (ف‍) لا تبعيض. لكن (إن أخذ من الاول لم يشاركه الثاني والثالث) لعدم شركة لهما في وقت شراء الاول، فلا شفعة لهما. (وكذا لو أخذ من الاول والثاني لم يشاركه الثالث و) ذلك لعدم شركة له وقت شرائهما. نعم (لو عفا عن الاول وأخذ من الثاني شاركه الاول) لسبق شركته واستقرار ملكه بالعفو. (وكذا لو أخذ من الثالث) وعفا عن الاولين (شاركه الاول والثاني، لاستقرار ملكهما بالعفو). واحتمال عدم مشاركة السابق في شفعة اللاحق - لان ملكه حال شراء الثاني وإن كان حاصلا قبل شراء اللاحق ومستقرا عند الاخذ بالعفو المفروض إلا إن ملكه حال شراء اللاحق كان مستحقا لان يؤخذ بالشفعة، فلا يكون سببا في استحقاقه إياها - يدفعه أن ذلك لا يخرجه عن كونه مالكا وشريكا على وجه يندرج في إطلاق الادلة، بل لعل مقتضاه ثوبتها له أو لهما وإن لم يعف، لعدم الدليل على اعتبار استقرار الملك حال أخذ الشفعة، بل إطلاق الادلة ينافيه، فتثبت لمن كان ملكه مشتملا على خيار لغيره قبل أن يفسخ ذو الخيار.

[ 319 ]

أللهم إلا أن يقال: إن الشفعة على خلاف الاصل، والمتيقن ثبوتها لمن لم يكن حال حقه متعلق الشفعة، ومن هنا اعتبر المصنف العفو. هذا وقد تقدم لنا في بحث ثبوت الشفعة مع الكثرة (1) ماله نفع في المقام عند تعرضنا لمانعية الكثرة اللاحقة، فلاحظ وتأمل، والله العالم. الفرع (التاسع:) (لو باع أحد الحاضرين ولهما شريكان غائبان ف‍) قد عرفت في المسألة الاولى ما اختاره المصنف والجماعة من أن (الحاضر هو الشفيع في الحال، إذ ليس غيره) حاضرا (فإذا أخذ وقدم أحد الغائبين شاركه فيما أخذ الحاضر بالسوية) لانهما لا شفيع غيرهما، أو يأخذ مقدار حصته على حسب ما عرفته سابقا. (ولو قدم الآخر شاركهما فيما أخذا فيكون له ثلث ما حصل لكل واحد منهما) كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا. والله العالم. الفرع (العاشر:) (لو كانت الدار بين أخوين) مثلا (فمات أحدهما وورثه ابنان (له خ) فباع أحد الوارثين) نصيبه (كانت الشفعة بين العم وابن الاخ، لتساويهما في الاستحقاق) على وجه كانا شريكين بالسوية وإن اختلف سبب الملك الذي لا مدخل له في استحقاق الشفعة.


(1) المتقدم في ص 272 - 279.

[ 320 ]

خلافا لبعض العامة فجعلها مختصة بابن الاخ، لان ملكه أقرب باعتبار اتحادهما في سبب الملك الذي هو الارث، ولهذا لو ظهر دين على أبيهما بيع ملكهما فيه دون العم. وهو كما ترى، ضرورة عدم مدخلية ذلك في استحقاق الشفعة التي عنوان ثبوتها تحقق الشركة الثابتة هنا بين العم وابن الاخ وإن اختلف السبب. (وكذا) الحكم (لو كان وارث الميت جماعة) إذ لا فرق على التقديرين بين الواحد والجماعة، كما هو واضح، والله العالم. * المقصد الثالث * (في كيفية الاخذ) (و) إشكال كما لا خلاف في أنه (يستحق الشفيع الاخذ) من المشتري (بالعقد وانقضاء الخيار) لهما أو لاحدهما أو لاجنبي (لانه وقت اللزوم) المتيقن من ثبوت الشفعة المخالفة للاصل، بل عن الخلاف والمبسوط والمهذب والغنية لا شفعة في البيع الذي فيه الخيار للبائع أو لهما، لان الملك لم يزل عن البائع، أما ما لا خيار فيه أو فيه الخيار للمشتري وحده ففيه الشفعة، لان الملك قد انتقل عن البائع وصار للمشتري، وهو المحكي عن أبي علي، بل في التحرير فيه قوة، لان في

[ 321 ]

الاخذ إسقاط حق البائع وإن قال بعد ذلك: " إنا في ذلك من المتوقفين " نعم في الارشاد يستحق الشفيع الاخذ بالعقد، وإن اشتمل على خيار البائع فبعد انقضائه. (وقيل) والقائل الحلي والفاضل وولده والشهيدان والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم: يستحق الاخذ (بنفس العقد وإن لم ينقض الخيار، بناء على أن الانتقال يحصل بالعقد، وهو أشبه) باطلاق أدلة الباب، بل لا خلاف فيه في الحقيقة إلا من الفاضل في الارشاد بعد أن كان مبنى الاول عدم الانتقال الذي قد عرفت فساده في محله. بل قد يقال: إن مقتضى إطلاق أدلة الشفعة ثبوتها ببيع الشريك وإن لم نقل بالانتقال إلى المشتري، إذ لعل تهيؤ ذلك له كاف في ثبوتها. وأما احتمال كون المانع أنه ليس له أخذ العين قبل الخيار - كما تسمع حكايته في الروضة عن بعض - فمع أنا لم نتحققه واضح المنع، فان حق الخيار لا يمنع من الاخذ كما في غير المقام. وكذا احتمال أن المانع اقتضاء الاخذ سقوط خيار البائع الثابت بأصل العقد، كما سمعته من تعليل التحرير، ضرورة اندفاعه بأن ذلك ليس بأولى من القول بمنع سقوطه، بل يبقى الاخذ حينئذ مراعى بالفسخ فيبطل، وعدمه فيثبت، كما هو خيرته في غيره وولده والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، وإن قال في الدروس بعد أن حكاه عن الفاضل: " لا أعلم به قائلا " إلا أن ذلك غير قادح بعد اقتضاء الدليل له، وهو استصحاب بقائه. نعم قد يناقش بأن ذلك إنما يقتضي فسخ ملك العقد ذي الخيار (1)


(1) هكذا في النسخة الاصلية، والعبارة غير واضحة، والمراد: (انما يقتضي فسخ الملك الحاصل من عقد ذي الخيار).

[ 322 ]

لا الملك الحاصل بسبب آخر الذي مقتضى الاستصحاب وإطلاق الادلة لزومه لانه متعلق بالعقد دون العين فالجمع بينهما ببقاء خياره واستحقاقه القيمة على المشترى، كما لو تلفت العين أو تصرف المشتري فيها تصرفا لازما، كما حققناه في محله. ولعل القائل بسقوطه كما عن ابن إدريس يريد هذا المعنى، وإلا فلا معنى لسقوطه بفعل غيره، والخروج عن الملك لا ينافي بقاؤه إلا أنى لم أجد هنا من احتمله. ولعل وجه ما ذكروه من المراعاة أن الشفيع بشفعته صار بمنزلة المشتري، ففي الحقيقة ملكه بالعقد الاول الذي فيه الخيار، بل في بعض النصوص (1) " ليس للشفيع إلا الشراء والبيع الاول " هذا كله في خيار البائع خاصة أو مع المشتري والاجنبي. (أما لو كان الخيار للمشتري خاصة فانه يستحق) الاخذ بالشفعة (بنفس العقد) بلا خلاف كما في المسالك، بل عن الكفاية الاجماع عليه، والتذكرة أنه مذهبنا، ولعله (لتحقق الانتقال) بذلك عند الشيخ ومن عرفت، كما حكي عنه التصريح بذلك في المقام. لكن عن خيار خلافه أنه قال: " ينتقل عن البائع بنفس العقد، ولكن لا ينتقل إلى المشتري أيضا حتى ينقضي الخيار، فإذا انقضى ملك المشتري بالعقد الاول " وحينئذ يتوجه قوله بعدم الشفعة هنا، لعدم انتقال الملك إلى المشتري ليؤخذ منه بالشفعة، إلا أنه لما حكم بثبوت الشفعة هنا لو كان الخيار للمشتري ورجع عن ذلك القول ولم يقل غيره بذلك القول لم يتحقق الخلاف في المسألة زيادة على التفصيل المذكور. وأما خيار المشتري ففي المسالك " أن ظاهرهم سقوط خياره " وإن


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 323 ]

كنا لم نتحققه، بل ظاهر كلامه في الروضة خلافه، لانتفاء الفائدة في فسخه، بخلاف فسخ البائع، لان غرضه على تقدير الفسخ حصول الثمن، وقد حصل من الشفيع. ولكن في الدروس " ويلزم على قول الفاضل - أي المزبور - أن تكون المطالبة مراعاة " وفي المسالك " واللزوم غير واضح، للفرق بين الامرين بما ذكرناه من حصول الفائدة للبائع لا للمشتري، إلا أن يقال بأن المشتري يتعلق غرضه في الخيار بغير الثمن، كما إذا أراد أن يدفع دركه عنه، ويمكن على هذا أن يراعى سقوط خياره باشتراط سقوط الدرك عنه، مع أنهم حكموا بأنه ليس للمشتري الرد بالعيب لو رضي الشفيع بالعيب، مع أن فيه الدرك، فليكن هنا كذلك ". قلت: هو حاصل ما في الدروس، فانه بعد أن ذكر لزوم المراعاة على قول الفاضل قال: " ويمكن القول بأن الاخذ يبطل خيار المشتري، كما لو أراد الرد بالعيب فأخذ الشفيع، ولان الغرض الثمن وقد حصل من الشفيع، إلا أن يجاب بأن المشتري يريد دفع الدرك ". ولكن لا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة عدم مدخلية حصول الفائدة وعدمها في ثبوت الحق مع فرض اقتضاء إطلاق الادلة والاستصحاب بقاءه، وعدم الرد بالعيب مع فرض أخذ الشفيع ورضاه به أنه انتقل الملك عنه، ولا تسلط له على فسخه، فيتعين له الارش، ولكن الاصل براءة الذمة منه هنا بعد أخذ الشفيع بالثمن الذي اشتراه، فلم يلحقه منه ضرر. فالتحقيق بقاء ما له من الخيار الذي لا يبطل بأخذ الشفعة، كخيار الشرط ونحوه مثلا، فيفسخ حينئذ إن شاء، ويدفع القيمة أو المثل كما في غير الفرض، إلا أني لم أجد أحدا احتمل هذا هنا، وكذا ما ذكرناه سابقا وإن كان هو مقتضى قواعد الخيار، فلاحظ وتأمل.

[ 324 ]

نعم في اللمعة والروضة ويستحق الاخذ بالشفعة بنفس العقد وإن كان فيه خيار بناء على انتقال المبيع إلى ملك المشتري به، فلو أوقفناه على انقضاء الخيار كالشيخ توقف على انقضائه. وعلى المشهور لا يمنع الاخذ من التخاير، لاصالة بقاء الخيار، فان اختار المشتري أو البائع الفسخ بطلت الشفعة وإلا استقر الاخذ، وجعل بعض الاصحاب الاخذ بعد انقضاء الخيار مع حكمه بملكه بالعقد، نظرا إلى عدم الفائدة به، إذ ليس له انتزاع العين قبل مضي مدة الخيار، لعدم استقرار ملكه. والظاهر أن ذلك جائز لا لازم، بل يجوز قبله وإن منع من العين، والفائدة تظهر في النماء وغيره. واحتمل المصنف في الدروس بطلان خيار المشتري بالاخذ، لانتفاء فائدته، إذ الغرض الثمن، وقد حصل من الشفيع، كما لو أراد الرد بالعيب فأخذ الشفيع. ويضعف بأن الفائدة ليست منحصرة في الثمن، فجاز أن يريد دفع الدرك عنه. ولا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه هنا وفي بحث الخيار ما فيه من محال النظر. وكيف كان فمما ذكرنا يظهر لك ثبوت الشفعة للمشتري الاول الذي فرض وجود الخيار لبائعه لو لم يأخذ شفيعه بالشفعة بل باع شقصه من آخر، للاندراج في إطلاق الادلة، فان فسخ بائعه بعد الاخذ فمشفوعة له، وإن فسخ قبله فلا شفعة للبائع قطعا، لتجدد ملكه حين الفسخ. وأما المشتري فقد ذكرنا قوة سقوطها منه أيضا اقتصارا في ثبوت الشفعة المخالفة للاصل على المتيقن الذي هو وجود الملك وقت الاخذ،

[ 325 ]

كوقت البيع، مع أنه احتمله غير واحد للاصل، ولكن الاقوى الاول كما عن الكركي التصريح به. هذا ولا يتوهم من ذكر العقد في المتن وغيره اعتبار كون البيع بصيغته في ثبوت الشفعة، إذ الظاهر ثبوتها بالمعاطاة بناء على إفادتها البيع وإن كان متزلزلا، لاطلاق الادلة، ويأتي البحث في الفسخ من البائع أو المشتري بعد الاخذ نحو ما سمعته في الخيار، والله العالم. (وليس للشفيع تبعيض حقه) إذا كان انتقاله إلى المشتري على الوجه الذي قدمناه في الفرع الثاني، كما صرح به الشيخ والفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم، بل لا أجد فيه خلافا وإن ترك التعرض له جماعة، بل قد سمعت ما في التذكرة في الشفعة في الدار بالشركة في الطريق الواسع، لكنه ليس خلافا في المسألة، للضرر بالتفريق الذي ينافي حكمة مشروعية الشفعة، ولانه المنساق من قوله (عليه السلام) (1): " فشريكه أحق به من غيره بالثمن ". (بل) لا يبعد كونه من قبيل حق القصاص الذي لا يقبل التجزئة، فلا يصح وإن رضي المشتري، خصوصا مع ملاحظة مخالفة الشفعة للاصل التي ينبغي الاقتصار فيها على المتيقن بعد الشك في الاطلاقات والعمومات ولو للمفروغية منه عند الاصحاب. وحينئذ ف‍ (يأخذ الجميع أو يدع) بل لو قال: " أخذت نصف الشقص خاصة " بطلت شفعته في الجميع، لان العفو عن البعض يبطلها حينئذ، بل صرح الفاضل والكركي وثاني الشهيدين ببطلانها لو قال: " أخذت نصف الشقص " وإن لم يقل: " خاصة " للتبعيض وفوات الفورية، كما عن محمد بن الحسن الشيباني.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2 والباب - 2 - منه - الحديث 1.

[ 326 ]

خلافا للمحكي عن أبي يوسف من الصحة في الجميع، لاستلزام أخذ البعض أخذ الجميع، لعدم صحة أخذه وحده، وفيه منع واضح. نعم قد يقال بالصحة مع فرض عدم فوات الفورية ولو بقول وكيله مقارنا لقوله: " وأخذت النصف الآخر له " وقد أشار إلى ما ذكرنا في الدروس، قال: " لو قال: أخذت نصف الشقص خاصة بطلت، لان العفو عن البعض يبطلها، ويحتمل أن يكون ذلك أخذا للجميع، ولو اقتصر على قوله: أخذت نصفه فوجهان وأولى بالبقاء، لان أخذ البعض لا ينافي أخذ الكل إلا أن يؤدي إلى التراخي " وإن كان لا يخفى عليك ما في احتماله في الصورة الاولى المفروض فيها التصريح بالبعض خاصة، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف بين الخاصة والعامة نصا (1) وفتوى في أن الشفيع (يأخذ ب‍) مثل (الثمن الذي وقع عليه العقد) لا أزيد من ذلك (وإن كان قيمة الشقص أكثر أو أقل). (ولا يلزمه ما يغرم المشتري من دلالة أو وكالة أو غير ذلك من المؤن) التي هي ليست من الثمن وإن كانت من توابعه، نعم هو ظاهر فيما لو كان مثليا، أما القيمي فستسمع الكلام فيه مفصلا إنشاء الله تعالى. (و) حينئذ ف‍ (لو زاد المشتري في الثمن بعد العقد وانقضاء الخيار لم تلحق) الشفيع (الزيادة) لعدم كونها من الثمن (بل كانت هبة) من المشتري للبائع (فلا يجب على الشفيع دفعها) للاصل (و) ظهور النص (2) والفتوى في أنه ليس عليه إلا الثمن. نعم (لو كانت الزيادة في زمن الخيار قال الشيخ: تلحق بالعقد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث - 1 وسنن البيهقي ج 6 ص 104.

[ 327 ]

لانها بمنزلة ما يفعل في العقد) والشفيع يأخذ بالثمن الذي يستقر عليه العقد. وكذا الكلام في النقيصة، قيل: وهو مبني على مذهبه السابق من عدم الانتقال إلا بانقضاء الخيار. ونوقش بأنه لو كان كذلك لخص الحكم بما إذا كان الخيار للبائع لاعترافه هنا بالانتقال إذا كان للمشتري خاصة وإن صرح بالتعميم في البيع، وتعليله الحكم هنا بالاستقرار لا يدل على البناء على مذهبه، بل لعله ظاهر في خلافه، واحتمال بناء ذلك على مذهبه في البيع يزيد في الاضطراب، لتصريحه هنا بالانتقال، مع إنه لا داعي له. بل لعل قول المصنف: " وهو يشكل على القول بانتقال الملك بالعقد) ظاهر في عدم البناء على ذلك، وإلا لكان مردودا لا مشكلا إذ إشكاله لا يكون إلا على معنى أنه لا يتم إطلاقه الالحاق على تفصيله فانه مع الانتقال للمشتري لا ينبغي أن تلحق الزيادة ولا النقيصة، كما أنه لا يتم على القول بالانتقال في الحالتين. ولعل الاولى أن يقال: إن الثمن عرفا ما وقع مدخولا للباء في العقد، سواء قلنا بالانتقال وعدمه. خلافا للشيخ، فجعله أعم من ذلك ومن المبذول في زمن الخيار مطلقا، بدعوى كون الثمن لما يدفع قبل استقرار العقد وإن كانت ممنوعة عليه، والامر سهل بعد وضوح الحال. (وكذا لو حط البائع من الثمن) بعد العقد (لم يلحق ب‍) الثمن في (العقد) مطلقا أيضا كالزيادة، لما عرفته من أن مدخول الباء، والله العالم. (ولا يلزم المشتري دفع الشقص ما لم يبذل الشفيع الثمن الذي وقع عليه العقد) أولا، كما صرح به في القواعد واللمعة والروضة

[ 328 ]

ومحكي المبسوط، بل هو صريح المصنف فيما يأتي. إلا أنه أشكل بمنافاته لمقتضى المعاوضة، وهو التقابض، ودفع بأنها معاوضة قهرية، فجبر وهن قهر المشتري بتسليم الثمن، بخلاف البيع فان مبناه على الاختيار فلم يكن أحد المتبائعين، أولى بالبدأة من الآخر، إلا أنها كما ترى مجرد اعتبار لا يناسب مذاق الامامية. ومن هنا قال في المسالك: " لو قيل بالتقابض كان وجها " تبعا لما في جامع المقاصد من أنها معاوضة يجب فيها التسليم والتسلم دفعة واحدة، والاصل عدم وجوب التقدم في التسليم على أحد بخصوصه، نعم إن تم اشتراط تسليم الثمن في حصول الملك بالاخذ ثبت وجوب هذا. قلت: يمكن أن يكون مدركه قوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " بناء على أن المراد من كونه أحق من غيره مع دفع الثمن. بل قد يقال: إن منه يستفاد مدخلية دفع الثمن في حصول الملك أو في استحقاق الاخذ بالشفعة، فلا وجه لوجوب التقابض هنا بعد توقف ملك الشفيع أو استحقاقه الاخذ بالشفعة على دفع الثمن، كما سمعت الاعتراف به من الكركي. ومن الغريب ما سمعته من المسالك مع ميله إلى عدم تمامية ملك الشفيع بدون الدفع المزبور، قال متصلا بما سمعته منه: " واعلم أن الملك للشفيع يحصل بالاخذ قبل دفع الثمن، كما أن الملك يحصل في البيع بالعقد، ووجوب التسليم حكم آخر بعد، وهل الحكم هنا كذلك بمعنى عدم توقف الملك على التقابض أم لا يتم ملك الشفيع هنا بدون تسليم الثمن ؟ ليس في عبارة المصنف ما يدل على زيادة على الاول، وذهب


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث - 1 - والباب - 7 - منه - الحديث - 2.

[ 329 ]

بعضهم إلى الثاني، وليس بذلك البعيد، ثم على تقديره هل يكون دفع الثمن جزء من السبب المملك أم كاشفا عن حصول الملك بالاخذ القولي ؟ وجهان أجودهما الثاني، وتظهر الفائدة في النماء المتخلل " بعد الاغضاء عما في أول كلامه وأثنائه من التنافي ظاهرا. وفي مجمع البرهان " لابد - أي في الملك - من الاخذ، وهو إما بالفعل أو القول، كما تقدم عند علمائنا، ذكره في التذكرة " والذي ذكره سابقا أنه " يأخذ إما بالفعل بأن يأخذ الحصة بدفع الثمن إلى المشتري أو يرضى بالصبر فيملكه، وإما باللفظ، كقوله: أخذت وتملكت ونحو ذلك " إلى آخره. وفي محكي الغنية والسرائر ما لفظه " واشترطنا عدم عجزه عن الثمن لانه إنما يملك الآخذ إذا دفع إلى المشتري ما بذله للبائع، فإذا تعذر عليه ذلك سقط حقه من الشفعة " بل قيل: إن ظاهر الاول أو صريحه أنه لا خلاف فيه. والاصل في المسألة ما في قواعد الفاضل، فانه بعد أن ذكر ملك الشفيع الآخذ بالعقد قال: " وهو قد يكون فعلا بأن يأخذه الشفيع ويدفع الثمن أو يرضى المشتري بالصبر فيملكه حينئذ، ولفظا كقوله: أخذته أو تملكته وما أشبه ذلك من الالفاظ الدالة على الاخذ مع دفع الثمن أو الرضا بالصبر، وظاهره انحصار المملك في ذلك، فلا يكفي حينئذ الاخذ القولي من دون دفع الثمن. ولكن قال في التحرير: " يملك الشفيع الشقص بأخذه وبكل لفظ يدل على أخذه " ولم يتعرض لدفع الثمن فيهما. وقال في الدروس: " لا يملك الشفيع بالمطالبة ولا بدفع الثمن مجردا عن قول حتى يقول: أخذت الشقص أو تملكت بالثمن وشبهه

[ 330 ]

- إلى أن قال: ولو رضي المشتري بتأخير الثمن ملك بالاخذ، وله التصرف أيضا ". وفي جامع المقاصد " أن اشتراط دفع الثمن في حصول الملك لا دليل عليه، والاصل عدمه، والشفعة في معنى المعاوضة، إذ هي من توابع العين، ودفع أحد العوضين غير شرط في تملك الاخر، ولانه لو كان الدفع شرطا لوجب أن يكون فوريا كالاخذ، فتبطل الشفعة بدونه مع التمكن، وإمهال الشفيع ثلاثة أيام قد يدل على خلاف ذلك، وليس في النصوص ما يدل على الاشتراط المذكور، والذي في رواية ابن مهزيار (1) " إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام إن أتاه بالمال وإلا فليبع وبطلت شفعته في الارض " وليس كلام الاصحاب صريحا في اشتراط ذلك " ثم حكى عن التذكرة ما هو ظاهر أو صريح في عدم اعتبار دفع الثمن في الملك بالاخذ القولي. قلت: بل عن المبسوط في آخر الباب التصريح أيضا بأنه لا يشترط مع الاخذ باللفظ دفع الثمن في حصول الملك، لكن الانصاف أن كلامهم غير منقح في المقام. والذي يقع في الذهن راجيا من الله تعالى أن يكون هو الصواب هو أن الشفعة من الحقوق كالخيار ونحوه، لا المعاوضات المحتاجة للتقابض، كما عساه يشهد له ما تسمعه من الاصحاب فيما يأتي من أنه لا يكلف المشتري قبض الشقص من البائع إن لم يكن قد قبضه وتسليمه للشفيع، بل ويشعر به أيضا قوله (عليه السلام) (2): " فهو أحق به من غيره ". وحينئذ فالمتجه حصوله وإسقاطه بالفعل والقول على نحو الخيار،


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 331 ]

فلا إشكال في تحقق الاخذ بالشفعة مع التخلية من المشتري والقبض من الشفيع مع دفع الثمن منه أو الرضا بالصبر عليه. فما عساه يتوهم من عبارة الدروس السابقة من اعتبار القول في غير محله، ضرورة صدق الاخذ بالشفعة التي هي عبارة عن استحقاق انتزاع حصة الشريك. كما أنه لا إشكال في تحققه أيضا باللفط مع الدفع المزبور أو الرضا بالصبر، نعم يشترط لاصل الاخذ بهذا الاستحقاق إحضار الثمن، فان ادعى غيبته اجل الاجل المزبور، وبدونه لا أثر للاخذ بالاستحقاق المزبور لا قولا ولا فعلا، وهو معنى ما سمعته من الغنية والسرائر. بل يمكن حمل عبارة المتن وما شابهها على ذلك، بل ورواية علي ابن مهزيار (1) أيضا، وحاصله أن الشفعة التي هي عبارة عن الاستحقاق المزبور يعتبر في الاخذ به ذلك، فلا أثر للاخذ به بدونه إلا مع الرضا بالصبر، أو ادعى غيبة الثمن، فيؤجل ثلاثة أيام كما عرفته سابقا، ولا ينافي ذلك حصول الملك بعده، بل ولا الفورية التي يعد مثل ذلك عذرا فيها. بل قد يدعى أن ذلك من تمام ثبوت الاستحقاق، على معنى أن الاحقية المزبورة لا تتحق إلا مع دفع الثمن على الوجه المزبور، نحو اشتراط الخيار برد الثمن. بل يمكن إرادة هذا المعنى من قوله (عليه السلام) (2): " فهو أحق به من غيره بالثمن " على معنى أنه مع دفعه للثمن هو أحق من غيره، وحينئذ فيقيد الاطلاق إن كان بما ذكرنا، مثل قوله (عليه السلام) (3):


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - كتاب الشفعة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 332 ]

" وصي اليتيم بمنزلة أبيه يأخذ له بالشفعة " الذي هو غير منساق لبيان ذلك. وكذا إطلاق ما دل على ثبوت الشفعة ببيع الشريك وإن ايد بدعوى أن الاصل تسلط الناس على حقوقهم كأموالهم، فله الاخذ بحقه، والاصل عدم الاشتراط. إذ قد عرفت أن المجتمع من النص والفتوى ثبوت الشفعة مع الحال المزبور دون غيره، كما عرفت سابقا أن الاصل عدمها بعد الشك في تناول الاطلاق، فضلا عن الظن بتوقف الاحقية على دفع الثمن أو عدم ترتب الاثر على الاخذ به بدونه ولو من فتاوى الاصحاب واستبعاد تملك الشفيع الشقص بقول: " شفعت " وهو غائب لا يتمكن من دفع الثمن ولو بالتوكيل، بل يمكن القطع بعدمه، كما أنه يمكن القطع بعدم وجوب القول المزبور على الغائب غير المتمكن والمحبوس كذلك، ولو كان ذلك أخذا للشفعة لوجب المبادرة إليه، إلى غير ذلك مما يظهر بالتأمل، والله العالم. (ولو اشترى شقصا وعرضا في صفقة أخذ الشقص) خاصة بالشفعة (بحصته من الثمن) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا. (و) ذكرنا هناك أيضا أنه (لا يثبت بذلك للمشتري خيار) لاقدامه، و (لان استحقاق الشفعة تجدد في ملك المشتري) فلم يحصل شرط خيار تبعيض الصفقة الذي هو كون التبعيض في العقد نفسه. ومن هنا لا فرق في ذلك بين الجاهل والعالم، كما هو مقتضى إطلاق المصنف وغيره، لكن في مجمع البرهان " يمكن ذلك إذا ادعى كونه جاهلا وقبل منه، فيثبت له الخيار وإليه أشار المحشي " ولا يخفى عليك ما فيه، والله العالم.

[ 333 ]

(و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (يدفع الشفيع مثل الثمن إن كان مثليا كالذهب والفضة) وغيرهما، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، مضافا إلى أنه المتيقن من المروي في نصوص الفريقين (1) من أنه يأخذ بالثمن بعد القطع بعدم إرادة نفس الثمن الذي ملكه البائع (و) لا تسلط للشفيع عليه. إنما الكلام (إن لم يكن له) أي الثمن المدفوع للبائع (مثل كالحيوان والثوب والجوهر) وغيرهما من القيميات ف‍ (قيل) والقائل الشيخ في الخلاف وابن حمزة والفاضل في المختلف والكركي والخراساني في الكفاية على ما حكي عن بعض: (تسقط) الشفعة (لتعذر المثلية) المعتبرة في الشفعة (ولرواية علي بن رئاب (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)) الآتية. بل قيل: إنه ظاهر الايضاح، ومال إليه في التحرير ومجمع البرهان وهو المحكي عن الطبرسي، وأنه يشعر به كلام النهاية والمهذب، بل في الدروس أنه والقول الآتي مشهوران، بل في الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم. (وقيل) والقائل الشيخان في المقنعة والمبسوط وأبو الصلاح وابنا زهرة وإدريس والآبي والفاضل في التذكرة والارشاد والتبصرة والشهيدان والمقداد وأبو العباس: لا تسقط الشفعة، بل (يأخذه بقيمة العرض) بل في المسالك وغيرها أنه مذهب الاكثر، وفي الرياض تارة نسبه إلى الشهرة العظيمة واخرى أنه أشهر، بل لعل عليه عامة من تأخر إلا من ندر ممن تأخر عمن تأخر وإن كان فيه ما فيه.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 وسنن البيهقي ج 6 ص 104. (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 334 ]

نعم هي (وقت العقد) أو وقت الاخذ أو أعلى القيم من وقت العقد إلى وقت الاخذ ؟ المعروف فيما بينهم الاول، بل لم نعرف القائل بالثاني وإن حكي. أما الثالث فهو المحكي عن الفخر، والموجود في الايضاح إلى وقت الدفع، محتجا عليه بأنه أخذ قهري كالغصب. وفيه ما لا يخفى في المقيس والمقيس عليه. ومن هنا قال في غاية المراد: " إنه لا وجه له " بل جعل الثاني كذلك أيضا، وهو في محله وإن رماهما غيره بالضعف. وقيل كما عن أبي علي: لا شفعة إلا أن يأتي الشفيع بعين الثمن وفي الدروس أن في رواية هارون الغنوي (1) إلماما به، لكن في الايضاح أن الاجماع على خلافه. (و) على كل حال ف‍ (هو) أي القول الثاني (أشبه) عند المصنف باطلاق نصوص الباب وفاقا لمن عرفت. ولكن الانصاف أن الاول أقوى، ولو للشك من تعارض الادلة، وقد عرفت أن الاصل عدم الشفعة، إذ حجة الاول - مضافا إلى الاجماع المزبور والاخبار التي أرسلها الذي لا يقدح في حجيته فتواه في المبسوط المتأخر عنه بخلافه المحتمل كونه عن غفلة أو غيرها - خبر علي بن رئاب (2) الذي قيل إنه رواه في الفقيه وفي قرب الاسناد في الصحيح وفي التهذيب في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل اشترى دارا برقيق ومتاع وبز وجوهر، قال: ليس لاحد فيها شفعة " وخبر هارون وغيره مما هو مروي عند الطرفين (3) من أن " الشريك أحق من غيره بالثمن "


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 وسنن البيهقي - ج 6 ص 104.

[ 335 ]

الذي لا يصدق عرفا على القيمة. بل في مرسل ابن محبوب (1) " كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل نصف دار مشاعا غير مقسوم، وكان شريكه الذي له النصف الآخر غائبا، فلما قبضها وتحول عنها انهدمت الدار وجاء سيل خارق فهدمها وذهب بها، فجاء شريكه الغائب فطلب الشفعة من هذا، فأعطاه الشفعة على أن يعطيه ماله كملا الذي نقد في ثمنها فقال: ضع عني قيمة البناء، فان البناء قد تهدم وذهب به السيل، ما الذي يجب في ذلك ؟ فوقع (عليه السلام): ليس له إلا الشراء والبيع الاول إنشاء الله تعالى ". ومن المعلوم عدم صدق ذلك على القيمي، بل قد سمعت أن أبا علي اعتبر في الشفعة عين الثمن التي دفعها جمودا على حقيقة اللفظ، وإن كان يمكن دعوى القطع بخلافه وأن المراد المثل. وما في المسالك - من أنه " بعد تعذر العلم بعدم إرادة الحقيقة فالواجب أقرب المجازات إليها بحسبها، فان كان مثليا فالاقرب إليه مثله، وإن كان قيميا فالاقرب إليه قيمته، وهذا واضح أما اختصاصه بالمثلي فلا، إذ لو كان الثمن قيميا فلابد من اعتبار مجازه حيث لا تراد الحقيقة، وإلا لزم اختصاص الحكم بالحقيقة، فيرد مثله في المثلي، لان المثل ليس بحقيقة " - يدفعه تعارف التجوز برد الثمن لو رد المثل في المثلي، وأنه البيع والشراء الاول كما سمعته في المكاتبة (2) بخلاف القيمي، فتختص الرواية حينئذ الواردة في بيان محل الشفعة على وجه يراد منها القيدية في جميع ما ذكر فيها، كالمتعارف في التعاريف بالمثلي دون القيمي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 336 ]

الذي لم يدخل فيها حتى يحتاج إلى اعتبار مجازه. ومنه يعلم ما في حملها على الغالب من كون قيمة الدار ونحوها المثلي وكذا ما فيها أيضا من المناقشة في الاولى بضعف السند، لان في طريقه الحسن بن سماعة وهو واقفي. قال: " والعجب من دعوى العلامة في التحرير صحته مع ذلك، ودلالته على موضع النزاع ممنوعة، فان نفي الشفعة أعم من كونه بسبب كون الثمن قيميا أو غيره، إذ لم يذكر أن في الدار شريكا فجاز نفي الشفعة لذلك عن الجار وغيره، أو لكونها غير قابلة للقسمة، أو لغير ذلك. وبالجملة فان المانع من الشفعة غير مذكور، وأسباب المنع كثيرة فلا وجه لحمله على المتنازع أصلا. والعجب مع ذلك دعوى أنه نص في الباب مع أنها ليسب من الظاهر فضلا عن النص. إذ لا يخفى عليك (أولا) أنها مروية في الفقيه وغيره في الصحيح و (ثانيا) أنها على ما ذكر من قسم الموثق الذي فرغنا من حجيته في الاصول. و (ثالثا) أنها معتضدة ومنجبرة بما سمعت من الاجماع المحكي والروايات المرسلة والشهرة المحكية في الدروس. كما أنه لا يخفى عليك انسياق كون الشفعة في الدار المزبور لمكان الثمن المذكور، وإلا فلا فائدة في تعداده في السؤال، وعدم ذكر الشريك لمعلومية كون الشفعة عند الامامية له لا لغيره، واحتمال نفيها لاحتمال عدم القسمة وغيره خلاف ما يشعر به تعداد الثمن في السؤال، بل كان ينبغي التعبير بغير هذه العبارة، على أن ترك الاستفصال فيها كاف. بل قد يدعى الظهور أو الصراحة في ذلك بملاحظة إرادة الرد بها على ما هو المعروف من فتوى أبي حنيفة والشافعي ومالك بثبوت الشفعة في نحو ذلك.

[ 337 ]

(ودعوى) معارضة ذلك بأنها ذكر فيها أن المبيع الدار، والمتبادر منها المجموع، وهو مما لا يتأتى فيه بعد الشراء شركة توجب الشفعة، ولا تثبت إلا من حيث الجوار، فنفي الشفعة في الرواية يحتمل أن يكون مستندا إلى هذا، ولو اريد من الدار بعضها تعين ما استظهر من السياق إلا أن إطلاقها على البعض مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، وهي في الرواية مفقودة. (يدفعها) ظهورها على كل حال في أن المسقط للشفعة كون الثمن المذكور منها. وحينئذ تكون دالة على المطلوب الذي هو نفي الشفعة فيها لو حصل سببها بالشركة في الطريق أو البئر أو البعض أو الجوار أو غير ذلك، لان المراد ولو بقرينة الجواب أن السائل لما سأل عن الشفعة في الدار المشتراة بالثمن المزبور أجاب الامام (عليه السلام) لا شفعة لاحد فيها على كل حال، من حيث إن ثمنها ما ذكره السائل. ومن هنا قال في جامع المقاصد: إنها نص في الباب، ولعل التأمل الجيد يشهد له. ومن الغريب ما في بعض الكتب من المناقشة في الخبر المزبور بأن الآبي في كشف الرموز رواه " رجل اشترى دراهم برقيق ومتاع " إذ هو وإن كان كذلك كما هو عندنا في نسخة قديمة لكنه من الغلط الذي لا يصلح معارضا لما في الجوامع العظام وكتب الفروع. ومن الغريب ما في الكتاب المزبور أيضا في شرح ما في النافع " وقيل تسقط الشفعة استنادا إلى رواية فيها احتمال " قال ما نصه: " لانها مقصورة على من اشترى دراهم برقيق ومتاع وبز وجوهر، فالتعدي إلى غير ذلك من المحتمل، ويحتمل أن تكون الشركة في الدراهم " إذ هو كما ترى لا ينبغي أن يصدر من أصاغر الطلبة.

[ 338 ]

وعلى كل حال فلا أقل من انقداح الشك مما ذكرنا في دعوى تناول إطلاق الادلة للفرض، مؤيدا بقيام القيمة مقام العين غالبا، وبحصول العلة أو الحكمة التي هي الضرر، وبكونه فتوى من لا يعمل إلا بالقطعيات وفتوى المقنعة التي هي متون أخبار، وبأن ذلك يؤدي إلى سهولة الامر في إسقاط الشفعة مع وهن إجماع الخلاف بمصيره إلى خلافه في المبسوط، على أنها جميعها كما ترى، والله العالم. (وإذا علم) الشفيع (ب‍) تحقق (الشفعة) لتحقق الشراء المقتضي لها (فله المطالبة) والاخذ بها (في الحال) بلا خلاف ولا إشكال. إنما الكلام في وجوب ذلك عليه على وجه إن لم يفعل لم تكن له شفعة كما سيأتي الكلام فيه. وعلى كل حال (ف‍) لا خلاف ولا إشكال في أنه (إن أخر لعذر عن مباشرة الطلب وعن التوكيل فيه لم تبطل شفعته) وإن قلنا بالفورية، فانه على القول بها لا يضر عدمها للعذر العرفي، كما يشعر به نصوص الغائب (1) وغيرها. (وكذا لو ترك لتوهمه كثرة الثمن) لامارة أوجبته كاخبار مخبر ثم ظهر كذبه (فبان قليلا، أو لتوهم‍) - ه كون (الثمن ذهبا) يصعب عليه قيمته (فبان فضة أو حيوانا فبان قماشا) سهل القيمة بناء على ثبوت الشفعة مع كون الثمن قيميا، أو توهم كون المبيع سهاما قليلة فبانت كثيرة أو بالعكس، أو أنه اشتراه لنفسه فبان لغيره أو بالعكس أو أنه اشتراه لشخص فبان أنه لآخر، أو أنه اشترى الكل بثمن فبان أنه اشترى نصفه بنصفه أو بالعكس، أو أنه اشترى الشقص وحده فبان


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 2 والباب - 9 - منه - الحديث 1 والباب - 10 - منه - الحديث 1.

[ 339 ]

أنه اشتراه مع غيره أو بالعكس، إلى غير ذلك مما هو عذر عرفا عن الفور بها، لاختلاف الفرض باختلافه. وفي محكي المبسوط أنه عقد لها ضابطا فقال: " وجملته أن الشفيع متى بلغته الشفعة ولم يأخذ لغرض صحيح ثم بان خلاف ذلك لم تسقط شفعته ". ونحوه ضابط الكركي، قال: " كل أمر ظهر له وقوع البيع عليه والغرض الصحيح قد يتعلق بغيره فتبين خلافه فالشفعة بحالها، لا تبطل للعذر ". ونحوهما ما في المسالك من أن التأخر لغرض صحيح أو عذر معتبر لا يخل بالفورية. والاصل في ذلك أن المسلم من دليل الفورية - لو قلنا بها بملاحظة ما ذكروه من الاعذار المزبورة وما ورد من النص على الغائب (1) ودعوى غيبة الثمن - البطلان مع الاهمال وعدم الاخذ رغبة عنها من حيث هي، لا لامر غير ذلك وقد تبين خلافه، نحو ما سمعته من الاعذار، لاطلاق ما دل على كونه أحق من غيره المتقصر في تقييده على ما هو المتيقن من الاهمال المزبور، دون الاعذار المذكورة التي يتعلق بها غرض العقلاء، نعم لو أخبره بقلة الثمن مثلا أو تأجيله فلم يشفع ثم بان كثرته وحلوله فانه من الاهمال المسقط على القول بالفورية، لعدم ظهور كون الترك لعذر تبين خلافه. اللهم إلا أن يفرض تعلق غرض بكون الثمن كثيرا أو حالا. والله العالم. (وكذا) يعذر (لو كان محبوسا بحق وهو عاجز عنه) بخلاف ما لو كان قادرا، لان التأخير من قبله حينئذ، إذ يجب عليه


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 340 ]

دفع الحق ليخلص من الحبس المانع من تعجيل المطالبة، أو يوكل من يأخذ له بها كما في المسالك وغيرها. وهو جيد مع علمه بها، أما إذا كان الحبس المزبور مانعا له من العلم بها فالظاهر كونه عذرا وإن أثم هو بتأخير الحق المحبوس عليه. كما أنه معذور لو كان محبوسا بباطل وإن قدر على أدائه قليلا كان أو كثيرا (و) قد علم بها، إذ لا يجب عليه دفع ما ليس مستحقا عليه. نعم يشترط في بقائها أن يكون قد (عجز) مع ذلك (عن الوكالة) وإلا بطلت شفعته. والمراد بالحق ما كان في ظاهر الشرع كذلك وإن لم يعترف هو به بل ادعى المظلومية، وإن احتمل لكنه واضح الضعف. (و) كيف كان فبناء على أنها (تجب المبادرة إلى المطالبة عند العلم) أي الاخذ بالشفعة عند العلم بتحقق سببها الاشتغال (1) بالاخذ ومقدماته (لكن على ما جرت العادة به غير متجاوز عادته في مشيه) وإن قدر على الازيد منه وانتظار الصبح لو علم ليلا. (ولو كان متشاغلا بعبادة واجبة أو مندوبة) صلاة أو غيرها (لم يجب عليه قطعها وجاز الصبر حتى يتمها) وإن كان القطع سائغا له. (وكذا لو دخل عليه وقت الصلاة صبر حتى يتطهر ويصلي متئدا) أي متوانيا ومتثبتا، وكذا بالنسبة إلى مقدماتها ومتعلقاتها الواجبة والمندوبة التي يعتادها، وانتظار الجماعة، وتحري الرفقة حيث يكون الطريق مخوفا ليصحبهم هو أو وكيله، وزوال الحر والبرد المفرطين،


(1) هكذا في النسخة: المبيضة والمسودة بقلمه الشريف، ولكن في العبارة تشويش والصحيح (يكفي الاشتغال) أو (يجب الاشتغال).

[ 341 ]

ولبس الخف ونحوه، وغلق الباب، والخروج من الحمام بعد قضاء وطره لو سمع بعد دخوله، والسلام على المشتري بعد وصوله وتحيته بالمعتاد، ونحو ذلك مما ذكره الشيخ والفاضل والشهيدان وغيرهم. بل في جامع المقاصد أن من ذلك تشييع المؤمن والجنازة وقضاء حاجته وعيادة المريض وما جرى هذا المجرى مما لم تجر العادة بالاعراض عنه، وخصوصا إذا كان موجبا للطعن فيه. وبالجملة فذلك ونحوه لا يسقط الشفعة حتى لو تمكن من التوكيل معه وتركه، لانه زمان قصير، فان العذر الذي لا تسقط معه الشفعة قسمان: أحدهما ما ينتظر زواله عن قريب، كالاشتغال بالصلاة والطعام وقضاء الحاجة ونحوها، وهذا لا يجب عليه التوكيل معه وإن تمكن منه لان انتظار زواله غير مناف للفورية المعتبرة فيها عند القائل بها. والثاني ما لا ينتظر زواله عن قريب، كالسفر والمرض والحبس على الوجه السابق، وهذا تجب عليه المبادرة أو التوكيل مع القدرة. (و) حينئذ ف‍ (لو علم بالشفعة مسافرا) مثلا (فان) كان (قدر على السعي أو التوكيل فأهمل بطلت شفعته، ولو عجز عنهما لم تسقط وإن لم يشهد بالمطالبة) وإن تمكن منه كما تقدم الكلام في ذلك وغيره مفصلا في أول المقصد الثاني (1). لكن في المسالك هنا " هذا كله إذا كان غائبا، أما مع حضور المشتري فلا يعد شئ من هذه عذرا، لان قوله: " أخذت بالشفعة " لا ينافي شيئا من ذلك. قلت: إن كلامهم في المقام وفي ثبوت الشفعة للغائب صريح أو كالصريح في عدم وجوب المبادرة إلى القول المزبور، وإن كان متمكنا


(1) راجع ص 186 - 188 -.

[ 342 ]

بل ليس شئ مما ذكروه عذرا عن الفورية من الحبس وغيره صالحا لان يكون عذرا عن القول المزبور الذي لا ينافيه حبس ولا غيره. ومنه يعلم أن الاخذ بالشفعة ليس عبارة عن القول المزبور، بل هو مع دفع الثمن، أو أنه لا يثبت حق الشفعة إلا بعد دفعه كما ذكرناه سابقا. وحينئذ فلا يترتب على القول المزبور بدونه أثر من تملك العين أو غيره، وذلك كله شاهد على خلاف ما سمعته سابقا من الكركي وبعض أتباعه. بل ذكرهم كيفية فور الشفيع بالنسبة إلى حضوره عند المشتري كالصريح أيضا في ذلك، ضرورة أنه إذا كان أخذ الشفعة الذي هو فوري هو قول: " أخذت " لا يحتاج معه إلى ذكر كيفية الفور في مشيه إلى المشتري، بل لا يحتاج إلى أصل حضوره معه، كما هو واضح بأدنى تأمل. وكيف كان فظاهر الاصحاب أيضا - بل عن الفاضل في التذكرة والكركي في جامعه التصريح به - قبول دعواه في وجود الاعذار المزبورة من غير فرق بين ما لا يعرف إلا من قبله وغيره. ولعله لما أشرنا إليه سابقا من اقتضاء إطلاق الادلة ثبوت حقه مطلقا، ولكن خرج منه صورة الاهمال مع عدم عذر أصلا فما لم تتحقق فهو على حقه، ومنه يعلم حكم حال الشك. وليس القائل بالفورية يقول إن الشفعة الثابتة هي التي على جهة الفور على وجه تكون الفورية قيدا لها وأن الاعذار المزبورة كالمستثنى منها، ضرورة عدم دليل له لا على المستثنى ولا على المستثنى منه، بل ذكره للاعذار المزبورة غير مشير إلى دليل مخصوص في شئ منها كالصريح فيما قلناه.

[ 343 ]

بل ذكر غير واحد من الاصحاب عدم وجوب الاشهاد على العذر بل في المسالك " لا يجب ذلك عندنا " مشعرا بالاجماع عليه يشهد لذلك أيضا، ضرورة كون مبناه أنه مصدق في حصول العذر، فلا يحتاج إلى الاشهاد. وفي القواعد " فإذا بلغه الخبر فلينهض للطلب، فان منعه مرض أو حبس في باطل فليوكل إن لم يكن فيه مؤونة ومنة ثقيلة، فان لم يجد فليشهد، فان ترك الاشهاد فالاقرب عدم البطلان ". وعلله في جامع المقاصد بأن الحق قد ثبت، والاصل بقاؤه ولان فائدة الاشهاد ثبوت العذر، وهو يثبت باقرار المشتري أو يمين الشفيع على نفي التقصير، لان الاصل معه، فلا أثر لتركه، ولعموم دلائل الشفعة المتناولة لمحل النزاع. لكنه قد حكى فيه قولا آخر بالسقوط معللا له بأن الاشهاد قائم مقام الطلب، فتركه بمنزلة تركه، ثم قال: " وفي المقدمتين منع ". وكأنه أشار بذلك إلى ما ذكره الفخر في محكي الايضاح من أن الاصح البطلان إذا لم يشهد، لان الاشهاد قائم مقام الطلب، فتركه كتركه وأن الترك أعم من أن يكون لعذر أو لا، ولا يعلم الاول إلا بالاشهاد، والشفعة على خلاف الاصل. إلا أن ذلك كله لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا. بل من التأمل فيه يعلم أنه لا تجتمع كلماتهم إلا على مدخلية إحضار الثمن في استحقاق الاخذ بالشفعة أو في التملك بالقول أو الفعل اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن. ودعوى الاكتفاء باطلاق ما دل على ثبوت الشفعة يدفعها ما عرفته

[ 344 ]

سابقا من أنه لا إطلاق يوثق به بعد قوله (عليه السلام) في بعضها: " بالثمن " (1) المحتمل لما سمعت، وبعد ظهور أكثر الكلمات المذكورة في بيان الاعذار وفي كيفية المبادرة في خلاف ذلك، وفي عدم الاكتفاء بالاخذ القولي. بل في جامع المقاصد أن القوم مطبقون على وجوب السعي إلى المشتري، والقائلون بالفور جعلوه على الفور. لكنه حكي عن التذكرة أنه قال فيها: " لو لم يتمكن من المضي إلى أحدهما أي المشتري أو القاضي ولا من الاشهاد فهل يؤمر أن يقول: تملكت الشقص أو أخذته ؟ الاقرب ذلك، لان الواجب الطلب عند القاضي أو المشتري، فإذا فات القيد لم يسقط الآخر، وللشافعية وجهان ". قلت: لا يخفى عليك ما فيه من عدم الدليل على وجوب القول المزبور، بل الظاهر أنه لا أثر له كما عرفت. وفي المحكي من بعض عباراتها أيضا لا يشترط في تملك الشفيع الشفعة بالشقص حكم الحاكم ولا حضور الثمن أيضا ولا حضور المشتري ولا رضاه عند علمائنا، ثم أخذ في الاحتجاج على ذلك، وقال: " إن الاخذ بالشفعة كالرد بالعيب لا يحتاج إلى حضور المشتري ورضاه " وقال أيضا: " لو لم يمض إلى المشتري ومضى إلى الحاكم لم يكن مقصرا في الطلب " وقال فيها أيضا: " إن ذلك - أي حضور الشريك أو الحاكم أو العدلين - غير شرط عند أصحابنا " إلى غير ذلك مما ذكر فيها مما هو غير منقح " وفيه احتمالات متعددة. وكذا ما عن المبسوط، فانه قال في مقام: " إذا ثبت أن له المطالبة فهي على ما جرت العادة به، فمتى بلغه وجوب الشفعة صار إلى المطالبة


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 345 ]

على حسب العرف والعادة، فان لم يكن مشغولا بشئ قام من وقته وإن كان مشغولا بشئ كالصلاة والطهارة والاكل فحتى يفرغ، وإن كان وقت الصلاة قد دخل فحتى يؤذن ويقيم ويصلي، ويتطهر إن كان على غير طهر، وإن كان البلاغ ليلا فحتى يصبح، ولا يلزمه أن يجد بسيره بل يمشي على سجية مشيه، ولا يستعجل فيه وإن كان قادرا على العجلة، وإن كان راكبا فلا يركض ولا يعدو بل يسير على سجية مشيه، لانه هو العرف والعادة ". وقال في مقام آخر: " إذ وجبت له الشفعة فسار إلى المطالبة على العادة قال قوم: إن أتى المشتري فطالبه فهو على شفعته، وإن تركه ومضى إلى الحاكم فطالبه بها عنده فهو على شفعته عند قوم، وقال قوم: تبطل شفعته، فان ترك الحاكم والمشتري معا ومضى فأشهد على نفسه أنه على المطالبة بطلت شفعته، وقال أبو حنيفة: لا تبطل، ويكون على المطالبة بها أبدا، وقال من خالفه: إنه غلط، لانه ترك المطالبة بها مع القدرة عليها، وقول أبي حنيفة أقوى، لانه لا دليل على بطلانها ". والغرض من نقل هذه العبارات بيان أن المبسوط والتذكرة لا وثوق بما يصدر من بعض العبارات فيهما، لانهما مساقان للبحث مع العامة، فربما وقع فيهما ما يظن أنه على مذهبنا، وهو بحث منهما مع العامة على اصولهم. وإلا فتحقيق الحال أنه أثر في نصوصنا ولا في اصولنا لاعتبار حكم الحاكم أو حضوره في الاخذ بالشفعة، ولا للاشهاد لا بالنسبة إلى الصحة ولا بالنسبة إلى إثبات ذلك أو إثبات العذر المانع له. نعم قد سمعت الكلام في قوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 346 ]

بها من غيره بالثمن " وأما خبر ابن مهزيار (1) فليس فيه إلا إنظار ثلاثة أيام لمن كان في المصر بالنسبة إلى إحضار الثمن، وإنه إذا ادعى غيبته في بلد آخر ينتظر مع ذلك مقدار ذهابه وإيابه. نعم بناء على ما ذكرناه من اعتبار إحضار الثمن في أصل استحقاق الاخذ بالشفعة أو في التملك لو فرض غيبة المشتري أو حصول مانع له من المواجهة معه ولا وكيل له فهل يقوم الحاكم مقامه فان تعذر فالاشهاد أو لا يعتبر شئ من ذلك كما هو مقتضى الاصول والقواعد وإطلاق نصوص الباب فتبقى حينئذ الشفعة لصاحبها بحاله مع عدم الاهمال منه ؟ قد يحتمل الاول هنا، بل وكذا فيمن له الخيار وأراد الفسخ وإن كان الاقوى ما عرفته. ولعل إهمال الاصحاب ذكر الاعذار الحاصلة للشفيع بسبب المشتري اتكالا على ظهور الامر وأنها أولى من الاعذار المتعلقة بالشفيع فتأمل جيدا، فان المسألة لا تخلو من تشويش. ومنه وقع الكركي فيما سمعت، والله العالم والهادي. ولقد ظهر لك مما ذكرناه من الاصل المزبور أنه لو جهل استحقاق الشفعة فهو على شفعته، كما صرح به غير واحد للاطلاق، نعم قيده بعضهم بما إذا كان قريب العهد بالاسلام أو نشأ في برية لا يعرفون الاحكام، مع أن الاصح خلافه، ضرورة عدم كون ذلك من الضروريات التي لا يعذر فيها إلا من كان كذلك. وكذا الحال فيما لو علم ثبوتها وجهل فوريتها. ولكن في جامع المقاصد " أن الظاهر السقوط " وفيه أنه لا فرق


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 347 ]

بينه وبين الاول الذي اعترف فيه بعدم السقوط، كما هو الموافق لما ذكرناه من الاصل. بل وكذا الحال في النسيان وإن تردد فيه في محكي التحرير، بل قال بعض الناس: إن السقوط به، لانه معذور. لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه الذي مرجعه الاقتصار في سقوطها على إهمالها بعد التمكن منها من سائر الوجوه، وإن أطلق بعضهم على ذلك اعتبار الفورية فيها، لكن المراد منه بقرينة ما سمعت من الاعذار ذلك، بل ستعرف تعبير المصنف عن ذلك بالمسقطات، والله العالم. (ولا تسقط (حق خ) الشفعة بتقايل المتبايعين) كما صرح به الشيخ وبنوا البراج وحمزة وإدريس والفاضل وولده والشهيدان والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل لا أجد فيه خلافا بينهم (لان الاستحقاق) لها قد (حصل بالعقد) الذي صدق معه أن الشريك قد باع نصيبه، وهو عنوان ثبوتها في النص والفتوى (فليس) حينئذ (للمتبايعين إسقاطه) بالاقالة. نعم لما كانت أدلة الاقالة مطلقة أيضا شاملة للفرض حكم بصحتها مع وقوعها وترتب آثارها من النماء وغيره، إلا أن للشفيع فسخها حينئذ باعتبار سبق حقه، فيكون حينئذ بقاء صحتها مراعى بعفو الشفيع، فان حصل استمر وإلا انفسخ من حينه. لكن عن الشهيد في حواشيه أنه قال: " يفهم من فسخ الاقالة والرد أمران: الاول الفسخ مطلقا بالنسبة إلى الجميع، فتكون الاقالة والرد نسيا منسيا، الثاني أنه بالنسبة إلى الشفيع خاصة، لانهما مالكان حال


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 348 ]

التصرف، فيرتب أثر تصرفهما عليه - قال -: وتظهر الفائدة في النماء، فعلى الاول نماء الثمن بعد الاقالة والرد للبائع، ونماء المبيع للمشتري، وعلى الثاني بالعكس ". وفي جامع المقاصد بعد أن حكى ذلك عنه قال: " أقول: إن الاقالة والرد يقتضيان الفسخ، والفسخ لا يتجزأ، فاما الصحة مطلقا أو البطلان مطلقا، وحيث كان حق الشفيع أسبق كان الوجه البطلان مطلقا ". قلت: لكن من حينه كما هي القاعدة في الفسوخ، وحينئذ يكون مختاره الشق الاول، لكن على الوجه الذي ذكره، لا ما عساه يظهر من الشهيد من ارتفاع الاقالة والفسخ من أصلهما كما عساه يومئ إليه الثمرة المزبورة. أللهم إلا أن يريد أن نماء الثمن بعد فسخ الاقالة يكون للبائع ونماء المبيع للمشتري، لا النماء المتخلل بين الاقالة وفسخ الشفيع، ضرورة أن مرجع ذلك حينئذ إلى عدم تأثير ما وقع من الاقالة والرد. وهو - مع أنه ليس قولا لاحد منا، بل ولا من العامة عدا ما تسمعه من ابن شريح، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه - مناف لاطلاق دليلهما الذي لا ينافيه تعلق حق الشفيع بعد أن تسلط به على الخيار، إذ لا دليل على منافاة تعلق حقه لاصل صحتهما على وجه لا يؤثر سببها، وإن كان قد يتوهم من نحو عبارة المتن، إلا أن صحيح النظر فيها وفيما تعقبها يقتضي خلافه، خصوصا بعد تصريح الفاضل وغيره بأن للشفيع فسخ الاقالة والرد. قال في القواعد: " فان تقايل المتبايعان أو رد بعيب فللشفيع فسخ الاقالة والرد، والدرك باق على المشتري " ونحوه غيره، بل أصرح منه.

[ 349 ]

بل قيل إن الاجماع البسيط والمركب على عدم كون ذلك كالفضولي موقوف على الاجازة من الشفيع وإلا كان باطلا من أصله، وهو كذلك خصوصا في مثل تصرف المشتري مثلا بالوقف ونحوه، فان المحكي عن ابن شريح خاصة عدم صحة التصرف، وقد أطبق العامة والخاصة على خلافه. وحينئذ فالمراد من قول المصنف وغيره: (والدرك باق على المشتري) أنه بعد فسخ الشفيع الاقالة والرد بشفعته في الشقص يكون الدرك باقيا على المشتري، لانفساخ الاقالة والرد السابقين، لا أن المراد مع فرض بقاء أثرهما من كون الشقص ملكا للبائع للشفيع أن يشفع به، ويأخذه من ملك البائع بالثمن السابق على الاقالة، ولكن الدرك يكون على المشتري، لاستصحاب بقائه وإن احتمله بعض الناس بل ادعى أنه الموافق لقواعد الباب وغيرها ومحكي الاجماع على أن الدرك على المشتري. وحينئذ فيجمع بين ما دل على بقاء الشفعة وعلى صحة الاقالة والرد وكون الدرك على المشتري، ولا ينافي ذلك كون الاخذ حينئذ من البائع إذ ليس في نصوص الشفعة ما يقتضي اشتراط صحتها بكون الاخذ من المشتري، بل صرح الفاضل بأخذ الشفيع من البائع فيما إذا اختلف المتبايعان وتحالفا، بل في محكي الخلاف أن الشفيع يأخذ من البائع فيما إذا ادعى المالك البيع وأنكر المشتري وحلف. إلا أنه مخالف لظاهر جماعة وصريح آخرين، كالفاضل والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم، بل يمكن دعوى القطع بخلافه، خصوصا بملاحظة عدم الدليل على ضمان درك ما هو ملك الغير من دون سبب من أسباب الضمان، وخصوصا بملاحظة الاجماع بقسميه فضلا عن ظاهر الادلة على أخذ الشفيع من المشتري بمعنى الانتقال من ملكه إليه.

[ 350 ]

نعم لعل الاولى من ذلك احتمال سقوط الشفعة من أصلها بناء على ظهور قوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " في عدم رد المبيع إلى المالك الذي هو الشريك الاول كما تسمعه عن المروزي في تصرف المشتري بوقف أو بيع أو نحوهما أو القول بعدم تأثير الاقالة، باعتبار تعلق حق الشفيع في العين نفسها على وجه يكون الدرك على المشتري، ولا يكون ذلك إلا بعدم تأثير الاقالة والرد كما سمعته من ابن شريح. إلا أنهما معا يمكن دعوى الاجماع من المسلمين على خلافهما فضلا عن غيره من الادلة. وعلى كل حال فالاحتمال مع فرضه إنما هو بهذا المعنى، لا أنهما مؤثران والشفيع باق على شفعته، فيأخذ من البائع ويكون مع ذلك الدرك على المشتري الذي قد زال شراؤه بالاقالة، بل مرجع ذلك إلى تبعض حكمها الذي أشار إليه الشهيد في أحد الوجهين السابقين. ولقد أطنب هنا بعض الناس بما لا يرجع إلى محصل، بل لعل التأمل فيه يقضي بتناقض أطرافه ووسطه، فضلا عن مخالفته لاجماع المسلمين، فضلا عن الخاصة، فالمتجه حينئذ ما ذكرناه. (نعم لو رضى) الشفيع (بالبيع) على وجه تسقط به شفعته (ثم تقايلا لم يكن له شفعة لانها) أي الاقالة (فسخ) كالرد بالعيب (وليست بيعا) عندنا. خلافا لابي حنيفة، وهو واضح البطلان كما تقدم ذلك في محله. لكن بقي شئ: وهو أن مقتضى ما سمعته من عبارة الفاضل السابقة مساواة حكم الرد بالعيب للاقالة، بل هو المحكي أيضا عن جميع من


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 351 ]

عرفت ممن صرح بحكمها، لكن قد يشكل بامكان الفرق بينهما بسبق حق الشفيع على ما وقع بينهما من الاقالة التي هي كالتصرف من المشتري الذي ستعرف عدم سقوط الشفعة به، بخلاف الرد بالعيب الثابت بنفس العقد الذي هو إن لم يكن أسبق من حق الشفعة باعتبار تأخره ولو ذاتا عن تمام العقد وإلا فهو مقارن، فلا ترجيح لحق الشفيع على حقه. أللهم إلا أن يقال: إن حق الرد بالعيب إنما يثبت حين العلم به، بخلاف حق الشفيع الثابت بتمام العقد. ولكن قد يناقش بمنع اعتبار العلم في استحقاق الرد به، بل هو ثابت بنفس العقد، ولكن لا يحصل له الاخذ بحقه إن شاء، إلا بعد العلم به. ومن هنا صرح غير واحد باقتران الحقين وتساويهما في الثبوت إلا أنه ادعى تقديم حق الشفيع على حق المشتري، باعتبار أن الثمن حاصل له من الشفيع، فلا ضرر عليه. ولكنه كما ترى إن لم يكن إجماعا لامكان منع الاقتران أولا، ضرورة تأخر حق الشفعة عن تمام العقد، ولذا كان حق البائع مقدما على حق الشفيع إذا كان له الخيار بالاشتراط في العقد مثلا، فيفسخ ويرجع المال إليه وإن شفع الشفيع به. وإمكان منع الترجيح ثانيا، بعدم انحصار الامر في الثمن، إذ الدرك عليه، وهو ضرر آخر عليه. مضافا إلى ما عرفته سابقا من عدم صلاحية مثل ذلك لاسقاط حق اقتضاه الدليل، فليس حينئذ إلا الاجماع إن تم. كما أنه ليس لما ذكروه سابقا من سقوط خيار المشتري بالشفعة بخلاف خيار البائع إلا الاجماع إن تم وإلا فالمتجه بقاؤهما معا وسقوط الشفعة لسبق تعلق حقهما عليه، فتأمل جيدا. وكيف كان فلا خلاف أجده بيننا في أن تصرف المشتري في الشقص

[ 352 ]

قبل الاخذ الصحيح يترتب عليه الاثر، لاطلاق الادلة السالم عن معارضة تعلق حق الشفيع بعد إن لم يكن دليل يقتضي أن مثله مانع من التصرف - كحق الرهانة - إلا القياس الممنوع عندنا، فيكون حينئذ كحق تعلق الدين بالتركة الذي لا يمنع الوارث من التصرف لو أراده وإن تسلط بعد ذلك على فسخه إن لم يدفع له الدين. بل لا خلاف أجده في ذلك أيضا بين العامة إلا ما يحكى عن ابن شريح منهم، فقاس تعلق الحق المزبور على حق الرهانة، وهو كما ترى. نعم لا يبطل ذلك حق الشفيع بلا خلاف أجده أيضا بيننا، لسبق تعلقه وإطلاق ما دل على ثبوته، بل ولا بين العامة أيضا إلا ما يحكى عن المروزي منهم من سقوطها حينئذ، وهو واضح الضعف عندنا وعندهم. لكن تصرف المشتري يقع على نوعين: أحدهما ما تثبت فيه الشفعة أيضا كالبيع (و) ثانيهما ما ليس كذلك فان كان الاول كما (لو باع المشتري كان للشفيع فسخ البيع والاخذ من المشتري الاول، وله أن يأخذ من الثاني) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال لان كلا منهما سبب تام في ثبوت الشفعة، فالتعيين إلى اختياره. (وكذا) لو زادت العقود عن الاثنين، فان أخذ بالشراء الاول دفع الثمن وبطل المتأخر مطلقا، وإن أخذ بالاخير أخذ بثمنه وصح السابق مطلقا، لان الرضا به يستلزم الرضا بما سبق عليه، وإن أخذ بالمتوسط أخذ بثمنه وصح ما تقدمه وبطل ما تأخر عنه. فلو باعه المشتري بعشرة فباعه الآخر بعشرين فباعه الآخر أيضا بثلاثين فان أخذ من الاول دفع عشرة ورجع الثالث على الثاني بثلاثين والثاني على الاول بعشرين، لان الشقص يؤخذ من الثالث، وقد انفسخ

[ 353 ]

عقده وكذا الثاني، ولو أخذ من الثاني صح الاول ودفع عشرين وبطل الثالث، فيرجع بثلاثين، ولو أخذ من الثالث صحت العقود ودفع ثلاثين كما هو واضح. نعم ينبغي أن يعلم أن فسخه يكون بشفعته، لانه هو الثابت له من الادلة، ويكون انتقاله حينئذ إلى المشتري والشفعة به من الترتب الذاتي، بل لا يبعد القول بعدم أثر لقوله: " فسخت " متقدما على الشفعة، لعدم الدليل عليه، بل لا يبعد بطلان الشفعة حينئذ بناء على منافاة مثل ذلك لفوريتها، كما تسمعه من بعضهم في مثل ذلك. وإن كان الثاني كما (لو وقفه المشتري أو جعله مسجدا فللشفيع إزالة ذلك كله وأخذه بالشفعة) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل ولا إشكال، لسبق حقه، بل عن المبسوط الاجماع على أن له نقض المسجد إن كان قد بناه مسجدا وأخذه بالشفعة. فما عن بعض العامة من عدم جواز نقض الوقف واضح الضعف، نحو ما سمعته سابقا من بعضهم من عدم جواز مطلق التصرف للمشتري، وآخر من سقوط الشفعة مطلقا. ومما ذكرنا يظهر لك الحال فيما لو كان قد وهبه المشتري بعوض أو غير عوض هبة جائزة أو لازمة، ضرورة كونه كغيره من التصرفات التي للشفيع فسخها والاخذ من المشتري بالثمن الذي أخذ به، فيملكه هو حينئذ دون الموهوب الذي قد انفسخت هبته وصار الدرك على الواهب الذي هو المشتري، لامتناع صحة الهبة مع ذلك، كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا بينهم. لكن في قواعد الفاضل " والثمن للواهب أن يأخذه إن لم تكن لازمة

[ 354 ]

وإلا فاشكال، فان قلنا به رجع المتهب بما دفعه عوضا، وإلا تخير بينه وبين الثمن ". وهو - كما ترى - مناف لما عرفت وإن وجه كلامه الاول بأن للواهب أن يرجع في أصل الهبة، فله أن يرجع في ثمن الموهوب، ومقتضاه أنه إن لم يرجع يكون الثمن للمتهب. وفيه - مع أن مقتضاه أيضا أن لا يكون إشكال في كون الثمن للمتهب إذا كانت لازمة - أن ذلك لا يتم إلا على تقدير كون الاخذ بالشفعة غير مبطل للهبة، وقد عرفت سابقا أن الاخذ إنما يكون بالبيع السابق الذي يمتنع معه الحكم بصحة التصرف اللاحق، كما اعترف به هو سابقا في البيوع المترتبة، مضافا إلى معلومية منافاة كون الاخذ من المشتري والدرك عليه، لبقاء الهبة وثبوت ملك المتهب. ونحوه يجري أيضا فيما ذكره من الاشكال الذي قيل إنه ينشأ من بطلان الهبة بالاخذ بالشفعة لسبق حق الشفيع، ومن إمكان الجمع بين الحقين، وحق الشفيع إنما هو في العين، ولا فائدة له في ابطال الهبة من رأس، فيأخذها وتبقى الهبة بحالها، ويكون المراد من الابطال إبطال اختصاص المتهب بالعين، لا إبطال أصل الهبة. إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن الشفيع إنما يأخذ بالبيع الاول من المشتري الذي يكون الدرك عليه والثمن حق له، فليس حينئذ إلا إبطال الهبة ورجوع الامر كما كان قبلها. ودعوى انفساخها في حق الشفيع خاصة دون الآخر يدفعها أن مقتضاها زوال الدرك عن المشتري حينئذ على أن الفسخ لا يقبل التجزئ. كما أن دعوى احتمال كون الدرك عقوبة للمشترى وإن لم يعد الملك له، والتجزئ بالنسبة إلى الاحكام لا ينبغي أن يصغى إليها، إذ هي

[ 355 ]

مجرد تهجس في مقابلة الادلة الشرعية. ومن الغريب بعد ذلك ما في الايضاح من اختيار كون الثمن للمتهب في اللازمة وما عن حواشي الشهيد من أن المنقول: أن الهبة إن كانت لازمة يكون الثمن للموهوب له مطلقا، وكذا إن تصرف، لانها قد صارت لازمة، إذ لم نعرفه قولا لاحد من أصحابنا، بل صريح كلامهم خلافه كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك ضعف ما فرعه الفاضل بقوله: " فان " إلى آخره الذي معناه أنه إن قلنا بكون الثمن للواهب فان كان المتهب قد دفع عوضا للهبة فقد فات المعوض فيرجع به، وإن قلنا بأنه للمتهب تخير بين العوض بأن يفسخ الهبة لفوات العين فيرجع به وبين بقائها فيأخذ الثمن، لانه حقه، إذ الفرض لزومها من طرف الواهب إلا أن ذلك كله كما ترى لا ينبغي أن يسطر، ولعله من خرافات العامة، والله العالم. (و) كيف كان فلا إشكال كما لا خلاف في أن (الشفيع يأخذ من المشتري) لانه المتيقن من أدلة الشفعة إن لم يكن المنساق، خصوصا نحو قوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " (و) حينئذ يكون (دركه عليه) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل عن الغنية والسرائر الاجماع على ذلك. (و) على الاخذ من المشتري ف‍ (لا يأخذ من البائع) بمعنى الانتقال إليه من البائع الذي انقطع سلطانه عن العين بالبيع منه وصار للمشتري. و (لكن لو) فرض أن الشفيع (طالب) بشفعته (و)


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 356 ]

كان (الشقص في يد البائع قيل له: خذه من البائع أو دعه) كما صرح به غير واحد. (ولا يكلف المشتري القبض من البائع مع امتناعه ولو التمس ذلك الشفيع) بلا خلاف أجده فيه وإن قال في الكفاية: إنه المشهور مشعرا بوجود مخالف، لكن لم أتحققه. نعم يحكى عن الشافعية قول بأن له أن يكلفه ذلك، لان الشفيع بمنزلة المشتري من المشتري. وفيه منع واضح، ضرورة عدم دليل على وجوب ذلك، خصوصا بعد كون الاخذ منه قهرا بلا معاوضة وتراض بينهما، وإنما الواجب عليه رفع يده عنه وكل مانع من جهته، لان الشقص بالشفعة صار ملكا للشفيع، يأخذه أينما وجده من يد كل من هو في يده، ولا حق له على المشتري بحيث يكلفه بقبضه حتى يقبضه منه، خصوصا بعد أن لم يكن لذلك ثمرة (و) ذلك لانه (يقوم قبض الشفيع مقام قبضه و) حينئذ (يكون الدرك مع ذلك على المشتري) وإن قبضه الشفيع من البائع، لما عرفت من أن الاخذ وانتقال الملك إليه منه، بل لعل المتجه عدم التزام المشتري بتحصيله من البائع لو فرض عصيانه به. وليس للشفيع منع الثمن الذي رضي المشتري ببقائه في ذمته عند أخذه بالشفعة عليه حتى يسلمه الشقص، لعدم المعاوضة بينهما الموجبة للتقابض، كما عرفته سابقا. (و) على كل حال ف‍ (ليس للشفيع فسخ البيع) الواقع بين الشريك والمشتري ولو بالاقالة عن تراض بينه وبين البائع بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لاصالة لزومه وانحصار حقه في الاخذ من المشتري، بل قيل لو اشتغل بالفسخ بعد علمه بالحال بطلت شفعته

[ 357 ]

لمنافاة مثله للفورية وإن كان فيه ما فيه. (و) حينئذ ف‍ (لو نوى الفسخ والاخذ من البائع لم يصح) ولم يترتب عليه أثر وإن كان الشقص في يد البائع وقبضه الشفيع من يده، لما عرفت من عدم حق له في السفخ ولو بالاقالة، فلا يتصور أخذه من البائع بمعنى انتقاله منه إليه، ضرورة كونه ملكا للمشتري، بل قيل تبطل شفعته حينئذ لمنافاته الفورية، وإن عرفت أنه لا يخلو من نظر. بل قد يقال بحصول ملك الشقص له بقصده تملكه وإن غلط بقصد كونه من البائع، إذ لا دليل على اعتبار قصد الانتقال من المشتري أو عدم قصد كونه من البائع وإنما الثابت من الادلة انتقاله من المشتري إليه، لا أن المعتبر في الشفعة قصد ذلك، فيكفي قصد تملك الشقص بالثمن لصدق الاخذ بالشفعة حينئذ. ولعل ذلك غير مناف لما في المتن وغيره من عدم صحة ذلك لو نواه، ضرورة إرادة عدم ترتب أثر لذلك عليه، لا أن أخذه بالشفعة حينئذ باطل. ومن ذلك يعلم أن المعتبر في الشفعة قصد تملك الشقص بالثمن من دون ملاحظة كونه من المشتري أو البائع وإن كان هو شرعا ينتقل إليه من المشتري، فتأمل جيدا فانه ربما دق، والله العالم. (ولو انهدم المبيع أو عاب فان كان بغير فعل المشتري) بل بآفة سماوية قبل المطالبة أو بعدها (أو بفعله قبل مطالبة الشفيع) بالشفعة (فهو بالخيار بين الاخذ بكل الثمن أو الترك) وفاقا للمشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة.

[ 358 ]

مضافا إلى مرسل ابن محبوب (1) السابق وقوله (عليه السلام) في حسن الغنوي (2): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " وأصالة عدم الضمان حتى لو كان بفعله، ضرورة أنه تصرف في ملكه تصرفا سائغا، فلا يكون مضمونا عليه، والفائت لا يقابل بشئ من الثمن، فلا يستحق الشفيع في مقابلته شيئا، كما لو تعيب في يد البائع فان المشتري يتخير بين الفسخ والامضاء. لكن في جامع المقاصد بعد أن جعل الصور أربعة: والاولى منها ما كان ذلك بفعل المشتري قبل المطالبة، واقتصر في الاستدلال لها بالاخير قال: " وفيه نظر، لان المشتري وإن تصرف في ملكه إلا أن حق الشفيع قد تعلق به، فيكون ما فات منه محسوبا، كما يحسب عليه عين المبيع، ولا استبعاد في تضمين المالك ما يجنى على ملكه إذا تعلق به حق الغير، كالرهن إذا جنى عليه الراهن، وقد سبق في كتاب البيع وجوب الارش على البائع إذا تعيب المبيع في يده، فينبغي أن يكون هنا كذلك وقد نبه كلام المصنف في التذكرة على ذلك ". ثم قال: " الثانية والثالثة أن يكون ذلك بغير فعل المشتري مطلقا أي سواء طالب الشفيع بالشفعة أم لا، فانه لا شئ على المشتري بل يتخير الشفيع بين الاخذ بمجموع الثمن والترك، وتقريبه مع ما سبق أن ذلك ليس بفعل المشتري، وملكه غير مضمون عليه، وجوابه جوابه مع النقض بما إذا تلف بعض المبيع، والذي يقتضيه النظر ثبوت الارش في الصورتين أيضا، وكلام المصنف في التذكرة مطابق لذلك، فانه فرض المسألة فيما إذا تعيب الشقص من غير تلف شئ من العين من غير تقييد بكون


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة الحديث 1.

[ 359 ]

ذلك بفعل المشتري، وكونه بعد المطالبة وعدمه ". ثم حكى قول بعض الاصحاب بوجوب الارش بمثل هذا التعيب في المبيع لو كان في يد البائع، ثم قال: " فينبغي أن يكون هنا كذلك، وهو متجه ". قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك من منافاته لما سمعت من المرسل (1) المنجبر بما عرفت والاجماع المحكي المؤيد بالحسن (2) المزبور، وأصالة عدم الضمان التي منها يعلم الفرق بين المقام وبين المبيع في يد البائع المعلوم ضمانه عليه بدليله. بل يمكن دعوى إجماع الاصحاب على خلافه في الجملة، فاني لم أجد من وافقه على تمام ما ذكره حتى الفاضل في التذكرة، قال فيها: " إذا اشترى شقصا من دار فانهدمت إما بفعل المشتري أو بغير فعله فلها أحوال: الاول أن تتعيب من غير تلف شئ ولا انفصال بعضها عن بعض، بأن يتشقق جدارها أو تميل اسطوانتها أو ينكسر جذعها أو يضطرب سقفها، فالشفيع بالخيار بين الاخذ بكل الثمن وبين الترك، ويكون تعيبه في يد المشتري كتعب المبيع في يد البائع، فانه يخير بين الفسخ وبين الاخذ بجميع الثمن عند بعض علمائنا، وبه قال الشافعي، وعند بعضهم لا يسقط الارش، فينبغي أن يكون هنا كذلك ". وهي كما ترى لا صراحة فيها، بل ولا ظهور، بل ظاهرها موافقة المشهور، وقوله: " فينبغي " من تتمة القول الذي حكاه. نعم في الخلاف كما في المختلف " إن كان ذلك بأمر سماوي فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ بجميع الثمن أو يترك، وإن كان بفعل آدمي كان له


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 360 ]

أن يأخذ العرصة بحصتها من الثمن " بناء على شمول الآدمي للمشتري فيه، فيكون باطلاقه موافقا له في بعض الصور. وهو مع إنه لم يفرق فيه بين المطالبة وغيرها يمكن أن يكون مراده عدم دخول الانقاض بالشفعة، لصيرورتها منقولة حينئذ بالانهدام فيأخذ العرصة حينئذ خاصة بما يخصها من الثمن كما هو المحكي عن أحد قولي الشافعي، وهذه مسألة اخرى غير ما نحن فيه. كل ذلك مع أن قوله: " حق الشفيع متعلق به " إن أراد حق المطالبة فمسلم ولكن بمجرده لا يوجب الضمان على المشتري، فلابد من دليل يقطع الاصل والقياس على الرهن ليس من مذهبنا، وضمان المبيع في يد البائع - مع أنه خارج عما نحن فيه، لانه ملك المشتري دون البائع - مستند لدليله من قوله (صلى الله عليه و آله) (1): " كل مبيع " وغيره كما تقدم في محله. وإن أراد به الملكية فممنوع إذ لا ملك قبل الاخذ، بل لو قلنا به فلا ضمان أيضا إذا كان بآفة سماوية للاصل خصوصا إذا لم يقبضه المشتري، إذ لا موجب لضمانه ولو قلنا بكونه ملكا للشفيع، خصوصا بعد ما ذكرناه من أن الاخذ بالشفعة ليس من المعاوضات. واستبعاد جواز ذلك للمشتري لتمكنه حينئذ من عدم رغبة الشفيع فيه باهدامه وتعيبه لا يرجع إلى محصل على وجه يكون دليلا شرعيا موافقا لاصول الامامية وقواعدهم، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (الانقاض للشفيع باقية كانت في المبيع أو منقولة عنه) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المسالك ما يشعر بالاجماع عليه، نعم قد سمعت ما احتملناه في عبارة الخلاف ويحكى عن


(1) المستدرك - الباب - 9 - من أبواب الخيار - الحديث - 1 من كتاب التجارة.

[ 361 ]

الشافعي في أحد قوليه أخذ العرصة خاصة بتمام الثمن في وجه أو بما يخصها في آخر. ولا ريب في أن الاصح ما ذكره المشهور، لتعلق الحق بها غير منقولة، و (لان لها نصيبا من الثمن) الذي يأخذ به الشفيع، فلا يلزم بدفع الثمن لما عداها، لما فيه من الضرر ودفع ما يخص العرصة خاصة مناف لقوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق بها بالثمن " فتأمل جيدا. (وإن كان العيب بفعل المشتري بعد المطالبة) بالشفعة (ضمنها المشتري) على المشهور المحكي في كلام جماعة، بل عن الغنية الاجماع عليه مع العلم بالمطالبة، بل لا ينبغي الاشكال فيه بناء على إرادة الاخذ من المطالبة، ضرورة صيرورته حينئذ ملكا للشفيع، فيضمنه المشتري كغيره بتعيبه. أما لو اريد من المطالبة إرادة الاخذ بالشفعة كما هو مقتضى قوله (وقيل: لا يضمنها، لانه لا يملك بنفس المطالبة بل بالاخذ) فهو مشكل إن لم يكن إجماعا وإن قال المصنف وغيره: (والاول أشبه) ضرورة عدم موجب للضمان. وما في الايضاح وجامع المقاصد - من توجيهه بأن الشفيع استحق بالمطالبة أخذ المبيع كاملا أو تعلق حقه به، فإذا نقص بفعل المشتري ضمنه له - كما ترى، بل مقتضاه الضمان في غير هذه الصورة حينئذ التي اعترفوا فيها بعدمه، لان استحقاق الشفيع لم يثبت بالمطالبة بل بالبيع، وإذا كان مضمونا عليه للشفيع فلا فرق بين أن يكون ذلك بفعل المشتري أو غيره.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث - 1.

[ 362 ]

وكيف كان فقد حكي الخلاف في ذلك عن الشيخ وأنه إليه أشار المصنف بالقيل، وقد سمعت عبارته في الخلاف الخالية عن ذكر المطالبة وعدمها. وأما المبسوط فقال ما نصه: " إذا اشترى شقصا فوجب للشفيع فيه الشفعة فأصابه نقص أو هدم قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة فهو بالخيار بين أن يأخذه ناقصا بكل الثمن أو يدع، سواء في ذلك كان هدمها المشتري أو غيره أو انهدم من غير فعل أحد، وكذلك إن احترق بعضهما، أو كانت أرضا فغرق بعضها، فللشفيع أن يأخذ ما يبقى بجميع الثمن أو يدع، لانه إن هلك بأمر سماوي فما فرط فيه، وإن هدمه هو فانما هدم ملك نفسه، وإذا أخذه بالشفعة أخذ ما اتصل به وما انفصل عنه من آلاته، لانه جميع المبيع، وقيل: إنه بالخيار بين أن يأخذ الموجود بما يخصه من الثمن أو يدع، والذي يقوى في نفسي أنها إذا انهدمت وكانت آلاتها باقية فانه يأخذها وآلاتها بجميع الثمن أو يتركها، وإن كان قد استعمل آلاتها المشتري أخذ العرصة بالقيمة، وإن احترقت أخذ العرص بجميع الثمن أو يترك ". ونحوه عن جامع الشرائع. ولعل نسبة الخلاف إليه باعتبار عدم ذكره المطالبة، بل جعل العنوان عدم أخذ الشفيع بالشفعة طالب أو لم يطالب، فبناء على إرادة غير الاخذ من المطالبة في كلامهم يكون مخالفا وإلا فلا، حتى لو قيل بالملك بها دونه، ضرورة كونه خلافا فيما يحصل به الملك، وإلا فالمفروض في كلامه قبل حصول الملك للشفيع. نعم ظاهره التفصيل في خصوص تلف البعض بين أن يكون بفعله وبين أن يكون بالآفة، فالاول يأخذه بما يخصه من الثمن، لان ذلك هو المراد من القيمة ولو بقرينة ما بعده، والثاني يأخذه بالثمن، ومرجعه إلى ما سمعته من ظاهر الخلاف.

[ 363 ]

وأما عبارته في النهاية فهي " والغائب إذا قدم وطالب بالشفعة كان له ذلك، ووجب عليه أن يرد مثل ما وزن من الثمن من غير زيادة ولا نقصان فان كان المبيع قد هلك بآفة من جهة الله أو من جهة غير جهة المشتري أو هلك بعضه بشئ من ذلك لم يكن له أن ينقص من الثمن بمقدار ما هلك من المبيع، ولزمه توفية الثمن على الكمال، فان امتنع من ذلك بطلت شفعته ". وهي كما ترى أجنبية عن ذلك. وعلى كل حال فظاهره في الكتب الثلاثة عدم الفرق بين فوات الجزء والوصف إذا كان بالآفة، وهو لا يخلو من قوة بل لعل المرسل (1) المزبور دال على ذلك، خصوصا مع ملاحظة كون المفروض فيه أن السيل خارق، وهو مستلزم لذهاب بعض الانقاض، خصوصا إذا كانت من اللبن ونحوه مما يذهب بالسيل. بل قد يقال: إن قوله (عليه السلام) فيه: " ليس له " إلى آخره مطلق لا يختص بخصوص مورد السؤال، فيشمل حينئذ صورة إتلاف المشتري أيضا باحراق ونحوه. بل لعل قوله (عليه السلام) (2): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " يقتضي ذلك أيضا، ضرورة كون المراد منه بيان أحقية الشفيع من غيره بجميع الثمن، تلف بعضه أو لا، وليس المراد منه بيان أحقيته في الكل بالكل وفي البعض بالبعض، وإلا لجاز للشفيع التبعيض اختيارا وهو معلوم العدم وكذا لا دليل على كون التلف في يد المشتري بفعله أو بآفة من ضمانه كما ورد مثله في المبيع، على أنه لا ضرر ولا ظلم على الشفيع بعد


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 364 ]

عدم إلزامه بذلك، بل إن شاء أخذ وإن شاء ترك، ولا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن من مشروعية الشفعة التي عرفت مخالفتها للاصل على أنه لو كان ذلك من ضمانه لاتجه كون الهدم ونحوه أيضا من ضمانه. ودعوى عدم مقابلة ذلك بالثمن واضحة الفساد، خصوصا بعد ملاحظة المقابلة لو تعيب المبيع في يد البائع، بل وفي يد المشتري في زمن خياره المضمون أيضا على البائع، وفيما لو اشتراه فوجده معيبا وإن ذهب بعض الاصحاب في الاول إلى التخيير بين الاخذ بتمام الثمن والترك، ولكنه قول مرغوب عنه. وبذلك يظهر لك النظر فيما وقع من الفاضل والشهيدين والكركي وغيرهم من ضمان المشتري لو كان التالف بعض أجزاء المبيع التي تقابل بالثمن، سواء كان بآفة سماوية أو بفعله قبل المطالبة أو بعدها، بل ظاهر بعضهم المفروغية من ذلك. ولذا فرض محل الكلام في الصور الثلاثة السابقة فيما إذا انهدم أو تعيب مع عدم تلف شئ من أجزاء المبيع التي تقابل بالثمن، وجعل الخلاف في خصوص ما إذا كان بفعل المشتري بعد المطالبة مع أن جملة من عبارات الاصحاب كعبارة المصنف هنا وفي النافع مطلقة لا أثر فيها لاستثناء خصوص ما لو تلف بعض الاجزاء الذي هو غالب للانهدام المفروض في عباراتهم. ولقد أجاد في الرياض حيث إنه بعد ذكر الكلام في الصور الثلاثة قال: " ثم إن الحكم بعدم الضمان على المشتري حيث توجه إنما هو إذا لم يتلف من الشقص شئ يقابل بشئ من الثمن وإلا قيل ضمن بحصته من الثمن على الاشهر، قيل: لان إيجاب دفع الثمن في مقابلة بعض المبيع ظلم، وفيه نظر، ولذا أطلق الحكم في العبارة هنا وفي المبسوط وغيرهما، ومع

[ 365 ]

ذلك يدفعه إطلاق ما مر من الخبر، فتأمل ". وكأنه أشار إلى ما ذكرناه من إطلاق المرسل (1) المزبور الذي لا إشكال في شموله لتلف بعض الاجزاء بالسيل إن لم يكن ظاهرا فيه، ويكفي ذلك في الدلالة على المطلوب بعد الاتمام بعدم القول بالفصل، فيتجه عدم ضمان المشتري مطلقا من غير فرق بين تلف بعض المبيع وغيره وبين كون ذلك بآفة أو بفعل المشتري، قبل المطالبة بمعنى إرادة الاخذ بالشفعة على وجه لا ينافي الفورية ولو لوجود عذر وبعدها. أللهم إلا أن يكون إجماعا كما عساه يتخيل في خصوص إتلاف المشتري بعض أجزاء المبيع دون غيره، لعدم قائل بعدم الضمان فيه. ولكن قد عرفت إطلاق المصنف وغيره ممن لم يتعرض فيه لذكر تلف بعض الاجزاء. وإما إجماع الغنية أيضا في التعيب بفعله بعد المطالبة فلم نتحققه، لانا لم نتحقق المراد بها هنا في كلامهم هل هي الاخذ بالشفعة أو إرادة ذلك على وجه لا ينافي الفورية، فان كان الاول فلا ينبغي الخلاف في الضمان إذا كان بفعل المشتري، من غير فرق بين التعيب والاتلاف، فالاجماع حينئذ في محله، وإن كان الثاني فلا يخفى عليك ما فيه من الاشكال بل المتجه فيه عدم الضمان، ضرورة عدم أثر لها إلا تأكد الاستحقاق الثابت بالعقد قبلها، فان كان هو الموجب للضمان ثبت بدونها، وإلا فلا ضمان معها أيضا كما هو واضح. فهو حينئذ مظنة الاجماع لا الضمان. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك التشويش في المقام في جملة من عبارات الاساطين كالفاضل والشهيدين وغيرهم، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (ولو غرس المشتري أو بنى) على وجه لا يكون ظالما في ذلك


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 366 ]

بأن قسمه مع الشفيع غير مخبر له بالشراء بل باظهار الوكالة عن البائع فيها أو بغير ذلك (فطالب الشفيع بحقه) بمعنى أنه أخذ بالشفعة (فان رضي المشتري بقلع غراسه أو بنائه فله ذلك) بلا خلاف أجده فيه من غير حاجة إلى استئذان الشفيع وإن صارت الارض ملكا له، إذ هو ملكه، وله إزالته عن المكان المزبور، بل هو كتفريغ المبيع للمشتري. (و) من هنا (لا يجب) عليه (إصلاح الارض) بطم الحفر مثلا، كما صرح به الفاضل في القواعد وغيرها ومحكي المبسوط لانه لا يضمن العيب الذي فعله قبل الطلب بالتصرف في ملكه، وبعده لتخليص الشقص للشفيع الذي قدم بأخذه بالشفعة على ذلك. خلافا للمحكي عن أبي علي من إيجاب الطم، واحتمله الفاضل وغيره بل عن الاردبيلي الميل إليه، بل إلى وجوب الارش لو حصل في الارض نقص من القلع، حتى لو كان الطالب للقلع الشفيع، نعم لا يبعد عدم ذلك مع جهله بالشفعة. وفي المختلف " المختار أن نقول: إن اختار المشتري القلع كان له ذلك، وعليه أرش ما نقص من الارض بذلك، وطم الحفر، لانه يطلب تخليص ملكه من ملك غيره، قوله: إنه تصرف في ملكه قلنا: إنه ممنوع، بل تصرف بالقلع في ملك الشفيع، فكان عليه أرشه، نعم تصرفه بالغرس صادف ملكه، فلم يكن عليه غرم من اجرة وغيرها، ولو اختار الشفيع القلع فالاقرب عدم وجوب الارش، لان التفريط حصل من المشتري حيث غرس في أرض متزلزلة الملك، ولانه غرس في حق غيره بغير إذنه، فأشبه ما لو بانت الارض مستحقة، وقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " لا ضرر ولا ضرار " مشترك بين الشفيع


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 367 ]

والمشتري، فلا يختص به أحدهما ". وقواه في جامع المقاصد والمسالك بعد أن حكيا عنه التفصيل في وجوب الطم عليه بين كون القلع منه ابتداء فيجب، لان النقص قد حدث في ملك غيره بفعله لمصلحة من غير إذن من الغير، فيجب إصلاحه، وبين كونه لطلب الشفيع فلا يجب، لان طلبه القلع يتضمن الاذن في الحفر وليس هو كالغاصب، لانه غير عاد بفعله. بل حكاه أولهما أيضا عن صريح التذكرة وإن كنا لم نتحققه، كما أنه لا صراحة في كلامه بالتفصيل الذي حكياه، بل ولا ظهور، بل ربما استظهر منه إلزامه بذلك. أللهم إلا أن يكون قد لاحظا المفهوم في كلامه. وعلى كل حال فالاقوى الاول وفاقا لما عرفت، بل في المسالك نسبته إلى صريح الشيخ والاكثر، للاصل السالم عن معارضة دليل معتد به يقتضي ذلك، وقاعدة الضرر يدفعها إدخاله نفسه فيه بشفعته بالارض التي هي كذلك، فهو حينئذ كمن أدخل مال غيره في داره مثلا فاحتاج المالك في إخراجها (1) إلى خراب في الدار، فانه لا يضمنه له، لكون الاتلاف المزبور مستحقا له عليه، نحو ما لو غصب شجر الغير فغرسه في ملكه فقلعه المالك ونقصت الارض، فلا ضمان حينئذ بالاتلاف المزبور الذي كان السبب فيه أقوى من المباشر، ولا أقل من الشك في حصول سبب الضمان معه، والاصل البراءة. وأما نقص الارض الحاصل بالغرس والبناء فغير مضمون عليه، لما عرفته سابقا في مسألة التعيب والانهدام.


(1) هكذا في النسخة الاصلية: المبيضة والمسودة بقلمه الشريف، والصحيح (في إخراجه).

[ 368 ]

لكن في المسالك هنا أن فيه قولين: أشهرهما ذلك، لان هذا الناقص ليس له قسط من الثمن، فلا يضمنه المشتري كالنقص بالاستهدام ولانه تصرف في ملك نفسه، فلا يتعقبه ضمان، وقيل: يجب الارش، خصوصا إذا كان بعد المطالبة. ولم نتحقق القول المزبور حتى من الكركي الذي قد سمعت كلامه في المسألة السابقة، فانه وافق هنا لكن قال: " نعم لو كان ذلك بعد المطالبة اتجه القول بضمانه على ما سبق في مسألة الاستهدام والتعيب " وإن كان لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما سمعته منه هناك. كما أنه لا يخفى عليك ما في إطلاق الفاضل هنا والتفصيل هناك بل، (و) إطلاق المصنف هنا أيضا أن (للشفيع أن يأخذ بكل الثمن أو يدع) مع تفصيله السابق. بل في المسالك أن ظاهر إطلاق العبارة يقتضي عدم ضمان النقص الحاصل بالقلع أيضا، لحكمه بأنه يأخذ بكل الثمن الشامل لحالة النقص بالغرس والقلع وعدمه. وفيه أن الارش الحاصل بالقلع لا مدخلية له في الاخذ بكل الثمن بل هو غرامة حاصلة له بعد الشفعة بفعله في ملك غيره الذي قد أخذ منه بكل الثمن، فتأمل جيدا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (ان امتنع المشتري من الازالة كان الشفيع مخيرا بين إزالته ودفع الارش، وبين بذل قيمة الغراس والبناء ويكون له مع رضا المشتري، وبين النزول عن الشفعة) كما صرح به غير واحد. نعم في قواعد الفاضل تخير الشفيع بين قلعه مع دفع الارش على

[ 369 ]

إشكال، وبين بذل قيمة البناء والغرس إن رضي المشتري، ومع عدمه نظر، وبين النزول عن الشفعة. بل في إيضاح ولده " أن الاشكال الاول في موضعين: الاول في القلع، وينشأ من أن حق الشفيع أسبق من بنائه فصار كالاستحقاق بالغصب، ومن أن المشتري تام الملك قبل أخذ الشقص، ولهذا ملك النماء، ومن بنى في ملكه لم يتعد كالذي لا شفعة عليه، وجواز انتزاعه من يده ليس موجبا لتعديه ونقض بنائه، وإلا لثبت في الموهوب إذا غرس أو بنى، ورجع الواهب على القول بالجواز، ولان الشفعة موضوعة لازالة الضرر فلا يزال بالضرر، الثاني في وجوب الارش مع القلع، وينشأ من أنه نقص دخل على ملك المشتري لمصلحة الشفيع، وإلى هذا ذهب الشيخ في المبسوط، ومن أن التفريط حصل من المشتري حيث زرع في أرض متزلزلة الملك، واختاره المصنف في المختلف ". وفيه أن الاشكال الاول واضح الفساد، ضرورة عدم تصور وجوب إبقاء ملك الشفيع مشغولا بملك المشتري على الدوام بعد انقطاع حقه من الارض إلا أن يتخيل وجوب قبول الاجرة على الشفيع أو بذل القيمة وإن لم يرض، ولكنهما معا كما ترى. ولذا جزم الكركي بأنه وهم وأن بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، وهو كذلك إذ وجوب الابقاء بالاجرة مما لا يحتمله أحد في المقام، ولعله لما ستعرفه من كون صاحب الارض كالمغصوب بعد امتناع المشتري من الازالة، فلا يجبر مع كونه مظلوما ومغصوبا، لانه لم يرض بالابقاء الذي هو غير الابتداء على القبول بالاجرة، كما هو واضح. نعم ما ذكره من الاشكال الثاني في محله وإن كان وجوب الارش هو الذي صرح به الشيخ وابنا زهرة وإدريس والفاضل في جملة من كتبه

[ 370 ]

والشهيدان والكركي على ما حكي عن بعضهم. لكن الانصاف قوة ما في المختلف من عدم وجوب الارش، بل مال إليه في محكي التذكرة، لوجوب الازالة عليه بعد طلبها من الشفيع والضرر هو الذي أدخله على نفسه بفعله في الارض المستحقة الانتزاع منه، بل الظاهر كونه ظالما بابقائه البناء والغرس في أرض الغير وامتناعه من القلع، وكون الابتداء بحق لا يقتضي كون الاستدامة كذلك، إذ لم يحصل من المالك ما يقتضي الاذن فيها، كما في العارية التي تقدم الكلام فيها في محله. وحينئذ فيندرج في قوله (عليه السلام) (1): " لا حق لعرق ظالم " ولذا كان له جبره على القلع، ضرورة كونه المتصرف في مال الغير دون صاحب الارض، فتأمل جيدا فانه ربما دق. على أنه لو كان المالك مستحقا لارشه لاتجه وجوبه له حتى لو قلعه هو مع طلب الشفيع، إذ مع فرض استحقاقه له لا تفاوت فيه بين الامتناع وعدمه، بل لعله في الثاني أولى. ثم إن الارش الذي يجب دفعه على الشفيع، إن كان هو تفاوت ما بين كونه مقلوعا وباقيا ففيه ما عرفت من أنه غير مستحق للبقاء عليه، فلا وجه لدفع عوض عما لا يستحقه. وإن كان المراد به النقص الذي قد يحصل عليه بنفس القلع لا من حيث بقائه ففيه أنه بعد أن كان مستحقا عليه على وجه لو باشره لم يتبع به الشفيع لا معنى لاتباعه به بعد الامتناع، خصوصا إذا كان ذلك بمباشرة الحاكم، فتأمل جيدا. على أن الارش المزبور قد لا يحصل، كما إذا فرض عدم تفاوتها حال قلعها وحال قيامها، لانها قلعت على وجه لم يحصل فيها عيب، وظاهرهم لزوم الارش للقلع.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 371 ]

وإن اريد به تفاوت ما بين كونها مقلوعة فعلا ومستحقة القلع واقفة ففيه أن ذلك متصور في قلع غير المستحق لاحتمال عفو المستحق مثلا، فتزيد قيمتها بذلك حينئذ، أما مع قلع المستحق الذي تفوت معه جيمع احتمالات البقاء الحاصلة من احتمال رضاه فلا وجه لفرض التفاوت فيه، نعم لو فرض أن للمالك الابقاء بأجرة قهرا على الشفيع اتجه حينئذ الارش المزبور، والمفروض عدم ذكر أحد له وجها فضلا عن القول به، فتأمل جيدا. وأما النظر الذي ذكره الفاضل في الثاني مع عدم رضا المشتري بالقيمة فلا ريب في أن الاقوى توقف ذلك على الرضا، وليس له أخذ البناء والغرس بالقيمة قهرا على المالك. ولكن في الايضاح أن جمهور أصحابنا على ذلك، وفي جامع المقاصد نسبته إلى الاكثر وإن كنا لم نتحقق ذلك، نعم في المبسوط " قلنا للشفيع أنت بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن تدع الشفعة، أو تأخذ وتعطيه قيمة الغرس والبناء، أو تجبره على القلع، وعليك قيمة ما نقص " وعن أبي علي " كان الشفيع مخيرا بين أن يعطي قيمة ما أخذ من المشتري وبين أن يترك الشفعة " ولم نجد غيرهما. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه، بل هو مناف لاصول المذهب وقواعده، بل يمكن إرادة الشيخ أن ذلك مع الرضا. وعلى كل حال فحيث تبذل القيمة باتفاقهما أو قهرا على المالك فعلى المختار يقوم غير مستحق للبقاء باجرة، بل مستحق القلع بلا أرش، وتدفع إلى المالك. وعلى غيره ففي القواعد لم يقوم مستحقا للبناء في الارض ولا مقلوعا، لانه إنما يملك قلعه مع الارش، بل إما أن يقوم الارض وفيها الغرس

[ 372 ]

ثم تقوم خالية فالتفاوت قيمة الغرس، فيدفعه الشفيع أو ما نقص منه، أو يقوم الغرس مستحقا للترك بالاجرة أو لاخذه بالقيمة إذا امتنعا من قلعه. ونحوه في الدروس، ولكن قال: " وهذا لا يتم إلا على قول الشيخ بأن الشفيع لا يملك قلعه، وأنه يجاب إلى القيمة لو طلب تملكه، وهو مشكل ". قلت: مضافا إلى أنه لا يقهر على الثاني منهما أيضا، فكل منهما غير مستحق إلا مع الرضا به، فلا وجه لملاحظته في التقويم، بل قد ينقدح من ذلك الاشكال في جعل الثاني من أحد وجوه التخيير، ضرورة عدم انحصار وجوه التراضي فيه. بل قد يشكل الوجه الاول من وجهي التقويم أيضا بأنه قد يكون لضميمة كل من الغرس والارض إلى الآخر باعتبار الهيئة الاجتماعية دخل في زيادة القيمة، وذلك بتمامه لا يستحقه المشتري، فيكف يكون ما عدا قيمة الارض خالية من مجموع القيمتين حقا للمشتري. بل قد يشكل الثاني أيضا بأنه لا يتم على القول بوجوب دفع الارش مع القلع، لانه لا يملك طلب الاجرة على الابقاء، إذ القلع لا يسوغ إلا مع ضمان الارش، فما دام لا يبذله فالابقاء واجب عليه، ولا اجرة له عليه. وفي المسالك " أنه لا يقوم مستحقا للبقاء في الارض مجانا ولا مقلوعا مطلقا، لانه إنما ملك قلعه مع الارش فيقوم كذلك، بأن يقوم قائما غير مستحق للقلع إلا بعد بذل الارش أو باقيا في الارض باجرة إن رضي المالك، فيدفع قيمته كذلك إلى المشتري، وإن اختار القلع فالارش هو ما نقص من قيمته كذلك بعد قلعه " ولعله لا يخلو من شئ مع

[ 373 ]

التأمل فيما ذكرناه من أنه لا استحقاق له في البقاء. ولو دفع الاجرة فلا أرش له من حيث البقاء، نعم قد يحصل فيه نقص بالقلع وقد لا يحصل، كما لو فرض قلعه على وجه لا نقصان فيه فيه عن حال قيامه، وحينئذ فلا أرش محقق بالقلع على القول به، وأما على المختار فلا يحتاج إلى شئ من ذلك. وقد تقدم تحقيق القول في الارش في الغرس في الارض المستعارة (1) وفيما لو جاء السيل بنخلة شخص فغرسها في ملك الغير (2) فلاحظ ما تقدم لنا في الكتب السابقة، والله العالم. وعلى كل حال فلو اختلف الوقت فاختار الشفيع قلعه في وقت أسبق تقصر قيمته عن قلعه في وقت آخر ليخف الارش عليه فله ذلك إذ لا يجب عليه الابقاء إلى أن يجئ الزمان الذي تكثر فيه قيمته، كما هو واضح. ولو غرس المشتري أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع على وجه يكون الغرس والبناء بالاذن المعتبر بأن كان الشفيع لا يعتقد الشفعة له، أو يتوهم كثرة الثمن ثم تبين له الخلاف فأخذ الشفيع بالشفعة فالحكم كما إذا غرس أو بنى بعد القسمة. وأما الثالث وهو النزول عن الشفعة الذي حكي عن المبسوط أنه قال: " لا كلام فيه " وفي جامع المقاصد " لا بحث فيه " وفي المسالك " هو واضح " فقد يشكل بأنه لا دليل على تسلط الشفيع على فسخ شفعته بعد أن أخذ بها. كما هو المفروض في موضوع المسألة. نعم لو كان هذا التخيير قبل الاخذ لكان جواز النزول بمعنى ترك


(1) راجع ج 27 ص 175 - 178. (2) راجع ص 209.

[ 374 ]

الاخذ بالشفعة واضحا لا بعد الاخذ، خصوصا لو رضي المشتري ببذل الغرس والبناء له مجانا وإن كان لا يجب عليه القبول، لما فيه من المنة. ولكن أقصى ذلك أنه يجبره الحاكم على قلعه وعلى دفع الاجرة مدة الامتناع بل وعلى اجرة القلع إن احتاج، والله العالم. (وإذا زاد ما يدخل في الشفعة تبعا كالودي المبتاع مع الارض فيصير نخلة أو الغرس من الشجر يعظم) وكزيادة أغصان الشجر ونحو ذلك مما هو نماء متصل بالعين التي تعلقت الشفعة بها (فالزيادة للشفيع) بلا خلاف أجده فيه كما عن المبسوط، بل قيل: مراده نفيه بين المسلمين بل ولا إشكال، ضرورة تبعية ذلك للعين التي تعلق بها حق الشفعة. نعم في المسالك " الودي بكسر الدال المهملة بعد الواو المفتوحة والياء المشددة أخيرا بوزن " غني " فسيل النخل، وزاد بعضهم قبل أن يغرس، ولكن المراد هنا المغروس ليكون تابعا للارض، أما غير المغروس فلا شبهة في عدم تبعيته للارض في الشفعة ". قلت: هو كذلك إذا كان مطروحا على وجه الارض، أما إذا كان نابتا في أسفل النخلة مثلا ولكن لا يكون نخلة حتى يقلع منها ثم يغرس فدعوى عدم تبعيته للارض في الشفعة محل منع، خصوصا مع فرض كون عنوان الشفعة البستان والحائط، كما في بعض نصوص الجمهور (1) الذي انجبر بعمل الاصحاب. ضرورة دخول ذلك ونحوه فيه، نعم لو تجدد فسيل بعد البيع لم يكن للشريك الشفعة فيه، لعدم دخوله في المبيع. وأما ما يبس من أغصان الشجر أو سعف النخل بعد الابتياع وتعلق حق الشفعة به فلا يبعد بقاؤها فيه حتى لو قطع منها، للاصل،


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 104 و 109.

[ 375 ]

ولانه كالاحجار المنقضة من الدار، وكذا كل ما كان كذلك من الكرب ونحوه. وتوهم كونه من النماء المنفصل فيختص به المشتري يدفعه فرض تعلق حق الشفعة به حال الابتياع ولا دليل على زواله، نعم لو كان كذلك حال الابتياع أمكن منع الشفعة فيه لكونه منقولا أو بحكمه حال الابتياع، فلا يتعلق به حق الشفعة، بل يكون حينئذ من ضم المشفوع إلى غير المشفوع، والله العالم. هذا كله في النماء المتصل على الوجه المزبور. (أما النماء المنفصل) المتخلل بين العقد والشفعة (كسكنى الدار وثمرة) غير النخل بل و (النخل) بعد التأبير (فهو للمشتري) بلا خلاف بل ولا إشكال، ضرورة أنه نماء ملكه وإن كان متزلزلا، على أنه ليس من متعلق البيع الذي ثبت فيه حق الشفعة، فهي حينئذ للمشتري (و) إن بقيت على الشجرة، لانها بحكم المنفصل. نعم (لو حمل النخل) بأن حصل فيه الطلع (بعد الابتياع فأخذ الشفيع قبل التأبير قال الشيخ (رحمه الله)) في محكي المبسوط: فيه قولان: أولاهما أن (الطلع للشفيع لانه بحكم السعف) كما يومئ إليه اندراجه في بيع البستان، ولعله لذا يحكى عن الفاضل في التذكرة أنه قوى الدخول في الشفعة فيما إذا كان الطلع غير مؤبر وقت الشراء ثم أخذه الشفيع قبل التأبير. (و) لكن (الاشبه) باصول المذهب وقواعده (اختصاص هذا الحكم بالبيع) لدليله الذي قد عرفت الحال فيه في محله، فلا يلحق به الشفعة.

[ 376 ]

وأبعد من ذلك ما يحكى عنه أيضا فيه وفي الخلاف من أنه إذا باع النخل منضما إلى الارض وهو مثمر وشرط الثمرة في البيع كان للشفيع أخذ ذلك أجمع لعموم الاخبار، ونحوه ما سمعته من التذكرة في غير المؤبر. وفيه أن الفرض تخصيص عمومها بغير المنقول الذي منه الثمرة وإن بقيت عليه إلى أوان بلوغها، وحينئذ فهو من بيع المشفوع وغير المشفوع الذي قد عرفت أخذ الشفيع له بما يخصه من القيمة، وكذا الحال في كل ما كان نحو الثمرة في الاستعداد للنقل. وعلى كل حال فالمشتري يستحق بقاء الثمرة إلى وقت أخذها مجانا بلا خلاف أجده، وهو إن تم إجماعا كان الحجة، لا ما ذكروه من أن له أمدا ينتظر، وستعرف الكلام في الزرع الذي هو نحو ذلك، والله العالم والهادي. (ولو باع شقصين من دارين) مثلا (فان كان الشفيع واحدا فأخذ منهما أو ترك جاز، وكذا إن أخذ من إحداهما وعفا عن شفعته من) الدار (الاخرى). (وليس كذلك لو عفا عن بعض شفعته من الدار الواحدة) ضرورة وضوح الفرق بينهما وإن كان الداران ملكا لواحد والمشتري واحدا، بأن الشركة في أحد الشقصين سبب غير الشركة في الآخر فلا تكون الشفعة فيهما واحدة بخلاف الدار، فان سبب الشركة فيها واحد كما أشرنا إلى ذلك عند البحث في عدم جواز تبعض الشفعة، فلاحظ، والله العالم. (ولو بان الثمن) الذي دفعه المشتري (مستحقا) للغير (فان كان الشراء بالعين) ولم يجز المالك (فلا شفعة، لتحقق

[ 377 ]

البطلان) بالبيع الذي هو سبب استحقاق الشفعة. (وإن كان) الثمن (في الذمة ثبتت الشفعة، لثبوت الابتياع) وإن فسد الوفاء بلا خلاف أجده في شئ من ذلك ولا إشكال، والله العالم. (ولو دفع الشفيع الثمن) للمشتري (فبان مستحقا) بعد أن كان الشفيع جاهلا به (لم تبطل شفعته على التقديرين) أي كون ثمن المشتري معينا أو مطلقا، ضرورة كون البيع صحيحا وهو سبب الشفعة، إذ المستحق هو ما دفعه الشفيع لا المشتري، أو أن المراد تقديري أخذ الشفيع الشفعة بالثمن المستحق بأن قال مثلا: تملكت الشقص بهذه الدراهم أو المطلق الذي رضى المشتري به في ذمته، فقال: تملكته بعشرة دراهم، ثم دفع المستحق وفاء. ولعله أولى ليوافق ما في غيره من كتب الاصحاب، والامر سهل بعد وضوح الحكم، وهو عدم البطلان، لان المفروض جهله، فلا ينافي ذلك الفورية على كل تقدير، وإنما يجب عليه الفور بعد العلم. نعم في الدروس " إنها تبطل إذا علم الشفيع باستحقاق الثمن إذا جعلناها فورية " ولا بأس به بناء على ما ذكرناه من كون الاخذ بالشفعة لا يكون إلا بعد دفع الثمن، أو أنه جزء المملك. لكن في المسالك " ولو كان عالما ففي بطلانها وجهان مبنيان على أن الملك يحصل بقوله: أخذت أو به وبدفع الثمن، فعلى الاول لا يضر لحصول الملك، وعلى الثاني يحتمل البطلان، لمنافاته الفور، والصحة لان المعتبر فورية الصيغة، والاصل عدم اعتبار غيرها ". ولا يخفى عليك ما في الاخير، ضرورة كون المراد فورية نفس الشفعة لا الصيغة المفروض كونها جزء مملك، ولذا جزم بالبطلان مع ذلك الكركي.

[ 378 ]

ثم قال: " وربما فرق مع العلم بين كون الثمن معينا ومطلقا، لانه مع التعيين يلغو الاخذ فينافي الفورية، بخلاف المطلق، فان الاخذ صحيح، ثم ينفذ الواجب بعد ذلك ". قلت: لا ينبغي التأمل في الصحة مع الاطلاق إذا رضي المشتري بكونه في ذمته ثم دفع المستحق للغير، أما الاطلاق بمعنى أنه قال في مجلس الشفعة: أخذت بعشرة دراهم مثلا ثم دفعها في المجلس فالظاهر البطلان معه أيضا، لفوات الفورية بالمعنى الذي ذكرناه. ثم قال: " والوجهان آتيان في بطلان الاخذ، ويفتقر إلى تمليك جديد أم يصح والثمن دين عليه، والاظهر الثاني مع الاطلاق ". وفيه ما عرفت، والله العالم. (ولو ظهر في المبيع عيب) حال البيع (فأخذ المشتري أرشه) لاختياره ذلك أو لانحصار الحق فيه لاحداثه في المبيع حدثا يمنع الرد (أخذه الشفيع بما بعد الارش) الذي هو كالجزء منه، فالثمن حينئذ هو الباقي بعد الارش فيأخذ به الشفيع. (وإن أمسكه المشتري معيبا ولم يطالب بالارش أخذه الشفيع بالثمن أو ترك) لان الثمن هو ما جرى عليه العقد، كما ذكر ذلك غير واحد، لكنه لا يخلو من نظر تعرفه عند تحقيق المسألة فيما يأتي إنشاء الله تعالى، والله العالم.

[ 379 ]

(مسائل ست:) (الاولى:) قد عرفت فيما سبق أن من الاعذار التي لا تسقط معها الشفعة على القول بفوريتها ما (لو قال) المشتري مثلا: (اشتريت النصف بماءة فترك) الشفيع الاخذ بها (ثم بان أنه اشترى الربع بخمسين) فانه إذا كان كذلك (لم تبطل الشفعة) وإن كان هو متقضى التقسيط الموافق للاخبار المفروض كذبه، لاصالة بقائها بعد عدم دليل على بطلانها بغير الاهمال رغبة عنها بعد معرفة الواقع. (وكذا لو قال: " اشتريت الربع بخمسين " فترك ثم بان أنه اشترى النصف بماءة لم تبطل شفعته، لانه قد لا يكون معه الثمن الزائد وقد لا يرغب في المبيع الناقص) فلم يتحقق الاهمال المزبور الذي هو عنوان سقوطها، فيبقى أصالة بقائها بحاله، كما تقدم تحقيق ذلك كله وبيان الضابط فيه وأصل الحكم بذلك، فلاحظ وتأمل. نعم لو علم أن عدم الاخذ بها لا من حيث كثرة الثمن أو قلة المبيع بل رغبة عنها على كل حال فالظاهر السقوط. ومن هنا يتجه للمشتري اليمين على الشفيع لو ادعاه بذلك. كما يتجه بقاؤها مع الشك في الحال لموت الشفيع مثلا، ضرورة أنه بناء على ما ذكرنا متى قام احتمال العذر لوجود الغرض المعتد به عند

[ 380 ]

العقلاء ويمكن استناد الترك إليه كفى في استصحاب بقائها. ولعل عبارة المصنف وغيره موافقة لذلك وإن كان قد يحتمل القول بأن الشفعة على خلاف الاصل، والمتيقن ثبوتها مع كون الترك لعذر وإلا سقطت، لكن الاول أقوى وأوفق باطلاق الادلة، والله العالم. المسألة (الثانية:) (إذا بلغه البيع فقال: " أخذت بالشفعة " فان كان عالما بالثمن صح) وترتب الاثر عليه وإن قلنا بتوقف الملك على دفع الثمن أو الرضا بالصبر به، إذ المراد بالصحة ما يشمل التأهل لترتب الاثر كصحة الاجزاء. (وإن كان جاهلا لم يصح و) إن علم بعد ذلك ودفع ف‍ (لو قال) حينئذ: (" أخذت بالثمن بالغا ما بلغ " لم يصح مع الجهالة تفصيا من الغرر) كما لو قدم المشتري مثلا على الشراء بالثمن المجهول ورضي به، فان الدخول على تحمل الغرر لا يرفع حكم المترتب عليه من بطلان المعاوضة مع وجوده، والفرض أن الشفعة بمعنى المعاوضة، لانه يأخذ بالثمن الذي بيع به. ومن هنا اشترط علمه به حين الاخذ حذرا من الغرر اللازم على تقدير الجهل، لان الثمن يزيد وينقص، والاغراض تختلف فيه قلة وكثرة. هذا خلاصة ما في المسالك والروضة وجامع المقاصد، بل والمصنف وغيره ممن علل الحكم بالغرر. بل لعله لذلك اشترط أيضا العلم بالمثمن في جامع المقاصد والروضة

[ 381 ]

ومحكي التذكرة وإن كنا لم نجده لغيرهم، نعم ذكر الشيخ وأبو الصلاح والفاضلان والشهيدان والكركي والكاشاني على ما حكي عن بعضهم اشتراط العلم بالثمن. بل قيل: إنه لم يذكر هذا فضلا عن الاول في المقنع والمقنعة والنهاية والوسيلة والغنية والمهذب والمراسم وفقه القرآن والسرائر والنافع والتبصرة، بل في مجمع البرهان لا دليل عليه من عقل ولا نقل إلا أن يكون إجماعا. قلت: هو كذلك بعد عدم ثبوت عموم النهي عن الغرر أولا، وعدم ثبوت كونها معاوضة ينافيها الغرر ثانيا. نعم قد يقال: إن الشفعة على خلاف الاصل والمتيقن من شرعية الاخذ بها إن لم يكن المنساق من نصوصها هو حال العلم بالثمن، مضافا إلى ما عرفت من اعتبار دفعه في التملك بها، ومع عدم العلم به لا طريق إلى دفعه، واحتمال الاجتزاء بدفع ما يعلم فيه الثمن لا يكفي في قطع الاصل المزبور. لكن ذلك كله لا يقتضي اشتراطه على كيفية اشتراطه في البيع بحيث لا يجدي قول: " أخذت بالشفعة " وإن علم به بعد ذلك ودفعه. أللهم إلا أن يدعى ظهور قوله (عليه السلام) (1): " فهو أحق بها من غيره بالثمن " و " ليس له إلا الشراء والبيع الاول " (2) في ذلك. ولكنه واضح المنع، ضرورة أن أقصاه اعتبار دفع الثمن لا العلم به حال الاخذ. وبالجملة فالذي يمكن استفادته من الادلة عدم الشفعة مع فرض


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 382 ]

الجهل به على وجه لا يتحقق أنه أخذ بالثمن وبالشراء الاول لموت البائع والمشتري ولا بينة أو لغير ذلك، وهو الذي تسمعه فيما يأتي من المصنف وغيره من كون الجهل مسقطا للشفعة أما غيره فلا. ولعله لذا ترك اشتراطه من عرفت على وجه يظهر منه عدم اشتراطه ولو بملاحظة ذكره غيره من الشرائط، وأنه في مقام البيان، وقاعدة حجية مفهوم اللقب في عبارات الفقهاء، بل من تعرض لذلك اقتصر أكثرهم على ذكر ذلك في الثمن دون المثمن. ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد ما عرفت من أنها على خلاف الاصل، والله العالم. المسألة (الثالثة:) قد عرفت سابقا أنه (يجب) على الشفيع (تسليم الثمن أولا، فان امتنع الشفيع لم يجب على المشتري التسليم حتى يقبض) لما تقدم سابقا من توقف حصول الملك عليه مع طلب المشتري له، فلا حق حينئذ للشفيع قبله وإن قال: " أخذت بالشفعة ". نعم قد يشكل ذلك بناء على حصول الملك بالقول المزبور بأن الشفعة معاوضة أو كالمعاوضة يعتبر فيها التقابض لا تقديم الثمن أولا وإن قيل: إن ذلك لجبر وهنه بالاخذ منه قهرا، بخلاف البيع المبني على التراضي من الجانبين، فلم يكن أحد المتعاوضين أولى من الآخر بالبدءة فيتقابضان معا مع أنه قد قيل بوجوب تسليم البائع أولا فيكون هنا أولى. إلا أن ذلك كله كما ترى لا يوافق اصول الامامية، بل مقتضى القول

[ 383 ]

المزبور تسليم المشتري الشقص أولا، ضرورة كونه الذي هو بمنزلة البائع للشفيع، أللهم إلا أن يريد بذلك أصل الابتداء من أحدهما لا التقابض والله العالم. المسألة (الرابعة:) (لو بلغه أن المشتري إثنان فترك) الشفعة لذلك (فبان واحدا أو واحد) كذلك (فبان إثنين أو بلغه أنه اشترى لنفسه فبان لغيره أو بالعكس لم تبطل الشفعة ل‍) ما عرفت من (اختلاف الغرض في ذلك) عند العقلاء، وقد عرفت الضابط وغيره مما يتعلق بذلك. وما أدري ما الذي دعا المصنف إلى عدم نظم هذه الامثلة كما صنع الفاضل في القواعد ؟ مع أن كتابه مبني على التهذيب، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (إذا كانت الارض مشغولة بزرع) على وجه شرعي (يجب) على الشفيع (تبقيته) إلى أوانه مجانا كما في القواعد والتذكرة والتحرير والدروس. قيل: لانه تصرف بحق، إذ المفروض أنه تصرف بعد القسمة الشرعية أو بالاذن مع الاشاعة وله أمد ينتظر، فتكون مدته كالمنفعة المستوفاة للمشتري ولا كذلك الغرس والبناء، فانه لا أمد لهما ينتظر فيه القلع. ولكنه كما ترى لا يرجع إلى دليل معتد به شرعا، خصوصا إذا كان

[ 384 ]

الزرع بعد القسمة على الوجه الشرعي فأخذ الشفيع بالشفعة، فانه لم يكن إذن من الشفيع بالزرع حتى يكون كالعارية التي قد عرفت البحث فيها سابقا. ودعوى كونه حينئذ كالمشتري للارض ذات الزرع يدفعها - بعد التسليم - إمكان منع الحكم في المشبه به إذا لم يكن عرف يقتضي ذلك على وجه يكون كالشرط المضمر. على أن مقتضى ما ذكروه من الامد عدم تسلط الشفيع على فسخ الاجارة لو وقعت من المشتري، لان لها أوانا ينتظر. ولعله لذا قال في جامع المقاصد " لو آجر المشتري إلى مدة فأخذ الشفيع فهل له فسخ الاجارة من دون ترجيح " ولكن لا يخفى عليك ما فيه خصوصا مع فرض طول مدة الاجارة. وبالجملة فهذه اعتبارات لا توافق اصول الامامية، ومن هنا كان المحكي عن جامع الشرائع أنه يجبر المشتري على القلع بعد ضمان الارش كالغرس. قلت: بل المتجه بناء على ما ذكرنا عدم الارش وإن كان لم نجد القائل به، والله العالم. وعلى كل حال (ف‍) في الارشاد وكذا الدروس ومحكي المبسوط وشرح الارشاد للفخر أن (الشفيع بالخيار بين الاخذ بالشفعة في الحال وبين الصبر حتى يحصد، لان له في ذلك غرضا، وهو الانتفاع بالمال و) الفرض (تعذر الانتفاع بالارض المشغولة) فلا يجب عليه بذل الثمن الموجب للانتفاع به من غير مقابل، فيجوز له حينئذ تأخير الاخذ، لان تعجيله ملزوم لتعجيل الثمن. وفي المختلف والايضاح وجامع المقاصد ومحكي التذكرة وظاهر التحرير

[ 385 ]

لا يجوز له التأخير، وفي المسالك لا يخلو من قوة، لان الشفعة على الفور ومثل ذلك لا يثبت عذرا، كما لو بيعت الارض في غير وقت الانتفاع، فانه لا يجوز تأخير الاخذ إلى وقته إجماعا. ولعله لذلك قال المصنف وكذا الفاضل في القواعد: (وفي جواز التأخير مع بقاء الشفعة تردد). ولكن لا يخفى عليك قوة الاول، لان الشفعة وإن كانت على خلاف الاصل إلا أنه بعد تعلقها يكون مقتضى الاصل بقاؤها بعد عدم دليل على الفورية على وجه ينافي ذلك، خصوصا بعد ما سمعت ما ذكروه من الاعذار التي لا تنطبق إلا على إرادة سقوطها مع إهمالها رغبة عنها لا مع الغرض المعتد به عند العقلاء. وكذا الكلام في ذي الثمرة التي يجب بقاؤها أيضا إلى قطافها، أللهم إلا أن يقال: إن الثمر لا يمنع الانتفاع بالمأخوذ هنا فلا عذر، والله العالم. المسألة (السادسة:) قد عرفت فيما تقدم أيضا أنه (إذا سأل البائع الشفيع الاقالة) أو بالعكس (فأقاله لم يصح، لانها إنما تصح بين المتعاقدين) وهما البائع والمشتري دون الشفيع الذي يأخذ من المشتري، كما هو واضح، والله العالم.

[ 386 ]

* المقصد الرابع * (في لواحق الاخذ بالشفعة) (وفيه مسائل:) (الاولى:) (إذا اشترى) المشتري ما فيه الشفعة (بثمن مؤجل قال) الشيخ (في المبسوط) والخلاف وأبو علي والطبرسي فيما حكي عنهما: (للشفيع أخذه بالثمن عاجلا وله التأخير وأخذه بالثمن في محله) وهو المحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد، لاختلاف الذمم في ذلك، فيجب إما التعجيل وإما الصبر إلى وقت الحلول، ولا ينافي ذلك الفورية بعد أن كان التأخير لغرض معتد به عند العقلاء وليس هو للرغبة عن الشفعة. (و) لكن قال الشيخ (في النهاية: يأخذه) أي الشفيع الشقص من المشتري (عاجلا ويكون الثمن عليه) إلى وقته حتى لو مات المشتري وحل ما عليه وإن احتمل حلوله على الشفيع حينئذ، لكنه واضح الضعف لما ستعرف. (و) وإنما (يلزم كفيلا بالمال إن) أراده المشتري و (لم يكن) هو وفيا (مليا).

[ 387 ]

(وهو أشبه) عند المصنف وكافة من تأخر عنه، بل هو المحكي أيضا عن المقنعة والمهذب والغنية والسرائر، بل في الخلاف نسبته إلى قوم من أصحابنا مشعرا بوجود القائل فيه غير المفيد ممن تقدم، وأنه قوي، لان حق الشفعة على الفور، فترك الطلب إلى الاجل مناف له، واداء الثمن في الحال زيادة صفة في الثمن لا يلزم بها الشفيع. فالقول الاول حينئذ يستلزم أحد محذورين، إما إسقاط الشفعة على تقدير ثبوتها أو إلزام المشتري بزيادة لا موجب لها، وكلاهما باطلان. بيان الملازمة أنه لو جوزنا له التأخير لزم الامر الاول، والمفروض أنها على الفور على ما اعترف به الخصم، وإن لم نجوز له التأخير ألزمناه بزيادة صفة، وهي تعجيل الثمن من غير موجب. بل ظاهر قوله (عليه السلام) (1): " هو أحق بها من غيره بالثمن " إرادة المماثلة بعد معلومية عدم إرادة نفس الشخص، ولا تتحقق إلا بالمساواة في الاجل، وعدم تساوي الذمم الذي ذكره الخصم لا يقتضي ما عرفت من التخيير، لامكان التخلص بالكفيل الوفي الملي مع فرض عدم كون الشفيع كذلك، فتبقى الشفعة حينئذ على الفور بعد سقوط العذر بما عرفت. هذا ولكن في الرياض المناقشة بأن الخبر المزبور لم يدل إلا على عدم وجوب تعجيل الثمن على الشفيع، وهو لا يستلزم وجوب الاخذ بالشفعة حالا إلا على تقدير اعتبار الفورية، والمفروض عدمه، فالمتجه على هذا التخيير بين الامرين اللذين ذكرهما في المبسوط والخلاف وبين ما ذكره الاصحاب، وهو في غاية القوة إن لم يكن إحداث قول ثالث في المسألة. قلت: لكن فيه أنه لا وجه حينئذ لجواز التأخير بعد فرض مشروعية


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 388 ]

الشفعة بالآجل، ضرورة إمكان الفور بالشفعة بلا ضرر على الشفيع. ولا وقع لقوله: " والمفروض عدمه " ضرورة أن الاشكال على القول بالفورية، لا على التراخي الذي يمكن معه تأخير الشفعة إلى وقت الحلول، وما سمعته من الدليل مبني على الفور، والشيخ (رحمه الله) جعل التأخير للعذر الذي لا ينافي الفورية الذي هو قد اعترف به. نعم على التراخي يتجه البحث أيضا في أن له الشفعة معجلة مع بقاء الثمن في ذمته إلى الاجل أولا، بل يؤخرها إلى الاجل، لان الذمم غير متساوية. وبالجملة ما ذكره في غاية السقوط على القول بالفورية. كما أنه قد يناقش المشهور بمنافاته لما سمعته منهم من وجوب دفع الثمن أولا، لتوقف استحقاق الشفعة عليه، أو لانه جزء مملك أو شرط كاشف، أو لان ذلك حكم تعبدي للشفعة وإن لم يتوقف عليه الملك. واحتمال اختصاص ذلك بغير المؤجل مجرد تهجس لا يساعد عليه شئ من الادلة التي هي - مضافا إلى إطلاق أدلة الشفعة - قوله (عليه السلام) (1): " هو أحق بها من غيره بالثمن " وما في المكاتبة (2) من أنه " ليس للشفيع إلا الشراء والبيع الاول " وخبر علي بن مهزيار (3) المشتمل على بطلان الشفعة بالتأخير عن الثلاثة أيام في المصر، وفي غيره بعد مضي مقدار الذهاب والاياب إليه كما عرفته سابقا، وليس في شئ منها تعرض للثمن المؤجل. على أن مقتضى ذلك اختلاف كيفية التملك بالشفعة في المؤجل وغيره والنصوص كادت تكون صريحة في اتحاد كيفيتها.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 389 ]

وأيضا لو كان المراد من الثمن في النصوص المزبورة ما يشمل المؤجل لكان المتجه اعتبار جميع ما يذكر شرطا فيه بين المشتري والبائع من المكان والرهن والكفيل وغير ذلك، إذ لا فرق بين اشتراط الزمان لادائه واشتراط غيره من المكان ونحوه مما يرجع إليه، ولا أظن أحدا يلتزمه. وأيضا إذا فرض شمول النصوص المزبورة للمؤجل على أجله فلا وجه للمطالبة بالكفيل بعد عدم ثبوت الحق، ودعوى اختلاف الذمم في ذلك لا ترجع إلى دليل معتبر يوافق اصول الامامية بحيث يقطع به إطلاق الادلة ويسقط الحق الثابت منها مع فرض تعذر الكفيل عليه، خصوصا مع العلم بحال الشفيع، وإنما يناسب هذه الاعتبارات مذاق العامة القائلين بذلك، كأحمد ومالك والشافعي في القديم. وأيضا يتجه عليه أنه لا يجب على المشتري قبوله فضلا عن البائع لو بذله الشفيع حالا، لتعذر الكفيل عليه مثلا كما لا يجب على البائع قبوله من المشتري كذلك، إذ الاجل حق لهما، ويمكن أن يكون للمشتري غرض بالتأخير، وظاهر المفيد بل صريحه في المقنعة التزامه ذلك. ولكن لا يخفى ظهور كلامهم في غيره، واستشكله في الرياض بناء على مذهب المشهور ثم قال: " ولا يبعد اللزوم عليه التفاتا إلى أن الحكم بالتأجيل في حق الشفيع إنما هو مراعاة لحقه واستخلاص له عن لزوم التعجيل به، فإذا أسقط حقه وتبرع بالتعجيل فلا موجب للمشتري عن عدم قبوله مع دلالة الاطلاقات على لزومه ". قلت: مع فرض دلالة الاطلاق على ذلك لم يكن وجه لجواز شفعته مؤجلا، ضرورة أن مبنى ذلك كما عرفت دعوى ظهور قوله عليه السلام): " بالثمن " في المماثلة حتى بالتأجيل، وحينئذ يكون الاجل بالنسبة إليه

[ 390 ]

كالاجل بالنسبة للمشتري، وإن كان الاقوى ما عرفت من ظهور الادلة في اعتبار الحلول في الثمن في مشروعية الشفعة عندنا. وإنما كلامنا على المشهور الذي مقتضاه أن للمشتري عدم القبول وإن بذله الشفيع وإلزامه بالكفيل. وفيه ما عرفت، مضافا إلى منافاته للارفاق بالشفيع الذي ثبتت له الشفعة مراعاة للضرر عليه، ولا ريب في حصول كمال الضرر عليه بالزامه بالكفيل وعدم قبول الثمن حالا منه على وجه تسقط شفعته إن لم يتيسر له ذلك. وأيضا قد عرفت أن الشفعة على خلاف الاصل، والمتيقن من ترتب الاثر على الاخذ بها مع دفع الثمن فعلا، بل إن لم يكن إجماع على كفاية الصبر من المشتري في ثبوته في ذمة الشفيع أمكن المناقشة في ثبوتها فيها على وجه يكون دينا له على الشفيع ويملكه بالايجاب من الشفيع خاصة. وعلى كل حال فقد ظهر لك من ذلك كله أن المتجه حينئذ اعتبار الحلول عليه متى أخذ بالشفعة ليتم ملكه للشقص، ولظاهر قوله (عليه السلام) (1): " أحق بالثمن " والمراد منه من حيث المقدار، وخبر ابن مهزيار (2) وغير ذلك مما أشرنا إليه. نعم هل يكون التأجيل للمشتري عذرا للشفيع لو أراد التأخير بشفعته من حيث الزيادة له بناء على الفورية ؟ وجهان لا يخلو أولهما من قوة بناء على ما تكرر منا غير مرة من أن مقتضى إطلاق الادلة ثبوت حق الشفعة على الدوام، والضرر على المشتري بذلك هو الذي أدخله على نفسه بشرائه ما فيه الشفعة غير ملاحظ لما يسقطها، ولكن للاجماع


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 391 ]

المحكي أو غيره قلنا بسقوطها مع الاهمال رغبة عنها من حيث كونها كذلك لا لغرض معتد به عند العقلاء، وبعد تسليم عدم كون ذلك عذرا مجوزا للتأخير لا مدخل له فيما ذكرناه من أن الشفعة على الحلول مطلقا. وحينئذ فكلام الشيخ (رحمه الله) قد تضمن أمرين لا مدخلية لاحدهما في الآخر، والله العالم. المسألة (الثانية:) (قال المفيد والمرتضى (رحمهما الله)) وأبو علي والشيخ في بيع الخلاف وابن إدريس ويحيى بن سعيد والآبي والفاضل والشهيدان والكركي والمقداد وابن فهد والصيمري وغيرهم على ما حكي عن بعضهم: إن (الشفعة تورث) ولو للامام (عليه السلام) سواء طالب المورث أو لا إذا لم يكن ذلك إسقاطا، بل ظاهر المرتضى وعن صريح السرائر الاجماع عليه، لعموم الادلة كتابا (1) وسنة (2) سيما المرسل (3) في المسالك وغيرها عنه (صلى الله عليه وآله) " ما ترك الميت من حق فهو لوارثه " المندرج فيه حق الخيار بلا خلاف. بل قيل: إنه متفق عليه،


(1) سورة النساء: 4 - الاية 7. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 وغيرهما - من أبواب موجبات الارث من كتاب المواريث. (3) لم نعثر على مصدر لهذا المرسل في كتاب الاخبار الخاصة والعامة، وانما اشتهر على ألسنة الفقهاء وذكر في المجامع الفقهية: والموجود (من مات وترك مالا فلورثته) أو (فللوارث) كما في الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ولاء ضمان الجريرة والامامة - لحديث 4 و 14. ومسند احمد ج 2 ص 290 و 453 و 456 وج 3 ص 296 و 371 وج 4 ص 131.

[ 392 ]

وكذلك حق القذف وغيره مما هو كالشفعة، وتجدد ملك الوارث لا ينافي أخذ ما استحقه مورثه. (و) لكن مع ذلك (قال الشيخ) في النهاية ومحكي الخلاف هنا والمهذب والوسيلة والطبرسي: (لا تورث) بل عن المبسوط نسبته إلى الاكثر (تعويلا على رواية) محمد بن يحيى عن (طلحة بن زيد) (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنه قال: " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم، وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا يشفع في الحدود، وقال: لا تورث الشفعة ". (و) لكن (هو) أي طلحة بن زيد (بترى) بل قيل: إن محمد بن يحيى غير معروف وإن كان فيه أن الظاهر كونه الخزاز، بل قيل: إن الظاهر عد حديث طلحة من القوي أو الموثق لان كتابه معتمد وداخل تحت إجماع العدة وأن صفوان يروي عنه، إلا أن ذلك غير مجد بعد إعراض من عرفت عنه وتحقق خلاف الاكثرية المحكية. (و) من هنا كان (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها عدم الخروج بمثله عن العمومات، خصوصا بعد رجوع الشيخ في الخلاف إلى الاول في كتاب البيع المتأخر عن الشفعة، ومعلومية كون النهاية متون أخبار ورواية الصدوق له أعم من عمله به، كما لا يخفى على من لاحظ كتابه. فينحصر الخلاف حينئذ في نادر، وخصوصا بعد إضماره وموافقته للمحكي عن الثوري وأبي حنيفة وأحمد، ولذا قال المصنف: (تمسكا بعموم الآية).


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 393 ]

فمن الغريب بعد ذلك كله ميل المقدس الاردبيلي إلى العمل أو قوله به، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (وهي) أي الشفعة بناء على أنها (تورث كالمال) تقسط على النصيب لا الرؤوس (فلو ترك زوجة) مثلا (وولدا فللزوجة الثمن وللولد الباقي) بلا خلاف أجده فيه بيننا وإن توهم ذلك من عبارة المبسوط، قال: " فمن أثبت الميراث في الشفعة ورثه على فرائض الله، فان خلف زوجة وابنا كان لها الثمن والباقي لابنه، وعلى هذا أبدا عند من قسمه على الانصباء، ومن قسمه على الرؤوس جعله بينهما نصفين " والظاهر أنه أراد العامة. قال في محكي التذكرة: " اختلفت الشافعية، فقال بعضهم: إن الشافعي قال: إنها على عدد الرؤوس، ونقله المزني عنه، وقال بعضهم: هذا لا يحفظ عن الشافعي، فان الجماعة إذا ورثوا أخذوا الشفعة بحسب فروضهم قولا واحدا، لانهم يرثون بالشفعة عن الميت، لا أنهم يأخذونها بالملك ". لكن في المختلف بعد أن ذكر ما في المبسوط قال: " إن كلامه الاخير يصير المسألة خلافية ". وعلى كل حال فلا خلاف محقق ولا إشكال، ضرورة أنه مقتضى ثبوتها بالارث القسمة على النصيب كغيرها من الموروث، وليس ثبوتها

[ 394 ]

بالشركة، ولذا أثبتها من لم يقل بالشفعة مع الكثرة كما أومأ إليه في الدروس وغيرها. قال: " ليس هذا مبنيا على الكثرة، لان مصدرها واحد، فتقسم على السهام - ثم قال -: ولك أن تقول هل الوارث يأخذ بسبب أنه شريك أم يأخذ للمورث ثم يخلفه فيه ؟ فعلى الاول يتجه القول بالرؤوس وعلى الثاني لا ". ومن الغريب بعد ذلك كله ما في الرياض من دعوى " أن الحجة على ذلك غير واضحة عدا ما استدلوا به لاثبات أصل المسألة من عمومات الارث، وهو حسن إن بلغ درجة الحجة كما ظنوه، وإلا - كما ذكره بعض الاجلة، ولعله لا يخلو من قوة - ففيه مناقشة، والاصل يقتضي التسوية، لكن المخالف لهم غير معروف وإن ذكروه قولا، والظاهر أنه من العامة كما يستفاد من جماعة ". وفيه أنه مع فرض عدم تناول أدلة الارث لذلك لا شفعة أصلا للوارث الذي تجدد ملكه بعد حصول البيع وإن كانت ثابتة للمورث، لكن الفرض عدم تناول أدلة الارث لذلك، فليس حينئذ إلا الشركة المتجددة وهي لا تقتضي الشفعة، كما هو واضح. ثم إن ذكر الزوجة في المتن وغيره لبيان أنها لا تحرم من الشفعة وإن حرمت من بعض الاشياء بل قد يقال: إنه لبيان أنها ترث الشفعة في العقار وإن لم تكن ترث من الشقص الذي استحق به المورث الشفعة، فهي تشارك الورثة في الشفعة دون الشقص الذي انتقل إليه من المورث، فان استحقاقهم الشفعة ليس للشركة، ضرورة تجدد ملكهم، بل هو للارث المشترك بينهم وبينها في سببه المستفاد من الكتاب (1) والسنة (2).


(1) سورة النساء: 4 - الاية 7. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 وغيرهما - من أبواب الارث من كتاب المواريث.

[ 395 ]

اللهم إلا أن يقال: إنها تمنع من الارث للعقار وللحق المتعلق به المقتضي لانتقاله أيضا، خصوصا مع ملاحظة ما ورد (1) من حكمة منعها من الارث منه مؤيدا بأن إرث الشفعة إنما يكون بارث سببه، والفرض عدم إرثها في الشقص الذي هو سببها. إلا أن الجميع كما ترى. وعليه قد يتصور إرثها للشفعة بالشركة في الشرب، فانها ترث منه ويتبعه إرثها للشفعة حينئذ. وبالجملة فالمراد أنها حيث ترث الشفعة يكون لها الثمن في المشفوع والباقي للولد إذا لم يكن غيرها، لا أنه يكون بينهما بالنصف كالشريكين على القول بثبوتها مع تعدد الشركاء، كما عرفت الكلام فيه مفصلا. واحتمال القول به هنا كذلك أيضا لبعض النصوص السابقة يدفعه عدم الجابر له في المقام لما عرفت، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو عفا أحد الوراث عن نصيبه لم تسقط) الشفعة وإن قلنا بالسقوط لو وقع ذلك عن المورث الذي لا شريك له فيها، بناء على منافاة مثله للفورية، والفرض عدم صحة التبعيض منه، بخلاف الفرض الذي قد اشترك فيه جميع الورثة، فلا يسقط الحق بعفو البعض نعم لو فرض أن الوارث واحد وعفا عن البعض سقطت بناء على السقوط بمثله في المورث. (و) على كل حال فإذا عفا البعض (كان لمن لم يعف أن يأخذ الجميع) لان عفوه إنما يسقط استحقاقه نفسه الاخذ لا الشفعة عن مقدار حقه، لما عرفت من عدم تبعض الشفعة، والفرض أن مصدرها هنا واحد، فليست إلا شفعة واحدة وإن تكثر المستحق لها على وجه توزع عليهم على قدر النصيب لو أخذوا بها.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ميراث الازواج - من كتاب المواريث.

[ 396 ]

وبذلك ظهر لك الفرق بين المقام وبين العفو من أحد الشركاء بناء على ثبوتها مع الكثرة، لانها باعتبار تعدد مستحقيها أصالة كانت بمنزلة تعدد الشفعات، فيمكن القول بصحة عفو البعض بالنسبة إلى نصيبه خاصة، ولا تبعيض في الشفعة كما سمعته من أبي علي سابقا، بل سمعت ما يقتضي قوته. لكن عن التذكرة هنا " الوجه أن حق العافي للمشتري، لانهما لو عفوا معا لكان الشقص له فكذا إذا عفا أحدهما يكون نصيبه له بخلاف حد القذف فانه وضع للزجر فلله تعالى فيه حق " بل قد سمعت سابقا ما في الانتصار أيضا، بل تأمل في ذلك أيضا المقدس الاردبيلي هنا. وهو وإن كان مؤيدا لما ذكرناه سابقا على القول بالكثرة إلا إن الانصاف إمكان الفرق بين المقامين بما عرفت. وكيف كان فقول المصنف (وفيه تردد ضعيف) محتمل لارادة بيان احتمال سقوط أصل الشفعة بعفو البعض كالمورث ولارادة بيان صحة عفو العافي في نصيبه فيأخذ غيره من شركائه ما عداه، وقد عرفت وجه ضعفه على كلا التقديرين. نعم لو عفا أحد الوراث وطالب الآخر فمات المطالب وورثه العافي فله الاخذ بالشفعة، لاستحقاق المطالب الجميع بعد عفو العافي، فبموته ينتقل استحقاقه إلى وارثه الذي هو العافي، ولا يضر عفوه السابق لان هذا حق آخر بسبب آخر غير الاول فما في القواعد والمحكي من حواشيها للشهيد من الاشكال في ذلك في غير محله. ولو مات مفلس وله شقص فباع شريكه كان لوارثه الشفعة، بناء

[ 397 ]

على المختار من انتقال التركة للوارث وإن استغرقها الدين، أما على القول ببقائها على حكم مال الميت ففي ثبوت الشفعة إشكال، وعلى تقديره ففي الاخذ بها له إشكال. ولو بيع بعض ملك الميت في الدين لم يكن لوارثه المطالبة بالشفعة بناء على أن التركة ملك له، بل وعلى القول بأنها على حكم مال الميت وأنه لا يملك شيئا منها إلا بعد قضاء الدين، ضرورة تجدد ملكه حينئذ بعد البيع، فلا يستحق شفعة، نعم لو قلنا بأنه يملك الزائد عن قدر الدين اتجه احتمال ثبوتها له، لانه شريك حينئذ. وكذا الكلام فيما لو كان الوارث شريكا للمورث فبيع نصيب المورث في الدين. ولو اشترى شقصا مشفوعا وأوصى به ثم مات فللشفيع أخذه بالشفعة لسبق حقه، ويدفع الثمن إلى الورثة، وبطلت الوصية التي هي ليست أولى من الوقف، لتعلقها بالعين لا البدل. ولو أوصى لانسان بشقص فباع الشريك بعد الموت قبل القبول استحق الشفعة الوارث بناء على أن القبول ناقل، لانه المالك حينئذ دون الموصى له، نعم بناء على أن القبول كاشف عن ملكه بالموت تكون الشفعة له إذا قبل وشفع فورا، ولا يستحقها قبل القبول، لعدم العلم بكونه مالكا قبله وحينئذ يتجه كونه عذرا له. لكن في الدروس " هل يكون ذلك عذرا له ؟ الاقرب لا " وفيه ما عرفت. بل في القواعد " ولا يستحق الوارث أي المطالبة لانا لا نعلم أن الملك له قبل الرد - ثم قال - ويحتمل مطالبة الوارث، لان الاصل عدم القبول وبقاء الحق ".

[ 398 ]

وفيه أنه - مع اعتبار الرد في تملكه أيضا مقتضى - الاصل عدمه، فهو حينئذ مملوك لمالك في الواقع غير معين، وعدم القبول الذي يدعى أصالة عدمه مرجعه إلى أمر وجودي، وهو إنشاء عدم إرادته لا السكوت فإذا مات انتقل إلى وارثه، وهكذا تملك كل منهما في الحقيقة متوقف على أمر وجودي مقتضى الاصل عدمه لان الموت صالح لتمليك الموصى له ولتمليك الوارث لمكان الوصية المستعقبة للقبول والرد، فليس هناك حق لاحدهما يستصحب بقاؤه. وعلى تقدير استحقاقه المطالبة لو طالب ثم قبل الموصى له افتقر إلى الطلب ثانيا، لظهور عدم استحقاق المطالب، ولو لم يطالب الوارث حتى قبل الموصى له فلا شفعة للموصى له، بناء على النقل، وفي الوارث وجهان مبنيان على ثبوتها لمن باع قبل العلم ببيع شريكه وعدمه أقواهما الثبوت، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (إذا باع الشفيع نصيبه بعد العلم بالشفعة) على وجه لا ينافي الفورية (قال الشيخ) والقاضي وابن حمزة ويحيى بن سعيد والفاضل والشهيد والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم: (سقطت شفعته) بل لا خلاف فيه محقق كما ستعرف، لان البيع بعد العلم يؤذن بالاعراض عنها، كما إذا بارك أو ضمن الدرك و (لان الاستحقاق) لها (بسبب النصيب) مع البيع، للضرر المنفي حال البيع، وقد زال بزوال أحد جزئيه، فيزول المسبب، ولا يكفي وجوده حال الشراء، لظهور

[ 399 ]

قوله (عليه السلام) (1): " لا شفعة إلا لشريك غير مقاسم " في اعتبار حصولها حال الشفعة وإلا لثبت لغير شريك مؤيدا بما سمعته من كون العلة في ثبوتها الضرر الممتنع مع البيع. ولكن قد يناقش بمنع الايذان المزبور، ضرورة أعمية البيع منه، وبأن المسلم من جزئية الشركة للسبب حصولها حال البيع، لا بقاؤها إلى حال الاخذ، فان النصوص إنما هي في بيان موضوع استحقاق الشفعة لا أخذها. ودعوى ظهورها في اعتبار بقاء وصف الشريك الغير المقاسم حال الاخذ واضحة المنع، بل صريح كلامهم في استحقاق الشفعة للشريك وإن حصلت القسمة الشرعية مع الوكيل أو غيره. والضرر إنما هو حكمة لا علة، والظهور من الخبر المزبور قد عرفت أنه حين تعلقها للعين الاخذ بها، وليس ذلك إثباتا لها لغير شريك بل هو استدامة لثبوتها حال الشركة، هذا كله مع العلم. (أما لو باع قبل العلم) فعن الشيخ ويحيى بن سعيد وظاهر ابن حمزة (لم تسقط، لان الاستحقاق سابق على البيع) وفي القواعد ففي البطلان إشكال ينشأ من زوال السبب ومن ثبوته قبل البيع، قيل ونحوها ما في التحرير والحواشي والدروس من عدم الترجيح مع الميل في الاخير إلى البطلان الذي هو خيرة الارشاد والمختلف وجامع المقاصد ومجمع البرهان، وفي المسالك لا يخلو من قوة. لكن لا يخفى عليك ما في التعليل المزبور المقتضي للصحة أيضا في الصورة السابقة، فمن الغريب الاشكال هنا من جهته مع الجزم بالسقوط في الاول فضلا عن الجزم بعدم السقوط هنا، ولعله لذا جزم من عرفت


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشفعة - الحديث 2.

[ 400 ]

بالبطلان كالاولى، إلا أنه قد عرفت الاشكال في ذلك. وأما المتن فالموجود عندنا في نسختين وحكي أيضا عن ثلاث نسخ مصححة محشاة (ولو قيل ليس له الاخذ في الصورتين كان حسنا) بل في الدروس حكاية البطلان عنه أيضا، وحينئذ يكون من القائلين بالسقوط فيهما. لكن في المسالك " أن الذي اختاره المصنف عدم البطلان مطلقا، لان الاستحقاق ثبت بالشراء سابقا على بيعه، فيستصحب لاصالة عدم السقوط، ولقيام السبب المقتضي له وهو الشراء، فيجب أن يحصل المسبب ". ولعله عثر على نسخة خالية عن لفظ " ليس " ومن هنا جعل الاقوال في المسألة ثلاثة: السقوط مطلقا، وعدمه كذلك، والتفصيل بين حالى العلم والجهل، وحينئذ يكون موافقا لما ذكرناه من أن الاقوى عدم السقوط مطلقا، مع أنه لا وحشة من الانفراد مع الحق، كما لا انس بالكثرة مع الباطل. وعلى كل حال فلا إشكال في أن للمشتري الاول الشفعة على الثاني إذا لم يشفع الشفيع بنصيبه بناء على ثبوت الشفعة له، ضرورة كونه حينئذ شريكا قديما، وقد حدث عليه ملك المشتري الثاني بل وإن شفع في أقوى الوجهين كما قدمنا ذلك سابقا، والله العالم. ومنه يعلم الوجه في قول المصنف: (تفريع على قوله) أي الشيخ (رحمه الله) (لو باع الشريك وشرط الخيار للمشتري ثم باع الشفيع نصيبه قال الشيخ: الشفعة للمشتري الاول، فان (لان خ ل) الانتقال تحقق (يتحقق خ ل) بالعقد) وحينئذ يكون شريكا قديما قد حدث عليه ملك المشتري الثاني، فيأخذ الشفيع منه حيث لا تسقط شفعته

[ 401 ]

ببيع نصيبه أو قلنا بعدم السقوط مطلقا، ويأخذ هو من المشتري الثاني. (ولو كان الخيار للبائع أو لهما فالشفعة للبائع الاول) عند الشيخ (رحمه الله) (بناء) منه (على أن الانتقال لا يحصل إلا بانقضاء الخيار) فالبائع حينئذ هو الشريك. وعلى ما يحكى عنه في الخلاف من أن الخيار إذا كان للمشتري وحده ينتقل الملك عن البائع ولا يثبت للمشتري يتجه عدم الشفعة لكل منهما وإن كان هو في غاية الضعف، بل قد عرفت أن الاصح انتقال المبيع إلى المشتري مطلقا، فالشفعة حينئذ له كذلك على الوجه الذي ذكرناه، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (لو باع شقصا في مرض الموت من وارث) أو غيره (وحابى فيه) بأن باعه بنصف قيمته مثلا (فان خرجت) المحاباة) من الثلث صح) بلا خلاف ولا إشكال (وكان للشريك أخذه بالشفعة) بما وقع عليه العقد من الثمن، لاطلاق الادلة (وإن لم يخرج) منه بأن لم يكن له ما عداه مثلا ولم نقل بخروج المنجز من الاصل، كما هو الاصح (صح) البيع (منه) في‍ (ما قابل الثمن وما يحتمله الثلث من المحاباة) لا غيرهما (إن لم تجز الورثة) ويأخذ الشفيع حينئذ ذلك بكل الثمن. فلو فرض مثلا كون قيمة الشقص مائتين فحابى وباعه بماءة وليس له سواه صح البيع في خمسة أسداسه التي هي النصف والثلث، وبطل في السدس الذي لم يقابله ثمن، فيأخذ الشفيع إن شاء خمسة أسداسه بكل

[ 402 ]

الثمن، لان الاصل لزوم البيع من الجانبين، خرج منه ما زاد عن الثلث مما لا عوض عنه، فيبقى الباقي، ولان ذلك بمنزلة بيع وهبة، فالبيع منه ما قابل الثمن والهبة ما زاد فتنفذ في الثلث منه وتبطل في الباقي. نعم لا يتم ذلك في الربوي كما إذا كان جميع تركته كرا من طعام قيمته ستة دنانير فباعه بكر ردي قيمته ثلاثة فان الحكم بصحة ما قابل الثمن منه والثلث والبطلان في السدس يستلزم الربا، ضرورة كونه حينئذ خمسة أسداس كر بكر. ومن هنا روعيت المطابقة بين العوضين في المقدار مع إيصال قدر العوض والثلث إلى المشتري، فيرد على الورثة ثلث كرهم وقيمته ديناران ويردون عليه ثلث كره وقيمته دينار، فيصح البيع في ثلثي كل واحد منهما بثلثي الآخر. لكن الفاضل في أكثر كتبه والكركي وثاني الشهيدين قالوا بمثل ذلك في غير الربوي أيضا، لان فسخ البيع في بعض المبيع يقتضي فسخه في قدره من الثمن، لوجوب مقابلة أجزاء المبيع بأجزاء الثمن فكما لا يجوز فسخ البيع في جميع المبيع مع بقاء بعض الثمن قطعا فكذا لا يجوز فسخ بعض المبيع مع بقاء جميع الثمن، وإذا امتنع ذلك وجب الفسخ فيهما، لان المانع في الموضعين هو بقاء أحد المتقابلين بدون المقابل الاخر، كما لو اشترى سلعتين فبطل البيع في إحداهما، فان المشتري يأخذ الاخرى بقسطها من الثمن، فالمتجه حينئذ في مسألة الدار المزبورة صحة البيع في ثلثيها بثلثي المأة فيأخذ الشفيع ذلك به إن شاء. إلا أنه لما كانت المسألة دورية - لانه لا يعرف قدر ما يصح فيه البيع إلا بعد أن يعرف مقدار التركة لتخرج المحاباة من ثلثها، ولا يعرف مقدار التركة إلا إذا عرف قدر الثمن، لانه محسوب منها لانتقاله إلى

[ 403 ]

ملك المريض بالبيع - كان لمعرفة ذلك طريقان: أحدهما إسقاط الثمن من قيمة المبيع ونسبة الثلث إلى الباقي، فيصح البيع بقدر تلك النسبة، ففي المثال تسقط الماءة التي هي الثمن من قيمة المبيع وهو المأتان، فيبقى ماءة، وينسب ثلث التركة - وهو ستة وستون وثلثان - إلى الباقي بعد الاسقاط، وهو الماءة فيكون ثلثين فيصح البيع في ثلثين بثلثي الثمن. والثاني طريق الجبر والمقابلة كما تقدم ذلك كله في كتاب الوصايا، فلاحظ وتأمل. هذا كله على المختار من كون المنجزات من الثلث (و) إلا فقد (قيل) هنا: (يمضي) البيع (في الجميع) بالثمن (من الاصل ويأخذه الشفيع) حينئذ بذلك (بناء على أن منجزات المريض ماضية من الاصل) لكن قد بينا فساده في محله، فلاحظ وتأمل. ثم لا يخفى أنه لا فائدة في تخصيص المصنف الحكم بالوارث إلا ما قيل من التنبيه بذلك على خلاف العامة في المحاباة معه، فان منهم من حكم بصحة البيع ومنع الشفعة، ومنهم من منعهما، ومنهم من أثبتهما، لكن كان الاولى أن يقول: وارث أو غيره لا الاقتصار عليه خاصة، والامر سهل. المسألة (السادسة:) (إذا صالح) المشتري مثلا (الشفيع على ترك الشفعة صح وبطلت الشفعة) كما صرح به الشيخ والحلي والفاضل والشهيدان والكركي

[ 404 ]

وغيرهم، بل لا أجد فيه خلافا وإن أشعر به ما في المفاتيح من نسبته إلى القيل. بل عن ظاهر المبسوط والتذكرة الاجماع عليه حيث قيل فيهما: عندنا (لانه حق مالي) كالخيار (فينفذ فيه الصلح) الذي أدلته عامة له ولغيره من إسقاط حق الزوجة وغيره على وجه يكون الصلح هو المسقط فلا يحتاج بعد إلى إنشاء مسقط نحو الصلح القائم مقام الابراء. ودعوى الشك في مشروعية الصلح على الوجه المزبور يدفعها ظهور اتفاق الاصحاب على مشروعيته على الوجه المذكور الذي هو عندهم كالصلح النقلي المملك. ولا يلزم من ذلك مشروعيته على وجه يفيد فائدة الطلاق أو النكاح أو التحرير أو الوقف أو غير ذلك من العقود بعد ظهور الاتفاق على خلافه. وعموم جوازه بين المسلمين لو سلم اقتضاؤه ذلك لا يجدي بعد ما عرفت الذي هو العمدة في ذلك لا اعتبار الالفاظ المخصوصة فيها، خصوصا مثل الطلاق الذي ورد (1) فيه " إنما الطلاق أن يقول... أنت طالق " إذ هو - مع أنه لا يتم في غير الطلاق مما لم يرد فيه الحصر المزبور - لا ينافي المشروعية بالصلح بعد تسليمها، ضرورة كونه صلحا مفيدا فائدة الطلاق أو الوقف أو التحرير، لا أنه طلاق ووقف وتحرير فهو عقد مستقل برأسه مفيد فائدة غيره لا أنه فرع على غيره كما قاله الشيخ، وقد عرفت ضعفه في محله. فالعمدة في المنع حينئذ ما عرفت. وعلى كل حال فما في المتن وغيره من كتب الاصحاب من الصلح المذكور في المقام يراد منه المعنى المزبور، وهو الذي يكون مقتضاه السقوط، من غير حاجة إلى مسقط بعد ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب مقدمات الطلاق - الحديث 3.

[ 405 ]

ويمكن تصور وجهين آخرين للصلح: أحدهما وقوعه على أن يوجد المسقط كغيره من الاعمال، وثانيهما إيقاعه على أن لا يأخذ بالشفعة وإن كانت هي حقا له، ولعل عموم الصلح مع عدم ظهور اتفاق على العدم يقتضي الجواز. إلا أن الاول مع فرض عدم وفائه بما عليه من إنشاء المسقط الذي يفرض توقف السقوط عليه لا يحصل به السقوط حينئذ، لكن لو فعل المصالح ضد ما صولح عليه بأن أنشأ ما يقتضي الاخذ بالحق يترتب على ذلك أثره وإن أثم بعدم الوفاء بالاول أو لا أثر له بعد أن ملك عليه غيره بعقد الصلح ؟ وجهان أقواهما الثاني. وربما يؤيده ما ذكروه في اشتراط عدم العزل في الوكالة وفي اشتراط تحرير العبد فباعه مثلا أو بالعكس، بل وما ذكروه أيضا في منذور الصدقة مثلا وغير ذلك. وأما الثاني فلا يبعد أنه على النحو المزبور أيضا، فلا يؤثر بعد إنشاء الشفعة المستحق عليه تركها نحو استحقاق عدم العزل عن الوكالة على الموكل مثلا بالاشتراط في عقد لازم. ومنه يعلم صحة شرط ترك الاخذ به فيه أيضا، فلا يؤثر إنشاؤها بعد ذلك، وليس ذلك من مخالفة الكتاب والسنة، فان المراد عدم الاخذ بما يستحقه، لا إبطال أصل الاستحقاق. كما أنه لا ينافي ذلك عدم صحة انتقالها من ذي الحق إلى غيره لو صالح عنها أجنبي على وجه يراد إثبات الشفعة له وإن كان قد يحتمل، لعموم أدلة الصلح فهو حينئذ وإن لم يكن ممن حصل له سبب الاستحقاق بالاصالة لكنه بالصلح استحقه من ذي الحق الذي هو مسلط عليه كتسلطه

[ 406 ]

على ما له، ولذا ينتقل إلى الزوجة حق ضربها من القسم وينتقل إلى الاجنبي حق الحجر. بل قد يحتمل ذلك في الخيار أيضا بناء على أن الفسخ به هو المملك للعين نحو ما قيل في الرجوع بالطلاق، لا أنه معيد للسبب الاول، فحينئذ ينقل الخيار بالصلح، ويملك المصالح بالفسخ العين ذات الخيار. ولكن يدفع ذلك كله - مضافا إلى إمكان دعوى الاجماع على خلافه - عدم دليل يقتضي تسلط ذي الحق على حقه بحيث ينقله إلى غيره، وخصوصيات الموارد لا تفيد العموم، وعمومات الصلح والشرط لا تقتضي ذلك، خصوصا بعد ملاحظة اتفاق الاصحاب ظاهرا لا أقل من الشك، فتبقى حينئذ على مقتضى أصالة عدم الانتقال. وعلى كل حال فلا يشكل أصل الحكم هنا بأنه إذا شرع في عقد الصلح كان ذلك منافيا للفورية، فتبطل ويبطل الصلح حينئذ، لامكان منع منافاة ذلك للفورية، ولامكان وقوع الصلح مع الوكيل الذي لا يقدح التراخي منه في حق الموكل، وإمكان صلح الشفيع قبل العلم بثمن المبيع أو في حال معذوريته عن الفور بعذر من الاعذار السابقة، فيصح الصلح حينئذ على حسب ما عرفت، وإن كان عوض الصلح بعض الشقص، إذ ليس هو من تبعيض الشفعة الممنوع كما هو واضح، والله العالم. المسألة (السابعة:) (إذا تبايعا شقصا فضمن الشفيع الدرك عن البائع أو) عهدة الثمن (عن المشتري) في نفس العقد (أو شرط المتبايعان) أو

[ 407 ]

أحدهما (الخيار للشفيع لم تسقط بذلك الشفعة) مع فرض عدم منافاة الفورية بناء على اعتبارها، كما عن الشيخ وغيره التصريح به، لعدم دلالة شئ من ذلك مع عدم قرائن على الاسقاط، إذ يمكن أن يكون ذلك منه لارادة إيجاد السبب الذي يستحق به الشفعة. فما عن التحرير والارشاد - من الاشكال في الاول بل في المختلف أن الاقوى البطلان فيهما لانه دال على الرضا بالبيع - واضح المنع، بل لو اختار اللزوم قبل أن يشفع ولم نقل باعتباره فيها - كما هو الظاهر لاطلاق الادلة الشامل للبيع المتزلزل - لم تسقط شفعته، كما هو مقتضى إطلاق المحكي عن الخلاف والمبسوط وصريح غيره، للاصل وغيره. فما عن الايضاح - من القول به لان إجازة البيع بعده إسقاط للشفعة باجماع القائلين بهذا القول - لا يخفى عليك ما فيه بعد فرض عدم المنافاة للفورية، خصوصا مع القول بعدم سقوطها بالمباركة التي هي أولى من ذلك، فما ذكره (رحمه الله) لا حاصل له. كما أن ما فيه أيضا - من أنه " بقي علينا أن الشفعة هل هي مترتبة على اللزوم أو على العقد ؟ يحتمل الاول، من حيث أنها معلولة للبيع، فيتوقف لزومها على لزومه، ومن حيث وقوع البيع، ومجرده موجب للشفعة، لعموم النص، والتحقيق أن إمضاء البيع هل هو شرط السبب أو الحكم ؟ " - لا حاصل له أيضا. بل فيه ما فيه وإن أطنب بعض مشائخنا في تفسيره، لكن لا حاصل له أيضا بعد معلومية كون السبب مطلق البيع الموجب للانتقال إلى المشتري كما عرفته نصا وفتوى عند تحرير كلام الشيخ في شرطية الخيار في البيع. نعم قد عرفت أنه مع فرض كون الخيار للبائع مثلا له فسخها بفسخ البيع، فلزومه حينئذ شرط للزومها لا لثبوتها.

[ 408 ]

ومن الغريب تسميته له تحقيقا، وهو مع أنه ليس بشئ لم يذكر فيه ترجيحا، وأغرب منه كلامه الاول، والله العالم والهادي. (وكذا) لا تسقط الشفعة (لو كان) لا شفيع (وكيلا لاحدهما) كما صرح به غير واحد، بل في موضع من جامع المقاصد للوكيل في الشراء والبيع أن يأخذ الشفعة قولا واحدا، وإن حكى هو في موضع آخر عن المختلف السقوط، لحصول الرضا بالبيع، وهو مسقط. وعلى كل حال فالتحقيق عدم السقوط (و) إن قال المصنف: (فيه تردد) كالمحكي عن التذكرة (لما فيه من أمارة الرضا بالبيع) بل قد سمعت اختياره في المختلف، بل هو المحكي عن المبسوط أيضا. لكنه في غير محله، ضرورة عدم كون مطلق الرضا بالبيع مسقطا لها، فان البيع هو السبب في ثبوت الشفعة، ولا ريب في أن من يتوقعها راض به، بل لو حاول عدم الرضا لم يكن مقدورا له، وإنما المسقط رضاه بالبيع ليبقى ملكا للمشتري، وهذا غير لازم للوكيل كما هو واضح. كوضوح فساد التعليل بالتهمة التي يمكن فرض عدمها، ولا يتم في الوكيل على مجرد إجراء الصيغة، والله العالم. المسألة (الثامنة:) (إذا أخذ) الشفيع (بالشفعة فوجد فيه عيبا سابقا على البيع فان كان الشفيع والمشتري عالمين) بذلك (فلا خيار لاحدهما) بلا خلاف ولا إشكال.

[ 409 ]

(و) كذا لا خلاف (إن كانا جاهلين) واتفقا على رده أو على أخذه مع الارش أو بدونه، لكن كان الثمن للشفيع ما بعد الارش. وتوهم إشكال الرد للشفيع - بأن الشفعة ليست بيعا كي يستحق الرد بالعيب فيها - يدفعه عموم دليل الرد في المعيب من غير فرق بين البيع وغيره، وهو قاعدة الضرر المنجبرة بفتوى الاصحاب هنا، نعم الظاهر عدم أرش له لا على البائع الذي لم يأخذ منه ولا على المشتري لو تصرف فيه بما يمنع من رده إذا لم يكن المشتري قد أخذه من البائع، للاصل وكونه يأخذ من المشتري بالثمن. بل قد يشكل رجوعه به على المشتري لو أخذه هو إن لم يكن إجماعا بأنه استحقاق حصل للمشتري على البائع خارج عن الثمن، ولذا صح له عفوه عنه، ولو أنه جزء من الثمن ينفسخ البيع فيه قهرا لفوات ما قابله من وصف الصحة في المبيع نحو تبعض الصفقة لم يصح له العفو، لاستحقاق الشفيع حينئذ ما قابله من الثمن الذي دفعه إلى المشتري. على أن احتمال ذلك مناف لما هو المعلوم من عدم مقابلة الثمن شرعا لوصف الصحة، وعدم استحقاق المشتري عليه عين ما دفعه إليه، ولغير ذلك مما لا يخفى. أللهم إلا أن يقال: إن ما دل على استحقاق الشفعة بالثمن ظاهر في غير الفرض، بل قد يعد عرفا أن الثمن ما بعد الارش، ولعل ذلك ونحوه منشأ الاتفاق المزبور، والله العالم. وعلى كل حال (فان رده الشفيع كان المشتري بالخيار في الرد والارش) لانه لم يحدث فيه حدثا وإن انتقل عن ملكه ثم عاد إليه إلا أنه ليس تصرفا له، واحتمال أن مطلق الانتقال عنه مسقط لاستحقاق رده (و) إن عاد إليه لا دليل عليه.

[ 410 ]

نعم (إن اختار) الشفيع (الاخذ لم يكن للمشتري الفسخ لخروج الشقص عن يده) والاصل فيه اللزوم، فلا تسلط له على فسخ الملك الحاصل للشفيع بالشفعة، هذا. ومن ذلك يظهر ما أطنب به في المسالك من سوء تأدية الحكم المزبور قال: " فان اختلفت إرادتهما أي الشفيع والمشتري فأراد الشفيع رده دون المشتري فلا منافاة، فيرجع إلى المشتري ويتخير بين أخذ أرشه وعدمه، وإن انعكس فأراد الشفيع أخذه والمشتري رده قدمت إرادة الشفيع لثبوت حقه وسبقه، فانه يثبت بالبيع، وسيأتي ما في هذا التعليل، ولان غرض المشتري استدراك الظلامة وتحصيل الثمن، وهو حاصل بأخذ الشفيع، ولانا لو قدمنا المشتري بطل حق الشفيع رأسا، وإن قدمنا الشفيع حصل للمشتري مثل الثمن أو قيمته، فيكون جامعا بين الحقين، ويحتمل تقديم المشتري، لان الشفيع إنما يإخذه إذا استقر العقد، كما تقدم في البيع المشتمل على الخيار، وقد تقدم ضعف المبني عليه " إذ هو كما ترى. بل لعله ألصق بتعارض الارادتين قبل أخذ الشفيع الشفعة الذي قد عرفت الحال فيه سابقا وأن للمشتري الفسخ، ولكن إذا فسخ كان للشفيع فسخ فسخه والاخذ بالشفعة من المشتري، للاجماع إن كان أو لسبق حقه بناء على أن استحقاق المشتري الرد حين العلم لا بالبيع، بخلاف الشفيع الثابت حقه بتمام العقد، بل لو قلنا بثبوته بالبيع أيضا سابقا على حق الشفعة أو مقارنا أمكن ترجيح حق الشفيع بما ذكر مؤيدا بشهرة الاصحاب أو إجماعهم وإن كان للمشتري فائدة بالتقديم أيضا، وهي السلامة من الدرك. وعلى كل حال فعلى ما عرفت في مفروض المسألة من بقاء الشقص في يد الشفيع وعدم تسلط المشتري على أخذه منه ليرده على البائع هل له

[ 411 ]

المطالبة بالارش ؟ (قال الشيخ) في محكي المبسوط فيما لو كان الشفيع عالما بالعيب (و) المشتري جاهلا (ليس للمشتري المطالبة بالارش) قولا واحدا، ونحوه يأتي في المقام. ولعله لانه قد استدرك ظلامته برجوع جميع الثمن إليه من الشفيع، فلم يفت منه شئ فيطالب به، ولانه كالنائب عن الشفيع بالشراء فلا يستحق الرجوع. (و) لكن (لو قيل: له الارش كان حسنا) بل هو خيرة الفاضل في محكي التذكرة والشهيدين والكركي، وهو الاصح لاطلاق دليله، وعود كمال الثمن إليه لا ينافي ذلك، كما لو باعه بأضعاف ثمنه، كما أنه لا ينافيه استحقاق الشفيع لما يقابله من الثمن، فلا فائدة له في أخذه، إذ لا يجب عليه قبول العوض عنه من الشفيع بعد أن كانت معاملة مع البائع مستقلة لا مدخلية لها فيما وقع بينه وبين الشفيع، فهو في الحقيقة لم يستدرك ظلامته ممن ظلمه، كما هو واضح، وإجماع الشيخ المزبور لم نتحققه، بل لعل المظنون خلافه. ومن الغريب ما قيل من أن الشيخ بنى ذلك على أنه لو كان للمشتري الارش لكان الثمن للشفيع مجهولا، فيبطل أخذه، وتأخيره إلى معرفة الارش المتوقفة على تقويم أهل الخبرة المحتاج إلى زمان ينافي الفورية، إذ هو كما ترى لا ينبغي أن يسطر، والله العالم. (وكذا) الحكم (لو علم الشفيع بالعيب دون المشتري) ضرورة أنه لا رد للشفيع لعلمه، ولا للمشتري لخروج الشقص من يده وفي استحقاقه الارش ما عرفت من الاصح له ذلك، فيسقط حينئذ عن الشفيع بقدره، ولا يقدح فيه علمه بالحال، لما عرفت من أنه يأخذ بالثمن وهو ما بعد الارش عرفا. (ولو علم المشتري دون الشفيع كان للشفيع الرد) لجهله

[ 412 ]

ولا أرش للمشتري لعلمه. نعم لو علم الشفيع أن المشتري اشتراه بالبراءة من كل عيب ففي القواعد " هو كالمشتري وإلا فله الرد " وفيه أنه يمكن القول بأن له الرد وإن علم بالشرط المزبور، لعموم دليل الرد، والشرط إنما هو على المشتري. وربما احتمل في عبارة القواعد المزبورة أن له الرد وإن لم يظهر عيب، لان الشرط المذكور في حكم العيب، إلا أنه كما ترى، والله العالم. المسألة (التاسعة:) (إذا باع) الشريك (الشقص بعوض معين لا مثل له كالعبد فان قلنا لا شفعة) في مثل ذلك (فلا بحث، وإن أوجبنا الشفعة بالقيمة فأخذه الشفيع) بها (و) ملكه ثم (ظهر) للبائع (في الثمن عيب كان للبائع رده) على وجه الفسخ (والمطالبة بقيمة الشقص) وقت الفسخ (إذا لم يحدث عنده) أي البائع في العبد (ما يمنع) من (الرد، ولا) تسلط له على أن (يرتجع الشقص) من الشفيع (لان الفسخ المتعقب للبيع الصحيح لا يبطل الشفعة) للاصل بعد حصول المقتضي لثبوت الشفعة، وهو البيع، مؤيدا بأن فيه جمعا بين الحقين، لان رجوع البائع في العين يقتضي سقوط حق الشفيع، بخلاف ما إذا أخذ القيمة بلا خلاف أجده فيه، وإن قال في المسالك هنا (وقيل يقدم حق البائع، لاستناد الفسخ إلى العيب المقارن للعقد والشفعة تثبت بعد، فيكون العيب أسبق، ولان الشفيع منزل

[ 413 ]

منزلة المشتري، فرد البائع يتضمن نقض ملكه، كما يتضمن نقض ملك المشتري لو كان في ملكه) إلا أني لم أتحققه. بل ظاهر كلامهم فيما تقدم من غير خلاف يعرف فيه بينهم أن للشفيع فسخ الرد بالعيب حصل قبل الاخذ بالشفعة، وليس ذلك إلا لتقدم حق الشفيع عليه. ومن هنا ضعفه في المسالك بعد أن حكاه بأن " مجرد وجود العيب حالة العقد غير كاف في سببية الفسخ بل هو مع العقد الناقل للملك، كما أن الشركة أيضا غير كافية في سببية الشفعة، بل هي مع العقد، فهما متساويان من هذا الوجه، ويبقى مع الشفعة المرجح الذي ذكرناه أي الجمع بين الحقين. ولكن فيه أن ذلك بمجرده لا يصلح مرجحا خصوصا بعد حكمهم من غير خلاف يعرف فيه بينهم أنه لو كان الخيار للبائع مشروطا وشفع الشفيع كان للبائع فسخ البيع والشفعة، ولا نجد فرقا بين الخيار الحاصل بالعيب والشرط، إذ هما معا مقارنان للعقد، فمع فرض كون الخيار بالشرط سابقا على حق الشفعة الحاصل بعد تمام العقد الذي فيه الشرط فكذلك الحاصل بالعيب، وبعد التسليم فلا أقل من المقارنة المقتضية لتساويهما في الحق، فكل من سبق كان له ذلك، كما عساه يظهر من المسالك أنه أحد الاقوال في المسألة. قال بعد ما سمعت (وربما فرق بعضهم بين رد البائع قبل أخذ الشفيع وبعده، فقدم البائع في الاول والشفيع في الثاني، لتساويهما في ثبوت الحق بالبيع، فيقدم السابق في الاخذ). ولا ريب في أنه متجه إن لم نقل بتقديم البائع مطلقا - كما لو شرط الخيار له - لولا اتفاق الاصحاب ظاهرا على تقديم الشفيع مطلقا، بل

[ 414 ]

لم أتحقق حكاية الخلاف المزبور من غيره. ويمكن أن يكون منشأ الاتفاق المزبور أن خيار العيب لا يثبت إلا بعد العلم بالعيب، ولا يكفي فيه وجود العيب حال العقد مع الجهل به، فيقدم حق الشفعة حينئذ عليه، ضرورة مقارنته لتمام العقد. لكن الانصاف عدم خلو دعوى مدخلية العلم في ثبوت الخيار بالعيب من نظر أو منع كما ذكرنا ذلك في محله. كما أن الانصاف عدم حصول إجماع في المسألة. بل في التحرير تقديم حق البائع قبل أخذ الشفيع، قال (ولو كان الثمن غير مثلي فوجد البائع به عيبا فرده قبل أخذ الشفيع احتمل تقديم حقه، لان في أخذ الشفعة إبطال حق البائع من الشقص، والشفعة تثبت لازالة الضرر، فلا تزال بالضرر، وتقديم حق الشفيع لسبق حقه والاقرب الاول، لان حق البائع أسبق، لاستناده إلى وجود العيب، وهو متحقق حال البيع، والشفعة تثبت بالبيع). بل مقتضى جزمه بأسبقية حقه ترتب أحكام أخر كثيرة عليه في غير المقام، إلا أنه هو وغيره لم يوافقوا عليها، بل لم أجد ما ذكره في المقام لغيره. ثم لا يتوهم أن ذلك من تبعض الفسخ باعتبار أن رده العبد يقتضي فسخ البيع الذي تفرعت عليه الشفعة، ضرورة أنه فسخ من حينه والشفعة حال حصولها قد كانت من المشتري ظاهرا وواقعا، نعم قد يأتي ذلك إذا كان الرد قبل الاخذ بالشفعة، كما ستعرف الكلام فيه، إنشاء الله. (و) كيف كان ف‍ (لو عاد الشقص إلى المشتري بملك مستأنف كالهبة أو الميراث لم يملك) المشتري (رده على البائع) ليخلص عن دفع القيمة إذا لم يرض بذلك (و) أصر على إرادة

[ 415 ]

قيمة الشقص حتى لو كان رد البائع الثمن متعقبا لملك المشتري الشقص كما أنه (لو طلبه البائع لم يجب على المشتري إجابته) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بين من تعرض له، كالشيخ والفاضلين والشهيدين، والكركي، بل ولا إشكال، لانقطاع المعاملة الواقعة بينهما بالخروج عن الملك، ولا يعيدها عوده إليه بسبب آخر، فالفسخ الحاصل من البائع لا يوجب من أول الامر غير القيمة، لكون المفروض خروج العين المنتقلة إليه بالعقد المزبور عن ملكه، وفسخه إنما يوجب رد العين من حيث انتقالها به لا مع انتقالها بسبب آخر غيره لا تسلط لاحدهما على فسخه. وحينئذ فلا يستحق بالفسخ المزبور إلا القيمة، كما لا يستحق على المشتري غيرها أيضا، فليس لاحدهما على الاخر اقتراح رد العين التي خرجت عن مقتضى المعاملة المفسوخة. نعم لو عاد إليه بفسخ للمعاملة الجديدة ولم نقل إن الفسخ مملك بل هو مقتض لعود الملك بالسبب الاول الذي قد فرض فسخه أمكن حينئذ ملك المشتري ردها عليه وملك البائع المطالبة بها، ضرورة كون ملكها حينئذ بالسبب الاول الذي قد فرض انفساخه. بل لعله كذلك لو فرض أخذ البائع القيمة ثم عادت العين للمشتري بفسخ للمعاملة التي كانت السبب في خروجها أمكن القول بأن للمشتري حينئذ إعادتها عليه وأخذ القيمة منه، كما أنه يمكن للبائع مطالبته بها ورد القيمة إليه، لانكشاف رجوع العين إلى ملك البائع بالفسخ المزبور الذي يعاد معه الملك إلى مقتضى السبب السابق الذي قد فرض فسخ البائع له، وأن به يستحق على المشتري العين التي هي على ملكه بالسبب الحاصل، فتأمل جيدا فانه دقيق جدا، والله العالم. ثم إنه حيث تعتبر القيمة (و) دفعها المشتري أو لم يدفعها

[ 416 ]

(لو كانت قيمة الشقص والحال هذه أقل من قيمة العبد) مثلا ف‍ (هل يرجع الشفيع بالتفاوت ؟ فيه تردد، والاشبه) باصول المذهب وقواعده أنه (لا) يرجع وفاقا للفاضل والكركي وثاني الشهيدين (لانه) إنما يأخذ ب‍ (الثمن) والفرض أن (الذي اقتضاه العقد) حال الاخذ بالشفعة ذلك، وليست قيمة الشقص التي أخذها البائع من الثمن في شئ، وإنما هو شئ استحقه البائع على المشتري بالفسخ حال انتقال العين عن ملكه الحاصل بالسبب المزبور، فلا حق للشفيع فيه. كما لا حق للمشتري على الشفيع لو فرض زيادة قيمة الشقص التي دفعها للبائع على قيمة العبد، ضرورة أنه لا يستحق عليه إلا قيمة الثمن الذي وقع عليه العقد، وما غرمه بالفسخ المزبور لا مدخلية له في الثمن كما هو واضح. وحينئذ فدعوى أن الثمن الذي استقر على المشتري قيمة الشقص والشفيع إنما يأخذ بالثمن الذي استقر نحو ما سمعته في الارش واضحة الفساد، كوضوح الفرق بين المقام والارش الذي قد عرفت تحقيق الحال فيه، فتأمل جيدا. وكذا دعوى بطلان العقد، فلم يعتبر ما وقع عليه، بل المعتبر ما استقر وجوبه على المشتري وهو القيمة، ضرورة أن الفسخ لم يبطل العقد من أصله، بل كان صحيحا إلى حين الفسخ، فلا يزول مقتضاه بالفسخ الطارئ. فالمتجه حينئذ عدم الرجوع من كل منهما، خلافا للمحكي عن الشيخ من الرجوع فيهما وإن كنا لم نتحققه، إذ المحكي من عبارته يقتضي التردد من غير ترجيح. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه لما عرفت، والله العالم.

[ 417 ]

هذا كله لو كان الفسخ من البائع بعد أخذ الشفيع. (و) أما (لو كان الشقص في يد المشتري) لم يأخذه الشفيع (فرد البائع الثمن بالعيب لم يملك منع الشفيع، لان حقه أسبق) بناء على ما عرفت من اعتبار العلم في استحقاق خيار العيب، فيفسخ الفسخ الحاصل من رد البائع، ويعيد المبيع إلى ملك المشتري على مقتضى العقد الاول (ويأخذه) منه (بقيمة الثمن) سليما (لانه الذي اقتضاه العقد) الاول (وللبائع) على المشتري (قيمة الشقص وإن زادت عن قيمة الثمن) لانه مقتضى فسخه برد الثمن، ولا يرجع بها على الشفيع كما عرفت الحال فيه، ولعل هذا ونحوه من تبعيض آثار الفسخ لا تبعيض الفسخ الذي سمعته في فسخ الشفيع الاقالة أو نلتزمه فيها، كما سمعت احتماله من الشهيد بناء على أنه كالمقام، هذا كله مع رد البائع الثمن. (و) أما (لو حدث عند البائع) فيه (ما يمنع من رد الثمن) كعيب أو تصرف (رجع بالارش على المشتري) لانه المتعين له حينئذ على نحو ما سمعته في المبيع (ولا يرجع) المشتري (على الشفيع بالارش إن كان) قد (أخذه بقيمة العوض الصحيح) لعدم ظلامة له. نعم إن كان قد أخذ منه بقيمته معيبا رجع عليه بباقي قيمة الصحيح لنحو ما سمعته في رجوع الشفيع عليه بالارش، ضرورة استقرار الشقص حينئذ بالعبد والارش الذي هو من مقتضى العقد المقتضي للسلامة، فالثمن عرفا ذلك، وكذا القول فيما لو رضي البائع به ولم يرده مع المانع من رده واختار الارش.

[ 418 ]

أما لو عفا ولم يطالب فالظاهر عدم استحقاقه على الشفيع، كما أن الظاهر عدم استحقاق الشفيع له على المشتري لو كان في المبيع، والله العالم. المسألة (العاشرة:) (لو كانت دار لحاضر وغائب وحصة الغائب في يد آخر فباع الحصة وادعى أن ذلك باذن الغائب قال) الشيخ (في الخلاف: تثبت الشفعة) وفيه أن دعوى الاذن ممن في يده المال ليس طريقا شرعيا لثبوت ذلك وإن جاز الاخذ منه والتصرف وغيره باعتبار كونه ذا يد ولا معارض له. (و) حينئذ ف‍ (لعل المنع أشبه) باصول المذهب وقواعده إن كان المراد الثبوت في نفس الامر على وجه لو جاء المالك وأنكر لم يكن له الانتزاع من يد الشفيع، وذلك (لان الشفعة تابعة لثبوت البيع) وقد عرفت أن مجرد دعوى من في يده المال الاذن ليس طريقا شرعيا لثبوت ذلك. وإن كان المراد جواز أخذ الشفيع من يد المشتري الشقص بها على نحو أخذ المشتري له من يد مدعي الاذن ثم الغائب على حجته فقد يقال بالجواز. لكن في القواعد (ولو ادعى الحاضر من الشريكين على من في يده حصة الغائب الشراء من الغائب فصدقه احتمل ثبوت الشفعة، لانه إقرار من ذي اليد، وعدمه لانه إقرار على الغير) من دون ترجيح كالمحكي عن التذكرة والدروس. نعم عن التحرير (أن الاول أقوى).

[ 419 ]

وفيه أنه بعد العلم بكونه مالا للغير لا إشكال في أنه إقرار على الغير، إلا أنه قد عرفت جواز الاخذ منه والتصرف باعتبار كونه ذا يد ولا معارض له، كما تقدم تحرير ذلك في محله على وجه لا ينبغي التردد المزبور من الجماعة فضلا عن اختيار العدم، كما في المتن بعد أن حكى عن الشيخ الثبوت المحتمل لارادة المعنى الذي ذكرناه. أللهم إلا أن يقال: إن عنوان الشفعة نصا وفتوى تحقق صدق (باع الشريك) وهو غير متحقق هنا، فلا تثبت الشفعة على وجه إن لم يبادر إليها تبطل بناء على الفور، وجواز أخذ المشتري منه لا يحقق الصدق المزبور، فليس للشفيع الاخذ، لعدم تحقق عنوان ثبوت الشفعة، بخلاف جواز الشراء ظاهرا منه، فانه لا عنوان له على الوجه المزبور. على أن السيرة التي هي العمدة في الحكم المزبور إنما هي في التصرف باذنه، لا مطلق التصرف حتى القهري الذي لا يرجع إلى إذنه، بل هو تابع للحكم الشرعي المعلق على عنوان خاص، والفرض عدم تحققه. ومن ذلك يظهر لك ما في جامع المقاصد، فانه بعد أن ضعف الاول بأنه إقرار في حق الغير قال (لكن يشكل بشئ وهو أن من بيده مال الغير مصدق في دعوى الوكالة بغير خلاف، ويجوز الشراء منه والتصرف تعويلا على قوله، وكذا لو ادعى الشراء من المالك يسمع فلم لا تثبت الشفعة بدعواه الشراء مع الحكم بنفوذه، وقوى في التحرير ثبوت الشفعة. والذي يخطر بالبال أنه إن كان المراد بثبوت الشفعة انتزاع الحاكم الشقص وتسليمه إلى المدعي كما هو المتبادر من ذكر الدعوى فهو مشكل، والظاهر العدم، لان مجرد دعوى الشراء ممن في يده مال الغير لا يقتضي الثبوت شرعا، وليس المراد بجواز الشراء منه لو ادعى الوكالة الحكم بالوكالة، وإن كان المراد جواز أخذ المدعي ذلك بدعوى من بيده

[ 420 ]

المال الشراء فليس ببعيد، كما يجوز له الشراء والاتهاب ونحوهما من التصرفات، ثم يكون الغائب على حجته ". إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد التأمل فيما ذكرناه، وحكم الحاكم على من في يده المال بعد اعترافه بالشراء وبانتزاعه منه مؤاخذا له باقراره المتعلق به ليس حكما على الغائب الذي هو على حجته، بل لا وجه لعدم الانتزاع منه بعد إيجاد سبب الاخذ بالشفعة مع فرض جواز الاخذ منه بالدعوى المزبورة التي هي إقرار في حقه ودعوى في حق الغير، نحو الحكم بالانتزاع ممن في يده المال المدعي للوكالة ثم امتنع بعد أن جرت صيغة البيع بينه وبين المشتري. نعم لو قلنا بعدم جواز الاخذ على وجه يتصرف بالشقص اتجه عدم جواز الانتزاع، وإن كان لو أخذ بالشفعة قولا مع دفع الثمن وصادف صدق المدعي ترتب عليه حكم الملك من حين الاخذ وإن لم يكن عنوانها ثابتا في الظاهر ولكن يكفي فيه كونه كذلك في نفس الامر. إنما الكلام في جريان أحكام الشفعة من التصرف به بغير رضاه وانتزاعه منه قهرا وبطلان الشفعة مع عدم الفور بها وغير ذلك من أحكامها بمجرد دعوى الوكالة، والفرض أن جميعها أحكام شرعية مترتبة على موضوع لم يتحقق، ولا أقل من الشك، والاصل عدم ترتب هذه الاثار، فلا ريب في أن الاحوط عدم ذلك كله. والمراد أنه إلى هذا نظر المصنف وغيره ممن تردد. ولكن الانصاف مع ذلك كله أن الجواز لا يخلو من وجه، والله العالم. وعلى كل حال (فلو قضي بها للشفيع بشفعته عملا باقرار ذى اليد (و) بعد ذلك (حضر الغائب فان صدق فلا بحث، وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، و) حينئذ (ينتزع الشقص)

[ 421 ]

من يد الشفيع، (وله اجرته) عليه (من حين قبضه إلى حين رده) لعموم (على اليد) (1) وغيره. (و) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يرجع بالاجر) المزبورة (على البائع إن شاء، لانه سبب الاتلاف، أو على الشفيع) باجرة زمان قبضه (لانه المباشر للاتلاف) وعلى المشتري بما قبل ذلك، للمباشرة أيضا إن شاء، بل وعلى المشتري بما كان في يده ويد الشفيع المترتبين عليه لعموم (على اليد) (2) فانه كالغاصب. (و) من هنا (إن رجع على مدعي الوكالة لم يرجع الوكيل على الشفيع) ولا على المشتري، لاعترافه بكون المنافع لهما، وأنه ظالم له بأخذ الاجرة منه، والمظلوم لا يرجع على غير من ظلمه. (وإن رجع على) المشتري أو (الشفيع رجع) كل من المشتري و (الشفيع على الوكيل، لانه غره) إذا لم يصدر منهما ما يقتضي تصديق مدعي الوكالة، وإلا لم يرجع من صدر منه ذلك عليه أيضا، لاعترافه بظلم المالك، وذلك كله واضح خصوصا بعد الاحاطة بما ذكرناه في كتاب الغصب. (3) (و) لكن (فيه) أي المفروض (قول آخر) محكي عن المبسوط، وهو رجوع مدعي الوكالة على الشفيع لو رجع المالك عليه، لاستقرار التلف في يده و (هذا) واضح الفساد، نعم يتم مع اعترافه بكذب المدعي في دعواه الوكالة فيكون كالغاصب الذي يستقر عليه الضمان مع التلف في يده. وبذلك ظهر لك أن القول الاول (أشبه) باصول المذهب وقواعده


(1) و (2) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقى ج 6 ص 95. (3) راجع ص 177 - 181

[ 422 ]

التي قد عرفتها في كتاب الغصب (1) والله العالم. ومنه يظهر لك ما عن الدروس، فانه بعد أن ذكر نحو ما سمعته من عبارة القواعد قال: (وكذا لو باع ذو اليد مدعيا للوكالة وصدقه الشفيع لكن هنا لا يرجع الشفيع، على الوكيل لو رجع عليه بخلاف ما لو رجع على الوكيل، والفرق استقرار التلف في يد الشفيع، ولو أخذ الشفيع اعتمادا على دعوى الوكالة رجع عليه، لانه غره). وفيه أنه لا وجه لرجوع الوكيل على الشفيع وإن كان قد استوفى المنافع، لاعترافه بأنها حق له وأن المالك ظلمه بأخذ عوضها فكيف يرجع بظلامته على غير من ظلمه. لكن الموجود عندنا في نسختين من الدروس متصلا بما سمعت " والوجه في الاولى عدم رجوع أحدهما على الاخر، لاعتراف المرجوع بظلم الراجع ". نعم في التحرير " ولو كان الشريك غائبا فادعى الحاضر على من حصة الغائب في يده أنه اشتراه من الغائب فصدقه احتمل أخذه بالشفعة، لان من كانت العين في يده مصدق في تصرفه وعدمه، لانه إقرار على غيره، والاول أقوى، وكذا لو باع القابض وادعى الشفيع إذن الغائب فان أوجبنا الشفعة وقدم الغائب فأنكر البيع أو الاذن قدم قوله مع اليمين ويأخذ الشقص ويطالب بالاجرة من شاء منهما، فان طالب الوكيل رجع على الشفيع، لتلف المتاع في يده، وإن طالب الشفيع لم يرجع على أحد " وهو كما ترى لا يطابق ما ذكرناه إلا بتجشم، والله العالم. (ولو اشترى شقصا بماءة) مثلا (ودفع إليه عرضا يساوي عشرة) مثلا أو أبرأه من الثمن كلا أو بعضا (لزم الشفيع تسليم


(1) راجع ص 177 - 181

[ 423 ]

ماءة أو يدع، لانه يأخذ بما تضمنه العقد) نصا وفتوى وإن وقع بعد ذلك بين البائع والمشتري إبراء أو معاوضة عنه بشئ لا يساويه أو نحو ذلك مما لا مدخلية له في صدق تضمن العقد إياه كما هو واضح، والله العالم. (ومن اللواحق) (البحث في ما تبطل به الشفعة) (و) المشهور بين الاصحاب بل في الرياض شهرة عظيمة بل لا خلاف فيه بين المتأخرين عدا ابن إدريس أنه (تبطل) الشفعة (بترك المطالبة مع العلم وعدم العذر) بل عن الخلاف الاجماع عليه. (وقيل) والقائل المرتضى وأبو علي وعلي بن الحسين الصدوق وأبو المكارم وابن إدريس وأبو الصلاح على ما حكي عن بعضهم: (لا تبطل إلا أن يصرح بالاسقاط ولو تطاولت المدة) بل في الانتصار الاجماع عليه، بل حكاه الفخر عن سلار أيضا وإن كنا لم نتحققه. نعم قيل: لا تعرض له في المراسم كالمقنع والمقنعة وفقه الراوندي فان كان ذلك ظاهرا في التراخي - باعتبار أن الفورية لو كانت معتبرة فيها على وجه تسقط بعدمها لوجب التعرض لها - كان ظاهر الجميع أيضا. بل لعله أيضا ظاهر عدم الترجيح في محكي التحرير والمهذب ومجمع البرهان والكفاية، بناء على أنه من حيث الشك في أدلة الفور، وإلا فالاصل التراخي وإن كان هو خلاف الظاهر. (و) على كل حال ف‍ (الاول أظهر) عند المصنف، للنبويين

[ 424 ]

المنجبرين بما عرفت: أحدهما (1) (الشفعة لمن واثبها). والاخر (2) (الشفعة كحل العقال). بل في الدروس نسبة الاخير منهما إلى الاشتهار، ولا يقدح عدم وجودهما في طرقنا بعد أن ذكرهما الاصحاب في كتبهم مستدلين بهما على ذلك والاجماع المحكى المعتضد بما سمعته من الشهرة العظيمة وإن تأخرت عن زمان حاكيه، فانها على كل حال تفيد قوة الظن بموافقته للواقع. بل استدل غير واحد بحسن ابن مهزيار (3) السابق المشتمل على بطلان شفعة من طلب ثم مضى لاحضار الثمن فلم يأت إلى ثلاثة أيام، إذ لو كانت على التراخي لم تبطل بذلك. كل ذلك مضافا إلى ما عرفته مكررا من كون الشفعة على خلاف الاصل، والمتيقن ثبوتها على الفور، بل لعل ثبوتها في بعض الاشياء دون بعض وفي بعض العقود دون بعض مشعر بذلك أيضا، وإلى قاعدة الضرر. بل لعل قوله عليه السلام) (4): " قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء... وقال: لا ضرر ولا ضرار " مشعر بذلك بناء على إرادة الاشارة به إلى الضرر الحاصل من عدم مشروعيتها ومن كونها على التراخي. بل لعل قوله (عليه السلام) (5): " الغائب على شفعته " مشعر بذلك أيضا ضرورة إشعاره بكون ذلك من جهة الغيبة التي هي عذر له.


(1) نيل الاوطار للشوكاني ج 6 ص 87. (2) سنن البيهقي - ج 6 ص 108. (3) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشفعة - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 وفيه (للغائب شفعة).

[ 425 ]

لكن قد يقال في مقابلة ذلك: إن الخبرين المزبورين من طرق العامة، ولذا ترك غير واحد الاستدلال بهما، بل من المحتمل إرادة الكناية عن الانتقال بمجرد الاخذ وإن تأخر من الثاني منهما، لا أن المراد منه بيان قصر زمانها وأنه كحل العقال. بل في الاسعاد الذي هو من أجل كتب الشافعية " أن اسناد ضعيف " وقال ابن حيان: " لا أصل له " وقال البيهقي: " ليس بثابت " والاجماع معارض بمثله، بل لعله أقوى منه باعتبار وجود القائل بذلك ممن تقدم على حاكيه بخلاف الاخر الذي لم نعرف أحدا ممن تقدمه قال بذلك. وحسن ابن مهزيار بناء على أن مورده بعد حصول سبب الشفعة قد اشتمل أيضا على ما ينافي الفورية إذ القائل بها لا يجعل انتظار ثلاثة أيام لاحضار الثمن من جملة العذر فيها، خصوصا مع دعوى الغيبة في بلد آخر. بل قد يقال: إن الخبر المزبور الذي مورده إنشاء الاخذ بالشفعة قولا بناء على إرادة ذلك من الطلب فيه أو مطلق طلبها بمعنى إرادتها ثم مضى لاحضار الثمن قد تسالمت الخصوم على العمل بمضمونه في ذلك، من غير فرق بين القول بالفور والتراخي، فلا دلالة حينئذ في الخبر على شئ منهما، إذ محل النزاع هنا تأخير الاخذ بالشفعة مع علمه بها. هذا كله مع ما فيه من رائحة الموافقة للمحكي عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى من أنها تمتد إلى ثلاثة أيام كالشافعي في أحد أقواله، والاصل منقطع باطلاق الادلة واستصحاب ثبوتها بعد حصول سببه الذي هو البيع بالنص، وعدم العلم بكونه على الفور وعدمه لا ينافي التمسك به على الثاني كما حقق في محله. ومن الغريب رد جماعة من الاعيان هنا له بأن المقتضي لثبوت الشفعة

[ 426 ]

حدوث العلم بالبيع نفسه، والحدوث يبطل في ذي البقاء، وإذا بطلت العلة بطل معلولها، إذ هو كما ترى لا حاصل له ومجرد دعوى لا دليل عليها. بل ظاهر الادلة خلافها. كما أن ظاهر قوله (عليه السلام) (1): " الغائب على شفعته " إرادة بيان عدم اعتبار الحضور فيها، وإلا فهو مطلق شامل للمتمكن من المجئ والتوكيل وغيرهما. وقاعدة الضرر يدفعها أنه الذي أدخله على نفسه باختيار ما فيه الشفعة من العقود غير ملاحظ لما يسقطها من الامور الكثيرة، على أنه مجبور بالارش إذا زرع أو بنى إن قلنا به. وإن كان المراد من الضرر عدم رغبة المشتري في التعمير مثلا لاحتمال الاخذ منه ففي الانتصار " أنه يمكن أن يتحرز المشتري من هذا الضرر بأن يعرض المبيع على الشفيع ويبذل التسليم إليه فهو بين أمرين: إما أن يتسلم أو يترك الشفعة، فيزول الضرر عن المشتري بذلك وإذا فرط فيما ذكرنا وتصرف من غير أن يفعل ما أشرنا إليه فهو المدخل للضرر على نفسه ". ولعل من هذه العبارة قال في الدروس: " إن في كلامه إلماما بالفورية ". قلت: لكن ما قبله وما بعده صريح في خلاف ذلك، فوجب حمله على كون ذلك مسقطا لها وإن قلنا بالتراخي وإن كان فيه ما فيه إلا أن يريد حال ظهور ذلك في عدم إرادتها. ومن هنا وغيره تردد بعض الناس، بل مال في الرياض إلى التراخي، ولعله لا يخلو من قوة ما لم يصل إلى حد الضرر نحو ما سمعته منهم في انتظار مدعي غيبة الثمن في بلد آخر.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشفعة - الحديث 1 وفيه (للغائب شفعة).

[ 427 ]

بل لو وجد قائل بأنه على التراخي ما لم يتضرر المشتري نحو ما سمعته في دعوى غيبة الثمن التي مرجعها إلى ما يقرب من ذلك لكان في غاية القوة ودونه القول بأنها على التراخي ما لم يعرض المشتري على الشفيع الشقص مخيرا له بين الشفعة وعدمها، فيجب الفور حينئذ، لانه لا ضرر ولا ضرار، كما هو مقتضى التدبر فيما سمعته من المرتضى الذي هو الاصل في التراخي، بل ربما كان في ذلك جمع بين الادلة جميعها. وإن أبيت عن ذلك كله فلا ريب في أن الاصل عدم الشفعة بعد الشك الحاصل من تعارض الاجماعين والاستصحابين وغير ذلك مما سمعته خصوصا بعد عدم سوق الادلة لبيان التراخي فالرجوع إلى استصحاب بقائها وإطلاق ما دل على ثبوتها بعد أن كان الاول منها بعد تسليم حجيته هنا والثاني الذي قد عرفت أنه مساق لغير ذلك من الادلة المتعارضة التي حصل منها الشك، فليس حينئذ إلا الاصل السابق وعموم (أوفوا بالعقود) (1) الذي لم يكن من أدلة الشفعة التي هي الطارئة على مقتضاهما ومع فرض كونهما أيضا من الادلة على ذلك فلا عمل إلا على الفور الذي هو المتيقن دون غيره، فتأمل جيدا فانه دقيق جدا، والله العالم. (و) كيف كان فعلى الفور والتراخي قد وقع الخلاف في سقوطها بأمور: الاول (لو نزل عن الشفعة) وتركها وعفا عنها (قبل البيع) فالاسكافي والشيخ والمصنف في النافع والفاضل في جملة من كتبه وولده والمقداد والكركي وثاني الشهيدين والخراساني والكاشاني على ما حكى عن بعضهم على أنه (لم تبطل) الشفعة (مع البيع) لاطلاق الادلة


(1) سورة المائدة: - الاية 1.

[ 428 ]

و (لانه إسقاط ما لم يثبت). بل قيل: إن ظاهر الانتصار الاجماع على ذلك، قال (مما ظن انفراد الامامية به أن حق الشفيع لا يسقط إلا أن يصرح الشفيع باسقاط حقه) ثم حكى مذاهب العامة إلى أن قال: " قال الشافعي والشعبي: من بيعت شفعته وهو يشاهد لم ينكر فلا شفعة له، والذي يدل على صحة مذهبنا الاجماع المتكرر) إلى آخره وإن كان ستعرف الحال فيه إنشاء الله. (و) لكنه مع ذلك كله في المتن (فيه تردد) بل هو خيرة الارشاد وإن قال: على رأي، وظاهر غاية المراد ومجمع البرهان السقوط، بل قد يلوح الميل إليه في الدروس. بل في النهاية: " إن عرض البائع الشئ على صاحب الشفعة بثمن معلوم فلم يرده فباعه من غيره بذلك الثمن أو أزيد عليه لم يكن لصاحب الشفعة المطالبة، وإن باع بأقل من الذي عرض عليه كان له المطالبة). وقال فيها أيضا (وإذا علم الشريك بالبيع ولم يطالب بالشفعة أو شهد على البيع أو بادل للبائع فيما باع أو للمشتري فيما ابتاع لم يكن له المطالبة بعد ذلك بالشفعة). وفي المقنعة " وإن باع انسان شيئا له فيه شريك على أجنبي والشريك حاضر فأمضى البيع وبادل للمبتاع بطلت شفعته " ثم قال أيضا: " ولو عقد البيع على أجنبي بدون ما عرضه على الشريك كان للشريك الشفعة على المبتاع وقبضه منه ". قيل: وبمعنى عبارة النهاية عبارة الوسيلة وجامع الشرائع. لكن ستعرف أنها أجمع في غير مسألة السقوط بمعنى إنشاء الاسقاط قبل البيع، وكذا عن ابن بابويه السقوط بالسكوت وعدم الانكار مع الحضور.

[ 429 ]

وعلى كل حال فأقصى ما يقال للسقوط: دعوى الشك في ثبوت الشفعة في الحال المزبور، وقد عرفت أن الاصل عدمها، خصوصا مع ملاحظة أن حكمة مشروعيتها الضرر، ولا ريب في عدمه مع الفرض المزبور، بل المنساق من إطلاق الادلة غير الحال المزبور بعد أن لم يكن فيها عموم لغوي بالنسبة إليه. مضافا إلى ما رواه في السرائر بعين عبارة النهاية إلى قوله: " وإن باع بأقل " على أن النهاية وغيرها من الكتب السابقة متون أخبار. بل في النبوي المروى في التذكرة عن جابر (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " الشفعة في كل مشترك في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع " المراد منه الاخذ بالشراء أو تركه. وفي الدروس وغيرها من كتب الاصحاب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2): " لا يحل أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فان باع ولم يأذن فهو أحق به. وفي الاسعاد لبعض الشافعية وفي رواية (3) (لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به). وفي رواية صحيحة (4) في غير مسلم " فهو أحق به بالثمن " إلى آخرها. وعلى كل حال فظاهر تعليق الاستحقاق فيه على عدم الاستئذان يقتضي عدم الاستحقاق معه، ولا استبعاد في شئ من ذلك بعد ثبوت نظيره من إجازة الوارث ما أوصى به الميت قبل الموت، بل يمكن أن لا يكون


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 109. (2) و (3) و (4) سنن البيهقي ج 6 ص 104.

[ 430 ]

ذلك من باب إسقاط الحق قبل ثبوته، بل هو من المقتضي لعدم ثبوت الحق معه. بل لعل المعنى المزبور هو المراد مما في نصوصنا المعتبرة (1) من أن الشريك أحق بالشقص إذا أراد الشريك بيعه، بل في بعضها (2) التصريح بالاحقية المزبورة قبل صدور البيع منه، فانه لا معنى للاحقية حينئذ إلا المعنى الذي ذكرناه وإن كانت الشفعة لا تثبت إلا بالبيع، على أنه مع استمرار الاذن والرضا بعدم الحق له في البيع يكون كالرضا من المتبايعين أو أحدهما على بيع لا خير فيه للمجلس مثلا. وبالجملة لا ينبغي الاشكال في عدمها مع صدور البيع على أنه لا شفعة له باذنه، وليس هو من باب إنشاء الاسقاط قبل حصول متعلقه. ومن هنا ينقدح لك تحرير محل البحث في المسألة، وهو إن كان المراد من النزول عن الشفعة إنشاء إسقاطها قبل حصول متعلقها فلا ريب في أن الاصح عدم السقوط، بل لا يتصور تأثير الانشاء قبل حصول متعلقه مع فرض عدم دليل شرعي. نعم ستعرف في آخر البحث توجيه صحته بناء على ثبوت الحق قبل البيع. وإن كان المراد الاذن القابل للاستمرار فعلا وحكما حتى يتم العقد على مقتضاها فالمتجه حينئذ الصحة. ويكفي في صحة الاذن تعلق الحق على الوجه الذي سمعته من النصوص المزبورة قبل حصول البيع، فمع فرض استمرارها فعلا أو حكما لم يكن له شفعة. وعلى هذا يحمل كلام النهاية وغيرها، لا إنشاء السقوط قبل على وجه يترتب أثره عليه بعد البيع الذي يمكن عدم القائل به. ولعله لذا كان ظاهر الشهيد أن ما في النهاية غير مسألة الاسقاط،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة - الحديث. - 7.

[ 431 ]

بل يمكن أن يكون هذا هو الوجه في فرق المصنف في النافع بين النزول عن الشفعة قبل البيع بمعنى إنشاء الاسقاط وبين الاذن في الابتياع على وجه يراد منه عدم إرادة الشفعة أو ما دل على ذلك. ومن ذلك يظهر لك ما في الرياض من شدة الانكار عليه في فرقه بين المسألة وغيرها من المسائل، وادعى أنه لم يوافقه عليه أحد، نعم حكى عن الارشاد الفرق أيضا، ولكنه بعكسه، فجزم بالسقوط في مسألة النزول عن الشفعة بخلاف باقي المسائل. قلت: يمكن أن يكون وجهه أن ذلك تصريح منه بالاعراض وعدم الارادة على وجه قد استمر حتى وقع العقد، بخلاف المسائل الاخر، فانه لا تصريح فيها، إذ يمكن الجمع بين الشهادة والمباركة والاذن في الابتياع وبين إرادة الشفعة من أول الامر. وحينئذ يكون نزاعا في موضوع. وتفصيل الحال فيه أنه يختلف باختلاف المقامات والقرائن وإلا فكل منها من حيث نفسه لا دلالة فيه، وقد اتضح بذلك والحمد لله الحال في المقام وفي غيره من المسائل الآتية. نعم بقي شئ: وهو أنه قد يقال إن مقتضى ما في غير واحد من النصوص (1) - من كون الشريك أحق متى أراد شريكه البيع - ثبوت الحق له قبل البيع، بحيث لو باع كان له انتزاعه من المشتري، فحق الشفعة حينئذ الثابت له بعد البيع مترتب على الاحقية السابقة على البيع وإن كان لا يأثم بالمخالفة - خلافا لبعض الشافعية - فضلا عن صحة بيعه، فان حق الشفعة بعد البيع لا يفسد معه التصرف وإن كان للشفيع فسخه، وحينئذ فيتجه صحة إنشاء الاسقاط قبل البيع. ولعله إلى ذلك نظر العلامة وغيره ممن قال بصحته، مضافا إلى


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الشفعة.

[ 432 ]

النصوص السابقة، وهذا شئ دقيق وجيد جدا. كل ذلك مع إمكان أن يقال - مع قطع النظر عن هذا كله - يكفي في ثبوت الحكم ما سمعته من أنه لا ريب في حصول الشك في ثبوت الشفعة في الحال المزبور، والاصل عدمها. ودعوى أن العموم في المبيع يستلزم العموم في الاحوال وإلا لما بقي عموم على حاله لاختلاف أحوال أفراد العام بلا إشكال واضحة المنع إذا أريد منها العموم بالنسبة إلى الاحوال على وجه يحكم بها على مقتضى العموم حتى مع الشك، كالعموم اللغوي بالنسبة إلى الافراد، بل لو فرض حصول الشك في إرادة بعض الافراد من العموم اللغوي أمكن القول بعدم حجية العموم فيه حينئذ فضلا عن الاحوال. ومن الغريب بعد ذلك كله دعوى دلالة عبارة الانتصار المزبورة على الاجماع على المسألة، وهي مع أنها أجنبية (1) لانها مساقة لبيان التراخي في مقابل القول بالفور على أنه أطلق فيها السقوط مع التصريح بالاسقاط. كما أنك قد عرفت الحال في مسألة الاسقاط، وأنه إن اريد به إنشاؤه قبل البيع على وجه يؤثر في البيع بعد وقوعه فيمكن دعوى الضرورة - فضلا عن الاجماع - على عدمه، وإن اريد به إرادة عدم الشفعة المستمرة ولو حكما إلى وقوع البيع فقد عرفت أن الاقوى حينئذ عدم الشفعة، والله العالم. (وكذا لو شهد على البيع أو بارك للمشتري أو للبائع أو أذن للمشتري في الابتياع) أو للبائع في البيع (فيه التردد) المزبور، ولكن قد


(1) هكذا في النسختين الاصليتين: المسودة والمبيضة وفي العبارة تشويش، حيث إن خبر قوله: (وهي) غير مذكور، فاما قوله: (مع أنها) زائد حتى يكون (أجنبية) خبر (وهي) أو....

[ 433 ]

عرفت الفرق بينها وبينه. ومن الغريب قوله: (لان ذلك ليس بأبلغ من الاسقاط قبل البيع) ضرورة عدم مدخلية شئ منها في مسألة الاسقاط بمعنى إنشائه نعم لو اريد منه إرادة عدم الشفعة المستمرة موضوعا أو حكما كان حكم الجميع واحدا إن كان المراد منها ذلك أيضا. وعلى كل حال فقد سمعت ما في المقنعة والنهاية ومحكى الوسيلة وجامع الشرائع، وعن كشف الرموز السقوط أيضا، بل حكاه في الاخير عن الصدوقين، وفي جامع المقاصد عن ابن البراج. بل في النافع هنا اختياره كالثالث مع جزمه بعدم السقوط في الاول وإن قال في الرياض (لم أفهم وجها لفرق الماتن بين هذه المواضع ولم أر من قال به، بل أطلق أرباب القولين الحكم فيها عدا الفاضل في الارشاد، ففرق كالماتن، لكن حكم بالبطلان في الموضع الاول عكسه، وتنظر في باقي المواضع، ووجهه أيضا غير واضح وإن كان أنسب من فرق الماتن، لانه في غاية البعد، فان عدم الابطال بالسقوط قبل البيع يستلزم عدمه فيما عداه بطريق أولى، إذ ليس بأبلغ في الدلالة على الابطال من الاسقاط قبل البيع، بل هو أبلغ، فكيف يفرق بينهما بالعدم في الاول والسقوط في الباقي ؟ ! بل العكس أولى، وقد نبه على الاولوية في المسالك). وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه. وعلى كل حال فالحلي والفاضل والمقداد والكركي وثاني الشهدين وغيرهم على ما حكي عن بعض على عدم السقوط بهما، وإليه يرجع ما في المختلف من التفصيل بوجود الامارة على الرضا وعدم وجودها، فانه قول بالعدم. وأما الثالث فالفاضل في بعض كتبه وولده والمقداد والتنقيح وثاني

[ 434 ]

الشهيدين وغيرهم على عدم السقوط، وفي النافع أن الاشبه السقوط، وعن أبي العباس حكايته عن الشيخ في النهاية ويحيى بن سعيد، وقد عرفت تحقيق الحال في الجميع. نعم الظاهر عدم دلالة شئ منها من حيث هي ما لم تقترن بقرائن على ذلك، خصوصا مع قيام احتمال إرادة التمهيد لوقوع البيع، بخلاف ما لو وقع منه الاذن لهما أو لاحدهما في البيع والابتياع بعنوان الاعراض عنها على الوجه الذي قد عرفت الحال فيه، فانه حينئذ لا شفعة له، كما تقدم لك تحقيقه، وكذا كل ما كان من هذه المذكورات أو غيرها دالا على ذلك ولو بقرائن الاحوال، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو بلغه البيع بما يمكن إثباته به كالتواتر أو شهادة شاهدي عدل فلم يطالب وقال: لم اصدق بطلت شفعته) بناء على الفور (ولم يقبل عذره) الذي مرجعه المكابرة، ضرورة كون المفروض طريقا شرعا لثبوته، فهو حينئذ كالمعاينة أو العلم بذلك. نعم لو أخبره عدد لا يبلغ التواتر لكن حصل به الاستفاضة الموجبة للظن الغالب فلم يشفع لم تبطل شفعته، لعدم الدليل على ثبوت البيع بذلك ما لم يصل إلى حد العلم فيجب حينئذ. بل في المسالك " الاقوى كونه عذرا وإن قلنا بثبوته بها، للخلاف في ذلك، فكان عذرا، هذا إذا اعترف بحصول العدد الموجب لها ولم يكن مذهبه ثبوته بذلك بالاجتهاد أو التقليد وإلا لم يعذر كالشاهدين ". وفيه ما لا يخفى. بل فيها أيضا " أنه لو قال: لم يحصل لي باخبارهم الظن الغالب فهو عذر وإن حصل لغيره، لان ذلك أمر نفساني لا يمكن معرفته إلا من قبله " (و) لا يخفى ما فيه أيضا.

[ 435 ]

نعم (لو أخبره صبي أو فاسق لم تبطل وصدق) في العذر (1) لعدم ثبوته شرعا بذلك ولو كانوا جماعة غير عدول ما لم يصل إلى حد الاستفاضة التي عرفت الحال فيها. ولو صدق الخبر ففي المسالك " في عذره بالتأخير بعده وجهان من أن التصديق لا يستند إلى علم ولا سند شرعي فلا عبرة به، ومن إمكان استناده إلى القرائن، فان الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم لا ينحصر في العدل ولعل هذا أوجه ". قلت: بل لا وجه لغيره، ضرورة أنه ليس وراء العلم شئ من أين ما حصل. (وكذا لو أخبره واحد عدل لم تبطل شفعته، وقبل عذره، لان الواحد ليس حجة) واحتمال قبول عذره حتى مع حصول العلم معه ولو من القرائن المفيدة له واضح الفساد، وما أبعد ما بين ذلك وبين احتمال الاكتفاء به ما يعلم كذبه، لعموم حجية العدل. والذي يقوى اعتبار التعدد في مثل المقام المشتمل على خصوصية يندرج بها في الشهادة كما حررنا ذلك في محله. ثم إن ظاهر المسالك ثبوت البيع على وجه تسقط الشفعة مع عدم الفور بها لغير عذر باعتراف المتبايعين، وفيه أن اعترافهما إنما هو حجة عليهما لا أنه مثبت للموضوع واقعا بحيث يترتب عليه الحكم المتعلق بغيرهما، فتأمل، والله العالم. هذا (و) عرفت فيما سبق أنه (لو جهلا) أي الشفيع والمشتري (قدر الثمن) وتصادقا على ذلك لنسيان أو شراء وكيل


(1) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة، وفى النسخة المخطوطة بقلمه الشريف (وصدق في الغذر عن الفور بها).

[ 436 ]

وقد مات أو غير ذلك (بطلت الشفعة لتعذر تسليم الثمن) المعتبر في الشفعة على الوجه الذي قد عرفته. بل لعله كذلك وإن دفع الشفيع قدرا يشتمل عليه مع فرض عدم قبول المشتري التبرع المزبور، لما فيه من المنة، بل وإن قبله في وجه قوي مع احتمال الاجتزاء، لصدق تسليم الثمن وزيادة. بل وكذا الكلام في جهل خصوصية وإن دارت بين أمرين وسمح بهما الشفيع، والله العالم. (ولو كان المبيع في بلد ناء) والفرض أنه معلوم للشفيع (فأخر المطالبة) بالشفعة والاخذ بها مع حضور المشتري وعدم عذر بل لم يمكن ذلك منه إلا (توقعا للوصول) حتى يقبض الشقص (بطلت الشفعة) بناء على الفور بلا خلاف أجده بين من تعرض له، لعدم ثبوت كون ذلك عذرا، فعليه أن يأخذ حينئذ ويدفع الثمن وإن تأخر قبض الشقص، لما عرفت من وجوب تسليم الشفيع الثمن أولا لكونه جزء مملك أولا. بل لو قلنا باعتبار التقابض فيها فالظاهر وجوب الفور فيها أيضا وإن كان هو حينئذ الاخذ القولي، ويبقى تسليم الثمن موقوفا على تسلم الشقص، وهو حكم آخر غير الشفعة. لكن قد عرفت سابقا جعل بعضهم انتظار بلوغ الثمرة والزرع عذرا معللا له بالضرر على الشفيع بتعجيل دفع الثمن مع مشغولية الشقص، ولعل نحوه يأتي في مثل المقام. اللهم إلا أن يفرق بكون المانع في الاول بقاء يد المشتري على الشقص بخلافه هنا، فانه ليس إلا عدم وصول الشفيع إلى ماله الذي قد خلي بينه وبينه، والفرض معلوميته له، والله العالم.

[ 437 ]

(ولو بان الثمن) المعين (مستحقا) للغير ولم يجز (بطلت الشفعة، لبطلان العقد) الذي هو عنوانها (وكذا لو تصادق الشفيع والمشتري على غصبية الثمن) المزبور (أو) عدم قابليته ثمنا وإن لم يكن مثبتا للبطلان في نفس الامر بحيث يمضي في حق البائع إلا أن الحق منحصر فيهما فيقبل ذلك في حقهما. بل لو (أقر الشفيع) خاصة (بغصبيته) مثلا قبل الاخذ بها (منع من المطالبة) لعموم " إقرار العقلاء " (1) وإن لم يكن ذلك مثبتا للبطلان في حق غيره. (وكذا) تبطل الشفعة (لو تلف الثمن المعين قبل قبضه) عند الشيخ والفاضل في محكي المبسوط والتذكرة (لتحقق البطلان) في البيع الذي هو عنوان الشفعة. ولعله كذلك لكن (على تردد في هذا) ينشأ مما عرفته سابقا في الاقالة والرد بالعيب: من أن حق الشفعة ثابت بالبيع، فلا يقدح فيه طرو الفسخ، سواء كان سابقا أو لاحقا بعد أن كان من حينه لا من أصله. ومن هنا جزم ثاني الشهيدين ببقائها كالمحكي عن الفاضل في المختلف وولده والشهيد. لكن قال في القواعد " ولو تلف الثمن المعين قبل قبضه فان كان الشفيع قد أخذ الشقص رجع البائع بقيمته وإلا بطلت الشفعة على إشكال ". قلت: لعل منشأه ما عرفت، وكأنه أراده في الدروس والمسالك في حكاية القول بالتفصيل وإن تركا حكاية ذكر الاشكال فيه، وإلا فلم نعرفه قولا لاحد منا ولا من العامة. وعلى كل حال فقد يدفع الاشكال المزبور بأن حق الشفعة مع سبقه


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2.

[ 438 ]

يقدم على غيره من التصرفات الواقعة من البائع والمشتري وإن كانت فسخا باقالة أو رد بعيب، لا أنه يقدم على المبطل الشرعي الذي لا يتصور فسخ حق الشفعة له على نحو فسخ الاقالة والرد بالعيب. وثبوته مع البطلان المقتضي لكون الشقص ملكا للبائع والشفيع إنما يأخذ من المشتري لا يطابق الادلة الشرعية، كما لا يطابقها أيضا ضمان المشتري قيمة الشقص، خصوصا بعد أن لم يكن في يده، وقد شفع به الشفيع، وهو في يد البائع. واحتمال أن للشفيع باعتبار سبق حصول سببه وهو البيع الصحيح فسخ الانفساخ المزبور تحكيما لدليل الشفعة عليه يدفعه أنه ترجيح لما دل على الشفعة المقتضي لذلك على ما دل على البطلان الشرعي المقتضي لبطلان حق الشفعة، مع أن الترجيح للاخير من وجوه. فالتحقيق حينئذ عدم استحقاق الشفيع الاخذ مع كون التلف قبله بل قيل خصوصا إذا قلنا بأن تلف الثمن قبل القبض من مال المشتري كما أن تلف المبيع قبل القبض من مال البائع، على معنى تقدير رجوع كل منهما إلى مالكه قبل التلف آناما، وحينئذ فلا ثمن للبائع على المشتري حتى يأخذه الشفيع به وإن كان فيه ما فيه. نعم لو كان الاخذ قبله اتجهت الصحة، للاصل الذي لا ينافيه بطلان البيع من حينه الذي هو بمعنى استحقاق قيمة الشقص على المشتري باعتبار تنزيل أخذ الشفيع له منزلة التلف. اللهم إلا أن يقال: إن البطلان هنا أولى من بطلانها بفسخ البائع فان الحكم الشرعي بكون ملك المشتري له مراعى بعدم تلف الثمن قبل قبضه أولى بتبعية الشفعة له من تبعيتها لفسخ البائع، فتأمل جيدا. بل قد يقال بسقوطها أيضا بالانفساخ الحاصل بالتحالف بين البائع

[ 439 ]

والمشتري مع عدم علم الشفيع بالحال، لكونه أيضا انفساخا شرعيا لا وجه لفسخ الشفيع له المقتضي لرده إلى المشتري حتى يأخذه منه بالثمن الذي حلف البائع على نفيه كما حلف المشتري على نفي ما ادعاه البائع، فصار كأنه مبيع بلا ثمن، فلا وجه لاخذ الشفيع له بعد انفساخه بما عرفت. أو قلنا بأن للبائع فسخه بذلك وإن لم ينفسخ قهرا. لكن في موضع من القواعد بعد أن ذكر أن للشفيع فسخ الاقالة والرد بالعيب قال " ولو قلنا بالتحالف عند التخالف في قدر الثمن وفسخنا البيع فللشفيع أخذه بما حلف عليه البائع لاخذه منه هنا ". وقال فيها في موضع آخر " ولو اختلف المتبايعان في الثمن وأوجبنا التحالف أخذه بما حالف عليه البائع، لان للبائع فسخ البيع، فإذا أخذه بما قاله المشتري منع منه، فان رضي المشتري بأخذه بما قال البائع جاز، وملك الشفيع أخذه بما قال المشتري، فان عاد المشتري وصدق البائع وقال: كنت غالطا فهل للشفيع أخذه بما حلف عليه ؟ الاقرب ذلك ". قلت: قد ينساق في بادئ النظر أن المتجه بناء على الانفساخ قهرا بذلك وفرض حصول تمام التحالف بينهما عدم الاخذ بالشفعة، لعدم إمكان فسخ الانفساخ المزبور ورد العين إلى المشتري على وجه يكون دركها عليه، لاقتضاء بطلان ما أفاده القضاء الاول بالتحالف. ودعوى أن الاخذ حينئذ يكون من البائع على وجه يكون الدرك عليه خلاف المستفاد من أدلة الشفعة التي مقتضاها الاخذ من المشتري والدرك عليه. لكن فيه أن التخالف المزبور إنما يقتضي الفسخ من حينه بين البائع والمشتري، والفرض سبق تعلق حق الشفعة، فيتجه حينئذ القول بأنه يأخذ بما يقتضيه البيع الاول قبل الفسخ، فيضمن حينئذ المشتري قيمة

[ 440 ]

الشقص للبائع، كما إذا رد البائع الثمن بالعيب بعد أن أخذ الشفيع الشقص بشفعته، ولكن مقتضى ذلك الاخذ بما يقوله المشتري حينئذ، لا ما يقوله البائع، بل مقتضاه حينئذ كون الاخذ منه دون البائع، ضرورة استحقاق الشفيع الانتزاع منه، فلا مدخلية للبائع، وفائدة تحالفه تكون لضمان المشتري له الشقص لا ما ادعاه من الثمن الذي حلف المشتري على نفيه. ومن ذلك يظهر لك أنه لا وجه لما في جامع المقاصد من أن المتجه على التحالف بقاء الدعوى بين الشفيع والبائع، ويكون كالدعوى بين الشفيع والمشتري، ضرورة أنك قد عرفت أخذ الشفيع من المشتري المعترف بكون الثمن كذلك، فلا دخل للبائع الذي يرجع في الفرض إلى قيمة الشقص لا إلى الثمن. كما أنه يظهر لك النظر فيما سمعته من القواعد فتأمل جيدا، فان المسألة من المشكلات. ولا يسهل الخطب فيها أن المشهور بين أصحابنا عدم التحالف، بل القول قول البائع مع قيام العين والقول قول المشتري مع تلفها، إذ يمكن فرضها في صورة التحالف عند الاصحاب، كما إذا كان الاختلاف في جنس الثمن، بأن قال البائع: إنه كذا حنطة مثلا وقال المشتري: إنه كذا شعيرا، فانه لا ريب في كون الحكم هنا التحالف، ويأتي البحث السابق. ولتكن عند التأمل مستحضرا لمدخلية دفع الثمن في تملك الشقص وأن الاخذ من المشتري والدرك عليه، وأن التحالف إنما هو في حق المتحالفين، وأن الشفيع حقه على المشتري دون البائع وأن الفسخ الطارئ على البيع الصحيح بسبب من المتعاملين أو مطلقا لا يبطل الشفعة وغير

[ 441 ]

ذلك، ينفعك في المقام ونظائره، والله العالم والهادي. (ومن حيل الاسقاط) ولو بمعنى إيجاد ما يمنع رغبة الشفيع بأخذه، والظاهر عدم الكراهة في ذلك للاصل فضلا عن الحرمة، أللهم إلا أن يقال بعد التسامح باشعار الادلة بها باعتبار مراعاة الشريك، والامر سهل. وهي كثيرة ولكن منها (أن يبيع بزيادة على (عن خ ل) الثمن) الذي يبذل في مثله على وجه لا يرغب فيه معها (و) لكن مع المواطأة بينهما على أن (يدفع ب‍) مقابلة (الثمن) الزائد (عوضا قليلا، فان أخذ الشفيع لزمه الثمن الذي تضمنه العقد، وكذا لو باع بثمن زائد فقبض بعضا وأبرأه من الباقي) للمواطأة على ذلك. ولكن لا يخفى أن ظاهر المصنف وغيره لزوم الثمن للمشتري مع المواطأة المزبورة على وجه لو فرض خلف البائع في ذلك استحقها على المشتري، بل كاد يكون ذلك صريح كلامهم. لكن في التحرير (لو خالف أحدهما ما تواطئا عليه فطالب صاحبه بما ظهر لزمه في ظاهر الحكم ويحرم عليه في الباطن، لان صاحبه إنما رضي بالعقد للتواطؤ). وهو - مع ما فيه من صعوبة تصور خلف المشتري في المواطأة على وجه يلتزم بسببه في الكثير - أنه لا يطابق ظاهر الادلة، إذ أقصاه مخالفة الوعد أو ما يشبهه، ولا إثم فيها على الاصح فضلا عن حرمة المال، وتنزيله على الشرط المضمر على وجه يكون للمشتري دون الشفيع كما ترى، نعم لو تواطئا على الاقرار في الظاهر فطالبه البائع مثلا بذلك كان حراما عليه في الباطن، ولكنه غير مفروض المسألة قطعا. والانصاف أن المسألة محتاجة إلى تنقيح على وجه يظهر منه ما هو

[ 442 ]

المعروف من عدم جواز الصلح عن الحقوق بحيث تؤدي إلى سقوطها بأمثال هذه الحيل، وله مقام آخر. (وكذا) من حيلها على وجه لا يتعلق حقها (لو نقل الشقص بغير البيع كالهبة أو الصلح) ونحوهما مما لا يتعلق به حق الشفعة، لما عرفته سابقا من أن موضوعها انتقال الشقص بالبيع دون غيره من النواقل وهو واضح. كوضوح تصور أمور كثيرة للرغبة عنها أو غير ذلك مما تقتضي عدم أخذ الشفيع بها وإن أكثر بعضهم في الامثلة لذلك، والله العالم. (ولو ادعى) الشفيع (على) غير (ه الابتياع فصدقه وقال: نسيت الثمن فالقول قوله مع يمينه) كما صرح به الفاضل والشهيدان والكركي، لانه لا يعلم إلا من قبله، ولو لم يقبل لزم التخليد في الحبس على تقدير صدقه. وحينئذ (فإذا حلفه) ويأس من العلم (بطلت الشفعة) بمعنى عدم ترتب أثر على استحقاقها، لتعذر العلم بالثمن الذي قد عرفت توقف الاخذ عليه، لكن إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة في تعجيل القبول منه من دون تبين حاله بأنه مدع، فان الاصل عدم النسيان. وعلى الاول فان لم يحلف وقضينا بالنكول فان كان الشفيع يدعي العلم بقدر معين ثبت وأخذ بالشفعة به، وإن لم نقض به حلف الشفيع على ما يدعيه وأخذ به. وإن كان لا يدعي العلم به وإنما يدعي علم المشتري ففي المسالك " احتمل عدم سماع الدعوى بعد ذلك، لعدم إمكان الحكم بشئ وإحلاف الشفيع على أن المشتري يعلم وحبس المشتري حتى يبين قدره ". قلت: لا يخفى عليك جريان مسألة النكول السابقة هنا أيضا.

[ 443 ]

ولو ادعى الشفيع العلم بالثمن من أول الامر من غير دعوى العلم به على المشتري وادعى المشتري النسيان فهل يثبت بيمين الشفيع هنا ؟ ففي جامع المقاصد فيه نظر. قلت: أقواه العدم. ولعله كذلك لو صادقه على النسيان، وهو المناسب لاطلاق المصنف وغيره أنه إذا حلف على النسيان بطلت الشفعة سواء ادعى الشفيع العلم به أو لا. ولو ادعى المشتري أن عدم العلم بالثمن لانه كان عرضا قيميا وأخذه البائع وتلف في يده ولا أعلم قيمته فالقول قوله مع يمينه بلا خلاف ولا إشكال، وكذا لو قال " أخذه وكيلي ولا أعلم به " أو نحو ذلك مما هو غير مناف للاصل، وهو ممكن، ولو لم يقبل منه يلزم تخليده في السجن، والله العالم. هذا كله إذا كان الجواب بنحو ما سمعت. (أما لو قال: لم أعلم كمية الثمن) مقتصرا على ذلك (لم يكن جوابا صحيحا و) في القواعد والتحرير وجامع المقاصد والمسالك (كلف جوابا) صحيحا (غيره) معللا في أول الاخيرين باجماله واحتماله، وفي ثانيهما بأنه " مشترك بين أن يكون لا يعلم ابتداء من حين الشراء، وهو غير مسموع، لاقتضائه بطلان البيع، وأن يكون غيره من الوجهين السابقين، فلابد من تفصيله، وحينئذ فيلزم بجواب مسموع فان أصر حبس حتى يجيب ". قلت: قد ينافش بأن احتماله للصحة كاف في صحته، ولا داعي إلى عقوبته بحبسه حتى يجيب معينا له. (و) كيف كان ففي المتن وغيره وإن كنا لم نتحققه (أنه قال الشيخ: يرد اليمين) حينئذ (على الشفيع) ويقضى على المشتري بما يحلف عليه، أي مع فرض دعوى العلم به، أما بدونه فلا، لعدم إمكان حلفه. نعم في المسالك " لو فرض دعوى الشفيع هنا عدم علمه لكن

[ 444 ]

ادعى علم المشتري حلف على ذلك وألزم المشتري البيان، ثم إن عين قدرا وطابقه عليه الشفيع حكم بمقتضاه، وإلا فاشكال ". قلت: لا يخفى عليك ما في أصل القول المزبور ضرورة كون المتجه إلزامه بالبيان لا القضاء بيمين الشفيع كما هو واضح، والله العالم. (المقصد الخامس) (في التنازع) (وفيه مسائل:) (الاولى:) (إذا اختلفا) أي الشفيع والمشتري (في) قدر (الثمن) بعد اتفاقهما على وقوع الشراء فقال المشتري: ألف مثلا وقال الشفيع: خمس ماءة (ولا بينة فالقول قول المشتري مع يمينه) عند الشيخين وسلار وأبي الصلاح والقاضي وبني زهرة وإدريس وسعيد والفاضل والشهيد وغيرهم، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لا يكاد يوجد فيه خلاف إلا من الاسكافي وظاهر ثاني الشهيدين في المسالك، بل في الغنية الاجماع عليه (لانه الذي ينتزع الشئ من يده) ولانه الذي هو أعرف بالعقد ولانه الغارم، ولانه ذو اليد، ولانه الذي يترك لو ترك، ولان المشتري

[ 445 ]

لا دعوى له على الشفيع، إذ لا يدعي شيئا في ذمته ولا تحت يده، وإنما الشفيع يدعي استحقاق ملكه بالشفعة بالقدر الذي يعترف به الشفيع والمشتري ينكره، ولا يلزم من قوله اشتريته بالاكثر أن يكون مدعيا عليه وإن كان خلاف الاصل، لانه لا يدعي استحقاقه إياه عليه، ولا يطلب تغريمه إياه. لكن مع هذا كله مال في المسالك إلى تقديم قول الشفيع وفاقا للاسكافي مناقشا في بعض الادلة السابقة في الاول، فمنع (بمنع خ ل) كون المالك لا تزال يده عن ملكه إلا بما يدعيه، فقد يقدم قول المنكر في كثير في البيع وغيره، خصوصا مع تلف العين، وتخصيص هذا بما إذا كانت العين باقية ليكون كتقديم قول البائع في الثمن مع بقاء العين فيه - مع كونه تخصيصا لمدعى (لدعوى خ ل) القائل بغير رضاه - أن تقديم قول البائع حينئذ ليس لهذه العلة، بل لرواية (1) وردت في ذلك كما تقرر في بابه، ومن ثم خالف فيه جماعة وأطرحوا الرواية إما لضعف سندها أو لمخالفتها للاصول وقدموا قول المشتري مطلقا أو حكموا بالتحالف إلى غير ذلك من الاختلاف، وتعدية الرواية إلى موضع النزاع مع تسليمها في موردها قياس لا يقولون به ". وفي الثاني بأن " النزاع ليس في العقد، لاتفاقهما معا على وقوعه صحيحا واستحقاق الشفعة به، وإنما النزاع في القدر الواجب على الشفيع دفعه إلى المشتري من الثمن، فالمشتري يدعي زيادته عما يدعيه الشفيع والشفيع ينكره، فيكون المشتري هو المدعي والشفيع هو المنكر ". ثم اعترض على نفسه بأن العقد لا يتشخص إلا بالثمن المعين، فيكون الاختلاف فيه في قوة الاختلاف في العقد، لان المتشخص منه بالالف


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب احكام العقود - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 446 ]

غير المتشخص منه بالخمسمأة، فيرجع إلى الاختلاف في العقد، وهو أعلم به، لانه من فعله دون الشفيع. أجاب بأن القدر من العقد الواقع على الشقص من كون الخمسمأة لازمة أمر متفق عليه، وإنما النزاع فيما زاد على ذلك، وهو راجع إلى دعوى المشتري وإنكار الشفيع، على أن هذا لو تم لزم تقديم مدعي الزيادة في كل معاوضة، سواء كانت العين باقية أم لا، وهم لا يقولون به. ثم اعترض على هذا بأن عقد البيع مثلا إنما يقوم بالمتعاقدين فليس أحدهما أولى من الاخر، فلذا لم يقدم قول مدعي الزيادة مطلقا، بخلاف الشفيع الذي هو خارج ويريد انتزاع العين بما يدعيه ممن كان لعقد عقده. وأجاب بفرض وقوع العقد مع البائع ووكيل المشتري أو بالعكس ثم تنازعا من دون حضور الوكيل، فيلزم تقديم قول من وقع العقد معه ولا يقول به الخصم، إلى أن قال: وبالجملة فمرجع التقديم إلى كونه منكرا والاخر مدعيا نظرا إلى الخبر (1) أما غيره من الاعتبارات فلا التفات إليها من الشارع، وإنما هي مناسبات لا تفيد العلة. وفي الاخير بأنه - مع منافاته لظاهر الخبر - (2) لا يتم بعد أخذ الشفيع بالشفعة إما برضا المشتري بتأخير الثمن في ذمته أو مطلقا بناء على أن أخذه المعتبر في التملك بذله الثمن المتفق على لزومه لذمته لا ما يدعيه المشتري، فإذا أخذ الشفيع بما اعترف به ملك الشقص وبقي النزاع بينه وبين المشتري في القدر الزائد، ولو كان ملكه متوقفا على إعطاء المشتري


(1) و (2) اشار إلى قوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعى واليمين على من أنكر) المروى في الوسائل في الباب - 25 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 447 ]

ما يدعيه لزم إمكان دفعه عن التملك بسهولة، كدعوى قدر كثير لا يسمح به الشفيع من غير أن يثبته المشتري، وعموم الادلة تنفيه. ولا يخفى عليك ما في كلامه الاخير، ضرورة عدم اقتضاء اتفاقهما على لزومه كونه الثمن الذي وقع عليه العقد، فكيف يتصور تملكه به مع عدم ثبوت كونه ثمنا ؟ ! ومجرد دعواه لا تثبته، وأصالة عدم الزيادة لا تصلح لاثبات كون الثمن هو الناقص. نعم لو فر ض اتفاقهما على الثمن وأخذ الشفيع برضا المشتري بكونه في ذمته ثم اختلفا فيه بعد ذلك أمكن تصوره حينئذ، لكنه - مع أن فيه ما فيه إذا فرض إبراز كيفية الدعوى بينهما في تشخيص ما اتفقا عليه سابقا من الثمن - أيضا خارج عن محل النزاع الذي هو اختلافهما ابتداء فيه. ومن هنا يعلم أيضا ما في تفصيل صاحب الكفاية - الذي تصيده من هذه العبارة وعبارة الكركي - بين وقوع النزاع قبل الاخذ وبينه بعده، فيقدم قول المشتري في الاول والشفيع في الثاني، مضاف إلى ما في الريا ض من أنه خرق للاجماع المركب. وأما ما ذكر من المنافاة للخبر ففيه أنه لا يقتضي كون الشفيع هو المنكر، ضرورة أنه إن كان مبناه الرجوع إلى العرف فلا ظهور فيه بأنه المنكر دون المشتري إن لم يكن العكس، ومنه يعلم ما في قوله: وبالجملة إلى آخره. وأغرب من ذلك قوله في الجواب عن المناقشة الاولى " القدر في العقد الواقع على الشقص مع كون الخمسمأة لازمة أمر متفق عليه) إلى آخره، ضرورة أنه لا اتفاق بعد فرض كون النزاع بينهما، في شخصي العقد الذي لا قدر مشتر ك بينهما فان الخمسمأة في ضمن الالف

[ 448 ]

غيرها مستقلة ثمنا فكيف يمكن حصول قدر متيقن بينهما والنزاع في غيره ؟ ! فليس هما إلا متباينان، وما بينهما من الاتفاق الانتزاعي لا مدخلية له في تشخيص كونه ثمنا كما هو واضح بأدنى تأمل. ومنه ينقدح أنه يتوجه كون كل منهما مدع بالنسبة إلى ذلك، لمخالفتهما للاصل كما ذكرناه فيما لو اختلف المتعاقدان وقد أبرز الدعوى في تشخيص العقد، فضلا عن المقام الذي عنوان الحكم فيه نصا وفتوى الثمن الذي وقع عليه شخص العقد، ولا ريب في عدم حجية قول أحد منهما في ذلك . نعم يتوجه اليمين للشفيع على المشتري في نفي ما ادعاه من الثمن، كما أنه قد يقال بتوجه اليمين للمشتري عليه أيضا في نفي ما ادعاه مع احتمال عدمه، لانه لا فائدة فيه بعد وقوع اليمين منه. ولكن على كل حال لا يثبت بذلك أن الثمن هو ما ذكره أحدهما إلا مع رد اليمين من أحدهما، وإلا فمع عدمه ينتفي ما ذكره كل واحد منهما، إلا أنه لا طريق متيقن لتملك الشفيع الشقص إلا بدفع ما يقوله المشتري، لاصالة عدم الانتقال، وليس ذلك منهما مؤديا إلى جهالة الثمن التي قد عرفت اقتضاؤها عدم الشفعة، ضرورة العلم به لكل منهما. وإن اختلفا في قدره فمع دفع الشفيع ما يدعيه المشتري يتوجه له التملك، لانه ثمن على التقديرين، وليس في الادلة ما يقتضي منع التملك مع دفع الزيادة على الثمن المعلوم عند الدافع، نعم حكمها الحرمة على المشتري مع كذبه وحلها له مع صدقه، و * * * * هو أمر آخر، وهو جيد لكن لم أعثر عليه قولا لاحد منا، بل ولا احتمالا وإن وافق المشهور في النتيجة، وهو الاخذ بما يدعيه المشتري، إلا أنه ليس لثبوت كونه ثمنا بقوله ولكن لا يقين بملك الشفيع بدونه. وليس في شئ من الاصول بل ولا ما ذكرناه من أدلة المشهور

[ 449 ]

ما يقتضي كون قول المشتري بيمينه من الطرق الشرعية لاثبات كونه الثمن الذي وقع عليه شخص العقد. ولكن مع ذلك كله لا محيص عن العمل بالمشهور المحكي عليه الاجماع في الغنية الذي تطمئن النفس هنا بصوابه، والله العالم. هذا كه مع عدم البينة لكل منهما (و) إلا ففي محكي المبسوط والتذكرة والتحرير أنه (إن أقام أحدهما بينة قضي له) وهو كذلك بناء على ما ذكرناه من أن كلا منهما مدع. أما على المشهور فقد يشكل سماع بينة المشتري الذي هو منكر وفرضه اليمين، وقد ذكرنا في كتاب القضاء أنه لا تندفع اليمين عنه باقامة البينة. وعن حواشي الشهيد أن الاقرب القبول وإن كان في دفع اليمين عن المنكر بالبينة في غير هذه الصورة تردد، ووجه الفرق أنه يدعي دعوى محضة وقد أقام بها بينة، فتكون مسموعة. وفيه شهادة على ما ذكرناه سابقا من كون المشتري مدعيا، ومن هنا أشكله في جامع المقاصد والمسالك، بل في الاول منها أنه لا يخلو من تدافع. قلت: قد يقال: إن تقديم بينة المشتري عند القائل به ليس لكونه منكرا صرفا بل هو مدع، إلا أن قوله مقبول فيما ادعاه على وجه يقدم على الشفيع كالودعي الذي يدعي الرد مثلا، فان قبول قوله بيمينه لا يمنع من قبول بينته لكونه مدعيا، وليس كل من قبل قوله بيمينه منكرا، بل لعل بعض ما سمعته من أدلة القائلين بتقديم قول المشتري كالصريح في ذلك. وبذلك يظهر لك ما في دعوى بعض من أن ما في الخلاف والمبسوط - من أنه لو أقام كل منهما بينة حكم ببينة المشتري - يوافق ما سمعته من

[ 450 ]

الاسكافي من أن المنكر الشفيع وإلا لم تقدم بينة المشتري الذي هو الداخل مع أنه يمكن أن يكون ذلك لان مذهبه تقديم بينة الداخل كما حكي عنه، إلا أن ما ذكرناه أولا أولى كما يشهد له ما عن الخلاف من تعليل تقديمه بأنه مدعي الزيادة، فيكون الوجه في تقديم بينته أنه كان يقدم قوله بدونها فمعها أولى ولا أقل من تعارض البينتين من المدعيين إلا أنه يرجح بينة المشتري بتقديم قوله بدونها فيقوى جانبه بذلك. ومن هنا يظهر لك ضعف ما تسمعه من قول المصنف " وفيه احتمال للقضاء ببينة الشفيع، لانه الخارج " بل في قواعد الفاضل وجامع المقاصد ومحكي السرائر والتذكرة والكفاية أنه الاقرب، بل عن الفخر الميل إليه. ولعله لتقديم بينة الخارج بناء على أنه الشفيع والداخل المشتري، وإن كان فيه ما عرفت من احتمال منع كونه من ذلك، لان كلا منها مدع وإن قدمنا قوله مع عدم البينة على حسب ما عرفت. ولذلك قال في المختلف بعد أن اختار تقديم بينة المشتري " وهذا بخلاف الداخل والخارج، لان بينة الداخل يمكن أن تستند إلى اليد، فلهذا قدمنا بينة الخارج، وفي صورة النزاع البينة تشهد على نفس العقد كشهادة بينة الشفيع ". ومراده في الحقيقة ما ذكرناه من أن كلا منهما مدع وإن قدم قوله مع عدم البينة للاجماع المزبور ونحوه، بل هو مرجح لبينته لا أنه يكون به منكرا. وحينئذ فمناقشة الكركي وثاني الشهيدين له بأن تقديم بينة الخارج عند القائل به ليس لذلك فقط، بل لقوله (صلى الله عليه وآله) (1):


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 451 ]

" البينة على المدعي واليمين على من أنكر " والخارج مدع في غير محلها بعد ما عرفت. بل إليه يرجع ما عن الخلاف من تعليل تقديمه بأن المشتري يدعي زيادة الثمن والشفيع ينكره، أي فهو بحكم المنكر ولو من وجه، نعم يحكى عن مبسوطه التعليل بأنه داخل فتقدم بينته. وكيف كان فلا يخفى ما في كلامهم من التشويش، وسببه عدم تنقيح الامر أولا، والتحقيق ما عرفت من كونهما مدعيين على الوجه الذي ذكرناه، فتأمل جيدا. ولعله لذا كان المحكي عن جامع الشرائع القول بالقرعة هنا، إذ ليس إلا لان تنازعهما في العقد، ولا داخل ولا خارج، إذ لا يد لهما، فصارا كالمتنازعين في عين في يد غيرهما، فتجب القرعة كما اعترف بذلك في المختلف وإن ناقشه في جامع المقاصد بأن تنازعهما في استحقاق العين بالثمن المخصوص، وبأن القرعة في الامر المشكل الذي لم يدل النص على حكمه وما نحن فيه ليس كذلك، أي باعتبار قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " لكن فيه ما عرفت من احتمال عدم كونه منكرا عنده، بل مدع قدم قوله، لكونه أعرف بالعقد أو نحو ذلك، وأنه باعتبار التنازع في التشخيص صار دعوى كل منهما مباينة للاخرى ليس بينهما قدر مشترك متفق عليه كما أوضحناه سابقا، نعم يتجه عليه أنه لا إشكال مع الترجيح بما عرفت، والله العالم. (و) كيف كان فقد صرح الشيخ والفاضل والكركي والشهيدان على ما حكي عن بعضهم بأنه (لا تقبل شهادة البائع لاحدهما) بل لا أجد فيه خلافا صريحا.


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 452 ]

نعم يحكى عن السرائر أنه اقتصر على عدم قبول شهادته للشفيع، لانه يدفع عن نفسه ضرر الدرك، وربما أشعر بقبولها للمشتري، لكن لم أجد من حكاه. وفي قواعد الفاضل والدروس أنه يحتمل القبول على الشفيع مع القبض وله بدونه، بل قيل قد استحسنه في التذكرة وقواه في الحواشي وكأنه مال إليه في الايضاح. وعلى كل حال ففي جامع المقاصد والمسالك تعليل عدم القبول مطلقا بأنها تجر نفعا على التقديرين، وهو استحقاق الثمن الكثير وبدله إن ظهر مستحقا أو رد العين إن شهد للمشتري، بل ربما كان له غرض بعود المبيع إليه بفسخ المشتري إذا علم بالعيب أو الغبن ويخشى فوات ذلك بأخذ الشفيع فينفره من الاخذ بكثرة الثمن والتخلص من ضمان درك الزيادة لو شهد للشفيع، بل ربما حاول بذلك إسقاط خيار الغبن أو قلة الارش لو ظهر الم‍ بيع معيبا، بل ربما كان عالما بالعيب ويتوقع المطالبة بأرشه وربما خاف رد المشتري له بالعيب أو الغبن دون الشفيع، فيرغبه في الاخذ بتقليل الثمن إلى غير ذلك مما لا يخفى ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه في كتاب الشهادات. بل ذكروا فيها ما يعلم منه عدم كون المقام من رد الشهادة بجر النفع الذي هو عندهم ما يكون الشاهد به مدعيا كشهادة الشريك لشريكه ونحو ذلك، بل لا جر نفع بعد إقرار المشتري بالثمن. نعم ما نحن فيه من كون الشاهد متهما، لكن قد ذكرنا عدم ردها بمطلق التهمة، بل التهمة المخصوصة المستفادة من الادلة. ولعله لذا قال بعض المعاصرين: إن الاقوى القبول مطلقا، ولكنه مخالف لمن عرفت، ويمكن الاستدلال له بما عن المبسوط من تعليله بأنها

[ 453 ]

شهادة على فعله، والمنساق من إطلاق الادلة خلافه. وأما احتمال التفصيل المزبور المستفاد من السرائر فلا وجه معتد به له كالتفصيل الذي سمعته من الفاضل ولعل الاولى عدم القبول مطلقا والله العالم. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا تفصيل الحال في الصور الاربعة وهي عدم البية أو البينة للمشتري أو للشفيع (و) الرابعة التي هي (لو أقام كل منهما بينة) وأن الاولى فيه ما ذكره المصنف من أنه (حكم ببينة المشتري و) إن كان (فيه احتمال للقضاء ببينة الشفيع لانه الخارج) لكن قد عرفت تفصيل الحال فيه، والله العالم. (ولو كان الاختلاف بين المتبايعين) في قدر الثمن (ولاحدهما بينة حكم بها) بلا خلاف ولا إشكال بناء على التحالف مع عدمها، أما على القول بتقديم قول المشتري مطلقا فيشكل سماع بينته على وجه يسقط عنه اليمين بما عرفت من أنه منكر ووظيفته اليمين. بل وعلى المشهور من أن القول قول البائع مع بقاء السلعة والمشتري مع تلفها، بناء على أن كل من كان القول قوله كان هو المنكر، فلا تسمع منه البينة، لان عليه اليمين، فيشكل حينئذ سماعها من البائع مع البقاء ومن المشتري مع التلف. لكن قد عرفت ما يعرف منه الجواب عن ذلك كما أنه قد تقدم في كتاب البيع (1) تحقيق الحال في المسألة بجميع أطرافها. (و) منه ما (لو كان لكل منهما بينة) وإن (قال الشيخ) في المبسوط: (الحكم فيها) حينئذ (بالقرعة) عندنا التي هي لكل أمر مشتبه، ومنه هذا.


(1) راجع ج 23 ص 184 - 186.

[ 454 ]

(و) لكن (فيه إشكال لاختصاص القرعة بموضع اشتباه الحكم) كما اعترف به (ولا اشتباه مع الفتوى) من المشهور (ب‍) الخبر المزبور (1) المتضمن (أن القول قول البائع مع يمينه مع بقاء السلعة، فتكون البينة) هنا (بينة المشتري) كما صرح به الفاضل والكركي والشهيد في المحكي من حواشيه، واستحسنه في المسالك، بل قيل إنه قضية كلام التذكرة والايضاح، إذ الفرض بقاء العين التي يأخذها الشفيع، فيكون هو الخارج الذي تقدم بينته بناء على القول به. بل ربما تجشم لكون البائع منكرا من غير جهة قبول قوله إنه لما عين السبب وشخصه بوقوع الثمن على الزائد لم يكن معترفا بالملك مطلقا بل على ذلك الوجه الذي إن ثبت ثبت به الثمن المخصوص، فيكون منكرا لما يدعيه المشتري، فوجب عندهم تقديم بينة المشتري وإن كان هو كما ترى. نعم في الايضاح " أن بينة المشتري مقدمة ولو قلنا بالتحالف مع عدم البينة لانها مخالفة لاصلين: انتقال الملك ورضا البائع بهذا العوض وبينة البائع تخالف أصلا، وهو عدم رضا المشتري بالزيادة، أي فيكون المشتري هو الخارج الذي تقبل بينته ". مع أنه يمكن أن يناقش أيضا بأنه مع اعتبار الاصلين لا معنى للتحالف، بل يتعين حلف المشتري، وإلا فلا معنى لترجيح بينته بهما. بل ناقشه في جامع المقاصد بأن أصالة عدم انتقال الملك إليه قد زالت باعتراف البائع بحصول البيع الناقل للملك وإن كان قد يدفع بامكان إرادة أصالة عدم انتقال الملك إلا بما يقوله مالكه.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب احكام العقود - الحديث 1 من كتاب التجارة

[ 455 ]

لكن التحقيق مع إبرازهما الدعوى على وجه يكون كل منهما مدعيا ومنكرا يتجه قول الشيخ بالقرعة مع عدم الترجيح، وزيادة مخالفة الاصول على فرض تسليمها لا تقتضي جعله مدعيا بحيث ترجح بينته على الاخر. وإن أبرزها على وجه يكون البائع مدعيا والمشتري منكرا أو بالعكس إن أمكن فرضه بني على مسألة ترجيح بينة الداخل والخارج، والله العالم. (و) كيف كان فعن قضية كلام المبسوط أنه (إذا قضي بالثمن تخير الشفيع في الاخذ بذلك وفي الترك) حتى في صورة عدم البينة لاحدهما، وحلف البائع باعتبار أن القول قوله لقيام، العين التي يريد الشفيع أخذها، فضلا عن صورة ما لو أقام بينة بذلك بناء على قبولها منه. ووجهه أنه الثمن شرعا، والشفيع إنما يأخذ به، بل قيل: إنه لو أوجب الشارع غيره أو أجازه لتضاد الحكمان، وقد قال (عليه السلام): " لا يحكم في قضية بحكمين مختلفين " وإن كان فيه أن ذلك كذلك مع اتحاد الحكم والمحكوم عليه وله، بخلاف المقام الذي المحكوم عليه المشتري والمحكوم له الشفيع. بل قد يناقش في الاول أيضا في صورة الحلف بأنه إنما يثبت الثمن في حق المشتري دون غيره، بل وفي صورة البينة أيضا بعد تكذيب المشتري لها الذي يأخذ الشفيع منه. ومن هنا كان خيرة الفاضل وولده والشهيدين والكركي الاخذ بما يدعيه المشتري مطلقا، لان الشفيع إنما يأخذ منه ويدفع إليه اللثمن، وهو يزعم أن البائع ظالم بأخذ الزائد، فلا يظلم هو الشفيع فيه بعد الاقرار

[ 456 ]

منه النافذ في حقه. بل عن الفاضل والشهيد التصريح بذلك حتى لو رجع إلى قول البائع وقال " كنت ناسيا " إلا أن يصدقه الشفيع. ولكن قد يقال بناء على اعتبار دفع الثمن الواقعي من الشفيع في التمليك والفرض عدم علم الشفيع وعدم ثبوت الواقع منه بقول المشتري خاصة: يتجه توقف الحكم بتملك الشفيع على دفع الثمن الواقع، وليس إلا ما يقوله البائع خصوصا مع إقامة البينة التي فرض قبولها منه. ومجرد اعتراف المشتري بكون الثمن كذلك لا يثبت الواقع نعم مع مصادقة الشفيع له على ذلك يتجه الحكم بالتملك، لا لثبوت ذلك واقعا، بل لكون الحق منحصرا فيهما، فمع اتفاقهما عليه يحكم بالملك، بخلاف ما إذا انفرد المشتري، فان الاقرار في حقه لا يصير كون الثمن كذلك على وجه يحكم بحصول الملك للشفيع المعتبر فيه دفع الثمن في نفس الامر على وجه لو رضى الشفيع (1) بالاقل لم يملك بانشاء الاخذ إلا إذا ثبت في ذمته ثم يبرؤه المشتري منه. وحينئذ ففي المقام لا يحكم لتملكه الشقص إلا بدفع ما يعلم كونه الثمن وإن كان لا يجوز للمشتري مطالبته بالزائد، بل ولا يملكه إن كان في نفس الامر صادقا، ولعله إلى هذا نظر المصنف والشيخ. ولكن مع ذلك فيه ما فيه باعتبار أن العين في يد المشتري، وهو مقر للشفيع باستحقاق انتزاعها منه بكذا، فلا يلزم بغيره. ثم إن الظاهر عدم الفرق في المسألة بين الاختلاف في قدر الثمن وبين الاختلاف في قيمته لو فرضا عرضا وقلنا بالشفعة به وقد تلف، لجريان


(1) هكذا في النسخة الاصلية المبيضة والمسودة، والظاهر أنه سهو من قلمه الشريف والصحيح (المشترى) بدل (الشفيع).

[ 457 ]

جميع ما سمعته فيه. لكن في القواعد بعد أن جزم بأن القول قول المشتري في الاول قال هنا " قدم قول المشتري على إشكال " ولم يظهر لنا وجه معتد به له. ولو اختلفا في الغرس والبناء فقال المشتري: أنا أحدثته وأنكر الشفيع قدم قول المشتري، لانه ملكه، والشفيع يطلب تملكه عليه، فالاصل عدم تعلق حقه به، والله العالم. المسألة (الثانثة:) (قال في الخلاف) ومحكي المبسوط (إذا ادعى أنه باع نصيبه من أجنبي فأنكر الاجنبي قضي بالشفعة للشريك بظاهر الاقرار، و) لكن (فيه تردد) وخلاف (من حيث وقوف الشفعة على ثبوت الابتياع) ولم يحصل، بل قد انتفى بيمين الاجنبي. (ولعل الاول أشبه) عند المصنف باصول المذهب التي منها إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وفاقا للفاضل والشهيدين والكركي، للاقرار المزبور الذي لا ينافيه عدم نفوذه في حق المشتري بعد إنكاره له والشفعة تتبع البيع، ولو الحاصل بالاقرار الذي هو أحد الطرق في ثبوته ولو بالنسبة للمقر، ولذا لو صدقه المشتري ثبتت الشفعة بمجرد الاقرار. ولكن بالغ الحلي في إنكار ذلك فقال: " إن الذي تقتضيه اصول أصحابنا ومذاهبهم أن الشفعة لا تستحق إلا بعد ثبوت البيع، ويستحقها ويأخذها من المشتري دون البائع، والبيع ما صح ولا وقع ظاهرا، ولا يحل لحاكم أن يحكم بأن البيع حصل وانعقد، فكيف يستحق الشفعة في بيع لم

[ 458 ]

يثبت عند الحاكم ؟ ! وكيف يأخذها من البائع ؟ ! وأيضا الاصل أن لا شفعة فمن أثبتها احتاج إلى دليل قاطع، وهذه المسألة حادثة نظرية لا يرجع فيها إلى قول المخالفين) إلى آخره. وهو في غاية الجودة، خصوصا بعد ما سمعته منا من عدم ثبوت البيع باقرار المشتري مع البائع، فضلا عن البائع خاصة، ومن مخالفة الشفعة للاصل التي ينبغي الاقتصار فيها على المتيقن فضلا عما كان المنساق من الادلة خلافه، ومن الاجماع بقسميه على أن الشفيع يأخذ من المشتري على وجه يكون دفع الثمن جزء مملك. ومعلومية عدم ثبوت الموضوع بالاقرار الذي هو حجة على المقر نفسه لا أنه يثبت موضوعا علق الشارع عليه حكما، والاخذ بالشفعة مع التصادق بين الشفيع والمشتري ليس لثبوت الموضوع، بل لان الحق منحصر فيهما، وقد اعترفا به، ولا يبعد هنا مع فرض تصادق الشفيع مع البائع أن يكون له الاخذ مع دفع الثمن للحاكم بناء على عموم ولايته لمثل هذا. ودعوى ثبوت البيع في حق الشفيع لو صدق البائع المشتري قد عرفت ما فيها سابقا. ومن الغريب ما في المسالك وغيرها من أنه " إن أقر البائع بقبض الثمن دفعه الشفيع للحاكم، لانه مستحق عليه ولا يدعيه أحد، وإلا كان للبائع أخذه قصاصا " ضرورة عدم تماميته بناء على مدخليته في التملك، والمقاصة التي ذكرها لا وجه لها بعد عدم ملك المشتري له، وخصوصا بعد إحلافه المشتري. ثم قال: " ولا يثبت الدرك على المشتري، بعدم ثبوت البيع بالنسبة إليه، بل يبقى على البائع " وفيه أنه لا وجه لكون دركه عليه بعد إقراره بكون الشقص ملكا لغيره.

[ 459 ]

وبالجملة فان كان المراد ثبوت الشفعة بالاقرار المزبور على وجه يترتب عليه حكمها الذي منه بطلانها مع عدم الفور ونحوه فلا ريب في عدم ثبوت ذلك باقراره مع المشتري فضلا عن أحدهما خاصة، وإن كان المراد أن للشفيع الاخذ مؤاخذة للمقر باقراره فلا بأس به، ولكن في المقام لادرك على أحد، والثمن يقبضه الحاكم بناء على عموم ولايته لمثل ذلك وإن كان فيه منع واضح. نعم لو رضي المدعى عليه الشراء بالقبض أمكن القول بحصول تمام المملك على مقتضى إقرار البائع وإلا فهو مشكل. وعلى كل حال فلا إشكال في أن للبائع إحلافه إذا لم يكن قد قبض الثمن، بل ومع قبضه من الشفيع وإن استشكل فيه في القواعد، بل هو مقتضى عدم الترجيح في غيرها، لانتفاء فائدتها بعد قبضه الثمن. لكن فيه أن دفع الدرك أمر مطلوب، على أن ما قبضه من الشفيع ليس هو عين حقه، فله الاحلاف لاجل تحصيل حقه، بل له ثمرات اخر غير ذلك. مضافا إلى صدق كونه مدعيا وهو منكر. وأما الشفيع فله إحلافه أيضا كما صرح به غير واحد بناء على قبول الدعوى منه وإن لم يكن جازما بها تحصيلا لاقراره وضمانه الدرك وغير ذلك، مضافا إلى الصدق المزبور، ولعله لذا نفى الشك عنه في محكي الايضاح على القولين لاثبات الشفعة أو الدرك، والله العالم.

[ 460 ]

المسألة (الثالثة:) (إذا ادعى أن شريكه ابتاع بعده) على وجه يستحق الشفعة عليه (فأنكر فالقول قول المنكر مع يمينه) بلا خلاف أجده بين من تعرض له، كالشيخ والقاضي والحلي والفاضل والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل ولا إشكال، لاصالة عدم تحقق شرط المنفعة. ولا ينافي ذلك أصالة عدم تقدم شرائه، فان ذلك لا يرفع الشك في تحقق الشرط بعد تعارض الاصول حتى أصل عدم الاقتران، فمع فرض جهالة التاريخ أو مطلقا على ما تكرر منا يحصل الشك في تحقق الشرط، فعلى مدعيه الاثبات. وحينئذ (فان حلف أنه لا يستحق عليه شفعة جاز، ولا يكلف اليمين أنه لم يشتر بعده) وإن كان قد أجاب به بلا خلاف أجده أيضا بين المتعرضين له، ولعله للاكتفاء بذلك في بطلان دعواه. لكن قد يناقش بأن ظاهر قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " كون كيفية اليمين على ما وقع منه من الانكار. ولذا كان المحكي عن بعض وجوه الشافعية وجوب الحلف على نفي الاخص إن أجاب به، لانه لم يجب به إلا ويمكنه الحلف عليه، ولانه مع الجواب له ينحصر سقوط حقه بما ذكره، نعم لو أجاب من أول


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 461 ]

الامر بالاعم لم يكلف غيره وإن كان لهم وجه أيضا بوجوب الحلف بالاخص حينئذ على طبق الدعوى. لكنه واضح الضعف بعد فرض كون الجواب صحيحا، لانه يمكن أن يكون قد اشترى بعده ولكن سقطت الشفعة بمسقط ولا يسطيع إثباته لو ادعاه، وقد حررنا المسألة في كتاب القضاء، إذ لا تخص المقام، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (ولو قال كل منهما: أنا أسبق فلي الشفعة فكل منهما مدع) كما صرح به الفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعض لاصالة عدم تقدم أحدهما على الاخر، بل مقتضى إطلاقهم عدم الفرق بين العلم بتأريخ شراء أحدهما وجهالة الاخر وعدمه، وهو مؤيد لما تكرر منا من أن ذلك لا يجدي في الحكم بتأخر عنه على وجه يترتب عليه الحكم لو فرض كونه عنوانا كما في المقام. (و) حينئذ ف‍ (مع عدم البينة) لاحدهما (يحلف كل منهما لصاحبه، وتثبت الدار بينهما) بلا شفعة لاحدهما على الاخر. لكن قد يشكل ذلك بأنهما دعويان مستقلان لا دعوى واحدة يكون الحكم فيها بالتحالف، فيتجه حينئذ فيها أن يقال: إنه إن سبق أحدهما بالدعوى أو كان عن يمين صاحبه وقلنا بالترجيح أو أقرع الحاكم في استخراج تقديم أيهما في الدعوى مع فرض تقارنهما يسمع دعواه، ويحلف المنكر مع عدم البينة، فان نكل حلف المدعي وقضي له، ولم تسمع دعوى الاخر بعد استحقاق خصمه ملكه، بناء على اعتبار بقاء الملك في استحقاق الشفعة. نعم لو حلف ولم ينكل سقطت دعوى خصمه عليه الشفعة، وبقيت له الدعوى بها عليه، فإذا ادعى بها وحلف خصمه استقر الملك بينهما

[ 462 ]

على الشركة بلا شفعة، وإن نكل حلف هو وشفع إن أراد، وصار الكل له كما صرح بذلك في موضع من القواعد، بل هو المحكي عن المبسوط والمهذب والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد، ولا ريب في ظهور منافاته لما هنا من سماع الدعويين معا والتحالف. أللهم إلا أن يقال: إن المراد بالتحالف في كلامهم على الوجه المزبور، لا التحالف الذي هو في دعوى واحدة، كالاختلاف في ثمن مبيع واحد أنه الدابة أو العبد مثلا. لكن قد ينافيه قولهم أخيرا: إذا أقام كل منهما بينة فالتساقط أو القرعة، ضرورة ظهوره في كونه دعوى واحدة. وربما دفع بأن المراد منه إذا أقام المدعي عليه بينة بأنه السابق بعد قيام البينة من خصمه على أنه السابق سمعت منه من غير إنشاء دعوى مستأنفة، لان كلا منهما مدع سلطنة على ملك الاخر، فله أن يدفعها عن نفسه، كما سمعت بينة المشتري إذا اختلف هو والشفيع في الثمن، مع أن الشفيع هو المدعي، وكما تسمع بينة البائع إذا اختلف هو والمشتري مع بقاء العين. وفيه أن مقتضى ذلك كون الدعوى واحدة فيها التحالف نحو غيرها من مسائل الثمن ونحوه مما يكون فيه التحالف. ولعل الاولى أن يقال: إن الفرض وإن كان في الظاهر دعويين، باعتبار أن كلا منهما يدعي الشفعة في شقص الاخر فهما شفعتان، إلا أنه يمكن إبرازهما على وجه يكون كالدعوى الواحدة التي فيها التحالف باعتبار أن كلا منهما يدعي السبق الذي هو واحد. على أن الدعوى لا تجاب بالدعوى، بل حتب تنتهي الاولى إذا كانت مستقلة عنها لا ربط لها بها، بخلاف المقام ونحوه الذي يكون

[ 463 ]

مقتضى أحدهما فساد الاخرى وصالحة لان تكون جوابا عنها، كما في المقام فان جواب الخصم بأني الاسبق يقتضي بطلان دعواه السبق المستحق به الشفعة. ولعله لذا كان ظاهر الاصحاب في المقام أنها دعوى واحدة يكون فيها التحالف، وحينئذ يقع النظر فيما سمعت من الشيخ وغيره. أللهم إلا أن يفرض أنهما اختارا إبرازها بعنوان دعويين مستقلين، فحينئذ يأتي الكلام السابق الذي هو البدأة باحداهما على حسب غيرها من الدعاوي، فإذا انتهت توجهت الاخرى إن بقي لها محل، فتأمل جيدا، فانه لا يخلو من دقة، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو كان لاحدهما بينة بالشراء مطلقا لم يحكم بها، إذ لا فائدة فيها و) لا نزاع بينهما في الشراء المطلق الذي لا يثبت الشفعة. نعم (لو شهدت لاحدهما بالتقدم على صاحبه قضي بها) كما صرح به الشيخ وغيره ممن تعرض له على ما حكي عن بعض، لوجود المقتضي وانتفاء المانع، فيقضى بها حينئذ وإن كان للاخر البينة المطلقة التي لا فائدة فيها. لكن قد يناقش بأنها أعم من اقتضاء الشفعة، إلا أن يكون مورد النزاع بينهما كذلك، لا أنه أمران: السبق واستحقاق الشفعة، كما هو ظاهر المتن. واحتمال الاكتفاء بالشهادة على المقتضى وإن لم يعلم اقتضاؤه لاحتمال مقارنة المانع واضح الضعف، فتأمل. (ولو كان لهما بينتان بالابتياع مطلقا أو في تأريخ واحد) على وجه لا سبق لاحدهما (فلا ترجيح) ضرورة عدم الفائدة في المطلقة

[ 464 ]

كما عرفت، واقتضاء الثانية عدم الشفعة بينهما لعدم السبق من أحدهما، كما هو واضح. (ولو شهدت بينة كل واحد منهما بالتقدم) على وجه يحصل التعارض (قيل) والقائل الشيخ والقاضي فيما حكي عنهما والكركي (تستعمل القرعة وقيل) ولكن لم نجد القائل به منا (سقطتا وبقي الملك على الشركة). ولا ريب أن الاول هو الاقوى لحصول الاشتباه الذي هو مورد القرعة بعد عدم إمكان العمل بهما معا بالقسمة وإن احتمله في محكي التذكرة لكنه بعيد، فيحلف حينئذ من خرج اسمه ويقضى له، أو يحكم له بلا يمين، كما حررنا ذلك في كتاب القضاء. ومنه يعلم ضعف ما ذكره المصنف من القول الذي مقتضاه بقاء الملك مشتركا بينهما بلا تحالف إسقاطا للبينتين المعلوم حجية إحداهما. بل وما عن الايضاح من التساقط والتحالف تنزيلا لهما منزلة العدم بعد استحالة الترجيح، ومال إليه في المسالك قال " وليس الحكم باليمين مع سقوط البينة ببعيد كما هو مع إقامتها، وهذا لا يخلو من قوة " وكأنه لعدم تحريره المسألة في كتاب القضاء، ضرورة معلومية عدم سقوط البينة عندهم بحال، كضرورة كون القاعدة عدم اليمين معها، فليس حينئذ إلا القرعة بعد عدم إمكان القسمة بجعل الشفعة لكل منهما في النصف لعدم تبعض الشفعة، والله العالم.

[ 465 ]

المسألة (الرابعة:) (إذا ادعى) الشريك على شريكه أنه انتقل إليه الشقص ب‍ (الابتياع وزعم الشريك أنه ورث وأقاما) معا (البينة) على دعواهما (قال الشيخ: يقرع بينهما، لتحقق التعارض) بين الابتياع والارث ولا ترجيح، فيشتبه الحال في صدق أيهما، فيستخرج بالقرعة، لانها لكل أمر مشتبه. وضعف بعدم الاشتباه وعدم التعارض، لان الشفيع هو الخارج والمدعي حقيقة، باعتبار طلبه انتزاع ملك الشريك الذي مقتضى الاصل بقاؤه، ويخلى وسكوته، ويترك لو ترك، فتكون بينته أرجح، لعموم " البينة على المدعي " (1) ولانه ربما عولت بينة الارث على أصالة بقاء الملك إلى حين الموت، فانتقل بالارث، لعدم علمها بصدور البيع، وبينة الشراء اطلعت على أمر زائد، فلا تعارض بينهما حيث يكون البائع هو الموروث. ومن هنا كان خيرة الفاضل والشهيدين والكركي على تقديم بينة الشفيع. لكن لا يخفى عليك أن حاصله تقديم بينة الخارج على الداخل الذي هو الشريك باعتبار كون القول قوله مع عدم البينة، والبحث في تقديمها أو بينة الداخل حررناه في كتاب القضاء. لكن قد يقال: إن ذلك حيث يكون جواب الشريك عدم الابتياع لا الارث أو الانتقال بالصلح أو نحو ذلك مما يكون به مدعيا زيادة على


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 466 ]

الانكار، وحينئذ يتجه ما يقوله الشيخ، ضرورة كون كل منهما مدعيا امرا خارجا عن الاصل، وكون القول قول الشريك مع عدم البينة لو اقتصر على الانكار لا يقتضي كونه كذلك حتى إذا ادعى أمرا آخرا، والفرض أنه أقام البينة عليه. وتظهر الثمرة أنه لو لم تكن إلا بينته لم يكن عليه اليمين وإن قلنا إن المنكر لا تسقط عنه اليمين بالبينة، ولعل التأمل في بعض كلامهم في مسألة الايداع يشهد بذلك في الجملة، خصوصا بعد ظهوره في القرعة مع المنافاة، فتأمل جيدا. ولو أقام الشفيع بينة أنه كان لزيد مثلا لم تفسده، ضرورة عدم ثبوت البيع بها، بل لو أقر زيد بالبيع أيضا فكذلك، لانه إقرار في حق الغير، ولا يكون بذلك شاهدا، لما عرفته سابقا من عدم قبولها على فعل نفسه، وما ذكروه من جر النفع بها، وليست الشفعة من حقوق العقد التي يقبل فيها قول البائع باعتبار كونه إقرارا في حق نفسه، وإنما الشفعة حق ثابت بالاستقلال للشريك بسبب البيع. ولو ادعى الشريك أن زيدا باعه إياه وصدقه زيد على ذلك ولكن الشريك يقول: إني ورثته من أبي لم تثبت الشفعة أيضا، إذ تصديق زيد لا يمضي إقرارا على غيره، ولا شهادة على فعله، كما عرفته سابقا، والله العالم. (ولو ادعى الشريك) بزعم المدعي أن الشقص في يده على جهة (الايداع) من مالكه والشفيع أنه في يده على وجه الابتياع فان لم يكن لاحدهما بينة فالقول قول مدعي الوديعة الذي مرجعه إلى إنكار استحقاق الشفعة عليه، لان الاصل عدمها. ولو أقام كل منهما بينة (قدمت بينة الشفيع، لان الايداع لا ينافي

[ 467 ]

الابتياع) كما في القواعد والتحرير، وهو كذلك حيث يكون كذلك، إذ صور المسألة أربع وعشرون: لانهما إما أن يكونا مطلقتين أو مؤرختين، أو بينة الايداع مؤرخة والاخرى مطلقة أو بالعكس، وعلى تقدير التأريخ فاما أن يتحد أو يتقدم تأريخ الابتياع أو تأريخ الايداع، فالصور ست ثم على جميع التقادير إما أن تتعرض كل واحدة من البينتين للملك للبائع والمودع بأن تقول بينة الشفيع: إن البائع باع ما هو ملكه، وبينة الايداع: إنه أودع ما هو ملكه أو لا تذكرا ذلك أو تذكر إحداهما دون الاخرى، فالصور أربع مضروبة في الست السابقة ترتفع إلى أربع وعشرين صورة. وقضية الاطلاق السابق تقديم بينة الشفيع في جميعها عدا صورة واحدة ذكرها المصنف ناسبا حكمها * * * * * * * إلى الشيخ مشعرا بتردد فيه. ولكن تحقيق الحال أنه لا إشكال في عدم التنافي مع إطلاقهما، بل ومع تقديم بينة الايداع في التأريخ على بينة الابتياع، بل وكذا لو كانت بينة الايداع مطلقة وبينة الابتياع مؤرخة. بل في المسالك " لا منافاة مع سبق تأريخ بينة الابتياع أيضا، لاحتمال أن البائع غصبه بعد البيع ثم رده إليه بلفظ الايداع فاعتمده الشهود، وهذا وإن كان خلاف المعروف من معنى الايداع إلا أن بناء ملك الايداع على ظاهر الامر، وعقده على التساهل، ومن ثم اكتفى فيه بالفعل فسهل الخطب فيه " ونحوه عن التذكرة. ولكنه كما ترى، ضرورة عدم صلاحية مثل ذلك للجمع بين البينتين وإلا فمثله يأتي في بينة الابتياع، نعم يمكن فرضه بامكان شرائه منه بعد بيعه له ثم إيداعه له. وعن المبسوط والدروس تقييد تقديم بينته بما إذا كانتا مطلقتين أو كانت بينة الابتياع متأخرة التأريخ أو مقيدة بأن البائع باع ما هو ملكه

[ 468 ]

ولم تقيد بينة الابتياع. وفيه أنه لا يتم إطلاق عدم التنافي في الاخيرة، ولكن ترجح هي على بينة الايداع بذكر الملك إن صلح مرجحا. وأشكل من ذلك دعوى عدم التنافي فيما لو اتحد التأريخان على وجه لا يمكن الجمع بينهما، بأن قالت إحداهما بعد الزوال بلا فصل: أودعه والاخرى: باعه منه، ضرورة وضوح التنافي، سواء تعرض فيهما لكونه أودع ملكه أو باعه أو لم يتعرض فيهما، أو تعرض في إحداهما دون الاخرى. ولعله لذا كان المحكي عن الدروس فيها القرعة، بل هذه أولى بالتوقف من الصورة التي أشار إليها المصنف بقوله: (ولو شهدت بالابتياع مطلقا وشهدت الاخرى أن المودع أودعه ما هو ملكه في تأريخ متأخر قال الشيخ) في محكي المبسوط والفاضل والشهيد في محكي التذكرة والدروس: (قدمت بينة الايداع) قبل المكاتبة إلى المودع وبعدها إن صدق (لانها انفردت بالملك) فكانت أقوى، إذ لا يحتمل كون المودع غير مملوك بخلاف البيع، فجاز أن يكون غير مملوك، وحينئذ فيستصحب حكم الوديعة، بخلاف ما لو تقدم الايداع الذي يجوز أن يتعقبه البيع. (ويكاتب المودع، فان صدق قضي ببينته، وسقطت الشفعة) لانه يكون بمنزلة شهادة إحدى البينتين لواحد بالملك والاخرى بالتصرف فان الاول أقوى، لاحتمال التصرف غير المملك (الملك خ ل). (وإن أنكر قضي ببينة الشفيع) لانتفاء حقه بتكذيب بينته فتسقط، وتبقى بينة الشفيع بغير معارض، فيجب العمل بها، إذ فيه أنه مع ذلك لا تنافي البيع، لان الشهادة بالملك الايداعي يكفي فيها الاستناد

[ 469 ]

إلى العلم بالملك في زمان متقدم مع عدم العلم بالمزيل الطارئ، وعدم العلم به لا يدل على عدمه، فحينئذ بينة الابتياع تشهد بأمر زائد لا تعارضها الاخرى فيه وإن لم تصرح بالملك، والله العالم. (ولو شهدت بينة الشفيع أن البائع باع وهو ملكه، وشهدت بينة الايداع مطلقة قضي ببينة الشفيع) لعدم التنافي (ولم يراسل المودع لانه لا معنى) ولا فائدة (للمراسلة هنا) إذ لو صدق قوله لم يلتفت إلى قوله بعد قيام البينة على بيعه الذي لا ينافيه وقوع الايداع الممكن كون البيع بعده. وبالجملة فالمدار في الصور كلها على عدم التنافي أو الرجحان، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (إذا تصادق البائع والمشتري أن الثمن) المعين (غصب وأنكر الشفيع فالقول قوله) لان إقرارهما إنما هو في حقهما، فيجب رد الثمن على المقر له، ولا يملك المشتري نماء الشقص المتخلل بين الشراء والشفعة دونه، فيستصحب بقاء حقه الثابت بالاتفاق الاول (و) يأخذ بالشفعة مع كون الدرك على المشتري، بل (لا يمين) لهما (عليه) بعد إقرارهما السابق (إلا أن يدعي عليه العلم) فيحلف على نفيه، كل ذلك لا أجد فيه خلافا بين من تعرض له كالشيخ والفاضل والكركي وثاني الشهيدين، لكن لم يتعرضوا لحكم الثمن. نعم في المسالك " ويبقى حكم الثمن الذي يعترف به الشفيع، فان المشتري يزعم أنه لا يستحقه لفساد الشراء، وكذلك البائع، فطريق التخلص منه أن يأخذه المشتري، ويدفعه إلى البائع ليأخذه مقاصة عن قيمة الشقص لزعمهما أنه غير مستحق لاخذه، فان بقي من الثمن بقية عن القيمة فهي

[ 470 ]

مال لا يدعيه أحد، ومحلها الحاكم " وهو جيد مع رضا المشتري الذي لا يستحق المطالبة بالقبض. ولو أقر الشفيع والمشتري خاصة لم تثبت الشفعة، لفساد البيع في حقهما دون البائع، وعلى المشتري رد قيمة الثمن أو مثله إلى صاحبه الذي حال بينه وبينه. وفي القواعد " ويبقى الشقص حينئذ معه بزعم أنه للبائع، ويدعي عليه وجوب رد الثمن والبائع ينكرهما، فيشتري الشقص منه اختيارا ويتبارئان، فللشفيع في الثاني الشفعة ". وهو جيد إن انتقل الثمن الذي في يد البائع إلى المشتري بطريق شرعي إذا اريد الشراء به، إذ دفع القيمة للحيلولة لا يملك به، ومع ذلك لا يحتاج إلى المبارئة، أللهم إلا أن يفرض شراؤه بثمن كلي ينطبق على ما في يد البائع، والامر سهل. ولو أقر الشفيع والبائع خاصة رد البائع الثمن على المالك، لنفوذ إقراره فيه، وليس له مطالبة المشتري بالشقص لانه إقرار في حق الغير. ولا شفعة بعد اعتراف الشفيع بفساد البيع، والله العالم. المسألة السادسة: لو ادعى على من في يده الشقص الشراء فقال: إني اشتريته لفلان وكان حاضرا ففي القواعد وغيرها " سئل فان صدق ثبتت الشفعة عليه وإن قال: هو ملكي لم اشتره انتقلت الحكومة إليه ". قلت: قد يناقش في اعتبار السؤال بناء على عدم اعتبار دفع الثمن في الملك، أو اعتباره وقلنا بقيام الحاكم باطلاق ما دل على ثبوتها

[ 471 ]

ببيع الشريك ونفوذ إقراره بالشراء له في حقه بالنسبة للشفيع، ولا يسقط دعوى كونه للغير. وربما يرشد إلى ذلك ما عن التذكرة والتحرير والدروس من الجزم بالحكم بها عليه لو كذبه الخصم. وفي جامع المقاصد ومحكي الايضاح أنه الاقرب، نعم في القواعد على إشكال من دون ترجيح، كالمحكي عن الشهيد في الحواشي، ووجه بأنه قد نفاه عن نفسه بنسبته إلى الغير، ودفع بتكذيب الغير له، فيبقى إقراره مسموعا على ما في يده. وفيه أن تكذيب الغير له لا يبطل إخراجه له عن نفسه فليس حينئذ إلا الحكم ظاهرا بكون الشراء له حتى يعلم، فمع عدم العلم يحكم بكونه له ويؤخذ منه والدرك عليه، وهو إن تم ينبغي أن يكون كذلك مع الحضور من غير حاجة إلى السؤال، بل مع فرض عدم العلم بكون الغير المنسوب إليه مالكا لم يسمع منه ذلك في حق الشفيع. وبالجملة فكلامهم لا يخلو من تشويش. وكيف كان ففي جامع المقاصد وعن الايضاح " أن الثمن يدفع للحاكم إلى أن يظهر مالك " وعن حواشي الشهيد أنه يبقى في يد الشفيع إلى أن يدعيه المقر له، أو يدفع إلى الحاكم إلى أن يدعيه المقر الذي هو الخصم ". قلت: قد يشكل ذلك من أصله بناء على اعتبار دفع الثمن للمشتري في تملك الشقص، وهو غير متحقق هنا لنفي المقر له بالتكذيب والمقر بالاقرار، وقيام الحاكم مقام المشتري في ذلك لا دليل عليه، نعم لو قلنا بالملك بالاخذ يتجه ذلك، ويكون حكمه كالمال المقر به لزيد، وهو ينفيه وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الاقرار.

[ 472 ]

هذا إن لم نقل بالحكم في ظاهر الشرع عليه بالشراء وإلا الزم بالقبض، فان امتنع أو تعذر قام الحاكم مقامه، فتأمل جيدا. وإن كان المنسوب إليه غائبا ففي القواعد وجامع المقاصد ومحكي التذكرة والتحرير والدروس انتزعه الحاكم ودفعه إلى الشفيع إلى أن يحضر ويكون على حجته إذا قدم أي وقال: هو ملكي لم أشتره، وإلا فإذا صدق أو كذب فالحكم ما سمعته. نعم قد يشكل ذلك كله بما عرفت بناء على اعتبار دفع الثمن في التملك، والضرر بتأخير حق الشفيع لا يدفع بالضرر على ذى المال بأخذ ماله قبل وصول الثمن إليه مع أن الشفعة على خلاف الاصل. ولعله لذا احتمل في التحرير الانتظار حتى يحضر، وهو جيد وإن كان يجري فيه ما سمعت أيضا. ولو قال: " اشتريته للطفل " وله عليه ولاية ففي جامع المقاصد ومحكي التذكرة والحواشي والدورس ثبوتها لما قيل من أنه يملك الشراء، فيملك إقراره فيه - وإن كان قد ينتقض في الوكيل - ولصحة إخبار المسلم ولانه يقبل إقراره بدين عليه كما يومئ إليه قوله تعالى (1) " فليملل وليه بالعدل " لكن عن التحرير " أن الاقرب العدم، لانه إقرار على الصغير فلا ينفذ " وهو كما ترى. ولو أقر بالشراء بعد أن اعترف أنه ملك لغيره لم يسمع لكونه إقرارا باثبات حق الشفعة على مال الغير، بل لعله كذلك في المولى عليه بناء على عدم نفوذ إقراره عليه، وهو بخلاف ما لو أقر بالشراء ابتداء فان الملك ثبت له به فيتبعه الحق فيه.


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282.

[ 473 ]

المسألة السابعة: لو أنكر المشتري ملكية مدعي الشفعة افتقر ذو الشفعة إلى البينة إن لم تكن له يد، وإلا كفت يده التي هي سبب شرعي في الحكم بالملك، وإن قال في القواعد " وفي القضاء له بها إشكال " بل عن التحرير الجزم بعدم كفايتها والافتقار إلى البينة، ووجه بأن دلالتها ضعيفة على الملك، فيقتصر فيها على عدم الانتزاع منه بالدعوى وعدم الاحتياج إلى البينة دون استحقاق انتزاع ملك الغير قهرا المخالف للاصل. إلا أن ذلك كما ترى، نعم قد يقال: إن له اليمين عليه وإن اقتصر على نفيه عنه من دون دعواه له. المسألة الثامنة: لو ادعى على أحد وارثي الشفعة العفو فشهد له الاخر الذي له الشفعة أيضا لم يقبل بناء على رجوع حصة العافي إليه، بل لو عقب ذلك بالعفو ثم شهد لم تقبل على ما صرح به الفاضل والشهيد والكركي، لاستصحاب الرد وإن كان لا يخلو من إشكال، أما لو شهد ابتداء بعد العفو فلا إشكال في القبول. ولو ادعى عليهما معا مثلا العفو فحلفا ثبتت الشفعة، ولو نكل أحدهما فان صدق الحالف الناكل فالشفعة لهما بالحلف والتصديق، ودرك ما يأخذه الناكل على المشتري لترتب يده على يده وإن كان السبب اعتراف الشريك الاخر.

[ 474 ]

ولا يرد يمين الناكل على المشتري، كما عن المبسوط والتذكرة والدروس، ولعله لعدم الفائدة له بعد حلف الاخر الذي صارت الشفعة له. نعم عن التذكرة " إن عفا الحالف بعد يمينه كان للمشتري أن يحلف الان، لانه يسقط الشفعة عنه ". قلت: قد يقال: إن له الرد وفائدته إمكان عفو الاخر أو غير ذلك بل قد يؤيده ما تسمعه من حلفه مع الشاهد على عفو أحدهما. ولو كذب الحالف الناكل في كونه لم يعف احلف الناكل هذا الحالف على عدم العفو، لان دعواه العفو غير دعوى المشتري، فان نكل قضي للحالف بالجميع بنكوله أو بعد يمينه. ولو شهد أجنبي بعفو أحدهما ففي القواعد ومحكي المبسوط والتذكرة والتحرير وغيرها أنه إن حلف بعد عفو الاخر بطلت الشفعة، وإلا أخذ الاخر الجميع، وظاهرهم أو صريحهم جواز الحلف قبل عفو الاخر مع أنه لا فائدة فيه، لرجوع الحق جميعه لشريكه نحو ما سمعته في رد يمين الناكل، وكل فائدة تتصور هنا تتصور هناك. ولو اعترف أحد الوارثين ببطلان الشراء فالشفعة بأجمعها للاخر المعترف بالصحة، وكذا لو اعترف بالارث أو الاتهاب دون الاخر بعد ثبوت الشراء. ولو شهد البائع بعفو الشفيع بعد قبض الثمن قبلت، بل وقبله وإن قطع في جامع المقاصد بعدم القبول كما عن التذكرة والتحرير، بل هو ظاهر القواعد أيضا، لانه يجر إلى نفسه نفعا إذا أفلس المشتري، فانه يرجع إلى المبيع على تقدير عدم أخذ الشفيع إياه. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه هنا وفي كتاب الشهادات من عدم قدح مثل هذه التهمة في شهادة العدل والله العالم.

[ 475 ]

إلى هنا تم الجزء السابع والثلاثون، وقد بذلنا الجهد في تنميقه وتحقيقه والتعليق عليه وتصحيحه، فنشكره تعالى على ما وفقنا لذلك، ونسأله أن يديم توفيقنا لاخراج بقية الاجزاء ويزيد من فضله أنه ذو الفضل العظيم. ويتلوه الجزء الثامن والثلاثون في كتابي إحياء الموات واللقطة إنشاء الله تعالى. النجف الاشرف محمود القوچاني قطع في جامع المقاصد بعدم القبول كما عن التذكرة والتحرير، بل هو ظاهر القواعد أيضا، لانه يجر إلى نفسه نفعا إذا أفلس المشتري، فانه يرجع إلى المبيع على تقدير عدم أخذ الشفيع إياه. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه هنا وفي كتاب الشهادات من عدم قدح مثل هذه التهمة في شهادة العدل والله العالم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية