جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 40


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء الاربعون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه تحقيق وتعليق وتصحيح محمود القوچاني الناشر دار الكتب الاسلامية تهران - بازار سلطاني

[ 2 ]

الطبعة السادسة سنة 1398 حقوق الطبع والتقليد محفوظه للناشر نام كتاب: جواهر الكلام جلد 40 تأليف: شيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتاب الاسلاميه بازار سلطاني تهران تيراژ: 5000 نوبت چاپ: سوم تاريخ انتشار: بهار 1362 چاپ از: چاپخانه حيدري

[ 3 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاولى من كتاب القضاء للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه وبهامشها أثر خطه الشريف

[ 4 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاولى من كتاب القضاء للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم قدس سره (العامة) في النجف الاشرف، ونقدم شكرنا المتواصل إلى مديرها حيث ساعدنا في مراجعة موارد الحاجة عند الشبهة واختلاف النسخ.

[ 5 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاخيرة من كتاب القضاء للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه

[ 6 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاخيرة من كتاب القضاء للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم قدس سره (العامة) في النجف الاشرف

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله على محمد وآله كتاب القضاء بالمد وقد يقصر الذي هو لغة لمعاني كثيرة ربما انهيت إلى عشرة: الحكم والعلم والاعلام - وعبر عنه بعضهم بالانهاء - والقول والحتم والامر والخلق والفعل والاتمام والفراغ. قال الله تعالى: " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت " (1). " إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها " (2). " وقضينا إليه ذلك الامر " (3). قيل: ومنه أيضا " والله يقضي بالحق " (4) والاولى جعله من الاول. " فلما قضينا عليه الموت " (5) أي حتمنا. " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " (6)


(1) سورة النساء: 4 الاية 65. (2) سورة يوسف: 12 الاية 68. (3) سورة الحجر: 15 الاية 66. (4) سورة غافر: 40 الاية 20. (5) سورة سبأ: 34 الاية 14. (6) سورة الاسراء: 17 الاية 23.

[ 8 ]

" فقضاهن سبع سماوات " (1). " فاقض ما أنت قاض " (2). " فلما قضى موسى الاجل " (3). " أيما الاجلين قضيت " (4). " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " (5) وإن كان يمكن إرجاع بعضها إلى بعض. كما أنه يمكن إرجاع القضاء المقابل للاداء والموت وقضاء الدين ونحو ذلك إليها وإلا كانت زائدة. وفي القاموس " القضاء: الحكم والصنع والحتم والبيان، وقضى: مات و... عليه: قتله، و.. وطره: أتمه وأدامه، و.. عليه عهدا: أوصاه وأنفذه، و... إليه: أنهاه، و... غريمه دينه أداه، وسم قاض: قاتل ". لكن قيل: ويسمى القضاء قضاء لان القاضي يتم الامر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه. وفيه أنه بمعنى الحكم - الذي أول المعاني في الصحاح والقاموس - أولى من ذلك، بل في كشف اللثام " هو فصل الامر قولا أو فعلا " والامر سهل. وعرفا ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينين من البرية باثبات الحقوق واستيفائها للمستحق، كما في المسالك والتنقيح وكشف اللثام وغيرها، بل في الاول منها نسبة تعريفه بذلك إليهم.


(1) سورة فصلت: 41 الاية 12. (2) سورة طه: 20 - الاية 72. (3) و (4) سورة القصص: 28 - الاية 2829. (5) سورة يوسف: 12 - الاية 41.

[ 9 ]

وفي الدروس " ولاية شرعية على الحكم والمصالح العامة من قبل الامام (عليه السلام) " ولعله أولى من الاول، ضرورة أعمية مورده من خصوص إثبات الحقوق كالحكم بالهلال ونحوه وعموم ا لمصالح. ولعل المراد بذكرهم الولاية - بعد العلم بعدم كون القضاء عبارة عنها - بيان أن القضاء الصحيح من المراتب والمناصب كالامارة، وهو غصن من شجرة الرئاسة العامة لنبي (صلى الله عليه وآله) وخلفائه (عليهم السلام) وهو المراد من قوله تعالى (1): " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم " إلى آخرها، بل ومن الحكم في قوله تعالى (2): " وآتيناه الحكم صبيا ". قال أمير المؤمنين (ع) لشريح (3): " قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي " وقال الصادق (ع) (4): " اتقوا الحكومة، إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي ". وبالجملة هي من مناصب محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) الذين هم ولاة الامر والمستنبطون، وبه يشعر قوله (عليه السلام) (5): " فاني قد جعلته قاضيا وحاكما " وقاضي التحكيم ليس من المناصب العامة. وحينئذ فالمراد من الولاية في التعريف الاعم من كونها من الله أو


(1) سورة ص: 38 - الاية 26. (2) سورة مريم: 19 - الاية 12. (3) و (4) الوسائل الباب 3 من ابواب صفات القاضى الحديث 2 - 3. (5) الوسائل الباب 11 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 1 و 6 إلا أن في الاول " فاني قد جعلته عليكم حاكما " وفي الثاني " فاني قد جعلته عليكم قاضيا ".

[ 10 ]

منهم أو خصوص ما كانت منهم كما هو مقتضى التعريف الثاني، بل هو الظاهر من الاول أيضا. هذا وقد ذكر غير واحد أن من خواصه عدم نقض الحكم فيه بالاجتهاد، بل يجب على غيره من القضاة تنفيذه وإن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلا قطعيا، وأن له ولاية على كل مولى عليه مع فقد وليه ومع وجوده في مواضع يأتي بعضها إن شاء الله، وأن به يلزم حكم البينة لمن شهدت عليه والشهود، فاما من شهدت عليه فيلزمه الحق، وأما الشهود فيغر مهم إياه لو رجعوا عن الشهادة، وهو جيد. لكن قد يشكل الاستثناء في الاول فيما إذا كان الدليل القطعي نظريا لم يثبت قطعيته عند القاضي الاول باطلاق مادل (1) على النهي عن رده، كما أنه يشكل تنفيذه من القاضي الاخر بكونه غير ما أنزل الله تعالى. ومن هنا أمكن القول بعدم جواز رده وعدم وجوب تنفيذه، بمعنى إجراء الحكم الواقع عليه في حقه، ويأتي إنشاء الله تمام الكلام في ذلك. وأما الولاية على المولى عليه أو على المصالح العامة فالظاهر عدم لزومها للنصب للقضاء، فهي حينئذ أمر آخر تتبع عبارة النصب. وعلى كل حال ففي التحرير وغيره " أن القضاء واجب على الكفاية، بل في الرياض نفي الخلاف فيه بيننا، قال: لتوقف نظام النوع الانساني عليه، ولان الظلم من شيم النفوس، فلابد من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم، ولما يترتب عليه من النهي عن المنكر والامر بالمعروف ". وفيه أن ذلك من قاعدة اللطف المقتضية نصب الامام المتوقف عليه استقامة نظام نوع الانسان، وليس هو من الواجب الكفائي بالمعنى المصطلح، نعم من السياسة الواجبة على الامام (عليه السلام) نصب ما يستقيم به


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1 و 17 و 48.

[ 11 ]

نظام نوع الانسان، كما أنه يمكن القول بوجوب مقدار الصالح لذلك فيهم، وبوجوب فعل القضاء من المنصوبين له على الكفاية، وبوجوب تولي القضاء من الامام (عليه السلام) ويكون كغسل الميت المتوقف صحته على الاذن من الولي. ولعل ذلك ونحوه مرادهم من الوجوب على الكفاية، وإن كان في قولهم: هو واجب على الكفاية - بعد تعريفهم له بالولاية التي قد عرفت معناها - نوع تسامح، ضرورة عدم صلاحيتها بمعنى كونها منصبا من المناصب للاتصاف بذلك، كما هو واضح، نعم يتجه ذلك على مذهب العامة الذين لا إمام منصوب لهم من الله تعالى شأنه. ومن ذلك كله ظهر لك أن القضاء الذي هو من توابع النبوة والامامة والرئاسة العامة في الدين والدنيا غير محتاج ثبوته إلى دليل، خصوصا بعد قوله تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكتموك ؟ ؟ ؟ ؟ فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (1) و " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله " (2). " فان تنازعتم " إلى آخرها وغير ذلك، وأما النصب منهم للقضاء فهو معلوم أيضا، بل متواتر. (و) على كل حال ف‍ (- النظر في صفات القاضي، وآدابه وكيفية الحكم، وأحكام الدعاوي).


(1) و (2) و (3) سورة النساء: 4 الاية - 65 - 105 - 59.

[ 12 ]

(الاول): (في الصفات) (ويشترط فيه) أي القاضي الذي يراد نصبه منهم (عليهم السلام) (البلوغ وكمال العقل والايمان والعدالة وطهارة المولد والعلم والذكورة) بلا خلاف أجده في شئ منها، بل في المسالك " هذه الشرائط عندنا موضع وفاق) بل حكاه في الرياض عن غيرها أيضا، وعن الاردبيلي دعواه فيما عدا الثالث والسادس، والغنية في العلم والعدالة، ونهج الحق في العلم والذكورة. وحينئذ (فلا ينعقد) منصب (القضاء لصبي ولو مراهق) ولا مجنون ولو أدوارا حال جنونه، لسلب أفعالهما وأقوالهما وكونهما مولى عليهما، فلا يصلحان لهذا المنصب العظيم، ومنصب الامامة ليحيى (عليه السلا م) وللصاحب روحي له الفداء إنما كان لنوع من القضاء الالهي، نحو عيسى بن مريم (عليه السلام). (ولا لكافر، لانه ليس أهلا للامانة) ولم يجعل الله له سبيلا على المؤمن (1) إذ الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (2). (وكذا) غير المؤمن الذي هو كافر في الجملة أيضا، لما


(1) اشارة إلى قوله تعالى في سورة النساء: 4 الاية 141. (2) اشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله المروى في الوسائل - الباب - 1 من ابواب موانع الارث - الحديث 11 من كتاب الفرائض.

[ 13 ]

تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم (1) بل هو من ضروريات مذهبنا. بل لا يصلح لهذا المنصب (الفاسق) الامامي فضلا عن غيره، لما هو المعلوم من النص (2) والفتوى من قصوره عن مرتبة الولاية على يتيم ونحوه فضلا عن هذا المنصب الجليل (و) لا يخفى عليك أنه (يدخل في ضمن العدالة) التي قد تقدم البحث فيها في كتاب الصلاة (3) (اشتراط الامانة والمحافظة على الواجبات) ضرورة عدمها في غير الامين وتارك الواجب، كما هو واضح. (و) كذا (لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقق حاله، كما لا تصح إمامته ولا شهادته في الاشياء الجليلة) وغيرها، كما هو واضح بناء على كفره، أما على غيره فالعمدة الاجماع المحكي وفحوى ما دل على المنع من إمامته وشهادته إن كان وقلنا به، مؤيدا بنفر طباع الناس منه، وإلا فمقتضى العمومات دخوله. نعم لاريب في اعتبار العلم، قال الباقر (عليه السلام) (4): " من أفتى الناس بغير علم ولاهدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه " وقال الصادق (عليه السلام) (5): " أنهاك عن خصلتين فيهما هلاك الرجال: أنهاك أن تدين الله بالباطل،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب عقد البيع من كتاب التجارة والباب - 88 - من كتاب الوصايا. (3) راجع ج 13 ص 270 و 304. (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 1 - 2.

[ 14 ]

وتفتي الناس بما لا تعلم " ونحوه غيره (1) وفي الخبر (2) " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة وإثنان في النار، فالذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل ". وأما الذكورة فلما سمعت من الاجماع والنبوي (3) " لا يفلح قوم وليتهم امرأة " وفي آخر (4) " لا تتولى المرأة القضاء " وفي وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) المروية في الفقيه باسناده عن حماد (5) " يا علي ليس على المرأة جمعة - إلى أن قال -: ولا تولي القضاء " مؤيدا بنقصها عن هذا المنصب، وأنها لا يليق لها مجالسة الرجال ورفع الصوت بينهم، وبأن المنساق من نصوص النصب في الغيبة (6) غيرها، بل في بعضها (7) التصريح بالرجل، لاأقل من الشك والاصل عدم الاذن. ومن ذلك يعلم الوجه في كثير من الشرائط، ضرورة كونهم أعلم بمن يجوز نصبه مع الحضور، وفي زمن الغيبة المدار على ما وصل الينا عنهم (عليهم السلام) من عبارة النصب (8) ومع فرض الشك


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب صفات القاضي. (2) سنن البيهقى - ج 10 ص 116. (3) سنن البيهقى ج 10 ص 118 وفيه " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". (4) البحار ج 103 ص 254 عن ابي جعفر (عليه السلام) "... لا تولي المرأة القضاء... " (5) الوسائل الباب - 2 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 1 (6) و (8) الوسائل الباب - 1 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 5 والباب - 11 - منها الحديث 1 و 6 و 9. (7) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضى الحديث 6.

[ 15 ]

فلا ريب في أن الاصل العدم. (وكذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى، ولا يكفيه فتوى العلماء) بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك (و) غيرها الاجماع عليه من غير فرق بين حالتى الاختيار والاضطرار، بل (لابد أنه يكون عالما بجميع ما وليه) أي مجتهدا مطلقا كما في المسالك، فلا يكفي اجتهاده في بعض الاحكام دون بعض. على القول بتجزئ الاجتهاد. قلت قد يقال: إن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن، قال الله تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ". (1). - " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لاتعدلوا " (2). - " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا " (3). ومفهوم قوله تعالى (4): " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " وفي أخرى (5) " هم الكافرون " إلى غير ذلك من الايات الكريمة. وقال الصادق (عليه السلام) (6): " القضاة أربعة، ثلاثة في


(1) و (3) سورة النساء: 4 الاية 58 - 135. (2) و (4) و (5) سورة المائدة: 5 - الاية 8 - 47 - 44. (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 6 وفيه " وقال (عليه السلام).... " بدل " وقال علي (عليه السلام)... "

[ 16 ]

النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم، فهو في النار ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنه قضى بجور، فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم، فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة. وقال علي (عليه السلام): الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية ". وقال أبو جعفر (ع) (1): " الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية وقد قال الله عزوجل (2): " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ". إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أن المدار الحكم بالحق الذي هو عند محمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم) وأنه لاريب في اندراج من سمع منهم (عليهم السلام) أحكاما خاصة مثلا وحكم فيها بين الناس وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد والتصرف. قال الصادق (ع) في خبر أبي خديجة (3): " إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه " بناء على إرادة الاعم من المجتهد منه، بل لعل ذلك أولى من الاحكام الاجتهادية الظنية. بل قد يقال باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 8. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 50. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضى - الحديث 5.

[ 17 ]

أو التقليد الصحيح وحكم بها بين الناس كان حكما بالحق والقسط والعدل. نعم قد يقال بتوقف صحة ذلك على الاذن منهم (عليهم السلام) لقول الصادق (ع) في خبر سليمان بن خالد (1): " اتقوا الحكومة، إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين: نبي أو وصي " وقوله (ع) أيضا في خبر إسحاق بن عمار (2): " قال أمير المؤمنين (ع) لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي ". وما عساه يشعر به قوله (ع) في نصب نائب الغيبة (3): " فاني قد جعلته حاكما ". وغير ذلك مما يقتضي توقف صحة الحكم وترتب أثره عليه على الاذن والنصب، فتقيد تلك الايات والنصوص بذلك أو تحمل على إرادة الامر بالمعروف ونحوه مما ليس فيه قضاء وفصل. أللهم إلا أن يقال بأن النصوص دالة على الاذن منهم (عليهم السلام) لشيعتهم المتمسكين بحبلهم الحافظين لاحكامهم في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة إليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك، فانهم العلماء وشيعتهم المتعلمون وباقي الناس غثاء. وفي خبر عبد الله بن طلحة (4) الوارد في اللص الدا خل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها عن الصادق (ع) أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الامام، ولعل غيره أيضا كذلك. وإنما شدة الانكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 3 - 2. (3) الوسائل - الباب - 11 - من الباب صفات القاضى - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص.

[ 18 ]

بآرائهم وقياسهم واستحسانهم ونحو ذلك من الباطل الذي لفقوه. قال الحلبي (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشئ فيتراضيان برجل منا، فقال: ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط ". ولو سلم عدم ما يدل على الاذن فليس في شئ من النصوص ما يدل على عدم جواز الاذن لهم في ذ لك، بل عموم ولايتهم تقتضي ذلك. بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ممن أمر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله). فدعوى قصور من علم جملة من الاحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل، بل ظاهر الادلة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، ونصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء على ظهور النصوص فيه لا يقتضي عدم جواز نصب الغير. ويمكن بناء ذلك - بل لعله الظاهر - على إرادة النصب العام في كل شئ على وجه يكون له ما للامام (عليه السلام) كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) (2): " فاني جعلته حاكما " أي وليا متصرفا في القضاء وغيره من الولايات ونحوها. بل هو مقتضى قول صاحب الزمان روحي له الفداء (3): " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " ضرورة كون المراد منه أنهم حجتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجة الله عليكم إلا ما خرج، وهو لا ينافي الاذن لغيره في الحكم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 8. (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1 - 9.

[ 19 ]

بخصوص ما علمه من الاحكام الخاصة، وليس له هذه الرئاسة العامة أو يكون من قبيل قاضي التحكيم. وحينئذ فتظهر ثمرة ذلك بناء على عموم هذه الرئاسة أن للمجتهد نصب مقلده للقضاء بين الناس بفتاواه التي هي حلالهم وحرامهم، فيكون حكمه حكم مجتهده وحكم مجتهده حكمهم، وحكمهم حكم الله تعالى شأنه، والراد عليه راد على الله تعالى. ولا يخفى وضوح ذلك لدى كل من سرد نصوص الباب المجموعة في الوسائل وغيرها، بل كاد يكون من القطعيات، خصوصا مع احتمال أن كثيرا من هذه الشرائط للعامة، كمالايخفى على من لاحظ كتبهم ورأى إكثارهم من ذكر شرائط لادليل لها سوى استحسان مستقبح أو قياس باطل أو نحو ذلك. ومن المعلوم أن المقبول مما ذكروه ما يكون موافقا لنصوصنا دون غيره، ولعل منه هذا الشرط المذكور المقتضي عدم جواز نصب الامام قاضيا يقضي بالحق وإن لم يكن مجتهدا. وأما دعوى الاجماع التي قد سمعتها فلم أتحققها، بل لعل المحقق عندنا خلافها، خصوصا بعد أن حكى في التنقيح عن المبسوط في المسألة أقوالا ثلاثة أولها جواز كونه عاميا ويستفتي العلماء ويقضي بفتواهم ولم يرجح، ولعل مختاره الاول مع أنه أسوأ حالا مما ذكرناه، ضرورة فرضه عاميا حين نصبه ثم يستفتي بعد ذلك، مع ظهور الادلة في اعتبار كونه عالما بما وليه حين التولية ولو بالتقليد بناء على ما ذكرناه من كون فتاوى المجتهد أحكامهم، فالقضاء حينئذ بها خصوصا إذا قلنا إن القضاء في زمن الغيبة من باب الاحكام الشرعية لا النصب القضائي وإن ذلك هو المراد من قوله (عليه السلام): " جعلته قاضيا وحاكما " فان الفصل

[ 20 ]

بها حينئذ من المقلد كالفصل بها من المجتهد، إذ الجميع مرجعه إلى القضاء بين الناس بحكم أهل البيت، والله العالم. ومن ذلك يظهر لك النظر في جملة مما هو مذكور هنا حتى قول المصنف هنا: (ويدخل فيه أن يكون ضابطا، فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه) ضرورة عدم الدليل بالخصوص، بل مقتضى ما فيه من مفروض العدالة تجنب ما يحتمل النسيان فيه، وأنه لا يقضي إلا بما هو ضابط له بكتابة ونحوها، إذ لا يخفى عليه حاله الذي هو غلبة نسيانه، بل ربما كان قضاؤه أضبط من قضاء غيره، نعم لو كان كثير الغلط والاشتباه ولا يعلم به على وجه يرتفع الوثوق بما يزعم أنه مضبوط له أمكن القول حينئذ بعدم نصبه بناء على عدم قبول ما ينقله من فتاواه وأخباره. وكذا قوله: (وهل يشترط علمه بالكتابة ؟ فيه تردد نظرا إلى اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله) بالرئاسة العامة مع خلوه في أول أمره من الكتابة). وأغرب من ذلك قوله: (والاقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الامور التي لا تتيسر لغير النبي (صلى الله عليه وآله) المحفوظ بالعصمة عن السهو والغلط وغيرهما (بدون الكتابة) بل في المسالك نسبته إلى الشيخ وأكثر الاصحاب، إذ هو كما ترى لادليل عليه سوى الاعتبار المزبور الذي لا ينطبق على أصولنا، بل إطلاق دليل النصب في نائب الغيبة يقتضي عدمه، على أنه يمكن الاستغناء بوضع كاتب، بل (و) غير الكتابة من طرق الضبط، بل ربما لا يحتاج إليها. نعم (لا ينعقد القضاء للمرأة وإن استكملت الشرائط) لما عرفته سابقا من النص (1) السابق


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 21 ]

وكذا قوله: (وفي انعقاد قضاء الاعمى تردد) وخلاف أظهره) وأشهره كما في المسالك (أنه لا ينعقد، لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم وتعذر ذلك مع العمى إلا فيما يقل) وعمى شعيب (عليه السلام) على تقدير تسليمه ليس بحجة في شرعنا ولا على القاضي غير النبي لانجبار النبوة بالعصمة، إذ هو أيضا كما ترى مخالف لما عرفت، لمجرد اعتبار لا ينطبق على أصولنا، ويمكن رفعه بوضع مميز أو بغيره، إذ طرق التمييز غير منحصرة في البصر، وربما لا يحتاج إلى ذلك، كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (- هل يشترط الحرية ؟ قال في المبسوط: نعم) بل في المسالك نسبته إلى الاكثر، لقصور العبد عن هذا المنصب العظيم واستغراق وقته بحقوق المولى (والاقرب أنه ليس شرطا) لما عرفت، بل إطلاق دليل نصب نائب الغيبة يقتضي خلافه، والفرض إذن المولى في ذلك فلا استغراق لوقته. ولا يخفى عليك بعد ما ذكرنا الحكم في كثير من الشرائط المذكورة في كتب العامة التي لم يذكرها الاصحاب، كالنطق فلا يصح قضاء الاخرس، والسمع فلا قضاء للاصم، وغير ذلك مما ليس في ادلتنا ما يشهد له. نعم ذكر بعض أفاضل المتأخرين أن كل ما شك في اشتراطه في ذلك فأصالة عدم ترتب الاثر ونحوها يقتضيه. ولكن فيه أنه إن كان المراد اعتباره في نائب الغيبة فلا ريب في انقطاعه باطلاق دليله أو عمومه، ومع فرض الشك على وجه لا يتناوله الاطلاق المزبور فلاريب في أن الاصل يقتضي عدم وقوع الاذن له بعد فرض انحصارها في الدليل المفروض. وإن كان اعتباره في من ينصبه الامام (عليه السلام) حال حضوره

[ 22 ]

ففيه أولا أنه أدرى في هذا الحال. مضافا إلى أن مقتضى عموم ولايته وأن الحكومة له - فهو مسلط عليها كتسلط الملاك على أملاكهم - جواز ذلك له، كما هو واضح. هذا وقد يظهر من الروضة اعتبار جميع هذه الشرائط في الفتوى أيضا، وهو مبني على انحصار دليل قبولها بدليل قبول الحكم، فيعتبر فيها حينئذ ما يعتبر فيه. لكن لا يخفى عليك ما فيها، ضرورة منع انحصار دليلها في ذلك، بل هو العقل بعد كون الفتوى الصحيحة مما أنزل الله ومن القسط والعدل والحق وغير ذلك مما وجب على الناس قبوله عقلا ونقلا، فجميع ما دل على الامر بالمعروف والاخذ بما أنزل الله والقيام بالعدل دال عليه وإ ن فقد شرط منصب القضاء بعدم الكتابة مثلا أو بالعمى أو بالذكورة أو نحو ذلك مما لامدخلية لاندراج فتواه فيما عرفت قطعا، كما هو واضح بأدنى التفات. ومن هنا كانت شرائط الفتوى غير شرائط القضاء، كما لا يخفى على من لاحظ كتب أصحابنا في الاصول والفروع. بل مما ذكرنا يظهر أن قبول الفتوي بعد اندراجها في الحق والعدل والقسط ونحو ذلك يحتاج إلى إذن من الامام (عليه السلام) بل الكتاب (1) والسنة (2) بل والعقل متطابقة على وجوب الاخذ بها، وحينئذ فدليل التقليد غير القضاء. نعم قد يستفاد من دليل الثاني أن الفتوى بكلي الواقعة المخصوصة من الحق ومما أنزل الله ومن حكمهم ومن العدل والقسط ونحو ذلك، ضرورة التلازم بين كون الحكم بالخصوصية كذلك وبين كون الحكم الشرعي


(1) سورة النساء: 4 - الاية 58 و 135 وسورة المائدة: 5 - الاية 8. (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب صفات القاضى.

[ 23 ]

في كلى تلك الخصوصية الذي هو فتوى المجتهد كذلك. وبذلك ظهر لك أن دليل التقليد حينئذ هو جميع ما في الكتاب (1) والسنة (2) من الامر بأخذ ما أنزل الله تعالى والقيام بالقسط والعدل ونحو ذلك، واختلاف المجتهدين بسبب اختلاف الموازين التي قررها صاحب الشرع لمعرفة الاحكام غير قادح في كون الجميع مما أنزل الله تعالى شأنه من الحكم، فان ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم كما هو مقرر في محله. (و) كيف كان ف‍ (- هنا مسائل:) (الاولى:) لا خلاف عندنا بل الاجماع بقسميه عليه في أنه (يشترط في ثبوت الولاية) للقضاء وتوابعه (إذن الامام (عليه السلام) أو من فوض إليه الامام) ذلك، لما عرفت من أن منصب الحكومة له. (و) حينئذ ف‍ (- لو استقضى أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته) عندنا ولم ينفذ حكمه (نعم) قد ذكر غير واحد من الاصحاب، بل لم يذكر أحد فيه خلافا، بل ظاهر بعضهم وصريح آخر الاجماع عليه أنه (لو تراضى الخصمان بواحد من الرعية فترافعا إليه فحكم لزمهما حكمه) وإن كان هناك قاض منصوب، بل وإن كان إمام، بل (و) على أنه (لا يشترط رضاهما بعد الحكم) منه. لكن في الروضة وغيرها في اشتراط تراضي الخصمين بالحكم بعده قولان، بل في بعض القيود أنه للشيخ في بعض أقواله، بل في التحرير ولو تراضى خصمان بواحد من الرعية وترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم


(1) سورة النساء: - الاية 58 و 135 وسورة المائدة: 5 - الاية 8. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي.

[ 24 ]

بل في بعض قيوده وإن كان فيه شرائط الاجتهاد مع ظهور الامام (عليه السلام). وكيف كان فهذه المسألة كما ذكرها الخاصة ذكرها العامة أيضا، قال في الروضة من كتبهم: " الخامسة: هل يجوز أن يحكم الخصمان رجلا غير القاضي ؟ وهل لحكمه بينهما اعتبار ؟ قولان، أظهرهما عند الجمهور نعم، وخالفهم الامام والغزالي، فرجحا المنع، وقيل: القولان في الاموال فقط، فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف وغيرها فلا يجوز فيها التحكيم قطعا، والمذهب طرد القولين في الجميع، وبه قطع الاكثرون ولا يجري في حدود الله على المذهب، إذ ليس لها طالب معين، وفي التهذيب وغيره ما يقتضي ذهاب بعضهم إلى طرد الخلاف فيها، وليس بشئ، وقيل: القولان في التحكيم في حقوق الادميين مخصوصان بما إذا لم يكن في البلد قاض فان كان لم يجز، وقيل: هما إن كان قاض وإلا فيجوز قطعا، والمذهب طردهما في الحالين. فإذا جوزنا التحكم اشترط في المحكم صفات القاضي، ولا ينفذ حكمه إلا على من رضي بحكمه، حتى لا يضرب دية الخطأ على العاقلة إذا لم يرضوا بحكمه، ولا يكفي رضا القاتل، وقيل: يكفي والعاقلة تبع له، والصحيح الاول، قال السرخسي: الخلاف مخصوص بقولنا: تجب الدية على الجاني ثم تحملها العاقلة، فان قلنا يجب عليها ابتداء لم تضرب عليهم إلا برضاهم قطعا، وهذا أحسن، قال السرخسي: وإنما يشترط رضا المتحاكمين إذا لم يكن أحدهما القاضي نفسه، فان كان فهل يشترط رضا الاخر ؟ فيه اختلاف نص، والمذهب أنه لا يشترط، وليكن هذا مبنيا على جواز الاستخلاف إن جاز، فالمرجوع إليه نائب القاضي، قال: ويشترط على أحد الوجهين كون المتحاكمين بحيث يجوز للمحكم أن يحكم لكل واحد منهما، فان كان أحدهما ابنه أو أباه لم يجز، وليس للمحكم الحبس، بل غايته الاثبات والحكم، وقيل: يحبس وهو

[ 25 ]

شاذ، وهل يلزم حكمه بنفس الحكم كحكم القاضي أم لا يلزم إلا بتراضيهما بعد الحكم ؟ فيه قولان، ويقال: وجهان، أظهرهما الاول، ومتى رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم حتى إذا أقام المدعي شاهدين، فقال المدعى عليه: عزلتك لم يكن له أن يحكم، وقال الاصطخري: إن أحس المدعى عليه بالحكم فرجع ففي تمكينه من الرجوع وجهان خرجهما، والمذهب الاول ". إلى غير ذلك مما ذكروه في كتبهم مما هو مبني على استحسان أو قياس أو مصالح مرسلة أو رواية غير ثابتة عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله تعالى ". قال في المسالك: " ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم لما كان لهذا التهديد معنى، ولكان التحذير على فعله لا على عدم العدل، ولان التهديد على عدم العدل يدل على أن العلة عدم عدله، ولو لم يكن جائزا كان التهديد بالاعم أولى ". وفيه أن الاستدلال حينئذ بنحو قوله تعالى (2): " ومن لم يحكم بما أنزل الله " وغيره مما ورد في الكتاب (3) والسنة (4) أولى، ولذا استدل على مشروعيته بها في كشف اللثام، وبنصوص (5) نائب الغيبة، وبما دل (6) على الامر بالمعروف.


(1) ذكره ابن قدامة في المغني ج 11 ص 484. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 44 و 45 - 47. (3) سورة النساء: 4 - الاية 85 و 105. (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضي الحديث - 7 و 8. (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي الحديث والباب - 11 - منها الحديث 1 و 6 و 9. (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الامر والنهي من كتاب الامر بالمعروف.

[ 26 ]

لكن قد عرفت تقييد تلك العمومات باذن الامام (عليه السلام) لان الحكومة له، ودعوى أن المنصب له لا خصوص الحكم في واقعة مخصوصة رضي المتنازعان فيها بحكم من حكماه كما ترى مناف لظاهر الدليل المزبور المعتضد بقوله تعالى (1): " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكتموك ؟ ؟ ؟ فيما شجر بينهم " وبالامر (2) بالرد فيما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وأولي الامر الذين هم الائمة صلوات الله وسلامه عليهم، فانهم أدرى باستنباطه من غيرهم. ونصوص نائب الغيبة منافية لفرض موضوعه الذي هو فقد الاذن له، كما هو واضح. وأدلة الامر بالمعروف لا تقتضي الحكومة. وأغرب من ذلك الاستدلال عليه في المسالك بوقوعه في زمن الصحابة ولم ينكر أحد منهم ذلك، مع أن من المعلوم عندنا انقلاب الامر بعد موت الني (صلى الله عليه وآله) حتى صار المنكر المعروف والباطل المألوف. وبذلك ظهر لك أن ما ذكره العامة من مشروعية قاضي التحكيم فضلا عما ذكروه من الفروع التي سمعتها يشكل انطباقه على أصولنا وإن ذكرها الاصحاب الذين هم أدرى منا بكيفية تطبيق ذلك. نعم في خبر أحمد بن الفضل الكناسي (3) المروي عن الكشي قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي شئ بلغني عنكم ؟ قلت: ما هو ؟ قال: بلغني أنكم أقعدتم قاضيا بالكناسة، قال: قلت: نعم جعلت فداك، رجل يقال له عروة القتاب، وهو رجل له حظ من عقل نجتمع عنده فنتكلم ونتسأل ثم يرد ذلك إليكم، قال: لا بأس "


(1) سورة النساء: 4 - الاية 65. (2) سورة النساء: 4 - الاية 59 و 83. (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي الحديث 31.

[ 27 ]

إلا أنه كما ترى ظاهر في إرادة تعرف الحكم في أحاديثهم من القضاء فيه لا فصل الخصومات الظاهر في إنكاره عليهم، ولو سلم فهو مؤيد لما ذكرناه سابقا من الاذن سابقا في الفصل بين الناس بأحكامهم وأنه يكون في الحقيقة فضلا منهم وإن ناب الشيعي في ذكره عنهم باجتهاد أو تقليد صحيحين. وعلى كل حال فتجشم الاذن له مما عرفت أو مشروعيته وإن لم يكن باذن خاصة وإنشاء نصب كذلك يقتضى نفوذ حكمه في جميع ما يقع فيه التداعي من المال والنكاح والقصاص والحدود وغيرها كما نسبه في المسالك إلى ظاهر الاصحاب. لكن في القواعد الاشكال في أهلية الحبس له واستيفاء العقوبة، والجزم بأنه لا ينفذ حكمه على غير المتراضيين حتى لا يضرب دية الخطأ على عاقلة الراضي بحكمه. ووجه الاشكال في الاول في كشف اللثام من عموم أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدلة التحكيم الناهية عن الرد لمن له أهلية القضاء وإفضاء تعطيلها إلى الفساد، وقول الصادق (عليه السلام) لحفص بن غياث (1): (إقامة الحدود إلى من إليه الحكم) وهو خيرة السيد والشيخ في التبيان وجماعة، ومن الاحتياط في الدماء وعصمتها، واشتراك الحدود بين حق الله وحق الناس، والتحكيم إنما هو في حق الناس، وهو قول الشيخ في النهاية والاقتصاد وسلار وجماعة. قلت: ولا يخفى عليك ما في الثاني بعد فرض صحة الاول. كما أنه لا يخفي عليك النظر في جملة من الفروع المذكورة، خصوصا ما ذكر من اعتبار رضاهما به قبل الحكم ما لم يكن أحد المتخاصمين قاضيا وإن كان منصوبا له، ضرورة كون المفروض رضاه بالمرافعة عنده،


(1) الوسائل - الباب - 28 من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1 من كتاب الحدود.

[ 28 ]

وهو أعم من نصبه الذي لابد من تقييده مع ذلك بكون مأذونا له في النصب، وخصوصا دعوى كون قاضي التحكيم منصوبا من المتحاكمين المعلوم عدم أهليتهما لذلك. بل (و) فيما ذكروه هنا من أنه (يشترط فيه) جميع (ما يشترط في القاضي المنصوب عن الامام (عليه السلام) عدا الاذن، ضرورة أنه إذا كان المدرك له الاطلاق المزبور، فليس في شئ منه إيماء إلى الشرائط المزبورة، خصوصا مثل الكتابة والبصر ونحوهما، نعم يتجه اعتبار ما كان دليله عاما لمثله من الشرائط كالبلوغ والاسلام ونحوهما. ولكن هذا الكلام سهل الخطب في السمألة عندنا كما أومأ إليه في المسالك حيث قال: (واعلم أن الاتفاق واقع على أن قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهدا، وعلى هذا فقاضي التحكيم مختص بحال حضور الامام (عليه السلام) فيفرق بينه وبين غيره من القضاة بكون القاضي منصوبا وهذا غير منصوب من غير الخصمين، أما في حال الغيبة فسيأتي أن المجتهد ينفذ قضاؤه، لعموم الاذن، وغيره لا يصح حكمه مطلقا فلا يتصور حالتها قاضي التحكيم). ومراده بحال الغيبة ما يشمل زمان الصادق (عليه السلام) أيضا لان نصب مطلق المجتهد كان فيه، وهو من زمان الحضور، ولا يتصور فيه قاضي التحكيم، نعم يتصور فيما قبله مما لا إذن فيه لمطلق المجتهد كز من النبي (صلى الله عليه وآله) بل لعله خاص فيه ايضا، لظهور دليل نصب المجتهد في جميع زمان الجور الذي نهينا فيه عن المرافعة إلى قضاتهم (1) من حيث غلبة الجائرين، فيكون نصب الصادق (عليه السلام) مبنيا على نصب من قبله وأن هذا من قبيل الحكم الشرعي المتفق عليه


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي.

[ 29 ]

فيما بينهم، وحكم آخرهم كحكم أولهم، ولو سلم عدم دلالته على ذلك فأقصاها إلحاق هذا الزمان إلى زمن نصب الصادق (عليه السلام) بزمن النبي (صلى الله عليه وآله) ويختص به تصور قاضي التحكيم، وربما احتمل تصوره في زمن الغيبة بالمرافعة إلى المفضول مع وجود الافضل بناء على اختصاص النصب له دونه، لكن - مع ما في الاحتمال المزبور من النظر - ستعرف أن التحقيق نصب الجميع. وبالجملة فقد ظهر لك بالتأمل في جميع ما ذكرناه انحصار دليل مشروعية التحكيم بالاجماع المدعى، وهو حجة على من لم يتبين خلافه، أو إطلاق تلك الادلة الذي إن لم يقيد بما سمعته من اعتبار إذن الامام (عليه السلام) في مطلق الحكومة ينفتح منه باب عظيم لا يختص بقاضي التحكيم، كما أومأنا إليه في أول البحث، وخصوصا إذا قلنا إن ذلك من المأذون فيه، ولولا دعوى الاجماع لامكن القطع باستفادة نفوذ الحكم بالعدل الذي هو حكم الامام (عليه السلام) من جميع شيعته. قال أبو بصير (1): (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قول الله تعالى في كتابه: (ولا تأكلوا) (2) إلى آخرها فقال: يا أبا بصير إن الله قد علم أن في الامة حكاما يجورون، أما إنه لم يعن حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزوجل: (ألم تر إلى الذين) (3) إلى آخرها).


الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 3. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 188. (3) سورة النساء: 4 - الآية 60.

[ 30 ]

وقال (عليه السلام) أيضا في خبره الاخر (1): (أي رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين) (2) إلى آخرها). وفي الاخر (3) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشئ فيتراضيان برجل منا، فقال: ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط). إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة والصريحة في الاذن بالحكم بالحق والعدل، وهو الذي عندهم، وشيعتهم أجمع نواب عنهم في ذلك، لان المدار على الحكم بين الناس بحكمهم. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) في وصيته لكميل بن زياد (يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نقل إلا من إمام فاضل، يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة، ليس بعد ذلك إلا موالين متبعين أو مناوئين مبتدعين، إنما يتقبل الله من المتقين). وقال الصادق (عليه السلام) في خبر جميل، (5): (يغدوا الناس على ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء). وقال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (6): (ليس عند أحد من الناس حق ولاصواب ولا أحد من الناس يقضى بقضاء


(1) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 2 - 8. (2) سورة النساء: الآية 60. (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 35. (5) و (6) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 18 - 20.

[ 31 ]

حق إلا ما خرج من عندنا أهل البيت) الخبر. وفي الدعائم عن علي (عليه السلام) (1) (كل حاكم يحكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت، وقرأ (يريدون) إلى آخرها (2) ثم قال: والله فعلوا وتحاكموا إلى الطاغوت وأضلهم الشيطان ضلالا بعيدا، فلم ينج من هذه الامة إلا نحن وشيعتنا، وقد هلك غيرهم، فمن لم يعرف حقهم فعليه لعنة الله) فلاحظ وتأمل جيدا. هذا (و) قد بان لك الحال في أنه بناء على المشروعية (يعم الجواز كل الاحكام) والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (مع عدم) حضور (الامام (عليه السلام) كما في هذا الزمان (ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى) المذكورة في كتب الاصول وبعض كتب الفروع بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه (لقول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أبي خديجة (3): (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا (فاجعلوه بينكم قاضيا، فاني جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه)). وخبره الاخر (4) قال: (بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو ترادى بينكم في شئ من الاخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته قاضيا،


(1) المستدرك - الباب - 4 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 7. (2) سورة النساء: 4 - الاية 60. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 5. (4) الوسائل - الباب 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 6.

[ 32 ]

وإياكم أن يتحاكم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر). ومقبول ابن حنظلة (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك ؟ فقال: من تحاكم إلى الطاغوت، فحكم له فانما ياخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا، لانه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قلت: كيف يصنعان ؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حاكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله، قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم، فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر، قال: فقلت: فانهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فان المجمع عليه لاريب فيه، وإنما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله وإلى الرسول، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حلال بين


(1) ذكر صدره في الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1 وبعده وذيله في الباب - 9 - منها - الحديث 1 وقطعة منه في الباب - 12 - منها - الحديث 9 مع الاختلاف في بعض قطع الحديث. راجع الكافي ج 1 ص 67 وج 7 ص 412 والتهذيب ج 6 ص 218 و 301.

[ 33 ]

وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم، قال: قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم، قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة اخذ به، قال: قلت: جعلت فداك فان وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا لها بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال: بما يخالف العامة، فان فيه الرشاد، قلت: جعلت فداك فان وافقها الخبران جميعا، قال: ينظر إلى ما حكامهم إليه أميل وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالاخر، فقلت: فان وافق حكامهم وقضاتهم الخبران جميعا، قال: إذا كان كذلك فارجه حتى تلق إمامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات). وقد سمعت المروي عن صاحب الزمان روحي له الفداء (1). وخبر داود بن الحصين (2) (في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في الحكم وقع بينهما فيه اختلاف فرضيا بالعدلين، واختلف العدلان بينهما، عن قول أيهما يمضى الحكم ؟ فقال: ينظر إلى افقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الاخر). وخبر النميري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق يتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: وكيف يختلفان ؟ قلت: حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضي حكمه). فهو حينئذ مأذون منهم ومنصوب من قبلهم في الحكم بين الناس


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 9. (2) و (3) الوسائل الباب - 9 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 20 - 45.

[ 34 ]

بحكمهم، لا أن هذا الشرط ساقط في زمن الغيبة، كما توهمه عبارة المسالك، بل ظاهر خبر أبي خديجة الاكتفاء بتجزئ الاجتهاد في الحكومة، لصدق معرفة شئ من قضائهم. والمناقشة بعدم المعرفة لشئ مطلقا إلا للمجتهد المطلق يدفعها الوجدان الصحيح، للتجزئ في الملكة والفعل على وجه يساوي معرفة المجتهد المطلق، بل قد يزيد عليها. واحتمال إرادة الملكة العامة من الشئ - لان غير الامام وإن كان مجتهدا مطلقا ليس عنده إلا شئ من الاحكام، إذ معرفتها أجمع مختصة بالامام - مناف لظاهر الخبر (1) الذي لا معارضة بينه وبين المقبولة (2) بناء على ظهورها في المجتهد المطلق، لعموم الجمع المضاف فيها، لان أقصى الخبرين الاذن لكل منهما في ذلك. هذا مضافا إلى ما سمعته من تلك المطلقات التي لا إشعار في شئ منها باعتبار الاجتهاد فضلا عن كونه مطلقا. ومن ذلك يعلم حينئذ أن فتوى المتجزئ حجة له ولغيره، ضرورة اقتضاء نفوذ حكمه الخاص صحة فتواه الكلية التي بني عليها الحكم الخاص، وأنها مندرجة في القسط والعدل والحق وفيما أنزل الله، وأنها من حكمهم. نعم لو كان دليل التجزئ الرجحان العقلي لظنه الاجتهادي على تقليده اتجه اختصاص ذلك به دون غيره، لكن قد عرفت أن السمع واف بالدلالة عليه على الوجه المزبور، بل صدق معرفة الحكم الشرعي بطرقه المقررة عنهم (عليهم السلام) لا تحتاج إلى دليل، ضرورة كونها كمعرفة غيره من العلوم، وبها يكون معلومه من أحكامهم (عليهم السلام) ومن


(1) الوسائل - الباب - 1 من ابواب صفات القاضي - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي الحديث 1.

[ 35 ]

العدل والقسط والحق، كما هو واضح بأدنى تأمل ونظر. (و) على كل حال ف‍ (لو عدل إلى قضاة الجور والحال هذه كان مخطئا) آثما قطعا، لما سمعته من النصوص المعتبرة (1) نعم لو توقف حصول حقه عليه ولو لامتناع خصمه عن المرافعة إلا إليهم جاز، كما يجوز الاستعانة بالظالم على تحصيل حقه المتوقف على ذلك، والاثم حينئذ على الممتنع، كما هو ظاهر ما سمعته من النصوص (2) الظاهرة في اختصاصه بالاثم. وأشكله في الكفاية بأن حكم الجائر بينهما فعل محرم والترافع إليه يقتضي ذلك، فيكون إعانة على الاثم، وهي منهي عنها. (3) ويدفعه منع كونه إعانة أولا ومنع حرمتها ثانيا، خصوصا بعد ظهور النصوص فيما ذكرنا، وخصوصا إذا كان الخصم منهم، فانه لا ينبغي التوقف في جواز أخذ الحق منه بحكم قضاتهم. بل لعله المراد من خبر علي بن محمد (4) قال: (سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منها في أحكامهم ؟ فكتب يجوز لك ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقية والمداراة لهم) بناء على ما في الوافي من أن (المراد هل يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم كما يأخذون منا بحكم قضاتهم، يعني إذا اضطر إليه، كما إذا قدمه الخصم إليهم). ويمكن كون المراد أخذ نحو الشفعة بالجوار والعصبة منهم كما يأخذون منا، أو غير ذلك مما لا يندرج فيه الاخذ بغير حق منهم، فانه غير جائز، كما صرح به في خبر البغل (5) المتقدم في الغصب.


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 2. (4) التهذيب ج 6 ص 224 - الرقم 535 والوسائل - الباب - 11 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1.

[ 36 ]

وفي خبر ابن فضال (1) قال: (قرأت في كتاب أبي الاسد إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام) وقرأته بخطه سأله ما تفسير قوله تعالى (2): (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) فكتب إليه بخطه: الحكام: القضاة، قال: ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم) بل ربما كان ذلك مقطوعا به، فليس المراد حينئذ إلا ما ذكرناه أولا من الوجهين. وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر عطاء بن السائب (3): (إذا كنتم في أئمة الجور فامضوا في أحكامهم، ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم). وقد يستفاد من هذا الخبر - مضافا إلى كون التقية دينا - صحة المعاملة بأحكامهم تقية على نحو الصحة في العبادة وإن افترقا بقاعدة الاجزاء في الثانية دون الاولى، لكن هذا الخبر - مع كون التقية دينا - يقتضي الاعم إلا أنه لم يحضرني الآن كلام للاصحاب بالخصوص، نعم في رسالة منسوبة للكركي الحكم بالبطلان في العبادة والمعاملة إلا ما نص فيه على الصحة كالوضوء ونحوه، ولا ريب في فساده في العبادة، أما المعاملة فمحل نظر. هذا وفي الكفاية أيضا أنه يستفاد من الخبرين عدم جواز أخذ شئ بحكمهم وإن كان له حقا، وهو في الدين ظاهر، وفي العين لا يخلو من إشكال، لكن مقتضى الخبرين التعميم، وكأن فرقه بين الدين والعين باحتياج الاول إلى تراض في التشخيص، والفرض جبر المديون بحكمهم، بخلاف العين. وفيه أن الجبر وإن كان إثما فيه لكن لا ينافي تشخص الدين بعد


(1) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 9 - 7. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 188.

[ 37 ]

فرض كونه حقا، على أن في صدر احد الخبرين المنازعة في دين أو ميراث، فلابد من حمل الخبرين على الاعم من ذلك، لكن على معنى أن أصل ثبوت الاستحقاق للدين أو العين قد كان بحكمهم الباطل، لاأنهما ثابتان بالحكم الحق وأخذهما قد كانا بحكم الطاغوت، مع احتمال التزام الحرمة فيهما أيضا في ذلك، لكن على معنى حرمة التصرف وإن كانا مملوكين، فيكونان بحكم السحت في الاثم ولو باعتبار المقدمة، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الثانية:) (تولي القضاء) ممن له القضاء كالنبي والامام (مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه) لعظم الفوائد المترتبة عليه المعلوم رجحانها عقلا ونقلا، ولذا تولاه النبي (صلى الله عليه وآله) وغيره من الانبياء وفي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (1): (وإياك والتضجر والتأذي في مجلس القضاء الذي أوجب فيه الاجر وأحسن فيه الذخر لمن قضى بالحق). الحديث. ونحوه غيره (2) لكن خطره عظيم، ففي الخبر (من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين، قيل: وما الذبح ؟ قال: نار جهنم) (3) وأنه يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره قط) (4). و (أن النواويس (5) شكت إلى الله تعالى شدة حرها،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 وغيره - من ابواب آداب القاضي. (3) المستدرك - الباب - 3 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 4. (4) سنن البيهقي - ج 10 ص 96 وفيه (في تمرة قط). (5) هي موضع في جهنم أو مقابر النصارى.

[ 38 ]

فقال لها: اسكني إن موضع القضاة أشد حرا منك) (1) وغير ذلك - خصوصا ما رواه الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) في قاض من بني اسرائيل عوقب لموضع هواه قد كان مع من كان الحق له - مما صار سببا لامتناع جماعة من أكابر التابعين وغيرهم عنه، ولكنه محمول على أولوية تركه لمن لم يثق من نفسه بالقيام بشرائطه، كما أنه يحرم على من علم بفقده لها. (وربما وجب) تولي القضاء مقدمة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر وللقيام منه بالقسط (و) لكن يكون (وجوبه) حينئذ (على الكفاية) لعموم الخطابات المعلوم إرادة حصوله من مجموعهم لامن مباشر بعينه ولو جميعهم. نعم قد يتعين فرد للانحصار أو لمصلحة اقتضت تعيين الامام (عليه السلام) له أو غير ذلك مما لا ينافي كون وجوبه الذي هو مفاد الخطابات الشرعية كفائيا، كما هو واضح. ولا ينافي ذلك توقف صحته على إذن الامام (عليه السلام) نحو ما تقدم في نحو غسل الميت الذي هو كفائي، وصحته موقوفة على إذن الولي. هذا ولكن في المسالك (أن حكم المصنف باستحبابه لمن يثق بنفسه محمول على طلبه من الامام ممن لم يأمره به إذا كان من أهله، أو على فعله لاهله في حال الغيبة حيث لا يتوقف على إذن خاص). وفي الاخير أنه واجب وإن زاد أهله على قدر الكفاية وسقط بفعله عن الباقين، وأما الاول فهو مخالف لما ذكره في الصورة السادسة. وكأنه أشار به إلى ما في الدروس (ولو لم يوجد سوى واحد تعين، ولو وجد غيره ففي استحباب تعرضه للولاية نظر، من حيث الخطر


(1) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1.

[ 39 ]

وعظم الثواب إذا سلم، والاقرب ثبوته لمن يثق من نفسه بالقيام به). وفي الروضة (ولو لم يعلم الامام لزمه الطلب، وفي استحبابه مع التعدد عينا قولان: أجودهما ذلك مع الوثوق). وتبعه في كشف اللثام، قال: (ويستحب التولية على الاعيان إلا من وجبت عليه عينا، لانه أمر مرغوب عقلا وشرعا). وأوضح ذلك في الرياض، فقال: (واستحبابه - أي قبوله - عيني، فلا ينافي ما قدمناه من أنه واجب كفائي). وفيه أن التنافي بينهما ظاهر، ضرورة تبعية القبول والتعرض ونحوهما مما هو مقدمة لفعل القضاء، فمع فرض كون وجوبه كفائيا تكون مقدمته كذلك. نعم قد يقال: إنه لو فرض تلبس من تقوم به الكفاية من الناس بها أمكن القول بسقوطها حينئذ عن الباقين، ولا يكفي في السقوط نفس وجود الغير من دون تلبس، كما في غير المقام من الكفائي، وحينئذ يمكن الكلام في الدليل على الاستحباب، إذ لا دليل على رجحان تحصيل منصب القضاء لنفسه، وإنما رجحانه إن كان فهو ليس إلا مقدمة للقضاء المفروض كونه واجبا كفائيا ولم يقم به أحد، فان التلبس بمنصبه والاستعداد له لا يقتضى فعله المتوقف عليه السقوط عن الباقين. ومن هنا لو وقع ممن تأخر عن الاولين في التلبس بمنصبه كان أداء واجب. بل قد يقال لذلك: إن الواجب الكفائي لا يسقط وجوب مقدمته بالتلبس بها عن الباقين، بل هي باقية على الوجوب، وإن زاد من تلبس بها على قدر الكفاية، ضرورة بقاء الخطاب بذيها، لعدم الدليل على سقوطه بالتلبس بمقدماته، بل ظاهر الادلة خلافه. ومن ذلك ظهر لك أنه لا مناص عن القول باختصاص منصب القضاء من حيث إنه كذلك بالامام (عليه السلام) وخطاب وجوبه

[ 40 ]

متوجه إليه خاصة، وأما غيره فيستحب له توليه منه لما فيه من الفوائد. وربما يجب ذلك إذا كان مقدمة للامر بالمعروف الذي هو واجب كفائي، لامن حيث كونه قضاء الذي قد عرفت اختصاص خطاب وجوبه بالامام (عليه السلام) نعم قد يجب كفاية أو عينا أيضا من حيث أمر الامام (عليه السلام) به. وبذلك حينئذ يظهر الوجه في الاستحباب المزبور مع قولهم بوجوب القضاء كفاية، فتأمل جيدا فانه دقيق جدا، ضرورة تعدد موضوع الاستحباب والوجوب، بل ظاهر المتن أنه مستحب ذاتي وربما عرض له الوجوب، وحينئذ يكون كفائيا، ولعل مراده ما ذكرناه، والله العالم. (وإذا علم الامام (عليه السلام) أن بلدا خال من قاض) مع الحاجة إليه (لزمه) نصب قاض فيه ب‍ (أن يبعث له) أو يأمر أحدا قابلا له من أهله به، لانه من السياسة اللازمة له (ويأثم أهل البلد بالاتفاق على منعه) لما فيه من مخالفة الامام (عليه السلام) (و) منع قيام كلمة الحق واختلال النظام، بل (يحل قتالهم طلبا للاجابة) كما في كل مخالف للامام (عليه السلام) في سياسة الرعية. (ولو وجد من هو بالشرائط فامتنع) عن قبول القضاء (لم يجبر مع وجود مثله) لعدم توقف السياسة حينئذ عليه، ولو امتنعوا أجمع فسقوا وخرجوا عن قابلية منصب القضاء وإن كان لا يسقط الوجوب عنهم بذلك، للقدرة على التوبة. (ولو ألزم الامام (عليه السلام) أحدهم (قال في الخلاف: لم يكن له الامتناع، لان ما يلزم به الامام واجب و) رده المصنف بأنا (نحن نمنع الالزام) به مع عدم تعيينه (إذ الامام (عليه السلام) لا يلزم بما ليس لازما).

[ 41 ]

وفيه كما في المسالك وغيرها أنه قد يلزم به لمصلحة من المصالح، ويدفع بانحصار الامر فيه حينئذ مع عدم حصولها في غيره. أللهم إلا أن يقال: إنها تكفي في أمر الامام (عليه السلام) بخصوصه له لا من حيث اقتضائها الوجوب عليه، بل له إلزامه به اقتراحا بناء على ما عرفت من أن القضاء لا خطاب به لاحد غير الامام (عليه السلام وأن وجوبه على غيره إنما هو من جهة أمره الذي قد يكون تعيينا وقد يكون كفائيا نحو أمر السادة للعبيد بعد أن كان أمر السياسة الدينية إليه والامر بطاعته. أما إذا لم يكن من هذه الحيثية ونحوها فالظاهر كما ذكر المصنف أنه لا يلزم بما ليس لازما عند الله في افراد الواجب المخير والموسع والكفائي إذ أمره أمر الله تعالى شأنه، وفي الدعائم (1) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: (ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم وقبولها والعمل لهم فرض من الله وطاعتهم واجبة، ولا يحل لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلف عن أمرهم) إلى آخره، هذا كله مع وجود غيره. (أما لو لم يوجد غيره تعين هو) للانحصار (و) حينئذ فإذا أمره الامام (عليه السلام) (لزمه الاجابة و) ليس له الامتناع، فان امتنع فسق وخرج عن أهلية القضاء لذلك وإن كان لا يسقط الوجوب عنه لقدرته على تحصيل الشرط بالتوبة. بل (لو لم يعلم به الامام (عليه السلام) وجب أن يعرف نفسه لان) فعل (القضاء من باب الامر بالمعروف غالبا فيجب تحصيل مقدمته، ولا ينافي ذلك ما قدمناه من كون منصب القضاء للامام (عليه السلام)


(1) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 5.

[ 42 ]

ولو تعدد القابلون له ولم يعلم بهم الامام فأعلمه أحدهم على وجه قام به سقط عن الباقين، بل في استحبابه لهم إشكال. بل في استحباب الابتداء بذلك تعرضا للولاية عند الحاجة ذلك أيضا، بل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعبد الرحمان بن بكرة (1): (لا تسأل الامارة، فانك إن اعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن اعطيتها عن غير مسألة اعنت عليها). نعم لا يبعد رجحان طلب ذلك إذا وثق من نفسه وكان قصد إقامة كلمة الحق، كما عرفته سابقا ولو ببذل مال لجائر أو عادل لبيت المال إن قلنا بجوازه على ابتداء التولية أو استدامتها، بل ربما وجب، إذ احتمال أنه رشوة أو كالرشوة لا وجه له، وإن حكى عن بعض ذلك. لكن لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد الاحاطة بما تقدم في مكاسب الكتاب (2) بل لا بأس ببذل المال على عزل من هو ليس أهلا للقضاء. ومما ذكرنا ظهر لك الحال في جميع صور المقام وإن أطنب بها في المسالك حتى قول المصنف: (وهل يجوز أن يبذل مالا ليلي القضاء ؟ قيل: لا لانه كالرشوة) والله العالم. المسألة (الثالثة:) (إذا وجد إثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة) في القاضي (فيهما فان قلد) الامام (الافضل) منصب القضاء (جاز) قطعا وإن كان المفضول أورع، لان ما عند الافضل من العدالة يكفي في منعه من التهجم على المحارم ويبقى فضله خاليا عن المعارض،


(1) سنن البيهقي ج 10 ص 100 عن عبد الرحمان بن سمرة. (2) راجع ج 22 ص 145 - 149.

[ 43 ]

نعم مع تساويهما في العلم يقدم الاعدل، لكونه أرجح حينئذ، فيكون الحاصل حينئذ ترجيح أعلم الورعين وأورع العالمين، لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح. (و) على كال ف‍ (هل يجوز العدول إلى المفضول) مع وجوب الافضل ؟ (فيه تردد) من الاشتراك في الاهلية، ولما هو المعلوم من إفتاء الصحابة مع اختلافهم في الفضيلة وعدم النكير عليهم، فيكون ذلك إجماعا منهم، ولما في تكليف العامي بذلك من العسر والحرج، لعدم تأهله لمعرفة الافضل من غيره. ومن أن الظن بقول الاعلم أقوى فيجب اتباعه، إذ أقوال المفتين بالنسبة إلى المقلد كالادلة بالنسبة إلى المجتهد في وجوب اتباع الراجح، ولخبر عمر بن حنظلة (1) وغيره المتقدمة سابقا المنجبر اسنادها بالتعاضد وتلقي الاصحاب لها بالقبول. وفعل الصحابة بعد إعراضهم عن الامام (عليه السلام) ليس حجة عندنا. وتعرف الافضل ممكن بشهادة أهل الخبرة كتعرف أصل الاهلية. (و) لكن مع ذلك كله ف‍ (الوجه) عند المصنف (الجواز لان خلله) إن كان (ينجبر بنظر الامام (عليه السلام) الذي نصبه. وفيه أنه إنما يتم مع قربه منه واطلاعه على أحكامه لامع بعده عنه على وجه لا يعلم شيئا من وقائعه، وفرض المسألة أعم من الاول، على أن أصل فرضها فيما ذكر خال عن الثمرة، ضرورة كونه أعلم بما يفعل مع حضوره. إنما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه، والظاهر الجواز، لاطلاق إدلة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 44 ]

النصب المقتضى حجية الجميع على جميع الناس، وللسيرة المستمرة في الافتاء والاستفتاء منهم مع تفاوتهم في الفضيلة. ودعوى الرجحان بظن الافضل يدفعها - مع إمكان منعها في كثير من الافراد المنجبر نظر المفضول فيها في زمانه بالموافقة للافضل في الازمنة السابقة وبغيرها - أنه لادليل عقلا ونقلا في وجوب العمل بهذا الرجحان في خصوص المسألة، إذ لعل الرجحان في أصل شرعية الرجوع إلى المفضول وإن كان الظن في خصوص المسألة بفتوى الفاضل أقوى نحو شهادة العدلين. ومع فرض عدم المانع عقلا فاطلاق أدلة النصب بحاله، ونفوذ حكمه في خصوص الواقعة يستلزم حجية ظنه في كليها، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله، فيجوز الرجوع إليه تقليدا أيضا، والنصوص (1) السابقة إنما هي في المتنازعين في حق وقد حكما في أمرهما رجلين دفعة فحكم كل واحد منهما لكل واحد منهما، ولا وجه للتخيير هنا، كما في أصل المرافعة والتقليد، ضرورة تحقق فصل الدعوى بقول أحدهما، لاتفاق النصوص (2) على ذلك، وأنه لا يبطل حكم كل منهما بحكم الاخر، فليس حينئذ إلا الترجيح للحكم في كلي الواقعة بالمرجحات التي ذكرها الامام (عليه السلام) وقال: إنه مع فرض فقدها أجمع يقف حتى يلقى الامام، وهذا غير أصل التخيير في الترافع والتقليد المستفاد من إطلاق أدلة النصب المعتضد بالعمل في جميع الاعصار والامصار. بل لعل أصل تأهل المفضول وكونه منصوبا يجري على قبضه وولايته مجرى قبض الافضل من القطعيات التي لا ينبغي الوسوسة فيها، خصوصا بعد ملاحظة نصوص (3) النصب الظاهرة في نصب الجميع الموصوفين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 5 والباب - 11 - منها الحديث 1 و 6.

[ 45 ]

بالوصف المزبور لا الافضل منهم وإلا لوجب القول (أنظروا إلى الافضل منكم " لا " رجل منكم " كما هو واضح بأدنى تأمل، وخصوصا بعد إطلاق ما حكوه من الاجماع على قاضي التحكيم، بل لعل التأمل في نحو المقبولة (1) من النصوص يقضي بجواز المرافعة إلى المفضول قبل تحقق الخلاف فيه. ومن ذلك يعلم أن نصوص الترجيح (2) أجنبية عما نحن فيه من المرافعة ابتداء أو التقليد كذلك مع العلم بالخلاف وعدمه. ومن الغريب اعتماد الاصحاب عليها في إثبات هذا المطلب، حتى أن بعضا منهم جعل مقتضاها ذلك مع العلم بالخلاف الذي عن جماعة من الاصوليين دعوى الاجماع على تقديمه حينئذ لا مطلقا فجنح إلى التفصيل في المسألة بذلك. وأغرب من ذلك الاستناد إلى الاجماع المحكي عن المرتضى في ظاهر الذريعة والمحقق الثاني في صريح حواشي الجهاد من الشرائع على وجوب الترافع ابتداء إلى الافضل وتقليده، بل ربما ظهر من بعضهم أن المفضول لا ولاية له أصلا مع وجود الافضل، ضرورة عدم إجماع نافع في أمثال هذه المسائل، بل لعله بالعكس، فان الائمة (عليهم السلام) مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابهم من زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يولى القضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أقضاهم، قال في الدروس: " لو حضر الامام في بقعة وتحوكم إليه فله رد الحكم إلى غيره إجماعا ". على أنه لم نتحقق الاجماع عن المحقق الثاني، وإجماع المرتضى مبنى على مسألة تقليد المفضول الامامة العظمى مع وجود الافضل، وهو غير


(1) و (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 0 1 -

[ 46 ]

ما نحن فيه، ضرورة ابتنائها على قبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا نصب من الله تعالى شأنه لها مع وجود الافضل، ولا مدخلية لهذه المسألة فيما نحن فيه قطعا، وظني والله أعلم اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك. ولا يخفى عليك أنه لا مدخلية للتوسعة فيما نحن فيه منهم (عليهم السلام) في جواز الرجوع إلى رواة أحاديثهم وفقهاء شرعهم وإن تفاوتوا في تلك المسألة بوجه من الوجوه، كما هو واضح بأدنى تأمل، خصوصا بعد أن كان لامانع عقلا والنقل يقتضيه، فيجوز حينئذ نصبه والترافع إليه وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه. نعم لو فرض أن المتخاصمين قد حكموا رجلين فصاعدا في أمرهم فاختلف الحكم الصادر منهم في ذلك رجح بالمرجحات المذكورة، ودعوى اقتضاء ذلك الترجيح في أصل المرافعة وفي التقليد ابتداء مع العلم بالخلاف أو مطلقا ممنوعة كل المنع، والله العالم. ثم إنه بناء على تقدم الافضل فهل هو من حكم المانع أو الشرط ؟ وجهان، لا يخفى عليك الثمرة بينهما، كما أنه لا يخفى عليك ظهور النص (1) في مضي حكم المفضول مع الترافع إليه خاصة وإن علم بعد حكم الفاضل بخلافه سيما إذا لم يعلم بكونه أفضل إلا بعد ذلك. والظاهر أن المدار على الفضيلة في الفقه ولو باعتبار الفضيلة في المقدمات على وجه يعد كونه أفقه، أما ما لا مدخلية له فيه فلا عبرة به.


(1) الوسائل الباب - 9 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 47 ]

المسألة (الرابعة:) (إذا أذن الامام (عليه السلام) له في الاستخلاف) مطلقا أو على وجه خاص عنه نفسه أو عن الامام (جاز، ولو منع) عنه (لم يجز) وإن صعب عليه القيام بما فوضه إليه لسعته بلا خلاف في شئ من ذلك، بل ولا إشكال، لان الحكومة حق له، فهو مسلط عليها تسلط المالك على ملكه من غير فرق بين الاحتياج لذلك لسعة الولاية أو لا، كما لو أذن للوكيل في التوكيل أو نهاه. (ومع إطلاق التولية) نظر (إن كان هناك أمارة تدل على الاذن) في ذلك (مثل سعة الولاية التي لا تضبطها اليد الواحدة جاز الاستنابة) لشهادة الحال بالاذن فيها، وهل يستخلف حينئذ في القدر الزائد على ما يمكنه القيام به أو في الكل ؟ وجهان تقدما في توكيل الوكيل. (وإلا) تكن هناك أمارة (فلا) يجوز الاستنابة (استنادا إلى أن القضاء موقوف على الاذن) والفرض حصولها له دون غيره على نحو ما سمعته في الوكيل بخلاف الاول الذي قد عرفت شهادة الحال بالاذن، لكن هل هي في النيابة عنه أو عن الامام (عليه السلام) ؟ كما سمعته في التوكيل وإن كان الاقوى الاول، أللهم إلا أن يقال: فرق بين المقام وبين الوكيل بتحقق الولاية فيه نحو الوصاية، بل وأقوى، بل هو ظاهر نصب الغيبة المساوي في الكيفية لنصب الحضور، وحينئذ يكون التوكيل مع الاطلاق. لكن في المسالك - بعد أن احتمله مستدلا له بأنه ناظر في المصالح

[ 48 ]

العامة فيمكن من الاستنابة كالامام، ولانه قد وثق بنظره الذي من جملته الاستنابة - قال: " ويضعف الاول بأنه قياس مع وجود الفارق، وإنما رضي بنظره في القضاء بنفسه لا مطلقا ". وفيه أن الدليل ما عرفت إلا أن يمنع اقتضاء النصب للقضاء في زمن الحضور أزيد من معنى التوكيل بخلاف النصب في زمن الغيبة، فانه إحداث ولاية كما هو مقتضى جعله حجة عليهم، كما أنه حجة الله. وحينئذ يتجه التفصيل في النصب بين أن يكون على معنى التوكيل فليس له الاستنابة إلا بالاذن، وبين أن يكون على معنى الولاية، فيجوز كما في نصب الغيبة. ودعوى عدم جواز النصب بالمعنى الثاني - لمنافاته كون الحكومة من الله للامام (عليه السلام) ضرورة عدم صلاحيته للغير ولاية لا نيابة، وإنما جاز التوكيل في زمن الغيبة لظهور الادلة في معنى الوكالة المطلقة - يدفعها أن ذلك هو المراد بالولاية، فلا منافاة بين كون الحكومة له وبين توليته غيره على حسب ولاية الاب والجد اللذين جاز لهما إثباتها لغيرهما بالوصاية. فلا ريب في أن التحقيق أن النصب للقضاء يقع على الوجهين المزبورين وإن كانا هما معا بمعنى الاستنابة، إلا أنها بالمعنى الثاني استنابة خاصة هي للولاية أقرب منها للوكالة في مثل نصب الغيبة، كما هو واضح بأدنى تأمل. ولا يخفى عليك ما يتفرع على ذلك ولا ما يتفرع على الاستنابة عنه أو عن الامام (عليه السلام) التي قد مر كثير منها في وكيل الوكيل. وعلى كل حال فحيث يجوز الاستخلاف للقضاء فلا ريب في أنه يعتبر فيه ما يعتبر في المنصوب الاصيل، ضرورة كونهما منصوبين له، فلابد من كونه مجتهدا بناء على اعتباره في القضاء.

[ 49 ]

نعم في المسالك " إلا أن يفوض إليه أمرا خاصا لا يتوقف على الاجتهاد كسماع البينة ونقلها إليه، وفي التحليف بعد أن سمع الحاكم البينة دون الحكم، فيكفيه العلم بشرائط ذلك - قال -: ومن هنا يظهر أن المجتهد في حال الغيبة لا يمكنه تولية احد الحكم بين الناس مطلقا، لان النائب إن كان مجتهدا كان أصلا كالمستنيب، وإن كان المستنيب أعلم وقلنا بترجيحه حيث لا يشترط الافضلية أو تعذر الوصول إلى الافضل وإن كان مقلدا لم ينفذ حكمه مطلقا، وإنما يتصور ذلك في القاضي المنصوب من قبل الامام (عليه السلام) إذا استناب مجتهدا غير منصوب ". قلت: قد يقال: إن لم يكن إجماع لا مانع من التوكيل في إنشاء صيغة الحكم من قول: " حكمت " ونحوه، نحو إنشاء صيغة الطلاق الذي هو بيد من أخذ بالساق، فان عمومات الوكالة سواء في تناولهما، بل لعل شمولها لنحو ذلك أولى من شمولها لسماع البينة وللتحليف ونحوهما، أللهم إلا أن يراد عدم قبول الحكم الذي هو بمعنى الفصل للتوكيل، وهو مصادرة. كما أنه قد يقال - إن لم يكن إجماع - بجواز تولية الحكم للمقلد على أن يحكم بفتوى مقلده مثلا، لما عرفته سابقا من العمومات السالمة عن المعارض، واختصاص النصب في زمن الغيبة بالمجتهد بناء على ظهور دليله في ذلك لا يقتضي عدم جواز تولية هذا المنصوب على الاطلاق وأنه الحجة من الامام (عليه السلام) على الناس كما أن الامام حجة الله عليهم، بل قد عرفت كونه وليا. بل لعل ظاهر الدليل أن حجيته على حسب حجيته، فله حينئذ استنابته وله تولية الحكم بفتاواه التي هي عدل وقسط وحكم بما أ نزل الله تعالى، كما أشرنا إليه سابقا، ولعله لذا حكي عن الفاضل القمي جواز

[ 50 ]

توكيل الحاكم مقلده على الحكم بين الناس بفتاواه على وجه يجري عليه حكم المجتهد المطلق، وهو قوي إن لم يكن إجماع، كما لهجت به ألسنة المعاصرين وألسنة بعض من تقدمهم من المصنفين إلا أن الانصاف عدم تحققه، نعم قد يقال: إن المسلم من اختصاص النصب في زمن الغيبة للمجتهد لقوله (عليه السلام): " عرف قضاءنا ونظر في حلالنا وحرامنا " (1) وهو لا ينافي المفروض، كما عرفت. ثم إنه قد يتصور أيضا في زمن الغيبة على تقدير الشرط المزبور بتولية المفضو ل بناء على اختصاص النصب بالافضل وأنه لاحكم له معه، وإن كان قد عرفت ضعف القول به بما لا مزيد عليه، بل قد يمنع تصوره عليه ايضا، لعدم حكم له مع الافضل، وحينئذ لا يكون للاستخلاف موضوع في زمن الغيبة بناء على الشرط المزبور. لكن قد يستفاد من مفروغية مشروعية في الجملة ولو في زمن الحضور جواز نصب نائب الغيبة قيما على نحو الوقف والاطفال على معنى إحداث ولاية لهم على ذلك، كما صرح به غير واحد، ضرورة كونه من توابع الاستخلاف في القضاء المفروض جوازه في الحضور، فيجوز ذلك لنائب الغيبة، لظهور ما دل على ولايته في الاعم من ذلك. بل قيل بعدم انعزال من ينصبه قيما للاطفال مثلا بموته، بل ليس له عزله وإن كان لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة كونهم فروعه الذين ينعزلون بانعزاله بموت ونحوه، إذ هو ليس أزيد من الامام (عليه السلام) الذي ينعزل نوابه بموته، نعم لو قلنا بجواز تولية ذلك من قبل الامام (عليه السلام) أمكن حينئذ عدم انعزالهم بموته، لكونهم من فروع


(1) الوسائل الباب 11 - من ابواب صفات القاضى الحديث 1 وفيه " نظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا ".

[ 51 ]

الامام حينئذ، لكن جواز ذلك لا يخلو من نظر، للشك في أصل ثبوت الولاية لهم على الوجه المزبور، وعلى تقديره فالمتجه جواز عزله له، إذ كما أن له ولاية على النصب له ولاية على العزل، لاطلاق الدليل، إلا أن الانصاف الشك في ذلك، والاصل العدم. وكذا الشك في استفادة الولاية لكل حاكم على عزل نائب الآخر، بل لعل المستفاد عدم ولاية لاحدهم على ما دخل في ولاية الآخر، ولا أقل من الشك، والاصل العدم، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (إذا ولي من لا يتعين على القضاء) لوجود غيره (فان كان له كفاية من ماله فالافضل أن لا يطلب الرزق من بيت المال) توفيرا لغيره من المصالح (ولو طلب جاز، لانه من المصالح) المعد لها التي من جملتها القضاء الذي فيه قيام نظام النوع والمعروف، لكن قد يشكل ذلك بأنه يؤدي واجبا وإن لم يكن متعينا عليه، فلا يجوز أخذ العوض عنه. بل لو قلنا بكون القضاء من العبادات كما عساه يظهر من بعضهم أشكل أخذ العوض عليه مطلقا أيضا، لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض عنه. كل ذلك مضافا إلى إمكان دعوى اختصاص بيت المال المجتمع من نحو الزكاة والصدقات وغيرهما بذوي الحاجات لا الاغنياء. (و) كذا (إن تعين عليه القضاء) بتعيين الامام (عليه السلام) ولعدم وجود غيره (ولم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق) من بيت المال، لمكان حاجته حينئذ واشتغاله بأمر متعين عليه فيه قيام نظام النوع.

[ 52 ]

(و) أما (إن كان له كفاية قيل) بل في المسالك أنه الاشهر: (لا يجوز له أخذ الرزق، لانه يؤدي فرضا) فلا يجوز له أخذ العوض عنه كغيره من الواجبات. والثاني الجواز، لعدم خروجه بالوجوب عن كونه من المصالح التي يؤخذ الرزق عليها وإن وجبت كالجهاد، فيكون الارتزاق من بيت المال مسببا للقيام بمصلحة من مصا لح المسلمين، سواء كانت واجبة أم لا، وسواء كان القائم محتاجا إليه أم لا. ولكن الانصاف عدم خلو ذلك عن الاشكال، لعدم الدليل، وإنما المسلم الارتزاق مع الحاجة إليه ولو بسبب القيام بالمصلحة المانع له من التكسب، سواء تعين عليه ذلك أو لا، وليس هو في الحقيقة عوض معاملي، بل لان بيت المال معد للمحاويج سيما القائمين بمصالح المسلمين الذي يمنعهم القيام بذلك عن التكسب للمعاش، وفي الدعائم (1) عن علي (عليه السلام) أنه قال: " لابد من إمارة ورزق للامير، ولا بد من عريف ورزق للعريف، ولا بد من حاسب ورزق للحاسب، ولا بد من قاض ورزق للقاضي، وكره أن يكون رزق القاضي على الناس الذين يقضي لهم، ولكن من بيت المال " وهو وإن كان مطلقا ولكن لاجابر له على إطلاقه، هذا كله في الارتزاق. (أما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف) وقد ذكرنا التحقيق فيه في المكاسب (2) وأنه لا يجوز مطلقا، ولكن قال المصنف هنا: (والوجه التفصيل) بين من لم يتعين عليه وكان مضطرا إليه


(1) ذكر صدره في المستدرك الباب 28 من ابواب كيفية الحكم الحديث 3 وذيله في الباب 8 من ابواب آداب القاضى الحديث 2. (2) راجع ج 22 ص 124 122.

[ 53 ]

وبين غيره، فيجوز في الاول دون الثاني وإن كان الاولى الامتناع أيضا. وإلى ذلك أشار بقوله (فمع عدم التعيين وحصول الضرورة قيل: يجوز، والاولى المنع) وإن كانت عبارته قاصرة التأدية، ولعل الوجه في ذلك اقتضاء عدم الجواز تعطيل الوظيفة الدينية أو تحمل الضرر والحرج المنفيين عقلا وشرعا، بل ربما كان من تكليف ما لا يطاق في بعض أفراده. وفيه أن ذلك إن تم اقتضى جوازه حتى مع التعين، لان وجوبه لا يدفع الضرر الناشئ من ترك السعي على ضرورة الرزق والصبر على الجوع والجهد، بل قد يناقش في أصل ذلك بأن القضاء إن كان مما يقبل العوض باجارة أو جعالة جاز وإن لم يكن محتاجا إلى ذلك، وإلا لم يجز وإن كان محتاجا، ضرورة عدم اقتضاء الحاجة انقلاب الموضوع، وقد تقدم التحقيق في المكاسب (1). هذا وفي المسالك " ثم على تقدير جوازه بوجه ففي جواز تخصيص أحد هما به أو جعله على المدعى أو التشريك بينهما أوجه، من الشك في أنها تبع للعمل أو للمنفعة الحاصلة، فعلى الاول هو عليهما وعلى الثاني يجب على المحكوم له أو على المدعي ". وفيه أن هذه الوجوه لا تأتي بعد فرض كون دفع الجعل عنه معاملة، ضرورة تبعيتها لمن وقعت معه، نعم لو قلنا بوجوب دفع ذلك عوضا عنه شرعا أمكن جريان هذه الاحتمالات، هذا كله في القاضي. (أما الشاهد فلا يجوز له أخذ الاجرة) على أدائها لا (لتعين الاقامة عليه مع التمكن) بل للوجوب عليه وإن كان كفائيا، ومن هنا أطلق الاصحاب على ما اعترف به في المسالك عدم جواز أخذها له


(1) راجع ج ص 124 122.

[ 54 ]

معه كما اعترف به في المسالك، نعم لو احتاج السعي لها إلى معونة في سفر جاز له أخذها، لان الواجب الاقامة كما دلت عليه الاية (1) لا السعي لها مع أنه استشكله في المسالك أيضابأ ن السعي حينئذ مقدمة الواجب المطلق فيكون أيضا واجبا كأصله، ولكن قد يدفع بظهور الادلة في وجوبه بدنا لا مالا، أما التحمل فمع عدم تعينه عليه قد يقال بجواز الاخذ عليه، لكن الاولى تركه، وقد تقدم في المكاسب (2) ما يستفاد منه تحقيق الحال فيه. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه (يجوز للمؤذن والقاسم وكا تب القاضي والمترجم) له (وصاحب الديوان) أي الكتاب الذي يجمع فيه أسماء الجند والقضاة والمدرسين وغيرهم من المرتزقة والكتبة ونحوهما (ووالي بيت ا لمال أن يأخذوا الرزق من بيت المال المعد للمصالح) التي هذه منها، بل أهمها وإن لم يجز بعضهم أخذ الاجرة كما تقدم في المكاسب (3) إذ الارتزاق ليس أجرة وإن كان هو عوض. (وكذا من يكيل للناس ويزن ومن يعلم الاداب والسنن) (4) وغيرهم ممن يقوم بمصالح المسلمين، نعم قد عرفت احتمال اشتراط ذلك بالحاجة واشتغالهم بهذه المصالح عن التكسب للمعاش، ولاريب في أولوية التعفف مع الاستغناء، والله العالم.


(1) سورة الطلاق: 65 الاية 2. (2) راجع ج 22 ص 124. (3) راجع ج 22 ص 124 123. (4) وفي الشرائع: " ومن يعلم القران والاداب ".

[ 55 ]

المسألة (السادسة:) (تثبت ولاية القاضي ب‍) ما يثبت به غيرها من سماع إنشائها والاقرار به أو البينة على ذلك أو (الاستفاضة) التي تسمى بالشياع الذي يحصل غالبا منه سكون النفس واطمئنانها بمضمونه، خصوصا قبل حصول مقتضى الشك، بل لعل ذلك هو المراد بالعلم في الشرع موضوعا أو حكما، وحينئذ فلا ريب في الاكتفاء به قبل حصول مقتضي الشك، أما معه فقد يشك فيه لكن في غير الولايات التي جرت السيرة بالاكتفاء بها بمثل ذلك. (وكذا) غيرها أيضا مما جرت السيرة في أنه (يثبت بالاستفاضة) من (النسب) ولو من طرف الام على الاصح (والملك المطلق والموت والنكاح والوقف والعتق) والرق ونحوها، لا لبعض ما ذكره غير واحد من الاعتبارات كعسر إقامة البينة عليها ونحوه مما لا يصلح أن يكون مدركا لحكم شرعي، بل للسيرة فيما قامت عليه منها مؤيدة بما قيل من أن المراد بظاهر الحكم في مرسل يونس (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الاستفاضة، قال فيه: " سألته عن البينة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم ؟ قال: فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات والمناكح والذبائح والشهادات والمو اريث، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه " وفي


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1

[ 56 ]

الفقيه (1) " الانساب " مكان " الموارث " كما أن فيما حضرني من بعض نسخ التهذيب (2) " الحال " بدل " الحكم " بل هو الذى رواه عنه في الوافي والوسائل، ولعله بناء على أن المراد بظاهر الحكم هو ما ظهر بين الناس من الحكم، بمعنى نسبة المحمول إلى الموضوع في الامور المذكورة، إذ هو معنى الشياع والاستفاضة المذكوران، بل هما ظاهر الحال أيضا. كما أن المراد من الاكتفاء به في الشهاد ات أنه تجوز الشهادة بما يحصل منه بمعنى، كما يقول: " دار زيد وقف وعمرو بن خالد " ونحو ذلك مما هو متعارف بين الناس من الحكم في ذلك إذا كان شا ئعا كما يومئ إليه الصحيح الآتي، أو أن المراد متعلق الشهادة من عدالة أو جرح. وعلى كل حال فلا ريب في أنه مؤيد لما عرفت. وفي صحيح حريز (3) قال: " كانت لاسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام) دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال اسماعيل: يا أبه إن فلانا يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينارا أفترى أن أدفعها يبتاع لي بها بضاعة من اليمن: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا بني أما بلغك أنه يشرب الخمر ؟ فقال اسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بني لا تفعل، فعصى أباه ودفع إليه دنانيره، فاستهلكها ولم يأت بشئ منها، فخرج اسماعيل وقضى أن أبا عبد الله (عليه السلام) حج وحج اسماعيل تلك السنة فجعل يطوف البيت وهو يقول: اللهم أجرني واخلف علي، فلحقه أبو عبد الله (ع)


(1) راجع الفقيه ج 3 ص 9 الدقم 29. (2) راجع التهذيب ج 6 ص 288 الرقم 798. (3) الوسائل الباب من كتاب الوديعة الحديث 1.

[ 57 ]

فهمزه بيده من خلفه، وقال له: مه يا بني، فلا وا لله ما لك على الله هذا ولا لك أن يأجرك ولا يخلف عليك وقد بلغك أنه يشرب الخمر فائتمنته، فقال اسماعيل: يا أبه إني لم أره يشرب الخمر إنما سمعت ا لناس يقولون، فقال: يا بني إن الله عزوجل يقول في كتابه: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين (1) يقول: يصدق لله ويصدق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم، ولا تأتمن شارب الخمر، فان الله تعالى يقول: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " (2) فأي سفيه أسفه من شارب الخمر، إن شارب الخمر لا يزوج إذا خطب، ولا يشفع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على الله أن يأجره ولا يخلف عليه ". إذ هو كما ترى كالصريح في اعتبار الشياع الذي هو أعلى أفراده قول الناس وشهادة المؤمنين ونحوهما مما هو مذكور فيه، وبه أدرجه فيما دل على النهي عن ائتمان شارب الخمر. ومنه يعلم أنه لا مدخلية لمفاده الذي يكون تارة علما وأخرى متاخما له وثالثة ظنا غالبا في حجيته، وإنما المدار على تحققه، بل ظاهر الصحيح المزبور عموم اعتباره لغير المذكورات في المتن، بل صريحه ثبوت الفسق به، ولعله كذلك وإن اقتصر الجماعة على الامور المخصوصة، لكن المراد غلبة تحقق الشياع فيها، لا أن المراد عدم اعتباره وإن فرض تحققه في غيرها، إذ لا دليل على ذلك، بل لعل ظاهر الادلة خلافه، بل صريح بعضهم ثبوت الهلال وغيره به، وحينئذ فالتحقيق ما عرفت. لا ينافي ذلك ما في بعض النصوص (3) من حصر الحجة والقضاء


(1) سورة التوبه: 9 الاية 61. (2) سورة النساء: 4 الاية 5. (3) الوسائل الباب 2 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 58 ]

بالبينات، إذ هو من قبيل العام والخاص بعد فرض قيام الدليل على حجيته، مع احتمال كون المراد أنها حجة مطلقا بخلاف الشياع، فان المعتبر منه قل ما يتفق في غالب الموضوعات خصوصا إذا كان المراد شياع الحكم الذي هو بمعنى التصديق، كأن يقول: زيد ابن عمرو مثلا لا الاطلاق الذي هو ليس من ذلك، وفرق واضح بينهما كما أومي إليه في خبر يونس (1) المزبور. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر ما في كلام الاصحاب من التشويش وا لاضطراب والتهجس الناشئ من عدم دليل مخصوص على الحجية، فيعتبر فيه العلم حينئذ، ولكن ينبغي التعدي فيه عن المواضع المخصوصة ضرورة عدم الفرق بينها وبين غيرها بعد جعل المدار العلم، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو لم يستفض إما لبعد موضع ولايته عن موضع عقد القضاء له) فلا يحصل شياع (أو لغيره من الاسباب) كتعمد الامام (عليه السلام) إخفاءه لمصلحة من المصالح أو نحو ذلك (أشهد الاما م (عليه السلام) أو من نصبه الامام على ولايته شاهدين) عدلين (بصورة ما عهد إليه وسيرهما معه ليشهدا له بالولاية بناء على عدم اعتبار حكم حاكم في حجية البينة أو كان ولو في غير تلك الولاية أو القاضي الاول إذا كان عزله معلقا على ثبوت ولاية الثاني عنده مثلا، بناء على جواز مثل هذا التعليق في العزل، كما صرح به في القواعد، بل جوز فيها تعليقه على قراءة الكتاب المتضمن له وإن قال في المسالك: " إنه لا يوافق قواعد الاصحاب، وقد حكموا ببطلان الوكالة المعلقة، وهي أضعف حالا من ولاية القاضي، ومن ثم قال في الدروس: وفي جواز تعليق العزل وجه ضعيف ". وفيه أنه فرق واضح بين الوكالة التي هي عقد من العقود الممتنع


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 59 ]

فيها التعليق المنافي لظاهر ما دل على تسبيبها وبين المقام الذي هو من المناصب، نحو قوله: " فلان أميركم إن مات فلان أو عرض فيه عارض " ومن هنا جاز فيه ما لم يجز في الوكالة، كالنصب في زمن الغيبة الذى لم يجز نحوه فيها قطعا، بل قد عرفت جوازه في الوصاية التي هي من الولايات، فلاحظ وتأمل، فانه قد ذكرنا سابقا عدم منافاة تعليق المنشأ للانشاء الفعلي، ولذا جاز في النذر وا لوصية وغيرهما، نعم هو مناف لظاهر مقارنة ترتب المسبب للسبب الشرعي الذي هو كالعقلي بالنسبة إلى ذلك، لظهور الادلة، أما في المقام فليس في الادلة ما يقتضي ذلك، فيبقى جوازه على مقتضى الاطلاق، خصوصا بعد عدم إجماع هنا على اعتبا ر التنجيز، بل العكس مظنته، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (لا يجب على أهل الولاية قبول دعواه) وإن لم يكن له معارض (مع عدم البينة) والشياع (وإن شهدت له الامارات) التي لم تجعل في الشرع دليلا على مثل ذلك (ما لم يحصل اليقين) بها فانه ليس وراء العلم من شئ، كما في غير ذلك من الدعاوى، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (السابعة:) لا خلاف في أنه (يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد لكل منهما جهة على انفراده) بأن خصص كل واحد منهما بط رف منها، أو عين كل واحد منهما زمانا، أو جعل أحدهما قاضيا في الاموال والاخر في الدماء والفروج ونحو ذلك. (وهل يجوز التشريك بينهما في الجهة الو احدة) على جهة الاجتماع

[ 60 ]

على الحكم الواحد ؟ وجهان أقواهما الجواز وفاقا للفاضل وولده فيما حكي عنهما، كما في الوصيين والوكيلين، للاصل ولانه أضبط وأوثق للحكم، خصوصا بناء على ما هو الحق عندنا من أن المصيب واحد. نعم قد يمنع التشريك بينهما على إرادة كون القاضي مجموعهما على وجه يكون كل واحد نصف قاض، بل الظاهر امتناع ذلك في جميع الولايات، بل هو كذلك في الوكالة أيضا، لعدم وفاء الادلة في مشروعية ذلك، فتبقى على أصالة العدم. وإطلاق التشريك والمعية هنا وفي كتاب الوصية في عبارات الاصحاب يراد منها عدم نفوذ تصر ف أحدهما بدون رضا الاخر، لا أن المراد التشريك في نفس الوصاية، بل كل منهما وصي إلا أنه لا ينفذ تصرفه إلا بتنفيذ الاخر، ومن هنا لو مات أحدهما يبقى الا خر وصيا، بل لا يحتاج إلى ضم غيره، معه من الحاكم، بناء على كون المراد من التشريك المزبور حال إمكانه. وإفراد الرسول في موسى وهارون والتشريك في الامر يراد به إثبات الرسالة لكل منهما بدليل التصريح بنبوة هارون، فلا ريب في كون المراد هنا ما ذكرناه، وحنيئذ فلو اختلف حكمهما وقف الحكم وإلا نفذ. وأولى من ذلك بالجواز التشريك بينهما على جهة الاستقلال كما في نصب الغيبة وإن (قيل بالمنع) هنا أيضا قياسا على الولاية العظمى (وحسما لمادة اختلاف الخصمين في الاختيار). (و) لكن قد عرفت أن (الوجه الجواز) للاصل و (لان القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب) والقياس - مع بطلانه في نفسه عندنا - ممنوع هنا في المقيس عليه، كما في موسى وهارون، والتنازع يندفع بتقديم من سبق داعيه منهما.

[ 61 ]

ولو جاءا معا حكم بالقرعة، ولو ابتدأ المتنازعان بالذهاب إليهما من غير دعاء قدم من يختاره المدعي. هذا كله مع التصريح، أما مع الاطلاق - كالمجرد عن التصريح بأحدهما - فالاصح الاستقلال بناء على ظهور الاطلاق في ذلك، وربما احتمل الفساد ما لم يصرح بأحد الامرين، لاشتراك الاطلاق بينهما واختلاف حكمهما، وهو كما ترى، على أن صورة اتفاقهما متيقنة على كل حال. ثم لا يخفي عليك خلو الثمرة في أمثال هذه المسائل، ضرورة أن الامام (عليه السلام) أعلم بما يفعله مع تمكنه، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (الثامنة:) (إذا حدث) في القاضي (ما يمنع) أصل (الانعقاد) في الابتداء (انعزل) به (وإن لم يشهد الامام (عليه السلام) بعزله) بل وإن لم يعلم بذلك (كالجنون والفسق) والاغماء والعمى والخرس وعدم الاجتهاد أو الضبط لغلبة الغفلة والنسيان ونحو ذلك مما عرفت اعتباره في أصل القضاء بناء على القول به، لظهور دليل شرطيتها في الابتداء والاستدامة فلا وجه للاستصحاب. (و) حينئذ ف‍ (لو حكم لم ينفذ حكمه) بل لا تعود بزوال هذه العوارض، للاصل، وربما فرق بين ما يزول سريعا كالاغماء وبين غيره كالجنون، فتعود في الاول دون الثاني، لان الاغماء كالسهو الذي يزول سريعا، ولا ينفك منه غالبا، لكنه كما ترى، ضرورة وضوح الفرق بين السهو والنوم وبين الاغماء المزيل العقل دونهما. (وهل يجوز أن يعزل اقتراحا ؟) الاقوى ذلك، إذ هو

[ 62 ]

كالوكيل والوصي، لان ذلك حق للامام (عليه السلام) فله أخذه واعطاؤه لغيره. ولكن (الوجه) عند المصنف تبعا لبعض أنه (لا) يجوز (لان ولايته استقرت شرعا، فلا تزول تشهيا) وهو كما ترى مصادرة محضة، ولان عزله حينئذ بمنزلة العبث، وفيه عرضة للقدح في من ليس بمقدوح فيه، وهو مجرد استحسا ن. (أمالو رأى الامام (عليه السلام) أو النائب عزله لوجه من وجوه المصالح أو لو جود من هو أتم منه نظرا، فانه جائز) قطعا (مراعاة للمصلحة). ولكن لا يخفى عليك أن هذا البحث أيضا قليل الجدوى، كما أومأنا إليه سابقا، ضرورة أن الامام (عليه السلام) لا يفعل إلا ما يوافق المصلحة ويناسب المشروع، ويجب طاعته في كل شئ، وفعله حجة كذلك، وهو معصوم من الخلل مؤيد مسدد، وإنما بحث في هذه الفروع من يجوز امامة من يتفق منه خلاف المشروع، وحينئذ فمع حضوره (عليه السلام) هو أعلم بما يقع منه. وكذا البحث في أنه هل ينعزل بمجرد عزله أو بعد بلوغ الخبر كالوكيل ؟ وإن قال في المسالك: " فيه قولان، أظهرهما الثاني، لعظم الضرر في رد قضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر، فيكون الحكم فيه أولى من الوكيل) وكان مرجعه إلى استصحاب بقاء نفوذ حكمه، لكن قد يناقش بمعلومية استناد ذلك إلى الاذن المعلوم انقطاعه، ومن هنا لم يكن إشكال عندهم بالا نعزال بغير ذلك من الموت ونحوه قبل البلوغ. وكذا لا فائدة فيما ذكروه هنا أيضا من أن ذلك إذا عزله لفظا أو كتب إليه اني عزلتك أو أنت معزول، أما إذا كتب إليه " إذا أتاك

[ 63 ]

كتابي فأنت معزول) لم ينعزل قبل أن يأتيه الكتاب بحال، وإذا كتب إليه (إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول) لم يعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه فذاك وإن قرئ عليه فوجهان: أحدهما لا ينعزل نظرا إلى صورة اللفظ، والثاني الانعزال نظرا إلى المعنى عرفا، لان غرض الامام إعلامه صورة الحال لا قراءته بنفسه، ولو كان أميا فقرئ عليه فالحكم بالانعزال أظهر مع احتمال العدم، نظرا إلى مدلول اللفظ، ومثله في اختلاف ظاهر اللفظ والمعنى إطلاق الكتاب على مجموعه أو على الغاية المقصودة منه. وتظهر الفائدة فيما لو ذهب بعض الكتابة بحيث تعذرت قراءته، فانه لا تصدق قراءة الكتاب إن جعلنا المفرد المضاف مفيدا للعموم، كما هو رأي المحققين من الاصوليين، وكذا القول في بلوغه، هذا بحسب اللفظ. وأما بالنظر إلى المعنى فالمقصود بلوغ ما يفيد الخبر أو قراءة ما يحصل به الغرض وإن لم يتم القراءة مع إمكانها فضلا عن تعذرها، فتعتبر قراءة الفصول المقصودة التي يحصل بها إفادة المطلوب وإن بقي غيرها كالبسملة والحمد الله ونظائرهما، إلى غير ذلك مما أطنب فيه العامة في كتبهم من الخرافات الفاسدة والاحتمالات الباردة المبتنية على اعتبارات واستحسانات ونحوهما المقصود فيها صيرورة الكتاب ضخما لينال به الجائزة من سلطان زمانه نسأل الله أن يعيذنا من هذه النيات السيئة، وأن يعصمنا من الخيالات الشيطانية التي يوحيها بعض إلى بعض من زخرف القول وغروره، فانه ولي الصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 64 ]

المسألة (التاسعة:) (إذا مات الامام (ع) قال الشيخ: الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع) لانهم نوابه وولايتهم فرع ولايته، فإذا زال الاصل زال الفرع، فان أمر كل عصر إلى إمام ذلك العصر. (وقال في المبسوط: لا ينعزلون، لان ولايتهم ثبتت شرعا) بتوليته (فلا تزول بموته) للاصل المؤيد بما في الانعزال من الضرر العام اللاحق للخلق بخلو البلدان من الحكام إلى أن يجدد الامام اللاحق نوابا فتعطل المصالح. بل في المسالك (قد يقدح هذا في ولاية الفقية حال الغيبة بأن الامام الذي قد جعله قاضيا وحاكما قد مات فيجري في حكمه الخلاف المذكور - ثم قال -: إلا أن الاصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية، فانها ليست كالتولية الخاصة، بل حكم بمضمونه فان إعلامه بكونه من أهل الولاية على ذلك كاعلامه بكون العدل مقبول الشهادة، وذا اليد مقبول الخبر، وغير ذلك، وفيه بحث). قلت: وجه البحث ظهور الادلة في كونه إنشاء نصب منه، بل هو كاد يكون صريح قوله (ع) (1): (فاني جعلته قاضيا وحاكما) لا أنه مجرد إعلام، وكيف يكون إعلاما وقد عرفت الاحتياج إلى انشاء النصب والاذن. نعم قد يقال في دفعه - مضافا إلى ما سمعته من النص (2) على


(1) راجع التعليقة (5) من ص 9. (2) الوسائل الباب 11 من ابواب صفات القاضي الحديث 9.

[ 65 ]

؟ ؟ ؟ ؟ ؟ من صاحب الزمان روحي له الفداء -: إن إمام العدل له النصب في الازمنة المتأخرة عن زمان موته، فان الزمان بأجمعه لجميعهم ومعصومون عن الخطأ، ولا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وهذا الفرع إنما ذكره العامة على أصولهم في أئمتهم المنصوبين من قبلهم لا من ربهم بخلاف أئمتنا (عليهم السلام) الذين هم أولياؤنا أحياء وأمواتا، وإنما ينعزل نوابهم بالموت حيث تكون التولية منهم مقيدة بذلك ولو بظاهر الحال، لا لانقطاع ولايتهم بالموت، فإذا كانت من أحدهم على الاستدامة صريحا أو ظاهرا فلا إشكال في عدم الانعزال، ومنه نصب الصادق (عليه السلام) لكل من عرف حلالهم وحرامهم (1) الظاهر بل الصريح في ذلك، فيمضي حينئذ حكمه ولو بعد موته في زمن الامام الاخر المعبر في الحقيقة عن الاول، فان حكمهم واحد وأمرهم واحد، كما هو معلوم من أصول الشيعة، بل هو من ضروريات مذهبهم. (و) بذلك ظهر لك أن (الاول أشبه) لكن على الطريق الذي ذكرناه، لا لانقطاع ولايتهم بالموت، ولو فرض عدم ظهور في تقيد الولاية بزمن حياتهم كان المتجه بقاؤها حتى يأتي العزل من الامام المتأخر الذي هو في الحقيقة عزل من الامام الذي قبله تمسكا باطلاق مقتضيها مع فرضه، أما إذا لم يكن بل ليس إلا صيرورته قاضيا في زمن الحياة فالمتجه الحكم بانقطاعها، لان ذلك لا يكفي في ثبوت الاذن في الزائد عليه، إذا الاستصحاب هنا لا وقع له بعد التنويع المزبور، ومن ذلك يعلم ما في الاصل المزبور، كما هو واضح. (ولو مات القاضي الاصلي) الذي نصبه إمام العدل انعزل كل نائب له في شغل معين، كبيع على ميت أو غائب أو سماع بينة في حادثة


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 6.

[ 66 ]

معينة بغير خلاف، كما في المسالك قال: (وفي التصرف في شغل عام كقوام الوقوف والايتام وجهان ناشئان من الوجهين اللذين في نواب الامام من حيث التبعية وترتب الضرر بزوال ولايتهم إلى أن يتجدد الولاية). وفيه أنه مع فرض كونهم وكلاء عنه لا إشكال في انفساخها بموته، من غير فرق بين كون متعلقها عاما أو خاصا، لان الفرض زوال ولاية الاصل بموته، بل الظاهر ذلك مع فرض كونهم أولياء، لان ولايتهم فرع ولايته، لكن عن الايضاح نفي الخلاف عن عدم انعزالهم، فان تم إجماعا فذاك، وإلا كان المتجه ما ذكرنا، نعم لو كان النصب وكيلا أو وليا عن الامام وكان ذلك جائزا له لم ينعزل قطعا، والله العالم. وأما الخليفة عنه في القضاء فقيل: (لم ينعزل) أي (النائب عنه) فيه (لان الاستنابة) فيه (مشروطة باذن الامام (عليه السلام) فالنائب عنه كالنائب عن الامام، فلا ينعزل بموت الواسطة) كما لا ينعزل وكيل الوكيل إذا أذن له في توكيله عن الموكل. وقيل: ينعزل وإليه أشار المصنف بقوله: (والقول بانعزاله أشبه) بأصول المذهب وقواعده، لانه فرعه، وكالوكيل عنه ينعزل بموته وليس هو نائبا عن الامام وإن توقف استخلافه عنه عليه. وربما أشكل القولان معا على إطلاقهما، أما الاول فلان النيابة قد تكون مستندة إلى قرائن الاحوال كاتساع الولاية، والنائب فيها ليس نائبا عن الامام بل عن القاضي، ولم يحصل من الامام ما يقتضي الاذن لفظا حتى يقال: إن الاستنابة مشروطة باذن الامام، ولو سلم أن التولية على هذا الوجه إذن في المعنى لم يدل على كونه إذنا في استنابته عن الامام بوجه من الدلالات. وأما الثاني فلان من جملة الاقسام أن يكون الامام قد أذن له صريحا

[ 67 ]

في الاستنابة إما مطلقا أو عن الامام، فلا يتم الحكم مطلقا بكون النائب تابعا للمستنيب. فيتجه على هذا وجه ثالث قد جزم به الرافعي في الروضة من بعض كتب الشافعية وهو (أن القاضي إن لم يكن مأذونا في الاستخلاف بل استخلف بناء على جوازه مطلقا أو مع شهادة القرائن انعزل خليفته بموته، لان الاستخلاف في هذه الحالة إما أن يكون جوازه مشروطا بالحاجة فكان النائب كالمعين في العمل، فإذا زالت ولايته بطلت المعاونة، لعدم الحاجة إليها، وإما لان الخليفة كالوكيل حيث جوزناها مطلقا، فتبطل بموت الموكل لانه كالمعين أيضا، وإن لم يكن لحاجة وكان مأذونا في الاستخلاف نظر، فان قال: استخلف عني فاستخلف لم ينعزل خليفته، لانه مأذون من جهة الامام، فكأنه حينئذ سفير في التولية وإن قال: استخلف عن نفسك أو أطلق انعزل، لظهور غرض المعاونة وبطلانها ببطلان ولايته). وفيها أيضا (لو نصب الامام نائبا عن القاضي فعن السرخسي لا ينعزل بموت القاضي ولا انعزاله للاذن له من جهة الامام). ومال إليه في المسالك قال: (إلا أن يكون الاذن مقيدا بالنيابة عن القاضي فيتبعه كالاول) وهو جيد. لكن قد يناقش بالتفصيل بين ما يستفاد منه الاذن، فان دعوى انحصار إفادة القرائن في الاستخلاف عنه لا عن الاصل ممنوعة، ضرورة أعميتها من ذلك، كما هو واضح.

[ 68 ]

المسألة (العاشرة:) (إذا اقتضت المصلحة تولية) القضاء مثلا (من لم يستكمل الشرائط) بأن كان قاصرا في العلم والعدالة (انعقدت ولايته) في أحد الوجهين أو القولين (مراعاة للمصلحة في نظر الامام (عليه السلام) كما اتفق لبعض القضاة في زمن علي (عليه السلام)) وهو شريح المعلوم انتفاء بعض الشرائط فيه. (وربما منع من ذلك) بل هو أحد الوجهين أو القولين أيضا، بل لعله أقواهما كما هو خيرة الفاضل في المحكي من تحريره، للاصل بل الاصول، ولاطلاق دليل الشرطية، بل صريح النص والفتوى عدم كونه مشروعا للتقية على وجه تجري عليها أحكام القضاء الصحيح، كما في الصلاة والوضوء والغسل فضلا عن غيرها، ومن هنا استفاضت النصوص (1) في النهي عن المرافعة إلى قضاتهم، وأنها من المرافعة إلى الجبت والطاغوت مع استفاضتها (2) في الحث على الصلاة معهم، وأنها كالصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). بل ظاهر النص (3) والفتوى بل صريح بعضهما عدم صحة قضاء قضاة أئمة الجور وإن حكموا بالحق، وحينئذ فلا مصلحة تقتضي تغيير الحكم فيه، كما يومئ إليه إصراره (عليه السلام) في عدم تولية معاوية حتى قال (4): (قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ولكن دونها


(1) و (3) الوسائل الباب - 1 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 0 - 4. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب صلاة الجماعة - من كتاب الصلاة. (4) نهج البلاغة - الخطبة 41 (ص 118 ط ايران) وفيه " قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونه مانع من امر الله ونهيه... "

[ 69 ]

حاجز من تقوى الله تعالى). وما وقع منه من إقرار شريح لا دلالة فيه (فانه) ليس باختياره أولا، ولا دليل على إجرائه عليه حكم القضاء الصحيح ثانيا و (لم يكن يفوض) إليه ولا (إلى) غيره من (من يستقضيه ولا يرتضيه، بل يشاركه فيما ينفذه) ثالثا، قال (عليه السلام) لشريح في خبر سلمة (1): (وإياك أن تنفذ قضية في قصاص أوحد من حدود الله أو حق من حقوق المسلمين حتى تعرض ذلك علي إنشاء الله) (فيكون هو الحاكم في الواقعة لا المنصوب) قال الصادق (عليه السلام) في حسن هشام (2): (لما ولى أمير المؤمنين (عليه السلام) شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه). وما في المسالك - من المناقشة فيه بأن المروي من حال شريح معه خلاف ذلك، وفي حديث الدرع الغلول (3) ما يرشد إلى ما ذكرناه - لا يخفى عليك ما فيه، بل حديث الدرع الغلول مرشد إلى عكس ما ذكره، حيث نبهه به على خطائه في قضائه به من وجوه، قال النخعي (4): (دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر (عليه السلام) فسألاه عن شاهد ويمين، فقال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به علي (عليه السلام) عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، قال: وأين وجدتموه خلاف القرآن ؟ فقالا: إن الله عزوجل يقول: (وأشهدوا ذوي عدل) (5) فقال لهما أبو جعفر (عليه السلام): فقوله:


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 6. (5) سورة الطلاق: 65 - الاية 2.

[ 70 ]

(وأشهدوا) هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا ؟ ثم قال: إن عليا (عليه السلام) كان قاعدا في مسجد الكوفة، فمر به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة، فقال له علي (عليه السلام): هذا درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال له عبد الله: فاجعل بيني وبينك قاضيا الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحا، فقال علي (عليه السلام): هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بينة، فأتاه بالحسن (عليه السلام) فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال: هذا شاهد، ولا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، قال: فدعا قنبرا فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك، ولا أقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب علي (عليه السلام) وقال: خذوها فان هذا قضى بجوز ثلاث مرات قال: فتحول شريح عن مجلسه، ثم قال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات ؟ فقال: ويلك أو ويحك إني لما أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، قلت: هات على ما تقول بينة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حيث ما وجد غلول أخذ بغير بينة، فقلت: رجل لم يسمع الحديث، فهذه واحدة ثم أتيتك بالحسن فشهد، فقلت: هذا شاهد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان، ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك، ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا، ثم قال: ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا) ورواه في الفقيه بزيادة (وقال أبو جعفر (عليه السلام):

[ 71 ]

فأول من رد شهادة المملوك رمع). وبالجملة يمكن القطع من مذهبنا بعدم انعقاد القضاء لفاقد الشرائط كالعلم ونحوه على وجه يلحقه حكم القضاء الصحيح وإن حكم بغير ما أنزل الله تعالى، خصوصا بعد ما سمعته سابقا من تقسيم القضاة، وأن واحدا في الجنة والباقي في النار، وإطلاق اسم القاضي عليه لا يقتضي صحة قضائه لا ظاهرا ولا واقعا، كما هو واضح. نعم قد يقال: إن الذي يقتضيه الانصاف والتدبر في ما ورد في شريح أنه يجوز نصب غير مستكمل الشرائط على إنفاذ القضاء بالحق بعد العلم به بخصوصه، والله العالم. المسألة (الحادية عشر:) (كل من لا تقبل شهادته) له أو عليه (لا ينفذ حكمه) كذلك (كالولد على الوالد والعبد على مولاه والخصم على خصمه، ويجوز حكم الاب على ولده وله، والاخ على أخيه) لانه شهادة وزيادة، فيشترط في نفوذه ما يشترط في نفوذ الشهادة في الطرفين أو أحدهما، وحينئذ لا يقبل حكم الخصم على خصمه (و) يقبل (له) مع عدم منافاة الخصومة للعدالة، هكذا ذكره المصنف وثاني الشهيدين وغيرهما ذكر المسلمات، فان تم إجماعا كان هو الحجة، وإلا كان للنظر فيه مجال، ضرورة إمكان منع كون الحكم شهادة على وجه يلحقه حكمها المعلق عليها من حيث كونها شهادة، بل دعوى التزام ذلك في حاكم الغيبة فلا ينفذ حكمه على من كانت بينه وبينه خصومة لم يخرج بها عن العدالة في غير تلك الخصومة من المنكرات، خصوصا بعد قوله (عليه السلام): (جعلته حاكما

[ 72 ]

عليكم) (1) (وهو حجتي عليكم) (2) (والراد عليه كالراد علينا) (3) ونحو ذلك، ولعه لذا حكي عن بعضهم اختصاص المنع بقاضي التحكيم. وفي محكي التحرير (ولو تولى وصي اليتيم القضاء فهل يقضي له ؟ فيه نظر ينشأ من كونه خصما في حقه، كما في حق نفسه، ومن أن كل قاض فهو ولي الايتام). قلت: لاإشكال في عدم منع مثل ذلك - مع عدم الوصاية - الحكومة، لعدم اختصاص الولاية له، وكذا شهادة الفقير أو حكومته بأن في مال زيد الزكاة مثلا، بل وكذا الكلام في مصرف الوقف من العلماء والعدول ونحوهم، فان ذلك ونحوه لا يمنع الحكومة ولا الشهادة، لعموم أدلة القبول، أما الولاية المخصوصة كالاب والجد والوصي فالظاهر عدم قبول شهادتهم للمولى عليه لانها تجر نفعا إليهم، أما إذا كان الاب حاكما مثلا أو الوصي كذلك ففي قبول حكمه له نظر، أقواه العدم، والله العالم. (النظر الثاني) (في الاداب) (وهي قسمان: مستحبة ومكروهة) إلا أن كثيرا منها لا دليل عليها بالخصوص، ولكن ذكرها الاصحاب وغيرهم من غير إشعار بتوقف في شئ منها، ولعله لعدم احتياج الاستحباب الادبي إلى دليل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1 - 9 - 1.

[ 73 ]

بالخصوص، ويكفي فيه مشروعية أصل الادب، فالتسامح فيه زائد على التسامح في السنن. وكيف كان فهي كثيرة خصوصا في كتب العامة حتى أفردت بالتصنيف، وقد ذكر المصنف المهم منها (ف‍) قال: (المستحب أن يطلب) قبل دخوله أو حينه (من أهل ولايته من يسأله عما يحتاج إليه في أمور بلده) وعن العلماء فيها والعدول ومن هو مستحق للتعظيم وغير ذلك مما ينبغي الاطلاع عليه لمثله. (وأن يسكن عند وصوله في وسط البلد ليرد الخصوم عليه ورودا متساويا) ليكون ذلك أقرب إلى التسوية بينهم التي قد عرفت حالها في الكلام والانصاف والمجلس وغيرها. (وأن ينادي بقدومه إن كان البلد واسعا لا ينتشر خبره فيه إلا بالنداء) أن فلانا قد قدم قاضيا فمن أحب سماع قراءة عهده فليحضر ساعة كذا من يوم كذا، فإذا حضروا قرأ عليهم العهد، وإن كان معه شهود شهدوا. وقيل: يستحب أن يكون دخوله يوم الاثنين تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) في دخوله المدينة، وهو كما ترى. نعم في كشف اللثام (ينبغي له أن يقصد الجامع إذا قدم، ويصلي ركعتين، ويسأل الله العصمة والاعانة). (وأن يجلس للقضاء في موضع بارز مثل رحبة) وهي الصحراء بين أفنية القوم والمسجد (أو فضاء ليسهل الوصول إليه) ولئلا تهابه الناس أو بعضهم لو جلس في بيت مثلا. (وأن يبدأ بأخذ ما في يد الحاكم المعزول من) ديوان الحكم المشتمل على المحاضر والسجلات و (حجج الناس وودائعهم) ووثائق الايتام والاوقاف ونحو ذلك، لانها كانت في يده بالولاية التي انتقلت منه

[ 74 ]

إليه، فيتوصل بذلك إلى معرفة تفاصيل أحوال الناس ومعرفة حقوقهم وحوائجهم. (ولو) اتفق أنه (حكم في المسجد صلى عند دخوله) فيه ركعتين (تحية المسجد) كما يستحب ذلك لكل داخل إليه (ثم يجلس مستدبر القبلة) كما عن الاكثر (ليكون وجه الخصوم) إذا وقفوا بين يديه (إليها) ليكون ذلك أردع لها عن كلام الباطل وخصوصا وقت الاستحلاف. (وقيل) والقائل الشيخ في محكي مبسوطه وابن البراج على ما حكى عنه: (يستقبل القبلة، لقوله (عليه السلام) (1): خير المجالس ما استقبل به القبلة) وهو أحق من غيره (و) لكن (الاول أظهر) لما عرفت. (ثم) إذا تفرغ القاضي من مهماته وأراد القضاء استحب له أن (يسأل) أولا (عن أهل السجون) لانهم في عذاب (ويثبت أسماءهم) وما حبسوا به ومن حبسوا له (وينادي في البلد بذلك) ويقول: إن القاضي ينظر في أمر المحبوسين (ويجعل له وقتا) معينا يوم كذا فمن له محبوس فليحضر (فإذا اجتمعوا أخرج اسم واحد واحد ويسأله عن موجب حبسه ويعرضه على خصمه فان ثبت لحبسه موجب أعاده وإلا أشاع حاله بحيث إن لم يظهر له خصم أطلقه). وجواب المحبوس يفرض على وجوه: (منها) أن يعترف بالحبس بالحق، فان كان ما حبس به مالا أمر بأدائه، فان قال: أنا معسر فعلى ما عرفته في الفلس (2) فان لم يؤد ولم يثبت إعساره رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره نودي عليه فلعل له خصما آخر، فان لم يظهر


(1) الوسائل - الباب - 76 - من ابواب احكام العشرة - الحديث - 3 - من كتاب الحج. (2) راجع ج 25 ص 324 - 328.

[ 75 ]

خلى سبيله، وإن كان ما حبس عليه حدا أقيم عليه وخلى. و (منها) أن يقول: (شهدت علي البينة فحبسني القاضي) يبحث (1) عن حال الشهود، فان كان مذهبه أنه يحبس بذلك تركه أيضا محبوسا وبحث وإلا أطلقه. و (منها) أن يقول: (حبست ظلما) ففي المسالك (إن كان الخصم معه فعلى الخصم الحجة، والقول قول المحبوس بيمينه) وفيه أنه يمكن العكس عملا بأصالة الصحة في فعل القاضي، وإن كان للمحبوس خصم غائب ففي إطلاقه وإبقائه في الحبس وجوه: الاطلاق، لانه عذاب وانتظار الغائب قد يطول، والابقاء مع الكتابة إلى خصمه، فان لم يحضر أطلق، والاطلاق مع المراقبة إلى أن يحضر خصمه ويكتب إليه أن يعجل، فان تأخر لا لعذر تركت المراقبة، وعن الشهيد التخيير بينها وبين الكفيل، وهو جيد، إذ المدار على الجمع بين الحقين. (وكذا لو أحضر محبوسا وقال: لا خصم لي، فانه ينادي في البلد فان لم يظهر له خصم) أو مطلع على حاله (أطلقه) للاصل وغيره. (وقيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه: (يحلفه مع ذلك) واستحسنه بعضهم، وفيه أنه لا وجه مع عدم خصم له، والاصل البراءة، ولذا نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بتمريضه. (ثم) إذا فرغ من ذلك (يسأل عن الاوصياء عن الايتام) الذين لا قابلية لهم إلى المرافعة وأولياء الجهات العامة (ويعمل معهم ما يجب من تضمين أو انفاذ أو إسقاط ولاية إما لبلوغ اليتيم أو لظهور خيانة أو ضم مشارك إن ظهر من الوصي عجز) وغير ذلك من الاحكام الشرعية. وفي المسالك (فإذا حضر من يزعم أنه وصي تفحص القاضي عن


(1) هكذا في النسخة الاصلية، والاولى هكذا " فيبحث ".

[ 76 ]

شيئين: أحدهما أصل الوصاية، فان أقام بينة بها قرره عليها إلى أن يحصل ما يزيلها من فسق فينزع المال من يده، فان كان المال كثيرا لا يمكنه القيام بحفظه والتصرف فيه ضم إليه من يعينه، والثاني تصرفه في المال، فان قال: فرقت ما أوصى به نظر إن كانت الوصية لمعينين لم يتعرض لان الدعوى لهم إن لم يصل، وإن كانت بجهة عامة فان كان عدلا أمضى تصرفه ولم يضمنه، وإن كان فاسقا ضمنه لتعديه بالتفريق لا عن ولاية). وكأن الاول مبني على أصالة ولاية الحاكم حتى يثبت الوصاية لا أنها تثبت إن لم يكن هناك وصي، فيكفي في عدم ثبوتها دعوى مدعيها بلا معارض، ولا تطلب منه البينه على ذلك كما زعمه بعض متفقهة العصر، كما أن التضمين في الثاني مبني على عدم جواز وصاية الفاسق على ذلك. ولو أن غير الوصي فرق الموصى به ففي المسالك (نظر إن كانت الوصية لمعينين وقع الموقع، لان لهم أن يأخذوه من دون واسطة، وإلا ضمن) وفيه أنه كذلك إذا كان معينا، أما إذا كان كليا فلا، فيتجه الضمان حينئذ وإن كان لمعينين. وكذا يضمن من تصرف ممن ليس له الولاية حتى في وقف المسجد والمسجد ونحوهما وإن صرفه في مصلحة إلا مع إجازة الولي في وجه، بل في القواعد احتمال عدم الضمان حتى في تفرقة غير الوصي إذا كان في محله، إلا أنه كما ترى، ولو ظهر منه خيانة فأولى بالضمان كما هو واضح، والله العالم. (ثم) إذا فرغ من ذلك (ينظر في أمناء الحاكم) الاول (الحافظين لاموال الايتام) ونحوهم (الذين يليهم الحاكم ولاموال الناس من وديعة ومال) غائب و (محجور عليه، فيعزل الخائن ويسعد

[ 77 ]

الضعيف بمشارك، أو يستبدل به بحسب ما يقتضيه رأيه) بخلاف الوصي، فان الموصي قد نصبه ورضي بنظره الذي لم يعدم، وإنما قصر عن الاستقلال فيتعين جبره بالمعين، وليس له عزله اقتراحا، أما الامين من طرف الحاكم فله عزله كذلك ففي العجز بطريق أولى. (ثم) إذا فرغ من ذلك (ينظر في الضوال واللقط فيبيع ما يخشى تلفه وما يستوعب نفقته ثمنه، ويتسلم ما عرفه الملتقط حولا إن كان شئ من ذلك في يد أمناء الحاكم) لعدم قبول الملتقط تملكه ولا ائتمانه، وفي المسالك هو حينئذ مخير بين أن يحفظها معزولة عن أمثالها في بيت المال وبين أن يخلطها، فإذا ظهر المالك غرم له من بيت المال، وهو موقوف على دليله إن كان. (ويستبقي) من الضوال واللقط (ما عدا ذلك مثل الاثمان والجواهر محفوظة على أربابها لتدفع إليهم عند الحضور على الوجه المحرر) في كتاب اللقطة (1) من أحكام ذلك وشرائطه، كالتعريف حولا ونحوه، ويقدم من كل نوع من ذلك الاهم فالاهم، وإن عرضت حادثة استخلف من ينظر فيها أو فيما هو فيه ولا يؤخرها، لان الحبس عقوبة وحاجات الاطفال والغياب ناجزة. ويستحب له أيضا حال القضاء أن يكون في أجل هيئة وسكينة ووقار ونحو ذلك مما يناسب ذلك. (و) أن (يحضر من أهل العلم) بالاحكام الشرعية (من يشهد حكمه فان أخطأ نبهوه، لان) الانسان محل الخطأ والنسيان، ولا يعتبر فيهم الاجتهاد، لانه ليس المراد تقليدهم، إذ قد عرفت اعتبار الاجتهاد في القاضي عندهم، بل المراد الطمأنينة بصحة


(1) راجع ج 38 ص 301 - 302.

[ 78 ]

ما قضى به، وقد تحصل بمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد إذا كان من أهل النظر والذكاء، ولا فرق في ذلك بيننا وبين غيرنا في هذا الحكم، ولذا حكي عنهم ذكره أيضا في آداب القضاء وإن كان (المصيب عندنا واحد) دونهم. فان المصيب عندهم الجميع، إلا أن ذلك لا مدخلية له في هذا الحكم، ضرورة أن الاصابة عندهم مع موافقة الاجتهاد للدليل المناسب للحكم، والمفروض هنا الغفلة عنه، وأنه إذا نبه عليه تنبه وعلم أن الدليل الذي اعتمده أولا غير صحيح بحسب ما يراه. وبالجملة يراد حضورهم للتنبيه على فساد الاجتهاد إن كان، وهذا أمر يشترك فيه الجميع، فان إصابة الواحد إنما هي في نفس الامر لا في الظاهر، ومن الجائز أن لا يكون الحكم الذي ينبه عليه ووجب اتباعه هو الصواب في نفس الامر، إلا أن الواجب في الظاهر اتباع الراجح بعد استفراغ الوسع في تحصيل دليله سواء طابق الواقع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى شأنه أو لا. وإلى ما ذكرنا يرجع ما عن ابن الجنيد من أنه لا بأس أن يشاور الحاكم غيره فيما اشتبه عليه من الاحكام، فان أخبره بنص أو سنة أو إجماع خفى عليه عمل به، ضرورة معلومية اعتبار الاجتهاد عندهم (و) أنه لا يكفي التقليد. فليس المراد حينئذ إلا أنه (يخاوضهم فيما يشتبه من المسائل النظرية لتقع الفتوى مقررة) ومحققة، ليأمن بذلك عن الخطأ في حكم الله تعالى شأنه. ويمكن أن يريد المصنف استحباب حضورهم حتى مع العلم بصحة الاجتهاد، لاحتمال خطأ الحكم الواقعي فيه، فيمكن أن يحصل من أحد منهم ما يرشد إلى ذلك وإن لم يتبين به فساد الاجتهاد، ومن أن ذلك لا يتم إلا على أصولنا من أن المصيب واحد لا على أصولهم القائلين

[ 79 ]

صواب كل مجتهد اجتهادا صحيحا. (و) كيف كان ف‍ (لو اخطأ فأتلف) بأن حكم لاحد بمال أو على أحد بقصاص أو نحو ذلك ثم ظهر أن الخطأ في الحكم ولم يكن مقصرا في الاجتهاد (لم يضمن) لانه محسن (وكان على بيت المال) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الاصبغ (1): (ما أخطأه القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين). (وإذا تعدى أحد الغريمين) مثلا في مجلس القضاء على وجه محرم بأن كذب الشاهد أو نسب إلى القاضي الميل والجور ونحو ذلك نهاه عن المنكر و (عرفه خطاءه برفق، فان عاد زجره، فان عاد أدبه بحسب حاله مقتصرا على ما يوجب لزوم النمط) والطريق الشرعي، إذ هو حينئذ كغيره من المنكر الذي يجب الردع عنه بمراتبه المقررة. نعم لو كان ذلك معه استحب له العفو. وإن أساء الادب مع الخصم أو القاضي أو غيرهما أو استعمل اللدد أي طلب اليمين من الخصم ثم قطعها عليه وقال: لي بينة سأحضرها ثم يعود إلى الاول وهكذا إيذاء وتعنتا عرفه أيضا طريق الاب اللائق بمثل ذلك المقام برفق، وبين له فساد ما ارتكبه، بل في المسالك (فان بخع وإلا أغلظ له، فان أفاد وإلا جاز تأديبه بما يقتضيه اجتهاده من التوبيخ وإغلاظ القول ونحو ذلك) والله العالم. (و) أما (الاداب المكروهة) فهي (أن يتخذ حاجبا وقت القضاء) ونحوه من الولايات للنبوي (2) (من ولى شيئا من


(1) الوسائل الباب - 10 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (2) سنن البيهقي - ج 10 ص 101.

[ 80 ]

الناس فاحتجب دون حاجتهم احتجب الله تعالى دون حاجته وفاقته وفقره) بل ربما قيل بالحرمة، بل عن الفخر أنه قربه مع اتخاذه على الدوام، بحيث يمنع أرباب الحوائج ويضر بهم، بل في المسالك (هو حسن لما فيه من تعطيل الحق الواجب قضاؤه على الفور) وإن كان الجميع كما ترى، ضرورة كون المراد كراهة اتخاذه من حيث كونه حاجبا، فلا ينافي الحرمة من جهة أخرى، والامر سهل. (وأن يجعل المسجد مجلسا للقضاء دائما) لانه إنما بني لذكر الله والصلاة، ولقوله (صلى الله عليه وآله) (1) (جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم) والحكومة تستلزم غالبا ذلك، بل قد تحتاج إلى إحضار الصبيان والمجانين، بل قد تستلزم إدخال الحيض والمشركين ومن لا يتوقى النجاسة. (و) لكن لما كان من المعلوم اتفاق وقوعه من النبي (صلى الله عليه وآله) (2) وأمير المؤمنين (عليه السلام) (3) بل دكة القضاء إلى الان معروفة قال المصنف: (لا يكره لو اتفق نادرا) فيكون المكروه منه حينئذ الدائم لا مطلقا، بل ربما وجب في بعض الاحيان، كما لو اتفقت فيه وكان تأخيرها منافيا للفورية أو لغيرها مما يحرم، ووافقه عليه الفاضل. (وقيل) والقائل الشيخ في ظاهر المحكي من خلافه ومبسوطه: (لا يكره مطلقا التفاتا إلى ما عرفت من قضاء علي (عليه السلام)


(1) سنن البيهقي - ج 10 ص 103. (2) سنن البيهقي ج 7 ص 398. (3) المستدرك - الباب - 17 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 و 7.

[ 81 ]

بجامع الكوفة (1)) بل عن ظاهر المقنعة والنهاية والمراسم والسرائر، الاستحباب، لان القضاء من أفضل الطاعات، والمسجد من أشرف البقاع، وعن بعض الكتب (2) انه بلغ عليا (عليه السلام) أن شريحا يقضي في بيته، فقال: (يا شريح اجلس في المسجد، فانه أعدل بين الناس، وأنه وهن بالقاضي أن يجلس في بيته). وقيل - والقائل الصدوق فيما حكي عن الفقيه والمقنع -: يكره عملا بعموم الاخبار المتقدمة وحملا للواقع على الضرورة والدلالة على الجواز. بل قد عرفت في أحكام المساجد من كتاب الصلاة (3) عن جملة من كتب الاصحاب التصريح فيها بكراهة إنفاذ الاحكام، وإن قيل المراد الحبس على الحقوق والملازمة عليها، لكن يدخل فيه إقامة الحدود، وهي مذكورة معه في الكتب المزبورة. وقد يقال: إن القضاء من حيث كونه قضاء لا كراهة فيه، بل لا يبعد رجحانه، نعم قد يقترن بما يرجح تركه في المسجد أو يحرم فعله، وهو خارج عن محل البحث، وربما كان ذلك أولى بالجمع من غيره، والله العالم. (وأن يقضي وهو غضبان) للنبوي (4) (لا يقضي القاضي وهو غضبان) ولما فيه من المخاطرة في الوقوع في الخطأ معه. (وكذا يكره مع كل وصف يساوي الغضب في شغل النفس، كالجوع والعطش والغم والفرح ومدافعة الاخبثين وغلبة النعاس)


(1) البحار - ج 40 ص 277 وج 62 ص 167. (2) المستدرك - الباب - 11 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 3. (3) راجع ج 14 ص 115 - 117. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1 وسنن البيهقي ج 10 ص 105.

[ 82 ]

ونحو ذلك، وعنه أيضا صلى الله عليه وآله (1): (لا يقضي وهو شبعان ريان) وفي آخر: (لا يقضي وهو غضبان مهموم، ولا مصاب محزون) وفي وصيته (عليه السلام) لشريح (2): (ولا تقعد في مجلس القضاء حتى تطعم) وقال (عليه السلام) (3) له أيضا: (لاتسار أحدا في مجلسك وإن غضبت فقم، ولا تقضين وأنت غضبان) وفي البحار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) ما حاصله أنه سئل عن مسألة فأحجم فقيل له: عهدنا بك يا أمير المؤمنين إذا سئلت كنت كالحديدة المحماة، فقال: كنت حازقا، ولا رأي لحازق إلى ثلاثة أيام) الحديث. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) (5): (لسان القاضي من وراء قلبه، فان كان له قال، وإن كان عليه أمسك). نعم إن كان معصوما من الخطأ مؤيد مسدد لا بأس بقضائه وهو في شئ من هذه الاحوال، وقد روي (6) (أن الزبير بن العوام ورجلا من الانصار اختصما في شراج الحرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال النبي: اسق زرعك يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك، فقال الانصاري لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أن كان ابن عمتك، فاحمر وجهه وقال له: اسق زرعك يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ أصول الجدر) فقضى صلى الله عليه وآله بعد غضبه للزبير باستيفاء تمام حقه بعد أن


(1) سنن البيهقي - ج 10 ص 106 وفيه " لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان ". (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (3) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 2. (4) البحار - ج 2 ص 59 - 60 وج 42 ص 187 - عن أمالي الشيخ الطوسي (ج 2 ص 128 ط النجف) وفي الموارد الثلاثة هكذا: " فقال: كنت حازقا، ولا رأي لثلاثة: لا رأي لحاقن ولا حازق... " (6) سنن البيهقي ج 6 ص 153.

[ 83 ]

كان قد استنزله عن بعضه، وربما استثنى لذلك بعضهم مطلق الغضب لله تعالى، والاولى ما ذكرنا، لانه على كل حال يشوش الذهن. (و) على كل حال ف‍ (لو) قضى والحال هذه نفذ إذا وقع حقا) بلا خلاف، للعمومات السالمة عن المعارض بعد حمل النصوص السابقة على الكراهة، لقصورها من وجوه عن الحرمة. (وأن يتولى البيع والشراء لنفسه) في مجلس الحكم وغيره مع من يعلم أنه يحاسبه وغيره، لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا) بل في آخر (لعن إمام يتجر في رعيته) ولما في ذلك من تشويش البال واحتمال المحاباة المقتضي ميل قلبه وخوف خصم من عامله من ميل القاضي والتهمة وغير ذلك. بل الظاهر إلحاق غير البيع والشراء من المعاملات بهما، بل قيل: يكره له النظر في نفقة عياله وضيعته ونحو ذلك مما يشغل قلبه، وحينئذ فالاولى توكيل من لا يعرف أنه وكيله، وعن المناقب لاخطب خوارزم عن أبي مطر (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (أنه أتى سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميصي بثلاث دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه، ثم أتى إلى آخر فلما عرفه لم يشتر منه، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم). وكذا) يكره له أيضا أن يتولى (الحكومة) بأن يقف بنفسه مع خصمه عند قاض آخر، وروي (3) (أن عليا (عليه السلام)


(1) الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 146 وذكره ابن قدامة في المغني ج 11 ص 439. (2) سنن البيهقي - ج 10 ص 107. (3) ورد في نهج البلاغة عنه (عليه السلام): " أن للخصومة قحما " وقال -

[ 84 ]

وكل عقيلا في خصومة، وقال: إن للخصومة قحما، وإني لاكره أن أحضرها) وما اتفق وقوعه منه (عليه السلام) (1) أو من النبي (صلى الله عليه وآله) (2) إنما كان لبيان بعض الاحكام الشرعية التي أخطأ فيها من نصب نفسه قاضيا للناس أو لغير ذلك من المصالح. (وأن يستعمل الانقباض) في وجوه الخصوم (المانع من اللحن بالحجة) والتفطن بها وتحريرها على وجه الكمال. (وكذا يكره) له (اللين الذي لا يؤمن معه جرأة الخصوم) ويفضي إلى سقوط محله عن القلوب. (ويكره) له أيضا (أن يرتب الشهادة (3) قوما) مخصوصين (دون غيرهم) لما فيه من التضييق على الناس (و) الغضاضة على غيرهم من العدول. بل (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط: (يحرم) ذلك (لاستواء العدول في موجب القبول، ولان في ذلك مشقة على الناس بما يلحق من كلفة الاقتصار) قال: (لا يجوز للحاكم أن يرتب شهودا يسمع شهادتهم دون غيرهم، بل يدع الناس، وكل من شهد عنه فان عرفه وإلا سأل عنه على ما قلناه، وقيل: إن أول من رتب شهودا لا يقبل غيرهم اسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، والصحيح ما قلناه، لان الحاكم إذا رتب قوما فانما يفعل هذا بمن هو عدل عنده


- ابن أبي الحديد في شرحه ج 19 ص 260 ط مصر: " هذه الكلمة قالها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين وكل عبد الله بن جعفر في الخصومة عنه وهو شاهد ". (1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) وفي الشرائع " للشهادة ".

[ 85 ]

وغير من رتبه كذلك مثله أو أعدل منه، فان كان الكل سواء لم يجز أن يخص بعضهم بالقبول دون بعض، ولان فيه مشقة على الناس لحاجتهم إلى الشهادة في الحقوق في كل وقت من نكاح وطلاق وغصب وقتل وغير ذلك، فإذا لم يقبل إلا قوما دون قوم شق على الناس، ولان الشاهد إذا علم أنه لا يقبل إلا قول غيره ربما تقاعد عنها حتى يأخذ الرشوة، ولان فيه إبطال الحقوق، فان كل من له حق لا يقدر على إقامة البينة به ممن كان مقبول الشهادة راتبا لها دون غيرهم، فاما أن يرتب قوما عرف عدالتهم وسكن إليهم يسمع قولهم ويقبل شهادتهم، فإذا شهد عنده بالحق غيرهم بحث عنهم، فإذا تزكوا حكم بذلك فلا بأس به). ومن ذلك يعلم أن الشيخ غير مخالف في مفروض المتن، ضرورة أنه لا إشكال في حرمة الترتيب على وجه لا يسمع غيرهم وإن جمع شرائط قبول الشهادة، كما لا إشكال في جواز ترتيب أناس لتحمل الشهادة وإن قبل شهادة غيرهم أيضا، وهو الذي أشار إليه أخيرا، لكن لا يخلو من مرجوحية، لاحتمال التهمة والرشوة وغير ذلك. ومن هنا قال في كشف اللثام بعد حكاية ما سمعته عنه (والحق أن ما تضمنه هذا الكلام من قهر الناس على أن لا يحملوا الشهادة سوى من عينهم لها أو عدم سماع شهادة غيرهم من العدول مع معرفته باجتماع شرائط القبول وتمكنه من المعرفة فلا شبهة في حرمته، وإنما المكروه أن يرتب قوما لتحمل الشهادة من غير قهر ولا رد لشهادة غيرهم) ومرجعه إلى ما ذكرناه.

[ 86 ]

(وهنا مسائل:) (الاولى:) لا خلاف بيننا معتد به في أن (الامام (ع) يقضي بعلمه مطلقا) في حق الله وحق الناس، بل في محكي الانتصار والغنية والايضاح ونهج الحق وغيرها الاجماع عليه، وهو الحجة مضافا إلى قول علي (عليه السلام) لشريح لما تخاصم مع من عنده درع طلحة (1): (ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على أعظم من هذا). ولقوله تعالى (2): (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق). وقال (3): (أن تحكموا بالعدل). وقال: (4) (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) ومن حكم بعلمه فقد حكم بالحق والعدل والقسط. ولقول الصادق (عليه السلام) في خبر الحسين بن خالد (5): (الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب خمرا أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلفه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزجره وينهاه ويمضي ويدعه: قال: فقلت: كيف ذاك ؟ فقال: لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 6. (2) سورة ص: 38 - الاية 26. (3) سورة النساء: 4 - الاية 58. (4) سورة المائدة: 5 - الاية 42. (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 من كتاب الحدود.

[ 87 ]

على الامام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس). ولوجوب تصديق الامام في كل ما يقوله وكفر مكذبه، ولذا قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) خصم النبي (صلى الله عليه وآله) لما تخاصما إليه في الناقة وثمنها (1) وهو يقتضي وجوب الخروج من حق يخبر به الامام، وهو يقتضي وجوب إخبار الامام به، وإلا لادى إلى ضياع الحق، هذا مع براءة ساحة الامام (عليه السلام) لعصمته عن التهمة. خلافا لما حكاه السيد عن أبي علي، فلم يجوزه مستدلا بأن الله تعالى أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم وبين الكفار والمرتدين كالمواريث والمناكح وأكل الذبائح ووجدنا الله قد اطلع رسوله (صلى الله عليه وآله) على من كان يبطن الكفر ويظهر الاسلام، فكان يعلمه ولم يبين أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم وأكل ذبائحهم. ودفعه السيد بمنع أن الله تعالى قد اطلعه عليهم بأعيانهم، قال: (فان استدل على ذلك بقوله تعالى (2) (ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول) فهذا لا يدل على وقوع التعريف، وإنما يدل على القدرة عليه، ومعنى قوله: (ولتعرفنهم في لحن القول) أي يستقر ظنك أو وهمك من غير ظن ولا يقين - قال -: ثم لو سلمنا اطلاعه على ذلك لم يلزم ما ذكره، لانه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة والموارثة وأكل الذبائح إنما يختص بمن أظهر كفره وردته دون من أبطنهما، وأن تكون المصلحة التي بها يتعلق التحريم والتحليل اقتضت ما ذكرنا، فلا يجب على النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبين أحوال من أبطن الردة والكفر لاجل هذه الاحكام التي ذكرناها، لانها تتعلق


(1) الوسائل - الباب - 18 من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) سورة محمد (ص): 47 - الاية 30.

[ 88 ]

بالمبطن والمظهر لاعلى سواء، وليس كذلك الزنا وشرب الخمر والسرقة، لان الحد في الامور يتعلق بالمظهر والمبطن على سواء). هذا كله في الامام (عليه السلام) (وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس) قطعا (وفي حقوق الله تعالى على قولين: أصحهما القضاء) وفي الانتصار والغنية ومحكي الخلاف ونهج الحق وظاهر السرائر الاجماع عليه، وهو الحجة. مضافا إلى ما ذكروه من استلزام عدم القضاء به فسق الحاكم أو إيقاف الحكم، وهما معا باطلان، وذلك لانه إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا مثلا بحضرته ثم جحد كان القول قوله مع يمينه، فان حكم بغير علمه وهو استحلافه وتسليمها إليه لزم فسقه، وإلا لزم إيقاف الحكم لا لموجب. واستلزامه أيضا عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب إظهار الحق مع إمكانه أو الحكم بعلمه، والاول معلوم البطلان فتعين الثاني، وذلك لانه إذا علم بطلان قول أحد الخصمين فان لم يجب عليه منعه عن الباطل لزم الاول وإلا ثبت المطلوب. مضافا إلى ظهور كون العلم أقوى من البينة المعلوم إرادة الكشف منها. وإلى تحقق الحكم المعلق على عنوان قد فرض العلم بحصوله، كقوله تعالى: (1) (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). و (الزانية والزاني) (2) إلى آخرها. والخطاب للحكام فإذا علموا تحقق الوصف وجب عليهم العامل، فان السارق والزاني تلبس بهذا الوصف لا من أقر به أو قامت عليه به البينة، وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره بطريق أولى.


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 38. (2) سورة النور: 24 - الاية 2.

[ 89 ]

كل هذا وفي الانتصار (فان قيل: كيف تستجيزون إدعاء الاجماع وأبو علي بن الجنيد يصرح بالخلاف ويذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شئ من الحقوق والحدود ؟ قلنا: لا خلاف بين الامامية في هذه المسألة، وقد تقدم إجماعهم ابن الجنيد وتأخره، وإنما عول ابن الجنيد على ضرب من الرأي والاجتهاد، وخطاؤه ظاهر، وكيف يخفى إطباق الامامية على وجوب الحكم بالعلم ؟ وهم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمة بنت رسول الله (عليها السلام) بفدك لما ادعت أنحلها أبوها، ويقولون: إذا كان عالما بعصمتها وطهارتها وأنها لا تدعي إلا حقا فلا وجه لمطالبتها باقامة البينة، لان البينة لا وجه لها مع العلم بالصدق، فكيف خفي على بن الجنيد هذا الذي لا يخفى على أحد ؟ - ثم ذكر الاخبار التي سمعتها ثم قال -: فمن يروي هذه الاخبار مستحسنا لها معولا عليها كيف يجوز أن يشك في أنه كان يذهب إلى أن الحاكم يحكم بعلمه لو لا قلة تأمل ابن الجنيد ؟). وتبعه غيره في شدة الانكار على ابن الجنيد في عدم جواز القضاء بالعلم. ولكن الانصاف أنه ليس بتلك المكانة من الضعف، ضرورة أن البحث في أن العلم من طرق الحكم والفصل بين المتخاصمين ولو من غير المعصوم في جميع الحقوق أو لا، وليس في شئ من الادلة المذكورة - عدا الاجماع منها - دلالة على ذلك، والامر بالمعروف ووجوب إيصال الحق إلى مستحقه بل كون العلم حجة على من حصل له يترتب عليه سائر التكاليف الشرعية لا يقتضى كونه من طرق الحكم، بل أقصى ذلك ما عرفت، وأنه لا يجوز له الحكم بخلاف علمه، بل لعل أصالة عدم ترتب آثار الحكم عليه يقتضي عدمه.

[ 90 ]

كما أن قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) كذلك أيضا، بل ظاهر الحصر في صحيح هشام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض) كذلك، وكذا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر اسماعيل بن أبي أويس (3) (جميع أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة أو يمين قاطعة أو سنة جارية مع أئمة هدى وكذا الخبر الاخر عنه (عليه السلام) (4) إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في حصر طريق الحكم بالمعنى المزبور بالبينة واليمين. وأقصى ما يخرج منها المعلوم كذبهما ولو لمخالفتهما لعلمه، فلا يحكم حينئذ بهما، وهو لا يقتضي الحكم بعلمه وأنه أحد طرق للفصل كالبينة، بل هو أقوى، أللهم إلا أن يحمل ذلك كله على ما هو الغالب أو الظاهر منها في صورة عدم العلم، خصوصا مع ملاحظة إجماع الاصحاب، ويمنع الاصل المزبور باطلاق ما دل على قبول الحكم بالعدل، كما في كل شرط يشك في توقف القبول عليه. ومنه مع الاجماع المحكي مستفيضا المعتضد بالتتبع يظهر حينئذ ضعف المحكي عنه من عدم جواز الحكم بالعلم مطلقا للامام وغيره في حق الله وحق الناس. وفي المسالك عن مختصره الاحمدي من جواز الحكم في حدود الله دون


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 والباب - 25 - منها الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 6 بطريق الخصال. (4) الوسائل الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 6.

[ 91 ]

حق الناس، والمحكى عن ابن حمزة عكس ذلك، وعن حدود النهاية (إذا شاهد الامام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحد، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة والاقرار، وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به، وغيره وإن شاهد يحتاج إلى أن يقوم بينة أو إقرار من الفاعل). مع أنه لم نجد للجميع مستندا صالحا غير ما عرفت سوى اقتضاء ذلك التهمة - التي قد تحصل أيضا مع البينة وتزكية النفس الحاصلة بالجلوس في منصب القضاء - والنبوي في قضية الملاعنة (1) (لو كنت راجما من غير بينة لرجمتها) التي لم يثبت صحته في طرقنا، ودعوى بناء حدود الله المسامحة والستر الممنوعة بعد الثبوت بالعلم. (و) حينئذ فلا إشكال في المسألة، ف‍ (يجوز) له (أن يحكم في ذلك كله من غير حضور شاهد) يشهد بالحق معه (يشهد الحكم) أي يحضره، كما عن الحسن بن حي قال في الحدود: (إن علم بعد القضاء - أي بعد تولي منصب القضاء - فلا يقضي حتى يشهد معه ثلاثة، وفي غيره واحد) وعن الاوزاعي (أنه يشهد معه رجل آخر في القذف حتى يحده) وقال الليث: (لا يحكم في حقوق الناس حتى يشهد معه آخر) وقال ابن أبي ليلى: (من أقر عند القاضي بدين في مجلس الحكم فالقاضي لا ينفذ ذلك حتى يشهد معه آخر) إلى غير ذلك من أقوالهم المبنية على الرأي والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة. هذا ولكن لا يخفى عليك قصور العبارة عن تأدية المعنى المزبور بناء على كون المراد بها الاشارة، ضرورة عدم مدخلية شهادة الحكم في ذلك بمعنى حضوره، إذ المراد شاهد آخر بالحق مع الحاكم حضر الحكم أو لم يحضره.


(1) سنن البيهقي ج 7 ص 407.

[ 92 ]

كما أن ما في قواعد الفاضل من استحباب ذلك ر ؟ عا للتهمة لم نتحقق دليله، بل لا يخلو من منع إن أراد جواز الامتناع من الحاكم إذا لم يكن غيره، والله العالم. وعلى كل حال ففي المسالك استثناء صور من القضاء بالعلم حتى على القول بالمنع: (منها) تزكية الشهود وجرحهم لئلا يلزم الدور أو التسلسل، و (منها) الاقرار في مجلس القضاء وإن لم يسمعه غيره، وقيل يستثنى إقرار الخصم مطلقا، و (منها) العلم بخطأ الشهود يقينا أو كذبهم، و (منها) تعزير من أساء أدبه في مجلسه وإن لم يعلم غيره، لانه من ضرورة إقامته أبهة القضاء، و (منها) أن يشهد معه آخر، فانه لا يقصر عن شاهد. ولا يخلو الاخير منها من نظر، لعدم وضوح دليل الاستثناء فيه مع فرض عدم جواز القضاء بالعلم، بل والثاني إذا كانت الدعوى إقراره، والفرض تعقيبه له بالانكار ولم يسمعه منه إلا الحاكم، فان طريق ثبوته حينئذ ليس إلا البينة، أللهم إلا أن يقال: إن الاقرار حتى في الفرض أحد طرق الحكم كسماع البينة، فتأمل جيدا. ثم إن الظاهر إرادة الاعم من اليقين والاعتقاد القاطع ولو من تكثير أمارات من العلم، لكون الجميع من الحكم بالحق والعدل والقسط عنده ولغير ذلك مما سمعته من أدلة المسألة وإن كان هذا الفرد من العلم مما يمكن فيه البحث نحو ما ذكروه في الشاهد، وليت المانع اقتصر عليه في غير الامام باعتبار احتمال كونه خطأ عند غير القاطع، والله العالم.

[ 93 ]

المسألة (الثانية:) (إذا أقام المدعي بينة ولم يعرف الحاكم عدالتها فالتمس المدعي حبس المنكر ليعد لها قال الشيخ (رحمه الله) في محكي المبسوط: (يجوز حبسه لقيام البينة بما ادعاه) وربما تبعه جماعة بناء منهم على الاكتفاء في ثبوت الحق بالبينة التي لم يعلم فسقها وإن كان قد يطلب تزكيتها لاسترابة الحاكم أو التماس الغريم أو للاستظهار أو لنحو ذلك. (و) لكن (فيه إشكال) بل منع بناء على المختار (من حيث) عدم ثبوت الحق إلا بالبينة العادلة، ضرورة أنه (لم يثبت) حينئذ (بتلك البينة) المفروضة (حق يوجب العقوبة) التي منها الحبس ولا المطالبة بكفيل أو رهن، كما هو واضح. ودفع ذلك ببعض الاعتبارات والاستحسانات مما لا ينطبق على أصولنا، والبناء على أصالة العدالة يوجب حكم الحاكم، فتخرج المسألة عن الفرض، بل لا يخفى عليك في المحكي عن الشيخ من عدم الالتئام، فلاحظ وتأمل، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (لو قضى الحاكم على غريم) مثلا (بضمان مال وأمر بحبسه فعند حضور الحاكم الثاني) يجب عليه أن (ينظر) في حكم الاول، لاحتياج الاستيفاء منه إلى مسوغ (فان كان الحكم) الاول (موافقا للحق لزم وإلا أبطله، سواء كان مستند الحكم) الثاني (قطعيا)

[ 94 ]

كاجماع أو خبر متواتر (أو اجتهاديا) كخبر الواحد ومنصوص العلة ونحوهما وقد أخطأ الاول في الاجتهاد، لانه يكون حينئذ الاول من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. (وكذا كل حكم قضى به الاول) غير المفروض (وبان للثاني فيه الخطأ) ولو لفساد الاجتهاد من الاول (فانه ينقضه، وكذا لو حكم هو ثم تبين الخطأ) على نحو ما سمعته في غيره (فانه يبطل الاول ويستأنف الحكم بما علمه) لما عرفت. هذا ولكن قد يشكل وجوب النظر في الاول - وإن جزم به في المسالك، بل ظاهرهم المفروغية منه عند ذكرهم من الادب النظر في المحبوسين - بأن ذلك من آثار الحكم الاول الذي قد أمرنا بعدم رده بعد حمله على الوجه الصحيح، فهو حينئذ كالتصرف بالمال الذي قد أخذ بحكمه من غير فرق بين الدار وغيرها. على أنه لا إشكال في ثبوت الحق بحكم الحاكم، فلا يجوز له النظر مع امتناع من له الحق عن المرافعة، لانقطاع دعواه بحكومة الاول فضلا عن أن يجب عليه، بل ربما يتوهم عدم محل للدعوى وإن تراضى الخصمان بتجديدها عند الحاكم الثاني، وإن كان الاقوى خلافه، بل الاقوى نفوذ حكمه وإن اقتضى نقض الاول ولو لدليل اجتهادي يعذر فيه. ويمكن حمل عبارة المصنف على هذا أو على معنى ثبوت الحق بحكم حاكم عند حاكم آخر، لان أقصاه إلزام الخصم بمقتضى البينة التي قامت عنده مثلا، ومثله لا يكون مثبتا للحق عند غيره، وعدم جواز الرد عليه مع عدم العلم بفساده لا يقتضي تحقق الموضع الذي يتوقف عليه مباشرة الثاني لاستيفاء الحق الذي هو من ولاية القضاء بالمعنى الاعم، فليس له حينئذ ذلك إلا بعد ثبوت كونه مستحقا عليه عنده، وليس في

[ 95 ]

الادلة أزيد من حرمة الرد ومن الانكار على الراد له ونحو ذلك مما لا دلالة فيه على ثبوت الحق عند الثاني على وجه يكون وليا على استنقاذه. ولكن لا يخفى عليك منافاة ذلك لما تسمعه من وجوب التنفيذ على الحاكم حكم آخر، بل هو إنشاء حكم من الحاكم الثاني بالزام الاول حتى لو خالف رأيه، ودعوى أن المفروض عدم انتهاء الحكم فيه من الاول يدفعها ظهور العبارة في خلافها، ضرورة كون حبسه لاستنقاذ الحق منه، فلا محيص عن حمل العبارة على إرادة النظر إن شاء، لا وجوبه أو نحو ذلك. وحينئذ لا يحتاج إلى التقييد بفساد الاجتهاد الاول لتقصير ونحوه، بل له نقضه مع تراضيهما بتجديده أو كان مما يلزم الحاكم الثاني تجديده لارادة ثبوت العنوان عنده وإن كان اجتهاد الاول صحيحا. بل وكذا عبارة الارشاد (وكل حكم ظهر بطلانه فانه ينقضه، سواء كان هو الحاكم أو غيره، وسواء كان مستند الحكم قطعيا أو اجتهاديا) بل وما في القواعد (الاقرب أن كل حكم ظهر له أنه خطأ سواء كان هو الحاكم أو السابق فانه ينقضه ويستأنف الحكم بما علمه) بناء على ما فهمه الشهيد من إرادة الاعم من القطع والظن بظهور الخطأ، وسواء كان الاول عن اجتهاد صحيح أو لا. ولعل الداعي لهم على حمل عبارة المصنف وما شابهها على ما عرفت من فساد الاجتهاد - حتى جزم به المحقق الاردبيلي حاملا لعبارة الدروس عليه التي أشكلها في المسالك مع حمله عبارة المصنف وغيرها على إرادة فساد الاجتهاد، وتبعه في كشف اللثام، وإن أشكل الفرق بين الاجتهاد الصحيح وغيره، خصوصا في هذه الازمنة التي تكثرت فيها الامارات حتى أنه ربما يطرح الخبر الصحيح في مقابلة الاصل ونحوه - هو أنها

[ 96 ]

منافية في الظاهر لما هو المعلوم - بل حكى عليه الاجماع بعضهم - من عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك، وإنما يجوز نقضه بالقطعي من إجماع أو سنة متواترة أو نحوهما. بل عن الشيخ أن الحكم خطأ ولو بمخالفة القاطع لم ينقض إذا كان حقا للناس، لان صاحب الحق ربما أسقط حقه، نعم ينقض إذا كان حقا الله عزوجل، كالعتق والطلاق، وبه أفتى الفاضل في القواعد أولا وإن كان فيه ما عرفت من عدم الاجماع على عدم جواز النقض فيما ذكرناه من الفرض. وقد يناقش الشيخ بأن له الرئاسة العامة المقتضية للخطاب باظهار الحق وتأييده ورد الباطل وإفساده من غير فرق بين الجميع، نعم لو رضي المحكوم عليه بعد ظهور بطلان الحكم عليه ببذل ماله لمن في يده المال مثلا فلا بأس، لان الناس مسلطون على أموالهم، ومجرد احتمال رضاه لا يرفع الخطاب باظهار الحق وتدمير الباطل كما وقع منهم (عليهم السلام) وخصوصا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قضايا متعددة وقعت من حكام الجور في زمانه (1). نعم قد يقال: إن ذلك كله مع المخالفة للدليل العلمي الذي لا مجال للاجتهاد فيه، ولكن وقع الحكم من الاول غفلة عنه أو جورا أو نحو ذلك، أما القطعي النظري كاجماع استنباطي وخبر محفوف بقرائن وتكثر أمارات ونحو ذلك مما يمكن وجود عكسها عند الاول كما نراه بالعيان بين العلماء وخصوصا في دعوى الاجماع فلا يبعد عدم جواز النقض به في غير ما فرضناه، ضرورة اندراج حكم الاول في الادلة المقتضية لنصبه،


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 6 والباب - 21 - منها الحديث 2.

[ 97 ]

فان المدار في صحته على معرفة حكمهم بالاجتهاد الصحيح الذي هو أعم من القطع النظري والظن، واحتمال الاصابة للواقع في المقطوع بهما عند الحاكمين أو أحدهما لكل منهما متحقق للشئ في حد ذاته وإن لم يكن محتملا عند القاطع، إلا أنه هو حاكم بصحته في حق الحاكم الاخر ومن ترافع إليه من حيث ظهور دليل حجية اجتهاده في ذلك، فلو نقضه حينئذ لكان ناقضا لحكمه نفسه الذي استفاده من دليل صحة الاجتهاد، فلا يبعد القول بعدم جواز النقض أيضا بالقطع النظري كالظني، لانهما عند التأمل متحدان فيما قلناه، ويختص النقض به في الفرض الاول الذي مرجعه إلى عدم اجتهاد صحيح، بل له نقضه إذا كان كذلك في الظنى أيضا، ضرورة ظهور دليل صحة الحكم وحرمة الرد عليه فيما إذا كان عن اجتهاد صحيح وإن ظن الحاكم الثاني خطأه أو قطع بدليل قطعي نظري. وقد بان لك من جميع ما ذكرنا أن الحكم ينقض ولو بالظن إذا تراضى الخصمان على تجديد الدعوى وقبول الحكم الحاكم الثاني، وينقض إذا خالف دليلا علميا لا مجال للاجتهاد فيه أو دليلا اجتهاديا لا مجال للاجتهاد بخلافه إلا غفلة ونحوها، ولا ينقض في غير ذلك، لان الحكم بالاجتهاد الصحيح حكمهم، فالراد عليه راد عليهم (عليهم السلام) والراد عليهم على حد الشرك بالله تعالى من غير فرق بين اقتضائه نقض فتوى وعدمه للاطلاق. ومن هنا جاز نقض الفتوى بالحكم دون العكس. والمراد بنقضها إبطال حكم الكلي في خصوص الجزئي الذي كان مورد الحكم بالنسبة إلى كل أحد، من غير فرق بين الحاكم ومقلدته وبين غيرهم من الحكام المخالفين له ومقلدتهم ويبطل حكم الاجتهاد والتقليد في خصوص ذلك الجزئي. كما أنه لا فرق في ذلك بين العقود والايقاعات والحل والحرمة

[ 98 ]

والاحكام الوضعية حتى الطهارة والنجاسة، فلو ترافع شخصان على بيع شئ من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من زنا مثلا عند من يرى طهارته فحكم بذلك كان طاهرا مملوكا للمحكوم عليه وإن كان مجتهدا يرى نجاسته أو مقلد مجتهد كذلك لاطلاق ما دل (1) على وجوب قبول حكمه وأنه حكمهم (عليهم السلام) والراد عليه راد عليهم، ويخرج حينئذ هذا الجزئي من كلي الفتوى بأن المائع الملاقي عرق الجنب نجس في حق ذلك المجتهد ومقلدته. وكذا في البيوع والانكحة والطلاق والوقوف وغيرها، وهذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الاول وإن خالف رأيه ما لم يعلم بطلانه. وأما عدم نقض الحكم بالفتوى حتى من ذلك الحاكم لو فرض تغير رأيه عن الفتوى بعد حكمه في جزئي خاص فلاصالة بقاء أثر الحكم وظهور أدلته في عدم جواز نقضه مطلقا، وعدم اقتضاء دليل الفتوى أزيد من العمل بأفراد كلي متعلقها من حيث إنها كذلك، فلا تنافي خروج بعض أفرادها بالحكم لدليلها، بل لعله ليس من متعلق كليها المراد به ما عدا المحكوم عليه من أفرادها. نعم هي إنما تنقض بالفتوى على معنى بطلان الفتوى برجوع صاحبها عنها فيما لم يعمل به من أفرادها، أما ما عمل به فيه منها فلا نقض فيما لا يتصور النقض فيه، كما إذا كان فعلا قد فعله أو مالا أكله أو شربه، بل لو كان من الافعال التي لها قضاء أو إعادة كالصلاة ونحوها مما يندرج في قاعدة الاجزاء وغيرها فلا نقض فيه مع فرض كون الثانية ظنية أيضا، بل لو عمل بالفتوى مما يقتضي الاستمرار والبقاء لم ينقض بالتغيير، كما لو تزوج امرأة ارتضعت معه عشر رضعات بفتوى عدم نشرها الحرمة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 99 ]

ثم رجع المفتي عن ذلك لم يبطل نكاحه وإن كان لا يجوز له تزويج امرأة أخرى كذلك إذا كان مقلدا له في ذلك، لان العقد المقتضى دوام النكاح قد وقع بالفتوى الاولى التي لم يعلم بطلانها، فآثار حكم العقد باقية على حالها، للاصل وغيره إلا إذا تعقبه حكم بالفسخ، لما عرفت من نقض الفتوى به. وهكذا كل ما كان من هذا القبيل من الاسباب المستقلة بدليل على لزومها بمجرد عدم العلم بفسادها، فتبقى حينئذ على ذلك وإن تغير رأي المجتهد، فانه لادليل على الفسخ به، بل حاصل الادلة خلافه كما يبقى على قاعدة الاجزاء مثل الصلاة والغسل والوضوء. بل قد يقال: إن غسل النجاسة أيضا كذلك وإن كان لا يخلو من نظر وبحث، ضرورة عدم مقتض للدوام فيه، بل هو تابع لظن المجتهد ما دام باقيا، فلو غسل مثلا شيئا بالماء القليل الملاقي للنجاسة بفتوى عدم تنجسه بذلك ثم تغير رأيه وجب تجديد الغسل، لان طهارة المغسول به مقيدة بما دام ظن المجتهد كذلك، فهو حينئذ كالماء نفسه وهكذا. بل قد يقال في نحو الوضوء به بوجوب تطهير اليد وإن قلنا بصحة الوضوء به، أللهم إلا أن يمنع ذلك لقاعدة العسر والحرج، خصوصا فيما لو بنى به مثلا مسجدا ونحوه إلا أن ذلك كما ترى. أما الفتوى بطهارة شئ للاصل مثلا ثم تغير رأيه إلى النجاسة فلا إشكال في وجوب اجتنابه عليه، لعدم استناد الطهارة المفتى بها أولا إلى سبب يقتضى بقاءها. وما عن العميدي من الاجماع على النقض في نحو نكاح المرتضعة لم نتحققه، بل لعله على العكس، كما هو مقتضى السيرة مضافا إلى ما عرفت، وحينئذ فالمراد بنقضها في نحو الفرض بطلان العمل بها في جميع المتجدد من أفرادها، وأما ما وقع فلا نقض فيه.

[ 100 ]

ومن ذلك كله بان لك الحال في الصور الاربعة: وهي نقض الفتوى بالفتوى وبالحكم ونقض الحكم بالفتوى وبالحكم. ولكن بقي الكلام في الفرق بينهما، والظاهر أن المراد بالاولى الاخبار عن الله تعالى بحكم شرعي متعلق بكلي، كالقول بنجاسة ملاقي البول أو الخمر، وأما قول هذا القدح نجس لذلك فهو ليس فتوى في الحقيقة وإن كان ربما يتوسع باطلاقها عليه، وأما الحكم فهو إنشاء إنفاذ من الحاكم لا منه تعالى لحكم شرعي أو وضعي أو موضوعهما في شئ مخصوص. ولكن هل يشترط فيه مقارنته لفصل خصومة كما هو المتيقن من أدلته، لا أقل من الشك، والاصل عدم ترتب الاثار على غيره، أولايشترط، لظهور قوله (عليه السلام) (1): (إني جعلته حاكما) في أن له الانفاذ والالزام مطلقا، ويندرج فيه قطع الخصومة التي هي مورد السؤال ومن هنا لم يكن إشكال عندهم في تعلق الحكم بالهلال والحدود التي لا مخاصمة فيها. وعليه حينئذ فإذا أريد الالزام بشئ وإنفاذه على وجه تنقطع عنه الخصومات الاتية من حيث الاختلاف في الاجتهاد أنشأ الحاكم إنفاذ تلك الخصومة منه على وجه تكون كما لو وقع النزاع فيها، فإذا أنشأ الحكم بصحة تزويج المرتضعة معه عشر رضعات مثلا لم يكن لهما بعد ذلك الخصومة من هذه الجهة فتأمل. ثم إن الفاضل في القواعد قال: (صورة الحكم الذي لا ينقص أن يقول الحاكم: قد حكمت بكذا أو قضيت أو نفذت الحكم بكذا أو أمضيت أو ألزمت أو ادفع إليه ماله أو اخرج من حقه أو يأمره بالبيع وغيره، ولو قال: ثبت عندي أو ثبت حقك أو أنت قد قمت بالحجة أو أن دعواك ثابتة شرعا لم يكن ذلك حكما، ويسوغ إبطاله).


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 101 ]

وفي الدروس يقول: (حكمت أو قضيت أو أنفذت أو أمضيت أو ألزمت، وقيل: يكفي ادفع إليه ماله أو اخرج إليه من حقه، أو يأمره بأخذ العين وبيعها، ولا يكفي أن يقول: ثبت عندي أو أن دعواك ثابتة، ويجوز نقضه عند عروض قادح بخلاف الاول). قلت: لا دليل على اعتبار لفظ خاص فيه، فيكون المدار على كل ما دل على إنشاء معنى الحكم، بل لا يبعد الاكتفاء بالفعل الدال على ذلك فضلا عن قول: (ثبت عندي) مريدا به ذلك، أما مع عدم إرادة إنشاء ذلك بها فليست حكما، وكذا قوله: (ادفع إليه ماله) ونحوه وبالجملة فالمدار على ما عرفت، لانه حكم لغة وعرفا. بقي شئ: وهو أنه مع تغير رأي المجتهد يجب عليه إعلام مقلديه بذلك، ويجب عليه محو ما كتبه من فتواه الاولى ؟ صريح الاردبيلي ذلك، لكن في صورة معلومية فساد الاول بدليل قطعي أو بفساد الاجتهاد الاول، لانه حينئذ خلاف الحق والصواب، فيجب رفعه لئلا يقع الناس في غير الحق، ولا يبقى الباطل معمولا به ومعتقدا لاحد، بل الظاهر اتحاد الحكم والفتوى بالنسبة إلى ذلك. إنما الكلام في وجوب الاعلام والمحو مع العدول لدليل ظني على وجه لا يقتضي فساد الاجتهاد الاول، والظاهر عدمه، بل ينبغي القطع بعدم وجوب محوه من الكتاب، كما هو المشاهد من سيرة العلماء في اختلاف فتاواهم في الكتاب الواحد، بل بدون مسافة معتد بها، على أن المقلد العامل باستصحاب بقاء مقلده على فتواه معذور، ولا إثم عليه، فلا أمر بالمعروف بالنسبة إليه، بل لا يبعد القول بصحة عمله وإن كان عبادة، إما لاقتضاء الاستصحاب المستفاد من قاعدة اليقين البدلية عن الواقع إلى أن يعلم إلا ما خرج بالدليل، وإما لانها حينئذ من عبادة الجاهل التي

[ 102 ]

لم يعلم فسادها باعتبار موافقتها للفتوى الاولى ولم يعلم بطلانها، فتندرج في المطلقات بناء على أنها أسماء للاعم. وأولى من ذلك معاملاته من عقود أو إيقاعات، بل ظاهر القمي في قوانينه صحتها حتى من الجاهل المتنبه للتقليد وقصر فيه إذا كانت موافقة لاحد الاقوال في المسألة معللا ذلك بمعلومية عدم اعتبار إيقاعها بعنوان التقليد ولو للسيرة القطعية، وبعد وقوعها فالاصل فيها الصحة حتى يعلم الفساد، والفرض عدمه، فيندرج العقد المزبور في إطلاق ما دل على صحته، والاثم بترك التقليد مع تنبهه له لا يقتضي فساد العقد. بل قد يقال: إن ذلك منه يقتضى صحة العقد من المجتهد أو مقلده إذا أوقعاه على خلاف الاجتهاد أو التقليد وكان موافقا لاحد الاراء في المسألة، أللهم إلا أن يدعى أن الحكم الوضعي في حقهما بعد اتصافهما بالوصفين المذكورين خلاف ذلك. إلا أنه كما ترى، بل سابقه ايضا كذلك، ضرورة أن إلحاقها بالصحيح لموافقتها لرأي القائل بذلك ليس بأولى من إلحاقها بالفاسد لموافقتها للقائل بذلك، بل هو من الترجيح بلا مرجح، وأصالة الصحة تقتضي حمل الفعل ذى الوجهين على الوجه الصحيح منهما لا أن الحق القول بالصحة، والاطلاقات بعد تقييدها ولو بالاجتهاد لاوجه للاستناد إليها، بل لعل الاصول تقتضي الفساد، باعتبار رجوع ذلك إلى الشك في حصول السبب الناقل مثلا. نعم قد يقال بالصحة إذا كانت موافقة لرأي من يجوز تقليده حال وقوعها والفرض أنه أوقعها الفاعل بعنوان ذلك ولو بتقليد من لا يجوز تقليده وقلنا إن مثله تقليد لمن يجوز تقليده وإن أخطأ في تشخيصه إلا أنه موافق له.

[ 103 ]

لكنه كما ترى أيضا، ضرورة عدم عد ذلك اتباعا وتقليدا، فالاولى القول بوقوعها مراعاة غير محكوم عليها بصحة ولا فساد إلا إذا لحقها ولو بعد ذلك بتقليد، فانه ينكشف بذلك صحتها حال وقوعها، فيكون التقليد حينئذ طريقا إلى معرفة صحتها حين وقوعها، بل العبادة أيضا كذلك إذا فرض وقوعها من أول الامر بعنوان القربة، ولايكون ذلك إلا في الجاهل غير المتنبه حال إيقاعها بخلاف المعاملة، فانه يجوز وقوعها ولو مع الشك، لعدم اعتبار النية فيها وعدم اعتبار سبق التقليد. ولو فرض اختلاف المتعاقدين فاختار أحدهما القول بالفساد والاخر الصحة وحدث بينهما نزاع ترافعا إلى حاكم يحكم بينهما بمقتضى رأيه في خصوص المتنازع فيه، ويكون هو الحجة عليهما فيه، وينقض تقليد أحدهما فيه، كما عرفته سابقا، فتأمل جيدا فان المسألة من المشكلات التي لم تحرر. بل الظاهر إجراء حكم الصحة والفساد على توابع عقدهما من كل مجتهد اتفق له النظر فيه بنوع من الانواع وإن ماتا على عدم التقليد ولم يلحقاه بما يقتضى الصحة في حقهما، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (ليس على الحاكم تتبع حكم من كان قبله) ولاغيره حملا لفعله على الوجه الصحيح وإن جاز له ذلك للاصل وغيره (لكن لو زعم المحكوم عليه أن الاول حكم عليه بالجور) لفساد اجتهاد ونحوه (لزمه النظر فيه) أي في حكمه بلا خلاف أجده بين من تعرض له منا، لانها دعوى لا دليل على عدم سماعها، فتبقى مندرجة في إطلاق

[ 104 ]

ما دل على قبول كل دعوى من مدعيها من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي) وغيره. ولا ينافي ذلك ما تقدم من وجوب النظر في المحبوس وإن لم يدع الظلم والجور عليه، لما عرفته سابقا من معنى الوجوب مع فرض تمام الحكم من الاول، نعم لو اريد الحكم عليه كما حكم به الاول توقف الحكم عليه بأداء الحق على ثبوته عنده، ولا يكفي فيه حكم الحاكم السابق كما عرفته سابقا، بخلاف المقام المفروض فيه أيضا تمام حكم الحاكم ولم يبق شئ منه، فليس عليه التعرض له حتى يدعى المحكوم عليه ذلك، فيلزمه حينئذ النظر مقدمة لقطع الدعوى المسموعة، كما هو واضح. (وكذا لو ثبت عنده ما يبطل حكم الاول) ولو باقرار منه أو غيره (أبطله سواء كان من حقوق الله تعالى أو حقوق الناس) على الاصح كما في التحرير خلافا للفاضل وللمحكي عن الشيخ وبعض العامة من الاقتصار على الاول الذي له النظر فيه بخلاف الثاني المتوقف على مطالبة المستحق، وقد عرفت ضعفه، لمعلومية وجوب انكار المنكر عليه في نفسه باعتبار كونه حكما بباطل وبغير ما أنزل الله تعالى شأنه، وأن له الولاية العامة. إنما الكلام في لزوم النظر في الاول الذي قد يشكل - كما عن بعض العامة - بعدم اقتضاء ذلك وجوبه، بل أقصاه طلب البينة من المدعي على دعواه، فان لم يكن فله اليمين، ولا تلازم بين سماعها ووجوب النظر في حكمه، إلا أنه كما ترى، ضرورة وجوب سماع كل دعوى مقبولة عليه، لاقتضاء منصبه ذلك، ولاطلاق الادلة والامر بالمعروف، وغير ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5.

[ 105 ]

كما أنه قد يشكل أيضا سماع ذلك بالنسبة إلى نواب الغيبة من دون بينة بظهور دليل نصبهم في أنه ليس للمحكوم عليه الاعتراض فيما حكموا به، وأنه بمنزلة إنكار المولى عليه فعل وليه حال ولايته عليه بل أعظم، ضرورة أن مقتضى جعل الامام (عليه السلام) له حاكما أي وليا في ذلك، بل ذلك يقتضي سماع المحكوم عليه أخيرا، لو قال: إنه حكم عليه بالجور وهكذا، ويلزم منه فساد عظيم. ولعله لذا كان ظاهر المصنف وغيره اختصاص ذلك بالحاكم المعزول باعتبار ارتفاع ولايته، فيكون دعوى المحكوم عليه كدعوى المولى عليه على وليه بعد ارتفاع ولايته وإن كان متعلق الدعوى الفعل حال الولاية، إلا أنه يدعى فساده، فتأمل جيدا، فان ذلك لا يصلح فارقا بعد إطلاق الادلة ما يقتضي سماعها على غير المعصوم، فالتحقيق سماعها مطلقا وإجراء أحكام الدعاوي عليها كغيرها، وليس من الرد على الحاكم، بل هو من بيان خطأ الحاكم الذي هو غير معصوم. المسألة (الخامسة:) (إذا ادعى رجل أن المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين وجب احضاره وإن لم يقم المدعي بينة) له بذلك، بل وإن صرح بعدمها بناء على أن له اليمين، ولاحتمال إقراره، وأبهة القضاء لا تنافي ذلك (فان حضر واعترف ألزم) بالمال إن كان قد أخذه أو استوفى بحكمه. (وإن قال: لم أحكم إلا بشهادة عدلين قال الشيخ: يكلف البينة، لانه اعترف بنقل المال وهو يدعي بما يزيل الضمان عنه) فعليه البينة حينئذ. (ويشكل بما) هو معلوم (أن الظاهر استظهار الحكام

[ 106 ]

في أحكامهم) لانهم أمناء على ذلك (فيكون القول قوله مع يمينه، لانه يدعى الظاهر) بل ربما قيل أو احتمل عدم اليمين، ولعله على ذلك يبنى عدم جواز إحضاره المقتضي لامتهانه عند القائل به، ومجرد احتمال الاقرار لا يقتضى وجوبه بعد أن كانت الدعوى لا يمين لمدعيها على المدعى عليه، لانه يدعي عليه مالا، وهذا كله جار في المسألة السابقة بالنسبة إلى إحضار الحاكم مطلقا أو مع ذكر البينة وأن القول قوله مطلقا أو بيمينه أو يكلف البينة. ولكن الاول أقوى، فيجب الاحضار مطلقا، سواء كانت الدعوى بأخذ أو استيفاء بحكمه أو غير ذلك. وكذا لو ادعى أنه أخذ منه رشوة أو نحو ذلك، بل أولى بالقبول، نعم لا يخفى عليك ما ذكرناه من احتمال عدم جريان نحو ذلك في نواب الغيبة الجامعين للشرائط وإن سمعت الدعوى عليهم في غير ما يتعلق بما هم أولياء فيه وإن كان التحقيق خلافه لما سمعت. ولو بان أن الحاكم ليس من أهل الحكومة نقض جميع أحكامه وإن كانت صوابا إلا ما لا فائدة للنقض فيه، كرد المغصوب والوديعة ونحوهما. ولو كان الحكم خطأ عند الاول ولكن حكم به غفلة وصوابا عند الثاني فالاقوى نقضه، كما لو تنبه الحاكم بنفسه له، والله العالم. المسألة (السادسة:) (إذا افتقر الحاكم إلى مترجم) لسماع الشهادة ونحوها (لم يقبل إلا شاهدان عدلان) حتى فيما يكتفى فيه بالشاهد والامرأتين، لانه بحكم الشهادة على الشهادة لا الشهادة فيه، ولذا يكتفى بالعدلين في ترجمة

[ 107 ]

شهود الزنا المعتبر فيه أربعة (ولا يقنع بالواحد عملا بالمتفق عليه) بعد الشك في أن ذلك من موضوع الشهادة أو الرواية، ولا أصل ولا إطلاق ينقح أحدهما، فيجري عليه حينئذ حكم الشهادة من التعدد، ولو لانه المتيقن بخلاف غيره. ودعوى أن الاصل الرواية - لان الشهادة قسم من الخبر ولكن اعتبر الشارع في بعض أفرادها التعدد، فما لم يثبت فيه يبقى على عموم ما دل على قبول خبر العدل - يدفعها وضوح التباين بين الرواية والشهادة في العرف الذي هو المرجع في أمثالهما بعد معلومية عدم الوضع الشرعي فيهما وعدم الاجمال، واعتبار التعدد في موضوع الشهادة، لا أنه هو المميز لها عن الرواية، وكون جنسهما الخبر لا يقتضى أنها قسم منه، بل هما نوعان متمايزان في العرف الذي يمكن أن يقال إن الترجمة فيه قد تكون من الشهادة وقد تكون من الرواية، لاأنها مطلقا شهادة أو رواية، فحيث يراد بها إثبات ما يترتب عليه الحكم كشهادة الشاهد احتيجت إلى التعدد، ضرورة أنها حينئذ بمنزلة شهادة الفرع التي لابد فيها من التعدد، لانها شهادة حينئذ، وحيث يراد فيها بيان المراد في غير ذلك كانت رواية، ويكفي فيها الواحد، ولعل منه بيان عبارة المجتهد مثلا لمقلديه، أو بيان المراد من السؤال للمجتهد مثلا ليذكر حكمه ونحو ذلك مما لا يعد شهادة، بل هو من قسم الرواية ولو بالمعنى. وبالجملة فالمدار على تميز افراد الشهادة والرواية المقابلة لها العرف، فما كان من الاول اعتبر فيه التعدد، للادلة الدالة على اعتبار ذلك فيها من قوله تعالى (1): (وأشهدوا ذوي عدل منكم) بناء على استفادة ذلك منه، وغيره، وما كان من الثاني اكتفى فيه بالواحد، لاطلاق


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 2.

[ 108 ]

دليل قبول خبر العدل، ومع الشك فالظاهر لحوق حكم الشهادة عملا بالمتفق عليه لما عرفت. وآية النبأ (1) بعد أن كان موردها من أفراد الشهادة أو ما يشبهه وجب كون المراد من المفهوم فيها عدم وجوب تبين نبأ العدل في موضوعي الشهادة والرواية، على معنى كونه مقبولا في الجملة وإن كان قبوله في الشهادة على معنى أنه جزء البينة، وقبوله في الرواية العمل به من غير حاجة إلى التعدد الذي استفيد من الادلة اعتبارة في الشهادة دون غيرها، وحينئذ فليس المراد من الاية قبول كل نبأ لعدل على معنى العمل به من غير حاجة إلى تعدد إلا ما خرج بالدليل، فيكون ذلك أصلا لكل نبأ لم يعلم اعتبار التعدد فيه، ضرورة عدم دلالة الآية حينئذ على حكم موردها، بل ولا على حكم الشهادة. وأولى من ذلك دعوى اختصاص الاية بحكم الرواية المقابلة للشهادة بقرينة اعتبار التبين في نبأ الفاسق وعدمه في نبأ العدل، وذلك من خواصها، فان شهادة الفاسق لا تبين فيها. هذا وقد يقال: إنه يمكن استفادة اعتبار التعدد في كل ما كان له مدخلية في القضاء ولو موضوع المدعى وتزكية الشاهد وجرحه وغير ذلك، لقوله (صلى الله عليه وآله) (2): (إنما أقضي بينكم بالبينات) إلى آخره. وقوله (عليه السلام) (3): (استخراج الحقوق) إلى آخره وغير ذلك مما يقتضى أنه لابد من التعدد في ثبوت كل موضوع للقضاء، ومنه حينئذ الترجمة لشهادة الشاهد ودعوى المدعي أو نحو ذلك لا الترجمة من حيث كونها ترجمة وإن لم تكن في موضوع يتعلق به القضاء.


(1) سورة الحجرات: 49 - الاية 6. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 4.

[ 109 ]

وأما اعتبار الحرية في المترجم فقد صرح الفاضل وغيره بعدم اعتبارها فيه. وقد يشكل بأن قاعدة اليقين المزبورة تقتضي اعتبارها، بل بناء على أنها من الشهادة يتجه اعتبارها أيضا إن كانت الحرية معتبرة فيها، هذا كله في المترجم. وأما مسمع القاضي لو كان أصم فالظاهر جريان حكم المترجم عليه، لما عرفت فان كثيرا مما ذكرنا أو جميعه جار فيه، بل الاولى فيهما إبرازهما على طرز الشهادة لا على طريق الرواية. ومن ذلك يظهر لك الحال في تنقيح هذا المبحث وإن أطنب فيه بعضهم في الاصول بعد أن حكى عن الشهيد تعريف الشهادة والاشكال في كثير من الافراد في أنها منها أو من الرواية، والله العالم. المسألة (السابعة:) (إذا اتخذ القاضي كاتبا وجب أن يكون بالغا عاقلا مسلما عدلا) لانه أحد الامناء الذين يعتبر فيهم ذلك، بل لابد أن يكون أيضا (بصيرا ليؤمن انخداعه) في تغيير الكتابة (وإن كان مع ذلك فقيها كان حسنا) لكونه حينئذ أكمل، بل ينبغي أن يكون جيد الكتابة بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. لكن قد يقال: إن ثمرة الكتابة تذكر ما كان، وإلا فهى ليس من الحجة شرعا، وحينئذ فلا عبرة بشئ من هذه الاوصاف، ضرورة أنه مع الذكر بها يجري عليها الحكم، وإلا فلا وإن كان الكاتب بالاوصاف المزبورة، نعم معها غالبا تحصل الطمأنينة التي يجري عليها الحكم. وفيه أنها غير منحصرة فيما كان للتذكر فيه مدخلية، بل قد تكون

[ 110 ]

مراسلة وأمرا ونهيا ونحو ذلك مما يكون فيه زيادة ونقيصة وتغيير وتبديل، كما يوجد الان في الكتبة للملوك، فالمراد حينئذ إذا اتخذ القاضي كاتبا معتمدا عليه في الكتابة التي يشتغل عن ملاحظتها يجب أن يكون بهذه الاوصاف، فانه أحد الامناء. هذا والظاهر أن الكاتب والمترجم ارتزاقهما من بيت المال أيضا، ومع عدمه يأخذان الاجرة ممن يعملان له، والله العالم. المسألة (الثامنة:) (الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين) بشاهدين عدلين لم يجرحهما الخصم أو بخلطة منه (حكم، وإن عرف فسقهما) كذلك (أطرح) لما سمعته سابقا من الاجتزاء بعلمه في ذلك أو ما يقوم مقامه شرعا. (وإن جهل الامرين بحث عنهما) بنفسه كما يحكى (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يفعل ذلك بارسال شخصين من قبله لا يعلم أحدهما بالاخر يسألان قبيلتهما عن حالهما فان جاءا بمدح وثناء حكم وإن جاءا بشين ستر عليهما ودعا الخصمين إلى الصلح، وإن لم يكن لهما قبيلة سأل الخصم عنهما، فان زكاهما حكم وإلا أطرحهما. ولعل ذلك لان بناء العدالة التي هي شرط الحكم على البحث عنها، بل يمكن دعوى استفادة ذلك من إطلاق الامر (2) بالحكم بالبينة العادلة، نحو البحث عن دخول الوقت للصلاة فيه، والبحث عن الماء للطهارة به، وغيرهما مما يستفاد وجوبه قبل تحقق وجوب


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 111 ]

المكلف به، أو أن المراد بحث عنهما بتكليف الخصم بتزكيتهما، وعلى كل حال فالامر سهل. إنما الكلام في الحكم بشهادتهما مع تزكية الخصم لهما وإن قال: إنهما أخطأ في هذه الشهادة من أن المراد بالتزكية الاستظهار في ثبوت حقه، فيكفي إقراره، ولما سمعته من المحكي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ومن اشتراط الحكم بعدالتهما التي لم تثبت باقرار الخصم ورضاه بالحكم بشهادتهما لا يجدي في صحة الحكم وجريان أحكامه عليه، كما لا يجدي رضاه بالحكم بشهادة فاسقين، ولعله أقوى. (وكذا لو عرفت إسلامهما) بل إيمانهما أيضا (وجهل عدالتهما توقف) عن الحكم (حتى) يبحث عن ذلك ف‍ (يتحقق) له (ما يبني عليه من تعديل (عدالة خ ل) أو جرح) لان الاسلام والايمان ليسا عدالة ولا طريقا شرعا للحكم بها على وجه يتحقق ما شرط بها من طلاق أو حكم أو ائتمام أو غير ذلك كما عرفت الكلام فيه بما لا مزيد عليه في بحث الجماعة (1). (وقال) الشيخ (في الخلاف) كما عن الاسكافي والمفيد: (يحكم) إما لان الاسلام أو الايمان مع عدم ظهور الفسق عدالة، أو لانه يحكم بها بمجردهما أو لان الحاصل من مجموع قوله تعالى (2): (وأشهدوا ذوي عدل) وقوله تعالى (3): (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) وقوله تعالى (4): (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) قبول


(1) راجع ج 13 ص 280 - 290. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (4) سورة الحجرات: 49 - الاية 6.

[ 112 ]

الشاهدين إذا كانا مسلمين، وأنهما لايردان إلا إذا كانا فاسقين (و) لا يحمل إطلاق الثانية على الاولى لعدم حجية مفهوم الوصف، أو لان (به رواية) أو روايات (1) ولكن قد عرفت في البحث المزبور أن الرواية به وإن تعددت (شاذة) موافقة للعامة معارضة لما هو أقوى منها من وجوه أو مأولة، بل قد ذكرنا ظهورها - بعد حمل المطلق فيها على المقيد - في خلافه، أو للاجماع المحكي في الخلاف المتبين خلافه حتى من حاكيه في المحكي من خلافه ومبسوطه. كما أنه لا يخفى عليك ما في الكلام المزبور، ضرورة معلومية زيادة وصف العدالة على الاسلام، بل والايمان، وظهور الاية الاولى في الحكم الوضعي الذي هو اعتبار العدالة في القبول، وحينئذ فحمل المطلق عليه لا يحتاج إلى مفهوم الوصف كما قرر في محله، وحينئذ فعدم وجوب التبين في شهادة غير الفاسق لا يقتضي تحقق العدالة في مجهول الحال التي هي شرط القبول إجماعا بقسميه ونصوصا يقيد بهما إطلاق مفهوم الاية لو قلنا بشموله لمحل النزاع. وبالجملة فقد استقصينا الكلام في جميع أطراف المسألة في ذلك المبحث، وبينا ضعف القول المزبور، بل لم نتحقق القائل به لظهور من وقفنا على كلام من يحكى عنه في أصالة العدالة في المسلم الذي لم يظهر منه فسق، لا أن الاسلام عدالة، مع معلومية فساد الاصل المزبور وإن اشتهر في كلام الاصحاب أن الاصل في المسلم أن لا يخل بواجب ولا يفعل محرما، إلا أن ذلك لا يقتضي تحقق وصف العدالة به، بل المراد منه حكم تعبدي في نفسه لافيما يترتب على ذلك لو كان واقعا كما حققناه في غير المقام.


(1) تقدمت الروايات في ج 13 ص 281 - 283.

[ 113 ]

كضعف القول بأنها ملكة نفسانية في جميع الكبائر - التي منها الاصرار على الصغائر - وفيما لا ينافي المروة، وأن التحقيق الذي تجتمع عليه الروايات (1) وعليه عمل العلماء في جميع الاعصار والامصار حسن الظاهر بمعنى الخلطة المطلعة على أن ما يظهر منه حسن من دون معرفة باطنه، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (لو حكم) الحاكم (بالظاهر) من العدالة على وجه يجوز الحكم به سواء كان بخلطة مطلعة أو بينة (ثم تبين فسوقهما وقت الحكم) المتصل زمانه بزمان إقامة شهادتهما (نقض حكمه) كما لو تبين فسوقهما قبل الاقامة، لتبين عدم شرط صحة الحكم في الواقع وإن جاز الاقدام بذلك الظاهر. أللهم إلا أن يدعى أن الشرط علمي نحو العدالة في إمام الجماعة، لاطلاق ما دل (2) على نفوذ الحكم وعدم جواز رده إذا كان على نحو قضائهم (عليهم السلام) وعلى حسب الموازين التي نصبوها لذلك، ولا دليل على اشتراط أزيد من ذلك حتى قوله تعالى (3): (وأشهدوا ذوي عدل) المراد منه ذوي عدل عندكم، لا أقل من الشك فيبقى ما دل على نفوذ الحكم بحاله. لكن اتفاق كلمة الاصحاب ظاهرا على النقض مع أصالة الواقعية في الشرائط، ولو كانت مستفادة من نحو (وأشهدوا) الاية (4) يرفع ذلك كله، مضافا إلى إمكان الفرق بين ما هنا وبين الجماعة بأن المدار هناك


(1) تقدمت هذه الروايات في ج 13 ص 291. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (4) سورة البقرة: 2 - الاية 282.

[ 114 ]

على الصلاة خلف من تثق بعدالته نصا (1) وفتوى، وظهور الفسق فيما بعد لا ينافي الوثوق بخلاف المقام المعتبر فيه كونه عدلا. نعم لو كان الفسق طارئا بعد الحكم أو غير معلوم الحال لم ينتقض، بل لعله كذلك لو كان بعد الاقامة قبل الحكم، كما ستسمع تحقيقه إنشاء الله في كتاب الشهادات. وعلى كل حال فالظاهر أن المراد نقض الحاكم حكمه فيما لو اتفق له تبين فسقهما، لا أن المراد جواز تجديد الدعوى للمحكوم عليه حكما ثابتا لو عثر بعد الحكم على من يجرحهما، ضرورة منافاة ذلك لكونه حكما وفصلا، بل ولقولهم فيما يأتي من الانظار ثلاثة أيام لو ادعى وجود الجارح، بل ولغير ذلك، وهل البينة تبين فسق ؟ ظاهر بعض العبارات ذلك ووجهه واضح. ولو ادعى المحكوم عليه إمكان حصول العلم للحاكم بفسقهما باقامة شياع يقتضى ذلك أو نحوه ففي وجوب سماع الحاكم ذلك منه وجه، ولكن الاقوى خلافه للاصل وغيره، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة. (ولا يجوز التعويل في الشهادة) بالعدالة ؟ ؟ بناء على انها الملكة (على حسن الظاهر) الذي لم يعلم حصولها منه، بل لابد من الصحبة المتأكدة التي يطلع بها على حسن الباطن، مثل الشهادة على الاعسار ونحوه مما جرت العادة فيه على اختلاف الباطن والظاهر، فان المال قد يخفيه صاحبه كالفسق، فلا بد في الشهادة عليهما من العلم بموافقة الباطن للظاهر. ولكن قد يناقش بأن حسن الظاهر طريق شرعي للحكم بحصولها عملا بالنصوص (2) التي استدل بها القائلون بأنها حسن الظاهر، أو لان الملكات إنما تعرف بآثارها كالشجاعة والكرم ونحوهما والعدالة بناء على أنها


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب صلاة الجماعة - الحديث 2 من كتاب الصلاة. (2) راجع الروايات المتقدمة في ج 13 ص 291.

[ 115 ]

ملكة منها، والنصوص المتضمنة حسن الظاهر من ذلك. بل قد يقال: إن البحث في أنها حسن الظاهر أو ملكة بحث علمي مرجعه إلى أن العدالة شرعا هي ملكة يصدر عنها حسن الظاهر أو أنها عبارة عنه، وإلا فالجميع متفقون على تحققها بذلك بناء على كون مراد القائلين بحسن الظاهر هو أن جميع ما يظهر منه حسن بعد الخلطة والصحبة المتأكدة في سره وعلانيته، لا أن المراد به حسن ظاهر بعض أفعاله وأحواله التي لا يستفاد منها الحسن في جميع ما يظهر منه، فان كثيرا من المدلسين كذلك، بل غالب الناس التستر في الفسق عن عامة الناس أو خواصهم، كما عساه يومئ إليه الخبر (1) المروي عن تفسير العسكري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) واحتجاج الطبرسي عن الرضا (عليه السلام) الذي قد ذكرناه في بحث الجماعة من الكتاب (2) بل وخبر ابن أبي يعفور (3) المتقدم فيه أيضا. وحينئذ يتحد القولان ويكون البحث علميا، ويؤيده استبعاد طرح القائلين بالملكة جميع هذه النصوص على كثرتها، فلا مناص حينئذ عن حملها على ذلك وإن كان الانصاف ظهورها في عدم التعمق في حصول حسن الظاهر الذي له أفراد متعددة، ولا ريب في عدم اعتبار أعلاها بمقتضى أكثر النصوص المزبورة، فلاحظ وتأمل. (وينبغي أن يكون السؤال عن التزكية سرا فانه أبعد من) تطرق (التهمة) للمزكي بأنه زكي حياء أو وفاء أو رجاء أو خوفا كما هو المشاهد في جملة من الناس.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صلاة الجماعة - الحديث - 14 من كتاب الصلاة. (2) راجع ج 13 ص 300. (3) الوسائل - الباب - 1 ؟ ؟ - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 116 ]

(وتثبت) العدالة بالشهادة بها (مطلقة و) لكن (تفتقر إلى المعرفة الباطنة المتقادمة) المفيدة للعلم أو الظن بحصول الملكة، وأن ما يصدر من ذلك من آثارها أو بحسن الظاهر، بمعنى أنه لا يظهر منه سرا وعلانية إلا الحسن. (ولا يثبت الجرح إلا مفسرا) كما عن المشهور فيه وفي الاول، لعدم العسر بذكره، ولانه ربما لا يكون جرحا عند الحاكم المشهود عنده، بخلاف تفصيل العدالة المحتاج إلى ذكر جميع الكبائر وغيره مما يتعذر أو يتعسر إحصاؤه. وربما أشكل ذلك بأن الاختلاف في أسباب الفسق يقتضي الاختلاف في أسباب العدالة، فان الاختلاف مثلا في عدد الكبائر كما يوجب في بعضها ترتب الفسق على فعله يوجب في بعض آخر عدم قدحه في العدالة بدون الاصرار عليه، فيزكيه المزكي مع علمه بفعل ما لا يقدح عنده فيها، وهو قادح عند الحاكم، ومن ثم قيل بوجوب التفسير فيهما كما عن ابن الجنيد. ولعل الاقوى الاكتفاء بالاطلاق فيهما كما عن بعضهم، بل لعله يرجع إليه ما حكاه المصنف عن الخلاف بقوله: (وفي الخلاف) كما في نسخة، وفي قول في اخرى وهي الاصح يثبت مطلقا) أي في الجرح بناء على موافقته المشهور في العدالة، لكن لا لان كلا من المعدل والجارح لابد أن يكون في نظر الحاكم عالما بسببهما وإلا لم يصلح لهما، ومع العلم لا معنى للسؤال، إذا هذا مع كونه ممنوعا قد قيل لايتم إلا مع علم الحاكم بموافقة مذهب المزكي لمذهبه في أسباب الجرح والتعديل، بأن يكون مقلدا له أو موافقا له ولانهما إنما يجزمان إذا علما بما عند الحاكم من أسباب العدالة والفسق أو بالعدالة أو الفسق عند الكل، لوضوح منعه أيضا، بل لما هو المعلوم من طريقة الشرع من حمل عبارة الشاهد

[ 117 ]

على الواقع وإن اختلف الاجتهاد في تشخيصه. ومن هنا لا يجب سؤاله عن سبب التملك مع الشهادة به وكذا التطهير والتنجيس وغيرها وإن كانت هي أيضا مختلفة في الاجتهاد، بل يحمل قول الشاهد على الواقع كما يحمل فعله على الصحيح في نفس الامر لافي حق الفاعل خاصة، وما العدالة والفسق إلا من هذا القبيل، أللهم إلا أن يقال: إن الاختلاف فيهما في معناهما، بخلاف الملك والتطهير والتنجيس ونحوها، فانه اختلاف في أسبابها، لكنه كما ترى. ومن ذلك يعلم ضعف القول بالتفصيل فيهما فضلا عن العكس بمعنى وجوب التفصيل في العدالة، وعن القول بأن المزكي والجارح إن كانا عالمين بأسبابهما كفى إطلاقهما وإلا وجب ذكر السبب فيهما، والتحقيق ما عرفت. نعم لابد في التزكية من إبرازها بعنوان الشهادة ولو بدلالة قرائن الاحوال، ولا يجب لفظ (أشهد) وإن أوهمته عبارة الفاضل في القواعد، إلا أن الظاهر إرادته ما ذكرنا في مقابل ذكرها بعنوان الاخبار لا الشهادة. كما أنه لابد فيها من تشخيص المزكي على وجه يرتفع الاشتراك المقتضي للاجمال، بل في القواعد لابد فيها أيضا من ضم (مقبول الشهادة) إلى قوله: (عدل) إذ رب عدل لاتقبل شهادته، لغلبة الغفلة عليه، بل عن المختصر الاحمدي (لابد أن يقول: عدم مقبول الشهادة علي ولي، لان الوصف بالعدالة والصدق وقبول الشهادة إنما يقتضي ثبوت الصفة في الجملة، فربما تثبت في شئ دون شئ) وعن التحرير (يجب على المزكى أن يقول: أشهد أنه عدل مقبول الشهادة أو هو عدل لي وعلي، بمعنى الاكتفاة بأحدهما، لانه لا تتعلق الصلتان بالعدل إلا بتضمين معنى الشهادة، فيتحد حينئذ مؤداهما ويكفي أحدهما) ونسبه في المسالك إلى أكثر المتأخرين. وفيه أن العدالة وصف خاص متحد في جميع ما اعتبرت فيه،

[ 118 ]

فلا تبعيض حينئذ فيها، وعلى تقديره فقوله: (علي ولي) لا يقتضي العدالة المطلقة، كقول القائل: (فلان صادق علي ولي) الذي لا يقتضي صدقه في كل شئ، على أن الوصف بمقبول الشهادة يغني عن ذكر العدالة، لانه أخص. ومن هنا قال في المسالك: (الاقوى الاجتزاء به وإن كان إضافة العدالة معه آكد). وربما علل بعضهم إضافة (لي وعلي) بأن الغرض منه أن يبين أنه ليس بولد بناء على أن شهادة الولد على والده غير مقبولة، وضعفه في المسالك بأنه (قد اعتبره من علم أنه ليس ولده، ومع تسليم عدم قبول شهادة الولد على والده لا يدل قوله: (عدل علي ولي) على أنه ليس بولد، لان العدل عدل على أبيه وله، إلا أنه لاتقبل شهادته عليه بمعنى أنه خارج (1) وبتقدير أن يراد به نفي البنوة، فالمعتبر أن لا يكون هناك ذلك الوصف، أما أن يتعرض إلى نفيه لفظا فلا، كما أن الشاهد على غيره ينبغي أن لا يكون كذلك، ولا يجب أن يقول لست بابن، وبتقدير أن يكون الغرض بيان أنه ليس بابن، فهذا الغرض يحصل بقوله: علي). قلت: قد يقوى في النظر عدم اعتبار أزيد من الشهادة بأنه عدل، لاطلاق ما دل على وجوب الحكم بشهادتهما وأنها سبب في ذلك ومقتض له على نحو باقي الاسباب الشرعية التي يترتب عليها مقتضاها ما لم يتحقق المانع الذي يكفي في نفيه أصل العدم أو ظاهر الدليل المزبور ونحو ذلك، وحينئذ فلا يحتاج الحكم بشهادتهما إلى شهادة كونهما مقبولي الشهادة، بمعنى أنهما مجردان من موانع القبول كالولدية والخصومة وجر النفع والمغفلية ونحو ذلك، ضرورة كونها أجمع جارية مجرى الموانع، فإذا ادعى الخصم أحدها طولب باثباته نحو دعوى الجرح، ومع العجز عنه حكم الحاكم بشهادة


(1) وفي المسالك " لا تقبل شهادته عليه بامر خارج ".

[ 119 ]

العدلين التي قد عرفت ظهور قوله تعالى (1): (وأشهدوا ذوي عدل) وغيره في كونه سببا لذلك، بل ظاهر الادلة جريانها مجرى الاسباب والمقتضيات وجريان تلك مجرى الموانع كما أومأنا إليه، لا أنها من العام والخاص حتى يأتي الاشكال في الفرد المشكوك منها. كل ذلك مضافا إلى عدم وضوح دلالة قول المزكى: (علي ولي) في نفي كون الشاهد ولدا للمدعى عليه، كعدم وضوح اعتبار ما يعتبر في قبول الشاهد في المزكى من عدم الولدية للمدعى عليه، بناء على عدم قبول شهادته على أبيه وعدم العداوة بينه وبينه أيضا، باعتبار عدم عموم في دليل المنع لمثل ذلك، بل لعل المنساق منه الشهادة بالحق نفسه لا التزكية، نعم لعله كذلك بالنسبة إلى جر النفع، كما إذا كان شريكا للمدعي في المال المدعى به، فانه لاتقبل تزكيته للشاهد كالمدعي نفسه. وما في القواعد - من أنه يعتبر في المزكي صفات الشاهد - يراد به نحو العدالة والتعدد ونحو ذلك، لا ما يشمل الفرض، فما عساه يوهمه بعض العبارات من اعتبار نحو ذلك على الوجه الذي ذكرناه لا يخلو من نظر أو منع، نحو ما قيل من احتمال وجوب تعيين الخصمين حين الاستزكاء. بل في المسالك (يشترط في المزكى أن يعرف نسب الشاهد والمتداعيين، لجواز أن يكون بينه وبين المدعي شركة، أو بينه وبين المدعى عليه عداوة) إذ ذلك كله كما ترى، وكذا غير ذلك مما هو مذكور في كلماتهم، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (لا يحتاج الجرح إلى تقادم المعرفة) بخلاف العدالة (و) لو قلنا بأنها حسن الظاهر، ضرورة أنه (يكفي العلم بموجب الجرح) من زنا أو لواط أو نحو ذلك مما يحصل بالمعاينة


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 6.

[ 120 ]

ونحوها من غير تقادم معرفة، كما هو واضح. (ولو اختلف الشهود بالجرح والتعديل قدم الجرح، لان) الشهادة ب‍ (- ه) غالبا تكون (شهادة بما يخفى عن الاخرين) المعدلين الذين مبنى شهادتهما غالبا بعد الخلطة والممارسة على أصل عدم وقوع المعصية منه وظن ذلك بسبب حصول الملكة عنده ولو ملكة حسن الظاهر، وهما معا غير معارضين لشهادة العدلين بوقوع ذلك منه. وحينئذ فمع الاطلاق بالعدالة والفسق يقوى الظن بينة الجرح، لمكان الغلبة المزبورة فضلا عن صورة التصريح فيهما على وجه يمكن صدقهما معا، بأن قال المعدل: (خالطته و مارسته فوجدته ذا ملكة، ولا أعلم صدور كبيرة منه بعد ذلك) وقال الجارح: (قد وقعت منه يوم كذا مثلا) فان بينة الجرح لا معارض لها حينئذ، بل لو كانت بينة العدالة كذلك أيضا بأن قالت: (نعم وقعت منه المعصية يوم كذا، ولكن تاب وندم، ومارسته وخالطته بعد ذلك فوجدته ذا ملكة بعدها، ولم يصدر منه ما ينافيها) قدمت هي، لعدم المعارض. وبالجملة كل بينة منهما شهدت بما خفى عن الاخرين كانت هي المقدمة، لعدم المعارض لها. إنما الكلام في صورة الاطلاق، كأن قالت إحداهما: (هو عدل) والاخرى: (هو فاسق) وفي صورة التصريح بالتضاد، بأن شهد المعدل بأنه كان في ذلك الوقت الذي شهد الجارح بفعل المعصية فيه في غير ذلك المكان الذي عينه للمعصية أو مشتغلا بفعل يضاده الجارح إما طاعة أو مباحا أو نائما ونحو ذلك وهي التي أشار إليها المصنف بقوله: (ولو تعارضت البينتان في الجرح والتعديل قال في الخلاف: وقف الحاكم) لعدم المرجح (ولو قيل: يعمل على الجرح كان حسنا) لاعتضاد بينته بأصالة عدم حصول سبب الحكم، فيبقى المنكر مثلا حينئذ على حجته

[ 121 ]

بلا معارض، ضرورة عدم الفرق في العمل بين الجرح الثابت وبين عدم ثبوت العدالة. وفي بعض نسخ المتن: (ولو اختلف الشهود في الجرح والتعديل قال في الخلاف توقف الحاكم ولو قيل يعمل على الجرح كان حسنا) وهو الذي شرحها في المسالك، ولذا قال فيها بعد أن حكى عن الشيخ ذلك: (وهو يتم مع عدم إمكان الجمع، كما لو تكاذبا، أما مع الاطلاق فلا وجه للتوقف لعدم التعارض). وفيه أن التعارض في صورة إطلاق العدالة والفسق متحقق، إذ كما يحتمل اطلاع الجارح على ما خفي على المعدل يمكن اطلاع المعدل ولو بتجدد التوبة على ما خفي على الجارح، نعم قد يقوى الظن بالاول للغلبة المزبورة، ومع فرض عدم اعتبارها فالعمل على بينة الجرح، لكن على الوجه الذي سمعته لا على جهة الحكم بفسقه تقديما لبينته، ضرورة عدم المرجح لها غير ما عرفت، فمع فرض عدم اعتباره فليس حينئذ إلا الوقف عن الحكم بمقتضاهما، وهو عين العمل بالوجه الذي ذكرناه، بل لعل الشيخ لا ينكره وإن عبر بالوقف إلا أن المراد ما ذكرناه. أو يقال: إن المراد الوقف عن الحكم أصلا حتى بيمين المنكر الذي لم يعلم حجيته في هذا الحال، باعتبار وجود بينة المدعي وإن كان لا عمل عليها باعتبار معارضتها ببينة الجرح، وحينئذ فيكون ميزان الحكم مجهولا لانسياق الادلة في غير الفرض فيرجع إلى الصلح أو غيره، فتأمل. وقد يقال أيضا: إن هذا كله مع فرض عدم أمر سابق يمكن استصحابه من عدالة أو فسق وإلا حكم به. واحتمل في كشف اللثام تقديم التعديل على الجرح للاصل مع الخلو عن ظهور المعارض، وهو جيد فيما يرجع إلى ما ذكرناه لا مطلقا.

[ 122 ]

وبذلك بان لك الحال في جميع صور المسألة كما بان لك التشويش في جملة من كلام الاصحاب، والله العالم. المسألة (التاسعة:) (لا بأس بتفريق الشهود و) استقصاء سؤال كل واحد منهم من دون علم الاخر عن مشخصات القضية بالزمان والمكان وغيرهما، ليستدل على صدقهم باتفاق كلمتهم وعدمه باختلافهم، للاصل وزيادة التثبت. بل الظاهر أنه (يستحب) ذلك (في من لا قوة) عقل (عنده) بحيث يخشى من غلطه أو تدليس الامر عليه وكذا غير ذلك مما تحصل منه الريبة في الشهادة، كما فعله دانيال (ع) في شهود على امرأة بالزنا فعرف منه كذبهم (1) وكذا داود (ع) (2) لقوله تعالى (3): (فبهداهم اقتده) وإن قلنا بنسخ شرائعهم بشريعتنا، إذ هو لا ينافي الامر فيها ببعض ما كان عندهم، إذ المسلم منعه التعبد بشرعهم من حيث إنه مشروع عندهم لا مطلقا. على أن المروي (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) نحو ذلك أيضا في سبعة خرجوا في سفر ففقد واحد منهم فجاءت امرأته إلى علي (عليه السلام) وذكرت ذلك له، فاستدعاهم وسألهم فانكروا، ففرقهم


(1) الكافي ج - 7 ص 426 - 427. (2) الكافي ج 7 ص 372. (3) سورة الانعام: 6 - الاية 90. (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 وفيه " ان شابا قال لامير المؤمنين (عليه السلام): إن هؤلاء النفر ؟ ؟ ؟ ؟ خرجوا بأبي معهم في السفر فرجعوا ولم يرجع أبي.. ".

[ 123 ]

وأقام كل واحد منهم إلى سارية، ووكل به من يحفظه، ثم استدعى واحدا منهم وسأله فأنكر، فقال (عليه السلام): الله أكبر، فسمعه الباقون، فظنوا أنه قد اعترف، فاستدعى واحدا بعد واحد فاعترفوا بقتله، فقتلهم علي (عليه السلام). بل منه يستفاد عدم اختصاص التفريق بالشهود، وأن للحاكم التوصل إلى معرفة الحق بما يراه في ذلك الوقت مما لا ينافي الشرع. نعم يقال: باختصاص جواز التفريق قبل ثبوت العدالة وطلب المدعي الحكم وإلا أشكل الجواز بظهور النصوص في وجوب الحكم حينئذ، ولذا قال في المسالك: (ومحل التفريق قبل الاستزكاء إن احتيج إليه) بل ظاهره حتى مع الريبة، لعدم ثبوت مانعيتها عن الوزن بالميزان الشرعي الموضوع للوزن به بين الناس. أللهم إلا أن يستفاد من تلك الادلة عدم الوجوب مع الريبة وإن طلب الخصم حتى ييأس مما يزيلها من نحو ذلك، وحينئذ يحكم معها لاطلاق الادلة، بل ربما توقف بعضهم من الحكم معها تنزيلا للاطلاق المزبور على غير الفرض، لكنه كما ترى. ومما ذكرنا يعلم ما في إطلاق المصنف جواز التفريق الذي يمكن تنزيله على إرادة جوازه من حيث كونه كذلك لا مع حصول سبب وجوب الحكم، أو على إرادة جوازه في أصل سماع شهادتهم لانه أحد الافراد، وفيه زيادة استظهار، والله العالم.

[ 124 ]

المسألة (العاشرة:) (لا يشهد الشاهدان بالجرح إلا مع المشاهدة لفعل ما يقدح في العدالة أو أن يشيع ذلك في الناس شياعا موجبا للعلم) للتواتر أو غيره مما يحصل به القطع، بخلاف العدالة التي يكفي فيها غلبة الظن بسبب الخلطة والممارسة المقتضية لذلك، لانها الطريق إلى أمثالها أو لظهور النصوص (1) في الاكتفاء بنحو ذلك، وإلا لم يمكن التعديل إلا للمعصوم (عليه السلام) كما أومي إليه في بعض النصوص (2). (و) حينئذ ف‍ (لا يعول على سماع ذلك) أي الجرح (من الواحد والعشرة) من حيث كونهم كذلك (لعدم اليقين بخبرهم) أما لو حصل ولو لشدة عدالتهم وضبطهم وتحرزهم فلا ريب في الاكتفاء به لانه المدار. نعم في المسالك (إن لم يبلغ المخبرون حد العلم لكنه استفاض وانتشر حتى قارب العلم ففي جواز الجرح به وجهان، من أنه ظن في الجملة وقد نهى الله عن اتباعه إلا ما استثنى، ومن أن ذلك ربما كان أقوى من البينة المدعية للمعاينة، كما مر في نظائره). وفيه مالا يخفى بعد فرض عدم حصول مرتبة العلم، وعدم الدليل على الاكتفاء بمثله، وحرمة القياس على البينة التي مبناها التعبد، ومن هنا كان ظاهر المصنف وغيره اشتراط العلم. وعلى كل حال فليس له الشهادة بالجرح بخبر الواحد وما فوقه إذا لم يبلغ ذلك الحد إجماعا كما في المسالك قال: (نعم له أن يشهد على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 0 - 13.

[ 125 ]

شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة). قلت: قد يتوهم أنه لولا الاجماع المزبور لامكن القول بالاكتفاء في الشهادة به وبغيره بالبينة عنده، بناء على عموم حجيتها شرعا لكل أحد، ضرورة كونها حينئذ طريقا شرعيا كالشهادة بمقتضى الاستصحاب واليد ونحوها مما جعله الشارع أمارة على ذلك، وكذا حكم الحاكم بالعدالة أو الفسق، فان له ذلك كما صرح به في القواعد، بل الظاهر اكتفاء الحاكم الاخر باخبار الاول من دون شهادة آخر. لكن يدفعه اعتبار العلم في الشاهد على وجه لا يقوم مقامه الحجة شرعا، بل لو أبرز ذلك على وجه الشهادة كان مدلسا، بخلافه في نحو الملك باليد الدالة عليه باعتبار أن الشهادة به شرعا وعرفا بنحو ذلك، وكذا الكلام في حكم الحاكم بل هو أولى، لانه إلزام بحكم الموضوع لا أنه من طرق ثبوته. والموجود هنا في القواعد أنه (له - أي الحاكم - أن يحكم بالعدالة والجرح بشهادة عدلين إن نصب حاكما في التعديل) وفي الكشف (والجرح، ولا يشترط المعاينة أو الشياع الموجب للعلم، ويشترط في القاضي، فإذا أخبر حاكما آخر بعدالته أو فسقه اكتفى به، ولم يشترط شهادة آخر) وهو غير ما نحن فيه، وإن كان ما في المتن والشرح لا يخلو من بحث من وجوه. كما أن ما في القواعد أيضا من أنه (لو أقام المدعى عليه بينة أن هذين الشاهدين شهدا بهذا الحق عند حاكم فرد شهادتهما لفسقهما بطلت شهادتهما) كذلك أيضا وإن قال في كشف اللثام: (فهما شاهدا فرع على الحاكم). ثم إن المراد بمشاهدة فعل ما يقدح في العدالة حصول العلم بكونه

[ 126 ]

على الوجه المحرم وإلا لم يشهد به، ضرورة أعمية شرب الخمر مثلا من ذلك، ودعوى أن للافعال ظهورا يجب الاخذ به كالاقوال واضحة المنع، فان الفعل من حيث هو كذلك لا ظهور فيه، وإنما يحصل معه بعض المقارنات المقتضية لكونه كذلك، فهي إن أفادت العلم جرى عليه الحكم، وإلا كان من الظن الذي لا دليل على حجيته بل الدليل على خلافه، نعم لا عبرة بالاحتمال الذي لا يعتد به ولا ينافي القطع في العادة، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (الحادية عشرة:) (لو ثبت عدالة الشاهد) مثلا (حكم باستمرار عدالته حتى يتبين ما ينافيها) لقاعدة اليقين (وقيل) وإن كنا لم نتحقق القائل بذلك منا: (إن مضت مدة يمكن تغير حال الشاهد فيها استأنف البحث عنه) نعم هو محكي عن بعض العامة لبعض الاعتبارات (و) لكن (لا حد لذلك، بل بحسب ما يراه الحاكم) وعن المبسوط عن بعضهم تحديده بستة أشهر، ولا يخفى عليك ضعف الجميع. المسألة (الثانية عشرة:) (ينبغي أن يجمع قضايا كل أسبوع ووثائقه وحججه) التي للغير عنده (ويكتب عليها) قضاء أسبوع كذا من شهر كذا من سنة كذا ومحضر فلا وسجل فلان ووثيقة فلان، بل ينبغي جمع قضاء كل يوم، ويكتب عليه: قضاء يوم كذا من اسبوع كذا.

[ 127 ]

وعلى كل حال (فإذا اجتمع ما لشهر كتب عليه: قضاء شهر كذا، فإذا اجتمع ما لسنة جمعه وكتب عليه: قضاء سنة كذا) كل ذلك لتسهيل إخراج المطلوب منه له ولمن بعده من الحكام من ديوان الحكم، وكان ينبغي ذكر ذلك في الاداب، خصوصا مع عدم دليل له سوى ما عرفته فيها وسوى ما في خبر عقبة بن خالد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المشتمل على قضية مع غيلان بن جامع وفيه (قلت: وكيف تقضي يا غيلان ؟ قال: أكتب هذا ما قضى به فلان بن فلان لفلان بن فلان يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ثم أطرحه في الدواوين، قال: قلت: هذا الحتم من القضاء) الحديث. المسألة (الثالثة عشرة:) (كل موضع وجب على الحاكم كتابة المحضر ف‍) لا يجب عليه مقدماته لكن (إن حمل له من بيت المال ما يصرفه في ذلك) لانه من أهم مصالح السياسة (وجب عليه الكتابة، وكذا إن أحضر الملتمس ذلك من خاصته و) إلا ف‍ (لا يجب على الحاكم دفع القرطاس) والمداد والقلم ونحو ذلك (من خاصته) لعدم ثبوت الوجوب المطلق المقتضي لذلك، بل لادليل على الوجوب مع البذل أيضا وإن نسبه في المسالك إلى الاشهر تارة وإلى المعروف بين الاصحاب أخرى، معللا له بأن ذلك حجة فكان عليه إقامتها كالحكم، وكما لو أقر له بالحق وسأله الاشهاد على إقراره إلا أنه كما ترى، ضرورة أن الحجة حكمه والاشهاد عليه لا كتابة الحكم، بل وكذا كتابة الاشهاد على الاقرار.


(1) الكافي ج 7 ص 429.

[ 128 ]

وقوله تعالى (1): (ولا يأب كاتب أن يكتب) مع أنه في غير ما نحن فيه محمول على ضرب من الكراهة، للقطع بعدم وجوب ذلك، نعم هو راجح من حيث كونه قضاء حاجة وضبطا للحق وإقامة للمعروف. بل ينبغي أن يكتب نسختين: إحداهما تكون في يد الملتمس والاخرى تبقى في ديوان الحكم لتنوب عن الاخرى على تقدير تلفها، وليؤمن من تغييرها، بل في المسالك وجوب كتابة النسختين على تقدير القول بوجوب أصل الكتابة، ولكن قد عرفت ما في الاصل فضلا عن الفرع، أللهم إلا أن يكون منصوبا من قبل الامام (عليه السلام) لذلك على وجه يرتزق من بيت المال، فان الوجوب عليه متجه حينئذ، والله العالم. المسألة (الرابعة عشرة:) (يكره للحاكم أن يعنت الشهود إذا كانوا من ذوي البصائر والاذهان القوية (2) مثل أن يفرق بينهم) ويكلفهم ما يثقل عليهم من المبالغة في مشخصات القضية التي شهدوا بها، ووعظهم وتحذيرهم عقاب شهادة الزور (لان في ذلك) نوع (غضاضة لهم) وامتهان (و) إن كان لا يصل إلى حد الحرمة. نعم (يستحب ذلك في موضع الريبة) ولو لضعف بصيرة الشاهد وذهنه للاستظهار، كما عرفته سابقا.


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) وفي الشرائع الموجود عندي " الاديان القوية ".

[ 129 ]

المسألة (الخامسة عشرة:) (لا يجوز للحاكم) بلا خلاف أجده فيه (أن يتعتع الشاهد وهو أن يداخله في) أثناء (التلفظ بالشهادة) بكلام يجعله ذريعة إلى أن ينطق به ويعدل عما كان يريده هداية له إلى شئ ينفع أو إيقاعا له فيما يضر (أو يعقبه) بكلام ليجعله تتمة شهادته، وليستدرجه إليه بحيث تصير به الشهادة مسموعة أو مردودة. (بل) يجب عليه أن (يكف عنه حتى ينتهي ما عنده) ويحكم مقتضاه حينئذ (وإن) كان (يتردد) ويتلعثم في شهادته لهيبة الحاكم ومجلس الحكومة أو غيرهما، بل في المسالك حرمة ذلك عليه سواء كان الشاهد يأتي بما داخله به وتعقبه لولاه أم لا، وهو كذلك بناء على اعتبار القصد المزبور بالتعتعة، بل لا فرق بين الحاكم وغيره عدا الخصم، فيه لما فيه من تضييع الحق وترويج الباطل ونحوهما مما هو معلوم الحرمة لغير الحاكم فضلا عنه، أما إذا لم يكن كذلك بل كان من الاعانة على إبراز مقصده ونحو ذلك فيشكل حرمته، للاصل وغيره. (و) كيف كان ف‍ (لو تردد) الشاهد (في الشهادة) لامر قد عرض له (لم يجز ترغيبه في الاقدام على الاقامة و) إغراؤه بذلك، كما (لا) يجوز له (تزهيده في إقامتها) وترديده بها بعد فرض جزمه بالمشهود به، لما فيه من الامر بالمنكر والنهي عن المعروف. (وكذا لا يجوز إيقاف عزم الغريم عن الاقرار) بالحق (لانه ظلم لغريمه و) لكن (يجوز ذلك في حقوق الله، فان الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لما عز عند اعترافه بالزنا: لعلك قبلتها، لعلك

[ 130 ]

لمستها) في الخبر (1) المشهور (وهو تعريض) منه (بايثار الاستتار) وحمل له على عدم الاتمام بتكرار الاقرار أربع مرات، كل ذلك من الرأفة بعباده ورحمتهم، ولذا درأ عنهم حدوده بالشبهات (2). المسألة (السادسة عشرة:) (يكره أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه) لما فيه من ترجيحه على الاخر وتطرق التهمة والميل، وقد روي (3) (أن أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل به ضيف فمكث عنده أياما ثم تقدم إليه في خصوصة لم يذكرها له، فقال له: أخصم أنت ؟ قال: نعم، قال: تحول عنا، لان رسول الله نهى أن يضاف الخصم إلا ومعه خصمه) بل الظاهر مرجوحية حضور ضيافة الخصم مطلقا، بل وكل ما يقتضي ترجيحه على خصمه، والله العالم.


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 226. (2) اشاة إلى ما رواه في الوسائل - الباب - 24 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4 من كتاب الحدود. (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 2.

[ 131 ]

المسألة (السابعة عشرة:) (الرشوة) مثلثة (حرام على آخذها) إجماعا بقسميه ونصوصا (1) بل في المسالك اتفق المسلمون على تحريم الرشوة على القاضي والعامل. (و) كذا (يأثم الدافع لها إن توصل بها إلى الحكم له بالباطل) للاعانة على الاثم (و) لان النبي (صلى الله عليه وآله) لعن الراشي والمرتشي (2) نعم (لو كان) توصل بها (إلى حق) قد توقف على ذلك (لم يأثم) هو واختص الاثم بالاخذ، بل ظاهر المصنف والفاضل جواز ذلك وإن لم يتوقف، ولعله كذلك إذا لم يعلم الحال مع معروفية مدخلية الرشوة في ذلك عند قضاة العامة وعمالهم. (و) على كل حال (يجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها) لبقائها على ملكه، حتى لو وقعت في ضمن عقد هبة أو بيع محاباة أو وقف، فانه بناء على أن نحو ذلك من أفراد الرشاء لا ريب في فساد العقود المزبورة، نحو ما كان منها إعانة على الاثم، ترجيحا لادلة فسادها على ما يقتضي صحتها، بل النهي فيها عن نفس المعاملة، بل لعل ذلك هو مبنى فساد الرشوة التي هي غالبا تكون بعنوان الهبة رشوة. كما أن منه يتضح الامر في الهدية أيضا، ضرورة أنه متى كانت أيضا رشوة لحقها حكم الهبة رشوة حرمة وفسادا، أما إذا لم تكن رشوة ولا متوصلا


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب القاضي والباب - 5 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) المستدرك - الباب - 8 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 8.

[ 132 ]

بها إلى باطل أو جزاء عليه فلا ريب في حليتها، وإطلاق النصوص (1) أن هدايا العمال غلول وسحت ونحو ذلك يمكن إرادة المدفوعة لهم دفعا للباطل ونحوه منهم، وهو شئ آخر غير الرشوة التي هي محرمة وإن كانت للحكم بالحق على الاصح ودليله ما يستفاد من خبر تحف العقول (2) وغيره مما تقدم في المكاسب (3) كما يمكن إرادة بيان حرمة استيثار العمال بها، بل مرجعها إلى بيت مال المسلمين، لانه من توابع عمل المسلمين. وهو المراد حينئذ من خبر أبي حميد الساعدي (4) (استعمل النبي (صلى الله عليه وآله) رجلا من الاسد يقال له أبو الليثة على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) على المنبر، فقال: ما بال العامل نبعثه على أعمالنا يقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في قلب بيت أمه وأبيه ينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تنفر، ثم رفع يده حتى رأينا عفرة إبطه، وقال: أللهم هل بلغت ؟ أللهم هل بلغت ؟) وليس المراد منه حرمة الهدية في نفسها مع أنه هو (صلى الله عليه وآله) أمر بالتهادي للتحاب والتواد (5) ولا زال (ص) يقبل الهدية، حتى قال (6): (لو أهدي إلي كراع لقبلته).


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 6 والباب - 5 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 12 من كتاب التجارة وسنن البيهقي - ج 10 ص 138. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة (3) راجع ج 22 ص 145 - 149. (4) سنن البيهقي ج 4 ص 158. (5) و (6) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 0 - 13 من كتاب التجارة

[ 133 ]

فالتحقيق حينئذ ما عرفت من حرمة الهدية رشوة كالهبة رشوة وحينئذ يكون الرشاء أعم من كل من هذه العقود من وجه نحو الاعانة على الاثم، فتأمل جيدا كي تعرف ما في المسالك وغيرها من حرمة الهدية للقاضي والعامل ممن لم تكن عادته الهدية له قبل ذلك أو كانت للقاضي من أحد الخصمين، بل وغير ذلك من المباحث. (و) كيف كان ف‍ (لو تلفت) اي الرشوة (قبل وصولها إليه ضمنها له) لعموم (على اليد) (1) وغيره مما تقدم الكلام فيه وفي جميع ما يتعلق بالمسألة موضوعا وحكما في المكاسب (2) فلاحظ وتدبر ليظهر لك الحال في كثير من مباحث المقام حتى الاشكال في الضمان مع التلف، خصوصا إذا كانت الرشوة من الاعمال التي تبرع بها الراشي ونحوه مما لايد فيه للمرتشي ولا أمر بالعمل، وحتى فيما ذكره بعض من حرمة ما يقع من المدعي من الاعمال لاجل الحكم وإن لم يدخل ذلك تحت الرشوة في الاسم ولكن يدخل في الحكم، ضرورة عدم الدليل على الحرمة المنافية للاصل وغيره بعد عدم الاندراج في اسم الرشوة أو غيره مما هو عنوان للحرمة كالمتوصل به إلى الباطل ونحوه، أما إذا كان وصلة إلى الحق فلا بأس به بعد أن لم يكن رشوة كما هو الفرض. هذا وقد يقال: باختصاص الرشوة فيما بذل للقاضي على الحكم ولو بحق وللعامل على الباطل، أما الثاني فللاجماع المحكي في المسالك، وأما الاول فلظاهر النصوص (3) وما في بعضها من الاطلاق كالنبوي (4) الذي


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95. (2) راجع ج 22 ص - 149. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب القاضي. (4) المستدرك - الباب - 8 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 8.

[ 134 ]

لا ينافيه القيد في آخر غير جامع لشرائط الحجية في الخروج عن أصل البراءة ونحوه، والله العالم. المسألة (الثامنة عشرة:) (إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم) واستعدى الحاكم عليه أعداه و (أحضره) مع الامكان (إذا كان حاضرا) بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك نسبته إلى علمائنا وأكثر العامة، وكذا عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه، لتعلق حق الدعوى به، ولاقتضاء منصبه ذلك (سواء حرر المدعي دعواه أم لم يحررها) وسواء كان من أهل المروات أم لا، ونحوها ولو كان قاضيا معزولا (1) وسواء علم الحاكم بينهما معاملة أم لا، خلافا لبعض العامة والمحكي عن الاسكافي منا، فلم يوجبوا إحضار ذوي المروات والشرف مجلس الحكم، وعن بعض أنه يستدعيه إلى منزله، ولا ريب في ضعفه، لاطلاق الادلة وغيره وإن كان الاولى التحرز في إحضار ذوي الشرف وخصوصا القاضي المعزول ونحوه. ثم الاحضار قد يكون بختم يدفعه إلى المدعي ليعرضه عليه مكتوب فيه (أجب القاضي) وقد يكون بمحضر من الاعوان.


(1) الموجود في النسخة الاصلية ابتداءا هكذا " وسواء كان من أهل المروات أم لا " ثم اضيف في الهامش بعد قوله: " أم لا " قوله: " ونحوها ولو قاضيا معزولا " فصارت العبارة مشوشة: ولو كان ما في الهامش خارجا بعد قوله: " المروات " كان أولى، حيث تكون العبارة هكذا " وسواء كان من أهل المروات ونحوها ولو قاضيا معزولا أم لا ".

[ 135 ]

ويكون مؤونته على الطالب إن لم يرزق من بيت المال، بل إن كان امتناعه عصيانا استعان بأعوان السلطان وعزره بما يراه، بل في المسالك (في كون مؤونة المحضر - والحال هذه - على المطلوب لامتناعه أو على المدعى وجهان) وإن كان فيه ما لا يخفى، بل في أصل وجوب المؤونة فيه وفي الاول إذا لم تندرج تحت سبب من الاسباب الشرعية نظر، إذ لا دليل عليها هنا بالخصوص على وجه يحكم بوجوبها وإن لم تندرج في معاملة الاجارة أو الجعالة أو نحوهما مما يتوقف على التراضي كما هو واضح. وكذا النظر فيما ذكر هنا أيضا من أنه (إن استخفى بعث من ينادي على بابه أنه إن لم يحضر إلى ثلاث سمرت داره أو ختم عليها، فان لم يحضر بعد الثلاث وسأل المدعي السمر أو الختم أجابه إليه) إذ لم نجد له دليلا بالخصوص وإنما هو أحد أفراد التعزير التي هي للحاكم. وفي القواعد (فان لم يحضر بعد الختم بعث الحاكم من ينادي إن لم يحضر أقام عنه وكيلا وحكم عليه، فان لم يحضر فعل ذلك وحكم عليه وإن لم يحكم عليه حال الغيبة ابتداء) ولعله لان الحاكم ولي الممتنع فيما امتنع منه الذي منه التوكيل هنا، بل مقتضى إطلاقه رد اليمين من الوكيل على المدعي مع عدم البينة، بناء على أن له التوكيل على ذلك، فتأمل جيدا. وإن كان عدم حضوره لعذر كالمرض ونحوه لم يكلف به، ولكن إذا أمكن الجمع بينه وبين حق المستعدي بتوكيل وكيل عنه وإرسال من يحلفه إن ترتب عليه اليمين أو إرسال من يحكم بينهما فعله، وإلا فلا، بل للمستعدى عليه التوكيل مع الاختيار أيضا، ويلزم المستعدى الرضا بذلك، خلافا لاحمد وأبي حنيفة، فلم يوجبا عليه الرضا بذلك، وإذا أبى إلا حضوره أجبر عليه إن امتنع، هذا كله مع حضور الخصم.

[ 136 ]

(أما لو كان غائبا لم يعده الحاكم حتى يحرر) المدعي (دعواه) بخلاف الاول (والفرق) بينهما (لزوم المشقة في الثاني) ويمكن أن تكون غير مسموعة، فمشروعية الارسال عليه قبل تحريرها مشقة وضرر وحرج (وعدمها في الاول) الذي هو حاضر، إذ لا مشقة عليه بالحضور. لكن لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة أنه إن كان مجرد الدعوى حقا وإن لم تحرر لم يكن فرق بين الحاضر والغائب، رلعله لذا أطلق المصنف في النافع وجوب اعداء الحاكم للمستعدى باحضار خصمه، وإلا لا يجوز إحضاره قبل تحرير الدعوى، كما عن بعض المتأخرين احتماله، خصوصا بعد ترتب ما سمعته من التعزير عليه، بل في الرياض وله وجه، إلا أن الاجماع الظاهر والمحكي حتى في كلامه كفانا مؤونة البحث في ذلك، سيما مع اعتضاده بما ذكر من أن ذلك كان معمولا به في الزمن السابق إلى الان من غير إنكار. لكن الانصاف أنه لا يخفى عليك ما في دعوى الاجماع في أمثال هذه المسائل، على أن المحكي عن الفاضل في المختلف عدم وجوب إحضار الغائب بعد تحرير الدعوى، بل الحاكم يطلب من المدعي إثبات حقه، فإذا ثبت أحضر، فان حضر وإلا باع ماله ودفعه إلى المدعي، نعم لو لم يتمكن من الاثبات وطلب الخصم إحضاره لتحليفه أو كان معه المال بعث حينئذ في طلبه، وإليه يرجع ظاهر ما عن الجامع وصريح الاسكافي من أنه لم يجب إحضاره إلا بعد أن يثبت المستعدى حقه عند الحاكم. إلا أن ظاهرهما إحضاره حينئذ من دون ذكر بيع ماله إن لم يحضر، فيتفق الثلاثة حينئذ على اعتبار إثبات الحق في وجوب الاحضار في الغائب، ولعله للاصل وغيره بعد عدم الاجماع فيه بخلافه في الحاضر، اللهم إلا

[ 137 ]

أن يدعى عدم الفرق بينهما في اقتضاء المنصب إغاثة المستعدي، وحينئذ يتجه عدم اعتبار التحرير فيه كالحاضر، والفرق بينهما بالمشقة التي يمكن وجودها في الحاضر لشرف أو غيره كما يمكن عدمها في الغائب غير مجد، وحينئذ يتجه إطلاق المصنف في النافع، فتأمل جيدا فان المقام لا يخلو من تشويش في الجملة، خصوصا بملاحظة كون موضوع المسألة إحضار الخصم باستعداء خصمه، لا إرادة إثبات حقه، فان ذلك مقام آخر، وهو الحكم على الغائب عن مجلس الحكم وإن كان حاضرا في البلد، وإحضاره لاستيفاء الحق منه غير إحضاره ليتبين أن الحق عليه أم لا. ثم إن (هذا) كله (إذا كان في بعض مواضع ولايته وليس له هناك خليفة يحكم) وإلا سمع بينته إن كانت وأرسل إلى خليفته، بل إن كان هناك من يصلح للاستخلاف أذن له في القضاء بينهما. (وإن كان في غير ولايته) لم يكن له أن يحضره كما في المسالك وإن كان لا يخلو من تأمل و (أثبت الحكم عليه بالحجة وإن كان) هو (غائبا) وباقيا على حجته من جرح أو غيره، لما ستعرف من جواز الحكم على الغائب بشرائطه، وإن رضي المدعي بأن يكتب إلى خليفته أو من يصلح للحكم أو لوال هناك أن يفصل بينهما فعل، وإن سأله إقامة البينة عنده فإذا ثبت كتب بالثبوت إلى أحد هؤلاء من دون حكم فعل، وإن أقام شاهدين لا يعرفهما الحاكم كتب (حضرني فلان بن فلان فادعى على فلان بن فلان وأشهد فلانا وفلانا) ليكون الحاكم هناك هو الباحث عن عدالتهما إن لم يعرفهما. (ولو ادعى على امرأة فان كانت برزة) أي من عادتها البروز لحوائجها ولو إلى مجالس الرجال (فهي كالرجل) في جميع ما ذكرنا بالنسبة إلى الحضور والغيبة، وإن زادت باشتراط كون الطريق أمنا بالنسبة

[ 138 ]

إليها ومعها من يوثق به من محرم أو نسوة، إلا أن مرجع ذلك كله إلى خلوها عن العذر ولو بالنسبة إليها وعدمه، ومثل ذلك في الرجل وإن اختلفت الاعذار بالنسبة إليهما. (وإن كانت مخدرة) لا تخرج إلى مجالس الرجال وإن اتفق خروجها لضرورة ولو عزاء أو حمام أو زيارة أو نحو ذلك لم تكلف الحضور، لكونها معذروة حينئذ ولكن (بعث إليها من يثق به في الحكم بينها وبين غريمها) جمعا بين الحقين أو توكل عنها وكيلا للمخاصمة فإذا احتاج إلى تحليفها أرسل إليها من يحلفها، ولكن في القواعد (يرسل معه شاهدين على حلفها) وفيه أنه يمكن الاستغناء باخبار الامين على ذلك. نعم لو لم يعرفها الامين أنها المستعدى عليها طلب شاهدين على ذلك أو تبين ذلك بقرائن وحكم بينهما من خلف الستر، فان لم تكن بينة تعرفها من خلفه بسماع كلامها ونحوه التحفت بجلباب ونحوه وخرجت من وراء الستر، بل إن احتيج إلى الاسفار أسفرت. قال أبو الحسن الاول (عليه السلام) لجعفر بن عيسى بن يقطين (1): (لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها، فأما إن لا تعرف بعينها ولا حضر من يعرفها فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظروا إليها). وكتب الصفار (2) إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) (في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له أن يشهد عليها وهي من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز


(1) الوسائل - الباب - 43 - من كتاب الشهادات الحديث 1. (2) الفقيه ج 3 ص 40 - الرقم 132.

[ 139 ]

ويتبينها بعينها ؟ فوقع (عليه السلام) تتنقب وتظهر للشهود). ولو استعدى على الشاهدين أنهما شهدا عليه زورا اعداه وأحضرهما، فان اعترفا وإلا طولب بالبينة على اعترافهما، فان لم يكن توجهت له اليمين على الاقرب، بل عن الايضاح أو ادعى عليهما بمال وأنهما أتلفاه بشهادتهما الكاذبة واستوفى منه بغير حق توجهت اليمين قطعا. ولو ادعى أحد الرعية على القاضي فان كان هناك إمام يرافعه إليه وإن لم يكن وكان قاض في غير ولايته يرافعه إلى قاضي تلك البقعة، وإن كان في ولايته وتعدد القاضي فيها فكذلك، وإلا رافعه إلى خليفته. والدعوى على السلطان مع إنكاره باطلة عندنا للعصمة وكذا الانكار لما يدعيه، وقضية الاعرابي مع النبي (صلى الله عليه وآله) لما رافعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) معروفة (1). النظر الثالث (في كيفية) مجلس (الحكم) (وفيه مقاصد:) (الاول) (في وظائف الحاكم، وهي سبع: الاولى) تجب (التسوية بين الخصمين) وإن تفاوتا شرفا وضعة (في السلام) عليهما ورده


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 140 ]

(والجلوس والنظر) إليهما (والكلام) معهما (والانصات والعدل في الحكم) وغير ذلك من أنواع الاكرام كالاذن في الدخول وطلاقة الوجه، بل في المسالك لو لم يكن التسوية بينهما في جواب السلام ابتداء بأن سلم أحدهما دون الاخر فيصبر هنيئة رجاء أن يسلم الاخر فيجيبهما معا، فان طال الفصل بحيث يخرج عن كونه جوابا للاول فليرد قبله على المسلم، وقيل: لا بأس بأن يقول للاخر سلم، فان سلم أجابهما معا، إلى غير ذلك مما ذكروه في التسوية. لقول علي (عليه السلام) لشريح في خبر سلمة بن كهيل (1): (ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ييأس عدوك من عدلك). وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في خبر السكوني (2): (من ابتلى بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة والنظر وفي المجلس) ونحوه النبوي (3) بابدال (فليواس). (فليساو). وفي آخر (4) (ثلاث إن حفظتهن وعملت بهن كفتك ما سواهن، وإن تركتهن لم ينفعك شئ: إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الاحمر والاسود). وقد تقدم ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من نهى النبي (صلى


(1) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1 - 2. (2) الوسائل الباب - 3 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1 وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في الكافي ج 7 ص 413 والتهذيب ج 6 ص 226 - الرقم 543 (3) أشار إليه في الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 2 وذكره في الفقيه ج 3 ص 8 الرقم 27.

[ 141 ]

الله عليه وآله) أن يضاف خصم إلا ومعه خصمه (1) وفي النبوي (2) المروي في المسالك (من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحدهما ما لا يرفع على الاخر). وفي الرياض (وهذه النصوص - مع اعتبار أسانيدها جملة وحجية بعضها - ظاهرة الدلالة في الوجوب، كما هو الاظهر الاشهر بين متأخرى الطائفة وفاقا للصدوقين، بل حكى عليه الشهرة المطلقة في المسالك والروضة، فهي أيضا لقصور النصوص أو ضعفها لو كان جابرة). إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه من دعوى اعتبار أسانيدها وحجية بعضها، لانه مبني على أنه إن كان في السند أحد من أصحاب الاجماع لم تقدح جهالة الراوي بل وفسقه، والتحقيق خلافه، كما هو محرر في محله، بل وفي حكاية الشهرة، مع أن الموجود في المسالك النسبة إلى الاكثر، بل الظاهر عدم تحقق ذلك على سبيل الوجوب، خصوصا في مثل عبارة الصدوقين التابعة للتعبير بما في النصوص غالبا، وحينئذ فقطع الاصول المعظمة بمثل هذه النصوص المنساق منها إرادة ضرب من الندب والكراهة كما سمعت الفتوى بها في إضافة أحد الخصمين مشكل، خصوصا مع ظهور خبر سلمة في إرادة بيان الاداب في أحوال القاضي لا خصوص المتخاصمين الذي هو محل البحث، وصعوبة المساواة الحقيقية سيما مع عدم التساوي منهما في مقتضاها، ودعوى أن ذلك من العدل الذي أمره الله به ممنوعة إن كان المراد الوجوب حتى في نحو ذلك. ومن هنا كان المحكي عن الديلمي والفاضل في المختلف وغيرهما


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 2. (2) سنن البيهقي - ج 10 ص 135.

[ 142 ]

الاستحباب، وهو الاقوى. (و) على كل حال ف‍ (لا تجب التسوية في الميل بالقلب لتعذره غالبا) وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في القسم بين نسائه (1): (هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك) يعني الميل بالقلب. وما في حسن الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) (أنه كان في بني إسرائيل قاض يقضي بالحق بينهم، فلما حضره الموت قال لامرأته: إذا أنا مت فغسليني وكفنيني وضعيني على سريري وغطي وجهي فانك لا ترين سوءا، فلما مات فعلت ذلك ثم مكثت بذلك حينا ثم إنها كشفت عن وجهه لتنظر إليه، فإذا هي بدودة تقرض منخره ففزعت من ذلك، فلما كان الليل أتاها في منامها، فقال لها: أفزعك ما رأيت ؟ قالت: أجل فقد فزعت، قال لها: لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلا من أخيك فلان، أتاني ومعه خصم له، فلما جلسا إلي قلت: أللهم اجعل الحق له ووجه القضاء على صاحبه، فلما اختصما كان الحق له، ورأيت ذلك بينا في القضاء، فوجهت القضاء له على صاحبه، فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان معه موافقة الحق) محمول على ضرب من الحث على المراتب العالية، بل الظاهر كون المراد في الاول أيضا عدم إيثار أحدهما على وقوع ذلك منه. أما إذا اتفق جلوسهما مثلا متفاوتا من غير مدخلية للقاضي فلا يجب عليه أن يوقع التساوي بينهما كما عساه يظهر ممن عرفت، لصعوبة إقامة


(1) سنن البيهقي - ج 7 ص 298. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب آداب القاضى - الحديث 1.

[ 143 ]

دليل معتبر عليه (هذا كله مع التساوي في الاسلام أو الكفر (1)). (و) أما (لو كان أحدهما مسلما جاز أن يكون الذمي قائما والمسلم قاعدا أو أعلى منزلا) بلا خلاف، بل في الرياض أنه كذلك قولا واحدا، وعن علي (عليه السلام) أنه جلس بجنب شريح في حكومة له مع يهودي في درع (2) وقال: (لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكن قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تساووهم في المجلس). وهل تجب التسوية فيما عدا ذلك ؟ قد يتوهم من ظاهر العبارة ونحوها ذلك، لكن التحقيق خلافه، للاصل واختصاص النصوص (3) الموجبة - ولو للتبادر - بغير الفرض المعلوم فيه شرف المسلم على غيره، لما فيه من صفة الاسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه. المسألة (الثانية:) (4) (لا يجوز) للحاكم (أن يلقن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه) بأن يعلمه دعوى صحيحة لم يكن في نفسه الدعوى بها


(1) وفي الشرائع: " وانما تجب التسوية مع التساوي في الاسلام أو الكفر ". (2) راجع المغني لابن قدامة ج 11 ص 444. (3) الوسائل الباب 3 من ابواب كيفية الحكم. (4) هكذا في النسخة الاصلية المسودة والمبيضة هنا وفيما يأتي من قوله (قده): " المسألة الثالثة " و " المسألة الرابعة " وهكذا، والصحيح كما في الشرائع زيادة كلمة " المسألة " حيث إن البحث في وظائف الحاكم لا في المسائل.

[ 144 ]

أو الانكار في دعوى القرض عليه لا دعوى الوفاء المقتضية للاقرار. (و) كذا (لا) يجوز (أن يهديه لوجوه الحجاج) ونحوها مما يستظهر به على خصمه (لان) شرع (ذلك يفتح باب المنازعة، وقد نصب لسدها). ولا يندرج في التلقين عرفا الاستفسار والتحقيق وإن اتفق تأديته في بعض الاحوال إلى اهتداء الخصم إلى ما يفيده في خصومته، كما أنه لا يندرج في الفرض تلقينه بعد العلم بكونه على الحق، إذ هو من المعاونة على البر وإن كان فيه فتح لباب المنازعة، إذ لا دليل على حرمته مطلقا أو من القاضي في جميع الاحوال، ودعوى الاستغناء عن التلقين في الفرض بالحكم حينئذ بعلمه يدفعها فرض وجود المانع من ذلك. ثم إن الظاهر اختصاص الحكم بالمزبور أما غيره فلا دليل على حرمة التلقين عليه بعد فرض عدم العلم بفساد الدعوى، بل إن لم يكن إجماع في القاضي أمكن المناقشة في تحريمه عليه فضلا عن غيره، ومجرد فتح باب المنازعة المنصوب لسدها لا يقتضي حرمة ذلك، خصوصا بعد إمكان اندراجه في تعليم محاورات الشرع، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (إذا سكت الخصمان استحب) له (أن يقول لهما: تكلما أو ليتكلم المدعي) منكما (ولو أحس منهما) أن سكوتهما (ب‍) سبب (احتشامه أمر من يقول) لهما (ذلك). (و) على كل حال (يكره أن يواجه بالخطاب أحدهما، لما يتضمن من إيحاش الاخر) لكن في المسالك ما حاصله (أن ذلك مناف

[ 145 ]

لما تقدم من وجوب التسوية بينهما في الكلام، فاما أن يكون ذلك استثناء من السابق أو رجوع عن الحكم، وظاهر العلامة في التحرير والشيخ في المبسوط التحريم، لانهما عبرا بصيغة النهي كالسالف، وهو حسن، لاشتراكهما في المقتضي له، وفي الدروس لم يجعل التسوية في الكلام من الواجب، وذكر كراهة تخصيص أحدهما بالخطاب هنا، وهو يدل على كراهته مطلقا). قلت: قد عرفت أنه لا دليل على وجوب التسوية بينهما فيه بحيث يشمل الفرض، بل هذا منه دليل على عدم إرادة ما يشمل ذلك منها، بل المتجه الاقتصار على المتيقن الذي هو زيادة أحدهما على الاخر به على وجه يقتضي ظهور الميل إليه وإرادة الحكومة له ونحو ذلك مما يجر إلى التهمة ونحوها، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (إذا ترافع الخصمان وكان الحكم واضحا لزمه القضاء و) لكن (يستحب ترغيبهما في الصلح) الذي هو خير، ولا ينافي ذلك فورية القضاء عرفا حتى لو طلب المحكوم له تنجيز الحكم عاجلا (فان أبيا) أو أبى أحدهما (إلا المناجزة حكم بينهما (1)) كما هو واضح.


(1) وفي الشرائع هنا: " وإن اشكل أخر الحك حتى يتضح، ولا حد للتأخير الا الوضوح ".

[ 146 ]

المسألة (الخامسة:) (إذا ورد الخصوم مترتبين بدأ بالاول فالاول) من غير فرق بين الذكر والانثى والشريف والضيع، لاحقيقة السابق من غيره في جميع الحقوق المشتركة. (فان) لم يعلم أو (وردوا جميعا قيل: يقرع بينهم) بالطريق المتعارف فيها من وضع الرقاع في بنادق من طين وغيره، لانها لكل أمر مجهول، ولمعلومية الترجيح بها في أمثال ذلك. (وقيل: يكتب أسماء المدعين، ولا يحتاج) معهم (إلى ذكر الخصوم) لان الحق لهم، فان تعدد الخصوم لواحد منهم تخير حينئذ. (وقيل: يذكرهم أيضا لتنحصر الحكومة معه) فلو كان له خصمان كتب رقعتين (وليس معتمدا، و) على كل حال (يجعل) تلك الاوراق المكتوب علي‍ (ها) أسماء المدعين (تحت ساتر) مثلا (ويخرج رقعة رقعة ثم يستدعي صاحبها). (وقيل) بل في المسالك أنه المشهور: (إنما يكتب أسماؤهم مع تعسر القرعة بالكثرة) والتحقيق أن ذلك قسم من القرعة لان الغرض تقديم من يتقدم من المدعين من غير ترجيح من قبل الحاكم ولا ميل إلى أحدهم، وهو يحصل بذلك، بل لو لا ظهور الاتفاق لامكن القول بالتخيير للحاكم المأمور على الاطلاق بالحكم بين الناس، وأن المقام ليس من الحقوق في شئ. ثم إن المتقدم بالسبق أو القرعة إنما يقدم في دعوى واحدة، فان

[ 147 ]

كان له غيرها حضر في مجلس آخر، سواء كانت مع ذلك المدعى عليه أو غيره. وكذلك الكلام في الازدحام على المفتي والمدرس في العلوم الواجبة، أما المندوبة فالخيار إليه، ولو أسقط السابق حقه سقط، وظاهر العبارة وغيرها وجوب مراعاة هذه الاحكام، وقد يناقش فيه للاصل وغيره، فيتجه التخيير له في ذلك. المسألة (السادسة:) (إذا قطع المدعى عليه دعوى المدعي بدعوى لم يسمع حتى يجيب عن الدعوى) التي هي أحق من دعواه بالسبق (وتنتهي الحكومة، ثم يستأنف هو) دعواه إن لم يزاحمه أحد، وإلا ترتب الحكم السابق، والله العالم. المسألة (السابعة:) (إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى) لما عرفت (ولو ابتدرا) معا (بالدعوى سمع من الذي على يمين صاحبه) للاجماع المحكي عن المرتضى والشيخ، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): (إن رسول الله صلى الله عليه وآله) قضى أن يقدم صاحب اليمين). وقوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): (إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو قاض فكن عن يمينه).


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1 2.

[ 148 ]

وفي محكي المبسوط نسبته إلى رواية أصحابنا ثم قال: (وقال قوم: يقرع بينهما، ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء، ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من كان يستحلف كل واحد منهما لصاحبه، وبعدما رويناه القرعة أولى). وفي محكي الخلاف بعد ما ذكر رواية أصحابنا والاقوال المزبورة قال: (دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ولو قلنا بالقرعة على ما ذهب إليه أصحاب الشافعي كان قويا، لانه مذهبنا في كل أمر مجهول) وفيه أنه لا جهالة بعد النص والاجماع. (ولو اتفق مسافر وحاضر فهما سواء ما لم يستضر أحدهما فيقدم دفعا للضرر) وكذا المرأة التي تضرر بالتأخير عن بيتها. وبالجملة القرعة إنما هي مع عدم تضرر أحدهم وإلا ترجح، لكن قد يناقش بعدم اقتضاء ذلك سقوط حق الاخر كما في الازدحام على باقي الحقوق المشتركة، أللهم إلا أن يفرق بين المقام وبينها برجوع الحق فيه إلى اختيار القاضي وترجيحه، فحيث لا يكون مرجح شرعي يرجع إلى القرعة، بخلاف ما في المقام الذي فيه قاعدة الضرر والضرار، والفرض عدم تضرر الاخر، فتأمل جيدا. (ويكره للحاكم أن يشفع في إسقاط حق) بعد ثبوته (أو إبطال) دعوى قبله، وفي المسالك (وعلى هذا فطريق الجمع بين ذلك وبين الترغيب في الصحيح المقتضي غالبا لاسقاط بعض الحق إما بجعله متوسطا بين الاسقاط وعدمه، أو جعله مستثنى كما يقتضيه كلام الاصحاب، لان الصلح خير، أو بعث غيره على ترغيبهما في ذلك والوساطة بينهما في الصلح، كما صرح به أبو الصلاح، وهذا أولى). قلت: لعله لا تنافي بين رجحان الصلح قبل الحكم وإن تضمن بعض

[ 149 ]

أفراده إسقاطا وبين الشفاعة في إسقاط الحق بعد ثبوته، بل الفرق بينهما في غاية الوضوح عرفا، ولعل المراد الجمع بين الشفاعة في إبطال الدعوى قبل الثبوت وبين رجحان الترغيب على الصلح المقتضى لبطلانها فيتجه حينئذ ما ذكره. وعلى كل حال فالوجه في الكراهة ما عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) سأله أسامة حاجة لبعض من خاصمه إليه، فقال: (يا أسامة لا تسألني حاجة إذا جلست مجلس القضاء، فان الحقوق ليس فيها شفاعة). (المقصد الثاني) (في مسائل متعلقة بالدعوى، وهي خمس:) (الاولى:) (قال الشيخ) وأبو الصلاح وبنوا حمزة وزهرة وإدريس في ما حكي عنهم: (لا تسمع الدعوى إذا كانت مجهولة، مثل أن يدعي فرسا أو ثوبا) وتبعهم الفاضل في المحكي من تحريره وإقرار تذكرته والشهيد في الدروس، لانتفاء فائدتها، وهو حكم الحاكم بها لو أجاب المدعى عليه بنعم. (و) فيه أنه مناف للمحكي عنه وغيره من أنه (يقبل الاقرار المجهول ويلزم تفسيره) ضرورة أنه مع فرض جواب المدعى عليه بنعم يكون من ذلك، وحينئذ فالقول بصحة الاقرار بالمجهول


(1) المستدرك الباب - 11 - من ابواب آداب القاضي الحديث 2.

[ 150 ]

يستلزم صحة الدعوى المجهولة وإن كان متعلقها غير الاقرار بالمجهول. ودعوى الفرق بينهما - بأنه لو كلفنا المقر بالتفصيل ولم يقبل منه إقراره لادى ذلك في بعض الاحوال إلى الرجوع عن الاقرار الذي اقتضى تعلق حق الغير به بعموم (إقرار العقلاء) (1) بخلاف الدعوى، فان إلزامه بالتفصيل لا يقتضي ذلك، لما فيه من داعي الحاجة إليها وكون الحق له بخلاف المقر فان الحق عليه - هي كما ترى. ومن هنا قال المصنف: (وفي الاول إشكال) لوضوح ضعف دليله وضعف الفرق المزبور وإن أمكن تقريره بوجه آخر، وهو أنه بالاقرار يتعلق حق المقر له وإن كان مورده مجهولا، لعموم (إقرار العقلاء) (2) وحينئذ فيلزم بتفسيره الرافع للجهالة، بخلاف الدعوى التي لا تعلق لها بغير المدعي ولا طريق لالزامه بتفسيرها، إذ له رفع اليد عنها، فالجهالة فيها لا طريق إلى تعرفها إلا بعدم سماعها مجهولة كي يلتجئ إلى تفسيرها حتى تكون مسموعة، ولكنه أيضا كما ترى لا يرجع إلى شئ معتبر شرعا. فالتحقيق أن يقال: لاريب في عدم سماع الدعوى المجهولة من كل وجه التي من أفرادها ما لا يقبل الدعوى به، لعدم إحراز كونها دعوى حينئذ توجب قضاء بعد فرض كون الجهالة فيها مقتضيا لاحتمال ما لا يقبل الدعوى من أفرادها نحو (لي عنده شئ). أما المجهولة التي كليها يوجب غرامة بأي فرد يفرض تشخيصه فلا مانع من قبولها، وفاقا لاكثر المتأخرين أو جميعهم إلا النادر، لاطلاق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2 والمستدرك الباب - 2 - منه - الحديث 1.

[ 151 ]

قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي) والامر بالحكم بين الناس في الكتاب (2) والسنة (3) ولاقتضاء عدم سماعها ضياع الحق، لانه ربما يكون المدعي يعلم مجهولا. كل ذلك مع أنه لا دليل على اعتبار العلم فيها أزيد مما ذكرنا، فضلا عن اعتبار مقدار ما يصلح السلم فيه ونحوه منه، كما هو ظاهر المحكى عن الشيخ، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: المسألة (الثانية:) (قال) أي الشيخ: (إذا كان المدعى من الاثمان افتقر إلى ذكر جنسه ووصفه ونقده، وإن كان عرضا مثليا ضبطه بالصفات ولم يفتقر إلى ذكر قيمته، وذكر القيمة أحوط) وأضبط (وإن لم يكن مثليا) وقد تلف (فلا بد من ذكر القيمة) لانها الواجبة حينئذ. (و) لا يخفى ما (في الكل) من (الاشكال) الذي قد عرفت أنه (ينشأ من مساواة الدعوى بالاقرار) ومن غير ذلك. وكذا ما في الدروس قال فيها: (ولا تسمع الدعوى المجهولة كثوب وفرس، بل يضبط المثلي بصفاته والقيمي بقيمته والاثمان بجنسها ونوعها وقدرها، وإن كان البيع وشبهه ينصرف إطلاقه إلى نقد البلد، لانه إيجاب في الحال، وهو غير مختلف، والدعوى إخبار عن الماضي، وهو مختلف، أما دعوى الوصية فانها تسمع مع الجهالة، وفي صحة


(1) - الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5. (2) سورة النساء: 4 - الاية 58 وسورة المائدة: 5 الاية 42 وسورة ص: 38 الاية 26 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 152 ]

دعوى الاقرار وجهان: من نفعه لو صدقه وعدم إيجابه حقا، فان قلنا به صح مع الجهالة، ولا إشكال في سماع الاقرار المجهول حذارا من رجوعه لو ألزم بالتحرير بخلاف الدعوى). ولا يخفى عليك ما فيه من غير تلك الجهة، خصوصا احتمال عدم سماعه دعوى الاقرار بناء على كون المراد منه - ولو بقرينة المقام - الاقرار بالمجهول مع القول بصحته، ضرورة أنه حينئذ كدعوى الوصية بالمجهول التي أشار إليها المصنف بقوله: (أما لو كانت الدعوى وصية سمعت وإن كانت مجهولة، لان الوصية بالمجهول جائزة) فان ذلك بعينه جار في دعوى الاقرار بالمجهول، ولذا لم نر أحدا احتمل عدم سماع الدعوى به مع القول بصحته. ولعله لذا يمكن كون المراد التردد في أصل صحة دعوى الاقرار ولو بمعلوم، كما أومأ إليه الفاضل في القواعد وإن جعل الاول أقرب، بل لعل قوله: (فان قلنا) كالصريح في ذلك. ولكن لا يخفى عليك ما في ثاني وجهي التردد، ضرورة عدم اعتبار ذلك في صدق الاقرار وإن ذكر ذلك في تعريفه إلا أن المراد منه ما يشمل الاقرار بالاقرار، فانه إخبار عن الحق بالواسطة. كما لا يخفى أيضا ما في التعليل في المتن وغيره لقبول الدعوى بالوصية المجهولة، ضرورة عدم اقتضاء ذلك اختصاصها بالقبول، فان ملك المجهول بغيرها متحقق أيضا كالميراث والهبة، بل والصلح ونحوهما، على أنه يمكن جهالته في الدعوى وإن كان قد انتقل إليه بالبيع المقارن لعلمه حال البيع دون غيره، أللهم إلا أن يراد به ما عن الشيخ من أنه ليس غير الوصية من الاسباب ما يملك به المجهول في نفس الامر وإن كان فيه منع ذلك، ولو سلم فالمسألة في الاعم منه، وبذلك ظهر لك الحال

[ 153 ]

في المسألة، ويأتي إنشاء الله زيادة إيضاح لها، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لابد من إيراد الدعوى بصيغة الجزم) التي يستدل بها على جزم المدعي بما يدعيه كما عن الكافي والغنية والكيدرى وظاهر الوسيلة بل في الكفاية نسبته إلى الشهرة، وحينئذ (فلو قال أظن أو أتوهم لم تسمع) لان من لوازم الدعوى الصحيحة إمكان رد اليمين على المدعي وهو منتف، وللقضاء بالنكول فيها مع يمين المدعى أو عدمه، وهو منتف هنا أيضا، ضرورة عدم جواز تناول المدعي هنا مع عدم جزمه، ولعدم صدق الدعوى عليه عرفا، فلا يترتب الحكم من القضاء وغيره عليها. (و) لكن قال المصنف: (كان بعض من عاصرناه) وهو شيخه نجيب الدين محمد بن نما (يسمعها في التهمة ويحلف المنكر) ثم قال: (وهو بعيد عن شبه الدعوى) الذي قد عرفت كونها في العرف الخبر الجازم، ولكن إليه يرجع ما في الروضة ومحكي تعليق النافع للمحقق من التفصيل بين ما يعسر الاطلاع عليه كالقتل والسرقة وغيره، فتسمع في الاول دون الثاني، بل عن الايضاح والمجمع أنه قوي عدم اشتراط الجزم، ونفى عنه البأس في غاية المراد، ومال إليه في المسالك لكن في الرياض أنه ليس قولا لاحد منا، بل أصحابنا على قولين: اعتبار الجزم والاكتفاء بالتهمة في مقامها. وكيف كان ففي المسالك تبعا لغاية المراد (أن المعتبر من الجزم ما كان في اللفظ، بأن يجعل الصيغة جازمة دون أن يقول: أظن أو أتوهم كذا، سواء انضم إلى جزمه بالصيغة جزمه بالقلب واعتقاده لاستحقاق الحق أم لا، وهو كذلك، فان المدعي لا يشترط جزمه في نفس الامر لانه إذا كان للمدعي بينة تشهد له بحق وهو لا يعلم به فله أن يدعي به

[ 154 ]

عند الحاكم لتشهد له البينة، وكذا لو أقر له مقر بحق وهو لا يعلم به فله أن يدعيه عليه وإن لم يعلم سببه في نفس الامر ما هو، ووجه ما اختاره المصنف من اشتراط الجزم بالصيغة أن الدعوى يلزمها أن يتعقبها يمين المدعي أو القضاء بالنكول، وهما غير ممكنين مع عدم العلم بأصل الحق، وأن المعهود من الدعوى هو القول الجازم، فلا يطابقها الظن ونحوه) وتبعهما على ذلك في الرياض. وفيه أن إظهار الجزم بالصيغة مع عدمه في القلب كذب وتدليس، ضرورة كون ذلك خبرا من الاخبار لاإنشاء كي لا يحتمل الصدق والكذب والدعوى بالبينة والاقرار اللذين هما حجتان شرعيتان بصورة الجزم بعد تسليمه لا يقتضي جوازها أيضا بدون ذلك. وما ذكره من الوجه في كلام المصنف إنما ينطبق على الجزم القلبي لا الظاهري، فلا محيص عن إرادة المصنف ما أشرنا إليه أولا من اعتبار الجزم في نفس الامر في المدعي وإن اكتفى الحاكم في إحراز ذلك باظهار الجزم بالصيغة الدال على ذلك، إذ ليس تكليف بأزيد منه، وإلا فلو فرض علمه بمخالفة ما أظهره لما في نفسه لم يجز له القضاء به. بناء على الشرط المزبور، نعم محل البحث في أصل اعتبار ذلك. والتحقيق الرجوع إلى العرف في صدق الدعوى المقبولة وعدمها، ولا ريب في قبولها عرفا في مقام التهمة بجميع أفرادها وربما تؤيده النصوص الدالة على تحليف الامين مع التهمة المتقدمة في كتاب الاجارة (1) وغيره. كخبر بكر بن حبيب (2) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام):


(1) راجع ج 27 ص 342 - 344. (2) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الاجارة الحديث 16.

[ 155 ]

أعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه، قال: إن اتهمته فاستحلفه، وإن تتهمه فليس عليه شئ). وخبره الاخر (1) عنه (عليه السلام) أيضا (لا يضمن القصار إلا من جنت يداه، وإن اتهمته أحلفته). وخبر أبي بصير (2) عنه (عليه السلام) أيضا (لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك إلا أن يكونوا متهمين. فيخوف بالبينة ويستحلف لعله يستخرج منه شيئا) إلى غير ذلك من النصوص التي هي وإن كانت في غير ما نحن فيه من الدعوى بالتهمة لكن لا ريب في دلالتها على اقتضاء التهمة الاستحلاف أينما تحققت. بل قد يؤيده أيضا عمومات الامر بالحكم كتابا وسنة (3) في جميع أفراد المنازعة والمشاجرة التي لا ريب في أن ذلك من أفرادها نحو قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) (4). (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (5). (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) (6). وغير ذلك، واحتمال كون الحكومة في الفرض بالقضاء بكون الدعوى غير مسموعة مناف لما دل من النصوص (7) على أن الضابط في قطع الخصومات البينات والاضافة إلى اسم الله تعالى. وكذا لا ريب في تحقق الخصومة والمشاجرة مع عدم الجزم فيما يجده الوصي أو الوارث من سندات أو دفتر أو شهادة من لا يوثق بهم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الاجارة - الحديث 17 - 11. (3) الوسائل - الباب - 1 وغيره - من ابواب كيفية الحكم (4) سورة المائدة: 5 - الاية 49. (5) و (6) سورة النساء: 4 الاية 65 - 59. (7) الوسائل - الباب - 1 و 2 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 156 ]

أو غيرذلك. وبالجملة فالمدار على ما يتعارف من الخصومة بسببه، سواء كان بجزم أو ظن أو احتمال، أما ما لا يتعارف الخصومة به كاحتمال شغل ذمة زيد مثلا أو جناية بما يوجب مالا أو نحو ذلك مما لا يجرى التخاصم به عرفا فلا سماع للدعوى فيه. وبذلك بان لك ما أطنب فيه في الرياض من دعوى تبادر الجزم من 4 الدعوى الذي لو سلم في لفظها لم يسلم في المنازعة والمشاجرة ونحوهما ومن اقتضائها التسلط على الغير بالالزام بالاقرار أو الانكار والتعزير، وهو ضرر منفي المعارض بنحوه بالنسبة إلى الخصم، ومن اقتضائها يمين المدعي أو القضاء بالنكول، وهما غير ممكنين، لامتناع الحلف على الظن وامتناع ثمرة النكول، إذ لا يستحل الغريم أن يأخذ بمجرد إنكار المدعى عليه ونكوله عن اليمين، لاحتمال كونه للتعظيم أو غيره الواضح منعه بتكثر الدعاوي التي لا رد فيها كالدعوى من الوصي والتهمة للامين وغيرها، فهو حينئذ لازم لغير الفرض ونحوه، وكذا القضاء بالنكول إن لم نقل بجواز الاخذ له به، لانه بمنزلة الاقرار، أو لانه يكون عوض استحقاق اليمين أو لظهور نصوص (1) التهمة في ذلك، بل لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه النظر أيضا في بقية كلامه، فلاحظ وتأمل. كما أنه لا يخفى عليك الحال فيما لو حلف المنكر أو قضينا بالنكول أما لو قلنا بأنه لم يقض إلا برد اليمين لم يرد هنا، لعدم إمكانه، بل توقف الدعوى. قيل: ومنه يعلم ما في استدلال الشهيد لاصل القول بأن فيه حسما


(1) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الاجارة.

[ 157 ]

لمادة النزاع، إذا لا حسم حينئذ على هذا التقدير، وإنما تنحسم على القول بالقضاء به، وهو لا يقول به، فلا يوافق دليله مختاره إلا أن يلتزم بحبس المنكر إلى أن يقر أو يحلف، كما ذكره الصيمري، ولكن لم يذكره هو ولا من عداه، بل ظاهرهم إيقاف الدعوى كما صرح به بعضهم، مع أن حسم مادة النزاع غير منحصر في سماع الدعوى، لامكان ردها كسائر ما ترد فيه الدعاوى إجماعا، كما مضى. وفيه ما عرفت من أن الاصل في حسم المشاجرة البينة أو اليمين، ولا بعد في الالتزام بأحدهما في المقام وفي جميع نظائره، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (إذا تمت الدعوى) من المدعي (هل يطالب الحاكم (المدعى عليه) بالوجوب أو يتوقف ذلك على إلتماس المدعي ؟ فيه تردد) بل قولان للشيخ في المحكي من مبسوطه (والوجه) عند المنصف، بل قيل: إنه الاشهر بل عن المبسوط عندنا مشعرا بالاجماع عليه (أنه يتوقف، لانه حق له. فيقف عليه المطالبة). ولكن الاوجه خلافه وفاقا للمحكي عن جماعة، للاصل ولكونه حقا للحاكم المنصوب لقطع الخصومات إلا أن يسقط المدعي حقه، وفي المسالك (ولقيام شاهد الحال على إرادته ذلك، إذ من المعلوم عادة أن الانسان لا يحضر خصمه مجلس الحكم إلا لارادة فصل الدعوى بينه وبين خصمه المتوقف على سماع جوابه) ولكن فيه أن ذلك رجوع إلى القول بالتوقف على التماسه المدلول عليه بشاهد الحال.

[ 158 ]

المسألة (الرابعة:) (لو ادعى أحد الرعية على القاضي) سمعت كما تسمع على غيره لاطلاق الادلة السالم عن معارضة منافاة ذلك لرئاسة القضاء بعد حضور أمير المؤمنين (عليه السلام) مع يهودي مجلس القضاء (1) وحضور عمر مع أبي عند زيد بن ثابت (2) والمنصور مع جمال (فان كان هناك إمام رافعه إليه وإن لم يكن وكان في غير ولايته رافعه إلى قاضي تلك الولاية) لاندراجه حينئذ في المولى عليه من الحاضرين في تلك الولاية. (وإن كان في ولايته) وكان له خليفة (رافعه إلى خليفته) بل في المسالك (لا يجب إجابة المدعي إلى الذهاب معه إلى غيره مع وجوده، لان العدالة تمنع من التهمة، وإن فرضت لم يلتفت إليها). قلت: قد يشكل ذلك بأن الامر في من يرافع إليه إلى المدعي، فمع فرض عدم الضرر يجب اتباعه إذا طلب غيره، بل قد يقال: إن ولاية الخليفة فرع ولايته التي لا يندرج فيها الحكم بالدعاوي المتعلقة به وإن كان قد يدفع بعد فرض الاذن له في الاستخلاف بتناول ولاية الخليفة حينئذ للحكم في الدعاوى المتعلقة بالقاضي، ضرورة ارتفاع المانع الذي هو الخصومة المانعة من القضاء كالشهادة ومعلومية خروج الحاكم بين المتخاصمين عنهما، وليس الخليفة وكيلا كي لا يزداد على موكله. وعلى كل حال فلو لم يكن له خليفة ولو لعدم الاذن له في ذلك رافعه


(1) راجع التعليقة (2) من ص 143. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 136.

[ 159 ]

إلى حاكم آخر في غير ولايته، ولا يشكل بعدم الولاية له على غير أهل ولايته، لمعلومية كون المراد بأهل ولايته من حل فيها ولو من غيرها كالمسافرين ونحوهم، كما هو واضح. المسألة (الخامسة:) (يستحب للخصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم) لانه الموافق للادب، وليتمكن من التساوي بينهما في النظر وغيره، ولما سمعته من كلام علي (عليه السلام) في حضوره مع اليهودي عند شريح (1) (ولو قاما بين يديه كان جائزا) وليس في ذلك تكبر مناف، والله العالم. (المقصد الثالث) (في جواب المدعى عليه) أي ما يصدر منه حال الدعوى عليه (وهو إما إقرار أو إنكار أو سكوت) فانه جواب بالمعنى المزبور، على أنه حكمه كما ستعرف مع الاصرار عليه جعله كالناكل في رد اليمين على المدعي والحكم به، فهو حينئذ كالانكار، ولعله لذا أطلق عليه اسم الجواب. وعلى كل حال فتفصيل الحال في ذلك (أما الاقرار ف‍) لاريب في أنه (يلزمه) أي المقر من أقر به (إذا كان جائز التصرف) والاقرار جامعا لشرائط الصحة المتقدمة في بابه.


(1) راجع التعليقة (2) من ص 143.

[ 160 ]

بل في المسالك وغيرها (لزمه ذلك، سواء حكم به الحاكم أم لا، بخلاف البينة التي لا يثبت الحق بمجرد إقامتها. بل لا بد معه من حكم الحاكم، والفرق أن البينة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها وردها، وهو غير معلوم بخلاف الاقرار) وزاد في الرياض أنه (تظهر ثمرة الفرق المزبور بجواز مقاصة المدعي حقه إذا كان عينا وادعاها مع عدم علمه بها بالاقرار دون البينة إذا لم يحكم الحاكم). ومرجع ذلك إلى اشتراط حجية البينة بحكم الحاكم بها وإن علم كونها مقبولة عنده بخلاف الاقرار، وحينئذ فهي حجة له يحكم بها ولغيره إذا حكم بها، كما صرح بذلك في المسالك فيما يأتي. ولكن قد يناقش بعموم أو إطلاق ما دل على قبولها من غير فرق بين الحاكم وغيره، وإنما الحاكم يحكم بمقتضاها، فيترتب على حكمه ثمراته من عدم سماع الدعوى بعده ونحوه، لا أن أصل تناول المدعى بعد قيامها والعلم بقبولها عند الحاكم وثبوت الحق بها عنده وإن لم ينشئ الحكم به متوقف على حكمه، خصوصا لو فرض عدم علم المدعي إلا بها، وحينئذ فالفرق بينها وبين الاقرار من هذه الجهة لا وجه له. كدعوى الفرق بينهما بأن قبول البينة وردها يرجع إلى الاجتهاد بخلاف الاقرار، ضرورة إمكان فرض المقام في البينة المعلوم قبولها عند الحاكم ولكن بعد لم ينشئ الحكم بمقتضاها، والاجتهاد في قبول البينة كالاجتهاد في قبول الاقرار، لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز). ولذا استشكل الاردبيلي في الاخذ بالاقرار بدون حكم الحاكم. قال:


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2 والمستدرك الباب - 2 - منه - الحديث 1.

[ 161 ]

(ولهذا لم يقدر أحد أن يشهد بثبوته في ذمته، بل باقراره، فليس الحكم إلا للحاكم، لاجتهاده أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز والاجماع) وإن كان هو كما ترى، ضرورة جواز الاخذ بالاقرار لكل أحد فضلا عن المقر له. فالتحقيق عدم الفرق بين البينة والاقرار في الاخذ بهما من دون حكم الحاكم لكل أحد ولو من باب الامر بالمعروف، لعموم ما دل على حجية شهادة العدول في الدعاوى وغيرها، بل لعل حكومة الحاكم بها لذلك أيضا، نعم لو لم تثبت عدالتها لم يجز الاخذ بها في الحكم الظاهر، لعدم ثبوت ما هو الحجة شرعا، وحكم الحاكم بها ليترتب عليه قطع الدعوى بعد ذلك لا يقتضي توقف حجيتها في التناول لغير الحاكم من باب الامر بالمعروف على حكم الحاكم، كما هو واضح. وحينئذ لا فرق بين الاقرار والبينة بالنسبة إلى ذلك. ودعوى الفرق بأنه لا مجال لحكم الحاكم مع الاقرار إذ لا خصومة حينئذ كي يحكم بقطعها بخلاف البينة يدفعها اتفاقهم ظاهرا على صحة حكم الحاكم به في المقام وإن قال في المسالك: (إن فائدته بعد فرض عدم توقف ثبوت الحق عليه إنفاذ حاكم آخر إياه ونحو ذلك بخلاف الحكم المترتب على البينة، فانه من تمام السبب في ثبوت الحق). ولكن فيه منع واضح بعد ما عرفت من عدم الفرق بينهما بالنسبة إلى إنشاء الحكم من الحاكم بمقتضاهما ليترتب عليه ثمراته، فهما من هذه الجهة سواء في التوقف على حكم الحاكم، كما أنهما سواء في جواز التناول لهما، لا من حيث الحكومة المقتضية لقطع النزاع وللفصل بين المتخاصمين، بل من باب كون كل منهما حجة شرعية لكل من حصلا عنده، بل لعل الحكم كذلك في باقي الموازين كالشاهد واليمين والنكول واليمين المردودة،

[ 162 ]

ولعله إلى ذلك يرجع ما يحكى عن الاستاد الاكبر من توقفهما معا على حكومة الحاكم فيجب أن لا يكون فصل بين المتخاصمين إلا بانشاء الحكومة منه، من غير فرق بين البينة والاقرار ويمين المنكر وغيرها، وإن ثبت الحق بها قبل إنشاء الحكومة، ولكل ثمرات، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (هل يحكم) الحاكم (به) أي الاقرار (عليه) أي المقر (من دون مسألة المدعي ؟ قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (لا) يجوز (لانه حق له، فلا يستوفى إلا بمسألته) نحو ما سمعته سابقا في سؤال الحاكم المدعى عليه الجواب من دون مسألته، إلا أن الاقوى خلافه، بل لعل في نسبة المصنف له إلى القيل هنا اشعارا بتمريضه وإن كان مختاره في الاول التوقف. وكأنه فرق بينهما بأن الحكم للحاكم كما هو مقتضى إطلاق أدلته بخلاف الدعوى سؤالا وجوابا، فانها لغيره. وفيه منع، ضرورة اقتضاء إطلاق الادلة أن الحكومة ومقدماتها بعد حضور المتخاصمين مجلس الخصومة عنده إليه ما لم يرفعا يدا أو المدعي عنها، ولذا كان الاقوى في المقامين عدم التوقف لذلك، لا لما عن المختلف من أنه ربما يجهل المدعي أن ذلك حق له فيضيع حقه، ضرورة اقتضائه تنبيه الحاكم له على ذلك لا الحكم بدون إذنه، فالاولى الاستدلال بما سمعت، على أن شاهد الحال في الموضعين متحقق. وربما استشعر بعضهم من تعليل عدم التوقف بالاخير الاتفاق منهم على اعتبار الاذن، وإنما الخلاف في الاجتزاء عنها بشاهد الحال وعدمه. وفيه أنه ليس من الجميع، بل صريح بعضهم الاستدلال بما يقتضى كون ذلك للحاكم، على انه لا بأس بذكره ردا للخصم القائل باعتبار الاذن ومماشاة له، وإلا فقد عرفت التحقيق.

[ 163 ]

بل قد يقال بوجوب الحكم على الحاكم بعد حصول مقتضيه وإن لم يرض المدعي، كما لو وجه اليمين على المنكر وحلف على ذلك وأراد الحاكم قطع الدعوى بانشاء الحكم ولم يأذن المدعي لم يسمع منه، كما لم يسمع من المنكر في غير الفرض. ومن ذلك يعلم أن ثمرة الحكومة تارة تكون للمدعي وأخرى للمنكر، فاطلاق كونها للمدعى في غير محله، كاطلاق القول بتوقفها على الاذن المنافي منصب القاضي للفصل بين الناس وخصوماتهم التي يرجعون بها إليه ويحكمون فيما بينهم فيها. (و) كيف كان ف‍ (صورة الحكم) ما قدمناه سابقا، ومنه (أن يقول: ألزمتك أو قضيت عليك أو ادفع إليه ماله) قاصدا إنشاء الفصل بينهما بذلك (ولو التمس أن يكتب له بالاقرار) أو بالحكم به لم يجب عليه ذلك على الاصح حتى لو بذل المقدمات، كما عرفت البحث فيه سابقا. ولو أجاب (لم يكتب حتى يعلم اسمه ونسبه) على وجه يتشخص به عن غيره بالطرق المفيدة لذلك (أو يشهد) عليهما (شاهدا عدل) حتى يأمن بذلك من التدليس بجعل الحكومة بالاقرار أو الشهادة به لغير من وقع، كما اتفق حصوله في زماننا من بعض المزورة. (ولو شهد عليه بالحلية) والصفة المشخصة له عن غيره (جاز ولم يفتقر) حينئذ (إلى معرفة النسب واكتفى بذكر حليته) واقتصار جملة من الاصحاب على الاول لا يقتضي الخلاف في الثاني، وما عن ابن إدريس - من الاعتراض بانتفاء المستند للتعويل على الحلية وبأنه مصير إلى أن للانسان أن يعمل بما يجد به خطا مكتوبا من غير ذكر للشهادة وقطع على من شهد عليه ورجوع إلى العمل بكتاب قاض إلى قاض، وجميع ذلك

[ 164 ]

باطل عندنا - واضح الفساد. ومن هنا قال في المختلف: (والتحقيق أنه لا مشاحة هنا، لان القصد تخصيص الغريم وتميزه عن غيره وازالة الاشتباه، فان حصل ذلك بالتحلية جاز، واللوازم التي ذكرها ابن إدريس غير لازمة، لان الخط جعل مذكرا ومنبها على القضية، فإذا وقف الانسان على خطه فان ذكر القضية أقام الشهادة وإلا فلا) وهو جيد. وكيف كان فان امتنع المحكوم عليه بالاداء عنه أغلظ له بقول: يا ظالم ونحوه ولو التمس الغريم حبسه حبس بلا خلاف، لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) وفي الموثق (2) (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسمه بينهم) وغير ذلك مما قدمناه في الفلس (3). (ولو ادعى الاعسار) الذي مر تحقيقه أيضا (كشف عن حاله، فان استبان فقره أنظره) وفاقا للمشهور، للاصل ولقوله تعالى (4): (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) وللموثق (5) وغيره (إن عليا (عليه السلام) كان يحبس في الدين، فإذا تبين له إفلاس وحاجة خلى سبيله حتى يستفيد مالا) ولخبر السكوني (6) (إن امرأة استعدت عليا (ع)


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب القرض - الحديث 4 وفيه " لي الواجد بالدين يحل عرضه وعقوبته ". (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الحجر - الحديث 1. (3) راجع ج 25 ص 281 - 282. (4) سورة البقرة: 2 الاية 280 (5) و (6) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الحجر - الحديث 1 - 2.

[ 165 ]

على زوجها أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه، وقال: إن مع العسر يسرا). بل في كشف اللثام وخبر زرارة أو صحيحه (1) (كان علي (عليه السلام) لا يحبس في السجن إلا ثلاثة: الغاصب ومن أكل مال اليتيم ومن أوتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئا باعه غائبا أو شاهدا) بل عن كشف الرموز أنه المراد برواية الانظار (2) وإن كان هو كما ترى، بل لا دلالة فيه على ما سمعته من الشيخ وابن حمزة، مضافا إلى معلومية بطلان الحصر فيه بالاجماع وغيره، بل وإلى منافاته ما سمعته من النصوص (3) من الحبس في الدين، والجمع بارادة الحبس الطويل أو حبس العقوبة أو نحو ذلك بعيد وإن كان هو أولى من الطرح، فالعمدة حينئذ في إثبات المطلوب ما سمعت. ولكن مع ذلك عن الشيخ في النهاية أنه يدفع إلى غرمائه ليؤجروه ويستعملوه، لخبر السكوني (4) (أن عليا (عليه السلام) كان يحبس في الدين ثم ينظر إن كان له مال أعطى الغرماء وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم آجروه وإن شئتم استعملوه). وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (وفي تسليمه إلى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه) يعني: أو إنظاره (روايتان أشهرهما) عملا وأصحهما سندا وأكثرهما عددا وأوفقهما بالاصل والكتاب كما عرفت رواية (الانظار)


(1) الوسائل - الباب - 11 - ن ابوا كيفية الحكم - الحديث 2 وفيه " لا يحبس في الدين " وفي التهذيب ج 6 ص 299 الرقم 836 " لا يحبس في السجن ". (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الحجر. (4) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الحجر - الحديث 3.

[ 166 ]

بل عن الشيخ أنه رجع عن العمل بها إلى ما عليه الاصحاب، بل كتابه النهاية ليس معدا للفتوى، بل هو متون أخبار، وبذلك يظهر شذوذ الرواية المزبورة، فتطرح أو تحمل على ما إذا كان ذلك بالتراضي لارادة قطع النزاع من زيادة الكسب لو غرم عليه على النفقة وعدمها أو غير ذلك. ومنه يعلم ما في المحكي عن ابن حمزة أيضا من أنه (إذا لم يكن ذا حرفة خلي سبيله، وإن كان ذا حرفة دفعه إلى الغريم ليستعمله، فما فضل عن قوته وقوت عياله بالمعروف أخذ بحقه) الذي مستنده أيضا الخبر المزبور الذي قد عرفت حاله وإن كان نفى عنه البعد في المختلف قال: (لانه متمكن من أداء ما وجب عليه، وهو إيفاء صاحب الدين حقه، فيجب عليه، أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فلان الفرض أنه متمكن من الكسب والتحصيل، وكما يجب السعي في المؤونة كذا يجب في أداء الدين، قال: ونمنع إعساره، لانه متمكن، ولا فرق بين القدرة على المال والقدرة على تحصيله، ولهذا منعنا القادر على التكسب بالصنعة والحرفة من أخذ الزكاة باعتبار إلحاقه بالغنى القادر على المال - قال: والاية - يعني آية الانظار (1) - متأولة بالعاجز عن التكسب والتحصيل، وكذا ما ورد من الاخبار (2)) فان ذلك لا يفيد إلا وجوب التكسب عليه، وهو غير دفعه إليهم وجعلهم أولياء إن شاؤوا استعملوه وإن شاؤوا آجروه، على أن في أصل وجوب التكسب عليه إشكالا وإن كان هو مقدمة للواجب الذي مقتضى الاصل كونه مطلقا، إلا أن ذلك يتوقف على إطلاق أمر بالاداء وإلا فالاصل في الواجب أن يكون مشروطا لاصل البراءة وغيره، وإطلاق الكتاب والسنة إنما


(1) سورة البقرة: 2 الاية 280. (2) الوسائل الباب - 7 - من كتاب الحجر

[ 167 ]

يقتضي الوجوب باليسار الممنوع صدقه بمجرد القدرة على التكسب الذي مقتضى ما سمعت كونه مشروطا بالنسبة إليه. هذا وفي المحكى عن المبسوط بعد ذكر الخلاف في الاجبار على التكسب وذكر خبر السكوني (1) قال: (ولا خلاف في أنه لا يجب عليه قبول الهبات والوصايا والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام والتلصص في دار الحرب وقتل الابطال وسلبهم ثيابهم وسلاحهم، ولا تؤمر الامرأة بالتزويج لتأخذ المهر وتقضي الديون، ولا يؤمر الرجل بخلع زوجته فيأخذ عوضه، لانه لا دليل على شئ من ذلك، والاصل براءة الذمة). ولعله لمعارضة دليل المقدمة بنفي الضرر والحرج في بعض الافراد المزبورة، أو لعدم إطلاق في الاداء لو سلم على وجه يفيد وجوب نحو ذلك مما هو غير متعارف في التكسب، فيبقى حينئذ واجبا مشروطا بالنسبة إلى ذلك ونحوه، لا أنه مقدمة للواجب المطلق. أللهم إلا أن يقال: إن ذلك كله في غير صاحب الصنعة كالنجار والحداد والحائك ونحوهم ممن عدوهم في قسم الاغنياء، ولكن فيه حينئذ أن ذلك خروج عن محل البحث الذي متعلقه المعسر كما هو واضح، على أن المسلم من عدم جواز دفع الزكاة إليهم مع تشاغلهم بصنائعهم المفروض قيامها بنفقتهم إما وجوب تشاغلهم بها لذلك أو للدين، فهو ممنوع للاصل وغيره، لما عرفته سابقا. (و) على كل حال ف‍ (هل يحبس حتى يتبين حاله ؟ فيه تفصيل ذكر) ه المصنف (في باب الفلس (2)) وهو إن وجد البينة قضى بها، وإن عدمها


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الحجر الحديث 3. (2) راجع ج 25 ص 352 - 360.

[ 168 ]

وكان له مال أو كان أصل الدعوى مالا حبس حتى يثبت إعساره بالبينة المطلعة على باطن أمره، لاصالة بقاء المال، فان لم تكن له بينة حلف المدعي على عدم التلف، كما في كشف اللثام، وإلا فلا لاصالة عدمه، فيحلف على الفقر ويخلى سبيله، فان نكل حلف المدعي على القدرة وحبس. وفي محكي التذكرة (فإذا حبسه فلا يغفل عنه بالكلية، ولو كان غريبا لا يتمكن من إقامة البينة وكل به القاضي من يبحث عن منشأه ومنتقله وتفحص عن أحواله بقدر الطاقة، فإذا غلب على ظنه إفلاسه شهد به عند القاضي لئلا تتخلد عليه عقوبة السجن) وهذا التفصيل قد نسبه بعضهم إلى الشهرة، لكن قد يناقش بظهور الموثق (1) السابق وغيره في حبسه في الدين الشامل لنحو مهر الزوجة وغيره إلى أن يتبين إفلاسه وحاجته، ولعله لان صفة الاعسار المعلق عليها حكم الانظار لا تثبت بأصالة عدم المال، كما لا يثبت اليسار بأصالة بقاء المال، لانهما صفتان وجوديتان، وليس هما عين عدم المال و وجوده، بل لو سلم أنهما من لوازم ذلك فالاصل حجة في الشئ نفسه لا في لوازمه، كما هو محرر في محله. كل ذا مضافا إلى الخبر المزبور (2) وغيره. بل قد يقال بمعلومية انقطاع أصالة عدم المال التي كانت قبل الولادة، ولم يعلم انقطاعها بما يقتضي اليسار للدين المدعى أو لا، ولا أصل ينقح ذلك، لانه شئ جديد غير عدم المال السابق، فيحتاج إلى البينة في تحقق شرط الانظار الذي هو الاعسار، وهو لا يقتضي اشتراط استحقاق الوفاء باليسار كي يكون غير متحقق، فتأمل جيدا فانه دقيق. بل قد يقال بعدم حال سابق للشخص غير مالك فيه حتى يستصحب لاحتمال مقارنة الملك لوجوده بالوصية أو الارث أو نحوهما، أللهم إلا


(1) و (2) الوسائل - 7 - من كتاب الحجر الحديث 1.

[ 169 ]

أن يقال: إن الملك لا يكون إلا بسبب، والاصل عدم حصوله، فينقح وجوده غير مالك، فتأمل جيدا. وتصديق مدعي الفقر في جواز إعطاء الزكاة لدليله الذي قد ذكرناه في بابه لا يقتضي ثبوت الاعسار في الواقع على وجه يسقط به حق الغير المعلق على حصوله في الواقع. ولو قيل: الاصل في ذلك أن الاعسار شئ لا يعلم إلا من قبله بل هو كصاحب اليد على ما عنده حتى بالنسبة إلى المال الذي ادعى تلفه ففيه أن المتجه حينئذ قبول قوله بيمينه حتى إذا كان له مال أو كان أصل الدعوى مالا، وقد عرفت أن المشهور خلافه، وقد مر تمام الكلام في كتاب الفلس (1) فلاحظ. (وأما) الجواب ب‍ (الانكار ف‍) هو (إذا قال) مثلا (لا حق له علي، فان كان المدعي يعلم أنه موضع المطالبة بالبينة فالحاكم) العالم بحاله (بالخيار، إن شاء قال للمدعي: ألك بينة ؟ وإن شاء سكت) للاصل وغيره. (أما إذا كان المدعي لا يعلم أنه موضع المطالبة بالبينة) أو جهل حاله (وجب أن يقول الحاكم ذلك) القول (أو) ما في (معناه) لئلا يضيع الحق، بل لعل ذلك يجب عليه في الاول إذا قام في المدعي احتمال أنه ليس له إحضار البينة إلا إذا طلبها الحاكم منه وإن كان قد علم أن عليه البينة، بل قد يقال بوجوبه عليه مطلقا، لانه مقدمة للقضاء المأمور به بين المتخاصمين، وعلمه بالحال لا ينافي ذلك منه. (فان لم تكن له بينة عرفه الحاكم أن له اليمين) إن كان غير عالم بذلك أو مجهول الحال أو مطلقا على نحو ما سمعته في البينة.


(1) راجع ج 25 ص 354 - 355.

[ 170 ]

(و) على كل حال ف‍ (- لا يحلف المدعى عليه إلا بعد سؤال المدعي) بلا خلاف أجده هنا، بل في الرياض قولا واحدا، وفي كشف اللثام اتفاقا (لانه حق له فيتوقف استيفاؤه على المطالبة) إذ هو كما في المسالك ليس هو على نهج الحقين السابقين من طلب الجواب والحكم، ومن ثم وقع الخلاف فيهما دونه، والفرق أن الحق فيهما لا يغير الحكم بالنسبة إلى المدعي بل يؤكده، بخلاف تحليف المنكر، فانه يسقط الدعوى التي قد يتعلق غرض المدعي ببقائها إلى وقت آخر، إما لتذكر البينة أو ليتحرى وقتا صالحا لا يتجرأ المنكر على الحلف فيه ونحو ذلك، فليس للحاكم أن يستوفيه بغير إذنه. وحكي أن أبا الحسين ابن أبي عمر القاضي أول ما جلس للقضاء ارتفع إليه خصمان وادعى أحدهما على صاحبه دنانير فأنكره) فقال القاضي للمدعي: ألك بينة ؟ قال: لا، فاستحلف القاضي من غير مسألة المدعي، فلما فرغ قال له المدعي: ما سألتك أن تستحلفه لي، فأمر أبو الحسين أن يعطى الدنانير من خزانته، لانه استحيى أن يحلفه ثانيا. وفيه أن ذلك يقتضي عدم تحليفه مع عدم رضاه لا عدمه مطلقا حتى مع قيام شاهد الحال الذي قد سمعت دعواه في المقامين السابقين، واحتمال عدمه هنا لاحتمال تعلق غرضه ببقاء الدعوى كما ترى، بل قد يأتي فيه التعليل الاخر، وهو أن ذلك من منصب الحاكم المأمور بقطع الخصومة بين المتخاصمين، فيجب تحصيله مطلقا أو ما لم يلتمس المدعي التأخير، خصوصا بعد إطلاق قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فالاولى الاستدلال لذلك بعد الاجماع


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 والباب - 25 - منها الحديث 3.

[ 171 ]

المزبور بظاهر النصوص (1) الاتية في اشتراط الرضا الذي لا بد من العلم به، وشاهد الحال إنما يفيد الظن، فتأمل. هذا (و) لكن لا يخفى عليك أنه على الاول (لو تبرع هو أو تبرع الحاكم باحلافه لم يعتد بتلك اليمين، وأعادها الحاكم إن التمس المدعي) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، نعم ذكر الشهيدان وغيرهما من غير خلاف أجده فيه أيضا بل في مجمع البرهان نسبته إلى الاصحاب أنه لا يستقل الغريم باليمين من دون إذن الحاكم وإن كان حقا لغيره، لانه وظيفته وإن كان إقامة الدليل عليه - إن لم يكن إجماع - في غاية الصعوبة، بل لعل ظاهر الادلة الاتية خصوصا خبر اليهودي (2) المشتمل على تحليف الوالي المعلوم كونه ليس من أهل الحكومة خلافه، وربما يأتي إنشاء الله تتمة. (ثم المنكر إما أن يحلف أو يرد أو ينكل، فإذا حلف سقطت الدعوى) في الدنيا وإن لم تبرأ ذمته من الحق في نفس الامر قطعا لو كان كاذبا، فيجب عليه التخلص فيما بينه وبين ربه من حق المدعي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3): (إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانما قطعت له قطعة من النار) (و) منه يعلم أن البينة الكاذبة كذلك. نعم لا ريب في سقوطها في الظاهر حتى (لو ظفر المدعي بعد ذلك بمال الغريم لم تحل له المقاصة) لعدم حق له عليه في الدنيا إلا أن


(1) الوسائل - الباب - 9 و 10 - من ابواب كيفية الحكم. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 172 ]

يكذب نفسه كما صرح به في كشف اللثام، وحينئذ (ولو عاود المطالبة أثم ولم تسمع دعواه) مع عدم البينة بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل لو أعادها عند ذلك الحاكم لنسيانه أو عند حاكم آخر ولو لنسيان المنكر واتفق نكوله عن اليمين لم يحل له الاخذ، بل ظاهرهم ذلك أيضا في العين المملوكة وإن كان استفادة حرمة التصرف فيها مثلا باطنا من النصوص الاتية لا يخلو من صعوبة. قال الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور (1): (إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلفه فحلف لا حق له عليه، وذهبت اليمين بحق المدعي، فلا حق له، قلت: وإن كانت له عليه بينة عادلة ؟ قال: نعم وإن أقام بعد ما استحلفه خمسين قسامة ما كان له وكان اليمين قد أبطل كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من حلف لكم بالله فصدقوه، وإن سألكم بالله فاعطوه، وذهبت اليمين بحق المدعى ولا دعوى له). وفي خبر آخر عن الصادق (عليه السلام) (2) (في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده، قال: إن استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه). وقال عبد الله بن وضاح (3): (كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم، فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يمينا فاجرة، فوقع له بعد ذلك أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقبض الالف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها فكتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) فأخبرته بالقصة، فكتب: لا تأخذ منه


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 مع الاختلاف في الالفاظ. (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 2.

[ 173 ]

شيئا، إن كان قد ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه فقد مضت اليمين بما فيها) إلى غير ذلك من النصوص (1). ومنها صريحا (و) ظاهرا يعلم أنه (لو أقام) المدعي (بينة بما حلف عليه المنكر لم تسمع) كما هو المشهور، بل عن خلاف الشيخ والغنية الاجماع عليه، لانه لاحق له، فلا تكون البينة حجة له (و) إن كان قد (قيل) كما عن المفيد وابن حمزة والقاضي: (يعمل بها ما لم يشترط المنكر سقوط الحق باليمين). (وقيل) قياسا على الاقرار الواضح الفرق بينه وبين البينة ولو للنص الذي تسمعه فيه والاجماع كما عن ابن إدريس وغيره وموضع من المبسوط: (إن نسي بينته) أو لم يعلم بها (سمعت وإن أحلف) وعن المختلف أنه قواه، بل عن موضع آخر منه (2) أنها تسمع مطلقا. (و) لكن الجميع كما ترى بعد ما عرفت أن (الاول هو المروي) المعمول به عند المعظم، بل الظاهر أنه إجماع. (وكذا لو أقام بعد الاحلاف شاهدا وبذل معه اليمين و) لو متعددا، بل (هنا أولى) بعد السماع، لانه أضعف من البينة، هذا كله في البينة. (أما لو أكذب الحالف نفسه) بالاقرار (جاز مطالبته) بالحق (وحل مقاصته مما يجده له مع امتناعه من التسليم) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل عن المهذب والصيمري


(1) الوسائل - الباب - 48 - من كتاب الايمان. (2) اي من المبسوط.

[ 174 ]

الاجماع عليه، لعموم (إقرار العقلاء) (1) المقتضى كون ذلك سببا مثبتا جديدا للاستحقاق غير ما سقط باليمين المرجح على تلك النصوص (2) - بعد فرض تسليم اندراج الفرض فيها، ضرورة كون التعارض بينهما من وجه - بما سمعت من الاجماع المعتضد بنفي الخلاف، وبخصوص المعتبر (3) (إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف لي، ثم إنه جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حل، فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح منه، وأوقفت المال الذي كنت استودعنه حتى استطلع رأيك، فما ترى ؟ قال: فقال: خذ نصف الربح واعطه النصف وحلله، إن هذا رجل تائب، والله يحب التوابين) وأخصية المورد تندفع بعدم القائل بالفرق، بل يمكن استفادة التعميم من سياقه سؤالا وجوابا. وفي المحكى عن فقه الرضا (عليه السلام) (4) (وإذا أعطيت رجلا ما لا فجحدك وحلف عليه ثم أناك بالمال بعد مدة وربما ربح فيه وندم على ما كان منه فخذ منه رأس مالك ونصف الربح، ورد عليه نصف الربح، هذا رجل تائب). فما عن بعض من المناقشة في الحكم هنا بعدم نص فيه ولا دليل يخص به أو يقيد النصوص السابقة في غير محله بعد ما عرفت.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2 والمستدرك - الباب - 2 - منه الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 9 و 10 - من ابواب كيفية الحكم. (3) الوسائل - الباب - 48 - من كتاب الايمان الحديث 3. (4) البحار - ج 104 ص 288.

[ 175 ]

بل الظاهر عدم الفرق في الاقرار المقتضي لذلك بين ثبوته عند الحاكم وعدمه، فلو أقر وأكذب نفسه بينه وبين المدعي ثم امتنع عن التسليم حل له المقاصة باطنا، بل هو كذلك أيضا وإن لم يكن بعنوان التوبة، ولعل ذلك ونحوه من التعبد المحض، كما أن منه عدم جواز التصرف في العين باطنا بعد اليمين وعدم إكذاب نفسه ولو بلبس ونحوه، بل لا يجوز له عتق العبد ونحوه مما لا ينافي بقاء المال في يده، بل لا يصح الابراء منه له، كل ذلك لعدم حق له في المال في الدنيا، كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) (1): (ذهبت اليمين بما فيها) وقوله (عليه السلام) (2): (أبطل كل ما ادعاه قبله) بل هو مقتضى ما سمعته سابقا من كشف اللثام وإن كان هو - إن لم يكن إجماع أو شهرة. معتد بها تجبر دلالة النصوص على ذلك - لا يخلو من نظر بالنسبة إلى التصرف الذي لا يكون حقا للمدعي على المنكر، مثل العتق والابراء ونحوهما مما هو ليس حقا له عليه وإنما هو تابع لاصل المالية التي لا ريب في بقائها بعد الحلف، فتأمل جيدا. ثم إنه قد يتوهم من ظاهر النصوص (3) سقوط الدعوى بمجرد حصول اليمين من المنكر من غير حاجة إلى إنشاء حكم من الحاكم بذلك، لكن التحقيق خلافه، ضرورة كون المراد من هذه النصوص وما شابهها تعليم ما به يحكم الحاكم وإلا فلا بد من القضاء والفصل بعد ذلك، كما أومأ إليه بقوله (صلى الله عليه وآله) (4): (إنما أقضي بينكم بالبينات


(1) الوسائل الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 9 و 10 - من ابواب كيفية الحكم. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 176 ]

والايمان) بل لو أخذ بظاهر هذه النصوص وشبهها لم يحتج إلى إنشاء الحكومة من الحاكم مطلقا ضرورة ظهورها في سقوط دعوى المدعى وثبوت الحق بالبينة ونحوها، فتأمل جيدا. هذا كله إذا حلف المنكر (وإن رد اليمين على المدعي لزمه الحلف) إن أراد تحصيل حقه بلا خلاف أجده فيه، بل للاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد النصوص المستفيضة أو المتواترة. كخبر البصري (1) (قلت للشيخ - يعني موسى بن جعفر (عليه السلام) -: أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة بما له، قال: فيمين المدعى عليه، فان حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه وإن رد اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له - إلى أن قال -: ولو كان المدعى عليه حيا لالزم اليمين أو الحق أو رد اليمين عليه). وصحيح ابن مسلم (2) عند أحدهما (عليهما السلام) (في الرجل يدعي ولا بينة له، قال: يستحلفه، فان رد اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له ". وصحيح عبيد بن زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يدعي عليه الحق ولا بينة للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حقه له). ومرسل موسى المضمر 4) قال: (استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان،


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 2 - 4 والثالث مرسل يونس المضمر.

[ 177 ]

فان لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي، فان لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه، فان لم يحلف ورد اليمين على المدعي فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه، فان أبى أن يحلف فلا شئ له). ومرسل أبان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يدعى عليه الحق وليس لصاحب الحق بينة، قال: يستحلف المدعى عليه، فان أبى أن يحلف وقال: أنا أرد اليمين عليك فان ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف ويأخذ ماله). وصحيح هشام (2) عنه (عليه السلام) أيضا (ترد اليمين على المدعي). وخبر أبى العباس (3) عنه (عليه السلام) أيضا (إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين، فان لم يقم البينة فرد الذي ادعي عليه اليمين فأبى أن يحلف فلا حق له) إلى غير ذلك. نعم استثنى الاصحاب من ذلك مواضع: كدعوى التهمة أو الدعوى مطلقا بالظن بناءا على سماعها، ودعوى الوصي لليتيم مالا على آخر، بل مطلق الولي له، وكدعوى الوصي مثلا على الوارث أن الميت أوصى للفقراء بخمس أو زكاة أو حج ونحو ذلك مما لا مستحق له بخصوصه فأنكر الوارث، وغير ذلك مما يتعذر فيه اليمين، لعدم كون الدعوى جزمية، أو لان المال للغير الذي لا يثبت بيمين آخر، ففي الاول يتخير المنكر بين الحلف والنكول دون الرد الذي قد تعذر من المدعى، لعدم الجزم، وكذا الاخيران، نعم لو كان المدعى وكيلا وقد رد المنكر اليمين وقفت الدعوى حينئذ على حضور الموكل وحلفه أو نكوله. هذا ولكن قد يناقش بظهور الادلة في إطلاق تخيير المنكر بين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 5 - 3. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2.

[ 178 ]

الثلاثة، وتعذر حلف المدعي في هذه الصور لا ينافي بقاء التخيير المقتضى سقوط حق الدعوى عنه بعدم حلفه ولو لمانع، فان وجود المانع فيه لا يرفع تخيير المنكر، ضرورة سقوط أحد أفراد التخيير بالتعذر إنما هو بالنسبة إلى من له التخيير لا شخص آخر، والفرض أن التخيير للمنكر ولا تعذر عليه، وإنما هو بالنسبة إلى المدعي، فيسقط حقه لو اتفق عدم جواز اليمين له لمانع: نذر ونحوه. هذا بعد تسليم عدم جواز اليمين للولي الجازم بالمدعى عليه، وإلا اتجه الرد حينئذ عليه كالمدعي لنفسه تمسكا باطلاق الادلة الشاملة له اللهم إلا أن يكون إجماع مثلا على ذلك، وحينئذ تبقى المناقشة الاولى، وهي اقتضاء تعذر اليمين بعد ردها عليه من المنكر سقوط الدعوى بالنسبة إليه، لصدق أنه لم يحلف، نعم لا تسقط بالنسبة إلى الطفل بعد بلوغه ورشده. وقد تدفع أصل المناقشة بدعوى ظهور النصوص في أن التخيير المزبور للمنكر بين الثلاثة إنما هو في المدعي لنفسه جازما، أما في مثل الفرض فلا دليل على أن له الرد فيه، وحينئذ يتعين عليه الحلف أو النكول المقتضي لاداء الحق، بل عرفت في الدعوى الظنية احتمال حبسه وإلزامه بالحلف أو الاقرار، لعدم جواز تناول المدعي المال بنكوله بعد فرض كونه ظانا في أحد الوجهين مؤيدا ذلك بظهور المفروغية من الاستثناء المزبور عند الاصحاب. ثم إنه قد ذكر غير واحد منهم أن اليمين المردودة إذا وقعت من المدعي فهل هي بمنزلة البينة أو بمنزلة الاقرار ؟ وقالوا فيه قولان: بل عن فخر المحققين أن الاول قواه الاكثر وإن استبعده في الدرس، ولعل وجهه أن الذي يطلب من المدعي البينة، واليمين المردودة قامت

[ 179 ]

مقامها في الاثبات، كما أن وجه الثاني إشعار رد المنكر على المدعي وامتناعه عن اليمين باعترافه بالحق، على أن ثبوته بها قد جاء من قبل رده، فهو في الحقيقة منه، فكان كاقراره. وقد فرعوا على ذلك فروعا كثيرة متفرقة في أبواب الفقه: (منها) أن المدعى عليه إذا أقام بينة على أداء المال أو على الابراء عنه بعد حلف المدعي فان قلنا يمينه كبينته سمعت بينة المدعى عليه، وإن جعلناها كاقرار المدعى عليه لم تسمع، لانه مكذب لبينته. و (منها) احتياج الثبوت بها إلى حكم الحاكم على الاول بخلاف الثاني، بناء على ما ذكروه من عدم الاحتياج فيه إلى حكم الحاكم. وفيه - بعد وضوح الضعف لما سمعته من دليلها - أن ذلك فرع ما يقتضى انحصار حق المدعي بأحدهما لا غير، وهو ممنوع، ومن هنا اتجه جعلها قسما مستقلا برأسه، ويرجع حينئذ حكم ما ثبت بها بالنسبة إلى ذلك ونحوه إلى الاصول والقواعد وغيرهما من الادلة التي لا ريب في اقتضاء كونه بحكم البينة تارة وبحكم الاقرار أخرى، وخروجه عنها ثالثة، كما جزم بذلك بعض متأخري المتأخرين. وحينئذ فالحكم في الفرع الاول السماع، لعموم قبول البينة بعد ما عرفت من اختصاص الاحكام المزبورة بيمين المنكر لا مطلقا، لكن استظهر الاردبيلي العدم، لظهور إقدامهما على ذلك، ولظهور الادلة في السقوط بها كاليمين من المنكر، وهو لا يخلو من وجه. وفي الثاني عدم التوقف بناء على أن التوقف عليه مخالف للاصل وإن كان لا يخلو من نظر، لان الاصل عدم ثبوت الحق، أللهم إلا أن يستند إلى إطلاق الادلة المزبورة، وهو مع أنه غير الاصل المزبور في معرض بيان سبب حكومة الحاكم نحو ما سمعته في يمين المنكر، لا أن

[ 180 ]

المراد ثبوت الحق بمجرد وقوعه وإن لم ينشأ الحاكم الحكم، وإلا كان ذلك مقتضى أدلة البينة أيضا وغيرها، وهو معلوم الفساد. (و) كيف كان فلا ريب في ظهور الادلة المزبورة (في ظ) ما أطلقه المصنف وغيره من أنه (لو نكل سقطت دعواه) - بل الظاهر الاجماع عليه - في ذلك المجلس، بل عن الايضاح اتفاق الناس على ذلك. وإنما الكلام في سماعها منه في مجلس آخر وظاهر المصنف وغيره، بل هو صريح جماعة سقوطها مطلقا، بل عن الكفاية لا أعرف فيه خلافا، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، بل عن المصنف دعوى الاجماع عليه صريحا، بل لعله ظاهر الفاضل في موضع من القواعد أيضا. هذا ولكن مع ذلك كله قال في المسالك وبعض من تأخر عنها: (إنه يسأله القاضي إذا امتنع عن سبب امتناعه، فان له يعلل بشئ أو قال لا أريد أن أحلف فهذا نكول يسقط حقه عن اليمين، وليس له مطالبة الخصم بعد ذلك ولا استئناف الدعوى في مجلس آخر) كما لو حلف المدعى عليه، لظاهر النصوص السابقة خصوصا الصحيحين (1) مضافا إلى أنه لو لا ذلك لرفع خصمه كل يوم إلى القاضي والخصم يرد اليمين عليه وهو لا يحلف، وهو مناف لمنصب القضاء الذي هو الفصل بين المتخاصمين، وإن ذكر المدعي لامتناعه سببا فقال: اريد أن آتي بالبينة أو أسأل الفقهاء أو أنظر في الحساب ونحو ذلك ترك ولم يبطل حقه من اليمين، وهل يقدر إمهاله ؟ فيه وجهان: أحدهما أنه لا يقدر، لان اليمين حقه، وله تأخيره إلى أن يشاء كالبينة بخلاف المدعى عليه، فانه لا يمهل إن استمهل، لان الحق فيه لغيره). وفيه - مضافا إلى ما عرفت - أن ظاهر النصوص السابقة يقتضي


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1 و 2.

[ 181 ]

سقوط حقه مطلقا متى رد عليه اليمين التي طلبها من المنكر وأبى عن وقوعها في ذلك المجلس ودعوى أن المتبادر والمنساق منها ما لم يذكر عذرا مسموعا أو ما لم يأت ببينة ولو في مجلس آخر واضحة المنع. ومن ذلك كله يعلم ما في المحكي عن المفيد وأبي الصلاح والفاضل في التحرير والشهيدين والكاشاني من عدم سقوط دعواه إذا جاء ببينة، بل في الروضة نسبته إلى المشهور وإن كنا لم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه. وأضعف منه ما عن ظاهر المبسوط وموضع من القواعد من أن له إعادة الدعوى في غير المجلس ولو مع عدم البينة، وعن بعض التفصيل بين حكم الحاكم عليه بالنكول وعدمه فلا يطالب في الاول ويطالب في الثاني، إذ الجميع كما ترى بعد ما عرفت. مضافا إلى احتمال عدم البحث من أصله بعد فرض إلتماس المنكر الحكومة وقد حكم) فانه لا دعوى حينئذ، ولا وجه لاعادتها بعد انقطاعها، كما هو واضح، ومع عدم الحكم يتجه السماع مطلقا. لكن قد يقال: المراد بيان أن حكم الحاكم يكون على هذا الوجه نحو حكومته على الغائب، وإن كان يرد عليه حينئذ أن ظاهر أدلة المقام بناء على إرادة تعليم كيفية القضاء اقتضاء كون القضاء من الحاكم في مثل هذا النظم من الدعوى بأنه لا حق له ولا شئ له بعد صدق إبائه عن الحلف مطلقا من غير فرق بين المجلس وغيره، ووجود البينة وعدمها، وحكم الحاكم بنكوله وعدمه. وعلى كل حال فقد بان لك ضعف الاقوال المزبورة التي لا أثر لها في شئ من النصوص، بل ظاهرها خلافها بعد الاغضاء عن المراد بالمجلس الظاهر في محل الدعوى، ويحتمل إرادة إنشاء الدعوى الاول وهما معا كما ترى، وكذا التفصيل بالبينة وعدمها وغيره مما سمعت الذي

[ 182 ]

هو مجرد اقتراح في النصوص بلا شاهد، بل لعل التأمل الجيد يشهد بخلافه، ومن الغريب تصريح بعضهم بأن عدم الحلف من المدعي بعد الرد كيمين المنكر في الحكم ثم الحكم بعد ذلك بسماع البينة في ذلك المجلس أو مطلقا، فلاحظ وتأمل. ولو ردت عليه اليمين فذكر أن دعواه ظنية - وإن كان قد أبرزها بصورة الجزم - أو أن المال لغيره فان أمكنه إثبات ذلك لم يرد عليه، وإلا حلف المنكر على نفي ذلك وقضى عليه بالنكول، بل لو بذل اليمين بعد ذلك لم يسمع إلا في الاول مع احتمال تجدد العلم له وإن لم يحلف المنكر كان له رد اليمين عليه. وبالجملة تجري عليه أحكام الدعوى، والله العالم. (وإن نكل المنكر بمعنى أنه لم يحلف ولم يرد قال الحاكم: إن حلفت) أو رددت (وإلا جعلتك ناكلا. ويكرر ذلك ثلاثا استظهارا لا فرضا) على ما ذكره الاصحاب، كما في الكفاية مؤميا إلى أنه إن لم يكن اجماع ففيه نظر، وهو كذلك بل من وجوه، خصوصا بعد ذكرهم نحو ذلك في نكول المدعي، وخصوصا بعد أن لم يكن النكول عنوانا لما عثرنا عليه من النصوص، وخصوصا بعد تحققه بالامتناع الاول منه من غير حاجة إلى جعل الحاكم. وعلى كل حال (فان أصر قيل) والقائل الصدوقان والشيخان والديلمي والحلبي وغيرهم: (يقضي عليه ب‍) مجرد (النكول). (وقيل) والقائل الشيخ والكاتب والقاضي وابنا حمزة وإدريس والفاضل والشهيدان على ما حكي عن بعضهم (يرد اليمين على المدعي فان حلف ثبت حقه وإن امتنع سقط) حقه، بل في المسالك نسبته إلى سائر المتأخرين، وفي الرياض إلى كثير من القدماء، بل عن الخلاف

[ 183 ]

والغنية الاجماع عليه. (و) لكن مع ذلك (الاول أظهر) عند المصنف، بل قال: (وهو المروي) لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على من انكر)) والتفصيل قاطع للشركة، والرد إنما جاء من قبل الراد لا بأصل الشرع، فهو مخصوص بما إذا اختاره للنصوص (2) لا مطلقا. وصحيح ابن مسلم (3) سأل الصادق (عليه السلام) (عن الاخرس كيف يحلف ؟ قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب له اليمين وغسلها وأمره بشربها فامتنع، فالزمه بالدين) وطاهره عدم رد اليمين وإلا لنقل أو لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة، بل ظاهر الفاء تعقيب ذلك للامتناع بغير مهلة تخلل اليمين، وفعله (عليه السلام) حجة كقوله. وخبر عبد الرحمن (4) المتقدم سابق المعمول عليه بين الاصحاب في اليمين مع البينة في الدعوى على الميت. ولان ظاهر الاحلاف أنه حق المنكر، فلا يستوفى إلا باذنه) كما أنه لا يحلف المنكر إلا باذن المدعي، ولانه كنكول المدعي عن اليمين التي هي ليست إلا يمين المنكر فنكوله عنها إن لم تكن أولى في تسبيب القضاء به فهو مساو. لكن قد يناقش بأن أقصى دلالة الاول على أن جنس اليمين على


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 والباب - 25 - منها الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم. (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 184 ]

المنكر وأنه وظيفته، ولا دلالة فيه على حكم النكول، بل ولا منافاة بينه وبين الرد منه أو من الحاكم القائم مقامه. وبالقطع بعدم إرادة ظاهر الثاني، ضرورة اشتراط الحكم بنكوله عن رده أيضا، فلابد في اصلاحه حينئذ من تقدير، والتزام كونه موافقا لذلك ليس بأولى من جعله مخالفا له، والحاجة هي تعليم كيفية حلف الاخرس لا كيفية الحكم في الدعوى مطلقا، على أنه قضية في واقعة لا عموم فيها وموقوف على العمل به، والمشهور عدم العمل به، بل هو مناف لما أطبق عليه الجمهور من حكاية خلافه عن علي (عليه السلام). وبأن خبر عبد الرحمان مع موافقته للعامة لا جابر له في المقام وإن تلقاه الاصحاب بالقبول في غيره، على أن في الفقيه أبدل (وإن لم يحلف فعليه) بقوله: (وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له) فلا دلالة فيه، واختلاف متنه بذلك موجب للتزلزل فيه. على أنه يجري فيه ما سمعته من المناقشة في الصحيح السابق من عدم القائل باطلاقه، فلا بد من تقييده إما بالنكول عن الرد أيضا - كما هو مناط الاستدلال - أو بما إذا رد اليمين على المدعي وحلف، وليس بمرجوح بالاضافة إلى الاول، بل لعله أرجح بملاحظة غيره من النصوص الدالة على ذلك، خصوصا مرسل يونس (1) السابق المتضمن جعل يمين المدعي بعد الرد أحد الاربعة التي يستخرج بها الحقوق. بل لعل التدبر فيما تضمنه يقتضي كون المراد من الخبر الاول، فان لم يحلف ورد اليمين على المدعي وحلف فعليه - أي المنكر - الحق، ضرورة ظهور المضمر في كون المركب السبب في ذلك، فيعارض ما هو ظاهر الخبر الاول من كون تمام السبب عدم الحلف، إذ لا معنى لجعله


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 4.

[ 185 ]

جزء تارة وتمام السبب أخرى، فيحتمل الاول حينئذ على الثاني. وربما يؤيد ذلك قوله (عليه السلام) متصلا به بعد تأليفه مما في الفقيه وغيره لانه خبر واحد: (وإن رد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له) متكلا على بيان صورة ما إذا رد وحلف على قوله (عليه السلام): (وإن لم يحلف) فتأمل جيدا فانه دقيق نافع. بل قد يناقش فيه أيضا باجمال مرجع ضمير (عليه) فيه والمبتداء المقدر، إذ كما يحتمل أن يكون المنكر وأن المبتدأ المقدر الحق كما يدعيه الخصم يحتمل المدعي وأن المبتداء المقدر الحلف، بل يمكن إرادة غير المال من الحق أيضا، بمعنى أن عليه حق الدعوى ولم تنقطع عنه بمجرد نكوله، بل ربما وجب عليه المال بذلك إذا رد اليمين على المدعي فحلف ولو من الحاكم. وبأن في ذيله تأييدا للقول الثاني، وهو قوله (عليه السلام): (ولو كان - أي المدعى عليه - حيا لالزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه بصيغة المجهول على ما حكاه في الرياض عن تهذيب معتبر مصحح عنده مضبوط، قال: (وبه صرح بعض الفضلاء) وحينئذ لا وجه للعدول عن عطفه على الاول بلفظ (رد اليمين) إلا التنبيه على عدم انحصار الرد في المنكر وإمكان كونه غيره، وليس إلا الحاكم، فتأمل. وبامكان المنع لحقيقة المنكر الاحلاف، على أن الاحلاف هنا ليس إلا لمصلحة المنكر بانقطاع الدعوى عنه، فربما جاز بدون إذنه، مضافا إلى معلومية ولاية الحاكم على كل ممتنع، فيقوم مقامه حينئذ في الرد الذي يمكن نكول المدعي معه، فيسقط حقه، ومن هنا وجب على الحاكم تعرف عدم حصول مسقط الحق بذلك، والقياس مع بطلانه عندنا غير تام، للفرق بعدم فرد آخر للمدعي يصلح للحاكم من يقوم مقامه فيه مع نكوله

[ 186 ]

عنه بخلافه في المقام، فان له الرد الذي نكل عنه. وكيف كان فوجوب تعرف الحاكم المسقط مع الاحتياط وأصالة عدم ثبوت الحق إلا به والاجماع المحكي وصحيحي عبيد بن زرارة (1) وهشام (2) السابقين والمحكي من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) أنه رد اليمين على المدعي (3) وقوله (صلى الله عليه وآله): (المطلوب أولى باليمين من الطالب) (4) المقتضى اشتراكهما في اليمين وإن كان المطلوب أحق، وقوله تعالى (5): (ترد أيمان بعد أيمانهم) الظاهر في مشروعية اليمين المردودة دليل الخصم. ولكن في الجميع يضا نظر، إذ لا دليل على قيام الحاكم مقام الممتنع فيما امتنع عنه مما هو عليه فيما هو له، ضرورة أن الرد هنا حق له لا عليه، وقد امتنع منه كي يقوم الحاكم مقامه، على أنه لا دليل على عموم ولايته بحيث يشمل الفرض، ولا يجب عليه تعرف المسقط. والاحتياط معارض بمثله فيما لو فرض امتناع المدعي عن الحلف بعد الرد من الحاكم، خصوصا إذا كان تعظيما لله تعالى، على أن الاصل براءة ذمة الحاكم من التكليف بالرد، والمدعي من التكليف باليمين، وأصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر، وعدم كونها حجة للمدعي، وعدم كون النكول عنها حجة عليه، وعدم صحة تعرف الحاكم الرد، وعدم جوازه من حيث إنه حق للمنكر. والاجماع المحكى - مع أنه مرهون بمصير من عرفت إلى خلافه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 - 3. (3) سنن الدار قطني ج 4 ص 213. (4) سنن الدار قطني ج 4 ص 219. (5) سورة المائدة: 5 - الاية 108.

[ 187 ]

خصوصا من تقدم على حاكيه - محتمل لارادة بيان أصل مشروعية رد اليمين في مقابلة المحكي عن أبي حنيفة وغيره ممن لم يشرع ردها بحال، فانه اللائق بدعوى أن على ذلك إجماع الفرقة وأخبارهم، بل لعله الظاهر من عبارتي الخلاف والغنية المحكي فيهما خلاف أبي حنيفة، فلاحظ وتأمل. بل ليس في صحيح هشام (1) وعبيد (2) والمحكي من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) (3) وقوله (4) إلا بيان ذلك، وهو غير محل البحث، أي الرد المخصوص، بل لعل استدلال الشيخ بالاية (5) التي هي قضية في واقعة خارجة عما نحن فيه بل بعيدة الشبه به، كالصريح في إرادة بيان أن في الشرع يمينا مردودة في مقابل قول أبي حنيفة المزبور، لا فيما نحن فيه. وبذلك كله ظهر لك أن أدلة الطرفين محل نظر، وأنه ليس في النصوص تعرض لتعليم القاضي في خصوص الفرض القضاء وأنه بالنكول أو بالرد من الحاكم. نعم قد يقال: إنه بعد فرض الاجماع المركب على انحصار القضاء في الفرض بأحد الامرين وأن اختيار أمر ثالث - من تخيير الحاكم بين الرد والقضاء وبين القضاء بالنكول أو بالزام المنكر على اختيار أحد الثلاثة ولو بحبسه على ذلك، كما عساه أومأ إليه ذيل خبر البصري (6) أو غير ذلك - خرق للاجماع المزبور يتجه القول حينئذ إنه يرد اليمين منه على المدعي، لاصالة عدم ثبوت الحق بدونه، ولظهور حصر استخراج


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3 - 2. (3) و (4) سنن الدار قطني - ج 4 ص 213 - 219. (5) سورة المائدة: 5 - الاية 108. 6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 188 ]

الحقوق في مضمر يونس (1) بالاربعة، ومجرد النكول خارج عنها، بل لعل النصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على انحصار كيفية القضاء بين الناس بالبينات والايمان تقتضي ذلك. ففي خبرى سليمان بن خالد (2) ومحمد بن قيس (3) ومرسل أبان ابن عثمان (4) (أن نبيا شكى إلى ربه القضاء فقال: كيف أقضي بما لم تر عينى ولم تسمع اذنى ؟ فقال: اقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى أسمى يحلفون به) وفي الاخير منهما أن الله أوحى إلى داود (عليه السلام) ذلك أيضا، وفي خبر هشام بن الحكم (5) عنه (عليه السلام) أيضا (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان). واحتمال إرادة القضاء بالايمان ولو من حيث النكول عنها خلاف الظاهر منها، وخروج القضاء بنكول المدعي عن ذلك لدليله لا ينافي التقسيم المزبور، بل لعل النصوص الكثيرة الواردة في ترجيح البينات عند التعارض باليمين (6) ظاهرة في ذلك أيضا، بل لعل سبر أدلة القضاء يشرف الفقيه على القطع بأن الاصل في القضاء ذلك، وأنه لا قضاء بدون ذلك إلا ما خرج من نكول المدعي الذي قد عرفت قيام البحث في أن القضاء بالسقوط به في المجلس أو مطلقا مع عدم البينة أو عدم الحكم بالنكول أو مطلقا كما عرفت. وحينئذ فلا مناص بعد فرض الاجماع المركب المزبور عن ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 3 - 2. (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1. (6) الوسائل - الباب - 12 - ابواب كيفية الحكم.

[ 189 ]

ولعله لذا جزم ابن إدريس بأن القول بالقضاء بمجرد نكول المنكر من دون حلف المدعي اشتباه وخطأ محض، بل قد يحتمل كلام القائلين به إرادة تسبيب نكول المنكر لزوم الحق ولو باقتضائه حلف المدعي بعد الرد عليه من الحاكم. بل لعله ظاهر المحكي عن ابن زهرة منهم، فانه بعد أن اختار في المقام القضاء برد اليمين على المدعي قال بعد ذلك بورقة تقريبا: (وإن نكل المدعى عليه عن اليمين لزمه الخروج عن حق خصمه فيما ادعاه) وهو لا يتم إلا بما ذكرناه. (و) على كل حال ف‍ (لو بذل المنكر يمينه بعد) الحكم ب‍ (النكول لم يلتفت إليه) بناء على القضاء به بلا خلاف أجده فيه وفي عدم الالتفات إليه أيضا بعد إحلاف الحاكم المدعي على القول الثاني، كما اعترف به في الرياض لتمامية الامر وثبوت الحق وحصول الفصل بسبب القضاء عليه حينئذ بعد الادلة التي سمعتها من الطرفين التي لا يعارضها إطلاق ما دل على أن اليمين عليه بعد تقييدها به، بل في الرياض دعوى اختصاصه بحكم التبادر وغيره بيمينه قبل الحكم عليه بنكول أو إحلاف المدعي برد اليمين عليه ولو الحاكم. نعم في الرياض (هذا إذا كان الحكم عليه بنكوله بعد عرض حكمه عليه ولو مرة، ولو قضى بنكوله من غير عرض فادعى الخصم الجهل بحكم النكول ففي نفوذ القضاء إشكال من تفريطه، وظهور عذره، ولعل الثاني أظهر، وبالاصل أوفق). قلت - بعد الاغضاء عن قوله: (ولو مرة) المشعر بارادة العرض لتحقيق النكول لا تفهيم الحكم -: ليس في شئ مما وصل إلينا من الادلة وجوب العرض عليه بمعنى إعلامه حكم النكول، والاصل البراءة،

[ 190 ]

فلا وجه لنقض الحكم حينئذ مع العلم بحاله فضلا عن دعواه الجهل، خصوصا بعد ملاحظة الاستصحاب وغيره. بل ولا يجب العرض عليه بالمعنى السابق مرة وإن صرح بوجوبها بعضهم فضلا عن تكرار ذلك عليه ثلاثا للاستظهار وان ذكره المصنف وغيره، بل لعل الموجود فيها خلافه، وهو القضاء باليمين أو برده أو بالنكول عنه في المدعي والمنكر ونحو ذلك مما يقتضي عدم عذرية الجهل بذلك موضوعا وحكما فضلا عن دعواه. ومن هنا استظهر في كشف اللثام أنه لا يجب إلا الامر بالحلف لا قوله: (إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا) ولامرة، للاصل. ولو بذلها قبل حلف المدعي اليمين المردودة فالمتجه جوازه للاصل من غير فرق بين كون الرد منه أو من الحاكم، واحتمال أن ذلك مقتض لاسقاط حقه من اليمين فلا يعود لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه وإن قال الحاكم له: احلف فضلا عن إقباله عليه بوجهه، خصوصا مع رضا المدعي بذلك خلافا للفاضل في التحرير فجعل قول الحاكم له: احلف كالقضاء بالنكول. هذا وفي الرياض أيضا (أن المستفاد من عبائر الجماعة عدا الماتن في النافع عدم الالتفات إلى اليمين المبذولة بعد النكول لا بعد الحكم به، وهو مشكل، ولهذا اعترضهم المقدس الاردبيلي فقال: هو فرع ثبوت الحق بالنكول فورا، ولا دليل عليه، وهو حسن إلا أن احتمال مسامحتهم في التعبير وإرادتهم ما هنا أي الحكم بالنكول قائم). قلت: لا ريب في بعد الاحتمال المزبور، بل الظاهر كون المراد من عبارة النافع هو تحقيق كونه ناكلا، ولا الحكم به نفسه، أو الحكم عليه بالحق بمقتضى نكوله، فان الاول ليس من مورد الحكم على الظاهر،

[ 191 ]

والثاني مفروغ منه ليس محلا للتنبيه، نعم لعل وجهه ما أشرنا إليه من تحقق سبب الحكومة وحصول ميزانها المقرر شرعا عند القائل به، نحو نكول المدعي عن اليمين المردودة عليه. وبذلك يندفع ما حكاه عن المقدس الاردبيلي، كما أنه مما ذكرناه يعلم النظر فيما في كشف اللثام حتى فيما حكاه فيه عن التحرير والدروس، فلاحظ وتأمل. (ولو كان للمدعي بينة لم يقل الحاكم أحضرها) بمعنى عدم جواز ذلك له، كما عن المبسوط والمهذب والسرائر (لانه حق له) إن شاء جاء به وإلا فلا، إذ قد يريد اليمين. (وقيل) كما عن الشيخين والديلمي والحلبي والقاضي في أحد قوليه: (يجوز) له ذلك بل في الرياض نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل في المسالك إلى أكثر أصحابنا، للاصل بعد فرض كون المراد من الامر الاذن والاعلام لا الوجوب والالزام (وهو حسن). ولكن في القواعد والمختلف والدروس التفصيل بين علم الحاكم بمعرفة المدعي بكون المقام مقام بينة فالاول، وجهله بذلك فالثاني، والاولى حمل القول الاول على إرادة الوجوب من الامر على وجه الالزام به، كما هو مفاد دليله، ولاريب في عدم جواز ذلك، ضرورة عدم وجوبه عليه، لامكان إرادته اليمين، بل له إسقاط الدعوى من أصلها، والثاني على إرادة الجواز والاعلام من الامر، ولاريب في جوازه، للاصل وغيره، وبذلك يكون النزاع لفظيا. بل منه أيضا يعلم ما في التفصيل الذي مرجعه إلى بيان أصل الحكم شرعا، وهو لا مدخلية له فيما نحن فيه، كما لا مدخلية في أصل بيان الحاكم الحكم بأن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين ونحو ذلك مما هو بيان وتعرف لميزان القضاء المقرر شرعا، وهو واضح.

[ 192 ]

(و) كيف كان ف‍ (مع حضورها) ففي المتن وغيره (لا يسألها الحاكم ما لم يلتمس المدعي) لانه حقه، فلا يتصرف فيه من غير إذنه، وإن كان يكفي في سؤاله أن يقول إذا أحضرها: هذه بينتي أو شهودي أو نحوهما، بل قد يقال بالاكتفاء بشاهد الحال، بل قد يقال: إن ذلك حق للحاكم، فلا يتوقف على الاذن مطلقا كي يحتاج إلى الدلالة عليه بشاهد الحال ونحوه. وعلى كل حال فإذا أراد سؤالها ففي القواعد (قال: من كانت عنده شهادة فليذكر إن شاء، ولا يقول لهما اشهدا) ولعله لانه أمر لهما بالشهادة، وقد لا تكون عندهما شهادة، وربما توهما بذلك أن عليهما الشهادة وإن لم يعين بالحال. نعم له أن يقول: من كانت عنده شهادة فليشهد ولا يكتم شهادته ونحو ذلك، لانه أمر بالواجب ونهى عن المحرم، وفيه أن مثل ذلك خطاب عرفي يراد منه الشهادة وإن كانت عندهما، واحتمال توهمها لا يقدح بعد فرض ظهور الخطاب في ذلك، كما هو واضح. (ومع الاقامة بالشهادة) قيل: (لا يحكم إلا بمسألة المدعي أيضا) لان ذلك حق له، وربما كان له غرض في عدم الحكم، ولو فرض جهل المدعي بتوقف حكم الحاكم على طلبه بينه له، لكن قد يقال: إن له الحكم وإن لم يسأله المدعي، لان ذلك منصبه ووظيفة كما عرفته فيما سبق، ومفروض المسألة عدم رفع يد المدعي عن دعواه، ولكن لم يخطر في باله الاذن ولو لجهل أو غفلة، وحينئذ فلا ريب في اقتضاء إطلاق الامر (1) بالحكم بين الناس عدم التوقف على الاذن كما هو واضح. (و) على كل حل ف‍ (بعد أن يعرف عدالة البينة) على


(1) سورة النساء: 4 - الاية 58 وسورة المائدة: 5 الاية 42 وسورة ص: 38 الاية 26.

[ 193 ]

وجه تكون صالحة لاثبات الدعوى (يقول) للخصم: (هل عندك جرح ؟) وفي وجوب ذلك إشكال (فان قال: نعم وسأل الانظار في إثباته أنظره) لامكان صدقة، ولقول علي (عليه السلام) لشريح (1): (واجعل لمن ادعى شهودا أمدا بينهما، فان أحضرهم أخذت له بحقه وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية) إلا أنه كما ترى لا تعيين فيه لمدة الانظار التي قدرها في المبسوط وغيره (ثلاثا) بل لا أجد فيه خلافا بينهم من دون تفصيل بين بعد المسافة وقربها، مع أن ظاهر المرسل المزبور كون الامد بحيث يمكن إتيان البينة فيه، كما هو ظاهر النافع. واحتمل في كشف اللثام تنزيل الاطلاق المزبور من المصنف وغيره على ما إذا لم يدع بعد مسافة البينة بحيث لا تحضر في ثلاثة ايام، قال: (وإذا كان كذلك أنفذ الحاكم حكمه، والخصم على حجته إذا أثبت الفسق). وفيه أن المرسل المزبور غير جامع لشرائط الحجية، وإطلاق الادلة يقتضي تحقق ميزان القضاء، لكن التأخير ثلاثة أيام لقاعدة لا ضرر ولا ضرار بعد فتوى الاصحاب بذلك، وبقاء الخصم على حجته مناف للقضاء الذي هو الفصل، ولعله لذا كان ظاهر المصنف وغيره اعتبار دعوى الخصم وجود الجارح في الانظار، فلو أراده حينئذ لاحتمال حصوله لم ينظر، وليس هو إلا لتحقق ميزان القضاء، هذا كله في بينة الجرح، وأما بينة الدعوى في غيره فستسمع الكلام فيها إنشاء الله. وكيف كان (فان تعذر الجرح) مدة الانظار (حكم) عليه (بعد سؤال المدعي) أو مطلقا كما عرفت، لكن عن المبسوط استحب أن يقول للمدعى عليه: قد ادعى عليك كذا وشهد به عليك كذا وكذا وأنظرتك جرح الشهود فلم تفعل فها أنا ذا أحكم عليك ليتبين أنه حكم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث. 1

[ 194 ]

بحق، والامر سهل. (ولا يستحلف المدعي مع البينة) القابلة لاثبات الحق بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى خبر محمد بن مسلم (1) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقيم البينة على حقه هل عليه أن يستحلف ؟ قال:) وخبر أبي العباس (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إذا أقام الرجل البينة على حقه فليس عليه يمين) خلافا لبعض العامة وإن وافقه ما في الخبر (3) من وصية علي (عليه السلام) لشريح (ورد اليمين على المدعي مع بينته، فان ذلك أجلى للعمى وأثبت للقضاء) لكنه ضعيف قاصر عن معارضة ما عرفت، بل يمكن حمله على ما تسمعه من الصور المستثناة أو على ضرب من الندب مع رضا المدعي وطلب المدعى عليه أو غير ذلك، على أن المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) أنه اشترط على شريح أن لا ينفذ قضاء إلا بحضرته. وعلى كل حال فلا ريب في الحكم المزبور (إلا أن تكون الشهادة على ميت فيستحلف على بقاء الحق في ذمته استظهارا) لازما في الاثبات بالبينة بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، كما اعترف به غير واحد، بل في الروضة هو موضع وفاق، وفي المسالك تارة نسبه إلى الشهرة من غير ظهور مخالف، وأخرى إلى الاتفاق، لكن ظاهره أخيرا الشك في الاجماع، بل لم تصدر الوسوسة في ذلك إلا منه، وتبعه الاردبيلي (رحمه الله) نعم قد خلت عنه كثير من كتب القدماء كالمقنعة والانتصار والنهاية والخلاف والوسيلة والكافي والمراسم والغنية والسرائر وجامع الشرائع، بل قيل لم يصرح به أحد قبل المصنف غير الشيخ، إلا أن ذلك غير قادح في تحصيل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي الحديث 1.

[ 195 ]

الاجماع على بعض طرقه المقررة في الاصول، ولذا حكاه الصيمري عليه هنا، فلا ريب في الاستدلال به بناء على حجية مثله. على أن الاصل في ذلك قوي عبد الرحمان بن أبي عبد الله (1) الذي رواه المحمدون الثلاثة المنجبر بما عرفت قال: (قلت للشيخ يعني موسى ابن جعفر (عليهما السلام) - كما عن الفقيه - أخبرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له البينة بماله، قال: فيمين المدعى عليه، فان حلف فلا حق له، وإن لم يحلف فعليه - كما في الكافي والتهذيب، وأبدل في الفقيه قوله: (وإن لم) إلى آخره بقوله: (وإن رد اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له) - فان كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان وأن حقه لعليه، فان حلف وإلا فلا حق له، لانا لا ندري لعله قد وفاه ببينة لا نعلم موضعها أو بغير بينة قبل الموت، فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة، فان ادعى ولابينة فلا حق له، لان المدعى عليه ليس بحي، ولو كان حيا لالزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت له عليه حق). وصحيح الصفار (2) الذي رواه الثلاثة أيضا (كتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل ؟ فوقع (عليه السلام) إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي اليمين (يمين خ ل) وكتب إليه أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 196 ]

(الكبير خ ل) بقابض ؟ فوقع (عليه السلام) نعم، وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته، وكتب إليه أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر ؟ فوقع (عليه السلام) نعم من بعد يمين). والمناقشة في الاول بضعف السند، وباحتمال غير الامام من الشيخ وغير الشاهدين من البينة، وبأن ظاهره وجوب اليمين المغلظة بناء على ظهور لفظ (عليه) في الوجوب، ولا قائل به وإلا فلا يدل على المطلوب، ويمكن حمله على التقيه أو الاستحباب وفي الثاني بأنه مكاتبة وباشتماله على ما هو مخالف للقواعد ومعارض بصحيحه الاخر (1) (كتب إليه (عليه السلام) أيضا رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا وفيهم صغار، يجوز للكبار أن ينفذوا ويقبضوا (ويقضوا خ ل) ديونه لمن صح (ممن صح خ ل إن صح خ ل) على الميت بشهود عدول قبل أن يدركوا الاوصياء الصغار، فوقع (عليه السلام) نعم على الكبار (الاكابر خ ل) من الولد أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك) لا تستأهل ردا. إنما الكلام في ظهور النص والفتوى في أصل اعتبار اليمين مع البينة في ثبوت الحق على وجه متى تعذر أحدهما سقط، أو أن ذلك مخصوص فيما إذا كان المدعي صاحب الحق لا وصيه أو وارثه، لم أجد تحرير ذلك في كلامهم. ولكن في بعض كتب المعاصرين حكاية الاول في بعض أفراد الفرض وإن اختار هو الثاني، فانه بعد أن فرض المسألة فيما لو ادعى وارث ميت على ميت آخر واختار عدم اليمين على البت عليه، قال: (لان الدليل إنما يدل على ثبوت اليمين على نفس المدعي، فيبقى ما عداه على


(1) الوسائل - الباب - 50 - من كتاب الوصايا - الحديث 1.

[ 197 ]

الاصل، وأقصى ما يتوجه عليه بعد ذلك يمين نفي العلم) إلى آخر ما ذكره، فان ما حضرني من نسخة كتابه غير نقية من الغلط.. لكن فيه أن ظاهر الفتوى والنص خصوصا الصحيح كون ذلك هو الحجة على الميت فيتجه حينئذ سقوط الحق، إلا أنه كما ترى مناف لمذاق الفقه، فقد يقال: إن للوارث الحلف على مقتضى الاستصحاب كما يحلف على مقتضى اليد، لكن هو - مع أنه كما ترى أيضا، خصوصا إذا كان المستصحب غير معلوم له وانما شهدت به البينة لا يتم في الوصي الذي لا يجوز حلفه لاثبات مال الغير، أللهم إلا أن يقال به هنا باعتبار أنه ليس مثبتا، بل هو شرط في حجية البينة التي هي في الحقيقة المثبتة، أو يقال بالاكتفاء بيمين الوارث مع البينة في إثبات مفادها الذي لا فرق فيه بين متعلق الوصايا والارث، لانها من الحجة المثبتة للموضوع في نفسه. بل منه ينقدح عدم وجوب اليمين على كل واحد من الورثة، بل يكفي يمين واحدة من أحدهم، لان مقتضى إطلاق النص اعتبار يمين واحدة في تمامية حجية البينة التي قد عرفت ثبوت الموضوع بها لسائر الشركاء وإن أقامها أحدهم، فتأمل فانه دقيق نافع. وإن كان لا يخلو من بحث، ضرورة كون اليمين هنا نحوها مع الشاهد الواحد، فلا يكتفى بها لغير ذي الحق. بل قد يناقش في قبول اليمين من الوارث، لتضمن يمين الاستظهار عدم الوفاء والابراء ونحوهما، ولايكون منه على البت لانه فعل الغير، فمع فرض اعتبار يمين البت في يمين الاستظهار يتجه حينئذ سقوط الحق حينئذ كما سمعته أولا، بل قد يؤيد بأنه مقتضى أصل عدم ثبوت الحق بعد فرض تعارض الامارات على وجه لا وثوق بشئ منها.

[ 198 ]

نعم قد يقال: - بعد استبعاد سقوط الحق مع البينة العادلة خصوصا مع قطع الوارث بالحق، بل يمكن دعوى معلومية خلافه ولو بالسيرة القطعية، واستبعاد سقوط اليمين في الدعوى على الميت مع ظهور النص والفتوى فيه -: إن المتجه إلزام الوارث باليمين على نفي العلم باستيفاء مورثه أو إبرائه، لظهور الخبر الاول (1) في اليمين المخصوصة فيما إذا كان المدعي المستحق، والتعليل فيه أيضا. وأما الثاني (2) فليس فيه إلا اعتبار يمين بعد البينة، فهي بالنسبة إلى كل أحد بحاله، بل إن لم يكن إجماع على سقوط اليمين أو الانظار بها أمكن ذلك في ولي الطفل، بل والوصي في وجه، ولا حاجة إلى دعوى العلم في اعتبار هذا اليمين الذي هو للاستظهار من كل مدع بحسب حاله، فتأمل جيدا. هذا وفي المسالك (لو أقر له قبل الموت بمدة لا يمكن فيها الاستيفاء عادة ففي وجوب ضم اليمين إلى البينة وجهان، من إطلاق النص (3) الشامل لموضع النزاع، وقيام الاحتمال وهو إبراؤه منه وقبضه من ماله ولو بعد الموت، ومن البناء على الاصل والظاهر من بقاء الحق، وهذا أقوى). وفيه أن ذلك مبني على اختصاص اليمين لنفي احتمال الوفاء من الميت دون غيره، لكن فيه أولا أنه مناف لاطلاق صحيح الصفار (4) بل وللخبر المزبور (5) المراد منه ذلك على جهة التمثيل لا التقييد، كما هو واضح. نعم قد يقال بسقوطه فيما لو فرض شهادة الشهود ببقاء الحق في ذمة الميت على وجه لااحتمال لسقوطه اصلا إلى حين الدعوى أو حين


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 199 ]

الوفاة بناء على الاجتزاء به، مع أن ظاهر الصحيح المزبور (1) التعبد، ويمكن بناؤه على الغالب، فلا يحتاج إليه في نحو الفرض، بل لعل ظاهر الخبر الاول (2) كون اليمين للاستظهار، باعتبار كون شهادة البينة بالاستصحاب، والفرض في المقام خلافه، فلا استظهار كما في صورة العلم بالحال، والله العالم. ثم إن ظاهر قوله: (وقبضه من ماله ولو بعد الموت) مراعاة نفي الاحتمال بعد الموت أيضا، لكن ظاهر اليمين في الخبر المزبور (3) اعتبار نفيه إلى حين الموت دون ما بعده، أللهم إلا أن يكون المفروض معلومية انتفائه بعده، إلا أنه كما ترى. ثم إن ظاهر الصحيح بل والخبر اختصاص الحكم المزبور بالدين، أما غيره من دعوى عين أو حق خيار فهو باق على مقتضى عموم حجية البينة بلا يمين، أللهم إلا أن يقال بظهور الخبرين المزبورين في الفرق بين الميت والحي باعتبار اليمين فيما هو حجة على الحي استظهارا، والدين فيهما إنما هو من باب المثال. لكن لا يخفى ما فيه من المنع، خصوصا بعد الفرق بين بينة العين والدين بأن مبنى الثانية على الاستصحاب غالبا بخلاف الاولى التي لابد فيها من الشهادة على ملك المدعي إلى حين الدعوى، لمعارضة اليد فيها، فيمكن الاقتصار فيهما على الدين لذلك. نعم لو شهدت البينة على أن العين كانت في يد الميت عارية أو غصبا أو نحوهما ولم تشهد أنها كذلك إلى حين الوفاة أو حين الدعوى وقلنا بالاكتفاء بها في الحي لاصالة عدم تجدد مقتض آخر لاستمرار قبضه أو


(1) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 200 ]

أصالة عدم قبض جديد بناء على إلحاق صورة الشهادة على القبض عارية أو غصبا مع عدم العلم بعودها وتجدد قبض جديد بالصورة الاولى التي علم فيها اتحاد القبض، ولكن يحتمل تجدد مقتض لاختلاف استدامته عن ابتدائه احتمل هنا ضم اليمين معها بناء على أن ذكر الدين مثال لكل ما يحتمل فيه نحو ذلك من تجديد ملك ونحوه. بل في كشف اللثام أنه الوجه. لكن قد يناقش (أولا) بمنع استفادة ذلك من الخبرين على وجه يخرج عن القياس الممنوع عند الشيعة، و (ثانيا) بمنع الاجتزاء بمثل هذه البينة في الحي على وجه يرتفع ما تقتضيه اليد من الملكية في الزمان المتأخر الذي لا ينافيه وقوع القبض منه ابتداء عارية مثلا فضلا عن صورة احتمال تجدد قبض جديد منه. وما في القواعد من أنه (لو اقام بينة بعارية عين - أي عند الميت - أو غصبها كان له انتزاعها من غير يمين) يراد به مع الشهادة على ذلك إلى حين الوفاة أو الدعوى، لا أن المراد شهادتها بكونها عارية في الزمن السابق مع عدم العلم بحالها في غيره من الزمان المحتمل لتجدد قبض جديد أو مقتض لاختلاف الاستدامة مع الابتداء، كما اختاره في كشف اللثام. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى عدم إلحاق العين بالدين في ذلك للعمومات وإن كان هو الاحوط مع فرض بذلها من المدعي، نعم لو فرض تلفها في يده قبل موته على وجه يترتب عليه ضمانها اتجه حينئذ كونها كالدين، بل هي من أفراده، أما إذا فرض تلفها بعد موته وكانت مضمونة عليه فقد يقوى عدم اليمين عليه، لقصور الخبرين (1)


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 والباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 201 ]

عن تناول ذلك، بل ظاهرهما غيره، فيبقى هو حينئذ على عموم حجية البينة، والتعليل قد عرفت أنه فيما قبل الموت ونحوها، فتأمل جيدا. (ولو شهدت) البينة (على صبي أو مجنون أو غائب) بدين (ففي ضم اليمين إلى البينة تردد) وخلاف ينشأ من كونهم كالميت في عدم اللسان المحتمل على تقدير وجوده الجواب بما يقتضي البراءة منه، بل هو مقتضى منصوص العلة في الخبر الاول (1) وهو المحكي عن الاكثر بل المشهور، ومنهم الشيخ في المبسوط والفاضل والشهيد، ومن أن معقد النص (2) والفتوى الميت، فلا يقاس عليه غيره، لحرمته عندنا. لكن لا ريب في أن (أشبهه أنه لا يمين) وفاقا للمصنف وجماعة، وخصوصا في الغائب الذي ورد فيه مرسل جميل بن دراج عن جماعة (3) عنهما (عليهما السلام) قال: (الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة، ويباع ماله، ويقضى عنه دينه هو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء) ونحوه قول الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (4) إلا أن فيه (إذا لم يكن مليا) إذ لا ريب في ظهورهما ولو للاطلاق في عدم اعتبار اليمين معها ومعارضتهما بمنصوص العلة على فرض تسليم جريانه في المقام من وجه، ولا ترجيح، فيرجع إلى عموم ما دل على حجية البينة بدونه السالم حينئذ عن معارضة منصوص العلة بعد معارضته بالخبرين المزبورين، بل قوله (عليه السلام) فيهما: (ويكون على حجته) مشعر بالفرق ببنه وبين الميت بأن له حالا يقيم به حجته في نقض البينة المزبورة، وهو ما إذا حضر بخلاف الميت، بل هو جار أيضا في الصبي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 202 ]

والمجنون حال البلوغ والافاقة. بل منه يعلم أن المراد من منصوص العلة الخبر (1) عدم الدراية التي لا رجاء معها لاحتمال قيام الحجة، فلا يجري حينئذ فيهما، والله العالم ولو أقام شاهدا واحدا بدينه على الميت ففي القواعد وغيرها (حلف يمينا واحدة) لا لاختصاص النص والفتوى بالبينة، إذ من المعلوم أن ذلك أضعف منها، بل للاستغناء باليمين القائم مقام الشاهد عن يمين الاستظهار. وفيه أنه قد لا يغنى عنه، إذ لا يعتبر فيه التعرض لبقاء الحق، ومع فرض تقييد إغنائه بالمشتمل على ذلك ما في كشف اللثام قد يقال بأن المعتبر من المقيد ما كان على وفق شهادة الشاهد المفروض كونها على أصل ثبوت الحق، وما فيها من الزيادة لادليل على حجيته، إذ ليست هي يمين شاهد ولا يمين استظهار، لان الاصل عدم التداخل، خصوصا بعد قوله (عليه السلام) في الصحيح (2): (مع شاهدين بعد يمين) الظاهر في فعله مستقلا منضما إلى الحجة في حق الحي، كما هو واضح بأدنى تأمل، فالاولى بل الاقوى ضم يمين آخر معه. نعم قد يقال بالاستغناء في صورة شهادة الشاهد ببقاء الحق ثم اليمين من المدعي على نحو ذلك، إذ هو بحكم البينة على بقاء الحق التي قد عرفت قوة الاستغناء بها عنه أيضا أيضا إلا مع احتمال التعبد الذي سمعته سابقا. (و) كيف كان فلا إشكال ولا خلاف في أنه (يدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحق) الثابت عليه، لكن في المتن وغيره (بعد


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات الحديث 1 وفيه " نعم من بعد اليمين.

[ 203 ]

تكفيل القابض بالمال) أي إلزامه بكفيل بذلك، ولعله للخبرين (1) السابقين، إلا أنك قد عرفت اشتراط عدم الملاءة في الثاني منهما، بل مقتضى الجمع بينه وبين الاخر تنزيل الاول عليه، إلا أنه لم أجد قائلا به نعم في المسالك (وإنما اعتبر المصنف الكفيل لانه لم يوجب عليه اليمين مع البينة، فجعل الكفيل عوضا عنه، لاحتمال براءة الغائب من الحق على وجه لا تعلمه البينة، ومن أوجب عليه اليمين لم يعتبر الكفيل إلا على تقدير تعذرها، كما لو كان المدعي على الغائب وكيل المستحق، فانه لا يجوز إحلافه، فيستظهر بالكفيل، ولا شك في أن الكفالة واليمين احتياط واستظهار إلا أن ثبوتها إلى دليل). قلت: قد عرفت أن دليله عند القائل به التعليل في القوي (2) والخبران (3) المزبوران المعمول بهما، على أن المرسل جميل، وهو من أصحاب الاجماع، وقد ارسل عن جماعة، بل هما يدلان على اعتبار تعدد الكفلاء وإن لم يجد به قائلا، ولعله لظهور إرادة الجنس منه، واعتبار اليمين لا ينافي الاستظهار بذلك، إذا هو على حجته على كل حال. ومن هنا اعتبره في القواعد مع قوله: (بضم اليمين) وكأنه ظن تمامية الدعوى مع اليمين المقتضية لنفي الاحتمالات، فلا جهة للتكفيل، بخلاف حال عدم اليمين، فانها لم تتم بعد فيستظهر بالتكفيل، وفيه أن اليمين على القول باعتبارها لا تسقط صحة الدعوى منه بعد ذلك والتكفيل للاستظهار بها بعد النص عليه في الخبرين، كما هو واضح. ثم على فرض اعتبار اليمين لم يجز للحاكم التسليم قبلها في صورة الوكيل، ضرورة عدم ثبوت الحق بدونها، فمن الغريب صدور ذلك منه.


(1) و (3) الوسائل الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 4 من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 204 ]

كما أن من الغريب مناقشة الاردبيلى في اصل دفع الحاكم من مال الغائب بعد أن ذكر دليله مرسل جميل بالارسال ومجهولية جعفر بن محمد ابن إبراهيم وعبد الله بن نهيك أيضا في سنده، وبأنه غير عام، وإدخال ضرر على الغائب، إذ قد يكون له جواب قدح ونحو ذلك ويتعذر ذلك بعد الحكم، وعلى تقديره فقد يتعذر استيفاء الحق بموت الخصم وفقره أو الكفيل أيضا، فينبغي الاقتصار على موضع الوفاق، وهو فيما إذا علم الخصم أنه إذا لم يحضر يحكم عليه وهو غائب، لانه يكون أدخل الضرر على نفسه. إذ هي كما ترى، ضرورة عدم الاحتياج إلى المرسل في الدفع بعد فرض مشروعية الحكم على الغائب، ضرورة كونه حينئذ من مقتضياته، بل لو لا النص والفتوى على التكفيل بالوجه المزبور لكان المتجه عدم وجوبه. ثم إن الظاهر إرادة الضمان من الكفالة هنا، لان به الاستظهار التام، بل قد يشعر بذلك اعتبار عدم الملاءة في احد الخبرين (1) والله العالم. (ولو ذكر المدعي أن له بينة غائبة خيره الحاكم) فيما له شرعا (بين الصبر) لان المدعى لا يجبر على دعواه (وبين إحلاف الغريم) فان ذلك مع حضور بينته فضلا عن حال الغيبة. لكن في النافع (ولو قال: البينة غائبة أجل بمقدار إحضارها، وفي تكفيل المدعى عليه تردد، ويخرج من الكفالة عند انقضاء الاجل). وفيه أنه لا فائدة في هذا التأجيل، ضرورة أن له الدعوى وإقامتها بعد الاجل، واحتمال سقوط دعواه حينئذ مطلقا أو بعد إلزامه باحلاف المنكر لا ينبغي صدوره من متفقه فضلا عن الفقيه وإن كان قد يتوهم


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 205 ]

دلالة مرسل الوصية لشريح (1) عليه المحتمل لارادة بينة الجرح خاصة، ولو سلم دلالته على ذلك فلا قائل به، فلا يبعد إرادة الامهال الذي لا يترتب عليه ذلك من التأجيل فيه بل وفي الخبر (2) أو أن مراده الاجل لاجل التكفيل وإن قصرت العبارة عنه، كما هو ظاهر النهاية، قال: (وإن قال: لست أتمكن من إحضارها جعل معه مدة من الزمان ليحضر فيه بينته وتكفل بخصمه، فان أحضرها نظر فيها وإن لم يحضرها عند انقضاء الاجل خرج خصمه عن حد الكفالة). فتأمل جيدا. وأما ما ذكره من التردد في التكفيل فقد جزم هنا بعدمه، فقال: (وليس له ملازمته) على وجه لا تجوز له بدون ذلك فضلا عن حبسه (ولا مطالبته بكفيل) وفاقا للمحكي عن أكثر المتأخرين، بل عامتهم والاسكافي والشيخ في الخلاف والمبسوط والقاضي في أحد قوليه، للاصل السالم عن معارض بعد عدم ثبوت الحق الذي لا معنى للعقوبة عليه قبله، على أن الكفيل يلزمه الحق إن لم يحضر المكفول، وهنا لا معنى له قبل إثباته، بل لا معنى لكون حضور الدعوى وسماع البينة حقا يكفل عليه، لانه بعد الاتيان بالبينة إن كان حاضرا فذاك، وإلا حكم عليه وهو غائب. خلافا للمحكي عن الشيخين في المقنعة والنهاية والقاضي في أحد قوليه وابني حمزة وزهرة نافيا للخلاف فيه ظاهرا، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، فانه قد يهرب المدعي عليه، ولا يتمكن المدعي من تحصيل الحق، فيجب حينئذ مقدمة، للزوم مراعاة حق المسلم من الذهاب في نفس الامر، وبذلك ينقطع الاصل، والالتزام بالكفيل أو الحبس وإن كان ضررا إلا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 206 ]

أن ذهاب الحق أيضا ضرر، وعلى الحاكم مراعاة الاقل ضررا، ولعله التكفيل، وعدم الفائدة في التكفيل مسلم إتحقق عدم إمكان إثبات الحق في نفس الامر، ولكنه غير متحقق بعد احتمال حضور البينة وثبوت الحق بها، فيلزم الكفيل إحضاره أو الالتزام بالحق إن ثبت وهرب المدعى عليه ولم يكن له مال يقتص منه، والحكم على الغائب غير كاف في التخلص عن احتمال ذهاب الحق. ومن هنا مال في الرياض إلى ذلك وقال: (إن القول به لا يخلو من رجحان إن حيف هرب المنكر وعدم التمكن من استيفاء الحق بعد ثبوته من ماله، ولو لم يخف من ذلك أمكن ترجيح القول الاخر، وبهذا التفصيل صرح الفاضل المقداد، فقال: ولنعم ما قال، ويقوى أن الكفيل موكول إلى نظر الحاكم، فان الحكم يختلف باختلاف الغرماء، فان الغريم قد يكون غير مأمون، فالمصلحة حينئذ تكفيله، وإلا لزم تضييع حق المسلم، وقد لا يكون كذلك بل يكون ذا ثروة وحشمة ومكنة فلا حاجة إلى تكفيله، لعدم ثبوت الحق والامن من ضياعه. وربما كان المدعي محتالا يطلب التكفيل وسيلة إلى أخذ ما لا يستحقه). لكن لا يخفى عليك أن جميع ذلك لا ينطبق على اصول الامامية، ضرورة رجوعه إلى ما يشبه الاستحسان، وقاعدة لاضرر ولاضرار لاوجه لجريانها في المقام، إذ الضرر لا يدفع بالضرر، على أنها لا تقتضي تعجيل الضرر على المسلم باحتمال ضرر الاخر، ولعل البحث بين الاصحاب في اصل مشروعية التكفيل بمجرد الدعوى، كما شرح به هنا الفاضل المزبور عبارة النافع، بل حكى القول عمن عرفت بلفظ جواز التكفيل ومنعه، لافي الالزام به قبل ثبوت الحق، وقد ذكرنا في الكفالة ما يستفاد منه ذلك. ثم على التكفيل فهل يتعين في ضرب مدته ثلاثة أيام، كما عن

[ 207 ]

ابن حمزة أو يناط بنظر الحاكم ؟ قولان، ولكن على كل حال يخرج الكفيل من الكفالة عند انقضاء الاجل المضروب كائنا ما كان بلا خلاف ولا إشكال والله العالم. وكذا ليس له حبسه أو المطالبة بكفيل لو أقام شاهدا واحدا وإن كان عدلا، لعدم ثبوت الحق به، خلافا للمحكي عن البسوط لقدرته على إثبات حقه باليمين فيحبس إلى أن يشهد آخر أو يحلف المدعي أو يحلفه، وغاية الحبس ثلاثة أيام، فان أثبت الدعوى وإلا أطلق، وفيه أن العقوبة بالحبس إنما تجوز بالتقصير بالحق الثابت ولا يكفي فيها القدرة على إثباته، كما هو واضح. (وأما السكوت فان اعتمده ألزم بالجواب) لانه نفسه ليس جوابا، والفرض تعلق حق الدعوى بجوابه (فان عاند حبس حتى يبين) الجواب كما عن الشيخين والديلمي وابني حمزة وسعيد والفاضل وولده وغيرهم، بل في السمالك نسبته إلى المتأخرين. (وقيل) وإن كنا لم نعرف قائله: (يجبر) بالضرب ونحوه من باب الامر بالمعروف (حتى يجيب) (وقيل) والقائل الشيخ في محكى مبسوطه والحلي في محكى سرائره والفاضل في موضع من قواعده والقاضي في محكي مهذبه (يقول) له (الحاكم: إما أجبت وإما جعلتك ناكلا ورددت اليمين على المدعي، فان أصر رد اليمين على المدعي) وقضى له، بل في الاول (أنه الذي يقتضيه مذهبنا والثاني - يعني الحبس - قوي أيضا) وفي الثاني (أنه الصحيح من مذهبنا وأقوال أصحابنا وما يقتضيه المذهب) وفي الاخير أنه ظاهر مذهبنا ولا بأس بالعمل بالحبس). (و) لكن (الاول مروي) كما عن التحرير أيضا وإن

[ 208 ]

اعترف جماعة بعدم الظفر بهذه الرواية، نعم قيل: لعله النبوي المشهور (1) (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) وفي آخر (وحبسه) المعتضد بما قيل من النصوص الكثيرة (2) الدالة على حبس أمير المؤمنين (عليه السلام) الغريم باللي والمطل من دون ضرب وإهانة ونحوهما. وفيه أن المنساق منه المالي لا ما يعم استحقاق جواب الدعوى، سيما نصوص الغريم، وربما علل أيضا بأن الواجب عليه الواجب، وهو كما يحتمل الاقرار يحتمل الانكار، فيجب عليه الحبس، وغيره ليس بواجب لاصل البراءة، وجعله ناكلا أو كالناكل يحتاج إلى دليل. وظاهر الروضة التخيير بين الحبس والرد، كما عن ظاهر الشيخ على بن هلال مع إضافة الضرب أيضا. ثم إن ظاهر الاصحاب عدم فعل شئ معه على القول الاول غير الحبس، لكن في الرياض ألزم بالجواب أولا باللطافة والرفق ثم بالايذاء والشدة متدرجا من الادنى إلى الاعلى على حسب مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فان أجاب وإلا حبسه حتى يجيب وفاقا لمن عرفت، ثم قال: (وقيل: يجبر حتى يجيب من غير حبس، بل يضرب ويبالغ في الاهانة إلى أن يجيب، ومستنده غير واضح عدا ما استدل له من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه نظر فانهما يحصلان أيضا الاول، فلا وجه للتخصيص). قلت: ومقتضاه أنه على الثاني يضرب حتى يجيب أو يموت، وليس هو قولا لاحد، بل ليس من مقتضى ما ذكر دليلا له من الامر بالمعروف


(1) راجع التعليقة (1) من ص 164. وسنن البيهقي ج 6 ص 51. (2) الوسائل الباب - 11 - من ابواب كيفية الحكم والباب - 7 - من كتاب الحجر.

[ 209 ]

المعلوم عدم مشروعية هذا المقدار له. فالتحقيق أن الفرق بين الاول والثاني الاقتصار على خصوص الحبس على الاول لما أرسلوه من الرواية بخلاف الثاني، فانه مبني على حكم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من استعمال مراتبه التي تنتهي إلى الحبس أيضا. وعلى كل حال فليس للاول إلا المرسل المنجبر بما عرفت، وللثاني إلا باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وللثالث أنه نكول أو أولى منه، ضرورة أنه لو اجاب بجواب صحيح ثم امتنع من اليمين جعل ناكلا، فإذا امتنع عن الجواب واليمين فأولى يكون ناكلا، لانه نكل عن الجواب واليمين معا، ولان العناد منه أشد وأظهر، ولانه لما لم ينكر احتمل الاقرار، فإذا اعتبرت يمين المدعي مع صريح الانكار فمع السكوت أولى. ومن هنا قال المصنف: (والاخير بناء على عدم القضاء ب‍) مجرد (النكول) وإلا كان المتجه عدم الاحتياج إلى اليمين. كل ذلك مضافا إلى ما في الاقتصار على الحبس من الاضرار بالمدعى بالتأخير، وربما أدى إلى ضياع حقه، بل فيه وفي الجبر إضرار بالمدعى عليه بلا دليل، وما مر من الدليل عليهما مندفع بأن الرد على المدعي أردع له عن السكوت وأسهل وأفيد للمدعي وقد يناقش بعدم صدق اسم النكول عليه، إذ يحتمل أنه أدى الحق وليس بمنكر يلزمه اليمين ولا مقر يلزمه الحق، فيسكت عن الانكار لعدم صحته، وعن الاقرار مخافة الالتزام، والفرض عدم شهود عنده ولو لموتهم، ولا يحسن التورية أو لا يعلم شرعيتها، وبأن الحكم بالنكول بمجرده أو بعد رد اليمين مخالف للاصل، فيقتصر فيه على محل اليقين، وليس هو إلا ما انعقد عليه الاجماع من كونه بعد الانكار، وهو مفقود في المقام قطعا، لما عرفت من إطباق المتأخرين كافة على

[ 210 ]

اختيار القول الاول، بل قد عرفت إرسال الرواية فيه، بل ظاهرهم أنها صريحة فيه، وهي مع انجبارها بما سمعت معتضدة بالنبوي (1) السابق المعتضد بالنصوص الكثيرة (2) بل قد يستفاد من قوله (عليه السلام) في خبر عبد الرحمان (3) المقتدم في الدعوى على الميت: (ولو كان حيا لالزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه) أن كيفية القضاء عليه إلزامه بأحد الثلاثة على جهة التخيير له، ولما كان طرق الالزام كثيرة أمكن ترجيح الحبس منها بالمرسل المنجبر بما عرفت، بل ربما يدعى أنه المتعارف من طرق الالزام، خصوصا بعد أن كان ذلك طريقا في الغريم المحقق، فهنا بطريق أولى. على أن الدعوى المقابلة بالسكوت لو تقتضي رد اليمين على المدعي لعدم خروجه عن أحد الاحتمالين لاقتضت ذلك في الدعوى على الميت وعلى الممتنع عن مجلس الحضور وعلى الغائب وعلى الصبي والمجنون ونحوهم ممن لم يتحقق منهم جواب، وهو معلوم العدم، بل ينحصر طريق ثبوت الدعوى حينئذ بالبينة، فان لم تكن فلا حق له، كما أومأ إليه أيضا الخبر المزبور (4). ودعوى اقتضاء إطلاق أدلة الامر بالحكم بين الناس (5) وجوب ايجاده في الفرض، وقد عرفت استفادة ميزانه من النصوص الكثيرة الدالة على أنه البينات والايمان (6) وهو الدليل على القضاء بنكول المنكر عن


(1) راجع التعليقة (1) من ص 164. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب كيفية الحكم والباب - 7 - من كتاب الحجر. (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم. (6) الوسائل - 1 و 2 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 211 ]

الرد واليمين الشامل لموضوع الفرض منع وجوب إيجاده على كل حال، مضافا إعدم انحصار الحكم في ذلك، بل هو ما ذكرناه من الالزام المزبور، والحكم برد اليمين في الناكل انما كان بعد الاجماع المركب على حصول ميزان القضاء، ولكنه النكول أو اليمين قلنا: إن الاقوى الثاني بخلاف المقام، فان المشهور عدم الحكم بالمعنى المزبور كما عرفت، بل هو الحبس المطابق لما اقتضاه خبر عبد الرحمان (1) الظاهر في عدم تحقق النكول لتعذر النكول لتعذر الجواب، بل لابد فيه من تحقق الانكار وعدم العمل بما يوجبه، ولذا سقطت الدعوى عن الميت التي يفرض فيها ما ذكره من أنه إما مقر أو منكر إلى آخر ما سمعت، وهو معلوم العدم فيه وفي نظائره، والله العالم. هذا إذا كان السكوت عنادا (و) أما (لو كان به آفة من طرش أو خرس توصل إلى معرفة جوابه بالاشارة المفيدة لليقين) بكونه مقرا أو منكرا إذا لم نقل بالحاق إشارة الاخرس باللفظ الذي يكتفي بالظن بالمراد منه. (ولو استغلقت إشارته بحث يحتاج إلى المترجم لم يكف الواحد وافتقر في الشهادة ب‍) المراد من (إشارته إلى مترجمين عدلين) بناء على أن ذلك من مقام الشهادة، وقد عرفت التأمل سابقا في نظيره، بل قد يحتمل في أصل الترجمة للفظ أنها من قرائن الظن بالمراد به، فلا يعتبر العدالة حينئذ فضلا عن التعدد، فتأمل والامر سهل. ثم إن ظاهر حصر الاصحاب حال المدعى عليه في الثلاثة عدم حال آخر رابع مخالف لها في الحكم. وحينئذ فإذا كان جوابه لا أدري ولا أعلم ونحو ذلك فهو منكر، ضرورة عدم كونه إقرارا، كضرورة عدم كونه سكوتا،


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 212 ]

فليس إلا الانكار، وانسياق القطع بالعدم منه لا ينافي كونه فردا آخر له مرجعه عدم استحقاق ما يدعيه عليه وإن لم يعلمه في نفس الامر، ضرورة اقتضاء تعلق الدعوى به استحقاق المدعى به عليه، فإذا نفى العلم بسببه كان نافيا للاستحقاق المزبور الذي هو روح الدعوى عليه. وبذلك يكون منكرا لا يتوجه عليه إلا اليمين، لموافقته للاصل وغيره، ولا ينافي ذلك ما تسمعه من الاصحاب من غير خلاف فيه يعرف بينهم من اعتبار الحلف على البت في فعله نفيا وإثباتا المنزل على الصورة الغالبة من الانكار، بخلاف ما إذا كان انكاره بالصورة الثانية، فانه يحلف على عدم العلم نحو يمين الوارث. ولكن في مجمع البرهان أنه: " لو قال المنكر: إني ما أحلف على عدمه فاني ما أعلم بل أحلف على عدم علمي بثبوت حقك في ذمتي لا يكفي، بل يؤخذ بالحق بمجرد ذلك حينئذ إن قيل بالقضاء بالنكول، وبعد رد اليمين على المدعي إن لم نقل به، ويحتمل قويا هنا عدم القضاء بالنكول وإن قيل به في غيره، بل يجب الرد حينئذ). نعم قال بعد ذلك: (ويحتمل الاكتفاء في الاسقاط بيمينه على عدم علمه بذلك، للاصل وعدم ثبوت ما تقدم والتأمل فيه، فتأمل - ثم قال -: إن الاصل عدم ثبوت الحق في ذمته، وطريق ثبوته الشهود، والفروض عدمهم، ولم يثبت دليل على أن إنكار المدعى عليه ودعوى عدم علمه بالحق وعدم حلفه على البت يوجب ثبوت الحق في ذمته أو موجب لرد اليمين على المدعي، ويؤيده عموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة) إلى آخره، فانه يدل بظاهره على عدم اليمين على المدعي، وأن يمين المنكر أعم من أن تكون على نفي المدعى أو على


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 213 ]

نفي العلم به، إذ هو لا ينكر إلا علمه، وأيضا البينة ما تشهد بثبوت الحق على الجزم والقطع الان، بل أقصى ما تشهد بالثبوت مع عدم العلم بالمزيل، فينبغي أن تكون اليمين كذلك). وفي الكفاية (مقتضى ظاهر كلامهم أنه إذا ادعى عليه بمال في ذمته ولم يكن المدعى عليه عالما بثبوته ولا نفيه لم يكف حلف المنكر بنفي العلم، وأنه لا يجوز له حينئذ الحلف بنفي الاستحقاق، لعدم علمه بذلك، بل لابد له من رد اليمين، وان لم يرد يقضى عليه بالنكول وبعد رد اليمين على المدعي إن لم نقل به) وإن قال متصلا بما سمعت: (لكن في إثبات ذلك إشكال، إذ لا يبعد الاكتفاء حينئذ بالحلف على نفي العلم ولا دليل على نفيه، إذ الظاهر أنه لا يجب عليه إيفاء ما يدعيه إلا مع العلم، ويمكن على هذا أن يكون عدم العلم بثبوت الحق كافيا في الحلف على عدم الاستحقاق، لان وجوب إيفاء حقه إنما يكون بعد العلم به، لكن ظاهر عباراتهم خلاف ذلك، وبعض المتأخرين احتمل قويا عدم القضاء بالنكول في الصورة المذكورة وإن قيل به في غيره، بل يجب الرد حينئذ، واحتمل الاكتفاء في الاسقاط بيمينه على عدم علمه بذلك) وهو موافق لما ذكرناه وقلنا إنه غير مناف لظاهر كلماتهم، فان مرادهم من الجزم والبت في الصورة الاولى من الانكار ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك اندفاع المناقشة بعدم الدليل على الاكتفاء في الفرض بالحلف على نفي العلم، والاصل عدم انقطاع الدعوى المسموعة بمثل هذا اليمين، سيما إذا كانت مسقطة للبينة لو أقيمت بعدها نحو يمين الانكار، فيقتصر فيما خالفه على المتيقن من النص والفتوى، وليس إلا اليمين على البت لا مطلقا، وليس في النصوص والفتاوى الدالة على سقوطها بها ما يدل على السقوط هنا، لما عرفت من أن المتبادر من

[ 214 ]

اليمين على الشئ اليمين على البت خاصة، ومقتضى ذلك عدم الاكتفاء. باليمين على نفي العلم، فينحصر قطع الدعوى وسقوطها في رد اليمين على المدعي، إن حلف أخذ، وإن نكل سقطت الدعوى، وعدم وجوب إيفاء ما يدعيه عليه إلا مع العلم مسلم فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن لا ينفع في إثبات كفاية الحلف على نفي العلم في مقام الدعوى وإسقاطها، وإن هو إلا عين النزاع. ومنه يظهر الوجه في منع كفاية عدم العلم في الحلف على نفي الاستحقاق المطلق المتبادر منه نفي الاستحقاق ولو في نفس الامر، ولا يمكنه الحلف عليه لامكانه، وعدم علمه به إنما يوجه له الحلف على عدم تكليفه في الظاهر بايفائه، لا الحلف على عدم استحقاقه في الواقع، وبينهما فرق الواضح، إذ هي كما ترى، ضرورة أن الجزم المذكور في كلامهم لايراد منه إلا الجزم في الصورة الاولى من الانكار، بمعنى أنه بعد تصريحه بالنفي الظاهر في العلم بالعدم في نفس الامر لا يجزؤه إلا اليمين على ذلك، لا ما إذا كان انكاره من أول الامر بنفي العلم. فانه يكون نحو إنكار الوارث، كما أن الوارث لو فرض إنكاره بالعدم في نفس الامر كان يمينه كذلك، ولا يجزؤه نفي العلم، ولكن لما كان الغالب فيه الاول قالوا: إن يمينه على نفي العلم، والغالب في غيره الانكار بالنفي واقعا قالوا: إن يمينه على البت. كل ذلك مضافا إلى معارضة أصل عدم سقوط الدعوى بمثل اليمين المزبورة بأصالة عدم ثبوت الحق بمثل هذه اليمين المردودة من الحاكم على المدعي، وإنما المسلم منها يمين الانكار التي امتنع عن إيقاعها مع تصريحه بالعلم بالنفي، وعن ردها لا في مثل الفرض المذكور. وترجيح الاول بموافقته لظاهر كلماته في اعتبار الجزم في الحلف - والفرض عدم إمكانه، فينحصر طريق قطع الدعوى برد اليمين من المدعى عليه أو الحاكم مع

[ 215 ]

أنه لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما بما ذكرناه - ليس بأولى من القول بترجيح الثاني بقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة) إلى آخره الظاهر في انحصار ثبوت المدعى بالبينة، فتوقت الدعوى حينئذ عليها، نحو الدعوى على ميت أو غائب أو نحوهما، بل ينبغي القطع بذلك بناء على أن الجواب بذلك ليس إنكارا، فتكون حينئذ مجرد دعوى لا منكر لها، ومعلوم انحصار ثبوتها حينئذ في البينة. إلا أن المعروف بل لم أجد خلافا بين من تعرض لهذا الفرع عدم إيقاف الدعوى على البينة، فيقتضى إدراجهم له تحت المنكر، فيتعين عليه اليمين أو ردها، وربما يرشد إلى ذلك قولهم: (يحلف الوارث على نفي العلم بالدعوى على الميت) وليس هو إلا من المنكر أيضا وإن كان جوابه لا أعلم، ومن هنا كان له رد اليمين على المدعي، فيثبت به الحق بلا خلاف ولا إشكال. وما في الرياض من (أن اكتفاءهم بذلك ثمة إنما هو من حيث عدم كون المنكر طرفا لاصل الدعوى على الغير، بل هو الطرف الاخر لها، وإنما المنكر طرف دعوى أخرى معه، وهي كونه عالما بالمدعى وثبوته على الغير في الدعوى الاولى، فحلفه على نفي العلم حقيقة حلف على نفي ما ادعى عليه على القطع في هذه الدعوى، فظهر أن حلف المنكر على القطع أبدا حتى بالنسبة إى فعل الغير مطلقا، لان ما يحلف عليه ليس هو إلا ما ينكره حقا كان أو غيره. وبذلك صرح الفاضل في التحرير - ثم قال -: ويتحصل من هذا أن متعلق الحلف ليس إلا ما تتعلق به الدعوى، وهو المتبادر من النصوص، والحلف على نفى العلم فيما نحن فيه ليس حلفا على ما تعلق به دعوى المدعي، لان دعواه ثبوت


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 216 ]

الحق في ذمته لاعلمه به، ولا تلازم بينهما، لامكان أن يدعى الحق عليه ولا يدعي عليه العلم، فحينئذ يمينه على نفي العلم لاغية لا ربط لها بما يدعيه بالكلية، فكيف يمكن أن تكون بها ساقطة، نعم لو ادعى عليه العلم بالحق حال الدعوى ايضا اتجه الاكتفاء بالحلف على نفي العلم، وسقوط أصل الدعوى بها حينئذ، لتركبها كما ذكروه في الحلف على نفي العلم بفعل الغير، ولكن الظاهر أن مثله في المقامين لا يسقط اعتبار البينة لو أقيمت بعد الدعوى عملا بعموم ما دل على اعتبارها مع سلامتها عن المعارض فيهما، لاختصاص ما دل على سقوط البينة باليمين بحكم التبادر وغيره باليمين على نفي الحق لا نفي العلم، وبالجملة الظاهر فيما نحن فيه حيث لا يدعي عليه العلم عدم الاكتفاء بالحلف على نفي العلم، بل لابد من رد اليمين على المدعي، ولا محيص في قطع الدعوى من دونه). لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا من أن المتجه مع القول بعدم كون ذلك جوابا عن الدعوى انحصار الاثبات بالبينة، إذ لامحل لرد اليمين مع عدم المنكر كي يتجه الثبوت بها، ولكن قد عرفت إمكان دعوى القطع بعدم ذلك، فليس حينئذ إلا لاندراجه في المنكر الذي عليه اليمين وله الرد، بل دعوى القطع به من حصرهم أحوال المنكر في الثلاثة قديما وحديثا. على أن المستفيض في النصوص (1) أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. ولا ريب في كونه مدعى عليه عرفا إن لم يكن منكرا فيه، بل التأمل في جميع النصوص يقتضي أن للانكار طريقين: أحدهما نفي الدعوى في نفس الامر، والاخر نفي ما يترتب عليها من وجوب الاداء ونحوه، وذلك بنفي العلم بسببها الموافق لاصالة عدم حصوله الذي هو


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 217 ]

ميزان المنكر. وبذلك يكون الوارث منكرا في الدعوى على الميت، ويكتفى منه بالحلف على نفي العلم، لتعلقه بفعل الغير الذي هو في الغالب غير معلوم للاخر، كما أن الغالب العلم بفعل نفسه وإن كان قد يعلم نفي فعل الغير، ولا يعلم نفي فعل نفسه في حال النوم أو السكر أو الصبا أو غيرها من الاحوال، وستعرف فيما يأتي أن استحقاق اليمين على الوارث بمجرد الدعوى على الميت وإن لم يدع عليه العلم، ولكن يكفي في حلفه نفي العلم، لتعلقه بفعل الغير، إلا إذا كان انكاره لاصل وقوع الفعل من الميت فيحلف على نفيه كذلك وإن كان هو خلاف ما صرح به المصنف وغيره ممن تأخر عنه. وأما فعل نفسه فان كان جوابه نفيه في الواقع اعتبر في يمينه كونها على عدمه في نفس الامر وإن كان على عدم العلم به كفى إيقاعها على ذلك في إسقاط ما يترتب على الدعوى. والمراد باعتبار الجزم في اليمين في صورة كون الانكار جزما لا مطلقا حتى في الوارث، واستثناء الاصحاب له مبني على الغلبة المزبورة، كاعتبارهم الجزم في نفي فعل نفسه. وبذلك كله ظهر لك أن الجواب بعدم العلم إنكار، فيتوجه عليه اليمين وله رده، نعم قد يقال بعدم اقتضائها سقوط البينة لو أقيمت بعد ذلك بناء على ظهور ما دل على الاسقاط في اليمين الذي يكون متعلقها النفي في نفس الامر، لا أقل من الشك، فيبقي عموم ما دل على قبولها بحاله. بل لعل التأمل الصادق يقضي بغرابة اشتباه الحال على أمثال هؤلاء الافاضل خصوصا السيد في الرياض الذي قد جزم بما سمعت.

[ 218 ]

بل عن جامع المقاصد في باب الوكالة فيما لو ادعى أنه وكيل فلان الغائب في تزويجه فلانة فعقد عليها ثم إن الغائب مات وادعت ذلك على الورثة وقالوا: لا ندري أنها تحلف وترث. بل قيل: إنهم قالوا في باب الطلاق: إن الزوج لو ادعى أن الطلاق متأخر عن وضع الحمل فهي الان في عدة وقالت الزوجة: لا أدري أن له الرجعة، ولا تقبل دعواها وبالعكس، إلا أنا لم نتحقق ذلك، بل ربما كان غير ما نحن فيه، وعلى فرضه فالاشتباه غير عزيز. كل هذا مع أنه قد يقال بجواز الحلف على مقتضى الامارات الشرعية كما أومأ إليه الصادق (عليه السلام) في خبر حفص بن غياث (1) (قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز أن أشهد أنه له ؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أفيحل الشراء منه، قال: نعم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ؟ وتقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه، ولايجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) مع أن ما ورد في التأكيد من اعتبار العلم في الشهادة وأنك لا تشهد إلا على مثل الشمس (2) أشهد مما ورد في اليمين. اللهم إلا أن يفرق بين ما هو مقتضى اليد ونحوها من الامارات الشرعية وبين ما هو مقتضى نحو أصل البراءة والعدم ونحوهما مما هو كالمعلوم من الشرع عدم جواز الحلف على مقتضاهما، خصوصا بعد


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الشهادات.

[ 219 ]

استفاضة النصوص (1) بعدم جواز الحلف إلا على العلم. وعلى كل حال فلا ريب في أن التأمل الصادق في النصوص والفتاوى يقتضي كون الحكم في أصل المسألة ما عرفت من الاكتفاء بيمين نفي العلم أو انحصار الحق بالبينة، وخصوصا في نحو ما لو ادعى رجل على مال في يد رجل أنه سرق منه وبيع عليه، فقال من في يده المال: إنى لا أعلم بذلك ولكن اشتريته من يد رجل مسلم، إذ هو كالمقطوع بأن القضاء بينهما بأن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه بمجرد القول المزبور، وإن اعترف المدعي بعدم علم المدعى عليه بحقيقة الحال، وأنه لا يكون القضاء في ذلك برد اليمين على المدعي أو انحصار ثبوت حقه بالبينة على وجه بحيث لو أراد رد اليمين عليه لم يثبت به حق، لعدم كونه منكرا يتوجه عليه اليمين حتى يصح له رده عليه. نعم قد يفرق بين هذا وبين الفرض باعتبار الاستناد هنا إلى مقتضى اليد التي جعلها الشارع سببا للحكم بالملك على وجه تجوز الشهادة به والحلف عليه وإن قال مع ذلك: ما أدري بصدق المدعي أو كذبه، بخلاف دعوى الدين التي لا مستند لقوله لا أدري إلا الاصل الذي لا يجوز الحلف على مقتضاه بعنوان البت، لعدم سببيته من الشارع فيه على نحو اليد، فتأمل، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الايمان.

[ 220 ]

(مسائل تتعلق بالحكم على الغائب) الذي لا إشكال ولا خلاف بيننا في مشروعية الحكم عليه في الجملة بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى خبري جميل (1) ومحمد بن مسلم (2) المتقدمين سابقا، بل قيل: والنبوي (3) المستفيض أنه قال لهند زوجة أبى سفيان بعد أن ادعت أنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وكان أبو سفيان غائبا والمروي عن أبى موسى الاشعري (4) (كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا حضر عنده خصمان فتواعد الموعد فوافى أحد هما ولم يف الاخر قضى للذي وفى على الذي لم يف) أي مع البينة، وصحيح زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي يقول فيه في الغاصب وأكل مال اليتيم والامين: (وإن وجد له شيئا باعه غائبا كان أو شاهدا). وحينئذ فما في خبر أبي البختري (6) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (لا يقضى على غائب) محمول على إرادة عدم الجزم بالقضاء عليه على وجه لا تسمع حجته إذا قدم أو غير ذلك. نعم هل يشترط في الحكم عليه دعوى جحوده كما في القواعد التوقف فيه، قال: (فان شرطناه لم تسمع دعواه لو اعترف بأنه معترف، ولو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) سنن البيهقي - ج 10 ص 141. (4) كنز العمال - ج 5 ص 507 - الطبع الحديث. (5) و (6) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 - 4.

[ 221 ]

لم يتعرض لجحوده سمعت) بل عن التحرير الجزم بعدم سماع بينته إلا لاخذ المال لو اعترف باعترافه، ومرجعه إلى اشتراط ادعاء الحجود إذا طلب الحكم دون المال، والتردد إذا لم يتعرض لجحوده من اشتراط سماعها به ولم يعلم، ومن تنزيل الغيبة منزلة السكوت النازل منزلة الجحود، لاحتماله الجحود في الغيبة وإن لا يقدر بعد على الاثبات إذا ظهر الجحود. ولكن لا يخفى عليك إطلاق النص والفتوى ومعقد الاجماع، وما في الخبرين من أنه على حجته إذا قدم لا يقتضي اشتراط دعوى جحوده في الحكم، نعم قد يتوقف في صورة العلم باعترافه بناء على اشتراط الخصومة في مطلق القضاء على الحاضر، وقد عرفت الكلام فيه سابقا والمتيقن من الخبرين غير المفروض، نعم إشكال في تناولهما غير معلوم الحال، كما هو واضح. المسألة (الاولى:) (يقضى على من غاب عن مجلس القضاء مطلقا مسافرا) كان بلا خلاف اجده فيه ولو دون المسافة، إلا ما يحكى عن يحيى بن سعيد فاعتبرها، وإطلاق النص والفتوى حجة عليه، بل وإطلاق الامر (1) بالحكم بالبينات وبالقسط والعدل ونحو ذلك مع عدم الضرر على المحكوم عليه بعد أن كان هو على حجته، ودعوى انسياق بلوغ المسافة من الغائب ممنوعة. بل مقتضى ما سمعت جواز الحكم عليه (و) إن كان (حاضرا)


(1) سورة النساء: 4 - الاية 58 وسورة المائدة: 5 الاية 42 وسورة ص: 38 الاية 26 والوسائل - الباب - 1 و 2 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 222 ]

لم يتعذر عليه الحضور نحو سماع البينة عليه بعد المرافعة وإن لم يكن حاضرا عند الشهادة بلا خلاف أجده فيه، نعم لو كان في المجلس لم يقض عليه إلا بعد علمه كما في الدورس. (وقيل) كما عن المبسوط وتعليق الارشاد: (يعتبر في الحاضر حضوره مجلس الحكم) اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن الذي هو محل ضرورة. وفيه أن الاصل مقطوع بما عرفت، وما في الخبرين (1) من أنه على حجته إذا قدم لا يقتضي اختصاص الغائب بذلك، على أن الخصم قد سلم شموله للحاضر المتعذر عليه الحضور، مضافا إلى ما سمعته من خبر أبي سفيان (2) بناء على أنه من الحكم عليه بما سمعت، وقد قيل: إنه كان حاضرا بمكة وكذا خبر أبي موسى الاشعري (3) بل وصحيح زرارة (4) كل ذلك مع الانجبار بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك بناء على عدم قدح مثل الخلاف المزبور فيه، والله العالم. المسألة (الثانية:) (يقضى على الغائب في حقوق الناس كالديون والعقود) والايقاعات والاحكام وغيرها لانها مبنية على الاحتياط مضافا إلى ما سمعت. (ولا يقضى) عليه (في حقوق الله تعالى ك‍) الحد المترتب على (الزنا واللواط، لانها مبنية على التخفيف) لغنائه عنها، ولذا درئت بالشبهة التي يكفي فيها احتمال أن للغائب حجة تفسد الحجة التي


(1) و (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 2. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 141. (3) كنز العمال - ج 5 ص 507 - الطبع الحديث.

[ 223 ]

قامت عليه بها بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل نسبه غير واحد إلى فتوى الاصحاب. (و) حينئذ ف‍ (لو اشتمل الحكم) المدعى به (على الحقين) المعينين (قضى بما يخص الناس) دون حق الله، وذلك (كالسرقة) تقوم بها البينة على الغائب ف‍ (يقضى) بها (بالغرم) دون القطع، لما عرفت. ولكن في المتن (وفي القضاء بالقطع تردد) لانهما معلولا علة واحدة، فلا وجه لتبعيض مقتضاها، ولم نجده لغيره، بل هو مناف لجزمه السابق إن كان المراد من إطلاقه ما يشمل المقام. بل في المسالك (أن باقي الاصحاب قطعوا بالفرق وانتفاء القطع نظرا إلى وجود المانع من الحكم في أحدهما دون الاخر، وتخلف أحد المعلولين لمانع واقع كثيرا، ومنه في هذا المثال لو أقر بالسرقة مرة، فانه يثبت عليه المال دون القطع، ولو كان المقر مجحودا عليه في المال ثبت الحكم في القطع دون المال، والاصل فيه أن هذه ليست عللا حقيقية، وإنما هي معرفات الاحكام). وربما نوقش بأنها وإن كانت معرفات إلا أنه يجري عليها حكم العلل التامة، وعلى ذلك مبنى حجية منصوص العلة، والتخلف في المثال المزبور باعتبار حصول العلة الشرعية في ثبوت أحدهما دون الاخر المفروض فيه اعتبار الحضور مع البينة وتعدد الاقرار، كما أنه علة تامة في المال الموجود مع صدوره من غير المحجور عليه فيه. وبالجملة لا فرق بين العلل الشرعية والعقلية بالنسبة إلى ذلك، والاختلاف هنا لاختلاف العلل، وهو جيد إن كان مرجعه إلى ما ذكرناه من درء الحد بالشبهة المتحققة في المقام. ومن هنا يتجه الاقتصار على

[ 224 ]

عدم القضاء به خاصة، أما الفسق ونحوه فهو ثابت وإن لم يكن من المال، وإلا فلا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم دليل بالخصوص في اعتبار الحضور في القضاء بغير حقوق الناس في الغائب، خصوصا بعد استدلال غير واحد منهم بالعموم الصالح لشمول الفرض، فليس حينئذ إلا ما ذكرناه، فتأمل جيدا. المسألة (الثالثة) (لو كان صاحب الحق غائبا) وله وكيل (فطالب الوكيل) الغريم بما عليه (فادعى الغريم التسليم إلى الموكل ولا بينة) له (ففي الالزام) له بالتسليم (تردد بين الوقوف في الحكم، لاحتمال الاداء، وبين الحكم وإلغاء دعواه، لان التوقف يؤدي إلى تعذر طلب الحقوق بالوكلاء، و) لاريب في أن (الاول) أي الالزام بذلك (أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها عدم دفع الحق المقطوع به شرعا بالمحتمل، والتضرر مع أنه معارض باحتمال مثله أيضا لا يلتفت إليه بعد أن كان هو مقتضى ظاهر الشرع، نعم قد يقال بلزوم التكفيل لو طلبه الدافع، ضرورة مساواته لما في الخبرين (1) من التكفيل على المدعى على الغائب بعد إقامة البينة أو أولويته منه جمعا بين الحقين ورفعا للنزاع من البين ومصلحة للجانبين، وحينئذ فإذا حضر الموكل أو أقيمت عليه البينة أو نكل عن اليمين استعيد المال وإلا فلا، كما هو واضح.


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 225 ]

(المقصد الرابع) (في كيفية الاستحلاف، والبحث في أمور ثلاثة): (الاول في اليمين) (و) خلاف في أنه (لا يستحلف أحد) لايجاب حق أو إسقاطه (إلا بالله) تعالى شأنه (ولو كان كافرا) بانكار أصل واجب الوجود نعوذ بالله فضلا عن غيره، بلا خلاف أجده في ذلك نصا وفتوى. قال في محكي المبسوط: (وإن كان وثنيا معطلا أو كان ملحدا يجحد الوحدانية لم يغلظ عليه، وعندي أن الوثني والملحد يستحلف بالذي يعبده ويعتقد أنه الخالق والرازق أو أنه الرازق، اعتقد وحدته أو تعدده أو باحدى العبارتين، وإن قيل له إن الله هو الخالق الرازق واستحلف بالله ثانيا كان أولى، واقتصر على قوله: والله، فان قيل كيف حلفته بالله وليست عنده بيمين قلنا: ليزداد إثما ويستوجب العقوبة) انتهى. وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح سليمان بن خالد (1) وحسن الحلبي (2): (أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس لا يحلفون إلا بالله) وخبر سماعة (3) (سأله هل يصلح لاحد أن يحلف أحدا من


(1) ليس لسليمان بن خالد في المقام خبر غير ما سيأتي نقله آنفا. (2) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الايمان - الحديث 3 واللفظ مصطاد من صحيحة سليمان بن خالد الاتي وحسن الحلبي. (3) الوسائل الباب - 32 - من كتاب الايمان الحديث 5.

[ 226 ]

اليهود والنصارى والمجوس بآلتهم ؟ قال: لا يصلح لاحد أن يحلف إلا بالله تعالى) وقوله (عليه السلام) في صحيح سليمان بن خالد (1) (لا تحلفوا اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي بغير الله، إن الله عزوجل يقول: فاحكم بينهم بما أنزل الله) (2) وفي خبر الجراح المدائني (3) (اليهودي والنصراني والمجوسي لا تحلفوهم إلا بالله عزوجل). بل مقتضى الاطلاق ذلك وإن تراضى الخصمان على الحلف بغيره، نعم ظاهر النص والفتوى عدم اعتبار إضافة شئ من صفات الذات أو الافعال إلى الاسم في ترتب الاثر. (و) لكن (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (لا يقتصر في المجوس على لفظه الجلالة، بل يضم إلى هذه اللفظة الشريفة ما يزيل) هذا (الاحتمال) كخالق الظلمة والنور كما في الدروس و (كل شئ) كما في اللمعة (لانه سمى النور إلها) فيحتمل إرادته من المعروف، فلا يكون حالفا بالله تعالى شأنه، وعن فخر المحققين الميل إليه، لتوقف الجزم بالحلف منه على ذلك، بل هو ظاهر الشهيد في الدروس أو صريحه وكذا اللمعة، وهو مناف لما عرفت من الاطلاق المزبور، واحتمال عدم قصده ذلك بل العلم به بعد أن كان الواجب عليه شرعا ذلك لا يقدح، لان المدار في ثبوت الاثر دنيا وآخرة على نية المحلف لا الحالف، فلا يجديه قصده المزبور بعد أن يذكر له أن المراد منه شرعا الحلف بالله تعالى واجب الوجود، على أن الاضافة المزبورة لا يقتضي قصده ذلك، لانه لا يعتقد كونهما مخلوقين له فلا إله عنده كذلك، وكذا خالق كل شئ.


(1) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الايمان الحديث 1 - 2. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 48.

[ 227 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا يجوز الاحلاف بغير أسماء الله سبحانه كالكتب المنزلة والرسل المعظمة والاماكن المشرفة) ونحوها فضلا عن غيرها بلا خلاف أجده للنصوص المزبورة (1) والنبوي (2) (لا تحلفوا إلا بالله) وصحيح ابن مسلم (3) (قلت لابي جعفر (عليه السلام): قول الله: والليل إذا يغشى والنجم إذا هوى وما أشبه ذلك فقال: إن لله عزوجل أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به) ونحوه قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (4): (لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله) بل عن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) (من حلف بغير الله فقد أشرك) وفي آخر (6) ((فقد كفر). بل ظاهر العبارة وغيرها ترتب الاثم بذلك زيادة على عدم انقطاع الدعوى، بل كاد يكون صريح الدروس والروضة، حيث قالا: (وفي تحريمه في غير الدعوى نظر، من الخبر والحمل على الكراهة، أما بالطلاق والعتاق والبراءة فحرام قطعا). وحينئذ فلا يجوز حتى مع التراضي به وإن أدرجاه في عقد شرعي كالصلح ونحوه على معنى صلح المدعي عن حلف المنكر مثلا بالقسم بغير الله باسقاط الدعوى، ضرورة كونه في مقام الدعوى، كالصلح عنه بالحلف بالطلاق الذي هو محرم في نفسه في غير الدعوى. وفي التحرير (ولا يجوز الاحلاف بشئ من ذلك، لانه بدعة، وكذا لا يجوز بالقرآن ولا بالبراءة من الله تعالى ولا من رسوله (ص) ولا


(1) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الايمان. (2) المستدرك - الباب - 24 - من كتاب الايمان - الحديث 6 وسنن البيهقي ج 10 ص 29. (3) و (4) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الايمان - الحديث 3 - 4. (5) و (6) المستدرك - الباب - 24 - من كتاب الايمان - الحديث 2 وسنن البيهقي ج 10 ص 29.

[ 228 ]

من أحد من الائمة (عليهم السلام) ولا من الكتب المنزلة، ولا يجوز الحلف بالولا بالعتق ولا بالطلاق). لكن في المسالك والمراد بعدم الجواز هنا بالنظر إلى الاعتداد به في إثبات الحق، أما جواز الحلف في نفسه بمعنى عدم الاثم به ففيه وجهان من إطلاق الاخبار النهي عنه المقتضى للتحريم، ومن إمكان حمله على الكراهة) وتبعه في الكفاية، بل ظاهره كون الوجهين في الاثم به في الدعوى وإن لم يترتب عليه أثر، وهو غير ما سمعته من الدروس والروضة من كونهما في الحلف بغير الله تعالى في غير الدعوى الشامل للتأكيد في الاخبار عن شئ فضلا عن غيره وإن كان الانصاف عدم وجه معتد به للتردد في ذلك، خصوصا بعد السيرة المستمرة في سائر الاعصار والامصار من العلماء والعوام من القسم بغير الله في نحو ذلك، بل قوله تعالى (جهد أيمانهم) (1) مشعر بوجود أيمان بغيره تعالى، بل يخطر في بالي وجود القسم في النصوص (2) بغير الله تعالى شأنه. وفي محكي المبسوط أن الحلف بغيره تعالى مكروه، وعن أبي علي لا بأس أن يحلف الانسان بما عظم الله من الحقوق، لان ذلك من حقوق الله عزوجل كقوله: (وحق رسول الله) (وحق القرآن) ثم ذكر نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الحلف بغير الله وبالاباء (3) واحتمل أن يكون ذلك لاشراك آبائهم. (و) على كل حال ففي المتن وغيره (لو رأى الحاكم) أن (إحلاف الذمي بما يقتضيه دينه أردع جاز) نعم في اللمعة والروضة إلا أن يشتمل على محرم، كما لو اشتمل الحلف على الاب والابن تعالى الله


(1) سورة المائدة: 5 الاية 53. (2) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الايمان - الحديث 6 و 7. (3) سنن البيهقي - ج 10 ص 28 و 29.

[ 229 ]

عن ذلك، ولعله لخبر السكوني (1) (أن أمير المؤمنين (عليه السلام) استحلف يهوديا بالتوراة التي أنزلت على موسى (عليه السلام)) ولكن مع ضعفه واحتمال اختصاص ذلك بالامام (عليه السلام) كما عن الشيخ في التهذيب أو بواقعة خاصة، أو الحلف بمن أنزلها عليه أو الغلظ بذلك مع الحلف بالله تصلح معارضة (2) للنصوص السابقة في ذلك، فضلا عن التعدية من مضمونها إلى غيره، على أنها لو صلحت لاثبات ذلك لم يختص بما إذا رآه الحاكم، بل لو اقترحه المدعي اجيب إليه. وأما صحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (سألته عن الاحكام، فقال: في كل دين ما يستحلفون به) وعن بعض النسخ (ما يستحلون به) وعلى التقديرين فهو مجرد إخبار عن شرائعهم، لا أن المراد منه جواز الحلف بغير الله كي ينافي النصوص السابقة، وكذا خبر محمد بن قيس (4) قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قضى علي (عليه السلام) في من استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحلفه بكتابه وملته) بناء على اختصاصه بالامام (عليه السلام) إذا علم أن ذلك أردع لهم كما عن الشيخ، بل ربما احتمل كون المجرورين في (كتابه) و (ملته) راجعين إلى من استحلف، فتوافق الاخبار السابقة. (وعلى كل حال (يستحب للحاكم تقديم العظة على اليمين والتخويف من عاقبتها) بذكر ما ورد من ذلك له من الترغيب في الترك والتخويف من الفعل، وأنها إذا وقعت كاذبة تدع الديار بلاقع (5) وأنه مبارز لله تعالى (6) ويخشى عليه من انقطاع النسل والفقر في عقبه (7)


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 2 - من كتاب الايمان - الحديث 4 - 7 - 8. (2) هكذا في النسخة الاصلية، والصحيح " لا يصلح معارضا " وكذلك الضمائر التي تليه فانها ترجع إلى خبر السكوني. (5) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الايمان الحديث 12 - 4. (7) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الايمان الحديث 1 و 7.

[ 230 ]

بفي بعض النصوص (1) أن الحالف بالله صادقا آثم إلى غير ذلك مما ورد (2 من التوعد على وقوعها كاذبا والترغيب في تركها تعظيما (3) لله، كما روي (4) (أن حضرميا ادعى على كندي في أرض من اليمن أنه اغتصبها أبو الكندي فتهيأ الكندي لليمين، فقال (صلى الله عليه وآله): لا يقطع أحد مالا بيمين إلا لقى الله أجذم، فقال الكندي: هي أرضه). (ويكفي أن يقول: والله ما له قبلي حق) لاطلاق الادلة (و) إن كان (قد يغلظ اليمين بالقول والزمان والمكان لكن ذلك غير لازم ولو التمسه المدعي، بل هو مستحب) لخصوص الحاكم (استظهارا في الحكم) خلافا لابي حنيفة، فلا يرى بالمكان تغليظا، وللشافعي فيراه شرطا، ولا يغلظ على المخدرة بحضور الجامع ونحوه، وفاقا لمحكي النهاية والتحرير، خلافا لما عن المبسوط من أنها كالبرزة، ثم البرزة إن كانت طاهرة حضرت المسجد وإلا فعلى بابه. وكيف كان فلا ينافي ذلك ما ستسمع من عدم وجوب ذلك على المدعى عليه، بل ربما قيل برجحان اختياره لليمين المخففة، وما عن بعض العامة من استحبابه للحالف واضح الضعف، كوضوح ما عن آخر منهم من وجوب التغليظ إذا التمسه المدعي، نعم قد يقال: إنه لا فائدة في رجحانه للحاكم بعد فرض عدم وجوب التزام الحالف به، ويدفعه أن ذلك لا ينافي استحبابه له، على أنه قد يعتبر به، بل ربما كان له طريق إلى إلزامه ببعض أفراد التغليظ، كما ستعرفه.


* (1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الايمان الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الايمان. (3) الوسائل - الباب - 1 و 3 - من كتاب الايمان. (4) سنن البيهقي ج 10 ص 180.

[ 231 ]

وكيف كان (فالتغليظ بالقول مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية ما لهذا المدعي علي شئ مما ادعاه). (ويجوز التغليظ بغير هذه الالفاظ مما يراه الحاكم) بحسب الاشخاص، وستسمع ما كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) في يمين الاخرس (1) وعنه (عليه السلام) (2) (أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه برئ من حول الله وقوته، فانه إذا حلف فيها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لم يعاجل، لانه وحد الله سبحانه وتعالى). (وبالمكان كالمسجد والحرم وما شاكله من الاماكن المعظمة) والحضرات المشرفة وغيرها، وخصوصا منبر النبي (صلى الله عليه وآله) فعنه (صلى الله عليه وآله) (3) (من حلف على منبري هذا يمينا كاذبة تبوأ مقعده من النار) وفي آخر (4) (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار) وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضا (5) (من حلف على منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). (وبالزمان كيوم الجمعة والعيد) وشهر رمضان (وغيرها من الاوقات المكرمة) المشار إليها بقوله تعالى (6): (تحبسونهما من


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 33 - من كتاب الايمان - الحديث 2. (3) و (4) سنن البيهقي ج 10 ص 176. (5) مجمع الزوائد: ج 3 ص 307. (6) سورة المائدة: 5 - الاية 106.

[ 232 ]

بعد الصلاة) المفسر بما بعد صلاة العصر، وعنه (صلى الله عليه وآله) (1) (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل تابع إمامه فان أعطاه وفي له به، وإن لم يعطه خانه، ورجل حلف بعد العصر يمينا فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم...) (ويغلظ على الكفار بالاماكن التي يعتقد شرفها والازمان التي يرى حرمتها) كالبيع والكنائس، لما تسمعه من خبر الحسين بن علوان (2) المؤيد بالاعتبار المشتمل على بيوت النار التي ربما احتمل عدم التغليظ فيها لعدم حرمتها عند الله، بخلاف البيع والكنائس، ولكن فيه أن العبرة، ارتداع الحالف بما يعتقده معظما، نعم ربما قيل: إنهم إنما يعظمون النار لا بيوتها، إلا أن الظاهر خلافه، ولعل من ذلك بيوت الاصنام للوثني، لكن قيل: إنهم لم يعتبروها. وكذا يغلظ عليه بالاقوال التي يرى حرمتها كالكلمات العشر، وقد روي (3) (أنه (صلى 4 الله عليه وآله) حلف يهوديا بقوله: والله الذي أنزل التوراة على موسى) وفي آخر (4) (أنه (صلى الله عليه وآله) قال لابن صوريا: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون وأنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل في التوراة الرجم على من أحصن ؟ - وفي آخر (5) أنشدكم بالله الذي نجاكم من آل فرعون وأقطعكم البحر وظلل


(1) سنن البيهقي ج 10 ص 177 مع اختلاف يسير. (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2. (3) و (5) سنن ابي داود - ج 2 ص 281 - ط عام 1371. (4) مجمع البيان ذيل الاية 41 من سورة المائدة.

[ 233 ]

عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى أتجدون في كتابكم الرجم ؟ - فقال ابن صوريا: ذكرتني بعظيم لا يسعني أن أكذبك) إلى غير ذلك من أحوال التغليظ التي يراها الحاكم. (ويستحب) للحاكم (التغليظ في الحقوق كلها وإن قلت) استظهارا (عدا المال فانه لا يغلظ فيه بما دون نصاب القطع) على المشهور، كما في المسالك، بل في الرياض نفي الخلاف فيه، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، وأن في الخلاف الاجماع عليه، وفي المبسوط أنه الذي رواه أصحابنا، لكن في الاول (ذكروا أنه مروي وما وقفت على مستنده، وللعامة اختلاف في تحديده بذلك أو بنصاب الزكاة وهو عشرون دينارا أو مأتا درهم، وليس للجميع مرجع واضح). قلت: لعله - مضافا إلى ما سمعت - المرسل أو الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) عنها (ع) جيمعا (لا يحلف أحد عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) على أقل مما يجب فيه القطع) بناء على قراءته بالتشديد وإرادة مطلق التغليظ من الحلف عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) نعم لم نقف على عموم يقتضى استحبابه كذلك على كل أحد، وإنما الذي وقفنا عليه التغليظ في واقعة الاخرس (2) وفي يمين الاستظهار (3) وخبر الحسين بن علوان (4) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (أن عليا (عليه السلام) كان يستحلف اليهود والنصارى في بيعهم وكنائسهم والمجوس في بيوت نيرانهم، ويقول:


(1) و (4) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 2. (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 234 ]

شددوا عليهم احتياطا للمسلمين) وما عساه يظهر من فحوى المرسل أو الصحيح المزبور. (فرعان:) (الاول:) (لو امتنع عن الاجابة إلى التغليظ لم يجبر، ولم يتحقق بامتناعه النكول) بلا خلاف أجده فيه إلا عند من ستعرف، للاصل بعد إطلاق ما دل على كون الواجب الحلف بالله من قوله (عليه السلام) (1): (من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله) وغيره. خلافا للمحكي عن بعض العامة من وجوب الاجابة عليه) وتحقق النكول بالامتناع لو طلبه الحاكم منه، ولعل وجهه انه لا فائدة في استحبابه للحاكم مع فرض عدم وجوبه على المدعى عليه، مضافا إلى استمرار السيرة على توجيه اليمين مغلظة على المنكر مثلا مع عدم إخباره بعدم وجوبه عليه وإجراء حكم النكول عليه مع احتمال كونه لتغليظه لا لاصله، إلا أن ذلك كله كما ترى. وعن آخر منهم تخصيصه بالتغليظ الزماني والمكاني دون القولي الذي هو من جنس المأتي به، فلم يكن تركه مخالفا للحاكم بخلاف الاخرين، وفيه أن يمكن أن يكون الامر بالعكس، ضرورة تعدد أفراد اليمين، فمتى وجه الحاكم أحدها جرى حكم النكول وغيره عليها، ولذا حكم على الاخرس


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الايمان - الحديث 3.

[ 235 ]

بالامتناع من شربها وقد كانت مغلظة، وقد تقدم الخبر (1) المتضمن ليمين الاستظهار مغلظة وأنه إن لم يحلف كذلك لا حق له، بخلاف اقتراح الزمان والمكان، أللهم إلا أن يكون من جهة جواز تأخير المدعي دعواه مثلا إلى الزمان المراد به، وكذا المكان المزبور لو فرض اتفاق وجود المدعى عليه فيه، أو استعدى الحاكم فيه وهو غير ما نحن فيه، كما هو واضح. لكن في كشف اللثام الموافقة على ذلك، فلم يجوز الجبر في التغليظ القولي. قال: (أما بالزمان والمكان فيجبر عليهما، فان اليمين حق للمدعي لا يحلف إلا إذا حلفه، والمستحلف إنما هو الحاكم، فأينما يحلفه وجب عليه الحلف). قال في المبسوط: (ولا يجلب إلى مكة أو المدينة ليستحلف، بل يستحلفه الحاكم في الموضع الشريف في مكانه، فان امتنع بجند أو بعز استحضره الامام ليستحلفه في المكان الاشرف، أللهم إلا أن يكون بالقرب من موضعه - وقيل: بلد الامام - قاض يقدر عليه فيستحضره ذلك القاضي، ويستحلفه في المكان الشريف). قلت: ولكن لا يخفى عليك أن هذا ونحوه ليس جبرا على التغليظ المفروض عدم وجوبه عليه من حيث كونه كذلك، إلا أن الامر سهل بعد وضوح المراد. ولو ادعى العبد - وقيمة أقل من نصاب القطع - العتق فأنكر مولاه لم يغلظ، ولو رد فحلف العبد غلظ عليه، لان العتق ليس بمال، ولا المقصود منه المال.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 236 ]

الفرع (الثاني:) (لو حلف) أن (لا يجيب إلى التغليظ فالتمسه خصمه لم تنحل يمينه) لانه مرجوح من طرفه وإن استحب للحاكم، ضرورة عدم التلازم بينهما، فينعقد حينئذ على تركه، ولا دليل على جواز حله منه أو من الحاكم، وحق المستحلف متأخر عن لزوم اليمين، وما ورد (1) من أن طرو أولوية المحلوف على تركه تبيح الحل لا تجدي، إذ لا أولوية للحالف وإن التمسه الخصم أي طلبه منه. هذا ولكن في الدروس (ولو حلف على عدمه ففي انعقاد يمينه نظر، من اشتمالها على ترك المستحب، ومن توهم اختصاص الاستحباب بالحاكم). وفيه أنه لا خلاف أجده في اختصاص الاستحباب به، بل في الرياض نسبته إلى ظاهر النص والفتوى بخلاف من عليه الحلف، فان الارجح له تركت التغليظ، بل الارجح له ترك الحلف بالله، كما في الخبر (2) قال: (حدثني أبو جعفر (عليه السلام) أن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج - إلى أن قال -: قضى لابي أنه طلقها فادعت عليه صداقها فجاءت به إلى أمير المدينة تدعيه، فقال أمير المدينة: يا علي إما أن تحلف وإما أن تعطيها، فقال: يا بني اعطها أربعمائة دينار، فقلت له: يا أبت جعلت فداك ألست محقا ؟ قال: بلى ولكني أجللت الله أن أحلف يمين صبر). وخصوصا إذا كان المدعى به ثلاثين درهما، للخبر (3) أيضا (إذا ادعى عليك مال ولم يكن له عليك بينه فأراد أن يحلف فان بلغ مقدار


(1) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب الايمان. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الايمان الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الايمان - الحديث 1.

[ 237 ]

ثلاثين درهما فاعطه ولا تحلف، وإن كان أكثر من ذلك فاحلف وتعطه). ومن هنا قال في كشف اللثام معرضا بما سمعته من الدروس: (واحتمال عدم انعقاد اليمين باستحباب التغليظ في غاية الضعف) نعم لا تنعقد يمينه مع فرض وجوب الاجابة إليه فيما ذكرناه من الصورة السابقة وهي ما لو أخر المدعي دعواه إلى الزمان أو المكان الشريفين فطلبه وطلبه الحاكم، وفي كشف اللثام هنا (أما التغليظ القولي فقد عرفت أنه لا يجبر عليه بلا يمين فمعها أولى، وأما الزماني والمكاني فالظاهر أنه ليس للحالف ولا الحاكم التأخر لهما إذا طالب المدعي، إذ ربما يضيع الحق) ولعله يريد ما ذكرنا وإلا فقد عرفت فيما مضى خروجه عن مفروض المسألة فتأمل. هذا ولكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد من إشكال، ضرورة إمكان منع الكراهة في اليمين بالله بعد وجوبها عليه للمدعي، وخصوصا في نحو دعوى قصاص الاطراف، بل وكذا المغلظة منها بعد أمر الحاكم بها كذلك للاستظهار المأمور به استحبابا الذي يحصل بوقوعه من الحالف أو عدمه، بل لا يخفى استبعاد رجحان التغليظ للحاكم على وجه يأمر به من عليه اليمين مع استحباب عدمه من الحالف وإن كان مخالفا للحاكم الذي لا ينبغي أن يأمره بما هو مكروه في حقه، كما هو مقتضى القول المزبور، والله العالم. (و) كيف كان فالمشهور أن (حلف الاخرس بالاشارة) المفهمة كغيره من انشائه عقدا أو إيقاعا وإقرارا، بل قد عرفت الاجتزاء بها في تكبيره وتلبيته وغير ذلك مما تقدم البحث فيه في العبادات وغيرها (1) بل قد تقدم هناك تحرير موضوعه.


(1) راجع ج 9 ص 315 - 319 وج 32 ص 60 - 61.

[ 238 ]

(و) ذكر المنصف هنا أنه (قيل): حلفه بخصوص (وضع يده على اسم الله في المصحف أو يكتب اسمه سبحانه ويوضع يده عليه) إن لم يوجد المصحف. (وقيل: يكتب) صورة (اليمين في لوح) مثلا (ويغسل ويؤمر بشربه بعد إعلامه، فان شربه كان حالفا، وإن امتنع ألزم الحق استنادا إلى حكم علي (عليه السلام) في واقعة الاخرس) المشهورة المروية في صحيح محمد بن مسلم (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه دين فأنكر ؟ فقال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بأخرس فادعي عليه فأنكر ولم يكن للمدعي بينة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بلغت للامة جميع ما تحتاج إليه، ثم قال: ائتوني بمصحف فأتي به، فقال للاخرس: ما هذا فرفع رأسه إلى السماء وأشار إلى أنه كتب الله تعالى، ثم قال: ائتوني بوليه، فأتي له بأخ فأقعده إلى جنبه، ثم قال: يا قنبر علي بدواة وصحيفة، فأتاه بهما، ثم قال لاخ الاخرس: قل لاخيك: هذا بينك وبينه أنه علي، فتقدم إليه بذلك، ثم كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) والله الذي لاإله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السر والعلانية أن فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان أعني الاخرس حق ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الاسباب، ثم غسله وأمر الاخرس أن يشربه، فامتنع فألزمه الدين). لكن لم أعرف القولين لاحد من أصحابنا وإن نسب الاول إلى النهاية، ولكن الموجود فيها (وإذا أراد الحاكم أن يحلف الاخرس حلفه


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 239 ]

بالاشارة والايماء إلى أسماء الله تعالى وبوضع يده على اسم الله في المصحف، ويعرف يمينه على الانكار كما يعرف إقراره وإنكاره، وإن لم يحضر المصحف وكتب اسم الله ووضعت يده عليه جاز، وينبغي أن يحضر معه من له عادة بفهم أغراضه وإيمائه وإشارته، وقد روي أن يكتب) إلى آخر، وهو كالصريح في عدم اختصاص ذلك وأن المدار على الاشارة التي أحد أفرادها ذلك. والثاني إلى ابن حمزة، لكن الموجود في وسيلته (والاخرس يتوصل الحاكم إلى معرفة إقراره وإنكاره وإلى تعريفه حكم الحادثة بالاشارة، واحضر مجلس الحكم من يفهم أغراضه وأمكنه إفهامه، وإذا أراد تحليفه إذا توجه عليه وضع يده على المصحف وعرفه حكمها وحلفه بالايماء إلى أسماء الله تعالى، وإن كتب اليمين على لوح ثم غسلها وجمع الماء في شئ وأمره بشربه جاز، فان شرب فقد حلف، وإن أبى ألزمه الحق). وهي أيضا صريحة في عدم تعيين ذلك. ومن هنا حكي عن المقداد نفي البعد عنه، قال: (فان الاشارة لا تنافيه، بل هذا أحد جزئياتها). لكن لا يخفى عليك أن ظاهر العبارة يقتضي اعتبار الخصوصية المزبورة، واحتمال كون المراد منها الجواز بعيد، إلا أنه عليه يكون المشهور عدم جوازه بذلك، لكونه ليس من أفراد الاشارة، وتحمل الصحيحة حينئذ على قضية في واقعة كما في التحرير أو على كون ذلك بطريق التغليظ أو على أخرس لم يكن له إشارة مفهمة، كما عن السرائر وإن كان ينافيه رفع رأسه إلى السماء أو غير ذلك مما لا يقتضي الخروج عن قاعدة الاخرس الذي إشارته نطقه المعتضدة بعمل الاكثر هنا، بل عامة من تأخر حتى الفاضل المقداد الذي قد عرفت بناء جواز ذلك على زعمه أنه أحد أفراد الاشارة، ولكن مع ذلك كله فالاحوط الجمع بينهما مع رضا الاخرس وإلا فالاشارة.

[ 240 ]

(ولا يستحلف الحاكم أحد إلا في مجلس قضائه) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في الرياض، بل فيه ظاهرهم الاجماع، كما يستفاد من كثير، منهم المقدس الاردبيلي والخراساني، ولعله لاصالة عدم انقطاع الدعوى بغيره بعد الشك أو الظن بعدم تناول الاطلاق الوارد في تعليم ميزان القضاء للحكام لغير الفرض ولو للاتفاق المزبور، بل يمكن دعوى انسياق ذلك منه خصوصا النصوص المستفيضة (1) المشتملة على الشكوى من نبي من الانبياء إلى الله تعالى من القضاء بما لم تر العين ولم تسمع الاذن، فقال: (اقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به) الظاهرة في مباشرة ذلك بنفسه، فلا تصح الاستنابة فيه حينئذ. نعم ذكر غير واحد من الاصحاب - بل نفى بعضهم الخلاف فيه أيضا - أن ذلك كذلك (إلا مع العذر كالمرض المانع) من الحضور (وشبهه، فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلفه في منزله، وكذا المرأة التي لا عادة لها بالبروز إلى مجمع الرجال أو الممنوعة بأحد الأعذار) كحيض ونحوه مما يمنع دخول المسجد لو جلس فيه القاضي أو المانع لها من أصل الخروج. وبالجملة متى كان المانع عذرا شرعيا ولو العسر والحرج المانعان من التكليف جازت الاستنابة وإن تمكن الحاكم من الوصول بلا نقص ومشقة عليه. لكن الانصاف صعوبة استنباط ذلك من الادلة بعد فرض عدم سوقها لبيان ذلك أو فرض كون المنساق منها الاول، فلا إطلاق حينئذ يوثق به، فليس حينئذ إلا الاصل المقتضي لما عرفت، ولعله لذا حكي عن بعضهم وجوب مضي الحاكم مع فرض عدم النقص عليه، إلا أنه كما ترى مناف للاصل المعتضد بالمعلوم من الشرع خلافه.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 241 ]

نعم لا بأس بالقول بوقوف الدعوى حتى يرتفع العذر نحو ما سمعته في الغائب وغيره ممن يتوجه عليه اليمين ولكنه غير حاضر، فان إيقاف الدعوى لعدم حصول شرط ميزان القضاء غير عزيز، أللهم إلا أن يكون هناك إجماع يقطع العذر، والله العالم. (البحث الثاني في يمين المنكر والمدعي) لا إشكال ولا خلاف في كون الاصل في (اليمين) أن (تتوجه على المنكر تعويلا على الخبر) بل الاخبار (1) الدالة على ذلك وعلى الاجماع بقسميه عليه (و) لا ينافي ذلك توجه اليمين (على المدعي مع الرد) للنصوص (2) السابقة أو النكول على الاصح (ومع الشاهد الواحد) وإذا كان أمينا (و) نحو ذلك، بل (قد تتوجه مع اللوث في دعوى الدم) كما تسمعه إنشاء الله، ضرورة كون الجميع للادلة المخرجة عن الاصل المزبور الذي هو بمعنى القاعدة الشرعية المستفادة مما عرفت. (و) على كل حال ف‍ (لا يمين للمنكر مع بينة المدعي) التي هي حجة شرعا من دون ضم يمين المدعي معها (لانتفاء التهمة عنها) وما في بعض النصوص (3) من تحليفه معها استظهارا قد عرفت البحث فيه سابقا (و) أنه مذهب بعض العامة. نعم (مع فقدها فالمنكر مستند إلى البراءة الاصلية، فهو أولى


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 242 ]

باليمين) على نفي الدعوى من المدعي على إثباتها إلا إذا رده. (ومع توجهها) عليه أو على المدعي (يلزم الحلف على القطع) والبت (مطردا) وإن كان مستنده أمارة شرعية من يد ونحوها، لانه المنساق من النصوص الموجبة له، بل كاد يكون صريح خبري الاخرس (1) وابن أبي يعفور (2) والصحيح المشتمل على يمين الاستظهار (3) وغير ذلك. نعم قال غير واحد من أصحابنا: (إلا على نفي فعل الغير، فانها على نفي العلم) به بخلاف إثباته أو نفي فعل نفسه أو إثباته لتعسر العلم بالنفي في الاول غالبا، ولو فرض جاز له الحلف على البت وعلى نفي العلم، ومرجعه إلى اعتبار الجزم في المحلوف عليه دائما بعد فرض عدم توجه اليمين على المدعى عليه إلا مع دعوى العلم به عليه، وحينئذ فيمينه على نفيه على البت باعتبار تعلقه في أمر يرجع إلى نفسه، ولعله لذا في القواعد بعد ما ذكر الاستثناء المزبور قال: (والضابط أن اليمين على العلم دائما) ونحوه عن التحرير، بل لعل إلى ذلك يرجع ما عن ابن أبى ليلى من كونه على البت مطلقا، خلاف للمحكي عن الشعبي والنخعي فعل نفي العلم مطلقا. لكن ذكر بعض متأخري المتأخرين أنه لا وجه للاستثناء المزبور حينئذ، ضرورة كونه حينئذ على البت دائما، وقد يدفع بامكان إرادة الاصحاب الاجتزاء به في مثل الفرض الذي متعلق الدعوى فيه فعل الغير، وأنه عالم به وإن كان متعلقه نفي العلم به لا العلم بنفيه بخلاف


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1

[ 243 ]

غيره من الصور، فانه لا يجرئ وإن كان في ضمن دعوى المدعي العلم به أيضا فتأمل جيدا. وقد تقدم تحقيق الحال في جواب المنكر بقول: لا أعلم ولا أدري، فلاحظ وتأمل وإن أطنب بها بعض متأخري المتأخرين هنا. وعلى كل حال (ف‍) قد ظهر لك أنه (لو ادعى عليه ابتياع أو قرض أو جناية فأنكر حلف على الجزم) لانه فعل نفسه. (و) أما (لو ادعى على أبيه الميت) مثلا (لم يتوجه) عليه (اليمين ما لم يدع عليه العلم، فيكفيه الحلف أنه لا يعلم). (وكذا لو قال) المدعى عليه قد (قبض) ما علي (وكيلك) فانه يكفيه حينئذ الحلف على نفي العلم إن ادعى عليه، وإلا انحصر الاثبات بالبينة، لكن في كشف اللثام (فإذا حلف الموكل أثبت المدعي قبض الوكيل أو حلف على البراءة) وفيه أنه لا وجه للحلف بدون رضا الموكل، بل ومع رضاه إن لم نقل: إنها من اليمين المردودة، بناء على أن المراد منها كل يمين رضي بها المدعى عليه من المدعي وإن لم تتوجه عليه، كما في الوارث ونحوه. ولو كانت الدعوى عليه بأن عبده جنى على المدعي بما يوجب استحقاقه أو بعضه وأنكر ففي كونه كالميت باعتبار أنه فعل الغير، فلا يتوجه عليه يمين إلا مع دعوى العلم، فيجزؤه حينئذ الحلف على نفيه، أو كونه كالدعوى عليه نفسه باعتبار أن العبد مال له فهو الغريم المدعى عليه، وجهان، ولذا قال في القواعد: (وهل يثبت اليمين على البت على المولى في نفي أرش الجناية عن العبد ؟ إشكال) ولعله من أنه الغريم ومن أنه فعل الغير، وفي كشف اللثام ما حاصله (أنه على الاول ينحصر إثبات حقه حينئذ بالبينة إذا حلف على نفي العلم أو اعترف به المدعي، وعلى الثاني إن نكل عنها لزم الارش بحلف المدعي أو لا به

[ 244 ]

وإن حلف على عدم العلم). ولعل الوجه الاول وفاقا لكشف اللثام ومحكي التحرير والدروس والمجمع، وفي المسالك (وربما بني الوجهان على أن أرش الجناية يتعلق بمحض الرقبة، أم بالرقبة والذمة جميعا حتى يتبع بما فضل بعد العتق، فان قلنا بالاول حلف على البت، لانه يحلف ويخاصم لنفسه، وان قلنا بالثاني فعلى نفي العلم، لان للعبد على هذا ذمة) وفيه ان المخاصمة لنفسه لا توجب أن يكون فعله فعله، وإلا فالوارث يخاصم لنفسه، ويحلف على نفي العلم. وأما لو كانت الدعوى إتلاف بهيمته التي قصر في حفظها ففي القواعد ومحكي التحرير يجب الحلف على البت، لانها لعدم شعورها بمنزلة الالة وفعلها بمنزلة فعل ربها، وحينئذ فان نكل قضى عليه به أو برد اليمين على المدعي، لكن في محكي الدروس على قول، وظاهره التردد، بل في كشف اللثام عن بعضهم الحلف على نفي العلم، وهو المحكى عن الاردبيلي، وحينئذ فلا نكول بعدم الحلف على البت، بل لا يمين إن لم يدع عليه العلم. لكن في كشف اللثام (والحق أنه إن علم العدم حلف على البت، وإلا فعلى نفي العلم، وإذا حلف عليه أثبت المدعي الاحلاف أو حلف عليه، وفيه الاشكال السابق في دعوى قبض الوكيل) وفي الحواشي المنسوبة للشهيد (أن العبد يخالف البهيمة من وجهين: الاول أن البهيمة لا تضمن جنايتها إلا مع التفريط بخلافه، الثاني أن جناية العبد تتعلق برقبته، فإذا أتلف لم يضمن مولاه بخلاف البهيمة، فانها إذا أتلفت بتفريط فان المالك يضمن جنايتها، ولا تتعلق برقبتها). ولو نصب البائع وكيلا ليقبض الثمن وسلم المبيع فقال له المشتري: إن موكلك أذن في تسليم المبيع وأبطل حق الحبس وأنت تعلم ففي الاكتفاء

[ 245 ]

بالحلف على نفي العلم، لانها لنفي فعل الغير، أو لابد من اليمين على البت، لانه يثبت لنفسه استحقاق اليد على المبيع، فان لم يحلف قضى عليه بالنكول أو برد اليمين، وجهان كما في المسالك. وكذا لو طولب البائع بتسليم المبيع فادعى حدوث عجز عنه، وقال للمشتري: أنت عالم به ففي المسالك (قيل: يحلف على البت، لانه يستبقى بيمينه وجوب تسليم المبيع إليه، ويحتمل الحلف على نفي العلم، لان متعلقه فعل الغير). وفيها أيضا (أنه لو مات عن ابن في الظاهر فجاء آخر وقال: أنا أخوك فالميراث بيننا فأنكر قيل: يحلف على البت أيضا، لان الاخوة رابطة جامعة بينهما، ويحتمل قويا على نفي العلم كالسابقة) إلى غير ذلك مما ذكروه في المقام. ولكن تحقيق الحال في ذلك متوقف على تحقيق اقتضاء الدعوى المتعلقة بفعل الانسان نفسه نفيا وإثباتا وبفعل الغير إثباتا يمينا على البت أو ردا، وإلا كان ناكلا قضى عليه به أو بردها من الحاكم، ولا يجديه الجواب بنفي العلم وإن صدقه المدعي فضلا عما لو ادعاه عليه أيضا، فان جميع هذه الفروع مبنية على ذلك. وقد تقدم سابقا في جواب المنكر ما يستفاد منه المناقشة في ذلك، ونزيد هنا بأنه لا دليل على تسبيبها ذلك، وما في النصوص (1) من أن (البينة على المدعي والمينى على المدعى عليه) ينساق منه حال كون الجواب إنكارا، خصوصا بعد ما في الخبر الاخر (2) من أن (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) بل هو كالمقيد للاول بناء على إرادة الحصر منه


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم. (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3 وفيه " البينة على من ادعى.. "

[ 246 ]

وكون الانكار الجواب بالنفي على البت دون نفي العلم، وإلا كان اليمين عليه ولو على نفي العلم وإن لم يدعه المدعى عليه، فتتفق النصوص حينئذ أجمع، خصوصا بعد استفاضة النصوص على عدم الحلف إلا على العلم، قال الصادق (عليه السلام) في خبر هشام بن سالم (1): (لا يحلف الرجل إلا على علمه) وفي خبر أبي بصير (2) ومرسل يونس (3) (لا يستحلف الرجل إلا على علمه) مع زيادة (ولا تقع اليمين إلا على العلم استحلف أو لم يستحلف). ودعوى أن تعذر العلم عليه يوجب الرد عليه ليس بأولى من القول بأن الواجب عليه الحلف على ما يعلمه من عدم العلم بما يدعيه المدعي وإن كانت الدعوى متعلقة بفعل نفسه، إذ لا دليل بالخصوص على الاجتزاء به في نفي فعل الغير دون فعل النفس مع فرض اتحادهما كذلك، واعتبار البت في اليمين في كلام الاصحاب على وجه يقتضي عدم الاجتزاء بها على نفي العلم إلا إذا كان متعلقها فعل الغير إنما هو حيث تتوجه عليه يمين كذلك، كما إذا كان جوابه الانكار المحض على ما هو الغالب. وبذلك يظهر لك حينئذ ما في الفروع السابقة جميعها وأنه لا فرق في الحكم فيها بين القول بتعلقها في فعل الغير أو فعل المدعى عليه في الاجتزاء بيمين نفي العلم مطلقا أو إذا ادعى عليه، وإلا كان طريق إثباتها منحصرا في البينة، نحو الدعوى على الصغير والمجنون والغائب ونحوهم. هذا كله بناء على عدم جواز حلفه على البت بمقتضى الاصول ولو يقول: (لا حق لك علي) و (لا تستحق علي شيئا) ونحوهما، وإلا كان له الحلف حينئذ على ذلك أو رد اليمين وإلا كان ناكلا. ثم لا يخفى عليك أن الدعوى يختلف كيفية إبرازها، فقد تبرز على


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الايمان - الحديث 1 - 2 - 4.

[ 247 ]

وجه تتعلق بالمدعى عليه وإن كانت في الواقع هي متعلقة بفعل الغير، كما إذا ادعى عليه مثلا أن ما في يده من المال له من دون قول: (قد غصبه مورثك) مثلا، ولا ريب في استحقاقه اليمين حينئذ على النفي واقعا لا على عدم العلم، وقد تقدم ما يستفاد منه زيادة تحقيق للمقام. ومن التأمل في جميع ما ذكرنا يظهر أن الذي أوقع بعض الناس في الوهم إطلاق اعتبار الجزم في اليمين على وجه لا يكفي فيه نفي العلم إذا كان متعلق الدعوى فعل المدعى عليه، ولكن قد عرفت تحقيق الحال، والله العالم. هذا وقد ظهر لك حال اليمين ممن توجهت عليه (أما المدعي ولا شاهد له فلا يمين عليه) لما سمعته من قوله (صلى الله عليه وآله): البينة عليه (إلا مع الرد أو نكول المدعى عليه على قول) قوي عرفته سابقا (فان ردها المنكر توجهت) على المدعي (فيحلف) حينئذ (على الجزم، ولو نكل سقطت دعواه إجماعا) كما عرفت الكلام في ذلك مفصلا. بل وفي قوله أيضا: (ولو رد المنكر اليمين) التي كانت في الاصل له (ثم بذلها قبل الاحلاف) أو في أثنائه ولو بعد توجيه الحاكم لها عليه وأن له ذلك، بخلاف ما لو بذلها بعد الاحلاف فانه ليس له إجماعا وإن (قال الشيخ) في المحكي من مبسوطه في الاول: (ليس له ذلك إلا برضا المدعي) لسقوط استحقاقه منه برده (و) لكن (فيه تردد) واضح (منشأه أن ذلك تفويض لا إسقاط) بل قد عرفت سابقا أن إطلاق الادلة والاستصحاب وغيرهما تقتضي الاول كما لا يخفى. (و) لا خلاف ولا إشكال في أنه (يكفي مع الانكار الحلف على نفي الاستحقاق) وإن كانت الدعوى سببا خاصا (لانه يأتي

[ 248 ]

على الدعوى) لكونه عاما لها، ولا دليل على اعتبار الخصوصية في الجواب، بل ظاهر الادلة خلافه، بل ربما يكون له غرض في الجواب بذلك (ف‍) لا يكلف غيره. نعم (لو ادعى عليه غصبا أو إجازة مثلا فأجاب بأني لم أغصب ولم استأجر قيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه: (يلزمه الحلف على وفق الجواب) الذي صدر منه (لانه لم يجب به إلا وهو قادر على الحلف عليه و) لكن (الوجه) بل الاصح (أنه) لا يلزم بذلك، للاصل وإطلاق الادلة. وحينئذ ف‍ (ان تطوع بذلك صح، وإن اقتصر على نفي الاستحقاق كفى) وظهور قدرته على الحلف عليه من جوابه به لا يقتضي إلزامه بذلك، بل لا يلزم وإن صرح بقدرته عليه، على أنه ربما كان له غرض بتغيير المحلوف عليه عما أجاب به، لمعلومية التسامح في العادة في المحاورة بما لا يتسامح به في حال الحلف الاول. (ولو ادعى المنكر الابراء أو الاقباض) مثلا (فقد انقلب) المنكر (مدعيا والمدعي منكرا، فيكفي المدعي) حينئذ (اليمين على بقاء الحق) وإن كان قد أجاب بانكار ذلك بخصوصه على نحو ما سمعته في المنكر، بل في المسالك عن الشيخ الموافقة على ذلك هنا. (ولو) تطوع ف‍ (حلف على نفي ذلك) لطلب خصمه (كان آكد لكنه غير لازم) عليه لما عرفت. (وكل ما) أي مقام (يتوجه) استحقاق (الجواب عن الدعوى فيه) ولو بقول: لا أعلم لا نحو الحدود التي لا تسمع الدعوى فيها مجردة عن البينة كما ستعرف (يتوجه معه اليمين) ولو عليه أيضا (ويقضي على المنكر به مع النكول كالعتق والنسب والنكاح) والطلاق

[ 249 ]

والرجعة والفيئة في الايلاء (وغير ذلك، وعلى القول الاخر) الذي قد عرفت قوته فيما تقدم (ترد اليمين على المدعي، ويقضى له مع اليمين وعليه مع النكول) كل ذلك لعموم (لاطلاق خ ل) الادلة. خلافا لبعض العامة، فمنع من توجه الحلف على المنكر في الابواب المزبورة، معللا له بأن المطلوب من التحليف الاقرار أو النكول ليحكم به، والنكول نازل منزلة البذل والاباحة ولا مدخل لهما في هذه الابواب. ولاخر منهم، فخص التحليف فيما يثبت بشاهدين ذكرين إلحاقا له بالحد. وعموم الادلة التي منها (اليمين على المدعى عليه) (1) و (من أنكر) (2) حجة عليهم، مضافا إلى خصوص مارووه (3) من (أن ركانة أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يارسول الله طلقت امرأتي البتة، فقال: ما أردت بالبتة ؟ قال: واحدة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة ؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه ثم طلقها الثانية في زمن عمر والثالثة في زمن عثمان) حيث اكتفى فيه باليمين على ما أخبر به من قصده بها في الطلاق. (مسائل ثمان:) (الاولى:) (لا يتوجه اليمين) في الدعوى (على الوارث) بالدين أو العين (ما لم يدع عليه العلم بموت المورث والعلم بالحق وأنه ترك في


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم. (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3. (3) سنن البيهقي - ج 7 ص 342.

[ 250 ]

يده) أي الوارث (مالا) يفي بالكل أو البعض إن كانت الدعوى دينا، بلا خلاف أجده بين من تعرض لذلك من المصنف ومن تأخر عنه وإن كان فيه ما ستعرف. (و) على كل حال فلا إشكال في أن الوارث لا يجب عليه أداء دين المورث إلا مما تركه بعد تحقق كونه وارثا وتحقق الدين، فمتى انتفى أحد هذه الثلاثة في نفس الامر لم تتوجه عليه دعوى أصلا، ومن هنا (لو ساعد المدعي) أي صدقه (على عدم أحد هذه الامور) الثلاثة في الواقع (لم يتوجه) له عليه دعوى فضلا عن اليمين، بل ظاهر المتن سقوط الدعوى أيضا بالتصادق على انتفاء العلم في أحد الاولين بل وبالاطلاق. هذا (و) قد عرفت فيما مضى أنه (لو ادعى عليه العلم بموته أو بالحق كفاه الحلف أنه لا يعلم) لتعلقهما في النفي عن الغير الذي هو الضابط في ذلك عندهم. (نعم لو أثبت الحق والوفاة وادعى في يده مالا حلف الوارث على القطع) لا نفي العلم، لتعلق الدعوى حينئذ بأمر راجع إليه، بل قد عرفت أن التحقيق في هذه أيضا الاكتفاء بذلك لو أجاب بنفي العلم، بل قد يقال بعدم اعتبار دعوى العلم بالحق في استحقاق اليمين على الوارث بعد إثبات الامرين الاخرين، ضرورة صدق الدعوى عليه بذلك، وحينئذ فتندرج في قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) إلا أن الظاهر الاكتفاء بيمينه على نفي العلم. بل ذلك هو مقتضى التأمل في عبارة الشيخ في المبسوط قال فيها أولا: (تحليف الحالف لا يخلو إما أن يحلف على فعل نفسه أو فعل


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 5.

[ 251 ]

غيره، فان حلف على فعل نفسه كانت على البت والقطع نفيا وإثباتا، وإن كانت على فعل غيره نظرت فان كانت على الاثبات كانت على العلم، وإن شئت اختصرت ذلك، وقلت: الايمان كلها على القطع إلا ما كانت على النفي عن الغير، فانها على العلم) إذ هو كالصريح في أن اليمين المزبورة هي يمين الدعوى المتعلقة بفعل الغير لا دعوى العلم بذلك التي هي كغيرها من الدعاوى ولا تحتاج إلى استثناء. وأوضح من ذلك قوله أيضا: (إذا ادعى رجل على ابن رجل ميت أي من جهة أبيه لم تقبل منه الدعوى حتى يدعى عليه الحق ويدع موت الاب وأنه خلف في يده تركة، لانه إن لم يمت الاب فلا حق له على ابنه، وإن مات ولم يخلف فلا حق له عليه أيضا، فلا بد من دعوى ثلاثة أشياء أي دعوى الحق على أبيه، ودعوى موته، ودعوى أنه خلف في يده تركة - ثم قال: فان ثبت الموت وثبت أنه خلف تركة فحينئذ تسمع دعواه بالحق عليه، ويكون القول قول الابن إنه لا يعلم أن على أبيه حقا) وهو كالصريح فيما قلناه، ولكن زاد فيها (لارادة تحريرها اعتبار العلم بالموت والعلم بالحق). وكان الاحرى الموافق لاطلاق قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولغير ذلك إبقاؤها على حاله من غير هذه الزيادة التي تبعه عليها من تأخر عنه، بل صارت عندهم كالقاعدة في كل دعوى لها تعلق بفعل الغير، ومقتضاه أن اليمين حينئذ على نفيه طرف دعوى أخرى لا مدخلية لها في الاولى، بل هي على هذا التقدير لا طرف لها، بل مقتضاه أنه ليس للوارث رد اليمين على المدعي ما لم يدع عليه العلم، ضرورة عدم توجه يمين عليه أصلا حتى يكون له


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 5.

[ 252 ]

رد أو نكول عنها، بل مقتضاه أن اليمين المردودة في دعوى العلم حلف المدعي على علمه لا على أصل ا، وهو خلاف ظاهر كلمات هؤلاء الذين اعتبروا العلم في توجه اليمين فضلا عن غيرهم. وبالجملة إعطاء النظر حقه يقتضي ما ذكرناه وإن كان كلام المصنف ومن تأخر عنه منافيا لذلك بعد أن ذكروا نحو ما سمعته من المبسوط أولا الذي هو ظاهر فيما قلناه، لتقسيمهم اليمين إلى القسمين: أحدهما البت، وهي المتعلقة بفعل الانسان نفسه نفيا وإثباتا وباثبات فعل الغير، والثاني على نفي العلم، وهي المتعلقة في نفي فعل الغير، ضرورة اقتضاء ذلك كون اليمين التي أوجبتها نفس الدعوى على الوجهين المزبورين لا يمين دعوى العلم، إذ هي دعوى مستقلة لا تحتاج إلى جعل اليمين قسما ثانيا، كما هو واضح بأدنى تأمل. بل منه يعلم أن الامر مشوش غير منقح عندهم، خصوصا بعد اقتضائه ما هو كالمقطوع بفساده من عدم سماع الدعوى في غير الوارث أيضا، كما لو ادعى مدع على عين في يد آخر أنه سرقه سارق وباعه أباك من دون أن يدعي عليه العلم بذلك، ضرورة عدم الفرق بين الوارث وغيره في ذلك. بل لا يبعد في الوارث وغيره الالزام بيمين البت التي هي الاصل لو فرض الجواب به على وجه ادعى أنه عالم بذلك، ويترتب عليه حكم النكول وغيره، خلافا لبعضهم، فانه صرح في الفرض بتخييره بينه وبين الحلف على نفي العلم، كما أنه لا يبعد الالزام به ايضا في دعوى موت المورث، وكان على وجه لا يعسر الاطلاع فيه على ذلك، لحضوره معه في البلد مثلا، كما عن أحد وجوه الشافعية. وعلى كل حال فقد ظهر لك التحقيق في المسألة، إلا أن المصنف

[ 253 ]

قطع طريقها باعتبار العلم بالحق في استحقاق اليمين، بل في أصل الدعوى التي قد عرفت صراحة كلام الشيخ في عدم توقف سماعها على ذلك بعد ثبوت موت المورث وأن له مالا في يد الوارث، نعم لا تتوجه قبل ثبوتهما، ضرورة لا دعوى مع الوارث قبل أن تتحقق وارثيته، كما لا دعوى عليه إذا لم يكن في يده مال. وبذلك ظهر لك الفرق بين الامور الثلاثة وإن كفى نفى أحدها في سقوط الدعوى ولذا كان المتجه الاجتزاء بيمين واحدة في سقوط دعوى المدعي في الامور الثلاثة، والله العالم. المسألة (الثانية:) (إذا ادعى على المملوك فالغريم مولاه، ويستوي في ذلك دعوى المال والجناية) كما في القواعد والارشاد والدروس وغيرها، والظاهر أن المراد من ذلك ما إذا كانت الدعوى عليه من حيث إنه مملوك، لا الدعوى عليه من حيث ذمته التي يتبع بها بعد العتق، فانها ليست مملوكة للسيد، وإنما المملوك له بدنه وما في يده، فمتى كانت الدعوى باستحقاق أحدهما كان الغريم المولى الذي يعتبر إقراره وإنكاره بالنسبة إلى ذلك، بخلاف العبد، فانه لا إقرار له ولا إنكار يمضي على السيد. فلو ادعى مثلا على مال في يد العبد مدع أنه له كان الخصم السيد فان اقربه دفعه إليه وإن أنكر العبد، وإن أنكره حلف له وبقى المال وإن أقر العبد. وكذا إن ادعى على العبد أنه جنى خطأ فيستحق المجني عليه استرقاقه أو فكه - كان الخصم السيد، لتعلق الدعوى بماله، فان أقر بذلك

[ 254 ]

دفعه أو فداه، ولا يجدي إنكار العبد، وإن أنكر حلف وسقطت الدعوى على السيد باستحقاق العبد وإن أقر بذلك. وكذا الجناية عمدا المقتضية لاستحقاق استرقاق العبد ولو على جهة التخيير بينه وبين القصاص، فالخصم أيضا السيد، فان أقر به دفعه للاسترقاق وإن أنكر العبد، وإن أنكره حلف وسقطت الدعوى معه وإن أقر به العبد، لانه إقرار في حق الغير، لكونه مملوكا. كما أنه لا يثبت القصاص عليه باقرار السيد الذي ليس له إلا ماليته دون ازهاق النفس. نعم لو اتفقا معا استحق القصاص لانحصار الحق فيهما. هذا كله إذا كانت الدعوى على ما يرجع إلى السيد، أما إذا كانت على ما لا يرجع إليه، بل مرجعها بعد ثبوتها إلى ذمة العبد بعد العتق - كدعوى أنه أتلف مالا أو غصب عينا ولو موجودة - فلا ريب في أن الخصم فيها العبد، لانه الذي ينفع إقراره وإنكاره في الاستحقاق عليه بعد العتق، بل وكذا دعوى الجناية خطا بناء على اقتضائها المال عليه أيضا بعد العتق فضلا عن الجناية عمدا التي لا ريب في اقتضائها القصاص بعد فرض ثبوتها باقراره بعد العتق، لعموم (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) وغيره. وبذلك ظهر لك أنه لا إشكال في إطلاق المصنف وغيره أن الغريم المولى بعد ظهور كون المراد في الدعوى على المملوك من حيث إنه مملوك لا الدعوى عليه من حيث ذمته التي يتبع بها بعد العتق مما لا يدخل في ملك السيد. لكن في القواعد (إذا ادعى على مملوك فالغريم مولاه سواء كانت الدعوى مالا أو جناية، والاقرب عندي توجه اليمين عليه، فان نكل ردت على المدعي وثبتت الدعوى في ذمة العبد يتبع بها بعد العتق)

[ 255 ]

ومراده على الظاهر الاشارة بذلك إلى توجه سماع الدعوى على العبد منفردا، أو اقتضاء الدعوى على المولى يمينا أخرى على العبد غير يمين المولى، لان له ذمة يتبع بها بعد العتق، فيثبت حينئذ ذلك عليه باقراره أو نكوله. وهو الذي أشار إليه في الدروس قال: (ولو ادعى على العبد فالغريم المولى وإن كانت الدعوى معه، ولو أقر العبد به تبع به، ولو كان بجناية وأفر العبد فكذلك، ولو أقر المولى خاصة لم يقتص من العبد، ويملك المجني عليه بقدرها، ويلزم من هذا وجوب اليمين على العبد لو أنكر الملزوم لسماع الدعوى عليه منفردا) وهو كالصريح فيما قلنا. وليس مراد العلامة أن الغريم المولى ولكن اليمين في الدعوى على المولى على العبد كي يرد عليه ما في المسالك من التنافي بين كون الغريم المولى المقتضي لقبول إقراره ووجوب اليمين عليه مع إنكاره وغير ذلك من أحكام الدعوى، بل هو من الغرائب وإن أطنب في كشف اللثام في توجيهه بعد موافقته على كون المراد من العبارة ذلك، وما أدري ما الذي دعاهم إلى ذلك ؟ فان كان هو عدم توجه اليمين على السيد لكون الفاعل غيره ففيه أنه يحلف على نفي العلم على مقتضى ضابطهم الذي ذكروه. وأغرب من ذلك دعوى التنافي بين ما ذكره هنا وما ذكره في باب الاقرار، وهو لا يقبل إقرار العبد بمال ولا حد ولا جناية توجب أرشا أو قصاصا إلا أن يصدقه السيد، ويتبع بعد العتق بالمال، ولو قيل يقبل ويتبع وإن لم يصدقه السيد كان وجها، وهو كما ترى لا تنافي. نعم في المقام رجح نفوذ إقراره على نفسه يتبع به بعد العتق في المال والجناية، وفي الاقرار جزم به في المال وجعله في غيره وجها، وهو ليس تنافيا. وليس المراد تبعيته بالمال بعد العتق مع تصديق السيد، ضرورة عدم مدخلية تصديقه وتكذيبه بالنسبة إلى ذلك، إذ قد عرفت

[ 256 ]

أن ذمته ليست مملوكة للمولى. وبالجملة لا يخفى عليك ما في المسالك ومجمع البرهان وكشف اللثام وغيرها من تشويش المسألة، حتى أنه قال بعض من تأخر عنهم: إن هذه المسألة من المشكلات، وجعل كلمات الاصحاب فيها مختلفة مضطربة، وقد عرفت التحقيق وأنه لا إشكال في كون الخصم السيد مع كون الدعوى على المملوك أو ما في يده من حيث إنه مملوك، ولا في كون الخصم العبد مع كونها في ذمته يتبع بها بعد العتق وأن إقرار كل منهما وإنكاره مجد فيما له وعليه دون الاخر، من غير فرق في ذلك بين دعوى المال والجناية عمدا وخطا. نعم يظهر من المحكي من المبسوط اختصاص الخصومة في دعوى الجناية عمدا بالعبد دون المولى، إلا أنه وافق على عدم تعجيله به وإن أقر به أو نكل عن اليمين، قال: (إذا ادعى على العبد حق فانه ينظر فان كان حقا يتعلق ببدنه كالقصاص وغيره فالحكم فيه مع العبد دون السيد، فان أقر به لزمه عند المخالف، وعندنا لا يقبل إقراره، ولا يقتص منه ما دام مملوكا، فان أعتق لزمه ذلك، فأما إن أنكر فالقول قوله، فان حلف سقطت الدعوى، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فيحلف ويحكم بالحق، وإن كان حقا يتعلق بمال كجناية الخطأ وغير ذلك فالخصم فيه السيد، فان أقر به لزمه وإن أنكر فالقول قوله، فان حلف سقطت الدعوى، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فيحلف ويحكم له بالحق). ولا يخفى عليك ما فيها، ومن هنا حررها المصنف بما سمعت، وتبعه عليه غيره، وهو في غاية الجودة بناء على ما فسرناه به، فتأمل جيدا كي يظهر لك ما في جملة هنا من المصنفات.

[ 257 ]

المسألة (الثالثة:) (لا تسمع الدعوى في الحدود مجردة عن البينة) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، لان من شرط سماع الدعوى أن يكون المدعي مستحقا لموجب الدعوى، فلا تسمع في الحدود، لانها حق الله تعالى، والمستحق لم يأذن في الدعوى ولم يطلب الاثبات، بل أمر بدرء الحدود بالشبهات (1) وبالتوبة عن موجبها (2) من غير أن يظهره للحاكم، وقد قال (صلى الله عليه وآله) لمن حمل رجلا على الاقرار عنده بالزنا (3): (هلاسترته بثوبك) وسماعها بالبينة بمعنى ثبوتها بها، لا أنها تكون دعوى له معها، كما هو واضح (و) حينئذ ف‍ (لا يتوجه) فيها (اليمين على المنكر). (نعم) لو كان الحق مشتركا بين الله وبين الادمي، كما (لو قذفه بالزنا ولا بينة فادعاه) المقذوف بالزنا مثلا (عليه) ففي توجه اليمين على المقذوف به وعدمه قولان: (قال) الشيخ (في المبسوط: جاز أن يحلف) اليمين المردودة (ليثبت الحد على القاذف) ترجيحا لحق الادمي، و يحتمل بل يمكن القطع به أن يكون المراد قذفه بالزنا بان قال له: يا زانى ثم لما اريد قيام حد القذف عليه ادعى الزنا على المقذوف ولكن لا بينة له على ذلك جاز أن يحلف المقذوف على عدم


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث 4 من كتاب الحدود. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب مقدمات الحدود - من كتاب الحدود. (3) سنن البيهقي ج 8 ص 228 و 330 و 331 وفيه " لو سترته بثوبك و " لو كنت سترت عليه بثوبك ".

[ 258 ]

الزنا ليثبت الحد على القاذف. ولعل هذا ألصق بالمحكي عن المبسوط في الدروس، بل لعله الظاهر من المتن أيضا، بل في كشف اللثام عن المبسوط أنه: (فان ادعى عليه مثلا أنه زنى لزمه الاجابة عن دعواه، ويستحلف على ذلك، فان حلف سقطت الدعوى، ويلزم القاذف الحد، وإن لم يحلف ردت اليمين وثبت الزنا في حقه، ويسقط عنه حد القذف، ولا يحكم على المدعى بحد الزنا، لان ذلك حق لله تعالى محض، وحقوق الله المحضة لا تسمع فيها الدعوى، ولا يحكم فيها بالنكول ورد اليمين) ولعله لذا حكى عنه في الدروس أنه لو طلب القاذف يمين المقذوف على عدم الزنا اجيب، فيثبت الحد إن حلف وإن فلا - قال -: وهو حسن، لتعلقه بحق الادمي ونفي اليمين في الحد إذا لم يتعلق به حق آدمي) لكن في المسالك بعد أن حكى عن الشيخ القول بسماع الدعوى في القذف وجريان حكم اليمين فيها قال: (وفرع الشيخ على ذلك) ثم ذكر حكم القذف الصريح. (و) حينئذ (فيه إشكال) واضح (إذ) في النبوي (لا يمين في حد) وفي المرسل الذي هو كالصحيح بابن أبي عمير في رواية التهذيب بل وكذا في رواية الكافي المنجبر مع ذلك كله بالعمل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أتى رجل لامير المؤمنين (عليه السلام) برجل، فقال: هذا قذفني ولم تكن له بينة، فقال: يا أمير المؤمنين


(1) لم اعثر عليه في الوسائل مع التتبع التام ووراه الشيخ (قده) في التهذيب ج 10 ص 79 الرقم 310 والكليني (قده) في الكافي ج 7 ص 255 نعم اشار إلى ذيله في الوسائل في الباب - 70 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 1.

[ 259 ]

استحلفه، فقال: لا يمين في حد) وفي آخر (1) (لا يستحلف صاحب الحد وفي ثالث (2) (أن رجلا استعدى عليا (عليه السلام) فقال: إنه افترى علي، فقال (عليه السلام) للرجل: فعلت ما فعلت ؟ قال: لا، فقال (عليه السلام) للمستعدى: ألك بينة ؟ فقال: مالي بينة فأحلفه، فقال (عليه السلام): ما عليه يمين) كل ذلك مضافا إلى الاصل بعد اختصاص النصوص بغير المفروض. نعم قد يقال: إن أكثر هذه النصوص أو جميعها لا تنافي المحكى عن الشيخ على ما سمعته من الدروس بل ومن كلامه، ضرورة عدم ثبوت الحد فيه باليمين، وإنما هو بالقذف المحقق منه إلا أن له حق اليمين على المقذوف بأنه ما زنى، ودعوى استفادة ذلك من الخبر بطريق الاولوية كما في كشف اللثام ممنوعة. أللهم إلا أن يقال باندراج ذلك في عموم نفي اليمين في الحد، بل لعله المراد من قوله (عليه السلام) (3): (لا يستحلف صاحب الحد) على معنى أن لا يمين على من له الحد، أو يقال: يكفي في رده إطلاق ما دل على وجوب الحد بذلك في الكتاب والسنة (4) نحو قوله تعالى (5): (والذين يرمون المحصنات) إلى آخرها، وغيره ولا دليل على اشتراطه بحلف المقذوف بعد ظهور قوله (صلى الله عليه وآله) (6): (واليمين


(1) و (3) المستدرك - الباب - 22 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد القذف من كتاب الحدود. (5) سورة النور: 24 - الاية 4. (6) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5.

[ 260 ]

على المدعى عليه) و (من أنكر) (1) في غير ذلك ممن يكون له حق في الدعوى المنساق منها ذلك، لا أن المراد منها مجرد الادعاء وإن لم يكن له حق فيها. وعلى كل حال فالمحكى عن الشيخ ضعيف وإن سمعت استحسانه في الدروس، بل في كشف اللثام أنه قوي من حيث الاعتبار وقاعدة الانكار، وقد عرفت التحقيق، والله العالم. المسألة (الرابعة:) قد عرفت فيما تقدم أن (منكر السرقة يتوجه عليه اليمين لاسقاط الغرم) لانها توجب أمرين: حق الادمي وهو المال والثاني القطع وهو حق الله ولا ملازمة بينهما، فيجرى حكم الدعوى في الاول بالنسبة إلى اليمين ورده والنكول دون الثاني الذي قد عرفت عدم جعل الشارع اليمين حجة فيه، بل لا دعوى من مدع حقيقة فيه. (و) حينئذ ف‍ (لو) ادعاها عليه و (نكل لزمه المال دون القطع بناء على القضاء بالنكول، وهو الاظهر) عند المصنف ولكن عرفت ضعفه (وإلا حلف المدعي). (و) على كل حال (لا يثبت الحد على القولين) لعدم ثبوت كونه سارقا على وجه يلحقه الحكم المعلق عليه في الكتاب (2) والسنة (3) فان اليمين لا تثبت الموضع واقعا فضلا عن ثبوته به بالنسبة


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 38. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد السرقة من كتاب الحدود.

[ 261 ]

إلى الحد الذي اعتبر الشارع في بينته غير بينة المال من زيادة العدد ونحوها، (وكذا لو أقام شاهدا وحلف) كما هو واضح، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (لو كان له بينة فأعرض عنها والتمس يمين المنكر أو قال: أسقطت البينة وقبلت باليمين فهل له الرجوع) إليها بعد ذلك قبل الحلف ؟ (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط وتبعه ابن إدريس فيما حكي عنه: (لا) يجوز له (وفيه تردد، ولعل الاقرب الجواز) بل هو الظاهر، بل يمكن القطع به، لاطلاق ما دل على حجيتها السالم عما يقتضي كون ذلك من الحقوق التي تسقط بالاسقاط لو فرض تصريحه بذلك فضلا عن غيره، بل ظاهر الادلة كونها من الاسباب المقتضية ثبوت الحق، فلا يتصور فيها معنى الاسقاط الذي يتعلق بنحو حق الخيار وشبهه. (وكذا البحث لو أقام شاهدا فأعرض عنه وقنع بيمين المنكر) ثم عاد إليه قبل الحلف أو رد المنكر اليمين على المدعي ثم عاد إلى اختيار الحلف الذي قد عرفت الكلام فيه سابق، وأنه لا يخرج بشئ من ذلك عن صدق المدعي والمنكر اللذين قد قرر الشارع الميزان لكل منهما بما عرفت.

[ 262 ]

المسألة (السادسة:) (لو ادعى النصاب إبداله في أثناء الحول) لينفي عنه الزكاة (قبل قوله بلا يمين) بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الاتفاق عليه غير واحد، وكذا لو قال المسلم: لا زكاة أو لا خمس علي أو دفعتهما مثلا حيث يجوز له ذلك. (وكذا لو خرص عليه فادعى النقصان) في الثمرة المخروصة أو الزرع عما خرص عليه لنقص عنه ما قدر عليه من الزكاة بلا خلاف أجده فيه، بل الاتفاق محكى عليه أيضا. (وكذا ادعى الذمي الاسلام قبل الحول) ليتخلص عن الجزية بناء على وجوبها عليه مع الاسلام بعده لا خلاف فيه والاتفاق محكي عليه مع أن الحق بين العبد وربه ولا يعلم إلا من قبله. (أما لو ادعى الحربي) بعد سبيه (الانبات بعلاج لا) بالطعن (بالسن) الذي تدفعه الطبيعة غالبا الذي جعله الشارع أمارة البلوغ (ليتخلص) بذلك (من القتل) الذي هو حد من حدود الله تعالى التي تدرأ بالشبهة من دون يمين، خصوصا في المقام الذي يقتضي الاصل عدم بلوغه الذي هو شرط قبول اليمين ف‍ (فيه تردد) من ذلك من ظهور ما دل على كونه علامة للبلوغ في الحكم به حتى يعلم خلافه، وإلا لم يقتل محتمله وإن لم يدعه، وهو مخالف للاجماع المحكي في المسالك وغاية المراد ولغير ذلك. ومن هنا قال المصنف: (ولعل الاقرب أنه لا يقبل إلا مع

[ 263 ]

البينة) لكن لا يخفى عليك ما فيه من أنه بعد تسليم الظهور لا ينافي تحقق الشبهة الدارئة، بل الظاهر تحققها مع عدم اليمين خصوصا في مثل الفرض، لما عرفت. فما عن بعضهم - من اعتباره هنا فعلا في قول أو بعد التأخير إلى زمان القطع ببلوغه في آخر في قبولها، لانها أقل ما تثبت به الدعوى المنافية للحكم عليه بالبلوغ ظاهرا واستحقاقه القتل فلا يزول ذلك بمجرد دعواه، ولانه أحوط وأوثق في الحكم - واضح الضعف. وحينئذ يسقط ما فرعه عليه من أنه لو نكل عن اليمين الاول بل وعلى الثاني قتل بمجرد نكوله وإن لم نقل بالقضاء به في غيره، أو يقتل لثبوت سببه ظاهرا مع عدم تحقق المانع الذي هو اليمين للدعوى المزبورة. نعم قد يتوقف في قبول ذلك منه بالنسبة إلى غير القتل الذي يدرأ بالشبهة، بل ظاهر المسالك العدم ترجيحا للظاهر السالم هنا من الدرء بالشبهة، ولانه إن كان عدم العلاج شرطا لما جاز قتل محتمله إلا بعد العلم بالانتفاء، وهو باطل إجماعا، كما في غاية المراد والمسالك. وإن كان قد يناقش بمنع الظهور أولا، ومنع الدليل على تقديمه على الاصل ثانيا، ضرورة كون الثابت أنه علامة البلوغ الانبات الطبيعي لا العلاجي، ولا أصل - ولو بمعنى الظاهر - يقتضى كون هذا الشخص من الاول حتى مع ادعاء أنه من الثاني، والفرض انه شئ لا يعلم إلا من قبله، وقتل محتملها مع عدم الدعوى لاصافة عدم العلاج، ولظهور ما دل على كونه علامة في الحكم به ما لم يحصل العلم أو الشك، والاجماع المحكي عليه لا يقتضى مساواة الفرض له، فتأمل. ومما ألحق بذلك دعوى البلوغ مطلقا أو بالاحتلام خاصة، لامكان إقامة البينة على السن، واعتبار الانبات، لان محله ليس من العورة، وعلى تقديره فهو من مواضع الضرورة، وعلى كل حال لا يمين وإلا

[ 264 ]

لزم الدور، لان اعتباره موقوف على البلوغ الموقوف على اعتباره، وقد تقدم الكلام فيه في محله. وفي غاية المراد (وربما ألحق به مدعي بنوة الصغير ولا منازع) بل فيها وفي المسالك أيضا (مدعي أنه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية، ومدعي تقدم الاسلام على الزنا بالمسلمة حذرا من القتل، ومدعي فعل الصلاة والصيام خوفا من التعزير، ومدعي إيقاع العمل المستأجر عليه إذا كان من الاعمال المشروطة بالنية كالحج والصلاة، ودعوى الولي إخراج ما كلف من نفقة وغيرها، والوكيل بفعل ما وكل فيه على إشكال فيها، ودعوى مالك الدار لو نازعه المستعير والمستأجر في ملكية الكنز على قول مشهور، ودعوى من أحرز الطعام أنه للقوت وإن زاد لا للاحتكار وقول المدعي مع نكول المنكر على القول بالقضاء به، ومدعي الغلط في إعطاء الزائد عن الحق لا التبرع، ودعوى المحللة الاصابة، ودعوى المرأة فيما يتعلق بالحيض والطهر في العدة وغيرها، ودعوى الضئر أنه الولد، ومنكر السرقة بعد إقراره مرة لا في المال، ومدعي هبة المالك ليسلم من القطع وإن ضمن المال، ومنكر موجب الرجم الثابت باقراره، ومدعي الاكراه فيه أو الجهالة مع إمكانهما في حقه ومدعي الضرورة، في الكون مع الاجنبي مجردين، ومنكر القذف بناء على عدم سماع دعوى مدعيه بدون البينة، ومدعي رد الوديعة في المشهور، ومدعي تقدم العيب مع شهادة الحال) وفي المسالك (وضبطها بعضهم بأنه كل ما كان بين العبد وبين الله تعالى أو لا يعلم إلا منه ولاضرر فيه على الغير، أو ما تعلق بالحد أو التعزير). قلت: لا إشكال في قبول دعوى المسلم المحمول على الصحة قولا وفعلا مع عدم المعارض والمنازع، خصوصا ذوي الايدي على ما في

[ 265 ]

أيديهم في تطهير وغيره، وأما مع الخصومة المسموعة في جملة من هذه الامور المذكورة فلا إشكال في اعتبار اليمين في كل من قدم قوله، لتوقف انقطاعها عليه قطعا، نعم حيث لا خصومة ينبغي تصديق المسلم مع احتماله، حتى في مثل دعوى الوكالة على مال الغير فضلا عما لا يعلم إلا من قبله، وبذلك يظهر لك النظر في الضابط المزبور، بل وفي غيره حتى ما ذكراه من الاشكال في قبول قول الولي والوكيل، فتأمل. المسألة (السابعة:) (لو مات) رجل (وارث له وظهر له شاهد بدين) موجود أيضا في روزنامجته فأنكر من عليه دين (قيل) والقائل الشيخ في المحكى من مبسوطه: (يحبس حتى يحلف أو يقر لتعذر) رد (اليمين في طرف المشهود له) بموته واستحالة تحليف المسلمين والامام (عليه السلام). (وكذا) قال فيه أيضا: (لو ادعى الوصي) على الوارث (أن الميت أوصى للفقراء وليس في كلامه (وشهد واحد) بذلك (وانكر الوارث) ذلك فالقول قوله بيمينه، ولو نكل لم يمكن رد اليمين، لان الوصي لا يجوز له أن يحلف عن غيره، والفقراء والمساكين لا يتعينون، ولا يتأنى منهم الحلف، فقال قوم: يحكم بالنكول ويلزم الحق، لانه موضع ضرورة، وقال آخرون: يحبس الوارث حتى يحلف أو يعترف. (و) على كل حال ف‍ (في الموضعين إشكال) عند المصنف والفاضل (لان السجن عقوبة لم يثبت موجبها) وفيه أن موجبها اقتضاء الدعوى المسموعة من المنكر اليمين أو الاداء بعد تعذر الرد.

[ 266 ]

واحتمال سقوط اليمين باحتمال كون الحق عليه مركبا من الحلف أو الرد - فتعذر الرد يسقط استحقاق الخصوصية، وليس هو كالواجب المخير الذي يتعين أحد فرديه بتعذر الاخر، وإنما هو من الحقوق المستحقة له وعليه - واضح الضعف، ضرورة إطلاق الادلة استحقاق اليمين على المنكر والمدعى عليه، واستحقاق الرد انما جاء بنصوص اخر ظاهرة في استحقاقه على من يصح الرد عليه، فينبغي حينئذ استحقاق اليمين على المنكر من حيث كونه كذلك على حسب ما استفيد من الاطلاق الاول وليس في أدلة الرد ما يقتضى لزوم ذلك للمنكر من حيث كونه منكرا على حسب استحقاق أصل اليمين عليه، كما هو واضح بأدنى تأمل. وحينئذ فالحبس المذكور في كلام الشيخ الذي وافقه عليه الشهيد في الدروس متجه. وأما ما في المسالك - من أنه لو قيل هنا بالقضاء بالنكول وإن لم نقل به في غيره كان وجها، واحتمله غيره أيضا - ففيه أنه لا دليل على إخراجه بالخصوص، وكأن ترك الشيخ ذكر الشاهد في الثاني دون الاول لعدم توقف صحة الدعوى فيها عليه، بخلاف الاول المفروض عدم علم الامام (عليه السلام) به إلا من الشاهد، وإن كان فيه ما عرفت من جواز الدعوى بدونه، والامر سهل. لكن بقى شئ: وهو أن الظاهر عدم اختصاص حكم ذلك بالفرض المزبور، ضرورة أنه لو كان له وارث لم يحلف مع الشاهد، لان المفروض عدم علمه بالدين، وإنما وجد ذلك في روزنامجته، فيتعين له حينئذ بعد صحة الدعوى فيه اليمين على المنكر أو أداء الحق، ولافرق بين الامام (عليه السلام) وغيره من الورثة في ذلك. نعم مع فرض علمهما تتوجه اليمين من الوارث غير الامام (ع)

[ 267 ]

مع الشاهد بخلاف الامام (عليه السلام) المعصوم من الخطأ والزلل وإن استعمل الموازين الشرعية والاصول المرعية، لكنه مسدد في خصوصياتها التي استعملها عن الخطأ بخلاف غيره، فهو منزه عن انقلاب علمه جهلا أو خطأ، فلا يمين إنكار عليه ولا عليه بينة فيما يدعيه، وقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وربما يكون بعضكم ألحن من الآخر بحجته) لا يريد وقوع الخطأ منه في حكمه، بل المراد أن ما وضعته للقضاء من هذا الميزان قد يتفق فيه الخطأ لهم، فمن اقتطع له قطعة مع علم المقطوع له بذلك كأنما قطع له قطعة من نار، وليس المراد خطأه (صلى الله عليه وآله) لو استعملها، فانه مطهر من الرجس، تطهيرا، فتأمل. المسألة (الثامنة:) (لو مات عليه دين يحيط بالتركة لم ينتقل إلى الوارث) عند المصنف وجماعة (وكانت بحكم مال الميت) وحينئذ يتبعه النماء (وإن لم يحط انتقل إليه ما فضل عن الدين) ولكن قد ذكرنا في كتاب الحجر (2) وغيره أن الاقوى انتقالها إليه مطلقا وقد اشبعنا الكلام فيه. (و) كيف كان فعلى الاول (في الحالين للوارث المحاكمة على ما يدعيه لمورثه، لانه قائم مقامه) في الحلف دون الغريم وإن تعلق به حقه، وحينئذ فلو أقام شاهدا حلف هو معه دون الديان، نعم في القواعد (إن امتنع كان للديان إحلاف الغريم، لتعلق حقه بالتركة، فان


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية - الحكم الحديث 1. (2) راجع ج 26 ص 89 - 93.

[ 268 ]

حلف برأ منه لامن الوارث، فان حلف الوارث بعد ذلك كان للديان الاخذ من الوارث إن أخذ، لانه من التركة، وفي الاخذ من الغريم إشكال) ولعله من سقوط حقه عليه باحلافه. لكن فيه أن أخذه باعتبار صيرورته تركة بحلف الوارث، فهو مستحق له من هذه الجهة وإن سقط الاستحقاق من تلك الجهة، ومنه يعلم عدم الفرق بين أخذ الوارث له وعدمه. نعم قد يناقض في أصل جواز تناول الغريم له مطلقا باقتضاء اليمين التي قد ذهبت بما فيها عدم كونه تركة في حقه وإن صار تركة للوارث بيمينه، فلا يتعلق به حق الدين حينئذ، كما أنه قد يناقش - لولا الاجماع على الظاهر - في أصل جواز الحلف للوارث مع الشاهد أو المردودة بناء على بقاء التركة على حكم مال الميت بكونها حينئذ يمينا لاثبات مال الغير، وتعلق حقه بها على وجه تكون ملكا له بابراء الغريم مثلا ونحوه لا يقتضي اختصاص جواز الحلف به دون الغريم المتعلق حقه أيضا بالتركة، وستسمع إن شاء الله لهذا تتمة فيما يأتي. (البحث الثالث في اليمين مع الشاهد) لا خلاف ولا إشكال عندنا في أنه (يقضي بالشاهد واليمين في الجملة استنادا إلى) المقطوع به من (قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضاء علي (عليه السلام) بعده) على ما رواه العامة (1) والخاصة (2) بل وافقنا عليه أكثر العامة.


(1) سنن البيهقي - ج 10 ص 167 - 175. (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 269 ]

خلافا لابي حنيفة وأتباعه، وقد قال للصادق (عليه السلام) (1): (كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد ؟ فقال الصادق (عليه السلام): قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به علي (عليه السلام) عندكم، فضحك أبو حنيفة، فقال الصادق (عليه السلام): أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة، فقال: ما نفعل، قال: بلى تشهد مائة فترسلون واحدا يسأل عنهم ثم تجيزون شهادتهم بقوله). وقد الحكم بن عتبة وسلمة به كهيل على أبي جعفر (عليه السلام) يوما فسألاه عن شاهد ويمين (2) فقال: (قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به علي (عليه السلام) عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، قال: وأين وجدتموه خلاف القرآن ؟ فقالا: إن الله عزوجل يقول: وأشهدوا ذوي عدل (3) فقال لهما: فقوله: وأشهدوا ذوي عدل هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويمينا ! ثم قال: إن عليا (عليه السلام) كان قاعدا في مسجد الكوفة فمر به عبد الله التميمي ومعه درع طلحة، فقال له على (عليه السلام): هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال له عبد الله: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحا، فقال علي (عليه السلام): هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بينة، فأتاه بالحسن (عليه السلام) فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال: هذا شاهد ولا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، قال: فدعا قنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 13 - 6. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2.

[ 270 ]

ولا أقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب علي (عليه السلام) وقال: خذوها فان هذا قضى بجور ثلاث مرات، قال: فتحول شريح عن مجلسه وقال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات ؟ فقال له: ويلك أو ويحك إني لما أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة قلت: هات على ما تقول بينة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حيث ما وجد غلول أخذ بغير بينة، فقلت: رجل لم يسمع الحديث، فهذه واحدة، ثم أتيتك بالحسن فشهد، قلت: هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان، ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك ولا أقضى بشهادة مملوك. ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا، ثم قال: ويلك أو ويحك إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا). وكان اقتصاره (عليه السلام) على خطائه ثلاثا في هذه القضية على فهم شريح القاصر، وإلا فهو مخطئ من وجوه أخر أيضا قد أشار (عليه السلام) إلى بعضها، وبذلك ظهر لك حال قاضيهم وحال الفقيهين لهم الحكم وسلمة وحال إمامهم الاعظم أبي حنيفة وسوء أدبه. (ويشترط شهادة الشاهد أولا وثبوت عدالته ثم اليمين) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، (و) حينئذ ف‍ (لو بدأ باليمين) قبل الشهادة أو بعدها قبل التزكية (وقعت لاغية وافتقر إلى إعادتها بعد الاقامة) لكن الانصاف عدم دليل واضح على ذلك غير أصالة عدم ثبوت الحق بدون ذلك بعد الشك في إرادة غيره من الاطلاق، خصوصا بعد الترتيب في أكثر

[ 271 ]

النصوص (1) التي وقفنا عليها. نعم في المسالك تعليله بأن (المدعي وظيفته البينة لا اليمين بالاصالة فإذا أقام شاهدا صارت البينة التي هي وظيفته ناقصة ويتممها اليمين بالنص (2) بخلاف ما لو قدم اليمين، فانه ابتدأ بما ليس له وظيفة، ولم يتقدمه ما يكون متمما له، وأما ثبوت عدالته فلا يترتب على شهادته بل المعتبر العلم بها قبل). وفي كشف اللثام أنه (استدل له بأن جانبه حينئذ يقوى، وإنما يحلف من يقوى جانبه، كما أنه يحلف إذا نكل المدعى عليه، لان النكول قوى جانبه). وهما معا كما ترى، ولعله لذا جوز بعض العامة تقدم اليمين على الاداء، لتنزيلها منزلة الشاهد الذي لا ترتب في شهادتهما، وآخر على التعديل. كل ذا مع أن ما سمعته من المسالك لا يتم على ما هو الاقرب، كما في القواعد من أن الحكم إنما يتم وصح بهما معا لا بأحدهما، لان النصوص (3) تضمنت القضاء بهما، ولتوقفه على كل منهما، فيكون حجة مركبة منهما تمام كل واحد منهما موقوف على الاخر. وربما احتمل ضعيفا أن يكون بالشاهد بشرط اليمين، كيمين الاستظهار مع بينة المدعي، لانها قول المدعي وهو ليس بحجة، وأن يكون باليمين وحدها، لان المعلول إنما يحصل بعدها، ولانها كالقسامة مع الشاهد. وضعف الكل ظاهر، وتظهر الفائدة في الغرم وقدره مع رجوع الشاهد، فعلى الاول النصف، وعلى الثاني الكل، ولا يغرم شيئا على


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 272 ]

الاخر، وربما قيل بغرمه بناء على أن اليمين إنما تقوت به. (و) كيف كان ف‍ (يثبت الحكم بذلك في الاموال، كالدين والقرض والغصب) والالتقاط والاحتطاب والاسر (و) ما يقصد به المال كما (في المعاوضات، كالبيع والصرف والصلح والاجارة والقراض والهبة والوصية له والجناية الموجبة للدية) أصلا (كالخطأ) المحض (وعمد الخطأ وقتل الوالد ولده والحر العبد وكسر العظام والجائفة والمأمومة، وضابطه ما كان مالا أو المقصود منه مالا) بخلاف القصاص ونحوه وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف والسرائر الاجماع عليه. مضافا إلى إطلاق ما ورد في القضاء بهما خصوصا مثل خبر أبي مريم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أجاز رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهادة شاهد مع يمين طالب الحق إذا حلف أنه لحق). ونحوه خبر منصور بن حازم (2) عنه (عليه السلام) أيضا (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق) ومثله خبر البصري (3). وفي الفقيه (4) (قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشهادة شاهد ويمين المدعي، وقال نزل علي جبرئيل بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، وحكم به في العراق أمير المؤمنين (عليه السلام)). بل في صحيح ابن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) (لو كان الامر إلينا لاجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله تعالى أو رؤية الهلال فلا) وقد سمعت خبر درع طلحة (6).


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم الحديث (9 - 2 - 8 - 14 - 12 - 6).

[ 273 ]

خلافا لما عن النهاية والاستبصار والغنية والمراسم والاصباح والكافي من التخصيص بالديون، بل في الغنية الاجماع عليه، ولعله لخبر حماد (1) (سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدعي). وخبر أبي بصير (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له عند الرجل الحق وله شاهد واحد، فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحق، وذلك في الدين). وخبر القاسم بن سليمان (3) (سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده). وخبر محمد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين، ولم يكن يجيز في الهلال إلا شاهدى عدل). بل عن الشيخ في الاستبصار حمل إطلاق النصوص السابقة على التقييد في هذه النصوص، وخبر درع طلحة (5) إنما أنكر أمير المؤمنين (عليه السلام) على إطلاق قول شريح: (ما أقضي إلا بشاهد آخر معه) ضرورة عدم كون خصوص المقام مما يكتفى فيه بالشاهد واليمين من الوالي. نعم قد يقال: إن حمل المطلق على المقيد إنما يصح بعد فرض التقييد وعدم قوة المطلق من حيث كونه مطلقا وهما معا ممنوعان، لامكان عدم إرادة التقييد في النصوص السابقة، ضرورة أن القضاء بهما في الدين أو


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث (11 - 5 - 10 - 1 - 6).

[ 274 ]

جوازه لا يقتضي عدم القضاء ولا عدم جوازه بغيره. هذا بعد الاغضاء عن قصور السند ولا جابر له، لما عرفت من أن المشهور التعدية، بل قد سمعت دعوى الاجماع عليه من الشيخ والحلي، بل عن الفاضل في المختلف نفي الخلاف فيه، حيث حمل كلام النهاية على المال المطلق، بل ادعى الاجماع فيه في محل آخر. وفي الرياض (وهو ظاهر في ورود الدين بالمعنى العام الشامل له) بل يظهر من مجمع البحرين وروده لمطلق الحقوق، وعليه يمكن حمل عبارة من عدا النهاية عليه أيضا، فيرتفع الخلاف. ولعله لهذا لم يشر إلى الخلاف هنا أحد من الاصحاب وإن كان فيه ما فيه. نعم قد يستفاد من المقابلة في الخبر الاخير (1) أن المراد به الاعم، لكن مقتضاه بل ومقتضى صحيح ابن مسلم وغيره (2) مما اشتمل على لفظ (الحق) عموم ذلك لكل حق للناس حتى القصاص والوصاية والوكالة ونحوها، لا خصوص المال، نعم تخرج الشهادة على الهلال الذي لا وجه للحلف عليه من حيث إنه كذلك من أحد، وكذا غيره من الموضوعات العامة التي لا حق بالخصوص فيها لاحد، وإنما يراد ثبوتها لتترتب الاحكام الشرعية، وكذا كل ما لم تشرع اليمين فيه مثل حقوق الله تعالى التي هي أيضا لا دعوى لاحد بالخصوص فيها. وبالجملة كل ما تشرع فيه رد يمين الانكار على المدعي يشرع فيه الشاهد واليمين، لان الظاهر كون هذه اليمين يمين المنكر صارت للمدعي الذي له شاهد، وحينئذ فالاجتهاد في النصوص يقتضى الاختصاص بالدين أو التعميم لكل حق، إلا أن الاصحاب على خلاف ذلك، بل جعلوا


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 12 و 5 و 8.

[ 275 ]

ضابطه المال أو المقصود منه المال، ولعلهم فهموا من نصوص الدين ذلك وحملوا عليها نصوص الحقوق أو أنهم عملوا بالمرسل عن ابن عباس (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: استشرت جبرئيل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار علي بذلك في الاموال، وقال: لا تعدو ذلك) ولكن ليس هو من طرقنا ولا معروف النقل في كتب فروعنا، وإنما رواه في المسالك، بل لعل مضمونه لا يوافق أصول الشيعة، ويمكن أن يكون من محرفات العامة، لانك قد سمعت ما نزل به جبرئيل عليه (صلى الله عليه وآله) في الخبر السابق (1) وربما تسمع إنشاء الله فيما يأتي زيادة تنقيح لذلك. وكيف كان فلا إشكال في الاجتزاء بها مع المرأتين القائمتين مقام رجل في الشهادة، كما عن الاكثر، خصوصا بعد خبر منصور بن حازم (2) قال: (حدثني الثقة عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: إذا شهدت لصاحب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز) وحسنة الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف بالله أن حقه لحق). فما عن ابن إدريس - من المنع لعدم الاجماع والتواتر - مبني على أصله من انحصار الدليل بذلك ونحوه. نعم ما عن التحرير من الجزم بالعدم في هذا الكتاب واضح الضعف، خصوصا بعد مخالفته ذلك في المحكى عنه في كتاب الشهادة من الجزم بالقبول من غير نقل خلاف. (و) على كل حال ف‍ (في) ثبوت (النكاح)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 14 - 4 - 3.

[ 276 ]

بالشاهد واليمين (تردد) وخلاف، فعن المشهور عدم ثبوته بالشاهد واليمين مطلقا، لان المقصود منه بالذات التناسل والمهر، والنفقة من التوابع، وفي القواعد (الاقرب لثبوته إن كان المدعى الزوجة) ووافقه عليه في المسالك، ولعله لانها تثبت مهرا ونفقة بخلاف الزوج، وعن بعضهم تقييده بما إذا كان دعواها بعد الدخول أو التسمية، لانهما يثبتان المال، وضعفه في المسالك بأن النفقة لا تتوقف على الامرين، ومفوضة المهر تدعي مهرا في الجملة مطلقا. ولا يخفى عليك ما فيه. ولو ماتت الزوجة كانت دعوى الزوج تتضمن المال وهو الميراث بل في كشف اللثام لعله ليس من دعوى النكاح، بمعنى أنهم لم يريدوا بها ما يعمه، بل في المسالك يمكن تضمن دعوى الزوج المال مطلقا نظرا إلى استحقاقه إياه. (أما الخلع والطلاق والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصية إليه وعيوب النساء فلا) يثبت شئ منها بهما، لخروجها عن الضابط المزبور، بل لعله من الواضح في الطلاق والنسب والوكالة والوصية إليه والعيوب، بل في كشف اللثام في شرح عبارة الفاضل (عدم ثبوت الطلاق بهما) زيادة (وإن استلزم تنصيف المهر أو سقوط النفقة، والرجعة وإن استلزمت النفقة، والعتق وإن كان الرقيق مالا، والكتابة وإن استدعت مالا، والتدبير والنسب وإن استلزما إرثا أو نفقة، والوكالة وإن كانت في مال وبجعل والوصية إليه وإن كانت كذلك، وعيوب النساء وإن استتبعت براءة عن المهر أو ردا للثمن وغرامة). بل في المسالك الاتفاق على عدم ثبوت الرجعة بهما، لانها لا توجب مالا، إذ النفقة يوجبها النكاح الاول لا هي. نعم قد يتوقف في الخلع

[ 277 ]

إذا ادعاه الزوج وإن أطلق جماعة المنع منه، بل في الروضة نسبته إلى الاكثر لتضمنه حينئذ دعوى المال وإن انضم إليه أمر آخر، بل في الروضة (ينبغي القطع بثبوت المال كما لو اشتملت الدعوى على الامرين في غيره كالسرقة، فانهم قطعوا بثبوت المال) وقواه في الرياض، وحكى عن الدروس الجزم به، وفي المسالك الوجه قبوله بهما ناقلا عن العلامة في أحد قوليه. وأما العتق فالمشهور عدم ثبوته بهما، لمعلومية عدم مالية الحرية، ولكن عن بعضهم ثبوته بهما، لتضمنه المال من حيث إن العبد مال للمولى، فهو يدعى زوال المالية، وظاهر اللمعة عدم الخلاف في المنع من القبول في التدبير والكتابة والاستيلاد، لكن في الروضة ظاهره عدم الخلاف، مع أن البحث آت فيها، وفي دروس ما يدل على أنه بحكم العتق لكن لم يصرحوا بالخلاف، فلذا أفردها، وفي المسالك اختلف كلام الفاضل في القواعد والتحرير، ففي كتاب العتق والتدبير قطع بثبوتهما بهما من غير نقل خلاف، وفي هذا الباب قطع بعدم ثبوتهما بهما كذلك، وتوقف في الدروس مقتصرا على نقل القولين، وله وجه. (وفي الوقف إشكال) بل وخلاف، فعن الشيخ في الخلاف المنع مطلقا، وعنه في المبسوط والمحكي في السرائر والحلبي والفاضل وغيرهم ثبوته بهما مطلقا، وفي الدروس والمسالك وغيرها الثبوت بهما إذا كان خاصا، وقد ذكر غير واحد أن (منشأه) أي الاشكال والخلاف (النظر إلى من ينتقل) فهل هو إلى الموقوف عليهم أم إلى الله تعالى أم الاول مع الانحصار والثاني مع عدمه أو يبقى على ملك الواقف ؟ وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك في كتاب الوقت. (والاشبه) عند المصنف وغيره (القبول، لانتقاله إلى الموقوف

[ 278 ]

عليهم) لكن قد يشكل في مثل العام بعدم صحة اليمين من أحد الموقوف عليهم وإن قلنا بالانتقال فيه إلى الموقوف عليهم، ضرورة كونهم حينئذ كمستحقي الزكاة والخمس والوصية على الوجه العام، كما أنه قد يشكل أصل المنشأ المزبور بامكان القول بالاكتفاء بملك المنفعة الذي لا إشكال في كونها ملكا للموقوف عليهم وإن لم نقل بكونه ملكا لهم، وفي القواعد في كتاب الشهادات (الاقرب جريانهما في حقوق الاموال كالاجل والخيار والشفعة وفسخ العقد وقبض نجوم الكتابة وفي النجم الاخر إشكال) إلى غير ذلك من كلماتهم المبتنية على اندراج مثل هذه الافراد في الضابط المزبور وعدمه. وفي الرياض (لابد من تحقيق معنى تعلق الدعوى بالمال الموجب لقبول القضاء بهما هل هو التعلق المقصود بالذات من الدعوى أو مطلق التعلق ولو بالاستتباع ؟ والذي يقتضيه النظر في كلماتهم أن المراد به هو الاول، ولذا لم يثبتوا بهما النسب والرجعة بلا خلاف أجده، بل عليه الوفاق في المسالك مع أنهما يستتبعان المال من النفقة ونحوها بلا شبهة، وحينئذ فالاقوى في النكاح عدم الثبوت مطلقا وفي الخلع على التفصيل ولي في الثالث توقف، ولكن الاصل يقتضي العدم مع كونه أشهر). ولا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم ثبوت كون العنوان للحكم التعلق بالمال في شئ من النصوص المروية من طرقنا كي يرجع في المراد منه إلى العرف، وكلامهم غير منقح، بل فيه من التشويش ما لا يخفى، بل لم يعلم كون المراد بالتعلق المزبور ذاتا أو حال الدعوى، كما إذا ادعى أنه ابن الرجل المزبور ليجوز إرثه، نحو دعوى الرجل أن المرأة زوجته بعد موتها ليحصل الارث الذي جعلوه خارجا عن مسألة النكاح بل قد سمعت ما في الروضة في الخلع من ثبوت المال بهما دون السبب

[ 279 ]

نحو السرقة، مع أن ذلك جار في جميع الاسباب التي لاإشكال عندهم في ثبوتها بهما، كما هو ظاهر ضابطهم المزبور. ومن الغريب اتفاقهم على خروج الوكالة على المال وإن كانت بجعل، وكذا الوصية، واختلافهم في العتق. وبالجملة كل من أعطى النظر حقه في كلماتهم وخلع ربقة التقليد يعلم أنها في غاية التشويش، والسبب فيه هو الضابط المزبور الذي لم نجده في شئ من النصوص، وإنما الموجود فيها عنوانا للحكم (حقوق الناس) بعد عدم تقييدها بنصوص الدين، ولو للتجوز فيه بارادة ذلك منه، خصوصا بقرينة المقابلة بذكر ما لا يثبت به من الهلال وحقوق الله تعالى. مؤيدا ذلك بما سمعته فيها من ذكر يمين المدعى ويمين صاحب الحق، بل وبما تقدم سابقا من الخبر (1) المشتمل على أن استخراج الحقوق بأربعة، وعد منها الشاهد واليمين الظاهر في كونه مثلها في ذلك. بل قد عرفت سابقا أنه بالتأمل في نصوص المقام يستفاد منها أن اليمين الذي مع الشاهد هو يمين المنكر الذي لو شاء ردها على المدعي، وحينئذ يكون الميزان ما يثبت بها، ولكن حيث إن جملة من أوباش الناس لاتحمل عقولهم هذا الخلاف كان المتجه القول بأن عنوان الحكم هو ما ذكرناه، ولكن كل ما ثبت إجماع محقق على عدم ثبوته بالشاهد واليمين وإن كان هو حقا للناس قلنا به وإلا فلا، وحينئذ كل أفراد الخلاف داخلة فيما ذكرناه من الضابط وإن خرجت عما ذكروه من الضابط، والله العالم. (ولا تثبت دعوى الجماعة) مالا بينهم مثلا (مع الشاهد إلا مع حلف كل واحد منهم) لانها تنحل إلى دعاوى متعددة وإن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 4.

[ 280 ]

كانت هي واحدة بالظاهر، على أنك ستعرف الاجماع ظاهرا على عدم ثبوت اليمين مال آخر، فلو اجتزئ هنا بيمين أحدهم كما استظهره المقدس البغدادي إن لم يكن إجماعا ثبت به حينئذ مال الغير، فلا وجه لاحتمال كما لاوجه لاحتمال توقف ثبوت الدعوى على الحلف من الجميع بحيث لو حلف أحدهم لم يثبت ما يخصه أيضا، ضرورة مخالفته لاطلاق الادلة أجمع، فتعين حينئذ ما سمعته أولا من الاصحاب بلا خلاف نجده فيه بينهم، بل ولا إشكال بعد ما عرفت. (و) حينئذ ف‍ (لو امتنع البعض) من الحلف (ثبت نصيب من حلف) لاندراجه في جميع الادلة السابقة (دون الممتنع) بل في القواعد (ليس لولد الناكل بعد موت أبيه ان يحلف) ولعله لانه إنما ينتقل إليه من أبيه ما ملكه، ومع النكول يسقط الملك. لكن فيه أنه لم يثبت سقوط الحق بمثل هذا النكول الذي هو ليس نكولا عن اليمين المردودة، ولهذا قال هو بعد ذلك: (ولو أقام شاهدا واحدا ونكل عن اليمين معه احتمل أن يكون له الحلف وعدم القبول إلا بشاهد آخر) ولو أن هذا النكول مثل النكول عن اليمين المردودة لم يقبل منه حتى لو أقام شاهدا آخر، فالمتجه أن نكوله عنه تأخير للدعوى التي لم يجبر عليها. وحينئذ فلولده الحلف بعد موت أبيه مع نكوله فضلا عما لو لم ينكل. لكن في كشف اللثام أنه (يحلف كان لوالده إن كان يعلم، لعدم سقوط الملك وقيام الوارث مقامه، ولكن لا يكفيه هذا الحلف إلا إذا لم يثبت المدعى عليه البراءة أو الانتقال ولم يحلف على عدم استحقاق الولد، بخلاف الوالد، فانه يحلف على استحقاقه اذن، فلا يحلف المدعى عليه على العدم) وكان مرجعه إلى الفرق بين يمين الوالد والولد

[ 281 ]

فيما لو فرض أن المدعى عليه ادعى عدم استحقاق الولد لذلك، فانه يسمع منه ذلك، وحينئذ لو حلف على ذلك لم ينفع يمين الولد، فان ثبوته لابيه أعم من استحقاقه له بخلاف يمين الوالد، فانه لا يجرى فيها شئ من ذلك، ضرورة كون صورتها أنه الان مستحق له، فلا وجه لدعوى عدم استحقاقه له ولا لليمين على ذلك، ولكن لا يخلو من نظر. ثم قال: (ولو أقر المدعى عليه بعد موت الوالد وشهد به واحد كان للولد الحلف بعد الشهادة، كما كان يحلف الوالد، وكفاه إن لم يثبت المدعى عليه البراءة أو الانتقال بعد إقراره، وهذا الحلف ليس مما قال فيه مقام الوالد، ولا هذه الدعوى دعواه). وعلى كل حال ففي وجوب إعادة الشهادة لحلف الولد إشكال في القواعد أقواه عندنا عدم الوجوب، للاصل وغيره بعد اتحاد الدعوى وقيام الوارث منها مقام المورث، فتغاير المدعيين لا يعددها، ولو ورث الناكل الحالف قبل الاستيفاء استوفى المحلوف عليه، لثبوت ملكه له ما لم يكذبه في الدعوى، لاخذه باقراره. (ولا) يجوز أن (يحلف من لا يعرف ما يحلف عليه يقينا) وإن كان هو مقتضى الاصول العقلية، وقد تقدم جملة من الكلام فيه، لما سمعته من النصوص (1) المصرحة بذلك، إلا أن من المقطوع به جواز الحلف على ما تقتضيه اليد من الملك، كما سمعت التصريح به في الخبر (2) السابق، وإنما المراد هنا عدم جواز حلف الوارث مثلا بما يجده مكتوبا بخط والده أو بما يشهد له به شاهد، خلافا لبعض العامة، فجوز الحلف على شهادة شاهد واحد، أما لو شهد له به شاهدان فقد


(1) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الايمان. (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 2.

[ 282 ]

يقال بالجواز، لانها حجة شرعية، بل قد يحتمل جواز الحلف على مقتضى استصحاب الموضوع الثابت لكنه لا يخلو من إشكال بل منع فيهما، لعدم العلم المعتبر في الحلف الذي لم يثبت قيام نحو ذلك مقامه في الفرض، بل لعل الثابت خلافه. (ولا يثبت مالا لغيره) وإن تعلق له به حق بلا خلاف، بل قد يظهر من المسالك وغيرها الاجماع عليه، ولا إشكال، للاصل السالم عن معارضة ما دل على الثبوت بها بعد ظهوره في المدعي لنفسه، لكن في كشف اللثام (إلا الولي لمال المولى عليه، فان الحالف إما المنكر أو المدعى له، أما الولي فقوله بمنزلة قول المولى عليه) ولم أجده لغيره، بل إطلاقهم يقتضي خلافه. وحينئذ (فلو ادعى غريم الميت مالا له على آخر مع شاهد فان حلف الوارث) لانه المالك للتركة عندنا وإن كان الدين مستوعبا (ثبت) وإن تعلق به حق الديان. نعم قد يستشكل فيما لو كان الدين مستوعبا مثلا وقلنا ببقاء التركة على حكم مال الميت، فان يمين الوارث حينئذ لاثبات مال الغير، إلا أن ظاهرهم الاتفاق على جواز حلفه على كل حال، لان له تعلقا به على وجه يكون له بابراء الديان مثلا. وفيه أن التعلق لا يكفي في جواز الحلف لاثبات مال الغير، أللهم إلا أن يكون مثل هذا التعلق كافيا. ومنشأه ظهور الادلة، بل قد يدعى معلومية قيام الوارث مقام مورثه في مثل ذلك، فله الحلف حينئذ على ماله، ثم يتبعه التعلق بالدين، وربما يخرج على جواز حلفه كذلك تبعية الوصية، بل صريح بعضهم أنه بعد الحلف يتعلق بالمال الوصايا والديون، وهو كذلك في الوصايا التي تكون كالديون، وهي الكلية المتعلقة بالتركة

[ 283 ]

تعلق الدين، بل قد يقال: إن التركة معها ملك الوارث وإن وجب عليه أداؤها منه إلا على احتمال انحلالها إلى حصة مشاعة من التركة، بناء على أن الكلي في الخارج لا يكون إلا عليها، ولكن فيه بحث أو منع قد ذكرناه في محله. أما الوصية بالثلث على وجه لا تعلق للوارث به فان قلنا بكونه ملكا للوارث تحرزا من بقاء المال بلا مالك لخروج الميت عن قابلية ابتداء واستدامة لم يكن إشكال في جواز حلفه أيضا، أما إذا قلنا ببقائه على حكم مال الميت فقد يشكل جواز حلفه بكونه لاثبات مال الغير، والفرض عدم التعلق به كما في المال المتعلق به الدين، لخروجه بالوصية عن إرث الوارث، وليس في الادلة ما يقتضى قيام الوارث مقام المورث حتى في هذا الذي لا تعلق للوارث به في وجه. أللهم إلا أن يقال: إنه قد ورث حق الدعوى به وإن صار بعد الثبوت على حكم مال الميت ولا تعلق للوارث به، ولكنه كما ترى، ولم أجد ذلك محررا في كلام الاصحاب. وربما ينقدح من هذا الاشكال في الحلف من المالك على العين التي تعلق بها الخمس والزكاة، لانه أيضا حلف لاثبات مال الغير، لكن السيرة على خلافه، ولعلها لبقاء تعلقه بها، والاولى إذا أراد الحلف أن ينقلها إلى ملكه بما يقابل الخمس في ذمته حتى يتمحض له، لانه مخير في دفعه منه ومن غيره. (و) على كل حال ف‍ (ان امتنع) الوارث (لم يحلف الغريم) على أنه ملك الميت، ولا يجبر الوارث على الحلف، للاصل وغيره، ولكن للغريم إحلاف المدعى عليه، لان له تعلقا بذلك، فان أحلفه برأ من الغريم ولم يبرأ من الوارث، فان حلف الوارث كان للغريم

[ 284 ]

أخذه من حيث ثبوت كونه تركة، بل يقوى جواز مطالبته به قبل قبض الوارث له، وإن استشكل فيه الفاضل من إحلافه، لكن فيه أن سقوط استحقاقه عليه من جهة لا ينافي الاستحقاق من جهة أخرى، كما أسلفنا الكلام فيه. (وكذا لو ادعى رهنا وأقام شاهدا أنه) ملك (للراهن لم يحلف) على أنه ملك الراهن (لان يمينه لاثبات مال الغير) حينئذ لكن في الدروس الاشكال في ذلك مما عرفت ومن ثبوت النفع، إلا أني لم أعرفه لغيره من أصحابنا، وإنما هو محكي عن بعض العامة، نعم لو ادعى الرهانة وأراد إثباتها من غير تعرض للمالك لم يبعد إثباتها بالشاهد واليمين، ولا ينافيها كونه ملكا للغير، فانه يمكن تعلق الرهانة به وإن كان ملكا للغير، بل لو ادعى غريم الميت أن له حق الوفاء من هذه العين من غير تعرض لمالكها أمكن الثبوت وإن لم يثبت أنها تركة ميت، إلا أني لم أر مصرحا بذلك، ولعله لتوقف ثبوت حق الاستيفاء له على كونه تركة للميت، والفرض عدم ثبوتها بيمينه، وبذلك يفرق بينه وبين الاول، فتأمل. (ولو ادعى الجماعة مالا لمورثهم وحلفوا) أجمع (مع شاهدهم ثبتت الدعوى) بلا خلاف ولا أشكال (وقسم بينهم على الفريضة، ولو كان وصية قسموه بالسوية) لظهورها في ذلك (إلا أن يثبت التفضيل) من الموصي (ولو امتنعوا لم يحكم لهم) لعدم تمام الحجة. (ولو حلف بعض أخذ ولم يكن للممتنع معه شركة) لاطلاق أدلة القضاء بالشاهد واليمين، وانحلال دعوى الجماعة إلى دعاوى متعددة، كما عرفته في المسألة السابقة، وحينئذ لم يكن للممتنع معه شركة، لانه

[ 285 ]

بتركه لليمين قد أبطل حجته وأسقط حقه، فصار بمنزلة غير الوارث. وفي المسالك (وقد يشكل الفرق بين هذا وبين ما لو ادعيا على آخر مالا وذكرا سببا موجبا للشركة كالارث، فانه إذا أقر لاحدهما شاركه الاخر فيما وصل إليه، فخص بعضهم هذا بالدين وذاك بالعين، لان أعيان التركة مشتركة بين الورثة، والمصدق معترف بأنه من التركة بخلاف الدين، فانه إنما يتعين بالتعيين والقبض، فالذي أخذه الحالف تعين لنفسه بالقبض، فلم يشاركه الاخر فيه، وهذا الحكم مبني على ما إذا استوفى بعض الشركاء نصيبه من الدين هل يشاركه الاخر أم لا ؟ وهذه التخصيصات لا توافق مذهب المصنف من مشاركة الشريك في الدين فيما قبضه الاخر منه، ومع ذلك فلو انعكس الفرض انعكس الحكم). قلت: الذي صرح بالفرق الفاضل في التحرير، فانه قال على ما حكي عنه: (ولا شركة للغائب فيما أخذ الحاضر إذا كانت الدعوى دينا، أما لو كانت عينا وأخذ نصيبه منها بالشاهد واليمين فان الغائب إذا حضر وامتنع من اليمين أخذ نصيبه مما أخذ، كما لو ادعى الوارثان عينا فأقر لاحدهما فصالحه كان للاخر الشركة). وقال في الارشاد في كتاب الشهادات في مفروض المسألة: (ولو استوفى الحاضر حصته من الدين لم يساهمه الغائب، وإن كان عينا ساهمه). وقال في القواعد في مفروض المسألة: (هل للمولى عليه منهم شركة فيما يقبضه الحالف ؟ الاقرب ذلك إن كمل وحلف). وعلله شارحه الاصبهاني بأن الارث أو الوصية سبب لاشتراك الكل بالاشاعة والمفروض اعتراف الحالف بالسبب المشرك، والاستيفاء ليس بقسمة، ثم قال الشارح المزبور: (وهو ظاهر في العين دون الدين، لانه يتعين بالقبض، وأما إذا لم يحلف فقد أسقط حقه، ويحتمل الشركة

[ 286 ]

وإن لم يحلف، لاعتراف القابض بشركته بالاشاعة وأن القسمة بغير إذنه، فباعترافه لم تقع موقعها، والعدم مطلقا للحكم بانتزاع ما قبضه، فهو أبلغ من القسمة بالتراضي). وفي المسالك (أنه فرق إخرون بين الاقرار وبين المقام بأن المدعي هناك تلقى الملك من إقرار ذي اليد ثم ترتب على ما أقر به إقرار الصدق بأنه إرث، فلذلك شاركه فيه، بخلاف ما هنا، فان السبب هنا الشاهد واليمين، فلو أثبتنا الشركة لملكنا الناكل بيمين غيره، وبعيد أن يمتنع الانسان من الحلف ثم يملكه بحلف غيره، مع أن اليمين لا تجرى فيها النيابة، وعلى هذا فلا يفرق بين العين والدين - وأشكله فيها - بأن سبب الملك ليس هو اليمين بل الامر السابق من إرث أو وصية وغيرها، واليمين إنما كشفت عن استحقاقه السابق ورفعت الحجر عنه - ثم قال -: ولو فرض حلف الاخر بعد ذلك فان كان قبل الدفع إلى الاول فلا كلام، وإن كان بعده ففي مشاركة الثاني له وجهان: من وجوب السبب المقتضي للشركة، وسبق الحكم باختصاص الاول بما حلف عليه وقبضه، وتظهر الفائدة في المشاركة في النماء الحاصل قبل يمين الثاني). وفي الدروس بعد أن ذكر نحو ما سمعته من التحرير قال: (ويشكل بالفتوى أن الشريك في الدين يأخذ نصيبه من شريكه) إلى غير ذلك من كلماتهم المشوشة في المسألة. والتحقيق عدم الفرق بين الدين والعين بعد تحقق سبب الشركة فيهما، إذ الدين عين أيضا، إلا أنها كلية، وقد تقدم التحقيق في الشركة بالدين أنه إذا قبض بعض الشركاء لنفسه ودفعه المديون له ايضا كذلك لم يختص به عن الشريك الاخر لو فرض إجازته القبض وفاء عن الدين المشترك، خلافا لابن إدريس، وقد ذكرنا النصوص والفتاوي على

[ 287 ]

خلافه، ضرورة عدم ولاية للمديون على تعيين الحصة المشاعة التي هي للشريك في عين خارجية وإن اتفق معه، نعم لو أراد الاستقلال بذلك صالحه عن حصته المشاعة بعين أو حول عليها على إشاعتها أو نحو ذلك مما ذكرناه في وجه اختصاص بعض الشركاء عن بعض حتى في العين. ومنه يعلم النظر فيما في التحرير من لحوق الشريك للاخر لو صالحه عن حصته في العين زيادة على ما سمعته منه ومن غيره من اختصاص الشريك عن الغائب فيما يقبضه بالشاهد واليمين من حصته في الدين. وأغرب من ذلك ما سمعته من المحكى في المسالك من الفرق المزبور بين الاقرار وغيره، ضرورة أن لحوق الشريك فيما قبضه الاخر بيمينه ليس لاثبات حقه بيمين غيره مع فرض نكوله، بل هو لاعتراف القابض باشاعة الدين وإن توصل هو إلى قبض بعضه بعنوان أنه حصة له بيمينه، لكن ذلك لا يغير الواقع وما في النفس الامر. وأغرب منه ما سمعته من الاحتمالات في كشف اللثام. نعم قد يتجه اختصاص الشريك في الدين والعين بما يقبضه منهما إذا لم يعلم بقاء سبب الشركة، لاحتمال الابراء من شريكه أو نقله بحصته على الاشاعة أو نحو ذلك، والعلم السابق بحصول مقتضى الشركة لا يقتضي التشريك فيما يدفعه المديون أو من في يده العين منها مع عدم ثبوت الشركة بظاهر الشرع، بل ربما ثبت عدمها بظاهر الشرع، كما لو رضي بيمينه أو نكل عن يمين ردت عليه أو نحو ذلك. وحينئذ فالحكم الظاهري لم يعلم فساده، كما لم يعلم عدم تمامية ما قصداه معا من الاختصاص بعد عدم حجية الاصول المثبتة عندنا. بل قد يقال باختصاصه في هذا الحال مع غيبة الشريك الاخر وإن جاء وحلف، لكن ذلك لا يقتضي التشريك في حق القابض الاول، إذ

[ 288 ]

يمكن كذبه بيمينه، كما يمكن ذلك في الاول، فلا يلحق أحدهما الاخر إلا مع تداع جديد بينهما. (و) بذلك بان لك الحال في جميع أطراف المسألة حتى (لو كان في الجملة مولى عليه) لصغر ونحوه، فانه لم يحلف وليه لكون المال لغيره، ولكن (يوقف نصيبه، فان كمل ورشد حلف واستحق وإن امتنع لم يحكم له) وفي شركته للقابض الاول حلف أو لم يحلف وشركة الاخر له على تقدير حلفه ما سمعته، وليس للولي مطالبة المديون بكفيل إلى أوان الحلف على الاصح، كما أنه لا يجب على الوالي أخذ نصيب المولى عليه من الغريم، لعدم الثبوت وإن تردد في محكى التحرير في نصيب الغائب، واحتمل في كشف اللثام الفرق بين العين فيؤخذ والدين فلا. (وإن مات) المولى عليه مثلا (قبل ذلك كان لوارثه الحلف) أنه لمورث مورثه (واستيفاء نصيبه) كما سمعته في غيره، والاقوى عدم احتياج إعادة الشهادة حتى في الوصية، لكن في كشف اللثام إن كان الدعوى في الارث لم يفتقر إلى إعادة الشهادة وإن لم يأت الولي بالشاهد، وإن كان في الوصية افتقر إن لم يأت الولي به، والفرق أنه ثبت في الاول أولا ملك المورث، وهو ملك واحد، بخلاف الثاني، وفيه أن اطلاق الادلة يقتضى أعم من ذلك، كما أومأنا إليه سابقا في دعوى الجماعة غير الورثة. هذا كله بالاثبات بالشاهد واليمين، أما إذا كان بالبينة فلا خلاف عندهم في انتزاع حصة الغائب أو المولى عليه من العين والدين ولو من الحاكم الذي هو ولي الغائب في نحو ذلك، كما لو علم بالاستحقاق، نعم في الدروس احتمل بقاء حصة الغائب في الدين واستبعده.

[ 289 ]

وقد يشكل أصل الاخذ بأن البينة وإن كانت حجة شرعية إلا أنها لمن ادعى بها بنفسه أو وكيله أو وليه لا مطلقا، ويدفع باطلاق ما دل على حجيتها ما يعلم فسادها، على أن الولي هنا ولو الحاكم الذي يتوقف استقلال الحاضر على نصيبه على مقاسمته له، فتأمل جيدا. (مسائل خمس:) (الاولى:) (لو قال: هذه الجارية) التي في يد زيد مثلا (مملوكتي وأم ولدي) وأنكر زيد وأقام شاهدا على ذلك (حلف مع شاهده وثبت بذلك (رقيتها) بلا خلاف ولا إشكال، لانها مال وإن كانت أم ولد، ولكن يختص الثبوت بها (دون الولد، لانه ليس مالا) حتى يثبت بالشاهد واليمين (و) إن كان (يثبت لها حكم أم الولد) من عدم جواز بيعها وغيره (باقراره) وحينئذ فيثبت من تلك الدعوى المتضمنة لامور أربعة إثنان: كونها مملوكته، والثاني أنها أم ولد، الاول بالشاهد واليمين والثاني بالاقرار، ويبقي لحوق الولد به، ويتبعه كونه حرا، ولا ريب أن الشاهد واليمين لا يثبت النسب عند الاصحاب، نعم يلحقه حكم الولد من حيث الاقرار، فهو حينئذ كمدعي بنوة عبد الغير، وقد تقدم البحث فيه في محله، والوجه ثبوت حريته على تقدير انتقاله إلى ملكه في الظاهر في وقت ما لا معجلا. وأما الحرية فبناء على ثبوتها بالشاهد واليمين فقد يقال بعدمه هنا باعتبار كونها هنا تابعة للنسب لا واقعة بالذات، وانتفاء المتبوع يستتبع انتفاء التابع.

[ 290 ]

وفيه أن انتفاءه واقعا يقتضي ذلك، لا عدم الحكم به في ظاهر الشرع، وحينئذ يمكن إثباتها بهما، كما لو اشتملت الدعوى على أمرين يثبت أحدهما بذلك دون الاخر، وحينئذ ففي الفرض تثبت حريته بهما، ولا يقدح فيها كونها تابعة لما لا يثبت بهما، ضرورة كونها مدعى بها في الجملة، فهي حينئذ كدعوى السرقة. ودعوى أن حرية الولد ليست من حقوق المدعي كي تندرج في ضابط الشاهد واليمين يدفعها أنها من حقوقه مع استنادها إلى كونه ولدا له، بل قد يقال: إن الحكم بملكية الجارية يقتضى الحكم أيضا بملكية الولد الذي هو من نمائها التابع لها، كما لو ثبت غصب جارية، فانه يحكم له بالولد الحاصل منها في يد الغاصب، بل ثبوت الاستيلاد يقتضى ذلك، وحينئذ فينتزع الولد ويتم لحوقه به باقراره وإن كان قد يناقش بتقديم ما تقتضيه اليد من الملك فعلا على ذلك، خصوصا بعد دعواه الحرية بالاستيلاد الذي لا يقتضي ثبوته بالاقرار كونه كذلك في حق المدعى عليه. هذا وفي المسالك (الاظهر الاول، لانه لا يدعي تملك الولد ولا عتقه، وإنما يدعي نسبه وحريته، وهما لا يثبتان بهذه الحجة، وعلى هذا فيبقى الولد في يد صاحب اليد). وفيه أن دعوى نسبه وحريته تشتمل على دعوى مال ودعوى غيره، بناء على أن دعوى زوال المال عمن هو في يده ومحكوم بكونه مالا له بظاهر الشرع - نحو دعوى العبد العتق على من في يده - من دعوى المال، بل لو فسرت دعوى المال بالتي تتعلق بالمال لو لا الدعوى لكان ما نحن فيه من ذلك قطعا، إذ هو مال لمالك الجارية باعتبار كونه نماءها التابع لها أو لمن في يده باعتبار اليد الظاهرة عليه. وعلى كل حال هي دعوى مال على هذا التقدير وغير مال، فيثبت

[ 291 ]

منها بالشاهد واليمين ما رجع إلى المال دون الاخر وإن كان يثبت حينئذ باقراره بعد ثبوت الحرية، فتأمل. المسألة (الثانية:) (لو ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم دارا) مثلا (و) بعدهم (على نسلهم فان حلف المدعون) أجمع (مع شاهدهم) الواحد بناء على القضاء بذلك في مثله (قضي لهم) بالوقفية ولم يؤد منه دين ولا ميراث ولا وصية، فان انقرض المدعون معا أو على التعاقب فهل يأخذ البطن الثاني الدار من غير يمين أم يتوقف قبضهم على اليمين ؟ ففي المسالك (فيه وجهان مبنيان على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من البطن الاول دون الواقف، فعلى الاول كما هو الاشهر فلا حاجة إلى اليمين، كما إذا أثبت الوارث ملكا بالشاهد واليمين ثم مات، فان وارثه يأخذه بغير يمين، ولانه قد ثبت كونه وقفا بحجة يثبت بها الوقف فيدوم، كما لو ثبت بالشاهدين، ولانه حق ثبت لمستحق فلا يفتقر المستحق بعده إلى اليمين، كما لو كان للمدعي ملكا، ولان البطن الثاني وإن كانوا يأخذون عن الواقف فهم خلفاء عن المستحقين أولا، فلا يحتاجون إلى اليمين، كما إذا أثبت الوارث للميت ملكا بشاهد ويمين وللميت غريم، فان له أن يأخذه بغير يمين). وهو كما ترى لا محصل له، ضرورة عدم تعقل تلقيهم من البطن الاول على وجه يقتضي التلازم بينهما أو اندراج حقهم في حق الاولين حتى يكون اليمين من الاولين مثبتا لحقهم لا حق الغير، والقياس على إثبات الملك مع حرمته عندنا هو مع الفارق، ضرورة أن الانتقال إلى الارث

[ 292 ]

وتعلق حق الدين من لوازم الملك، بخلاف كونه وقفا على خصوص الثاني، فانه ليس من لوازم الاول، والحجة الشرعية إنما هي في حق صاحب الحق لا لاثبات الشئ في نفس الامر، ولهذا كان فرق بينهما وبين البينة، فالمتجه حينئذ التوقف على اليمين كالبطن الاول. ثم قال فيها تفريعا على هذا (وحينئذ فلو كان الاستحقاق بعد الاولاد للفقراء وكانوا محصورين كفقراء قرية ومحلة فالحكم كالاول، وإن لم يكونوا محصورين بطل الوقف، لعدم إمكان إثباته باليمين، وعادت الدار إرثا، وهل تصرف إليهم بغير يمين ؟ وجهان، ويحتمل عودها إلى أقرب الناس إلى الواقف بناء على أنه وقف تعذر مصرفه، كالوقف المنقطع، ويجري فيه الخلاف الذي قد تقدم في الوقف). وهذا الكلام أغرب من الاول، إذا ما ذكره من الاحتمال الاخير لم نعرف أحدا ذكره في الوقف المنقطع، ولا وجه له، فان أقرب الناس إلى الواقف لا مدخلية له في شئ من ذلك، واحتمال إرادة الارث منه كما عساه يشعر به كلامه في آخر المسألة يدفعه أنه ذكره بعد أن ذكر البطلان وأنه صار إرثا، والبحث في كونه لورثة الواقف حين الوقف أو حين الانقطاع أو غير ذلك تقدم في محله، نعم ذكروا في الوقف المعلوم بقاؤه على الابد واتفق تعذر مصرفه أنه يحتمل صرفه في أقرب الجهات إلي الوقف الاول أو في مطلق وجوه البر، والفرض أن المقام ليس منه قطعا، لعدم ثبوت وقفه. وكذا ما ذكره من الوجهين بعد الجزم ببطلان وقفه وعوده إرثا في توقف صرفه إليهم على اليمين وعدمه، إذ لا استحقاق لليمين على الوارث بعد عدم مدع لكون المفروض وقفه على الفقراء وهم غير منحصرين. بل ما ذكره أولا من الحلف على فرض كون الوقف على فقراء

[ 293 ]

قرية أو محلة قد يناقش فيه بأنه لا وجه له مع فرض كون المراد الجنس وإن اتفق انحصار أفراده في الخارج، فان ذلك لا يجعل للمخصوصين من حيث كونهم كذلك حق الدعوى على وجه لهم الحلف مع الشاهد واليمين المردودة ونحو ذلك، فتأمل. ولو مات أحد الحالفين صرف نصيبه إلى الاخرين، فان لم يبق إلا واحد صرف الكل إليه، لان استحققا البطن الثاني مشروط بانقراض الاولين، ولكن في المسالك ايضا (وهل أخذ الاخرين بيمين أو بغيره مبني على أن البطن الثاني هل يأخذ بيمين أم لا ؟ فان قلنا بعدمه فهنا أولى، وإن قلنا به فهنا وجهان: من انتقال الحق إلى الثاني عن غيره فيفتقر إلى الحلف، ومن كونه قد حلف مرة وصار من أهل الوقف، فيستحق بحسب شرط الوقف تارة أقل وتارة أكثر). وفيه أنه أيضا إسراف من الكلام، ضرورة الفرق بين ذلك وبين البطن الثاني، بل ليس فيه إلا وجه واحد، لان اليمين الاولى قد اثبتت استحقاق الحالف على حسب ما وقف الواقف، فلا يحتاج حينئذ في صيرورة نصيب الميت إليه إلى يمين، كما هو واضح (وإن امتنعوا) أجمع من اليمين (حكم بها ميراثا) للجميع وتتعلق بها الوصايا والديون (و) لكن (كان نصيب المدعين وقفا) لان إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، دون نصيب غيرهم، فان مات الناكلون ففي المسالك (في صرف حصتهم إلى أولادهم على سبيل الوقف بغير يمين وجهان مبنيان على تلقي الوقف، كما تقدم). وفيه أن الاقرار من ذي النصيب هنا كاف في ثبوت الوقف لهم، بل لا وجه لليمين هنا مع عدم المنازع لهم، إذا الفرض إقرار الاب بما أصابه من نصيب الارث، إلا أنه قد نكل عن اليمين السابقة، وليس لشركائهم مخاصمة معهم في ذلك.

[ 294 ]

ثم قال: (وهل للاولاد أن يحلفوا على أن جميع الدار وقف ؟ وجهان من كون الاولاد تبعا لابائهم، فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا، ومن أنهم يتلقون الوقف من الواقف فلا تبعية، وربما بنى الخلاف على أن الوقف المنقطع الابتداء هل يصح أم لا ؟ فان منعناه لم يحلف الاولاد على الجميع، لانقطاعه قبل طبقتهم، وإن جوزناه جاء الوجهان، والحق مجيئهما حتى على المنع، لان حلف الاولاد اقتضى عدم انقطاعه في الواقع وإن انقطع بالعارض حيث لم يحلف آباؤهم، ولان البطن الثاني كالاول في تلقي الوقف من الواقف، ولان منع الثاني يؤدي إلى جواز إفساد البطن الاول الوقف على الثاني وهذا لا سبيل إليه، فالقول بجواز حلفهم قوي، كما هو خيرة الشيخ والمصنف وغيرهما). وفيه أيضا - بعد الاغضاء عما في الاول من الوجهين - أن يمين الاولاد لا يصلح لاثبات اتصال الوقف، لانه حينئذ يكون يمينا للغير، واحتمال الاتصال بعد كونه منقطعا في ظاهر الشرع غير مجد، وإطلاق الاثبات بالشاهد واليمين لا ينافي الفساد من جهة أخرى، فتأمل. إذا الظاهر عدم خلاف محقق في أن للبطن الثاني اليمين مع نكول البطن الاول عنه بناء على تلقيهم من الواقف، ويكفي في صحة الوقف في حقهم احتمال الاتصال وإن كان هو منقطعا في ظاهر الشرع بمعنى عدم ثبوته للبطن الاول، والله العالم. (ولو (فان خ ل) حلف بعض) وكانوا ثلاثة مثلا فحلف واحد منهم (ثبت نصيب الحالف) على تقدير الوقفية وهو الثلث (وقفا وكان الباقي طلقا) بالنسبة إلى غير المدعي (تقضى منه الديون وتخرج الوصايا، وما فضل) عن ذلك يكون (ميراثا) للجميع حتى الحالفين، كما هو ظاهر بعض، بل عن بعضهم التصريح به،

[ 295 ]

لاعتراف غيرهم من الورثة باشتراكه بينهم أجمع وإن كان مدعي الوقف قد ظلم بأخذ حصته منه بيمينه، ولا يحسب عليه ما أخذه من حقه في الباقي، لانه معين وهو الدار المفروضة لا مشاع، فيؤاخذون باقرارهم ويقسم على الحالف وغيره، وعلى هذا فما يخص الحالف يكون وقفا على الناكل، لان الحالف معترف لهم بذلك. ولكن فيه أنهم إنما يعترفون بالاشتراك في الجميع، وأن ما أخذه الحالف بالوقفية إنما استحقه بالارث، والحالف معترف بأنه لا يستحق إلا ما أخذه، نعم إن زاد نصيب مدعي الوقف إرثا على نصيبه وقفا كان الزائد مجهول المالك، ولعله لذا قيل - كما عن المبسوط التصريح به -: إن الفاضل يقسم بين المنكرين من الورثة والذين نكلوا دون الحالف، لانه مقر بانحصار حقه فيما أخذه وأن الباقي لاخوته مثلا وقفا، بل الظاهر أيضا كون الزائد من نصيبهم إرثا على نصيبهم وقفا مجهول المالك نحو ما سمعته في الاول. ثم حصة الناكلين تصير وقفا باقرارهما كما أن حصة الحالف من حيث الارث كذلك، و حينئذ فإذا مات الناكلان والحالف حي فنصيبهما له على ما شرط الواقف باقرارهم، بل لا حاجة إلى اليمين كما عرفته فيما سبق، فإذا مات الحالف فالاستحقاق للبطن الثاني مع حلفهم كما سمعت. وإن كان الحالف حيا عند موت الناكلين فأراد أولادهم أن يحلفوا ففي المسالك (على القولين المذكورين في أولاد الجميع إذا نكلوا، والاصح أن لهم الحلف - قال -: وأما حكم نصيب الحالف الميت قبلهما ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يصرف إلى الناكلين، لانه قضية الوقف، إذا لا يمكن جعله للبطن الثاني لبقاء البطن الاول، ولانه أقرب الناس إلى الواقف، وعلى هذا ففي حلفهم الخلاف السابق، فان قلنا بالحلف يسقط بالنكول

[ 296 ]

كالاول. والثاني أنه يصرف إلى البطن الثاني، لانه بنكول الناكل سقط حقه وصار كالمعدوم، وإذا عدم البطن الاول كان الاستحقاق للثاني، وهذا هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط. والثالث وهو أضعفها أنه وقف تعذر مصرفه، لانه لا يمكن صرفه إلى الباقين من البطن الاول لنكولهم، ولا إلى البطن الثاني، لان شرط استحقاقه انقراض الاول، فإذا تعذر مصرف الوقف بطل كمنقطع الاخر، ويرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف، ويحتمل على هذا صرفه في وجوه البر، لان هذا الانقطاع لم يكن واقعا، وإنما طرأ فكان كما لو بطل رسم المصلحة الموقوف عليها، وعلى هذا فإذا زال التعذر بأن مات الناكل وانتقل إلى البطن الثاني جاء في حلفه ما مر، وكذا في حلف أقرب الناس إليه إذا كان هو الناكل). وفيه أنه لا ريب في صرف نصيبه من حيث الارث إلى الناكلين، كما صرف نصيبهم إليه من هذه الحيثية للاقرار، وأما ما زاد عليه فيرجع إلى شركائه المنكرين للوقف، لانقطاع حكم يمينه بموته، ولم يتحقق استحقاق البطن الثاني باعترافه، نعم لو مات الناكلان انتقل إليهم حينئذ بيمينهم وإلا كان إرثا، والله العالم. هذا (و) قد عرفت أن (ما يحصل من الفاضل للمدعين يكون وقفا) للاقرار. (و) كذا عرفت أنه (لو انقرض الممتنع كان للبطن التي تأخذ بعده الحلف مع الشاهد، ولا يبطل حقهم بامتناع الاول) كما هو واضح. وإذا أحطت بجميع ما ذكرنا عرفت الكلام فيما ذكره المصنف في

[ 297 ]

المسألة (الثالثة:) من أنه (إذا ادعى الوقفية عليه وعلى أولاده بعده وحلف مع شاهده ثبتت الدعوى، ولا يلزم الاولاد بعد انقراضه يمين مستأنفة) عند المصنف وجماعة (لان الثبوت الاول أغنى عن تجديده) وهم يتلقون الوقف منه، بمعنى الاكتفاء بثبوته في حق الاولين عن إثباته في حق البطن الثاني. لكن قد عرفت أن فيه منعا واضحا، ضرورة كونه كذلك إذا كان في مال لا منازع لهم فيه لا في مثل الفرض، نعم يتجه ذلك فيما يخصهم على تقدير الارثية لا ما زاد، فانه يحتاج إلى اليمين. (وكذا) الكلام (إذا انقرضت البطون وصار إلى الفقراء أو المصالح) فانه بناء على ما ذكرنا يتجه حينئذ انقطاع الوقف، لعدم صحة اليمين من أحدهم، واحتمال سقوطه هنا وإن قلنا به في غيرهم لعدم حصرهم ضعيف، بل مناف لظاهر الادلة هذا كله في وقف الترتيب. (أما لو ادعى التشريك بينه وبين أولاده افتقر البطن الثاني إلى اليمين (يمين خ ل)) قطعا بل لا خلاف أجده فيه (لان البطن الثاني بعد وجودها تعود كالموجودة وقت الدعوى) ضرورة تلقي الجميع من الواقف، ولا يثبت حق أحد منهم بيمين غيره. وحينئذ (فلو ادعى إخوة ثلاثة) مثلا (أن الوقف عليهم و على أولادهم مشتركا فحلفوا مع الشاهد) ثبت ذلك بالنسبة إليهم، ولم يتعلق فيه حق وصية ولا دين ولا حق إرث لغيرهم، فإذا كان كذلك (ثم صار لاحدهم ولد) مثلا (فقد صار الوقف أرباعا) بعد

[ 298 ]

أن كان أثلاثا (و) لكن (لا تثبت حصة هذا الولد ما لم يحلف، لانه يتلقى الوقف عن الواقف، فهو كما لو كان موجودا وقت الدعوى، و) حينئذ (يوقف له الربع) ونماؤه. وفي المسالك (في تسليمه إلى وليه أو يوضع في يد أمين وجهان: منشأهما مؤاخذتهم باقرارهم، كما لو كانت العين في يد ثلاثة فاعترفوا بربعها لصبي، فانهم يلزمون باقرارهم، ويدفع إلى وليه، ومن عدم ثبوت الحق له حينئذ لتوقفه على اليمين، وهذا هو الاصح، والفرق بينه وبين المثال واضح). قلت: بل يتوقف في أصل إيقافه، لما عرفته في الوجه الاصح، وحينئذ يجري عليه حكم ما لم يثبت وقفه، ويحرم الثلاثة منه، لاعترافهم بعدم استحقاقهم فيه شيئا، إلا أني لم أجد قائلا بذلك، ولعله قوى للاحتياط في مثله، ولو لعدم معلومية أنه للموقوف عليه أو للوارث على وجه لا ينقح بأصل أو غيره، ضرورة انكشافه باليمين أنه للموقوف عليه من أول الولادة، فهو أشبه شئ بالمال المشترى فضولا حال عدم العلم بالاجازة، والاصل فيه أنه بعد انتزاع الثلاثة إياه من الوارث بيمينهم لم يعلم كيفية رجوعه إلى الوارث بالنكول أو صيرورته إلى الموقوف عليه باليمين التي تنكشف حاله بها حال الولادة، فتأمل جيدا. وكيف كان (فان كمل) بالبلوغ والرشد (وحلف) لحصول القطع له بالتسامح أو غيره (أخذ) الربع وغلته المتجددة بعد ولادته كما في المسالك (وإن امتنع) ففي المسالك في مصرف الربع وجوه: أحدها ما (قال‍) ه (الشيخ) في مبسوطه من أنه (يرجع ربعه على الاخوة، لانهم أثبتوا أصل الوقف عليهم ما لم يحصل المزاحم، و) الولد (بامتناعه جرى مجرى المعدوم) ولان الواقف جعل الثلاثة أصلا

[ 299 ]

في الاستحقاق ثم أدخل من يتجدد على سبيل العول، فإذا سقط الداخل فالقسمة بحالها على الاصول كما كانت، فهو حينئذ مثل ما إذا مات إنسان وخلف ألفا فجاء ثلاثة وادعى كل واحد ألفا على الميت وأقام شاهدا، فان حلفوا معه فالالف بينهم، وإن حلف إثنان فهي لهما، وإن حلف واحد فهي له. (وفيه إشكال ينشأ من اعتراف الاخوة بعدم استحقاق الربع) فلا يجور لهم أخذه. وزاد في المسالك يمنع الحكم في الاصل المشبه به، قال: (بل ليس لصاحب الدين الاول إذا لم يحلف الثاني إلا أخذ حصته، إلا أن يقضي بالنكول أو يبرؤه الثاني من حقه، لان الثاني أبطل حقه حينئذ بخلاف النكول بمجرده عند من لم يقض ببطلان الحق به، ولهذا لو لم يحلف مع الشاهد ثم أتم البينة سمعت منه وحكم له بها). وفيه أنه يكفي في استقلال الاول بأخذ الجميع عدم ثبوت حق الثاني وإن كان يلحقه لو أثبت بعد ذلك، نعم المتجه منع الشبه بما نحن فيه كما هو واضح. وثانيها صرفه إلى الناكل، لاعتراف الاخوة باستحقاقه، وأجاب عنه في محكي المبسوط بأن الاقرار ضربان: مطلق ومقترن إلى سبيل، فإذا عزى إلى سبب فلم يثبت السبب عاد إلى المقر به، كقولهم مات أبونا وأوصى لزيد بثلث ماله فرد ذلك زيد، فانه يعود إلى من اعترف بذلك، وكذلك من اعترف لغيره بدار في يده فلم يقبلها الغير عادت إلى المقر، فكذلك هنا. وفيه ما لا يخفى من أن ثبوت السبب متحقق بالنسبة إلى المقر، وإنما تخلف بالنسبة إلى المقر له، ولازم ذلك انتقال المقر به عمن ثبت السبب في حقه وإن لم يثبت في حق الاخر، ودعوى أن من أقر له بدار

[ 300 ]

فلم يقبلها المقر له تعود إلى المقر بمجرد الانكار ممنوعة، بل تبقى مجهولة المالك، أو يشرع له الدس في ماله. وإن أراد إقرارهم بسبب يتوقف أثره على قبول ولم يحصل فهو مسلم، ولكنه غير ما نحن فيه، ضرورة أن الملك في المقام غير متوقف على قبول، بل هو معترفون له به وإن لم يحلف، بخلاف التمليك بالوصية المتوقف على القبول، كل ذلك مضافا إلى اقتضائه حينئذ عدم اليمين. و ثالثها أنه وقف تعذر مصرفه، إذا لا يصرف إلى الاخوة لما ذكرناه، ولا إلى الولد لعدم ثبوته له، فيرجع إلى الواقف أو ورثته كمنقطع الاخر أو إلى وجوه البر كما قررناه في السابق. قلت: لاريب في أن المتجه عوده إلى المنكرين أولا، لعدم ثبوت ما يقتضي انتقاله عنهم، فهو كما لو حلف أحد الثلاثة ونكل الاخران، إذ قد عرفت أن الولد المتجدد كالموجود وقت الدعوى، وما في القواعد - من أنه لا يصرف إلى المدعى عليه أولا، ولا إلى ورثته، لثبوت عدم استحقاقهم أولا - يدفعه أنه إنما يثبت بالنسبة إلى خصوص الحالفين، والمتجدد مدع جديد، ولذا احتاج إلى اليمين مع شاهده، كما أشار إلى ذلك في الدروس وغيره، وحينئذ لم تتم الدعوى إلى أن يحصل الحلف من الجميع. (و) كيف كان ف‍ (لو مات أحد الاخوة قبل بلوغ الطفل عزل له الثلث من حين وفاة الميت، لان الوقف صار أثلاثا وقد كان) وقف (له الربع إلى حين الوفاة) فيضاف إليه نصف سدس ويوقف له (فان بلغ وحلف أخذ الجميع، وإن رد) فعلى قول الشيخ (كان الربع إلى حين الوفاة لورثة الميت والاخوين، والثلث من حين الوفاة للاخوين، وفيه أيضا إشكال كالاول) وعلى غيره يرجع إلى الناكل،

[ 301 ]

أو وقف تعذر مصرفه، أو إلى المدعى عليه أو وارثه، وهو الاصح. وولو ادعى البطن الاول الوقف على الترتيب وحلفوا مع شاهدهم فقال البطن الثاني بعد وجودهم: إنه وقف تشريك ففي القواعد (كانت الخصومة بينهم وبين البطن الاول، فان أقاموا شاهدا واحدا حلفوا وتشاركوا، ولهم حينئذ مطالبتهم بحصتهم من النماء من حين وجودهم) وفي كشف اللثام (وإن نكلوا خلص الوقف للاولين ما بقي منهم أحد، وإن تجددوا وادعوا التشريك قبل حلف الاولين كانوا خصوما لهم ولغيرهم من الورثة، ولكن لا يجدي نكولهم إلا المدعين، فانهم لما ادعوا الاختصاص فحلفوا مع شاهدهم ثبت لهم ذلك، نعم إن انعكس بأن حلف هولاء ونكل الاولون صار نصيب الاولين ميراثا، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (لو ادعى عبدا) في يد آخر (وذكر أنه كان له وأعتقه فأنكر المتشبث) به (قال الشيخ: يحلف مع شاهده ويستنقذه) لانه يدعي ملكا متقدما، وحجيته تصلح لاثباته وإن ترتب عليه العتق بعد ذلك باقراره كمسألة الاستيلاد السابقة. (و) لكن قال المصنف وتبعه غيره: (هو بعيد، لانه لا يدعي مالا) بل يدعي حرية العبد، وهي ليست مالا، بل ولا من حقوقه، فلا تثبت بشاهد ويمين، بل لو سلم ثبوت العتق بهما فهو فيما إذا ادعاه العبد لا المولى الذي يدعيه لغيره. وفيه أنه لا فرق بينهما في عدم كون الحرية مالا وفي كونها متعلقة بمال، على أن المولى قد يدعيها لاثبات الولاء له عليه بسبب عتقه،

[ 302 ]

وبذلك يكون حقا من حقوقه، بل هو إن لم يكن أولى من الاستيلاد فهو مساو له. (ودعوى) الفرق بينهما بأن مدعي الاستيلاد يدعي ملكا ثابتا بالفعل، لان أم الولد مملوكة للمولى، وهو مما يثبت بهما، ولما كانت أمومة الولد تستلزم ولدا منه كان إثبات الولد وانعتاقه تابعا ولازما لما يثبت بالشاهد واليمين لا بالاستقلال بخلاف عتق العبد، فانه ليس له أصل يثبت بذلك يستند إليه ويتبعه، فلا يثبت مستقلا (يدفعها) أن ذلك لا يقتضي خصوصية الولد الموجود، فليس المنشأ حينئذ إلا كونه مالا له بالشرع لو لا إقراره، وهو سبب آخر يترتب بعد إثبات ماليته، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الخامسة:) قد عرفت فيما مضى أن الموافق لضابط الاصحاب فيما (لو ادعى عليه القبل وأقام شاهدا فان كان) ذلك موجبا لمال كما لو كان (خطأ أو عمد الخطأ حلف) معه (وحكم له، وإن كان عمدا موجبا للقصاص لم يثبت باليمين مع الواحد) لعدم تعلقه بالمال حينئذ (و) لكن (كانت شهادة الشاهد لوثا، وجاز له إثبات دعواه بالقسامة) التي يثبت بها القصاص في سائر أفراد اللوث، خلافا لما عن ابن حمزة، فجعل الشاهد الواحد في القتل عمدا بمنزلة خمس وعشرين يمينا، ومرجعه إلى قبوله في مثل ذلك، وربما كان موافقا لما ذكرناه سابقا من كون المستفاد من النصوص (1) أن العنوان حقوق الناس التي تثبت بالايمان بخلاف حقوق الله وحقوق الناس العامة، مثل رؤية الهلال، فتذكر وتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 303 ]

خاتمة (تشتمل على فصلين:) (الاول) (في كتاب قاض إلى قاض) اعلم أن (إنهاء حكم الحاكم إلى آخر إما بالكتاب أو القول أو الشهادة، أما الكتابة فلا عبرة بها) عندنا إجماعا كما في القواعد ومحكي الخلاف والسرائر والتحرير وغيرها في حد وغيره مختوما وغير مختوم (لامكان التشبيه) وعدم القصد إلى الحقيقة، وعدم الدليل شرعا على اعتبار دلالتها فضلا عما سمعته من الدليل على عدم اعتبارها. مضافا إلى خبري السكوني (1) وطلحة بن زيد (2) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (أنه كان لا يجيز كتابة قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنوا أمية فأجازوا بالبينات) المشهورين المستفيضين كما عن المختلف. خلافا للمحكي عن ابي علي، فجوزه في حقوق الناس دون حقوق الله تعالى، وعن الاردبيلى موافقته على ذلك مع العلم بكتابته قاصدا لمعناه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 304 ]

قال: (ولهذا جاز العمل بالمكاتبة في الرواية وأخذ المسألة والعلم والحديث من الكتاب المصحح عند الشيخ المعتمد، ولانه قد يحصل منها ظن أقوى من الظن الحاصل من الشاهدين، بل يحصل منها الظن المتاخم للعلم، بل العلم مع الامن من التزوير، وأنه كتب قاصدا للمدلول، وحينئذ يكون مثل الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم بأن القاضي الفلاني الذي حكمه مقبول حكم بكذا، فانه يجب انفاذه وإجراؤه من غير توقف، ويكون ذلك مقصود ابن الجنيد، ويمكن أن لا ينازعه فيه أحد، بل يكون مقصودهم الصورة التي لم يأمن فيها التزوير أو لم يعلم قصد الكاتب إرادة مدلول الرسم) قلت: التحقيق أن الكتابة من حيث إنها كتابة لا دليل على حجيتها قطعا مطلقا في إقرار وغيره، بل عن ابن إدريس في نوادر القضاء التصريح بأنه لا يجوز للمستفتي أن يرجع إلا إلى قول المفتي دون ما يجده بخطه إلى أن قال: (بغير خلاف من محصل ضابط لاصول الفقه) وبنى على ذلك عدم حجية المكاتبة، قال: (لان الراوى للكتابة ما سمع الامام يقول، ولا شهد عنده شهود أنه قال) وإن كان فيه ما ستعرف. نعم إذا قامت القرائن الحالية وغيرها على إرادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها فالظاهر جواز العمل بها، للسيرة المستمرة في الاعصار والامصار على ذلك، بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك، خصوصا مع ملاحظة عمل العلماء في نسبتهم الخلاف والوفاق ونقلهم الاجماع وغيره في كتبهم المعمول عليها بين العلماء، ودعوى أن ذلك كله من جهة فتح باب الظن في الاحكام الشرعية وموضوعاتها واضحة الفساد، ضرورة كون السيرة المزبورة على الاعم من ذلك، كالوكالة والاقرار والوصايا والاوقاف وتصنيفهم كتب الفتوى للاطراف وعمل الناس بها

[ 305 ]

ونحو ذلك، ولكن مقتضى ذلك تكون الكتابة فيما نحن فيه بعد انتفاء احتمال التزوير وعدم القصد وغيرهما من الاحتمالات بمنزلة إخباره بالحكم فان قلنا بقبوله قبلت وإلا فلا. وربما أشعر التعليل الاول في عبارة المصنف والثاني في عبارة غيره بارادة غير هذا الفرد من الكتابة، كما أنه يمكن حمل كلام ابن الجنيد ومن وافقه على ما ذكرنا، فيعود النزاع لفظيا، وتحمل الروايتان على العمل بالحكم بالكتابة، بمعنى إيجاد الحكم بها باللفظ. أو على العمل بها من حيث إنها كتابة، إذ من المعلوم عدم دلالتها على كونها منه وأنه قصد بها معنى اللفظ المستفاد من رسمها. وبهذا يفرق بينها وبين اللفظ الذي يحكم بمجرد صدوره على اللافظ بما يقتضيه لفظه إلا أن يعلم خلافه، بخلاف الكتابة، فانها من قسم الافعال لا دلالة فيها كذلك، لا أن المراد منهما الاعم من ذلك حتى ما ذكرناه من الفرد الذي لا ينبغي التوقف في اعتباره في كل ما لا يشترط فيها اللفظ كالصيغ ونحوها، بل دعوى عدم جريان حكم الاقرار والاخبار والرواية والشهادة والفتوى ونحو ذلك على المستفاد مما ذكرته من فردها ايضا واضحة المنع، وعلى تقديره فالمراد هنا معرفة صدور الحكم منه ولو باخباره، ولا ريب في حصولها بها. وبذلك يظهر لك النظر فيما أطنب به في الرياض. نعم يمكن دعوى عدم اعتبارها هنا بالخصوص، للخبرين المشهورين رواية وفتوى، إلا أنك قد عرفت بقرينة التعليل وغيره احتمال إرادة غير الفرد المزبور ولعله الاقوى. (وأما القول مشافهة فهو أن يقول للاخر: حكمت بكذا أو أنفذت أو أمضيت) أو نحو ذلك بقصد الاخبار به عما وقع له من

[ 306 ]

الفصل (ففي القضاء به) للحاكم آخر (تردد) أقربه القبول كما ستعرف وإن (نص الشيخ في الخلاف) ب‍ (أنه لا يقبل). (وأما الشهادة فان شهدت البينة ب‍) انشاء (الحكم وباشهاده إياهما على حكمه تعين القبول) بلا خلاف محقق أجده فيه وإن أشعر به ما عن المختلف، بل عن غاية المراد عليه استقر فتاوى معظم الاصحاب، بل ؟ ن الايضاح أنه اتفق عليه، ولعله لعموم ما دل (1) على وجوب قبول حكمه الذي هو من حكمهم (عليهم السلام) ولذا كان الراد عليه رادا عليهم، وما دل على حجية البينة و (لان ذلك مما تمس الحاجة إليه، إذ احتياج أرباب الحقوق إلى إثباتها في البلاد المتباعدة غالب، وتكليف شهود الاصل التنقل) إلى تلك البلاد لو فرض حاكم فيها وأمكن تزكية الشهود فيها (متعذر أو متعسر، فلا بد من وسيلة إلى استيفائها مع تباعد الغرماء، ولا وسيلة إلا رفع الاحكام إلى الحاكم، وأتم ذلك احتياطا) في الانهاء (ما حررناه) من حضور الشاهدين إنشاء الحكم وإشهادهما عليه. (لا يقال:) يمكن أن (يتوصل إلى ذلك بالشهادة على شهود الاصل) فلا تمس الحاجة إلى الانفاذ المزبور الذي هو حكم بغير علم (لانا نقول:) أولا شهادة الفرع ليست عامة، وثانيا (قد لا يساعد شهود الفرع على التنقل و) أيضا لا يمكن فروع الفروع لان (الشهادة الثالثة لا تسمع) فضلا عما فوقها بخلاف الانفاذ، فانه يستمر باستمرار الازمنة. وظاهر المسالك تفسير ذلك بأن (في الشهادة على الشهادة قصورا عن الشهادة على الحكم من حيث إنها مقصورة على المرتبة الثانية، فلا تسمع


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 307 ]

الشهادة الثالثة على الشهادة، والمرتبة الثالثة من الشهادة على الشهادة بمنزلة المرتبة الثانية من الشهادة على الشهادة على الحكم، فتكون مسموعة، فإذا تعذر وصول شهود الاصل في المرتبة الاولى من الشهادة على الحكم حصل الغرض من الشهادة عليهما دون ما لو كانت الشهادة على شهادة الاصل، لانها تنقص عنها بمرتبة، فقد لا يحصل الغرض بدون المرتبة الثالثة التي هي ثانية في الشهادة على الحكم). إلا أنه كما ترى فرض نادر، بل هو خلاف ظاهر العبارة، خصوصا بملاحظة عبارة الفاضل في القواعد الظاهرة في إرادة مؤداها. واحتمال كون مراده أنه لو لم يشرع الانفاذ لبطل إقامة الحجج بتطاول الازمان - ضرورة توقف الحكم على شهود الاصل أو فروعهم، والفرض أن الشهادة الثالثة لا تسمع، بخلاف ما لو قلنا بمشروعيته، فانه يبقى حينئذ على تطاول المدد بتجديد إنفاده عند كل حاكم، ولعله إلى ذلك أشار في القواعد كما عساه يفهم من الاصبهاني في شرحه، حيث إنه بعد أن استدل بالحاجة قال: (ولخوف الاندراس، والشهادة الثالثة غير مسموعة) - يستلزم التكرار فيما بعده، وهو قوله: (ولانه لو لم يشرع إنهاء الاحكام) إلى الحكام لينفذوها (بطلت الحجج مع تطلول المدد) التي يموت فيها الحاكم وشهود الاصل وفروعهم، وقد عرفت أن الشهادة الثالثة غير مسموعة إلا أن يفرض له تقريران، والامر سهل. (ولان المنع من ذلك يؤدي إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه إلى آخر، فان لم ينفذ الثاني ما حكم به الاول اتصلت المنازعة) وفلت الغرض من نصب الحكام. (ولان الغريمين لو تصادقا أن حاكما حكم عليهما ألزمهما الحاكم)

[ 308 ]

الاخر (ما حكم به الاول) إجماعا على ما حكاه غير واحد (فكذا أو قامت البينة، لانها تثبت ما لو أقر به الغريم ألزم به). ولا يخفى عليك أن هذه الادلة الاربعة يظهر من بعضها أنها مساقة بثلاث الاكتفاء بالشهادة في إثبات حكم الحاكم، ومن آخر أنه مساق لاثبات مشروعية حكم الحاكم الاخر بانفاذ ما حكم به الاول، إلا أن الاولى الاستناد في إثبات الاول إلى عموم دليل حجية البينة والقضاء بها، وفي الثاني إلى عموم حكم الحاكم وأن الراد عليه راد علينا، وأن حكمه حكمهم (عليهم السلام (1) وما ندري أن النزاع في أي المقامين، لان كلامهم مشوش، ضرورة ظهور بعضه في المفروغية من مشروعية انفاد الحكم الاول بعد فرض معلوميته ولو بالاقرار من الخصمين فضلا عما لو فرض حضور الحاكم الثاني عند إنشاء الاول له، كظهور آخر في المفروغية عن قابلية البينة لاثبات ذلك. أللهم إلا أن يكون مستند الثاني ما في ذيل الخبرين (2) السابقين اللذين لا جابر لهما في خصوص ذلك، بل قد عرفت عدم معروفية المخالف وإن أرسله في المختلف عن جماعة، مع احتماله أو ظهوره في إرادة على كون الكتاب من القاضي فينفذون ما فيه حينئذ، وهو غير المفروض. نعم يتجه على الاصحاب أن الموافق لعموم حجية البينة وما ذكروه من الادلة عدم اعتبار حضورها مجلس الخصومة وسماعها شهادة الشاهدين وإنشاء الحكم من الحاكم وإشهادها على ذلك، إذ ليس هي حينئذ إلا كباقي البينات التي لا ريب في الاخبارات والانشاءات من دون


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 309 ]

اعتبار شئ من ذلك، ويمكن إرادة الاصحاب من ذلك الاستظهار والاحتياط في المشهود به لا الشرطية، كما أومأ إليه المصنف بقوله: (وأتم ذلك) إلى آخره. بل في كشف اللثام التصريح بعدم اعتبار الاشهاد، وأنه ذكره الفاضل للاحتياط، كما أن في غيره التصريح بعدم اعتبار حضور المخاصمة وسماع شهادة الشاهدين، بل لعل ذلك ايضا ظاهر المحكي عن ابن حمزة وغيره ممن أطلق قبول البينة هنا على الحكم. ومن ذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، خصوصا ما أطنب به في الرياض من تأصيل أصل هنا مقطوع بالعمومات، وقد بنى عليه كثيرا من مسائل هذا الفصل، فلاحظ وتأمل، وربما نشير إلى بعض ذلك فيما يأتي إن شاء الله. وحاصله (أن قضاء التنفيذ قسم آخر من القضاء غير اصل القضاء بالواقعة بموازينها المقررة شرعا، وهي البينة والايمان بخلاف الحكم بحكم الاول الذي هو من القول بغير علم، بل لعله مناف لرأى الحاكم الاخر، وأقصى ذلك عدم جواز نقضه، لا تنفيذه بمعنى إنشاء حكم منه على المحكوم عليه أولا بحكم الاول حتى لو كان حاضرا الانشاء فضلا عن ثبوته بالكتاب أو الاخبار أو البينة إلا أنه خرج ما خرج بالاجماع، ويبقى غيره على الاصل). وفيه أنه يمكن استفادة قضاء التنفيذ من أدلة أصل القضاء التي منها (جعلته حاكما وحجة كما أنا حجة) (1) ونحو ذلك مما يشمل القضاء التنفيذي ايضا. واحتمال كون المراد من ذلك عدم نقضه لا إنشاء إلزام بالزام الاول


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 1 و 9. وهو نقل بالمعنى

[ 310 ]

من حيث إلزامه يدفعه ما سمعته من الادلة الدالة على مشروعيته، مضافا إلى إطلاق كونه حاكما وحجة المقتضي لتناول ذلك لو صدر منه، فتأمل جيدا، فان المسألة غامضة ولم أجد من نقحها كما ذكرنا. بل ستسمع كلام بعض أن الانفاذ ليس حكما، بل هو إقرار الحكم، والتحقيق ما عرفت. وحينئذ ينبغي لحاكم التنفيذ عدم الحكم حتى يطلبه منه من له الحكم بناء على اعتبار مثل ذلك في أصل الحكم، كما أنه ينبغي ملاحظة تسلسل حكام الانفاذ وما لذلك من الاحكام التي ستسمع بعضها في حاكم الاصل بالنسبة إلى عروض الجنون والفسق والعزل ونحو ذلك، والله العالم. وكيف كان فقد أشار المصنف إلى دليل الخصم إن كان بقوله: (لا يقال فتوى الاصحاب أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض ولا العمل به) وهو باطلاقه شامل لمحل النزاع (ورواية طلحة بن زيد (1) والسكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أن عليا (عليه السلام) كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنوا فأجازوا بالبينات) لانا نجيب عن الاول بمنع دعوى الاجماع على خلاف موضع النزاع) بل قد عرفت أن الخلاف في ذلك بيننا غير محقق، ومنه حينئذ يعلم عدم إرادة هذا الفرد من الاطلاق المزبور الممكن دعوى انسياق غيره منه، بل لعله الظاهر منه، وذلك (لان المنع من العمل بكتاب قاض إلى قاض ليس منعا من العمل بحكم الحاكم مع ثبوته) بالبينة على الوجه المفروض، ضرورة كون المراد من العمل بالكتاب من حيث كونه كتابا (ونحو نقول) بذلك (ف‍) انك قد عرفت أنه (لا عبرة عندنا بالكتاب مختوما كان أو مفتوحا) خلافا لبعض العامة. (و) ربما يؤيد ذلك أنه (إلى جواز ما ذكرناه أومأ)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 311 ]

غير واحد منهم (الشيخ أبو جعفر (رحمه الله) في الخلاف) مصرحا بالقبول في الفرض المزبور مع التصرف بعدم جواز العمل بكتابة قاض إلى قاض، وما ذاك إلا لانه ليس منه، كما هو واضح. (ونجيب عن الرواية بالطعن في السند، فان طلحة بتري) وهم فرقة من الزيدية، وعن الفهرست والنجاشي انه عامي (و) أما (السكوني) فهو مشهور الحال وأنه (عامي) ولا جابر لهما في خصوص المفروض، بل الموهن محقق، وشهرة مضمونها في غير المفروض لا يقتضى جبرها فيه. (ومع تسليمها نقول بموجبها، فانا لا نعمل بالكتاب) من حيث إنه كتاب (أصلا ولو شهد به) أنه كتاب القاضي شاهدان فصاعدا، وهو المراد من قوله (عليه السلام) في ذيله: (فأجازوا بالبينات) حتى يوافق صدره الذي منعه علي (عليه السلام) لا أن المراد عدم جواز العمل بالبينة على الحكم الموافقة لما في الكتاب، فانه لم يحك عن علي (عليه السلام) منعه. (و) حينئذ (كان الكتاب) من حيث كونه كتابا (ملغا) عندنا، وإنما عملنا بشهادة العدلين على حصول إنشاء الحكم وإن كتبه القاضي في كتابه، بل قد يقال فيما ذكرناه نحن أيضا من العمل بالكتاب على الوجه المزبور: ليس عملا به من حيث كونه كتابا، بل هو في الحقيقة عمل بالمعلوم من قصده إرادة ما دل على رسمها مما هو معلوم بالسيرة القطعية أن له حكم القول في ذلك، وأنه بمنزلة إخباره الذي ستعرف البحث فيه. هذا وفي المسالك (أنه أجاب في المختلف عن ضعف الروايتين بأنهما من المشاهير، فلا يضر هذا الطعن في الراوي، وهو يرجع إلى

[ 312 ]

جبر الشهوة للضعف، وقد تكلمنا عليه غير مرة، واحتج على المنع أيضا بالاجماع على الحكم بالبينة واليمين، وليس هذا أحدهما، وجوابه أن هذا ليس حكما، وإنما هو إقرار للحكم على حاله، وهو معنى انفاذه وعلى تقدير تسليمه فهو حكم بالبينة أيضا، فلا ينافي الاجماع المدعى، ولو سلم عدم كونه حكما بها منعنا الاجماع المذكور، فان القول بجواز إنفاذ الحكم على هذا الوجه مذهب أكثر علماء الاسلام، ومنهم جملة الاصحاب سيما المتأخرين). قلت: فيما حضرني من المختلف ذكر ذلك في مقام الرد على ابن الجنيد القائل بجواز العمل بالكتابة، لا فيما نحن فيه، فيمكن أن يكون قد سها نظره الشريف عن ذلك، فظن فيما نحن فيه، وإلا فهو موافق لجواز الحكم بالبينة على الوجه المزبور، فتدبر. وعلى كل حال (إذا عرفت هذا ف‍ (اعلم أن (العمل بذلك مقصور على حقوق الناس دون الحدود وغيرها من حقوق الله) تعالى بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الاجماع عليه غير واحد، بل قد يشهد له التتبع، وهو حجة لا ما ذكروه من درء الحدود بالشبهات التي لا محل لها بعد قيام البينات. أللهم إلا أن يقال: إن الشبهة حاصلة للحاكم الاخر حتى لو سمع إنشاء حكمه فضلا عن الشهادة به، فلا يشرع قضاء التنفيذ في الحد، للشبهة التي يسقط بها الحد المبني على التخفيف، ولكن إن لم يكن إجماع فللننظر فيه مجال، وعليه فالظاهر عدم مشروعية خصوص قضاء التنفيذ، أما التنفيذ من باب الامر بالمعروف ووجوب طاعة الحاكم وأنه حجة الله على الناس فالظاهر ثبوته، بل للحاكم الاخر استيفاء الحد بأمر الحاكم الاول كغيره ممن يأمره، كما أن له جميع مراتب الامر بالمعروف، فمن

[ 313 ]

حكم عليه حاكم آخر بالحد فله حبسه مع امتناعه ليتمكن الحاكم عليه بالحد منه ونحو ذلك، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة. (و) على كل حال ف‍ (ما ينتهي إلى الحاكم أمران: أحدهما حكم وقع بين المتخاصمين، والثاني) حكم وقع منه بعد (إثبات دعوى مدع على الغائب، أما الاول فان حضر شاهدا الانهاء خصومة الخصمين وسمعا ما حكم به الحاكم وأشهدهما على حكمه ثم شهدا بالحكم عند الاخر ثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم وأنفذ ما ثبت عنده) كما عرفت التفصيل في ذلك، وأن التحقيق عدم اشتراط حضورهما مجلس الخصومة وسماعهما شهادة الشهود إن كانوا، بل ولا إشهاده ويكفي فيهما حضور إنشاء حكومة الحاكم على وجه علما ذلك منه نحو باقي أفراد الانشاء، وحينئذ ينفذه الحاكم الاخر بل الحاكم نفسه لو فرض نسيانه (لا أنه يحكم بصحة الحكم في نفس الامر) كما صرح به في القواعد وغيرها (إذ لا علم له به) وربما كان مبناه مخالفا لرأيه. (بل الفائدة فيه قطع خصومة المختصمين لو عاودا المنازعة في تلك الواقعة) وإن كان قد يتوهم أن له الحكم بثبوت الحق على نحو ما يحكم به بالبينة، لانه أحد الطرق المثبتة للحق ما لم يعلم خطأه، بل أدلته بالنسبة إلى ذلك أقوى من أدلة البينة، فله الحكم به بعد ثبوته عنده، بل يمكن إرادة هذا المعنى من الانفاذ المزبور، وذلك لان الفرض وقوع الفصل في الخصومة من الحاكم الاخر، فلا يتصور لها فصل آخر على نحو الفصل الاول، فليس حينئذ إلا الحكم بمعنى إنفاذ الحكم الاول على الوجه المزبور وإلا فالفائدة المزبورة موجودة في الحكم الاول أيضا. إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة كون الحكم من الحاكم مجرد إلزام للخصم بالحق وفصل بينهما، لا أنه هو دليل الحق كما أوضحنا ذلك

[ 314 ]

سابقا، فالانفاذ حينئذ ليس إلا إلزام من الحاكم الثاني بما ألزمه به الحاكم الاول من حيث كونه حكم حاكم يجب طاعته ولا يجوز نقضه، وقد تقدم بعض الكلام فيما له تعلق في المقام في المسألة الثالثة بعد ذكر الاداب فلاحظ (و) تأمل. هذا كله مع حضور شاهدي الانهاء إنشاء الحكم من الاول ف‍ (ان لم يحضرا الخصومة فحكى لهما الواقعة وصورة الحكم وسمى المتحاكمين بأسمائهما وآبائهما وصفاتهما واشهدهما على الحكم ففيه تردد) فضلا عن أدنى ذلك من الصور من أن إخباره بذلك بمنزلة شاهد واحد على صدور إنشاء الحكم، وليس هو إقرارا، لانه في حق الغير، ومن إطلاق ما دل على كونه حاكما (1) والنهي عن الرد عليه (2) وأنه حجة (3) في ذلك إخبار وإنشاء. (و) لكن (القبول أولى) وفاقا للاكثر، بل لم أجد فيه خلافا سوى ما يحكى عن الشيخ في الخلاف، بل قيل: إن ظاهره دعوى الاجماع عليه، إلا أني لم أجد من وافقه عليه سوى بعض متأخري المتأخرين، بناء منهم على أن الاصل يقتضى عدم جواز الانفاذ في غير صورة القطع، لانه قول بغير علم، خرج ما خرج وبقي ما بقي. ودعوى أولوية الفرض مما قام على إنشائه شاهدان عدلان ممنوعة، إذ ليس الحاكم إلا عدل واحد. وفيه أن مشاهدتهما لانشاء حكمه إنما هو من حيث قرائن الاحوال على ذلك، وليست هي أولى من إخباره به، على أنه شئ لا يعلم إلا من قبله، فيكون مصدقا فيه وإن تعلق به حق الغير. بل لا يبعد استفادة حجية إخباره به مما دل على حجية إنشائه، بل هو مقتضى قوله (عليه السلام): (هو حجتي عليكم) (4) وان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث. (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 9.

[ 315 ]

الراد عليه راد علينا (5) بل قد يقال: إن كل من جعل حجة في شئ إخباره به مصدقا فيه تعلق بالغير أو لا. ولعله إلى ذلك أشار المصنف بقوله: (لان حكمه كما كان ماضيا كان إخباره ماضيا) وبذلك ينقطع الاصل المزبور، هذا كله مع فرض إرادته الاخبار بذلك، أما إذا حكي حال الخصومة وقصد الانشاء فعلا للاشهاد بناء على صحة ذلك منه فلا ينبغي التوقف فيه، إذ تلك المقدمات يكفي فيها إخباره، لان احتمال اعتبار التعدد فيها لانها من مواضع الشهادة يمكن منعه. (وأما الثاني وهو إثبات دعوى المدعي) على غائب (ف‍) الكلام فيها كالسابقة إلا أن الفرق بينهما حضور الخصمين في الاول دون الثاني، وحينئذ إذا أردت تصويره كالاول الذي قد عرفت الحال في اعتبار ما ذكر شرطا فيه قلت: (إن حضر الشاهدان الدعوى وإقامة الشهادة والحكم بما شهد به) الشاهدان مثلا (واشهدهما على نفسه بالحكم وشهدا بذلك عند الاخر قبلهما وأنفذ الحكم) على حسب حاله الذي لا يمنع كون الغائب على حجته. وإن أردت تصوير صورة الاخبار قلت: (ولو لم يحضرا الواقعة وأشهدهما بما صورته أن فلان بن فلان الفلاني ادعى على فلان بن فلان الفلاني كذا وشهد له بدعواه فلان وفلان ويذكر عدالتهما أو تزكيتهما فحكمت وأمضيت ففي الحكم به تردد) على نحو ما عرفته في المسألة السابقة (مع أن القبول أرجح خصوصا مع إحضار الكتاب المتضمن للدعوى وشهادة الشهود) لتأكد إخباره بذلك، وقد عرفت أن الاقوى قبل إخباره بحكمه للمدعي على فلان الغائب أو الحاضر في كذا من دون ذكر شئ


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 316 ]

من ذلك، وكذا الكلام في الشهادة على إنشائه الحكم من دون هذه الامور، لعموم الادلة وإطلاقها كما عرفت نعم ينبغي ضبط أسماء الشهود ليتمكن الخصم من الجرح ونحوه، وكذا غير ذلك مما له مدخلية في بقاء الخصم على حجته، هذا كله في الحكم. (أما لو أخبر) الحاكم الاول مثلا (حاكما آخر بأنه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني) لان الثبوت ليس حكما كي يندرج في أدلة الانفاذ (وليس كذلك لو قال: حكمت ف‍) انه يندرج في أدلة الانفاذ كما عرفت إلا (أن في) ثبوت حكم‍ (ه) باخباره (ترددا) قد عرفت الكلام فيه وأن القبول أرجح. هذا ولكن في المسالك ما يظهر منه أن وجه التردد غير ذلك قال: (قد ظهر من الادلة المجوزة لقبول إنفاذ الحكم أن موردها الضرورة إلى ذلك في البلاد المتباعدة عن الحاكم الاول، فذهب بعض الاصحاب إلى اختصاص الحكم بما إذا كان بين الحاكمين وساطة، وهم الشهود على حكم الاول، فلو كان الحاكمان مجتمعين وأشهد أحدهما الاخر على ذلك لم يصح إنفاذه، لان هذا ليس من محل الضرورة المسوغة للانفاذ المخالف للاصل). وفيه أن ذلك ليس قولا لاحد من أصحابنا، ولم نعرف أحدا حكاه غيره، والضرورة المذكورة في الدليل إنما هي حكمة أصل المشروعية للانفاذ، لا أنها علته، على أنها قد تتحقق فيه لقطع الخصومة مع عدم التباعد. وحينئذ فلا إشكال في إنفاذه له مع فرض حضوره الانشاء، ضرورة كونه أقوى من إثباته له بالبينة، كما أنه لا إشكال في إنفاذه له باخباره بناء على ثبوته بذلك، إذ هو أقوى من ثبوت إخباره بالبينة قطعا. وحينئذ فالتردد في أصل ثبوت الانشاء باخباره، وهو الذي قد ذكر

[ 317 ]

المصنف في صدر المبحث وحكى عن الشيخ في الخلاف المنع، والوجه ثبوته به، سواء شافه الحاكم الثاني به أو ثبت بالبينة إخباره بذلك، لظهور الادلة في قبوله مخبرا ومنشئا. وعلى كل حال فالفرق بين الثبوت والحكم واضح، ضرورة عدم جواز الحكم من حاكم بالثبوت عند غيره، وليس هو حكما حتى يجب عليه إنفاذه، كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (صورة الانهاء) بالبينة وإن كان قد عرفت عدم اعتبار جملة من ذلك فيها (أن يقص الشاهدان ما شاهداه من الواقعة وما سمعاه من لفظ الحاكم ويقولا: وأشهدنا على نفسه أنه حكم بذلك وأمضاه، ولو أحالا على الكتاب بعد قراءته) عليهما (فقالا: أشهدنا الحاكم أنه حكم بذلك جاز) ذنها شهادة على أمر مفصل معلوم بالقراءة عليهما. وبالجملة فالامر في هذه الشهادة كغيرها من الشهادات (و) من هنا كان (لابد) فيها (من ضبط الشئ المشهود به بما يرفع الجهالة عنه). (و) حينئذ ف‍ (لو اشتبه على الثاني) لعدم ضبط الشهود له بما ترفع الجهالة عنه (أوقف الحكم حتى يوضحه المدعي) بطريق شرعي كشهادة غير الاولين على تفصيله أو تذكرهما أو نحو ذلك، كما هو واضح. (ولو تغير حال) الحاكم (الاول) بعد حكمه (بموت أو عزل لم يقدح ذلك في العمل بحكمه) بلا خلاف أجده فيه للاصل (و) إطلاق الادلة ف‍ (ان تغير بفسق لم يعمل بحكمه) كما في القواعد والارشاد والدروس والمسالك وغيرها، بل في الاخير (فرقوا بينه وبين الموت بأن ظهور الفسق يشعر بالخبث وقيام الفسق يوم الحكم)

[ 318 ]

وظاهره النسبة إليهم، إلا أنه لا يخفى عليك ضعف الفرق المزبور. ولذا نظر فيه في المسالك بعد حكايته، ثم حكى عن بعض العامة جواز إنفاذه كالموت، قال: (وأما الانفاذ السابق على ظهور الفسق فيقر عليه كأصل الحكم). وإليه أشار المصنف بقوله: (ويقر ما سبق إنفاذه على زمان فسقه) وكذا الفاضل في القواعد والارشاد، ويرجع حاصله - بناء على أن المراد العمل بأصل الحكم لا خصوص إنفاذه، كما عساه يظهر من المتن بل والمسالك وغيرها - إلى أن الحكم قبل الفسق إن أنفذه حاكم آخر قبل الفسق عمل به وإلا فلا، إلا أنه لا نعرف له دليلا يقطع العذر، وإن كان قد يقال: إنه مع حكم الاخر بانفاذه يكون العمل في الحقيقة بحكم الثاني، فلا يقدح فسق الاول بخلاف الفسق قبل الانفاذ، كما أنه قد يقال: إن مراد الاصحاب اشتراط حكم الثاني بانفاذه ببقاء الاول على وصف العدالة لا بطلان حكم الاول بتجدد الفسق على وجه تعود الدعوى كما كانت قبل الحكم، ضرورة منافاة ذلك لجميع الادلة، بخلاف ما ذكرناه، فانه قد يكون وجهه أصالة عدم نفوذ الحكم بالانفاذ، بل هو حينئذ كفسق الشاهد بعد الشهادة قبل الحكم، وحينئذ يكون الفسق مانعا من الحكم بانفاذه بخلاف الموت المقتضي لخروج الموضوع عن قابليته، فلا إسناد للحكم إليه، أما الفسق فهو حكم فاسق فعلا. وعلى كل حال فالمراد الحكم بانفاذه وعدمه، لا أصل العمل بحكمه في خصوص ما حكم به، وإلا لا قتضى ذلك بطلان ما وقع من العمل بفتاواه الذي هو أولى بذلك من الحكم، وهو معلوم البطلان. ولكن الانصاف أنه خلاف ظاهر العبارات، بل لا وجه له أيضا، ضرورة التلازم بين صحته في نفسه وبين إنفاذه، فلا معنى لكونه

[ 319 ]

صحيحا يجب إنفاذه بمقتضى الامر بالمعروف ولكن لا يجوز الحكم بانفاذه، فلا محيص عن القول بكون المراد بطلان العمل به على معنى عود الدعوى كما كانت قبله، كما لا بعد في التزام ذلك في الفتوى أيضا، على معنى عدم جواز العمل بها في الزمان المتأخر عن الفسق، أما ما مضى فلا ينقض العمل الواقع بها. بل لعل الامر في الحكم كذلك أيضا، على معنى أنه إن عمل به بعد صدوره وأخذ الحق ممن عليه ودفع لمستحقه وتمت آثاره لم ينقض لوقوع الفسق بعده، وهو المراد من إقرار ما سبق إنفاذه على زمان فسقه بل لا موضوع لعدم العمل به، بخلاف ما إذا لم يعمل به بعد، بأن صدر من الحاكم ثم لا ينفذ بعد بالمعنى الذي سمعت ففسق، فانه لا يجوز إنفاذه فيه ولا في غيره، من غير فرق بين القضاء بالنفوذ وبيت ترتب الاثار عليه. ويمكن استفادة بعض ما ذكرناه من خبر الحسين بن روح (1) المروي عن كتاب الغيبة للشيخ عن أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) (أنه سئل عن كتب بني فضال، فقال: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا) بناء على إرادة الفتوى من الرأي فيه لا الوقف. بل منه يستفاد أن الفتوى المعمول بها يبطل العمل بها من حين الفسق وما تأخر عنه في الزمان المستقبل فيما تجدد من أفرادها من الصلاة ونحوها، دون ما تقدمها من ذلك المبني على أصل الصحة والبراءة وغيرهما من قاعدة الاجزاء ونحوها، بل ليس هو مصداقا لقوله (عليه السلام): (ذروا). ولو فسق قاضي التنفيذ قبل العمل لم يعمل على حكمه، وبقي الحكم الاول كما إذا لم يحكم بانفاذه.

[ 320 ]

وبذلك كله ظهر لك المراد من عدم العمل بالحكم بعد الفسق قبل النفوذ، ومن إقراره مع سبق نفوذه على الفسق، بل ظهر لك ذلك في الفتوى. بل قد يشكل أصل العمل بالحكم من الحاكم الذي حكم حاكم آخر بانفاذه مع الفسق من الاول بعد الانفاذ بأن مقتضاه بطلان الحكم الاول بالفسق المتأخر عنه، وتبعية بطلان التنفيذ الذي هو تابع لصحة الاول. أللهم إلا أن يقال بعدم تأثير الفسق في الاول مع سبق الحكم بالانفاذ، ضرورة اقتضاء الفسق البطلان من حينه لا من الاصل، ولا وجه له بعد الحكم بصحته من الحاكم الذي لم يصدر ما يقتضي بطلان حكمه، فيبقى على أصل الصحة المقتضي للعمل بالحكم الاول، هذا كله في الفسق. أما غيره من العوارض كالجنون والموت ونحوهما فالاصل يقتضي بقاء حكمه على الصحة المقتضي لتنفيذه بالمعنيين، بل قد يستفاد من ذلك حكم فتواه أيضا الذي قلد ببعض أفرادها، ضرورة تضمن الحكم للفتوى المفروض عدم انتقاضها أيضا بذلك ولو للاصل المزبور الذي لم يدل دليل على اشتراط أضدادها حين العمل بما يتجدد من أفراد الفتوى السابقة التي فرض التقليد فيها، نعم الظاهر الاجماع على عدم جواز العمل ابتداء بفتاوى الاموات، أما غير ذلك فلم يثبت. بل يتجه حينئذ جواز العمل بفتوى من عرض له الجنون مثلا ابتداء مع عدم الاجماع فضلا عن الاستدامة، ضرورة كون المستفاد من الادلة اعتبار هذه الشرائط في حصول الفتوى، بمعنى صدورها حال كونه عاقلا مثلا، لا أنه يعتبر حال العمل بها كونه كذلك، بل لعل ملكة الاجتهاد كذلك أيضا على إشكال، ولكن الاحتياط طريق النجاة. وبذلك يظهر لك النظر في كلام الكركي في كتاب الامر بالمعروف

[ 321 ]

بل وغيره من الاصحاب، فلاحظ وتأمل، فان المسألة غير محررة. والاصل فيه أن مقتضى الاطلاق عدم شرطية غير ما علم اشتراطه بعد عدم إطلاق في دليل الشرطية يقتضي أزيد من ذلك، ضرورة كون المسلم العلم بمدخلية العقل ونحوه في الجملة، فمن اللازم الاقتصار على المتيقن وبقاء غيره على مقتضى الاطلاق، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا اثر لتغير حال المكتوب إليه في الكتاب) بموت أو عزل أو فسق أو غيره (بل كل من قامت عنده البينة) من الحكام (بأن الاول حكم به وأشهدهم على ذلك عمل بها) لعموم دليل حجيتها المقتضي حينئذ كون حكمه بذلك كالمعلوم، فيجب الحكم بانفاذه (إذ اللازم لكل حاكم إنفاذ ما حكم به غيره من الحكام) لان حكمه حكمهم (عليهم السلام) سواء كتب إليه أم لا، نعم ليس لمن اتفق عزله عن نصب الحكومة الحكم بالانفاذ سواء كان خليفة الاول أو غيره. وتصح الكتابة عندنا لواحد بخصوصه في الانفاذ ولمطلق الحكام وإن كان لا يختص الحكم به في المكتوب إليه خلاف لبعض العامة، فلم يجوز الكتابة إلى غير المعين، وهو واضح الضعف، كوضوحه في كثير مما ذكروه في كتبهم من هذه المسائل وغيرها مما هو غير منطبق على أصولنا، لان مبناه على قياس أو استحسان.

[ 322 ]

(مسائل ثلاث:) (الاولى:) (إذا أقر) المدعى عليه بأنه (المحكوم عليه) و (أنه هو المشهود عليه ألزم‍) ه الحاكم بأداء ما عليه بلا خلاف ولا إشكال. (ولو أنكر و) لم تكن شهادة الشهود على عينه بل (كانت الشهادة بوصف يحتمل الاتفاق) فيه مع غيره (غالبا ف‍) لا ريب في أن (القول قوله مع يمينه ما لم يقم المدعي بينة) بل عن بعضهم بطلان أصل الحكم على عنوان مشترك بين متعددين كمحمد بن أحمد ونحوه، لان المحكوم عليه منهم لم يتعين باشارة ولا وصف، حتى لو حضر رجل واعترف بأنه محمد بن احمد المعني بالكتاب لم يلزم ذلك، لبطلان الحكم في نفسه، إلا أن يقر بالحق فيؤاخذ به، بخلاف ما لو استقصى الوصف ولم يقصر وظهر الاشتراك واتفق اشتباهه، ولعله لا يخلو من وجه، لقصور أدلة الحكم على الغائب عن مثل الفرض وإن كان ظاهر المصنف الالزام، بل هو صريح المسالك والدروس. قال في الاخير: (لو اقتصر القاضي على صفة مشتركة غالبا كأحمد بن محمد وأقر واحد أنه المعني بالحكم ألزم، وقيل لا، لانه قضاء مبهم، فيبطل من أصله، وهو بعيد). وفي القواعد (ولو قصر القاضي فكتب اسم المقر أو المشهود عليه واسم أبيه خاصة فأقر رجل أنه يسمى باسمه وأن أباه يسمى باسم أبيه وأنه المعني بالكتاب ولكن أنكر الحق فالوجه أنه يلزم بالحق على إشكال ينشأ من أن القضاء المبهم في نفسه غير ملزم) وهو صريح فيما قلناه وإن

[ 323 ]

توقف في الفرض من حيث احتمال كون الابهام في الكتابة لا في عنوان الحكم. وفي التحرير (ولو قصر القاضي فكتب اني حكمت على جعفر بن محمد فالحكم باطل حتى لو أقر رجل بأنه جعفر بن محمد وأنه المقصود بالكتاب ولكن أنكر الحق لم يلزمه شئ بالقضاء المبهم) بل أرسل في غاية المراد بطلان الحكم إرسال المسلمات وإن كان الانصاف عدم خلوه من البحث إن لم يكن إجماعا. وكيف كان فان نكل حلف المدعي وتوجه عليه الحكم، وإن قال: لا أحلف أنه ليس اسمي ولا نسبي ولكن أحلف على أنه لا يلزمني شئ ففي إجابته وجهان، أصحهما في المسالك وغيرها عدمه، لقيام البينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك يوجه الحق عليه. وفيه أن قيامها عليه بعد فرض الاشتراك لا يوجه الحق عليه، فالاولى تعليله بأن المدعى عليه كونه المحكوم عليه بكذا، فلا يكفي الحلف على ذلك، أللهم إلا أن يصرح بارادة الالزام ولو من الحاكم، وحينئذ فيتجه انطباق اليمين على المدعي، وبذلك يفرق بين المقام وما تقدم سابقا من الاكتفاء باليمين على براءة الذمة في جواب دعوى القرض مثلا، هذا كله مع اشتراك الوصف. (و) أما (إن كان الوصف مما يتعذر اتفاقه إلا نادرا لم يلتفت إلى إنكاره) الحكم عليه بعد اعترافه بأنه المسمى بذلك الاسم وبالوصف أو قيام البينة عليه بذلك بلا خلاف أجده بين من تعرض (لانه خلاف الظاهر) وهو كذلك مع فرض كون الاحتمال لا يقدح في الاطمئنان الذي هو علم في العادة، أما غيره فمشكل، لان أقصاه الظن، ولا دليل على اعتباره هنا بحيث يقطع قاعدة المدعي والمنكر. (ولو ادعى أن في البلد مساويا له في الاسم والنسبة كلف إبانته

[ 324 ]

فان كان المساوي حيا سئل، فان اعترف أنه الغريم ألزم وأطلق الاول، وإن أنكر وقف الحكم حتى يتبين) كذا ذكره غير واحد، لكن قد يشكل الاول بعد فرض كون المدعي خص الاول في الدعوى، فان اعتراف الثاني لا يقتضي سقوط دعواه، بل لا يجوز له الدعوى على الثاني وأخذ الحق منه، ولكن مع فرض الاشتراك يتوجه له اليمين عليه على قاعدة المدعى والمنكر. ومنه يعلم الاشكال في الثاني الذي ذكر فيه وقوف الحكم، نعم مع فرض عدم دعوى من المدعي على خصوص الاول وإنما دعواه على حسب عنوان المكتوب المفروض اشتراكه قد يتم ذلك على إشكال في وقوف الدعوى، لاحتمال توجه اليمين له على كل منهما بناء على صحة الدعوى بمثل ذلك من الوارث ونحوه، ولا يكون فيها يمين رد، هذا كله مع كونه حيا. (و) أما (إن كان المساوي ميتا وهناك دلالة تشهد بالبراءة إما لان الغريم لم يعاصره أو لان تأريخ الحق متأخر عن موته) أو غير ذلك (ألزم الاول وإن) لم يكن دلالة تشهد على ذلك، بل (احتمل) كون الحق عليه (وقف الحكم حتى يتبين) وفيه البحث السابق. المسألة (الثانية:) قد تقدم البحث في أن (للمشهود عليه) في عين أو دين (أن يمتنع من التسليم) للمالك أو وكيله (حتى يشهد القابض) له على ذلك، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وفي ضمانه للعين حينئذ في زمان الامتناع وجهان.

[ 325 ]

(ولو لم يكن بالحق شاهد قيل: لا يلزم بالاشهاد) لتمكنه حينئذ من إنكار الاصل لو نازعه (ولو قيل: يلزم كان حسنا حسما لمادة المنازعة أو كراهة لتوجه اليمين) وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا في باب الوكالة، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثالثة:) (لا يجب على المدعى دفع الحجة مع الوفاء) لانها ملكه والناس مسلطون على أموالهم و (لانها حجة له لو خرج المقبوض مستحقا) مثلا. (وكذا القول في البائع) مثلا (إذا التمس المشتري كتاب الاصل) لانه ملكه و (لانه حجة له على البائع الاول لو خرج المبيع مستحقا) مثلا والله العالم. الفصل الثاني (في لواحق من احكام القسمة) التي لا ريب في شرعيتها كتابا بقوله تعالى (1): (فإذا حضر القسمة)) و (نبئهم أن الماء قسمة بينهم) (2) وسنة، فقد روي (3) (أن


(1) سورة النساء: 4 - الاية 8. (2) سورة القمر: 54 - الاية 28. (3) روى ذلك الشيخ في المبسوط ج 8 ص 133.

[ 326 ]

عبد الله بن يحيى كان قساما لامير المؤمنين (عليه السلام) وقد قسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيبر على ثمانية عشر سهما (1) وقال (صلى الله عليه وآله): (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وعرفت الطرق فلا شفعة) (2) وغير ذلك النصوص، وإجماعا بقسميه. بل ضرورة وقد تقدم الكلام في حقيقتها، وأنها ليست بيعا عندنا وإن اشتملت على رد، بل في جملة من أحكامها في كتاب الشركة (3). (و) حينئذ ف‍ (النظر) هنا (في القاسم والمقسوم والكيفية واللواحق): (اما الاول:) (ف‍) لا ريب في أنه (يستحب للامام (عليه السلام) أن ينصب قاسما) لانها حينئذ من المصالح العامة التي ينبغي للامام القيام بها، بل في القواعد عليه الاجماع، إلا أن الظاهر إرادته الاستحباب المذكور (كما) عبر به فط تحريره وإرشاده أو في بعض الوجوه المتوقف قطع النزاع عليه، وقد (كان لعلي (عليه السلام)) قاسم اسمه عبد الله ابن يحيى (4) والظاهر كما قيل الحضرمي الذي هو من شرطة الخميس المبشر من أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجنة (5).


(1) سنن البيهقي - ج 10 ص 132. (2) سنن البيهقي - ج 1026. (3) راجع ج 26 ص 309 -. (4) روى ذلك الشيخ في المبسوط ج 8 ص 133. (5) رجال البرقي ص 3 ط ايران عاما 1342 ه‍ ش.

[ 327 ]

(و) كيف كان فلا خلاف في أنه (يشترط فيه البلوغ وكمال العقل) لعدم قابلية الفاقد لهما بعد كونه كالبهائم لذلك، بل (والايمان) بالمعنى الاخص فضلا عنه بالمعنى الاعم بل (والعدالة) لعدم قابلية فاقدها فضلا عن فاقده لنصب الامام له وجعله أمينا له في قسمة الاجبار وغيرها على وجه تمضي قسمته كما تمضي حكومة الحاكم، بل هي قسم من الحكومة. (و) من هنا اشترط أيضا فيه (المعرفة بالحساب) ونحوه مما تحتاج إليه القسمة غالبا على نحو اشتراط ما يحتاج إليه القاضي في القضاء. نعم قد يتوقف في أصل استفادة كون ذلك من المناصب مما وصل إلينا من الادلة، إذ ليس إلا ما سمعته من أنه كان لعلي (عليه السلام) قاسم (1) وهو أعم من ذلك، لاحتمال إعداده لا يقاع هذا الفعل لو احتيج إليه، لا لانه منصب وولاية كمنصب القضاء والامارة، بل لعله كالكتابة والوزن ونحوهما، أللهم إلا أن يكون إجماع كما هو ظاهر إرسالهم له إرسال المسلمات، فيكون حينئذ هو الحجة فيه وفي اشتراط الشرائط المزبورة. (و) كيف كان ف‍ (لا يشترط) فيه (الحرية) عندنا. بل يجوز أن يكون عبدا إذا استجمع الشرائط وأذن المولى، خلافا لبعض العامة، كما لا يشترط في صحة القسمة حضوره بلا خلاف (و) لا إشكال، ف‍ (لو تراضى الخصمان) مثلا (بقاسم) غير قاسم الامام جاز قطعا. بل (لم يشترط) فيه (العدالة) لانه وكيل عنهما، بل ولا الاسلام، كما أشار إليه المصنف بقوله: (وفي التراضي بقسمة الكافر


(1) راجع التعليقة (4) ص 326.

[ 328 ]

نظر) من جهة كونه نوع ركون أو سبيل أو ولاية، ولكن (اقربه الجواز كما) في غيره من افراد التوكيل الذي لا اشكال في صحته من المسلم في مثل ذلك. وحينئذ فيختص باعتبار التكليف خاصة من بين الشرائط المزبورة كما صرح به في غير واحد، وهو كذلك إذا اريد توكيله منهما على تولي القسمة بينهما، اما إذا رضيا بتعديله واقراعه من دون توكيل له فقد يشكل اعتبار البلوغ فيه ايضا، لصدق القسمة بينهما برضاهما بالقرعة التى هي في الحقيقة المميزة لحق كل منهما عن الآخر والتعديل ونحوه من المعدات التى لا تفاوت فيها بين وقوعها من مكلف وغيره، ويمكن ان لا يريد الاصحاب هذا الفرد، فلا ينافيه اطلاقهم اشتراك التكليف. أو يقال: انه شرط فيها مطلقا، لانها من المعاملات التى يشترط فيها ذلك، ولذا يتبعها حكم الصحة والفساد وغيرهما من احكام المعاملة فالقسمة حينئذ من حيث انها قسمة يعتبر في مباشرها البلوغ، والرضا من الشركاء في مباشرة غير البالغ مثلا لا يجدى كالرضا ببيعه مثلا، إذ هي بناء على ما سمعت قسم من اقسام الانشاء الذى رتب الشارع عليه احكاما، فتأمل. وعلى كل حال فلا ريب في عدم اشتراط القاسم في صحة القسمة بل (لو تراضيا بانفسهما من غير قاسم) جاز بلا خلاف ولا اشكال لاطلاق الادلة وعمومها. (و) كيف كان ف‍ (المنصوب من قبل الامام (عليه السلام)) أو نائب الغيبة بناء على ان له ذلك ايضا كالامام (عليه السلام) (تمضى قسمته بنفس القرعة، ولا يشترط رضاهما بعده) بلا خلاف ولا اشكال، كما لا يعتبر رضاهما بعد حكمه (وفي غيره)

[ 329 ]

ولو انفسهما أو من نصباه وكان بصفات قاسم الامام (يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة) في محكى المبسوط والتحرير وغاية المرام والرياض اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن بعد ان لم يكن اطلاق يقتضى ترتب الاثر، وفي خصوص المشتملة على الرد منها في محكى الايضاح والدروس، لانها حينئذ معاوضة، فلا بد فيها من التراضي قبلها ومعها وبعدها، بل ظاهر التنقيح ومحكى الايضاح خروج هذا الفرد من النزاع، حيث انهما بعد ان ذكرا الخلاف السابق والوجه فيه قالا: (هذا كله فيما لا يشتمل على الرد، اما المشتمل عليه فلابد فيه من الرضا قبل وبعد، وصورة الرضا ان يقول: رضيت بالقسمة). (و) كيف كان ف‍ (في هذا) أي اصل اعتبار الرضا في لزومها بعد القرعة (اشكال) كما في القواعد وغيرها (من حيث ان القرعة وسيلة إلى تعيين الحق و) الفرض انه (قد قارنها الرضا) فلا يعتبر بعدها، لان التعيين على هذا الوجه اوجب تميز احد الحقين عن الآخر، فيتعين بالرضا المقارن، بل في اللمعة والروضة والمسالك وظاهر القواعد حصول التعيين بتراضيهما على القسمة وتخصيص كل واحد من الشركاء بحقه وان لم تحصل القرعة، بل في الكفاية نسبته إلى ظاهر الاكثر وصريح بعض وان كنا لم نتحققه، لصدق القسمة وتسلط الناس على اموالها، وغير ذلك مما يستفاد من الادلة من الاكتفاء في نحو ذلك بطيب النفس، وخلو كثير من النصوص (1) التى ذكرناها في كتاب الشركة عن القرعة ؟ كخلو موضوع نصوص القرعة (2) عن الشركة. ومن هنا اطنب في الحدائق في الانكار على الاصحاب بذكر القرعة،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الشركة. (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 330 ]

حتى أنه أساء الادب، ونسبهم في ذلك إلى متابعة العامة. وجزم هنا في المسالك بالصحة في الفرض، وقال: (كما تصح المعاطاة في البيع، إلا أن المعاطاة فيه يتوقف لزومها على التصرف من حيث إن ملك كل واحد من العوضين للاخر فيستصحب ملكه إلى أن يتصرف أحدهما باذن الاخر فيكون رضا منه بكون ما في يده عوضا عن الاخر، أما القسمة فانها مجرد تمييز أحد النصيبين عن الاخر، وما يصل إلى كل منهما هو عين ملكه لا عوضا عن ملك الاخر، فيكفي تراضيهما عليها مطلقا). وفيه - بعد الاغضاء عما في القياس على المعاطاة في البيع الظاهر الفرق بينهما - أن ذلك يقتضى الاحتياج إلى القرعة التي هي لاخراج مثل ذلك، لا الاستغناء عنها والاكتفاء بمجرد التراضي الذي هو مقتضى المعاوضة لا التمييز والتعيين، وحينئذ فالمتجه اعتبارها في المال المشترك المتحد سبب الشركة فيه، إذا ليس في الادلة ما يقتضى تحقق القسمة بدونها، فأصالة بقاء الشركة حينئذ بحالها بعد عدم دليل على الاكتفاء بالرضا معينا إلا القياس على كلي الدين ونحوه مما استفيد الاكتفاء بالقبض مثلا من أدلة الوفاء والامر بالاعطاء ونحو ذلك. ونصوص القسمة - بعد احتمال اعتبار القرعة في مفهومها باعتبار أنها تمييز الحق عن الاخر ولا مميز له في الشرع غير القرعة التي هي لكل أمر مشكل ومشتبه - لا إطلاق فيها، خصوصا بعد معروفية الاقراع في قسمة المشتركات بين العوام والخواص، وظاهر الاساطين من الاصحاب المفروغية من اعتبارها فيها. بل قد يتوقف في قيام الصلح مقامها، باعتبار عدم معلومية العوض والمعوض عنه لاحدهما وإن كان يقوى في النظر جوازه، لعموم أدلته حتى

[ 331 ]

لو قلنا باستحقاق الشريك حصة معينة في علم الله تعالى، وهي التي تخرج بالقرعة لو أقرع، فانه حينئذ إن صادف المغايرة أثر أثره وإلا كان لغوا، والثمرة حاصلة، بل لا يبعد الاكتفاء بالتراضي على جهة معاطاته، بل ينبغي الجزم بمشروعية الصلح وبمعاطاته، بل وغيرهما كالبيع ونحوه في المشتركات المتعددة المختلفة جهة الشركة فيها، فيصالحه حينئذ عما يستحقه في هذا بما يستحقه في الاخر. ولكن لا يخفى عليك أن ذلك كله ليس قسمة، بل هو حينئذ صلح تلحقه أحكامه، والمراد هنا تحقق القسمة التي هي أصل برأسها بمجرد التراضي وليس في الادلة ما يقتضيه. نعم الظاهر عدم اعتبار الرضا بعد القرعة مع فرض سبق الرضا بالقسمة بها، ضرورة ظهور أدلتها في اقتضائها التعيين والتمييز، فمع حصوله بها لا دليل على عوده، بل إن كان مراد من قال باعتبار الرضا بعدها في اللزوم حصول الملك بها ولكنه جائز حتى يرضى بعدها كان محجوجا حينئذ باستصحابه بعد عدم الدليل على فسخه. وبذلك ظهر لك ما أطنب فيه في الرياض الذي محصله أصالة بقاء الشركة المقطوع بظاهر أدلة القرعة وصدق القسمة وباستصحاب الملك وغير ذلك، وقد ذكرنا جملة من الكلام في كتاب الشركة وخصوصا فيما سمعته من المحدث البحراني، فلاحظ وتأمل، والله العالم والهادي. كما أنه ظهر لك أيضا عدم الفرق حينئذ فيما ذكرنا بين منصوب الامام (عليه السلام) وغيره، ضرورة كونه في غير قسمة الاجبار كمنصوبهما، فمع فرض اعتبار الرضا بعد القرعة في صحة القسمة لم يتفاوت ذلك بين الامام (عليه السلام) وبين غيره، إذ هو منصوب للقسمة الشرعية، بل يتجه في قسمة الاجبار اعتبار رضاه بعدها أيضا عوضا عنهما،

[ 332 ]

لان القسمة مفهوم واحد لا تخلف حقيقتها باختلاف القاسم، كما هو واضح. وحينئذ فاتفاقهم على عدم اعتباره بعدها فيه دليل على تحققها وصحتها بدونه في غيره ايضا، إذ ليس قسمته بين الشريكين برضاهما حكما منه، بل هو كاحد أفراد القسمة. وكذا ظهر لك أيضا عدم الفرق بين قسمة الرد وغيره، ضرورة أنها قسم من القسمة المفروض إفرازها بالقرعة وإن استتبعت وجوب الرد على من خرج له النصيب الاوفر بها فهو استحقاق آخر يتبع القسمة المزبورة، وليس هو معاوضة مستقلة خارجة عن القسمة كي يعتبر فيها التراضي، بل أقصاها تعاوض شرعي من توابع القرعة التي قد عرفت أنها مميزة في قسمة الرد وغيرها. (و) كيف كان ف‍ (يجزئ القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة رد) في مذهب الاصحاب كما في المسالك، بل لم يحك هو الخلاف في ذلك إلا عن بعض العامة، فاعتبر التعدد فيها جاعلا لها من قسم الشهادة (و) هو كما ترى، بل مناف لما سمعته من نصب علي (عليه السلام) قاسما واحدا (1). نعم (لابد من إثنين) فصاعدا (في قسمة الرد، لانها تتضمن تقويما، فلا ينفرد الواحد به) لانه من مقام الشهادة (و) إن كان (يسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك) لان الحق لهما، وهما مسلطان عليه. ومن هنا قال في المسالك: (لا إشكال في اعتبار العدد منها حيث لا يتراضى الشريكان بالواحد، لان العدد شرط في التقويم مطلقا). ولكن قد ينافيه (أولا) ما سمعته من نصب علي (عليه السلام) قاسما واحدا (2) وإلا كان المتجه نصب الاثنين احتياطا، لاحتمال حصول


(1) و (2) راجع التعليقة (4) ص 326.

[ 333 ]

الرد في القسمة. و (ثانيا) أن التقويم غير منحصر في قسمة الرد، فان كثيرا من الاموال المشتركة المختلفة كالحيوانات ونحوها لا تقسم إلا بالتقويم وإن لم يكن فيها رد، واحتمال إرادة ذلك كله من قسمة الرد على معنى أنه قد يكون فيها رد مناف لما هو المصطلح عندهم من أن قسمة الرد المشتملة على دفع مال آخر من أحد الجانبين، ولذا أطلقوا عدم الجبر فيها بخلاف باقي ما يقسم بالتقويم الذي لا رد فيه، فانه يجبر عليه. و (ثالثا) أن التقويم لا مدخلية له في القسمة التي هي إفراز الحق، وإنما هو من مقدماته، والفرض ظهور كلامهم في تعدد القاسم لا المقوم، على أنه يمكن القول بتولي الواحد القسمة فيها وإن احتيج إلى التعدد بعدها في تقويم ما زاد في أحد النصيبين، إذ ذاك أمر خارج عن القسمة. ومن هنا كان لعلي (عليه السلام) قاسم واحد (1) فتأمل جيدا. (و) على كل حال ف‍ (أجرة القسام) المنصوب من قبل الامام (عليه السلام) (من بيت المال) المعد للمصالح التي منها القسمة إن لم يكن يرتزق منه وإلا فلا أجرة له، لقيام ارتزاقه منه مقامها، بل يمكن إرادة ذلك منها، كما عساه ظاهر القواعد حيث عبر أولا بالارتزاق وثانيا بالاجرة، لاختصاص منفعة عمله بغيره، بخلاف المؤذن ونحوه ممن شرك مع الغير في الانتفاع، فانه يعبر عنه بالارتزاق والامر سهل. وعلى كل حال فذلك له من بيت المال إذا نصب على هذا الوجه (فان لم يكن إمام) ينصب للقسمة شخصا كذلك (أو كان و) لكن (لا سعة في بيت المال) ولو لوجود الاهم من ذلك لتجهيز جيش أو سد ثغر (كانت أجرته على المتقاسمين) وإن كانت قسمة


(1) راجع التعليقة (4) من ص 326.

[ 334 ]

إجبار أو كان الطالب للقسمة أحدهم، خلافا لما عن أبي حنيفة واحد وجهي الشافعية فيتص بالطالب، وفيه أن العمل المحترم قد وقع لهم أجمع فيستحق عوضه ما لم يقصد التبرع به (فان) كانت القسمة بسؤالهم و (استأجره كل واحد) منهم (بأجرة معينة) عليه (فلا بحث) في استحقاق ذلك المعين من غير ملاحظة السهام أو الرؤوس. نعم قد ذكروا إشكالا من جهة أخرى فيما لو فرض ترتب العقود وكان الشركاء اثنين مثلا فعقد واحد لافراز نصيبه، فعلى القسام إفراز النصيبين، وتميز كل واحد منهما عن الاخر، لان تمييز نصيب المستأجر لا يمكن إلا بتمييز نصيب الاخر، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب فإذا استأجر بعد ذلك الاخر على تمييز نصيبه فقد استأجره على ما وجب عليه واستحق في ذمته لاخر فلم يصح، وكذا لو كانوا ثلاثة فعقد واحد لافراز نصيبه ثم الثاني أشكل عقد الثالث بما سمعت. وأجيب كما في المسالك وبعض كتب العامة بأن السؤال مبني على أنه يجوز استقلال بعض الشركاء باستئجار القسام لافراز نصيبه ولا سبيل إليه، لان إفراز نصيبه لا يمكن إلا بالتصرف في نصيب الاخرين ترددا وتقديرا، ولا سبيل إليه إذ برضاهم، نعم يجوز أن ينفرد واحد منهم برضا الباقين فيكون أصيلا ووكيلا، ولا حاجة إلى عقد الباقين، وحينئذ إن فصل ما على كل منهم بالتراضي فذاك وإن أطلق وزع. وفيه أن حاصله كما في كشف اللثام عدم استقلال أحد منهم بالاستئجار وإيجاب الافراز على ذمة الاجير، وهو كما قيل لا يدفع الاشكال، ضرورة إمكان فرضه باستغناء القاسم للتردد فيه بضبطه إياه سابقا أو باستحقاقه ذلك لاستئجار ونحوه، أو يفرض برضا الشريك بالتردد فيه أو التخطي

[ 335 ]

أو كون القسمة إجبارا والمستأجر المستضر. ولعل لذا في كشف اللثام بعد حكاية الجواب المزبور قال: (والحق عدم الاندفاع ومن هنا التزم بعض الناس التفصيل بين القدرة على الافراز على وجه يكون واجبا مطلقا فلا يصح الاستئجار ثانيا، وبين كونه غير مقدور فيصح، لانه يكون واجبا مشروطا). وفيه أن المتجه في الثاني عدم صحة الاولى لا صحة الثانية مع الاولى كما هو مفروض البحث، أللهم إلا أن يراد أن الاولى وقعت مراعى صحتها بوقوع الثانية، كما لو اتحد الايجاب وترتب القبول خاصة، فانه يقع مراعى بوقوع القبول من غيره، والتحقيق عدم صحة الثانية حيث تصح الاولى من دون مراعاة للثانية مع كون المستأجر عليه شيئا واحدا وإن تعدد عوضه، ولذا جاز الاستئجار عليه منهما دفعة واحدة، بخلاف الترتيب المقتضي استقلال الاول في الاستحقاق وكونه كالاجير الخاص بالنسبة إليه، لتعينه بالعمل الغير القابل للتعدد، فهو حينئذ كالمستأجر لحيازة شئ من المباح مثلا، فانه لا يجوز استئجاره ثانيا عليه لاخر بخلاف ما لو استأجراه دفعة كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (ان استأجروه في عقد واحد) بأجرة معينة (و) لكن (لم يعينوا نصيب كل واحد) منهم (من الاجرة لزمتهم الاجرة بالحصص، وكذا لو لم يقدروا أجرة كان له أجرة المثل عليهم بالحصص لا بالسوية) عندنا من غير خلاف يعرف فيه بيننا، وفي محكي الخلاف دليلنا أنا لو راعيناها على قدر الرؤوس ربما أفضى إلى ذهاب المال، كأن يكون بينهما لاحدهما عشر العشر سهم من مائة سهم والباقي للاخر ويحتاج إلى إجرة عشرة دنانير على قسمتها، فيلزم من له الاقل نصف العشرة، وربما لا يساوي سهمه دينارا واحدا

[ 336 ]

فيذهب جميع المال وهذا ضرر، والقسمة وضعت لازالة الضرر، فلا يزال بضرر أعظم منه. وفي كشف اللثام (ولان الاجرة تزيد بزيادة العمل، والعمل يزيد بزيادة المعمول، فكل من كانت حصته أزيد فالعمل له أزيد، كمن يسقي جريبين من الارض فعمله أزيد ممن يسقي جريبا، وأن تحمل المشقة أكثر، وكمن رد عبدا قيمته مائة فعمله أزيد ممن رد عبدا قيمته خمسون، والغموض في قلة النصيب إنما جاء من كثرة نصيب الاخر). وفي القواعد وغيرها احتمال النساوي، للتساوي في العمل، فانه ليس إلا إفرازا أو حسابا أو مساحة، والكل مشترك بينهما، بل قد يكون الحساب في الاقل أغمض، وقلة النصيب توجب كثرة العمل، لوقوع القسمة بحسب أقل الانصباء، فان لم يجب على الاقل نصيبا من الاجرة أزيد فلا أقل من التساوي. ولكن لم يذهب إليه أحد من أصحابنا، بل عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك موافقتنا على ذلك، نعم هو محكي عن أحمد بن حنبل، ونقض عليه الفاضل في القواعد بالحفظ للمال المشترك، فان له الاجرة بالحصص مع التساوي في العمل، ومرجع هذا وغيره مما سمعته أو لم تسمعه مما ذكر هنا إلى معلومية القاعدة في المشترك أن جميع ما يترتب عليه من نفع أو غرم هو على الحصص إذا كان قد ترتب عليه من حيث الاشتراك، كما في مفروض البحث الذي هو أجرة المثل للعمل في المشترك من حيث إنه كذلك أو المسمى في العقد الواقع من هذه الحيثية، ولذا قد وافق عليها هنا من عرفت من العامة عدا ابن حنبل فضلا عن الخاصة، ووجهه - بعد معلومية مقابلة العوض بالعمل - أن التوزيع يكون بحسب أثر العمل في المال المشترك، لا بالنسبة إلى المتعاملين الذين لا مدخلية لهم في المعاوضة

[ 337 ]

ولا ريب في استخراج السهام المتعددة لذي السهم الاكثر بعد تعديل المال المشترك على الاقل نصيبا، كما هو واضح، والله العالم. النظر (الثاني في المقسوم) (وهو إما متساوي الاجزاء) وصفا وقيمة (كذوات الامثال مثل الحبوب والادهان أو متفاوتها كالاشجار والعقار، فالاول يجبر الممتنع مع مطالبة الشريك بالقسمة) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل الظاهر الاتفاق عليه، ولعله العمدة بعد قاعدة وجوب إيصال الحق إلى مستحقه مع عدم الضرر والضرار في القسمة المفروض شرعيتها (لان الانسان له ولاية الانتفاع بماله) قطعا (و) لا ريب أن (الانفراد أكمل نفعا). ولا فرق في ذلك بين الجامد والمائع الذي مسته النار للعقد كالدبس والرب لا للتصفية كالعسل والسمن وغيرهما، وما عن بعض العامة من عدم جواز القسمة في الاول لعدم جواز بيعه بعضه ببعض ولو مثلا بمثل وهي بيع خرافة في خرافة. نعم لو تعددت الاجناس المشترك فيها فطلب أحدهما قسمتها أنواع بالقيمة ففي القواعد لم يجبر، لتعلق الغرض غالبا بالعين، ولانه قسم من قسمة الرد، نعم لو تراضيا على القسمة كذلك لم يكن به بأس، ولا ينافيه عدم الجبر عليه، لامكان القسمة بطريق آخر جامع بين الجمع. (و) كيف كان ف‍ (يقسم) المكيل والموزون وغيرهما (كيلا ووزنا) وخرصا ومقابلة (متساويا ومتفاضلا ربويا كان وغيره، لان القسمة) عندنا) تمييز حق لا بيع) كي يلحقها أحكامه

[ 338 ]

من القبض في المجلس لو كانت في نقدين مثلا، ومن عدم الزيادة لو كانت في ربوي، ومن العلم بالمقدار لو كانت في مجهول، بل قد عرفت فيما مضى هنا وفي الشركة أنها ليست معاوضة، وإنما هي تمييز حق استخرج بالقرعة حتى في قسمة الرد وإن كان فيها شبه المعاوضة إلا أنه تعاوض شرعي لا معاوضة معاملة. ومن ذلك يظهر لك المناقشة بما في المسالك وغيرها، فلاحظ وتأمل. هذا وفيها هنا ايضا (وأما قوله متساويا ومتفاضلا فالاصل في القسمة أن يكون بنسبة الاستحقاق، فإذا كان المشترك بينهما نصفين كان إفرازه قسمين، وإن كان بينهما اثلاثا كان إفرازه كذلك، والتفاضل في الثاني بحسب الصورة وإلا فهو متساو حقيقة، لان مستحق الثلث له فيما في يد صاحب الثلثين ثلث ولصاحب الثلثين فيما في يد صاحب الثلث ثلثاه، فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر إلى أصل الحق، وإن أراد بالتفاضل ترجيح أحدهما على الاخر بزيادة على حقه فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة، بل هو هبة محضة للزائد، فلو ترك قوله: متساويا ومتفاضلا كان أولى). وفيه أن المراد بيان جواز قسمة الربويات بالتفاوت من حيث الجودة والرداءة، فلو كان الحب مشتركا بينهما وفرض اختلافه على وجه يكون الوزنتان من بعضه تقابل بالوزنة من غيره فعد لا السهام بذلك واقتسماه على هذا الوجه فانه لا إشكال في صحة القسمة عندنا، بخلافه لو قلنا إنها بيع للربا، بل وإن قلنا إنها معاوضة وأن الربا عام للمعاوضات، لما عرفت انها ليست معاوضة معاملة، والله العالم. (و) أما (الثاني) وهو المتفاوتة أجزاؤه ف‍ (اما أن يستضر الكل) بقسمته (أو البعض أو لا يستضر أحدهم، وفي الاول

[ 339 ]

لا يجبر الممتنع) عن القسمة (كالجواهر والعضائد الضيقة) ونحوها المتوقف قسمتها على كسرها وإلا فإذا أمكن بتعديلها بالقسمة أجبر الممتنع كما تسمعه في الثياب والعبيد، إذ هو أحد الافراد الذي لا ضرر فيه ولا رد، كما أنه قد عرفت قوة القول بصحة قسمتها مع التراضي وإن تضرر الجميع بناء على إرادة نقص القيمة منه لا الخروج عن المالية، فلا حظ وتأمل. (وفي الثاني إن التمس المستضر) لقلة نصيبه مثلا على القسمة (أجبر من لا يتضرر) لان المانع من جهته وقد فرض زواله برضاه إذا كان الضرر النقص، وإن قلنا إنه الخروج عن التمول أشكل جوابه إلى ذلك، لانه سفه، إلا أن يفرض غرض صحيح يخرجه عنه. (وإن امتنع المتضرر لم يجبر) عندنا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار (و) لاريب في أنه (يتحقق الضرر المانع من الاجبار بعدم الانتفاع بالنصيب) أصلا (بعد القسمة وقيل): يتحقق مع ذلك بعدم الانتفاع به فيما كان ينتفع به مشتركا وإن لم تنقص قيمته، وقيل (بنقصان القيمة) على وجه يتحقق به الضرر الفاحش (وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده، كما حققنا ذلك في كتاب الشركة (1) (و) إن كان (للشيخ) بل ولغيره في المسألة (قولان) الاول والاخير. (ثم) اعلم أن (المقسوم) مثليا كان أو قيميا عقارا أو غيره متحدا أو متعددا متفقا في الجنس أو مختلفا (إن لم يكن فيه رد ولا ضرر أجبر الممتنع وتسمى قسمة إجبار، وإن تضمنت أحدهما لم يجبر، وتسمى قسمة تراض، و) حينئذ (يقسم الثوب الذي لا تنقص قيمته بالقطع كما تقسم الارض) المتساوية أجزاؤها قسمة إجبار وإن كانا قيميين، لعدم ضرر وعدم رد فيها. (وإن كان ينقص


(1) راجع ج 26 ص 315.

[ 340 ]

بالقطع لم يقسم، لحصول الضرر بالقسمة) وكذا الارض. (وتقسم الثياب) اتحدت في النوع أو اختلفت. (و) كذا تقسم (العبيد) كذلك (بعد التعديل بالقيمة قسمة إجبار) مع فرض انحصار قسمتها في ذلك، لان التعديل المزبور رافع للضرر عرفا، فتندرج حينئذ هي وغيرها في الضابط المزبور الذي هو منطبق على جميع ما تسمعه مما ذكر في المقام، وإن كان في دعوى تحقق الضرر في بعض الامثلة كالدكاكين المتلاصقة والدور المتجاورة في قسمتها بعض في بعض تأمل ونظر، كما ستعرف. هذا ولكن في المسالك وبعض كتب العامة كالروضة للرافعي من الشافعية تشويشا في المسألة حيث ذكر فيها (أن الاقسام ثلاثة: الاول قسمة الافراز، وهو أن يكون الشئ قابلا للقسمة لتساوي أجزائه في الصفات، كذوات الامثال، والثوب الواحد كذلك، والارض المتحدة كذلك، ولا إشكال في أنها قسمة إجبار مع فرض عدم الضرر، والثاني قسمة التعديل، وهي ما يعدل سهامها بالقيمة، وهي تنقسم إلى ما يعد شيئا واحدا وإلى ما يعد شيئين فصاعدا، فالاول كالارض المختلفة أجزاؤها، والبستان المختلفة أشجارها، والدار المختلف بناؤها ونحو ذلك، وظاهر عبارة المصنف دخول الاجبار فيها، ويحتمل عدمه، لاختلاف الاغراض، والاقوى الاول، والثاني ينقسم إلى عقار وغيره، فالاول كدارين أو حانوتين، ولا جبر هنا على قسمتهما بعض في بعض وإن أمكن التعديل بالقيمة، وأما غير العقار فان كان من نوع واحد كعبيد أو ثياب وأمكن التسوية فيها بالعدد والقيمة فظاهر المصنف والاكثر الجبر في قسمتها أعيانا، ولو لم يكن التسوية في العدد كثلاثة أعبد بين اثنين على السوية أحدهما يساوي الاخرين ففي الجبر هنا وجهان: من التعديل بالقيمة

[ 341 ]

ومن اختلاف الغرض في التعدد والاتحاد. بل أشكل من ذلك لو كانت الشركة لا ترتفع إلا عن بعض الاعيان كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما مائة وقيمة الاخر مأتان وطلب أحدهما القسمة، فيختص من خرجت له القرعة بالخسيس وربع النفيس، لعدم ارتفاع تمام الشركة بهذه القسمة، فيشكل الجبر عليها، ولو كانت الاعيان من أنواع مختلفة كعبد تركي مع هندي وثوب ابريسم مع ثبوت كتان ففي الاجبار هنا وجهان أيضا، بل أولى بالمنع، هذا كله مع اتحاد الجنس، أما مع اختلافه كعبد مع ثوب مثلا فلا إجبار في قسمة أعيانها بعض في بعض وإن تساوت بثمنها، والثالث قسمة الرد، ولا جبر فيها أيضا، كما ستعرف). وهو كما ترى لا نعرف له مدركا ينطبق على أصولنا إلا دعوى حصول الضرر في بعض دون آخر. وهي مجرد اقتراح، وإنما صدر من العامة على أصولهم الفاسدة من قياس أو استحسان أو مصالح مرسلة، وإنما المنطبق على أصولنا ما سمعته من الضابط المزبور، نعم قد يتوقف في دعوى اقتضائه عدم قسمة العقار مع تعدده بعض في بعض ولو مع الانحصار في ذلك للضرر، ضرورة كونه كالدار المختلف بناؤها والبستان المختلف أشجارها في عدم صدق الضرر عرفا، وكذا قسمة مختلف الجنس بعضه في بعض مع الانحصار فيه. أللهم إلا أن يكون في مختلف جهة الشركة فيه، بمعنى عدم الشركة في مجموع آحاده وإن تحققت في أفراده بأسباب مستقلة، فانه لا جبر في قسمة بعض في بعض قطعا، بل الظاهر عدم مشروعية القسمة فيه بالمعنى المصطلح وإن جازت بنوع من الصلح ونحوه، لكون القسمة حينئذ قسمة معاوضة لا إفراز، وذلك لانه معها يكون له النصف من كل منهما مثلا، ولا يجب عليه معاوضة ما يستحقه في أحدهما بما لصاحبه

[ 342 ]

في الاخر، إذ ليست هي إفراز حينئذ، بخلاف ما لو كانت الشركة في مجموعه، فان له حينئذ نصفا منه، وهو يمكن انطباقه على أحدهما. ومن ذلك يظهر لك اعتبار الاشاعة في مجموع الاعيان المشتركة التي يراد قسمتها بعض في بعض، بل لا موضوع للقسمة في غيره مما آحاده مشتركة بأسباب مستقلة من دون شركة بمجموعه وليس المراد في الاول اعتبار نصف المجموع مثلا كي يرد حينئذ عدم جواز قسمة بعض المال المشترك دون بعض أو قسمة بعضه بالافراز والاخر بالتعديل والمعلوم خلافه نصا وسيرة، وإنما المراد زيادة مصاديق النصفية بملاحظة الشركة في المجموع على وجه يصح قسمته بعض في بعض بحيث يكون النصف أحد المالين مثلا، فتأمل فانه دقيق نافع، وحينئذ فالمتجه عدم الفرق بين العقار وغيره ومتحد الجنس ومختلفه مع فرض انحصار قسمته بعض في بعض التعديل بالقيمة الذي فرض ارتفاع الضرر معه عرفا، فيندرج في الضابط المزبور. وبذلك بان لك النظر في كلام كثير من الاصحاب حتى المصنف فيما يأتي له من عدم الجبر على قسمة الدارين والدكاكين والاقرحة بعضها في بعض وإن انحصر قسمتها فيه، نعم هو كذلك لو فرض إمكان قسمة كل منها بالافراز على وجه لا ضرر فيه، فان المتجه عدم الجبر على خصوص هذا الفرد من القسمة، كما فط كل مقام يمكن فيه قسمة الافراز، فانها مقدمة على قسمة التعديل، لانها أتم الافراد وأقل ضررا وأليق بمراعاة حق الاشتراك، وحينئذ فالجبر عليها عند اختلافهما في الارادة في محله، نعم لو تعذرت ولو للضرر انتقل إلى قسمة التعديل إلا مع التراضي بها معه، فالمدار في الجميع - متساوي الاجزاء ومختلفها والمتحد والمتعدد عقار وغير عقار مختلف النوع ومتحده بل مختلف الجنس وغيره - على

[ 343 ]

ذلك بعد فرض الاشتراك في مجموعه، لا أن الشركة مختصة بآحاده الذي قد عرفت عدم موضوع لقسمته بعض في بعض وإنما يقسم كل واحد من آحاده بقسمة مستقلة، وتفاوت الغرض ليس ضررا ماليا، مضافا إلى عدم حصول منع بقاء الشركة التي لا يجب الجبر معها على المهاياة، والله العالم. (وإذا سالا) أي الشريكان مثلا (القسمة) للشئ (ولهما بينة بالملك) كذلك (قسم بينهما بلا خلاف حتى من العامة ولا إشكال، إذ البينة حجة شرعية وإن لم يحضر خصم. (وإن كان يدهما عليه ولا منازع قال الشيخ في المبسوط: لا يقسم) كما في الدروس وإن كنا لم نتحققه، بل المحقق من موضع منه التصريح بالجواز، كالمحكي عن أبي علي في المختلف (وقال في الخلاف: يقسم وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده من غير فرق بين العقار وغيره من المنقول وغيره، بل لعله لا خلاف فيه بيننا، بل قد يظهر من بعضهم الاجماع عليه (لان) اليد و (التصرف دلالة الملك) وليس قسمة الحاكم لهما حكما منه بالملك على وجه يقطع خصومة الخصم لو ظهر، كغيرها من تصرفاته فيها تبعا لظاهر اليد. على أنه إذا أراد الاحتياط كتب في كتاب القسمة صورة الحال بعد الاعلان بذلك على وجه لو كان هناك منازع لظهر، فما عن أحد قولي الشافعية من عدم جواز القسمة وأبي حنيفة من عدم قسمة غير المنقول مع القول بأنه ملكنا إرثا واضح الفساد.

[ 344 ]

النظر (الثالث في كيفية القسمة) المحتاجة إلى التعديل، وأقسامها أربعة لان (الحصص إن تساوت قدرا) بأن كان الشركاء ثلاثة مثلا لكل واحد ثلث (وقيمة) بمعنى مساواة أجزاء المقسوم لقيمة الجملة (ف‍) هو القسم الاول. وكيفية (القسمة) فيه (بتعديلها على) قدر (السهام، لانه يتضمن القيمة) إذ قد عرفت تساوي قيمة الاجزاء لقيمة الجملة، وذلك (كالدار) مثلا (تكون بين إثنين) مثلا (و) الفرض أن (قيمتها متساوية) لعدم التفاوت في أجزائها (وعند التعديل) بقسمتها نصفين (يكون القاسم مخيرا بين الاخراج) للرقع (على الاسماء والاخراج على السهام). (أما الاول فهو أن يكتب كل نصف في رقعة ويصف كل واحد) منهما (بما يميزه عن الاخر، ويجعل ذلك مصونا في ساتر كالشمع أو الطين) أو غيرهما (ويأمر من لم يطلع على الصورة) المكتوبة في الرقعتين (باخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين، فما خرج ف‍) هو (له). (واما الثاني فهو أن يكتب كل اسم) من اسمى الشريكين مثلا (في رقعة ويصونهما) أيضا بساتر كالاول (ويخرج) من يأمره ممن لم يطلع على ما فيهما (على سهم من السهمين فمن خرج اسمه فله ذلك السهم). والظاهر عدم وجوب خصوص كتابة الرقاع وعدم الصون في ساتر، بل وعدم وجوب كون المأمور مكلفا، بل وغير ذلك من القيود المزبورة،

[ 345 ]

إذ المراد حصول التعيين من غير اختيارهما أو وكيلهما، بل يفوضان أمره إلى الله تعالى ويفعلان ما يفيده وإن كان الاولى الاقتصار على المأثور والمعهود. (وإن تساوت) الحصص (قدرا لا قيمة) لاختلاف أجزاء المقسوم بالنسبة إلى ذلك فقد يكون الثلثان منه مثلا مساويا للثلت الاخر في القيمة وهو القسم الثاني، وحينئذ إذا أراد أن يقسم (عدل السهام قيمة) لانها المدار في رفع الضرر (وألغى القدر، حتى لو كان الثلثان) مثلا (بقيمته مساويا للثلث جعل الثلث) نصفا (محاذيا للثلثين اللذين هما النصف الاخر (وكيفية القرعة عليه كما صورناه) سابقا من الاخراج على الاسماء أو السهام. (وإن تساوت الحصص قيمة لا قدرا مثل أن يكون للواحد النصف وللاخر الثلث وللاخر السدس وقيمة أجزاء ذلك الملك متساوية) وهو القسم الثالث، وحينئذ فإذا أريدت القسمة (سويت السهام على أقلهم نصيبا) لان المفروض تساوي القسمة (فجعلت أسداسا) كما هو الضابط في كل قسمة اختلفت سهامها، فانها تعدل على أقلها ما لم يكن فيها كسر، وإلا احتيج تعديلها إلى فرضها عددا ينطبق عليها، كما لو فرض كون النصف في مفروض المسألة بين إثنين، فانه لا تصح القسمة بالتعديل أسداسا للكسر فيها حينئذ، فلا تتساوى السهام كي يتجه الاقراع، بل لابد من تعديلها باثني عشر جزء، لانه الذي منه الثلث والسدس والربعان صحاحا، فتعدل هكذا. (ثم) على كل حال (كم يكتب رقعة ؟ فيه تردد بين أن يكتب بعدد) أسماء (الشركاء) فيكون في الفرض ثلاثة كما هو الاشهر (أو بعدد السهام) فيكون ستة، رقعة باسم صاحب السدس ورقعتان باسم صاحب الثلث وثلاثة لصاحب النصف.

[ 346 ]

(و) لكن (الاقرب الاقتصار على عدد الشركاء، لحصول المراد به، فالزيادة كلفة) وإن كان الاقوى جوازه أيضا، بل عن المبسوط قوة تعينه، لان كل من كان سهمه أكثر كان حظه أوفر، وله مزية على صاحب الاقل، فإذا كتب صاحب النصف ثلاث رقاع كان خروج رقعته أسرع وأقرب وإذا كتب له واحدة كان خروج رقعته ورقعة صاحب السدس سواء. وفيه أن ذلك لا فائدة فيه بعد فرض تعديل السهام، فلا ريب في أن الاولى أولى، لحصول الفائدة مع الاختصار وترك اللغو في إخراج الثانية والثالثة لصاحب النصف بعد إخراج الاولى والثانية لصاحب الثلث. (إذا عرفت هذا فانه يكتب) حينئذ (ثلاث رقاع لكل اسم رقعة، فتجعل للسهام أول وثاني وهكذا إلى الاخير) الذي هو السادس (والخيار في تعيين ذلك) أي ترتيب السهام على الوجه المزبور (إلى المتقاسمين، ولو تعاسرا عينه القاسم) دفعا للنزاع، ويحتمل استخراجه بقرعة أيضا ثم تدفع الرقاع - بعد وضعها في ساتر كما عرفت - إلى من لم يطلع على ما فيها (ثم) يأمره باخراج رقعة) منها (فان تضمنت اسم صاحب النصف فله) الاسهم (الثلاثة الاول ثم) يأمره بأن (يخرج ثانية، فان خرج صاحب الثلث فله السهمان الاخران) وهو الرابع والخامس (و) حينئذ (لا يحتاج إلى إخراج الثالثة، بل لصاحبها ما بقي) وهو السهم السادس. (وكذا لو خرج اسم صاحب الثلث أولا كان له السهمان الاولان ثم يخرج أخرى، فان خرج صاحب النصف فله الثالث والرابع والخامس، ولايحتاج إلى إخراج أخرى لان السادس تعين لصاحبها). (وهكذا لو خرج اسم صاحب السدس أولا كان له السهم الاول

[ 347 ]

ثم يخرج الاخرى، فان كان صاحب الثلث كان له الثاني والثالث، والباقي لصاحب النصف، ولو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع وبقي الاخران) وهو الخامس والسادس (لصاحب الثلث من غير احتياج إلى إخراج اسمه) وذلك كله واضح. كوضوح الحال فيما لو فرض كتابة ست رقاع بأسمائهم، فإذا خرج واحدة من رقاع صاحب النصف أولا أعطى الثلاثة الاول، فإذا خرجت ثانية باسمه أو ثالثة كانت ملغاة، للاستغناء عنها بالاولى، وإن خرجت واحدة من رقعتي صاحب الثلث بعد رقعة صاحب النصف أعطى الرابع والخامس، ولايحتاج إلى إخراج ما بقي، كما أنه لو خرجت رقعة صاحب السدس اعطي الرابع، ولايحتاج بعد إلى إخراج غيرها، لتعين السهمين الاخيرين، وهما الخامس والسادس لصاحب الثلث، وكذا الكلام لو خرجت أولا إحدى رقعتي صاحب الثلث أعطي السهمان الاولان وتلغى رقعته الثانية، فان خرج بعده رقعة صاحب السدس أعطي الثالث وتعين الباقي لصاحب النصف من غير حاجة إلى إخراج. (و) كيف كان ف‍ (لا) يصح أن تكتب رقاع و (يخرج‍) ها (في هذه) الصورة من القسمة (على السهام) نحو ما سمعته في الصورتين الاوليين (بل) يتعين إخراج رقاع هذا القسم (على) المسمين بتلك (الاسماء) المكتوبة في الرقاع بالطريق الذي ذكرنا (إذا لا يؤمن أن يؤدي) إخراجها على السهام نحو ما سمعته في القسمين الاولين (إلى تفرق السهام، وهو ضرر) غير جائز إلا مع الرضا به، إذا قد يخرج السهم الثاني لصاحب السدس، وهو مقتض لتفرق ملك صاحب الثلث أو النصف، وكذا لو خرج له الخامس، بل قد يخرج لصاحب النصف مثلا الرابع، فيحصل النزاع

[ 348 ]

بينهم في إتمامه بسهمين قبله أو بعده، والقسمة إنما شرعت لدفع النزاع. هذا وفي الروضة للرافعي من علماء الشافعية (وإن أثبت الاجزاء في الرقاع فلابد من إثباتها في ست رقاع، وحينئذ فالتفريق المحذور لو لزم إنما يلزم إذا خرج أولا صاحب السدس، وهو مستغن عنه، بأن يبدأ بصاحب النصف، فان خرج الاول باسمه فله الاول والثاني والثالث، وإن خرج الثاني فكذلك، فيعطى معه ما قبله وما بعده، وإن خرج الثالث ففي شرح مختصر الجويني أنه يتوقف فيه ويخرج لصاحب الثلث، فان خرج الاول أو الثاني فله الاول والثاني، ولصاحب النصف الثالث والرابع والخامس، وإن خرج الخامس فله الخامس والسادس، ثم أهمل باقي الاحتمالات، وكان يجوز أن يقال: إذا خرج لصاحب النصف الثالث فهو له مع اللذين قبله، وإن خرج الرابع فهو له مع اللذين قبله، ويتعين الاول لصاحب السدس، وإن خرج الخامس فهو له مع اللذين قبله، ويتعين السادس لصاحب السدس، وإن خرج السادس فهو له مع اللذين قبله، وإن أخذ زيد حقه ولم يتعين حق الاخرين أخرج رقعة أخرى باسم أحدهما، فلا يقع تفريق) إلى آخر ما ذكره مما هو غير معهود في كيفية القرعة. ومع فرض جوازها كذلك على تقدير التراضي بها فالتفريق أيضا جائز مع التراضي به، بل يجوز معه الابتداء بذي السدس على أن يكون إذا خرجت رقعته على الاول أو الثاني فله الاول أو خرجت على الخامس أو السادس فله السادس كيلا يلزم تفريق، بل قد يفرض تفريق لاضرر فيه، كما في قسمة الحبوب والادهان مثلا. وعلى كل حال فهذه الوجوه خارجة عن مفروض المسألة، فانها مع فرض صحتها ودخولها في المعهود من إطلاق القرعة لا تنافي ما ذكره المصنف وغيره من عدم جريان ما ذكره في القسمين الاولين من إخراج

[ 349 ]

الاسماء على السهام بالكيفية المزبورة فيهما في هذا القسم، وإنما يختص باخراج رقعة على الاسماء خاصة حذرا من حصول التفريق الذي لا ريب في احتماله على هذا الوجه، والتخلص منه بما عرفت خروج عن المفروض، وهو واضح. كوضوح كون المراد من عبارة المتن عدم إخراج الرقاع على السهام على حسب ما ذكره في الاولين، بل يختص إخراجها على الاشخاص المسمين بتلك الاسماء، فلا إشكال حينئذ. بل عن بعض النسخ إبدال العبارة المزبورة (ولا تخرج في هذه السهام على الاسماء، إذ لا يؤمن) إلى آخره، وهي صريحة في ما قلناه، والله العالم. (ولو اختلفت السهام والقيمة) معا وهو القسم الرابع ولا يخفى عليك أنه إذا كان كذلك (عدلت السهام تقويما وميزت على قدر سهم أقلهم نصيبا وأقرع عليها كما صورناه) ضرورة عدم الفرق بين الصورتين إلا بتفاوت مقدار المساحة في السهام في الثانية دون الاولى، نحو ما سمعته في القسم الثاني، هذا كله في قسمة التعديل بدون رد. (أما لو كانت قسمة رد - وهي المفتقرة إلى رد في مقابلة بناء أو شجر أو بئر) أو نحو ذلك مما يكون في أحد السهمين ولا يمكن قسمته - (ف‍) لا خلاف عندنا بل ولا إشكال في أنه (لا تصح القسمة) فيه (ما لم يتراضيا جميعا، لما يتضمن من) دفع (الضميمة التي لاتستقر إلا بالتراضي) لعدم كونها من المال المشترك، فلا وجه لجبر أحدهما عليها، إذ هو كجبره على بيع ما لا يمكن قسمته، بل لعله كذلك عند العامة فضلا عن الخاصة، نعم قد يفرض الجبر في بعض الصور من باب السياسات التي لامدخل لها فيما نحو فيه مما هو حكم شرعي. (و) إنما الكلام فيما (إذا اتفقا على الرد وعدلت السهام)

[ 350 ]

وأقرع (فهل تلزم بنفس القرعة) فيلزم بالرد من خرج الزائد له كما يلزم بالقبول من خرج الناقص له ؟ (قيل) كما عن المبسوط والتحرير والارشاد والدروس والايضاح والمسالك وغيرها: (لا) تلزم إلا بالرضا بعد القرعة، بل عن بعضهم التصريح باعتبار لفظ (رضيت) ونحوه بعد القسمة (لانها تتضمن معاوضة، ولا يعلم كل واحد من يحصل له العوض ف‍) لا يتحقق رضا المعاوضة قبل القرعة ولذا قلنا: (يفتقر إلى الرضا بعد العلم بما ميزته القرعة) حتى يتحقق الرضا المعتبر في صحة المعاوضة، بل ويتحقق أيضا إنشاؤها، وهو حاصل ما في محكي المبسوط وغيره من أن القرعة فيها تفيد معرفة البائع منهما من المشتري، وقبل القرعة لا يعلم هذا، فإذا علم بها البائع من المشتري وعلمنا من الذي يأخذ الزائد ويرد خمسين مثلا قلنا الان قد بان ذلك الرجل، فلا تلزم القسمة إلا بتراضيهما، ثم قال: (وتفارق هذه قسمة الاجبار، لانه لابيع فيها ولاشراء، فلهذا لزمت بالقرعة، وهذه فيها بيع وشراء، فلا يلزم بها - ثم قال -: وايضا لما لم يعتبر التراضي فيها في الابتداء فكذلك في الانتهاء:، وليس كذلك هنا، لانه اعتبر التراضي في ابتدائها فكذا في انتهائها). هذا ولكن قد تشعر نسبة المصنف والفاضل ذلك إلى القيل برده أو التردد فيه، بل مقتضى إطلاق المصنف وغيره فيما تقدم عدم اعتبار الرضا بعدها في قسمة منصوب الامام (عليه السلام) عدم الفرق بينها وبين غيرها، بل هو صريح الدروس ومنه حينئذ يظهر عدم الفرق بين الجميع، ضرورة عدم مدخلية منصوب الامام (عليه السلام) في المعاوضات، على أن مرجعه الاكتفاء بقرعته عن إنشاء تعاوض، بل يتعين الدفع على ذى السهم الزائد والقبول

[ 351 ]

على ذي السهم الناقص، فهو عوض شرعي لا معاوضة اصطلاحية، ومن المعلوم عدم الفرق في نفاذ القرعة بين وقوعها منه ومن غيره. وأيضا ظاهر الجميع كون ذلك فردا من أفراد القسمة، لا أنها قسمة وبيع، بل ظاهر جماعة ممن اعتبر الرضا بعدها الاكتفاء بانشاء الرضا بها بعدها لا إنشاء معاوضة، بل لا يكفي إنشاؤها على الاجمال، بل لابد من قصد البيع أو الصلح أو الهبة المعوضة أو نحو ذلك مما يقطع بعدم التزامهم به، بل كلامهم كالصريح في نفي كون القسمة بيعا عندنا حتى قسمة الرد، على أن هذا البيع بعد القرعة يجب إنشاؤه بينهما على وجه إذا امتنع يقوم الحاكم مقامه أو يبقى مختارا فيه. والتزام الاول كما ترى، والثاني مناف لمفاد القرعة الذي هو التعيين. ولعله لذا احتمل في كشف اللثام وغيره اللزوم بنفس القرعة، بل لعله الاقوى وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، بل قد عرفت فيما سبق إطلاق بعضهم الاكتفاء في صحتها ولزومها بالتراضي وإن كان فيها رد، وأن القرعة عند التنازع. لكن في المسالك هنا (ثم على تقدير التراضي عليها إن اتفقا على أن يكون الرد من واحد معين وأوقعا صيغة معاوضة تقتضي ذلك كالصلح وغيره فلا بحث، وإن اتفقا عليه ودفع الراد العوض من غير صيغة خاصة كان الحكم كالمعاطاة لا تلزم إلا بالتصرف عند من جعل ذلك حكم المعاطاة وإن لم نقل بتوقف التراضي على القسمة مع عدم الرد على التصرف، والفرق ما اشرنا إليه من اشتمال قسمة الرد على المعاوضة المقتضية للصيغة الدالة على التراضي على ما وردت عليه من العوض، والمقسوم الزائد على ما قبل المردود غير متعين، فلا يمكن تخصيصه باللزوم مع التراضي بدون التصرف).

[ 352 ]

وفيه ما لا يخفى من منافاة ذلك لظاهر كلام أصحابنا وغيرهم من أن قسمة الرد من افراد القسمة وإن كان لا إجبار فيها، ولايحتاج إلى صلح وغيره، حتى من اعتبر الرضا بعد القرعة فانما يريد الرضا بها قسمة، وهو غير الرضا المعتبر في إنشاء المعاوضات المعلومة، وكأنه اشتبه عليهم العوض والمعاوضة المصطلحة، ولاريب في الفرق بينهما، وأقصى ما في قسمة الرد الاول لا الثاني، كما هو واضح بأدنى تأمل. نعم لو لم نقل إنها من أفراد القسمة بل هي قسمة ومعاوضة اعتبر حينئذ قصد معاوضة خاصة وتعيين المعوض عنه وغير ذلك مما في تلك المعاوضة التي يتفقان على إنشائها، ومن المعلوم أن قسمة الرد قد تشتمل على زيادة وصف في أحد السهمين وزيادة عين وغير ذلك مما يتوقف معادلته للسهم الاخر على جبر ممن يكون له ذلك. وبالجملة يقوى في النظر الاكتفاء في لزومها بالقرعة، ويتعين الدفع على ذى السهم الزائد والقبول على الاخر، والله العالم. (مسائل ثلاث:) (الاولى:) (لو كان لدار) مثلا (علو وسفل فطلب أحد الشريكين قسمتها بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب من العلو والسفل بموجب التعديل جاز) بلا خلاف (و) لاإشكال، لانه توصل إلى حق كل منهما، بل (أجبر الممتنع) منهما عن ذلك (مع) فرض (انتفاء الضرر) المانع من الاجبار، بل ظاهر إطلاق المصنف وغيره عدم الفرق في الاجبار المزبور بين أن يجعل نصيب كل منهما من العلو فوق

[ 353 ]

نصيبه من السفل وعدمه ما لم يستلزم ضررا يرتفع معه الاجبار. (ولو طلب انفراده بالسفل أو العلو لم يجبر الممتنع) مع التمكن من الاول الذي لاريب في تقدمه عليه، لما فيه من إيصال الحق إلى مستحقه في كل منهما، كما سمعته في تقديم قسمة الافراز على قسمة التعديل. مضافا إلى ما في كشف اللثام من تعليله بأن البناء تابع للارض والعلو للسفل، فانما يجبر على قسمة تأتي على الارض، ولانه من ملك شيئا من الارض ملك قراره إلى الارض السابعة وهواءه إلى السماء، فلو جعلنا لاحدهما العلو قطعنا السفل عن الهواء، والعلو عن القرار، أما مع فرض عدم إمكانه ولو للضرر فيه المانع من الاجبار عليه بخلاف الفرض فالاقوى الجبر عليه، لانه طريق لاضرر فيه إلى إيصال الحق لمستحقه، ولعل إطلاق المصنف وغيره لا ينافيه بعد تنزيله على التمكين من الاول، حتى ما سمعته من كشف اللثام. (وكذا) الكلام (لو طلب قسمة كل واحد منهما منفردا) عن الاخر لا يجبر عليه مع التمكن من قسمتهما على الوجه الاول، أما مع فرض عدم التمكن منه وفرض عدم الضرر في هذه يتجه الجبر، لما عرفت من وجوب إيصال الحق إلى مستحقه مع عدم الضرر. هذا وفي المسالك اقتصر في شرح عبارة المصنف على ذكر القسمين الاولين وترك القسم الثالث، ولعله ليس في نسخته لكن ما جعله مدركا للاولين مناف له، وذلك لانه جعل العلو والسفل كالبيتين المتجاورين، فيجبر إن طلب قسمة كل منهما على حدته، ولا يجبر على قسمة أحدهما في الاخر على أن يكون لاحدهما العلو وللاخر السفل، وهو صريح في منافاة ذلك لما ذكره المصنف من عدم الجبر لو طلب قسمة كل واحد منهما منفردا، وإنما الذي ذكر الجبر فيه قسمتهما معا على أن يكون لكل

[ 354 ]

واحد نصيب من العلو والسفل بقسمة واحدة. على أنه لا يخفى عليك ما في دعوى جعل العلو والسفل بمنزلة البيتين المتجاورين، ضرورة كونهما كبيوت الدار الواحدة لا مثل ذلك، ولذا لم يجبر عندهم على قسمة كل منهما منفردا. بل في القواعد (ولو طلب أحدهما قسمة السفل خاصة ويبقى العلو مشتركا أو بالعكس لم يجبر الاخر، لان القسمة للتمييز، ومع بقاء أحدهما لا يحصل التمييز) ومراده أن البناء علوه وسفله تابع للارض، فالمشترك شئ واحد، فمع قسمة بعضه دون بعض لم يحصل التمييز، إذا هو كما لو اشتركا في جريب من الارض فطلب أحدهما قسمة نصفه وبقاء الاخر على الاشاعة. والظاهر أن مراده عدم الجبر لا ما يتوهم من عدم صحة قسمة ذلك حتى مع الرضا، باعتبار عدم التمييز في القسمة المفروضة التي هي عبارة عنه، والفرض أن المشترك شئ واحد عرفا، خصوصا بعد ما عرفت من كون الشركة النصف مثلا في المشترك، لا أنها في كل جزء جزء، وحينئذ فمع فرض اتحاده يكون النصف المستحق دائرا بين مصاديقه فيه، فيمكن أن يكون هذا النصف الذي أرادا قسمته بينهما، فلا تصح القسمة، حينئذ إلا مع إيقافه عليه أجمع. لكنه كما ترى مخالف للمقطوع به بين الناس، وخصوصا في المتماثلات بل وفي مثل الارض المتحدة الواسعة إذا أرادوا قسمة بعضها، ويكفي ذلك في جعلها متعددة، فانه لا إشكال في جواز قسمتها مع فرض عروض التعدد لها عرفا. كما أنه يلزم على التوهم المزبور عدم الصحة في الذي عرض له الاتحاد بعد أن كان متعددا، بل ملاحظة هذا الميزان تقتضي أمرا غريبا في الشريعة،

[ 355 ]

نعم قد يقال: إنه لا يجبر عليه إذا كان قد بذل القسمة فيه أجمع، لعدم الدليل عليه في خصوص ذلك، بل ظاهر الادلة خلافه، كما أن ظاهرها جواز جميع افراد القسمة مع التراضي بها، كما تسمع تحقيقه إن شاء الله. المسألة (الثانية:) (لو كان بينهما أرض وزرع) فيها (فطلب) أحدهما (قسمة الارض حسب أجبر الممتنع ل‍) ما عرفته عرفته من وجوب إيصال الحق إلى صاحبه مع عدم الضرر، وهو هنا كذلك ف‍ (ان الزرع كالمتاع في الدار ف‍) لا يمنع من قسمتها. نعم (لو طلب قسمة الزرع) خاصة (قال الشيخ) كما في المحكي عن مبسوطه هنا: (لم يجبر الاخر، لان تعديل ذلك بالسهام غير ممكن) وفي صلحه (لان قطع نصفه لا يمكن، فان لكل واحد منهما حقا في كل طاقة منه) وفيه إشكال) واضح (من حيث إمكان التعديل بالتقويم إذا لم يكن فيه جهالة) وثبوت الحق في كل طاقة لايمنع شرعية القسمة في أمثاله بل في كل شئ، ومن هنا جزم من تأخر عنه بالجبر عليه، بل عن ابن البراج أنه قال: إذا كان التفصيل بين قوم وأرادوا قسمته لم يصح ذلك إلا ببيعه وقسمة ثمنه بينهم، أو بأن يقطع من الارض ويقسمونه كما يقسمون الغلة مثله، أو يكون مما يمكن قسمته بالتعديل، وهو غير مخالف. بل يمكن أن يريد الشيخ ذلك أيضا على معنى إرادة قسمته مع بقائه زرعا، لصعوبة تعديله حينئذ، لعدم معرفة قوة استعداده، وبالجملة

[ 356 ]

يكون نزاعا في موضع، هذا كله في قسمته زرعا. (أما لو كان بذرا) بعد (لم يظهر) من الارض (لم تصح القسمة) بلا خلاف (لتحقق الجهالة) المانعة من التعديل. (ولو كان سنبلا قال) الشيخ (ايضا: لا يصح) لعدم إمكان التعديل (وهو مشكل) ايضا، بل أشد إشكالا من الاول (لجواز بيع الزرع عندنا) بل في المحكي من عبارة الشيخ اضطراب بالنسبة إلى ذلك، قال: ((فان كان بينهما أرض فيها زرع فطلب أحدهما القسمة فاما أن يطلب قسمة الارض أو الزرع أو قسمتهما معا، فان طلب قسمة الارض دون غيرها أجبرنا الاخر عليها على أي صفة كان الزرع: حبا أو قصيلا أو سنبلا قد اشتد، لان الزرع في الارض كالمتاع في الدار لايمنع القسمة، فالزرع مثله، وأما إن طلب قسمة الزرع وحده لم يجبر الاخر عليه، لان تعديل الزرع بالسهام لا يمكن، وأما إن طلب قسمتها مع زرعها لم يخل الزرع من ثلاثة أحوال: إما أن يكون بذرا أو حبا مستترا أو قصيلا، فان كان حبا مدفونا لم تجز القسمة، لانا إن قلنا القسمة إفراز حق فهو قسمة مجهول أو معدوم فلا تصح، وإن قلنا بيع لم يجز لمثل هذا، و إن كان الزرع قد اشتد سنبله وقوى حبه فالحكم فيه كما لو كان بذرا وقد ذكرناه، وإن كان قصيلا اجبرنا الممتنع عليها، لان القصيل فيها كالشجر فيها) ولو كان فيها شجر قسمت بشجرها كذلك هنا). ويمكن إرادته من البذر إخضراره في الجملة، فانه في الحكم كالحب المدفون، لعدم إمكان تعديله، كما أنه يمكن أن يكون وجه الفرق بين كونه سنبلا قد قوي حبه وبين كونه قصيلا أن الاول قد صار بمنزلة المتاع المنفصل الموضوع في البيت فلا يتبع الارض، ولا يجبر على قسمته تبعا لها، بخلافه قصيلا، فانه كالشجر فيها يجبر على قسمته معها، إذ

[ 357 ]

ليس هو كالحب المدفون الممتنع تعديله. ولم يتحقق تابعيته للارض، وكذا المخضر في الجملة الذي لم يتم إثباته، ولا هو كالسنبل الذي قد آن انفصاله عن الارض وإن كان فيه نظر، ضرورة خروج الزرع بحاليه عن تبعية الارض عرفا بخلاف الشجر، ولعله لاتخاذ الثاني فيها باقيا كالبناء بخلاف الاول المبني على الانفصال، ولذا شبه بالمتاع في البيت حتى من الشيخ نفسه في تعليل الجبر على قسمة الارض وحدها، فلاحظ وتأمل. ومن هنا صرح في التحرير بعدم الجبر لو اريد قسمته تابعا للارض لعدم كونه من توابعها، ولذا لم تثبت الشفعة فيه بخلاف الشجر. وعلى كل حال فمراد الشيخ الفرق بين السنبل وغيره في التبعية، ولم يتعرض لقسمته سنبلا وحده، ولعل المصنف قد عثر له على غير هذا الكلام، والامر سهل بعد وضوح الحال لديك حتى قسمتهما معا بعضا في بعض، فانه لا جبر فيها، كما نص عليه غير واحد، لعدم كونهما شيئا واحدا، والفرض إمكان قسمة كل واحد منهما أو الارض خاصة. فما عساه يتوهم من عبارتي المسالك والكفاية من الجبر فيه في غير محله. نعم قد يأتي على ما اخترناه الجبر على ذلك مع فرض انحصار القسمة الخالية عن الضرر المانع من الاجبار فيه، لوجوب إيصال الحق إلى مستحقه مع الامكان وإن ترجح بعض افرادها على بعض، أما الارض ذات الشجر فيجبر على قسمتها معه، لكونه تابعا كالبناء، ولذا تثبت الشفعة فيه، وكذا يجبر على قسمتها بعض في بعض مع فرض انحصار القسمة الخالية عن الضرر فيه، بل وكذا يجبر على قسمة كل منهما أو أحدهما منفردا مع الفرض المزبور. ويمكن إرجاع ما في القواعد وغيرها إلى ما ذكرنا، قال: (ولو كان فيها غرس فطلب أحدهما قسمة أحدهما من الارض أو الشجر خاصة

[ 358 ]

لم يجبر الاخر، ولو طلب قسمتهما معا بعضا في بعض أجبر الاخر مع إمكان التعديل، ولو كانت الارض عشرة أجربة وقيمة جريب واحد منها يساوي قيمة تسعة أجربة، فان أمكن قسمة الجميع بينهما على أن يتساويا في الحصة مساحة وقيمة بأن يكون لاحدهما نصف ذلك الجريب ونصف التسعة الباقية وللآخر مثله بان يكون الجريب في الوسط بحيث لا يلزم تفريق السهام وجب، وان تعذر التعديل كذلك بان يكون الجريب في الطرف أو ذا بناء أو شجر أو نحو ذلك عدلت بالقيمة، بأن جعل الجريب قسما والتسعة قسما واجبر الممتنع عليها إذا لم يتضرر بتفريق السهام ولاغيره) والله العالم. المسألة (الثالثة:) (لو كان بينهما قرحان متعددة وطلب واحد) من الشريكين مثلا (قسمتها بعضا في بعض لم يجبر الممتنع) لان المشهور بين الاصحاب على ما في المسالك أن ما يعد شيئين فصاعدا من العقار كالدور المتعددة والاراضي المتعددة الخالية من الشجر - وهي المعبر عنها بالاقرحة والدكاكين المتعددة - سواء تجاورت أم لا - والحبوب المختلفة كالحنطة والشعير لا يقسم بعضها في بعض، بمعنى جعل بعضها في مقابل بعض قسمة إجبار، وإنما يقسم كل واحد منها على حدته قسمة إجبار إذا أمكن ذلك من غير ضرر، لانها أملاك متعددة، ولكل واحد منها خواص لا تحصل في الاخر، بخلاف الارض الواحدة والدار الواحدة وإن كنا لم نتحققه. بل ذكرنا سابقا أن قاعدة وجوب إيصال الحق إلى مستحقه مع

[ 359 ]

التمكن منه وعدم الضرر تقتضي الجبر إذا فرض الضرر بقسمة كل منها على حدته، وفوات الغرض لايمنع الاجبار، كفواته في المتعدد من النوع الواحد كالثياب والعبيد التي ذكروا فيها الجبر. بل قد عرفت أن مقتضى إطلاق المصنف ذلك فيها وإن اختلف نوعها كثوب إبريسم وكتان، وعبد حبشي وزنجي، ولعله لذا حكي عن ابن البراج التصريح بقسمة الدور والاقرحة بعضها في بعض مع تساوي الرغبات، بل عنه أنه قال: (وكذا لو تضرر بعضهم بقسمة كل على حدته جمع حقه في ناحية) ومقتضى إطلاقه أولا الجبر وإن لم تكن متجاورة وأمكن قسمة كل واحد منها على حدته، إلا أن المحكي عنه في كشف اللثام الحكم بالاجبار مع التجاور والتضرر إذا قسم كل على حدته بأن تكون حصة كلا منهما في بعضها أو في كل مما لا يكاد ينتفع به. (و) كيف كان ف‍ ((لو طلب قسمة كل واحد بانفراده أجبر الاخر) مع إمكانه بلا ضرر بلا خلاف ولا إشكال، للقاعدة المزبورة وغيرها، بل قد ذكرنا سابقا أن هذا الفرد من القسمة يقدم على غيره من الافراد (وكذا) الكلام (لو كان بينهما حبوب مختلفة) مثلا. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه (يقسم القراح الواحد) بينهما (وإن اختلفت أشجار أقطاعه كالدار الواسعة إذا اختلفت أبنيتها) لان الاصل في الملك هو الارض، وهي واحدة، والاشجار والابنية توابع. وفي محكي المبسوط (ويفارق هذا إذا كانت الاقرحة متجاورة، ولكل قراح طريق ينفرد به، لانها أملاك متميزة، بدليل أنه إذا بيع سهم من قراح لم تجب الشفعة فيه بالقراح المجاور له، وليس كذلك إذا كان القراح واحدا وله طريق واحدة، لانه ملك مجتمع، بدليل أنه

[ 360 ]

لو بيع بعضه وجب الشفعة فيه مما بقي، وأصل هذا وجوازه على الشفعة فكل ما بيع بعضه فوجب فيه الشفعة فهو الملك المجتمع، ولك ما إذا بيع بعضه لم تجب فيه الشفعة لمجاوره كانت أملاكا متفرقة). قلت: ليس المهم بيان الاتحاد والتعدد، فان العرف كاف فيه، بل المهم بيان اعتبار الاتحاد في قسمة الاجبار، مع أنه ليس في شئ مما وصل الينا من الادلة جعل ذلك عنوانا للحكم المزبور، ومقتضى القاعدة المذكورة الاعم من ذلك، على أنه لم يذكروا حكم المتحد عارضا والمتعدد كذلك، وبالجملة التحقيق ما عرفت. (و) منه يعلم الحال ايضا فيما ذكره المصنف وغيره من أنه (لا تقسم الدكاكين المتجاورة) فضلا عن غيرها (بعضها في بعض قسمة إجبار، لانها أملاك متعددة يقصد كل واحد منها بالسكنى على انفراده، فهي كالاقرحة المتباعدة) ضرورة عدم صلاحية ذلك للخروج عن مقتضى القاعدة المزبورة، على أنه يمكن أن يقال: إنها واحدة، لان الاصل الارض، والبناء تابع، فالدكاكين كبيوت الدار، ولعله لذا حكم في الارشاد بالجبر، وهو كذلك مع فرض عدم إمكان قسمة كل واحد منها بانفراده، والله العالم. النظر (الرابع في اللواحق) (وهي ثلاث: الاولى: إذا ادعى) الشريك (بعد القسمة الغلط لم تسمع دعواه فان أقام بينة سمعت وحكم ببطلان القسمة، لان فائدتها تمييز الحق ولم يحصل، ولو عدمها فالتمس اليمين كان له إن ادعى على شريكه العلم بالغلط).

[ 361 ]

وفي المسالك (لا فرق في عدم سماع دعوى الغلط في القسمة بمجردها بين كون القاسم منصوب الامام (عليه السلام) ومن تراضيا به وأنفسهما لاصالة الصحة إلى أن يثبت المزيل، ولان منصوب الامام (عليه السلام) كالقاضي لا تسمع الدعوى عليه بالظلم، لكن لو أقام بينة سمعت ونقضت القسمة، كما لو اقام البينة على ظلم القاضي وكذب الشهود) ثم اختار أن له إحلاف الشريك مطلقا وإن لم يدع عليه العلم. وفي القواعد (ولو ادعى أحد المتقاسمين الغلط عليه وأنه أعطي دون حقه لم تتوجه له الدعوى على قسام القاضي بغير الاجر، ولا له عليه يمين، بل إن أقام بينة سمعت ونقضت القسمة، وإن فقدها كان له إحلاف شريكه، فان حلف برئ، وإن نكل أحلف هو ونقضت، هذا في قسمة الاجبار، وأما قسمة التراضي فالاقرب أنه كذلك). وربما احتمل اقتضاء المفهوم في كلامه توجه الدعوى على القسام إذا كان بأجرة، لانه ليس أمين الحاكم حينئذ، بل هو وكيل المتقاسمين، وأيضا فهو في محل التهمة فتتوجه عليه الدعوى، وفي كشف اللثام (لم أر هذا لغيره). وفي الدروس (ولو ادعى الشريك الغلط في القسمة أو في التقويم ولا بينة حلف الاخر) وفي المبسوط (إذا ادعى الغلط في قسمة التراضي كاختصاص أحدهما بالعلو والاخر بالسفل أو كان فيها رد أو كانا قد اقتسما بأنفسهما لم يلتفت إليه، لانه إن كان مبطلا فظاهر، وإن كان محقا فقد رضي بترك هذه الفضلة، ويشكل بامكان عدم علمه بها حال القسمة، فالوجه السماع حينئذ، قيل ولاتقبل شهادة القاسم إن كان بأجرة، وإلا قبلت لعدم التهمة، ولا يحلف قاسم القاضي لانه حاكم) والمحكي عن المبسوط أنه لم يسمع دعواه مطلقا من غير فرق بين

[ 362 ]

قسمة الاجبار والتراضي وإن كان قد قال في وجه الاخير: (إنها لم تخل من أحد أمرين: إما أن اقتسما بأنفسهما أو قسم بينهما قاسم لحاكم، فان اقتسما بأنفسهما لا يلتفت إلى قول المدعي، لانه إن كان مبطلا سقط قوله، وإن كان محقا فقد رضي بترك هذه الفضلة، فلا معنى لرجوعه فيها، وإن كان القاسم قاسم الحاكم فمن قال يلزم بالقرعة قال الحكم فيها كقسمة الاجبار، وقد مضى، يعني لم تقبل، ومن قال لا تلزم إلا بتراضيهما بعد القرعة فالحكم كما لو تراضيا من غير حاكم) كما أنه أشار بقوله: (قيل) إلى ما في التحرير من أن الاقرب ذلك. ثم قال فيه أيضا: (ولو ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة وأنه أعطى دون حقه وأنكر الاخر فالقول قول المنكر مع يمينه، ولا تقبل دعوى المدعي إلا بالبينة، فان أقام شاهدين على الغلط نقضت القسمة وأعيدت، وإن لم تكن هناك بينة كان له إحلاف الشريك، سواء كانت القسمة تلزم بالقرعة أو تتوقف على التراضي، كما لو اقتسما بأنفسهما، فانه تسمع دعواه، ويحلف خصمه أيضا مع عدم البينة، وعلى كل تقدير فليس له إحلاف قاسم القاضي على عدم الغلط، لانه حاكم، ولو حلف بعض الشركاء ونكل الباقون حلف مدعي الغلط، وأفادت يمينه نقض القسمة في حق الناكلين دون الحالفين) إلى غير ذلك من كلماتهم في المقام. إلا أن ظاهر ما سمعته منها وغيره الاتفاق على اقتضائها توجه اليمين على الشريك وإن لم يدع عليه العلم، بل قيل: لم يوجد له موافق على ذلك إلا ما عساه يفهم من عبارتي المبسوط والمجمع. فما في الكفاية - من أنه لو ادعى عليه العلم مكن منه على الاشهر، وإلا ففيه قولان - في غير محله. قلت: الظاهر أنه كما ذكر المصنف مع فرض كون القاسم غيرهما،

[ 363 ]

ضرورة عدم اليمين له عليه، خصوصا إذا كان منصوب الامام (عليه السلام) لكونه أمينا لهما، فلا يمين عليه مع فرض عدم التهمة، لان دعوى الغلط كما هو المفروض غيرها، وليس له على الشريك اليمين على نفيه بعد أن كانت القسمة فعل غيره. بل قد يقال: لا يمين له عليه أيضا إذا كانا قد اقتسما بأنفسها أيضا من دون دعوى العلم، لان دعواه من دونها لا توجب له حق اليمين على الشريك بعد اعتراف المدعي بكونه غير عالم، به إذ هو معنى الغلط، أي الخطأ بلا قصد، فلا يتوجه له يمين عليه إلا مع دعوى أنك علمت بالغلط الذي وقع منا. وحينئذ يتجه إطلاق المصنف عدم سماع دعواه مطلقا بدون البينة، على معنى عدم اقتضائها يمينا مطلقا إلا مع دعوى العلم على الشريك، على أن القسمة فيهما من فعلهما المشترك بينهما، والحلف على نفي فعل الغير إنما هو مع دعوى العلم به عندهم، وحينئذ لا ربط للدعوى المفروضة بالشريك على وجه يكون مدعى عليه حتى يندرج في قولهم (عليهم السلام) (1): (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) إلا مع دعوى علمه بذلك، وبدونها تكون دعوى مجردة عن مدعى عليه، فينحصر طريق ثبوتها بالبينة، كما تسمعه من الاسكافي، فمراد المصنف حينئذ عدم استحقاق المدعي بمجرد هذه الدعوى المفروض عدم اعتراف الشريك بها يمينا له عليه لعدم تعليقها بما يقتضيه على الشريك المفروض اعتراف خصمه بعدم علمه بالغلط المدعى به. بل الظاهر عدم اقتضائها أيضا لو وجهها على منصوب الامام (عليه السلام) لاقتضائها فسقه بانكاره، فهي كدعوى العلم بالخطأ على الحاكم،


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 364 ]

بل وعلى منصوبهما المفروض اعترافه بعدم التهمة له في قسمته، لما عرفت من كون دعوى الغلط الخطأ من غير قصد، وإنما هي بعد ذلك، بمعنى أنه علم بالغلط وأخفاه، والظاهر أن إقراره بعد ذلك بسبب توجيه اليمين عليه أو نكوله عنه أو رده على المدعي لا يقتضي بطلان القسمة التي هي متعلق حق الغير، ولو أن هذا الاقرار يجدي في البطلان لكان الاقرار بعدم الغلط مجديا في الصحة، نعم ربما يكون لليمين فائدة عدم استحقاق الاجرة أو الغرم أو نحو ذلك، وهو غير المفروض الذي هو انتقاض القسمة، فتأمل. وبذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات السابقة بل وغيرها مما لم ننقله أيضا فلاحظ وتأمل. نعم ما يحكى عن أبي علي قد يظهر منه موافقته المصنف، قال: (ولو ادعى أحد الشركاء غلطا لم تنقض القسمة حتى يقيم المدعي البينة بالغلط) بل يمكن تقييد إطلاق اليمين في العبارات السابقة بما إذا ادعى العلم أو بالمستفاد من عبارة التحرير، وهو فرض إنكار الخصم بالتصريح بعدم الغلط في وجوب الدعوى، وحينئذ يتوجه له اليمين عليه، لتحقق الانكار حينئذ، وهو غير المفروض في عبارة المتن الذي هو مجرد دعوى الغلط، فتأمل جيدا فانه دقيق. ثم لا يخفى عليك أن ما في التحرير من قبول شهادة القاسم إذا لم يكن بأجرة لا يخلو من نظر، كما يشعر به نسبته إلى القيل في الدروس من حيث رجوعها إلى أنه شهادة على فعل نفسه، فتخرج عن المنساق من موضوع الشهادة من غير فرق بين الاجرة وعدمها، نعم يبقى قبول إخباره من حيث كونه أمينا، وهو غير الشهادة، ولا تفاوت فيه بين الاجرة وعدمها على الظاهر، نعم ما ذكره من اختصاص الناكلين من

[ 365 ]

الشركاء حيث يتوجه عليهم اليمين ببطلان القسمة في حقهم بعد حلف المدعي اليمين المردودة على الاصح جيد وإن حكي عن الشهيد في بعض فوائده بطلان أصل القسمة، لانها شئ واحد فلا تتبعض، إذ هو كما ترى، ضرورة إمكان تعددها في الظاهر بالنسبة إلى أحكامها وإن اتحدت في الواقع، كما في سائر النظائر، والله العالم. (الثانية: إذا اقتسما) مثلا (ثم ظهر البعض مستحقا فان كان معينا مع أحدهما بطلت القسمة) بلا خلاف بل ولا إشكال (لبقاء الشركة) حينئذ (في النصيب الاخر) لعدم التعديل (ولو كان فيهما بالسوية لم تبطل) بلا خلاف أيضا ولا إشكال (لان فائدة القسمة باق، وهو إفراز كل واحد من الحقين) بعد إخراج المستحق، نعم عن بعض العامة احتمال البطلان لتبعض الصفقة، من غير فرق في ذلك بين اتحاد جهة الاستحقاق وتعددها وبين اتحاد المستحق وتعدده. نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحدث نقصا في حصة أحدهما خاصة بأخذه ولم يظهر به تفاوت بين الحصتين، مثل أن يسد طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه، فان القسمة حينئذ باطلة، لبطلان التعديل. ومنه يعلم قوة بطلانها لو ظهر في نصيب أحدهما عيب لم يعلم قبل القسمة، لفقد التعديل، لكن ظاهر التحرير التخيير بين فسخها وبين الرجوع بالارش كالبيع، وهو مشكل خصوصا مع القول بعدم قابليتها للفسخ، بل متى صحت لزمت ولاتعود إلا بسبب جديد مقتض للشركة، فما في القواعد من جريانه فيها إذا اتفقا عليه محل نظر وتأمل، إذ ليس في أدلة الاقالة ما يقتضي مشروعيتها في فسخ سبب الافراز والتعيين كي يخرج به عن الاصل، والله العالم. (ولو كان) المستحق (فيهما) معا لكن (لا بالسوية)

[ 366 ]

بطلت) القسمة ايضا (لتحقق الشركة) كما هو واضح. وعلى كل حال فلا يضمن أحدهما درك ما يحدثه الاخر من غرس أو بناء لو ظهر الاستحقاق، لعدم كون القسمة بيعا عندنا. وكذا لا يضمن له العيب المتجدد في الثلاثة. (وإن كان المستحق مشاعا معهما فللشيخ قولان: أحدهما لا تبطل فيما زاد عن المستحق، والثاني تبطل، لانها وقعت من دون إذن الشريك) حتى لو كانت الاشاعة في نصيب أحدهما خاصة (وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده. ولا فرق في جميع ما سمعت بين أن يكونا عاملين بالاستحقاق أو جاهلين أو احدهما جاهلا دون الاخر، فان القسمة مع العلم بالاستحقاق المبطل للتعديل لا يدل على انتقال نصيب أحدهما أو شئ منه إلى الاخر انتقالا لازما، وغاية ما يلزم العلم رضا احدهما بنقصان نصيبه مع سلامة المستحق له. هذا وربما ظهر من تعليل المصنف وغيره الصحة مع الاذن على أن تكون حصته مشاعة معهما، وحينئذ فلحوقها كاف. وأولى منه بذلك لو ظهر تعدد الشركاء في السهمين مثلا ورضوا بما وقع من القسمة، إذ الظاهر جريان الفضولية فيها. كما أن الظاهر جواز القسمة مع التراضي بينهم بافراز حصة جملة من الشركاء عن جملة أخرى، فإذا أراد أحد الفريقين تمييز سهامهم اقتسموا بينهم قسمة أخرى وهكذا، بل وغير ذلك من الصور المتصورة في المقام حتى ما أشرنا إليه من القسمة بين الشريكين وبقاء الثالث على الاشاعة في نصيب كل منهما، فانه وإن لم يتميز حقه بالخصوص كما أنه لم يتميز حق كل منهما عن تمام الشركة ولكن تميزهما عن الاخر وانقطاع

[ 367 ]

شركة الثالث عن المجموع كاف في صحتها المستفادة من مشروعية ما تعينه القسمة من المقطوع به كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا، فكلما لم يعلم فساده محكوم بصحته على نحو ما عرفته في غيرها. وتعريفها بأنها تمييز الحقوق لا يقتضي اشتراط صحتها بوقوعها على ما يقتضي إفراز كل سهم وإن رضي الشركاء باجتماع بعض مع بعض وبقاء سهم بعضهم مشاعا مع كل واحد من المقتسمين، بل في بعض أدلة القرعة (3) ما يقتضي شرعيتها في القسمة مشاعا مرات متعددة. بل كلامهم كالصريح في قسمة مختلف السهام بجواز اقتضاء القرعة خروج سهم أحدهم وبقاء الباقي على الاشاعة، وبجواز ما سمعته من الصور المشتملة على الاحتراز عن التفرق في الملك، وغير ذلك مما يقتضي البناء على الاصل المزبور في مشروعية القسمة حيت يعلم الفساد، لا أن المشروع منها مجمل فكلما شك فيه يبقى على أصل الاشتراك، وإلا لاشكل الحال في كثير من صورها المصرح بجوازها مع التراضي مثل قسمة العبدين الخسيس والنفيس المقتضية لبقاء الاشاعة في النفيس دون الخسيس وغيرها من الصور، والله العالم. (الثالثة: لو قسم الورثة تركة ثم ظهر على الميت دين) فلا ريب في صحة القسمة وإن كان الدين مستوعبا، بل مع العلم بوجود الدين بناء على المختار من كونها ملكا لهم معه، وتعلق حق الدين بها لا ينافي صحة القسمة وإن بيع نصيب الممتنع منهم من وفائه،


(1) سورة النساء: 4 - الاية 8 وسورة القمر: 54 الاية 28. (2) الوسائل - الباب - 2 - و 7 - من كتاب الشفعة. (3) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 1 و 4 من كتاب الاطعمة والاشربة.

[ 368 ]

إذ هو كما تعلق بها مع كلية سهم الوارث يتعلق بها مع تشخصه. وحينئذ فقول المصنف: (فان قام الورثة بالدين لم تبطل القسمة، وإن امتنعوا نقضت، وقضى منها الدين) لا يخلو من إشكال، وكذا ما في الدروس (لو اقتسم الورثة ثم ظهر دين وامتنعوا من أدائه نقضت القسمة، ولو امتنع بعضهم بيع نصيبه) بل وما في القواعد (ولو قسم الورثة التركة وظهر دين فان أدوه من مالهم وإلا بطلت القسمة، ولو امتنع بعضهم من الاداء بيع من نصيبه خاصة بقدر ما يخصه من الدين، ولو اقتسموا البعض وكان في الباقي وفاء أخرج منه الدين، فان تلفت قبل أدائه كان الدين في المقسوم إن لم تؤد الورثة). أللهم إلا أن يريدوا بالنقض ما ذكروه من البيع كما هو ظاهر المسالك أو صريحها لافساد القسمة ورجوع المال إلى الاشاعة، وإلا لاتجه بطلانها أيضا بامتناع البعض، ضرورة اقتضاء فسادها في البعض فسادها في الجميع، كما هو واضح. نعم قد يشكل أصل جوازها مع استيعاب الدين بناء على مختاره من كونها على حكم مال الميت بأنه ليس للورثة حينئذ القسمة، لعدم الملك لهم، كما اختاره في كشف اللثام، بل ومع عدم الاستيعاب بناء على بقاء ما قابل الدين منها مشاعا على حكم مال الميت. لكن قد يجاب عن ذلك باكتفاء هؤلاء بتعلق حق الوارث بها في جواز القسمة التي هي غير منافية لتعلق حق الدين فتأمل. ولو ظهرت وصية تمليكية بعد القسمة ففي المسالك (فان كانت بمال فهو كما ظهر دين وإن كانت بجزء شائع أو بعينه فعلى ما ذكرنا في ظهور الاستحقاق) وسبقه إلى ذلك في الدروس (والوصية بجزء من المقسوم تبطل القسمة، بخلاف الوصية بالمال المطلق، فانها كالدين)

[ 369 ]

وسبقه إليه أيضا في القواعد (ولو ظهرت وصية بجزء من المقسوم فكالمستحق، وإن كانت بمال فكالدين). وفيه أن الاول يتم إن لم نقل برجوعه إلى الاشاعة في التركة وإلا أشكل الصحة حينئذ، ضرورة كوه حينئذ كالقسمة مع الوصية بجزء مشاع في البطلان، لعدم إذن الشريك، بل يمكن البطلان بناء على أنه كلي في التركة نحو الصاع من الصبرة في أحد الاحتمالين، لانه ليس كالدين في الذمة، بل هو كلي في التركة، فلا تجوز القسمة بدون إذن الموصى له، لانه مالك للمقسوم في الجملة، إذ الكلي موجود بوجود افراده، بل لا يعقل ملك الكلي في الخارج، ولا محل له. وبذلك يفترق عن الدين الذي محله الذمة وإنما تعلق في التركة استحقاق الغرماء. أللهم إلا أن يقال: إنه باعتبار كون الموصى به كليا ولكن تعيين الفرد بيد الوارث فلا ينافي صحة القسمة حينئذ مع قيام الوارث بدفع الفرد منها ولو موزعا على الانصباء، نحو ما سمعته في الدين، كما لا يمنع البائع من بيع باقي الصبرة قبل دفع الصاع منها على المشتري بناء على أنه كلي منها، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيها معا من التأمل، والله العالم. ومن اللواحق ايضا انه لو أخذ أحد الشريكين بيتا في دار والآخر غيره وبيت الاول يجرى ماؤه في حصة الثاني لم يكن للثاني منعه من الجريان عليه، فان التعديل قد كان بأن يكون لكل منهما حصة بحقوقها، إلا أن يشترط حين القسمة رد الماء عنه، فان أطلق بقي على حاله. ولو وقع الطريق لاحدهما وكان لحصة الاخر منفذ وطريق إلى الدرب صحت القسمة وإلا بطلت، لانتفاء التعديل إلا أن يجعل عليه مجازا في حصته أو يشترط سقوط المجاز، خلافا لما عن القاضي من بطلان اشتراط سقوط المجاز

[ 370 ]

ولو كان مسلك البيت الواقع لاحدهما في نصيب الاخر من الدار فهو كمجرى الماء. ومنها أن لولي الطفل والمجنون المطالبة بالقسمة، لكن في القواعد (مع الغبطة لهما) وعليه الحصة من أجرة القسمة من مال المولى عليه لا بدونها) بل في كشف اللثام (وإن انتفت المفسدة واكتفينا في تصرفات الولي بانتفائها، فان الاجبار بمجرده غير معلوم) وإن كان فيه بحث. وإن طلب الشريك القسمة انتفى الضرر أجبر الولي عليها وإن كانت الغبطة في الشركة، للقاعدة السابقة، وعليه الحصة من الاجرة من مال المولى عليه، وعن التحرير احتمال العدم، لان أخذ الاجرة من ماله - ولا غبطة له - اجحاف. وأما الكلام في المهاياة وقسمة الوقف فقد تقدم الكلام فيهما في كتاب الشركة (1) والله العالم. (النظر الرابع) (في احكام الدعاوى) (وهي تستدعي بيان مقدمة ومقاصد، أما المقدمة فتشتمل على فصلين:)


(1) راجع ج 26 ص 313 و 315.

[ 371 ]

(الاول: في المدعي) الذي قد استفاض في النصوص (1) أن البينة عليه، كما استفاض (2) كون اليمين على المدعى عليه، ومن أنكر كما في بعض النصوص (3) وعلى كل حال فالمرجع فيهما العرف على حسب غيرهما من الالفاظ التي لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا قرينة على إرادة معنى مجازي خاص، وما عن بعض الناس من ثبوتها في المدعي واضح الفساد، نعم ربما ثبت حكم المنكر للمدعي كما في دعوى الرد للودعى وغيره، لا أنه يكون بذلك مدعى عليه، فلا مرجع حينئذ إلا العرف الذي لااشتباه فيه في كثير من أفراده بل جميعها، ولعله لذا اقتصر في الصحاح على قوله: (ادعيت على فلان كذا، والاسم الدعوى) ومع فرض الاشتباه ينحصر الاثبات بالبينة التي هي حجة شرعية، ومع فرض تعارضها تلتمس المرجحات وإلا فالقرعة كما ستعرف. (و) حينئذ فالواقع من النصنف وغيره بل قيل: إنه المشهور من تفسيره بأنه (هو الذي يترك لو ترك الخصومة) أي سكت عنه لو سكت عنها لا يراد منه إلا الاشارة إلى تميز معناه العرفي في الجملة، نحو التعاريف اللفظية، فلا يناقش بعدم الانعكاس أو عدم الاطراد، ضرورة عدم كون ذلك معنى للمدعي المراد به هنا من قام به إنشاء الدعوى التي هي الاخبار الجازم المقتضي لترتب الحق على الغير أو الخروج من الحق الذي له عليه، وإنما هو من لوازم الدعوى الاولى، بخلاف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم. (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3.

[ 372 ]

الثانية التي هي نحو دعوى الاعسار والوفاء ورد المغصوب الوديعة ونحوهما مما لا يترك عن المطالبة بالحق لو ترك الدعوى بذلك. وقد اعترف به في المسالك في دعوى الرد من الامين وإن اشتبه بذكر ذلك في وجه كونه مدعيا. ومن ذلك يعلم ما في كلام جماعة أن هذا التفسير هو المتبادر المتناسب لما ذكره غير واحد من كون الدعوى بمعنى الطلب الذي منه (ولهم ما يدعون) (1). مضافا إلى معلومية التغاير بين الدعوى بمعنى التداعي الذي هو المخاصمة وبينها بمعنى التمني، وإلى عدم انطباقه على دعوى الزوج عدم التصرف بالزوجة مع الخلوة، فانه مدع عندهم ويترك لو ترك هذه الدعوى، فان الزوجة تطالبه بتمام المهر بدعوى دخوله بها، والفرض أن القول قولها معها. (و) لعله لذا (قيل:) إن المدعي (هو الذي يدعي خلاف الاصل، أو أمرا خفيا) منافيا للظاهر الشرعي، فانه حينئذ أشمل من الاول، لاندراج دعوى الحق له والخروج عما عليه فيه، لكونهما معا مخالفين للاصل، واندراج دعوى ما يخالف الظاهر شرعا فيه أيضا، وعن بعضهم حكاية التفسير بالمعطوف خاصة عن بعض وبالمعطوف عليه خاصة عن آخر، وحينئذ تكون الاقوال الاربعة. لكن ظاهر المصنف والنافع وغيره انحصار الخلاف في قولين، ولعله لان دعوى تفسيره بالاخير خاصة مما لا ينبغي صدوره، ضرورة عدم منافاة أكثر الدعاوى للظاهر الذي هو مقتضى العادة ونحوها، لا أن المراد به ولو من جهة الاصل الذي لم يعهد التعبير به، بل في الغالب


(1) سورة يس: 36 - الاية 57.

[ 373 ]

يجعل مقابلا للاصل، وكذا تفسيره بالمعطوف عليه. فانه مناف لما يخالف الظاهر. وكيف عرفناه فالمنكر في مقابلته). وعلى كل حال لا يخفي عليك أيضا أنه ليس شئ منها منطبقا على معنى المدعي الذي قد عرفت، وإنما المراد بتعريفه بذلك التمييز بذكر شئ من خواصه اللازمة أو الغالبة وإن خرجت عن مفهومه. مع أنه قد يناقش أيضا بأن فيه إجمالا، لانه إن كان المراد مخالفة مقتضى كل أصل بالنسبة إلى تلك الدعوى فلا ريب في بطلانه، ضرورة أعمية المدعي من المخالفة للاصل، فان كثيرا من أفراد موافقة لاصل العدم وغيره، ولكنها مخالفة لاصل الصحة ونحوه، وإن أريد مخالفة أصل في الجملة فلا تمييز فيه عن المنكر الذي قد يخالف أصلا من الاصول. وأما تمييزه الظاهر فالظاهر إرادة إدراج ما ثبت في الادلة الشرعية من تقديم قول مدعي الظاهر بيمينه في مقامات خاصة، فيكون المخالف له حينئذ مدعيا، ومن هنا كان الوجه ذكر ذلك منضما إلى دعوى مخالفة الاصل في تفسير المدعي لا مقتصرا عليه، لخلو كثير من الدعاوى عنه. وحينئذ قد يقال: إن ذلك ليس بأولى من القول بأنه من قبول دعوى المدعي بيمينه للدليل، نحو ما ذكروه في دعوى الرد من الودعي، ودعوى التلف من الامين ونحو ذلك، بل هذا أولى، ضرورة صدق كون المرأة هي المدعية لدخول الزوج بها مع الخلوة، وكذا غير ذلك من المقامات التي ثبت من الادلة تقديم موافق الظاهر على مخالفه حتى مدعي الصحة على مدعي الفساد الذي هو مقتضى الاصول العقلية. وبذلك ظهر لك أنه ليس مدار المدعي والمدعى عليه عرفا من يقدم قوله بيمينه ومن يطلب منه البينة، فانه قد يكون مدعيا عرفا ويقبل قوله بيمينه.

[ 374 ]

كما أنه ظهر لك صدق المدعي عرفا مع موافقته الاصل والظاهر، بل ولا يترك إذا ترك. كل ذلك مع شدة الخفاء في تفسير المدعي بأنه الذي يدعي أمرا خفيا، ضرورة عدم تفاوت الخفي والظاهر في صدق المدعي والمدعى عليه. وأعظم من ذلك كله أنهم جعلوا هذه التعاريف المتعددة اختلافا من ذويها في معنى المدعي، حتى أنهم رتبوا الاحكام عليها عند اختلاف مقتضاها الذي ذكروا مثاله اختلاف الزوجين قبل الدخول إذا أسلما في معية الاسلام وتعاقبه ونحو ذلك. فقال في القواعد: (المدعي هو الذي يترك لو ترك الخصومة، أو الذي يدعي خلاف الظاهر أو خلاف الاصل، والمنكر في مقابلته، ولو اسلما قبل الوطء فادعى الزوج التقارن فالنكاح دائم، وادعت التعاقب فالزوج هو الذي لا يترك وسكوته، والمرأة تدعى الظاهر، وهو التعاقب، لبعد التقارن، ففي تقديم قول أحدهما احتمال). وفي الدروس (المدعي هو الذي يخلى وسكوته، أو يخالف الاصل أو الظاهر، والمنكر بازائه، والفائدة في مثل دعوى الزوج تقارن الاسلام قبل المسيس والمرأة تعاقبه، فعلى الظاهر الزوج مدع، وعلى التخلية هي، لانها لو سكتت لم يتعرض الزوج واستمر النكاح، والزوج لا يخلى، وكذا على مخالفة الاصل، وفي دعوى الزوج الانفاق مع اجتماعهما وإنكارها). وعلى هذا المنوال جرى ثاني الشهيدين في المسالك والروضة والاردبيلي في مجمع البرهان والاصبهاني في كشفه والسيد في رياضه وغيرهم. والاصل في ذلك الشافعي، قال في الروضة للرافعي: (في معرفة المدعي والمدعى عليه قولان مستنبطان من اختلاف قول الشافعي في مسألة

[ 375 ]

إسلام الزوجين، أظهرهما عند الجمهور أن المدعى من يدعي أمرا خفيا يخالف الظاهر، والثاني من لو سكت خلي وسكوته ولم يطالب بشئ، فإذا ادعى زيد دينا في ذمة عمرو أو عينا في يده فأنكر فزيد هو الذي لو سكت ترك، وهو الذي يذكر خلاف الظاهر - إلى أن قال -: فزيد مدع بمقتضى القولين، وعمرو مدعى عليه، ولا يختلف موجبهما غالبا، وقد يختلف، كما إذا أسلم زوجان قبل الدخول، فقال الزوج: أسلمنا معا فالنكاح باق، وقالت: بل على التعاقب ولا نكاح، فان قلنا: إن المدعي من لو سكت ترك فالمرأة مدعية، فيحلف ويستمر النكاح، وإن قلنا بالاظهر فالزوج مدع، لان ما يزعمه خلاف الظاهر، وهي مدعى عليها، فتحلف ويرتفع النكاح) إلى آخر ما ذكر مما هو مسطور في كلمات الاصحاب، خصوصا المسالك منها. والذي يظهر أن المدعي والمدعى عليه معنى واحد، وليس هذا اختلافا في معناهما على وجه يوجب اختلاف الاحكام، وإنما ذكروا تعريفه ببعض الخواص لارادة التمييز في الجملة) وإلا فمن المقطوع أنه ليس بشئ منها معنى المدعى، خصوصا المراد به هنا، وهو الذي من التداعي بمعنى المخاصمة، ولعله لذا جعله في اللمعة من كيفية الحكم، وربما كان هو المومأ إليه بقوله (عليه السلام) (1) ((استخراج الحقوق بأربعة) وبقوله (عليه السلام) (2): (بالقضاء بالشاهد واليمين في


(1 الوسائل - الباب - 7 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 4. (2) الظاهر انه (قده) أراد به ما في صحيح محمد بن مسلم المروي في الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 12 حيث قال (عليه السلام): " لو كان الامر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله عزوجل أو رؤية الهلال فلا " ولم نجد نص ما ذكره (قده) بعينه في الاخبار.

[ 376 ]

حقوق الناس دون حقوق الله). وحينئذ فالمراد به الذي قام به إنشاء الخصومة في حق له أو خروج من حق عليه، سواء وافق الظاهر والاصل بذلك أو خالفهما، وسواء ترك مع سكوته أو لم يترك، فان المدعي عرفا لا يختلف باختلاف ذلك. وحينئذ ففي مسألة الاسلام كل من الزوج والزوجة مدعى لو كان مصب دعواهما ذلك، والزوجة خاصة مدعية لو كان دعواها انفساخ النكاح والزوج بقاؤه وبالعكس. وكيف كان فالرجوع إلى العرف في مصداقهما أولى من ذلك كله، ولعله لا اشتباه فيه بعد امتياز خصوص الدعوى بين المتخاصمين، نعم قد يقدم قول المدعي بيمينه في مقامات كثيرة للادلة الخاصة، وذلك لا يخرجه عن كونه مدعيا، وإنما يخرج عن الحكم بأن عليه البينة، وليس كل من قدم قوله بيمينه منكرا، وكل من طلب منه البينة مدعيا. ومن ذلك دعوى الودعي رد الوديعة ودعوى الامين تلف المال وغير ذلك، بل لعل منه تقديم قول مدعي الصحة، فانه مدع، ولكن قدم قوله بيمينه، فتأمل فانه بما ذكرنا يظهر لك النظر في كلمات كثيرة في المقام، والله الهادي. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه (يشترط) فيه أي المدعي (البلوغ والعقل، وأن يدعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه، وما يصح منه تملكه، فهذه قيود أربعة، فلا تسمع دعوى الصغير ولا المجنون) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل هو إجماع مضافا إلى انسياق غيرهما من الادلة، بل الدعوى أيضا إنشاء يترتب عليه أحكام وعبارته مسلوبة عنه، كغيرها من الانشاءات، لاتفاق النص (1) والفتوى على أنه لا يجوز أمره حتى يبلغ.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 2.

[ 377 ]

(ولا دعواه مالا لغيره إلا أن يكون وكيلا أو وصيا أو وليا) كالاب والجد (أو حاكما أو أمينا لحاكم) بلا خلاف أجده في حكم المستثنى منه، لاصالة عدم وجوب الجواب لغيرهم ممن لا حق له، لكن قد يشكل بالمرتهن والودعي والمستعير والملتقط ونحوهم، فان التزام عدم سماع دعواهم على وجه لا تقبل منهم البينة على من غصب منهم ذلك مثلا كما ترى، ولا يندرج أحد منهم في أحد هؤلاء، أللهم إلا أن يدعى اندراجهم في الولي في المتن بدعوى عموم الولاية لمثل ذلك. لكن فيه أن غير المصنف قد صرح بارادة الاب والجد من الولي، أو يقال: إن المراد نفي سماع دعوى المال لغيرهم، لا نفي سماعها من حيث حق العارية والرهانة مثلا، كما أنه قد يشكل أيضا بدعوى المحتسبين أموال الاطفال والمجانين مثلا، فان عدم سماع دعواهم مشكل، واندراجهم في أحد هؤلاء اشكل، أللهم إلا أن يتوكلوا من الولي الذي هو غير عالم بالحال، ومع فرض عدم وجوده يكون المحتسب وليا. ولا في حكم المستثنى وإن قال بعض مشائخنا: (لا يحلف الولي ولا يحلف، إذ لا فائدة للمولى عليه في ذلك، إذ لعله إذا بلغ صالح) وفيه أن عموم الولاية يقتضي أن له التحليف الذي هو حق من حقوقه فله استيفاؤه، على أنه قد تقتضي المصلحة ذلك أيضا. (و) كذا (لا تسمع دعوى المسلم خمرا أو خنزيرا) ونحوهما مما لا يصح تملكه له، نعم لا بأس بدعوى استحقاق ثمنها حال عدم الاسلام. (ولابد) في السماع أيضا (من كون الدعوى صحيحة) في نفسها، فلا تسمع دعوى المحال عقلا أو عادة أو شرعا (لازمة) أي ملزمة للمدعى عليه (فلو ادعى هبة لم تسمع حتى يدعي الاقباض، وكذا لو ادعى رهنا) أو وقفنا بناء على اعتبار القبض في الصحة، إذ

[ 378 ]

لا حق له عليه بدونه، وفي كإشف اللثام (فانه الانكار فيما لم يلزم رجوع، أو لانه مع الاثبات لا يجبر على التسليم) وفي الاول منع واضح، وفي الدروس التعبير عن ذلك بقوله: (وكل دعوى ملزمة معلومة فهي مسموعة، فلا تسمع دعوى الهبة من دون الاقباض، وكذا الرهن عند مشترطه فيهما، ولا البيع من دون قوله: ويلزمك تسليمه إلي، لجواز الفسخ بخيار المجلس). وكيف كان فلا أجد خلافا بينهم في الحكم المزبور، بل ولا إشكالا. نعم عن الاردبيلي (ما المانع من أن يدعي الصحة أولا فيثبتها ويدعي اللزوم، ثم إنه يرد عليهم مثله فيما إذا ضم إليها دعوى القبض، إذ لعل الموهوب له أجنبي، على أنه يرد مثله في دعوى البيع، إذ على هذا لابد من دعوى انقضاء المجلس أو الايام الثلاثة في الحيوان ولا قائل به. وفيه أن الصحة بدون القبض ليس حقا لازما للمدعى عليه، ضرورة رجوع ذلك إلى التهيؤ للصحة مع تمام ما يعتبر فيها، وهبة الاجنبي مع القبض صحيحة، ويترتب عليها الاثر وإن جاز له الفسخ، فان المراد باللازمة المقتضية للاستحقاق على المدعى عليه، لا كون المدعى به أمرا لازما على وجه لا يكون به خيار للمدعى عليه، وما سمعته من الدروس إنما يراد به إتمام الدعوى بما تكون به حقا لازما للمدعى عليه، إذ يكن مع البيع الفسخ بخيار أو إقالة أو غير ذلك، فيحتاج إلى التتمة المزبورة ليثبت الاستحقاق، لا أن المراد اعتبار اللزوم في صحة دعوى البيع. ومنه يعلم النظر في ما بقي من كلامه نعم قد يقال: إن المنساق من الهبة المقبوضة، فيكفي في صحة دعواها حينئذ، وكذا الرهن والوقف ولكن فيه منع، وعلى تقديره فهو بحث لفظي، والله العالم. (ولو ادعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود ولابينة فادعى علم المشهور له ففي توجه اليمين على نفي العلم تردد) كما عن التحرير والارشاد

[ 379 ]

وغاية المراد (أشبهه عدم التوجه) كما في الدروس والمسالك ومحكى الايضاح وغيره (لانه) أي المدعى به (ليس حقا لازما) للمدعى عليه (و) قد عرفت اعتباره في سماع الدعوى ف‍ (لا تثبت) الدعوى المزبورة حينئذ (بالنكول) على القول بالقضاء به (ولا باليمين المردودة) على القول الاخر، (ولانه) أي القول بتوجه اليمين (يثير فسادا) وهو اجتراء الناس على تحليف كل من حكم له أو شهد له، بل هو كالدعوى على الشهود بالكذب بل والحاكم بالفسق الذي هو مناف لمنصب الحكومة الذي قد عرفت سابقا عدم سماع الدعوى عليه بفسق أو جور إلا بالبينة. وربما علل بعضهم الحكم المزبور بعدم ثبوته بالنكول واليمين المردودة، وظاهره المفروغية منه، بل ربما فسر عبارة المتن بذلك بعد إبدال الفاء بالواو، ومقتضاه حينئذ عدم بطلان الحكم بالعلم بالفسق من المدعي وإن كان لو أقر بذلك بطل الحكم في حقه، لعموم دليل الاقرار، بخلاف العلم بالفسق واستحلاله المال، لكون المفروض العلم واقعا أنه ماله، نعم لو كان طريقه إليه شهادة الشهود مثلا وكان عالما بفسقهم لم يحل له، فتأمل جيدا. ولكن قد يناقش بمنعه أولا بعد فرض توجه اليمين له، وبعدم التلازم بين توجه اليمين واستحقاق رده، كما في كثير من المواضع، بل قد يناقش في أصل عدم توجه اليمين، لاطلاق (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) (1) وبأن له حقا يترتب عليه إذا أقر بذلك، ويكفي ذلك في كونه حقا لازما. ومن هنا مال الاردبيلي (قدس سره) إلى توجه اليمين في غير


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 380 ]

دعوى العلم بفسق الحاكم لما فيه من الفساد، كدعوى كذب الشهود وجوره. وفيه أن الفساد بالدعوى على الحاكم، أما الدعوى على غيره فلا فساد فيه، على أن دعوى الجرح لا فساد فيها، بل عن العلامة توجه اليمين في الدعوى على الشهود بالكذب - وإن كان هو كما ترى - مناف لمذاق الشرع. (وكذا لو التمس المنكر يمين المدعي منضمة إلى الشهادة لم تجب إجابته، لنهوض البينة بثبوت الحق) فلا دعوى له عليه بحق لازم بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النص (1) من غير فرق في ذلك بين العين والدين، وقد تقدم الكلام فيه سابقا. لكن في القواعد مع ذكر الحكم الزبور قال: (ولو التمس المنكر بعد إقامة البينة عليه إحلاف المدعي على الاستحقاق أجيب إليه ولو التمس المنكر يمين المدعي مع الشهادة لم يلزم إجابته). ويمكن أن يريد في الاول الحلف على الدين بعد دعوى البراءة منه، إذ التماس الاحلاف دليل على ذلك، أو المراد أنه لو ادعى أنه أقرضه مثلا مائة درهم وشهدت البينة على التسليم دون الثبوت في الذمة فالتمس المنكر الحلف على الاستحقاق أو اليمين على الاستحقاق فعلا الذي شهدت البينة على أصله، نحو يمين الاستظهار الذي يمكن من فحواه الاستدلال على المقام وإن فرق بينهما بتوقف الاجابة هنا على سؤال المنكر بخلافه في الاستظهار، ولعل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (2): (ورد اليمين على المدعي مع بينته، فان ذلك أجلى للعمى وأثبت في القضاء) محمول على نحو الفرض. وعن المبسوط وكيف يحلف ؟ قال قوم: يحلف ما اقتضاه


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 و 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1.

[ 381 ]

ولا شيئا منه، ولا اقتضى له ولا شئ منه، ولا أجال به ولا بشئ منه، ولا أبرأه ولاعن شئ منه، وأن حقه لثابت، ولا اقتضى له مقتض بغير أمره فأوصل إليه، قال: فان ادعى أنه قد أبرأه منه أو قد أجال به لم يحلف المدعى عليه على أكثر من الذي ادعاه عليه، وإن كانت الدعوى مبهمة فقال: ما له قبلي حق أو قد برئت ذمتي من حقه احتاج إلى هذه الالفاظ كلها حتى يأتي بجميع جهات البراءة، ومن الناس من قال: أي شئ ادعى، فان المدعى عليه يحلف ما برئت ذمتك من ديني فإذا قال هذا أجزأه، لانها لفظة تأتي على كل الجهات، فان الذمة إذا كانت مشغولة بالدين أجزأه أن يقول ما برئت ذمتك من حقي، وهذا القدر عندنا جائز كاف والاول أحوط وآكد، فأما قوله وإن حقي لثابت فلا خلاف أنه ليس بشرط) انتهى. وظاهر أول كلامه الموافقة على الحلف على الاستحقاق من دون دعوى البراءة أو غير ذلك مما لا ينافي الحكم الاول الذي لم يخالف فيه هو ولا غيره منا، كما هو واضح. وفي الثاني الشهادة على العين الذي لم يخالف فيه إلا التبعي والنخعي وشريح وابن أبي ليلي من العامة، لان الشهادة فيها على الملك الفعلي كي تصلح معارضة لليد، فلا تحتاج إلى يمين، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (في الالزام بالجواب عن دعوى الاقرار تردد منشأه أن الاقرار لا يثبت حقا في نفس الامر) فلا توجب دعواه حقا لازما للمدعى عليه (بل إذا ثبت قضى به ظاهرا) فينحصر طريقه بالبينة حينئذ، وأنه ينتفع به مع التصديق به في حق لازم، فانه إذا أقر باقراره ثبت الحق. لكن في القواعد والسالك ومحكي الايضاح وغاية المرام أن الاقرب

[ 382 ]

الثاني، ولعله كذلك لان المدار على ثبوت الحق ظاهرا، فنكوله عن ذلك يثبت عليه الحق، أو مع يمين المدعي الذي يجوز له الحلف عليه والاخذ به وإن لم يعلم استحقاقه من غير جهة إقراره الذي له الاخذ به ما لم يعلم كذبه، لجواز استناده إلى سبب لا يعلم به، ولانه إذا سمعت دعواه بالبينة توجه له اليمين على عدمها، لعموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). نعم قد يقال بعدم إلزامه باليمين على نفي ذلك بخصوصه إذا بذل اليمين على براءة ذمته الذي يأتي على ذلك كله، نحو ما تسمعه في عدم إلزامه بجواب دعوى أنه أقرضه أو باعه بثمن في ذمته أو نحو ذلك، معللين له بامكان أدائه له والعجز عن إثباته، فيكفي جوابه ببراءة ذمته مما يدعيه عليه، فانه يأتي على ذلك كله، ومثله آت هنا. أللهم إلا أن يفرق بأن الدعوى في الاول الشغل بسبب في الواقع، فيكفي في جوابه نفي الواقع بخلاف الثاني، فان الدعوى فيه بصدور سبب من المدعى عليه يؤخذ به وإن لم يعلم الواقع. وفيه أن الاقرار كما يؤخذ بظاهره إن لم يعلم صحته وقد ادعاه على خصمه كذلك البيع عليه مثلا له الاخذ بظاهره أيضا ما لم يعلم فساده وقد ادعاه على خصمه، فكما لا يلزم هناك الجواب بنفي البيع ويكفيه الجواب ببراءة الذمة كذلك هنا، فتأمل. (ولا تفتقر صحة الدعوى إلى الكشف) عن الاسباب في الاملاك المطلقة عينا كانت أو دينا بلا خلاف كما عن المبسوط، بل الاجماع بقسميه عليه، بل قيل لا مخالف فيه من العامة. بل ولا (في النكاح ولا غيره) من العقود ونحوها عندنا،


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 383 ]

بل الاجماع بقسميه عليه، خلافا للمحكي عن الشافعي في وجه له من احتياج النكاح إلى الكشف مطلقا، وفي آخر أيضا ذلك إن ادعى النكاح لا الزوجية، فيقول: تزوجتها بولي وشاهدين عدلين ورضاها، وعن بعض أصحابه حمله على الندب، وعن آخر تخصيصه بما إذا ادعى ابتداءه لا استدامته وله (وللشافعية خ ل) أيضا في غيره من العقود أيضا من الاحتياج إلى الكشف مطلقا في وجه، وفي خصوص ما لو تعلقت بجارية في آخر للاحتياط في الفروج (و) الكل كما ترى. نعم (ربما افتقرت) صحة الدعوى (إلى ذلك في دعوى القتل لان) أمره شديد و (فائته لا يستدرك) وللخلاف في أسبابه قيل: فلابد من الوصف بالعمد أو خلافه، وبأنه قتله وحده أو مع غيره بالمباشرة أو التسبيب، ولعله لذا حكي عن المبسوط الاتفاق عليه. لكن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال إن لم يتم الاجماع المزبور باقتضائه بطلان دم المسلم، خصوصا مع العذر من نسيان أو اشتباه ونحوهما، بل قيل: إنه يمكن بحكم الاصل تشخيص أنه خطأ، ومن هنا قال في الدروس بل والكتاب في القصاص: (الاقرب الاكتفاء في القتل بعدم التفصيل) بل هو ظاهر الاردبيلي، بل قد يلوح من قول المصنف هنا: (وربما) إلى آخره نوع تأمل في إطلاق الحكم المزبور، بل ينبغي الجزم بالعدم فيما كان لكليه حكم يترتب عليه، فلا مانع حينئذ من الدعوى به وإثباته لان يترتب عليه ذلك مع فرض عجزه عن إثبات الخصوصية، بل ربما ظهر من الاردبيلي سماع دعوى الكلي وإن لم يترتب عليه حكم، ولكنه مقدمة لاثبات الخصوصية فيما بعد. وبالجملة لا فرق بين القتل وغيره في ذلك، فانه مع فرض عدم ترتب حكم على الكلي في غيره لم تسمع الدعوى به أيضا، وإلا سمعت

[ 384 ]

إن لم يثبت الاجماع المزبور، وستسمع إنشاء الله في كتاب القصاص تمام الكلام في ذلك، بل منه يعلم ما في الاجماع المزبور. (و) كيف كان ف‍ (لو اقتصرت) المرأة (على قولها: هذا زوجي كفى في) صحة (دعوى النكاح، ولا يفتقر ذلك إلى دعوى شئ من حقوق الزوجية، لان ذلك يتضمن دعوى لوازم الزوجية) وللعامة قول بالاشتراط بناء على أن ذكرها لمجرد الزوجية إقرار لا دعوى، وهو واضح الضعف. (و) حينئذ ف‍ (لو أنكر النكاح لزمه اليمين، ولو نكل قضي عليه على القول بالنكول، وعلى القول الاخر يرد اليمين عليها، فإذا حلفت ثبتت الزوجية) وعن التحرير (وفي تمكين الزوج منها إشكال، من إقراره على نفسه بتحريمها، ومن حكم الحاكم بالزوجية) (وكذا السياق لو كان هو المدعي) وإن كان لا خلاف هنا في قبول دعواه من دون ضم شئ من لوازم الزوجية، وقد تقدم في كتاب النكاح (1) بيان حكمهما مع الاختلاف، فلاحظ وتأمل. وإن كان لا إشكال في استحقاقها المهر بالوطئ إن قهرها أو قلنا بوجوب التمكين لحكم الحاكم بالزوجية أو اعتقدت ذلك، وفي عدم استحقاقها لشئ منه بدون الوطئ لاقرارها، وفي كشف اللثام (والظاهر استحقاقها النفقة لحبسها عليه) وفيه نظر. (ولو ادعى أن هذه بنت أمته لم تسمع دعواه) كما في القواعد والدروس والارشاد والمسالك والكشف وغيرها (لاحتمال أن تلد في ملك غيره ثم تصير له) فلا تقتضي حينئذ الدعوى حقا لازما للمدعى عليه. (وكذا لو قال: ولدتها في ملكي، لاحتمال أن تكون حرة أو


(1) راجع ج 29 ص 512 - 153.

[ 385 ]

ملكا لغيره) بالشرط ونحوه. (وكذا لا تسمع البينة بذلك ما لم يصرح بأن البنت ملكه، وكذا البينة) لا تسمع ما لم تصرح بذلك لما عرفت، لكن عن لقطة المبسوط والتذكرة سماع الدعوى والبينة في الثاني، بل عن الاخير الاجماع عليه، ولعله لاصالة تبعية النماء للمال حتى يعلم خلافه، وهو كذلك حيث لا يكون لآخر يد تقضي بالملكية لها وإلا انقطع بها الاصل المزبور، كما انقطع بها ما هو أقوى من ذلك، وكلام الاصحاب هنا في الدعوى على آخر. (ومثله لو قال: هذه ثمرة نخلي) مثلا. (وكذا لو أقر له من الثمرة في يده أو بنت المملوكة) في يده بأنها ثمرة نخلتك وبنت مملوكتك التي ولدتها في ملكك (لم يحكم عليه بالاقرار لو فسره بما ينافي الملك) كما في القواعد، بأن قال: ومع ذلك هي ملكي، لما عرفت من عدم دلالة ذلك على الاعتراف بكونهما ملكا له، إذ هو أعم. لكن في المسالك (أن ظاهر المصنف كون ذلك إقرارا بالملك مع عدم إضافة ما ينافي ذلك إليه، عملا بالظاهر من كونهما تابعين للاصل، حيث لا معارض. ولو كان هناك شئ لذكره، فاطلاقه كونهما من الاصل الذي هو مملوك للمقر له ظاهر في تبعيتهما له بخلاف الدعوى، فان شرطها التصريح بالملك له ولو بالاستلزام ولم يحصل، وتبع المصنف على هذا الحكم العلامة في القواعد والتحرير، والفرق بين الدعوى والاقرار لا يخلو من إشكال، لان الاحتمال قائم على تقدير الاقرار والدعوى، والعمل بالظاهر في الاقرار دون الدعوى لا دليل عليه، والفرق باشتراط التصريح فيها دونه رجوع إلى نفس الدعوى وفي الارشاد أطلق عدم سماع الدعوى والاقرار معا، ولم يعتبر التقييد في الاقرار بتفسيره بما ينافي

[ 386 ]

الملك وهذا هو الظاهر). وفيه أنه لا ظهور في عبارتي المصنف والفاضل باعتبار التقييد المزبور وأن المراد عدم الحكم عليه لو فسره ولو بعد حين بما ينافي الملك بأنه إنكار بعد إقرار، وليس إلا لعدم ظهور العبارة في ذلك، وليس المراد عدم الحكم بالاقرار إن فسره، بمعنى إضافة ذلك إليه متصلا وإلا حكم عليه به. وعلى كل حال فالحكم فيه كما عرفت. (ولا كذلك لو قال: هذا الغزل من قطن فلان) حال كونه ملكا له (أو هذا الدقيق من حنطته) كذلك، فانه إقرار، فلو عقبه بما ينافي ذلك كان إنكارا بعد إقرار، لان الغزل والدقيق نفس حقيقة القطن والحنطة، وإنما تغيرت الاوصاف، فملك الاصل يقتضي ملك الفرع، بخلاف الثمرة والولد، فانهما منفصلان عن أصلهما جنسا ووصفا وشرعا، فالاقرار بالفرعية لا تقتضي الاقرار بالملك، وكذا في المسالك وغيرها، بل لا أجد فيه خلافا، بل هو عندهم من الواضحات. لكن قد يشكل بأن فرض التداعي يقتضي كونه في يد آخر على جهة الملكية، واعترافه بكونه من حنطته التي هي ملكه لا يقتضي الاعتراف بكونه ملكا له الان، فلو عقبه بقوله: ولكنه الان ملكي لم يكن منافيا لكلامه السابق، ضرورة احتمال تجدد الملك له بعد ذلك فيده حينئذ بحالها. أللهم إلا أن يفرض عدم احتمال تجدد ناقل، وحينئذ يتجه كونه اعترافا به، ضرورة اقتضاء ملكية الحنطة ملكية دقيقها وملكية القطن ملكية غزله، لعدم تصور كون الحنطة ملكا له وبصيرورتها دقيقا تخرج عن ملكه، بخلاف الامة والشجرة، فانه لا مانع من كونه مالك الاصل، والفرع ملك لغيره بشرط أو صلح أو غير ذلك على وجه يخرج من ملكه ويكون ملكا لغيره، وهذا المعنى لا يتصور في الحنطة والقطن ونحوهما،

[ 387 ]

أللهم إلا أن يفرض بنذر ونحوه على خروج الحنطة عن ملكه بصيرورتها دقيقا وكذا القطن، والبحث في صحته، والله العالم. (الفصل الثاني في التوصل إلى الحق) الذي هو عقوبة أو مال، فان كان الاول كالقصاص والقذف، ففي المسالك وغيرها بل في الكفاية لا أعرف فيه خلافا لا بد فيه من الرفع إلى الحاكم لعظم خطره والاحتياط في إثباته، ولان استيفاؤه وظيفة الحاكم على ما تقتضيه السياسة وزجر الناس. وفيه أن إطلاق السلطان للولي وتسلط الناس على استيفاء حقوقها وغير ذلك يقتضي عدم اعتبار الرفع إلى الحاكم مع فرض معلومية الحال و إقرار الخصم، كما أنه يقتضي مباشرته لا خصوص الحاكم. وإن كان الثاني ف‍ (من كانت دعواه عينا في يد انسان) معترف بها أو معلوم حالها (فله انتزاعها) منه (ولو قهرا) بمساعدة ظالم أو بنفسه وإن استلزم ضررا بتمزيق ثوب أو كسر قفل أو نحو ذلك (ما لم تثر فتنة) بل وإن ثارت ما لم تصل إلى حد وجوب الكف عن الحق له لترتب تلف الانفس والاموال وغيره من الفساد الذي يمكن دعوى العلم من مذاق الشرع بعدم جواز فعل ما يترتب عليه ذلك وإن كان مباحا في نفسه أو مستحبا بل أو واجبا وإن لم يكن الترتيب ترتيب سببية أو علية، كما أشار (عليه السلام) إليه بقوله في بيع الوقف (1): (إنه ربما حصل من الاختلاف تلف الانفس والاموال)


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 6 وفيه " فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس ".

[ 388 ]

بل ربما اشير إليه بقوله تعالى (1): (إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير) وغير ذلك، بل قد يستفاد من الاول كون المدار على مظنته بل احتماله احتمالا معتدا به فضلا عن العلم (ولا يفتقر) انتزاعها في الظاهر والواقع (على إذن الحاكم) إذا كانت على الوجه المزبور. (نعم لو كان الحق دينا وكان الغريم مقررا باذلا لم يستقل المدعي بانتزاعه من) دونه أو (دون الحاكم) لو فرض عذره بمرض ونحوه على وجه يتعذر منه التوكيل بلا خلاف بل ولا إشكال (لان للغريم) نفسه (تخييرا في جهات القضاء) لانه المخاطب (فلا يتعين الحق في شئ من دون تعيينه أو تعيين الحاكم مع امتناعه) أي امتناع تعيينه لحبس أو مرض أو نحوهما، لان له الولاية العامة في ذلك، ولو كان الغريم مقرا ممتنعا ففي القواعد (استقل الحاكم بالاخذ دونه) ويمكن دعوى استفادته من المتن أيضا. وقد يشكل باطلاق ما تسمعه من الادلة وغيرها خصوصا مع القول به في الجاحد الذي ساوى في المسالك بينه وبين المماطل في الحكم، واعترف الفاضل في القواعد بأن حكمه ما أشار إليه المصنف بقوله: (ولو كان المدين جاحدا وللغريم بينة تثبت) حقه (عند الحاكم والوصول إليه ممكن ففي جواز الاخذ تردد) وخلاف (أشبهه) وفاقا للاكثر كما في كشف اللثام وغيره (الجواز، وهو الذي ذكره الشيخ في الخلاف والمبسوط) ومحكي التهذيب والنهاية (وعليه دل عموم الاذن في الاقتصاص) كتابا بقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا) (2)


(1) سورة الانفال: 8 - الاية 73. (2) سورة البقرة: 2 الاية 194.

[ 389 ]

(والحرمات قصاص) (1) (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (2) وسنة (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) (3) بناء على إرادة ما يشمل ذلك من العقوبة، وما يشمل الجحود من اللي، و (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (4) إن لم نقل ذلك إذن منه صلى الله عليه وآله. وخبر جميل بن دراج (5) (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك ؟ قال: نعم). وصحيحتي داود بن زرين وابن زربي قال في إحداهما (6): (قلت لابي الحسن موسى (ع): إني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابة الفارهة يبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه ؟ فقال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه). وقال في الاخرى (7): (قلت لابي الحسن (ع): إني أعامل قولا فربما أرسلوا إلي فأخذوا مني الجارية والدابة فذهبوا بهما مني ثم يدور لهم المال عندي فآخذ منه بقدر ما أخذوا مني ؟ فقال: خذ منهم بقدر ما أخذوا منك، ولا تزد عليه) إن لم يكن ذلك إذنا منه (ع)


(1) سورة البقرة: 2 الاية 194. (2) سورة النحل: 16 الاية 126. (3) راجع التعليقة (1) من ص 164. (4) سنن البيهقي ج 10 ص 141. (5) و (6) الوسائل الباب 83 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1 10 من كتاب التجارة. (7) أشار إليه في الوسائل الباب 83 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 3 ص 115 الرقم 489.

[ 390 ]

كما هو الظاهر، ومثله خبر علي مهزيار (1). وصحيح أبي بكر (2) (قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي ؟ قال: فقال: نعم، ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو ؟ قال: تقول: أللهم إني لا آخذه ظلما ولا خيانة، وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزد عليه شيئا) وفي خبر آخر له (3) (أللهم إنما آخذ هذا مكان مالي الذي اخذه مني) وفي آخر له (4) (أللهم إني لم آخذ ما أخذت منه خيانة ولا ظلما، لكن أخذته مكان حقي) إلى غير ذلك من النصوص. وما في الاخير من جواز الاخذ بعد الحلف منزل على الحلف من دون استحلاف أو عند غير الحاكم أو نحو ذلك حتى لا ينافي غيره من النصوص، ولا ريب في استحباب القول المزبور وإن أطنب بعض الناس بدعوى الوجوب الذي يمكن تحصيل الاجماع على خلافها. كل ذلك مع انه لم نر للقائل بالمنع من شئ يعتد به - وإن ذهب إليه المصنف في النافع، بل حكي عن تلميذه الآبي في كشفه والفخر في إيضاحه - عدا الاصل المقطوع بما عرفت، بل يمكن معارضته بأصل عدم وجوب الرفع إلى الحاكم، وعدا دعوى قيام الحاكم مقام المالك، فمع التمكن لا يجوز بغير إذنه، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص، ونحو ذلك


(1) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب - به الحديث 8 من كتاب التجارة عن ابن مهزيار عن اسحاق بن ابراهيم، ومماثلته انما هو في الاذن في التقاص، والا فهو وارد في الوديعة. (2) و (3) الوسائل الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب به الحديث 4 - 5 من كتاب التجارة. (4) الفقيه ج 3 ص 115 - الرقم 489.

[ 391 ]

من الاعتبارات التي لا تصلح مدركا للحكم فضلا عن معارضة الدليل هذا كله مع التمكن من الاثبات عند الحاكم. (ولو لم تكن له بينة أو تعذر الوصول إلى الحاكم) بل في المسالك (أو أمكن ولم تكن يده مبسوطة بحيث يمكنه تولي القضاء عنه) وإن كان فيه أن الفائدة الاستئذان منه. وعلى كل حال فمتى تعذر (ووجد الغريم من جنس ماله اقتص مستقلا بالاستيفاء) بلا خلاف فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، لاطلاق الادلة المزبورة وغيرها. (نعم لو كان المال وديعة عنده ففي جواز الاقتصاص تردد) أيضا وخلاف (أشبهه الكراهة) وفاقا لاكثر المتأخرين، جمعا بين ما دل على الجواز من الادلة السابقة وخصوص صحيح البقباق (1) (إن شهابا ماراه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الالف التي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله (عليه السلام) فذكر ذلك له، فقال: أما أنا فأحب أن تأخذ وتحلف). وخبر علي بن سلمان (2 قال: (كتب إليه (عليه السلام) رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحل له حبسه عليه أم لا ؟ فكتب (عليه السلام) نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه، وإن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي إليه إنشاء الله). وبين ما دل على النهي عن ذلك بل عن مطلق الامانة، لخبر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 2 - 9 من كتاب التجارة.

[ 392 ]

ابن أخ الفضيل بن يسار (1) قال: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها، فقالت: اسأله، فقلت: عماذا ؟ فقلت: إن ابني مات وترك مالا في يد أخي فأتلفه ثم افاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شئ ؟ فأخبرته بذلك، فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أد الامانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك). وخبر سلمان بن خالد (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف ثم وقع له عندي مال فاخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع، قال: إن خانك فلا تخنه، ولا تدخل فيما عبته عليه). وصحيح معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قلت له: الرجل يكون لي عليه حق فيجحدنيه ثم يستودعني مالا ألي أن آخذ مالي عنده ؟ قال: هذه الخيانة). بل لعل في قوله (عليه السلام): (ولا تدخل فيما عبته عليه) إشعار بذلك، خصوصا بعد معلومية عدم كون المقاصة خيانة، بل هي في قوة أداء الامانة إلى من ائتمنه بعد أن جعله الشارع وليا له في استيفاء دينه منها، وليس هو أخذا بغير حق الذي قد عابه عليه، كما يومئ إليه الادعية السابقة، فمراد الامام (عليه السلام) بيان نوع مرجوحية بسبب كونها صورة الخيانة التي قد تأكد النهي عنها (4) حتى قال الصادق (ع)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 3 - 7 - 11 من كتاب التجارة. والثاني عن سليمان بن خالد. (4) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة والباب - 3 - من كتاب الوديعة.

[ 393 ]

في خبر عبد الله بن اسماعيل (1): (أد الامانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو أنه قاتل الحسين (عليه السلام)) وقال (عليه السلام) أيضا في خبر عمار (2): (اعلم أن ضارب علي (عليه السلام) بالسيف وقاتله لو ائتمنني على سيف واستشارني ثم قبلت ذلك منه لاديت إليه الامانة) مضافا إلى تأكد الامر (3) بأداء الامانة إلى أهلها. وعلى كل حال فما عن النهاية والغنية والكيدري والقاضي - من القول بعدم الجواز، بل عن الغنية الاجماع عليه - واضح الضعف وإن توقف فيه في ظاهر الدروس والروضة، بل مال إليه الاردبيلي. وما عساه يقال -: إن الادلة بعد تعارض الخاصة منها وتساقطها فالعمومات بينهما تعارض العموم والخصوص من وجه ولا ترجيح، والاصل حرمة التصرف في مال الغير وعدم تعيين الكلي في الذمة بتعيين غير المديون ونحو ذلك - يدفعه أولا منع عدم رجحان الادلة الخاصة بعد قيام احتمال الكراهة أو ظهوره في الادلة المعارضة دونها، مضافا إلى اعتضاد عموم المقاصة بأدلة نفي الضرر والضرار والحرج وغير ذلك، بل قد عرفت أن المقاصة ليست من الخيانة المندرجة في هذه العمومات. بل لو لا شهرة الكراهة لامكن المناقشة فيها بظهور قوله (عليه السلام (4): (أما أنا فأحب أن تأخذ وتحلف) في عدمها، مع احتمال حمل ما دل على النهي عن خيانة من خان على ما لو استحلفه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوديعة الحديث 4 - 8 والاول عن اسماعيل ابن عبد الله. (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الوديعة. (4) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة.

[ 394 ]

فانه لا يجوز حينئذ المقاصة، كما أومأ إليه في خبر عبد الله وضاح (1) مع اليهودي الذي حلفه، ثم وقع له عنده أرباح تجارة دراهم كثيرة فسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن ذلك فقال له: (إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك) وهو دليل آخر أيضا على جواز المقاصة، كما هو واضح. بل من إطلاق الادلة السابقة وترك الاستفصال في بعضها وخصوص نصوص (2) الجارية (و) الدابة الفارهة يستفاد أنه (لو كان المال) الذي له في ذمته (من غير جنس الموجود) عنده (جاز أخذه بالقيمة العدل، ويسقط اعتبار رضا المالك بالطاطه) وجحوده بل واستئذان الحاكم أيضا في الاخذ المزبور وإن كان هو أولى من الاول (كما يسقط اعتبار رضاه) واستئذانه (في) متحد (الجنس) بلاد خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، نعم عن جماعة من العامة الاقتصار على الجنس (و) هو واضح الضعف. بل مقتضى الاطلاق المزبور أنه (يجوز أن يتولى) بنفسه (بيعها) أي الوديعة مثلا (وقبض دينه من ثمنها) سواء كان من جنس حقه أم لا (دفعا لمشقة التربص بها) بل يجوز له بيع ثمنها إلى أن ينتهي إلى ما يساوي حقه في الجنس ثم يأخذه مقاصة، لان له على المالك ذلك، وقد أقامه الشارع مقامه في الاستيفاء، فلا يلزم بالمقاصة من غير الجنس كما عساه يتوهم في بادئ النظر من النصوص، نعم حيث كان هو الولي في ذلك وجب عليه الجمع بين حقه وحق المالك. ومن الغريب ما عن الكفاية (يتخير عند الاصحاب بين أخذه


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 395 ]

بالقيمة وبين بيعه وصرفه في جنس الحق، ولا يجوز أن يتولى بيعه ويقبض ثمنه من دينه) مع أن الذي عثرنا عليه من كلمات الاصحاب والمحكي منها كالمبسوط والقواعد والدروس والايضاح وغيرها جواز ذلك له بنفسه، بل عن الاول أنه الاقوى عندنا كما ستسمع، وهو كذلك بناء على عدم الرجوع إلى الحاكم في الاصل. نعم عن المبسوط (ومن الذي يبيع ؟ فقال بعضهم: الحاكم، لان له الولاية عليه، وقال آخرون: يحضر عند الحاكم ومعه رجل قد واطأه على الاعتراف بالدين والامتناع من الاداء - ثم قال -: والاقوى عندنا أن له البيع بنفسه، لانه قد يتعذر إثباته عند الحاكم، والذي قال الاخرون كذب يتنزه عنه) وظاهره أن الاولين من العامة أو من القائلين بالرجوع إلى الحاكم في أصل المسألة فضلا عن هذه الخصوصية، ولكن الاقوى ما عرفت في الاصل. بل فيما حضرني من نسخة الكفاية مناف للمحكي عنها، قال: (ويتخير عند الاصحاب بين أخذه بالقيمة وبين بيعه وصرفه في جنس الحق، ويستقل بالمعاوضة، ويجوز أن يتولى بيعه وقبض دينه من ثمنه، فان تلف قبل البيع ففي الضمان قولان). نعم قد يقال بوجوب الاقتصار في المقاصة على الاخذ من جنس حقه مع الامكان ومن غيره مع عدم الامكان، لعدم إطلاق في الادلة يوثق به على الجواز من غير الجنس مطلقا، فيقتصر فيما خالف الاصل على المتقين. فما في الرياض من الميل إلى عدم تعين ذلك عليه للاطلاق المزبور نصا وفتوى لا يخلو من نظر. نعم لا يجب عليه بيع الوديعة بجنس حقه وإن حكي عن بعضهم، ويمكن حمله على إمكان ذلك من غير ضرر على المالك، أما مع عدمه

[ 396 ]

فقد عرفت ظهور النفي في ولايته بالنسبة إلى ذلك، فينبغي مراعاة المصلحة التي يلحظها الوكيل والولي، فتأمل. كما أن ظاهر النصوص جواز المقاصة وإن لم يعلم بانتقال العين إلى قيمتها في الذمة بتلف ونحوه، بل وإن علم العدم، فلا وجه لقصر الاصحاب عنوان المقاصة على الدين. بل ظاهرها ملك المقاص العوض الذي يأخذه، وينبغي أن يلزمه انتقال مقابله إلى ملك الغاصب، لقاعدة عدم الجمع بين العوض والمعوض عنه، بل قد يشكل استحقاق الرد عليه لو بذله له بعد ذلك، بل لعله كذلك لو كان البذل من المالك استصحابا للملك العوض، واحتمال كون الملك متزلزلا - نحو ما ذكروه في القيمة التي يدفعها الغاصب للحيلولة - مناف لقاعدة اللزوم بعد ظهور النصوص في الملك، بل يمكن دعواه أيضا هناك ويجعل ما هنا دليلا عليه، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (لو تلفت) العين التي قبضت لارادة المقاصة بثمنها بلا تعد ولا تفريط ولو بالتكاسل في بيعها (قبل البيع قال الشيخ: الاليق بمذهبنا أنه لا يضمنها) للاصل ولانها في يده أمانة شرعية أو بحكمها، وتبعه الشهيدان في المسالك وظاهر غاية المراد والاردبيلي في مجمعه. (والوجه) كما في القواعد ومحكي الايضاح (الضمان، لانه قبض لم يأذن فيه المالك) حتى يكون أمانة مالكية، نعم أذن به الشارع، ولكن لا منافاة بينه وبين الضمان بعد أن لم يكن في شئ من النصوص الحكم بكونه قبض أمانة فيندرج في ما دل على عدم ضمانها، كما أنه ليس في شئ من الادلة الشرعية عنوان للامانة الشرعية على وجه يكون المقام منها موضوعا وحكما، إذ ليس إلا الاذن في القبض لاستيفاء حقه، وهو

[ 397 ]

أعم من الائتمان الذي لا يستعقب الضمان كالالتقاط ونحوه، وليس كل ما أذن الشارع في قبضه يكون أمانة خصوصا القبض لمصلحة القابض التي هي استيفاء حقه منها، بل ذلك من المالك لا يقتضي الائتمان المزبور، (و) حينئذ فتبقى قاعدة ضمان مال المسلم المستفادة من عموم (على اليد) (1) وغيره بحالها ف‍ (يتقاصان) حينئذ (بقيمتها مع التلف) ولو بغير تفريط. مضافا إلى أن القبض للمقاصة هو قبض ضمان لا قبض مجان، بل هو أولى من قبض السوم، وكونه وليا بمعنى أن له المقاصة بنفسه لا يقتضي عدم ضمانه نحو باقي الاولياء الذين ليس هو منهم بالمعنى الذي يترتب عليه ذلك. وبذلك ظهر لك النظر في جملة من الكلمات المبينة على الاصل والاكتفاء بالاذن الشرعية في استيفاء الحق من مال الغير في تحقق الامانة التي حكمها عدم الضمان، وقد عرفت ما فيهما. كما أن منه ظهر لك الحال في الزيادة على الحق وأنها على الضمان أيضا، فما عن الفاضل في التحرير والقواعد من الحكم بعدم ضمانها مع قوله في الثاني بضمان ما قابل الحق لا يخلو من نظر. وكذا لا يخلو ما يحكى من صريح بعض وظاهر آخر من عدم الضمان لو أخذه بعنوان المقاصة به، ولكن لم ينشأها لارادة معرفة قيمته فاتفق تلفه منه أيضا، بل لعل هذا بالضمان أولى من الاول، لما عرفت من القاعدة السابقة التي مقتضاها الضمان قبل البيع وبعده قبل استيفاء (إنشاء خ ل) المقاصة، نعم لا ضمان معه، ضرورة صيرورة المال ملكا له به وإن لم يعرف قيمته، لعدم توقف صحة الاستيفاء على اقتران معرفة القيمة، بل له قبضه


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 4 وسنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 398 ]

بالعنوان المزبور ثم تحسب له قيمة وقته وفاء، كما لو دفع المالك أعيانا وفاء، فانها تحسب قيمتها وقت الدفع، كما هو محرر في محله. مسألتان:) (الاولى:) (من ادعى ما لا يد لاحد عليه قضي له) به من دون بينة ويمين بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لاصالة صحة قول المسلم وفعله بل كل مدع ولا معارض له. (ومن بابه أن يكون كيس) مثلا (بين جماعة فيسألون هل هو لكم فيقولون: لا ويقول واحد: هو لي، فانه يقضى به لمن ادعاه) كما رواه منصور بن حازم في الصحيح (1) (قلت للصادق (عليه السلام): عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي، قال: هو للذي ادعاه). بل قد يظهر من الراوي المزبور المفروغية من هذا الاصل عند العقلاء أجمع قال (2): (قلت له أيضا: إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت، قلت: إن من عرف له ربا فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة - إلى أن قال -: فقلت لهم: من قيم القرآن ؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم،


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الكافي - ج 1 ص 168.

[ 399 ]

وحذيفة يعلم، قلت: كله قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقول إنه يعرف ذلك كله إلا عليا (عليه السلام) وإذا كان الشئ بين القوم فقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: أنا أدري فاشهد أن عليا (عليه السلام) كان قيم القرآن). بل قد يقال بظهور الصحيح المزبور في قبول دعوى المدعي ولو بعد قوله: (ليس لي) بناء على إرادة الحقيقة من قوله: (كلهم) ويمكن أن يكون على القواعد أيضا، لاصالة صحة قوليه معا باحتمال التذكر وغيره، لعدم المعارض. وعليه حينئذ يتفرع جواز تمكينه من الزوجة التي أنكر زوجيتها ثم أقر بها، ولا يمنعه الحاكم عن ذلك، كما مر في كتاب النكاح. هذا كله مع عدم اليد أما معها ولو يد غير ملك باعتراف صاحبها فقد يشكل إلزامه بدفعه إليه بمجرد دعواه، ضرورة تحقق الخطاب معها بايصاله إلى مالكه الواقعي، ومجرد الدعوى ليس طريقا للفراغ من الشغل كما عرفت ذلك في كتاب اللقطة (1). وفي محكي السرائر هنا بعد أن ذكر الصحيح المزبور فقال: (هذا الحديث صحيح، وليس هذا في من أخذه بمجرد دعواه، وإنما هو لما لم يثبت له صاحب سواه، واليد على ضربين: يد مشاهدة ويد حكمية، فهذا يدعيه، لان كل واحد منهم نفى يده عنه وبقى يد من ادعاه حكمية، ولو قال كل واحد من الجماعة في دفعة واحدة أو مفترقا: هو لي لكان الحكم فيه غير ذلك، وكذلك لو قبضه واحد في الجماعة ثم ادعاه غيره لم تقبل دعواه بغير بينة، لان يد المشاهدة عليه لغير من ادعاه، والخبر الوارد في الجماعة أنه نفوه عن انفسهم ولم يثبتوا لهم عليه يدا، لا من


(1) راجع ج 38 ص 383 - 387.

[ 400 ]

طريق الحكم، ولا من طريق المشاهدة، ومن ادعاه له عليه يد من طريق الحكم فقبلنا فيه دعواه من غير بينة ففقهه ما حررناه، وأيضا إنما قال ادعاه من حيث اللغة، لان الدعوى الشرعية من ادعى في يد غيره عينا أو دينا) وهو على طوله لا يخلو من نظر في محصوله، والتحقيق ما ذكرناه، والله العالم. المسألة (الثانية:) (لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لاهله، وما أخرج بالغوص فهو لمخرجه) على الاشهر عند الاصحاب، كما في الكفاية وإن كنا لم نتحققه حتى من المصنف، فانه قال بعد ذلك: (وبه رواية في سندها ضعف) وظاهره التردد فيه، نعم قد عمل بها في الارشاد وظاهر المحكي عن النهاية والتذكرة والتحرير. والاصل في ذلك خير الشعيري (1) (سألت الصادق (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق منها، فقال: أما ما أخرجه البحر فهو لاهله، الله تعالى أخرجه لهم، وأما ما أخرج بالغوص فهو لهم، وهم أحق به). وهو مع ضعفه وعدم الجابر له محتمل لارادة كون الجميع لاهله، والتفصيل إنما هو باخراج الله وإخراج الغير، كما عن بعضهم الجزم به. وحمله في محكي السرائر على اليأس قال: (وجه فقه هذا الحديث ان ما أخرجه البحر فهو لاصحابه، وما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده وغاص عليه، لانه صار بمنزلة المباح، ومثله من ترك بعيره


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب اللقطة - الحديث 2.

[ 401 ]

من جهد في غير كلا ولا ماء، فهو لمن أخذه، لانه خلاه آيسا منه ورفع يده، فصار مباحا، وليس هذا قياسا، وإنما هذا على جهة المثال، والمرجع فيه إلى الاجماع وتواتر النصوص دون القياس والاجتهاد). قلت: لعل ذلك هو العمدة في تملك المعرض عنه، مضافا إلى السيرة في عطب المسافر ونحوه، وإلا فمن المعلوم توقف زوال الملك على سبب شرعي كتوقف حصوله، ولا دليل على ارتفاع الملك عن صاحبه بالاعراض على وجه يتملكه من أخذه كالمباح. ومن هنا احتمل جماعة إباحة التصرف في المال المعرض عنه دون الملك، بل عن ثاني الشهيدين والمقداد الجزم بذلك، وعن بعض أنه لا يزول الملك بالاعراض إلا في الشي اليسير كاللقمة وفي التاليف كمتاع البحر وفي الذي يملك بغاية قد حصلت كحطب المسافر. وعن آخر اعتبار كون المعرض عنه في مهلكة ويحتاج الاستيلاء عليه إلى اجتهاد كغوص وتفتيش ونحوهما في حصول التملك به. وربما استظهر من عبارة ابن إدريس المتقدمة اعتبار اليأس زيادة على الاعراض فيه أيضا، إلى غير ذلك من كلماتهم التي مرجعها إلى تهجس في ضبط عنوان لذلك، مع أن السيرة عليه في الجملة، وليس في النصوص - غير ما عرفت - تعرض له. فالاولى أن يقال: ما علم إنشاء إباحة من المالك لكل من يريد أن يتملكه كنثار العرس ونحوه يملكه الآخذ بالقبض أو بالتصرف الناقل أو المتلف أو مطلق التصرف على الوجوه أو الاقوال المذكورة في المعاطاة بناء على أنها إباحة، وكذا ما جرت السيرة والطريقة على تملكه مما قام شاهد الحال بالاعراض عنه، كحطب المسافر ونحوه، أو ما كان كالمباحات الاصلية باندراس المالك كأحجار القرى الدارسة.

[ 402 ]

وأما المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله بسبب من الاسباب كغرق أو حرق ونحوهما فيشكل تملكه بالاستيلاء عليه، خصوصا مع العلم بعدم إعراض صاحبه عنه على وجه يقتضي إنشاء إباحة منه لمن أراد تملكه أو رفع يد عن ملكيته، وإنما هو للعجز عن تحصيله نحو المال الذي يأخذه قطاع الطريق والظلمة ونحوهم. وأما تملك بعض المال بالالتقاط على التفصيل المذكور في كتاب اللقطة (1) فهو قسم آخر خارج عما نحن فيه، أي التملك مع العلم بصاحبه ووجوده وإرادة ماله، لصيرورة الشئ بالامتناع في نفسه كسائر المباحات الاصلية، والله العالم. (المقصد الاول) (في الاختلاف في دعوى الاملاك) (وفيه مسائل:) (الاولى:) (لو تنازعا عينا في يدهما ولابينة قضي بها بينهما نصفين) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المرسل (2) (أن رجلين تنازعا دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبي (صلى الله عليه وآله) بينهما).


(1) راجع ج 38 ص 369 - 377. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 255.

[ 403 ]

إنما الكلام في احتياج ذلك إلى اليمين من كل منهما وعدمه، فظاهر المصنف ومحكي الخلاف والغنية والكافي والاصباح الثاني، بل عن الاولين الاجماع عليه، وهو الحجة بعد إشعار المرسل المزبور بذلك أو ظهوره. (وقيل) كما عن الاكثر بل المشهور على ما اعترف به في غاية المرام، بل في المسالك والكفاية لم ينقل الاكثر فيه خلافا: (يحلف كل منها) لصاحبه) لقاعدة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فان كلا منهما مدع ومدعى عليه باعتبار قضاء يد كل منهما بالنصف، فهو بالنسبة إلى ما قضت به يده مدعى عليه وإلى الآخر مدع، ولفحوى ما تسمعه من النصوص (1) المشتملة على تحليفهما مع البينة فمع عدمها بطريق أولى. وقد يناقش بعدم اندراجهما في القاعدة المزبورة، إذ الفرض أن يد كل منهما على العين لا نصفها، ضرورة عدم تعقل كونها على النصف المشاع إلا بكونها على العين أجمع في كل منهما، وحينئذ فلا مدعي ولا مدعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلك إلا أن الشارع قد جعل القضاء في ذلك بأن العين بينهما كما سمعته من النبوي المرسل (2) فالنصف هو القضاء بينهما في الدعوى المزبورة التي كان مقتضى يد كل منها الكل. ومنه يظهر لك عدم كون كل منهما مدعيا لنصف الآخر ومدعى عليه في نصفه كي يتوجه التحالف، بل المتجه إلغاء حكم يد كل منهما بالنسبة إلى تحقق كونه مدعى عليه، ويكون كما لو تداعيا عينا لا يد لاحد عليها ولا بينة لكل منهما، فان القضاء حينئذ بالحكم بكونها بينهما، لكون الدعوى كاليد في السبب المزبور المحمول على التنصيف بعد تعذر إعماله في


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 255.

[ 404 ]

الجميع للمعارض الذي هو استحالة اجتماع السببين على مسبب واحد، إذ لا وجه لاستحقاق كل منهما اليمين على الآخر، ضرورة عدم كونه مدعى عليه بعدم يد له على العين يراد رفعها عنه، فقول كل منهما: هي لي دعوى بلا مدعى عليه، فلا يمين فيها، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، أو يقال في الفرض باعتبار ثبوت اليد لكل منهما على العين مدعى عليه لو كان مدعي خارج عنهما، والا فلا يتصور كونه منهما بعد ان كان مع كل منهما عنوان المدعى عليه، لمعلومية التباين بين المدعي والمدعى عليه. ومن هنا كان التحالف إذا كان كل منهما مدعي منكر، بمعنى أنه مدعي لشئ ومنكر لآخر، كما هو ظاهر في النظر إلى أفراد ذلك، لا في مثل المقام الذي دعوى كل منهما الكل، والفرض أن اليد لكل منهما، فلا يكون مدعي فيما هو مدعى عليه فيه. أللهم إلا أن يقال: إن اليمين هنا لترجيح أحد السببين كالترجيح بها لاحدى البينتين وإن ترتب عليه كون العين للحالف منهما بخلاف ما لو حلفا معا أو لم يحلفا كذلك، وليس هو يمين إنكار ويمين رد حتى يأتي فيه البحث الذي تسمعه من الاكتفاء بيمين واحدة جامعة بين الاثبات والنفي أو يمينين. أو يقال: إن لكل منهما إحلاف صاحبه، بمعنى أن التحالف أمر راجع إليهما لا يجبر الحاكم عليه، ولا يتوقف عليه القضاء بالنصف، بل كل منهما ميزان للقضاء. وكان هذا هو الذي فهمه الاصبهاني في كشفه من المصنف في النافع، فانه بعد أن ذكر القول الاول قال: (ولم يذكر الحلف في الغنية والاصباح، ونسبه في الشرائع إلى القيل، ولعل الوجه فيه أنهما إن لم يحلف أحدهما صاحبه كان الحكم أيضا كذلك، ولذا قال في النافع بعد الحكم بكونها بينهما: ولكل منهما إحلاف صاحبه).

[ 405 ]

ولكن غيره قد جعله من القائلين بالقول الاول، ولعله المنساق من مثل هذا العبارة التي عبر بنحوها القائل باعتبار ذلك في القضاء، خصوصا بعد معلومية توقف القضاء عليه أو على البينة، لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إنما أقضي عليكم بالبينة أو اليمين). فحمل كلامه حينئذ خاصة على إرادة عدم توقف القضاء بالنصف على التحالف، بل موكول إلى اختيارهما إن أراداه تحالفا، وجرى حكم التحالف والنكول عليه، وإلا قضى بينهما بالنصف بدونه لا يخلو من نظر. أللهم إلا أن يكون ذلك مراد الجميع بقرينة تقديم القضاء بالنصف على الحلف. ولكن فيه أيضا أن مشروعية التحالف منهما تقتضي تحقق التداعي بينهما، ولا يكون فصل فيه الذي هو بمعنى القضاء بين المتخاصمين إلا بميزانه من البينة أو اليمين، وعدم تحليف من له اليمين لا يقتضي صحة القضاء بدونه، بل أقصاه بقاء العين في يد المدعى عليه بالسبب المقتضي لذلك شرعا، وحق الدعوى باق متعلق بهما إذا أسقط حقه بناء على قيام مثل ذلك مقام إحلافه، فيحكم الحاكم حينئذ بكونها للمدعي على وجه لا تسمع الدعوى المزبورة فيها، لان ذلك هو معنى القضاء، نعم لو لم يكن ثم تداع بينهما مثلا وقد ماتا والعين في أيديهما فهي على النصف بينهما شرعا من دون قضاء، لعدم تداع، وعلى تقديره من الورثة كان له القضاء به عليهم من دون إن لم يدع بعضهم على بعض العلم بالحال، وإلا توقف القضاء به على اليمين. بل لعله أيضا كذلك في الاصيلين إذا ادعى أحدهما على الآخر أن يده من يده أو أنه عالم بكونه مبطلا وأن العين أجمع لصاحبه وإن لم


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 وفيه " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان ".

[ 406 ]

نقل به في أصل دعوى كل منهما العين له، ضرورة تحقق المدعي والمدعى عليه في تلك دونها، فتأمل جيدا. وقد تقدم لنا بعض الكلام في المسألة في كتاب الصلح (1) فلاحظ وتأمل، والله العالم. وعلى كل حال فعلى المشهور يبدأ القاضي في الحلف بمن يراه أو بمن تخرجه القرعة، وفيه أن المتجه - بناء على كونهما دعويين - تقديم الاسبق منهما، ومع الاقتران يقدم من كان على يمين صاحبه. وكيف كان فان حلفا معا كانت بينهما على النصف، وإلا فان حلف الاول ثم نكل الثاني ردت اليمين على الاول، ولا يكفيه اليمين الاولى، لانها كانت على نفي استحقاق صاحبه فيما هو بيده من النصف، واليمين المردودة على الاثبات، وهو أن نصف صاحبه له، نعم لو نكل الاول حلف الآخر يمينا واحدة جامعة بين النفي والاثبات من غير خلاف يعرف فيه بينهم. ولا يخفى ما فيه من الاشكال إن لم يكن إجماعا بناء على الدعويين، ضرورة اقتضاء تعدد الاسباب تعدد المسببات، ولعل في ذلك تأييدا لما ذكرناه من عدم كونهما دعويين كي يترتب على كل منهما يمين، بل هي مقالة واحدة من كل منهما، فيمين كل منهما على أن الجميع له المقتضي عدم شئ منه للآخر كاف في اختصاصه بالحق على القول بمدخلية اليمين في ذلك من غير فرق بين الاخير والاول، فتأمل فان منه يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، خصوصا المسالك وأتباعه، هذا كله إذا كانت يدهما عليها. (و) أما (لو كانت يد أحدهما) خاصة (عليها قضى بها للمتشبث مع يمينه إن التمسه الخصم) المستحق لها عليه بلا خلاف


(1) راجع ج 26 ص 262.

[ 407 ]

ولا إشكال، إذ هو أظهر افراد قاعدة (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) التي لا يخفى عليك ذكر أحكامها من القضاء بالنكول أو مع رد اليمين وغيره. (ولو كانت) في يد ثالث و (يدهما) معا (خارجة) عنها (فان صدق من هي في يده أحدهما أحلف وقضى له) لانه صار بالاقرار له، كذي اليد في قيام الشاهد فعلا على ملكه، فيكون الثاني بالنسبة إليه مدعيا، وهو مدعى عليه. وقد يناقش بعدم اقتضاء ذلك صدق كونه مدعى عليه عرفا في تلك الدعوى المتعلقة أولا بمن في يده المال، نعم له استئناف دعوى جديدة نحو استئنافها لو انتزعها منه بيمين مردودة مثلا أو بشاهد ويمين، وتدفع تبعية الدعوى بها لها في يد من كانت. وفيه أن الكلام في المدعى عليه بينها لا بها، ولا ريب في عدم كونه مدعى عليه قبل تصديقه الذي قد يفرض تأخيره عن دعوى الاول فتأمل. وله اليمين على المصدق أيضا، لفائدة الغرم مع النكول لا العين، وفي القواعد (ولو كانت في يد ثالث حكم لمن يصدقه بعد اليمين منهما) أي الثالث ومن يصدقه كما في كشف اللثام، وفيه أن يمين المصدق لا دخل له في الحكم بها لمن صدقه، ويمكن تعلق (منهما) بقوله: (يصدقه) فيكون المراد بعد اليمين من المقر له، وحينئذ تكون كعبارة المصنف، لكنه خلاف الظاهر. هذا وفي كشف اللثام أيضا وغيره (والمصدق يحلف للآخر إن ادعى علمه بملكه) وفيه أن الظاهر توجه اليمين عليه على البت، لانه مدعى عليه. أللهم إلا أن يقال: إنه باقراره بها لاحدهما انصرفت تلك الدعوى

[ 408 ]

عنه لتبعيتها للعين، فيمين البت حينئذ على من صارت له، نعم تبقى عليه دعوى العلم لارادة الغرم. وفيه ايضا أن الدعوى قد تعلقت به والعين في يده على وجه استحق عليه اليمين على البت، لكن ستسمع من المنصف وغيره المفروغية من انصراف الخصومة بالاقرار بالعين لمعين، وليس المراد إلا انصراف تلك الدعوى وإن بقيت دعوى العلم للغرامة مع احتمال إرادة انصرافها بالنسبة إلى انتزاع العين وإن بقيت الدعوى بها للغرامة، لكنه في غاية البعد، وستسمع إنشاء الله زيادة لذلك في المسألة الثالثة. (وإن قال: هي لهما قضي بها بينهما نصفين وأحلف كل منهما لصاحبه) بناء على استحقاق اليمين، وكذا إن نكلا، وإن نكل أحدهما كان الكل للآخر، وفي كشف اللثام (وغرم الثالث النصف إن سلم إلى الناكل واعى الحالف عليه العلم فأحلفه فنكل) وهو لا يخلو من إشكال لوصول حقه تماما إليه. أللهم إلا أن يقال: إنه وصل إليه باليمين المردودة فهو كما لو وصل إليه بعوض لا يدفع الدعوى على من في يده، مع أنه لا يخلو من نظر، ضرورة الفرق بين الفرض وبين العوض الذي هو غرامة، نعم قد يشهد له أنه لو فرض سبق الدعوى على المصدق فنكل وحلف المدعي وغرم له ثم تداعيا بينهما فنكل أحدهما وحلف الآخر الذي قد غرم المصدق فانتزع العين من صاحبه فان المتجه حينئذ إرجاع الغرامة التي أخذها، لوصول العين إليه، وليس له أزيد منها، مع أن الاصحاب قد أطلقوا الحكم في الدعويين، ولم يشر أحد منهم إلى ترتيب بينهما، أو إلى رد ما اقتضاه أحدهما بعد انتزاع العين في الاخرى، أللهم إلا أن يكون أوكلوا ذلك إلى ما تقتضيه القواعد، وهو ما عرفت، وقد صرح به في المسالك

[ 409 ]

في المسالة الثالثة من المقصد الاول في الاختلاف في الاملاك فتأمل جيدا. وعلى كل حال فقد عرفت أن لهما على المصدق اليمين إن ادعيا عليه أو أحدهما العلم أو مطلقا، فان نكل حلف المدعي وغرم له النصف، فان حلفا غرم لهما الكل. (ولو دفعهما) بان قال: ليست لكما (أقرت في يده) بعد اليمين لهما، فان نكل فكما لايد لاحد عليه، فان قلنا بالتحالف فيه فان حلفا أو نكلا اقتسماه، وإن حلف أحدهما خاصة كان له. ولو قال: ليست لي أو لا اعرف صاحبها أو هي لاحدكما ولا أعرف عينه ففي القواعد (قرع بينهما، لتساويهما في الدعوى وعدم البينة) وفي التحرير وكشف اللثام (فمن خرجت باسمه حلف وكانت له، فان نكل حلف الآخر، وإن نكلا قسمت بينهما - ثم قال -: والوجه عندي التحالف وفاقا للتذكرة، فان حلفا أو نكلا كانت بينهما، وإلا فللحالف). قلت: لا وجه للقرعة بعد ظهور الادلة في التنصيف مع التساوي في السبب المقتضي للملك، والكلام في اعتبار التحالف وعدمه في القضاء بذلك ما عرفت، وحينئذ فلا إشكال ولا اشتباه حتى يحتاج إلى القرعة. ثم إنه على القول بها لا حاجة حينئذ إلى اليمين، ضرورة كونها هي ميزان القضاء للدعوى المزبورة، واحتمال أنها تجعل من يخرج اسمه بها كصاحب اليد يقتضي عدم القسمة بينهما مع فرض النكول منهما، ضرورة أن النكول عن اليمين المردودة يوجب عدم الحق للناكل وانحصاره في الراد. ثم إن القرعة مع قوله ليست لي أو لا أعرف صاحبها في غير محله، لعدم ما يقتضي انحصار الحق فيهما كي يستخرج بالقرعة، ولعله لذا اقتصر ثاني الشهيدين في احتمالها على صورة إقراره لاحدهما، والتحقيق ما عرفت من عدم اعتبار القرعة هنا، بل يقضى فيها بالتنصيف بينهما مع التحالف أو بدونه على القولين السابقين، والله العالم.

[ 410 ]

المسألة (الثانية:) (يتحقق التعارض في الشهادة مع تحقق التضاد، مثل أن يشهد شاهدان بحق لزيد، ويشهد آخران أن ذلك الحق بعينه لعمرو، أو يشهدا أنه باع ثوبا مخصوصا لعمرو غدوة، ويشهد آخران ببيعه بعينه لخالد في ذلك الوقت) ونحو ذلك، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا شهدت إحدى البينتين بملك أحدهما أمس والاخرى بملك الآخر اليوم، عمل بالثانية، لامكان صدقهما معا. (و) من المعلوم أنه (مهما أمكن التوفيق بين الشهادتين وفق، فان) لم يمكن بأن (تحقق التعارض) بينهما على وجه يقتضي صدق كل منهما تكذيب الاخرى، كما لو شهدت إحداهما أن هذه العين ملك زيدالآن والاخرى تشهد أنها ملك عمرو الآن (ف‍) لا يخلو الحال عن أحد أمور ثلاثة أو أربعة، لانه (إما أن تكون العين في يدهما أو) في (يد أحدهما أو في يد ثالث) أو لا يد لاحد عليها (ففي الاول يقضي بها بينهما نصفين) من دون إقراع ولا ملاحظة ترجيح بأعدلية أو أكثرية بلا خلاف أجده بين من تأخر عن القديمين الحسن وأبي علي، بل صرح غير واحد منهم بعدم الالتفات إلى المرجحات الآتية في غير هذه الصورة. وفي المسالك (لا إشكال في الحكم بها بينهما نصفين، لكن اختلف في سببه، فقيل: لتساقط البينتين بسبب التساوي، فيبقى الحكم كما لو لم تكن بينة، وقيل: لان مع كل منهما مرجحا باليد على نصفهما فقدمت بينته على ما في يده، وقيل: (لان يد كل واحد على النصف، وقد

[ 411 ]

أقام الاخر بينة) عليه (فيقضى له بما في يد غريمه) بناء على تقديم بينة الخارج، فكل منهما قد اعتبرت فيما لا تعتبر فيه الاخرى، ولذا لم يلحظ ترجيح بالعدد والعدالة، وهذا هو الاشهر، وتظهر الفائدة حينئذ في اليمين على من قضي له، فعلى الاول يلزم لكل منهما، وعلى الاخرين لا يمين، لترجيح كل من البينتين باليد على أولهما، فنعمل بالراجح، ولان البينة ناهضة باثبات الحق على الثاني، فلا يمين معها). قلت: لكن في التحرير بعد أن ذكر تعليل التنصيف بما سمعت مصرحا بكونه من تقديم بينة الخارج قال: (وهل يحلف كل واحد على النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين ؟ الاقوى عندي الاول مع احتمال الثاني). وفي التنقيح بعد أن ذكر التنصيف وجعل منشأه دائرا بين الاخيرين، وأنه على أولهما يقضى لكل منهما بما في يده، وعلى ثانيهما يقضى له بما في يد غريمه قال: (يكون لكل منهما اليمين على صاحبه، فان حلفا أو نكلا فالحكم كما تقدم، وإن حلف أحدهما ونكل الاخر قضى بها للحالف). وعن مهذب أبي العباس التصريح باليمين بناء على كون المنشأ دخولهما، ولعل ذلك منه خلافا في أصل المسألة، وهو أن تقديم بينة الداخل بمعنى إسقاطها بينة الخارج، لا أنها حجة، فيرجع الحاصل - كما لو لم تكن بينة - على المنكر منهما اليمين، وهو الذي قواه في المختلف بعد أن حكى القولين في ذلك، بل هو قوي في نفسه، لاشتمال دليل تقديم بينة الداخل على اليمين كما ستعرف. كما أن القول باليمين مع القول بكون المنشأ تقديم بينة الخارج لعله لخبر إسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن رجلين


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2.

[ 412 ]

اختصما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي (عليه السلام) فحلف أحدهما وأبي الاخر أن يحلف فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، فقال: أحلفهما، فأيهما حلف ونكل الاخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل: فان كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا البينة، قال: أقضي بها للحالف الذي هو في يده). بل ربما كان هو دليل التحالف على القول الاول وإن لم نقل به في غيره، إلا أنه خبر واحد، وفي سنده ما فيه، والمشهور نقلا وتحصيلا على خلافه، فلا يصلح مقيدا لما دل مما تسمعه من النصوص (1) وغيره على التنصيف بدونه، وكان ذلك هو العمدة في القول به، ضرورة أنه لو كان منشأه عند المصنف ما ذكره كان المتجه عنده التحالف مع عدم البينة، وقد عرفت عدمه عنده، بل كان ينبغي ملاحظة ما تسمعه منه من التفصيل في تقديم بينة الخارج على بينة الداخل، فمن ذلك وغيره يعلم أن ذلك ليس منشأ حقيقة وإن ذكروه تقريبا للمقصود. ويؤيده أيضا ما قدمناه سابقا من أن يد كل منهما على الكل لا النصف، بل الظاهر عدم اندراج بينة كل منهما تحت ما دل على تقسيم بينة المدعي، لما تقدم من أن في كل منهما عنوان المدعى عليه باعتبار اليد، على أن العمل بنصف ما يشهد به بينة كل منهما ليس عملا ببينة خارج، ضرورة كون المشهود به الجميع فتأمل، فليس هذا منهم إلا تأييدا لما قلناه سابقا من استفادة القضاء في ذلك بالنصف فيكون حينئذ ذلك ميزانا من موازين القضاء من غير حاجة إلى تحالف.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 413 ]

ويدل عليه - مضافا إلى ما أسلفناه في كتاب الصلح (1) من خبر الدرهمين (2) وقاعدة توارد السببين الممكن إعمالهما معا على مسبب واحد نحو المتسابقين على حيازة مباح - إطلاق خبر تميم بن طرفة (3) (إن رجلين ادعيا بعيرا فأقام كل واحد منهما بينة، فجعله أمير المؤمنين (عليه السلام) بينهما) لكن في بعض النسخ (عرفا بعيرا) وحينئذ يكون ظاهرا في غير المقام، بل قد يقال بظهور (ادعيا) في ذلك لا تداعيا في ما بينهما. وإطلاق قوله (عليه السلام) في الخبر الاتي (4): (لو لم تكن في يد أحدهما جعلتها بينهما نصفين) مضافا إلى إطلاق النبوي (5) السابق وغيره. بل هو كاد يكون صريح المرسل (6) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا (في البينتين تختلفان في الشئ الواحد يدعيه الرجلان أنه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بينة كل واحد منهما وليس في أيديهما، فأما إن كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفان، وإن كان في يد أحدهما فالبينة فيه على المدعي واليمين على المدعى عليه). وحينئذ فما عن ظاهر ابن أبي عقيل - من اعتبار القرعة التي هي لكل أمر مشكل في خصوص ما نحن فيه لان التنصيف تكذيب للبينتين - كأنه اجتهاد في مقابلة النص، على أن نصوص القرعة (7) في المقام مع عدم


(1) راجع ج 26 ص 223. (2) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الصلح - الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 34. (5) سنن البيهقي - ج - 10 ص 255. (6) المستدرك - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (7) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية - الحكم الحديث 5 و 6 و 7.

[ 414 ]

التصريح في شئ منها بخصوص الفرض لاستخراج من يكون عليه اليمين، وهو خلاف ظاهر المحكي عنه من التعويل عليها بدونه. وكذا ما عن ابن الجنيد من أنه مع تساوي البينتين تعرض اليمين على المدعيين، فان حلف أحدهما استحق الجميع، وإن حلفا اقتسماها، ومع اختلافهما يقرع، فمن أخرجته القرعة حلف وأخذ العين، فانه كما ترى لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة السابقة خلافه. هذا وفي الرياض بعد أن نسب المختار - الذي هو التنصيف تساوت البينتان عددا وعدالة وإطلاقا وتقييدا أو اختلفت - إلى الاشهر، بل عامة من تأخر إلا نادرا، قال: (خلافا للمهذب، وبه قال جماعة من القدماء، فخصوا ذلك بما إذا تساويا في الامور المتقدمة كلها، وحكموا مع الاختلاف فيها لارجحها، واختلفوا في بيان المرجح لها، فعن المفيد اعتبار الاعدلية خاصة هنا وإن اعتبر الاكثرية في غيرها، وعن الاسكافي اعتبار الاكثرية خاصة، وفي المهذب اعتبارهما مرتبا بينهما الاعدلية فالاكثرية، وعن ابن حمزة في اعتباره التقييد أيضا مرددا بين الثلاثة غير مرتب بينها، وعن الديلمي اعتبار المرجح مطلقا غير مبين له اصلا) ولم أعرف نقل هذه الاقوال على الوجه المزبور فيما نحن فيه لغيره، والذي عثرت عليه في المقنعة في المسألة أجمع (وإذا تنازع نفسان في شئ وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه بشاهدين عدلين ولا ترجيح لبعضهم على بعض بالعدالة حكم لكل واحد من النفسين بنصف الشئ، وكان بينهما جميعا نصفين، وإن رجح بعضهم على بعض في العدالة حكم لاعدلهما شهودا وإن كان الشئ في يد أحدهما واستوى شهودهما في العدالة حكم للخارج اليد منه ونزعت يد المتشبث به منه، وإن كان لاحدهما شهود أكثر عددا من شهود صاحبه مع تساويهم في العدالة حكم لاكثرهما شهودا

[ 415 ]

مع يمينه بالله عزوجل على دعواه) وليس فيها ما نحن فيه بالخصوص. والذي عثرت عليه في النهاية أيضا في المسألة (ومن شهد عنده شاهدان عدلان على أن هذا لزيد وجاء آخران يشهدان أن ذلك الحق لعمرو فان كانت أيديهما خارجة منه فينبغي أن يحكم لاعدلهما شهودا، فان تساويا في العدالة كان الحكم لاكثرهما شهودا مع يمينه بأن له الحق، فان تساويا في العدد أقرع بينهم، فمن خرج عليه حلف وكان الحكم له، فان امتنع من خرج اسمه في القرعة عن اليمين حلف الاخر، وكان الحكم له، فان امتنعا جميعا من اليمين كان الحق بينهما نصفين، ومتى كان مع واحد منهما يد متصرفة فان كانت البينة تشهد أن الحق ملك له فقط وتشهد الاخرى بالملك أيضا انتزع الحق من اليد المتصرفة، وأعطى اليد الخارجة، وإن شهدت البينة لليد المتصرفة بسبب الملك من بيع أو هبة أو معاوضة كانت أولى من اليد الخارجة) ولم يتعرض أيضا فيها لخصوص ما نحن فيه. وأما ابن حمزة فقد ذكر في خصوص ما نحن فيه أنه إن تساوى البينتان كان المدعى به بينهما نصفين، وإن اختلفا لم يخل من ثلاثة أوجه: إما أن تكون إحداهما مطلقة والاخرى مقيدة، والحكم للمقيدة، أو تكون إحداهما عادلة والاخرى غير عادلة، والحكم للعادلة، أو تكون إحداهما أكثر مع التساوي في العدالة، والحكم لاكثرهما عددا. وعلى كل حال لا أعرف دليلا يعتد به على شئ منها على وجه يصلح لمعارضة ما عرفت. وما عساه يتخيل - من الدليل عليها في الجملة من كون الشهادة كالاخبار المتعارضة التي يرجع فيها إلى الترجيح بغير المنصوص فضلا عنه - واضح الفساد، ضرورة وضوح الفرق بينهما بأن مبنى حجية الخبر خصوصا في مقام التراجيح على قوة الظن بخلاف الشهادة المعلوم عدم

[ 416 ]

اعتبار ذلك فيها، بل الترجيح فيها مقصور على مقام خاص منها بمرجح خاص للدليل الخاص، بل لو رجح إحدى البينتين على الاخرى بشهادة جملة من الفساق على مضمون إحداهما لكان من منكرات الفقه. وأما الاستدلال على بعضها باطلاق بعض النصوص ففيه أنه يجب الخروج عنه بالادلة السابقة المعتضدة بما سمعت، فلا محيص حينئذ عن القول بالتنصيف من دون ملاحظة شئ من هذه المرجحات، نعم في اعتبار التحالف وعدمه ما عرفته سابقا حال عدم البينة، بل لعل القول بعدمه هنا أولى على بعض الوجوه المتقدمة. هذا كله في القسم الاول. (و) أما الكلام (في الثاني) الذي هو أن تكون العين في يد أحدهما فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة أنه (يقضي بها للخارج دون المتشبث ان شهدتا لهما بالملك المطلق) مع التساوي في العدد والعدالة وعدمه، بل عن الخلاف والغنية والسرائر وظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل عن الاول والاخير نسبته إلى أخبار الفرقة، وهو الحجة بعد المرسل السابق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) المنجبر بما سمعت، والتعليل في خبر منصور (2) عن الصادق (عليه السلام) (قلت له: رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها وأقام البينة العدول أنها ولدت عنده لم يبع ولم يهب وجاء الذين في يده بالبينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده لم يبع ولم يهب، قال أبو عبد الله (عليه السلام): حقها للمدعي، ولا أقبل من الذي هي في يده بينة، لان الله عزوجل أمر أن تطلب البينة من المدعى فان كانت له بينة وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر الله عزوجل).


(1) المستدرك - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 14.

[ 417 ]

ومنه يظهر وجه الاستدلال أيضا بالخبر المشهور (1) وهو (البينة على المدعي واليمين من أنكر) بناء على أن المراد منه عدم قبول بينة للمنكر، وأن ذلك مختص بالمدعي، وإن كان دلالته على ذلك مع قطع النظر عن الخبر المزبور لا تخلو من نظر، ضرورة عدم دلالته على أزيد من استحقاق المدعي على المنكر اليمين دون البينة بخلاف المنكر، فان له على المدعي البينة، وهو غير قبول البينة من المنكر ولو في الجملة، المستفاد مما تسمه من نصوص (2) الباب وفتاوى الاصحاب. مضافا إلى عموم ما دل على حجية شهادة العدلين كتابا (3) وسنة (4) ولا معارض لذلك كله إلا خبر منصور (5) المزبور الذي في سنده ما فيه، وموافق لصريح المنقول عن ابن حنبل، لعل ذلك لا يخلو من قوة وإن قلنا في خصوص الفرض بعدم النظر إليها في مقابلة بينة المدعي وإن جمعت المرجحات أجمع للاجماعات المحكية وغيرها. (و) كيف كان ف‍ (فيه قول آخر ذكره في الخلاف) وهو تقديم بينة الداخل، لكنه (بعيد) لما عرفت، بل لم نتحققه قولا له، وذلك لان المحكي عنه في البيع في مسألة العبد الذي يد أحدهما عليه (أن البينة بينة الخارج وإن شهدتا بالسبب) وفي كتاب الدعاوى (إذا ادعيا ملكا مطلقا ويد أحدهما عليه كانت بينته أولى، وكذلك إن أضافاه إلى


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 والباب - 25 - منها - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم. (5) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 14.

[ 418 ]

سبب، وإن ادعى الملك مطلقا والخارج أضافه إلى سبب كانت بينة الخارج أولى، وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الشافعي: إذا تنازعا عينا يد أحدهما عليها وأقام كل واحد منهما بينة سمعنا بينة كل واحد منهما، وقضينا لصاحب اليد، سواء تنازعا ملكا مطلقا أو ما يتكرر، فالمطلق كل ملك لم يذكر أحدهما سببه) وما يتكرر كآنية الذهب والصفر والحديد، يقول كل واحد: صيغ في ملكى، وهذا يمكن أن يصاغ في ملك كل واحد منهما، وكذلك ما يمكن نسجه كالصوف والخز، وما لا يتكرر سببه مثل ثوب قطن وابريسم، فانه لا يمكن أن ينسج دفعتين، وكذلك النتاج لا يمكن أن تولد الدابة دفعتين وكل واحد منهما يقول: ملكي نتج في ملكي، وبه قال شريح والنخعي ومالك والشافعي، وهل يحلف مع البينة: على قولين - إلى أن قال -: وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان التداعي ملكا مطلقا أو ما يتكرر سببه لم تسمع البينة من المدعى عليه، وهو صاحب اليد وإن كان ملكا لا يتكرر سببه سمعنا بينة الداخل، وهذا هو الذي يقتضيه مذهبنا، وقد ذكرناه في النهاية والمبسوط وكتابي الاخبار، وقال: أحمد لا تسمع بينة صاحب اليد بحال في أي مكان كان، وروى ذلك أصحابنا - إلى أن قال -: ويدل على مذهبنا إجماع الفرقة وأخبارهم، والخبر المشهور (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) ويدل على الاول ما رواه جابر (2) وما رواه غياث (3) أي المشتملان على تقديم بينة ذي اليد مع ذكر السبب، وهو النتاج في كل منهما).


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5. (2) سنن البيهقي - ج 10 ص 256. (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3.

[ 419 ]

والظاهر أن ما ذكره أولا ليس مذهبا له، بل مذهبه الاخير الذي استدل عليه بما عرفت، نعم في كشف اللثام نسبة الخلاف في المقام إلى المبسوط والوسيلة فقدما بينة الداخل لتأيد البينة باليد، ولما سيأتي من أدلة التقديم مع شهادتهما بالسبب بناء على مساواة الاطلاق له أو أولويته منه، وهل يستحلف مع ذلك ؟ فعن الشيخ لا، بناء على استعمال بينته، والاقوى نعم، للنص الكاشف أن بينته دفعت بينة المدعي بعد فرض عموم الدليل على حجية الجميع، فيبقى حينئذ استحقاق المدعى عليه اليمين على مقتضى إطلاق دليله. وإلى الصدوقين والمفيد لحكمهم بترجيح بينة الخارج بعد التساوي عدالة، وزاد المفيد وعددا، لخبر أبي بصير (1) سأل الصادق (عليه السلام) (عن رجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم الذي في يديه الدار البينة أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها، فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه، وذكر أن عليا (عليه السلام) أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البينة لهؤلاء أنهم انتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا وأقام هؤلاء البينة أنهم انتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، فقضى بها لاكثرهم بينة واستحلفهم، قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادعى الدار قال: إن أبى هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، ولم يقم الذي هو فيها بينة إلا أنه ورثها عن أبيه، قال: إذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادعاها وأقام البينة عليها). قال الصدوق: (لو قال الذي في يده الدار: إنها لي وهي ملكي وأقام على ذلك بينة وأقام المدعي على دعواه بينة كان الحق أن يحكم بها للمدعي، لان الله تعالى إنما أوجب البينة على المدعي ولم يوجبها على المدعى


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 420 ]

عليه، ولكن هذا المدعى عليه ذكر أنه ورثها من أبيه، ولا يدري كيف أمرها، ولهذا أوجب الحكم باستحلاف أكثرهم بينة ودفع الدار إليه). ولعل التأمل في كلامه هذا يقتضي موافقته على تقديم بينة الخارج في المقام، نعم يستحلف أكثرهم بينة مع تقييد بينة الداخل، وحينئذ فنقل خلاف ذلك عنه لا يخلو من إشكال. وعلى كل حال فلا يخفى عليك أخصية الدليل من الدعوى، لعدم تعرض للاعدلية فيها، بل خروجه عنها، ضرورة ذكر السبب في بينة المنكر والاطلاق في بينة المدعي، بل لا يخلو ذيله من منافاة لصدره، إلا أن يفرض الاول على جهة (وجه خ ل) التعارض، والثاني على عدمه. وإلى أبي علي فرجح ذا اليد مع تساوي البينتين، وحكم باحلافهما، قال: (فان حلفا جميعا أو أبيا أو حلف الذي في يده كان محكوما للذي هي في يده بها، فان حلف الذي ليست في يده وأبى الذي في يده أن يحلف حكم بها للحالف - قال -: ولو اختلف أعداد الشهود وكان الذي هي في يده أكثر شهودا كان أولى باليمين إن بذلها، فان حلف حكم له بها، ولو كان الاكثر شهودا الذي ليست في يده فحلف وأبى الذي هي في يده أن يحلف أخرجت ممن كانت في يده وسلمت إلى الحالف مع شهوده الاكثر من شهود من كانت في يده). وهو كما ترى وإن قالت في كشف اللثام: (لعله جمع بين نصوص تقديم ذي اليد وما أطلق من النصوص بتقديم الارجح من البينتين). (و) كيف كان ف‍ (لو شهدتا بالسبب قيل) والقائل الشيخ في ظاهر النهاية والمحكي عن كتابي الاخبار: (يقضي لصاحب اليد) وإن اطلق في الاول تقديم بينته إذا شهدت بالسبب وخصها في الاخيرين بما إذا شهدتا به (لقضاء علي (عليه السلام) في الدابة)

[ 421 ]

في ما رواه إسحاق (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دابة في أيديهما وأقام كل واحد منهما البينة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي (عليه السلام) فحلف أحدهما وأبى الاخر أن يحلف، فقضى بها للحالف فقيل: فلو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، قال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الاخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل: فان كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا بينة، قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده). وخبر غياث (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن أمير المؤمنين (عليه السلام) اختصم إليه رجلان في دابة كلاهما أقاما البينة أنه أنتجها فقضى بها للذي هي في يده وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين). مؤيدا ذلك بما رواه العامة عن جابر بن عبد الله الانصاري (3) (إن رجلين تداعيا دابة وأقام كل منهما بينة أنها دابته أنتجها فقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) للذي في يده). (وقيل) القائل المشهور على ما حكي بل عن الغنية الاجماع عليه: (يقضى للخارج ل‍) لادلة التي سمعتها سابقا التي منها خبر منصور (4) السابق المشتمل مع ذلك على (أنه لا بينة على ذي اليد كما لا يمين على المدعي، عملا بقوله (صلى الله عليه وآله) (5): (واليمين على من أنكر) والتفصيل قاطع للشركة) وإن كان فيه ما فيه. ومنه يعلم ما في قوله: (وهو أولى) لما عرفت، ولكن عليه


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 - 3 - 14. (3) سنن البيهقي - ج 10 ص 256. (5) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3.

[ 422 ]

لا إشكال في تقديمها مع فرض تقييد بينة الخارج وإطلاق بينة الداخل، وهي الصورة الثالثة التي تركها المصنف اعتمادا على ظهور حكمها بالاولوية القطعية على التقدير المزبور وإن كان الذي يقوى خلافه للخبرين (1) المؤيدين بخبر جابر (2) وبما دل على حجية شهادة العدلين ولو من المنكر، حتى نصوص المقام، ومقتضاها حينئذ دفع حجة المدعي الذي لم يعلم تقدمها عليها) فيبقى حق اليمين على المنكر بحاله الذي مقتضى دليله استحقاقه ولو كان مع المنكر بينة، خلافا للمحكي عن الشيخ فأسقط اليمين عنه ترجيحا لبينته باليد على بينة الخارج، فكما لا يحلف الخارج لا يحلف الداخل، وهو مبني على عدم تساقط البينتين، بل على استعمالهما، والاقوى ما عرفت. وعلى كل حال فما عن المجلسي من حمله النصوص المزبورة على التقية لشهرته بين العامة فتوى ورواية يدفعه ما سمعت من موافقة خبر بينة الخارج لاحمد بن حنبل أيضا، بل ملاحظة كلام العامة يقضي باضطراب أقوالهم في ذلك على وجه لا تقية في إظهار الحق فيما بينها، خصوصا مع نسبته إلى علي (عليه السلام) على أن المحكي عن الشيخ نسبته إلى مذهبنا وأنه الذي تدل عليه أخبارنا، فكيف يحمل مثله على التقية، والله العالم. هذا كله مع تقييدهما (أما لو شهدت للمتشبث بالسبب وللخارج بالملك المطلق فانه يقضي لصاحب اليد سواء كان السبب مما لا يتكرر كالنتاج ونساجة الثوب الكتان أو يتكرر كالبيع والصياغة) كما عن الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار والمبسوط والقاضي والطبرسي والفاضلين والشهيدين، بل عن الاول الاشعار بالاجماع


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 و 3. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 256.

[ 423 ]

حيث قال: (قبلناها) بل عنه أيضا أنه قال: (بلا خلاف بيننا لقوة البينة حينئذ). قيل: ولما في خبر عبد الله بن سنان (1) (أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنه اشتراها وزعم الاخر أنه انتجها فكان إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي انتجت عنده) بناء على أن مبنى ذلك قوة النتاج على الشراء، وفيه أن ذلك يقتضي الترجيح في الاسباب، ولم يلتزم به القائل المزبور في المقيدتين، ولعل الاولى الاستدلال له باطلاق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) المتقدم. (وقيل) والقائل ابن إدريس فيما حكي عنه: (بل يقضى للخارج وإن شهدت بينته بالملك المطلق) بل في الرياض عن الصدوقين والمفيد والحلبي وابن زهرة إطلاق تقديم بينة الخارج، بل عن الاخير الاجماع عليه (عملا بالخبر). (والاول أشبه) فأصول المذهب وقواعده المقتضية حجية البينة من المدعي والمنكر، فاما أن يفزع إلى ترجيح بينة المنكر بالتقييد واليد، أو يقال: لا دليل على الترجيح بهما، ومقتضاه تكافؤهما وبقاء الدعوى، كما إذا لم تكن بينة، فيتوجه اليمين على صاحب اليد الذي هو المدعى عليه لغة وشرعا وعرفا، وعليه ينزل قول أمير المؤمنين (ع) في الخبرين (3) السابقين، ويستفاد منه ما نحن فيه بالاولوية، نعم يشكل الاستدلال للمصنف القائل في مفروض الخبرين بتقديم بينة الخارج، إذ لا وجه للاولوية حينئذ، فليس له إلا ما عرفت، وفيه ما سمعت.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 15 - 2. (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 و 3.

[ 424 ]

وبذلك كله ظهر لك أن الاقوى تقديم بينة الداخل إلا في المطلقتين إن ثم الاجماع عليها، وأولى منها ما إذا كانت بينة الخارج مقيدة والداخل مطلقة، وإن أمكن ترجيح ما ذكره المصنف بالشهرة على فرض تحققها، والله العالم. (و) أما (لو كانت في يد ثالث) وهي الصورة الثالثة ففي المتن وغيره (قضي بأرجح البينتين عدالة، فان تساويا قضي لاكثرهما شهودا، ومع التساوي عددا وعدالة يقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف وقضي له، ولو امتنع أحلف الاخر وقضي له، وإن نكلا قضي به بينهما بالسوية) بل في المسالك وغيرها نسبته إلى الشهرة، بل في الغنية الاجماع عليه، بل في الرياض نسبته إلى الاشهر، بل عامة متأخري أصحابنا والنهاية وكتابي الحديث وموضع من الخلاف والحلي والقاضي والحلبي وابن حمزة ويحيى بن سعيد وابن زهرة، مع أنه هو بعد ذلك قد اعترف باختلاف كثير من فتاوى القدماء في الترجيح بالاعدلية والاكثرية والرجوع بعد التساوي فيهما إلى القرعة. قال: (فبين من اقتصر على اعتبار الاعدلية خاصة كالمفيد، من اقتصر على اعتبار الاكثرية كذلك كالاسكافي والصدوقين، نعم ذكرا قبل اعتبارها أن أحق المدعيين من عدل شاهداه، فان استوى الشهود في العدالة فأكثرهما شهودا، وهو ليس نصا في اعتبار الاعدلية، وبين من اقتصر على اعتبارهما خاصة ولم يذكر الترتيب بينهما ولا القرعة بعدهما كالشيخ في موضع من الخلاف قائلا إنه الظاهر من مذهب الاصحاب، وبين من اقتصر على ذكر المرجح مطلقا من دون بيان له ولا ذكر قرعة كالديلمي والشيخ في موضع من الخلاف، لكنه ذكر القرعة بعد العجز عن الترجيح مدعيا عليه الاجماع من الامامية، وبين من فصل بعين ما في

[ 425 ]

العبارة لكنه مقدما للاكثرية على الاعدلية كالحلي في السرائر وعزه إلى ظاهر الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، وبين من اقتصر على القرعة خاصة كالعماني). ومن الغريب الركون بعد ذلك إلى دعوى شهرة محققة فضلا عن إجماع ابن زهرة، وأغرب من ذلك اعتماده في الرياض عليه، وجعله هو الجامع بين النصوص والفتاوى المختلفة قال: (خصوصا بعد اعتضاده بالشهرة المحكية، وما سمعته من إجماع الشيخ صريحا وظاهرا وإجماع السرائر في الجملة) إذ هو كما ترى لا يفيد الفقيه طمأنينة، على أنه ليس على جميع الاحكام المزبورة، قال: (وإن كان مع كل منهما بينة ولا يد لاحدهما حكم لاعدلهما شهودا، فان استويا في ذلك حكم لاكثرهما شهودا مع يمينه، فان استويا أقرع بينهما، فمن خرج اسمه حلف وحكم له، وإن كان لكل واحد منهما يد ولا بينة لاحدهما كان الشئ بينهما نصفين، كل ذلك بدليل إجماع الطائفة) وهو خال عن حلف الاخر وعن القضاء بالنصف مع نكولهما. وعلى كل حال فلا ريب في عدم الوثوق بالاجماع المزبور بعد ما عرفت خصوصا مع شدة اختلاف النصوص أيضا، ففي الصحيح (1) (أن عليا (عليه لسلام) أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البينة أنها لهؤلاء أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا وقامت لهؤلاء البينة بمثل ذلك، فقضى بها لاكثرهم بينة واستحلفهم). وفي صحيح داود (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في شاهدين شهدا على أمر واحد وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا واختلفوا قال: يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالقضاء).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 6.

[ 426 ]

ونحوه الصحيح الاخر (1) عنه (عليه السلام) أيضا غير أنه قال: (اولى بالحق). وفي خبر البصري (2) عنه (عليه السلام) أيضا قال: (كان علي (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سد أقرع بينهم على أيهم يصير اليمين، قال: وكان يقول: أللهم رب السماوات السبع أيهم كان الحق له فأده إليه، ثم يجعل الحق للذي يصير عليه اليمين إذا حلف). وفي موثق سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أن رجلين اختصما إلى علي (عليه السلام) في دابة فزعم كل واحد منهما أنها نتجت على مذوده وأقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين فعلم السهمين كل واحد بعلامة - ثم قال -: اللهم رب السماوات السبع ورب الارضين السبع ورب العرش العظيم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، أيهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسألك أن تخرج سهمه، فخرج سهم أحدهما فقضى له بها). ونحوه خبر عبد الله بن سنان (4) إلا أنه قال في إخره: (فاسألك أن تقرع وتخرج اسمه، فخرج اسم أحدهما فقضى له بها) إلى غير ذلك من النصوص التي تقدم بعضها أيضا. إنما الكلام في استنباط الاحكام المذكورة أو غيرها منها، فالتحقيق أن يقال: إنه يمكن استفادة ترجيح الحكم المزبور في خصوص هذه الصورة بتخصيص نصوص القرعة بما إذا تساوت البينتان عددا وعدالة ولم تكن


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث (11 - 5 - 12 - 15).

[ 427 ]

العين في أيديهما، أما الاول فواضح، وأما الثاني فلما سمعته من النص (1) الدال على التنصيف في ما إذا كان بأيديهما، وعلى أن القول قوله إذا كان في يد واحد منهما (2) وأصرح من ذلك المرسل (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا (في البينتين يختلفان في الشئ الواحد يدعيه الرجلان أنه يقرع بينهما فيه إذا اعتدلت بينة كل واحد منهما وليس في أيديهما، فان كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفا، وإن كان في يد أحدهما فالبينة فيه على المدعي واليمين على المدعى عليه). بل منه يستفاد عدم العبرة بهذه المرجحات في غيره هذه الصورة، ولذا لم يعتبرها الاكثر في غيرها، خلافا لمن عرفت. كما أنه يستفاد أيضا منه ومن خبر البصري (4) كون الاعدلية مرجحة، ضرورة عدم صدق الاعتدال معها، بل ذكرها مع العدد في خبر البصري يقتضي كونها مثله في الترجيح المستفاد من دليله بالخصوص، وإلا لم يكن ثمرة لذكره معه بعد فرض معلومية كونه بمجرده مرجحا، كما سمعت التصريح به في الصحيح (5). نعم قد يقال: إن المتجه بناء على ذلك ما سمعته من ابن إدريس ناسبا له إلى ظاهر الاصحاب من تقديم الاكثرية عليها، لاطلاق دليلها القاضي بالرجوع إليها ولو مع الاعدلية في الجانب الاخر، وفي لا ينافي ذلك


(1) لم يتقدم فيما سبق ما يدل على التنصيف فيما إذا كان بأيديهما غير المرسل الذي سيذكره، وما دل على التنصيف فيما تقدم هو خبري اسحاق وغياث وموردهما ما لو لم تكن في يد واحد منهما. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 و 3. (3) المستدرك - الباب - 10 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 - 1.

[ 428 ]

ثبوت الترجيح بها في الجملة إلا أن المشهور خلافه كما عرفت، ولعله لاطلاق ما دل على الترجيح بهما من النص وغيره، فيحصل التعارض بينهما في صورة اختلاف البينتين بالاعدلية في واحدة والاكثرية في الاخرى شبه التعارض من وجه. ولاريب في أن الترجيح للاعدلية، لاجماع ابن زهرة المعتضد بالشهرة المحققة بين الاصحاب ووجود ذلك في رسالة علي بن بابويه التي قيل فيها: كانوا إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إليها وفي النهاية التي هي متون الاخبار وغير ذلك. وأما اشتراط اليمين لمن خرج بالقرعة فهو صريح بعض النصوص (1) بل قوله (عليه السلام) في خبر البصري (2): (ثم يجعل) إلى آخره مشعر بما ذكره الاصحاب من كون اليمين على الاخر إذا يحلف المخرج بالقرعة، ضرورة اقتضاء الشرط عدم كون الحق له بعدم اليمين والفرض أنه منحصر فيهما، واحتمال ثبوته للاخر من دون يمين مناف لقوله (صلى الله عليه وآله) (3): (إنما أقضي عليكم بالبينات والايمان) مع أن ثبوته فيمن أخرجته القرعة يقتضي أولويته بذلك، بل لعل إقراع الامام لاستخراج من يصير عليه اليمين يراد منه الاعم من الصيرورة ولو بالاخرة، بل لعل إجماع بقوله (عليه السلام): (ثم يجعل) إلى آخره إشارة إلى ذلك، فتأمل فانه دقيق. بل منه يعلم اعتبار اليمين أيضا من ذي البينة المرجحة بغير القرعة كالاعدلية والاكثرية، وإن ترك المصنف وجماعة التعرض له فيهما، حتى ظن بعض الناس الخلاف في ذلك، إلا أن الظاهر كون تركه اعتمادا على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 7 - 5. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 وفيه " انما أقضي بينكم بالبينات والايمان ".

[ 429 ]

ما ذكروه في القرعة التي هي أحد المرجحات للبينة، كما يومئ إليه بعض نصوصها (1) على أنه قد نص عليه في الاكثرية التي ذكرت في الخبر (2) مع الاعدلية على وجه يظهر اتحادهما في كيفية الترجيح، ولذا نص غير واحد على اليمين فيها، كما نص عليه بعض في الاعدلية. وحينئذ فاحتمال عدم اليمين فيهما أو في خصوص الاعدلية في غاية الضعف، كاحتمال عدم اليمين مع القرعة الذي هو كالاجتهاد في مقابلة النص وإن ترك في بعض نصوصها كخبري سماعة (3) وعبد الله بن سنان (4) المحمولين على قضية في واقعة قد اشتملت على دعاء الامام (عليه السلام) - الذي لا يرد - بخروج اسم من له الحق، لا أنه أقرع على من تصير اليمين منهما كما في خبر البصري (5) وهذه دقيقة أخرى فيه لطيفة تظهر بملاحظة كيفية ما وقع من الاقراع فيه وفيهما، فلاحظ وتأمل. وأما التنصيف بينهما على تقدير النكول فلاطلاق قوله (عليه السلام) في خبر اسحاق (6): (وإذا لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين) وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في النصوص، ولا ينافيه مخالفة ما في بعض نصوص أخر بعد الاجماع بقسميه على إطراحه على وجه لا يقدح فيه ندرة المخالف. (و) منه يعلم ضعف ما (قال‍) ه (في المبسوط) من أنه مع التساوي (يقضى) بينهما (بالقرعة إن شهدتا) أي البينتان (بالملك المطلق، ويقسم بينهما) بالسوية (إن شهدتا بالملك المقيد وإن اختصت إحداهما بالتقييد قضي بها دون الاخرى) وإن قيل في توجيهه: إنه جميع بين ما دل على القرعة وخبري تميم بن طرفة (7) وغياث (8) المتقدمين سابقا بالتفصيل المزبور.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) (8) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 7 - 5 - 12 - 15 - 5 - 2 - 4 - 3.

[ 430 ]

لكن فيه أن المفروض في خبري سماعة (1) وابن سنان (2) من أخبار القرعة المقيدتين (3) كما أن فيها المطلق أيضا، وفي أخبار التنصيف المقيدتين كخبر غياث (4) والمطلقتين كخبر تميم بن طرفة (5) فليس في ما ذكره جمع بين النصوص، بل في خبر إسحاق (6) ما هو خارج عن الجميع، وهو تحليفهما معا، فأيهما حلف ونكل الاخر كانت للحالف، فان حلفا جميعا كانت بينهما نصفين. ولم أعرف من عمل به عدا ما تسمعه من ظاهر أبي علي ولذا حمله الشيخ على أنهما اصطلحا على ذلك، وعن الاستبصار (ويمكن أن يكون ذلك نائبا عن القرعة بأن لا يختارا القرعة واختار كل واحد اليمين ورأى ذلك الامام صوابا كان مخيرا بين العمل عليه والعمل على القرعة). نعم في كشف اللثام عن ظاهر أبي علي العمل به، قال: (ولو كانت العين في أيديهما جميعا أو لم تكن في يد واحد وتساوى عدد البينتين عرضت اليمين على المدعيين، فأيهما حلف استحقها إن أبى الاخر، وإن حلفا جميعا كانت بينهما نصفين، قال: ولو اختلف أعداد البينتين فتشاحا على اليمين أقرع بينهما بسهام على أعداد الشهود لكل واحد منهما، فأيهما خرج سهمه كانت اليمين عليه، فإذا حلف دفعت العين التي قد ادعيت إليه). وكأنه استند في الاخير إلى خبر السكوني (7) عن الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (أن عليا (عليه السلام) قضى في رجلين ادعيا بغلة فأقام أحدهما شاهدين والاخر خمسة، فقال: لصاحب الخمسة


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 12 - 15 - 3 - 4 - 2 - 10. (3) هكذا في النسخة الاصلية، والعبارة غير نقية، فان " المقيدتين " خبر " أن " وهي في محل الرفع، والصحيح هكذا " اقامة المقيدتين ".

[ 431 ]

خمسة اسهم، ولصاحب الشاهدين سهمان) حاملان للسهام فيه على سهام القرعة، وفائدة تكثير السهام نظير ما مر ذكره في القسمة، وهو تكثير رقاع الاكثر شهودا ليكون أقرب إلى الخروج. لكن لا يخفى عليك أنه مناف لما دل على الترجيح بالكثرة، كما لا يخفى عليك قصوره عن المقاومة له من وجوه، ولذا حكي عن الشيخ حمله على الاصطلاح. وفي كشف اللثام (وأولى منه استناد قضائه إلى أمر آخر) كقصور مقاومة ما دل على التنصيف مطلقا عن أخبار القرعة المعتضدة بما سمعت، فالجمع حينئذ بارادة التنصيف بعد القرعة على الوجه الذي عرفت أو بغير ذلك أولى. (و) لذا قال المصنف: إن (الاول أنسب بالمنقول) بل لعل التأمل الجيد يقتضي عدم ظهور شئ من النصوص في كون التقييد مرجحا على وجه يقتضي اختصاص من كانت بينته كذلك بالمال، وخبر غياث (1) وغيره مما ذكر فيه المقيدتان ظاهر في ترجيح اليد. ومنه يعلم حينئذ النظر في ترجيح بينة الداخل به على بينة الخارج إذا كانت مطلقة وإلا لاقتضى ذلك التوقف مع فرض تقييدهما معا والرجوع إلى القرعة لا ترجيح بينة الخارج أو الداخل، فالتحقيق حينئذ الرجوع إلى النص في ذلك لا التقييد والاطلاق الذي لم نجد للترجيح به أثرا في نصوصنا، وإنما هو شئ ذكره العامة، نعم في بعض النصوص الترجيح بالاسباب كما سمعته في خبر النتاج والشراء المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) المقدم لبينة الاول على الثاني بناء على أن الوجه فيه ذلك، وهو مع عدم القائل به خروج عما نحن فيه. ولو أقر الثالث بالعين لاحدهما فالوجه - كما في القواعد - أنه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3 - 15.

[ 432 ]

كاليد، تقدم على قيام البينتين أو تأخر، لقيام المعنى القائم في اليد فيه، ويحتمل العدم به إقامة البينتين، لكشفهما عن أن يد المقر مستحقة للازالة، فاقراره كاقرار الاجنبي، بل قد يشكل - إن لم يكن إجماع - إندراج ذلك قبل إقامة البينتين فضلا عما بعده في مال دل على حكم ذى اليد بالنسبة إلى الدخول والخروج، ولعله لذا أطلق بعضهم الحكم من غير فرق بين إقرار الثالث وعدمه، فتأمل جيدا. ولو لم يكن العين في يد أحد - وهي الصورة الرابعة - فالظاهر أن حكمها لهم ما كانت في يد ثالث، لاطلاق الدليل، ولا ينافي ذلك إطلاق خبر تيمم بن طرفة (1) بعد تنزيله على غيره، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف بل ولا إشكال في أنه (يتحقق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرأتين) مثلا، لصدق اسم البينة على كل منهما، فتشمله الادلة السابقة وإن كان قد ينساق إلى الذهن في بادئ النظر قوة الاولى على الثانية أو بالعكس للاكثرية، لكن لا عبرة به لانه كالاستحسان. (ولا يتحقق بين الشاهدين وشاهد ويمين) لا لما ذكر من بعض الامور الاعتبارية، بل لعدم صدق اسم البينة، فلا يندرج حينئذ في النصوص السابقة. (وربما قال الشيخ) في فصل الرجوع عن الشهادة من المبسوط: (نادرا يتعارضان ويقرع بينهما) كالبينتين ناسبا له إلى مذهبنا، لكن لم نتحققه وإن حكاه الشهيد عنه صريحا، إلا أن المحكى عن الفخر نسبة التردد إليه، لاقتصاره على نقل قولي العامة في ذلك (و) على تقديره فلا ريب في ضعفه.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 4.

[ 433 ]

بل (لا) تعارض (بين شاهد وامرأتين وشاهد ويمين) لما عرفت فضلا عن الشاهدين، فلا يلتفت إليه، على أن الاكثرية متحققة بل يقضى بالشاهدين والشاهد والمرأتين دون الشاهد واليمين). (و) كذا لا خلاف ولا أشكال في أن (كل موضع قضينا فيه بالقسمة فانما هو في موضع يمكن فرضها) بامكان الاشتراك فيه وإن لم يقسم فعلا كالعبد والامة (دون ما يمتنع) لامتناع الشركة فيه (كما إذا تداعى رجلان زوجة) فيحكم حينئذ بالقرعة فيه قطعا كما نص عليه في مرسل داود بن أبي زيد العطار (1) عن الصادق (عليه السلام) (في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود فشهدوا أن هذه المرأة امرأة فلان وجاء آخرون فشهدوا أنها امرأة فلان فاعتدل الشهود وعدلوا، قال: يقرع بين الشهود، فمن خرج اسمه فهو المحقق، وهو أولى بها). بل في المسالك (لا يمين عليه، لان فائدته القضاء الاخر مع نكوله وهو منفي هنا) وفيه أنه لا مانع منه، وإنما المنفي التنصيف بينهما على تقدير النكول منهما، بل يتجه فيه انتفاؤها عنهما. نعم لا تعرض في الخبر لليمين، ولا ينافي إطلاق ثبوتها في غيره، خصوصا بعدما عرفت أن القرعة لاثبات الرجحان الذي يتبعه اليمين على حسب الترجيح بالاعدلية والاكثرية، بل قد يقال إن ظاهر المصنف وغيره ذلك أيضا لاقتصارهم في مخالفة السابقة على عدم التنصيف هنا، لعدم تعقله. ومما ذكرنا يظهر لك النظر في كلام الفاضل حيث قال: (فصل في أسباب الترجيح لحجة على أخرى، وهي ثلاثة: الاول قوة الحجة كالشاهدين والشاهد والمرأتين على الشاهد واليمين، ولو اقترنت اليد بالحجة الضعيفة احتمل


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 8 وهو مرسل داود بن ابي يزيد العطار.

[ 434 ]

تقديمها والتعادل) إذ قد عرفت عدم اندراجها في النصوص، فلا تعارض أصلا، بل يكون اليد - كما إذا لم يكن شاهد - لا تعارض بينة الخارج، كما هو واضح، نعم لو قلنا: إن مدرك تقديم الشاهدين على الشاهد واليمين قوة الاول وضعف الثاني توجه حينئذ احتمال قوته لو اقترن بمرجح آخر ولو ضعيف، فان الضعيفين يغلبان القوي، إلا أنه كما ترى يناسب مذاق العامة، ولذا كثر نحو ذلك في كلامهم، أما على أصولنا التي لا قياس فيها ولا استحسان ولا مثل هذه الاعتبارات فلا يتوجه ذلك، إذ قد عرفت أن الموجود في نصوصنا تعارض البينات لا كل مثبت للحق من الشاهد واليمين واليمين المردودة ونحوهما، فتأمل جيدا. ثم قال: (الثاني اليد، فيقدم الداخل على الخارج على رأي، والاقوى العكس إلا أن يقيمها بعد بينة الخارج على إشكال، فلو ادعى عينا في يد غيره فأقام البينة فأخذها منه ثم أقام الذي كانت في يده أنها له نقض الحكم وأعيدت إليه على إشكال) وفيه أيضا ما لا يخفى، ضرورة اقتضاء ذلك التسلسل المنافي لحكمة القضاء الذي هو الفصل بين المتخاصمين، والفرض أنها دعوى واحدة، فالمتجه عدم سماعها مطلقا. ثم قال أيضا: (ولو أراد ذواليد إقامة البينة قبل إدعاء من ينازعه فالاقرب الجواز، ولو أقام بعد الدعوى أي ممن لا بينة له لاسقاط اليمين جاز) وفيه أن مبنى تقديم بينة الخارج على أنه لا بينة للداخل فلا يسجل لها حينئذ ولا تسقط يمينا كما هو واضح، على أن فائدة هذا التسجيل إن كان لقطع ما يأتي من الدعاوي، فهو واضح البطلان، وإن كان لارادة الحكم له فيما يأتي لو توجهت عليه دعوى بناء على تقديم بينة الداخل ففيه أن المدار على التعارض حال الدعوى. على أنه ليس في كلامه إشعار ببناء المسألة على تقديم بينة الداخل،

[ 435 ]

نعم صرح في التحرير وقال: (لا أعرف لاصحابنا نصا في ذلك، ومنع أكثر الجمهور منه، إذ لا بينة إلا على خصم، فطريقه أن ينصب لنفسه خصما - ثم قال -: والاقرب عندي سماع البينة لفائدة التسجيل). ثم قال أيضا: (ولو أقام بعد إزالة يده ببينة الخارج وادعى ملكا سابقا ففي التقديم بسبب يده التي سبق القضاء بإزالتها إشكال) وفي كشف اللثام تبعا للتحرير (من سبق يده وأنه الداخل والبينة تشهد له بالملك المستند إلى ذلك الزمان، ومن كون تلك اليد قد اتصل القضاء بزوالها، أما لو أقام البينة بعد القضاء للخارج قبل إزالة اليد فهي بينة الداخل) وفيه ما لا يخفي من أنه ليس من الداخل على التقديرين، بل قد عرفت عدم سماع دعواه لانقطاعها بالقضاء للخارج. ثم قال أيضا: (وإذا قدمنا بينة الداخل فالاقرب أنه يحتاج إلى اليمين) وكأنه مناف لما ذكره سابقا من إسقاطها اليمين، أللهم إلا أن يفرق بين معارضة البينة وبين معارضة مجرد الدعوى، فتسقط على الاول، فيبقى استحقاق اليمين بحاله بخلاف الثاني، ولعل ذلك يكون فائدة التسجيل الاول، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه ايضا فتأمل. وإذا قامت البينة على الداخل أو أقر فادعى الشراء من المدعي أو ثبت الدين عليه ببينته أو إقرار فادعى الابراء فان كانت البينة بدعواه حاضرة سمعت قبل إزالة اليد وتوفية الدين، وإن كانت غائبة طولب في الوقت بالتسليم، لثبوت الاستحقاق شرعا من غير ظهور معارض، وليس له المطالبة بكفيل، للاصل. ثم إذا أقام البينة استرد، وربما احتمل العدم والتأجيل ثلاثة أيام كما هو حكم مدعي جرح الشهود، ولكنه واضح الضعف، نعم لو طلب

[ 436 ]

الاحلاف على أنه لم يبعه منه أو لم يبرأه قدم على الاستيفاء، لكونه كحضور البينة. هذا وفي القواعد (ولو اعترف لغيره بملك لم تسمع بعده دعواه لاخذه باقراره حتى يدعي تلقي الملك من المقر له إما بواسطة أو غيرها، ولو لم يعترف ولكن أخذ منه لغيره بحجة ففي احتياجه بعده في الدعوى إلى ذكر التلقي منه إشكال). وفي كشف اللثام (لما تقدم من الاشكال في ما يقدم من دعوى الداخل وإقامة البينة بعد إزالة يده فيحتاج إليه على عدم السماع، بل هو عين ما تقدم، وفي التحرير احتمل أن لا تسمع حتى يذكر في الدعوى تلقى الملك منه، لان البينة في حقه كالاقرار والسماع، لان المقر مؤاخذ باقراره في الاستقبال، وإلا لم يكن للاقارير فائدة، أما حكم البينة فلا يلزم على كل حال، وإن كانت الحجة هي اليمين المردودة بنيت المسألة على كونها كالاقرار أو البينة). قلت: قد يقال: يكفي في صحة دعواه مع الاقرار فضلا عن غيره احتمال تلقيه وإن لم يذكره، حملا لدعوى المسلم على الوجه الصحيح شرعا، فتشملها العمومات، وعلى كل حال فالاجنبي إذا لم يتعرف بالعين لمن في يده لا يحتاج في دعواه إلى ذكر التلقي قطعا، وإن كان ذو اليد أقام بينة لاسقاط اليمين أو التسجيل، فان البينة ليست حجة عليه، لانه مدع، وكذا الاجنبي عن المتداعيين أولا أحدهما ذو اليد وإن أقام الآخر البينة، فان بينته حجة على ذي اليد لا عليه، فله دعوى الملك مطلقا، كما هو واضح. ولو ادعى عليه قرضا أو ثمنا فجحد الاستحقاق كان له أن يدعي الايفاء ويقيم البينة عليه، لعدم المنافاة، أما لو جحدهما بمعنى أني

[ 437 ]

لم استقرض ولم اشتر لم تسمع دعواه الايفاء حينئذ، ولا تقبل بينته به، لانه مكذب حينئذ لها. وكيف كان فالثابت من المرجحات المذكورة في بعض كتب العامة والخاصة اشتمال إحدى البينتين على زيادة كزيادة التأريخ (و) حينئذ ف‍ (الشهادة بقدم الملك أولى من الشهادة بالحادث) في العين الخارجة عن أيديهما (مثل أن تشهد إحداهما بالملك في الحال والاخرى بقديمه، أو إحداهما بالقديم والاخرى بالاقدم، فالترجيح لجانب الاقدم) كما عن الشيخ وابنى إدريس وحمزة، بل في المسالك نسبته إلى المشهور، وعللوه بأن الزائدة تثبت الملك في وقت لا تعارضها الاخرى، وإنما يتساقطان في محل التعارض دون السابق الذي لا معارض له فيها، والاصل في الثابت دوامه، ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان ممن تصرف فيه، لانه ملك لا معارض له فيه، فيجب استدامته وإن لا يثبت لغيره ملك إلا من جهته، ولم أجد في شئ من النصوص إشارة إليه إلا ما في صحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) (أنه كان إذا اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنه اشتراها وزعم الاخر أنه أنتجها وكانا إذا أقاما البينة جميعا قضى بها للذي أنتجت عنده). ولكن مع ذلك كله قد احتمل غير واحد التساوي، لان المتأخرة لو شهدت أنه اشتراه من الاول قدمت على الاخرى قطعا، لانها لما صرحت بالشراء على أنها اطلعت على ما لم تطلع عليه الاخرى، فانها وإن شهدت بأنها ملكه من ابتداء سنتين مثلا إلى الان لكن غاية أنه علم أنه ملكه ولم يعلم بمزيله في المدة. واحتمال ترجيح القديمة حتى مع ذكر المتأخرة السبب - كما في


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 15.

[ 438 ]

التحرير - لعدم المعارض لها في السابق أيضا واضح الضعف، ضرورة أنه بذكرها السبب كما تعارض الاخرى في المدة المشتركة تعارضها فيما قبلها وتسقطها، وحينئذ فلا إشكال في تقديمها عليها مع ذكرها السبب، فأما إذا أطلقت أي المتأخرة كما هو المفروض فلا أقل من التساوي إن لم نقل بالرجحان أيضا، لان تدعي أيضا الاطلاع على ما لم تطلع عليه الاخرى، فانه ما لم يظهر لها ما يرجح الملك أو يعينه منذ سنة فكيف تشهد به، وغاية الاخرى أنها لم يظهر لها ذلك والاثبات مقدم، إلا أن هذه البينة لما لم تتعرض لسبب الملك أمكن استناد شهادتها إلى اليد، وهي تحتمل الملك وغيره، ويمكن أن تكون الاخرى أيضا تعلم باليد وأنها لغير الملك، ولذا حكمنا بالتساوي. وما قالوه من ثبوت الملك في الماضي وهو هنا السنة الاولى ببينة الاقدم من غير معارضة البينة الاخرى فمدفوع بأنه إنما ثبت تبعا لثبوته في الحال، فأن النزاع في الملك فيه، ولهذا لو انفرد أحد المتداعيين بادعاء الملك في الماضي خاصة مع ادعاء خصمة الملك في الحال لم تسمع دعواه ولا بينته، لعدم تعارض الدعويين، فالمقصود في الاثبات إنما هو الملك في الحال، وإذا لم يثبت لتعارض البينتين فيه فلا عبرة بثبوته في الماضي. وفيه أنه إن كان مفروض المسألة قيام البينتين التي شهد كل منهما بالملكية الحالية لكل منهما بغير الاستصحاب ونحوه بل بالاطلاع على عدم الانتقال فلا ريب في تعارضهما في المدة المشتركة، وبقاء الاستصحاب المستفاد من ثبوت الملك في الزمن السابق بحاله، إذ لا قاطع له إلا البينة الساقطة بالاخرى، فيبقى ملك لم يعلم زواله. ومن ذلك يظهر لك ما في قوله: (إن الدعوى بالماضي غير مسموعة) ضرورة سماعها لاثبات الملك في الحال في مثل المقام، بل وفي

[ 439 ]

غيره إذا كان المراد إثباتها للمطالبة بالنماء في ذلك الوقت. نعم لو كانت شهادة القديم بالاستصحاب فالمتجه تقديم الثانية عليها لا التساوي، ضرورة ثبوت الانقطاع ببينة لم يعلم معارضها، إذ الفرض كون مستند البينة الاخرى الاستصحاب الذي لا يعارض بينته، فان ملكية زيد فعلا تقطع ملكية عمرو المستصحبة. ودعوى احتمال كون مستند الثانية سببا لا يقتضي الملكية واقعا يدفعها التعبد بمفادها وإن لم نعلم سببه نعم لو فرض إطلاق الاولى على وجه لم يعلم مستندها اتجه حينئذ ما عرفته أولا من العمل بالاستصحاب بعد التعارض والتساقط فتأمل. ولو اطلقت إحداها وأرخت الاخرى قيل: تساوتا، لاحتمال الاطلاق هذا التأريخ وغيره زائدا أو ناقصا، فلا زيادة في إحداهما على الاخرى إلا بالتعرض للتأريخ، وهو مما لا يؤكد الملك ليتسبب الترجيح. وفيه أيضا أن المتجه تقديم المطلقة مع العلم باستناد المؤرخة إلى الاستصحاب الذي قد عرفت عدم معارضته للبينة التي تقتضي انقطاعه، أما إذا لم يعلم فالمتجه العمل بالاستصحاب أيضا اقتصارا في تساقطهما على ما علم تعارضهما فيه، وهو الملك في الحال فيبقى غيره مستصحبا. ولو شهدت إحداهما بسبب الملك كشراء أو إنتاج أو غيرهما ففي القواعد وغيرها قدمت على المطلقة المحتملة الاستناد إلى اليد، وهي أعم، أو الاستفاضة وقد تكذب، وقد مر في خبر أبي بصير (1) ما يؤيده في الجملة. وفيه أيضا أنه لا إشعار في خبر أبي بصير بذلك كما سمعته سابقا، ولا دليل على الترجيح بمثله، وإنما ذكره العامة لاندراجه في عنوان المرجح، وهو الاشتمال على الزيادة، والمسلم منه زيادة التأريخ ونحوه


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1.

[ 440 ]

مما يمكن أن تقوم به الادلة لا مطلقا كما هو واضح. هذا كله مع كون المشهود عليه ليس في يد أحدهما، أما إذا كان فان كانت بينة الداخل الاسبق تأريخا ففي المسالك هو المقدم لا محالة، بل عن الخلاف نفي الخلاف فيه، لاجتماع مرجحين فيه، ولعموم دليله، ولكن في القواعد تعارض رجحان القدم وكون الاخر خارجا، فيحتمل التساوي وتقديم الخارج لعموم دليله. بل في كشف اللثام هو الاقوى قال: (ويضعف الاول بأن دليله إن تم نزلت بينة الخارج منزلة العدم، ولا عبرة ببينة الداخل إذا لم يكن للخارج بينة، وبأنه على القول بترجيح بينة الخارج لا عبرة ببينة الداخل أصلا، لانها ليست من شأنه، وإذا لم تعتبر لم يكن لترجيحها بالقدمة وغيرها معنى). قلت: الظاهر بناء الاول على القول بأن للداخل بينة مسموعة، وحينئذ يتوجه ترجيحها بالامرين، وتنزيل بينة الخارج منزلة العدم إنما هو لمعارضة بينة الداخل، فلا وجه للقول بأنه لا عبرة ببينة الداخل إذا لم يكن للخارج بينة، بل عن الخلاف الجزم بتقديم بينته هنا في صورة العكس أيضا مدعيا عليه الاجماع والاخبار، ولعله لان البينة بقدم الملك لم تسقط بها اليد، كرجل ادعى دارا في يد رجل وأقام بينة بأنها كانت له أمس لم تزل بها فكذلك هنا، ولعله لذا حكي عن أبي حنيفة مع تقديمه بينة الخارج أنه قدم الداخل هنا، لان بينته أفادت ما لم تفده اليد. وفي كشف اللثام (ويقوى تقديم الخارج كما في المبسوط، لان بينته في الزمان المختص بها غير معارضة، وإذا انفرد الخارج بالبينة فلا إشكال في تقديم قوله).

[ 441 ]

وفي المسالك (وإن كانت بينة الاخر أي الخارج أسبق تأريخا فان لم يجعل سبق التأريخ مرجحا فكذلك يقدم الداخل، وإن جعلناه مرجحا ففي ترجيح أيهما وعدمه أوجه: أحدها ترجيح اليد، لان البينتين متساويتان في إثبات الملك في الحال، فيتساقطان فيه، ويبقى من أحد الطرفين اليد، ومن الاخر إثبات الملك السابق، واليد أقوى من الشهادة على الملك السابق، ولهذا لا يزال بها، والثاني ترجيح السبق، لان مع أحدهما ترجيحا من جهة البينة، ومع الاخرى ترجيحا من جهة اليد، والبينة تتقدم على اليد، فكذلك الترجيح من جهتها يتقدم على الترجيح من جهة اليد، والثالث أنهما متساويان، لتعارض المعنيين). قلت: لا يخفى عليك التحقيق في المسألة، وهو بناء على أن للداخل بينة فلا ريب في تقديم قوله سواء كانت بينته الاسبق تأريخا أو بينة الخارج لبقاء مقتضي اليد الصالح لقطع الاستصحاب، وإن قلنا لا بينة له فلا ريب في تقديم بينة الخارج التي لا تصلح اليد لمعارضتها، والفرض عدم البينة له، سواء اشتملت على تأريخ سابق أو لا. هذا وقد يظهر من إطلاق المصنف عدم اشتراط إضافة البينة بالملك القديم التعرض للملك في الحال، وفي المسالك وهو أحد الوجهين في المسألة، لان الملك إذا ثبت سابقا فالاصل فيه الدوام والاستمرار، فلا يفتقر إلى التصريح باستمراره، والثاني وهو المشهور أن الشهادة بالملك القديم لا تسمع حتى تقول هو ملكه في الحال أو لا أعلم له مزيلا، حتى لو قال: لا أدري زال أم لا لا تقبل، لتضمنها تردد وريبة تنافي الشهادة. بل في القواعد (لو قال: أعتقد أنه ملكه الان بالاستحصاب ففي قوله إشكال) وفي كشف اللثام (من أنه تصريح بمستند الشهادة بالملك في الحال، إذ لا طريق إلى العلم، فكما تسمع مع الاهمال تسمع مع التصريح،

[ 442 ]

وهو خيرة التحرير، ومن أنه ربما انضم إلى الاستصحاب أمور أخر تقوى بقاء الملك حتى يكاد يحصل العلم به، وهو الاقوى). وفي المسالك (الحق أن إطلاق الشهادة بالملك القديم لا تسمع، لعدم التنافي بين كونه ملكا له بالامس مع تجدد انتقاله عنه اليوم وإن كان الشاهد يعلم بذلك، بل لابد من إضافة ما يفيد عدم علمه بتجدد الانتقال، وذلك يتحقق بهذه الصيغ وإن كان الاقتصار على ما لا يشتمل على التردد أولى). قلت: لا مدرك للمسألة بحسب الظاهر إلا صدق اسم الشهادة عرفا، فلا حكم للمشكوك فيها فيه فضلا عن غيرها، ولا ريب في عدم صدق الشهادة بالملك في الحال بمجرد الشهادة على قدم الملك، بل قد يشك في صدقها مع التصريح بالاستصحاب، بل ومع قوله: (لا أعلم له مزيلا) فضلا عن قول: (لا أدرى زال أم لا) وجواز الشهادة بالاستصحاب لا يقتضي تحقق اسمها مع التصريح به أو بما يساويه، وإنما المعلوم كونها شهادة عرفا قوله: (هو ملكه في الحال) ولعله لذا اقتصر عليه بعضهم كما عن آخر التصريح بارادة تحقيق الملك الحال من قوله: (لا أعلم له مزيلا) نحو القول إن هذا الامر قطعي لا أعلم فيه مخالفا ففي الحقيقة هو شهادة على عدوان اليد المعارضة. ومنه حينئذ يعلم عدم انتزاع المال ممن في يده ببينة أنه لغيره سابقا، ولا أعلم له مزيلا على إرادة عدم العلم حقيقة لا العلم بالعدم إلا بناء على انتزاعها منه بالاستصحاب، وستسمع الكلام فيه عند تعرض المصنف له في المسألة الخامسة. وما عساه يظهر من بعض الناس - من الاجماع على كون الشهادة المزبورة كالشهادة على الملك في الحال في الانتزاع بها، بل مرجع الاخيرة إلى الاولى عند التحليل، ضرورة عدم الاحاطة بأسباب الانتقال التي منها

[ 443 ]

ما يقع بين المالك وبين نفسه من دون إطلاع أحد، وحينئذ فما دل على الاخذ بشهادة العدلين من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي) شامل للصورتين، بل محل البحث منهما هي الغالبة، لندرة البينة المطلعة على العدم - لم أتحققه، فان تم كان هو الحجة وإلا فالمسألة، محل نظر، والظاهر عدم تماميته حيث يراد قيامها على مال في يد مسلم، نعم ربما يقال بتماميته حيث لا تكون يد، كما في خبر حمران (2) المشتمل على دعوى ملكية جارية بنت سبع سنين، فلاحظ. بل قد يقال بعدم جواز الشهادة بالاستصحاب المعارض باليد التي لم يعلم فسادها وإن جوزناها به مع عدم المعارضة، كما تجوز باليد وغيرها من الامارات الشرعية، فتأمل جيدا. هذا وفي كشف اللثام (وللشيخ في كل من الخلاف والمبسوط قولان إذا لم يقيده باحدى العبارتين أي الملك في الحال أو لا أعلم له مزيلا، وكان وجه عدم اعتبار التقييد أنه إذا ثبت الملك استصحب إلى أن يظهر المزيل، واستوجهه في محكي التحرير، وهو كذلك إذا لم تعارضه يد أو غيرها مما تقتضي انقطاعه). ولكن لا يخفى عليك خروج ذلك عما نحن فيه الذي هو الشهادة بالملك الحالي لا استصحاب المشهود به الذي هو الملك السابق وأحدهما غير الاخر، ضرورة أن الاخير عمل باستصحاب المشهود به لا بالشهادة عليه وفرق واضح بينهما. هذا كله في الشهادة بالملك السابق. أما لو شهد بأنه أقر له بالامس ففي القواعد (ثبت الاقرار، واستصحب موجبه وإن لم يتعرض الشاهد للملك الحالي) وفي كشف اللثام (كما إذا


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 9.

[ 444 ]

سمعنا نحن منه الاقرار حكمنا بالملك للمقر له إلى ظهور المزيل، والفرق بين ثبوت الملك بالاقرار وثبوته بالبينة ظاهر) وفيه نظر يأتي الكلام فيه عند تعرض المصنف. وكيف كان فقد ظهر لك الحال في الترجيح بزيادة التاريخ (وكذا) بزيادة غيره. اما (الشهادة بالملك) فلا ريب أنها (أولى من الشهادة باليد لانها محتملة) للملك وغيره وإن كانت ظاهرة فيه لكن مع عدم معارضة الصريح فيه، إذ من المعلوم عقلا ونقلا عدم معارضة الظاهر للنص، ولذا لم تعارض اليد الفعلية الحسية البينة على الملك فعلا، كما هو المعلوم من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة على المدعي) وغيره، فضلا عن اليد الثابتة بالبينة (وكذا الشهادة بسبب الملك) من شراء ونحوه (أولى من الشهادة بالتصرف) الذي يكون عن ملك وعن وكالة وعن غيرها وإن كان هو ظاهرا في الاول، لكن مع عدم معارضة الصريح فيه، نحو ما سمعته في اليد الذي ما نحن فيه قسم منها في الحقيقة، ومن هنا تقدم البينة المزبورة على التصرف المحسوس فعلا فضلا عن الثابت بالبينة، بل الظاهر كون الحكم كذلك وإن لم تشتمل بينة الملك على السبب، إذ العلة جارية فيهما، كما هو واضح. وبذلك ظهر لك أن مقصود المصنف وغيره عدم التعارض بين بينة الملك أو اليد والتصرف حيث يتعلقان بمورد واحد، كما لا تعارض بينة القديم للاقدم والحادث للقديم. هذا ولكن في المسالك بعدما ذكر نحو ما ذكرنا (ولا فرق على


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5.

[ 445 ]

هذا التقدير بين تقديم تأريخ شهادة اليد - بأن شهدت أن يده على العين منذ سنة، وشهدت بينة الملك بتأريخ متأخر أو بأنه يملكه في الحال - وتاخره، لاشتراك الجميع في المقتضى، وهو احتمال اليد بخلاف الملك، وفي هذه المسألة قول بتقديم اليد على الملك القديم، وسيأتي الكلام فيه). وهو كما ترى، ضرورة أجنبية ذلك عما نحن فيه، وهو ما عرفت من إرادة بيان عدم تعارضهما بعد فرض تعلقهما بمورد واحد، لا أن المراد عدم معارضة اليد الفعلية للملكية السابقة المختلف متعلق كل منهما، نعم في معارضة اليد لاستصحاب الملك السابق بحث تسمع الكلام فيه إنشاء الله في المسألة الخامسة، وهو غير ذلك. المسألة (الثالثة:) (إذا ادعى شيئا) في يد آخر (فقال المدعى عليه: هو لفلان اندفعت عنه المخاصمة) فعلا (حاضرا كان المقر له أو غائبا) وسواء قال: هو وديعة عندي أو عارية أو لم يقل، لعدم يمين له عليه، إذ لا يحلف على مال لغيره. (و) لكن (إن قال المدعي: أحلفوه أنه لا يعلم أنها لي توجهت اليمين) عليه كما في القواعد وغيرها، بل هو أحد قولي الشيخ على ما قيل (لان فائدتها الغرم لو امتنع) عنها وأحلف المدعى، لحيلوته حينئذ بين المالك وماله باقراره (لا القضاء بالعين لو نكل أو رد) لصيرورتها مال الغير بالاقرار السابق الذي لا يبطله الاقرار اللاحق فضلا عما كان بحكمه. (وقال الشيخ: لا يحلف و) ذلك لانه (لا يغرم لو نكل)

[ 446 ]

بل أو أقر للمدعي، لعدم صدق الاتلاف بذلك شرعا. (والاقرب) عند المصنف وغيره (أنه يغرم، لانه حال بين المالك وبين ماله باقراره لغيره) فهو كالمتلف نحو ما تسمعه في ضمان شاهد الزور. هذا ولكن في المسالك بعد أن فرع توجه الدعوى على القول بالغرم باقراره اللاحق قال: (وإن قلنا لا - وهو أحد قولي الشيخ - فان قلنا النكول ورد اليمين كالاقرار لم يحلفه، لانه وإن أقر أو نكل وحلف المدعي لا يستفيد شيئا، وإن قلنا كالبينة فله التحليف، لانه قد ينكل فيحلف المدعي، فإذا حلف وكانت العين تالفة أخذ القيمة). وفيه - بعد الاغماض عما في تقييده بتلف العين - أن غاية ذلك كون اليمين المردودة كالبينة على إقراره مع علمه بكونه للمدعى، والفرض عدم اقتضاء ذلك الغرم لو أقر به هو، وليس هو بينة على كون المال له، ضرورة كون الدعوى علمه بالمال (بالحال خ ل) فهي تكون كالبينة على ذلك، ولا تزيد على الاقرار المفروض عدم الغرم به كما هو واضح، ولذا حكى عن الشيخ إطلاق عدم توجه اليمين على التقدير المزبور، فتأمل. (ولو أنكر المقر له حفظها الحاكم) بعد أن ينتزعها منه، (لانها خرجت عن ملك‍) ه أي (المقر ولم تدخل في ملك المقر له و) حينئذ ف‍ (لو أقام المدعي بينة) ولو شاهدا ويمينا على أنها له (قضي) بها (له) أما إذا لم تكن له بينة فلا يقضي بها له. واحتمل في القواعد دفعها إليه بلا بينة ولا يمين، لعدم المنازع له فيه، وهو بعد، لكونها في يد. وأبعد منه ما عن بعض العامة من أنه يقال للمقر إنك نفيت أن تكون لك وقد رده المقر له، فان لم تقر به لمعروف تنصرف الخصومة

[ 447 ]

إليه أو تدعيه لنفسك وإلا جعلناك ناكلا، وحلف المدعي واستحق، إذ لا يخفى عليك ما فيه. وعن التحرير احتمال تركها في يد المقر إلى قيام حجة، لانه أقر للثالث، وبطل إقراره، فكأنه لم يقر، وفيه أن بطلانه بالنسبة إلى تملك المقر له لا بالنسبة إلى نفيها عنه، كما هو واضح. وإن رجع المقر له عن إنكاره وصدق المقر في كونه له فعن التذكرة أن له الاخذ عملا باقرار المقر السالم عن إنكاره، لزوال حكمه بالتصديق الطارئ فتعارضا وبقي الاقرار سالما عن المعارض، وتردد فيه في محكي التحرير، وفيه منع زوال حكمه بذلك بالنسبة إلى نفيه عنه، ومن هنا لو رجع ذو اليد فقال: غلطت بل هو لي لم يقبل منه، كما عن الكتابين المزبورين الاعتراف به بناء على انتزاع الحاكم، لخروجه عن يده وأخذه باقراره الاول، والله العالم. ثم الحكم في المقر له الغائب كالحكم في الحاضر بالنسبة إلى تصديقه وتكذيبه، وللمدعي إقامة البينة وأخذه قبل معرفة حاله، ولكن هو من الحكم على الغائب، فينبغي مراعاة شروطه السابقة كما له أيضا إحلافه على عدم العلم، نحو ما سمعته في الحاضر. نعم في القواعد (إذ نكل وحلف المدعي فهل ينتزع العين أو يغرم له ؟ الاقرب الثاني، وعلى الاول إن رجع الغائب كان هو صاحب اليد، فيستأنف الخصومة معه، ولو كان للمدعي بينة فهو قضاء على الغائب يحتاج إلى يمين، ولو كان لصاحب اليد بينة على أنه للغائب سمعت إن أثبت وكالة نفسه، وقدمت على بينة المدعي إن قلنا بتقديم بينة ذي اليد، وإن لم يدع وكالة فالاقرب السماع وإن لم يكن مالكا ولا وكيلا، لدفع اليمين عنه، ولو ادعى رهنا أو إجارة سمعت، فان سمعنا لصرف

[ 448 ]

اليمين قدمت بينة المدعي في الحال، وإن سمعنا لعلقة الاجارة والرهن ففي تقديم بينته أو بينة المدعي إشكال). وهو جيد إلا دعوى دفع اليمين عنه بالبينة المزبورة التي لا وجه لاقامتها منه مع فرض عدم كونه وكيلا ولا صاحب حق وإن قلنا بانتفاعه بها لو أقامها المقر له في دفع اليمين عنه من حيث الاقرار الذي لا حيلولة به في الفرض بناء على ثبوت المال بالبينة، وأما ما ذكره من الاشكال فالاقرب أنهما معا خارجان، والله العالم. ولو أقر بها لمن يمتنع مخاصمته وتحليفه كما لو قال: هي وقف على الفقراء، أو على مسجد، أو على ابني الطفل، أو هي ملك له انصرفت الخصومة عنه، ولا سبيل إلى تحليف الولي ولا الطفل، ولا تغني إلا البينة. وفي المسالك (وإذا قضى له الحاكم بالبينة وكان الاقرار لطفل كتب الحاكم صورة الحال في السجل ليكون الطفل على حجته إذ بلغ). قلت: قد يقال: بعدم الحجة له لوجود وليه القائم مقامه الذي هو أولى من الوكيل، فتأمل. هذا كله إذا أقر بها لمعين. (أما لو أقر المدعى عليه بها لمجهول) فقال: هي ليست لي ولكن لمن لا أسميه ففي القواعد وغيرها (لم تندفع الخصومة) عنه (وألزم البيان) أو الاعتراف للمدعي قيل أو الادعاء لنفسه. وفيه أنه مناف لاقراره الاول، كما أنه قد يناقش في أصل عدم اندفاع الخصومة عنه بعد الحكم شرعا بانتفاء المال عنه، وحينئذ يأخذه الحاكم منه وينحصر إثباته للمدعي باقامة البينة عليه. ولو قال المدعي للعين: هي وقف علي وأقر بها من هي في يده لاخر وصدقه فقد عرفت انصراف الخصومة عنه، لكن في المسالك في

[ 449 ]

إحلافه هنا وإن قلنا به في غيره وجهان، من حيث إن المدعي قد اعترف بالوقف والوقف لا يعتاض عنه، ومن أنه مضمون بالقيمة عند الاتلاف والحيلولة في الحال كالاتلاف، وهذا أقوى). المسألة (الرابعة:) (إذا ادعى) مدع (أنه) مثلا قد (آجره الدابة) المعينة لمن هي في يده مدة معينة (وادعى آخر أنه أودعه) أو أعاره (إياها) في المدة المزبورة (تحقق التعارض مع) فرض (قيام البينتين بالدعويين) وعدم تصديق من هي في يده لاحدهما لموته أو عدم حضوره أو غير ذلك (وعمل بالقرعة مع) فرض (تساوي البينتين في عدم الترجيح) بشئ من المرجحات السابقة، فيحلف من خرجت القرعة باسمه، فان نكل حلف الاخر وإن نكلا قسمت العين بينهما نصفين، إذ هي حينئذ من دعوى الملك بدعوى اليد والتصرف من كل منهما، فيجري فيها الحكم السابق، ولا تكون المسألة حينئذ من مسألة الاختلاف في العقود كي ينبغي للمصنف ذكرها في الفصل الثاني، بل هي من الاختلاف في الاملاك حينئذ، ولذا ذكرها في فصله. وأصرح منها عبارة الارشاد، قال: (ولو أقام بينة بايداع ما في يد الغير منه وآخر بينة باستئجار القابض منه أقرع مع التساوي) ومثلها عبارته في التحرير، وبما ذكرناه شرحها في مجمع البرهان إلى أن قال: (وإن نكلا يمكن الحكم بالقسمة كما مر، ويحتمل ترجيح من صدقه المتشبث وأن للاخر تحليفه على عدم العلم بأنه له، بل لكل واحد على تقديري دعوى العلم وإنكاره يمكن تحليفه).

[ 450 ]

قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا بعد أن كان ؟ ما نحن فيه منه. هذا وفي المسالك في شرح العبارة (المراد أن الدابة في يد المدعى عليه، والمدعيان خارجان فادعى أحدهما أنه آجرها من صاحب اليد وادعى الاخر أنه أو دعه إياها، فان لم يقيما بينة حكم بها لمن يصدقه المتشبث، وإن أقام كل منهما بينة بدعواه تحقق التعارض بين البينتين مع الاطلاق أو اتحاد التأريخين، وحينئذ فيرجع إلى ترجيح إحدى البينتين بالعدالة أو العدد، فان انتفى بالقرعة، ولو تقدم تأريخ إحداهما بنى على الترجيح به وعدمه، وقد تقدم نظيره في الملك وسيأتي مثله، وقد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى، لان الاختلاف فيها اختلاف في العقود). وفيه - مع أن ظاهره عدم العبرة بتصديق المتشبث مع قيام البينتين - أنه قد جعل المسألة من الاختلاف في العقود الذي معناه اختلاف فيها مع الاتفاق على المالك، وهو غير ما ذكرناه، على أن قوله أولا: (في يد المدعى عليه) يقتضي كون الدعوى منهما عليه، مع أن المسألة في الدعوى بينهما مع قطع النظر عمن في يده، فتأمل. نعم هي في القواعد مفروضة في اختلاف العقود، قال: (ولو ادعى استئجار العين وادعى المالك الابداع تعارضت البينتان وحكم بالقرعة مع تساويهما) وشرحها في كشف اللثام فقال: (ولو ادعى استئجار العين وادعى المالك الايداع فكل منهما يدعي عقدا مخالفا لما يدعيه الاخر وإن تضمن الاول تسلط ذي اليد على المنافع دون الثاني، فإذا أقام كل منهما بينة تعارضت البينتان، وحكم بالقرعة واليمين مع تساويهما فيما عرفت، ومع نكولهما يقتسمان المنافع بانقسام المدة أو العين في تمام المدة). وفيه ما لا يخفى حتى دعوى القسمة بينهما على الوجه المزبور، ومن

[ 451 ]

هنا قال: (والاقوى أن القول قول المالك والبينة بينة الاخر، للاتفاق على أن العين والمنافع ملك له، فمن يدعي الاستئجار يدعي تمليك المنافع وهو ينكره، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) (في الثوب يدعيه الرجل في يد رجل فيقول الذي هو في يديه: هو لك عندي رهن، ويقول الاخر: هو لي عندك وديعة، قال: القول قوله، وعلى الذي في يديه البينة أنه رهن عنده) ويحتمل العكس بعيدا بناءا على أنه ذو يد واليد كما ترجح ملك العين ترجح ملك المنفعة) انتهى. وهو جيد لكن ينبغي بناء المسألة على تقديم بينة الداخل والخارج. وكيف كان فما ذكره المصنف بناء على ما عرفت غير مفروض القواعد وإن أبيت عن تفسير المتن بما سمعت، لعدم مدخلية اختلافهما في الاجارة والايداع في ذلك، ضرورة مساواته لما إذا ادعى كل منهما الاجارة أو الوديعة، إذ المراد بيان كونها له بذلك. فالمتجه حينئذ تفسيرها بارادة بيان التداعي بين المدعيين الخارجين مع قطع النظر عن المالك لغيبة مثلا أو غيرها، فقال أحدهما: إن المالك قد آجرها لي سنة مثلا وقال الاخر: إن المالك أودعنيها أو أعارنيها السنة المزبورة وأقام كل منهما بينة واتحد تأريخهما وعددهما وعدالتهما يقرع بينهما، إلا أن الظاهر كونها قرعة تعيين لا لليمين، إذ القول بالتنصيف بينهما على الوجه الذي سمعته من الفاضل في دعوى المالك وغيره واضح الضعف، لعدم مساعدة الادلة عليه، وأقرب منه القول على تقدير اليمين وقوف الدعوى مع نكولهما وعدم الحكم بصحة دعوى أحد منهما، والله العالم.


(1) المستدرك - الباب - 14 - من كتاب الرهن - الحديث 2.

[ 452 ]

المسألة (الخامسة:) (لو ادعى دارا) مثلا (في يد انسان واقام بينة أنها كانت في يده أمس أو منذ شهر قيل) كما عن الاسكافي والشيخ في محكي المبسوط والخلاف: (لا تسمع هذه البينة) بل (وكذا لو شهدت له بالملك أمس، لان ظاهر اليد الان الملك) فعلا (فلا تدفع بالمحتمل) وهو اليد والملك السابقان، ولعدم تطابق الشهادة والدعوى التي هي الملك الان، والاستصحاب مقطوع بظاهر اليد. (وفيه إشكال، ولعل الاقرب القبول) عند المصنف كما هو أحد قولي الشيخ أيضا، لان اليد الحاضرة وإن كانت دليل الملك لكن السابقة المستصحبة والملك السابق كذلك أولى، لمشاركتها لها في الدلالة على الملك الان وانفراد هما بالزمن السابق، فيكونان أرجح، والحكم باستصحابها أوجب المطابقة بين الدعوى والشهادة، ولان الثابت من اقتضاء اليد الملكية فعلا حال عدم ما يعارضها ولو استصحاب يدعيه الخصم، ولذا صرح غير واحد بانتزاع العين من يد من أقر بأنها ملك المدعي أمس. بل في الكفاية (وفي كلامهم القطع بأن صاحب اليد لو أقر أمس. أن الملك له أو شهدت البينة باقراره له أمس أو أقر بأن هذا له أمس قضي به له) وإن استشكل هو في إطلاق ذلك. ودعوى ظهور الفرق بين ثبوت الملك بالاقرار وبين ثبوته بالبينة كما سمعته سابقا من كشف اللثام كما ترى. وكان عبارة الفاضل في القواعد لا يخلو من تدافع في الجملة، حيث

[ 453 ]

قال في المسألة: (ولو شهد أنه كان في يد المدعي بالامس قبل، وجعل المدعي صاحب يد، وقيل: لا يقبل لان ظاهر اليد الان الملك، فلا يدفع بالمحتمل، نعم لو شهدت بينة المدعي أن صاحب اليد غصبه أو استأجرها منه حكم له، لانها شهدت بالملك وسبب يد الثاني) وقد قال سابقا: (ولو شهدت البينة بأن الملك له بالامس ولم تتعرض للحال لم تسمع إلا أن تقول: وهو ملكه في الحال أو لا نعلم له مزيلا، ولو قال: أعتقد أنه ملكه بالاستصحاب ففي قبوله إشكال، أما لو شهد بأنه أقر له بالامس ثبت الاقرار واستصحب موجبه وإن لم يتعرض الشاهد للملك الحالي، ولو قال المدعى عليه: كان ملكك بالامس انتزع من يده، فيستصحب بخلاف الشاهد، فانه عن تخمين، وكذا يسمع من الشاهد لو قال: هو ملكه بالامس اشتراه من المدعى عليه، أو أقر له المدعى عليه بالامس، لانه استند إلى تحقيق). ومثلها عبارة الارشاد قال: (ولو شهدت بملكه في الامس لم تسمع حتى تقول: وهو ملكه في الحال أو لا أعلم زواله، ولو قال: لاأدرى زال أم لا لم يقبل، أما لو قال هو ملكه بالامس اشتراه من المدعى عليه أو أقر له به أو غصبه من المدعي أو استأجره منه قبل، ولو شهد بالاقرار الماضي ثبت وإن لم يتعرض للملك في الحال، ولو قال المدعى عليه: كان ملكت بالامس انتزع من يده، ولو شهد أنه كان في يده أمس ثبتت اليد وانتزعت من يد الخصم على إشكال). وفي غاية المراد التصريح باختيار المصنف وكذ المفاضل في المختلف واقتصر في الدروس على نقل القولين من دون ترجيح، ولعل الوجه في ذلك منهم ما أشرنا إليه سابقا من عدم الحكم بالشهادة حتى يضيف إليها ما يقتضي الشهادة بالحال، أما مع عدم ذلك فليس إلا الاستصحاب،

[ 454 ]

وهي المسألة التي اختلف فيها كلام الشيخ. وعلى كل حال فقد احتج في المختلف على مختاره بما حاصله أنه قد بينا تقديم البينة التي تشهد بالملك القديم على البينة التي تشهد بالملك الحادث، وهو مما لا يجتمع مع القول بعدم الحكم بسبق اليد التي هي دليل ظاهر على الملكية، فإذا ثبت بالبينة أو بالاقرار سبقها فقد ثبت دليل الملك، وثبوت دليل الملك يقتضي ثبوت مدلوله، وإلا لم يكن دليلا، وقد عرفت تقديم بينة قدم الملك، ثم حكى عن الشيخ الاحتجاج بأعمية اليد السابقة من الملكية، وأجاب بمنع ذلك، فان اليد مع عدم دليل ينافي الملكية دليل عليها، وإلا لجاء ذلك في اليد المتأخرة ايضا. وفي المسالك بعد أن ذكر القولين ومختار المصنف منهما ودليله قال: (وقد تقدم البحث فيه، والفرق بين هذه والسابقة الموجب لاعادة البحث أن المعارضة في هذه بين اليد المتحققة والسابقة الثابتة بالبينة والملك السابق كذلك، والسابقة وقع فيها التعارض بين البينتين الدالة إحداهما على اليد في الحال مع عدم ظهورها في غيره والاخرى على الملك السابق فلا تعرض فيها للمعارضة بين اليد السابقة والحالية، وقد تأكد من إطلاقه الحكم هنا وفي السابقة تقديم الملك القديم بغير تقييد بكونه إلى الان أو عدم المزيل أن إضافة ذلك غير شرط، وإلا صح اشتراط إضافة ما يعلم منه أن الشاهد لم يتجدد عنده علم الانتقال، لما بيناه من عدم المنافاة بين علمه بالملك وشهادته به مع انتقاله عن المالك الان). وهو من غرائب الكلام، كما أشرنا إليه سابقا، ومقتضاه موافقة المصنف على القبول مع إضافة ما يعلم منه عدم علم الشاهد بالملك أمس بالانتقال، وبالجملة لا يخفى على من تأمل كلمات الجميع ما فيها من الخلط والخبط في موضوعات المسائل، إذ من المعلوم أن المراد في المسألة السابقة

[ 455 ]

التي قدمنا فيها بينة الملك القديم على بينة الملك الحادث كون كل من البينتين تشهد بالملك فعلا للمال الخارج عنهما ويتعارضان في ذلك، ولكن إحداهما تشهد مع ذلك بملك سابق لا تعارضها الاخرى فيه، فترجح حينئذ أو يبقى استصحابه سالما عن المعارض، وهذه غير الشهادة بالملك أمس فقط أو باليد السابقة الدالة عليه، فانه ليس إلا استصحاب ذلك، وهو لا يصلح معارضا لما تقضي به اليد الحالة من الملك فعلا، إذ هو وارد على الاستصحاب وقاطع له، فلا مدخلية لهذه المسألة في تلك. نعم لو قلنا بكون اليد أمارة على الملك في الجملة لا مطلقا أشكل الحال حينئذ) ولكنه ظاهر الاصحاب، ويمكن استفادته أيضا من التأمل في النصوص، خصوصا الخبر (1) المشتمل على جواز الشهادة باليد والقسم على ذلك وإلا لم يقم للمسلمين سوق وغيره (2) وبذلك مضافا إلى ما تقدم لنا ظهر لك الحال في المسألة ودليلها وما في الكلمات المزبورة. وأما ما سمعته من الفرق بين الاقرار وغيره فالمسلم منه إن لم يكن إجماعا من إذا بقيت العين في يد المقر ولم يعلم تجدد يد أخرى له، فان الظاهر حينئذ أخذه باقراره الرافع لحكم استدامة يده السابقة مع فرض عدم العلم بتجدد يد غيرها، والاصل عدمها، أما لو كان قد أقر بها ودفعها إلى المقر له ثم وجدت في يده المقتضية كونه مالكا لها فان انتزاعها من يده لاستصحاب الاقرار السابق محل إشكال بل محل منع، ضرورة عدم الفرق بينه وبين انتزاعها باستصحاب الملك السابق الثابت بالبينة الذي قد عرفت عدمه. وبذلك يظهر لك الوجه بانتزاعها منها باقراره بالغصبية أو الاستئجار أو نحوهما، لاصالة عدم يد أخرى غير التي صادفت إقراره، وحينئذ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 - ؟ -

[ 456 ]

فالميزان ذلك، فلاحظ انطباقه على ما في العبارات السابقة، هذا كله مع شهادة البينة بملكه سابقا فقط. (أما لو شهدت) أي (بينة المدعي) مع ذلك ب‍ (أن صاحب اليد غصبه أو استأجره حكم بها) بلا خلاف ولا إشكال (لانها شهدت بالملك وسبب يد الثاني) والاصل عدم تجدد يد أخرى غير الاولى له، كما أن الاصل عدم تجدد سبب غير حكم الاستدامة للابتداء (و) هو واضح. كوضوح الحكم فيما لو (قال: غصبني إياها وقال آخر: بل أقر لي بها وأقاما البينة قضي) بها (للمغصوب) الذي شهدت بينته له بالملك وسبب يد المتشبث وأنها عارية في مجموع وقتها، وحينئذ يكون إقراره للغير بها في زمن اليد إقرارا بعين مغصوبة فلا ينفذ (ولم يضمن المقر) للمقر له شيئا (لان الحيلولة لم تحصل باقراره) لاخر (بل بالبينة) التي يزعم أنها ظالمة، والله العالم. (المقصد الثاني) من المقاصد الاربعة في الاختلاف في العقود) (إذا اتفقا) المؤجر والمستأجر (على استئجار دار معينة شهرا معينا واختلفا في الاجرة) فاما أن يعد ما البينة أو يجداها أو يجدها أحدهما خاصة، وعلى التقديرات فالاختلاف إما بعد استيفاء المدة أو في

[ 457 ]

أثنائها أو ابتدائها، فيكون الصور حينئذ تسعة، فان عدما البينة فالقول قول المستأجر بيمينه في صوره الثلاثة على المشهور، بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، لحصول عنوان المدعى عليه والمنكر فيه كحصول وصف المدعي للمؤجر، فهما حينئذ بمنزلة ما لو ادعى عليه عشرة دنانير وأقر له بخمسة، فان القول قوله في نفي الزائد بغير إشكال. خلافا للشيخ في المحكى عن مبسوطه فالتحالف، وتبعه عليه بعض المتأخرين، نظرا إلى أن كلا منهما مدعي ومدعى عليه، لان العقد المتشخص بالعشرة غير العقد المتشخص بالخمسة، فيكون كل منهما مدع لعقد غير العقد الذي يدعيه الاخر، وهذا يوجب التحالف حيث لم يتفقا على شئ ويختلفان فيما زاد عليه، فإذا تحالفا حينئذ انفسخ العقد بحكم الحاكم، ورجع المؤجر بأجرة المثل للمنفعة المستوفاة كلا أو بعضا وإلا فلا شئ له. وضعفه في المسالك وغيرها بأن (العقد لا نزاع بينهما فيه، ولا في استحقاق العين المؤجرة للمستأجر، ولا في استحقاق المقدار الذي يعترف به المستأجر، وإنما النزاع في القدر الزائد، فيرجع فيه إلى عموم الخبر (1) ولو كان ما ذكروه من التوجيه موجبا للتحالف لورد في كل نزاع على حق مختلف المقدار، كما لو قال: أقرضتك عشرة فقال: بل خمسة، فان عقد القرض المتضمن أحد المقدارين غير العقد المتضمن للاخر، وكما لو قال: أبرأتني من عشرة من جملة الدين الدي علي فقال: بل خمسة، فان الصيغة المشتملة على أحدهما غير الاخرى، وهكذا القول في غيره، وهذا مما لا يقول به أحد، والحق أن التحالف إنما يرد حيث لا يتفق الخصمان على قدر ويختلفان في الزائد عنه، كما لو قال المؤجر: آجرتك


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 458 ]

الدار شهرا بدينار فقال، بل بثوب، أو قال: آجرتك هذه الدار بعشرة فقال: بل تلك الدار، ونحو ذلك. أما في المتنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هو الاصح). قلت: قد يقال: إن المتجه التحالف إذا فرض كون مصب الدعوى منهما في تشخص العقد الذي هو سبب الشغل، إذ لا فرق في مشخصاته بين زيادة الثمن ونقصانه وبين غيرهما من المشخصات، نعم لو كانت الدعوى بينهما في طلب الزائد وإنكاره وإن صرحا بكون ذلك من ثمن الاجارة كان المؤجر حينئذ المدعي والمستأجر المنكر بخلاف الاول الذي لا يشخص الاصل أحدهما، إذ كل منهما أمر وجودي والاصل عدمه، والفرض أنه شخص واحد لا شخصان. وفرق واضح بين ذلك وبين دعوى القرض والابراء اللذين يتصور فيهما تعدد عقد القرض والابراء، إلا أن يفرض اتفاقهما على صيغة واحدة واختلفا فيما تضمنته، فان المتجه حينئذ التحالف، ولكن نتيجته فيها عدم ثبوت الزيادة المدعاة للمقرض ومدعي الابراء، بخلاف المقام الذي يرجع إلى أجرة المثل التي قد تخالف الزيادة المدعاة، وبذلك يمكن عود النزاع لفظيا. واحتمال القول بأنه مدع ومنكر حتى على الفرض المزبور باعتبار موافقة دعوى النقيصة لاصل البراءة يدفعه أن ذلك الشخص ليس مقتضى أصل البراءة، كما أنه يدفع القول بأن ضابط التحالف عدم اتفاقهما على قدر متفق عليه - وهو خلاف الفرض - أن النقيصة ليست قدرا متفقا عليها في العقد الذي هو محل النزاع، ضرورة أن الخسمة فيه ليست جزء من العشرة في التقدير الاخر، وإنما يتصور ذلك فيما لو اتفقا على ذكر مقدار مخصوص في العقد واختصما في عطف أمر زائد عليه، لا في مثل المقام الذي محل النزاع فيه أن عقد الاجارة المشخص هل كان لفظ الثمن فيه

[ 459 ]

خمسة أو عشرة، كما هو واضح وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب البيع (1) مع الاختلاف في الثمن لولا النص المخصوص فيه، فلاحظ وتدبر. أللهم إلا أن يقال: إن ذلك كله لا ينافي الاتفاق على شغل الذمة بمعنى الخمسة الذي هو قدر مشترك بين لفظها ولفظ العشرة مثلا، ضرورة تحقق شغل الذمة بذلك على كل من التقديرين، فلا يتحقق موضوع التحالف، نعم قد يمنع انحصار موضوعه في ذلك، وإنما العمدة فيه العرف الصادق في الفرض أن كلا منهما مدع ومدعى عليه، فتأمل. هذا وعن موضع من الخلاف القرعة مع اليمين، ولعله لاشكال الحال عليه في أنه من التداعي أو من المدعي والمنكر وإن كان فيه أنه لا إشكال بحسب الاجتهاد فيه على ما ذكرناه. بل وعلى غيره أيضا. ولم يتعرض الشيخ لما إذا نكلا معا بعدها، فهل تقسم الزيادة بينهما أو يوقف الحكم، وفي الثاني إشكال مع فرض استيفاء المنفعة بل والاول، لعدم شمول دليل التنصيف لها، خصوصا مع كون نزاعهما في العقد الذي هو غير قابل للقسمة لا فيها نفسها، وقد يقال مع الاستيفاء بوجوب دفع أقل الامرين من أجرة المثل المفروض كونها اقل مما يدعيه المؤجر ومن المسمى الذي يدعيه المستأجر على الثاني ويحتمل القرعة بلا يمين، هذا كله مع عدم البينة لاحدهما. (و) أما إذا (اقام كل منهما بينة بما قدره) في دعواه (فان تقدم تأريخ إحداهما) للعقد بأن قال وقع في شهر رمضان مثلا والاخر في شوال (عمل به، لان) العقد (الثاني يكون باطلا) بعد اتفاقهما على عدم الاقالة. (وإن كان التاريخ واحدا) أو كانت البينتان مطلقتين، بل أو


(1) راجع ج 23 ص 184 - 186.

[ 460 ]

إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة، لعدم مدخلية جهل التأريخ هنا، كما هو واضح (تحقق التعارض، إذ) الفرض كون العقد واحدا، و (لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين) صحيحين (متنافيين، وحينئذ) فليس مع فقد الترجيح بينهما بالمرجحات السابقة إلا أن (يقرع بينهما، ويحكم لمن خرج اسمه مع يمينه) للنصوص (1) السابقة، فان نكل حلف الاخر،: وإن نكلا معا فقد عرفت الكلام فيه. و (هذا اختيار شيخنا في المبسوط) وهو متجه في صورة التحالف مع عدم البينتين، ضرورة حصول التعارض بين الشهادتين بعقدين متخالفين يكذب كل منهما الاخر كالشهادة بعقدين على معنيين كدرهم ودينار، فان استئجار عين بألف في وقت يناقض استئجارها بألفين في عين ذلك الوقت كما ان استئجارها بدرهم في وقت ينافى استئجارها بدينار في ذلك الوقت بعينه، بخلاف ما إذا شهدت بينة بأن عليه ألفا وأخرى بأن عليه ألفين أو بينة بابرائه من ألف وأخرى بابرائه من ألفين، كما اعترف بذلك كله في كشف اللثام، وهو يؤيد القول بالتحالف مع عدمهما ومشتمل على الفرق بين المقام وبين القرض والابراء اللذين سمعت الايراد به من ثاني الشهيدين. (وقال آخر) وهو الحلي في محكي السرائر: (يقضى ببينة المؤجر، لان القول قول المستأجر لو لم تكن بينة، إذ هو يخالف على ما في ذمة المستأجر، فيكون القول قوله، ومن كان القول قوله كان البينة في طرف المدعي، وحينئذ نقول: هو) أي المؤجر (مدع زيادة وقد أقام البينة بها، فيجب أن تثبت) لانه خارج ولا بينة للمستأجر، لانه داخل، إذ المراد من الداخل والخارج في كلامهم المدعي والمنكر


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 و 6 و 7 و 8.

[ 461 ]

لا خصوص ذي اليد ومدعيه وإن كانت النصوص قد اشتملت عليه. (وفي) إطلاق (القولين تردد) بناء على ما عرفته من اختلاف صورة الدعوى التي يتجه في إحداهما ما ذكره الشيخ وفي الاخرى ما ذكره الحلي بناء على تقديم بينة الخارج، وإن قلنا بتقديم بينة الداخل اتجه تقديم بينة المستأجر، ومع فرض تساويهما في ذلك يرجع إلى القرعة، كما هو واضح. وأما إذا كانت البينة لاحدهما خاصة فلا ريب في القضاء بها له في صورة التحالف وللمدعي في الصورة الاخرى، أما إذا أقامها المنكر فيها فلا عبرة بها بناء على عدم بينة له مطلقا. (و) مما تقدم يظهر لك الحكم في ما (لو ادعى استئجار) دار) معينة مدة معينة بأجرة كذلك (فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها) وفي التحرير وكشف اللثام أو ادعى استئجارها شهرين، بعشرة والمؤجر شهرا بها، ضرورة اتحاد وجه البحث فيهما، ولذا (قال الشيخ) فيها: (يقرع بينهما) نحو ما سمعته منه في السابقة أو يتحالفان على قوله الاخر. (وقيل) والقائل ابن إدريس في محكي السرائر: (القول قول المؤجر) نحو ما سمعته منه أيضا في تقديم قول المستأجر في نفي الزيادة في الاجرة. (و) لكن في المتن هنا أن (الاول أشبه لان كل واحد منهما مدع) مع تردده في القولين في السابقة، على أن تعليله يقتضي التحالف لا القرعة، ولعله لظهور التداعي في المقام بخلاف الاول الذي مرجعه إلى دين في الذمة، ولذا جزم في التحرير بالفرق بينهما. وعلى كل حال فلا يخفى عليك طرد ما تقدم هنا. (و) منه ما (لو أقام كل منهما بينة تحقق التعارض مع

[ 462 ]

اتفاق التاريخ) أو إطلاقها أو إطلاق إحداهما وتأريخ الاخرى والتساوي في العدد والعدالة، فيقرع بينهما على القول بالتحالف، وتقدم بينة المستأجر على القول بكونه المدعي الخارج والمؤجر هو الداخل الذي لا بينة له. وفي كشف اللثام (في الاول يحكم بالقرعة مع اليمين، فان نكلا فالظاهر أن البيت لما اتفقا على إجارته فهو في إجارته إلى أن تمضى المدة ويقتسمان الباقي نصفين، ويسقط من الاجرة بالنسبة، وكذا مع الاختلاف في الزمان يقتسمان شهرا من الشهرين، فتكون الدار عند المستأجر شهرا ونصفا، ويسقط من الاجرة ربعها، وإن كان النزاع أو رفعه بعد مضي المدة وتصرف المستأجر في تمام الدار وتمام الشهرين يثبت للمالك في نصف غير البيت أو في نصف شهر أجرة المثل). وفيه أن المتجه في الاول ثبوت الاجرة مع قسمة ما فيه النزاع بالنصف، نعم يتجه أجرة المثل في الاخير، لوقوع التصرف فيه بلا أجرة، ويمكن القول هنا بالقرعة بلا يمين، لعدم تناول دليل التنصيف للفرض كما سمعته في المسألة الثانية، بل لعله هنا أولى. وفي الدروس (فان اتحد التأريخ أعملتا أو أسقاطنا أو أقرع مع اليمين) ولعل إعمالهما بمعنى تقديم بينة الداخل أو الخارج، وإسقاطهما بمعنى الرجوع إلى الحكم مع عدم البينة كل على مختاره فيه، وأما احتمال كون المراد باعمالهما بطلان الاجارة في البيت وصحتها في بقيته بالنسبة بعد تصويرها بايقاع ذلك من الاصيلين والوكيلين فبعيد أو باطل. (ومع التفاوت) في التاريخ (يحكم للاقدم) وبطلان المتأخر (لكن) قد ذكر المصنف وغير هنا أنه (إن كان الاقدم بينة البيت حكم باجارة البيت بأجرته وباجارة بقية الدار بالنسبة من الاجرة) لبطلان ما قابل البين المفروض تقدم إجارته منها وصحة الباقي، فلو كان

[ 463 ]

البيت يساوي نصف أجرة الدار صح في باقيها بنصف الاجرة، فيجتمع على المستأجر مجموع الاجرة للبيت الذي قد تقدم تأريخ إجارته ونصفها لبقية الدار، فإذا فرض مثلا أن الاجرة التي اتفقا عليها عشرة لكن ادعى المستاجر انها اجرة الجميع وادعى المؤجر انها اجرة البيت وكان المتقدم تاريخ بينة البيت ثبت على المستأجر خمسة عشر في مقابلة المجموع عشرة اجزاء البيت بينة المؤجر، وخمسة في مقابلة باقي الدار ببينته، ولا ينافي ذلك خروجه عن دعواهما التي هي وقوع عقد واحد منهما وكون العوض فيه عشرة، وإنما الاختلاف فيما تضمنة في مقابلة العشرة الدار أو البيت، لان الثابت في الشرع حجية بينتهما لا دعواهما، وقد اقتضتا ما عرفت، فينبغي العمل به، لاحتمال كونه الواقع وإن خرج عن دعواهما معا، كما سمعته في تنصيف العين التي ادعى كل منهما له وهي في أيديهما، وتسمعه في غيره، بل قد يقال بوجوب العمل بكل منهما وإن علم الحاكم بخروج الحاصل من مقتضى الاجتهاد في أعمالهما عن الواقع فضلا عن دعواهما مع احتماله الواقع. وكيف كان ففي الدروس احتمال الحكم بصحة الاجارتين مع عدم التعارض، لان الاستئجار الثاني يبطل ملك المستأجر فيما سبق، وكأنه فرضه في غير دعوى اتحاد العقد، إذ يمكن حينئذ استئجار البيت منه اولا ثم انتقل منه إلى المؤجر بعقد إجارة من المستأجر ثم آجره الدار كلها فتصح الاجارتان، والله العالم. (ولو ادعى كل منهما أنه اشترى دارا معينة) من شخص بعينه (وأقبض الثمن وهي في يد البائع) ولا بينة لاحدهما فان كذبهما حلف لهما واندفعا عنه، وإن صدق أحدهما دفع له العين وحلف للاخر وإن لم نقل إن الاقرار بها قبل القبض بمنزلة التلف لآفة سماوية،

[ 464 ]

وللاخر إحلافه لادعائه عليه ايضا، وإن عاد فأقر للثاني غرم له القيمة إلا أن يصدقه الاول، فيدفع العين إليه. نعم لو قلنا إن الاقرار قبل القبض إتلاف كالافة السماوية لم يتوجه له اليمين حينئذ وإن كان هو كما ترى. ولو صدق كل واحد في النصف حكم به لكل منهما وحلف لهما، ولو قال: لا أعلم لمن هي منكما ففي كشف اللثام تقارعا وقضي لمن خرج بالقرعة بعد اليمين. ولو اقام كل منهما بينة (قضي بالقرعة مع تساوي البينتين عدالة وعددا وتأريخا) أو مطلقتين أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة بناء على عدم تأخر مجهول التأريخ عن معلومه (و) إذا كان كذلك (حكم لمن يخرج اسمه مع يمينه) على المشهور، لما عرفته من الادلة السابقة أو لا معها على احتمال أو قول، وفي كشف اللثام ((ويحتمل الاقتسام للتعارض والتساقط فيحلف الثالث لهما لو أكذبهما إلى آخر ما مر) والتفريع على احتمال التساقط. (و) كيف كان ف‍ (لا يقبل قول البائع لاحدهما) بعد الحكم بما سمعت، لكن في كشف اللثام (لاعترافه بأنه ليس عليها يد ملك وقيام البينة بذلك، ويحتمل القبول فيكون المقر له ذا اليد فتقدم بينته أو بينة الاخر على الخلاف) وفيه أن جزم المصنف وغيره بعدم قبول قول البائع مبني على كون ذلك قد كان منه بعد الحكم بمقتضى القرعة وبعد انتزاعها منه بالبينتين، فلا وجه للاحتمال المزبور. (و) على كل حال (يلزمه إعادة الثمن على الاخر، لان قبض الثمنين ممكن فتزدحم البينتان فيه) أي تجتمع فيه بخلاف عقد البيع، ولو نكل من أخرجته القرعة حلف الاخر (ولو نكلا عن اليمين قسمت بينهما) على حسب ما تقدم في العين التي قد ادعيا ملكيتها (و) لكن

[ 465 ]

هنا (يرجع كل منهما بنصف الثمن) الذي دفعاه إلى البائع المفروض قبضه للثمنين. نعم في كشف اللثام (إلا إذا اعترفا أو اعترف أحدهما أو شهدت بينتاهما أو إحداهما بقبض المبيع، فمن قبضه من بائعه باعترافه أو بشهادة بينة لم يكن له الرجوع عليه بشئ من الثمن، لثبوت استحقاقه له بالاقرار أو بالبينة، غاية الامر أنه اغتصب منه نصف العين بعد ذلك). وقد سبقه إلى ذلك الشهيد في المسالك، فانه قال في المسألة الاخيرة: (وحيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة فذلك إذا لم تتعرض البينة لقيض المبيع ولا اعتراف به المدعي، وإلا فإذا جرى القبض استقر العقد، وما يحدث بعده فليس على البائع عهدته) وكذا في التحرير، وقد وقع ذلك للرافعي من الشافعية. وفيه أن الاعتراف بالقبض أو ثبوته بالبينة لا ينافي الرجوع بالثمن بعد ثبوت استحقاق المبيع لغير البائع بالبينة، كما هو واضح. أللهم إلا أن يقال: إن عدم الرجوع بعد القبض لتركهما اليمين باختيارهما، ولكن ذلك غير موافق لما سمعته من التعليل، بل لا يتم فيما سمعته من كشف اللثام أخيرا، على أن ترك اليمين إن كان مقتضيا لذلك فلا فرق فيما بين قبل القبض وبعده. (و) على كل حال ف‍ (هل لهما أن يفسخا) البيع الذي ثبت لكل منهما بالبينة ؟ (الاقرب) عند المصنف والفاضل وغيرهما (نعم، لتبعض المبيع) عليه (قبل قبضه) وعدم حلفهما تنزيها عن القسم بالله عذر، ويحتمل العدم، لان لكل منهما إحراز الكل بيمينه، فالتبعيض إنما جاء منهما، وأشار المصنف بقوله: (قبل قبضه) إلى ما صرح به في كشف اللثام من أنه (لا خيار لهما مع دعوى كل منهما قبض المبيع

[ 466 ]

أو شهدت البينة به) وفيه ما عرفت من عدم الفرق في ثبوت الخيار بالتبعيض قبل القبض وبعده بعد أن كان ذلك لثبوت استحقاقه لغير بالبينة، وكذا بالنسبة إلى الرجوع بالثمن. وكيف كان فان فسخا كانت العين للبائع ورجع كل منهما عليه بكمال الثمن (ولو فسخ أحدهما كان للاخر أخذ الجميع) حينئذ الذي هو مقتضى بينته (لعدم المزاحم) له. خلافا للمحكي عن الشيخ فليس له، لان الحاكم قد قضى له بنصفها دون النصف الاخر فلا يعود إليه، وضعفه واضح، على أن الذي حكاه عنه في الدروس التفصيل، قال: (ولو فسخ أحدهما فللاخر الجميع، وفيه أوجه ثالثها - وهو مختار الشيخ في المبسوط - الفرق بين كون الاخذ الاول والثاني، لان القضاء للاول بالنصف إذا لم يتعقبه فسخ يقرر ملكه عليه بحكم الحاكم، فليس له نقضه بأخذ الجميع، ونعني بالاول الذي فاتحه القاضي بتسليم النصف فرضي، بخلاف ما إذا فسخ المفاتح، فان الثاني يأخذ الجميع قطعا، لايجاب بينته الجميع ما لم ينازع وإن كان هو أيضا ضعيفا). وتوهم أن مقتضى الفسخ الرجوع إلى البائع لا إليه بمقتضى الحكم الظاهري مدفوع بأن التنصيف قد كان جميعا بين البينتين، ومع فرض الفسخ استقلت بينة الاخر بكون الجميع له بلا معارض، بل المتجه صيرورة ذلك له قهرا عليه، لانه مقتضى دعواه وبينته. (و) لكن قال المصنف وغيره: (في لزوم ذلك عليه تردد) من ذلك ومن استصحاب الخيار له (أقربه اللزوم) للاصل وغيره بعد انتفاء المقتضي له. ولو أرخت البينتان تأريخين مختلفين حكم للسابق وبالثمن للاخر،

[ 467 ]

بل في كشف اللثام (وإن أمكن أن يكون باعها من الاول ثم اشتراها ثم باعها من الثاني، لحصول الجمع بين البينتين ببيعها من الثاني وإن لم يشترها، لجواز بيع ملك الغير، لكن إذا لم يجزه انفسخ واستقر عليه الثمن) أي فلا يتوقف الجمع بينهما على الاول. ولو كانت في يد أحدهما قضي بها له مع عدم البينة وعليه اليمين للاخر، ولو أقاما بينة حكم للخارج على رأي وللداخل على آخر، كما عرفت الكلام فيه، والله العالم. (ولو ادعى اثنان) مثلا (أن ثالثا اشترى من كل منهما هذا المبيع) الذي في يده بثمن معين عكس المسألة السابقة (وأقام كل منهما بينة) ففي القواعد والتحرير (فان اعترف لاحدهما قضي عليه بالثمن، وكذا إن اعترف لهما قضي عليه بالثمنين) لامكان صدقه ولو بشرائه ثم بيعه ثم شرائه، لكن فيه أن الحكم المزبور لا مدخلية فيه لاقامتهما البينة، ضرورة استناده إلى اعترافه به لا إليها، ولذا لو اختص بأحدهما قضي له بالثمن خاصة دون الاخر، فيحلف له إن لم تكن له بينة، وإلا أخذ منه أيضا كما ستعرف. (و) على كل حال ف‍ (ان أنكر) هما مع إقامة كل منهما البينة على دعواه (وكان التأريخ مختلفا أو مطلقا قضي بالثمنين جميعا، لمكان الاحتمال) الذي هو شراؤه من إحداهما ثم بيعه من الاخر ثم شراؤه منه، ومهما أمكن الجمع بين البينتين وجب بخلاف المسألة السابقة، إذ الشراء لا يجوز لملك نفسه، والبيع يجوز لملك غيره ولو فضولا، كذا قيل. وفيه أن الاحتمال في الشراء لمال نفسه فضولا عن الغير ممكن أيضا، فالاولى في وجه الفرق اتحاد المدعى به في المسألة السابقة، وهو شراء

[ 468 ]

المبيع من مالكه إلا أنه لم يعلم السابق منهما ليكون شراء اللاحق في غير محله بخلاف المقام، فان المدعى به استحقاق الثمن الذي ثبت بثبوت سببه، فمع فرض قيام البينة به في وقتين مثلا وجب المسبب، حتى لو كان المدعى واحدا، نعم لو فرض كون الثمن معينا وكل منهما قد ادعاه بسبب كونه البائع لمثمنه وأقام كل منهما بينة تحقق التعارض ولو مع إطلاقهما فتأمل جيدا. هذا وفي المسالك وغيرها احتمال كون المطلقتين أو المطلقة إحداهما كمتحدي التاريخ الذي ستسمع حكمه، لاحتمال الاتحاد، والاصل براءة المشتري، فلا يؤخذ إلا باليقين، ولعله لذا كان المحكي عن ظاهر الشيخ التردد، ولكن لا يخفى عليك ظهور البينة في التعدد، والاصل تعدد المسبب بتعدد سببه. (ولو كان التأريخ واحدا تحقق التعارض، إذ لا يكون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، ولا يمكن إيقاع عقدين) من الاصيلين مثلا (في الزمان الواحد) وحينئذ (ف‍) لا محيص عن أن (يقرع بينهما) لما عرفته من النص والفتوى على أن ذلك حكم البينتين المتعارضتين بعد فقد الترجيح بينهما (فمن خرج اسمه أحلف وقضي له، ولو امتنعا من اليمين قسم الثمن بينهما) إن كان متفق الجنس والوصف وإلا كان لكل واحد نصف ما ادعاه من الثمن، لان الدعوى في الحقيقة على المثمن، وتنصيفه يقتضي تنصيف الثمن أو يقسم الثمن بينهما بلا قرعة أو يقرع بلا يمين أو يحكم بسقوط البينتين على ما مر من الخلاف والاحتمال. (ولو ادعى) مدع (شراء المبيع من زيد وقبض الثمن وادعى آخر شراءه من عمرو وقبض الثمن) وكانت العين في يد البائعين أو أحدهما أو خامس (وأقاما بينتين متساويتين في العدالة والعدد والتأريخ

[ 469 ]

فالتعارض متحقق) ضرورة عدم كون المال الواحد مملوكا بتمامه لشخصين في زمان واحد (فحينئذ يقضى بالقرعة) لما عرفته سابقا (ويحلف من خرج اسمه ويقضى له) ويرجع الاخر على بائعه بالثمن (ولو نكلا عن اليمين قسم المبيع بينهما) وقد عرفت احتمال القسمة بلا قرعة والتساقط. (و) على كل حال فإذا اقتسماها (رجع كل منهما على بائعه بنصف الثمن) وفي كشف اللثام إن لم يدعيا قبض العين ولا شهدت به بينتاهما وفيه البحث السابق (ولهما) حينئذ (الفسخ والرجوع بالثمنين) لتبعض الصفقة (ولو فسخ أحدهما جاز، و) لكن (لم يكن للاخر أخذ الجميع) كما عرفته سابقا (لان النصف الاخر لم يرجع إلى بائعه) بل إلى بائع آخر بخلاف السابق. وكذلك لو كانت العين في يدهما مع تعارض البينتين أو فقدان البينة مع التحالف أو نكولهما ويرجع كل بنصف الثمن، ولهما الفسخ، وفي كشف اللثام بالشرط المتقدم، وفيه ما عرفت. ولو كانت في يد أحدهما قضي له ببينته أو للخارج على الخلاف، ويرجع الاخر على بائعه بالثمن، وفي كشف اللثام (إلا إذا اعترف أو شهدت بينته بقبض العين) وفيه ما عرفت. وكذا لو كانت في يد البائع المصدق لمدعي الشراء، فان كانت في يد أحدهما فمدعي الشراء منه ذو اليد، فيقضى له ببينته أو للخارج، وإن كانت بأيديهما وصدق كل منهما مشتريه فكلاهما ذو اليد، فيقسم بينهما عند التعارض، ويرجع كل منهما بنصف ثمنه، بناء على ما ذكرناه من عدم الفرق في ذلك بين القبض وعدمه بعد أن كان ثبوت ذلك بالبينة. ولذا قال في الدروس: (الثالثة: بائعان ومشتريان بأن ادعى كل منهما

[ 470 ]

أنه اشتراها من آخر وأقبضه الثمن وأقاما بينتين، فان تشبثا قسمت بينهما ورجع كل على بائعه بنصف الثمن، وإن تشبث أحدهما بني على ترجيح الداخل أو الخارج، فيرجع المرجوح بالثمن، وإن خرجا وتكافأت البينات أقرع على الاقوى، ومع النكول يقسم ويرجع كل على بائعه بنصف الثمن، سواء كانت في يد أحد البائعين أو يد أجنبي ولكل منهما الفسخ، وليس للاخر أخذ الجميع لو فسخ أحدهما، لعدم عوده إلى بائعه) وكلامه صريح في الرجوع ولو بعد القبض، وكذا في القواعد، والله العالم. ثم إنه قد يتوهم من اقتصار المصنف في التعارض على الصورة المزبورة عدمه في غيرها، مع أن الظاهر تحقق ذلك أيضا في صورة الاطلاق، إذ هي كغيرها من صور الاطلاقات السابقة، بل وكذا لو أطلقت إحداهما وأرخت الاخرى بناء على عدم الحكم بتأخر مجهول التأريخ عن معلومه، كما حرر في محله، نعم لو كانا مؤرخين بتأريخين مختلفين ففيه البحث السابق في تقديم الملك السابق وعدمه. هذا وفي القواعد في أصل المسألة زيادة قول كل من المتداعيين وأنها أي العين ملكهما، ولعله لجواز أن يكون اشتراها أحدهما للاخر وأن يكون باعها أحد البائعين وكالة عن الاخر أو فضولا. وفي المسالك (يقوم مقام ذلك أن يقول: وتسلمته أو سلمه هو إلي، لان الظاهر أنه إنما ينصرف بالتسليم في ما يملك، وفي دعوى الشراء من صاحب اليد لا يحتاج أن يقول: وأنت تملكه، ويكتفى بأن اليد تدل على الملك، وكذلك يشترط أن يقول الشاهد في الشهادة اشتراه من فلان وهو يملكه أو اشتراه وتسلمه منه، وهذا القيد حسن، وسيأتي اختيار المصنف إياه، وكأنه تركه هنا اتكالا عليه، وفرعوا عليه أنه

[ 471 ]

يجوز أن يقيم شاهدين على أنه اشترى من فلان وآخرين على أن فلانا كان يملكه إلى أن باع منه، لحصول المطلوب من جملة الشهود، ولكن الاخرين إن شهدا هكذا فقد شهدا على البيع والملك أيضا، وكذا إذا أقام شهودا على أنه اشترى منه وقت كذا وآخرين على أنه كان يملك ذلك إلى وقت كذا، ولو أقام أحد المدعيين بينة على أنه اشترى الدار من فلان وكان يملكها وأقام آخر البينة على أنه اشتراها من مقيم البينة الاولى حكم ببينة الثاني وإن لم يقل لمقيم البينة وأنت تملكها، كما لا يحتاج أن يقول لصاحب اليد، لان البينة تدل على الملك، كما أن اليد تدل عليه) ولا يخفى ما في ذلك كله من التطويل بلا طائل، ضرورة معلومية كون المراد النزاع في الشراء من المالك ولو بظاهر اليد أو غيرها. (ولو ادعى عبد أن مولاه أعتقه وادعى آخر أن مولاه باعه منه) وكان العبد في يد المولى أو ثالث أو لا يد لاحد عليه ولم تكن لاحدهما بينة وأكذبهما المولى حلف لهما يمينين. وإن كذب أحدهما وصدق الاخر ففى التحرير وظاهر القواعد حلف لمن كذبه. لكن في كشف اللثام (والحق ما في المبسوط من انه ان صدق المشترى لم يحلف للعبد، لانه لو أقر بعد ذلك بالعتق لم يقبل، لكونه إقرارا في حق الغير ولم يلزمه غرم، وكذا إن صدق العبد لم يحلف للمشتري، لانه لو صدقه بعد ذلك فقد اعترف بالاتلاف قبل الاقباض، وهو كالآفة السماوية في انفساخ البيع به، نعم ان ادعى عليه قبض الثمن حلف له إن أنكره). وبه جزم في المسالك، لكن قال: (إن قلنا: إن إتلاف البائع كالافة السماوية) وسبقهما إلى ذلك الرافعي من الشافعية قال: (وقال الروزبانى: وليس هنا موضع يقر لاحد المدعيين ولا يحلف للاخر

[ 472 ]

قولا واحدا إلا هذا). وفيه منع توجه اليمين للمشترى، فانه مع إقراره المستخرج باليمين يكون من الحيلولة لا التلف، فيغرم له القيمة له القيمة، ولذا جزموا في المسألة السابقة - وهي دعوى الاثنين شراء العين من شخص هي في يده - أنه لو أقر لاحدهما كان اليمين عليه للاخر، بل وله اليمين على المقر له، فلا يبعد حينئذ أن يكون هنا أيضا له اليمين على السيد والعبد، كما أنه قد يقال باليمين على السيد للعبد مع الاقرار للمشتري، لعموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة) وفائدته ثبوت الحرية في حقه على وجه لو انتقل إليه بعد ذلك بارث وغيره يحكم بحريته إن لم نقل بوجوب شرائه فعلا عليه، كما عن بعضهم التصريح به، وإلا كانت الثمرة واضحة. وإن كان في يد المشتري ففي المسالك وكشف اللثام قدم قوله بيمينه، وفيه أنه مدع على السيد بعد اعترافه بالشراء منه وإن كان في يده، ولعله لذا اطلق في القواعد تقديم قول السيد فيه، هذا كله مع عدم البينة. أما معها وكان العبد في يد السيد المكذب لهما أو في يد أجنبي أو لا يد لاحد عليه فان اختصت بأحدهما عمل بها (و) إن (أقاما) معا (البينة قضى لا سبق البينتين تأريخا) لتبين بطلان الثاني منهما بيعا أو عتقا. (فان اتفقتا) في العدد والعدالة والتأريخ أو الاطلاق أو أطلقت إحداهما وأرخت الاخرى (قضي بالقرعة مع اليمين) على من أخرجته لزوما للادلة السابقة، لااحتياطا كما عن الشيخ، فان نكل حلف الاخر.


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم.

[ 473 ]

(ولو امتنعا) معا (من اليمين قيل) والقائل الشيخ وجماعة: (يكون نصفه حرا ونصفه رقا لمدعي الابتياع) لادلة والتنصيف السابقة، لكن لا تخلو دعوى شمولها لمثل الفرض من تأمل ونظر، ولذا نسبه المصنف إلى القيل. (و) لكن عليه (يرجع) على البائع (بنصف الثمن) لفوات نصف المبيع، وفي كشف اللثام (إن لم يعترف أو لم تشهد بينة باقباضه العبد) وفيه البحث السابق، وله خيار التبعيض على الاقوى لما عرفت. (و) حينئذ ف‍ (لو فسخ عتق كله) لزوال المزاحم للبينة الشاهدة على المولى بعتقه (و) لم لو يفسخ المشتري ف‍ (هل يقوم على بائعه) إن كان موسرا ؟ (الاقرب نعم) وفاقا لجماعة (لشهادة البينة بمباشرة عتقه) فيتم شرط السراية. وما يقال - من أن البينة قد شهدت باعتاقه كله ولم يعمل بها، وإنما حكم بعتق النصف حكما قهريا للتعارض بناء على عدمها في القهري فلا سراية، على أن المواقع إما عتق الكل أو البيع أو عدم واحد منهما، ولا معنى للسراية على الجميع - يدفعه بناء الاحكام على مقتضى ظاهر الادلة الشرعية، وهو هنا عتق النصف بالبينة ولو بعد الادلة على إعمالها مع التعارض على الوجه المزبور. ولو كان العبد في يد المشتري فان قدمنا بينة الداخل حكم له، وإن قدمنا بينة الخارج حكم بالعتق، لان العبد خارج، وعن بعض العامة على الاول تقدم بينة العبد، لانه الداخل، إذ يده على نفسه، وفيه أنه لو قلنا يكون للحر يد على نفسه إنما يكون للعبد ذلك بالعتق وإلا فهو في يد السيد أو المشتري.

[ 474 ]

ولو كان في يد البائع فصدق المشتري فهو ذو اليد بناء على ما عرفته سابقا في العين في يد ثالث، فتأمل. (مسائل:) (الاولى:) (لو شهد للمدعي بأن الدابة ملكه منذ مدة فدلت سنها على أقل من ذلك قطعا أو أكثر) منها إن ادعى أنها نتجت عنده (سقطت البينة، لتحقق كذبها) كما في القواعد والتحرير وغيرهما، لكن عن بعض النسخ أو (أكثريا) عطفا على (قطعا) وهي التي شرحها في المسالك، فقال: (أما على تقدير كون الدلالة قطعية فواضح، لان الكذب حينئذ قطعي، وأما على تقدير الاكثرية فالدلالة ظنية، ويشكل معارضتها للحكم الظاهر من عدالة الشاهد، وفي التحرير اقتصر في الحكم بسقوط البينة على الدلالة القطعية، وهو أولى). قلت: لا ينبغي التأمل في عدم معارضة الظن للشهادة التعبدية، وظني غلط النسخة التي شرحها، بقرينة عدم عنوان من أحد من الاصحاب بذلك عدا الفاضل في الارشاد، فانه قال (قطعا أو ظاهرا) وقرينة تعليله بتحقق الكذب، فلا وجه للاشكال في ما ذكره، ولا أظنه قولا لاحد، إنما الكلام في بطلان البينة مطلقا أو في خصوص ما كذبت به، الظاهر الثاني، ولم أجد ذلك محررا في كلامهم، والله العالم.

[ 475 ]

المسألة (الثانية:) (إذا ادعى دابة) مثلا (في يد زيد واقام بينة أنه اشتراها من عمرو فان شهدت البينة بالملكية مع ذلك للبائع أو للمشتري أو بالتسليم قضي للمدعي) بناء على تقديم الملك السابق، بل اليد السابقة على اللاحقة. (وإن شهدت بالشراء لا غير قيل) والقائل الشيخ في المحكى من مبسوطه وتبعه جماعة، بل في المسالك نسبه إلى الاكثر: (لا يحكم) له به، (لان ذلك قد يفعل فيما ليس بملك، فلا تدفع اليد المعلومة بالمظنون) بل المحتمل (وهو قوي) عند المصنف وغيره (وقيل) والقائل الشيخ في محكى الخلاف: (يقضى له) على القول المزبور (لان الشراء دلالة على التصرف السابق الدال على الملكية) كما أن اليد السابقة دالة عليها، إذ كما أن الظاهر من اليد كونها أصالة لا نيابة ولا عدوانا، فكذا البيع والشراء، خصوصا الواقعان منه بعنوان الملكية والسلطنة بلا معارض له وإن لم يكن المال في يده. هذا وفي المختلف الاعتراض على الشيخ في اكتفائه في ثبوت الملك بالتسليم بحكمه أنه لو شهدت البينة للخارج بأن الدار كانت في يده منذ أمس أنه لا تزال اليد المتصرفة فكيف يمكن الجمع بين ذلك وبين ترجيحه هنا بتسليم البائع إلى المشتري. وفيه أن ذلك مبني على قوله بترجيح اليد السابقة، فان له في المسألة قولين، فلا يعترض عليه بالقول الاخر، كما أن له في هذه المسألة قولين، والذي يسهل الخطب في المسألة ما عرفت فيما سبق من أنه لا يقضى له حتى لو شهدت البينة بالملك السابق فضلا عن اليد السابقة، لعدم

[ 476 ]

معارضته للملك الفعلي المستفاد من اليد الفعلية، فبناء هذه المسألة على المسألة السابقة، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد وادعى رقيته قضي بذلك ظاهر، وكذا لو كان في يد اثنين) بلا خلاف أجده فيه، لانه وإن كان الاصل فيه الحرية إلا أن رقيته أمر ممكن، وقد ادعاه ذو اليد، ولا منازع له فيحكم به، بل في التحرير والمسالك لا يلتفت إلى إنكاره بعد البلوغ لسبق الحكم برقيته، بل وكذا في القواعد وعن التذكرة إلا أنه قال: (له اليمين على من في يده) وإن كان فيه أن ذلك لا يقتضي سقوط حجته، كما في كل مدع دعوى لا معارض لها، مثل الوكالة عن الغير وشبهها، فانه لا ينافي دعوى الغير عدمها بعد ذلك. ولعله لذا قال المصنف: (ظاهرا) بل في الارشاد وغيره الجزم بأنه إذا بلغ وأنكر أحلف، بل قال في موضع آخر من القواعد: (لو ادعى الصبي المميز الحرية لم تسمع، فان بلغ وادعاها سمعت، ولا تأثير لليد عليه ولا إبطال الدعوى السابقة). بل إن لم يكن إجماعا سيرة قطعية أمكن المناقشة بالحكم برقيته حال صغره على وجه تجري عليه أحكام الملك، لخبر حمران بن أعين (1) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل وامرأة ادعى الرجل أنها مملوكة له وادعت المرأة أنها ابنتها، فقال: قد قضى علي (عليه السلام) قلت: وما قضى في هذا ؟ قال:


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 9.

[ 477 ]

كان يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالرق وهو مدرك ومن أقام بينة على من ادعى من بعد أو أمة فانه يدفع إليه ويكون رقا، قلت فما ترى أنت ؟ قال: أرى أن يسأل الذي ادعى أنها مملوكة له بينة على ما ادعى، فان أحضر شهودا بشهدون أنها مملوكة لا يعلمون أنه باع ولا وهب دفعت الجارية إليه حتى تقيم المرأة من يشهد لها أن الجارية ابنتها حرة مثلها فلتدفع إليها وتخرج من يد الرجل، فقلت: فان لم يقم الرجل شهودا أنها مملوكة له، قال: تخرج من يده، فان أقامت المرأة البينة على أنها ابنتها دفعت إليها، وإن لم يقم الرجل البينة على ما ادعى ولم تقم المراة البينة على ما ادعت خلى سبيل الجارية، تذهب حيث شاءت) فانه ظاهر أو صريح بما ذكرنا. ولعله لذا كان المحكى عن المبسوط توقف ثبوت رقية المميز على البينة كما عن الشافعية في وجه، إلا أن المعروف بين أصحابنا ما سمعت وإن كان الخبر المزبور منافيا له، وليس دعوى المرأة البينة مغيرا لموضوع المسألة، ضرورة عدم يد للمرأة، على أن قوله (عليه السلام) أخيرا: (تخرج من يده) مشعر بكون الجارية في يده، على أن دليلهم المزبور مقتض للحكم بالرقية وإن لم يكن في يده، مع أن اليد مقتضاها الملك في معلوم المالية لا أنها تنقح المشكوك في ماليته أنه مال. بل المراد باليد في المتن وغيره الاستيلاء العرفي نحو استيلاء الوالد على ولده لا اليد بمعنى التصرف الملكي، فان ذلك هو معنى دعوى المسلم المالية ولا معارض له، فمتى حصل المعارض كان على حجته التي هي هنا ما عرفت من كون الناس على الحرية. ومن هنا صرح بعضهم بعدم الفرق في الحكم المزبور بين الصغير والمجنون الكبير، بل والعاقل الساكت الذي لم يقر ولم ينكر وإن أشعرت

[ 478 ]

بعض العبارات بنوع تأمل في الاول. بل في الارشاد التصريح بالاشكال في الاخير، لاصالة الحرية في الادمي، وعدم دعواها لا يخرجها عن كونها أصلا، وسكوته أعم من التصديق، إلا أن ذلك إن تم اقتضى عدم الحكم بالرقية في الصغير، ويؤيده الخبر المزبور، لكن عرفت إجماعهم على الظاهر على الحكم برقيته. ومن هنا قال في غاية المراد: الصحيح الحكم برقية الكبير الساكت، وهو قضية كلام الاصحاب، وصرح به المصنف في بعض كتبه، والاصل يخرجه عن كونه اصلا ما ينافيه، وهو هنا موجود، أي تصرف المسلم ودعواه الملكية، بل مقتضى ذلك الحكم برقية الصغير المعلوم نسبه إذا كان ممكن الملكية، ضرورة عدم الفرق في الدليل المزبور بين الجميع، وإنما قيد الاصحاب بجهل النصب لارادة إخراج معلومه المقتضي للعلم بالحرية لا مطلقا، هذا كله في الصغير. (أما لو كان كبيرا وأنكر) الرقية على مدعيها عليه (ف‍) لا ريب ولا خلاف في أن (القول قوله، لان الاصل الحرية) نعم لا تسمع دعوى التحرير إلا ببينته، وهو غير دعوى الحرية، وعلى ذلك يحمل ما في بعض النصوص (1) الدالة على جواز شراء المملوك من سوق المسلمين مع دعواه الحرية. (و) كذا (لو ادعى اثنان رقيته فاعترف لهما قضي عليه، وإن اعترف لاحدهما كان مملوكا له دون الاخر) لعموم إقرار العقلاء (2)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بيع الحيوان من كتاب التجارة. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2 والمستدرك - الباب - 2 - منه - الحديث 1.

[ 479 ]

ولخصوص خبر حمران (1) المتقدم المعتضد بعدم خلاف أجده في الحكم بذلك هنا، بل ولا عثرت على من حكاه، نعم عن العامة قول بعدم قبول إقراره مطلقا، وآخر بالقبول فيما يضر به نفسه لا فيما يضر غيره، وحكي عن الشيخ في مسألة دعوى العبد العتق والاخر الشراء في إنكار كون العبد ذا يد على نفسه أنه قال: (لانه لو كان ذا يد لقبل إقراره بالملكية لاحد المتنازعين فيه) ومقتضاه المفروغية من عدم قبول إقراره، إلا أنه كما ترى لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه. وفي كشف اللثام (وإذا أقاما بينتين متعارضتين فصدق أحدهما خاصة لم تترجح به بينته، لانه لا يد له على نفسه، فانه إن كان حرا فلا يد له، وإن كان مملوكا فلا يد عليه إلا لمالكه) وفيه أنه مناف لقبول إقراره بالرقية مع عدم البينة الذي اعترف به سابقا، بل ظاهره الاجماع عليه، فتأمل. المسألة (الرابعة:) (لو ادعى كل منهما أن الذبيحة له وفي يد كل واحد بعضها) منفصلا عن الاخر (وأقام كل منهما بينة قيل: قضي لكل منهما بما في يد الاخر، وهو الاليق بمذهبنا) الذي هو تقديم بينة الخارج على الداخل، أما على القول بتقديم بينة ذي اليد فيقضي لكل منهما بما في يده، كما أنه يقضي بالاشاعة بينهما لو فرض اتصال البعض الذي في يد أحدهما بالاخر كما عرفته سابقا. (وكذا) الكلام فيما (لو كان في يد كل واحد شاة وادعى


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 9.

[ 480 ]

كل منهما الجميع واقاما بينة قضي لكل منهما بما في يد الاخر) إذ لا فرق بينهما وبين بعضي الذبيحة المنفصلين، كما هو واضح. ومما يتفرع على ذلك أنه لو كان المتخاصمان في بعضي الذبيحة المنفصلين كافرا ومسلما حكم بكون ما يقضي به للكافر ميتة وللمسلم مذكى وإن كان كل واحد من الجزءين انتزعه من الاخر، عملا بظاهر اليد المعتبرة شرعا، ولا يقدح في ذلك اليد السابقة، بل لعل الحكم كذلك في الجزءين المتصلين، ضرورة اتحاد المدرك فيهما، كما تقدم الكلام في ذلك في قسم العبادات (1) فلاحظ. المسألة (الخامسة:) (لو ادعى) زيد (شاة في يد عمرو وأقام بينة فتسلمها ثم أقام) عمرو (الذي كانت في يده بينة أنها له) بالملك السابق الذي انتزعه منه زيد (قال الشيخ: ينقض الحكم وتعاد) الشاة إلى عمرو (وهو بناء على القضاء لصاحب اليد) فانه قد كان عمرا (والاولى أنه لا ينقض) حتى لو قدمنا بينة ذى اليد، إلا أنه خرجت من يده بحكم الحاكم ولو لعدم حضور بينته التي كانت نافعة له لو أقامها حال إقامة زيد بينته لا بعد انقطاع الخصومة وحكومة الحاكم المبنية على الدوام للاصل المؤيد بالحكمة وظاهر الادلة، بل لو قلنا بكونه الان خارجا لم تسمع بينته أيضا بعد أن علم أن شهادتها بالملكية السابقة التي كانت مقتضى اليد، لما عرفته من انقطاع الخصومة فيها، فلا تسمع حينئذ دعوى تتعلق بها على وجه لا توجب يمينا فضلا عن قبول بينة بها، نعم لو أقامها


(1) راجع ج 8 ص 55.

[ 481 ]

على انتقال جديد ممن انتزعها سمعت بلا خلاف ولا إشكال، بل لا يبعد القول بسماعها مع الاطلاق المحتمل لذلك، لعموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (البينة) وما دل على قبول شهادة العدل (2) وغير ذلك. ومما ذكرنا يعلم النظر في ما في المسالك من وجوه، فلاحظ وتأمل. المسألة (السادسة:) (لو ادعى دارا في يد زيد) بأجماعها (وادعى عمرو نصفها) ولم يصدق زيد أحدهما (وأقاما) معا (البينة) وتساوتا عددا وعدالة (قضي لمدعي الكل بالنصف) المشاع (لعدم المزاحم) له فيه (وتعارضت البينتان في النصف الاخر، فيقرع بينهما ويقضى لمن يخرج اسمه مع يمينه) فان امتنع حلف الاخر (ولو امتنعا) معا (من اليمين قضي بينهما) في النصف (بالسوية فيكون لمدعي الكل ثلاثة ارباع) النصف الذي لا معارض له فيه، وربع من النصف الاخر (ولمدعي النصف الربع) كما هو واضح. وقد سمعت الكلام فيه مفصلا (3) ضرورة كونه فردا من مسألة تداعي العين الخارجة عن أيديهما التي قد عرفت الحال فيها. نعم يحكى عن ابن الجنيد هنا أنه بعد أن فرض المسألة في ما لو كانت العين في أيديهما - وهي التي أشار إليها المصنف بقوله: (ولو كانت


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2 والوسائل - الباب - 1 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 6 والباب - 7 - منه الحديث 4. (3) راجع ص 407 - 408.

[ 482 ]

يدهما على الدار وادعى أحدهما الكل والاخر النصف وأقام كل منهما بينة) بذلك (كانت لمدعي الكل، ولم يكن لمدعي النصف شئ) وذلك لما عرفت من أن نصفا منها لا نزاع لهما فيه، وهو الذي في يد مدعي الكل، فلم يبق إلا النصف الذي في يد الخصم، وقد قلنا بتقديم بينة الخارج (لان بينة ذي اليد بما في يده غير مقبولة) نعم لو لم تكن بينة كان القول قوله بيمينه ولا يمين له على مدعي الكل، وحينئذ تكون الدار بينهما نصفين - قال: (يقتسمان الدار مع البينة وعدمها على طريق العول، فيجعل لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث، لان المنازعة وقعت في أجزاء غير معينة ولا مشار إليها، بل كل واحد من أجزائها لا يخلو من دعوى كل منهما باعتبار الاشاعة، فلا يتم ما ذكروه من خلوص النصف لمدعي الكل بغير منازع، بل كل جزء يدعي مدعي النصف نصفه ومدعى الكل كله، ونسبة إحدى الدعويين إلى الاخرى بالثلث، فتقسم العين أثلاثا، واحد لمدعي النصف وإثنان لمدعي الكل، فيكون كضرب الديان في مال المفلس والميت). وفي المختلف (وهو الاقوى عندي لو زاد المدعون على اثنين) وفي كشف اللثام (يعني واستوعب دعاوي غير مدعي الجميع العين أو زادت عليها، كما إذا ادعى أحد الثلاثة الجميع وآخر منهم الثلثين وآخر الثلث أو النصف، فانه حينئذ لا يبقى في العين جزء لا نزاع فيه بخلاف ما إذا ادعى أحدهم الجميع، وكل من الاخرين الثلث). قلت: يمكن أن يكون مبنى كلام ابن الجنيد على دعوى ظهور نصوص التنصيف (1) بعد الاقراع وعدم اليمين منهما في العول، ضرورة


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 2 و 3 و 4 والباب - 9 - من كتاب الصلح ولكن ليس في شئ من هذه النصوص ذكر عن القرعة.

[ 483 ]

أن بينة كل منهما تقتضي الكل وهما متعذران فيحصل النقصان عليهما. ومن هنا اتجه التعدية إلى التثليث لو كانوا ثلاثة، والتربيع لو كانوا أربعة وهكذا، وليس إلا لما ذكرنا. ومنه مفروض المسألة التي لا يمكن الجمع فيها بين بينة النصف مثلا وبين بينة الكل، فنقول في النصف كما عالت في الاول، فيوزع عليهما أثلاثا، لان نسبة الكل إلى النصف كذلك، فالعول عنده نحو العول في الفرائض لولا نصوص أهل العصمة (عليهم السلام) لقضاء كل بينة مثلا بمقتضاها نحو قوله: للزوج النصف وللاختين من الاب الثلثان ومن الام الثلث، لا مثل العول في تزاحم الديون على التركة الذي مرجعه عند التأمل أيضا إلى ذلك. لكن فيه أن محل النصوص حيث لا يسلم جزء من العين لا نزاع فيه، أما في المفروض فلا دلالة فيها عليه، بل لعل ظاهر مرسل ابن المغيرة (1) عن الصادق (عليه السلام) (في رجلين كان بينهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الاخر: هما بيني وبينك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أما الذي قال: هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وأنه لصاحبه، وأما الاخر فبينهما) خلاف ذلك. وكذا مرسل ابن أبي حمزة (2) عنه (عليه السلام) أيضا. ولكن الانصاف مع ذلك عدم خلو كلام ابن الجنيد من قوة مع تزاحم الامارات الشرعية ولم يكن شئ متسالم عليه فيما بينهم أنه لاحدهم، ولعله لذلك أو لما يقرب منه سمعت الميل إليه في المختلف في ما فرضه، فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الصلح - الحديث 1. (2) اشار إليه في الوسائل - الباب - 9 - من كتاب الصلح - الحديث 2 وذكره في التهذيب ج 6 ص 292 الرقم 809.

[ 484 ]

(ولو ادعى أحدهم النصف والاخر الثلث والثالث السدس وكانت يدهم عليها) فلا نزاع حتى على مذهب الاسكافي، لان سهام المدعين لا تزيد أجزاء العين، من غير فرق بين إقامة البينة وعدمها (ف‍) ان (يد كل واحد منهم على الثلث) بناء على ما عرفت من أن اشتراك الايدي على الدار يقتضي كون كل يد على مقدارها (لكن صاحب الثلث) في الفرض (لا يدعي زيادة على ما في يده) الذي اقتضته (وصاحب السدس يفضل في يده ما لا يدعيه هو ولا مدعي الثلث) وهو السدس (فيكون المدعي النصف فيكمل له النصف) ضرورة نقصان الثلث عن النصف بسدس والفرض صيرورته له. ولا فرق في ذلك بين إقامتهم البينة وعدمها كما أشار إليه بقوله: (وكذا لو قامت لكل منهم بينة بدعواه) وكأن المصنف نبه على حكمها لمكان خلاف بعض العامة فيها حيث جعل مع إقامتهم البينة لمدعي النصف ثلثا ونصف سدس بناء على أن السدس الزائد على ما في يده لا يدعيه على مدعي السدس خاصة، بل إنما يدعيه شائعا في بقية الدار وهى في يد الاخرين جميعا، فنصفه على مدعي الثلث وعارضت فيه بينته وترجحت باليد على تقدير إقامتهما البينة، وقدم قول ذي اليد على تقدير عدمها ونصفه على مدعي السدس، فيحكم به لمدعي النصف ببينته، لان بينة مدعى السدس لا تعارضها، فيجعل لمدعى النصف ثلث ونصف سدس، وللآخرين مدعاهما، ويبقى بيد مدعي السدس نصف سدس لا يدعيه أحد. ولا يخفى عليك ضعف القول المزبور المبني على تقديم بينة الداخل، ضرورة تعلق الدعوى بالدار ولا تعارض فيها كما عرفت، ولو قدمنا بينة الخارج أخذ منه نصف السدس وقد كمل له نصفه، كما أن مدعي السدس كذلك، بل في يده زيادة نصف سدس هو مقدار ما نقص من

[ 485 ]

سهم مدعي الثلث فيتجه أخذه له ببينته تتمة لسهمه، وعن بعضه آخر من العامة أنه إذا جحد بعضهم بعضا كانت بينهم أثلاثا، وهو أوضح فسادا من الاول لاقتضائه الحكم بالثلث لمن يدعي أن له السدس، فتأمل. (ولو ادعى أحدهم الكل والاخر النصف والثالث الثلث) وكانت يدهم أجمع عليها (ولا بينة قضي لكل واحد بالثلث، لان يده عليه، وعلى الثاني والثالث اليمين لمدعي الكل) الشامل لما في أيديهما (وعليه وعلى مدعي الثلث اليمين لمدعي النصف) إن لم يعترف لذي الثلث، وليس لمدعي الثلث يمينا عليهما، لانه لا يدعي زائدا على ما في يده بخلاف مدعي النصف، فانه يدعي سدسا عليهما، ومدعي الكل فانه يدعي جميع ما بأيديهما. وإن أقام أحدهم بينة فان كان المستوعب أخذها منهم ثلث منها بيده مع يمينه أو عدمه إن قلنا بكفاية البينة عنه والباقي ببينته، وإن أقامها مدعي النصف خاصة أخذه باضافة سدس يأخذه منهما بالبينة إلى ما في يده بغير يمين أيضا بناء على نيابتها عنه للداخل - وفي كشف اللثام مازجا عبارة القواعد (أخذ النصف مما في يد الاخرين أو باضافة نصفى سدس يأخذهما من الباقين إلى ما في يده) انتهى - والنصف الباقي بين الاخرين نصفان لكل منهما سدس ونصف سدس، لكن للمستوعب منهما السدس بغير يمين، لعدم المنازع له فيه، ويحلف على نصف السدس للثالث، فانه يدعيه الآن عليه، كما انه هو يحلف للمستوعب على جميع الربع الذي أخذه، وهو السدس ونصف، وإن أقامها مدعي الثلث أخذ ما في يده من غير يمين إن قلنا بكفاية البينة عنه - وفي كشف اللثام (أخذه أي الثلث الذي بيده أو الذي بأيدي الباقين) انتهى - والباقي بين الاخرين للمستوعب منهما السدس منه بغير يمين، لعدم المنازع له فيه،

[ 486 ]

ويحلف على السدس الاخر الذي يدعيه الان مدعي النصف عليه، كما أن مدعي النصف يحلف على جميع ما يأخذه من السدسين للمستوعب الذي يدعيهما عليه. وفي كشف اللثام بعد أن ذكر ما سمعت قال: (وكون الباقي بين الاخرين على هذين التقديرين مبني على ما سيأتي من إسقاط بينة الداخل اليمين، وإلا فمن أقام بينة أخذ ما يدعيه مما في أيدي الباقين وبقي ما في يده وباقي ما في أيديهما يتنازعان فيه، فما بأيديهما يقتسمانه كما ذكر، وما في يد ذي البينة خارج عن أيديهما، فيقرع ويحكم بكله أو بعضه لمن حلف منهما). وقد يناقش فيه بأنه لايتم ذلك في لا مشاع، بل مناف لما تسمعه من إقامة كل منهم البينة المنزلة على ما في يده إلا ما زاد عليه، على أن البينة لا تزيد على إثبات المشاع الذي كانت تقتضيه اليد، وكأن الذي أحوجه إلى ذلك ذكرهم البينة هنا، وظاهرهم عدم الاحتياج معها إلى يمين مع معروفية تقديم بينة الخارج عندهم، كمعروفية عدم الاكتفاء بها عن اليمين في الداخل، ومع هذه المقدمات يقتضي تنزيل مفاد البينة على الخارج بالتقرير الذي ذكره. إلا أن ذلك كله كما ترى، بل كلام الاصحاب الا ترى فيما لو اقام كل منهم البينة كالصريح في خلافه، فلا محيص عن حمل كلامهم هنا على تقدير تقديم بينة الداخل، أو على الاكتفاء بها عن اليمين، أو التزام اليمين على ما في اليد فتأمل. (وإن أقام كل منهم بينة فان قضينا مع التعارض بينة الداخل فالحكم كما لو لم تكن بينة، لان لكل واحد بينة ويدا على الثلث ف‍) تقسم الدار بينهم حينئذ أثلاثا و (إن قضينا ببينة الخارج وهو الاصح)

[ 487 ]

كما عرفت (كان لمدعي الكل مما في يده ثلاثة من إثنى عشر بغير منازع) لانه لا معارض له فيما في يده إلا مدعي النصف بنصف سدس، وهو واحد من الاربعة التي هي الثلث الذي في يده (و) كان له أيضا (الاربعة التي في يد مدعي النصف) أي الثلث (لقيام البينة) له أي (لصاحب الكل بها وسقوط بينة صاحب النصف بالنظر إليها، إذ) الفرض أنه (لا تقبل بينة ذي اليد) على ما في يده (و) كان له أيضا (ثلاثة مما في يد مدعي الثلث) الذي بينته داخل بالنسبة إليه بخلاف بينة المستوعب (و) حينئذ (يبقى واحد مما في يد مدعي الكل لمدعي النصف) لان بينته بالنسبة إليه بينة خارج، ولا تعارضها بينة المستوعب التي هي داخلة بالنسبة إليه (وواحد مما في يد مدعي الثلث يدعيه كل واحد من مدعى النصف ومدعي الكل) وهو خارج عنهما: ف‍ (يقرع بينهما) بعد تساوي بينتهما (ويحلف من يخرج اسمه ويقضى له) فان امتنع أحلف الاخر وقضي له (فان امتنعا قسم بينهما نصفين) كما عرفته في العين التي تداعياها وهي خارجة عنهما. وحينئذ (فيحصل) من مجموع ما عرفت (لصاحب الكل عشرة ونصف، ولصاحب النصف واحد ونصف، وتسقط دعوى مدعي الثلث) فان بينته داخلة، فلا تعارض الخارجة. وقد ظهر لك من ذلك كله أن لمدعي النصف من الاثنى عشر ثمن، ولمدعي الكل سبعة أثمان، فإذا أردت إخراج ذلك صحيحا فرضت النزاع في أربعة وعشرين، فان لمدعي الكل منهما واحدا وعشرين، ولمدعي النصف ثلاثة. هذا وفي القواعد جعل لمدعي النصف سدسا، وللمستوعب خمسة أسداس، وهو مبني على أخذ السدس تاما من المستوعب. وفيه أنه

[ 488 ]

لا يدعيه تماما عليه، بل يدعي نصفه عليه والنصف الاخر على مدعي الثلث، كما عرفت، والله العالم. ولو كانت يدهم جميعا خارجة واعترف ذو اليد بأنه لا يملكها ولا بينة فللمستوعب النصف، لعدم المنازع له فيه من كل من مدعي النصف والثلث، ويقرع في النصف الاخر، فان خرجت للمستوعب أو للثاني حلف وأخذ، وإن خرجت للثالث حلف وأخذ الثلث، ثم يقرع بين الاخرين في السدس، فمن خرج حلف وأخذ. ولو أقام أحدهم خاصة بينة فان كانت للمستوعب اخذ الجميع، وإن اقامها مدعي النصف أخذه، ويبقى للمستوعب السدس بغير منازع، والثلث يتنازع فيه مع مدعيه، والحكم فيه كما لو لم تكن بينة. ولو أقامها مدعي الثلث أخذه وللمستوعب السدس أيضا بغير منازع، والنصف يقرع فيه بين مدعيه والمستوعب. وإن أقام كل منهم بينة وتساوت فالنصف للمستوعب، لعدم المنازع، والسدس الزائد على الثلث يتنازعه السمتوعب ومدعي النصف، وقد تعارضت فيه بينتاهما، والثلث يدعيه الثلاثة وقد تعارت فيه البينات الثلاثة، فيقرع بين المتنازعين فيما تنازعوا فيه، فمن خرج اسمه حلف وأخذ، فان نكلوا اقتسموا المتنازع فيه، فيقسم المستوعب ومدعي النصف السدس بينهما نصفين لانهما المتنازعان فيه دون مدعي الثلث، وأما الثلث فيقتسمونه أثلاثا بينهم، فيكون للمستوعب النصف بلا منازع ونصف السدس وثلث الثلث، ولمدعي النصف ثلث الثلث ونصف السدس، ولمدعي الثلث ثلث الثلث خاصة وهو التسع، وتصح في ستة وثلاثين، للمستوعب خسمة وعشرون، ثمانية عشر بلا نزاع وثلاثة نصف السدس الزائد وأربعة ثلث الثلث، ولمدعي النصف سبعة، ثلاثة نصف السدس وأربعة ثلث

[ 489 ]

الثلث، ولمدعي الثلث أربعة، ثلث الثلث، هذا كله على المشهور. وأما على العول فتصح في أحد عشر، للمستوعب ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث اثنان، لان فريضتهم من ستة، ويعال عليها نصفها وثلثها، والله العالم. (ولو كانت في يد أربعة فادعى احدهم الكل والاخر الثلثين والثالث النصف والرابع الثلث ففي يد كل واحد ربعها) بناء على ما عرفته من اقتضاء اليد ذلك (فان لم تكن بينة قضينا لكل واحد) منهم (بما في يده وأحلفنا كلا منهم لصاحبه) لانه لم يخلص لاحد منهم، (ولو كانت يدهم خارجة) فان أقام أحدهم بينة حكم له. (و) إن كان (لكل) منهم (بينة خلص لصاحب الكل الثلث، إذ لا مزاحم له) فيه من كل واحد من الثلاثة مع تداخل الدعاوى بعضها في بعض وإرادة القضاء فيها أجمع، لا أن له ذلك على كل حال حتى لو أراد رفع اليد عن الدعوى أو كانت الدعاوى مترتبة وكان القضاء بين كل واحدة مع الاخرى مستقلا إلا مع إقرار المدعي بالثلث مثلا أن له ذلك في النصف المدعى به مثلا. (و) حينئذ مع التداخل المزبور وإرادة القضاء في الجميع (يبقى التعارض بين بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين في السدس) الزائد على النصف، إذ لا ينازعهما فيه أحد من الباقين (فيقرع بينهما فيه) بعد تساوي البينتين عدالة وعددا، فمن خرج اسمه حلف وأخذه، وإلا حلف الاخر، فان امتنعا قسم بينهما نصفين. (ثم يقع التعارض بين بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين ومدعي الصنف في السدس أيضا) وهو الزائد على الثلث لا ينازعهم فيه الرابع (فيقرع بينهم فيه) على الوجه السابق (ثم يقع التعارض بين الاربعة

[ 490 ]

في الثلث) الباقي (فيقرع بينهم) فيه أيضا (ويختص به من تقع القرعة له) بعد يمينه (و) قد عرفت غير مرة أنه (لا يقضى) في نحو الفرض (لمن يخرج اسمه) بها (إلا مع اليمين) (ولا يستعظم أن يحصل بالقرعة الكل لمدعي الكل) بخروج القرعة له في المراتب كلها (فان ما حكم الله تعالى به غير مخطئ) فلا قسمة بتعارض البينات من غير قرعة كما ذهب إليه بعضهم للاستبعاد المزبور. (ولو نكل الجميع عن الايمان قسمنا ما يقع التدافع فيه بين المتنازعين في كل مرتبة بالسوية) وحينئذ (فتصح القسمة من ستة وثلاثين سهما) لانها أقل عدد لسدسه نصف وثلث. (لمدعي الكل عشرون) منها، إثنا عشر بلا نزاع، وثلاثة نصف السدس الذي تنازع فيه مع مدعي الثلثين، وإثنان ثلث السدس الذي تنازع فيه معه أيضا ومع مدعي النصف، وثلاثة ربع الثلث الذي يتنازع فيه مع الجميع. (ولمدعي الثلثين ثمانية) ثلاثة نصف السدس الذي تنازع فيه مع مدعي الكل، وإثنان ثلث السدس الذي تنازع فيه معه أيضا ومع مدعي النصف، وثلاثة ربع الثلث الذي تنازع فيه مع الجميع. (ولمدعى النصف خمسة) اثنان ثلث السدس الذى تنازع فيه مع مدعى الجميع ومدعى الثلثين، وثلاثة ربع الثلث الذى تنازع فيه مع الجميع (ولمدعي الثلث ثلاثة) ربع الثلث الذي تنازع فيه مع الجميع. وحينئذ يكون الاقراع في مواضع ثلاثة، أو يقال: قد لا يحتاج إلى ذلك، بل يأخذ المستوعب الثلث بلا مزاحم، ثم يتقارع الجميع في الباقي، فان خرج المستوعب أو الثاني أخذه، فان كلا منهما يدعي كله، وإن خرج الثالث أخذ منه النصف وأقرع بين الثلاثة الباقين في الباقي وهو

[ 491 ]

السدس، فمن خرج أخذه، وإن خرج الرابع أخذ الثلث وأقرع بين الثلاثة الباقين في الثلث الباقي، هذا كله مع خروج المدعى به عن أيديهم. (ولو كان المدعي) به (في يد الاربعة ف‍ (قد عرفت أن (في يد كل واحد ربعها، فإذا أقام كل واحد منهم بينة بدعواه قال الشيخ: يقضي لكل واحد بالربع، لان له بينة ويدا) بناء منه على تقديم بينة الداخل. (والوجه القضاء ببينة الخارج على ما قررناه) وحينئذ (فيسقط اعتباره بينة كل واحد بالنظر إلى ما في يده ويكون ثمرتها في ما يدعيه مما في يد غيره، فيجمع بين كل ثلاثة) منهم (على ما في يد الرابع وينتزعه لهم، ويقضى فيه بالقرعة واليمين، ومع الامتناع بالقسمة) على حسب ما تقدم (فيجمع بين مدعي الكل والنصف والثلث على ما في يد مدعي الثلثين وذلك ربع اثنين وسبعين) لانا نريد عددا لربعه ثلث وتسع ولتسع ربعه نصف وهي كذلك (وهو) أي ربعها (ثمانية عشر، فمدعي الكل يدعيها أجمع ومدعي النصف يدعي منها ستة) لان دعواه ستة وثلاثين وبيده منها ثمانية عشر، والباقي له ثمانية عشر على الثلاثة في كل ربع ستة (ومدعي الثلث يدعي) منها (اثنين) تسعها، لان دعواه الثلث أربع وعشرون، بيده منها ثمانية عشر، فالباقي له ستة على ربع كل واحد من الثلاثة إثنان. وحينئذ فتكون عشرة منها لمدعي الكل) بلا نزاع (لقيام البينة بالجميع الذي تدخل فيه العشرة) التي قد عرفت عدم منازعة الاخرين له فيها (ويبقى ما يدعيه صاحب النصف - وهو ستة - يقرع بينه وبين مدعي الكل فيها ويحلف) من يخرج اسمه وإلا حلف الاخر (ومع الامتناع يقسم بينهما) نصفين على حسب ما عرفته في غيرها

[ 492 ]

(و) يبقي (ما يدعيه صاحب الثلث وهو إثنان يقرع عليه بين مدعي الكل وبينه، فمن خرج اسمه أحلف وأعطي ولو امتنعا قسم بينهما) نصفين على حسب ما عرفته مكررا. (ثم يجمع دعوى الثلاثة على ما في يد مدعي النصف) وهو ثمانية عشر أيضا (فصاحب الثلثين يدعي عليه عشرة) لان دعواه الثلثين ثمانية وأربعين وبيده ثمانية عشر منها، فالباقي له ثلاثون على كل منهم عشرة، وهي خمسة اتساع ثمانية عشر (ومدعي الثلث يدعي) منها (إثنين) كما عرفته (و) حينئذ (يبقي في يده) منها (ستة لا يدعيها إلا مدعي الجميع، فتكون له) لقيام البينة على الجميع التي تدخل فيه (ويقارع الاخيرين) في العشرة والاثنين (ثم يحلف) من يخرج اسمه (وإن امتنعوا أخذ) من كل منهما (نصف ما ادعياه) وهو خسمة من العشرة وواحد من الاثنين. (ثم يجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الثلث وهو) أيضا (ثمانية عشر فمدعي الثلثين يدعي منه عشرة) لما عرفت (ومدعي النصف يدعي ستة) لما عرفت أيضا (يبقى) منه (إثنان لمدعي الكل) بلا منازع (ويقارع على ما أفرد للاخرين فان امتنعوا عن الايمان قسم ذلك بين مدعي الكل وبين كل واحد منهما بما ادعاه) على حسب ما عرفت. (ثم تجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الكل) وهو أيضا ثمانية عشر (فمدعي الثلثين يدعي عشرة) منها لما عرفت (ومدعي النصف يدعي) منها (ستة، ومدعي الثلث يدعي اثنين، فتخلص يده عما كان فيها) لان ذلك تمام ثمانية عشر، وإذا تم ذلك (فيكمل لمدعي الكل ستة وثلاثون من أصل اثنين وسبعين) اربعة عشر مما في

[ 493 ]

يد الثاني، وإثنا عشر مما في يد الثالث، وعشرة مما في يد الرابع (ولمدعي الثلثين عشرون) خمسة مما في يد الثالث، وخمسة أخرى مما في يد الرابع، وعشرة مما في يد المستوعب (ولمدعي النصف إثنا عشر) ثلاثة مما في يد الثاني. وثلاثة اخرى مما في يد الرابع، وستة مما في يد المستوعب (ولمدعي الثلث أربعة) إثنان مما في يد المستوعب، وإثنان مما في يد الباقين (هذا إن امتنع صاحب القرعة عن اليمين ومنازعه) وإلا كان الحاصل غير ذلك كما هو ظاهر. كظهور الحكم لو اقام أحدهم بينة خاصة، بل وظهور غير ذلك مما تقدم نظيره في المسائل السابقة، فتدبر. المسألة (السابعة:) (إذا تداعى الزوجان متاع البيت) الذي في يدهما كلا أو بعضا (قضي) به (لمن قامت له البينة) منهما مطلقا بلا خلاف كما في الرياض. (وإن لم تكن بينة فيد كل واحد منهما على نصفه، قال في المبسوط) وتبعه العلامة في القواعد وولده في المحكي من شرحه: (يحلف كل منهما لصاحبه) كغير المتاع مما يتداعى فيه إثنان مثلا وكان في أيديهما (سواء كان مما يختص بالرجال) كالعمائم والطيالسة والسلاح والدرع ونحوها (أو النساء) كالحلي والمقانع ونحوها (أو يصلح لهما) كالفرش والاواني (وسواء كانت الدار لهما أو لاحدهما) أو لغيرهما (وسواء كانت الزوجية باقية أو زائلة) بطلاق ونحوه، بل في كشف اللثام وسواء كانت يدهما عليه مشاهدة كعمامة أو خلخال

[ 494 ]

لبساه (يلبسانه خ ل) أو حكما وهو الكون في بيت يسكنانه، وسواء جرت العادة بجهاز مثلها بقدره أم لا، كل ذلك للعمومات التي منها (البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه) (1). (ويستوي في ذلك تنازع الزوجين والوارث) أو أحدهما مع الاخر، لاعمية الدليل المزبور من ذلك كله، خلافا للمحكي عن ابي حنيفة من أنه إن تنازع أحدهما وورثة الاخر فالقول قول الباقي منهما، وأنه إن كان في يدهما حكما فما يصلح للرجال أولهما فالقول قوله، وإلا فقولها وعن أبي يوسف إن جرت العادة في جهاز مثلها بقدره فالقول قولها. (وقال) الشيخ (في الخلاف) ومحكي النهاية: (ما يصلح للرجال للرجل، وما يصلح للنساء للمرأة، وما يصلح لهما يقسم بينهما) بعد التحالف أو النكول، وقد سبقه إلى ذلك الاسكافي ولحقه ابنا حمزة وإدريس والكيدري والقاضي في ظاهره - وإن خصه بحال الطلاق - ويحيى بن سعيد والفاضلان في النافع والتحرير والتلخيص وأبو العباس في المهذب والشهيد في الدروس وغيرهم على ما حكي عن بعضهم. بل في المسالك نسبته إلى الاكثر، بل عن نكت النهاية للمصنف نسبته إلى المشهور، بل عن الخلاف والسرائر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد صحيح النخاس (2) عن الصادق (عليه السلام) (إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء يقسم بينهما، قال: وإذا طلق الرجل المرأة فادعت أن المتاع لها وادعى الرجل أن المتاع له كان له ما للرجال ولها ما للنساء).


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ميراث الازواج الحديث 4 من كتاب الفرائض.

[ 495 ]

والموثق (1) (في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل يموت قبل المرأة قال: ما كان متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له). وخبر زرعة عن سماعة (2) (سأله عن الرجل يموت ما له من متاع البيت ؟ قال: السيف والسلاح وثياب جلده) وقصور الدلالة عن إفادة تمام المدعى صريحا - كما ذكره جماعة - غير ضائر بعد اعترافهم بالظهور. هذا (وفي رواية) مروية بعدة طرق فيها الصحيح والموثق (أنه للمرأة، لانه لانها تأتي بالمتاع من) بيت (أهلها) وأفتى بها الشيخ أيضا في المحكي من استبصاره. قال عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (3) (سألني أبو عبد الله (عليه السلام) كيف قضاء ابن أبي ليلى ؟ قلت: قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه في التي يتوفى عنها زوجها فيجئ أهله وأهلها في متاع البيت، فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي: ما كان من متاع الرجل فللرجل، وما كان من متاع النساء فللمرأة، وما كان من متاع يكون للرجل والمرأة قسمة بينهما نصفين، ثم ترك هذا القول، فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو أن رجلا اضاف رجلا فادعى متاع بيته كلف البينة، وكذلك المرأة تكلف البينة، وإلا فالمتاع للرجل، ورجع إلى قول أخر، فقال: القضاء أن المتاع للمرأة إلا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته، ثم ترك هذا القول، ورجع إلى قول إبراهيم الاول،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ميراث الازواج الحديث 3 - 2 من كتاب الفرائض. (3) اشار إليه في الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ميراث الازواج - الحديث 1 وذكره في التهذيب ج 6 ص 297 - الرقم 829.

[ 496 ]

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): القضاء الاخير وإن كان رجع عنه، المتاع متاع المراة إلا أن يقيم الرجل البينة، قد علم من بين لابتيها، يعني بين جبلي منى، لانه قاله ونحن يومئذ بمنى - إن المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع). وفي خبر آخر (1) له أيضا حكى للصادق (عليه السلام) فيه اختلاف ابن أبي ليلى في هذه المسألة وقضاءه فيها أربع قضيات أولها كما في الخلاف وثانيها كما سمعته من المبسوط ثم قال: (ثم قضى بعد ذلك بقضاء لولا أنى شهدته لم أرده عليه، ماتت امرأة منا ولها زوج وتركت متاعا فرفعته إليه، فقال: اكتبوا لي المتاع فلما قرأه قال: هذا يكون للمرأة والرجل فقد جعلته للمرأة إلا الميزان فانه من متاع الرجل، ثم سألته ما تقول فيه ؟ فقال: القول الذي أخبرتني أنك شهدته منه قال: يكون المتاع للمرأة، فقال (عليه السلام): لو سألت من بينهما يعني الجبلين - ونحن يومئذ بمكة - لاخبروك أن الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل، فتعطى الذي جاءت به، وهو المدعى، فان زعم أنه أحدث فيه شيئا فليأت بالبينة). (و) كيف كان ف‍ (ما ذكره في الخلاف أشهر في الروايات وأظهر بين الاصحاب) بل عن المبسوط أيضا نسبته إلى روايات الاصحاب، بل لعل ما في المختلف راجع إليه - وإن جعله في المسالك قولا رابعا واختاره ناسبا له إليه وإلى الشهيد في الشرح وجماعة من المتأخرين - قال: (والمعتمد أن نقول: إنه إن كان هناك قضاء عرفى يرجع إليه ويحكم به بعد اليمين، وإلا كان الحكم فيه كما في غيره من الدعاوى - إلى أن قال -: لنا ان عادة الشرع في باب الدعاوي بعد الاعتبار


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ميراث الازواج الحديث 1 من كتاب الفرائض

[ 497 ]

والنظر راجعة إلى ما ذكرنا، لهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناء على الاصل، وبأن المتشبث أولى من الخارج، لقضاء العادة بملكية ما في يد الانسان غالبا، وحكم بايجاب البينة على من يدعي خلاف الظاهر، والرجوع إلى من يدعى الظاهر. وأما مع انتفاء العرف فلتصادم الدعويين مع عدم الترجيح لاحدهما فتساويا فيها - ثم قال أيضا -: واعلم أن ما رواه الشيخ من الاحاديث يعطي ما فصلناه نحن أولا، ويدل عليه حكمه (عليه السلام) بأن العادة قاضية بأن المراة تأتي بالجهاز من بيتها، فحكم لها به، وأن العادة قاضية بأن ما يصلح للرجال خاصة فانه يكون من مقتضياته دون مقتضيات المراة، وكذا ما يصلح للمراة خاصة يكون من مقتضياتها دون مقتضيات الرجل، والمشترك يكون للمرأة قضاء لحق العادة الشائعة، ولو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الاوقات أو صقع من الاصقاع لم يحكم لها) ضرورة ان مبناه اولا وآخرا الرجحان الناشئ من العادة ولو لكون الشئ لا يصلح إلا لاحدهما، فان العادة قاضية بذلك، فمرجع كلام المشهور حينئذ إلى ذلك، خصوصا بعد تصريح ابن إدريس الذي قد عرفت دعواه الاجماع على ذلك في ما حكي عنه بذلك. قال بعد ذكر القول المزبور: (وتعضده الادلة، لان ما يصلح للنساء الظاهر أنه لهن وكذلك ما يصلح للرجال، وأما ما يصلح للجميع فيداهما معا عليه، فيقسم بينهما، لانه ليس أحدهما أولى به من الاخر، ولا يترجح أحدهما على الاخر). وحينئذ فاطلاق بعض عبارات بعض القائلين منزل على ذلك، كما جزم بذلك في الرياض تبعا للاردبيلي في شرحه. لكن في التنقيح بعد أن اختار ما سمعته من المبسوط قال: (لتكافؤ الدعويين من غير ترجيح، ولان الحكم بما يصلح له لو كان حقا لزم

[ 498 ]

الحكم بمال شخص معين لغيره، لكونه صالحا لذلك الغير، وهو باطل، بيان اللزوم أنه جاز أن يموت للمرأة أب أو أخ فترث منه عمائم وطيالسة ودروعا وسلاحا، وتموت للرجل أم أو أخت فيرث منها حليا ومقانع وقمصا مطرزة بالذهب، ويكون ذلك تحت أيديهما، فلو حكم لكل بما يصلح له لزم الحكم بمال الانسان لغيره، لا يقال قال النبي (صلى الله عليه وآله): نحن نحكم بالظاهر والله أعلم بالسرائر، وما ذكرنا هو الظاهر، لانا نقول: نمنع أن ذلك هو الظاهر، لان الظاهر راجح غير مانع من النقيض، ومع ما ذكرنا من الاحتمال لا رجحان، وأما ما ذكره العلامة من العرف فممنوع، لانه لو كان قاعدة شرعية لزم الحكم بذلك في غير الزوجين لو حصل التداعي بين رجل وامرأة في متاع هذا شأنه، وهو باطل). وأطنب في الرياض في رده بأنه اجتهاد في مقابلة النص، وبأن الظاهر لا ينافيه الاحتمال، وبأن الادلة المزبورة كافية في حجية مثل هذا الظاهر هنا وإن لم يتعد إلى غيره. قلت: قد يقال: لا ظهور في النصوص بل ولا الفتاوى على وجه يخرج به عن القواعد المحكمة المقتضية للحكم باليد المفروض اشتراكها على ما لا يصلح إلا لاحدهما. نعم لو كانت يد فعلية لاحدهما ولو لعدم وقوع الاستعمال في ما مضى من الزمان إلا من أحدهما زائدة على يد البيت المشتركة بينهما اتجه الحكم له به حتى لو كان من المختص بغيره، وكذا لو علم بأنه في الاصل له وإن وضعه في البيت المفروض اشتراكه في اليد لهما، فان اليد البيتية لا تصلح قاطعة لاستصحاب الملك، ولعل قوله (عليه السلام) في

[ 499 ]

صحيح ابن الحجاج (1) السابق: (فتعطي الذي جاءت به من أهلها). شاهد على ذلك، ضرورة أن الذي جاءت به جعلته في البيت المشترك بينهما. أما إذا لم يكن ذلك وكانت اليد البيتية لهما معا عليه ولا طريق إلى معرفة مالكه إلا يدهما عليه فالمتجه حينئذ الحكم به بينهما، ويمكن تنزيل النصوص على ذلك، بل لعل قوله (عليه السلام) في آخر الموثق (2): (ومن استولى شيئا فهو له) الذي هو كالاستدلال على ما قدمه من الحكم مشعر أو ظاهر في ذلك، كاشعار قوله (عليه السلام) (3): (ثياب جلده) ونحوه، بل لعل متاع النساء كذلك، فان المراد ما يتمتعن به ويستعملنه فعلا، ومجرد كونه لا يصلح إلا للنساء مثلا مع عدم العلم باعداده للزوجة أو غيره لا ظهور في اختصاصه بالنساء كما سمعته من المقداد، وربما كان في كلام ابن حمزة ظهور في الجملة في بعض ما قلناه، لانه قال: (وإن كان في يد احدهما - أي شئ من متاع البيت - كانت البينة على اليد الخارجة واليمين على المتشبثة). وعلى كل حال فان أمكن تنزيل النصوص والفتاوى على ذلك بمعنى اختصاص كل منهما بما يصلح له مما كان في يده ولو باختصاص استعماله له أو كان معلوم الاصل أنه له كانت المسألة حينئذ على القواعد، وإلا فلا ريب في أن المتجه المشهور، لكن في خصوص المفروض الذي لم يكن لاحدهما يد زائدة على اليد البيتية عليه، ولا علم كون أصله لاحدهما عملا بالنصوص المزبورة المعتضدة بما سمعت. ولا ينافيها النصوص (4) الدالة على كون المتاع للمرأة مطلقا التي قد سمعتها بعد عدم العمل بها من أحد حتى الشيخ في الاستبصار المحتمل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 8 - من ابواب ميراث الازواج - الحديث 1 - 3 - 2 - 0 من كتاب الفرائض.

[ 500 ]

كون ما فيه جمعا بين الاخبار لا فتوى، على أنها غير صريحة، بل ولا ظاهرة في المخالفة، بل الاخير منها ظاهر في إرادة المتاع الذي تأتي به من أهلها. بل لعل التأمل في النصوص يقتضي تنزيلها على اعتياد كان في السابق أن المراة تأتي بالمتاع التي يحتاجه البيت من فراش ورحى وأواني ونحوها، بل هي كالصريحة في عدم حكم خاص تعبدي بين الرجل وزوجته في ذلك، أو تنزيلها على إرادة بيان فساد القول بكونها كالضعيف، لان كل أحد يعلم أنه حين تزف إلى زوجها تزف بمتاع، أو غير ذلك، فلاحظ وتأمل حتى تعرف قصورها عن معارضة غيرها من وجوه، فضلا عن القواعد الشرعية. على أنك قد سمعت ما ذكره الفاضل من دعوى دلالة هذه النصوص على ما عرفته منه الذي قد نزل بعضهم كلام المشهور عليه وإن كان هو بعيدا جدا. بل كلامه عند التأمل في غاية البعد، إذ حاصله استفادة الحكم الشرعي من الحكم العادي، وهو واضح الفساد، ضرورة عدم مدخلية للعادة في الاحكام الشرعية، نعم قد يرجع إلى العرف في موضوع الحكم الشرعي لا فيه نفسه، ودعوى دوران صدق المدعي والمدعى عليه على العادة المزبورة حتى لو كان في يد الاخر واضحة المنع، بل من المقطوع به عدم إرادته ذلك. وبالجملة كلامه لا يرجع إلى حاصل ينطبق على القواعد الشرعية الموافقة لاصول الامامية، وإن مال إليه جماعة ممن تأخر عنه. بل من ذلك يعلم النظر فيما ذكره في القواعد من أنه لو كان في دكان عطار وتجار فاختلفا في قماشه أي ما فيه من آلات حكم لكل بآلة

[ 501 ]

صناعته مع يمينه، على أنه لا يوافق مختاره فيها في مسألة المتاع، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (لو ادعى أبو الميتة أنه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره كلف البينة كغيره من الاسباب) للعمومات (و) لكن (فيه رواية بالفرق بين الاب وغيره ضعيفة) في احتمال في الكافي والتهذيب نعم هي في الفقيه هي صحيحة جزما على ما قيل، وهي رواية جعفر بن عيسى (1) قال: (كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم أتقبل دعواه بلا بينة أم تقبل دعواه بلا بينة ؟ فكتب (عليه السلام): يجوز بلا بينة، قال: كتبت إليه جعلت فداك إن ادعى زوج المراة الميتة أو اب الزوج أو ام زوجها في متاعها أو خدمها مثل الذى ادعى أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم ايكونون بمنزلة الاب في الدعوى ؟ فكتب: لا) وقد أطنب ابن إدريس في ردها بأنها كتابة، ولا يجوز للمستفتي أن يرجع إلا إلى قول المفتي دون ما يجده بخطه بغير خلاف من محصل ضابط لاصول الفقه إلى أن قال: (ولقد شاهدت جماعة من متفقهة أصحابنا المقلدين لشواذ الكتاب يطلقون بذلك وأن أبا الميتة لو ادعى كل المتاع وجميع المال كان قوله مقبولا بغير بينة، وهذا خطأ عظيم في هذا الامر الجسيم، لانهم إن كانوا عاملين بهذا الحديث فقد أخطأوا من وجوه: أحدها أنه لا يجوز العمل بأخبار الآحاد عند محصلي أصحابنا على ما كررنا القول فيه واطلقناه، الثاني أن من يعمل بأخبار الاحاد لا يقول بذلك ولا يعمل به إلا إذا سمعه من الراوي من الشارع، والثالث أن الحديث ما فيه أنه ادعى أبوها جميع متاعها وخدمها، وإنما قال لبعض ما كان عندها،


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 1.

[ 502 ]

ولم يقل جميع ما كان عندها، ثم إنه مخالف لاصول المذهب ولما عليه إجماع المسلمين أن المدعي لا يعطى بمجرد دعواه - إلى ألى قال - ثم لم يورد هذا الحديث إلا القليل من أصحابنا، ومن أورده في كتابه لا يورده إلا في باب النوادر، وشيخنا المفيد وسيدنا المرتضى لم يتعرضا له ولا اورداه في كتبهما، وكذلك غيرهما من محققي أصحابنا، وشيخنا أبو جعفر ما أورده في كتبه، بل في كتابين منها فحسب إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله من غير اعتقاد لصحته - إلى أن قال -: ثم شيخنا أبو جعفر الطوسي رجع عنه وضعفه في جواب المسائل الحائريات المشهورة عنه المعروفة) ثم حكى عن المفيد أن النوادر هي التي لا عمل عليها، ثم احتمل حمله على الاستفهام باسقاط حرفه، أو على إرادة التهجين والذم لمن يرى ذلك، كما قال الله تعالى (1): (ذق أنك أنت العزيز الكريم) إلى آخره. ولكن في كشف اللثام (أن الذي رأيناه في حائريات الشيخ أنه سأل عن الرجل إذا ادعى بعد وفاة ابنته إذا هلكت عند زوجها أنه قد أعارها جميع متاعها هل يقبل قوله في ذلك كما يقبل في بعضه ؟ وإن ادعى عليها في حياتها ما ادعاه بعد وفاتها من إعارتها بعض المتاع أو كله فما الحكم في ذلك ؟ فأجاب الشيخ القول قول أبيها في الحالين مع يمينه أنه كان أعارها ولم يهبه لها ولا استحقه على وجه - ثم قال في الكشف أيضا -: وعندي لا إشكال ولا مخالفة فيه للاصول، وأن المراد ادعاء الاب فيما جهزها به وعلم أنه نقلها من بيت أبيها، وأنه الذي أعطاها، فحينئذ إذا ادعى انه أعارها فالقول قوله، لان الاصل عدم انتقال الملك، والفرق بينه وبين الزوج وأبيه وأمه ظاهر، لجريان العادة بنقل المتاع والخدم من بيت الاب - ثم قال -: وقريب منه ما في التحرير من الحمل


(1) سورة الدخان: 44 - الاية 49.

[ 503 ]

على الظاهر من أن المرأة تأتي بالمتاع من بيت أهلها). قلت: لا ريب في ضعف الحملين المزبورين في كلام ابن ادريس، لعدم جريانهما في المكاتبة الخالية عن قرائن الاحوال، على أن ملاحظة آخرها مناف لهما أيضا، وأما ما ذكره في التحرير ففيه أنه لا دليل على حجية مثل هذا الظاهر الذي لا دليل فيه على البقاء على ملكية أهلها لذلك مع العلم بكونه منهم، ضرورة كون اليد أمارة شرعية على الملك وإن لم يدعه ذو اليد لموت ونحوه، ولا يعارضها أصالة عدم الانتقال ولا غيرها، كما هو واضح. نعم لو فرض كون الدعوى بين الاب والوارث أو بينه وبين البنت بدعوى التمليك عليه كان القول قوله حينئذ، لانه منكر حينئذ لا مدع، وعلى ذلك يحمل ما سمعته من الشيخ في الحائريات، بل يمكن حمل الخبر المزبور عليه. ولا ينافيه الفرق بين الاب وغيره، لامكان دعوى غلبة كون الدعوى بينه وبين البنت في ذلك بخلاف غيرهم، ولو فرض كون الدعوى على حسب ما عرفت كان القول قولهم أيضا كالاب وإن أبى الخبر المزبور عن التنزيل على ذلك ونحوه، فلا ريب في عدم جواز العمل به، لضعفه عن مقابلة العمومات بعد عدم العلم به من أحد سوى ما يحكى عن الصدوق، حيث رواه في كتابه الذي قال: (إنه لا يروى فيه إلا ما يعمل به) وقد ذكرنا غير مرة رجوعه عن هذا القول، كما اعترف به بعض الافاضل، والله العالم.

[ 504 ]

(المقصد الثالث) (في دعوى المواريث (وفيه مسائل:) (الاولى:) (لو مات المسلم عن ابنين) مثلا (فتصادقا على تقدم إسلام أحدهما على موت الاب وادعى الاخر مثله فأنكر أخوه) ولم يعلم تأريخ أحدهما أو علم تأريخ موت الاب دون الاخر (فالقول قول المتفق على إسلامه) المدعى عليه الشركة (مع يمينه أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه) إن كان قد ادعى عليه العلم، وإلا فلا حلف كما في كشف اللثام، لانه ضابط الحلف على نفي فعل الغير. (وكذا لو كانا مملوكين) مثلا (فأعتقا واتفقا على حرية أحدهما واختلفا في الاخر) إذ المناط في الجميع - وهو استصحاب البقاء على دينه وعلى رقيته - واحد، كذا ذكره من تعرض لذلك. لكن قد يشكل الاول بل والثاني - بناء على أن أصالة تأخر الحادث لا تفيد تأخر نفس المدعى به عن نفس الاخر المعلوم تأريخه - بأن ذلك يقتضي عدم الحكم باسلامه قبل موت الاب، وذلك لا يكفي في نفي الارث المقتضى له نفس الولدية، والكفر والرق مانعان، لا الاسلام والحرية شرطان حتى يكفي فيه عدم تحقق الشرط، ومن هنا لو اتفقا على أن

[ 505 ]

أحدهما لم يزل مسلما أو حرا واختلفا في الاخر وجزم في كشف اللثام بأن القول قول الاخر لاصل الاسلام والحرية والارث، ويحلف على أن الميت لم يسبق إسلامه ولا حريته. وكذا لو ادعى كل منهما ذلك وأنكر الاخر. وفي المسالك (احتمل في الاول مساواته في الحكم للسابق، لاصالة عدم الاسلام وتقديم قوله، لان ظاهر الدار تشهد له، وليس مع صاحبه أصل يستصحب هنا بخلاف السابق، وكذا في الثاني احتمل الوجهين. احدهما أنه لا يصرف إلى واحد منهما شئ، لان الاصل عدم الاستحقاق، وثانيهما جعل المال بينهما بعد حلف كل واحد منهما، لان ظاهر الدار يشهد لكل منهما - (لكنه قال -: أصحهما الثاني). وفي كشف اللثام (نعم إن كانت الدار دار كفر وكان إسلام المورث مسبوقا بكفره احتمل ترجيح الظاهر على الاصل، فلا يرث المختلف فيه ما لم يعلم انتفاء المانع من إرثه بالبينة، ولو ادعى المختلف فيه علم الاخر بحاله كان له إحلافه على نفيه). وفيه ما عرفت ايضا، وكذا في قوله ايضا: (ولو اتفقا على كفر كل منهما أو رقيته زمانا وادعى كل منهما سبق إسلامه أو حريته على الموت وأنكر الاخر ولم تكن بينة ولا ادعى أحدهما العلم على الاخر أو ادعاه فحلف على العدم لم يرث أحد منهما، لانه لا إرث ما لم يثبت انتفاء المانع، لا مجال هنا للحلف، لان كلا منهما مدع لزوال المانع عن نفسه، واما إنكاره ففي الحقيقة انكار لعلمه بزوال المانع عن الآخر، ولا يفيد الحلف عليه، بل خصمهما في الحقيقة هو الوارث المسلم، فان كان غير الامام (عليه السلام) حلف على عدم العلم بزوال المانع) ضرورة أنك قد عرفت الاكتفاء باحتمال سبق زوال المانع مع فرض جهل تأريخ الموت، بل الظاهر الاكتفاء بمقارنته، لاطلاق دليل المقتضي الذي هو

[ 506 ]

معنى أصل الارث الذي احتج به سابقا). ولو أقام أحدهما بينة في هذه المسائل قضي بها، ولو أقام كل واحد بينة في صورة اختلافهما بأنه لم يزل مسلما وصاحبه أسلم بعد موت الاب تعارضتا ورجع إلى القرعة مع عدم المرجح، بل الظاهر ذلك أيضا في الاول الذي لم يتعرض فيه لخصوص تاريخ الموت أو الاسلام وإن جعله في المسالك أحد الاحتمالات، والثاني احتمالا، وتقديم بينة مدعي تقدم الاسلام، لاشتمالها على زيادة، وهي نقله إلى الاسلام في الوقت السابق، والاول مستصحب دينه، فمع الاول زيادة علم، ورد بأن بينة المتأخر تشهد بالحياة في زمان بينة المتقدم، فيتحقق التناقض، قال: (وربما احتمل ضعيفا تقديم بينة المتأخر بناء على أنه قد يغمى عليه في التأريخ المتقدم فيظن الشاهدان موته، وهو ضعيف، لانه قدح في الشاهد). وهذه الاحتمالات الثلاثة قد ذكرها غير واحد ايضا في المسألة الثانية، ولا ريب في ضعف الاخيرين منها، نعم لو قلنا بعدم قبول بينة الداخل وأنه في المسألة الثانية مدع تأخر الاسلام اتجه حينئذ تقديم بينة الاخر عليه فيها، والله العالم. المسألة (الثانية:) (لو اتفقا أن أحدهما أسلم في شعبان والاخر في غرة رمضان) أي أوله (ثم قال المتقدم: مات الاب قبل) دخول (شهر رمضان، وقال المتأخر: مات بعد دخول رمضان كان الاصل بقاء الحياة والتركة بينهما نصفين) بلا خلاف ولا إشكال وإن كان المدرك عندنا عدم ثبوت المانع، فالمقتضى حينئذ لحاله لا استصحاب الحياة، فتأمل جيدا.

[ 507 ]

قال في كشف اللثام هنا: (وكل من أقام منهما بينة على دعواه ثبتت، ولو أقاما تعارضت البينتان للتناقض، وربما يحتمل ضعيفا تقديم مدعي التقديم، لاشتمال دعواه على زيادة، وتقديم مدعي التأخير، لجواز أن يكون قد اغمي عليه أولا فتوهم الموت، نعم لو صرحت هذه البينة بالاغماء أولا فلا إشكال في تقديمها، كما أنه لو صرحت الاخرى بأنه كان قد مات ولم يعلم بموته إلا بعد رمضان مثلا لم يكن إشكال في تقديمها). قلت: قد عرفت احتمال أن بينة المتأخر بينة داخل فتقدم عليه بينة الخارج فتأمل. المسألة (الثالثة:) إذا كان (دار) مثلا (في يد انسان وادعى آخر أنها له ولاخيه الغائب إرثا عن أبيهما و) أنكر الانسان ذلك ف‍ (أقام) المدعي (بينة فان كانت كاملة وشهدت أنه لا وارث سواهما سلم إليه النصف) بلا خلاف ولا إشكال، والقاسم الحاكم أو أمينه أو من في يده الدار (وكان الباقي في يد من كانت الدار في يده) إلى مجئ الغائب، كما عن المبسوط، لعدم ثبوتها له قبل دعواه بها، إذ البينة حجة للمدعي بها لا غيره. (و) لكن الاقوى ما (في الخلاف) من أنه تنتزع منه (وتجعل في يد أمين حتى يعود) لان البينة حجة شرعية، كما هو مقتضى إطلاق دليلها إلا إذا ردها ذو الحق أو رفع يدا عن حقه والحاكم ولي الغائب، ولانه بانكاره سقط عن الامانة، وفي كشف اللثام (ولان الدعوى للميت والبينة له، ولذا تقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه) واختاره في المختلف.

[ 508 ]

وفيه أن ذلك يقتضي عدم تمامية الدعوى قبل حضور الوارث الاخر، ومن هنا قرر ذلك في المسالك في وجه اختيار المبسوط لا الخلاف، وهو مبني على أن الذي يقوم مقام الميت تمام الوارث لا بعضه، أللهم إلا أن يقال: يكفي في إثبات كونه للميت إقامة بعض الورثة البينة على ذلك ويتبعه حكم الميراث، بخلاف الشركاء، فانه لا يكفي إقامة أحدهم البينة في ثبوت الحق لغيره بدون وكالة أو ولاية، مع احتماله، لاطلاق دليل البينة، فتأمل. (و) على كل حال ف‍ (لا يلتزم القابض للنصف إقامة ضمين بما قبض) للاصل وغيره بعد ثبوت الانحصار بالبينة. (ونعني بالكاملة ذات المعرفة المتقادمة والخبرة الباطنة) بما شهدت به والظاهر الاكتفاء في ثبوت الوصفين بشهادتهما بذلك بعد ثبوت عدالتهما بل الظاهر كون المراد بكمالها أنه تشهد بالنفي، وحينئذ فعدم شهادتها بذلك هو عدم كمالها، فقول المصنف: (ولو لم تكن البينة كاملة وشهدت أنها لا تعلم وارثا غيرهما) بمنزلة التفسير لها كقوله أولا: (وشهدت) إلى آخره. لكن في المسالك (قد اختلفت عبارات الاصحاب في معنى البينة الكاملة هاهنا، فمقتضى عبارة المصنف والاكثر أن المراد بها ذات الخبرة والمعرفة بأحوال الميت، سواء شهدت بأنها لا تعلم وارثا غيرهما أم لا، وحينئذ تنقسم إلى ما يثبت بها حق المدعي بأن تشهد بنفي وارث غيره وإلى غيره، وهي التي لا تشهد بذلك) وقال أولا في بيان الشهادة: (إذا شهد عدلان من أهل الخبرة بباطن حال الميت أن هذا ابنه مع آخر ليس له وارث غيرهما في ما يعلمان، ولا يجب القطع بل لا يصح، ولا تبطل به شهادتهم) وتبعه في ذلك كله كاشف اللثام في تفسير عبارة

[ 509 ]

القواعد التي هي مثل عبارة المتن. وما أدري ما الذي دعاهما إلى ذلك ! مع أن حمل العبارة على إرادة التفسير أولى، كما هو صريح الارشاد، قال: (ولو ادعى ما في يد الغير أنه له ولاخيه الغائب بالارث وأقام بينة كاملة بأن شهدت بنفي وارث غيرهما سلم إليه النصف، ولا ينافي ذلك قوله في المتن: ونعنى) إلى آخره المحمول على إرادة بيان أن الشهادة بالنفي على وجه القطع لا تكون غالبا إلا من ذي الخبرة الباطنة، ودعوى المفروغية من الاحتزاء بشهادة ذي الخبرة بنفي العلم محل منع وإن جزم به في الدروس كدعوى المفروغية من عدم قبول شهادة غير ذى الخبرة بالنفى على وجه القطع، بل هو في الحقيقة قدح في الشاهد العدل، فالتحقيق حينئذ الاكتفاء بالشهادة بالنفي من العدل مطلقا وعدم الاكتفاء بها إذا كانت بنفي العلم كذلك إلا إذا أريد من عدم العلم النفي فيما يعلم، فانها شهادة بالنفي حينئذ كما هو ظاهر كلامهم خصوصا الدروس، وبهذا المعنى يمكن الفرق بين ذات الخبرة وغيرها، لكن قد يقال: إن الشهادة بالنفي المزبور أيضا لا تكون إلا من ذي الخبرة أو شبهه. نعم قد يقال بالاكتفاء بالاستصحاب بالشهادة بالنفي لخبر معاوية (1) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في داره ثم يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع عياله فيها ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما حدث في دار ولا ندري ما أحدث له من الولد، إلا أنا لا نعلم نحن أنه أحدث في داره شيئا ولا حدث له ولد ولا نقسم هذه الدار بين ورثته الذين ترك في هذه الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذا الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان أو نشهد على هذا، قال: نعم)

[ 510 ]

وغيره من النصوص. وعلى كل حال فما ذكرناه هو المراد بالكمال وعدمه، ضرورة عدم اعتبار الكمال زائدا على ذلك في شئ مما وصل إلينا من الادلة، كما هو واضح. وبذلك ظهر لك ما فيهما بل وما في غيرهما، ومن الغريب دعواه في المسالك عدم امكان الشهادة بالنفى وعدم صحته إلا على إرادة العلم، إذ هو مخالف للوجدان، كما واضح. فان كانت البينة كاملة بالمعنى المزبور دفع إلى ذي الحق، وإلا (أرجئ التسليم حتى يبحث الحاكم عن الوارث مستقصيا بحيث لو كان وارث لظهر) لان أصل العدم لا يفيد انحصار الوارث في الظاهر، على ان قاعدة الضرر الحاصل بضمان من في يده المال لو ظهر بعد ذلك معارضة له، فأصل البراءة من وجوب الدفع إلى هذا الحاضر الذي لم يعلم انحصار الوارث فيه بحاله. بل ظاهر قول المصنف وغيره: (وحينئذ يسلم إلى الحاضر نصيبه ويضمنه استظهارا) أنه لا يجب الدفع بعد البحث والفحص إلا بعد أخذ ضامن منه بما يقبضه لو ظهر بعد ذلك، بناء على صحة ضمان العين والمجهول مراعاة للاحتمال الذي يبقى بعد البحث والفحص. بل صرح بعضهم كالشهيد في الدروس وغيره بعدم الاكتفاء بالتكفيل، لامكان الاتلاف والاعسار خلافا لما عن ابن حمزة من الاكتفاء به وان كان ذلك لا يخلو من نظر، ضرورة عدم العبرة بمثل الاحتمال المفروض شرعا على وجه يرفع وجوب دفع الحق إلى صاحبه، والاصل براءة ذمته من دفع ضمين، على أنه إذا وجب مع الضمين وجب بدونه، ضرورة كون الضمين لا يشخص أنه صاحب الحق، أللهم إلا أن يكون ذلك كله لقاعدة الضرر التي هي العمدة في الاحكام المزبورة، وإلا فأصل العدم

[ 511 ]

لا زالوا يتمسكون به في الموضوعات من غير اعتبار للفحص والنظر، وقد سمعت جواز الشهادة به، وليس هو مشخصا حتى يكون أصلا مثبتا، بل وجوب الدفع إليه لثبوت كونه وارثا مع عدم شريك له للاصل، فذلك حينئذ من أحكامه الثابتة له من حيث كونه كذلك، لا إثبات شئ آخر به، كما هو واضح. ومنه يعلم عدم وجوب خصوص الضمين أو الكفيل، بل المراد الوثوق العادي بحضور المال عند ظهور شريك مثلا، وربما كان الوارث موثوقا بوفائه وملاءته. بل منه يعلم أيضا أن المدار الاحتمال المعتد به لا الوهمي. بل ويعلم أيضا أن المراد عدم إلزام من في يده المال بالدفع حتى يستظهر بالبحث والفحص والضمين، لا عدم الجواز اعتمادا على أصل العدم بعد البحث والفحص إلا مع أخذ الضمين، ضرورة كونه المصلحة بناء على كون الوجه في المسألة ما عرفت للدافع، فإذا رضى بالدفع بلا ضمين لم يكن بذلك بأس، نعم لو كان الوجه في ذلك الاستظهار لذي المال الذي لم يتحقق كونه الحاضر ببينة شرعية اتجه حينئذ عدم الجواز وإن رضي الدافع، والله العالم. هذا كله إذا لم يكن الوارث الحاضر ذا فرض، وأما إذا كان ذا فرض لا ينقص عن فرضه على كل تقدير فلا إشكال في وجوب دفع نصيبه تاما إليه. (ولو كان ذا فرض) ينقص على تقدير وجود الوارث عن فرضه (أعطي مع اليقين بانتفاء الوارث) أو مع الشهادة الكاملة أو غيرها مع البحث وإعطاء الضمين (نصيبه تاما) بلا إشكال (وعلى التقدير الثاني) أي عدم اليقين واقعا ولا شرعا (يعطيه اليقين)

[ 512 ]

أي ما يتيقن استحقاقه له (إن كان وارث، فيعطى الزوج) مثلا (الربع) لاحتمال وجود ولد منها ولو شبهة (والزوجة ربع الثمن) لاحتمال وجود زوجات له ثلاثة، يدفع ذلك لهما (معجلا من غير تضمين) لاستحقاقهما إياه على كل حال (وبعد البحث يتم الحصة) لهما فيعطى الزوج النصف والزوجة الثمن (مع الضمين). (وإن كان الوارث ممن يحجبه غيره كالاخ) المحجوب بالابوين والاولاد (فان أقام البينة الكاملة) التي تشهد بأنه الوارث لا غير (أعطي المال) كله (وإن أقام بينة غير كاملة أعطي بعد البحث والاستظهار بالضمين) ولا يعطى قبله شئ إلا إذا تيقن مقدار مخصوص. هذا وفي المسالك تبعا للدروس (ولو صدق المتشبث المدعي على عدم وارث غيره فلا عبرة به إن كان المدعى به عينا، لانه إقرار في حق الغير، وإن كان دينا أمر بالتسليم، لانه إقرار في حق نفسه، لانه لا يتعين للغائب على تقدير ظهوره إلا بقبضه أو قبض وكيله، وقد تقدم البحث في نظيره من دعوى وكالة الغائب في الامرين). وقد وافقهما على ذلك في كشف اللثام، قال: (وحكم الدين حكم العين في جميع ذلك إلا في وجوب انتزاع حصة الغائب، فقد يقال بالعدم، والفرق أن الاحوط هنا العدم، لانه لا يتلف ما لم ينتزع، لتعلقه بالذمة، وبأن العين شئ واحد شهدت به البينة والدين حقوق متفرقة بعدد مستحقيه، ويفارقها أيضا في أنه لا يكفي في العين تصديق صاحب اليد في الانحصار، ويكفي في الدين، فإذا صدقه أعطي نصيبه كاملا من غير بحث، أخذ باقراره). قلت: قد عرفت في ما تقدم المناقشة في عدم وجوب دفع العين على من في يده مع اعترافه بانحصار الحق في المطالب وإن كان ذلك لا يقتضى

[ 513 ]

ثبوت الانحصار شرعا، وأما وجوب انتزاع الدين فالظاهر أن دليله متحد مع دليل العين، فتأمل. المسألة (الرابعة:) (إذا ماتت امرأة وابنها) مثلا ولم يعلم سبق أحدهما ولا الاقتران (فقال أخوها: مات الولد أولا ثم المرأة فالميراث) الحاصل من تركتها المشتملة على إرثها (لي وللزوج نصفان وقال الزوج: بل ماتت المرأة) أولا فارثها لي ولولدها (ثم الولد فالمال) كله (لي قضي لمن تشهد له البينة) بلا خلاف ولا إشكال، فان أقاما بينتين متكافئتين أقرع على حسب ما تقدم، إلا أن الظاهر هنا مع نكولهما معا بعد القرعة قسمة نصف المدعى به بينهما، لانه الذي عليه النزاع دون النصف الاخر، فانه مفروغ منه للزوج (ومع عدمها) أي البينة أصلا لا يقضى بأحدى الدعويين، لانه لا ميراث إلا مع تحقق الحياة، فلا ترث الام من الولد) لعدم العلم بحياتها حال موته (ولا الابن من أمه) لعدم العلم بحياته حال موتها، (و) حينئذ (يكون تركة الابن لابيه) بعد يمينه أنه ما مات قبل أمه (وتركة الزوجة بين الاخ والزوج) بعد يمينه أنها ما ماتت قبل ولدها نصفين لا أرباعا، لانه لم يتعارض في النصف يمينان، كما لا يتعارض في تركة الولد يمينان، فان الزوج يدعيه بتقدم موت الزوجة، فإذا حلف الاخ تعين له، لانه حلف سابقا ما مات قبل أمه، فيكون بمقتضى اليمينين إرثه لابيه، كما أن الام إرثها بينهما لانتفاء وارثية الولد بيمين الاخ. وبذلك ظهر الفرق بين اليمينين والبينتين اللتين قد عرفت الحكم فيهما

[ 514 ]

وكذا الحكم لو نكلا معا عن الايمان أصلا. هذا إذا لم يتفقا على وقت موت أحدهما فان اتفقا عليه واختلفا في موت الاخر قبله أو بعده فالمصدق مدعي التأخر، لان الاصل دوام الحياة بناء على الحكم بتأخر مجهول التأريخ عن معلومه، وإلا كان الحكم كما عرفت أيضا: ولو علم سبق أحدهما الاخر ولكن لم يعلم بخصوصه ولم يتداعيا فيه فالمتجه القرعة التي هي لكل أمر مشكل، كما أن المتجه مع فرض عدم التداعي واعترافهما معا بعدم معلومية السبق والاقتران عدم التوارث بين الام والولد، فيختص إرثه بأبيه وقسمة تركة أمه بينهما بالنصف، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (لو قال) الوارث: (هذه الامة ميراث أبي وقالت الزوجة) مثلا: (هذه أصدقني إياها أبوك) فالقول قول الاول بيمينه، فان ادعت المرأة (ثم) أقامت بينة قضي بها له، بل لو (أقام كل منهما بينة قضي) هنا أيضا (ب‍) تقديم (بينة المرأة) وإن قلنا بتقديم بينة الداخل في غير المقام (لانها) أي بينتها (تشهد بما يمكن خفاؤه على الاخرى). وكذا لو كانت العين في يد أجنبي لا يدعيها فكذلك، لعدم التعارض بين البينتين، نعم لو تناقضتا قطعا بأن تدعي الاصداق في وقت بعينه فتشهد بينة الوارث بموته قبل ذلك الوقت تحقق التعارض، فيقرع مع عدم المرجح وإن كان ذلك لا يخلو من نظر يعلم مما قدمناه في المباحث السابقة.

[ 515 ]

(المقصد الرابع) (في الاختلاف في الولد) المعلوم عدم لحوقه بأبوين فصاعدا عندنا، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من الالحاق بهما مع الاشتباه، بل عن أبي يوسف الالحاق بثلاثة، بل عن المتأخرين من العامة جواز الالحاق بألف أب على قول أبي حنيفة، بل عنه أيضا الالحاق بأمين إذا تنازعتا واشتبه الامر، بل قد يأتي بناء على ما سمعته من متأخريهم جواز إلحاقه بألف أم. ولا عبرة بالقيافة في مذهبنا، وفي المرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) (لا يؤخذ بقول عراف وقائف) بل عنه (عليه السلام) (2) أيضا أنه (لم يكن يقبل شهادة أحد منهما) وعن أبي جعفر (عليه السلام) (3) (من سمع قول قائف أو كاهن أو ساحر فصدقه أكبه الله على منخريه في النار) في بعض النصوص من الدلالة على قبولهم (عليهم السلام) قول القائف (4) محمول على خصوص الواقعة التي طابق فيها قوله الواقع.


(1) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات الحديث 4 وفيه " لا آخذ بقول عراف ولا قائف " رواه الصدوق قده) عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول... " وهو ليس بمرسل. (2) الموجود في البحار ج 104 ص 318 عن فقه الرضا " نروى انه لا تجوز شهادة عراف ولا كاهن ". (3) لم نعثر على هذه الرواية مع التتبع التام في مظانه، وانما رواها الشهيد (قده) في المسالك في مسألتنا هذه. (4) الكافي ج 1 ص 322.

[ 516 ]

ومن ذلك خبر المدلجي (1) الذي بشر النبي (صلى الله عليه وآله) أن أقدام أسامة وزيد بعضهما من بعض، فانه (صلى الله عليه وآله) لم يكن في شك من ذلك، وإنما سر بذلك لطعن المنافقين بينهما إغاظة لهم وكان اعتمادهم على قول القائف. فما عن الشافعي ومالك واحمد - من الرجوع إلى القائف في الولد للخبر المزبور ونحوه فان لم يكن قافة أو اشتبه عليهم ترك حتى يبلغ الولد فيلحق بمن ينتسب إليه - واضح الفساد. وكيف كان ف‍ (إذا وطئ إثنان) مثلا (امرأة) في طهر واحد فان كان عن زنا لم يلحق الولد بأحدهما، بل إن كان لها زوج يحتمل إلحاقه به ألحق به، فان الولد للفراش وللعاهر الحجر، وإلا كان ولد زنا. وإن كان (وطاء يلحق به النسب) ولم يعلم سبق أحدهما (إما بأن يكون زوجة لاحدهما ومشتبهة على الاخر أو مشتبهة عليهما أو يعقد كل منهما عليها عقدا فاسدا) لا يعلم به (ثم تأتي بولد لستة أشهر فصاعدا ما لم يتجاوز أقصى الحمل فحينئذ بقرع بينهما) بلا خلاف أجده فيه بيننا، فانها لكل أمر مشكل. وعن زيد بن أرقم (2) (أنهم أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمرأة أتوها في طهر واحد كلهم يدعي الولد فأقرع وألحق الولد بمن أقرع، وغرمه ثلثي قيمة الام، وأنهم سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال: لا أعلم إلا ما قال علي (عليه السلام)).


(1) سنن البيهقي ج 10 ص 262. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 267 راجع المستدرك الباب - 11 - من ابواب كيفية الحكم الحديث 3 و 15.

[ 517 ]

وعن الباقر (عليه السلام) (1) (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أعجب ما ورد عليه فخبره بذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله:) ليس من قوم يتنازعون ثم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى إلا خرج سهم المحق) إلى غير ذلك مما مر في محله في باب أحكام الاولاد (2) بل وفي غيره. وعلى كل حال فمذهبنا الرجوع إلى القرعة (سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أو حرين أو مختلفين في الاسلام والكفر والحرية والرق أو أبا وابنه) وإن كانت ولاية الاب على الابن وابنه بلا خلاف معتد به أجده بيننا في ذلك، بل الظاهر الاجماع عليه، بل ادعاه بعض صريحا. وفي صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) (إذا وقع المسلم واليهودي والنصراني على المرأة في طهر واحد أقرع بينهم، فكان الولد للذي تصيبه القرعة) نعم عن لقطة المبسوط أن المسلم والحر أولى، ولكن قد استقر الاجماع على خلافه. ولو علم سبق احدهما على الآخر في الوطاء ففي إلحاقه بالاخير أو القرعة أيضا بحث مر في كتاب النكاح كما مر البحث في حكم وطئ‍ الثاني بعد تخلل الحيضة بينه وبين وطئ الاول. لكن في القواعد وكشف اللثام (أنه إذا كان ذلك انقطع الامكان عن الاول، لان الحيض علامة براءة الرحم شرعا إلا أن يكون الاول زوجا في نكاح صحيح، لكون الولد للفراش، إلا أن يعلم الانتفاء،


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5.. (2) راجع ج 31 ص 241 - 242. (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب ميراث ولد الملاعنة - الحديث 1 من كتاب الفرائض.

[ 518 ]

وتخلل الحيض لا يفيد العلم به هنا، لقوة الفراش، ولو كان زوجا في نكاح فاسد لم يظهر فسادة للزوجين ففي انقطاع إمكانه نظر، من تحقق الفراش ظاهرا وانتفائه حقيقة) إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه على كل من تقديري مجامعة الحيض للحمل وعدمه، وقوة الفراش لو كانت تنفع لنفعت في اجتماعهما في طهر واحد أيضا، فتأمل جيدا. (هذا) كله (إذا لم يكن لاحدهم بينة) أو كان لكل منهم بينة ولا مرجح، وإلا حكم بها لمن كانت له، لكن قد يصعب إقامة أصل البينة مع فرض تحقق الوطء من الكل في طهر واحد. (و) كيف كان ف‍ (يلحق النسب بالفراش المنفرد) ولو شبهة (والدعوى المنفردة) لمجهول النسب (وبالفراش المشترك) بين اثنين فصاعدا (والدعوى المشتركة) لمجهول النسب بين اثنين أو أزيد (و) لكن المشترك (يقضي فيه بالبينة ومع عدمها) أو تعارضها (بالقرعة) خلافا لمن عرفته من العامة. ولا فرق عندنا بين الرجل والمرأة في ذلك، فلو استلحقت ولدا فان لم ينازعها أحد لحق بها، وإلا فلذات البينة، فان لم تكن أو تعارضت فالقرعة، وقد مر في كتاب النكاح والاقرار (1) واللقطة (2) جملة مما له تعلق في هذا الفصل وإن ذكر بعضهم بعض ذلك هنا، فقال: (ومن انفرد بدعوى مولود صغير في يده لحقه إلا أن يضر بغيره، كأن يكون معتقا ولاؤه لمولاه، فان بنوته تقتضي تقدمه على المولى في الارث، فان بلغ وانتفى عنه لم يقبل نفيه إلا ببينة، استصحابا لما ثبت شرعا، وكذا لو أقر بالمجنون فأفاق وأنكر، وليس لاحدهما إحلاف الاب، لانه لو


(1) راجع ج 35 ص 158 - 159. (2) راجع ج 38 ص 200.

[ 519 ]

جحد بعد الاقرار لم يسمع) ولا يخفى عليك وجه البحث في ذلك. ثم قال: (ولو ادعى نسب بالغ عاقل فأنكر لم يلحقه إلا بالبينة، وإن سكت لم يكن تصديقا، ولو ادعى نسب مولود على فراش غيره بأن ادعى وطء الشبهة لم يقبل وإن وافقه الزوجان، بل لا بد من البينة على الوطء، لحق الولد، ولو تداعيا صبيا وهو في يد أحدهما لحق بصاحب اليد خاصة على إشكال في أن اليد هل ترجح النسب كما ترجح الملك، نعم لو استلحقه صاحب اليد ولو ملتقطا وحكم له شرعا لم يحكم للاخر إلا ببينة، ولو استلحق ولدا وقال: إنه من زوجتي هذه فأنكرت الزوجة ولادته ففي لحوقه بها بمجرد إقرار الاب نظر) قلت: بل منع لكونه إقرارا في حق الغير. (ولو بلغ الصبي بعد أن تداعاه إثنان قبل القرعة فانتسب إلى أحدهما قبل، وأشكله بعض بأنه إقرار في حق الغير مع عدم دليل على قيام تصديقه مقام البينة أو القرعة، ولا عبرة بميل الطبع عندنا، وإن لم ينتسب إلى أحد منهما أقرع إن لم ينكرهما معا، وإلا لم تفد القرعة بناء على قبول تصديقه، ولا يقبل رجوعه بعد الانتساب، ولا اعتبار بانتساب الصغير وإن كان مميزا. ونفقته قبل الثبوت شرعا عليهما، ثم يرجع من لم تلحقه القرعة به على الاخر) وفيه أن دفعها قد كان لاقراره فلا وجه لرجوعه. (ولو أقام كل من المدعيين بينة بالنسب وتعارضتا ولا ترجيح حكم بالقرعة عندنا، ولو أقام أحدهما بينة أن هذا ابنه وآخر بينة أن هذا بنته فظهر خنثى فان حكم بالذكورية بالبول وغيره فهو لمدعي الابن، وإن حكم بالانوثية فهو لمدعي الانثى، لان كلا منهما لا يستحق إلا من ادعاه، وإن ظهر خنثى مشكلا أقرع).

[ 520 ]

إلى غير ذلك مما ذكروه هنا مما هو محل للنظر زيادة على ما أشرنا إليه، والتعرض لتفصيل ذلك في محله أولى، نسأل الله التوفيق له. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، أولياء النعم، وسادات الامم، ومنبع الجود والكرم، فانهم وسيلتي إلى ربي في توفيقي لاتمام بقية مباحث هذا الكتاب، ويتلقاه مني بالقبول، فانه الجواد الكريم ذو المن القديم والفضل العميم على عبده المعترف بالتقصير في خدمة اللطيف الخبير، وفرغ منه مؤلفه العبد العاثر ؟ محمد حسن ابن المرحوم الشيخ باقر نجل المرحوم عبد الرحيم نجل المرحوم أغا محمد الصغير نجل المرحوم عبد الرحيم الشريف الكبير يوم الثلاثاء خامس جمادى الاولى سنة (1250) ألف ومأتين وخمسين، ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الشهادات. إلى هنا - والحمد لله - تم الجزء الاربعون، وقد بذلنا غاية مني بالقبول، فانه الجواد الكريم ذو المن القديم والفضل العميم على عبده المعترف بالتقصير في خدمة اللطيف الخبير، وفرغ منه مؤلفه العبد العاثر ؟ محمد حسن ابن المرحوم الشيخ باقر نجل المرحوم عبد الرحيم نجل المرحوم أغا محمد الصغير نجل المرحوم عبد الرحيم الشريف الكبير يوم الثلاثاء خامس جمادى الاولى سنة (1250) ألف ومأتين وخمسين، ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الشهادات. إلى هنا - والحمد لله - تم الجزء الاربعون، وقد بذلنا غاية الجهد في تنميقه وتحقيقه والتعليق عليه وتصحيحه فنشكره سبحانه على ما وفقنا لذلك، ونسأله أن يديم توفيقنا لاخراج الاجزاء الاخيرة الثلاثة. ويتلوه الجزء الحادي والاربعون في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى. النجف الاشرف.. محمود القوچانى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية