جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 41


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 الجزء الحادي والاربعون قوبل بنسخة الاصل المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه تحقيق وتعليق وتصحيح محمود القوچاني الناشر دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

الطبعة السادسة تاريخ انتشار: 1363

[ 3 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاخيرة من كتاب القضاء والصفحة الاولى من كتاب الشهادات للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه.

[ 4 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاولى من كتاب الشهادات للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم قدس سره (العامة) في النجف الاشرف ونقدم شكرنا المتواصل إلى مديرها حيث ساعدنا في مراجعة موارد الحاجة عند الشبهة واختلاف النسخ.

[ 5 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاخيرة من كتاب الحدود والتعزيرات للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه.

[ 6 ]

صورة فتوغرافية من الصفحة الاخيرة من كتاب الحدود والتعزيرات للنسخة الاصلية المخطوطة بقلم المصنف طاب ثراه التي هي محفوظة في خزانة مكتبة آية الله الفقيد السيد الحكيم قدس سره (العامة) في النجف الاشرف.

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشهادات المستفيض في الكتاب (1) والسنة (2) ذكرها وذكر أحكامها: جمع شهادة، وهي لغة: الحضور، ومنه قوله تعالى (3): " فمن شهد منكم الشهر " أو العلم الذي عبر بعضهم عنه بالاخبار عن اليقين، وشرعا إخبار جازم عن حق لازم للغير واقع من غير حاكم، وقد تقدم لنا في كتاب القضاء (4) كلام في ذلك وأن المرجع فيها العرف الذي يصلح فارقا بينها وبين غيرها من الاخبار، ويأتي إن شاء الله. نعم في المسالك وغيرها " أن بالقيد الاخير يخرج إخبار الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) وإخبار الحاكم حاكما آخر، فان ذلك لا يسمى شهادة ".


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282 وسورة النساء: 4 - الاية 6 و 15 وسورة النور: 24 - الاية 4 و 6 و 13 وسورة الطلاق: 65 - الاية 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - وغيره من كتاب الشهادات. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 185. (4) راجع ج 40 ص 107. .

[ 8 ]

وفيه منع عدم تسمية الاخير شهادة، ولو قيل بخروج إخباره بالحق حال إرادة إنشاء الحكم به لكان أولى، ضرورة عدم تسمية مثله شهادة عرفا، من غير فرق بين الحاكم وغيره أللهم إلا أن يقال: إن ذلك من نحو إخباره بالاحكام الشرعية، فانها ليس شهادة قطعا، والامر سهل بعد معلومية كون مرجع هذا التعريف إلى تحقيق المعنى العرفي للشهادة. ومن هنا كان الاصوب إيكال ذلك إلى العرف، للقطع بعدم معنى شرعي مخصوص لها، والغالب في المعاني العرفية عدم إمكان ذكر حد تام لها شامل لجميع أفرادها، ولذا أطنب القمي في قوانينه بعد أن ذكر التعريف المزبور عن أول الشهيدين في قواعده، وذكر عنه الاشكال في بعض الافراد أنها شهادة أو رواية، كرؤية الهلال والمترجم والمقوم والقاسم والمخبر عن طهارة الثوب والقبلة والوقت بعد أن جعل موضوع الشهادة الامر المخصوص وموضوع الرواية الامر العام، وأطال في النقض عليه وتحرير كلامه، ولكنه لم يأت بالمميز العام بينهما، حتى ارتكب تأصيل أصل غير أصيل للاحكام المترتبة عليها من اعتبار التعدد ونحوه. والاولى ما ذكرناه من إيكال الفرق بينهما إلى العرف، فكل ماعد فيه أنه من الشهادة اعتبر فيه التعدد وغيره من الاحكام الثابتة لها، وإلا كان من غيرها، والظاهر وفاء العرف بذلك من غير مدخلية لاعتبار الحاكم وغيره من القيود المزبورة، والله العالم. (و) كيف كان ف (النظر) يقع (في أطراف خمسة).

[ 9 ]

(الاول) (في صفات الشهود) (ويشترط ستة أوصاف: الاول البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي) غير المميز إجماعا بقسميه ولا غيره (ما لم يصر مكلفا) في غير الدماء. (وقيل: تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا، وهو متروك) بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به وإن نسب إلى الشيخ في النهاية، ولكنه وهم. نعم يدل عليه - مضافا إلى إطلاق الشهادة كتابا (1) وسنة (2) وأولوية غير الدم منه - قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طلحة ابن زيد (3) " شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم " وخبر أبى أيوب الخراز (4) " سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام ؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: ويجوز أمره ؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته ".


(1) راجع التعليقة (1) من ص 7. (2) الوسائل - الباب - 1 - وغيره من كتاب الشهادات. (3) و (4) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الشهادات - الحديث - 6 - 3.

[ 10 ]

وفيه أن الاطلاق بالتبادر وغيره مخصوص بالبالغ، ومعارض بعموم كثير من النصوص الدالة على اعتبار أمور كثيرة في الشاهد منفية في الصبي قطعا كالعدالة ونحوها، ومنع الاولوية المزبورة. والخبران - مع ضعف سنديهما ولا جابر - محتملان للحمل على الصورة الاتية، على أن الثاني منهما لم يسند إلى معصوم، بل لا يخفى عليك ما في متنه، فان حكم الرجل والمراة لا يجب أن يكون واحدا في كل شئ، ألا ترى إلى الامر الذي جعل جامعا ؟ فان صاحب العشر سنين من الرجال لا يتأتى منه النكاح غالبا، ومع ذلك كله معارضان بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبار البلوغ في قبول شهادة الصبيان التى تحملوها حال الصغر (1) وعلى عدم قبول شهادتهم إلا في القتل (2) كما ستسمع، ولاريب في رجحانها عليها من وجوه: منها سلب عباراته، حتى أنه لا يقبل إقراره على نفسه، ومنها عدم الوثوق بقوله، لعلمه بعدم مؤاخذته على الكذب، ولعل حملهما على إرادة بيان إمكان جواز أمر الغلام بالعشر لاحتلام ونحوه أو في الجملة ولو من الدماء أولى. وعلى كل حال ففي المسالك أنه نقل جماعة منهم الشيخ فخر الدين الاتفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر حتى في الدم، وإنما الخلاف في من زاد عن ذلك وإن كنا لم نتحققه، بل في الكفاية أن الموجود في الايضاح أن من لم يبلغ العشر لا تقبل شهادته في غير القصاص والقتل والجراح إجماعا، وظاهره عدم الاجماع على ذلك في القتل والجراح، وربما كان ظاهر جملة من العبارات التي جعل فيها العنوان الصبي، كما عن الخلاف والاسكافي.


(1) الوسائل - الباب - 21 - من كتاب الشهادات. (2) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الشهادات.

[ 11 ]

(و) كيف كان فقد (اختلفت عبارات الاصحاب في قبول شهادتهم في الجراح والقتل تبعا لاختلاف النصوص (فروى جميل) في الحسن كالصحيح (1) (عن أبي عبد الله (عليه السلام) تقبل شهادتهم في القتل ويؤخذ بأول كلامهم) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): تجوز شهادة الصبيان، قال: نعم في القتل، يؤخذ بأول كلامه، ولا يؤخذ بالثامنة " (ومثله روى محمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا بطريق فيه العبيدي عن يونس (2) قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة الصبي، قال: فقال: لا إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه، ولا يؤخذ بالثاني ". (وقال الشيخ في النهاية: " تقبل شهاداتهم في الجراح والقصاص وقال في الخلاف: تقبل شهادتهم في الجراح ما لم ينفرقوا إذا اجتمعوا على مباح) بل اقتصر غير واحد كالمصنف في النافع وغيره على الجراح، بل هو معقد إجماع محكي الخلاف والانتصار بل والغنية، لكن زيد فيها الشجاج، كما زيد في محكي المقنعة والمراسم والجامع، نعم عن النهاية كما سمعت والسرائر والوسيلة الشجاج والقصاص، ويمكن اتحاد المراد في الجميع بدعوى إرادة ما يشمل القتل من الجراح والشجاج وبالعكس، خصوصا بعد النظر إلى استدلال من عبر بالجراح بنصوص القتل (3) كما عن الانتصار والغنية إلا أنه في التحرير والدروس قد صرح باشتراط أن لا يبلغ الجراح النفس. ولكن قد يشكل بأن النصوص في القتل كلخبرين السابقين وفي ما كتبه الرضا (عليه السلام) في العلل التي كتبها لمحمد بن سنان (4) في شهادة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الشهادات - الحديث - 1 - 2 - 0 - (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 50.

[ 12 ]

النساء " لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه كضرورة تجوز شهادة أهل الكتاب إذا لم يكن غيرهم، وفي كتاب الله عزوجل (1) " إثنان ذوا عدل منكم - أي مسلمين - أو آخران من غيركم " كافرين، ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم ". وفي خبر السكوني (2) عن الصادق (عليه السلام) أنه " رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه، وشهد إثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فقضى بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين وخمسين على الثلاثه " ومن هنا أشكله في المسالك بأن مراعاة النصوص تقتضي دخول القتل، وطرحها يقتضي إخراج الجراح أيضا. بل من ذلك ينقدح النظر في مختار المصنف، فانه قال: " والتهجم على الدماء بخبر الواحد خطر، فالاولى الاقتصار على القبول في الجراح) بناء على إرادة ما لا يشمل القتل من الجراح في كلامه (بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر وبقاء الاجتماع إذا كان على مباح) لغيرهم كالرمي ونحوه (تمسكا بموضع الوفاق). أللهم إلا أن يقال: إن مقصود المصنف طرح النصوص والرجوع إلى الاجماع، والمتيقن منه الجراح بالشروط الثلاثة، إذ قد عرفت اختلاف الاصحاب في التعبير عن ذلك، ولعل ذلك أيضا الوجه في ما سمعته من التحرير والدروس، ضرورة عدم انحصار الدليل في النصوص المزبورة، بل يمكن طرحها والرجوع إلى إجماع الاصحاب، والمتيقن من جهة الاختلاف المزبور الجراح مع الشروط الثلاثة.


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 106. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 13 ]

نعم قد يناقش فيه بمنع كون ذلك هو المتيقن، بل لابد مع ذلك من اعتبار أن لا يوجد غيرهم كما سمعته عن الرضا (عليه السلام) في ما كتبه لمحمد بن سنان (1) واعتبار الاخذ بأول كلامهم الذي حكاه في كشف اللثام عن الشيخين في المقنعة والنهاية والمرتضى وسلار وبني حمزة وزهرة وادريس ويحيى والمصنف في النافع، وجعله في التحرير والدروس رواية، بل هو أولى من الاجتماع على المباح الذي قد اعترف غير واحد بعدم معرفة دليله بخلافه، فانك قد عرفت اشتمال الخبرين المزبورين (2) عليه. ودعوى استفادته من فحوى العلة التي في البالغين كما ترى. بل وأولى من الشرطين الاخرين اللذين قد عرفت ضعف سند دليلهما. بل قد يناقش أيضا باحتمال اختصاص الحكم المزبور في ما بينهم، كما هو مقتضى المحكي من عبارة الخلاف وخبر طلحة المتقدم (3) بل يمكن تنزيل إطلاق كثير من الاصحاب عليه، بل قد يؤيده في الجملة خبر السكوني (4) السابق المشتمل على الدية، بل بناء على فهم القيدية منه يدل على عدم قبول شهادتهم على غيرهم، فيتجه الجمع حينئذ بينه وبين الخبرين (5) المزبورين بالاطلاق والتقييد. بل منه ينقدح حينئذ اختصاص قبول شهادتهم في الدية، لان عمدهم خطأ، وهذا هو المناسب لعدم التهجم على الدماء بشهادتهم على وجه يقتص بها من البالغين في نفس أو طرف، كما أنه المناسب لشدة الامر في الدماء وعدم إبطالها، فيختص حينئذ قبول شهادتهم في ما بينهم


(1) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 50. (2) و (5) الوسائل - 22 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 و 2. (3) الوسائل - الباب - 22 - من كتاب الشهادات - الحديث 6. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 14 ]

لايجابها الدية ولو كان المشهود به القتل، ولعل ذلك هو الموافق للنصوص وغيرها، ضرورة أن رفع اليد من القتل وقصر الحكم على الجراح الذي لم يصل إلى حدالقتل مع اشتمال الخبرين المعتبرين اللذين هما الاصل في هذا الحكم المفتى به عند الاصحاب عليه مما لا وجه له، على أن الجراح الذى يشهدون به قد يسري إلى النفس. ودعوى بطلان شهادتهم حينئذ واضح البطلان، بل رفع اليد عن ذلك شبيه رفع اليد عن النصوص والفتاوى، والقول بعدم قبول شهادة الصبيان في قتل أو جراح للاصول والعمومات المقتضية عدم قبول شهادة غير البالغ لفقد وصف العدالة وغيرها، كما يحكى عن فخر المحققين، وربما مال إليه بعض الناس. لكن لا يخفى عليك ما فيه من إمكان دعوى منافاته للمقطوع به من النصوص والفتاوى، بل نفى الخلاف غير واحد عن قبول شهادتهم في الجناية في الجملة كما حكى الاجماع على ذلك غير واحد أيضا، بل يمكن دعوى تحصيله. وبذلك كله ظهر لك أن ما ذكرناه هو الاقوى وإن قل المصرح به لكن لا وحشة مع الحق وإن قل القائل به، على أنك قد عرفت اختصاص عبارة الشيخ الذي هو الاصل في إخراج الفروع من أصولها بجناية بعضهم على بعض، وأنه يمكن تنزيل إطلاق غيره عليه. بل من ذلك ينقدح النظر في ما ذكره غير واحد من أن الوجه في الشرط الثالث الاقتصار على المتيقن في أمر الدماء، إذ قد عرفت أن الامر راجع إلى مال وإن تعلق بالدماء، فيتجه حينئذ اعتبار ما اقتضته الادلة المعتبرة دون غيره مما ينفيه إطلاقها، كما أنه بان لك النظر في كثير من الكلمات المسطورة في هذا المبحث. وعلى كل حال فظاهر النصوص والفتاوى اختصاص الحكم

[ 15 ]

في شهادة الصبيان دون الصبية الباقية على مقتضى الاصول والعمومات الدالة على عدم قبول شهادتها. الوصف (الثاني: كمال العقل، فلا تقبل شهادة المجنون) المطبق (إجماعا) بقسميه، بل ضرورة من المذهب أو الدين على وجه لا يحسن من الفقيه ذكر ما دل على ذلك من الكتاب والسنة. (أما من يناله الجنون أدوارا ف‍) - هو كالمطبق حال جنونه نعم (لا بأس بشهادته في حال إفاقته) لاندارجه في الادلة حينئذ كتابا (1) وسنة (2) (لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه واستكمال فطنته) وإلا طرح شهادته بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، بل صريح كشف اللثام اعتبار ذلك حال التحمل والاداء، وفيه أن المعتبر الثاني، إذ العدالة والضبط والتيقظ ترفع القدح فيه وإن كان قد تحملها في حال جنونه، مضافا إلى تناول إطلاق أدلة قبولها له. (وكذا من يعرض له السهو غالبا فربما سمع الشئ وأنسى بعضه فيكون ذلك مغيرا لفائدة اللفظ وناقلا لمعناه) كما شاهدناه في بعض الاولياء (فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتى يستثبت ما يشهد به) على وجه يطمئن الحاكم بعدم غفلته في ما شهد به ولو لكون المشهود به مما لا يسهى فيه، بل عبارة المتن والقواعد وغيرهما صريحة في اعتبار يقين الحاكم بذلك، لكنه لا يخلو من إشكال. (وكذا المغفل الذي في جبلته البله فربما استغلط، لعدم تفطنه لمزايا الامور و) تفاصيلها ويدخل عليه الغلط والتزوير من حيث لا يشعر


(1) راجع التعليقة (1) من ص 7. (2) الوسائل - الباب - 1 - وغيره من كتاب الشهادات.

[ 16 ]

ف‍ (- الاولى) بل الواجب (الاعراض عن شهادته ما لم يكن) المشهود به من (الامر الجلي الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد به وأنه لا يسهو في مثله) وفي الخبر (1) عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى (2): " ممن ترضون من الشهداء " قال: " ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه في ما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل صالح مميز محصل ولا كل مميز صالح ". الوصف (الثالث: الايمان) بالمعنى الاخص الذي هو الاقرار بامامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) (فلا تقبل شهادة غير المؤمن وإن اتصف بالاسلام لا على مؤمن ولا على غيره) إلا ما ستعرف (لاتصافه ب‍) الكفر فضلا عن (الفسق والظلم المانع من قبول الشهادة) بلا خلاف أجده فيه، بل عن جماعة الاجماع عليه، بل لعله من ضروري المذهب في هذا الزمان، للاصل بعد اختصاص إطلاقات الكتاب والسنة ولو للتبادر وغيره بالمؤمن، خصوصا نحو " رجالكم " (3) و " ممن ترضون " (4) بناء على المعلوم من مذهب الامامية من اختصاص الخطاب بالمشافهين دون غيرهم، وليس المخالف بموجود في زمن الخطاب ولو سلم العموم فقد عرفت الخبر (5) المفسر لقوله تعالى: " ترضون " برضا دينه، ولا ريب في كونه غير مرضي الدين. هذا كله على القول باسلامه أما على القول بالكفر كما هو مذهب جماعة قد حكى بعضهم الاجماع عليه فلا إشكال في عدم قبول شهادته لكفره، فلا يدخل في إطلاق ما دل (6) على شهادة المسلم، ولو سلم فهو


(1) و (5) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 23. (2) و (3) و (4) سورة البقره: 2 - الاية 282. (6) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 18 و 22.

[ 17 ]

معارض باطلاق ما دل على عدم قبول شهادة الكافر، بناء على أن إطلاق الكفر عليهم لكونهم كفارا حقيقة، أو لجريان أحكامهم عليهم التي منها عدم قبول الشهادة، ولو سلم التعارض فالرجوع إلى الاصل متعين. كل ذلك مضافا إلى ما ورد في النصوص من لعن المخالفين والدعاء عليهم (1) وأنهم مجوس هذه الامة (2) وشر من اليهود والنصارى (3) وأنهم لغير رشدة (4). وبالجملة لا يمكن إحصاء وجوه الدلالة في النصوص على عدم قبول شهادتهم: منها إطلاق الكفر، ومنها الفسق، ومنها الظلم، ومنها كونهم غير رشدة، ومنها رد شهادة الفحاش وذي المخزية في الدين، ومنها ممن ترضون دينه وأمانته، ومنها اعتبار العدالة التي قد ذكر في النصوص (5) ما هو كالصريح في عدم تحققها في مخالفي العقيدة إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة بل الصريحة عند متتبعي آثارهم والعارفين بلسانهم ولحن خطابهم ورمزهم، وخصوصا في الامر المخالف للتقية إذا أرادوا الجمع بينها وبين الواقع. ولعل من ذلك ما في الصحيح (6) " قلت للرضا (عليه السلام): رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيين، قال: كل من ولد على فطرة الاسلام وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته " إذ من المعلوم عدم إرادته بذلك بيان قبول شهادة الناصب الذي هو كافر بلا خلاف


(1) البحار - ج 27 ص 222 و 228 و 235. (2) راجع ج 36 ص 94 التعليقة (2) (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب الماء المضاف - الحديث 5 من كتاب الطهارة. (4) البحار - ج 27 ص 147 - الرقم 9 وص 156 الرقم 30. (5 و (6) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 0 - 5.

[ 18 ]

ولا إشكال، بل قوله (عليه السلام): " كل من ولد على فطرة الاسلام " إلى آخره كالصريح في إرادة الشيعة واو بضميمة قولهم (عليهم السلام) (1): " ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا " على أن معرفة الصلاح في نفسه لا يكون إلا في الشيعة، بخلاف المخالفين الذين هم عين الفساد. هذا ولكن في المسالك بعد أن اعترف أن ظاهر الاصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان، قال: " وينبغي أن يكون هو الحجة " ثم ذكر الاستدلال بصدق الفاسق والظالم عليه إلى أن قال: " (وفيه نظر، لان الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه بل مع اعتقاده أنها طاعة بل من أمهات الطاعات فلا، والامر في المخالف للحق في الاعتقاد كذلك، لانه لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد، ومع ذلك لا يتحقق الظلم، أيضا، وإنما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به، وهذا لا يكاد يتفق وإن توهمه من لا علم له بالحال والعامة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الاصول ما لم يبلغ خلافه حد الكفر أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيا بحيث يكون اعتقاده ناشئا من محض التقصير، والحق أن العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، ويحتاج في إخراج بعض الافراد للدليل، وسيأتي في شهادة أهل الذمة في الوصية ما يدل عليه وعلى ما ذكره المصنف من فسق المخالف، فاشتراط الايمان بخصوصه، مع ما سيأتي من اشتراط العدالة لا حاجة إليه، لدخوله فيه ". وهو من غرائب الكلام المخالف لظاهر الشريعة وباطنها، إذ من


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 14 من كتاب الخمس.

[ 19 ]

ضرورة المذهب عدم المعذورية في أصول الدين التي منها الامامة، بل ما حكاه من العامة لا يوافق ما ذكره، ضرورة المخالفة في الفرض للدليل القطعي الناشئ عن تقصير، ومن الغريب دعوى معذورية الناشئ اعتقاده عن تقليد، وبالجملة لا يستأهل هذا الكلام ردا، إذ هو مخالف لاصول الشيعة، ومن هنا شدد النكير عليه الاردبيلي، وفي كشف اللثام أنه من الضعف بمكانة. نعم في الرياض " وأما الجواب عن الاستدلال بالفسق والظلم بأن الفسق إنما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به فحسن إن اختير الرجوع في بيان معنى الفسق والظلم إلى العرف، حيث إن المتبادر منهما مدخلية الاعتقاد في مفهومهما، وأما إن اختير الرجوع إلى اللغة فمنظور فيه، لعدم مدخلية الاعتقاد في مفهومهما فيها " معرضا بما سمعته منه. وقد عرفت أن التدبر في مجموع كلامه يقتضي نفيه المعصية، وليس مبنى كلامه على إطلاق اسم الفسق والظلم عليهما، وإلا فلا وجه للنظر بناء على ما ذكره، ضرورة تقدم المعنى العرفي على اللغوي، نعم المتجه منع عدم صدق الفاسق على المخالف في العقيدة والفرض عدم معذوريته في الاعتقاد المزبور الذي دخل به في قسم الكافرين فضلا عن الفاسقين والظالمين وأي فسق أعظم من فساد العقيدة التي لم يعذر صاحبها، وعلى كل حال فلا تقبل شهادة غير المؤمن. (نعم تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية) كذلك (إذا لم يوجد من عدول المسلمين، من يشهد بها) للكتاب (1) والسنة (2)


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 106. (2) الوسائل - الباب - 40 - من كتاب الشهادات والباب - 20 - من كتاب الوصايا.

[ 20 ]

والاجماع بقسميه كما فصلنا ذلك في كتاب الوصايا (1) (ولا يشترط) في ذلك (كون الموصي في غربة) كما عن المتأخرين وظاهر أكثر القدماء، بل لعل قول المصنف هنا كالمحكي عن التحرير: (وباشتراطه رواية مطرحة) مشعر بالاجماع عليه، وأراد بالرواية خبر حمزة بن حمران (2) عن الصادق (عليه السلام) " اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب، وإنما ذلك إذا كان الرجل المسلم في أرض غربة فيطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين أشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما " وعن الاسكافي والحلبي صريحا والمبسوط والغنية ظاهرا العمل بها، بل ربما يفهم من الاخيرين الاجماع عليه. ولكن الاقوى في النظر ورود ذلك فيها - كالاية (3) وغيرها من نصوص (4) المسألة - مورد الغالب، فلا تعارض إطلاق كثير من النصوص (5) بل في الرياض وعموم جملة معتبرة منها باعتبار تضمنها التعليل (6) بأنه " لا يصلح ذهاب حق أحد " ولا أقل من التعارض بين مفهوم التعليل وبين مفهوم الحصر والشرط، ولا ريب في أن الترجيح للاول ولو للشهرة العظيمة، وإن كان فيه ما فيه، ضرورة عدم كون ذلك علة يرجع إليها، بل هي من الحكمة ولكن ما عرفته سابقا كاف في إثبات المقصود، مضافا إلى ما يظهر بالتأمل الجيد في نصوص المسألة من عدم مدخلية السفر في ذلك، فلاحظ وتأمل.


راجع ج 28 ص 347 - 352. (2) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الوصايا - الحديث 7 - 0 - (3) سورة المائدة: 5 - الاية 106. (5) و (6) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الوصايا.

[ 21 ]

وعلى كل حال فلا يلحق بأهل الذمة فساق المسلمين في الحكم المزبور لحرمة القياس عندنا، لكن عن التذكرة " لو وجد مسلمان فاسقان فان كان فسقهما بغير الكذب والخيانة فالاولى أنهما أولى من أهل الذمة، ولو كان فسقهما يتضمن اعتماد الكذب وعدم التحرز عنه فأهل الذمة أولى ". وقال أيضا: " ولو وجد مسلمان مجهولا العدالة فهما أولى من شهود أهل الذمة " ومال إليه في المسالك. ولا يخفى عليك ما فيه، وإن وجه أول كلامه بأنهما شاركا الذميين في الفسق، وفسق الكفر أعظم، بل يمكن إرادة الصدق والامانة من العدل في الاية، والاخير بأن الكفر معلوم الفسق فيقدم عليه المستور، خصوصا إذا قلنا: إن الاصل في المسلم العدالة. هذا مع أن الاخبار اشترطت عدم وجود المسلمين، ضرورة كون ذلك كله لا يوافق أصول الامامية، والنصوص محمولة على إرادة عدم مقبولي الشهادة من المسلمين لا مطلقا كما هو واضح، وقد تقدم تمام الكلام في المسألة في كتاب الوصايا (1). (و) كيف كان ف‍ (- يثبت الايمان بمعرفة الحاكم أو قيام البينة أو الاقرار) لكن في المسالك " ومرجع الثلاثة إلى الاقرار، لان الايمان أمر قلبي لا يمكن معرفته من معتقده إلا بالاقرار، ولكن المصنف اعتبر الوسائط بينه وبين المقر " وفيه أنه وإن كان أمرا قلبيا لكن له آثار ولوازم يمكن بها معرفته بدون الاقرار كما هو مشاهد في كثير من الناس، بل السيرة القطعية عليه كغيره من الامور الباطنة، ولهذا قال المصنف ما سمعت لا لما ذكره، والامر سهل. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه تقبل شهادة المؤمن الجامع


(1) راجع ج 28 ص 347 - 352.

[ 22 ]

للشرائط الاتية على جميع الناس ولهم بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعل في قوله تعالى (1): " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " إشعارا به، وفي النبوي (2): " لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دين إلا المسلمين، فانهم عدول على أنفسهم وغيرهم " وفي الصحيح (3): " تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين " وفي آخر (4): " تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب ". وأما الكافر الحربي فلا تقبل شهادته على غيره ولو من أهل ملته فضلا عن المسلمين بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الايضاح الاجماع عليه. (وهل تقبل شهادة الذمي على الذمي ؟ قيل) والقائل المشهور: (لا) تقبل (وكذا على غير الذمي) بل عن جماعة الاجماع على عدم قبوله على المسلم في غير الوصية، بل لا خلاف معتد به أيضا في عدم قبولها على غير أهل ملته للاصل وغيره، وخصوص موثق سماعة (5) سأل الصادق (عليه السلام) " عن شهادة أهل الذمة، فقال: لا تجوز إلا على أهل ذمتهم " مضافا إلى النبوي السابق (6) والصحيح الاتي (7). خلافا للمحكي عن أبي علي، فأجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض وإن اختلف الملتان مع العدالة في دينهم، وهو مع شذوذه لا مستند


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 143. (2) و (6) المستدرك - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 38 - من كتاب الوصيا - الحديث 1 - 3. (5) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الوصايا - الحديث 5. (7) الوسائل - الباب - 40 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 23 ]

له إلا صحيح الحلبي (1) في الجملة سأل الصادق (عليه السلام) " هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملتهم ؟ قال: نعم إن لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم أنه لا يصلح ذهاب حق أحد ". وفي خبر ضريس الكناسى (2) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة أهل ملة هل تجوز على رجل من غير أهل ملتهم ؟ فقال: لا إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية، لانه لا يصلح ذهاب حق امرء مسلم، ولا تبطل وصيته ". وهما - مع عدم دلالتهما على تمام المدعى بل الثاني منهما لا يوافق إطلاق الخصم - محمولان على إرادة بيان قبول خصوص شهادتهم على المسلم في خصوص الوصية، كما صرح به في الخبر الثاني، بل لعل التعليل في الاول يرشد إلى ذلك بقرينة وجوده في نصوص (3) قبول شهادتهم في الوصية. ولكن مع ذلك كله قال في كشف اللثام: " وهو قوي إذا كان الشاهد ذميا والمشهود عليه حربيا، كما هو ظاهر الخبر لصحته، ولان علينا رعاية الذمة، فلا علينا أن نحكم لهم بشهادتهم على أهل الحرب ". وفيه - مع ما عرفت وتعرف أيضا - أنه لا يصلح معارضا لما دل على عدم قبول شهادتهم من الادلة العامة (و) الخاصة بعد أن عرفت عدم العمل به من أحد إلا من الاسكافي. نعم (قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف والنهاية: (تقبل شهادة كل ملة على ملتهم) بل في الخلاف نسبته إلى أصحابنا ولكن


(1) الوسائل - الباب - 40 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 من كتاب الوصايا الحديث 1. 0 -

[ 24 ]

اشترط الترافع إلينا (وهو استناد إلى رواية سماعة (1)) عن الصادق (عليه السلام) " سأله عن شهادة أهل الذمة، فقال: لا تجوز إلا على ملتهم (أهل ذمتهم خ ل) ". وفي كشف اللثام " هو قوي إلزاما لاهل كل ملة بما تعتقده وإن لم يثبت عندنا لفسق الشاهد وظلمه عندنا ". (و) لكن مع ذلك لا ريب أن (المنع) كما هو المشهور على ما اعترف به غير واحد (أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها معلومية اشتراط الاسلام والايمان والعدالة في الشاهد المعلوم انتفاؤها إجماعا في الفرض، فالخبر المزبور وإن قلنا: إنه من الموثق لا يصلح مخصصا لذلك، سيما مع موافقته للمحكي عن أبي حنيفة والثوري، وعدم العمل به إلا من الشيخ الذي مقتضى المحكي عنه ضعفه عنده، لان في سنده العبيدي، وقد قال: " إنه ضعيف استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة، وقال: إني لا أروي ما يختص بروايته " مع أن المحكي عن مبسوطه أيضا اختيار المنع مطلقا، بل قد سمعت اشتراطه في محكي الخلاف بالترافع إلينا. وقد قال في محكي المختلف: " إنما نقول به لانه إذا ترافعوا إلينا وعدلوا الشهود عندهم فان الاولى هنا القبول ". بل عن المقداد في التنقيح الميل إليه أيضا بالمعنى المزبور، قال بعد أن حكى عن الخلاف ما سمعت: " وهذا في الحقيقة قضاء بالاقرار، لما تقدم أنه إذا أقر الخصم بعدالة الشاهد حكم عليه " وقد سمعت ما في كشف اللثام، وإن كان قد يناقش في الاخير بأن ذلك عند القائل به مع الجهل بحالهما لا مع العلم بفسقهما كما هو المفروض، بل هو من مسألة رضا (1) الوسائل - الباب - 20 من كتاب الوصايا - الحديث 5.

[ 25 ]

الخصم بالحكم عليه بشهادة الفاسقين، وقد عرفت عدم جواز الحكم بذلك وإن رضي. بل التحقيق أيضا ذلك في الاول أيضا، لاشتراط العدالة، وفي الاولين بأن ليس الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى من أحكام الذمة، بل ولا من إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم في ما بينهم، ضرورة كون الاحكام مشتركة بين الجميع وضعيها وتكليفيها، فمتى ترافعوا إلينا وجب إقامة الحكم الثابت شرعا عليهم، لان خلافه حكم بغير ما أنزل الله، وإنما مقتضى الذمام عدم التعرض لهم في أحكامهم في ما بينهم، كما أن مقتضى الالزام بما ألزموا به أنفسهم الاذن لنا في تناول ما يقتضيه دينهم فيهم إلزاما لهم بذلك لا الحكم في ما بينهم بما هو في دينهم المنسوخ الذي هو في زمان نبينا (صلى الله عليه وآله) حكم بغير ما أنزل الله تعالى، فالمتجه حينئذ عدم القبول مطلقا من غير فرق بين الشهادة عليهم ولهم، والله العالم. الوصف (الرابع: العدالة) كتابا (1) وسنة (2) مستفيضة أو متواترة وإجماعا بقسميه (إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق) الذي قد تواتر عنهم (عليهم السلام) رد شهادته (3) وقد مر الكلام مفصلا في المراد منها وفي طريق إثباتها وفي البحث عن الكبائر والصغائر وفي اعتبار المروة فيها وغير ذلك في كتاب الصلاة (4) وتقدم بعض الكلام فيها أيضا في كتاب القضاء (5).


(1) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (2) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات. (3) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الشهادات. (4) راجع ج 13 ص 275 - 323. (5) راجع ج 40 ص 111 - 113.

[ 26 ]

ولا خلاف (ولا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر كالقتل والزنا واللواط وغصب الاموال المعصومة) ونحوها مما علم من الشرع عظم معصيته. (وكذا بمواقعة الصغائر مع الاصرار) فعلا بالاكثار منها بلا توبة أو حكما بالعزم على فعلها بعد الفراغ منها، لما ورد عنهم (عليهم السلام) (1) " لا صغيرة مع الاصرار، كما لا كبيرة مع الاستغفار ". وعن أبي بصير (2) أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول: لا والله لا يقبل الله شيئا من طاعة الله على الاصرار على شئ من معاصيه ". وقال الباقر (عليه السلام) في خبر جابر (3): " الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستفغر الله تعالى ولا يحدث نفسه بتوبة، فذلك الاصرار ". وعن سماعة (4) " سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا تستقلوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا ". وفي خبر زياد (5) عن الصادق (عليه السلام) " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بأرض قرعاء، فقال لاصحابه: ائتونا بحطب، فقالوا: يارسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها حطب، قال: فليأت كل انسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هكذا تجتمع


(1) الوسائل - الباب - 47 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 11 والباب - 48 - منها الحديث 3 من كتاب الجهاد. (2) و (3) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب الجهاد النفس الحديث 1 - 4 من كتاب الجهاد. (4) و (5) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 2 - 3 - من كتاب الجهاد.

[ 27 ]

الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فان لكل شئ طالبا ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ". وعن أبي بصير (1) أنه سمع الباقر (عليه السلام) يقول: " اتقوا المحقرات، فان لها طالبا، يقول أحدكم: أذنب وأستغفر، إن الله عزوجل يقول (2): نكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ". (أو) بفعل الصغائر (في الاغلب) فانه بحكم الاصرار المستمر، بل في كشف اللثام " وإن أظهر الاستغفار عنها كلما فعلها لدلالته على قلة المبالاة وعدم الاخلاص في التوبة ". ولعل ذلك أحد الاقوال في الاصرار الذي قيل فيه: إنه الاكثار منها، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة، وقيل: إنه المداومة على واحد منها، وقيل: يحصل بكل منهما. وقيل: إنه عدم التوبة، ولعله للخبر (3) الوارد في تفسير قوله تعالى (4) ولم يصروا على ما فعلوا " قال: " الاصرار من يذنب الذنب ولا يستغفر ولا يحدث نفسه بتوبة " لكنه ضعيف السند، على أنك قد عرفت وقوع الصغيرة مكفرة لا تحتاج إلى توبة، بل متسمع من الفاضل أنه لا يمكن وقوع العزم على عدم الصغيرة منه التي لا زالت تقع من الانسان. بل لعله مخالف لكلام أهل اللغة، فعن الجوهري " أصررت على


(1) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب جهاد النفس الحديث 4 من كتاب الجهاد. (2) سورة يس: 36 - الاية 12 (3) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب جهاد النفس الحديث 4. (4) سورة آل عمران: 3 - الاية 135.

[ 28 ]

الشئ: أي أقمت ودمت عليه " وعن ابن الاثير " أصر على الشئ: إذا الزمه وداومه وثبت عليه " وعن القاموس " أصر على الامر لزم " ونحوه عن ابن فارس. ويمكن إرجاع الخبر وكلام أهل اللغة إلى ما عن الشهيد من أن " الاصرار فعلي، وهو الدوام على نوع واحد بلا توبة أو الاكثار من جنس الصغائر بدونها، وحكمي وهو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ " بل يمكن دعوى العرف على كون الاصرار على الفعل بالمعنى المزبور. وعلى كل حال فلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم في أن الاكثار من الصغائر ولو من أنواع مختلفة من دون توبة قادح في العدالة، بل عن التحرير الاجماع عليه. إنما الكلام في الصغيرة التي قد عزم على فعلها مرة أخرى أو العزم على إيقاع الصغائر، والظاهر عدم إحراز وصف العدالة معه ولو للشك في وجودها معه كما ستعرف تحقيق هذا الاصل في كل معصية لم يعلم كونها كبيرة أو صغيرة، هذا لكه في الصغيرة على الحال الذي عرفت. (أما لو كان) وقوعها (في الندرة فقد قيل) بل هو المشهور: (لا يقدح) وإن لم تعلم التوبة، لوقوعها مكفرة باجتناب الكبائر و (لعدم الانفكاك منها إلا في ما يقل، فاشتراطه التزام للاشق) المنافي لقوله تعالى (1): " ما جعل عليكم في الدين من حرج " ونحوه. (وقيل والقائل ابن إدريس: (يقدح) بناء على ما ذهب إليه من عدم الصغائر إلا بالاضافة ولا عسر (لامكان التدارك بالاستغفار) والتوبة المقدورين للانسان في كل زمان.


(1) سورة الحج: 22 - الاية 78.

[ 29 ]

وفيه أن تعرف ذلك منه يحتاج إلى زمان طويل، بل عن الفاضل رده بأن التوبة من شرطها العزم على ترك المعاودة، ولا شك أن الصغائر لا ينفك منها الانسان فلا يصح منه هذا العزم غالبا، فلا يمكن التوبة في أغلب الاحوال. وفي صحيح ابن أبي يعفور (1) اقتصر على اجتناب الكبائر في تعريف العدل. كل ذلك مضافا إلى ما عرفته من أن الصغائر في الندرة من اللمم الذي يقع مكفرا باجتناب الكبائر وبفعل الطاعات كما هو مقتضى الكتاب والسنة، فلا حاجة حينئذ إلى التوبة. نعم لا ينبغي منه العزم على العود الذي به يكون مصرا، وقد عرفت أنه لا صغيرة مع الاصرار كما لا كبيرة مع الاستغفار، بل هذا الخبر مشعر بعدم الحاجة إلى الاستغفار للصغيرة من دون إصرار كما هو واضح. (و) من ذلك كله وغيره ظهر لك أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده. هذا (وربما توهم واهم) من أصحابنا (أن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا مع) القول ب‍ (الاحباط) الذي هو بمعنى الموازنة بين الاعمال الصالحة والمعاصي، فكل ذنب يحبط بالطاعة فهو صغيرة، وكل ذنب يحبط الطاعة هو كبيرة. (وهذا بالاعراض عنه حقيق) ضرورة أن المعروف بين الامامية عدم القول بالاحباط، كما أن المعروف بينهم تقيسم الذنب إلى كبير وصغير فلا مدخلية للقول المزبور بذلك قطعا (فان إطلاقها) أي الصغائر عند الفقهاء (بالنسبة) إلى غيرها من الكبائر، سواء قلنا بكون كل معصية كبيرة أو معاص مخصوصة (و) هو واضح.


(1) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 30 ]

نعم لا نمنع اصطلاح القائلين بالاحباط على ذلك، إذ (لكل فريق اصطلاح) ولكن عليه لا تتحقق الصغيرة في نوع من أنواع المعاصي، ضرورة أن القائل به يعتبر الاكثر من الطاعة والمعصية فيثبته أجمع أو يثبت منه ما زاد عن مقابله من أي نوع كان من أنواع المعاصي، فربما كانت المعصية المخصوصة تحبط عن شخص وتبقى على آخر. (و) كيف كان ف‍ (- لا يقدح في العدالة ترك المندوبات ولو أصر مضربا عن الجميع) إذ الورع والعدالة في ما يجب عليه ويحرم نعم قال المصنف والفاضل وغيرهما: " ما لم يبلغ) ذلك (حدا يؤذن بالتهاون بالسنن (بل في المسالك " لو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة والنوافل ونحو ذلك فكترك الجميع، لاشتراكهما في العلة المقتضية لذلك، نعم لو تركها أحيانا لم يضر ". ولكن الانصاف - عدم خلوه من البحث إن لم يكن إجماعا، ضرورة عدم المعصية في ترك جميع المندوبات أو فعل جميع المكروهات من حيث الاذن فيهما فضلا عن ترك صنف منها ولو للتكاسل والتثاقل منه، واحتمال كون المراد بالتهاون الاستخفاف فيه يدفعه أن ذلك من الكفر والعصيان ولا يعبر عنه ببلوغ الترك حد التهاون، كما هو واضح. بقي شئ: وهو أن المصنف لم يتعرض للمروة في قادح العدالة وكأنه لم يجعل تركها قادحا أو يتوقف في ذلك، وهو قول محكي عن بعض العلماء من حيث إن منافيها مناف للعادة لا الشرع، والمحكي عن الاشهر اعتبارها في الشهادة، سواء جعلناها شطرا من العدالة كما هو المشهور بناء على أن العدل هو الذي تعتدل أحواله دينا ومروة وحكما أم خارجة عنها وصفة برأسها. قال في محكي المبسوط: " العدالة شرعا أن يكون عدلا في الدين

[ 31 ]

وفي المروة وفي الاحكام، أما العدل في الدين أن يكون مؤمنا لا يعرف منه شئ من أسباب الفسق، وفي المروة أن يكون مجتنبا للامور التي تسقط المروة مثل الاكل في الطرقات ومد الرجل بين الناس ولبس الثياب المصبغة وثياب النساء وما أشبه ذلك، وفي الاحكام أن يكون بالغا عاقلا لنقص أحكام الصبي والمجنون. وقد أغرب في القواعد حيث جعلها جزء من العدالة وعرفها بأنها كيفية نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروة، ثم جعلها شرطا آخر لقبول الشهادة بعد ذلك. وفي المسالك " وكيف كان فالوجه أنه لا تقبل شهادة من لا مروة له، لان طرح المروة إما أن يكون لخبل ونقصان أو قلة مبالاة وحياء، وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله، أما الاول فظاهر، وأما قليل الحياء فمن لا حياء له يصنع ما شاء، كما ورد في الخبر (1) ". وعلى كل حال فالمروة لغة: الانسانية كما عن الصحاح، أو الرجولية أي الكمال فيهما كما عن العين والمحيط، وفي الاصطلاح، كما في كشف اللثام هيئة نفسانية تحمل الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل الافعال والعادات. وفي المسالك " في ضبط المروة عبارات متقاربة: منها أن صاحبها هو الذي يصون نفسه من الادناس، ولا يشينها عند الناس، أو الذي يتحرز عما يسخر منه ويضحك به، أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه، فمن ترك المروة لبس ما لا يليق بأمثاله، كما إذا لبس الفقيه مثلا لباس الجندي وتردد به في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب، وكما إذا لبس التاجر ثوب الحمالين ونحوهم بحيث


(1) البحار - ج 71 ص 333 و 335 و 336.

[ 32 ]

يصير مضحكة، ومنه المشى في الاسواق والمجامع مكشوف الرأس مثلا إذا كان الشخص ممن لا يليق به مثله، وكذا مد الرجلين في مجالس الناس، ومنه الاكل في الاسواق إلا أن يكون الشخص سوقيا أو غريبا لا يكترث بفعله، ومنه أن يقبل الرجل زوجته أو أمته بين يدي الناس أو يحكي لهم ما يجري في الخلوة، أو يكثر من الحكايات المضحكة، ومنه أن يخرج من حسن العشرة مع الاهل والجيران والمعاملين، ويضايق في اليسير الذي لا يستقصي فيه، ومنه أن يبتذل الرجل المعتبر بنقل الماء والاطعمة إلى بيته إذا كان ذلك عن شح وظنة، ولو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف التاركين للتكلف لم يقدح ذلك في المروة، وكذا لو كان يلبس ما يجد ويأكل حيث يجد، لتقلله وبراءته من التكلفات العادية ويعرف ذلك بما يناسب حال الشخص في الاعمال والاخلاق وظهور محامل الصدق عليه " إلى غير ذلك مما ذكره غيره أيضا، وقد تقدم منا في العدالة جملة من الكلام فيها. ونقول هنا زيادة على ذلك: إنه لا إشكال في رد الشهادة بمنافيها إذا رجع إلى محرم أو خبل، لمنافاة الاول للتقوى، والثاني لكمال العقل وأما ما لا يرجع إلى ذلك فقد يشكل اعتباره في الشهادة أو العدالة باطلاق الادلة. أللهم إلا أن يكون مستنده - بعد فتوى المعظم - فحوى ما ورد في رد شهادة السائل بكفه سيما صحيح ابن مسلم (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: " رد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهادة السائل الذي يسأل بكفه، قال أبو جعفر (عليه السلام): لانه لا يؤمن على الشهادة، وذلك لانه إن أعطي رضي وإن منع سخط ".


(1) الوسائل - الباب - 35 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 33 ]

ولعل منه ينقدح اندراجه في الظنين الذي استفاضت النصوص في رد شهادته، منها: خبر ابن سنان (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما يرد من الشهود ؟ قال: فقال: الظنين والمتهم، قال: قلت: فالفاسق والخائن، قال: ذلك يدخل في الظنين ". مضافا إلى ما استدل به أيضا من قول الكاظم (عليه السلام) (2): " لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له " وإن كان لا يخلو من نظر، ضرورة إرادة الكمال الزائد على وصف العدالة منه. على أن المروة في النصوص غير ما ذكره الاصحاب مما سمعته، فانها في بعضها (3) إصلاح المعيشة، وفي آخر (4) " أنها ستة: ثلاثة منها في الحضر، وهي: تلاوة القرآن وعمارة المساجد واتخاذ الاخوان، وثلاثة في السفر، وهي: بذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي الله سبحانه " ونحوه آخر (5) وهي كما ترى ليس ما سمعته من الاصحاب. نعم قيل: إنه يشعر به ما في بعض النصوص (6) " من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ". وفيه أيضا ما لا يخفى، فالعمدة حينئذ ما ذكرناه، ومؤيدا بفتوى المعظم، وبنحو هذه الامور، وبأصالة عدم ترتب أحكام العدالة على فاقدها بعد عدم الوثوق باطلاق يتناوله ولو لما عرفت، خصوصا بعد


(1) الوسائل - الباب 30 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) أصول الكافي ج 1 - ص 19. (3) روضة الكافي ص 141 - الرقم 331 ط طهران. (4) و (5) الوسائل - الباب - 49 - من آداب السفر - الحديث 14 - 1. (6) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 15.

[ 34 ]

إمكان إرادته من السداد والتمييز والتحصيل ونحوها مما وجد في نصوص (1) العدالة وقبول الشهادة، بل قد يقال: إن فاقدها غير مرضي الشهادة عرفا، فلا يدخل في قوله تعالى (2): " ممن ترضون " بل إن جعلت العدالة الاستواء في أمثال ذلك خرج الفاقد لها قطعا، ضرورة خروجه عن الاعتدال الذي عليه غالب الناس، فتأمل. هذا ولكن لم يحرروا أنه بم تعود العدالة أو قبول الشهادة لمن وقع منه شئ مما ينافيهما أو لا يقدح اتفاق وقوع ذلك منه إلا إذا كان كثيرا أو مصرا ولو بالعزم على فعل أمثاله، فمتى لم يكثر منه ذلك ولا عزم على استدامة فعله قبلت شهادته، فيكون حكمه حكم الصغيرة حينئذ، ولا يبعد ذلك، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (- هنا مسائل): (الاولى) (كل مخالف في شئ من أصول العقائد ترد شهادته، سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد) لعدم معذوريته على كل حال، من غير فرق بين أصولها وفروعها الاعتقادية (و) غيرهما مما علم ضرورة من الدين أو المذهب، لاشتراك الجميع في عدم المعذورية الموجبة للكفر فضلا عن الفسق. نعم (لا ترد شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحق إذا لم


(1) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 23. (2) سورة البقرة: 2 - الاية: 282.

[ 35 ]

يخالف الاجماع) المعلوم أو الخبر المتواتر كذلك أو غير هما من الادلة القطعية (ولا يفسق وإن كان مخطئا باجتهاده) الذي يكتب له حسنة مع خطأه. والمراد بالاجماع الذي علم دخول المعصوم (عليه السلام) فيه على وجه لم يكن للاجتهاد محل. وقد يلحق بذلك ما اتفق عليه فقهاء الفرقة المحقة واستقرت عليه كلمتهم مع اختلاف الاعصار والامصار، بناء على أن مثل ذلك كاشف عن الواقع الذي لم يتخلف عنه الامام (عليه السلام) إذ هو مع الحق والحق معه، فتارة يعلم الحق بقوله، وأخرى يعلم الحق بغيره من الطرق، فيعلم أنه قول الامام (عليه السلام) لعدم تخلفه. بل قد يقال بعدم جواز خلافهم وإن لم يعلم الواقع بذلك، ولكن يعلم منه أنه موافق للاجتهاد الصحيح على وجه يفسد معه كل اجتهاد بعمنى كشفه عن وجود دليل معتبر لا يجوز مخالفته باجتهاد، ولعله على ذلك جرت سيرة سائر المليين في الانكار على كل من خالف ما استقرت عليه شرائعهم، وعد أنه من المبدعين في الدين. هذا ولكن في المسالك " المراد بالاصول التي ترد شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد، وأما فروعها من المعاني والاحوال وغيرهما من فروع علم الكلام فلا يقدح الخلاف فيها لانها مباحث ظنية والاختلاف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير، وقد عد بعض العلماء جملة مما وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى وشيخه المفيد فبلغ نحوا من مائة مسألة فضلا عن غيرهما، والمراد بالفروع التي لا تقدح فيها المخالفة المسائل الشرعية الفرعية، لانها مسائل اجتهادية، ولان الاصول التى تبنى عليها من الكتاب والسنة كلها ظنية، وينبغي أن يراد بالاجماع الذي تقدح مخالفته فيها إجماع المسلمين قاطبة أو إجماع الامامية

[ 36 ]

مع العلم بدخول قول المعصوم (عليه السلام) في جملة قولهم، لان حجية الاجماع في قولهم على أصولهم لا مطلق إجماعهم، إذ لا عبرة بقول غير المعصوم منهم مطلقا، وما لم يعلم دخول قوله في قولهم فلا عبرة بقولهم وإن كثر القائل، وقد تمادى بعضهم فسمى مثل ذلك إجماعا بل سمى المشهور ومخالفة مثل ذلك غير قادح بوجه من الوجوه، كما تقتضيه قواعدهم الدالة على حجية الاجماع، فتنبه لذلك لئلا تقع في الغلط اغترارا بظاهر الاصطلاح واعتمادا على الدعوى ". ولا يخفى عليك محال النظر من كلامه بعد الاحاطة والتأمل في ما ذكرناه، وقد تنبه لبعضها المقدس الاردبيلي (رحمه الله) فناقشه في قوله: " كلها ظنية " فقال " المسائل الاصولية التى تبتنى عليها الفروع الفقهية ليست كلها ظنية، بل منها يقينية ومنها ظنية، ولا يجوز الخلاف في الاولى، ويجوز في الثانية لدليل أقوى، وإنما أطلقوا أنه يجوز الخلاف في الفروع وأنه لا يخرج عن العدالة وعن قبول الشهادة دون الاصول لان الاغلب في الاول ذلك وفي الثاني بالعكس ". قلت: وأولى بالمناقشة ما ذكره في فروع الاصول من المعاني والاحوال وأنها مباحث ظنية مع أن أكثرها قطعي بالتواتر وبالضرورة أو غيرهما، خصوصا بالنظر إلى هذا الزمان، فانه قد يصير النظري قطعيا كعصمة الائمة (عليهم السلام) عن السهو والنسيان وإن خالف في ذلك الصدوق وكنفي الجسمية في الواجب تعالى وغير ذلك.

[ 37 ]

المسألة (الثانية:) (لا تقبل شهادة القاذف) مع عدم اللعان أو البينة أو إقرار المقذوف بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى الكتاب (1) (و) السنة المستفيضة (2) نعم (لو تاب) وأصلح (قبلت) توبته بلا خلاف أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى الكتاب (3) والسنة المستفيضة (4) التى ستسمع جملة منها. نعم قد يظهر من خبر القاسم بن سليمان (5) خلاف العامة في ذلك قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب ولا يعلم منه إلا خيرا تجوز شهادته، قال: نعم ما يقال عندكم ؟ قلت: يقولون توبته في ما بينه وبين الله تعالى، ولا تقبل شهادته أبدا، فقال: بئس ما قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب ولم يعلم منه إلا خيرا جازت شهادته " ومن ذلك اتجه حمل خبر السكوني (6) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " ليس أحد يصيب حدا فيقام عليه ثم يتوب إلا جازت شهادته إلا القاذف، فانه لا تقبل شهادته، إن توبته كان في ما بينه وبين الله تعالى " على التقية على أن الاستثناء المزبور قد اختص به بعض نسخ التهذيب، وقد خلا عنه البعض الاخر والكافي الذي هو أضبط من التهذيب، فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة.


(1) و (3) سورة البقرة: 24 - الاية 4 - 5. (2) و (4) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات. (5) و (6) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 6.

[ 38 ]

(و) إنما الكلام في (حد التوبة) فمن الصدوقين والعماني والشيخ في النهاية والشهيدين والمقداد وغيرهم بل في الرياض الظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بل المتقدمين، بل عن الشيخ أنه الذي يقتضيه مذهبنا، إذ لا خلاف بين الفرقة أن من شرط ذلك أن يكذب نفسه، وحقيقة الاكذاب أن يقول: كذبت في ما قلت، بل في أول كلامه نفى الخلاف بيننا وبين أصحاب الشافعي أن من شرط التوبة منه اكذاب نفسه وعن ابن زهرة الاجماع عليه (أن يكذب نفسه وإن كان صادقا ويوري باطنا) للنبوي (1) " توبة القاذف إكذاب نفسه ". ولخبر أبي الصباح الكناني (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته ؟ قال: يكذب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته ؟ قال: نعم ". ومرسل يونس عن بعض أصحابه (3) عن أحدهما (عليهما السلام) " سأله عن الذى يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب، قال: نعم، قلت: وما توبته ؟ قال: يجئ فيكذب نفسه عند الامام، ويقول: قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال ". وصحيح ابن سنان (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته ؟ فقال: إذا تاب، وتوبته أن يرجع في ما قال، ويكذب نفسه عند الامام وعند المسلمين، فإذا فعل فان على الامام أن يقبل شهادته بعد ذلك ". ولا يشكل هذا بأن فيه كذبا، إذ لعله صادق في قذفه، لما عرفت


(1) تفسير الدر المنثور ج 5 - ص 20. (2) و (3) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 - 4. (4) الوسائل - الباب - 37 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 39 ]

من إمكان التخلص منه بالتورية، ولو بقصد ما في الاية الشريفة (1) الدالة على كذب القاذفين إذا لم يأتوا بالشهداء وان كانوا صادقين. (و) من ذلك يظهر لك ضعف ما (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط وابن إدريس ويحيى بن سعيد والفاضل: إن الحد في توبته إن (يكذبها إن كان كاذبا ويخطئها في الملا إن كان صادقا) فيقول: القذف باطل ولا أعود إلى ما قلت تخلصا من الكذب (و) قد عرفت أن (الاول مروي (2)) بالطريق الصحيح وغيره من عندنا وعند العامة، فكان خلافه من الاجتهاد في مقابلة النص، بل في المسالك هو تعريض بقذف جديد غير الاول، فلا ريب حينئذ في أن الاقوى الاول. ثم لا يخفى عليك أن التدبر في كلماتهم يقتضي قولين في المسألة، كما هو المحكي أيضا عن أصحاب الشافعي، فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين - من أن في المسألة أربعة أقوال: أحدها المشهور، والثاني قول: القذف باطل ولا أعود مطلقا سواء كان صادقا أو كاذبا، والثالث - وهو الذي اختاره الفاضل - التفصيل بين الصادق والكاذب، فالاول يقول ذلك، والثاني يعترف بتكذيب نفسه، والرابع ما عن ابن حمزة من أنه إن كان صادقا قال: الكذب حرام ولا أعود إلى مثل ما قلت وأصلح، وإن كان كاذبا قال: كذبت في ما قلت - لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة أن الذى حكاه عن الفاضل حتى رده بأنه إحداث قول آخر هو الذي حكاه المصنف في المتن، والظاهر أنه أراد حكايته عن الشيخ (رحمه الله). كما أنه لا يخفى عليك أيضا عدم الاكتفاء باكذاب نفسه خاصة عن


(1) سورة النور: 24 - الاية 13. (2) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات وتفسير الدر المنثور ج 5 ص 20.

[ 40 ]

التوبة وإن أوهمه بعض النصوص (1) السابقة، ولكنه محمول على البعض الاخر. نعم يحكى عن العماني وجماعة اعتبار كون الاكذاب عند الامام، بل عن الاول زيادة وجماعة من المسلمين، بل في الرياض يظهر من الايضاح والتنقيح والصيمري عدم الخلاف في اعتبار ذلك، حيث قالوا: وعلى الاقوال كلها لابد من إيقاع ذلك عند من قذف عنده وعند الحاكم الذي حده، فإذا تعذر ففي ملا من الناس. قلت: إن النصوص المزبورة وإن كان بعضها مطلقا والاخر مقيدا بكونه عند الامام والثالث بكونه عنده وعند المسلمين إلا أن الظاهر إرادة إجهاره بذلك لا كونه شرطا في التوبة فضلا عما ذكروه من اشتراط كون اعترافه عند من قذف عنده وعند الحاكم الذي حده كما هو واضح، وكذلك ما عساه يظهر من أكثر النصوص أيضا من اعتبار وقوع الحد الذي لا يقع في مثل زماننا قبل التوبة، فان ظاهر الفتاوى وبعض النصوص تحققها من دون ذلك. (و) كيف كان ف‍ (- في اشتراط إصلاح العمل زيادة عن التوبة تردد) وخلاف، فعن الخلاف وجامع المقاصد ومتشابه القرآن لابن شهر اشوب أنه لابد مع التوبة التى هي الاكذاب من ظهور عمل صالح منه وإن قل، قيل: وهو ظاهر الغنية والاصباح، وفي المبسوط والسرائر أنه لابد منه إذا قذف قذف سب لا إذا قذف قذف شهادة، لافتراقهما في ثبوت فسق القاذف قذف سب بالنص وفسق الاخر بالاجتهاد. (و) عن الوسيلة وظاهر المقنع والنهاية ما هو (الاقرب) عند المصنف من (الاكتفاء) (في إصلاح العمل (بالاستمرار، لان


(1) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 41 ]

بقاءه على التوبة إصلاح ولو ساعة) وعن الفاضل في المختلف جعل النزاع لفظيا، لان البقاء على التوبة شرط في قبول الشهادة وهو كاف في إصلاح العمل لصدقه عليه، وفي كشف اللثام هو بعيد عن عبارات الشيخ وابني إدريس وسعيد. قلت: الاصل في ذلك قوله تعالى (1): " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " والتأمل الجيد بعد معلومية عدم افتراق كلامهم (عليهم السلام) عن القرآن حتى يردا الحوض يقتضى كون المراد بالاصلاح إكذاب نفسه بين الناس الذي يكون به إصلاح لما أفسده من عرض المقذوف بقذفه، وذلك لظهور النصوص (2) أو صراحتها في مغفرة ذنب القاذف بالتوبة وإكذاب نفسه، وأنه لا يحتاج بعد ذلك إلى أمر آخر، والاية ذكرت التوبة والاصلاح، فيعلم حينئذ كون المراد ذلك، لان كلامهم (عليهم السلام) كالتفسير لها. وبذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات حتى عبارة المصنف والفاضل وغيرهما الظاهرة في اعتباره أيضا، ولكن يكفي فيه استمرار التوبة ولو ساعة، بل وما في الرياض أيضا، فانه بعد أن ذكر اشتراط الاصلاح بعد التوبة قال: " وفسره الاكثر بالاستمرار عليها ولو ساعة " ثم حكى عن فخر الاسلام أنه قال: " هذا المعنى متفق عليه، وإنما الخلاف في الزائد عليه، وهو إصلاح العمل، فقال ابن حمزة: يشترط مطلقا أي في الصادق والكاذب، ولم يشترط الشيخ في النهاية مطلقا، وقال في المبسوط: في الكاذب لا الصادق، وهو اختيار ابن إدريس، احتج المصنف بأن الاستمرار على التوبة والاكذاب إصلاح، وفيه نظر لوجوب


(1) سورة النور: 24 - الاية 5. (2) الوسائل الباب - 36 - من كتاب الشهادات.

[ 42 ]

حمل المطلق على المقيد مع اتحاد القضية " انتهى. وظاهره الميل إلى قول ابن حمزة، لما ذكره من حمل مطلق الرواية على الاية المقيدة، وهو حسن إلا أن الاشكال في تعيين المراد من الاصلاح هو إصلاح العمل أو اصلاح الحال والنفس بمنعها عن ظهور ما ينافي العدالة بكل وجه، والتبادر للاول، والاطلاق للثاني، ولعله أظهر، لاصالة الاطلاق مع الشك في التبادر المقيد له ببعض أفراده، ومع ذلك أشهر، وربما يشير إليه الخبر (1) القريب من الصحيح المتضمن لقوله (عليه السلام) " إذا تاب ولم يعلم منه إلا خير جازت شهادته " إلى آخره، بل فيه مواضع للنظر. والتحقيق ما عرفت من عدم اعتبار أزيد من التوبة وإكذاب النفس حتى الاستمرار المزبور فضلا عما ذكره من إصلاح النفس بالمعنى الذي بينه إن كان مراده به زيادة على ما ذكرناه، كما هو مقتضى استحسانه حمل المطلق على المقيد على معنى تقييد إطلاق النص بالتقييد في الكتاب المجيد، وإلا فمع الاغضاء عما ذكرناه لا إشكال في انسياق اعتبار عمل صالح زائد على التوبة إن لم نجعل العطف فيها تفسيريا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (- لو أقام) القاذف (بينة) (ب‍) - ما أوقعه من (القذف) عند الحاكم (أو صدقه المقذوف) بناء على كونه كالبينة أو أعظم (فلا حد عليه ولا ترد) شهادته كما أنه كذلك لو كان القذف موجبا للعان وقد لاعن.


(1) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 43 ]

المسألة (الثالثة:) لا ريب ولا خلاف في أن (اللعب بآلات القمار كلها حرام كالشطرنج والنرد) الذي في بعض الاخبار أنه أشد من الشطرنج (1) وأن اللاعب به كمثل الذي يأكل لحم الخنزير (2) (والاربعة عشر) وهي قطعة من خشب فيها حفر في ثلاثة أسطر ويجعل في الحفر حصى صغار مثلا للعب بها (وغير ذلك) كالخاتم الذي يلعب به في زماننا ونحوه (سواء قصد الحذق أو اللهو أو القمار). ففي خبر الحسين بن زيد (3) والسكوني (4) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن اللعب بالنرد والشطرنج ". وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) أنه قال لقوم كانوا يلعبون


(1) المستدرك - الباب - 29 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة. (2) المستدرك - الباب - 83 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة. (3) الوسائل - الباب - 104 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 6 من كتاب التجارة. (4) الوسائل - الباب - 104 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 9 من كتاب التجارة عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله). (5) المستدرك - الباب - 18 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 6 من كتاب التجارة.

[ 44 ]

بالشطرنج: " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ". وعن جابر (1) عن الباقر (عليه السلام) " لما أنزل الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله) إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (2) قالوا: يارسول الله ما الميسر ؟ فقال: كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز ". وقد ورد (3) أيضا " أن اتخاذها كفر بالله العظيم، وأن اللعب بها شرك، وتقليبها كبيرة موبقة، والسلام على اللاهي كفر، ومقلبها كالناظر إلى فرج أمه، ومثل الذي يلعب بها من غير قمار كمثل الذي يضع يده في الدم ولحم الخنزير، وأن مثل الذى يلعب بها كمثل الذى يصر على الفرج الحرام ". وفى خبر أبي بصير (4) " الشطرنج والنرد هما الميسر ". وعن الرضا (عليه السلام) في رسالته إلا المأمون المروية في عيون أخبار الرضا (5) بأسانيد متعددة لا تخلو عن اعتبار على ما قيل عد الميسر وهو القمار من الكبائر. وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (6) " من لعب بالنرد فقد عصى الله تعالى ورسوله ".


(1) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 4 من كتاب التجارة. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 90. (3) المستدرك - الباب - 82 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 والباب 83 - منها - الحديث 2 من كتاب التجارة. (4) الوسائل - الباب - 104 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 من كتاب التجارة. (5) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 33 من كتاب الجهاد. (6) المستدرك - الباب - 83 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4 من كتاب التجارة.

[ 45 ]

وقال الصادق (عليه السلام) لزيد الشحام وغيره (1): " الرجس من الاوثان الشطرنج ". وقال (عليه السلام) أيضا في خبر عمر بن زيد (2): " إن لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار إلا من أفطر على مسكر أو مشاحن أو صاحب شاهين، قال: وأي شئ صاحب الشاهين، قال: الشطرنج ". وفي خبر العلاء بن سيابة (3) " سمعته يقول: لا تقبل شهادة صاحب النرد والاربعة عشر، وصاحب الشاهين يقول: لا والله وبلى والله مات والله شاه وقتل والله شاه وما مات ولا قتل " إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على رد شهادة اللاعب بالشطرنج والنرد والمقامر. ومن الغريب بعد ذلك ما في المسالك " وظاهر النهي أنها من الصغائر، فلا تقدح في العدالة إلا مع الاصرار " وتبعه عليه في الرياض معللا له بضعف النصوص المقتضية لكونه من الكبائر ولا جابر، إذ قد عرفت التصريح بأنها كبيرة موبقة. مضافا إلى ما عرفت من أن الكبيرة ما كانت كذلك عند أهل الشرع ولا ريب في أن القمار عندهم من أعظم المعاصي، ويكفي في الجابر تعاضد النصوص والفتاوى على أن الاصل في كل معصية أن يكون كبيرة، لان الاصل عدم تكفيرها، ولعموم الامر (4) بالتوبة من كل معصية إلا ما علم أنها صغيرة، ولا يعارض ذلك باستصحاب العدالة، لانا نقول: إنها عندنا اجتناب الكبائر في نفس الامر، ولا يتم ذلك إلا باجتناب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 102 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 - 4. من كتاب التجارة. (3) الوسائل - الباب - 33 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 86 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 46 ]

المشكوك فيه أنه منها، ولا وجه لاستصحاب حال الاجتناب السابق عن الجميع إلى حال ارتكاب المشكوك فيه، ضرورة أنه حال آخر، على أن الاول إنما كان العلم بحصول العدالة للعلم باجتناب الكبائر التي قد كان في ضمن اجتناب الجميع، ولا علم هنا قطعا حال ارتكاب المجهول كونها كبيرة، فلا استصحاب قطعا بناء على معنى العدالة عندنا الذي هو عبارة عن الاجتناب المزبور، وعلى أن الكبيرة العظمية عند الشارع وتارة أخرى يخفى حالها (1) نعم ما علم من الشرع من الذنوب المحقرة هي لا تقدح في العدالة إلا مع الاصرار الذي قد عرفت فتأمل، فان هذا الاصل نافع في كثير من المواضع. وبذلك كله ظهر لك الحال في المسألة وغيرها، بل قوله في المسالك: " ظاهر النهي " إلى آخره لا يكاد يفهم له معنى، وأغرب منه ما عن الشافعي من عدم تحريم الشطرنج والنرد، وإنما هما مكروهان، والثاني أشد كراهة من الاول، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (شارب المسكر ترد شهادته ويفسق) بلا خلاف فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر (خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصفا أو فضيخا ولو شرب منه قطرة (خلافا لما عن الشافعي، فقال: من شرب يسيرا من النبيذ أحده ولا أفسقه


(1) هكذا في النسخة الاصلية الميضة، وفى النسخة المخطوطة بقلمه الشريف: " وتارة وأخرى يخففى حالها " والعبارة علي كل حال مشوشة.

[ 47 ]

ولا أرد شهادته، بل عن أبي حنيفة لا أحده ولا أفسقه ولا أرد شهادته. (وكذا الفقاع) الذي هو خمر قد استصغره الناس. (وكذا العصير) العنبي (إذا غلا من نفسه أو بالنار) وإن لم يشتد على الاصح فانه حرام عندنا (ولو لم يسكر إلا أن يغلي حتى يذهب ثلثاه (فيحل حينئذ. و (أما غير) ه من (العصير) كالمتخذ (من) الزبيب أو (التمر فالاصل) على (أنه حلال ما لم يسكر) كما حققناه في محله فضلا عن غيرهما. (ولا بأس باتخاذ الخمر للتخليل) نصا (3) وفتوى سواء كان بعلاج أو غيره، بل لعل الظاهر ما في كشف اللثام من أنه لا يحكم بفسق متخذ الخمر إلا إذا علم أنه لا يريد به التخليل، والله العالم. المسألة (الخامسة:) لا خلاف في أن الغناء وهو عند المصنف والفاضل في الارشاد والتحرير (مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته وكذا مستمعه) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، قال الصادق (عليه السلام) (2) في خبر عنبسة: " استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع " وفي خبر أبي الصباح ومحمد بن


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) الوسائل - الباب - 101 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 48 ]

مسلم (1) في قوله تعالى: " (2) والذين لا يشهدون الزور " قال: " الغناء " (سواء استعمل في شعر أو قرآن) أو دعاء أو تعزية ولو على سيدنا الحسين (عليه السلام) أو غيرها لاطلاق النهي عنه، بل قد فسر به " الزور " (3) و " قول الزور " (4) في كثير من الاخبار (5) وفي كثير منها (6) لهو الحديث (7). وقال الصادق (عليه السلام) في خبر أسامة (8): " الغناء عشر النفاق ". وفي خبره الاخر (9) " بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا تدخله الملائكة ". وقال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (10): " الغناء مما وعد الله به النار، وتلا هذه الاية: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (11) ".


(1) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 99 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 5 - 1 - 6 من كتاب التجارة. (2) و (3) سورة الفرقان: 25 - الاية 72. (4) سورة الحج: 22 - الاية 30. (5) الوسائل - الباب - 99 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 2 و 3 و 5 و 8 و 9 و 20 و 26 من كتاب التجارة. (6) الوسائل - الباب - 99 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 6 و 7 و 11 و 16 و 20 و 25 من كتاب التجارة. (7) و (11) سورة لقمان: 31 - الاية 6. (8) الوسائل - الباب - 99 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 10 من كتاب التجارة عن أبي أسامة وفيه " الغنا عش النفاق " إلا ان في بعض نسخ الكافي " عشر النفاق ".

[ 49 ]

وأما ما روي من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقد يراد به الاستغناء كما روي (2) أن " من قرأ القرآن فهو غني لا فقر بعده ". وعن الصدوق " ولو كان كما يقوله أنه الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك وأن من لم يرجع صوته بالقراءة فليس من النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال: ليس منا " إلى آخره (ولا بأس بالحداء " قولا واستماعا للاصل وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) (3) به، وهو قسيم الغناء، أو المراد ما لم يصل إلى حد الغناء، وحينئذ هو كغيره من أنواع الانشاد. (ويحرم من الشعر) وغيره (ما تضمن كذبا أو هجاء مؤمن أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة) أو غلام بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. مضافا إلى ما في الكتاب (4) والسنة (5) من تحريم إيذاء المؤمنين وإغراء الفساق بالامرأة والولد، نعم لا بأس بهجو أعداء الدين، وقد ورد (6) أنه (صلى الله عليه وآله) أمر حسانا بهجو المشركين، وقال: " إنه أشد عليهم من رشق النبل ". وعن المبسوط كراهة التشبيب بالزوجة والامة، ولا ترد الشهادة بذلك، وكذا من شبب بامرأة مبهما، وعن بعضهم رد الشهادة بالتشبيب


(1) المستدرك - الباب - 20 - من أبواب قراءة القرآن - الحديث 8 و 9 من كتاب الصلاة. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب قراءة القرآن - الحديث 3 من كتاب الصلاة. (3) سنن البيهقي ج 10 ص 227. (4) سورة الاحزاب: 33 - الاية 58. (5) الوسائل الباب - 145 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (6) سنن البيهقى - ج 10 ص 238.

[ 50 ]

بالامرأة، لما فيه من سقوط الامرأة. قلت: قد يقال بحرمته مع فرض تأذيها بذلك وهتك حرمتها. (وما عداه مباح) إنشاء وإنشادا، وقد كان للنبي (صلى الله عليه وآله) شعراء يصغي إليهم، فيهم حسان بن ثابت و عبد الله بن رواحة واستنشد الشريد شعر أمية بن أبي الصلت فاستمع إليه (1) بل قد يستحب بل قد يجب. (و) لكن (الاكثار منه) من حيث نفسه مع قطع النظر عن جهة أخرى ترجحه (مكروه) للنهي خصوصا ليلة الجمعة ويومها وللصائم (2) بل عن الخلاف كراهة إنشاده مطلقا مستدلا عليه بالاجماع وبقوله (صلى الله عليه وآله) (3): " لان يمتلئ بطن الرجل (جوف أحدكم خ ل) قيحا أحب إلي من أن يمتلئ شعرا " قال: " فان قالوا: المعني منه ما كان فحشا أو هجوا، وقال أبو عبيدة: معناه الاستكثار منه بحيث يكون الذي يتعلمه من الشعر ويحفظه أكثر من القرآن والفقه قلنا: نحن نعمله على عمومه ولا نخصه إلا بدليل، وقوله تعالى (4): " والشعراء يتبعهم الغاوون " يدل على ذلك، وقد مر تفصيل الكلام في كثير من هذه الاحكام في كتاب المكاسب (5).


(1) سنن البيهقى - ج 10 ص 226 و 227. (2) الوسائل - الباب - 51 - من أبواب صلاة الجمعة - الحديث 1 من كتاب الصلاة والمستدرك الباب - 43 - منها - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب 51 - من ابواب صلاة الجمعة - الحديث 3 من كتاب الصلاة والمستدرك الباب - 43 - منها الحديث 1 وسنن البيهقي ج 10 ص 244. (4) سورة الشعراء: 26 - الاية 224. (5) راجع ج 22 ص 60 - 62.

[ 51 ]

المسألة (السادسة:) لا خلاف أيضا في أن (العود والصنج وغير ذلك من آلات اللهو حرام) بمعنى أنه (يفسق فاعله ومستمعه بل الاجماع بقسميه عليه. قال الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): " لما مات آدم (ع) شمت به ابليس وقابيل، فاجتمعا في الارض، فجعل ابليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم (عليه السلام) فكل ما كان في الارض من هذا الضرب الذى يتلذذ به الناس فانما هو من ذلك ". وفي خبر السكوني (2): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنهاكم عن الزمر والمزمار وعن الكوبات والكبرات ". وفي خبر إسحاق بن جرير (3) " إن شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحا بالبربط ودخل عليه الرجال وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساءه فلا يغار ". وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (4) " أن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والنرد والمرز والكوبة والقنين " إلى غير ذلك من النصوص، وعن المبسوط والمرز: شراب الذرة، والكوبة: الطبل، والقنين: البربط. (و) كيف كان فعن الخلاف والمبسوط (يكره الدف في الاملاك والختان خاصة) لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (5):


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 100 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 5 - 6 - 1 من كتاب التجارة. (5) سنن البيهقي ج 7 ص 290.

[ 52 ]

" أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال " يعنى الدف، وقوله (صلى الله عليه وآله) (1) أيضا: " فصل ما بين الحرام والحلال بالضرب بالدف عند النكاح " وربما قيد الدف هنا بما خلا عن الصنج، وعن ابن إدريس ما عن التذكرة من أن الاقوى الحرمة، لعموم النصوص الناهية وكثرتها وعدم صلاحية ما ذكر لتخصيصها، وقد مر الكلام فيه في المكاسب. (2) المسألة (السابعة:) لا خلاف في أن (الحسد) وهو تمني زوال النعمة عن الغير أو هزوله (معصية) تأكل الايمان كما تأكل النار الحطب (3) وأن آفة الدين الحسد والعجب والفخر (4) وأن الحاسد ساخط لنعم الله تعالى صاد لقسمته بين عباده (5) وأن ستة يدخلون النار قبل الحساب بستة منهم العلماء بالحسد (6). (وكذا بغضة المؤمن) للنهي (7) عن التعادي والتهاجر، والامر (8) بالتحاب والتعاطف في النصوص التي لا تحصى، ولكن الظاهر أن ما يجده الانسان من الثقل من بعض إخوانه لبعض أحوال وأفعال أو


(1) سنن البيهقي - ج 7 ص - 289. (2) راجع ج 22 ص 49 - 50. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 1 - 5 - 6 - من كتاب الجهاد. (6) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 6 من كتاب الجهاد. (7) الوسائل - الباب - 136 و 144 - من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (8) الوسائل - الباب - 124 - من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

[ 53 ]

لغير ذلك ليس من البغض إن شاء الله فانه لا ينفك عنه أحد من الناس. هذا وفي كشف اللثام وغيره أنه لما كان كل منهما قلبيا قال: (والتظاهر بذلك قادح في العدالة) بل في المسالك " وإن كانا محرمين بدون الاظهار " ولكن في محكي المبسوط " إن ظهر منه سب وقول فحش فهو فاسق، وإلا ردت شهادته للعدواة ". قال الصادق (عليه السلام) في خبر حمزة بن حمران (1): " ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل الحسد " فيمكن أن يقال: إن التظاهر بهما محرم، ويؤيده ما تسمعه من الاصحاب من عدم اقتضاء العداوة الدنيوية - المفسرة عندهم بسرور كل منهما بمساءة الاخر وبالعكس - فسقا، كما ستعرف إن شاء الله، وتفصيل الحال في الحسد وما يتولد منه وما يداوى به وأقسامه التي فيها الخفي جدا في كتب الاخلاق. المسألة (الثامنة:) (لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم) باجماع علماء الاسلام ونصوصهم ف‍ (- ترد به الشهادة) مع الاصرار أو بدونه، كما هو ظاهر المتن والقواعد والارشاد ومحكي التحرير والتلخيص، لانه كبيرة عند أهل الشرع أو بحكمها، للاصل الذي عرفته. وفي خبر ليث المرادي (2) عن الصادق (عليه السلام) " أن


(1) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 8 من كتاب الجهاد. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 2 من كتاب الصلاة.

[ 54 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) كسى أسامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها، فقال: مهلا يا أسامة، إنما يلبسها من لا خلاق له، فاقسمها بين نسائك ". ومنه ينقدح احتمال اندارج لابس الحرير في نصوص المتشبهين بالنساء. (و) كيف كان ف‍ (- في التكأة عليه والافتراش له) فضلا عن التدثر به (تردد و) لكن الاقوى (الجواز) للاصل، بل هو (مروي (1)) أيضا خلافا للشافعي وأحمد، وقد مر تمام الكلام في ذلك في لباس المصلى (2). وكذا يحرم التختم بالذهب) بل (و) مطلق (التحلي به للرجال) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (3) التي مرت في لباس المصلى (4) وذكرنا هناك حرمته ولو طليا أو تمويها، ومنه الاعلام في الثياب كما عن الذكرى الاعتراف به، خلافا للمحكي عن المبسوط فأحل المموه والمجرى فيه إذا اندرس وبقي الاثر، وعن ابن حمزة حل المموه من الخاتم والمجرى فيه الذهب، فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب لباس المصلى - الحديث 1 من كتاب الصلاة. (2) راجع ج 8 ص 127 - 128. (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب لباس المصلى - الحديث 6 والباب - 30 - منها من كتاب الصلاة. (4) راجع ج 8 ص 111.

[ 55 ]

المسألة (التاسعة:) (اتخاذ الحمام للانس وإنفاذ الكتب) والاستفراخ (ليس بحرام) بلا خلاف أجده فيه على ما اعترف به غير واحد للاصل وغيره، بل قد يستفاد من النصوص استحباب اتخادها، ففي النبوي (1) " أن رجلا شكا إليه (صلى الله عليه وآله) الوحدة، فقال: اتخذ زوجا من حمام " وعن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) " ما من بيت فيه حمام إلا لم يصب ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يمضون إلى البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الانسان " وقال عبد الكريم بن صالح (3): " دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر، فقلت: جعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش، فقال: لا إنه يستحب أن يسكن في البيت ". (وإن اتخذها للفرجه والتطيير فهو) جائز أيضا وفاقا للمشهور، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه، للاصل وخبر العلاء (4) " سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام " وخبره الاخر (5) " سأل الصادق (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام، قال لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قال: فان من قبلنا يقولون: قال عمر: هو الشيطان، فقال: سبحان الله أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الخف والحافر والريش


(1) و (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب أحكام الدواب - الحديث 15 - 8 من كتاب الحج. (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب أحكام الدواب - الحديث 1 من كتاب الحج. (4) و (5) الوسائل - الباب - 54 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 3.

[ 56 ]

والنصل فانها تحضره " بناء على إرادة الطير من الحمام فيه لا الخيل كما يحكى عن لسان أهل مكة وإن كان قد يشهد له ما في ذيله، كما ذكرنا ذلك في كتاب السبق. (1) ولكنه على كل حال (مكروه) لما فيه من العبث واللعب وتضييع العمر في ما لا يجدي، بل قد يكون في بعض الاحوال أو الازمنة أو الامكنة من منافيات المروة، خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فعد اللعب به فسقا مسقطا للعدالة، وكذا اللعب بكل شئ. (و) فيه منع واضح. نعم (الرهان عليها قمار) لما عرفته في كتاب السبق (2) من اختصاص جوازه بالخف والحافر من الحيوان. وقيل: " إن حفص بن غياث (3) وضع للمهدي العباسي في حديث " لاسبق " " أو ريش " ليدخل فيه الحمام تقربا إلى قلب الخليفة حيث رآه يحب الحمام، فلما خرج من عنده قال: أشهد أن قفاه قفا كذاب، ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أو ريش " ولكن أراد التقرب إلينا بذلك، ثم أمر بذبح الحمام " ومنه يعلم ما في ذيل خبر العلاء (4) السابق، وقد تقدم تفصيل ذلك في كتاب السبق والرماية (5) وكتاب المكاسب. وقد عرفت حرمة اللعب بآلات القمار وإن لم يكن عوض بل أريد بها الحذق أو اللهو، كما أنك عرفت حرمته في غير موضوع السبق والرماية، أما المغالبة بلا عوض في غير ما أعد للهو واللعب، والمقامرة فقد ذكرنا


(1) و (2) و (5) راجع ج 28 ص 217. (3) المستدرك - الباب - 4 - من كتاب السبق والرماية - الحديث 4 وفيه " جناح " بدل " ريش ". (4) الوسائل - الباب - 54 - من كتاب الشهادات - الحديث 3.

[ 57 ]

الكلام فيها مفصلا هناك (1) أيضا فلاحظ وتأمل. المسألة (العاشرة:) (لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة كالصياغة وبيع الرقيق) بلا خلاف أجده بيننا بل (ولا من أرباب الصنائع الدنية كالحجامة والحياكة ولو بلغت في الدناءة، كالزبال والوقاد، لان الوثوق بشهادته مستند إلى تقواه) التي لا ينافيها ذلك، بل ولا تنافي. مروته لانها صنعة من الصنائع وإن نافت مروة من لم يتخذها صنعة أو خصوص بعض الناس في بعض الاحوال المخصوصة. وإنما خالف في ذلك بعض العامة محتجا بأن اشتغالهم بهذه الحرف ورضاهم بها يشعر بالخسة وقلة المروة، خصوصا الحياكة، لاذراء الناس بهم، وعد الحياكة فضلا عن غيرها من صفات النقص، بل عن بعضهم إلحاق الصبغ والصياغة بها، وعن ثالث الفرق بين من يليق به هذه الحرف وكانت صنعة آبائه وغيره، فترد شهادة الثاني دون الاول ومرجع الجميع إلى اعتبارات لا تصلح معارضة لاطلاق أدلة قبول شهادة العدل كتابا (2) وسنة (3). ثم لا يخفى عليك أن المصنف وغيره ممن تعرض لذكر بعض ما يقدح في العدالة ليس غرضه حصر ذلك في ما ذكره، ضرورة عدم انحصار الامر في ما ذكره، لمعلومية حرمة أمور كثيرة لم يذكروها كمعلومية


(1) راجع ج 22 ص 109. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (3) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات.

[ 58 ]

كونها من الكبائر، بل قد ذكر في كتب الاخلاق أمور كثيرة تقتضي القدح في العدالة لم تذكر في كتب الاصحاب، مع أن فيها روايات كثيرة مشتملة على المبالغة في نفي الايمان معها. وقد ذكر الاردبيلي جملة منها، ومن أخبارها، كهجر المؤمن، وضرب الحجاب بينه وبينه وعدم الخروج إليه مع المجئ إلى منزله (1). و (منها) عدم إعانة من استعان به من إخوانه، ومنعه الحاجة التي أرادها منه مع تمكنه من ذلك (2). و (ومنها) إخافة المؤمن (3). و (منها) النميمة (4). و (منها) إذاعة سره (5). و (منها) مجالسة أهل المعاصي (6). و (منها) قطيعة الرحم (7). و (منها) خلف الوعد (8). و (منها) عدم بذل الجهد في قضاء حاجة المؤمن (9). و (منها) الشماتة به (10). و (منها) إطاعة من عصى الله تعالى (11).


(1) الوسائل - الباب - 144 و 130 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (2) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب فعل المعروف من كتاب الامر بالمعروف. (3) الوسائل - الباب - 162 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (4) الوسائل - الباب - 164 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (5) الوسائل - الباب - 157 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (6) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب الامر والنهي من كتاب الامر بالمعروف. (7) الوسائل - الباب - 149 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (8) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 4 و 6 و 11 من كتاب الجهاد. (9) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب فعل المعروف - الحديث 5 و 9 و 10 من كتاب الامر بالمعروف. (10) الكافي ج 2 ص 359. (11) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 1 من كتاب الامر بالمعروف.

[ 59 ]

و (منها) سباب المؤمن (1). و (منها) سوء الظن (2). و (منها) الغيبة والبهتان (3). و (منها) طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم (4). و (منها) إيذاء المؤمنين واحتقارهم والاستهزاء والسخرية بهم (5). و (منها) التهاون في حقوق الوالدين (6). و (منها) المكر والغدر والخديعة وترك النصيحة (7). و (منها) كون الرجل ذا وجهين ولسانين (8). و (منها) الرياء (9). و (منها) العجب (10). و (منها) الكذب (11). و (منها) الظلم (12). و (منها) الفخر والكبر (13)


(1) الوسائل - الباب - 158 - من ابواب أحكام العشرة - الحديث 3 و 4 من كتاب الحج. (2) الوسائل - الباب - 161 - من ابواب أحكام العشرة - الحديث 3 من كتاب الحج. (3) الوسائل - الباب - 152 و 153 من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (4) الوسائل الباب - 150 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج (5) الوسائل - الباب - 145 و 146 و 147 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج والبحار ج 75 ص 144 وسورة البراءة: 9 - الاية 79. (6) البحار - ج 74 ص 22 - 86. (7) الوسائل - الباب - 137 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج والباب - 36 - من ابواب فعل المعروف من كتاب الامر بالمعروف والباب - 21 - من ابواب جهاد العدو من كتاب الجهاد. (8) الوسائل - الباب - 143 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (9) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب مقدمة العبادات. (10) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب مقدمة العبادات. (11) الوسائل - الباب - 138 - من ابواب أحكام العشرة من كتاب الحج. (12) الوسائل - الباب - 77 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (13) الوسائل الباب - 59 و 75 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 60 ]

و (منها) سوء الخلق (1). و (منها) حب الدنيا (2). و (منها) حب الرئاسة (3). و (منها) الطمع (4). و (منها) التحكر (5). و (منها) التعصب (6). و (منها) الغضب (7). و (منها) التدليس (8). و (منها) ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (9) إلى غير ذلك مما لم يشبع الكلام فيه الاصحاب، وإنما ذكر الكلام فيه مفصلا في كتب الاخلاق للعامة والخاصة. ولكن من المعلوم كون جملة من ذلك إنما هو لبيان تفاوت مراتب الناس في درجاتهم، وأن جامع ذلك هو الفرد الكامل، لا أن المراد انتفاء وصف العدالة منه إلا في ما علم حرمته من الكذب والظلم والغيبة ونحوها، والله العالم. الوصف (الخامس: ارتفاع التهمة) في الجملة بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص فيه مستفيضة أو متواترة. قال عبد الله بن سنان (10): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام):


(1) الوسائل - الباب - 69 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (2) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (3) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 3 من كتاب الجهاد. (4) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (5) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب آداب التجارة من كتاب التجارة. (6) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد. (7) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 2 من كتاب الجهاد. (8) الوسائل - الباب - 86 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (9) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الامر والنهي من كتاب الامر بالمعروف. (10) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 61 ]

ما يرد من الشهود ؟ فقال: الظنين والمتهم، قلت: فالفاسق والخائن قال: ذلك يدخل في الظنين ". وسأله (عليه السلام) أيضا سليمان بن خالد (1) " عن الذي يرد من الشهود، فقال: الظنين والخصم، قلت: فالفاسق والخائن، قال: كل هذا يدخل في الظنين ". وسأله (عليه السلام) أبو بصير (2) أيضا " عن الذي يرد من الشهود، فقال: الظنين والمتهم والخصم، قلت: فالفاسق والخائن، قال: كل هذا يدخل في الظنين " ونحوه خبر الحلبي (3) عنه (عليه السلام) أيضا. وفي موثق سماعة (4) " سألته عما يرد من الشهود، فقال: المريب والخصم والشريك ودافع مغرم والاجير والعبد والتابع والمتهم، كل هؤلاء ترد شهادتهم ". والظاهر أن المراد بالظنين هنا المتهم في دينه بقرينة إدخال الخائن والفاسق فيه وعطف المتهم عليه وإن حكي عن الصحاح تفسيره بالمتهم، وحينئذ يكون المراد بالمتهم المعطوف على الظنين المتهم في خصوص الواقعة وحينئذ فعطف " الخصم عليه في خبر أبي بصير وغيره من عطف الخاص على العام. وعلى كل حال فلا خلاف في عدم قدح مطلق التهمة، لاستفاضة النصوص (5) في قبول شهادة الزوج لزوجته وبالعكس والصديق لصديقه وغيرهما مما هو محل للتهمة، بل في كشف اللثام " وقع الاتفاق على أنها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 3 - 5. (4) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (5) الوسائل - الباب - 25 و 26 من كتاب الشهادات.

[ 62 ]

لاترد بأي تهمة كانت " وفي الدروس " ليس كل تهمة تدفع الشهادة بالاجماع، فان شهادة الصديق لصديقه مقبولة " إلى آخره. وحينئذ فلا بد من ضابط للتمهة التي ترد بها الشهادة، وحصرها في القواعد بستة، ولعله إلى نحو ذلك أشار المصنف بقوله: " ويتحقق المقصود ببيان مسائل " ضرورة إرادة انحصار ردها فيها. وفي الرياض " التحقيق في المسألة يقتضي الرجوع إلى إطلاق الاخبار المتقدمة نظرا إلى أنها بالاضافة إلى مادل على قبول شهادة العدل عموما أو إطلاقا إما خاصة فيقيد بها أو عامة فيصير التعارض بينهما تعارض العموم والخصوص من وجه، وحيث لا مرجح لاحدهما على الاخر من إجماع وغيره ينبغي الرجوع إلى حكم الاصول، وهو هنا عدم القبول مطلقا إلا أن يتردد في التهمة في بعض الافراد أنها هل هي تهمة أو داخلة في إطلاق التهمة في النصوص المانعة عن قبول الشهادة معها كما سيأتي من شهادة الوصي أو الوكيل في مالهما الولاية فيه مع عدم نفع لهما إلا خصوص التصرف فيه، فان قبول الشهادة في مثله أوفق بالاصل من حيث العموم الدال عليه على الاطلاق مع سلامته عن معارضة عموم هذه الاخبار لماعرفت من التأمل إما في أصل حصول التهمة أو دخولها في إطلاق التهمة المذكورة فيها، وإلى ما ذكرناه يشير كلام الفاضل الاردبيلي في مسألة شهادة الوصي والوكيل حيث إنه - أن حكى القول بعدم قبول شهادتهما للتهمة قال -: وفيه تأمل، إذ لانص فيهما بخصوصهما، والعقل لا يدرك التهمة فيهما، بل الولاية في مثل ذلك ضرر وتعب إلا أن تكون بجعل بحسب مقدار المال فتأمل، ولا إجماع، إذ نقل عن ابن الجنيد عدم رد شهادتهما في ما ذكر وعموم أدله الشهادة يدل على القبول والعدالة تمنع، بل ظاهر حال المسلم يمنع من شهادة الزور، بل من التهمة الممنوعة، ووجوب الحمل على

[ 63 ]

الصحة، ويؤيده مكاتبة الصفار (1) الصحيحة قال: " كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل ؟ فوقع (عليه السلام) إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي اليمين " انتهى. - ثم قال -: وقريب منه كلام الشهيد في الدروس حيث قال: ولو شهد الوصي بمال اليتيم فالمشهور الرد، وقال ابن الجنيد: تقبل، ودفع بأن الوصي متهم بالولاية على المال، وفي تأثير هذه التهمة نظر، وخصوصا في ما لا أجرة له على حفظه أو إصلاحه انتهى. ثم قال -: وهو في غاية الجودة والمتانة، عليك بمراعاة هذه القاعدة، فانها تنفعك في مواضع ". قلت: لعل التأمل في كلام الاردبيلي بل والدروس يقتضي قبول الشهادة مع التهمة التي لم ينص على المنع منها بالخصوص، بل هو صريح كلامه في مسألة المختبئ، وهو خلاف ما ذكره من قاعدته المقتضية عدم القبول إلا مع الشك في أصل موضوع التهمة أو في اندراجها في الاطلاق، ولعل التحقيق الاقتصار في منع التهمة للشهادة على ما ذكروه مما يرجع بها الشاهد إلى كونه مدعيا أو منكرا أو غير ذلك من الامور المنصوصة المخصوصة، وذلك للقطع من النص والاجماع بعدم إرادة العنوانية في نصوص المتهم على وجه يراد أن المانع مصداقه إلا ما خرج مما هو أضعاف الداخل، بل المراد تهمة خاصة شرعية لا عرفية، فيقتصر على ما ذكر في النص والفتوى، لاصالة عدم غيره فيبقى عموم قبول شهادة العدل بحاله. ومن هنا ذكر المصنف وغيره أفردا خاصة لها مع التصريح من بعضهم بعد مانعيتها في غير ذلك، بل ظاهر المصنف أيضا ذلك حيث


(1) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 64 ]

إنه بعد أن ذكرها قال: (ويتحقق المقصود في مسائل:) (الاولى:) (لا تقبل شهادة من تجر شهادته نفعا) محققا إليه على وجه يكون في الحقيقة مدعيا (كالشريك في ما هو شريك فيه) بحيث تقتضي الشهادة المشاركة له فيه كما في الدروس والروضة والرياض، وذلك بأن يقول: هو بيننا، أما لو شهد بأن له نصفه قبلت، كما صرح به بعض الشافعية، بل هو مقتضى التقييد في الكتب السابقة، بل هو أيضا مقتضى تعليل المنع في كشف اللثام وغيره بأنه مدع، ضرورة عدم جر النفع له في الفرض المزبور، وعدم كونه مدعيا. بل هو مقتضى قوله (عليه السلام) (1) في الخبر الاتي: " إلا في شئ له فيه نصيب " بل هو مقتضى قوله (عليه السلام) في الخبر الاخر (2) " في ما هو بينهما " فمقتضى ذلك قبول شهادة كل من الشريكين للاخر ولو كانا وارثين، وهو موافق لمرسل أبان (3) الاتي على ما رواه في التهذيب، نعم هو مناف له على رواية الكافي له " لا يجوز " (4). ويمكن حمله حينئذ على ما إذا كانت الشهادة تقتضي الشركة بأن قالا: هو لنا أجمع، فان ذلك هو الممنوع من شهادة الشريك التي مرجعها


(1) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) المستدرك - الباب - 22 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (4) لم يتعرض الكليني (قده) لمرسل أبان في الكافي، وقوله (عليه السلام): " لا يجوز " إنما ورد في موثق عبد الرحمان البصري الاتي في ص 66.

[ 65 ]

إلى كونه مدعيا، كما سمعت التعليل به في كشف اللثام، وكذا لو شهد مثلا أن زيدا أتلف من عمرو كذا أو استقرض منه كذا أو غصب منه كذا وكان المال مشتركا بين الشاهد والمشهود له. بل ظاهر النص والفتوى حينئذ بطلانها حتى بالنسبة إلى حصة الشريك وإن قلنا بتبعيض الشهادة في غيره، فيكون هذا الفرد خارجا منه حينئذ. هذا وقد يقال: إن الممنوع شهادة الشريك لشريكه ولو بحصته المشاعة مع فرض خروج العين عنهما معا للتهمة شرعا، للنصوص (1) بناء على أن المراد منها عدم قبول شهادته ولو بحصته في ما هو بينهما أو في شئ للشاهد فيه نصيب لو ثبت أنه لهما، وذلك لاشتراك الدعوى بينهما فيه وإن تقدم أحدهما وبقي الاخر على دعواه بحصته. ومنه يعلم حينئذ بطلان شهادة الاثنين لواحد من الشركاء ولو بحصته، كما هو مقتضى رواية الكافي لمرسل أبان الاتي. (2) بل لعل المغروس في ذهن كل من له في الفقه أدنى نصيب أنه لا يصح إثبات المال الذي يدعي به الثلاثة بشهادة الاثنين منهم لكل واحد، ضرورة كون الدعوى مشتركة بين الجميع، فلا تصح شهادة بعضهم لبعض، فتأمل جيدا فاني لم أر المسألة محررة، وظاهر كلامهم الاول. (وصاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه) بمال يتعلق دينه به بخلاف غير المحجور عليه فانه تقبل شهادته له وإن كان معسرا، لان الحق متعلق بذمته لا بعين ماله، واحتمل بعضهم العدم، لان المعسر لا مطالبة عليه، فإذا أثبت له شيئا أثبت المطالبة لنفسه، وضعفه واضح.


(1) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات. (2) لم يتعرض الكليني (قده) لمرسل أبان في الكافي، وقوله (عليه السلام): " لا يجوز " إنما ورد في موثق عبد الرحمان البصري الاتي في ص 66.

[ 66 ]

(والسيد لعبده المأذون) فان ما في يده لمولاه عندنا، نعم في المنع من شهادته لعبده المكاتب قولان، من انتفاء سلطنته عنه، وظهور التهمة بعجزه، وخصوصا المشروط، وبالاول قطع الفاضل في القواعد، وبالثاني في محكي التحرير، وفي المسالك ولعله أقوى. (والوصي في ما هو وصي فيه) ليدخل في ولايته، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " أنه نهى أن تجاز شهادة الخصم والظنين والجار إلى نفسه منفعة " وقد سمعت خبر سماعة (2). وعن علي (عليه السلام) (3) ؟ " لا تجوز شهادة الشريك لشريكه في ما هو بينهما، وتجوز في غير ذلك مما ليس فيه شركة ". وفي مرسل أبان (4) المجمع على تصحيح ما يصح عنه، مع أنه في الفقيه من غير إرسال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه، قال: تجوز شهادته إلا في شئ له فيه نصيب ". وفي موثق عبد الرحمان بن أبي عبد الله (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثلاثة شركاء شهد إثنان على واحد، قال: لا تجوز شهادتهما " بناء على إرادة معنى اللام من لفظ " على " أو أن المراد على أمره، لكن رواه في التهذيب (6) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثلاثة شركاء ادعى واحد وشهد الاثنان، قال: تجوز " ويمكن حمله على ما إذا شهدا بحصته المشاعة التي لم تكن بينهما شركة بناء على قبول


(1) المستدرك - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (3) المستدرك - الباب - 22 - من كتاب الشهادات الحديث 2. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 1 - 4.

[ 67 ]

شهادة الشريك لشريكه بنحو ذلك كما عرفت وإن كان الانصاف عدم خلو ذلك عن إشكال كما سمعت، خصوصا مع ملاحظة خبر اللصوص (1) الاتي. وأما الوصي بل والوكيل فالمشهور عدم قبول شهادتهما في ما لهما الولاية عليه، بل في الرياض أنها شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا كما هو ظاهر جماعة، بل ربما توجب المصير إليه، ولذا صار إليه أكثر من تأمل فيه بما تقدم، ومنهم الشهيد المتقدم ذكره، فقد أفتى به في اللمعة. وكذا في الدروس، فانه بعد تنظيره السابق قال: فلنذكر أسباب التهمة المضرة، فمنها ما تجر شهادته نفعا كالشريك - إلى أن قال -: والوصي في متعلق وصيته وغرماء المفلس والميت والسيد لعبده، ومنها أن يدفع ضررا، كشهادة العاقلة بجرح شهود جناية الخطأ، وشهادة الوكيل والوصي بجرح الشهود على الموكل والموصي " إلى آخر ما ذكره. قلت: لا ينبغي التأمل في ذلك مع فرض الاجرة لهما على التصرف في المشهود عليه، بل ومطلقا إذا كانا هما المدعين، لمعلومية قيام الوصي والوكيل مقام الموصي والموكل المانع ذلك من صحة شهادتهما كالولي الاجباري للمولى عليه، ضرورة اندراجهما في قوله (صلى الله عليه وآله) (2): " البينة على المدعي ". لكن قد سمعت مكاتبة الصفار (3) السابقة، وفي مكاتبته الاخرى (4) إلى أبي محمد (عليه السلام) أيضا " أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغير أو كبيرا بحق له على الميت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض ؟ فوقع (عليه السلام) نعم وينبغي للوصي أن


(1) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 - 5 من كتاب القضاء. (3) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 68 ]

يشهد بالحق ولا يكتم شهادته " وفي كشف اللثام " ليس فيها إلا أن عليه الشهادة، وأما قبولها فلا " لكنه كما ترى. ويمكن حملهما على قبول شهادة الوصي إذا كان المدعى للميت أحد ورثته، لما عرفته سابقا أن كل واحد منهم يقوم مقام الميت في ذلك، فليس الوصي حينئذ مدعيا، بل الوارث وإن كان بعد الثبوت يتعلق به حق الوصاية، وربما يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في الاولى: " فعلى المدعي اليمين " الظاهر في كون المدعى غيره، ولعل اليمين المزبورة استحبابا للاستظهار، نحو ما ورد في غيره من وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (1) أو يفرض كون المدعى عليه بدين ميتا فيكون اليمين للاستظهار. ولو فرض تعدد الاوصياء فادعى أحدهم وشهد الاخر مثلا فيمكن القبول أيضا، وأقوى منه قبول الوكيل مع فرض عدم كونه مباشرا للدعوى، بل ولا هو وكيل فيها، ولكنه وكيله على بيع المال مثلا الذي عليه الدعوى، بل لو فرض تعدد الوكلاء على الدعوى وقام بذلك أحدهم وشهد الاخرون كان القبول أيضا لا يخلو من قوة. وبالجملة قد عرفت أن مطلق التهمة وجر النفع غير مانع من الشهادة، بل مرجعه إلى ما ثبت في الادلة المخصوصة أو رجع إلى الممنوع بعموم غيرها من كونه مدعيا ونحوه، والوكيل بل الوصي ليس كذلك في جميع أحوالهما، فينبغي قبول شهادتهما، لعموم أدلة القبول، نعم في ما يكونان فيه مدعيين عرفا لا تقبل، بل ينبغي الجزم بقبول شهادة الوصي مثلا إذا فرض شهادته بما لا يرجع إلى ولايته، كما لو شهد بحق الوارث وكان وصيا على الثلث مثلا وفرض استيفاؤه له أو لم يشهد به، نحو


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1 من كتاب القضاء.

[ 69 ]

ما سمعته في الشريك. وبالجملة ليس لهم كلام منقح في المقام، وظاهر ما حضرني من نسخة نهاية الشيخ قبول شهادة الوصي مطلقا، والانصاف عدم خلو القول حينئذ بالقبول مطلقا من إشكال واضح، والمكاتبتان لا يصلحان مع الاعراض عنهما في بعض الافراد لمعارضة غيرهما مما يقتضي المنع، على أنه قد يدعى ظهورهما خصوصا الاولى منهما في كون المدعي غير الوصي فتأمل جيدا. (وكذا لا تقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية، وكذا الوصي والوكيل بجرح شهود المدعي على الموصي والموكل) ضرورة كون الجارح في الجميع هو المدعى عليه، فلا وجه لقبول شهادته في دفع الدعوى عنه، كما هو واضح. هذا وفي القواعد " أن من الشهادة الممنوعة أيضا أن يشهد أن فلانا جرح مورثه " وفي كشف اللثام " فانه يثبت الدية لنفسه أو القصاص إن شهد بعد الموت أو قبله والجراح لم تندمل مع احتمال السريان عادة أو نص الشاهد باحتمال السريان وإن لم يسر ولم يستوعب الدين تركته التي منها الدية إن قلنا بتعلق حق الديان بأعيانها " وفيه نظر. ولو شهد بمال لمورثه المجروح ولو جراحة سارية عادة أو المريض مرضا يعلم موته فيه قبل ما لم يمت قبل الحكم، لعموم الادلة، ولا يقدح الانتقال إليه بعد الموت، والفرق بين هذا وسابقه أن أثر الشهادة في الاول في ما بعد الموت، فليس هو إلا مدعيا لنفسه الدية أو القصاص بخلاف المفروض، فان المال فعلا للمورث.

[ 70 ]

المسألة (الثانية:) (العداوة الدينية لا تمنع القبول) قطعا (فان المسلم تقبل شهادته على الكافر، أما الدنيوية فانها تمنع) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص السابقة المتضمنة لرد شهادة الخصم (1) بناء على أن المراد منه العدو، كما فسره به بعضهم، وإلى خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " لا تقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين " فان الشحناء هي العداوة، والمروى عن معاني الاخبار (3) " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمز على أخيه " إلى آخره ومن ذلك يعلم اندارج العدو في المتهم أيضا، فتكون النصوص السابقة (4) دالة عليه أيضا، وعلى كل حال فلا إشكال في عدم قبول شهادته. بل قال المصنف وغيره: (سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن) ومقتضى ذلك تحققها مع العدالة، ولذا صرح غير واحد بقبول شهادته له ولغيره وعليه، بل عن آخر دعوى الاجماع عليه. (و) لكن قد يشكل ذلك بناء على ما ذكروه من أنها (تتحقق العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر والمساءة بسروره، أو يقع بينهما تقاذف) بأن ذلك مقتض للفسق لما عرفت من حرمة الحسد وبغض المؤمن. ومن هنا قال في المسالك: " لا يخفى أن الفرح بمساءة المؤمن


(1) و (4) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الشهادات. (2) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 5 - 8.

[ 71 ]

والحزن بمسرته معصية، فان كانت العداوة من هذه الجهة وأصر على ذلك فهو فسق، وظهور الفسق مع التقاذف أوضح، فالجمع بين العداوة وقبول الشهادة لا يخلو من إشكال إلا أن يفسر الاصرار بالاكثار من الصغائر لا بالاستمرار على واحدة بخصوصه ". لكن في التحرير بعد أن ذكر تحقق العداوة بأن يعلم أن كل واحد منهما يفرح بمساءة صاحبه ويغتم بمسرته ويبغى له الشر قال: " وهذا القدر لا يوجب فسقا وترد به الشهادة " وكأنه اعتبر في إيجاب ذلك الفسق الاظهار لا مطلقا. وإليه يرجع ما في كشف اللثام حيث إنه قال: " في المتضمنة فسقا كما إذا قذف المشهود عليه أو ضربه أو اغتابه بلا سبب مبيح لذلك أو أظهر البغضة له وفي غير المتضمنة فسقا كما إذا قذفه المشهود عليه أو ضربه أو آذاه بحيث علمت عداوته له وإن لم يظهرها " بل قال في ما لو وقع بينهما تقاذف: " هو لا يوجب إلا فسق البادئ ". وفي مجمع البرهان بعد أن ذكر الاشكال المزبور قال: " إلا أن تفرض العداوة لغير المؤمن من الكفار والمخالفين أيضا لو جوز بغضهما من حيث الدنيا أيضا، أو يقال قد لا تكون العداوة بالمعنى المذكور حراما، مثل أن تكون بعد حصول ضرر وأذاة منه له، مثل قتله وشتمه وأخذ ماله أو قتل أبيه وولده وهتك عرضه وأمثال ذلك أو يكون القذف والسب بغير الزنا، بل بما هو نقص موجود فيه ولم يكن القاذف دائما عاصيا، مثل من أتى به مكافاة لا ابتداء، أو يقال إن البغض ليس بكبيرة بل صغيرة، فلا تضر بالشهادة والعدالة إلا مع الاصرار، ولفرض عدم الاصرار بأن تكون الشهادة في ابتداء وجودها من غير استمرار أو معه ولكن مع القول بأن

[ 72 ]

الاصرار إنما يحصل بتكرر الذنب لا بالاستمرار أو يقال بعد التوبة، فتأمل فيه ". قلت: لا يفخى عليك التأمل في الجملة مما ذكره، خصوصا دعوى كونها من الصغائر مع تصريحه سابقا بأن الحسد والبغضة من الكبائر، وكذا الشهيد الثاني وغيره، بل أدلتهما ظاهرة في ذلك أيضا، ولعل الاولى القول بأعمية العداوة الدنيوية للمؤمن من الفسق، إذ يمكن تحققها من دون الحكم بالفسق حملا لفعله على الوجه الصحيح الذي منه اعتقاد مظلوميته، أو القول بأن التظاهر بها محرم والعمل على مقتضاها من سب وشتم ونحو ذلك فسق، كما عرفته أولا، والامر سهل. ولو اختصت العداوة بأحدهما دون الآخر اختص بالرد. ولو قذف المشهود عليه الشاهد قبل شهادته أو آذاه أو نحو ذلك ليتوصل إلى رد شهاته عليه ولم يعلم منه ما يقتضى عداوته بذلك قبلت شهادته عليه، بل في المسالك " وإن عاداه من يريد شهادته عليه وبالغ في خصومته فلم يجب وسكت ثم شهد قبلت شهادته عليه، وإلا اتخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات " ويمكن تنزيله على ما ذكرنا لا على ما لو علم عداوته بذلك ولكن لم يظهر منه، فان الاقوى حينئذ الرد، لما عرفت من أنها وإن كانت بحق توجب عدم القبول شرعا، والله العالم. (وكذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق، لتحقق التهمة) بتحقق مقتضى العداوة الدنيوية وفاقا للمشهور، لخبر محمد بن الصلت (1) المنجبر بالشهرة قال: " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق فأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: لا تقبل شهادتهم إلا باقرار


(1) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 73 ]

اللصوص أو بشهادة من غيرهم عليهم " ومقتضى إطلاقه كالفتاوى عدم الفرق بين تعرض الشهود في الشهادة لما أخذ منهم وعدمه، وليس ذلك إلا لتحقق العداوة عرفا بالحال المزبور. بل في كشف اللثام " أن الخبر وعبارة المصنف - التي هي نحو عبارة المتن - باطلاقهما يشملان تعرضهم للشاهدين وعدمه، وتعرض الشاهدين لتعرضهم لهم وعدمه " وإن كان فيه أنه خلاف المنساق، بل في التحرير وعن غيره التصريح بأنه لو قالوا عرضوا لنا وأخذوا أولئك سمعت، نعم لا ريب في اقتضائهما عدم القبول في ما فرضناه. لكن مع ذلك كله قال في الدروس: " وكذا تقبل شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين، ولو أخذ الجميع فشهد بعضهم لبعض ولم يتعرضوا لذكر ما أخذ لهم في شهادتهم قيل: لا يقبل، والقبول قوي، وما هو إلا كشهادة بعض غرماء المديون لبعض، وكما لو شهدا لاثنين بوصية من تركة وشهد المشهود لهما للشاهدين بوصية منها أيضا " ومال إليه بعض من تأخر عنه. بل مقتضى قبوله الشهادة المبعضة القبول هنا لو تعرضوا في الشهادة إلى ما أخذ منهم، فترد حينئذ في ما يتعلق بهم وتقبل في الآخر، ولذا حكاه عنه في المسالك في الفرض المزبور وإن لم يذكره في مفروض المسألة " ولو شهد لاثنين بصيغة واحدة يتهم في أحدهما ففي تبعيض الشهادة نظر، من أنها واحدة، ومن تحقق المقتضي في أحد الطرفين والمانع في الآخر وهو أقرب، وكذا كل شهادة مبعضة ". وعلى كل حال ففيه - مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به - أن الفرق بين المقامين واضح، ضرورة تحقق العداوة في الاول بخلاف المثالين، بل قد يقال: إن الاول بعد اتحاد السبب صار الجميع فيه

[ 74 ]

بمنزلة الواحد في الدعوى المتحدة، فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض، نعم ما ذكره من تبعيض الشهادة لا يخلو من قوة، ضرورة أنها كباقي الاسباب التي جاز فيها التبعيض، وقد يستثنى من ذلك شهادة الشريك، كما أومأنا إليه سابقا، فتأمل. هذا كله في شهادة العدو على عدوه. (أما لو شهد العدو لعدوه قبلت) قطعا مع فرض بقاء وصف العدالة (لانتفاء التهمة) حينئذ فيبقى على عموم قبول شهادة العدل، وكذا شهادته لغير عدوه وعليه، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (النسب وإن قرب لا يمنع قبول الشهادة كالاب لولده وعليه، والولد لوالده، والاخ لاخيه وعليه) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا (1) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى عموم الادلة وإطلاقها المقتضيين عدم الفرق بين الضميمة وعدمها، خلافا للمحكي عن الشيخ في النهاية فاعتبرها (و) لا دليل عليه. نعم (في قبول شهادة الولد على والده) بمال أو حق (خلاف) المشهور نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة عدم القبول، بل عن موصليات المرتضى والخلاف والغنية والسرائر الاجماع عليه، بل في الخلاف نسبته أيضا إلى أخبار الفرقة، وفي النهاية وفي خبر (2) " لا تقبل شهادة الولد على والده " ونحو ذلك عن الفقيه، وهذه بعد انجبارها بما عرفت صالحة للحجية أيضا، مضافا إلى ما قيل من ظاهر قوله تعالى (3):


(1) و (2) الوسائل - الباب - 26 - من كتاب الشهادات - الحديث 0 - 6. (3) سورة لقمان: 31 - الاية 15.

[ 75 ]

" وصاحبهما في الدنيا معروفا " فانه ليس من المعروف الشهادة عليه والرد لقوله وإظهار تكذيبه، بل ارتكاب ذلك عقوق مانع من قبول الشهادة. خلافا لظاهر المرتضى والمحكي عن الاسكافي وإن كنا لم نتحققه، بل قيل: لا ظهور أيضا في كلام الاول كما تسمعه إن شاء الله، وحينئذ فلا خلاف محقق، ولكن مع ذلك كله قوى في الدروس الجواز، قال: " عاشرها: انتفاء توهم العقوق، فلو شهد الولد على والده ردت عند الاكثر، ونقل الشيخ فيه الاجماع والآية (1) وخبر داود بن الحصين (2) وعلي بن سويد (3) يعطى القبول، واختاره المرتضى، وهو قوي، والاجماع حجة على من عرفه، وفي حكمه الجد وإن علا على الاقرب ". وقد سبقه الفاضل في التحرير إلى التردد فيه حيث نسب القول بالمنع إلى الاشهر، وأما من تأخر عنه فأكثرهم قد مال إليه أيضا، وذلك لاطلاق الادلة وعمومها، وخصوص قوله تعالى (4): " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين " والمناقشة بأعمية الاقامة من القبول واضحة الفساد. وخبر داود بن الحصين (5) أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول: " أقيموا الشهادة على الوالدين والولد، ولا تقيموها على الاخ في الدين الضير، قلت وما الضير ؟ قال: إذا تعدى فيه صاحب الحق الذي يدعيه قبله خلاف ما أمر الله به ورسوله، ومثل ذلك أن يكون لرجل على آخر دين وهو معسر وقد أمر الله بانظاره حتى ييسر، قال: فنظرة


(1) و (4) سورة النساء: 4 - الاية 135. (2) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 76 ]

إلي ميسرة (1) ويسألك أن تقيم الشهادة وأنت تعرفه بالعسر، فلا يحل لك أن تقيم الشهادة في حال العسر ". وخبر علي بن سويد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: " كتب إلي في رسالته وسألت عن الشهادة لهم: فأقم الشهادة لله ولو على نفسك أو الوالدين والاقربين في ما بينك وبينهم، فان خفت على أخيك ضيما فلا ". مضافا إلى وضوح ضعف الحجة المزبورة أخيرا، ضرورة أن قول الحق ورده عن الباطل وتخليص ذمته من الحق عين المعروف، كما بينه النبي (صلى الله عليه وآله) (3): بقوله " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يارسول الله كيف أنصره ظالما ؟ قال: ترده عن ظلمه، فذلك نصرك إياه " وحينئذ فالشهادة عليه وتخليص ذمته من الصحبة بالمعروف أيضا، وإلا لاقتضى عدم قبولها على الوالدة، بل إطلاق النهي عن عصيان الوالد يستلزم وجوب طاعته عند أمره له بارتكاب الفواحش وترك الواجبات، وهو معلوم البطلان، خصوصا بعد قوله (صلى الله عليه وآله) (4): " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " الذي هو مقدم على كل أحد. والاجماعات المزبورة محل شك، إذ المحكي عن الاسكافي القول بالجواز،


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 280. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (3) الجامع الصغير للسيوطي - ج 1 ص 109. (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 7 و 10 من كتاب الامر بالمعروف.

[ 77 ]

بل في الانتصار " ومما انفردت به الامامية القول بجواز شهادة ذوي الارحام والقرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا من غير استثناء لاحد إلا ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدا على خبر يرويه (1) أنه لا يجوز شهادة الولد على الوالد وإن جازت شهادته له ". لكن قد يناقش بتخصيص العموم والاطلاق بما عرفت، وبأن الآية (2) والخبر (3) ليس شئ منهما نصا في الشهادة على الحي، ولا خلاف في قبولها على الميت كما عن ابن زهرة الاجماع على ذلك، بل هو مقتضى الاستدلال بآية الصحبة (4) بل ظاهرهم المفروغية منه في ما يأتي أيضا من كون العبرة في موانع الشهادة حال الاداء لا التحمل والمراد من الآية على الظاهر تقديم حقوق الله على النفس والوالدين فضلا عن غيرهم، لا خصوص الشهادة بالمعنى الاخص. وبضعف الخبرين اللذين سياقهما النهي عن إقامة الشهادة على الاخ في الدين إذا كان معسرا، والمبالغة فيه بأنه تجوز إقامتها على الوالدين والاقربين ولا تجوز عليه، ولو سلم دلالتهما فلا جابر لهما، بل الموهن متحقق، بل من حكى الخلاف عنهم لم نتحققه بل المحكي في المختلف والمسالك عن الاسكافي أنه لم يتعرض للمسألة، والمرتضى قد سمعت دعواه الاجماع في الموصليات، وعبارة الانتصار غير صريحة في الخلاف، بل قيل: ولا ظاهرة، فانحصر التشكيك في المسألة في الشهيد ومن تأخر عنه، بل الشهيد هو قد اختار المنع في شرح الارشاد، للاجماع المنقول المعتضد


(1) الوسائل - الباب - 26 - من كتاب الشهادات - الحديث 6. (2) سورة النساء: 4 - الاية 135. (3) الوسائل - الباب - 19 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (4) سورة لقمان: 31 - الاية 15.

[ 78 ]

بما عرفت وبأصالة عدم القبول، بل قد سمعت تبين صحته (حجته خ ل) فمن الغريب قوله في الدروس: هو حجة على من عرفه " ضرورة اقتضاء ذلك إنكار حجيته والمعهود منه خلاف ذلك. (و) على كل حال فلا ريب حينئذ في أن (المنع أظهر سواء شهد بمال أو بحق متعلق ببدنه كالقصاص والحد) خلافا للشافعية من جواز شهادته عليه في الاول دون الثاني، وضعفه واضح، نعم ينبغي الاقتصار على المتيقن، وهو الاب الادنى دون الجد ودون الام فضلا عن الاب الرضاعي. (وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته) وعليها من دون ضميمة وفاقا للمشهور بين الاصحاب خصوصا المتأخرين، بل هو إجماع في ما بينهم، لاطلاق الادلة وعمومها وخصوص صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " تجوز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها " وخبر عمار بن مروان (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو قال: سأله بعض أصحابنا عن شهادة الرجل لامرأته، قال: إذا كان خيرا جازت شهادته لامرأته " وموثق سماعة " (3) سألته عن شهادة الرجل لامرأته، قال: نعم، والمرأة لزوجها، قال: لا إلا أن يكون معها غيرها ". (و) من الاول والاخير يعلم الوجه في أنه يعتبر في قبول شهادة (الزوجة لزوجها) أن تكون (مع غيرها من أهل العدالة) كما عن جماعة من القدماء، بل في التحرير نسبته إلى الاصحاب (ومنهم) كالشيخ في النهاية والقاضي وابن حمزة على ما حكي عنهم (من شرط في) قبول شهادة (الزوج الضميمة كالزوجة، ولا وجه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 - 2 - 3.

[ 79 ]

له) لما سمعته من النصوص المصرحة بالفرق بينهما على وجه لا يصح قياسه عليها، واحتمال كون المراد بالصحيح إذا كان مع الشهادة غيرها لا خصوص الزوجة بعيد، بل مناف للتصريح بالتفصيل في الموثق، إلا أن يجعل " نعم " فيه ليس جوابا للسؤال الاول، بل هو مجرد خطاب كما هو متعارف الآن في المخاطبة، فيكون الجواب لهما معا قوله (عليه السلام): " لا إلا أن يكون معها - أي الشهادة - غيرها " لكنه كما ترى، فلا محيص عن ظهورهما في التفصيل، خصوصا بعد ملاحظة خبر ابن مروان. (ولعل) وجه (الفرق) بينهما (إنما هو اختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج أن تجذبه دواعي الرغبة) بخلافها، فانها ليس لها هذه الرتبة غالبا وإن كانت على العدالة، بل لا يبعد القول بعدم اعتبارها فيها أيضا كما هو المحكي عن المتأخرين كافة وظاهر أكثر القدماء، لقوة احتمال ورود الشرط في الخبرين (1) مورد الغالب ومن عدم ثبوت الحق بالامرأة منفردة ولو مع اليمين إلا نادرا في الوصية بخلاف الزوج الذي قد يثبت الحق بشهادته مع اليمين، فلا يصلحان حينئذ مخصصين لعموم الادلة. بل يمكن جريان الاحتمال المزبور في عبارة المخالف، فيرتفع الخلاف حينئذ من البين، خصوصا النهاية قال: " لا بأس بشهادة الوالد لولده مع غيره من أهل الشهادة، ولا بأس بشهادة الولد لوالده، ولا تجوز شهادته عليه، ولا بأس بشهادة الاخ لاخيه وعليه إذا كان معه غيره من أهل الشهادات، ولا بأس بشهادة الرجل لامرأته وعليها إذا كان معه غيره من أهل العدالة، ولا بأس بشهادتها له وعليه في ما تجوز قبول


(1) الوسائل - الباب - 25 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 و 3.

[ 80 ]

شهادة النساء فيه إذا كان معها غيرها ". قال في كشف اللثام: " وهي مسوية الزوجين وغيرهما، فلو كان مراده اشترط الانضمام لاشتراطه في الباقي، فلعله إنما ذكره بناء على الغالب واكتفاء بانضمام الشاهد عن انضمام اليمين " بل ما حضرني من نسخة الوسيلة ظاهر أو صريح في قبول شهادة كل منهما للآخر من دون ضميمة، فمن الغريب ما سمعته من التحرير. (و) كيف كان ف‍ (- الفائدة) بين القولين (تظهر لو شهد) الزوج لها (في ما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين) فانه على القول بعدم اعتبار الضميمة يكفى يمينها في تناول المشهود عليه، وعلى القول باعتبارها لا يكفي، بل لابد من غيره (وتظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية (فانه على الاول يثبت الربع، وعلى الثاني لا يثبت بشهادتها منفردة شئ. (و) لا خلاف بيننا في قبول (شهادة الصديق لصديقه (1) وإن تأكدت بينهما الصحبة والملاطفة) والمهاداة وغيرها من أنواع الموادة والتحاب، بل الاجماع بقسميه عليه (لان العدالة تمنع التسامح) فتبقى حينئذ على عموم الادلة وإطلاقها، خصوصا بعد ما عرفت أن المانع تهمة خاصة لا مطلق التهمة، خلافا لمالك وبعض الشافعية فردها مع الملاطفة والمهاداة، وضعفه واضح.


(1) وفي الشرائع: " وتقبل شهادة الصديق لصديقه ".

[ 81 ]

المسألة (الرابعة:) لا تقبل شهادة السائل في كفه) إذا اتخذ ذلك صنعة وحرفة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لصحيح علي بن جفعر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) " سأله عن السائل الذي يسأل بكفه هل تقبل شهادته ؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) لا يقبل شهادته إذا سأل في كفه ". وفي خبره المروى عن قرب الاسناد (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) " عن السائل بكفه أتجوز شهادته ؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) يقول: لا تقبل شهادة السائل بكفه ". وصحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " رد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهادة السائل الذي يسأل بكفه، قال أبو جعفر (عليه السلام): لانه لا يؤمن على الشهادة، وذلك لانه إن أعطي رضي، وإن منع سخط " وعن الشيخ روايته بسنده أنه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شهادة السائل الذي يسأل بكفه لا تقبل " إلى آخر الحديث السابق. وإلى ما سمعته أشار المصنف بقوله: (لانه يسخط إذا منع، ولان ذلك يؤذن بمهانة النفس، فلا يؤمن على المال) لاحتمال انخداعه، نعم قد يتجه الاقتصار في مخالفة إطلاق الادلة وعمومها على المتيقن من النصوص المزبورة، وهو ما ذكرناه من متخذ ذلك حرفة (و) حينئذ


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 35 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 - 3 - 2.

[ 82 ]

ف‍ (- لو كان ذلك) منه (مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته) كما صرح به جماعة، بل قيل: إنه الاشهر بين المتأخرين. هذا وفي المسالك تبعا للتحرير والدروس " في حكم السائل الطفيلي - ثم قال -: والمراد بالسائل بكفه من يباشر السؤال والاخذ بنفسه، والسؤال في الكف كناية عنه " وفيه مالا يخفى من النظر في الاول مع فرض العدالة فيه، بل والثاني، ضرورة كون المنساق منه من يدور على الابواب وعلى الناس في سؤال الشئ اليسير من الخبز ونحوه، لاكل من سأل بنفسه ولو كان على طريق من الوقار وإن صرح بالحاجة وطلب الاعانة ونحو ذلك، كما يستعمله الآن أكثر أبناء الزمان من طلبة العلم والخدمة وغيرهم. ثم إنه قد يستفاد من النصوص المزبورة بل والفتاوى عدم حرمة السؤال بالكف فضلا عن غيره، وإلا لكان المتجه فيه تعليل رد الشهادة به، أللهم إلا أن يحمل ذلك على عدم الحكم بفسقه بمجرد سؤاله بالكف الذى يمكن أن يكون لضرورة، إذ فعل المسلم محمول على الوجه الصحيح مع الامكان، فترد شهادته لسؤاله وإن كان على ظاهر العدالة. ولكن لا يخفى عليك أن هذا بعد فرض معلومية حرمة السؤال ولو بالكف مع فرض عدم التدليس به، كما لو صرح بغنائه عن ذلك، وهو وإن كان مغروسا في الذهن والنصوص مستفيضة بالنهي عن سؤال الناس (1) لكن كثيرا منها محمول على بعض مراتب الاولياء، وهو الغناء عن الناس والالتجاء إلى الله تعالى وآخر محمول على المدلس باظهار الحاجة والفقر لتحصيل المال من الناس بهذا العنوان، وهم الذين يسألون الناس إلحافا عكس الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وأما حرمة السؤال من


(1) الوسائل - الباب - 31 و 32 من ابواب الصدقة - من كتاب الزكاة.

[ 83 ]

حيث كونه سؤالا ولو بالكف فلا دليل مطمئن به على حرمته وإن كان ذلك مغروسا في الذهن، فتأمل فانه لم يحضرني كلام للاصحاب فيه منقيح. المسألة (الخامسة:) (تقبل شهادة الاجير والضيف وإن كان لهما ميل إلى المشهود له لكن) مجرد ذلك لا يقدح في شهادة العدل الدال على قبولها الكتاب والسنة والاجماع، بل (يرفع التهمة) عنهما في ذلك (تمسكهما بالامانة) التي هي من لوازم العدالة المزبورة، مع أنه لا خلاف بيننا في الثاني، كما اعترف به غير واحد، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى موثق أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا، قال: ويكره شهادة الاجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره، ولا بأس بها له عند مفارقته " وبالجملة فالحكم في الثاني واضح. إنما الكلام في الاول الذي جزم المصنف بقبول شهادته وفاقا للمشهور بين المتأخرين، بل في المسالك نسبته إليهم، لعموم الادلة وإطلاقها وخصوص الموثق المزبور بناء على إرادة المعنى المتعارف من لفظ الكراهة، ولكن المحكى عن أكثر المتقدمين كالصدوقين والشيخ في النهاية والحلبي والقاضي وابن حمزة وابن زهرة عدم القبول، للنصوص المستفيضة التي (منها) موثق سماعة (2) السابق المشتمل على ذكر ما يرد من الشهود الذين منهم الاجير، ونحوه المرسل في الفقيه (3) أيضا، ونحوه خبر


(1) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 7.

[ 84 ]

العلاء بن سيابة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجير شهادة الاجير ". و (منها) النبوي المروي عن معاني الاخبار (2) " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمز على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولاقرابة، ولا القانع مع أهل البيت " بناء على ما عن الصدوق من أنه الرجل يكون مع قوم في حاشيتهم كالخادم لهم والتابع والاجير. و (منها) الصحيح (3) " عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثم فارقة أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه ؟ قال: نعم، وكذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته " الظاهر - بسبب التشبيه والتقرير - في ذلك أيضا. ولا معارض لهذه النصوص المعتبر بعضها في نفسه فضلا عن الانجبار بما عرفت إلا العمومات المخصصة بها، وخبر أبي بصير (4) السابق الممنوع إرادة الكراهة منه بالمعنى المصطلح، خصوصا بعد كثرة استعمالها في النصوص في غيره، على أنه لا وجه لارادته منه هنا، ضرورة وجوب قبوله عينا مع اتحاده وكفاية مع غيره. ومنه يعلم أنه لاوجه لحمل النصوص المزبورة عليها إلا على إرادة الاشهاد الذي لا يوافقه خبر أبي بصير السابق الظاهر في شهادته لا إشهاده، بل ولا سياق النصوص المزبورة التي قد ذكر الاجير فيها مع غيره مما هو معلوم فيه المنع من قبول شهادته، بل حملها على إرادة الكراهة يقتضى خللا في نظم الكلام واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز ولو بارادة عموم المجاز. ومن هنا أشكل الحال على بعض الافاضل، بل ظاهر الدروس ذلك


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 1 - 3. (2) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 8.

[ 85 ]

أيضا حيث نقل الخلاف في المسألة مقتصرا عليه من دون ترجيح، بل في الرياض " وهو حسن إلا أن مقتضى الاصول حينئذ عدم القبول، كما مر نظيره " وفيه ما عرفته سابقا من أنه مع الشك ينبغي الرجوع إلى عموم أدلة القبول، لعدم تحقق التهمة المانعة حينئذ. نعم يتجه العدم مع فرضها، كما إذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو شهد بدفع الثوب لمن استأجره على قصارته أو خياطته، بل في التنقيح تقييد ذلك أيضا ببقاء الاجرة، وإن كان قد يناقش بعدم قبول شهادته مطلقا، ضرورة رجوعها إلى دعوى، لان الفرض كونه الخياط والقصار، ويمكن حمل النصوص المزبورة على ذلك، كما صرح به بعضهم. بل يمكن حملها أيضا على الكراهة بمعنى مرجوحية العمل بشهادته مع وجود غيره، بل ينبغي القطع بذلك أو غيره إن كان المراد مطلق الاجير بأي عمل من الاعمال، كما هو ظاهر إطلاقهم، لا خصوص الملازم والخادم الذي يؤجر جميع منافعه الذي سمعته من الصدوق، بل لعله الظاهر من الخبر (1) المزبور، بل ومن الصحيح (2) بقرينة قوله (عليه السلام): " فارقه " وحينئذ يكون ما في النصوص أخص من المدعى. كما أنه بناء على ما سمعته من الصدوق من التفسير لابد من التزام القدر المشترك، لعدم قائل منا معتد به بعدم جواز شهادة التابع غير الاجير، بل لابد من ذلك أيضا في موثق سماعة (3) والمرسل (4) المذكور فيهما التابع مع الاجير، وقد عرفت أنه لا قائل معتد به بعدم قبول شهادته، وبذلك تضعف دلالة الخبرين المزبورين، لكون المراد بالرد فيهما حينئذ


(1) و (2) الوسائل - الباب 29 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 7.

[ 86 ]

الاعم من الرد الواجب والمرجوح. بل قد يقوى بقرينة خبر أبي بصير (1) المنجبر بفتوى المتأخرين تعيين إرداة الرد الكراهي بالمعنى الذي ذكرناه، ومن هنا يقوى ما عليه المتأخرون، لقوة إرادة الكراهة في النصوص المزبورة، خصوصا مع عدم الجابر لها في الحقيقة، لتعارض شهرة المتقدمين مع شهرة المتأخرين الموهنة لها، بل هي أرجح، كما أن من ذلك يعرف النظر في ما أطنب به في الرياض من ترجيح القول بعدم القبول، فتأمل جيدا. (لواحق هذا الباب: وهي ست:) (الاولى:) (الصغير والكافر والفاسق المعلن) وغيرهم ممن لا تجوز شهادته (إذا عرفوا شيئا) وتحملوه وهم في تلك الحال (ثم زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت) بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه (لاستكمال شرائط القبول) حينئذ، فيندرج في عموم الادلة، مضافا إلى خصوص ما ورد من ذلك في الصغير واليهودي والنصراني وغيرهم من المعتبرة المستفيضة أو المتواترة، نعم في صحيح جميل (2) منها سأل الصادق (عليه السلام) " عن نصراني أشهد على الشهادة ثم أسلم بعد أتجوز شهادته ؟ قال: لا " وهو مع شذوذه حمله الشيخ على التقية، وغيره على إرادة رد الشهادة التي شهدها حين الكفر أو غير ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 39 - من كتاب الشهادات - الحديث 7.

[ 87 ]

(و) كذا الحال (لو أقامها أحدهم في حال المانع فردت ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت) أيضا، ضرورة أن ردها للمانع لا ينافي قبولها بعد زواله، إذ كل منهما قد كان لادلته. (وكذا) الحال في (العبد لو ردت شهادته على مولاه ثم أعادها بعد عتقه، أو الولد على أبيه فردت ثم مات الاب وأعادها ضرورة اتحاد المدرك في الجميع من العمومات والاجماع وخصوص النصوص (1) حتى لو كان عتق العبد للشهادة وإن كان في خبر السكوني (2) " قال علي (عليه السلام): وإذا أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته " إلا أنه غير جامع لشرائط الحجية كي يصلح معارضا لغيره من الادلة، وكذا خبر إسماعيل بن مسلم (3) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " إن شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، وكذا اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد على شهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق " ويمكن حمله على ما إذا صدر الحكم من الحاكم، فانه لا ينقض حينئذ، فتأمل. (أما الفاسق المستتر إذا أقام فردت) بجرحه ممن له خبرة بباطن أمره (ثم تاب) فلا إشكال ولا خلاف في قبول شهادته. (و) لكن تلك الشهادة لو (أعادها ف‍) قد يقال: إن (هاهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه لاهتمامه باصلاح الظاهر) ودفع عار الكذب عنه بخلاف المتجاهر بالفسق والكفر وغير البالغ والعبد ونحوهم ممن لا عضاضة عليهم في رد شهادتهم، بل ربما حكي ذلك قولا


(1) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات. (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 13.

[ 88 ]

وإن لم نعرف قائله. و (لكن) لا ريب في أن (الاشبه) بأصول المذهب وقواعده (القبول) لما سمعته من الادلة التي لا تصلح لمعارضتها نحو هذه الاعتبارات التي لا توافق أصولنا، خصوصا بعد ما عرفت من أن المانع التهمة الخاصة لا مطلقا، وفي المسالك قد استحسن ذلك، ولكن قال: " مع ظهور صدق توبته والثقة بعدم استنادها إلى ما يوجب التهمة " وكأنه غير راجع إلى محصل. ولو كان الكافر مستترا بكفره ثم أسلم وأعادها فالوجهان. وكذا لو شهد على إنسان فردت شهادته لعداوة بينهما ثم زالت العداوة فأعاد تلك الشهادة، فان كان مسرا للعداوة فالوجهان، وإلا لم يمنع، لان الرد بالسبب الظاهر لا يورث عارا. ولو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت شهادته فأعادها بعد عتقهما، أو شهد إثنان من الشفعاء بعفو شفيع ثالث قبل إن يفعوا فردت شهادتهما ثم أعاداها بعد ماعفوا، أو شهد إثنان يرثان من رجل عليه بجراحة غير مندملة فردت شهادتهما ثم أعاداها بعد اندمال الجراحة قبلت في الجميع، وربما جاء احتمال المنع من حيث التهمة بالرد، وهو ممنوع، لظهور هذه الموانع، فلا عار بالرد بها.

[ 89 ]

المسألة (الثانية:) (قيل) والقائل ابن أبي عقيل منا وأكثر العامة: (لا تقبل شهادة المملوك أصلا) لصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام): " العبد المملوك لا تجوز شهادته " وصحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا ولا عبد " وموثق سماعة (3) السابق المذكور فيه العبد ممن يرد من الشهود، ومفهوم الشرط في الصحيح السابق (4) المذكور في الآخر إلى غير ذلك من النصوص. على أن الشهادة من المناصب الجليلة التي لا تليق بحال العبد كالقضاء، ولاستغراق وقته بحقوق المولى على وجه يقصر عن أدائها وعن تحملها، كما أومأ إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المروي من تفسير العسكري (5) الذى هو أحد أدلة المسألة أيضا قال: " كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يذكرنا بقوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم (6) قال: أحراركم دون عبيدكم، فان الله تعالى شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمل الشهادة وأدائها " ولان نفوذ القبول على الغير نوع ولاية فيعتبر فيها الحرية، كما في سائر الولايات. (وقيل) والقائل جماعة من الاصحاب على ما حكي منهم


(1) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 10 - 15. (2) الوسائل - الباب - 31 - من كتاب الشهادات - الحديث 6. (3) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (6) سورة البقرة: 2 - الاية 282.

[ 90 ]

نجيب الدين يحيى بن سعيد: (تقبل مطلقا) على مولاه وغيره للعموم والاطلاق وخصوص صحيح ابن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام): " تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم " ولكن في نسخة " لا تجوز " وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا " وخبر بريد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن المملوك تجوز شهادته، قال: نعم إن اول من رد شهادة المملوك لفلان " وخبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في شهادة المملوك إذا كان عدلا فانه أجاز الشهادة، إن أول من رد شهادة المملوك عمر بن الخطاب، وذلك أنه تقدم إليه مملوك في شهادة، فقال: إن أقمت الشهادة تخوفت على نفسي وإن كتمتها أثمت بربي، فقال: هات شهادتك، أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك ". (وقيل: تقبل) مطلقا (إلا على مولاه) كما عن الاكثر، ومنهم الشيخان والمرتضى وسلار والقاضي وابن إدريس جمعا بين الادلة بمعلومية مناسبة المنع فيه للمنع في الولد بعد اشتراكهما في وجوب الطاعة وحرمة العصيان، ولما في المختلف من صحيح الحلبي (5) عن الصادق (عليه السلام): " في رجل مات وترك جارية ومملوكين ثورثهما أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما أشهدهما أنه كان يقع على الجارية، وأن الحمل منه، قال: تجوز شهادتهما، ويردان عبدين كما كانا ". وقيل - كما في القواعد وإن لم نعرف قائله نحو قول المصنف: (ومنهم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 5 - 1 - 2 - 3 - 7.

[ 91 ]

من عكس) -: لا تقبل مطلقا إلا على المولى للجمع بين الادلة أيضا. وقيل - والقائل ابن الجنيد - تقبل على مثله وعلى الكافر دون الحر المسلم للجمع بين النصوص أيضا، وشاهده مفهوم الوصف في قول الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (1) على إحدى النسختين " لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم " وصحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام): " تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، وقال: العبد المملوك لا تجوز شهادته " والمرسل (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " إنه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض، ولا يقبل شهادتهم على الاحرار ". وقيل - والقائل أبو الصلاح -: تقبل لغير مولاه وعليه، وترد له وعليه، جمعا أيضا بين الاخبار، لان في شهادته لمولاه تهمة، وعليه عقوقا وعصيانا. وقيل - والقائل ابنا بابويه -: لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيده، قال في المسالك: " وهو يعطي المنع مما عدا ذلك من حيث حيث المفهوم لا المنطوق وإطلاق شهادته لغير سيده يشتمل على شهادته له على سيده، ويخرج بمفهومها شهادته لسيده على غيره " وفي رواية ابن أبي يعفور (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه، فقال: تجوز في الدين والشئ اليسير " وفي صحيح جميل (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكاتب تجوز شهادته، فقال: في القتل وحده ".


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 12 - 10 - 8 - 9. (3) ذكره الشيخ (قده) في الخلاف ج 3 ص 332 (مسألة 19 من كتاب الشهادات).

[ 92 ]

(و) لكن لا يخفى عليك مما ذكرنا أن (الاشهر) من بين الاقوال المزبورة (القبول) مطلقا (إلا على المولى) بل هو المشهور، بل عن الانتصار والغنية والسرائر الاجماع عليه، كما عن الخلاف أيضا الاجماع على قبوله لمولاه ولغيره وعلى غيره. ومن ذلك يعلم ضعف القول الاول الذي لم يعرف قائل به منا عدا العماني الذي قد انعقد الاجماع على خلافه، ونصوصه وإن كثرت - وفيها الصحيح وغيره - محمولة على الشهادة على المولى أو على الكراهة أو على التقية التي قد أومأ إليها في النصوص السابقة، بل قيل: إنه مذهب الفقهاء. بل والثاني فانه وإن حكي عن جماعة إلا أنه لم نتحقق ذلك إلا ما حكاه ثاني الشهيدين عن نجيب الدين، مع أنه لم ينسبه غيره إليه، بل في الرياض نسبته إلى الندرة، قال: " بل يستفاد من كثير مجهولية القائل به، وعدم معروفيته، بل لم يسمه أحد منهم عداه، فما هذا شأنه يكاد يقطع بمخالفته الاجماع ". نعم مال إليه هو مع جماعة من المتأخرين عنه، لعدم دليل صالح لاخراج شهادته على مولاه عن إطلاق الادلة وعمومها بعد حمل النصوص المانعة على التقية ونحوها، والقياس على الولد - مع أنه ليس من مذهبنا - مبني على ثبوت الحكم في المقيس عليه. وفيه أن الاجماعات المزبورة تكفي في الشهادة على ذلك، خصوصا مع تأيده بما أرسله عن كنز العرفان حيث قال: " واختلف في شهادة العبد - إلى أن قال -: وعن أهل البيت (عليهم السلام) روايات أشهرها وأقواها القبول إلا على سيده خاصة، فتقبل لسيده وغيره وعلى غيره " وبأولويته من الولد بعدم القبول بناء على أن المنع فيه للعقوق،

[ 93 ]

وبصحيح الحلبي (1) السابق الذي مر الكلام فيه في كتاب الوصية (2) وإن كان قد يناقش بأن لفظ العتق لم يقيد به الامام (عليه السلام) ليكون دليلا على اعتباره في القبول، بل هو في لفظ الراوي بيانا للواقع، على أنه من مفهوم الصفة الذي في حجيته ما فيها، إلا أن ذلك لا ينافي التأييد به ولو للاشعار بتقرير السائل على سؤاله. كما أنه قد يؤيد أيضا بالمعلوم المقطوع به عقلا ونقلا من عدم قبول إقرار العبد على نفسه باعتبار كونه إقرارا في حق المولى، ولو أن شهادته مقبولة عليه لقبل إقراره عليه بأنه باعه من زيد أو وهبه إياه مثلا أو غير ذلك، ضرورة كونه من الشهادة على المولى، وإن سمي إقرارا فانه لا مائز بينهما بالنسبة إلى ذلك، ودعوى خروج الفرض عن محل النزاع واضحة الفساد، بل مقتضى إطلاق كلامهم عدم الفرق في ذلك بين الجميع، ولذا استدل الفاضل بصحيح الحلبي (3) المزبور الذي هو في الحقيقة إقرار في حق المولى لو لم يكونا معتقين، ومنه يعلم حينئذ عموم الدعوى للجميع، وحينئذ فلو قبلت شهادته على مولاه لقبل إقراره عليه في ما يتعلق بنفسه، لانه شهادة في المعنى، وهو معلوم الفساد، ولا قائل بالفصل بالنسبة إلى ذلك، فتأمل جيدا. وبذلك كله يظهر لك أيضا ضعف القول المزبور وإن مال إليه ثاني الشهيدين وبعض أتباعه إلا أن الظاهر مسبوقيتهم بالاجماع واستقرار مذهب الامامية على خلافه لا أقل من ذلك كله يحصل الشك في إرادة هذا الفرد من إطلاق أدلة القبول، فيبقى على أصالة المنع، كما هو واضح. ومنه يعلم وضوح بطلان القول بعكس المشهور الذي لم يعرف قائله،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 7. (2) راجع ج 28 ص 355 - 356.

[ 94 ]

ضرورة اقتضائه طرح كل من النصوص المجوزة والمانعة مطلقا ودعوى الجمع بينها بذلك فرع التكافؤ المفقود قطعا، كالقطع بعدم الشاهد، بل صريح جملة من النصوص القبول للمولى. ويقرب منه في الضعف أو الفساد قول ابن الجنيد، إذ لا دليل له إلا مفهوم الوصف في إحدى نسختي الصحيح (1) المعارضة بالنسخة الاخرى، وأما صحيح ابن مسلم (2) فهو من مفهوم اللقب المعلوم عدم حجيته، كمعلومية عدم الحجية في المرسل (3) الذي لا جابر له وغير دال على تمام الدعوى فدعوى الجمع بين النصوص المزبورة المعلوم وجهها عند الامامية - بل فيها ما يرشد إلى وجه الجمع بينها - بالتقية كما ترى. وكذا قول أبي الصلاح المنافي لخصوص ما تضمن من النصوص قبول شهادته لمولاه، وقد عرفت أن المدار في التهمة المانعة ما دل عليها الدليل الشرعي لاكل تهمة عرفية، والدليل هنا يقتضى العكس لا عدم القبول للمولى، كما هو واضح. بل وكذا ما عن ابني بابويه بناء على إرادتهما من العبارة المزبورة القبول ولو على مولاه وعدم القبول له، إذ قد عرفت ما يدفع كلا منهما. ومن الغريب أن الاقوال المفصلة بأجمعها قد ذكر السيد لها دعوى الجمع بين الاخبار، ولا ريب أن المشهور أولى منها ومن غيرها، كما عرفته مفصلا. (و) كيف كان ف‍ (- لو أعتق) العبد (قبلت شهادته و) لو (على مولاه) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، بل ولا إشكال أيضا، لارتفاع المانع حينئذ كما استفاضت به


(1) و (2) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 5 - 10. (3) المتقدم في ص 91.

[ 95 ]

النصوص: منها ما مر في الاجير (1) ومنها الصحيح (2) " عن الذمي والعبد يشهدان على شهادة ثم يسلم الذمي ويعتق العبد أتجوز شهادته على ما كانا أشهدا عليه ؟ قال: نعم إذا علم منهما خير بعد ذلك جازت شهادتهما " إلى غير ذلك من النصوص. نعم في القوى (3) " أن شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد على شهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق، وقال علي (عليه السلام): إن أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته " وظاهره اعتبار عدم الرد قبل العتق في القبول بعده ولم يقل به أحد، فوجب حمله على الرد بفسق ونحوه، كما عن الشيخ والصدوق، أو على إرادة افتقار عودها بعد العتق إذا ردت قبله ولو للعبودية. وأما قوله (عليه السلام): " وقال علي (عليه السلام) " إلى آخره فقد يشعر بكونه شاهدا لسيده، ومنه يستفاد عدم قبول شهادته له قبل العتق للتهمة، لكنه قاصر عن معارضة عموم الادلة وخصوصها سنة وإجماعا محكيا وغيرهما، بل قد سمعت دعوى الشيخ في الخلاف الاجماع على قبول شهادته للمولى فلا بأس بحمله على التقية خصوصا والراوي له السكوني الذي هو أحد قضاة العامة، ويمكن حينئذ عدم القبول على مذهب العامة باعتبار فساد العتق الفاقد للاخلاص، لكون الفرض أنه قد كان لموضع الشهادة فهو في الحقيقة باق على عبوديته، والفرض عدم قبولها له حال


(1) الوسائل - الباب 29 - من كتاب الشهادات. (2) الوسائل - الباب 39 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 13.

[ 96 ]

الرقية، فتأمل فقد بان لك بحمد الله تعالى الكلام في جميع المسألة. (وكذا) بان لك (حكم المدبر والمكاتب المشروط) إذ هما كالقن في جميع ما عرفت، ضرورة عدم خروجهما بذلك عن المملوكية، فيندرجان في الادلة المزبورة كأم الولد. (أما المطلق) الذي لم يؤد شيئا فكذلك أيضا، أما (إذا أدى من مكاتبته شيئا قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه، وفيه تردد، أقربه) عند المصنف (المنع) وفاقا للمشهور بين من تعرض له، لما في كشف اللثام من صدق العبد والمملوك عليه، ولان الرق مانع، فما لم يزل بتمامه لم يقبل، ولانه لا تهتدى عقولنا إلى القبول في بعض المشهود فيه دون بعض، فلا نقول به إلا في ما أجمع عليه أو دل فيه دليل قاطع. إلا أن الجميع كما ترى كما اعترف به الشهيد في نكت الارشاد، حيث إنه بعد أن حكى الاستدلال بنحو ذلك مع زيادة الاصل قال: " وفي الجميع نظر " وهو كذلك، إذ الاولان مصادرة واضحة، والاخير أقصاه أن عدم القبول على وفق قاعدة عدم جواز تبعيض السبب التي لا تنافي الدليل على جوازه، كما في كثير من أفراد المبعض في الميراث وغيره، وكذا دعوى استصحاب عدم القبول وغيره مما لا يصلح لمعارضة الدليل المخصوص الذي هو خبر ابن مسكان عن أبي بصير (1) " سأله عن شهادة المكاتب كيف تقول فيها ؟ فقال: تجوز على قدر ما أعتق إن لم يكن اشترط عليه أنك إن عجزت رددناك، فان كان اشترط عليه ذلك لم تجز شهادته حتى يؤدي أو يستيقن أنه قد عجز، قال: قلت: كيف يكون حساب ذلك ؟ قال: إذا كان قد أدى النصف أو الثلث


(1) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 14.

[ 97 ]

فشهد لك بألفين على رجل أعطيت من حقك بحساب ما أعتق النصف من الالفين ". لكنه - مع إضماره وعدم الوجه الظاهر لقوله: " أو يستيقن أنه قد عجز " - معرض عنه بين الاصحاب، بل ظاهر في التفريع على مقتضى قول العامة القائلين بعدم القبول حال الرقية ومشروعية القياس على غيره من أفراد المبعض، ضرورة ظهوره في كون الشهادة على غير مولاه التي قد عرفت قبولها عندنا، وهو رق فضلا عن كونه مكاتبا قد أدى نصف ما عيله، بل قد يشهد كون ذلك من الامام (عليه السلام) للتقية صحيح الحلبي ومحمد بن مسلم وأبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) " في المكاتب يعتق نصفه هل تجوز شهادته في الطلاق ؟ قال: إذا كان معه رجل وامرأة " إذ من المعلوم إن المرأة لا تقبل شهادتها في الطلاق عندنا، فليس ذكرها حينئذ إلا للتقية، كما اعترف به الشيخ وغيره. وعلى كل حال فالقول بكونه كالقن حينئذ هو الاقوى، للاصل وقاعدة عدم تبعيض السبب بعد وضوح قصور الخبر المزبور عن تخصيصهما وحرمة القياس على حكم غيره من أفراد المبعض في الارث ونحوه. ثم لا يخفى عليك أن مقتضى الخبر الاول قبول شهادته على مقدار ما فيه من الحرية، لكن على نحو غيره مما يقبل فيه ذلك باليمين أو بشاهد آخر معه. وأما الثاني فقد قيل: إن مقتضاه كون شهادته مع عتق نصفه شهادة امرأة، وحينئذ فلا يثبت مع اليمين بشهادته شئ، بل ولامع الرجل أيضا، لان الامرأة ليست حجة مع الرجل ولا مع اليمين. وفيه أنه لا دلالة في الصحيح المزبور على كونه كالامرأة مطلقا،


(1) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب الشهادات - الحديث 11.

[ 98 ]

بل أقصاه في مفروض السؤال، بمعنى أنه تتم البينة في الطلاق مع شهادته بشهادة رجل وامرأة، وهذا لا يقتضى كونه كالامرأة في جميع الاحوال فتأمل. ومنه يظهر لك ما في التفريع على ذلك وعلى مقتضى الخبر الاول في غاية المراد، حيث إنه بعد أن ذكر خبرى أبي بصير قال: " ويتفرع على ظاهر الرواية وظاهر الفتاوى فروع: الاول: لو شهد معه عدل آخر بمائة مثلا يثبت بشهادتهما خمسون، وله أن يحلف مع الشاهد الاخر على الخمسين الاخرى، وظاهر الرواية يدل على جعله كالمرأة، فحينئذ لا يثبت بشهادتهما شئ أصلا، كما لو شهد رجل وامرأة خاصة، ولو انضم إليهما امرأة ثبت المال، وعلى ظاهر الفتاوى تثبت الخمسون بشهادة الثلاثة وله الحلف على الخمسين الاخرى، لان الخمسين الاخرى لم يشهد بها في الحقيقة سوى رجل وامرأة، وتظهر الفائدة في الرجوع. الثاني: لو شهد وحده بمال على السيد فللمشهود له الحلف على نصفه، وعلى مفهوم الرواية لا حكم لشهادته، لانه كالمرأة الواحدة. الثالث: لو شهد بالوصية بالمال ثبت ربع ما يشهد به على مفهوم الرواية، وعلى الاخر يثبت نصفه، وله أن يحلف معه إن قلنا باليمين هنا، وهو الاقرب. الرابع: لو شهد على مولاه بالقتل عمدا أو شبهه أو الخطأ في احتمال مع شاهد آخر فعلى مفهوم الرواية لا يثبت القتل، بل يكون لوثا، وعلى ظاهر كلام الاصحاب يحتمل ثبوت نصف القتل على معنى ثبوت نصف الدية أو القود بعد رد ما قابل الباقي، ويحتمل الانتفاء أصلا، وأشد إشكالا منه الشهادة في الحدود " ولا يخفى عليك ما في بعضه أيضا. وكذا ما في كشف اللثام قال: " ثم على تقدير السماع بقدر الحرية يحتمل اشتراطه بانضمام رجل إليه، وهو الاحوط، ويحتمل العدم، وعلى

[ 99 ]

الاول يحتمل القبول بعين ذلك القدر كما هو الظاهر من الخبر، حتى إذا انضم إلى من تحرر نصفه رجل كامل الحرية لم يسمع إلا في النصف، لانه الذي اجتمع عليه شاهدان، وهو الاحواط، ويحتمل تقسيم المشهود به بحسب ما في الشاهدين من الحرية، فيسمع في المثال في ثلاثة أرباع، ويحمل الخبر على انضمام مثله إليه، أو على أنه يثبت نصف الالفين بما فيه من الحرية وما بازائه من حرية الاخر، وإن كان يثبت ربعهما أيضا بما في الاخر من باقي الحرية، وعلى الثاني يحتمل السماع بازاء الحرية مطلقا، حتى إذا تحرر منه عشر سمعت شهادته في العشر، فإذا تحرر تسعة أعشاره سمعت في تسعة أعشاره، ويحتمل أن لا تسمع ما لا يتحرر ربعه فما زاد، ولا تسمع إلا في الربع إلى النصف، وعلى كل فلابد من قصر السماع على ما تسمع فيه شهادة امرأة واحدة خصوصا ما ذكره من الاحتمال، والله العالم المسألة (الثالثة:) (إذا سمع الاقرار) مثلا (صار شاهدا وإن لم يستدعه المشهود عليه) أو المشهود له، فيندرج حينئذ في ما دل على وجوب أدائها عينا أو كفاية على حسب غيره من الشهود، ضرورة عدم اعتبار الاشهاد في صدق اسم الشهادة، والامر الارشادي بالاشهاد أعم من ذلك. (وكذا لو سمع إثنين يوقعان عقدا كالبيع والاجارة والنكاح، وكذا لو شاهد الغصب أو الجناية، وكذا لو قال له الغريمان (أو أحدهما: (لا تشهد علينا فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما) بل (وكذا لو خبأ فنطق المشهود عليه مسترسلا) خلافا لشريح فقط،

[ 100 ]

كما عن المبسوط والسرائر، وعن الخلاف زيادة النخعي والشعبي ومالك، إلا أنه إنما رد شهادته إذا كان المشهود عليه مغفلا يخدع مثله، وضعف الجميع واضح. وفي غاية المراد " لا خلاف عندنا أن المختبئ شهادته مقبولة لوجود المقتضي، وليس من باب الحرص على الشهادة المقتضي للرد، لان الحاجة ربما مست إلى ذلك، ولدخولها تحت قوله تعالى (1): " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " ولان الحرص هنا ليس على الاقامة بل على التحمل، وذهب شريح إلى عدم قبولها، وهو منقول عن مالك، ويقال: إنه قول ضعيف للشافعي - إلى أن قال -: ويظهر من كلام ابن الجنيد ذلك، حيث قال: أو كان من خدع فستر عنه لم يكن له أن يشهد عليه، وقد سبقه الاجماع أو تأخر عنه ". قلت: هذا هو العمدة بناء على ما ذكرناه سابقا من أنه ليس المانع مطلق التهمة، بل هي التهمة الخاصة التي يكشف عنها الادلة، وإلا فهذا ومثله يبقى على عموم الادلة، وأما دعوى عدم التهمة فيه عرفا مطلقا ففيه أن بعض أفراده ليس بأقل منها في المتبرع بالشهادة الذى ستسمع الاجماع على عدم قبول شهادته، والاحتياج إلى ذلك لو سلم كونه دليلا لمشروعية مثله فلا يقتضي الصحة مطلقا حتى إذا لم تدع الحاجة، فالعمدة حينئذ ما عرفت. نعم عن أبي علي والحلبي التخيير في المسألة الاولى بين الاقامة وعدمها إذا لم يستدع للشهادة من المشهود له أو المشهود عليه، ولعله للاصل ولصحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " إذا سمع الرجل


(1) سورة الزخرف: 43 - الاية 86. (2) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات الحديث 1.

[ 101 ]

الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت " وصحيح هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت، وقال: إذا أشهد لم يكن له إلا أن يشهد " وخبر محمد بن مسلم (2) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما، قال: ذلك إليه إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، وإن شهد شهد بحق قد سمعه، وإن لم يشهد فلا شئ، لانهما لم يشهداه ". وفيه - مع فرض كون المراد عدم وجوب إقامتها حتى مع توقف الحق عليها - أن الاصل مقطوع بما دل عليه العقل المقطوع به من النقل كتابا (3) وسنة (4) بل وإجماعا من إيجاب إقامة الشهادة على من هي عنده، وإنها بمنزلة الامانة التي يجب على من عنده أداؤها وإن لم يستأمنه إياها صاحبها نحو الثوب الذي أطارته الريح وغيره، والنصوص محمولة على عدم التوقف عليه. كما أومأ إلى ذلك موثق ابن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) " إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت إلا إذا علم من الظالم فيشهد ولا، يحل له إلا أن يشهد " ومرسل يونس (6) عن الصادق (عليه السلام) " إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت إلا إذا علم من الظالم


(1) و (2) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات الحديث 2 - 5 - 4 - 10. (3) سورة الطلاق: 65 - اللاية 2. (4) الوسائل - الباب - 1 و 2 - من كتاب الشهادات.

[ 102 ]

فيشهد، ولا يحل له إن لا يشهد " مؤيدا ذلك بخبر ابن أشيم (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طهرت امرأته من حيضها، فقال: فلانة طالق وقوم يسمعون كلامه لم يقل لهم أشهدوا أيقع الطلاق عليها ؟ قال: هذه شهادة أفيتركها معلقة ؟ ! قال: وقال الصادق (عليه السلام): العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما ". ولعله إلى ذلك يرجع ما في نهاية الشيخ قال: " ومن علم شيئا من الاشياء ولم يكن قد أشهد عليه ثم دعي إلى أن يشهد كان بالخيار في إقامتها وفي الامتناع منها، أللهم إلا أن يعلم أنه إن لم يقمها بطل حق مؤمن، فحينئذ يجب عليه إقامة الشهادة " ونحوه ما عن جامع ابن سعيد. بل والمحكي عن الصدوق أيضا، فانه بعد أن روى أخبار الخيار في الفقيه قال: " هو إذا كان على الحق غيره من الشهود، فمتى علم إن صاحب الحق المظلوم ولا يجئ حقه إلا بشهادته وجب عليه إقامتها، ولم يحل له كتمانها، فقد قال الصادق (عليه السلام) (2): " العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما ". بل يمكن أن يكون غيرهم ممن لم يصل إلينا كلامهم كذلك أيضا كما هو ظاهر المحكي عنهم في الدروس، فلاحظ وتأمل. ولعل الفرق حينئذ بين من أشهد ومن لم يشهد الوجوب على الاول إلا أن يعلم قيام الغير على حسب غيره من الواجب الكفائي الذي قد يكون عينيا بالعرض، وعدم الوجوب أصلا على الثاني إلا أن يعلم ظلم المشهود عليه المشهود له بانكار حقه مثلا. وبذلك يظهر لك قوة القول بالتفصيل المزبور عملا


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات - الحديث 8 و 9 والظاهر أن ذيله مرسلة الصدوق (قده). (2) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات - الحديث 9. .

[ 103 ]

بالنصوص المزبورة. ولكن في كشف اللثام قد احتمل تنزيل النصوص المذكورة على عدم الوجوب العيني لوجود ما يثبت به الحق المشهود به وغيره، واستشهد على ذلك بما سمعته من النهاية وجامع المقاصد ثم قال: " فقولهما (عليهما السلام) (1): " ولم يشهد عليها " بمعنى أنه لم يشهد عليها للاكتفاء عنه بغيره، وقوله (عليه السلام) في الخبر الثاني (2): " فيطلبان منه الشهادة " بمعنى أنهما يطلبانها منه مع الاستغناء عنه بغيره، لقوله (عليه السلام أخيرا: " لانهما لم يشهداه " أي استغنيا عنه بغيره، واحتمل في النصوص الثلاثة الاول أن يراد بسماع الشهادة سماعها وهي تقام عند الحاكم، بل هو الظاهر، فيكون الاستغناء عنه أظهر، ويكون المعنى أنه إذا سمع الشهود يشهدون بحق ولم يشهد عليه أي لم يطلب منه الشهادة للاكتفاء بغيره كان بالخيار - ثم قال -: ويحتمل أن يراد بسماع الشهادة سماع الاشهاد والتحمل، أي إذا سمع الرجل يشهد على حق والشهود يتحملون الشهادة ولم يدع هو إلى التحمل كان بالخيار بين التحمل وعدمه - ثم قال -: ويحتمل الثاني - أي خبر ابن مسلم الاخير (3) - أن يراد أنهما يطلبان منه تحمل الشهادة، فهو بالخيار بين التحمل والعدم بناء على وجود الغير أو عدم وجوب التحمل على الخلاف، فان شهد شهد بحق، أي إن تحمل لزمه الاداء وإلا فلا، لانهما لم يشهداه أي لم يتحمل الشهادة لهما فأشهدا غيره واكتفيا به، فلم يجب عليه الاداء عينا للاستغناء عنه - ثم قال -: ونفى النزاع المعنوي في المختلف تنزيلا لكلام غير الشيخ على كلامه ".


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 و 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات - الحديث 5.

[ 104 ]

قلت: لا يخفى عليك ما في جميع، بل ولا ما في دعوى لفظية النزاع، بل قد عرفت أن كلام الشيخ ظاهر أو صريح في ما ذكرناه في النصوص التي يمكن أيضا تنزيل كلام ابن الجنيد، والصدوق والحلبي عليه، وما أدرى ما الذي دعاه إلى هذه الاحتمالات الواهية في النصوص المزبورة المذكور وجهها فيها ؟ ! كما أني لا أدري وجه دعوى لفظية النزاع والنصوص مصرحة بالفرق في الحكم بين الموضوعين، وكلام المفتى بها أصرح منها في ذلك. ومما ذكرنا يعلم النظر في ما أطنب فيه في الرياض، بل وما في المسالك، بل وما في غيرها من الكتب كما تسمع تمام التحقيق في ذلك في ما يأتي إن شاء الله وإن كان ما ذكرناه هنا تاما لا غبار فيه، والله هو العالم. المسألة (الرابعة:) (التبرع بالشهادة) في حقوق الادميين (قبل السؤال) من الحاكم في مجلس الحكومة (يطرق التهمة) إلى الشاهد أنه شهد للمدعي زورا بسبب حرصه على ذلك (فيمنع القبول) بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل في كشف اللثام أنه مما قطع به الاصحاب سواء كان قبل دعوى المدعي أو بعدها، ولعله العمدة في الحكم المزبور، لا التعليل بالتهمة الواقع من كثير، إذ قد عرفت أن المدار فيها على ما يثبت من الادلة شرعا لا كل تهمة عرفية، ضرورة أن المختبئ لسماع الشهادة بلا استدعاء أقرب من المتبرع بتطرق التهمة، مع أنك

[ 105 ]

قد عرفت قبول شهادته عندنا، لعدم الدليل على اعتبار هذه التهمة وإن كانت متحققة في العادة، كما صرح به الاردبيلي هنا، وهو مؤيد لما ذكرناه سابقا في أول البحث ردا على من اعتمد على إطلاق التهمة في النصوص إلا ما خرج، حتى جعل ذلك أصلا يرجع إليه، على أن ظاهر كلامهم أو صريحه رد المتبرع بشهادته وإن انتفت التهمة عنه بقرائن الاحوال، ككون المشهود له عدوا له والمشهود عليه صديقا له أو غير ذلك، أو علم منه أن ذلك كان منه جهلا بالحكم الشرعي، وغير ذلك. ومن الغريب التزام فاضل الرياض قبول شهادة المتبرع في هذه الفروض مدعيا انصراف إطلاق الاصحاب إلى الغالب الذي تحصل معه التهمة لا ما يشمل هذه الافراد. نعم قد يقال: إن دليل كون التبرع تهمة شرعية الاجماع المزبور، فيمنع وإن فقد التهمة عرفا كالشريك والعدو ونحوهما ممن ردت شهادته، أو يقال إن مبنى المنع هنا اعتبار الاذن ممن له الحق في سؤال الشهود، كما تقدم سابقا في كتاب القضاء (1) وحينئذ تكون الشهادة قبل ذلك نحو اليمين ممن عليه قبل الاذن من صاحب الحق. وربما يرشد إلى ذلك أن غير واحد من الاصحاب ذكر احتمال قبول شهادة المتبرع في المجلس الاخر، بل في المسالك وغيرها اختياره، ولو أن المانع التهمة كان المتجه الرد مطلقا، أما بناء على أن المانع ما ذكرناه يتجه القبول حينئذ، بل يتجه في ذلك المجلس أيضا بعد الاذن من صاحب الحق بسؤالهم، وهذا جيد جدا إلا أنه ينافيه تعليل المصنف وغيره بالتهمة، فالاولى القول إنه تهمة شرعا بدليل الاجماع المزبور المؤيد بالنبوي


(1) راجع ج 40 ص 191 - 192.

[ 106 ]

المذكور في معرض الذم وإن لم يكن من طرقنا (1) " ثم يجئ قوم يعطون الشهادة قبل يسألوها " وآخر (2) " ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد " وثالث (3) " تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا " مع ما ورد (4) " من أنها تقوم على شرار الخلق " إلا أن المتجه حينئذ الاقتصار على ما علم كونه موردا للاجماع. (أما) غيره الذي منه القبول (في) المجلس الاخر ومنه أيضا كون المشهود به من (حقوق الله تعالى) كشرب الخمر (أو) الزنا بل منه أيضا (الشهادة للمصالح العامة) كالقناطر والمدارس ونحوها (فلا يمنع) التبرع بالشهادة القبول فيها وفاقا للمشهور بين الاصحاب شهرة عظمية أيضا، بل لم يعرف الخلاف في ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، مع أن المحكي عنه في المبسوط موافقة المشهور، ولا ينافي ذلك قول المصنف: " وفيه تردد " كما ستسمع إشكال الفاضل فيه في بعض كتبه، إذ هو لا ينافي استقرار المذهب على الاول، بل هو الاقوى (إذ لا مدعي لها) بالخصوص، لاختصاص الحق به تعالى أو لاشتراكه بين الكل. على أنه لو جعل التبرع بالشهادة فيها مانعا لتعطلت الاولى. بل في كشف اللثام (وكذا الثانية، لاشتراك أهل تلك المصلحة كلهم فيها، فلو شرطنا الابتداء بالدعوى لم يبتدئ بها إلا بعضهم، والشهادة لا تثبت حينئذ إلا قدر نصيبهم، وهو مجهول، لتوقفه على نسبة محصور إلى غير


(1) مسند أحمد - ج 4 ص 426. (2) سنن ابن ماجه ج 2 ص 64. (3) دعائم الاسلام ج 2 ص 506. (4) البحار ج 6 ص 18 وصحيح مسلم ج 6 ص 54.

[ 107 ]

محصور، ولان المصلحة إذا عمت عدول المؤمنين بأجمعهم كانت الشهادة منهم دعوى، فلو توقفت على دعوى غيرهم كان ترجيحا من غير مرجح مع لزوم الدور، بل قيل: ولان الشهادة بحقوق الله تعالى نوع من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان، والواجب لا يعد تبرعا، قيل: وللجمع بين ما مر من الخبرين (1) وقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " ألا أخبركم بخير الشهود ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد. " ولكن مع ذلك كله قال: " وفيه تردد) مما عرفت ومن التهمة المزبورة، بل في الرياض " ليس في شئ مما ذكر ما يفيد تقييد الادلة المانعة عن قبول الشهادة مع التهمة بعد حصولها كما هو فرض المسألة بحقوق الادميين خاصة ومجرد عدم المدعي لحقوق الله تعالى لا يدفع التهمة ولا يفيد التقييد المزبور، إذ لا دليل على إفادته له من إجماع أو رواية، وأداء عدم القبول فيها إلى سقوطها لا دلالة فيه على أحد الامرين أصلا، ولا محذور في سقوطها مع عدم قبولها، بل هو مطلوب، لبناء حقوق الله تعالى على التخفيف اتفاقا نصا وفتوى، ولو سلم فانما يؤدى إلى السقوط لو رد مطلقا، سواء كان في مجلس الشرع أو غيره، أما لو خص الرد بالاول كما هو رأي بعض في حقوق الادميين فلا يؤدي إلى السقوط، لامكان قبوله لو أدى في مجلس آخر من غير تبرع ثانيا والنبوي الاخير بعد الاغماض عن سنده غير دال على القبول هنا خاصة، بل هو عام لما سبق من حقوق الادميين ولم يقل به - كما مضى - أحد، وتقييدها بالمقام


(1) المشار إليه هو قوله (صلى الله عليه وآله): " ثم يفشو الكذب... " و " تقوم الساعة على قوم... " المتقدمان في ص 106. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 159 مع اختلاف يسير.

[ 108 ]

فرع وجود دليل عليه أو قرينة، وليسا " إلى غير ذلك مما ذكره في هذا المبحث من غرائب الكلام، ومنشاء دعوى ظهور إطلاق الادلة في منع مطلق التهمة لقبول الشهادة، والاردبيلي الذي هو الاصل في هذا الكلام قد اعترف في مسألة شهادة المختبئ أن المدار على ما ثبت من النص أو الاجماع من أفراد التهمة لا مطلقها، ومن أنصف وتأمل رأى أن أكثر ما ذكره السيد في الرياض هنا ساقط لا يوافق فتاوى الاصحاب، بل ولا قواعد الباب، والتحقيق ما عرفت من القبول في المقام، لعدم الاجماع، بل مظنته في العكس، بل على احتمال كون مبنى المنع في التبرع عدم الاذن من صاحب الحق يتجه القبول هنا، لعدم مدع بالخصوص. وبالجملة فالمسألة مفروغ منها، بل ما كان للمصنف التردد في ذلك. ومما ذكرنا تعرف الوجه في الحق المشترك بين الله تعالى وبين الادمي، وأنه القبول في حق الله تعالى والرد في حق الادمي، فيقطع بالسرقة بشهادة المتبرع ولا يغرم، أللهم إلا أن يقال: إن محل الاجماع الرد في حق الادمي الخالص دون المشترك، فيبقى على عموم أدلة القبول خصوصا في الحق المشترك الذى لا يقبل التوزيع، هذا. ولكن في كشف اللثام " والظاهر الرد في الحق المشترك والقطع في السرقة دون الغرم، ويحتمل القبول في الطلاق والعتاق والرضاع والخلع والعفو عن القصاص والنسب، لغلبة حق الله تعالى فيها، ولذا لا تسقط بالتراضي، وفي شراء الاب إذا ادعاه هو أو ابنه وجهان، من أن الفرض عتقه وحق الله فيه غالب، ومن توقفه على العوض الذي لا يثبت، ويقوى الثبوت إذا ادعاه الابن، للاعتراف بالعوض، والفرق بينه وبين الخلع أن العوض غير مقصود في الخلع بخلافه في الشراء، فيمكن ثبوت

[ 109 ]

الطلاق دون العوض، ويحتمل ثبوت العوض فيهما تبعا لحق الله تعالى شأنه " انتهى. ولا يخفى عليك الوجه في جميع ذلك بعد الاحاطة بجميع ما ذكرنا، خصوصا بناء على أن المنع من التبرع لعدم الاذن ممن له الحق، فان الامر حينئذ سهل، ضرورة إمكان عود الشهادة بالاذن كعود اليمين مع الاذن، إذا لا بطلان للشهادة من رأس، بل هو كذلك أيضا على الوجه الاخر إذا لم نقل إن المانع التهمة العرفية، بل الاجماع المزبور المقتصر فيه على المورد المتيقن. كما لا يخفى عليك إمكان المناقشة في بعض ما ذكره من أفراد الحق المشترك بأن الظاهر في بعضها كونه من حق الادميين، وعدم السقوط بالتراضي لا ينافي ذلك من حيث حكم الايقاع الذي لا يقبل الفسخ به مثلا أو غير ذلك، ولذا لو أقر أحدهما أو تصادقا عليه جرى عليه حكم الاقرار والتصادق، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته) ولو المردودة (الوجه أنها لاتقبل حتى يستبان استمراره على الصلاح) وإن لم يكن فيه تهمة التعيير برد الشهادة، بل لان المفروض عدم توبة حقيقة، ضرورة كونها الندم على ما وقع من المعصية والعزم على عدم الوقوع في ما يأتي وأن ذلك امتثالا لامر الله تعالى شأنه، إذ الظاهر كونها من العبادات المعتبر فيها النية والاخلاص، بل عن التجريد اعتبار كون الترك لقبح الذنب فيها، بل عنه أيضا اعتبار كون ذلك عن الجميع لا البعض خاصة وإن

[ 110 ]

كان الاقوى خلافه في الاخير، وأما الاول فالظاهر أنه قريب مما ذكرنا، وإلا كان الاقوى خلافه أيضا. وعلى كل حال فالتوبة لقبول الشهادة ليست توبة حقيقة، بل يمكن أن تكون هي فسقا آخر باعتبار منافاة ذلك للاخلاص المعتبر فيها، (و) لكن مع ذلك (قال الشيخ) وابن سعيد في المحكي عن جامعه: (يجوز أن يقول) الحاكم للفاسق: (تب أقبل شهادتك) وفي القواعد بعد أن حكاه عنه: " وليس بجيد نعم لو عرف استمراره على الصلاح قبلت " وفي كشف اللثام " أو أنه تاب حين تاب باخلاص النية وتصميم العزم " وتبع بذلك الشهيد في الدروس، حيث إنه بعد أن حكى ذلك عن الشيخ قال: " وهذا يتم إذا علم منه التوبة بقرائن الاحوال ". وفي المسالك بعد أن حكى المشهور قال: " وذهب الشيخ في موضع من المبسوط إلى الاكتفاء باظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضى لعود العدالة مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل، وأجيب بمنع اعتبار توبته حينئذ، لان التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن القبيح لقبحه، وهنا ظاهرها أنها لا لقبحه بل لقبول الشهادة، وفيه نظر، لانه لا يلزم من قوله: تب أقبل شهادتك كون التوبة لاجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علة في القبول أما أنه غاية لها فلا، وأيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة، فالمغياة بقبول شهادته ليست كذلك، نعم مرجع كلامه إلى أن مضى الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة، والامر كذلك إن فرض غلبة ظن الحاكم بصدقه في توبته في الحال وإلا فالمعتبر ذلك ". قلت: ومرجع ذلك إلى كون النزاع مع الشيخ لفظيا، وهو خلاف ما فهمه المصنف وغيره، وظني أن الشيخ يجتزئ لاصل الصحة بمجرد

[ 111 ]

إظهار التوبة في تحققها المقتضي لاجراء الاحكام عليها التي منها قبول الشهادة، للنصوص المستفيضة (1) التي تقدم سابقا جملة منها في توبة القاذف الدالة على قبول شهادة الفاسق إذا تاب، بل لا خلاف فيه في الظاهر. وفيه أن التوبة لما كانت من الامور القلبية - ضرورة كونها الندم والعزم وهما معا قلبيان وإخباره بحصولهما لا دليل على الاجتزاء به، بل ظاهر الأدلة خلافه - فليس حينئذ إلا تعرفهما بالاثار الدالة على ذلك، نحو غيرهما من الامور الباطنة، ولا يجدى أصل الصحة في حصول التوبة، ضرورة كون مورده الفعل المحقق في الخارج المشكوك في صحته وفساده كالبيع والصلاة ونحوهما لا الافعال القلبية التي لم يعلم حصولها، كما هو واضح. وبذلك ظهر لك وجه البحث على أحسن وجه فتأمل. وعلى كل حال فقد عرفت حقيقة الحال في التوبة، لكن ذكر غير واحد أن المعصية التي يتاب عنها إن لم يكن فيها حق الله ولا للعباد كالاستمتاع بما دون الوطء وكالوطء في الحيض ونحو ذلك فلا شئ عليه سوى الندم والعزم المزبورين على الوجه الذي عرفت. وإن كان تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والخمس والغصب ونحوها مما يتعلق بأموال الناس فيجب مع ذلك براءة الذمة منه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت ويغرم بدلها إن لم تبق أو يستحل من المستحق فيبرؤه منها، ولو كان معسرا نوى الغرامة له إذا قدر. وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي كما لو زنى أو شرب فان لم يظهر فيجوز أن يظهره ويقربه فيقام عليه الحد " ويجوز أن يستره وهو الاولى، فان ظهر فقد فات الستر فيأتي الحاكم ليقيم عليه الحد إلا أن يكون ظهوره قبل قيام البينة عليه عند الحاكم، كما سيأتي من سقوط الحد بالتوبة قبل


(1) الوسائل - الباب - 36 - من كتاب الشهادات.

[ 112 ]

قيام البينة مطلقا. وإن كان حقا للعباد كالقصاص والقذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء، فان لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يخبره، ويقول: أنا الذي قتلت أباك فلز منى القصاص، فان شئت فاقتص وإن شئت فاعف. وفي القذف والغيبة إن بلغه فالامر كذلك، وإن لم يبلغه فوجهان من أنه حق آدمي فلا يزول إلا من جهته - وفي المسالك وإليه ذهب الاكثر - ومن استلزامه زيادة الاذى ووغر القلوب، وعلى الاول فلو تعذر الاستحلال منه بموته أو امتناعه فليكثر من الاستغفار والاعمال الصالحة عسى أن تكون عوضا عما يأخذه يوم القيامة من حسناته إن لم يعوضه الله عنه، ولا اعتبار فيه بتحليل الوارث وإن ورث حد القذف، أما الحق المالي إذا مات مستحقه فانه ينتقل إلى وراثه ويبرأ بدفعه إليهم وبابرائهم منه وهكذا، فينتقل من وارث إلى آخر، ومتى دفع هو أو أحد من ورثته أو بعض المتبرعين إلى الوارث في بعض الطبقات برئ منه وإن بقي إلى يوم القيامة ففي مستحقه حينئذ أوجه. قلت: الظاهر عدم اعتبار الخلوص من توابع الذنب في التوبة منه التي قد عرفت أنها الندم على وقوعه منه والعزم على عدم إيقاعه، ودعوى أن الندم على ذلك لا يتحقق إلا بالخلاص مما تبعه ومنه واضحة الفساد، ضرورة كون ذلك واجبا آخر، نعم لو فرض كون التابع من أفراد الذنب الذي فرض التوبة عنه اتجه حينئذ ذلك، لعدم تحققها حينئذ بدونه، كما لو تاب عن ظلم الناس والفرض وجود مالهم عنده، فلا توبة في الحقيقة عن ذلك إلا مع الخروج عما في يده وإرجاعه إليهم بطريقه الشرعي، وإلا هو باق على الظلم، بخلاف ما لو تاب عن قتل الناس مثلا وإن قصر ببذل القصاص من نفسه، إذ هو ذنب آخر، وقلنا

[ 113 ]

بجواز التبعيض في التوبة، ويمكن تنزيل كلام من أطلق على ذلك. بل قد يظهر من البهائي في أربعينه المفروغية من ذلك، فانه بعد أن ذكر جملة من الكلام في التوبة والخروج من توابع الذنوب نحو ما سمعته منهم قال: " واعلم أن الاتيان بما تستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء الحقوق والتمكين من القصاص والحد ونحو ذلك ليس شرطا في صحة التوبة، بل هذه واجبات برأسها، والتوبة صحيحة بدونها، وبها تصير أكمل وأتم ". وهو صريح في ما قلناه، ولا ينافي ذلك ما ورد في بعض النصوص المحمولة على إرادة التوبة من سائر الذنوب نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) في تفسير قوله تعالى: (2) " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ": " إن التوبة تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الاعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لاتعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي ". وقوله (عليه السلام) أيضا (3) وقد سمع قائلا يقول: استغفر الله تعالى شأنه: " ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار ؟ إن الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها: الندم على ما مضى، الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، الثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة، الرابع: أن تعمد إلى فريضة ضيعتها فتؤدى حقها، الخامس: أن تعمد إلى اللحم


(1) لم أعثر عليه عاجلا في كتب الاخبار والتفاسير. (2) سورة التحريم: 66 - الاية 8. (3) الوسائل - الباب - 87 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 3 من كتاب الجهاد.

[ 114 ]

الذى نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ". إذ لا يخفى عليك كون المراد التوبة من سائر الذنوب، بل الظاهر إرادة الفرد الكامل منها، ضرورة أنه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الانفاس والابخرة المسودة لوجهها بل لابد من صقلها وإزالة ما حصل بجرمها من السواد كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرد تركها وعدم العود إليها، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فانه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة وكدورة كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء، بل الاولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة تضادها، بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة، فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن والاحاديث والمسائل الدينية، وهكذا كما يعالج الطبيب الامراض بأضدادها، وقد تكفل علماء الاخلاق ببيان أمثال هذه المقامات، وعلى كل حال فهذه أمور أخر غير التوبة عن نفس الذنب التي هي الندم على فعله، بل في التحرير عن بعضهم عدم اعتبار العزم على عدم العود إليها وإن كان الظاهر خلافه، لان العزم المزبور لازم لذلك الندم غير منفك عنه. ثم إن ظاهر الكلام المزبور الخروج عن الحق المالى بالايصال إلى صاحبه ولو الوارث البعيد، بل وإن كان من متبرع على وجه لم يبق عليه شئ. وفيه أن الظلم بحبس المال عن صاحبه لا يرتفع بالايصال إلى الوارث، وإنما يفيد الوصول إلى الوارث ارتفاع الظلم عنه بنفس المال، وأما حق الحبس فالظاهر تعلقه به، أللهم إلا أن يقال إن التوبة تكفر ذلك، وفيه

[ 115 ]

ما فيه فانها لا ترفع حقوق الناس، وإنما هي ترفع عقاب الذنب من حيث التوعد عليه من الله تعالى شأنه عقلا أو سمعا على خلاف لهم في ذلك، وأما حق الناس فلابد من وصوله إلى مستحقيه ولا طريق لهذا الحق وأمثاله مما ليس لاحد العفو عنه إلا صاحبه إلا التوسل إلى الله تعالى شأنه بتحمل ذلك عنه والالحاح عليه في ذلك والتضرع والابتهال ونحوهما، فلعل الله تعالى يعوضه يوم القيامة بما يرضيه عن مظلمته كما هو الرجاء به، وإلى ذلك أشير في الادعية المأثورة عنهم (عليهم السلام). ومن ذلك يظهر أن المال الذى لم يوصله إلى وارثه إلى آخر الابد تصح مطالبة الجميع به وإن كان الاخير منهم يطالب بعينه وغيره يطالب به من حيث حبسه، وقاعدة العدل تقتضي الانتصاف منه للجميع. ولكن في صحيح عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات ثم صالح ورثته على شئ فالذي أخذ الورثة لهم، وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الاخرة، وإن هو لم يصالحهم على شئ حتى مات ولم يقض عنه فهو للميت يأخذه به " ما ينافي ما ذكرنا، وقد عمل به غير واحد، ولكن المسألة قليلة الجدوى، فان الامر ذلك اليوم إلى من لا يشتبه عليه الحال، وينتصف للجماء من القرناء، وله كتاب على عبيده لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وفي المقام أبحاث كثيرة ذكر جملة منها علماء الكلام، وأخرى علماء الاخلاق. وقد ذكرنا نحن ما يتعلق في الغيبة وأنه لابد فيها من الاستحلال


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الصلح - الحديث 4.

[ 116 ]

أو يكفي فيها الاستغفار في كتاب المكاسب (1) ومنه يستفاد الحكم في غيرها، والنصيحة التامة للعبد الاكثار من الحسنات التي يرجى معها أذهاب السيئات ولو بتعويض الله تعالى شأنه أهلها وإرضائهم، فانه المالك للجميع، والله العليم الرؤوف الرحيم. المسألة (السادسة:) (إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول فان كان متجددا بعد الحكم لم يقدح) بلا خلاف فيه بيننا بل ولا إشكال، وإن كان حاصلا بعد الاقامة قبل الحكم فسيأتي البحث فيه إن شاء الله (وإن كان حاصلا قبل الاقامة) على وجه يقتضي وجوده حال الشهادة التي فرض كون الحكم بها (وخفي عن الحاكم نقض) هو بل وغيره من الحكام (الحكم) ضرورة بيان فساد ميزان القضاء حينئذ، نعم لو فرض الاختلاف في الاجتهاد لم ينقضه هو لو فرض تغير رأيه فضلا عن غيره، هذا وفي المسالك " وطريق ثبوت فسقهما سابقا بحضور جارحين لهما بأمر سابق على الشهادة ". قلت - بعد تنزيل كلامه على إرادة استمراره إلى حين الشهادة التي قد حكم بها من السابق -: قد يشكل ذلك بمنافاته لمشروعية القضاء الذي هو الفصل المبني على الدوام والتأبيد وأنه لا تجوز الدعوى عنده ولا عند حاكم آخر، ضرورة أن البينة المزبورة لا تقتضي العلم بفساد ميزان الحكم، خصوصا مع إمكان معارضتها بأقوى منها حال القضاء أو بالجرح لها أو بغير ذلك، فلا ينقض الحكم المحمول شرعا على الوجه الصحيح المبني على


(1) راجع ج 22 ص 72.

[ 117 ]

الدوام والتأييد الموافق للحكمة المزبورة بالبينة المفروضة، خصوصا بعد سؤال الحاكم الجرح للخصم فعجر عنه ثم إنه تيسر له بعد ذلك شاهدان، بل لو فرض بقاء حق الجرح له بعد الحكم لم تبق فائدة للحكم، بل ليس الفصل فصلا. نعم لو بان الجرح على وجه يعلم خطأ الحاكم فيه لغفلة ونحوها اتجه ذلك، ويمكن تنزيل كلام الاصحاب على ذلك، بل لعل حكمهم بعدم النقض بالتغيير بالاجتهاد مما يرشد إلى ذلك، ضرورة كون السبب فيه عدم معلومية الخطأ المشترك في المقامين، وقد تقدم في كتاب القضاء (1) ماله نفع في المقام، فلاحظ وتأمل، ويأتي إن شاء الله، والله العالم. الوصف (السادس: طهارة المولد، فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في محكي الانتصار والخلاف والغنية والسرائر، لا للحكم بكفره شرعا وإن وصف بالاسلام وصار من عدوله، لعدم الدليل على ذلك بحيث يخص به ما دل على إسلام المسلم وصيرورته عدلا بما ذكر في الادلة الشرعية، كما بينا ذلك في كتاب الطهارة (2) بل للنصوص المعتبرة المستفيضة المروية في الكتب الاربعة وغيرها التي فيها الصحيح وغيره المنجبر بما عرفت وبتعاضد الادلة. كصحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا ولا عبد ". وخبر أبي بصير (4) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد


(1) راجع ج 40 ص 113 - 114. (2) راجع ج 6 ص 68 - 71. (3) و (4) الوسائل - الباب - 31 - من كتاب الشهادات - الحديث 6 - 1.

[ 118 ]

الزنا أتجوز شهادته ؟ فقال: لا، فقلت: إن الحكم بن عيينة يزعم أنها تجوز، فقال: أللهم لا تغفر ذنبه، ما قال الله للحكم: وإنه لذكر لك ولقومك (1) " وعن بصائر الدرجات روايته مسندا إلى أبان بن عثمان، وكذا عن الكشي في كتاب الرجال مع زيادة " فليذهب الحكم يمينا وشمالا، فوالله ما يؤخذ العلم إلا من أهل بيت ينزل عليهم جبرئيل ". وخبر محمد بن مسلم (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام) " لا تجوز شهادة ولد الزنا ". وخبر زرارة (3) " سمعت أبا جعفر (عليه اسلام) يقول: لو أن أربعة شهدوا عندنا بالزنا على رجل وفيهم ولد الزنا لحددتهم جميعا، لانه لا تجوز شهادته، ولا يؤم الناس ". وفي المروي عن تفسير العياشي عن الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) " ينبغي لولد الزنا أن لا تجوز له شهادة، ولا يؤم الناس، لم يحمله نوح في السفينة وقد حمل فيها الكلب والخنزير ". وفي المرسل (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أن نوحا حمل الكلب في السفينة ولم يحمل ولد الزنا " إلى غير ذلك من النصوص. ومن الغريب ما في المسالك من المناقشة في سند النصوص إلا صحيح الحلبي منها ثم قال: " ولكن دلالته لا تخلو من قصور " ثم حكى عن ابن إدريس التعليل بالكفر، وعن المرتضى الاستدلال بما ورد " أن


(1) سورة الزخرف: 43 - الاية 44. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 31 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 4 - 9 - 10.

[ 119 ]

ولد الزنا لا ينجب " وعن ابن الجنيد " أنه شر الثلاثة " (1) وغير ذلك مما تكون المناقشة فيه واضحة. ثم ذكر بعد ذلك ما يقتضى الميل إلى قبول شهادته، إذ فيه ما لا يخفى من أنه لا حاجة إلى صحة السند بعد الانجبار والاعتضاد بما عرفت، مع أنه أطنب بعض الافاضل في فساد مناقشته في السند، فان كثيرا منها معتبر. وأغرب من ذلك كله أنه بعد أن حكى عن الشيخ في المبسوط نقله عن قوم القبول وأنه قال " هو قوي لكن أخبار أصحابنا تدل على أنه لا تقبل شهادته " قال " ومجرد معارضة أخبار أصحابه لا تقتضي الرجوع عما قواه، ويجوز العدول عن الاخبار لوجه يقتضيه، فقد وقع له كثيرا، ووجه العدول واضح، فان عموم الادلة من الكتاب (2) والسنة (3) على قبول شهادة العدل ظاهرا يتناول ولد الزنا، ومن ثم ذهب إليه أكثر من خالفنا ". قلت: وهو دليل فساده، لان الله قد جعل الرشد في خلافهم، وقد سمعت ما ذكره الامام (عليه السلام) في الحكم، بل لعل هذه النصوص إشارة إليهم، فان كثيرا منهم فاقد طيب الولادة كما أومأت إليه نصوص تحليل الخمس (4) والذي أوقعهم في الوهم إعراضهم عن أهل بيت الوحي (صلوات الله عليهم) كما أنك قد سمعت عن الشيخ الاجماع على عدم قبول شهادته، بل لعل قوله هنا " أخبار أصحابنا مشعر بكون الحكم مفروغا منه عندهم ولعمومات قد خصصها من خرجت


(1) البحار - ج 5 ص 285. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (3) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات. (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال من كتاب الخمس.

[ 120 ]

منهم، وما كنا لنؤثر أن يقع من مثله التشكيك في هذا الحكم المعروف بين قدماء الامامية (و) متأخريهم. نعم (قيل) والقائل الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار وابن حمزة في المحكي عنه: (تقبل) شهادته (في اليسير) من المال (مع تمسكه بالصلاح، وبه رواية نادرة) هي رواية عيسى بن عبد الله (1) المشترك - كما قيل -: بين الثقة وغيره عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في الشئ اليسير إذا رأيت منه صلاحا " التي أجاب عنها في المختلف بالقول بالموجب، فان قبول شهادته باليسير يعطى المنع من قبول اليسير من حيث المفهوم، إذ لا يسير إلا وهو كثير بالنسبة إلى ما دونه، فإذا لا نقبل شهادته إلا في أقل الاشياء وليس بكثير بالنسبة إلى ما دونه، إذ لا دون له ومثله لا يملك، وإن كان لا يخلو من مناقشة إلا أنه لا بأس به، خصوصا إذا كان غرض الامام (عليه السلام) التخلص بذلك عن التقية، فيكون رمزا منه إلى ما صرح به في غير هذا الخبر، فان التقية توجب أعظم من ذلك. بل في المروي عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) سأله عن ولد الزنا هل تجوز شهادته ؟ قال: نعم تجوز شهادته ولا يؤم، وليس لك إلا لها " لكن في الوسائل أنه رواه علي بن جفعر في كتابه (3) عن أخيه (عليه السلام) " لا تجوز شهادته ولا يؤم " على كل حال فالمسألة مفروغ منها. نعم ذلك لا يقتضي عدم إجراء حكم الاسلام بل والايمان بل والعدالة عليه في غير مورد النص والفتوى، بل قد يحتمل صحة الطلاق مع


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 31 من كتاب الشهادات - الحديث 5 - 7 - 8

[ 121 ]

حضوره وحضور عدل وإن كان لا تقبل شهادته به، لكن قد يمنع باعتبار ظهور صحيح الحلبي وغيره في عدم جواز شهادته مطلقا وأنه ناقص عن مرتبة الشهادة في كل ما اعتبرها الشارع فيه، بخلاف غير موضوع الشهادة من رواية أو غيرها، فلا بأس. هذا كله في المعلوم حاله ولو شرعا أنه ابن زنا. (و) أما (لو جهلت حاله قبلت شهادته وإن نالته بعض الالسن) بلا خلاف لا إشكال، لا طلاق الادلة وعمومها، نعم في الرياض يحتمل العدم في صورة النسبة عملا بالاطلاق من باب المقدمة، وفيه أنه لا وجه لها مع أصل شرعي كالفراش ونحوه يقتضي خلافها، بل ولو لم يكن فراش على الاصح في نحوه مما جاء النهي فيه على طريق المانعية الظاهرة في اختصاص المعلوم دون المشكوك فيه الداخل في العمومات، هذا إن لم نقل بظهور أصل شرعي في الحكم بطهارة مولد كل من لم يعلم أنه ابن زنا، والله العالم. (الطرف الثاني) (في ما به يصير) الشاهد (شاهدا) (والضابط العلم) إلا ما خرج مما تسمعه من الشهادة بالاستفاضة (لقوله تعالى (1): " ولا تقف ما ليس لك به علم ") وقوله تعالى (2): " إلا من شهد


(1) سورة الاسراء: 17 - الاية 36. (2) سورة الزخرف: 43 - الاية 86.

[ 122 ]

بالحق وهم يعلمون " (ولقوله (صلى الله عليه وآله) (1) وقد سئل عن الشهادة: " هل ترى الشمس ؟ على مثلها فاشهد أو دع ") وقول الصادق (عليه السلام) في خبر علي بن غياث (2): " لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك " وفي خبر السكوني (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فانه من شاء كتب كتابا ونقش خاتما " خبر الحسين بن سعيد (4) قال: " كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنهم أشهدوني على ما فيه وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته ولست أذكر الشهادة وقد دعوني إليها فأشهد لهم على معرفتي أن اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة أو لا تجب الشهادة علي حتى أذكرها كان اسمي في الكتاب أو لم يكن ؟ فكتب (عليه السلام): لا تشهد " وقد سمعت قول الصادق (عليه السلام) (5): " العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما " إلى غير ذلك من النصوص الدالة صريحا وظاهرا على اعتبار العلم في الشهادة. بل هو الظاهر من معناها عرفا أيضا، ولذا نفي الخلاف عن اعتبار ذلك فيها غير واحد، والمراد أنه بالعلم يكون متحملا للشهادة فيجب عليه إقامتها ويجري عليه جميع الاحكام، وهذا معنى قوله في الدروس: " والضابط في تحمل الشهادة العلم بالسماع أو الرؤية أو بهما، فيكفي الاستفاضة في تسعة: النسب والملك المطلق والوقف والنكاح والموت والولاية والولاء والعتق والرق، والمراد بها إخبار جماعة يتاخم قولهم العلم، وقيل: يحصله، وقيل: يكفي شاهدان بناء على اعتبار الظن ".


(1) المستدرك - الباب - 15 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشهادات - الحديث - 3 - 4 - 2. (5) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الشهادات - الحديث 9.

[ 123 ]

لكن في كشف اللثام " خلاف للشيخين وسلار والصدوقين وابنى الجنيد والبراج كما سلف وعملوا بخبر عمر بن يزيد (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل يشهدني على شهادة فأعرف خطي وخاتمي ولا أذكر من الباقي قليلا ولا كثيرا قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له " واستضعفه الشيخ في الاستبصار أولا ثم ذكر أنه إذا كان الشاهد الاخر يشهد وهو ثقة جاز له أن يشهد إذا غلب على ظنه صحة خطه لانضمام شهادته، وروى الصدوق هذه الرواية ثم قال: " وروي (2) أنه لا تكون الشهادة إلا بعلم، من شاء كتب كتابا ونقش خاتما ". وفي الدروس نسبته إلى الاكثر، قال: " ولا تجوز الاقامة إلا مع الذكر، ولا عبرة بالخط وإن أمن التزوير عند الحلبيين، وقال الاكثر: إذا كان المدعي ثقة وشهد آخر ثقة أقامها، لرواية عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) " بل عن المختلف نسبته إلى المشهور بين القدماء. لكن مع ذلك كله لا يخفى عليك قصوره عن معارضة ما عرفت وإن كان صحيحا مرويا في الكتب الاربعة مع إمكان حمله على حصول العلم من ذلك بحقية المشهود عليه وإن لم يذكره تفصيلا، بل يمكن تنزيل كلام بعضهم على ذلك، على أنه لم نتحقق نسبته إلى الاكثر. قال في الرياض: " يمكن التأمل في شهرة الصحيحة المزبورة بين القدماء كما هي، لدلالتها على اعتبار كون المدعي أيضا ثقة ولم يعتبره من الجماعة غير والد الصدوق (رحمهما الله) خاصة، فالعامل بها على هذا نادر، فطرحها أو تقييدها بصورة حصول العلم كما فعل في المختلف فيها وفي أقوال العاملين بها أيضا متعين، فالمصير إلى ما عليه المتأخرون


(1) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الفقيه ج 3 ص 43 الرقم 146.

[ 124 ]

متجه، سيما مع كونه أحوط، كما صرح به الشيخ في الاستبصار والقاضي ". قلت: مع أنه قد يقال: إن التعارض بين الصحيح المزبور وبين الادلة السابقة تعارض العموم من وجه، لانه وإن كان خاصا صريحا من وجه لكنه عام لصورتي حصول العلم بالمشهود به بشهادة الثقة وإخبار المدعي الثقة وعدمه، والادلة المتقدمة وإن كانت عامة لهذين الصورتين لكنها خاصة باشتراط العلم، ولعله لذا كان ظاهر ما سمعته من الدروس التردد بل والمصنف في النافع لتعارض الشهرتين إلا أنه لا ريب في ترجيح تلك الادلة عليها لكثرتها، بل عن السرائر أنها أكثر من أن تحصى وأنها متواترة، والاجماع على مضمونها، على أن الشهرة المتأخرة أرجح من الشهرة المتقدمة، بل قد عرفت قوة الظن بارادة بيان جواز الشهادة مع العلم وإن لم يذكر التفصيل، لا أن المراد جواز الشهادة من دون علم ولا تذكر، فالاقوى حينئذ بقاء الضابط فيه على حاله. نعم قد يستفاد من صحيحة معاوية بن وهب (1) وغيره جواز الشهادة بالاستصحاب، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في داره ثم يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره ولا ما أحدث له من الوالد " إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا ولا حدث له ولد ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا ؟ قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد والامة فيقول: أبق غلامي وأبقت أمتي فيؤخذ في البلد، فيكلفه القاضي البينة أن هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد على هذا إذا كلفناه ونحن لم نعلم أنه


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 125 ]

أحدث شيئا ؟ فقال (عليه السلام): كل ما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به ". لكن في خبره الاخر (1) " قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها ميراثا وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما هو علمك " قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس، فقال: احلف إنما هو على علمك، ويمكن أن يريد بعلمه الحاصل له من الاستصحاب بقرينة الخبر السابق كما أنه يمكن حمل الاول على إرادة حصول هذا العلم باعتبار خلطته واطلاعه كما أومأ إليه الفاضل هنا في التحرير، وتقدم سابقا كلام المصنف وغيره في الشهادة بنفي الوارث وتفصيلهم بين البينة الكاملة وغيرها، وذكرنا نحن بعض الكلام هناك، فلاحظ وتأمل. لكن في التنقيح هنا " يكفي حصول العلم بالمشهود به حين التحمل وإن جوز حصول النقيض في ما بعد في كثير من الصور، كالشاهد بدين مع تجويز رده، والشاهد بملك مع تجويز انتقاله، والشاهد بزوجية امرأة مع تجويز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب " وفي وسائل الحر " باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك وعدم المشارك في الارث " ثم نقل الروايات المزبورة، وربما توهم من هذا ونحوه أن العلم معتبر في الشهادة حال التحمل لا حال الاداء، وقد سمعت عبارة الدروس. لكن لا يخفى عليك إجمال هذا الكلام، ضرورة أن من الواضح اعتبار الجزم والعلم في الشهادة كتابا (2) وسنة (3) كما عرفت، بل قد عرفت تعريفها بذلك، فلا يكون الشاهد شاهدا وهو غير عالم، وحينئذ


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) و (3) راجع ص 121 و 122.

[ 126 ]

فالمراد بالشهادة بالاستصحاب إن كان بالمستصحب فهي شهادة بعلم لا بالاستصحاب، إذ لاريب في أن من شهد اليوم بأن عمرا استقرض مثلا من زيد كذا عام أول، أو فلانة قد تزوجت فلانا، أو فلانا قد غصب من فلان كذا درهما فهو شاهد بما علم مثل الشمس ومثل كفه، ولا مدخلية للاستصحاب في ذلك، وليست الشهادة به، وتجويز النقيض بل ظنه به لا ينافي الشهادة المزبورة، بل علمه كذلك. وإن أريد الشهادة بالاستصحاب بمعنى الشهادة الان بشغل ذمته وكونها زوجته وإن لم يكن عالما بذلك بل كان مستند ذلك علمه السابق فلا ريب في عدم صدق تعريف الشهادة عليه، بل هو شاهد بما لا يعلم، وخصوصا إذا قال: أشهد الان بشغل ذمته الان ولكن لا أدري وفاه أم لا، فانه متناقض قطعا، وليس بشهادة كذلك، فان الاستصحاب وإن قلنا بحجيته شرعا لكنه ليس حجة في جواز الشهادة به الظاهرة لغة وعرفا في الجزم بالمشهود به وكونه مثل الشمس، نعم هو يشهد بالمعلوم عنده كذلك، والحاكم يجري حكم الاستصحاب مع فرض عدم المعارض، لا أنه حجة شرعا يسوغ له الكذب، فان ظاهر عبارة الشاهد بل صريحها كونه معلوما لديه حسا لا شرعا، ومن هنا لم تجز الشهادة بشهادة العدلين إلا على طريق التحمل وكونها شهادة فرع لا أصل. وحينئذ فلابد من حمل الخبر المزبور على جواز الشهادة لحصول ضرب من العلم، أو لان الاستصحاب كاف ولكن القضاء لا يكتفون إلا بالشهادة على الوجه المزبور، فسوغ له ذلك استنقاذا لمال المسلم أو على غير ذلك، كما أنه يجب إرادة ما يكون به الشاهد شاهدا من التحمل المزبور، لا أن المراد به الفرق بين الشهادة حال الاداء وحال التحمل، إذ هو واضح الفساد لان الشهادة حال واحد ومعنى واحد كما هو واضح.

[ 127 ]

وأما ما روي من جواز الشهادة على إقرار المرأة إذا حضر من يعرفها فمبني على استثناء مسألة التعريف من الضابط المزبور، ففي خبر ابن يقطين (1) عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) " لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها، فأما إذا كانت لا تعرف بعينها ولا يحضر من يعرفها فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظرون إليها " ورواه الصدوق إلى قوله (عليه السلام): " من يعرفها " ثم زاد " ولا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر فينظر إليها ". ولكن في صحيح الصفار (2) قال " كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها محرم هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها وإذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز ويثبتها بعينها ؟ فوقع (عليه السلام): تتنقب وتظهر للشهادة " وعن الصدوق أن هذا التوقيع عندي بخطه (عليه السلام) وهو محمول على التقية المستفادة من قوله (عليه السلام) في الاول " ولا يجوز عندهم " وربما يأتي لذلك تتمة إن شاء الله في مسألة اجتزاء الاعمى بالتعريف.


(1) الوسائل - الباب - 43 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الاستبصار - ج 3 ص 19 - الرقم 58 والفقيه ج 3 ص 40 - الرقم 132 عن أبي محمد الحسن بن علي (ع) ومن الغريب أنه لم يرو في الوسائل في المشار إليه إلا خبر علي بن يقطين ومن المحتمل قويا أن يكون ذلك ساقطا عند الطبع، فان الشيخ الحر (قده) ذكر في الفهرس بعد عنوان الباب أن فيه ثلاثة احاديث وقد جاء في الكتاب حديث واحد.

[ 128 ]

(و) كيف كان ففي المتن وغيره أن (مستندها) أي الشهادة (إما المشاهدة أو السماع أو هما، فما يفتقر إلى المشاهدة الافعال، لان آلة السمع لا تدركها، كالغصب والسرقة القتل والرضاع والولادة والزنا واللواط، فلا يصير شاهدا بشئ من ذلك إلا مع المشاهدة و) من هنا (يقبل فيه شهادة الاصم) كما هو المشهور، لعدم مدخليه السمع فيه. (و) لكن (في رواية) جميل (1) (يؤخذ بأول قوله لا بثانيه وهي) مع الطعن في سندها (نادرة) لم يعرف القول بها إلا من الشيخ في النهاية وتلميذه القاضي وابن حمزة، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة الاصم بالقتل، فقال: يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بالثاني " بل عن بعضهم الجواب عنها بالقول بالموجب، فان قوله الثاني إن كان منافيا لاول رد رأسا، لانه رجوع عما شهد به أولا فلا يقبل، وإن لم يكن منافيا لم يكن ثانيا، بل شهادة أخرى مستأنفة، وإن كان فيه ما فيه، بل قد يقال إن اختلاف قوليه مناف للضبط والعدالة المعتبرين في الشاهد، أللهم إلا أن يفرض افتراق زماني القولين طويلا بحيث لا ينافي الضبط المعتبر في الشهادة، وكيف كان فالامر سهل. إنما الكلام في اشتراط العلم بالمشاهدة الظاهرة بالابصار، فلو علم حينئذ شئ من ذلك بالتواتر أو بالخبر المحفوف بالقرائن أو بغير ذلك من طرق العلم لم تجز له الشهادة، مع أنك قد عرفت أن الضابط العلم الذى لا ينحصر طريقه بذلك مع عموم أدلة القبول، ومن هنا توقف فيه الاردبيلي والخراساني، وفي كشف اللثام " ولعله يمكن استناد الشهادة فيها إلى التواتر، فانه يفيد العلم كالمشاهدة، ويجوز أن يكون مراد


(1) الوسائل - الباب - 42 - من كتاب الشهادات - الحديث 3.

[ 129 ]

بجواز العلم بهذه الامور بالسماع من الجماعة الكثيرة بقرائن أو غيرها بحيث تيقن ولم تبق عنده شبهة أصلا كسائر المتواترات والمحفوفات بالقرائن فلا مانع من الشهادة حينئذ لحصول العلم قال " ونحوه صاحب الكفاية وهو في محله، إلا أن ظاهر كلمة الاصحاب الاطباق على الحكم المزبور، فان تم حجة وإلا فالرجوع إلى العموم أولى، إلا أن يمنع بتخيل أن ما دل عليه متضمن للفظ الشهادة، وهي لغة الحظور " وهو بالنسبة إلى العالم الغير المستند علمه إلى الحس من مثل البصر وغيره مفقود. إذ قد يقال له عرفا ولغة: إنه غير حاضر للمشهود، واشتراط العلم المطلق في ما مر من الفتوى والنص غير مستلزم لكفاية مطلقه بعد احتمال أن يكون المقصود من اشتراطه التنبيه على عدم كفاية الحظور الذي لم يفد غير الظن، بل لابد من إفادته العلم القطعي، ومحصله حينئذ أنه لابد مع الحظور من العلم لا أن مطلقه يكفي، هذا وربما كان في النبوي ونحوه إشعار باعتبار الرؤية ونحوها مما يستند إلى الحس الظاهري مع أن القطع المستند إلى الحس الباطني ربما يختلف شدة وضعفا، ولذا يتخلف كثيرا، فلعل الشاهد المستند علمه إليه يظهر عليه خلاف ما شهد به، فكيف يطمئن بشهادته، وهذا الخيال وإن اقتضى عدم الاكتفاء بالعلم المتند إلى التسامع والاستفاضة في ما سيأتي إلا أن الاجماع كاف في الاكتفاء به فيه، مضافا إلى قضاء الضرورة ومسيس الحاجة إليه اللذين استدلوا بهما للاكتفاء به فيه، وهذا أوضح شاهد على أن الاصل في الشهادة عندهم القطع المستند إلى الحس الظاهري اعتبارا منهم فيها للمعنى اللغوي مهما أمكنهم، وهذا الوجه من الخيال وإن كان ربما لا يخلو عن نظر إلا أن غاية الاشكال الناشئ منه ومن الفتاوى والعمومات الرجوع إلى حكم الاصل ومقتضاه، ولاريب أنه عدم القبول، فإذا الاجود ما قالوه لكن مع تأمل ".

[ 130 ]

وهو من غرائب الكلام، ضرورة اقتضائه عدم صحة الشهادة لنا الان لامير المؤمنين (عليه السلام) بنصب النبي (صلى الله عليه وآله) له إماما يوم غدير خم، لانه واصل إلينا بطريق التواتر ولم نكن حاضرين وقت النصب، ولا على أبي بكر وعمر بغصب فدك من الزهراء البتول (سلام الله عليها) بل ولاغير ذلك مما وصل إلينا بالتواتر أو بالاخبار المحفوفة بالقرائن، بل وليست شهادتنا أن لا إله إلا الله تعالى شأنه وأن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله شهادة حقيقة، لعدم الحضور فيها. وبالجملة لاريب في سقوط الكلام المزبور خصوصا مع ملاحظة ما ورد (1) من صحة شهادة الاعمي إذا أثبت زيادة على ما عرفت من كون المدار على العلم، بل لعل الاصحاب لا يخالفون في ذلك، وإنما غرضهم في الكلام المزبور استثناء ما يثبت بالسماع وإن لم يصل إلى حد العلم في الامور السبعة أو الازبد كما تعرف، لا اعتبار كون الشهادة بطريق البصر بحيث لا يجوز غيره وإن حصل العلم القطعي حتى بالتواتر ونحوه مما ينتهي إلى المشاهدة أيضا بالواسطة، وقد عرفت سابقا أن الشهادة عرفا هي الاخبار الجازم على الوجه المزبور من غير مدخلية للحضور فيها، كما أنك عرفت في الاصول استفادة العلم الضروري من المتواتر الذي هو كعلم المشاهدة، بل من المعلوم أيضا عدم اختصاص الشهادة عندهم بالرؤية والسماع اللذين ذكروهما، ضرورة صدقها على المعلوم بغيرهما من الحواس الخمس كالذوق في المذوقات والشم في المشمومات واللمس في الملموسات. ومن الغريب قوله: ء " وهذا أوضح " إلى آخره، ضرورة أن من اعتبر العلم بالاستفاضة لم يخرجه عن الضابط المزبور حتى يحتاج إلى إجماع أو غيره، نعم من اكتفى فيها بمطلق الظن أو الظن المتاخم للعلم أخرجها


(1) الوسائل - الباب - 42 - من كتاب الشهادات.

[ 131 ]

عن الضابط المزبور، للادلة التي ذكروها، كما أن من المعلوم عندهم خروج الشهادة عن المعنى اللغوي الذي هو بمعنى الحضور، إذ قد عرفت تعريفهم لها بالاخبار الجازم، بل الظاهر عدم اعتبار كون العلم بالحواس الخمس فيها، ضرورة صدق العلم المعتبر فيها مع الحاصل منها ومن غيرها، فالتحقيق حينئذ كونه هو الضابط فيها. نعم قد يشتبه على بعض المتسرعين معرفته، فيتخيل الظن الغالب علما، كما أنه قد يقطع مما لا يفيد القطع، وهذا الذي أشار إليه أنه غالبا يتخلف، خصوصا إذا انضم إليه بعض الاغراض النفسانية بخلاف العلم الحاصل بالامور المفيدة له عرفا عند المستقيمين الخالين عن الاغراض الذين لهم قابلية النقد والتمييز بين المراتب، فانه لا يتخلف غالبا، واتفاق تخلصه غير قادح، كما أنه قد يتخلف العلم بالحس لاشتباه ونحوه، والله العالم. (و) أما (ما يكفي فيه السماع ف‍) - في المتن هنا (النسب والموت والملك المطلق، لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الاغلب، ويتحقق كل واحد من هذه بتوالي الاخبار من جماعة لا يضمهم قيد المواعدة أو يستفيض ذلك حتى يتاخم) بحد (العلم، وفي هذا عندي تردد) ثم ذكر بعد ذلك النكاح والوقف، ونحوه غيره. لكن فيه أن المراد بالسماع هنا التسامع المسمى بالشياع تارة وبالاستفاضة أخرى، وهو غير الذي جعله قسيما للمشاهدة بقوله: " ومستندها إما المشاهدة أو السماع أو هما " ضرورة كون المراد به ما يعلم بالسمع الذي تجوز فيه شهادة الاعمى كما هو ظاهره في القسم الثالث، فلا إشكال في سماجة العبارة وما شابهها، وأسمجها عبارة الدروس المزبورة، نعم أحسنها عبارة الارشاد، حيث قال في ذكر شرائط الشاهد " العلم، وهو شرط في جميع ما يشهد به إلا النسب والملك المطلق والموت والنكاح والوقف

[ 132 ]

والعتق والولاء، فقد اكتفى في ذلك بالاستفاضة بأن يتوالى الاخبار من جماعة من غير مواعدة، أو يشتهر حتى يقارب العلم " إلى آخره، والامر سهل. إنما الكلام في أصل المسألة، وهو الاكتفاء بالتسامع، وظاهرهم الانفاق عليه في الجملة وإن حكي عن الاسكافي الاقتصار فيه على النسب خاصة، وعن الاصباح ثلاثة: النسب والموت والملك المطلق، والنافع والتبصرة أربعة بحذف الموت وزيادة النكاح والوقف، وفي القواعد ومحكي المبسوط والوسيلة وجامع المقاصد والاقتصاد والتلخيص سبعة، بزيادة العتق وولاية القاضي على ما في المتن، وعن الوسيلة وجامع المقاصد " الولاء " بدل " الولاية " وفي التحرير ثمانية بزيادة الولاء وعن غيره زيادة تاسع، وهو الرق، وفي شرح الصميري عشرة بزيادة العدالة، بل قال: " هذا هو المحقق من فتاوى الاصحاب " بل قيل بزيادة سبعة عشر إليها، وهي العزل والرضاع وتضرر الزوجة والتعديل والجرح والاسلام والكفر والرشد والسفه والحمل والولادة والوصاية والحرية واللوث الغصب والدين والاعسار ولم نعثر في شئ من النصوص الواصلة إلينا على ما يستفاد منه حكم ذلك إلا مرسل يونس (1) " خمسة أشياء يجب على الناس الاخذ بها بظاهر الحكم: الولايات والمناكح والذبائح والشهادات والانساب " والخبر المشتمل على قضية اسماعيل وإعطائه الدراهم لشارب الخمر (2) وقد ذكرناهما في كتاب القضاء (3) وذكرنا الكلام فيهما، وقد اشتمل الاول منهما


الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوديعة - الحديث 1. (3) راجع ج 40 ص 55 - 56.

[ 133 ]

على غير ما ذكره الاصحاب. وكيف كان فقد اتفق الجميع على ثبوت النسب به. نعم في المسالك وبعض أتباعه التشكيك في ثبوته بالنسبة إلى الام والجدات، لامكان رؤية الولادة، وفيه أن ذلك وإن كان ممكنا إلا أنه لا يطلع عليه غالبا إلا النساء بالاقاويل منهن، ولذا اكتفى بشهادتهن، فهو في الحقيقة مما لا يمكن رؤيته في العادة، على أنه بالنسبة إلى الجدات العاليات غير ممكن، لان شهادة الفرع في الثالثة غير مسموعة، والتواتر بحيث يرجع إلى محسوس في الطبقة الاولى متعذر أو متعسر، ومن هنا أطلق الاصحاب النسب من غير فرق بين الاب والام. هذا ولكن في المسالك " وصفة التسامع في ذلك أن يسمع الشاهد الناس ينسبون المشهود بنسبه إلى ذلك الرجل أو القبيلة، ولا يعتبر التكرار ولا امتداد مدة السماع وإن كان الحكم به آكد، بل لو حضر جماعة لا يرتاب في صدقهم فأخبروه دفعة واحدة على وجه أفاد الفرض جاز له الشهادة، ويعتبر مع انتساب الشخص ونسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة والريبة، فلو كان المنسوب إليه حيا فأنكر لم تجز الشهادة، ولو كان مجنونا جازت كما لو كان ميتا، وفيه وجه بالمنع، لاحتمال أن يفيق فينكر، وهل يقدح في ذلك طعن من يطعن في النسب ؟ وجهان أظهرهما مراعاة الشرط، وهو الظن المتاخم أو العلم ". قلت: بناء على أن الشياع من الطرق الشرعية لاثبات ما يثبت به لا يجدي معه إنكار المنكر ولا طعن الطاعن، بل ليس ذكر الاصحاب له هنا وفي كتاب القضاء إلا لارادة القضاء به مع تحققه على المنكر كالبينة، وستسمع كثيرا من كلامهم المتضمن للاثبات به على من ينكر مضمونه، ولولا ذلك لامكن القول بكونه طريقا لاجراء الاحكام عليه في يد الناس،

[ 134 ]

بمعنى الاذن للناس في إجراء أحكام الواقع على المشاع، فيعامل ولد زيد المشاع معاملة غيره، وكذا الموت وغيرهما مما جرت السيرة والطريقة على استعماله بالشياع المزبور غير ملتفتين إلى كونه موافقا للواقع وعدمه، لا أنه طريق للقضاء والتخاصم على وجه بحيث لو أنكر المنسوب إليه مثلا الولد يحكم عليه بالشياع، وكذا لو أنكر أحد الورثة موت المورث يحكم عليه بالشياع إلا أن ظاهر الاصحاب الاتفاق على أنه في ما يثبت به طريق للحاكم أيضا كالبينة وغيرها من الموازين الشرعية بل يمكن أيضا استفادته من المرسل المزبور (1) وحيئنذ فإذا ثبت الشياع في ما يثبت به ولو ببينة عادلة أنفذ الحاكم الحكم على مقتضاه. نعم قد يقال إن الشياع المسمي بالتسامع مرة وبالاستفاضة أخرى معنى وحداني وإن تعددت أفراده بالنسبة إلى حصول العلم بمقتضاه والظن المتاخم له ومطلق الظن إلا أن الكل شياع وتسامع واستفاضة، فمع فرض قيام الدليل على حجيته من سيرة أو إجماع أو ظاهر المرسل (2) أو خبر اسماعيل (3) أو غير ذلك لم يختلف الحال في أفراده المزبورة التي من المقطوع عدم مدخليتها فيه، بل هي في الحقيقة ليست من أفراده، وإنما هي أحوال تقارن بعض أفراده كما نجده بالوجدان بملاحظة أفراده. ولكن على كل حال فاثبات حجيته والقضاء به وإجراء الاحكام عليه لا يقتضي جواز الشهادة بمضمونه وإن لم يقارنه العلم، لما عرفته من اعتبار العلم في الشهادة وكونه كالشمس والكف، نعم يشهد الشاهد بوجوده والحاكم ينفذ الحكم على مقتضاه إلا في صورة إفادته العلم، فللشاهد أن يشهد بمقتضاه حينئذ بناء على الاكتفاء به فيها من أي طريق يحصل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 من كتاب القضاء. (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوديعة - الحديث 1.

[ 135 ]

ولذا لم تجز الشهادة بمقتضى الاستصحاب من الملك الان أو مقتضى البينة الشرعية بناء على عموم حجيتها. وبذلك كله يظهر لك سقوط البحث في أنه هل يعتبر فيه الظن المتاخم أو العلم وأن في ذلك قولين، بل في الرياض جعل الاقوال ثلاثة بزيادة مطلق الظن ونسبة كل قول إلى قائل وذكر الادلة لذلك، إذ قد عرفت أن هذه الاحوال لامدخلية لها في حجية الشياع. كما أنه ظهر لك منه أن الشياع والتسامع والاستفاضة على أحوال ثلاثة: أحدها استعمال الشائع المستفيض وإجراء الاحكام عليه، والثاني القضاء به، والثالث الشهادة بمقتضاه، أما الاول فالسيرة والطريقة المعلومة على أزيد مما ذكره الاصحاب فيه، فان الناس لا زالت تأخذ الفتوى بشياع الاجتهاد، وتصلى بشياع العدالة، وتجتنب بشياع الفسق، وغير ذلك مما هو في أيدي الناس، وأما القضاء به وإن لم يفد العلم فالاولى الاقتصار فيه على السبعة بل الخمسة بل الثلاثة بل النسب خاصة، لانه هو المتفق عليه بين الاصحاب، وأما الشهادة به فلا تجوز بحال إلا في صورة مقارنته للعلم بناء على الاكتفاء به في الشهادة مطلقا. وظني أن من يقف على كلامنا هذا يستبشعه ويستنكره، لخلو كلام الاصحاب عن تحريره على الوجه المزبور، وإنما فيها الاطناب بذكر المناسبات التي لا تصلح دليلا شرعيا، وإنما هي أشبه شئ بالعلل النحوية التي تذكر بعد السماع، بل جملة منها حقيقة بأن لا تسطر لما فيها من تشويش الذهن، ومنعه عن الوصول إلى الحق، خصوصا الاذهان المعتادة على التقليد وإثبات عصمة لغير العمصوم ونسأل الله تعالى التأييد والتسديد. (و) لعله لما عرفت (قال الشيخ: لو شهد عدلان فصاعدا صار السامع متحملا وشاهد أصل، لا شاهدا على شهادتهما، لان

[ 136 ]

ثمرة الاستفاضة الظن) المنافي للشهادة العرفية، ومع ذلك جازت الشهادة به، وليس إلا لكونه معتبرا شرعا في إثبات المظنون بها، إذ لادليل بالخصوص على جواز الشهادة بها إلا دليل ثبوت هذه الامور بها إن كان (وهو) بعينه (حاصل بهما) ضرورة كونه ظنا معتبرا شرعا في إثبات المشهود به، فإذا كان ذلك كافيا في جواز الشهادة به اتجه جوازها به من غيره فرق بين الاستفاضة والشهادة. (وهو ضعيف) لا (لان الظن يحصل بالواحد) الفاسق، لما عرفت أن ذلك ليس مبنى كلامه، بل ضعفه لما عرفت من منع جواز الشها دة بالاصل الذي هو الاستفاضة فضلا عن الفرع، إذ الاثبات بذلك شئ والشهادة بمقتضاه شئ آخر، وكون ذلك علما شرعيا لا يقتضي تحقق مسماها المعتبر فيه العلم العرفي لا ما جعله الشارع بحكم العلم بالنسبة إلى إجراء الاحكام كما هو واضح، ومنه يظهر لك النظر في جملة من الكلام هنا. (فرع) (لو سمعه يقول للكبير: هذا ابني) مثلا (وهو ساكت أو قال: هذا أبي وهو ساكت قال) الشيخ (في المبسوط: صار متحملا، لان سكوته في معرض ذلك رضا بقوله عرفا، وهو) جيد إن انضم إلى ذلك قرائن أفادت العلم بالحال، أما السكوت من حيث إنه سكوت ف‍ (بعيد) كونه دالا على الرضا عرفا، بل ممنوع (لاحتماله غير الرضا) قطعا احتمالا مساويا لاحتمال الرضا، وليس في الادلة الشرعية ما يقتضي

[ 137 ]

الحكم برضاه، نحو ما ورد (1) في سكوت البكر، مع أن الاقوى في ذلك اعتماد القرائن أيضا. (تفريع على القول) بالشهادة (بالاستفاضة) وإن لم تفد العلم. (الاول: الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب مثل البيع والهبة والاستغنام، لان ذلك لا يثبت بالاستفاضة) التي هي طريق لاثبات أمور مخصوصة (فلا يعزي) الشاهد (الملك إليه مع) فرض (إثباته بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة) وإلا كان گاذبا في النسبة المزبورة التي لا طريق له شرعي ولا عرفي إلى تحققها كي يشهد بها. (أما لو عزاه إلى الميراث) مثلا (صح، لانه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة) بلا خلاف وإن احتمل عدم ثبوته بها، لامكان المشاهدة فيه، لكن لا يخفى عليك تعسره غالبا، ولكن لو عزاه في الاول وكان على وجه لم يخرج به عن العدالة ففي قبول شهادته بالملك دونه وجه قوي، (و) ذلك لان (الفرق) حينئذ بينه وبين الثاني بالنسبة إلى ذلك (تكلف، لان الملك إذا) فرض صحة (ثبوته بالاستفاضة (2) لم تقدح الضميمة) إليه بكونه عن بيع (مع حصول ما يقتضي جواز الشهادة) خصوصا بعد ما تقدم من جواز التبعيض في الشهادة، بل ينبغي الجزم بذلك إذا فرض كون الشهادة بالملك وأنه عن شراء مثلا، أما إذا كانت بلفظ الشراء فقد يشكل ثبوت الملك بها لصدق كونها شهادة واحدة، ولان عدم ثبوت الفصل يقتضى عدم ثبوت الجنس الذي في ضمنه، والفرض عدم استفاضته إلا به، أللهم إلا أن يقال: إن ذلك من قبيل إثبات السرقة بالنسبة إلى المال دون القطع، ومرجعه إلى إجراء


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب عقد النكاح من كتاب النكاح. (2) وفي الشرايع " لان الملك إذا ثبت بالاستفاضة... "

[ 138 ]

الاحكام صرفا لا إثبات موضوع فتأمل جيدا. وعلى كل حال ففي المسالك " تظهر الفائدة في ما لو كان هناك مدع آخر وله شهود بالملك وسببه من غير استفاضة، فان بينته تترجح على بينة هذا الذي لم تسمع إلا في المطلق المجرد عن السبب، وفي القسم الاول - أي الذي يثبت فيه السبب بها - يتكافئان، ولو كانت بينة الاخر شاهدة له بالملك المطلق رجحت بينة ذي السبب الذي يثبت بالاستفاضة عليه وكافأت بينة الاخر الذي لم يثبت سببها بالاستفاضة ". وهو جيد لكنه مبني على مساواة بينة الاستفاضة لغيرها، وقد يناقش فيه بما تعرفه من عدم معارضتها لليد فضلا عن بينة الملك، وبأنه مع فرض كون المستفاد منها ظنا ولو المتاخم للعلم لا تعارض الجازمة، والله العالم. (الثاني) إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة هل يفتقر) سماعها (إلى مشاهدة) الشاهد بها (اليد والتصرف) بالبناء والهدم مثلا ممن استفاض له الملك لامكان الاطلاع على ذلك فيضم إليها ويقوم مقام ذكر السبب أو يفتقر الشاهد بالملك بها إلى مشاهدة اليد والتصرف لضعف دلالتها عليه بدونهما بخلاف ما إذا اجتمعت الثلاثة فانه أقصى الممكن ؟ وعلى كل حال ف‍ (- الوجه) أنه (لا) يشترط، لاطلاق مادل على قبول شهادة العدل، واليد والتصرف ليسا من الاسباب، فلو فرض اشتراط الاطلاع على السبب لم يقوما مقامه، كما أن الملك المستفاد منها بناء على أنها طريق من طرقه لا يفتقر الشهادة به بعد إلى شئ آخر زائد عليها نحو الملك المستفاد من كل واحد منهما. و (أما لو كان لواحد يد وللاخر سماع مستفيض) احتمل

[ 139 ]

ترجيح السماع لانه يفيد الملك الحالي، وقد تقدم في القضاء (1) أن البينة بالملك مقدمة على اليد، لان اليد تحتمل غير الملك من العارية والاجارة بل والغصب بخلاف الملك (ف‍) - انه صريح في معناه. ولكن (الوجه) عند المصنف (ترجيح اليد، لان السماع قد يحتمل إضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك وغيره، فلا تزال اليد بالمحتمل). وفيه أنه إنما يتم كما في المسالك " إذا كان محصله أن الدار لفلان مثلا، فان اللام تحتمل الملك والاختصاص الذي هو أعم منه، أما إذا كان محصله أن الدار ملك فلان لم يتم، لانه صريح في المقصود بخلاف اليد، ثم قال: ولابد من فرض المسألة على الوجه الاول ليتم التعليل، ويناسب الحكم المتقدم من ترجيح الملك على اليد وإن كان إطلاق البينة المستند إلى الاستفاضة أعم من ذلك ". قلت: صريح كلامه الاول الشهادة بالملك، وحينئذ يكون ما ذكره من الاحتمال على تقديره بمعنى أنه وإن اشتهر الملك لكن يمكن كون الواقع الاختصاص وشاع الملك، أو أن المراد بالملك الشائع الاختصاص وإن كان هو كما ترى، ضرورة ضعف الاحتمال المزبور بالنسبة إلى احتمال اليد، نعم لو فرض كون الشياع على وجه النسبة والاضافة أمكن دعوى قوة الاحتمال فيه بالنسبة إلى احتمال اليد، بل قد يتوقف في أصل حجيته فضلا عن معارضة اليد، لانه إنما يثبت الملك، والفرض عدم شيوعه بل شيوع شئ ظاهر فيه، وهو غير شيوعه، ولم يثبت حجية الشياع في ما يظهر منه الملك، بل هو أشبه شئ بالشيوع الاطلاقي في إثبات النسب كما يقال سيد فلان ولم يشع فلان سيد، وفلان الخزاعي دون فلان من خزاعة.


(1) راجع ج 40 ص 444.

[ 140 ]

(مسائل ثلاث:) (الاولى:) (لاريب) بل لا خلاف كما في الكفاية في (أن التصرف بالبناء والهدم والاجارة) ونحو ذلك بعنوان الملك (بغير منازع) ينازعه في ذلك (يشهد له بالملك المطلق) إذا كان مع ذلك استفاضة أيضا، بل في المسالك وعن الشيخ الاجماع عليه، بل المشهور ذلك وإن لم يكن معه استفاضة، بل لعل ظاهر نفي الريب فيه في المتن مع ذكره الاشكال في اليد دونه كونه مجمعا عليه، بل عن الخلاف التصريح به، بل عن المبسوط نسبته إلى روايات الاصحاب مشعرا به أيضا وإن كنا لم تعثر منها إلا على خبر حفص بن غياث (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي أن اشهد أنه له ؟ قال: نعم، قال الرجل: إنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): فيحل الشراء منه ؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): فلعله لغيره من أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد ذلك الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟ ! ثم قال الصادق (عليه السلام): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق ". بل ظاهره الاكتفاء باليد فضلا عن التصرف المزبور الذي هو المشهور أيضا على ما قيل، بل قيل: لا خلاف فيه محقق وإن استشكل فيه المصنف في ما تسمع ولم يستشكل في التصرف، وهو وإن كان ضعيف


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 من كتاب القضاء.

[ 141 ]

السند إلا أنه منجبر بما عرفت، بل في المسالك " أنه موافق للقوانين الشرعية ولكن لم نعثر على غيره من النصوص ". نعم في الرياض " قريب منه الصحيح المروي في الوسائل عن علي ابن إبراهيم في تفسيره في حديث فدك (1) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين، قال: لا، قال: فان كان يد المسلمين على شئ يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة ؟ قال: إياك أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعده ولم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوه علي كما سألتني البينة على ما ادعيته عليهم ؟ الخبر. ولولا أن لليد أثرا في إفادة الملك لما كان لذكره وجه، فتدبر. وقريب منها النصوص الكثيرة الواردة في تعارض البينات (2) الدالة على ترجيح بينة ذي اليد أو الخارج إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في دلالة اليد على الملكية ". وفيه ما لا يخفى من كون محل البحث الشهادة على ما يقتضيه ظاهر اليد وهو الملك، لا اقتضاء نفس اليد الملك، فان ذلك لا إشكال فيه ولا بحث، ضرورة عدم التلازم بين كونها طريقا شرعيا ظاهريا للحكم بالملك وبين الشهادة على الملك التي قد عرفت اعتبار العلم فيها لغة وعرفا، وإجراء حكم الملك المعلوم للامارة الشرعية لا يقتضي العلم بكونه ملكا وإلا لاقتضى الاستصحاب وشهادة العدلين وغيرهما ذلك أيضا، وهو معلوم البطلان. وفي المسالك " واعتبر في التصرف التكرر، لجواز صدور غيره من


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 من كتاب القضاء. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

[ 142 ]

غير المالك كثيرا، وكذلك عدم المنازع، إذ لو وجد لم يحصل الظن الغالب بملك المتصرف ". ولاحد للمدة التي ينصرف فيها ويضع يده على الملك، بل ضابطها ما أفادت الامر المطلوب من الاستفاضة، بل عن الخلاف التصريح بعدم الفرق بين الطويلة والقصيرة، وعن المبسوط جعل القصيرة نحو الشهر والشهرين غير كاف، ونقل قولين في الطويلة كالسنة فقيل: يجوز، وقيل: لا تجوز الشهادة بالملك، لوقوع ذلك من غير المالك كالوكيل والمستأجر والغاصب، فانهم أصحاب يد وتصرف وخصوصا الاجارة، لانها وإن تكررت فقد تصدر من المستأجر مدة طويلة، ومن الموصى له بالمنفعة، وكذا الرهن قد يصدر من المستعير متكررا، واقتصر على نقل القولين ولم يرجح أحدهما، وفي كشف اللثام " وقطع في التبصرة بالعدم (1) بناء على أن مثل ذلك يتفق كثيرا في الزمان القصير من غير المالك " وفي التحرير احتمال الفرق بين الاجارة المتكررة وبين التصرف بالبناء والهدم والبيع والرهن. إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تخلو من تشويش، ضرورة أنه إذا كان المدار على التصرف الذي يجوز الشراء منه معه والحلف عليه بعد الشراء منه لو وقعت فيه مخاصمة كما هو ظاهر الخبر المزبور، فاليد فضلا عن التصرف المزبور كاف في ذلك، حتى لو ظن عدم الملكية له، وإن كان المراد من ذلك حصول العلم بالملك من ذلك أو مرتبة


(1) وفي كشف اللثام المطبوع " وقطع في القصيرة بالعدم " تتمة لما ذكره الشيخ (قده) في المبسوط حيث نقل عنه وقال: " وفرق في المبسوط بين المدة الطويلة والقصيرة، فحكى في الطويلة قولين: جواز الشهادة وعدمه ولم يرجح، وقطع في القصيرة بالعدم... "

[ 143 ]

خاصة من الظن كما يظهر مما سمعته من المسالك فلا حاجة إلى هذه الكلمات، بل يكون ذلك هو الضابط، وأفراده مختلفة، ومن ذلك يظهر لك عدم صحة الاجماع المزبور، بل لعله لذا توقف في الحكم المزبور جماعة، بل عرفت أنه ظاهر الشيخ أيضا، حيث اقتصر على نقل القولين من غير ترجيح، بل في النافع الاولى الشهادة بالتصرف دون الملكية، لانه دلالة على الملك وليس بملك. وفي المتن (أما من في يده دار فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد، وهل يشهد له بالملك المطلق ؟ قيل: نعم، وهو المروي (1) وفيه إشكال من حيث إن اليد لو أوجبت الملك لم يسمع دعوى من يقول الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي). ولا يخفى عليك أن مثله جار في التصرف فلا وجه للفرق بينهما، ولقد أطنب في الرياض بما لا محصل له عند التأمل، ضرورة أن مرجعه الاستناد إلى الخبر المزبور المجبور بدعوى الشهرة العظيمة، بل عدم الخلاف بل الاجماع بل وباطلاق النصوص (2) القاضية بدلالة اليد على الملكية المعتضدة بالضرورة بين المسلمين، وقد عرفت أن الاخير لامدخلية له في ما نحن فيه. ومنه يعلم أن مراد حاكي الاجماع ذلك أيضا بل ونافي الخلاف، بل إذا أمكن حمل كلام المشهور عليه كان من حسن الظن المأمور به المؤمن، ضرورة أن المعنى المزبور غير قابل لمجئ الخبر به، لرجوعه إلى جواز التدليس والكذب في أخذ أموال الناس، إذ قد عرفت سابقا أن بينة الملك لا تعارضها بينة التصرف، لان الاولى نصة والثانية ظاهرة، والنص لا يعارض بالظاهر، فإذا فرض في ما نحن فيه أن للخصم بينة بملك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 - 0 - من كتاب القضاء.

[ 144 ]

العين والاخر بينة بالتصرف يجوز لبينته أن تشهد بالملك والفرض أن لاعلم لها إلا بالتصرف كي تعارض البينة الاخرى ويفزع إلى الترجيح، وهل هو إلا تدليس محض وكذب واضح وتطرق لاخذ المال بغير الطرق الشرعية ؟ ومثله لا يقبل فيه خبر الواحد، فلا بد من حمل الخبر المزبور (1) على صورة حصول العلم بالملك من ذلك، أو على الشهادة مسندا له إلى اليد، أو على إرادة الشهادة به اتكالا على علم الحاكم بأن مأخذه من ذلك، أو على إرادة النسبة بأنه له التي هي من توابع الملك بمعنى الاطلاق المتعارف لا الشهادة عند الحاكم التي يختلف الحكم باختلافها، بل ظاهر قوله (عليه السلام) في الاخر: " لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق " أو صريحه كون العمل على ملك ذي اليد الذي لا منازع له، لا الشهادة التي ذكرناها، فانه لا مدخلية لسوق المسلمين فيها، بل الشهادة بالواقع الذي يعلمه لا ينافي قيام السوق، ولا يتوقف قيامه على الكذب والتدليس، بل قوله (عليه السلام) أخيرا: " ولا يجوز أن تنسبه كالصريح في إرادة هذا المعنى من الشهادة المزبورة لا التي تقام عند الحاكم ويتخلف الحكم باختلافها. ولعل هذا المعنى المذكور في الرواية هو الذى أشار إليه في الرياض بأن الضرورة تقتضي الحكم بملكية اليد، وهو كذلك، لكنه غير الشهادة به، فانها من الطرق الشرعية لاثبات حكم الملك كغيرها من الطرق التي منها إخبار المرأة بخلوها من الحيض ومن الزوج وغيرهما مما يقبل فيه خبرها لكن لا تجوز الشهادة بذلك. ومن الغريب ما في كشف اللثام من تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على أثر الاسباب الشرعية، فانها أيضا محتملة للفساد


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 2 من كتاب القضاء.

[ 145 ]

كما تحتمل الطرق التخلف. وفيه أولا أن من الواضح الفرق بينهما، ضرورة أن الشارع قد جعل السبب في الظاهر سببا للاثر فيه على وجه لم يتخلف عن مقتضاه بخلاف الطريق، فانه قد جعله طريقا مع تخلفه، إذ التصرف قد يجامع غير الملك بخلاف البيع الصحيح بحسب الظاهر، فانه لا يتخلف عن اثره فيه كالسبب في الواقع، وإن أبيت عن ذلك وفرضت صورة يختلف فيها الشهادة بالسبب وبأثره لم تجوز الشهادة بالاثر أيضا، بل لابد فيها إذا كانت عند الحاكم من الشهادة بالسبب نفسه. ولعله لذا أوجب الاصحاب ذكر السبب في الشهادة بالجرح، ولم يجوزوا الشهادة بالاثر، لاحتمال كونه غير مسبب عند الحاكم، وليس هو إلا للتجنب عن التدليس والتلبيس ونحوهما، ومنه المقام حتى مع عدم المعارض أيضا، لان الشهادة بالاثر تقطع معارضة الخصم لو أرادها، والفرض أن واقع الشاهد غيره، أو على غير ذلك مما يوافق القوانين الشرعية. ومن ذلك يعرف أنه لا وجه لما في المسالك من دعوى موافقة الخبر المزبور للقوانين الشرعية، إذ من المعلوم أنها تقتضي كون الشهاد لا يشهد إلا بعلم وإلا على مثل الشمس ومثل الكف، والفرض أنه يشهد بمشكوك فيه أو مظنون العدم وإن جوز الشارع شراءه ممن في يده كذلك، لكن ذلك لا يقتضي الشهادة بملكيته له، إذ من المعلوم أن الشارع لم تكن له حقيقة شرعية في الشهادة، بل ولا مراد شرعي، بل هي باقية على المعنى الذي هو الاخبار الجازم على الوجه المخصوص: فأي مدخلية للثبوت الشرعي في تحقق معناها العرفي، نعم إذا أراد الشهادة على مثل الشمس يشهد بالتصرف نفسه وباليد نفسها، فيحكم الحاكم بمقتضاها. ومن ذلك كله يظهر لك عدم الفرق بين اجتماع الاستفاضة والتصرف

[ 146 ]

واليد وافتراقها مع فرض عدم حصول العلم وإن وقع في جملة من العبارات الاجماع على جواز الشهادة به مع اجتماع الثلاثة وأنها أقصى الممكن، لكن ذلك يجب حمله على صورة استفادة العلم أو غير ذلك مما سمعته في الخبر المزبور، وإلا فالمعنى المذكور لا يجدي فيه هذه الاجماعات المنافية للعقل والنقل بل لما هو كضروري المذهب والدين، على أن الشهادة بخلاف ما عند الشاهد ليس أقصى الامكان، ضرورة أن من الممكن الشهادة له بنفس الواقع، وهو التصرف واليد والاستفاضة، وما رأيت أحدا تنبه لما ذكرناه إلا الاردبيلي، فانه قد ذكر بعضا منه، بل قال في آخر كلامه لا تجوز الشهادة بدون العلم حتى مع اجتماع الثلاثة. ويظهر أيضا من الشهيد في النكت في المقام أنه لا تجوز بالملك إلا مع استفادة العلم من طريقه، وقد سمعت عبارة المصنف في النافع وتعليله المقتضي لعدم جواز الشهادة حتى مع اجتماع الثلاثة، بل تعليل المصنف هنا يقتضي ذلك، ولا أظنك بعد التأمل في ما ذكرنا تغتر بنقل إجماع أو خبر منجبر أو غير ذلك. أللهم إلا أن يقال: إنك بعدما عرفت من أنه لا حقيقة شرعية للشهادة ولا مراد شرعي، بل هي باقية على المعنى العرفي، فكل ما صحت النسبة فيه عرفا من الطرق الشرعية والاسباب الشرعية جازت الشهادة به لامن حيث كونها طريقا شرعيا كي ينقض بشهادة الشاهدين ونحوهما، بل لصدق النسبة عرفا، وهذا هو المراد بقولهم: إن الشهادة مع اجتماع الثلاثة أقصى الممكن، كما أنه يلوح من اعتبار التصرف طويلا واليد كذلك وغير ذلك من الاعتبارات أن المراد ما به يتحقق النسبة العرفية من هذه الطرق الشرعية، فربما شك بعضهم في تحقق النسبة المزبورة بالتصرف القصير وبالاجارة وباليد المجردة ونحو ذلك، وحينئذ يكون المدار

[ 147 ]

في الشهادة بمقتضى الاسباب والطرق على ما يتحقق بها النسبة العرفية، أي كونه مالا له وملكا من أملاكه، وكذلك اليمين، أما ما كان من الطرق الشرعية ما لا يحصل معها النسبة العرفية وإن حكم شرعا من جهتها بالملك فلا يشهد بها كالاستصحاب وشهادة العدلين ونحوهما. وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في المقام، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه وإن جاز ذلك لكن في مقام خوف التدليس باعتبار تعارض البينات مثلا ينبغي المحافظة على بيان الواقع، ولا يخفى عليك جريان جميع ما ذكرنا في الشياع وغيره، والله العالم. المسألة (الثانية:) قال المصنف: (الوقف والنكاح يثبت بالاستفاضة، أما على ما قلناه) أي من اعتبار العلم فيها (فلا ريب فيه) لانه ليس وراءه شئ (وأما على الاستفاضة المفيدة لغالب الظن فلان الوقف للتأبيد، فلو لم يسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف مع امتداد الاوقات وفناء الشهود، وأما النكاح فلانا نقضي بأن خديجة (عليها السلام) زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) كما نقضى بأنها أم فاطمة (عليها السلام) ولو قيل إن الزوجية تثبت بالتواتر كان لنا أن نقول التواتر لايتم إلا إذا استند السماع إلى محسوس، ومن المعلوم أن المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد ولا عن إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) بل نقل الطبقات مستند إلى الاستفاضة التي هي مستند الطبقة الاولى، ولعل هذا أشبه بالصواب). ولكن لم يعلم غرض المصنف بهذا الكلام، إذ هو إن كان لبيان

[ 148 ]

ثبوت النكاح والوقف بالاستفاضة بمعنى القضاء بهما بذلك فقد ذكر في كتاب القضاء (1) أنه يثبت بها السبعة، واحتمال اعتبار العلم في القضاء بها بغيرهما بخلافهما فيكفي الاستفاضة المفيدة لغلبة الظن لما ذكره من الدليل يصعب البرهان عليه، بل النسب أولى منهما بذلك، كما أنه يصعب إن كان المراد جواز الشهادة بمقتضاها فيهما خاصة وإن لم تفد العلم بخلاف غيرهما، فيعتبر في الشهادة بمقتضاها فيه العلم وإن كان هو الذي فهمه منه بعضهم. وأورد على كلامه الاخير في المسالك بأن الطبقة الاولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين بالغون حد التواتر وزيادة، لان النبي (صلى الله عليه وآله) كان ذلك الوقت من أعلى قريش، وعمه أبو طالب (عليه السلام) المتولي لتزويجه كان حينئذ رئيس بني هاشم وشيخهم ومن إليه مرجع قريش، وخديجة أيضا كانت من أجلاء بيوتات قريش، والقصة في تزويجها مشهورة، وخطبة أبي طالب عليه السلام في المسجد الحرام بمجمع من قريش ممن يزيد عن العدد المعتبر في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الاولى إلى مشاهدة العقد وسماعه ظاهر المنع، وإنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على هذا المطلوب. وفيه أن جلالتهم وشهرتهم وغير ذلك لا تقتضي معلومية مشاهدة العقد لعدد التواتر، كما نرى الان بالوجدان في تزويج بنات السلاطين وأولادهم لا يبلغ المشاهدون للفظ العقد فيه ذلك، نعم يستفيض ويشتهر ذلك على وجه يحصل العلم بذلك، وإن لم يكن بطريق التواتر فلا أقل من احتمال كونه كذلك، فدعوى معلومية التواتر واضحة المنع أيضا، ولعل الاولى دعوى حصول العلم من الاستفاضة المزبورة وإن لم يحرز اجتماع


(1) راجع ج 40 ص 55.

[ 149 ]

شرائط التواتر فيها، نحو غيرها من أفراد الاستفاضة في البلدان والملوك وغير ذلك. المسألة (الثالثة:) (الاخرس يصح منه تحمل الشهادة) لاطلاق الادلة (وأداؤها و) حينئذ (يبنى على ما يتحققه الحاكم من إشارته) القائمة مقام اللفظ من غيره في إقرار وعقد وغيرهما (وإن جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف باشارته) كغيره ممن لايعرف لغته (نعم يفتقر إلى مترجمين بناء على أن الترجمة من الشهادة المعتبر فيها التعدد، وقد ذكرنا الاشكال فيه سابقا (1). (و) على كل حال (لا يكون المترجمان شاهدين على شهادته، بل يثبت الحكم بشهادته أصلا لا بشهادة المترجمين فرعا) وذلك لان شهادته عبارة عن إشارته التي أبداها، كاللفظ التركي مثلا عن صاحبه وإنما فسره المترجمان، نعم لو لم تقع منه إشارة بمحضر الحاكم لم يصح شهادتهما بناء على عدم سماع شهادة الفرع مع حضور شاهد الاصل. هذا ولكن في النافع والرياض ما حاصله أنه لو أراد أن يشهد انسان على الاخرس باقراره فليشهد بالاشارة التي رآها منه دالة عليه، ولا يقيمها بالاقرار الذي فهمه منها، لاحتمال خطائه في الفهم فيتحقق الكذب. قال في الاخير: " ولعله مراد من علل المنع بنفس الاقرار بالكذب المطلق لاحتماله كالحلي وغيره، وإلا فيشكل الحكم باطلاق الكذب، فقد يعلم


(1) راجع ج 40 ص 106 - 107.

[ 150 ]

الشاهد باقراره ويحصل له القطع به من إشارته فلا يكون كذبا، فكيف يعلل به، أللهم إلا أن يكون المراد أن الاقرار حقيقة في الاخبار عن الحق باللفظ الدال عليه بحكم التبادر وغيره، فيكون بالاشارة مجازا وإرادته من الاقرار المطلق المنصرف إلى اللفظ بغير قرينة غير جائز، وإطلاقه من دونهما يعين كونه كذبا، وفيه نظر، فان خرسه قرينة حال واضحة على إرادته الاخبار بالاشارة من الاقرار دون الحقيقة، فلا كذب ". قلت: قد يقال: (أولا) أن إشارة الاخرس كاللفظ من غيره، فيكتفى بالظاهر منها كما يكتفى بالظاهر منه في جميع المواضع، ولكن الانصاف عدم خلو هذا عن النظر. و (ثانيا) لا ينبغي الاشكال في جواز الشهادة عليه بالاقرار بمعنى الالتزام مع القطع بالمراد من إشارته، بل لعله كذلك في غير الاخرس أيضا، على أن المفهوم من إشارة الاخرس غالبا يستند إلى قرائن الاحوال التي لا يمكن نقلها أو يتعسر، فتكليف الشاهد بنقلها متعذر أو متعسر، وقد عرفت أن مدار الشاهد على العلم، ومما ذكرنا يظهر لك الحال في الترجمة ايضا، فتأمل. والله العالم. (الثالث) من مستند علم الشاهد (ما يفتقر) غالبا (إلى السماع والمشاهدة كالنكاح والبيع والشراء والصلح والاجارة) وغيرها من عقد أو إبقاع (فان حاسة السمع تكفي في فهم اللفظ ويحتاج إلى البصر لمعرفة اللافظ و) حينئذ ف‍ (- لا بأس في شهادة من اجتمع له الحاستان، أما الاعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا، لتحقق الالة الكافية في فهمه، فان انضم إلى شهادته معرفان جاز له الشهادة على العاقد مستندا إلى تعريفهما كما يشهد المبصر على تعريف غيره) ويكون شاهد أصل لا فرع بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض، بل عن ظاهر السرائر الاجماع عليه، وفي الكفاية قالوا: ولعله لاطلاق خبر

[ 151 ]

محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن شهادة الاعمى، فقال: نعم إذا أثبت " بناء على أن المراد من إثباته ما يشمل شهادة العدلين، مضافا إلى ما سمعته سابقا من النصوص (2) الدالة على جواز الشهادة على المرأة إذا حضر من يعرفها، وأن ما في بعضها (3) من وجوب كشفها عن وجهها وأنه لا يجزئ شهادة العدلين محمول على التقية. ومن هنا جزم في الرياض بأن شهادة التعريف مستثناة من ضابط الشهادة الذي هو العلم الذي قد عرفت عدم اندراج مثل هذا العلم الشرعي فيه. نعم توقف الفاضل في القواعد في صورة من صوره، وهي ما لو شهد على شخص ثم اشتبه عليه مع آخر وشك في أنه تحمل الشهادة على أحدهما فشهد إثنان عنده بالتعيين، ففي إلحاقه بالتعريف حين التحمل حتى يجوز له الان أداء الشهادة على العين إشكال من أن هذه الشهادة ليست إلا تعريفا للمشهود عليه، ومن أن التعريف تعيين للاسم والنسب للشخص الحاضر المشهود عليه بخصوصه وهي ليست كذلك، وهو الاقوى كما في كشف اللثام، لعدم اندراجه في مادل عليها. هذا ولكن في الرياض " قد ذكر جماعة من الاصحاب ومنهم الحلي في السرائر والفاضل في التحرير وغيره أنه حيث ما أسند شهادته إلى شهادتهما لا يذكرها مطلقة، بل يقول: أشهد على فلان بتعريف فلان وفلان ". قلت: ولعله المراد مما في المتن أيضا، بل في كشف اللثام إرساله إرسال المسلمات، ومقتضاه عدم قبول الشهادة إذا لم تكن على الوجه


(1) الوسائل - الباب - 42 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (2) المتقدمة في ص 127. (3) الوسائل - الباب - 43 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 152 ]

المزبور، لما فيه من إيهام المعرفة بنفسه وقطع الطريق على الخصم لو أراد جرح شهود التعريف مثلا، بل هذا يومئ إلى أن شهادة التعريف من شهادة الفرع أو بحكمها الذي ستعرف أنه كذلك فيها، وحينئذ ينقدح من هذا أنه لا استثناء لهذه الصورة من ضابط العلم، بل أقصاه الاجتزاء بشاهدة الشاهد هنا على تعريف غيره، بل استثناء ذلك من قاعدة اعتبار التعدد في شهادة الفرع، وعدم حضور المشهود عنه أولى من دعوى استثنائه من الضابط المزبور بعد فرض عدم جواز ذكرها له مطلقة، أو يقال: إن شهادة التعريف على تشخيص الموضوع، فهي أشبه شئ بالترجمة، إذ الشهادة إنما هي بالاقرار مثلا، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (- لو لم يحصل ذلك) إي المعرفان (وعرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه قيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف مستدلا عليه بالاجماع والاخبار: " لا يقبل لان الاصوات تتماثل). (والوجه) وفاقا للمشهور كما في المسالك (أنها تقبل، فان الاحتمال يندفع باليقين) ولو بانضمام قرائن أخر إلى معرفة صوته (فانا نتكلم على تقديره) وبه يندرج في عموم أدلة قبول شهادة العدل، ودعوى عدم إمكان حصوله تشكيك في الوجدان، وإلا لم يجز إن يطأ حليلته، وهو مناف للضرورة، ودعوى الاكتفاء في ذلك بالظن بخلاف الشهادة لا تستأهل جوابا كغيرها من الاعتبارات المحكية عن العامة القائلين بالمنع، وهم من عدا مالك وأحمد على ما في المسالك، ومن الغريب تجويزهم الوطء لزوجته وعدم قبول شهادته عليها إذا أقرت وهي تحته بدرهم. (وبالجملة ف‍) - قد ظهر لك مما ذكرنا (ان الاعمى تصح شهادته متحملا ومؤديا عن علمه وعن الاستفاضة في ما يشهد به

[ 153 ]

بالاستفاضة) إذ هو حينئذ كالمبصر بعد فرض حصول عنوان شهادة المبصر له من أي طريق يكون، هذا وقد يستفاد من كلامهم واجتزائهم باليقين في الاعمى ولو كان المشهود به من المبصرات حتى لو شهد على الهلال بعد حصول اليقين له بذلك قبل أن ما ذكروه من السمع والمشاهدة ليس شرطا في صحة الشهادة وإن كان يوهمه بعض عباراتهم السابقة التي اغتر فيها بعض الناس، بل مقصودهم أنها طرق للمشهود عليه غالبا، وإلا فالضابط العلم كما ذكروه في أول الباب وأوضحنا الحال فيه سابقا. (ولو تحمل شهادة وهو مبصر ثم عمى فان عرف نسب المشهود به أقام الشهادة) عليه بلا خلاف ولا إشكال (وإن شهد على العين وعرف الصوت يقينا جاز أيضا) بناء على المختار، وكذا لو عرفه بغير الصوت على وجه اليقين، نعم في الاجتزاء هنا له بتعريف العدلين إشكال، أقواه العدم، لما عرفته في نظيره. (أما شهادته على المقبوض) بيده حتى أدى الشهادة عليه (فماضية قطعا) حتى عند المانعين في الصورة السابقة، لكن في المسالك وربما قيل باطراد المنع هنا، لان التصوير المذكور فيه عسر، فاللائق حسم الباب كحسمها في قبول شهادة الفاسق، وإن غلب على الظن صدقه في بعض الموارد، وكأنه من خرافات العامة، ضرورة أن العسر لا يصلح مانعا بعد فرض حصوله، والفرق بين الفاسق والاعمى النهي (1) عن الركون إلى خبر الاول وإن ظن صدقه دون الاعمى، فان المانع من قبول شهادته عدم علمه بالمشهود عليه وله، لا من حيث هو أعمى، فإذا فرض العلم المزبور لم يكن ثم مانع (و) لذا لا إشكال ولا خلاف في أنه (تقبل شهادته إذا ترجم للحاكم عبارة) إقرار أعجمي مثلا


(1) سورة النبأ. 49 - الاية 6 والوسائل - الباب - 30 - من كتاب الشهادات.

[ 154 ]

(حاضر عنده) لانتفاء المانع، إذ الفرض أن الحاكم يعرف المشهود عليه، فلا تتوقف شهادة الاعمى على ترجمة عبارته على البصر، كما هو واضح. * (الطرف الثالث) * (في أقسام الحقوق) المتكثرة (و) إن كانت (هي) على تكثرها (قسمان: حق الله تعالى شأنه وحق لادمي) ولكن كل منهما أقسام (و) على كل حال ف‍ (- الاول منه ما لا يثبت إلا بأربعة رجال، كالزنا واللواط والسحق) بلا خلاف في ثبوت الثلاثة بذلك، قال الله تعالى (1): " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " وقال أيضا (2)، " لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء وقال: (3) " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " وقال سعد: " يارسول الله أرأيت أو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال: نعم " (4) ولم نعثر في النصوص على ما يدل على اعتبار الاربعة في الاخيرين، نعم فيها ثبوت اللواط بالاقرار أربعا (5) كما أن فيها كون المساحقة في النساء


(1) و (2) سورة النور: 24 - الاية 4 - 13. (3) سورة النساء: 4 - الاية 15. (4) سنن البيهقى - ج 8 ص 230. (5) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد اللواط من كتاب الحدود.

[ 155 ]

كاللواط في الرجال (1) وفيها أيضا تشديد أمرهما خصوصا الاول منهما، فان ظاهرها كونه أشد من الزنا، على أن أثباتهما بذلك لا خلاف فيه كما عرفت، بل لا خلاف معتد به في اعتبار ذلك فيهما كما ستعرف إن شاء الله، والوجه في ذلك أنه تعبد محض، بل هو من الادلة على بطلان القياس في الاحكام، ضرورة كون القتل أعظم منه، نعم قد يقال: إن حكمته طلب الستر مهما أمكن، والمحافظة على عدم الهتك. (و) كيف كان ف‍ (- في إيتان البهائم قولان، أصحهما) وأشهرهما بل المشهور (ثبوته بشاهدين) لاطلاق مادل على الثبوت بهما خلاف للمحكي عن الشيخ، فلابد من أربعة، للاصل المقطوع بما عرفت ومشاركة الزنا ونحوه في الهتك الذي هو كما ترى بعد حرمة القياس كما هو واضح. (ويثبت الزنا خاصة) من بين الثلاثة (بثلاثة رجال وامرأتين وبرجلين وأربع نساء، غير أن الاخير لا يثبت به الرجم ويثبت به الجلد) كل ذلك للمعتبرة المستفيضة التي لا يعارضها ظاهر الكتاب (2) إن كان، كصحيح عبد الله بن سنان (3) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان " وحسن الحلبي (4) " سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، فإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز في الرجم " وقد


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السحق والقيادة - الحديث 3 من كتاب الحدود. (2) المتقدم في ص 154 (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 10 - 3.

[ 156 ]

يستشعر من التقييد بالرجم القبول في الجلد المصرح به في موثقه الاخر (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم، وإن شهد عليه رجلان وأربع نسوة فلا تجوز شهادتهم، ولا يرجم، ولكن يضرب حد الزاني " مؤيدا بخبر عبد الرحمان (2) عن الصادق (عليه السلام) " " تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال " منضما إلى التصريح بنفي الرجم فيه في النصوص السابقة، ولا ينافيه إطلاق النصوص الاتية (3) المنزل على نفي ثبوت الحد بشهادتهن في غير الصورتين في الزنا. وحينئذ فيثبت الجلد بشهادة رجلين وأربع نسوة دون الرجم وفاقا للمحكي عن الشيخ وابني إدريس وحمزة واختاره الفاضل في القواعد، وخلافا للمحكي عن الصدوقين وأبي الصلاح والفاضل في المختلف، فلا حد أصلا، للاصل، ولانه لو ثبت بشهادتهن الزنا لثبت الرجم، والتالي باطل للاخبار الكثيرة الدالة على نفيه فالمقدم مثله، بيان الملازمة دلالة الاجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فان ثبت هذا الوصف ثبت الحكم وإلا فلا، واستوجهه في المسالك، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص. وما عن الخلاف أنه روى أصحابنا أنه يجب الرجم بشهادة رجل وأربع نسوة وثلاثة رجال وامرأتين لم نتحققه في الادلة، بل المتحقق خلافه كما سمعت، ولذا كان المحكي عن المقنع والفقيه أنه لا تجوز فيه شهادة رجلين وأربع نسوة، بل عن ظاهر الحسن والمفيد وسلار رد شهادتهن في الزنا مطلقا للنصوص على ردها في الحدود (4) ورد شهادة رجلين


(1) الوسائل - الباب - 30 من ابواب حد الزنا - الحديث 1 من كتاب الحدود. (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 21. (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 29 و 30.

[ 157 ]

وأربع في الرجم (1) وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (2): " إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم تجز في الرجم " وإن كان فيه ما فيه لما عرفت، والصحيح المزبور قد حمله الشيخ على التقية أو فقد شرط من شروط القبول، وهو جيد. نعم غير الزنا من اللواط والسحق باق على مقتضى ما دل على اعتبار الاربعة رجال، مؤيدا بصحيح جميل وابن حمران (3) قالا للصادق (عليه السلام): " هل تجوز شهادة النساء في الحدود، قال: في القتل وحده " وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر غياث بن إبراهيم (4): " لا تجوز شهادة النساء في الحد ولا في القود " ونحوه في خبر موسى ابن اسماعيل (5) وبابتناء الحدود على التخفيف ودرئها بالشبهات فاطلاق المحكي عن علي بن بابويه تقبل في الحدود إذا شهد امرأتان وثلاثة رجال منزل على الزنا، كخبر عبد الرحمان (6) المقتدم سابقا، وكذا كلام ولده في المحكي عن مقنعه، بل عنه في المختلف إبدال الحدود بالزنا، نعم في محكي الوسيلة إضافة السحق إلى الزنا في ثبوته بامرأتين وثلاثة رجال، لكنه في الجنايات قال: " إن كلا من اللواط والسحق يثبت بما يثبت به الزنا " إلا أنه نسب فيها ثبوت الزنا بثلاثة وامرأتين أو رجلين وأربع إلى القيل، وفي الغنية " لا تقبل في الزنا إلا شهادة أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين، وكذا حكم اللواط والسحق بدليل إجماع الطائفة " وفي الدروس عن


(1) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 10 والباب - 30 - من أبواب حد الزنا - الحديث 1 من كتاب الحدود. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 28 - 1 - 29 - 30 - 21.

[ 158 ]

ظاهر ابن الجنبد مساواة اللواط والسحق للزنا في الثبوت بشهادة الزنا ". وعلى كل حال هو نادر، بل مما ذكرنا يعلم ما في إجماعه وإن كان يشهد له إطلاق خبر عبد الرحمان (1) المتقدم سابقا، وكون اللواط كالزنا، وأن السحق في النساء كاللواط في الرجال، إلا أنه معارض بما هو أرجح منه من النصوص السابقة ولو لاعتضادها بالشهرة العظيمة. (و) على كل حال فقد ظهر لك أنه (لا يثبت) الزنا بل ولا شئ من الثلاثة (بغير ذلك) الذي عرفته حتى شهادة رجل وست نساء في الزنا وإن حكي عن الخلاف ثبوت الجلد به، إلا أن الاصل وظاهر الادلة السابقة المعتضد بالشهرة العظيمة أو الاجماع ينفيه، ولكن لا يخفى عليك ما في عبارة المتن من السماجة، وكان الاولى عد اللواط والسحق قسما والزنا قسما آخر، كما صنع في الدروس، والامر سهل بعد وضوح المقصود. (ومنه) أي ما هو حق الله تعالى (ما يثبت بشاهدين) عدلين (وهو ما عدا ذلك من الجنايات الموجبة للحدود كالسرقة وشرب الخمر والردة) والقذف وإن كان في الاول حق الناس أيضا، كالقذف وغيرها مما لا حد فيه، كالزكاة والخمس والكفارات والنذور والاسلام، بل قيل: وكذا ما يشتمل على الحقين كالبلوغ والولاء والعدة والجرح والتعديل والعفو عن القصاص، لاطلاق ما دل على قبولهما من الكتاب (2) والسنة (3) وفي خبر مسمع بن عبد الملك (4) عن أبي عبد الله السلام)


(1) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 21. (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (3) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات. (4) الوسائل - الباب - 51 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 159 ]

" أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان وشهد له ألف بالبراءة يجيز شهادة الرجلين ويبطل شهادة الالف، لانه دين مكتوم " وفي خبر عمرو بن خالد (1) عن زيد ابن علي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): قال: " سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الناصب فقال: إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه " إلى غير ذلك من النصوص بالخصوص والعموم، مع أصالة عدم الثوبت بغير ذلك، (و) حينئذ ف‍ (- لا يثبت شئ من حقوق الله تعالى بشاهد وامرأتين ولا بشاهد ويمين ولا بشهادة النساء منفردات وإن كثرن) بلا خلاف أجده فيه، للنصوص المتقدمة سابقا في بحث الشاهد واليمين من كتاب القضاء (2) وقد ذكرنا تحقيق الحال هناك فلاحظ وتأمل، هذا كله في حقوق الله تعالى. (وأما حقوق الادمي فثلاثة:) الاول (منها ما لا يثبت إلا بشاهدين) ذكرين فلا يجزئ فيه النساء منضمة فضلا عن الانفراد ولا اليمين مع الشاهد، وفي الدروس ضبط الاصحاب ذلك بكل ما كان من حقوقهم ليس مالا ولا المقصود منه المال " وفي كشف اللثام " وهو ما يطلع عليه الرجال غالبا وما لا يكون مالا ولا المقصود منه المال " ولكن لم أقف في النصوص على ما يفيده، بل فيها ما ينافيه. (و) كيف كان فالذي عده المصنف من ذلك كغيره (هو الطلاق) بل عن الغنية الاجماع عليه، لكن عن المبسوط أنه قوى ثبوته


(1) الوسائل - الباب - 51 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 وفيه " الساحر " بدل الناصب " كما في التهذيب ج 6 ص 283 - الرقم 780. (2) راجع ج 40 ص 272 - 273.

[ 160 ]

بشهادة النساء منضمات، بل في المسالك نسبته إلى جماعة أيضا وإن كنا لم نتحقق منهم إلا ما يحكى عن أبى علي أنه قال: " لا بأس بشهادتهن مع الرجال في الحدود والانساب والطلاق ". وعلى كل حال لا ريب في ضعفه، للاصل والنصوص الكثيرة كصحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن شهادة النساء في النكاح فقال: يجوز إذا كان معهن رجل وكان علي (عليه السلام) يقول: لا أجيزها في الطلاق " الحديث. وخبر إبراهيم الحارثي (2) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه، وتجوز شهادتهن في النكاح، ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم " الحديث. وخبر محمد بن الفضيل (3) " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم ؟ قال: تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل، وتجوز شهادتهن في النكاح إذا كان معهن رجل، وتجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا والرجم ولا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا الدم " إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى كونه مقطوعا به منها إن لم يمكن دعوى تواترها، ومع ذلك سالمة عن المعارض بالخصوص. نعم في كشف اللثام احتمال كون المراد شهادتهن حين الطلاق، وهو مع بعده فيها ما لا يقبله، كالمروي عن العلل والعيون بأسانيده إلى محمد بن سنان (4) عن الرضا (عليه السلام) في ما كتب إليه من


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 5 - 7 - 50.

[ 161 ]

العلل " وعلة ترك شهادة النساء في الطلاق والهلال لضعفهن عن الرؤية ومحاباتهن النساء في الطلاق، فلذلك لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة، وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه " وغيره. وفي خبر داود بن الحصين (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن - إلى أن قال -: وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الانكار، ولا يجيز في الطلاق إلا شاهدين عدلين، فقلت: أتى ذكر الله تعالى فرجل وامرأتان (2) فقال: ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان ورجل واحد ويمين المدعي إذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) بعده عندكم " وغيرهما، ومن الاخير يستفاد عدم الاجتزاء فيه أيضا بالشاهد واليمين، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب القضاء (3). (و) أما (الخلع) فظاهر المصنف والاكثر على ما في كشف اللثام بل المشهور في المسالك أنه كالطلاق في اعتبار الشاهدين فيه وإن كان المدعى به الزوج، لانه حينئذ وإن تضمن مالا إلا أنه طلاق، وفي المسالك متضمن أيضا البينونة، والحجة لاتتبعض، والمقصود منه بالذات البينونة والمال تابع كما في كشف اللثام، نعم قال فيه: " لابد من النزاع في البينونة أو الطلاق، فلو اتفقا على الطلاق واختلفا في أنه بالخلع أولا فلا شبهة في أنه نزاع في المال إلا أن تكون المرأة هي المدعية له لتبطل رجعته "


(1) - الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 35. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (3) راجع ج 40 ص 272 - 275.

[ 162 ]

قلت: قد عرفت تحقيق ذلك في كتاب القضاء في بحث الشاهد واليمين (1) بل عن بعض ثبوته إن ادعاه الزوج بشاهد وامرأتين، لثبوت المال بهم، والمال هنا ليس إلا عوضا للطلاق، فيتبعه في الثبوت. (و) أما (الوكالة والوصية إليه والنسب ورؤية الاهلة) وإن استلزم الاخيران الارث وحلول آجال الديون فالمشهور فيها أيضا ذلك، بل عن الغنية الاجماع عليه في الاهلة، كما أن النصوص في الاهلة مستفيضة، منها قول الصادق (عليه السلام) في خبر حماد بن عثمان (2): " لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان " وقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح العلاء (3): " لا تجوز شهادة النساء في الهلال ". نعم قال الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن الحصين (4): " لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة " ولا دلالة فيه على ثبوت الهلال بذلك، بل أقصاه جواز الصوم استظهارا. هذا ولكن عن المبسوط أنه قوى قبول الشاهد والامرأتين في جميع ذلك، وقد سمعت كلام أبي علي السابق، كما أنك قد سمعت ما تقدم لنا في كتاب القضاء في بحث الشاهد واليمين (5) فلاحظ (و) تدبر. بل منه يعلم الحال (في العتق والقصاص والنكاح) وإن قال المصنف هنا فيها: (تردد، أظهره) كما في القواعد أيضا (ثبوته بالشاهد والمرأتين) وفاقا للمحكي عن المبسوط في الاول والثاني وللمحكي عن المقنع والاستبصار في الثاني، ويلزمه القول أيضا بالثبوت بالشاهد


(1) و (5) راجع ج 40 ص 276 - 277 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 17 - 18 - 36

[ 163 ]

واليمين، لاتحاد ما يثبت بهما، أما العتق فلانه مالي أو من حقوق الادميين التي هي موضوع الشاهد واليمين في النصوص (1) ويندرج فيها حينئذ النكاح والقصاص، مضافا إلى ما فيهما من النصوص بالخصوص المتقدمة سابقا في النكاح. مضافا إلى خبر زرارة (2) سأل الباقر (عليه السلام) " عن شهادة النساء تجوز في النكاح، قال: نعم ولا تجوز في الطلاق - إلى أن قال -: قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم، قال: لا " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الكناني (3): " شهادة النساء تجوز في النكاح - وقال فيه أيضا -: تجوز شهادتهن في الدم مع الرجال " وفي صحيح جميل وابن حمران (4) سألا الصادق (عليه السلام) " أتجوز شهادة النساء في الحدود ؟ قال: في القتل وحده، إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم: وفي مضمر زيد الشحام (5) قلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم ؟ قال: نعم " وفي خبر أبي بصير (6) المضمر " سألته عن شهادة النساء، فقال: تجوز شهادة النساء وحدهن على مالا يستطيع الرجال النظر إليه، وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهن رجل " إلى غير ذلك من النصوص. بل لا أجد لها معارضا في النكاح إلا خبر السكوني (7) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " أنه كان يقول: شهادة النساء لا تجوز في نكاح ولا طلاق ولا في حدود إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه " وهو - مع قصوره عن معارضة الاخبار السابقة من وجوه -


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 11 - 25 - 1 - 32 - 4 - 42.

[ 164 ]

محتمل لارادة شهادتهن منفردات، كما في خبر إسماعيل بن عيسى (1) " سألت الرضا (عليه السلام) هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهن رجل ؟ قال: لا هذا لا يستقيم ". نعم هي متعارضة في الدم كما سمعته في النصوص السابقة، مضافا إلى ما في خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في غلام شهدت عليه امرأة أنه دفع غلاما في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة وعن الصدوق روايته باسقاط قوله: " بحساب " وفي خبر عبد الله بن الحكم (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة شهدت على رجل أنه دفع صبيا في بئر فمات، فقال: على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة " وما في خبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا تجوز شهادة النساء في القتل " وما في خبر غياث (5) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) " لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود " وما في خبر موسى بن اسماعيل بن جعفر (6) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) ولا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القود ". وعن الشيخ الجمع بينها بعدم قبول شهادتهن ولو مع الرجال في القصاص، أما الدية فتثبت بشهادتهن، ونسبه المصنف في كتاب القصاص إلى الندرة، لكن في المسالك نسبته إلى جمع كثير وإن كنا لم نتحققه مع شدة مخالفته للقواعد، ضرورة كون المفروض شهادتهن بما يقتضي القصاص، نعم لا بأس بقبول شهادتهن بالقتل المقتضي للدية، وإذا أمكن الجمع بين النصوص بذلك كان أولى، وإلا كان الترجيح للنصوص النافية


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 39 - 26 - 33 - 28 - 29 - 30.

[ 165 ]

قبول شهادتهن فيه، وأما الجمع بينها بحمل النافية على شهادتهن منفردات والمثبتة على صورة الانضمام مع رجل فلا يقبله ظاهر بعضها أو أكثرها. هذا وفي المسالك " واعلم أن محل الاشكال شهادتهن منضمات إلى الرجال، أما على الانفراد فلا تقبل شهادتهن قطعا، وشذ قول أبي الصلاح بقبول شهادة امرأتين في نصف دية النفس والعضو والجراح والمرأة الواحدة في الربع " قلت: وهو كذلك إذا كان المراد بالانفراد حتى عن اليمين " أما معه فالظاهر قبول المرأتين في ما يوجب الدية كالرجل مع اليمين، لما عرفته سابقا وتعرفه عن قريب إن شاء الله. ثم إنه لا يخفى عليك أنا قد ذكرنا في كتاب القضاء (1) أن المستفاد من النصوص ثبوت كل حق من حقوق الآدميين بالشاهد واليمين إلا ما خرج بأدلة مخصوصة من إجماع أو غيره، ومن ذلك ينفتح لك باب عظيم في جميع محال الخلاف، والظاهر قيام المرأتين مع اليمين مقامه في ذلك كقيام المرأتين مع الشاهد مقامه في موضوعه، كما تسمع تحرير ذلك إن شاء الله. (و) الثاني (منها) أي حقوق الآدمي (ما يثبت بشاهدين وبشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين، وهو الديون والاموال، كالقرض والقراض والغصب، وعقود المعاوضات، كالبيع والصرف والسلم والصلح والاجارة والمساقاة والرهن والوصية له والجناية التي توجب الدية) كالخطأ وشبه العمد وقتل الحر العبد والاب الولد والمسلم الذمي والصبي والمجنون وغيرهما، والمأمومة والجائفة وكسر العظام وغير ذلك مما كان متعلق الدعوى فيه مالا أو مقصودا منه المال، فان ذلك هو الضابط عندهم لهذا القسم.


(1) راجح ج 40 ص 274.

[ 166 ]

قال الله تعالى (1): " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " وفي صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين، قال: نعم " وفي خبر محمد بن خالد الصيرفي (3) " كتبت إلى الكاظم (عليه السلام) في رجل مات وله أم ولد وقد جعل لها سيدها شيئا في حياته ثم مات، فكتب: لها ما أتاها سيدها في حياته معروف ذلك لها، يقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخدم غير المتهمين " وقال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (4): " لو كان الامر إلينا أخذنا بشهادة الرجل الواحد إذا علم منه خبر مع يمين الخصم في حقوق الناس " وقال الصادق (عليه السلام) في خبره (5) أيضا: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين " وفي خبر أبي بصير (6): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقضي بشاهد واحد ويمين " وقد سمعت ما في خبر داود بن الحصين عن الصادق (عليه السلام) (7) إلى غير ذلك من الادلة المعتضدة بفتوى الاصحاب قديما وحديثا. نعم عن الخلاف وموضع من المبسوط منع قبول امرأتين ورجل في الوديعة، وحمله الفاضل - على ما قيل - على دعوى الودعي لا المالك، وفيه


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) و (7) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 35. (3) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 47 عن يحى بن خالد الصيرفى وفى الفقية ج 3 ص 32 الحسين بن خالد الصيرفى. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 12 - 1 - 5 من كتاب القضاء.

[ 167 ]

أن الودعي ينفي عنه الضمان وهو مال، وعن النهاية أنه لم يذكر إلا الدين، وعن المقنع إلا قبول شهادتهن في الدين، وعن المراسم والغنية والاصباح ضم اليمين إلى الشاهد في الدين خاصة وامرأتين في الديون والاموال، لكن عن المختلف أنه لا منافاة بين ما في النهاية وما في غيرها، لان مقصوده من الدين المال، وهذا جار في غيرها أيضا، نعم عن الاصباح منها ويقضي بشهادة الواحد مع يمين المدعي في الديون خاصة، وقيل: كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، ولاريب في ضعفه، بل قد عرفت سابقا ظهور النصوص في إثبات جميع حقوق الآدميين به. نعم قد يناقش في ثبوت غير الدين بالشاهد والمرأتين، لاختصاص الادلة المزبورة حتى الآية (1) بذلك، خصوصا بعد ما سمعته من خبر داود بن الحصين (2) الوارد في تفسيرها، وخبر محمد بن خالد (3) الوارد في الوصية ظاهر في إرادة ثبوتها بشهادة جنس الرجل وجنس الامرأة، لانها وصيه. لكن قد يدفع بظهور ما في ذيل الآية (4) من الاشهاد على البيع في إرادة الاشهاد السابق الذى كان منه الرجل والمرأتان متمما بعدم القول بالفصل، وبظهور خبر محمد بن خالد (5) المزبور في أن الشاهد واليمين قائم مقام الشاهد والمرأتين، وحينئذ فهما أولى من اليمين مع الرجل، وبما ورد (6) من إثبات الحق بالامرأتين مع اليمين. بل الظاهر ثبوت ذلك كله بهما مع اليمين وفاقا للمشهور شهرة


(1) و (4) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 35. (3) و (5) المتقدم في ص 166. (6) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

[ 168 ]

عظيمة، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، لصحيح منصور بن حازم (1) قال: " حدثني الثقة أبي الحسن (عليه السلام) قال: إذا شهد لصاحب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز " ونحوه صحيحه الآخر (2) من دون إرسال، ويمكن أن يكون قد سمعه مشافهة تارة وبواسطة الثقة أخرى، والمناقشة في صحتهما بعد التسليم لا تقدح، للانجبار بما سمعت مؤيدا في الجملة بما في صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجاز شهادة النساء في الدين وليس معهن رجل " بعد الاجماع إلا النادر على عدم قبولهن بدون اليمين في الدين كما ستعرف، وحسنه عنه (عليه السلام) أيضا (4) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين أن حقه لحق " وبغير ذلك مما يدل باطلاقه على قيام الامرأتين مقام الرجل. فما في النافع كما هو صريح المحكي عن السرائر والتنقيح وقضاء التحرير وإن رجع عنه في الشهادات وظاهر سلار والغنية من العدم لا يخلو من منع وإن كان الحلي منهم معذورا على أصله، ولذا قال: " جعلهما بمنزلة رجل يحتاج إلى دليل وليس، وحملهما على الرجل قياس، والاجماع غير منعقد، والاخبار غير متواترة، فان وجدت فهي نوادر شواذ، والاصل براءة الذمة، فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا فانه يحتاج إلى أدلة قاهرة، إما إجماع أو تواتر أخبار أو قرآن وجميع ذلك خال منه " أما على أصولنا فلا يأتي ذلك، لما عرفت، ولان الشارع قد أقام في الديون كلا من المرأتين واليمين مقام الرجل، فيقوم المجموع مقام رجلين، لاشتماله على كلا البدلين، وهذا إن لم يكن قاطعا لاحتمال استناد القبول في الموضعين


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 4 - 1 - 3 - من كتاب القضاء. (3) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 20.

[ 169 ]

إلى وجود أقوى شطري الحجة، لكن لا يخلو من التأييد في الجملة. ومن الغريب ما سمعته من ابن إدريس وتبعه المقداد من دعوى ندرة النصوص المزبورة وشذوذها مع أنه لم نر لها رادا قبله ولا من تأخر عنه إلا النادر، لاختلاف فتوى المصنف، والفاضل في التحرير قد رجع عن ذلك فيه فضلا عن قطعه بالحكم في باقي كتبه، ومن هنا يمكن دعوى تحصيل الاجماع على ذلك، بل قد يستفاد من الادلة المزبورة أن موضوعهما موضوع الشاهد واليمين، وهو كل حق، لاطلاق الخبر المزبور. وتنقح من جميع ما ذكرنا اتحاد موضوع الثلاثة أي الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين والمرأتين مع اليمين، وهو كل حق آدمي أو المالي منه خاصة على البحث الذي قدمناه في الشاهد واليمين، نعم لا تقبل شهادة النساء منفردات في شئ من ذلك وإن كثرن بلا خلاف محقق أجده وإن أرسله في محكي السرائر لصحيح الحلبي (1) السابق الذي لا دلالة فيه على الانفراد عن اليمين، وعن الحسن قد روي عنهم (عليهم السلام) " أن شهادة النساء إذا كن أربع نسوة في الدين جائز: ثم ذكر أنه لم يقف على حقيقته، وأنه لم يصح عنده من طريق المؤمنين. وكيف كان فقد بان لك مما ذكرناه الوجه في قول المصنف: (وفي الوقف تردد، أظهره) * وفاقا للمحكي عن المبسوط وابن إدريس والبراج (أنه يثبت بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين) * إن كان على محصور، ولكونه من حقوق الناس قطعا، بل تجري عليه جميع أحكام الملك عدا الامتناع عن نقله، وذلك لا يخرجه عن الملكية كأم الولد، على أنه قد يجوز بيعه في بعض الاحوال، خلافا للمحكي عن الخلاف بناء على عدم الانتقال سواء قلنا بالانتقال إليه تعالى أو البقاء على ملك الواقف،


(1) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 20.

[ 170 ]

واحتمل القبول عليه أيضا، خصوصا على البقاء على ملك الواقف بناء على أن المقصود من الوقف المنفعة، وهي مال. ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما قلناه هنا وبما أسلفناه في كتاب الوقف (1) من انتقال الموقوف إلى الموقوف عليه إن عاما فعام وإن خاصا فخاص. وكذا الكلام في حقوق الاموال كالاجل والخيار اشتراطا وانقضاء والشفعة وفسخ العقد المتعلق بالاموال وقبض نجوم الكتابة أو غيرها من الاموال، لان جيمعها حق آدمي، بل المقصود منها أجمع ثبوت مال أو زواله، بل وكذا النجم الاخير من الكتابة وإن توقف فيه الفاضل في القواعد، لكنه في غير محله، خصوصا بناء على ما ذكرناه. و (الثالث) من حقوق الآدمي (ما يثبت بالرجال والنساء منفردات ومنضمات، وهو الولادة والاستهلال وعيوب النساء الباطنة) كالقرن ونحوه لا الظاهرة كالعرج ونحوه، وضابطه ما يعسر إطلاع الرجال عليه غالبا بلا خلاف أجده في ثبوت ذلك بشهادتهن منفردات كما اعترف به في كشف اللثام، لمسيس الحاجة وللمعتبرة المستفيضة. كصحيح العلاء (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته هل تجوز شهادتهن وحدهن ؟ قال: نعم في العذرة والنفساء " وخبر داود بن سرحان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " أجيز شهادة النساء في الغلام صاح أو لم يصح، وفي كل شئ لا ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه " وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4): " تجوز شهادة النساء وحدهن في كل ما لا يجوز للرجال النظر إليه،


(1) راجع ج 28 ص 88. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 18 - 12 - 10.

[ 171 ]

وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس " وقال (عليه السلام) أيضا في خبر السكوني (1): " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال: ما كنت لاضرب من عليها خاتم من الله تعالى، وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا " وقال (عليه السلام) أيضا في خبره الآخر (2) " في امرأة ادعت أنه قد حاضت ثلاث حيض في شهر واحد: كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان في ما مضى على ما ادعت، فان شهدن صدقت، وإلا فهي كاذبة " وفي مضمر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) " سألته عن المرأة يحضرها وليس عندها إلا امرأة أتجوز شهادتها أم لا تجوز ؟ فقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة " وفي صحيح الحلبي وحسنه (4) " تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة " وفي خبر ابن بكير (5) " تجوز شهادة النساء في النفاس والعذرة " وفي خبره الآخر (6) " تجوز شهادة النساء في العذرة وكل عيب لا يراه الرجال " وفي خبر زرارة (7) عن أحدهما (عليهما السلام) " في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا، فقالت: أنا بكر، فنظرن إليها النساء فوجدنها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء " إلى غير ذلك من النصوص التي مر جملة منها، ويمكن دعوى القطع بها بالنسبة إلى ذلك أو تواترها. وأما الثبوت بهن منضمات أو بالرجال فهو المشهور كما في كشف اللثام، للعمومات ومعلومية كون الرجال هم الاصل في الشهادة، بل


(1) و (2) و (3) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات الحديث 13 - 37 - 21 - 9 - 44. (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 و 46. (5) لم اعثر على هذا الخبر في كتب الاخبار مع التتبع في مظانه.

[ 172 ]

لم أتحقق فيه خلافا وإن حكي عن القاضي أنه قال: لا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال، لكن يمكن أن يريد الحرمة بدون الضرورة على الاجانب فان تعمدوا ذلك خرجوا عن العدالة، لا أنه لا يجوز لهم الاطلاع مع الضرورة أو لا تقبل شهادتهم وإن اتفق اطلاعهم عليه لحلية أو من غير عمد أو قبل عدالتهم، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، ضرورة ظهور النصوص المزبورة في جواز شهادتهن بذلك المشعر بجواز غيره كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (- في قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف أقربه الجواز) أيضا كما في القواعد وغيرها، بل هو المحكي عن المفيد وسلار وابن حمزة أيضا، لاندارجه في النصوص السابقة، ضرورة كونه من الامور التي لا يطلع عليها إلا النساء غالبا وما لا يجوز للرجال النظر إليه، مؤيدا باطلاق قول الباقر (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور (1): " تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات " وبالمفهوم في مرسل ابن بكير (2) عن الصادق (عليه السلام) " في امرأة أرضعت غلاما وجارية قال: يعلم ذلك غيرها ؟ قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها ". فما عن الاكثر من العدم بل ظاهر المبسوط وصريح الخلاف الاجماع عليه للاصل وإمكان إطلاعهم عليه، بل عن الاول منهما عن أصحابنا أنهم رووا لا يقبل شهادة النساء في الرضاع لا يخلو من نظر، ضرورة انقطاع الاصل بما عرفت، ومنع الاجماع المزبور، بل مظنة في العكس كما هو ظاهر المحكي عن ناصريات السيد، بل الشيخ نفسه رجع عن القول بالمنع إلى القول بالقبول في المحكي من شهادات المبسوط الذي هو كما قيل


(1) الوسائل - الباب - 41 - من كتاب الشهادات - الحديث 20. (2) الوسائل - الباب 12 - من ابواب ما يحرم بالرضاع - الحديث 3 من كتاب النكاح.

[ 173 ]

متأخر عن الخلاف والشهادات فيه متأخرة عن الرضاع، وأما الرواية فمع إرسالها غير موجودة في الاصول ولا مقبولة عند الشيخ في الموضع الذي نقلها، فانه حكاها في شهادات المبسوط، وقد عرفت أنه أفتى فيها بالقبول. بل لعل مبنى الرواية المزبورة بل والاجماع على خروج الرضاع عما يعسر إطلاع الرجال عليه، إذ لا ريب في أن ظاهر الاصحاب والاخبار عدم قبول شهادة النساء حتى في ما هو كذلك بمعنى أن ذلك هو الاصل فيه، والعمدة تحقق الموضوع وبيان أن الرضاع مما يعسر إطلاع الرجال عليه أو لا يعسر، ولكن قد عرفت سابقا شهادة الوجدان على تعسر إطلاع الرجال عليه خصوصا بعد تحريم نظر الرجال إلى مثل ذلك من النساء، فلا ريب في أن الاقوى القبول، والله العالم. هذا وفي ما حضرني من نسخ الشرائع متصلا بذلك (ويقبل شهادة امرأتين مع رجل في الديون والاموال وشهادة امرأتين مع اليمين، ولاتقبل فيه شهادة النساء منفردات ولو كثرن) إلا أنه لا يخفى عليك عدم مناسبته للعنوان، ولعله لذا لم يشرحها في ما حضرني من نسخة المسالك، لسقوط ذلك من نسخته، وعلى فرض صحتها فقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا. (وتقبل شهادة المرأة الواحدة) بلا يمين (في ربع ميراث المستهل وفي ربع الوصية) والاثنين في النصف والثلاثة في الثلاثة أرباع والاربعة في تمام المال بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف والسرائر الاجماع عليه، وقد تقدم في الوصية (1) النصوص الدالة على ذلك فيها. وفي صحيح عمر بن يزيد (2) " سألته عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل فوضعت بعد موته غلاما ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الارض


(1) راجع ج 28 ص 352 - 353. (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 6.

[ 174 ]

فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهل وصاح حين وقع إلى الارض ثم مات، قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام " وفي رواية ابن سنان (1) عنه (عليه السلام) قال: " وإن كانتا امرأتين قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث " وعن الفقيه بعد ما حكى صحيح عمر بن يزيد قال وفي رواية أخرى (2) " إن كانت (كانتا خ ل) امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث، وإن كن ثلاثة نسوة جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كن أربعا جازت شهادتهن في الميراث كله " وعليه يحمل ما سمعته في النصوص (3) من قبول شهادة القابلة وحدها في المنفوس. لكن عن ابن إدريس وابن حمزة اشتراط عدم الرجال، وإطلاق النص حجة عليهما. ولا تقبل عندنا شهادة الواحدة في غير ذلك، نعم عن الكافي والغنية والاصباح ثبوت ربع الدية بشهادتها أيضا لخبري (4) ابني قيس والحكم المتقدمين سابقا اللذين لم يجمعا شرائط الحجية، فالاصل حينئذ وغيره بحاله، كما هو واضح. وقد تقدم الكلام في كتاب الوصية (5) في قيام الرجل مقام المرأة أو الاثنتين أو لا يثبت بشهادته شئ، وأن أضعف الوجوه الاخير على ما هو الظاهر من بعضهم، بل في القواعد لم يذكره احتمالا، والثاني لا يخلو من قوة كما اعترف به العلامة الطباطبائي في مصابيحه وإن لم نجد به قائلا، ولكن الانصاف أن الاخير أقواها بعد حرمة القياس والاستحسان وعدم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 45 - 48. (3) الوسائل الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 و 10 و 45 و 46. (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 26 و 33. (5) راجع ج 28 ص 353.

[ 175 ]

إحاطة العقل بمصالح الاحكام، كما ذكرناه في الوصية. وهل للمرأة مثلا تضعيف المشهود به ؟ وجهان، أقواهما العدم، وربما يؤيده أنه سئل الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس (1) " عن الرجل يكون له على الرجل حق فيجحد حقه ويحلف عليه إذ ليس عليه شئ وليس لصاحب الحق على حقه بينة يجوز له إحياء حقه بشهادة الزور إذا خشى ذهاب حقه، قال: لا يجوز ذلك لعلة التدليس ". لكن في كشف اللثام " الاقوى الحل وإن حرم التزوير لكونه إقرارا بالقبيح، وفي مرسل عثمان بن عيسى (2) قيل للصادق (عليه السلام): " يكون للرجل من إخواني عندي شهادة وليس كلها يجيزها القضاة عندنا، قال: إذا علمت أنها حق فصححها بكل وجه حتى يصح له حقه " - ثم قال -: ولعله إشارة إلى ما ذكرنا من التورية ". وفيه أنه لا دلالة له على ذلك، بل أقصاه أنه كخبر داود بن الحصين (3) أنه سمعه يقول: " إذا شهدت على شهادة فأردت أن تقيمها فغيرها كيف شئت ورتبها وصححها ما استطعت حتى يصح الشئ لصاحب الحق بعد أن لا تكون تشهد إلا بحق، فلا تزيد في نفس الحق ما ليس بحق، فانما الشاهد يبطل الحق ويحق الحق، وبالشاهد يوجب الحق، وبالشاهد يعطى، وإن للشاهد في إقامة الشهادة بتصحيحها بكل ما يجد إليه السبيل من زيادة الالفاظ والمعاني والتغيير في الشهادة مما به يثبت الحق أو يصححه ولا يؤخذ به زيادة على الحق مثل أجر الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل الله تعالى ".


(1) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 - 1.

[ 176 ]

نعم لا بأس بدفع الباطل عنه بباطل آخر، لخبر الحكم أخى أبي عقيلة (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن لي خصما تتكثر علي بالشهود الزور وقد كرهت مكافأته مع أني لا أدري أيصلح لي ذلك أم لا ؟ قال: فقال: أما بلغك ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول: لا توروا أنفسكم وأموالكم بشهادات الزور ؟ فما على امرئ من وكف في دينه ولا مأثم من ربه أن يدفع ذلك عنه، كما أنه لو دفع بشهادته عن فرج حرام أو سفك دم حرام كان ذلك خيرا له، وكذلك مال المرء المسلم ". ولو شهدت الخنثى المشكل في الوصية والاستهلال ثبت الربع بناء على ثبوته بالرجل، وإلا لم يثبت بشهادتها شئ. وإذا اجتمع في الشئ حقان كان لكل حكمه، فلو شهد على السرقة مثلا رجل وامرأتان ثبت المال دون القطع، بل في القواعد ولو علق العتق بالنذر على الولادة فشهد أربع نساء بها ثبت الولادة ولم يقع النذر " بل في محكي التحرير " ولو شهد رجل وامرأتان بالنكاح فان قبلنا فيه شهادة الواحد والمرأتين فلا بحث، وإلا ثبت المهر دون النكاح " وهو كما ترى لا يخلو من بعد. (و) كيف كان فقد يستفاد مما عرفت من توقف ثبوت تمام الحق بلا يمين في الوصية وميراث المستهل على أربع أن (كل موضع يقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقل من أربع) كما هو المشهور للاصل، بل يمكن دعوى القطع به من الكتاب (2) والسنة (3) أن المرأتين


الوسائل - الباب - 18 - من كتاب الشهادات الحديث 2. (2) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (3) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات.

[ 177 ]

يقومان مقام الرجل في الشهادة، وهو ظاهر قوله تعالى (1): " أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى ". فما عن المفيد - من أنه تقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين في ما لا تراه الرجال كالعذرة وعيوب النساء والنفاس والحيض والولادة والاستهلال والرضاع وإذا لم يوجد على ذلك إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه، ونحوه في محكي المراسم، بل عن متاجر التحرير " لو اشترى جارية على أنها بكر فقال المشتري: إنها ثيب أمر النساء بالنظر إليها ويقبل قول امرأة في ذلك " - واضح الضعف وإن كان قد يشهد له ظاهر قول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): " تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال " وصحيح الحلبي (3) سأل الصادق (عليه السلام) " عن شهادة القابلة وحدها في الولادة، قال: تجوز شهادة الواحدة، وفي صحيح عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس ". إلا أنها لقصورها عن معارضة غيرها من وجوه يتجه حينئذ حملها على إرادة القبول في الجملة، لما عرفت من ثبوت بعض الحق بنسبة الشهادة في الاستهلال والوصية. وعن السيد في الناصرية " يجيز أصحابنا أن تقبل في الرضاع شهادة


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 41 - 2 - 10.

[ 178 ]

المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة واحتياطا فيه " واحتج على ذلك بالاجماع والحديث النبوي (1) " دعها، كيف وقد شهدت بالرضاع " وعليه يرتفع الخلاف بل الواحدة وإن بعد التنزيل. وعن أبي الصلاح ويحكم بشهادتهما منفردتين في ما لا يعاينه الرجال من أحوالهن، ويلزمه الحكم بهما في الرضاع أيضا لدخوله فيه " نعم ظاهره عدم الاكتفاء بالواحدة، وربما يشهد له ظاهر قوله (عليه السلام): " لا يصدق إن لم يكن " في مرسل ابن بكير (2) المنقدم، لكن قد عرفت قصور ذلك ونحوه عن مقاومة ما سمعته من الادلة، فلابد من تنزيل ذلك ونحوه عليها أو على ما لا ينافيها، والله العالم. (مسائل) ثلاث: (الاولى:) (الشهادة ليست شرطا في) صحة (شئ من العقود) والايقاعات عندنا (إلا الطلاق) والظهار، لاصل المستفاد من إطلاق ما يقتضي الصحة من الكتاب (3) والسنة (4) كما تقدم ذلك في مواضعه (و) لكن (يستحب في النكاح والرجعة وكذا في البيع) والدين، والخلاف في ذلك نادر، كما عرفت البحث فيه في محاله مفصلا.


(1) سنن البيهقي ج 7 ص 463 وسنن الدار قطني ج 4 ص 177 مع اختلاف في اللفظ. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب ما يحرم بالرضاع - الحديث 3 من كتاب النكاح. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (4) الوسائل - الباب - 1 و 6 - من ابواب الخيار من كتاب التجارة.

[ 179 ]

المسألة (الثانية) قد تقدم في كتاب القضاء (1) أن (حكم الحاكم) عندنا (تبع للشهادة، فان كانت محقة نفذ الحكم ظاهرا وباطنا وإلا نفذ ظاهرا) لا باطنا (وبالجملة الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا، ولا يستبيح المشهود له ما حكم له إلا مع العلم بصحة الشهادة أو الجهل بحالها) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2): " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذ به، فانما أقطع له قطعة من النار ". خلافا لابي حنيفة فحكم باستباحة المحكوم له وإن علم بطلانه، من غير فرق بين المال والبضع، وقد خالف في ذلك ضرورة المذهب أو الدين، خصوصا في ما اقتضى نكاح المحارم ونحوها، ولا غرو فكم له من مثل ذلك. ومن الجهل بحال الشهادة ما لو شهد له شاهدا عدل بحق لا يعلم به، وحينئذ جاز له أخذه بحكم الحاكم، لان شهادة العدلين طريق شرعي ما لم يعلم الفساد، نعم لو توقف الثبوت بهما على يمين - كما إذا كان المشهود عليه بدين ميتا - لم يجز له الحلف بشهادتهما، بناء على اعتبار العلم فيه حسا لا شرعا على نحو ما سمعته في الشهادة (3).


(1) راجع ج 40 ص 113 - 114. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3 من كتاب القضاء. (3) راجع ص 121 - 131.

[ 180 ]

المسألة (الثالثة:) (إذ دعي من له أهلية التحمل) لها مع عدم خوف الضرر (وجب عليه) وفاقا للمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة (وقيل) والقائل ابن إدريس خاصة في ما أجد كما اعترف به في الرياض: (لا يجب، والاول) مع شهرته ومناسبته لحكم سياسة نظام العالم (مروي) (1) بل هو ظاهر قوله تعالى (2): " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " خصوصا بعد صحيح هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) فيه قال: " قبل الشهادة " وفي قوله تعالى (4): " ومن يكتمها " قال: " بعد الشهادة " وخبر داود بن سرحان (5) عنه (عليه السلام) أيضا أنه قال: " لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب " وخبر محمد ابن الفضيل (6) عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " ولا يأب " إلى آخره، فقال: " إذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو حق لم يسع لك أن تتقاعس عنه " وموثق سماعة (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ولا يأب " إلى آخرها، فقال: " لا ينبغي لاحد إذا دعي على شهادة يشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم " ونحوه خبر


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشهادات. (2) و (4) سورة البقرة: 2 - الاية 82 - 283. (3) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشهادات الحديث 1 - 6 - 7 - 5.

[ 181 ]

الكناني (1) عنه (عليه السلام) أيضا مع زيادة " وذلك قبل الكتاب " إلى غير ذلك. فما عن ابن إدريس من أن المراد بالآية أداؤها لا تحملها لظهور لفظ المشتق في ذلك كأنه اجتهاد في مقابلة النص وإن كان ربما يشهد له ما عن تفسير العسكري (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول " ولا يأب " إلى آخرها " من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لاقامتها، وليقمها ولينصح فيها، ولا تأخذه فيها لومة لائم، وليأمر بالمعروف وينه عن المنكر " لكن قال فيه أيضا وفي خبر آخر (3): " إنها نزلت في ما إذا دعي لسماع الشهادة أبي، وأنزلت في من امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده " ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها إلى آخرها ". نعم قد يقال باحتمال الكراهة في الآية: لانها على طولها مشتملة على الآداب، بل ملاحظة ما قبلها وما بعدها - وإنها على مساق واحد، خصوصا ما كان منها مثل اللفظ المزبور، نحو قوله تعالى، " ولا يأب كاتب " فضلا عن قوله تعالى: " ولا تسأموا " إلى آخرها - يورث الظن القوي بكون ذلك منها أيضا، مؤيدا باشعار لفظ " لا ينبغي " ونحوه في النصوص المزبورة بل انفاق معظمها على هذا اللفظ ونحوه ظاهر في ذلك أيضا، بل شدة التوعد على كتمانها وزيادة المبالغة فيه مع تركه على التحمل فيه إشعار آخر أيضا، بل قد يظهر من الصدوق المفروغية من عدم الوجوب، حيث إنه بعد أن روى في المحكي من فقيهه " قيل للصادق (عليه السلام) (4): إن شريكا يرد شهادتنا، فقال: لا تذلوا أنفسكم "


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 ولكن ليس فيه تلك الزيادة وهي موجودة في حسن الحلبي المروي في نفس الباب - الحديث 4. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشهادات - الحديث 7 - 8. (4) الوسائل - الباب - 53 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 182 ]

قال: " ليس يريد بذلك النهي عن إقامتها، لان إقامة الشهادة واجبة، إنما يعنى بها تحملها، يقول: لا تتحملوا الشهادة فتذلوا أنفسكم باقامتها عند من يردها " بل هو فتوى المصنف في النافع قال: " ويكره أن يشهد لمخالف إذا خشي أنه لو استدعاه إلى الحاكم ترد شهادته " ولعل غيرها أيضا كذلك، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة التي تظهر للفقيه الممارس بأدنى تأمل في نصوص المقام. فالانصاف عدم خلو القول بعدم وجوبه وأنه مستحب بل تركه مكروه من قوة وإن كان الفاضل في المختلف بعد أن حكى عن ابن إدريس عدم الوجوب واستدلاله بالاصل وظهور الآية في الاداء وكون الوارد في ذلك من أخبار الآحاد قال: " ونسبة ذلك إلى أنه من أخبار الآحاد مع دلالة القرآن عليه واستفاضة الاخبار به وفتوى متقدمي علمائنا به جهل منه وقلة تأمل " أللهم إلا أن يريد ذلك بالنسبة إلى استدلاله، لما عرفت من ظهور الآية ولو بقرينة النصوص في إرادة التحمل. نعم قد يحتمل أن يراد في الآية بناء على إرادة من تلبس بالشهادة منها الاشارة إلى مضمون النصوص المستفيضة (1) وهو أن من دعي إلى تحمل الشهادة فتحملها وجب عليه إقامتها ومن تحملها بلا استدعاء لم يجب عليه إقامتها إلا في صوره خاصة، وهي إذا علم الظلم، وحينئذ فيكون المعنى ولا يأب الشهداء عن أداء الشهادة إذا دعوا إلى تحملها وإلا فلا يجب، فيتوافق حينئذ مضمون النصوص المزبورة مع الآية، إلا أنه خلاف ما تقدم في النصوص الواردة في تفسيرها. * (و) * كيف كان ف‍ * (الوجوب) * على القول به * (على الكفاية) * عند المتأخرين كافة للاصل ولاولويته بذلك من الاقامة التي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشهادات.

[ 183 ]

ستعرف استفاضة الاجماع على كفايتها * (و) * حينئذ ف‍ * (- لا يتعين إلا مع عدم غيره ممن يقوم بالتحمل) * كغيره من الكفائي، إلا أنه كما ترى، ضرورة انقطاع الاصل بظهور الادلة كتابا (1) وسنة (2) في العينية، ولا قرينة على إرادة الكفائية نحو تغسيل الميت ودفنه اللذين لم يشرع فيهما النكرار حتى يراد وقوعه من كل مكلف، بل المراد إيجاد أصل الطبيعة من أي مكلف بخلاف المقام الذي لا مانع فيه من وجوب التحمل على كل من يدعى إلى الشهادة، كما هو ظاهر قوله تعالى (3): " ولا يأب الشهداء " وغيره من النصوص (4) السابقة، بل فائدته ظاهرة، لاحتمال الغفلة والنسيان والغيبة والفسق والموت وغير ذلك، والقياس على الاقامة مع بطلانه عندنا ستعرف الكلام في المقيس عليه، ولعله لذا كان المحكي عن ظاهر المفيد والحلبي والقاضي والديلمي وابن زهرة العينية واستبعاد التزام الوجوب بدعوى المائة والمائتين إلى التحمل عليهم أجمع لا يقتضي القول بالكفائية التي هي ليست أولى من التزام الندبية حينئذ فرارا من الاستبعاد المزبور، بل لعل الاخيرة أولى، لما عرفته سابقا. ولعل هذا أيضا من مؤيدات الندب، بل قد يؤيده أيضا أنه على القول بالوجوب يتجه التزامه على كل من دعي إليه وإن لم يكن له أهلية التحمل لفسق مثلا، لاطلاق الادلة، ولاحتمال الفائدة بتحصيل الشياع وتجدد العدالة له، وغير ذلك. هذا كله في التحمل. * (أما الاداء فلا خلاف في وجوبه) * بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى الكتاب والسنة كقوله تعالى (5): " ومن يكتمها فانه آثم قلبه "


(1) و (3) سورة البقرة: 2 - الاية 282. (2) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الشهادات. (5) سورة البقرة: 2 - الاية 283.

[ 184 ]

وفي خبر جابر (1) المروي بعدة طرق في كتب متعددة عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم أو ليزوى مال امرئ مسلم أتي يوم القيامة ولوجهه ظلمة مد البصر، وفي وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ألا ترى إن الله تعالى يقول: وأقيموا الشهادة لله (2) " وفي حديث المناهي (3) " نهى عن كتمان الشهادة، قال: ومن كتمها أطعمه الله تعالى لحمه على رؤوس الخلائق وهو قول الله عزوجل: ولا تكتموا الشهادة (4) " وفي حديث النص على مولانا الرضا (عليه السلام) (5) أنه قال: " وإن سئلت عن الشهادة فأدها، فان الله تعالى يقول: إن الله يأمركم أن تودوا الامانات إلى أهلها (6) وقال: ومن أظلم فمن كتم شهادة (7) " إلى غير ذلك من النصوص، إلا أنها أجمع كما ترى ظاهرة في الوجوب عينا. إلا أن ظاهر الاصحاب الاطباق * (على الكفائية) * بل استفاض في عباراتهم نقل الاجماع ونفي الخلاف على ذلك، مؤيدا بظهور كون الحكمة في وجوب الاداء وحرمة الكتمان ضياع الحق، ومن المعلوم عدم توقف ذلك على شهادة الجميع، وأنه يكفي فيه ما يقوم به من الشهود دون ما زاد، وهذا معنى الكفائي. نعم ظاهر الاكثر عدم الفرق في ذلك بين كون تحمل الشهادة بالاستدعاء وعدمه، لصدق اسمها على وجه تندرج في ما سمعته من الادلة


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 4 - 5 (2) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (4) و (7) سورة البقرة: 2 - الاية 282 - 140. (6) سورة النساء: 4 - الاية 58.

[ 185 ]

على وجوب الاداء وحرمة الكتمان، خلافا للمحكي عن جماعة كالشيخ وابن الجنيد وأبي الصلاح والقاضي وابنى زهرة وحمزة، فلم يوجبوا الاداء مع عدم الاستدعاء للتحمل إلا إذا علم فوات الحق، للنصوص التي قدمناها سابقا في مسألة صيرورة الشاهد شاهدا لو سمع الاقرار وإن لم يدع للشهادة (1) وذكرنا تحقيق الحال هناك وأن ما ذكره الفاضل في المختلف من لفظية النزاع في غير محله، كالاحتمالات المذكورة في كشف اللثام للنصوص المزبورة. ومنه يعلم ما في الذي أطنب به في الرياض هنا، حيث إنه بعد أن ذكر النصوص المزبورة دليلا للكفائية التي حكي الاجماعات المتعددة عليها وبها خرج عن مقتضى العينية التي هي مفاد الادلة السابقة قال: " وبالجملة دلالة هذه النصوص بعد ضم بعضها إلى بعض على عدم الوجوب وكونه كفاية لا عينا في ما زاد عدد الشهود على العدد المعتبر شرعا واضحة، ولا إشكال فيها من هذه الجهة، بل الاشكال فيها إنما هو من حيث دلالتها على التفصيل بين صورتي الاستدعاء للتحمل للشهادة فيجب الاقامة عينا مطلقا ولو زاد عددهم عن المعتبر شرعا، وعدمه فيجب كفاية مع الزيادة وعينا مع عدمها، وهو مخالف لما عليه جمهور أصحابنا المتأخرين حيث حكموا بوجوب الاقامة كفاية مطلقا ولو في الصورة الاولى مع الزيادة، وادعوا إجماعاتهم المتقدمة على ذلك كذلك، إلا أن جمهور قدماء الاصحاب كالشيخ في النهاية والاسكافي والقاضي والحلبي وابني زهرة وحمزة على التفصيل المتقدم إليه الاشارة، واستدل لهم زيادة على ذلك بأنه مع عدم الاستدعاء لم يؤخذ منه التزام، بخلاف ما إذا تحمل قصدا فانه يكون ملتزما كضمان الاموال، والمسألة عند العبد محل تردد - إلى أن


(1) راجع ص 99 - 104.

[ 186 ]

قال -: إن الاقرب الاول " أي التفصيل المزبور ثم ذكر ما ذكر. ولا يخفى عليك ما فيه من النظر من وجوه، حتى تحريره للخلاف على الوجه الذي ذكره، فانك قد عرفت تصريح النهاية وغيرها بعدم الوجوب أصلا إلا مع العلم بالظلم في صورة عدم الاستدعاء للتحمل، كما هو مضمون النصوص، وليس هو من الوجوب الكفائي قطعا، وإلا كان مقتضاه الوجوب إلا إذا علم قيام الغير مقامه، فيسقط كما هو ضابط الوجوب الكفائي. وأغرب من ذلك حمله في ما تركناه من كلامه الاجماعات المحكية على الكفائية على صورة عدم الاستدعاء للتحمل التي هي إن لم تكن مرجوحة الاندارج في إطلاق كلامهم فهي مساوية للصورة الاخرى، ثم قال بعد ذلك: " ومن هنا يظهر جواب آخر عن الاجماعات المحكية على وجوب الاقامة كفائية على الاطلاق، لوضوح كون المدعى فيها كفائية في نفسه المجامعة للعينية بالعرض، ولا مانع في كون الاستدعاء من العوارض ". وهو من غرائب الكلام، فالتحقيق في المسألة ما عرفت، وهو الوجوب كفاية في صورة الاستدعاء للتحمل وعدم الوجوب أصلا في صورة عدم الاستدعاء إلا إذا علم الظلم كما أوضحناه سابقا ونقول هنا زيادة على ذلك: يمكن أن يكون محل كلامهم في المقام خصوص الشهادة في صورة المخاصمة التي تقام عند الحاكم، وأما الشهادات في غيرها كالشهادة بالاجتهاد والعدالة ونحوها مما لا ترجع إلى مخاصمة عند الحاكم ولا يراد إثباتها عنده فلا يبعد القول بوجوبها عينا على كل من كانت عنده، ولا مدخلية لكيفية التحمل فيها، لظهور الادلة السالمة عن المعارض بالنسبة إلى ذلك بعد تنزيل الاجماعات المزبورة على غير هذه الصورة التي لا غرض بمقدار مخصوص منها، بل ربما كان الغرض تعدد الشهادة فيها لكونه أتم

[ 187 ]

للمقصود، فتأمل جيدا. وكيف كان فلا يخفى عليك الحال في حكم الكفائي في صورة وجوبه (ف‍) - ان من المعلوم وجوبه على المكلف به وأنه * (إن قام) * به * (غيره سقط عنه، فان امتنعوا) * عنه أجمع * (لحقهم الذم والعقاب و) * أنه * (لو عدم الشهود إلا إثنان تعين عليهما) * بل لو بقي واحد تعين عليه أيضا وإن لم يقم به تمام الحجة إن كان الحق مما يثبت بالشاهد واليمين وإلا فلا إن لم يحتمل وجوب (وجود ظ) من يتم معه العدد، بل قد يقال بوجوب الاداء عليه وإن لم يحتمل، لاطلاق الادلة، وربما كان للمشهود له به نفع. هذا وفي الرياض " قالوا: ولو لم يعلم صاحب الحق بشهادة الشاهد وجب عليه تعريفه إن خاف بطلان الحق بدون شهادته ولا بأس به ". قلت: المتجه فيه بناء على ما عرفت أنه إن كان متحملا لها باستدعاء ولكن نسيه مثلا صاحب الحق وجب عليه الشهادة بطلب صاحب الحق لها ممن كانت عنده ما لم يعلم قيام الغير بها على نحو غيرها، نعم لو خاف سقوطها بالتبرع بها عرف صاحب الحق ذلك ليدعوه لها بالخصوص، وإن لم يكن تحمله لها باستدعاء لم يجب عليه إلا إذا علم الظلم بدونها. هذا وفي الرياض " ولو لم يكن الشهود عدولا فان أمكن ثبوت الحق بشهادتهم ولو عند حاكم الجور وجب الاعلام أيضا للعموم، وإلا فوجهان، أجودهما الوجوب لذلك مع إمكان حصول العدالة بالتوبة ". قلت: كان الاجود أيضا وجوب الشهادة عليهم إذا دعوا إليها ولو عند حاكم العدل. * (و) * على كل حال ف‍ * (- لا يجوز لهما) * أي الشاهدين * (التخلف) * عن أداء الشهادة حيث تجب عليهما * (إلا أن تكون

[ 188 ]

الشهادة مضرة بها ضررا) * معتدا به أو بأحد المؤمنين أو المشهود عليه أو له * (غير مستحق) * فانها لا تجب حينئذ بلا خلاف أجده فيه، لقاعدة لا ضرر ونفي العسر والحرج، وفي الخبر (1) " أقم الشهادة - إلى أن قال -: وإن خفت على أخيك ضيما فلا " وفي آخر (1) " قلت له: رجل من مواليك عليه دين لرجل مخالف يريد أن يعسره ويحبسه وقد علم الله تعالى أنه ليس عنده ولا يقدر عليه وليس لغريمه بينة هل يجوز له أن يحلف له ليدفعه عن نفسه حتى ييسر الله تعالى له وإن كان عليه الشهود من مواليك قد عرفوه أنه لا يقدر هل يجوز أن يشهدوا عليه ؟ قال ؟ لا يجوز أن يشهدوا عليه ولا ينوى ظلمه ؟ " إلى غير ذلك من النصوص الكثيره التي لا يعارضها ما في بعض نسخ الخبر الاول بدون " فلا ". وبالجملة إقامة الشهادة كغيرها من الواجبات التي تسقط مع الضرر. واحترز بالمستحق عما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد يطالبه عليه على تقدير الشهادة ويمهله به أو يسامحه بدونها، فلا يعد ذلك عذرا، لانه مستحق عليه مع فرض قدرته على الوفاء به كما هو واضح. هذا وفي المسالك " واعلم أن إطلاق الاصحاب والاخبار يقتضى عدم الفرق في التحمل والاداء بين كونه في بلد الشاهد وغيره مما يحتاج إلى مشقة، ولا بين السفر الطويل والقصير مع الامكان، هذا من حيث السعي أما المؤونة المحتاج إليها في السفر من الركوب وغيره فلا يجب على الشاهد تحملها، بل إن قام بها المشهود له وإلا سقط الوجوب، فان الوجوب في الامرين مشروط بعدم توجه ضرر على الشاهد غير مستحق، وإلا سقط الوجوب قلت: قد يقال إن السفر الطويل ونحوه من المشقة والعسر أيضا فتأمل جيدا، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 19 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 189 ]

(الطرف الرابع) * (في الشهادة على الشهادة) * وهي مقبولة عندنا في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعل المحكي منه على ذلك متواترة، كما أنه يمكن دعوى القطع به من مجموع النصوص المستفاد منها ذلك صريحا وفحوى، كخبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " في الشهادة على شهادة رجل وهو بالحضرة في البلد، قال: نعم، ولو كان خلف سارية يجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلة تمنعه من أن يحضر ويقيمها فلا بأس باقامة الشهادة على شهادته " وغيره من النصوص التي تسمعها في الاثناء العاضدة له مضافا إلى ما عرفته من الاجماع وغيره التي منها يعلم أن لا وجه لوسوسة بعض الناس في سنده. فما في خبر غياث بن ابراهيم (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " أن عليا (عليه السلام) قال: لا تقبل شهاده رجل على رجل حي وإن كان باليمين " شاذ أو محمول على التقية، كما قيل وإن كان فيه ما فيه، لما ستعرف من ظهور الخبرين الآتيين في اكتفاء أبي حنيفة بالواحد، فالاولى حمله على ما في خبره الآخر (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) " أن عليا (عليه السلام) كان لا يجيز شهادة رجل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 44 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 - 3 - 4.

[ 190 ]

على شهادة رجل إلا شهادة رجلين على شهادة رجل " وخبر طلحة بن زيد (1) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " انه كان لا يجيز شهادة رجل على رجل إلا شهادة رجلين على رجل " وفي الفقيه (2) قال الصادق (عليه السلام): " إذا شهد رجل على شهادة رجل فان شهادته تقبل، وهي نصف شهادة، وإن شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد ثبت شهادة رجل واحد ". * (و) * كيف كان ف‍ * (- هي مقبولة في حقوق الناس) * غير الحد منها * (عقوبة كانت كالقصاص، أو غير عقوبة كالطلاق والنسب والعتق، أو مالا كالقراض والقرض وعقود المعاوضات، أو ما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء والولادة والاستهلال) * وغير ذلك مما هو حق آدمي غير الحد بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع أيضا بقسميه عليه، لاطلاق نصوص المقام المعتضد بعموم ما دل (3) على قبول شهادة العدلين في ما يشهدان به الشامل لمفروض البحث، وبقضاء الضرورة إلى ذلك، فان شهود الواقعة قد يتفق المانع من الحضور بموت وغيبة * (و) * غيرهما. نعم * (لا تقبل في الحدود) * المبنية على التخفيف والدرء بالشبهة، ولخبر طلحة بن زيد (4) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " إنه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد " وخبر غياث بن ابراهيم (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: " قال علي (عليه السلام): لا تجوز شهادة على شهادة في حد ".


(1) و (2) الوسائل - الباب - 44 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 5. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2 والوسائل - الباب - 51 - من كتاب الشهادات. (4) و (5) الوسائل - الباب - 45 - من كتاب الشهادات - الحديث - 1 - 2.

[ 191 ]

بل مقتضاهما عدم الفرق فيها * (سواء كانت لله محضة كحد الزناء واللواط والسحق أو مشتركة) * بينه تعالى وبين الآدمي * (كحد السرقة والقذف) * وإن كان المجمع عليه نقلا وتحصيلا الاولى منها، وأما الاخيران ونحوهما ف‍ * (- على خلاف فيهما) * إلا أن المشهور كما اعترف به غير واحد ذلك أيضا، لعموم الخبرين السابقين المعتضدين بما عرفت. خلافا للمحكي عن المبسوط وابن حمزة وفخر الاسلام والشهيد في النكت، واختاره في المسالك قال: " لعدم دليل صالح للتخصيص بعد ضعف الخبرين المزبورين " وفيه ما لا يخفى من انجبار الضعف بما عرفت فلاريب في أنه الاقوى، نعم يقوى جريانها في حقوق الله غير الحد كالزكاة وأوقاف المساجد والجهات العامة والاهلة كما نص عليه في المسالك، للاطلاق المؤيد باشعار الاقتصار على الحد بالقبول في غيره. لكن قد يتوهم من المتن وغيره عدم جريانها في ذلك، بل في كشف اللثام " وكذ لا تثبت في سائر حقوق الله تعالى كما قطع به الاصحاب، ومنه الاهلة " ولذا قال في التذكرة: " لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند علمائنا، لاصالة البراءة واختصاص ورود القبول بالاموال وحقوق الآدميين ". ولكن لا يخفى عليك أن عموم الادلة وإطلاق خصوصها يقتضي ثبوتها، ويمكن إرادة المصنف وغيره من حقوق الآدمي ما يشمل ذلك كله، خصوصا بعد اقتصارهم في المنع على الحد، بل قد عرفت القول بثبوتها في الحد المشترك تغليبا لحق الآدمي وإن كان الاصح ما عرفت، كما أنه يقوى ثبوت غير الحد من الاحكام المترتبة على موضوع الحد بها، كنشر الحرمة بأم الموطوء وأخته وبنته وبنت العمة والخالة بالزناء بهما، وكثبوت المهر للمزني بها المكرهة وغير ذلك، ضرورة أنك قد عرفت غير مرة

[ 192 ]

عدم التلازم بين سقوط الحد المبني على التخفيف والدرء بالشبهة وبين سقوطها، فتبقى على مقتضى عموم الادلة، وكون الجميع معلول علة واحدة لا يقتضى ذلك بعد ما عرفت من سقوط أحدها بالشبهة التي لا تنافي الثبوت ظاهرا بالنسبة إلى غيره، خصوصا في مثل العلل الشرعية التي هي معرفات. نعم الظاهر عدم ثبوت التعزير بها في ما يوجبه، لاحتمال كون المراد بالحد هنا ما يشمله، لاشتراكه معه في البناء على التخفيف، بل صريح المصنف في ما يأتي ذلك. وكذا لا تقبل الشهادة الثالثة فصاعدا بلا خلاف أجده فيه، بل حكى غير واحد الاجماع عليه في بحث الشياع، بل في الرياض هنا في ظاهر التحرير والمسالك وصريح الغنية والمحكي عن الماتن والمقدس الاردبيلي وغيرهم الاجماع عليه أيضا، وهو الحجة، مضافا إلى الاصل بعد اختصاص ما دل على قبول الشهادة على الشهادة بالثانية دون ما زاد، وخصوص الخبر (1) المنجبر بما عرفت " ولا تجوز شهادة على شهادة على شهادة ". * (و) * كيف كان ف‍ * (- لابد) * في شهادة الفرع * (أن يشهد إثنان) * بلا خلاف ولا إشكال لما سمعته من النصوص و * (لان المراد إثبات شهادة الاصل، وهو لا يتحقق بشهادة الواحد) * الذي هو نصف البينة * (و) * حينئذ * (لو شهد على كل واحد إثنان صح) * بلا خلاف فيه بيننا وبين من أجاز شهادة الفرع من العامة. * (وكذا) * في الصحة عندنا * (لو شهد إثنان على شهادة كل واحد من شاهدي الاصل) * بل * (وكذا لو شهد شاهد أصل وهو مع آخر على شهادة أصل آخر) * إذ كونه شاهد أصل لا ينافي كونه مع


(1) الوسائل - الباب - 44 - من كتاب الشهادات - الحديث 6.

[ 193 ]

ذلك شاهد فرع * (وكذا لو شهد إثنان على جماعة كفى شهادة الاثنين على كل واحد منهم، وكذا لو كان شهود الاصل شاهدا وامرأتين فشهد على شهادتهم إثنان أو كان الاصل نساء) * أربعا * (في ما تقبل فيه شهادتهن منفردات كفى شهادة اثنين عليهن) * كل ذلك وغيره لعموم الادلة المقتضية قبول شهادة العدلين اتحد المشهود به أو تعدد، وكذا المشهود عليه. خلافا للمحكى عن الشافعي في أحد قوليه فاعتبر المغايرة في شهود كل فرع، وحينئذ يعبتر شهود أربعة على الشاهدين، وعلى الرجل والمرأتين ستة، وعلى الاربع نساء ثمانية وهكذا. وضعفه واضح حتى على ما قيل من أن مبنى الخلاف في جواز كون الاصل فرعا وعدمه، على أن الاشهاد على الشهادة هل هو لاثبات الشهادة أو لحكم النيابة عنها ؟ فعلى الأول الذي هو مذهب الاصحاب يجوز أن يكون الاصل فرعا، لا على الثاني الذي احتمله في الدروس، لانه لا يصح أن يكون نائبا عن نفسه وغيره، لان قيامه بنفسه يستدعي استغناءه عن الغير، ونيابته تقتضي افتقاره، فلا يجتمعان إذ قد يقال بكفاية التغاير الاعتباري عليه نحو ما سمعته في اتحاد الموجب والقابل، والامر سهل بعد وضوح الحال عندنا، لكن في الرياض بعد أن ذكر الاطلاق دليلا للاصحاب حاكيا له عن جمع قال: " وفي التمسك به لولا الاجماع نظر " ولا أعرف وجه النظر الذي أضمره في نفسه، كما أني لم أعرف أحدا سبقه إلى ذلك. نعم في القواعد الاشكال في الاجتزاء باثنين في شهود الزناء بالنسبة إلى ترتب نشر الحرمة والمهر لا الحد من أن المقصود حق الآدمي من المهر وغيره، ومن أنه تابع للزناء ونحوه فلا يثبت إلا بثبوته ولا يثبت

[ 194 ]

إلا بأربعة، وأنه لابد في الاصل من أربعة، وهو لا يكون أسوأ حالا من الفرع، أو من أن الفرع نائب عن الاصل فيشترط الاربعة، أو لا يثبت به إلا شهادة الاصل فيكفي الاثنان. وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرنا، على أن الذي سمعته من العامة هو أحد قولي الشافعي، وإلا فالذي يظهر من خبري البزنطي (1) وابن هلال (2) عن الرضا (عليه السلام) اكتفاؤهم بالواحد على شهادة المائة، قال في الاول: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو حنيفة لابي عبد الله (عليه السلام): تجيزون شهادة ويمين، قال: نعم قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به علي (عليه السلام) بين أظهركم بشاهد ويمين، فتعجب أبو حنيفة فقال أبو عبد الله (عليه السلام): العجب من هذا أنكم تقضون بشاهد واحد في مائة شاهد، فقال: لا نفعل، فقال: بلى تبعثون رجلا واحدا فيسأل عن مائة شاهد فتجيزون شهادتهم بقوله، وإنما هو رجل واحد " وقال في الثاني: " إن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال له أبو حنيفة: كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد ؟ فقال جعفر (عليه السلام): قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به علي (عليه السلام) عندكم، فضحك أبو حنيفة، فقال له جعفر (عليه السلام): أنتم تقضون بشهادة واحد على شهادة مائة، فقال: ما نفعل، فقال: بلى، يشهد مائة فترسلون واحدا يسأل عنهم تجيزون شهادتهم بقوله " ومنه يعلم ما في حمل الخبر الاول على التقية، أللهم إلا أن يراد منهما الاجتزاء بالواحد في التعريف، لكنه مع أنه خلاف ظاهرهما خلاف المعهود منهم، بل ظاهر ما سمعته من نصوص الشهادة على الامرأة عدم اجتزائهم بشهود التعريف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 17 - 13 - من كتاب القضاء.

[ 195 ]

مع التعدد فضلا عن الاتحاد، والله العالم. * (و) * كيف كان ف‍ * (للتحمل مراتب) * مأخوذة من معنى الشهادة على الشهادة، وإلا فليس في النصوص لها أثر، نعم في خبر عمر بن جميع (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: " اشهد على شهادتك من ينصحك، قال: أصلحك الله كيف ؟ يزيد وينقص، قال: لا ولكن يحفظها عليك، ولا تجوز شهادة على شهادة على شهادة " وفي المسالك وغيرها " أنه لا يجوز للفرع التحمل إلا إذا عرف أن عند الاصل شهادة جازمة بالمشهود عليه " بل في الرياض نفي الخلاف فيه، لانه المتبادر والمعنى الحقيقي للشهادة على الشهادة، قلت: لكن طريقه إلى ذلك لفظ الاصل ولو بأن يؤديه بعنوان أنه شهادة، أو يعتبر مع ذلك أمر آخر، وستعرف تحقيق الحال فيه. وعلى كل حال ف‍ * (- أتمها) * أي المراتب * (أن يقول شاهد الاصل: اشهد) * أو أشهدتك * (على شهادتي أني أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا، وهو الاسترعاء) * أي التماس شاهد الاصل رعاية شهادته والشهادة بها، أو يقول: إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد: وربما قيل: إن الاسترعاء هو أن يقول: أشهدك عن شهادتي، والفرق بين " عن " و " على " أن قوله: " أشهدك على شهادتي " تحميل، وقوله: " عن شهادتي " إذن في الاداء، فكأنه يقول: أدها عني، إذ لاذنه أثر في ذلك، ألا تراه لو قال له بعد للتحميل: " لا تؤد عني تلك الشهادة " امتنع عليه الاداء، ومن هنا يحكى عن بعضهم ترجيح " عن " على " على " بل ناقش في " على " بأنها تقتضي كون الشهادة مشهودا عليها، وإنما هي مشهود بها، والمشهود


(1) الوسائل - الباب - 44 - من كتاب الشهادات - الحديث 6 عن عمرو بن جميع.

[ 196 ]

عليه الشاهد، ولابد من التمييز بين المشهود به وله وعليه. لكن لا يخفى عليك ما في هذه الكلمات التي هي في الحقيقة من اللغو، وهي بالعامة أليق منها بالخاصة، ضرورة كون المراد واضحا ونصوص المقام مملوة من لفظ " الشهادة على الشهادة " وليس هو إلا لظهور المراد بها، والاذن لا مدخلية لها في ذلك، إلا أن يستفاد من عدمها الرجوع عن الشهادة، وهو خروج عما نحن فيه، فالمدار حينئذ على تحميل الاصل ذلك بعنوان أنها شهادة منه. وعلى كل حال فلا خلاف في جواز التحمل بالاسترعاء المزبور كما اعترف به غير واحد، بل في جملة من الكتب الاجماع عليه. * (وأخفض منه) * أي الاسترعاء * (أن تسمعه يشهد عند الحاكم) * فانه يجوز له التحمل به وإن لم يسترعه، كما صرح به جماعة، لصدق كونها شهادة على شهادة * (إذ لا ريب في تصريحه هناك بالشهادة) * بل إقامته إياها عند الحاكم العدل للحكم بها أقوى من التصريح الاول في الاسترعاء أو مساو له، بل للحاكم أن يشهد بها عند حاكم آخر، فما عن ظاهر ابن الجنيد - من منع التحمل بها لانه خص القبول بالاسترعاء المزبور - واضح الضعف، ضرورة عدم اعتبار التحميل في صحة التحمل لاطلاق أدلة المقام * (و) * غيرها. بل ذكر غير واحد - منهم الشيخ في المحكي من مبسوطه - أنه * (يليه) * أي يقرب من ذلك في جواز التحمل * (أن يسمعه يقول) * عند غير الحاكم: * (أنا أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا، أو يذكر السبب، مثل أن يقول: من ثمن ثوب أو عقار، إذ هي صورة جزم) * وشهادة عرفا، فتندرج في ما دل من الشهادة على الشهادة، بل تندرج في جميع الادلة.

[ 197 ]

* (و) * لكن قال المصنف وتبعه الفاضل: * (فيه تردد) * من ذلك، ومن اعتياد التسامح بأمثال ذلك في غير مجلس الحكومة، واحتمال الوعد وغيره، فلا يقين بارادة المعنى الحقيقي للشهادة بذلك، خصوصا بعد استقراء حال كثير من القائلين نحو ذلك بطلب الشهادة منهم بما قالوه بعد المرافعة والمخاصمة وامتناعهم من ذلك، فلا يقين حينئذ بشهادة الاصل، وقد عرفت عدم الخلاف في اعتباره، هذا مع الكيفية المزبورة. * (أما) * ما * (لو لم يذكر سبب الحق بل اقتصر على قوله: أشهد لفلان على فلان بكذا) * فقد جزم غير واحد بأنه * (لم يصر متحملا) * بذلك * (لاعتياد التسامح بمثله و) * إن قال المصنف * (في الفرق بين هذه وبين ذكر السبب إشكال) * معترضا به على ما عن المبسوط باعتبار اشتمالها أيضا على الجزم الشهادي الذي ليس للعدل التسامح بمثله، فالواجب إما القبول فيهما أو الرد كذلك، والاول بعيد، بل لم يقل به أحد، فتعين الثاني، لكن لم نجد ذلك لغيره، فان الاصل في هذه المراتب الشيخ في محكي المبسوط، ومن تأخر عنه قد وافقه على ذلك في ما حكي عنه إلا ما سمعته من تردد المصنف والفاضل في الثالثة وإشكال المصنف خاصة في الاخيرة. ولا يخفى عليك ما في الجميع. ومن هنا أعرض جماعة من المتأخرين عن ذلك كله، وجعلوا المدار على ما عرفته سابقا من اعتبار علم الفرع بشهادة الاصل من دون فرق بين الصور كلها، حتى لو فرض عدمه في صورة الاسترعاء لقيام احتمال المزج ونحوه لم يجز التحمل، كما أنه لو فرض حصوله في الصورة الاخيرة صار متحملا. قلت: لكن لا يخلو من إجمال أيضا. فانه إن أريد العلم بذلك زيادة على ما يستفاد من العبارة الدالة عليه كان مطالبا بدليله، ضرورة معلومية

[ 198 ]

حجية المفهوم من الالفاظ في الاقرارات والوصايا ونحوها، وإن أريد العلم ولو بمتقضى دلالة اللفظ كان المتجه جعل ذلك هو المدار لا العلم الموهم خلاف ذلك، بل يمكن دعوى صراحة بعض الكلمات فيه، ولذا فرقوا بين الاقرار والمقام بأن المقر مخبر عن نفسه والشاهد مخبر عن غيره الذي قد يتساهل فيه، فيحتاج فيه إلى الاحتياط بخلاف المخبر عن نفسه، ولذا لم تقبل شهادة الفاسق والمغفل وغيرهما، ويقبل إقرارهما. والتحقيق أن الانشاء الشهادي الذي قد قدمنا في أول الكتاب الفرق بينه وبين المعنى الاخباري ذاتا متى تحقق ولو بعبارة دالة عليه جازت الشهادة عليه، إذ هو كغيره من الانشاء الذي يكتفى في الشهادة عليه بايجاده بالعبارة الدالة عليه كالبيع والاجارة والطلاق وغيرها، وحينئذ فالمتجه جعل المدار على هذا، إلا أن تنضم قرائن تقتضي الشك في إرادته من العبارة الدالة عليه كغيره من أفراد الانشاء. ومن ذلك يظهر لك أنه إن كان مراد الجماعة ما ذكرناه فمرحبا بالوفاق وإلا كان محلا للنظر بل والمنع، لما عرفت من عدم الدليل بالخصوص على هذه المراتب، وإنما الموجود صدق الشهادة على الشهادة، فيدور الحال مدارها. بل منه يظهر لك النظر في ما ذكره المصنف وغيره من تفصيل شاهد الفرع وكيفية تحمله قال: * (ففي صورة الاسترعاء يقول: أشهدني فلان على شهادته، وفي صورة سماعه عند الحاكم يقول: أشهد أن فلانا شهد عند الحاكم بكذا، وفي صورة السماع لا عنده يقول: أشهد أن فلانا شهد على فلان لفلان بكذا بسبب كذا) * إن كان المراد من ذلك الوجوب كما صرح به في المسالك قال: " لان الغالب في الناس الجهل بطريق التحمل، فربما استند إلى سبب لا يجوز التحمل به، ولما عرفته من

[ 199 ]

الاختلاف في المراتب، فربما أطلق الشهادة وكانت مستندة إلى سبب يجوز عنده ولا يجوز عند الحاكم " ضرورة عدم الدليل على ذلك، بل إطلاق الادلة خصوصا نصوص المقام يقتضى خلافه، لما عرفت من كون المراد على صدق الشهادة على الشهادة، مضافا إلى ما عرفت من كون المقام على حسب غيره من أفراد الشهادة، فليس ما يشهد به الشاهد من الشهادة إلا كغيره مما يشهد به الذي لا يعتبر فيه شئ من ذلك كما هو واضح. * (ولا تقبل شهادة الفرع إلا عند تعذر حضور شاهد الاصل) * عند المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل قيل: لا يكاد يتحقق فيه خلاف حتى من الخلاف وإن حكي فيه عن بعض الاصحاب، وقيل: مال إليه، لدعواه الاجماع على الاشتراط، وعدم وضوح ميله إلى ما نقله عن البعض إلا من حيث ذكره دليله ساكتا عليه، ولعل وجهه اكتفاؤه في رده بالاجماع الذي قدمه، ولعل البعض الذي نقل الخلاف عنه هو والد الصدوق كما عن جماعة حكايته عنه، لكن عن مختلف الفاضل إنكاره بعد أن حكى نسبته إليه عن الحلي، ويحتمل أن يكون هو الاسكافي كما عن الدروس حكايته عنه إلى أن قال: " وكيف كان فلا ريب في ندرته ومخالفته الاجماع الظاهر والمحكي ". قلت: ولكن مع ذلك كله ففي كشف اللثام تبعا له والاقوى عدم الاشتراط، كما يظهر من الخلاف الميل إليه، لضعف هذه الادلة، والاصل القبول، قال الشيخ: وأيضا روى أصحابنا أنه إذا اجتمع شاهد الاصل والفرع واختلفا فانه تقبل شهادة أعدلهما، حتى أن في أصحابنا من قال: إنه تقبل شهادة الفرع وتسقط شهادة الاصل " ومثله المقدس الاردبيلي حاكيا له عن الصدوق.

[ 200 ]

وفيه أنه يكفي في قطع الاصل خبر محمد بن مسلم (1) المتقدم المنجبر بالاجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة أو الاجماع المحصل وبما قيل من أن الفرع أضعف، ولا جهة للعدول إليه عن الاقوى إذا أمكن، ومن الافتقار إلى البحث عن الاصل والفرع جميعا، وهو زيادة مؤونة وإن كانا هما كما ترى، وبما سمعته من الادلة على وجوب الاقامة على شاهد الاصل وبغير ذلك مما هو إن لم يكن مثبتا للمطلوب فلا أقل من الشك منه في تناول دليل الاجتزاء بشهادة الفرع للفرض، والاصل عدم القبول، وما ذكره من رواية أصحابنا لا ينافي ذلك كما ستعرف، وخصوصا بعد إمكان كون إنكار الاصل أو نسيانه من أسباب التعذر كما في كشف اللثام. * (و) * كيف كان ف‍ * (يتحقق العذر بالمرض وما ماثله وبالغيبة ولا تقدير لها) * عندنا خلافا لبعض العامة، فاعتبر مسافة القصر، ومنهم من اعتبر تعذر الرجوع إلى منزله ليبيت فيه * (و) * إنما * (ضابطه) * أي العذر عندنا * (مراعاة المشقة على شاهد الاصل في حضوره) * بحيث تصلح لاسقاط وجوب الاقامة عنه، كما هو مقتضى قول الباقر (عليه السلام) * (2): " إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلة تمنعه من أن يحضر ويقيمها " فلابد حينئذ في الاجتزاء بشهادة الفرع من العلم بتعذر الاقامة على شاهد الاصل، ولا يكفي تعذر إحضار صاحب الحق إياه. ومن هنا ينقدح إشكال بناء على ما سمعته من المسالك سابقا من أنه يجب على الشاهد السفر ولو طويلا لاقامة الشهادة، وهو عدم الاجتزاء حينئذ بشهادة الفرع بمجرد غيبة شاهد الاصل، لاحتمال تمكنه من الحضور، نعم يرتفع الاشكال بناء على ما قلناه من عدم وجوب ذلك على الشاهد، للضرر والعسر والحرج، فتأمل.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 44 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 201 ]

ثم إن الظاهر مراعاة الشرط المزبور إلى حين إقامتها، فلو فرض ارتفاع العذر بعد إقامتها قبل حكم الحاكم لم يمنع ذلك من قبولها، نعم لو ارتفع قبل الاقامة لم يجز بها، كما تسمع تحقيق الحال فيه إن شاء الله. ومن ذلك يظهر الوجه في ما ذكره المصنف * (و) * غيره من أنه * (لو شهد شاهد الفرع فأنكر الاصل فالمروي العمل بشهادة أعدلهما، فان تساويا أطرح الفرع) * ففي الصحيح المروي في الكافي والتهذيب (1) والفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: لم أشهده، فقال: تجوز شهادة أعدلهما " وزاد في الفقيه " وإن كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته " وكذا في صحيح ابن سنان (2) المروي في الكافي والتهذيب، لكن زاد في الاول عوض زيادة الفقيه في الخبر السابق " ولو كان عدلهما واحدا لم تجز الشهادة " وفي الثاني " ولو كان عدلهما واحدا لم تجز شهادته ". وعلى كل حال ففي المتن والنافع * (وهو يشكل بما أن الشرط في قبول الفرع عدم الاصل) * وعن الشيخ في النهاية والقاضي والصدوقين العمل بهما بل وابن حمزة لكن في ما إذا أنكر بعد الحكم، وأما قبله فيطرح الفرع، وقريب منه الفاضل في المختلف، وكأنهما لحظا بذلك الجمع بين ما دل على اشتراط تعذر حضور الاصل في سماع شهادة الفرع وبين الخبرين المزبورين بحملهما على ما بعد الحكم والسابقة على العكس، فيندفع حينئذ الاشكال الذي ذكره المصنف.


(1) الوسائل - الباب - 46 - من كتاب الشهادات الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 46 - من كتاب الشهادات - الحديث 3 والموجود في الكافي ج 7 ص 399 " ولو كان أعدلهما واحدا لم تجز شهادته عدالة فيهما " وفى التهذيب ج 6 ص 256 " ولو كان اعدلهما واحدا لم تجز شهادته ".

[ 202 ]

لكن فيه أنه لا شاهد لهذا الجمع، بل ظاهر ما تسمعه من المصنف وغيره تقييد جميع الادلة المزبورة بعكس ذلك معربين عن عدم الخلاف في عدم الالتفات إلى الانكار بعد الحكم معللين بنفوذه، فيستصحب، بل نسبه الاردبيلي إلى الاصحاب مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، فلا إشكال حينئذ في فساده، وكذا ما عن الاسكافي من عدم الالتفات إلى إنكار الاصل ولو قبل الحكم مع أعدلية أحدهما أو تساويهما فيها، ضرورة منافاته لجميع الادلة السابقة. ومن هنا تصدى المصنف لدفع الاشكال المزبور بقوله: * (وربما أمكن) * دفعه بفرض موضوع المسألة في ما * (لو قال الاصل: لا أعلم) * لا إذا كذب الفرع، ووافقه عليه الفاضل في القواعد ومحكي التحرير وولده في المحكي من شرحه. لكنه كما ترى، إذ هو - مع منافاته للمشهور بين الاصحاب من عدم قبول شهادة الفرع مع حضور شاهد الاصل الذي هو أعم من إقامتها أو تركها لعدم العلم بها - لا شاهد له، بل لا وجه حينئذ للعمل بقول الاعدل إذا كان هو الاصل، ضرورة عدم شهادة له، فيتجه حينئذ العمل بشهادة الفرع وإن كان الاصل أعدل فضلا عن التساوي، بل قيل: هو مناف لمنطوق الرواية، وهو " لم أشهده ومن هنا استوجه بعض الناس طرح الخبرين المزبورين ترجيحا لتلك الادلة السابقة عليهما، خصوصا بعد اشتمال ظاهرهما على قبول شهادة الرجل الواحد على الواحد الذي هو مخالف لما عرفت من الاجماع والنصوص. وفي الرياض " هذا مذهب الشيخ في المبسوط والحلي وابن زهرة والفاضلين وغيرهم. وبالجملة أكثر المتأخرين بل المشهور مطلقا كما في المسالك وغيرها، وزاد الاول فنسبه كالشهيد في النكت إلى عامة المتأخرين

[ 203 ]

معربين عن دعوى إجماعهم عليه - ثم قال -: ولعله أقرب، للشهرة المرجحة للادلة المتقدمة على هذه الرواية، سيما مع ما هي عليه من الكثره والاعتضاد من أصلها بالشهرة، بل الاجماع كما عرفته ". وعن ابن إدريس زيادة الاشكال السابق (أولا) بأن الفرع إنما يثبت شهادة الاصل، فإذا كذبه الاصل حصل الشك في المشهود به، فكيف يحكم على وفقه ! !. و (ثانيا) بأنه إذا كذبه صار فاسقا عنده فما الفائدة في إثبات شهادته، بل يثبت كذب أحدهما وأيهما كذب بطلت الشهادة. و (ثالثا) بأن الشاهد إذا رجع قبل الحكم لم يحكم. و (رابعا) بأن الاصل لا حكم ولا شهادة وبقاء الاموال عند أربابها، وهذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل. وفي غاية المراد دفع أصل الاشكال بأنه لا يلزم من أنه يشترط في إحضار شاهد الفرع تعذر الاصل أن يكون ذلك في السماع، سلمنا لكن المراد إذا كان الاصل والفرع متفقين، فانه حينئذ لا يحتاج إلى شهادة الفرع للاستغناء بالاصل، وزيادة الكلفة بالبحث عن الجرح والتعديل، أما مع التناكر فيمتنع تناول العبارة، وبالجملة لم يصرحوا بأن ذلك مناف لشهادة الفرع، بل ظاهر كلامهم أن سماع شهادة الفرع مشروط بتعذر شاهد الاصل إذا كان يشهد، والمنكر لم يشهد ". قلت: لا يخفى عليك جامعية الخبرين لشرائط صحة العمل بهما سندا وعملا، فان الاصحاب بالجملة قد عملوا بهما وإن اختلفوا في كيفيته حتى المصنف هنا والفاضل في القواعد وغيرهما في صورة قول الاصل: " لا أعلم: بل الفاضل الاصبهاني اختار عدم اشتراط قبول شهادة الفرع بتعذر حضور الاصل حاكيا له عن ظاهر الشيخ في الخلاف لهذين لخبرين الصحيحين، وكذا المقدس الاردبيلي بعد أن أطنب في فساد الجمع بين

[ 204 ]

الصحيحين وبين الاشتراط المزبور. وبالجملة لا ريب في العمل بهما في الجملة من كثير من الاصحاب. والمناقشة فيهما بظهورهما في الاجتزاء بشهادة الواحد في الفرع واهية، ضرورة إرادة الجنس من الرجل فيه، على أن مساقها لغير ذلك، بل الواحد فيها لا ينفي غيره. وأما معارضة ما دل على اشتراط عدم حضور الاصل فعلى فرض كون الرجحان ينبغي الاقتصار فيه على مقدار المعارضة لا أزيد، وهو ما إذا كان قبل إقامة الشهادة، أما بعدها فليس في تلك الادلة ما يقتضي اشتراطها أيضا بعدم حضور الاصل، بل ظاهر دليل الشرطية القبول حينئذ، فيبقى الخبران حينئذ سالمين عن المعارض في ذلك، فيعمل بمضمونهما. ودعوى شمولهما أيضا لما بعد الحكم ممنوعة، على أنه يدفعها وقوع الحكم صحيحا فيستصحب، ولاطلاق ما دل على نفوذ حكم الحاكم ما لم يعلم بطلانه، ولا أقل من ترجيح ما دل على ذلك عليهما لو سلم تناولهما للحال المزبور بالشهرة العظيمة أو الاجماع ظاهرا كما سمعته من المقدس الاردبيلي (رحمه الله). وأما ما ذكره ابن إدريس من الاشكالات السابقة فبعضها كالاجتهاد في مقابلة النص، وبعضها غير وارد، ضرورة عدم استلزام قوله: " لم أشهده " الكذب المقتضي للتفسيق، لاحتمال التوهم والنسيان وغيرهما، كما أن من المعلوم عدم كون ذلك رجوعا عن الشهادة كي يندرج في ما دل عليها، بل هي من مسائل التعارض التي يرجع فيها إلى الترجيح، بل لعل مراد المصنف بفرض المسألة في صورة " لم أعلم " هو عدم التكذيب ولو بقول: لم أشهده في ما أعلم، فلا يرد عليه حينئذ ما سمعت، بل يمكن على هذا أن يكون موافقا لما قلناه كما هو المحكي عن الشيخ

[ 205 ]

والصدوقين والقاضي. وبذلك ظهر لك ما في كلام الجميع وإن كان لكل منه وجه حتى ما حكيناه عن الشيخ والصدوقين والقاضي مما هو ظاهر الموافقة لما قلناه، لكنهم لم يخصوه في الصورة التي فرضناها، بل مقتضي كلامهم عدم اعتبار تعذر الاصل في قبول شهادة الفرع مطلقا ولو قبل الاقامة، ولا ريب في منافاته لما دل على ذلك، فالمتجه حينئذ الجمع بما ذكرناه. ومن الغريب عدم تنبه أحد من الاصحاب لذلك مع ظهوره ولو فرض كفاية ذلك في رفع اليد عنه - مضافا إلى إمكان دعوى دليل بعذر في عدم الامكان مطلقا - خرج ما بعد الحكم وبقي غيره، فلا محيص عن القول المشهور، إذ لا أقل من الشك حينئذ في قبول شهادة الفرع في الفرض، فيبقى على أصالة عدم الثبوت كما لا محيص حينئذ عن التزام طرح الخبرين المزبورين، ولكن الانصاف قوة القول الاول لعدم تحقق شهرة معتد بها تقتضي رفع اليد عن الصورة المزبورة، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم واطلع على تشويشها وعدم تنقيحها وظهور الدليل المزبور في عدم الامكان عند الاقامة، فلاحظ وتأمل. ثم إنه بناء على العمل بالخبرين المزبورين يمكن دعوى الاستفادة من فحواهما جريان الترجيح بذلك في التعارض بين شهود الفرع أيضا، بمعنى أن كلا من شهود فرع عن أصل قد شهد بعكس الآخر عن الاصل وحينئذ فيقدم الاعدل، ومع التساوي يطرح، لعدم ثبوت شهادة الاصل نحو ما سمعته في السابق، ضرورة أولوية صورة تعارض الفروع من تعارض الاصل والفرع بذلك، ولا قرعة بعد فرض عدم الاشكال حينئذ، لظهور الدليل في الطرح المقتضي هنا لعدم ثبوت شاهد الاصل كما لا ترجيح بالاكثرية، كما يومئ إليه الترجيح بالاعدلية في صورة تعدد الفرع واتحاد

[ 206 ]

شاهد الاصل، نعم الظاهر اعتبار الاعدلية في أول الفرعين، فيجزئ حينئذ وجودها في واحد منهما على متقضى ظاهر الخبرين، فتأمل جيدا. * (و) * مما ذكرنا ظهر لك الحال في ما * (لو شهد الفرعان ثم حضر شاهد الاصل ف‍) * انك قد عرفت أنه * (إن كان) * حضوره * (بعد الحكم لم يقدح في الحكم وافقا أو خالفا) * لاصالة الصحة ولاستصحابها وغيرهما * (وإن كان قبله) * وقبل إقامة الشهادة * (سقط اعتبار الفرع وبقي الحكم لشاهد الاصل) * لما عرفت من اشتراط قبول شهادته بتعذر حضوره، بل مقتضى واقعية الشرائط السقوط أيضا في صورة عدم العلم بحضوره وإن وقع الحكم مع الجهل بالحال لاختلال الميزان حينئذ كاختلالها في ما لو حكم بشهادة من لا تقبل شهادته على المشهود عليه غفلة ثم بان الامر بعد ذلك وإن كان بعد إقامة الفرع الشهادة فالمشهور على ما قيل السقوط أيضا، وفيه البحث السابق. * (ولو تغيرت حال الاصل بفسق أو كفر) * أو عداوة للمشهود عليه أو عبودية له * (لم يحكم بالفرع) * كما لو طرأت عليه قبل الحكم بشهادته * (لان الحكم مستند إلى شهادة الاصل) * حتى على قول العامة بالنيابة، فانه إذا بطل حكم شهادة المنوب بنحو ذلك بطل حكم شهادة النائب. نعم لو طرأ الجنون أو الاغماء لم يؤثر بناء على عدم قدح طرو ذلك في شاهد الاصل بعد إقامتها وكذا العمى وإن افتقر أداء الشهادة إلى البصر، للاستغناء هنا ببصر الفرع، ضرورة كون هذه الطوارئ كالموت، فالمدار حينئذ في إبطال الطارئ وعدمه على إفساد شهادة الاصل بطروه عليه وعدمه بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا ما سمعته من ابن حمزة والفاضل في المختلف من الحكم بأعدلهما لو اختلف الاصل والفرع بعد الحكم، وإلا ما يحكى عن الوسيلة وجامع المقاصد من إطلاق الحكم

[ 207 ]

بشهادة الفرع لو طرأ غير الفسق، ولعلهما تسامحا في العبارة. نعم قد يشكل الفرق بين طرو الجنون والاغماء بعد الاقامة قبل الحكم وبين طرو الفسق مثلا بعدها، لان المانع في الاخير إن كان صدق الحكم بشهادة فاسق حينئذ فهو متحقق فيهما أيضا، أللهم إلا أن يقال: إن ظاهر الادلة كون الفسق مقتضيا لعدم القبول بخلافهما، فان أقصاهما عدم قبول شهادتهما فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالاقوى عدم اعتبار تجديد التحمل مع طرو الموانع المزبورة إذا فرض زوالها بعد ذلك، لعدم اقتضاء طروها حصولها في السابق الذي منه حال التحمل شرعا ولا عرفا والمفروض كونه جامعا حال التحمل، فلا يقدح طرو الامور المزبورة بعد في حال فرض زوالها في ما قبله لاطلاق أدلة القبول. * (وتقبل شهادة النساء على الشهادة) * ولو الرجال ولكن * (في ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات كالعيوب الباطنة والاستهلال والوصية) * في ظاهر المحكي عن الاسكافي والمبسوط، لاطلاق ما دل على قبول شهادتهن فيه الشامل لذلك أصلا وفرعا، بل الثاني منهما أولى بالقبول من الاول، بل في محكي الخلاف والمختلف جواز شهادتهن في ما يقبل فيه النساء مع الرجال من الديون وغيرها، لنحو ما سمعته أيضا، بل في الاول منهما الاستدلال بالاخبار والاجماع، وزاد في الثاني منهما " أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل، فإذا شهد رجلان على رجل جاز أن تشهد أربع نسوة على ذلك الرجل قضية للتساوي " بل قد يستدل له أيضا بأنه قد ثبت قبول شهادتهن مع الرجال في ما يقصد به المال، والمقصود من شهادة الاصل المال. * (و) * لكن مع ذلك كله * (فيه تردد) * بل * (اشبهه المنع) *

[ 208 ]

وفاقا للمشهور، خصوصا المتأخرين، بل لم أقف فيهم على مخالف وإن تردد فيه بعضهم، لكنه في غير محله للاصل بعد ظهور النصوص (1) السابقة في اعتبار الرجلين في الشهادة على الشهادة السالم عن معارضة الاطلاق المزبور الظاهر في قبول شهادتهن عليه نفسه الذي لا تطلع عليه الرجال غالبا، لا الشهادة عليه التي هي عكس ذلك، والاولوية الواضحة المنع، بل والاجماع المزبور المتبين خلافه. ولذا قال في كشف اللثام: " دون ثبوته خرط القتاد " ووهنه في الرياض بندرة القائل بمضمونه عدا الناقل ونادر والاخبار المرسلة التي لم نقف منها على خبر واحد، كما اعترف به أيضا بعضهم. ومن هنا يقوى إرادة ما دل على قبول شهادة رجل وامرأتين منهما لكن كان عليه ضم الكتاب معها أيضا، إلا أنه لا يخفى عليك ظهورها في ما لا يشمل الشهادة على الشهادة، والتساوي المزبور لم يثبت عمومه للمفروض بوجه يقطع العذر شرعا، خصوصا بعد عدم حجية كل ظن للمجتهد والقياس والاستحسان، وكذا الكلام في الاخير، ضرورة عدم ثبوته على وجه يشمل الفرض أيضا وإلا لاجزأ الشاهد واليمين الثابت في النصوص (2) إثباتهما لجميع حقوق الآدميين، فهما أولى من النساء في ذلك، ولا أظن أحدا يقول به، خصوصا بعد التصريح بعدم الاجتزاء به في الخبر السابق في إحدى النسختين. * (ثم الفرعان) * العدلان * (إن سميا الاصل وعدلاه قبل) * حال التحمل والاداء عندنا، لاطلاق الادلة، نعم للعامة قول بالعدم بناء على أنه نائب عن الاصل، فتعديله بمنزلة تعديل نفسه * (وإن سمياه ولم يعدلاه سمعها الحاكم وبحث عن الاصل، وحكم مع ثبوت ما يقتضي


(1) الوسائل - الباب - 44 من كتاب الشهادات. (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

[ 209 ]

القبول، وطرح مع ثبوت ما يمنع لو حضر وشهد) * بل يطرحه لو ثبت فسقه حال الشهادة ما لم يعلم بقاؤه على الشهادة حال عدالته بل يقوى اعتبار تجديد التحمل، هذا كله لو سمياه. * (أما لو عدلاه ولم يسمياه لم تقبل) * بلا خلاف أجده فيه بيننا، نعم يحكى عن ابن جرير الاكتفاء بذلك، ولا ريب في ضعفه، لان الحاكم قد يعرفهم بالجرح، ولانهم قد يكونون عدولا عند قوم وفساقا عند آخرين، إذ العدالة مبنية على الظاهر، ولان ذلك يسد باب الجرج على الخصم، ومن ذلك يعرف الوجه في ما قدمناه من وجوب تسمية شهود التعريف، فلاحظ. وعلى كل حال فليس على شهود الفرع أن يشهدوا على صدق شهود الاصل ولا أن يعرفوا صدقهم، كما ليس عليهم تعديلهم أو معرفتهم بعدالتهم، لكن عن المفيد أن قال: " لا يجوز لاحد أن يشهد على شهادة غيره إلا أن يكون عدلا عنده مرضيا " ولا أعرف له وجها، نعم لا يجوز له ذلك إذا علم الكذب، لانه إعانة على الاثم. * (ولو أقر باللواط أو بالزناء بالعمة والخالة أو بوطء البهيمة ثبت بشهادة شاهدين) * لاطلاق الادلة * (وتقبل في ذلك الشهادة على الشهادة) * لاطلاق الادلة أيضا * (و) * إن كان * (لا يثبت بها حد و) * لكن * (يثبت انتشار حرمة النكاح) * على المقر وغيرها من الاحكام المترتبة على إقراره. * (وكذا لا يثبت التعزير) * بناء على أنه من الحدود * (في وطء البهيمة) * بالشهادة على الشهادة على إقراره * (و) * لكن * (يثبت تحريم الاكل في المأكولة) * على المقر * (وفي الاخرى وجوب بيعها) * عليه * (في بلد آخر) * بناء على أن ذلك حكمها، كما قدمنا الكلام في ذلك.

[ 210 ]

ولكن تخصيص المصنف الحكم هنا بالاقرار قد يشعر بالفرق بينه وبين نفس الفعل الذي هو سبب الحد لا الاقرار به الذي هو أعم من وقوعه منه وإن جعله الشارع طريقا مثبتا له لكن على وجه مخصوص، إلا أنه ذكر غير واحد أن الاصح عدم الفرق، لان علل الشرع معرفات، ولذا ثبت بالشاهد واليمين الغرم بالسرقة دون القطع. وفيه إن كان المراد إثبات الزناء نفسه بالشاهدين بالنسبة إلى الاحكام دون الحد أن ذلك لا يقتضي إلا جواز وروده من الشرع، أما مع فرض عدمه - وليس إلا الادلة المزبورة - فالمتجه عدم تبعض أحكام الموضوع الواحد خصوصا بعد قوله تعالى (1): " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " الظاهر في عدم ثبوت الموضوع أصلا بدونهم، لا أنهم كاذبون بالنسبة إلى الحد دون غيره، نعم قد يقال بنحو ذلك في ما نحن فيه، لظهور الادلة في إثبات شهادة الفرع شهادة الاصل في غير الحد، فيتجه حينئذ التبعيض فيها لا في أصل الزناء لو فرض حصول شاهدين، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالاصح عدم اعتبار الاربعة في الفرع وإن اعتبرت في الشهادة على الزناء، فيكفي حيئنذ الاثنان في ثبوت شهادتهم لاطلاق الادلة وإن توقف فيه الفاضل في القواعد كما عرفت البحث فيه، والله العالم.


(1) سورة النور: 24 - الاية 13.

[ 211 ]

(الطرف الخامس) * (في اللواحق) * * (وهي قسمان:) * القسم * (الاول في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد، وتترتب عليه مسائل ") * * (الاولى:) * * (توارد الشاهدين على الشئ الواحد شرط في القبول) * بلا خلاف ولا إشكال * (فان اتفقا معنى حكم بهما وإن اختلفا لفظا) * ضرورة عدم العبرة به بعد اتفاقهما في المعنى * (إذ لا فرق بين أن يقولا) * مثلا: * (غصب وبين أن يقول أحدهما: غصب والآخر انتزع) * قهرا ظلما. * (و) * كذا لا إشكال ولا خلاف في أنه * (لا يحكم) * بهما * (لو اختلفا معنى، مثل أن يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالاقرار بالبيع، لانهما شيئان مختلفان) * والفرض عدم شهادة غير الواحد بكل منهما، بل وكذا لو شهد أحدهما أنه غصبه من زيد أو أقر بغصبه منه وشهد الآخر أنه ملك زيد ثم تكمل الشهادة، لاعمية الغصب من كونه ملكا له، وكذا الكلام في البيع والصلح وغيرهما من الافعال المختلفة، نعم للشاهدين في غير مقام التدليس تصحيح الشهادة على وجه تكون مثمرة عند الحاكم

[ 212 ]

كما أشارت إليه النصوص (1) بعد أن تكون على حق فيشهد شاهد البيع والصلح مثلا على الملك من دون ذكر السبب وهكذا، فالمراد حينئذ عدم قبول شهادتهما لو اتفق إيرادهما لها عند الحاكم مختلفة كما هو واضح، وحينئذ مع الاختلاف لا يثبت شئ منهما. * (نعم لو حلف مع أحدهما ثبت) * ما شهد به تكاذبا أم لا، وإن نسب الاجتزاء باليمين في صورة التكاذب في الدروس إلى القيل مشعرا بتمريضه، لكنه في غير محله، لان التكاذب المقتضي للتعارض الذي يفزع فيه للترجيح وغيره إنما يكون بين البينتين الكاملتين لا بين الشاهدين كما هو واضح. المسألة * (الثانية:) * * (لو شهد أحدهما أنه سرق نصابا غدوة وشهد الآخر أنه سرق) * نصابا * (عشية لم يحكم) * بالقطع * (بها، لانها شهادة على فعلين) * لم يثبت أحدهما * (وكذا لو شهد الآخر أنه سرق ذلك) * النصاب * (بعينه عشية لتحقق التعارض) * مع اتفاقهما على اتحاد الفعل * (أو لتغاير الفعلين) * مع عدمه، لاحتمال رجوع النصاب منه ثم سرقه منه عشية مرة أخرى. ومن ذلك يعلم ما في المسالك من توهم كون الامرين علتين المسألتين، فقال: " إن في العبارة لفا ونشرا مشوشا، فان الاول للاخير والاخير للاول " مع ظهور العبارة بل صريحها كون الاخيرين علتين للاخيرة على التقديرين، إذ الاولى قد فرغ منها وذكر تعليلها ثم ابتدأ بالثانية بقوله: " وكذا " كما هو واضح.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الشهادات.

[ 213 ]

وعلى كل حال ليس للحاكم العمل على القدر المشترك بين الشاهدين بعد اختلافهما في القيد المقوم له وإن اتفقا على وحدته كما هو ظاهر كلام الاصحاب في القتل وغيره من الافعال التي لا تقبل التعدد، والله العالم. المسألة * (الثالثة:) * * (لو قال أحدهما: سرق دينارا وقال الآخر: درهما أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض وقال الآخر: أسود) * وبالجملة إذا كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمانه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما * (ففي كل واحد يجوز أن يحكم) * الحاكم * (مع يمين المدعي) * ولو الجميع * (لكن يثبت له الغرم ولا يثبت القطع) * الذي قد عرفت عدم ثبوته به. * (ولو تعارض في ذلك بينتان على عين واحدة) * كما لو شهد إثنان على سرقة شئ معين في وقت وآخران على سرقته في غيره على وجه يتحقق التعارض بينهما بأن لا يمكن بقاء العين من الوقت الاول إلى الثاني حتى يمكن أن تسرق أولا ثم ينتقل إلى مالكه ثم يسرق في الثاني * (سقط القطع للشبهة) * الناشئة من اختلافهما على الوجه المزبور * (و) * لكن * (لم يسقط الغرم) * بلا خلاف لثبوت سرقة العين باتفاق البينتين عليه. وفي محكي المبسوط تعارضت البينتان وتساقطتا وعندنا تستعمل القرعة وفي كشف اللثام " أنه لا فائدة للقرعة هنا ". قلت: يمكن أن يكون مبنى كلام الشيخ على وجوب كون الحكم عن واحدة منهما، لعدم صلاحيتهما بعد التعارض لان يكونا مستند حكمه،

[ 214 ]

ولا يعلم ذلك إلا بالقرعة، والفائدة حينئذ تظهر في الرجوع وغيره من الاحكام التي تلحق الشاهد، بل هو متجه إن لم يمنع وجوب اعتبار ذلك في حكم الحاكم، بل يجوز استناده إلى الجميع في ما اتفقا عليه من سرقة الثوب وإن اختلفا في وقت السرقة مثلا فتأمل جيدا. * (ولو كان تعارض البينتين) * أي تواردهما * (لا على عين واحدة) * كما لو شهدت إحداهما على الثوب الابيض مثلا والاخرى على الثوب الاسود ولو في وقت واحد أو إحداهما على درهم والاخرى على درهم آخر كذلك * (ثبت الثوبان والدرهمان) * إذ لا تعارض بينهما وثبت القطع أيضا، إذ لا شبهة، بل لو فرض اتحاد العين وأمكن التعدد بسرقتها مرتين في الوقتين كان الحكم كذلك أيضا بلا إشكال ولا خلاف، لكن عن القاضي إذا شهد إثنان أنه سرق هذا الحمار غدوة يوم بعينه وآخران أنه سرقه عشية ذلك اليوم تعارضتا واستعمل القرعة، والحق أنه لا تعارض إلا أن يفرض الاتفاق على اتحاد الفعل، وحينئذ يتجه سقوط القطع للشبهة بالاختلاف وثبوت الغرم المتفق عليه للبينتين، وعلى كل حال فلا قرعة، لانها لا تفيد شيئا كما في كشف اللثام، وفيه الكلام السابق. المسألة * (الرابعة:) * * (لو شهد أحدهما أنه باعه هذا الثوب غدوة بدينار وشهد الآخر أنه باعه ذلك الثوب بعينه في ذلك الوقت بدينارين لم يثبتا، لتحقق التعارض) في شهادة الشاهدين، ضرورة عدم جواز البيع في وقت واحد بثمنين (و) لكن (كان له المطالبة بأيهما شاء مع اليمين) ولا يكفيه الشاهد إن ادعى الدينار (ولو شهد له مع كل واحد شاهد

[ 215 ]

آخر ثبت الديناران) إن ادعاهما ولغت البينة الاخرى، ولكن في محكي المبسوط والجواهر أن البينتين متعارضتان فيقرع، وهو إنما يتم إذا كان لكل من الثمنين مدع، كأن يدعي المشتري أنه اشتراه بدينار والبائع بدينارين. (و) على كل حال ف‍ (- لا كذلك لو شهد واحد بالاقرار بألف والآخر بألفين) ولو في وقت واحد (فانه يثبت الالف بهما والآخر بانضمام اليمين) إلى الثاني، لعدم التعارض بين المشهود بهما وإن امتنع التلفظ بلفظين مختلفين في وقت واحد، فان الشهادة بدينار لا تنفي الزائد، فيجوز أن لا يكون الشاهد سمع إلا دينارا، أو لم يقطع إلا به وتردد في الزائد، أو رأى أن لا يشهد إلا به لمصلحة يراها أو لا لها، بخلاف نحو البيع بدينار وبدينارين، فان العقد بدينار ينافي العقد بدينارين وإمكان فرض الاقرار على وجه ينافي الآخر غير قادح، ضرورة كون الكلام في عدم المنافاة بين الشاهدين فيه من حيث نفسه بخلاف البيع لا من حيث انضمام أمور خارجة فتأمل. (ولو شهد بكل واحد) من الاقرارين (شاهدان ثبت ألف بشهادة الجميع والالف الآخر بشهادة اثنين) كما هو واضح. (وكذا لو شهد) أحدهما (أنه سرق ثوبا قيمته درهم وشهد الآخر أنه سرقه وقيمته درهمان ثبت الدرهم بشهادتهما والآخر بالشاهد واليمين) لانتفاء التنافي وإن امتنع كون قيمة الشئ في الوقت الواحد دينارا ودينارين جميعا، لجواز أن لا يعرف أحدهما من قيمته إلا دينارا. (ولو شهد بكل صورة شاهدان ثبت الدرهم بشهادة الجميع والآخر بشهادة الشاهدين بهما) نحو ما سمعته في الاقرار، وللعامة قول بأنه لا يثبت إلا الدينار. (ولو شهد أحدهما بالقذف غدوة والآخر عشية أو بالقتل كذلك

[ 216 ]

لم يحكم بشهادتهما، لانها شهادة على فعلين) لم يكمل على شئ منهما النصاب، بل في القتل هما متكاذبان. (أما لو شهد أحدهما باقراره بالعربية والآخر بالعجمية) وأطلقا أو وقتا بوقتين مختلفين (قبل لانه إخبار عن شئ واحد) فيجوز أن يخبر تارة بالعربية وبالعجمية أخرى، أما لو وقتا بوقت واحد فلا يثبت شئ للتكاذب، كما تقدم الكلام فيه سابقا. ولو شهد أحدهما أنه أقر عنده أنه استدان أو باع أو قتل أو غصب يوم الخميس وآخر أقر أنه فعل ذلك يوم الجمعة لم يحكم إلا مع اليمين أو شاهد آخر ينضم إلى أحدهما، لان المشهود به فعلان، بل هما في القتل متكاذبان، نعم يحكم بهما إن اختلف ظرف الاقرار مع اتفاق ظرف الافعال أو الاهمال إلا أن يتعارضا كأن يقول أحدهما: أقر أول هذا الشهر ببغداد بكذا وقال الآخر: أقر به ثاني هذا الشهر بمصر. ولو شهد إثنان بفعل وآخران على غيره من جنسه أو لا ثبتا إن أمكن الاجتماع، وادعاهما، وإن لم يمكن الاجتماع أو أمكن ولم يدعه كان للمدعي أن يدعي أحدهما ويثبت بينته ويلغو الآخر، مثل أن يشهد إثنان بالقتل غدوة وآخران به عشية وكذا ما لا يمكن أن يتكرر كالولادة والحج عن إثنين في سنة، وفي محكي المبسوط إذا لم يمكن الاجتماع استعمل القرعة. وفي كشف اللثام لا معنى لها إن كان الفعل مثل القتل والولادة من أم واحدة والاختلاف في الزمان والمكان، فان القرعة لا تفيد شيئا، نعم إن كان الفعل مثل الولاة من امين واختلف المدعي فادعت هذه أنها ولدته وشهد به إثنان ثبتت القرعة وإن اتحد المدعي فلابد من أن يعين هو الدعوى، والشيخ إنما فرض المسألة في القتل واختلافه زمانا أو

[ 217 ]

مكانا وأثبت القرعة ". قلت: قد يظهر وجه كلام الشيخ مما ذكرناه في صورة ما لو كانت دعوى المدعي القتل مثلا وجاء بالاربعة شهود واختلف كل إثنين منهم في الزمان أو المكان، وقلنا بوجوب تعيين إحدى البينتين في مستند الحكم لفائدة الغرم والرجوع بعد ذلك وغيرهما، فانه لا طريق حينئذ إلا القرعة، كما أشرنا إليه سابقا. (القسم الثاني في الطوارئ، وهي مسائل:) (الاولى:) (لو شهدا) عند الحاكم (ولم يحكم فماتا) أو أحدهما أو جنا أو أغمي عليهما أو أحدهما (حكم ب‍) - شهادت‍ (هما) السابقة بلا خلاف أجده، لاصالة بقاء صحتها بعد عدم ما يدل على بطلانها بذلك، بل مقتضى إطلاق الادلة خلافه، بل ظاهر النص والفتوى عدم الفرق في ذلك بين الحد وغيره. (وكذا لو شهدا ثم زكيا بعد) عروض العوارض السابقة من (الموت) ونحوه، إذ التزكية كاشفة عن صحة شهادتهما السابقة التي هي مستند الحكم السابق.

[ 218 ]

المسألة (الثانيه:) (لو شهدا ثم فسقا) ولو بالكفر (قبل الحكم حكم بهما) وفاقا للمحكي عن الحلي وأحد قولي الشيخ والفاضل (لان) مقتضى الاصل السابق كون (المعتبر بالعدالة عند الاقامة) وخلافا للمحكي عن الشيخ أيضا في القول الآخر والفاضل في المختلف والشهيدين وجماعة، بل قد سمعت تصريح المصنف سابقا بأنه لو طرأ فسق شاهد الاصل قبل الحكم بشهادة الفرع لم يحكم محتجا بأن الحكم مستند إلى شهادة الاصل، بل قيل: وهكذا فعل الشيخ في المبسوط والعلامة في التحرير، بل قد عرفت هناك عدم نقل خلاف في ذلك من أحد. ولا يخفى عليك عدم الفرق بين المقامين، بل لعل عدم الحكم هنا أولى، نعم ما ذكروه دليلا للحكم في المقام من صدق الحكم بشهادة الفاسق، وكونه كما لو رجع عن الشهادة قبله، وكما لو كان وارثا ومات المشهود له قبل الحكم، وأن طرو الفسق يضعف ظن العدالة السابقة لبعد طروه دفعة واحدة كما ترى، ضرورة جريان مثل ذلك في الجنون ونحوه، نعم لو أمكن إثبات اقتضاء الفسق بطلان الشهادة ما لم يحكم بها اتجه ذلك لا أقل من الشك في قبولها في الفرض ولو من جهة انسياق غير الفرض من إطلاق الادلة والاصل العدم. وربما شهد لذلك استفاضة النصوص (1) برد شهادة الفاسق مثلا بخلاف المجنون والمغمى عليه الراجعين في الحقيقة إلى كونهما كالميت الذي ليس له شهادة حال موته، فيبقى حكم شهادته الاولى على حالها بخلاف الفاسق وغيره


(1) الوسائل - الباب - 30 من كتاب الشهادات.

[ 219 ]

مما ورد في النصوص رد شهادته الشامل لها بعد الاقامة قبل الحكم بها، وإلا لزم جواز الحكم بها قبل الاقامة لو فرض أنه حملها لغيره عدلا ثم فسق ثم بعد ذلك أقامها الفرع، وهو معلوم الفساد، وليس إلا لاعتبار مقارنة جامعية العدالة ونحوها للشهادة حال الحكم، ولا يكفي الحال السابق فتأمل، هذا كله في حق الآدمي المحض. (و) أما (لو كان حقا) محضا (لله تعالى كحد الزناء) واللواط وشرب المسكر (لم يحكم) بشهادتهما بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك اتفاق الفريقين على ذلك (لانه مبني على التخفيف ول‍) - لشبهة الدارئة للحد، ضرورة (أنه نوع شبهة و) ربما كان ذلك مؤيدا لما ذكرناه من الفرق بين الفسق مثلا وبين الجنون الذي قد عرفت ظهور اتفاقهم على عدم سقوط الحد فيه. نعم (في الحكم بحد القدف والقصاص تردد) من اشتراكهما بين الله تعالى شأنه والآدمي (أشبهه) عند المصنف (الحكم لتعلق حق الآدمي به) وفيه أن الدرء في الاول للشبهة التي لا فرق في الدرء بها بين الحد المختص والمشترك حتى القصاص إن قلنا: إنه من الحدود، أللهم إلا أن يقال: إنه شبهة بالنسبة إلى حق الله تعالى وغيره شبهة في حق الآدمي باعتبار بناء الاول على التخفيف بخلاف الثاني، بل قد يؤيده أيضا. المسألة (الثالثة:) وهي (لو شهدا لمن يرثانه فمات قبل الحكم فانتقل المشهود به إليهما) فانه (لم يحكم) به بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك اتفاق الجميع عليه معللين له باقتضاء ذلك الحكم (لهما بشهادتهما) وهو

[ 220 ]

باطل قطعا، مع أنه قد كان وقت الشهادة لغيرهما والفرض عدم بطلانها بالطارئ كالفسق، بل في القواعد لا يحكم لهما ولا لشركائهما في الميراث بشهادتهما، وليس ذلك إلا لانه لا يحكم للمدعي بشهادته ولا شهادة شريكه وإن احتمل في المسالك وكشف اللثام القبول في حصة الشريك بل وفي حقه، إلا أنا لم نجد به قائلا كما اعترف به في المسالك. المسألة (الرابعة:) (ولو رجعا) أو أحدهما (عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم) بها ولو بعد الاقامة ولا غرم بلا خلاف أجده فيهما بيننا كما اعترف به غير واحد، بل في كشف اللثام الاتفاق على ذلك إلا من أبي ثور، للاصل بعد ظهور النصوص في كون ميزان الحكم غير المفروض، خصوصا بعد مرسل جميل (1) عن أحدهما عليهما السلام) الذي هو كالصحيح سيما بعد اعتضاده بما عرفت " في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم وقد قضي على الرجل ضمنوا ما شهدوا به وغرموه، وإن لم يكن قضي طرحت بشهادتهم ولم يغرم الشهود شيئا " على أنه لا ترجيح لتقديم قولهم الاول على الثاني. ثم إن اعترفوا بأنهم تعمدوا الكذب فهم فسقة وإن قالوا غلطنا أو أخطأنا فلا فسق، لكن في القواعد والمسالك لا تقل تلك الشهادة لو أعادوها، ولعله لحسن محمد بن قيس (2) عن الباقر (عليه السلام) قال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل شهد عليه رجلان


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 221 ]

أنه سرق فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنما اشتبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر، وستسمع إطلاق النبوي (1) والمرتضوي (2) وإن لم أجد قائلا باطلاقهما، ولذا كان الاولى تنزيلهما على ما بعد الحكم والاستيفاء، فالعمدة حينئذ الحسن الاول إلا أنه مع ذلك وفي كشف اللثام الاقوى القبول إذا كانا معروفين بالعدالة والضبط، ولعله للعمومات التي يقصر الخبر المزبور عن تخصيصها. ولكن لا يخفى عليك إمكان منعه. ولو كان المشهود به الزناء واعترفوا بالتعمد حدوا للقذف، ولو قالوا: غلطنا فعن المبسوط والجواهر يحدان أيضا، وفي المسالك وجهان أحدهما المنع، لان الغالط معذور، وأظهرهما الوجوب، لما فيه من التغيير وكان من حقهم التثبت والاحتياط، وعلى هذا فترد شهادتهم، ولو قلنا لا حد فلا رد، ويؤيده مرسل ابن محبوب (3) عن الصادق (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: إن قال الراجع: أو همت ضرب الحد وأغرم الدية، وإن قال: تعمدت قتل ". لكن فيه أن تكليف الغافل قبيح: فلا ريب في المعذورية، كما لا ريب في سقوط الحد معها: ضرورة أولويتها من الشبهة التي يدرأ بها، ولذا اختار في كشف اللثام السقوط لها، والمرسل مع عدم الجابر ليس بحجة، على أنه يمكن حمله على المقصر فتأمل. ثم إن قوله: " وعلى هذا


(1) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب آداب القاضى - الحديث 3 من كتاب القضاء. (3) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 222 ]

لا يكاد يظهر له معنى محصل " موافق لما ذكره أولا، فتأمل. (ولو رجعا بعد الحكم والاستيفاء وتلف المحكوم به لم ينقض الحكم) إجماعا بقسميه، مضافا إلى المرسل (1) السابق، والنبوي (2) الخاص " إن شهد عندنا بشهادة ثم غيرها أخذنا بالاولى وأطرحنا الاخرى " وعن هشام بن سالم (3) عن الصادق (عليه السلام) " كان أمير المؤمنين عليه السلام يأخذ بأول الكلام دون آخره " واستصحاب الصحة، وإطلاق ما دل على صحة ما لم يعلم فساده، والرجوع لا يدل على فساد الشهادة الاولى، إذ يمكن كون الرجوع كذبا، بل هو كالانكار بعد الاقرار. (و) لكن (كان الضمان) مثلا أو قيمة قصاصا أو دية أو نحو ذلك مما ستعرفه (على الشهود) الذين هم السبب في الاتلاف على وجه القوة على المباشر عرفا كما هو واضح. (ولو رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فان كان حدا لله تعالى نقض الحكم) في المشهور (للشبهة الموجبة للسقوط) في الحد المبني على التخفيف، بل (وكذا لو كان للآدمي كحد القذف أو مشتركا) بينه تعالى وبين الآدمي (كحد السرقة) لاشتراك الجميع في السقوط بعروض الشبهة، بل لا أجد في شئ من ذلك خلافا محققا. نعم في القواعد عبر بلفظ الاقرب مشعرا باحتمال العدم، بل قال متصلا بذلك: " والاشكال في حدود الآدمي أقوى " ولعله لانه حكم شرعي صدر عن أهله في محله، ولم يعلم له ناقض، وفيه أن ذلك لا ينافي الشبهه فتأمل. نعم يقوى بقاء حكم التوابع التي لم يثبت بالشرع سقوطها بالشبهة


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 3 من كتاب القضاء.

[ 223 ]

نحو ما سمعته في شهادة الفرع، فيحرم أخت الغلام الموطوء وأمه وبنته، وأكل البهيمة الموطوءة المأكولة، ويجب بيع غيرها في بلد آخر، وكذا الحكم في المحكوم بردته إذا رجع الشهود قبل قتله، فانه يسقط قتله للشبهة، لكن تبقى قسمة ماله واعتداد زوجته، بل في القواعد لو رجعا قبل استيفاء القصاص لم يستوف. وهل ينتقل إلى الدية إشكال، فان أوجبناها رجع بها عليهما، مع أن في عد القصاص من الحدود التي تدرأ بالشبهة بحثا بل منعا، ولو سلم إلحاقه بها احتياطا في الدماء ففي الانتقال إلى الدية التي هي إنما تثبت في العمد صلحا والفرض سقوطه بالشبهة منع آخر. ومن ذلك يظهر لك الحال في قول المصنف: (وفي نقض الحكم في ما عدا ذلك من الحقوق تردد) من المرسل (1) المزبور المعتضد باستصحاب الصحة وإطلاقها، بل ما قبل الاستيفاء مثل ما بعده بالنسبة إلى دلالة الدليل، ومن إمكان التدارك بعد الشك بسبب الرجوع في حصول ميزان الحكم. ولكن لا ريب في أن الاول أقوى حتى في العقوبات كالقتل والجرح التي لا تدخل في الحدود عرفا والفروج وإن احتمل في المسالك إلحاق هذه الثلاثة بالحدود، لعظم خطرها وعدم استدراك فائت البضع منها، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا للدليل كما هو واضح. ومما ذكرنا يظهر لك الحال أيضا في قوله: (أما لو حكم وسلم) المال للمحكوم له (فرجعوا والعين قائمة ف‍) - انه أولى بعدم النقض مما سمعت، ولذا كان (الاصح) وفاقا للمشهور (أنه لا ينقض ولا تستعاد العين) بل قيل: إن عليه عامة المتأخرين، بل والقدماء،


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 224 ]

كما يفهم من المبسوط قال: " وإن رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء لم ينقض حكمه بلا خلاف إلا من سعيد بن المسيب والاوزاعي، فانهما قالا: ينقض " إذ هو باطلاقه شامل للمفروض، بل عن السرائر الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الادلة السابقة في صورة التلف التي لا يخفى عليك جريانها في المقام. هذا (و) لكن (في النهاية) ومحكي الوسيلة والكافي والقاضي (ترد) العين (على صاحبها) ولا غرامة على الشهود، لا لما ذكروه لهم من الوجوه الواضحة الفساد، بل لما عن جامع المقاصد من الرواية بذلك، بل قيل: يمكن أن تكون هي رواية جميل (1) عن الصادق (عليه السلام) " في شاهد الزور، قال: إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل " وإن كان فيه ما لا يخفى، ضرورة أعمية الرجوع من شاهد الزور الذي في الرواية المزبورة المراد به المعلوم كونه شاهد زور والراجع لو صرح بكونه كذلك لم يعلم أنه كذلك، إذ يمكن كذبه في ذلك، كما هو واضح. (و) مما سمعت يعلم أن (الاول) كما قال المصنف: (أظهر) كما أنه منه يعلم ما في كشف اللثام من اختياره لهذا القول معللا له بأن الرجوع كشف عن بطلان ما استند إليه الحكم من الشهادة، لظهور كذبهم في أحد القولين، والاصل برأتهم من الغرامة، إذ هو كما ترى.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 225 ]

المسألة (الخامسة:) (المشهود به إن كان قتلا أو جرحا) موجبا للقصاص (فاستوفي ثم رجعوا فان قالوا تعمدنا اقتص منهم) إن أمكن القصاص (وإن قالوا: أخطأنا كان عليهم الدية) في أموالهم لانه شبيه عمد، وفي كشف اللثام " لانه لا يثبت باقرارهم إلا أن تصدقهم العاقلة " وفيه تأمل وكان الوجه في التمسك بقولهم: عمدنا وأخطأنا أنه غالبا لا يعرف ذلك إلا من قبلهم. ولو رجعوا ومنع مانع من قول ذلك ففي الالزام بالدية لانه لا يبطل دم امرئ مسلم أو وقف الحكم حتى يعلم الحال ولو بأن ينتقل القصاص على فرضه إلى الدية بموت ونحوه وجهان لا يخلو أولهما من قوة. (وإن قال بعض: تعمدنا وبعض أخطأنا فعلى المقر بالعمد القصاص، وعلى المقر بالخطأ نصيبه من الدية، ولولي الدم قتل المقرين بالعمد أجمع ورد الفاضل عن دية صاحبه، وله قتل البعض ويرد الباقون قدر جنايتهم) كل ذلك مع أنه لا خلاف في شئ منه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه، لقاعدة قوة السبب على المباشرة، وعمومات القصاص وما ورد في كتاب القصاص (1) من حكم المشتركين في القتل عمدا وخطأ، مضافا إلى خصوص نصوص المقام التي تقدم، منها مرسل ابن محبوب (2) عن الصادق (عليه السلام) وحسن محمد بن قيس (3) عن الباقر عليه السلام


(1) راجع ج 42 ص 66 - 81. (2) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 226 ]

ومنها خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال " في رجلين شهدا على رجل فقطعت يده ثم رجع أحدهما، فقال: شبه علينا غرما دية اليد من أموالهما، وقال في أربعة شهدوا على رجل بأنهم رأوه مع امرأة يجامعها وهم ينظرون فرجم، ثم رجع واحد منهم، فقال: يغرم ربع الدية إذا قال شبه علي، وإذا رجع إثنان وقال: شبه علينا غرما نصف الدية، وإن رجعوا كلهم وقالوا اشبه علينا غرموا للدية، فان قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا " ومن قوله (عليه السلام) الثاني يعلم أن المراد من قوله الاول: " رجع أحدهما فقال " إلى آخره، رجوعهما معا وإن كان المتكلم أحدهما بقرينة قوله: " شبه علينا " ولذا حكم بغرامتهما معا الدية. هذا وفي المسالك بعد أن ذكر ما في المتن قال: " وكذا لو شهدوا بالردة فقتل أو على المحصن فرجم أو على غير المحصن فجلد ومات منه، لكن هنا يلزمهم الدية، لانه عمد شبيه الخطأ، لقصدهم الفعل المؤدي إلى القتل " والظاهر إرادته بما بعد " لكن " الاخير، وهو ما لو شهدوا بما يوجب حدا لا قتلا فحد فمات ثم رجعوا، إذ الظاهر كما في القواعد أنهم يضمنون حينئذ الدية، ولم يقتل أحدهم، بل في كشف اللثام " وإن تعمدوا الكذب، لانهم لم يباشروا القتل ولا سببوا لما يقتل غالبا " ويكون المراد من تعليله غير المؤدي غالبا وإن اتفق القتل به في الفرض. (و) على كل حال فمما ذكرنا ظهر لك الوجه في ما (لو قال أحد شهود الزناء) مثلا (بعد رجم المشهود عليه: تعمدت فان صدقه الباقون) أي قالوا: تعمدنا أيضا (كان لاولياء الدم قتل الجميع ويردون ما فضل عن دية المرجوم، وإن شاؤوا قتلوا واحدا ويرد


(1) الوسائل الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 227 ]

الباقون تكملة ديته بالحصص بعد وضع نصيب المقتول، وإن شاؤوا قتلوا أكثر من واحد ويرد الاولياء ما فضل عن دية صاحبهم، وأكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين) بلا إشكال في شئ من ذلك ولا خلاف، ضرورة كون الضابط أن الشهادة متى أوجبت القتل سواء كان ذلك بسبب الزناء أو بسبب القصاص أو الردة فالحكم ما عرفت من جواز قتل المتعمد وأخذ الدية من الخاطئ، وحكم الرد مع زيادة المقتول على ما تسمع تفصيله إن شاء الله في بابه (1). وكأن المصنف ذكر ذلك بالخصوص توطئة لذكر خلاف الشيخ فيه بخصوصه في الصورة التي أشار إليها بقوله: (اما لو لم يصدقه الباقون لم يمض إقراره إلا على نفسه فحسب) فللولي حينئذ قتله ويرد فاضل الدية عليه وله أخذ ربع الدية منه، كما هو مقتضى العمومات والاصول، مضافا إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني (2) السابق. (و) لكن (قال) الشيخ (في النهاية) إن قال: تعمدت (يقتل ويرد عليه الباقون ثلاثة أرباع الدية و) نحوه عن أبي علي وفي القواعد " وليس بجيد " بل في المتن (لا وجه له). قلت: لعله لحسن ابراهيم بن نعيم (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال: فقال: يقتل الراجع ويؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية " ولكن لقصوره عن معارضته القواعد التي منها عدم مؤاخذة


(1) راجع: ج 42 ص 56. (2) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 228 ]

أحد باقرار غيره حمل على اعتراف الباقين بالخطأ، بل في المختلف حمل كلامهما على ذلك وإن كان فيه ما فيه، وكذا ينبغي حمل خبر مسمع (1) عن الصادق (عليه السلام) - " في أربعة شهدوا على رجل بالزناء ثم رجع أحدهم فقال: شككت في شهادتي، قال: عليه الدية، قال: قلت: فان قال: شهدت عليه متعمدا، قال: يقتل " - على إرادة ربع الدية، ولو قال: تعمدت الكذب وما طننت قبول شهادتي في ذلك ففي القصاص إشكال، بل في القواعد كما عن المبسوط الاقرب العدم ولكنه شبيه عمد، فلا تجب إلا الدية مغلظة، قال فيها: " وكذا لو ضرب المريض لتوهمه أنه صحيح ما يحتمله الصحيح من الضرب دون المريض فمات على إشكال " خلافا للمحكي عن تحريره من اختيار القصاص فيهما، لاعترافه بتعمد ما يقتل غالبا، وفي الارشاد اختار الدية في الاول والقصاص في الثاني، وكأنه فرق بين المباشرة والتسبيب، وحاصل المسألتين أنه إذا باشر أو سبب عمدا ما يقتل غالبا بظن أنه لا يقتل فقتل فهل هو عمد أو شبيه عمد ؟ ويأتي إن شاء الله في محله (2) تحقيق ذلك. ولو صدق الباقون الراجع في كذبه بالشهادة أي أنه لم يشهد زناه لا في كذب الشهادة ففي القواعد اختص القتل به، ولا يؤخذ منهم شئ، بل في كشف اللثام " وإن اعترفوا بأنه لم يكن شهود الزناء بالحق متكاملة، بل على الولي رد فاضل الدية " قلت: لا يخلو من نظر مع علمهم بالحال من أول الامر. (ولو شهدا بالعتق) مثلا (فحكم ثم رجعا) لم يرجع رقا فهو بمنزلة التالف، ولكن (ضمنا القيمة) وقت الحكم للمولى،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) راجع ج 42 ص 12 - 13.

[ 229 ]

خلافا لبعض العامة، فرده في الرق، ولا وجه له، لاصالة صحة الحكم ولكن لما كانا سببا في تلفه باعترافهما ضمناه، سواء قالا شهدنا بغير الحق (تعمدا أو خطأ، لانهما أتلفاه) على كل حال (بشهادتهما) والمال يضمن بالتفويت. ولا فرق في المشهود بعتقه بين أن يكون قنا أو مكاتبا أو مدبرا أو أم ولد أو معلق العتق بصفة، خلافا لبعض العامة في أم الولد، حيث قال: لا غرم. ولو شهدا على تدبيره ثم رجعا بعد الحكم لم يغرما في الحال، لان الملك لم يزل، فإذا مات ففي الغرامة وجهان: من جواز الرجوع له متى شاء إلا أن يشهدا به منذورا، ومن أنهما سببا العتق، ولا يجب على المولى الرجوع، واختار الاخير في المسالك وفي كشف اللثام الاول، ولعله الاقوى، نعم لو كان رجوعهما بعد موت المولى أغرما للورثة. ولو شهدا بكتابة عبده ثم رجعا فان عجز ورد في الرق فلا شئ عليهما، لانهما لم يفوتا شيئا، نعم في التحرير يحتمل أن يقال عليهما ضمان أجرة مدة الحيلولة إن ثبتت، وجزم به في المسالك، وإن أدى وعتق ضمنا جميع قيمته، لانهما فوتاه بشهادتهما، وما قبضه السيد من كسب عبده لا يحسب عليه، لانه ماله، ويحتمل أن لا يضمنا إلا ما زاد من قيمته على النجوم إن زادت بناء على أن المكاتبة بيع للمملوك من نفسه بالنجوم ولو أراد تغريمهما قبل انكشاف الحال غرما ما بين قيمته سليما ومكاتبا، ولا يستفاد من المولى لو استرق، لزوال العيب بالرجوع، وهو فعل المولى لا فعلهما. وكذا لو شهدا بالكتابة المطلقة ضمنا ما يعتق منه بأزاء ما يؤديه من النجوم أو ما زاد من قيمة الشقص على ما يؤديه منها وأجرة مدة

[ 230 ]

الحيلولة إن كانت، وإن أراد التغريم قبل أداء شئ منها غرما ما بين القيمتين. ولو شهدا أنه أعتقه على مال هو دون القيمة فكالكتابة، لانه يؤدي من كسبه. ولو شهدا أنه وقف على مسجد أو جهة عامة فكالعتق، ولا يرد الوقف بالرجوع. ولو شهدا باستيلاد أمته ثم رجعا في حياة المولى غرما ما نقصته الشهادة من قيمتها، ولا يستعاد إن مات الولد، لانه ارتفاع عيب بفعله تعالى، أما لو قتلا ولدها فهل لهما الرجوع احتمال ؟ المسألة (السادسة:) (إذا ثبت أنهم شهدوا بالزور) وعلم الحاكم بذلك ولو بالخبر المفيد له لا بالبينة لانه تعارض ولا بالاقرار لانه رجوع (نقض الحكم) لتبين اختلال ميزان الحكم، بل هو أولى بذلك من تبين الفسق (واستعيد المال) حينئذ (فان تعذر غرم الشهود) كما سمعته في مرسل جميل (1) السابق، وفي صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في شاهد الزور ما توبته ؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث إن كان شهد هذا وآخر معه " فلا إشكال حينئذ في ذلك. (ولو كان) المشهود عليه (قتلا ثبت عليهم القصاص وكان


(1) راجع ص 330 ولكنه ليس بمرسل. (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 231 ]

حكمهم حكم الشهود إذا) رجعوا و (أقروا بالعمد) الذي قد عرفت عدم الاشكال فيه أيضا. (ولو باشر الولي القصاص واعترف) هو خاصة (بالتزوير لم يضمن الشهود وكان القصاص على الولي) كما عليه الدية لو اعترف بالخطأ، ولو رجع مع الشهود فوجهان: أجودهما أن القصاص أو الدية بكمالها عليه، لانه المباشر، وهم معه كالممسك مع القاتل، ويحتمل كونه معهم كالشريك، لتعاونهم على القتل، وليسوا كالممسك مع القاتل، فانهم صوروه بصورة المحقين، وعلى هذا فعليهم جميعا القصاص أو الدية منصفة بالحساب، كما أنه ينبغي عليه أن لا يجب كمال الدية على الولي إذا رجع وحده، وهو واضح. المسألة (السابعة:) (إذا شهدا بالطلاق) وحكم به الحاكم (ثم رجعا) لم ينقض الحكم، لما عرفته سابقا من الاصل وغيره (ف‍) - لا إشكال حينئذ من هذه الجهة، نعم (إن كان) شهادتهما (بعد الدخول) من الزوج (لم يضمنا) شيئا خصوصا إذا كان الطلاق رجعيا وقد ترك الرجوع باختياره، للاصل، ولانهما لم يفوتا عليه إلا منفعة البضع، وهى لا تضمن بالتفويت بلا خلاف معتد به أجده فيه، كما تقدم ذلك في كتاب النكاح، بل في الرياض هنا نسبته إلى جميع الاصحاب، وربما يؤيده مضافا إلى ما ذكروه من عدم ضمانه بقتل الغير لها أو قتلها نفسها، وما في كشف اللثام من أنه لو ضمن البضع بالتفويت لم ينفذ طلاق المريض إلا من الثلث، ولم ينفذ أصلا إذا أحاط الدين بالتركة وإن كان فيه ما فيه أنه

[ 232 ]

لا يضمن البضع قطعا لو حبس المرأة عن زوجها حتى مات أو ماتت وغير ذلك مما قدمناه هناك. (وإن كان قبل الدخول ضمنا له نصف المهر المسى) لها إن كان، بناء على أن السبب في ذلك الطلاق (لانهما لا يضمنان إلا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ في النهاية " إن شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدت وتزوجت ودخل بها ثم رجعا وجب عليهما الحد، وضمنا المهر للزوج الثاني، وترجع المرأة إلى الاول بعد الاستبراء بعدة من الثاني " وتبعه القاضي في ما حكي عنه. ولعله لصحيح محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) " في رجلين شهدا على رجل غائب عن امرأته أنه طلقها فاعتدت المرأة وتزوجت ثم إن الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها وأكذب نفسه أحد الشاهدين فقال: لا سبيل للاخير عليها، ويؤخذ الصداق من الذي شهد ورجع، فيرد على الاخير، ويفرق بينهما، وتعتد من الاخير، وما يقربها الاول حتى تنقضي عدتها " أو موثق ابراهيم بن عبد الحميد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحد ويضمنان الصداق للزوج، ثم تعتد ثم ترجع إلى زوجها الاول ". إلا أن الاخير منهما كما ترى خال عن رجوع الشاهدين أو أحدهما، وحينئذ يشكل ضربهما الحد، كما أنه يشكل نقض الحكم بمجرد إنكار الزوج فهو حينئذ شاذ غير موافق لما سمعته من الشيخ ولا من غيره، وحمله على ما ذكره الشيخ ليس بأولى من حمله على تزويجها بشهادتهما من دون حكم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 1.

[ 233 ]

حاكم، ثم لما جاء الزوج رجعا عن الشهادة واعترفا بأنهما شهدا زورا، فلا يكون به دلالة حينئذ على ما ذكره، بل في محكي المختلف لا بأس بحمل قول الشيخ على أنها تزوجت بمجرد الشهادة من غير حكم حاكم بذلك " وإن كان فيه ما فيه. وأما الاول فهو مع خلوه عن الحد الذي ذكره الشيخ والرجوع عن الشهادة أعم من إيجاب الحد، إذ لعله خطأ والمفروض فيه غيبة الزوج، كما هو ظاهر الثاني، بل في كشف اللثام " يمكن حمل الخبرين على أن الزوج كان غائبا كما نص عليه فيهما فلما حضر أنكر وأظهر فسق الشاهد أو ما يخرجه عن الاهلية " قلت: بل قد يقال: إن الرجوع في الحكم على الغائب ينقض الحكم، لعدم تمامية الحكم قبل حضور الخصم، فيحمل أحدهما حينئذ على الآخر، ويكونان مستند الحكم في ذلك، مؤيدا بامكان كون ذلك من بقاء الغائب على حجته التي منها رجوع الشاهد عن شهادته، كمعارضة البينة ببينة أخرى، إذ معناه أن كل ما هو حجة له مع فرض عدم الحكم فهو باق عليها، ومنها ذلك، والسبب عدم الفصل التام قبل حضوره، بل هو إجراء حكم الشهادتين، ولا ينافي ذلك إطلاقهم عدم نقض الحكم برجوع الشاهد المنصرف إلى غير المفروض. وعلى كل حال فالخروج بهما في مفروض المتن عما تقتضيه القواعد المحكمة الدالة على عدم نقض الحكم التام وعدم الضمان مع الدخول مناف لاصول المذهب وقواعده، خصوصا مع ندرة العامل بهما حتى الشيخ، فان المحكي عن خلافه ومبسوطه في صورتي الدخول وعدمه موافقة المشهور وإن حكى في المسالك عن موضع من المبسوط اختيار ضمان مهر المثل مع الدخول ونصفه مع عدمه، وعن موضع آخر منه اختيار أن المهر إن كان مقبوضا بيدها غرم الشاهدان جميع مهر المثل، لان الزوج لا يتمكن

[ 234 ]

من استرداد شئ لزعمه أنها زوجته وأنها تستحق جميع الصداق، وإن كان قبل التسليم غر ما النصف خاصة، لانهما لا تطالبه إلا بالنصف، وأنه مال إليه في التحرير أولا ثم أفتى بالمشهور إلا أنه لم نتحققه، نعم قواه ولكن مختاره المشهور. قال في ما حكي عنه: " وإذا شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فان الحكم لم ينقض، وعليهما الضمان عند قوم، وما يضمنان ؟ قال قوم: كمال المهر مهر المثل، وقال آخرون: نصف المهر، وهو الاقوى، ومن قال بهذا منهم قال بنصف مهر المثل، ومنهم من قال: نصف المسمى وهو الاقوى عندنا، ومنهم من قال: إن كان المهر مقبوضا لزمهما كمال المهر، وإن لم يكن مقبوضا لزمهما نصف المهر، والفصل بينهما إذا كان مقبوضا غرمه كله لا يسترد منه شيئا، لانه معترف لها ببقاء الزوجية بينهما، فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، وليس كذلك إذا كان قبل القبض، لانه لا يلزمه إلا إقباض نصفه: فلهذا رجع عليهما بالنصف، وهو قوي ". وفي التحرير بعد أن حكى عن الشيخ ما سمعت قال: " وعندي في هذه المسألة إشكال ينشأ من كون الرجوع إنما يثبت على الشاهد في ما يتلفه بشهادته، ووجوب نصف المهر قبل الدخول والمهر بعده لم يتلف من الزوج شيئا، لانه واجب عليه، سواء طلق أو لم يطلق، فالحاصل أن شهادتهما بالطلاق قبل الدخول لم يتلفا نصف المهر، لانه واجب عليه بعد العقد، وبعد الدخول لم يتلفا المهر، لاستقراره في ذمته بالدخول، وإنما أتلفا بشهادتهما البضع عليه، فيجب عليهما ضمانه، وإنما يضمن بمهر المثل، فيجب مهر المثل مع الدخول، لانهما أتلفا البضع عليه، ونصفه قبل الدخول، لانه إنما ملك نصف البضع، ولهذا إنما يجب عليه نصف

[ 235 ]

المهر، ويحتمل ما ذكرناه أولا من تضمين نصف المسمى إن كان قبل الدخول، لانهما ألزماه الزوج بشهادتهما وقراره عليه، فكان بمعرض السقوط بالردة والفسخ من قبلهما، وعدم التضمين إن كان بعد الدخول، لان المهر تقرر عليه بالدخول، فلم يفوتا عليه شيئا، والبضع غير متقوم فانها لو ارتدت أو أسلمت أو قتلت نفسها أو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم تغرم شيئا، وهذا هو الاقوى عندي ". وفي كشف اللثام " وفيه أيضا أنا إن قلنا بالضمان بعد الدخول فلا ضمان إن كان الطلاق رجعيا، لتمكن الزوج من الرجعة، ولا يعجبني قولهم: إنهما قررا عليه النصف إذا شهدا قبل الدخول لانه كان في معرض السقوط فكما كان في معرض السقوط قبل الدخول بما ذكر فهو في معرضه بعده بالابراء أيضا، بل بعد التفويت أيضا، ولا ما استدلوا به على أن البضع غير متقوم، إذ بعد تسليم الجميع فوجوب مهر المثل على من استوفاه معارض قوي، ولا قوله (رحمه الله): إنه إنما ملك قبل الدخول نصف البضع، وإنما سقط عنه نصف المهر، لانه لم يستوف العوض، وإنما وجب عليه النصف بالنص والاجماع، ويحتمل أن تكون الحكمة فيه تنفير الناس عن الطلاق وإن يكون لانتهاك من عرضها بالعقد، ولعل الصواب أن لمسمى البضع قيمة لا تختلف بمرة أو مرات، وهي المسمى مع التسمية، ومهر المثل لا معها، فمن عقد على امرأة بمهر فكأنه اشترى مسمى بضعها به، فمن فوته عليه وقد استوفى فردا من أفراده لم يكن عليه شئ، لانه تسلم المثمن، وقد دخل حين تزوج بها على أن يكون لها تمام المهر وإن لم يطأها إلا مرة، ومن فوته عليه ولم يستوف منه شيئا فقد فوت عليه المثمن بتمامه ولم يسلم له شئ، مع أنه يجب عليه نصف المسمى بالنص والاجماع، فهو غرامة يغرمها بلا عوض،

[ 236 ]

فعلى مفوت العوض الغرامة ". قلت: قد يقال - بعد الاغضاء عن جملة عن مناقشاته -: إن المتجه عدم ضمان شئ إن لم يكن إجماعا بناء على أن الطلاق لم يسبب استحقاق شئ، بل هو على فرض حصوله من الفواسخ وكان المهر كله واجبا بالعقد، وليس هو معاوضة حقيقة، ولذا يجب جميعه على الاصح في صورة الموت، ولكن للدليل في الطلاق سقط نصفه وبقي النصف الآخر مستحقا بالعقد، وحينئذ فلم يغرماه بشهادتهما شيئا، إلا أنه كان له حبس المهر على التمكن من البضع وقد فات بالشهادة المزبورة، وهو أمر غير متقوم، مع أنه لا يتم في ما إذا كانت شهادتهما بعد دفعه المهر لها واسقاط حقها من الحبس المزبور، وهذا وجه إشكال الفاضل في التحرير، إلا أنه لم أجده قولا لاحد من أصحابنا، نعم قد تشعر عبارة المبسوط السابقة بوجود قائل بعدم الضمان أصلا، ولعل الاتفاق المزبور كاف في الفتوى بضمان النصف الذي هو مستحق عليه باعترافه بالزوجية المقتضية وجوب النصفين عليه، نعم لو قلنا بأن الطلاق سبب في غرامة مقدار نصف المهر اتجه حينئذ تغريمهما ذلك، لفرض بقاء المهر في ذمته مستحقا عليه باعترافه، وهذا غرامة حدثت بسبب شهادة الطلاق، وقد عرفت في كتاب النكاح تحقيق الحال في ذلك فلاحظ وتأمل. ولو لم يكن لها مسمى وجب نصف المتعة بناء على وجوبها. ولو شهدا بنكاح امرأة فحكم به الحاكم ثم رجعا فان طلقها قبل الدخول لم يغرما شيئا، لانهما لم يفوتا شيئا عليها، وإن دخل بها ثم طلقها أو لا وكان المسمى بقدر مهر المثل أو أكثر ووصل إليها فلا شئ لها عليهما، لانها قد أخذت عوض ما فوتاه عليها من البضع بناء على ضمانه وإن كان المسمى دون أي مهر المثل فعليهما التفاوت، وإن لم يصل إليها

[ 237 ]

المسمى ففي القواعد عليهما ضمان مهر مثلها، لانه عوض ما فوتاه عليها، وفيه نظر. هذا إذا كان المدعي للنكاح الرجل، ولو كان المدعي هو المرأة فان طلق الزوج قبل الدخول بأن قال: إن كانت زوجتي فهي طالق ضمنا للزوج نصف. المسمى، وإن كان الطلاق بعد الدخول فان كان المسمى الذي شهدا به أزيد من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج، ولا ضمان إن ساواه أو نقص، ولا يشكل ذلك بعدم جواز الدخول له لانكاره الزوجية لانه يمكن فرض دعوى الامرأة ذلك مع عدم علمه بالحال، فانه يجوز له الدخول حينئذ بحكم الحاكم، فإذا فرض رجوع الشاهدين عما شهدا به من النكاح بمهر معلوم ضمنا له التفاوت بينه وبين المسمى على الوجه الذي عرفت. ولو شهدا بعتق الزوجة فحكم الحاكم ففسخت النكاح ثم رجعا غرما القيمة للمولى - خلافا لبعض العامة - ومهر المثل للزوج إن جعلنا البضع مضمونا وإلا فلا. ولو شهدا برضاع محرم بعد النكاح ففرق الحاكم بينهما ثم رجعا ضمنا مهر المثل على القول بضمان البضع وإلا فلا، ولا فرق في هذه الضمانات بين تعمد الشاهدين وخطأهما. * (فروع:) * * (الاول:) * قد ظهر لك مما ذكرناه نصا (1) وفتوى أن الشاهدين على ما يثبت


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات.

[ 238 ]

بهما * (إذا رجعا معا) * عن شهادتهما بعد الحكم بها واستيفاء المال * (ضمنا بالسوية) * لتساويهما في التسبب المقتضي لذلك * (فان رجع أحدهما ضمن النصف، ولو ثبت) * المشهود به * (بشاهد وامرأتين فرجعوا ضمن الرجل النصف وضمنت كل واحدة الربع) * لانهما معا بمنزلة رجل، ولو كان ثبوته بشاهد ويمين ضمن الشاهد النصف، لان الظاهر ثبوت الحق بهما معا ولو قيل بثبوته باليمين لا غرم عليه، كما أنه لو قيل بثبوته به وحده واليمين شرط ضمن الكل، وربما احتمل التنصيف على كل تقدير، إذ لا شك أن لكل منهما مدخلا في الثبوت، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب القضاء. ولو أكذب الحالف نفسه اختص بالضمان، سواء رجع للشاهد أو لا، وكذا كل مقام يرجع فيه المدعى يختص بضمان ما استوفاه ولا غرم على الشاهد. هذا كله لو كان الشاهد أقل عدد يثبت به المشهود عليه، أما لو شهد أكثر من العدد الذي يثبت به الحق كثلاثة مثلا في المال والقصاص وستة في الزناء فرجع الزائد قبل الحكم أو بعده قبل الاستيفاء لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفاء، ولا ضمان على أحد إن كان الرجوع قبل الحكم، وإن رجع بعد الاستيفاء أو بعد الحكم ضمن بقسطه وفاقا للمحكي عن الشيخ ويحيى بن سعيد، لثبوت الحكم بالجميع، ولصحيح ابن مسلم (1) السابق الذي منه يعلم أنه لو رجع الثالث في الشهادة بالمال يضمن الثلث، وربما احتمل عدم الضمان للاستغناء عنه في الحكم إلا أن يكون مرجحا بكثرة الشهود في صورة التعاوض للاحتياج إليه حينئذ في الحكم. ولو شهد بالزناء ستة ورجع إثنان بعد القتل معترفين بالتعمد فعليهما


(1) الوسائل - الباب - 11 من كتاب الشهادات الحديث 1.

[ 239 ]

القصاص بناء على المختار بعد رد ثلثي الدية عليهما، ولو قالا: أخطأنا فعليهما ثلث الدية، وإن رجع واحد فالسدس أو القصاص بعد رد خمسة أسداس الدية، وعلى الاحتمال لا شئ عليهما. وإن رجع ثلاثة مخطئين فعلى الاول يضمنون نصف الدية، وعلى الاحتمال ربعها بالسوية، لاشتراك العلة بينهم من غير مرجح، مع احتمال القرعة. وإن رجع أربعة فالثلثان على المختار والنصف على الاحتمال. وإن رجع خمسة فخمسة أسداس على الاول، وثلاثة أرباع على الاحتمال. وإن رجع الستة فلكل واحد السدس على القولين، بل منه يستفاد تأييد المختار، ضرورة أن المتجه على الاحتمال حينئذ الاقراع في الخارج عن الزائد على الحجة، فتأمل. * (و) * مما ذكرنا يعلم الحال في ما * (لو كان) * الشاهد * (عشر نسوة مع شاهد) * رجل في ما لا يثبت بالنساء منفردات * (فرجع الرجل) * إذ المتجه بناء على ما ذكرنا أنه إذا رجع * (ضمن السدس) * لما عرفت من ثبوت الحكم بالجميع، لكن عن أبي يوسف ومحمد أنه يضمن النصف لانه نصف البينة وعليهن النصف، لان الفرض توقف الثبوت على الرجل، ولا فرق فيهن بين إثنين وألف، ولعله لذا قال المصنف: * (وفيه تردد) * لكنه في غير محله، لما عرفت. ولو رجعت امرأة واحدة منهن معه فعلى الراجع مثل ما عليه لو رجع الجميع، فعليه على المختار للسدس وعليها نصف السدس، وعلى قول أبي يوسف عليه النصف وعليها نصف العشر، وعلى ما ذكرناه من الاحتمال لا شئ عليها، بل ولا على كل من يرجع منهن مما زاد على الاثنين.

[ 240 ]

وكذا مما ذكرنا يعلم لك الحال في: الفرع * (الثاني:) * وهو * (لو كان الشهود ثلاثة) * مثلا في المال مثلا * (ضمن كل واحد منهم الثلث ولو رجع منفردا) * لما عرفت * (وربما خطر) * في بال المصنف (أنه لا يضمن) الراجع وحده، وهو ما ذكرناه سابقا من الاحتمال * (لان في الباقي ثبوت الحق، ولا يضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له و) * قد عرفت أن * (الاول اختيار الشيخ) * وابن سعيد، بل لم نعرف قائلا منا بما خطر في بال المصنف، كما أنا لم نعرف له وجها إلا ما ذكره، وفيه ما عرفت من صدق الثبوت بالجميع والصحيح (1) السابق. * (وكذا) * الكلام في ما * (لو شهد رجل وعشر نسوة فرجع ثمان منهن قيل) * والقائل من عرفت وهو المختار: * (كان على كل واحدة) * منهن * (نصف السدس، لاشتراكهم في نقل المال، والاشكال فيه) * بناء على ما خطر في بال المصنف * (كما في الاول) * الذي هو رجوع واحد من الثلاثة. الفرع * (الثالث:) * * (لو حكم فقامت بينة بالجرح مطلقا) * غير معينة له بوقت * (لو ينقض الحكم) * الموافق لاصل الصحة واستصحابها بذلك * (لاحتمال


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 241 ]

التجدد بعد الحكم) * وهو غير ناقض له * (ولو تعين الوقت وهو متقدم على الشهادة نقض) * بناء على ظهور اختلال ميزان الحكم بذلك، كما تقدم الكلام فيه سابقا * (و) * كذا تقدم الكلام في ما (لو كان) * الفسق * (بعد الشهادة وقبل الحكم) * وأنه * (لم ينقض) * الحكم بذلك عند بعض. * (و) * كيف كان ف‍ * (إذا نقض الحكم) * وقد استوفي المحكوم به * (فان كان) * حدا * (قتلا أو جرحا فلا قود) * على الحاكم قطعا ولا على من وكله في إقامته * (و) * إنما تكون للمحدود * (الدية في بيت المال) * لان خطأ الحاكم في ذلك فيه، كما هو المروي عندنا، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (1): في خبر الاصبغ " إن ما أخطأت القضاء في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين " وما روي من تضمين أمير المؤمنين (عليه السلام) عاقلة عمر بن الخطاب لانه ليس حاكم شرع، إذ الكلام في حاكم العدل أو المنصوب من قبله الذي هو كالوكيل عن المسلمين بل وليهم، وخطأ الوكيل في حق موكله عليه، فخطأ الوكيل عن المسلمين في حقهم على بيت ما لهم المعد للمصالح التي لا ريب في أن ذلك منها، وإلا لادى إلى ترك الحكم بالشهادة تحرزا عن ضرر الدرك، فما عن ظاهر الحلبي من أن الضمان في ماله واضح الضعف، بل مناف لقاعدة الاحسان وغيرها. * (ولو) * كان المحكوم به القصاص و * (كان المباشر ل‍) * - ه أي * (القصاص هو الولي ففي ضمانه) * أي الولي * (تردد) * من مباشرته للفعل، ومن قوة سببية حكم الحاكم في ذلك * (والاشبه) * عند المصنف


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب آداب القاضي - الحديث 1 من كتاب القضاء.

[ 242 ]

وتبعه الفاضل * (أنه لا يضمن مع حكم الحاكم وإذنه و) * لكن * (لو قتل بعد الحكم وقبل الاذن ضمن الدية) * فضلا عما لو كان قبل الحكم. وقد يناقش أولا بعدم ما يدل على اعتبار الاذن في الاستيفاء بعد الحكم، بل لعل ظاهر الادلة كتابا (1) وسنة (2) عدمه، وقياس القصاص على الحد أو دعوى أنه منه كما ترى، ولو سلم فلا مدخلية لها في قوة المباشرة على التسبيب، بل لو سلم تساويهما كان الضمان على المباشر، لانه هو القاتل حقيقة، ولعله لذا يحكى عن قول للعامة بأن على الولي الدية وإن كان مأذونا، بل هو ظاهر إطلاق تردد المصنف أيضا وإن اختار التفصيل بعده، وهو لا يخلو من قوة إن لم يكن إجماعا. بل قد يؤيده ما ذكره المصنف (رحمه الله) * وغيره في حكم المال قال: * (أما لو كان) * المحكوم به * (مالا فانه يستعاد إن كانت العين باقية، وإن كانت تالفة فعلى المشهود له) * وإن قال * (لانه ضمن بانقبض بخلاف القصاص) * مشيرا بذلك إلى ما يحكى عن الشيخ من الفرق بينه وبين الدية بأن الحكم إن كان بالمال حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، وضمان الاتلاف ليس بضمان اليد، فلهذا كان الضمان على الامام، لكنه كما ترى، إذ الاتلاف وإن لم يكن ضمان يد لكنه ضمان لمباشرة الاتلاف المندرج في قاعدة من أتلف ومن قتل مؤمنا خطأ وغير ذلك. * (و) * على كل حال ف‍ * (- لو كان) * المشهود له المتلف للمال * (معسرا قال الشيخ: ضمن الامام، ويرجع به على المحكوم له


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 178 و 179 و 194 وسورة المائدة: 5 - الاية 32 و 45 وسورة الانعام: 6 - الاية 151 وسورة شورى: 42 - الاية 40 وسورة النحل: 16 - الاية 126. (2) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب القصاص في النفس من كتاب القصاص.

[ 243 ]

إذا أيسر) * لانه تسبب إلى إتلافه، وللزوم الحرج على المشهود عليه بالصبر. * (و) * لكن * (فيه إشكال من حيث) * القول السابق ب‍ * (استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده فلا وجه) * مع ذلك * (لضمان الحاكم) * الذي فرضنا تقديم المباشر عليه في أصل الضمان على وجه لم يكن لصاحب المال رجوع عليه، بل المتجه إنظاره لعموم أدلته، مضافا إلى أصالة عدم الانتقال إلى ذمة الحاكم أو بيت المال، كما هو واضح. * (مسائل:) * * (الاولى:) * * (إذا شهد إثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه) * المعين * (وقيمته الثلث وشهد آخران أو) * جيمع * (الورثة أن العتق لغيره) * المعين * (وقيمته الثلث) * أيضا على وجه لا يقتضي نفي العتق عن الاول * (فان قلنا: المنجزات من الاصل عتقا) * معا بلا خلاف ولا إشكال * (وإن قلنا: تخرج من الثلث) * كما هو الاصح) * فقد انعتق أحدهما) * قطعا * (فان عرفنا السابق) * بتأريخ البينتين * (صح عتقه وبطل الآخر) * إن لم يجز الوارث * (وإن جهل) * لا طلاق البينتين أو إحداهما ولم نقل بتأخر مجهول التأريخ عن معلومه * (استخرج بالقرعة) * وإن احتمل التقارن * (و) * ذلك لانه * (لو اتفق عتقهما في حالة واحدة قال الشيخ: يقرع بينهما ويعتق المقروع) * فالمحتمل أولى بذلك، والاصل فيه فعل للنبي (صلى الله عليه وآله) * بالعبيد الذين أعتقهم الانصاري ولا يملك

[ 244 ]

سواهم (1) كما سمعته في كتاب الوصايا (2) وأولى من ذلك بالقرعة ما لو علم سبق أحدهما ولكن لم يعلم عينه ضرورة أنها لاخراج المشتبه. لكن في المسالك جعل فيه وجهين، هذا أحدهما، والثاني أنه بعتق من كل واحد نصفه، لانه لو أقرعنا لم يؤمن خروج الرق على السابق، وللسابق حق الحرية، فيلزم منه إرقاق حر وتحرير رقيق. وهو من غرائب الكلام، ضرورة جريانه في كثير من موارد القرعة التي استفاضت بها النصوص (3) المصرحة بعدم خطأها لو فوض القارع فيها الامر إلى الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ولذا لم يحتمله أحد من أصحابنا، نعم هو أحد قولي الشافعية كما حكاه الرافعي. * (و) * كذا قال الشيخ: * (لو اختلفت قيمتهما) * بأن كانت قيمة أحدهما السدس والآخر الثلث أو أزيد وقد أعتقهما معا أو جهل السابق * (أعتق المقروع) * أيضا * (فان كان بقدر الثلث صح وبطل الآخر، وإن كان أزيد صح العتق منه في القدر الذي يحتمله الثلث، وإن نقص أكملنا الثلث من الآخر) *. وكأنه أشار بذلك إلى ما ذكروه تفريعا على القولين في ما لو قامت البينتان كذلك لكن أحد العبدين سدس المال والآخر ثلثه، فان قلنا بالقرعة وأخرجت للعبد الخسيس عتق وعتق نصف من الآخر ليكمل الثلث وإن أخرجت للنفيس انحصر العتق فيه. وأما على القول الثاني فقد ذكروا فيه وجهين أحدهما أنه يعتق من كل واحد ثلثاه لان ما زاد على الثلث من المتبرع ينسب إلى جميع التبرع


(1) سنن البيهقي ج 10 ص 285. (2) راجع ج 28 ص 359. (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء.

[ 245 ]

وينقص بتلك النسبة من كل واحد منهم، وإذا نسبنا الزائد على الثلث وهو السدس هنا إلى جميع التبرع وهو النصف كان ثلثه، فيرد العتق في ثلث كل واحد منهما وينفذ في ثلثيه. وبعبارة أخرى أنه كما لو أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بسدسه فانه يعطى كل واحد ثلثي ما أوصى له به، وذلك لان نسبة السدس مع الثلث ثلثان وثلث، فيقسم الثلث حينئذ بينهما ثلثان منه لمن أوصى له بالثلث، وثلث منه لمن أوصى له بالسدس لان النقص الحاصل عليه على نسبة مالهما من الوصية، كما هو واضح. وثانيهما عتق ثلاثة أرباع النفيس ومن الخسيس نصفه، لانه إن سبق إعتاق النفيس فجميعه حر، وإن سبق إعتاق الآخر فنصفه حر، فنصفه على التقديرين حر، وإنما النزاع والازدحام في النصف الثاني الذي هو قدر سدس المال، فيقسم بينهما، فيعتق من النفيس ربعه مضافا إلى النصف، ومن الخسيس نصفه. إلا أنه كما ترى لا ينطبق على قاعدة قسمة ما تعارضت فيه البينتان من الاعيان بنى المتخاصمين، ضرورة عدم كون العتق كذلك، ومن هنا قال الرافعي: إن الصحيح وبه قطع الاكثرون الوجه الاول. هذا وفي المسالك ونبه المصنف بقوله: وشهد آخران أو الورثة إلى آخره على أنه لا فرق هنا بين شهادة الوارث وغيره، إذ لا تهمة للوارث تمنع شهادته هنا وإن كانت واردة في غير هذه الصورة، كما سيأتي في ما لو شهدوا بالرجوع عن الاول: ويزيد الورثة عن الاجانب أنه لا يشترط هنا كونهم عدولا، لان شهادتهم بعتق الثاني مع عدم تعرضهم للاول بمنزلة الاقرار بعتقه مضافا إلى ما ثبت بالبينة، نعم يشترط كون الشاهد جميع الورثة، كما يرشد إليه قول المصنف: أو الورثة، وقال في المسألة الثانية: وشهد من ورثته عدلان، ولو كانوا عدولا كفى

[ 246 ]

منهم إثنان كالاجانب ". قلت: لا تهمة في المسألتين، لكن إشكال المصنف في الثانية يأتي هنا، ضرورة كون الورثة هو المدعى عليهم في المسألتين، وإقرارهم في أحدهما لا يعارض البينة في الآخر، فلا تحمل عليه عبارة المصنف المتضمنة للقرعة، نعم الوجه في عبارة المصنف أنه ذكرها على مذهب الشيخ على معنى عدم الفرق بين كون الشاهدين من الورثة أو أجنبيين لعدم التهمة فتتجه حينئذ القرعة، والله العالم. المسألة * (الثانية:) * * (إذا شهد شاهدان بالوصية لزيد وشهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك وأوصى لخالد) * بعين ما أوصى به للاول أو بغيره * (قال الشيخ، تقبل شهادة الرجوع، لانهما لا يجران نفعا) * لانهما أثبتا للرجوع عنه بدلا يساويه فارتفعت التهمة، فلا فرق حينئذ بين الوارث وغيره، وهو المحكي عن الشافعية. * (و) * لكن * (فيه إشكال من حيث أن المال يؤخذ من يدهما فهما غريمان للمدعي) * فلا تقبل شهادتهما عليه، إذ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فلا وجه لقبول شهادته عليه، مع أن الخصومة معه في المشهود عليه، فترد شهادتهم من هذه الجهة. قال في المسالك: " وإنما اعتبر كون الورثة عدلين ليثبت بهما الرجوع على تقديره، ولو كانا فاسقين لم يثبت بقولهما الرجوع، ويحكم بالاولى بشهادة الاجنبيين، لان الثلث يحتملها كما هو المفروض، ويصح من الثانية قدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال بعد الاول، وبهذا افترق

[ 247 ]

حكم العدالة وعدمها في هذه المسألة والسابقة، لان الوارث لو لم يتعرض للسابقة كان الحكم كالمسألة الاولى ". قلت: وفيه ما ذكرناه من الاشكال مع فرض المزاحمة كما في المسألة السابقة وإلا فمع فرض عدم المزاحمة يعمل بمقتضى البينة وبمقتضى الاقرار، بل لو فرض تكذيب الورثة للبينة التي شهدت بعتق سالم وقالوا: إنما أعتق غانما وفرض أن كل واحد منهما قدر الثلث أعتق الاول بالبينة والثاني بالاقرار الذي لا يصلح معارضا للبينة الاولى وليس شهادة، لان الفرض فسقهم، ولو قالوا: لا نعلم أنه أعتق سالما ولكنه أعتق غانما فعن بعض الشافعية القرعة وفيه منع واضح بعد الاحاطة بما ذكرنا، بل منه يعلم ما في جملة من كلماتهم المحكية في الروضة للرافعي. المسألة * (الثالثة:) * * (إذا شهد شاهدان لزيد بالوصية وشهد شاهد بالرجوع وأنه أوصى) * بما أوصى به أولا * (لعمرو كان لعمرو أن يحلف مع شاهده) * وإن قلنا سابقا: إن الشاهد واليمين لا يعارض البينة لكن ذلك مع اتحاد المشهود به بخلاف الفرض * (لانها شهادة منفردة لا تعارض الاولى) * فيعمل بكل منهما في مورده، كما هو واضح. المسألة * (الرابعة:) * * (لو أوصى بوصيتين منفردتين فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما قال الشيخ: لا يقبل، لعدم التعيين) * الذي هو شرط في صحة الشهادة

[ 248 ]

ولو للشك في حجيتها مع عدمه، كنفس الدعوى إذا لم تكن محررة * (فهي) * حينئذ * (كما لو شهدت) * البينة * (بدار لزيد أو عمرو) * ويحتمل الرجوع إلى القرعة التي هي لكل أمر مشكل، إذ المستحق في نفس الامر أحدهما، ونسبته إليهما على السواء، وقد تعذر علمه بموت الموصي، والفرض حجية شهادة العدلين، لاطلاق دليلها، ويحتمل القسمة بينهما، لانه مال قد انحصر فيهما ونسبتهما إليه على السواء، فيقسم بينهما، ويجعل كأنه رد كل وصية إلى نصفها، والوسط لا يخلو من قوة، كما مال إليه في المسالك. المسألة * (الخامسة:) * * (إذا ادعى العبد العتق وأقام بينة تفتقر إلى البحث) * عن التزكية مثلا * (وسأل) * العبد * (التفريق) * بينه وبين المولى * (حتى تثبت التزكية قال في المبسوط يفرق) *. ووجهه في المسالك بأن العبد قد فعل ما هو الواجب عليه حيث أتى ببينة كاملة، وليس عليه البحث عن حالها لان الظاهر العدالة حتى يثبت الجرح، وإنما البحث وظيفة الحاكم، ولان المدعي ربما كان أمة فلولا التفرقة لم يؤمن أن يواقعها، وهو ضرر عظيم. وفيه أن المحكي عن الشيخ في المتن الافتقار إلى البحث عن التزكية لا الجرح، فليس وجهه إلا الاكتفاء بما يمكن صحته، كما يشهد له قوله: * (وكذا لو أقام مدعي المال شاهدا واحدا وادعى أن له) * شاهدا * (آخر وسأل حبس الغريم، لانه متمكن من إثبات حقه باليمين، و) * لكن * (في الكل إشكال، لانه تعجيل العقوبة قبل ثبوت الدعوى) * كما

[ 249 ]

تقدم الكلام في كتاب القضاء ولا مانع من تمكينه من النظر إلى الامة بل المواقعة لان الناس مسلطون على أموالهم، نعم قد تحصل مصلحة في بعض المقامات تقتضي جواز الحبس للحاكم. المسألة السادسة: لا فرق في الضمان بين شهود الشئ وشهود التزكية، كما صرح به الفاضل وغيره، فلو زكى إثنان شهود الزناء كذبا فالضمان عليهما، لانهما السبب في الحكم بالقتل، لكن في التحرير تردد فيه من ذلك ومن كون التزكية شرطا لا سببا، بل السبب هو الحكم، وفيه أنها سبب عرفا كالشهادة، نعم إنما يكون عليهما الدية، لاحتمال حقية المشهود به، وكذا لو رجعوا عن التزكية سواء قالوا تعمدنا أو أخطأنا، لانهم إنما تعمدوا الكذب في التزكية، وهو ليس من الكذب في الشهادة، بل قد يقال بضمانهما نصف الدية، لجريانهما مجرى شاهد واحد بالنسبة إلى الحكم المستند إلى شهادة الشهود وإلى التزكية، ولو فرض علمهم بكذب الشهود وقد كذبوا في التزكية أمكن القول بالقصاص عليهم، لاشتراكهم حينئذ مع الشهود في سبب القتل، ولو ظهر فسق المزكين فالضمان على الحاكم في بيت المال كظهور فسق الشهود حتى أثر الضرب في الجلد. وإذا رجع الشاهد أو المزكي اختص الضمان بالراجع دون الآخر، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. ولو رجعا معا ضمنا، لما عرفت من أن الشهادة والتزكية معا سبب للحكم، وكل منهما جزء لسببه، لا أن السبب الشهادة والتزكية شرط أو

[ 250 ]

سبب بعيد مع احتماله، فيختص الضمان حينئذ بالشاهد، فان رجع الولي على الشاهد كان له قتله مع اعترافه بتعمد الكذب، ولو طالب المزكي لم يكن عليه قصاص بل الدية، لما سمعت إلا في صورة الاعتراف بالعلم بكون القتل عدوانا، ولكن ليس للولي جمعهما في الطلب وإلا اجتمع له القصاص والدية، بل في كشف اللثام ليس له توزيعهما عليهما، حتى إن اقتص من الشاهد أعطاه نصف الدية وأخذه من المزكي، لانهما وإن تساويا في سببية الحكم لكن تباينا في المشهود به، فكل منهما مستقل في جنايته، والله العالم. المسألة السابعة: لو شهد أربعة بالزناء وإثنان بالاحصان فرجم ثم رجعا دون شهود الزناء اقتص منهما خاصة إن اعترفا بالعمد، وإلا فالدية على الوجه الذي ستعرفه، نعم من اقتص منهم يرجع إليهما من الدية بقدر نصيب شهود الزناء من الغرم، وكذا لو رجع شهود الزناء خاصة لم يجب على شهود الاحصان شئ، بل يختصون بالضمان، فلو اقتص منهم يرجع إليهم من الدية بقدر نصيب شهود الاحصان. ولو رجع الجميع ضمنوا أجمع، لاشتراكهم في التسبيب. وفي التحرير احتمال سقوط ضمان شهود الاحصان، لنحو ما سمعته في التزكية من كون شهادتهم بالشرط دون السبب، والسبب للقتل هو الزناء، فتضمن شهوده خاصة، وفيه ما عرفت. نعم في كيفية الضمان إشكال، فيحتمل ضمان شاهدي الاحصان النصف وشهود الزناء النصف، ويحتمل التوزيع عليهم بالسوية، وحينئذ

[ 251 ]

فلو شهد أربعة بالزناء وإثنان منهم بالاحصان فعلى الاول على شاهدي الاحصان ثلاثة أرباع: نصف للشهادة بالاحصان ونصف النصف الآخر الذي هو ربع، لانهما نصف شهود الزناء، وعلى الثاني على شاهدي الاحصان الثلثان: ثلث منهما للشهادة بالزناء والثلث الآخر للشهادة بالاحصان وعلى الآخرين الثلث، ويحتمل تساويهم في الغرم على كل تقدير، فلا يضمنان إلا النصف، لان شاهدي الاحصان وإن تعددت جنايتهم فانهم يساوون من اتحدت جنايته، لان الدية تسقط على عدد الرؤوس لا الجناية " كما لو جرحه أحدهما مائة والآخر واحد ثم مات من الجميع، والله العالم. المسألة الثامنة: لو رجع المعرفان ضمنا ما شهد به الشاهدان، وفي تضمينهما الجميع أو النصف نظر، من أن التفويت حصل بأمرين: شهادة الشاهدين وتعريفهما المشهود عليه، وبعبارة أخرى بشهادتين شهادة بالشئ المشهود به وشهادة بالنسب، فكان عليهما نصف الغرم مع أصل البراءة، ومن أنهما المثبتان لشهادة الشاهدين بحيث عينا المشهود عليهما. المسألة التاسعة: لو ثبت الحكم بشهادة الفرع ثم رجع فان كذبه شاهد الاصل في الرجوع فالاقرب عدم الضمان، ويحتمل أخذا باقراره، نعم لو صدقه أو جهل حاله ضمن، فلو شهد إثنان على الاثنين ثم رجعا ضمن كل النصف، ويقتص منهما لو تعمدا، ولو رجع أحدهما ضمن نصيبه خاصة.

[ 252 ]

ولو رجعا عن الشهادة على أحد الاصلين احتمل إلحاقهما برجوع شاهدي الاصل في ضمان الجميع وبرجوع أحدهما، فعليهما جميعا نصف الضمان. ولو رجع أحدهما عن الشهادة على أحد الاصلين والآخر عن الشهادة على الآخر ضمنا الجميع، لاختلال شهادتي الاصلين جميعا، فانه لا يثبت أحدهما إلا بشهادة الفرعين جميعا. ولو رجع أحدهما عن الشهادة على أحد الاصلين احتمل تضمين النصف، لعدم الفرق بين الرجوع عن شهادة الاصلين كليهما أو عن شهادة أحدهما، لاختلال الشهادة بكل منهما من غير فرق، واحتمل ضمان الربع بناء على أنهما إن رجعا جميعا عن شهادة أحد الاصلين ضمنا النصف. ولو شهد على كل شاهد إثنان ورجع الجميع ضمن كل الربع، ويقتص منهم لو اعترفوا بالعمد، والله العالم. المسألة العاشرة: يجب تعزير شاهد الزور بلا خلاف أجده فيه بما يراه الحاكم من الجلد والنداء في قبيلته ومحلته بأنه كذلك ليرتدع غيره بل هو فيما يأتي، قال الصادق (عليه السلام): في موثق سماعة (1) وخبر عبد الله بن سنان (2): " إن شهود الزور يجلدون جلدا ليس له وقت، وذلك إلى الامام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس، وفي خبر غياث بن إبراهيم (3) وإن عليا (عليه السلام) كان إذا أخذ شاهد الزور فان كان غربيا بعث به إلى حيه، وإن كان سوقيا بعث به إلى سوقه فطيف


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب بقية الحدود والتعزيرات - الحديث 2 من كتاب الحدود. (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من كتاب الشهادات - الحديث 2 - 3.

[ 253 ]

به، ثم يحسبه أياما ثم يخلي سبيله " وقال أيضا في شاهدي زور فرا من يد علي (عليه السلام) (1): " إن علي هذين حتى أنكلهما " إلى غير ذلك، وليس منه الغالط في شهادته ولا من ردت لمعارضة بينة أخرى بل ولفسقه. المسألة الحادية عشر: الظاهر عدم الضمان بكتمان الشهادة وإن أثم، للاصل وغيره، لكن في القواعد في التضمين بترك الشهادة مع ضعف المباشرة إشكال، كما لو علما ببيع المورث عينا من زيد فباع الوارث من عمرو ولم يعلم بذلك البيع وتعذر الرجوع على المشتري، ولعله من تسبيبه للتلف بكتمانها على وجه يقوى على المباشر الجاهل بالحال، ولكن الاقوى ما عرفت. هذا وبقيت مسائل مذكورة في كتب العامة والخاصة تركنا التعرض لها ترجيحا للاشتغال بالاهم منها ومخافة التطويل، ولكن الامر فيها هين، لان المرجع فيها القواعد العامة ولا نص فيها بالخصوص، والله هو العالم والمؤيد والموفق والمسدد.

[ 254 ]

بسم الله الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود والتعزيرات جمع حد وتعزير، وهما لغة كما في المسالك وغيرها المنع والتأديب، بل فيها " ومنه الحد الشرعي، لكونه ذريعة إلى منع الناس عن فعل معصية خشية من وقوعه، وشرعا عقوبة خاصة تتعلق بايلام البدن بواسطة تلبس المكلف بمعصية خاصة عين الشارع كميتها في جميع أفراده، وعقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا " ونحوه في التنقيح والرياض، إلا أنهما لم يذكر فيهما قيد الغلبة في الاخير. ولعله إلى ذلك يرجع قول المصنف: * (كل ما له عقوبة مقدرة يسمى حدا، وما ليس كذلك يسمى تعزيرا) *. لكن في المسالك في شرحها " تقدير الحد شرعا واقع في جميع أفراده كما أشرنا إليه سابقا، وأما التعزير فالاصل فيه عدم التقدير، والاغلب من أفراده كذلك، ولكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده وذلك في خمسة مواضع: الاول: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان مقدر بخمسة وعشرين سوطا (1) الثاني: من تزوج أمة على حرة


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب بقية الحدود والتعزيرات.

[ 255 ]

ودخل بها قبل الاذن ضرب إثنا عشر سوطا ونصفا ثمن حد الزاني (1) الثالث: المجتمعان تحت إزار واحد مجردين مقدر بثلاثين إلى تسعة وتسعين على قول (2) الرابع: من افتض بكرا باصبعه (3) قال الشيخ: يجلد من ثلاثين إلى سبعة وسبعين، وقال المفيد: من ثلاثين إلى ثمانين وقال ابن إدريس. من ثلاثين إلى تسعة وتسعين، الخامس: الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد وإزار مجردين يعزران من عشرة إلى تسعة وتسعين (4) قاله المفيد، وأطلق الشيخ التعزير، وقال في الخلاف: روى أصحابنا فيه الحد، ولقائل أن يقول: ليس من هذه مقدر سوى الاولين، والباقي يرجع في ما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره وإن تحدد في طرفيه بما ذكر ". قلت: كأن الذي دعاه إلى تسمية المقدر المزبور تعزيرا مع أن له مقدرا هو اشتمال النص على إطلاق التعزير عليه، وفيه بعد تسليمه في الجميع إمكان منع إرادة ما يقابل الحد منه، ولعله لذا ذكرها بعضهم في الحدود، والامر سهل. ثم قال المصنف: * (وأسباب الاول ستة: الزناء، وما يتبعه والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والثاني أربعة: البغي، والردة وإتيان البهيمة، وإرتكاب ما سوى ذلك من المحارم، فلنفرد لكل قسم بابا عدا ما يتداخل أو سبق) * وفي المسالك في شرح


(1) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب حد الزناء والباب - 47 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 21 و 18. (3) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب حد الزناء. (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3 و 18.

[ 256 ]

الاخير " جعل عقوبة الباغي - وهو المحارب ومن في معناه والمرتد - تعزيرا غير معهود والمعروف بين الفقهاء تسميته حدا، ولا ينافي كون الحد مقدرا، لان القتل أيضا مقدر بازهاق الروح إما مطلقا أو على وجه مخصوص، وجعل ارتكاب المحارم قسيما للثلاثة نظرا إلى أن الثلاثة الاول منصوصة بخصوصها من الشارع، والرابع داخل من حيث العموم، والاولى جعل سبب التعزير أمرا واحدا وهو ارتكاب المحرم الذي لم ينصب الشارع له حدا مخصوصا ". قلت: قد ترك ذكر التعزير في عنوان الكتاب في القواعد والتحرير واللمعة، بل جعل في الاول مقاصده ثمانية والسابع والثامن المحارب والمرتد. وفي كشف اللثام " الحد في الاصل المنع، ومنه الحديد، لامتناعه وصلابته، ويقال للبواب: حداد لمنعه الناس، سميت بها الامور المقررة في الشرع لمنع الناس عن معاص معينة، عن سدير (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام): حد يقام في الارض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيامها " وعن عبد الرحمان بن الحجاج (2) عن أبي ابراهيم (عليه السلام) في قوله الله عزوجل (3): " يحيي الارض بعد موتها " قال: " ليس يحييها، ولكن يبعث الله رجلا فيحيون العدل، فتحيى الارض لاحياء العدل، ولاقامة حد فيه أنفع في الارض من القطر أربعين صباحا ". ". قلت: لا كلام في كون المقدرات المزبورة حدودا، إنما الكلام في اندراج ما لا مقدر له شرعا تحت اسم الحد الذي هو عنوان أحكام كثيرة في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 - 3 والاول عن حنان بن سدير. (3) سورة الروم: 30 - الاية 19.

[ 257 ]

النصوص كدرء الحد بالشبهة (1) وعدم اليمين في الحد (2) وعدم الكفالة فيه (3) وللامام العفو عن الحد الثابت بالاقرار دون البينة (4) وعدم الشفاعة في الحد (5) وغير ذلك وعدم اندارجه، يحتمل ذلك لاطلاقة على مطلق العقوبة في كثير من النصوص نحو " إن الله جعل لكل شئ حدا ولمن جاوز الحد حدا " (6) ويحتمل العدم كما هو ظاهر الاصحاب هنا وفي ما لو اعترف بحد ولم يبينه، لظهور لفظ الحد عرفا في المحدود " ولنحو خبر حماد بن عثمان (7) " قلت له: كم التعزير ؟ فقال: دون الحد، قلت له: دون ثمانين، قال: لا، ولكن دون أربعين، فانها حد المملوك، قلت: وكم ذاك ؟ فقال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه " وخبر معاوية بن عمار (8) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الامرأتان ينامان في ثوب واحد فقال: يضربان، قلت: حدا ؟ فقال: لا قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد، قال: يضربان، قلت: الحد ؟ قال: لا " وغير ذلك مما يدل على مغايرة التعزير للحد في المفهوم، بل فيها ما هو كالصريح في ذلك، نعم لا ينكر إطلاق الحد على ما يشمل التعزير أيضا، فلعل الاقتصار في الاحكام المخالفة للاصول والعمومات على الحد بالمعنى الاخص دون غيره


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4 - 1. (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب مقدمات الحدود. (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود. (5) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب مقدمات الحدود. (6) الوسائل - الباب - 2 و 3 - من ابواب مقدمات الحدود. (7) الوسائل الباب - 10 - من ابواب بقية الحدود والتعزيرات - الحديث 3. (8) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء الحديث 16.

[ 258 ]

إلا ما يفهم من فحوى أو غيرها لا يخلو من قوة، ومن هنا يقوى عدم اندارج القصاص في إطلاق الحد، والله العالم. الباب الاول * (في الزناء) * الذي يقصر فيكتب بالياء، ويمد فيكتب بالالف المجمع على تحريمه في كل ملة حفظا للنسب، ولذا كان من الاصول الخمسة التي يجب تقريرها في كل شريعة، وهو من الكبائر المعلومة قطعا من الكتاب والسنة والاجماع إن لم يكن ضرورة من الدين. * (و) * كيف كان ف‍ * (- النظر في الموجب والحد واللواحق) * * (أما الموجب) * * (فهو) * تحقق حقيقته مع الشرائط المشار إليها بقول المصنف: " ويشترط، إلى آخره، ومقتضاه تحقق ماهية الزناء التي هي الموجب بمعنى السبب المصطلح ب‍ * (- ايلاج الانسان ذكره في فرج امرأة محرمة) * أصالة لا لحيض ونحوه * (من غير عقد ولا شبهة) * عقد * (ولا ملك) * للعين أو المنفعة ولا شبهة ملك لهما، فما في المسالك من أنه " يدخل في الحد الانسان الكبير والصغير والعاقل والمجنون، فلو زاد فيه " المكلف "

[ 259 ]

كان أجود، ويمكن تكلف إخراجهما بقوله في فرج امرأة محرمة، فانه لا تحريم في حقهما، وكذا يدخل فيه المختار والمكره، ويجب إخراج المكره إلا أن يخرج بما خرج به الاولان " - في غير محله، لانها على التقدير المزبور شرائط في الحد لا في تحقق حقيقة الزناء. وكذا لا يدخل فيه إيلاج ذكر الخنثى المشكل، لعدم العلم بكون ذكرها ذكرا، وفي المسالك لعدم مبادرة المعنى عند إطلاقه إليه وجواز سلبه عنه، وفيه نظر، وربما زيد الاصلي لاخراجه، ولا بأس به توضيحا وإلا فالمنساق من التعريف الذكر من الانسان. وكذا الكلام في فرجها الذي لم يعلم كونه فرج امرأة وربما زيد أيضا أصلي أو يقينا لاخراجها، ولا بأس به أيضا. وكأن قول المصنف: وغيره " من غير عقد " إلى آخره، تفسير للمحرمة، ولعله لذا ترك قول " محرمة " في النافع، وهو المناسب للتعريف، وكأنه في ذكره تبع به ما تسمعه من عبارتي المقنعة والتهذيب المحتمل لتعليق " من " فيه بمحرمة وإن كان يشكل بصدقه على الزوجة حينئذ أو المراد بالتحريم ما يعم العرضي، وهذا قيد يخرجه. هذا وفي الرياض وأما الزنا الموجب للحد فهو إيلاج الانسان، وإدخاله فرجه وذكره الاصلي في فرج امرأة محرمة عليه أصالة من غير عقد نكاح ولو متعة بينهما ولا ملك من الفاعل القابل ولا شبهة دارئة " وضابطها ما أوجب ظن الاباحة بلا خلاف أجده. وبه صرح في الغنية، ولعله المفهوم منه عرفا ولغة، وإطلاق العبارة وإن شمل غير المكلف إلا أنه خارج مما ذكرناه من قيد التحريم، مع احتمال أن يقال: إن التكليف من شرائط ثبوت الحد بالزناء لا أنه جزء من مفهومه، فلا يحتاج إلى ازدياد التحريم من هذا الوجه وإن احتيج إليه لتحقيق معنى الزناء لعدم

[ 260 ]

تحققه عرفا ولغة إلا به، وإلا فدخول المجنون بامرأة مثلا لا يعد فيهما زناء ما لم تكن المدخول بها محرمة عليه أصالة ". وفيه أن ذلك لا يوجب الزيادة المزبورة، ضرورة تحقق الايلاج بامرأة بلا عقد ولا ملك ولا شبهة وإن لم يكن في ذلك حرمة عليه، لعدم التكليف الذي فرض عدم مدخليته في تحقق معنى الزناء الذي هو على التقدير المزبور وطء الاجنبية التي هي غير الزوجة والمملوكة عينا أو منفعة، ومقتضاه أن وطء الشبهة زناء لغة وعرفا لكنه لا يوجب الحد وهو مناف لمقابلته به في النكاح المقتضية لكونه وطء الاجنبية على أنها أجنبية، وربما يظهر بذلك ثمرة في غير الحد من الاحكام المعلقة على الزناء كالعرف ونحوه " إن لم يكن قرينة على إرادة الخاص منه، ولعل إيكاله إلى العرف أولى من التعرض لكشف مفهومه كغيره من الالفاظ، ضرورة تحقق وصف الزناء في المرأة والرجل على وجه يتحقق في أحدهما دون الآخر، ولا ريب في عدم صدق التعريف المزبور على إيلاج المرأة ذكر الغير فيها مع تحقق وصف الزناء فيها، ولعل ذكر الاصحاب بعض القيود في التعريف من حيث ثبوت الحد به وعدمه ولو للشرائط الشرعية لذلك لا لكشف مفهومه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لماعز بعد إقراره بالزناء أربعا (1): " أتعرف الزناء ؟ فقال: هو أن يأتي الرجل حراما كما يأتي أهله حلالا ". * (و) * كيف كان ف‍ * (يتحقق ذلك) * عرفا * (بغيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا) * كما نص عليه غير واحد بل هو المشهور كما عن المختلف، بل لم أجد فيه خلافا، كما اعترف به في الرياض، نعم في الوسيلة في الوطء في دبر المرأة قولان: أحدهما أن يكون زناء وهو


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 227.

[ 261 ]

الا ثبت. والثاني أن يكون لواطأ ولعله أراد ما في المقنعة: " الزنا الموجب للحد وطء من حرم الله تعالى وطأه من النساء بغير عقد مشروع إذا كان الوطء في الفرج خاصة دون ما سواه " وفي النهاية: " الزناء الموجب للحد هو وطء من حرمه الله من غير عقد ولا شبهة عقد، ويكون في الفرج خاصة " وفيه أن الظاهر منه الاعم كما عن ابن إدريس التصريح به. كل ذلك مضافا إلى الاطلاق فتوى ورواية ففي الصحيح (1) وغيره (2) " إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم ". هذا وقد صرح غير واحد باعتبار غيبوبة قدر الحشفة من مقطوعها وقد يحتمل اعتبار دخوله أجمع، بل في كشف اللثام أنه أحد الوجهين، لكن فيه أن العرف على خلافه، ضرورة صدق اسم الادخال، أللهم إلا أن يقال: إن قوله (عليه السلام) في الصحيح " إذا أدخله " ظاهر في الجميع، لكن خرجنا عنه في ذي الحشفة، لما (3) ورد من ترتب الحكم على التقاء الختانين، فيبقى غيره. وفيه أن الظاهر كون التحديد الشرعي بالتقائهما لبيان التحقق في العرف بدخول المقدار المزبور من غير فرق بين الحشفة وغيرها منه. * (و) * كيف كان فلا خلاف في أنه * (يشترط في تعلق الحد) * بالزاني والزانية * (العلم بالتحريم) * عليه حين الفعل أو ما يقوم مقامه من الاجتهاد والتقليد، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه فضلا عن محكيه، مضافا إلى الاصل وخبر (4) درء الحد بالشبهة وغير ذلك. ومنه يعلم الوجه في اشتراط العقل، ضرورة عدم العلم للمجنون


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الجنابة - الحديث 1 من كتاب الطهارة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب المهور - من كتاب النكاح. (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4.

[ 262 ]

بذلك، بل لا حرمة عليه حتى يعلم بها. * (و) * كذا يشترط فيه * (الاختيار) * منهما أيضا على الاصح كما ستعرف من تحقق الاكراه في الرجل والمرأة. * (و) * أما * (البلوغ) * فالاجماع بقسميه عليه لحديث (1) رفع القلم وغيره، بل يمكن إغناء الشرط الاول بناء على إرادة العلم بالتحريم فعلا عليه، ضرورة عدمها على غير البالغ. * (و) * يشترط * (في تعلق الرجم) * بهما الذي هو حد الله الاكبر كما أن الجلد حده الاصغر * (مضافا إلى ذلك الاحصان) * في كل منهما بلا خلاف نصا (2) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه، وستعرف إن شاء الله تحقيق الحال فيه. * (و) * على كل حال ف‍ * (- لو تزوج امرأة محرمة كالام والمرضعة والمحصنة وزوجة الولد والاب فوطأ مع الجهل بالتحريم فلا حد) * للشبهة الدارئة له الملحقة له بالنكاح الصحيح، وضابطها على ما سمعته من الرياض " ما أوجبت ظن الاباحة، وفي المسالك ضابطها توهم الفاعل أو المفعول أن ذلك الفعل سائغ له " قلت: قد تقدم في كتاب النكاح (3) تحقيق وطء الشبهة الذي عن كثير تعريفه بأنه الوطء الذي ليس بمستحق مع ظن الاستحقاق، بل عن آخر تعريفه بأنه الوطء الذي ليس بمستحق مع عدم العلم بالتحريم، ومقتضى الاول الاكتفاء بالظن وإن لم يكن معتبرا شرعا، كما أن مقتضى الثاني حصولها بمجرد الاحتمال


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 10 والباب - 8 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الحدود. (3) راجع ج 29 ص 248 - 247.

[ 263 ]

وإن كان مساويا أو مرجوحا، لكن أطنب العلامة الطباطبائي في مصابيحه في كتاب النكاح في بيان فساد ذلك وعرف الوطء بالشبهة بأنه " الوطء الذي ليس بمستحق في نفس الامر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق أو صدوره عنه بجهالة مغتفرة في الشرع أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرم، والمراد بالجهالة المغتفرة أن لا يعلم الاستحقاق، ويكون النكاح مع ذلك جائرا، كما لو اشتبه عليه ما يحل من النساء بما يحرم منهن مع عدم الحصر أو عول على إخبار المرأة بعدم الزوج أو انقضاء العدة أو على شهادة العدلين بطلاق الزوج أو موته إلى غير ذلك من الصور التي لا يقدح فيها احتمال عدم الاستحقاق شرعا وإن كان قريبا أو مظنونا وبارتفاع - إلى آخره - الجنون والنوم ونحوهما دون ما كان بسبب محرم كشرب الخمر المسكر، فانه بحكم الزاني في تعلق الحد وغيره كما ستعرفه " ومقتضاه كما صرح به عدم ترتب الشبهة على الظن الغير المعتبر شرعا لا في الموضوع ولا في الحكم إلا أن يعتقد الاباحة به جهلا منه وإلا كان زانيا وهو وإن كان صريح بعض المتأخرين كثاني الشيهدين وسبطه إلا أن جملة من عبارات الاصحاب مطلقة في الاكتفاء بالظن الشامل لما لا يعلم صاحبه الحل، وربما لا يكون ملتفتا لذلك ولا متصورا لحكمه من هذه الجهة، وقد ذكرنا في كتاب النكاح (1) تفصيل الحال في ذلك وغيره، فلاحظ وتأمل. * (و) * كيف كان ف‍ * (- لا ينهض العقد بانفراده شبهة في سقوط الحد) * عندنا مع علمه بالتحريم معه * (و) * أنه فاسد ف‍ * (- لو استأجرها للوطء لم يسقط بمجرده) * وكذا لو عقد على إحدى المحرمات ووطأ، بل الاجماع بقسميه عليه، بل يمكن دعوى الضرورة عليه،


(1) راجع: ج 29 ص 247 - 256.

[ 264 ]

خلافا لابي حنيفة فدرأ الحد عنه بذلك ولو كان العقد على الام، وكم له مثل ذلك مما هو مخالف لضرورة الدين في الاموال والفروج والدماء، والمحكي من كلامه لا يقبل الحمل على إرادة ما لا يعلم حرمته يقينا وإن كان هو حراما بمقتضى الاجتهاد، نحو ما صدر من الفاضل في النكاح من تخصيص الزناء بالمعلوم حرمته إجماعا كنكاح المحارم ونحوهن دون ما كان محل خلاف، مع أنه يجب حمل كلام الفاضل على إرادة عدم الحكم بالزناء على من نكح في المسائل الخلافية، لاحتمال تقليده من يرى الجواز لا أن المراد عدمه ممن هو مجتهد في الحرمة أو مقلد له. * (ولو توهم الحل به) * على وجه اعتقده * (سقط) * الحد حينئذ للشبهة الدارئة له، كغيره مما هو كذلك، بل وإن كان ذلك لتقصير منه في المقدمات باختيار مذهب فاسد يقتضي ذلك أو باعراض عن أهل الشرع أو بغير ذلك مما يكون فيه مشتبها وإن كان هو آثما في وطئه كما حققنا ذلك في كتاب النكاح (1) فلاحظ وتأمل مع احتمال القول بأن نكاح أهل الاديان الفاسدة ليس من الشبهة، وإنما ألحقنا الاولاد لقوله (صلى الله عليه وآله) (2): " لكل قوم نكاح " فتأمل. * (وكذا يسقط في كل موضع يتوهم الحل، كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته) * أو أمته فوطأها فلا حد عليه، كما لا حد عليها أيضا لو ظنته زوجها أو سيدها. * (ولو تشبهت له فعليها الحد دونه) * لانها زانية وهو مشتبه وبالعكس العكس * (وفي رواية) * أبي روح (3) * (يقام عليها الحد


(1) راجع ج 29 ص 255 - 256. (2) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 2 من كتاب النكاج (3) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 265 ]

جهرا وعليه سرا) * قال: " إن امرأة تشبهت بأمة رجل وذلك ليلا فواقعها هو يرى أنها جاريته فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي (عليه السلام) فقال: إضرب الرجل حدا في السر واضرب المرأة في العلانية " * (وهي) * مع عدم صحة سندها * (متروكة) * عند المعظم مخالفة للقواعد، بل عن نكت النهاية سمعت من بعض فقهائنا أنه أراد إيهام الحاضرين الامر باقامة الحد على الرجل سرا ولم يقم الحد عليه استصلاحا وحسما للمادة لئلا يتخذ الجاهل الشبهة عذرا، وهذا ممكن، فما عن القاضي من العمل بظاهرها في غير محله. * (وكذا يسقط) * الحد * (أو أباحته نفسها فتوهم الحل) * واعتقده أو مطلقا على ما سمعته في تحقيق موضوع الشبهة. * (ويسقط الحد مع الاكراه) * بلا خلاف ولا إشكال * (و) * لكن * (هو يتحقق في طرف المرأة قطعا) * فلا حد عليها إجماعا بقسميه لحديث رفع القلم (1) وغيره مما يأتي في المجنون * (و) * النصوص المستفيضة (2) منها الخبر (3) " ليس على المستكرهة شئ إذا قالت: استكرهت ". نعم * (في تحققه في طرف الرجل تردد) * بل عن الغنيه الجزم بعدمه، لان الاكراه يمنع من انتشار العضو وانبعاث القوى، لتوقفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل المتوقف عليه صدق الاكراه، وإليه يرجع ما في كشف اللثام من التعليل بعدم انتشار الآلة إلا عن الشهوة المنافية للخوف * (والاشبه) * عند المصنف وغيره


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 وهو وارد في المجنون دون المكرهة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد الزناء - الحديث 0 - 6.

[ 266 ]

* (إمكانه لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع) * أي أن الانتشار يحدث عن الشهوة، وهي أمر طبيعي لا ينافيها تحريم الشرع كما في المسالك وفي كشف اللثام " لان التخويف بترك الفعل، والفعل لا يخاف منه، فلا يمنع الانتشار ". قلت: كأن القائل المزبور لاحظ الاكراه بمعنى الحمل في ما يكرهه ولا يريده في نفس الامر، لعدم تحقق الانتشار مع وجود الصارف الذي هو الكراهة، وفيه - مع إمكان فرضه وتحققه بدونه بأن يدخل الحشفة في الفرج وهو غير منتشر، كما أنه يمكن فعله من غير تخويف حين انتشار الآلة بأن يدخل الآلة المنتشرة قهرا على صاحبها في الفرج - أن ذلك غير معتبر في صدق الاكراه، ضرورة عدم توقف امتثال النهي عن الزناء على ذلك كي يستلزم عدم تصور الاكراه عليه، بل يكفي فيه عدم وقوع الفعل منه وإن حصل له الميل الطبيعي، فحينئذ لو هدد بالقتل ونحوه مما يجب عليه الفعل معه يتحقق منه بعد فرض حصول الميل الطبيعي الذي هو غير مكلف برفعه. وكأنه إلى ذلك أومأ المصنف بالتعليل المزبور، واحتمال أن الاكراه في المقام غيره في ما تقدم سابقا لا أثر له نصا ولا فتوى، وما في المسالك من تعليل سقوط الحد عن المكره بالحذر من تكليف ما لا يطاق محمول على بعض الافراد، نعم قال فيها بعد ما سمعته من وجهي تحقق الاكراه وعدمه: " وعلى كل حال فلا حد للشبهة " وفيه أن المتجه الحد بناء على عدم تحقق الاكراه فيه، ضرورة استلزام حصوله حيئنذ لعدم كونه مكرها فيه. * (و) * كيف كان ف‍ * (يثبت للمكرهة على الواطئ مثل مهر نسائها على الاظهر) * الاشهر بل المشهور، بل في المسالك تارة لم يذكر كثير

[ 267 ]

منهم الخلاف فيه، وأخرى لم يعدها كثير من مسائل الخلاف لا لما في المسالك من أن مهر المثل عوض البضع إذا كان محترما خاليا عن المهر كيقمة المتلف، والبضع وإن لم يضمن بالفوات لكن يضمن بالتفويت والاستيفاء، ضرورة عدم رجوعه إلى حاصل يعتد به، بل لقول علي (عليه السلام) في خبر طلحة (1) المنجبر بفتوى الاصحاب " إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر ثمنها، فإذا كانت حرة فعليه الصداق " المؤيد بمفهوم قوله (صلى الله عليه وآله) (2): " لا مهر لبغي " بل وبما يفهم من غيره مما ورد (3) في الشبهة وغيرها من ضمان منفعة البضع في غير الزناء، فما عن الخلاف والمبسوط من عدم المهر لها للاصل ولانه لا مهر لبغي واضح الضعف دعوى ودليلا. ومن العجب ما يحكى عنه في المبسوط " إذا استكره امرأة على الزناء فلا حد عليها " لانها ليست بزانية، وعليه الحد لانه زان، فأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون: لا مهر لها، وهو مذهبنا، لان الاصل براءة الذمة " مع أنه قال متصلا به: " والاحكام التي تتعلق بالوطء على ثلاثة أضرب: أحدها معتبر فيهما، وهو الغسل، فالغسل


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب المهور - الحديث 2 والباب - 3 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 3 من كتاب النكاح. (2) لم نجد هذا النص في الروايات وانما الموجود " مهر البغى... من السحت " وكذلك " السحت... ومهر البغى " وفى بعضها " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن خصال تسعة عن مهر البغي " راجع الوسائل - الباب - 5 - من ابواب ما يكتسب به الحديث 7 و 5 و 13 من كتاب التجارة. (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 6 والباب - 17 - منها - الحديث 7 من كتاب النكاح.

[ 268 ]

على كل واحد منهما، والحد معتبر بكل واحد منهما، فان كانا زانيين فعلى كل واحد منهما الحد، وإن كان أحدهما زانيا فعليه الحد دون الآخر وأما المهر فمعتبر لها، فمتى حدت فلا مهر، وإذا سقط الحد وجب لها " وعنه أيضا في فصل اجتماع العدتين " والاحكام المتعلقة بالوطء على ثلاثة أضرب - إلى أن قال -: وضرب آخر يعبتر بالموطوءة، إن كانت زانية لم يجب، وإن لم تكن زانية وجب وإن كان الرجل زانيا، وهو المهر " وعنه أيضا في كتاب الصداق " إن أكره امرأة أو وطأها شبهة فأفضاها وجب المهر والدية " وعنه في الديات " لا مهر لها إن كانت ثيبا للزناء وإن كانت بكرا فلها المهر والدية ". وبالجملة فلا وثوق بما سمعته منه وإن كان ربما يشهد له التعليل في مهر الشبهة باستحلال فرجها، بل في خبر طلحة بن زيد (1) المروي في الفقيه والتهذيب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) أنه قال: " ليس على زان عقر ولا على مستكرهة حد " إلا أنه يجب الخروج عنه بما عرفت. هذا كله إذا كان هو المكره. أما إذا كان غيره فهل المهر عليه أو على المكره ؟ مقتضى ما سمعته في كتاب الغصب (2) أن الضمان على المكره الذي هو أقوى من المباشر، ولكن قد ذكرنا هناك أنه إن لم يكن إجماعا أمكن القول بالرجوع عليه وإن رجع على الآخر، هذا كله في المهر. وأما لحوق الاولاد فقد يقضي به أيضا بعض ما سمعته من تعريف الشبهة وقاعدة اللحوق بأشرف الابوين في ما لو فرض الاكراه في أحدهما دون الآخر وغير ذلك، فيكون شبهة شرعا، وإن كان لم يحضرني الآن


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (2) راجع ج 37 ص 57 - 59.

[ 269 ]

من النصوص المعتبرة ما يدل عليه بالخصوص، والله العالم. * (ولا يثبت الاحصان الذي يجب معه الرجم حتى يكون الواطئ بالغا حرا ويطأ في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق متمكن منه يغدو عليه ويروح) * بلا خلاف أجده في الاول بل ولا إشكال بعد معلومية رفع القلم عن غير البالغ المقتضي لسقوط الحد عنه كما عرفته سابقا، ومن هنا كان الاجماع بقسميه عليه، لكن على معنى اعتبار البلوغ حين الزناء، بل الظاهر كونه كذلك أيضا بمعنى اعتباره في وطء زوجته، فلو أولج غير بالغ ولو مراهقا في زوجته حتى غيب الحشفة ثم زنى بالغا لم يكن الوطء الاول معتبرا في تحقق الاحصان، لانه يشترط في إحصانه الوطء بعد البلوغ وإن كانت الزوجية مستمرة، للاصل والاستصحاب وقصور فعله عن أن يناط به حكم شرعي، ونقص اللذة وعدم انسياق نحوه من الدخول وشبهه وعن المبسوط أن تراعى الشروط حين الزناء ولا اعتبار بما قبل ذلك. وكذا لا خلاف في الثاني، بل الاجماع بقسميه عليه على الوجه الذي سمعته في البلوغ، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (1) " في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة، فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعدما يعتق، قلت: فللحرة عليه خيار إذا أعتق، قال: لا رضيت به وهو مملوك، فهو على نكاحه الاول " كل ذلك مضافا إلى الاعتبار، وما تسمعه من النص أيضا. وحينئذ فلو وطأ العبد زوجته الحرة أو الامة لم يكن محصنا لو زنى بعد ما أعتق ما لم يطأ زوجته بعد العتق، وكذا المملوكة لو وطأها زوجها المملوك أو الحر لم تكن محصنة بذلك إلا أن يطأها بعد عتقها


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5.

[ 270 ]

وفي صحيح أبي بصير (1) " لا يحصن الحر المملوكة، ولا الممولك الحر " وفي صحيح الحلبي (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أيحصن المملوكة ؟ فقال: لا يحصن الحر المملوكة، ولا يحصن المملوك الحرة، واليهودي يحصن النصرانية والنصراني يحصن اليهودية " وفي كشف اللثام، ولعل المملوك منصوب والحرة مرفوعة فيكون كصحيح أبي بصير. ولو أعتق الزوجان ثم وطأها بعد الاعتاق تحقق الاحصان لهما، ولو أعتق أحدهما ثم وطأها تحقق الاحصان له وإن كان الآخر رقيقا وإن لا يطأها بعد العتق فلا إحصان، وكذا المكاتب، فان حكمه حكم القن، فلا يحصن المكاتب ولا المكاتبة ما بقي فيه من الرق شئ، للاصل والاحتياط وصدق المملوكية ونقص حده عن حد الحر بالحساب. وأما الثالث فهو المشهور، بل لا إحصان بالزناء ووطء الشبهة اتفاقا في كشف اللثام، بل لعله كذلك في المتعة أيضاو إن كان قوله في الانتصار: " على الاصح " مشعرا بوجوده، إلا أنى لم أتحققه كما اعترف به غيرنا أيضا للاصل والاحتياط والاعتبار والاخبار، كموثق اسحاق بن عمار (3) " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة يطأها تحصنه الامة، فقال: نعم إنما ذاك لان عنده ما يغنيه عن الزناء قلت: فان كانت عنده أمة زعم أنه لا يطأها فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة تحصنه، قال: لا إنما هي على الشئ الدائم عنده " ونحوه موثقه الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (4) ومرسل ابن البختري (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد الزناء - الحديث 7 - 8 - 2 - 5 والاول عن الحلبي أيضا.

[ 271 ]

يتردد في المتعة أتحصنه ؟ قال: لا إنما ذلك على الشئ الدائم عنده " وخبر عمر بن يزيد (1) عنه (عليه السلام) أيضا " لا يرجم الغائب عن أهله، ولا الملك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة، قلت: ففي أي حد سفر لا يكون محصنا ؟ قال: إذا قصر وأفطر. نعم المشهور كما اعترف به غير واحد تحققه بملك اليمين، بل من الانتصار والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة مضافا إلى خبري اسحاق بن عمار (1) السابقين وصحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن الحر تحته المملوكة هل عليه الرجم إذا زنى ؟ قال: نعم " وعموم صحيح حريز (4) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن المحصن فقال: الذي يزني وعنده ما يغنيه " وصحيح اسماعيل بن جابر (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قلت له: ما المحصن رحمك الله ؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن ". خلافا للمحكي عن القديمين والصدوق والديلمي من عدم الاحصان به، للاصل والاحتياط المندفعين بما عرفت، وصحيح محمد بن مسلم (6) عن الباقر (عليه السلام) " وكما لا تحصن الامة واليهودية والنصرانية إذا زنى بحرة فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إذا زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرة " والصحيح الآخر (7) " سأله عن الرجل بزني ولم يدخل بأهله أيحصن ؟ قال: لا ولا الامة " المحتملين للتقية من أبي حنيفة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حدالزناء - الحديث 2 و 5. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد الزناء الحديث 11 - 4 - 1 - 9. (7) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9.

[ 272 ]

وأصحابه، والاول للمتعة كما عن الشيخ وإن بعد جمعا بينه وبين الاقوى منه من وجوه كما عرفت وما سمعته من قول الصادق (عليه السلام) (1) " لا يحصن الحر المملوكة " بناء على قراءة الحر بالنصب والمملوكة بالرفع، لكنه غير معلوم، فالاقوى حينئذ تحقق الاحصان به. نعم الاقوى عدم إلحاق التحليل به، للاصل والاحتياط وعدم انصراف الاطلاق إليه، وما عساه يفهم من التعليل بالمتعة من عدم الاغناء على الدوام، فما في الروضة من أن الوجه الالحاق، لدخوله في ملك اليمين من حيث الحل، وإلا بطل الحصر المستفاد من الآية ففيه أن ذلك بعد تسليمه لا يقتضي الاحصان كما في المتعة. وأما اعتبار الوطء فهو المحكي عن صريح النهاية والمبسوط والسرائر والجامع والاصباح والغنيه مدعيا عليه إجماع الامامية، بل صرح به غير واحد من المتأخرين، ويدل عليه - مضافا إلى الاصل والاحتياط - ما سمعته من الصحيح (2) وغيره، لكن أطلق المصنف في النافع، بل قيل: إنه كذلك في كثير من كتب القدماء كالمقنعة والانتصار والخلاف والتبيان ومجمع البيان، ويمكن حمله على الغالب، بل في الرياض " ومنه يظهر كون الفرج هو القبل دون الدبر كما صرح به جماعة من غير خلاف بينهم أجده إلا من إطلاق نحو عبارة المتن، وفيه ما عرفته من إمكان حمله على الغالب ". قلت: هو وإن كان مقتضى الاصل والاحتياط إلا أن الانصاف عدم خلوه من الاشكال إن لم يكن إجماعا في ما إذا وطأ بالغا دبرا وكان متمكنا من الفرج أيضا، نعم لو لم يتمكن لا من الدبر أمكن الاشكال فيه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد الزناء - الحديث 7. (2) الوسائل الباب - 7 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9.

[ 273 ]

بعدم انسياقه من النصوص، أما الاول فيحتمل قويا الاجتزاء به، كما في كل مقام اعتبر الدخول فيه، مضافا إلى الاطلاق هنا الذي مقتضاه أيضا تحققه به وإن وقع على وجه محرم كحيض وإحرام وصوم ونحوها، ومقتضاه أيضا إلاجتزاء بتغيب الحشفة على نحو غيره من المقامات. وأما اعتبار التمكن منه على وجه يغدو عليه ويروح إذا شاء الذي اعتبره المصنف والشيخان فيدل عليه صحيح اسماعيل (1) المتقدم المؤيد بما سمعته من نصوص الاغناء (2) فمتى لم يكن كذلك كمن كان غائبا عن زوجته شهرا على ما عن التبيان وفقه القرآن لم يكن محصنا، للاصل والاحتياط وخبر ربيع الاصم " (3) سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل له امرأة بالعراق فأصاب فجورا وهو بالحجاز فقال: يضرب حد الزاني مائة جلدة ولا يرجم، قلت: فان كان معها في بلدة واحدة وهو محبوس في سجن لا يقدر أن يخرج إليها ولا تدخل هي عليه أرأيت إن زنى في السجن ؟ قال: هو بمنزلة الغائب عن أهله يجلد مائة جلدة: وقول أبي جعفر (عليه السلام) في حسن أبي عبيدة (4) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له امرأة بالبصرة وفجر بالكوفة أن يدرأ عنه الرجم ويضرب حد الزاني، وفي رجل محبوس في السجن وله امرأة في بيته في المصر وهو لا يصل إليها فزنى في السجن، فقال: عليه الحد ويدرأ عنه الرجم ". وعن السيد أن الاصحاب فرقوا بين الغيبة والحيض بأن الحيض لا يمتد وربما امتدت الغيبة، وبأنه يتمتع من الحائض بما دون موضع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 0 (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد الزناء - الحديث 4 - 2 والاول خبر ربيع الاصم عن الحارث.

[ 274 ]

الحيض بخلاف الغيبة. * (و) * على كل حال ف‍ (- في رواية مهجورة) * تحديد ذلك بما * (دون مسافة التقصير) وهي رواية عمر بن يزيد (1) السابقة ومرفوعة محمد بن الحسين (2) " الحد في السفر الذي إن زنى لم يرجم إذا كان محصنا إذا قصر وأفطر " ولا ريب في قصورهما عن إثبات ذلك بهما بعد أن كان العرف على خلافهما، فالاولى جعل المدار على العرف ولعله لذا اقتصر غير من عرفت على التمكن من الوطء متى شاء، وفي حسن محمد بن مسلم (3) " المغيب والمغيبة ليس عليهما رجم إلا أن يكون الرجل مع المرأة والمرأة مع الرجل " ولعل الجميع بمعنى، والله العالم. * (وفي اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطئ المجنون عاقلة) * مثلا * (وجب عليه الحد رجما أو جلدا، هذا اختيار الشيخين) * والصدوق والقاضي وابن سعيد في ما حكي عنهم، لخبر أبان بن تغلب (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: " إذا زنى المجنون أو المجنونة جلدا الحد، وإن كان محصنا رجم، قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة ؟ فقال: المرأة إنما تؤتى والرجل إنما يأتي، فانما يأتي إذا عقل كيف تأتي اللذة، وأما المرأة إنما تستكره الفعل بها، وهي لا تعقل لما يفعل بها " وعن المبسوط نسبته إلى رواية الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه. * (و) * لكن * (فيه تردد) * كما في النافع بل منع وفاقا لكافة المتأخرين حتى المصنف في نكت النهاية، بل عن الشيخين في العريض


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد الزناء الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2.

[ 275 ]

والخلاف ذلك أيضا، بل عن المبسوط قبل النسبة المزبورة ما يشعر بالاجماع على العدم، بل هو المحكي عن صريح الغنية وظاهر السرائر، لحديث رفع القلم الذي استدل به أمير المؤمنين * (عليه السلام) * على عمر حين أمر بحد المجنونة في المروي عن ارشاد المفيد (1) قال له: " أما علمت أن هذه مجنونة ؟ وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: رفع القلم فانها مغلوبة على عقلها ونفسها " والاستدلال بتعليله فلا يضر اختصاص مورده، واستدل بنحوه أيضا في سقوط الحد عن المجنون الذي كان أحد الستة الذين أخذوا بالزناء (2) ونحوه ما في الصحيح (3) " في امرأة مجنونة زنت قال: إنها لا تملك أمرها، ليس عليها شئ ". كل ذلك مضافا إلى قوله (عليه السلام) في صحيح حماد بن عيسى (4): " لا حد على مجنون حتى يفيق، ولا على صبي حتى يدرك، ولا على النائم حتى يستيقظ " وإلى ما في آخر (5) " لا حد لمن لا حد عليه، يعني لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا، وأو قذفه رجل فقال: يا زاني لم يكن عليه حد " ونحوه الموثق (6) وغيره أيضا فلا ريب في أنه الاصح، والخبر المزبور قاصر عن معارضة ذلك بل لا جابر له بعد ما عرفت، فيجب طرحه أو حمله كما عن الفاضل على من يعتوره الجنون إذا زنى بعد عقله، لان العلة تنطبق على ذلك، أو على بقاء شعور له يصلح


(1) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 - 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء - الحديث 17. (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (6) اشار إليه في الوسائل - في الباب - 19 - من ابواب مقدمات - الحدود - الحديث 1 وذكره في الكافي - ج 7 ص 253.

[ 276 ]

لثبوت التكليف أو نحو ذلك: وإلا كان موهونا أيضا بذلك ونحوه، كما هو واضح. هذا وفي مجمع البرهان أنه يشترط في إحصان الرجل كون المرأة المزني بها عاقلة بالغة، فلو زنى المحصن بمجنونة أو صغيرة فلا رجم، وفيه نظر يأتي عند تعرض المصنف لذلك. * (ويسقط الحد) * خاصة * (بادعاء الزوجية، ولا يكلف المدعي بينة ولا يمينا، وكذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعي) * خاصة حتى دعوى شراء الامة من مالكها بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم الاجماع عليه، لصحيح أبي عبيدة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " أني لعلي (عليه السلام) بامرأة مع رجل قد فجر بها فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد، ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا لاتصدق وقد فعله والله أمير المؤمنين (عليه السلام) " بعد العلم بعدم إرادة خصوص دعوى الاكراه منه ولو للاتفاق ظاهرا مع احتمال أن يقال: إن مجرد الدعوى ما لم يعلم كذبها تحقق الشبهة التي يدرأ بها الحد المبني على التخفيف وإن كان لا يخلو من نظر. هذا وفي المسالك " ولا يسقط فيه من أحكام الوطء سوى الحد، فلو كانت أمة فعليه لمولاها العقر، أو حرة مكرهة فمهر المثل إن لم يثبت استحقاق الوطء " قلت: هو كذلك إذا لم يكن مقتضى الاصول سقوطه أيضا، والله العالم. * (والاحصان في المرأة كالاحصان في الرجل) * بلا خلاف أجده، بل عن الغنية، الاجماع عليه، لاشتراك معنى الاحصان فيهما نصا (2)


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء.

[ 277 ]

وفتوى، فيتشرط حينئذ فيها جميع ما عرفته على النحو الذي سمعته، وفي مجمع البرهان هنا متصلا بما سمعته سابقا " ويشترط أيضا في إحصان المرأة ورجمها بلوغ الرجل الزاني بها لا عقله، فلو زنت المحصنة بصغير فلا رجم عليها، ولو زنت بمجنون فقط كان الرجم عليها، ولا رجم ولا جلد على الصغير والمجنون، نعم قد يخوفان ويؤدبان إن حصل باختيارهما " وكأنه مناف لما سمعته منه سابقا، وتمام الكلام في ذلك عند تعرض المصنف. وعلى كل حال فما يعتبر في إحصان الرجل معتبر في إحصان المرأة لكن المراد من تمكنها من الزوج إرادته الفعل على الوجه المزبور، لا إرادتها متى شاءت ضرورة عدم كون ذلك حقا لها، وفي صحيح أبي عبيدة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سأله عن امرأة تزوجت برجل ولها زوج، فقال: إن كان زوجها مقيما معها في المصر الذي هي فيه تصل إليه ويصل إليها فان عليها ما على الزاني المحصن الرجم، وإن كان زوجها الاول غائبا أو مقيما معها في المصر الذي هي فيه لا يصل إليها ولا تصل إليه فان عليها ما على الزانية غير المحصنة ". * (لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعا) * لما سمعته من النصوص (2) عموما وخصوصا بخلاف الرجل فان فيه الخلاف المزبور * (و) * حينئذ ف‍ * (- لا حد على مجنونة في حال الزناء ولو كانت محصنة) * بل * (ولو زنى بها العاقل) * لارتفاع التكليف عنها. * (ولا تخرج المطلقة) * ال‍ * (رجعية عن الاحصان) * بطلاقها لانها بحكم الزوجة * (و) * حينئذ ف‍ * (لو تزوجت عالمة كان عليها


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب مقدمات الحدود والباب - 21 - من ابواب حد الزناء.

[ 278 ]

الحد تاما) * وهو الرجم * (وكذا الزوج) * الثاني * (إن علم بالتحريم والعدة، ولو جهل) * بأحدهما * (فلا حد) * للشبهة * (ولو كان أحدهما عالما حد حدا تاما دون الجاهل، ولو ادعى أحدهما الجهالة قبل إذا كان ممكنا في حقه) * وذلك كله واضح، إلا أنه ينبغي تقييده بامكان الجهالة في الحكم في حق من جهله وإلا لم يقبل، بل عن المقنعة والنهاية إطلاق عدم القبول وإن أمكن تنزيله على ذلك فلا خلاف، والاصل في ذلك ما تقدم في كتاب النكاح (1) في بحث الشبهة من النصوص (2) الواردة في عدم معذورية من كان في دار الاسلام في مثل ذلك، إلا أنه يجب حمله على ما ذكرنا. وعلى كل حال ففي صحيح يزيد الكناسي (3) سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة تزوجت في عدتها، قال: إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فان عليها الرجم، وإن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فان عليها حد الزاني غير المحصن " وعليه يحمل إطلاق الموثق (4) " عن رجل كانت له امرأة فطلقها أو ماتت فزنى، فقال: عليه الرجم، وعن امرأة كان لها زوج فطلقها أو مات فزنت عليها الرجم، قال: نعم، والمروي عن قرب الاسناد (5) " عن رجل طلق امرأته أو بانت منه ثم زنى ما عليه ؟ قال: عليه الرجم، وعن


(1) راجع: ج 29 ص 245 - 246. (2) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 و 2. (3) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3 عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الحدود - الحديث 8. (5) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 279 ]

امرأة طلقت وزنت بعدما طلقت بسنة هل عليها الرجم ؟ قال: نعم ". * (و) * منه يعلم حكم البائن فانها * (تخرج بالطلاق البائن عن الاحصان) * كما يخرج الرجل به كذلك * (و) * حينئذ ف‍ * (لو راجع المخالع لم يتوجه عليه الرجم إلا بعد الوطء) * لانها بحكم الزوجة الجديدة * (وكذا المملوك لو أعتق والمكاتب إذا تحرر) * الذي قد سمعت النص (1) عليه وألحقنا به الصبى إذا بلغ والمجنون إذا أفاق، لان الوطء السابق على ذلك بحكم العدم للاصل والاحتياط وغيرهما مما أشرنا إليه سابقا. * ويجب الحد على الاعمى) * رجما أو جلدا بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، لعموم الادلة * (فان ادعى الشبهة قيل) * والقائل الشيخان وابن البراج وسلار * (لا تقبل) * لبعض الوجوه الاعتبارية التي لاترفع ما يقتضي القبول * (و) * من هنا كان * (الاشبه) * بأصول المذهب وقواعده * (القبول مع الاحتمال) * وفاقا للمشهور لاطلاق الادلة الذي مقتضاه أيضا خلاف ما قيده به ابن إدريس من شهادة الحال بها ادعاه، بأن كان قد وجدها على فراشه مثلا، أما لو شهد الحال بخلاف ذلك لم يصدق، بل وما عن المقداد أيضا من التقييد بكونه عدلا. * (و) * كيف كان ف‍ * (يثبت الزناء بالاقرار أو البينة) * بلا خلاف ولا إشكال لعموم ما دل على الثبوت بهما. * (أما الاقرار فيشترط فيه بلوغ المقر) * فلا عبرة باقرار الصبي وإن كان مراهقا ولكن يؤدب لكذبه أو حدوث (صدور خ ل) الفعل منه. * (وكماله) * عقلا، فلا عبرة باقرار المجنون حال جنونه، نعم لو أقر حين إفاقته بعد معرفة كماله حد وإلا فلا.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الحدود - الحديث 5.

[ 280 ]

* (والاختيار) * فلو أكره على الاقرار لم يصح بلا خلاف ولا إشكال، وفي المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حسن أبي البختري (1) " من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه " وكذا لا عبرة باقرار السكران والنائم والساهي والغافل ونحوهم ". * (والحرية) * بلا خلاف كما في الرياض قال: " كما في سائر الاقارير، بل اعتبارها هنا أولى " قلت: فيتجه حينئذ قبوله في العبد مع تصديق المولى وتبعيته به بعد العتق مع عدمه وغير ذلك مما سمعته في الاقرار (2) فلا يناسب إطلاق الشرطية إلا أن يراد بها حسب ما تقدم، وفي القواعد " ولو صدقه مولاه صح ولو اعتق بعد الاقرار فالاقرب الثبوت " وكان احتمال العدم المستفاد من قوله: " الاقرب " لانه أقر حين لم يكن عبرة باقراره، فهو كما إذا أقر صبيا ثم بلغ، ويدفعه ظهور الفرق بسلب عبارة الصبي دونه كما هو مفروغ منه عندهم في غير المقام. * (وتكرار الاقرار أربعا في أربعة مجالس) * بلا خلاف معتد به أجده في الاول عندنا، نعم عن أكثر العامة الاكتفاء بالمرة، ونسب إلى ظاهر ابن أبي عقيل منا، ولاريب في ضعفه، لتطابق النصوص من الطريقين على خلافه، فن طريق العامة ماروى (3) " أن ماعز بن مالك جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الايمن، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت ثم جاءه فقال: إني قد


(1) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الاقرار. (2) راجع ج 35 ص 103 - 119. (3) سنن البيهقي ج 8 ص 225.

[ 281 ]

زنيت، قال: ذلك أربع مرات، فقال: أبك جنون ؟ قال: لا يا رسول الله، قال: فهل أحصنت ؟ قال: نعم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اذهبوا به فارجموه " وروي (1) أنه قال: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يارسول الله، قال: أنكتها لا تكنى ؟ قال: نعم كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، قال: فهل تدري ما الزناء ؟ قال: نعم أتيت منها حراما كما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: ما تريد بهذا القول ؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم، وهو كالصريح في اعتبار الاربع، واحتمال أن ذلك للارتياب في جنونه وعدمه فأراد التثبت في أمره يدفعه عدم تقيد ذلك بالعدد المزبور، وكان يمكن البحث عنه أول مرة مع أنه في بعض ألفاظ الحديث (2) " شهدت على نفسك أربع شهادات اذهبوا به فارجموه " وفي رواية أخرى (3) " أنه لما اعترف ثلاثا قال له: إن اعترفت الرابعة رجمتك، فاعترف الرابعة ". ومن طرق الخاصة قول أحدهما (عليهما السلام) (4) " لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات بالزناء إذا لم يكن شهود، فان رجع ترك ولم يرجم " وغيره من المعتبرة المستفيضة (5) المشتملة على نحو قضية ماعز في امرأتين جاءتا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان يقول في كل واحدة: أللهم إنها شهادة وهذه اثنتان إلى الاربع، فقال: أللهم


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 226 و 227. (2) سنن أبي داود ج 4 ص 147 - الرقم 4426. (3) كنز العمال ج 5 ص 226 ط عام 1374. (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابوا ب مقدما ت الحدود - الحديث 5. (5) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 282 ]

إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات ثم رجمها، نعم في صحيح الفضيل (1) عن الصادق (عليه السلام) " من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من الحدود لله تعالى مرة واحدة حرا كان أو عبدا حرة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد على الذي أقر به على نفسه كائنا من كان إلا المحصن، فانه لا يرجم حتى يشهد عليه أربع شهود " إلا أنه - مع موافقته للعامة واشتماله على عدم الفرق بين الحر والعبد وعلى الفرق بين المحصن وغيره الذي لم يحك عن الخصم القول به، بل ظاهر المحكي عنه خلافه - قاصر عن معارضة غيره من وجوه، فوجب طرحه أو حمله على غير الزناء من الحدود أو غير ذلك. * (و) * حينئذ ف‍ * (لو أقر دون الاربع لم يجب الحد) * لما عرفت * (و) * لكن * (وجب التعزير) * كما في القواعد وعن الشيخين وابن إدريس، لعموم ما دل على الاخذ بالاقرار المتقصر في الخروج منه على الحد للاجماع والنصوص، وإلا فهو عاص فاسق باقراره ولو مرة، لكن قد يشكل مع عدم الاجماع والنص بأن الاصل البراءة وبما عساه، يظهر من عدمه على الاقرار الواقع عند النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) مع ما في بعضها من التراخي الطويل بن الاقارير، إلا أن يقال: إنهما علما بالاقرار أربعا في ما بعد أو أن الصد عنه ونحوه تعزير ولكن ذلك كله كما ترى، نحو ما قيل من أن ذلك من حيث تشييع الفاحشة فيحرم عليه الاقرار فيعزر، إذ هو واضح المنع في ما لو أراد تطهير نفسه، ولعله لذا تردد فيه الاردبيلي والاصبهاني، بل ظاهر الاول الميل إلى العدم، إلا أن الانصاف عدم البأس بالقول بثبوت المعصية عليه باقراره، فيجب التعزير وإن لم يجب الحد، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الحدود 1.

[ 283 ]

وأما الثاني المشار إليه بقوله: * (ولو أقر أربعا في مجلس واحد) * فقد * (قال في الخلاف والمبسوط) * وابن حمزة: * (لا يثبت) * بل ربما استظهر من الاول الاجماع عليه، لما وقع من تعدد الاقارير في المجالس عند النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) * (و) * لكن * (فيه تردد) * بل منع وفاقا لاطلاق الاكثر وصريح غير واحد ممن تأخر، بل في الرياض نسبته إلى كافة المتأخرين، ومنه يعلم وهن الاجماع المزبور على فرض صحة الاستظهار المذكور، إذ ليس إلا الناقل وابن حمزة، فهو أولى بدعوى الاجماع على خلافه. وما وقع مع أنه قضية اتفاقية لا دلالة فيه على تعدد المجالس فضلا عن اعتباره، بل لعل ظاهر خبر ماعز (1) كون المجلس واحدا. فاطلاق المعتبرة المؤيد باطلاق الفتاوى وصريحها بحاله. * (و) * على كل حال فلا خلاف ولا إشكال في أنه * (يستوي في ذلك الرجل والمرأة) * لاطلاق الادلة. * (و) * كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه * (تقوم الاشارة المفيدة للاقرار في الاخرس مقام النطق) * كما في غيره لاطلاق مادل على ذلك، كما هو واضح خلافا لابي حنيفة، ويكفي المترجمان كما يكفي شاهدان على إقرار الناطق أربعا، ولا يكفي أقل منهما، لان الترجمة شهادة على الاصح لا رواية، والله العالم. * (ولو قال: زنيت بفلانة) * العفيفة * (لم يثبت الزناء) * الموجب للحد * (في طرفه حتى يكرره أربعا) * لما عرفت * (وهل يثبت القدف) * بذلك * (للمرأة فيه تردد) * من أن ظاهره القذف عرفا وأنه هتك لحرمتها وأن حد القذف للمقذوف فلا يدرأ بالشبهة،


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 225.

[ 284 ]

وربما أيد يقول النبي (صلى الله عليه وآله) في خبر السكوني (1): " لا تسألوا الفاجرة من فجر بك " كما جاز عليها الفجور يهون عليها أن ترمي البرئ المسلم " وقول علي (عليه السلام) (2): " إذا سألت الفاجرة من فجر بك فقالت: فلان حدها حدين حدا لفجوره بها وحدا لفريتها على الرجل المسلم " ومن أن نسبة الزناء إلى نفسه لا تستلزم زناها " لاحتمال الاشتباه والاكراه، فلا يكون إقراره بالزناء على نفسه قذفا لها بذلك. وربما كان في صحيح محمد بن مسلم (3) عن الباقر (عليه السلام) " في رجل قال لامرأة يا زانية أنا زنيت بك، قال: عليه حد القذف لقذفه إياها، وأما قوله أنا زنيت بك فلا حد عليه فيه إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات بالزناء عند الامام " نوع إيماء إلى عدم القذف بالقول المزبور. نعم الظاهر ثبوت التعزير عليه بايذائه الامرأة وهتكه لعرضها عرفا، والخبران المزبوران انما اشتملا على قولها: " زنى بي فلان " وفرق واضح بين قولها وقوله في إفادة القذف وعدمه، فلا ريب في أن الاقوى الثاني. وحينئذ فما في المسالك - من أن الوجه ثبوت القذف بالمرة مع الاطلاق لانه ظاهر فيه والاصل عدم الشبهة والاكراه، ولو فسره بأحدهما قبل واندفع عنه الحد ووجب عليه التعزير - لا يخلو من نظر، ضرورة كون الظهور المزبور إنما هو في بادئ النظر، فلا عبرة به، لا أقل من أن يكون شبهة، والاصل المزبور لا يحقق موضوع القذف بعد عدم دلالة اللفظ عليه في ثاني النظر، ودعوى عدم سقوط المزبور بالشبهة لكونه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب 13 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 285 ]

حقا للمقذوف لا لله تعالى خاصة يدفعها عموم الدليل، وربما يأتي له مزيد تحقيق في محله إن شاء الله. وأما قوله " ولو فسره " إلى آخره فهو المحكي عن الشيخين وابن إدريس، ووجهه واضح بناء على ما عرفت. * (ولو أقر بحد ولم يبينه لم يكلف البيان) * بلا خلاف على ما في الرياض وظاهره وإن لم نقل بوجوب ضربه كما صرح به في المسالك، ولعله للاصل وظاهر بعض النصوص (1) الآتية والامر بدرء الحد بالشبهة (2) ولما تسمعه من خبر أنس (3) ولما في غير واحد من النصوص (4) من ترديد جزم المقر فكيف بالساكت، ولقوله (صلى الله عليه وآله) (5): " من أتى من هذه القاذورات شيئا فستر ستره الله وأن من بدا صفحته أقمنا عليه الحد " وأقل مراتب الامر الاستحباب، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (6): " للرجل الذي أقر عنده أربعا: ما أقبح في الرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا، أملا تاب في بيته ؟ فوالله لتوبته في ما بينه وبين الله أفضل من إقامة الحد عليه ". لكن قد يشكل بما دل (7) على عدم جواز تعطيل حد لله تعالى


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب مقدمات الحدود. (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 4 والباب 27 - من ابواب حد الزناء - الحديث 11. (3) وهو خبر مالك بن أنس الاتي. (4) سنن البيهقي - ج 8 ص 226. (5) سنن البيهقي - ج 8 ص 330. (6) الوسائل الباب - 16 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2. (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب مقدمات الحدود.

[ 286 ]

والفرض إقراره بحق له عليه، فيكلف البيان كما لو أقر بحق لآدمي، وبمنع كون مثله شبهة دارئة وخبر مالك (1) ليس من طرقنا، والترديد إنما هو في ما اعتبر فيه العدد * (و) * ما وقع من النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو في بيان عدم صدور ما يقتضي ثبوته، لا في ما بعده كما في الفرض. نعم لو قيل: إن حكمه متى أجمل * (ضرب حتى ينهى عن نفسه) * كما عن القاضي وظاهر الشيخ لخبر محمد بن قيس (2) عن الباقر (عليه السلام) " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر على رجل أقر على نفسه بحد ولم يسم أن يضرب حتى ينهى عن نفسه " اتجه حينئذ عدم التكليف بالبيان، لعدم الاجمال حينئذ في الشرع، ولعله كذلك لصحة الخبر المزبور وعمل المشهور به في الجملة. وما في المسالك من المناقشة في سنده باشتراك محمد بن قيس بين النقة وغيره وفي مجمع البرهان بأن في سنده سهلا - مدفوع بارادة الثقة منه هنا بالقرائن المفيدة لذلك، كرواية عاصم بن حميد عنه وغيرها، وأن الامر في سهل سهل. كالمناقشة باطلاق الحد على الرجم وعلى القتل بالسيف والاحراق بالنار ورمى الجدار عليه وغير ذلك مما ستقف عليه وعلى الجلد المختلف كيفية وكما فهو مجمل، على أن منه مالا يثبت إلا بالاقرار أربعا، مؤيدا ذلك كله بالمروي عن أنس بن مالك (3) قال: " كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا


(1) وهو خبر أنس بن مالك الاتي. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (3) صحيح البخاري - ج 8 ص 207.

[ 287 ]

فأقمه علي ولم يسمه، فحضرت الصلاة فصلى النبي (صلى الله عليه وآله) الصلاة فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في حد الله، قال: أليس قد صليت معنا ؟ قال: نعم، قال: فان الله قد غفر لك ذنبك وحدك ". إذ هي كالاجتهاد في مقابلة النص، وخبر أنس الذي هو من طرق العامة المحتمل لصدور التوبة منه لا يصلح معارضا للصحيح المعمول به من طرق الخاصة المؤيد بمرسل المقنع (1) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أقر على نفسه بحد ولم يبين أي حد هو أن يجلد حتى يبلغ الثمانين فجلد، ثم قال: ولو أكملت جلدك مائة ما ابتغيت عليه بنية غير نفسك ". (و) لعله لذا (قيل) كما عن ابن إدريس (لا يتجاوز به المائة ولا ينقص عن ثمانين) لكن فيه أنه لا يوافق مذهبه من عدم العمل بأخبار الآحاد الصحيحة فضلا عن المراسيل، على أن الحد في القيادة خمسة وسبعون " فليس أقله الثمانون، بل لا يوافق مذهبنا أيضا، ضرورة قصوره عن تقييد الصحيح المزبور المشتمل على بيان حد المعترف بالحد على الاجمال الذي مقتضاه الضرب وإن تجاوز المائة، لاحتمال وقوعه منه في مكان شريف أو زمان كذلك أو غير ذلك، وكون التعزير مقدرا بنظر الحاكم ولا نظر له ما لم يعلم المعصية إنما هو في غير المقام المحتمل تقدير الشارع بما يؤدى إليه نظر المقر، فيضرب ما لم ينه وإن زاد على المائة ويترك مع نهيه وإن نقص عن أقل الحد لاحتمال إرادة التعزير منه ولو على أن يكون نهيه قرينة على ذلك مع فرض المجازية. (و) من ذلك يعلم ما في رد المصنف له بأنه (ربما كان


(1) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 2.

[ 288 ]

صوابا في طرف الكثرة ولكن ليس بصواب في طرف النقصان، لجواز أن يريد بالحد التعزير) كما أن منه يعلم أيضا ما في مناقشة المصنف في ذلك بأن الحد حقيقة شرعية في المقدرات المذكورة، وإطلاقه على التعزير مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، ثم على تقدير حمله على التعزير فأمره منوط بنظر الحاكم غالبا، ونظر الحاكم يتوقف على معرفة المعصية ليرتب عليها ما يناسبها لا بمجرد النهي ومن التعزير ما هو مقدر فجاز أن يكون أحدها، فيشكل تجاوزهم أو نقصها بدون العلم بالحال. بل في المسالك " ويشكل الخبر أيضا باستلزامه أنه لو نهى في ما دون الحدود المعلومة قبل منه، وليس هذا حكم الحد ولا والتعزير، وأيضا فان من الحدود ما يتوقف على الاقرار أربعا، ومنها ما يتوقف على الاقرار مرتين، ومنها ما يكفي فيه المرة فلا يتم إطلاق القول بجواز بلوغ المائة مع الاقرار دون الاربع، وبلوغ الثمانين بدون الاقرار مرتين، واشتراط ذلك كله خروج عن مورد الرواية رأسا، فالحق طرح الرواية " إلى آخره. إذ ذلك كله كما ترى ناشئ من تكلف علم زائد على ما عند الامام (عليه السلام) ضرورة كونه حكما تعبديا جاء بطريق صحيح معمول به فلا ينبغي الاعراض عنه أو تقييده بما لا دليل عليه أو غير ذلك مما هو كالاجتهاد في مقابلة الدليل المعتبر الذي من الواضح الفرق بين مضمونه وبين الاقرار بالزناء مثلا كما ستعرف. هذا وفي كشف اللثام تبعا للمعة والروضة وإطلاق الخبرين وكلمة الاصحاب منزل على الحد الذي يقتضيه ما وقع من الاقرار، فلا يحد مائة ما لم يقر أربعا ولا ثمانين ما لم يقر مرتين، ولا تتعين المائة إذا أقر أربعا ولا الثمانون إذا أقر مرتين على قول غير الحلي، وفي الرياض ولعل

[ 289 ]

التنزيل للجمع بين الادلة ولا بأس به. وفيه أن ذلك لا شاهد له، بل ظاهر النص والفتوى خلافه، ولعله للفرق بين الاقرار بالزناء وشرب الخمر مثلا وبين الاقرار بأن عليه حدا، فيعتبر الاربع في الاول دون الثاني الذي هو بمنزلة الاقرار بالاقرار أربعا الذي هو موجب الحد فلعله في غير المقام قد أقر بالزناء أربعا فثبت عليه الحد، وبالجملة ظاهر الخبر تحقق موجب العقوبة بالقول المزبور مرة واحدة فمع فرض العمل به لا وجه لهذه التكلفات كما هو واضح. بل من التأمل في ما ذكرنا يظهر لك النظر في كثير من الكلمات هنا حتى المصنف والفاضل وغيرهما ممن لا يرجع كلامه إلى العمل بالصحيح المزبور ولا إلى القواعد التي مقتضاها السقوط أصلا أو الحبس حتى يبين، والله العالم. (وفي التقبيل والمضاجعة في إزار واحد) مثلا (والمعانقة) ونحو ذلك مما هو استمتاع بما دون الفرج (روايتان: إحداهما مائة جلدة) وهي صحيحة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) وحسنة ابن سنان (2) عنه (عليه السلام) أيضا " حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد " ورواية عبد الرحمان الحذاء (3) عنه (عليه السلام) أيضا " إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلد مائة " وقال (عليه السلام) أيضا في خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (4) " إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد قامت عليهما البينة بذلك ولم يطلع منهما على ما سوى ذلك جلد كل واحد منهما مائة جلدة " وسأله أبو بصير (5) " عن امرأة وجدت مع رجل في ثوب واحد، فقال: يجلدان مائة جلدة، ولا يجب الرجم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 4 - 5 - 9 - 8.

[ 290 ]

حتى تقوم البينة الاربعة بأنه قد رؤي بجامعها " ونحوه خبر الكناني (1) إلى غير ذلك من النصوص المقدرة له بالمائة وحد الزاني، عن الخلاف نسبة ذلك إلى رواية أصحابنا، ثم قال: وروي أن عليهما أقل من الحد. (و) في (الاخرى دون الحد) وهي صحيحة حريز (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا " ان عليا (عليه السلام) حد رجلا وامرأة في لحاف واحد، فجلد كل منهما مائة سوط إلا سوطا " ورواية الشحام (3) عنه (عليه السلام) أيضا " في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة إلا سوطا " ونحوه خبر أبان (4) عنه (عليه السلام) أيضا. (وهي أشهر) عملا على معنى أن في ذلك التعزير المناط بنظر الحاكم الذي أقصاه مائة سوط إلا سوط دون الحد، بل قيل إنه المشهور، بل في كشف اللثام الاجماع كما يظهر منهم عليه، بل عن الغنية دعواه صريحا. نعم فيها كما عن المقنعة والاسكافي أنهما يعزران من عشرة إلى تسعة وتسعين جلدة " وظاهرهما تحديد الاقل، ولكن لا دليل عليه إلا الاجماع المزبور الذي لم نتحققه، بل لعل المحقق خلافه، وأضعف منه ما عن بعض من إبدال العشرة بالثلاثين، لعدم دليل عليه أصلا مع أنه لم يعرف القائل به منا. ولعل التأمل في الجمع بين النصوص يقتضي تعيين كونه مائة إلا سوطا خصوصا بعد إشعار صحيح الحلبي (5) الوارد في الرجلين، بأن ذكر المائة للتقية، قال: " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء الحديث 12 - 20 - 3 - 19 - 2 والخامس عن عبد الرحمان بن الحجاج.

[ 291 ]

عباد البصري ومعه أناس من أصحابه فقال له: حدثني عن الرجلين إذا أخذا في لحاف واحد، فقال له: كان علي (عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، فقال عباد: إنك قلت لي: غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحد حتى أعاد عليه ذلك مرارا، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث " فيحمل نصوص المائة عليه، أو على علم الامام بالزناء أو على من عزره الامام دفعتين إن قلنا به، أو غير ذلك فيتعين التعزير حينئذ بالمائة إلا سوطا إلا أني لم أجد بذلك قائلا. نعم عن الصدوق الجمع بين النصوص بحمل المائة على البينة أو الاقرار، والمائة إلا سوطا على علم الامام، ولم أجده لغيره ولا الشاهد عليه. كما أنى لم أجد في النصوص تقديره بدون الحد على الاطلاق في مفروض المسألة، وإن قال في الرياض: إنه كذلك في الصحيح، نعم قد ورد (1) ما يقرب من ذلك في اجتماع المرأتين في لحاف واحد وكذا الرجلين كما أنه ورد (2) في الاخيرين التقدير بالثلاثين سوطا، على أنه يمكن إرادة المائة إلا سوط مما دون الحد، فالعمدة حينئذ اتفاق الاصحاب ظاهرا على عدم تعيين التقدير المزبور. (ولو أقر بما يوجب الرجم ثم أنكر سقط الرجم) بلا خلاف أجده، كما عن الفخر الاعتراف به، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة التي منها قول الصادق (عليه السلام) في حسن ابن مسلم (3) " من أقر على نفسه أقمته عليه إلا الرجم فانه إذا أقر على نفسه ثم جحد لم يرجم " وفي حسن الحلبي (4) " إذا أقر الرجل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 16 - 21. (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 - 2.

[ 292 ]

على نفسه بحد أو فرية ثم جحد جلد قال: أرأيت إن أقر بحد على نفسه يبلغ فيه الرجم أكنت ترجمه ؟ قال: لا ولكن كنت ضاربه " إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في السقوط من دون يمين، لكن عن جامع البزنطي أنه يحلف ويسقط عنه الرجم، وأنه رواه عن الصادقين (عليهما السلام) بعدة أسانيد، ولكن لم نقف على شئ منها، فالمتجه عدم اعتباره، كعدم اعتبار احتمال عدم السقوط، لظهور خبر ماعز (1) الوارد في الرجم في عدم القبول بعد إتمام الاربع لتمام الشهادة على نفسه، ولقوله (صلى الله عليه وآله) (2): " إن أقررت الرابعة رجمتك " ضرورة كونه كالاجتهاد في مقابلة النص، نعم هو خاص في الرجم. وفي إلحاق القتل به إشكال من الاحتياط في الدماء وبناء الحد على التخفيف، ومن خروجه عن النص، ولعل الاول لا يخلو من قوة، بل هو المحكي عن ابن حمزة، واختاره في الرياض ويؤيده المرسل بابن أبي عمير وجميل (3) " إذا أقر الرجل على نفسه بالقتل قتل إذا لم تكن علة، فان رجع وقال: لم أفعل ترك ولم يقتل " وهو شامل لغير الرجم إن لم يكن ظاهرا فيه. هذا كله في الرجم (و) أما (لو أقر بحد غير الرجم لم يسقط بالانكار) في المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة يمكن معها دعوى الاجماع عليه، لقاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار، وللمعتبرة التي تقدم بعضها، خلافا للمحكي عن الخلاف والغنية من السقوط مستدلا


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 226 و 227. (2) كنز العمال ج 5 ص 226 ط عام 1374. (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4.

[ 293 ]

في الاول بالاجماع المحقق خلافه، وبأن ماعزا أقر عند النبي (صلى الله عليه وآله) فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم قال: " لعلك لمست أو قبلت " فلولا أن ذلك يقبل لم يكن له فائدة، وهو كما ترى خلاف مفروض المسألة. ومن الغريب الاستدلال به في المسالك على سقوط الرجم بالانكار، ومنه ينقدح احتمال كلام الشيخ للرجوع قبل كمال ما يعتبر من المرات في الاقرار فلا يكون مخالفا، ولعل الغنية كذلك، وقيل: إنه يبعد ذلك في كلامه، بل وكذا قول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل (1): " لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود " المحمول على إرادة الرجوع بعد الاقرار مرة وإلا كان شاذا، والله العالم. (ولو أقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا في إقامته رجما كان أو جلدا) بلا خلاف أجده في الاول، بل في محكي السرائر الاجماع عليه، بل لعله كذلك في الثاني أيضا وإن خالف هو فيه، للاصل الذي يدفعه أولوية غير الرجم منه بذلك، والنصوص المنجبرة بالتعاضد وبالشهرة العظيمة التي منها ما تضمنه غير (2) واحد من أنه " جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر بالسرقة فقال: أتقرأ شيئا من القرآن ؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الاشعث: أتعطل حدا من حدود الله تعالى ؟ فقال: ما يدريك يا هذا، إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام إن شاء عفا وإن شاء قطع: وخصوص المورد لا يخصص الجواب، بل


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 والباب - 3 - من ابواب حد السرقة - الحديث 5.

[ 294 ]

لعل عدم العمل به كما تسمعه في السرقة لا ينافي العمل به هنا، لعموم الجواب في المقام. مضافا إلى المروي عن تحف العقول عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) (1) في حديث وأما الرجل الذي اعترف باللواط فانه لم تقم عليه البينة، وإنما تطوع بالاقرار عن نفسه وإذا كان للامام (عليه السلام) الذي من الله تعالى أن يعاقب عن الله سبحانه كان له أن يمن عن الله تعالى أما سمعت قول الله تعالى: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (2) " نعم ليس في شئ منها اعتبار التوبة، ولعل اتفاقهم عليه كاف في تقييدها، مضافا إلى ما يشعر به قوله (عليه السلام) في الاخير: " تطوع " بل لعل الغالب في كل مقر بذلك إرادة تطهيره من ذنبه وندمه عليه كما صرح به في جملة من النصوص المشتملة على الاقرار. نعم ظاهر النص والفتوى قصر الحكم على الامام (عليه السلام) وربما احتمل ثبوته لغيره من الحكام ولا ريب في أن الاحوط الاول، لعدم لزوم العفو، لكن قد يقوى الالحاق، لظهور الادلة في التخيير الحكمي الشامل للامام (عليه السلام) ونائبه الذي يقتضي نصبه إياه أن يكون له ماله. هذا وفي كشف اللثام المراد بالحد حد حقوق الله، فأما ما كان من حقوق الناس لا يسقط إلا باسقاط صاحب الحق، وسيأتي في حد القذف أنه لا يسقط إلا بالبينة أو إقرار المقذوف أو عفوه أو اللعان، وفي حد السرقة أنه لا يسقط بالتوبة بعد الاقرار، وفي الرياض وجهه واضح، وفي بعض المعتبرة (3) " لا يعفى عن الحدود التي لله تعالى دون الامام،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - 4 - 1. (2) سورة ص: 38 - الاية 39.

[ 295 ]

فأما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس أن يعفي عنه دون الامام. قلت: لا دلالة في ما ذكره من بعض المعتبرة على ما نحن فيه، وقد سمعت اشتمال النصوص (1) على العفو عن حد السرقة، مضافا إلى ما يفهم منها من كون ذلك حكم الاقرار من حيث كونه كذلك، وإلى إطلاق الاصحاب ولعله لان الامام أولى بالمؤمنين من أنفسهم والله العالم. (ولو حملت) المرأة (ولا بعل لم تحد) عندنا (إلا أن تقر بالزناء أربعا) أو تقوم عليها البينة، لاحتمال الاشتباه والاكراه وغيرهما، خلافا لمالك، وضعفه واضح، بل ليس علينا سؤالها، للاصل بل الاصول، فما عن ظاهر المبسوط من لزومه لا وجه له. هذا وفي القواعد أنه يشترط في الاقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، إذ قد يعبر بالزناء عما لا يوجب الحد، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله) (2) لما عز: " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا، قال: أفنكتها ؟ لا تكني، فقال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه ". وفيه أنه - مع كونه ليس من طرقنا - قضية في واقعة وإلا فالظاهر الاكتفاء بظاهر اللفظ، لعموم ما دل على حجيته، ولذا لم يستقص في جملة من النصوص، كما هو واضح. ولو أقر أنه زنى بامرأة فكذبته حد دونها وإن صرح بأنها طاوعته على الزناء، إذ لا يؤخذ أحد باقرار غيره. ولو أقر من يعتوره الجنون حال إفاقته بالزناء وأضافه إلى حال


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3. (2) سنن البيهقي - ج 8 ص 226 و 227.

[ 296 ]

إفاقته حد ولو أطلق ففي القواعد لم يحد، لاحتمال وقوعه حال جنونه. وفيه نظر خصوصا إذا قلنا باعتبار العقل في مفهوم الزناء. ولو أقر العاقل بوطء امرأة وادعى أنها امرأته فأنكرت الزوجية والوطء فلا حد عليه وإن أقر أربعا، لانه لم يعترف بالزناء، ولا مهر لها عليه لانكارها الوطء، ولو اعترفت بالوطء وأنه زنى بها مطاوعة فلا مهر ولا حد عليه لما عرفت، ولا عليها إلا أن تقر أربعا. وإن ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليها فلا حد على أحد منهما وعليه المهر كما هو واضح. (وأما) ثبوت الزناء ب‍ (البينة) فلا خلاف في أنه يكفي فيها الاربع رجال، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب (1) والسنة المستفيضة (2)، بل الظاهر ذلك أيضا في الثلاثة والامرأتين وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، بل قيل: لم ينقل الاكثر فيه خلافا، بل حسبه بعض إجماعا، بل ربما نفى عنه الخلاف، بل عن الغنية الاجماع عليه للمعتبرة المستفيضة (3) التي في بعضها " لا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان " خلافا لما عن العماني والمفيد والديلمي من عدم الثبوت بذلك، للاصل المقطوع بما عرفت وظاهر الكتاب (4) الذي لا حصر فيه والصحيح (5) (إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم " المؤيد باطلاق ما دل (6) على المنع من قبول شهادتهن في الحد القاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، منها الموافقة للمحكي عن أكثر العامة فيحمل حينئذ على التقية، وأما الاطلاق


(1) و (4) سورة النور: 24 - الاية 4. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب حد الزناء. (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 0 - 28 - 29.

[ 297 ]

المزبور أو العموم فهو مقيد أو مخصص بما ذكرناه أو محمول على شهادتهن منفردات. وحينئذ (فلا يكفي) في الرجم (أقل من أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء منفردات) فيه ولا في مطلق الحد وإن كثرن بل (ولا شهادة رجل وست نساء) بلا خلاف أجده في ذلك إلا ما يحكى عن الخلاف من ثبوت الجلد بذلك دون الرجم، ولا ريب في شذوذه، لمخالفته ظاهر الادلة المعتبرة كما مر الكلام في ذلك كله وغيره في كتاب الشهادات. نعم قيل والقائل الاسكافي والشيخ والحلي وابن حمزة والفاضل (و) الشهيدان بل عن بعض أنه المشهور: (تقبل شهادة الرجلين وأربع نساء و) لكن (يثبت به الجلد لا الرجم) للموثق كالصحيح (1) " قال في رجل فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم، وإن شهد عليه رجلان وأربع نسوة فلا تجوز شهادتهم، ولا يرجم، ولكن يضرب حد الزاني " المؤيد بعموم قوله (عليه السلام) (2): " تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال " المنجبر بالشهرة المزبورة. خلافا للمحكى عن الصدوقين والقاضي والحلبي والفاضل في المختلف وغيره، فلا يجوز للصحيح (3) " تجوز شهادتهن في حد الزناء إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا يجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزناء والرجم " المؤيد بعموم ما دل (4) على عدم قبول شهادتهن في الحد، إلا أنه وإن كان صحيحا غير واضح الدلالة، لاحتمال إرادة تفسير الزناء


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب حد الزناء الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 21 - 7 - 29.

[ 298 ]

بقوله (عليه السلام): " والرجم " ولا تأييد بالعموم المزبور بعد تخصيصه بما دل على القبول مع الرجال، كل ذلك بعد الترجيح بالشهرة المحكية بل لعلها محصلة، فالقبول لعله الاقوى، نعم ما عن الخلاف من ثبوت الرجم به واضح الضعف، لمخالفته صريح النص فلا دليل عليه، ولذا لم يحك عن أحد موافقته على ذلك، وقد تقدم في كتاب الشهادات (1) الكلام في ذلك كله. (و) على كل حال ف‍ (لو شهد ما دون الاربع) وما في حكمه (لم يجب وحد كل منهم) حد القذف (للفرية) عليه بذلك كما سماه الله تعالى كاذبا (2) وإن احتمل صدقه، بل ستسمع فيما سيأتي إن شاء الله أنه لو شهد الثلاثة قبل حضور الرابع حدوا لها. (و) كيف كان ف‍ (لابد في شهادتهم) على الزناء (من ذكر المشاهدة للولوج) في الفرج (كالميل في المكحلة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة) بلا خلاف معتد به أجده فيه بينهم، ولعله للاحتياط في الحدود المبنية على التخفيف، ولذا تسقط بالشبهة، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): " حد الرجم أن يشهد عليه أربعة أنهم رأوه يدخل ويخرج " وفي خبر أبي بصير (4) " لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة على الجماع والايلاج والادخال كالميل في المكحلة " وقد سمعت قصة ماعز (5) وفي الرياض " ولان الشهادة إنما تسمع إذا عوين أو سمع، ولا معنى للزناء حقيقة


(1) راجع ج 29 ص 255 - 256. (2) سورة النور: 24 - الاية 11. (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 4. (5) سنن البيهقي - ج 8 ص 227.

[ 299 ]

إلا ذلك، فلا تسمع الشهادة به إلا إذا عوين كذلك، وربما أطلق على غيره من التفخيذ وغيره، فلو لم يصرح الشهود به لم تكن الشهادة نصا في الموجب للحد ". قلت: قد عرفت في كتاب الشهادات أنه يكفي فيها العلم، وخصوصا اليقين منه الذي أحد طرقه المشاهدة، فيمكن إرادة ذلك مما دل على اعتبارها، مع أنه ليس في خبر أبي بصير إلا اعتبار الشهادة على ذلك، أللهم إلا أن يقال: إن ذلك خاص في حد الزناء ونحوه مما يطلب فيه التخفيف، فيكون اعتبار المعاينة شرطا فيه، ولو للنص الدال عليه الذي يحكم على ما دل على كفاية مطلق العلم فيها مؤيدا بكلام الاصحاب إلا أن يدعى أن بناءه على اعتبار الابصار في المبصرات لا التعبد به في خصوص المقام، فيرد عليه ما قدمناه في كتاب الشهادات. كما أنك قد سمعت ما ذكرناه في الاقرار من عد دليل معتبر على اعتبار النصوصية فيه بل ولا الشهادة، فيكفي فيهما اللفظ الدال على ذلك وضعا أو عرفا، ولا يحتاج إلى زيادة على ذلك بحيث يعلم منه إرادة الامر المخصوص ولو من قرائن الاحوال، نعم لا يكفي ما لا دلالة فيه على ذلك وضعا أو عرفا وإن قال في الموثق (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " إذا شهد الشهود على الزاني أنه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته أقيم عليه الحد " لكنه قاصر عن مقاومة غيره سندا وعددا بل وعملا، إذ لم يحك عن أحد العمل به وإن حكى عن الشيخ احتماله بعد تخصيصه الحد بالجلد دون الرجم.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9.

[ 300 ]

وتبعه على الاحتمال المزبور المجلسي في ما حكي عنه، حيث إنه بعد أن ذكر النصوص الدالة على تمام الحد لاجتماع الرجلين أو الرجل والمرأة في لحاف واحد وعلى الانقص منه قال: " والاظهر في الجمع بين الاخبار مع قطع النظر عن الشهرة أن يؤخذ بالاخبار الدالة على تمام الحد، بأن يقال: لا يشترط في ثبوت الجلد المعاينة كالميل في المكحلة وتحمل الاخبار الدالة على ذلك على اشتراطه في الرجم كما هو الظاهر من أكثرها، وأما أخبار النقيصة فمحمولة على التقية ". وفيه مع أنه مخالف للاصحاب هنا مناف لما ذكروه في كتاب الشهادات من اعتبار العلم بالمشهود عليه ونصوص الاجتماع تحت لحاف واحد التي قد عرفت اتفاق الاصحاب إلا النادر على إرادة التعزير منها، وأن غايته ذلك أو الانقص بسوط لو سلم العمل بها، فهو تعزير مخصوص مقدر بما يساوي الحد في بعض الافراد، لا أنه يفهم منه ذلك مطلقا في مطلق ما حده الجلد على معنى يكفي فيه الشهادة على مقدماته دونه، بل يمكن تحصيل الاجماع هنا وفي كتاب الشهادات على خلافه، مضافا إلى ما في النصوص من اعتبار الادخال والاخراج في الجلد أيضا، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حسن محمد بن قيس (1): " لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه أربع شهود " فلا محيص حينئذ عن طرح الموثق المزبور أو حمله على إرادة الكناية بذلك عن حصول سبب الحلد، أو على إرادة التعزير من الحد فيه أو غير ذلك. إنما الكلام في اعتبار المعاينة أو يكفي االعلم بذلك من غيرها وفي اعتبار ذكر ما يفيد ذلك على وجه النص أو يكفي فيه ما دل على ذلك وضعا أو عرفا وإن لم يكن نصا، وقد عرفت تحقيق الحال فيهما.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 11.

[ 301 ]

وأما قول المصنف (ويكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سببا للتحليل) فقد يشكل بعدم تحقق الزناء مع احتمال كونها زوجة ويمكن إرادته بعد العلم بكونها أجنبية عنه لكن لم يعلم الشبهة أو الاكراه أو نحوهما مما يسقط به الحد، فان وجهه حينئذ تحقق صدق الزناء الذي هو مقتض لترتب الحد ولم يعلم مسقطه من الشبهة والاكراه مع عدم دعواهما ومع ذلك لا يخلو من نظر بناء على سقوط الحد عنه باحتمال ذلك، فلابد من اعتبار علم الشاهد بكونه لا عن شبهة كما يقضي به تعريفهم للزناء الموجب للحد، بل يقضي به أيضا ذكر الاختيار ونحوه من شرائط الحد والشك في الشرط شك في مشروطه. هذا وفي القواعد " ولا تكفي شهادتهم بالزناء عن قولهم: " من غير عقد ولا شبهة عقد " بل لابد من ذلك، نعم يكفي أن يقولوا: لا نعلم سبب التحليل " ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، واحتمال كون المراد العلم بعدم المحلل نحو ما قالوه في كتاب الشهادات في قول الشاهد: " ملكه ولا نعلم له مزيلا " يدفعه - مع أنه خلاف الظاهر - أنه راجع حينئذ إلى القول الاول الذي هو " من غير عقد " إلى آخره. ثم إن الظاهر بناء عليه عدم لزوم الاستفسار عن ذلك للاصل والتخفيف بل المنساق من الاستفسار في أدلة الاقرار إرادة عدم إثبات موجب الحد والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو لم يشهدوا بالمعاينة) أو ما في حكمها بناء على ما ذكرناه (لم يحد المشهود عليه) لعدم تحقق موجبه حينئذ (وحد الشهود) إذا نسبوه للزناء حد القذف، وإلا فلا حد ولكن يعزرون كما هو واضح.

[ 302 ]

(ولابد من تواردهم على الفعل الواحد والزمان الواحد والمكان الواحد) حتى يتحقق المشهود عليه الموجب للحد (فلو شهد بعض بالمعاينة وبعض لا بها) بناء على اعتبارها (أو شهد بعض بالزناء في زاوية بيت وبعض في زاوية أخرى أو شهد بعض في يوم الجمعة وبعض في يوم السبت فلا حد، ويحد الشهود للقذف) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ولا إشكال في صورة عدم اتفاق الاربعة على شئ واحد كغير المقام من المشهود عليه من البيع والاجارة ونحوهما. إنما الكلام في اختصاص المقام عن غيره باعتبار ذكر الشهود الخصوصيات والاتفاق عليها مع تعرض البعض على وجه لا يجزئ إطلاق الآخر ولا قوله: " لم أعلم به " وربما شهد للثاني الموثق (1) " ثلاثة شهدوا أنه زنى بفلانة وشهد رابع أنه لا يدري بمن زنى، فقال: لا يحد ولا يرجم ". ومنه يعلم الوجه في اشتراط توارد الجميع على الخصوصية إذا ذكرها بعضهم فيختص المقام حينئذ بذلك تعبدا من غير فرق بين الخصوصيات لكن أشكله ثاني الشهيدين في المسالك والروضة وبعض من تبعه بخلو النصوص وكلام المتقدمين عن الاشتراط المزبور، بل في المسالك أن عدمه هو المعتمد، قال: " ويمكن حمل كلام المصنف وما أشبهه على ذلك بحمل عدم القبول على تقدير التعرض لذلك والاختلاف فيه واستحسنه في الرياض لولا الموثق المتقدم الظاهر في الاشتراط في بعض الافراد، ويتم في غيره بعدم القائل بالفرق من الاصحاب " قلت: لا إجماع مركب تسكن إليه النفس على عدم الاجتزاء بالشهادة على معاينة الادخال والاخراج على وجه الزناء من غير تعرض للزمان والمكان، ولا على ما إذا تعرض


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 6.

[ 303 ]

بعض وأطلق الآخر على وجه لم يعلم عدم شهادته بها، فالمتجه الاقتصار في الموثق على مورده. (ولو شهد بعض) الشهود على (أنه أكرهها) على الزناء بها (و) شهد (بعض بالمطاوعة ففي ثبوت الحد على الزاني وجهان) بل قولان للشيخ في المحكي عن مبسوطه وخلافه: (أحدهما يثبت) وهو مختاره في الاول، بل خيرة ابني الجنيد وإدريس في ما حكى عنهما (للاتفاق على الزناء الموجب للحد على كلا التقديرين) والاختلاف إنما هو في قول الشهود لا في فعله) والآخر لا يثبت) عليه حد (لان الزناء بقيد الاكراه غيره بقيد المطاوعة، فكأنه شهادة على فعلين) واختاره الفاضل في بعض كتبه والشهيدان في النكت والمسالك، لمنع ثبوت الزناء على كل من التقديرين وأنه لم يشهد به على كل تقدير العدد المعتبر، فهو جار مجرى تغاير الوقتين والمكانين المتفق على عدم الثبوت مع تقديره. وفيه وضوح الفرق بينهما، ضرورة اقتضاء الاختلاف المزبور تعدد الفعل بخلافه هنا المفروض اتفاق الجميع على اتحاد الزمان والمكان، وإنما اختلفوا في حال المزني بها والزاني الذي لا يقتضي تعدد الفعل، فيمكن إطلاع من شهد بالمطاوعة على كون الاكراه الظاهر صوريا، نعم لو لم يتعرضا للزمان والمكان وقلنا بكفايته واختلفا في الاكراه والمطاوعة على وجه لا يمكن الجمع بينهما إلا بتعدد الفعل اتجه حينئذ عدم القبول، فتأمل جيدا. وكذا الكلام في الاختلاف في كل خصوصية لا يمكن الجمع بينها، وعلى كل حال فلا حد عليها إجماعا، لعدم ثبوت زناها. ثم إن أوجبنا الحد عليه لم يحد الشهود وإلا حدوا، وفي القواعد يحتمل أن يحد شهود المطاوعة، لانهما قذفاها فلم تكمل شهادتهم عليها

[ 304 ]

دون شاهدي الاكراه، لانهما لم يقذفاها وقد كملت شهادتهم عليه، وإنما انتفى عنه الحد للشبهة، أي لا لعدم الثبوت. وفيه أن الشهادة بالمطاوعة أعم من القذف، لاحتمال الشبهة فيها وإن كان هو زانيا. وفيها أيضا أنه لو شهد إثنان بأنه زنى وعليه قميص أبيض وإثنان به وعليه قميص أسود ففي القبول نظر. وفيه أنه لا مانع من اجتماع الخصوصيتين فلا تعدد للفعل، ودعوى ظهور الكلام في التنافي واضحة المنع. * (ولو أقام الشهادة بعض) * الشهود * (في وقت) * عدم حضور الباقين على وجه لا يحصل به اتصال الشهادة عرفا * (حدوا للقذف، ولم يرتقب إتمام البينة، لانه لا تأخير في حد) * بلا خلاف محقق أجده فيه إلا ما يحكى عن جامع ابن سعيد، وهو شاذ، وفي الخبر (1) المنجبر قصوره بما عرفت " ثلاثة شهدوا على رجل بالزناء فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أين الرابع ؟ فقالوا الآن يجئ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " حدوهم، فليس في الحدود نظر ساعة " كالآخر أيضا (2) " ثلاثة شهدوا على رجل بالزناء وقالو الآن يأتي الرابع، قال: يجلدون حد القاذف ثمانين جلدة كل واحد منهم " نعم في محكي الخلاف إذا تكاملت شهود الزناء فقد ثبت الحكم بشهادتهم سواء شهدوا في مجلس واحد أو مجالس، وشهادتهم متفرقين أحوط، وعن الفاضل في المختلف تنزيله على تفرقهم بعد اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة نظرا إلى أن ذلك هو المذهب عندنا مشعرا بدعوى الاجماع على الحكم، وفي المسالك مذهب الاصحاب اشتراط إيقاع الشهادة في مجلس واحد، وربما أيد الحمل المزبور بأنه عبر في السرائر أنه قال قبلها: " ولا تقبل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8 - 9.

[ 305 ]

شهادة الشهود على الزناء إلا إذا حضروا في وقت واحد، فان شهد بعضهم وقال الآن يجئ الباقون حدحد المفتري، لانه ليس في ذلك تأخير ". وحينئذ فلا خلاف في المسألة إلا من ابن سعيد الذي قد سمعت شذوذه، بل بالغ الفاضل في القواعد وولده في الشرح، فاعتبر حضورهم قبل الشهادة للاقامة، فلو تفرقوا في الحضور حدوا وإن اجتمعوا في الاقامة فانه بعد أن ذكر اتفاقهم على الحضور للاقامة دفعة أي أقاموها دفعة أولا قال: " ولو تفرقوا في الحضور ثم اجتمعوا في مجلس الحكم للاقامة فالاقرب حدهم للفرية " ولكن لا دليل عليه، إذ ليس في الخبرين (1) إلا الحد مع عدم حضور البعض المقتضي لتراخي الشهادة، بل الظاهر عدم اعتبار اتحاد المكان مع فرض للاحق الشهادة وعدم غيبة بعضهم، بل قد يقال بعدم اعتبار تواطئهم وعلم كل واحد منهم بشهادة الآخر، فلو فرض شهادة الجميع في مجلس واحد مع عدم العلم منهم بما عند الآخر أقيم الحد، وكان عبارات الاصحاب لا تخلو من تشويش فلاحظ وتأمل. ولو شهد بعض وأبي الآخر بعد الحضور لها حد الشاهد للقذف كما صرح به غير واحد نافيا للخلاف فيه، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لفحوى الخبرين السابقين (2) وللمعتبرة التي منها الصحيح (3) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا أكون أول الشهود الاربعة على الزناء أخشى أن ينكل بعضهم فأحد " فما عن المختلف من عدم الحد لبعض الوجوه الاعتبارية التي لا تصلح معاوضا للدليل الشرعي واضح الضعف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8 - 9. (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد القذف - الحديث - 2.

[ 306 ]

ولو شهدوا وكانوا فساقا كلا أو بضعا حدوا، وعن الخلاف والمبسوط والسرائر والجامع والتحرير وجوب الحد إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والفسق، والعدم إن كان لمعنى خفي، فيختص الحد بالمردود دون الآخرين، لعدم تفريطهم، ولو كانوا مستورين ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم ففي القواعد فلا حد للشبهة، لكن في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) " في أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلم يعدلوا قال: يضربون الحد " ويمكن حمله على ظهور الفسق. ولو رجعوا عن الشهادة كلا أو بعضا قبل الحكم فعليهم أجمع الحد إلا أن يعفو المقذوف، ولا يختص الراجع بالحد ولا بالعفو، وأما إذا رجعوا بعد الحكم فيختص الراجع بالحد أخذا باقراره، والله العالم. * (ولا يقدح تقادم الزناء في الشهادة) * عليه الموجبة لاقامة الحد لاطلاق الادلة * (وفي بعض الاخبار إن زاد عن ستة أشهر لم يسمع وهو مطرح) * لقصوره عن تقييد الادلة بالموافقة للعامة وغيرها أو محمول على ما لو ظهر منه التوبة كما يؤمئ إليه مرسل ابن ابي عمير عن جميل (2) عن أحدهما (عليهما السلام) وفيه " قلت: وإن كان أمرا قريبا لم يقم عليه، قال: لو كان خمسة أشهر أو أقل وقد ظهر منه أمر جميل لم يقم عليه الحد ". * (وتقبل شهادة الاربع على الاثنين فما زاد) * لعموم الادلة * (ومن الاحتياط تفريق الشهود في الاقامة بعد الاجتماع) * جميعا في المجلس فيفرقوا ويستنطق كل واحد منهم بعد واحد استظهارا في الحدود المبنية على التخفيف وتدرأ بالشبهة * (و) * لكنه * (ليس بلازم) * للاصل


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد القذف - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 307 ]

وإطلاق الادلة ولذا كان المستحب للشهود ترك إقامتها سترا على المؤمن إلا إذا اقتضى ذلك فسادا، كما يستحب ستر المؤمن نفسه والتوبة، بل للامام التعريض بالترغيب عن إقامتها كما يرشد إليه قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " لو سترته بثوبك كان خيرا لك " والترغيب أيضا عن الاقرار به كما يؤمئ إليه قصة ماعز (2) وقوله (صلى الله عليه وآله) في خبر أبي العباس (3): " لو ستر ثم تاب كان خيرا له " وقوله (عليه السلام) في خبر الاصبغ (4): " أيضر أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله " بل قال في مرفوع أحمد (5): " ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الاشهاد أفلا تاب ؟ فوالله لتوبته في ما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد " إلى غير ذلك من النصوص، نعم يجوز إقامة الشهادة بالزناء من غير مدع له، لانه من حقوق الله تعالى، فتقبل فيه شهادة الحسبة، كما تقدم في كتاب الشهادات. * (ولا تسقط الشهادة بتصديق المشهود عليه) * مرة أو مرات، خلافا للمحكى عن أبي حنيفة بناء على أنه بالاقرار يسقط حكم الشهادة ولا يحد المقر بالاقرار أقل من أربع * (ولا بتكذيبه) * بلا خلاف حتى منه لاطلاق الادلة. * (ومن تاب قبل قيام البينة) * عليه * (سقط عنه الحد) * بلا خلاف


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 228. (2) صحيح البخاري - ج 8 ص 207. (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2. (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 6 - 2.

[ 308 ]

أجده، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، للشبهة وقول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل (1): " في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، قال: إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد " * (ولو) * ادعى إذا اخذ التوبة قبل الثبوت قبل من غير يمين للشبهة. نعم إن * (تاب بعد قيامها لم يسقط حدا كان أو رجما) * عند المشهور للاصل ومرسل أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) * في رجل أقيمت عليه البينة بأنه زنى ثم هرب قبل أن يضرب، قال: إن تاب فما عليه شئ، وإن وقع في يد الامام أقام عليه الحد، وإن علم مكانه بعث إليه " بناء على أن المراد من قوله (عليه السلام) إن تاب " إلى آخره أي في ما بينه وبين الله عزوجل، ولكن إذا وقع في يد الامام أقام عليه الحد كالمرتد الفطري إذا تاب على القول به، مضافا إلى ما تقدم من النصوص (3) المشتملة على الفرق بين الاقرار والبينة، بل وإلى النصوص (4) الدالة على رده في الحفيرة مع هربه منها إذا ثبت عليه الحد بالبينة وعدمه إذا ثبت بالاقرار. خلافا للمحكى عن المفيد والحلبيين فخيروا الامام بين الاقامة وعدمها لاصالة البراءة المقطوعة بما عرفت، كدعوى عدم ثبوت الحد في الذمة بمجرد قيام البينة ليستصحب، ضرورة دلالة النص والفتوى على تعلقه بالبدن بقيام البينة وأقصى القائل السقوط بالتوبة، وظاهر خبر أبي بصير (5)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3 - 4. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 و 4. (4) الوسائل البا ب - 15 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1 و 4. (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4.

[ 309 ]

السابق بناء على أن المراد من قوله (عليه السلام): " إن تاب " إلى آخره التوبة عند الهرب أو بعده وأن قوله (عليه السلام) " وان وقع " بمعنى الوقوع قبل التوبة الذي لا جابر له سندا فضلا عن كون المراد به ذلك، وأولوية سقوط عقاب الدنيا من عقاب الآخرة بالتوبة الممنوعة، وإلا لاقتضت تحتم السقوط لا التخيير الذي يقوله الخصم، فعدم السقوط أحوط وأقوى، والله العالم. * (النظر الثاني في الحد) * * (وفيه مقامان:) * * (الاول في أقسامه) * * (وهي قتل أو رجم أو جلد) * خاصة أو هو * (وجز وتغريب) * أو جلد مع رجم أو قتل بناء على الجمع بينهما في المحصن ونحوه كما ستعرف البحث فيه. * (أما القتل فيجب على من زنى بذات محرم) * للنسب * (كالام والبنت وشبههما) * بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكى منهما مستفيض كالنصوص الدالة على ذلك في الجملة، ففي الحسن كالصحيح المروي في التهذيب والفقيه (1) عن أحدهما (عليهم السلام) " من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت، وإن كانت تابعته ضربت ضربة


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 310 ]

بالسيف أخذت منها ما أخذت، قيل له: فمن يضربهما وليس لهما خصم ؟ قال: ذلك على الامام إذا رفعا إليه " وفي الفقيه وفي رواية جميل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " يضرب عنقه أو قال: رقبته " ولعله أشار بذلك إلى خبره المروي في الكافي والتهذيب (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أين يضرب الذي يأتي ذات محرم بالسيف أين هذه الضربة ؟ فقال: يضرب عنقه، أو قال: تضرب رقبته " ونحوه خبره الثالث (3) إلا أنهما لا ظهور فيهما بالقتل كالمرسل المزبور. وفي مرسل عبد الله بن مهران (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن رجل وقع على أخته، قال: يضرب ضربة بالسيف، قلت: فانه يخلص، قال يحبس أبدا حتى يموت " وفي خبر عمرو بن السمط (5) عن علي بن الحسين (عليه السلام) في الرجل يقع على أخته، قال: يضرب ضربة بالسيف بلغت منه ما بلغت، فان عاش خلد في الحبس حتى يموت " وفي مرسل ابن بكير (6) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يأتي ذات محرم، قال: يضرب ضربة بالسيف، قال ابن بكير: حدثنى حريز عن بكير بذلك " وفي خبر بكير (7) " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من أتى ذات محرم ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت " وفي خبر أبي بصير (8) عنه (عليه السلام) أيضا وإذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني، إلا أنه أعظم ذنبا " لكن الاخير منها مناف لما عرفت. ومن هنا جمع الشيخ بينه وبين غيره بتخيير الامام بين الضرب بالسيف


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد الزناء الحديث 7 - 3 - 11 - 4 - 10 - 5 - 6 - 8 والرابع مرسل محمد بن عبد الله بن مهران والخامس خبر عامر بن السمط.

[ 311 ]

والرجم قال: " لانه إذا كان الغرض بالضربة قتله وفي ما يجب على الزاني الرجم وهو يأتي على النفس فالامام مخير بين أن يضربه ضربة بالسيف أو يرجمه " إلا أنه كما ترى، خصوصا بعد قصوره عن معارضة غيره المعتضد بما سمعته من الاجماع وغيره. نعم في الرياض " ظاهر أكثر النصوص المزبورة الاكتفاء بالضربة الواحدة مطلقا أو في الرقبة، وهي لا تستلزم القتل، كما في صريح بعضها أي المشتمل على التخليد في الحبس مع فرض عدم إتيانها عليه ". قلت: قد يقال - مع أنه كما اعترف به شئ لم يذكره أحد ممن تقدم أو تأخر بل عباراتهم طافحة بذكر القتل الحاصل بضرب السيف وغيره وبالضربة الواحدة وغيرها، بل قد سمعت معاقد الاجماعات المحكية وفي النبوي (1) المنجبر بما عرفت " من وقع على ذات محرم فاقتلوه " وقد سمعت ما في مرسل جميل الذي رواه في الفقيه -: إن المنساق من قوله (عليه السلام) في خبر جميل السابق " يضرب عنقه " القتل بل لعله المراد أيضا من الضربة في الحسن الاول ولو بقرينة ما تعرفه من النص والفتوى على القتل في الزناء بغير ذات المحرم مع الاكراه وإن ورد في بعض نصوصها الضربة أيضا بالسيف، فليس حينئذ إلا ما صرح به في ما سمعت من التخليد في السجن مع فرض الخلاص، ولا ريب في قصوره عن معارضة ما عرفت من وجوه، بل هو شاذ بالنسبة إلى ذلك. إنما الكلام في إلحاق غير النسبي من ذات المحرم به كأم الزوجة وبنتها، وفي كشف اللثام لما كان التهجم على الدماء مشكلا قصر الحكم على ذات محرم نسبا لاسببا أو رضاعا إلا ما سيأتي من امرأة الاب وفاقا للمحقق وبني إدريس وزهرة وحمزة بناء على أنها المتبادر إلى الفهم ولا


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 237.

[ 312 ]

نص ولا إجماع على غيرها، وفي المبسوط والخلاف والجامع إلحاق الرضاع بالنسب دون السبب إلا امرأة الاب. وفي الرياض " وأما غيرهن من المحارم بالمصاهرة كبنت الزوجة وأمها فكغيرهن من الاجانب على ما يظهر من الفتاوى، والنصوص خالية من تخصيص النسبي، بل الحكم فيها معلق على ذات محرم مطلقا، لكن سند أكثرها ضعيف، والحسن منها قاصر عن الصحة، والصحيح منها رواية واحدة لا يجسر بمثلها على التهجم على النفوس المحترمة، سيما مع عدم الصراحة في الدلالة لو لم نقل بكونها ضعيفة بناء على عدم انصراف ذات محرم بحكم التبادر إلى السببيات، بل المتبادر منها النسبيات خاصة، ومن هنا يظهر ضعف إلحاق المحرم للرضاع بالنسبي مع عدم ظهور قائل به عدا الشيخ في المبسوط والخلاف وابن عم الماتن، وهما شاذان، ولذا لم يمل إلى مختارهما أحد من المتأخرين عدا شيخنا في الروضة مع ظنه عدم القائل به، فقد جعله وجها، قال: مأخذه إلحاقه به في كثير من الاحكام للخبر، وذلك لان غاية المأخذ على تقدير تسليمه إفادته مظنة ضعيفة لا يجسر بها على التهجم على ما عرفته ". قلت: لا فرق على الظاهر بين الدم وغيره بعد فرض حصول الظن الاجتهادي الذي يجب العمل به، سواء كان ضعيفا أو قويا، وسواء كان ناشئا من خبر واحد أو متعدد، نعم قد يقال: المنساق من ذات المحرم النسبي وإن قال في الصحاح وغيره: " يقال: هو ذو محرم منها إذا لم يحل له نكاحها، لكن مراده من حيث النسب لا مطلق حرمة النكاح، واشتمال الآية على الحرمة بالسبب والنسب لا ظهور فيه في تحقق صدق ذات المحرم حقيقة على السببية فضلا عن الرضاعية التي نص على تحريمها في الكتاب أيضا، والاطلاق في بعض الاحيان لبعض القرائن

[ 313 ]

أعم من الحقيقة ومن الانسياق، وحينئذ فلا تدخل السببية ولا الرضاعية من هذه الجهة، وأما ما دل (1) على أن الرضاع لحمة كلحمة النسب ونحوه مما يقتضي ثبوت حكم النسب له إلا ما خرج فيضعفه عدم عمل معظم الاصحاب به في أكثر المقامات كالمواريث والولايات وغيرها مما يفهم منه إرادة خصوص النكاح في ذلك، وثبوته في العتق لدليل خاص، وما تسمعه في زوجة الاب من النص (2) وفتوى المشهور لا يقتضي ثبوت الحكم في غيرها من المصاهرة، نعم قد يقال باختصاص ذلك بالنسب الشرعي، أما المحرم من الزناء فلا يثبت له فيها الحد المزبور للاصل وغيره، ولم يحضرني الآن نص لاصحابنا فيه، والله العالم. * (و) * منه أيضا * (الذي إذا زنى بمسلمة) * مطاوعة أو مكرهة سواء كان بشرائط الذمة أو لا، فان حده القتل بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض، مضافا إلى موثق حنان ابن سدير (3) عن الصادق (عليه السلام) " أنه سئل عن يهودي فجر بمسلمة، فقال: يقتل " بل الظاهر عدم سقوط ذلك عنه لو أسلم بعد الفعل وفاقا للمحكي عن المقنعة والنهاية والسرائر والتحرير. بل في الرياض لا أجد فيه خلافا، للاصل وإطلاق الموثق السابق وخبر جعفر (4) " أنه قدم إلى المتوكل نصراني فجر بمسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم، فقال يحيي بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا فأمر المتوكل أن يكتب إلى أبى الحسن الثالث (عليه السلام) وسؤاله عن


(1) راجع التعليقة في ص 310 من ج 29. (2) الوسائل الباب - 19 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9. (3) و (4) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب حد الزناء الحديث 1 - 2.

[ 314 ]

ذلك، فلما قدم الكتاب كتب (عليه السلام) يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء الاسلام ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين اسأل عن هذا فانه شئ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنة، فكتب إليه أن فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا، وقالوا لم تجئ به سنة ولم ينطق به كتاب فبين لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون، قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات ". بل عن المفيد أنه إن كان أسلم في ما بينه وبين الله عزوجل فسيعوضه الله على قتله بأكثر مما ناله من الالم به ويدخل الجنة، وإن كان إنما أراد دفع الحد عنه باظهار خلاف ما يبطن به من الكفر لم ينفعه ذلك وأقيم حد الله عليه ورغم أنفه وبطلت حيلته في دفع العذاب عنه. قلت: قد يقال: إن ظاهر الخبر المزبور عدم سقوط القتل عنه بالاسلام عند إرادة إقامة الحد عليه كما هو مقتضى الاستدلال بالآية الكريمة بل لعله ظاهر في خصوص إرادة التخلص، وإطلاق الموثق السابق ظاهر أو منزل على غير الفرض. أما إذا لم يكن كذلك بأن أسلم بعد أن كان ممتنعا عن ذلك على وجه يظهر كونه حقيقة فقد يقال بسقوط الحد عنه كما احتمله في كشف اللثام لان الاسلام يجب ما قبله والاحتياط في الدماء، وفي كشف اللثام " وحينئذ يسقط عنه الحد رأسا ولا ينتقل إلى الجلد للاصل " لكن في الرياض " هو ضعيف في الغاية لكونه اجتهادا في مقابلة الرواية المعتبرة بفتوى هؤلاء الجماعة المؤيدة باستصحاب الحالة السابقة، وأضعف منه قوله: " في ما بعد، وحينئذ يسقط عنه الحد " إلى آخره لفحوى ما دل على عدم سقوط الحد مطلقا عن المسلم

[ 315 ]

بتوبته إذا ثبت عليه بالبينة، وغاية الاسلام أن يكون توبة، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا من الخبر المزبور المشهور بين العامة والخاصة، بل لا حاصل لقوله: " وأضعف منه " إلى آخره ضرورة أنه المتجه مع فرض سقوط الحد عنه للاصل وغيره، والقياس على التوبة ليس من مذهبنا مع ظهور الفرق بينهما على أنه لا يقتضي ثبوت الجلد، كما هو واضح. وعلى كل حال فقد يتوهم من اختصاص الخبرين بالذمي كبعض الفتاوى قصر الحكم عليه دون غيره من أقسام الكفار، إلا أن ظاهر الرياض المفروغية من المساواة، بل جعله معقد ما حكاه من الاجماع وغيره، ولعله لكون الكفر ملة واحدة وأولوية غير الذمي منه بالحكم المزبور، والله العالم. * (وكذا) * يقتل * (من زنى بامرأة مكرها لها) * بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص المعتبرة، ففي صحيح العجلي (1) " سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل اغتصب امرأة فرجها، قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن " وفي صحيح زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " في رجل غصب امرأة نفسها، قال: يقتل " وفي خبره الآخر (3) " قلت لابي جعفر (عليه السلام): الرجل يغصب المرأة نفسها، قال: يقتل " لكن في خبره الثالث (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا " في رجل غصب امرأة نفسها، قال: يضرب ضربة بالسيف بالغة منه ما بلغت " وفي خبر أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا كابر الرجل المرأة على نفسها ضرب ضربة بالسيف مات منها أو عاش " وظاهرهما كون


) (1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 4 - 2 - 3 - 6.

[ 316 ]

الحد الضربة المزبورة لا القتل، إلا أني لم أجد عاملا بهما فوجب طرحهما في مقابل ما عرفت أو حملهما على ما لا ينافي ذلك. * (و) * على كل حال ف‍ * (لا يعتبر في هذه المواضع الاحصان، بل يقتل على كل حال شيخا كان أو شابا ويتساوى فيه الحر والعبد والمسلم والكافر) * بلا خلاف أجده في شئ من ذلك كما اعترف به بعض الاجلة، بل قد سمعت التصريح بالاول في نصوص المكرهة ولا قائل بالفرق، على أنه لو سلم التعارض بين إطلاق الادلة هنا وبين غيرها من وجه فلا ريب في أن الترجيح لما هنا ولو لفتوى الاصحاب. * (وكذا قيل في الزناء بامرأة أبيه) * والقائل الشيخ والحلبي وبنو زهرة وإدريس وحمزة والبراج وسعيد على ما حكي عنهم، بل نسبه بعض إلى كثير وآخر إلى الشهرة، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد خبر السكوني (1) المنجبر بما عرفت عن الباقر (عليه السلام) " إنه رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل وقع على امرأة أبيه فرجمه وكان غير محصن، بل عن ابن حمزة إلحاق جاريته التي وطئها، بل في كشف اللثام يمكن شمول امرأته لها وإن كان هو كما ترى، بل عن ابن إدريس زيادة امرأة الابن، ولعله لادراجه إياها في المحارم كما سمعته سابقا، لكن قد عرفت ما فيه، ولعله لذا نسبه في الرياض وما سمعته من ابن حمزة إلى الشذوذ وعدم وضوح المستند، وهو في محله. هذا وقد صرح غير واحد هنا أيضا بعدم الفرق بين المحصن وغيره والعبد والحر والكافر والمسلم نحو ما سمعته في المواضع الثلاثة، والاول موجود في النص المزبور، وأما غيره فان ثم إجماع عليه فذاك وإلا فلا يخلو من إشكال، إذ لم نظفر فيه هنا بنص مطلق بالخصوص.


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9.

[ 317 ]

* (و) * كيف كان ف‍ * (هل يقتصر على قتله بالسيف) * في المواضع المزبورة ؟ * (قيل) * والقائل المشهور: * (نعم وقيل) * والقائل ابن إدريس: * (بل يجلد ثم يقتل إن لم يكن محصنا، ويجلد ثم يرجم إن كان محصنا عملا بمقتضى الدليلين) * قال: " فيحصل الامتثال في الحدين معا، ولا يسقط واحد منهما، ويحصل المعنى الذي هو القتل لاجل عموم أقوال أصحابنا وأخبارهم إن الرجم يأتي على القتل ويحصل الامر بالرجم وإن كان غير محصن، فيجب عليه الحد، لانه زان ثم القتل بغير الرجم، قال: وليس في إطلاق أصحابنا يجب عليه القتل على كل حال دليل على رفع حد الزناء عنه " إلى آخره. * (و) * لاريب في أن * (الاول أظهر) * من النصوص التى سمعتها، بل الثاني منهما كالاجتهاد في مقابلة النص، وإن قال في كشف اللثام: " يؤيده قول الصادق (عليه السلام) في ما مر من خبر أبي بصير (1): " إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني إلا أنه أعظم ذنبا " ولعله لانه ساواه مع الزاني أولا ثم زاده عظما، ومعلوم أن الرجم لا يجب على كل زان، فلو رجمناه خاصة كما مر عن الشيخ لم يكن قد سويناه ببعض الزناة بخلاف ما إذا جلدناه أولا إذا لم يكن محصنا ثم قتلناه بالسيف، فان الجلد وجب عليه بقوله (عليه السلام): " حد حد الزاني " والقتل بقوله (عليه السلام): " أعظم ذنبا " وأيضا فانه قد يكون محصنا وهو شيخ، وأعظم ما يتوجه إليه على قول الشيخ الرجم فيكون أحسن حالا منه إذا زنى بالاجنبية المطاوعة، لانه يجمع عليه بينهما إجماعا، فلا تتحقق الاعظمية ". إلا أن ذلك كله كما ترى، بل لا يخفى عليك ما في دعوى عدم


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8.

[ 318 ]

التنافي بين الادلة بعدما سمعت من اشتمالها على القتل والضرب بالسيف ونحوه في مقام الحاجة الموجب لدلالة على عدم حد آخر وإلا لزم تأخير البيان عنها وهو غير جائز قطعا، ومن هنا كان خيرة المشهور القتل، بل صرح بعضهم بشذوذ قول الحلي مشعرا بدعوى الاجماع على خلافه وهو في محله نعم قد سمعت ما في خبر جعفر (1) في النصراني الذي أسلم أنه يضرب حتى يموت، وما في الخبر الوارد في زوجة الاب من الرجم (2) فينبغي الاقتصار عليهما فيهما، والله العالم. * (وأما الرجم فيجب على المحصن) * والمحصنة * (إذا زنى) * أو زنت * (ببالغة عاقلة) * أو بالغ عاقل بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه " بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص (3) * (ف‍) * الحكم حينئذ مفروغ منه، نعم * (إن كان شيخا أو شيخة جلد ثم رجم) * بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا، وإطلاق العماني الرجم على المحصن من دون ذكر للجلد كجملة من النصوص غير معلوم الخلاف، وإلا كان محجوجا بما سمعت وبما تسمعه من النصوص التي لا ينافيها الاطلاق المزبور الموافق للمحكي عن جميع العامة، ضرورة اقتضاء الامر بهما العمل بهما معا كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما تسمعه من الخبر (4) إن شاء الله. * (وإن كان) * أو كانت * (شابا) * أو شابة * (ففيه روايتان: إحداهما يرجم لا غير) * وهي رواية عبد الله بن طلحة (5) " إذا زنى


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد الزناء - الحديث 9. (3) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء - الحديث 0 - 11. (4) سنن البيهقي - ج 8 ص 220.

[ 319 ]

الشيخ والعجوز جلدا ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى النصف من الرجال رجم ولم يجلد إذا كان قد أحصن، وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد ونفي سنة من مصره " ونحوها رواية عبد الله بن سنان (1) مضافا إلى إطلاق خبر أبي بصير (2) المنزل على ذلك " الرجم حد الله الاكبر، والجلد حد الله الاصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رجم ولم يجلد " بل في خبر أبي العباس (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يجلد ذكروا أن عليا (عليه السلام) رجم بالكوفة وجلد فأنكر ذلك أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: ما نعرف هذا أي لم يحد رجلا حدين: رجم وضرب في ذنب واحد ". * (و) * الرواية * (الاخرى يجمع له بين الحدين) * وهي صحيحة محمد بن مسلم (4) في المحصن والمحصنة جلد مائة ثم الرجم، ونحوه في صحيح زرارة (5) وفي خبر آخر (6) له أيضا " والمحصن يجلد مائة ويرجم ومن لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى " وفي آخر له أيضا (7) قضى (عليه السلام) في امرأة زنت فحملت فقتلت ولدها سرا فأمر بها فجلدها مائة جلدة ثم رجمت، وكان أول من رجمها " وصحيح الفضيل (8) عن الصادق (عليه السلام) " من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله مرة واحدة، حرا كان أو عبدا حرة كانت أو أمة، فعلى الامام أن يقيم الحد على الذي أقر به على نفسه كائنا من كان إلا الزاني المحصن، فانه لا يرجمه حتى


(1) اشار إليه في الوسائل - في الباب - 1 - من ابواب حد الزناء - الحديث 11 وذكره في الفقيه ج 4 ص 27 والتهذيب ج 10 ص 5. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء الحديث - 1 - 5 - 8 - 14 - 7 - 13. (8) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 320 ]

يشهد عليه أربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحد مائة جلدة ثم يرجمه " وفي المرسل (1) عن علي (عليه السلام) " أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وتعليله عام إن لم تكن شراحة شابة وإلا كان نصا. وعلى كل حال فيه إيماء إلى أن ذلك مقتضى عموم كل من الجلد والرجم بعد قصور الخبرين المزبورين سندا عن التخصيص، بل في المسالك لا تدل على حكم الشاب إذا كان محصنا بل وعملا، فانه لم يحك إلا عن الشيخ في كتابي الحديث وبني زهرة وحمزة وسعيد، على أن الاول منهم مع كون ذلك منه في كتابي الاخبار اللذين لم يعدا للفتوى قد رجع عنه في المحكي عن تبيانه. ومن هنا قال المصنف: * (وهو) * أي الثاني * (أشبه) * بأصول المذهب وقواعده. وفاقا للمحكي عن الشيخين والمرتضى وابن إدريس وعامة المتأخرين، بل ادعى عليه الشهرة غير واحد، بل عن الانتصار أنه من منفردات الامامية، ويقرب منه ما عن الخلاف أيضا، والله العالم. * (ولو زنى البالغ) * العاقل * (المحصن بغير البالغة) * تسع سنين. * (أو بالمجنونة فعليه الجلد لا الرجم) * عند الشيخ في المحكى من نهايته ويحيى بن سعيد في المحكى عن جامعه، بل في الروضة دعوى الشهرة على عدم الرجم في الثاني وإن كنا لم نتحققها للاصل ونقص حرمتهما بالنسبة إلى الكاملة، ولذا لا يحد قاذفهما، ولنقص اللذة في الصغيرة وفحوى نفي الرجم عن المحصنة إذا زنى بها صبي كما تسمع. إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة صدق زنى المحصن بذلك خصوصا


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 220.

[ 321 ]

في المجنونة، مضافا إلى إطلاق ما ورد (1) من ثبوت الحد على البالغ منهما، والمنساق منه الحد الكامل بحسب حاله من الاحصان وغيره، ففي موثق ابن بكير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة أو فجر بامرأة ما يصنع بهما ؟ قال: يضرب الغلام دون الحد ويقام على المرأة الحد، قلت: جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها، قال: تضرب الجارية دون الحد، ويقام على الرجل الحد " ونحوه غيره (3) ونقص حرمتهما لا مدخلية له في صدق زناء المحصن، ومنع نقص اللذة في الصغيرة كمنع الفحوى المزبورة. ومن هنا أوجبه الحلبي وابنا زهرة وإدريس في ما حكي عنهم. نعم ما ذكره المصنف بقوله: * (وكذا المرأة لو زنى بها طفل) * أي لا رجم عليها وإن كانت محصنة لا يخلو من قوة وفاقا لجماعة لصحيح أبي بصير (4) عن الصادق (عليه السلام) " في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة، قال: يجلد الغلام دون الحد وتجلد المرأة الحد كاملا، قيل له: فان كانت محصنة، قال: لا ترجم، لان الذي نكحها ليس بمدرك، فلو كان مدركا رجمت " مؤيدا بنقص اللذة فيه وضعف انهتاك الحرمة عنده لصغره، ولا ينافيه إطلاق الحد في الموثق السابق (5) بعد التصريح هنا بارادة غير الرجم منه. ودعوى أنه متى ثبت ذلك فيها ثبت في الرجل إذا زنى بغير البالغة - لعدم القائل بالفرق بين المورد وغيره، إذا كل من قال بعدم الرجم فيها قال به أيضا في زناء المحصن بالصغيرة والمجنونة، وكل من قال بثبوته عليها قال بثبوته عليه في زناه بهما - لا محصل لها على وجه ترجع


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد الزناء - الحديث 0 - 2 - 0 - 1 - 2 والثاني موثق ابن بكير عن ابي مريم عن ابي عبد الله (عليه السلام).

[ 322 ]

إلى مدرك معتد به، فان ثبوت الاجماع بذلك كما ترى. وأضعف من ذلك الاستناد إلى ما في السرائر من أنه حكى فيها نفي الرجم عنه إذا زنى بمجنونة رواية، بدعوى أنها مجبورة بالشهرة الظاهرة والمحكية، بل في الرياض " لو لا شبهة احتمال ضعف الدلالة لكانت هي للجماعة حجة مستقلة - ثم قال -: ولعله لا يخلو من قوة، لقوة ما مر من الحجة المعتضدة زيادة على الشهرة بما ذكروه من علل اعتبارية، ولو تنزلنا عن قوتها فلا ريب في ايراثها الشبهة الدارئة للحدود اتفاقا فتوى ورواية " إذ هو من غرائب الكلام، ضرورة عدم تحقق الشهرة، وعدم كون ذلك من الشبهة الدارئة بعد فرض ظهور الادلة المعتبرة في ثبوته، فان عليه المدار، لا هذه التقريبات * (و) * إلا فلا إشكال عندهم في أنه * (لو زنى بها) * أي العاقلة * (المجنون فعليها الحد تاما) * الذي منه الرجم، لاطلاق الادلة، بل ولا خلاف إلا ما يحكى عن يحيى بن سعيد بن المساواة بين الصبي والمجنون في عدم الرجم بالزناء بها، وهو مع شذوذه غير واضح الوجه، كما اعترف به بعضهم، مع أنك قد سمعت كلامهم في زناء المحصن بالمجنونة، والغرض أن المتبع الدليل لا نحو هذه التقريبات التي لا ترجع إلى دليل معتبر عند الامامية، والله العالم. * (و) * على كل حال ف‍ * (- في ثبوته) * أي الحد التام * (في طرف المجنون تردد) * وخلاف، فعن الشيخين وجماعة وجوبه حتى الرجم إذا كان محصنا، لخبر أبان بن تغلب (1) عن الصادق (عليه السلام) " إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد وإن كان محصنا رجم، قلت: فما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة ؟ فقال: المرأة إنما


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2.

[ 323 ]

تؤتي والرجل يأتي، وإنما يأتي إذا عقل كيف تأتي اللذة، وإنما المرأة تستكره ويفعل بها وهي لا تعقل ما يفعل بها ". * (و) * المشهور عدم الحد عليه حتى الجلد للاصل، بل * (المروي) * في طرق العامة والخاصة عموما وخصوصا * (أنه) * لا * (يثبت) * الحد على المجنون وأن القلم ساقط عنه كما قدمنا الكلام فيه مفصلا والخبر المزبور مع ضعفه قد حمله غير واحد على من يعتوره الجنون أدوارا وقد زنى حال عقله، بل قيل: إن التعليل فيه يرشد إلى ذلك، وحينئذ فالاصح عدم الحد عليه، والله العالم. * (وأما الجلد والتغريب فيجيان على الذكر غير المحصن) * وكذا الجز ف‍ * (يجلد) * حينئذ * (مائة ويجز رأسه ويغرب عن مصره عاما مملكا أو غير مملك) * وفاقا لظاهر المحكي عن العماني والاسكافي والحلبي وصريح المحكي عن المبسوط والخلاف والسرائر، بل في المسالك نسبته إلى أكثر المتأخرين، بل عن غيرها إلى الشهرة، بل عن ظاهر السرائر وصريح الخلاف الاجماع عليه، بل قال روي (1) عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله) جلد وغرب وأن أبا بكر جلد وغرب وروي عن علي (عليه السلام) وعثمان أنهما فعلا ذلك (2) ولا مخالف لهم، قال: وما روي (3) عن عمر أنه قال: والله لا غربت بعدها أبدا " وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: " التغريب فتنة " (5) فالوجه أن عمر نفى شارب خمر فلحق بالروم فلهذا حلف، وقول علي (عليه السلام)


(1) و (2) سنن البيهقي ج 8 ص 223. (3) كنز العمال ج 5 ص 268 - الرقم 1885 و 1887.

[ 324 ]

أراد أن نفي عمر فتنة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) * (وقيل) * والقائل الشيخ في صريح النهاية وابنا زهرة وسعيد والكيدري في ما حكي عنهم: * (يخص التغريب بمن أملك ولم يدخل) * بل قيل: هو ظاهر الصدوق والمفيد وسلار وابن حمزة وفي تحرير الفاضل دعوى الشهرة عليه واختاره فيه، وفي المختلف وولده في الايضاح وأبو العباس في المتقصر بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه (وهو مبنى على أن البكر) * الذي هو عنوان هذا الحكم في معقد إجماع المسالك وفي غيره كما ستسمع * (ما هو) *. * (والاشبه) * الاشهر بل المشهور بل سمعت الاجماع على ما يقتضيه * (أنه عبارة عن غير المحصن وإن لم يكن مملكا) * للعرف ولتثنية القسمة في النبوي (1) " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم " ولاطلاق قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن طلحة (2): " إذا زنى الشاب الحدث السن جلد ونفي سنة من مصره، فانه عام خرج المحصن منه بالنص والاجماع فيبقى غيره، ولما في خبر السكوني (3) من " أن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن الرجل يزني بالمرأة اليهودية والنصرانية فكتب إليه إن كان محصنا فارجمه، وإن كان بكرا فاجلده مائة ثم انفه، وأما اليهودية فابعث بها إلى أهل ملتها فيقضوا ما أحبوا ولم يذكر لهما ثالثا " وخبر سماعة (4) " قال أبو عبد الله (عليه السلام)


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 222. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حدالزناء - الحديث 11. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3.

[ 325 ]

إذ زنى الرجل فجلد ينبغي للامام أن ينفيه من الارض التي جلد فيها إلى غيرها وإنما على الامام أن يخرجه من المصر الذي جلد فيه " ولكن رواه في الفقيه " ليس ينبغي " بل قيل هو الاظهر إلا أن الانصاف عدم خلوه من الابهام والاجمال على التقديرين، نعم في خبر أبي بصير (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزاني إذا زنى ينفي، قال: نعم من الارض التي جلد فيها إلى غيرها " وخبر مثنى الحناط (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الزاني إذا جلد الحد، قال: ينفى من الارض إلى بلدة يكون فيها سنة. ولكن قد يعارض ذلك بحسن محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بهما " بناء على ما هو الظاهر من كون التفسير من الامام مراد به أن ذلك حكمهما خاصة، وقول الباقر (عليه السلام) في المرسل عن زرارة (4) على ما عن الكافي وخبره على ما عن التهذيب " المحصن يرجم والذي أملك ولم يدخل بها فجلد مائة ونفي سنة " وفي خبره الآخر (5) على ما في الكافي " الذي لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى، والذي قد أملك ولم يدخل بها يجلد مائة وينفي سنة " لكن في الوافي وفي التهذيب رواية " وينفى " في الموضعين بدون " لا " " والتي قد أملكت " على المؤنث، وفي الاستبصار مثل ما في الكافي، بل المتجه مع فرض المكافئة للتساوي في الشهرة المحكية والاجماع المحكي الجمع بالتقييد للنصوص السابقة أو التخصيص.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2 - 4. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2 - 6 - 7.

[ 326 ]

نعم قد يناقش بعدم علم كون التفسير من الامام (عليه السلام) في الاول واشتماله على تغريب الامرأة الذي لا يقول به الخصم، وبعدم الجابر لعدم تحقق الشهرة المحكية، خصوصا بعد رجوع الشيخ عن ذلك في محكي المبسوط والخلاف، بل ادعي في الثاني الاجماع كظاهر السرائر وهو موهن آخر لها، مضافا إلى ما سمعته من المسالك وغيرها، ولعله لذلك قال في الرياض بعد أن حكى عن ظاهر الفاضل والمقداد والصيمري التردد، قال: وبه تحصل الشبهة الدارئة، وبموجبه يتقوى القول بذلك وهو في محله، نعم ليس في النصوص السابقة لجز الذي صرح به الشيخان وسلار وابنا حمزة وسعيد والفاضلان، بل لم يحك فيه خلاف وإن حكي عن الصدوق والعماني والاسكافي والشيخ في الخلاف والمبسوط وابن زهرة عدم التعرض له. لكن في خبر علي بن جعفر (1) " سأل أخاه عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها فزنى ما عليه، قال: يجلد الحد ويحلق رأسه ويفرق بينه وبين أهله وينفى سنة " وفي خبر حنان بن سدير (2) عن الصادق (عليه السلام) في من تزوج ففجر قبل أن يدخل بأهله، فقال: " يضرب مائة ويجز شعره وينفى من المصر حولا ويفرق بينه وبين أهله " وهما - بعد الانجبار بما عرفت - الحجة على ذلك، وجز الشعر في الثاني محمول على ما في الاول من حلق الرأس لا ما يشمل جز اللحية ونحوها بل لعله المتبادر منه، ولذا منع الاصحاب من غيره، بل عن ظاهر المفنعة والمراسم والوسيلة تخصيصه بشعر الناصية، ولعله لاصالة البراءة من الزائد وزيادة اختصاصها بالشناعة، لكن ينافيه ظاهر الخبرين المزبورين اللذين هما الاصل في الحكم، نعم لم أجد في غيرهما الجز، وموردهما في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8 - 7.

[ 327 ]

من أملك ولم يدخل، أما غير المملك فلا دليل على جزء، أللهم إلا أن يكون إجماعا، وفي المسالك الاتفاق على وجوب الثلاثة على البكر. ثم إن الظاهر التغريب عن مصره الذي هو وطنه لكن عن المبسوط المصر الذي زنى فيه، ولعله الظاهر من خبر مثنى الحناط (1) السابق، وربما احتمل بعد أن يأتي الامام فيكون النفي من أرض الجلد إلى مصر آخر كما مر في خبري حنان (2) ومحمد بن قيس (3) ويؤيده قول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (4): " النفي من بلدة إلى بلدة، وقال: نفى علي (عليه السلام) رجلين من الكوفة إلى البصرة " وقد سمعت خبر سماعة (5) الصريح في النفي من المصر الذي جلد فيه، بل وكذا خبر أبي بصير (6). والظاهر أن القرية كالمصر فينفي منها، وعن المبسوط التصريح به أما لو زنى في فلاة ففي كشف اللثام " لم يكن عليه نفي إلا أن يكون من منازل أهل البدو فيكون كالمصر ". قلت: قد يقال: إن الظاهر كون المصلحة في التغريب الاهانة والعقوبة فلا يختلف الحال، وربما احتمل كونها التبعيد من المزني بها ومكان الفتنة وهو بعيد، فيكفي فيه حينئذ التغريب من بلد الجلد بناء على القول به إلى بلد الزناء. ولو كان الامام في سفر معه جماعة فجلد رجلا منهم لزنائه وهو بكر احتمل وجوب نفيه من القافلة، وفيه أنه خلاف ظاهر النصوص المزبورة.


(1) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد الزناء - الحديث 4 - 1 - 3 - 2. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2.

[ 328 ]

بقى الكلام في شئ: وهو إمكان القول بعدم بناء المسألة على تفسير البكر كما ذكره المصنف وغيره، بل في المسالك دعوى الاتفاق على الثلاثة في البكر، بل بنأوها على ما سمعته من النصوص، ولذا لم يذكر المفيد وسلار وابن حمزة البكر، وإنما ذكروا من أملك ولم يدخل بل قد يدعى معلومية مقابلة البكر للثيب، إلا أن النصوص المزبورة صرحت بالتفصيل، كما أن غيرها جعل فيه المدار على غير المحصن. بل ينقدح لك مما ذكرنا أنه لا وجه لدعوى نقل الاجماع ونحوها على التفسير المزبور مع فرض أن حاكيه حكاه مثلا على حكم غير المحصن سواء قلنا بأنه البكر أو لا، وكذلك العكس، والغرض عدم انحصار دليل المسألة في فرض كون العنوان البكر، بل يمكن إثبات حكمها بدون ذلك، لما عرفت من ذكر الحكم في النصوص لمن أملك ولم يتزوج سواء قلنا بكونه بكرا أو لا فتأمل جيدا. ثم إنه لا يخفى عليك ما في عبارة المتن أيضا من إيجاب الجلد التغريب أولا ثم إضافة الجز في التفصيل والامر سهل. هذا كله في الرجل * (وأما المرأة فعليها الجلد مائة ولا تغريب عليها ولا جز) * بلا خلاف معتد به أجده، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه في الظاهر في الثاني، وعن الخلاف والغنية وظاهر المبسوط الاجماع عليه في الاول، بل في الاول منهما نسبته إلى الاخبار أيضا، بل زاد في الاستدلال عليه بقوله تعالى (1): " فعليهن نصف ما على المحصنات " ولو كانت المرأة الحرة يجب عليها التغريب لكان على الامة نصف ذلك " وقد أجمعنا على أنه لا تغريب عليها، كما أنه زاد غيره الاستدلال بأنها لو غربت فاما مع محرم أو زوج ولا تزر وازرة وزر أخرى أو لا يجوز


(1) سورة النساء: 4 - الاية 25.

[ 329 ]

لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " لا يحل لامرأة أن تسافر من غير ذي محرم " وإن كان الاخير كما ترى. بل وكذا ما قيل من أن الشهوة غالبة فيهن والغالب أن انزجارهن عن الزناء لاستحيائهن من الاقارب والمعارف ووجود الحفاظ لهن من الرجال وبالتغريب تخرج من أيدي الحفاظ لهن من الرجال ويقل حياؤهن، لبعدهن من أقاربهن ومعارفهن، وربما اشتد فقرهن فيصير مجموع ذلك سببا لانفتاح هذه الفاحشة العظيمة عليهن، وربما يقهرن عليه إذا بعدن من الاقارب والمعارف، إذ الجميع كما ترى لا يصلح دليلا شرعيا، ومن هنا توقف فيه في المسالك، وقال: " إن تم الاجماع وإلا كان مقتضى النص ثبوته عليها كما هو خيرة ابني أبي عقيل والجنيد " ولكن فيه أن النص المزبور مع أنه غير صريح معارض بالاجماع المزبور المعتضد بالشهرة العظيمة وبالاصل وغيره، فلا ريب في أن الاصح عدم التغريب فيها، والله العالم. * (والمملوك يجلد خمسين، محصنا كان أو غير محصن ذكرا كان أو أنثى) * شيخا أو شابا بكرا أو غير بكر بلا خلاف أجده فيه، بل الظاهر الاجماع عليه للآية (2) وقول الباقر (عليه السلام) في حسن محمد بن قيس (3): " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في العبيد والاماء إذا زنى أحدهم أن يجلد خمسين جلدة إن كان مسلما أو كافرا نصرانيا، ولا يرجم ولا ينفى " وقال (عليه السلام) في خبر بريد العجلي (4) " في الامة تزني أنها تجلد نصف الحد كان لها زوج أم لم يكن لها زوج " وقال الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن السري (5): " إذا زنى


(1) كنز العمال ج 5 ص 179 ط عام 1374. (2) سورة النساء: 4 - الاية 25. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5 - 2 - 3 -.

[ 330 ]

العبد والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم، إنما عليهما الضرب خمسين، نصف الحد " وقد ورد (1) " أن الله تعالى شأنه أبي أن يجمع عليه الرق وحد الحر " إلى غير ذلك. * (و) * لا خلاف بيننا أيضا في أنه * (لا جز على أحدهما ولا تغريب) * وإن أملك، نعم عن الشافعي في أحد قوليه التغريب سنة أو نصفها قولان له أيضا، ولا ريب في بطلانه. ويحد المبعض حد الاحرار بنسبة ما عتق، وحد المماليك بنسبة الرقية فيحد من انعتق نصفه حمسة وسبعين، قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن قيس (2) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتبة زنت وقد أعتق منها ثلاثة أرباع وبقي ربع فجلدت ثلاثة أرباع الحد حساب الحرة على مائة، فذلك خمسة وسبعون جلدة وربعها على حساب الخمسين من الامة إثنا عشر سوطا ونصف فذلك سبعة وثمانون جلدة ونصف " وفي حسني الحلبي (3) وابن مسلم (4) عن الصادقين (عليهما السلام) " جلد المكاتب على قدر ما أعتق منه " بمعنى ضربه من الجلد الكامل، لكن في خبر سليمان بن خالد (5) عن الصادق (عليه السلام) " في عبد رجلين أعتق أحدهما نصيبه ثم إن العبد أتى حدا من حدود الله تعالى قال: إن كان العبد حيث أعتق نصفه قوم ليغرم الذي أعتق نصف قيمته يضرب نصف حد الحر ونصف حد العبد، وإن لم يكن قوم فهو عبد يضرب حد العبد " ولعل المراد أنه إن أعتق عتقا صحيحا لم يقصد به اضرار بالشريك حتى يلزم التقويم وتغريم قيمة النصف فنصفه حر قبل


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3 - 1 - 2 - 6.

[ 331 ]

أداء القيمة وإلا بطل العتق. وعلى كل حال فهو دال على المطلوب. * (ولو تكرر من الحر) * غير المحصن ولو امرأة * (الزناء فأقيم عليه الحد مرتين قتل في الثالثة) * عند الصدوقين والحلي في ما حكي عنهم لصحيح يونس (1) عن الكاظم (عليه السلام) " إن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة " بل عن السرائر الاجماع عليه أيضا. (وقيل) * والقائل المشهور: يقتل * (في الرابعة) * بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه هنا، لموثق أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " الزاني إذا زنى يجلد ثلاثا ويقتل في الرابعة " وخبر محمد بن سنان (3) المروي عن العيون والعلل المنجبر بما عرفت " في ما كتب له وعلة القتل بعد إقامة الحد في الثالثة على الزاني والزانية لاستحقاقهما " إلى آخره، وما تسمعه مما ورد في قتل المملوك في الثامنة على الضعف من الحر. * (و) * على كل حال ف‍ * (- هو أولى) * لما فيه من الاحتياط في أمر الدماء، على أن المعارض من الصحيح ومعقد الاجماع يجب تخصيصه بما سمعت من الخبر ومعقد الاجماع الخاص، وأما ما يحكي عن الخلاف من القتل في الخامسة فلم نعرف له دليلا يصلح معارضا لما عرفت، كالمحكي عن نهايته من تخصيص الحكم المزبور بغير المملك وإن كان ما حضرني من كلامه غير صريح في ذلك، فانه بعد أن ذكر القسم الرابع الذي يجب فيه الجلد والنفي والقسم الخامس الذي يجب فيه الجلد خاصة قال: " ومن هذه صورته إذا زنى فجلد ثم زنى ثانية فجلد ثم زنى ثالثة فجلد ثم زنى رابعة كان عليه القتل، ويمكن أن لا يريد التخصيص بالخامس خصوصا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب - حد الزناء - الحديث - 3 - 1 - 4.

[ 332 ]

بعد أن لم يذكر حكم القتل في الرابع وبعد أن لا دليل يخصه وعلى كل حال فلا خلاف أجده في اشتراط القتل المزبور باقامة الحد عليه على الوجه المذكور وإلا فلا يقتل، بل في المسالك الاجماع عليه للاصل وغيره. و * (أما المملوك) * ولو أنثى * (فإذا أقيم عليه الحد سبعا قتل في الثامنة) * وفاقا للمشهور، بل عن الحلي نسبته إلى أصحابنا بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه لصحيح يزيد (1) عن الصادق (عليه السلام) " إذا زنى العبد ضرب خمسين إلى ثمان مرات، فان زنى ثمان مرات قتل وأدى الامام قيمته إلى مواليه من بيت المال " وخبر عبيد بن زرارة أو يريد العجلي (2) " سألته عن عبد زنى - إلى أن قال: فهل يجب عليه الرجم في شئ من فعله ؟ قال: نعم يقتل في الثامنة، إن فعل ذلك ثمان مرات " كذا عن الفقيه والعلل مؤيدا ذلك كله بما سمعته من كونه على الضعف من الحر. * (وقيل) * كما في النهاية وعن القاضي والجامع والمختلف والايضاح: يقتل * (في التاسعة) * لخبر عبيد أو بريد (3) " سأل الصادق (عليه السلام) عن أمة زنت - إلى أن قال -: فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات فقال إذا زنت ثمان مرات يجب عليها الرجم، قال: كيف صار ثمان مرات ؟ فقال: لان الحر إذا زنى أربع مرات وأقيم عليه الحد قتل، فإذا زنت الامة ثمان مرات رجمت في التاسعة " كذا عن الكافي والتهذيب، ولكنه مع ضعف سنده مختل المتن، ضرورة اقتضاء التعليل القتل في الثامنة لا التاسعة، بل الظاهر توجه الخلل إلى الاخير، لمعلومية


(1) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2 - 1. (2) اشار إليه في الوسائل - في الباب - 32 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 4 ص 32.

[ 333 ]

مطابقة التعليل للمعلوم نصا وفتوى، مضافا إلى ما فيه من الامر بالرجم الذي لم أجد قائلا بتعينه، بل اتفق الجميع على مطلق القتل المصرح به في التعليل المزبور، فلا ريب في ضعف القول المذكور، خصوصا بعد رجوع الشيخ عنه في محكي الخلاف والمبسوط، واحتمال ترجيح الخبر الثاني بأنه نص بخلاف الخبر الاول كما ترى، ضرورة نصوصية الاول بالقتل في الثامنة بعد أن جعل جزاء الشرط كما هو واضح. * (و) * لكن مع ذلك كله قال المصنف: * (هو أولى) * ولا يخفى عليك ما فيه إن أراد بحسب الفتوى، بل وكذا إن أراد بحسب العمل، فان الاحتياط هنا غير ممكن بعد حرمة تعطيل الحد، نعم في الرياض " أللهم إلا أن يقال إذا دار الامر بين محظورين كان الاحتياط باجتناب أكثرهما ضررا، ولا ريب أن ضرر قتل النفس المحترمة أشد من ضرر تعطيل حدود الله تعالى " وفيه أن ذلك لا يتم بعد فرض حصول الظن الاجتهادي القائم مقام العلم بوجوب القتل في الثامنة، إذ لا معنى للاحتياط حينئذ معه. ومن ذلك يعلم ما في المسالك في الاول من أن مختار المصنف وجوب القتل في الثالثة وإن جعله أولى في الرابعة من حيث الاحتياط في الدماء لا من حيث الفتوى. وأغرب من ذلك ما عن الراوندي من الجمع بين الخبرين المزبورين بالتفصيل بين ثبوت الزناء بالبينة فيقتل في الثامنة وبين ثبوته بالاقرار فيقتل في التاسعة، إذ هو مع أنه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه كما عرفت لا شاهد عليه، كما هو واضح. هذا وفي الخبرين دفع الامام ثمن العبد إلى مواليه من بيت المال وعن بعض الاصحاب التصريح به، وهو غير بعيد كما عن الشهيد جمعا بين حق الله تعالى وحق الآدمي، والله العالم. * (وفي الزناء المتكرر) * من الحر أو المملوك بامرأة واحدة أو

[ 334 ]

بنساء في يوم واحد أو في أيام * (حد واحد وإن كثر) * إذا لم يكن قد أقيم عليه الحد على المشهور بين الاصحاب، بل ربما أشعر استناد الفاضل إليها هنا وصولها حد الاجماع بقرينة عدم حجيتها عنده إذا لم تكن كذلك مع ابتناء الحدود على التخفيف، ولذا تدرأ بالشبهة، وغلبة تكرار الخروج والولوج في المرة الواحدة فضلا عن تكراره مستقلا يعلم كون السبب هنا الطبيعة قلت أو كثرت نحو أسباب الحدث، بل لعل التأمل الجيد في تعليق الحكم في الآية الشريفة (1) على الزاني والزانية يقتضى ذلك، ضرورة كون التعدد في أشخاص الزناء حينئذ كالتعدد في أسباب الحدث والنجاسة، ولكن يكفي طهارة واحدة وتطهير واحد، لان العنوان طهارة المحدث وتطهير النجس، وهو صادق على متعدد السبب ومتحده فكذلك الكلام في الزناء، فان الزاني والزانية يصدق كذلك، خصوصا بعد ملاحظة الشهرة بين الاصحاب، وحينئذ فلا تعدد أسباب كي يتجه كون القاعدة تعدد المسببات بتعددها، بل المتجه حينئذ أن الاصل براءة الذمة بعد صدق الامتشال بالحد الواحد للمتعدد. فما في الرياض من المناقشة في ذلك باقتضاء تعدد المسببات والتداخل خلاف الاصل - لا يخلو من نظر لما عرفت، ثم قال: " لكن مقتضى هذا لزوم التعدد مطلقا ولو كان المزني بها مكررا واحدة ولم يقل به أحد من الطائفة حتى الاسكافي والصدوق اللذين حكي عنهما الخلاف في المسألة فانهما قالا بما عليه الجماعة إن وقع التكرار بامرأة واحدة وأوجبا التعدد إن وقع بالمتعدد، وحينئذ فلا يمكن الاخذ بالقاعدة المقتضية لتعدد المسببات لمخالفة عمومها الاجماع هنا، فلابد من المصير إلى أحد القولين إما التفصيل المتقدم أو المنع عن التعدد مطلقا، والاول غير ممكن، لعدم دليل عليه


(1) سورة النور: 24 - الاية 2.

[ 335 ]

غير خبر (1) واحد قاصر السند ضعيف شاذ مطروح، فتعين الثاني ". وفيه أن المتجه مع فرض كون ذلك من تعدد الاسباب العمل بالقاعدة في غير معقد الاجماع، وحينئذ فلا يقدح ضعف الخبر الموافق لها، نعم بناء على ما ذكرناه من عدم تعدد أسباب هنا ولو للشهرة المزبورة يتجه حينئذ عدم التعدد مطلقا، لضعف الخبر المزبور والاعراض عنه، وهو ما أشار إليه المصنف بقوله: * (وفي رواية أبي بصير (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) إن زنى بامرأة مرارا فعليه حد) * واحد * (وإن زنى بنسوة فعليه في كل امرأة حد، وهي مطرحة) * ولفظها " سألته عن الرجل يزني في اليوم الواحد مرات كثيرة، فقال: إن زنى بامرأة واحدة كذا وكذا مرة فانما عليه حد واحد، وإن هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد في ساعة واحدة فان عليه في كل امرأة فجر بها حدا " وكان رواية المصنف لها بالمعنى الذي سمعته مشعر بعدم إرادة التقييد في الساعة واليوم منها، ولعله لان غيره أولى بعدم التداخل، ومنه يعلم ما في المسالك من المناقشة فيها بأنها غير حاصرة لاقسام المسألة. هذا وينبغي تقييد عدم التعدد بما إذا اقتضى الزناء المتكرر نوعا واحدا من الحد جلدا أو رجما أو نحوهما، أما لو اقتضى حدودا مختلفة كأن زنى بكرا ثم زنى محصنا توجه عليه الحدان معا، ولا ينافيه إطلاق العبارة ونحوها، لعدم انصرافها بحكم التبادر إلى الصورة الاخيرة مع تصريحهم كما سيأتي إن شاء الله بأنه إذا اجتمع عليه الجلد والرجم جلد أولا، وهو صريح في ما ذكرنا. * (ولو زنى الذمي بذمية) * أو كافرة غير ذمية * (دفعه الامام إلى أهل نحلته ليقيموا الحد على معتقدهم، وإن شاء أقام الحد بموجب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 336 ]

شرع الاسلام) * بلا خلاف أجده فيه كما عن بعضهم الاعترف به، بل في الرياض جعله الحجة، مضافا إلى قوله سبحانه (1): " فان جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " ولا ينافيه قوله تعالى (2): " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بيما أنزل الله " بعد عدم ثبوت نسخه لذلك وإن حكي عن بعض العامة، بل عن ابن عباس خير الله تعالى نبيه بقوله: " فان جاؤوك " إلى آخره وقد سمعت قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما كتبه لمحمد بن أبي بكر (3) بل لعل التخيير المزبور مناسب للوفاء لهم، كعدم التعرض لباقي ما يصنعونه في ملتهم مما هو غير موافق لشرعنا. ولكن قد يشكل ذلك بأن دفعه إليهم لذلك أمر بالمنكر، وبالمروي عن قرب الاسناد (4) " عن يهودي أو نصراني أو مجوسي أخذ زانيا أو شارب خمر ما عليه ؟ قال: يقام عليه حدود المسلمين إذا فعلوا ذلك في مصر من أمصار المسلمين أو في غير أمصار المسلمين إذا رفعوا إلى حكام المسلمين " ولعله لذا فسره في كشف اللثام بالاعراض عنهم حتى يحكم فيه حاكمهم بما يرى، قال: " فان الدفع ليقيم عليه من الحد ما يراه أمر بالمنكر إن خالف الواجب في شرعنا، نعم يجوز إذا وافقه " ولكن فيه أنه كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى، وخبر قرب الاسناد غير مناف للتخيير المزبور. نعم هو مختص بما إذا كان زناؤه بغير المسلمة أما بها فعلى الامام قتله، ولا يجوز الاعراض، لانه هتك حرمة الاسلام وخرج عن الذمة.


(1) و (2) سورة المائدة: 5 - الاية 42 - 48. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (4) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث - 1.

[ 337 ]

ولو زنى المسلم بالذمية حكم في المسلم بحكمه وله الخيار في الذمية كما سمعته في مكاتبة محمد بن أبي بكر، والله العالم. * (ولا يقام الحد) * فضلا عن القصاص ولو جلدا كما صرح به الفاضل وغيره * (على الحامل) * ولو من زناء * (حتى تضع) * ولدها * (وتخرج من نفاسها) * بلا خلاف أجده نصا وفتوى بل ولا إشكال مع فرض خوف الضرر على ولدها لو جلدت، لعدم السبيل عليه، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، كما صرح به في الخبر (1) المروي عن إرشاد المفيد. بل * (و) * حتى * (ترضع الولد إن لم يتفق له مرضعة) * بلا خلاف أجده فيه أيضا حتى لو كان جلدا يخشى منه الضرر برضاعها له، وفي الموثق (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محصنة زنت وهي حبلى، قال: تقر حتى تضع ما في بطنها وترضع ولدها ثم ترجم " وفي النبوي (3) أنه (صلى الله عليه وآله) قال لها: " حتى تضعي ما في بطنك فلما ولدت قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه " وفي آخر (4) أنها لما ولدته قال: " إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الانصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله فرجمها ". ومنه يعلم وجوب الرجم لو وجد له مرضع بعد شربه اللبأ بناء على المشهور من أنه لا يعيش بدونه. وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: * (ولو وجد له كافل جاز) * أي وجب * (إقامة الحد) * بلا خلاف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 7 - 4 -. (3) و (4) سنن البيهقي - ج 8 ص 229.

[ 338 ]

أجده فيه، لانه ليس في الحدود نظر ساعة، وفي خبر ميثم (1) المشتمل على قضية الامرأة المحصنة التي أقرت بالزناء عند أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي حبلى وطلبت منه تطهيرها فأخرها إلى الوضع، ثم جاءت بعده وأقرت بما أقرت به أولا فأخرها إلى رضاعها إياه حولين، ثم جاءت بعدهما وأقرت بما أقرت به أولا فقال: " فانطلقي فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر، قال: فانصرفت وهي تبكي، فلما ولت وصارت حيث لا تسمع كلامه، قال: أللهم إنها ثلاث شهادات، قال: فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي، فقال: ما يبكيك يا أمة الله وقد رأيتك تختلفين إلى علي (عليه السلام) تسألينه أن يطهرك ؟ فقالت: إني أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فسألته أن يطهرني، فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر، وقد خفت أن يأتي علي الموت ولم يطهرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفله، فرجعت وأخبرت أمير المؤمنين (عليه السلام) بقول عمرو، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو متجاهل عليها: ولم يكفل عمرو ولدك ؟ فقالت يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، قال: أو ذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت ؟ قالت: نعم، قال: أفغائبا عنك كان بعلك إذ فعلت أم حاضرا ؟ قالت: بل حاضر، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: أللهم إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات، وأنك قد قلت لنبيك (صلى الله عليه وآله) في ما أخبرته من دينك: من عطل حدا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادني، أللهم وإني غير معطل حدودك ولا طالب


(1) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 وقطعة منه في الباب - 1 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 6.

[ 339 ]

مضادتك ولا مضيع لاحكامك، بل مطيع لك ومتبع سنة نبيك (صلى الله عليه وآله) فنظر إليه عمرو بن حريث وكأنما الرمان تفقأ في وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين إنما أردت أن أكفله إذ طننت أنك تحب ذلك، فأما إذا كرهت فاني لست أفعل، فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام): أبعد أربع شهادات بالله ؟ لتكفلنه وأنت صاغر " الحديث. وفي كشف اللثام بعد رواية ذلك " ولما لم يكمل نصاب الاقرار إلا بعد ذلك لم يسترضع لولدها، وإلا فالظاهر وجوبه والاجرة من بيت المال إن لم يتبرع أحد ولا كان للولد مال، إذ ليس في الحدود نظر ساعة، إذ لامانع ". قلت: قد يقال: إن إطلاق الموثق والنبوي المزبورين يقضي بعدم وجوب ذلك، مضافا إلى الاصل وبناء الحدود على التخفيف الذي يصلح أن يكون هذا وشبهه عذرا في تأخيره فتأمل. ولو مات الولد حين وضعه رجمت أما لو كان حدها الجلد أخر حتى تخرج من مرض نفاسها. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (1) " إن أمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث بنفاس فخشيت أن أجلدها فأقتلها فذكرت ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: دعها حتى ينقطع دمها ثم أقم عليها الحد " وفي محكي المبسوط والوسيلة إن كان بها ضعف أخر جلدها، وإن كانت قوية جلدت في نفاسها ولا بأس به، ولو لم يظهر الحمل ولا ادعته لم يؤخر الحد، ولا اعتبار بامكانه، نعم لو ادعته قبل قولها، والله العالم. (ويرجم المريض والمستحاضة) بلا خلاف أجده فيه بل ولا إشكال لاطلاق الادلة، والنهي عن تعطيل الحد، وأنه ليس فيه نظر ساعة،


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 229 مع اختلاف في اللفظ.

[ 340 ]

والفرض أن نفسه مستوفاة فلا فرق بينه وبين الصحيح، لكن في المسالك احتمال جواز التأخير إن ثبت زناه بالاقرار لاحتمال رجوعه قال: " ومثله يأتي في رجمه في شدة الحر أو البرد " وكأنه أخذه مما في القواعد من عدم الرجم فيهما إن توهم سقوطه برجوعه أو توبته أو فراره، وعلل بالاحتياط للدم والابقاء عليه ما أمكن (و) فيه ما لا يخفى. نعم (لا يجلد أحدهما إذا لم يجب قتله ولا رجمه توقيا من السراية ويتوقع بهما البرء) قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1): " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل أصاب حدا وبه قروح في جسده كثيرة، فقال (عليه السلام) أخروه حتى يبرأ لا تنكئوها فتقتلوه " وقال في خبره (2) أيضا: " لا يقام الحد على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها " وفي خبر مسمع (3) عنه (عليه السلام) أيضا أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل أصاب حدا وبه قروح ومرض وأشباه ذلك، فقال: أخروه حتى يبرأ لا تنكأ قروحه عليه فيموت ولكن إذا برأ حددناه ". (وإن اقتضت المصلحة التعجيل) ولو لعدم رجاء البرء كالسل والزمانة وضعف الخلقة بحيث لا يحتمل النشاط (ضرب بالضغث المشتمل على العدد) قال الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (4): " أتي النبي (صلى الله عليه وآله) برجل كبير البطن قد أصاب محرما فدعا بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه مرة فكان الحد " وفي خبر حنان عن يحيى بن عباد المكي (5) " قال لي سفيان الثوري: أرى لك من أبي عبد الله (عليه السلام) منزلة فاسأله عن رجل زنى بأمرأة وهو


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4 - 3 - 6 - 7 - 1.

[ 341 ]

مريض إذا أقيم عليه الحد مات ما تقول فيه ؟ فسألته، فقال: إن هذه المسألة من تلقاء نفسك أو قال لك انسان أن تسألني عنها ؟ فقلت: سفيان الثوري سألني أن أسألك عنها، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتي برجل كبير البطن قد استسقى بطنه وبدت عروق فخذيه وقد زنى بأمرأة مريضة فأمر صلى الله عليه وآله بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة وضربها به ضربة واحدة وخلى سبيلهما، ثم تلى هذه الآية (1) وخذ بيدك ضغثا " إلى آخره. وخبر أبي العباس (2) عنه (عليه السلام) قال: " أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) برجل دميم قصير قد استسقى بطنه وقد بدت عروق بطنه وقد فجر بامرأة، فقالت الامرأة: ما علمت إلا وقد دخل علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أزنيت ؟ قال: نعم، ولم يكن محصنا، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببصره وخفضه ثم دعا بعذق عقده مائة ثم ضربه بشماريخه ". وخبر زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " لو أن رجلا أخذ حزمة من قضبان أو أصلا فيه قضبان فضربه ضربة واحدة أجزأه عن عدة ما يريد أن يجلده من عدة القضبان ". وخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد (4) " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتي بامرأة مريضة ورجل أجرب مريض قد بدت عروق فخذيه قد فجر بامرأة فقالت المرأة لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أتيته فقلت له أطعمني واسقني فقد جهدت، فقال: لا حتى أفعل بك ففعل، فجلده


(1) سورة ص: 38 - الاية 44. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 5 - 8 - 9.

[ 342 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغير بينة مائة شمراخ ضربة واحدة وخلى سبيله ولم يضرب المرأة " إلى غير ذلك لكن ليس فيها اعتبار المصلحة، إلا أن الاصحاب حملوها على ذلك من غير خلاف بينهم جمعا بينها وبين ما تقدم بخوف فوات الحد وعدمه، والله العالم. (ولا يشترط وصول كل شمراخ إلى جسده) لاطلاق الادلة مع التعذر عادة، فيكفي حينئذ التأثير بالاجتماع، ولو اشتمل الضغث على خمسين ضرب به دفعتين وهكذا، بل لعله أولى من الضربة به دفعة، نعم لابد من حصول مسمى الضرب، بل لابد من أن تمسه الشماريخ أو ينكبس بعضها على بعض حتى يناله الالم ولا يجب بل في كشف اللثام " لا يجوز تفريق السياط على الايام وإن احتمله - بأن يضرب كل يوم بعضا منها حتى يستوفى - لاطلاق الادلة المزبورة. ولو برأ قبل أن يضرب أقيم عليه حد الصحيح، ولو برئ بعده لم يعد، ولو احتمل سياطا ضعافا فهو أولى من الشماريخ، وأحوط. والمستحاضة من المريضة بعدأن قال الصادق (عليه السلام) (1): " لا يقام الحد عليها حتى ينقطع الدم " فيؤخر حدها (ولا يؤخر) حد (الحائض) الصحيحة عرفا (لانه ليس بمرض) بل حيضها يدل على صحة مزاجها، والله العالم. (ولا يسقط الحد) جلدا أو رجما (باعتراض الجنون ولا الارتداد) للاصل نعم لو كان الحد جلدا ففي المسالك احتمال الانتظار بالمجنون الافاقة أي إن كان ادوارا لانه أقوى في الردع والاقوى خلافه


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 343 ]

للاصل وصحيح أبي عبيدة (1) عن الباقر (عليه السلام) في رجل وجب عليه حد فلم يضرب حتى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقله أقيم عليه الحد كائنا ما كان " فما عن بعض من احتمال السقوط في المطبق مطلقا وآخر من السقوط كذلك إن لم يحسس بالالم وكان بحيث لا ينزجر به كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى. (ولا يقام الحد) إذا كان جلدا (في شدة البرد ولا شدة الحر) خشية الهلاك (و) حينئذ ف‍ (يتوخى به في الشتاء وسط النهار وفي الصيف طرفاه) وفي مرسل داود (2) " مررت مع أبي عبد الله (عليه السلام) بالمدينة في يوم بارد وإذا رجل يضرب. بالسياط، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سبحان الله في مثل هذا الوقت يضرب ؟ قلت له: وللضرب حد ؟ قل: نعم إذا كان في البرد ضرب في حر النهار، وإذا كان في الحر ضرب في برد النهار " ونحوه مرسل سعدان بن مسلم (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) وفي خبر هشام بن أحمر (4) عن السيد الصالح (عليه السلام) قال: " كان جالسا في المسجد وأنا معه فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البرد، فقال: ما هذا ؟ قالوا رجل يضرب، قال: سبحان الله في هذه الساعة، إنه لا يضرب أحد في شئ من الحدود في الشتاء إلا في آخر ساعة من النهار ولا في الصيف إلا في أبرد ما يكون من النهار " هذا كله في الجلد وإن أطلق المصنف الحد، وقد مر الكلام في الرجم.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 - 3 - 1 والاول مرسل أبي داود والاخير عن العبد الصالح (عليه السلام).

[ 344 ]

ثم إن ظاهر النص والفتوى كما اعترف به في المسالك كون الحكم على الوجوب دون الندب، وحينئذ فلو أقامه على غير الوجه المزبور ضمن، والله العالم. (ولا) يقام أيضا (في أرض العدو مخافة الالتحاق) كما نص عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر أبي جعفر (عليه السلام) (1) وقال الصادق (عليه السلام) في خبر اسحاق (2): " لا تقام الحدود بأرض العدو مخافة أن تحمله الحمية فيلحق العدو " ولا ريب في كون ذلك في حد الجلد. (و) كذا (لا) يقام مطلقا (في الحرم على من التجأ إليه) للاحترام، ولقوله تعالى (3): " من دخله كان آمنا " (بل يضيق عليه في المطعم والمشرب) بأن يقتصر على ما يسد به الرمق (ليخرج) ويقام عليه " وفي صحيح هشام بن الحكم (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم، قال: لا يقام عليه الحد ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع فانه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد، وإن جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم فانه لم ير للحرم حرمة ". وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: * (ويقام على من أحدث موجب


(1) الوسائل الباب - 10 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) اشار إليه في الوسائل - في الباب - 10 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 وذكره في التهذيب ج 10 ص 148. (3) سورة آل عمران: 3 - الاية 97. (4) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 345 ]

الحد فيه) لانه هتك حرمة الحرم، ولكن أرسل في الفقيه (1) " لو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا أخرج من الكعبة ومن الحرم وضربت عنقه " ولعله الاحوط والاولى. والمراد من الحرم ما هو المتبادر من المعهود بمكة، وعن النهاية والتهذيب إلحاق حرم النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) وعن الوسيلة الاقتصار على الاول ولا دليل على شئ منهما، والله العالم. (الثاني في كيفية ايقاعه) (إذا اجتمع الجلد والرجم جلد أولا) وجوبا لئلا يفوت الجلد لو انعكس (وكذا إذا اجتمعت حدود بدئ بما لا يفوت معه الآخر) بلا خلاف أجده فيه بيننا بل ولا إشكال، فانه مقتضى العمل بالسببين مع إمكانه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، ففي صحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " أيما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل يبدأ بالحدود التي هي دون القتل ثم يقتل بعد ذلك " ونحوه في حسن حماد بن عثمان (3) وحسن ابني سنان وبكير جميعا (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفي خبر محمد بن مسلم (5) عنه (عليه السلام) " في الرجل يؤخذ وعليه حدود أحدها القتل، فقال: كان علي (عليه السلام) يقيم الحدود ثم يقتله، ولا تخالف عليا (عليه السلام) " وفي خبر سماعة أيضا (6)


(1) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 3 من كتاب الحج (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1 - 5 - 6 - 4 - 7.

[ 346 ]

" قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في من قتل وشرب خمرا وسرق فأقام عليه الحد فجلد لشربه الخمر وقطع يده في سرقته وقلته " فما عن بعض العامة من الاكتفاء بالقتل لانه يأتي على الجميع لا وجه له، نعم لو أمكن الجمع بين موجب الحدين من غير منافاة كما لو زنى غير محصن وقذف وسرق ففي المسالك يتخير في البدأة، قلت: هو كذلك، لكن قد يقال فيه وفي ما لو كان موجب الامرين الفوات مع كون أحدهما حق آدمي وطالب به قدم على حق الله تعالى، نعم لو كانا معا حق الله تخير الامام، والله العالم. (وهل يتوقع برء جلده قيل) والقائل الشيخان وبنو زهرة وحمزة والبراج وسعيد على ما حكي: (نعم تأكيدا في الزجر) إذ المقصود بالحد ذلك (وقيل) كما عن ابن ادريس: (لا) يجب وإنما هو مستحب، وعن جماعة من المتأخرين ومتأخريهم الميل إليه (لان القصد الاتلاف) فلا فائدة في الانتظار مع ما ورد من أنه لا نظرة في الحد ولو ساعة (1) ومنه يتجه عدم القول بالجواز، كما عن مجمع البرهان، بل قد يشعر به عبارة الارشاد كما اعترف هو به أيضا، وعن أبي علي أنه يجلد قبل الرجم بيوم لما روي (2) من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة " لكن في الرياض هو شاذ كالمنع من التأخير، بل لعله إحداث قول ثالث، لاتفاق الفتاوي على الظاهر على جوازه وإن اختلفوا في وجوبه وعدمه، وعلى هذا فالتأخير لعله أحوط وإن لم يظهر للوجوب مستند عليه يعتمد، نعم نسبه في السرائر إلى رواية الاصحاب، وفيه منع وصول ذلك إلى حد الاجماع المعتد به،


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) سنن البيهقي - ج 8 ص 220.

[ 347 ]

كمنع الاكتفاء بالمرسل المزبور مع الانجبار بما عرفت في وجوب الانتظار، وقد سمعت سابقا عدم الانتظار برجم المريض قبل الحد فضلا عما حصل به، ولعل خبر شراحة شاهد لما ذكرنا بناء على جواز مثل ذلك مما لا يعد تعطيلا ونحوه، فتأمل. (و) يجب أن (يدفن المرجوم) للامر بالحفر له في جملة من النصوص (1) المعتبرة ولو من جهة العمل وتأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ولكن لا يدفن إلا (إلى حقويه) لقول الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (2) " تدفن المرأة إلى وسطها ثم يرمي الامام ويرمي الناس بأحجار صغار، ولا يدفن الرجل إذا رجم إلا إلى حقويه ". (و) أما (المرأة) فتدفن (إلى صدرها) على الاشهر بل المشهور فيهما، للمرسل (3) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه حفر للعامرية إلى الصدر، وفي آخر (4) عنه (صلى الله عليه وآله) " أنه رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة " وفي كشف اللثام وقريب منه ما روى من دفن شراحة إلى منكبها أو ثدييها، وفي خبر أبي مريم (5) عن الباقر (عليه السلام) " أنه أتت امرأة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن قال: فحفر لها حفيرة في الرحبة وخاط عليها ثوبا جديدا وأدخلها الحفرة إلى الحقو دون موضع الثديين " الحديث. بل لعله المراد


(1) الوسائل - الباب - 14 و 15 - من ابواب حد الزناء وسنن البيهقي ج 8 ص 221 (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3. (3) سنن البيهقي - ج 8 ص 229 والحفر للمرأة الغامدية. (4) سنن البيهقي - ج 8 ص 221. (5) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب حد الزناء - الحديث 5.

[ 348 ]

من الوسط في الموثقات (6) وخصوصا ما سمعته سابقا منها المشتمل على التفصيل بينها وبين الرجل إذ لو لم يرد من الوسط فيه الصدر بل السرة لم يكن فرق بينها وبين الرجل، ضرورة قرب الحقوين من السرة على وجه لا يظهر في الدفن كما هو واضح. هذا ولكن عن المقنع والرجم أن يحفر له حفيرة مقدار ما يقوم فيها فتكون بطوله إلى عنقه فيرجم، وعن المقنعة والغنية التسوية بينهما إلى الصدر، وعن المراسم الحفر له إلى صدره ولها إلى وسطها، وعن الصدوق في الفقيه أن المرأة التي كفل ولدها عمرو بن حريث حفر لها أمير المؤمنين (عليه السلام) حفيرة ودفنها فيها إلى حقويها، وفي غيره أمر أن يحفر لها حفيرة ثم دفنها فيها، والجميع كما ترى. ونحوه ما عن ابن حمزة من عدم وجوب الحفر إن ثبت الاقرار بالزناء (الزناء بالاقرار خ ل) وفي الرياض " ويرده صريح الرواية السابقة في دفن أمير المؤمنين (عليه السلام) المرأة إلى موضع الثديين مع ثبوت زناها بالاقرار " وفيه أنه أعم من الوجوب مع قطع النظر عن التأسي. ثم لا ريب في انسياق الدفن من الحفر نصا وفتوى، لكن في كشف اللثام وأما الدفن فاعتبره الشيخ وابن إدريس والمحقق مطلقا كما في الكتاب والاخبار ولم يذكره الصدوق ولا سلار ولا ابن سعيد مطلقا، وفي الكافي والغنية انهما يدفنان إن ثبت زناهما بالبينة أو بعلم الامام (عليه السلام) لا إن ثبت بالقرار لتمكنه من الفرار إذا أراد، ولم يعتبر المفيد دفنه مطلقا وقصر دفنها على ما إذا ثبت زناها بالبينة لا بالاقرار. قلت: لا يخفى عليك ما في الجميع من المنافاة لظاهر النصوص بلا داع، بل الظاهر أن من ذكر الحفر أراد كونه مقدمة للدفن لا نفسه


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 و 3.

[ 349 ]

إذ لا فائدة فيه، وفي المسالك بعد أن استظهر من المتن الوجوب قال: " ويحتمل الاستحباب، بل إيكال الامر إلى الامام، لما روي (1) أن النبي (صلى الله عليه وآله) حفر للعامرية ولم يحفر للجهنية، وعن أبي سعيد الخدري (2) في قصة ماعز أمرنا رسول الله (برجمه فانطلقنا به إلى بقيع الفرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له حفيرة، ورميناه بالعظام والمدر والخزف، ثم اشتد واشتددنا له حتى أتى الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت " وروى الحسين بن خالد (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) أن ما عزا إنما فر من الحفيرة، وطرق الروايات الدالة على الحفر والتحديد غير نقية السند، ولكنها كافية في إقامة السنة " وتبعه الاردبيلي وفيه أنها مجورة بالعمل مع أن فيها الموثق، وما ذكره من المرسل وخبر أبي سعيد الخدري إنما هو من طرق العامة، فلا يصلح معارضا للنصوص المزبورة، والله العالم. (فان فر) من الحفيرة (أعيد إن ثبت زناه بالبينة) للاصل والنصوص، بل لا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام إجماعا كما هو الظاهر (ولو ثبت بالاقرار لم يعد) كما عن المفيد والحلبي وسلار وابني سعيد، بل نسب إلى الشهرة، لاطلاق المرسل (4) " عن المرجوم يفر قال: إن كان أقر على نفسه فلا يرد، وإن كان شهد عليه الشهود يرد " ومفهوم التعليل في الخبر الآتي مؤيدا ذلك بأنه بمنزلة للرجوع عن الاقرار وللشبهة والاحتياط في الدم. (وقيل) كما عن النهاية والوسيلة: (إن فر قبل إصابته


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 221 و 217 - 218 والقضية وردت في المرأة الغامدية. (2) سنن البيهقي ج 8 ص 221. (3) و (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 4.

[ 350 ]

بالحجارة أعيد) وإلا فلا، لخبر بصير (1) " قال لابي عبد الله (عليه السلام): ان المرجوم يفر من الحفيرة فيطلب قال: لا، ولا يعرض له إن كان أصابه حجر واحد لم يطلب، فان هرب قبل أن تصيبه الحجارة رد حتى يصيبه ألم العذاب " وخبر الحسين بن خالد (2) قال لابي الحسن (عليه السلام) أخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة هل يرد حتى يقام عليه الحد ؟ فقال: يرد ولا يرد، قال: وكيف ذاك ؟ فقال: إذ كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد، وإن كان إنما قامت عليه البينة وهو مجحد ثم هرب رد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد، وذلك أن ماعز بن مالك أقر عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالزناء فأمر به أن يرجم فهرب من الحفيرة فرماه الزبير بن العوام بساق بعير فعقله فسقط، فلحقه الناس فقتلوه، فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال: فهلا تركتموه إذا هو هرب يذهب، فانما هو الذي أقر على نفسه، قال: وقال لهم: أما لو كان علي عليه السلام حاضرا معكم لما ضللتم، قال: ووداه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيت مال المسلمين ". بل قد يناقش في الاول بمنع كون الهرب بمنزلة الرجوع في ذلك واحتمال اختصاص المرسل بصورة الفرار بعد الاصابة كما هو الظاهر في فرار من أقر على نفسه، والتعليل في قصة ماعز وارد في صورة الاصابة فلا يشمل غيرها وإن كان العبرة بالعموم دون المورد، بناء على أن صدر الرواية المعللة ظاهر في اعتبار الاصابة في عدم الاعادة إلى الحفيرة، فمفهومه في ذيله معارض بمفهوم الشرط أو القيد في صدره، فيتساقطان لو لم يكن الاول صارفا للثاني ومخصصا له بمورده، فلا حجة فيهما، والذب عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3 - 1.

[ 351 ]

مفهوم الشرط وإن كان ممكنا بدعوى ورود القيد مورد الغالب كما عرفته إلا أن في بعض النصوص ما يدل على اعتبار مفهومه هنا، كالمرسل في الفقيه (1) بغير واحد المحتمل للصحة عند بعض " إن كان أصابه ألم الحجارة فلا يرد، وإن لم يكن أصابه ألم الحجارة رد " وفيه أن ضعف الخبرين المزبورين مع عدم الجابر يمنع من العمل بهما في تقييد المرسل السابق المنجبر بهما، ودعوى اختصاصه بصورة الفرار بعد الاصابة لانه الظاهر واضحة المنع، كدعوى أن مقتضى الاصل بقاء الحد، فينبغي الاقتصار في إسقاطه على القدر المتيقن سقوطه منه بالنص والاجماع وهو الزائد عن ألم الحجارة، ويمكن أن يجبر به قصور السند، ضرورة انقطاع الاصل بالمرسل المنجبر بالعمل الذي لا أقل من أن يكون موجبا للتردد كما هو ظاهر السرائر والتحرير والصيمري، ومقتضاه عدم الاعادة درءا للحد بالشبهة إن لم نقل بعدم فائدتها بعد الاصل، هذا كله في الرجم. وأما الجلد فلا ينفع الفرار منه ولو كان زناه بالاقرار وفر بعد حصول شئ منه بلا خلاف، للاصل ولصريح الخبر (2) " الزاني يجلد فيهرب بعد أن أصابه الحد أيجب عليه أن يخلي عنه ولا يرد كما يجب للمحصن إذا رجم ؟ قال: لا ولكن يرد حتى يضرب الحد كاملا، قلت: فما فرق بينه وبين المحصن وهو حد من حدود الله تعالى ؟ قال: المحصن هرب من القتل ولم يهرب إلا إلى التوبة، لان عاين الموت بعينه، وهذا إنما يجلد فلابد أن يوفى الحد، لانه لا يقتل ". (ويبدأ الشهود برجمه وجوبا) كما صرح به بعض، بل في كشف اللثام نسبته إلى ظاهر الاكثر وأن في الخلاف والمبسوط الاجماع،


الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1.

[ 352 ]

لخبر زرارة (1) المنجبر بما عرفت عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا قامت عليه البينه كان أول من يرجمه البينة ثم الامام ثم الناس " ومرفوع عبد الله بن المغيرة وصفوان وغير واحد إليه (عليه السلام) أيضا (2) المنجبر بما سمعت مع أنه كالصحيح ومروي في الفقيه وغيره " إذا أقر الزاني المحصن كان أول من يرجمه الامام ثم الناس، فإذا قامت البينة كان أول من ترجمه البينة ثم الامام ثم الناس ". (و) منه مضافا إلى فعل علي (عليه السلام) في رجم شراحة الهمدانية وغيرها الثابت زناها بالاقرار يعلم الوجه فيما ذكره المصنف وغيره من أنه (لو كان مقرا بدأ الامام) بل قيل: إنه ظاهر الاكثر، وفي الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه، وحينئذ فيحمل إطلاق بدء الامام في جملة من النصوص على ذلك، فما وقع من بعض من الميل إلى الاستحباب لضعف المستند الذي عرفت انجباره، ولاطلاق بدأة الامام الذي عرفت أيضا تقييده، ولاستفاضة النصوص - (3) بقصة ماعز الذي لم يحضره النبي (صلى الله عليه وآله) فضلا عن بدأته مع أن زناه كان بالاقرار - التي لم تتضمن عدم حضوره، بل أقصاها عدم حكاية حضوره مع احتمال كونه لمانع، وعلى كل حال فعلى هذا تتفرع المسألة الآتية،


(1) لم اجد خبرا لزرارة بهذا اللفظ، والظاهر أنه (قده) اقتبسه من كشف اللثام، وهو سهو والصحيح " مرسل صفوان عن ابي عبد الله (عليه السلام) كما في المسالك، وقد رواه في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2 (2) اشار إليه في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2 وذكره في الفقيه ج 4 ص 26. (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 وسنن البيهقي ج 8 ص 214 و 219 و 221.

[ 353 ]

وهي وجوب حضور الشهود، والله العالم. (و) لا إشكال ولا خلاف في أنه (ينبغي) للامام ومن قام مقامه إذا أراد استيفاء الحد (أن يعلم الناس ليتوفروا على حضوره) بل الذي ينبغي له أيضا أن يأمرهم به، كما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) فانه نادى عند إرادة قيام الحد على الرجل المقر بما يوجبه: " يا معشر المسلمين أخرجوا ليقام على هذا الحد، ولا يعر فن أحدكم صاحبه (1) " ولما أراد (عليه السلام) إقامة الحد على الامرأة التي أقرت عنده أمر قنبرا بالنداء فيهم بالصلاة جامعة ثم صعد هو المنبر، وقال: " يا أيها الناس إن إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد لله... فعزم عليكم أمير المؤمنين لما خرجتم بكرا وأنتم متنكرون ومعكم أحجاركم " الحديث (2) إلى غير ذلك. مضافا إلى ما في ذلك من الزجر له ولغيره عن مثل فعله وغيره من المصالح التي هي حكمة الحد. (ويستحب أن يحضر إقامة الحد طائفة) كما عن الشيخ وجماعة بل عن المبسوط والخلاف نفي الخلاف فيه. (وقيل يجب) كما عن الحلي وجماعة، بل هو خيرة المنصف في النافع (تمسكا ب‍) ظاهر الامر في (الآية) (3) الذي هو الوجوب إن لم يتم نفي الخلاف السابق وإلا كان صارفا له، ولا ريب في أن الاحوط إن لم يكن الاقوى الوجوب. (و) على كل حال ف‍ (- اقلها) أي الطائفة (واحد) كما كما في القواعد والنافع ومحكي النهاية والجامع ومجمع البيان وظاهر التبيان، بل حكي عن ابن عباس، لشمول لفظها لغة له كما عن الفراء بناء على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 - 1. (3) سورة النور: 24 - الاية 2.

[ 354 ]

كونها بمعنى القطعة، ولقوله تعالى (1): " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " بدليل قوله تعالى (2): " فأصلحوا بين أخويكم " وللمرسل (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام " انها في الآية الواحد " بل في محكي التبيان ومجمع البيان رواية ذلك عن الباقر (عليه السلام) (4) وقيل: إثنان كما عن عكرمة لقوله تعالى (5): " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة " لان أقل الفرقة ثلاثة والخارج إثنان أو واحد، والاحتياط اعتبار الاثنين، وقيل: أربعة كما عن الشافعي لمناسبتها لما اعتبر في الشهادة. (وقيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف: أقلها (عشرة) حاكيا له عن الحسن (وخرج متأخر) وهو ابن إدريس أن أقلها (ثلاثة) كما عن الزهري وقتادة للعرف التي هي فيه كالجماعة التي أقلها ذلك، ولانها من الطوف والاحاطة والاحتفاف، فهي بمعنى جماعة تحف بالشئ كالحلقة، وأقل ذلك ثلاثين وعن ابن فارس في المقائيس " الطاء والواو والفاء أصل واحد صحيح يدل على دوران الشئ وأن يحف به، قال: فأما الطائفة من الناس فانهم جماعة تطيف بالواحد أو بالشئ - قال -: ولا تكاد العرب تحدها بحد معلوم إلا أن الفقهاء والمفسرين يقولون فيها مرة إنها أربعة فما فوقها ويقولون هي الثلاثة، ولهم في ذلك كلام، والعرب فيه ما أعلمتك أن كل جماعة يمكن أن تحف بشئ فهي عندهم طائفة قال -: ثم يتوسعون في ذلك من طريق المجاز فيقولون أخذ طائفة من الثوب أي قطعة منه، وهذا على معنى المجاز،


(1) و (2) سورة الحجرات: 49 - الاية 9 - 10. (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (4) مجمع البيان: ج 7 ص 124. (5) سورة التوبة: 9 - الاية 122.

[ 355 ]

لان الطائفة من الناس كالفرقة والقطعة منهم " وعن ابن إدريس أيضا أن شاهد الحال وألفاظ الاخبار يقتضي ذلك لان الحد إذا كان بالبينة فالبينة ترجمه وتحضر، وهم أكثر من ثلاثة، وإن كان باعترافه فأول من يرجمه الامام ثم الناس مع الامام، بل عن الجبائي من زعم أن الطائفة أقل من ثلاثة فقد غلط من جهة اللغة ومن جهة المراد بالآية احتياطه بالشهادة، وعن مختلف الفاضل وغيره إحالته على العرف، ولا ريب في اقتضائه الثلاثة فصاعدا كما اعترف به بعضهم، ولعله لا يخلو من قوة لو لا المرسلان المزبوران المنجبران بما سمعت. ولعله لذا قال المصنف (والاول حسن) ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. (وينبغي أن تكون الحجارة صغارا) كما في النصوص (1) (لئلا يسرع التلف) نعم يمكن إرادة الاحجار المعتدلة من الصغار في النصوص، ولعله لذا قال في القواعد وكشف اللثام: ولا يرجم بحصى صغار جدا يعذب بطول الضرب مع بقاء الحياة، وعلى كل حال فلا يكفي الرمي بصخرة واحدة تجهز عليه وتقتله لخروجه عن معنى الرجم، ولانه خلاف المأثور، ولا يقتل المرجوم بالسيف لعدم الامر به ولا جعل كفارة لذنبه، بل ينكل بفعل ما يزجر الغير ويدفعه عن فعل مثله. (و) كيف كان فقد (قيل) وإن كنا لم نتحققه: (لا يرجمه من لله قبله حد) لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر ميثم (2) " أيها الناس إن الله عهد إلى نبيه عهدا عهده محمد صلى الله عليه وآله إلي بأنه


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 و 3. (2) الوسائل الباب - 31 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 356 ]

لا يقيم الحد من لله عليه حد " وفي مرسل ابن أبي عمير (1) " من فعل مثل فعله فلا يرجمه ولينصرف، وفي خبر الاصبغ (2) " نشدت الله رجلا منكم لله عليه مثل هذا الحق أن يأخذ لله به، فانه لا يأخذ لله عز وجل بحق من يطلبه الله بمثله " إلى غير ذلك، ولذا نسبه في الرياض إلى المعتبرة المستفيضة قال: ففي الصحيح وما يقرب منه وغيرهما (3) " لا يقيم الحد من لله تعالى عليه حد فمن كان لله عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد " وفي الصحيح المروي عن تفسير علي بن إبراهيم (4) والمرفوع " لا يقيم حدود الله تعالى من في عنقه حد " ومن هنا مال هو إلى التحريم، إلا أنا لم نجد به قائلا صريحا وإنما حكاه المصنف كما سمعت. ثم قال: (وهو على كراهية) وفي القواعد الاشكال، بل نسبه في الرياض إلى ظاهر الاكثر بل المشهور كما في غاية المرام، بل في أثناء كلامه دعوى الاتفاق على الكراهة ظاهرا، وفي كشف اللثام نسبتها إلى ظاهر الاصحاب وصريح المصنف قال: " وفي السرائر وروى أنه لا يرجمه إلا من ليس لله سبحانه في جنبه حد، وهذا غير متعذر، لانه يتوب في ما بينه وبين الله تعالى ثم يرميه " ومن ذلك كله يقوى عدم الوجوب للاصل وحمل النهي المزبور على الكراهة التي هي كالمجاز المشهور فيه، مضافا إلى ما قيل من وجوب القيام بأمر الله تعالى وعموم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرجم من هذا القبيل وإن كان قد يناقش بأن مقتضاه الوجوب، وهو ينافي الكراهة المتفق عليها ظاهرا، وحينئذ فالمتجه ثبوتها بمطلق الحد وإن لم يكن مثل الذي أقيم على المحدود، كما هو ظاهر العبارة ونحوها، بل هو ظاهر صدر الصحيحة الاولى المنزل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2 - 4 - 1 - 3 والاول عن ابن أبي عمير عن زرارة.

[ 357 ]

عليها ما في ذيلها، نعم ظاهر المرسلة يدل على الثاني، ولكن لا منافاة بينه وبين غيره، على أن الحكم الكراهة المتسامح فيها، فالمتجه التعميم. هذا وظاهر النص والفتوى سقوط الحد بالتوبة قبل ثبوته عند الحاكم فيتجه حينئذ ما سمعته من ابن إدريس، لكن في الصحيح (1) " أنه لما نادى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك تفرق الناس ولم يبق غيره وغير الحسن والحسين (عليهما السلام) " ومن المستبعد جدا عدم توبتهم جميعا في ذلك الوقت، ويمكن أن يكون لعدم علمهم بالحكم. ثم إن الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين ثوبت الزناء بالاقرار والبينة، لكن عن الصيمري اختصاصه بالاول قائلا إنه محل خلاف وأنه إذا قامت البينة فالواجب بدأة الشهود، ولان النهي إنما ورد في صورة الاقرار. وفيه أن المورد لا يخصص الوارد ودليل وجوب بدأة الشهود لا يقتضي تخصيص النص والفتوى بما سمعت " بل العكس أولى، على أنه يجب عليهم التوبة في ما بينهم وبين الله تعالى. (ويدفن إذا فرغ من رجمه) بعد الصلاة عليه (ولا يجوز إهماله على حاله) بلا خلاف كما عن المبسوط الاعتراف به، بل ولا إشكال ضرورة كونه مسلما وفي النبوي (2) في المرجومة " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟ " ونحوه آخر (3) " لقد تابت توبة لو تابها صاحب ميسر لغفر الله له، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت " وفي المرتضوي (4)


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) سنن البيهقي ج 8 ص 225. (3) سنن البيهقي - ج 8 ص 221. (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 4.

[ 358 ]

" فأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فقيل يا أمير المؤمنين ألا نغسله ؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة، لقد صبر على أمر عظيم " وفي آخر عنه (عليه السلام) (1) " أنه أمر بدفع مرجومة إلى أوليائها، وأن يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم ". وظاهر العبارة وغيرها عدم الغسل، ولعله لانه لا يرجم إلا بعد التغسيل والتكفين إجماعا في محكي الخلاف وفي كشف اللثام، وزاد الصدوق والشيخان وغيرهم التحنيط كما في طهارة الكتاب ونهاية الاحكام والتذكرة والمنتهى، وفي المعتبر والذكرى أنهما لم يجدا في شئ من ذلك خلافا بين الاصحاب، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر كردويه (2): " المرجوم والمرجومة يغتسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ويصلى عليهما، والمقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل ويتحنط ويلبس الكفن ويصلى عليه " ونحوه في الفقيه (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قلت: قد تقدم تمام الكلام في ذلك في كتاب الطهارة (4) لكن في المسالك هنا عدم وجوب ذلك، قال متصلا بما سمعته من عبارة المتن: " وكذا تجب الصلاة عليه وغسله قبلها إن لم يكن اغتسل قبل أن يرجم " فان السنة آمرة بالاغتسال قبله " والله العالم. (ويجلد) الرجل (الزاني مجردا) عدا عورته كما في النافع


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب غسل الميت - الحديث 1 من كتاب الطهارة عن مسمع كردين. (3) اشار إليه في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب غسل الميت - الحديث 1 من كتاب الطهارة وذكره في الفقيه ج 1 ص 96 - الرقم 443. (4) راجع ج 4 ص 93 - 100.

[ 359 ]

والقواعد وغيرهما " بل عن غاية المرام أنه المشهور وإن كنا لم نتحققه، لان حقيقة الجلد ضرب الجلد " كقولهم ظهره وبطنه ورأسه أي ضرب ظهره وبطنه ورأسه ولخبر إسحاق بن عمار (1) " سئل الكاظم (عليه السلام) عن الزاني كيف يجلد ؟ قال: أشد الجلد، قال: من فوق الثياب، قال: لا بل يجرد " ونحوه آخر. (وقيل) كما عن الشيخ وجماعة بل هو المشهور كما اعترف به غير واحد، بل عن ظاهر الغنية الاجماع: يجلد (على الحال التي وجد عليها) إن عاريا فعاريا وإن كان كاسيا فكاسيا، نعم عن ابن إدريس ما لم يمنع الثوب من إيصال شئ من ألم الضرب، نحو ما عن المبسوط وإن كان يمنع من ألم الضرب كالفروة والجبة والمحشوة نزعها وترك بقميص أو قميصين. وعلى كل حال فيدل عليه قول الباقر (عليه السلام) في خبر طلحة بن زيد (2) المنجبر بما سمعت: " ولا يجرد في حد ولا يشبح - يعني يمد - ويضرب الزاني على الحال التي يوجد عليها إن وجد عريانا ضرب عريانا، وإن وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه " مؤيدا ببناء الحدود على التخفيف، ولذا تدرأ بالشبهة فضلا عن المقام، فيخص به حينئذ ما سمعت، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) " يجرد " لامكان إرادة التجريد حال الجلد، لانه كان حال الزناء مجردا وإن كان كاسيا حال ثبوت الزناء عليه، وحينئذ فلا حاجة إلى ما في كشف اللثام من أنه " قد يجمع بينه وبين ما تقدم بالتخيير، ثم قال: ولفظ " يوجد " في الخبر يحتمل الواو والجيم وإهمال الدال، والهمزة وإعجام الخاء والذال، وعلى كل حال فيحتمل الوجدان والاخذ على الزناء ويحتملهما عند الرفع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب حد الزناء - الحديث 3 - 7.

[ 360 ]

إلى الحاكم " ولا بأس به، وعن المقنع " ويجلدان في ثيابهما التي كانت عليهما حين زنيا، وإن وجدا مجردين ضربا مجردين " وفيه - كما عن المختلف - أن بدن المرأة عورة " فلا يجوز تجريدها كعورة الرجل، والخبر المزبور ظاهر في الرجل، واحتمال إرادة الجنس منه مجاز محتاج إلى قرينة، وهي مفقودة، بل لعل القرينة على خلافها موجودة. وكيف كان فيجلد (قائما) لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (1): " يضرب الرجل الحد قائما " ولان الحد يقام على الشهرة والقيام أبلغ فيها. ويجلد (أشد الضرب) لما سمعته من قول الكاظم (عليه السلام) (2) وقوله (عليه السلام) في خبر أخيه المروي عن قرب الاسناد (3) " ويجلد الزاني أشد الجلد " ونحوه المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) وفي خبر سماعة (5) عن الصادق (عليه السلام) " حد الزاني كأشد ما يكون من الحدود " وفي ما كتب الرضا (عليه السلام) لمحمد بن سنان (6) " وعلة ضرب الزاني على جسده بأشد الضرب لمباشرته الزناء واستلذاذ الجسد كله به، فجعل الضرب عقوبة له وعبر لغيره، وهو أعظم الجنايات ". (و) لكن (روى) حريز (7) عن الباقر (عليه السلام) أنه يضرب (متوسطا) قال: " ويضرب بين الضربتين " وعن بعض العمل به ولم نتحققه، والاول أشهر رواية وفتوى.


(1) و (2) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 3 - 4 - 8 - 6 -. (3) قرب الاسناد ص 111 ط حجر. (4) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3.

[ 361 ]

(ويفرق) الضرب (على جسده) لانه كما في بعض النصوص (1) استلذ بجميع أعضائه (ويتقى وجهه ورأسه وفرجه) تجنبا عن المثلة والقتل والعمى واختلال العقل، ولقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (2) على ما عن الفقيه والتهذيب: " ويضرب على كل عضو ويترك الوجه والمذاكير " وعن الكافي " ويترك الرأس والمذاكير " وعن علي (عليه السلام) " اضرب وأوجع واتق الرأس والفرج " وفي مرسل حريز (3) " يفرق الحد على الجسد كله ويتقي الوجه والفرج " وفي خبر محمد بن مسلم (4) " أن الرجم والضرب لا يصيبان الوجه وعن جماعة الاقتصار على استثناء الوجه والفرج، ومنهم الشيخ في المبسوط والخلاف وحكى في الاول استثناء الرأس قولا وفي الثاني عن أبي حنيفة وادعى الاجماع على خلافه، وعن الحلبي الاقتصار على الرأس والفرج، ولعله أدخل الوجه في الرأس هذا كله في الرجل. (و) أما (المرأة) ف‍ (تضرب جالسة وتربط عليها ثيابها) لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (5) يضرب الرجل قائما والمرأة جالسة ولانه أستر لها، ولذا ذكر المصنف وغيره ربط الثياب الذي يدل عليه في الجملة ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرجومة التي خاط عليها ثوبا جديدا وأنه أمر فشد على الجهنية ثيابها ثم رجمت، وقد سمعت سابقا ما عن المقنع، بل ربما نسب إلى الشيخ وجماعة وإن كنا لم نتحققه " ولكن على كل حال هو واضح الضعف كما عرفت، والله العالم.


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد الزناء - الحديث 8 - 1 - 6 - 1 -. (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 6.

[ 362 ]

(النظر الثالث في اللواحق) (وهي مسائل عشر:) (الاولى:) (إذا شهد أربعة) عدول (على امرأة بالزناء قبلا فادعت أنها بكر فشهد لها أربع نساء) عدول (بذلك فلا حد) عليها بلا خلاف أجده فيه، بل في الرياض إجماعا على الظاهر المصرح به في التنقيح، للشبهة الدارئة، ولقوي السكوني (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) " أنه أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرن إليها فقلن هي عذراء، فقال (عليه السلام): ما كنت لاضرب من عليها من خاتم الله تعالى شأنه " وخبر زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " في أربعة شهدوا على امرأة بالزناء فادعت البكارة فنظر إليها النساء فشهدن بوجودها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء " واحتمال عود البكارة فلا تنافي شهادة الزناء الموجبة للحد مع أنه كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى لا ينافي تحقق الشبهة الدارئة، فتأمل. بل لعل الظاهر سقوطه مع اطلاق الشهادة به المحتملة كونه في الدبر للشبهة وللخبرين المزبورين، لكن في المسالك ثبوت الزناء مع الاطلاق، لعدم المنافاة. وفيه ما عرفت، نعم لو صرح الشهود بكونه دبرا اتجه حينئذ


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 44.

[ 363 ]

ثبوته ولو علم البكارة كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (هل يحد الشهود للفرية قال) أبو علي والشيخ (في النهاية) وابن إدريس في كتاب الشهادات على ما حكي: (نعم) لان تقديم شهادة النساء في الخبر السابق يستلزم رد شهادتهم المستلزم لكذبهم، وفيه منع ظاهر، لجواز قبول الشهادتين بالتعارض المقتضي للشبهة، ولاحتمال عود البكارة، وإن بعد، ولا شعار ترك ذكره في الخبرين. (و) لعله لذا رجع عنه الشيخ ف‍ (قال في المبسوط: لا حد) عليهم لما عرفت لا (لاحتمال الشبهة في المشاهدة) الذي لا يخفى عليك ما فيه، وكذا رجع عنه ابن إدريس في المحكي عنه في الحدود، ضرورة تعارض البينتين الموجب للشبهة المسقطة، بل ينبغي الجزم بذلك مع إطلاق الشهادة المحتمل لكونه في الدبر المقتضي لعدم تحقق الفرية أيضا. وبذلك كله يظهر لك ما في قول المصنف: (والاول أشبه) ضرورة كون الاشبه بأصول المذهب وقواعده السقوط لا الثبوت والله العالم. وكذا يسقط الحد عن الزاني الذي شهدوا على زناه بها قبلا أو أطلقوا، للشبهة. ولو ثبت جب الرجل المشهود على زناه في زمان لا يمكن حدوث الجب بعده درئ الحد عنه وعن التي شهد أنه زنى بها وحد الشهود للفرية بتحقق كذبهم، وكذا يسقط الحد عنها لو شهدن النساء بأنها رتقاء ولكن قيل حد الشهود لعدم إمكان حدوث الرتق عادة، وفيه أن غايته التعارض بين الشهادتين، ومثله القول في الجب، نعم إن حصل العلم به أو بالرتق بالمعاينة أو شهادة عدد التواتر وكان المشهود به الزناء قبلا اتجه حينئذ حدهم للفرية، والله العالم.

[ 364 ]

المسألة (الثانية:) (لا يشترط) عندنا (حضور الشهود عند إقامة الحد) ولو رجما على معنى سقوطه بعدمه كما عن أبي حنيفه (بل يقام وإن ماتوا أو غابوا لا فرارا الثبوت السبب الموجب) وللاصل وإن وجب بدأتهم بالرجم " إذ لا استلزام بينه وبين الاشتراط، بل ولا دليل على وجوب التأخير إلى حضورهم إذا توقع، إذ لا نظرة في الحدود، نعم إن غابوا فرارا سقط الحد للشبهة، ويرشد إليه حسن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل أتي به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد عليه رجلان بالسرقة فأمرهما بأن يمسك أحدهما يده ويقطعها الآخر ففرا، فقال المشهود عليه: " يا أمير المؤمنين شهد علي الرجلان ظلما فلما ضرب الناس واختلطوا أرسلاني وفرا ولو كانا صادقين لم يرسلاني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من يدلني على هذين أنكلهما ". المسألة (الثالثة:) (قال الشيخ: لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم) للاصل (ولعل الاشبه الوجوب، لوجوب بدأتهم بالرجم) نصا (2) وإجماعا محكيا كما تقدم الكلام فيه سابقا وكذا يجب على الامام الحضور


(1) الكافي ج 7 ص 264. (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2.

[ 365 ]

ليبدأ بالرجم الذي أثبته الاقرار، بل قد يفهم من النصوص السابقة المتضمنة لابتداء رجم الشهود ثم الامام وجوب حضوره (عليه السلام) أيضا لو ثبت الزناء بالبينة، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (إذا كان الزوج أحد الاربعة فيه روايتان:) إحداهما القبول وهو خيرة الاكثر، وهي رواية إبراهيم بن نعيم (1) عن الصادق (عليه السلام) " سأله عن أربعة شهدوا على امرأة بالزناء أحدهم زوجها، قال: تجوز شهادتهم " والاخرى العدم وهي رواية زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " في أربعة شهدوا على امرأة بالزناء أحدهم زوجها، قال: يلاعن ويجلد الآخرون، وعن جماعة العمل بها إلا أنها ضعيفة جدا ولا جابر ومخالفة للعمومات، فهي قاصرة عن معارضة الاولى من وجوه. ولكن في المتن (ووجه الجمع سقوط الحد إن اختل بعض شروط الشهادة، مثل أن يسبق الزوج بالقذف فيحد الزوج أو يدرأ باللعان فيحد الباقون، وثبوت الحد إن لم يسبق بالقذف ولم يختل بعض الشرائط) وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب اللعان (3).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب اللعان - الحديث 1 - 2. (3) راجع ج 34 ص 81 - 83.

[ 366 ]

المسألة (الخامسة:) قد تقدم في كتاب القضاء (1) أن للحاكم أن يحكم بعلمه مطلقا لانه أقوى من البينة. وحينئذ ف‍ (يجب على الحاكم إقامة حدود الله تعالى بعلمه كحد الزناء) لانه المطالب به والمستوفي له و (أما حقوق الناس فتقف إقامتها على المطالبة حدا كان أو تعزيرا) كما يرشد إليه خبر الحسين بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سمعته يقول: الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه قلت: كيف ذلك ؟ قال: لان الحق إذا كان لله فالواجب على الامام إقامته وإذا كان للناس فهو للناس " وفي الصحيح (3) " إذا أقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق الله تعالى، وإذا أقر على نفسه أنه شرب خمرا حده، فهذا من حقوق الله تعالى، وإن أقر على نفسه بالزناء وهو غير محصن فهذا من حقوق الله تعالى، وأما حقوق المسلمين فإذا أقر على نفسه عند الامام بفرية لم يحده حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه، وإذا أقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوه بدم صاحبهم " وبمعناه الصحيح الآخر (4) في حقوق الناس " من أقر على نفسه عند الامام بحق أحد من المسلمين فليس على الامام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به عنده حتى يحضر صاحب الحد أو وليه ويطلب


(1) راجع: ج 40 ص 88 - 92. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 3 - 1 - 2.

[ 367 ]

بحقه " وقد تقدم تمام الكلام في المسألة في كتاب القضاء (1) والحمد لله. المسألة (السادسة:) (إذا شهد بعض وردت شهادة الباقين) أو رد شهادة الجميع (قال في الخلاف والمبسوط) ومحكي السرائر والجامع والتحرير: (إن ردت بأمر ظاهر) كالعمى والفسق الظاهر (حد الجميع) لثبوت قذفهم وانتفاء ما يدرأ عنهم حده، وهو ثبوت المقذوف به مع تفريط العدل منهم لعلمه بحال الباقي (وإن ردت بأمر خفي) لا يطلع عليه إلا آحاد الناس ولم يعلموا به كالفسق الخفي (فعلى المردود الحد) خاصة (دون الباقين) لعدم التفريط منهم، والاصل البراءة، إلا أن المحكي عن المبسوط أنه لا يحد المردود الشهادة أيضا، محتجا له في محكي المختلف بأنه قد لا يعلم أنه ترد شهادته بما ردت به، فكان كالثلاثة، وأجاب بالفرق بأنه يعلم أنه على صفة ترد الشهادة مع العلم بها بخلاف الثلاثة. (و) على كل حال ف‍ (فيه) أي التفصيل المزبور (إشكال من حيث تحقق القذف العاري عن بينة) أو شبهة دارئة للحد، والتفريط وعدمه لا مدخلية له بعد تناول إطلاق الادلة، نعم لو كانوا مستورين ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم فلا حد عليهم للشبهة، مع أن في خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) " في أربعة شهدوا على رجل بالزناء فلم يعدلوا، قال: يضربون الحد " لكنه ضعيف


(1) راجع ج 40 ص 86 - 92. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب حد القذف - الحديث 4.

[ 368 ]

محتمل لظهور الفسق، فالمتجه في الفرض حينئذ عدم ثبوت الزناء، فيوقف الحكم إلى أن يظهر حالهم فاما أن يحدهم أو المشهود عليه، وقبل ذلك يدرأ الحد عنه وعنهم، والله العالم. (ولو رجع) منهم (واحد) مثلا (بعد شهادة الاربع) والحكم بها (حد الراجع دون غيره) قطعا، لصدق الاتيان بالبينة المسقطة، بل مقتضى إطلاق المصنف وغيره من الاصحاب أنه كذلك أيضا قبل الحكم بها للاطلاق المزبور، لكن قد يشكل بأن الرجوع قبل الحكم بمنزلة عدم الشهادة، بل في كشف اللثام الجزم بذلك فيحد الجميع حينئذ بخلاف الاول، قال: وعليه ينزل إطلاق الاصحاب، قلت: قد يقال: إن مقتضى الآية وغيرها السقوط أيضا، خصوصا مع بناء الحد على التخفيف والله العالم. المسألة (السابعة:) (إذا وجد مع زوجته رجلا يزني بها) وعلم بمطاوعتها له (فله قتلهما) وإن لم يكن له استيفاء الحد (ولا إثم) عليه كما عن الشيخ وجماعة القطع به، لكن قيده كما عن ابن إدريس باحصانهما ومقتضى إطلاق المصنف وغيره، بل عنه في النكت القطع به الاطلاق أي سواء كان الفعل يوجب الرجم أو الجلد، كما لو كان الزاني غير محصن أو كانا غير محصنين، وسواء كان الزوجان حرين أم عبدين أم بالتفريق، وسواء كان الزوج قد دخل أم لا، وسواء كان دائما أم متعة لاطلاق الرخصة المستفادة من إهدار دم من اطلع على قوم ينظر إلى عوراتهم

[ 369 ]

وما ورد (1) من إهدار دم من راود امرأة على نفسها حراما فقتلته، وخبر الفتح بن يزيد الجرجاني (2) قال لابي الحسن (عليه السلام): " رجل دخل دار غيره ليتلصص أو للفجور فقتله صاحب الدار، فقال: من دخل دار غيره هدر دمه، ولا يجب عليه شئ " وما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) " في رجل قتل رجلا وادعى أنه رآه مع امرأته، فقال (عليه السلام): عليه القود إلا أن يأتيه ببينة ". ولكن في الصحيح (4) " أن داود بن فرقد قد سمع الصادق (عليه السلام) يقول: إن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قالوا لسعد بن عبادة: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا ؟ قال: كنت أضربه بالسيف، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ماذا يا سعد ؟ قال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت تصنع به ؟ قلت: أضربه بالسيف، فقال: يا سعد وكيف بالاربعة الشهود ؟ فقال: يا رسول الله بعد رأي عيني وعلم الله أن قد فعل قال: أي والله بعد رأي عينك وعلم الله أن قد فعل، لان الله عزوجل قد جعل لكل شئ حدا، وجعل لمن تعدى ذلك الحد حدا ". ويمكن أن يكون بيانا للحكم في الظاهر وإن لم يكن عليه إثم في ما بينه وبين الله، إذ لا إشكال (و) لا خلاف في أنه (في الظاهر عليه القود إلا أن يأتي على دعواه ببينة أو يصدقه الولي) وفي صحيح


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب القصاص في النفس من كتاب القصاص. (2) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص (3) الوسائل - الباب - 69 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 370 ]

آخر له (1) أيضا من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ما كتبه معاوية إلى أبي موسى من أن ابن أبي الحسن وجد مع امرأته رجلا فقتله: " إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد وإلا دفع برمته " ومقتضاه كالاول عدم القود مع البينة مطلقا سواء كان الزناء موجبا للرجم أو الجلد. ولا يشكل ذلك بعدم ثبوت مقتضى القتل، والرخصة منوطة بحكمه في نفس الامر لا في الظاهر، وذلك لانها أباحت له قتلهما مطلقا، وإنما يتوقف جريان هذا الحكم ظاهرا على إثبات أصل الفعل، ويختص تفصيل الحد بالرجم والجلد وغيرهما بالامام دون الزوج، كما هو مقتضى ما سمعته من النصوص المفيدة ذلك المعتضدة بالعمل، نعم هي مختصة بمشاهدة الزوج دون البينة التي سماعها من وظيفة الحاكم، بل ودون الاقرار وإن استشكل فيه في المسالك، والله العالم. المسألة (الثامنة:) (من افتض بكرا) حرة (باصبعه لزمه مهر نسائها) بلا خلاف أجده فيه رجلا كان أو امرأة، ففي صحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) " في امرأة افتضت جارية بيدها قال: عليها المهر وتضرب الحد " ونحوه في طريق آخر (3) ولكن بابدال ضرب الحد بجلد ثمانين كما في ثالث (4) " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى بذلك وقال: " تجلد ثمانين " وإطلاق الجارية وإن شمل الحرة والامة، بل عن المفيد والصدوق إطلاق المهر من غير تفصيل إلا أن


(1) الوسائل - الباب - 69 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 4 - 3.

[ 371 ]

المنساق منها هنا الحرة (و) لذا وما تسمعه فصل غيرهما، فالمصنف والاكثر على أنه (لو كانت أمة لزمه عشر قيمتها) لخبر طلحة بن زيد (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " إذا اغتصب الرجل أمة فافتضها فعليه عشر ثمنها، فان كانت حرة فعليه الصداق " المنجبر بما عرفت وبالنصوص (2) المتقدمة في كتاب النكاح (3) المشتملة على أن من وطئ أمة غيره بغير إذنه وكانت بكرا فعليه ذلك بل (و) بما (قيل) من عمل المتأخرين به كافة عدا الفاضل في المختلف، فاختار فيه أنه (يلزمه الارش) تبعا للحلي عملا بقاعدة الجناية، وثاني الشهيدين في المسالك، فمال إلى وجوب أكثر الامرين، (و) هما معا كما ترى منافيان لما عرفت من أن (الاول مروي) في الخبر (4) المعتبر الذي يجب الخروج به عن القاعدة وغيرها. ثم إن الظاهر إرادة التعزير من الحد في الصحيح والمحكي من عبارة المقنع كما يطلق عليه كثيرا، ضرورة عدم حد في ذلك، خصوصا بعد التصريح في غيره بالثمانين التي يحكى عن المفيد والديلمي أنها أكثره، قالا فيجلد حينئذ من ثلاثين إليها، وعن الشيخ من ثلاثين إلى سبعة وتسعين وعن ابن إدريس إلى تسعة وتسعين تنزيلا على قضية المصلحة أو لا تقدير فيه قلة ولا كثرة، فيفوض إلى رأي الحاكم كما عن الاكثر، ولعله الاقوى، لاطلاق ما دل على ذلك فيه، ولا معارض له إلا خبر الثمانين الظاهر في تعينها، ولا قائل به أصلا، فيطرح أو يكون المراد بيان أحد


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 35 و 67 - من ابواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح. (3) راجع ج 30 ص 218 - 222. (4) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب حد الزناء - الحديث 5.

[ 372 ]

أفراده، ولو كان المفتض بالصبع الزوج فعل حراما، قال بعضهم وعزر واستقر المسمى، فتأمل. المسألة (التاسعة:) (من تزوج أمة على حرة مسلمة فوطئها) عالما بالتحريم (قبل الاذن) من الحرة في ذلك ولو لاحقة (كان عليه ثمن حد الزاني) لخبري حذيفة بن منصور (1) ومنصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل تزوج أمة على مسلمة ولم يستأمرها قال: يفرق بينهما، قال: فعليه أدب، قال: نعم إثنا عشر سوطا ونصف - ثمن حد الزاني - وهو صاغر، قلت: فان رضيت الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل، قال: لا يضرب، يبقيان على النكاح الاول " وكذا في صحيح هشام بن سالم (3) عنه (عليه السلام) أيضا " في من تزوج ذمية على مسلمة " وفي هذا الخبر وغيره ما صرح به غير واحد من أن طريق التنصيف أن يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به، ولعله المتبادر، وقيل أن يضرب بين الضربين، ولا شاهد عليه. ثم إنه لا تصريح في الخبرين المزبورين بالوطء، إلا أنه قد ذكره المصنف وغيره، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن بعض الاجماع عليه، ولعله لانه المنساق، أو لما في كشف اللثام من أنه بناء على صحة التزويج وإباحته والتوقف على الاذن ابتداء أو استدامة لكن في الرياض " فيه


(1) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 2 من كتاب النكاح (2) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب ما يحرم بالكفر - الحديث 4 من كتاب النكاح

[ 373 ]

نظر، لمصير جملة منهم إلى فساد العقد من أصله، كما مر في النكاح وإن كان الاصح خلافه، لما مر ثمة مع تأيده بما حكموا به هنا، إذ لو لا الصحة لزم بالوطء الحد كملا لا ثمنا، هذا مع أن الحكم بالصحة لا يستلزم نفي العقوبة إلا باستلزامها الاباحة، والملازمة في أمثال المقام ممنوعة، سيما بعد الاتفاق على الحرمة فتوى ورواية وحينئذ فيحتمل لزوم ثمن الحد، لارتكابها لا لفساد المناكحة، مع أن فسادها يقتضي إيجاب تمام العقوبة لا بعضها كما عرفته، وبالجملة الوجه في اعتبارهم الوطء غير واضح إلا أن يدعى تبادر التزويج المتضمن له من التزويج المطلق في النصوص، ويحتاج إلى تأمل " قلت قد سمعت ما في كشف اللثام من كون ذلك مبنيا على الصحة والاباحة والاذن سابقا أو لاحقا، ودعوى الاتفاق المزبور على الحرمة واضحة المنع، ضرورة انسياق إرادة معاملته معاملة النكاح غير المتوقف على الاذن من النهي فيهما لا مجرد إيقاع العقد وإن تعقبه الاستئمار كما هو واضح. ومن زوج أمته من غيره ولو كان عبده ثم وطئها عالما بالتحريم فعليه الحد كملا جلدا أو رجما بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق الادلة وخصوص الصحيح (1) " في رجل زوج أمته رجلا ثم وقع عليها، قال: يضرب الحد " والله العالم. المسألة (العاشرة:) (من زنى) مثلا (في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب زيادة على الحد) بحسب ما يراه الحاكم (لانتهاكه الحرمة،


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد الزناء - الحديث 2.

[ 374 ]

وكذا لو كان في مكان شريف) كالمساجد والمشاهد المشرفة بلا خلاف أجده فيه (أو زمان شريف) كما في المرسل (1) " أنه أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجاشي الشاعر وقد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين ثم حبسه ليلة ثم دعا به من الغد فضربه عشرين سوطا، فقال: يا أمير المؤمنين ضربتني ثمانين في شرب الخمر فهذه العشرون ما هي ؟ فقال: هذه لجرأتك في شهر رمضان " ومن التعليل يستفاد الحكم لغير مورده كما فهمه الاصحاب، ويشهد له الاعتبار، بل لا يبعد ملاحظة الخصوصيات أيضا في الازمنة والامكنة، كليلة القدر من شهر رمضان وقرب المضاجع المعظمة من المشاهد مثلا إلى غير ذلك مما يكون فيه هنك حرمة أو زيادة هتك، والله العالم. الباب الثاني (في اللواط والسحق والقيادة) (أما اللواط فهو وطء الذكران) من الآدمي (بايقاب وغيره) واشتقاقه من فعل قوم لوط، وحرمته من ضروري الدين فضلا عما دل عليه في الكتاب (2) المبين وسنة سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1. (2) سورة الاعراف: 7 - الاية 80 وسورة النمل: 27 - الاية 54 و 55.

[ 375 ]

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) " من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا " وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا، ثم قال: إن الذكر ليركب الذكر فيهتز العرش لذلك، وإن الرجل لو أتي في حقبه فيحبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، ثم يؤمر به إلى جهنم فيعذب بطبقاتها طبقة طبقة حتى يرد إلى أسفلها، ولا يخرج منها " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) " لو كان ينبغي لاحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي " وفي آخر عنه (عليه السلام) (3) أيضا " اللواط ما دون الدبر، والدبر هو الكفر " وقال الصادق (عليه السلام) (4): " حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج، إن الله تعالى أهلك أمة بحرمة الدبر، ولم يهلك أحدا بحرمة الفرج " وسأله (عليه السلام) حذيفة (5) عن اللواط فقال: " بين الفخذين، وسأله عن الوقب فقال: ذلك الكفر بما أنزله الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) " إلى غير ذلك. والمراد بالايقاب على ما في المسالك: إدخال الذكر ولو بعض الحشفة لان الايقاب لغة الادخال، فيتحقق الحكم وإن لم يجب الغسل " لكن في الروضة والرياض هو إدخال شئ من الذكر في دبره ولو بمقدار الحشفة وظاهرهم هنا الاتفاق على ذلك وإن اكتفوا في تحريم أمه وأخته وبنته


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 1 وذيله في الباب - 18 - منها - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد اللواط - الحديث 2. (3) و (5) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 - 3 من كتاب النكاح. (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 376 ]

بادخال البعض، وهو مناف لما سمعته منه في المسالك التي حكى فيها عن الفاضل في القواعد حده غيبوبة الحشفة، ورده بأن مطلق الايقاب لا يدل على ذلك، ونحوه ما في كشف اللثام من أن النصوص والفتاوي مطلقة تتناول ما دون ذلك، قال: ويمكن تعميم الحشفة للكل والبعض. وعلى كل حال فالظاهر أن إطلاق اللواط على غيره من التفخيذ أو الفعل بين الاليتين من المجاز، وإدراج المصنف له في تعريفه تبعا للنصوص التي منها ما سمعته، بل ربما كان الظاهر من بعضها كونه المراد من اللوطي. (و) كيف كان ف‍ (كلاهما لا يثبتان إلا بالاقرار أربع مرات) الذي قطع به الاصحاب، ففي الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) في ملا من أصحابه إذ أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهرني، فقال يا هذا إمض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك، فلما كان من غد عاد إليه - وقال مثل ذلك، فأجابه (عليه السلام) كذلك إلى أن فعل ذلك أربع مرات - فلما كانت الرابعة قال له: يا هذا إن رسول الله (صلى الله عليه وآ له) حكم في مثلك بثلاثة أشياء فاختر أيهن شئت، قال: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار، فقال: يا أمير المؤمنين أيهن أشد علي ؟ قال: الاحراق، قال: فاني اخترتها، ثم قام فصلى ركعتين ثم جلس في تشهده، فقال: أللهم إني قد أتيت من الذنب ما علمته، وتخوفت من ذلك فجئت إلى وصي رسولك وابن عم نبيك فسألته أن يطهرني فخيرني بثلاثة أصناف من العذاب، وإني قد اخترت أشدها، أللهم فاني أسألك أن تجعل ذلك


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد اللواط - الحديث 1.

[ 377 ]

كفارة لذنوبي وأن لا تحرقني بنارك في آخرتي، ثم قام وهو باك حتى جلس في الحفيرة التي حفرها له أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يرى النار تأجج حوله " فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) وبكى أصحابه جميعا وقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الارضين، وأن الله قد تاب عليك فقم ولا تعاودن شيئا مما فعلت ". (أو شهادة أربعة رجال بالمعاينة) على حسب ما سمعته في الزناء. (و) لكن (يشترط في المقر البلوغ وكمال العقل والحرية والاختيار فاعلا كان أو مفعولا) إذ لا عبرة باقرار الصبي والمجنون والعبد الذي هو إقرار في حق سيده والمكره (ولو أقر دون أربع لم يحد وعزر) لثبوت الفسق بذلك، لعموم إقرار العقلاء (1) وإن لم يثبت الحد، إذ لا تلازم، نحو ما سمعته في الزناء وإن توقف فيه بعض الناس وتبعه في الرياض، فانه بعد أن نسب إليهم ذلك معللين له بالاعتراف بالفسق قال: " ولم أعرف دليل الكلية مع منافاة الحكم مطلقا الصحيحة السابقة حيث لم ينقل فيها التعزير في الاقرارات الثلاثة " وفيه أن ذلك أعم وقد مر كلية قبول الاقرار والتعزير على كل معصية معلومة والله العالم. (ولو شهد بذلك دون الاربعة لم يثبت وكان عليهم الحد للفرية) وإن انضم إليهم النساء، إذ لا يثبت بشهادتهن انفردن أو انضممن، لعموم الاخبار (2) بعدم قبول شهادتهن في الحدود، خلافا للصدوقين وابن زهرة كما تقدم الكلام فيه في كتاب الشهادات، وخروج الزناء على


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 24 - من كتاب الشهادات - الحديث 29 و 30 و 42.

[ 378 ]

بعض الوجوه بدليله لا يقتضي التعدية بعد حرمة القياس عندنا. (و) لا يثبت بغير ما عرفت للاصل وغيره. نعم (يحكم الحاكم فيه بعلمه) الذي هو أعظم من البينة (إماما كان أو غيره على الاصح) الذي تقدم في كتاب القضاء، وما عن الكافي من أنه إن تزيا بزي المرأة واشتهر بالتمكين من نفسه وهو المخنث في عرف العادة قتل صبرا وإن فقد البينة والاقرار بايقاع الفعل، لنيابة الشهرة منابهما - لا يخفى ما فيه ما لم يصل ذلك إلى حد العلم للحاكم أو الشهود الذين يشهدون عنده، كما هو واضح. (وموجب الايقاب) بالفتح (القتل) بالكيفية الآتية (على الفاعل والمفعول) بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه (إذا كان كل منهما بالغا عاقلا) مختارا (ويستوي في ذلك الحر والعبد والمسلم والكافر والمحصن وغيره) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المسالك العبد هنا كالحر بالاجماع وإن كان الحد بغير القتل، وليس في الباب مستند ظاهر غيره. (ولو لاط البالغ) العاقل المختار (بالصبي موقبا قتل البالغ) لانه حده (وأدب الصبي وكذا لو لاط بمجنون) بما يراه الحاكم مع الشعور به، لخبر أبي بكر الحضرمي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وامرأة قد لاط زوجها بابنها من غيره وثقبه وشهد عليه الشهود بذلك، فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فضرب بالسيف حتى قتل، وضرب الغلام دون الحد، وقال: لو كنت مدركا لقتلتك، لامكانك إياه من نفسك " ولو لاط الصبى أو المجنون بمثلهما أدبا معا. (ولو لاط بعبده حدا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد اللواط - الحديث 1.

[ 379 ]

قتلا) مع الايقاب (أو جلدا) بدونه، خلافا لبعض العامة، فنفي الحد بوطء المملوك، لشبهة عموم تحليل ملك اليمين. (ولو ادعى العبد الاكراه سقط عنه دون المولى) لقيام القرينة فيه المقتضية للشبهة فيه دونه، بل في الرياض ومنه يظهر انسحاب الحكم في ما لو ادعى الاكراه من غير مولاه مع إمكانه. وكذا في كل من ادعاه معه كما صرح به جماعة، لعموم (1) درء الحد بالشبهة. (ولو لاط مجنون بعاقل حد العاقل) بلا خلاف ولا إشكال (وفي ثبوته على المجنون قولان: أشبههما) بأصول المذهب وقواعده وأشهرهما عملا بل عن الغنية الاجماع عليه (السقوط) خلافا للمحكي عن الشيخين وأتباعهما استنادا إلى وجوبه عليه مع الزناء، والاصل عندنا ممنوع كما عرفته سابقا، ولو لاط الصبي ببالغ قتل البالغ وأدب الصبي كما في القواعد وشرحها لعموم الادلة، وليس هو كزناء الصبي بالمرأة المحصنة الذي وجد فيه النص (2) على أنها لا ترجم، وقد يقال بمثله هنا، لاطلاق ما دل (3) على أن حد الواطئ، مثل حد الزاني، ولعله لذا تركه المصنف. (ولو لاط الذمي بمسلم قتل وإن لم يوقب) بلا خلاف أجده فيه لهتك حرمة الاسلام فهو أشد من الزناء بالمسلمة، كما أن الحربي أشد من الذمي (ولو لاط بمثله كان الامام مخيرا بين إقامة الحد عليه وبين دفعه إلى أهل) ملت‍ (ه ليقيموا عليه حدهم) على نحو ما سمعته في الزناء، إذ لا نص هنا بالخصوص عليه، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد اللواط - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد اللواط - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط.

[ 380 ]

(وكيفية إقامة هذا الحد القتل إن كان إيقابا) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص. (و) لكن (في رواية) حماد بن عثمان (1) وغيرها (إن كان محصنا رجم وإن كان غير محصن جلد) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل أتى رجلا قال: إن كان محصنا القتل وإن لم يكن محصنا فعليه الحد، قلت: فما على المؤتى ؟ قال: عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن " وفي صحيح أبي بصير (2) عنه (عليه السلام) أيضا " إذا ثقب وكان محصنا الرجم " وفي رواية زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " اللواط حده حد الزاني " وقد عرفت التفصيل في حد الزاني وفي رواية العلاء بن الفضيل (4) عنه (عليه السلام) أيضا " حد اللوطي مثل حد الزاني، وقال: إن كان قد أحصن رجم وإلا جلد وفي مرسل ابن أبي عمير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " في كتاب علي (عليه السلام) إذا وجد الرجل مع الغلام في لحاف واحد مجردين ضرب الرجل وأدب الغلام، وإن كان ثقب وكان محصنا رجم " إلى غير ذلك. (و) لكن (الاول أشهر) رواية في العمل، بل قد عرفت عدم الخلاف فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه، فوجب حمل النصوص المزبورة القاصر بعضها سندا وآخر دلالة - إذ إثبات الرجم على المحصن


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط - الحديث 4 - 1 - 3. وفي الثاني " الملوط حده.. " (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد اللواط - الحديث 7. (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد اللواط - الحديث 7 عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام)

[ 381 ]

لا ينافي الحكم بقتل غيره مضافا إلى اشتمال بعضها على التفصيل بين الواطئ والموطوء المعلوم عدم عامل به إلا ما يحكى عن ظاهر اقتصار الفقيه عليه وصريح المقنع على التقية أو طرحها. (ثم) المشهور بل عن ابن إدريس نفي الخلاف فيه، بل عن الغنية والانتصار الاجماع عليه إلا أنهما لم يذكرا الاحراق - أن (الامام مخير في قتله بين ضربه بالسيف أو تحريقه أو رجمه أو إلقائه من شاهق أو إلقاء جدار عليه) وما عن السيد وسلار من عدم ذكر الاولين والاخير ليس خلافا وإلا كان محجوجا بما سمعته من النصوص (1) مضافا إلى خبر القداح (2) عن الصادق (عليه السلام) " أنه كتب خالد إلي أبي بكر أنه أتي برجل يؤتى في دبره فاستشار أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أحرقه بالنار، فان العرب لا ترى القتل شيئا " وإلى ما سمعته من نصوص الرجم مع الاحصان (3) بل قد يفهم مما مر من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (4) " لو كان ينبغي لاحد أن يرجم مرتين لرجم اللوطي " وعنه (عليه السلام) (5) أيضا " أنه رجم بالكوفة رجلا كان يؤتى في دبر ه " وعن (عليه السلام (6) أيضا أنه قال في اللواط: " هو ذنب لم يعص الله به إلا أمة من الامم فصنع بها ما ذكره في كتابه من رجمهم بالحجارة، فارجموهم كما فعل الله عزوجل " وعنه (عليه السلام) (7) أيضا " إذا كان الرجل كلامه النساء ومشيته مشية النساء ويمكن


(1) و (2) و (4) و (7) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد اللواط - الحديث 0 - 9 - 2 - 5. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط. (5) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب حد اللواط - الحديث 6. (6) المستدرك - الباب - 15 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 382 ]

من نفسه فينكح كما تنكح النساء فارجموه ولا تستحيوه ". نعم لم أقف على الاخير إلا ما في كشف اللثام من أن فيه خبرا عن الرضا (عليه السلام) (1) وهو وإن كان مرسلا إلا أنه كضعف غيره منجبر بما عرفت، ومن هنا لا يعارض مفهوم العدد في الحسن منطوق غيره، مع أن ظاهره كون التخيير إلى المحدود دون الامام، وهو خلاف النص والفتوى. (ويجوز أن يجمع بين أحد هذه وبين تحريقه) كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا كما عن السرائر الاعتراف به، وفي صحيح عبد الرحمن العرزمي (2) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر بقتل الذي أخذ في زمن عمر - ثم قال: قد بقيت له عقوبة أخرى قال: وما هي ؟ قال: ادع من حطب فدعا به، ثم أخرجه فأحرقه بالنار " هذا كله في من أوقب. (وإن لم يكن إيقابا كالتفخيذ أو بين الاليتين فحده مائة جلدة) كما عن الحسن والمفيد والسيد وسلار والحلبي وابني زهرة وإدريس، بل في المسالك هو المشهور، وعليه سائر المتأخرين، بل عن صريح الانتصار وظاهر الغنية الاجماع عليه، للاصل والاحتياط وخبر سليمان بن هلال (3) المنجبر بما عرفت عن الصادق (عليه السلام) " في الرجل يفعل بالرجل فقال: إن كان دون الثقب فالحد وإكان ثقب أقيم قائما ثم ضرب بالسيف " الظاهر في كون المراد من الحد فيه الجلد. (وقال في النهاية) ومحكي الخلاف والمبسوط والتهذيب والاستبصار:


(1) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد اللواط - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط - الحديث 2.

[ 383 ]

(يرجم إن كان محصنا ويجلد إن لم يكن) بل في المسالك حكايته عن القاضي وجماعة جمعا بين الروايات السابقة المشتملة على أن حده حد الزاني (1) وبين ما دل (2) على قتله بحمل الاول على غير الموقب والثاني عليه، وعن المختلف نفي البأس فيه. (و) لكن فيه أنه فرع التكافؤ المفقود من وجوه فلا ريب في أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، وأضعف منه ما عن ظاهر الصدوقين والاسكافي من القتل مطلقا، لانهم فرضوه في غير الموقب وجعلوا الايقاب هو الكفر بالله تعالى أخذا من رواية حذيفة بن منصور (3) السابقة وغيرها المحمولتين بعد قصورهما عن المعارضة على المبالغة أو على المستحل أو غير ذلك، والله العالم. (ويستوي فيه الحر والعبد) بلا خلاف أجده فيه، كما عن الغنية الاعتراف به، بل عن نكت الارشاد الاجماع عليه، وهو الحجة بعد الاطلاق (والمسلم والكافر) مع عدم كون الفاعل كافرا والمفعول مسلما وإلا قتل كما عرفت (والمحصن وغيره). (ولو تكرر منه الفعل وتخلله الحد مرتين قتل في الثالثة، وقيل في الرابعة، وهو أشبه) وأحوط في الدماء، وقد سبق الكلام فيه في الزناء الذي يظهر من غير واحد الاجماع على عدم الفرق بينه وبين ما هنا في ذلك، مضافا إلى ما عن الغنية من الاجماع أيضا فيخص به حينئذ


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط. (2) الوسائل - الباب - 2 و 3 - من ابواب حد اللواط. (3) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 384 ]

ما دل (1) على قتل أرباب الكبائر في الثالثة، والله العالم. (والمجتمعان تحت إزار واحد) مثلا (مجردين وليس بينهما رحم) ولا ضرورة تقتضي ذلك (يعزران من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا) كما عن الشيخ وابن إدريس وأكثر المتأخرين، لخبر سليمان بن هلال (2) " سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد، فقال: أذو رحم ؟ فقال لا " فقال: أمن ضرورة ؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا " وخبر ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) " في رجلين يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان حدا غير سوط " فيكون الحكم في الغايتين وما بينهما منوطا بنظر الامام، وما فيهما من الضعف منجبر بما عرفت، ومن أولهما يستفاد الوجه في التقييد بالمحرم. لكن في الرياض تبعا للمسالك المناقشة فيه بأن مطلق الرحم لا يوجب تجويز ذلك، وتخلو أكثر النصوص منه قال في الاخير: " فالاولى ترك التقييد به، أو التقييد بكون الفعل محرما، وفيه غنى عن التقييد بالضرورة حينئذ والتجرد أيضا، مع أنه لا وجه لاعتبار الاخير أصلا حيث يحصل التحريم بالاجتماع الذي هو مناط التعزير دونه، ولذا خلا أكثر النصوص عن اعتباره، وبعض النصوص المتعرض له غير صريح في التقييد لكنه ظاهر فيه مع صحة سنده ". قلت: وكفى به حينئذ دليلا للمسألة، مضافا إلى عمل الاصحاب وإمكان منع الحرمة مع عدم التجريد خصوصا بعد ملاحظة السيرة، وكذا الكلام في التقييد بالمحرمية المستفادة مما عرفت، بل قد يقال: إن المدار


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 18 - 21.

[ 385 ]

في ذلك على الريبة والتهمة لا مطلق الاجتماع ولو من المؤتمنين، بل لعل اعتبار التجريد وعدم المحرمية مشعر بذلك. وعلى كل حال فما عن المفيد - من عشرة إلى تسعة وتسعين سوطا بحسب ما يراه الحاكم من مثلهما في الحال وبحسب التهمة لهما والظن بهما السيئات، ونحوه عن ابن زهرة - لم أقف له على دليل. وعن أبي علي والصدوق الحد مائة سوط، لصحيح الحلبي (1) " حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد، والمرأتان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد " وكذا في صحيح ابن مسكان (2) وفي حسن ابن عبد الرحمان بن الحجاج (3) " كان علي (عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد " وفي حسن أبى عبيدة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) " كان علي (عليه السلام) إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلدة كل واحد منهما " وفي صحيح الحسين بن سعيد (5) " قرأت بخط رجل أعرفه إلى أبي الحسن (عليه السلام) ما حد رجلين وجدا نائمين في ثوب واحد ؟ فكتب مائة سوط ". وعن الشيخ أنه حمل نحوها على ما إذا تكرر منهما الفعل وتخلل التعزير، ولعل الاولى منه الحمل على إرادة بيان أن ذلك هو الغاية، نحو ما سمعته في اجتماع المرأة والرجل كذلك، ولكن ناقش فيه في المسالك بأن هذه أكثر وأجود سندا، وليس فيها التقييد بعدم المحرمية بينهما وعدم التقييد أجود، لان المحرمية لا تجوز الاجتماع المذكور إن لم تؤكد


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 1 - 23 - 2 - 15. (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد اللواط - الحديث 5.

[ 386 ]

التحريم، وقد عرفت ما فيه، مضافا إلى استبعاد التهمة معه. هذا وقد ينقدح مما سمعته في اجتماع الرجل والامرأة الذي هو ادعى من المقام عدم اعتبار التحديد بالاقل وأنه موكول إلى نظر الحاكم، وكذا الكلام في اجتماع المرأتين الذي سيأتي، والله العالم. (ولو تكرر ذلك منهما وتخلله التعزير حدا في الثالثة) كما في القواعد وغيرها وعن الشيخ وبني إدريس والبراج وسعيد، لفحوى خبر أبي خديجة (1) عن الصادق (عليه السلام) الوارد في الامرأتين قال: " ليس لهما أن تناما في لحاف واحد إلا أن يكون بينهما حاجز، فان فعلتا نهيتا عن ذلك، فان وجدتا مع النهي جلدت كل واحدة حدا فان وجدتا أيضا في لحاف واحد حدتا، فان وجدتا الثالثة حدتا، فان وجدتا الرابعة قتلتا " بناء على أن المراد من حدهما في الثانية التعزير ومن النهي أولا مجرد الامر بالترك، ولكنه كما ترى مع كونه أخص من المدعى متضمن لما لا يقولون به كما ستعرف، وعن ابن حمزة أنهما إن عادا ثلاثا وعزرا بعد كل مرة قتلا في الرابعة. (وكذا يعزر من قبل غلاما ليس له بمحرم بشهوة) بلا خلاف أجده فيه كغيره من المحرمات، وفي الخبر (2) " من قبل غلاما بشهوة لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض وملائكة الرحمة وملائكة العذاب " وفي آخر (3) " ألجمه الله بلجامين من نار " بل لا فرق بين المحرم وغيره في ذلك، بل لعله في الاخير آكد، فما في المتن وغيره من التقييد غير واضح الوجه، إلا أن يحمل على إيراده مورد الغالب من ظهور الشهوة


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 25. (2) المستدرك - الباب - 18 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 3 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب - 21 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 1.

[ 387 ]

فيه دون المحرم، بل لا فرق بينه وبين الكبير ولا بينه وبين الجارية والمرأة التي قد عرفت الكلام فيها، إذ المناط في الجميع واحد هذا. وعن إسحاق بن عمار (1) " سأل الصادق (عليه السلام) عن محرم قبل غلاما بشهوة قال: يضرب مائة " ولعله تغليظ للاحرام " واستحسنه في الرياض لولا أن المشهور عدم اشتراط بلوغ التعزير الحد، وفيه منع ذلك مع فرض اجتماع جهات التعزير، كما هو واضح. (وإذا تاب اللائط قبل قيام البينة سقط الحد، ولو تاب بعده لم يسقط، ولو كان مقرا كان الامام مخيرا في العفو والاستيفاء) كما تقدم الكلام في ذلك في الزناء، والله العالم. (والحد في السحق) الذي هو وطء المرأة مثلها المكنى عنه في النصوص باللواتي مع اللواتي (2) التي لعنها الله والملائكة، ومن بقي في أصلاب الرجال وأرحام النساء (3) وهن في النار، وعليهن سبعون حلة من نار، وفوق تلك الحلل جلد جافي غليظ من نار، وعليهن نطاق من نار وتاج من نار من فوق تلك الحلل وخفاف من نار (4) وهو الزناء الاكبر الذي أحدثه في الناس لا قيس بنت إبليس (5) كما أحدث أبوها اللواط بالرجال، فاستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء (6)، ويؤتى بهن يوم القيامة وقد ألبسن مقطعات من النار وقنعن بمقانع من نار وبردين


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 3. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 4 - 5 - 4 - 5 - من كتاب النكاح. (6) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 4 والباب - 24 - منها الحديث 1 من كتاب النكاح.

[ 388 ]

من نار وأدخل في أجوافهن إلى رؤوسهن أعمدة من نار وقذف بهن في النار (1) إلى غير ذلك مما ورد فيه. وعلى كل حال فحده (مائة جلدة) مع البلوغ والعقل والاختيار (حرة كانت أو أمة مسلمة أو كافرة محصنة أو غير محصنة للفاعلة والمفعولة) وفاقا للاكثر كما في كشف اللثام، بل المشهور كما في الرياض، بل في المسالك نسبته إلى المفيد والمرتضى وأبي الصلاح وابن إدريس وسائر المتأخرين، بل عن السرائر نسبته إلى أصحابنا مشعرا بالاجماع عليه، كظاهر المحكي عن الانتصار، لموثق زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) " المساحقة تجلد " بناء على إرادة بيان حد الجلد المقابل للرجم في الزناء وهو المائة ولو بقرينة ما سمعت، والمرسل عن بعض الكتب (3) عن امير المؤمنين (عليه السلام) " السحق في النساء كاللواط في الرجال، ولكن فيه جلد مائة، لانه ليس فيه إيلاج " وظاهر ما ورد عنه (عليه السلام) (4) أيضا من جلد المجتمين في لحاف واحد أو ضربهما الحد، وبما أرسله في الروضة من أن فيه أخبارا صحيحة وإن كان فيه ما فيه، وبذلك يخرج عما يقتضي التنصيف في الامة، إذ التعارض من وجه، والترجيح لما هنا، لما عرفت. كما أن ظاهرهم هنا عدم الفرق بين المسلمة والكافرة فاعلة أو مفعولة (و) إن اختلف ذلك في اللواط، كما عرفت. نعم (قال) الشيخ (في النهاية: ترجم مع الاحصان وتحد


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 3 من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السحق - الحديث 2 وفيه " الساحقة تجلد ". (3) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب حد السحق - الحديث 4. (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء.

[ 389 ]

مع عدمه) ونحوه عن القاضي وابن حمزة، بل مال إليه في المسالك للحسن بل الصحيح عن الصادق (عليه السلام) " أنه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق، فقال: حدها حد الزاني، فقالت المرأة: ما ذكر الله ذلك في القرآن، فقال: بلى، قالت: وأين ؟ فقال: هن أصحاب الرس (2) " ونحوه خبر إسحاق بن حريز (3) عنه (عليه السلام) أيضا مؤيدا ذلك بما سمعته من الصحيح وغيره (4) في المسألة الثانية المشتمل على رجم الواطئة وجلد الموطوءة إلا أنه يمكن إراد المماثلة منه في الجلد ولو بقرينة ما عرفت، لكن في الخبر (5) المروي عن الاحتجاج عن القائم (عليه السلام) " أنه سئل عن الفاحشة المبينة التي إذا فعلت ذلك يجوز لبعلها أن يخرجها من بيته في أيام عدتها فقال: تلك الفاحشة السحق وليست في الزناء، لانها إذا زنت يقام عليها الحد، وليس لمن أراد تزويجها أن يمنتع من العقد عليها لاجل الحد الذي أقيم عليها " وأما إذا ساحقت فيجب عليها الرجم، والرجم هو


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السحق - الحديث 1. (2) سورة الفرقان: 25 - الاية 38 وسورة ق: 50 - الاية 12. (3) لم نجد لاسحاق بن حريز خبرا في تفسير هذه الاية، وما ورد عن اسحاق في السحق هو ما رواه في الوسائل باب - 24 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 3 نعم ورد في تفسير تلك الاية رواية عن هشام الصيدناني رواها في الوسائل في نفس الباب الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السحق - الحديث 1 و 2. والمسألة الثانية بعد لم تأت فالصحيح " مؤيدا ذالك بما تسمعه ". (5) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب العدد - الحديث 3 من كتاب الطلاق.

[ 390 ]

الخزي، ومن أمر الله تعالى برجمها فليس لاحد أن يقربها وفي الخبر (1) " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأتين كانتا يتساحقان فدعا بالنطع فأمر بهما فأحرقتا بالنار " إلا أنهما مع قصور سندهما ولا جابر واشتمال الاول على ما لا يقول به الاصحاب من تفسير الفاحشة بذلك كالاحراق بالنار في الثاني - قاصران عن المقاومة لما عرفت. (و) من ذلك كله بان لك أن (الاول أولى) وأحوط خصوصا بعد درء الحد بالشبهة. (وإذا تكررت المساحقة مع إقامة الحد ثلاثا قتلت في الرابعة) أو الثالثة على القولين السابقين، لكن في اللمعة هنا القتل في الرابعة وفى الزناء واللواط القتل في الثالثة، بل في الروضة وظاهرهم هنا عدم الخلاف وإن حكمنا بقتل الزاني واللائط في الثالثة كما اتفق في عبارة المصنف وإن كان لا يخفى عليك ما فيه، خصوصا بعد ظهور كلام غير واحد - بل صريح آخر حتى هو في المسالك - أن المسألة في المقام على الكلام السابق في نظائرها، ضرورة عدم خصوصية لها، بل لولا قوة الظن بمساواتها للزناء الملحق به اللواط لاتجه القتل في الثالثة بناء على صحة رواية قتل أهل الكبائر فيها، والله العالم. (ويسقط الحد بالتوبة قبل البينة ولا يسقط بعدها) بل في كشف اللثام وكذا لو ادعت التوبة قبلها، ولعله للشبهة (ومع الاقرار والتوبة يكون الامام مخيرا) على حسب ما سمعته في الزناء واللواط، إذ هي مثلهما في ذلك أو أولى، خلافا للمحكي عن الحلي، فلم يجز العفو، وقال: إنما له العفو عن القتل، وفيه ما عرفت، بل هي أيضا مثلهما في الثبوت بالاقرار أربعا قطعا وبشهادة الاربع رجال، بل كاللواط في


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السحق - الحديث 4.

[ 391 ]

عدم الثبوت إلا بشهادة الرجال خاصة للاصل وغيره خلافا لمن عرفت، كما تقدم في كتاب الشهادات ومن الغريب هنا ما في مجمع البرهان من دعوى ثبوت السحق بالاقرار مرتين وشهادة العدلين مفسرا به عبارة الارشاد مع أنه في القواعد نص على اعتبار الاربع في الشهادة والاقرار، بل في كشف اللثام الاجماع عليه في الظاهر، قال: ويدل على الاول قوله تعالى (1): " واللاتي يأتين الفاحشة " وقوله تعالى (2): " والذين يرمون المحصنات " الآية. وبالجملة المسألة مفروغ منها، والله العالم. (والاجنبيتان إذا وجدتا في إزار) واحد (مجردتين عزرت كل واحدة دون الحد) على نحو ما سمعته في الرجلين كما في المسالك وغيرها، ومقتضاه أن المشهور حينئذ من ثلاثين إلى تسعة وتسعين، ولكن في كشف اللثام حكاية ذلك عن النهاية خاصة، إلا أن الدليل فيهما واحد إذ هو الجمع بين خبر سليمان بن هلال (3) عن الصادق (عليه السلام) الذي تقدم ما فيه في الرجلين قال: (فامرأة نامت مع امرأة في لحاف فقال: ذواتا محرم، قال: لا، قال: من ضرورة، قال: لا، قال: تضربان ثلاثين سوطا " وبين خبر معاوية (4) قال له: " المرأتان تنامان في ثوب واحد قال تضربان " قال: حد، قال: لا " وعن المقنعة من عشر جلدات إلى تسعة وتسعين، نحو ما سمعته منه في الرجلين. ولكن عن أشربة الخلاف " لا يبلغ بالتعزير الحد الكامل بل يكون دونه، وأدنى الحدود في الاحرار ثمانون، والتعزير فيهم تسعة وتسعين


(1) سورة النساء: 4 - الاية 15. (2) سورة النور: 24 - الاية 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب حد الزناء - الحديث 21 - 16.

[ 392 ]

سوطا، وأدنى الحدود في المماليك أربعون وأدنى التعزير فيهم تسعة وثلاثون " وعن ابن إدريس تنزيله على أنه " إذا كان الموجب للتعزير مما يناسب الزناء ونحوه مما يوجب مائة جلدة فالتعزير فيه دون المائة، وإن كان مما يناسب شرب الخمر أو القدف مما يوجب ثمانين، فالتعزير فيه دون الثمانين ". وعن الكافي والمختلف اختياره، ثم قال: " والذى يقتضيه أصول مذهبنا وأخبارنا أن التعزير لا يبلغ الحد الكامل الذي هو المائة أي تعزير كان، سواء كان مما يناسب الزناء أو القذف، وإنما هذا الذي لوح به شيخنا من أقوال المخالفين وفرع من فروع بعضهم ومن اجتهاداتهم وقياساتهم الباطلة وظنونهم العاطلة ". وفيه أن المروي عن العلل في الصحيح عن حماد بن عثمان (1) أنه قال للصادق (عليه السلام): " التعزير، فقال: دون الحد، قلت: دون ثمانين، قال: فقال: لا ولكن دون الاربعين، فانها حد المملوك " نعم عن ابن حمزة العمل بمضمون خبر إسحاق بن عمار (2) سأل أبا ابراهيم (عليه السلام) " عن التعزير كم هو ؟ قال: بضعة عشر سوطا مابين العشرة إلى العشرين " وعن الرضا (عليه السلام) (3) " التعزير ما بين تسعة عشر سوطا إلى تسعة وثلاثين، والتأديب ما بين ثلاثة وعشر " ولم أجد عاملا به أيضا، وعن بعض وجوب مائة جلدة عليهما، لنحو خبر سماعة (4) " سأله عن المرأتين يؤخذان في لحاف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 3 - 1. (3) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب بقية الحدود والتعزيرات - الحديث 1 وفيه " بضعة عشر سوطا ". (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد السحق - الحديث 3.

[ 393 ]

واحد، قال: يجلد كل واحدة منهما مائة جلدة " ونحوه غيره من النصوص (1) التي ينبغي حملها على المائة سوط إلا سوطا جمعا بينها وبين غيرها مما دل على ذلك، وعلى أن المراد بيان غاية التعزير. وأما قول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2): " والمرأتا ن يجلدان إذا أخذتا في لحاف واحد ضربهما الحد " فيمكن إرادة التعزير من الحد فيه، فانه يطلق عليه، كما أنه احتمل في الجميع وقوع الفعل (الفصل خ ل) بينهما عملا بغيرهما من النصوص المعتضدة بالاصل والاحتياط والدرء للشبهة. وقد تقدم في اجتماع الرجلين ما له نفع في المقام، وأنه يحتمل قويا الايكال إلى نظر الحاكم حتى في الاقل، والله العالم (و) على كل حال ف‍ (ان تكرر الفعل والتعزير مرتين أقيم عليهما الحد) التام (في الثالثة) بلا خلاف أجده إلا ما يحكى عن ظاهر الحلي من القتل فيها، لانه كبيرة، وكل كبيرة يقتل فاعلها في الثالثة بعد تخلل الحد أو التعزير، وفيه أنه بعد تسليمه مخصص بخبر أبي خديجة (3) السابق المنجبر في الفرض بالشهرة العظيمة التي هي إجماع أو كالاجماع (ف‍) المتجه حينئذ الحد فيها لا القتل. نعم (إن عادتا قال) الشيخ (في النهاية: قتلتا) للخبر (4) المزبور المعتضد بما روي من قتل أصحاب الكبائر في الرابعة (5). (و) لكن (الاولى) عند المصنف (الاقتصار على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 0 - 1 الا أنه ليس في صحيح الحلبي " ضربهما الحد " وهو لا يناسب سياق العبارة أيضا وقد ذكر ذلك في صحيح عبد الرحمان الذي رواه في الوسائل بعد صحيح الحلبي. (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد الزناء - الحديث 25. (5) لم اعشر عليه عاجلا.

[ 394 ]

التعزير) ثم الحد في كل ثالثة (احتياطا في التهجم على الدم) الذي لا ينبغي الخروج عنه بالخبر المزبور المشتمل على مجرد النهي في الاولى ولم يقل به أحد وعلى الحد في الثانية ولم يقل به أيضا أحد " والضعيف ولا جابر له في المقام بعد منع كلية الكبرى، لما في المسالك من أنه " إن أريد مع إيجابها الحد فمسلم، لكن لا يقولون به هنا، وإن أريد مطلقا فظاهر منعه " وتبعه على ذلك كله في الرياض، قال: ومن ثم اختار الفاضلان والشهيدان وأكثر المتأخرين الاقتصار على التعزير مطلقا إلا في كل ثالثة، فالحد، ولاريب أنه أحوط ". قلت: فيه أولا أن المتجه بناء على ما ذكراه القتل في التاسعة أو الثانية عشر لتخلل الحد حينئذ، لا أن الحكم كذلك مطلقا، وثانيا قد سمعت الصحيح (1) ومعقد الاجماع الدالين على قتل أصحاب الكبائر في الثالثة، نعم قد يقال في المقام بالرابعة إلحاقا له بالزناء واحتياطا في الدماء فتأمل جيدا. (مسألتان:) (الاولى:) (لا كفالة في حد) زناء كان أو غيره بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض لا لادائه إلى التأخير، إذ قد يكون العذر حاصلا في تأخيره، بل للحسن أو الصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا كفالة في حد "


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 395 ]

ونحوه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) بل قد عرفت في أول الكتاب احتمال إرادة ما يشمل التعزير منه. (و) كذا (لا تأخير فيه) على وجه يصدق عليه التعطيل (مع الامكان والامن من توجه ضرر) كالمرض والحبل ونحو هما، لاطلاق النهي عن التعطيل وأنه ليس فيه نظرة ساعة وأنه كان فيه لعل وعسى فالحد معطل (2). (و) كذا (لا شفاعة في إسقاطه) للنهي (3) عن الرأفة بالزاني الملحق به غيره، ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ما حكاه عنه الصادق (عليه السلام) في خبري سلمة (4) ومثنى الحناط (5) لاسامة: " لا تشفع في حد " وقال الباقر (عليه السلام) في خبر محمد ابن قيس (6) " كان لام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله) مولاة فسرقت من قوم فأتي بها النبي (صلى الله عليه وآله) فكلمته أم سلمة فيها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هذا حد من حدود الله لا يضيع فقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إلى غير ذلك من النصوص المشتمل بعضها على التعليل بأن الامام لا يملكه، ففي الحسن أو الصحيح (7) عن الصادق (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام)


(1) المستدرك - الباب - 19 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 6 والباب - 25 - منها (3) سورة النور: 24 - الاية 2. (4) و (5) و (6) الوسائل - البا ب - 20 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3 - 2 - 1. (7) رواه في الوسائل - الباب - 20 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4 عن الصدوق والكليني والشيخ وطرق الجميع ينتهي إلى السكوني وفي سند الحسين بن يزيد النوفلي وفيه كلام.

[ 396 ]

" لا يشفعن أحد في حد إذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، واشفع في ما لم يبلغ الامام إذا رأيت الندم، واشفع عند الامام في غير الحد مع الرضا من المشفوع له، ولا تشفع في حق امرء مسلم ولا غيره إلا باذنه " ونحوه خبر السكوني (1) لكن قد يقال: إن مقتضى التعليل المزبور جواز الشفاعة فيه في مقام التخيير له إلا أن إطلاق الاصحاب ينافيه، والله العالم. المسألة (الثانية:) (لو وطئ زوجته فساحقت بكرا فحملت قال) الشيخ (في النهاية: على المرأة الرجم وعلى الصبية جلد مائة بعد الوضع، ويلحق الولد بالرجل، ويلزم المرأة المهر) وفي المسالك حكايته عن أتباعه أيضا لصحيح ابن مسلم (2) " سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان: بينا الحسن بن علي (عليهما السلام) في مجلس علي أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أقبل قوم، فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين قال: وما حاجتكم قالوا أردنا أن نسأله عن مسألة، قال: وما هي ؟ تخبرونا بها، قالوا: امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا ؟ فقال: الحسن (عليه السلام) معضلة وأبو الحسن لها وأقول: فان أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين، وإن أخطأت فمن نفسي وأرجو أن لا أخطأ فيه أنه يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة، لان


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السحق - الحديث 1.

[ 397 ]

الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها ثم ترجم المرأة لانها محصنة وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها ويرد إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تجلد الجارية الحد، فانصرف القوم من عند الحسن (عليه السلام) فلقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لابي محمد ؟ وما قال لكم ؟ فأخبروه، فقال: لو أني المسؤول ماكان عندي فيها أكثر عما قال إبني " ويقرب منه خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1). لكن عن ابن إدريس رد ذلك من وجوه: أحدها أن أصحابنا لا يرجمون المساحقة فلا يجترى على رجمها بخبر واحد لا يعضده كتاب أو سنة متواترة أو إجماع، الثاني أن الولد غير مولود على فراش الرجل فكيف يلتحق به ؟ ! والثالث إلزام المهر على الفاعلة مع أنها لم تكره المفعولة، ولذا تجلد ولا مهر لبغي، ووافقه المصنف على الاول فقال: (أما الرجم فعلى ما مضى من التردد والاشبه الاقتصار على الجلد) ترجيحا لما دل عليه على ذلك كما عرفت، واحتمال العمل به في خصوص ذلك يدفعه اشتماله على التعليل المقتضي للتعدية لكل محصنة (وأما جلد الصبية فموجبه ثابت) بلا خلاف ولا إشكال (وهو المساحقة) بالاختيار (وأما لحوق الولد فلانه ماء غير زان وقد انخلق منه الولد فيلحق به) شرعا، لانه الموافق للعرف واللغة، أقصى ما هناك خرج الزاني فيبقى غيره (وأما المهر فلانها سبب في إذهاب العذرة وديتها مهر نسائها وليست كالزانية في سقوط دية العذرة، لان الزانية أذنت في الافتضاض وليست هذه كذلك) وتبعه على ذلك كله تلميذه الفاضل. ثم قال معرضا بما سمعته من ابن إدريس (وأنكر بعض المتأخرين


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب السحق - الحديث 2.

[ 398 ]

ذلك، وظن أن المساحقة كالزانية في سقوط دية العذرة وسقوط النسب). ولكن قد يناقش - مع قطع النظر عن النص المزبور الجامع لشرائط العمل، ولا يقدح عدم العمل به في الاول للمعارض في العمل به في الاخيرين - بأن ذلك لا يكفي في لحوق الولد شرعا، ضرورة كون الثابت من النسب فيه الوطء الصحيح ولو شبهة، وليس هذا منه، وليس مطلق التولد من الماء موجبا للنسب شرعا، ضرورة عدم كون العنوان فيه الخلق من مائة والصدق اللغوي بعد معلومية الفرق بين الانسان وغيره من الحيوان بمشروعية النكاح فيه دونه، بل المراد منه تحقق النسب، ومن ذلك يظهر الاشكال في لحوق ولد المكرهة بها إذا لم يثبت كون ذلك من الشبهة شرعا. كما أن من ذلك يظهر لك أن المتجه عدم لحوقه بالصبية وإن لم تكن زانية كما في المسالك، بل في القواعد أنه الاقرب بعد الاشكال فيه، وكان وجهه مما عرفت ومن صدق عدم الزناء مع الولادة، ولا دليل على كونه بحكمه في ذلك أيضا كما هو واضح. نعم لا إشكال في عدم لحوقه بالكبيرة، لعدم الولادة. ومما ذكرنا لك يظهر لك النظر في ما في الرياض من اختيار الالحاق بالبكر فلاحظ وتأمل. وبأنها بعد الاذن بوضع النطفة فيها مع فرض علمها بوطئ الزوج أو احتمالها لا تستحق المهر، ضرورة كونها أقوى منها في ذلك، فالعمدة حينئذ العمل بالنص المزبور الذي لا يوافق أصول ابن إدريس، بل قد يشكل ما فيه أيضا من تعجيل المهر بأنه غرامة قبل تحقق السبب المحتمل للعدم بالموت والتزويج ونحوه، ويمكن إرادة بيان أصل الاستحقاق مع فرض التحقق لا تعجيل الاداء، والله العالم. ثم إن النفقة على الصبية مدة الحمل على زوج المساحقة بناء على

[ 399 ]

الالحاق وعلى أن النفقة للحمل إذا بانت من زوجها، وإلا فلا، وعليها الاعتداد بالوضع إن تزوجت بغير زوج الكبيرة، ولو ساحقت جارية لها وادعت الجارية الاكراه حدت السيدة دونها، والله العالم. (وأما القيادة فهي الجمع) من الرجل أو المرأة (بين الرجال والنساء للزناء أو بين الرجال والرجال) ولو صبيانا (للواط) بل عن الغنية والجامع والاصباح زيادة أو بين النساء والنساء للسحق وإن لم اتحققه لغة بل ولا عرفا، بل ستسمع الاقتصار في الخبر على الاول. وعلى كل حال فلا خلاف في حرمتها، بل لعله من الضروريات وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " من قاد بين رجل وامرأة حراما حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم وساءت مصيرا. " (ويثبت بالاقرار مرتين مع بلوغ المقر وكماله وحريته واختياره) بلا خلاف أجده فيه، وكأنه لفحوى اعتبار الاربع في ما تثبته شهادة الاربع ولذا قال في محكي المراسم: " كل ما يثبته شاهدان من الحدود فالاقرار فيه مرتان " ونحوه عن المختلف، نعم لو أقر مرة عزر كما عن التحرير لما عرفته غير مرة في نظائره وإن ناقش فيه بعض الناس، بل قال هنا أيضا: " لم أعرف المستند في اعتبار المرتين، أي إن كان هو العموم فمقتضاه الاكتفاء بالمرة " قلت: لعله ما عرفت بعد الاتفاق عليه ظاهرا وبناء الحدود على التخفيف، فالاصل عدم ثبوته إلا بالمتيقن الذي هو الاقرار مرتين المنزل منزلة الشهادة على نفسه كذلك، فيكون كشاهدين. وعلى كل حال فلا عبرة باقرار الصبى والمجنون والعبد والمكره " لسلب العبارة في الاولين وكونه في حق الغير في الثالث، وما دل على اعتبار الاختيار في نحوه في الرابع، نعم يؤدب غير البالغ كما في غيره


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 من كتاب النكاح.

[ 400 ]

من الفواحش. (و) تثبت أيضا (بشهادة شاهدين) عدلين بلا خلاف ولا إشكال بعد إطلاق ما دل على حجيتها الشامل للمقام، ولا تثبت بشهادة النساء منفردات أو منضمات، لما عرفته في محله. (ومع ثبوته يجب على القواد خمس وسبعون جلدة) ثلاثة أرباع حد الزاني رجلا كان أو امرأة بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك ومحكي الانتصار والغنية الاجماع عليه، مضافا إلى خبر عبد الله بن سنان (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن القواد ما حده ؟ قال: لا حد على القواد، أليس إنما يعطي الاجر على أن يقود، قلت: جعلت فداك إنما يجمع بين الذكر والانثى حراما، قال: ذلك المؤلف بين الذكر والانثى حراما، قلت: هو ذاك جعلت فداك، قال: يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطا وينفى من المصر الذي هو فيه ". (و) لكن ليس فيه ما (قيل) من أنه (يحلق رأسه ويشهر) بل هو مشهور بين الاصحاب الذين منهم ابن إدريس الذي لا يعمل بأخبار الآحاد، بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه، ولعل ذلك كاف في ثبوت مثله، مضافا إلى إشعار النفي المراد منه شهرته بذلك خصوصا بعد وروده في مثله، كما عرفت. فما عساه يظهر من المصنف من التردد في ذلك، بل عن ابن الجنيد الاقتصار على مضمون الخبر المزبور، بل مال إليه في المسالك في غير محله. (و) لا خلاف في أنه (يستوي فيه الحر والعبد والمسلم والكافر) بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه، للاطلاق. (وهل ينفى) عن مصره إلى غيره من الامصار (بأول مرة ؟


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد السحق - الحديث 1.

[ 401 ]

قال) الشيخ (في النهاية) وتبعه ابنا إدريس وسعيد في محكي السرائر والجامع: (نعم، وقال المفيد) وابنا زهرة وحمزة وسلار وغيرهم على ما حكي: (ينفى في الثانية، والاول مروي) في الخبر (1) السابق الذي هو الاصل في المسألة، قيل: ونحوه الرضوي (2) وإن لم يصرح فيهما بذلك إلا أن ظاهرهما ذلك، ولكن لا ريب أن الاحوط الثاني، بل عن الغنية الاجماع عليه، بل في الرياض لعله المتعين، ترجيحا للاجماع المزبور على الرواية من وجوه: منها صراحة الدلالة فتقيد به الرواية. وعلى كل حال فليس في الخبر تحديد له، فينبغي أن يكون حده التوبة، إذ بدونها يصدق عليه اسمه، وفي الرياض " وفي الرضوي وغيره روي أن المراد به الحبس سنة أو يتوب، والرواية مرسلة فلا يعدل بها عن الظاهر بلا شبهة " وفي كشف اللثام في بعض الاخبار النفي هو الحبس سنة، وقال ابن زهرة: وروي أنه إن عاد ثالثة جلد " فان عاد رابعة عرضت عليه التوبة، فان أبى قتل، وإن أجاب قبلت توبته وجلد، فان عاد خامسة بعد التوبة قتل من غير أن يستتاب، وأفتى به الحلبي وفي المختلف ونحن في ذلك من المتوقفين، قلت: بل ينبغي العمل بما دل على قتل أصحاب الكبائر في الثالثة أو الرابعة بعد تخلل الحد، هذا كله في الرجل. (وأما المرأة فتجلد) بلا خلاف (و) لكن (ليس عليها جز ولا شهرة ولا نفي) اتفاقا على الظاهر منهم، كما اعترف به في كشف اللثام، بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه، مضافا إلى الاصل بل في الرياض " واختصاص الفتوى والرواية بحكم التبادر بالرجل دون


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد السحق - الحديث 1. (2) المستدرك - الباب - 5 - من ابواب حد السحق والقيادة الحديث 1.

[ 402 ]

المرأة، مع منافاة النفي والشهرة لما يجب مراعاته " وإن كان فيه أنه لا دليل حينئذ على جلدها، أللهم إلا أن يكون مستنده الاجماع على هذا التقدير، والله العالم. الباب الثالث (في حد القذف) الذي هو أحد السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات (1) وأصله الرمي، يقال: قذف بالحجارة: رماها كأن الساب يرمي المسبوب بالكلمة المؤذية، وحده قد اتفق عليه الكتاب (2) والسنة (3) والاجماع. (و) على كل حال ف‍ (النظر في أمور أربعة: الاول في الموجب: وهو الرمي بالزناء أو اللواط) وأما السحق ففي القواعد الاشكال فيه، ولعله من أنه كالزناء، ولذا كان فيه حده، واعتبرت فيه شهادة الاربع والاقرار كذلك فتعمه آية الرمي (4) بل عن أبي علي والمصنف


(1) اشارة إلى ما رواه في الوسائل في - الباب - 46 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 34 من كتاب الجهاد. (2) و (4) سورة النور: 24 - الاية 4. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد القذف.

[ 403 ]

اختياره، ومن الاصل وحصر الفرية في ثلاث في حسن ابن سنان (1) الآتي وهو الاقوى وفاقا لمحكي عن السرائر والمختلف، فيكون القذف حينئذ ما عرفت (كقوله زنيت أو لطت) بالفتح (أو ليط بك أو أنت زان أو لائط) على إشكال (أو منكوح في دبره) أو يا زاني أو يا منكوحا في دبره (وما يؤدي هذا المعنى صريحا) كالنيك وإدخال الحشفة حراما (مع معرفة القائل بموضوع اللفظ بأي لغة اتفق) وإن لم يعرف ذلك المخاطب. قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حسن ابن سنان (2) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الفرية ثلاث يعني ثلاث وجوه: رمي الرجل بالزناء، وإذا قال: إن أمه زانية، وإذا ادعى لغير أبيه، فذلك فيه حد ثمانون " وقال أيضا في خبر عباد ابن صهيب (3): " كان علي (عليه السلام) يقول: إذا قال الرجل للرجل: يا معفوجا ومنكوحا في دبره فان عليه الحد حد القاذف " وفي خبر وهب بن وهب (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) لم يكن يحد في التعريض حتى يأتي بالفرية المصرحة، مثل يا زاني يابن الزانية ولست لابيك " ونحوه خبر إسحاق بن عمار عنه (عليه السلام) (5) ولعل المراد بالصراحة ما يشمل الظاهر عرفا وإن أشكل بوجود الاحتمال الذي يدرء به الحد، لكن ظاهرهم كما اعترف به الاتفاق على الحد بذلك، ولعله للنصوص المزبورة، ولصدق الرمي عرفا. (ولو قال لولده الذي أقر به) أو حكم له به شرعا (لست


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد القذف - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد القذف - الحديث 2. (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد القذف - الحديث 9 - 6.

[ 404 ]

ولدي وجب عليه الحد، وكذا لو قال لغيره: لست لابيك) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في المسالك هذه الصيغة عندنا من ألفاظ القذف الصريح لغة وعرفا فيثبت بها الحد لامه، وفي خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " من أقر بولد ثم نفاه جلد الحد، وألزم الولد " وقد سمعت التصريح بالثانية في النصوص السابقة (2) نعم عن بعض العامة عدم القذف بالاولى، لاحتياج الاب إلى تأديب ولده بمثل ذلك زجرا له واز دراء من أنه ليس مثله في الخصال التي كان يتوقعها منه وفيه أن الظاهر عدم الحد مع فرض إرادة ذلك كما هو مستعمل في العرف كثيرا، ضرورة عدم الرمي بمثله عرفا إنما الكلام في ثبوت القذف به مع عدم القرينة على إرادة التجوز المزبور به، ولا ريب في صدق القذف عرفا به، وعن العلاء بن فضيل (3) أنه قال للصادق (عليه السلام): " الرجل ينتفى من ولده وقد أقر به، فقال: إن كان الولد من حرة جلد خمسين سوطا حد المملوك، وإن كان من أمة فلا شئ عليه " وهو كما في كشف اللثام ضعيف متروك، وبذلك كله يظهر لك أن المدار على العرف في ذلك كله، وإلا فاحتمال الاكراه والشبهة ونحوهما في ذلك قائم. ولو قال: يا زوج الزانية فالحد للزوجة، وكذا لو قال: يا أخا الزانية فالحد لمن نسب إليها الزناء دون المواجه بالخطاب الذي لم ينسب إليه شئ، كما هو واضح. نعم قد يكون عليه التعزير له للايذاء (ولو قال: زنت بك أمك أو يابن الزانية فهو قذف للام، وكذا لو قال: زنى بك أبوك أو يابن الزاني فهو قذف لابيه و) كذا (لو قال: يابن الزانيين فهو قذف لهما، ويثبت به الحد ولو كان المواجه كافرا "


(1) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 2. (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد القذف - الحديث 6 و 9.

[ 405 ]

لان المقذوف ممن يجب له الحد) بلا خلاف ولا إشكال في ذلك، نعم الظاهر التعزير زيادة على الحد باعتبار إيذائه المواجه بذلك مع فرض احترامه. وبذلك تظهر فائدة تعيين المقذوف من الابوين والمواجه، ضرورة اختلاف الحكم في ذلك باختلافه، فيتوقف على مرافعة المستحق وعلى تحقق شرائط الحد بقذفه، ونحو ذلك، والله العالم. (ولو قال: ولدت من الزنا ففي وجوب الحد لامه تردد، لاحتمال انفراد الاب بالزناء) والام مكرهة أو مشتبهة، فانه تصدق الولادة من الزناء، ويحتمل انفراد الام، والاب مكره أو مشتبه، (ولا يثبت الحد مع الاحتمال) لا للمواجه، لعدم نسبة شئ إليه، ولا للام لاحتمال الاب، ولا للاب، لاحتمال الام، فانه إذا تعدد الاحتمال في اللفظ بالنسبة إلى كل منهما لم يعلم كونه قذفا لاحدهما بخصوصه ولا المستحق فتحصل الشبهة الدارئة له، وصراحة اللفظ في القذف مع اشتباه المقذوف لا تجدي، لتوقفه على مطالبة المستحق، وهو غير معلوم كما لو سمع واحد يقذف أحدا بلفظ صريح ولم يعلم المقذوف، فانه لا يحد بذلك. لكن في المسالك " يمكن الفرق بانحصار الحق في المتنازع في الابوين فإذا اجتمعا على المطالبة تحتم الحد بمطالبة المستحق قطعا وإن لم يعلم عينه. ولعل هذا أجود، نعم لو انفرد أحدهما بالمطالبة تحقق الاشتباه واتجه عدم الثبوت، لعدم العلم بمطالبة المستحق " قلت: قد يمنع ظهور الادلة في ثبوت الحد في الفرض الذي ذكره أيضا والاصل العدم، مضافا إلى بنائه على التخفيف وسقوطه بالشبهة. ومن ذلك يعلم الحال في ما لو قال: أحدهما زان لا على التعيين الذي استشكل فيه في القواعد من ثبوت حق في ذمته وقد أبهمه فلنا المطالبة بالقصد، ومن أن في ذلك إشاعة الفاحشة وزيادة في الايذاء والتعبير،

[ 406 ]

فليس إلا إيجاب حد لهما لا يقام إلا عند اجتماعهما لانحصار الحد فيهما، وفي كشف اللثام وهو الاقوى، وفيه ما سمعته. نعم عن الشيخين والقاضي والمصنف في النكت وجماعة أنه للام لاختصاصها بالولادة ظاهرا، خصوصا بعد التعدية بحرف الجر الظاهر في ذلك عرفا، وفيه منع الدلالة عرفا على وجه يتحقق بها مسمى القذف، وعن الفاضل والشهيد أن متعلقه الابوان معا، لان نسبته إليهما واحدة فلا اختصاص لاحدهما دون الآخر، ولان الولادة إنما تتم بهما، فهما والدان لغة وعرفا، وقد نسبت الولادة إلى الزناء وهي قائمة بهما، فيكون القذف لهما، قلت: الانصاف تحقق الاشتباه موضوعا وحكما، فالمتجه السقوط في العبارة المزبورة. (أما لو قال: ولدتك أمك من الزناء فهو قذف للام) وإن لم نقل به في الاولى باعتبار التصريح بها هنا بخلافها، وفيه أن التصريح بها لا يتقضي كونها الزانية ضرورة احتمال كون الزاني الاب دونها ويصدق أنها ولدته من الزناء (و) إن كان (هذا الاحتمال أضعف) منه في العبارة الاولى، ولكنه يكون سببا للسقوط باعتبار تحقق الشبهة به، لعدم ظهور في اللفظ عرفا على وجه يعمل به بحيث لا تصدق معه الشبهة عرفا الذي عليه المدار. ولذا قال المصنف: (ولعل الاشبه عندي التوقف لتطرق الاحتمال وإن ضعف) وهو لا يخلو من قوة. (ولو قال: يا زوج الزانية فالحد للزوجة، وكذا لو قال: يا أبا الزانية أو يا أخا الزانية فالحد لمن نسب إليها الزناء دون المواجه). (ولو قال: زنيت بفلانة أو لطت بفلان) بالفتح (فالقذف للمواجه ثابت) بلا خلاف ولا إشكال (وفي ثبوته للمنسوب إليه) خلاف و (تردد، قال) الشيخ (في النهاية والمبسوط: يثبت حدان) ونحوه عن المفيد وجماعة، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه (لانه)

[ 407 ]

أي الزناء (فعل واحد متى كذب في أحدهما كذب في الآخر) إذ هو واقع بين اثنين نسبة أحدهما إليه بالفاعلية كنسبة الآخر إليه بالمفعولية فهو قذف لهما (و) اعترضه المصنف بأنه (نحن لا نسلم أنه فعل واحد، لان موجب الحد في الفاعل غير الموجب في المفعول، وحينئذ يمكن أن يكون أحدهما مختارا دون صاحبه) فهو حينئذ إن لم يكن متعددا حقيقة فحكما باعتبار اختلاف الحكم، فلا أقل من تحقق الشبهة الدارئة بذلك، بل قيل: إنه يدل عليه ظاهر الصحيح (1) الوارد في نظير البحث " في رجل قال لامرأته: يا زانية أنا زنيت بك قال: عليه حد واحد لقذفه إياها، وأما قوله أنا زنيت بك فلا حد عليه فيه إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات عند الامام " من حيث نفي الحد فيه أصلا وإن كان فيه ما فيه " وترتب الحد بقوله: منكوح في دبره، للاجماع والنص أو للدلالة العرفية لا يقتضي ثبوته في الفرض، ومن هنا كان المحكي عن ابن إدريس والفاضل في التحرير العدم، وهو لا يخلو من قوة خلافا لثاني الشهيدين وغيره، وحيث يحكم بثبوته لهما يجب لهما حدان وإن اجتمعا في المطالبة لتعدد اللفظ، ولذا لو اقتصر على قول: زنيت من دون أن يذكر الآخر تحقق القذف للمواجه فيكون الآخر حاصلا بضميمة لفظ آخر، والله العالم. (ولو قال لابن الملاعنة يابن الزانية) أو لها يا زانية (فعليه الحد) بلا خلاف ولا إشكال لصدق الرمي، قال الصادق (عليه السلام) في خبر سلمان (2) " يجلد القاذف للملاعنة " وفي الحسن (3) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل قذف ملاعنة قال: عليه الحد "


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب حد القذف - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 3 والاول عن سليمان

[ 408 ]

وسأله (عليه السلام) أبو بصير (1) أيضا " عن رجل قذف امرأته فتلاعنا ثم قذفها بعد ما تفرقا أيضا بالزناء أفعليه حد ؟ قال: نعم عليه حد " إلى غير ذلك. (ولو قال لابن المحدودة:) يابن الزانية أو لها يا زانية (قبل التوبة لم يجب به الحد) للاصل وعدم الفرية علها ؟ في ذلك، والفرق بينها وبين الملاعنة أن شهادات الزوج ليست كالبينة الموجبة لثبوت الزناء في حقها (و) لذا كان لها دفعها باللعان بخلاف البينة التي تخرج بها عن الاحصان الذى هو شرط الحد على القاذف. نعم لو قال ذلك (بعد التوبة: يثبت الحد) قال الهاشمي (2): " سألت أبا عبد الله وأبا الحسن (عليهما السلام) عن امرأة زنت فأتت بولد وأقرت عند إمام المسلمين أنها زنت وأن ولدها من الزناء فأقيم عليها الحد، وأن ذلك الولد نشأ حتى صار رجلا فافترى عليه رجل هل يجلد من افترى عليه ؟ فقال: يجلد ولا يجلد، فقلت: كيف يجلد ولا يجلد ؟ فقال: من قال له: يا ولد الزناء لم يجلد، وإنما يعزر، وهو دون الحد، ومن قاله له يابن الزانية جلد الحد تاما، فقلت: وكيف صار هذا هكذا ؟ فقال: إنه إذا قال يا ولد الزناء كان قد صدق فيه وعزر على تعيير أمه ثانية، وقد أقيم عليها الحد، وإذا قال له: يابن الزانية جلد الحد تاما لفريته عليها بعد إظهارها التوبة وإقامة الامام عليها الحد " والله العالم. (ولو قال لامرأته) أو غيرها: (زنيت بك فلها حد) عليه (على التردد المذكور) في قوله: زنيت بفلانه (ولا يثبت


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب حد القذف - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 409 ]

في طرفه حد الزناء حتى يقر أربعا) كما عرفت. (ولو قال: يا ديوث أو يا كشخان أو يا قرنان أو غير ذلك من الالفاظ فان أفادت القذف في عرف القائل لزمه الحد) لصدق الرمي وكذا لو كانت مفيدة في عرف المواجه وقالها له جريا على عرفه (وإن لم يعرف فائدتها أو كانت مفيدة لغيره فلا حد) بلا خلاف، بل عن الخلاف الاجماع للاصل (و) غيره. نعم (يعزر إن أفادت فائدة يكرهها المواجه) كنفي الغيرة ونحوه بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. نعم عن أهل اللغة القرنان: القذف بالاخت، والكشخان القذف بالام، والديوث القذف بالزوجة، ولكن عن تغلب القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند العامة مثل الديوث أو قريب منه وفي المسالك قيل: إن الديوث هو الذي يدخل الرجال على امرأته، وقيل: القرنان: من يدخلهم على بناته والكشخان على أخواته إلى غير ذلك، والمدار على ما عرفته في النصوص والفتاوي، وما عن الكافي والفقيه والاصباح من الحد بالرمي بالقحوبة أو الفجور أو العهر أو العلوقية أو الابنه أو الفسق أو قوله: يا كشخان مبني على إفادتها في العرف الزناء أو اللواط وحكي عنهم التصريح بذلك، فلا خلاف وإن كان ذلك في لفظ الفسق واضح المنع، خصوصا بعدما في الخبر (1) أنه سئل الصادق (عليه السلام) " عن رجل قال لآخر: يا فاسق، فقال: لا حد عليه ويعزر " والله العالم. (و) كذا (كل تعريض بما يكرهه المواجه ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفا يثبت به التعزير لا الحد) بلا خلاف أجده فيه بيننا " نعم عن مالك أنه يجعله قذفا عند الغضب دون الرضا، ويمكن إرادته


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد القذف - الحديث 4.

[ 410 ]

الدال منه عرفا على ذلك لا غيره مما لم يكن كذلك، أللهم إلا أن يقال: إن التعريض الذي نفوا الحد فيه دال عرفا بدلالة التعريض إلا أنها غير معتبرة في ثبوت القذف، للاصل واعتبار التصريح في ما سمعته من الخبر وبناء الحد على التخفيف وغير ذلك. ومن هنا صرح في الرياض بعدم اعتبار التعريض المزبور. وعلى كل حال ففي خبر أبي بصير (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " سباب المؤمن فسوق " وفي صحيح عبد الرحمان (2) " سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل سب رجلا بغير قذف فعرض به هل يجلد ؟ قال: لا، عليه تعزير " وفي خبر أبي مريم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الهجاء بالتعزير " وفي خبر إسحاق بن عمار (4) " أن عليا (عليه السلام) كان يعزر في الهجاء " وفي خبر المعلى بن خنيس (5) عن الصادق (عليه السلام) " ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن " وفي خبر المفضل بن عمر (6) " إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين العدو لاوليائي ؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم فيقول: هؤلا الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، قال: ثم يؤمر بهم إلى جهنم، قال: كانوا والله يقولون بقولهم، ولكن حبسوا حقوقهم وأذاعوا عليهم سرهم " وفي خبر الحسين بن أبي العلاء (7) عن الصادق (عليه السلام) " أنه شكا رجل


(1) الوسائل - الباب - 158 - من ابواب احكام العشرة - الحديث 3 من كتاب الحج. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 5 - 6 (5) الوسائل - الباب - 147 - من ابواب احكام العشرة - الحديث 1 من كتاب الحج. (6) الوسائل - الباب - 145 - من ابواب احكام العشرة - الحديث 3 من كتاب الحج. (7) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 نقل بالمعنى.

[ 411 ]

إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قال: احتملت بأمك، فقال: سنضربه ضربا وجيعا حتى أنه لم يؤذ المؤمنين، فضربه ضربا وجيعا " إلى غير ذلك مما دل على التعزير في نحوه. (كقوله أنت ولد حرام) أو لست ولد حلال، فانه ليس بقذف أيضا عندنا إلا مع القرينة، لاحتمال الحمل في الحيض أو الصوم أو الاحرام، وما عن ابن إدريس من مساواته لابن الزناء عرفا محمول على القرائن أو دعوى الدلالة عرفا لا مطلقا كما هو واضح. إنما الكلام في ما أشرنا إليه من ثبوت القذف وعدمه في الدلالة التعريضية التي هي قسم من الكناية بالمعنى الاعم، ولعله غير التعريض الذي ذكره المصنف، لقوله: " المواجه " نعم في الرياض تفسير عبارة النافع بالتعريض المتعارف الدال بالدلالة التعريضية جازما بعدم ترتب القذف عليه " ولكنه لا يخلو من تأمل وإن ذكرنا وجهه آنفا. وكذا يثبت التعزير دون الحد لو قال: أنت ولد شبهة (أو حملت بك أمك في حيضها أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء) قاصدا الازراء بها: قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): " في رجل قال لامرأته: لم أجدك عذراء، قال: يضرب فانه يوشك أن ينتهي " والمراد من الضرب فيه التعزير، خصوصا بعدما في الفقيه " وفي خبر آخر (2) " ان العذرة قد تسقط من غير جماع، وقد تذهب بالنكية والعثرة والسقطة " وفي خبر يونس (3) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس بشئ، لان العذرة تذهب بغير جماع " إلى غير ذلك، وما عن الحسن من وجوب الحد به


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب اللعان - الحديث 2 - 6 - 1 والثالث عن يونس عن زرارة.

[ 412 ]

محمول على إرادة القذف به، كصحيح ابن سنان (1) " إذا قال الرجل لامرأته: لم أجدك عذراء وليست له بينة يجلد الحد ويخلى بينه وبين امرأته " كما عساه يومئ إليه قوله (عليه السلام): " وليست له بينة " بل عن أبي علي الموافقة له على ذلك عند السباب أو يراد من الحد فيه التعزير، كما أنه يراد من نفي الشئ عليه في ما تقدم حال عدم قصد الايذاء والتعيير، بل كان ذلك لتحقيق حق ونحوه. (أو يقول: يا فاسق أو يا شارب الخمر ونحو ذلك، وهو متظاهر بالستر) وإلا لم يكن عليه التعزير بذلك كما ستعرف. (أو يا خنزير أو يا كلب أو يا حقير أو يا وضيع) ونحوهما فعن جراح المدائني (2) عن الصادق (عليه السلام) " إذا قال الرجل: أنت خبيث أو خنزير فليس فيه حد، ولكن فيه موعظة، وبعض العقوبة " أو يقول: يا وضيع أو يا حقير أو يا نجس أو يا لئيم أو نحو ذلك، ففي خبر أبي مخلد السراج (3) عن الصادق (عليه السلام) أنه قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل دعا آخر يابن المجنون، فقال الآخر: أنت ابن المجنون فأمر أن يجلد الاول صاحبه عشرين جلدة، وقال له: اعلم أنك ستعقب مثلها عشرين فلما جلد أعطي المجلود السوط فجلده نكالا لا ينكل بها ". (ولو كان المقول له مستحقا للاستخفاف) لكفر أو ابتداع أو تجاهر بفسق (فلا حد ولا تعزير) بلا خلاف، بل عن الغنية الاجماع عليه، بل ولا إشكال، بل يترتب له الاجر على ذلك، فقد ورد (4) أن من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب، وورد (5) أيضا


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب اللعان - الحديث 5. (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد القذف - الحديث 2 - 3. (4) و (5) لم اعثر عليهما عاجلا.

[ 413 ]

" زينوا مجالسكم بغيبة الفاسقين " وعن الصادق (عليه السلام) (1) " إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة " وفي النبوي (2) " إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم وأهينوهم (وباهتوهم خ ل) لئلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا تتعلموا من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات " إلى غير ذلك مما هو دال على ذلك وإن لم يكن من النهي عن المنكر، بل هو ظاهر الفتاوي أيضا بل قد يترتب التعزير على تارك ذلك إذا كان في مقام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين عليه، لحصول الشروط: نعم ليس كذلك ما لا يسوغ لقاؤه به من الرمي بما لا يفعله، ففي حسن الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) " أنه نهى عن قذف من كان على غير الاسلام إلا أن يكون اطلعت على ذلك منه " وكذا في صحيحه (4) عنه (عليه السلام) وزاد فيه " أيسر ما يكون أن يكون قد كذب " نعم يترتب التعزير على ما سمعته سابقا في حق غير المستحق (وكذا كل ما يوجب أذى كقوله: يا أجذم أو يا أبرص) أو يا أعور أو نحو ذلك وإن كان فيه، إذ ذلك أشد عليه، كما هو واضح، والله العالم. (الثاني: في القاذف و) لا خلاف بل الاجماع بقسميه عليه كما لا إشكال في أنه (يعتبر فيه البلوغ وكمال العقل، فلو قذف الصبي لم يحد) لرفع القلم عنه كما في غيره من الحدود، وفي صحيح


(1) الوسائل - الباب - 154 - من ابواب احكام العشرة - الحديث 4 من كتاب الحج. (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 1 من كتاب الامر بالمعروف (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد القذف - الحديث 2 - 1

[ 414 ]

الفضيل بن يسار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا حد لمن لا عليه حد، يعني لو أن مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا، ولو قذفه رجل فقال له: يا زاني لم يكن عليه حد " وفي خبر أبي مريم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سأله عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل هل يحد ؟ قال: لا، وذلك لو أن رجلا قذف الغلام لم يحد " إلى غير ذلك (و) لكن لو قذف (عزر) مع تمييزه على وجه يؤثر التعزير فيه كفا عن مثل ذلك. وعلى كل حال فلا حد عليه (وإن) كان (قذف مسلما بالغا حرا) فضلا عن غيره. (وكذا) الكلام في (المجنون) الذي هو مثله في رفع القلم أيضا وغيره وفي اعتبار تأثير التعزير فيه وفي غير ذلك، وقد سمعت التصريح به في الصحيح السابق، نعم لو كان ادوارا وقذف في دور الصحة حد ولو حال الجنون مع احتمال تأخره إلى دور العقل، وكذا الكلام في العاقل لو لم يحد حتى جن، وقد مر الكلام في نظير ذلك ولو ادعى المقذوف صدوره حال إفاقته وله حالة جنون فادعى صدوره حينه أو ادعى صدوره حال بلوغه والقاذف حال صباه ففي القواعد قدم قول القاذف ولا يمين، ولعله للشبهة بعد عدم الالتفات إلى الاصول هنا كما تكرر منا في نظائره. وكذا يعتبر فيه أيضا القصد، ضرورة عدم شئ على غير القاصد كالساهي والغافل والنائم، وعلى كل حال فلا حد ولا تعزير على غير القاصد نعم في السكران إشكال أقواه ترتب الحد عليه كالصاحي،


(1) الوسائل الباب - 19 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 415 ]

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في علة حد شارب الخمر ثمانين (1) أنه " إذا سكر قذف هذا وآذى هذا وافترى وحد المفتري ثمانون " ويعتبر فيه الاختيار فلا حد على المكره قطعا. (وهل يشترط في وجوب الحد الكامل الحرية ؟ قيل) والقائل الصدوق والشيخ في محكي الهداية والمبسوط: (نعم) للاصل، وقوله تعالى (2): " فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وخبر القاسم بن سليمان (3) سأل الصادق (عليه السلام) " عن العبد يفتري على الحر كم يجلد ؟ قال: أربعين " ونحوه خبر حماد ابن عثمان (4) وقاعدة التنصيف. (وقيل) والقائل المشهور شهرة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك في محكي الخلاف وغيره: (لا يشترط) لعموم الآية (5) وما شابهها من النصوص (6) وخصوص حسن الحلبي " (7) إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين، قال: هذا من حقوق الناس " وخبر أبي بكر الحضرمي " (8) سأله عن عبد قذف حرا، فقال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله تعالى فانه يضرب نصف الحد " وبذلك ينقطع الاصل والقاعدة وتخص الفاحشة بغيره، بل قيل:


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث 4 وفيه " إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فاجلدوه حد المفترى ". (2) سورة النساء: 4 - الاية 25. (3) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 15 - 4 - 10 (4) لم نجد لحماد بن عثمان خبرا بهذا المضمون. (5) سورة النور: 24 - الاية 4. (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد القذف.

[ 416 ]

إنها ظاهرة في الزناء، بل عن المفسرين إرادته منها هنا، والخبران مع قصورهما عن المعارضة من وجوه محتملان للتقية، فلا ريب في أن الثاني أقوى، ومن الغريب ترك المصنف الترجيح هنا مع ظهوره، وأما صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " العبد يفتري على الحر، فقال: يجلد حدا إلا سوطا أو سوطين " وخبر سماعة (2) " سأله عن المملوك يفتري على الحر فقال: عليه خمسون جلدة " فلم أجد عاملا بهما فلا بأس بحملهما - كما عن الشيخ - على الافتراء بغير القذف الموجب للتعزير. وأما صحيح محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه قال: أرى أن يفرى جلده، قال: وقال في رجل دعي لغير أبيه أقم بينتك أمكنك منه، فلما أتى بالبينة قال: أمه كانت أمة، قال: ليس عليه حد، سبه كما سبك أو اعف عنه إن شئت " ففي التهذيب تضعيفه، وأنه مخالف للقرآن والاخبار الصحيحة، وأنه مشتمل على ما لا يجوز من أمير المؤمنين (عليه السلام) من سب الخصم الذي من الواجب عليه أن يأخذ له بحقه من إقامة الحد أو التعزير، والفري بالفاء والراء المهملة الشق، وعن الاستبصار بالعين المهملة، وأوله باحتمال أن يكون إنما يعري جلده ليقام عليه الحد، ولا يخفى عليك بعده، مع أنه لا تعرى في حد القذف، كما ستسمع إن شاء الله. وكيف كان (فعلى الاول يثبت نصف الحد، وعلى الثاني يثبت الحد كاملا، وهو ثمانون) كما هو واضح (و) قلنا بالاول


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 19 - 20. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 16 و 17.

[ 417 ]

و (ادعى المقذوف) على القاذف (الحرية) ليترتب عليه كمال الحد (وأنكر القاذف فان ثبت أحدهما عمل عليه) بلا خلاف ولا إشكال (وإن جهل ففيه تردد) من أصلي الحرية والبراءة (أظهره أن القول قول القاذف لتطرق الاحتمال) الناشئ من تعارض الاصلين فيوجب الشبهة الدارئة للحد كما عن الخلاف خلافا لما عن المبسوط وإن كان المفروض فيهما ادعاء المقذوف حرية نفسه والقاذف رقه، لكنهما من واد واحد، بل يمكن تنزيل عبارة المصنف عليه، والله العالم. (الثالث: في المقذوف، ويشترط فيه الاحصان) المشترك بين التزويج والاسلام والحرية وغيرها (و) لكن (هو هنا عبارة عن البلوغ وكمال العقل والحرية والاسلام والعفة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه (فمن استكملها وجب بقذفه الحد) مع استكمال القاذف شرائطه المزبورة. (ومن فقدها أو بعضها فلا حد وفيه التعزير) إلا في الاخير (كمن قذف صبيا) أو صبية لما عرفت. وصحيح الفضيل بن يسار (1) وخبر أبي مريم (2) السابقين، وفي خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) " في الرجل يقذف الصبية يجلد، قال لا، حتى تبلغ ". (أو مملوكا) لخبر أبي بصير (4) " من افترى على مملوك عزر لحرمة الاسلام " وخبر عبيد بن زرارة (5) " لو أتيت برجل قذف عبدا مسلما لا نعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطا ".


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد القذف - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد القذف - الحديث 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 12 - 2.

[ 418 ]

(أو كافرا) لخبر إسماعيل بن الفضيل (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم ؟ قال: لا، ولكن يعزر " وقد تقدم ما في حسن الحلبي (2) وصحيحه. (أو متظاهرا بالزناء) أو اللواط فانه لا حرمة له، بل الظاهر عدم التعزير وإن كان هو ظاهر المتن وغيره، إلا أن الاصل وما سمعته من النصوص السابقة يقتضي عدمه، نعم لو لم يكن متظاهرا بالزناء واللواط اتجه تمام الحد على قاذفه وإن كان متظاهرا بالفسق، لاطلاق الادلة أو عمومها، أللهم إلا أن يعارض ذلك بما سمعته مما دل على حرمته للمتظاهر بالفسق، ويمكن تنزيله على غير القذف. وعلى كل حال ففي مرسل يونس " كل بالغ ذكر أو أنثى افترى على صغير أو كبير ذكر أو أنثى أو مسلم أو كافر أو حر أو عبد فعليه حد الفرية، وعلى غير البالغ حد الادب " وهو مطرح لفقده شرائط الحجية فضلا عن صلاحية المعارضة لما عرفت، أو محمول على ما عن الشيخ من الافتراء على أحد أبوي الصغير أو المملوك أو الكافر مع إسلامه وحريته، أو على إرادة التعزير من الحد فيه. وقد ظهر لك مما ذكرنا وجوب الحد على المستكمل لما عرفت (سواء كان القاذف مسلما أو كافرا حرا أو عبدا) على الاصح الذي سمعته سابقا. (ولو قال للمسلم: يابن الزانية، أو أمك زانية وكانت أمه كافرة أو أمة قال) الشيخ (في النهاية) وتبعه عليه جماعة (عليه الحد


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب حد القذف - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السحق - الحديث 2 و 1.

[ 419 ]

تاما لحرمة ولدها) وخبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (1) عن الصادق (عليه السلام) " أنه سئل عن اليهودية والنصرانية تحت المسلم فيقذف ابنها، قال: يضرب القاذف، لان المسلم قد حصنها " ولكنه قاصر السند ولا جابر، بل الموهن محقق، فما عن المختلف من نفي البأس عن العمل به لوضوح طريقه لا يخفى ما فيه، بل والدلالة فان الضرب أعم من الحد، نعم عن الكافي روايته " ويضرب القاذف حدا " إلى آخره ويمكن إرادة التعزير منه، فما عن ابن الجنيد من القول بذلك مرسلا له عن الباقر (عليه السلام) راويا عن الطبري أن الامر لم يزل على ذلك إلى أن أشار عبد الله بن عمر على عمر بن عبد العزيز بأن لا يحد مسلم في كافر فترك ذلك لم نتحققه. (و) حينئذ فلا ريب في أن (الاشبه التعزير) كما في المسالك وكشف اللثام بل في الرياض حكايته عن الحلي وعامة المتأخرين لاطلاق الادلة المزبورة. (ولو قذف الاب ولده) قذفا يوجب الحد (لم يحد وعزر) للحرمة لا لحق الولد، للاصل وعدم ثبوت عقوبة للولد على أبيه ولو قتله، قال ابن مسلم في الحسن أو الصحيح (2) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزناء قال: لو قتله ما قتل به وإن قذفه لم يجلد له، قلت: فان قذف أبوه أمه قال: إن قذفها وانتفى من ولدها تلاعنا، ولم يلزم ذلك الولد الذي انتفى منه، وفرق بينهما، ولم تحل له أبدا، قال: وإن كان قال لابنه وأمه حية يابن الزانية ولم ينتف من ولدها جلد الحد ولم يفرق بينهما، قال: وإن كان قال لابنه يابن الزانية وأمه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقها منه إلا ولدها منه فانه لا يقام عليه


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب حد القذف - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 420 ]

الحد، لان حق الحد قد صار لولده منها، وإن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له، وإن لم يكن لها ولد من غيره وكان لها قرابة يقومون بأخذ الحد جلد لهم ". ومنه يعلم الوجه في ما ذكره المصنف بقوله: (وكذا لو قذف زوجته الميتة ولا وارث لها إلا ولده) منها (نعم لو كان لها ولد من غيره كان لهم الحد تاما) والله العالم. (ويحد الولد لو قذف أباه والام لو قذفت ولدها وكذا الاقارب) للعمومات، نعم الاقرب وفاقا للقواعد أن الجد للاب أب عرفا، بل عن التحرير القطع به، خصوصا بعد عدم قتله به ومساواته في الحرمة دون الجد للام التي هي تحد بقذف ولدها، لعدم سبقه إلى الفهم من الاب وإن كثر إطلاق الابن على السبط، والله العالم. (الرابع في الاحكام وفيه مسائل:) (الاولى:) (إذا قذف جماعة واحدا بعد واحد فلكل واحد حد) سواء جاؤوا به مجتمعين أو متفرقين بلا خلاف أجده فيه إلا من الاسكافي، فاعتبر مع ذلك الاتيان به متفرقين، وإلا ضرب حدا واحدا، بل عن الغنية والسرائر الاجماع عليه، لقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب، وخبر بريد العجلي (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " في الرجل يقذف القوم جميعا بكلمة واحدة فإذا لم يسمهم فانما عليه حد واحد، وإن سمى فعليه لكل واحد حد " وخبر الحسن العطار (2) قال للصادق (عليه السلام)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب حد القذف - الحديث 5 - 2.

[ 421 ]

" رجل قذف قوما جميعا " فقال: بكلمة واحدة، قال: نعم، قال: يضرب حدا واحدا، وان فرق بينهم في القذف ضرب لكل واحد منهم حدا " المنجبرين بما عرفت (و) المعتضدين بما سمعت. نعم (لو قذفهم بلفظ واحد) كما لو قال هؤلاء زناة (وجاؤوا به مجتمعين فللكل حد واحد، وإن افترقوا في المطالبة فلكل واحد حد) بلا خلاف معتد به في الاخير بل ولا إشكال، لقاعدة تعدد السبب وغيرها بل والاول، بل عن الغنية والسرائر الاجماع فيهما، لصحيح جميل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل افترى على قوم جماعة فقال: إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد حدا " ونحوه خبر محمد بن حمران (2) بناء على ظهور قوله: " جماعة " في إرادة القذف بكلمة واحدة ولو للجمع بينه وبين غيره مما سمعت. فما عن الاسكافي - من الاتحاد مع اتحاد اللفظ مطلقا والتفصيل بين الاتيان به مجتمعين ومتفرقين مع التعدد - غير واضح الوجه على وجه تنطبق عليه جميع النصوص المزبورة، خصوصا بعد ملاحظة الشهرة العظيمة والاجماعين المزبورين. فما عن الفاضل في المختلف - من نفي البأس عنه محتجا عليه بالصحيح المزبور الذي هو أوضح طريقا من غيره - لا يخلو من نظر، ضرورة عدم ظهور قوله: " جماعة " في إرادة القذف متعددا كي يتجه التفصيل المزبور، بل هو إما ظاهر في اتحاد اللفظ أو الاعم الذي لا قائل بالتفصيل فيه، على أنه لو سلم ظهوره منه خاصة فهو غير دال على تمام دعواه. وفي كشف اللثام بعد أن حكى قول الاسكافي المزبور قال: " بناء


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 3.

[ 422 ]

على أن المراد من الوحدة في الخبرين الاولين الوحدة بالعدد، فيكون مفادهما أنه إذا قال أنتم أو هؤلاء زناة مثلا لم يحد إلا واحدا أتوا به جميعا أو أشتاتا، فان سماهم فقال فلان وفلان وفلان زناة مثلا حد لكل واحد حدا يعني إذا أتوا به متفرقين، بدليل الصحيح وغيره " ولكنه كما ترى، ضرورة أن ما ذكرناه من الجمع بالتقييد أو التخصيص بين النصوص ولو مع فرض التعارض من وجه للترجيح بما سمعته من الشهرة ومحكي الاجماع وغير ذلك أولى من وجوه، فلا ريب في أن المشهور حينئذ أقوى. ومنه يعلم ضعف ما عن الصدوق في الفقيه والمقنع من أنه إن قذف قوما بكلمة واحدة فعليه حد واحد إذا لم يسمهم بأسمائهم، وإن سماهم فعليه لكل رجل سماه حد، وروى أنه إن أتوا به متفرقين ضرب لكل رجل منهم حد، وإن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، وعكس في الهداية فأفنى بما جعله في الكتابين رواية، وجعل ما أفتى به فيهما رواية، والتحقيق الجامع بين النصوص ما عرفت، والله العالم. (وهل الحكم في التعزير كذلك ؟ قال جماعة) منهم المفيد وسلار على ما حكي: (نعم) بل في المسالك نسبته إلى المشهور للاولوية خلافا للمحكي عن ابن إدريس من العدم، لكونه من القياس الممنوع ونفي المصنف الخلاف، فقال: (ولا معنى للاختلاف هنا) وذلك لان التعزير منوط بنظر الحاكم، وليس له بالنسبة إلى كل واحد حد محدود، فهو يؤدب بسباب الجماعة بغير القذف بما يراه. وفيه أنه يمكن أن تظهر الفائدة في ما لو زاد عدد المقذوفين على عدد أسواط الحد، فانه مع الحكم بتعدد التعزير يجب ضربه أزيد من الحد ليخص كل واحد منهم سوطا فصاعدا، وعلى القول باتحاده لا يجوز له

[ 423 ]

بلوغ الحد بالتعزير مطلقا، نعم في كشف اللثام إذا كان التأديب لله تعالى كقذف الكفار والمجانين اتجه ما قاله، بل في المسالك " وقد تظهر الفائدة في صورة النقصان أيضا " قلت: قد يقال: إن المراد بايكاله إلى نظر الحاكم ما يشمل جعله السوط الواحد عن التعزير المتعدد لعظم الشخص مثلا ونحو ذلك، والله العالم. (وكذا) لك الكلام في ما (لو قال يابن الزانيين، فان الحد) حينئذ (لهما) أي الابوين (و) لكن القذف قد كان بلفظ واحد ف‍ (يحد حدا واحدا مع الاجتماع على المطالبة وحدين مع التعاقب) لما عرفته مفصلا، والله العالم. المسألة (الثانية:) (حد القذف موروث) إذا لم يكن قد استوفاه المقذوف ولا عفا عنه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى العمومات وإلى خصوص النصوص، منها صحيح محمد بن مسلم (1) المتقدم، وما في خبر السكوني (2) من أن " الحد لا يورث " - مع ضعفه وموافقته لما عن بعض العامة - محمول على إرادة عدم كونه موروثا على حسب المال وإن كان (يرثه من يرث المال من الذكور والاناث عدى الزوج والزوجة) وما شابههما من ذوي الاسباب إلا الامام في قول، إلا أنه ليس على حسب إرث المال من التوزيع بل هو ولاية لكل واحد من الورثة المطالبة به تاما وإن عفا الآخر.


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد القذف - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2

[ 424 ]

قال الصادق (عليه السلام) في موثق الساباطي (1): " إن الحد لا يورث كما تورث الدية والمال والعقار، ولكن من قام به من الورثة وطلبه فهو وليه، ومن تركه ولم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف رجلا وللمقذوف أخوان فان عفا احدهما عنه كان للاخر أن يطالبه بحقه، لانها أمهما جميعا، والعفو إليهما جميعا " والمراد بارث الامام أن له المطالبة والاستيفاء، وأما العفو فقد قيل: إنه ليس له، بل عن الغنية الاجماع على ذلك، ولكن لا يخلو من نظر، وقد تقدم في المواريث (2) تمام الكلام في ذلك، فلاحظ. المسألة (الثالثة:) (لو قال) القاذف لآخر: (ابنك زان أو لائط أو بنتك زانية فالحد لهما لا للمواجه) لانهما المنسوب إليه دونه، فانه لم ينسب إليه قبيحا، وحينئذ فالمطالبة لهما لا له (فان سبقا بالاستيفاء أو العفو فلا بحث ولا خلاف (وإن سبق الاب) بأحدهما فالاكثر بل المشهور على عدم كون ذلك شيئا كما في غيره من الحقوق. ولكن (قال) الشيخان (في) محكي المقنعة و (النهاية: له المطالبة والعفو) لان العار لا حق له (وفيه إشكال، لان المستحق موجود وله ولاية المطالبة، فلا يتسلط الاب كما في غيره من الحقوق) نعم له الاستيفاء إذا فرض ولايته عليهما على وجه لا يصلحان لاستيفائه، كما إذا كانا صغيرين وورثاه، بل لا يبعد أن له العفو أيضا مع عدم


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) راجع ج 39 ص 43 - 44.

[ 425 ]

المفسدة للاطلاق وإن استشكل فيه بعض. المسألة (الرابعة:) (إذا ورث الحد جماعة لم يسقط بعفو البعض،) وحينئذ (فللباقين المطالبة بالحد تاما ولو بقي واحد) منهم بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية الاجماع عليه، مضافا إلى الموثق (1) المزبور الذي منه ومن غيره يعلم عدم إرثه على حسب المال. (أما لو عفا الجماعة أو كان المستحق واحدا فعفا فقد سقط الحد) بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة كونه من حقوق الآدميين للقابلة للسقوط بالاسقاط وغيره، ولا فرق في ذلك بين قذف الزوجة وغيره، ولا بين العفو قبل المرافعة للحاكم وبعده، لانه الاصل في كل حق، ولقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر ضريس (2): " لا يعفى عن الحدود التي بيد الامام، فأما ما كان من حق الناس في حد فلا بأس أن يعفى عنه دون الامام ". نعم ليس له بعد العفو المطالبة، للاصل وخبري سماعة قال في أحدهما (3): " سألته عن الرجل يفتري على الرجل ثم يعفو عنه ثم يريد أن يجلده الحد بعد العفو، قال ليس ذلك له بعد العفو " ونحوه الآخر عن الصادق (عليه السلام (4) خلافا لما عن الشيخ في كتابي الاخبار ويحيى بن سعيد من


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 426 ]

عدم العفو للزوجة بعد المرافعة، لصحيح ابن مسلم (1) " سألته عن الرجل يقذف امرأته، قال: يجلد، قلت: أرأيت إن عفت عنه، قال: لا، ولا كرامة " المحمول على ما بعد المرافعة جمعا بينه وبين ما دل على جواز العفو. وفيه أنه لا شاهد له، بل المتجه على تقدير العمل به تخصيصه أو تقييده إطلاق ما دل على العفو، ولذا كان المحكي عن الصدوق العمل به مطلقا، إلا أنه مع شذوذه وإضماره واحتمال إرادة لا كرامة لها في العفو، بمعنى أنه لا ينبغي صدوره منها وإعراض المشهور عنه - يقصر عن ذلك، وإن أمكن تأييده بقول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة: " (2) المسروق إن يهب السارق لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام، وذلك قوله تعالى: والحافظون لحدود الله (3) فإذا انتهى الحد إلى الامام فليس لاحد أن يتركه " وخبر حمزة بن حمران (4) سأل أحدهما (عليهما السلام) " عن رجل أعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزناء، فقال: أرى عليه خمسين جلدة، ويستغفر الله تعالى، قال: أرأيت إن جعلته في حل وعفت عنه، قال: لا ضرب عليه إذا عفت عنه من قبل أن ترفعه " إلا أنه مع كون الثاني منهما بالمفهوم غير جامعين لشرائط الحجية، فالمتجه أن له العفو مطلقا، ومن هنا قال المصنف (ولمستحق الحد أن يعفو قبل ثبوت حقه وبعده، وليس للحاكم الاعتراض عليه) بل قال: (ولا يقام إلا بعد مطالبة المستحق) والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب حد القذف - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3. (3) سورة التوبة: 9 - الاية 112. (4) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب حد القذف - الحديث 3.

[ 427 ]

المسألة (الخامسة:) (إذا تكرر الحد بتكرر القذف مرتين قتل في الثالثة) للصحيح السابق (1) المتضمن لقتل أصحاب الكبائر فيها (وقيل:) يقتل (في الرابعة، وهو أولى) وأحوط لولا الصحيح المزبور، أللهم إلا أن يكون من الشبهة باعتبار احتمال إلحاقه بما دل عليه في الزناء الذي هو أولى منه، وقد تقدم الكلام في ذلك مكررا. (ولو قذف، فحد فقال: الذي قلت كان صحيحا وجب بالثاني التعزير) لا (لانه ليس بصريح) بل لصحيح محمد بن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) في الرجل يقذف الرجل فيرد عليه القذف، قال: إن قال له: إن الذي قلت لك حق لم يجلد، وإن قذفه بالزناء بعد ما جلد فعليه الحد، وإن قذفه قبل أن يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه إلا حد واحد ". (و) منه يعلم الوجه في قول المصنف وغيره: إن (القذف المتكرر يوجب حدا واحدا لا أكثر) ولصدق موجب الرمي وإن تعدد نعم لو تعدد المقذوف تعدد الحد لكل واحد منهم، بل لو تعدد المقذوف به للواحد كأنه قذفه مرة بالزناء وأخرى باللواط وثالثة بأنه ملوط به، ففي كشف اللثام عليه لكل قذف حد وإن لم يتخلل الحد، لان الاجماع والنصوص دلت على إيجاب الرمي بالزناء الحد ثمانين اتحد أو تكرر، وكذا الرمي باللواط وكذا بأنه ملوط به ولا دليل على تداخلها، وفيه


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 428 ]

إشكال بعد رجوع الجميع إلى اسم القذف، والله العالم. المسألة (السادسة:) لا خلاف ولا إشكال في أنه (لا يسقط الحد عن القاذف) بعد ثبوته عليه للاصل وغيره (إلا بالبينة المصدقة) التي يثبت بها الزناء مثلا (أو تصديق مستحق الحد) ولو مرة وإن لم يثبت بذلك الزناء الرافعين للاحصان بمعنى العفة المعتبرة في ثبوت حد القذف (أو العفو) للنص السابق والفتوى، (و) لا فرق في الثلاثة بين أفراد المقذوفين: نعم (لو قذف زوجته سقط الحد بذلك وباللعان) أيضا الذي مر الكلام في بابه، والظاهر سقوطه عنه بارثه له وبالصلح عنه وغيره مما يكون سببا شرعا لاسقاطه. وهل عليه التعزير إذا سقط الحد بأحد هذه الامور ؟ وجهان كما في كشف اللثام من أن الثابت عليه إنما كان الحد وقد سقط، ولا دليل على ثبوت التعزير، ومن أن ثبوت المقذوف به بالاقرار أو البينة لا يجوز القذف وان جوز إظهاره عند الحاكم لاقامة الحد عليه، والعفو واللعان أيضا لا يكشفان عن إباحته، ولا يسقطان إلا الحد، والتعزير ثابت في كل كبيرة، ولعل الاول لا يخلو من قوة، والله العالم.

[ 429 ]

المسألة (السابعة:) (الحد ثمانون جلدة حرا كان) ذكرا أو أنثى كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا (أو عبدا) على الاصح كما عرفت البحث فيه. (و) لا خلاف في أنه (يجلد) القاذف (بثيابه ولا يجرد) بل الاتفاق عليه كما في كشف اللثام، للاصل وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في خبر الشعيرى " (3) لا ينزع من ثياب القاذف إلا الرداء " والصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق (4): " يضرب جسده كله فوق ثيابه " وأما صحيح محمد بن قيس (5) عن الباقر (عليه السلام) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه، قال: أرى أن يعرى جلده " فقد تقدم فيه بعض الكلام، مع احتمال كونه قضية في واقعة، وأنه تعزير منوط بنظر الحاكم، لان الدعوة لغير الاب ليست قذفا، وكونه من عراه يعروه إذا أتاه، وجلده بفتح الجيم أي أرى أن يحضر الناس جلده حدا أو دونه، أو باعجام العين وتضعيف الراء والبناء للفاعل فهو من التغرية، أي يلصق الغراء بجلده ويكون كناية عن توطين نفسه للحد أو التعزير.


(1) سورة النور: 24 - الاية 4. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد القذف. (3) اشار إليه في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب حد القذف - الحديث 4 وذكره في التهذيب ج 10 ص 70 - الرقم 265. (4) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب حد القذف - الحديث 2. (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 16.

[ 430 ]

(و) كيف كان ف‍ (يقتصر) في ضربه (على الضرب المتوسط) كما في خبر إسحاق بن عمار (1) " المفتري يضرب بين الضربين " الحديث. (ولا يبلغ به الضرب في الزناء) قال الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع (2) عنه " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزاني أشد ضربا من شارب الخمر، وشارب الخمر أشد ضربا من القاذف، والقاذف أشد ضربا من التعزير ". (ويشهر القاذف) أي يعلم الناس بحاله (لتجتنب شهادته) كما يشهر شاهد الزور لاشتراك العلة. (ويثبت القذف بشهادة العدلين) بلا خلاف، لاطلاق ما دل على حجيتها (أو الاقرار مرتين) كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا وإن لم نظفر بنص خاص فيه، وعموم إقرار العقلاء (3) يقتضي الاجتزاء به مرة، أللهم إلا أن يكون ذلك من جهة بناء الحدود على التخفيف، فينزل إقراره منزلة الشهادة على نفسه فيعتبر فيها التعدد، والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف ولا إشكال في أنه (يشترط في المقر التكليف والحرية والاختيار) ولا يثبت بشهادة النساء وإن كثرن لا منضمات ولا منفردات، كما مر غير مرة، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد القذف - الحديث 3 - 5 (3) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2.

[ 431 ]

المسألة (الثامنة:) (إذا تقاذف إثنان) محصنان (سقط الحد وعزرا) بلا خلاف لصحيح ابن سنان (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه، فقال يدرأ عنهما الحد ويعزران وصحيح أبي ولاد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجلين قذف كل منهما صاحبه فدرأ عنهما الحد وعزرهما " ومنه ومن غيره يعلم عدم سقوط التعزير عنهما لو تغايرا بما يقتضيه، والله العالم. المسألة (التاسعة:) (قيل) والقائل المشهور بل لم أجد من حكى فيه خلافا (لا يعزر الكفار مع التنابز) والتداعي (بالالقاب) المشعرة بالذم (والتعيير بالامراض) ولعله لاستحقاقهم الاستخفاف، وفي المسالك " وكان وجهه تكافؤ السبب والهجاء من الجانبين، كما يسقط الحد عن المسلمين بالتقاذف لذلك، ولجواز الاعراض عنهم في الحدود والاحكام، فهنا أولى " وتبعه في الرياض. وفيه أن الاول يقتضي اختصاص ذلك بالتنابز من الطرفين، كما أن الثاني يقتضي جواز التعزير لهم. وعلى كل حال فالحكم مفروغ منه (إلا أن يخشى) من ذلك (حدوث فتنة) لا تصيبن الذين ظلموا خاصة (فيحسمها الامام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 2.

[ 432 ]

بما يراه) لكن نسبة المصنف له إلى القبل تشعر بالتردد فيه، ولعله لانه فعل محرم يوجب التعزير في المسلم ففي الكافر أولى، ويمكن منع الحرمة والله العالم. (ويلحق بذلك مسائل:) أخر (الاولى:) (من سب النبي (صلى الله عليه وآله) جاز لسامعه) بل وجب (قتله) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص، ففي خبر هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن شتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يقتله الادنى فالادنى قبل أن يرفع إلى الامام " وفي خبر الحسين ابن علي الوشاء (2) " سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد (عليهما السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتي به عامل المدينة فجمع الناس فدخل عليه أبو عبد الله (عليه السلام) وهو قريب العهد بالعلة، وعليه رداء مورد فأجلسه في صدر المجلس واستأذنه في الاتكاء وقال لهم: ما ترون فقال له عبد الله ابن الحسن والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن يقطع لسانه، فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه، فقال: ما ترون ؟ قال: يؤدب، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سبحان الله فليس بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أصحابه فرق " ؟ !


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد المرتد - الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 25 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 433 ]

وفي خبر علي بن جعفر (1) قال: " أخبرني أخي موسى (عليه السلام) قال: كنت واقفا على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارئي عامل المدينة فقال: يقول لك الامير: انهض إلي فاعتل بعلة فعاد إليه الرسول فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي واعتمد علي ودخل علي الوالي وقد جمع فقهاء المدينة كلهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله انظر في الكتاب، قال حتى أنظر ما قالوا فالتفت إليهم، فقال: ما قلتم ؟ قالوا: قلنا يؤدب ويضرب ويعزر ويحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان الحكم فيه ؟ قالوا: مثل هذا قال: فليس بين النبي وبين رجل من أصحابه فرق، فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله، لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أخبرني أبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الناس في أسوة سواء من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال مني، فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله ". وفي حسن ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن رجلا من هذيل كان سب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبلغ ذلك النبي فقال من لهذا ؟ فقال رجلان من الانصار: نحن يا رسول الله، فانطلقا حتى أتيا عربه فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: من أنتما وما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد القذف - الحديث 2 - 3

[ 434 ]

اسمكما ؟ فقالا له: أنت فلان بن فلان، فقال: نعم، فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلت لابي جعفر (عليه السلام): أرأيت لو أن رجلا سب النبي (صلى الله عليه وآله) أيقتل ؟ قال: إن لم تخف على نفسك فاقتله ". وروي (1) " أنه (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة عهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم سوى نفر كانوا يؤذونه، منهم بنتان كانتا يغنيان بهجائه، فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " إلى غير ذلك من النصوص المؤيدة بما قيل من أنه تجاهر بالكفر واستخفاف بالدين وقوامه وإن كان فيه أن ذلك يقتضي جريان حكم المرتد عليه لا قتله على كل حال. نعم هو كذلك (ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله أو غيره من أهل الايمان) بلا خلاف أجده ترجيحا لا طلاق ما دل على مراعاة ذلك، مضافا إلى حسن ابن مسلم (2) السابق، وفحوى ما تسمعه في من سب أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أحد الائمة (عليهم السلام) بل الظاهر عدم الجواز حينئذ لا عدم الوجوب، نحو ما ورد (3) في سبه نفسه (صلى الله عليه وآله) تخلصا من القتل كفعل عمار المشهور فيكون فرق حينئذ بين المقام وبين فعل السب خوفا من ذلك، لكن الحسن المزبور خاص بالخوف على النفس، إلا أن الاصحاب لم يفرقوا بينه وبين غيره مما يدخل تحت التقية، ولعل ما في الحسن إشارة إليها


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 205 وليس فيه " كانتا يغنيان بهجائه ". (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد القذف - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 2 من كتاب الامر بالمعروف والبحار - ج 75 ص 412.

[ 435 ]

لا خصوص الخوف على النفس، كما أومأ إليه ما تسمعه في الناصب. (وكذا) الكلام في (من سب أحد الائمة (عليهم السلام) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل الاجماع بقسميه عليه، وفي صحيح هشام بن سالم (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل سبابة لعلي (عليه السلام) قال: فقال: حلال الدم والله لولا أن يعم بريا، قلت: فما تقول في رجل مؤذ لنا، قال: في ماذا ؟ قلت: فيك يذكرك، فقال لي: له في علي (عليه السلام) نصيب، قلت: إنه ليقول ذاك ويظهره، قال: لا تعرض له " ولعل النهي عن التعرض له للخوف عليه، على أنه أعم من حرمة دمه كما نص عليه في كشف اللثام. وفي خبر العامري (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أي شئ تقول في رجل سمعته يشتم عليا (عليه السلام) ويبرأ منه ؟ فقال: والله هو الحلال الدم، وما ألف منهم برجل منكم دعه ". وفي خبر علي بن حديد (3) المروي عن رجال الكشي " سمعت من يسأل أبا الحسن الاول (عليه السلام) فقال: إني سمعت محمد بن بشير يقول: إنك لست موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي هو إمامنا وحجتنا بيننا وبين الله تعالى، فقال: لعنه الله ثلاثا - أذاقه الله حر الحديد قتله الله أخبث ما يكون من قتلة، فقلت له: إذا سمعت ذلك منه أو ليس حلال لي دمه مباح كما أبيح دم سباب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: نعم، حل والله حل والله دمه وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه، قلت: أو ليس ذلك بسباب لك ؟ قال: هذا سباب لله وسباب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسباب لآبائي وسبابي وأي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 - 2 - 6.

[ 436 ]

سب لي وأي سباب يقصر عن هذا ولا يفوقه هذا القول، قلت: أرأيت إن أنا لم أخف أن أعمن بذلك بريا ثم لم أفعل ولم أقتله ما علي من الوزر ؟ فقال: يكون عليك وزه أضعافا مضاعفة من غير أن ينقص من وزره شئ، أما علمت أن أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله ورسوله بظهر الغيب، ورد عن الله وعن رسوله " إلى غير ذلك من النصوص. مضافا إلى ما دل على حلية دم الناصب الذي منه خبر داود بن فرقد (1) قلت لابي عبد الله (عليه السلام): " ما تقول في قتل الناصب ؟ فقال: حلال الدم، ولكن أتقي عليك، فان قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل " الحديث. ولا ينافي ذلك ما في خبر أبي الصباح (2) الطويل، وحاصله أنه استأذنه في قتل جعد بن عبد الله جارة لوقوعه في علي (عليه السلام) فقال: " قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن القتل يا أبا الصباح إن الاسلام قيد الفتك، ولكن دعه فستكفي بغيرك " الذي لا جابر له الممكن حمله على أنه (عليه السلام) روى ذلك للخوف عليه أو غيره ممن هو برئ، لانه رأى شدة عزمه على القتل، كما يظهر من بعض ما في الخبر المزبور. هذا وفي المسالك " في إلحاق باقي الانبياء بذلك قوة لان كمالهم وتعظيمهم على من دين الاسلام ضرورة، فسبهم ارتداد وتبعه عليه غير واحد، بل في الرياض عن الغنية الاجماع عليه ". قلت: قد يناقش


الوسائل - الباب - 26 - من ابواب حد القذف - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب ديات النفس - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 437 ]

بأن ذلك يقتضي الارتداد لا القتل على كل حال. نعم قد يدل عليه ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي باسناده (1) عن صحيفة الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من سب نبيا قتل، ومن سب صاحب نبي جلد " لكن عن المبسوط روي (2) عن علي (عليه السلام) أنه قال: " لا أوتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلا جلدته ماءة وستين، فان جلد الناس ثمانون وجلد الانبياء ماءة وستون " لكنه كما ترى. وعن التحرير إلحاق أم النبي (صلى الله عليه وآله) وبنته به من غير تخصيص بفاطمة (عليها السلام) مراعاة لقدره، وفي الرياض حكايته أيضا عن غير التحرير، لكن قال: " وقيل: يمكن اختصاص الحكم بفاطمة (عليها السلام) للاجماع على طهارتها بآية التطهير (3) وهو حسن ". ولعله أشار بذلك إلى ما في الروضة، إلا أن الموجود فيها " وألحق في التحرير بالنبي (صلى الله عليه وآله) أمه وبنته من غير تخصيص بفاطمة (عليها السلام) ويمكن اختصاص الحكم بها، للاجماع على طهارتها بآية التطهير ". قلت: هو كذلك بالنسبة إلى قذفها (عليها السلام) وكذا بالنسبة إلى أم النبي (صلى الله عليه وآله) باعتبار ما علم أنه صلى الله عليه وآله لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، وأما سب فاطمة (عليها السلام) فلعله من جهة العلم بكونها في الاحترام كأولادها (سلام الله عليهم) وأما غيرها فالمتجه ذلك إن كان بحيث يرجع إلى صدق سب النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد القذف - الحديث 4. (2) المبسوط ج 8 ص 15. (3) سورة الاحزاب: 33 - الاية 33.

[ 438 ]

وشتمه والنيل منه بذلك ونحوه عرفا، وإلا ففي إطلاقه منع واضح. هذا وفي اللمعة " وقاذف أم النبي (صلى الله عليه وآله) مرتد ولو تاب لم تقبل توبته إذا كان ارتداده عن فطرة " وفي الروضة في شرحها " وهذا بخلاف ساب النبي (صلى الله عليه وآله) فان ظاهر النص والفتوى وجوب قتله وإن تاب، ومن ثم قيده هنا خاصة، وظاهرهم أن سباب الامام كذلك " وفي حاشية الكركي على الكتاب " ولو قذف النبي (صلى الله عليه وآله) فهو مرتد ووجب قتله، ولا تقبل توبته إذا كان مولودا على الفطرة، وكذا لو قذف أم النبي (صلى الله عليه وآله) أو بنته وكذا أم الامام (عليه السلام) أو بنته ". قلت: لا يخفى عليك صعوبة إقامة الدليل على بعض الاحكام المزبورة خصوصا بعد عدم الحكم بالارتداد بما وقع من قذف عائشة وهي زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) بل قد يشكل جريان حكم المرتد على قذف النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يرجع إلى سبه الذي قد عرفت أن حكمه القتل على كل حال، نعم ما لا يرجع منه إلى السب يتجه فيه ذلك. ثم إن ظاهر المنصف وغيره عدم توقف جواز قتل الساب على إذن الامام، بل هو المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، لاطلاق النصوص وخصوص الاول منها، خلافا للمحكي عن المفيد والفاضل في المختلف، فلم يجوزاه بدونه، ولعله لخبر عمار السجستاني (1) ان أبا عبد الله بن النجاشي سأل الصادق (عليه السلام) فقال إني قتلت ثلاثة عشر رجلا من الخوارج كلهم سمعتهم يبرأ من علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: لو كنت قتلتهم بأمر الامام لم يكن عليك في قتلهم شئ، ولكنك


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب ديات النفس - الحديث 2 من كتاب الديات.

[ 439 ]

سبقت الامام، فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنى وتصدق بلحمها، لسبقك الامام، وليس عليك غير ذلك " ونحوه مرفوع إبراهيم بن هاشم (1) إلا أنه مع عدم جامعيته لشرائط الحجية قاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب. ولا فرق في الساب بين المسلم والكافر، لعموم النص، وقد روي (2) عن علي (عليه السلام) " أن يهودية كانت تشتم النبي (صلى الله عليه وآله) وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله (صلى الله عليه وآله) دمها " نعم قد يتوقف في قتل الكافر الساب إذا أسلم، لان الاسلام يجب ما قبله. كما أنه لا إشكال في عدم شئ على غير القاصد للسب لغفلة أو نحوها بل في خبر علي بن عطية (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجئ من النبي (صلى الله عليه وآله) على جهة غضب يؤاخذه الله به، فقال: الله أكرم من أن يستقلق عبده " وفي نسخة " يستغلق عبده " وإن كنت لم أجد من أمتي به على وجه لا يستلب الغضب اختياره بحيث يسقط عنه التكليف. وكذا لم أجد من أفتى بمضمون خبر مطر بن أرقم (4) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن عبد العزيز بن عمر الوالي بعث


(1) اشار إليه في الوسائل في - الباب - 22 - من ابواب ديات النفس - الحديث 2 وذكره في الكافي ج 7 ص 376. (2) سنن النسائي ج 7 ص 108 عن ابن عباس. (3) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد القذف - الحديث 1 وفيه " يجئ من الشئ على جهة غضب.. " وفي ذيله " وفي نسخة يستقلق عبده ". (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب حد القذف - الحديث 1.

[ 440 ]

إلى فأتيته وبين يديه رجلان قد تناول أحدهما صاحبه فمرس وجهه، فقال: ما تقول يا أبا عبد الله في هذين الرجلين ؟ قلت: وما قالا ؟ قال: قال أحدهما: ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فضل على أحد من بني أمية في الحسب، وقال الآخر له الفضل على الناس كلهم في كل خير وغضب الذي نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصنع بوجهه ما ترى، فهل عليه شئ ؟ فقلت له: إني أظنك قد سألت من حولك، فقال: أقسمت عليك لما قلت، فقلت كان ينبغي لمن زعم أن أحدا مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الفضل أن يقتل ولا يستحيى، قال: فقال: أو ما الحسب بواحد ؟ فقلت: إن الحسب ليس النسب، ألا ترى لو نزلت برجل من بعض هذه الاجناس فقراك فقلت: إن هذا الحسب ؟ فقال: أو ما النسب بواحد ؟ قلت: إذا اجتمعا إلى آدم فان النسب واحد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخلطه شرك ولا بغي، فأمر به فقتل " قلت: ولعله لانه من إنكار الضروري أو أن ذلك نوع نيل منه، فتأمل. ولا إشكال في ثبوت السب بالبينة ولو إثنان، أما الاقرار فمقتضى إطلاق دليله كفاية الواحد منه، وقد يقال باعتبار الاثنين منه أيضا لما سمعته في نظائره، والله العالم. المسألة (الثانية:) (من ادعى النبوة وجب قتله) بلا خلاف أجده لخبر ابن أبي يعفور (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن بزيعا يزعم أنه


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد المرتد - الحديث 2.

[ 441 ]

نبي، فقال: إن سمعته يقول ذلك فاقتله، قال: فجلست إلى جنبه غير مرة فلم يمكني ذلك " وخبر أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث " قال النبي (صلى الله عليه وآله) أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي، فمن ادعى ذلك فدعواه وبدعته في النار، فاقتلوه " الحديث. وفي خبر ابن فضال عن أبيه المروي عن العيون (2) عن الرضا (عليه السلام) في حديث شريعة محمد (صلى الله عليه وآله) لا تنتهي إلى يوم القيامة " ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبيا أوتي بكتاب بعده فدمه مباح لكل من سمع منه " إلى غير ذلك. (وكذا من قال: لا أدري محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله صادق أو لا وكان على ظاهر الاسلام) بلا خلاف أجده فيه أيضا لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (3) المروي عن المحاسن من شك في الله وفي رسوله فهو كافر " الحديث. وقال له (عليه السلام) الحارث (4) أيضا: " أرأيت لو أن رجلا أتي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: والله ما أدري أنبي أنت أم لا كان يقبل منه ؟ قال: لا، ولكن كان يقتله، أنه لو قبل منه ذلك ما أسلم منافق ". لكن في المسالك الاستدلال عليهما بالعلم بانتفاء دعوى الاول من دين الاسلام ضرورة فيكون ذلك ارتدادا من المسلم وخروجا من الملل التي تقر أهلها، فيقتل لذلك، وأما الشك في صدق النبي (صلى الله عليه وآله) فان وقع من المسلم فهو ارتداد، وتبعه على ذلك الاردبيلي. وفيه أن مقتضى ذلك جريان حكم المرتد عليهما لا القتل مطلقا كما هو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد المرتد - الحديث 3 - 4. (3) الوسائل - الباب - 10 من ابواب حد المرتد - الحديث 22. (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد المرتد - الحديث 4.

[ 442 ]

ظاهر النص والفتوى. نعم لو وقع الشك المزبور من الكافر لا يقتل به، ولعله لذا قيد الحكم بوقوعه ممن كان على ظاهر الاسلام. وقد يلحق مدعي الامامة بمدعي النبوة، وكذا من شك فيه وكان على ظاهر التشيع كي يكون بذلك منكرا لضروري الدين بعد أن كان عنده من الدين هو ما عليه من المذهب، فهو حينئذ كمن أنكر المتعة ممن كان على مذهب التشيع، وفي جملة من النصوص أن الشاك في علي كافر (1) ولكن الانصاف بعد ذلك كله عدم خلو الحكم المزبور من إشكال، ويجري الكلام في من أنكر أحد الائمة (عليهم السلام) من أهل التشيع، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (من عمل بالسحر يقتل إن كان مسلما ويؤدب إن كان كافرا) بلا خلاف أجده فيه، لخبر السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل، قيل يا رسول الله: لم لا يقتل ساحر الكفار ؟ فقال: لان الكفر أعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان " وعلى ذلك ينزل إطلاق باقي النصوص، منها خبر زيد بن علي (3) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: " سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الساحر، فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حل دمه "


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المرتد - الحديث 13 و 14 و 21 و 48 و 49 (2) الوسائل الباب - 1 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب بقية الحدود - الحديث 1.

[ 443 ]

ومنها خبر إسحاق بن عمار (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من تعلم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه وحده القتل إلا أن يتوب " ومنها خبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه ". نعم في الاول دلالة على رد من قال بانحصار ثبوته بالاقرار، لان الشاهد لا يعرف قصده، ولا يشاهد التأثير، وفي الثاني دلالة على قاتل متعلم السحر، لكن ظاهر العبارة بل هو المحكي عن جماعة اختصاصه بالعامل ولعله للاصل وتبادر العامل مما دل على قتله بقول مطلق، والخبر المزبور لا جابر له، مع أنه محتمل للبناء على الغالب من العمل للمتعلم، وقد يقال: إن المراد بالساحر هو متخذ السحر صنعة وعملا له وإن لم يقع منه لصدق اسم الساحر عليه كغيره من أرباب الصنائع، نعم لا قتل على معرفة السحر لا لذلك بل لابطال مدعي النبوة مثلا به، فانه ربما يجب تعلمه لذلك. ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق بين المستحل وغيره فما عن بعض متأخر من القول باختصاصه بالاول لم نتحققه، وعلى تقديره غير واضح الوجه. ولا إشكال في ثبوته بالبينة ولو إثنان، أما الاقرار فمقتضى دليله الاكتفاء بالمرة فيه، لكن يمكن اعتبار الاثنين فيه، لما سمعته في نظائره.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 3.

[ 444 ]

المسألة (الرابعة:) قد ذكر أنه (يكره أن يزاد في تأديب الصبي على عشرة أسواط وكذا المملوك) لكن لم أجد دليلا واضحا عليه، نعم في خبر حماد بن عثمان (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): في أدب الصبي والمملوك فقال خمسة أو ستة، وأرفق " وفي خبر السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) ألقى صبيان الكتاب ألواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال: أما أنها حكومة والجور فيها كالجور في الحكم، أبلغوا معلمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضربات في الادب اقتص منه " وفي خبر زرارة بن أعين (3) المروي عن المحاسن " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في ضرب المملوك ؟ قال: ما أتى منه على بدنه فلا شئ عليه، وأما ما عصاك فيه فلا بأس، قلت: كم أضربه ؟ قال: ثلاثة أربعة خمسة " وقال إسحاق بن عمار (4) للصادق (عليه السلام): " ربما ضربت الغلام في بعض ما يحرم، فقال: وكم تضربه ؟ فقال: ربما ضربته مائة، فقال: مائة مائة ؟ ! فأعاد ذلك مرتين، ثم قال: توق حد الزاني، اتق الله، فقال: جعلت فداك فكم ينبغي لي أن أضربه ؟ فقال: واحد، فقال: والله لو علم أني لا أضربه إلا واحدا ما ترك لي شيئا إلا أفسده، فقال: فاثنتين، فقال: جعلت فداك هذا هلاكي إذا، قال: فلم أزل أماكسه حتى بلغ


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 من ابواب بقية الحدود 1 - 2 - 3 وفى الثالث " ما أتى فيه على يديه فلا شئ عليه ". (4) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2.

[ 445 ]

خمسا ثم غضب، فقال: يا إسحاق إن كنت تدري حد ما أجرم فأقم الحد فيه ولا تتعد حدود الله " بل في مسائل إسماعيل بن عيسى (1) على ما عن الكافي وموضع من التهذيب " في مملوك لا يزال يعصي صاحبه بعد ضربه، فقال: لا يحل أن تضربه إن وافقك فأمسك وإلا فخل عنه ". نعم في مرسل الفقيه (2) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يحل لوال يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلا في حد، وأذن في المملوك من ثلاثة إلى خمسة " مع أنه ليس في خصوص ما نحن فيه، بل هو معارض بما دل (3) على أن التعزير دون الحد، وأنه على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه، وما دل (4) على أنه بضعة عشرة ما بين العشرة إلى العشرين، ولكن يسهل الخطب أن الحكم على الكراهة التي يتسامح فيها، والنصوص المزبورة وإن اقتضى ظاهرها الحرمة إلا أنها ضعيفة ولا جابر ومعارضة بما هو أقوى. ومن هنا حملت على الكراهة على تفاوت مراتبها، ولعل حملها على تفاوت مراتب التعزير والتأديب المختلف زمانا ومكانا وفعلا وقابلية أولى. كل ذلك مع عدم تنقيح أصل وجوب التأديب، والظاهر أنه كذلك مع فرض ترتب الفساد على تركه، وقد ورد الامر بالتأديب (5) نعم قد يرجح العفو لو تعلق الامر بحق السيد كما وقع من الامام العفو بعد أن عاهد على التأديب معللا ذلك بأن العفو أحسن. وأيضا لم ينقحوا وجه الجواز في الزيادة ولكن على جهة المرجوحية ضرورة أنه بعد أن كان مقدار ذلك راجعا إليه، فمع فرض توقف


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية الحدود - الحديث 2 - 3 - 1 (5) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4.

[ 446 ]

الادب عليها لا يجوز له تركها إذا وجب وإذا لم يتوقف لم يجز له فعلها، فلابد من حمل ذلك على حال عدم العلم بالحال وبالجملة لا يخلو المقام من نوع غش. وأيضا ينبغي أن يعلم أن مفروض الكلام في التأديب الراجع إلى مصلحة الصبي مثلا لا ما يثيره الغضب النفساني، فان المؤدب حينئذ قد يؤدب، والله العالم. (و) على كل حال فقد (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من نهايته: (إن ضرب عبده في غير حد حدا لزمه إعتاقه) ولفظه " من ضرب عبده فوق الحد كان كفارته أن يعتقه " ونحوه عن الجامع (و) لكن (هو على الاستحباب) كصحيح أبي بصير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي قد قيل إنه الدليل له " من ضرب مملوكا حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه " إلا أنه كما ترى لم يعتبر فوق الحد الذي ذكره الشيخ فلا دليل له حينئذ على ما ذكره، كما لا عامل بالصحيح المزبور، فيتجه حمله حينئذ على الندب، بل في النافع الاستحباب المزبور لمن زاد في تأديبه على العشرة وإن لم أجد له شاهدا بل ولا موافقا، والظاهر أن الاستحباب المزبور للمولى، وربما احتمل استحبابه أيضا لغيره بأن يشتريه ويعتقه لكنه ليس بشئ، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 447 ]

المسألة (الخامسة:) (كل ما فيه التعزير من حقوق الله سبحانه وتعالى يثبت بشاهدين) بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق أو عموم ما دل على اعتبارهما (أو الاقرار مرتين على قول) محكي عن الحلي وغيره، ولكن قد عرفت الاشكال فيه غير مرة لعموم إقرار العقلاء (1) المقتضي للاكتفاء به مرة ولعله لذلك نسبه المصنف إلى القول مشعرا بالتردد فيه إلا أنه قد ذكرنا أيضا غير مرة وجه تقريبه، والله العالم. (ومن قذف عبده أو أمته عزر كالاجنبي) بلا خلاف لحرمته وعموم قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2) " من افترى على مملوك عزر لحرمة الاسلام " وخصوص خبر غياث (3) عن الصادق (عليه السلام) " إن امرأة جاءت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني قلت لامتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها الزناء ؟ فقالت: لا، فقال: أما إنها ستقاد منك يوم القيامة، فرجعت إلى أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت: اجلد بني، فأبت الامة فأعتقتها، ثم أتت النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبرته، فقال: عسى أن يكون هذا بهذا " ولعل ترك النبي (صلى الله عليه وآله) تعزيرها لعدم إقرارها مرتين، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد القذف - الحديث 12. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد القذف - الحديث 4

[ 448 ]

المسألة (السادسة:) لا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى في أن (كل من فعل محرما أو ترك واجبا) وكان من الكبائر (فللامام تعزيره بما لا يبلغ الحد وتقديره إلى الامام و) لكن (لا يبلغ به حد الحر في الحر) وهو المائة (ولا حد العبد في العبد) وهو الاربعون، بل قد يقال بعدم بلوغه أدنى الحد في العبد مطلقا، كما أنه قيل: يجب أن لا يبلغ به أقل الحد، ففي الحر خمسة وسبعون، وفي العبد أربعون، وقيل: إنه في ما ناسب الزناء يجب أن لا يبلغ حده، وفي ما ناسب القذف أو الشرب يجب ان لا يبلغ حده، وفي ما لا مناسب له ان لا يبلغ أقل الحدود وهو خمسة وسبعون حد القواد، وحكاه في المسالك عن الشيخ والفاضل في المختلف، نعم ينبغي ان يكون ذلك في غير ماله مقدر مما عرفت الكلام فيه سابقا. هذا وفي كشف اللثام ان وجوب التعزير على ذلك إن لم ينته بالنهي والتوبيخ ونحوهما، واما إذا انتهى بدون الضرب فلا دليل عليه إلا في مواضع مخصوصة ورد النص فيها بالتأديب والتعزير، ويمكن تعميم التعزير في كلامه وكلام غيره لما دون الضرب من مراتب الانكار " قلت: قد يستفاد التعميم مما دل (2) على ان لكل شئ حدا ولمن تجاوز الحد حد " بناء على ان المراد من الحد فيه التعزير الفعلي، مضافا إلى إمكان استفادته ايضا من استقراء النصوص، كما لا يخفى على من تدبرها، نعم قد يقال باختصاص التعزير بالكبائر دون الصغائر ممن كان يجتنب الكبائر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمات الحدود.

[ 449 ]

فانها حينئذ مكفرة لا شئ عليها، اما إذا لم يكن مجتنبا لها فلا يبعد التعزير لها ايضا، والله العالم. الباب الرابع (في حد المسكر) الذي يرجع فيه إلى العرف كغيره من الالفاظ وإن قيل هو ما يحصل معه اختلال الكلام المنظوم وظهور السر المكتوم أو ما يغير العقل ويحصل معه سرور وقوة النفس في غالب المتناولين، أما ما يغير العقل لا غير فهو المرقد إن حصل معه تغيب الحواس الخمس، وإلا فهو المفسد للعقل كما في البنج والشوكوان، ولكن التحقيق ما عرفته، فانه الفارق بينه وبين المرقد والمخدر ونحوهما مما لا يعد مسكرا عرفا. (و) أما (الفقاع) فقد مر البحث في موضوعه مكررا. (و) كيف كان ف‍ (مباحثه ثلاثة:) (الاول في الموجب) (وهو) بلا خلاف يوجد فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه (تناول المسكر أو الفقاع) ولو القليل منهما وإن لم يكن به إسكار، لدوران الحرمة في الثاني على مسماه وإن لم يسكر، وفي الاول على إسكار الكثير منه فان ما أسكر كثيره حرم قليله، وعلى كل حال فالمدار على التناول منهما

[ 450 ]

(اختيارا مع العلم بالتحريم إذا كان المتناول كاملا) بالبلوغ والعقل (فهذه قيود أربعة) التناول والاختيار والعلم بالتحريم وكمال المتناول. و (شرطنا التناول ليعم الشرب والاصطباغ وأخذه ممزوجا بالاغذية والادوية) وإن لم يبق مع المزج متميزا فان المحرم ذاتا لا ترتفع حرمته بعدم تمييزه، نعم يخرج استعماله بالاحتقان كما صرح به في القواعد والتضميد والاطلاء ونحوهما، بل في المسالك والسعوط حيث لا يدخل الحلق، لانه لا يعد تناولا فلا يحد به وإن حرم، مع احتمال حده على تقدير إفساده الصوم وإن كان هو كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء فساد الصوم بعد فرض عدم دخوله الحلق الحد المزبور، نعم قد يدخل في التناول ما يستعمل من المسكرات في القليان ونحوها، نعم في القواعد " ولو تسعط به حد " ولكن علله في كشف اللثام بأنه يصل إلى باطنه من حلقه، وبالنهي عن الاكتحال به، والاسعاط أقرب منه وصولا إلى الجوف: قلت: ولو فرض عدم وصوله أو عدم العلم بالوصول لم يحد، للاصل وغيره وإن عزر. ولو عجن بالخمر مثلا عجينا فالاقرب كما في القواعد وجوب الحد لكن عن التحرير سقوطه، لان النار أكلت أجزاء الخمر، قال: نعم يعزر، ولعله للنجاسة، ولاحتمال البقاء، وفيه أن الاصل بقاؤه، أللهم إلا أن يمنع ثبوت الحد بالاصل المزبور، بل لابد فيه من العلم ببقاء أجزائه. (و) كيف كان ف‍ (نعنى بالمسكر ما من شأنه أن يسكر فان الحكم يتعلق بتناول القطرة منه) وإن لم تسكر بلا خلاف معتد به بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة


(1) الوسائل - الباب - 3 و 4 - من ابواب حد المسكر.

[ 451 ]

المصرحة باستواء القليل والكثير منه في إيجاب الحد شربه، نعم عن المقنع " إذا شرب حسوة من خمر جلد ثمانين، وإن أخذ شارب النبيذ ولم يسكر لم يجلد حتى يرى سكرانا " وظاهره الفرق بين الخمر والنبيذ، ولعله لخبر إسحاق بن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل شرب حسوة خمر، قال: يجلد ثمانين، قليلها وكثيرها حرام " في الاول وصحيح الحلبي (2) قال له أرأيت إن أخذ شارب النبيذ ولم يسكر أيجلد ثمانين ؟ قال: لا وكل مسكر حرام " في الثاني ونحوه صحيح أبي الصباح عنه (عليه السلام) (3) " إلا أنهما موافقان للعامة ومحتملان لعود الضمير على النبيذ، فيكون حلالا، بل يمكن ذلك أيضا في كلام الصدوق، وقوله: " حتى يرى سكرانا " يجوز أن يكون عند اشتباه ما شربه وإلا فلا إشكال نصا (و) فتوى في أنه (يستوي في ذلك الخمر وجميع المسكرات التمرية والزبيبية والعسلية) المسماة بالنبيذ والنقيع والبتع (والمزر المعمول من الشعير أو الحنطة أو الذرة) بل (وكذا لو عمل من شيئين أو ما زاد) خلافا لابي حنيفة في بعضها. نعم في كشف اللثام بعد ذكر الحكم بالحد عندنا بتناول قطرة من المسكر أو مزجها بالغذاء أو الدواء قال: " وإن لم يتناوله ما في النصوص من لفظ الشرب فكأنه إجماعي " وسبقه إلى ذلك الاردبيلي، فانه أشكل امتزاج قطرة من خمر مثلا بحب من ماء بعدم صدق اسم شربها، ولذا لم يحنث من حلف أن لا يشرب الخل أو يأكل الدهن أو التمر بشرب الكباح وأكل الطبيخ الذي فيه دهن غير متميز وأكل الحلوى التي فيها التمر.


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث 7. (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المسكر - 5 - 4

[ 452 ]

وفيه أن المحرم ذاتا لا من حيث الاسم لا يتفاوت الحال بين قليله وكثيره، بخلاف متعلق اليمين الذي مدار الحكم فيه على صدق الفعل كما أوضحنا ذلك في كتاب الاطعمة والاشربة (1) بل قوله (عليه السلام): " قليلها وكثيرها حرام " قاض بذلك، ضرورة عدم التقييد بالشرب وعدم تحديد القليل بشئ، فيشمل الجزء ولو يسيرا، وكذا ما اشتمل من النصوص (2) على ضرب الثمانين بالنبيذ والخمر القليل والكثير من غير تقييد بالشرب، وبالجملة فالمسألة خالية عن الاشكال، ومن هنا يثبت الحد على من تناول شيئا من الترياق الذي فيه جزء من الخمر ولو يسيرا وكذا غيره من الادوية إلا أن يكون مضطرا لمرض مثلا بناء على ما حققناه سابقا (3) والله العالم. (ويتعلق الحكم بالعصير) العنبي (إذا غلا) بنفسه أو بالنار أو بالشمس (وإن لم يقذف بالزبد) خلافا لابي حنيفة بل وإن لم يتحقق فيه الاسكار (إلا أن يذهب بالغليان ثلثاه أو ينقلب خلا) بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك مذهب الاصحاب أن العصير العنبي إذا غلى بأن صار أسفله أعلاه يحرم ويصير بمنزلة الخمر في الاحكام، ويستمر حكمه كذلك إلى أن يذهب ثلثاه أو ينقلب إلى حقيقة أخرى بأن يصير خلا أو دبسا على قول وإن بعد الفرض، لان صيرورته دبسا لا يحصل غالبا إلا بعد ذهاب أزيد من ثلثيه، وفي الرياض وكأنه إجماع بينهم كما صرح في التنقيح وغيره، ولم أقف على حجة معتد به سواه وفي كشف اللثام " لم أظفر بدليل على حد شاربه ثمانين ولا بقائل قبل


(1) راجع ج 36 ص 374 - 376. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المسكر - الحديث 2. (3) راجع ج 36 ص 371 - 372.

[ 453 ]

الفاضل سوى المحقق " قلت: لعل دليله ظهور النصوص أو صريحها المتقدمة في محلها في أنه بحكم الخمر في الحرمة وغيرها، فلاحظ وتأمل. ولو طبخ العنب نفسه ففي المسالك وغيرها " في إلحاقه بالعصير وجهان من عدم صدق اسم العصير عليه ومن كونه في معناه " قلت: لعل الثاني لا يخلو من قوة بملاحظة النصوص. (و) كيف كان فيتعلق الحكم أيضا (بما عداه) أي العصير العنبي (إذا حصلت فيه الشدة المسكرة) وإلا فلا. و (أما التمر إذا غلى ولم يبلغ حد الاسكار ففي تحريمه تردد، والاشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ، وكذا البحث في الزبيب إذا نقع في الماء فغلى من نفسه أو بالنار، فالاشبه أنه لا يحرم ما لم يبلغ الشدة المسكرة) كما أشبعنا الكلام فيه في كتاب الطهارة (1) فلاحظ. (والفقاع كالنبيذ المسكر في التحريم وإن لم يكن مسكرا) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص الدالة على أنه خمر استصغره الناس (2) وأن فيه حد شارب الخمر (3) وقد تقدم في الطهارة (4) وكتاب الاطعمة (5) تمام الكلام في موضوعه وحكمه والله العالم. بل (و) كذا الكلام في مساواته للخمر (في وجوب الامتناع


(1) راجع: ج 6 ص 13 - 37. (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاشربة المحرمة - الحديث 1 من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1 و 3. (4) راجع ج 6 ص 38 - 40. (5) راجع ج 36 ص 374 - 376.

[ 454 ]

من التداوي به والاصطباغ) لانه من الخمر وإن لم يعرفه الناس، فيجري فيه البحث السابق الذي عرفت تحقيق الحال فيه في كتاب الاطعمة (1) فلاحظ وتأمل. (واشترطنا الاختيار تفصيا من المكره، فانه لا حد عليه) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه سواء كان بايجار في حلقه أو بتخويف على وجه يدخل به في المكره، والاخبار الواردة في نفي التقية (2) فيه يراد منها عدم التقية في بيان حكمه لا التقية بمعنى فعله للاكراه عليه، كما هو واضح. بل وكذا المضطر إليه لحفظ نفسه مثلا كما تقدم الكلام فيه، بل لو قلنا بحرمته معه أمكن منع الحد المزبور عليه، لظهور ما دل عليه في غيره، أللهم إلا أن يمنع ذلك (ولا يتعلق الحكم بالشارب ما لم يكن بالغا عاقلا) بلا خلاف ولا إشكال وإن أدبا مع التمييز. (وكما يسقط الحد عن المكره يسقط عمن جهل التحريم) لقرب عهد بالاسلام أو ليعد بلاده على وجه يمكن في حقه ذلك، قال الصادق (عليه السلام): في خبر ابن بكير (3) " شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمرا ؟ قال: نعم قال: ولم وهي محرمة ؟ فقال له الرجل: إني أسلمت وحسن اسلامي ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلون ذلك، ولو علمت أنها حرام اجتنبتها فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: ما تقول في أمر هذا الرجل ؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلا أبو الحسن، فقال أبو بكر:


(1) راجع ج 36 ص 445 - 446. (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1

[ 455 ]

ادعوا لنا عليا فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته، فقاما والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى أتو أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبراه بقصة الرجل وقص الرجل قصته، فقال: ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والانصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، ففعلوا ذلك، فلم يشهد عليه أحد بأنه قرأ عليه آية التحريم، فخلى عنه، وقال: إن شربت بعدها أقمنا عليك الحد ". (أو جهل المشروب) أنه من المحرم بل ظن أنه ماء أو شراب محلل بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، نعم لو علم الاول التحريم ولم يعلم أن فيه حدا لم يعذر، كما لا يعذر الثاني لو علم أنه من جنس المسكر، ولكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر، إلا أن يكون من الجهل بالحكم، ويختص التحريم بالقدر الذي يسكر بالفعل فيدرأ عنه بذلك للشبهة وكذا لو شربه بظن أنه من جنس آخر محرم غير مسكر، والله العالم. (و) لا خلاف ولا إشكال في انه (يثبت بشهادة عدلين مسلمين) للاطلاق (ولا تقبل فيه شهادة النساء منفردات ولا منضمات) كغيره من الحدود إلا ما خرج بدليله، كما سمعته مكررا هنا وفي كتاب الشهادات، ويكفي في الشاهد أن يقول: شرب مسكرا وإن لم يعين جنس ما شربه، نعم إن ادعى الاكراه أو الجهل واحتمل ذلك في حقه قبل فلا حد، وكذا لو شهد أحدهما في وقت والآخر في آخر أو شهد به أحدهما مطاوعا والآخر مكرها أو عالما والآخر جاهلا. (و) كذا يثبت (بالاقرار دفعتين) قطعا (و) لكن الاشكال في أنه (لا تكفي) فيه (المرة) التي هي مقتضى إطلاق ما دل (1) على جواز الاقرار. (و) قد عرفت الكلام فيه مكررا


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2.

[ 456 ]

بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه هنا. كما أنك عرفته في أنه (يشترط في المقر البلوغ وكمال العقل والحرية والاختيار) والقصد، وفي المرسل (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف فلا حد عليه " هذا وفي محكي المقنعة " وسكره بينة عليه أنه شرب المخمور، ولا يرتقب لذلك إقرار منه في حال صحوه به ولا شهادة من غيره عليه " ولا يخلو من نظر مع احتمال الاكراه والتداوي وغيرهما، ومن هنا لا تكفي في ثبوته الرائحة والنكهة لاحتمال الاكراه والجهل وغيرهما، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من الاكتفاء بالرائحة، وهو واضح الضعف. نعم قد يشهد لما ذكره الشيخ خبر الحسين بن يزيد (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) الذي رواه المشايخ الثلاثة الآتي في المسألة الاولى التي ستسمع الكلام فيها إن شاء الله. (الثاني في كيفية الحد) (وهو ثمانون جلدة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص، لكن في حسن الحلبي (3) سأل الصادق (عليه السلام) " أرأيت النبي (صلى الله عليه وآله كيف يضرب بالخمر ؟ قال: كان يضرب بالنعال وبزيد إذا أتي بالشارب، ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف ذلك على ثمانين أشار


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 وهو خبر البختري. (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث 3.

[ 457 ]

بذلك علي (عليه السلام) على عمر " ونحوه خبر أبي بصير (1) عنه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) معللا له (2) بأنه " إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فإذا فعل ذلك فاجلدوه حد المفتري ثمانين ". بل في المسالك " روى العامة (3) والخاصة (4) أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يضرب الشارب بالايدي والنعال ولم يقدره بعدد، فلما كما في زمن عمر استشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في حده فأشار عليه بأن يضرب ثمانين معللا له بأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين وعمل بمضمونه أكثر العامة، وذهب بعضهم إلى أربعين مطلقا لما روي (5) أن الصحابة قد رووا ما فعل في زمانه (صلى الله عليه وآله) بأربعين وكان التقدير المزبور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التفويض الجائز لهم ". ومن الغريب ما في كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة من أن جلد الشارب الثمانين من بدع الثاني وأن الرسول (صلى الله عليه وآله) جعل حده أربعين بالنعال العربية وجرائد النخل باجماع أهل الرواية، وأن الثاني قال: إذا سكر افترى، وإذا افترى حد حد المفتري " وفي كشف اللثام " ولعله أراد إلزامهم باعترافهم كما في الطرائف من قوله: ومن طريف ما شهدوا به أيضا على خليفتهم عمر من تغييره لشريعة نبيهم (صلى الله عليه وآله) وقلة معرفته بمقام الانبياء وخلفائهم ما ذكره


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث - 1. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المسكر - الحديث 7. (3) سنن البيهقي - ج 8 ص 321. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر. (5) سنن البيهقي - ج 8 ص 318.

[ 458 ]

الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي والتسعين (1) من المتفق عليه قال: " إن النبي (صلى الله عليه وآله) ضرب في الخمر بالجرائد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمان أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر " وذكر الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند السائب بن يزيد في الحديث الرابع من أفراد البخاري (2) قال: " كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإمرة أبي بكر وصدر من خلافة عمر فنتقدم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين " انتهى. ثم إن ظاهر النص والفتوى اعتبار الثمانين مترتبة لكن في خبر زرارة (3) " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي (عليه السلام): اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر، قال: فأمر علي (عليه السلام) فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة فصارت ثمانين " وفي خبره الآخر (4) " سمعته أيضا يقول: أقيم عبيد الله بن عمر وقد شرب الخمر فأمر عمر أن يضرب فلم يتقدم عليه أحد يضربه حتى قال علي (عليه السلام) بتبعة مثنية لها طرفان فضربه أربعين ويمكن حملهما على جواز ذلك لمصلحة، والله العالم. وكيف كان فالمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا كون الحد الثمانين مطلقا (رجلا كان الشارب أو امرأة حرا كان


(1) و (2) سنن البيهقي ج 8 ص 319. (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد المسكر - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث 2.

[ 459 ]

أو عبدا) بل عن صريح الغنية وظاهر غيرها الاجماع عليه، بل لعل قول المصنف: (وفي رواية (1) يحد العبد أربعين، وهي متروكة) مشعر به أيضا، كقول غيره مطروحة وآخر شاذة، لاطلاق النصوص وخصوصا المشتملة منها على التعليل المزبور بناء على عدم الفرق بين العبد والحر في حد القذف، وخصوص المعتبرة المستفيضة المصرحة بذلك " ففي موثق أبي بصير (2) " كان علي (عليه السلام) يجلد الحر والعبد واليهودي والنصراني في الخمر والنبيذ ثمانين " بل في صحيح آخر له مضمر (3) " حد اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء، وإنما صولح أهل الذمة على أن يشربوها في بيوتهم " وإن كان محتملا لارادة تسوية حدي الشرب والفرية في العدد، أي حد كل منهم في الشرب كحده في الفرية، وهو يعم الثمانين والاربعين، نعم أصرح منه آخر (4) " يجلد الحر والعبد واليهودي والنصراني في الخمر ثمانين " إلى غير ذلك مما لا يقدح ما فيه من الضعف سندا لو كان بعد الانجبار بما عرفت. خلافا لما عن الصدوق من التنصيف في العبد لخبر الحضرمي (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عبد مملوك قذف حرا، قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله تعالى فانه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله ما هو ؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحدود التي يضرب فيها نصف الحد " مؤبدا بالاصل وبقاعدة التنصيف فيه، وباشتماله على التعليل، وبما مر من خبر حماد بن عثمان (6) عنه (عليه السلام) " في التعزير أنه دون الاربعين


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حد المسكر - الحديث 6 و 7 و 9. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حد المسكر - الحديث 2 - 5 - 4 - 7 - 6.

[ 460 ]

فانها حد المملوك " وببناء الحد على التخفيف، ولا أقل من أن يكون ذلك من الشبهة، ومن هنا مال الشهيدان والفاضل في المختلف إلى ذلك، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة عدم المكافئة لما سمعته من وجوه، منها موافقة العامة ومخالفة الشهرة المزبورة، بل الصدوق نفسه لم يعمل بالخبر المزبور في العبد في القذف، كما أنه لا قائل بتحديد التعزير في الثاني بذلك فلا ريب في أن الاصح الثمانون مطلقا، والله العالم. هذا كله في المسلم. (أما الكافر ف‍ (الذمي منه ومن في معناه (إن تظاهر به حد وإن استتر لم يحد) بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى، بل ولا إشكال لاستفاضة النصوص به، منها ما سمعته في بعضها (2) سابقا هذا، وفي القواعد وشرحها للاصبهاني " ولا حد على الحربي وإن تظاهر بشربها، لان الكفر أعظم منه، نعم إن أفسد بذلك أدب بما يراه الحاكم " وفيه أن الادلة هنا عامة فضلا عما دل على تكليفهم بالفروع " وعدم إقامتها على الذمي المتستر باعتبار اقتضاء عقد الذمة ذلك لا لعدم الحد عليه، فتأمل جيدا. (و) لا خلاف معتد به في أنه (يضرب الشارب) غير المرأة (عريانا) مستور العورة عن الناظر المحترم أو مع الغض عنها (على ظهره وكتفيه ويتقى وجهه وفرجه) ومقاتله كما سمعته في الزناء نعم عن المبسوط لا يجرد عن ثيابه لان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بالضرب ولم يأمر بالتجريد، وهو في غاية الضعف، للصحيح (3) المعتضد بما سمعته " سألته عن السكران والزاني، قال: يجلدان بالسياط


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حدالمسكر. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5. (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1.

[ 461 ]

مجردين بين الكتفين، فأما الحد في القذف فيجلد على ثيابه ضربا بين الضربين ". وينبغي أن يفرق على سائر بدنه ليذوق العقوبة ما سرى فيه المشروب كما روي (1) عن علي (عليه السلام) من قوله للجلاد: " أعط كل عضو حقه ". (و) كذا لا خلاف في أنه (لا يقام عليه الحد حتى يفيق) لتحصل فائدة الحد التي هي الانزجار عنه ثانيا، أما المرأة فتحد جالسة مربوطة عليها ثيابها كما سمعته في الزناء وقد نص عليه هنا بعضهم وإن أطلق آخر. ولا يسقط بالجنون لما مر في الزناء ولا بالارتداد الذي لا يزيد إلا شرا. (وإذا حد مرتين قتل في الثالثة) وفاقا للمشهور شهرة عظيمة بل عن الغنية الاجماع عليه (وهو المروي) هنا مستفيضا بل متجاوزا حد الاستفاضة صحيحا وغيره، ففي الصحاح (2) " من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه فان عاد فاقتلوه " مؤيدا بما دل (3) صحيحا على قتل أرباب الكبائر فيها. (و) لكن مع ذلك (قال في الخلاف) ومحكي المبسوط والمقنع: (يقتل في الرابعة) بل في الفقيه أرسله رواية وإن كنا لم نجدها في ما وصل الينا. نعم عن الخلاف الاستدلال له بالنبوي (4) " من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب


(1) لم اعثر عليه عاجلا. (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد المسكر - الحديث 0 - 2 (4) سنن البيهقي - ج 8 ص 314.

[ 462 ]

فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه " مؤيدا ذلك بما ذكره غير واحد من المتأخرين من كون الزاني أعظم منه، ولذا يجلد مائة مع أنه يقتل في الرابعة كما عرفت، وبالاحتياط في الدماء، ومن هنا مال الفاضل وولده والشهيد إليه، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة عدم حجية المرسلين فضلا عن معارضتهما كعدم معارضة الاولوية المزبورة للصحاح المذكورة ولعله لذا لم يذكر المصنف هنا أنه أولى كما سمعته منه في غيره، والله العالم. (ولو شرب مرارا) لم يتخلل حد بينها (كفى حد واحد) بلا خلاف، للاصل والعمومات وانتفاء الحرج وصدق الشرب وإن تعدد كما سمعته في نظائره، ولا فرق بين اختلاف جنس المشروب واتحاده، والله العالم. (الثالث في احكامه) (وهي مسائل:) (الاولى:) (لو شهد واحد بشربها وآخر بقيئها وجب الحد) غير مؤرخين أو مؤرخين بما يمكن معه الاتحاد عند المشهور، بل عن السرائر والتنقيح وظاهر الخلاف الاجماع عليه، لخبر الحسين بن يزيد (1) الذي رواه المشائخ الثلاثة عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) المنجبر بما عرفت قال: " أتي عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون فشهد عليه رجلان أحدهما


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1.

[ 463 ]

خصي وهو عمر التميمي والآخر المعلى بن الجارود فشهد أحدهما أنه رآه يشرب والآخر أنه رآه يقئ الخمر، فأرسل عمر إلى ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: ما تقول يا أبا الحسن فانك الذي قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنت أعلم هذه الامة وأقضاها، فان هذين قد اختلفا في شهادتهما، قال: ما اختلفا في شهادتهما، وما قاءها حتى شربها " (و) من هنا يتجه أن (يلزم على ذلك وجوب الحد لو شهدا) معا (بقيئها نظرا إلى التعليل المروي) كما عن الشيخ التصريح به، بل عن بعض دعوى الشهرة عليه. (و) لكن (فيه تردد) كما عن جماعة منهم الفاضل وابن طاووس (لاحتمال الاكراه) ولو (على بعد) فيدرأ الحد للشبهة (و) فيه أنه (لعل هذا الاحتمال يندفع بأنه لو كان) الاكراه (واقعا لدفع به عن نفسه) مع أنه على خلاف الاصل والظاهر، والمناقشة بأن غايتهما إفادة الظهور وهو غير كاف في إثبات الحدود، لعدم منافاتهما الشبهة الدارئة ولذا لو ادعى ما يوجبها قبل كما أشار إليه المصنف بقوله: (أما لو ادعاه فلا حد) بل قيل: إنه إجماع وإن كان مخالفا لهما - مدفوعة بأن ذلك كله كالاجتهاد في مقابلة النص المنجبر حكما وتعليلا بما عرفت، أللهم إلا أن يمنع ذلك بالنسبة إلى التعليل، فيخص دليل المسألة الاولى بالاجماع المزبور والخبر المذكور الذي هو قضية في واقعة، فلا يتعدى منها، والفرض عدم جابر للتعليل، للشك في دعوى الشهرة المزبورة المحتملة لكون منشئها ظن التعدية مما في الخبر المزبور، والله العالم.

[ 464 ]

المسألة (الثانية:) (من شرب الخمر مستحلا) فعن المقنعة والنهاية والجامع (استتيب، فان تاب أقيم عليه الحد، وإن امتنع قتل) أي بعد الحد من غير فرق بين الفطري وغيره، بل في المسالك حكايته عن أتباع الشيخين أيضا، بل قيل: وربما ظهر من مختلف الفاضل ميل ؟ إليه، لامكان الشبهة، ولخبر ابن مظعون الآتي (1) (وقيل) والقائل النقي في ما حكي عنه، بل المتأخرون كما في المسالك: (يكون حكمه حكم المرتد) فيفرق حينئذ بين الفطري منه والملي والذكر والانثى (وهو قوي) لكونه من الضروري الذي حكمه ذلك، واحتمال عروض الشبهة له فاستحله والحدود تدرأ بالشبهات جار في غيره من الضروري المتفق على تحقق الكفر بانكاره نصا وفتوى، نعم لو أمكنت الشبهة في حقه لقرب عهده بالاسلام أو بعد بلاده عن بلاده جرى عليه حكم غيره من الضروري. ولكن في المسالك اتجه قول الشيخين، وعليه تحمل استتابة قدامة بن مظعون وغيره ممن استحلها في صدر الاسلام بالتأويل. وفيه أن قول الشيخين لا يوافق مستحل الضروري للشبهة المزبورة المخرجة له عن الضرورة في حقه، بل المسقطة عنه الحد كما سمعته سابقا في خبر بكير (2) عن الصادق (عليه السلام) ولعل الاولى حمل ما عن ابن مظعون على أنه ليس مرتدا فطريا، وقصته معلومة، ففي المحكي عن إرشاد المفيد (3)


(1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المسكر - الحديث 1 وهو خبر ابن بكير.

[ 465 ]

أنه روت العامة والخاصة " أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن يحده، فقال: لا يجب علي الحد، إن الله يقول: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في ما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا (1) فدرأ عمر عنه الحد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فمشى إلى عمر، فقال: ليس قدامة من أهل هذه الآية ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم الله، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون حراما، فاردد قدامة فاستتبه مما قال، فان تاب فأقم عليه الحد، وإن لم يتب فاقتله، فقد خرج عن الملة، فاستيقظ عمر لذلك، وعرف قدامة الخبر فأظهر التوبة والاقلاع فدرأ عنه القتل " الحديث. وفي خبر عبد الله بن سنان (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام): " أتي عمر بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر، وقامت عليه البينة، فسأل عليا (عليه السلام) فأمر أن يجلده ثمانين، فقال قدامة: يا أمير المؤمنين ليس علي حد، أنا من أهل هذه الآية " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في ما طعموا " فقال علي (عليه السلام) لست من أهلها، إن طعام أهلها لهم حلال، ليس يأكلون ولا يشربون إلا ما أحل الله لهم " ولم يذكر فيه الاستتابة، ولعل عدم سقوط الحد عنه بما ذكره من الجهل لعدم معذورية مثله، إذ ليس له الاخذ بالحكم المزبور من القرآن من دون رجوع إلى العالم بتنزيله وتأويله، ولا شهادة فيها على ما سمعته من الشيخين لانها قضية في واقعة، ولا عموم فيها على وجه يشمل الفطري منه، هذا كله في الخمر. (وأما سائر المسكرات فلا يقتل مستحلها، لتحقق الخلاف بين


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 93. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المسكر - الحديث 5.

[ 466 ]

المسلمين فيها) الرافع لضرورتها، وكذا الكلام في الفقاع خلافا للحلبي فكفر مستحله وأوجب قتله، وهو واضح الضعف بعد أن لم تكن حرمته ضرورية، فهو حينئذ كغيره من المسكر غير الخمر في عدم الكفر. (و) لكن (يقام الحد) عليه (مع شربها مستحلا ومحرما) قولا واحدا كما في الرياض وإن لم يكفر المستحل، قال في المسالك: " فالحنفي المعتقد إباحتها يحد على شربها ولا يكفر، لان الكفر مختص بما وقع عليه الاجماع وثبت حكمه ضرورة من دين الاسلام، وهو منتف في غير الخمر، وتبعه في الرياض، ونحوه ما في القواعد وشرحها للاصبهاني، قالا: " ويحد الحنفي إذا شرب النبيذ وإن قل وإن استحله فان الحد لله، والنصوص أطلقت بحد الشارب، والفرق بينه وبين الحربي أنه يجرى عليه حكم الاسلام وإن لم يكن مسلما عندنا حقيقة " قلت: لا فرق في الكفر بين إنكار الضروري وغيره من المقطوع به مع فرض أن المنكر قاطع به، ضرورة اقتضائه تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) نعم يفرق بينهما بالنسبة إلى الحكم بكفر المنكر مع عدم العلم بالحال فمنكر الضروري وهو من أهل الضرورة محكوم بكفره بانكاره بخلاف غيره لاحتمال عدم القطع به عنده، بل المتجه عدم الحد عليه بذلك، لعدم العلم بالحرمة عند الشارب أو العلم بعدمها والفرض معذوريته، لكون المسألة غير ضرورية حتى لو كانت قطعية لكنها نظرية، ومن ذلك يظهر لك الكلام في

[ 467 ]

المسألة (الثالثة:) التي ذكرها المصنف وغيره وهي (من باع الخمر مستحلا يستتاب فان تاب وإلا قتل: وإن لم يكن مستحلا عزر، وما سواه لا يقتل وإن لم يتب بل يؤدب) قال في المسالك: " بيع الخمر ليس حكمه كشربه فان الشرب هو المعلوم تحريمه من دين الاسلام كما ذكر، وأما مجرد البيع فليس تحريمه معلوما ضرورة، وقد يقع فيه الشبهة من حيث إنه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات كما سلف، فيعزر فاعله، ويستتاب إن فعله مستحلا، فان تاب قبل منه، وإن أصر على استحلاله قتل حدا وكأنه موضع وفاق، وما وقفت على نص يقتضيه، وأما بيع غيره من الاشربة فلا إشكال في عدم استحقاق فاعله القتل مطلقا لقيام الشبهة، نعم يعزر لفعل المحرم كغيره من المحرمات " وقال في القواعد وشرحها للاصبهاني: " ولو باع الخمر مستحلا لبيعه استتيب، فان حرمته ليست من الضروريات، فان تاب وإلا قتل لارتداده كذا ذكره الشيخان وغيرهما، والتحقيق أنه إن استحله مع اعترافه بحرمته في الشريعة فهو مرتد، حكمه حكم غيره من المرتدين، وإلا عرف ذلك، فان تاب وإلا قتل: وكذا الحكم في كل من أنكر مجمعا عليه بين المسلمين، فان إنكاره ارتداد مع العلم بالحال لا بدونه، بلا فرق بين شئ وشئ، وكذا من أنكر شيئا مع علمه أو زعمه أنه في الشريعة على خلاف ذلك وإن لم يكن مجمعا عليه، فانه تكذيب للنبي (صلى الله عليه وآله) في علمه أو زعمه، ولعله نظر إلى أن الشبهة في البيع أظهر وأكثر منها في الشرب. ولو باع محرما له عزر، وما عدا الخمر من المسكرات والفقاع إذا باعه

[ 468 ]

مستحلا لا يقتلى وإن لم يتب، بل يؤدب لعدم الاجماع من المسلمين على حرمته، وفي تأديبه مع كونه من أهل الخلاف نظر " وتبعه على النظر المزبور في الرياض، كما أنه تبع المسالك في ما سمعته سابقا: ولكن لا يخفى عليك أن مقتضى النظر المزبور عدم الحد أيضا في مفروض المسألة السابقة، بل وعدم التعزير في غيره أيضا مع فرض عدم التحريم عنده، بل وعدم الارتداد مع فرض عدم كونه ضروريا ولا قطعيا عنده، وإنما كان عنده أن الشريعة تقتضي حرمته مع فرض معذوريته في القطع المزبور، ولو لان المسألة نظرية، بل لو فرض عدم معذوريته لا يكون بذلك مرتدا، بل أقصاه الاثم، بل لا يخفى عليك ما في عدم القتل مع الاستحلال في ما عدا الخمر بعد تخلل الادب والتوبة. وبالجملة لا يخلو كلامهم في هذه المسألة من نظر، فتأمل جيدا، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (إذا تاب قبل قيام البينة سقط الحد) بلا خلاف بل في كشف اللثام اتفاقا كما هو الظاهر مما عرفته سابقا في الزناء (وإن تاب بعدها لم يسقط) عند المشهور، خلافا للمحكي عن الحلبيين، فجعلوها كالتوبة بعد الاقرار في تخيير الامام بين العفو وعدمه، وقد عرفت ما فيه سابقا ولو تاب قبل إقراره عند الحاكم سقط قطعا. (و) أما (لو كان) ذلك بعد (ثبوت الحد باقراره) عند الحاكم فالمشهور كما في المسالك أنه (كان الامام مخيرا بين العفو والاستيفاء) لتخيره في حد الزناء واللواط الذي هو أعظم كما عرفت فهنا أولى (ومنهم من منع التخيير وحتم الاستيفاء هنا) كابن إدريس، بل حكاه في المسالك عن المبسوط

[ 469 ]

والخلاف أيضا (وهو الاظهر) بناء على أنه لا خيار هناك إلا في الرجم، ضرورة عدم إيجاب الشرب غير الجلد الذي يقتضي الاستصحاب بقاءه، ولا يقطعه القياس على الاقرار بما يوجب القتل والرجم بعد بطلانه عندنا وكونه مع الفارق، ومن هنا قواه في محكي التحرير، ولكن قد تقدم سابقا ما يعلم منه النظر في ذلك وأنه مخير في الرجم والجلد، فيتضح حينئذ وجه الاولوية في المقام من الجلد في الزناء الذي هو أعظم وجلده أكثر، مضافا إلى غيرها من التعليل في بعض النصوص ونحوه، فلاحظ وتأمل، والله العالم. (تتمة تشتمل على مسائل:) (الاولى:) (من استحل شيئا من المحرمات المجمع عليها كالميتة والدم والربا ولحم الخنزير ممن ولد على الفطرة) وكان ذكرا جامعا لشرائط الحد (يقتل) لارتداده كما هو مقتضى عبارة كثير من الاصحاب على ما في المسالك، بل في مجمع البرهان نسبته إلى بعض عبارات العامة، وهو كذلك مع فرض تحقق الاجماع المزبور عند المستحل، ضرورة كونه كالضروري في إنكار صاحب الشرع، وكذا من خالف المجمع عليه بين الاصحاب، نعم لا يحكم بكفره بمجرد استحلاله، لاحتمال عدم تحققه الاجماع، بخلاف الضروري الذي يحكم بكفر مستحله ممن نشأ في محل الضرورة، بل هو كذلك في ضروري المذهب، بل والمجمع عليه بينهم ممن كان تحقق عنده الاجماع المزبور على وجه يدخل فيه المعصوم (عليه السلام) ضرورة اقتضاء إنكاره رد قول من اعتقد بعصمته، بل وقول

[ 470 ]

الله كما هو واضح. ومن هنا يعلم ما في المسالك من إشكاله الحكم المزبور " بأن حجية الاجماع ظنية لا قطعية، ومن ثم اختلف فيها وفي جهتها، ونحن لا نكفر من رد أصل الاجماع فكيف نكفر في رد مدلوله فالاصح اعتبار القيد الآخر، وأما مخالف ما أجمع عليه الاصحاب خاصة فلا يكفر قطعا وإن كان ذلك عندهم حجة، فما كل من خالف حجة يكفر، خصوصا الحجة الاجتهادية الخفية جدا كهذه، وقد أغرب الشيخ حيث حكم في بعض المسائل بكفر مستحل ما أجمع عليه الاصحاب، وقد تقدم بعضه في باب الاطعمة والاشربة، ولا شبهة في فساده " إذ لا يخفى عليك ما فيه بل من وجوه كما أطنب فيه في مجمع البرهان، والله العالم. (ولو ارتكب ذلك) أو غيره من المحرمات عالما بتحريمها (لا مستحلا عزر) كغيره من المحرمات مطلقا حتى الصغيرة ممن لم يكن يجتنب الكبائر إن لم يكن الفعل موجبا للحد وإلا دخل التعزير فيه، كما هو واضح. المسألة (الثانية:) (من قتله الحد أو التعزير فلا دية له) على المشهور، بل عن الشيخ وإن ضرب في غاية الحر والبرد، قال: وهو مذهبنا، لان تحري خلافهما مستحب، بل مقتضى إطلاقه وغيره عدم الفرق بين الحد لله تعالى أو للناس، كما عن ابن إدريس التصريح به. (وقيل) في محكي الاستبصار: إن ذلك في حدود الله تعالى وأما في الحد للناس ف‍ (تجب على بيت المال) لقول أمير المؤمنين (عليه السلام)

[ 471 ]

في خبر الحسن بن صالح الثوري (1): " من ضربناه حدا من حدود الله تعالى فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدا في شئ من حقوق الناس فمات فان ديته علينا " وعن المقنعة أن الامام ضامن، وهو محتمل للضمان في بيت ماله وله في بيت مال المسلمين، وعن المبسوط من مات بالتعزير فديته على بيت المال، لانه ليس حدا، ولانه ربما زاد خطأ بخلاف الحد، وهو لا يجري في المعصوم، وعن خلافه القطع بأنه كالحد " واحتمله أيضا في محكي المبسوط بناء على دخوله في عموم الحد، مع أصل البراءة وقاعدة الاحسان. (و) كيف كان ف‍ (الاول مروي) في الحسن أو الصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) " أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له " وفي خبر الشحام (3) " من قتله الحد فلا دية له " مضافا إلى أصل البراءة وقاعدة الاحسان، ولكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحصل الخطأ لو كان من غير المعصوم (عليه السلام) بالتجاوز ونحوه وإلا اتجه للضمان، والظاهر إرادة ما يشمل التعزير من الحد فيه، وعلى تقدير العدم فالظاهر الاتحاد في الحكم مع فرض عدم الخطأ، والخبر المزبور وإن قال في محكي الايضاح: إنه متواتر عنهم لكن لم نتحققه، وهو في ما وجدنا ضعيف، كما اعترف به غير واحد، فلا يصلح مقيدا أو مخصصا للحسن المزبور المعتضد بما عرفت والله العالم:


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 4 وهو مرسل الصدوق (قده) وقد رواه في الوسائل بعد خبر الحسن بن صالح الثوري فتخيل (قده) انه من خبر الحسن بن صالح. (2) و (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب قصاص النفس - الحديث 9 - 1 من كتاب القصاص.

[ 472 ]

المسألة (الثالثة:) (لو أقام الحاكم الحد بالقتل فبان فسوق الشاهدين) أو الشهود (كانت الدية في بيت المال) كغيرها مما يخطأ فيه (ولا يضمنها الحاكم ولا عاقلته) بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكى عن ظاهر الحلبي (الحلي خ ل) من الضمان في ماله، وهو واضح الضعف، ضرورة كونه معدا لمصالح المسلمين، فضمان خطائه على بيت مالهم، كما تقدم تحقيق ذلك في كتاب القضاء (1) فلاحظ وتأمل، وكذا الكلام في الكفارة هنا وفي المسألة السابقة وإن تردد الشيخ فيها في المحكي عن مبسوطه وتبعه الفاضل في المحكي من مختلفه، والله العالم. (ولو أنفذ الحاكم إلى حامل لاقامة حد) أو لتحقيق موجبه (فأجهضت خوفا قال الشيخ) بل الاكثر كما في المسالك (دية الجنين في بيت المال وهو قوي، لانه خطأ، وخطأ الحكام في بيت المال) كما عرفت. (وقيل) والقائل ابن إدريس: (يكون على عاقلة الامام، وهي قضية عمر مع علي (عليه السلام) المشهورة من قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) حيث أرسل عمر خلف حامل ليقيم عليها الحد فأجهضت فسأل الصحابة عن ذلك فلم يوجبوا عليه شيئا، فقال: ما عندك في هذا يا أبا الحسن، فتنصل من الجواب، فعزم عليه، فقال: إن كان القوم قد قاربوك فقد غشوك وإن كانوا قد ارتابوا فقد قصروا، الدية على عاقلتك، لان قتل الصبي خطأ تعلق بك،


(1) راجع ج 40 ص 79. (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 2 من كتاب الديات.

[ 473 ]

فقال: أنت والله نصحتني من بينهم، والله لا تخرج حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل (عليه السلام) ذلك ". مضافا إلى أنه من شبيه العمد لا من خطائه في ما حكم به، وربما أجيب عن الرواية بأنه لم يرسل إليها بعد ثوبت ذلك منها، وفيه أن جواز الارسال خلف المدعى عليه لا يتوقف على ثبوت الحق عليه، بل يكفى فيه إرادة تحقيق ذلك، فالاولى في الجواب أن عمر لم يكن حاكم حق حتى يكون خطأه في بيت المال، مضافا إلى ما في المسالك من أن الرواية لم ترد بطريق معتمد عليه، فالرجوع إلى الاصول المقررة متعين " ودعوى أن ذلك من شبيه العمد لا تدفع اندارجه في خطأ الحكام بعد فرض جواز الارسال إليها، والله العالم. (ولو أمر الحاكم) غير المعصوم (بضرب المحدود زيادة عن الحد) عمدا غضبا عليه مثلا إلا أنه لم يقصد القتل بها ولا كانت مما يقتل غالبا (فمات) بسبب الزيادة المزبورة (فعليه نصف الدية في ماله إن لم يعلم الحداد) بذلك وإلا كان هو الضامن، لانه المباشر، بخلاف الاول الذي يكون الآمر فيه أقوى منه فيختص الضمان به (لانه) حينئذ (شبيه العمد) والفرض أنه مات بسببين: أحدهما سائغ والآخر مضمون على الحاكم بعد أن لم يكن سائغا له، لكنه قاصد للفعل دون القتل، وعلى كل حال فهو ليس من خطأ الحكام بعد أن لم يكن الفعل المزبور منه تغليظا في العقوبة لمكان أو زمان (و) نحوهما. نعم (لو كان) ذلك منه (سهوا) في الحد كأن غفل أنه حد الشارب مثلا فزعم أنه حد الزناء أو غلطا منه في الحساب أو عمدا ولكن كان للتغليظ للزمان أو المكان مثلا في غير محل التعزير (فالنصف على بيت المال) لانه حينئذ من خطأ الحكام الذي عرفت كونه فيه.

[ 474 ]

(ولو أمر) الحاكم (بالاقتصار على الحد فزاد الحداد عمدا) فعن التحرير إطلاق القصاص منه، لانه باشر الاتلاف، ولكن ينبغي تقييده بقصده القتل أو كون ذلك مما يقتل غالبا (ف‍) يقتص منه إن اختار الولي ذلك مع دفع نصف الدية إليه أو بحساب الاسواط، وإن كان الاخير ضعيفا، كما ستعرف، وإلا كان (النصف) من الدية أو بحساب الاسواط (على الحداد في ماله) لانه بقصده الفعل دون الفعل صار شبيه عمد. (ولو زاد سهوا فالدية) التي هي النصف (على عاقلته) واحتمل في المسالك إرادة مجموع الدية نظرا إلى كونه عاديا فيحال الضمان عليه، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، وإلى استناد الموت إلى الزيادة المزبورة، وفيه أنه مخالف للاول، ومن هنا احتمل ذلك في القواعد في الجميع، قال: " ويمكن إيجاب الجميع - أي جميع الدية - على بيت المال أو مال العامد أو عاقلة الساهي، لانه قتل حصل من مجموع فعله تعالى وعدوان الضارب أو الآمر فيحال الضمان كله على العادي، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها ". وفيه إمكان الفرق بصدق استقلال الاخير بالتلف دون الاول الذي لا ريب في استناد التلف إليهما عرفا كالضربتين من الشخصين، فالمتجه حينئذ النصف، لاستناد الموت إلى سببين: سائغ، وهو الحد، وغيره، وهو الزيادة من غير اعتبار تعدد شئ منهما كما صرح به في محكي السرائر لان القود والدية على عدد الجانين لا الجنايات، وعليه إن حصلت زيادتان إحداهما من الحاكم عمدا أو سهوا والاخرى من الحداد انقسمت الدية أثلاثا، ويسقط ثلثها بازاء الحد، وربما احتمل التنصيف وإسقاط النصف

[ 475 ]

ثم تنصيف الباقي بين الحاكم والحداد. (و) على كل حال ف‍ (فيه) أي الفرض الاخير (احتمال آخر) وهو تقسيط الدية على الاسواط التي حصل بها الموت وهي جميع ما ضرب بها من أسواط الحد والزيادة، فيسقط من الدية ما قابل السائغ، فلو زاد على الثمانين واحدا مثلا لم يلزمه إلا جزء من أحد وثمانين جزء من الدية، وهكذا. لكن عن الفاضل في التحرير القطع بعدمه وهو الموافق لما تسمعه منهم في كتاب القصاص، ومن هنا كان حمله على إرادة احتمال تمام الدية إن كان المراد بها أولا النصف أو بالعكس أولى، وربما احتمل إرادة ذلك مع ثبوت القصاص عليه مع التعمد مطلقا مع رد نصف الدية عليه أو بحساب الاسواط، ولكنه كما ترى في غاية البعد، فتأمل جيدا، والله العالم بحقائق أحكامه. الباب الخامس (في حد السرقة) (و) تمام (الكلام) فيه يحصل بالبحث (في السارق والمسروق والحجة والحد واللواحق).

[ 476 ]

(الاول في السارق) (و) لا خلاف نصا وفتوى في أنه (يشترط في وجوب الحد عليه شروط) ذكر المصنف منها ثمانية ولعلها عشرة بزيادة الاختيار وكون المال في حرز، بل أزيد مع ملاحظة الاخراج منه، والامر سهل بعد وضوح الحال. (الاول: البلوغ، فلو سرق الطفل لم يحد و) إن كان (يؤدب) بما يراه الحاكم (ولو تكررت سرقته) إلى الخامسة فما فوق وفاقا للمشهور، للاصل وحديث رفع القلم (1) المؤيد بما سمعته في ما تقدم من السقوط في الحدود السابقة. (و) لكن (في النهاية يعفى عنه أولا فان عاد أدب، فان عاد حكت أنامله حتى تدمي، فان عاد قطعت أنامله، فان عاد قطع كما يقطع الرجل) وتبعه عليه القاضي والفاضل في محكي المختلف ناسبا له إلى الاكثر (و) إن كنا لم نتحققه، نعم (بهذا) في الجملة (روايات) كثيرة فيها الصحيح وغيره، بل ربما قرب من التواتر مضمونها في الجملة، إلا أنها على كثرتها لم نقف فيها على خير مشتمل على تمام التفصيل المزبور كما اعترف به في كشف اللثام وغيره. ولكن في صحيح ابن سنان (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي يسرق قال يعفى عنه مرة أو مرتين، ويعزر في الثالثة، فان عاد قطعت أطراف أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك ".


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 477 ]

وفي صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن الصبي يسرق، قال: إذا سرق مرة وهو صغير عفي عنه، فان عاد عفي، فان عاد قطع بنانه، فان عاد قطع أسفل من بنانه " فان عاد قطع أسفل من ذلك ". وفي حسن الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " إذا سرق الصبي عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك، وقد أتي علي (عليه السلام) بغلام يشك في احتلامه فقطع أطراف الاصابع " وعن يحيى بن سعيد في الجامع العمل به. وفي صحيح ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا " في الصبي يسرق قال: يعفى عنه مرة، فان عاد قطعت أنامله أو حكت حتى تدمي فان عاد قطعت أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك، وعن الصدوق في المقنع العمل به. وفي خبر إسحاق بن عمار (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) الصبي يسرق، قال: يعفى عنه مرتين، فان عاد الثالثة قطعت أنامله، فان عاد قطع المفصل الثاني، فان عاد قطع المفصل الثالث، وتركت راحته وإبهامه " قيل: ولعل إليه أشار في الغنية، قال: قد روى أصحابنا أن الصبي إذا سرق هدد، فان عاد ثانية أدب بحك أصابعه في الارض حتى تدمي، فان عاد ثالثة قطعت أطراف أنامله الاربع من المفصل الاول، فان عاد رابعة قطعت من المفصل الثاني، فان عاد خامسة قطعت من أصولها، وهو كما ترى، مع أن أكثر النصوص يخالف هذا التفصيل، بل الخبر المزبور مشتمل على العفو عنه مرتين وهو غير


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4 - 7 - 15. (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 و 3.

[ 478 ]

التهديد أولا والتعزير بالحك ثانيا، وعبارة الغنية وإن أشعرت بالاجماع إلا أنه موهون بمخالفة الاكثر بل الكل، كما يظهر من نقل الاقوال في المسألة. وفي خبره الآخر (1) " قلت لابي إبراهيم (عليه السلام): الصبيان إذا أتي بهم على قطع أناملهم من أين يقطع ؟ فقال: من المفصل: مفصل الانامل ". وفي صحيح زرارة (2) " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أتي علي (عليه السلام) بغلام قد سرق فطرف أصابعه ثم قال: أما لئن عدت لاقطعنها، ثم قال: أما أنه ما عمله إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا " والمراد بتطريف أصابعه خضبها بادمائها. وفي خبر البصري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا سرق الصبي ولم يحتلم قطعت أطراف أصابعه، وقال علي (عليه السلام): لم يصنعه إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا ". وفي مضمر سماعة (4) " إذا سرق الصبي ولم يبلغ الحلم قطعت أنامله، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بغلام قد سرق ولم يبلغ الحلم فقطع من لحم أطراف أصابعه ثم قال: فان عدت قطعت يدك ". وفي المرسل عن العلاء عن ابن مسلم (5) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق فقال: إن كان له تسع سنين قطعت يده، ولا يضيع حد من حدود الله ". وفي خبره الآخر (6) " سألته أيضا عن الصبي يسرق، فقال:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد السرقة - الحديث 5 - 8 - 9 - 14 - 10 - 12.

[ 479 ]

إن كان له سبع سنين أو أقل دفع عنه، فان عاد بعد السبع سنين قطعت بنانه أو حكت حتى تدمي، فان عاد قطع أسفل من بنانه، فان عاد بعد ذلك وقد بلغ تسع سنين قطع يده، ولا منه يضيع حد من حدود الله تعالى " ورواه في الفقيه صحيحا. وفي خبر ابن عبد الله القسري (1) قال: " كنت على المدينة فأتيت بغلام قد سرق، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنه قال سله حيث سرق كان يعلم أن عليه في السرقة عقوبة، فان قال: نعم، قلت له: أي شئ تلك العقوبة ؟ فان لم يعلم أن عليه في السرقة قطعا فخل عنه، قال: فأخذت الغلام وسألته وقلت له: أكنت تعلم أن في السرقة عقوبة ؟ قال: نعم، قلت: أي شئ هو ؟ قال: الضرب فخليت عنه ". وفي خبر السكوني (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: " أتي علي بجارية لم تحض قد سرقت، فضربها أسواطا ولم يقطعها ". وهي كما ترى ليس في شئ منها تمام التفصيل المزبور، واحتمال أخذه من مجموعها بعد الجمع بينها وطرح ما في بعضها أو تأويله لو سلم إمكانه لا داعي له ولا شاهد عليه، بل لم أجد العمل بشئ منها عدا من عرفت، وقد حملها غير واحد من الاصحاب بسبب اختلافها واشتمالها على الترديد وغيره على إرادة التأديب بنظر الحاكم إلا أنه لا ينبغي القطع من أصول الاصابع إلا في الخامسة، وليس هذا من التكليف للصبي، بل هو من التأديب المخاطب به الحاكم لاستقامة النظام إلا أن الانصاف عدم الجرأة لغير المعصوم (عليه السلام) في الوصول في التأديب إلى القطع ولو الانملة فضلا عن القطع كما في الكبير الذي لا يوافق ما دل على كون


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد السرقة - الحديث 11 - 6.

[ 480 ]

التعزير دون الحد، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لم يصنعه إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا " ولعله لانهما يحيطان بما لم يحط به غير هما. وقال المصنف في النكت " والذي أراه تعزير الصبي والاقتصار على ما يراه الحاكم أردع له " وقد اختلفت الاخبار في كيفية حده، فيسقط حكمها، لاختلافها وعدم الوثوق بارادة بعضها دون بعض، وما ذكره الشيخ خبر واحد لا يحكم به في الحدود، لعدم إفادته اليقين، والحد يسقط بالاحتمال ". ولا يخفى عليك بعض ما فيه، بل لا تنقيح في كلامه لجواز تأديب الحاكم له ولو بالقطع كما يقطع الرجل وعدمه. ومما ذكرنا يعلم ما في الرياض من " أنه ينبغي حمل هذه النصوص على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الحاكم لا حدا، كما ذكره شيخنا في المسالك قال: ومقتضاه جواز بلوغ التعزير الحد هنا ولو في بعض الصور ولا بأس به، لاتفاق أكثر النصوص في الدلالة عليه، ولكن لا يلائم ما أطلقه المتأخرون بناء على ما قرروه من اشتراط التعزير بعدم بلوغه الحد وفي جريانه في محل البحث نظر لما مر، لكن ينبغي الاحتياط بعدم القطع إلا في ما اتفقت في الدلالة عليه وهو في الخامسة " انتهى. وقد سبقه إلى بعض ذلك في كشف اللثام إلا أن النصوص المزبورة بعد شدة تعارضها وإعراض المشهور عنها لا يجسر بها على التأديب بالقطع المزبور، ولعل المنتهى الادماء بالحك أو بقطع اللحم من الانامل شيئا فشيئا بمنقاش ونحوه كما يؤمئ إليه قطع أمير المؤمنين (عليه السلام) من لحم الانامل، بل يمكن حمل القطع في بعضها على ذلك، فان التأديب عرفا بهذا ونحوه، ولا يصل إلى قطع الانملة فضلا عن القطع كما يقطع البالغ.

[ 481 ]

(الثاني: العقل، فلا يقطع المجنون) ولو ادوارا إذا سرق حاله بلا خلاف أجده فيه، بل هو إجماع كما عن بعض، للاصل وحديث رفع القلم (1) ونحوه (و) لكن (يؤدب) إذا كان في حال يعقله (وإن تكررت) السرقة (منه) ولا يقاس ذلك على ما سمعته في الصبي بعد حرمته عندنا، بل عن التحرير نسبة التأديب فيه إلى القيل مشعرا بالتردد فيه، وهو في محله إذا كان ممن لا يعقله بخلاف ما لو عقله، فانه يمكن القطع باستفادة ذلك ونحوه من النصوص حسما لمادة الفساد ونظما لامور العباد في البلاد. (الثالث: ارتفاع الشبهة) المقتضية لسقوط الحد الذي لا خلاف في أن القطع منه، كما لا خلاف ولا إشكال في درئه بالشبهة كغيره من الحدود، وحينئذ (فلو توهم الملك فبان غير مالك لم يقطع) للشبهة بل قد لا يعد فعله سرقة (وكذا) لا يقطع (لو كان الملك مشتركا فأخذ ما يظن أنه قدر نصيبه) بتوهم ان له ذلك بدون إذن الشريك، فانه شبهة حتى لو فرض زيادته عن نصيبه بما يبلغ نضاب السرقة، من غير فرق بين كون المال مما يجري فيه الاجبار على القسمة كالحبوب وغيره كالثياب ونحوها، ضرورة تحقق الشبهة على التقديرين. نعم لو فرض علمه بعدم جواز استبداد الشريك بدون إذن شريكه مطلقا ومع ذلك قد سرق منه مبلغ النصاب من حصة الشريك اتجه القطع مطلقا، لعدم الشبهة، فيندرج حينئذ في العموم، لكن في صحيح عبد الله بن سنان (2) سأل الصادق (عليه السلام) " رجل يسرق من المغنم أي شئ يجب عليه ؟ فقال: ينظر كم الذي يصيبه، فان كان الذي


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4.

[ 482 ]

أخذ أقل من نصيبه عزر ودفع إليه تمام ماله، وإن كان أخذ مثل الذي له فلا شئ عليه، وإن كان أخذ فضلا بقدر ثمن مجن وهو ربع دينار قطع " وفي خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قضى علي (عليه السلام) في رجل أخذ بيضة من المغنم، وقالوا: قد سرق اقطعه فقال: إني لم أقطع أحدا له في ما أخذ شرك " وخبر مسمع بن عبد الملك (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) " أتي برجل سرق من بيت المال، فقال: لا تقطعه فان له فيه نصيبا " ولكن الصحيح منها لا عموم فيه وغيره لا جابر له. وبذلك كله يظهر لك أن ما في القواعد لا يخلو من نظر، قال: " ولو كان الشئ قابلا للقسمة ولم يزد المأخوذ على مقدار حقه حمل أخذه على قسمة فاسدة على إشكال أقربه ذلك إن قصدها، وإلا قطع " فان دعوى أن ذلك شبهة وإن علم فسادها واضحة المنع، فتأمل جيدا، كما أنه ظهر لك من جميع ما ذكرناه أن الشرط المزبور إن أريد به عدم القطع مع تحقق الشبهة الدارئة فلا يخص المقام، ضرورة سقوط كل حد بها، وإن أريد به أن الشركة شبهة شرعية وإن تحقق موضوع السرقة لمال غيره على وجه يتحقق فيه مقدار النصاب مع العلم بفساد الاستبداد والقسمة بدون إذن الشريك كان محلا للنظر، ضرورة قصور الاخبار المزبورة عن إثباته بعد عدم تحقق شهرة يجبرها. وحينئذ فلا فرق بين كون المسروق قدر النصيب أو أزيد أو أنقص بعد فرض بقائه على الاشاعة وعلم السارق بعدم جواز الاستبداد به بقصد القسمة وبدونها بدون إذن الشريك وبعد بلوغ حصة شريكه في ما أخذه النصاب الموجب للقطع.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2

[ 483 ]

بل ومما ذكرنا يظهر لك الحال في الشرط (الرابع) الذي عنونه المصنف ب‍ (ارتفاع الشركة) إن كان مراده به العموم لكل مال مشترك كما يقضي به آخر كلامه لا خصوص ما فرعه عليه أولا بقوله: (فلو سرق من مال الغنيمة فيه روايتان: إحداهما لا يقطع) وهي رواية محمد بن قيس (1) المتقدمة ورواية السكوني (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أربعة لا قطع عليهم: المختلس والغلول ومن سرق من المغنم وسرقة الاجير، لانها خيانة " بل عن المفيد وسلار وفخر الدين والمقداد وغيرهم العمل بها (والاخرى) وهي صحيحة عبد الله بن سنان (3) المتقدمة (إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب قطع). (و) القول بما تضمنته من (التفصيل حسن) وفاقا للمحكي عن الاسكافي والشيخ والقاضي والفاضل في التحرير وغيرهم، بل في المسالك نسبته إلى الاكثر قال فيها: " والعمل على هذه الرواية أولى، لصحتها وموافقتها للقواعد الشرعية وعمل أكثر الاصحاب بمضمونها، وفيها دلالة على أن الغانم يملك نصيبه من الغنيمة بالحيازة أو على أن القسمة كاشفة عن سبق ملكه بها " إلى آخره وإن كان لا يخلو بعضه من نظر. وعلى كل حال فلا ينافيها صحيح عبد الرحمان (4) " سأل الصادق (عليه السلام) عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: هي بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه " لامكان حمله على زيادتها على نصيبه بما يقتضي القطع، أو على أن السارق من غير أهل المغنم، على أنه قضية في واقعة، فلا ينافي شيئا من القولين


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 4 - 3. (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب حد السرقة - الحديث 3.

[ 484 ]

وعلى كل حال فالصحيحة أوضح سندا ودلالة وعملا، بل يمكن تنزيل السابقة عليها أيضا، فالتردد الظاهر من جماعة في غير محله، وإن وجه بوحدتها وتعدد المقابل وقوة دلالته بما فيه من التعليل، وإمكان اعتبار سنده، لسهولة الامر في سهل، بل ربما قيل بوثاقته وقوة السكوني وصاحبه، بل ربما قيل: إن الاولى مروية في الكافي (1) صحيحا، ولعله في كتاب الجهاد ولا أقل من حصول الشبهة الدارئة من ذلك، إذ جميعه كما ترى لا يصلح مخصصا للعموم فضلا عن معارضة الصحيح المزبور، فيتجه الحكم المذكور في خصوص الغنيمة وإن لم تكن شبهة. لكن في القواعد " وكذا البحث في ما للسارق فيه حق كبيت المال ومال الزكاة والخمس للفقير والعلوي أي إن سرق منها ما زاد على نصيبه بقدر النصاب قطع وإلا فلا " وعن الخلاف نقل الاجماع على القطع في بيت المال إذا زاد المسروق على نصيبه بقدر النصاب. قلت: قد سمعت خبر مسمع (2) المقتضي لعدم القطع في السرقة من بيت المال، بل في القواعد " الاقرب عدم القطع في هذه الثلاثة، لعدم تعين شئ منها لمالك بعينه أو ملاك بأعيانهم، ولا تقدير لنصيب أحد من الشركاء فيها ولا أقل من الشبهة " وإن كان قد يناقش بصدق السرقة الموجبة للاندراج في إطلاق الادلة، بل في خبر علي بن أبي رافع (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " في عقد لؤلؤ استعارته ابنته من خازن بيت المال عارية مضمونة، قال: لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة لكانت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة " وهو مروي في


(1) الكافي ج 7 ص 223 - كتاب الحدود لا الجهاد - بسند علي بن ابراهيم. (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 485 ]

نهج البلاغة (1) أيضا ومؤيد بما تسمعه في خبر السكوني (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام من قطع من سرق من مال الله، ولكن في كشف اللثام " هو مع الضعف يحتمل أن لا تكون ابنته (عليها السلام) ممن له شركة في بيت المال " قلت: هو موافق للعمومات، فلا يقدح ضعفه. هذا كله في الغنيمة، وأما غيرها من المال المشترك بين ملاك بأعيانهم فهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ولو سرق من المال المشترك قدر نصيبه لم يقطع، ولو زاد بقدر النصاب قطع) وظاهره أو صريحه اتحاد الحكم فيه مع الغنيمة، وأنه لا فرق في ذلك بين الشبهة وعدمها، بل مقتضاه حتى لو أخذه بعنوان السرقة عن شريكه لا بعنوان اقتطاع حصته بدون إذن الشريك. بل في المسالك " إنما ذكرها مرتين لمناسبة الاولى اشتراط ارتفاع الشبهة بتقدير عروضها للشريك وإن زاد عن نصيبه، ومناسبة هذه لشرط انتفاء الشركة على تقدير انتفاء الشبهة إلى أن قال ووجه عدم القطع مع أخذه بقدر حقه وثبوته مع الزيادة بقدر النصاب يظهر من الروايات المذكورة في السرقة من الغنيمة لان شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي، للخلاف في ملكه، فإذا قيل بعدم قطع الغانم فالشريك أولى ".


(1) لم ينقل مضمون خبر على بن ابي رافع في نهج البلاغة، وانما المروي في نهج البلاغة هو مضمون خبر محمد بن قيس الوارد في السارقين من مال الله الذى نسبه في الجواهر ابي السكوني. (2) الخبر الاتي فيما ذكره وإن نسبه إلى السكوني هناك أيضا ولكن ليس للسكوني في ذلك رواية ابدا وانما هو صحيح محمد بن قيس المروي في الوسائل - الباب - 29 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4.

[ 486 ]

وفيه منع الاولوية المزبورة بالنسبة إلى المسروق منه في عدم القطع مع سرقته قدر النصيب مع فرض بلوغ حصة الشريك فيه نصاب السرقة كمنع استفادة حكم مطلق المال المشترك مما سمعته في الغنيمة، وخبر محمد بن قيس (1) ومسمع (2) قد عرفت عدم الجابر لهما في الفرض، بل لو سلم صحة الاول لكنه لا يصلح مخصصا للعمومات بعد إعراض المشهور وغيره، كما هو واضح. (الخامس: أن يهتك الحرز منفردا أو مشاركا) ومنه يعلم شرط سادس وهو كون المال محرزا كما سيذكره المصنف، فلو لم يكن محرزا فلا قطع بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما تسمعه من النصوص (3) الدالة عليه. كما لا خلاف أجده أيضا في اعتبار كون الآخذ منه هو الهاتك له بالانفراد أو الاشتراك (فلو هتك غيره وأخرج هو لم يقطع) أحدهما وإن جاءا معا بقصد التعاون بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه بل ولا إشكال، ضرورة عدم صدق السرقة على الاول، وعدم الاخذ من الحرز على الثاني، نعم يجب على الاول إصلاح ما أفسد كما يجب المال على الثاني، فما عن بعض العامة - من ثبوت القطع على الثاني لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحد، وعن آخر ثبوت القطع على الاول لانه ردء وعون للسارق - واضح الفساد بناء على أصولنا. ولو تعاونا على النقب مثلا وانفرد أحدهما بالاخراج، فالقع على المخرج خاصة، لانه السارق دون الآخر، ولو انعكس فانفرد أحدهما بالهتك وشارك غيره في إخراج كل منهما نصابا قطع.


(1) و (2) الوسائل الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة.

[ 487 ]

ولو أخرجا معا مقدار النصاب خاصة ففي المسالك " لا قطع على أحدهما، لان كلا منهما لم يسرق نصابا، نعم لو أخرجا نصابين بالاشتراك أو انفرد كل منهما بنصاب قطعا " ويقرب منه ما في الرياض. وفيه أنه مناف لاعتبار كون الآخذ الهاتك، فان الفرض اختصاص أحدهما به، وأما الاول فهو أحد القولين والآخر القطع على كل منهما، للصدق كما عن النهاية والانتصاد والمقنعة والكافي والغنية والوسيلة والاصباح والجامع ولعله لا يخلو من قوة لارادة الجنس من السارق لا خصوص الشخص. (السادس: أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا) من الحرز بلا خلاف فيه نصا (1) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه. (ويتحقق الاخراج بالمباشرة وبالتسبيب) الذي يسند الفعل فيه إلى ذيه عرفا (مثل أن يشده بحبل ثم يجذبه من خارج أو يضعه على دابة) من الحرز ويخرجها به بأن ساقها أو قادها بل أو سارت لنفسها حتى خرجت كما عن المبسوط خلافا للمحكي عن التحرير (أو على جناح طائر من شأنه العود إليه) ولو لم يكن من شأنه العود فهو كالمتلف في الحرز في عدم القطع وإن اتفق العود. (ولو أمر صبيا غير مميز باخراجه تعلق بالآمر القطع، لان الصبي كالآلة) وكذا المجنون، أما مع التمييز ففي كشف اللثام لا قطع على الآمر لخروجه بتمييزه عن الآلية، ولا على المأمور لعدم تكليفه ولا يخلو من نظر. (السابع: أن لا يكون والدا من ولده) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى فحوى عدم قتله به، وقوله صلى الله عليه وآله (2):


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة. (2) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة.

[ 488 ]

" أنت ومالك لابيك " وغيرهما بل في معقد إجماع المسالك الاب وإن علا. (و) على كل حال فلا خلاف في أنه (يقطع الولد إن سرق من الوالد) لاطلاق الادلة (وكذا يقطع الاقارب) عندنا خلافا لبعض العامة، لبعض وجوه اعتبارية لا تنطبق على أصولنا ونفي الحرج في الآية (1) عن الاكل من بيوت الآباء والابناء وغيرهم إنما هو في ما لم يحرز عنهم قال أبو بصير (2): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رفقة في سفر فسرق بعضهم متاع بعض، فقال: هذا خائن لا يقطع، وكذلك إذا سرق من منزل أبيه، فقال: لا يقطع، لان الابن لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن، وكذلك إذا سرق من منزل أخيه أو أخته إذا كان يدخل عليهما لا يحجبانه عن الدخول ". بل (وكذا الام لو سرقت من الولد) خلافا للمحكي عن أبي الصلاح بل عن المختلف نفي البأس عنه، لانها أحد الابوين، ولاشتراكهما في وجوب الاعظام، إلا أنه كما ترى لا يصلح مخرجا عن عموم الادلة التي مقتضاها ثبوت الحقية فيه لله تعالى شأنه، كالمحكي عن بعض العامة من إلحاق كل من تجب نفقته على الآخر لما بين الفروع والاصول من الاتحاد، ولتوقع حاجة كل منهما إلى الآخر، والجميع كما ترى لا يوافق أصول الامامية. (الثامن: أن يأخذه سرا، فلو هتك) الحرز (قهرا ظاهرا وأخذ لم يقطع) لكونه غاصبا عرفا لا سارقا (وكذا المستأمن لو خان) بأخذه، لانه ليس سارقا، إذ المال في يده من غير فرق بين الودعي وغيره، فهذه ثمانية شروط. ولكن قد عرفت أنها تسعة بضم


(1) سورة الحج: 22 - الاية 78. (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 489 ]

كونه في حرز، بل مع ضم الاختيار تكون عشرة، بل مع ضم الاخراج من الحرز تكون أحد عشر. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه (يقطع الذمي) السارق من مسلم (كالمسلم) الذي حكمه ذلك وإن سرق من ذمي، لاحترامه ظاهرا والحكم بملكه شرعا، فيندرج سارقه تحت إطلاق الادلة، وعدم القتل به لكون القصاص حقا للمقتول الذي يعتبر فيه المكافأة بخلاف القطع الذي هو حق لله تعالى شأنه، لاستقامة النظام، مضافا إلى معلومية أعظمية القتل من القطع. نعم لو سرق المسلم مال حربي مستأمن ففي القواعد لم يقطع، ولعله لعدم احترامه، لكن يؤدب لخلاعة الامام في الامان. وأما الذمي فضلا عن الحربي ولو المعاهد فقد عرفت أنه لا خلاف ولا إشكال في أنه يقطع إذا سرق مال المسلم بل أو مال ذمي أو معاهد إذا تحاكما إلينا واخترنا الحكم أو اختلفا ملة ولم يرض المسروق إلا بحكمنا وإلا فلنا الاعراض عنهم ورفعهم إلى حكامهم كما في غير المقام، والله العالم. (والمملوك) كالحر (مع قيام البينة) لاطلاق الادلة من غير فرق بين الآبق وغيره خلافا للمحكي عن الحنفية، بل عن الفقيه والمقنع أن العبد الآبق إذا سرق لم يقطع لانه مرتد، ولكن يدعى إلى الرجوع إلى مواليه، فان أبي قطع ثم قتل، وبه صحيح الحذاء (1) عن الصادق (عليه السلام) وستعرف الحال في سرقة العبد من مال مولاه وعبد الغنيمة منها. (وحكم الانثى في ذلك كله حكم الذكر) بلا خلاف أجده فيه


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 490 ]

بل ولا إشكال، لعموم الادلة وإطلاقها. (مسائل:) (الاولى:) (لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن وإن استحق المرتهن الامساك ولا المؤجر العين المستأجرة وإن كان ممنوعا من الاستعادة مع القول بملك المنفعة) بلا خلاف ولا إشكال (لانه لم يتحقق إخراج النصاب من مال المسروق منه حالة الاخراج) ضرورة عدم مالية استحقاق الامساك والمنع من الاستعادة، والمنفعة غير موجودة وإن قلنا بملكها شرعا، لكن على معنى استحقاق الانتفاع وهو غير المنفعة، كل ذلك بعد المفروغية من اعتبار الملكية العينية في السرقة نصا وفتوى وللعرف. المسألة (الثانية:) (لا يقطع عبد الانسان بسرقة ماله) بلا خلاف أجده فيه، بل عن بعضهم دعوى الاجماع عليه صريحا وظاهرا، كما عن المبسوط نفي الخلاف فيه - إلا حكاية عن داود، وظاهره بين المسلمين، كل ذلك للمعتبرة المستفيضة كصحيح محمد بن قيس (1) " سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا سرق عبد أو أجير من مال صاحبه فليس عليه قطع " وخبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد سرق واختان من مال مولاه قال ليس عليه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب حد السرقة - الحديث 5 - 1.

[ 491 ]

قطع " وخبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عبدي إذا سرقني لم أقطعه، وإذا سرق قطعته، وعبد الامارة إذا سرق لم أقطعه، لان فيئ " وفحوى التعليل الذي تسمعه في عبد الامارة. (و) كذا (لا) يقطع (عبد الغنيمة بالسرقة منها) بلا خلاف أجده فيه أيضا (ل‍) خبر السكوني (2) السابق، ولقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبره الآخر (3) " في رجلين سرقا من مال الله تعالى أحدهما عبد من مال الله والآخر من عرض الناس ! أما هذا فمن مال الله ليس عليه شئ، مال الله أكل بعضه بعضا، وأما الآخر فقدمه وقطع يده " كل ذلك مضافا إلى ما في المتن من الاشارة إلى حكمة ذلك ب‍ (أن فيه زيادة إضرار) والحد شرع لحسم الجرئة ودفع الضرر، ولا يدفع الضرر بالضرر وإن قال في المسالك: " هو تعليل للنص بعد ثبوته أما كونه علة برأسه فموضع نظر " وتبعه في الرياض بل في كشف اللثام " لا يعجبني، فانه إنما يقطع إذا طالب المولى ورضي بهذ الضرر " والامر في ذلك سهل خصوصا بعد احتمال رجوعه إلى الاخير، فيكون إشارة إلى التعليل الذي سمعته في النص بأنه فيئ، وبأن مال الله أكل بعضه بعضا. وكيف كان فلا قطع عليه (نعم يؤدب بما) يراه الحاكم أنه (يحسم الجرأة) كما هو المستفاد من استقراء النصوص في أمثاله.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4 عن محمد بن قيس وليس للسكونى بهذا المضمون رواية في المقام.

[ 492 ]

المسألة (الثالثة:) (يقطع الاجير إذا) سرق من مال المستأجر وكان قد (أحرز المال من دونه) على المشهور بين الاصحاب للعمومات (و) لكن (في رواية) سليمان (1) عن الصادق (عليه السلام) (لا يقطع) قال: " سألته عن الرجل استأجر أجيرا فسرق من بيته هل تقطع يده ؟ قال: هذا مؤتمن، وليس بسارق، هذا خائن " وحسنة الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن " ورواية سماعة (3) " سألته عمن استأجر أجيرا فأخذ الاجير متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن، ثم قال: الاجير والضيف أمينان ليس يقع عليهما حد السرقة " وعن الشيخ في النهاية العمل بهما (و) لا ريب في ضعفه إذ (هي محمولة على حال الاستئمان) كما أشعر به حسن الحلبي منها، فلا تصلح معارضته للعمومات، خصوصا بعد عدم الجابر للضعيف منها، بل الموهن متحقق. (وكذا) يقطع (الزوج إذا سرق من زوجته) ما أحرزته دونه (أو الزوجة إذا سرقت من الزوج) ما أحرزه دونها بلا خلاف ولا إشكال للعموم، نعم لا بأس بسرقة الزوجة مقدار النفقة إذا منعها منها كما يرشد إليه خبر هند (4) حين قالت للنبي (صلى الله عليه وآله) إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني وولدي إلا ما آخذ منه سرا وهو لا يعلم فهل علي فيه شئ ؟ فقال: خذي ما يكفيك وولدك


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد السرقة - الحديث 3 - 1 - 4. (4) سنن البيهقي - ج 7 ص 466.

[ 493 ]

بالمعروف " مؤيدا بما تسمعه من عدم القطع في عام المجاعة، بل وبخبر يزيد بن عبد الملك والمفضل بن صالح (1) " إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر في قطع عليه، إنما أخذ حقه، فإذا كان من إمام عادل عليه القتل " والظاهر إبدال القطع بالقتل من النساخ، بل في القواعد كل مستحق للنفقة إذا سرق من المستحق عليه مع الحاجة لم يقطع ويقطع بدونها إلا مع الشبهة وإن كان لا يخلو من نظر. (و) كيف كان ف‍ (في الضيف قولان: أحدهما لا يقطع مطلقا) من غير فرق بين المحرز دونه وغيره (وهو) المحكي عن الشيخ في النهاية وابن الجنيد والصدوق وابن إدريس و (المروي) صحيحا عن الباقر (عليه السلام) (2) " الضيف إذا سرق لم يقطع وإذا أضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف " بل في السرائر الاجماع على ذلك وأن الرواية متواترة. (و) القول (الآخر يقطع إذا أحرز من دونه وهو أشبه) بأصول المذهب وعموماته بل وأشهر، بل المشهور، بل لم نتحقق الخلاف فيه إلا من الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، وقد رجع عنه في المحكي عن مبسوط وخلافه، إذ المحكي عن الاسكافي أنه قال: " وسرقة الاجير والضيف والزوجة في ما ائتمنوا عليه خيانة لا قطع عليهم، فان سرقوا مما لم يؤتمنوا عليه قطعوا " وعن الصدوق في الفقيه والمقنع ليس على الاجير ولا على الضيف قطع، لانهما مؤتمنان " وظاهر تعليله التفصيل المزبور. وأما ابن إدريس فقد أطنب في السرائر، ولكن كلامه مضطرب


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب حد السرقة - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 494 ]

فانه وإن قال فيها: " إن التخصيص بالمحرز لابد له من دليل وأنه إن إريد ذلك لم يكن للخبر ولا لاجماعهم على وفقه معنى، لان غير الضيف مثله في ذلك " لكن قال قبل ذلك متصلا به: " إذا سرق من حرز قطع، ومن غيره لم يقطع، للدخول في عموم الآية ومن أسقط الحد عنه فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى لغير دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع - إلى أن قال -: فأما الاجماع على ظاهر الرواية فقد وفينا الظاهر حقه، يعني التخصيص بغير المحرز عنه، والفرق بين الضيف وغيره أن غيره إن سرق من الموضع الذي سرق منه الضيف قطع للاحراز عنه دون الضيف، فانحصر الخلاف في الشيخ، وهو شاذ، كخبره الذي يمكن حمله على التفصيل المزبور، بل هو احتمال ظاهر خصوصا بعد مضمر سماعة (1) السابق الاجير والضعيف أمينان ليس يقع عليما حد السرقة ". المسألة (الرابعة:) لو حصلت الشبهة للحاكم سقط القطع كما يسقط بالشبهة للسارق كما (لو أخرج متاعا) لشخص من حرزه في منزله (فقال صاحب المنزل: سرقته، وقال المخرج: وهبتنيه أو أذنت في إخراجه سقط الحد للشبهة) وفي حسن الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن رجل أخذوه وقد حمل كارة من ثياب، فقال: صاحب البيت أعطانيها، فقال: يدرأ عنه القطع إلا أن تقوم عليه البينة، فان قامت


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 495 ]

عليه اليينة قطع " لكن عن الصدوق " إذا دخل السارق بيت رجل فجمع الثياب فيوجد في الدار ومعه المتاع فيقول دفعه إلي رب الدار فليس عليه قطع، فإذا خرج بالمتاع من باب الدار فعليه القطع أو يجئ بالمخرج منه " وظاهره الفرق بين الاخراج وعدمه، ولا وجه له. والتحقيق ما عرفت من سقوط القطع بالادعاء المزبور مع احتماله. (و) إن (كان القول قول صاحب المنزل مع يمينه في المال) نفسه دون السرقة، إذ يمينه لا تقطع الشبهة، بل لم يثبت موضوع السرقة حتى إذا لم يدع المخرج ذلك، ضرورة أعمية الاخراج منها كما هو واضح. ومنه ينقدح النظر في نحو عبارة المصنف والفاضل في القواعد أللهم إلا أن يفرض موضوع المسألة في المحكوم بأنه سارق لشاهد الحال وغيره لو لا الدعوى المزبورة، أو يقال بمنع اعتبار احتمالها ما لم يدعها فتأمل. (وكذا لو قال المال لي وأنكر صاحب المنزل، ف‍) ان (القول قوله مع يمينه) لانه ذو اليد بعد اعتراف الاخذ أنه أخذه من منزله (و) حينئذ ف‍ (يغرم المخرج و) لكن (لا يقطع لمكان الشبهة) الدارئة كما عرفت. (الثاني في المسروق) ولا خلاف في اعتبار النصاب فيه بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المقطوع به من السنة والمشهور بين الاصحاب أنه (لا قطع في ما ينقص عن ربع دينار، ويقطع في ما بلغه ذهبا خالصا مضروبا عليه السكة أو ما قيمته ربع دينار) بل عن الخلاف والاستبصار والغنية والسرائر وكنز العرفان الاجماع عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المروية من

[ 496 ]

طرق العامة والخاصة: (منها) النبوي (1) " لا قطع إلا في ربع دينار " و (منها) صحيح محمد بن مسلم (2) عن الصادق (عليه السلام) " قلت له: في كم يقطع السارق ؟ فقال: في ربع دينار، قال: قلت له: في درهمين، فقال: في ربع الدينار بلغ الدينار ما بلغ، قال: فقلت له: أرأيت من يسرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين يسرق اسم السارق ؟ وهل هو عند الله تعالى سارق في تلك الحال ! فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله السارق، ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر، ولو قطعت يد السارق في ما هو أقل من ربع الدينار لالقيت عامة الناس مقطعين " وفي الصحيح الآخر (3) " لا تقطع يد السارق إلا في شئ يبلغ قيمته مجنا وهو ربع دينار " إلى غير ذلك من النصوص. خلافا للمحكي عن الصدوق من القطع بخمس دينار فصاعدا، لقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم (4): " أدنى ما ما يقطع فيه السارق خمس دينار " والصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (5): " يقطع السارق في كل شئ بلغ قيمته خمس دينار " بل وخبر إسحاق بن عمار (6) عنه (عليه السلام) أيضا " عمن سرق من بستان عذقا قيمته درهمان، قال: يقطع به " المحمولة على التقية أو اختلاف الدنانير أو على من رأى الامام (عليه السلام) المصلحة في قطعه أو غير ذلك بعد رجحان المعارض عليه من وجوه، منها الشهرة العظيمة والاجماعات المزبورة.


(1) سنن البيهقي - ج 8 ص 254. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2 - 3 - 12 - 14.

[ 497 ]

وكذا المحكي عن العماني من اعتبار الدينار وإن كان يشهد له صحيح الثمالي (1) " سأل أبا جعفر (عليه السلام) في كم يقطع السارق ؟ فجمع كفيه وقال: في عددها من الدراهم " لكنه موافق لبعض العامة، ومحتمل لكونها حينئذ قيمة ربع دينار، وللقطع به لا عدم القطع بغيره، ولغير ذلك مما لا بأس به بعد رجحان المعارض عليه من وجوه، منها الاعتضاد باطلاق السارق كتابا (2) وسنة (3) المقتصر في تقييده على المتيقن وهو الاقل من الربع أو الخمس كما عرفت. وأضعف منهما القول بالقطع بدرهمين وإن كنا لم نتحقق القائل به نعم قد سمعت خبر إسحاق بن عمار (4) الذي حملناه على الخمس، وأما ما في خبر سماعة (5) من أن " أدناه ثلاث دينار " فلم نجد عاملا به مع احتماله اختلاف الدنانير أو غير ذلك وإلا كان مطرحا في مقابلة ما سمعت فلا ريب في أن الاصح ما عرفت عليه المشهور. (ثوبا كان) المسروق (أو طعاما أو فاكهة) أو ملحا أو ماء أو كلاء أو ثلجا أو ترابا أو طينا أو حيوانا (أو غيره) و (سواء كان أصله الاباحة) لجميع المسلمين أو الناس (أو لم يكن) أو مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والاطعمة الرطبة أولا (وضابطه) كل (ما يملكه المسلم) لاطلاق الادلة، خلافا لابي حنيفة في ما أصله الاباحة أو يسرع إليه الفساد، فلا قطع في الخضروات والفواكه الرطبة والبطيخ واللحم الطري والمشوي ونحو ذلك، ولا في الماء والتراب والطين وما يعمل منه من الاواني وغيرها، والقصب والخشب


(1) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد السرقة - الحديث 9 - 14 - 11. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 38. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد السرقة.

[ 498 ]

إلا الساج، وما يعمل من سائر الخشب من الاواني والابواب ونحوها ولا في الصيود وفي الجوارح معلمة وغير معلمة، ولا في المعادن كلها كالملح والزرنيخ والقير والنفط ونحوها إلا الذهب والفضة والياقوت والفيروزج (و) عنه في الزجاج روايتان. نعم (في الطير وحجارة الرخام رواية) من طرقنا (بسقوط الحد) لكنها (ضعيفة) لا عامل بها، وهي رواية السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) " انه قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا قطع على من سرق الحجارة يعني الرخام وأشباه ذلك " وقال (صلى الله عليه وآله) (2): " لا قطع في ثمر ولا كثر، والكثر شحم النخل " وانه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (3): " لا قطع في ريش يعني الطير كله " وفي خبر غياث (4) عنه (عليه السلام) أيضا " ان عليا (عليه السلام) أتي بالكوفة برجل سرق حماما فلم يقطعه، وقال: لا قطع في الطير " وفي خبر الاصبغ (5) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع من سرق شيئا من الفاكهة وإذا مر بها فليأكل ولا يفسد " وهي متروكة عندنا أو محمولة على عدم الاخذ من الحرز كما عساه يومئ إليه خبر الفضيل (6) عن الصادق (عليه السلام) " إذا أخذ الرجل من النخل والزرع قبل أن يصرم فليس عليه قطع، فإذا صرم النخل وأخذ وحصد الزرع فأخذ قطع ". وكيف كان فلا فرق فيه بين عين الذهب وغيره، فلو بلغ العين ربع دينار وزنا غير مضروب ولم يبلغ قيمة المضروب فلا قطع، لان


(1) و (2) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 3 - 5 - 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 - 1.

[ 499 ]

الدينار حقيقة في المسكوك منه، فيحمل عليه إطلاقه الوارد في النصوص خلافا للمحكي عن الخلاف والمبسوط، فلم يعتبر السكة، وهو شاذ، ولو انعكس بأن كان سدس دينار مصوغا قيمته ربع دينار مسكوكا قطع على الاقوى. وكذا لا فرق بين علمه بقيمته أو شخصه وعدمه، فلو ظن المسروق فلسا فظهر دينارا أو ثوبا قيمته أقل من النصاب فظهر مشتملا على ما يبلغه ولو معه قطع على الاقوى للصدق ولو مع عدم القصد إليه، إذ لا دليل على اعتبار قصد النصاب في القطع بسرقته أصلا. (و) على كل ف‍ (من شرطه أن يكون محرزا بقفل أو غلق أو دفن) أو نحوها مما يعد في العرف حرزا لمثله " إذ لا تحديد في الشرع للحرز المعتبر في القطع نصا وفتوى، بل إجماعا بقسميه، وفي خبر السكوني (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا يقطع إلا من ثقب ثقبا أو كسر قفلا " ونحوه مرسل جميل (2) عن أحدهما (عليهما السلام) وفي خبر طلحة (3) عنهم عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) " ليس على السارق حتى يخرج السرقة من البيت ". (وقيل) والقائل الشيخ في النهاية: هو (كل موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا باذنه) بل عن المبسوط والتبيان والغنية وكنز العرفان نسبته إلى أصحابنا، بل عن الاخير الاجماع عليه صريحا، لكن فيه عدم الصدق عرفا على الدار التي لا باب لها أو غير مغلقة ولا مقفلة بل عن السرائر نفي الخلاف عن عدم القطع بالسرقة منها وإن كان لا يجوز


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة - الحديث 3 - 5 وفي الاول " من نقب... " (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4.

[ 500 ]

لاحد الدخول إليها إلا بالاذن من المالك، ولعله لذا كان المحكي عن ابن حمزة ضبطه بأنه كل موضع لا يجوز لغير مالكه الدخول فيه والتصرف فيه بغير إذنه وكان مغلقا أو مقفلا، وعن المختلف يجوز أن يكون مراد الشيخ بقوله: " ليس لغير المتصرف الدخول فيه " سلب القدرة لا الجواز الشرعي، وهو كما ترى. نعم في الرياض " ربما كان في النصوص إيماء إلى القول المزبور منها الصحيح (1) المتقدم المشتمل على تعليل قطع الرجل بسرقة مال أبيه وأخته وأخيه بعدم حجبه عن الدخول إلى منزلهم إذ ظاهره إرادة الاذن له من عدم الحجب، فمفهوم التعليل حينئذ يقتضي القطع مع عدم الاذن، وأظهر منه القوي (2) بالسكوني وصاحبه " كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه " قال الراوي: يعني الحمام والارحية " وقريب منهما النصوص (3) المتقدمة بعدم قطع الضيف والاجير معللة بالاستئمان، وليس إلامن حيث الاذن في الدخول ". وفيه أن عدم القطع من هذه الجهة لا يقتضي عدمه أيضا من جهة أخرى، وهو اعتبار كون المال في حرز، ولا ريب في عدم صدقه عرفا بمجرد المنع الشرعي عن الدخول كما هو واضح. ونحوه المحكي عن خلافه من أن كل موضع حرز لشئ من الاشياء، بل عن الحلي والفاضل في التحرير اختياره، إذ لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة اختلاف الحرز عرفا باختلاف المحرز، فحرز الذهب والفضة غير حرز الدابة والحطب والتبن ونحوها، كما هو واضح. وعلى كل حال (فما ليس بمحرز لا يقطع) سارقه (كالمأخوذ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 14 و 17 - من ابواب حد السرقة.

[ 501 ]

من الارحية والحمامات والمواضع المأذون في غشيانها كالمساجد) وفاقا للفاضل في جملة من كتبه والمحكي عن الحلي والديلمي وابن حمزة وظاهر المفيد. (وقيل) والقائل للشيخ في محكي المبسوط والخلاف: (إذا كان المالك مراعيا له كان محرزا، كما قطع) به (النبي (صلى الله عليه وآله) سارق مئزر صفوان في المسجد (1) و) لكن (فيه تردد) بل منع ضرورة عدم صدق الحرز عرفا على ذلك، بل لعله من المختلس الذي لا يقطع كما سمعته في النصوص (2) السابقة ولا أقل من الشك في كونه سارقا أو مختلسا فيدرأ الحد عنه، مضافا إلى خبر السكوني (3) السابق وإلى ما قيل من أن السارق إن أخذ المال مع نظر المالك إليه لتحقق المراعاة لم يحصل الشرط، وهو أخذه سرا، وإنما يكون مستلبا غاصبا، وهو لا يقطع، وان كان مع الغفلة عنه لم يكن محرزا بالمراعاة. ولا ينافي ذلك قصة صفوان المحكية بطرق عديدة (منها) حسن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه قال: إن صفوان بن أمية كان مضطجا في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: اقطعوا يده، فقال صفوان: تقطع يده من أجل ردائي يارسول الله ؟ قال: نعم، قال: فأنا أهبه


(1) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد السرقة. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2.

[ 502 ]

له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي ؟ قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه ؟ قال: نعم " وهو صريح في غيبة صفوان لا مراعاته، و (منها) أن صفوان نائم فأخذ من تحته (1) وهو كالاول في عدم المراعاة وإن كان النوم عليه أقرب إلى المراعاة من الغيبة عنه، ويمكن حمله على أنه قد أحرزه حال خروجه لاراقة الماء (ومنها) أنه نام وجعله تحت رأسه وسرق منه وقد كان متوسدا له (2) ومن هنا كان المحكي عن المبسوط فرض المسألة على هذا الوجه والاكتفاء في حرز الثوب بالنوم عليه أو الاتكاء عليه أو توسده. نعم رواية صفوان على الوجه المروي تصلح دليلا للمحكي عن ابن أبي عقيل من قطع السارق في أي موضع سرق من بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك محتجا عليه بالرواية المزبورة، لكن فيه أنه مناف لاعتبار الحرز نصا وفتوى. وعن الصدوق لاقطع في المواضع التي يدخل إليها بغير إذن كالحمامات والارحية والمساجد وإنما قطعه النبي (صلى الله عليه وآله) لانه سرق الرداء فأخفاه، ولا خفائه قطعه ولو لم يخفه لغزره. وفي الرياض " وهو راجع إلى التفسير الاخير، أي ما عن بعض العلماء من تفسير الحرز بما على سارقه خطر، لكونه ملحوظا غير مضيع إما بلحاظ دائم أو بلحاظ معتادة " وفيه أن ذلك لا مدخلية له في الاخفاء بل الظاهر أن ذلك عملا بما في جملة من نصوص الدغارة المشتملة على عدم القطع بها، وإنما هو على من أخذ ما خفي وإن لم أجد العمل بها لا حد غيره. وأما التفسير المزبور فأجبني عن ذلك، نعم بعد أن ذكره في


(1) و (2) سنن البيهقي ج 8 ص 265.

[ 503 ]

المسالك قال: " وعلى هذا يتوجه الحكم في الرواية بقطع السارق لان سارقه في المسجد على خطر من أن يطلع عليه أحد، وهذا التفسير متوجه ومناسب لما يقتضيه النظر من كون المراعاة بالعين حرزا في مجامعته لامكان سرقته بمغافلة المالك، إذ لا يشترط فيه دوام النظر، بل المعتاد منه المجامع للغفلة على وجه يمكن سرقته منه، وإلى هذا ذهب الشيخ في موضع من المبسوط وإن اختار الاول في مواضع " قلت: هو مختلس عرفا لا سارق بقطع. وفي الرياض بعد أن حكى التفسير للحرز بما سمعت قال: " وعليه يختلف الحرز باختلاف الاموال وفاقا للاكثر، فحرز الاثمان والجواهر الصناديق المقفلة والاغلاف الوثيقة في العمران، وحرز الثياب وما خف من المتاع وآلات النحاس الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران وخزائنها المقفلة وإن كانت هي مفتوحة، والاسطبل حرز للدواب مع الغلق، وحرز الماشية في المرعى عين الراعي على ما تقرر، ومثله متاع البائع في الاسواق والطرقات ". قلت: هو بعينه ما في الروضة لكن يمكن منع الحرز لكل شئ بحيث يترتب عليه القطع، فلا حرز للماشية ولا للثمرة على الشجرة مثلا وإن كان لها مراقب وحافظ، فانه لا يعد لها حرزا عرفا، إذ هو الشئ المعد لحفظ الشئ في نفسه، والمراقبة ونحوها إنما هي حراسة للشئ لا حرز له عرفا، وهو الذي أشير إليه في النصوص (1) السابقة بكسر القفل ونقب البيت وحواه وأحرزه ونحو ذلك ولا أقل من الشك في تحقق شرط القطع بذلك، والاصل عدمه، ولا يجدي إطلاق السارق بعد العلم بتقييده بالحرز، فيكون ذلك حينئذ شكا في حصول الشرط،


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد السرقة.

[ 504 ]

كما هو واضح. هذا وقد أطلق الدفن هنا في المتن وقيده بعض بالعمران محترزا به عما لو دفن في خارجه لا يعد حرزا وإن كان في داخل بيت مغلق، لعدم قضاء العرف به مع عدم الخطر على سارقه، وفيه منع عدم الصدق عرفا مع عدم العلم بالدفن، فتأمل. (وهل يقطع سارق ستارة الكعبة ؟ قال في المبسوط والخلاف: نعم) بل عن ظاهر الاول الاجماع عليه، لاطلاق الادلة ولما رواه أصحابنا (1) " من أن القائم (عليه السلام) إذا قام قطع أيدي بني شيبة وعلق أيديهم على البيت، ونادى مناديه هؤلاء سراق الله " بل عن الخلاف لا يختلفون في ذلك يعني في الرواية. (و) لكن (فيه إشكال) بل عن ابن إدريس الجزم بالعدم (لان الناس في غشيانها شرع) كالحمامات، فلا تكون السرقة من حرز، واحتمال الرواية كون القطع لفسادهم لا للسرقة، بل في المسالك أن إحراز مال البيت من مبدأ الاسلام إلى يومنا هذا بأيديهم دائما، فهم حينئذ من الخائنين لا السارقين، بل قد يشك في ذلك من وجه آخر، وهو عدم كون الستارة لمالك معين، أللهم إلا أن يمنع اعتبار ذلك باطلاق الادلة، فيتجه حينئذ القطع مع فرض إحراز الشرائط التي يمكن فرضها في ستارة الكعبة ومعلقات الحضرات المشرفة، بأن يهتك حرزها المغلق عليها أو يثقب أو يتسلق إليها، كما وقع في زماننا في روضة أمير المؤمنين وسيد الوصيين (عليه السلام). (ولا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كمه الظاهرين، ويقطع لو كانا باطنين) على المشهور بين الاصحاب، بل في كشف اللثام


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 2 من كتاب الحج.

[ 505 ]

أنهم قاطعون بالتفصيل المزبور، كما عن غيره نفي الخلاف فيه، بل عن الشيخ وابن زهرة الاجماع عليه، ولعله لصدق الحرز عرفا، مضافا إلى قوي السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) " قد أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بطرار قد طر دراهم من كم رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وإن كان طر من قميصه الداخل قطعته " وخبر مسمع بن سيار (2) عنه (عليه السلام) أيضا " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أتي بطرار قد طر من رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وإن كان طر من قميصه الاسفل قطعناه " وبهما بعد انجبارهما واعتضادهما بما سمعت يقيد إطلاق القطع وعدمه في غيرهما من النصوص. نعم في المسالك " مقتضاهما أن المراد بالظاهر ما في الثوب الخارج سواء كان بابه في ظاهره أم باطنه، وسواء كان الشد على تقديره من داخله أو خارجه " ولعله الذي تسمعه من الخلاف. وفي كشف اللثام " ويظهر منهما أن المراد بالظاهر ما على الثوب الاعلى، وباطن ما على تحته، ولا يختلف الحال فيهما بأن يكون المال مشدودا أولا، كان الشد من خارج أو داخل ". وقال الشيخ في الخلاف: " وقال جميع الفقهاء: عليه القطع، ولم يعتبروا قميصا فوق قميص، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا شده فعليه القطع، والشافعي لم يفصل ". وفي المبسوط بعد التفصيل بالظاهر والباطن " فإذا أدخل الطرار يده


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2. (2) أشرنا إليه في الوسائل - في الباب - 13 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 وذكره في الكافي ج 7 ص 227 والتهذيب ج 10 ص 115.

[ 506 ]

في جيبه فأخذه أو بط الجيب والطرة معا فأخذه فعليه في كل هذا القطع والكم مثله على ما قلناه إن أدخل يده فأخذه، أو خرق الكم أو بطه فأخذه أو بط الخرقة والكم فأخذه فعليه القطع، وأما إن شده في كمه كالصرة ففيه القطع عند قوم، سواء جعله في جوف كمه وشده كالصرة من خارج الكم أو شده من داخل حتى صارت الصرة في جوف كمه، وقال قوم: إن جعلها في جوف الكم وشدها من خارج فعليه القطع، وإن جعلها من خارج وشدها من داخل فلا قطع، وهو الذي يقتضيه مذهبنا ". قلت: لعل من الباطن الجيب في باطن القميص الاعلى، ومن هنا قال في الروضة: " والمراد بالجيب الظاهر ما كان في ظاهر الثوب الاعلى والباطن ما كان في باطنه أو في ثوب داخل مطلقا " ثم حكى عن الخلاف والمبسوط ما سمعت في الكم والجيب قال: " والاخبار في ذلك مطلقة في اعتبار الثوب الاعلى والاسفل فيقطع في الثاني دون الاول " وهو موافق للخلاف ومال إليه في المختلف، وجعله المشهور، وهو في الكم حسن " أما في الجيب فلا ينحصر الباطن منه في ما كان فوقه ثوب آخر، بل يصدق به وبما كان في باطن الثوب الاعلى كما قلناه. قلت: قد يقال بنحو ذلك في الكم أيضا، بل قد يقال: إن معنى الخبرين إن طر الاعلى من قميصه فلا قطع، وإن طر الاسفل من قميصه قطع على جعل من الاعلى والاسفل مفعولين لطر، وربما يؤيد ذلك العرف. (ولا قطع في ثمرة على شجرها) عند المشهور على ما في المسالك للنصوص المستفيضة (1) التي تقدم بعضها المصرحة بذلك (و) بأنه (يقطع لو سرق بعد إحرازها) الذى لا خلاف فيه ولا إشكال،


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب حد السرقة.

[ 507 ]

إنما الاشكال في إطلاق عدم القطع بالاول الذي مقتضاه ذلك حتى مع الاحراز بغلق ونحوه بقوة انصراف الاطلاق نصا بل وفتوى إلى ما هو الغالب من عدم الحرز لها في حال كونها على الشجرة، ومن هنا قال في القواعد وتبعه ولده: " ولو كانت الشجرة في موضع محرز كالدار فالاولى القطع بسرقة ثمرها مطلقا " وربما يؤيده مضافا إلى عموم الادلة خصوص خبر إسحاق (1) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل سرق من بستان عذقا قيمته درهمان، قال: يقطع " بناء على أنهما ربع دينار، وقد سرق من الحرز، مضافا إلى ضعف سند النصوص المطلقة، ولا شهرة محققة جابرة على وجه يخص بها إطلاق ما دل على القطع بسرقة ما في الحرز كتابا (2) وسنة (3) فالاولى حينئذ التفصيل كما في المسالك والروضة وغيرهما، وأما ما عن الصدوق من أنه إذا أكل الرجل من بستان غيره بقيمة ربع دينار أو أكثر لم يكن عليه قطع ما لم يحمل منه شيئا، فلعله لانه مع الاحراز إنما أتلف في الحرز. (و) كذا (لا) قطع (على من سرق مأكولا في عام مجاعة) بلا خلاف أجده كما عن بعضهم الاعتراف به، بل عن الغنية والسرائر نسبته إلى روايات الاصحاب، وهو كذلك، ففي خبر السكوني (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا يقطع السارق في عام مسنت، يعني عام مجاعة " وفي مرسل عاصم بن حميد (5) " كان أمير الؤمنين (عليه السلام) " لا يقطع السارق في أيام المجاعة " وفي مرسل زياد القندي (6)


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب حد السرقة - الحديث 7. (2) سورة المائدة: 5 - الاية 38. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد السرقة. (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 - 3 - 1.

[ 508 ]

" لا يقطع السارق سنة المحل في شئ يؤكل مثل اللحم والخبز وأشباهه ". ولعل الاختصاص بالمجاعة لانه مظنة الاضطرار المسوغ أو الموجب للسرقة الذي لا إشكال في عدم القطع فيه مع العلم بكون السرقة له مع عدم إمكان إرضاء صاحبه بعوضه، فيكون حينئذ كالشبهة الدارئة. وعن المبسوط " إن سرق في عام المجاعة والقحط فان كان الطعام موجودا والقوت مقدورا عليه ولكن بالاثمان الغالية فعليه القطع، وإن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق فأخذ الطعام فلا قطع عليه " وبعينه حكي في محكي الخلاف عن الشافعي، قال: " روى أصحابنا أن السارق إذا سرق في عام المجاعة لا قطع عليه، ولم يفصلوا وقال الشافعي: إذا كان الطعام موجودا مقدورا عليه ولكن بالثمن الغالي فعليه القطع، وإن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق طعاما فلا قطع عليه، دليلنا ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) لا قطع في عام مجاعة " إلى آخره. وعلى كل حال فلا ريب في اقتضاء إطلاق النص والفتوى الاعم من ذلك، نعم في المسالك " حملوا ما في إطلاق الروايتين من المسروق على المقيد في الآخر وهو المأكول " وفيه أنه لا يتأتى على وجه يقتضي التقييد، أللهم إلا أن يدعى الاتفاق على ذلك كما ادعاه في الرياض محتجا به على ذلك وبظاهر الخبر المزبور قال: وأظهر منه آخر مروي (2) في الفقيه " لا يقطع السارق في عام مجدبة يعني في المأكول دون غيره ". قلت: الظاهر أن ذلك من الصدوق لتخيل كونه المستفاد من النصوص لا أنه رواية عن الامام (عليه السلام) وحينئذ فالتعميم أولى، بل قيل: إن مقتضى إطلاق المصنف وغيره بل والنصوص عدم الفرق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب حد السرقة - الحديث 3 - 4.

[ 509 ]

بين المضطر وغيره وإن كان قد يناقش بعدم انسياق الثاني منه، نعم يدخل فيه المشتبه حاله، كعدم انسياق غير المأكول فعلا من الخبز لو قلنا بالتقييد به كالحبوب ونحوها بدعوى كون المراد الصالح للاكل قوة أو فعلا كما في المسالك وغيرها، بل ظاهر قوله (عليه السلام) " كالخبز واللحم وأشباهه " خلافه، والاصل في ذلك أن الحكم مخالف لاطلاق الادلة، فالمناسب الاقتصار فيه على المتيقن، وما في الروضة من دعوى تنبيه التمثيل في الخبر على إرادة الاعم يمكن منعه. (ومن سرق) إنسانا (صغيرا) لا تمييز له بحيث يعرف سيده من غيره (فان كان مملوكا قطع) بلا خلاف بل ولا إشكال مع جمعه ما سمعته من الشرائط السابقة كالحرز ونحوه، ضرورة كونه كغيره من الاموال. ولو كان كبيرا مميزا ففي القواعد والمسالك وغيرها لا قطع، لانه متحفظ بنفسه إلا أن يكون نائما أو في حكمه، أو لا يعرف سيده من غيره، فانه حينئذ كالصغير، بل في الرياض بعد نسبته إلى جماعة " لم أجد فيه خلافا إلا من إطلاق العبارة " قلت: لعله المتجه بعد فرض صدق اسم السرقة ولو باكراهه خصوصا في المميز المزبور، ودعوى أن الصغير المذكور يسرق بخلاف الكبير فانه يخدع يمكن منع إطلاقها. ولا فرق في ذلك بين القن والمدبر وأم الولد والمبعض بل والمكاتب وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد، ولعله من عدم خروجه عن المالية ومن عدم تمامية ملك السيد له، لانقطاع تصرفه عنه، ولا يملك منافعه ولا استخدامه ولا أرش الجناية عليه، وهو يملك ما يكتسبه لكن يمكن منع الاخير، بل عنه في التحرير القطع بكون المشروط كالقن، مع أنه لا فرق بينه وبين المطلق بالنسبة إلى الملكية، ومن الغريب قوله بلا فصل

[ 510 ]

عما سمعت: " ولو سرق من مال المكاتب قطع إن لم يكن سيده، ولو سرق نفس المكاتب فلا قطع عليه، لان ملك سيده ليس بتام عليه " فانه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا أخذ أرش الجناية عليه، إذ هو على فرض إرادته المطلق لا فرق بينه وبين المشروط في ذلك. (ولو كان) المسروق (حرا فباعه لم يقطع حدا) قطعا، لعدم كونه مالا يبلغ النصاب (وقيل) والقائل الشيخ في النهاية وجماعة، بل في التنقيح أنه المشهور: (يقطع دفعا لفساده) لا حدا للسرقة، لقول الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني (1) إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل قد باع حرا فقطع يده " وخبر عبد الله بن طلحة (2) " سأله عن الرجل يبيع الرجل وهما حران فيبيع هذا هذا وهذا هذا، ويفران من بلد إلى بلد يبيعان أنفسهما، ويفران بأموال الناس، قال: تقطع أيديهما، لانهما سارقا أنفسهما وأموال الناس " وخبري سنان بن طريف (3) " سأله عن رجل باع امرأته، قال: على الرجل أن يقطع يده " الحديث. وخبر طريف بن سنان (4) " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن رجل سرق حرة فباعها، فقال: فيها أربعة حدود: أما أولها فسارق تقطع يده " الحديث. ومن المعلوم إرادة حكم السرقة من إطلاقها عليه في النصوص المزبورة كما أن ظاهر الاول منها عدم الفرق بين الصغير والكبير، بل صريح غيره الكبير، لكن عن الشيخ تقييد ذلك بالصغير، بل في المسالك تبعه


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب حد السرقة - الحديث 2 - 3 - 1 والاخير بسند الشيخ والصدوق (قدهما). (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبوا ب حد الزناء - الحديث 1 و 2. لكن الاول عن طريف بن سنان.

[ 511 ]

على ذلك الاكثر معللين له بأن الكبير غالبا متحفظ على نفسه لا يمكن بيعه، إلا أنه كما ترى، ولذا نص على عدم الفرق في محكي التحرير، إذ لا فرق بينهما بعد أن كان القطع للفساد لا للسرقة وإن استدل في محكي المبسوط عليه بآيتها، لكنه في غير محله، ومن هنا قال في محكي خلافه: " لاقطع عليه، للاجماع على أنه لا قطع إلا في ما قيمته ربع دينار فصاعدا، والحر لا قيمة له، وقال مالك، عليه القطع، وقد روى ذلك أصحابنا، وإن كان قد يناقش بأن القطع للنصوص المزبورة لا للسرقة وإن وجه بأن القطع في سرقة المال إنما جاء لحراسته، وحراسة النفس أولى، إلا أنه لا يوافق مذهبنا، خصوصا بعد تعليق الحكم بسرقة المال على وجه مخصوص لا يتم في الحر على وجه تتحقق به الاولوية المزبورة بحيث تصلح مدركا للحكم، ودعوى ضعف النصوص المزبورة - ولا جابر لها سوى الشهرة المحكية وفي حصوله بها نوع مناقشة، سيما مع رجوع الشيخ الذي هو أصلها عما في النهاية - واضحة الفساد بعد تحقق الشهرة الزبورة على القطع، كوضوح فساد المناقشة بأن القطع المزبور إن كان للفساد لا للسرقة فالمتجه جريان الحكم المفسد عليه لا خصوص القطع المزبور، ضرورة كونها كالاجتهاد في مقابلة النص الذي ذكرنا أن وجه الحكمة فيه ذلك، على أنه قابل لتخصيص ذلك الاطلاق، وحينئذ فالتردد الظاهر من المصنف وغيره في الحكم المزبور في غير محله. ولو سرقه ولم يبعه أدب بما يراه الحاكم، للاصل بعد اختصاص النصوص بالبيع، خلافا للمحكي عن ظاهر المبسوط والسرائر. ولو كان عليه ثياب أو حلي يبلغ النصاب لم يقطع وإن كان صغيرا لثبوت يده عليها، ولذا يحكم بأن ما في يد اللقيط له، نعم لو فرض سرقته للمال معه على وجه لم تكن يده عليه اتجه حينئذ القطع.

[ 512 ]

ولو كان الحر كبيرا نائما عل متاع فسرقه ومتاعه قطع لسرقة المتاع بناء على أن نوم الكبير عليه حرز له ولسرقة الحر إن باعه، للنصوص السابقة، بل في القواعد وكذا السكران والمغمى عليه والمجنون، ولعله لعدم خروجهم بذلك عن الاحراز، إذ ليسوا كالجماد، لكنه لا يخلو من نظر. (ولو أعار بيتا) مثلا (فنقبه المعير فسرق منه مالا للمستعير قطع) بلا خلاف أجده، بل ولا إشكال، للعمومات وإن ذكر في المسالك وجها للعدم باعتبار عدم لزوم العارية، فلا يحصل الاحراز، ولكن فيه أن له الدخول إذا رجع، مع أن عليه حينئذ أن يمهل المعير بقدر نقل أمتعته لا مطلقا. (وكذا) لا إشكال ولا خلاف في القطع (لو آجر بيتا وسرق منه مالا للمستأجر) المالك للمنفعة بعقد الاجارة التي منها الاحراز، فما عن أبي حنيفة من عدم القطع واضح الفساد، خصوصا بعد المحكي عنه من القطع لو آجر عبده لحفظ متاع ثم سرق المؤجر من المتاع الذي كان يحفظه العبد وإن ضعف احتمال عدم القطع فيه باعتبار أن الاحراز فيه بملاحظة العبد لا بنفس العبد المملوك للسارق، فنفس الحرز ليس بمملوك له. ولو كان الحرز مغصوبا منه لم يقطع بسرقة مالكه الذى له هتكه، فلا يكون المال في حرز، بل في القواعد والمسالك ومحكي المبسوط أن الدار المغصوبة ليست حرزا عن غير المالك، لانه إحراز بغير حق فكان كغير المحرز، لكن قد يقال بصدق العمومات. ولو كان في الحرز مال مغصوب للسارق فهتكه وأخذ ماله خاصة لم يقطع قطعا، بل هو كذلك وان اختلط المالان بحيث لا يتميزان من

[ 513 ]

نحو الطعام والدهن فلم يأخذ الا قدر ماله أو أزيد بما لا يبلغ النصاب. وإن أخذ غير المغصوب المميز عنه وحده أو معه بقدر النصاب، فعن المبسوط إطلاق قطعه، والاقرب القطع إن هتك لغير المغصوب خاصة بل أولهما، للعمومات بعد حرمة الهتك المزبور المراد به السرقة. وإن هتك لاخذ ماله فلا قطع، للرخصة فيه وبعد يكون أخذ مالا غير محرز، ولو جوزنا للاجنبي انتزاع المغصوب حسبة فهتك الحرز وأخرجه فلا قطع، ولو سرق معه بقدر النصاب من مال الغاصب ففيه التفصيل المزبور، ولو لم نجوز ذلك له قطع بسرقة المغصوب فضلا عن غيره والمطالب به الغاصب كما عن المبسوط أو المالك. (ويقطع من سرق مالا موقوفا) على محصور (مع مطالبة الموقوف عليه لانه) مندرج في العموم بناء على أنه (مملوك) له بل وغير المحصور بناء على أنه المالك أيضا، للعموم فضلا عن سرقة ثمرته التي لا شك في أنها للموقوف عليه، نعم لو قلنا إن المالك فيه الله تعالى شأنه أمكن عدم القطع، بل في المسالك أنه الاظهر بعد أن احتمله لو طالب به الحاكم لكن قد عرفت سابقا أن مقتضى العموم القطع أيضا، بل قد يؤيده خبر محمد بن قيس (1) المتقدم المشتمل على قطع السارق من مال الله تعالى. ولو كان السارق بعض الموقوف عليهم فالحكم فيه ما سمعته حتى لو كان فقيرا وكان الوقف على الفقراء، إلا أنه مع فرض كونهم مصرفا يشكل مراعاة الزائد على نصيبه لعدم النصيب له حينئذ أللهم إلا أن يراد به ما يعم ذلك كما سمعته في الزكاة وبيت المال ونحوهما. (ولا تصير الجمال) مثلا (محرزة بمراعاة صاحبها ولا الغنم


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4.

[ 514 ]

باشراف الراعي عليها) كما تقدم الكلام فيه سابقا (و) لكن (فيه قول آخر للشيخ رحمه الله) في محكي الخلاف والمبسوط إنها تكون محرزة بذلك، وتبعه عليه غير واحد ممن تأخر عنه، ولكن قد عرفت ضعفه قال في الاخير: " الابل إن كانت راتعة فحرزها أن ينظر الراعي إليها مراعيا لها وإن كان ينظر إلى جميعها مثل أن كان على نشر أو مستو من الارض فهي في حرز، لان الناس هكذا يحرزون أموالهم عند الراعي، وإن كان لا ينظر إليها أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز، وإن كان النظر إلى بعضها دون بعض فالتي ينظر إليها في حرز والتي لا ينظر إليها في غير حرز، وإن كانت باركة ينظر إليها فهي في حرز وإن كان لا ينظر إليها فهي في حرز بشرطين: أن تكون معقولة وأن يكون معها نائما أو غير نائم لان الابل الباركة هكذا حرزها، وإن كانت مقطرة فان كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز، وإن كان قائدا فانما تكون في حرز بشرطين: أن تكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها وأن يكثر الالتفات إليها مراعيا لها، وكذا البغال والخيل والحمير والبقر والغنم، فإذا آوت إلى حظيرة كالمراح والدين والاصطبل، فان كان في البر دون البلد فما لم يكن صاحبها معها في المكان فليس بحرز، وإن كان معها فيه فهو حرز، فان كان الباب مفتوحا فليس بحرز إلا أن يكون معها مراعيا لها غير نائم، وإن كان الباب مغلقا فهو حرز نائما كان أو غير نائم، ولو كانت في جوف البلد فالحرز أن يغلق الباب سواء كان معها صاحبها أو لا " وهو كما ترى خصوصا فرقه بين الراتعة والسائرة وإن كان الاصح عدم كون المراعاة من أصلها حرزا عرفا. (ولو سرق باب الحرز أو) شيئا (من أبنيته) المثبتة فيه (قال في المبسوط) وتبعه غيره: (يقطع، لانه محرز بالعادة، وكذا

[ 515 ]

إذا كان الانسان في داره وأبوابها مفتحة، ولو نام زال الحرز و) لكن (فيه تردد) للتردد في أن الحرز هو ما ليس لغير المالك دخوله، أو أنه ما كان السارق منه على خطر وخوف من الاطلاع عليه، أو أنه عرفي وقلنا بأن مثل ذلك محرز فيه فيقطع حينئذ أو هو ما كان مغلقا أو مقفلا أو مدفونا فلا يقطع لانتفائه، ولو قلنا بأن منه المراعاة بني على حصولها وعدمه، وقد عرفت سابقا أن الحرز عرفا الشئ المعد لحفظ الشئ في نفسه، فلا قطع في شئ من ذلك لا أقل من الشبهة الدارأة، وحينئذ فيسقط البحث عن سرقة باب المسجد وعن سرقة دقاقة الباب ونحو ذلك، ضرورة عدم الحرز في الجميع بناء على ما ذكرناه، نعم لو كان باب الحرز على بيت داخل في الدار التي لها باب مغلق على ذلك أو داخل في بيت آخر كذلك كباب الخزينة اتجه حينئذ القطع بسرقتها، لكونها حينئذ في حرز. (ويقطع سارق الكفن) من القبر ولو بعض أجزائه المندوبة (لان القبر حرز له) إجماعا في صريح المحكي عن الايضاح والكنز والتنقيح وظاهر الديلمي، وما عن المقنع والفقيه من عدم القطع على النباش إلا أن يؤخذ وقد نبش مرارا مع شذوذه يمكن حمله كمستنده على النباش غير السارق، لا على أن القبر غير حرز كما استظهره منه في المسالك تبعا لغاية المراد، وعلى تقديره فهو محجوج بما عرفت وبالعرف وظاهر النصوص حتى خبر حفص البختري " (1) سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حد النباش حد السارق " باعتبار ظهوره في كونه منه، وخبر الجعفي (2) " كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) وجاءه كتاب هشام ابن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ونكحها فان الناس قد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2.

[ 516 ]

اختلفوا علينا، طائفة قالوا: اقتلوه وطائفة قالوا: أحرقوه فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) إن حرمة الميت كحرمة الحي، تقطع يده لنبشه وسلبه الثباب، ويقام عليه الحد في الزناء، إن أحصن رجم، وإن لم يكن أحصن جلده ماءة " وخبر أبي الجارود (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الاحياء " وخبر زيد الشحام (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " أخذ نباش في زمن معاوية فقال لاصحابه: ما ترون ؟ فقالوا: تعاقبه وتخلي سبيله، فقال رجل من القوم: ما هكذا فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: وما فعل ؟ قال: فقال: يقطع النباش، وقال: هو سارق هنالك للموتى " ومن قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية مسندة في الفقيه (3) " أنه قطع نباش القبر " فقيل له: أتقطع في الموتى ؟ فقال: إنا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا " قال (4): " وأتي بنباش فأخذ بعشره وجلد به الارض، وقال: طئوا عباد الله، فوطئ حتى مات " ونحوه في الاول خبر إسحاق بن عمار (5) كل ذلك مضافا إلى الاجماع في محكي الغنية والسرائر على القطع بسرقته، وإلى ما تسمعه من إطلاق النصوص الآتية في قطع النباش، فالحكم حينئذ مفروغ منه. (و) إنما الكلام في أنه (هل يشترط بلوغ قيمته نصابا ؟ قيل) والقائل المفيد وسلار وابنا زهرة وحمزة، بل نسب إلى الاكثر (نعم) يشترط ذلك، لاطلاق ما دل عليه بعد ما سمعته من ظهور النص والفتوى في كونه من السارقين من الحرز، فيشترط فيه حينئذ ما


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 4 - 5 - 8 - 8 - 12.

[ 517 ]

يشترط فيه، وعليه ينزل إطلاق القطع بسرقته فيها، بل لعله الظاهر منهما مضافا إلى الاصل ودرء الحد بالشبهة. (وقيل) والقائل ابن إدريس في أول كلامه: (يشترط في المرة الاولى) لما سمعته من الادلة (دون الثانية والثالثة) فانه لا يشترط بل يقطع مطلقا، لانه مفسد، ولكنه لم نجده لغيره، بل هو قد رجع عنه في آخر كلامه، على أنه كما ترى غير واضح الوجه ولا المستند. (وقيل) كما عن الشيخ والقاضي وابن إدريس في آخر كلامه والفاضل في الارشاد: (لا يشترط) فيقطع مطلقا، لاطلاق الادلة الذي عرفت تنزيله على المقيد، وقيل كما سمعته عن الصدوق: لا يقطع مطلقا إلا مع النبش مرارا، ولعله لما ورد من قطع النباش الذى تكرر منه الفعل. قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (1): " يقطع النباش والطرار، ولا يقطع المختلس ". وسأله (عليه السلام) أيضا عيسى بن صبيح (2) " عن الطرار والنباش والمختلس فقال: يقطع الطرار والنباش، ولا يقطع المختلس ". وفى خبر عبد الرحمان العزرمي (3) عنه (عليه السلام) أيضا " أن عليا (عليه السلام) قطع نباشا ". بل سأله (عليه السلام) علي بن سعيد (4) أيضا عن النباش فقال: " إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع ويعزر ". وفي خبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن رجل أخذ وهو ينبش، قال: لا أرى عليه قطعا إلا أن يؤخذ وقد نبش


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 7 - 10 - 9 - 13 - 11.

[ 518 ]

مرارا فأقطعه ". وفي خبر الفضيل (1) عنه (عليه السلام) أيضا " النباش إذا كان معروفا بذلك قطع ". وفي مرسل ابن بكير (2) عنه (عليه السلام) أيضا " في النباش إذا أخذ أول مرة عزر، فان عاد قطع " بناء على أن المراد منه العود مكررا. وكذا خبر علي بن ابراهيم عن أبيه (3) المروي عن كتاب الاختصاص قال: " لما مات الرضا (عليه السلام) حججنا فدخلنا على أبي جعفر (عليه السلام) وقد حضر خلق من الشيعة - إلى أن قال -: فقال أبو جعفر (عليه السلام) سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنحكها، فقال أبي: يقطع يمينه للنبش، ويضرب حد الزناء فان حرمة الميتة كحرمة الحية، فقالوا: يا سيدنا تأذن لنا أن نسألك ؟ قال: نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين " بناء على إرادة النبش المعتاد منه إلى غير ذلك مما يمكن الا ستدلال به لما سمعته من الصدوق. ويقرب منه ما عن المصنف في النكت من أنه " لا قطع عليه حتى يصير ذلك عادة له وقد أخذ كل مرة نصابا فما فوقه، لاختلاف الاخبار وحصول الشبهة " وكأنه أشار باختلاف الاخبار إلى ما سمعته وإلى خصوص خبر الفضيل (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الطرار والنباش والمختلس قال: لا يقطع " لكن فيه أن الاخبار النافية للحد إنما نفته عن النباش، فلعله من لم يأخذ شيئا، كما أن في ما سمعته من


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 15 - 16 - 6.

[ 519 ]

الصدوق قصور دليله عن معارضة إطلاق النصوص المزبورة وغير ها مما دل على القطع بسرقة الكفن. ومن هنا قال في الرياض: " قد حملها الاصحاب على مجرد النبش الخالي عن أخذ الكفن جمعا بينها وبين النصوص السابقة بحملها على سرقة الكفن كما هو ظاهرها، ولا سيما الاخبار المشبهة منها بالسرقة بناء على ما سبق، وحمل هذه على ما عرفته " والجمع بينها وإن أمكن بما يوافق قوله إلا أن كثرة تلك الاخبار وشهرتها شهرة قريبة من الاجماع المحتمل الظهور المصرح به في ما مر من الكتب يرجح الجمع الاول، فالقول به متعين وإن كنت لم أتحقق ما نسبه إلى الاصحاب من القطع باعتبار النبش المجرد، نعم احتمله في المسالك جمعا بين الادلة وجزم به في كشف اللثام، وإلا فالمصنف وغيره على التعزير كما ستسمعه. (و) على كل حال فلا ريب في أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها درء الحد بالشبهة واحترام دماء الناس، والاصل عدم القطع، ومنها إطلاق قطع السارق للنصاب من الحرز، وغير ذلك مما سمعته على وجه يرجح على غيره، فيجب إرجاع ما نافاه إليه أو طرحه. ولا يشكل بعدم ملك الميت له، لامكان كونه باقيا على حكم ماله أو لعدم توقف القطع على ذلك، بل يكفي فيه القول بكونه ملكا للوارث بل يمكن القطع مع عدم القول بكونه ملكا لاحد وإن كان المطالب به على الاولين الوارث والحاكم على الاخير أو غيره حسبة، ولو كان الميت عبدا فالكفن للسيد فيطالب به، ولو قلنا بعدم ملكه لاحد كان المطالب به الحاكم، ولو مات ولم يخلف شيئا وكفنه الامام من بيت المال فعن المبسوط لا يقطع بلا خلاف، ولكن لا يخلو من نظر ولو كفنه أجنبي فالمطالب هو، وعن التحرير الوارث، وفيه منع.

[ 520 ]

(ولو نبش ولم يأخذ) الكفن (عزر) كما سمعته في المرسل (1) وغيره (2) (ولو تكرر منه الفعل وفات السلطان) كما عن المقنعة والمراسم والنهاية أو وأقيم عليه الحد كما عن التهذيب والاستبصار والجامع (كان له قتله للردع) لغير عن الفساد، ولكن لم أقف عليه كذلك في شئ مما حضرني من النصوص، نعم قد سمعت المروى عن قضايا علي (عليه السلام) من قتل نباش بالوطء بالاقدام (3) ونحوه مرسل ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا (4) قال: " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل نباش فأخذ بشعره فضرب به الارض ثم أمر الناس أن يطؤوه بأرجلهم فوطؤوه حتى مات " ومرسل أبي يحيى الواسطي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بنباش فأخر عذابه إلى يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة ألقاه حتى تحت أقدام الناس فما زالوا يتوطؤونه بأرجلهم حتى مات " ولكن ليس في شئ منها فوت السلطان، وأما التكرار فلعله استفيد من الصيغة، كما أن عدم وجوب القتل على ما هو ظاهر المتن وغيره بل هو المحكي عن المفيد وسلار للتخيير في المفسد بينه وبين غيره وعن الشيخ إيجابه، ولعله للاقتصار على ما سمعته من النصوص وليس القبر حرزا لغير الكفن إذا لم يكن في حرز آخر كدار عليها غلق مثلا للعرف، فلو ألبس الميت من غير الكفن أو وضع معه شئ فسرق لم يقطع، بل في القواعد وكذا العمامة بناء منه على أنها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 16 - 13 إلا انهما ليسا نصين فيما ذكره (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب حد السرقة - الحديث 8 - 3 - 17.

[ 521 ]

ليست من الكفن، وإن كان فيه ما تقدم في كتاب الطهارة (1) من انها منه وإن لم تكن واجبة ولذا نفيت عنه في بعض النصوص (2). (الثالث في ما يثبت به) (و) لا خلاف بل ولا اشكال في أنه (يثبت) القطع (بشهادة عدلين) لا طلاق ما دل (3) عليها، وخصوص ما تسمعه (وبالاقرار مرتين) لعموم ما دل (4) على حجية الاقرار، وفي مرسل جميل (5) عن أحدهما (عليهما السلام) " لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود " وروي (6) " ان سارقا أقر عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فانتهره، فأقر ثانيا، فقال أقررت به مرتين فقطعه " وخبر أبان بن عثمان (7) عن الصادق عليه السلام قال: " كنت عند عيسى بن موسى فأتي بسارق وعنده رجل من آل عمر، فأقبل يسألني، فقلت: ما تقول في السارق إذا أقر على نفسه أنه سرق ؟ قال: يقطع، قلت فما تقولون في الزناء إذا أقر على نفسه أربع مرات قال: نرجمه، قلت: فما يمنعكم من السارق إذا أقر على نفسه مرتين أن تقطعوه فيكون بمنزلة الزاني " بتقريب أن المراد ولو


(1) راجع ج 5 ص 207 - 208. (2) الوسائل - باب - 2 من أبواب الكفن - الحديث 1 و 10 و 12 من كتاب الطهارة. (3) سورة الطلاق: 65 - الاية 2. (4) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2. (5) و (7) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 4. (6) المستدرك - الباب - 3 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 522 ]

بملاحظة انطباق صدره مع ذيله ما المانع من إعتبار المرتين في السارق ليكونا بمنزلة الشاهدين كالاقرار أربعا في الزناء المنزل منزلة الشهود أربعا ؟ ومنه يعلم حينئذ الوجه في ما ذكرناه سابقا من اعتبار الاقرار مرتين في جملة من الحدود السابقة التي تثبت بالشاهدين. كما أن منه حينئذ (و) سابقيه (1) المنجبرين بما سمعت مع قوة سند أحدهما يعلم أنه لا تكفي المرة) في القطع وإن ثبت المال كغيره مما يثبت به من الرجل والامرأتين واليمين المردودة وإن قلنا إنها كالبينة، لكنه بالنسبة للمال دون القطع نحو ما نحن فيه من الاقرار مرة الذي لا يثبت به القطع كما هو المعروف بين الاصحاب، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطعهم، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل لم أجد فيه خلافا محققا وإن حكي عن المقنع الاجتزاء بها فيه عند الامام أيضا. لكن في الكشف لم أره في ما حضرني من نسخته نعم في صحيح الفضيل (2) عن الصادق (عليه السلام) " إذا أقر على نفسه بالسرقة مرة واحدة قطع " معتضدا بأطلاق ما دل على القطع به أو على مطلق الحد وبعموم ما دل على حجيته، إلا أنه قاصر عن مقاومة ما عرفت خصوصا بعد عدم تقييده بكون الاقرار عند الامام كما هو المحكي عن القائل وموافقته للمحكي عن العامة كما أشعر به خبر عثمان ابن عيسى (3) وبعد احتمال


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السرقة الحديث 1 والمستدرك - الباب - 3 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب حد السرقة - الحديث 3 وفيه " إن أقر الرجل الحر على نفسه مرة واحدة عند الامام قطع. (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب حد السرقة - الحديث 4 وهو خبر أبان بن عثمان المتقدم في ص 521.

[ 523 ]

تعلق الظرف بالسرقة، فيكون مجملا في عدد الاقرار، ويقر به إمكان توهم المخاطب أو بعض الحاضرين في المجلس أنه لا قطع ما لم تتكرر السرقة أو يكون بمعنى القطع عن الاقرار ثانيا، كل ذلك مع بناء الحدود على التخفيف، ولذا تدرأ بالشبهات فما عساه يظهر من بعض الناس من الميل إلى العمل بالصحيح المزبور في غير محله. وأبعد من ذلك ما عن المختلف من احتمال مخالفة الاقرار عند الامام الاقرار عند غيره، لان الانسان يحترز عند الامام ويتخفظ من الاقرار بما يوجب العقوبة، بل غالبا إنما يقر عنده إذا أقر عند غيره " فلهذا يقطع بالاقرار مرة واحدة عنده، وأما المروي عن كتاب التحصين للسيد رضى الدين بن طاووس (رحمه الله) عن كتاب نور الهدى للحسن ابن أبي طاهر عن الاصبغ (1) " أنه أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) جماعة بعبد أسود موثق كتافا فقالوا: جئناك بسارق، فقال له: يا أسود أنت سارق ؟ فقال نعم يا مولاي ثم قال ثانية: يا أسود أنت سارق فقال: نعم يا مولاي، قال إن قلتها ثالثة قطعت يمينك يا أسود أنت سارق ؟ قال نعم فقطع يمين الاسود " فلم أجد عاملا به، مضافا إلى ما تسمعه من عدم حجية إقرار العبد ولو عشرا في العبد، لانه اقرار في حق الغير. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (يشترط في المقر البلوغ وكمال العقل) فلا عبرة بأقرار الصبي وإن قلنا بالقطع بسرقته، والمجنون لسلب عبارتهما. (والحرية) بلا خلاف بل عن الخلاف الاجماع على ذلك،


1) المستدرك - الباب - 33 - من أبواب حد السرقة - الحديث 11 عن الخرائج للراوندي.

[ 524 ]

مضافا إلى قاعدة عدم نفوذ الاقرار في حق الغير الموافقة لخصوص صحيح الفضيل (1) عن الصادق (عليه السلام) " إذا أقر العبد على نفسه بالسرقة لم يقطع، وإذا شهد عليه شاهدان قطع " وبه مع الاجماع المزبور يخص صحيح الفضيل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام). " من أقر على نفسه عند الامام بحق من حدود الله تعالى مرة واحدة حرا كان أو عبدا حرة أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد على الذي أقر على نفسه كائنا من كان إلا الزاني المحصن " الموافق للمحكي عن العامة والمنافي لما دل (3) على تخير الامام بين الحد وعدمه إذا كان بالاقرار ولغيره مما دل (4) على اعتبار المرتين أو الاربع في ما تقدم من الحدود، كما أنه يجب لما عرفت حمل حسن ضريس الكناسي (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) " العبد إذا أقر على نفسه عند الامام أنه سرق قطعه، وإذا أقرت الامة عند الامام بالسرقة قطعها " على تصديق السيد، فأن الاقرب حينئذ قطعه، كما في القواعد لان الحق لا يعدوهما على ما قيل من إضافة الشهادة عليها، أو على أن المراد عبد الله أو أمته، أو على أن المراد قطعه من جري إسمه من العامة في مجلسه على معنى أنه يذهب إلى قطع المملوك باقراره، أو غير ذلك مما هو أولى من الطرح في مقابل ما عرفت. لكن هذا كله بالنسبة إلى القطع، أما المال فيثبت بالمرة ويتبع به بعد


(1) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب حد الزناء - الحديث 3. (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2.

[ 525 ]

العتق، وهل يقطع بعده لو كان أقر به مرتين قبله ؟ اشكال من الاصل وسبق درأ الحد المستصحب، ومن عموم ما دل على حجيته بعد ارتفاع المانع، بل لعل الاخير لا يخلو من قوة لانقطاع الاصل بالعموم المزبور المقتضي ثبوت الاقرار على النفس حين صدوره وإن لم يجز القطع، لحق المولى، فلا درأ حينئذ حتى يستصحب كالاعتراف بما يوجب القصاص، ولو أقر المحجور عليه لسفه أو فلس بسرقة عين مرتين قطع، ولا يقبل في المال وإن تبع الاخير بالعين بعد زوال الحجر. (و) كذا يعتبر في المقر (الاختيار) بلا خلاف ولا إشكال، فلا قطع على المكره والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه، وحينئذ (فلو أقر العبد) مرارا (لم يقطع لما) عرفت مما (يتضمن من إتلاف مال الغير) وغيره (وكذا لو أقر مكرها، ولا يثبت به حد ولا غرم) بخلاف العبد فانه يثبت به الغرم الذي يتبع به بعد العتق بل والحد كذلك في أحد الوجهين. (و) على كل حال ف‍ (لورد السرقة بعينها بعد الاقرار بالضرب) (قال في النهاية) ومحكي المهذب والجامع والمختلف (يقطع) لان ردها قرينة على فعلها كالقيئ وحسن سليمان بن خالد أو صحيحه (1) سئل الصادق (عليه السلام) " عن رجل سرق سرقة فكابر عنها فضرب فجاء بها بعينها أيقطع ؟ قال نعم، وإذا اعترف ولم يأت بها فلا قطع، لانه اعتراف على العذاب ". (وقال بعض الاصحاب) وهو الحلي، وتبعه جميع من تأخر عنه (لا يقطع لتطرق الاحتمال إلى الاقرار إذ من الممكن أن يكون المال


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد السرقة الحديث 1.

[ 526 ]

في يده من غير جهة السرقة، وهذا حسن) لعدم العبرة بالاقرار الناشئ عن الاكراه، وأعمية الرد من كونه سارقا، وظهور الفرق بينه وبين القئ الذي هو مع ذلك منصوص، كظهور الحسن المزبور في معلومية السرقة وأن الضرب على الرد لا على الاقرار، أو ظهوره في الغالب من الضرب للمتهم المعروف بذلك، فيقر ويرد على وجه يعلم من القرينة أنه سارق، وإلا كان شاذا لا قائل به، ضرورة اقتضائه ترتب القطع على ردها بعينها من دون إقرار، والاولوية تتوقف على ثبوت الاصل، ولم نجد قائلا به، ودعوى أن الرد من دونه لا دلالة فيه على السرقة وقياسه على القئ إنما هو بمعونته لا مطلقا لا تجدي بعد فرض ظهور الخبر المزبور في ذلك، فالتحقيق حينئذ حمل الصحيح المزبور على ما ذكرناه، ويبقى الحكم على مقتضى الضوابط من عدم القطع حينئذ. (ولو أقر مرتين ورجع لم يسقط) وجوب (الحد وتحتمت الاقامة ولزمه الغرم) بأول مرة فضلا عنهما، كما عن الشيخ والحلي والفاضل والشهيدين وغيرهم، بل ربما نسب إلى الاكثر للاصل وعموم ما دل على حجية الاقرار المزبور وصحيحي الحلبي (1) ومحمد بن مسلم (2) عن الصادق (عليه السلام) " إذا أقر الرجل على نفسه أنه سرق ثم جحد فاقطعه وارغم أنفه " مؤيدين بخبر سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا رفع إلى إمام قطعه، فإن قال الذي سرق منه: ألا أهبه له لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) أشار إليه في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1 وذكره في التهذيب ج 10 ص 126. (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 527 ]

وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام وذلك قول الله عز وجل: (1): والحافظون لحدود الله، فإذا انتهى إلى الامام فليس لاحد أن يتركه ". ولكن عن النهاية وكتابي الحديث والقاضي والتقي وابن زهرة والفاضل في المختلف سقوط القطع، بل قيل: لعله الاشهر بين القدماء، بل عن الغنية الاجماع عليه لمرسل جميل (2) السابق " لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود ". وعن الخلاف وموضع آخر من النهاية يخير الامام بين قطعه والعفو عنه مدعيا في الاول الاجماع عليه لخبر طلحة بن زيد (3) عن الصادق (عليه السلام) " حدثني بعض أهلي أن شابا أتي أمير المؤمنين (عيه السلام) أقر عنده بالسرقة، فقال له: إني أراك شابا لا بأس بهيئتك فهل تقرأ شيئا من القرآن ؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك بسورة البقرة، قال: وإنما منعه أن يقطعه لانه لم تقم عليه بينة " وخبر أبي عبد الله البرقي عن بعض أصحابه (4) عن بعض الصادقين (عليه السلام) " جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر عنده بالسرقة، فقال أتقرأ شيئا من كتاب الله تعالى ؟ قال: نعم سورة البقرة، قال قد وهبت يدك بسورة البقرة، فقال الاشعث: أتعطل حدا من حدود الله تعالى ؟ قال: وما يدريك ما هذا ؟ إذا قامت البينة فليس


(1) سورة التوبة - 9 - الاية 112. (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 5. (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 528 ]

للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام ان شاء عفا، وإن شاء قطع ". إلا أنهما ضعيفان ولا جابر لهما، ومحتملان للاقرار مرة، ولم يتضمنا رجوعا بعد إقرار، والاجماع المزبور موهون بعدم مصير غيره إليه وبما سمعته سابقا، فليس حينئذ إلا الأولان، ولعل أولهما لا يخلو من قوة، لما عرفت من قوة دليله، واحتمال المرسل الرجوع بعد الاقرار مرة مع عدم الجابر له فانا لم نتحقق النسبة المزبورة إلى الاشهر، ولا إجماع الغنية، ويمكن أن يكون وجه النسبة المزبورة بناء حاكيها على عدم الفرق بين مسألتي التوبة والرجوع، وقد صرح جماعة من المزبورين بالسقوط معها، ولكن فيه منع واضح وستعرف الكلام في التوبة إن شاء الله. هذا كله في الرجوع بعد الاقرار مرتين (و) أما (لو أقر مرة) خاصة فقد عرفت أنه (لم يجب) عليه (الحد ووجب) عليه (الغرم). (الرابع في الحد) (وهو قطع الاصابع الاربع من اليد اليمنى ويترك الراحة والابهام) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وليتمكن بهما من غسل وجهه والاعتماد في الصلاة، كما تسمعه في خبر هلال (1) عن الصادق


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد السرقة - الحديث 8.

[ 529 ]

(عليه السلام) وفي المرسل عن الحرث بن الحظيرة (1) قال: " مررت بحبشي وهو يستقي بالمدينة فإذا هو قطع، فقلت: من قطعك ؟ قال: خير الناس إنا أخذنا في سرقة ونحن ثمانية نفر فذهب بناء إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقررنا بالسرقة، فقال: لنا أتعرفون أنها حرام ؟ فقلنا: نعم، فأمر بنا فقطعت أصابعنا من الراحة وخليت الابهام، ثم أمر بنا فحبسنا في بيت - فجلسنا يطعمنا من السمن والعسل حتى تربت أيدينا، ثم أمر بنا فأخرجنا فكسانا فأحسن كسوتنا، ثم قال لنا إن تتوبوا وتصلحوا فهو خير لكم يلحقكم الله بأيديكم في الجنة، وإلا تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار " وفي خبر محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أيديهم من نصف الكف وترك الابهام لم يقطعها، وأمرهم أن يدخلوا إلى دار الضيافة، وأمر بأيديهم أن تعالج، فأطعمهم السمن والعسل واللحم حتى برؤوا فدعاهم، فقال إن أيديكم سبقتكم إلى النار، فإن تبتم وعلم الله منكم صدق النية تاب عليكم وجررتم أيديكم إلى الجنة، فإن لم تتوبوا ولم تفعلوا عما أنتم عليه جرتكم أيديكم إلى النار " إلى غير ذلك من النصوص التي ستسمع بعضها أيضا المستفاد منها مع ذلك جملة من الآداب. بل عن المبسوط " فإذا قدم السارق للقطع أجلس، ولا يقطع قائما، لانه أمكن له وأضبط حتى لا يتحرك فينحني على نفسه، وتشديده بحبل، وتمد، حتى يبين المفصل، ويوضع على شئ لوح أو نحوه، فإنه أسهل وأعجل لقطعه، ثم يوضع على المفصل سكين حادة، ويدق من فوقه


(1) (2) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1 - 2.

[ 530 ]

دقة واحدة حتى ينقطع بأعجل ما يمكن، قال: وعندنا يفعل مثل ذلك بأصول الاصابع أو يوضع على الموضع شئ حاد، ويمد عليه مدة واحدة، ولا يكرر القطع فيعذبه، لان الغرض إقامة الحد من غير تعذيب، فان علم قطع أعجل من هذا قطع به " ولا بأس بذلك وإن لم أجده في ما حضرني من النصوص. ولو كان له إصبع زائدة خارجة عن الاربع متميزة أثبتت، وإن لم تتميز على وجه يكونا أصليين ثبت الخيار، وإلا أشكل مع فرض العلم بزيادة أحدهما وعدم تمييزه، لحرمة قطع الزائدة وكذا الكلام في الكفين اللذين لم يميز أصليهما من زائدهما كذلك، نعم قد يقال بالقرعة. ولو كانت له إصبع زائدة متصلة بأحد الاربع ولم يمكن قطع الاربع إلا بها ففي القواعد قطع ثلاث، ولعله إبقاء للزائدة مقدمة لحرمة إتلافها، وإن أمكن قطع بعض الاصبع الملتصقة اقتصر عليه، وربما يحتمل عدم المبالاة بالزائدة، فيقطع الاربع إذا لم يمكن قطعها بدونها ولكنه ضعيف. ولو كانت يده ناقصة اجتزئ بالثلاث حتى لو لم يبق سوى إصبع غير الابهام قطعت دون الراحة والابهام، لظاهر النص والفتوى. (و) كيف كان ف‍ (لو سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى) بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه، نعم في بعض كتب الفاضل بل عن جميعها عدا التلخيص والمقنعة والنهاية والنافع ومجمع البيان والمراسم والروضة نحو ما هنا من كون القطع (من مفصل القدم، ويترك له العقب يعتمد عليها) وهو ظاهر في أنه من أصل الساق أي المفصل بين الساق والقدم حتى لا يبقى من عظام القدم إلا


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة.

[ 531 ]

عظم العقب وما بينه وبين عظم الساق، وتسميته الاطباء كعبا، ولعله لقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1): " القطع من وسط الكف، ولا يقطع الابهام، وإذا قطعت الرجل ترك العقب ولم يقطع " وقول أبي إبراهيم (عليه السلام) في خبر إسحاق (2) " تقطع يد السارق ويترك إبهامه وصدر راحته، وتقطع رجله ويترك عقبه يمشي عليها " والمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (3) " يقطع الرجل من المفصل ويترك العقب يطأ عليه ". لكن عن الصدوق في المقنع " إنما يقطع من وسط القدم " وعن الخلاف والمبسوط والتلخيص " يقطع من عند معقد الشراك من عند الناتي على ظهر القدم " وفي محكي السرائر " من مفصل المشط ما بين قبة القدم وأصل الساق: ويترك بعض القدم الذي هو الكف يعتمد عليها في الصلاة وعن الكافي والغنية والاصباح أنه من عند معقد الشراك، ويترك له مؤخر القدم والعقب " وعن الانتصار " ويقطع من صدر القدم، ويبقى له العقب " قيل: والاقتصار على العقب على الناتي كاقتصار ابن حمزة، وعن الجامع أنه من الكعب، وأنه يبقى له عقبه، وفسر الكعب في الطهارة بقبة القدم، فالظاهر انه كذلك، إلى غير ذلك من العبارات التي يمكن اتحاد المراد منها أجمع، وهو القطع من الكعب الذي قد عرفت تحقيقه في كتاب الطهارة (4) فيكون المقطوع من عظامها الاصابع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب حد السرقة - الحديث 2 - 4. (3) البحار - ج 79 ص 192 عن نوادر الحسين بن سعيد راجع النوادر المطبوع ذيل فقه الرضا ص 77 وقد تعرض له في الجواهر في بحث الوضوء ج 2 ص 219 وذكرنا هناك في التعليقة أنه لم نعثر عليه. (4) راجع ج 2 ص 215 - 224.

[ 532 ]

والمشط، ويبقى الرسغ والعظم الزورقي والزوي والعقب وما بينه وبين الساق، وعلى ذلك يكون هو معقد اجماع ما سمعته من الانتصار والغنية، وهو الحجة بعد قول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): " فان عاد قطعت رجله من وسط القدم " وفي خبر عبد الله بن هلال (2) " إنما يقطع الرجل من الكعب، ويترك له من قدمه ما يقوم به ويصلي ويعبد ربه " بناء على أن المراد من الكعب فيه ما عرفت، وحينئذ فيدل عليه أيضا الصحيح (3) المشتمل على تحديد القطع منه مؤيدا ذلك بأنه أخف من الاول، وقد عرفت مكررا درأ الحد بالشبهة، ولمعلومية كون الحكمة في بقاء ذلك التمكن من القيام والمشي ونحوهما. بل قد سمعت ما يقتضي تعليله بذلك، قال هلال (4): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن السارق لم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ولا تقطع يده اليمني ورجله اليمنى ؟ فقال: ما أحسن ما سألت، إذا قطعت رجله اليمنى ويده اليمنى سقط على جانبه الايسر ولم يقدر على القيام، فإذا قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى اعتدل واستوى قائما، قلت: جعلت فداك كيف يقوم وقد قطعت رجله، فقال (ع) إن القطع ليس حيث رأيت يقطع الرجل من الكعب ويترك له من قدمه ما يقوم عليه ويصلي ويعبد الله تعالى، فقلت له: من أين تقطع اليد ؟ قال: نقطع الاربع الاصابع ويترك الابهام يعتمد عليها في الصلاة فيغسل بها وجهه للصلاة قلت: وهذا القطع من أول من قطع فقال: قد كان عثمان حسن ذلك لمعاوية " ونحوه غيره في تضمن الحكمة المزبورة، ولاريب في عدم بقائها مع بقاء العقب


(1) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب حد السرقة - الحديث 3 - 8. (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة - الحديث 8. (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة - الحديث 8 وهو عن محمد بن عبد الله بن هلال عن أبيه.

[ 533 ]

خاصة، بل إنما يحصل به وبما يتصل به إلى الكعب من عظام القدم، فينبغي أن يصرف به لفظ " العقب " عما هو ظاهر فيه من التجرد إلى ما يوافق الاول بأن يراد منه ما يقابل صدر القدم من الاصابع والمشط إلى وسط القدم، خصوصا بعد ملاحظة وجود التعليل المزبور في كلام أهل القول الاول. ومنه ينقدح احتمال حمل كلامهم أيضا على ذلك كالنصوص فيرتفع الخلاف كما عساه يشهد له عدم معروفية تحريره في كلام الاصحاب عدا ما يحكى عن الفاضل في المختلف حيث نقل القولين ورجح الثاني منهما ويقوي في الذهن أن الكلام في الكعب هو بعينه ما سمعته من البحث فيه في الطهارة (1) وأن المعروف بين الاصحاب إلا النادر في المقامين أنه هو العظم الناتي على ظهر القدم، كما عرفت الحال فيه سابقا. كل ذلك مضافا إلى تأيد ما ذكرنا بمخالفته للعامة الذين جعل الله الرشد بخلافهم بخلاف الاول، وإلى غير ذلك، فلا محيص حينئذ عن القول به. ومن الغريب ما عن التبيان " فأما الرجل فعندنا تقطع الاصابع الاربع من مشط القدم، ويترك الابهام والعقب فاني لم أجده قولا لاحد من العامة والخاصة فضلا عن أن يكون مجمعا عليه بيننا كما هو ظاهر عبارته وإن كان مناسبا لكيفية قطع اليد وبقاء المسجد. وكيف كان (فان سرق ثالثة حبس دائما) حتى يموت أو يتوب وأنفق عليه من بيت المال إن لم يكن له مال، ولا يقطع شئ منه بلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا وفتوى ؟ بل يمكن دعوى القطع به من النصوص


(1) راجع ج 2 ص 215.

[ 534 ]

وفي بعضها عن أبي جعفر (1) (عليه السلام) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في السارق إذا سرق قطعت يمينه، ثم إذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة أخرى سجن وتركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنجي بها، وقال (عليه السلام): إني لاستحيي من الله أن أتركه لا ينتفع بشئ ولكن أسجنه حتى يموت في السجن، وقال: ما قطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سارق بعد يده ورجله ". وفي آخر (2) عن الصادق (عليه السلام) " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا سرق الرجل أولا قطع يمينه، فان عاد قطع رجله اليسرى، فان عاد ثالثة خلد في السجن، وأنفق عليه من بيت المال " وعن الباقر (عليه السلام) في الصحيح (3) " الاشل إذا سرق قطعت يمينه على كل حال شلاء كانت أو صحيحة، فان عاد فسرق قطعت رجله اليسرى، فان عاد خلد في السجن وأجري عليه من بيت مال المسلمين، وكف عن الناس " وعن الصادق (عليه السلام) (4) " لا يخلد في السجن إلا ثلاثة الذي يمثل، والمرأة ترتد عن الاسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل " إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى تواترها أو القطع بمضمونها. (ولو سرق بعد ذلك) من السجن أو غيره (قتل) بلا خلاف أجده فيه أيضا كما في المرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5)


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1 - 10 - 5. (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب حد السرقة - الحديث 4. (5) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة - الحديث 3.

[ 535 ]

وفي خبر سماعة (1) عن الصادق (عليه السلام) " إذ أخذ السارق قطع يده من وسط الكف، فان عاد قطعت رجله من وسط القدم، فان عاد استودع في السجن، فان سرق من السجن قتل وعن الفقيه روي (2) أنه " إن سرق في السجن قتل " إلى غير ذلك مما دل عليه مؤيدا بما دل على قتل ذوي الكبائر في الرابعة. (ولو تكررت) منه (السرقة) ولم يظفر به ثم ظفر به (فالحد الواحد كاف) سواء اتحد المسروق منه أو اختلف بلا خلاف أجده فيه بين العامة والخاصة، كما اعترف به غير واحد، للاصل بعد اختصاص نصوص تعدد القطع في غير الفرض، وخصوص الصحيح (3) " في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة أخرى فلم يقدر عليه وسرق مرة أخرى فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والاخيرة، فقال: تقطع يده بالسرقة الاولى، ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة، فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال: لان الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الاولى " الحديث. وظاهر أن القطع للسرقة الاولى، وسيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله. (ولا تقطع اليسار مع وجود اليمين) الصحيحة اجماعا ونصوصا (بل تقطع اليمين ولو كانت شلاء) بل (وكذا لو كانت اليسار شلاء) خاصة بل (أو كانتا شلاوين قطعت اليمين على التقديرين) وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، لاطلاق الادلة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد السرقة - الحديث 4 - 11. (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 536 ]

وخصوص صحيح عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه اسلام) " في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق، قال: تقطع يده اليمنى على كل حال " وفي آخر (2) وغيره " إن الاشل إذا سرق قطعت يمينه على كل حال شلاء كانت أو صحيحة " نعم عن المبسوط والوسيلة إن قال أهل العلم بالطب: إن الشلاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة كانت كالمعدومة، وإن قالوا: تندمل قطعت " ونحو ذلك عن القاضي، بل والفاضل في المختلف مراعاة للاحتياط في الحدود، حيث لا يراد منها القتل، والغرض حصول الخطر عليه بذلك، واستحسنه في المسالك وهو كذلك تنزيلا لاطلاق النصوص على غير الفرض، بل يمكن تنزيل اطلاق الفتوى ومعقد الاجماعين عليه، خصوصا الاول بقرينة كلامه في المبسوط، فلا يكون حينئذ خلاف في المسألة، نعم قد يقال إنه مع عدم العلم بالحال له القطع وإن خيف ذلك، للاطلاق ولان سراية الحد غير مضمونة وإن أقيم في حر أو في برد، هذا وعن الاسكافي عدم القطع على من كانت يساره شلاء أو معدومة بل يخلد في الحبس، لان القطع يؤدي إلى فقد اليدين، إذ الشلاء كالمعدومة، والمعهود من حكمة الشارع إبقاء إحدى اليدين له، ولقول الصادق (عليه السلام) في مرسل المفضل ابن صالح (3) " إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاء لم تقطع يمينه ولا رجله " وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (4) " سأله (عليه السلام) لو أن رجلا قطعت يده اليسرى في قصاص فسرق ما يصنع به ؟ فقال: لا يقطع ولا يترك بغير ساق " إلا أن الاول غير جامع لشرائط الحجية،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب حد السرقة - الحديث 1 - 4 - 2 - 3.

[ 537 ]

فضلا عن صلاحيته للمعارضة، كقصور الثاني عنها من وجوه، فيطرح أو يحمل على إظهاره التوبة. (ولو لم يكن له يسار قال في المبسوط) وتبعه الاكثر بل المشهور (قطعت يمينه) بل لم أجد فيه خلافا إلا ما سمعته من المحكي عن أبي علي للعمومات (و) غيرها إلا أنك قد سمعت ما (في رواية عبد الرحمن ابن الحجاج) الصحيحة (1) (عن أبي عبد الله (عليه السلام) المعتضدة بمرسل المفضل (2) والعلة السابقين من أنها (لا تقطع) بل في المسالك هنا " لو قيل بمضمونها - وخص الحكم بقطعها في القصاص كما دلت عليه ليخرج ما لو قطعت في السرقة فانه لا يمنع حينئذ من قطع اليمين - كان وجها ". (و) لكن مع ذلك (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، باعتبار شذوذ القائل بالصحيح المزبور، خصوصا بعد احتماله ما عرفت مما لا بأس به بعد رجحان المعارض المقتضي للطرح، وبعد إجمال ما فيه من قوله (عليه السلام): " ولا يترك بغير ساق " وإن قيل إن الساق في اللغة الامر الشديد فلعل المراد بقوله (عليه السلام): " ولا يترك بغير ساق " أنه لا يقطع ولا يترك أيضا من دون أمر آخر شديد مكان القطع، بل يفعل به ما يقوم مقام قطع اليد. (أما لو كان له يمين حين) حصول موجب (القطع فذهبت لم تقطع اليسار) مطلقا من الرجل واليد قولا واحدا، كما في المسالك والظاهر انتفاء الخلاف فيه في كشف الكلام، ولعله (لتعلق القطع) حينئذ (بالذاهبة) فيذهب بذهابها نحو جناية العبد المتعلقة برقبته، إذ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب حد السرقة - الحديث 3 - 2.

[ 538 ]

لا دليل على الانتقال لغير ذلك على وجه يصلح قاطعا للاصل الذي مقتضاه عدم القطع (و) غيره. نعم (لو سرق و) قد كان (لا يمين له) لخلقة أو لقصاص أو غيرهما مما هو غير القطع لسرقة (قال في النهاية) ومحكي الوسيلة والكامل (قطعت) الاخرى أي (يساره) لعموم الآية (1) في الايدي المقتصر في تقييدها باليمنى على حال وجودها كالاقتصار في قطع الرجل اليسرى على السرقة الثانية. (و) قال (في المبسوط) عندنا (ينتقل إلى رجله) اليسرى وإن كان الاول قد روي أيضا وتبعه في محكي المهذب ولعله لانها ثبتت محلا للقطع في الجملة بخلاف يسرى اليدين. (ولو) سرق و (لم يكن له) يد لا يمنى ولا (يسار) فعن المبسوط أيضا (قطعت رجله اليسرى) لما عرفت، وفي كشف اللثام في النهاية اليمنى، ولعله لانه أقرب إلى اليد اليمنى. (ولو سرق ولا يد له ولا رجل) أصلا ففي النهاية (حبس) دائما، ولعله لثبوته عقوبة للسرقة في الجملة، هذا والموجود في ما حضرني من نسخة معتبرة للنهاية " وإن سرق وليس له اليمنى فان كانت قد قطعت في القصاص أو غير ذلك وكانت له اليسرى قطعت يسراه، فان لم تكن أيضا اليسرى قطعت رجله، فان لم تكن له رجل لم يكن عليه أكثر من الحبس على ما بناه ". (و) على كل حال ف‍ (في الكل اشكال من حيث انه تخط) عما عينه الشارع (من موضع القطع) والحبس (فيقف على


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 38.

[ 539 ]

إذن الشرع، وهو مفقود) إذ الآية (1) بعد تفسيرها في النص والفتوى باليمنى لا وجه للتمسك بعمومها، كما أنه لا وجه لقطع الرجل اليسرى بعد تقييد قطعها فيهما أيضا بالسرقة الثانية فضلا عن اليمنى التي لم يثبت لها قطع أصلا، والحبس الدائمي إنما هو للثالثة على الوجه الذي عرفت، ولعله لذا كان المحكي عن إبن إدريس التعزير في الاخير، بل عن المختلف نفي البأس عنه، بل عن نكت المصنف اختياره أيضا، بل عن الحلبيات للشيخ " المقطوع اليدين والرجلين إذا سرق ما يوجب القطع وجب أن نقول الامام مخير في تأديبه وتعزيره أي نوع أراد يفعل، لانه لا دليل على شئ بعينه، وإن قلنا يجب أن يحبس أبدا - لانتفاء امكان القطع وغيره ليس بممكن " ولا يمكن إسقاط الحدود - كان قويا " قلت لا يخفى عليك ما في الاخير الذي جعله قويا، فالمتجه حينئذ سقوط الحد بسقوط موضوعه الثابت من الادلة، خصوصا بعد درئه بالشبهة، فيبقى التعزير المنوط بنظر الحاكم في ذلك كله وفي من سرق ولا يدين له ولا رجل يسرى أو لا يمنى، إذ احتمال الانتقال إلى الثانية أو الحبس دائما قد عرفت ما فيه، بل قد يقال بثبوت التعزير حتى لو سرق ثانيا أو ثالثا وإن كان المحل موجودا إلا أنه مترتب على حصول القطع أولا والفرض عدمه. (ويسقط الحد) خاصة (بالتوبة قبل ثبوته) كغيره من الحدود بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2) " السارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا إلى الله عزوجل ورد سرقته على صاحبها فلا قطع عليه " وأحدهما


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 38. (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 540 ]

(عليهما السلام) في مرسل جميل (1) " في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح: إذا صلح وأصلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد " (وهو واضح. نعم (يتحتم لو تاب بعد البينة) بلا خلاف محقق أجده فيه، وإن قيل أطلق الحلبيان جواز عفو الامام إذا تاب بعد الرفع، لكن على تقديره محجوج بالاستصحاب وإطلاق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) للاشعث " إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو " وغير ذلك مما عرفته سابقا وإطلاق الخبرين السابقين ظاهر سيما الثاني منهما في التوبة قبل قيام البينة، مع أن مقتضاهما تحتم السقوط لا تخير الامام كدعوى أولوية سقوط عقاب الدنيا من سقوط عقاب الآخرة لو سلمت. (ولو تاب بعد الاقرار) عند الحاكم مرتين (قيل) والقائل ابن إدريس (يتحتم القطع) للاصل وعموم ما دل على حجية الاقرار وخصوص صحيحي ابن مسلم والحلبي المتقدمين سابقا في مسألة الرجوع. (وقيل) كما عن النهاية والجامع وإطلاق الكافي والغنية، (يتخير الامام في الاقامة والعفو) إعتمادا على إسقاط التوبة عقاب الآخرة الذي هو أعظم، و (على رواية فيها ضعف) بالارسال وغيره كما سمعته في مسألة الرجوع، بل مقتضاهما تخيير الامام في الاقرار مع التوبة وعدمها، ولم يقل به الخصم، وعالم الآخرة لا يقاس على عالم الدنيا، وإلا كان مقتضاه السقوط حتما لا تخييرا، وكذا لا يقاس ما نحن فيه على ما تقدم من التخيير في الاقرار بما يوجب الجلد أو الرجم خصوصا مع إمكان الفارق، فالمتجه حينئذ عدم السقوط، هذا ولم نتحقق هنا


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 541 ]

من أحد إلحاق الرجوع بالتوبة في التخيير المزبور إلا ما سمعته من الخلاف مدعيا الاجماع عليه، وقد عرفت الحال فيه سابقا، ومن ذلك يعلم ما في نقل بعض الافاضل من إتحاد القائل في المسألتين كما سمعته سابقا. (ولو قطع الحداد يساره مع العلم فعليه القصاص) لعموم الادلة إلا مع الاذن من السارق له بذلك بناء على أنها تسقط القصاص، (و) على كل حال ف‍ (لا يسقط قطع اليمين بالسرقة) بلا خلاف بل ولا إشكال، للاصل وإطلاق الادلة (و) تعلق الحق نعم (لو ظنها اليمين فعلى الحداد الدية) لانها من شبيه العمد الذى مقتضاه ذلك. (وهل يسقط قطع اليمين قال في المبسوط) وتبعه الفاضل في محكى التحرير: (لا) يسقط للاصل وإطلاق الادلة و (لتعلق) حق (القطع بها قبل ذهابها و) لكن (في رواية محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) قال: لا تقطع يمينه وقد قطعت شماله) ولفظ الخبر المزبور " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أمر به أن يقطع يمينه فقدموا شماله فقطعوها وحبسوها يمينه، فقالوا: إنما قطعنا شماله أنقطع يمينه ؟ فقال: لا تقطع يمينه وقد قطعت شماله " بل عن الفقيه والمختلف إختياره، بل زاد في الاخير " أنه قطع من مساوي اليمنى للسرقة فيسقط، لاستيفاء مساوي الحق منه " وفيه منع مساواته للحق، وضعف الخبر المزبور ولا جابر، وما في كشف اللثام من أن الخبر وحصول الشبهة به دليل تنزيل اليسرى منزلة اليمنى لا حاصل له كما أن ما في غيره أيضا من أنه يصير حينئذ كفا قد اليسرى كذلك أيضا بعد ما عرفت سابقا قطع اليمنى على كل حال، ولعله


(1) الوسائل الباب - 6 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 -.

[ 542 ]

لذا اقتصر المصنف على نقل القول والرواية مؤذنا بتردده في الحكم، بل المتجه الجزم بالعدم خصوصا بعد أخذه الدية من الحداد. (وإذا قطع السارق استحب حسمه بالزيت المغلى نظرا له) كما هو المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) (1) وأمير المؤمنين (عليه السلام) (2) بل روي عنه (صلى الله عليه وآله) (3) " أنه أتي بسارق، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثم احسموه " وقد سمعت ما في خبر ابن مسلم (4) السابق من الامر بالمعالجة وإطعام السمن والعسل واللحم إلى البرء، وفي خبر منصور (5) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بسراق فقطع أيديهم، ثم قال: يا قنبر، ضمهم إليك فداو كلومهم " وأحسن القيام عليهم، فإذا برؤوا فأعلمني، فلما برؤوا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين القوم الذين أقمت عليهم الحدود قد برئت جراحاتهم، قال: اذهب فاكس كل واحد ثوبين وآتني بهم، فكساهم ثوبين ثوبين وأتى بهم في أحسن هيئة مشتملين كأنهم قوم محرمون، فمثلوا بين يديه قبالا فأقبل على الارض ينكتها باصبعه مليا ثم رفع رأسه إليهم، فقال: اكشفوا إيديكم، ثم قال: إرفعوا إلى السماء فقولوا أللهم إن عليا قطعنا ففعلوا فقال: اللهم على كتابك وسنة نبيك، ثم قال يا هؤلاء إن تبتم سلمت أيديكم وإن لا تتوبوا ألحقتم بها، يا قنبر خل سبيلهم، وأعط كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده ".


(1) كنز العمال ج 5 ص 322 الرقم 2165 الطبع الحديث. (2) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب حد السرقة. (3) سنن البيهقي ج 8 ص 271. (4) و (5) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب حد السرقة - الحديث 2 - 3 والثاني عن حذيفة بن منصور.

[ 543 ]

(و) على كل حال ف‍ (ليس) ذلك (بلازم) للامام عندنا للاصل، فان أهمل فعله المقطوع استحبابا، كمداواة غيره من كلومه وأمراضه، وحينئذ فمؤونته عليه دون الحاكم أو بيت المال للاصل خلافا لبعض العامة فجعله من تتمة الحد، لان فيه مزيد إيلام، ولا زال الولاة يفعلون ذلك، وهو كما ترى، وفي قول المصنف: " نظرا له " تعريض به، نعم إن لم يقدر على ذلك كان على بيت المال نحو غيره. ومن السنة تعليق اليد المقطوعة في رقبة السارق للمروي (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه أتي بسارق فأمر به فقطعت يده ثم علقت في رقبته " ولما فيه من التنكيل والزجر له ولغيره، نعم تقدير المدة راجع إلى الامام، لعدم النص عليه. (وسراية الحد ليست مضمونة وإن أقيم في حر أو برد) والمستحب تحري خلافهما بل كان حقا للناس أو لله تعالى شأنه (لانه استيفاء سائغ) ولانه محسن، كما تقدم الكلام في ذلك وفي الخلاف فيه. (الخامس في اللواحق) (وهي مسائل): (الاولى:) لا خلاف بيننا في أنه (يجب على السارق) وان قطع (إعادة


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 275.

[ 544 ]

العين المسروقة و) أنه (إن تلفت أغرم مثلها أو قيمتها إن لم يكن له مثل) مؤسرا كان أو معسرا وأيسر بعد ذلك بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص العامة والخاصة، كقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1). " السارق يتبع بسرقته وإن قطعت يده، ولا يترك أن يذهب بمال امرئ مسلم " وقول الصادق (عليه السلام) في خبر سلمان بن خالد: (2) " إذا سرق السارق قطعت يده وغرم ما أخذ " وفي مرفوع صالح بن سعيد (3) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن رجل يسرق فتقطع يده باقامة البينة عليه ولم يرد ما سرق كيف يصنع به في مال الرجل الذي سرق منه. ؟ أو ليس عليه رده ؟ وإن ادعى أنه ليس عنده قليل ولا كثير وعلم ذلك منه، قال: يستسعى حتى يؤدي آخر درهم سرقه " إلى غير ذلك من النصوص الدالة عليه، بل هو كالضروري من المذهب، خلافا لما عن أبي حنيفة " لا أجمع بين القطع والغرم للعين التالفة، فان غرم له سقط القطع، وإن سكت المالك حتى قطع سقط الغرم " وقال في العين الباقية: " إن صنع فيها فأبدلها وجعلها كالمستهلكة لم يردها، كما إذا صبغ الثوب أسود لا أحمر، فان السواد بمنزلة استهلاكه، وكما إذا صنع من الحديد أو النحاس آلة أو آنية لا من أحد النقدين، فان الصنعة فيهما غير متقومة ولذا لا يرفع عنهما حكم الربا " وقد تقدم في كتاب الغصب بعض مذاهبه التي خالف فيها إجماع المسلمين أو الضرورة من الدين، ولذا قال الصادق (عليه السلام) (4) مشيرا إلى فتواه في البغل المغصوب


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب حد السرقة - الحديث - 4 - 1 - 2 والثاني عن سليمان بن خالد. (4) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1.

[ 545 ]

المعروفة: " من هذه وشبهها تحبس السماء قطرها " ونحوه ما عن مالك من أنه " إن تلفت العين غرمها السارق إن كان مؤسرا، ولم يغرمها إن كان معسرا ولو أيسر بعد ذلك " والحمد لله الذي عافانا ببركة محمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم) من كثير مما ابتلى به خلقه. (و) على كل حال فالمسروق بحكم المغصوب في ما سمعت وفي أنه (إن نقصت العين عنده بفعله أو بغير فعله (فعليه أرش النقصان) ولو زادت فالزائد للمالك وإن كانت منفعة لانها تابعة للعين في الملك، ولو كان لها أجر فعليه الاجرة. (ولو مات صاحبها دفعت إلى ورثته، وإن لم يكن له وارث فالى الامام) (عليه السلام) كغيره مما هو كذلك بلا خلاف ولا إشكال، بل هو كالضروري من مذهب الامامية عن أئمتهم (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن جبرائيل عن الله تعالى، وفي خبر حمزة بن حمران (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سارق عدا على رجل من المسلمين فعقره وغصب ماله، ثم إن السارق بعد تاب، فنظر إلى مثل المال الذي كان غصبه وحمله إليه وهو يريد أن يدفعه إليه ويتحلل منه مما صنع منه، فوجد الرجل قد مات فسأل معارفه هل ترك وارثا ؟ فقالوا لا، وقد سألني أن أسألك عن ذلك حتى ينتهي إلى قولك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن كان الرجل الميت توالى إلى أحد من المسلمين فضمن جريرته وحدثه وأشهد بذلك على نفسه فان ميراث الميت له، وإن كان الميت لم يتوال إلى أحد حتى مات فان ميراثه لامام المسلمين، فقلت: فما حال الغاصب ؟


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد السرقة - الحديث 5.

[ 546 ]

فقال: إذا هو أوصل المال إلى إمام المسلمين فقد سلم، وأما الجراحة فان الجراح تقتص منه يوم القيامة ". المسألة (الثانية:) (إذا سرق إثنان نصابا) بأن أخرجاه معا بوضع أيديهما عليه بعد ان هتكا الحرز أما لو أخرج كل منهما نصف نصاب على حدته فلا خلاف في عدم القطع، إنما الخلاف في الاول (ففي وجوب القطع قولان: قال في النهاية يجب القطع) كما عن المفيد والمرتضى وجميع أتباع الشيخ بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه لصدق سرقة النصاب على مجموعهما المستلزم لسقوط الحد مع ترك قطعهما بعد وجود شرائطه، واحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فليس إلا قطعهما، مضافا إلى ما عن الخلاف من إنه روى أصحابنا أنه إذا بلغت السرقة نصابا وأخرجوها بأجمعهم وجب عليهم القطع ولم يفصلوا، بل في الصحيح (1) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في نفر نحروا بعيرا فأكلوه فامتحنوا أيهم نحر فشهدوا على أنفسهم أنهم نحروه جميعا لم يخصوا أحدا دون أحد فقضى أن تقطع أيمانهم " ولم يستفصل عن بلوغ نصيب كل منهم نصابا. (وقال في الخلاف) ومحكي المبسوط: (إذا نقب ثلاثة فبلغ نصيب كل واحد نصابا قطعوا وإن كان دون ذلك فلا قطع) كما


(1) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 547 ]

عن ابني الجنيد وإدريس والفاضل، بل نسب إلى عامة المتأخرين، بل عن الخلاف الاجماع عليه للاصل المؤيد بما قيل من ان موجب القطع هو إخراج النصاب ولم يحصل من كل منهما، ولا يصح إسناد المعلول الشخصي إلى علل متعددة، والبعض الصادر عن كل منهما ليس موجبا للقطع وإن كان لا يخلو من مناقشة، إلا أنه هو الاقوى على كل حال، ضرورة كون المنساق من النص بل كاد يكون صريحه غير الفرض الباقي على مقتضى الاصل بعد تعارض المحكي من الاجماع والشهرة وإن تعدد الاول منهما، وضعف الثاني بعدم الموافق له من القدماء غير الاسكافي وكون الصحيح المزبور قضية في واقعة، والمرسل لم يعرف من أحد نقله، وجبره بالشهرة المتقدمة معارض بوهنه بالشهرة المتأخرة، ولا أقل من ذلك كله حصول الشبهة الدارئة، (و) حينئذ ف‍ (التوقف أحوط) بل الظاهر اعتبار القطع في بلوغ قدر النصاب، فلا يكفي اجتهاد المجتهد للدرء أيضا وعن العامة وجه بالاكتفاء باجتهاد المجتهد، ولكنه واضح الضعف والله العالم. المسألة (الثالثة:) (لو سرق ولم يقدر عليه ثم سرق ثانية) فأخذ ورفع وأقيمت عليه البينة بهما معا دفعة واحدة أو أقربهما كذلك (قطع) بالاولى كما في القواعد وعن المقنع والفقيه والكافي لتقدمها في السببية وثبوت القطع بها ولم يطرأ مسقط، ولقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر بكير

[ 548 ]

ابن أعين (1) بل حسنه القريب من الصحيح أو الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) " في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة أخرى فأخذ فجائت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والسرقة الاخيرة، فقال: تقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة فقال كيف ذاك ؟ فقال لان الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل أن تقطع بالسرقة الاولى، ولو أن الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثم أمسكوا حتى تقطع يده ثم شهدوا عليه بالسرقة الاخيرة قطعت رجله اليسرى " وهو نص في المطلوب لا (ب‍) السرقة (الاخيرة) كما هو خيرة المصنف لانه قد أخذ فيها، قيل وتظهر فائدة القولين لو عفا من حكم بالقطع لاجله مع تعدد المسروق منه، وفي المسالك " والحق أنه يقطع على كل حال حتى لو عفا أحدهما قطع بالاخرى لان كل واحدة سبب تام في استحقاق القطع مع المرافعة، وتداخل الاسباب على تقدير الاستيفاء لا يقتضي تداخلها مطلقا لانه على خلاف الاصل " وفيه منع كون الثانية سببا تاما في استحقاق القطع بعد فرض ثبوتهما دفعة واحدة، بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص. ومن ذلك يظهر لك ما في كشف اللثام حيث انه بعد أن ذكر فائدة الخلاف المزبورة قال: " وعندي انه لا أثر له فان الخلاف في الظاهر لو طولب بالسرقتين، فانه لو طولب باحداهما تعين القطع لها، أولة كانت أو ثانية كما نص عليه في المختلف، ولا عفو بعد المطالبة كما عرفت، ولذا أطلق الشيخ وجماعة أن عليه قطعا واحدا " إذ فيه إمكان


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 549 ]

فرض العفو من أحدهما عن القطع قبل الثبوت عند الحاكم ثم رفعه لارادة المال فأثبتا سرقته له دفعة، فمع كون الاول الذي عفا لم يكن عليه قطع بناء على القطع بسرقته في الفرض، واحتمال تعين القطع للثاني يدفعه أنه خلاف ظاهر النص المزبور، ويمكن فرضه بالاقرار بهما عند الحاكم مرتين بلا رفع من المسروقين فعفا الاول منهما مثلا، وكذا لو ثبت بينة الحسبة ثم عفا الاول مثلا. (و) على كل حال (أغرم المالين) لهما لعدم مدخلية القطع بالاولى أو الثانية في ذلك كما هو واضح، ولعله على نحو ذلك يحمل خبر عيسى (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): السارق يسرق العام فيقدم إلى الوالي ليقطعه فيوهب، ثم يؤخذ في قابل وقد سرق الثانية فيقدم إلى السلطان فبأي السرقتين يقطع ؟ قال يقطع بالاخيرة ويستسعى بالمال الذي سرقه أولا حتى يرده على صاحبه ". (ولو قامت الحجة بالسرقة ثم أمسكت حتى قطع) بها (ثم شهدت) هي أو غيرها (عليه بأخرى) ثانية (قال في النهاية) والخلاف: (قطعت يده بالاولى ورجله بالثانية استنادا إلى الرواية) السابقة (2) بل هو المحكي عن الصدوق أيضا وابني حمزة وسعيد بل عن الخلاف الاجماع عليه. (وتوقف بعض الاصحاب فيه) بل عن الشيخ في المبسوط وابن ادريس الجزم بالعدم، بل هو خيرة الفاضل في محكي المختلف والتحرير، بل عن الخلاف الاعتراف بقوته، بل في المتن (وهو أولى) للاصل وللشبهة لضعف الخبر واختصاص دليل قطع الرجل بما سرق بعد قطع اليد اليمنى وإن كان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد السرقة - الحديث 2 - 1 -.

[ 550 ]

قد يناقش فيه بأصالة عدم التداخل في الفرض، فلا شبهة حينئذ، مضافا إلى عدم ضعف الخبر المزبور في الكافي بل هو حسن كالصحيح أو صحيح، لعدم الاختصاص على وجه الشرطية، ولذا تقطع يمناه بالثانية مع فرض العفو عن الاولى، ولو سلم فهو مقيد بالخبر المزبور، فالعمل به حينئذ متجه. المسألة (الرابعة:) (قطع السارق موقوف) عندنا (على مطالبة المسروق) برفعه إلى الحاكم للاصل الذي لا يقطعه الاطلاق بعد تقييده بالنص المعتضد بالفتوى، وحينئذ (فلو لم يرافعه لم يرفعه الامام وإن قامت) عليه (البينة) حسبة أو علم به الحاكم أو أقر به عنده مرتين، قال الصادق (عليه السلام) في خبر الحسين بن خالد (1) " الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قال كيف ذاك ؟ قال: لان الحق إذا كان لله فالواجب على الامام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس " مؤيدا بما سمعته في سرقة قميص صفوان (2) الصريح بالسقوط بالعفو قبل الرفع وغير ذلك، فما عن الخلاف والمبسوط - من أنه يقطع إذا ثبت بالاقرار، لعموم


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 2.

[ 551 ]

النصوص، ولانه إنما كان لا يقطع بدون مطالبة المالك، لاحتمال الشبهة أو الهية أو الملك، وينتفي مع الاقرار، ولانه إنما كان لا يقطع نظرا له وإبقاء عليه، فإذا أقر فكأنه الذي أقدم بنفسه على إقامة الحد عليه - واضح الضعف، وإن نفي عنه البأس في كشف اللثام، ضرورة إطلاق النص المزبور المعتضد بفتاوي الاصحاب التي مقتضاها تغليب حق الآدمي على حق الله تعالى في المقام بخلافه في الزناء الذي لا يسقط باباحة الوطء ولا بالعفو دون السرقة، ولذا لو كان المسروق منه غائبا أخر إلى أن يحضر ويرافع بخلاف ما إذا شهد الاربعة على الزناء بجارية الغائب، فانه يقام الحد على المشهود عليه، ولا ينتظر حضور الغائب، وليس إلا للفرق بينهما بما عرفت، بل في المسالك " ولان السقوط إلى القطع أسرع منه إلى حد الزناء ألا ترى أنه لو سرق مال ابنه لا يقطع، ولو زنى بجاريته يحد ". قلت قد تقدم للمصنف وغيره في كتاب النكاح (1) أنه لا حد على الوالد بالزناء بجارية ولده دون العكس، إلا أنه لم يحضرني التصريح باستثناء ذلك في كتاب الحدود، بل مقتضى إطلاقهم فيه ما سمعته من المسالك، وعلى كل حال فما عن بعض العامة من القطع ببينة الحسبة في غير محله، كما عن آخر من إيقاف حد الزناء على حضور المالك. (و) حينئذ ف‍ (لو وهبه) المال (المسروق) قبل الرفع إلى الامام (سقط الحد، وكذا لو عفا عن القطع) بلا خلاف أجده فيه، قال الصادق (عليه السلام) (2) في خبر سماعة:


(1) راجع ج 29 ص 355. (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 3.

[ 552 ]

" من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا رفع إلى الامام قطعه، فان قال الذي سرق منه أنا أهب له لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل: " والحافظون لحدود الله " (1) فإذا انتهى إلى الامام فليس لاحد أن يتركه " وسأله الحلبي (2) أيضا عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه فقال: إن صفوان بن أميه كان مضطجعا في المسجد فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه سرق حين رجع فقال: من ذهب بردائي ؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال النبي اقطعوا يده، فقال: صفوان تقطع يده لاجل ردائي يا رسول الله، قال نعم، قال: فأنا أهبه له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي ؟ قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه، قال نعم، وسئلته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الامام، فقال: حسن " ونحوه خبر الحسين ابن أبي العلاء (3) عنه (عليه السلام) وفي صحيح ضريس (4) عن الباقر (عليه السلام) " لا يعفى عن الحدود التي لله دون الامام، فأما ما كان من حقوق الناس فلا بأس أن يعفى عنه دون الامام " وفي خبر السكوني (5) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا تشفعن في


(1) سورة التوبة 9 - الاية 112. (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 2. (3) أشار إليه في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب مقدمات الحدود الحديث 2 وذكره في الكافي ج 7 ص 252. (4) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 4.

[ 553 ]

في حد إذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، وأشفع في ما لم يبلغ الامام إذا رأيت الدم " وعن الكافي والفقيه " إذا رأيت الندم " إلى غير ذلك، والظاهر إرادة العفو عن القطع من العفو وهبة المال من الهبة وإن احتملت الاول أيضا ويحتملهما معا الشفاعة، وعلى كل حال فالعفو والهبة قبل الاخذ للحاكم. (فأما بعد المرافعة) إليه (فانه لا يسقط بهبة ولا عفو) بلا خلاف أجده فيه، لما سمعته من النصوص، وللاصل وغير ذلك. ومن ذلك كله يعلم الوجه في قول المصنف (فرع: لو سرق مالا فملكه) بشراء ونحوه (قبل المرافعة سقط الحد) لما سمعته من النص على الهبة التي لا فرق بينها وبين غيرها من وجوه التملك المقتضي لعدم توجه دعوى صاحب المال عليه بحيث يستحق أخذه إلى الحاكم (و) مرافعته إليه، نعم (لو ملكه بعد المرافعة) وثبوت السرقة عليه (لم يسقط) الحد للاصل وغيره، والله العالم. المسألة (الخامسة:) (لو أخرج) السارق (المال) من حرزه (وأعاده إلى الحرز) فعن المبسوط والخلاف (لم يسقط الحد، لحصول السبب التام) للقطع، وهو إخراج النصاب (و) لكن (فيه تردد) كما في القواعد (من حيث أن القطع موقوف على المرافعة، فإذا دفعه إلى) محل حرزه فكأنه دفعه إلى (صاحبه) ف‍ (لم تبق له مطالبة)

[ 554 ]

يستحق بها القطع، وإنما تمكن المطالبة لو أعاده ولم يعلم المالك ولا أظهره السارق إذا رفع أو تلف في الحرز قبل الوصول إلى المالك. وربما وقع النظر بأن عبارة المبسوط كذا " فإن نقبا معا فدخل أحدهما فأخذ نصابا فأخرجه بيده إلى رفيقه وأخذه رفيقه ولم يخرج هو من الحرز كان القطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به من داخل فأخذه رفيقه من خارج، وهكذا لو أخرج يده إلى خارج الحرز والسرقة فيها ثم رده إلى الحرز فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج، وقال قوم: لا قطع على واحد منهما. والاول أصح " ونحوها عبارة الخلاف، وظاهره تلف المال بعد الرد إلى الحرز قبل الوصول إلى المالك كما في المسألتين الاولتين وأنه إنما ذكر المسألة لبيان أن القطع على الداخل أو الخارج أو لاقطع، ولو أراد العموم أمكن أن يريد أنه لا يسقط منه القطع وإن لم يقطع لعدم المطالبة كما قال بعيد ذلك: " إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها قبل الرفع إلى الحاكم أو بعده، إلا أنه إن ملكها قبل الرفع لم يقطع، لا لان القطع يسقط، لكن لانه لا مطالب له بها، ولا قطع بغير مطالبة بالسرقة " ونحوه في الخلاف. وفيه أنه لا إشعار في كلامه بتلف المال بعوده إلى الحرز فضلا عن الظهور، وأبعد منه ما ذكره أخيرا على فرض إرادة العموم خصوصا بعد قوله: " إن القطع في المسائل الثلاثة على الداخل دون الخارج " مضافا إلى ما في كلام الشيخ نفسه من المنافاة لظاهر الادلة السابقة المقتضية عدم ثبوت القطع بعدم إستحقاق المطالبة لهبة المال أو بيعه أو

[ 555 ]

نحو ذلك كما عرفت. بل وكذا ما في المسالك، فإنه بعد أن ذكر إشكال الفاضلين في ذلك ووجهه قال: " وفيه نظر، لان مجرد رده إلى الحرز لا يكفي في براءة السارق من الضمان من دون أن يصل إلى يد المالك، ومن ثم لو تلف قبل وصوله إليه ضمنه، فله المرافعة حينئذ، ويترتب عليها ثبوت القطع، نعم لو وصل إلى يد المالك ضعف القول بالقطع جدا، وبهذا يصير النزاع في قوة اللفظي، لانه مع وصوله إلى المالك لا يتجه القطع أصلا، وبدونه لا يتجه عدمه، والتعليلان مبنيان على هذا التفصيل ". قلت: قد يقال بعدم القطع وإن تلف في الحرز بعد العود، للشك في ثبوت القطع بمثل السرقة المزبورة، وكونه في ضمانه لا يقتضي القطع كالذي لم يخرجه عن الحرز، بل هو واضح في مفروض المبسوط الذي سمعته، ضرورة عدم إخراجه من الحرز بمجرد إخراج يده من الحرز والسرقة فيها، ولعل الفاضل أراد الاشكال في ما ذكره بخصوصه وإن حكيا عنه الاعم من ذلك، والله العالم. (ولو هتك الحرز جماعة فأخرج المال) من الحرز (أحدهم ف‍) قد عرفت سابقا أن (القطع عليه خاصة) بلا خلاف أجده فيه بيننا (لانفراده بالموجب) الذي هو إخراج المال من الحرز بعد هتكه ولو بالاشتراك مع غيره على السوية أو مع التفاوت، فهو السارق حينئذ دون شركائه بالهتك، فما عن أبي حنيفة - من توزيع السرقة عليهم، فإن أصاب كل منهم قدر النصاب قطعهم - واضح الفساد. (ولو قربه أحدهم) من النقب مثلا (وأخرجه الآخر فالقطع

[ 556 ]

على المخرج) له من الحرز لذلك أيضا، ضرورة عدم صدق السرقة على الاول بالتقريب، إذ هو كرفع المال في الحرز من مكان إلى مكان آخر، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من عدم القطع على أحد منهما، لعدم صدق الاخراج من الحرز على كل منهما، وهو كما ترى، ضرورة اختصاص الصدق بالاخير منهما بعد فرض بقائه في الحرز وإن قربه الاول. (وكذا لو وضعها الداخل في وسط النقب وأخرجها الخارج) وفاقا للسرائر محتجا بالصدق المزبور وأطنب في بيان ذلك قال فيها: " قال " وقال خ ل) شيخنا " أبو جعفر في مبسوطه (في المبسوط خ ل) وقلده ابن البراج في جواهر فقهه إذا نقبا معا ودخل أحدهما فوضع السرقة في نفس النقب فأخذها الخارج قال قوم: (لاقطع على واحد منهما)، وقال آخرون عليهما القطع لانهما اشتركا في النقب والاخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنهما لو نقبا معا ودخلا وأخرجا معا كان عليهما الحد كالواحد، ولانا لو قلنا لا قطع كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، لانه لا إنسان إلا ويشارك غيره فيسرقا وهكذا، ولا يقطع والاول أصح (لان كل واحد) منهما (لم يخرجه عن كمال الحرز) فهو كما لو وضعه الداخل في بعض البيت فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب، فانه لا قطع على واحد منهما، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه، قال محمد ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن القطع على الآخذ الخارج، لانه نقب وهتك الحرز وأخرج المال منه، ولقوله تعالى

[ 557 ]

" والسارق " (1) وهذا صادق، فمن أسقط القطع عنه فقد أسقط حدا من حدود الله بغير دليل، بل بالقياس والاستحسان، وهذا من تخريجات المخالفين وقياساتهم على المجتاز، وأيضا فلو كنا عاملين بالقياس ما ألزمنا هذا، لان المجتاز ما هتك حرزا ولا نقب فكيف يقاس الناقب عليه، وأيضا فلا يخلو الداخل من أنه أخرج المال من الحرز أو لم يخرجه، فأن كان أخرجه فيجب عليه القطع، ولا أحد يقول بذلك، فما بقي إلا أنه لم يخرجه من الحرز وأخرجه الخارج من الحرز الهاتك له، فيجب عليه القطع، لانه نقب وأخرج المال من الحرز، ولا ينبغي أن تعطل الحدود بحسن العبارات وتزويقها وصقلها وتوريقها، وهو قوله: ما أخرجه من كمال الحرز أي شئ هذه المغالطة ؟ ! بل الحق أن يقال: أخرجه من الحرز أو من غير الحرز، ولا عبارة عند التحقيق سوى ذلك، وما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز " انتهى. ونوقش بأن الاخراج إنما يتحقق بفعله، لكونه تمام السبب لا السبب التام، وفرق بين الامرين، ولعله لذا قال في المختلف: " والتحقيق أن نقول: إن المقدور الواحد إن امتنع وقوعه من القادرين فالقطع عليهما معا لانه لا فرق حينئذ بين أن يقطعا كمال المسافة دفعة وأن يقطعاها معا على التعاقب، فإن الصادر من كل منهما ليس هو الصادر عن الآخر، بل وجد المجموع منهما، وإن سوغناه فالقطع على الخارج، لظهور الفرق حينئذ بين وقوع القطع منهما دفعة أو على التعاقب ".


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 38.

[ 558 ]

وفي كشف اللثام " يعني لا خلاف في أنه إن أخرجاه دفعة من كمال الحرز قطعا، فإن امتنع وقوع مقدور واحد من قادرين كان لكل منهما فعل غير فعل الآخر، وبمجموع الفعلين كمل الاخراج من الحرز وكذا في المسألة، فعليهما القطع كما عليهما هناك، وإن ساغ أمكن الفرق بأنهما إذا أخرجاه دفعة فعل كل منهما كمال الاخراج بخلافهما هنا ". وفيه أن ذلك ليس تحقيقا، مضافا إلى ما في المسالك من رده بأنه لا يخفى ضعف هذا البناء في الامرين معا فان المعتبر في الاخراج المتعارف لا الواقع في اصطلاح المتكلمين الذي يرجع مدركه إلى مجرد الظن. وفي كشف اللثام بعد أن حكى ما سمعته من المختلف قال: " إن الخروج من الحرز آني، وهو نهاية الحركة، فلا فرق بين امتناع وقوع مقدور واحد لقادرين وجوازه في أن الخروج في المسألة إنما تحقق بفعل الآخر وأما ما يفعله من الحركة فلا عبرة بها، كما إذا نقلاه معا من موضعه إلى النقب ثم استقل أحدهما بالاخراج فكما لا عبرة بالحركة إلى النقب فكذا هنا ". وفيه منع كون الاخراج آنيا، ضرورة كونه في العرف مركبا وإنما الآني الجزء الاخير منه، كما في غيره من المسميات. وكيف كان فقد تحصل مما ذكرنا القول بالانتفاء، وبالقطع للخارج خاصة، واحتمال القطع لكل منهما كما في القواعد وفي كشف اللثام وقيل النقب خارج عن الحرز، فالقطع على الاول، وقد يقال إن الوضع في النقب لا يخلو من أحوال ثلاثة: أحدها أن يكون على حال لا يخرج به عن صدق البقاء في الحرز، ولا ريب في أن القطع حينئذ

[ 559 ]

على الخارج الذي أخذه من المشارك في الهتك، والثاني أن يكون على حال خرج به عن ذلك، ولا ريب في أن القطع حينئذ على الداخل المخرج له عن الحرز الواضع له في خارج الحرز، والثالث أن يكون في حال يشك فيه، والمتجه فيه عدم القطع على أحد منهما كما سمعته من الشيخ، للشبهة وللشك في الشرط الذي هو الاخراج من الحرز المتقتضي للشك في المشروط، والله العالم. ولو هتك الحرز صبيا أو مجنونا ثم كمل فأخرج قبل إطلاع المالك وإهماله ففي القطع نظر من أنه الآخذ والهاتك، ومن خروجه عن التكليف حين الهتك، وحين التكليف إنما أخذ من حرز منهتك، والقطع إنما يترتب عليهما، لانه المتيقن من النص والفتوى، فإذا وقع أحدهما حين عدم التكليف لم يترتب عليه عقوبة، ولعله الاقوى، إذ لا أقل من الشبهة الدارئة، والله العالم. المسألة (السادسة:) (لو أخرج قدر النصاب دفعة) من الحرز (وجب القطع) بلا خلاف ولا إشكال (و) أما (لو أخرجه مرارا) متعددة (ففي وجوبه تردد) من العموم، ومن الاصل وعدم صدق السرقة من الحرز في الثانية بعد الهتك في الاولى، ولكن (أصحه) عند المصنف وفاقا للمحكي عن المبسوط والسرائر والجواهر (وجوب الحد) طال الزمن أم قصر (لانه أخرج نصابا، واشتراط المرة

[ 560 ]

وفي الاخراج غير معلوم). وفيه منع صدق سرقة النصاب من الحرز مع عدم قصر الزمان بحيث يعد الجميع في العرف سرقة واحدة، إذا هو المدار مع عدم علم المالك وإهماله، ولا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن، وغيره شبهة يسقط معها الحد، ولذا كان المحكي عن أبي الصلاح اعتبار ذلك، بل هو خيرة الفاضل في القواعد وإن فرق بين قصر الزمان وعدمه إلا أن ذلك منه لتحقق الاتحاد، واليه يرجع ما عن التحرير من أنه إن لم يتخلل إطلاع المالك ولم يطل الزمان بحيث لا يسمى سرقة واحدة عرفا بل في المسالك وهذا قوي، وأما ما عن المختلف " لا يقطع إن اشتهر بين الناس بالدفعة الاولى انتهاك الحرز، لخروجه عن مسمى الحرز، وإلا قطع " فهو لا حاصل له إن لم يرجع إلى ما ذكرنا من عدم القطع مع عدم الدفعة العرفية، وخصوصا مع تعدد الحرز كما عن ظاهر الشيخ والفاضل وغيرهما، بل ربما جعل الوجهان المزبوران في الحرز المتحد دون المتعدد وإن قيل: لا فرق بينهما للعمومات، لكن فيه أن المدار على صدق السرقة منه دفعة عرفا. نعم لو أخرج المسروق على التواصل كالطعام ونحوه فهو كالدفعة، إذ الاخراج إنما يتم باخراج جميعه، وهو إنما يقع دفعة، فما عن بعض من احتمال إخراج نحو الطعام على التواصل أن يكون من اخراج النصاب دفعات لا يخلو من نظر، ولو جمع من البذر المبثوث في الارض قدر النصاب بناء على أنها حرز لمثله قطع، لانها كحرز واحد له، فهو كأخذ أمتعة منفرقة في جوانب بيت واحد. ولو أخرج النصاب من حرزين فصاعدا لم يقطع بناء على ما

[ 561 ]

ذكرنا من اعتبار الاتحاد عرفا إلا أن يكونا في حكم الواحد، بأن يشملهما ثالث كبيتين في دار، فإن إخراجهما من الدار سرقة واحدة، والله العالم. المسألة (السابعة:) (لو نقب فأخذ النصاب) ثم أخذ قبل إخراجه من الحرز لم يقطع، للاصل وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر إسحاق (1): " لا قطع على السارق حتى يخرج بالسرقة من البيت، ويكون فيها ما يجب فيه القطع " وفي خبر السكوني (2) " في السارق إذا أخذ وقد أخذ المتاع وهو في البيت لم يخرج بعد قال: ليس عليه القطع حتى يخرج به من الدار ". وكذا إذا أخذه (وأحدث فيه حدثا تنقص به قيمته عن النصاب ثم أخرجه مثل أن خرق الثوب أو ذبح الشاة فلا قطع) للاصل بعد عدم الصدق (و) إن كان هو ضامنا لما أحدثه به. نعم (لو أخرج نصابا فنقصت قيمته) بفعله أو بغيره بعد الاخراج (قبل المرافعة) فضلا عما بعدها (ثبت القطع) لتحقق الشرط، خلافا لابي حنيفة فلا قطع إن نقصت قيمته قبل القطع للسوق والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب حد السرقة - الحديث 3 - 2.

[ 562 ]

المسألة (الثامنة:) (لو ابتلع داخل الحرز ما قدره نصاب) فان استهلكه الابتلاع كالطعام لم يقطع، وإن بقيت قيمته بحالها أو غير ناقصة من النصاب (كاللؤلؤة) ونحوها (فان كان يتعذر إخراجه) عادة كالطعام (فهو كالتالف فلا حد) على المبتلع لعدم الشرط (ولو اتفق خروجها بعد خروجه) ضرورة عدم صدق الاخراج عن الحرز بعد عدم القصد إلى ذلك (و) لكن (هو ضامن) للمال عينا إن اتفق الخروج، وإلا فبالمثل أو القيمة للحيلولة. (وإن كان خروجها مما لا يتعذر) ولو (بالنظر إلى عادته) فخرج وهي في جوفه (قطع لانه يجري مجرى إيداعها في الوعاء) وإلا فلو اتفق فساده على خلاف العادة قبل القطع ففي المسالك لم يقطع، قال: " ويظهر من العبارة جواز تعجيل قطعه قبل الخروج في الفرض، والاولى الصبر إلى أن يخرج دفعا للاحتمال " قلت: لا بأس بالتعجيل مع العلم بأنه خرج مع كونه في جوفه من الحرز، وهو بالغ للنصاب، إذ الفساد بعد ذلك غير قادح في ترتب القطع بعد حصول سببه، نعم لو خرج فاسدا بحيث لا يبلغ النصاب ولم يعلم بحاله قبل الخروج أو بعده أمكن عدم القطع للشبهة التي لا تجدي الاصول هنا في ارتفاعها.

[ 563 ]

وعلى كل حال فلا ريب في ثبوت القطع في الفرض على ما ذكرناه، خلافا لما عن العامة في أحد القولين من عدم القطع مطلقا، لانه متلف بالابتلاع، ولانه مكره على الاخراج، فإنه لا يمكنه الخروج لا معها، بل عن الشيخ احتماله، إلا أنه كما ترى واضح الضعف، والله العالم.

[ 564 ]

(الباب السادس) (في حد المحارب) (المحارب كل من جرد السلاح) أو حمله (لاخافة الناس) ولو واحد لو احد على وجه يتحقق به صدق إرادة الفساد في الارض وفي كشف اللثام " المسلمين " ولعله الذي أراده المفيد وسلار حيث قيدا بدار الاسلام، وفيه أن التقييد بها يشمل المسلمين فيها وغيرهم من أهل الذمة والامان ونحوهم، كما أن التقييد بالمسلمين يشمل من كان فيها منهم وغيرهم ممن هو في غيرها، ولعل الموافق لعموم الكتاب (1) والسنة (2) ومعقد الاجماع تحققه بإخافة كل من يحرم عليه إخافته من الناس من غير فرق بين المسلم وغيره وفي بلاد الاسلام وغيرها، ولعله لذا قال في الدروس: " هو من جرد السلاح للاخافة ". ومحاربة الله ورسوله تصدق بالاخافة المزبورة لكل من حرم الله


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 33. (2) الوسائل - الباب - 1 و 2 من أبواب حد المحارب.

[ 565 ]

إخافته كصدقها على ما كان منها (في بر أو بحر ليلا أو نهارا في مصر وغيره) قال الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): " من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه ونفي من تلك البلد، ومن شهر السلاح في مصر من الامصار وضرب وعقر وأخذ المال ولم يقتل فهو محارب فجزاؤه جزاء المحارب، وأمره إلى الامام إن شاء قتله وصلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، قال: وإن ضرب وقتل وأخذ المال فعلى الامام إن يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه، فقال له أبو عبيدة: أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن عفوا عنه كان على الامام أن يقتله، لانه قد حارب وقتل وسرق، فقال أبو عبيدة: أرأيت إن عفا عنه أولياء المقتول أن يأخذوا منه الدية ويدعونه ألهم ذلك ؟ قال: لا، عليه القتل " وقال في خبر ضريس (2): " من حمل السلاح بالليل فهو محارب إلا أن يكون رجلا ليس من أهل الريبة " وقال أيضا في خبر جابر (3): " من أشار بحديدة في مصر قطعت يده، ومن ضرب بها قتل " وقال سورة بن كليب (4): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل يخرج من منزله يريد المسجد أو يريد الحاجة فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه ويأخذ ثوبه، قال أي شئ يقول فيه من قبلكم ؟ قلت: يقولون هذه دغارة معلنة، وإنما المحارب في قرى مشركة، فقال: أيهما أعظم حرمة دار الاسلام أو دار الشرك ؟ فقلت: دار الاسلام،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب حد المحارب - الحديث 1. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب حد المحارب - الحديث 1 - 3 - 2.

[ 566 ]

فقال: هؤلاء من أهل هذه الآية: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية (2). وفي خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد " سألته عن رجل يشهر إلى صاحبه بالرمح والسكين، فقال: " إن كان يلعب فلا بأس ". بل صرح غير واحد أنه لا فرق في السلاح بين العصا والحجر وغيرهما، ولعله لظاهر الآية (3) وإلا ففي تناول السلاح لهما مطلقا خصوصا الاخير نظر أو منع، لكن في خبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " قال في رجل أقبل بنار يشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم: إنه يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل ". ومنه بعد اعتضاده بما عرفت يقوى التعميم المزبور ولو على إرادة المجاز منه، بل في كشف اللثام " أن اختصاص السلاح بالحديد كما في العين ونحوه ممنوع، بل الحق ما صرح به الاكثر من أنه كل ما يقاتل به، وعن أبي حنيفة اشتراط شهر السلاح من الحديد، ويظهر احتماله من التحرير " إلى آخره ولا ريب في ضعفه، بل في الروضة الاكتفاء في المحاربة بالاخذ بالقوة وإن لم يكن عصا أو حجر وهو لا يخلو من وجه. وعلى كل حال فلا ريب في دخول البندق ونحوه بآلاته الصغار والكبار فيه، والمدار على قصد الاخافة الذي يتحقق به الفساد في الارض، فلو اتفق خوفهم منه من غير أن يقصده فليس بمحارب،


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 33. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب حد المحارب - الحديث - 4. (3) سورة المائدة: 5 - الاية - 33 -. (4) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب حد المحارب - الحديث 1.

[ 567 ]

كما أنه محارب مع القصد المزبور وإن لم يحصل معه خوف منه أو أخذ مال، ولكن في الروضة قصد الاخافة أم لا على أصح القولين وإن كنالم نجده قولا صريحا لاحد، وعلى تقديره فلا ريب في شذوذه وإن كان قد يستدل له بإطلاق الادلة إلا أنه منزل ولو بقرينة الفتاوي والغلبة ودرء الحد والانسياق وغير ذلك على الاول، والله العالم. (وهل يشترط كونه من أهل الريبة ؟ فيه تردد) بل وخلاف ولكن (أصحه أنه لا يشترط مع العلم بقصد الاخافة) وفاقا للاكثر لعموم الآية (1) والرواية (2) والاستناد إلى خبر ضريس (3) لا يقتضي الاشتراط المزبور، بل أقصاه عدم الحكم بكونه محاربا إذا كان كذلك لا أن من قصد الاخافة وتحقق فيه وصف المحاربة ليس بمحارب إذا لم يكن من أهل الريبة، ودرء الحد بالشبهة لا يتم في الفرض المزبور المتحقق فيه الوصف، فما عن ظاهر النهاية والقاضي والراوندي من الاشتراط بل هو صريح الدروس وإن اكتفى بظن الريبة واضح الضعف، بل من المستبعد جدا إرادة من عرفت ذلك ضرورة صدق المحاربة مع القصد المزبور، سواء كان من أهل الريبة أم لا، نعم يمكن أن يكون الحكم بالمحاربة بمجرد شهر السلاح مع عدم العلم بالقصد المزبور ولم يكن من أهل الريبة محلا للنظر والخلاف، فيحكم بها حينئذ، إلا أن يكون من غير أهل الريبة كما هو مقتضى الخبر المزبور، بل وغيره، أو يقال فيتوقف الحكم بذلك على كونه من أهل الريبة، بل لعله لا يخلو من وجه، والله العالم.


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 33. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب حد المحارب - الحديث - 0 - 1.

[ 568 ]

(ويستوي) عند الاكثر بل المشهور (في هذا الحكم الذكر والانثى إن اتفق) بل قيل فيه وفي سابقه ولاحقه: إن على عدم الاشتراط عامة من تأخر، بل في كنز العرفان نسبته إلى القدماء مشعرا بالاجماع عليه، كل ذلك لعموم النصوص المزبورة الذي لا يقدح فيه اختصاص الآية (1) بالذكور خلافا للمحكي عن الاسكافي، فاعتبر الذكورة. ومن الغريب ما في السرائر من حكاية التعميم المزبور مع التمسك عليه بعموم الآية عن الخلاف والمبسوط، ثم قال: " وهذان الكتابان معظمهما فروع المخالفين، وهو قول بعضهم إختاره (رحمه الله) ولم أجد لاصحابنا المصنفين قولا في قتل النساء في المحاربة، والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن لا يقتلن إلا بدليل قاطع، فأما تمسكه بالآية فضعيف، لانها خطاب للذكور دون الاناث، ومن قال تدخل النساء في خطاب الرجال على طريق التبع فذلك مجاز، والكلام في الحقائق، والمواضع التي دخلن في خطاب الرجال فبالاجماع دون غيره، فليلحظ ذلك " ثم قال بعد ذلك بما يزيد على الصفحة يسيرا في ما حضرني من نسختها: " قد قلنا إن أحكام المحاربين تتعلق بالنساء والرجال سواء على ما تقدم من العقوبات، لقوله تعالى: " إنما جزاء الذين " الآية (2) ولم يفرق بين الرجال والنساء، فوجب حملها على العموم، ولعل ذلك ونحوه منه عقوبة على سوء أدبه مع الشيخ وغيره من أساطين الطائفة، ومن هنا قال في محكي المختلف بعد نقل ذلك عنه: " وهذا اضطراب منه وقلة تأمل وعدم مبالاة بتناقض كلاميه ".


(1) و (2) سورة المائدة - 5 - الاية 33.

[ 569 ]

بقي الكلام في شئ: وهو اعتبار قصد الاخافة من حيث أنها كذلك لارادة الفساد في تحقق المحاربة، فلا يكفي حينئذ قصد إخافة شخص خاص لعداوة أو لغرض من الاغراض وإن لم يكن شرعيا، أو لا يعتبر ذلك، كما هو مقتضى إطلاق التفسير المزبور " بل قد يشعر به خبر قرب الاسناد (1) وخبر السكوني (2 فيتحقق حينئذ صدق المحاربة بما هو في مثل زماننا من محاربة جماعة خاصة لجماعة أخرى كذلك لاغراض خاصة في ما بينهم فاسدة، لم أجد تنقيحا لذلك في كلام الاصحاب. والحد يدرأ بالشبهات، ولكن التحقيق جريان الحكم على الجميع مع فرض صدق المحاربة التي يتحقق بها السعي في الارض فسادا. (و) كيف كان ف‍ (في ثبوت هذا الحكم للمجرد) سلاحه بالقصد المزبور (مع ضعفه عن الاخافة تردد أشبهه) وأقربه كما في القواعد (الثبوت) للعمومات المزبورة (و) حينئذ ف‍ (يجتزأ بقصده) الاخافة ولكن قد يمنع إندراج مثل ذلك مع فرض الضعف عن الاخافة مطلقا أي لكل أحد في إطلاق الآية (3) ونحوها خصوصا بعدما في القواعد من اعتبار الشوكة المعلوم انتفاؤها في مثل الفرض المعتضد بدرأ الحد بالشبهة وغيره، اللهم إلا أن يكون إجماعا، كما عساه يظهر من بعض. نعم قد يقال: إن ضعفه عن الاخافة لمعظم الناس لا ينافي قوته عليها لما هو أضعف منه ولمن لا يعقل الخوف كالطفل والمجنون ونحوهما، ومن هنا اتجه منع اعتبار الشوكة


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب حد المحارب - الحديث - 4 -. (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب حد المحارب - الحديث - 1 -. (3) سورة المائدة: 5 - الاية - 33.

[ 570 ]

المنافي لاطلاق الادلة إلا أن يراد ما يرجع إلى ما ذكرنا. وبالجملة فالمدار على التجاهر بالسعي في الارض بالفساد بتجريد السلاح ونحوه للقتل أو سلب المال والاسر ونحو ذلك مما هو بعينه محاربة لله ورسوله بخلاف الاخذ خفية أو اختطافا ثم الهرب بعده وغير ذلك مما لا يعد محاربة بل هو سرقة أو نهب وان جرحوا أو قتلوا حين اختطفوا أو سرقوا للتخلص من القبض ونحوه، قال في القواعد: " وإنما يتحقق لو قصدوا أخذ المال قهرا مجاهرة، فان أخذوه خفية فهم سارقون، وإن أخذوه اختطافا وهربوا فهم منتهبون لاقطع عليهم " وفي كشف اللثام " وإن جرحوا وقتلوا حين اختطفوا، وعلى التقديرين لا قطع عليهم كما يقطع المحارب أو السارق، لان شيئا منهما لا يصدق عليهم " وفيه أيضا قبل ذلك " وإنما يتحقق لو قصدوا أخذ البلاد أو الحصون أو أسر الناس واستعبادهم أو سبي النساء والذراري أو القتل أو أخذ المال قهرا مجاهرة " إلى آخره. وستسمع ما في المتن من عدم عد المستلب من المحارب، لكن قد يناقش في بعض الافراد بصدق تجريد السلاح بقصد الاخافة وإن خاف هو ممن هو أقوى منه، إذ ذلك لا ينافي صدق محاربته لمن جرد عليه سلاحه لاخافته كي يسلب ماله أو يقتله أو يجرحه، ومن ذلك يعلم أن كلامهم في المقام لا يخلو من تشويش، والتحقيق التعميم على الوجه الذي سمعته في النصوص وكان إطلاق المصنف وغيره هنا اتكالا على معلومية اعتبار البلوغ في الحد، فلا يجري في غير البالغ وإن جرد السلاح بالقصد المزبور مع احتماله، بل ظاهر الروضة أنه مراد المطلق. (و) كيف كان ف‍ (لا يثبت) عندنا (هذا الحكم) في

[ 571 ]

مثل قطاع الطريق (للطليع) منهم الذي هو المراقب للمارة مثلا ليخبر من يقطع الطريق عليهم ولمن يخاف عليه منه ليحذره (ولا للردء) الذى هو المعين لضبط الاموال ونحوه، للاصل والاحتياط والخروج عن النصوص، خلافا لابي حنيفة فسوي بين المباشر وغيره، وفساده واضح بعد عدم حصول وصف المحاربة في الثاني، نعم لو كان المدار على مطلق مسمى الافساد اتجه ذلك، لكن قد عرفت اتفاق الفتاوي على اعتبار المحاربة على الوجه المزبور، والنصوص وإن لم يكن فيها ما يقتضي حصر المفسد وفي ذلك صريحا إلا أنه بمعونة الاتفاق المزبور مع الانسياق وملاحظة بعض المفاهيم فيها يتجه ما ذكره الاصحاب من جعل المدار على صدق المحاربة على الوجه الذي ذكرناه. (و) كيف كان فلا خلاف أجده هنا في أنه (تثبت هذه الجناية بالاقرار ولو مرة) للعموم، لكن قد تقدم سابقا عن المراسم والمختلف ان كل حد يثبت بشهادة عدلين يعتبر فيه الاقرار مرتين، بل ذكرنا له بعض المؤيدات إلا أن ذلك قد كان لحصول الفتوى به في بعض الحدود، ولم نجدهنا من اعتبر التعدد بالخصوص (و) حينئذ فالمتجه البقاء على مقتضى العموم المزبور كبقاء ثبوتها (بشهادة رجلين عدلين) على مقتضى العموم أيضا (و) غيره نعم (لا تقبل) فيها (شهادة النساء منفردات ولا مع الرجال) نحو غيرها من الحدود، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الشهادات (ولو شهد بعض اللصوص على بعض لم تقبل) للفسق (وكذا) في عدم القبول (لو شهد المأخوذون بعضهم لبعض) بأن قالوا جميعا تعرضوا لنا وأخذوا

[ 572 ]

منا جميعا، للتهمة بالعداوة، ولخبر محمد بن الصلت (1) سأل الرضا (عليه السلام) " عن رفقة كانوا في الطريق قطع عليهم الطريق فأخذوا اللصوص فشهد بعض لبعض، فقال لا تقبل شهادتهم إلا باقرار اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم " كما مر الكلام فيه في كتاب الشهادات أيضا. (أما لو قالوا عرضوا لنا وأخذوا هؤلاء) ولم يتعرضوا لانفسهم (قبل) قطعا إذا لم يكن قد شهد المشهود لهم عليهم بذلك للشهود (لانه لا ينشأ من ذلك تهمة تمنع الشهادة) بل في كشف اللثام " وكذا إن انعكس بأن قال المشهود لهم أيضا إنهم عرضوا لنا وأخذوا هؤلاء في وجه، كما إذا شهد بعض المديونين لبعضهم وبالعكس، والوجه الآخر عدم السماع حينئذ، لحصول التهمة وإطلاق الخبر، بل الشهادتان حينئذ من القسم الاول نفسه، فانه لا شهادة إلا مع الدعوى، فلا تسمع شهادة الاولين إلا إذا كان الآخرون ادعوا الاخذ، ولا شهادة الآخرين إلا إذا ادعى الاولون الاخذ وهو كاف في حصول التهمة إن سلمت، ولا مدخل فيها لخصوص الذكر في الشهادة إلا أن يدعى أن التهمة حينئذ أظهر ". وفي الرياض اختيار عدم القبول مطلقا، فانه بعد أن حكاه عن الاشهر وحكى التفصيل المزبور قولا محتجا بما سمعت من التشبيه بالدين قال: " وهو على تقدير تسليمه اجتهاد في مقابلة النص المعتبر ولو بعمل الاكثر، بل الاشهر، كما صرح به بعض من تأخر، فلا يعبأ به، نعم لو لم يكن الشاهد مأخوذا احتمل قبول شهادته، لعدم


(1) الوسائل - الباب - 27 - من كتاب الشهادات - الحديث 2.

[ 573 ]

التهمة مع خروجه عن مورد الفتوى والرواية، لظهورها ولو بحكم التبادر في صورة كونه مأخوذا، وبالقبول هنا صرح جمع من غير أن يذكروا خلافا " قلت: قد تقدم لك في كتاب الشهادة ما يعلم منه تحقيق الحال. ومنه يعلم ما في الرياض هنا، حتى نسبة الاطلاق إلى الاشهر مع تصريح الفاضلين وغيرهما هنا بالقبول الذي هو الموافق لاطلاق الادلة وعمومها، والخبر المزبور بعد عدم تحقق الجابر له في الفرض بل لعله ظاهر في غيره لا يصلح مقيدا ومخصصا لهما " ومن الغريب ذكره القبول احتمالا في الاخير مع أنه ينبغي القطع به، بل لو تغاير المشهود عليه كأن شهد إثنان على بعض اللصوص أنهم أخذوا جماعة أو اثنين وشهد هؤلاء الجماعة المشهود لهم أو الاثنان على بعض آخر غير الاول أنهم أخذوا الشاهدين حكم بشهادة الجميع قطعا، لانتفاء التهمة، كما هو واضح، والله العالم. (و) أما (حد المحارب) فهو كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا بقسميه (القتل أو الصلب أو القطع مخالفا) بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى كما في السارق (أو النفي و) لكن (قد تردد فيه الاصحاب) واختلفوا في أنه على الترتيب أو لا (فقال المفيد) والصدوق والديلمي والحلي (بالتخيير) بل قيل: عليه أكثر المتأخرين، لانه الاصل في كلمة " أو " بل قال الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 33. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب حد المحارب.

[ 574 ]

" أو " في القرآن له حيث وقع " وخصوص حسن جميل (1) سأله أيضا عن الآية " أي شئ عليهم من هذه الحدود التي سمى الله تعالى ؟ قال: ذاك إلى الامام إن شاء قطع وإن شاء صلب، وإن شاء قتل " ونحوه خبر سماعة (2) عنه (عليه السلام) أيضا. (وقال الشيخ أبو جعفر بالترتيب) بل في كشف اللثام نسبته إلى أكثر الكتب، بل في نكت الارشاد بعد نسبته إلى الشيخ والاسكافي والتقي وابن زهرة وأتباع الشيخ أنه ادعى عليه الاجماع، لصحيح بريد (3) أنه سأل الصادق (عليه السلام) رجل عن الآية قال: لا " ذلك إلى الامام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوض إليه ذلك، قال: ولكن بحق الجناية " بناء على أن المراد من حقها فيه ما تسمعه من النصوص (4). الآتية مؤيدا باستبعاد اتحاد عقوبة القاتل وآخذ المال مع عقوبة من شهر السلاح ولم يقتل ولم يجرح ولم يأخذ مالا. نعم اختلفوا في كيفيته، فعن النهاية والمهذب وفقه الراوندي والتلخيص (يقتل إن قتل) قصاصا إن كان المقتول مكافئا له ولم يعف الولي (ولو عفا ولي الدم) أو كان غير مكافئ (قتله الامام) حدا (ولو قتل وأخذ المال استعيد منه) عينا أو بدلا (وقطعت يده اليمنى ورجله اليسرى ثم قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع مخالفا ونفي، ولو جرح ولم يأخذ المال أقتص منه) أو أخذ الدية أو الحكومة (ونفي، ولو اقتصر على شهر السلاح


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المحارب - الحديث - 0 - 3 - 9 - 2 - 0 - وفي الثالث عن بريد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، إلا أن الموجود في الكافي ج 7 ص 246 والتهذيب ج 10 ص 133 كالجواهر.

[ 575 ]

نفي لا غير). وفي محكى التبيان والمبسوط والخلاف إن قتل قتل، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن اقتصر على أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن اقتصر على الاخافة فإنما عليه النفي، بل عن الاخيرين أنه ينفي على الاخيرين بل عن أولهما أنه يتحتم عليه القتل إذا قتل لاخذ المال، وإن قتل لغيره فالقود واجب غير متحتم، ويجوز لولي المقتول العفو عنه مجانا وعلى مال. وعن الوسيلة " لم يخل إما جنى جناية أو لم يجن، فإذا جنى جناية لم يخل إما جنى في المحاربة أو في غيرها، فإن جنى في المحاربة لم يجز العفو عنه ولا الصلح على مال، وإن جنى في غير المحاربة جاز فيه ذلك، وإن لم يجن وأخاف نفي عن البلد، وعلى هذا حتى يتوب، وإن جنى وجرح اقتص منه ونفي عن البلد، وإن أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف ونفي، وإن قتل وغرضه في إظهار السلاح القتل كان ولي الدم مخيرا بين القود والعفو والدية، وإن كان غرضه المال كان قتله حتما، وصلب بعد القتل، وإن قطع اليد ولم يأخذ المال قطع ونفي، وإن جرح وقتل اقتص منه ثم قتل وصلب، وإن جرح وقطع وأخذ المال جرح وقطع للقصاص أولا إن كان قطع اليد اليسرى ثم قطع يده اليمنى لاخذ المال ولم يوال بين القطعين، وإن كان قطع اليمنى قطعت يمناه قصاصا ورجله اليسرى لاخذ المال ". قلت: لكن في الرياض " لم أجد حجة على شئ من هذه الكيفيات من النصوص وإن دل أكثرها على الترتيب في الجملة لكن

[ 576 ]

شئ منها لا يوافق شيئا منها، فهي شاذة مع ضعف أسانيدها جملة ". وقد سقه إلى ذلك المصنف فانه بعد أن حكى عن أبي جعفر ما سمعته أولا قال: (واستند في التفصيل إلى الاحاديث (1) الدالة عليه، وتلك الاحاديث لا تنفك من ضعف في إسناد) بعبد الله وعبيدة ومحمد بن سلمان وغيرهم (أو اضطراب في متن) بسبب اختلافها في الاحكام المشتملة عليها (أو قصور في دلالة، فالاولى العمل بالاول تمسكا بظاهر الآية) (2) وفيه أن الشهرة والاجماع المحكي السابقين والتعاضد والاستفاضة والمخالفة للعامة - كما في الثلاث ويومئ إليه بعض النصوص وغير ذلك - يجبر ذلك، نعم هي مختلفة في كيفية الترتيب فخبر أبي عبيدة (3) منها يوافق الاول في الجملة سأل الصادق (عليه السلام) وقال " إن الناس يقولون إن الامام مخير فيه أي شئ صنع، قال ليس أي شئ صنع، ولكنه يصنع على قدر جناياتهم فقال من قطع الطريق فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق وقتل ولم يأخذ المال قتل، ومن قطع الطريق وأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق ولم يأخذ مالا ولم يقتل نفي من الارض ". بل يستفاد المراد من حسن جميل (4) السابق بل قد يستفاد منهما


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب - حد المحارب. (2) سورة المائدة - 5 - الاية 33. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب حد المحارب - الحديث - 5 - عن عبيد ابن بشر الخثعمي وفي الكافي ج - 7 ص 247 وللتهذيب ج - 10 - ص 132 عبيد بن بشير الخثعمي إلا أن الموجود في الاستبصار ج 4 ص 257 عن ابى عبيدة بن بشير الخثعمي. (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المحارب - الحديث - 3.

[ 577 ]

أيضا أن المراد من نصوص الترتيب ذلك أيضا. ويقرب منه قول أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في المروي عن تفسير العياشي عن أحمد بن فضل الخاقاني عن آل رزين (1) عنه (عليه السلام) قال " فإن كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحدا ولم يأخذوا ما لا أمر بايداعهم الحبس فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس أمر بقتلهم، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بعد ذلك ". كما أنه يوافق الثاني في الجملة قول الصادق (عليه السلام) لعبيد الله المدائني (2) خذها أربعا بأربع إذا حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا فقتل قتل، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم يأخذ من المال نفي من الارض " ونحوه خبر عبيد بن اسحاق المدائني (3) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام). وفي مرسل داود الطائي (4) " فإذا ما هو قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإذا قتل ولم يأخذ قتل، وإذا أخذ ولم يقتل قطع، وإن هو فر ولم يقدر عليه ثم أخذ قطع إلا أن يتوب، فان تاب لم يقطع ".


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب - 1 - من ابواب حد المحارب - الحديث 8 - 4 - 6. (2) أشار إليه في الوسائل - الباب - 1 - من أبواب حد المحارب - الحديث 4 وذكره في التهذيب ج - 10 ص 131 والاستبصار ج 4 ص 256.

[ 578 ]

وقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر علي بن حسان (1) " من حارب الله وأخذ المال وقتل كان عليه أن يقتل ويصلب، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان عليه أن يقتل ولا يصلب ومن حارب وأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن يقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه أن ينفي " نعم ليس فيها بل ولا في غيرها من النصوص ما سمعته من المبسوط والخلاف من النفي في الاخيرين. وفي مرسل الفقيه عن الصادق (2) (عليه السلام) " إذا قتل ولم يحارب ولم يأخذ المال قتل، وإذا حارب وقتل قتل وصلب، فإذا حارب وأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، فإذا حارب ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي " فأوجب فيه الصلب إذا قتل محاربا وهو يعم ما إذا أخذ المال أو لم يأخذه، وقد سمعت صحيح محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) المشتمل على كيفية أخرى من التفصيل. إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن حمل ما فيها من الاختلاف على إرادة بيان مراعاة المرجحات لافراد التخيير المختلفة زمانا ومكانا وحالا، والظاهر أن المدار على ذلك ولا يقدح فيه الاقتصار في بعض الاحوال على النفي وإن قتل وأخذ المال لوجود مرحجات ؟ تقتضي ذلك، كما أنه يقتل ويصلب بمجرد الاخافة لها أيضا، ومن هنا لم يستقص فيها جميع الصور الممكنة. وبذلك يظهر لك ما في جملة من الكتب حتى ما في الرياض فانه مال إلى اعتبار الترتيب وتوقف في كيفيتيه، ثم مال إلى ما في النهاية وقال أيضا وعلى التخيير هل هو مطلق حتى في صورة ما إذا قتل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المحارب الحديث 11 - 10 - 1.

[ 579 ]

المحارب فللامام فيها أيضا الاتقصار على النفي مثلا كما هو ظاهر المتن وغيره أم يتعين فيه اختيار القتل كما صرح به المفيد وكثير ؟ وجهان أجودهما الثاني لكن قصاصا لا حدا، فلو عفا ولي الدم أو كان المقتول ممن لا يقتص له من القاتل سقط القتل قصاصا وثبت حدا مخيرا بينه وبين باقي الافراد، ولعله إلى هذا نظر شيخنا في روضته حيث تنظر في ما أطلقه الجماعة من تعين القتل في تلك الصورة فقال بعد نقل القول بالتخيير " نعم لو قتل المحارب تعين قتله ولم يكتف بغيره من الحدود سواء قتل مكافئا أم لا وسواء عفا الولي أم لا على ما ذكره جماعة من الاصحاب وفي بعض أفراده نظر " إنتهى ولكن الاحوط ما ذكروه بل لعله المتعين كما في الصحيح " بل لا يخفى عليك النظر فيه من وجوه منها ما ذكره من الوجهين على التخيير، ومن المعلوم أنه لاوجه لتعين القتل معه فتأمل والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (هنا مسائل): (الاولى:) (إذا قتل المحارب غيره طلبا للمال تحتم قتله قودا إن كان المقتول كفوا) لعموم أدلته، بل ظاهر الفتاوي تقدمه على الحد (ومع عفو الولي) ولو على مال ففي المتن ومحكي الخلاف والمبسوط والوسيلة والجامع قتل (حدا) كما في صحيح ابن مسلم (1) السابق (سواء


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المحارب - الحديث 1.

[ 580 ]

كان المقتول كفوا أم لم يكن) فيؤخذ حينئذ الدية للاول من تركته لو كان ولدا أو ذميا مثلا، والقيمة لو كان عبدا مثلا، وهو متجه بناء على الترتيب، أما على التخيير الذي قد سمعت من المصنف اختياره فالمتجه التخيير بينه وبين غيره من الافراد، لا تعين للقتل حدا. (و) أشكل من ذلك ما في الكتب المزبورة أيضا من أنه (لو قتل لا طلبا للمال كان كقاتل العمد، وأمره إلى الولي) إن شاء قتل وإن شاء عفا، فارقين بينه وبين القتل طلبا للمال، إذ هو غير متجه على القولين في ما لو عفا الولي، لاطلاق ما سمعته من الآية والنصوص، وليس في شئ منها الفرق بين القتل للمال وغيره، ولعله لذا أطلق في محكي المقنعة والنهاية وغيرهما قتله وإن عفا الولي، هذا كله في القتل. و (أما لو جرح) فلم يفرقوا بين كونه (طلبا للمال) وبين غيره، بل قالوا: (كان القصاص إلى الولي، ولا يتحتم القصاص في الجرح) حدا كما تقدم في القتل (بتقدير ان يعفو الولي على الاظهر) بينهم، خلافا للمحكى عن بعضهم من تحتمه حدا على نحو ما سمعته في القتل وإن كنا لم نتحققه، نعم قيل في التحرير إشارة إلى احتمال مساواته القتل، ولعله للاولوية، وهو أحد قولي الشافعي، ولكنه على كل حال واضح الضعف على إطلاقه، ضرورة عدم الدليل عليه، نعم لو فرض كون الجرح قطع يد يسرى مثلا أو رجل يمنى مع أخذ المال فعفا الولي أو اقتص منه وقلنا بالترتيب اتجه حينئذ تحتم القطع حدا، وكذا لو كان القصاص في أحد عضوي الحد، فانه يكمل الحد حينئذ بقطع الآخر في الفرض المزبور

[ 581 ]

كفاقد أحد العضوين، وكيف كان فلا يخفى عليك الحكم هنا بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا من إطلاق الادلة، ومن الغريب ما في المسالك، حيث شرح المتن المزبور للمصنف من غير إشارة إلى شئ مما ذكرناه، بل في آخر كلامه في الجرح تناف في الجملة، وتبعه في شرح المسألة على ما فيها في مجمع البرهان، والله العالم بحقيقة الحال. المسألة (الثانية:) (إذا تاب قبل القدرة عليه سقط الحد) كغيره من الحدود قال الله تعالى (1) " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " وقد سمعت ما في مرسل داود الطائي (2)، وفي آخر " ان حارثة ابن زيد خرج محاربا ثم تاب فقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) توبته ". (و) لكن (لم يسقط) بالتوبة (ما يتعلق به من حقوق الناس كالقتل والجرح والمال) بلا خلاف ولا إشكال، بل لعل التوبة يتوقف صحتها على أداء ذلك كما تقدم الكلام في تحقيقه. (ولو تاب بعد الظفر به لم يسقط عنه حد ولا قصاص ولا غرم) بلا خلاف ولا إشكال في الاخيرين كما عرفت، بل والاول، للاصل ومفهوم الآية (3) بعد وضوح الفرق بين الحالتين بالتهمة


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 34. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب حد المحارب - الحديث 6. (3) سورة المائدة: 5 - الاية 34.

[ 582 ]

وعدمها، نعم لو تاب عن ذلك بأن كان كافرا ثم أسلم أمكن سقوط الحد بها حينئذ بناء على جب الاسلام مثل ذلك وإن كان فيه بحث ستعرفه، بل ظاهرهم العدم، والله أعلم. المسألة (الثالثة:) (اللص) بكسر اللام بل وضمها في لغة واحد اللصوص (محارب) إذا تحقق فيه معناه السابق بلا خلاف ولا إشكال بل عن ظاهر السرائر إجماعنا عليه، لكن قال: " حكمه حكم المحارب " وفي الرياض ظاهره الفرق بينهما، وعدم كونه محاربا حقيقة، وعليه نبه شيخنا في المسالك والروضة، فقال في ما بعد قول المصنف: " واللص محارب " " بمعنى أنه بحكم المحارب في أنه يجوز دفعه ولو بالقتال، ولو لم يندفع إلا بالقتل كان دمه هدرا، أما لو تمكن الحاكم منه لم يحده حد المحارب مطلقا، وإنما أطلق عليه اسم المحارب تبعا لاطلاق النصوص، نعم لو تظاهر بذلك فهو محارب مطلقا وبذلك قيد المصنف في الدروس وهو حسن " انتهى وهو كذلك لما ذكره في المسالك من قصور النصوص سندا عن إفادة الحكم مطلقا مع اختصاص النصوص الواردة في حكم المحارب بمن جرد سلاحا أو حمله فيرجع في غيره إلى القواعد المقررة، ويعضده عدم عمل الاصحاب بما فيها من جواز القتل وإن دمه هدر مطلقا بل قيدوه بما إذا روعي فيه مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيندرج في الدفع من الادنى إلى الاعلى.

[ 583 ]

قلت: لا يخفى أن مراد المصنف وغيره ممن ذكر المسألة هنا اللص المحارب حقيقة بقرينة التفريع عليه بقوله: (فإذا دخل دارا متغلبا كان لصاحبها محاربته فإن أدى الدفع إلى قتله كان دمه ضائعا لا يضمنه الدافع، ولو جنى اللص عليه ضمن) ضرورة عدم إرادة غير المحارب من المتغلب، وكيف كان فقد أطلق المصنف وغيره هنا محاربته على الوجه المزبور من غير تقييد بمراعاة الاسهل فالاسهل على الوجه الذي ذكره، ولعلهم حملوا عليه خبر منصور (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " اللص محارب لله ورسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعلي " وخبري غياث بن ابراهيم (2) ووهب (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال في الاول منهما: " إذا دخل عليك اللص يريد أهلك ومالك، فان استطعت أن تبدره فابدره واضربه، وقال: اللص محارب لله ورسوله فاقتله فما عليك منه فهو علي " وفي آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) " قلت له: اللص يدخل في بيتي يريد نفسي ومالي قال: اقتله فأشهد الله ومن سمع أن دمه في عنقي " وفي خبر الكوفي (4) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) " أنه أتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين ان لصا دخل على امرأتي فسرق حليها فقال: أما أنه لو دخل على ابن صفية لما رضي ذلك حتى يعمه بالسيف " وغير ذلك من النصوص التي تسمع بعضها أيضا. إلا أني لم أجده قولا صريحا لاحد في المحارب الاصلي فضلا عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب حد المحارب - الحديث 1 - 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 3 - 1 من كتاب الجهاد.

[ 584 ]

اللص المحارب، ولو لا ذلك لامكن القول به ولو للمرسل كالموثق أو كالصحيح (1) " إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما أصابك فدمه في عنقي " وخبر أيوب (2) المروي عن المجالس " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من دخل على مؤمن داره محاربا له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن وهو في عنقي ". ومن ذلك وغيره يعلم الحال في مدافعة قطاع الطريق وإباحة دمائهم، وفي المرسل عن عبد الله بن عامر (3) قال: " سمعته يقول وقد تجارينا ذكر الصعاليك: حدثني أحمد بن اسحاق أنه كتب إلى أبي محمد (عليه السلام) يسأله عنهم، فكتب إليه اقتلهم " وفي آخر عن أحمد بن أبي عبد الله وغيره (4) " أنه كتب إليه يسأله عن الاكراد فكتب إليه لا تنبهوهم إلا بحر السيوف ". بل إن لم يكن إجماعا أمكن أن يقال بجواز قتل اللص غير المحارب أيضا حال دفاعه ابتداء، للاخبار المزبورة. مضافا إلى خبر السكوني (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " إن الله ليمقت العبد يدخل عليه اللص في بيته فلا يقاتل ". والصحيح أو الحسن (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللص في بيته فلا يحارب ".


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 7 من كتاب الجهاد. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد المحارب الحديث 3 عن أبي أيوب. (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الدفاع - الحديث 1 - 2. (5) و (6) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد العدو - الحديث 2 والثانى بسند الكليني (قده).

[ 585 ]

وخبر الفتح بن زيد الجرجاني (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " في رجل دخل دار آخر للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار يقتل به قال: اعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه، ولا يجب عليه شئ ". وخبر الحسين بن مهران (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن امرأة دخل عليها اللص وهي حبلى فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت المرأة على اللص فقتلته، فقال أما المرأة التي قتلت فليس عليها شئ، ودية سخلتها على عصبة المقتول السارق " ورواه في الفقيه بسنده إلى الحسين بن سعيد عن محمد بن الفضل (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لص دخل على امرأة " الحديث على اختلاف في الفاظه. وفيه أيضا عن محمد بن الفضيل (4) عن الرضا (عليه السلام) " سألته عن لص دخل على امرأة وهي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المرأة إلى سكين فوجئته به فقتلته، قال: هدر دم اللص ". وخبر أبي حمزة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له " لو دخل رجل على امرأة وهي حبلى فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت عليه فقتلته، قال: ذهب دم اللص هدرا، وكان دية ولدها على


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص. (2) و (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب العاقلة - الحديث 1 - 2 من كتاب الديات. (4) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 6 من كتاب القصاص. (5) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب العاقلة - الحديث 3 من كتاب الديات.

[ 586 ]

المعلقة ". إلى غير ذلك من النصوص الدالة على هدر دم اللص المؤيدة بما دل على هدر دم الداخل إلى دار غيره بغير إذنه (1) وعلى فقأ عين الناظر. ففي خبر العلاء بن الفضيل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا اطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر من خلل شئ لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقؤوا عينه فليس عليهم غرم، وقال: إن رجلا اطلع من خلل حجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء رسول الله بمشقص ليفقأ عينه فوجده قد انطلق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي خبيث أما والله لو ثبت لي لفقأت عينك " ونحوه خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام). وفي خبر عبيد بن زرارة (4) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اطلع رجل على النبي (صلى الله عليه وآله) من الجريد فقال له النبي: لو أعلم أنك تثبت لي لقمت إليك بالمشقص حتى أفقأ به عينك قال فقلت له: أذلك لنا ؟ فقال: ويحك أو ويلك أقول لك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل تقول ذلك لنا ". وفي خبره الآخر (5) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:


(1) الوسائل الباب - 3 و 5 و 6 - من ابواب الدفاع. (2) و (4) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 6 - 4 من كتاب القصاص. (3) أشار إليه في الوسائل - الباب - 25 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 4 ص 74 - الرقم 227. (5) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث - 5 من كتاب القصاص.

[ 587 ]

بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجراته مع بعض أزواجه ومعه مغازل يقلبها إذ بصر بعينين تطلعان، فقال: لو أعلم أنك تثبت لقمت حتى أنحسك، فقلت نفعل نحن مثل هذا إن فعل مثله بنا ؟ فقال: إن خفي لك فافعله " ولعل المراد بالخفاء له عدم الاطلاع عليه كي لا يقاد به. وفي خبر حماد (1) عنه أيضا " بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض حجراته إذ اطلع رجل من شق الباب وبيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدارة فقال له: لو كنت قريبا منك لفقأت به عينك " إلى غير ذلك من النصوص، ولا ينافي ذلك أن حده القطع في غير الحال المزبور، إلا أنه لم أجد مصرحا بالعمل بها على الوجه المزبور، بل ستسمع من غير واحد ما يقضي بتقييد النصوص الاخيرة بما إذا لم يندفع بالزجر ونحوه وإلا كان ضامنا، وربما يأتي هناك نوع زيادة تحقيق للمسألة. ولكن الذي يظهر منهم هنا وهناك أنه لا فرق بين دفاع المحارب واللص وغيرهما من الظالمين وإن اختلفت الحدود، إلا أن الجميع متحدة في كيفية الدفاع الذي ذكروا فيه التدرج فلاحظ وتأمل. بل قد يقال بوجوب القصاص على من قتل المحارب بعد أن كف عنه وإن كان هو مفسدا ومن حده القتل، ولكن بناء على ما ذكرناه من التخيير لم يكن القتل متعينا، فلا يكون مباح الدم، نعم على القول الآخر والفرض أنه قتل يكون كذلك وإن أثم غير الحاكم بمباشرته،


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 1 من كتاب القصاص.

[ 588 ]

وقد يحتمل الاطلاق. وعلى كل حال فقد عرفت أن المفروض في المتن والقواعد والارشاد وغيرها من كتب المتأخرين اللص الذي يندرج في المحارب، بل بينه تقييدهم الدخول بالتغلب وغيره تبعا لما في النصوص، وإلا فلا ثمرة معتد بها لذلك بعد فرض تقييد دفاع المحارب واللص المحارب وغيره بمراعاة الادنى فالادنى كغيرهم من المدافعين، وحينئذ فإذا قتله مع توقف الدفع عليه لا ضمان عليه، للاصل والخبرين وغيرهما بل الاجماع بقسميه عليه بخلاف جناية اللص، فانها باقية على عمومات الضمان حتى لو وقعت عنه مدافعة عن نفسه التي أسقط الشارع احترامها في الحال المزبور. (و) لكن (يجوز الكف عنه) حيث يكون إرادته المال الذي لم يجب الدفع عنه لتوقف حفظ النفس عليه مثلا قال أبو بصير (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقاتل عن ماله، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال من قتل دون ماله فهو بمنزلة شهيد، فقلنا له: أيقاتل اللص ؟ فقال: إن يقاتل فلا بأس، أما لو كنت أنا لتركته. " والمراد من الشهيد كما في غيره من النصوص (2) المبالغة في مساواة أجره له لا أن أحكامه تجري عليه، وهو واضح كوضوح عدم الفرق في ذلك بين ماله وبين كونه أمانة في يده وإن قيل بوجوب الدفع عن الاخير من باب النهي عن المنكر، بل في الرياض هو حسن مع عدم التغرير بالنفس وإلا فلا يجب


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب الدفاع - الحديث - 2 - مع اختلاف يسير. (2) الوسائل الباب - 46 - من ابواب جهاد العدو من كتاب الجهاد.

[ 589 ]

بل لا يجوز. (أما لو أراد نفس المدخول عليه) أو غيره ممن في الدار ممن يضعف عنه (فالواجب الدفع) مع ظن السلامة، بل أو عدم العلم بالحال لاطلاق النصوص (ولا يجوز الاستسلام والحال هذه، ولو عجز عن المقاومة وأمكن الهرب) الذي تتوقف النجاة عليه (وجب) عينا إن انحصر أو تخير بينه وبين غيره من أسباب النجاة إن حصل، فان لم يفعل أثم، ولو لم يمكنه الهرب ولا غيره من أفراد النجاة دافع بما يمكن إذ هو أولى من الاستسلام المفروض عدم احتمال النجاة معه، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (يصلب المحارب حيا على القول بالتخيير) لانه أحد أفراد التخيير القسيم للقتل (ومقتولا على القول الآخر) الذي قد عرفت أن ذلك مقتضى النص الدال عليه، ثم على تقدير صلبه حيا إن مات بالصلب قبل الثلاثة فذاك، وإلا ففي المسالك وكشف اللثام أجهز عليه بعدها، ولم أجد ما يدل عليه، ولعله بناء على ما تسمعه من حرمة إبقائه بعد الثلاثة لكن يمكن منع انسياقه إلى الفرض المزبور، ولعله لذا قال في الرياض: " يصلب حيا حتى يموت " ولا ينافي ذالك ما في.

[ 590 ]

المسألة (الخامسة:) التي ذكرها المصنف وغيره بل ظاهر المسالك الاجماع عليها، بل عن الخلاف التصريح به، وهي (لا يترك) المصلوب (على خشبة أكثر من ثلاثة أيام ثم ينزل ويغسل ويكفن ويصلي عليه ويدفن) إن كان مسلما ضرورة ظهور ذلك في حرمة إبقائه أكثر من الثلاثة كظهور النهي في خبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل فيدفن " في ذلك أيضا وفي آخر له (2) عنه (عليه السلام) " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلب رجلا بالحيرة ثلاثة أيام ثم أنزله يوم الرابع وصلى عليه ودفنه " وفي الفقيه باسناده عنه أيضا (3) قال الصادق (عليه السلام) قال: " المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام ويغسل ويدفن ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام " لما عرفته من إمكان تنزيل ما في النص والفتوى على غير الفرض الذي هو الصلب حيا خصوصا بعد ما سمعته من الدفن ونحوه. وكيف كان فلا أجد خلافا بيننا في الحكم المزبور، نعم عن العامة قول بتركه حتى يسيل صديدا وعن آخر منهم حتى يسيل صليبه، وهو الورك، لانه لذلك سمي صليبا، ولاريب في ضعفهما، كضعف المحكي عنهم من عدم تغسيله والصلاة عليه، لما سمعته من النصوص


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد المحارب الحديث 2 - 1 - 3.

[ 591 ]

والفتاوي. نعم في المتن والنافع (و) القواعد (من لا يصلب إلا بعد القتل لا يفتقر إلى تغسيله، لانه يقدمه أمام القتل) كما في نظائره وإن أشكل ذلك بعدم الفرق بينه وبين من أريد قتله بصلبه في التقديم المزبور بل ظاهر الادلة الاعم، ولذا كان المحكي عن جماعة الاطلاق وهو الاقوى، وأما الكلام في وجوب ذلك وعدمه فقد تقدم في محله ومع فرض الاخلال به يجب تغسيله بعد الانزال كما هو واضح هذا وفي المسالك " كأن المصنف فصل بينهما من حيث أن الصلب لا يستلزم القتل مطلقا فلا يدخل في العموم، قلت: وكأنه مناف لما سمعته منه سابقا من الاجهاز عليه لو لم يمت في الثلاثة ضرورة عدم الدليل عليه بناء على ذلك. ثم المنساق كون الثلاثة من يوم صلبه لا من يوم موته وفي المسالك " أن المعتبر من الايام النهار دون الليل، نعم تدخل الليلتان المتوسطتان تبعا " قلت قد سمعت ما في خبر السكوني (1) من تنزيل أمير المؤمنين (عليه السلام) إياه اليوم الرابع المقتضي لدخول الثالثة، بل ينبغي القطع بها إذا توقف عليها تمام المنكر بناء على تلفيقه، ضرورة كونها حينئذ كالمتوسطتين بل قد يحتمل ذلك في غيره أيضا بناء على دخول الليالي في مفهومها، فيعتبر حينئذ ثلاثة أيام بلياليها، كما تكرر الكلام في نظائره إلا أن الاحتياط هنا لا ينبغي تركه مع فرض عدم تحتم الصلب ثلاثة وحرمته بعدها، ولا فرق بين الايام الطويلة والقصيرة والحارة والباردة وإن اقتضى بعض ذلك المثلة به لاطلاق الادلة.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب حد المحارب - الحديث 1.

[ 592 ]

ولو مات المحارب قبل استيفاء الحد لم يصلب، لفوات محل العقوبة وإن قلنا بصلبه بعد القتل، لان المقصود هو الصلب بعد القتل للاعلان والاعتبار، ولا يتحقق ذلك في الصلب إذا مات حتف أنفه، والله العالم. المسألة (السادسة:) المشهور بين الاصحاب بل عن بعض الاجماع أن المراد من النفي هو أن (ينفي المحارب عن بلده، ويكتب إلى كل بلد يأوى إليه بالمنع من مؤاكلته ومشاربته ومجالسته ومبايعته) ففي خبر المدائني (1) عن الرضا (عليه السلام) " قلت كيف ينفي ؟ وما حد نفيه ؟ قال: ينفي من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر آخر غيره، ويكتب إلى أهل ذلك المصر بأنه منفي، فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تؤاكلوه ولا تشاروه، فيفعل ذلك به سنة فأن خرج من ذلك المصر الى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة. قلت: فان توجه إلى ارض الشرك ليدخلها، قال: " إن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها " وفي خبره الآخر (2) عن الصادق (عليه السلام) " قلت: وما حد نفيه ؟ قال: سنة إلى أن قال: فلا يزال هذه حاله سنة، فإذا فعل به ذلك تاب وهو صاغر ".


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب حد المحارب - الحديث 2. (2) اشار إليه في الوسائل - الباب 4 - من ابواب حد المحارب - الحديث 4 - وذكره في التهذيب ج 10 ص 131 والاستبصار ج 4 ص 256.

[ 593 ]

لكن المصنف وغيره بل الاكثر على عدم التقييد بالسنة، بل لم يحك إلا عن ابن سعيد، كما أنه لم يحك العمل بما في حسن جميل (1) " سأل الصادق (عليه السلام) النفي إلى أين ؟ قال: من مصر إلى مصر آخر، وقال: إن عليا (عليه السلام) نفي رجلين من الكوفة إلى البصرة " إلا عن الصدوق في المقنع، بل: قيل هو لا ينافي ما في غيره من النفي من كل مصر يقصده إلى آخر وهكذا. وعلى كل حال فالمنفي من الارض هو ما عرفت، بل لعله المنساق منه عرفا لكن في محكي الفقيه ينبغي أن يكون نفيا شبيها بالصلب والقتل تثقل رجلاه ويرمي في البحر، ولعله لخبر عبد الله بن طلحة (2) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: " يحكم على المحارب بقدر ما يعمل وينفي: يحمل في البحر ثم يقذف به حتى يكون حدا يوافق القطع والصلب " ولم نعرفه قولا لغيره نعم عن الجامع " نفي من الارض بأن يغرق على قول أو يحبس على آخر أو ينفي من بلاد الاسلام سنة حتى يتوب وكوتبوا أنه منفي محارب، فلا تؤوه ولا تعاملوه فأن أبوا قوتلوا " ولعله للعامة كالقول بالحبس الموجود في بعض نصوصنا المحمول عليه. قال في محكي المبسوط: " إذا شهر السلاح وأخاف السبيل بقطع الطريق كان حكمه متى ظفر به الامام التغريب، وهو أن ينفي عن بلده ويحبس في غيره، ومنهم من قال لا يحبس في غيره، وهذا مذهبنا، غير أن أصحابنا رووا أنه لايقر في بلد، وينفي عن بلاد


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب حد المحارب - الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 4 - من ابواب حد المحارب - الحديث 5.

[ 594 ]

الاسلام كلها، فان قصد بلاد الشرك قيل لهم لا تمكنوه، فأن أمكنوه قوتلوا عليه حتى يستوحش فيتوب - ثم قال - نفيهم أن يتبعهم أينما حلوا كان في طلبهم ماذا قدر عليهم أقام عليهم الحدود، وقال: وأما قوله تعالى (1) " وبنفوا من الارض " معناه إذا وقع منهم في المحاربة ما يوجب شيئا من هذه العقوبات يتبعهم الامام أبدا حتى يحدهم ولا يدعهم في مكان هذا هو النفي من الارض عندنا، وعند قوم المنفي من قدر عليه بعد أن شهر السلاح وقبل أن يعمل شيئا " والنفي عنده الحبس، والاول مذهبنا، إلى آخره، لكن فيه أنه خلاف المنساق من الآية (2) والرواية (3) بل هو خلاف صريح الفتاوي ولو لا ذلك لكان في غاية الحسن، بل في خبر أبي بصير (4) الآتي شهادة له. (و) كيف كان ففي المتن وغيره (لو قصد بلاد الشرك منع منها ولو مكنوه من دخولها قوتلوا حتى يخرجوه) وقد سمعت ما في مرسل المبسوط وخبر المدائني (5) وفي آخر له (6) عنه (عليه السلام) " فان أم ارض الشرك يدخلها قال: يقتل " وفي خبر سماعة عن أبي بصير (7) " سألته عن الانفاء من الارض كيف هو ؟ قال: ينفي من بلاد الاسلام كلها فان قدر عليه في شئ من أرض الاسلام قتل ولا أمان له حتى يلحق بأرض الشرك " إلا أنه ضعيف ومضمر ومجمل في سبب النفي. وربما أشكل الحكم المزبور على قواعد أحكام الكفار بأنهم إن كانوا


(1) و (2) سورة المائدة: 5 - الاية 33. (3) الوسائل الباب - 1 - من ابواب حد المحارب. (4) و (7) الوسائل الباب - 4 - من ابواب حد المحارب - الحديث 7. (5) و (6) الوسائل الباب - 4 - من ابواب حد المحارب - الحديث 2 - 4.

[ 595 ]

أهل حرب فمقاتلتهم لا تتوقف على ذلك، وإن كانوا أهل هدنة وذمة فلا يقدح ذلك بمجرده في عهدهم إلا مع شرطه، وإثباته من مجرد هذا الخبر لا يتم خصوصا عند المصنف وغيره ممن لم يعتبر أصل الخبر نظرا إلى ما تقدم. قلت: لا بأس بالعمل به بعد انجباره واعتضاده بما عرفت مضافا إلى ما قلناه سابقا من إيكال ذلك إلى نظر الامام على حسب ما يراه من المصلحة في الافراد وكيفياتها والله العالم. المسألة (السابعة): (لا يعتبر في قطع المحارب أخذ النصاب) كما لا يعتبر في قتله لو قتل المكافأة لاطلاق الادلة الذي لا يعارضه إطلاق إسم اللص والسارق عليه بعد ظهور الادلة في اشتراط ذلك في غيره كاشتراط المرافعة ونحوها مما سمعته في السرقة (و) لكن (في الخلاف يعتبر) النصاب لقوله (صلى الله عليه وآله) (1) " القطع في ربع دينار " ولانه مجمع عليه ولا دليل فيما دونه، وهو كما ترى (و) كذا (لا) يعتبر (انتزاعه من حرز) للاطلاق المزبور. هذا كله على القول بالتفصيل (و) أما (على ما قلناه من التخيير فلا فائدة في هذا البحث) أصلا ولا وجه للشرط المزبور (و) ذلك (لانه) عليه (يجوز قطعه وإن لم يأخذ مالا)


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 254.

[ 596 ]

فضلا عن كونه بقدر النصاب ومن حرز كما هو واضح. (وكيفية قطعه أن تقطع يمناه ثم تحسم ثم تقطع رجله اليسرى وتحسم ولو لم تحسم في الموضعين جاز). وكذا لا إمهال في قطع عضوية لانه حد واحد، بل لو استحق قطع يمناه بالقصاص ثم قطع الطريق قدم القصاص ثم قطعت رجله اليسرى بلا إمهال كما في القواعد، ولعله لانهما وإن كانا حدين لكن لو لم يكن الحق في يمناه بالقصاص لقطعت مع الرجل بلا إمهال والحاصل أن الامهال تخفيف له واتقاء عليه وهو بقطع الطريق لا يستحقه، نعم من استحق يمناه بالسرقة ويسراه بالقصاص قدم القصاص لانه حق الناس خاصة، ويمهل حتى يندمل ثم يقطع بالسرقة لانهما حدان فلا توالي بينهما والله العالم. (ولو فقد أحد العضوين اقتصرنا على قطع الموجود ولم ينتقل إلى غيره). المسألة (الثامنة): (لا يقطع المستلب ولا المختلس ولا المحتال على الاموال بالتزوير والرسائل الكاذبة بل يستعاد منه المال ويعزر) بما يراه الحاكم لعدم صدق المحارب على شئ من الثلاثة بناء على إرادة نهب المال من الاول والهرب من دون محاربة بتجريد سلاح ونحوه فهو حينئذ منتهب ومختطف لا محارب، فانه إنما يتحقق كما في القواعد لو قصد أخذ المال قهرا

[ 597 ]

مجاهرة، فإن أخذوا خفية فهم سارقون وإن أخذوه اختطافا وهربوا فهم منتهون، بل في كشف اللثام وإن جرحوا أو قتلوا حين اختطفوا وإن كان قد يشكل بأن الهرب مخافة مجئ الاقوى منه بعد الاخافة والقتل والجرح لا ينافي المحاربة كما هو الموجود في قطاع الطريق في زماننا، نعم لو اختطف وهرب بلا إخافة بتجريد سلاح واجتماع ونحو ذلك لم يكن محاربا، ولعله المراد لهما وإلا كان مشكلا، وعلى ذلك يحمل ما في للنصوص من عدم القطع على الذي يستلب. وأما المختلس المفسر في محكي النهاية والمهذب والسرائر بالذي يأخذ المال ظاهرا من غير إشهار سلاح أو قهر فهو راجع إلى المستلب الذي سمعت الكلام فيه، ولعلهم أخذوه مما في الصحاح " خلست الشئ واختلسته وتخلسته إذا استلبته والتخالس التسالب " وفي مختصر النهاية " والخلسة ما يؤخذ سلبا ومكابرة " لكن في المسالك تفسير المستلب بأنه الذي يأخذ المال جهرا ويهرب مع كونه غير محارب، والمختلس بأنه الذي يأخذ المال خفية كذلك، ولعل المنساق منه أخذ المال من صاحبه عند صدور غفلة منه، قال في مختصر النهاية " وعدنا خالسا أي يختلسك على غفلة ". وفي خبر أبي بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا أقطع في الدغارة المعلنة وهي الخلسة ولكن أعزر " وفي خبر محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اختلس ثوبا من السوق فقالوا قد سرق هذا الرجل فقال: لا أقطع في الدغارة المعلنة ولكن أقطع من يأخذ ثم يخفى " وفي خبر السكوني (3) عن الصادق (عليه السلام) " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل اختلس درة من إذن جارية، فقال هذه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1 - 2 - 4.

[ 598 ]

الدغارة المعلنة فضربه وحبسه " إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على عدم القطع بالاختلاس والدغارة المعلنة وقد سمعت الكلام في الاول. وأما الدغارة ففي الصحاح أخذ الشئ اختلاسا وفي الحديث (1) " لا قطع في الدغرة " وأصل الدغر الدفع، وفي مختصر النهاية " ولا قطع في الدغرة وهي الخلسة " وعلى كل حال فلا قطع على ذلك نصا وفتوى. وكذا لا قطع في الثالث لعدم اندراجه في ما ثبت القطع فيه من السارق والمحارب فيبقى على مقتضى الاصل بلا خلاف أجده فيه لكن في صحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل أتى رجلا وقال أرسلني فلان اليك لنرسل إليه بكذا وكذا فأعطاه وصدقه وقال له: إن رسولك أتاني فبعثت إليك معه بكذا وكذا، فقال: ما أرسلته إليك وما أتاني بشئ، فزعم الرسول أنه قد أرسله وقد دفعه إليه، فقال: ان وجد عليه بينة أنه لم يرسله قطع يده - ومعنى ذلك أن يكون الرسول قد أقر مرة أنه لم يرسله، وإن لم يجد بينة فيمينه بالله ما أرسلته، ويستوفي الآخر من الرسول المال - قلت: أرأيت إن زعم أنه حمله على ذلك الحاجة، فقال: يقطع، لانه سرق مال الرجل " وعن الشيخ حمله على قطعه لافساده لا لسرقته، مع أن الرواية تضمنت التعليل بها لابه، والاولى حمله على قضية في واقعة اقتضت المصلحة فيها ذلك، كما أن ما عن المقنعة والنهاية والسرائر والوسيلة والتحرير من شهر المحتال ليحذر منه الناس محمول على ما


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 280. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب حد السرقة - الحديث 1.

[ 599 ]

إذا رأى الحاكم ذلك لمصلحة. (وكذا) لا قطع على (المبنج ومن سقى غيره مرقدا) للاصل وغيره، وإنما يعزر بما يراه الحاكم و (لكن إن جنى ذلك) وهو من أعطى البنج وأسقى المرقد (شيئا) مالا أو غيره (ضمن الجناية) باعتبار قوة السبب على المباشر، وفي القواعد والمبنج والمرقد يضمنان ما يجنيه البنج والمرقد، وفي كشف اللثام على المتناول من نقص في عقل أو حس أو عضو وما احتالا بذلك في أخذه من المال وما يجنيه المتناول بكسره أو رقاده، والله العالم.

[ 600 ]

(القسم الثاني) (من كتاب الحدود، وفيه أبواب): (الباب الاول) (في المرتد، وهو الذي يكفر بعد الاسلام) سواء كان الكفر سبق إسلامه أم لا، ويتحقق بالبينة عليه ولو في وقت مترقب أو التردد فيه، وبالاقرار على نفسه بالخروج من الاسلام أو ببعض أنواع الكفر، سواء كان ممن يقر أهله عليه أولا، وبكل فعل دال صريحا على الاستهزاء بالدين والاستهانة به ورفع اليد عنه، كالقاء المصحف في القاذورات وتمزيقه واستهدافه ووطئه وتلويث الكعبة أو أحد الضرائح المقدسة بالقاذورات، أو السجود للصنم وعبادة الشمس ونحوها وان لم يقل بربوبيتهما. قال الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل بن يسار (1) " إن رجلين من المسلمين كانا بالكوفة فأتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد أنه رآهما يصليان لصنم، فقال: ويحك لعله بعض من يشتبه


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب حد المرقد - الحديث 1.

[ 601 ]

عليه أمره، فأرسل رجلا فنظر إليهما وهما يصليان لصنم فأتى بهما، فقال لهما: أرجعا فأبيا فخد لهما في الارض خدا فأجج نارا وطرحهما فيه ". وبالقول الدال صريحا (1) على جحد ما علم ثبوته من الدين ضرورة، أو على اعتقاده ما يحرم اعتقاده بالضرورة من الدين، وقيده في كشف اللثام هذا بما إذا علم ذلك، قال: " بل العمدة ما يدل على إنكار ما اعتقد ثبوته أو اعتقاد ما اعتقد انتفاءه، لانه تكذيب للنبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان بزعمه " ونحوه ما تقدم له في كتاب الطهارة (2) ولكن قلنا هناك: إنه مخالف لاطلاق الفتاوي والنصوص المتفرقة في الابواب الدالة على الحكم بكفر كل من صدر منه ما يقتضي إنكار الضروري، منها ما ورد (3) في من أفطر في شهر رمضان من أنه يسأل فإن قال حلال يقتل، بل لعل اقتصار الاصحاب على الضروري كالصريح في الكفر به مقيدا، خصوصا بعد قولهم: سواء كان القول عنادا أو اعتقادا أو استهزاء، فما في كشف اللثام من أنه لا ارتداد بانكار الضروري أو اعتقاد ضروري الانتفاء إذا جهل الحال - واضح الضعف، ولعل منشأة الغفلة عن اقتضاء ظاهر النصوص الكفر به نحو الفعل المزبور لا أنه من جهة الاستلزام لانكار النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو منفي مع الجهل، وقد أطلنا الكلام معه في كتاب الطهارة (4) فلاحظ وتأمل.


(1) عطف على قوله: " بالبينة ". (2) و (4) راجع ج 6 ص 47. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أحكام شهر رمضان من كتاب الصوم.

[ 602 ]

بل الظاهر حصول الارتداد بانكار ضروري المذهب كالمتعة من ذي المذهب أيضا لان الدين هو ما عليه، ولعل منه انكار الامامي أحدهم (عليهم السلام) قال محمد بن مسلم (1): " قلت لابي جعفر (عليه السلام): أرأيت من جحد إماما منكم ما حاله ؟ فقال: من جحد إماما من الائمة (عليهم السلام) وبرأ منه ومن دينه فهو كافر ومرتد عن الاسلام، لان الامام من الله، ودينه من دينه، ومن برئ من دين الله فدمه مباح في تلك الحالة إلا أن يرجع ويتوب إلى الله مما قال " وقال أحمد بن مطهر (2): " كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمد (عليه السلام) يسأله عمن وقف على أبي الحسن موسى (عليه السلام) فكتب: لا تقرهم على عمل، وتبرأ منه، أنا إلى الله منه برآء، فلا تتولهم، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، من جحد إماما من الله أو زاد إماما ليست إمامته من الله تعالى كان كمن قال: إن الله ثالث ثلاثة، إن الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا " إلى غير ذلك من النصوص المحمولة على ما ذكرنا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (له) أي المرتد (قسمان: الاول من ولد على الاسلام) لابويه أو أحدهما، وهو المسمى بالفطري، وفي كشف اللثام المراد به من لم يحكم بكفره قط لاسلام أبويه أو أحدهما حين ولد ووصفه الاسلام حين بلغ، وظاهره كغيره اعتبار الولادة على الاسلام، بل اعتبار وصف الاسلام لو بلغ، فلو بلغ كافرا لم يكن مرتدا عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المرتد - الحديث 38 - 40 والثاني عن احمد بن محمد بن مطهر.

[ 603 ]

فطرة، وكأنه أخذ القيد الثاني مما تسمعه في بعض النصوص (1) من الرجل والمسلم ونحوهما مما لا يصدق على غير البالغ، بل ليس في النصوص إطلاق يوثق به في الاكتفاء بصدق الارتداد مع الاسلام الحكمي، ولعله لا يخلو من قوة. ولكن في المسالك تبعا لما عن القواعد تفسير الفطري بمن انعقد وأبواه أو أحدهما مسلم بل ربما نفي الخلاف فيه، بل ظاهره في ما ياتي المفروغية من ذلك من غير اعتبار وصف الاسلام عند البلوغ، وهو مع أنه مناف لحقيقة المرتد لغة ليس في ما حضرنا من النصوص دلالة عليه حتى الاطلاق. قال الصادق (عليه السلام) في موثق الساباطي (2): " كل مسلم بين مسلمين - وفي بعض النسخ بين مسلم - ارتد عن الاسلام وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله) نبوته وكذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه وامرأته بائنة منه يوم ارتد، فلا نقربه ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الامام أن يقتله ولا يستتيبه ". وفي صحيح الحسين بن سعيد (3) قال: " قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) رجل ولد على الاسلام ثم كفر وأشرك وخرج عن الاسلام هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب ؟ فكتب (عليه السلام): يقتل ".


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد - الحديث 3 - 6.

[ 604 ]

وفي مرفوع عثمان بن عيسى (1) " كتب عامل أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه اني أصبت قوما من المسلمين زنادقة وقوما من النصارى زنادقة فكتب إليه أما ما كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه ولا تستتبه، ومن لم يولد على الفطرة فاستتبه، فان تاب وإلا فاضرب عنقه، وأما النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة ". وفي مرسل عثمان بن عيسى (2) " من شك في دينه بعد تولده على الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا " إلى غير ذلك من النصوص. وبالجملة فلا خلاف ولا إشكال في فطرية من انعقد وولد ووصف الاسلام عند بلوغه وأبواه مسلمان بل أو أحدهما ولو الام ثم ارتد، حتى لو ارتد أبواه بعد انعقاده، نعم لو انعقد منهما كافرين لم يكن فطريا وإن أسلم أبواه أو أحدهما عند الولادة، فان له حالا سابقا محكوما بكفره، فلم تكن فطرته عن الاسلام بخلاف الاول، فانهما وإن ارتدا حال الولادة بعد الانعقاد منهما أو من أحدهما يبقى على حكم الاسلام ولا يجره كفرهما. ومن الغريب ما في رسالة الجزائري من أن المدار على الولادة لا الانعقاد، ولعل منشأ الوهم النصوص المزبورة المراد منها أصل الخلقة لا خصوص التولد المذكور فيها المبني على غلبة اتحاد الولادة مع الانعقاد أو على غلبة تولده بعد انعقاده، فهو حينئذ ولد حال الانعقاد ولو مجازا، وحينئذ فيكفي في فطريته ذلك وإن ارتد أبواه عند الولادة،


الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد المرتد - الحديث 5. (2) أصول الكافي ج 2 ص 400.

[ 605 ]

كما أنه لا يكون فطريا مع انعقاده منهما كافرين وإن أسلما عند الولادة، إنما الكلام في اعتبار وصف الاسلام عند البلوغ وعدمه، وقد عرفت ظهور ما حضرنا من النصوص وتعرف ان شاء الله زيادة ترجيح له أيضا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (هذا) أي المرتد عن فطرة (لا يقبل إسلامه لو) تاب و (رجع) إلى الاسلام (ويتحتم قتله، وتبين منه زوجته، وتعتد منه عدة الوفاة، وتقسم أمواله بين ورثته وإن التحق بدار الحرب أو اعتصم بما يحول بين الامام وقتله) بلا خلاف معتد به أجده في شئ من الاحكام المزبورة، بل الاجماع بقسميه عليها للنصوص المذكورة، مضافا إلى صحيح ابن جعفر (1) سأل أخاه (عليه السلام) " عن مسلم ارتد، قال: يقتل ولا يستتاب، قال: فنصراني أسلم ثم ارتد عن الاسلام، قال: يستتاب، فان رجع وإلا قتل " وغيره خصوصا المطلق المشتمل على الاحكام المزبورة المحمول بقرينة غيره والاجماع على الفطري. إنما الكلام في قبول توبته بالنسبة إلى غير ذلك من الاحكام، وقد أطنبنا في ذلك في كتاب الطهارة (2) وحكينا القول بالقبول عن جماعة، لاقتضاء عدم القبول تكليف ما لا يطاق ونحوه مما هو مناف لقواعد العدلية، أو سقوط التكليف عن البالغ العاقل، وهما معا ممتنعان، فيجب تنزيل عموم نفي التوبة في النص والفتوى على الاحكام المزبورة دون غيرها من عباداته ونحوها، بل لعله المراد مما وقع من بعضهم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد - الحديث 5. (2) راجع ج 6 ص 292 - 298.

[ 606 ]

من عدم قبولها ظاهرا وقبولها باطنا، لا أن المراد به مجرد سقوط العقاب عنه في الآخرة وإن حكم بنجاسته في الدنيا وببطلان عباداته، ولا أن المراد به قبولها في ذلك بالنسبة إليه خاصة دون غيره ممن يباشره، إذ هما معا كما ترى. مؤيدا ذلك كله بما وقع من غير واحد في بحث القضاء من الصلاة أن المرتد يقضي زمان ردته وإن كان عن فطرة، بل لا خلاف معتد به فيه عندهم، بل حكى غير واحد الاجماع عليه، بل في ناصريات المرتضى إجماع المسلمين على ذلك، وهو لا يتم إلا على قبول توبته في غير الاحكام المزبورة. وبظهور (1) التقييد في قوله تعالى (2): " ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر " في أن من لم يمت كذلك لم يكن له الجزاء المزبور بعد إطلاق المرتد بقسميه، وبقوة (3) عمومات التوبة المؤيدة بالعقل وبغير ذلك. ولكن قد ذكرنا المناقشة في ذلك كله وقلنا: لا مانع عقلا من عدم القبول وإن عوقب عقاب المكلفين على ما وقع من سوء اختياره، خصوصا بعد أن تقدم إليه في ذلك، بل لو سلم اقتضاء العقل ذلك أمكن أن يخذلهم الله عن التوفيق لها، كما أنه لو سلم القبح في مثل الفرض أمكن التزام سقوط التكليف باعتبار تنزيله منزلة الميت، ولذا تعتد زوجته منه، وتقسم أمواله، بل لو سلم امتناع ذلك أمكن رفع العقاب الآخروي بها دون إجراء أحكام الكفار ظاهرا وإن عذر


(1) و (3) عطف على قوله: " بما وقع من غير واحد ". (2) سورة البقرة: 2 - الاية 217.

[ 607 ]

بها كالكافر المستضعف. وعلى كل حال فلا داعي إلى تنزيل عموم نفي التوبة في النص والفتوى ومعقد الاجماع على خصوص الاحكام المزبورة، والاجماع على قضاء زمان الردة ولو عن فطرة إنما هو في مقام بيان أن الكفر الارتدادي لا يسقط القضاء لو تعقبه الاسلام بخلاف الكفر الاصلي، ويكفي في المثال للفطري المرأة التي تقبل توبتها ولو كانت عن فطرة كما ستعرف. وكأن ما ورد في كفر الغلاة والمفوضة بجميع أقسامهم ونحوهم مبني على ذلك ولكنهم غير معذورين في اعتقاد ما نفته الضرورة، أو مبني على أن ذلك بنفسه كفر كانكار المعاد لا من حيث انه إنكار ضروري، قال الرضا (عليه السلام) في خبر يزيد بن عمر الشامي (1): " من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك " ونحوه غيره في التصريح بكفرهم المبني على ما ذكرنا، أو على أنهم ممن أنكر الضروري، وهو كفر تعبدا لا استلزاما، وتخرج النصوص حينئذ شاهدا لذلك. نعم لا يخفى على من لاحظها وغيرها مما جاء (2) في الواقفية وغيرهم ممن هم محكوم بكفرهم قبول التوبة منهم، بل في بعضها (3) التصريح بقبول توبة الغالي، والغالب في ارتداد فرق الشيعة كونه


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب حد المرتد - الحديث 4 عن يزيد بن عمر. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب حد المرتد. (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب حد المرتد.

[ 608 ]

عن فطرة. فيكون ذلك مؤيدا لعموم قبولها في الدنيا، بل ملاحظة ما جاء في عموم التوبة (1) تفيد الظن بشموله للفرض. لكن قد يقال بعد أن عرفت: أن القبول على الوجه المزبور - بمعنى عوده على ما كان من الطهارة وغيرها، بل له العقد جديدا على زوجته بعد العدة أو في أثنائها على ما صرح به ثاني الشهيدين - سمعي لا عقلي، فالعمدة ترجيح ما جاء في خصوص الفطري من نفي التوبة في غير واحد من النصوص (2) وما جاء من عموم التوبة (3) وهو إن لم يكن للاول للشهرة المحكية وغيرها فلا أقل من الشك، والاصل يقتضي عدم القبول، وتمام الكلام في أطراف المسألة قد تقدم في كتاب الطهارة (4) حتى ما يحكى عن الاسكافي من أن الارتداد قسم واحد وأنه يستتاب، فان تاب وإلا قتل، نحو المحكي عن العامة على خلاف بينهم في مدة إمهاله. وكأنه مال إليه في المسالك حيث قال بعد حكايته: " وعموم الادلة المعتبرة يدل عليه، وتخصيص عامها أو تقييد مطلقها برواية عمار (5) لا يخلو من اشكال، ورواية علي بن جعفر (6) ليست صريحة في التفصيل " وإن كان هو كما ترى لا ينبغي أن يسطر بعد استقرار مذهب الامامية على خلافه، ونحو ذلك ما وقع له من الاضطراب في قبول توبة المرتد الفطري باطنا، وجعل من ذلك عود زوجته إليه بعقد جديد بعد العدة أو فيها في احتمال كالمطلقة بائنا، مع أن بينونة الزوجة


(1) و (3) سورة طه: 82 - الاية 20 وسورة التوبة: 9 - الاية 104. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد. (4) راجع ج 6 ص 293 - 298. (5) و (6) الوسائل الباب - 1 - من ابواب حد المرتد - الحديث 3 - 5.

[ 609 ]

أحد أحكام الثلاثة التي قد عرفت الاجماع على عدم قبول التوبة بالنسبة إليها، بل مقتضى إطلاق البينونة واعتدادها منه عدة الوفاة خلاف ذلك أيضا. نعم (يشترط في الارتداد) بقسميه (البلوغ وكمال العقل والاختيار) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى معلومية اعتبارها في نحو ذلك، فلا عبرة به من الصبي وان كان مراهقا لحديث رفع القلم (1) وغيره، ولكن يؤدب بما يرتدع به، خلافا للمحكي عن خلاف الشيخ، فاعتبر إسلام المراهق وارتداده والحكم بقتله إن لم يتب، للخير (2): " للصبي إذا بلغ عشر سنين أقيمت عليه الحدود التامة واقتص منه وتنفذ وصيته وعتقه " ولكنه شذوذه وعدم صراحته ومعارضته بما هو أقوى منه من وجوه يمنع من العمل به. ولا عبرة أيضا بردة المجنون حال جنونه مطبقا أو ادواريا، ولا بردة المكره الذي هو أحد من رفع عنه التكليف، وقد قال الله تعالى (3): " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ". وحينئذ (فلو أكره كان نطقه بالكفر لغوا) فلا ارتداد حينئذ حقيقة، لان له إظهار الافعال الدالة على الكفر والكلمات الصريحة فيه حتى البراءة وإن ورد النهي عنها في بعض الاخبار (4) المحمولة على


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص. (2) لم أعثر عليه عاجلا. (3) سورة النحل: 16 - الاية 106. (4) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الامر والنهي من كتاب الامر بالمعروف.

[ 610 ]

على ضرب من التأويل أو المطرحة للمعارضة بالاقوى من وجوه، خصوصا بعد قوله تعالى (1): " إلا أن تتقوا منهم تقاة " بل الظاهر وجوبه مع الخوف على النفس أو الطرف، نعم ينبغي له التورية مع إمكانها. وكذا لا عبرة بما يقع من الغافل والساهي والنائم والمغمى عليه من الاقوال والافعال المقتضية للكفر لو وقعت من غيرهم، بل لو ادعى عدم القصد إلى ما تلفظ به وانما سبق به اللسان أو لغفلة من معناه أو عن أدائه إلى ما يقتضي الكفر أو السهو عن ذلك أو الحكاية عن الغير صدق بلا يمين إذا لم يعلم كذبه للاصل والاحتياط والشبهة، بل لعل من ذلك ما يصدر عند الغضب الذي لا يملك نفسه معه، وفي خبر علي بن عطية (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: كنت جالسا عنده وسأله رجل عن رجل يجئ من الشئ على حد الغضب يؤاخذه الله، فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده " وما ورد (3) من أن الغضب يفسد الايمان محمول على ما يقع منه مختارا لاجل الغضب لا ما يشمل الفرض المزبور، والله العالم. (ولو ادعى الاكراه مع وجود الامارة) على ذلك كالاسر ؟ عند الكفار (قبل) ترجيحا لحقن الدم، واستصحابا للاسلام ودرء للحد بالشبهة. وإن لم تظهر علامة الاكراه ففي القواعد في القبول نظر أقر به العدم، لكن فرض المسألة في ما لو شهد بردته إثنان، ولعله مما


(1) سورة آل عمران: 3 - الآية 28. (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب حد القذف - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 2 من كتاب الجهاد.

[ 611 ]

عرفت، ومن أنه تكذيب للبينة بلا مؤيد، إذ لا ردة مع الاكراه، ومن هنا قال متصلا بما سمعته منه: ولو نقل الشاهد لفظا فقال: صدق ولكني كنت مكرها قبل منه، أي سواء ظهرت أمارة الاكراه أم لا ما لم يعلم انتفاؤه أو ثبت بينة، إذ ليس فيه حينئذ تكذيب للبينة، والاصل والاحتياط والشبهة تمنع من التهجم على قتله، بخلاف ما لو شهد عليه بها، فانه لا تقبل منه دعوى الاكراه مع عدم الامارة المقاومة للبينة على الاشكال السابق، بل قد يقوى قبوله مع فرض عدم التكذيب لها بأن أسند الاكراه إلى سبب خفي لم تعلم به البينة، وكذا مستند شهادتها الاخذ بظاهر الحال. ولا يفتقر المكره على الارتداد إلى تجديد الاسلام " ولا يجب عرضه عليه، لما عرفت من عدم الردة بما وقع منه، بل لو امتنع من تجديده حيث يعرض عليه لم يحكم بكفره كالمسلم، لكن في القواعد " دل ذلك على اختياره في الردة " وفيه منع ضرورة عدم الفرق بينه وبين المسلم بعد فرض لغوية ما وقع منه من الارتداد، والله العالم. (ولا تقتل المرأة بالردة) إجماعا بقسميه ونصوصا، (بل تحبس دائما وإن كانت مولودة على الفطرة، وتضرب أوقات الصلاة) قال الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (1): " لا يخلد في السجن إلا ثلاثة: الذي يمسك على الموت، والمرأة ترتد عن الاسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل " وفي صحيح حماد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في المرتدة عن الاسلام: لا تقتل، وتستخدم خدمة شديدة وتمنع الطعام والشراب إلا ما تمسك نفسها، وتلبس


(1) و (2) - الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المرتد - الحديث 3 - 1.

[ 612 ]

خشن الثياب، وتضرب على الصلوات " وفي مرسل إبن محبوب عن غير واحد من أصحابنا (1) عن الباقر والصادق (عليهما السلام) " في المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والمرأة إذا ارتدت استتيبت، فإن تابت ورجعت وإلا خلدت السجن، وضيق عليها في حبسها " ونحوه خبر عباد بن صهيب (2) إلى غير ذلك من النصوص. نعم إن تابت عفي عنها، كما صرح به غير واحد وإلا فعل ذلك بها دائما، لكن في المسالك " ليس في هذه الاخبار ما يقتضي قبول توبتها في الحالين، والخبر الاخير كما تضمن قبول توبتها تضمن قبول توبة المرتد الذكر، وحمله على المرتد الملي يرد مثله فيها، فيمكن حمل الاخبار الدالة على حبسها دائما من غير تفصيل على الفطرية بأن يجعل ذلك حدها من غير أن تقبل توبتها كما لا تقبل توبته، وفي التحرير لو تابت فالوجه قبول توبتها وسقوط ذلك عنها وإن كانت عن فطرة، وهو يشعر بخلاف في قبول توبتها إذا كانت فطرية، وهو المناسب بحال هذه النصوص " وفيه أن الانسب منه حملها على عدم التوبة بقرينة الخبرين المزبورين المجبورين بالعمل، ولا ينافي اشتمالهما على قبول توبة المرتد الذكر المحمول على الملي كغيرهما من النصوص المعتضدة بالعمل أيضا. وأما الخنثى المشكل فقد يقال: إن مقتضى درء الحد وغيره الالحاق بالمرأة كما جزم به بعض الافاضل، ولا ينافي ذلك تعليق الحكم على الولادة على الفطرة المعلوم عدم سياقها لنحو ذلك، والله العالم. (القسم الثاني: من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب، فإن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المرتد - الحديث - 6. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب حد المرتد - الحديث 4.

[ 613 ]

امتنع قتل) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) التي تقدم بعضها (و) حينئذ فلا إشكال كما لا خلاف في أن (استتابته واجبة) للامر بها (2) والاحتياط في الدماء، خلافا لابي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، فاستحبها لقوله (صلى الله عليه وآله) (3): من بدل دينه فاقتلوه ". (و) فيه أنه مقيد بأمر الاستتابة، إنما البحث في أنه (كم يستتاب ؟ قيل) وإن كنا لم نتحقق القائل: (ثلاثة أيام) نعم هو مروي بطريق ضعيف (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " المرتد يعزل عن امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ويستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل يوم الرابع ". (وقيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط والخلاف وتبعه عليه غيره: يمهل (القدر الذي يمكن معه الرجوع) لاطلاق الادلة الذي لا يقيده الخبر المزبور بعد ضعفه. (و) لكن مع ذلك (الاول) أحوط كما في المبسوط، لانك قد عرفت أنه (مروي) بل في المتن (وهو حسن لما فيه من التأني لازالة عذره) إذ ربما عرضت له شبهة، ولو قال: حلوا شبهتي ففي القواعد " احتمل الانظار إلى أن تحل شبهته وإلزامه


(1) الوسائل - الباب - 1 و 3 - من ابواب حد المرتد. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المرتد - الحديث - 5 -. (3) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب حد المرتد - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المرتد - الحديث.

[ 614 ]

التوبة في الحال ثم تكشف له " ولعل الاول لوجوب حل الشبهة، وكون التكليف بالايمان معها من التكليف بما لا يطاق، والثاني لوجوب التوبة على الفور، والكشف وإن وجب كذلك، لكن يستدعي مهلة، وربما طال زمانه، ويكفي في الحكم باسلامه التوبة ظاهرا وإن كانت الشبهة تأبى الاعتقاد، وأيضا ربما لا تأبى الاعتقاد تقليدا، وفيه أن ذلك كله مناف لاطلاق ما دل على قتله مع عدم التوبة نصا وفتوى، ولعله لعدم معذوريته في الشبهة. بل ربما ظهر من خبر أبي الصيقل (1) عدم الالتفات إلى ذلك، قال فيه: " إن بني ناجية قوم كانوا يسكنون الاسباف، وكانوا قوما يدعون في قريش نسبا، وكانوا نصارى، فأسلموا ثم رجعوا عن الاسلام، فبعث أمير المؤمنين (عليه السلام) معقل بن قيس التميمي فخرجنا معه، فلما انتهينا إلى القوم جعل بيننا وبينه أمارة، فقال: إذا وضعت يدي على رأسي فضعوا فيهم السلاح، فأتاهم فقال: ما أنتم عليه ؟ فخرجت طائفة فقالت: نحن نصارى فأسلمنا لا نعلم دينا خيرا من ديننا فنحن عليه، وقالت طائفة: نحن كنا نصارى ثم أسلمنا ثم عرفنا أنه لا خير من الدين الذي كنا عليه فرجعنا إليه، فدعاهم إلى الاسلام ثلاثة مرات فأبوا فوضع يده على رأسه، قال: فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم قال: فأتي بهم عليا (عليه السلام) فاشتراهم مصقلة بن هبيرة بمائة ألف درهم فأعتقهم وحمل إلى علي (عليه السلام) خمسين ألفا فأبى أن يقبلها، قال: فخرج بها فدفنها في داره. ولحق بمعاوية، قال فأخرب أمير المؤمنين (عليه السلام) داره وأجاز


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المرتد - الحديث 6.

[ 615 ]

عتقهم " وهو ظاهر فيما ذكرناه. هذا وفي كشف اللثام " وقيل: إن اعتذر بالشبهة أول ما استتيب قبل انقضاء الثلاثة الايام أو الزمان الذي يمكنه فيه الرجوع أمهل إلى فعها ؟، وإن أخر الاعتذار عن ذلك لم يمهل، لادائه إلى طول الاستمرار على الكفر، ولمضي ما كان يمكنه فيه إبداء العذر وإزالته ولم يبديه فيه " ولم أجده لاحد من أصحابنا، ولعله لبعض العامة، ولا ريب في وضوح ضعفه بمنافاته لاطلاق الادلة، ضرورة اقتضائه الامهال ولو سنين على الاول، ويمكن دعوى القطع بأنه خلاف النص والفتوى، فالتحقيق حينئذ ما عرفت من استتابته، والاحوط الانتظار ثلاثة أيام، فان لم يتب قتل ذكر شبهة أو لم يذكر. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (لا تزول عنه أملاكه بل تكون باقية عليه) أي على ملكه للاصل (و) غيره نعم (ينفسخ العقد بينه وبين زوجته) لعدم جواز نكاح الكافر مسلمة ابتداء واستدامة (و) لكن (يقف نكاحها على انقضاء العدة) لانه مقبول التوبة، فإذا تاب فيها كان أحق بزوجته، كما مر في كتاب النكاح (1) ذلك (و) أنها (هي) أي العدة (كعدة الطلاق (المطلقة خ ل) و) كذا لا خلاف ولا إشكال في أنه وإن كان محجورا عليه في التصرف في ماله كما ستعرف (يقضي من أمواله) أي يؤدي (ديونه وما عليه من الحقوق الواجبة) كنفقة الزوجة وغيرها (وتؤدي منها) أيضا (نفقة الاقارب ما دام حيا) ضرورة بقائه مخاطبا، إلا أن الذي يباشر


(1) راجع ج 30 صفحة 49.

[ 616 ]

ذلك الحاكم، وكذا تؤدي له نفقته إلى أن يموت أو يقتل، لكن عن الخلاف أن لاصحابنا قولين: يعني القول ببقاء ملكه والقول بأنه مراعى، فإن تاب علم بقاؤه وإلا علم زواله من حين الردة، وحينئذ يشكل أداء نفقته له، بل وكذا أداء ما يتجدد عليه من الحقوق إلا أن القول المزبور مع أنه غير معروف للقائل واضح الضعف، ضرورة منافاته لجميع الادلة من الاستصحاب وغيره. (و) كذا لا خلاف في أنه (بعد قتله) أو موته (تقضي ديونه وما عليه من الحقوق الواجبة) كنفقة الزوجة (دون نفقة الاقارب) التي هي مجرد مواساة فلا قضاء لها: (ولو قتل أو مات كانت تركته لورثته المسلمين) دون غيرهم (فان لم يكن له وارث مسلم فهو للامام) دون أقربائه الكفار، كما تقدم الكلام فيه في الميراث (1). (وولده) قبل الارتداد (بحكم المسلم) استصحابا لحاله السابق الذي لا دليل على تغيره بارتداد الاب بل لو انعقد باسلام أحد أبويه حكم باسلامه، ولذا لو ماتت الام مرتدة وهي حامل به تدفن في مقابر المسلمين (فإن بلغ مسلما فلا بحث وإن اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فإن تاب وإلا قتل) لكونه بحكم المرتد عن ملة وإن انعقد أو ولد وأبواه مسلمان بناء على اعتبار وصف الاسلام بعد البلوغ في الردة عن فطرة والفرض عدمه، بل في كشف اللثام الظاهر أن ولد المسلم والمسلمين أيضا إذا بلغ كافرا استتيب ولو ولد هو وأبواه على الفطرة، وقد نص عليه في لقطة المبسوط، لكن في المسالك " هذا


(1) راجع ج 39 صفحة 17.

[ 617 ]

لا يوافق القواعد المتقدمة من أن المنعقد حال إسلام أحد أبويه يكون ارتداده عن فطرة ولا تقبل توبته، وما وقفت على ما أوجب العدول عن ذلك هنا، ولو قيل بأنه يلحقه حينئذ حكم المرتد عن فطرة كان وجها، وهو الظاهر من الدروس، لانه أطلق كون الولد السابق على الارتداد مسلما، ولازمه ذلك " وعن التذكرة نحو ما سمعته من المسالك من الحكم بفطرية المنعقد من مسلمين أو أحدهما إذا بلغ كافرا. لكن قد عرفت سابقا أن ما حضرنا من النصوص ظاهر في الحكم بردة من وصف الاسلام عن فطرة، بل هو الموافق لمعنى الارتداد الذي هو الرجوع، ولا دليل يدل على الاكتفاء بالاسلام الحكمي، بل ظاهر المرسل (1) في الفقيه عن علي (عليه السلام) " إذا أسلم الاب جر الولد إلى الاسلام، فمن أدرك من ولده دعي إلى الاسلام، فان أبى قتل، وان أسلم الولد لم يجر أبويه، ولم يكن بينهما ميراث " ذلك أيضا بناء على شموله للمنعقد، بل وكذا خبر عبيد بن زرارة (2) عن الصادق (عليه السلام) " في الصبي يختار الشرك وهو بين أبويه: قال: لا يترك، وذاك إذا كان أحد أبويه نصرانيا " ومرسل أبان (3) عنه (عليه السلام) " في الصبي إذا شب واختار النصرانية وأحد أبويه نصراني أو بين مسلمين، قال: لا يترك، ولكن يضرب على الاسلام " بناء على أن المراد منهما وصف الكفر بعد البلوغ، ومن عدم الترك الاستتابة وإن كان فيهما معا منع ولا أقل من الشك، والاصل عدم ثبوت أحكام الفطري مضافا إلى درء الحد بالشبهة والاحتياط في


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المرتد - الحديث - 7. (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب حد المرتد - الحديث 1 - 2.

[ 618 ]

الدم، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو قتله قاتل قبل وصفه الكفر قتل به) وإن كان مسلما، بل في القواعد ومحكي كتاب المرتد من المبسوط (سواء قتله قبل بلوغه أو بعده) لانه مسلم حكما ما لم يصف الكفر، لكن قد يشكل الثاني بعدم الدليل على حكمية الاسلام فيه، والاصل بعد انقطاع التبعية بالبلوغ غير أصيل، وأصالة الطهارة لا تقتضي إسلامه الذي هو أمر وجودي، والكفر عدمه أو وجود غيره. وبذلك يظهر لك الحال في من علم منه التردد فلا يصف أحدهما وفي من جهل حاله والفرض عقله وبلوغه. أما المتصل جنونه بصغره المحكوم باسلامه فيه فالمتجه بقاؤه على حكم إسلامه، ولعله لذلك كله كان المحكي عن لقطة المبسوط عدم قتل المسلم به، بل عن التذكرة أنه استظهره أيضا، وربما بنى الخلاف على أنه إذا وصف الكفر فهل هو مرتد أو كافر أصلي ؟ فيقتص من قاتله على الاول دون الثاني، وفيه أن كونه بحكم المرتد في الجملة للدليل لا يقتضي ثبوت القصاص له في حال عدم الحكم باسلامه، والله العالم. (ولو ولد) أو علق (بعد الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه كالاول) لان الاسلام يعلو (و) لا يعلى عليه، فهو يتبع أشرف الابوين، نعم (إن كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادهما كان بحكمهما، لا يقتل المسلم بقتله) مع عدم وصفه الاسلام وهو كامل إلا إذا أسلم الابوان أو أحدهما من بعد العلوق إلى البلوغ، فان مقتضى التبعية الحكم باسلامه حينئذ.

[ 619 ]

وعلى كل حال فمع عدم الاسلام (و) لو التبعي (هل يجوز استرقاقه ؟ تردد الشيخ) في ذلك بمعنى أنه اختلف كلامه (فتارة يجيز) كما هو المحكي عنه في كتاب المرتد من المبسوط والخلاف ولو في دار الاسلام أو الحرب (لانه كافر بين كافرين) فيندرج في العمومات المقتضية لاسترقاق ذلك (وتارة يمنع) كما هو المحكي عنه في كتاب قتال أهل الردة من المبسوط (لان أباه لا يسترق، لتحرمه بالاسلام وكذا الولد) للتبعية، فيلزم حينئذ إذا بلغ بالتوبة أو القتل، وفي كتاب قتال أهل الردة من الخلاف يسترق ان ولد في دار الحرب، ولا إن ولد في دار الاسلام، واستدل بالاجماع والاخبار، وبأنه إذا ولد في دار الاسلام فهو في حكم الاسلام، بدلالة أن أبويه يلزمان الرجوع إلى الاسلام، وإن لم يرجعا قتلا. وفيه أنا لم نتحقق الاجماع والاخبار المزبورين، وإلزام أبويه بالرجوع لا يقتضي ثبوت أحكام الاسلام له، بل في سابقه أيضا (و) إن قال المصنف (هذا أولى) وفي الدروس الحكم به أنه لا دليل على التبعية في الوصف المزبور، وأضعف منه ما عن أبي علي من جواز استرقاقه إن حضر مع أبيه وقت الحرب، إذ هو مجرد اعتبار، كاحتمال كونه مسلما لبقاء علاقة الاسلام، وحديث الولادة على الفطرة (1). ومن ذلك كله يظهر لك قوة الاول، فلو لم يسترق وبلغ يؤمر بالاسلام أو الجزية إن كان من أهلها. وأما ولد المعاهد إذا تركه عندنا فانه يبقى بعد البلوغ بوصفه الاسلام


(1) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب جهاد العدو - الحديث - 3 - من كتاب الجهاد.

[ 620 ]

أو قبول الجزية أو يحمل إلى مأمنه ثم يصير حربيا، فإن معاهدة الابوين لا تؤثر بعد البلوغ، كما هو واضح. وكيف كان فقد عرفت أنه لا إشكال عندنا في بقاء مال المرتد عن ملة على ملكه ما دام حيا حتى يموت أو يقتل (و) لكن لا خلاف أجده بيننا في أنه (يحجر الحاكم على أمواله) أي يمنعه من التصرف فيها حتى ما يتجدد له باحتطاب أو اتهاب أو اتجار أو غير ذلك (لئلا يتصرف فيها بالاتلاف) ونحوه مما فيه ضرر على وارثه المسلم ولو الامام، فهو حينئذ موقوف أو بحكم الموقوف للوارث (فان عاد) إلى الاسلام (فهو أحق بها وان التحق بدار الكفر بقيت على الاحتفاظ) عينا أو قيمة (ويباع منها ما يكون له الغبطة في بيعه كالحيوان) وما يفسد، وما عن أبي حنيفة من تنزيل الالتحاق بدار الحرب منزلة الموت في انتقال المال إلى التركة لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، ولكن يكفي في ذلك حصول الردة أو يحتاج إلى إنشاء الحجر من الحاكم ؟ وجهان أقواهما الاول. بقي شئ: وهو مضي تصرفه في ذمته بأن ضمن عن شخص مثلا أو اشترى شيئا محاباة وغير ذلك مما هو تصرف في الذمة لا في المال وإن عاد إليه بالاخرة فقد يقال: إن مقتضى الاطلاقات جواز ذلك. ولكن قد يشكل بأنه مناف لحكمة الحجر، ضرورة إمكان التوصل له بذلك إلى إتلاف المال، ومن هنا يتجه القول بعدم مضيه. لكن قد يناقش بخلو النصوص والفتاوي عن ذكر مانعية الردة عن مثل هذا التصرف، ضرورة اقتصارهم في سائر الابواب على ذكر البلوغ والرشد وغيرهما، أللهم إلا أن يكون ذلك من لوازم الحجر

[ 621 ]

عليه المذكور في غير المقام. وقد يحتمل بقاؤه مراعى بعوده إلى الاسلام وعدمه، فينفذ على الاول دون الثاني، نحو ما ذكره غير واحد في تصرفه بماله بهبة ونحوها الا العتق المشترط فيه التنجيز، ضرورة عدم نقصانه عنه " بل لو قلنا بالبطلان فيه - كما هو ظاهر محكي التحرير قال: " ولو تصرف بعد حجر الحاكم فانه باطل " - أمكن الفرق بينهما بما عرفت وإن كان قد يناقش بعدم الدليل على بطلانه، والحجر أعم من ذلك. وفي محكي الخلاف أن في تصرفه أقوالا: يعني الصحة والبطلان والوقف، وفيه أنه لا وجه للصحة بناء على الحجر عليه بالردة، وكذا بعد حجر الحاكم، اللهم الا أن يراد بها أنه لا حجر عليه أصلا، وإن كان هو كما ترى، لم نعرفه قولا - لاحد، نعم هي متجهة قبل حجر الحاكم بناء على توقفه عليه وأنه لا تكفي الردة، وأما بعده أو قلنا بكفاية الردة فالمتجه الوقف لا البطلان كما عرفت. هذا كله في التصرف المالي أما غيره فلا يمنع منه، وكذا ما يتجدد عليه من الحقوق أو ما تشتغل ذمته به من إتلاف أو غصب، فان المتجه ضمانه وأداؤه عنه، وفي القواعد أنه لا يمكن من قضاء المتجدد عليه من الحقوق، وقد يشعر بأنه لا يمنع من قضاء الحقوق السابقة على الارتداد، وفي كشف اللثام ولعله كذلك، لانه أداء حق سبق لزومه، وفيه أنه لا فرق بين قضاء الحقوق السابقة والمتجددة بعد وجوب قضاء الجميع من ماله كما هو واضح، فان كان هو تصرفا ممنوعا منه ففي الجميع، وإلا جاز مباشرته فيهما، والله العالم.

[ 622 ]

(مسائل من هذا الباب) (الاولى): (إذا تكرر الارتداد قال الشيخ) في الخلاف (يقتل في الرابعة مستدلا عليه باجماع أصحابنا على أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة، وعن المبسوط روي عنهم (عليهم السلام) أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة، وعن الشيخ أيضا أنه (قال: وروى أصحابنا يقتل في الثالثة أيضا) ولكن لم أعثر عليها بالخصوص، نعم قد سمعت فيها سبق الرواية (1) الدالة على أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، وعن علي بن حديد " أنه قيل لجميل بن دراج ما تقول في المرتد إن تاب ثم رجع ثم تاب ثم رجع ؟ فقال: لم أسمع في هذا شيئا، ولكن عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه الحد مرتين ثم يقتل بعد ذلك " وهي ليست رواية خاصة، وعن جابر (2) عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " أنه قال لمسلم تنصر ثم رجع قد قبلت منك رجوعك هذه المرة فلا تعد فانك إن رجعت لم أقبل منك رجوعا بعده " ولم أجد بها عاملا، فهي مطرحة أو محمولة على سبق رجوع منه، فالتحقيق اتحاد حكم ما نحن فيه مع حكم ذوي الكبائر الذي قد عرفت تحقيقه سابقا، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب مقدمات الحدود - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب حد المرتد - الحديث 4.

[ 623 ]

المسألة: (الثانية) (الكافر إذا أكره على الاسلام فإن كان ممن يقر على دينه لم يحكم باسلامه) لعدم صحة إكراهه المقتضي لرفع حكم المكره عليه كغيره مما يكره عليه بغير حق وان احتمل مقارنة التصديق تقديما للظاهر. (وإن كان ممن لا يقر) على ما هو عليه من الدين (حكم به) لانه المعهود من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرة المسلمين إلا أنه قد يقال بتقييد ذلك بما إذا لم يعلم صدور ذلك لسانا من غير قصد للمعنى اقتصارا على المتيقن في ما خالف عمومات الادلة، واحتمال أن الاسلام القول باللسان وإن علم عدم القصد إلى مدلوله بعيد، وقبوله من المكره أعم من ذلك، ضرورة احتمال مقارنة الاكراه للقصد، ولعل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاسامة لما قتل الاعرابي الذي أظهر الاسلام مقارنا للخوف مدعيا أنه كان ذلك منه خوفا: " هلا شققت عن قلبه " ظاهر في ما قلناه، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في كتاب الطلاق. (1) المسألة (الثالثة): (إذا صلى بعد ارتداده) أو كفره الاصلي (لم يحكم بعوده)


(1) راجع ج 32 صفحة 12 - 16.

[ 624 ]

إذا لم يسمع منه الشهادتان أو كان كفره بغير إنكارهما (سواء فعل ذلك في دار الحرب أو دار الاسلام) كما عن المبسوط التصريح به وإن كان احتمال التقية في الاول منتفيا، الا أن غيره من الاحتمال كاف، فما عن القواعد - من الاشكال في ذلك بل عن بعض العامة الجزم بذلك - ضعيف، بل في المسالك " أن المشهور ذلك أيضا مع سماع الشهادتين منه فيها وكون المطلوب من إسلامه ذلك، لان الصلاة لم توضع دليلا على الاسلام، ولا توبة للمرتد، وإنما وضعت الشهادتان دليلا عليه مستقلتين لا جزء من غيرهما، وفيه نظر " قلت: لعله من إطلاق أو عموم ما دل على الحكم باسلام قائلهما وإن كان فيه منع واضح، لان المنساق من ذلك كون الشهادتين بمنزلة الصيغة للاسلام، فلابد من قولهما مظهرا لارادة ذلك بهما كصيغة البيع. المسألة (الرابعة): (قال الشيخ في المبسوط): إن مقتضى المذهب القول بأن (السكران يحكم باسلامه وارتداده) لالحاقه بالصاحي عندنا في ما عليه من الجنايات والقذف والزناء وغيرها (وهذا يشكل) أولا بأن الحكم باسلامه شئ له لا عليه، وثانيا بمنع اندراج الارتداد في ذلك (مع اليقين بزوال تمييزه) الذي هو شرط في التكاليف عقلا وشرعا (و) لعله لذا (قد رجع) عنه (في الخلاف) ولكن قد يدفع الاخير بأن المراد جريان حكم المرتد عليه، لاطلاق

[ 625 ]

ما دل على أنه بحكم الصاحي، اللهم إلا أن يمنع وقوع ما يحصل به الارتداد من قول أو فعل، لعدم قصد الانكار والاستخفاف، وهو كما ترى، ضرورة كونه مما يكون إرتدادا للصاحي، ولا ينقص ذلك عن إلزامه بالطلاق الواقع منه المصرح به في كلام بعضهم. إنما الكلام في أن ذلك في خصوص السكران الآثم بسكره أو مطلقا، قد يتوهم من الاطلاق هنا الثاني، إلا أن الظاهر الاول اقتصارا على المتيقن في مخالف القواعد، ومن ذلك ينقدح الشك في الفرض، إذ لم يعلم القول به إلا من الشيخ، وقد رجع عنه، مع أنه لم يحضرنا من النصوص ما يقتضي عموم التنزيل المزبور، والآثم بالسكر لا يقتضي ذلك، وربما يأتي لذلك مزيد تحقيق عند تعرض المصنف للسكران في القصاص، والله العالم. المسألة (الخامسة): (كل ما يتلفه المرتد) بقسميه (على المسلم) نفسا أو طرفا أو مالا (يضمنه) لعموم الادلة سواء أتلفه (في دار الحرب أو دار الاسلام، حالة الحرب وبعد انقضائها) خلافا للمحكي عن أبي حنيفة والشافعي، فلم يضمناه ما أتلفه في حالة الحرب، نعم تظهر فائدة ضمان المال في الفطري في الآخرة أو في الدنيا إذا تبرع عنه متبرع بناء على عدم قبول توبته وأنه لا يملك شيئا بعد الردة، وحينئذ فلو قتل المرتد الملي مسلما عمدا قتل به، وقدم على قتل الردة، وإن كان شبيه

[ 626 ]

عمد فالدية في ماله، وكذا لو صولح على مال، وإن كان خطأ فعن الشيخ في ماله أيضا، وأشكله في الدروس بأن ميراثه لهم، ويقتل المرتد عن فطرة بالمسلم قطعا مع العمد مقدما له على قتل الردة، وخطأه وشبه العمد لا أثر له في ماله، ولو قتل مرتدا عن ملة قبل الاستتابة قتل به، وبعدها مع الاباء لا أثر له، لانه غير محترم الدم، كما لو قتل المرتد عن ملة مرتدا عن فطرة عمدا فضلا عن الخطأ وشبه العمد. (و) على كل حال ف‍ (ليس كذلك الحربي) فانه ان أتلف في دار الحرب لم يضمن وإن أتلف في دار الاسلام ضمن كما صرح به غير واحد، بل هو العمل المعهود في أهل الذمة وغيرهم ممن كان في دار الاسلام، بل في كشف اللثام ضمن اتفاقا إذا أسلم وإن كان قد يناقش أولا بأن مقتضى العموم المزبور الضمان مطلقا، كما أن ظاهر المحكي عن الشيخ عدم الفرق بين الدارين، وسواء أسلم أولا، قال في المسالك: إنه أطلق عدم ضمانه وإن أسلم لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " الاسلام يجب ما قبله ". وفي غاية المراد، أما الحربي ففي المبسوط لا ضمان عليه، لعدم التزامه الاحكام الاسلامية، ذكره في فصل المرتد، وفي فصل البغاة ادعى الاجماع على عدم ضمانه بعد إسلامه، والشيخ نجم الدين احتمل ضمانه في دار الاسلام والحرب، لحصول سبب الغرم، وهو الاتلاف للمال المعصوم بغير حق، وعدم التزامه لا ينفي عدم إلزامه، والمصنف في غير هذا الكتاب لم يتردد في ضمانه في دارنا، بل في دارهم،


(1) المستدرك - الباب - 15 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 2 من كتاب الصوم.

[ 627 ]

ووجهه ظاهر، لانه بدخوله دارنا التزم أحكامنا بخلاف دارهم، ومما ذكر نشأ الاشكال، وحاصله عدم الالتزام بالاحكام الاسلامية، وادعى الشيخ الاجماع وحصول سبب التغريم، ثم اعلم أن وقوع مضمنه إما بعد الاسلام أو بعد الاستيمان ويبعد من دونهما ". قلت: لا يخفى عليك عدم مدخلية الالتزام وعدمه في الحكم الشرعي المقتضي للضمان سواء ألزم بذلك أم لا، ومن هنا قال المصنف: (وربما خطر) بالبال (اللزوم في الموضعين، لتساويهما في سبب الغرم) وهو إطلاق ما دل على الضمان، بل في القواعد أنه الاقرب، ونحوه في حاشية الكركي ومجمع البرهان، وخبر جب الاسلام ما قبله - (1) مع أنه يقتضي عدم الفرق بين الدارين - لا جابر له، وخصوصا في دار الاسلام بناء على ما سمعته من كشف اللثام من الاتفاق، وعن فخر المحققين التفصيل، فأسقط عنه ضمان ما أتلفه في حال الحرب مع إسلامه، نفسا كان المتلف أم مالا إذا لم تكن العين موجودة، وضمنه في غير الحرب مطلقا سواء كان ذلك في دار الحرب أم دار الاسلام، وفي المسالك أنه لا يخلو من تحكم، وستعرف أن له وجها واضحا. ومن ذلك كله ظهر لك أن الاقوال ثلاثة، ولا ريب أن الموافق لعموم الادلة الضمان مطلقا لولا دعوى الاجماع المزبورة المؤيدة بالسيرة على عدم القصاص من الحربي بعد إسلامه فضلا عن ضمانه المال، بل هو المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى قاتل حمزة (2)


(1) المستدرك - الباب - 15 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 2 من كتاب الصوم. (2) السيرة النبوبة لابن هشام ج 3 ص 76.

[ 628 ]

وغيره، بل ربما كان في ذلك نوع نفرة للكفار عن الاسلام، ولعله لذا لم يجزم المصنف بالضمان مطلقا، بل ذكره احتمالا بالعبارة المزبورة، بل ربما قيل: إن محل البحث في المال دون النفس، وإن كان فيه أن صريح بعضهم وظاهر الاستدلال عدم الفرق. والتحقيق الضمان في الدارين في حال الحرب وعدمها، نعم إذا أسلم وكان ما أتلفه نفسا أو مالا من حيث الكفر والاسلام وخصوصا حال الحرب أشكل الضمان، للاجماع المزبور المؤيد بخبر (1) جب الاسلام ولمعلومية ذلك من السيرة، والله العالم. المسألة (السادسة): (إذا جن) المرتد الملي (بعد ردته) قبل استتابته (لم يقتل، لان قتله مشروط بالامتناع عن التوبة، ولا حكم لامتناع المجنون) نعم لو طرأ الجنون بعد الامتناع المبيح لقتله قتل كما يقتل الفطري على كل حال، لعدم سقوط قتله بالتوبة. المسألة (السابعة): (إذا تزوج المرتد لم يصح سواء) كان (تزوج بمسلمة أم


(1) المستدرك - الباب - 15 - من أبواب احكام شهر رمضان - الحديث 2 من كتاب الصوم.

[ 629 ]

كافرة، لتحرمه بالاسلام المانع من التمسك بعقد الكافرة واتصافه بالكفر المانع من نكاح المسلمة) وإليه يرجع ما في الدروس من التعليل بأنه دون المسلم وفوق الكافر، لكنه لا يتم في الكتابية بناء على جواز تزويج المسلم بها مطلقا أو متعة، ضرورة أن الاسلام لايمنع من التمسك بعقدها على هذا الوجه فأولى أن لا يمتنع ما دونه، ومن هنا لم يقتصر عليه في الدروس، قال: " ولا يصح تزويج المرتد والمرتدة على الاطلاق، لانه دون المسلم وفوق الكافرة، ولانه لا يقر على دينه والمرتدة فوقه، لانها لا تقتل " إلى آخره، بل مقتضاه انفساخ النكاح بينهما تساويا في الارتداد جنسا ووصفا أو اختلفا فيه، بل لعل الانفساخ يدل على عدم جواز الابتداء الذي هو أضعف من الاستدامة، ولكن مع ذلك كله لا يخلو من نظر في الجملة إن لم يكن إجماعا أو نصا. المسألة (الثامنة): (لو زوج) المرتد فطريا أ ومليا فضلا عن الكافر الاصلي (بنته المسلمة لم يصح) بلا خلاف أجده فيه (ل‍) لاصل و (قصور ولايته عن التسلط عن المسلم) الذي لم يجعل الله له سبيلا عليه (و) أما (لو زوج) الملي (أمته ففي صحة نكاحها تردد، أشبهه) عند المصنف (الجواز) كما عن التحرير، للاصل ولقوة الولاية المالكية، ومن ثم يملك الكافر المسلم وإن أجبر على

[ 630 ]

بيعه، ويقدم اختياره المشتري على اختيار الحاكم، ولكن مع ذلك الاقوى العدم، لانتفاء السبيل وللحجر عليه وإن كان قد يناقش بعدم عموم يقتضي ذلك " والله العالم. المسألة (التاسعة): (كلمة الاسلام) نصا وفتوى (أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) أو ما في معناهما، بل إن ترك لفظ الشهادة ففي كشف اللثام حكم باسلامه ما لم يظهر منه ما ينافيه ولا بأس به إذا كان ذلك منه لارادة الاسلام، ولو قال: أشهد أن النبي رسول الله ففي القواعد لم يحكم باسلامه، لاحتمال أن يريد غيره، وفيه احتمال الاكتفاء بظاهر إرادته العهد. (و) على كل حال ف‍ (إن قال مع ذلك، وأبرأ من كل دين غير الاسلام كان تأكيدا) لان الاقرار بما يقتضي الاسلام يوجب ذلك (و) حينئذ ف‍ (يكفي الاقتصار على الاول) عندنا، خلافا لبعض العامة (و) هو واضح، نعم (لو كان مقرا ب‍) وحدة (الله سبحانه وتعالى وبالنبي [ صلى الله عليه وآله ] جاحدا عموم نبوته أو وجوده) زاعما أنه سيبعث من بعد وأنه غير الذي بعث أو جاحدا فريضة علم ثبوتها من دين الاسلام أو أصلا من أصول الدين كالمعاد الجسماني (احتاج إلى زيادة تدل على رجوعه عما جحده) من برائته من كل دين خالف دين الاسلام أو غيرها، بل لو كان

[ 631 ]

جاحدا فريضة أو أصلا فتوبته الاقرار بذلك من دون إعادة الشهادتين. وكذا لو جحد نبيا معلوما نبوته ضرورة من دين الاسلام أو آية كذلك من كتابه أو كتابا كذلك من كتبه أو ملكا من ملائكته أو استباح محرما لابد في إسلامه من الاقرار بما جحده، ولو قال: أنا مؤمن أو مسلم ففي القواعد " الاقرب أنه إسلام في الكافر الاصلي أو جاحد الوحدانية بخلاف من كفره بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحوه، لانه يحتمل أن يكون اعتقاده أن الاسلام ما هو عليه " وفيه أنه لاصراحة في الاولين أيضا، لاحتمال إرادة الايمان بالنور والظلمة والاستسلام لهما وغير ذلك، وأن الاخير مبني على كفر منكر الضروري وإن كان معتقدا للجهل وإلا فهو غير كافر مع اعتقاده ولو جهلا فلا يحتاج إلى توبة. هذا وفي القواعد وشرحها للاصبهاني " أن الاقرب قبول توبة الزنديق الذي يستر الكفر ويظهر الايمان " وهو المحكي عن ابن سعيد معللا له في الاخير بأنه إنما كلفنا بالظاهر، إذ لا طريق إلى العلم بالباطن، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاسامة لما قتل الاعرابي الذي أظهر الاسلام ولم يقبل منه: " هلا شققت عن قلبه " (1) والتهجم على القتل عظيم، وفيه منع العلم بحصول التوبة باظهار ما كان معتادا له، ولذا كان المحكي عن الخلاف وظاهر المبسوط عدم قبول توبته ناسبا له إلى رواية أصحابنا والى إجماعهم على هذه الرواية، ثم قال: " وأيضا فان قتله بالزندقة واجب بلا خلاف،


(1) تفسير الدر المنثور - ج 2 ص 200 ذيل الاية 94 من سورة النساء.

[ 632 ]

وما أظهره من التوبة لم يدل دليل على إسقاطه القتل عنه، وأيضا فان مذهبه إظهار الاسلام وإذا طالبته بالتوبة طالبته باظهار ما هو مظهر له، وكيف يكون إظهار دينه توبة ". قلت: لا يخفى عليك جودته إن كان المراد عدم الاكتفاء بما يظهره في الحكم بتوبته بخلاف ما إذا شهدت القرائن بها، وفي خبر مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام): " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في الزنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان وشهد له ألف بالبراءة جازت شهادة رجلين وأبطل شهادة الالف لانه دين مكتوم " وفي خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بزنديق فضرب علاوته، فقيل له: إن له مالا كثيرا فلمن يجعل ماله ؟ قال: لولده وورثته ولزوجته "، وقد سمعت سابقا مرفوع عثمان بن عيسى (3) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) " أنه كتب إلى عامله: أما ما كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه ولا تستتبه، ومن لم يولد منهم على الفطرة. فاستتبه، فان تاب والا فاضرب عنقه " الحديث. (تتمة فيها مسائل): (الاولى) (الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فأما أمواله باق)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب حد المرتد - الحديث 2 - 1 - 5.

[ 633 ]

بلا خلاف أجده فيه، بل في المسالك بعد نستبه إلى المصنف وغيره من الاصحاب قال: " وكأنه موضع وفاق، وعن الخلاف والمبسوط نفي الخلاف فيه، ولعله الحجة إن تم، لا ما فيهما من أنه عقد الامان لكل منهما على حدته، أي نفسه وماله ولم يحصل في المال ما يوجب نقض العهد، إذ هو كما ترى، ضرورة تبعيته له في الحل والحرمة مع الاطلاق، نعم يصح له عقد الامان لماله دون نفسه، كما إذا بعث بماله إلى دار الاسلام بأمان، ولنفسه دون ماله، وحينئذ إذا انتقض أحدهما لم ينتقض الآخر، أما مع الاطلاق فالمتجه ما ذكرناه، فالعمدة حينئذ ما عرفت. وحينئذ (فإن مات) ولم يكن وارث مسلم (ورثه وارثه الذمي والحربي) كغيره من الكافر، خلافا للشافعي فلم يورث الذمي بناء على عدم التوارث بينه وبين الحربي، وهو واضح الضعف. (و) لكن (إذا انتقل الميراث إلى الحربي زال الامان عنه) لصيرورته ملكا لمن لا حرمة له، ويكون للامام (عليه السلام) من الانفال التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل إن قتل الناقض في الحرب فالحكم كذلك أيضا عند الشيخ والاكثر على ما في المسالك، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد من أنه يكون ماله للمقاتلة، لانه من جملة مفتوحاته، وهو ممنوع، نعم قد يشكل أصل الحكم بارتفاع الامان عن ماله بأن مقتضى العهد الاول وصول ماله إلى مستحقه وإن كان حربيا، كما إذا لم ينقض العهد ومات وكان وارثه حربيا، فان الظاهر بقاء أمانه، اللهم إلا أن يكون العهد على أمانه في نفسه وماله على الوجه المزبور، ولعله لذا كان المحكي عن الشافعي في أحد قوليه بقاء

[ 634 ]

أمانه، وهو لا يخلو من وجه. (وأما الاولاد الاصاغر فهم باقون على الذمة) لعدم الانتقاض بالنسبة إليهم (و) حينئذ (مع بلوغهم يخيرون بين عقد الذمة لهم بأداء الجزية وبين الانصراف إلى مأمنهم) كغيرهم من الكافرين المستقرين في بلاد الاسلام بالامان كما هو واضح. المسألة (الثانية): (إذا قتل المرتد) عن فطرة أو ملة (مسلما) مثلا (عمدا فللولي قتله قودا ويسقط قتل الردة) بلا خلاف أجده فيه بل ولا إشكال تقديما لحق الناس على حق الله تعالى (و) هو واضح، نعم (لو عفا الولي) أو صولح على مال (قتل بالردة). (ولو قتل) المرتد عن ملة (خطأ كانت الدية في ماله مخففة مؤجلة) إلى ثلاث سنين لا مغلظة، كما ستعرف ذلك في محله ان شاء الله (لانه لا عاقلة له) من المسلمين الذين لا يعقلون الكفار ولا من الكفار الذين لا يرثونه (على تردد) من ذلك، ومن أن المسلمين ورثة لهم، ومن كان الارث له كان العقل عليه، كما ستعرف تحقيق ذلك في محله ان شاء الله (و) على الاول (لو قتل أو مات حلت كما تحل الاموال المؤجلة) به كما هو واضح. إنما الكلام في المرتد عن فطرة الذي مقتضى إطلاق المصنف ومحكي المبسوط ذلك فيه أيضا بل عن القواعد التصريح بذلك، ويشكل بعدم المال له، نعم لو قلنا بملكه المتجدد بعد الردة أمكن ذلك حينئذ.

[ 635 ]

أما إذا تقدم الخطأ أو شبه العمد أو العفو بمال على الارتداد كانت الدية كسائر الديون التي تحل بارتداده، ومنه ينقدح الاشكال أيضا في تعليق الحلول على القتل أو الموت بالنسبة إليه، اللهم إلا أن يفرق بين التأجيل قبل الردة وبعدها، فالاول يحل بها بخلاف الثاني، وذلك كله كما ترى، والاصل فيه إطلاق عنوان الاحكام المزبورة في محكي المبسوط وتبعه غيره، ويمكن حمل كلامه على الملي، لانه على ما قيل ذكر هذه الاحكام له بعد ذكر قسميه، والامر سهل، وقد تقدم بعض الكلام في المسألة وبعض أفرادها أيضا، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (إذا تاب المرتد) عن ملة (فقتله من يعتقد بقاءه على الردة قال الشيخ) في محكي المبسوط والخلاف وابن شهر آشوب في محكي متشابه القرآن: (يثبت القود ب‍) سبب (تحقق قتل المسلم ظلما و) ذلك (لان الظاهر أنه لا يطلق) عليه (الارتداد بعد توبته) بل هو كذلك قطعا وإن أطلقه عليه الجاهل بحاله، كل ذلك مضافا إلى ظهور إطلاقه من الحبس في توبته، وحينئذ فيندرج في عموم " النفس بالنفس " (1) وغيره من أدلة القصاص. (و) لكن مع ذلك كله (في القصاص تردد لعدم) صدق (القصد إلى قتل المسلم) الذي هو عنوانه لا مجرد صدق قتل المسلم،


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 45.

[ 636 ]

فان قوله تعالى (1) " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " ونحوه ظاهر في إرادة العمد إلى متحقق الوصف، فيتجه حينئذ في الفرض أنه من شبيه العمد الذي فيه الدية في ماله مغلظة، ولعله لذا كان المحكي عن الشافعي في أحد قوليه العدم، بل عن الشيخ أنه في محكي كتاب زكاة الفطرة من الخلاف حكم بأن من قتل مسلما في دار الحرب بظن أنه كافر لم يكن عليه أكثر من الكفارة، بل يؤيده أن جمعا من الصحابة منهم أسامة بن زيد وجدوا أعرابيا في غنيمات فلما أرادوا قتله تشهد فقالوا: ما تشهد إلا خوفا من أسيافنا فقتلوه واستاقوا غنيماته فنزل " ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام: لست مؤمنا تبتغون " (2) إلى آخرها، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وقال لاسامة: " هلا شققت قلبه " (3) ولكن لم يقتص منهم، بل ربما أيد أيضا بأن القصاص حد يدرأ بالشبهة المتحققة في الفرض بعد ما عرفت وإن كان فيه ما لا يخفى، لكن في ما سمعت كفاية، والله العالم. (الباب الثاني:) (في إتيان البهائم ووطء الاموات وما يتبعه). (إذا وطئ البالغ العاقل) المختار (بهيمة) ذكرا أو أنثى قبلا أو دبرا (مأكولة اللحم) عادة (كالشاة والبقرة) ونحوهما مما لا يراد ظهرها (تعلق بوطء ها أحكام) بخلاف صورة


(1) و (2) سورة النساء: 4 - الاية 93 - 94. (3) تفسير الدر المنثور ج ص 200.

[ 637 ]

العكس، فان الظاهر عدم تعلق حكم بها (تعزير الواطئ، وإغرام ثمنها) أي قيمتها حين الوطء (إن لم تكن له، وتحريم) لحم (الموطوأة) ونسلها (ووجوب ذبحها وإحراقها) على معنى أن مجموع الاحكام المزبورة التي منها التعزير لا تترتب إلا على وطء البالغ العاقل المختار، لانتفاء التعزير المراد هنا عن الصبي والمجنون والمكره، وإن أدب الاولان، وإلا فقد عرفت في كتاب الاطعمة (1) أن حرمة اللحم واللبن والذبح والاحراق يترتب على مطلق وطء الانسان صغيرا وكبيرا، عاقلا أو مجنونا، عالما أو جاهلا، حرا أو عبدا، مكرها أو مختارا للاطلاق، قال الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع (2): " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة التي تنكح فقال: حرام لحمها، وكذلك لبنها " مضافا إلى محكى الاجماع صريحا وظاهرا، فيجب حينئذ في ذمتهما المال، ويدفع عنهما الولي أن كان لهما مال، وإلا اتبعا به بعد اليسار، وأما الذبح والاحراق فينفذه الحاكم ان لم يقع من غيره، ولو كان المراد منها الظهر ففي الروضة " لا شئ على غير المكلف إلا أن يوجب نقص القيمة لتحريم اللحم أو لغيره فيلزمه الارش " وفيه أن النص (3) والفتوى متطابقان على ثبوت المال في ذمة الفاعل مطلقا، ولا ينافي ذلك بيعها في غير البلد. وكيف كان فالمراد تفصيل الاحكام المذكورة (أما التعزير)


(1) راجع ج 36 ص 284. (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 3 من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم.

[ 638 ]

بمعنى العقوبة على الفاعل المستحق (ف‍) لا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، والمشهور أن (تقديره إلى الامام) كغيره مما ثبت فيه التعزير، للاصل والنصوص التي منها قول الصادق (عليه السلام) في خبري الفضيل (1) وربعي (2) أو صحيحهما: " ليس عليه حد، ولكن يضرب تعزيرا " ونحوه ما في المروي عن قرب الاسناد (3) " لا رجم عليه ولا حد، ولكن يعاقب عقوبة وجعة " ومنها ما في موثق سماعة (4) " يجلد حدا غير الحد ثم ينفى من بلاده إلى غيره " ومنها حسن سدير (5) " يجلد دون الحد " إلى آخره مؤبدا ذلك كله بأنه ليس للبهيمة حرمة كحرمة الناس، ولا وطؤها يعرضها للولادة من زناء. (و) لكن (في رواية) إسحاق بن عمار (6) عن الكاظم (عليه السلام) (يضرب خمسة وعشرين سوطا) ويمكن حملها على بيان أحد الافراد (وفي أخرى الحد) قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (7) " في الذي يأتي البهيمة فيولج: عليه حد الزاني " وعن الشيخ احتمال أن يكون عليه الحد إذا عاد بعد التعزير، والفرق بين الايلاج وعدمه، فيحد حد الزاني في الاول رجما وقتلا أو جلدا دون الثاني، وهما معا كما ترى، وأولى من ذلك حملهما على التقية. (وفي أخرى) صحيحة رواها جميل (8) عن الصادق (عليه * (1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث - 5 -. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث - 11 - 2 - 4 - 1 - 8 - 6 -.

[ 639 ]

السلام) (يقتل) وفي خبر سليمان بن هلال (1) عنه (عليه السلام) " يقام قائما يضرب بالسيف أخذ السيف منه ما أخذ، قال: قلت: هو القتل، قال: هو ذلك " (و) يمكن حملهما على من تكرر منه التعزير إلى الثالثة أو الرابعة لما عرفته من أن (المشهور) بل لم نعرف فيه خلافا (الاول) الذي عليه العمل، والنفي المذكور في موثق سماعة (2) محمول على ما إذا رآه الحاكم في التعزير. (وأما التحريم فيتناول لحمها ولبنها ونسلها تبعا لتحريمها) قال الباقر والصادق (عليهما السلام) في أخبار عبد الله بن سنان (3) والحسين بن خالد (4) وإسحاق بن عمار (5): " ذبحت وأحرقت بالنار، ولم ينتفع بها " وقال أبو جعفر (عليه السلام) في حسن سدير (6) " في الرجل يأتي البهيمة يجلد دون الحد ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت مما يؤكل لحمه " الحديث. وفي خبر سماعة (7) عن الصادق (عليه السلام) " وذكروا أن لحم تلك البهيمة محرم ولبنها " إلى آخره، والمراد نسلها المتجدد بعد الوطء لا الموجود حالته، بل في الروضة وإن كان حملا على الاقوى، وفي حكمه ما يتجدد من الشعر والصوف واللبن والبيض. (و) على كل حال فالوجه في (الذبح إما تلقيا) وتعبدا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 7. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 2. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 1 والاول عن الصادق (ع) والثانى عن الرضا (ع) والثالث عن الكاظم (ع). (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 4 - 2.

[ 640 ]

من الشارع (أو لما لا يؤمن من شياع نسلها وتعذر اجتنابه) وفي بعض النصوص السابقة (1) " قلت: وما ذنب البهيمة ؟ قال: لا ذنب لها، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل هذا وأمر به لكيلا يجتزئ الناس بالبهائم وينقطع النسل " الحديث. ولئلا يعير بها الفاعل، وعن بعض العامة لئلا تأتي بخلقة مشوهة، وعن الشيخ أنه حدس، لانه ما جرت العادة بهذا، بل قال: ينبغي أن نقول هذا غباوة. (و) لعل (إحراقها لئلا تشتبه بعد ذبحها بالمحللة) لكن قد عرفت الامر بالدفن في الخبر السابق (2) هذا كله في البهيمة التي يراد لحمها. (وإن كان الامر الاهم فيها ظهرها لا لحمها كالخيل والبغال والحمير لم تذبح) عندنا كما عن المبسوط وإن حرم لحمها على الاقوى، كما صرح به الفاضل وغيره (وأغرم الواطئ) إن كان غير المالك (ثمنها لصاحبها وأخرجت من بلد الواقعة، وبيعت في غيره، إما عبادة) من الشارع (لا لعلة مفهومة لنا، أو لئلا يعير بها صاحبها) قال الباقر (عليه السلام) في حسن سدير (3): " وإن كانت مما يركب ظهره أغرم قيمتها، وجلد دون الحد، وأخرجت من المدينة التي فعل بها إلى بلاد أخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كي لا يعير بها " وعن بعض العامة أنها تذبح، وهو باطل، نعم عن بعض اشتراط بعد البلد بحيث لا يظهر له خبرها فيه عادة، وفي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث - 4 - والدفن موجود في الكافي ج 7 ص 204. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4.

[ 641 ]

الروضة أن ظاهر التعليل يدل عليه، وإن كان فيه أنه يقتضي عدم معرفتها بذلك لا خصوص البعد، ولعله لذا أو لانه حكمة لا علة أطلق المعظم. ثم إن المنساق من النص والفتوى فورية الامور المزبورة عرفا، والظاهر عدم وجوب مباشرة الحاكم ذلك إلا مع الامتناع، ولو بيعت فعلم المشتري بها احتمل قويا جواز الفسخ مع استلزامه نقص القيمة بالنسبة إلى العالم، لانه حينئذ عيب ولو لحرمة لحمها أو لغيرة. (وما الذي يصنع بثمنها ؟ قال بعض الاصحاب) وهو المفيد: (يتصدق به) عقوبة ورجاء لتكفير الذنب - ولكونه - إذا لم يكن المالك الواطئ - غير مال لهما أما المالك فلاخذه القيمة، وللواطئ لكونه غير مالك لها (و) لكن مع ذلك قال المصنف (لم أعرف المستند) ولعله لان العقوبة بالتعزير والتكفير بالتوبة، والمال المملوك لا يكون لغير مالك. (وقال آخرون: يعاد إلى المغترم، وإن كان الواطئ هو المالك دفع إليه، وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده، كما قد عرفت تحقيق ذلك، بل المسألة بجميع أطرافها في كتاب الاطعمة (1). ولو بيعت في غبر البلد بأزيد من الثمن الذي غرمه الواطئ ففي رد الزيادة للمالك أو الصدقة بها أو كونها للغارم وجوه: أقواها الاخير بناء على ملكه لها بدفع القيمة أو باستحقاقها عليه. ولو كان الفاعل معسرا ففي القواعد " رد الثمن على المالك بل في كشف اللثام قولا واحدا وهو الحجة إن تم إجماعا وإلا كان فيه


(1) راجع ج 36 صفحة 284 - 289.

[ 642 ]

نظر، فان نقص من القيمة كان الباقي في ذمته يطالب به مع المكنة، والنفقة عليها إلى وقت بيعها على الفاعل وإن لم نقل بانتقالها إليه للحيلولة، فإن نمت فله إن دفع القيمة إلى المالك وقلنا بالانتقال، وإلا فللمالك على إشكال ينشأ من الانتقال إليه بنفس الفعل، لوجوب الانتزاع من المالك بمجرده أو بدفع القيمة للاصل ومن عدم الانتقال مطلقا، للاصل والشك في موجبه. ولو ادعى المالك الفعل وأنكر المدعى عليه كان له الاحلاف للعموم وليس هذا من اليمين في الحد المنفي في النصوص (1) بل من اليمين في المال، وحينئذ فلو رد اليمين لم يثبت التعزير بناء على أنه من الحد، دون غيره من الاحكام خصوصا على ما حققناه في محله من عدم كونها بمنزلة البينة أو الاقرار، بل هي أصل برأسها. وعلى كل حال فلا إشكال في حرمة المأكولة أخذا على المالك باقراره، وينجس رجيع المأكولة كسائر المحرمات، وربما يشعر به ما سمعته في الخبر (2) من أنه لا ينتفع به، ويحرم استعمال جلدها بعد الذبح في ما يستعمل فيه جلد غير المأكول على إشكال من الاصل ومن كونه من الانتفاع المنفي ووجوب إحراقه مع الجلد، وإن كان فيه منع واضح. (ويثبت هذا بشهادة رجلين عدلين) بلا خلاف محقق أجده فيه للعموم، نعم في كشف اللثام كلام المبسوط يعطي اشتراط أربعة رجال أو ثلاثة مع امرأتين، وعلى تقديره لا دليل له سوى القياس


(1) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1 و 4. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 1.

[ 643 ]

على الزناء الذي ليس من مذهبنا، لكن في الرياض جعله استقراء ثم قال: لا بأس به إن أفاد ظنا معتمدا، ويحتمل مطلقا، لايراثه ؟ الشبهة الدارثة لاأقل منها، فتأمل ولا يخفى عليك ما فيه. (ولا يثبت بشهادة النساء انفردن أو انضممن) للاصل والشبهة والعموم. (و) كذا يثبت عند المشهور (بالاقرار ولو مرة إن كانت الدابة له) للعموم (1) أيضا (وإلا ثبت التعزير حسب وإن تكرر الاقرار) لانه في غيره إقرار في حق الغير (وقيل) والقائل ابنا حمزة وادريس وظاهر محكي المختلف: (لا يثبت إلا بالاقرار مرتين، وهو غلط) وإن ذكرنا سابقا وجها لنحوه في الحد، اللهم إلا أن يقال: ان التعزير نوع منه. ولو كان الفعل بينه وبين الله وكانت الموطوأة مأكولة اللحم وملكا له وجب عليه فعل ذلك بها، أما إذا كان المراد منها ظهرها ففي الروضة " في وجوب بيعها خارج البلد وجهان أجودهما العدم، للاصل وعدم دلالة النصوص عليه، وللتعليل (2) بأن بيعها خارجه ليخفى خبرها وهو مخفي هنا، ومن أن ذلك حكمة وظاهر النص والفتوى عدم الفرق في تعلق أحكام الموضوعين ". وفيها أيضا " لو كانت لغيره فهل يثبت عليه الغرم ويجب عليه التوصل إلى إتلاف المأكولة باذن المالك ولو بالشراء منه ؟ الظاهر العدم، نعم لو صارت ملكه بوجه من الوجوه وجب عليه إتلاف


الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاقرار - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4.

[ 644 ]

المأكولة، لتحريمها في نفس الامر، وفي وجوب كونه بالذبح ثم الاحراق وجه قوي " ولا يخفى عليك ما فيه بعد ظهور النص والفتوى بثبوت المال في ذمة الفاعل بمجرد الفعل، فيجب عليه التوصل إلى إيصاله كما يجب عليه تنفيذ الاحكام المزبورة، ولو لم يتمكن فذبحها المالك لم يحل للفاعل الاكل من لحهما وكذا نسلها ولبنها، والله العالم. (ولو تكرر مع تخلل التعزير ثلاثا، قتل في الرابعة) أو الثالثة على البحث السابق، لكن قد عرفت ورود القتل هنا بخصوصه، وهو يؤيد الثاني، ولكن الاحتياط يؤيد الاول، والله العالم. (ووطء الميتة من بنات آدم كوطء الحية في تعلق الاثم والحد) رجما أو قتلا (واعتبار الاحصان وعدمه) بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع فضلا عن محكية في بعض العبارات وعما عن الانتصار والسرائر من الاجماع على تحقق الزناء بوطء الميتة الاجنبية بلا شبهة، وقال عبد الله بن محمد الجعفي (1) " كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها، ونكحها فان الناس قد اختلفوا علينا في هذا، فطائفة قالوا: اقتلوه وطائفة قالوا: أحرقوه فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) إن حرمة الميت كحرمة الحي، حده أن تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، ويقام عليه الحد في الزناء إن أحصن رجم وإن لم يكن أحصن جلد مائة " (و) نحوه غيره (2) من النصوص. بل (هنا الجناية أفحش فتغلظ العقوبة زيادة عن الحد بما يراه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب حد السرقة - الحديث 2 - 6.

[ 645 ]

الامام) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، قال الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن أبي عمير (1) " في الذي يأتي المرأة وهي ميتة: وزره أعظم من ذلك الذي يأتيها وهي حية " بل قد يحتمل ثبوت الزيادة المزبورة في صورة القتل قبله كما يقتضيه إطلاق النصوص والفتوى. (ولو كان زوجته) أو أمته (اقتصر في التأديب على التعزير) كما عن الاكثر القطع به، بل لم أجد خلافا فيه، كما اعترف به في الرياض (وسقط الحد بالشبهة) شرعا وبقاء علقة الزوجية وإن عزر لانتهاك الحرمة، أو لكونه محرما إجماعا وإن لم يكن زناء لغة وعرفا ولا بحكمه شرعا، وربما حمل عليه إطلاق الخبر (2) " عن رجل زنى بميتة، قال: لاحد عليه " وإن كان بعيدا، ويحتمل فيه الانكار أو ما دون الايلاج كالتفخيذ ونحوه. (و) كيف كان ف‍ (في عدد الحجة على ثبوته خلاف، قال بعض الاصحاب) كالشيخين وابني حمزة وسعيد (يثبت بشاهدين) وعن المختلف اختياره للعموم و (لانه شهادة على فعل واحد بخلاف الزناء بالحية) فانه شهادة على إثنين، قال اسماعيل بن أبي حنيفة (3): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف صار القتل يجوز فيه شاهدان والزناء لا يجوز فيه إلا أربعة شهود والقتل أشد من الزناء ؟


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 2 - 3. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب دعوى القتل - الحديث 1 من كتاب القصاص عن اسماعيل بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة.

[ 646 ]

فقال: لان القتل فعل واحد والزناء فعلان، فمن ثم لا يجوز إلا أربعة شهود: على الرجل شاهدان وعلى المرأة شاهدان " لكنه قاصر السند، بل الظاهر إرادة الحكمة فيه لا التعليل المنتقض بالاكراه والمجنونة والنائمة وغيرها مع اشتراط الاربعة، بل في بعض النصوص (1) الاستدلال بذلك على بطلان القياس، مضافا إلى معلومية سماع شهادة الاثنين على الالف فصاعدا. (وقال بعضهم) كابن إدريس: (لا يثبت إلا بأربعة) رجال (ل‍) ما عرفت من (أنه زناء) بل أفحش، وهو لا يثبت إلا بها (ول‍) ما قيل من (أن شهادة الواحد قذف فلا يندفع الحد إلا بتكملة الاربعة) وإن كان فيه أن الآية (2) مخصوصة بقذف النساء وإلا فشهادة الشاهد قذف مع عدم كمال العدد المعتبر، وهو محل النزاع. (و) لكن مع ذلك (وهو الاشبه) بأصول المذهب التي منها درء الحد بالشبهة والاشهر، بل قيل إنه المشهور، بل لعله لا خلاف فيه بين المتأخرين، نعم الظاهر كفاية الاربع ولو ثلاثة رجال مع امرأتين كما في الزناء، لكن في القواعد الاشكال في ذلك، ولعله من ابتناء الحدود على التخفيف، وأن الاصل والنص (3) والفتوى عدم قبول شهادتهن في الحدود، خرج الزناء بالحية بالنص (4) والاجماع،


(1) علل الشرائع ص 40. (2) سورة النور 24 - الآية 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 24 من كتاب الشهادات - الحديث 29 - 0 -

[ 647 ]

ومن كونه زناء أو أضعف منه إن ثبت بشاهدين وإن كان لا وجه للاول بعد فرض كونه زناء لغة وعرفا وشرعا، نعم يتجه القول بثبوته بالشاهدين في وطء الرجل زوجته وأمته، لعموم البينة وإن لم أجد تصريحا به، بل ظاهر إطلاقهم عدم الفرق إلا مع ملاحظة التعليل. هذا كله في ثبوته بالبينة. (أما الاقرار فتابع للشهادة) بلا خلاف (فمن اعتبر في الشهود أربعة اعتبر في الاقرار مثله، ومن اقتصر على شاهدين قال في الاقرار كذلك). (مسألتان): (الاولى) (من لاط بميت كان كاللائط بالحي) في الحد للصدق (و) يزيد بأن (يعزر تغليظا) بزيادة الحرمة بالموت لو وجب الجلد بعدم الايقاب، بل وبه قبل القتل نحو ما سمعته سابقا، نعم ربما احتمل عدم التغليظ من أصله لعدم الدليل. المسألة (الثانية): (من استمنى بيده) أو بغيرها من أعضائه (عزر) لانه فعل محرما بل كبيرة، ففي خبر أحمد بن عيسى المروي عن نوادر

[ 648 ]

ولده (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن الخضخضة، فقال: إثم عظيم قد نهى الله عنه في كتابه، وفاعله كناكح نفسه، ولو علمت بمن يفعله ما أكلت معه، فقال السائل: بين لي يابن رسول الله من كتاب الله فيه، فقال: قول الله: فمن ابتغى وراء ذلك، الآية (2) وهو مما وراء ذلك، فقال الرجل: أي أكبر الزناء أو هي ؟ فقال: هو ذنب عظيم " الحديث. وفى الصحيح (3) " عن الخضخضة، فنال: من الفواحش " وفي الموثق (4) " في الرجل ينكح البهيمة أو يد لك، فقال: كل ما أنزل به الرجل ماءه من هذا وشبهه زناء " والمراد بحكمه إثما، وقال أبو بصير (5): " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الناتف شيبه، والناكح نفسه والمنكوح في دبره ". وما في خبر ثعلبة بن ميمون وحسين بن زرارة (6) - " سألته عن الرجل يبعث بيديه حتى ينزل، قال: لا بأس به، ولم يبلغ به ذاك " ونحوه غيره - شاذ محمول على نفي الحد، أو على السؤال عمن عبث بيديه مع زوجته أو أمته لا مع ذكره أو غير ذلك، أو مطرح للاتفاق ظاهرا على الحرمة المستفادة مما عرفت ومن قوله تعالى (7): الذين هم


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4. (2) سورة المؤمنون: 23 - الآية 7. (3) و (5) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث - 5 - 7 من كتاب النكاح. (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 1 من كتاب النكاح. (6) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 3. (7) سورة المؤمنون: 23 - الآية 5.

[ 649 ]

لفروجهم " الآية ومن لعن النبي (صلى الله عليه وآله) الناكح كفه " (1) ومن غير ذلك. نعم الظاهر عدم البأس به في تفخيذ الزوجة والامة ونحوه من الاستمناء بين إليتيها ونحوهما، للاصل وقوله تعالى (2): " إلا على أزواجهم " وغيره وإن كان الاولى تركه أيضا. وعلى كل حال فليس فيه إلا التعزير (وتقديره) كغيره من أفراد التعزير (منوط بنظر الامام و) إن كان (في رواية) زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) (ان عليا (عليه السلام) ضرب يده) بالدرة (حتى احمرت) إذ هو أحد الافراد قال: ولا أعلمه إلا قال (وزوجه من بيت المال) ونحوه خبر طلحة بن زيد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) إلا أنه لم ينص فيه على الاستمناء. (و) على كل حال فما في الخبر من التزويج إنما (هو تدبير استصلحه) في ذلك الحال (لا أنه من اللوازم) كما عن التحرير التصريح به، والله العالم. (ويثبت بشهادة عدلين) كاللواط للعموم (والاقرار لو مرة) له أيضا (وقيل) والقائل ابن ادريس: (لا يثبت بالمرة) وله وجه (و) إن قال المصنف (هو وهم) نعم لا يثبت بشهادة النساء مطلقا، والله العالم.


(1) المستدرك - الباب - 23 - من ابواب النكاح المحرم - الحديث 2 من كتاب النكاح. (2) سورة المؤمنون: 23 - الآية 6. (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 2 - 1.

[ 650 ]

(الباب الثالث: في الدفاع) لا خلاف ولا اشكال في أنه (للانسان أن يدفع) المحارب أو اللص أو غيرهما (عن نفسه وحريمه وماله ما استطاع) للاصل والاجماع بقسميه، وما تقدم من النصوص في المحارب (1) بل وعن غيره، للاصل وعموم الاعانة على البر وغير ذلك، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الاصبغ (2) " يضحك الله تعالى إلى رجل في كتيبة يعرض لهم سبع أو لص فحماهم حتى يجوزوا " وفي خبر السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم " وقال الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عونك الضعيف من أفضل الصدقة " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك حتى فحوى قول أمير المؤمنين (5) (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من رد عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة " فلا إشكال حينئذ في جواز الدفاع مطلقا، بل في كشف اللثام " ولو قدر على الدفع عن غيره فالاقوى كما


(1) الوسائل - الباب - 3 و 5 من ابواب الدفاع. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 3 - 1 - 2 من كتاب الجهاد. (5) الوسائل - الباب - 60 - من ابواب جهاد العدو - الحديث 1 من كتاب الجهاد.

[ 651 ]

في التحرير الوجوب مع أمن الضرر (و) إن كان لا يخلو من نظر. نعم قالوا من غير خلاف يعرف فيه بينهم: (يجب اعتماد الاسهل فلو اندفع الخصم) بالتنبيه ولو بالتنحنح فعله، وإن لم يندفع إلا (بالصياح اقتصر عليه إن كان في موضع يلحقه المنجد) مثلا (وإن لم يندفع) بالصياح (عول على اليد فان لم تغن فبالعصا فان لم تكف فبالسلاح) إلى غير ذلك من أفراد الترقي من الاسهل إلى الصعب ثم إلى الاصعب، ولكن قد ذكرنا سابقا أن مقتضى إطلاق النصوص عدم الترتيب المزبور، خصوصا في المحارب واللص المحارب والمطلع على عيال غيره، بل مطلق الدفاع، فان لم يكن إجماعا أمكن المناقشة فيه، بل لعل السيرة على خلافه. (و) على كل حال ف‍ (يذهب دم المدفوع هدرا جرحا كان أو قتلا) فضلا عن ماله إذا لم يندفع إلا بذلك بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه (ويستوي في ذلك الحر والعبد) والمسلم والكافر والليل والنهار بمثقل أو محدد خلافا لابي حنيفة، فضمنه مع القتل بمثقل إن قتله نهارا. (ولو قتل الدافع) ولو دون ماله (كان كالشهيد) في الاجر كما سمعته في النصوص (2) السابقة، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (3): " من قتل دون مظلمة فهو شهيد " ونحوه قول الباقر (عليه السلام) في خبر أبى مريم (4) قال: " يا أبا


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الدفاع. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد العدو - الحديث 0 - 8 - 9 - من كتاب الجهاد.

[ 652 ]

مريم هل تدري ما دون مظلمة ؟ قلت: جعلت فداك الرجل يقتل دون أهله ودون ماله وأشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إن من الفقه عرفان الحق " والظاهر أنه أقره على ما فسره به. نعم قيده غير واحد في المال بما إذا ظن السلامة وإطلاق النصوص ينافيه، بل في مرسل البرقي (1) عن الرضا (عليه السلام) " عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجي قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل ؟ قال نعم، قلت: وكذلك إن كان معه امرأة قال: نعم وكذلك الام والبنت وابنة العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل، قال: نعم وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل قال: نعم ". وعلى كل حال فلا إشكال في أنه يضمنه المدفوع نفسا وطرفا ومالا للعمومات، نعم قد تقدم سابقا الفرق بين النفس والمال بالنسبة إلى وجوب الدفاع وعدمه فيجب في الاول مع انحصار الامر فيه ولا يجوز الاستسلام بخلاف المال الذي لا يتوقف حفظ النفس عليه بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه للنصوص (2) السابقة، بل لو علم تلف النفس حرم عليه ذلك لاهمية حفظ النفس وإن كان قد يتوهم من إطلاق النصوص جوازه أيضا. وأما العرض ففي الرياض هو محل نظر، بل الظاهر جواز الاستسلام كما صرح به في التحرير وغيره، لاولوية حفظ النفس من حفظ العرض كما يستفاد من جملة من الاخبار الواردة (3) في درء الحد عن المستكرهة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد العدو - الحديث - 12 - 0 من كتاب الجهاد. (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب حد الزناء.

[ 653 ]

على الزناء معللة بقوله تعالى (1) " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ". وفيه أن أهمية حفظ النفس من العرض بعد تسليمها مع التعارض لا في الدفاع المعلوم فيه النجاة أو المظنون فيه ذلك، والمفروض وجوب حفظ العرض كالنفس، ولا دليل على الاذن في الاستسلام كالمال، والاخبار الواردة في سقوط الحد عن المستكرهة المعللة بما ذكر مساقة لبيان حكم الاكراه الذي لا يتمكن معه من الدفع كما لو قيد الامرأة مثلا، والمراد هنا أن العرض كالمال في جواز الاستسلام وإن تمكن من الدفاع فتأمل جيدا. ولعله لذا قال في المسالك: " والاقوى وجوب الدفع عن النفس والحريم مع الامكان، ولا يجوز الاستسلام، فان عجز ورجا السلامة بالكف والهرب وجب، أما المدافعة عن المال فان كان مضطرا إليه وغلب على ظنه السلامة وجب وإلا فلا " وإن كان قد يناقش بأنه مع الاضطرار إليه للنفس يجب عليه الدفع وإن لم يظن السلامة، لانه من الدفاع عنها، وفي قواعد الفاضل " يجب الدفاع عن النفس والحرم ما استطاع، ولا يجوز الاستسلام ". وفي كشف اللثام " لوجوب دفع الضرر عقلا، والنهي عن المنكر بمراتبه، وقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر غياث (2) " إذا دخل عليك اللص يريد أهلك ومالك فان استطعت أن تبدره وتضربه فابدره واضربه " وأجاز الشافعي الاستسلام في أحد قوليه وإن لم يمكن


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 173. (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الدفاع - الحديث 1.

[ 654 ]

وأمكن الهرب وجب، وكذا يجوز مع إمكان الدفع " وإن كان قد يناقش بأن ما ذكره من التعليل يأتي في المال أيضا، وكذلك الخبر المنساق من الامر فيه الاباحة لكونه في مقام توهم الحظر ولذا جمع فيه بين النفس والمال. ثم قال في القواعد: " وللانسان أن يدافع عن المال كما يدافع عن نفسه وإن قل ولكن لا يجب " ووافقه عليه في كشف اللثام نعم قال: " إلا مع الاضطرار والتضرر بفقده ضررا يجب دفعه عقلا أو كان المال لغيره أمانة في يده، وربما وجب الدفع عنه مطلقا من باب النهي عن المنكر، ثم في جواز القتل أو الجرح للدفع عن المال له أو لغيره إن لم يندفع إلا به مع القطع بأن لا يريد سواه من نفس أو عرض تأمل، وقد مر في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التردد في جواز القتل أو الجرح إن لم ينته بدونه بغير إذن الامام، ولكن أطلق الاصحاب ثم ذكر جملة من النصوص الدالة على جواز القتال عن المال وان من قتل دون ماله ولو عقال فهو شهيد (1) ". قلت: ومنه يعلم أن ما ذكره من التأمل والتردد كالاجتهاد في مقابلة النصوص والفتاوى. نعم لو علم القتل مع المدافعة اتجه حينئذ الحرمة، لما سمعته من الاجماع منهم على الظاهر، بل قد يظهر من غير واحد إلحاق الظن به وإن كان لا يخلو من نظر، وما ذكره من الامانة في يده يمكن منع وجوب الدفاع عنها مع خوف الضرر، لعدم صدق التعدي والتفريط، كما أن ما ذكره من احتمال وجوب الدفع عن المال مطلقا لا وجه له بعد النص والفتوى بالاذن في الاستسلام، والنهي عن


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 13 و 5 من كتاب الجهاد.

[ 655 ]

المنكر لا يقتضي وجوب الدفع المشتمل على الخوف على النفس وغيرها، وكذا الكلام في ما ذكره من التأمل في جواز القتل والجرح إلى آخره فانه لا وجه له بعد النصوص والفتاوي باهدار دم المدفوع، وما ذكره في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر غير مسألة الدفاع التي لا إشكال في إباحة دم الظالم فيها بخلاف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو واضح، وأما العرض فان له المدافعة عنه وإن خاف القتل، ضرورة كونه أهم من المال. إنما الكلام في وجوبها ما لم يعلم القتل، يحتمل ذلك، لقول الصادق (عليه السلام) في الحسن أو الصحيح (1) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله ليمقت الرجل يدخل عليه اللص في بيته فلا يحارب " ونحوه خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) وخروج المال بالتصريح بالرخصة في ما سمعته في النصوص لا يقتضي إلحاق غيره به، بل قد يشعر الاقتصار فيها على المال بعدم ذلك في غيره من النفس والعرض، مضافا إلى وجوب دفع الاقل ضررا بالاعظم، ولاريب في أهمية العرض من النفس عند ذوي النفوس الابية، نعم لو علم القتل وأنه لا يدفع عنه شئ احتمل القول حينئذ بالحرمة حفظا للنفس مع احتمال المدافعة عنه جوازا ووجوبا كالنفس. أما المدافعة عن النفس فالظاهر وجوبها بما يتمكن وإن علم عدم الدفع عنها إلا أن الساعة والساعتين بل الاقل منهما تكفي في ذلك. ولعله بملاحظة ما ذكرناه هنا وما تقدم في اللص المحارب يظهر لك الحكم في جميع صور المسألة المتصورة في المقام المتعلقة بالنفس والعرض


(1) و (2) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2 من كتاب الجهاد.

[ 656 ]

والمال من حيث العلم بالقتل والجرح له أو للمدفوع والظن أو الاحتمال وحصول الدفع وعدمه وغير ذلك بعد ضبط الميزان، وهو أنه يجب حفظ النفس والعرض، والاذن في الاستسلام قد جاء في المال، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (لا) يجوز للمدافع أن (يبدؤه) أي المدفوع (ما لم يتحقق قصده إليه) أو إلى عرضه أو ماله ولو بالطريق الظني الذي يتحقق به مثله عرفا وإن ضمنه بعد ذلك لو بان خطاؤه، بل الظاهر اعتبار إمكان تسلطه عادة لو لم يدفع مع ذلك، فلو قصده من وراء حائل من نهر أو حائط أو حصن يحول عادة بينه وبين التسلط على ما يريده كف عنه، كما صرح به في كشف اللثام. (و) على كل حال فمع تحقق القصد ف‍ (له دفعه ما دام مقبلا) مراعيا الترتيب المزبور مع إمكانه وإلا سقط عنه (ويتعين) وجوب (الكف) عنه (مع إدباره) معرضا عن ظلمه، إذ لا يجوز الضرب إلا للدفع ولا دفع مع الادبار المزبور. (ولو ضربه فعطله) عنه أو ربطه كذلك (لم) يجز له أن (يدفف عليه لاندفاع ضرره) عنه بذلك، فلو تعدى عليه حينئذ ضمن. (ولو ضربه مقبلا فقطع يده فلا ضمان على الضارب في الجرح ولا في السراية) مع توقف الدفع عليه بلا خلاف (و) لا إشكال نصا وفتوى نعم (لو ولى) معرضا عما كان عليه (فضربه أخرى فالثانية مضمونة) لانها ظلم فتندرج في العمومات.

[ 657 ]

(فان اندملت) كل منهما (فالقصاص في الثانية) في اليد إن أراده (ولو (فان خ ل) اندملت الاولى وسرت الثانية ثبت القصاص في النفس) للعمومات خلافا لما عن المبسوط من إسقاطه، قال: " ولكن يجب القصاص في اليد أو نصف دية النفس ". (ولو سرتا) معا (فالذي يتقضيه المذهب ثبوت القصاص بعد رد نصف الدية) كما في كل مقتول عمدا بسببين أحدهما غير مضمون عليه، فانه يقتص منه بعد رد ما قابل الجناية الاخرى وهو نصف الدية، وهذا من أفراده، خلافا لما سمعته من المبسوط من إسقاط القصاص في النفس وثبوته في اليد أو نصف الدية ولكن استقر المذهب على خلافه، لعدم وضوح مستند له يخرجه عما عرفت. (ولو قطع يده مقبلا ورجله مدبرا ثم يده مقبلا ثم سرى الجميع قال في المبسوط: عليه ثلث الدية إن تراضيا، وإن أراد الولي القصاص جاز بعد رد ثلثي الدية) الموزعة عنده على عدد الجناية لا الجاني، والفرض عدم الاثنين منهما، ولكن فيه مضافا إلى ما سمعته من المصنف أنه مناف لما سمعته منه سابقا من عدم القصاص في مثله، بل يخير الولي بين القصاص في الرجل وبين ثلث الدية، نحو ما تقدم، بل في كشف اللثام قد حكي عنه عدم القصاص. وكيف كان فهذا في الفرض المزبور (أما لو قطع يده ثم رجله مقبلا ويده الاخرى مدبرا وسرى الجميع ف‍ (عنه في المبسوط أنه (إن توافقا على الدية فنصف الدية وإن طلب القصاص رد نصف الدية، والفرق أن الجرحين هنا تواليا فجريا مجرى الجرح الواحد،

[ 658 ]

وليس كذلك في الاولى) التي تخلل الضرب المضمون فيها بين الضربين غير المضمونين فلم يبن أحدهما على الآخر، لكونه كالذي من غير جنسه، فيكون الجميع بمنزلة ثلاثة أشياء بالنسبة إلى توزيع الدية عليها. (و) لكن (في الفرق عندي ضعف) كما اعترف به المتأخرون (والاقرب أن الاولى كالثانية ل‍) ما ستعرفه في ما يأتي إن شاء الله حتى من الشيخ في ما حكي من جراح مبسوطه من (أن جناية الطرف يسقط اعتبارها مع السراية) والعبرة بعدد الجانين دون الجناية (كما لو قطع) أحد (يده) مثلا (وآخر رجله ثم قطع الاول يده الاخرى فمع السراية) من الجميع (هما سواء في القصاص والدية) وإن تعددت الجناية من أحدهما متوالية أولا واتحدت من الآخر، والفرض في المقام أنه مات بجنسين من الجناية مباح ومحظور وإن تعدد أحدهما واتحد الآخر، والجناية إنما يعتبر اتحادها وتعددها مع السلامة لا مع السراية، كما ستعرف تحقيق ذلك في القصاص إن شاء الله، واحتمال الفرق بين هذا والمتنازع - بأن المجانسة حاصلة في الاول إذا الجراحات الثلاثة مضمونة بخلاف المتنازع، فان ثانيها خاصة مضمون فلا يمكن البناء - لا يرجع إلى حاصل، مع أن الجرح الثاني في الاول بالنسبة إلى الجارح الاول غير مضمون عليه، فيكون قد تخلل بين الجرحين المضمونين عليه جرح غير مضمون عليه، فلم يكن مجانسا لذلك، وإذا لم يمنع هذا من البناء فكذلك الآخر، كل ذلك مضافا إلى ما سمعته من أن المتجه بناء على ما سمعته من الشيخ عدم القصاص في النفس أصلا وإن أدى نصف الدية، والله العالم.

[ 659 ]

(مسائل من هذا الباب): (الاولى): (لو وجد مع زوجته أو مملوكته أو غلامه) أو ولده أو بنته أو أحد من أرحامه (من ينال) منه من الفاحشة (دون الجماع فله دفعه) بلا خلاف ولا إشكال لكن على الوجه السابق (فان أتى الدفع عليه فهو هدر) كغيره من أفراد الدفع ضرورة أن المقام منه، لانه عرضه الذي عرفت قوة احتمال مساواته للنفس، بل قد تقدم سابقا البحث في أن له قتل من يجده يجامع زوجته، بل ومملوكته وغلامه في وجه تقدم الكلام فيه في ما مضى، بل له الدفع عن الاجنبي لما عرفته سابقا من النصوص، ولكن في كشف اللثام هنا بعد أن جزم بأن له الدفع عنه بل عليه لم يجوز قتله لو توقف الدفع عليه، ولعله لعدم كون عرض الاجنبي عرضا أذن له في القتل في الدفع عنه، وفيه أن ذلك مقتضى جواز الدفع له أو وجوبه عليه، كما هو واضح. وعلى كل حال فالمدفوع هدر للدافع في ما بينه وبين الله تعالى وإلا فللولي القصاص منه ما لم تكن له بينة على ذلك، لان الاصل الضمان، والله العالم.

[ 660 ]

المسألة (الثانية): (من اطلع على) عورات (قوم) بقصد النظر إلى ما يحرم عليه منهم ولو من ملكه (فلهم زجره) قطعا إذ هو من المدافعة عن العرض أيضا، وحينئذ (فلو أصر فرموه بحصاة أو عود) أو غيرهما (ف‍) اتفق أنه (جنى ذلك عليه كانت الجناية هدرا) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه مع توقف الدفع عليها، بل وكذا لو تعمدوه بذلك مع الفرض المزبور، لانه من المدافعة عن العرض، مضافا إلى النصوص التي قدمناها في المحارب كصحيح حماد (1) وخبر العلاء بن الفضيل (2) وخبر أبي بصير (3) وخبري عبيد بن زرارة (4) بل في صحيح ابن مسلم (5) " عورة المؤمن على المؤمن حرام، وقال من اطلع على مؤمن في منزله فعيناه مباحتان للمؤمن في تلك الحال " وفي النبوي (6) " من اطلع عليك فحذفته بحصاة ففقأت عينه فلا جناح عليك " وقد قلنا هناك: إن لم يكن إجماع كان مقتضى إطلاقها جواز المبادرة إلى ذلك، وكذا الكلام في اللص المحارب،


(1) و (2) و (5) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 1 - 6 - 2 من كتاب القصاص. (3) أشار إليه في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 1 وذكره في الفقيه ج 4 ص 74. (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 4 و 5 من كتاب القصاص. (6) صحيح البخاري - ج 9 ص 7 " باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان " وص 11.

[ 661 ]

بل ومطلق اللص، بل لم أجد في شئ من النصوص إشارة إلى الترتيب الذى ذكروه. ودعوى أن النصوص المزبورة ضعيفة لا جابر لها إلا مع الترتيب المذكور واضحة الفساد، ضرورة أنها - مع كثرتها وتعاضدها على وجه يمكن تحصيل القطع منها - فيها الصحيح والموثق وغيرهما. وأوضح منها فسادا دعوى أن ذلك كله من باب الامر بالمعروف المعلوم ثبوت الترتيب فيه، ضرورة خروج باب الدفاع عنه، ولذا أهدر دم المدفوع فيه دونه وإن كان هو من الموافق له في المعنى. ونحوها دعوى أن الدفاع من الضرورة التي تقدر بقدرها، إذ هي كالاجتهاد في مقابلة النص، وكذا دعوى أن المنساق من الدفاع الترتيب المزبور، ضرورة منع ذلك أولا، وكون العنوان غير الدفاع في النصوص المزبورة ثانيا، فليس حينئذ إلا الاجماع المزبور إن تم. (و) حينئذ بناء على ذلك (لو بادره من غير زجر ضمن) لكونه عاديا، فيندرج في عمومات الضمان، وفي محكي المبسوط " إن لم يكف الزجر استغاث عليه إن كان في موضع يبلغه الغوث، فان لم يكن استحب أن ينشده، فان لم ينفع فله ضربه بالسلاح أو بما يردعه - قال -: وإن أخطأ في الاطلاع لم يكن له أن يناله بشئ، لانه لم - يقصد الاطلاع، فان ناله قبل أن يفزع بشئ فقال: ما عمدت ولا رأيت شيئا لم يكن على الرامي شئ لان الاطلاع ظاهر، ولا يعلم ما في قبله، ولو كان أعمى فناله بشئ ضمنه، لان الاعمى لا يبصر بالاطلاع " قلت لا بأس بما ذكره أخيرا بل وسابقه، لكن ما ذكره أولا لا يخلو من شئ.

[ 662 ]

نحو ما عن التحرير من أنه " لو كان إنسان عاريا في طريق لم يكن له رمي من نظر إليه، ولو زجره فلم ينزجر ففي جوز الرمي نظر " وفي كشف اللثام " الظاهر جواز الرمي إن كان تعريه عن إضطرار أو إكراه " قلت: لا يخفى عليك تحقيق الحال بعد الاحاطة بما ذكرناه من أن المدار على الدفع عن العرض متدرجا الاسهل فالاسهل. نعم بقي شئ: وهو أنه قد يقال بأن الاجماع المزبور الذي خرج به عن مقتضى إطلاق النصوص إنما هو الضمان إذا دفع بالاصعب مع التمكن من الدفع بالاسهل، أما مع الجهل بالحال واحتمل أن التنبيه بالاسهل يترتب به الضرر عليه من اللص أو المحارب أو غيرهما فقد يقال: إن مقتضى الاطلاق المزبور جواز المبادرة بالاشد، لعدم العلم بالاجماع هنا. نعم لو لم يحتمل الضرر بالتنبيه بالاسهل راعاه ثم تدرج. وأولى من ذلك العمل باطلاق النصوص المزبورة بعد حصول العنوان، لهدر الدم مع الجهل بأن الدافع قد تدرج أولا أو ادعى ذلك، وحينئذ يكون أصل شرعي مستفاد من الاطلاق المزبور وارد على أصالة الضمان، فلا يحكم به حتى يعلم حصول سبب الضمان، ولعله على ذلك بناء ما تسمعه في المسألة الثالثة، والله العالم. (ولو كان المطلع رحما لنساء صاحب المنزل) بحيث يجوز له النظر إليهن (اقتصر على زجره) إن شاء، ولا يجوز له رميه (ولو رماه والحال هذه فجنى عليه ضمن) لكونه عاديا حينئذ إلا أن يكون النظر ريبة. (لو كان من النساء مجردة جاز زجره ورميه) على الوجه الذي سمعته في الاجنبي (لانه ليس للمحرم هذا

[ 663 ]

الاطلاع) المتضمن للعورة والجسد وإن جاز له النظر إلى الزينة كما صرح به الفاضل وغيره، وهو كذلك في العورة، أما البدن فمع فرض عدم الريبة ففي الحرمة نظر فتأمل. المسألة (الثالثة): (لو قتله في منزله فادعى أنه أراد نفسه أو ماله) أو عرضه ولم يكن دفعه إلا بذلك فأنكر الورثة فأقام هو البينة أن الداخل كان ذا سيف مشهور مقبلا على صاحب هذا المنزل كان ذلك علامة قاضية برجحان قول القاتل ويسقط الضمان) لان علم الشاهد بقصد الداخل القتل مما يتعذر، فيكتفي بالقرائن الحالية وتقبل الشهادة عليه بذلك. نعم في كشف اللثام بخلاف ما لو اقتصرت البينة على هجوم داره أو مع سلاح غير مشهور، ولعله لاصالة عصمة دم المسلم، بل إن لم يكن الاول إجماعا كما هو مقتضى إرسال الفاضلين وثاني الشهيدين والاصبهاني له إرسال المسلمات أمكن النظر فيه، ضرورة أعمية ما قامت به البينة من الدعوى المزبورة المسقطة لضمانه الذي هو مقتضى الاصل، واحتمال قطعه بالظن المزبور مع اقتضائه التعدية إلى غيره من أفراد الظن لا دليل على حجيته، أللهم إلا أن يقال لما أشرنا إليه سابقا من أن الادلة المزبورة قضت باهدار دم اللص والداخل إلى دار غيره والناظر إلى عورة غيره وغير ذلك مما عرفت، والفرض تحقق موضوع

[ 664 ]

الهدر، فيحكم به حينئذ حتى يعلم حصول سبب الضمان، كما أشرنا إليه سابقا والله العالم. المسألة (الرابعة): (للانسان دفع الدابة الصائلة عن نفسه) وعن غيره وعن ماله (فلو) تعيبت أو (تلفت بالدفع فلا ضمان) مع فرض توقف الدفع عليه بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام عندنا، مشعرا بالاجماع عليه خصوصا بعد أن حكى في مقابله عن أبي حنيفة الضمان مع تجويزه الاتلاف، ولاريب في ضعفه للاصل وفحوى ما سمعته في الانسان، بل مقتضى إطلاق المصنف وغيره والفحوى المزبورة ذلك أيضا وإن تمكن من الهرب. إلا أنه قد يشكل خصوصا في بعض أفراده بقاعدة حرمة التصرف في مال الغير فضلا عن إتلافه، وليس هو كدفاع الظالم الذي له شعور وتكليف وقاصد للظلم، فان لك دفاعه مع الامكان وإن تمكنت من الهرب، وليس في الادلة هنا ما يشمل الفرض المزبور في الدابة، والله العالم. المسألة (الخامسة): (لو عضن على يد إنسان) ظلما (فانتزع المعضوض يده فندرت)

[ 665 ]

وسقطت (أسنان العاض كانت هدرا) عندنا وعند جميع الفقهاء إلا ابن أبي ليلى في محكي المبسوط، وروي (1) " أن رجلا فعل ذلك فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأهدر سنة " مضافا إلى أنه دفاع نعم لو كان المعضوض الظالم تخلصا من ظلمه اتجه الضمان كغيره من جنايات المدفوع، ولو لم يكن تخلصا فلا ضمان لاصل، وكونه ظالما له في شئ آخر لا يقتضي جواز العض له، فهو حينئذ عاد فيه، فلا ضمان بسقوط أسنانه بالنزع. (ولو عدل إلى تخليص نفسه بلكمه أو جرحه إن تعذر التخلص بالاخف) منهما (جاز) بلا خلاف (و) لا إشكال، بل (لو تعسر ذلك جاز ان يبعجه بسكين أو خنجر) وإن أدى ذلك إلى قتله، لما عرفته من أدلة الدفاع، الذي هذا أحد أفراده. نعم (ومتى قدر على الاسهل فتخطى إلى الاشق ضمن) كما سمعته في غيره من أفراد الدفاع، فلو تمكن من فك لحييه باليد الاخرى مثلا اقتصر عليه لئلا تندر أسنانه، لكن عن التحرير أنه استقرب جواز جذب اليد وإن سقطت الاسنان مطلقا، لان جذب يده مجرد تخليص ليده، وما حصل من سقوط الاسنان حصل من ضرورة التخليص الجائز، قلت: بل من إصرار العاض، مضافا إلى اقتضاء الطبيعة ذلك وإلى أن إطلاق أدلة الدفاع مساق إلى المتعارف فيه الذي يدخل فيه الفرض من غير ملاحظة التدرج، ولعل ذلك هو الاقوى، والله العالم.


(1) صحيح البخاري - ج 9 ص 8 " باب إذا عض رجل فوقع ثنيتاه ؟ "

[ 666 ]

المسألة (السادسة): (الزحفان) أو الراجلان أو الفارسان (العاديان يضمن كل منهما ما يجنيه على الآخر) لقاعدة الضمان بعد فرض عدوان كل منهما بقصد كل منهما قتل الآخر أو أخذ ماله أو النيل من عرضه أو نحو ذلك (و) لعله عليه يحمل النبوي (1) " إذا اقتتل المسلمان بسيفهما فهما في النار " نعم (لو كف أحدهما فصال الآخر) عاديا (فقصد الكاف الدفع لم يكن عليه ضمان إذا اقتصر على ما يحصل به الدفع والآخر يضمن) لانه ظالم عاد، وقد عرفت عدم اعتبار إذن الامام (عليه السلام) في الدفع على الوجه المزبور، لاطلاق النص والفتوى، كما هو واضح. (ولو تجارح اثنان وادعى كل منهما أنه قصد الدفع عن نفسه حلف المنكر) للقصد المزبور المقتضي لسقوط الضمان (وضمن الجارح) الذي ضمانه على الاصل، ولذا صار بدعوى خلافه مدعيا ومقابله منكرا وإن حلفا معا ضمن كل منهما جنايته، ضرورة كونهما دعويين، وأما احتمال حلف كل منهما على عدم العدوان فلا يضمنان فهو واضح الفساد بعدما عرفت من الاصل المزبور، والله العالم. المسألة (السابعة): (إذا أمره الامام بالصعود إلى نخلة أو النزول إلى بئر ف‍ (اتفق


(1) مستند أحمد ج 5 ص 48.

[ 667 ]

أنه (مات) بذلك (فان أكرهه قيل كان ضامنا لديته و) لكن (في هذا الفرض منافاة للمذهب) الذي هو عصمة الامام عليه السلام) التي تمنع من الاكراه على فعل لا يجب على المأمور، بل في المسالك " وعلى تقدير جواز إكراه لا يجامع الحكم بضمانه، ثم - قال - والحق أنه متى كان في الفعل مصلحة عامة فأمره به وجب عليه الامتثال ولا ضمان عليه، لان طاعته واجبة، وإن لم يكن كذلك لم يتحقق أمره به فضلا عن إكراهه ". وفيه أن وجوب الطاعة لا ينافي الضمان في بيت المال إذا كان الاكراه لمصلحة المسلمين وسقوط الضمان بالاكراه على الجهاد الذي شرع كذلك لا يقتضي سقوطه في الفرض الواضح ما بينهما من الفرق، لعدم بطلان دم المسلم، سواء أكرهه على ما وجب عليه أو لم يكرهه، ولعله لذا ونحوه قال في الدروس: " ولو تلف من أمره الامام (عليه السلام) بالصعود إلى نخلة أو النزول في بئر لمصحلة المؤمنين فالضمان في بيت المال وإن لم يكره لوجوب طاعة الامام، ولو كان نائبه ضمن بالاكراه في ماله إن لم يكن لمصلحة عامة " وقد استحسنه هو أيضا في آخر كلامه فيها. وربما ظهر منه الفرق بين الامام ونائبه فلا يأمر به الامام لمصلحة نفسه أو المأمور إلا إذا علم أنه لا يؤدي به إلى جرح أو تلف إلا إذا علم الصلاح في ما يؤدي إليه، بل قد يقال: إن للامام الامر بذلك على المعتاد وإن أدى إلى اتفاق تلف المأمور لكن باختياره، ولكن يسهل الخطب في ذلك كله أنه لا فائدة لنا في ما يترتب على أمر الامام الذي هو أولى به منا (و) كيف كان ففي المتن أنه (يتقدر) أي

[ 668 ]

يتصور (في نائبه) لعدم عصمته، بل في القواعد جعله عنوان المسألة، فقال " ولو أمره نائب الامام بالصعود إلى نخلة أو النزول إلى بئر فمات فان أكرهه ضمن الدية، ولو كان لمصحلة المسلمين فالدية في بيت المال، ولو لم يكرهه فلا ضمان، وكذا لو أمر إنسان غيره بذلك من غير إجبار ". قلت: قد يقال: إن النائب بالاكراه بغير حق ينعزل عن النيابة أيضا اللهم إلا أن يفرض إكراه لا ينعزل به، وإلا توجه الضمان حينئذ على ماله مطلقا كالاجنبي الذي لا ولاية له على المسلمين، بل عن التحرير احتمال القصاص وإن كان فيه أن الفرض عدم كون ذلك مما يحصل به القتل غالبا إلا أنه اتفق ترتب القتل عليه ولا قصد به القتل، فلا وجه للقصاص، نعم تثبت الدية لكون الفرض حصول القتل في إكراهه عليه، فيعد قاتلا مندرجا في عموم الادلة، ومن هنا كان ظاهرهم الاتفاق عليه في النائب (و) غيره. نعم قالوا في الاول: إنه (لو كان ذلك لمصلحة عامة كانت الدية في بيت المال) وإن كان لمصلحة نفسه أو مصلحة خاصة أو لا لمصلحة ففي ماله (و) إنه (ان لم يكرهه فلا دية أصلا) ولعلهم فرضوه في إكراه لمصلحة المسلمين لا ينعزل به عن النيابة، وأما غير النائب فالضمان في ماله مطلقا مع الاكراه، لعدم ولاية له على المسلمين، ولا ضمان مطلقا مع عدم الاكراه، والظاهر أن أمر المتغلب المعلوم من عادته السطوة عند المخالفة كالاكراه، كما عن التحرير التصريح به، والله العالم.

[ 669 ]

المسألة (الثامنة): (إذا أدب زوجته تأديبا مشروعا فماتت قال الشيخ: عليه ديتها، لانه مشروط بالسلامة) والاذن الشرعية في ذلك لا تنافي الضمان المستفاد من عموم الادلة (و) لكن في المتن والقواعد (فيه تردد لانه من جملة التعزيرات السائغة) فينبغي أن لا توجب ضمانا كالتعزير الحاصل من الحاكم، وفيه ما عرفت من أن مجرد الاذن لا تنافي الضمان، وخروج الحاكم لدليله (و) من هنا اتفقوا على أنه (لو ضرب الصبي أبوه أو جده لابيه) الضرب السائغ لهما تأديبا (ف‍) اتفق أنه (مات) به (ف‍) ان (عليه ديته في ماله) مع أنه لا نص فارق ولا إجماع وإن ورد الامر بضرب الزوجة في الكتاب (1) إلا أن ذلك لا يصلح فارقا بعد فرض الضرب الجائز للولي، ولعله لذا سوى بينهما في الارشاد في الضمان، ومال إليه في كشف اللثام، وأولى منهما في ذلك المعلم وغيره وإن أذن له الولي، فان إذنه إنما ترفع الاثم، والله العالم. المسألة (التاسعة): (من به سلعة) مثلا أي عقدة تكون في الرأس أو البدن (إذا أمر) من كانت فيه وهو بالغ كامل (بقطعها ف‍) اتفق


(1) سورة النساء: 4 - الآية 34.

[ 670 ]

أنه (مات) بذلك (فلا دية له على القاطع) للاصل وللاحسان إلا أن يكون قطعها مما يقتل غالبا ويعلم به القاطع، فلا ينفع الاذن، بل وإن لم يعلم في وجه قوي، لكن في المسالك بعد أن فرض موضوع إذن الكامل بقعطها ولم يكن قطع مثلها مما يقتل غالبا قال: " مقتضى القواعد أنه لا ينفعه الاذن في سقوط الضمان، وإنما أطلق المصنف الحكم بعدم الضمان بناء على الغالب من أن قطعها لا يقتضي الهلاك، وفي الدروس أطلق الحكم بالقصاص على القاطع قاطعا به ". قلت: لا يخفى عليك ما في كلامه أولا، والموجود في الدروس " وقاطع السلعة والآكلة والجنية باذن صاحبها الكامل لا ضمان عليه، ولو لم يأذن البالغ اقتص من القاطع " وهو صريح في عدم الضمان في الفرض وإن أطلق في غيره، ولعل الوجه في الاول - وإن صدق القتل به - لشك في الضمان به مع كونه مما لا يقتل غالبا ولم يقصد به القتل بعد أمر الكامل به الذي هو أقوى في التأثير أو مساو له كالامر بنحوه في الحيوان المملوك مثلا، وفي صحيح الشحام (1) عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال: " ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفارا " بناء على عود الاستثناء إليهما، وأن المراد بطيب النفس في الدم هذا وشبهه. (و) كيف كان ف‍ (لو كان) من به السلعة (مولى


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 3 من كتاب القصاص.

[ 671 ]

عليه فالدية) مضمونة (على القاطع إن كان وليا كالاب والجد للاب) بلا خلاف أجده فيه وإن ساغ لهما ذلك بل أو وجب، للاصل المزبور وأولويته من التأديب المذكور. (وان كان أجنبيا) بدون إذن الولي (ففي القود تردد) بل قيل وخلاف وإن كنا لم نتحققه. (و) لكن (الاشبه) بأصول المذهب وقواعده ثبوت (الدية في ماله) لانه من شبيه العمد (لا القود لانه لم يقصد القتل) ولم يكن القطع المزبور مما يقتل مثله غالبا، فلم يحصل موضوعه بل الظاهر ذلك لو كان باذن الولي أيضا للعمومات، واحتمال ثبوت الدية عليهما بالاذن لا دليل عليه كالمداواة، وإنما أقصاها رفع الاثم، واحتمال أن إذن الولي هنا تقوم مقام إذن المالك في سقوط الضمان عن المباشر يدفعه عدم الدليل على القيام مقامه على الوجه المزبور، ولذا يضمن هو لو باشر، مع أن فعله فعل المولى عليه المقتضي لسقوط الضمان، فيعلم من ذلك كله اشتراط السلامة في ما يفعله من الاحسان والمصلحة، فمع فرض عدم مصادفة ذلك في الواقع يترتب الضمان، لاطلاق دليله، فيكون حينئذ إذنه بالفعل كذلك أيضا، وربما يأتي للمسألة زيادة تحقيق في ما يأتي إن شاء الله. وكيف كان فالحكم في البالغ لو قطع بدون إذنه كذلك أيضا في ثبوت الدية مع فرض عدم القصد إلى القتل به وعدم كونه مما يقتل غالبا وإن أطلق في الدروس القصاص، لكن من المعلوم كونه في غير الفرض.

[ 672 ]

وللحاكم ختن الكامل الممتنع منه بل وللآحاد بطريق الحسبة مع فقد الحاكم، نعم الواجب كشف جميع البشرة، فلو زاد الفاعل ضمن وإن أذن له في الاختنان، ولو فعل ذلك الحاكم في حر أو برد مفرطين فعن الشيخ أنه قوى الضمان في كتاب الاشربة وعدمه في كتاب الحدود، ولعل الاول لا يخلو من قوة مع ظن الضرر، بل قد يقال بالضمان بانفاق الموت به بناء على ما سمعته سابقا من ضمان النائب بالاكراه ولو لمصحلة المكره، أللهم إلا أن يكون المفروض في الاول مصلحة لا تقتضي الوجوب فيكون الاكراه بغير حق بخلاف المقام، فان الفرض وجوبه عليه، فلا يستعقب إكراهه عليه ضمانه، كما في غير المقام، ولعله الاقوى. وأما عذرة المرأة التي هي جلدة كعرف الديك بين الشفرين في أعلى الفرج فوق مدخل الذكر وفوق مخرج البول إذا قطعت بقي أصلها كالواة تشاهد عند الهزال وتستر عند السمن فلا يملك الحاكم إجبارها على قطعها، لعدم وجوبه، فلو أجبرها أو قطعها أجنبي حسبة ضمن السراية، وفي ضمان المقطوع نظر بخلاف عذرة البكارة، فانها مضمونة إلا على الزوج، والله العالم. تم هذا الجزء بعون الله ومنه ويتلوه الجزء الثاني والاربعون وقد تقدمه في الطبع ولقد بدلنا غاية الجهد في تحقيقه وتصحيحه طبقا للنسخة المصححة على يد المؤلف - قدس الله روحه الطاهرة - والحمد لله أولا وآخرا على اتمام هذه الموسوعة الفقهية محمود القوچاني .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية