جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 43


[ 1 ]

جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 من الهجرة تصحيح وتحقيق وتعليق رضا الاستادى عنى بتصحيحه: العالم الفاضل السيد ابراهيم الميانجى بنفقة الطبعة السادسة المكتبة الاسلامية الجزء الثاني والاربعون حاج سيد محمدكتابچى تهران، خيابان پامنار - اول كوچه حاجيها، تلفن 395205 جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر الاسلامية - 1404 هجري

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الديات) جمع دية بالكسر وبتخفيف الياء، بل التشديد لحن، والهاء فيها عوض عن فاء الكلمة إذ الاصل ودية كوعدة، لانها مأخوذة من الودى وهو دفع الدية، يقال: (وديت القتيل أديه دية) وقد تسمى لغة عقلا لمنعها من الجرأة على الدم، فإن من معاني العقل المنع، وربما تسمى دما تسمية للمسبب باسم سببه، والمراد بها هنا المال الواجب بالجناية على الحر في النفس أو ما دونها سواء كان له مقدر أولا وإن كان ربما اختصت بالاول والثاني بالارش والحكومة (1) فهي حينئذ تسمية بالمصدر. والاصل في مشروعيتها الكتاب العزيز (2) والاجماع والسنة القطعية. (و) كيف كان ف‍ (- النظر) في هذا الكتاب يتم (في امور أربعة).


(1) الحكومة تستعمل في قبال المقدر. (2) سورة النساء 4 - الاية 92.

[ 3 ]

(الاول) (في أقسام القتل ومقادير الديات) فنقول: (القتل) إما (عمد وقد سلف مثاله) في أول كتاب القصاص، بل تقدم هناك أيضا ما يستفاد منه غيره (و) إما (شبيه العمد، مثل أن يضرب للتأديب فيموت و) إما (خطاء محض، مثل أن يرمى طائرا فيصيب إنسانا) أولم يقصد الفعل أصلا، كمن تزلق رجله فيقع على غيره فيقتله، أو ينقلب في النوم على غيره كذلك. (و) حينئذ ف‍ (- ضابط العمد أن يكون عامدا في فعله وقصده) بمعنى أن يقصد الفعل والقتل، أو يقصد الفعل الذي يقتل مثله غالبا وإن لم يقصد القتل، كما مر تحقيقه في كتاب القصاص مع زيادة قيد العدوان فيما ترتب عليه منه، ضرورة عدم وجوب القصاص بالضابط المزبور الشامل للقتل بحق وغيره مما لا قصاص فيه. (و) ضابط (شبيه العمد أن يكون عامدا في فعله) وهو الضرب للتأديب أو المزح أو نحوهما مما لم يرد به القتل، ومنه علاج الطبيب فيتفق الموت به، بل ومنه الضرب بما لا يقتل غالبا بقصد العدوان فيتفق الموت به، على الكلام السابق في القصاص فيه وفيما لو قصد القتل بما لا يقتل غالبا، والغرض هنا بيان كون المراد بشبيه العمد أن يكون عامدا في فعله (مخطئا في قصده) الذي هو القتل بمعنى عدم قصده القتل. (و) أما ضابط (الخطأ المحض) المعبر عنه في النصوص بالخطأ الذي

[ 4 ]

لا شيهة فيه هو (أن يكون مخطئا فيهما) أي الفعل والقصد، كالمثال الذي سمعته الذي لم يقصد به رمي الانسان ولاقتله، سواء كان بما يقتل غالبا أولا. ويلحق به تعمد الطفل والمجنون شرعا كما يلحق بشبه العمد قصد الفعل والقتل لمن ظنه مستحقا لذلك بكفر أو قصاص فبان خلافه، بل ومن ظنه صيدا مباحا فبان إنسانا، وربما يتكلف لا دراجهما بأنه قصد الفعل وأخطأ في قصد القتل المخصوص. وعلى كل حال فلا خلاف عندنا في أن الاقسام ثلاثة، لكل منها حكم يخصه خلافا لمالك فجعلها قسمين بإدراج شبيه العمد في العمد، وأوجب به القود، وهو وإن كان يوهمه بعض نصوصنا المحتمل كونها تقية منه، لكن الاجماع والسنة بل والكتاب على خلافه، ضرورة عدم صدق القتل المؤمن متعمدا عليه كما هو واضح. وقد تقدم في أول القصاص جملة من النصوص المشتملة على تقسيم القتل والجمع بينها جميعا يقتضي التثليث الذي ذكره الاصحاب فلاحظ وتأمل. (وكذا) الكلام في (الجناية على الاطراف) فإنها (تنقسم) أيضا (هذه الاقسام) الثلاثة بلا خلاف أجده بيننا، بل الاجماع محصل عليه، بل يمكن استفادته من النصوص أيضا. هذا كله في أقسام القتل (و) أما مقادير الديات، فمقدار (دية العمد مائة بعير من مسان الابل أو مأتا بقرة أو مأتا حلة كل حلة ثوبان من برود اليمن أو ألف دينار أو ألف شاة أو عشرة آلاف درهم) بلا خلاف أجده في شئ من الستة المزبورة، كما عن بعض الاعتراف به، بل عن الغنية الاجماع عليه أيضا وعلى التخيير بينها، بل يمكن استفادتها من النصوص كما ستعرفه في أثناء البحث إن شاء الله. إنما الكلام في كل واحد واحد منها، أما الاول فقد سمعت ما في المتن الذي هو معنى ما في القواعد مائة من مسان الابل، بل في الغنية وظاهر المبسوط والسرائر والمفاتيح وكشف اللثام الاجماع عليه على ما حكى عن بعضها.

[ 5 ]

والمراد بالمسان الكبار كما في القاموس، وعن الازهري والزمخشري " إذا أثنت فقد أسنت "، قالا: " أول الاسنان الاثناء وهو أن تنبت ثنيتاها وأقصاه في الابل البزول، وفي البقر والغنم الصلوغ " وعن المغرب: " الثنى من الابل الذي أثنى أي نبتت ثنيته (1) وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة " وعن حواشي الشهيد: " المسنة من الثنية إلى بازل عامها " وفي النبوي المروي عن زكاة المبسوط: " المسنة هي الثنية فصاعدا " (2) وعن المهذب البارع وغيره: " المسان جمع مسنة وهي من الابل ما دخل في السادسة وتسمى الثنية أيضا، فإن دخلت في السابعة فهي الرباع والرباعية، فإن دخلت في الثامنة فهي السديس بكسر الدال، فإن دخلت في التاسعة فهي بازل (3) أي طلع نابه، فإن دخلت في العاشرة فهي بازل عام ثم بازل عامين " (4) إلى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على ما ذكرنا. فمن الغريب ما تسمعه في خبر الحكم بن عتيبة (5). وكيف كان فعن الجامع مائة من فحولة مسان الابل وكأن وجهه ما في خبر معاوية بن وهب (6) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دية العمد، فقال: مائة من فحولة الابل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم ".


(1) كذا في الاصل، ولكن في " المغرب في ترتيب المعرب " هكذا: " أثنى أي ألقى ثنيته... " فراجع. (2) المبسوط ج 1 ص 198. (3) بازغ (ن ل). (4) مفتاح الكرامة ج 10 ص 353. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس، الحديث 8. (6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

[ 6 ]

ونحوه مضمر أبي بصير. (1) وخبر الحكم بن عتيبة (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قلت له: فما أسنان المائة بعير ؟ فقال: ما حال عليه الحول، ذكران كلها ". بل وظاهر خبر زيد الشحام (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في العبد يقتل حرا عمدا قال: مائة من الابل المسان، فإن لم يكن إبل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم ". فإن الجمل اسم للفحل. إلا أن الاكثر كما في الرياض الاطلاق، بل لم أجد من حكى عنه اعتبار الفحولة غيره، إذ المصنف وإن عبر بالبعير إلا أنه - كما في الصحاح - من الابل بمنزلة الانسان من الناس، يقال للجمل بعير وللناقة بعير. ومن هنا يشكل تقييد إطلاق غيرها من النصوص (4) بها، وإن كان فيها الصحيح والموثق وغيرهما، خصوصا بعد ما قيل من موافقتها للعامة - ولذا حكى عن الشيخ حملها على التقية - واشتمالها على ما لا يقول به من الترتيب، وكون الاخير منها في العبد، واشتمال سابقه على حول الحول في أسنان المائة بعير الذي لا يكون به البعير مسنا، وغير ذلك. ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه. كما أنه لا ينبغي تركه في اعتبار المسنة في البقر خروجا عن خلاف محكي النهاية والمهذب والجامع وإن لم أجد ما يشهد له فضلا عن كونه صالحا لتقييد إطلاق غيره الشامل للفحل وغيره من النصوص، ومعقد المحكي من إجماع الغنية وظاهر المبسوط والسرائر والتحرير وغيرها، ولذا لم أجد من اعتبر الفحولة هنا


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 8 وله صدر. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 5. (4) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس.

[ 7 ]

ولا الانوثة. إذ التاء في البقرة للوحدة الجنسية لا التأنيث كتمر وتمرة كما هو واضح. وأما الثالث أي مأتا حلة فلا أجد فيه خلافا معتدا به، بل عن بعض الاصحاب نفيه عنه، بل عن الغنية وظاهر المبسوط والسرائر والتحرير وغيرها الاجماع عليه، إلا أني لم أجد في النصوص ما يدل عليه سوى صحيح عبد الرحمان (1) " سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الابل، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه فرض على أهل البقرة مأتي بقرة وعلى أهل الشياة ألف شاة ثنية، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل (2) الحلل مأتا حلة، قال العجلي (3): فسألت أبا عبد الله عليه السلام عما روى ابن أبي ليلي، فقال: كان علي عليه السلام يقول: الدية ألف دينار، وقيمة الدينار عشرة دراهم، وعشرة آلاف لاهل الامصار، وعلى أهل البوادى الدية مائة من الابل، ولاهل السواد مأتا بقرة أو ألف شاة ". إلا أنه مع كون الرواى ابن أبي ليلي المعلوم حاله، وترك الصادق عليه السلام ذكر الحلل لما سأله عما رواه الموجود فيه - على ما عن الكافي والفقيه والاستبصار (4) - مائة حلة، ومن هنا يحكى عن الصدوق في المقنع (5) الفتوى بها، وإن كان هو شاذا لم نعرف من وافقه عليه، مضافا إلى ضعف مستنده، نعم عن التهذيب (6) روايتها مأتا حلة، ولا باس بالعمل بها بعد الانجبار بما


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (2) كذا في الفقيه ولكن في الكافي والتهذيب والاستبصار والوسائل هكذا: " وعلى أهل اليمن الحلل ". (3) البجلى (خ ل). (4) الفقيه ج 4 ص 107 والكافي ج 7 ص 280 والاستبصار ج 4 ص 259. (5) المقنع ص 182. (6) التهذيب ج 10 ص 160.

[ 8 ]

عرفت وإن كان الراوى من عرفت. وخلو كلام الصادق عليه السلام عن ذلك لا يدل على كذبه. وأما ما في صحيح جميل بن دراج (1) " في الدية قال: ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، ويؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، ومن أصحاب الابل الابل، ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر ". فليس فيه سوى الدلالة على ثبوت أصل الحلة دون عددها، مع أن عن بعض نسخ التهذيب (2) " الخيل " بدل " الحلل " وإن كانت نسخة الكافي (3) أرجح سيما بعد ما في نسخة اخرى للتهذيب الموافقة لها. فحينئذ تحمل على إرادة المأتين بقرينة ما عرفت، والمناسبة في القيمة لغيرها. بل قد يشعر صحيح ابن عتيبة (4) عن الباقر عليه السلام في حديث. بكون مدار الدية في كل أرض على ما يوجد فيها غالبا " قال: قلت له: إن الديات إنما كانت تؤخذ قبل اليوم من الابل والبقر والغنم، قال: فقال: إنما كان ذلك في البوادى قبل الاسلام فلما ظهر الاسلام وكثرت الورق في الناس قسمها أمير المؤمنين عليه السلام على الورق، قال: قلت: أرأيت من كان اليوم من أهل البوادى ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم ؟ إبل أو ورق ؟ فقال: الابل اليوم مثل الورق، بل هي أفضل من الورق في الدية " الحديث. وفي صحيح عبد الله بن سنان (5) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من قتل


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (2) التهذيب ج 10 ص 159، وفيه " الحلل " وعندنا نسخة مخطوطة مصححة منه وفيه لفظة " الخيل " بعنوان (خ ل). (3) الكافي ج 7 ص 281. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 8. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 9.

[ 9 ]

مؤمنا متعمدا قيد منه (1) إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية إثنا عشر ألفا، أو ألف دينار، أو مائة من الابل وإن كان في أرض فيها الدنانير ففيها ألف دينار، وإن كان في أرض فيها الابل فمائة من الابل، وإن كان في أرض فيها الدراهم فدراهم بحساب إثنى عشر ألفا). وعلى كل حال فالحكم مفروغ منه، كالمفروغية عن كون كل حلة ثوبين، على ما نص عليه أكثر الاصحاب وأهل اللغة، بل في المتن كالقواعد وغيرها من برود اليمن، نعم في محكي السرائر: " أو نجران ". قال أبو عبيد كما في الصحاح وغيره: " الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء لا تسمى حلة حتى يكون ثوبين " وعن النهاية الاثيرية " الحلة واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولاتسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد " وعن المصباح المنير " الحلة بالضم لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد ". ولكن عن العين " الحلة إزار ورداء بردا أو غيره لا يقال لها حلة حتى تكون ثوبين " وعن القاموس " لا تكون حلة إلا أن تكون ثوبين أو ثوب له بطانة ". بل عن الازهري في التهذيب: " قال شمر: وقال خالد بن جنبة: الحلة رداء وقميص تمامها العمامة، قال: ولا يزال الثوب الجيد يقال له في الثياب حلة، فإذا وقع على الانسان ذهبت حلته حتى يجمعن له إما إثنان وإما ثلاثة، وأنكر أن تكون الحلة إزار ورداء وحدة، قال: والحلل الوشي والحبرة والخز والقز والقوهي والمردى والحرير، قال: وسمعت اليمامي يقول: الحلة كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظ أو رقيق، ولا يكون إلا ذا ثوبين، وقال ابن شميل: الحلة القميص والازار والرداء لا أقل من هذه الثلاثة، وقال شمر: الحلة عند الاعراب ثلاثة أثواب، قال: وقال ابن الاعرابي: يقال للازار والرداء حلة


(1) في الاصل: " اقيدبه ".

[ 10 ]

ولكل واحد منهما على انفراده حلة، قلت: وأما أبو عبيد فإنه جعل الحلة ثوبين، وروى شمرعن القعنبي عن هشام بن سعد، عن حاتم بن أبي نضرة، عن عبادة ابن نسئ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الكفن الحلة وخير الضحية الكبش الاقرن، وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن من مواضع مختلفة منها، قال: والحلة إزار ورداء، ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين، قال: ومما يبين ذلك حديث عمر، إنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بإحداهما وارتدى بالاخرى فهذان ثوبان، وبعث عمر إلى معاذ بن عفراء بحلة فباعها واشتري بها أرؤس من الرقيق فأعتقهم، ثم قال: إن رجلا آثر قشرتين يلبسهما على عتق هؤلاء لغبين الرأى، أراد بالقشرتين الثوبين، قلت: والصحيح في تفسير الحلة ما قال أبو عبيد لان أحاديث السلف تدل على ما قال " (1). مضافا إلى شهادة ما سمعته من الاصحاب له، بل ينبغي الاقتصار فيها على برود اليمن، لانه المتيقن، ونص عليه الفاضلان والشهيدان وأبو العباس وغيرهم، على ما حكى عن بعضهم، وإن كان بعض كلمات أهل اللغة تقتضي الاعم من ذلك، وأما إلحاق خصوص نجران باليمن، فلم أجد له شاهدا، نعم الظاهر اعتبار ما يسمى ثوبا عرفا لا مجرد ما يستر العورة. وأما الرابع فلا أجد فيه خلافا بل عن الغنية وظاهر المبسوط والسرائر والتحرير وغيرها الاجماع عليه، والنصوص (2) مستفيضة فيه حد الاستفاضة وهو معروف. ولكن في الرياض: " أي مثقال من الذهب خالص كما في صريح الخبر " أي موثق أبي بصير (3) قال: " دية المسلم عشرة آلاف درهم من الفضة، أو ألف


(1) تهذيب اللغة للازهري ج 3 ص 441 - 442، وكانت عبارة الاصل كعبارة كشف اللثام - المنقولة عنه ظاهرا - مغلوطة وصححناها على طبق المصدر. (2) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 2 وله ذيل.

[ 11 ]

مثقال من الذهب، أو ألف شاة عى أسنانها ". وفيه أن الظاهر إرادته الاشارة إلى ما في غيره من النصوص (1) من الدينار المعروف ووزنه أنه مثقال، لا أن المراد كفاية ألف مثقال وإن لم تكن مسكوكة، إلا بناء على إجزاء ذلك عنها. وكذا الكلام في الدراهم التي لا خلاف أجده في عددها للمعتبرة المستفيضة (2) نعم في خبرى عبد الله بن سنان (3) وعبيد بن زراة (4) " أنها إثنا عشر ألف درهم " إلا اني لم أجد عاملا بهما وعن الغنية وظاهر المبسوط والسرائر ولتحرير وغيرها الاجماع على خلافه، فينبغي حملهما على التقية، أو على ما ذكره الشيخ (5) عن الحسين بن سعيد وأحمد بن محمد بن عيسى " أنه روى أصحابنا، أن ذلك من وزن ستة " قال: وإذا كان كذلك فهن يرجع إلى عشرة آلاف. وأما الالف شاة فلا خلاف أجده في عددها أيضا نصا وفتوى، بل عن الغنية وظاهر الكتب السالفة الاجماع عليه كما لا خلاف أجده في اجزاء مسماها من غير فرق بين الذكر والانثى. نعم قد سمعت ما في النصوص السابقة من أن مكان كل جمل عشرين من فحولة الغنم، إلا اني لم أجد عاملا به بل عن الغنية الاجماع على خلافه، فالمتجه حمله على التقية. وعن الشيخ حمله على أحد وجهين: الاول: أن الابل تلزم أهل الابل فمن امتنع من بذلها ألزمه الولي قيمتها وقد كانت قيمة كل جمل عشرين من فحولة الغنم، كما قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (6) " ومن الغنم قيمة


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس. (2) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس. (3 و 4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 9 و 10. (5) ذكره في التهذيب ج 10 ص 162. (6) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 3.

[ 12 ]

كل ناب من الابل عشرون شاة. والثاني: اختصاص ذلك بالعبد إذا قتل حرا كما في خبر زيد الشحام (1) عن الصادق عليه السلام. والاول لا يرجع إلى قول، والثاني يمكن أن يكون ذكره جمعا وإلا فلا فرق في دية العمد بين كون القاتل حرا أو عبدا كما هو واضح. وبذلك كله ظهر لك الدليل على الستة أجمع من النصوص والفتاوى ومعقد الاجماعات وإن لم تكن مجموعة جميعها في خبر واحد، بل ليس في شئ منها التعرض لعدد الحلل إلا ما سمعته من صحيح عبد الرحمان (2) عن ابن أبي ليلى. ولكن ضم بعضها إلى بعض بعد حمل " الواو " في بعضها على " أو " بقرينة غيره من الاخبار ومعاقد الاجماعات يقتضي ما ذكره الاصحاب. فوسوسة بعض متأخرى المتأخرين في ذلك في غير محلها، وكأنه لم يحط بالنصوص وكلمات الاصحاب الظاهرة أيضا في أنها على التخيير الموافق للاصل - لا التنويع - كما هو المعروف بين الاصحاب، بل المجمع عليه من المتأخرين، بل عن صريح الغنية وظاهر السرائر والمفاتيح الاجماع على ذلك، فليس حينئذ للولي الامتناع من قبول أحدها مع بذله، وإن لم يكن الباذل من أهل المبذول. نعم عن ظاهر المقنع والمقنعة والنهاية والخلاف والمبسوط والمراسم والوسيلة والقاضي أنها على التنويع، بل في كشف اللثام نسبته إلى عبارات كثير من الاصحاب، لما في عدة من الاخبار (3) من أن الابل على أهلها والبقر على أهلها وهكذا، ولكن بقرينة غيرها من النصوص (4) والفتاوى يمكن حملها على إرادة التسهيل على القاتل، كما أومى إليه ما سمعته من قول الباقر عليه السلام في صحيح ابن عتيبة (5)، وحينئذ تتفق النصوص جميعا، بل عدم تحرير هذا الخلاف


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (3 و 4) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 8.

[ 13 ]

ممن عادته ذلك، كابن إدريس والفاضل في المختلف وغيره يشعر بعدم فهم الخلاف منهم في ذلك، والامر سهل إذ على تقديره واضح الضعف. (و) على كل حال فهي (تستأدى في سنة واحدة) عندنا كما في كشف اللثام ومحكي المبسوط وصحيح أبي ولاد (1) وحسنه (2)، بل عن غير واحد نفي الخلاف فيه، بل عن الغنية الاجماع عليه، وهو كذلك على معنى عدم التأجيل زائدا على السنة كما تسمعه في غيرها، خلافا لابي حنيفة فأجلها ثلاث سنين، بل لعله كذلك أيضا على معنى عدم وجوب المبادرة عليه إلى أدائها قبل تمام السنة، وإن حكى عن الشيخ في الخلاف حلولها مدعيا عليه إجماع الفرقة وأخبارها، إلا أنا لم نجد من وافقه عليه ولا خبرا صريحا يقتضيه، بل ظاهر الصحيح المزبور ومعقد صريح الاجماع وظاهره ونفي الخلاف، خلافه، وبه يخرج عما يقتضي الحلول من إطلاق النصوص، نعم لا يجوز له تأخيرها عنها إلا مع التراضي بعقد صلح أو غيره. ومبدء السنة مع إطلاق ثبوتها من حين التراضي لا من حين الجناية، وإن قيل إنه مقتضي قول أبي على بالتخيير، لكنك عرفت ضعفه في محله. وكيف كان فهي حيث تجب ابتداء كما في قتل الوالد الولد ونحوه (من مال الجاني) لا العاقلة ولا بيت المال (مع التراضي بالدية) على الاطلاق بلا خلاف، كما عن الخلاف والغنية الاعتراف به، بل ظاهرها كونه بين المسلمين كما أن ظاهر المحكي عن المبسوط الاجماع عليه عندنا، مؤيدا بشهادة التتبع له، مضافا إلى ما في الخبرين (3) " لا يضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا " وفي المضمر (4) " فإن لم يكن له مال يؤدى سأل المسلمين حتى يؤدي ديته


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب العاقلة الحديث 1 و 2. (4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 5.

[ 14 ]

على أهله " على أن ضمان العاقلة على خلاف الاصل فيقتصر فيه على المتيقن الذي هو الخطاء المحض. وقيد التراضي في العبارة وغيرها محمول على صورة الاطلاق وإلا ففي غيرها على حسب ما يقع من الصلح مقدارا وأجلا ومستحقا عليه وغير ذلك مما هو جائز بعد التراضي عليه منهما، كما أنه في صورة وجوبها ابتداءا في قتل الوالد الولد والعاقل المجنون وفوات المحل لا اعتبار بالتراضي، وبذلك ونحوه صح تقديرها بما عرفت، وإن كان المختار أن الواجب في العمد القصاص كما هو واضح، والله العالم. (وهي) أي دية العمد (مغلظة) بالنسبة إلى دية شبه العمد والخطأ، وإن اتحدت معها في مقدار السنة (في السن) في الابل (والاستيفاء) إذ قد عرفت اعتبار كونها مسانا فيها وتستأدى في سنة واحدة دونهما كما ستعرف (وله أن يبذل من إبل البلد أو من غيرها وأن يعطى من إبله أو إبل أدون أو أعلى إذا لم تكن مراضا) لا تندرج في إطلاق الادلة (وكانت بالصفة المشترطة) التي هي كونها مسنة بلا خلاف أجده إلا ما يحكى عن المبسوط من عدم إجزاء ما يشتريها إن كانت دون إبله، قال: " وهكذا لو طلب الولي غير إبله وهي أعلى من إبله لم يكن له " ولم أجد من وافقه عليه، بل ولا ما يصلح دليلا له يخرج به عن الاصل، واطلاق الادلة ومعاقد الاجماعات الصريحة والظاهرة التي مقتضاها الاجتزاء بأى فرد منها كغيرها من أفراد الخمسة. وما في الوسيلة " من اعتبار كونها سمانا جاعلا له من التغليظ فيها " لا أعرف له دليلا. (وهل) يتعين على الولي أن (يقبل القيمة السوقية) عن الاصناف لو بذلها الجاني (مع وجود الابل) مثلا (فيه تردد) من أنها واجبة أصالة فلا ينتقل إلى القيمة إلا بالتراضي، ومن قيام القيمة مقامها، (والاشبه) باصول المذهب وقواعده أنه (لا) يتعين عليه القبول كما صرح به الفاضل وولده وثاني الشهيدين وأبو العباس وغيرهم على ما حكى عن بعضهم للاصل بعد

[ 15 ]

ظهور الادلة في وجوب أعيانها، كما لا يجب على الجاني ذلك لو اقترحها الولي. نعم ربما احتمل وجوب القبول مع فقد القاتل لها لما عرفت مع أصالة البرائة، وهو أيضا ضعيف، ضرورة الانتقال حينئذ إلى غيرها من أفراد الميسورة له. فما عن المبسوط - من أن " الذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا كان من أهل الابل وبذل القيمة قيمة مثله كان له ذلك، وإن قلنا ليس له ذلك كان أحوط. فأما إن كان من أهلها فطلب الولي القيمة لم يكن له ذلك " - واضح الضعف بعد ما عرفت من أن مقتضي المذهب وجوبها أجمع على التخيير، من غير فرق بين أهل الابل وغيرهم، وعلى تقديره فلا دليل على إجزاء القيمة حتى مع التعذر، والله العالم. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا من النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات الصريحة والظاهرة على التخيير المزبور أن (هذه الستة) مقادير (اصول في نمفسها وليس) بعضها بدلا عن آخر فلا يعتبر التساوى في القيمة ولا التراضي ولا (بعضها مشروطا بعدم بعض و) حينئذ ف‍ (- الجاني مخير في بذل أيها شاء) كما صرح بذلك كله غير واحد، بل في ظاهر كشف اللثام ومحكي المبسوط الاجماع عليه. نعم قد سمعت ما في خبري معاوية بن وهب (1)، والشحام (2) وغيرهما من أنه " إن لم يكن إبل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم " بل في خبر أبى بصير (3) " دية الرجل مائة من الابل، فإن لم يكن فمن البقر بقيمة ذلك وإن لم يكن فألف كبش " إلا أن ذلك مع احتماله التقية ورجحان غيره عليه من وجوه، ليس نصا في البدلية، لاحتمال أن يراد فإن لم تؤد الابل فكذا، كما أنك سمعت الكلام فيها في النصوص الاخر (4) من أن " الابل على أهلها


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 2 و 5. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 12. (4) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس.

[ 16 ]

والبقر على أهلها وهكذا " الذي عبر به واحد من قدماء الاصحاب وأن المراد منه التسهيل على القاتل لئلا يكلف تحصيل غيره. وأما ما في صحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام من قوله عليه السلام: " قيمة كل بعير مائة وعشرون درهما أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كل ناب من الابل عشرون شاة " وصحيح ابن الحجاج (2) من قول أمير المؤمنين عليه السلام: " وقيمة الدنانير عشرة آلاف درهم " فهو بيان للواقع في تلك الازمان، أو إشارة إلى الحكمة في شروع التقادير أول مرة. ولكن عن القاضي: " فدية العمد المحض إذا كان القاتل من أصحاب الذهب ألف دينار جياد، وإن كان من أصحاب الفضة فعشرة آلاف درهم جياد، وإن كان من أصحاب الابل فمائة مسنة، قيمة كل واحد منها عشرة دنانير، أو مأتا مسنة من البقر إن كان من أصحاب البقر، قيمة كل واحدة منها خمسة دنانير، أو ألف شاة إن كان من أصحاب الغنم، قيمة كل واحدة منها دينار واحد، أو مأتا حلة إن كان من أصحاب الحلل، قيمة كل حلة خمسة دنانير " وظاهره اعتبار التساوى في القيم، إلا أن النصوص عدا ما سمعت والفتاوى ومعقد الاجماع المحكي صريحه وظاهره على خلافه، بل إن كان الضابط اعتبار القيمة فلا مشاحة في العدد مع حفظ قدر القيمة وهي عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، ضرورة كون المدار عليها لا عليه، وهو مما يمكن القطع بعدمه. ومن هنا يتجه حمله على إرادة بيان الحكمة في شرعها ابتداءا وإلا كان واضح الفساد. بل الظاهر عدم إجزاء التلفيق منها كما عن جماعة التصريح به ضرورة خروج الملفق عن اسم كل واحد منها، لكن في القواعد الاشكال فيه، مما عرفت، ومن ثبوت الاختيار في كل جزء فيثبت في الكل، إذ لا فارق بن افتراقها


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 17 ]

واجتماعها، ولكن الاخير كما ترى واضح المنع، لظهور كون التخيير بين المجموع كخصال الكفارة لا الملفق من الستة فما دون، والله العالم. هذا كله في دية العمد بغير الصلح الذى هو على حسب ما يقع عليه. (و) أما (دية شبيه العمد) فهي أيضا الاصناف الستة، كدية الخطاء كما صرح به غير واحد من غير نقل خلاف فيه، بل قيل قد يظهر من السرائر الاجماع، ولعله لفحوى الاجتزاء بها في العمد، إذ لا ريب في أولوية غيره منه بالاجتزاء بذلك، ولكون موضوع التخيير في جملة من النصوص الدية من غير تقييد بأحد الثلاثة. قال الصادق عليه السلام في خبر زرارة (1): " الدية ألف دينار، أو إثنا عشر ألف درهم، أو مائة من الابل ". وفي مرسل يونس: (2) " قالوا الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، أو مائة من الابل ". وقد سمعت ما في صحيح عبد الرحمان (3) المشتمل على قضية ابن أبي ليلى وصحيح جميل (4) وغيرهما. وفي خبر أبي بصير (5) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " دية الخطاء إذا لم يرد الرجل القتل، مائة من الابل أو عشرة آلاف من الورق، أو ألف من الشياة " وقال: " دية المغلظة التي تشبه العمد وليس بعمد أفضل من دية الخطاء بأسنان الابل " (ثلاث وثلاثون حقة) وثلاث وثلاثون جذعة (وأربع وثلاثون ثنية) كلها (طروقة


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 10، وفيه وفى التهذيب ج 10 ص 160 عبيدالله بن زرارة عن أبى عبد الله... (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 7. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 4.

[ 18 ]

الفحل) (1). قال: وسألته (2) عن الدية، فقال: " دية المسلم عشرة آلاف من الفضة أو ألف مثقال من الذهب أو ألف من الشاة على أسنانها أثلاثا ومن الابل مائة على أسنانها، ومن بقر مائتان ". وهو ظاهر في الاتحاد في مقدار الدية وأن الاختلاف إنما هو في مقادير الاسنان في الابل، وبالجملة فالامر مفروغ منه. وأما قول أحدهما عليهما السلام في صحيح محمد وزرارة وغيرهما (3) في الدية، قال: " هي مائة من الابل وليس فيها دنانير ولا دراهم ولا غير ذلك، قال ابن أبي عمير: فقلت لجميل: هل للابل أسنان معروفة ؟ فقال: نعم ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها، كلها خلفة إلى بازل عامها، قال: روى ذلك بعض أصحابنا عنهما، وزاد علي بن حديد في حديثه: إن ذلك في الخطأ " فالمراد منه عدم زيادة دراهم أو دنانير على الابل، لان الدية لا تكون دراهم ولا دنانير. وعلى كل حال فقد عرفت أن الابل في دية العمد المسان، وأما فيها ففي القواعد والتبصرة واللمعة والنافع والروضة " أنها ثلاث وثلاثون بنت لبون، وثلاث وثلاثون حقة، وأربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل ". بل ربما نسب إلى النهاية وإن كنا لم نتحققه، وإنما المحكي عنها وعن الخلاف والوسيلة والمهذب أن


(1) هنا تمت رواية أبى بصير وقد جعل الشارح جملا منها من المتن. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث السابع، وهذا سنده " محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن على بن حديد وابن أبى عمير جميعا، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما عن أحدهما... "

[ 19 ]

الاربع والثلاثين خلفة أي حامل كما هو المشهور والتي يتبعها ولدها كما عن المبسوط، ولا ريب في أنها غير الثنية التي هي طروقة الفحل، بمعنى البالغة ضرب الفحل، واحتمال إرادة ما طرقها الفحل فحملت، بقرينة أن الحقة ما بلغت أن يضربها الفحل، فيتوافق الجميع كما ترى. وعلى كل حال لم نظفر له بمستند مما وصل إلينا من النصوص، وإن نسبه في محكى الخلاف إلى إجماع الفرقة وأخبارها، وفي النافع " أنه أشهر الروايتين " وفي المفاتيح " أنه المشهور وبه روايتان " بل في المسالك والروضة " أن به رواية أبي بصير والعلاء بن الفضيل، لكن لم نقف على شئ من ذلك، كما اعترف به الابي وأبو العباس والاصبهاني والمقدس الاردبيلي وفاضل الرياض وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، والموجود في خبر أبي بصير (1) " ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية كلها طروقة الفحل " كما عن المقنعة والمراسم والغنية والاصباح، والجذعة هي التي دخلت في الخامسة، وبنت اللبون هي التي كمل بها سنتان ودخلت في الثالثة، فلا يمكن إرادتها من الجذعة، وكذا في خبر العلاء بن الفضيل (2)، إلا أن في آخره: " وأربع وثلاثون ثنية كلها خلفة طروقة الفحل " كذا عن الكافي والاستبصار والفقيه، وفي التهذيب، " أربع وثلاثون خلفة كلها طروقة الفحل ". وفي كشف اللثام (3) " وقوله: " كلها طروقة الفحل " أو " كلها خلفة طروقة


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث 13 والكافي ج 7 ص 282 والاستبصار ج 4 ص 258 وفى التهديب ج 10 ص 247 أيضا هكذا: " أربع وثلاثون ثنية كلها خلفة طروقة الفحل " ولكن في ج 10 ص 158 منه هكذا: " وأربع وثلاثون خلفة كلها طروقة الفحل " ولم نجده في الفقيه مسندا الى العلاء، نعم في كلام من الصدوق هكذا: " وفى شبه العمد المغلظة... وثلاث وثلاثون ثنية خلفة طروقة الفحل " الفقيه ج 4 ص 108. (3) كشف اللثام ج 2 ص 315.

[ 20 ]

الفحل " يحتمل أن يراد به كل من الاربع والثلاثين وأن يراد كل منهما ومما قبلها، ولعله المتعين فيما في التهذيب. وظاهر طروقة الفحل فيه المعنى المعروف من بلوغها ذلك لا الحمل، وفي النهاية والغنية والاصباح، أنه روى ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وأربعون خلفة، قال في النهاية: كلها طروقة الفحل ". قلت: إلا أنه لم نجده فيما وصل إلينا من النصوص كما لم نجد عاملا به، بل خبر أبي بصير والعلاء غير جامعين لشرائط الحجية، والفتوى بمضونهما مشكل، بعد عدم الجابر، وإجماع الشيخ كأنه متبين الخلاف. وأشكل من ذلك القول الذي قد عرفت أنه لا دليل عليه من النصوص التي وصلت إلينا، ودليل مثل ذلك منحصر فيها، ضرورة عدم صلاحية غيره. (و) حينئذ فالمتجه العمل بما (في رواية) عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام التي رواها المحمدون الثلاثة (1) صحيحا في بعض الطرق من أنها (ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة وهي الحامل) وفاقا للمحكي عن أبي علي والمقنع والجامع والمقتصر وظاهر الغنية والتحرير، بل قيل إنه عمل بها في المبسوط أيضا، غير أنه أثبت مكان ثلاثون بنت لبون، ثلاثون جذعة، وإن كان ذلك كافيا في الخلاف والخروج عن الصحيح المزبور المتعين للعمل، كما جزم به في المسالك وغيرها، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف معتد به في أنه (يضمن هذه الدية الجاني دون العاقلة) بل عن الخلاف والتحرير وظاهر المبسوط والسرائر أو صريحها الاجماع عليه للاصل وغيره، فما عن الحلبي من أنها على العاقلة واضح الفساد. نعم إن لم يكن عنده مال فعن النهاية والمهذب والغنية، بل في الاخير الاجماع عليه، " استسعى أو امهل إلى السنة وإن مات أو هرب اخذ بها أولى الناس به،


(1) الفقيه ج 4 ص 105 والكافي ج 7 ص 281 والتهذيب ج 10 ص 159 والاستبصار ج 4 ص 259.

[ 21 ]

وإن لم يكن له أحد اخذت من بيت المال " مع أنه لا يخلو من منع خصوصا بالنسبة إلى أخذ أولى الناس به بها، ولذا أنكرهما ابن إدريس، بل قال: " إنه خلاف الاجماع، فانه لا ضمان عليهما في الخطأ المحض " وهو كذلك للاصل وغيره، اللهم إلا أن يقال باستفادته مما سمعته في المضمر السابق (1) الوارد في العمد، بناء على أولوية المفروض منه، مؤيدا بعدم بطلان دم المسلم وغيره مما يفهم منه الرجوع في مثله إلى بيت المال، مع معارضة إجماع ابن إدريس باجماع ابن زهرة، ولعله لذا لم يستبعده في الرياض. لكن ذلك كله محل بحث، خصوصا بعد عدم ظهور الخبر المزبور في بيت المال، وإنما هو سأل من المسلمين ليؤدي هو ديته كما هو المتعارف في زماننا. نعم قد سمعت سابقا خبر أبي بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل، فلم يقدر عليه حتى مات، قال: إن كان له مال اخذت الدية من ماله وإلا فمن الاقرب فالاقرب... فإنه لا يبطل (يطل) دم امرؤ مسلم " ونحوه خبر أبي بصير (3) عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل قتل رجلا ثم فر فلم يقدر عليه حتى مات، قال: إن كان له مال اخذ منه وإلا اخذ من الاقرب فالاقرب " ولعله تأتي للمسألة تتمة إن شاء الله في آخر الكتاب، والله الموفق. (و) كيف كان فقد (قال المفيد ره تستادى في سنتين فهي إذن مخففة عن العمد في السن) في الابل خاصة كما عرفت (وفي الاستيفاء) كما هو المحكي عن المبسوط والمراسم والغنية والسرائر والتقي والفاضل في جملة من كتبه والشهيد وأبي العباس وغيرهم. بل نسبه غير واحد إلى الشهرة، بل ظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل في الغنية نفي الخلاف فيه، مؤيدا بأنه المناسب لكون شبيه العمد


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 5. (2 و 3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة، الحديث 1 و 3

[ 22 ]

الذي قد عرفت أنها فيه سنة والخطأ الذي ستعرف إن شاء الله أنها فيه ثلاث سنين. وأما احتمال أنها أقل من سنة فمقطوع بعدمه، ولو بملاحظة أغلظية العمد منه، كما أنها لا تزيد على الثلاثة قطعا لمعلومية سهولة الخطاء بالنسبة إليه، فهي مابين السنة إلى الثلاث، وربما يشهد للثاني، ما في خبر أبي بصير (1) السابق الظاهر في اختصاص غلظتها بالنسبة إلى الخطأ بأسنان الابل دون غيرها. ولكن الشهرة المزبورة المعتضدة بنفي الخلاف وظهور الاجماع المزبور عينته في السنين ولا باس به، وأما ما عن ابن حمزة من أنها تؤدي في سنة إن كان موسرا، وإلا في سنتين، فلم نعرف له موافقا ولا دليلا، والله العالم. (ولو اختلف) (2) أي الولي ومن عليه الدية (في الحوامل) بناء على المختار، أو حيث نعتبر حوامل (ملا) (رجع إلى أهل المعرفة) والاولى اعتبار العدالة والتعدد، (ولو تبين الغلط) بعد ذلك (لزم الاستدراك) لظهور عدم وصول الحق، (و) كذا أيضا (لو أزلقت بعد الاحضار قبل التسليم لزم الابدال و) هو واضح. نعم لو كان الا زلاق (بعد القبض لا يلزم) الابدال، لان الواجب إقباض الحوامل وقد حصل، لا الولادة. ولو اختلف الولى والدافع بعد القبض، فقال: لم تكن حوامل وقد أضمت أجوافها، فقال الغريم: بل ولدت عندك، فعن التحرير " إن قبضها بقول أهل الخبرة فالقول قول الغريم، عملا بظاهر إصابتهم، وإن قبضها بغير قولهم، فالقول قول الولي عملا بأصل عدم الحمل ". وفيه أن المتجه العمل بالاخير على كل حال لعدم ثبوت حجية الظاهر المزبور. هذا كله في أسنان الابل، أما غيرها فهي متساوية في دية العمد والخطأ، لكن


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (2) كذا في الشرائع ولكن في الاصل " ولو اختلفا "

[ 23 ]

قد سمعت ما في خبر أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام: " أو ألف من الشاة على أسنانها أثلاثا ومن الابل مائة على أسنانها) إلا أني لم أجد عاملا به، فيمكن حمله على إرادة أي شئ كان. وربما احتمل رجوع ضمير أسنانها إلى الابل، أي الالف من الشاة يوافق أسنان الابل أثلاثا في القيمة غالبا. وفيما حضرني من نسخة للتهذيب معتبرة: " أو ألف من الشاة على أسنانها أثلاثا من الابل قيمة على أسنانها " والظاهر أنه تصحيف وإلا فالموجود في أكثر النسخ " مائة على أسنانها " وعلى كل حال فهو غير واضح الوجه. (و) أما (دية الخطاء المحض) فالاكثر كما في كشف اللثام، وعن غيره، بل المشهور، بل عليه عامة المتأخرين، على أنها (عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة) لخبر عبد الله بن سنان (2) الذي رواه المحمدون الثلاثة صحيحا في بعض الطرق عن الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام الذي تقدم بعضه في دية شبيه العمد، قال: " والخطأ يكون فيه ثلاثون حقة، وثلاثون ابنة لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكر " الحديث. (و) لكن (في رواية) العلاء بن الفضيل عنه عليه السلام التي في طريقها العبيدي عن يونس عن محمد بن سنان (3) (خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة) إلا أنا لم نجد عاملا بها عدا ما يحكى عن ابن حمزة، نعم عن الخلاف إجماع الفرقة على العمل بالروايتين، وإن كنا لم نتحققه بالنسبة إلى هذه الرواية، فهو حينئذ شاذ قاصر عن إثبات التخيير به بينه وبين ما في الصحيح السابق من وجوه. وأما ما عن المبسوط والسرائر - عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات النفس الحديث الثاني والتهذيب ج 10 ص 158 وفيه " ومن الابل مائة فانها على اسنانها ". (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (3) التهذيب ج 10 ص 158.

[ 24 ]

وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة - فلم نجد له شاهدا فيما وصل إلينا من النصوص. كما لم نجد عاملا بما سمعته في ذيل صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، من خبر علي ابن حديد (1) في الخطأ، فتعين العمل حينئذ بما سمعته من المشهور هنا، وإن أعرضوا عن الصحيح المزبور في دية العمد، والله العالم. (وتستأدى) دية الخطاء (في ثلاث سنين) في كل سنة ثلثها بلا خلاف أجده فيه بل عن المهذب وغيره الاجماع عليه بل عن الخلاف " اتفاقا منابل من الامة، وخلاف ربيعة لا يعتد به " (2) وعن الغنية " بلا خلاف إلا من ربيعة فإنه قال في خمس " وقال الصادق عليه السلام في صحيح أبي ولاد، (3) " كان علي عليه السلام يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين وتستأدى دية العمد في سنة " فالحكم حينئذ مفروغ منه (سواء كانت الدية تامة) كدية المسلم الحر (أو ناقصة) كدية المرأة وغيرها مما ستعرف إن شاء الله، لصدق الدية على الجميع، بل في المتن والقواعد ومحكي المبسوط والمهذب (أو دية طرف) بل في كشف اللثام " لعموم الدليل والفتاوى "، قلت: ولكن حكي عن الفاضل الخلاف فيه ولعله لاصالة الحلول بعد دعوى انسياق الصحيح المزبور وغيره إلى دية النفس وإن كان فيه منع خصوصا بعد تصريح من عرفت وظهور غيره، إلا أن الظاهر كون الاجل المزبور متمما لها فيلحقه التوزيع أيضا بتوزيعها. وحينئذ فالطرف إن كانت ديته قدر الثلث اخذ في سنة واحدة في الخطأ وإن كان أزيد حل الثلث بانسلاخ الحول، وحل الزائد عند انسلاخ الثاني إن كان ثلثا آخر فما دون، وإن كان أكثر، حل الثلث عند انسلاخ الثاني والزائد عند انسلاخ الثالث.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث 7. (2) الخلاف ج 2 ص 400. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 25 ]

وإن تعدد الجاني والمجني عليه حل عند كل حول ثلث. وإن قلع عينيه وقطع يديه ورجليه حل له ثلث لكل جناية. وكذا الكلام في الطرف، لو قطع عمدا أو شبه عمد بالنسبة إلى أجلهما، نعم قد يقال بالحلول فيما ليس له مقدر من الجراح مع احتمال إلحاقه بالدية المقدرة بعد ملاحظة النسبة. وأما الجناية على العبد فيحتمل أيضا جريان حكم الدية عليها وإن كانت هي قيمة، ويحتمل كونه كالاموال. وأما العكس فالظاهر الحلول فيما يتعلق منها برقبته، نعم لو أراد المولى فداءه أمكن ملاحظة التأجيل، والله العالم. وكيف كان (فهي مخففة في السن) في الابل خاصة (و) في (الصفة) بالنسبة إلى شبه العمد فلا يعتبر في شئ منها أن تكون خلفة كما صرح به في الوسيلة، إلا أن المصنف لم يعتبر فيها ذلك كما عرفت، وإنما ذكره رواية. (و) يمكن أن يكون ذلك بناء عليها كما ذكر مسألة الاختلاف (في الاستيفاء) بالنسبة إليهما معا. (و) على كل حال ف‍ (هي على العاقلة) بلا خلاف أجده بيننا بل وبين غيرنا فيه كما اعترف به بعضهم إلا من الاصم منهم الذي لا يعتد بخلافه، وكذا الخوارج، بل عن الخلاف دعوى إجماع الامة عليه، قال: " وخلاف الاصم لا يعتد به " (1) كل ذلك مضافا إلى النصوص (2) التي إن لم تكن متواترة فلا ريب في القطع بذلك منها، ولا ترجع العاقلة بذلك على القاتل، لانه (لا يضمن الجاني منها شيئا) للاصل وغيره، خلافا للمحكي عن المفيد وسلار، فحكما بالرجوع ولا نجد لهما دليلا، بل في السرائر إجماع الامة على خلافهما، وإن أنكر عليه الفاضل في المختلف وادعى أنه جهل منه في تخطئة الشيخ الاعظم الذي


(1) الخلاف ج 2 ص 400. (2) راجع الوسائل أبواب العاقلة من كتاب الديات.

[ 26 ]

هو الاصل في إفشاء المذهب وتقريره، لكن ذلك كما ترى لا يصلح دليلا، نعم يأتي إن شاء الله، إن العاقلة إذا فقدت أو كانوا فقراء كانت في مال القاتل كما نص عليه هنا في كشف اللثام. (ولو قتل في الشهر الحرام) رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، (الزم دية وثلثا من أي الاجناس كان تغليظا) بلا خلاف أجده بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما صريحا فضلا عن الظاهر مستفيض أو متواتر، بل في المسالك " أن به نصوصا كثيرة "، وفي محكي الخلاف نسبته إلى إجماع الفرقة وأخبارها، وإن كنا لم نعثر إلا على خبر كليب الاسدي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقتل في الشهر الحرام ما ديته ؟ قال: دية وثلث " وخبره الآخر (2) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول من قتل في شهر حرام فعليه دية وثلث " الحديث، اللهم إلا أن يكون قرء (3) ما تسمعه من النصوص (4) الاتية " في الحرم " بلفظ الجمع على إرادة الاشهر الحرم، بل ربما كان ذلك عذرا للمصنف وغيره ممن أنكر وجود دليل على إلحاق الحرم بالشهر الحرام، فأنه من المستبعد عدم رؤيتهم للنصوص المزبورة مع وجودها في المجامع العظام، وعلى كل حال ففيهما الكفاية لاثبات مثله بعد ما عرفت، والله العالم. (وهل يلزم مثل ذلك في حرم مكة) زاده الله شرفا ؟ ففي المتن (قال الشيخان) أي في المقنعة والمبسوط والخلاف والنهاية على ما حكي عن بعضها: (نعم) يلزم مثل ذلك، وظاهره التوقف بل هو صريحه في النكت، قال: " ونحن نطالب الشيخين بدليل ذلك " وكذا النافع وتبعه على ذلك الفاضل في التحرير وأبو العباس والمقداد والشهيدان والكاشاني على ما حكي عن بعضهم، مع اعتراف أكثرهم


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (2) التهذيب ج 10 ص 215. (3) قرءا بالتثنيه. (ن ل) (4) راجع الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات النفس.

[ 27 ]

بعدم النص عليه. نعم قال الكركي في حاشية الكتاب بعد حكاية ذلك عن الشيخين والاعتراف بعدم النص: " وكفى بهما متبعا " إلا أن ذلك كله في غير محله إذ هو - مع أنه مذهب بني حمزة وزهرة وإدريس والفاضل في القواعد والارشاد والشهيد في اللمعة أيضا، بل مذهب الاكثر كما في كشف اللثام، بل المشهور كما في مجمع البرهان، بل في ظاهر المحكي عن موضعين من المبسوط والسرائر وغاية المراد، وكذا الغنية، الاجماع عليه، بل في محكي الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارها - يدل عليه صحيح زراة (1) المروى في الكافي والفقيه " قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل قتل رجلا في الحرم، قال: عليه دية وثلث " وخبره الاخر (2) المروى في التهذيب " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قتل رجلا في الحرم، قال عليه: دية وثلث ". فلاوجه حينئذ للتوقف في المسألة خصوصا بعد التأييد بالاشتراك في الحرمة وتغليظ قتل الصيد فيه، المناسب لتغليظ غيره، بعد الاعتضاد بما عرفت، سيما الاخبار المرسلة في الخلاف. نعم قد عرفت احتمال قراءة الخبرين الحرم بلفظ الجمع على أن يكون صفة للاشهر الحرم، وقد حضرني نسخة من الكافي معتبرة جدا وقد اعرب فيها " الحرم " بضمتين. وربما يؤكد ذلك تتمة الخبر المزبور " قال ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، ويعتق رقبة ويطعم ستين مسكينا، قال: قلت: يدخل في هذا شئ ؟ قال: وما يدخل ؟ قلت: العيدان وأيام التشريق، قال: يصومه فانه حق لزمه " ومن المعلوم أن ذلك كفارة القاتل في الشهر الحرام بناء على القول به لا الحرم،


(1) الكافي ج 4 ص 140 والفقيه ج 4 ص 110 ولكن فيه عن أبى عبد الله عليه السلام، الوسائل الباب - 8 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث 2. (2) التهذيب ج 10 ص 216، الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث 3.

[ 28 ]

وإن كان الخبر المزبور فيه إشكال بدخول العيدين مع أنه ليس إلا عيد واحد في الاشهر الحرم كما أوضح عنه صحيح زرارة الاخر (1) " قال: سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام، قال: تغلظ عليه الدية وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين من أشهر الحرم، قلت: فإنه يدخل في هذا شئ ؟ فقال: وما هو ؟ قلت: يوم العيد وأيام التشريق، قال: يصومه فإنه حق لزمه " والله العالم. نعم قال في كشف اللثام: " الظاهر اختصاص ذلك بالعمد كما تشعر به عبارة النهاية وتعليل الاصحاب بالانتهاك، ويدل عليه الاصل فيقتصر في خلافه على اليقين ". قلت: هو وإن كان صريح الوسيلة أيضا لكن المحكي عن صريح المبسوط والسرائر العموم، بل هو ظاهر الغنية، بل قيل هو ظاهر المقنعة وما تأخر عنها، بل ظاهر السرائر وكذا المبسوط والغنية الاجماع عليه. بل قيل: إن العموم اللغوي في بعض النصوص السابقة يقطع الاصل، والتعليل يدفعه التصريح والاطلاق الذي هو كالتصريح بمعونة السياق، مع احتمال كونه لبعض الافراد خصوصا بعد كون العنوان بمن قتل ونحوه، بل لعل القاتل خطأ منتهك أيضا وإن لم يكن آثما، ولذا وجبت عليه الكفارة، ولعله لذا مال في الرياض إليه، بل حكي فيه عن بعض متأخري المتأخرين ذلك، مدعيا عليه النص والاجماع. قلت: لعل مراده من النص ما سمعته في صحيح زرارة (2) المصرح فيه بالخطأ، وإلا فلا صراحة في غيره من النصوص، ضرورة ظهور ذكر كفارة العمد فيه، مضافا إلى ظهور " قتل " في قصد القتل الذي لا يشمل الخطأ كما في كل فعل جعل عنوانا للحكم الشرعي، وحينئذ فعموم " من " لا يجدي بعد ظهور مدخولها في ذلك، إذ هو على حسبه، فالاصل حينئذ بحاله. نعم الظاهر عدم الاختصاص بقتل المسلم، لعموم النص والفتوى ومعاقد


(1 و 2) الكافي ج 4 ص 139، الوسائل الباب - 8 - من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث الاول.

[ 29 ]

الاجماعات، وإن احتمله بعض الناس. ولا بقتل الكبير والعاقل ولا غيرهم، فتغلظ الدية بقتل الجميع، وإن لم يكن قصاص بقتل العاقل المجنون، وكذا لو قتل الوالد الولد، بل لا فرق أيضا بين سليم الاعضاء ومفقودها كما صرح به في القواعد وغيرها للعمومات، نعم قد سمعت خبر سورة بن كليب (1) عن الصادق عليه السلام في أقطع اليد إذا قتل فلاحظ وتأمل. هذا ولا يبعد إلحاق المراقد المنورة بذلك في التغليظ كما هو محتمل النهاية، بل فهمه منها غير واحد، وإن أنكره ابن إدريس حاملا لعبارة الشيخ على غيره لعدم الدليل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع. لكن فيه أن من المعلوم كون التغليظ المزبور لانتهاك الحرمة التي هي فيها أشد في الحرم قطعا، ولذا حكي عن المقداد ذلك مستدلا له بالتنقيح، وأن المنقح له العقل والاولوية العرفية، لان مراقدهم أفضل من مكة، فيكون أفضل من الحرم. قلت: وهو كذلك كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد في ذلك (2) وخصوصا مرقد النبي صلى الله عليه وآله ومشهد أمير المؤمنين عليه السلام والحائر. وعلى كل حال فالزائد لولي المقتول كما هو الظاهر من إطلاق النص والفتوى، بل هو كصريح الاخير، نحو قوله في الخبر الاول، وإن كان السبب في ذلك انتهاك حرمة الزمان والمكان. ولو اجتمع سببا التغليظ فالوجه تعدد الثلث لقاعدة عدم التداخل القاطعة لاصل البرائة، خلافا لبعض، منهم الشهيد الثاني، ترجيحا لاصل البراءة عليها وهو في غير محله. نعم ظاهر النص والفتوى وغيرهما، أن الزيادة المزبورة حيث تؤخذ الدية دون ما إذا اقتص، فما عن ثاني الشهيدين من وجوبها معه أيضا للتغليظ غير


(1) يعنى في كتاب القصاص راجع الوسائل الباب - 50 - من أبواب القصاص في النفس الحديث الاول. (2) راجع الوسائل أبواب المزار.

[ 30 ]

واضح الوجه. كما أن ظاهرهما اختصاص ذلك في القتل، ولذا قال المصنف: (ولا نعرف (1) التغليظ في الاطراف) لانه لم يذكره أصحابنا كما عن المبسوط والسرائر، بل عن الاخير زيادة " دون قطع الاطراف عندنا " بل في المسالك " لا قائل به من أصحابنا " ولا في قتل الاقارب للاصل وعدم الدليل، وبه صرح الفاضل وغيره. نعم هو مناسب لمذاق العامة القائلين بالقياس والاستحسان، كما يحكى عن بعضهم القول به فيها، كما عن آخر التغليظ للقرابة أيضا، (2) وفي اشتراط المحرمية لهم وجهان، وعن الشافعي منهم اختصاص التغليظ بأسنان الابل، والجميع كما ترى. (فرع:) (لو رمي) وهو (في الحل) بسهم مثلا (إلى) من هو في (الحرم فقتل فيه لزمه التغليظ) كما صرح به الفاضل وغيره لصدق القتل فيه وإن خرج السبب (وهل يغلظ مع العكس فيه تردد) من الاصل وعدم صدق القتل في الحرم، ومن حصول سببه في الحرم فهو كمن قتل فيه، ولذا تلزم الكفارة من رمى فيه صيدا في الحل، بل هو المناسب للتغليظ في الحرم وخصوصا في الانسان الذي هو أعظم حرمة من الصيد المحلل قتله بالاصل. ولكن لا ريب في أن الاقوى الاول بعد عدم هذه الاعتبارات في قطع الاصل الشرعي، بل قد يحتمل ذلك في


(1) في الشرائع: ولا يعرف. (2) قال في بداية المجتهد ج 2 ص 455: " واختلفوا في تغليظ الدية في الشهر الحرام والبلد الحرام.. وقال الشافعي: تغلظ فيهما في النفس وفى الجراح. وكذلك عند الشافعي من قتل ذا رحم محرم... "

[ 31 ]

الاول أيضا، وإن كان ظاهر المصنف والفاضل وغيرهما اختصاص التردد في الثاني، لامكان دعوى انسياق الظرفية من النص، والله العالم. (ولا يقتص من الملتجى إلى الحرم فيه) بعد أن قتل خارجه ثم استجار به (و) لكن (يضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج) منه بلا خلاف أجده في أصل الحكم كما اعترف به في المسالك، بل في التنقيح ومحكي الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه، لعموم آيات الامن (1) ولفحوى قول الصادق عليه السلام في صحيح هشام (2) " في الرجل يجنى في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم، قال: لا يقام عليه الحد ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع، فإذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد وإن جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد فإنه لم ير للحرم حرمة " ولو للاجماع المزبور على عدم الفرق بين الحد والقصاص. (و) منه يعلم الوجه فيما ذكره المصنف وغيره من أنه (لو جنى في الحرم اقتص منه) فيه (لانتها كه الحرمة) بل لا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض، فيبقى حينئذ عموم أدلة القصاص والحدود بحالها سليمة عن المعارض. (وهل يلزم مثل ذلك في مشاهد الائمة عليهم السلام) فضلا عن النبي صلى الله عليه وآله (قال به في) المقنعة والمهذب و (النهاية) والسرائر وحدود التحرير وغيرها، واستحسنه المصنف في النكت، ولعله لمعلومية زيادة شرفها على الحرم. ولذا قال في التنقيح بعد أن حكي عن الشيخين ذلك: " وهو قريب أما أولا فلما ورد عنهم عليهم السلام أن بيوتنا مساجد، (3) وأما ثانيا فلما تواتر من رفع العذاب الاخروي عمن


(1) سورة آل عمران: 3 - الاية 97 وغيرها. (2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة الحديث الاول. (3) راجع الوسائل الباب - 16 - من أبواب الجنابة.

[ 32 ]

يدفن بها (1) والعذاب الدنيوي أولى، وأما ثالثا فلان ذلك مناسب لوجوب تعظيمها واستحباب المجاورة بها والقصد إليها " (2) بل عن ظاهر التحرير أن المشهد البلد، فضلا عن الصحن الشريف والروضة المنورة، بل لا يخفى على من أحاط خبرا بما ورد (3) في الحائر وحرمه وأنه أربعة فراسخ بل أزيد وغير ذلك مما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وغيره من الائمة عليهم السلام زيادة تعظيمها، ولكن مع ذلك قد تشعر عبارة المصنف بل صريح غيره بالتوقف بل المنع، وهو لا يخلو من جرأة، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى في أن (دية المرأة) الحرة المسلمة صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، سليمة الاعضاء أوغير سليمتها، (على النصف من جميع الاجناس) المذكورة في العمد وشبهه والخطأ، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص (4)، بل هو كذلك من المسلمين كافة إلا من ابن علية والاصم، فقالا هي كالرجل، وقد سبقهما الاجماع ولحقهما، بل لم يعتد بخلافهما من حكي إجماع الامة غير مشير إليهما، ولا باس به. وحينئذ فمن الابل خمسون، ومن الدينار خمسمائة وهكذا كما هو واضح. وكذا الجراحات والاطراف منها على النصف من الرجل ما لم تقصر ديتها عن ثلث دية الرجل، فإن قصرت دية الجناية جراحة أو طرفا عن الثلث تساويا قصاصا


(1) راجع الوسائل الباب - 13 - من أبواب الدفن ومستدرك الوسائل ج 1 ص 121. (2) التنقيح للفاضل المقداد، كتاب القصاص ص 815 من نسخة مخلوطة منه عندنا. (3) راجع الوسائل أبواب المزار وكامل الزيارات. (4) راجع الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات النفس.

[ 33 ]

ودية كما مر الكلام فيه مفصلا. ولا تلحق بها الخنثى المشكل في ذلك، للاصل وغيره، وإن احتمل، وديتها ثلاثة أرباع دية الرجل على ما صرح به بعضهم. وجميع فرق الاسلام المحقة والمبطلة متساوية في الدية، وإن لم تكن غير المحقة منهم كفارا في الآخرة (1) إجراء لهم مجري المسلمين كاجراء حكم الاسلام على المنافقين استدراجا لهم ومصلحة للمؤمنين ما لم يجحدوا ما هو معلوم الثبوت من دين النبي صلى الله عليه وآله كالغلاة والنواصب ومن أنكر ما اعترف بثبوته في دينه صلى الله عليه وآله، فإنهم كفار، كل ذلك لعموم الادلة، بل في كشف اللثام الاتفاق على التساوي في الدية، وإن كان قد يشكل بأن المتجه سقوطها على القول بكفرهم في الدنيا حتى دية الذمي ضرورة عدم كونهم منهم، والله العالم. (ودية ولد الزنا إذا أظهر الاسلام دية المسلم) بلا خلاف أجده بين من تأخر عن المصنف، بل عن بعض نسبته إلى الاكثر على الاطلاق، وآخر إلى المشهور، وثالث إلى جمهور الاصحاب، لثبوت إسلامه باظهاره الاسلام الذي من ضرورة المذهب، بل الدين، وجوب قبوله ممن يحصل منه ما لم يعلم خلافه، فيندرج حينئذ بذلك في المسلمين والمؤمنين في الديات وغيرها إلا ما ثبت خروجه من أحكامهم. نعم إذا لم يصف الاسلام أو كان غير بالغ ولم يسبه مسلم أو لم نقل بتبعيته له فيه، يتجه عدم الدية له، للاصل بعد عدم الاسلام فعلا ولا شرعا حتى دية الذمي، ضرورة عدم كونه منه. ودعوى - كونه بحكم المسلم لقوله عليه السلام: " كل مولود يولد على


(1) قال في كشف اللثام: " وجميع فرق الاسلام المحقة والمبطلة متساوية في الدية اتفاقا وان لم يكن غير المحقة منهم كفارا في الحقيقة.. فانهم كفار... " أقول: الظاهر زيادة الواو في قوله وقول شارحنا: " وان لم يكن " فراجع.

[ 34 ]

الفطرة " (1) كما في كشف اللثام - يدفعها عدم ثبوت العمل به على الوجه المزبور من الاصحاب وإلا لاقتضى إسلام ولد الزنا من الكافرين، وهو معلوم العدم، ولا يبعد كون المراد أنه خلق على اختيار الاسلام لو ترك ونفسه، لا أن المراد أنه مسلم فعلا، بل يمكن دعوى القطع بذلك خصوصا بعد ملاحظة قوله " حتى " وغيره. كدعوى ثبوت الدية المزبورة لكل نفس ما لم تكن كافرة، ضرورة اتفاق النص والفتوى على أنها دية المسلم، ولعله لذا قيد المصنف وغيره بما إذا أظهر الاسلام ولعل من أطلق يريد ذلك أيضا، ومن هنا يظهر لك النظر فيما في كشف اللثام من " أنه لا فرق على القولين أي قول المشهور وقول المرتضى بين البالغ منه وغيره، فان الطفل لا يتبع والده إلا أن يسبيه مسلم وقلنا بتبعيته له. وعلى المختار الوجه أيضا ذلك فانه وإن لم يتبع أحدا إلا أن كل مولود يولد على الفطرة " وإن وافقه عليه بعض من تأخر عنه. بل وما في المحكي من حواشي الشهيد " من أن المنقول أنه إن أظهر الاسلام فديته دية مسلم وإلا فدية ذمي، قال: وهو جمع بين القولين " وأشار إليه المصنف بقوله: " إن أظهر الاسلام "، والله العالم. (و) كيف كان فقد (قيل) والقائل الصدوق والمرتضى ديته: (دية الذمي) ثمانمائة درهم. بل قال السيد: " والحجة بعد الاجماع المتردد، أنا قد بينا أن مذهب الطائفة أن ولد الزنا لا يكون قط طاهرا ولا مؤمنا بايثاره واختياره وإن أظهر الايمان وهم على ذلك قاطعون وبه عاملون، فإذا كانت هذه صورته عندهم فيجب


(1) قال في سفينة البحار ج 2 ص 373: " قال النبي صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه " ولكن في الوسائل ج 11 ص 96 هكذا: " عن أبى عبد الله عليه السلام انه قال: ما من مولود يولد الا على الفطرة فأبواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه... "

[ 35 ]

أن تكون ديته دية الكفار من أهل الذمة للحوقه في الباطن بهم. قال: فان قيل: كيف يجوز أن يقطع على مكلف أنه من أهل النار وفي ذلك منافاة للتكليف، وولد الزنا إذا علم أنه مخلوق من نطفة الزاني فقد قطع على أنه من أهل النار، فكيف يصح تكليفه ؟ قلنا: لا سبيل لاحد في القطع على أنه مخلوق من نطفة الزنا لانه يجوز أن يكون هناك عقد، أو شبهة عقد، أو أمر يخرج به عن أن يكون زانيا فلا يقطع أحد على أنه على الحقيقة ولد زنا، فأما غيره فانه إذا علم أن امه وقع عليها هذا الوطى (1) من غير عقد ولا ملك يمين ولا شبهة فالظاهر في الولد أنه ولد الزنا والدية معمول فيها على ظاهر الامور دون باطنها " (2). وقال ابن إدريس: " ولم أجد لباقي أصحابنا فيه قولا فأحكيه، والذي تقتضيه الادلة التوقف في ذلك، وأن لا دية له لان الاصل برائة الذمة " (3). قلت: هو كذلك على ما اعترف به غيره عدا ما سمعته من الصدوق، ومنه يعلم حينئذ ما في إجماع السيد المزبور بعد الاغضاء عما ذكره من تفريع وجوب دية الذمي على كونه كافرا، ضرورة عدم اقتضاء ذلك كونه ذميا كما اعترف به ابن إدريس وغيره، بل وبعد الاغضاء عما في جوابه عما سأله به نفسه، فإنه لا يرجع إلى حاصل، فتأمل. نعم قد يستدل له بمرسل جعفر بن بشير (4) " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دية ولد الزنا قال ثمانمائة درهم مثل دية اليهودي والنصراني والمجوسي " ومرسل


(1) الواطى (ن ل). (2) الانتصار، كتاب الحدود والديات وما يتصل بذلك. (3) السرائر كتاب الحدود ص 8 قال فيه: " ودية ولد الزنا مثل دية اليهودي على ما ذهب إليه السيد المرتضى رضى الله عنه ولم أجد لباقي.. " فما في بعض النسخ " ولم أجد لنا في... " تصحيف. (4) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ديات النفس الحديث 2.

[ 36 ]

عبد الرحمن بن عبد الحميد (1) " قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: دية ولد الزنا دية اليهودي ثمانمائة درهم " وخبر إبراهيم بن عبد الحميد عن جعفر عليه السلام (2) " قال: قال: دية ولد الزنا دية الذمي ثمانمائة درهم ". مؤيدة بما ورد من النصوص (3) في المنع من غسالة الحمام، معللة " بأنه يغتسل فيه اليهودي والنصراني وولد الزنا " حيث ساقه مساق أهل النار. إلا أنها جميعها ضعيفة، كما أشار إليه المصنف بقوله: (وفي مستند ذلك ضعف) ولا جابر لها بعد تبين حال الاجماع المحكي بما عرفت، كي تصلح للخروج بها عما دل على دية المسلم، بناء على إسلامه بما يظهره. والتأييد بما في النصوص المزبورة مبني على كفره وإن أظهر الاسلام، وهو ممنوع. وأطرف شئ ما في الرياض، من أن " قول السيد ليس بذلك البعيد للاصل مع عدم معلومية دخول ولد الزنا في إطلاق أخبار الديات، حتى ما ذكر فيه لفظ المؤمن والمسلم، لا طلاقهما الغير المعلوم الانصراف إلى نحوه من حيث عدم تبادره منه مع انسياق سياقه إلى بيان مقدار الديات وغيره مما لا يتعلق بما نحن فيه فيصير بالنسبة إليه كالمجمل لذي لا يمكن التمسك به، وكذا شمول ما دل على جريان أحكام الاسلام على مظهره لنحو ما نحن فيه ليس بمقطوع به، فلا يخرج عن مقضى الاصل بمثله، وإنما خرج عنه بالنسبة إلى دية الذمي لفحوى ما دل على ثبوتها به مع شرفه بإسلامه الظاهري وليس وجوده كعدمه بالقطع حتى يلحق بالحربي، ويمكن أن يجعل ما ذكرناه جابرا للنصوص والاجماع المحكي مع تأيد الاخير بعدم ظهور مخالف فيه من القدماء عدا الحلي المتأخر عن حاكيه، وأما الشهرة، فإنما هي من زمن المحقق ومن بعده ". (4)


(1 و 2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ديات النفس الحديث 1 و 3. (3) راجع الوسائل الباب - 11 - أبواب الماء المضاف. (4) رياض المسائل ج 2 ص 594.

[ 37 ]

إذ هو كما ترى من غرائب الكلام، إن أراد ذلك بعد تسليم كونه مسلما وجريان أحكام الاسلام والايمان في غير الدية عليه، ضرورة أن المرتضى لا يرضى بذلك إذ ما ذكره مبني على كفره، وإن أراد بما ذكره موافقة المرتضى على كونه كافرا فهو مع منافاته لجملة ما سمعت من كلماته واضح الفساد أيضا. وكذا ما ذكره فيه " من اعتبار سند الخبر الاول (1) بأنه صحيح إلى جعفر وهو ثقة والارسال بعده لعله غير ضائر لقول النجاشي (2): " يروى عن الثقات ورووا عنه " قاله في مدحه ولا يكون ذلك إلا بتقدير عدم روايته عن الضعفاء وإلا فالرواية عن الثقة وغيره ليس بمدح كما لا يخفى 2 (3) إذ هو كما ترى. وأغرب من ذلك كله استدلاله بصحيح ابن سنان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال سألته فقلت له: جعلت فداك كم دية ولد الزنا ؟ قال: يعطى الذي أنفق عليه ما أنفق عليه ". قال في الرياض: " وهو ظاهر في ثبوت الدية لا كما ذكره الحلي، وأنها ما انفق عليه، وهو يشتمل ما قصر عن دية الحر المسلم بل والذمي أيضا بل لعله ظاهر فيه، إلا أن الامر الخارج بالاجماع كخروج ما زاد عنه أيضا فتعين الثمانمائة جدا مع أن الدول بذلك الجواب عن لزوم دية الحر المسلم كالصريح، بل لعله صريح في عدم لزومها، فيضعف ما عليه المشهور جدا ويتعين قول السيد


(1) يعنى مرسل جعفر بن بشير المتقدم آنفا. (2) رجال النجاشي ص 92. (3) رياض المسائل ج 2 ص 595. (4) الوسائل الباب - 15 - من أبواب ديات النفس الحديث 4 وأيضا الباب - 8 - من أبواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه الحديث 3.

[ 38 ]

ظاهرا " (1). إذ حمله على ولد الزنا قبل البلوغ خير من ذلك كله، والله العالم. (ودية الذمي) الحر (ثمانمأة درهم) بلا خلاف معتد به أجده بيننا، بل في الخلاف والانتصار والغنية وكنز العرفان الاجماع عليه على ما حكي عن بعضها، مضافا إلى النصوص (2) المعتبرة المستفيضة حد الاستفاضة، وفيها الصحيح وغيره، منها صحيح ليث المرادي (3)، مضافا إلى ما تقدم " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي، قال: ديتهم سواء، ثمانمأة درهم " ومنها موثق سماعة (4) عنه أيضا " قال: بعث النبي صلى الله عليه وآله خالد بن وليد إلى البحرين، فأصاب به دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إني أصبت دماء قوم من اليهود والنصاري، فوديتهم ثمانماة درهم ثمانمأة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إلي فيهم عهدا، قال: فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، إن ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنهم أهل كتاب " إلى غيرذلك من النصوص. (يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا) خلافا للعامة أجمع في الاولين، وإن اختلفوا على أربعة أقوال، فمن قائل بأن ديته ثلث دية المسلم، وقائل نصفها، وقائل تمامها، وقائل كذلك إن كان عمدا وإن كان خطأ نصفها. نعم عن الشافعي ومالك موافقتنا في المجوس، بل عن الشيخ في الخلاف أن الصحابة مجمعون على أن دية المجوسي ثمانمأة درهم، وعن المبسوط وكنز العرفان نفي الخلاف في ذلك.


(1) رياض المسائل ج 2 ص 595. (2) راجع الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات النفس. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات النفس الحديث 5 وفيه: ديتهم جميعا سواء ثمانمأة درهم، ثمانمأة درهم (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات النفس الحديث 7.

[ 39 ]

(ودية نسائهم على النصف) منهم كما صرح به الشيخ والفاضلان والكركي وثاني الشهيدين وغيرهم، بل ظاهرهم المفروغية منه، بل قيل قد يظهر من المبسوط والغنية الاجماع عليه، ولعله لعموم ما دل من نص (1) أو معقد إجماع على أن دية المرأة نصف الرجل، بل ظاهر أن دية أعضائهما وجراحاتهما من ديتهما كدية أعضاء المسلم وجراحاته من ديته حتى على مساواة المرأة منهم للرجل حتى تبلغ الثلث أو تجاوزه فنصف كالمسلم كما صرح بذلك كله بعضهم، بل لا يبعد جريان حكم التغليظ بما يغلظ به على المسلم لعموم الاخبار، وقاعدة الاشتراك في التكليف، وإن توقف فيه الفاضل في المحكي من تحريره، ولعله من ذلك ومن كونه على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على موضع الوفاق منه. (و) كيف كان ف‍ (- في بعض الروايات) من طرقنا أن (دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم) قال الصادق عليه السلام في صحيح أبان بن تغلب (2) " دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم " وقال أيضا في خبر زرارة (3): (من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله ذمة فديته كاملة). (وفي بعضها) أيضا (دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم) وهي رواية أبي بصير عنه (4) أيضا " دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمأة درهم " وقد عرفت موافقة الاول لبعض أقوال العامة، بل والثاني بناء على أنها اثنا عشر ألف من جهة اختلاف الوزن، فتكون حينئذ الاربعة ثلث الدية، كما عرفته عن آخر منهم، فلا بأس بحملهما على التقية (و) لكن (الشيخ رحمه الله نزلهما) في كتابي الاخبار (5) (على من يعتاد قتلهم فيغلظ الامام) عليه (الدية بما يراه) مصلحة (من (6) ذلك حسما


(1) راجع الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات النفس. (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ديات النفس الحديث 2 و 3 و 4. (5) التهذيب ج 10 ص 187 - الاستبصار ج 4 ص 269. (6) في (ن ل).

[ 40 ]

للجرأة) قال: " فإنه إذا كان كذلك فللامام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة، وأربعة آلاف درهم اخرى، بحسب ما يراه أصلح وأردع، فأما من كان ذلك منه نادرا لم يكن عليه أكثر من ثمانمأة درهم ". واستدل عليه بموثق سماعة (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مسلم قتل ذميا فقال: هذا شئ شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمي، ثم قال: لو أن مسلما غضب على ذمي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدي إلى أهله ثمانمائة درهم، إذن يكثر القتل في الذميين، ومن قتل ذميا ظلما فإنه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميا حراما ما آمن بالجزية وأداها ولم يجحدها ". ثم قال: " وأما رواية أبي بصير (2) خاصة فقد روى أن ديتهم ثمانمأة درهم مثل سائر الاخبار، وما تضمنه خبره (3) من الفرق بين اليهودي والنصراني والمجوسي، فقد روى (4) هو أيضا أنه لا فرق، وأنهم سواء في الدية " (5). ويمكن أن يكون مخالفا باعتبار كون ذلك ليس دية، وإنما هو تعزير من الحاكم أو كالتعزير، ولعله لذا نفى عنه البأس في محكي المختلف، وإلا فمن المعلوم عدم المكافئة من وجوه، وقد تقدم الكلام سابقا في ذلك في كتاب القصاص. نعم ما في الفقيه (6) خلاف في المسألة، قال: " إن كان اليهودي والنصراني والمجوسي على ما عوهدوا عليه، من ترك إظهار شرب الخمور وإتيان الزنا وأكل


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (2 و 4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات النفس الحديث 5 و 10. (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (5) الى هنا كلام الشيخ في الاستبصار والتهذيب. (6) الفقيه ج 4 ص 122 - 124، وصححنا عبارة الاصل طبقا للمصدر.

[ 41 ]

الربا والميتة ولحم الخنزير ونكاح الاخوات، وإظهار الاكل والشرب بالنهار في شهر رمضان، واجتناب صعود مسجد المسلمين، واستعملوا الخروج بالليل عن ظهراني المسلمين والدخول بالنهار للتسوق وقضاء الحوائج، فعلى من قتل واحدا منهم أربعة آلاف درهم ومر المخالفون على ظاهر الحديث، فأخذوا به ولم يعتبروا (1) الحال، ومتى آمنهم الامام وجعلهم في عهده وعقده وجعل لم ذمة ولم ينقضوا ما عاهدهم عليه من الشرائط التي ذكرناها، وأقروا بالجزية فأدوها فعلى من قتل واحدا منهم خطأ دية المسلم - إلى أن قال -: ومتى لم يكن اليهود والنصارى والمجوس على ما عوهدوا عليه من الشرائط التي ذكرناها، فعلى من قتل واحدا منهم ثمانمأة درهم ". وهو - مع أنه مخالف لما عرفت - تفصيل لا يستفاد من النصوص. كالتفصيل المحكي عن أبي علي، قال: " أما أهل الكتاب الذين كانت لهم ذمة من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يغيروا ما شرط عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فدية الرجل منهم أربعمأة دينار أو أربعة آلاف درهم، وأما الذين ملكهم المسلمون عنوة ومنوا عليهم باستحيائهم كمجوس السواد وغيرهم من أهل الكتاب والجبال وأرض الشام فدية الرجل منهم ثمانمأة درهم " والله العالم. (ولا دية لغير أهل الذمة من الكفار) بلا خلاف أجده للاصل (ذوي عهد كانوا أو أهل حرب، بلغتهم الدعوة أولم تبلغ‍) - هم بل في محكي الخلاف (2) " من قتل من لم تبلغه الدعوة لم يجب عليه القود بلا خلاف وعندنا أيضا لا يجب عليه الدية " بل في الموثق (3) " عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شئ إن غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش ؟ قال: لا إلا أن يكون متعودا لقتلهم "، بل ربما كان في بعض نصوص دية أهل الذمة إشعار باختصاص


(1) " ولم يغيروا الحلال " كذا في الاصل. (2) الخلاف ج 2 ص 395. (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 42 ]

شرعية الدية بهم. وكذا لادية لمن لا يقر على ديته لارتداده وانتقاله من دين إلى آخر وإن كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا. (ودية العبد قيمته) نصا (و) فتوى نعم (لو تجاوزت دية الحر ردت إليها) فان كان مسلما ردت إلى ديته وإن كان ذميا فإلى ديته (1) والامة كالحرة في ذلك كله كما تقدم الكلام فيه مفصلا. (وتؤخذ من مال الجاني الحر إن كانت الجناية عمدا أو شبه عمد ومن عاقلته إن كانت خطأ) بلا خلاف معتد به بل ولا إشكال لاطلاق الادلة، بل عن المبسوط والخلاف الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن أبي علي فجعلها في ماله في الخطأ أيضا لانه مال، واستحسنه في محكي المختلف، بل ربما حكي عن ظاهر الايضاح أو صريحه، ولكنه غير محقق. (ودية أعضائه وجراحاته مقيسة على دية الحر فما فيه ديته ففي العبد قيمته كاللسان والذكر) وما فيه نصف ديته كاليد ففي العبد نصف قيمته، (لكن لو جنى عليه جان بما فيه قيمته لم يكن لمولاه المطالبة إلا مع دفعه) ولا بعضها مع العفو عن الزائد على إشكال، وخصوصا مع تعدد الجناية كقطع اليدين، دون قطع الانف، كما تقدم الكلام في ذلك كله وفي دليله من النص وغيره، بل (و) في أن (كل ما فيه مقدر في الحر من ديته (2) فهو في العبد كذلك من قيمته) من غير فرق بين قطع الاعضاء وبين الشجاج. (ولو جنى عليه جان بما لا يستوعب قيمته كان لمولاه المطالبة بدية الجناية مع إمساك العبد) الذي هو باق على ملكه، (وليس له دفع العبد والمطالبة بقيمته) للاصل وغيره كما ليس للمجني عليه إيقاف الدفع


(1) في الاصل " الى ديته ديته " والظاهر زيادة الثانية. (2) من دية (ن ل).

[ 43 ]

على ذلك. (وما لا تقدير فيه من الحر ففيه الارش و) حينئذ (يصير العبد أصلا للحر فيه) كما صار أصلا له بماله مقدر. (ولو جنى العبد على الحر خطأ لم يضمنه المولى، ودفعه إن شاء، أو فداه بأرش الجناية،) أو بأقل الامرين، (والخيار في ذلك إليه، ولا يتخير المجني عليه) بخلاف العمد، (وكذا لو كانت جنايته لا تستوعب ديته) أو قيمته، (تخير مولاه في دفع الارش (1)، أو تسليم العبد ليسترق منه بقدر تلك الجناية، ويستوي في ذلك كله القن والمدبر ذكرا كان أو انثى، وفي ام الولد تردد) على ما مضى (والاقرب أنها كالقن وإذا دفعها المالك في جنايتها استرقها المجني عليه أو ورثته، وفي رواية (2) " جنايتها على مولاها ") كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا بل قد تكرر جملة من ذلك في كتاب الغصب، وفى كتاب الاستيلاد، وفى كتاب القصاص، بل وفي بحث بيع ام الولد فلاحظ وتأمل. (النظر الثاني) (في موجبات الضمان) للدية (والبحث إما في المباشرة) المقتضية لذلك (أو التسبيب) كذلك (أو تزاحم الموجبات). (اما المباشرة) (فضابطها) صدق نسبة (الا تلاف) إليه ولو بايجاد علته (لا مع القصد إليه) وإلا لاقتضت القصاص كما عرفت الكلام فيه سابقا وإنما هي هنا (نحو أن يرمى غرضا


(1) في الاصل: " ارش الجناية ". (2) الوسائل الباب - 43 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1.

[ 44 ]

فأصاب إنسانا أو كالضرب للتأديب فيتفق الموت منه) الذي عن المشهور نفى الخلاف عن الضمان في ماله فيه للزوجة، لانه مشروط بإسلامه، وإن توقف فيه بعض، باعتبار كونه من التعزير السائغ فلا يستعقب ضمانا كما تقدم في الحدود. نعم لو كان من الاب أو الجد أو وصيهما للطفل، فظاهرهم الاتفاق على الضمان به، بل عن بعض الاجماع صريحا، كما عن ظاهر إجارة المبسوط الاجماع أيضا على ضمان المعلم للصبيان، بل عن غير واحد التصريح به، قيل لانه أجير والاجير يضمن بجنايته وإن لم يقصر، ولعل الا وفق بالعمومات الضمان في الجميع، من غير فرق بين الزوجة والصبي وغيرهما مع حصول التلف بالفعل الذي لم يقصد به القتل ولا هو مما يقتل غالبا، وكأن ذكر المصنف للمثالين لبيان عدم اختصاص المباشرة الموجبة للدية بشبه العمد، بل هي تكون فيه وفي الخطأ المحض الذي هو منه. (و) كيف كان ف‍ (- تتبين هذه الجملة بمسائل). (الاولى:) (الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصرا أو عالج طفلا أو مجنونا لا بإذن الولي أو بالغا لم يأذن) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل في التنقيح " الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه إجماعا، وكذا العارف إذا عالج صبيا أو مجنونا أو مملوكا من غير إذن من الولي والمالك، أو عالج عاقلا حرا من غير إذن فيه " (1) وفي مجمع البرهان " الطبيب ضامن لما يتلف بعلاجه إن قصر سواء كان حاذقا أم لا، بإذن المريض ووليه أم لا والظاهر عدم الخلاف في ذلك وكذا يضمن لو عالج طفلا أو مجنونا مع عدم إذن الولي، " (2) وفي الرياض " هذا الحكم


(1) التنقيح ص 818 من مخطوط عندنا، وفيه " من غير اذن منه ". (2) مجمع البرهان كتاب الديات، ص 1.

[ 45 ]

مما لم أجد خلافا فيه في صورة ما لو كان الطبيب قاصرا في المعرفة، أو عالج من غير إذن من يعتبر إذنه، وبنفي الخلاف هنا صرح المولى المقدس الاردبيلي، بل في التنقيح عليه الاجماع " (1). قلت: قد سمعت ما وجدنا فيهما، وعلى كل حال فلا إشكال في شئ من ذلك في صورة الاذن للقاصر المعلوم قصوره عند الاذن، فإنه قد يقال بسقوط الضمان فيه بسبب الاذن، بناء على سقوطه بالاذن في الجناية أو في العلاج وإن ترتب التلف عليه، وإن كان الاقوى الضمان في الفرض، لقاعدة الضمان على كل متلف، وخصوصا في الدماء التي ورد فيها " أنه لا يبطل دم امرء مسلم " (2) والاذن كعدمها بعد النهي عنه شرعا كما تقدم الكلام في نظيره سابقا، بل لو جوزنا المباشرة للحاذق بلا إذن لقاعدة الاحسان أو أوجبناها عليه مقدمة لحفظ النفس المحترمة كما في خبر أبان بن تغلب (3) عن الصادق عليه السلام، لا ينافي ذلك الضمان الذي هو من باب الاسباب كما في تأديب الزوجة والصبي ونحوهما، فتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- لو كان الطبيب) في العلم والعمل (عارفا وأذن له المريض في العلاج) ولم يقصر هو فيه (ف‍) - عالج و (آل) علاجه (إلى التلف) في النفس أو الطرف (قيل) والقائل ابن إدريس: (لا يضمن) للاصل و (لان الضمان يسقط بالاذن ولانه فعل سائغ شرعا) فلا يستعقب ضمانا. قال في السرائر: " من تطبب أو تبيطر فليأخذ البرائة من ولي من يطببه أو صاحب الدابة وإلا فهو ضامن إذا هلك بفعله شئ من ذلك. هذا إذا كان الذي يجنى عليه الطبيب غير بالغ أو مجنونا، وأما إذا كان عاقلا مكلفا وأمر الطبيب


(1) رياض المسائل ج 2 ص 596. (2) الوسائل الباب - 46 - من أبواب القصاص الحديث 2 والباب - 10 - من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5. (3) الكافي ج 8 ص 345.

[ 46 ]

بفعل شئ ففعله على ما أمر به فلا يضمن الطبيب، سواء أخذ البرائة من الولي أم لم يأخذها، والدليل على ذلك أن الاصل براءة الذمة والولي لا يكون إلا لغير المكلف، فأما إذا جنى على شئ لم يؤمر بقطعه ولا بفعله فهو ضامن سواء أخذ البرائة من الولي أم لم يأخذها " (1). (وقيل) والقائل الفاضل والشهيدان وغيرهم، بل والشيخان وابن البراج وسلار وأبو الصلاح وابن زهرة والطبرسي والكيدري ونجيب الدين على ما في غاية المراد: (يضمن لمباشرته الاتلاف) وإن لم يصرحوا أو أكثرهم بالاذن (و) كيف كان ف‍ (- هو أشبه) باصول المذهب وقواعده وفاقا لمن عرفت، بل قال المصنف في النكت: " الاصحاب متفقون على أن الطبيب يضمن ما يتلفه بعلاجه " وفي الغنية الاجماع على ذلك أيضا، وهو الحجة بعد قاعدة الضمان على المتلف، والاذن في العلاج ليس إذنا في الاتلاف، والجواز الشرعي لا ينافي الضمان كما في الضرب للتأديب، نعم لما لم يكن ذلك عمدا له لم يقتص منه مضافا إلى خبر السكوني (2) الذي تسمعه إن شاء الله، بل قيل: وإلى ما حكي من تضمينه عليه السلام الختان القاطع لحشفة الغلام، بل عن ابن إدريس نفى الخلاف عن صحة مضمونه، وإن كان فيه أنه قضية في واقعة محتملة لتفريط الختان بقطع الحشفة الذي لم يؤمر به، وعدمه، ولكن ما ذكرناه كاف في إثبات المطلوب. وعلى كل حال (فإن قلنا لا يضمن فلا بحث وإن قلنا) إنه (يضمن فهو يضمن في ماله) بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال للاصل، وظاهر الخبر (3) الآتي، ولانه من شبه العمد بقصده الفعل دون القتل، وقد عرفت أن الدية فيه على الجاني كما هو واضح. (وهل يبرء) الطبيب (بالابراء قبل العلاج ؟ قيل: نعم) يبرء، والقائل الشيخان وأتباعهما وأبو الصلاح وابن البراج في ظاهر المهذب أو صريحه في كتاب


(1) السرائر كتاب الحدود باب النفوس وغيرها. (2 و 3) الوسائل الباب - 24 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

[ 47 ]

الاجارة، والابي وفخر المحققين والشهيد وأبو العباس والمقداد والمقدس الاردبيلي وفاضل الرياض على ما حكي عن بعضهم، بل في المسالك أنه المشهور، وفي ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه (لرواية السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من تطبب أو تبيطر فليأخذ البرائة من وليه وإلا فهو ضامن " ولان العلاج مما تمس الحاجة إليه، فلو لم يشرع الابراء تعذر العلاج). (وقيل) ولكن لم نتحقق القائل قبل المصنف وإن حكي عن ابن إدريس: (لا يبرء لانه إسقاط الحق قبل ثبوته) نعم يظهر من الفاضل التردد فيه كالمصنف هنا حيث اقتصر على نقل القولين، ولعله مما عرفت، مضافا إلى احتمال الخبر المزبور البرائة بعد الجناية مجانا أو على مال، احتمالا ظاهرا، وربما يرشد إليه لفظ " وليه " على أنه ضعيف، والحاجة بمجردها لا تصلح دليلا لشرع الحكم المخالف للادلة، ومن هنا قال في المسالك: " وهو الوجه " بعد أن حكى ترجيحه عن قواعد الفاضل والميل إليه عن تحريره. ولكنه كما ترى بعد الاغضاء عما في نقله عن الفاضل ضرورة عدم منافاة الاحتمال المزبور في الخبر الظاهر الذي هو الحجة في الاحكام الشرعية، كعدم منافاة ضعفه، بعد انجباره بما عرفت، وتأييده بمسيس الحاجة. وذلك كله كاف للخروج به عن قاعدة عدم إسقاط الحق قبل ثبوته، على أنه ينبغي الجزم به إذا أخذ بعنوان الشرطية في عقد إجارة الطبيب مثلا إذ هو حينئذ يكون كاشتراط سقوط خيار الحيوان والمجلس ونحوهما مما يندرج تحت قولهم عليهم السلام: (2) المؤمنون


الوسائل الباب - 24 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب المكاتبة الحديث 3 و 5 و 7، والباب - 20 - من أبواب المهور الحديث 4 والباب - 32 - من أبواب المتعة الحديث 9 والباب - 6 - من أبواب الخيار الحديث 1 و 2، ولفظ الرواية في غير الرابع هكذا: " المسلمون عند شروطهم " راجع رسالة " الشرط وآثاره " للمرحوم الحاج الميرزا أبى الفضل القمى الزاهدي طبع قم.

[ 48 ]

عند شروطهم " بل ربما ظهر من الاردبيلي الاكتفاء بالشرط مطلقا، وإن كان فيه أنه إن لم يكن في ضمن عقد وعدا أو كالوعد لا يجب الوفاء به. كل ذلك مضافا إلى إمكان القطع به في مثل الاموال التي منها ما هو محل البيطرة ضرورة أنه إذن في الاتلاف على وجه يجري مجرى أفعال العقلاء نحو غيره من الاتلافات. ومنه يعلم الوجه في غير المال مما له الاذن فيه إذا كان جاريا مجرى أفعال العقلاء كما في العلاج. وليس هذا من الابراء قبل ثبوت الحق، بل من الاذن في الشئ المقتضية (1) لعدم ثبوته، نحو الاذن في أكل المال مثلا، والظاهر اعتبار إذن المريض في ذلك مع فرض كونه كامل العقل، ولا يكفى إذن الولي، إذ لاولى له في هذا الحال، وإنما هو أولى بنفسه، وكون الولي هو المطالب بعد ذلك لا يرفع سلطنته الان على نفسه، وما في الخبر المزبور (2) محمول على إرادة الولي في ذلك الشامل للمريض ورب المال. وقول الشهيد في غاية المراد وغيره باعتبار إذن الولي أو المريض، محمول على التفصيل الذي ذكرناه، لا أن المراد، الاكتفاء بإذن الولي مع كمال عقل المريض. وقال المصنف في النكت في الخبر: " وإنما عدل إلى الولى لانه هو المطالب على تقدير التلف، فلما شرع الابراء قبل الاستقراء لمكان الضرورة صرف إلى من يتولى المطالبة بتقدير وقوع ما يبرء منه، ولا أستبعد الابراء من المريض فإنه يكون فعلا مأذونا فيه والمجني عليه إذا أذن في الجناية سقط ضمانها، فكيف بإذنه في المباح المأذون في فعله " (3) وهو إن لم يرد ما ذكرناه فمحل للنظر


(1) كذا في الاصل. (2) أي خبر السكوني الذى مر آنفا. (3) نكت النهاية كتاب الديات.

[ 49 ]

فتأمل جيدا. هذا كله إذا تولى الطبيب العلاج بنفسه، أما إذا قال: " أظن أن هذا الدواء نافع لهذا الداء، أو لو كنت أنا لفعلت كذا " ونحو ذلك مما لم تكن فيه مباشرة منه وإن فعل المريض العاقل المختار أو وليه ذلك اعتمادا على القول المزبور، فإن المتجه فيه عدم الضمان للاصل وغيره، كما أن المتجه عدم شئ عليه حيث لم يعلم الحال لاحتمال الموت بغير العلاج. ولعله على ذلك يحمل خبر أحمد بن إسحاق المروي في الكافي (1) في باب النوادر في آخر كتاب العقيقة، " قال: كان لي ابن، وكان تصيبه الحصاة فقيل لي: ليس له علاج إلا أن تبطه، فبططته فمات، فقالت الشيعة: شركت في دم ابنك، قال: فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر فوقع: يا أحمد ليس عليك فيما فعلت شئ إنما التمست الدواء وكان أجله فيما فعلت ". ومنه يستفاد جواز العلاج بظن السلامة أو احتمالها. كخبر إسماعيل بن الحسن المتطبب المروي في روضة الكافي (2) عن الصادق عليه السلام " إني رجل من العرب، ولي بالطب بصر، وطبي طب عربي، ولست آخذ عليه صفدا، فقال: لا بأس، قلت: إنا نبط الجرح ونكوي بالنار، قال: لا بأس، قلت: ونسقي هذه السموم الا سمحيقون والغاريقون، قال: لا بأس قلت: إنه ربما مات، قال: وإن مات " الحديث. وخبر يونس بن يعقوب (3) فيها أيضا عن الصادق عليه السلام " الرجل يشرب الدواء، ويقطع العرق، وربما انتفع به وربما قتله، قال يشرب ويقطع ". وخبر أبان بن تغلب (4) فيها أيضا عن الصادق عليه السلام " كان المسيح عليه السلام


(1) الكافي ج 6 ص 53، وفيه حمدان بن اسحاق. (2) الكافي ج 8 ص 193. (3) الكافي ج 8 ص 194. (4) الكافي ج 8 ص 345.

[ 50 ]

يقول: إن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك لجارحه لا محالة، وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح والتارك لاشفائه لم يشأ صلاحه، فإذا لم يشأ صلاحه فقد شاء فساده اضطرارا، فكذلك لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتجهلوا، ولا تمنعوها أهلها فتأثموا، وليكن أحدكم بمنزلة الطبيب المداوى إن رأى موضعا لدوائه وإلا أمسك ". ولا يخفى عليك ما في هذه النصوص من الفوائد، منها: ما أشرنا إليه سابقا من وجوب العلاج لمن كان له بصيرة فيه، ومنها: عدم اعتبار الاجتهاد في علم الطب، بل يكفي للمداوي المداوى بالتجربيات العادية ونحوها مما جرت السيرة والطريقة به، وخصوصا في العجائز للاطفال وغير ذلك. وفي التنقيح " يجوز العلاج للامراض، أما أولا فلوجوب دفع الضرر عن النفس عقلا وشرعا، وأما ثانيا فلقوله (1): " تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء " وقوله (2): " شفاء أمتي في ثلاث، آية من كتاب الله، ولعقة من عسل، وشرطة من حجام، وأما ثالثا فللاجماع على ذلك " انتهى (3). وفي المرسل (4) ما حاصله: " إن موسى عليه السلام مرض فعاده بنو اسرائيل ووصفوا له دواء فامتنع منه، فأوحى الله إليه إن الله يأمره بذلك وإلا لم يشفه ". وقد ورد عنهم عليهم السلام في الطب نصوص كثيرة، ومنه المعروف بطب الائمة عليهم السلام،


(1) المستدرك ج 3 ص 123 وراجع الوسائل الباب - 134 - من أبواب الاطعمة المباحة. (2) لم أجده بهذا اللفظ. (3) التنقيح ص 818 من مخطوط عندنا، وفيه " شراط حجام " مكان " شرطة من حجام ". (4) روى قريبا منها في الوسائل الباب - 4 - من أبواب الاحتضار الحديث 7.

[ 51 ]

نعم لا بد من ملاحظة مناسبة الدواء للداء على حسب ما يكون عند العقلاء، والله العالم. المسألة (الثانية:) (النائم) غير الظئر التي تسمع الكلام فيها إن شاء الله (إذا أتلف نفسا) أو طرفا (بانقلابه أو بحركته) أو بغير ذلك من أحواله على وجه يستند الاتلاف إليه، (قيل: يضمن الدية في ماله) كما في المقنعة والنهاية والجامع والتحرير والارشاد والتلخيص ومجمع البرهان، وكذا التبصرة، بل والنافع على ما حكي عن بعضها، بل هو الذي استقر عليه رأيه في السرائر بعد أن نسبه إلى الرواية، قال: " والذي يقتضيه مذهبنا أن الدية في جميع هذا - يعني النائم ومسألة الظئر - على العاقلة، لان النائم غير عامد في فعله ولا عامد في قصده وهذا أحد قتل الخطاء المحض، ولا خلاف أن دية قتل الخطاء المحض على العاقلة، وإنما هذه أخبار آحاد لا يرجع بها عن الادلة، والذي ينبغي تحصيله في هذا أن الدية على النائم نفسه، لان أصحابنا جميعهم يوردون ذلك في باب ضمان النفوس وذلك لا تحتمله العاقلة بلا خلاف " (1) (وقيل: في مال العاقلة) كما في السرائر في أول كلامه، والقواعد وكشف الرموز والايضاح واللمعة والتنقيح والروضة والمسالك، على ما حكي عن بعضها، بل نسبه بعض إلى عامة المتأخرين (و) إن كان فيه ما فيه، نعم (هو أشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها ضمان العاقلة الخطأ المحض الصادق على الفرض عرفا باعتبار عدم القصد منه إلى الفعل ولا إلى القتل. والرواية التي (2) أرسلها ابن


(1) السرائر باب النفوس وغيرها من كتاب الحدود والديات والجنايات. (2) وهى هكذا " وروى أن من نام فانقلب على غيره فقتله كان ذلك شبيه العمد، يلزمه الدية في ماله خاصة، وليس عليه القود " السرائر، باب النفوس وغيرها من كتاب الحدود والديات والجنايات.

[ 52 ]

إدريس غير حجة. ومن هنا قال في كشف الرموز: " ينبغي للمحصل أن يتعجب من هذا الكلام، ذكر أولا أنه من أخبار الآحاد ولا يرجع بها عن الادلة، ثم رجع عقيب كلامه مستدلا بأن الاصحاب يوردونه في ضمان النفوس. فابصر الاستدلال واقضى العجب مما رأيت، على أن الدعوى غير مسلمة، فإيراد الاثنين والثلاثة لا يكون حجة ". وهو في محله وإيراد الاصحاب لذلك في ضمان النفوس لم يبلغ حد الاجماع الكاشف. ودعوى - أن قتل النائم باعتبار ارتفاع الاختيار من باب الاسباب التي ضمانها عليه دون العاقلة - كما ترى لا تستأهل جوابا. كدعوى أنه من شبيه العمد الذي قد عرفت تفسيره. وما في بعض النصوص - " إنما الخطأ أن تريد شيئا وتصيب غيره (1) " وفي آخر " الخطأ من اعتمد شيئا وأصاب غيره " (2) - محمول على الحصر الاضافي، ضرورة أولوية الفرض من ذلك في صدق الخطأ كما هو واضح. وبذلك كله يظهر لك ما في الاستدلال باصالة عدم ضمان العاقلة المقطوعة بما دل على ذلك في الخطأ المحض من نص (3) وإجماع، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3. (3) راجع أبواب العاقلة من كتاب الديات من الوسائل.

[ 53 ]

المسألة (الثالثة:) (إذا أعنف) الرجل (بزوجته) مثلا (جماعا في قبل أو دبر أو ضما فماتت ضمن الدية) في ماله (وكذا الزوجة) وفاقا للشيخين وسلار وابن إدريس والقاضي والفاضل وولده والآبي والمقداد وأبي العباس وثاني الشهيدين وغيرهم، على ما حكي عن بعضهم، بل في المقنعة " أن عليه الدية مغلظة " ولعله يريد بها دية شبيه العمد، وإلا فلا دليل على التغليظ زائدا على ذلك. نعم لا إشكال في أن عليه الدية للاصل، بعد تحقق ضابط شبه العمد الذي هو القصد إلى الفعل دون القتل، مع عدم كون الفعل مما يقتل غالبا، وصحيح سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " انه سئل عن رجل أعنف على امرأته فزعم أنها ماتت من عنفه، قال: الدية كاملة، ولا يقتل الرجل " بل قيل (2) إنه رواه الصدوق عن هشام بن سالم وغير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام، وخبر زيد (3) عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل نكح امرأة في دبرها فألح عليها حتى ماتت من ذلك، قال: عليه الدية ". وفي نكت النهاية " لا يقال: فعله سائغ، فلا يترتب عليه ضمان، لانا نمنع ولا نجيز له العنف، أما لو كان بينهما تهمة وادعى ورثة الميت منهما أن الآخر قصد القتل أمكن أن يقال بالقسامة وإلزام القاتل القود " (4) وعن ابن إدريس القطع به، واستحسنه في كشف الرموز.


(1) الوسائل الباب - 31 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) القائل صاحب الوسائل، قاله في ذيل الحديث. (3) الوسائل الباب - 31 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 (4) نكت النهاية، كتاب الديات.

[ 54 ]

ولا بأس به بعد فرض قيام التهمة المحققة للوث (1)، ولكن لا مدخلية لعدم جواز العنف في الضمان الذي قد عرفت أنه من باب الاسباب التي لا فرق بين الجائز منها وغير الجائز، ولعله لذا لم يفرق بين الفرض والاجنبية، وهو كذلك، مع فرض عدم قصد القتل وعدم كون الفعل مما يقتل غالبا. (و) لكن مع ذلك كله (في النهاية) ومحكي الجامع وظاهر المقنع، (إن كانا مأمونين لم يكن عليهما شئ) لمرسلة يونس (2) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل أعنف على امرأته وامرأة أعنفت على زوجها فقتل أحدهما الآخر، فقال: لا شئ عليهما إذا كانا مأمونين، فإن اتهما ألزما باليمين بالله أنهما لم يردا القتل " (و) لكن (الرواية ضعيفة) بالارسال ولا جابر، محتملة لارادة نفي القود، بل لعله متعين بملاحظة قاعدة الاطلاق والتقييد، كما أنه يمكن حمل اليمين فيها على القسامة إثباتا للقود دون الدية، فيكون حينئذ فيها دلالة على ما سمعته سابقا من المصنف، وعلى كل حال فهي غير صالحة للخروج بها عن أدلة الضمان كما هو واضح. المسالة (الرابعة:) (من حمل على رأسه) مثلا (متاعا فكسره أو أصاب به إنسانا ضمن جنايته) عليه وعلى المصاب (في ماله) كما صرح بالاول الشيخ والقاضي وابن إدريس ويحيى بن سعيد والفاضل وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل لا أجد خلافا فيه، بل عن إجارة جامع المقاصد " يدل عليه النص والاجماع " بل تكرر ذلك من الواحد منهم هنا وفي كتاب الاجارة. نعم عن الشيخ والقاضي وابن إدريس، تقييد ذلك بما إذا لم يدفعه غيره،


(1) في الاصل " للموت " وهو غلط ظاهرا. (2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4.

[ 55 ]

وإلا كان ضمان ذلك عليه، بل لا خلاف أجده في الثاني الذي صرح به الشيخ والحلي والفاضلان والشهيدان وغيرهم على ما حكى عن بعضهم. والاصل فيه الخبر الذي رواه المحمدون الثلاثة (1)، ففي الكافي وموضع من التهذيب بطريق فيه " سهل "، وفي الفقيه وموضع آخر عن التهذيب بطريق صحيح عن رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل حمل متاعا على رأسه، فأصاب إنسانا فمات أو انكسر منه، قال: هو ضامن ". لكن في المسالك " في طريق الرواية سهل بن زياد وهو ضعيف، وهي باطلاقها مخالفة للقواعد، لانه إنما يضمن المصدوم في ماله مع قصده إلى الفعل وخطأه في القصد، فلو لم يقصد الفعل كان خطأ محضا، وأما المتاع المحمول فيعتبر في ضمانه لو كان لغيره التفريط إذا كان أمينا عليه كغيره من الاموال " (2). وتبعه في كشف اللثام قال: " والموافق للاصول انه إنما يضمن المتاع مع التفريط، أو كونه عارية مضمونة ونحو ذلك، وإنما يضمن المصدوم غير الانسان في ماله، والانسان إذا تعمد الصدم دون الا تلاف ولم يكن متلفا غالبا وإلا فهو إما متعمد، عليه القصاص، أو مخطئ محض، على عاقلته الضمان " (3). قلت: لا إشكال في أن ذلك هو الموافق للقواعد، بل في الصحيح (4)


(1) الكافي ج 7 ص 350 التهذيب ج 10 ص 230 الفقيه ج 4 ص 111 وفيه: " هو مأمون " مكان " هو ضامن " والتهذيب ج 7 ص 222 وليس في سند الاخيرين سهل. (2) المسالك ج 2 ص 490. (3) كشف اللثام ج 2 ص 303. (4) الوسائل الباب - 30 - من أبواب أحكام الاجارة الحديث 7 نقلا من الكافي والتهذيب وفى الاول " الجمال " بالجيم وفي الثاني " الحمال " بالحاء، فراجع الكافي ج 5 ص 244 والتهذيب ج 7 ص 216.

[ 56 ]

" في الحمال يكسر الذي يحمل عليه أو يهريقه، قال: إن كان مأمونا فليس عليه شئ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن " إلا أنه بعد أن كان الخبر جامعا لشرائط الحجية، وقد عمل به من عرفت، بل ظاهره في الروضة نسبة الاطلاق إليهم أجمع، فلا مانع من الخروج به عنها خصوصا بعد أن أيده بعض الناس " بامكان القول بأنه من باب الاسباب، وأنه غير معلوم دخوله في الخطأ لما مر في تفسير الخطأ في بعض الروايات، وتضمين شخص جناية شخص غيره خلاف القواعد العقلية والنقلية فلا يصار إليه إلا في المنصوص والمجمع عليه " (1) وإن كان فيه ما لا يخفى. والعمدة ما ذكرنا مؤيدا بالنسبة إلى ضمان المتاع بالخبر (2) " أنه اتى بحمال كانت عليه قارورة عظيمة فيها دهن فكسرها وضمنها إياه، وكان عليه السلام يقول: كل عامل مشترك إذا أفسد فهو ضامن، فسألته من المشترك ؟ فقال: الذي يعمل لي ولك ولذا " ونحوه خبر آخر (3). بل عن المرتضى الاجماع على ضمان الاجير ما يتلف بيده ولو بغير سببه وإن، كنا لم نتحققه، بل قيل إنه غلط عليه، والصحيح المزبور، قيل: (4) " لم نعلم به عاملا عدا الشيخ في التهذيب، فإنه جمع به بين الاخبار " بل في الرياض " هو شاذ غير معلوم العامل، والتفصيل بالتفريط وعدمه غير مذكور فيه، وحمل التفصيل عليه ليس بأولى من حمله على ما إذا ادعى كسر الحمل من دون علم صاحبه به، ويكون المراد أنه حينئذ يستحب أن لا يكلف البينة إذا كان مأمونا وإلا فهو ضامن، ويكون حينئذ سبيله كسبيل كثير من الاخبار (5) الدالة على التفصيل " (6) وإن كان هو كما ترى، وقد


(1) مجمع البرهان للاردبيلي كتاب الديات ص 2. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب أحكام الاجارة الحديث 13. (3) راجع الباب المذكور. (4) قاله السيد جواد العاملي في مفتاح الكرامة ج 10 ص 277. (5) راجع الوسائل الباب - 29 و 30 - من أبواب أحكام الاجارة. (6) رياض المسائل ج 2 ص 597.

[ 57 ]

تقدم في كتاب الاجارة ماله نفع في المقام. المسالة (الخامسة:) (من صاح ببالغ) غير غافل (فمات) أو سقط فمات (فلا دية) كما عن المبسوط والمهذب وغيرهما، وهو كذلك مع العلم بعدم استناد الموت إلى الصيحة، بل ومع الشك للاصل، بعد فرض عدم الموت بمثله عادة. نعم لو قامت قرائن على استناد الموت إلى ذلك على وجه تفيد العلم، اتجه حينئذ الضمان، كما هو واضح. بل قد يتجه فيه القصاص مع قصد القتل به، وإن لم يكن مما يقتل غالبا، بناء عليه في مثله، كما تقدم تحقيقه سابقا. ولكن مع ذلك في القواعد إشكال، ولعله مما عرفت، ومن ظهور المقارنة في موته منها، وقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (1) " أي رجل فزع رجلا على الجدار، أو نفر به عن دابته فخر فمات فهو ضامن لديته، فإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه ". ولكن ذلك كله كما ترى، ضرورة أعمية المقارنة من ذلك، بل لعلها ظاهرة في خلافه مع فرض كون الشئ مما لا يقتل في العادة، والخبر إنما هو في السبب المقتضى لذلك. ومن الغريب ما في بعض شروحها من فرض الاشكال فيما لو علم موته بالصيحة، إذ من الواضح فيه حينئد الضمان ولا وجه للاشكال فيه. هذا كله في العاقل غير الغافل الذي لا يموت مثله في العادة بمثلها (أما لو كان مريضا أو مجنونا أو طفلا أو اغتفل) العاقل (البالغ الكامل وفاجأه بالصيحة لزم الضمان) كما صرح به الفاضل وولده والشهيدان وغيرهم، بل الظاهر القصاص مع إرادة القتل بها إذا كانت مما تقتل نادرا، بل ومع عدمها إذا


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2.

[ 58 ]

كانت مما يقتل مثله غالبا نعم تضمن الدية مع عدم ذلك وهو واضح، كوضوح الفرق بين هؤلاء وبين العاقل. لكن في المتن (ولو قيل بالتسوية في الضمان كان حسنا لانه سبب الا تلاف ظاهرا) وفيه منع الظهور فيه على وجه يترتب عليه قصاص، أو دية، بخلاف الطفل ونحوه، اللهم إلا أن يفرض جبانا على وجه يكون كالطفل فيتجه حينئذ فيه المساواة. وبالجملة فالمدار على تحقق نسبة القتل إلى صيحته، ومطلق المقارنة لا يقتضي ذلك فيما لا يقتل بالعادة. نعم لعلها كذلك فيما يقتل ولو نادرا، ولكنه في الفرض مختلف بالنسبة إلى كيفية الصيحة وفى سامعها وفي زمانها ومكانها وغير ذلك من أحوالها. وبالتأمل في ذلك يظهر لك عدم تنقيح للمسألة في كلامهم كما لا يخفى على من لاحظه. وعلى كل حال فحيث يجب الدية فهي في ماله للاصل، وكونه من شبيه العمد الذي قد عرفت تفسيره، وظاهر الحسن المزبور (1) (و) لكن في المتن وغيره (قال الشيخ: الدية على العاقلة) ونحوه عن المهذب وفي المسالك " جعلا له من باب الاسباب " (2) (و) فيه أن ذلك يقتضي كون الضمان عليه لا العاقلة كما سلف له سابقا نعم (فيه إشكال) كما في القواعد وغيرها (من حيث قصد الصائح إلى الاخافة) نحو الضرب للتأديب (فهو) من (عمد الخطأ) الذي ديته عليه دون العاقلة. (وكذا البحث لو شهر سيفه في وجه إنسان) أو غير ذلك مما يحصل به الاخافة بلا خلاف، ولا إشكال في نظائر المقام، ومن هنا قال في كشف اللثام


(1) أي حسنة الحلبي وهى التى عبر عنها بالصحيحة آنفا. (2) قال في المسالك: " وقال الشيخ في المبسوط: ان ديته على العاقلة جعلا له من باب الاسباب وهو ضعيف.. " ج 2 ص 491.

[ 59 ]

" يمكن حمل كلامهما على من صاح لا بالمجنى عليه بل اتفق كونه هناك وإن عبرا بالصيحة بهما " (1) قلت: لم تحك لنا عبارة المهذب، وأما عبارة المبسوط (2)، فقد قيل إنه ذكر أولا الصبي والمعتوه والغافل ولم يتعرض للمريض، ثم قال في آخر كلامه: " ثم ينظر فإن كان فعله عمدا فالدية مغلظة في ماله عندنا، وعندهم على العاقلة بلا خلاف وإن كان إنما صاح خطأ فالدية مخففة على العاقلة بلا خلاف " وهو صريح في الموافقة مما ذكرنا فلا خلاف ولا إشكال. هذا كله فيما إذا مات بفعل المخيف (أما لو فر فألقى نفسه في بئر أو) من (أعلى سقف) وكان بصيرا (قال الشيخ: لا ضمان لانه ألجأه إلى الهرب، لا إلى الوقوع) في البئر الذي اختاره (فهو المباشر لاهلاك نفسه) وحينئذ إن كان المخيف مسببا لذلك لكنه غير ملجئ إليه (فيسقط حكم التسبيب) كالحافر والدافع (وكذا لو صادفه في هربه سبع فأكله) في ترجيح المباشرة على التسبيب غير الملجئ، وقواه الشهيد، قال: " لان الهارب إما مختار أو مكره، فإن كان مختارا فلا ضمان، وإن كان مكرها فغايته أن يكون مثل مسألة - اقتل نفسك وإلا قتلتك، فقتل نفسه - فإنه لا ضمان، إذ لا معنى للخلاص عن الهلاك بالهلاك " (3) ولان المباشر فيه أقوى من السبب، ورد " بأن المكره هنا على تقديره من غير مباشر للقتل، فاعتبر السبب، بخلاف القاتل نفسه، فإنه يترجح فيه المباشر على السبب فافترقا " (4) وفيه أن المفروض هنا إلقاء نفسه بالبئر فهو حينئذ كالمباشر لقتل نفسه.


(1) قوله كلامهما أي كلام المبسوط والمهذب، وقوله بهما أي الصبى والمعتوه ظاهرا، فراجع كشف اللثام ج 2 ص 303. (2) راجع المبسوط ج 7 ص 158 - 159. (3) غاية المراد للشهيد الاول كتاب الديات ص 34 من مخطوط عندنا. (4) مفتاح الكرامة ج 10 ص 281.

[ 60 ]

ومنه يعلم ما عن التحرير، من أنه، " لو قيل بالضمان كان وجها " (1) وربما كان أيضا ظاهر نسبته في المتن إلى الشيخ، إذ لعل وجهه، أنه لولا الاخافة لم يكن الهرب، غايته اختياره طريقا سقط فيه لمرجح أولا له، وهو كما تري. واحتمل في غاية المراد (2) " إنه إن تساوى الطريقان في العطب ضمن المخيف، إذ لا مندوحة، وإلا فلا، لان له مندوحة في الطريق الآخر، وكذا احتمل الضمان في أكل السبع " وفى كشف اللثام (3): " ويحتمل التفصيل ". والجميع لا يخلو من نظر، ضرورة كون الفرض اختياره الوقوع في البئر ونحوه بسبب الا خافة، نعم لو فرض زوال عقله واختياره بسبب الا خافة المفروضة، اتجه حينئذ الضمان باعتبار قوة التسبيب فيه على المباشرة بلا خلاف ولا إشكال. (و) كذا (لو كان المطلوب أعمى ضمن الطالب ديته) كما عن المبسوط والمهذب (لانه) ب‍ (سبب) العمى صار (ملجأ) على معنى عدم بقاء حسن اختيار له، وإن كان له قصد وشعور، فيقوى حينئذ على المباشر، بل قالا: (وكذا لو كان مبصرا فوقع في بئر لا يعلمها أو انخسف به السقف) لمساواته بالجهل للاعمى في عدم اختيار الوقوع (أو اضطره إلى مضيق فافترسه الاسد لانه يفترس في المضيق غالبا) فيكون كما لو ربط يديه ورجليه وألقاه إليه فهو حينئذ وإن كان مباشرا، إلا أنه فرق واضح بين الاضطرار إلى المضيق وعدمه. نعم إن علم أن في الطريق سبعا وله طريق آخر فاختاره، توجه عدم الضمان، بل هو ليس من الاضطرار إلى المضيق في شئ. ولو خوف حاملا فاجهضت، ضمن دية الجنين، بلا خلاف أجده فيه،


(1) التحرير ج 2 ص 262. (2) غاية المراد كتاب الديات ص 34 من مخطوط عندنا. (3) كشف اللثام ج 2 ص 304.

[ 61 ]

بل عن المبسوط الاجماع عليه، مضافا إلى صدق الاتلاف، وخبر يعقوب بن سالم المروى (1) في الكافي والتهذيب، عن الصادق عليه السلام " كانت امرأة بالمدينة تؤتي، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليها فروعها وأمر أن يجاء بها، ففزعت المرأة وأخذها الطلق، فانطلقت إلى بعض الدور، فولدت غلاما واستهل ثم مات، فدخل عليه من روعة المرأة وموت الغلام ما شاء الله، فقال بعض جلسائه: ما عليك من هذا شئ، وقال بعضهم: وما هذا ؟ قال: سلوا أبا الحسن عليه السلام، فقال لهم أبو الحسن: لئن كنتم اجتهدتم ما أصبتم، ولئن كنتم قلتم برأيكم لقد أخطأتم، عليك دية الصبي " ومقتضاه كمعقد إجماع المبسوط، أنه بحكم شبه عمد، ولعله لان الا خافة سبب في إسقاط حملها فهو جناية عليه، كوضع شئ ثقيل على ظهرها ونحوه مما يقتضى سقوط الحمل ولا ينافيه ما روى (2) من " أن طلحة والزبير لما انهزما يوم الجمل فمرا بامرأة حامل، فخافت وألقت جنينها وماتا فوداهما أمير المؤمنين عليه السلام من بيت مال البصرة " إذ لعله كان ذلك من جهة خوفها من جيوش المسلمين. نعم في رواية اخرى (3) في نحو ذلك " أنه وزع الدية على العاقلة "، ولعله لان المقصود تخويفها دون سقوط الحمل، خصوصا مع عدم العلم بحملها، وربما يأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في الجناية على الجنين. وعلى كل حال فلا إشكال في ضمان الجنين في الفرض، بل ولا في ضمانها أيضا لو ماتت في ماله مع تعمده الا خافة الغير المتلفة غالبا، وإلا كان عليه القصاص، ولو لم يتعمدها كانت الدية على العاقلة، نعم لو كان تخويفها من الامام بحق لم يضمن، وقضية عمر في ضمان الجنين الذي لا سبيل له عليه، والله العالم.


(1) الكافي ج 7 ص 374، التهذيب ج 10 ص 312 وفيه " ما ساءه " مكان " ما شاء الله ". (2) البحار ج. (3) البحار ج.

[ 62 ]

المسألة (السادسة) (إذا صدمه فمات المصدوم فديته من مال الصادم) مع قصده الصدم دون القتل، وإن قصده أو كان الصدم مما يقتل غالبا فالقصاص، (أما الصادم لو مات فهدر إذا كان المصدوم في ملكه أو في موضع مباح أو في طريق واسع) أو نحو ذلك مما لا تفريط فيه من المصدوم، سواء كان الصادم قاصدا أم لا بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بين من تعرض له، كالشيخ والفاضل والشهيدين وغيرهم، بل ولا إشكال. نعم في الارشاد " والصادم هدر ويضمن دية المصدوم في ماله إذا لم يفرط بأن يقف في المضيق على إشكال " وهي مجملة محتملة وجوها. منها: كون الاشكال راجعا إلى كيفية الضمان لا إلى أصله، على معنى أنه في ماله على إشكال، لا حتمال كونه على العاقلة باعتبار عدم العلم بقصده أو القتل، كما إذا اشتبه الحال، فهو خطأ محض يجب فيه الدية على العاقلة، وإن كان هو كما ترى، ضرورة كون الاصل ضمانة الجناية حتى يعلم عنوان الخطاء. ومنها: كونه عائدا إلى ضمان الصادم دية المصدوم إذا فرط التفريط المذكور، بأن، وقف في المضيق، ومنشأه حينئذ أنه متلف لنفسه بوقوعه في موضع يحرم عليه الوقوف فيه، فهو المعرض لا تلاف نفسه على وجه يكون أقوى من المباشر، ومن أنه أزهق نفسا معصومة " ولا يبطل دم امرء مسلم " (1) وصدق أنه لم يقصد إتلاف نفسه، وعدم قصد الصادم، لا يزيل الضمان المطلق وإن أزال القصاص عنه، بل يجب على العاقلة، وهو المحكي عن ظاهر المبسوط.


(1) الوسائل الباب - 46 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2. والباب - 10 - من أبواب دعوى القتل وما يثبت به الحديث 5.

[ 63 ]

ومنها: عوده إلى ضمان المصدوم دية الصادم والحال كونه مفرطا كما ستعرفه. وعلى كل حال، فعلى تقدير رجوع الاشكال إلى شئ مما سمعته واضح الضعف، ضرورة انطباقه على الضوابط السابقة كما هو واضح. (ولو كان) واقفا (في طريق المسلمين ضيق) فصدمه بلا قصد (قيل) كما عن المبسوط (يضمن المصدوم ديته لانه فرط بوقوفه في موضع ليس له الوقوف فيه، كما إذا جلس في الطريق الضيق فعثر به إنسان) مما كان السبب فيه أقوى من المباشر، وتبعه عليه الشهيدان. وربما اشكل بعدم إتلاف الصادم مباشرة ولا تسبيبا، وإنما حصل بفعل الصادم، والوقوف من مرافق المشي فلا يستعقب ضمانا. وفيه أن الكلام في الوقوف غير السائغ الذي يكون كوضع الحجر في الطريق فيعثر به إنسان، وعدم المباشرة والتسبيب لا ينافي الضمان بالشرط. (هذا) كله ما (إذا كان لا عن قصد و) أما (لو كان قاصدا) لذلك (وله مندوحة فدمه هدر) قطعا (وعليه ضمان المصدوم) نفسا أو دية على ما عرفت، والله العالم. المسألة (السابعة) (إذا اصطدم حران) بالغان عاقلان قاصدان لذلك دون القتل ولم يكن مما يقتل غالبا (فماتا ف‍) - هو من شبه العمد، لكن يكون (لورثة كل واحد منهما نصف ديته ويسقط النصف) الاخر (وهو قدر نصيبه، لان كل واحد منهما تلف بفعله وفعل غيره) فيهدر النصف مقابل فعله ويضمن شريكه النصف، بلا خلاف أجده، بيننا، بل ولا إشكال، نعم عن بعض العامة وجوب الدية تامة لكل منهما على الآخر،

[ 64 ]

ولا ريب في ضعفه. ولا فرق فيما ذكرنا بين المقبلين والمدبرين والمختلفين والبصيرين والاعميين والمختلفين، ولا بين وقوعهما مستلقيين أو منكبين أو مختلفين، خلافا لابي حنيفة فأوجب الضمان عليهما في الاول، أما إذا وقعا منكبين فدمهما هدر، لان الانكباب يحصل بفعل المنكب لا بفعل الآخر، ولو وقع أحدهما منكبا والآخر مستلقيا فالمنكب هدر (و) هو واضح الفساد بل (يستوي في ذلك) أيضا (الفارسان والراجلان) بل (والفارس والراجل) إذا فرض طويلا مثلا. (و) إن كان (على كل واحد منهما نصف قيمة فرس الآخر إن تلف بالتصادم) بل لا فرق بين اتحاد جنس المركوب واختلافه وإن تفاوتا في الشدة والضعف، بل ولا في الراجلين بين أن يتفق سيرهما قوة وضعفا أو يختلف، بأن كان أحدهما يعدو، والآخر يمشي، لان الاصطدام والحركة المؤثرة إذا وجدت منهما جميعا، اكتفى به ولم ينظر إلى مقادير المؤثر وتفاوت الاثر كالجراحة الواحدة والجراحات، نعم لو كانت إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع قوة الدابة الاخرى فلا يناط بحركتها حكم، كغرز الابرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة. (و) على كل حال (يقع التقاص في الدية) والقيمة، ويرجع صاحب الفضل إن كان فيهما أو في أحدهما على تركه الآخر. نعم لو لم يعتمد الاصطدام بأن كان الطريق مظلما أو كانا أعميين أو غافلين، فالدية على عاقلة كل منهما، ولا تقاص إلا أن تكون عاقلة كل منهما ترثه، وإن تعمده أحدهما دون الآخر فلكل حكمه. وضمان المركوب لا مدخلية للعاقلة فيه. وفرق واضح بين المقام الذي اشتركا معا فيه في الجناية، - ولذا أهدر النصف - وبين ما إذا عثر إنسان بجالس فماتا معا، فإن الدية واجبة لا يهدر منها شئ،

[ 65 ]

وذلك لان كلا منهما قد مات بسبب انفرد به صاحبه، إذ الجالس قتل العاثر مباشرة، والعاثر مات بسبب كان من الجالس، فهو كما لو حفر بئرا في غير ملكه ثم جاء رجل فجرح الحاضر وسقط الجارح في البئر، فإن الجارح قتل الحافر مباشرة، والحافر قتل الجارح بالتسبيب، فتأمل جيدا. هذا كله مع عدم قصد القتل بالاصطدام (وإن قصداه أي القتل) أو أحدهما أو كان بحال يقتل مثله غالبا (فهو عمد) يجري عليه حكمه فيهما أو في العامد منهما خلافا لابي حنيفة فجعله خطاء محض أو عن بعض الشافعية أنه شبيه عمد بناء على أن الاصطدام لا يقتل غالبا، وهو واضح الضعف. وفي معنى التصادم ما لو تجاذبا حبلا فانقطع وسقطا وماتا، لكن عن أبي حنيفة عكس الحكم السابق هنا، فقال " إن كان وقعا منكبين فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإن وقعا مستلقيين فهما هدر، لان انكباب كل واحد منهما يكون بفعل الآخر، والاستلقاء يكون بفعله لا بفعل الآخر، نقيض ما سبق " وهو كما ترى، ضروره عدم انضباط الامر. هذا إذا كان المتجاذبان مالكين للحبل أو غاصبين، أما لو كان أحدهما مالكا والآخر غاصبا فدم الغاصب هدر كما هو واضح. ولو قطعه ثالث عند تجاذبهما ضمنهما في ماله أو عاقلته، مالكين كانا أو غاصبين أو مختلفين، وإن تعدى الغاصب بالامساك والجذب، فإن المباشر هو القاطع. نعم لو كان هو المالك وهما الغاصبان، أمكن عدم الضمان. ولو علت الدابتان وجرى الاصطدام والراكبان مقلوبان احتمل الهدر في الجميع الراكب والمركوب، لكونه من جناية الدواب غير الصائلة فهو كالتلف بالآفة السماوية، وكونهما كغير المقلوبين لان الركوب كان بالاختيار وهو لا يقصر عن حفر البئر في الضمان، خصوصا مع ملاحظة ضمان الراكب ما تتلفه الدابة، والله العالم.

[ 66 ]

(أما لو كانا) أي المصطدمان (صبيين) أو مجنونين أو بالتفريق (والركوب منهما فنصف دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر) بلا خلاف، لان عمدهما خطأ، ولا تقصير من الولي، ولذا لا يضمن ما يقع منه، للاصل وغيره، وضمان الدابتين عليهما كغيرهما مما يتلفانه من الاموال. (ولو أركبهما وليهما) لمصلحتهما (فالضمان على عاقلة الصبيين) أو المجنونين دون الولي (لان له ذلك) فلا تقصير منه كما لو ركبا بأنفسهما، (و) كما لو حفر بئرا في ملكه فتردى فيه آخر. نعم مع عدم المصلحة يضمن الولي لعدوانه حينئذ كما (لو أركبهما أجنبي فإن ضمان دية كل منهما بتمامها على المركب) بلا خلاف، وكذا دابتيهما، لعدم قصور إركاب الطفل عدوانا عن حفر البئر كذلك، فيضمن ما يترتب عليه، وإن كان بعمد الصبي الذي جعله الشارع بحكم الخطأ، وحينئذ فإن كان واحدا ثبت عليه دية الصبيين وقيمة الدابتين، وإن كان اثنين مثلا ثبت على كل واحد نصف قيمة كل واحدة من الدابتين، لان الذي أركبه متعديا أتلف النصفين فيضمنه، ويجب على كل واحد نصف دية الراكب. لكن في كشف اللثام وعن المبسوط " أن دية الراكب على عاقلة المركب " وفيه أنه سبب، فيتجه عليه كما هو ظاهر. (ولو كانا) أي المصطدمان (عبدين بالغين) عاقلين (سقطت جنايتهما) بلا خلاف، بل ولا إشكال (لان نصيب كل واحد منهما هدر) باعتبار كونه الجاني على نفسه (وما على صاحبه) من النصف الآخر (فات بتلفه) لان جناية العبد تتعلق برقبته (و) من هنا (لا يضمن المولى) سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ، ولو كان أحدهما عبدا والآخر حرا فلا شئ لمولاه ولا عليه. أما الثاني فلما عرفت من تعلق جنايته برقبته وقد فاتت، وأما الاول

[ 67 ]

فلانه كما جنى عليه الحر جنى هو على الحر، فيتقاصان وإن زاد نصف قيمته على نصف دية الحر، إذ لا عبرة بالزيادة عندنا، هذا. ولكن وفي المسالك " فإن ماتا وجب نصف قيمة العبد في تركة الحر، ويتعلق به نصف دية الحر، وما تعلق برقبة العبد إذا فات يتعلق ببدلها، كما أن الجاني الذي تعلق الارش برقبته إذا قتل انتقل إلى قيمته، ثم إن تساويا تقاصا بناء على أن نقد البلد الذي تجب فيه القيمة أحد أفراد الدية، ولو كان نصف القيمة أكثر وأوجبناها فللسيد أخذ الزيادة من تركة الآخر وإلا فلا، وإن كان نصف الدية أكثر فالزيادة مهدرة (1) لانه لا محل يتعلق به " (2). وفيه ما لا يخفى عليك في قوله " بناء " أولا وقوله " وأوجبناها " ثانيا. نعم لو فرض كون الحر ذميا أو امرأة مثلا أمكن استحقاق الزيادة، والله العالم. ولو مات العبد خاصة فنصفه هدر وتجب نصف قيمته وتكون على الحر كقيمة الفرس، وإن مات الحر خاصة وجب نصف ديته وتتعلق برقبة العبد كما هو واضح. (ولو اصطدم حران فمات أحدهما فعلى ما قلناه يضمن) الحر (الباقي نصف دية التالف) والنصف الآخر هدر لانه من جنايته (و) لكن (على رواية عن أبى الحسن موسى عليه السلام يضمن الباقي) تمام (دية الميت) وهي رواية موسى بن إبراهيم المروي (3) عنه، " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في فارسين اصطدما فمات أحدهما، فضمن الباقي دية الميت " (و) لكن (الرواية) - مع أنها (شاذة) لم نجد بها عاملا، وضعيفة - محتملة لضعف صدمة الميت


(1) مهدور (ن ل). (2) المسالك، ج 2 ص 492. (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 68 ]

بحيث علم عدم الاثر لها. (ولو تصادم حاملان) فاسقطتا وماتتا (سقط نصف دية كل واحدة) منهما بجنايتها على نفسها (وضمنت (1) نصف ديه الاخرى) كما لو تصادم الرجلان و (أما الجنين فيثبت في مال كل واحدة نصف دية جنين كامل (2) مع القصد إلى الاصطدام وإلا فعلى العاقلة، وإن لم يعلم ذكورة الجنين وانوثته فربع دية الذكر وربع دية الانثى. ويجب أيضا في تركة كل واحدة أربع كفارات، كفارة لنفسها، وكفارة لجنينها، وثالثة لصاحبتها، ورابعة لجنينها، لانهما اشتركتا في هلاك الاربعة، وسيأتي أن الكفارة تجب مع الاشتراك على كل واحد من الشريكين، كملا، كما تجب على المنفرد، وكذلك تجب على قاتل نفسه، والله العالم. المسالة (الثامنة) (إذا مر بين الرماة) في مكان مباح له المرور فيه (فأصابه سهم) أحدهم مثلا (فالدية على عاقلة الرامي) بلا خلاف أجده بين من تعرض له، كالفاضلين والشهيدين وغيرهم، لكونه مخطئا في فعله وفي قصده (و) إلا كان عليه القود أو الدية في ماله كما عرفته مكررا نعم (لو ثبت أنه قال: حذار) وسمع المار وكان متمكنا من العدول (لم يضمن) العاقلة بلا خلاف أجده أيضا (لما روى أن صبيا دق رباعية صاحبه بخطره، فرفع) إلى علي عليه السلام، فأقام بينه أنه قال: حذار، فدرأ عنه القصاص، وقال: قد أعذر من حذر) وهو خبر محمد بن الفضيل (3)


(1) وثبت (ن ل). (2) كذا في الشرائع ولكن في الاصل هكذا: (نصف دية الجنين). (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1 التهذيب ج 10 ص 207 الفقيه ج 4 ص 102 الكافي ج 7 ص 202.

[ 69 ]

عن الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام الذي رواه المحمدون الثلاثة، بل هو في التهذيب والكافي صحيح، أو حسن كالصحيح " قال كان صبيان في زمن علي بن أبي طالب يلعبون باخطار لهم، فرمى أحدهم بخطره فدق رباعية صاحبه، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأقام الرامي البينة بأنه قال: حذار، فدرأ عنه القصاص وقال: قد أعذر من حذر ". ولعلهم فهموا نفي الدية على العاقلة من قوله: " قد أعذر من حذر " بناء على إرادته قبول عذر المحذر على وجه لا يترتب على فعله ضمان، لا عليه ولا على عاقلته، أو أن المراد من درء القصاص درء الضمان ولو بمعلومية عدم كون المقام محلا له، مضافا إلى كونه أقوى في التلف من الرامي في الفرض، ولذا قيد الفاضل وغير قول " حذار " بسماع المقتول وتمكنه من العدول وإن أطلق المصنف وغيره، بل والخبر، ضرورة عدم الاعذار مع عدمهما. ولعل الرامي في الخبر كان بالغا بقرينة إقامة البينة ودرء القصاص، أو المراد وليه. وعلى كل حال فالحكم المزبور لا إشكال فيه بعد أن لم يكن خلاف، للخبر المزبور، أو لما أشرنا إليه، بل عن الوسيلة زيادة " وإن لم يحذره وكان في ملكه وقد دخل عليه بغير إذنه لم يضمن " ولا يخلو من وجه، خصوصا بعد ملاحظة ما ورد من قولهم: " من دخل دار غيره بغير إذنه فدمه هدر " (1) ونحوه، من عدم ضمان المتردي في البئر المحفورة في ملكه مع الدخول بغير إذنه، وإن كان قد يقال بصدق القتل خطأ في الفرض وإن أثم بالدخول بغير إذن فتأمل جيدا. (ولو كان مع المار صبي) مثلا غير مميز (فقر به من طريق السهم لا قصدا فأصابه، فالضمان على من قربه) كما عن القاضي والتحرير (لا على الرامى لانه عرضه للتلف) تعريضا قويا شبيها بالمباشرة، بل عن التحرير أنه مباشر لانه كالدافع في البئر والرامي كالحافر (و) لكن (فيه تردد) كما في القواعد،


(1) راجع الوسائل الباب - 17 - من أبواب موجبات الضمان.

[ 70 ]

ومحكي المبسوط، من أنه المباشر المقدم على السبب مع الاجتماع، ولذا كان خيرة الفخر فيما حكى عنه، " الضمان على عاقلة الرامي " قلت: الظاهر كون الفرض من جزئيات مسألة المباشرة والتسبيب، ولا ريب في تقديم الاول مع فرض اتحادهما في الجهل والعلم لقوة المباشرة على غيرها، واحتمال الشركة ضعيف، فترتب حينئذ القصاص والدية على عاقلة الرامي، أو عليه في صورة يكون شبيه عمد كما أنه لا ريب في تقديم العالم منهما على الجاهل. ولعل ذكر المصنف الصبي كما في القواعد ومحكي المبسوط لكونه أظهر الافراد وإلا فلو فرض تقديم البالغ على وجه يكون كتقديم الصبي ترتب الحكم، ولعله لذا قال في محكي التحرير: " لو قدم إنسانا إلى هدف " (1). ولو تقدم الصبي لنفسه ولم يقر به أحد فالضمان على الرامي مع التعمد قصاصا أو دية وعلى عاقلته بدونه، بل في كشف اللثام وغيره: " حذر أم لا " وهو كذلك مع فرض كونه غير مميز، أما إذا كان مميزا يعقل التحذير فقد يقال بكونه كالبالغ خصوصا بعد إطلاق الخبر المزبور. وعلى كل حال فقد ذكر غير واحد أن المراد الضمان على عاقلة الرامي في صورة خطائه، وقال بعض الناس " يأتي مثله في المقرب " وفيه أنه فرق بينه وبين المباشرة، ولذا لم أجد من قال هنا الضمان على عاقلة المقرب فتأمل جيدا والله العالم.


(1) التحرير ج 2 ص 262 البحث 12.

[ 71 ]

المسالة (التاسعة:) قد سمعت سابقا في مسألة الطبيب ما (روا) ه (السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام إن عليا عليه السلام ضمن ختانا قطع حشفة غلام (1) والرواية) وإن كانت ضعيفة إلا أنها مع أن المحكي عن ابن إدريس نفى الخلاف عن صحتها (مناسبة للمذهب) لاصالة الضمان كما سمعته في الطبيب وإن كان حاذقا ومأذونا لان فعله شبيه عمد إلا أن يأخذ البرائة على ما سمعته سابقا، واحتمال حمل الخبر المزبور على خصوص المفرط لا حاجة إليه كما هو واضح، والله العالم. المسالة (العاشرة:) (ولو وقع من علو على غيره فقتله فإن قصد) ذلك (وكان الوقوع مما يقتل غالبا) أو قصد القتل به (فهو قاتل عمد) يترتب عليه حكمه (وإن كان لا يقتل غالبا) وقصد الوقوع عليه دون قتله (فهو شبيه عمد يلزمه الدية في ماله) كغيره من أفراده (وإن وقع مضطرا إلى الوقوع أو قصد الوقوع لغير ذلك ف‍) - في الكتاب والقواعد ومحكي التحرير والارشاد والتلخيص وغيرها (هو خطاء محض والدية فيه على العاقلة) وهو واضح في الثاني، (أما) الاول ففي كشف اللثام " إن كان المراد به ما يزول معه القصد إلى الوقوع، أو الوقوع على الغير فهو كما (لو ألقاه الهواء) وسيذكر أنه لا ضمان، وإن أراد الا لجاء لا إلى زوال القصد فلا فرق بينه وبين غيره في عدم كونه خطأ إلا إذا لم يقصد الوقوع على الغير فلا معنى للعطف بأو " (2).


(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (2) كشف اللثام ج 2 ص 303 مع اختصار.

[ 72 ]

ونحوه عن الاردبيلي، بل أطنب في كشف اللثام حتى اعترف بالعجز عن فهم كلامهم. وقد يدفع بأن المراد وقع مضطرا على وجه يسند الفعل إليه وإن ليكن مختارا، بل لو كان كالمجنون والنائم ممن يكون له قصد يسند الفعل به إليه عرفا وإن لم يكن له اختيار قصد وهو من الخطأ المحض كما عرفته في النائم أما لو ألقته الريح (أو زلق) أو نحوهما مما لا يسند إليه فعل (فلا ضمان) عليه ولا على عاقلته، بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، وبذلك افترق عن الاول، ضرورة عدم صدق نسبة القتل (1) إليه مضافا إلى صحيح محمد ابن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يسقط على الرجل فيقتله فقال: لا شئ " وصحيح عبيد بن زرارة (3) " سأل الصادق عليه السلام عن رجل وقع على رجل فقتله قال: ليس عليه شئ " والخبر أو الحسن أو الموثق (4) " سأله عن رجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما فقال: ليس على الاعلى شئ ولا على الاسفل شئ " بناء على كون المراد منها الوقوع على الوجه المزبور، ولو لظهورها في عدم ضمان العاقلة أيضا باعتبار استلزام تركه تأخير البيان، ولامكان كون المراد من قوله " ليس عليه شئ " أنه لا يترتب على ذلك شئ. ولكن مع ذلك احتمل في كشف اللثام في الفرض، كونه كمن انقلب على غيره في النوم فقتله في وجوب الدية عليه أو على عاقلته، وأن يكون كقتيل الزحام في وجوبها في بيت المال كما في السرائر لئلا يبطل دم امرء مسلم. وثانيهما لا يخلو من وجه، بل حكي عن التحرير، وإن كان الاصح خلافه، ضرورة عدم قتل أحد له بناء على ما ذكرناه، بل هو شبه المقتول بصاعقة ونحوه. أما أولهما فلا وجه له


(1) الفعل (ن ل). (2 و 3 و 4) الوسائل الباب - 20 - من أبواب قصاص النفس الحديث 2 و 1 و 3.

[ 73 ]

بعد فرض عدم نسبة الفعل إليه ولو خطأ (و) على كل حال ف‍ (- الواقع هدر على التقديرات) كلها بلا خلاف، بل ولا إشكال لعدم نسبة قتله إلى أحد كى يرجع عليه أو على عاقلته إلا أن يفرض موته بوقوعه على الاسفل وكان عاديا فيكون (1) كذلك، ضرورة كونه حينئذ كحافر البئر في وجوب الضمان عليه، والله العالم. هذا كله لو وقع على الوجه المزبور (و) أما (لو دفعه دافع فدية المدفوع لو مات) أو القود (على الدافع) بلا خلاف نصا وفتوى بل ولا إشكال. و (أما دية الاسفل فالاصل أنها على الدافع أيضا) كالقصاص له كما هو المشهور بل لا خلاف فيه بين المتأخرين إلا من نادر، ضرورة كونه كمن هدم عليه جدارا مثلا، (و) لكن (في النهاية) ومحكى التهذيب والاستبصار (ديته على الواقع ويرجع بها على الدافع وهي رواية عبد الله بن سنان) (2) التي رواها المحمدون الثلاثة في الصحيح (عن أبى عبد الله عليه السلام) " في رجل دفع رجلا على رجل فقتله، قال: الدية على الذي وقع على الرجل لاولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه قال: وإن أصاب المدفوع شئ فهو على الدافع أيضا ". وحملها في كشف اللثام على أن أولياء المقتول لم يعلموا دفع الغير له (3)، أو تطرح للاجماع كما قيل على عدم العمل بظاهرها المقتضى للقصاص على الدافع مع قصد القتل أو كون الشئ مما يقتل غالبا فتأمل جيدا، والله العالم.


(1) في الاصل: فيكونه. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 الفقيه ج 4 ص 108 الكافي ج 7 ص 288 التهذيب ج 10 ص 211. (3) كشف اللثام ج 2 ص 261.

[ 74 ]

المسالة (الحادية عشر:) (روى أبو جميلة (1) عن سعد الاسكاف عن الاصبغ قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في جارية ركبت اخرى فنخستها ثالثة، فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت، أن ديتها نصفان على الناخسة والمنخوسة، وأبو جميلة ضعيف) باتفاق من تعرض له على ما قيل (فلا استناد إلى نقله) بل في سندها محمد بن عبد الله بن مهران، وعن النجاشي والخلاصة " أنه من أبناء الاعاجم، غال كذاب فاسد المذهب والحديث مشهور بذلك " (2) بل عن النجاشي " أن سعد الاسكاف يعرف وينكر، وكان قاضيا " (3) وإن حكى عن الشيخ: " أنه صحيح الحديث بل روى أنه قال له أبو جعفر: وددت أن على كل ثلاثين ذراعا قاضيا مثلك " (4) بل فيها أيضا أبو عبد الله الظاهر أنه كنية لمحمد بن خالد البرقي، وعن النجاشي " أنه ضعيف في الحديث " (5) وإن كان الظاهر أن المراد به روايته عن الضعفاء والمراسيل. وبالجملة فالسند كما عرفت، وإن اقتصر المصنف وغيره على ضعف أبي جميلة للاتفاق عليه ومعلوميته. وأما المتن فهو - مع أنه قضية في واقعة - لا يطابق إطلاقه الاصول في صورة إلجاء القامصة إلى القمص، ضرورة كون المتجه حينئذ الضمان على الناخسة التي هي أقوى في التأثير من القامصة، وخصوصا مع كون الراكبة عادية في ركوبها لعبث أو غيره، بل وفي صورة بقاء اختيارها، إذ المتجه كون الضمان عليها، لانها


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) رجال النجاشي ص 270 خلاصة الاقوال ص 252. (3) رجال النجاشي ص 135. (4) مجمع الرجال ج 3 ص 100 - 101 المتن والهامش. (5) رجال النجاشي ص 258.

[ 75 ]

أقرب في التأثير من الناخسة مع فرض بقاء الاختيار بل وغير ذلك، ولعله لذا وغيره قال المصنف في النكت: " إن الرواية ساقطة عندي " (1) ودعوى - انجبار السند والدلالة بالشهرة المحكية على لسان الفاضلين والشهيد، وفي المسالك " هذه الرواية مشهورة في هذا الباب، بل فيها وفي غاية المراد والتنقيح أنه عمل بمضمونها الشيخ وأتباعه - يدفعها ما حكاه غير واحد من عدم العمل بها إلا من الشيخ والقاضي، فلا يبعد إرادة الشهرة في الرواية. (وفي المقنعة) والغنية ومحكي الاصباح والكافي (على الناخسة والقامصة ثلثا الدية) ناسبين له إلى قضاء علي عليه السلام بذلك وفي الاولى (ويسقط الثلث لركوبها عبثا) بل في الغنية ومحكى الكافي ذلك أيضا مع زياده أنها لو كانت راكبة باجرة كانت كمال ديتها على الناخسة. وعن المفيد في الارشاد روايته مرسلا (2) " قال: إن عليا عليه السلام رفع إليه خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثا ولعبا، فجائت جارية أخرى فقرصت الحاملة، فقمصت لقرصتها فوقعت الراكبة، فاندق عنقها فهلكت، فقضى على القارصة بثلث الدية وعلى القامصة بثلثها وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقعة، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله فأمضاه ". وعلى كل حال ففي المتن والنافع والنكت (و) محكي المختلف (هذا وجه حسن) لقاعدة الاشتراك، وهو كذلك مع فرضه، بل ربما جمع بين الخبرين بإمكان إرادة ما يضمن من دية الراكبة في الخبر الاول كمالها أو ثلثيها (3).


(1) نكت النهاية، ستة صفحات قبل آخر الكتاب. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 مع اختلاف في بعض الالفاظ. فراجع. (3) قال في مفتاح الكرامة: " ويمكن أن يراد في الخبر الاول بدية الراكبة ما يضمن من ديتها سواء كان ثلثيها أو كلها فيوافق هذا الخبر " ج 10 ص 349.

[ 76 ]

(وخرج متأخر) وهو ابن إدريس (وجها ثالثا فأوجب الدية على الناخسة إن كانت ملجأة للقامصة، وإن لم تكن ملجأة للقامصة فالدية على القامصة) واختاره في الارشاد والايضاح والروضة، واستحسنه في التحرير وكشف الرموز، (و) في المتن (هو وجه أيضا غير أن المشهور بين الاصحاب هو الاول) وفيه ما عرفت إن أراد بالاول ما سمعته من مضمون خبر أبي جميلة (1)، بل وإن إراد ما سمعته من المفيد (2)، ضرورة عدم شهرة عليهما، وخصوصا الثاني منهما الذي لم يدعها عليه أحد. فلا ريب أن المتجه العمل بما ذكره ابن إدريس، لان فعل المكره الملجأ الذي هو كالآلة مستند إلى المكره، ولذا يضمن الدافع المقتول بوقوع المدفوع، بخلاف ما إذا لم تكن ملجأة فانها مستقلة بالقتل حينئذ. لكن أشكله الشهيد " بأن الاكراه على القتل لا يسقط الضمان، وبأن القموص ربما كان يقتل غالبا فيوجب القصاص " وفيه منع عدم إسقاطه مع وصوله إلى حد الالجاء كما هو الفرض. وبأن القمص الذي هو النفرة لا يستلزم الوقوع بحسب ذاته فضلا عن كونه مما يقتل غالبا فيكون من باب الاسباب لا الجنايات. نعم لو فرض على حال يكون كذلك أو قصد القتل به لو كان على حال يقتل نادرا اتجه القصاص. ومن هنا قال في الرياض: " هو قوى متين لولا مخالفته للروايات المشهورة قطعا بين الاصحاب وإن اختلف بعضها مع بعض، إلا أنها متفقة في رد هذا الوجه وغيره من الوجوه ". وفيه ما عرفته من عدم العمل بالاولى إلا الشيخ والقاضي كما اعترف به سابقا، بل قال: " إن الاعتماد على هذه الشهرة المحكية مع عدم وجدان العامل غيرهما لعله ممنوع " وأما الثانية فقد عرفت أنها مرسلة ولا شهرة تجبر العمل بها أيضا فالمتجه حينئذ العمل بما تقتضيه القواعد، وتنزيل النصوص المزبورة على


(1 و 2) نقلنا مصدرهما آنفا.

[ 77 ]

ما يوافقها، خصوصا بعد أن كانت قضايا في أعيان خاصة لا تنافي التنزيل المزبور. نعم ما عن الراوندي - من التفصيل بين بلوغ الراكبة واختيارها فما عليه المفيد، وصغرها وكرهها فما عليه الشيخ - وكذا ما في التنقيح - من التفصيل بين ما إذا كان الركوب عبثا فالاول، أو لغرض صحيح فالثاني إن كانت القامصة غير ملجئة وإلا فعلى الناخسة - واضح الضعف فيما خالف القواعد منه، ضرورة عدم شاهد له لو اريد به الجمع بين النصوص المزبورة التي قد عرفت فقدها لشرائط الحجية في نفسها، واحتمالها ما لا ينافي القواعد لكونها من قضايا الاعيان. ومن هنا قال في الرياض بعد أن حكاهما مضعفا لهما بعد ما سمعت: " ولو صح الجمع بدون الشاهد لكان ما عليه الحلبي وابن زهرة في غايه القوة عملا بروايتهما المفصلة بين كون الركوب عبثا فما في المقنعة، وكونه باجرة فما في النهاية، وروايتها وإن كانت مطلقة بنصف الدية، إلا أنها محمولة على صورة الثانية حمل المطلق على المقيد، فتأمل " (1). وإن كان فيه أن ذلك فرع الحجة أولا، وعدم ظهور كون التفصيل من المروي وإنما هو منهما ثانيا وإلا لم يحتج إلى شاهد بعد فرض الحجة، ولعله إلى ذلك وغيره أشار بالامر بالتأمل. ثم قال: " هذا مع أن الوجوه المزبورة لا تفيد الحكم في شقوق المسألة بكليته وإنما غايتها إفادته في صورة العلم بحال الناخسة والمنخوسة، وأما صورة الجهل بهما فليست لحكمها مفيدة، فالمسألة محل تردد وشبهة، وإن كان مختار الحلبي (2) في الصورة الاولى لا يخلو عن قوة لامكان الذب عن الروايات المشهورة بأنها قضية في واقعة، فيحتمل اختصاصها بالصورة الثانية، والمختار فيها خيرة المفيد ومن تبعه للاصول المتقدمة، مضافا إلى أصل البرائة " (3) وهو كما


(1) رياض المسائل ج 2 ص 599. (2) في الاصل: " الحلى ". (3) رياض المسائل ج 2 ص 599.

[ 78 ]

ترى بعد الاغضاء عما فيه، لا يرجع إلى محصل في المسألة، خصوصا بعدما عرفت من عدم حجية المرسل وغيره، فكيف يجعل مضمونه أصلا يرجع إليه في مخالف الضوابط. والتحقيق ملاحظة القواعد في جميع الصور بعد تنزيل النصوص المزبورة على ما لا ينافيها لانها قضايا في أعيان، وحال الجهل يرجع فيه إلى ما يرجع في نظائره من القرعة وغيرها، لا إلى المرسل المزبور أو الضعيف الآخر، والله العالم. (ومن اللواحق مسائل:) (الاولى:) (ومن دعى غيره فأخرجه من منزله ليلا فهو له ضامن حتى يرجع إليه) وفاقا للمشهور، بل عن ظاهر غير واحد الاجماع عليه، بل في الغنية ونكت النهاية وغاية المراد الاجماع عليه، ولعله كذلك، فإني لم أجد فيه مخالفا إلا ابن إدريس، ففصل بين المتهم عليه وغيره، فأثبت القسامة في الاول مع دعوى الاولياء القتل عمدا أو خطأ مقيما للعداوة والاخراج بالليل فيه مقام اللوث، بخلاف الثاني فإنه لا شئ عليه. نعم قد تجشم بعض الناس فادعى الخلاف في بعض العبارات، بعدما وسوس هو في الحكم. وعلى كل حال فلا ريب في فساده، حتى لو قلنا بتحقق اللوث في مثله، إذ يمكن إخراج الفرض عن حكمه بما عرفت، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن ميمون (1) " إذا دعى الرجل أخاه بالليل فهو ضامن حتى يرجع إلى


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

[ 79 ]

بيته " وإلى حسن عمرو بن المقدام أو قويه (1) " قال: كنت شاهدا عند البيت الحرام ورجل ينادي بأبي جعفر المنصور وهو يطوف ويقول: يا أمير المؤمنين (2) إن هذين الرجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله فلم يرجع إلي، ووالله ما أدري ما صنعا به ! فقال لهما أبو جعفر: وما صنعتما به ؟ فقالا: يا أمير المؤمنين (3) كلمناه ثم رجع إلى منزله، فقال لهما: وافياني غدا صلاة العصر في هذا المكان، فوافياه من الغد وحضرته، فقال لجعفر بن محمد عليهما السلام وهو قابض على يده: يا جعفر اقض بينهم، فقال: يا أمير المؤمنين (4) اقض بينهم أنت، فقال: بحقي عليك إلا قضيت بينهم، قال: فخرج جعفر عليه السلام فطرح له مصلى من قصب فجلس عليه ثم جاء الخصماء، فجلسوا قدامه، فقال: ما تقول ؟ فقال: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله فوالله ما رجع إلي ووالله ما أدري ما صنعا به ؟ فقال: ما تقولون ؟ فقالا: يا ابن رسول الله كلمناه ثم رجع إلى منزله، فقال جعفر عليه السلام: يا غلام اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " كل من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن إلا أن يقيم البينة أنه قد رده إلى منزله " يا غلام نح هذا واضرب عنقه، فقال: يا ابن رسول الله والله ما قتلته أنا ولكن أمسكته فجاء هذا فوجأه فقتله، فقال: أنا ابن رسول الله، يا غلام نح هذا واضرب عنق الآخر، فقال: يا ابن رسول الله والله ما عذبته ولكن قتلته بضربة واحدة فأمر أخاه فضرب عنقه، ثم أمر بالآخر فضرب جنبيه وحبسه في السجن ووقع على رأسه يحبس عمره ويضرب في كل سنة خمسين جلدة " والضعف في السند لو سلم في الثانية منجبرة بما عرفت، فوسوسة بعض الناس في الحكم من جهة قاعدة عدم ضمان الحر في غير محلها بعد النص والاجماع. بل الظاهر كون الرجل والاخ فيهما مثال لمطلق الغير، فتدخل المرأة إذ لا قائل بالفرق كما في غاية المراد.


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب قصاص النفس الحديث 1 والكافي ج 7 ص 287 والتهذيب ج 10 ص 221 والفقيه ج 4 ص 117. (2 و 3 و 4) في الاصل: " يا أمير المفسدين " وهو من الناسخ أو الشارح.

[ 80 ]

بل الظاهر عدم الفرق بين الصغير والكبير، بل الحر والعبد. نعم يختص الحكم بالليل لاختصاص النصوص وفتوى الاصحاب به اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن. وكذا لو أخرجه بالتماسه كما عن غير واحد التصريح به للقاعدة المزبورة، وإن كان ربما احتمل عموم النص له، وأولى من ذلك ما لو دعى غيره فخرج هو، بل لعله كذلك أيضا لو أخرجه إلى متعين عليه، كما لو أوجب. أو خيره بين الخروج وعدمه كما عن الشهيد في الحواشي التصريح به. بل لا يضمن المستأجر لغيره، ولا المرسل كما صرح به في القواعد، وإن استأجره ليلا إذا اختار هو الخروج ليلا بنفسه. كل ذلك للقاعدة المزبورة إذ لم يصحبه في الخروج ليتهم بقتله، بل لعل المتبادر من دعائه وإخراجه ذلك، فلا يعمه الخبران ولا الفتاوى ولو للقاعدة المزبورة. لكن في كشف اللثام " أما لو استأجره ليلا ليقود أو يسوق دابته مثلا فأخرجه لذلك من منزله فهو داخل في إخراجه ليلا " وفيه بحث. نعم لو كان الداعي جماعة توزع الضمان، ولو كان المدعوون جماعة ضمن الداعي كل واحد باستقلاله لعدم الفرق في ذلك. وكيف كان (فإن عدم) ولم يعرف حاله (فهو ضامن لديته) بلا خلاف أجده كما اعترف به في التنقيح وغيره، بل عن الغنية وغاية المرام الاجماع على ذلك، ولعله لثبوت الضمان، والاصل البرائة من القود وبرائة العاقلة، بل ظاهر دليل الضمان من النص وغيره ذلك أيضا، وقوله عليه السلام في خبر ابن أبي المقدام (1): " نح هذا واضرب عنقه " وإن كان ظاهرا في إرادة القود في الضمان في النبوي (2)، إلا


(1) قد مر آنفا. (2) المراد بالنبوي هو الذى نقل عن أبى عبد الله عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله في خبر أبى المقدام المتقدم.

[ 81 ]

أنه - مع عدم الجابر له في ذلك بل الموهن متحقق - يمكن حمله على إرادة مصلحة التقرير وإيضاح الامر وغير ذلك (1). ومن هنا كان الاصح عدم منعه من الارث بذلك، وإن توقف فيه الفاضل لعدم ثبوت كونه قاتلا كي يكون مانعا من ترتب أثر النسب المقتضي للارث والضمان إنما يقتضي كونه بحكم القاتل بالنسبة إلى ذلك (وإن وجد مقتولا وادعى قتله على غيره وأقام بينه فقد برئ) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه (وإن عدم البينة ففي القود تردد) من ظاهر خبر ابن أبي المقدام، وكونه أقرب إلى استيفاء المضمون من الدية التي هي بمنزلة القيمة، ونسبته في محكي السرائر إلى رواية، ومن أصالة البرائة والاحتياط في خطر الدماء، وأعمية الضمان منه، بل ظهوره في غيره، وخبر ابن أبي المقدام قد عرفت الحال فيه، وإلا لاقتضى القود حتى مع عدم العلم بالحال، وقد عرفت عدم الجابر له في ذلك بل الموهن متحقق. (و) من هنا كان (الاصح أن لا قود) عليه بل لا أجد فيه خلافا بين من تعرض له سوى ما يحكى عن المفيد وتبعه الفاضل في الارشاد من ثبوت القود إذا لم تقم البينة مع أنه احتاط بإسقاطه أيضا، بل عن ظاهر الغنية وغيرها الاجماع عليه، بل عن النهاية نسبته إلى رواية، بل عن السرائر نسبته إلى روايات، فالحكم حينئذ مفروغ منه. نعم عن السرائر والمختلف أنه يثبت اللوث مع العداوة بينهما، فلو حلف أولياء الفقيد القسامة أنه قتله اقتصوا منه إن ادعوا قتله عمدا وهو أيضا مخالف للنص والفتوى أيضا إلا إذا أثبت مقتضى اللوث بأمر آخر زائد على ذلك، إذ لا دليل على أنه لوث شرعا ولا تشمله عموماته، إذ ليس هو مطلق الظن كما عرفته في محله، بل قد يظهر من بعض إخراج الفرض من حكم القسامة للنص والفتوى وإن شملته أدلة اللوث كما أخرجاه من قاعده عدم ضمان الحر، وإن كان لا يخلو


(1) راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 285.

[ 82 ]

من بحث، بناء على اعتبار الامارات المخصوصة في اللوث على وجه لا يشمل الفرض كما عرفت البحث فيه في محله. وعلى كل حال فلا قود (و) لكن (عليه الدية في ماله) لما عرفته من اقتضاء الضمان عليه نصا وفتوى مضافا إلى أصالة برائة العاقلة. ولو لم يقر بقتله ولا ادعاه على غيره فعن المفيد وسلار وابن حمزة أن عليه القود، وعن المختلف اشتراطه بالقسامة أنه قتله عمدا، وفي كشف اللثام " والوجه أنهم إن لم يحلفوا القسامة الزم البيان فإن ادعى الخطأ قبل مع يمينه والزم الدية، وإن ادعى على الغير فما تقدم ". قلت: لا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة عدم دليل على شئ من ذلك، وخبر ابن أبي المقدام الذي قد عرفت عدم الجابر له لا يدل على التفصيل المزبور، فالمتجه الضمان بالدية في ماله لما عرفت. نعم لو فرض حصول أمارة زائدة على ذلك يتحقق بها اللوث أمكن حينئذ جريان حكمه عليه حملا للنص والفتوى على خلاف حكمه (1) من حيث الاستدعاء والاخراج ليلا لا مطلقا فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، والله العالم. (وإن وجد ميتا ففي لزوم الدية تردد) كما في القواعد وغيرها من أصل البرائة وقاعدة الاقتصار، ومن إطلاق الضمان نصا وفتوى الظاهر في كونه بذلك يكون كضمان المال، بل عن إبن إدريس أن به رواية، مضافا إلى قاعدة عدم بطلان دم المسلم، وهو المحكي عن المقنعة والنهاية والمراسم والوسيلة والنافع وكشف الرموز وتعليق النافع. بل قيل إنه أشهر، بل هو مقتضى إطلاق معقد المحكي من إجماع الغنية. نعم قيده في الاربعة المتقدمة بما إذا ادعى الموت حتف أنفه وعجز عن


(1) كذا في الاصل، وفى بعض النسخ حملا على حكمه.

[ 83 ]

إثباته، بخلاف غيرها الذي أطلق فيه ذلك سواء ادعاه وعجز عن الاثبات أو سكت، وهو قوي مع احتمال القتل بأثر غير ظاهر. أما مع العلم بموته حتف أنفه فالمتجه عدم الضمان، إذ هو ليس كالمال المضمون، ضرورة كون المنساق من النص والفتوى أن الضمان من احتمال القتل، ولذا لو أقام بينة على أن القاتل غيره لم يضمنه إجماعا كما عرفت، بل قد يقال بعدم ضمانه لو علم موته بلذع حية أو عقرب أو نحوهما مما هو كالموت حتف أنفه في عدم الضمان لعدم احتمال قتله. وفرق واضح بينه وبين الطفل المغصوب الذي لا يدفع الآفات عن نفسه. وعلى كل حال فقول المصنف: (ولعل الاشبه أنه لا يضمن) كما في محكي التحرير والمختلف للاصل المزبور مع قاعدة الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن، ولكن قد عرفت قوة الاول بإطلاق الضمان الذي به ينقطع الاصل المزبور، بل وقاعدة الاقتصار، ضرورة حجية الظاهر كالمتيقن، والله العالم. المسالة (الثانية:) (إذا أعادت الظئر الولد فأنكره أهله صدقت) بلا خلاف أجده فيه لصحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استأجر ظئرا فدفع إليها ولده فغابت بالولد سنين، ثم جاءت بالولد وزعمت أمه أنها لا تعرفه وزعم أهلها أنهم لا يعرفونه، قال: ليس لهم ذلك، فليقبلوه فإنما الظئر مأمونة ". نعم عن السرائر اعتبار اليمين، وربما كان أيضا ظاهر قول المصنف وغيره " صدقت " ولكن إطلاق النص والفتوى يقتضي عدمه، ولعل قوله فيه: " مأمونة " دون " مؤتمنة " كي يدل على استحقاق اليمين على الامين إذا اتهم بعد تسليم شموله لمثل ذلك وأنه غير مختص بالمال. وعلى كل حال فهي مقبولة القول (ما لم يثبت كذبها) لصغر سن من


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2

[ 84 ]

أتت به أو كبره، على وجه يعلم كونه غيره أو نحو ذلك. (ف‍) - لا يقبل قولها حينئذ بل (تلزمها الدية) التي هي عوضه بعد أصالة البرائة من القصاص (أو إحضاره بعينه أو من يحتمل أنه هو) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. ولا ينافي قبول قولها فيه أخيرا أنه هو، كذبها السابق حتى لو قالت إنه مات حتف أنفه وقد علم كذبها، نعم لو لم يعلم كذبها في ذلك كان القول قولها باليمين كما في غيرها من الامناء أو مطلقا. وكان أصل الضمان هنا حيث يضمن للاتفاق ظاهرا عليه، وعن الشهيد في حواشيه " إن من قواعد الفقهاء إن الحر لا يضمن باثبات اليد، إذ لا أثر لليد في غير المال واستثنى من هذه القاعدة ثلاث مسائل: مسألة الظئر، ومسألة المنادي غيره ليلا، ومسألة تلف الصبي المغصوب بتلف الغاصب كلذع الحية وأشباه ذلك ". بل ويدل عليه أيضا فحوى صحيح سليمان بن خالد (1) الوارد فيما ذكره المصنف (و) غيره بل لا أجد فيه خلافا من أنه (لو استأجرت أخرى ودفعته بغير إذن أهله فجهل خبره ضمنت الدية) قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استأجر ظئرا فدفع إليها ولده فانطلقت الظئر فدفعت ولده إلى ظئر اخرى فغابت به حينا ثم إن الرجل طلب ولده من الظئر التي كان أعطاها إياه فأقرت أنها استوجرت وأقرت بقبضها ولده وأنها كانت دفعته إلى ظئر اخرى فقال: عليها الدية أو تأتي به (2). وعن التهذيب (3) والفقيه (4) روايته بطرق اخر ومتن آخر قد وافق الاولى


(1) الذى يأتي قريبا. (2) الوسائل الباب - 80 - من أبواب أحكام الاولاد الحديث 2. (3) التهذيب ج 10 ص 222. (4) الفقيه ج 4 ص 106 و 161.

[ 85 ]

إلى قوله: فغابت الظئر بالولد " فلا يدري ما صنع به فقال: الدية كاملة ". بل لعله كذلك إذا لم يأذنوا بالتسليم وإن أذنوا بالاستيجار كما صرح به في كشف اللثام. ولو علم موته حتف أنفه عند الثانية ففي الضمان كالمال للتفريط وجه، وهل للولي الرجوع على الثانية وجه أيضا وإن رجعت هي مع فرض الغرور، لم أجد ذلك محررا في كلامهم، وأصاله البرائة وقاعدة عدم ضمان الحر محكمة، وقد تقدم في كتاب الغصب بعض الكلام في ذلك. المسالة (الثالثة:) (لو انقلبت الظئر فقتلته لزمتها الدية في مالها إن طلبت بالمظائرة الفخر ولو كان للضرورة فديته على عاقلتها) وفاقا للصدوق في ظاهره أو صريحه: والشيخ والفاضل في الارشاد، والشهيد في اللمعة على ما حكي عن بعض لخبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " أيما ظئر قوم قتلت صبيا لهم وهي نائمة فانقلبت عليه فقتلته فإن عليها الدية كاملة من مالها خاصة إن كانت إنما ظئرت طلبا للعز والفخر، وإن كانت إنما ظئرت من الفقر فإن الضمان على عاقلتها ". ونحوه خبر عبد الرحمن بن سالم عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام (2) وخبر الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام (3). وهي وإن كانت ضعيفة وقلنا بأن الضعيف في الكتب الاربعة لا يعمل به، ولا يكفي تبين المحمدين له، أو لعدم ضمانهم صحته، لكنها متعاضدة مؤيدة بما سمعته من ضمان الظئر، وخصوصا إذا كانت مستأجرة وقلنا بضمان الاجير


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول بأسناد متعددة نقلا من الكافي ج 7 ص 370 والتهذيب ج 10 ص 222 - 223 والفقيه ج 4 ص 161 والمحاسن للبرقي ج 2 ص 305.

[ 86 ]

لمثل ذلك. بل في نكت المصنف: " لا بأس أن يعمل الانسان بها لاشتهارها وانتشارها بين الفضلاء من علمائنا، ويمكن الفرق بين الظئر وغيرها بأن الظئر بإضجاعها الصبي إلى جانبها مساعدة بالقصد إلى فعل له شركة في التلف، فتضمن لا مع الضرورة " وإن كان في قوله: " ويمكن الفرق إلى آخره " ما لا يخفى. هذا ولكن خيرة الفاضل في بعض كتبه وولده وثاني الشهيدين الدية على العاقلة مطلقا. بل في المسالك نسبه إلى أكثر المتأخرين - وإن كنا لم نتحققه - لانه خطأ محض، وهو كذلك لولا النصوص المزبورة. ومنه يعلم ضعف ما عن المفيد وسلار وابني زهرة وإدريس، من أن دية الولد على الظئر مطلقا، وإن علل بأن إضجاعها الصبي إلى جنبها شبيه بالعامد، إلا أنه كما ترى واضح الفساد، ضرورة كونه خطأ محضا كما عرفته في النائم، ولكن خرجت خصوص الظئر بما عرفت. ومن هنا كان المتجه عدم إلحاق الام بها، وإن حكي عن الشهيد في الحواشي الالحاق. بل الظاهر ضمان العاقلة أيضا لها إذا كانت قد ظئرت للعز والفخر (1) ضرورة خروجه عن النصوص المزبورة، فيبقى على قاعدة الخطأ المحض، والله العالم.


(1) في الاصل: " الفقر ".

[ 87 ]

المسألة (الرابعة:) (روى عبد الله بن طلحة) كما عن الكافي والتهذيب (عن أبي عبد الله عليه السلام في لص دخل على امرأة فجمع الثياب فوطئها قهرا فثار ولدها فقتله اللص وحمل الثياب ليخرج، فحملت هي عليه فقتلته، فقال: يضمن مواليه دية الغلام، وعليهم فيما ترك أربعة آلاف درهم لمكابرتها على فرجها، وليس عليها في قتله شئ) ولفظها: " سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلما جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها فتحرك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفاس فقتلته فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد. فقال أبو عبد الله عليه السلام: اقض في هذا كما وصفت لك فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها إنه زان وهو في ماله غرامة وليس عليها في قتلها إياه شئ لانه سارق " وزاد في الكافي قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولا قود " (1) ورواه في الفقيه عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام (2) وعن العلامة: " طريقه إلى يونس صحيح على ما ذكره الشيخ في الفهرست وإن لم يذكره الصدوق في مشيخة الفقيه " (3) وحينئذ فالرواية صحيحة. فما في المسالك " من أنها ليست من الصحيح فليس إلى تكلف ردها إلى الاصول


(1) الكافي ج 7 ص 293 التهذيب ج 10 ص 208 الوسائل الباب - 23 - من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 5، نقلا من الفقيه ج 4 ص 164. (3) لم أجد هذه العبارة في الخلاصة ولكنها موجودة في جامع الرواة ج 2 ص 542.

[ 88 ]

ضرورة " في غير محله. نعم لم نجد عاملا بها على مخالفتها للاصول التي منها ما عرفته من أن قتل العمد لا تضمنه العاقلة والسارق المذكور قد قتل الولد عمدا فكيف يضمن العاقلة، ومنها وجوب مهر المثل للوطي لا خصوص الاربعة آلاف درهم، ومنها أن السارق عليه القطع لا القتل، ومنها أن قتله وقع بعد قتله لابنها فلم لا يقع قصاصا. ولذلك أو بعضه صرح ابن إدريس بأنها مخالفة للاصول. (و) لكن قد يقال إن (وجه الدية فوات محل القصاص) بناء على أن فواته مع عدم تركه له تؤخذ منها الدية، يقتضي ثبوتها على الاقرب فالاقرب، كما سمعته سابقا من بعضهم، بل وبعض النصوص، وإن كان فيه البحث السابق، وربما يشهد له في الجملة خبر أبي حمزة الثمالي (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قلت له: دخل رجل على امرأة حامل فوقع عليها فقتل ما في بطنها فوثبت عليه فقتلته، قال: ذهب دم اللص هدرا وكانت دية ولدها على المعقلة ". كما أن وجه عدم وقوعه قصاصا عن ولدها (لانها قتلته دفعا عن المال فلم يقع قصاصا) ومنه يعلم الوجه في قتله دون قطعه (وإيجاب المال دليل على أن مهر المثل في هذا لا يتقدر بخمسين دينارا بل بمهر مثلها) بالغا (ما بلغ) كما عرفته في محله (و) حينئذ (تنزل هذه الرواية على أن مهر أمثال هذه القاتلة هذا القدر). ثم إن المصنف ذكر في نكت النهاية وجوها لذكر الشيخ مضمونها ونحوها بلفظ الرواية دون غيرها، لا فائدة في ذكرها وإن حكاها في المسالك على طولها. (وروى عنه) أي عبد الله بن طلحة (عن أبي عبد الله عليه السلام) أيضا في


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب العاقلة الحديث 3.

[ 89 ]

الكافي والتهذيب بالسند الضعيف، وفي الفقيه بالسند الذي عرفته (في امرأة أدخلت ليلة البناء بها صديقا إلى حجلتها فلما أراد الزوج مواقعتها ثار الصديق فاقتتلا فقتله الزوج فقتلته هي قال: يضمن دية الصديق وتقتل (1) بالزوج) ولفظه " قلت له: رجل تزوج امرأة فلما كان ليلة البناء عمدت المرأة إلى رجل صديق لها فأدخلته الحجلة فلما دخل الرجل يباضع أهله ثار الصديق واقتتلا في البيت، فقتل الزوج الصديق وقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته بالصديق، فقال: تضمن المرأة دية الصديق وتقتل بالزوج " (2). ولكن لم أجد بها عاملا على ظاهرها، نعم ذكره الشيخ وغيره بعنوان الرواية (و) من هنا قال المصنف: (في تضمين دية الصديق تردد أقربه أن دمه هدر) كما عن الحلبي والفخر والكركي التصريح به. نعم في النكت " لعل ضمانها لانها غرته " وعن التحرير " لانها أخرجته من منزله ليلا " والثاني كما ترى بعد معلومية قاتله، بل والاول بعد استفاضة النصوص أو تواترها المتقدمة سابقا على هدر دم مثله، منها خبر الجرجاني عن أبي الحسن عليه السلام " (3) في رجل دخل دار رجل للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار، أيقتل أم لا ؟ قال: اعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه ولا يجب عليه شئ ". وما في المسالك - من أنه يشكل بأن دخوله أعم من قصد الزنا فلا يدل عليه، ولو سلم منعنا الحكم بجواز قتل من يريده مطلقا - كما ترى، ضرورة كونه محاربا أو كالمحارب وإلا لكان الزوج ضامنا لا هي، فالاولى حمل الخبر


(1) في الاصل: تقاد وفى الشرائع: تقتل. (2) الكافي ج 7 ص 293، التهذيب ج 10 ص 209، الفقيه ج 4 ص 165، الوسائل الباب - 23 - من أبواب قصاص النفس الحديث 3، والباب - 21 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 27 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 2.

[ 90 ]

المزبور على أنه قضية في واقعه لم تحك بتمامها فلا يتعدى منها إلى غيرها، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (روى محمد بن قيس) الثقة بقرينه رواية عاصم بن حميد عنه وكون المروي عن الباقر عليه السلام، فالرواية صحيحة في الكافي والفقيه وموضع من التهذيب (1) (عن أبي جعفر عن علي عليهما السلام في أربعة شربوا المسكر فجرح إثنان وقتل إثنان، فقضى عليه السلام دية المقتولين على المجروحين بعد أن ترفع جراحة المجروحين من الدية) ولفظه: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة شربوا مسكرا فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل إثنان فجرح إثنان، فأمر بالمجروحين فضرب كل واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الديات فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شئ ". بل رواه في موضع آخر من التهذيب بسند آخر متصل إلى عبد الله بن الحكم (2) " قال: سألته عن أربعة نفر كانوا يشربون في بيت فقتل إثنان وجرح إثنان قال: يضرب المجروحان حد الخمر ويغرمان قيمة المقتولين وتقوم جراحتهما فيرد عليهما مما أديا من الدية ". بل عن المقنعة والنهاية والقاضي وابني حمزة وزهرة إنهم غير قادحين فيها بشئ، وإن كان ذلك ليس صريحا في الفتوى بها.


(1) الكافي ج 7 ص 284، التهذيب ج 10 ص 240 الوسائل الباب - 1 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) التهذيب ج 10 ص 153 - 154 وللحديث ذيل.

[ 91 ]

لكن في المسالك " عمل بمضمونها كثير من الاصحاب " وفي التنقيح " إن أكثر الاصحاب عملوا بها حتى أن أبا علي قال: لو تجارح إثنان فقتل أحدهما قضى بالدية على الثاني ووضع منها أرش الجناية عليه " وفي كشف اللثام " إنه اشتهر بين الاصحاب وأفتى بمضمونه القاضي ". (و) الظاهر إرادة اشتهاره رواية لا عملا فإنه لم يحك العمل به إلا عن أبي علي والقاضي، خصوصا بعد معارضته بما (في رواية السكوني) المروية في التهذيب والفقيه (1) (عن أبي عبد الله عليه السلام إنه جعل ديه المقتولين على قبائل الاربعة وأخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين) " قال: كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم فرفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسجنهم فمات منهم رجلان وبقى رجلان فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا فقال علي عليه السلام للقوم: ما ترون ؟ قالوا: نرى أن تقيدهما قال علي عليه السلام: فلعل ذينك اللذين ماتا قتل كل واحد منهما صاحبه قالوا: لا ندري فقال علي عليه السلام: بل أجعل دية المقتولين على قبائل الاربعة وآخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين، وذكر إسماعيل بن الحجاج بن أرطاة عن سماك بن حرب عن عبد الله بن أبي الجعد إنه قال: " كنت أنا رابعهم فقضى على عليه السلام هذا القضية فينا " (2) بل في كشف الرموز إن هذا الخبر أقرب إلى الصواب لان القاتل غير معين، واشتراكهم في القتل أيضا مجهول لجواز أن يكون حصل القتل من أحدهم فرجع إلى الدية لان لا يبطل دم امرء مسلم وجعل على قبائل الاربعة لان لكل منهم تأثيرا في القتل، وإن كان فيه أن تغريم العاقلة على خلاف الاصل خصوصا بعد الاتفاق ظاهرا على أن عمد السكران موجب للقصاص أو شبه عمد موجب للدية من ماله ولا قائل بكونه خطأ محضا، على أنه إن علم أن لكل منهم أثرا في القتل كان لاولياء المقتولين قتل الباقين، وإن لم يعلم فلم جعلت الدية


(1) التهذيب ج 1 ص 240 - الفقيه ج 4 ص 118. (2) التهذيب ج 10 ص 240.

[ 92 ]

على قبائلهم. وفي كشف اللثام " إنه يمكن تنزيل الخبر على أن ولي كل قتيل ادعى على الباقين اشتراكهم وقد حصل اللوث ولم هو ولا الباقيان ولا أولياء القتيلين (1) " وفيه نظر. فلا محيص عن مخالفة الخبر المزبور للقواعد وأولى منه في ذلك الاول ضرورة عدم اقتضاء الحال المزبور كون المجروحين القاتلين ولا كون المقتولين الجارحين إذ ربما قتل أحد المقتولين الآخر أو قتلهما أحد المجروحين وكذا في المجروحين، على أنه إذا حكم بأن المجروحين القاتلان فالمتجه ثبوت القود عليهما لا الدية بناء على أن السكران بحكم الصاحي، بل هو كذلك في المجروحين أيضا، إلا أنه لعله لفوات محله كما أنه لا وجه لاطلاق الحكم بأخذ دية الجرح وإهدار الدية لو ماتا، وإن قال في كشف اللثام: " ويندفع الكل بحمله على أن الواقع كان قتل الجارحين المقتولين أو لما كان اللوث وحلفهما القسامة فلم يحلفا وجرح المقتولين الجارحين وإنما لم يقدهما إما لصلح أو لوقوعه عند السكر فيكون خطأ، وأما قوله: فان مات أحد المجروحين - إلى آخره - فيحتمل لفظ المقتولين صيغة التثنية والجمع، فان كان الاول جاز أن يراد بهما المجروح الذي مات مع من قتله من المقتولين، وإن كان الثاني جاز أن يراد أنه ليس على أحد من أوليائهم شئ للباقين وإن كان عليهم دية جراحة الباقي إلا أن ذلك كله كما ترى، وخصوصا الاخير. ونحوه ما في المسالك (2) خصوصا ما فيها من فرض الجرح في الرواية كونه غير قاتل، بل ادعى ظهورها في ذلك مع أنك قد سمعت ذيلها الصريح بخلافه كما هو واضح.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 314. (2) المسالك ج 2 ص 494.

[ 93 ]

فلا مناص حينئذ عن مخالفة الخبرين للقواعد ومن هنا قال المصنف في النكت (1): (" ومن المحتمل أن يكون علي عليه السلام قد اطلع في هذه الواقعة على ما يوجب هذا الحكم) فلا يتعدى حينئذ منها إلى غيرها ". وفي السرائر: " إن الذي يقتضيه اصول مذهبنا أن القاتلين يقتلان بالمقتولين فإن اصطلح الجميع على أخذ الدية اخذت كملا من غير نقصان لان في إبطال القود إبطال القرآن وأما نقصان الدية فذلك على مذهب من تخير بين القصاص وأخذ الدية وذلك مخالف لمذهب أهل البيت عليهم السلام لان عندهم ليس يستحق غير القصاص فحسب " (2). وفيه أنه ليس شئ من الاصول يقتضي ذلك في القضية المفروضة التي لا يعلم الحال فيها، نعم لو علم أن الباقين قتلا الهالكين عمدا اتجه القصاص حينئذ بناء على أن السكران بحكم الصاحي ولا يسقط إلا بالصلح على الدية أو أكثر منها أو أقل فلا يتعين نقص الدية جراحة المجروحين منها، على أن جراحتهما ربما وقعت دفاعا فهي هدر، نعم الذي يقتضيه الاصول في مثله جريان حكم اللوث فيها أو سقوط الدية والقصاص عن كل منهم لعدم العلم بالحال، والله العالم. المسالة (السادسة:) (روى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام) كما في الكافي والتهذيب، (3) (ومحمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام) كما في التهذيب (4) بل هي فيه صحيحة (عن علي عليه السلام في ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد وشهد إثنان على الثلاثة


(1) نكت النهاية، كتاب الديات، خمسة صفحات قبل آخر الكتاب. (2) السرائر باب الاشتراك في الجنايات من كتاب الحدود. (3) الكافي ج 7 ص 284 التهذيب ج 10 ص 239. (4) التهذيب ج 10 ص 240.

[ 94 ]

بأنهم غرقوه وشهد الثلاثة على الاثنين فقضى عليه السلام بالدية) أخماسا (ثلاثة أخماس على الاثنين وخمسين على الثلاثة) ورواه الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين عليه السلام (1)، ورواه المفيد في المحكي من إرشاده مرسلا (2)، وكذا في المقنعة (3)، بل قيل والنهاية والغنية وغيرها مما تأخر عنها، وحكيت روايتها عن التقي والصهرشتي، كما حكي العمل بها عن القاضي، لكن في التحرير ونكت النهاية إنها قضية في واقعة عرف عليه السلام الحكم فيها بذلك لخصوصية لا تتعدى إلى غيرها، بل قال المصنف هنا: (وهذه الرواية متروكة بين الاصحاب فإن صح نقلها كانت حكما في واقعة فلا تتعدى لاحتمال ما يوجب الاختصاص) ونحوه من تلميذه الآبي وغيره وعن السرائر " الغلمان إن كانوا صبيانا وهو الظاهر فلا تقبل شهادتهم هنا " وفي المسالك تبعا للمحكي عن أبي العباس " والموافق للاصل من الحكم أن شهادة السابقين بها إن كانت مع استدعاء الولي وعدالتهم قبلت ثم لا تقبل شهادة الاخرين للتهمة، وإن كانت الدعوى على الجميع أو حصلت التهمة عليهم لم تقبل شهادة أحدهما مطلقا ويكون ذلك لوثا يمكن إثباته بالقسامة " (4) ومقتضاه بلوغ الغلمان، مع أنهم استدلوا بهذا الخبر في كتاب الشهادات على قبول شهادة الصبيان في الجراح والقتل وفي الروضة " أن الدية أخماس على كل واحد منهم خمس بنسبة الشهادة " وهو وإن ناسب توزيع الدية على الرؤوس، لكنه خلاف ما سمعته من الخبر، فالاولى تنزيله على أنه قضية في واقعة هو أعلم منا بحالها، والله العالم.


(1) الفقيه ج 4 ص 116. (2) الارشاد ص 106. (3) المقنعة باب الاشتراك في الجنايات ص 118. (4) المسالك ج 2 ص 494.

[ 95 ]

(البحث الثاني) (في الاسباب:) (وضابطها) على ما في الكتاب هنا والقواعد وغيرها (ما لولاه لما حصل التلف لكن علة التلف غيره كحفر البئر ونصب السكين وإلقاء الحجر فإن التلف عنده بسبب العثار) ولكن قال في كتاب الغصب: " هو كل فعل يحصل التلف بسببه كحفر البئر في غير الملك وكطرح المعاثر في المسالك " وفي كشف اللثام " هو هنا أعم من فعل السبب بالمعنى المتقدم في أوائل الكتاب وفعل الشرط " (1). قلت: قد عرفت في أول كتاب القصاص أنه قد ذكر بعضهم في بيان أقسام المزهق أنه العلة هي المباشرة وهي ما يسند إليها الموت، وأن الشرط ما يقف عليه تأثير المؤثر ولا مدخل له في الموت كحفر البئر في الطريق بالنسبة إلى الوقوع فيها إذ الوقوع مستند إلى علته وهو التخطي. أو أن السبب ماله أثر ما في التوليد للموت كما للعلة لكنه يشبه الشرط من جهة أنه لا يولد الموت بنفسه بل يولد المولد له ولو بوسائط وقد يتخلف الموت عنه ولا يتخلف عن العلة كالا كراه فإنه يولد في المكره داعية القتل غالبا توليدا قويا، وكشهادة الزور المولدة في القاضي داعية القتل غالبا من حيث الشرع، وتقديم الطعام المسموم إلى الضيف فإنه يولد القتل توليدا عرفيا لا حسيا ولا شرعيا، ومن هنا كان السبب هنا أعم من فعل السبب بالمعنى المذكور ومن


(1) كشف اللثام ج 2 ص 303.

[ 96 ]

فعل الشرط: ولا يخلو من نظر فإن دعوى التوليد في الا كراه الذي يبقى معه الاختيار وفي شهادة الزور واضحة المنع، ضرورة عدم توليد فيها يقتضى التلف كالاحراق بالنار والاغراق بالماء كما هو واضح. فالتحقيق أن الضمان بذلك شرعي بعد فرض عدم تحقق السببية فيه، فتأمل جيدا. هذا وفي المسالك " الواجب في إهلاك النفس وما دونها كما يجب بالمباشرة يجب بالتسبيب إليه حيث لا يجامع المباشرة، وإلا قدمت كما مر وسيأتي تفصيله، وقد تقدم في باب الغصب البحث عن السبب واختلاف تعريف المصنف إياه ثم وهنا، وأن هذا التعريف أقرب إلى معناه لكن اختلف كلام المصنف في جعل حفر البئر سببا وعدمه، ففي الغصب جعله من جملة السبب وسيأتي أيضا ما يفيده، وهنا لم يجعله سببا والاظهر أن كل واحد من الحفر ووضع الحجر ونصب السكين تصدق عليه السببية، لكن ما ينسب إليه التلف عرفا يختص بالعلة والباقي بالسببية، ثم إن اتحد السبب مع فقد المباشر فالضمان منسوب إليه وإن تعدد فالحوالة بالضمان على السبب المتقدم في التأثير لا في العدوان، كوضع الحجر بالنسبة إلى التردي في البئر، وكالتردي مع وضع السكين في قعر البئر فإن العثار سابق الوقوع والوقوع سابق على إصابة السكين وإن كان وضع الحجر متأخرا عن حفر البئر، هذا كله مع تساويهما في العدوان وإلا فالضمان على المتعدى " (1). قلت: لا يبعد من إرادتهم السبب الموجب للدية هنا الشرط كالحفر الذي ذكره المصنف هنا وفي كتاب الغصب سببا ولكن من المعلوم عدم إيجاب مطلق الشرط وإن كان بعيدا بل كان مقتضي الاصل وغيره عدم الضمان به مطلقا بعد عدم


(1) المسالك ج 2 ص 494.

[ 97 ]

صدق نسبة التلف بل ولا الا تلاف، إلا أن الضمان جاء من النصوص التي تسمع جملة منها، فالمتجه حينئذ الاقتصار علي ما فيها وما يلحق به ولو بمعونة الفتاوى، وقد أشبعنا الكلام في المسألة في كتاب الغصب، بل ذكرنا بعض الكلام في كتاب القصاص أيضا، وقلنا: إنه ليس في شئ من النصوص جعل لفظ السبب والعلة والشرط عنوانا للحكم فالاختلاف في تعريفها وتطويل الكلام في ذلك خال عن الفائدة وإنما المدار على صدق نسبة الفعل وهو " قتل " ونحوه أو نسبة المصدر وهو " القتل " وإن لم تتحقق نسبة القتل كما في قتل النائم ونحوه، وعلى ما ثبت من الشرع به الضمان به من هذه المسماة بالشرائط عندهم أو الاسباب، نعم ليس في النصوص استقصاء لها ولكن ذكر جملة منها فيها، ومنه يظهر وجه إلحاق ما ماثلها به، وظاهرهم أن السبب الموجب للدية الذي هو بمعنى الشرط الذي لا يوجب ضمانا إلا في مال المسبب ولا يكون على العاقلة منه شئ، ولعله لاطلاق الضمان في النصوص على وجه ينسب إليه ولعدم صدق القتل خطأ عليه مع أصاله برائة ذمة العاقلة فتأمل جيدا وربما يأتي مزيد تحقيق للمسألة إن شاء الله. (و) كيف كان ف‍ (- لنفرض لصورها) أي الاسباب الموجبة للدية (مسائل:). (الاولى:) (لو وضع حجرا في ملكه أو مكان مباح) له التصرف فيه بما أراد (لم يضمن دية العاثر) كما صرح به غير واحد للاصل وما تسمعه من النصوص، بل والنبوى " البئر جبار والقحماء جبار والمعدن جبار " (1) بناء على كون المراد منه هدر دية الواقع في مثل البئر المحفورة في الاراضي المباحة، وكذا من يتلف بركوب دابة أو استخراج معدن.


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2.

[ 98 ]

وعن نهاية الاثيرية " إن البئر هي العاديه القديمة لا يعلم لها حافر ولا مالك فيقع فيها الانسان وغيره فهو جبار أي هدر، وقيل هي الاجير الذي ينزل في البئر ينقيها أو يخرج شيئا وقع فيها فيموت " (1). وأما القحماء فهي الدابة، وأما المعدن فهو ما إذا انهار على من يعمل فيه فهلك لم يؤخذ به مستأجره. قلت: لعل حمل البئر على الاعم مما ذكره أولى. وعلى كل حال. فلا ضمان في الفرض وإن كان الحفر سببا بالمعنى الاعم إلا أنك قد عرفت أصالة عدم الضمان حتى يثبت من الشرع والفرض عدمه. نعم لو كان أدخل هو أعمى مثلا أو غيره في الظلمة ولم يعلم بالحال ضمن، كما تسمع نحوه في حفر البئر في ملكه، كما عن جماعة التصريح به، عملا بأدلة الضرر بعد الشك في تناول الاطلاق لمثل الفرض، بل قد يدعي انسياقه إلى غيره، بل قد يشعر الامر بالتغطية في بعضها بذلك هذا. وربما يظهر من اقتصار بعضهم على الملك الضمان في المباح، ولعله لا طلاقه في الاحداث بما لا يملكه، لكن قد يقال: " إن المنساق منه غير المباح الملحق بالملك ولا أقل من الشك والاصل البرائة " (ولو كان في ملك غيره أو طريق مسلوك ضمن في ماله) كما صرح به الفاضل وغيره، بل عن المبسوط " عندنا " مشعرا بالا جماع عليه لصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلا آخر قال: هو ضامن لما كان من شئ. وعن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره فقال: كل شئ مضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه " (2) وصحيح الكناني " قال:


(1) نهاية اللغة ج 1 ص 89. (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول والباب - 9 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 99 ]

قال أبو عبد الله عليه السلام: من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن " (1) وغيرهما مما تسمعه في حفر البئر (2) ونحوه. نعم قد يقال: بتقييد ذلك بما إذا لم يكن لمصلحة المسلمين كوضع حجر ونحوه في الطين ليطأ على الناس (3) عليه أو لمرمة القنطرة وسقف الساقية ووضع الحصى مثلا في حفيرة ليملا ها، نحو ما تسمعه في الحفر في طريق المسلمين سواء أذن الامام بذلك أم لا ما لم يمنع منه، كما في كشف اللثام ومحكي التحرير، ولعله للاصل بعد عدم الاندراج في النصوص المزبورة. ولو وضع حجرا وآخران آخر فعثر بهما إنسان فمات أو تلف منه عضو، احتمل تقسيط الضمان أثلاثا بعدد الجناة، وأن يكون النصف على الاول والنصف على الباقين، تقسيطا له على عدد السبب فانه حجران أحدهما وضعه الاول فعليه النصف والآخر وضعه إثنان فعليهما النصف، ولعل الاول أوفق بما تقدم سابقا من التوزيع على عدد الجناة دون الجناية في الجروح ونحوها وإن اتحد من أحدهم وتعدد من الآخر. (وكذا) يجري جميع ما ذكرنا فيما (لو نصب سكينا فمات العاثر بها) كما صرح به الفاضل وغيره حتى المبسوط فيما حكى عنه. ولو جاء السيل بحجر فلا ضمان على أحد بلا خلاف ولا إشكال وإن تمكن من إزالته. نعم إن نقله إلى موضع آخر من الشارع ضمن ولو كان مثل الاول أو أقل سلوكا منه كما في كشف اللثام ومحكي الايضاح، واستجوده الكركي فيما حكى عنه أيضا، بل عن حواشي الشهيد أنه المنقول، ولعله لا طلاق النصوص المزبورة.


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (2) راجع الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان. (3) كذا في الاصل، والظاهر زيادة " على ".

[ 100 ]

لكن في القواعد ذلك على إشكال في الاخير، وكأنه مما عرفت، ومن قاعدة الاحسان، وفيه أن الاحسان في رفعه لا في وضعه في مكان آخر ولو كان أقل سلوكا. ولو وضع حجرا مع الحجر الذي جاء به السيل فعثر بهما إنسان فمات أو انكسر أمكن التقسيط فيضمن النصف حينئذ ويهدر النصف الآخر وأمكن ضمان الجميع على الواضع، إلا أن الاول أوفق بالعدل وأصل البرائة وغيرهما. نعم لو حفر بئرا إلى جانب هذا الحجر الذى جاء به السيل فتعثر إنسان بذلك الحجر وسقط في البئر فالضمان جميعه على الحافر كما في القواعد، لتعديه بالحفر قرب الحجر المزبور مع تركه له، فكأنه هو الواضع له حينئذ، وإن قلنا بضمان الواضع دون الحافر فيما لو حفر أحدهما ووضع الآخر عدوانا كما عن المبسوط والمهذب والتحرير وغيرها لانه حينئذ كالدافع والاسبق في الجناية وإن تأخر وضعه عن الحفر، ضرورة الفرق بينهما لتحقق العدوان فيهما بخلاف المقام الذي لا عدوان فيه إلا للحافر نحو الحجر المزبور، فدليل الضمان مختص به كما لو لم يكن ثم حجر فعثر ووقع في البئر، على أنه يمكن القول بضمان المتأخر منهما من العاديين فان وضع الحجر قرب البئر بمنزلة الدفع لا مطلقا، بل لم يستبعده في كشف اللثام وإن كان ستعرف أن المشهور خلافه. ولو تعدى أحدهما خاصة فالضمان عليه دون الآخر وهو واضح إلا إذا قلنا بالاشتراك فإن المتجه حينئذ ضمان النصف كما ستعرف تمام الكلام في ذلك إن شاء الله. (وكذا) الكلام جميعه يجرى فيما (لو حفر بئرا أو) حفر حفيرة ضرورة أنه كما لو (ألقي حجرا) فان كان في ملكه أو في مكان مباح له التصرف فيه بذلك، ونحوه غير الطريق، لم يضمن وإلا ضمن على حسب ما سمعته سابقا في وضع الحجر بلا خلاف أجده فيه بينهم، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه.

[ 101 ]

وفي خبر الكسوني (1) الذي رواه المحمدون الثلاثة عن الصادق عليه السلام " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر بئرا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن ". وفي موثق سماعة (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحفر البئر في داره أو ملكه فقال ما كان حفره في داره أو ملكه فليس عليه ضمان، وما حفر في الطريق أو في غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها " بل قيل: " إنه قد روى هذا المتن بأدنى تفاوت في الكتب الثلاثة مضمرا بعدة طرق " (3). وفي خبر زرارة (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها قال: عليه الضمان لان من حفر بئرا في غير ملكه كان عليه الضمان " وخبره الآخر (5) عنه أيضا " لو أن رجلا حفرا بئرا في داره ثم دخل رجل فوقع فيها لم يكن عليه شئ ولكن ليغطها ". وموثق أبي بصير (6) عن أبي جعفر عليه السلام " سألته عن غلام دخل دار قوم يلعب (7) فوقع في بئرهم هل يضمنون ؟ قال: ليس يضمنون وإن كانوا متهمين ضمنوا ".


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول، وفيه " شيئا " مكان " بئرا " وهو غلط ظاهرا راجع الكافي ج 7 ص 350 والفقيه ج 4 ص 154 والتهذيب ج 10 ص 230. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 3 مع اختلاف في بعض ألفاظه. (3) قال في مفتاح الكرامة ج 10 ص 291: " وقد روى هذا المتن الخ ". (4 و 5) الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول والرابع. (6) الوسائل الباب - 18 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (7) كان في الاصل " فتعثر " مكان " يلعب ".

[ 102 ]

ولعل المراد أن الضمان في الاخير ضمان القسامة لا مطلقا. كل ذلك مضافا إلى النصوص السابقة. بل ربما كان مقتضى إطلاق الضمان بالحفر عدوانا في ملك الغير نصا وفتوى عدم الفرق بين كون البئر مغطاة أو مكشوفة، وبين تردى المالك أو غيره حتى الداخل فيها بغير إذن منه، خلافا لما عن الفاضل في القواعد، فإنه صرح بعدم الضمان لو كانت مكشوفة وقد دخل بغير إذن المالك، وربما احتمل تنزيل إطلاق النص والفتوى عليه. ولكن فيه منع واضح ضرورة عدم داع إليه وتعديه بالدخول لا يسقط احترامه بالنسبة إلى غير من تعدى إليه وإلا لم يكن فرق بين المكشوفة والمستورة بعد فرض عدم تفريطه بالحفظ على وجه يكون أقوى من الحافر تأثيرا فالمتجه حينئذ الضمان مطلقا إلا مع قوة غيره عليه في التأثير، نعم لو كان ذلك بإذن المالك لم يكن عليه ضمان بلا خلاف ولا إشكال للاصل وغيره إذ هو كما لو حفرها المالك بل لا يبعد إلحاق الامام بالمالك في ذلك، بل هو أقوى من المالك في ولايته (و) حينئذ فلا ضمان مع إذنه بل صرح المصنف والفاضل وغيرهما هنا بأنه (لو حفر) بئرا (في ملك غيره) عدوانا (فرضى المالك سقط الضمان عن الحافر) كما عن المبسوط لان الابقاء كالاحداث، لكن قد تقدم في كتاب الغصب الاشكال في ذلك كما في التحرير حتى لو صرح بالابراء فضلا عما لو اقتصر على مجرد الرضا ببقاء الحفر للاصل وغيره فلا حظ وتأمل. (ولو حفر في الطريق المسلوك لمصلحة المسلمين قيل) والقائل الشيخ في محكى المبسوط والنهاية والفاضل وثاني الشهيدين وغيره: (لا يضمن لان الحفر لذلك سائغ) فلا يستعقب ضمانا ولقاعدة الاحسان (وهو حسن) مع إذن الامام الذي قد عرفت أنه أقوى في ولايته من المالك في ملكه أما مع عدمه فالمتجه الضمان عملا بإطلاق النص وفتوى غير من عرفت، وكونه سائغا أو محسنا لا ينافي الضمان، ولعله لذا جزم الفخر به، قال: " لان فعل ما فيه

[ 103 ]

مصلحة إنما يجوز إذا لم يتضمن مفسدة والحفر يعرض المسلمين للتردي فكان الحاصل أنه لابد من خلو ما أساغه الشارع عن جميع المفاسد ووجوه القبح فيكون سائغا بشرط عدم الوقوع لسبق استحقاق الاستطراق، فالوقوع كاشف عن اشتماله على وجه قبح فيكون مضمونا " (1) وإن كان لا يخلو بعض ما ذكره من نظر. والعمدة إطلاق الادلة إلا مع إذن الامام، بل لا يبعد سقوط الضمان معها لو حفر لغرض نفسه بل أو عبثا وفرض حصول الاذن له في ذلك لما أشرنا إليه غير مرة من كونه كإذن المالك أو أقوى، والله العالم. ولو كان الحفر في ملك مشترك ففي القواعد احتمل الضمان ونصفه إن كان الشريك واحدا والثلثين إن كان إثنين وهكذا، والنصف مطلقا، ولكن لا يخفى عليك أن المتجه الاول كما عن الفخر والكركي، بل والفاضل في التحرير، ضرورة كونه متعديا بالحفر كله بعد الاشاعة واحتمال - عدم تعديه مطلقا بل بالنسبة إلى حصة شريكه فيضمن ما قابل المتعدى فيه أو أن المتردى تلف بالحفر وبعضه غير متعد فيه فيكون قد تلف بسببين، أحدهما مباح والآخر محرم فيكون عليه النصف إذ لا عبرة بتعدد أحد السببين وكثرته - كما ترى، والله العالم المسالة (الثانية:) (لو بنى مسجدا في الطريق قيل) والقائل الشيخ في محكى المبسوط: (إن كان) واسعا و (بإذن الامام عليه السلام لم يضمن ما يتلف بسببه) وكذا إن لم يأذن وبناه للمصلحة العامة، وإن بناه لنفسه ضمن وفي المتن (والاقرب استبعاد الفرض).


(1) ايضاح الفوائد في شرح القواعد ج 4 ص 662 ولم ينقل المصنف عين عبارته فراجع.

[ 104 ]

وفي كشف اللثام " هو يعطى الضمان مطلقا لكن يحتمل أن لا يصد الزائد على ما يحتاج إليه المارة أو السبع أذرع من الطريق ". وفيه أن الظاهر عكس ذلك ضرورة ظهوره في عدم الضمان مع الاذن مطلقا إلا أن الفرض مستبعد بإعتبار عدم تصور الاذن من الامام في بناء المسجد بالطريق على وجه يضر بالمارة لضيقه أو لغير ذلك ضرورة تعلق حق المسلمين كافة به بإحيائه طريقا (1) بل لعله كذلك حتى لو زاد على السبع أذرع ولم يضر بالمارة باعتبار سبق الاحياء طريقا فلا يصح جعله مسجدا وإن كان قد يقال: " إن ولاية الامام قوية وعامة فله جعله مسجدا وإن تعلق به حق المارة " وحينئذ فالمتجه عدم الضمان لعدم العدوان ولا أصل بعد عدم شمول دليل الضمان للفرض المزبور. ولكن في قواعد الفاضل " ولو بنى مسجدا في الطريق ضمن ما يتلف بسببه ". وفي كشف اللثام في شرحها " ولو بنى مسجدا لنفسه أو لمصلحة المسلمين في الطريق الضيق أو الواسع في موضع يضر بالمارة ضمن ما يتلف بسببه وإن بناه فيما زاد على الواجب في الطريق وهو سبع أذرع أو ما تفتقر إليه المارة لنفسه أو بناه للمصلحة العامة فيما لا يضر بالمارة كالزاوية فلا ضمان أذن الامام فيه أولا ما لم يمنع " (2). وكأنه أخذه مما في محكى التحرير قال: " وكذا أي يضمن لو بنى في الطريق الواسع وإن كان مسجدا ثم قال: أما لو كان البناء فيما زاد على القدر الواجب من الطريق وهو سبع أذرع فلا ضمان، وكذا لو بنى المسجد للمسلمين في


(1) في بعض النسخ هكذا: " باعتبار كونه حينئذ تعلق به حق المسلمين كافة باحيائه طريقا " مكان " ضرورة... ". (2) كشف اللثام ج 2 ص 307.

[ 105 ]

طريق واسع وموضع لا يضر كالزاوية فلا ضمان " (1). قيل: ونحوه ما في الحواشي والروضة، لكن قال في الاخير: " هو حسن مع عدم الحاجة إليه بحسب العادة في تلك الطريق وإلا فالمنع أحسن ". وفي المسالك " حكم البناء في الطريق حكم الحفر في الضمان مطلقا لكن لو كان المبني مسجدا بحيث لا يتضرر به المارة لكون الطريق واسعا بزيادة عما يحتاج إليه المارة أو عن المقدر شرعا فعثر به إنسان أو بهيمة أو سقط جداره عليه أو على مال فأهلكه ففي ضمانه وجهان من الشك في كون ذلك عدوانا وكون الفعل على تقدير جوازه مشروطا بالضمان وقيل إن كان بناؤه بإذن الامام لم يضمن ما يتلف بسببه وإلا ضمن، والمصنف استبعد الفرض وهو كون الامام يأذن في بناء المسجد في الطريق، وهذا الاستبعاد في محله إن فرض في موضع يضر بالمارة، أما في المتسع كما ذكرناه فلا بعد فيه وقد جوز جماعة منهم الشهيد في الدروس إحياء الزائد عن المقدر شرعا فجعله مسجدا لمصلحة المسلمين عامة أولا (2) فإن اتفق إذن الامام له في ذلك لم يضمن كما قيل، وإلا فالضمان أقوى إن لم نجوز إحياء الزائد (3). إلى غيرذلك من كلماتهم التي لا تخلو من تشويش في الجملة، ضرورة كون المدار في البحث على صحة إحياء الزائد على النصاب الشرعي أو على ما يحتاج إليه المارة، وقد عرفت التحقيق فيه في كتاب إحياء الموات، وأنه لا يجوز، أو على جواز (4) إذن الامام في ذلك في الطريق، والحق أن له النظر في أمور المسلمين، وتظهر الثمرة في نائب الغيبة، وحينئذ يتجه عدم الضمان مع إذنه دون عدم الاذن كما أن المتجه عدمه أيضا بناء على جواز إحياء الزائد في غير


(1) التحرير ج 2 ص 264. (2) أولى (ن ل). (3) المسالك ج 2 ص 494 - 495. (4) في الاصل: " وعلى جواز... ".

[ 106 ]

الاستطراق ضرورة كونه كغيره من أملاكه، ومما ذكرناه يظهر لك عدم الفرق بين المسجد وغيره. المسألة (الثالثة:) (لو سلم ولده) مثلا (لمعلم السباحة فغرق بالتفريط ضمنه في ماله لانه تلف بسببه) وكذا لو علمه الولى بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، ضرورة كونه كتلف الصبي بتأديب من له تأديبه في الضمان من ماله لانه حينئذ من شبه العمد مضافا إلى فحوى ما ورد من ضمان الطبيب وإن كان حاذقا ومن ضمان الصانع وإن اجتهد وكان حاذقا (1) بل ربما ظهر من إطلاق عبارتي الارشاد واللمعة ضمانه مطلقا، بل عن حواشي الشهيد أن المنقول الضمان سواء فرط أو لم يفرط، ولعله لانه بتلفه ينكشف تفريطه بناء على عدم غرقه بدونه، وأولى من ذلك الضمان بدون إذن الولي لانه حينئذ تفريط، هذا. وفي القواعد " ويضمن معلم السباحة الصغير إذا غرق وإن كان وليه أو من أذن له وليه على إشكال، لانه إنما يتلف بتفريطه في حفظه وغفلته عنه " وكأنه مبني على ما ذكرنا، وحينئذ يكون وجه الاشكال إمكان تلفه بدون تفريطه، ويمكن أن يكون الاشكال في أصل الضمان باعتبار مسيس الحاجة إليه، والاصل البرائة بعد مشروعية تعليمها فلا يستعقب ضمانا، لكنه كما ترى مع فرض التفريط. ومن هنا قال في كشف اللثام: " إلا إذا علم التفريط " فجعل الاشكال حينئذ في الحكم بضمانه مطلقا. والتحقيق الضمان مطلقا وإن لم يكن بتفريط أي تقصير ولكنه تلف بتعليمه.


(1) راجع الوسائل الباب - 29 - من أبواب أحكام الاجارة والباب - 24 - من أبواب موجبات الضمان.

[ 107 ]

ولو للخطاء في طريق التعليم كالطبيب والبيطار والمؤدب والصانع ونحوهم إلا أن ذلك يقتضى ضمانه (ولو كان بالغا رشيدا) عاقلا، لكن في المتن والقواعد وغيرهما (لم يضمن لان التفريط منه) باعتبار كونه عاقلا وهو في يد نفسه والفرض أنه أقدم على التعليم الذي قد يتعقبه ذلك، بل ظاهرهم ما هو صريح بعضهم من عدم الضمان حتى إذا فرط المعلم، نعم في كشف اللثام ومحكي التحرير ومجمع البرهان تقييد ذلك بعدم التفريط وإلا كان كالطبيب إذا فرط، ومنه علم اعتبار التفريط بمعنى التقصير في ضمان الطبيب، فالمتجه مع فرض مساواته له ولغيره ممن عرفت الضمان مع التلف بتعليمه مطلقا وإن لم يفرط، وإقدامه كإقدام المريض والوي مثلا الذي لا يسقط الضمان. نعم لو أخذ البرائة سابقا أمكن فيه ذلك على البحث السابق في الطبيب، والله العالم. المسألة (الرابعة:) (لو رمى عشرة) مثلا (بالمنجنيق فقتل أحدهم) مثلا بمعاودة (الحجر يسقط نصيبه من الدية لمشاركته) في قتل نفسه (وضمن الباقون) أي عاقلتهم (تسعة أعشار الدية) ضرورة كونه من الخطأ المحض الذي لم يقصد به الفعل بالنسبة إلى المقتول ولا قتله، وإن كانوا ثلاثة فعلى عاقلة كل ثلث دية كل من الباقين والثلث هدر، وإن كانوا أربعة فربعها وهكذا. نعم إن كانا إثنين فعلي عاقلة كل منهما نصف دية الباقي والنصف هدر، هذا. ولكن في القواعد " ولو عاد الحجر عليهم فقتل واحدا منهم فهو شريك في قتل نفسه فإن كانوا ثلاثه فعلي عاقله كل واحد ثلث الدية ويسقط ما قابل فعله ولو هلكوا جمع فعلي عاقلة كل واحد منهم نصف دية الباقين " ولعل المراد أن على عاقلة كل منهم نصف المضمون للباقين من الدية تنزيلا للهدر منزلة

[ 108 ]

العدم، والاصل في ذلك ما في محكي المبسوط قال: " إذا كانوا عشرة فرموا بالمنجنيق فقتل واحدا منهم فقد مات بجنايته على نفسه وجناية التسعة عليه فما قابل جنايته على نفسه هدر وما قابل جناية التسعة مضمون، فعلى عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته فيكون لوارثه تسعة أعشار الدية، ولو قتل الحجر إثنين منهم فعلى عاقلة كل واحد من الباقين عشر دية كل واحد من الميتين (1) عشر دية صاحبه لان الممات من جنايته على نفسه وجناية التسعة عليه والميت أحد التسعة وعلى عاقلة كل واحد من الباقين عشر دية كل واحد من الميتين فتكون عاقلة كل واحد من الثمانية يعقل خمس الدية، العشر لوارث هذا الميت والعشر لوارث الميت الآخر، فيحصل لورثة كل واحد من الميتين تسعة أعشار الدية، وهكذا على هذا الحساب لو قتل الحجر ثلاثة أو أربعة أو تسعة، فأما إن رجع الحجر إلى العشرة فقتلهم أجمعين فعلي عاقلة كل واحد منهم تسعة أعشار الدية، لورثة كل ميت العشر لان كل واحد منهم مات من جنايته على نفسه وجناية التسعة عليه فما قابل جنايته هدر وما قابل جناية التسعة عليه مضمون، فيكون على عاقلة كل واحد من الباقين عشر ديته فيكون لورثة كل واحد تسعة أعشار الدية على تسع عواقل " (2). (و) الامر واضح كوضوح كونها (تتعلق) أي الجناية (بمن يمد الحبال) لانه المباشر دون صاحب المنجنيق و (دون من أمسك الخشب) ودون واضع الحجر (أو) غيرهم ممن (ساعد بغير المد) والجذب إذ هم شرائط، نحو من وضع السهم في القوس فنزعه آخر (ولو قصدوا) أي الجاذبون أن يقتلوا (أجنبيا بالرمي) عمدا أو رميه القاتل غالبا (كان عمدا موجبا


(1) سقطت من العبارة هذه الجملة: " فيكون على عاقلة كل واحد من الميتين " راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 341. (2) المبسوط ج 7 ص 166 ومفتاح الكرامة ج 10 ص 341 نقلا عن المبسوط وعبارة الكتاب موافق لما في مفتاح الكرامة لا المبسوط المطبوع حديثا فراجع.

[ 109 ]

للقصاص) من الجميع خلافا لابي حنيفة فخطاء محض، والشافعي فعمد الخطاء، بناء على أنه لا يمكن قصد رجل بعينه بالقتل به غالبا بل يتفق وقوعه عليه. وفيه أنه يكفى في موجب القصاص قصد قتل واحد من الجماعة لا بعينه لصدق عنوانه عليه، على أن الحكم المزبور مبني على فرضه وإن كنا لم نعرف في هذا الزمان كيفية المنجنيق على التفصيل كما اعترف به الاردبيلي، وأظنه يقرب من الذي يسمى في زماننا بدولاب الهواء، يستعملونه في الاعياد للاطفال ونحوهم (و) حينئذ ف‍ (- لو لم يقصدوه) على الوجه الذي ذكرناه بل قصدوا شيئا آخر (كان خطأ) محضا نحو غيره وإن قصدوا رميه خاصة الذي لا يقتل غالبا كان من عمد الخطاء، هذا (و) لكن (في النهاية) على ما حضرني من نسخ المتن (لو اشترك في هدم الحائط ثلاثة فوقع على أحدهم ضمن الآخران ديته لان كل واحد ضامن لصاحبه) ولعله لخبر أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في حائط اشترك في هدمه ثلاثة نفر فوقع على أحدهم فمات، فضمن الباقين ديته لان كل واحد ضامن لصاحبه " (و) لكن (في الرواية بعد) باعتبار مخالفتها للاصول، بل لم نجد عاملا بها. نعم في النهاية (2) التعبير بلفظ روى أبو بصير عن الصادق عليه السلام، كالصدوق في محكي الفقيه والمقنع (3) وإن قال في الاخير عقيبها: " ليس في ذلك إلا التسليم "، ولا يجدى قوة سندها في الفقيه باعتبار روايته لها في الصحيح إلى ابن أبي عمير عن علي بن حمزة البطائني المحكي، عن العدة " الاجماع على العمل بروايته " (4)


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) النهاية كتاب الديات باب ضمان النفوس وغيرها. السطر الاخر. (3) الفقيه ج 4 ص 159 والمختلف للعلامة الجزء الخامس ص 246 نقلا عن المقنع. ولم نجده في المقنع المطبوع قديما وحديثا فراجع. (4) عدة الاصول ج 1 ص 56.

[ 110 ]

إذ هي على كل حال شاذة (فالاشبه) باصول المذهب وقواعده (الاول) أي ضمان ثلثي الدية وهدر الثلث كغيره من أفراد الاشتراك، كما صرح به المتأخرون من غير خلاف فيه، بل هو المستفاد مما سمعته من الشيخ في مسأله المنجنيق، بل هو المحكي عن أبي على أيضا، بل يمكن حمل الرواية عليه أيضا، إذ لا صراحة فيها، على أن عليهما كمال الدية، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (لو اصطدمت سفينتان) فهلك ما فيهما من النفس والمال الشامل للنفس التي تكون منه كالحيوان المملوك بل والانسان كذلك، فإن كان ذلك بتعمد المالكين الكاملين للاصطدام وكان مما يتلف غالبا أو قصد الاتلاف به فهو كاصطدام الراكبين كذلك ضرورة كون السفينة كالدابة والملاح كالراكب فلا ريب في ترتب القصاص على فعلهما لورثة كل قبيل وعلى كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه ونصف ما فيها من المال ونصف دية صاحبه لو تلفا، لاستناد التلف إلى فعلهما معا فيسقط ما قابل جنايته وهو النصف دون النصف الآخر، وإن لم يكن ذلك بتعمدهما ولكن (بتفريط) - هما أي (القيمين و) الفرض أن‍ (- هما مالكان) كاملان إلا أنهما فرطا، بأن كان يمكنهما الصرف عن السمت وهو الحبس، ولم يفعلا، أو أجرياهما مع هبوب الرياح، أو طغيان الماء، أو نحو ذلك مما يعد تفريطا، أو قصد التصادم خاصة، ولم يكن مما يؤدى إلى التلف غالبا، أو علما أدائه إلى التلف بعد الارسال وتعذر عليهما الضبط لخلل في الآلات وقلة في الرجال ونحو ذلك، فالحكم كما تقدم إلا في القصاص، وحينئذ (فلكل منهما على صاحبه نصف قيمة ما أتلف صاحبه) من المال سفينة أو غيرها، كما أن على كل منهما نصف الدية لو تلفا أو أتلفا نفسا إذ هو من شبيه العمد، أو هو من باب الاسباب الموجبة للدية.

[ 111 ]

(وكذا لو اصطدم الحمالان فأتلفا) ما حملاه (أو أتلف أحدهما) فعلي كل منهما نصف قيمة ما أتلف من صاحبه، ولو صدم أحدهما الآخر فتلف ما حملاه ضمن الجميع، ومع تلفهما عمدا أو أحدهما فالقصاص بعد رد نصف الدية أو ضمان نصف الدية إذا كان من شبيه العمد على حسب ما عرفته سابقا كما هو واضح. (ولو كانا) أي القيمان (غير مالكين) للسفينتين ولا لما فيهما بل الغاصبين أو آجرين لمالكهما (ضمن كل منهما نصف السفينتين وما فيهما لان التلف منهما) والمالك بالخيار بين أن يأخذ جميع قيمة سفينته من أمينه ثم هو يرجع بنصفها على أمين الآخر، وبين أن يأخذ نصفها منه والنصف الآخر من أمين الآخر، (و) على كل حال ف‍ (- الضمان في أموالهما سواء كان التالف مالا أو نفوسا) إن كان شبه عمد وإلا كان القصاص عليهما مع العمد على الوجه الذي عرفت إذ لا فرق في ذلك بين المالكين وغيرهما بعد فرض كونهما كاملين. نعم لو كانا صغيرين أو مجنونين وفي كشف اللثام " إن أجريا السفينة بأنفسهما لم يكن عليهما ضمان المال وعلى عاقلتهما ضمان النفوس وكذا إن أركبهما الولي لمصلحتهما وإن أركبهما الاجنبي ووكل إليهما السفينتين فالضمان عليه وعلى عاقلته كما مر " (1). ولا يخلو إطلاقه من نظر ضرورة ضمانهما المال بإتلافهما حينئذ مال الغير من دون تسليط منه لهما عليه على وجه يكون هو أقوى في التلف من مباشرتهما كما تقدم نظيره فيمن أودع الطفل والمجنون ماله أو أعارهما إياه فأتلفاه، على أن ذلك يقتضى عدم ضمانه لو أتلفه أحدهما، أما إذا أتلفه غيرهما في يدهما ضمنه لصاحبه وإن كان المتلف طفلا أو مجنونا لم يعطه المالك إذ هو حينئذ كمن أتلف ابتداء، وبذلك بل وبغيره يظهر لك النظر في إطلاقه المزبور، والله العالم.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 312.

[ 112 ]

(و) كيف كان ف‍ (- لو لم يفرطا) أي القيمان مثلا (بأن غلبتهما الرياح فلا ضمان) بلا خلاف أجده بين من تعرض له منا هنا، للاصل بعد أن لم يكن فعل منهما، فهما كما لو غلبتهما دابتاهما، بل هو أقوى، لان ضبط الدابة أسهل من إمساك السفينة في البحر إذا هاج، فهو مثل من ألقاه الريح على آخر ونحوه ممن لم يكن فعل منه ولا تسبيب، الذي صرحوا فيه بعدم الضمان. نعم عن الشافعي قولان هنا، وفي كشف اللثام " ويحتمل ضمان عاقلتهما ما تلف من الانفس لانهما سببان لتلفها كما احتمل في راكبي دابتين " قيل: وربما يؤيده ما عن جماعة " من أنه إذا وقع شخص في البئر أو نزل إليها ثم وقع آخر فوقه بزلق أن على الزالق الضمان أو على عاقلته " وعن الشهيد الفرق، بأن المباشرة في الزالق حاصلة بخلاف ما هنا إذ التقدير استناده إلى الريح، قال: " وقضيته أنه لو أسقطت الريح شخصا أمكن مساواته للزالق في الضمان " ولكن لا يخفى عليك ما فيه، والتحقيق عدم الضمان مع عدم فعل منه ولا تسبيب ولا شرطية استفيد من الادلة الضمان بها، للاصل وغيره، والله العالم. ولو اختلف حالهما بأن كان أحدهما عامدا أو مفرطا بخلاف الآخر لم يتغير حكم كل واحد منهما باختلاف صاحبه، بل لكل منهما حكمه، (ولا يضمن صاحب السفينة الواقفة) والسائرة شيئا من السفينتين وما فيهما (إذا وقعت عليها اخرى) مع عدم تفريط منه بلا خلاف ولا إشكال، للاصل وغيره، إلا مع اختصاصه بالتفريط، بأن اتفق هيجان البحر فلم يتمكن صاحب الواقفة ضبطها وعلم صاحب الاخرى وأمكنه دفعها والصرف عن جهتها ولم يفعل، كما لا خلاف (و) لا إشكال في أنه (يضمن صاحب الواقفة لو فرط) وإن فرط صاحب الاخرى أيضا، والله العالم.

[ 113 ]

المسالة (السادسة:) (لو أصلح سفينة وهي سائرة) مثلا (أو أبدل لوحا) منها (فغرقت بفعله مثل أن سمر مسمارا فقلع لوحا أو أراد رمم موضع) أي سد فرجته (فانهتك فهو ضامن في ماله ما يتلف من مال أو نفس) بلا خلاف أجده في الثاني (لانه شبيه عمد) باعتبار قصده الفعل دون القتل، بل والاول مع فرض التفريط، بل ومع عدمه مع فرض استناد التلف إليه، وإن قال في المسالك: " هو مبني على ضمان الصانع وإن اجتهد وقد تقدم " وربما فصل بين ما أوجب عليه أو كان لمصلحتهم خاصة فلا ضمان وإلا ضمن، كان لمصلحة أو باجرة ونحوها، وهو كما ترى. ولو خرقها عمدا في لجة البحر فغرقت فعليه القصاص لما غرق من الانفس، لانه تعمد إتلافها. وإن خرقها خطأ محضا كأن كان في يده فاس أو حجر فسقط فيها فانخرقت فغرق من فيها كانت الدية على العاقلة. المسالة (السابعة:) (لا يضمن صاحب الحائط ما يتلف بوقوعه) على أحد (إذا كان) قد بناه أو مبنيا (في ملكه أو مكان مباح) على أساس يثبت مثله عادة فسقط من دون ميل ولا استهدام على خلاف العادة بلا خلاف ولا إشكال للاصل بعد عدم التعدي والتفريط لتسلطه على ماله وعدم ما يستفاد منه الضمان بمثله من النصوص. (وكذا لو وقع إلى الطريق فمات إنسان بغباره) لما عرفت من عدم مقتضى الضمان فيه على وجه يقطع الاصل سواء وقع على ملك الغير أو الطريق، وسواء قتل بسقوطه أو بغباره أو بتطائر شئ منه، بل في القواعد " لو بناه مائلا إلى ملكه فوقع

[ 114 ]

إلى غير ملكه أو إلى ملكه إلا أنه ظفر (1) شئ من الآجر والخشب وآلات البناء إلى الشارع فأصاب إنسانا لم يضمن، لانه ممكن من البناء في ملكه كيف شاء، وما تطائر إلى الشارع لم يكن باختياره " (2) وهو الموافق لاطلاق المصنف، ومحكي المبسوط وغيرهما، لكن قال متصلا بما سمعت: " ولو قيل بالضمان إن عرف حصول التطائر كان موجها " (3) ولعله لانه لعلمه صار متعديا كما لو بناه مائلا إلى الشارع، وعن ولده أنه قواه، والكركي استجوده، بل عن ثاني الشهدين الجزم به، كما عن أولها أنه المنقول (4)، (و) لكن فيه منع واضح. نعم (لو بناه مائلا إلى غير ملكه) ولو الشارع (ضمن) بلا خلاف أجده فيه بيننا للتعدى وقاعدة نفي الضرر ولانه (كما لو بناه في غير ملكه) الذي قد عرفت اتفاق النص والفتوى على الضمان به، ضرورة كون العدوان في الفرض بالميل كالعدوان بالبناء، وعن أبي حنيفة اعتبار منازعة الجار وإشهاده مع ذلك في الضمان، (و) لا ريب في ضعفه، بل (لو بناه في ملكه مستويا فمال إلى الطريق أو إلى غير ملكه ضمن إن تمكن من الا زالة و) لم يزله أما (لو وقع قبل التمكن لم يضمن ما يتلف به لعدم التعدي) بخلاف الاول الذي فيه العدوان بشغل فضاء الغير، كما لو بناه من أول الامر كذلك، من غير فرق بين المطالبة بذلك من الحاكم أو الجائر وعدمها، خلافا للمحكي عن موضع من المبسوط (5) فأطلق عدم الضمان لانه قد بناه في ملكه ومال بغير فعله، وعن آخر التفصيل بين المطالبة بنقضه والا شهاد عليه فوقع بعد القدرة على نقضه فالضمان، وإن وقع قبل القدرة فلا ضمان، ونحوه عن القاضي وهو كما ترى، وإن علل بأنه حق للغير فمع عدم المطالبة يسقط للاصل، لكنه واضح الضعف، ضرورة عدم توقف الحق على المطالبة بعد إطلاق ما يستفاد منه ذلك من النصوص ولو بمعونة الفتوى كالمحكي عن بعض العامة


(1) طفر، كذا في القواعد المطبوع حديثا (2 و 3 و 4 و 5) مفتاح الكرامة ج 10 ص 297.

[ 115 ]

من عدم الضمان وإن تمكن من الا زالة. ولو مال بعضه دون بعض ثم سقط جميعه قيل: ضمن ما تلف بما مال دون غيره، ولو شك فلا ضمان. وفيه بحث مع فرض اقتضاء ميل البعض سقوط الجميع عادة. ولو كان الحائط لصبي كان الضمان على الولي مع التفريط كما عن التحرير، بل قيل: وكذا الحاكم بالنسبة إلى جدار الغائب مع العلم بميله وتمكنه لانه ولي له، وفيه منع ثبوت ولايته عنه على وجه يقتضي ذلك، للاصل وغيره. ولو مال الحائط إلى ملك الغير فابرأه الغير سقط الضمان كما إذا باعه فإنه حينئذ على المشتري. بخلاف ما إذا وهبه ولم يقبضه فإنه لم يزل الضمان عنه كما عن التحرير التصريح بذلك كله (1). بقى الكلام فيما في القواعد وبعض ما تأخر عنها من إلحاق بنائها على أساس لا يثبت مثله عليه ببنائه مائلا في الضمان أيضا معللين بالتعدي والتفريط، وفيه أنه لا تعدي فيه بعد فرض كونه في ملكه مثلا (2) بل هو كوضع إناء على ملكه فسقط فأتلف الغير، الذي ستسمع تصريح المصنف وغيره بعدم الضمان فيه للاصل وغيره. اللهم إلا أن يستفاد من فحوى النصوص السابقة (3)، وفيه بحث، ضرورة الفرق بين البناء في ملك الغير والميل إليه المشغل فضائه، وبين الفرض الذي لم يشغل غير ملكه فلا تعدي فيه، ولعله لذا أطلق غير واحد عدم الضمان بالبناء في الملك، ويمكن أن يكون وجهه عدم وجوب إزالة الضرر عن الغير بما يحصل من التصرف في الملك وإنما على الغير دفع الضرر عن نفسه فتأمل جيدا، والله العالم. ولعل نحو ذلك لو استهدم الحائط من غير ميل ففي القواعد " هو كالميل "


(1) التحرير ج 2 ص 265. (2) كذا في الاصل ويحتمل كونه " ماثلا ". (3) راجع الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان وغيره

[ 116 ]

وفي المسالك " في مطالبته بنقضه وجهان من أنه لم يتجاوز ملكه، ومن لحوق الضرر به كالميل " وهذا أظهر، وإلى ذلك يرجع ما عن التحرير " من أنه لو لم يمل الحائط ولكنه تشقق، فان لم يظن سقوطه لكون الشقوق بالطول لم يجب نقضه وكان حكمه حكم الصحيح، وإن خيف سقوطه بأن تكون الشقوق بالعرض وجب الضمان كالمايل " (1) نحو المحكي عن ابن أبي ليلى " من أنه إن تشقق بالطول فلا ضمان، وإن كان بالعرض ففيه الضمان " (2) إذ مرجع الجميع إلى خوف السقوط، لكن في محكي المبسوط " إذا كان حائطا بين دارين تشقق وتقطع وخيف عليه الوقوع غير أنه مستو لم يمل إلى دار أحدهما لم يملك أحدهما مطالبة جاره بنقضه، لانه ما حصل في ملك واحد منهما في هواء ولاغيره، فان مال إلى دار أحدهما كان لمن مال إلى داره مطالبة شريكه بنقضه، لان الحائط إذا مال إلى هواء الجار فقد حصل في ملكه وله المطالبة بإ زالته، كما لو عبر غصن من شجرته إلى دار جاره فإنه يطالب بإ زالته بتعريج أو قطع "، (3) ونحوه عن المهذب، وهو كالصريح في كون المدار على التعدي بشغل فضاء الغير، وهو موافق لما ذكرنا سابقا، والله العالم.


(1) التحرير ج 2 ص 265. (2) مفتاح الكرامة ج 10 ص 298. (3) المبسوط ج 7 ص 187 ومفتاح الكرامة ج 1 ص 298 نقلا عن المبسوط وعبارة المبسوط المطبوع مغلوطة فلا تفغل.

[ 117 ]

المسالة (الثامنة:) (نصب الميازيب إلى الطرق) النافذة (جائز وعليه عمل الناس) في جميع الاعصار والامصار، بل حكي الاجماع عليه جماعة منهم المصنف في النافع، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه بين المسلمين، وفي المروي مشهورا إنه كان للعباس ميزاب إلى المسجد وكان رخص له النبي صلى الله عليه وآله فقلعه عمر يوما لما قطر عليه منه فخرج العباس فقال له: أتقلع ميزابا نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده ؟ فقال عمر: والله لا ينصبه إلا من رقى على ظهري فرقي العباس على ظهره فنصبه في الجدار (1)، وعن الخلاف " وهذا إجماع فإن أحدا لم ينكره، قال: ولان هذه الا جنحة والساباطات والسقايف - سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني النجار وغير ذلك - إلى يومنا هذا لم ينقل أن أحدا اعترض فيها ولا أزيلت باعتراض معترض عليها ثبت إن إقرارها جائز إجماعا " (2) وفي المروي من طرقنا أنه نصبه أمير المؤمنين عليه السلام من دون رضا عمر (3)، وعلى كل حال فهو دال على المطلوب، مضافا إلى الاصل وغيره، بعد فرض عدم الضرر فيه على المارة، لكن مع ذلك عن الوسيلة " أنه يجوز للمسلمين المنع منه " وفي النهاية عده مما ليس له إحداثه، وفي كشف اللثام وتبعه غيره " يمكن تخصيصه بالمضر منه "، ولا بأس به فإنه لا سيرة لنا به تقتضي جواز نصبه على وجه يكون متهيئا للضرر. نعم لو كان الطريق مرفوعا لم يجز إلا بإذن الشريك وإلا ضمن وإن لم يكن مضرا، إلا القدر الداخل في ملكه لانه سائغ. (و) كيف كان ف‍ (- هل


(1) الخلاف ج 2 ص 407، مفتاح الكرامة ج 10 ص 299. (2) الخلاف ج 2 ص 407. وكانت عبارة الاصل مغلوطة فصححناها طبقا للمصدر. (3) مفتاح الكرامة ج 10 ص 300.

[ 118 ]

يضمن) أي الاول (لو وقعت وأتلفت) مثلا (قال المفيد) وسلار على ما حكي عنهما: (لا يضمن) ما أحدثه في الطريق مما أباحه الله تعالى إياه وجعله وغيره من الناس فيه سواء، لانه لم يتعد واجبا بذلك، بل هو صريح الحلي والفاضل في بعض كتبه، والشهيدين في اللمعة والروضة، والمقداد والاردبيلي على ما حكي عن بعضهم، (وقال الشيخ) في المبسوط والخلاف: (يضمن لان نصبها مشروط بالسلامة) بل في الاخير إجماع الامة عليه، بل قد قيل: يظهر ذلك من الغنية أيضا، بل هو خيرة المهذب والجامع على ما حكي عنهما، والفاضل في بعض كتبه، وولده، بل والوسيلة، إلا أن فيها " من نصب ميزابا جاز للمسلمين المنع فإن نصب ووقع على شئ ضمن " (1) فيحتمل الضمان مع المنع الذي عرفت اختصاصه بالمضر، بل والنهاية إلا أن فيها " ومن أحدث في طريق المسلمين حدثا ليس له أو في ملك لغيره بغير إذنه من حفر بئر أو بناء حائط أو نصب خشبة أو إقامة جذع أو إخراج ميزاب أو كنيف وما أشبه ذلك فوقع فيه شئ أو زلق به أو أصابه منه شئ من هلاك أو تلف شئ من الاعضاء أو كسر شئ من الامتعة كان ضامنا لما يصيبه قليلا كان أو كثيرا، فان أحدث في الطريق ماله إحداثه لم يكن عليه شئ " (2) فعلق الضمان بحرمة الاحداث وعد من المحرمات الميزاب، فإما أن يريد مطلقه أو المضر منه (و) لا ريب في أن (الاول أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها أصل البرائة بعد الاذن شرعا في النصب فهو كمن بنى في دار الغير بإذنه ثم ترتب عليه ضرر، إذ قد عرفت مكررا أن الاذن الشرعية أقوى من الاذن المالكية بالنسبة إلى ذلك وليس ذا من الاباحة الشرعية الصرفة، بل هو ذلك، مع الاذن من الولي العام فيما للمسلمين فيه حق، كما أنك قد عرفت مكررا عدم الضمان


(1) الوسيلة فصل في بيان من يفعل فعلا يهلك بسببه انسان أو حيوان أو يتلف بسبه شئ. (2) النهاية ص 784.

[ 119 ]

بالشرائط إلا ما استفيد من النصوص، والمتيقن منها إن لم يكن المنساق غير المفروض، كما سمعته سابقا في الحفر ووضع الحجر ونحوهما. ولعله إلى هذا يرجع ما وقع من غير واحد من تعليل عدم الضمان بأنه مأذون فيه فلا يستعقب ضمانا فلا وجه لرده بأنه لا منافاة بين الجواز شرعا والضمان كما في الطبيب والمؤدب ونحوهما، إذ قد عرفت أن المراد اختصاص الضمان بغير المأذون فيه باعتبار الادلة، سيما مع إمكان تأييده بما عرفت من عدم الضمان في بناء الحائط في ملكه مستويا ثم وقع على خلاف العادة، إذ الفرض هنا أن الوضع قد كان على وجه لا يضر بالمارة فاتفق وقوعه، ومن المعلوم جواز كل ما لا يضر بالمارة في الطريق الباقية على أصل الاباحة بالنسبة إلى ذلك فهو حينئذ كالبناء في مباح أو في ملكه، ضرورة أن له التملك بالحيازة والاحياء لما لم يحيه المسلمون بالاستطراق. وإجماع الخلاف إن كان المراد به ما يشمل الفرض، واضح المنع، بل يمكن دعواه بالعكس. وصحيحة أبي الصباح (1) عن الصادق عليه السلام " من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن " كقوله في صحيح الحلبي (2): " كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن " إنما هو في المضر لا في محل البحث المفروض كونه غير مضر ولكن اتفق ترتب الضرر عليه كالبناء المستوى إلى الشارع. ودعوى الفرق بين الخبرين بإمكان ذلك في الاول دون الثاني المشتمل على صيغة المضارعة الشاملة للحال والمال واضحة الفساد، ضرورة إرادة التهيؤ للضرر فعلا منهما كما هو واضح. وأما خبر السكوني أو قويه أو موثقه (3) عن الصادق عليه السلام " قال


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 120 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر بئرا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فهو له ضامن ". فهو وإن قال جماعة إنه نص في الباب ومنجبر إن كان محتاجا إلى الانجبار بما سمعته من إجماع الخلاف، لكنه ليس كذلك ضرورة احتماله التخصيص بالمضر خصوصا مع ملاحظة قوله: " فأصاب " الظاهر في الضرر به وهو مثبت في الحائط، لا أنه سقط فأضر، وخصوصا مع ملاحظة مفهوم الصحيحين (1) ولو بمعونة الاعتضاد بما عرفت من فتوى المشهور القاضي بعدم الضمان في غير المضر، وقد عرفت أن إجماع الخلاف إنما يتم في المضر لا في غيره الذي هو مظنة العكس، بل قد سمعت مخالفة نفسه له في النهاية التي جعل مدار الضمان فيها على الجواز وعدمه. (وكذا) الكلام (لو أخرج الرواشن) والاجنحة والسباطات ونحوها (في الطريق المسلوكة إذا لم يضر بالمارة) فإنه لا فرق بين الميزاب وغيره (و) لذا قال المصنف في المتن: (لو قتلت خشبة) مثلا (بسقوطها قال الشيخ: يضمن نصف الدية لانه هلك عن مباح) وهو ما كان منها في ملكه (ومحظور) وهو ما كان منها في الهواء من غير فرق بين كثرة الداخل والخارج، كمن قتل بجرح من شخص وجروح من آخر، بل قال الشيخ فيما حكي عنه: " لا فرق بين أن يقع الطرف الخارج عليه وبين أن يقع ما كان في ملكه عليه لان الخشبة إنما تقتل بثقلها وإذا وقع أحد طرفيها عليه ناله ثقل الطرفين " (2). نعم لو كان الساقط بأجمعه في الهواء بأن انكسر الميزاب أو الخشبة مثلا فوقع منها ما هو في الهواء فأتلف، ضمن الجميع لتلفه حينئذ بسبب مضمون. وربما احتمل ضمان الجميع على كل حال لاطلاق النصوص. ولا بين سقوط ما في الملك بتبعية الخارج بل في المسالك احتمال التوزيع على


(1) أي صحيحة أبى الصباح الكتاني وصحيحة الحلبي. (2) المبسوط ج 7 ص 188.

[ 121 ]

الداخل والخارج فبحسب قسط الخارج، ثم قال: " وعليه فهل يوزع باعتبار الوزن أو المساحة وجهان " (1). (و) لكن ذلك كله ساقط بناء على ما هو (الاقرب) وفاقا لمن عرفت من (أنه لا يضمن مع (2) القول بالجواز) للاصل بعد عدم ما يدل على الضمان به معه كما عرفت الكلام فيه مفصلا، ومنه يعلم النظر في كثير من الكلمات في المقام المبنية على عدم تحرير المسألة كتعليل الضمان بصدق أنه سبب وقد عرفت غير مرة أن ذلك ليس عنوانا للضمان كي يثبت بثبوته عرفا، وكتعليل عدم الضمان بالضرورة إلى نصب الميازيب الذي رده غير واحد بأنه لا ضرورة إلى ذلك لامكان وضعه في غير المفروض، ونحو ذلك من الكلمات التي لا دخل لها في المسألة بعدما عرفت فلاحظ وتأمل. (و) حينئذ ف‍ (- ضابطه) أي الضمان في ذلك ونحوه (أن كلما للانسان إحداثه في الطريق لا يضمن ما يتلف بسببه) لا لعدم استتباع الجواز الضمان، ضرورة عدم المنافاة عقلا ولا شرعا، بل للاصل بعد عدم ما يدل على الضمان به مطلقا حتى مع الاذن من المالك الحقيقي، وذلك لظهور ما عرفت من النص (و) الفتوى في أنه (يضمن ما ليس له إحداثه كوضع الحجر وحفر البئر) ونحو ذلك مما هو متأهل للضرر في الطريق على وجه لا يجوز له فعله فيه، ويلحق به فعل الساهي والغافل وغير المكلف كما في غير المقام من الاسباب التي لا فرق فيها بين المكلف وغيره. ومن هنا يتجه عدم اختصاص السبب بالعدواني، نعم يخرج منه المأذون فيه شرعا ويمكن إرادة ذلك من العدواني فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالمراد عدم الضمان فيما جاز له إحداثه في الطريق الذي هو كالا حداث في الملك أو في المكان المباح وحينئذ (فلو أجج نارا) مثلا (في ملكه) مع عدم احتمال التعدي (لم يضمن ولو) اتفق انها (سرت إلى


(1) المسالك ج 2 ص 496. (2) على (ن ل).

[ 122 ]

غيره) بطيران شراره مع سكون الهواء أو وجود حائل مانع من الريح ولم يتجاوز قدر الحاجة بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه للاصل وغيره، بل وإن تجاوزها (إلا أن تزيد على قدر الحاجة مع غلبة الظن بالتعدي كما في أيام الاهوية) وعدم الحائل بلا خلاف ولا إشكال مع إرادة العلم من غلبة الظن لقاعدة نفي الضرر والضرار وصدق الا تلاف عليه، بل الظاهر ذلك مع الفرض المزبور وإن لم يزد على قدر حاجته. وإطلاق المقنعة والنهاية والسرائر عدم الضمان بالاشعال في ملكه منزل على غير الفرض. بل الظاهر الضمان به مع قضاء العادة بالتعدي وإن غفل هو عن ذلك. إنما الكلام فيما يفهم من المصنف وغيره من عدم الضمان مع عدم الزيادة على قدر الحاجة وإن غلب على ظنه التعدي بناء على إرادة العلم منه بل ومطلق الرجحان بل ومع الشك لصدق الا تلاف عليه ولو بتوليد فعله وإن لم يصدق عليه " أتلف " فإنه فرق بين نسبة الفعل وبين نسبة الا تلاف، نعم لعله كذلك مع عدم ظن التعدي وإن زاد على حاجته للاصل بعد الاذن شرعا في فعل المالك في ملكه ما شاء في الحال المزبور كما سمعته في الحفر ووضع الحجر والبناء ونحوها، مع أنه قد يتوقف فيه مما عرفت ومن النسبة المزبورة التي مقتضاها الضمان مطلقا إلا أن النص والفتوى على عدمه بما جرى منها مجرى أفعال العقلاء في العادة وإن اتفق تخلف ذلك وحصل التلف به على نحو التلف بباقي الشرائط، بخلاف الا تلاف بها على جهة التوليد بحيث يسند التلف إلى فعله عادة، نعم ليس الزيادة على قدر الحاجة مطلقا كذلك. ولعل الاقوى الثاني مع فرض تحقق النسبة عرفا كما أن الاقوى الاول مع عدمه. وبذلك يظهر لك ما في كشف اللثام قال: " ولو لم يتجاوز قدر الحاجة مع ظن التعدي أو تجاوزها مع عدم ظنه فتعدت فأتلفت ففي الضمان قولان أقربهما العدم، كما يظهر من الكتاب والشرائع، والضمان فتوى

[ 123 ]

التحرير " (1). والموجود عندنا في التحرير هنا " وإن أضرم النار في مكان له التصرف فيه بحق الملك أو إجارة فإن تعدى في ذلك بأن زاد على قدر الحاجة مع غلبة ظنه بالتعدي كما في أيام الاهوية ضمن، وإن لم يتعد بأن أضرم قدر الحاجة من غير اتصال بملك الغير أو تخطيه (2) وكان على الوجه المعتاد فحملتها الريح أو سرت إلى ملك غيره أو عصفت الاهوية بغتة فحملتها فأتلفت فلا ضمان، وكذا البحث في فتح المياه " (3). وظاهر اعتبار الامرين معا في الضمان كالمصنف، نعم ظاهر الشهيد في ديات اللمعة الاكتفاء بأحدهما، وقيل كما في الروضة: يكفي ظن التعدي إلى ملك الغير مطلقا، وحينئذ فالا قوال ثلاثة، لكن لا يخفى تشويش كلماتهم في كتاب الغصب وفي المقام، ولعل التحقيق ما أشرنا إليه من عدم الضمان بما يترتب على فعله إذا كان جاريا على وفق المعتاد في مثل ذلك، ضرورة كونه حينئذ كالتلف بباقي الشرائط بخلاف ما إذا كان التلف على جهة التوليد التابع للفعل بالنسبة إلى الفاعل عرفا فإن الاقوى الضمان به حينئذ، وقد تقدم جملة من الكلام في كتاب الغصب فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فقد عرفت أنه (لو) أججها فاتفق أنها (عصفت بغتة لم يضمن) بلا خلاف ولا إشكال للاصل بعد إطلاق الاذن له في ذلك (و) عدم خروجه عن المعتاد فيه نعم (لو أججها في ملك غيره) بدون إذنه أو في الشارع لا لمصلحة المارة (ضمن) ما يتلف بها من (الاموال والانفس) وإن لم يقصد ذلك بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالمفيد والفاضل والشهيدين وغيرهما ما لم يعارض مباشر قوي كان القى فيها غيره نفسا أو مالا ولعل منه ترك التخلص


(1) كشف اللثام ج 2 ص 307. (2) في التحرير: " أو بحطبه " وهو الصحيح كما لا يخفى. (3) التحرير ج 2 ص 265.

[ 124 ]

مع إمكانه بل الظاهر كون الضمان (في ماله) كما عن المفيد وغيره التصريح به (لانه عدوان مقصود) كحفر البئر في ملك الغير عدوانا ونحوه مما عرفت من كون الضمان فيه على الفاعل لظاهر الادلة، ومن هنا اشتهر فيما بينهم أن الضمان بالشرط على الفاعل دون العاقلة. لكن في محكي السرائر: " إن قصد بالاشعال القتل فهو قتل عمد وإن لم يقصد كان خطأ محضا والدية على العاقلة وحكم بضمانه الاموال " (1) وفي التحرير: " وإن قصد بإضرام النار إحراق المنزل والمال الخاصة وتعدى الاتلاف إلى النفس من غير قصد ضمن المال في ماله وكانت دية الانفس على عاقلته " (2). ولا يخفى عليك ما في إطلاقه بعد الاحاطة بما ذكرناه ولعل التحقيق كون الضمان في ماله مع فرض كون التلف بإشعال النار على نحو التلف بحفر البئر وغيره من الشرائط بخلاف ماذا كان بتوليد فعله على وجه سبب إليه ما يترتب عليه فإن ذلك تجري فيه حينئذ الاقسام الثلاثة العمد وشبهه والخطأ المحض، ضرورة كونه كغيره من أفعال المباشرة، بل لعل ما في النهاية ومحكي المهذب يرجع إليه. قال في الاول: " ومن رمى في دار غيره متعمدا نارا فاحترقت وما فيها كان ضامنا لجميع ما في الدار من النفوس والاثاث والامتعة وغير ذلك ثم يجب عليه بعد ذلك القتل " (3) ضرورة ظهور الضمان في كلامه فيما سمعته من الدية وأعواض الاموال، وأما ما ذكره من القتل فيمكن أن يكون دليله خبر السكوني (4)


(1) السرائر كتاب الحدود، باب ضمان النفوس وغيرها، والمنقول هنا مضمون كلامه لا عينه فراجع. (2) التحرير ج 2 ص 265. (3) النهاية ج 2 ص 785. (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول الفقيه ج 4 ص 162.

[ 125 ]

عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام قضى في رجل أقبل بنار اشعلها في دار قوم فاحترقت الدار واحترق أهلها واحترق متاعهم، قال: يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل ". بل عن الفاضل في المختلف أنه استوجه ما في النهاية مستدلا عليه بالخبر، بل عن حواشي الشهيد أن عليه أكثر الاصحاب، ويمكن أن يكون وجهه أنه مفسد مع فرض اعتياده لذلك على وجه يكون به محاربا أو مطلقا. وبذلك يظهر لك النظر فيما ذكره المصنف في النكت، قال: " يقتل قودا لا حدا ولا يلزم من قوله: " ثم يجب عليه بعد ذلك القتل " أن يكون ضمان النفوس شيئا غير ذلك " ثم ذكر الخبر المزبور وقال: " إنه ضعيف: فلا يمكن التمسك بظاهره " (1) إذ لا يخفى عليك ظهور عبارة النهاية في خلاف ما ذكره إن لم يكن صراحتها، والقتل المزبور قد عرفت وجهه، بل هو لم يستبعده فإنه بعد أن ذكر ما سمعت قال: " والوجه أنه إن قصد إتلاف الانفس ولم يكن طريق إلى الفرار وجب في الانفس القصاص وفي المال الضمان وأما الدار فيلزم قيمة ما تلف من آلتها وأرش ما نقص من طولها وعرضها (2) وآلتها ولا يجب مع سلامة الانفس القتل لكن إن اعتاد ذلك قصدا للفساد ورأى الامام قتله حسما لفساده لم أستبعده ". (3) قلت: فالمتجه حينئذ حمل كلام الشيخ على ذلك إذ محل البحث العدوان في وضع النار من دون قصد لقتل الانفس أو معه لكن على نحو القصد بباقي الشرائط لا ما سمعته منه. بل وكذا ما في كشف اللثام فإنه بعد أن ذكر ما سمعته من النهاية


(1) نكت النهاية، خمسة صفحات قبل تمام الكتاب. (2) في التكت: (من طوبها وأرضها) وهو الصحيح. (3) نكت النهاية، في تلك الصفحة أيضا.

[ 126 ]

والمهذب قال: " ولعلهما أرادا بالنفوس ما لا يكافيه من الحيوانات والاناسي ويحتمل بعيدا أن يريدا بقولهما: " ثم يجب عليه بعد ذلك القلتل " فردا (1) من ضمان النفوس، صرح به دون الضمان بالدية أو القيمة لانه أخفى وأخف بالتنصيص " (2) إذ هما معا كما ترى. وكذا ما في محكي السرائر قال: " من أحرق دار قوم فهلك فيها أنفس وأموال كان عليه القود بمن قتله وغرم ما أهلكه بالاحراق من الاموال، هذا إذا تعمد قتل الانفس فأما إذا لم يتعمد قتل الانفس لكن تعمد إحراق الاموال والدار فحسب فإنه يجب عليه ضمان الاموال والانفس فدياتها على عاقلته - إلى أن قال - وذكر شيخنا في نهايته إلى آخر ما سمعته. ثم قال: وهو غير واضح لانه إن كان القتل عمدا فليس عليه إلا القود فحسب، وإن كان شبه عمد أو الخطأ المحض فلا يجب عليه القود بحال " (3) فإنه لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه (و) التحقيق ما عرفت. نعم (لو قصد إتلاف الانفس) بالاحراق على وجه يتحقق فيه عنوان القصاص ولو بأن يكون بإضرامها فيها (مع تعذر الفرار) لمن أراد قتله (كان عمدا) موجبا للقصاص بلا خلاف ولا إشكال كما عرفته فيها وفي الماء في كتاب القصاص، والله أعلم. (ولو بالت دابته في الطريق قال الشيخ: يضمن إن زلق فيه إنسان) مثلا سواء كان راكبها أو قائدها أو سائقها لانها في جميع التقادير في يده فهو كما لورش أو بال هو، ونحوه عن ظاهر الوسيلة، بل هو صريح موضع من


(1) كشف اللثام: قودا. (2) كشف اللثام ج 2 ص 308. (3) السرائر، كتاب الحدود، باب ضمان النفوس وغيرها، وكان في عبارة الاصل سقطا فأصلحناه طبقا للمصدر.

[ 127 ]

القواعد، لكن قال بعد ذلك بفاصلة قليلة: " ولو بالت الدابة أو راثت فزلق إنسان فلا ضمان إلا مع الوقوف على إشكال " (1). فإن كان الاشكال راجعا للوقوف خاصة فهو منه رجوع، وإن عاد إلى أصل المسألة فهو توقف بعد جزم في الامرين معا. أما في الاول فمن السبب مع ضعف المباشرة فهو كما لورش أو ألقى في الطريق مزلقا، ومن الاصل وعدم الاختيار في ذلك مع كون السير بالدابة من ضروريات الاستطراق وموضوعات الطرق. وأما الثاني فلذلك، ويؤكد الضمان فيه خروج الوقوف بها عن وضع الطرق، وعن المحقق في حواشيه على هامش القواعد " لا يضمن إلا مع الوقوف لغير ضرورة وعدم علم الزالق بالروث والبول أو علم ولم يتمكن من التحرز " (2) كما عن الشهيد والفاضل في التحرير ترجيح الضمان مع الوقوف (3). قلت: لا يخفى عليك ما فيه بعد ما ذكرناه سابقا من أصالة عدم الضمان بذلك بعد جعل الشارع عنوان الضمان صدق كونه سببا عرفا على أن ذلك ليس من أفعاله وكونها في يده لا يقتضي نسبة ذلك إليه، ودعوى استفادته مما ورد في حفر البئر في الطريق ونحوه مما يضر به كما ترى، مضافا إلى السيرة المستمرة على عدم التحرز عن ذلك وعدم وجوب إزالته وعدم الضمان لما يترتب عليه من غير فرق بين الماشية والواقفة إذ الوقوف جائز له أيضا مع عدم تضرر المارة به وحينئذ فالاصل بحاله، ولعل اقتصار المصنف وغيره على نسبة ذلك للشيخ مشعر بعدم الموافقة عليه. (وكذا) قال الشيخ يضمن أيضا (لو ألقى قمامة المنزل المزلقة كقشور البطيخ أو رش الدرب بالماء) فزلق به إنسان مثلا، ووافقه على إطلاقه غيره ولكن في المتن (والوجه اختصاص ذلك بمن لم ير الرش أو لم يشاهد القمامة) ولعله إليه يرجع ما في القواعد، فإنه بعد أن أطلق الضمان بذلك قال: " ولو تعمد


(1 و 2 و 3) مفتاح الكرامة ج 10 ص 304.

[ 128 ]

المار وضع الرجل عليه وأمكنه العدول فلا ضمان " ولعله لقوة المباشر. وعلى كل حال فقد استدلوا بالتسبيب وعموم صحيحي (1) الكناني والحلبي، بل في كشف اللثام احتمال الضمان ببل الطين في الطريق ولو كان لمصلحة المارة، وفيه ما عرفته سابقا من ظهور النصوص في اعتبار العدوان بذلك في الضمان لا لان الا ذن الشرعية لا تستعقب ضمانا، بل لظهور نصوص الضمان بمثل ذلك فيه، فإن الصحيحين المزبورين ظاهران في المضر بالطريق ولا ريب في حرمة المعد لترتب الضرر منه وحينئذ فالمتجه في مثل الفرض تنقيح جواز ذلك في الطريق وعدمه، ولعل السيرة في جميع الاعصار والامصار مع الاصل تقتضي الجواز، واتفاق الضرر نادرا لا ينافي ذلك، فيتجه حينئذ عدم الضمان للاصل بعد الاذن الشرعية فيه التي قد عرفت غير مرة أنها أقوى من المالكية في دفع ذلك، بل لعل المنساق من الاذن في نحو ذلك مما تعلق به حق الغير عدم الضمان، نعم لو قلنا بعدم جوازه اتجه الضمان فيه وإن تعمد المشي فيه وكان له مندوحة عنه، لاطلاق أدلة الضمان به إلا إذا صار على وجه يكون أقوى منه في حصول التلف، فتأمل جيدا. أما لو تلف به حيوان أو مجنون أو صبي غير مميز فلا إشكال في الضمان مطلقا. ولو بنى دكة على باب داره في الطريق المسلوك أو غرس شجرة فعثر به إنسان مثلا فمات ضمن لما تقدم من النصوص، وفيما كان منه للمصلحة العامة البحث السابق. وكذا الكلام في كل ما يصنعه في الطريق من حفر وبناء وغيرهما، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 1 - 2.

[ 129 ]

المسالة (التاسعة:) (لو وضع إناء) مثلا (على حائطه) أو حائط يباح له التصرف فيه أو شجرة كذلك (فتلف بسقوطه نفس أو مال لم يضمن) بلا خلاف ولا إشكال (لانه تصرف في ملكه من غير عدوان) كما سمعته فيما لو بنى في ملكه، نعم لو وضعه مائلا إلى الطريق ضمن كما في القواعد وغيرها نحو الحائط المائل، بل لو وضعه على وجه يسقط مثله، ففيه البحث السابق في الحائط المبني في ملكه بغير أساس. المسالة (العاشرة:) (تجب حفظ دابته الصائلة كالبعير المغتلم والكلب العقور) الذي اقتناه والفرس العضوض والبغل الرامح ونحو ذلك، بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لقاعدة الضرر (و) غيرها، بل (لو أهمل ضمن جنايتها) بلا خلاف ولا إشكال، لصحيح الحلبي أو حسنه عن الصادق عليه السلام " إنه سئل عن بختى اغتلم فقتل رجلا فجاء أخو الرجل فضرب الفحل بالسيف فعقر فقال: صاحب البختى ضامن للدية ويقتص ثمن بختيه " (1) وخبر علي بن جعفر " سأل أخاه عليه السلام عن بختى اغتلم فقتل رجلا ما على صاحبه ؟ قال: عليه الدية " (2). ولا يعارض ذلك النبوي " القحماء جبار " (3) بعد قصوره من وجوه، فيجب حمله على غير المفروض أو غير المملوك أو التي لم يفرط في حفظها أو التي فرط التالف بالتعرض بها، كقول الصادق عليه السلام في مرسل يونس: " بهيمة الانعام


(1 و 2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 1 و 3. (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب موجبات الضمان.

[ 130 ]

لا يغرم أهلها شيئا ما دامت مرسلة " (1) بل لعل المراد من الارسال كونها غير صائلة أو مجهولة الحال أو المراد ما دامت من شأنها الارسال بأن لا تكون صائلة، بل قد يحتمل كون " لا يغرم " من باب الافعال أو التفعيل أي يغرم من جنى عليها للدفع شيئا. (و) كذا لو جنت عليها دابة اخرى نعم (لو جهل حالها أو علم ولم يفرط فلا ضمان) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالحلي والفاضلين وغيرهم، ولعله للاصل والنبوي (2) " بل والمرسل (3) بعد الشك في تناول الاطلاق المزبور له ولو للشهرة. وخبر مسمع بن عبد الملك (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا صال الفحل أول مرة لم يضمن صاحبه فإذا ثنى ضمن صاحبه " بناء على أن المراد منه الاشارة إلى التفصيل المزبور باعتبار أنه أول مرة لا يعلمه المالك بخلاف المرة الثانية بل والاولى مع طولها بحيث علم به واستمر كذلك بعد العلم قادرا على حفظه. (ولو جنى على صائلة جان للدفع) عن نفسه أو نفس محترمة أو مال كذلك (لم يضمن) بلا خلاف ضرورة أولويته من هدر النفس له، نعم ينبغي الاقتصار على مقدار ما يحصل به الدفع كما مر مفصلا في الدفاع (ولو كان) ما جناه عليه (لغيره) أي الدفاع (ضمن) بلا خلاف أيضا حتى لو كان انتقاما، بل ولا إشكال لعموم أدلة الضمان، وخصوص حسن الحلبي السابق أو صحيحه (5)


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب موجبات الضمان. (3) أي مرسل يونس الذى مر آنفا. (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 131 ]

وهو مراد الشيخ من قوله في النهاية: " فإن كان الذي جنى عليه البعير ضرب البعير فقتله أو جرحه كان عليه بمقدار ما جنى مما ينقص من ثمنه يطرح من ديته ما كان جنى عليه البعير " (1) فلا وجه لما عن السرائر من مناقشته " بأنه غير واضح لان الذي يقتضيه اصول مذهبنا أن لا ضمان بضرب البعير لانه بفعله محسن " إذ قد عرفت أن المراد ضربه بعد الجناية عليه لا للدفع أو مع اندافعه بدونه، والله العالم. (وفي ضمان جناية الهرة المملوكة تردد قال الشيخ: يضمن بالتفريط مع الضراوة) وتبعه ابن حمزة وابن إدريس والفاضل وثاني الشهيدين وغيرهم إلحاقا له بالبعير المغتلم والكلب العقور وغيرهما من الدواب التي قد عرفت الضمان بها مع التفريط. (و) لكن في المتن (هو بعيد إذ لم تجر العادة بربطها) وحفظها بخلاف الدواب إلا أنه كما ترى ضرورة ندرة الضراوة في هرة مملوكة لمعين فلا وجه للاستناد إلى العادة في ذلك، ومن هنا لم أجد قولا بعدم الضمان وإن أرسله بعض الناس. نعم للعامة في ضمانها أربعة أوجه: الضمان مطلقا، وعدم الضمان مطلقا (2) والضمان بالليل دون النهار، لان انتشارها غالبا فيه، والعكس، لقضاء العادة بحفظ ما تقصده الهرة بالليل، بل ظاهرهم البحث في ضمان ما تتلفه الهرة مطلقا ضارية أولا وهو مقام آخر يجرى مثله في الدواب، نعم لم نجد هنا محررا في كلامهم، بل ربما أشعر تقييدهم البعير هنا بالمغتلم ونحوه باختصاص الضمان فيه إلا أن المتجه القول فيه بالضمان مع التفريط أيضا بما جرت العادة فيه من حفظها، بل لعل قوله في المرسل السابق (3) " ما دامت مرسلة " مشعر بذلك في الجملة، كما أن ما تسمعه من النص والفتوى في المسألة الحادية عشر دال عليه أيضا، أما مع عدمه فلا ضمان قطعا للاصل وغيره والنبوي (4) والمرسل (5)


(1) النهاية ج 2 ص 785. (2) كانت عبارة الاصل هنا ناقصة فأتممناء. (3 و 4 و 5) أشرنا الى مصادرها آنفا فراجع.

[ 132 ]

وغير ذلك. (نعم) في المتن والقواعد وغيرهما (يجوز قتلها) بل في المسالك ظاهرهم الاتفاق عليه كغيره من المؤذيات. وفي كشف اللثام " لعله لا شبهة في ذلك كغيره من المؤذيات " وظاهرهم الهدرية مع ذلك، وهو كذلك في مقام الدفاع، أما مع عدمه فقد عرفت تصريح النص والفتوى بضمانه، بل قد يشكل أصل جواز القتل، وإن جاز في الحيوان المؤذى غير المملوك، وما سمعته من ابن إدريس إن كان المراد به ما نحن فيه ففي اقتضاء قاعدة الاحسان جواز قتله منع واضح، لان له مالكا يجب عليه حفظه فلا إحسان في قتله، ومع التسليم فالمتجه الضمان جمعا بين الحقين، ولحسن الحلبي المزبور (1) وغيره من أدلة الضمان. المسالة (الحادية عشر:) (لو هجمت دابة على اخرى فجنت) الدابة (الداخلة) فعن الشيخين والديلمي والقاضي وابن حمزة (ضمن مالكها، وإن جنت المدخول عليها كان هدرا) بلا خلاف ولا إشكال للاصل وغيره، أما الاول فلخبر معصب بن سلام التميمي عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام " إن ثورا قتل حمارا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فرفع إليه وهو في اناس من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر فقال: يا أبا بكر اقض بينهم، فقال: يا رسول الله بهيمة قتلت بهيمة ما عليها شئ، فقال: يا عمر اقض بينهم، فقال مثل قول أبي بكر، فقال: يا علي اقض بينهم فقال: نعم، يا رسول الله، إن كان الثور دخل الحمار في مستراحه ضمن أصحاب الثور وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليهم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده إلى السماء وقال: الحمد لله الذي جعل لي من يقضي بقضاء النبيين " (2) ونحوه خبر سعد بن طريف


(1) أشرنا الى مصدرها آنفا فراجع. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

[ 133 ]

الاسكاف (1) عن أبي جعفر عليه السلام مع اختلاف، إلا أن ضعف سندهما مع عدم الجابر يمنع من العمل بهما على الاطلاق. (و) لذا قال المصنف وغيره من المتأخرين: (ينبغي تقييد الاول بتفريط المالك في الاحتفاظ) بل يمكن إرادة ذلك من الخبرين، بل ومن الشيخ ومن تبعه خصوصا بعد ملاحظة ما ذكره في البعير المغتلم من اعتبار التفريط في الضمان أما مع عدمه فلا ضمان للاصل والنبوي (2) ومرسل الحلبي " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن فأفلت فرس لرجل من أهل اليمن ومر يعدو فمر برجل فنفحه (3) برجله فقتله فجاء أولياء المقتول إلى الرجل فأخذوه فرفعوه إلى علي عليه السلام فأقام صاحب الفرس البينة عند علي عليه السلام أن فرسه أفلت في داره ونفح (4) الرجل فأبطل علي عليه السلام دم صاحبهم، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله إن عليا عليه السلام ظلمنا وأبطل دم صاحبنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عليا عليه السلام ليس بظلام (5) ولم يخلق للظلم إن الولاية لعلي عليه السلام من بعدى والحكم حكمه والقول قوله، ولا يرد ولايته وقوله وحكمه إلا كافر، ولا يرضى ولايته وقوله وحكمه إلا مؤمن، فلما سمع اليمانيون قول رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام، قالوا: يا رسول الله رضينا بحكم علي عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو توبتكم مما قلتم " (6).


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 (2) أي قوله صلى الله عليه وآله: العجماء جبار. (3) في الاصل: " فبعجه " ولكن في التهذيب والكافي والامالي والوسائل كما أثبتناه فراجع. (4) في الاصل: " بعج " ولكن في مصادر الحديث: " نفح ". (5) في الاصل: " ليس مبطلا له " ولكن في مصادر الحديث كما أثبتناه. (6) الكافي ج 7 ص 352 التهذيب ج 10 ص 228، الامالى للصدوق ص 211 المجلس 55، الوسائل الباب - 20 - من أبواب الضمان الحديث الاول.

[ 134 ]

ومنه يستفاد الضمان مع التفريط الذي قد عرفت إجماع المتأخرين عليه، بل قد يستفاد منه أيضا الحكم بالضمان بجناية الدابة ما لم يثبت المالك عدم التفريط، ولعله لذا أطلق في الخبر المتضمن قضاء علي عليه السلام بل ومن أفتى بمضمونه، وإن كان الذي يظهر من المصنف وغيره اعتبار ثبوت التفريط في الضمان وإلا فلا ضمان، للاصل وإطلاق " جبار القحماء " وغير ذلك، والمسألة غير محررة وإن كان الاخير لا يخلو من قوة لعدم جابر للحجية للخبرين بالنسبة إلى ذلك كما أنه قد يشهد للاول إطلاق النص (1) في ضمان البختي المغتلم من دون اعتبار للعلم بتفريطه، ولكن ظاهر الفتاوى خلافه. والله العالم. المسالة (الثانية عشر:) (من دخل دار قوم فعقره كلبهم ضمنوا إن دخل بإذنهم وإلا فلا ضمان) بلا خلاف أجده بل قيل قد يظهر من المبسوط الاجماع عليه، لكونه كمن وقع في البئر مع الاذن في الدخول، بخلاف ما إذا لم يأذن فانه متعد كما لو وقع في البئر، ولخبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم فعقره كلبهم فقال: لا ضمان عليهم فإن دخل بإذنهم ضمنوا " (2). وخبر زيد بن علي عن آبائه، عن علي عليه السلام " انه كان يضمن صاحب الكلب إذا عقر نهارا ولا يضمنه إذا عقر بالليل وإذا دخلت دار قوم باذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون وإذا دخلت بغير إذنهم فلا ضمان عليهم ". (3) ولعل التفصيل الاول فيما إذا عقر خارج الدار وقد فرطوا في حفظه والثاني فيما إذا عقر داخلها، فلا منافاة.


(1) راجع الوسائل الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان. (2 و 3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 و 3.

[ 135 ]

والمرسل عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت له: جعلت فداك رجل دخل دار قوم فوثب كلبهم عليه في الدار فعقره فقال: إن كان دعي فعلى أهل الدار أرش الخدش وإن لم يدع فلا شئ عليهم " (1). بل إطلاق النص والفتوى يقتضى عدم الفرق بين أن يكون الكلب حاضرا في الدار عند الدخول وعدمه، ولا بين علمهم بكونه يعقر الداخل وعدمه، ولو أذن بعض من في الدار دون بعض فإن كان ممن يجوز الدخول بإذنه اختص الضمان به وإلا فكما لو لم يأذن، ولو اختلفا في الاذن وعدمه فالقول قول منكره للاصل. ثم إن المنساق بل كاد يكون صريح قوله عليه السلام " دعي " اعتبار الاذن الخاصة دون العامة، ويؤيده الاصل وغيره، والله العالم. المسالة (الثالثة عشر:) (راكب الدابة يضمن ما تجنيه بيديها) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل عن الخلاف والغنية وغاية المرام وظاهر المبسوط الاجماع عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، كخبر علاء بن الفضيل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " إنه سأل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته فتصيب برجلها فقال: ليس عليه ما أصابت برجلها وعليه ما أصابت بيدها وإذا وقفت فعليه ما أصابت بيدها ورجلها وإن كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها أيضا ". وصحيح الحلبي (3) عنه عليه السلام أيضا " انه سئل عن الرجل يمر على طريق


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (3) الكافي ج 7 ص 351، الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 3 .

[ 136 ]

من طرق المسلمين فتصيب دابته إنسانا برجلها فقال: ليس عليه ما أصابت برجلها ولكن عليه ما أصابت بيدها لان رجلها خلفه إن ركب وإن كان قائدها فإنه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء ". ونحوه صحيح سليمان بن خالد (1) عنه عليه السلام أيضا بأدنى تفاوت. وخبر أبي مريم (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في صاحب الدابة أنه يضمن ما وطأت بيدها ورجلها، وما بعجت برجلها فلا ضمان عليه، إلا أن يضربها إنسان ". ونحوه خبر غياث (3) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام - المحمولين على الراكب جمعا بينهما وبين غيرهما -. (و) خبر السكوني (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه ضمن القائد والسائق والراكب، فقال: ما أصابت الرجل فعلى السائق وما أصابت اليد فعلى الراكب والقائد " المحمول عليه ما في خبره أيضا (5) " إن عليا عليه السلام كان يضمن القائد والسائق والراكب " إلى غير ذلك من النصوص المعتضده بما عرفت، بل مقتضي إطلاق الجميع الضمان وإن لم يكن عن تفريط. نعم (فيما تجنيه برأسها) فيه (تردد) للاصل، وقاعدة الاقتصار على المتيقن فيما خالفه من الضمان مع عدم التفريط، وإطلاق النبوي (6) ولكن


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 9. (2) التهذيب ج 10 ص 227، الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4 الكافي ج 7 ص 353 وفيه نفحت مكان بعجت. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4 - الفقيه ج 4 ص 156 - التهذيب ج 10 ص 224. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 5. (5) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 11. (6) الذى مر سابقا وهو: " العجماء جبار "

[ 137 ]

(أقربه الضمان لتمكنه من مراعاته) المستفاد من التعليل في صحيحي الحلبي وسليمان (1) وفاقا للشيخين والحلي والفاضلين والشهيدين وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل ما في الرياض نسبته إلى الاكثر بل ظاهر محكى المبسوط الاجماع عليه وإن اقتصر فيه كالمقنعة على ذكر الفم إلا أن الظاهر إرادته الاعم من ذلك بل الظاهر ضمان بجميع مقاديم البدن للتعليل المزبور، بل لم أجد قائلا صريحا بعدم الضمان وإن استطهر من اقتصار المراسم والغنية والخلاف والنافع على ضمان اليدين، إلا أنه كما ترى ليس خلافا صريحا. والاصل مقطوع بما عرفت والنبوي مقيد به. بل عن ظاهر الوسيلة أو صريحها ضمان ما تجنيه برجلها أيضا وإن لم نجد له موافقا، بل عن الخلاف الاجماع على خلافه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص وغيرها، بل ولا دليلا إلا خبر إسحاق بن عمار عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام " إن عليا عليه السلام كان يضمن الراكب ما وطئت الدابة بيدها ورجلها إلا أن يعبث بها أحد فيكون الضمان على الذي عبث بها " (2) لكنه قاصر عن معارضة ما سمعت من وجوه، فالمتجه حينئذ حمله على صورة التفريط، أو على ما إذا كانت واقفة دون السائرة، على أن أقصاه الا طلاق المحمول على التقييد المستفاد من خبر العلاء بن الفضيل (3). هذا كله مع فرض الركوب على المعتاد أما مع فرضه على خلافه بأن كان وجهه إلى خلف الدابة احتمل قويا العكس في الضمان، لمفهوم التعليل المزبور، وكونه كالسائق في ضمان الجميع إن لم يضطر إلى الركوب كذلك،


(1) وهما المذكوران آنفا. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان، الحديث 10 - التهذيب ج 10 ص 226 - الاستبصار ج 4 ص 284 وفي الاول: " بيدها أو رجلها " وفى الاخيرين " بيدها ورجلها " فراجع. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2.

[ 138 ]

أما اليدان فلاطلاق النص والفتوى، وأما الرجلان فلانه حينئذ يملكهما، إلا أنه كما ترى بعد انسياق غير ذلك من الركوب. نعم قد يقال باندراج الركوب وكلا رجليه إلى ناحية واحدة فيه، بل لعل التعليل أيضا منطبق عليه، ويحتمل اعتبار التفريط وعدمه اقتصارا على المتيقن فيما خالف الاصل. ومن ذلك قد يقوى الاقتصار في الضمان المزبور على المباشرة دون التسبيب بمعنى أنه لو أصاب شئ من موقع السنابك عين إنسان مثلا فأبطل ضوءها، أو أتلفت برشاش ماء خاضه لم يضمن وإن استشكل فيه في القواعد، مما عرفت ومن تناول الاطلاق لمثله، بل لم يرجح أحد الطرفين في كشف اللثام ومحكي الايضاح، بل عن الشهيد أن الضمان قوى إلا أن الاقوى الاول، نعم قد يقال بالضمان بمثل ذلك مع التفريط كما عن الكركي، فتأمل جيدا. (وكذا) الكلام في (القائد) بمعنى ضمانه ما تجنيه بيدها ورأسها دون رجليها ما لم يكن عن تفريط فإن البحث فيه على حسب ما سمعته في الراكب دليلا وقائلا أو إجماعا (1) محكيا ونفي خلاف وغير ذلك مما عرفته حتى الاجماع المحكي عن الخلاف على عدم ضمان ما تجنيه برجلها مع زيادة حكايته عن الغنية أيضا، فلا حاجة إلى إعادة الكلام. (ولو وقف بها ضمن ما تجنيه بيديها ورجليها) بلا خلاف أجده فيه لخبر العلاء بن الفضيل السابق، بل الظاهر ضمان ما تجنيه مطلقا ولو برأسها وغيره، وإن اقتصر المصنف كالمحكي عن المبسوط على اليدين والرجلين اعتمادا على ما ذكره في الراكب، بل الظاهر أيضا عدم الفرق في ذلك بين الطريق الضيق والواسع والمفرط وغيره والراكب والقائد والسائق عملا بإطلاق النص والفتوى الذي لا ينافيه عدم العدوان في الوقوف مع الحاجة أو الضرورة وإن كان قد يناقش في صورة عدم التفريط وعدم التعدي بالوقوف بالنسبة إلى ضمان جنايتها برجلها


(1) واجماعا (ظ) .

[ 139 ]

بمنافاته للاصل وظهور التعليل بخلافه، بل لعل إطلاق عدم ضمان الراكب والقائد جناية الرجل شامل للواقف وغيره، اللهم إلا أن يكون إجماعا أو شهرة يرجح بها (1) ظاهر خبر العلاء المزبور عنه، والله العالم. (وكذا) لا خلاف أجده في ضمانه (إذا ضربها فجنت) بيدها أو رجليها بل أو غيرهما، سائقا كان أو راكبا، وقائدا لحاجة أو غيرها، مع التفريط وبدونه، ولعله لتحقق نسبة الجناية إليه فتشمله العمومات، مضافا إلى فحوى ما تسمعه من النصوص الآتية في ضرب الغير الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وكذا لو ضربها غيره ضمن الضارب) ما تجنيه مطلقا ولو على الراكب وغيره، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن الغنية الاجماع عليه، لما عرفت من تحقق النسبة إليه، وصحيح الحلبي أو حسنه (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره ويعقر دابته رجل آخر قال هو ضامن لما كان من شئ " وقوله عليه السلام أيضا في حسنه (3) " أي رجل فزع رجلا على الجدار أو نفر به عن دابته فخر ومات فهو ضامن لديته وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه " وخبر أبي مريم السابق (4) وغيره. نعم ينبغي تقييده بما إذا لم يكن للدفع لها عن نفسه كما عن الوسيلة والغنية والسرائر وغيرهما التصريح به للاصل بعد الشك في اندراجه في إطلاق الادلة خصوصا مع ملاحظة خبر أبي بصير (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كان


(1) في بعض النسخ: يرجع مكان يرجع. (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (3) الكافي ج 7 ص 353، التهذيب ج 10 ص 227، الوسائل الباب - 15 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4. (5) الوسائل الباب - 21 - من أبواب قصاص النفس الحديث 3.

[ 140 ]

راكبا على دابته فغشى رجلا ماشيا حتى كاد يوطئه فزجر الماشي الدابة عنه فخر عنها فأصابه موت أو جرح قال: ليس الذي زجر بضامن إنما زجر عن نفسه " ونحوه خبره الآخر (1) عنه عليه السلام أيضا على اختلاف في ألفاظه وزيادة " وهي الجبار " كخبر معلى بن عثمان (2) عنه عليه السلام أيضا على اختلاف في ألفاظه مع الزيادة، لكن قد يقال: " إن ذلك كذلك بالنسبة إلى الراكب المفرط في غشيانه ". أما ما جنته على غيره ممن كان خلفه فقد يشكل عدم ضمانه باعتبار كون التلف مستندا إليه ولو بالتوليد من فعله، فتأمل جيدا فإن التعليل قد يفهم منه من العموم لغيره، والله العالم. (وكذا السائق يضمن ما تجنيه) إجماعا عن الغنية ولعله كذلك إذ لا خلاف أجده فيه بين من تعرض له منا كالشيخ وابن حمزة والفاضلين والشهيدين وغيرهم بل عن الخلاف نفيه بين المسلمين عن ضمان ما تجنيه بيديها ورجليها مضافا إلى ما سمعته في خبر العلاء بن الفضيل (3) وما يفهم من التعليل السابق باعتبار كون جميها قدامه، والتفصيل في خبر السكوني (4) السابق المشعر باختصاص الضمان بالرجل محمول على إرادة بيان مجرد الفرق في الجملة بين السائق وغيره، خصوصا بعد عدم القائل به، بل مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين المفرط وعدمه. ولو كان لها سائق وقائد وراكب، فالظاهر الاشتراك فيما فيه الاشتراك والانفراد فيما فيه الانفراد، (5) وكذا السائق والقائد أو الراكب، وهو مع القائد، ولو كان المقود والمسوق قطارا ففي إلحاق الجميع بالواحد حكما وجهان،


(1 و 2) الوسائل الباب - 37 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 5. (5) كانت عبارة بعض النسخ هكذا: الاشتراك فيما فيه الاشتراك والانفراد، والانفراد فيما فيه...

[ 141 ]

من صدق القود والسوق كما عن الوسيلة، ومن فقد علة الضمان وهي القدرة على حفظ ما ضمن جنايته، فإن القائد لا يقدر على حفظ يدى ما تأخر عن الاول، وكذا السائق بالنسبة إلى غير المتأخر (1) ولعل هذا أقوى، نعم قد يقال بضمان سائق المتعدد غير القطار لكن الاولى اعتبار التفريط في الضمان في غير المنساق من النصوص، والظاهر الاشتراك في الضمان مع تعدد السائق والقائد، ومنه يعلم الحال فيما لو ركب واحدا وقاد الباقي أو قطره فإنه يتعلق به حكم المركوب وأول المقطور بخلاف الثالث الذي لا يتمكن من حفظه، ولو ساق واحدا أو أكثر مع كونه راكبا قائدا للبعض تعلق به ضمان مركوبه ومقوده ومسوقه، وبالجملة فالمدار على ما عرفت من ضمان كل ما هو منساق من النصوص وإن لم يكن بتفريط، أما غيره فالظاهر اعتباره فيها. (ولو ركبها رديفان تساويا في الضمان) كما صرح به غير واحد بل لا أجد فيه خلافا، بل في كشف اللثام " الاصحاب قاطعون به " قلت: لعله لصدق الراكب على كل منهما، ولخبر سلمة بن تمام (2) المنجبر بما عرفت " عن علي عليه السلام في دابة عليها رديفان فقتلت الدابة رجلا أو جرحت فقضى في الغرامة بين الرديفين بالسوية " لكن مع ذلك قال في كشف اللثام: " فيه تردد " وهو على إطلاقه في غير محله نعم لو كان أحدهما ضعيفا لمرض أو غيره مكتوفا اختص الضمان بالآخر الذي هو المالك لامرها، وكذا المراد فان على خلاف المعتاد. وعلى كل حال فراكبا المحمل أولى بالضمان من المترادفين. (ولو كان صاحب الدابة معها ضمن دون الراكب) كما في النافع والقواعد


(1) كانت عبارة الاصل مغلوطة فصححناه طبقا لعبارة مفتاح الكرامة ج 10 ص 216 فراجع. (2) الوسائل الباب - 43 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 142 ]

واللمعة وغيرها، ولعله لاطلاق خبر أبي مريم (1) السابق وغياث - الذين قد عرفت حملهما على الراكب - ومن هنا قيده غير واحد بما إذا كانت المراعاة موكولة إليه بأن لم يكن الراكب من أهلها كالطفل والمجنون والمريض ونحوهم ممن لا إشكال في ضمانه حينئذ دونهم، بل عن الغنية الاجماع على ضمانه إذا كان حاملا عليها من لا يعقل، بل في كشف اللثام " أو شرط عليه ذلك " ولكن ذلك لا يخص المالك كما أنه لا يخص الراكب، بل لا ضمان على القائد مع فرض كون المراعاة موكولة إلى المالك دونه، فالمتجه حينئذ كون المالك كغيره في الضمان باعتبار كونه سائقا أو قائدا أو راكبا ولو رديفا أو موكولا إليه حفظ الجميع، فقد ينفرد، وقد يشترك مع غيره كما عرفته في الصور السابقة. وضمان المالك مع التفريط في حفظ دابته لا ينافي ضمان الراكب أيضا وإن لم يفرط لاطلاق الادلة السابقة، نعم يختص هو بضمان ما يتلفه من حيث التفريط بحفظها في غير حال الركوب دون راكبها ولعل هذا مراد من أطلق فتأمل جيدا. (و) على كل حال (لو ألقت الراكب لم يضمنه المالك) كما صرح به الفاضل وغيره، للاصل وغيره (إلا أن يكون بتنفيره) فيضمن حينئذ لما عرفت أو يكون الراكب صغيرا أو مريضا لا يتمكن من الاستقلال عليها فصحبه المالك لحفظه فيضمن، كما لو فرط في حفظ متاع حمله عليها، وكذا لو كان من عادتها الالقاء وكان المالك عالما ولم يخبر الراكب ضمن أيضا. (ولو أركب مملوكه دابة ضمن المولى جناية الراكب) كما عن الشيخ والقاضي لصحيح ابن رئاب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل حمل عبده على دابته فوطئت رجلا قال: الغرم على مولاه " (و) لكن (من الاصحاب) وهو ابن إدريس (من شرط صغر المملوك) لتفريطه حينئذ بإركابه مع صغره (وهو


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4 وخبر غياث اشير إليه في ذيل خبر أبى مريم فراجع ص 136. (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 143 ]

حسن و) ذلك لان الموافق للضوابط المتقدمة في غير المقام أنه (لو كان بالغا كانت الجناية في رقبته إن كانت على نفس آدمي) أو طرفه (ولو كانت على مال لم يضمن المولى، وهل يسعى فيه العبد ؟ الاقرب أنه يتبع به إذا اعتق) كما في القواعد وغيرها على حسب غير المقام لاطلاق الادلة ومعلومية عدم ضمان المولى شيئا من جناياته، لا في نفس ولا في مال، نصا وفتوى، بل يمكن حمل كلام الشيخ والقاضي على الصغير خاصة باعتبار تعبيرهما بالاركاب الظاهر كالحمل الموجود في الصحيح (1) في عدم كماله، على أن التعلق برقبته من الغرم على المولى، وحينئذ فلا خلاف في المسألة وإن كان ظاهر المتن ذلك، بل في كشف الرموز نسبة التفصيل المزبور إلى ابن إدريس، قال: وباقي الاصحاب أطلقوا، كما أنه في المسالك نسب الاطلاق إلى الشيخ وأتباعه، وفي التنقيح إلى الاكثر. نعم ربما استظهر من ابن إدريس اختصاص ضمان المولى للصغير في خصوص ما إذا كانت الجناية على آدمي دون المال، ولعله اقتصار على ظاهر الصحيح المزبور، لكن قد عرفت أنه مؤكد لما يقتضيه التفريط بإركابه وإهمال الدابة الواجب عليه حفظهما، وهذا لا تفاوت فيه بين النفس والمال، ومن هنا أطلق المصنف وغيره ضمان المولى جنايته، بل ظاهرهم أن القول بالتفصيل منزل على ذلك أيضا، ولعلهم حملوا ما في محكي السرائر من عدم ضمان المال على خصوص الكبير بمعنى أن جنايته على نفس تتعلق برقبته دون المال لا بالنسبة إلى الصغير الذي جنايته في المقام على مولاه من غير فرق بين النفس والمال، والخبر (2) إنما ذكر فيه وطء الرجل فلا ينفى غيره المستفاد من قاعدة التفريط. ولو دخلت دابته زرعه المحفوف بزرع الغير لم يجز له إخراجها إليه مع أدائه إلى إتلاف زرع الغير بل يصبر وإن أتلفت زرعه أجمع، فإن لم يصبر


(1) أي صحيح ابن رثاب الذى مر آنفا. (2) أي خبر ابن رثاب.

[ 144 ]

وأخرجها أثم وضمن ما يتلف من زرع الغير، كما أنه يضمن ما يتلفه بالخروج والدخول مع تفريطه، وكذا لو كانت الدابة لغيره، بل الظاهر عدم ضمان المالك لها ما تتلفه من الزرع مع الصبر إذا لم يكن قد فرط، وإن توقف فيه الفاضل في القواعد، قال: " ولو دخلت زرعه المحفوف بزرع الغير لم يكن له إخراجها إليه مع الاتلاف بل يصبر ويضمن المالك مع التفريط، ومع عدمه إشكال " لكن لم يظهر لنا وجه معتد به لاشكاله وإن ذكر ولده وغيره من شراحه أنه إن استند التلف إلى دابته فيضمن كما لو أدخلت رأسها في قدر ولم يمكن التخلص إلا بالكسر، إلا أنه كما ترى لا يرجع إلى حاصل معتد به. نعم لو فرض الامر على حال يكون كما لو دخلت الدابة دار الغير من غير تفريط من المالك ولا من صاحب الدار وتوقف خروجها على هدم بعض الدار مثلا ونحو ذلك، كان مما تزاحمت فيه الحقوق الذي تقدم بعض الكلام فيه في محله، وليس الصبر على إتلافها لما في إخراجها من إتلاف مال الغير مع عدم تفريط المالك من هذا القبيل، ضرورة كونه كالضرر بآفة سماوية ونحوها مما لا مدخلية للمالك فيه، كما هو واضح.

[ 145 ]

(البحث الثالث) (في تزاحم الموجبات) وقد تكرر غير مرة في كتاب الغصب وكتاب القصاص وغيرهما. أنه (إذا اتفق المباشر والسبب) وتساويا أو كان المباشر أقوى (ضمن المباشر) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه (كالدافع مع الحافر، والممسك مع الذابح، وواضع الحجر في الكفة مع جاذب المنجنيق) إلا مع ضعف المباشر بالغرور (و) نحوه كما (لو جهل المباشر حال السبب) فإنه متى كان كذلك (ضمن المسبب كمن غطى بئرا حفرها في غير ملكه) ونحوه مما يجوز له الحفر فيه (فدفع غيره ثالثا ولم يعلم) بالبئر، (ف‍) - ان (الضمان) فيه (على الحافر) لكونه أقوى من المباشر، (وكالفار من مخيفة إذا وقع في بئر) محفورة عدوانا (لا يعلمها) وإن لم يلجئه إلى سلوك هذا الطريق بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل نسبه غير واحد إلى الاصحاب مشعرا بالاجماع عليه وهو كذلك. نعم تردد المصنف في ضمان الحافر في الاول (1) لعموم تقديم المباشر على السبب مع أنه جزم به هنا كغيره من الاصحاب، والعموم المزبور لم نجده في خبر كي يستند إليه وإنما الاصل فيه الاتفاق المفقود في المقام، فلا وجه للتردد المزبور كما لا وجه للمناقشة في أصل القاعدة التي قد عرفت الاجماع عليها مضافا إلى صدق نسبة التلف إليه دونه فقد تقدم البحث في ذلك كله في كتاب الغصب فلاحظ وتأمل.


(1) في بعض النسخ بعد هذه الجملة هكذا: " فلا وجه للتردد " والظاهر زيادتها.

[ 146 ]

(ولو حفر في ملك نفسه بئرا وسترها ودعى غيره فالاقرب الضمان) كما في القواعد وغيرها، بل في المسالك أنه المشهور (لان المباشرة يسقط أثرها مع الغرور) بعدم الاخبار عمدا أو نسيانا، ولانه " لا يبطل دم امرء مسلم " (1) ولفحوى ضمان الداخل بالاذن فعقره كلبهم. ويحتمل عدم الضمان مع عدم تعمد الغرور للاصل وإطلاق عدم الضمان في الحفر في الملك في النصوص السابقة، بل ربما قواه بعض الناس. ولكن فيه عدم اعتبار قصد الغرور بما يترتب على فعل الغار الذي هو في الوجدان أقوى في حصول التلف من المباشرة فتأمل جيدا فإنه تقدم فيمن ناول إناء فيه سم لغيره ولم يعلم به ماله نفع في المقام، وإن كان المشابه له فرض وضعه السم في الاناء وقد نساه فناوله للغير والظاهر الضمان فيه بخلاف ما لو كان الواضع غيره والله العالم. (ولو اجتمع سببان ضمن من سبقت الجناية بسببه)، وإن كان حدوثه متأخرا أو مصاحبا (كما لو ألقى حجرا في غير ملكه وحفر الآخر بئرا فلو سقط العاثر بالحجر في البئر فالضمان على الواضع) الذي سبقت الجناية بسببه المقتضى لضمانه، فيستصحب حكم أثر السبب الاول وبه رجح على السبب الثاني الذي قد صار بالنسبة إلى الاول كالشرط للمباشر. وكذا لو حفر بئرا عدوانا ونصب آخر سكينا ووضع آخر حجرا فعثر بالحجر ثم وقع في البئر فأصابته السكين فإن الواضع حينئذ كالدافع في البئر المزبورة. (هذا مع تساويهما في العدوان ولو كان أحدهما عاديا كان الضمان عليه) خاصة كما لو حفر بئرا مثلا في ملكه ووضع المتعدي حجرا فتعثر به إنسان أو


(1) هذه الجملة منقولة عن على عليه السلام كما تقدم. راجع الوسائل الباب - 10 - من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

[ 147 ]

العكس فإن الضمان على المتعدي منهما في الصورتين، أما الاولى التي اجتمع فيها السبق والعدوان، فواضح، وأما الثانية فلانتفاء الضمان عن المالك بانتفاء العدوان فيختص بالسبب الآخر. نعم يجئ على ضمان الاشتراك وجوب نصف الجناية على المتعدي وسقوط النصف الآخر كما لو هلك بالتعدي والسبع مثلا، (وكذا لو نصب سكينا في بئر محفورة في غير ملكه) عدوانا (فتردى إنسان على تلك السكين) فإن (الضمان على الحافر ترجيحا للاول) الذي سبقت الجناية بسببه وإن كان لولا السكين ما قتل، (وربما خطر في البال التساوي في الضمان لان التلف لم يتمحض من أحدهما) والفرض أن كلا منهما متعد ولا دليل على الترجيح بالسبق، أو الضمان على ذي السبب الاقوى وإن كان متأخرا في الجناية، كما لو كان السكين قاطعا موجبا. و (لكن الاول) مع أنه أشهر (أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها استصحاب ضمانه السابق جناية، بل لا حاصل للثاني منهما فإن السكين وإن كان قاطعا لكن لا يضمن إلا أن يوقعه عليه، والفرض أنه لم يقع عليه إلا بالتردي في البئر الذي كان سببه وضع الحجر مثلا فصار حينئذ كالدافع في البئر. ولو سقط الحجر بالسيل على طرف البئر المحفورة عدوانا فالمتجه بناء على ما ذكرنا ضمان الحافر لاختصاصه بالعدوان، ولكن في القواعد الاشكال فيه من ذلك ومن استناد التردي إلى الحجر، وفيه أنه لا استناد عرفي في الشرائط وإنما العمد إطلاق أدلة الضمان والفرض عدمه في غير العدوان، والله العالم. ولو حفر بئرا قريب العمق فعمقها غيره كان الضمان على الاول للسبق، وفي القواعد احتمال الاشتراك لاستناد التلف إلى سبب واحد اشتركا فيه فإن المتلف إنما هو التردي في البئر بمالها من العمق، بل عن الفخر والكركي اختياره، وعن الشهيد أنه المنقول، وعن الاردبيلي احتمال اختصاص الضمان بالثاني لكنه

[ 148 ]

كما ترى، بل والاول لما عرفت من اختصاص الضمان بالسابق أثرا ضرورة عدم الفرق بين الفرض وبين الاول فان الحفر المتأخر أثرا كالسكين الموضوعة في البئر مثلا والتسامح العرفي في اتحاد السبب غير مجد، نعم لو اشتركا في الحفر نفسه جميعه اتجه ذلك، والله العالم. ثم على الاشتراك فالظاهر التسوية، وفي كشف اللثام احتمال التوزيع على القدر الذي أحدثه كل منهما، وهو مناف لقواعد الاشتراك، ثم قال: " والظاهر أن احتمال الاشتراك إنما يجري إذا كان ما أحدثه الثاني مما يستند إليه التلف عادة بأن لا يكون قليلا جدا وأما الاول فلابد من حفره حتى يبلغ ما يسمى بئرا فإنه المفروض " (1). قلت المدار على حصول التلف بهما وإن تفاوتا كالجروح المتعددة من شخص والجرح الواحد من آخر. ولو تعثر بحجر في الطريق فالضمان على واضعه لضعف المباشرة بعدم العلم، ولو تعثر به رجل فد حرجه ثم تعثر به آخر فالضمان على المدحرج لانه هو الذى وضعه موضعه هذا. نعم لو لم يشعر به ففي كشف اللثام " الدية على العاقلة لانه خطاء محض " وفيه بحث يعرف مما قدمناه من أن الشرائط جميعها ضمانها على المسبب دون العاقلة لاطلاق الادلة فتأمل. ومنه حينئذ يتجه الضمان على الصبى والمجنون في مقام يفرض حصوله منهما على وجه يقتضي الضمان كالحفر في ملك الغير دون عاقلتها، بل قد يقال بالضمان على الحافر عدوانا مثلا ولو بعد موته فضلا عن جنونه المتأخر عن ذلك لاطلاق ما يدل على التسبيب الذي لا تفاوت فيه بين المكلف وغيره كما في نظائر المقام فتأمل جيدا فإني لم أجده منقحا في كلامهم، والله العالم. (ولو سقط في حفرة) عدوانا (إثنان) مثلا (فهلك كل منهما بوقوع الآخر) فإن (الضمان على الحافر) الذي هو أقوى (لانه)


(1) كشف اللثام ج 2 ص 309.

[ 149 ]

بحفره العدواني الموجب للضمان صار (كالملقي) لهما فيها فيضمنهما وإن مات كل منهما بوقوع الآخر كما هو واضح، لكن في القواعد: " ولو تردى في بئر فسقط عليه آخر فضمانهما على الحافر وهل لورثة الاول الرجوع على عاقلة الثاني بنصف الدية حتى يرجعوا به على الحافر، إشكال " (1) ولعله لاستناد موت الاول إلى سببين، التردي، وسقوط الآخر عليه، فله الدية على الفاعلين بالسوية، ولما كان السقوط خطأ محضا كان النصف على عاقلته ويرجعون به على الحافر لانه السبب للسقوط. وفيه أن الوقوع المزبور لم يكن من فعله حتى يوصف بالخطاء، على أن السبب إن كان اقوى لم يضمن المباشر أصلا لا أنه يضمن ويرجع به على السبب كما هو واضح. ومن هنا لم يتوقف فيه في محكي التحرير كما أن المحكى عن الفخر والكركي اختيار الضمان على الحافر ابتداءا، والله العالم. (ولو قال ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة، فألقاه فلا ضمان) سلمت أو لم تسلم، بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالشيخين والفاضلين وثاني الشهيدين وغيرهم للاصل، كما لو قال أعتق عبدك فأعقته أو طلق زوجتك فطلقها، وخصوصا إذا كان النفع مختصا بالمأمور. وفي المسالك: " والفرق بينه وبين قوله أد ديني فأداه حيث يرجع عليه أن أداه دينه منفعة لا محالة وإلقاء المتاع قد يقضى إلى النجاة وقد لا يقضى فلا يضمن إلا مع التصريح به " (2) وهو كما ترى. نعم قد يقال الفارق الاجماع وأن المفهوم من الامر بالاداء التوكيل في ذلك، فيكون حينئذ بالاداء كالقرض عليه، كما أن المفهوم من الامر بالضمان عنه الرجوع به عليه بخلاف المفروض وقد تقدم في كتاب الضمان ماله نفع في المقام. نعم (لو قال) مع ذلك (وعلي ضمانه ضمنه دفعا لضرورة الخوف)


(1) مفتاح الكرامة ج 10 ص 321. (2) المسالك ج 2 ص 497.

[ 150 ]

التي شرع فيها ذلك بلا خلاف أجده فيه بيننا بل وبين غيرنا إلا من أبي ثور وهو شاذ لا يعتد به كما في محكى الخلاف، بل فيه أن عليه إجماع الامة عداه، كما عن المبسوط نفي الخلاف فيه من غيره، وكفى بذلك دليلا للمسألة، فلا وجه للتأمل فيه من حيث كونه ضمان ما لم يجب فهو وعد لا يجب الوفاء به إذ هو كالاجتهاد في مقابلة الاجماع. على أن الفاضل في محكي التذكرة قال: " لو قلنا: إنه جعالة خلصنا من الالزام " قلت: يمكن كونه توكيلا في استقراضه أو شيئا مشروعا في نفسه مؤيدا بعموم المؤمنون عند شروطهم وقاعدة الغرور وغيرهما. وعلى كل حال فيعتبر حينئذ قيمته لو كان قيميا حين الالقاء لانه وقت الضمان، وربما احتمل اعتبارها قبل هيجان الامواج لان المال لا قيمة له في تلك الحالة. وفيه أن المراد قيمته في نفسه. (ولو لم يكن خوف) وإن كان فيه نفع من خفة السفينة ونحوها (فقال: ألقه وعلي ضمانه، ففي الضمان تردد) من الاصل، وعدم دفع ضرورة الخوف، ونفي الخلاف الآتي، ومن عموم المؤمنون عند شروطهم، وقاعدة الغرور، وعموم الوفاء بالعقود، بناء على أن المفروض منه (أقربه أنه لا يضمن) وفاقا للشيخ والقاضي والفاضل وولده والكركي وغيرهم، بل عن المبسوط نفي الخلاف فيه، أو حكايته كما في كشف اللثام، بل في المسالك عنه الاجماع عليه. (وكذا لو قال مزق ثوبك وعلي ضمانه أو اجرح نفسك) وعلي أرشه (لانه ضمان ما لم يجب ولا ضرورة فيه) يشرع الضمان لهما والمباشر اقوى من السبب، بل المبسوط قيل لا خلاف فيه أو نفي الخلاف لاختلاف النسخ (1)، كما عن الايضاح وجامع المقاصد القطع بعدم الضمان مع الخلو عن النفع


(1) في المبسوط المطبوع حديثا: فاما إذا لم يخافوا الغرق وقال لغيره ألق متاعك في البحر ففعل لا يلزمه بلا خلاف وكذلك إذا قال له حرق ثيابك وعلى ضمانه لا يلزمه بلا خلاف المبسوط ج 7 ص 171.

[ 151 ]

بالكلية. بل في القواعد وكشف اللثام ومحكي الايضاح اعتبار عدم اختصاص فائدة الالقاء بصاحب المتاع في الضمان على القول المزبور وإلا بطل لانه فعل ما هو واجب عليه لمصلحة نفسه فلا يستحق به عوضا، كما لو قال للمضطر: كل طعامك وأنا ضامن. ولكن احتمل غير واحد الضمان عملا بإطلاق الفتاوى ومعقد الاجماع أو نفي الخلاف وغير ذلك مما عرفت وهو قوى جدا. وفي التحرير بنى الاحتمالين عليهما فيما إذا اشترك الخوف بينه وبين غيره فقال: " يحل له الاخذ إن لم نسقط الضمان هناك بالنسبة ولا يحل إن أسقطناه ". وفي كشف اللثام " قد يمكن الفرق والقول بالسقوط هنا وان لم يسقط هناك لشركة الغير في الخوف فتكون الشركة مصححة لعقد الضمان وإذا صح لزم مقتضاه " وفيه انه إن كان المانع من الصحة وجوب مثل ذلك عليه فهو في المقامين، وإن كان المقتضى لها مشروعية ذلك فقد عرفت إطلاق دليل المشروعية، وحينئذ فيختص الضامن بضمان الجميع وإن اشترك المالك مع الخوف، وربما احتمل التقسيط بنسبة المالك إلى الخائفين فإن كانوا عشرة سقط العشر لانه ساع في تخليص نفسه وإن تضمن تخليص الغير، ولكنه واضح الضعف كما اعترف به غير واحد. وحينئذ فلا فرق في الضمان على القول المزبور في الحال المذكور بين اختصاص صاحب المتاع به أو اشتراك غيره عدا الآمر، وبين اختصاص الآمر به أو مع اشتراكه مع غيره ولو المأمور أو غيره أو مع اختصاصه بغيرهما. وسواء كان الخوف على النفس، آدمي أو حيوان أو على المال، لعموم مقتضى الصحة في الجميع. وأولى منه ما لو باشر الضامن إلقاء مال غيره بعد ضمانه له.

[ 152 ]

وبذلك ظهر لك الحال في الاقسام الخمسة التي ذكرها في المسالك (1) وغيره. نعم لو ألقى المالك بنفسه متاعه لخوف على نفسه أو غيره لم يضمنه أحد للاصل وغيره. قيل: (2) " والفرق بينه وبين إيجار المضطر في حلقه الذي يرجع عليه بقيمة الطعام بأن ملقى المتاع إن شمله الخوف فهو ساع في تخليص نفسه مؤد واجبا عليه وإن حصل بذلك تخليص غيره من الغرق فلا رجوع، بخلاف إيجار المضطر. وإن لم يشمله الخوف بأن كان على شط أو في زورق ولا خوف عليه، فالفرق أن المطعم مخلص لا محالة ودافع للتلف الذي يقضى إليه الجوع، وملقى المتاع غير دافع لخطر الغرق، بل احتمال الغرق قائم على تقدير الالقاء وإن كان أضعف منه بدونه. وإن كان هو كما ترى لا يرجع إلى حاصل يعتد به، مع أنه يمكن فرض احتمال عدم النجاة في المؤجر في حلقه كما يمكن فرض القطع بالنجاة حينئذ في الالقاء، فالعمدة حينئذ الاجماع أو مباشرة الاتلاف في المضطر ولو بالايجار ممن جعله الشارع وليا له في تلك الحال بخلاف من في السفينة. ولو ألقى متاع غيره لخوفه عليه أو على نفسه أو غيرهما ضمن إذا لم يأذن له المالك بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، لقاعدة من أتلف وغيرها، وإن كان في حال وجوب الالقاء على صاحب المتاع، إذ ليس هو وليا له بل هو في حال الدافع عن نفسه كالمضطر الآكل لطعام الغير الذي لا إشكال في ضمانه، لقاعدة احترام مال المسلم الذي لم يلجأه إلى إتلافه وليس هو كدفع الدابة الصائلة المفرط فيها صاحبها أو المنصوص عليه من حيث كونه من باب الدفاع المعلوم عدم اندراج الفرض فيه.


(1) المسالك ج 2 ص 498. (2) قاله في مفتاح الكرامة راجع ج 10 ص 343

[ 153 ]

وعلى كل حال فإذا قصر من لزمه الالقاء فلم يلق حتى غرقت السفينة فعليه الاثم لا الضمان كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطر حتى هلك وإن طلبه منه. وكذا كل من تمكن من خلاص إنسان من مهلكة فلم يفعل أثم ولا ضمان للاصل وغيره كما نص عليه في المسالك وغيرها. لكن عن التحرير " أنه لو اضطر إلى طعام غيره أو شرابه فطلبه منه فمنعه إياه مع غنائه عنه في تلك الحال فمات ضمن المطلوب منه لانه باضطراره إليه صار أحق من المالك وله أخذه قهرا، فمنعه إياه عند طلبه سبب هلاكه ". ولم أجده فيما حضرني من نسخته في المقام (1) وفي كتاب الاطعمة، وهو مشكل ضرورة عدم مقتض للضمان من مباشرة أو تسبيب أو غيرهما من الافعال التي رتب الشارع عليها الضمان، وليس ترك حفظه من الآفات منها وإن وجب عليه ذلك، لكنه وجوب شرعي يترتب عليه الاثم دون الضمان. ومنه ترك إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق ونحوهما وإن كان مقدورا عليه، بل التروك جميعها لا يترتب عليها ضمان إذا كان علة التلف غيرها وهي شرايط، ومنه ما نحن فيه. بخلاف الحبس عن الطعام مثلا حتى مات جوعا ونحوه من الافعال كما تقدمت الاشارة إليه في كتاب الغصب، والمفروض في المقام ليس إلا تركا لما وجب عليه من إلقاء المال الصامت أو الحيوان غير الانسان مقدمة لحفظ الانسان فلا يترتب عليه ضمان فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (- لو قال عند الخوف ألق متاعك وعلي ضمانه مع ركبان السفينة) على معنى ضمان كل مناله وهو المسمى بضمان الانفراد فهو ضامن الجميع وكذا غيره ان إذن له أو رضى بذلك كما هو صريح جماعة، وظاهر


(1) حكاه في مفتاح الكرامة ج 10 ص 343 عن التحرير، وهو موجود في كتاب الجنايات من التحرير المطبوع ج 2 ص 266 وهذه عبارته " ك لو أخذ طعام انسان... ولو اضطر الى طعام وشراب لغيره فطلبه منه... ".

[ 154 ]

آخرين، بل لا أجد فيه خلافا بينهم هنا، وإن لم يحك القول به في ضمان الدية إلا عن ابن حمزة (1) وحينئذ فالاجماع إن تم هو الدليل له كأصل المسألة، ويكون كرجوع المغصوب منه على ذى الايدى المتعاقبة على المغصوب عدوانا، فلا وجه للمناقشة بأنه لا يعقل اشتغال ذمم متعددة بمال واحد إذ هو كالاجتهاد في مقابلة الاجماع بعد فرض تمامه. وإن قال ذلك على معنى ضمان كل منا ما يخصه على حسب التقسيط، ضمن قسطه وهو المسمى بضمان الاشتراك. ولو أطلق (فامتنعوا) من الضمان قبل الالقاء أو بعده (فإن قال: أردت التساوى) بيني وبينهم (قبل) منه لانه أعرف بنيته بل لعل ظاهر اللفظ المزبور ذلك وإن لم يقل، تظهر الثمرة بموته قبل قوله: (و) على كل حال (لزمه) الزم من الضمان (بحصته واما الركبان فإذا رضوا لزمهم الضمان) أيضا كذلك (وإلا فلا) للاصل بعد فرض قبول قوله في عدم الجميع أو كون اللفظ ظاهرا فيه وبعد معلومية عدم الالتزام بشئ بالفضولية فلا يلزم القائل ضمان الجميع كما عن بعض العامة للاصل واستناد التفريط إلى المالك حيث اكتفى باللفظ المزبور. نعم إن ألقاه هو وقال: إني والركبان ضمنا ضمن الكل مع امتناعهم عليه للمباشرة، خلافا لبعض العامة فلم يضمنه إلا بالحصة. ولو قال: إني وكل من الركبان ضامن، ففي كشف اللثام: " هو ضمان اشتراك وانفراد فهو يضمن الكل " ولعل المراد بضمان الاشتراك صيرورة كل منهم ضامنا مع الاذن أو الرضا لا الضمان بالحصة على وجه لا يستحق المضمون له على الضامن غيرها، أن المراد استحقاق المضمون له المطالبة لهم أجمع بالجميع ومطالبته لكل منهم بالكل، أو غير ذلك، والامر سهل بعد وضوح


(1) راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 345.

[ 155 ]

المقصود، والله العالم. (ولو قال) مع القول المزبور قد (أذنوا لى) في الضمان عنهم ضمان اشتراك بالحصص (فأنكروا بعد الالقاء) ولا بينة (صدقوا مع اليمين) كما في كل منكر (وضمن هو الجميع) كما في القواعد والتحرير وإن لم يكن قد ضمن إلا ضمان التحاص لانه غر المالك بكذبه عنهم. وفيه أن التفريط من المالك في عدم استبانة الحال والاصل البرائة، ومن هنا قيل لا يضمن إلا حصته كما عن كفالة الايضاح وجامع المقاصد، بل في المسالك " وهو متجه " بل عن المبسوط والمهذب " أنه يضمن دونهم "، وهو محتمل للضمان بالحصة أيضا، ولو كان قبل الالقاء فلا إشكال في ضمان حصته خاصة إذ التقصير من المالك حيث لم يستوثق، والله العالم. هذا وفي المسالك " أن المتاع الملقى لا يخرج عن ملك مالكه حتى لو لفظه البحر على الساحل أو اتفق الظفر به فهو لمالكه ويسترد الضامن المبذول إن لم ينقص قيمة المتاع، وإن نقصت لزمه من المبذول بنسبة النقص، وهل للمالك أن يمسك ما أخذ ويرد بدله ؟ فيه وجهان تقدم مثلهما في المغصوب إذا رد الغاصب بدله لتعذر العين ثم وجدت، وأولى بلزوم المعاوضة هنا " (1). قلت: قد تقدم تحقيق الحال في ملك قيمته للحيلولة وأنه مراعي بوجود العين فمتى حصلت انفسخ الملك وإلا فلا، لكن قد يقال: هنا يملك الضامن للعين بناء على أنه من باب القرض، على معنى أن أمره بالالقاء مضمونا عليه ينحل إلى توكيله في إدخاله في ملكه بقيمته في ذمة الموكل. ثم لا يخفى عليك ما في دعوى بقاء العين على ملك المالك لو ظهرت مع عدم وجوب رد عين العوض الذي قبضه بدلها وأن له رد مثله أو قيمته، ضرورة عدم انطباقه على شئ من القواعد وقد تقدم في الغصب ماله نفع في المقام.


(1) المسالك ج 2 ص 498.

[ 156 ]

(ومن لواحق هذا الباب) (مسائل الزبية) بضم الزاء حفيرة تحفر للاسد وأصلها الارض المرتفعة فوق الاكمه (1) ومنه المثل السائر " بلغ السيل الزبا " وانما سميت بذلك الحفيرة المزبورة لانهم كانوا يحفرون للاسد في موضع عال. وكيف كان (فلو وقع أحد في زبية الاسد فتعلق بثان وتعلق الثاني بثالث و) تعلق (الثالث برابع فافترسهم الاسد. ففيه روايتان إحديهما رواية محمد بن قيس) الثقة بقرينة عاصم وروايته (عن أبي جعفر عليه السلام) التي رواها المحمدون الثلاثة (2) صحيحا كما اعترف به غير واحد، فما في المسالك (3) من كونها ضعيفة باشتراك محمد بن قيس بن الثقة وغيره في غير محله (قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الاول فريسة الاسد، وغرم أهله ثلث الدية للثاني، وغرم الثاني لاهل الثالث ثلثي الدية، وغرم الثالث لاهل الرابع الدية كاملة). ولفظه: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة اطلعوا في زبية الاسد فخر أحدهم فاستمسك بالثاني، فاستمسك الثاني بالثالث، فاستمسك الثالث بالرابع،


(1) كذا في النسخ الثلاثة التى عندنا. (2) الكافي ج 7 ص 286 - التهذيب ج 10 ص 239 - الفقيه ج 4 ص 116 - الوسائل، الباب - 4 - من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2. واللفظ مطابق لما في الفقيه. (3) المسالك ج 2 ص 498.

[ 157 ]

حتى أسقط بعضهم بعضا على الاسد فقضى بالاول أنه فريسة الاسد وغرم أهله ثلث الدية لاهل الثاني، وغرم أهل الثاني لاهل الثالث ثلثي الدية وغرم أهل الثالث لاهل الرابع الدية كاملة ". (و) أما (الثانية) فهي (رواية مسمع (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " ان عليا عليه السلام قضى ") في قوم احتفروا زبية الاسد فوقع فيها الاسد فازدحم الناس ينظرون، فوقع فيها رجل، فتعلق بآخر، فتعلق الآخر بآخر، والآخر بآخر، فجرحهم الاسد، فمنهم من مات بجراحته، ومنهم من أخرج فمات (أن للاول ربع الدية وللثاني ثلث الدية وللثالث نصف الدية وللرابع الدية كاملة وجعل ذلك على عاقلة الذين ازدحموا) وكان ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله فأمضاه. (و) لكن (الاخيرة ضعيفة الطريق إلى مسمع) بسهل بن زياد ومحمد بن الحسن بن شمون الغالي الملعون وبعبد الله بن عبد الرحمان الاصم الضعيف الغالي أيضا الذي هو من كذابة أهل البصرة (فهي إذن ساقطة). وربما وجهت بفرض العدوان في حفر الزبية واستناد الافتراس إلى الازدحام المانع من التخلص فحينئذ، الاول مات بسبب الوقوع في الزبية ووقوع الثلاثة عليه، إلا أنه لما كان وقوعهم نتيجة فعله لم يتعلق به ضمان تنزيلا لما يتولد من المباشرة منزلتها وهو ثلاثة أرباع السبب فيبقى الربع على الحافر، ولكنه مبني أيضا على توزيع الضمان على عدد الجنايات دون الجناة فإن الجاني حينئذ إثنان الحافر ونفسه، وعلى اعتبار السبب وإدخاله في الضمان مع المباشرة الصورية (2). لكن لغير ما هو سبب له، وموت الثاني بسبب جذب


(1) الوسائل، الباب - 4 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) كذا في ثلاث نسخ عندنا ولكن في مفتاح الكرامة " القوية " مكان " الصورية ".

[ 158 ]

الاول وهو ثلث السبب، ووقوع الاثنين فوقه وهو ثلثاه، إلا أن وقوعهما فوقه من فعله، أحدهما مباشرة والآخر توليدا، فوجب ثلث الدية وسقط ثلثاها، وموت الثالث من جذب الثاني له وهو نصف السبب، ووقوع الرابع عليه وهو فعله فوجب نصف الدية، والرابع له كمال الدية، لان سبب هلاكه جذب الثالث له خاصة ولا فعل له يسقط بإزائه شئ. ويحتمل قوله " وجعل ذلك على عاقلة الذين ازدحموا " وجعل ما عدا الربع الذي هو على الحافر المتعمد للحفر، على عاقلة الثلاثة المزدحمين، فجعل الثلث على عاقلة الاول والنصف على عاقلة الثاني والجميع على عاقلة الثالث لا على أنفسهم لان ما صدر منهم الجذب إنما صدر بغير شعور للدهشة فهو كانقلاب النائم فليس هو عمد ولا شبيهه. وعن بعض كتب (1) الاسماعيلية، " أنه جعل ذلك على جميع من حفر الزبية ". وعن مسند أحمد بن حنبل (2) عن سماك، عن حنش " أنه صلى الله عليه وآله قال: اجمعوا من قبائل الذين حفروا الزبية ربع الدية وثلثها ونصفها والدية كاملة ". والكل كما ترى، بل لعل إيكالها إليه مع فرض صحتها أولى من ذلك كله لندرة العمل بها. نعم (الاولى مشهورة كما اعترف به غير واحد بل في المسالك وغيرها من


(1) قال في الدعائم: " وروينا عنه عليه السلام من طريق اخرى... وجعل ذلك على جميع من حضر (بالضاد) الزبية " الى ان قال وأوجبها على من حضر لانهم لما ازدحموا اشتركوا كلهم في دفع من سقط. راجع ج 2 ص 416، ولكن في نسخ الكتاب " حفر " بالفاء. (2) مسند أحمد ج 1 ص 77 وفيه: " حضروا " بالضاد ولكن في الاصل " حفروا " بالفاء كما أثبتناه. وراجع أيضا مسند أحمد ج 1 ص 128 وص 152.

[ 159 ]

كتب الخاصة والعامة، بل في الروضة " نسبة العمل بها إلى الاكثر "، بل في النافع " عليها فتوى الاصحاب "، وفي نكت النهاية " هي أظهر بين الاصحاب وعملهم عليها "، بل في التنقيح وغيره " لم يتاولها المتأخرون لشهرتها بين الاصحاب وعملهم عليها " وهي مجبورة بذلك وظاهر ذلك كله العمل بها لو وقع موردها ونحوه في زماننا هذا. إلا أن المصنف هنا بعد أن اعترف بشهرتها قال: " لكنها حكم في واقعة) مخصوصة يمكن اقترانها بما اوجب الحكم المزبور (1) والمخالف لمقتضي الاصول، وتبعه عليه الفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما، مع أنه في النافع والنكت قد اعترف بما سمعت. بل قال في الاخير بعد الاعتراف بأن عمل الاصحاب عليها: " قال ابن أبي عقيل في كتابه المستمسك: وغرم أهل الثالث لاهل الرابع الدية كاملة وكان الثلاثة قتلوا الرابع بجرهم إياه فعلي كل واحد ثلث الدية، ولم يكن على الرابع شئ، لانه لم يجر أحدا هذا كلامه إذا عرفت هذا فأقول أن الثاني والثالث قتلا وقتلا فلا دية لهما والرابع قتله الثلاثة فعلي كل واحد ثلث الدية - إلى أن قال بعد أن جزم بأنه من شبيه العمد -: وإنما قسط الدية للوجه الذي ذكرناه من النقل والتعليل النظري، وإنما لم يلزم الاول زيادة عن ثلث الدية لان المجذوب كما قتل قتل فسقطت الجنايتان ومن عداه لم يمسكه الاول وإنما أمسكه من بعده وكما قتل قتل عدا الرابع وقد ايد هذا الاعتبار الرواية عن أهل البيت " (2). وان كان هو كما ترى إن أراد تنزيل الخبر على ذلك، ضرورة مخالفته لظاهره أو صريحه من وجوه، مع أنه لا يلزم من قتله شخصا آخر سقوط حقه عن قاتله.


(1) الظاهر زيادة الواو. (2) نكت النهاية، كتاب الديات، أربعة صفحات قبل آخر الكتاب.

[ 160 ]

والاضعف منه توجيهه بأن دية الرابع على الثلاثة بالسوية لاشتراكهم في سببية قتله وإنما نسبها إلى الثالث لانه استحق على من قتله ثلثي الدية فيضيفا إليها ثلثا آخر ويدفعها إلى أولياء الرابع، كما أن الثاني استحق على الاول ثلثا فأضاف إليه ثلثا آخر ودفعه إلى أولياء الثالث، بل هو واضح الفساد ضرورة استلزامه كون دية الثالث على الاولين ودية الثاني على الاول، إذ لا مدخل لقتله من بعده في إسقاط حقه كما عرفت. وبالجملة لا إشكال في مخالفة الخبر المزبور للاصول لانه لا يخلوا إما أن لا يسند الضمان إلا إلى المباشرة أو يشترك معها السبب وعلى الاول فاما ان يكون ما يتولد من المباشرة بحكمها أو لا وعلى كل حال فأما أن يكون قد وقع بعضهم على بعض وكان ذلك سببا للافتراس فالحكم ما تسمعه في المسألة الآتية وإلا فكل سابق يضمن دية اللاحق أو يشركه سابقه أو يضمن الاول الجميع. لكن لا باس بالعمل بها على مخالفتها للاصول بعد صحة سندها واشتهارها رواية وعملا، بل قد عرفت دعوى عمل الجميع بها، والمراد به الحكم بمضمونها لو وقع موردها وما شابهه في هذا الزمان. ومن الغريب ما في كشف اللثام " من أن الصواب أن يقال إن الثاني والثالث كانا مملوكين وكانت قيمة الثاني بقدر ثلث دية الحر وقيمة الثالث بقدر ثلثيها ولم يقع أحد منهم على أحد أو وقع ولم يكن لذلك مدخل في الافتراس، فعلي كل جميع دية من باشر جذبه، بناءا على اختصاص المباشر بالضمان " (1). ضرورة إمكان القطع بانه خلاف مضمون الخبر المزبور المشتمل على ما ينافي ذلك من وجوه خصوصا دفع الدية للرابع. فليس حينئذ إلا العمل بالخبر المزبور على ظاهره أو طرحه والرجوع


(1) كشف اللثام ج 2 ص 311.

[ 161 ]

إلى ما تقتضيه الاصول وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله (ويمكن أن يقال على الاول الدية للثاني لاستقلاله بإتلافه وعلى الثاني دية الثالث) لذلك أيضا (وعلى الثالث دية الرابع لهذا المعنى) أيضا وهو كذلك مع فرض كون الوقوع على الوجه المزبور ولم نقل بمشاركة الجاذب للممسك (وإن قلنا بالتشريك بين مباشر الامساك والمشارك في الجذب) لان لكل فعلا (كان على الاول) تمام (دية) الثاني لاستقلاله بإتلافه (ونصف) دية الثالث الذى اشترك فيه هو مع الاول (وثلث) دية الرابع (و) كان (على الثالث ثلث دية) الرابع (لا غير) لانه اشترك فيه هو مع الاولين. إلا أنه واضح الضعف ضرورة قوة تأثير الممسك على وجه لا يشاركه الجاذب، ضرورة كونه كالمباشر والسبب بعد عدم الالجاء له في الامساك على وجه يكون متولدا من فعله، وإلا لكان الضمان عليه خاصة، فتعين العمل بالوجه الاول مع فرض طرح الخبر المزبور، لكن قد عرفت عدم داع إلى طرحه بعد صحة سنده واعتراف غير واحد بعمل الاصحاب به، فليس إلا المخالفة للاصول التي لا تقتضي الطرح كما في نظائر ذلك، والله العالم. (ولو جذب إنسان غيره إلى بئر فوقع المجذوب فمات الجاذب بوقوعه عليه، فالجاذب هدر) لاستناد موته إلى فعل نفسه، (ولو مات المجذوب ضمن الجاذب لاستقلاله بإتلافه، ولو ماتا فالاول هدر وعليه دية الثاني في ماله) بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، سواء كانت البئر محفورة عدوانا أولا مع فرض تعمد الجاذب ذلك، ضرورة تقديم المباشرة على السبب، بل الواجب عليه القصاص حينئذ مع فرض بقاء الجاذب حيا إذا كان ذلك مما يقتل غالبا أو قصد به القتل، ولو مات كان عليه الدية في ماله بناء على ثبوتها في مال الجاني بموته المتعذر معه القصاص. (ولو جذب الثاني ثالثا فماتوا بوقوع كل منهم على صاحبه فالاول مات بفعله وفعل الثاني) الذي هو جذبه الثالث، وليس للحافر هنا فعل لان

[ 162 ]

الفرض تعمد الوقوع، (فيسقط نصف ديته) بإزاء فعله (ويضمن الثاني النصف) بازاء فعله (والثاني مات بجذبه الثالث عليه وجذب الاول) إياه (فيضمن الاول نصف ديته) (و) يسقط النصف الآخر بإزاء فعل نفسه، إذ (لا ضمان على الثالث) الذي جذبه هو (وللثالث الدية) تامة لعدم هلاكه إلا بفعل غيره، ولكن هل هي على الثاني، كما في كشف اللثام وعن المفيد والقاضي والفخر والكركي، أو على الاول والثاني كل منهما نصف، كما عن ابن إدريس لانهما جذباه، بل قال: " هو الذي تطابق ما رواه أصحابنا " - يعني خبر الزبية المتقدم - ومبناهما على أنه إذا قوى السبب بان يكون ملجأ إلى المباشرة فهل يشترك مع المباشرة في الضمان أو الرجحان للمباشرة القوية، (فإن رجحنا المباشرة) كما هو الاقوى (فديته على الثاني) لانه المباشر للجذب (وإن شركنا بين القابض) وللجاذب الملجئ له إلى الجذب (والجاذب) المباشر (فالدية على الاول والثاني نصفين). وهو المراد مما سمعته من تعليل ابن إدريس، فإن قوة القابض على الجاذب وإلجائه إليه ينزله منزلة المباشر. لكنه كما ترى، ضرورة عدم الالجاء في شئ من ذلك على وجه يكون من توليد فعل الاول فهو حينئذ مستقل في جذبه غير مضطر إليه فيختص بالدية. نعم لو فرض إلجائه إلى ذلك على وجه يسند الفعل إلى الاول اتجه عدم غرامته حينئذ شيئا. وبذلك اتضح لك عدم اشتراك السبب مع المباشرة في الضمان بحال، بل الضمان بها خاصة إلا مع قوة السبب فيختص حينئذ بالضمان لا أنه يشترك معها كما لو اجتمع المباشران أو السببان. (ولو جذب الثالث رابعا فمات بعض على بعض فللاول ثلثا الدية لانه مات بجذبه الثاني عليه) وهو فعله (وبجذب الثاني الثالث عليه وبجذب الثالث

[ 163 ]

الرابع، فيسقط ما قابل فعله) وهو الثلث (ويبقى الثلثان على الثاني والثالث) نصفين (ولا ضمان على الرابع) الذي لم يفعل شيئا، وحفر الحافر سبب لا يعتبر مع المباشرة القوية فلا ضمان عليه أيضا وكذلك جذب الاول سبب في جذب الثاني الثالث، والثالث الرابع، وكل من جذب الثاني الثالث والثالث الرابع مباشرة، فلا يعتبر معها السبب بالنسبة إلى تلف الاول، حتى يسقط لذلك من ديته شئ سوى ما سقط لمباشرته جذب الثاني، إلا أن يكون على الوجه الذي سمعته سابقا. فصار التلف حاصلا بفعل الاول نفسه وهو مباشرته جذب الثاني وبفعل الثاني والثالث فيسقط ما قابل فعله ويثبت له الثلثان كما هو واضح. (وللثاني ثلثا الدية أيضا لانه مات بجذب الاول وبجذبه الثالث عليه، وهو فعل نفسه، وبجذب الثالث الرابع عليه، فيسقط ما قابل فعله) وهو الثلث، (ويجب) له (الثلثان على الاول والثالث) بالتنصيف. (وللثالث ثلثا الدية أيضا لانه مات بجذبه الرابع عليه وبجذب الثاني والاول له) بناء على تشريك السبب مع المباشرة، وإلا فله نصف الدية بجذبه الرابع وبجذب الثاني له كما عن المبسوط حكايته قولا، بل هو الموافق لما أسلفناه، بل ولا وجه لجزم المصنف والفاضل هنا بالتشريك واحتماله في الرابع كما اعترف به في كشف اللثام: قال: " وكما لم يظهر لي الفرق بين الثالث والرابع في أن ضمان الاول مبني على تشريك المسبب والمباشر، لم يظهر لي الفرق بين نسبة السبب إلى تلف نفس المسبب ونسبته إلى الثالث أو الرابع حتى احتمل هنا الشركة مع المباشرة في الضمان ولم يحتمل هناك " (1) وأراد بنسبته السبب إلى تلف المسبب ما تقدم من أنه لا يعتبر السبب بالنسبة إلى تلف الاول حتى يسقط لذلك من ديته شئ سوى ما سقط لمباشرته كما عرفت الكلام فيه سابقا، هذا كله في الثالث. (أما الرابع فليس عليه شئ) قطعا لعدم فعل منه (وله الدية كاملة


(1) كشف اللثام ج 2 ص 310.

[ 164 ]

فإن رجحنا المباشرة فديته عليه) أي المباشر وهو الثالث (وإن شركنا) المسبب والمباشر في الضمان (كانت ديته أثلاثا بين الاول والثاني والثالث)، وقد عرفت أن المختار، الاول، وإن كان ظاهر المصنف والفاضل التوقف لكنه في غير محله هذا. وعن المختلف والارشاد احتمال أن يكون الاول هدرا وعليه دية الثاني وعلى الثاني دية الثالث وعلى الثالث دية الرابع، وكأنه بناء على عدم اعتبار السبب والالجاء، فالاول إنما تلف بفعل نفسه الذي هو جذبه الثاني، وأما جذب الثاني الثالث فقد الجئ إليه، وكذا الثالث في جذبه الرابع، وعليه دية الثاني جميعها لانه الذي باشر جذبه من غير إلجاء، وأما جذب الثاني والثالث فإنما صدر عنهما عن إلجاء وعلى الثاني دية الثالث لانه المباشر بجذبه، وأما الاول فهو مسبب وأما جذب الثالث الرابع فعن إلجاء، وكذا الباقي. ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه. ومنه يعلم أيضا عدم اعتبار صدمة البئر لانه الفرض كون الفعل مباشرة عمدا فلا أثر للسبب معه وإن كان عدوانا فما في المسالك - تبعا للقواعد من ذكره وجها " فتكون الاسباب حينئذ أربعة ويهدر ربع دية الاول لجذبه الثاني ويجب الربع على الحافر إن كان عاديا وإلا هدر أيضا والربع على الثاني بجذبه الثالث والربع على الثالث لجذبه الرابع، وأما الثاني فلا أثر للحفر في حقه وقد مات بجذب الاول إياه وبجذبه الثالث هو فعل نفسه وبجذب الثالث الرابع، فيهدر ثلث ديته، ويجب ثلثها على الاول وثلثها على الثالث، وأما الثالث فقد مات بجذب الثاني له وبجذبه الرابع، فتهدر نصف ديته، ويجب نصفها على الثاني " (1) - في غير محله لما عرفت، وإلا لم يكن فيه مخالفة لما تقدم إلا في التالف الاول. كالوجه الثالث الذي ذكره أيضا (2) وهو وجوب الديات بحسب ما روى


(1 و 2) المسالك ج 2 ص 499.

[ 165 ]

في واقعة الزبية، ضرورة كون المفروض غيرها إذ لو قلنا بالتعدية فهي فيما كان مثل موردها لا مطلقا. وكذا ما في القواعد " من احتمال هدرية الاول بتمامها لانه جذب الثاني على نفسه وهو مباشرة وهو السبب أيضا في جذب الثاني الثالث والثالث الرابع فهما تولدا من مباشرته التي لا ضمان لها إلا على المباشر، والحفر سبب لا ضمان فيه مع المباشرة فكأنه أتلف نفسه بجذبه الثاني وما تولد منه، ودية الثاني نصفها هدر ونصفها على الاول، لانه مات بسبب جذبه الثالث على نفسه وجذب الثالث الرابع إنما تولد منه وبسبب جذب الاول له، ودية الثالث كذلك لانه مات بجذبه الرابع وجذب الثاني له، ولا عبرة بتسبيب الاول، ودية الرابع على الثالث لانه إنما هلك بسبب فعله لان من قبله سبب " (1). إذ هو كما ترى لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما أسلفناه فيتعين حينئذ الاول في مفروض المسألة، والله العالم. ولو زلق إنسان على طرف البئر مثلا المحفورة عدوانا فتعلق بآخر لارادة الاستمساك به وجذبه وتعلق الآخر بثالث كذلك ووقع بعضهم على بعض فماتوا فالاول مات بثلاثة أسباب، صدمة البئر، وثقل الثاني والثالث، فيسقط ما قابل فعله وهو جذبه الثاني المقابل بثلث الدية، ويبقى على الحافر ثلث، وعلى الثاني ثلث، لانه جذب الثالث. وفي المسالك " احتمال هدر صدمة البئر لان الحفر سبب وجذبه للثاني مباشرة فصار كمن رمي نفسه في بئر محفورة عدوانا في عدم وجوب الضمان على الحافر ". وفيه أن ابتداء السقوط لم يكن بفعله إذ الفرض أنه زلق والجذب وجد بعد ذلك هذا كله في الاول. أما الثاني فقد هلك بسببين أحدهما منه وهو جذبه الثالث والآخر جذب


(1) راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 329.

[ 166 ]

الاول له فهدر نصف ديته المقابل بفعله، ويبقى له النصف على الاول الذي جذبه، ولا شئ على الحافر لقوة المباشر على وجه صار الجاذب كالدافع. وأما الثالث فيجب تمام ديته على الثاني أو عليه وعلى الاول على البحث السابق. ولو فرض اتساع البئر فوقع كل واحد في زاوية لا بعضهم على بعض كانت دية الاول على الحافر إن كان عدوانا وهدر لا معه (1) إلا أن يدفعه غيره، والثاني على الاول، والثالث على الثاني إلا أن يشترك السبب مع المباشرة فتكون دية الثالث على الاولين. ولو وقع انسان في بئر ثم وقع الثاني عليه من غير جذب منه ثم مات الاول فالضمان على الثاني كما في القواعد ومحكي المبسوط والسرائر والجامع، قصاصا إن أوقع نفسه عليه متعمدا فقتله لو كان مما يقتله غالبا أو دية إن كان شبيه عمد، فإن كان خطأ محضا فعلي عاقلته. وإن دفعه غيره فعليه الضمان وأن الثاني (2) هدر إن لم يوقعه غيره ولم تكن البئر حفرت عدوانا. ويحتمل أن لا يكون على الثاني إلا النصف لان الوقوع في البئر سبب الهلاك فالتلف إنما حصل بسبب الفعلين فإن كان الحافر متعديا بالحفر ولم يتعمد الاول الوقوع ولا دفعه غيره ضمن الحافر النصف وان لم يكن متعديا سقط لكون الوقوع فعل نفسه. نعم لو فرض وقوعه فيه على وجه لا يقتل اختص الضمان بالثاني. وإن مات الثاني فإن تعمد إلقاء نفسه أو لم يكن الحفر عدوانا فهو هدر، وإن لم يتعمد إلقاء نفسه وكان حفر البئر عدوانا تعلق الضمان بالحافر. وإن ماتا معا فالحكم في كل واحد على ما عرفت. وإن وقع فوقهم ثالث فماتوا كلهم فإن كان الاول ققد نزل إليها ولم يقع فيها على وجه يكون فعل نفسه مهلكا فديته على الثاني والثالث أو عاقلتهما


(1) في بعض النسخ هكذا: ان كان غير عدوان وهدر معه. (2) كذا في الاصل ولعل الصحيح " ودية الثاني "

[ 167 ]

أو دافعهما نصفين، تعدى الحافر بالحفر أولا، لانه إنما مات بوقوعهما عليه وإن كان قد وقع فيها فكان فعله مهلكا فعلي الاول الضمان عليهما أيضا أو على عاقلتهما أو دافعهما، وعلى الاحتمال عليهما ثلثان والثلث الآخر على الحافر. إن كان متعديا بالحفر ولم يتعمد الاول الوقوع ولا دفعه غيره، وهدر إن تعمد الوقوع لانه مقابل فعل نفسه. وجميع دية الثاني على الثالث أو عاقلته أو دافعه على الاول، وعلى الاحتمال نصفه عليه والنصف الآخر إما على الحافر أو هدر. والثالث حكمه حكم من وقع في البئر ابتداء ولم يقع عليه غيره، فهو إما هدر أو ضمانه على الحافر. ولو وقعوا من غير جذب لاحد منهم وقوعا مهلكا بدون وقوع بعضهم على بعض لبعد القعر جدا أو وجود ماء مغرق أو أسد مفترس فلاضمان لاحد منهم على أحد لان وقوعه مما لا أثر له، وكذا إن شككنا في ذلك للاصل، وأما ضمان الحافر فعلي ما عرفت من العدوان وعدمه، والله العالم.

[ 168 ]

(النظر الثالث) (في الجناية على الاطراف) (والمقاصد ثلاثة: الاول في ديات الاعضاء) (و) قد تقدم في كتاب القصاص أن (كل ما لا تقدير فيه ففيه الارش) المسمى بالحكومة وفيه يكون العبد أصلا للحر كما هو أصل له فيما فيه مقدر بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى إمكان استفادته من النصوص بالخصوص فضلا عن استفادة عدم بطلان الجناية وكونها هدرا حتى أرش الخدش من الكتاب والسنة، فليس مع عدم التقدير إلا الحكومة وإلا كانت جناية لا استيفاء لها ولا قصاص ولا دية، وهو مناف لما يمكن القطع به من الادلة كتابا وسنة وإجماعا قال الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير: " إن عندنا الجامعة قلت: وما الجامعة ؟ قال: الجامعة صحيفة فيها كل حلال وكل حرام وكل ما يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش وضرب بيده إلي فقال: تأذن يا أبا محمد ! فقلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت. فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا " (1) بل مقتضاه أن لكل شئ مقدرا إلا أنه لم يصل إلينا، فالمناسب الصلح حينئذ، ولعل المراد بالحكومة ما يشمله إذا كان المراد الصلح القهري القاطع للخصومة.


(1) الكافي ج 1 ص 239 والحديث طويل أختصره المؤلف.

[ 169 ]

(و) على كل حال فالمشهور كما في كشف اللثام وغيره أن (التقدير في ثمانية عشر) من الاعيان لا المنافع التي ستعرفها في المقصد الثاني إن شاء الله. الشعر، والعينين، ومنها الاجفان، والانف، والاذنين، والشفتين واللسان، والاسنان، والعنق، واللحيين، واليدين، والرجلين، والاصابع، والظهر والنخاع، والثديين، والذكر، والخصيتين، والشفرين (1). (الاول الشعر) (وفي شعر الرأس) من الذكر، صغيرا أو كبيرا، كثيفا أو خفيا (الدية) إن لم ينبت كما هو المشهور نقلا وتحصيلا بل لم أجد فيه خلافا يعتد به عدا ما تسمعه من المفيد، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل في الرياض نسبته أيضا إلى صريح الغنية وإن كنا لم نتحققه (2). لصحيح سليمان بن خالد المروي في الفقيه (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام:


(1) لا يخفى أن الثمانية عشر التى قالها في الشرايع تخالف قليلا مع هذه فراجع وراجع أيضا مفتاح الكرامة ج 10 ص 377. (2) في مفتاح الكرامة ج 10 ص 377: " وفى شعر الرأس الدية ان لم ينبت، هذا هو الاظهر الذى يقتضيه أصل مذهبنا لانه شئ واحد في الانسان وقد أجمعنا على أن كل ما يكون في بدن الانسان منه واحد ففيه الدية كاملة كما في السرائر، وظاهر المبسوط في باب القصاص الاجماع عليه، ويحتمل ان يكون ظاهر الغنية على بعد، ونسبه في الرياض الى صريحها... " أقول: هذه عبارة الغنية فتأملها: " واعلم أن في ذهاب العقل الدية الكاملة وفى شعر الرأس واللحية إذا لم ينبت الدية الكاملة فان نبت في شعر الرأس الرجل أو لحيته عشر الدية وفى شعر المرأة مهر مثلها بدليل اجماع الطائفة ". (3) الفقيه ج 4 ص 149.

[ 170 ]

رجل صب ماءا حارا على رأس رجل، فامتعط شعره فلا ينبت أبدا قال: عليه الدية ". المعتضدة بما تسمعه من النصوص (1) في المرأة، بناء على عدم الفرق، وبمرسل علي بن حديد (2) الذي هو مثله، وبخبر سلمة بن تمام (3) " قال اهراق رجل على رأس رجل قدرا فيها مرق فذهب شعره، فاختصما في ذلك إلى علي عليه السلام فأجله سنة فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية "، وبما قيل من أنه شئ واحد في البدن فيشمله ما دل على الدية في مثله (4)، وإن كان لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فما في المسالك (5) وبعض أتباعها - من التأمل في الحكم المزبور مقتصرا على الاستدلال له بصحيح سليمان المزبور المروى في التهذيب (6) المشتمل على السؤال " عن رجل دخل الحمام فصب عليه ماء حار فاسقط شعر رأسه ولحيته فلا ينبت أبدا قال عليه الدية " ونظر فيه بدلالته على وجوب الدية لهما معا لا لكل واحد الذي هو المدعى - في غير محله. إذ عرفت خلوه في رواية الفقيه التي هي أضبط من التهذيب، مع النصوص المزبورة، عن اللحية، فلا يبعد إرادة معنى " أو " من " الواو " فيه ولو بقرينة ما سمعت. (وكذا) الكلام (في شعر اللحية) وفاقا للاكثر كما في كشف اللثام، بل المشهور كما في المسالك وغيرها، بل عن ظاهر قصاص المبسوط الاجماع، بل عن صريح قصاص الخلاف ذلك أيضا، بل حكى عن الغنية أيضا وإن كنا لم


(1) راجع الوسائل الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء. (2 و 3) الوسائل الباب - 37 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2 و 3. (4) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء. (5) المسالك ج 2 ص 499. (6) التهديب ج 10 ص 250.

[ 171 ]

نتحققه (1). لخبري (2) مسمع والسكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية " بل وصحيح سليمان (3) المتقدم بناء على إرادة " أو " من " الواو " فيه، والضعف منجبر بما سمعت فاتجه العمل بها حينئذ. (فإن نبتا فقد قيل) والقائل أبو علي والصدوق والشيخ (في اللحية ثلث الدية) بل عن ظاهر قصاص المبسوط الاجماع عليه، بل عن صريح الخلاف ذلك، لروايتي (4) مسمع والسكوني السابقتين (و) لكن (الرواية ضعيفة) ولا جابر لها بعد وهن الاجماع المزبور بمصير من تأخر عنه إلى خلافه، وكذا ما عن الكافي (5) والغنية والاصباح من عشر الدية الذي لم نجد له أيضا ما يدل عليه عدا ما يحكى من الاجماع عن الثاني الذي لم نتحقق ذلك منه (6) مع أنه على فرضه موهون بمصير من تقدم وتأخر إلى خلافه. (و) حينئذ ف‍ (- الاشبه) باصول المذهب (فيه وفي شعر الرأس الارش إن نبت) وفاقا للشيخ في النهاية وبني حمزة وإدريس وسعيد والفاضل والشهيدين وغيرهم في شعر الرأس، بل عليه عامة المتأخرين، وللفاضل ومن تأخر عنه في شعر اللحية، لانه الاصل في كل ما لا مقدر له. نعم عن النهاية والوسيلة أنه على ما يراه الامام. وفي محكى السرائر " يقوم لو كان عبدا كم كانت قيمته قبل أن يذهب


(1) قد نقلنا عبارة الغنية آنفا فراجع. (2) الوسائل الباب - 37 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث الاول وذيله. (3) التهذيب ج 10 ص 250. (4) مر مصدر هما آنفا. (5) الكافي لابي الصلاح الحلبي. لا تغفل. (6) قد ثقلنا عبارة الغنية في التعليقة فراجع.

[ 172 ]

شعره، وكم تكون قيمته بعد ذهاب شعره، ويؤخذ من ذلك الحساب دية الحر ". قلت: قد عرفت الكلام في الارش إذا عادت سن المثغر (1)، إذ المقام أحد أفراده فلاحظ وتأمل. وعن الوسيلة " إن نبت بعضه أو كله ففيه الارش "، وفي كشف اللثام عن الرضا عليه السلام (2) " ان نبت بعضه اخذ من الدية بالحساب " قال: " وهو أقرب إن أمكنت معرفة قدر النابت وغيره ". قلت: ستعرف أتفاقهم ظاهرا على اعتبار النسبة في أبعاض كل ماله مقدر، وأما الارش فهو بالنسبة إلى العائد من حيث زواله ثم عوده، ولا يعتبر نسبته إلى أرش الجميع، وحينئذ فما في الوسيلة يمكن اتفاق الجميع عليه، وإن كان ربما يتوهم من قولهم: " فان نبت ففيه الارش " الجميع، إلا أنه غير مراد قطعا، ضرورة عدم التفاوت في الارش على الوجه المزبور بين الكل والبعض. وأما الذي لم ينبت فتعتبر مساحته كما ستعرف. ثم إن الظاهر اعتبار عدم النبات بحكم أهل الخبرة، كما في نظائره لا إلى خصوص سنة كما عن التحرير والجامع، للخبر المزبور (3) الذي يمكن حمله على ما ذكرنا، ولذا قال في الاول: " ولو طلب الدية قبل انقضائها دفعت إليه إن حكم أهل الخبرة بعدم النبات وإلا فلا، وإن طلب الارش وإبقاء الباقي إلى استبانة الحال دفع إليه ". وقال أيضا: " ولو نبت بعد السنة فالاقرب رد ما فضل من الدية عن الارش، وكذا لو نبت بعد حكم أهل المعرفة بعدم رجوعه ".


(1) في كتاب القصاص في بحث قصاص سن المثغر. (2) الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43. (3) يعنى رواية سلمة بن تمام، راجع الوسائل الباب - 37 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 3.

[ 173 ]

قلت: إن الظاهر ذلك، والمحتمل أنه هبة جديدة، اللهم إلا أن يفرض العلم بذلك، والله العالم. (و) كيف كان فقد (قال المفيد رحمه الله) وعن الصدوق في موضع من المقنع، بل عن ظاهر المختلف أنه مذهب ابن البراج (في شعر الرأس) واللحية (إن لم ينبت مأة دينار و) لكن (لا أعلم المستند) وإن حكى عن المفيد والقاضي الديلمي وظاهر الصدوق أن به رواية (1). وفي كشف اللثام: " قد روى في بعض الكتب عن الرضا عليه السلام من حلق رأس رجل فلم ينبت فعليه مأة دينار، فإن حلق لحيته فلم تنبت فعليه الدية، وإن نبتت فطالت بعد نباتها فلا شئ له " (2). إلا أن ذلك كله غير صالح لذلك، مع اشتمال الاخير على الدية في اللحية، وكذا محكى في المسالك عن النهاية " من أن في شعر الرأس إذ انبت مأة دينار " مع أنا لم نتحققه عنها (3).


(1) راجع المقنعة للمفيد ص 120 والمراسم للسلار الديلمى باب ذكر أحكام الجناية على ما هو دون النفس. وهذه عبارته: " وأما ما في الانسان منه واحد وليس بعضو كاللحية وشعر الرأس ففى اذهابه حتى لا ينبت الدية الكاملة وإذا ذهب بحاجبه فنبت ففيه ربع الدية وقد روى أيضا أن فيهما إذا لم ينبت مأة دينار " وليس فيهما ما حكى عنه. ولكن قال في المختلف في الفصل الخامس من كتاب القصاص والديات ص 249: " قال سلار في شعر اللحية أو الرأس إذا لم ينبت الدية وروى أن فيهما إذا لم ينبتا مأه دينار. ونحوه ذهب ابن البراج ". وراجع المقنع للصدوق ص 190. (2) كشف اللثام ج 2 ص 318 - الفقه المنسوب الى الرضا ص 43. (3) المسالك ج 2 ص 499 وقال في النهاية ج 2 ص 792: وفى اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة فان نبتت كان فيها ثلث الدوية.

[ 174 ]

هذا كله في شعر الرجل (أما شعر المرأة ففيه ديتها ولو نبت ففيه مهر) نسائ‍ (ها) بلا خلاف أجده فيه إلا من الاسكافي في الثاني خاصة فجعل فيه ثلث الدية، وهو مع شذوذه لا دليل له، بل على خلافه الاجماع عن الغنية كالاول لا خلاف فيه أيضا حتى منه، التي لا ريب في أولويتها من الرجل بذلك. مضافا إلى خبر عبد الله بن سنان (1) الذي رواه المحمدون الثلاثة المنجبر بما عرفت بناءا على أن في سنده محمد بن سليمان وهو مجهول، ولكن عن الوافي (2) إبداله سليمان بن داود المنقري، فهو حسن أو صحيح، وعلى كل حال " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها ؟


(1) الكافي ج 7 ص 261 ولها. - الفقيه ج 4 ص 48 وفيه صدر الرواية فقط. - التهذيب ج 10 ص 64 وفى سند هذه الثلاثه محمد بن سليمان وأيضا التهذيب ج 10 ص 262 وفى سندها سليمان المنقرى فراجع. (2) الوافى ج 9 ص 54 عن الكافي والتهذيب والفقيه وفى سندها أيضا محمد ابن سليمان. نعم نقلها في الجزء التاسع ص 103 من التهذيب وفى سندها المنقرى وقال في ذيله: " بيان قد مضى تمامه في أبواب الحدود باسناد آخر ". أقول: وفى نسخة مصححة من التهذيب عند نا، " ابراهيم بن سليمان المنقرى " مكان " سليمان المنقرى " وهو غلط ظاهرا راجع " معجم رجال الحديث " المجلد الاول. وأيضا راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 379 فأنه قال: " في سند التهذيب في كلا الموضعين محمد بن سليمان، على ما في النسخة منه عندنا ". كما أن ما في الوسائل من وصف " محمد بن سليمان " بالمنقرى تصحيف " البصري " ظاهرا، راجع الوسائل، الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول والباب - 5 - من أبواب حد السحق والقيادة، الحديث الاول.

[ 175 ]

قال: يضرب ضربا وجيعا ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها فإن نبت اخذ منه مهر نسائها وإن لم ينبت اخذ منه الدية كاملة. قلت: فكيف صار مهر نسائها إن نبت شعرها ؟ فقال يابن سنان إن شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال فإذا ذهب بأحدهما وجب له المهر كاملا ". ولعل ما فيه من الحبس والضرب على الوجه المزبور محمول على ضرب من التعزير الذي هو على حسب ما يراه الحاكم. ولو زاد مهر نسائها على مهر السنة أخذته لاطلاق النص والفتوى، نعم لو زاد على ديتها لم يكن لها إلا الدية للاجماع كما في كشف اللثام على أنه لا يزيد دية عضو من إنسان على دية نفسه. ولا تضر تساوى عود النبات وعدمه حينئذ، والله العالم. (وفي) شعر (الحاجبين) معا (خمسمأة دينار وفي كل واحد نصف ذلك) وفاقا للاكثر، بل المشهور، بل عن ظاهر قصاص المبسوط وصريح السرائر الاجماع عليه، لخبر أبي عمرو المتطبب (1) المنجبر بما عرفت، عن أبي عبد الله عليه السلام من إفتاء أمير المؤمنين " وإن اصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين مأتا دينار وخمسون دينارا وما اصيب منه فعلي حساب ذلك، وفي كشف اللثام وروى عن الرضا عليه السلام " (2). فما في المسالك من أن " مستنده غير معلوم والاجماع ممنوع " (3) في غير محله، كالمحكي عن الغنية والاصباح من الدية تامة وفي كل واحد نصفها، بل عن ظاهر الاول الاجماع عليه، بل في كشف اللثام حكايته عن المبسوط


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) كشف اللثام ج 2 ص 318 - فقه الرضا، ص 42 وهذه عبارته: إذا اصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين فان نققص من شعره شئ حسب على هذا القياس ". (3) المسالك ج 2 ص 499.

[ 176 ]

وأن في ظاهره الاجماع عليه، ولعله غير ما سمعته عنه في القصاص، أو أن النسخة فيها غلط (1)، وكيف كان فقد أيد بالنصوص (2) على أن فيما كان في الجسد إثنان الدية. إلا أن أقصاه - بناء على شمولها لمثل الفرض الذي ليس قطعا ولا جرحا - العموم المخصص بما عرفت، وظاهر الاجماع المزبور موهون بما عرفت. فالاصح حينئذ الاول. بل في كشف اللثام " لم يظهر في الخبرين وكلام الشيخين وابني إدريس والبراج وابني سعيد فرق بين عود نباتهما وعدمه " (3) لكن عن الغنية " أن ذلك إذا لم ينبت شعرهما وإلا فالارش "، وكذا عن الاصباح والتقى، بل عن المختلف " أنه الوجه "، وفي المسالك " أنه الاصح " بل عن الغنية الاجماع عليه. ولعله الاقوى للاصل بعد انسياق غير العامد من النص والفتوى ولو بملاحظة غير الفرض من الفرق بينهما الموافق للعدل والاعتبار. وعن السلار " إذا ذهب بحاجبه فنبت ففيه ربع الدية وقد روى أيضا أن


(1) قال في مفتاح الكرامة بعد نقل كلام الشيخ من قصاص المبسوط: " ولم أجده تعرض لشعر الحاجبين في غير هذا الموضع.... ولعل (صاحب كشف اللثام) ظفر بما حكاه عن المبسوط في موضع لم نظفر به فيكون لا شيخ فيه مذهبان ". أقول: نعم ان الشيخ تعرض لهذه المسألة في الموضعين: أحدهما كتاب القصاص وفيه قال: " وعندنا... وشعر الحاجبين بنصف الدية " ثانيهما كتاب الديات وفيه قال: " فأما اللحية وشعر الرأس والحاجبين فانه يجب فيه عندنا الدية... " راجع المبسوط ج 7 ص 83 و 153. (2) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء. (3) كشف اللثام ج 2 ص 318. (جواهر الكلام - ج 11).

[ 177 ]

فيهما إذا لم ينبت مأة دينار " (1) ولكن لم تثبت الرواية، كما أنا لم نقف له على دليل. (و) كيف كان ف‍ (- ما اصيب منه فعلي) هذا (الحساب) بلا خلاف ولا إشكال للخبر المزبور (2)، بل لعله المستفاد من الحكم الثابت للكل، ومن هنا لم يخص ذلك المقام، بل هو ثابت في شعر الرأس واللحية كما صرح به الفاضل وغيره. قال في القواعد: " وفي الابعاض بالنسبة إلى الجميع بالمساحة ". وفي كشف اللثام " في الابعاض من شعر الرأس أو اللحية بالنسبة لمحل الفائت منها إلى الجميع بالمساحة فيؤخذ من الدية بالحساب كسائر ما فيه تقدير من الاعضاء، وكذا إن وجب بالكل ثلث الدية أو عشرها أو المهر، وأما على القول بالارش ففي البعض أيضا إذا عاد الارش من غير نسبة " (3). وفي محكي التحرير " ولو ذهب بعض شعر الرأس أو بعض اللحية على وجه لا ينبت، ففيه من الدية بحساب الباقي، ويعتبر بنسبة المحل المقلوع منه إلى الجميع بالاجزاء، ولو نبت ففيه الارش، ولا يعتبر نسبته إلى أرش الجميع بالجزء " (4). بل قيل: " يدل عليه الاجماع على الظاهر " (5) وبالجملة الحكم مفروغ منه والله العالم.


(1) المراسم، باب ذكر أحكام الجناية على ما هو دون النفس. (2) يعنى خبر أبى عمر والمتطبب وخبر فقه الرضا. (3) كشف اللثام ج 2 ص 318، فقه الرضا ص 42 وهذه عبارته: " إذا اصيب الحاجب فذهب شعره كله فديته نصف دية العين فان نقص من شعره شيى حسب على هذا القياس ". (4) التحرير ج 2 ص 271. (5) قال في مفتاح الكرامة: " ويدل على الحكم المذكور بعد الاجماع على الظاهر، النص الوارد في الحا... ".

[ 178 ]

(وفي الاهداب) الاربعة وهي الشعور النابتة على الاجفان (تردد قال في المبسوط والخلاف الدية إن لم ينبت، وفيها مع الاجفان ديتان " بل في الثاني الاستدلال له بإجماع الفرقة وأخبارها، وفي الاول أنه الذي يقتضيه مذهبنا، ولعله أراد ما مر من أن فيما كان من الاعضاء إثنان ففيهما الدية وفيما كان أربعة ففيها الدية وهكذا، بل في الروضة نسبته إلى الاكثر. وفي المسالك نسبته إلى ابن حمزة والفاضل في القواعد وإن كنا لم نتحقق شيئا من ذلك (1)، نعم عن الوسيلة نسبته إلى رواية، بل لم يحك القول به إلا ممن عرفت (2)، كما أن إرادة نحو ذلك من النصوص المزبورة لا يخلو من نظر أو منع، خصوصا بعد عدم الجابر. وفي المسالك وغيرهما (3) عن القاضي أن فيهما نصف الدية قيل (4) " والمنقول في المختلف من عبارته أن ذلك في الاشفار، والشفر بالضم، أصل


(1) يعنى شيئا مما في الروضة والمسالك. قال في مفتاح الكرامة: " وفى الروضة الى الاكثر ولو صحت هذه الشهرة لجبرت. الخلاف... لكن التتبع يشهد بخلافها... " وقال العلامة في القواعد: " وفى الاهداب الدية على رأى ". وقال ابن حمزة في الوسيلة: " وتلزم دية النفس كاملة في أحد سبعة وثلاثين عضوا العقل إذا ذهب به ولم يرجع وشعر رأس الرجل... وفى الاهداب جميعا إذا ذهب بها ولم تنبت على رواية... " (2) يعنى الشيخ في الخلاف والمبسوط، وقال في مفتاح الكرامة: " بل لم يحك القول بالدية أحد عن غير الخلاف والمبسوط... " (3) كذا في الاصل، ولكن في مفتاح الكرمة هكذا: " وعن القاضى أن فيهما نصف الدية ؟ كا ؟ حكاه عنه الشهيدان وغيرهما " فراجع ج 10 ص 382. (4) في مفتاح الكرامة ج 10 ص 382 ولكن لا يوافق ما في المختلف فراجع كتاب القصاص منه ص 249.

[ 179 ]

منبت الشعر في الجفن، وهو غير الهدب بالضم والذال المعجمة أو المهملة، إذ هو الشعر النابت في ذلك ". قلت: هو على كل حال لا موافق له ولا دليل، لا من عموم ولا من خصوص. (و) من ذلك كله ظهر لك أن (الاقرب السقوط حال الاجتماع) أي قطع الاجفان معها لكونها حينئذ تابعة كشعر اليدين للاصل وغيره (والارش حالة الانفراد) وفاقا للحلي ومن تأخر عنه، بل في غاية المراد إجماع الاصحاب على أن في الاجفان الدية من غير تفصيل، كما عن السرائر " أنه الذي تقتضيه الادلة والاجماع لان أصحابنا جميعهم لم يذكروا في الشعور مقدرا سوى شعر الرأس واللحية والحاجبين، وإلحاق غير ذلك به قياس - إلى آخره - " (1) بل قيل " (2) هو ظاهر كل من لم يذكر فيها دية، كالمقنعة والمراسم والغنية وغيرهما " وهو الاقوى بعد عدم دليل معتبر على التقدير المزبور. (و) كيف كان ف‍ (- ما عدا ذلك من الشعر) كالنابت على الساعدين أو الساقين (لا تقدير فيه استنادا إلى البرائة الاصلية) لكن ثبت فيه الارش إن قلع منفردا، عاد أولا، ولا شئ مع الانضام إلى العضو إذا قطع، أو إلى الجلد إذا كشط، بلا خلاف أجده فيه، بل عن المهذب البارع الاجماع، مضافا إلى ما سمعته من السرائر، بل في المسالك وبعض أتباعها " أنه لو قيل بذلك في جميع الشعور لضعف المستند فيها لكان حسنا " (3) وإن كان لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا. نعم لو كانت اللحية للمرأة فالواجب الارش إن نقصت بها القيمة للاصل


(1) السرائر باب ديات الاعضاء والجوارح والقصاص فيها. (2) قاله في مفتاح الكرامة ج 10 ص 382. (3) المسالك ج 2 ص 500 والمراد ببعض أتباع المسالك مفتاتيح الفيض الكاشانى ظاهرا.

[ 180 ]

بعد انسياق التقدير منها في النصوص والفتاوى إلى لحية الرجل دونها، فتعتبر حينئذ بأمة تنقص قيمتها بذلك إن كانت. وعن المبسوط اعتبارها بعبد تنقص قيمته بذلك كالذى له خمسون سنة فصاعدا. وفيه نظر. وكذا يثبت الارش في لحية الخنثى المشكل، بل وفي لحية الامة أيضا مع فرض زيادة القيمة بها كما عن غير واحد التصريح به ومنه ما في القواعد " ولو كانت للامة فزادت قيمتها فالاقرب التعزير خاصة " إذ المراد فزادت بزوالها لقوله: " وكذا لو حلق شعر العانة منها أو من الحرة أو قلعهما بحيث لا ينبت فزادت القيمة فلا شئ " وذلك لان الضمان إنما يكون للنقص والفرض عدمه. خلافا للمحكى عن المبسوط فالحكومة، والاعتبار بعبد إذا ازيلت لحيته نقصت قيمته، وفيه ما لا يخفى. نعم لو فرض التعيب بإفساد منبت العانة مثلا على وجه تنقص به القيمة اتجه حينئذ مراعات الارش أما مع عدمه فلا، ولا ينافي ذلك ما ورد (1) " من أن فقدان الامة شعر العانة عيب ترد به، باعتبار كونه نقصا في الخلقة "، ضرورة كون المراد هنا الحكومة التي مدارها على القيمة لا صدق التعيب، بل هو كذلك أيضا في حلق الرأس الرجل المعتاد حلقه، وإطلاق الفتوى أن فيه الارش أو التقدير المزبور، منزل على ما إذا حصل النقص به كما في الشعر الطويل لبعض الشبان فتأمل جيدا.


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب أحكام العيوب، الحديث الاول.

[ 181 ]

(الثاني العينان) (وفيهما) معا (الدية وفي كل واحدة نصف الدية) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل وبين غيرنا كما عن الشيخ وابن زهرة الاعتراف به، بل في المسالك إجماع المسلمين عليه، وهو كذلك فضلا عن إجماع المؤمنين المحكي مستفيضا أو متواترا، كالنصوص عموما مثل " ما في الانسان منه إثنان ففيه نصف الدية " (1) وخصوصا مثل حسن الحلبي (2) وصحيح ابن سنان (3). بل مقتضى إطلاق النص والفتوى (و) معقد الاجماع أنها (تستوى الصحيحة والعمشاء والحولاء والجاحظة) خارجة المقلة أو عظيمتها، خلافا لما عن الوسيلة فجعل دية العمشاء ثلث دية النفس، ولم نعرف له دليلا صالحا لمعارضته ما عرفت، المقتضى لكون الاخفش والاعشى والارمد والاجهر كالصحيح. أما من كان على سواد عينه أو بياضها أو عليهما بياض مثلا، فإن كان الابصار باقيا بأن لا يكون ذلك على الناظر فالدية تامة لبقاء العضو وفائدته، فتشمله الادلة كاليد ذات الشلول، وإن لم يكن كذلك أسقط الحاكم من الدية بمقدار الذاهب إن عرف، وإلا كانت فيه الحكومة. (وفي الاجفان) الاربعة (الدية) بلا خلاف مطلقا أو في الجملة كما ستعرف، بل الاجماع بقسميه عليه كذلك، بل المحكي منهما مستفيض، (و) لكن (في تقدير كل جفن خلاف قال في المبسوط في كل واحد ربع الدية) وتبعه الفاضل في جملة من كتبه، وولده والشهيدان وأبو العباس وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل هو المحكي عن العماني أيضا، لصحيح هشام المضمر


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء. (2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1 و 4

[ 182 ]

في التهذيب (1)، المسند إلى الصادق عليه السلام في الفقيه، (2) " قال كل ما كان في الانسان منه إثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية " ونحوه حسن عبد الله ابن سنان (3) عنه أيضا، بتقريب كون كل جفنين بمنزلة واحد فيكونان كالعين، إلا أنه كما ترى، ولذا قال في المسالك " هو مجرد عناية "، وفي كشف اللثام " لادلالة فيه ". نعم قد يقال: بإمكان استفادة توزيع الدية على المتعدد الذي تثبت فيه الدية، والغرض الاجماع على ثبوتها للاربع فتتوزع عليها، لان الاصل عدم الزيادة، مضافا إلى دعوى انسياق التوزيع للتساوي في مثله، ولعله لذا قال في المسالك: " هو الاظهر " بعد أن اعترف بضعف دلالة الخبرين عليه، والله العالم. (و) قال (في الخلاف) ومحكي السرائر (في الاعلى ثلثا الدية وفي الاسفل الثلث) من دية العين، بل عن الاول عليه إجماع الفرقة وأخبارهم، بل في كشف اللثام حكايته عن المبسوط وإن كنا لم نتحققه، بل الذي حكاه عنه المصنف وغيره الاول، نعم وقيل نسبه إلى رواية أصحابنا بعد أن اختار الاول (4). وعلى كل حال فلم نقف له على دليل سوى الدعوى المزبورة التي لم نقف فيها على خبر، كما اعترف به غيرنا أيضا، بل ولا مفت غيره ممن تقدمه، بل هو قد خالف نفسه فيما سمعته من المبسوط، بل وفي الخلاف أيضا ما حكى المصنف عنه قال (وفي موضع آخر في الاعلى ثلث الدية وفي الاسفل النصف)


) (1) التهذيب ج 10 ص 258. (2) الفقيه ج 4 ص 133. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1 - الكافي ج 7 ص 351، وفيه: " ففى الواحد نصف الدية " وفى الوسائل: " ففيه نصف الدية " وكلاهما بمعنى. (4) كشف اللثام ج 2 ص 319 - المبسوط ج 7 ص 130.

[ 183 ]

منها كما في المقنعة والنهاية والمراسم والوسيلة وعن الغنية وعن القاضي وأبي الصلاح والطبرسي والصهرشتي والكيدري، بل وأبي علي (و) حينئذ ف‍ (- ينقص على هذا التقدير سدس الدية) بل في المتن وغيره (والقول بهذا كثير). بل في كشف اللثام وعن غيره هو المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، لما في كتاب ظريف بن ناصح عن الصادق عليه السلام المشهور في الديات كما في المسالك عن إفتاء أمير المؤمنين عليه السلام الذي رواه المحمدون الثلاثة بطرق عديدة (1) المنجبر مع ذلك في المقام بما عرفت " قال وإن اصيب شفر العين الاعلى فشتر فديته ثلث دية العين مأة دينار وستة وستون دينارا وثلثا دينار، وإن اصيب شفر العين الاسفل فشتر فديته نصف دية العين مأتا دينار وخمسون دينارا،... فما اصيب منه فعلي حساب ذلك ". وفي كشف اللثام وكذا روى عن الرضا عليه السلام (2) وفي المراسم نسبه إلى رسم النبوي العلوى. وفي المقنعة اختصاص هذا العضو من بين الاعضاء بذلك، ومن هنا كان العمل به متعينا. لكن فيه أنه مخالف لما سمعته من الاجماع ونفي الخلاف على وجوب تمام الدية الاربع، اللهم إلا أن يقال بما عن المهذب البارع: إن هذا النقص إنما هو على تقدير كون الجناية من إثنين أو من واحد بعد دفع أرش الجناية الاولى وإلا وجب دية كاملة إجماعا، بل في الروضة " هذا هو الظاهر من الرواية، لكن فتوى الاصحاب مطلقة ". قلت: ولعله لذلك توقف غير واحد من الترجيح كالمصنف وغيره، لكن


(1) الكافي ج 7 ص 330 - التهذيب ج 10 ص 298 - الفقيه ج 4 ص 80 - الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3 و 54. (2) فقه الرضا عليه السلام ص 42.

[ 184 ]

يمكن منع الاجماع المزبور مطلقا كما لا يخفى على من لاحظ كلام المشهور. نعم قد يقال: إن الشفر بالضم كما في الصحاح وغيره طرف الجفن، وبه عبر في المقنعة والمراسم والغنية، كالخبر المزبور، لا بالجفن، فيمكن أن يقال: إن ذلك في أشفار الاجفان لا فيها نفسها لانها فيها أجمع الدية كاملة أرباعا فتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- في الجناية على بعضها بحساب ديتها) بلا خلاف أجده فيه لما سمعته من الخبر المعتضد بما عرفته سابقا وحينئذ فإن قطع نصف الجفن كان ديته الثمن بناء على أن فيه الربع (ولو قلعت) الاجفان (مع العينين لم تتداخل ديتاهما) كما صرح به غير واحد للاصل بخلاف الاهداب التي عرفت الحال فيها، ولا يعتبر وجودها في تمام الدية للاجفان قطعا كما صرح به الفاضل وغيره بل لا يعتبر في ديتها أيضا الابصار، فالاعمى فضلا عن غيره بل لا يعتبر في ديتها أيضا الابصار، فالاعمى فضلا عن غيره لو قطعت أجفانه الاربعة وجبت الدية لاطلاق الادلة. نعم في القواعد وكشف اللثام الحكومة في الاجفان المستحشفة اليابسة المقلية، لانها لا تكن العين ولا تغطيها، ولعله (1) لانسياق غيرها من الاطلاق، والله العالم. (وفي العين الصحيحة من الاعور الدية كاملة إذا كان العور خلفة أو بآفة من الله تعالى) شأنه بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به في المسالك بل في الخلاف والغنية والمختلف والغاية المراد والتنقيح والمهذب البارع الاجماع عليه على ما حكى عن بعضها. وفي خبر محمد بن قيس (2) " قال أبو جعفر عليه السلام قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل أعور اصيبت عينه الصحيحة ففقأت، أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل


(1) كذا في الاصل، وفى بعض النسخ هكذا: " قلت ولانسياق غيرها ". (2) الوسائل الباب - 27 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2.

[ 185 ]

له نصف الدية وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفو (1) عن عين صاحبه " وفي خبر الحلبي (2) وأبي بصير (3) عن الصادق عليه السلام " في عين الاعور الدية " مع زيادة " كاملة " في أولهما إلى غير ذلك من النصوص التي قدمناها في استحقاقه نصف الدية لو جنى عمدا على الصحيح فاقتص منه فلاحظ وتذكر، مؤيدا ذلك كله بأن العين الواحد له حينئذ بمنزلة عينين بالنسبة إلى الابصار بل هو مثل ما لم يكن فيه إلا واحد كالانف. نعم (لو استحق ديتها) بجناية جان عليه وإن لم يكن قد أخذها (كان في الصحيحة نصف الدية خمسمأة دينار) بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغنية والخلاف الاجماع عليه، بل هو كذلك على الظاهر، كما اعترف به في كشف اللثام، وكذلك لو كان عورها قصاصا وإن لم يصرح به جماعة، بل في كشف اللثام الاكثر، لكنه مندرج في معقد إجماعي الخلاف والغنية على ذهابها بغير الخلقة والآفة السماوية، وعلى كل حال بذلك تقيد النصوص المزبورة، مضافا إلى النصوص والاجماع على أن في إحدى العينين النصف المستثنى منهما ما عرفت خاصة، بل قد يدعى أنه المراد من الاخبار المزبورة ولو بملاحظة أن أخذه العوض أو استحقاقه أو الذهاب قصاصا لا ينزل عينه الموجودة منزلة العين الواحدة، بل ينزلها منزلة أحد العينين، والله العالم. (وأما العوراء ففي خسفها روايتان إحداهما ربع الدية) كما في رواية عبد الله بن سليمان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل فقأ عين رجل ذاهبة وهي قائمة قال عليه ربع دية العين ". ورواية عبد الله بن أبي جعفر عنه (5) أيضا " في العين العوراء تكون قائمة فتخسف قال: قضى فيها علي بن أبي طالب عليه السلام بنصف الدية في العين الصحيحة " (و) لكن (هي متروكة) وإن حكى العمل بها عن المفيد وسلار، إلا


(1) في الكافي: " يعفى ". (2 و 3) الوسائل الباب - 27 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1 و 3. (4 و 5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2 و 1.

[ 186 ]

أنها ضعيفة ولا جابر لها، بل في المسالك لم يعمل بمضمون الثانية أحد من الاصحاب (و) الرواية (الاخرى ثلث الدية) وهي صحيحة بريد أو حسنته (1) عن الباقر عليه السلام " في لسان الاخرس وعين الاعور وذكر الخصي الحر وانثييه ثلث الدية " وغيرها (وهي مشهورة) في العمل كما اعترف به غير واحد، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه. (و) على كلا القولين فالحكم هنا كذلك (سواء كانت) عوراء (خلقة أو بجناية جان) لكن في صحيح أبي بصير (2) عنه أيضا " وقد سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان أخرس فقال: إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه ثلث الدية وإن كان ذهب بوجع أو آفة بعد ما كان يتكلم فإن على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه، قال: وكذلك القضاء في العينين والجوارح، وقال: هكذا وجدنا في كتاب علي عليه السلام " ولم نجد عاملا به كما اعترف به بعض الاساطين مضافا إلى ما فيه من عدم الفرق المزبور في اللسان الذي فيه الدية كامة - نعم ربما يظهر الفرق في نحو العين وغيرها من الجوارح المتعددة - وإلى ما فيه من الاضطراب فإن في الكافي والتهذيب (3) كما سمعت، وعن الفقيه (4) " إن كان ولدته أمه وهو أخرس فعليه الدية " ولعله يوافق في الجملة ما تسمعه من ابن إدريس من " أنه لا خلاف في أن العين إن كانت عوراء خلقة ففيها نصف الدية خمسمأة دينار وثلث ديتها إنما يجب في التي جنى عليها " (5) لكن ليس في الفقيه


(1) الوسائل الباب - 31 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول نقلا عن الكافي والتهذيب والفقيه وليس في الكافي والوسائل لفظة " الحر " راجع الفقيه ج 4 ص 131 والتهذيب ج 10 ص 270 والكافي ج 7 ص 318. (2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الثاني. (3) الكافي ج 7 ص 318 والتهذيب ج 10 ص 270. (4) الفقيه ج 4 ص 148. (5) السرائر باب ديات الاعضاء والجوارح والقصاص فيها.

[ 187 ]

قوله: " وكذلك القضاء في العينين والجوارح ". ثم إن المصنف والفاضل اقتصرا على الخسف كالمحكى عن الشيخ وابن سعيد نحو ما سمعته في خبر عبد الله بن أبي جعفر (1)، وعن سلار، التعبير بالاذهاب، وقال المفيد: " ومن كانت عينه ذاهبة وهي قائمة غير مخسوفة فلطمه إنسان فانخسفت بذلك أو كانت مفتوحة فانطبقت أو كان سوادها باقيا فذهب فعليه ربع الدية العين الصحيحة لذهابه بجمالها " (2). وفي خبر عبد الله بن سليمان (3) ما سمعته، وعن الحلبي " وفي خسف العين الواقفة العميا ثلث ديتها وفي طبق المفتوحة أو ذهاب سوادهما مع تقدم العمي ربع ديتها ". وكذا عن الغنية والاصباح، بل عن أولهما الاجماع عليه، وإن كان هو كما ترى ضرورة عدم مظنة الاجماع المزبور، بل لعل الامر بالعكس، إذ رواية الثلث المشهورة عملا لا فرق فيها بين الخسف والقلع وغيرهما، ومن ذلك يعلم ما في التفصيل المزبور وغيره. وعن ابن إدريس " وفي العين القائمة إذا خسف بها ثلث ديتها صحيحة وكذلك في العين العوراء التي اخذت ديتها أو استحقها صاحبها ولم يأخذها ثلث ديتها صحيحة على ما قلناه أولا وحررناه، وشيخنا أبو جعفر فرق في نهايته بينهما، قال: إذا قلع العين العوراء التي اخذت ديتها أو استحقت الدية ولم يأخذها فنصف الدية يعنى ديتها فإن خسف بها ولم يقلعها ثلث ديتها، والاولى عندي أن في القلع والخسف ثلث ديتها، فأما إذا كانت عوراء والعور من الله تعالى فلا خلاف بين أصحابنا أن فيها ديتها كاملة خمسمأة دينار انتهى " (4).


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) المقنعة ص 120. (3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (4) السرائر باب ديات الاعضاء.

[ 188 ]

والظاهر سقوط لفظ القلع من قلمه أو أقلام النساخ في قوله " وكذلك في العين العوراء " والصحيح " وكذلك في قلع العين العوراء إلى آخره ". وعلى كل حال فهو كما ترى وإليه أشار المصنف بقوله: (ووهم هنا واهم فتوق وزلله) بل ما نسبه إلى النهاية وهم أيضا وإن كانت عبارتها موهمة لذلك، قال: " وفي العين العوراء الدية كاملة إذا كانت خلقة أو قد ذهبت في آفة من جهة الله تعالى فان كانت قد ذهبت وأخذ ديتها أو استحق الدية وإن لم يأخذها كان فيها نصف الدية، والاعور إذا فقأ عين صحيح قلعت عينه وإن عمي فإن الحق أعماه فإن قلعت عينه كان مخيرا بين أن يأخذ الدية كاملة أو يقلع إحدى عينى صاحبه ويأخذ نصف الدية، وفي العين القائمة إذا خسفت بها ثلث ديتها صحيحة انتهت " (1) وهي صريحة أو كالصريحة في خلاف ما حكاه عنها ولو بقرينة قوله أخيرا: و " في العين القائمة إلى آخره ". لكن في كشف اللثام بعد أن حكى عبارة النهاية المزبورة قال: " ففهم من العين العوراء، الذاهبة من عيني الاعور لا الصحيحة كما في نحو عبارة الكتاب ويقويه قوله " ذهبت " مرتين " وأخذ ديتها " فحمل قوله: " الدية كاملة " على دية العين الواحدة، أي نصف الدية خمسمأة دينار ونصف الدية على نصف ديتها وهو ربع الدية. ثم لما قال في آخر الكلام: " إن في خسف العين القائمة ثلث ديتها " حمل ما قبله على القلع، وجعل في قوة أن قال: في العين الذاهبة في عيني الاعور ديتها كاملة وهي خمسمأة دينار قلعت أو خسفت إذا كانت ذهبت خلقة أو في آفة من الله فإن كانت ذهبت وأخذ ديتها أو استحق ديتها كان في قلعها نصف ديتها مأتان وخمسون دينارا، وإذا فقأ الاعور عين صحيح قلعت عينه الصحيحة وإن عمى فإن الحق أعماه، فإن قلع قالع عينه الصحيحة كان مخيرا بين أن يأخذ


(1) النهاية ج 2 ص 789.

[ 189 ]

الدية دية النفس كاملة ألف دينار أو يقلع إحدى عيني الجاني ويأخذ نصف الدية، وفي عينه الذاهبة القائمة إذا خسف بها وكان ذهابها بالجناية عليها ففيها ثلث ديتها صحيحة " (1). قلت: ولكنه كما ترى، بل المراد (2) ما ذكره المصنف في النكت - وتبعه عليه الفاضل والشهيد وغيرهما - العين الصحيحة من العوراء من عين الاعور، قال: " ويوشك أن يكون سماها عوراء لانه ليس لها اخت من صنفها وفي الحديث إن أبا لهب اعترض على النبي صلى الله عليه وآله عند إظهاره الدعوة فقال له أبو طالب يا أعور ما أنت وهذا، قال ابن الاعرابي: ولم يكن أبو لهب أعور، ولكن العرب تقول للذي ليس له أخ من أبيه وامه أعور، وكأن الشيخ استعمل ذلك اتساعا، وتبعا للفظ رواية رواها محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن سنان، عن العلا ابن الفضيل (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال في أنف الرجل الدية تامة، وذكر الرجل الدية تامة ولسانه الدية تامة، واذناه الدية تامة، والرجلان بتلك المنزلة، والعينان كذلك، والعين العوراء الدية تامة " ولم يرد بالعوراء هنا الفاسدة لان ديتها ليست تامة إذ هو يريد بالتامة دية النفس لانه عدد ما فيه دية النفس ولم يرد بالدية التامة خمسمأة على ما ظنه بعض المتأخرين، ثم لم يذهب أحد إلى أن القائمة ولا المطبوقة فيها خمسمأة بحيث ينزل ذلك على هذا التأويل، وأما قول الشيخ ره " إذا كانت خلقة أو ذهبت في آفة " يريد الذاهبة، أضمرها ولم يجر لها ذكرا اتساعا ولدلالة اللفظ عليها انتهى " (4). وحينئذ قوله فإن قلعت عينه مع جزائه تكرير لما قدمه من إذهاب عينه الصحيحة وإنما كرره للتصريح بالتخيير.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 318 - 319. (2) كذا في الاصل، ولعل الصحيح: " كما ذكره المصنف ". (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 11. (4) نكت النهاية كتاب الديات ورقيق قبل آخر الكتاب.

[ 190 ]

على أنه لو سلمنا دلالة عبارة النهاية على ذلك كيف يسوغ له موافقتها بلا دليل بل ظاهر الادلة خلافها، بل والاعتبار، فإن مساواة الصحيحة للعوراء في الدية أمر منكر وكأن الذي اوقعه في هذا الوهم الشنيع استمراره على الجرأة على العلماء وخصوصا الشيخ الذي هو اس هذا المذهب وقوامه نسأل الله العصمة من الخطأ وغيره، والله العالم. (الثالث الانف) (وفيه الدية كاملة إذا استوصل) كله (وكذا إذا قطع مارنه وهو مالان منه) وفاقا للشيخ في النهاية وابن إدريس ويحيى بن سعيد والفاضلين والشهيد، بل والغنية والاصباح وغيرهم على ما حكى عن بعض، لانه مما في الانسان منه واحد وفيه الدية نصا وفتوى ولقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (1) " في الانف إذا استوصل جدعه الدية ". وفي الموثق " في الانف إذا قطع الدية كاملة " وفي حسن الحلبي (2) وموثق سماعة (3) وخبري زرارة (4) والعلا بن الفضيل (5) " في الانف إذا قطع المارن الدية " ومقتضاء وجوب الدية لا غير في قطعه أجمع وفي قطع المارن منه. لكن في المبسوط " وفي الانف الدية بلا خلاف لقوله عليه السلام: وفي الانف الدية وفي الانف إذا اوعى أي استوعب جدعا مأة من الابل، وعن علي عليه السلام في الانف


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 4. (3 و 4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 7 و 6 و 8.

[ 191 ]

مأة من الابل، فإذا ثبت أن فيه الدية فإنما الدية في المارن وهو مالان منه وهو دون قصبة الانف وذلك المنخران والحاجز إلى القصبة. فإن كان قطع كل المارن ففيه الدية كاملة فإن قطع بعضه ففيه بالحصة مساحة " (1). وذكر " أنه إن قطع المارن مع القصبة كان في المارن الدية وفي القصبة حكومة " (2) وهو خيرة المهذب والوسيلة والتحرير والروضة على ما حكي عن بعضها، بل عن حواشي الشهيد أنه المنقول، ولعل وجهه بعد الاتفاق على ثبوت الدية في المارن نصا وفتوى أنه لابد للجناية على القصبة معه من عوض. وفيه أنه كذلك مع تعددها بأن قطع القصبة بعد قطع المارن لعدم تقدير فيها بالخصوص فتجب الحكومة، أما لو كانت جناية واحدة قد استوعبت الانف كله أو المارن مع بعض القصبة فليس إلا الدية لما سمعته من النصوص صريحها وظاهرها المذكورة لبيان تمام ما في ذلك، مضافا إلى الاصل، ولا استبعاد في التداخل في الفرض المزبور. ويمكن تنزيل كلام الشيخ ومن وافقه على ذلك فيرتفع الخلاف حينئذ الذي قد بان لك ثمرته مما ذكرناه والا كان محجوبا بما عرفت. (كذا) تجب الدية (لو كسر ففسد) كما صرح به الشيخان والحلبي وابن حمزة والفاضلان والشهيدان وغيرهم على ما حكي عن بعضهم بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الرياض لانه كالابانة خصوصا على ما عن الروض من كون المراد من فساده سقوطه لا صيرورته أشل الذي يأتي حكمه ودليله، وإن كان قد يناقش بأعمية الفساد في كلام الاصحاب من ذلك. فالتحقيق أن يقال ولو بمعونة


(1) المبسوط ج 7 ص 131. وكانت عبارة الاصل ناقصة وأصلحناه طبعا للمصدر. ولا يخفى أن عبارة مفتاح الكرامة هنا ناقصة أيضا. (2) المبسوط ج 7 ص 131 وليست العبارة عين عبارة الشيخ فراجع.

[ 192 ]

فهم الاصحاب: إن قوله (1): " فيما كان فيه في البدن واحد الدية " كالانف شامل للقطع (و) للافساد المزبور. نعم (لو جبر على غير عيب فمأة دينار) كما صرح به من عرفت وغيرهم، بل في الرياض نفي الخلاف فيه، بل عن الغنية على الاجماع عليه، وهو الحجة بعد تبينه مضافا إلى ما عساه يفهم مما في خبر ظريف (2) من ثبوت المأة في كسر الظهر إذا جبر على غير عيب، من أن ذلك كذلك في كل ما كان في كسره الدية، ومنه ما نحن فيه. فوسوسة بعض الافاضل (3) في دليل الحكم المزبور حينئذ في غير محله. ولو نفذت فيه نافذة فخرقت المنخرين والوترة جميعا على وجه لا تنسد فثلث الدية بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، بل قيل قد يظهر من الغنية الاجماع عليه، لما في كتاب ظريف (4) " فان نفذت فيه نافذة لا تنسد بسهم أو رمح فديته ثلاثمأة وثلاث وثلاثون دينارا وثلث دينار " بل في كشف اللثام وروى عن الرضا عليه السلام (5) وإن كان المظنون إرادته ما في الفقه


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 12 وغيره. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) وهو المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (5) كشف اللثام ج 2 ص 319 - الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 42 وعبارته هكذا: " فان نفذت منه نافذة فثلثا دية الارنبة " وراجع المستدرك ج 3 ص 274.

[ 193 ]

المنسوب إلى الرضا عليه السلام الذي لم يثبت حجيته عندنا (1)، وخبر مسمع (2) عن الصادق عليه السلام قضى أمير المؤمنين عليه السلام " في النافذة تكون في العضو بثلث الدية دية ذلك العضو "، ونحو ذلك من الاخبار. وكذا لو خرمه لقول الصادق عليه السلام في خبر مسمع (3) أيضا " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في خرم الانف ثلث دية الانف " نعم الظاهر إرادة شق وترة الانف التي بين المنخرين، من الخرم. ولو جبرت وصلحت ففيه خمس الدية مأتا دينار كما صرح به الشيخان والديلمي وابنا زهرة وإدريس والفاضلان والشهيدان والتقي والقاضي والكيدري على ما حكي عن بعضهم، بل قيل قد يظهر من الغنية الاجماع عليه، إلا أني لم أجد له دليلا، بل الموجود في كتاب ظريف (4) " وإن كانت نافذة فبرئت والتأمت فديتها خمس دية روثة الانف مأة دينار فما اصيب منه فعلى حساب ذلك " كالمحكي عن أبي علي والشيخ في الخلاف، بل والسرائر وإن حكي عنها الاول أيضا، (5) ولعله لا يخلوا من قوة فإن المشهور أيضا على ما قيل عشر، للاصل والخبر المزبور، بل لعله متعين بعد فرض الاجماع على انحصار الامر في القدرين ضرورة


(1) راجع رسالة " الفضل القضاء في الكتاب المشتهر بفقه الرضا " تأليف السيد حسن الصدر الكاظمي ره المطبوع أخيرا بقم في مجموعة تسمى به " آشنائى با چند نسخه خطى " ص 389 - 442. (2) التهذيب ج 10 ص 293 - الكافي ج 7 ص 328 - الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج والجراح، الحديث 7. ولكن في غير الاول " الناقلة " مكان " النافذة " فراجع. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 2. (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (5) قال في السرائر في باب ديات الشجاج والجراح: " وفى الانف... فان عولجت فصلحت وانسدت فديتها خمس دية الانف مأتا دينار ".

[ 194 ]

كون المقام على هذا التقدير من جزئيات مسألة الترديد بين الاقل والاكثر المعلوم كون الحكم فيه الاقتصار على الاول ونفي الزائد بالاصل بعد فرض عدم دليل عليه غير الشهرة المزبورة، وهي مع تحققها غير حجة. نعم يمكن منع الاجماع على الانحصار المزبور، والمتجه فيه بعد عدم حجية الشهرة والخبر المزبور الذي لا جابر له، الحكومة التي هي مقتضى الاصل أيضا بعد الاجماع على عدم خلو الجناية عن عوض هذا كله ولكن الاحتياط مع إمكانه لا ينبغي تركه بل يمكن تصحيح الخبر المزبور فلا يحتاج إلى جابر ولكن الشهرة هنا موهنة له. وكذا الكلام فيما كانت النافذة نفذت في أحد المنخرين إلى الحاجز عشر الدية، لكن مع تقييد كثير منهم ذلك بما إذا صلحت وبرئت، بل عن جماعة منهم التصريح بأن فيها السدس إن لم تبرأ، بل قيل: قد يظهر من الغنية الاجماع عليه، وعلى كل حال لم أجد له دليلا أيضا وإن نسبه في كشف اللثام إلى الرواية (1) عن الرضا عليه السلام من دون نص إلى البرء، وعن أبي علي " أن فيه عشر دية الروثة خمسون دينارا " ويوافقه ما في كتاب ظريف قال متصلا بما سمعته، " وإن كانت النافذة في إحدى المنخرين إلى الخيشوم وهو الحاجز بين المنخرين فديتها عشر دية روثة الانف خمسون دينارا " (2) ولكن البحث فيه كما تقدم ضرورة عدم دليل للمشهور، وعدم جابر للخبر المزبور أو موهون بالشهرة، فالتحقيق الاقتصار على الاقل مع فرض الاجماع على الانحصار وإلا فالحكومة ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. (و) كيف كان ف‍ (- في شلله ثلثا ديته) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن ظاهر المبسوط وصريح الخلاف الاجماع عليه، نحو شلل


(1) كشف اللثام ج 2 ص 319 - فقه الرضا عليه السلام ص 42. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 195 ]

سائر الاعضاء التي وضع الاصحاب - كما في كشف اللثام - ضابطا لشللها وهو ثلثا دية ذلك العضو المشلول، بل عن الخلاف والغنية إجماع الفرقة عليه مع زيادة " واخبارهم " في الاول ولعل منها صحيح الفضيل بن يسار (1) عن الصادق عليه السلام " إن في شلل كل الاصابع ثلثي دية اليد أو القدم وفي شلل بعضها ثلثي ديتها " مؤيدا ذلك بما ذكروه أيضا من غير خلاف يعرف فيه بينهم كما اعترف به غير واحد، من أن في قطع الاشل أنف أو غيره ثلث الدية، لخبر الحكم (2) عن أبي جعفر عليه السلام " كل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح " فتتم بذلك الدية حينئذ وإن كان الظاهر الثلث أيضا في الاشل خلقة كما صرح به بعضهم لاطلاق النص والفتوى إلا أنه لا ينافي ظهور ذلك في ثبوت ثلثي الدية بالجناية الموجبة للشلل. والله العالم. (وفي الروثة) إذا استوصلت كما هو صريح بعض وظاهر آخر (وهي الحاجز بين المنخرين) كما في جملة من كتب الفاضل ومحكي النهاية والجامع وغيرها (نصف الدية) وفاقا للشيخين والديلمي وابني حمزة وسعيد والفاضل وثاني الشهيدين وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، ولذا نسبه في كشف اللثام إلى الاكثر، بل في المسالك إلى المشهور لما في كتاب ظريف - الذي روى صحيحا - (3) " أنه عرض على الرضا عليه السلام فقال: هو حق "، " فإن قطعت روث الانف فديتها خمسمأة دينار نصف الدية (4) ". ولكن عن الكافي (5) زيادة " وهي طرفه " فإن كانت من الخبر نافت التفسير


(1) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5، وليس المنقول عين ألفاظ الراوية. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) راجع الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الاعضاء. (4) الفقيه ج 4 ص 81. (5) الكافي ج 7 ص 331.

[ 196 ]

المزبور، بل وإن لم تكن منه، لان الموجود فيما حضرني من كتب اللغة أنها " الارنبة " أي طرف الانف أو طرفيها، بل في كشف اللثام بعد أن حكاه عن بعض من عرفت قال: " ولم أعرف لهم موافقا من أهل اللغة فإن المعروف عندهم أنها الارنبة أو طرفها حيث يقطر الرعاف، والارنبة عندهم طرف الانف ويسمون الحاجز بالوترة، وفي كتاب ظريف بالخيشوم، وكذا روى عن الرضا عليه السلام "، (1) بل في المتن بعد أن ذكر ما سمعت (وقال ابن بابويه (2) هي مجمع المارن، وقال أهل اللغة هي طرف المارن) وعن الكنز والايضاح أنها مجمع المارن والانف، وفي كشف اللثام " ومراد الصدوق بمجمعه إما رأسه فيوافق كتب اللغة، أو الحاجز فإنه موصل كما أنه مفصل ". وقد تكلف بعض الناس (3) للجمع بين كلام أهل اللغة وبين ما سمعته من الاصحاب بما لا يرجع إلى حاصل، بل ولا يرضى به الاصحاب الذين اعترفوا بأن ما ذكروه غير ما عند أهل اللغة كما هو ظاهر المصنف وغيره. ومن هنا يشكل الحكم بأن في قطعها بالمعنى المزبور النصف فإن خبر ظريف ليس فيه إلا النصف فيها من دون تفسير لها، فيتجه حينئذ بناء على العمل به ثبوت النصف بقطع الارنبة كما عن الغنية والاصباح وأبي علي المفسرة بها في أكثر كتب أهل اللغة، وفي بعضها بطرفيها، إلا أن الاول أشهر وأوفق بالاصل، بل قيل إنه قد يظهر من الغنية الاجماع فتأمل جيدا، فإنه يمكن أن يقال بحصول الظن بما ذكره الاصحاب دون أهل اللغة مع إمكان كون المراد منها هنا ذلك وإن كان معناها لغة الارنبة أو طرفها كما هو مقتضى اعترافهم بأنها لغة


(1) كشف اللثام ج 2 ص 319 - الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 42. (2) قال في الفقيه ج 4 ص 81: " قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: الروثة من الانف مجتمع مارنه ". (3) راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 389 - 390.

[ 197 ]

كذلك مع تفسيرهم لها بما عرفت، وبذلك يظهر قوة للقول المشهور والاحتياط لا ينبغي تركه. وقيل - وإن قال في كشف اللثام لم نعرف القائل - بل هو كذلك قبل (1) الشهيد في اللمعة: إن في الروثة بالمعنى المزبور الثلث، وتبعه بعض من تأخر عنه ولعله بعد أصل البرائة من الزائد، لقاعدة تقسيط الدية على أجزاء العضو الذي ثبت فيه الدية بالنسبة، لان المارن الذي قد عرفت وجوبها بقطعه مشتمل عليها وعلى المنخرين، بل في الرياض " يمكن أن يكون القائل به ابن إدريس فإنه قال بعد حكمه بأن في الانف الدية، وفي مارنه الدية، ما لفظه: " وما نقص منه بحساب ذلك " وهو ظاهر في رجوعه إلى القاعدة " وإن كان قد يناقش بأن مقتضى ذلك ثبوت الثلث في أحد المنخرين مع إن المحكي عن ابن إدريس وغيره النصف كما ستسمع، بل مقتضى ذلك ثبوت الربع بناء على أنه أربعة: المنخران والحاجز والروثة، كما ستسمعه من جماعة، بل ويمنعه القاعدة المزبورة ضرورة أعمية ثبوت الدية في المارن من ذلك كما هو واضح. (وفي أحد المنخرين نصف الدية لانه إذهاب نصف) الجمال و (المنفعة وهو اختياره في المبسوط) معللا له بما عرفت كالمحكي عن السرائر، بل قال فيه " هو مذهبنا " مشعرا بالاجماع عليه وتبعه ابن إدريس والمصنف في النافع والفاضل في بعض كتبه وقد ايد بأنهما إثنان فيعمهما ما مر من الحكم العام فيما كان اثنين وإن كان قد يناقش بمنع شموله لمثل ذلك وإلا لاقتضى قطعهما من دون قطع الحاجز وغيره من الانف تمام الدية، كما أنه يقتضي ثبوتها أيضا بقطع إحداهما مع الحاجز بناء على ما سمعته من أنه الروثة، وهو مناف لثبوتها بقطعه أجمع. وقيل كما عن الكيدري والتقي وابن زهرة فيه ربع الدية، بل ربما استظهر من الاخير الاجماع عليه، ولعله - كما عن الشهيد - لان المارن الذي فيه الدية


(1) كان في الاصل " قيل " مكان " قبل " وصححناء بعد مراجعة مفتاح الكرامة فراجع ج 10 ص 390

[ 198 ]

أربعة أجزاء المنخران والحاجز والروثة فتقسط الدية عليها، مضافا إلى أصالة البرائة من الزائد، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه ولذا كان المشهور كما اعترف به غير واحد على أن فيه الثلث. (وفي رواية غياث (1)) المنجبرة بالشهرة المزبورة (عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام) " أنه قضى في كل جانب من الانف (ثلث الدية " وكذا) ثلث الدية (في رواية عبد الرحمن (2) العزرمي عن جعفر عن أبيه عليه السلام) " أنه جعل في خشاش الانف ثلث الدية " والخشاش - بكسر الخاء المعجمة - عويد يجعل في انف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع (3) ولانقياده، وكان المراد من الرواية محل الخشاش تسمية للمحل باسم الحال مجازا، وفي كشف اللثام " الحشاش - باهمال الحاء وفتحها أو كسرها - الجانب "، وعلى كل حال فهي ظاهرة في المطلوب (و) لكن (في) كل من (الروايت‍) - ين ضعف غير أن العمل بمضمونها أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها العمل بمثلها بعد انجبارهما بالشهرة المزبورة واعتضادهما بالاصل. ولكن في القواعد " فتقسط الدية على الحاجزة والمنخرين اثلاثا " وفيه أنه مناف لما ذكرناه سابقا من النصف في الحاجز، ولا يرد مثله على المصنف وإن كان مقتضى ما ذكره لزوم دية وسدس في الثلاثة لكن لا بأس بالتزام ذلك مع تعدد الجناية أو الجاني. نعم لو قطع المارن دفعة لم يكن فيه إلا الدية فتأمل جيدا، والله العالم.


(1) التهذيب ج 10 ص 261 - الوسائل الباب - 43 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 127. (3) في مفتاح الكرامة هكذا: " ليكون أسرع لا نقياده " بدون الواو.

[ 199 ]

ولو قطع مع المارن لحما تحته متصلا بالشفتين فعليه الدية مع زيادة حكومة للحم إذ لا مقدر له. ولو قطع أحد المنخرين والحاجز فثلثا الدية بناء على التوزيع أثلاثا. ولو قطع احدهما مع نصف حاجز أو بالعكس فنصف الدية بناء عليه أيضا. وفي كشف اللثام " وعلى القول بأن في الحاجز نصف الدية كان في كل من المنخرين ربعها، وعلى القول بأن في كل من المنخرين نصف الدية كان الحاجز حكومة، وعلى قول الحلبيين والكيدري كان في كل منهما ومن الحاجز والروثة ربع الدية، وقطع أحد المنخرين مع تمام الحاجز يوجب قطع الروثة ". وفيه أن مبنى ذلك عدم لزوم أزيد من الدية، وفيه منع، لما عرفت من إمكان التزام ذلك في التفصيل بتعدد الجناية أو الجاني أو نحو ذلك، وإن لم يكن في قطع الجملة دفعة إلا الدية. وفي قطع بعض المنخر جزء من الثلث أو الربع أو النصف بنسبة المقطوع إلى الجميع، وكذا في قطع بعض الحاجز وإن لم نقل إن فيه حكومة. ولو ضربه فعوجه أو تغير لونه فالحكومة صلح بعد ذلك أولا إلا أن الحكومة في الاخير أكثر. فإن قطعه بعد الاعوجاج أو تغير اللون آخر أو الاول فالدية كاملة، إذ لا تنقص بنقصانه شكلا أو لونا كما لو كان كذلك خلقة. ولو شق ما بين المنخرين ففيه حكومة كما عن المبسوط والسرائر، بقى منفرجا أو التأم، إلا إن الحكومة في الاول أكثر، وعن الوسيلة أن في شقه خمسين دينارا فإن بقى منفرجا ففيه زيادة حكومة، ولم نقف له على ما يدل عليه. ولو قطعه إلا جلده وبقى معلقا بها فإن احتيج إلى الابانة بأن لم يمكن

[ 200 ]

الرد والالزاق فعليه الدية كاملة، لانه قطع الانف بعضه بالمباشرة وبعضه بالتسبيب أو كله به، ولو أبانه فرده هو أو المجني عليه فالتحم، احتمل الحكومة، لانه بمنزلة عدم الابانة لبقائه الآن كما كان، واحتمل الدية كما عن المبسوط والتحرير لصدق الابانة، والالتحام ثانيا نعمة متجددة، قيل: ولانه يجبر على الابانة لانه نجس لا تصح الصلوة معه ولو لم يبنه فرده فالتحم فالحكومة قطعا لانه يبنه ولا اضطره إلى الابانة للاتحام والطهارة. والله العالم. (الرابع الاذنان) (وفيهما الدية وفي كل واحدة نصف الدية) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا نصا وفتوى، عموما كالضابط المزبور المحكي عليه الاتفاق والمروي عن الصادق عليه السلام (1) " قال: كل ما كان في الانسان اثنين ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية وما كان واحدا ففيه الدية "، وخصوصا كصحيح الحلبي أو حسنته (2) وحسنة العلاء بن الفضيل (3) وصحيحة عبد الله بن سنان (4) وخبري سماعة (5) وخبر مسمع (6)، بل الاجماع بقسميه عليه، بل والمحكى منه مستفيض.


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 12. (2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4 و 8. (4 و 5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5 و 7 و 9 و 10. (6) قال في كشف اللثام ج 2 ص 320: " وفى بعضها (أي الاذنان) بحساب ديتها كما قال الصادق عليه السلام في خبر مسمع: " وما قطع منها فبحساب ذلك ". أقول: لم أجده في كتاب الديات من الوسائل.

[ 201 ]

نعم عن مالك " أن فيها الحكومة لانها جمال بلا منفعة " وهو اجتهاد في مقابلة النص. (وفى بعضها بحساب ديتها) بلا خلاف أجده فيه أيضا لقول الصادق عليه السلام في خبر مسمع (1) " وما قطع منها غير الشحمة فبحساب ذلك " ونحوه في كتاب ظريف (2) بل يرجع إليه ما في خبر سماعة (3) عن الصادق عليه السلام ومضمره (4) " وإذا قطع طرفها ففيها قيمة عدل " على معنى إرادة اعتبار الحساب فيه بالمساحة من قيمة العدل، فإن كان المقطوع نصفها فعليه نصف دية الاذن الواحدة، وإن كان الثلث فالثلث (و) هكذا. نعم (في) خصوص (شحمتيها) مقدر وهو (ثلث ديتها على رواية) مسمع (5) عن الصادق عليه السلام " أن عليا عليه السلام قضى في شحمة الاذن بثلث دية الاذن " وهي وإن كان (في) طريق‍ (- ها ضعف ولكن تؤيدها الشهرة) العظيمة، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن الخلاف والغنية إجماع الفرقة عليه، مع زيادة " وأخبارها " في الاول، وحينئذ ففي قطع بعض الشحمة بحساب ديتها كأصل الاذن، والله العالم. و (قال بعض الاصحاب) وهو الشيخ في النهاية " وفي شحمة الاذن ثلث دية الاذن (و) كذلك (في خرمها ثلث ديتها (6) ")، وفي محكي الخلاف (7) في شحمة الاذن ثلث دية الاذن وكذلك في خرمها، بدليل إجماع


(1) راجع ص 200 چ 42. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3 و 4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 7 و 10. (5) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (6) النهاية ج 2 ص 790. (7) الخلاف ج 2 ص 381.

[ 202 ]

الفرقة وأخبارها، وظاهرهما خصوصا الثاني إرادة دية الاذن كما صرح به ابن حمزة والفاضل في محكي الوسيلة والتبصرة، (و) لكن (فسره واحد) وهو ابن إدريس (1) (بجزم الشحمة وبثلث دية الشحمة)، وفي النافع " في شحمتها ثلث ديتها وفي خرم الشحمة ثلث ديتها " ونحوه عن الجامع، وفي محكي المختلف (2) " هو تأويل بلا دليل ". قلت كذلك إذ معقد الاجماع كما سمعت، وقول الصادق عليه السلام في خبر معاوية بن عمار (3) " في كل فتق ثلث الدية " ظاهر في خلافه، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب ظريف (4) " وفي قرحة لا تبرأ ثلث دية ذلك العضو " مؤيدا بما في الخبر (5) " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في خرم الانف ثلث دية الانف " بناء على عدم الفرق بينه وبين الاذن في ذلك لكن في الرياض " وهو أي ما عليه الحلي الاجود لاجمال العبارات والنصوص المتقدمة وعدم ظهور يعتد به في شئ منها فينبغي الاخذ بالاقل المتيقن منها ويدفع الزائد بأصل البرائة، مضافا إلى التأييد بأن مع اعتباره لم يبق فرق بين قطع الشحمة وخرمها في مقدار الدية أصلا وهو مستبعد جدا، وبهذا يقرب تنزيل العبارات عليه إلا ما صرح فيه بثلث دية الاذن (6) ". ولا يخفى عليك ما فيه من دعوى الاجمال والاستبعاد بعد الاحاطة بما ذكرناه والله العالم.


(1) السرائر، باب ديات الاعضاء والجوارح وهذه عبارته: " وفى شحمة الاذن ثلث دية الاذن وفى خرمها ثلث ديتها وفى خرم الشحمة ثلث دية الشحمة وهو ثلث الثلث الذى هو دية الشحمة ". (2) المختلف كتاب الحدود ص 250. (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 3. (5) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 2. (6) رياض المسائل ج 2 ص 608 مع اختلاف يسير.

[ 203 ]

واذن الاصم كالصحيح بلا خلاف بل ولا إشكال، إذ الصمم ليس نقصا في الاذن بل في السماع، ولو ضربها فاستحشفت فهو كشلل العضو الذي فيه ثلثا ديته بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل عن الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارها، وإن لم نظفر بخبر خاص أو عام يدل عليه زائدا على ما عرفت سابقا في الانف من الضابط وغيره. وحينئذ فإن قطعها قاطع بعد الشلل فثلث ديتها لما عرفته في الانف، ولو قطع الاذن فأوضح العظم وجب عليه مع دية الاذن دية الموضحة، وكذا إن سرى إلى السمع فأفسده أو نقص منه، لم يتداخل ديتا العين والمنفعة للاصل وغيره كما هو واضح. (الخامس الشفتان) (وفيها الدية) بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به غير واحد بل بين المسلمين بل (إجماعا) بقسميه، بل المحكي منهما مستفيض، بل في كشف اللثام منا ومن العامة، مضافا إلى ما سمعته من الضابط، فلا إشكال حينئذ في شئ من ذلك. (و) لكن (في تقدير دية كل واحدة) لو قطعها المتعدد مثلا (خلاف قتل في المبسوط: في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان وهو خيرة المفيد) والديلمي وأبي الصلاح وابنى زهرة وإدريس في أول كلامه والكيدري وابن سعيد على ما حكي عن بعضهم، بل عن ظاهر المبسوط والغنية الاجماع عليه، بل عن المفيد " لانها تمسك الطعام والشراب وشينها أقبح من شين العليا وبهذا ثبتت الاثار

[ 204 ]

عن ائمة الهدى عليه السلام (1) ". (و) قال (في الخلاف في العليا أربعمأة دينار وفي السفلى ستمأة) دينار أي خمسان في الاولى وثلاثة في الثانية، وهو خيرة المقنع والهداية والنهاية والتهذيب والاستبصار والوسيلة والمهذب والمختلف والطبرسي والصهرشتي على ما حكي عن بعضهم، بل هو الذي استقر عليه رأيه اخيرا في السرائر، فإنه بعد أن قوى قول ابن أبي عقيل قال: " إلا أن يكون إجماع على خلافه ولا شك، أن الاجماع منعقد على تفضيل السفلى، والاتفاق حاصل على الستمأة دينار، والاصل برائة الذمة مما زاد عليه قال وبهذا القول الاخير أعمل وافتي وهو قول شيخنا في الاستبصار " (2). يعني القول بالاربعمأة والستمأة، وقد كان أولا اختار القول بالثلث والثلثين، بل في محكي الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم (وهي رواية أبي جميلة عن أبان) بن تغليب (3) (عن أبي عبد الله عليه السلام) " قال في السفلى ستة آلاف وفي العليا أربعة آلاف لان السفلى تمسك الماء " وفي المتن (و) محكي التحرير، (ذكره الظريف (4) في كتابه أيضا) عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفي الوافي (5) بعد أن ذكر خبر أبي جميلة، قال: " وتأتي رواية اخرى في هذا المعنى وأن أمير المؤمنين عليه السلام فضل السفلى لانها تمسك الماء والطعام مع الاسنان (6) " (و) لكن (في أبي الجميلة ضعف) فلا يصلح معارضا لغيره،


(1) قال في مفتاح الكرامة ج 10 ص 397: " وبهذا ثبتت الاثار عن أئمة الهدى عليهم السلام كما في المقنعة وهذه شهادة منه على ثبوت ذلك وهو أبلغ وأثبت مما يرويه ويسنده ". (2) السرائر، باب ديات الاعضاء والجوارح. (3 و 4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 2 و 1. (5 و 6) الوافى الجزء التاسع ص 101 و 115.

[ 205 ]

اللهم إلا أن يجبر بما عرفت كما ستسمع. (وقال ابن بابويه (1) وهو مأثور عن ظريف أيضا) في الكتب المشهورة ومروي بعدة طرق (في العليا نصف الدية وفي السفلى الثلثان)، بل حكي عن أبي علي (و) لكن (هو) قول (نادر) لم نعرفه لغيرها (وفيه مع ندوره زيادة) على الدية (لا معنى لها) بل اتفاق النص والفتوى على أن فيهما الدية، إلا أن يختص بما إذا جنى عليهما المتحد دفعة دون المتعدد نحو ما سمعته من المصنف وغيره في المنخرين والروثة وغير ذلك مما فيه زيادة في التفصيل على الجملة دفعة كما تقدم. (وقال ابن أبي عقيل هما سواء في الدية استنادا إلى قولهم عليه السلام) في الصحيح (2) والحسن (كلما في الجسد من إثنان ففيه نصف الدية) بل وإلى قول الصادق عليه السلام في خبر سماعة كما في الاستبصار (3) وإن كان مضمرا في التهذيب (4) " الشفتان العليا والسفلى سواء في الدية " فإن حمله على التساوي في وجوب الدية لا قدرها بعيد، بل وخبر زرارة (5) عنه أيضا " في الشفتين الدية وفي العينين الدية وفي إحدهما نصف الدية " بناء على إرادة كل منها لا العينين خاصة، بل وإلى أصلي البرائة والتساوي، بل لعل الاصل لا يوافق تمام غيره من الاقوال وإن استدل به له بعض، لكنه في غير محله (وهذا حسن) كما في القواعد، وقوى كما في النافع، بل هو خيرة التحرير والارشاد والتبصرة واللمعة والمقتصر


(1) قال في مفتاح الكرامة: " حكاه المحقق والعلامة عن ابن بابويه وقيل أنهما أرادا عليا " أي الصدوق الاول. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) الاستبصار ج 4 ص 288. (4) التهذيب ج 10 ص 246. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 6.

[ 206 ]

والتنقيح والمسالك ومجمع البرهان والمفاتيح، وكذا الروضة على ما حكي عن بعضها، لكن قد يناقش بالخروج عن العام بما عرفت، وعدم صراحة خبر زرارة، بل وظهوره، بل واحتمال خبر سماعة ما سمعت، مع أنه كغيره مما دل على التسوية موافق للمحكي عن أبي بكر وابن مسعود وأبي حنيفة والشافعي ومالك، وبذلك يظهر لك قوة الثاني. (و) على كل حال ف‍ (- في قطع بعضها) أي الشفة بعض ديتها (بنسبة مساحتها) إلى المقطوع منها، ففي النصف نصف ديتها وهكذا، لما عرفته في نظائرها، والمساحة تعتبر طولا وعرضا، فلو قطع نصفها طولا وعرضا كان عليه النصف، أما لو قطع نصفها طولا وربعها عرضا فليس عليه إلا مضروب طول المقطوع في عرضه وهو الثمن، ولكن في القواعد " فعليه ثلاثة أثمان ديتها " هو غير متجة ظاهرا، ولذا تكلف بعض شراحة وتوجيهه بأن المراد أنه قطع من إحدى الشفتين نصفها والقطع من جهة الطول لان (1) النصفية من جهة خاصة، بل من الجهتين، ومن الاخرى ربعها، والقطع عرضا، فعليه للاول نصف دية كله وهو ربع دية الشفتين، وللثاني ربع دية كله وهو ثمن ديتها، فتلك ثلاثة أثمان ديتهما، وهو مبني على تساويهما في الدية. ولو فرض أنه قطع من نشفة واحدة قطعة يكون نصفا لها طولا وعرضا أي طولها نصف طولها وعرضها نصف عرضها، وقطعة اخرى يكون طولها نصف طولها وعرضها ربع عرضها أو بالعكس كانت عليه ثلاثة أثمان دية تلك الشفة، لكن لا يمكن تنزيل العبارة عليه. (وحد الشفة السفلى عرضا) كما في القواعد ومحكي المبسوط والمراسم أي عرفا هو (ما تجافى عن اللثة مع طول الفم) وحد (العيا) كذلك هو (ما تجافى عن اللثة متصلا بالمنخرين والحاجز مع طول الفم وليس حاشية الشدقين منهما) قطعا وكأن المراد بذلك الرد على من قال من العامة بعدم القصاص فيهما لعدم حد لهما، ومن قال منهم إن حدهما ما ينبوا عند طبقاق الفم، ومن قال منهم


(1) كذا في الاصل، ولكن في كشف اللثام: " لا أن النصفية... "

[ 207 ]

إنه ما إذا قطع لم ينطبق الباقي على الشفة الاخرى، ومن قال منهم إنه من حروف الفم إلى ما يستر اللثة أو العمور - وهو ما بين الاسنان من اللحم - ضرورة منافات ذلك كله للعرف الذي هو المرجع في مثله. (ولو) جنى عليها حتى (تقلصت) فلا تنطبق على الاسنان فلا ينتفع بها بحال (قال الشيخ) في المبسوط (فيه ديتها) لانه كالاتلاف (والاقرب الحكومة) لانه ليس إتلافا قطعا بل هو عيب لا مقدر له شرعا ففيه الحكومة، وربما احتمل كونه كالاسترخاء الذي هو الشلل، وفيه منع كونه منه إما لانه مقابل للتقلص بإحداثه الاسترخاء أو لان المراد به عدم الاحساس كما قال الجوهري " إن الشلل فساد العضو ". ولو لم تحصل التقلص واليبس كذلك بل تقلصت بعض التقلص، فعن الشيخ الاعتراف هنا بأن فيه الحكومة، قال: " وقال بعضهم فيه الدية بالحصة " والاول أقوى لان هذا متعذر الوصول إليه. (ولو استرختا) بالجناية على وجه لا ينفصلان عن الاسنان إذا كشر أو ضحك (فثلثا الدية) لانه شللهما وعن المبسوط الدية أيضا لانه كالا تلاف أيضا وفيه ما عرفت ولو قطعت بعد الشلل فثلث الدية لما عرفته في قطع المشلول غيرها، وفي كشف اللثام " وعلى قول المبسوط ينبغي أن يكون فيه حكومة لان فيه شيئا ". ولو شق الشفتين حتى بدت الاسنان ولم يبن شيئا منهما فعليه ثلث الدية إن لم تبرأ ولم تلتأم، فإن برئت فخمس الدية. وفي أحدهما إذا شقت ثلث ديتها إن لم تبرأ فإن برئت فخمس ديتها بلا خلاف أجده في شئ من ذلك. وفي كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، بل عن الغنية الاجماع عليه، وفي كتاب ظريف (1) " فان


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث الاول. والتهذيب ج 10 ص 299 والكافي ج 7 ص 331 والفقيه ج 4 ص 81. ولا يخفى أن في متن الحديث في المصادر الثلاثة اختلافا يغير المعنى فراجع.

[ 208 ]

انشقت أي العليا فبدا منها الاسنان ثم دوويت فبرئت والتأمت فدية جرحها والحكومة فيه خمس دية الشفة مأة دينار وإن شترت وشينت شيئا قبيحا فديتها مأة دينار وستة وستون دينارا وثلثا دينار - إلى أن قال - فإن انشقت أي السفلى حتى تبدوا منه الاسنان ثم برئت والتأمت مأة دينار وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، وإن اصيبت فشينت شيئا فاحشا فديتها ثلاثمأة دينار وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار وذلك [ ثلث ن خ ] ديتها. ولا يخفى عليك أن ذلك لا يوافق ما ذكرنا بناء على إرادة عدم الالتيام من الشين الفاحش، ضرورة كون ما فيه ثلث الدية لا ثلث دية الشفة بل هو نصفها كما هو صرح الموافق للقول بأن فيها الثلثين، وعلى كل حال فعند العامة فيه الحكومة إلا أنها إذا لم تبرأ كانت الحكومة أكثر، وربما يتوهم ذلك مما عن المبسوط (1) لكن الظاهر إرادته حكاية ذلك عنهم، لانه قال بعده: " وقد روى أصحابنا المقدر في الحالين " وقال " إنه شرحه في التهذيب (2) ".


(1) المبسوط ج 7 ص 132 وهذه عبارته: " فان شق الشفة فاندمل ملتاما أو غير ملتام ففيه حكومة الا أنه إذا لم يندمل ملتاما كانت الحكومة أكثر، وقد روى أصحابنا فيه المقدر في حالين) (2) التهذيب ج 10 ص 299.

[ 209 ]

(السادس اللسان) (و) لا خلاف كما اعترف به غير واحد (في) اقتضاء (استيصال الصحيح) جسما ونطقا (الدية) بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض، كالنصوص التي منها صحيح (1) العلا بن فضيل " في لسانه الدية كاملة " وموثق (2) سماعة " في اللسان إذا قطع الدية كاملة " مضافا إلى ما دل على وجوبها فيما كان في الانسان منه واحد، (و) لا خلاف أيضا في أن (في لسان الاخرس ثلث الدية)، بل عن ظاهر المبسوط والسرائر الاجماع عليه، بل هو المحكي عن الغنية، بل عن الخلاف إجماع الفرقة وأخبارها، وهو الحجة بعد تبينه، وبعد صحيح بريد أو حسنه (3). " في لسان الاخرس وعين الاعمى ثلث الدية "، بل مقتضى الاطلاق المزبور نصا وفتوى عدم الفرق بين الاخرس خلقة أو عرضها، لكن في صحيح أبي بصير (4) عن أبي جعفر عليه السلام " إن كان ولدته امه وهو أخرس فعليه الدية (5) وإن كان لسانه ذهب لوجع أو آفة بعدما كان يتكلم فإن على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه " إلا أني لم أجد عاملا به فهو شاذ قاصر عن تقييد غيره، فما عن بعض متأخري المتأخرين من احتمال ذلك في غير محله.


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 11. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 7. (3 و 4) الوسائل الباب - 31 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول والثانى. (5) في الفقيه ج 4 ص 148: " فعليه الدية " وفى الكافي ج 7 ص 318 والتهذيب ج 10 ص 270: " فعليه ثلث الدية ".

[ 210 ]

(و) حينئذ ف‍ (فيما قطع من لسانه) أي (الاخرس بحسابه مساحة) لما عرفته في نظائره، بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال. ولو ادعى الجاني البكم، في كشف اللثام " القول قوله لاصل البرائة وإمكان قيام البينة على النطق لانه من الامور الظاهرة " ولكن قد يناقش بمنافاته لاصالة السلامة ولا طلاق النصوص السابقة المقتصر في تقييدها على لسان الاخرس بناء على ما حققناه في الاصول في نظائره فتأمل. ولو ادعى حدوثه مع تسليمه النطق فالقول قول المجني عليه للاصل. (أما الصحيح فيعتبر) قطعه (بحروف المعجم) مع فرض ذهابها بذلك لا بالمساحة على ما نص عليه الشيخان في المقنعة والنهاية والديلمي وابن حمزة والفاضلان وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل نسبه بعض إلى الاكثر، بل في المسالك إلى المشهور، بل عن المبسوط والسرائر ظاهر الاجماع عليه، بل عن الخلاف إجماع الفرقة وأخبارها عليه، وفي موثق سماعة أو خبره (1) " قلت للصادق عليه السلام: رجل ضرب غلامه ضربة (2) فقطع بعض لسانه فأفصح ببعض ولم يفصح بآخر فقال: يقرأ المعجم فما أفصح به طرح من الدية وما لم يفصح به الزم الدية، قال: قلت كيف هو ؟ قال: على حساب الجمل ألف ديته واحد والباء إثنان والجيم ثلاثة والدال أربعة والهاء خمسة والواو ستة والزاء سبعة والحاء ثمانية والطاء تسعة والياء عشرة والكاف عشرون واللام ثلاثون والميم أربعون والنون خمسون والسين ستون والعين سبعون والفاء ثمانون والصاد تسعون والقاف مأة والراء مأتان والشين ثلاثمأة والتاء أربعمأة وكل حرف يزيد بعدها من (ا ب ت ث " زدت له مأة درهم " وهو كالصريح فيما ذكرناه مؤيدا ذلك بما في كشف اللثام من أن فيه


(1) الوسائل الباب - 31 - من أبواب ديات المنافع، الحديث 7 التهذيب ج 10 ص 263. (2) كذا في التهذيب والوسائل، ولكن في الاصل طرف (طرق ن ل) (ضرب ن ل) لغلامه طرفة (طرفة ن ل) (ضربة ن ل).

[ 211 ]

رواية عن الرضا عليه السلام (1). نعم هو نادر بالنسبة إلى اعتبار الحروف بما فيه، بل إن اريد بالعدد المذكور الدراهم كما صرح به في الخبر لا يبلغ المجموع الدية، وإن اريد الدنانير فهو مع أنه خلاف مقتضى الخبر، يزيد على الدية أضعافا مضاعفة، مضافا إلى استبعاد الفرق بين الالف مثلا وبين العين مع أن كلا منهما حرف، مضافا إلى ما عن الشيخ " من أن ما فيه من تفصيل دية الحروف يجوز أن يكون من كلام الرواة من حيث سمعوا أنه قال: يفرق ذلك على حساب الجمل ظنوا انه على ما يتعارفه الحساب من ذلك ولم يكن القصد ذلك، وإنما كان المراد أن يقسم على الحروف كلها أجزاء متساوية ويجعل لكل حرف جزء من جملتها على ما فصل السكوني في روايته وغيره، قال ولو كان الامر على ما تضمنته هذه الرواية لما استكملت الحروف كلها الدية على الكمال، لان ذلك لا يبلغ الدية إن حسبناها على الدراهم وإن حسبناها على الدنانير تضاعفت الدية وكل ذلك فاسد " انتهى (2). ولا ينافي ذلك أيضا ما عن كتاب فقه الرضا عليه السلام (3) يقرأ حروف المعجم فما أفصح به طرح من الدية وما لم يفصح به الزم الدية: وقيل: كيف ذلك ؟ قال بحساب الجمل وهو حروف أبي جاد من واحد إلى الالف، وعدد حروفه ثمانية وعشرون حرفا، فيقسم لكل حرف جزء من الدية الكاملة ثم يحط من ذلك ما يبين عنه ويلزم الباقي " إذ هو مع أنه غير ثابت النسبة إليه، لا تصرح فيه على أن التقسيم عليه على وفق ما يتضمنه كل حرف من العدد، فيمكن أن يكون على السوية كما هو المفتى به.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 321 - الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43. (2) التهذيب ج 10 ص 264. (3) فقه الرضا ص 43.

[ 212 ]

ومعنى سؤال السائل كيف ذلك سؤالا عن العلة في تقسيم الالف دينار على الحروف، فأجاب عليه السلام بما أقنعه من أن الحروف أيضا تتضمن من الاعداد الواحد إلى الالف، ثم نص عليه السلام على اعتبار عدد أنفسها وهو ثمانية وعشرون حرفا. وكيف كان فما عن الكافي والاصباح والغنية من أنه إذا قطع بعض اللسان ففيه بحساب الواجب في جميعه، ويعتبر بالميل، إذا ذهب بعض اللسان - ويعنون الكلام - اعتبر بحروف المعجم، يمكن حمله على ما إذا لم يذهب من الكلام شئ وإلا اعتبر به فلا يكون مخالفا. نعم إن ازادوا اعتبار مساحة اللسان مطلقا حتى أنه إذا ذهب مع ذلك الكلام أو بعضه كان علي الجاني (1) دية أو بعضها لجسم اللسان واخرى أو بعضها للكلام، كان مخالفا لما عرفت ومحجوجا بما سمعت، وإن كان يؤيده أنه الموافق لوجوب الدية بذهاب النطق وباستصال اللسان، إذ الاصل عدم التداخل، بل في مجمع البرهان " أن الاخبار إنما دلت على كون المدار على المنفعة فيما إذا ذهبت المنفعة فقط ولم يذهب من الجرم شئ، وليس في الادلة ما يشتمل على قطع بعض اللسان مع كون المدار على نقصان الحروف والحال أنه قد يسقط من اللسان ولا يحصل قصوره في صدور الحروف فالمناسب أن يكون المدار على المنفعة إذا كان النقص فيها فقط، وعلى المساحة والمقدار على تقدير النقص فيه فقط، وعلى تقدير الاجتماع يحتمل جعل المدار على المساحة فإنها المدار فيما له مقدر وليس للنقص مقدر ويبعد جعل المدار على المنفعة كما هو ظاهر المتن والاكثر، ويحتمل أكثر الامرين للاحتياط والعمل بدليل المساحة والمنفعة، ويحتمل عدم وجوب ذلك لاختصاص دليل المنفعة بما إذا لم يسقط من الجرم شئ فلا دليل للاكثر إلا القياس " (2)


(1) في الاصل " ديته ". (2) شرح الارشاد للاردبيلي كتاب الديات، المقصد الرابع مع اختلاف في بعض الالفاظ.

[ 213 ]

وإن كان فيه أن الموثق (1) المزبور المؤيد بالمرسل عن الرضا عليه السلام والمعتضد بما سمعت من محكي الاجماع الذي يشهد له التتبع كاف في إثبات ذلك، اللهم إلا أن يناقش في دلالة الموثق باحتمال حمل قطع بعض اللسان فيه على النطق والكلام لاطلاق اللسان عليه كثيرا وهو وإن كان مجازا إلا أن القرينة قائمة عليه فيه وهو عطف " فقطع " على " طرف " والطرف في الاصل الضرب على طرف العين، ثم نقل إلى الضرب على الرأس، كما عن النهاية الاثيرية (2). وظاهر أن الضرب على الرأس لا يوجب قطع اللسان الحقيقي بل المجاذي، وحينئذ يكون الموثق كغيره من الاخبار في الاختصاص بجناية المنفعة لا الجارحة، وفيه أن ذلك كا ينافي الظهور المستفاد منها، وخصوصا بعد الاعتضاد بما عرفت، وسيما بعد إمكان قطع لسانه بالضرب على رأسه فيما لو كان لسانه بين أسنانه. فالمتجه حينئذ العمل به مع فرض مقارنته لقطع النطق أو بعضه من دون اعتبار مساحة الجرم كما إذا لم يذهب إلا النطق خاصة الذى ستعرف اتفاق النص والفتوى حينئذ على اعتبار الحروف فيه. أما إذا قطع شئ منه ولم يذهب شئ من الحروف فالمتجه الحكومة كما جزم به الفاضل في القواعد، بل هو ظاهر المحكي عن أول الشهيدين حاكيا له عن السيد لعدم استفادة تقدير له من النصوص بعد ظهور ما دل منها على أن فيه الدية كاملة في استيصاله المقتضى لذهاب النطق معه عادة، كظهور الموثق في المقطوع من بعض الجرم مع بعض النطق أو جميعه. أما ذهاب شئ منه مع بقاء النطق تاما فلا دلالة في شئ من النصوص عليه


(1) أي موثق سماعة وخبر فقه الرضا عليه السلام وقد تقدما آنفا. (2) نهاية اللغة ج 3 ص 121.

[ 214 ]

فليس إلا الحكومة. ودعوى استفادة تقديره مما دل على الدية في الجميع الذي قد عرفت ذهاب النطق معه عادة كما ترى. وحينئذ فما عن المختلف والتحرير " من أنه إذا قطع نصفه ولم يذهب من الحروف شئ فعليه نصف الدية " بل جزم به في كشف اللثام أيضا لا يخلو من نظر أو منع بعد حرمة القياس عندنا على غيره، خصوصا بعد عدم اعتبار الشارع الجرم حال ذهاب النطق معه، بل لولا الاجماع والضرورة لامكن القول بعدم شئ فيه في الفرض غير التعزير في حال العمد، بدعوى ظهور الموثق وغيره في دوران الغرامة فيه على ذهاب النطق، وبذلك اتضح لك أن، المدار في صورة قطع بعض الجرم وبعض الكلام أو كله على الحروف لا الجرم خاصة ولا اكثر الامرين كما ستعرف الحال فيه إن شاء الله. (و) كيف كان ف‍ (- هي) أي حروف المعجم (ثمانية وعشرون حرفا) على المهشور بين الاصحاب كما اعترف به غير واحد، بل المروي عن الخليل أيضا، بل عن ظاهر المبسوط والخلاف والسرائر الاجماع عليه، بل قيل: إنه ظاهر جماعة حتى المصنف هنا وفي النافع لقوله (وفي رواية تسعة وعشرون حرفا وهي مطرحة) وحينئذ فالهمزة والالف حرف واحد لا اثنين كما هو مقتضى الرواية المطرحة وينص عليه - مضافا إلى ما عرفت وإلى ما في كشف اللثام من أنه روى عن الرضا عليه السلام (1). خبر السكوني (2) عن الصادق عليه السلام " قال: اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل ضرب فذهب بعض كلامه وبقى بعض كلامه فجعل ديته على حروف المعجم كلها ثم قال: تكلم بالمعجم فما نقص من كلامه فبحساب ذلك والمعجم ثمانية وعشرون حرفا فجعل ثمانية وعشرين جزا فما نقص من ذلك فبحساب ذلك " واحتمال أن العدد المزبور من غير الامام بعيد أو ممتنع، بل في كشف اللثام وينص


(1) كشف اللثام ج 2 ص 321. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات المنافع الحديث 6.

[ 215 ]

عليه صريح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل ضرب رجلا بعصا على رأسه فثقل لسانه فقال يعرض عليه حروف المعجم فما أفصح منها فلا شئ فيه وما لم يفصح به كان عليه الدية وهي ثمانية وعشرون حرفا " وتبعه عليه غيره (2)، ولكن الموجود عندنا في النسخ المعتبرة من الكافي (3) والتهذيب (4). بل والمحكي منها لنا تسعة وعشرون حرفا " وهي الرواية التي أشار إليها المصنف وغيره، وذكروا أنها مطرحة وإن كانت صحيحة، بل حكي العمل بها عن يحيى بن سعيد، بل عن الاردبيلي " أنه مقتضى الوجدان "، بل في كشف اللثام " أنه المشهور عند أهل العربية، ثم حكى منهم الاختلاف في اتحاد مخرج الهمزة والالف وتعدده، فعلى الثاني لا مجال لاتحادهما وعلى الاول يحتمل الامران " ولكن ذلك لا يصلح معارضا لما عرفت، خصوصا بعد احتمال أنه من الراوي أيضا، والتعدد في الوجدان لا يقتضي التقسيط في الدية. وحينئذ فلا باس بالقول بكونها تسعة وعشرين نطقا وثمانية وعشرون دية، وبذلك يجمع بين كلام أهل العربية والفقهاء، وبما عن الكشاف " من أن حروف المعجم تسعة وعشرون حرفا اسمها ثمانية وعشرون "، وفسروه " بأن اسم الالف والهمزة إنما هو الالف يسقط ولا يكتب في بسم الله ولا في الابن إذا وقع بين علمين ونحو ذلك " (5) ولا يخفى عليك عدم الحاصل لذلك فيما نحن فيه من توزيع الدية.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 321. (2) كصاحب الرياض ره. (3) الكافي ج 7 ص 322 وفيه (تسعة وعشرون). (4) التهذيب ج 10 ص 263 وفيه تسعة وعشرون ولكن في الفقيه ج 4 ص 112 " ثمانية وعشرون " فراجع. (5) راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 402.

[ 216 ]

نعم المتجه بناء على ما ذكرناه أن تقسم الدية على ثمانية وعشرين جزءا مع فرض ذهابها أجمع، أما إذا بقى بين النطق بالهمزة منها دون الالف أو بالعكس فيمكن أن يقال بالحكومة فيه أو بتوزيع ما يخص هذا الحرف بينهما فتأمل جيدا. وعلى كل حال فلا يعد " لا " حرفا واحدا منها كما نص عليه غير واحد ضرورة ذكر الالف واللام فيها وهو واضح. (و) حينئذ ف‍ (تبسط الدية على الحروف) الثمانية والعشرين (بالسوية ويأخذ) المجني عليه (نصيب ما يعدم منها) بالجناية بعد توزيع الدية عليها بلا خلاف أجده فيه بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الاجماع عليه، وفي كشف اللثام " هو فتوى الاصحاب " ويدل عليه خبر السكوني (1) وغيره من النصوص على وجه لا يعارضه ما سمعته في خبر سماعة (2) من اعتبار حساب الجمل الذي لم نجد به قائلا كما اعترف غير واحد، مضافا إلى ما مضى من الكلام فيه. (وتتساوى اللينة وغيرها ثقيلها وخفيفها) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف نسبته إلى إجماع الفرقة وأخبارهم، بل قيل إن الاجماع ظاهر المبسوط والسرائر، وفي كشف اللثام " عليه فتوى الاصحاب "، ويدل عليه مضافا إلى ذلك ما سمعته من النصوص وغيرها. نعم عن بعض العامة اعتبار اللينة خاصة بناء على إنه لاحظ للسان في غيرها، وهو مع أنه اجتهاد في مقابلة النص قد اجيب عنه بأن غيرها وإن لم يكمن من حروفه لكن لا ينتفع بها بدون اللسان والله العالم. (و) حيث قد عرفت أن الاعتبار بها ف‍ (لو ذهبت أجمع وجبت الدية كاملة) وإن كان المقطوع بعض اللسان (ولو صار) بالجناية (سريع


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات المنافع، الحديث 6 و 7.

[ 217 ]

المنطق) (1) سرعة يكون عيبا (أو ازداد سرعة، أو كان ثقيلا فزاد) بها (ثقلا) أو صار ثقيلا بها (فلا تقدير فيه و) حينئذ ف‍ (فيه الحكومة) كما في القواعد وغيرها من كتب الفاضل ومحكي المبسوط وغيره. (وكذا لو نقص) بأن كان يأتي بالحرف صحيحا (فصار) يأتي ناقصا أو صار (ينقل الحرف الفاسد إلى الصحيح) كما لو كان يأتي بالراء شبيهة بالغين فصار يأتي بها غينا صحيحة أو ازداد فساده، وإن لم يبلغ الحد المزبور ضرورة اتحاد الجميع في كونه نقصا غير مقدر، وربما احتمل لزوم دية الحرف في صورة بقائه غير صحيح، وفيه أن الحكومة أعدل منه كما أنها كذلك لو صار بالجناية ناقصا عن الاتيان بالمرتبة العليا منها هذا. وفي كشف اللثام " ويحتمل قصر الحكم على ما إذا جنى بغير قطع اللسان فأما إذا قطع منه فحصل النقص بأحد ما ذكر كان عليه أرش القطع باعتبار المساحة خاصة أو أرشه والحكومة قصرا لاعتبار الحروف على اليقين، وخصوصا في السرعة والثقل (2) " قلت: لعل الحكومة في كلامهم تشمل ذلك كله، والله العالم. (و) كيف كان فقد عرفت مما ذكرناه أنه (لا اعتبار بقدر المقطوع من) اللسان (الصحيح بل الاعتبار بما يذهب من الحروف، فلو قطع نصفه فذهب ربع الحروف فربع الدية وكذا لو قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه فنصف الدية) وفاقا للمشهور نقلا وتحصيلا، بل عن الايضاح نسبته إلى إطلاق الاصحاب، مشعرا بالاجماع عليه لاطلاق النصوص السابقة المقتضى كما عرفت عدم اعتبار غير الحروف في الفرض ونحوه حتى الحكومة في الجسم وإن اعتبرت في قطعة مع عدم ذهاب شئ من الحروف أو الدية كما تقدم الكلام فيه. خلافا للشيخ والفاضل وثاني الشهيدين وفاضل الرياض، فاعتبروا أكثر


(1) في الاصل: " النطق ". (2) كشف اللثام ج 2 ص 322.

[ 218 ]

الامرين مع الاختلاف، بل هو المحكي عن ابن فهد والكركي، وقد سمعت احتماله في كلام الشيخ وابن زهرة والكيدري، بل عن الشيخ نفى الخلاف فيه وإن كان الظاهر إرادته بين العامة، لقوله متصلا به: " واختلفوا في تعليه فمنهم من قال: الجناية إذا كانت على عضو ذي منفعة أوجبت الدية في أغلظ الامرين فإن كانت دية المنفعة أكثر أوجبتها وإن كانت دية ما تلف أكثر أوجبتها، قال: وقال بعضهم: إن قطع ربع لسانه وذهب نصف كلامه أوجبت نصف الدية اعتبار باللسان وذلك أنه قطع الربع اللسان وشل الربع الآخر بعد قطعه لانا اعتبرنا ذلك بالحروف ووجدناها نصف الكلام فعلمنا انه قطع الربع وشل الربع الآخر فأوجبنا نصف الدية، ربعها بقطع ربعه، وربعها بشلل ربعه (1) ". وزيد له في محكي التحرير والمختلف " أن الدية تجب باستيصال اللسان وحده وإن لم يذهب شئ من الحروف، وكذا تجب الدية إذا ذهب الكلام كله وإن لم يقطع شئ من اللسان، وتجب نصف الدية بذهاب نصف الكلام وحده فلم لا يجب النصنف لنصف اللسان أو لنصف الكلام مع انضمام ذهاب الربع الآخر ؟ " (2). وزاد في الرياض الاستدلال بالاصل المقتضى للزوم ديتي الجارحة والمنفعة وأبعاضهما بالنسبة، خرج منهما القدر المتداخل فيه بشبهه الاجماع والاولوية المستفادة من ثبوت التداخل باستيصال الجارحة اتفاقا وفتوى ورواية ففي البعض أولى، فتأمل جيدا. ويبقى الزائد عنه مندرجا تحته، مضافا إلى التأيد بعدم نقل (3) الخلاف المتقدم إلى آخره (4).


(1) المبسوط ج 7 ص 134 - 135. (2) التحرير ج 2 ص 270 في الهامش، المختلف الجزء السابع ص 252 - 253، ولم ينقل المؤلف عين عبارتهما بل معناها. (3) كذا في الاصل ولكن في الرياض: " بنقل عدم الخلاف المتقدم ". (4) رياض المسائل، ج 2 ص 610.

[ 219 ]

ولكن الجميع كما ترى بعد ظهور الموثق ومحكي الاجماع وغير ذلك مما عرفته سابقا، ضرورة عدم حاصل معتد به للاول والاخير، كظهور منع زيادة التحرير، وذلك لان المساحة إنما تعتبر حكومة أو دية إذا لم يذهب شئ من الكلام، وأما إذ أذهب فلا عبرة بها مع أصل البرائة، ومن ذلك يعلم ما في الاصل الذي سمعته من الرياض، مع أنه يكفى في قطعه ما عرفت. ونفي الخلاف المحكى بعد الاغضاء عما في دعواه، قد عرفت ظهور كون المراد نفيه من العامة. وأغرب من ذلك كله ما عن أبي العباس من زيادة " أن في اللسان منفعة غير النطق وهي جمع الطعام ودفعه من الثنايا إلى مطاحنه وهي الاضراس ثم جمعه بعد طحنه من الاضراس وتلويثه بالرطوبة اللعابية اللزجة ليسهل دفعه وجريانه في المرئ " (1) إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص، خصوصا بعد المفروغية من تداخل الديتين في استيصاله، بل ومنه في المقام وإن اختلفوا في وجوب الاكثر أو اعتبار النطق، وخصوصا بعد ملاحظتها في لسان الاخرس الذي قد عرفت وجوب ثلث الدية فيه وستعرف أن المقطوع منه بحسابه أيضا المقتضى ذلك لوجوب سدس الدية بفوات نصفه مع أن الفائت على ما ذكره نصف هذه المنافع، فالمدار حينئذ على الكلام ففي صورة ذهاب ربع الحروف ونصف اللسان ينبغى الاقتصار على الربع لانه أكثر من السدس فكيف يجب النصف. وبذلك كله ظهر لك أن الاقوى اعتبار الحروف في المفروض، والله العالم. فحينئذ ف‍ (- لو) أذهب بعض كلامه فعل (2) جان (فجنى عليه آخر اعتبر بما بقى) من الحروف (وأخذ بنسبته ما ذهب بعد جناية الاول) إلى ما بقى بعدها، فلو أذهب الاول نصف الحروف مثلا والثاني نصف الباقي وجب عليه الربع بناء على المختار. نعم القول الآخر يعتبر أكثر الامرين من المقطوع والذاهب


(1) مفتاح الكرامة ج 10 ص 404 - 405 وليس عندي كتاب مهذب البارع. (2) في الاصل " فعلا ".

[ 220 ]

من الكلام مع اختلافهما، فلو قطع الاول ربع اللسان فذهب نصف الكلام كان عليه نصف الدية فإن قطع آخر بقيته فذهب ربع الكلام فعليه ثلاثة أرباعها وهكذا. (ولو أعدم واحد) مثلا (كلامه) كله من غير قطع (ثم قطعه آخر كان على الاول الدية) تامة عوضا عن الكلام (وعلى الثاني الثلث) لانه قطع لسان إخرس يجب فيه ذلك كما عرفت بلا خلاف أجده في شئ منهما، ومن هنا " قضى أمير المؤمنين عليه السلام بست ديات للمضروب بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه " (1) مضافا إلى ما سمعته سابقا من بعض النصوص الدالة على وجوب الدية بذهاب النطق وإن لم يقطع شئ من لسانه، بل في القواعد وغيرها ذلك وإن بقيت في اللسان فائدة الذوق والحروف الشفوية والحلقية فإنها ليست من منفعة اللسان وإن اعتبرت في قطعه للنص والاجماع كما عرفته سابقا. نعم لو نقص الكلام ولم يذهب رأسا وزعت الدية على ثمانية وعشرين حرفا كما عرفته في قطع بعض اللسان وتدخل الشفوية والحلقية في التوزيع للنصوص، قال الصادق عليه السلام في صحيح الخلبي (2): " إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرض عليه حروف المعجم فما لم يفصح به الكلام كانت الدية بالقصاص من ذلك " وفي صحيح ابن سنان (3): " إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرضت عليه حروف المعجم فما لم يفصح به منها يؤدي بقدر ذلك من المعجم يقام أصل الدية على المعجم كله يعطي بحساب ما لم يفصح به منها " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب. لكن قد يشكل ذلك بأنه مناقض للحكم بالدية كاملة إذا ذهب النطق وإن


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ديات المنافع، الحديث الاول. (2 و 3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات المنافع الحديث 3 و 5.

[ 221 ]

بقيت الحروف الشفوية والحلقية، وربما دفع بأن بقائها مع ذهاب النطق إنما معناه بقاء إمكان تأديتها أو تأدية بعضها مع تعذر تأدية كلام مفهوم، فذهاب النطق بمعنى ذهاب الكلام. ومحصل الكلامين أنه لو جنى على لسانه فلم يكن له كلام مفهوم فالدية وإن أمكنه النطق ببعض الحروف بحيث لا يتألف كلام مفهوم. وإن نقص كلامه فلا يقدر على بعضه وزعت الدية على جميع الحروف. فلو قدر على كلام مفهوم مؤلف من الحلقية أو الشفوية أو منهما خاصة كان كالقادر على كلام مفهوم من اللينة، لكن فيه لا اختصاص على هذا للشفوية والحلقية بالذكر فإنه ينبغى لزوم الدية وإن امكنه تأدية بعض السينة أيضا لا بحيث يتألف كلام مفهوم، وأيضا لا إشارة في شئ من النصوص إلى اعتبار الكلام المفهوم بل ظاهرها أو صريحها خلافه، وأن المدار على نفس الحروف، فالمتجه جعل المدار على ذلك وأنه لا تجب الدية كاملة إلا مع ذهاب النطق بها من رأس. بل الظاهر مراعاتها أيضا لو كان قبل الجناية لا ينطق ببعض الحروف فلما جنى عليه ذهب نطقه رأسا فتنقص الدية حينئذ بالحساب، لظاهر النصوص المزبورة وإن استشكل فيه الفاضل في القواعد، من ذلك ومن صدق ذهاب النطق بتمامه وهو منفعة كسائر المنافع، ولانه كضعف السمع والبصر واليد ونحوها، وفيه وضوح الفرق ضرورة ورود النصوص هنا بالتوزيع على الحروف بخلافها، على أنه يمكن منع صدق ذهاب النطق بالجناية مع فرض ذهاب بعضه سابقا، وربما احتمل الفرق بين الذهاب بآفة سماوية وبين الذهاب بجناية جان فتجب الدية في الاول وتوزع في الثاني. وفيه أنه خلاف ظاهر النصوص أيضا، بل والفتاوى، وفي الارشاد ما يشهد بما ذكرنا في الجملة قال: " وفي النطق كمال الدية وإن بقى في اللسان فائدة الذوق، ولو بقت الشفوية والحلقية يسقط من الدية بنسبتها وكذا لو بقى غيرها " (1) بل


(1) الارشاد للعلامة باب ديات المنافع، صفحتان قبل آخر الكتاب من نسخة مخطوطة عندنا.

[ 222 ]

في مجمع البرهان " إن دليل ذلك ظاهر لانه ما أذهب إلا بعض النطق فلا يلزم إلا ما ذهب بجنايته " (1). ومن ذلك كله يظهر لك النظر في ما في القواعد وكشف اللثام، فلاحظ وتأمل. (ولو قطع لسان الطفل كان فيه الدية لان الاصل السلامة) ولاطلاق ما دل على وجوبها باستيصاله، ولفظ " الرجل " في بعض الاخبار مع عدم منافاته لغيره لايراد منه إخراج غير البالغ قطعا، ومن هنا لم أجد فيه خلافا بين من تعرض له كالشيخ وابنى حمزة وإدريس والفاضلين وغيرهم على ما حكى عن بعضهم. نعم عن الشيخ وابنى حمزة وإدريس والفاضل في التحرير تقييد ذلك بما إذا كان يحرك لسانه لبكاء أو غيره لانه أمارة صحة اللسان. وفيه أنه لا حاجة إلى الامارة المزبورة بعد الاصل والاطلاق المزبورين، ولذا قال في محكي التحرير: " ولو كان صغيرا جدا ولم يظهر عليه أثر القدرة ولا عدمها لطفوليته فالاقرب الدية لان الاصل السلامة، ويحتمل الثلث لانه لسان لا كلام فيه فكان كالاخرس مع عدم تيقن السلامة " (2) وفي كشف اللثام مع أصل البرائة. وفيه أنه لا يعارض ما عرفت كما أن عدم الكلام فيه لا يقتضي اندراجه في عنوان الاخرس، والقياس باطل عندنا. ولو قطع بعضه فالظاهر اعتبار النسبة فيه كغيره وإن قلنا بالحكومة في لسان الكبير مع فرض عدم ذهاب شئ من الحروف لما عرفته، ومنه يعلم الفرق بين المقامين.


(1) شرح الارشاد للاردبيلي، وهذه عبارته: " ولزوم دية ما ذهب على الجاني ظاهر فانه ما أذهب... ". (2) التحرير ج 2 ص 269 - 270.

[ 223 ]

هذا كله في الطفل قبل بلوغه حد النطق (أما لو بلغ حدا ينطق مثله) عادة (ولم ينطق ففيه ثلث الدية) بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه (لغلبة الظن) واطمينان النفس الذي هو كالعلم (بالافة) التي تلحقه بالاخرس، مضافا إلى أصل البرائة (و) لكن (لو) اتفق تخلف ذلك ف‍ (نطق بعد ذلك) فيما بقى من لسانه أو بالحروف التي لا تحتاج إلى لسان (تبينا الصحيحة) حينئذ (واعتبر بعد ذلك بالحروف) لاندراجه في دليله السابق (والزوم الجاني دية ما نقص عن الجميع) منها (فإن كان) ديته (بقدر ما أخذ) منه قولا فذاك (وإلا تمم له) ولو نقص ديته عنه استعيد من المجني عليه الزائد منها على المأخوذ أولا، والله العالم. (ولو ادعى الصحيح ذهاب نطقه) كلا أو بعضا (عند الجناية صدق مع القسامة) بالاشارة مع فرض دعوى ذهاب الكل وإن انكر الجاني، بلا خلاف أجده بين من تعرض له من الشيخ والفاضلين والشهيدين بل هو الموجود في كتاب ظريف (1) ولعله (لتعذر البينة) عليه وحصول اللوث بحصول الظن المستند إلى السبب، وهو الجناية بصدقه، لكن إن ادعى الكل حلف خمسين، وإن ادعى النصف فنصفها وهكذا، وعلى كل حال فلا شئ منها على قومه بعد فرض تعذر اطلاعهم على ذلك، وربما احتمل الامهال والتأجيل وامتحانه وترصده وإغفاله إلى سنة، وفيه تأخير الحق عن صاحبه الطالب له بلا دليل إلا القياس على ما تسمعه في السمع والبصر (و) هو باطل عندنا. نعم (في رواية) الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام التى رواها المحمدون الثلاثة (2) (يضرب لسانه بإبرة فإن خرج الدم أسود صدق وإن خرج أحمر كذب) إلا أنها ضعيفة جدا لان في سندها محمد بن فرات، وهو


(1) راجع الفقيه ج 4 ص 78 - 79. (2) التهذيب ج 10 ص 268 والفقه ج 3 ص 19 - 20 والكافي ج 7 ص 323.

[ 224 ]

غال لا يكتب حديثه، بل نقل أنه ادعى النبوة (1)، لكن مع رواية المحمدين الثلاثة لها قد حكى العمل بها عن الشيخ في الخلاف وابن حمزة وأبي الصلاح، بل عن الاول منهم نسبته إلى رواية اصحابنا، بل دعوى إجماع الفرقة وأخبارهم عليه، فيمكن أن يكون ذلك جابرا لها، ولعله لذا قال في محكى المختلف: " الوجه أن تقول إن افادت العلامة للحاكم ما يوجب الحكم اعتبرها وإلا فالايمان " (2) وعلى كل حال فالاحتياط مع امكانه لا ينبغي أن يترك، والله العالم. (ولو جنى على لسانه) بغير قطع كما عن التحرير (فذهب كلامه ثم عاد هل تستعاد الدية قال: في المبسوط: " نعم لانه) لما نطق بعد أن لم ينطق علمنا أن كلامه ما كان ذهب إذ (لو) كان (ذهب لما عاد) لان انقطاعه بالشلل، والشلل لا يزول، قال: ولا كذلك إذا نبت لسانه لانا نعلم أنه هبة مجددة من الله تعالى، فلهذا لم يرد الدية " (3). وعن الفاضل في المختلف أنه قربه، (وقال في الخلاف " لا) تستعاد لان الاخذ كان بحق والاستعادة تفتقر إلى دليل " (4) (وهو أشبه) عند المصنف، وعن التحرير أنه استحسنه، لكن فيه أن المنساق من النصوص كون الدية على الذاهب دائما دون الذاهب مدة كما هو الفرض، ودعوى أن العائد هبة جديدة لا شاهد لها خصوصا بعد حكم أهل الخبرة بعوده أو عدم علمهم بالحال، بل لو حكموا بعدم عوده فعاد، تبين الخطأ في حكمهم لا أنه تبين بذلك كونه


(1) راجع قاموس الرجال ج 8 ص 334 فان فيه احتمال تعدد محمد بن الفرات وكون المذموم المتأخر، لا المتقدم وهو راوي هذا الخبر. (2) المختلف، الجزء السابع ص 266. (3) المبسوط ج 7 ص 136. (4) الخلاف ج 2 ص 384.

[ 225 ]

هبة جديدة، ظهور النطق ثانيا بالعود كما سمعته من الشيخ (1)، بل قد عرفت في كتاب القصاص ما يقتضي سقوط الدية في السن حتى لو كان العود على خلاف العادة فلاحظ وتأمل فان له نفعا في المقام. هذا وفي القواعد ولو ذهب الكلام بقطع البعض ثم عاد، قيل: يستعاد لانه لو ذهب لما عاد وقيل لا والاقرب الاستعادة إن علم أن الذهاب أولا ليس بدائم وإلا فلا وهو صريح في فرض المسألة في قطع البعض وهو خلاف ما سمعته من المبسوط ومحكي التحرير، اللهم إلا أن يقال إن عود الكلام مع قطع البعض بدون نبات للبعض المقطوع كعوده من دون قطع أصلا. وفي كشف اللثام بعد أن حكى عن المبسوط تعليل الاستعادة بما سمعت قال: " وهو إن تم في الجناية بغير القطع كما هو نص المبسوط والتحرير يستعاد (2) جميع ما أخذ وعلى فرض الكتاب إنما يستعاد ما زاد على أرش القطع من دية الكلام كما نص عليه في المختلف " (3) وفيه أن المتجه ذلك أيضا في صورة عدم القطع لثبوت الارش فيهما للجناية التي أورثت عدم الكلام مدة وإن لم يكن معها قطع، فيرد من الدية حينئذ ما زاد على ذلك وإن لم يكن قطع. وأما ما سمعته من خيرة الفاضل التي مرجعها إلى أنه إن علم بحكم أهل الخبرة عدم الذهاب الدائم استعيد ما زاد من الدية على الارش لان الدية على الذهاب الدائم والفرض عدمه، وإن لم يعلم أو علم الدوام عادة بحكمهم لم يستعد بشئ منها لكون الاخذ بحق ولم يظهر قاطع ولاستعادة هبة مجددة


(1) هذه الجملة: " ظهور النطق ثانيا بالعود كما سمعته من الشيخ " ناقصة ظاهرا وكذا كانت في ثلاث نسخ راجعناها. (2) في الاصل " ليستعاد ". (3) كشف اللثام ج 2 ص 322.

[ 226 ]

قطعا أو احتمالا (1)، ووافقه عليه في كشف اللثام لما عرفت ثم قال: " ويرشد إلى هذا التفصيل ما سيأتي في ذهاب السمع والبصر من التأجيل سنة وأنه إن أبصر بعدها كان نعمة متجددة " (2) فقد يشكل بعدم أثر لحكم أهل الخبرة بعد أن وجد العود، ضرورة ظهور خطأئهم في الحكم المزبور، على أن مبني الاستعادة في الاول كون الدية على الذهاب الدائم كما أعترف به في كشف اللثام، فلا وجه لعدم الاستعادة مع العود، وخصوصا في صورة الشك وخصوصا مع عدم عادة مستقرة معلومة في نحو ذلك. وأما ما ذكره في الكشف من التفصيل في السمع والبصر فإنما هو في خبر سليمان (3) في البصر وقد قيل: إنه لا عامل به، وبذلك يتضح لك أن القول باستعادة ما زاد عن الارش من الدية أقوى من غير فرق بين صورتي قطع البعض وعدمه لما سمعته من انسياق ثبوتها بالذهاب الدائم من النصوص. نعم لو علم تجدد ذلك هبة من الله بأن نبت اللسان المقطوع كلا أو بعضا فقد قطع هنا غير واحد بعدم الاستعادة فإن تم إجماعا وإلا كان فيه نظر يعلم مما ذكرنا في القصاص، والله العالم. هذا كله في الكلام الذي قد عرفت عدم عادة معلومة فيه (أما لو قلع سن المثغر فأخذ ديتها وعادت) فقد وقع المصنف وغيره بأنه (لم تستعد ديتها لان الثانية غير الاولى) قطعا والفرض تحقق عادة عدم عود فيه، فيعلم من


(1) العبارة هكذا في ثلاث نسخ راجعناها ولكنها ناقصة على الظاهر، ونحن ننقل عبارة كشف اللثام حتى يتضح المراد: " والاقرب الاستعادة ان علم أن الذهاب أولا ليس بدائم عادة بحكم أهل الخبرة - الى ان قال - والا يعلم ذلك بل عدم الدوام عادة أو شك فيه فلا استعادة فانه هبة مجددة قطعا أو احتمالا وقد أخذ ما أخذ بحق ولم يظهر قاطع بالاستعادة... " كشف اللثام ج 2 ص 322. (2) كشف اللثام ج 2 ص 322. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع الحديث 5.

[ 227 ]

ذلك أن العائدة هبة من الله جديدة (وكذا لو اتفق أنه قطع لسانه فانبته الله تعالى لان العادة لم تقض بعوده فيكون هبة) من الله تعالى شأنه لكن قد عرفت في كتاب القصاص منافاة ذلك لما ذكروه في سن المثغر إذا عادت كما كانت من عدم القصاص والدية، وقد قدمنا هناك تحقيق الحال فلاحظ وتأمل. (ولو كان للسان طرفان فاذهب) الجاني (أحدهما اعتبر بالحروف فإن نطق بالجميع فلا دية وفيه الارش لانه) حينئذ (زيادة) أو كالزيادة باعتبار ما سمعته سابقا من كون المدار على الحروف كما صرح بذلك الفاضل وغيره هنا لكن في المبسوط " إذا خلق للسان طرفان فإن قطع أحدهما فإن ذهب كل الكلام ففيه كمال الدية وإن ذهب نصف الكلام ففيه نصف الدية لان الظاهر أن هذا هو اللسان فإن قطع أحدهما فلم يذهب من الكلام شئ نظرت فإن كان مخرج الطرفين لا يرجح أحدهما على الآخر أوجبنا فيه ما يخصه من الدية من كل اللسان لان الكل لسان واحد، غير أنه مشقوق وإن كان مخرجهما مختلفا كأن أحد الطرفين كان في جانب، ففيه حكومة كالاصبع الواحدة إلا أنه لا يبلغ بهذه الحكومة بقدر قياس اللسان لانها زيادة فلا يوجب فيها ما يوجب في الاصل فإن كان قطع الطرفين معا فذهب الكلام فإن كان الطرفان سواء فلا كلام وإن كان أحدهما في حكم الزائد وجبت الحكومة والدية معا كما لو قطع إصبعا عليها إصبع زائدة " (1). ولا عليك ما فيه بعد أن عرفت سابقا أن المدار في جناية اللسان على الحروف فمع فرض عدم ذهاب شئ منها فليس إلا الحكومة وإن تساوى مخرج الطرفين، والله العالم. ولو تعذر بعض الحروف بقطع بعض اللسان أو جناية غير القطع ولم يتعذر الباقي لكن لم يبق له كلام مفهوم لبقاء حرف أو حرفين خاصة مثلا لم يلزم الجاني إلا قدر ما يخص الحروف الفائتة لاتمام الدية كما صرح به الفاضل وغيره


(1) المبسوط ج 7 ص 136.

[ 228 ]

بل هو المحكي عن المبسوط أيضا للاصل ولما عرفته سابقا من أن الدية مبسوطة عليها، والفرض فوات البعض خاصة وإن كان قد تعطلت منفعة الثاني إلا أنه غير ثابت. قال الشيخ: " ألا ترى أنه لو قصم ظهره فشلت رجلاه فعليه ديتان دية في الظهر ودية في الرجلين وعندنا ثلثاها، ولو ذهب مشيه مع سلامة الرجلين لم يكن عليه إلا دية الظهر وحده " (1). ولو صار يبدل حرفا بحرف لزمه ما يخص الحرف الفائت من الدية لان الواجب دية الفائت والحرف الذي صار عوضه كان موجودا، ولو أذهب آخر الحرف الذي صار بدله لم يلزمه إلا ما يخص الحرف الواحد البدل، لكونه أصليا ولا يثبت له بسبب قيامه مقام غيره زيادة، ولو كان الحرف البدل غير الحروف الثمانية والعشرين أو التسعة والعشرين لم يخصه بشئ من الدية ففي تفويته الحكومة. ولو كان في لسانه خلل وما كان يمكنه النطق بجميع الحروف أو بعضها فصيحا إلا أنه كان له مع ذلك كلام مفهوم ونطق بالحروف كلها من غير إبدال، فضرب لسانه فذهب نطقه فعليه دية كاملة لا حكومة، ضرورة كونه كالجناية على العين العمشاء. نعم قد يقال باستثناء الحكومة إن كان ذلك قد حدث بجناية جان استحقها به بخلاف ما إذا كان لخلقة أو آفة سماوية، بل في محكى التحرير " ولو حصل في كلامه تمتمة أو فافاة أو سرعة فعليه حكومة فإن جنى عليه آخر فأذهب كلامه فعليه الدية كمن جنى على عين فعمشت ثم جنى آخر فذهب ضوئها " (2) وظاهره استثناء الحكومة فتأمل. ولو كان الخلل بإسقاط بعض الحروف أو إبداله فجنى عليه فذهب كلامه رأسا فعليه ما يوازى الحروف التي كان ينطق بها إلا أن يكون الخلل مرجو


(1) المبسوط ج 7 ص 134. (2) التحرير ج 2 ص 270.

[ 229 ]

الزوال لصغر ونحوه، فالدية كاملة، ولذا لو كان ألثغ من غير جناية فذهب إنسان بكلامه أجمع فتقسط الدية على ما ذهب من الحروف مع اليأس عن زوال لثغته وإلا كالصبي ونحوه كان في الدية كاملة. ولو ضرب شفته فأزال الحروف الشفوية أو ضرب رقبته فأزال الحروف الحلقية ففي القواعد الحكومة، ولعله لان توزيع الدية على الحروف بعض الجناية على اللسان، ولكن فيه منع خصوصا بعد إطلاقه كغيره وفي غير المقام أن في بعض الكلام بعض الدية. ولذا قال في كشف اللثام: " والوجه ما في التحرير من أن فيه من الدية بقدر ذلك فإن الاخبار إنما نطقت بالضرب أو الضرب على الرأس لا الجناية على اللسان " (1) بل قد يحتمل إرادته الحكومة في الضربين زيادة على ما بإزاء الفائت من الحروف من الدية فلا يكون مخالفا. (السابع الاثنان بفتح الهمزة (في إذها - (- ها) أجمع (الدية كاملة) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام ومحكى الخلاف والغنية، بل عن ظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل هو صريح محكى التحرير، مضافا إلى ما سمعته من النصوص بل، في المسالك لا خلاف في ثبوت الدية بجملة الاسنان سواء زادت أو نقصت، وإن كان فيه أنه مناف لما في المتن (و) غيره من أنها (تقسم على ثمانية وعشرين سنا) بل عن الخلاف أن عليه إجماع الفرقة وأخبارها، ولعله كذلك فإني لم أجد فيه خلافا بين من تعرض لذلك من الصدوق والشيخين والديلمي


(1) كشف اللثام ج 2 ص 323.

[ 230 ]

وابنى زهرة وإدريس وغيرهم من المتأخرين. بل في المسالك أنه المعروف من مذهب الاصحاب، فما عساه يشعر به نسبته إلى المشهور في بعض كتب متأخرى المتأخرين في غير محله، كما أن ما في المسالك من التأمل فيه كذلك أيضا، فإنه بعد أن نسبه إلى المعروف من مذهب الاصحاب قال: " وبه رواية ضعيفة لكنها مشهورة مجبورة بذلك على قاعدتهم مع أنهم رووا في الصحيح (1) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الاسنان كلها سواء في كل سن خمسمأة درهم ". وفي كتاب ظريف بن ناصح (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام " قال: وجعل الاسنان سواء ". ورواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كتبه لعمرو بن حزم (3) " وفي السن خمس من الابل ". وروى أصحابنا مثل ذلك، وعلى التقسيم المشهور بين الاصحاب فما زاد على الثمانية والعشرين يجعل بمنزلة السن الزائدة، فيها ثلث الدية الاصلية بحسب محلها، لكن ذلك مع تميزها عن الاصلية، أما مع اشتباهها بها كما هو الغالب من بلوغ الاسنان إثنين وثلاثين من غير أن يتميز بعضها عن بعض أشكل الحكم " (4). وفيه ما عرفت من كون التقسيم المزبور مجمعا عليه بيننا، نعم خالف الشافعي فقسمها إلى إثنين وثلاثين سنا وهي أضراس العقل المسماة بالنواجد وهو محجوج بما عرفت من الاجماع بقسميه على قسمتها ثمانية وعشرين سنا (إثنا


(1 و 2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2 و 1. (3) نيل الاوطار للشوكاني ج 7 ص 212 - 213 نقلا عن النسائي والبيهقي وغيرهما. (4) الى هنا كلام المسالك ج 2 ص 502.

[ 231 ]

عشر في مقدم الفم وهي ثنيتان) من فوق وهما وسطها (ورباعيتان) خلفهما (ونابان) وخلفهما (ومثلها من اسفل، وستة عشر في مؤخر وهي ضاحك وثلاثة أضراس من كل جانب ومثلها من أسفل) فتكون إثنى عشر رحى وأربع ضواحك. (ففي المقاديم ستمأة دينار حصة كل سن خمسون دينارا وفي المآخير أربعمأة دينار حصة كل ضرس خمسة وعشرون دينار) وذلك تمام الدية وهو مضمون الخبر الذى رواه الشيخ والصدوق عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة (1) " قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أصلحك الله إن بعض الناس له في فيه إثنان وثلاثون سنا وبعضهم له ثمانية وعشرون سنا فعلي كم تقسم دية الاسنان ؟ فقال: الخلقة إنما هي ثمانية وعشرون سنا إثنا عشر في مقاديم الفم وستة عشر في مآخيره فعلي هذا قسمت دية الاسنان دية كل سن في المقاديم إذا كسر حتى يذهب خمسمأة درهم، وهي إثنا عشر سنا فديتها ستة آلاف درهم، ودية كل سن من الاضراس إذا كسر حتى يذهب مأتان وخمسون درهما، وهي ستة عشر ضرسا فديتها كلها أربعة آلاف درهم، فجميع دية المقاديم والمآخير من الاسنان عشرة آلاف درهم، وإنما وضعت الدية على هذا، فما زاد على ثمانية وعشرين فلا دية له وما نقص فلا دية له هكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام " وضعفه منجبر بما سمعت ومعتضد بما في الفقيه (2) " وقضى أمير الؤمنين عليه السلام في الاسنان التي تقسم عليها الدية انها ثمانية وعشرون سنا ستة عشر في مآخير الفم وإثنا عشر في مقاديمه فدية كل سن من المقاديم إذا كسر حتى يذهب خمسون دينارا فيكون ذلك ستمأة دينار


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2، نقلا عن الكافي ج 7 ص 329 والتهذيب ج 10 ص 254 والفقيه ج 4 ص 137 والمفقول هنا مطابق لما في الفقيه فراجع. (2) الفقيه ج 4 ص 136.

[ 232 ]

ودية كل سن من المآخير إذا كسر حتى يذهب على النصف من دية المقاديم خمسة وعشرون دينارا فيكون ذلك أربعمأة دينار فذلك ألف دينار فما نقص فلا دية له وما زاد فلا دية له " بل أستظهر الاردبيلي أن قوله: " وقضى " من تتمة ما رواه صحيحا سابقا عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في أصابع الرجلين واليدين (1)، وعلى كل حال فهو مؤيد للخبر المزبور، مضافا إلى ما في كشف اللثام عن الرضا عليه السلام " وأضراس العقل لا دية فيها إنما هو على من أصابها الارش كأرش الخدش " (2). وأما ما ذكره من الصحيح المزبور الدال على التسوية بين الاسنان كلها وأن دية كل سن خمسمأة درهم كغيره من النصوص أيضا، ففيه أولا أن ذلك يزيد على الدية الكاملة - ولعله لذا حمله الشيخ على الثنايا والمقاديم التي هي أقرب إلى التلف بالجناية - ويمكن حمله على التقية لاتفاق العامة كما قيل على أن في كل سن خمسا من الابل من غير فرق بين المقادم والماخر، والموجود في كتاب ظريف (3) " وجعل في الاسنان في كل سن خمسين دينارا وجعل الاسنان سواء وكان قبل ذلك يجعل في الثنية خمسين دينارا وفي ما سوى ذلك من الاسنان في الرباعية أربعين دينارا وفي الناب ثلاثين دينارا وفي الضرس خمسة وعشرون دينارا " لكنه كما ترى لا يصلح معارضا لما عرفت، وإن قال في الوافي (4): " إن المستقاد منه أن التسوية هي الصواب وإن التفاوت محمول على التقية " إذ هو أيضا كما ترى. وأما القوى " الاسنان واحد وثلاثون ثغرة وفي كل ثغرة ثلاثة أبعرة وخمس


(1) الفقيه ج 4 ص 135. (2) كشف اللثام ج 2 ص 323 والفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (4) الوافى الجزء التاسع ص 104.

[ 233 ]

بعير " (1) في حمله الشيخ على التقية لانه موافق لمذهب بعض العامة ولسنا نعمل به. (و) كيف كان ف‍ (تستوى) السن (البيضاء والسوداء خلقة) نصا وفتوى بل (وكذا الصفراء) لذلك أيضا بل قال المصنف فيها (وإن جني عليها) وظاهره الفرق بينها وبين السوداء، ونحوه ما في محكى التحرير " لا فرق بين البيضاء والسوداء والصفراء وإن كانت الصفرة بجناية بخلاف السوداء "، بل والمبسوط فإنه على ما حكى في كشف اللثام قيد السوداء بالخلقة وقال: " في الصفراء وإن كانت الصفرة بجناية جان " ولعل الفرق بينهما ما ذكره في المبسوط أيضا " من أنه إذا ضرب سنه فصارت صفراء ففيها الحكومة قال: فإن قلعها قالع بعد هذا فعليه الدية لانها سن بحالها وقد لحقها شين فهي كالاصبع إذا لحقها شين فقطعت فإن فيها ديتها أيضا "، لكن ذلك كله كما ترى ضرورة أن جميع ما يجري في الصفرة يجري في السوداء. نعم يمكن الفرق بينهن بما تسمعه من النص والله العالم. (وليس للزائدة إن قلعت منضمة إلى البواقي دية وفيها ثلث دية الاصلية إن قطعت منفردة) أي التي يجنيها كما عن الوسيلة والتحرير التصريح به، فإن كانت في القاديم فثلث الخمسين وإن كانت في المآخير فثلث الخمسة وعشرين وإن كانت بينهما فالاقل كما في كشف اللثام للاصل، وعلى كل حال فالقول المزبور هو المحكى عن الغنية والنهاية والسرائر والجامع. (وقيل) كما في المقنعة ونكت النهاية والغنية والكافي والاصباح وكشف اللثام والرياض على ما حكى عن بعضها (فيها الحكومة والاول أظهر) عند المصنف هنا وفي النافع، بل في المسالك أنه أشهر، بل في مجمع البرهان أنه المشهور، بل عن ابن إدريس " أن هذا المذهب قوى وبه أخبار كثيرة معتمدة "، بل قد ينزل عليه إطلاق الخلاف والوسيلة والمهذب " ان في الزائدة ثلث دية


(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5. وهو قوى السكوني.

[ 234 ]

الاصلية " مدعيا في الاول منها الاجماع عليه كما نزل اطلاق القول بالحكومة على التفصيل المزبور، بناء على المفروغية من عدم ثبوت شئ فيها لو تلفت منضمة، وإن كان محل (1) نظر أو منع خصوصا بعد ما في المختلف " من أن ايجاب الارش في الحالين لا بأس به " مضافا إلى ما سمعته عن الرضا عليه السلام (2) مؤيدا ذلك بالاعتبار لانه إيلام ونقص، بل الظاهر أنه الاقوى ضرورة عدم ثبوت ما يدل بإطلاقه على ثبوت ثلث دية الاصلي في كل زائد، نعم ورد في خصوص الاصبع، والقياس باطل. اللهم إلا أن يدعي ظهور ذلك من كونه قاعدة كما عساه يظهر من المسالك ومجمع البرهان، لكنه محل للنظر خصوصا بعد ما في نكت النهاية للمصنف في الرد على ما سمعته عن ابن إدريس " لا ندري قوته من أين عرفها ولا الاخبار التي أشار إليها أين وجدها ولا الكثرة من أين حصلها ونحن مطالبوه بدعواه " (3) وهو كذلك بل هو قول نادر قبل ابن إدريس فإنه لم يحك عن أحد ممن تقدمه غير الفقيه والنهاية إلا على التنزيل المزبور فيزيد الخلاف والمهذب والوسيلة، بل يكون حينئذ إجماع الخلاف حجة له إلا أن، ذلك جميعه كما ترى شك في شك، بل لا وثوق بالاجماع المزبور على وجه يصلح دليلا. كما أنه لا دليل يعتد به على التفصيل المزبور بعدم ثبوت إطلاق أن في الاسنان الدية، وعلى فرضه فالمنساق منه الاصلية، فالمتجه حينئذ الحكومة مطلقا، ولا ينافيه قوله في خبر الحكم (4) السابق: فما زاد على ثمانية وعشرين فلا دية له " بعد ظهوره في إرادة نفي الدية المقدرة لا الارش، ولعله على ذلك يحمل ما عن المقنع (5) من إطلاق " لا شئ فيه " نعم لعله مناف للقول بثبوت ثلث


(1) زدنا كلمة " محل " لتتيم العبارة وليست في النسخ التى راجعناها. (2) الفقه المنسوب الى الرضا ص 43. (3) نكت النهاية، كتاب الديات، أربع صفحات قبل تمام الكتاب. (4) الوسائل الباب - 38 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (5) المقنع ص 190.

[ 235 ]

دية الاصلية فيه، ضرورة تحقق الدية المقدرة له على الفرض المزبور، وإن كان يمكن القول بإرادة دية مشخصة مقدرة لا نحو ذلك. فتلخص مما ذكرنا أن الاقوال في المسألة: التفصيل، والثلث مطلقا، والحكومة كذلك، أو مع الانفراد، وعدم شئ مطلقا كما سمعته عن المقنع، والاقوى منها الحكومة مطلقا لكن من المعلوم أن ذلك مع تميزها عن الاصلية كالنواجد والخارج عن سمت الاسنان داخل أو خارج، أما مع الاشتباه فالمتجه الاقتصار على المتيقن ونفي الزائد بالاصل، بل الظاهر أن ذلك حتى مع الاشتباه لموت المقلوع منه مثلا بعد العلم بأن في أسنانه زائدة وأصلية أما إذا لم يعلم فقد يقال: إن الاصل عدم الزيادة واستواء الخلقة وغير ذلك فتجري على المقلوعة حكم الاصلية على حسب غيرها من الاعضاء، اللهم إلا أن يفرق بكون المعتاد والغالب زيادة الاسنان على الثمانية والعشرين فتأمل، والله العالم. هذا كله فيما لو زادت على الثمانية والعشرين أما لو نقصت خلقة أو بجناية جان أو بسقوط، نقص من الدية بإزائه بلا خلاف أجده فيه ولا ينافيه ما في الحكم السابق (1) من عدم الدية لو نقصت المراد به عدم كما لها في الناقص، ومن ذلك يعلم ما في نفي الخلاف في المسالك عن ثبوتها كاملة فيها، ضرورة اقتضائه كمال الدية للثابت له سن واحد وهو معلوم الفساد، اللهم إلا أن يريد زادت على المعتاد من كونها ثلاثين أو اثنين وثلاثين ونقصت عن ذلك، لا أن المراد نقصانها عن الثمانية والعشرين. (ولو اسودت بالجناية ولم تسقط فثلثاه ديتها) بلا خلاف محقق أجده، كما اعترف به في الرياض، بل ربما ظهر من الغنية الاجماع عليه، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب.


(1) مر آنفا.

[ 236 ]

وفي المبسوط نسبته إلى رواية أصحابنا، بل عن الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارها، ولعل منها صحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " السن إذا ضربت انتظربها سنة فإن وقعت اغرم الضارب خمسمأة درهم، وإن لم تقع واسودت اغرم ثلثي ديتها " مؤيدا بأنه في حكم الشلل الذي فيه ذلك، ولفحوى ما سمعته (2) " من أن فيها الثلث إذا قلعت سوداء " لكن في مرسل أبان (3) عنه عليه السلام أيضا " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا اسودت الثنية جعل فيها الدية " وربما حمل على دية الاسوداد. وفي كتاب ظريف (4) " فإذا اسودت السن إلى الحول ولم تسقط فديتها دية الساقطة خمسون دينارا ". وفي كشف اللثام " ونحوه عن الرضا عليه السلام " (5) إلا أنه شاذ ضعيف لا عامل به، وكذا ما في بعض الاخبار (6) " إذا تغير السن إلى إلسواد ديته ستة دنانير، وإذا تغيرت إلى الحمرة فثلاثة دنانير، وإذا تغيرت إلى الخضرة فدينار ونصف ".


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4. (2) كخبر العزرمى، راجع الوسائل الباب - 43 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. وفيه كذا: " جعل فيها [ ثلث ] الدية " ولكن في الكافي والتهذيب والاستبصار: " جعل فيها الدية " نعم قال في الاستبصار: " فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على التفصيل الذى ذكرناه في الرواية الاولى من ايجاب ثلثى الدية فيها دون الدية الكاملة ". (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (5) كشف اللثام ج 2 ص 324 - الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43. (6) راجع الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43 وكشف اللثام ج 2 ص 324 ومفتاح الكرامة ج 10 ص 417

[ 237 ]

نعم في المبسوط: " إذا ضرب سن الرجل فلم يتغير إلا لونها فإن كان التغير سوادا مع بقاء منافعها وقوتها ففيها حكومة وقد روى أصحابنا فيها مقدرا ذكرناه في النهاية يعني ثلثي ديتها، فإن كان خضرة دون السواد ففيها حكومة، وإن صارت صفراء ففيها حكومة دون الخضرة، لان السن يصفر من دون علة فإن قلعها قالع بعد هذا فعليه الدية، لانها سن بحالها وإنما لحقها شين فهي كالاصبع إذا لحقها شين فقطعت فإن فيها ديتها، فإن ذهب مع هذا التغيير بعض منافعها كان ضعفت عن القوة التي كانت عليها في عض المأكول ونحو ذلك ففيها حكومة لاجل الشين والضعف معا، فإن ذهب مع هذا التغيير كل منافعها حتى لا تقوى على أن يمضغ (1) بها شيئا فهذه بمنزلة اليد الشلاء فعليه ثلثا الدية لان كل ما كان في إتلافه الدية كان في الشلل منه ثلثا الدية، فإن قلعها قالع بعد ذلك فعليه " (2). وفي كشف اللثام " فكأنه عند بقاء المنافع شبه متردد في ثلثي ديتها والحكومة " (3) قلت لعل ظاهره الحكومة مع بقاء المنافع، وإن نسب (4) الثلثين إلى الرواية، نعم هو جازم بالثلثين مع ذهاب المنافع مدرجا له بالشلل، وقد عرفت أن ظاهر الاصحاب بل والنص على عدم الفرق، كما أن ظاهرهم اختصاص التقدير المزبور بالسواد دون غيره من الالوان التي فيها الحكومة سواء بقيت منافعها أو ذهبت كلا أو بعضا لعدم اندراج مثله في مسمى الشلل


(1) في المبسوط: " يعض ". (2) المبسوط ج 7 ص 141 - 142 وفيه هكذا: فهذه بمنزلة اليد الشلاء فعليه الدية لان كل ما كان في اتلافه الدية كان في الشلل منه الدية " وفيه سقط كما لا يخفى فراجع. (3) كشف اللثام ج 2 ص 324. (4) في الاصل: " نسبته ".

[ 238 ]

فتأمل جيدا. (و) مما ذكرنا يظهر لك الوجه فيما ذكره المصنف وغيره من أن (فيها بعد الاسوداد الثلث على الاشهر) بل عن الخلاف وظاهر الغنية الاجماع عليه، مضافا إلى قول أبي جعفر في خبر العزرمي (1) المنجبر بما عرفت: " إن في السن السوداء ثلث ديتها " بل وإلى خبر الحكم (2) " وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح " بناء على أنه شلل، أو حيث يتحقق فيه الشلل، كما سمعته من المبسوط. خلافا لما عن النهاية والقاضي ويحيى بن سعيد، فربع ديتها، لخبر عجلان (3) عن الصادق عليه السلام القاصر عن مقاومة ما عرفت بعد ضعفه وندرة القائل به واقتضائه نقصان ديتها عن دية إتلافها بالجناية بادئ بدئ دفعة المستلزم لكونها دية جناية واحدة في محل واحد أزيد من دية جنايتين، ولا ريب في بعده. اللهم إلا أن يقال: إن النقص عن ذلك إنما حصل بذهابها في وقتين ولعله لبقاء الانتفاع بها بعد الجناية الاولى مع أنه لا يتم في صورة قصر الزمان على وجه لم ينتفع بها أصلا. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه كدعوى الحكومة التي سمعتها من المبسوط، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة ما عرفت من إطلاق النص ومعقد الاجماع والفتاوى، وإن مال إليه بعض الناس للاختلاف في الطريقة، وربما ايد بأن، الثلثين فيه للشلل وهو لا يكون إلا مع ذهاب المنافع، وفيه أن ذلك وإن علل به بعض الناس لكنه لا يصلح مقيدا لما عرفت، فلا ريب في ضعف القول بالحكومة.


(1) الوسائل الباب - 43 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 40 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3.

[ 239 ]

وكذا في كتاب ظريف على ما في الكافي (1) والتهذيب " فإن سقطت بعد وهي سوداء فديتها إثنا عشر دينارا ونصف " وعلى ما في الفقيه (2) " فان سقطت بعد وهي سوداء فديتها خمسة وعشرون دينارا فإن انصدعت وهي سوداء فديتها إثنا عشر دينارا ونصف " لم نجد عاملا بشئ منهما. (وفي انصداعها ولم تسقط ثلثا ديتها) كما قطع به الشيخان وابن حمزة والفاضل، بل في الروضة وغيرها نسبته إلى المشهور ولعله لاولويته من الاسواد وكونه شللا أو بحكمه، بل ذكره في المقنعة والنهاية والوسيلة كالظاهر في وجود رواية به خصوصا بعد استقراء أحوالها في ذلك بل في المتن (وفي الرواية ضعف) وهو صريح في عثوره عليها لكن قد اعترف غير واحد ممن تأخر عنه بعدم العثور عليها، بل توقف بعد الناس في العمل بها لذلك ولعدم تحقق شهرة جابرة وإن حكيت، ومع تسليمها فإنما هي تجبر الخبر بعد وضوح دلالة وهو غير معلوم بعد عدم ظهور متن الرواية. (و) من ذلك ونحوه قال المصنف (الاشبه الحكومة) (3) أي اشبه باصول المذهب بعد عدم ثبوت التقدير، وتبعه بعض من تأخر عنه وإن كان قد يناقش بأن الاصح جبرها للسند وللدلالة على أنه لا يكفى (4) في ثبوت وضوح متنها حكاية المحقق له وإن لم يعمل بها. لكن الانصاف مع ذلك عدم ترك الاحتياط مع إمكانه. وفي كتاب ظريف (5) " ان فيه نصف ديتها " وفي كشف اللثام


(1) الكافي ج 7 ص 333، والتهذيب ج 10 ص 300. (2) الفقيه ج 4 ص 83. (3) كذا في الاصل، ولكن في الشرائع هكذا: " المحكومة اشبه ". (4) كذا في ثلاث نسخ راجعناها، ويحتمل زيادة كلمة " لا " كما لا يخفى. (5) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 240 ]

" وروى نحوه عن الرضا عليه السلام " (1) إلا انا لم نجد عاملا به كما عن ابن فهد الاعتراف به. (و) كيف كان فثبوت (الدية في) السن (المقلوعة مع سنخها وهو الثابت منها) الذي هو أصلها (في اللثة) لا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى إطلاق النص والفتوى، (ولو كسر ما برز عن اللثة) خاصة (ففي) ثبوت الدية ل‍ (- ه) تردد من صدق السن لغة وعرفا وعن المبسوط " السن ما شاهدته زائدا على اللثة والسنخ أصلها المدفون في اللثة " (2) وقال أهل اللغة: " السنخ أصل السن " ومن أصل البرائة واتحاد العضو وشمول اللفظ للكل ولذا يقال قلع سنه وانكشفت اللثة عن سنه ونحو ذلك. (و) لكن (الاقرب أن فيه دية السن) وفاقا للشيخ والحلي والفاضل والشهيدين وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى ظاهر الاكثر لانه المنساق من النص والفتوى، بل لا يمكن فيه معرفة المساحة كى تكون الدية بقدرها. (و) حينئذ فل‍ (وكسر) شخص (الظاهر عن اللثة ثم قلع الآخر السنخ فعلى الاول دية) للسن المكسور (وعلى الثاني حكومة) للسنخ الذي لا مقدر له بخصوصه، وعلى الاحتمال المزبور تكون الدية على الجانبين (3) بنسبة المساحة، إلا أن الاصح الاول، بل وكذا لو كان الجاني شخصا واحدا دفعتين. نعم الظاهر الدية خاصة في الجناية المتحدة التي انقلع بها السن مع سنخها كما عرفت، والله العالم. (وينتظر بسن الصغير) لو قلع أو كسر (فإن نبت لزم الارش وإن


(1) كشف اللثام ج 2 ص 324 والفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام. (2) المبسوط ج 7 ص 136. (3) في الاصل: " على الجانبين ".

[ 241 ]

لم ينبت فدية سن المثغر ومن الاصحاب من قال فيها بعير ولم يفصل) كما عن المبسوط والمهذب والكافي والغنية والوسيلة والاصباح، للرواية، (و) لكن (في الرواية ضعف) لا جابر كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا (1)، وفي التقدير بسنة (2) الواقع من الفاضل، بل وفي المحكي عن أبي على من أنها إن لم تنبت ففيها ديتها وإن نبتت ففيها بعير، فلاحظ وتأمل. (ولو أثبت الانسان في موضع المقلوعة عظما) ظاهرا مثلا مما يؤكل لحمه (فثبت فقلعه قالع قال الشيخ) في محكى الخلاف والمبسوط: (لا دية) ولا شئ فيه للاصل، (و) لكن (يقوى أن فيه الارش) وفاقا للفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما، (لانه يستصحب ألما وشينا)، ولحصول منافع السن به وإن لم يكن سنا، ولذا أوجبنا فيه الحكومة لا دية السن، بل مقتضى إطلاق المصنف والفاضل في القواعد ذلك، وإن كان نجسا لما سمعته. نعم قيده بذلك في محكى التحرير مصرحا بأنه لا شئ عليه في النجس، ونحوه عن حواشي الشهيد، ولعله لوجوب الا زالة عليه، بل وكذا لو كان من طاهر غير مأكول اللحم، بناء على وجوب إزالته للصلاة، ولكن فرضهما فيمن لا تجب عليه لطفولية أو جنون مع حصول الالم والشين، فتأمل. ولو أثبت السن المقلوعة بعينها فثبتت كما كانت فقلعها آخر فدية كاملة، كما في القواعد ومحكى الخلاف، ولعله لاطلاق الادلة، لكن عن المبسوط والتحرير فيه الحكومة، ولعل الاولى ما عن المختلف من الحكومة إن لم تثبت صحيحة وإلا فالدية، ولا شئ عليه عند الشافعي بناء على أنها نجست بالانقلاع فتجب الا زالة، وعندنا لا ينجس العظم بالانقلاع، بل عن الخلاف إجماع الفرقة وأخبارها على أن السن لا يحلقها حكم الميتة، والله العالم.


(1) يعنى في كتاب القصاص. (2) في جميع النسخ التى راجعناها " بنسبته " والصحيح ما اثبتناه كما لا يخفى على من راجع هذا البحث من كتاب القصاص.

[ 242 ]

ولو كانت السن المقلوعة طويلة بالنسبة إلى أخواتها أو بالنسبة إلى النوع أو جثة الشخص، أو عريضة كذلك لم تزد بذلك ديتها كسائر الاعضاء، لاطلاق الادلة، كما أنه لو كان بعضها أقصر من بعض ولكن ينتفع بها كالطويلة فدية كاملة للعمومات، وإلا فالحكومة لعيب المخرج لها عن حكم السن المنساق من النص والفتوى، من غير فرق بين كون الاختلاف في صنف واحد منها كأن تكون ثنية أقصر من اخرى أو رباعية أقصر من اخرى، أو في صنفين كأن تكون رباعية أقصر من الناب، وعن الشيخ إطلاق الحكم بالدية مع القصر كإطلاق بعض العامة النقص من الدية بقدر القصر، والاقوى ما عرفت. ولو اضطربت لكبر أو مرض لكن يمكن المضغ بها وحفظ الطعام والريق، وكان فيها الجمال، فعن المبسوط فيها الدية، سواء ربطها بالذهب أو الفضة أولا، ولعله للعموم. ولكن المتجه بناء على ما ذكرنا الحكومة مع عدم بقاء منافعها، وعن التحرير وجوب الدية مع بقاء بعض منافعها وإلا فثلث الدية كالاشل، وعن الشهيد أنه المنقول ولا يخلو من نظر، فتأمل. ولو ذهب بعض السن لعلة أو جناية أو لتطاول المدة ففيها بعض الدية بحساب المساحة، وكذا لو كسر طرفا من سنه فتقسط الدية حينئذ على الظاهر دون السنخ كما عرفته سابقا، حتى إن كان المكسور نصف الظاهر وجب نصف دية السن. ولو انكشفت اللثة عن بعض السنخ فظهر، فقال الجاني: المكسور ربع الظاهر، وقال المجني عليه: نصفه، ففي كشف اللثام اعتبر بأخواتها، فإن فقدن رجع إلى أهل الخبرة، فإن فقدوا قدم قول الجاني لاصل البرائة، وأطلق في القواعد تقديم قول الجاني، ولعله أولى. ولو كسر بعض السن وقلع آخر الباقي مع السنخ فإن كان الاول قد

[ 243 ]

كسر عرضا وبقى أصلها صحيحا مع تمام السنخ فالسنخ تابع لجناية الثاني، ولا شئ فيه عندنا، ولو كسر بعضها طولا لكن دون شئ من السنخ فعلى الثاني دية الباقي من السن ويتبعه ما تحته من السنخ فلا شئ فيه وعليه حكومة للسنخ الذي كسر ظاهره الاول، فإن قال المجني عليه: الفائت بجناية الاول الربع، وقال الثاني: بل النصف، ففي القواعد ومحكي المبسوط قدم قول المجني عليه لاصالة السلامة، ويحتمل تقديم قول الجاني لاصل البرائة، والله سبحانه العالم. (الثامن: العنق) (وفيه إذا كسر فصار الانسان أصور (1)) مائل العنق أو جنى عليه حتى صار كذلك وإن لم يكن كسر (الدية) كاملة، فلا خلاف أجده بيننا، بل عن الخلاف الاجماع عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله في خبر مسمع في الصعر (2) والصعر أن يثنى عنقه في ناحية، والضعف منجبر بما عرفت. هذا ولكن في كتاب ظريف (3) " إن فيه نصف الدية " وفيه أيضا " في صدع الرجل إذا اصيب فلم يستطع أن يلتفت إلا ما انحرف الرجل نصف الدية خمسمأة دينار " إلا أني لم أجد عاملا به منا، كالقول بالحكومة المحكى عن الشافعي، مضافا إلى الاجمال في الثاني باعتبار احتمال إعجام عين الصدغ وضم جيم الرجل في الموضعين وإهمال العين وتسكين الجيم مع كسر الراء، أي إذا صدعت الرجل فلم يستطع أن يلتفت


(1) في الاصل: أصغر، والصحيح أصعر أو الا صور بقرينة قوله: في خبر مسمع في الصعر وقوله: ولو زال الصور. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ديات المنافع، الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 244 ]

ما لم يحول رجله. (وكذا) تجب الدية (لو جنى عليها بما يمنع الازدراد) رأسا، مات بذلك أو عاش وإن بعد، لان هذه المنفعة أعظم من الذوق الذي ستعرف وجوب الدية في ذهابه، ولا شئ عند العامة إن عاش، وعن المبسوط وينبغي أن نقول: إن عليه حكومة، وعن ابن حمزة موافقته وهو لا يخلو من وجه. (ولو زال) الصور أو بطلان الازدراد (فلا دية وفيه الارش) وكذا إذا صور لكن يمكنه الاقامة والالتفات بعسر أو أمكنه الازدراد. (التاسع: اللحيان) (وهما العظمان اللذان يقال لملتقاهما الذقن ويتصل طرف كل واحد منهما بالاذن) من جانبي الوجه، وعليهما نبات الاسنان (وفيها الدية لو قلعا منفردين عن الاسنان كلحيى الطفل) وإن منعه الانبات (أو من لا أسنان له) لكبر أو آفة، وفي كل واحد منهما نصف الدية (ولو قلعا مع الاسنان فديتان) لهما وللاسنان بالحساب، ولا يدخل شئ منهما تحت الآخر، للاصل وإن حكى عن أحد وجهي العامة. (وفي نقصان المضغ مع الجناية عليهما أو تصلبهما) على وجه يعسر تحريكهما (الارش) لعدم ثبوت تقدير في هذا الحال.

[ 245 ]

(العاشر: اليدان) (وفيهما الدية وفي كل وادحة نصف الدية) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بين المسلمين، فضلا عن المؤمنين، بل الا جماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص العامة والخاصة (1)، ويتساوى اليمنى واليسرى وإن كانت اليمنى أقوى وأنفع، كما يتساوى من له يدان ومن ليس له إلا يد واحدة خلقة أو بآفة أو بجناية أو في سبيل الله، خلافا للاوزاعي في الاخيرة، فأوجب في الباقية دية اليدين، وهو اجتهاد وقياس على العين في الجملة، في مقابلة ما سمعت. (وحدهما المعصم) أي الكوع والمفصل الذي بين الكف والذراع، موضع السوار، بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام عندنا، خلافا لبعض العامة، مشعرا بل ظاهرا إن لم يكن صريحا في الاجماع الذي يشهد له التتبع، فلا يقدح حينئذ إجمالها كماعن علم الهدى وانصرافها إلى العضو الذي هو من المنكب إلى رؤوس الاصابع إن سلم، ضرورة احتمال الصدق على البعض كالكل. وعلى كل حال (فلو قطعت) منه (مع الاصابع ف‍) ليس فيه إلا (دية اليد خمسمأة دينار) خاصة بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إطلاق النصوص والفتاوى (و) أن في كل واحد نصف الدية. نعم (لو قطعت الاصابع منفردة فدية الاصابع خمسمأة دينار) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض،


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء.

[ 246 ]

كالنصوص (1). ولو قطع آخر الكف ففيه الحكومة، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لعدم التقدير له حينئذ. وكذا لو قطع كفا لا أصابع لها خلقة أو بآفة. (ولو قطع معها) أي الكف (شئ من الزند) الذي هو موصل طرف الذراع في الكف كما نص عليه غير واحد (ففي اليد خمسمأة دينار وفي الزائد حكومة) وفاقا للشيخ والقاضي والفاضل والشهيدين على ما حكي عن بعضهم، بل عن المختلف أنه الاشهر، وهو الموافق لما نص عليه الشيخ أيضا وابن حمزة والفاضلان وغيرهم في كتاب القصاص من أنه لو قطع مع الكف بعض الذراع اقتص في الكف وكان له في الزائد الحكومة، إذ بعض الزائد هو بعض الذراع، ومن هنا نص في كشف اللثام على عدم الفرق بين بعض الزند وبعض الذراع، ولكن قد يشكل أصل الحكومة بناء على أن في الذراع الدية بأن المتجه اعتبار المساحة كما عرفته في كل ماله مقدر، ولذا كان المحكي عن ابن إدريس اعتبارها. نعم قد قلنا في كتاب القصاص: يمكن إرادة الاصحاب من الحكومة ما لا ينافي اعتبار المساحة لان الغرض بيان عدم الاجزاء بالقصاص في الكف أو الدية عن الزائد، باعتبار صدق اسم اليد فيدخل الزائد قصاصا ودية في الكف، كما عن الكاشاني اختياره هنا لاطلاق النصوص نصف الدية في اليد الصادقة على المفروض. (و) يؤيده ما ذكره غير واحد، بل في الروضة نسبه إلى المشهور أنه (لو قطعت من المرفق أو المنكب) لم ين له إلا دية اليد، خمسمأة دينار، ولعله المراد مما (قال في المبسوط): " اليد التي يجب هذا فيها هي الكف إلى الكوع وهو أن يقطعها من المفصل الذي بينها وبين الذراع، فإن قطع أكثر من ذلك


(1) راجع الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء

[ 247 ]

كان فيه دية وحكومة بقدر ما يقطع، فان كن في نصف الذراع أو المرفق أو العضد أو المنكب ففي الزيادة حكومة وكلما كانت الزيادة أكثر كانت الحكومة أكثر و (عندنا) أن جميع ذلك (فيه مقدر) ذكرناه في تهذيب الاحكام (1) ". وإليه أشار المصنف بقوله (محيلا) له (على التهذيب) إذ ليس في التهذيب حكم مخصوص للفرض، وإنما فيه أن ما في الانسان منه إثنان في كل واحد نصف الدية. اللهم إلا أن يفرق بوجود المفصل وعدمه، بمعنى أن اليد تتناول الكل والابعاض ذوات المفاصل، فإذا قطع بعض ذو مفصل كالكف مع بعض آخر، لا من مفصله كبعض الزند أو الذراع، فكأنه قطع اليد وشيئا آخر لا مقدر فيه، ففيه الحكومة، بخلاف ما لو قطعها من مفصل المرفق أو المنكب فإنها يد بلا زيادة، إلا أن ذلك كما ترى، ولذا قال في كشف اللثام: " عليه منع ظاهر ". نعم قد يقال إن العمدة الاجماع على وجوب شئ زائد على الدية لنصف الذراع مثلا حكومة أو قسطا، وما سمعته من الكاشاني غير قادح في الاجماع المزبور، ولعل وجهه أنه حيث تكون الجناية عمدا لا ريب ولا خلاف معتد به في كون القصاص من الكف كما عرفته في كتاب القصاص، فلو لم يكن للزيادة شئ كانت جناية غير مستوفاة، ولم يصل تمام الحق إلى صاحبه، بخلاف ما إذا كانت من المرفق أو المنكب، فإن محل القصاص حينئذ متحقق في العضو الواحد عرفا، فليس له إلا القطع أو دية ذلك العضو، وهو دية اليد، فيدخل حينئذ الساعد والعضد كما تدخل الاصابع في قطع الكف، لعدم دليل يدل على تقدير لهما في الفرض زائد على دية اليد، فأصل البرائة بحاله حينئذ، ولا ينافي ذلك ثبوت دية


(1) المبسوط ج 7 ص 143.

[ 248 ]

لهما لو قطعا مستقلين كما لو كان له ساعد بلا كف وقطعه قاطع من المرفق مثلا، فإن العموم الدال على وجوب الدية لكل ما كان في الانسان منه إثنان وفي الواحد النصف شامل له، بل الظاهر اعتبار المساحة هنا، لو فرض قطع البعض لا الحكومة بخلاف من لو قطع نصف الذراع مع الكف فإنه لا يستفاد من الادلة هنا أن له مقدرا في الفرض فليس إلا الحكومة، ولذا كان المشهور ذلك لا اعتبار المساحة. وبذلك يظهر لك النظر فيما عن ابني حمزة والبراج من النص على أنه لو قطع يده من المرفق أو المنكب كانت عليه دية اليد وحكومة في الساعد أو فيها وفي العضد بناء على أن حد اليد كما عرفت من المعصم، ففيما زاد عليها الحكومة، بل في كشف اللثام، وكذا الشيخ في جراح المبسوط، ضرورة عدم وجه للحكومة بعد صدق اسم اليد، والتحديد المزبور إنما هو لمنتهاها الموجب للدية كما أفصح عنه كلام المشهور، الذين لم يوجبوا الدية في الجميع، لا أن المراد منه اختصاص اسم اليد بها الذي لا يوافقه شرع ولا لغة ولا عرف. بل وكذا يظهر لك النظر فيما يعطيه كلام ابن إدريس، حيث اعتبر المساحة وقسط الدية عليها في المقطوع من نصف ذراعه مع كفه وأوجب الدية في الكف واخرى في الساعد وثالثة في العضد لو كان القطع من المنكب مثلا، بل قيل هو ظاهر أبي علي والمفيد وسلار والحلبيين حيث أطلقوا أن في الساعدين الدية وفي أحدهما نصفها. وكذا في العضدين وأحدهما، بل لعل ظاهر آخر العبارة التي سمعتها من المبسوط، بناء على أن المراد بما أحاله على التهذيب هو النصوص المزبورة الدالة على الدية في الاثنين ونصفها في الواحد، إذ قد عرفت عدم ظهور في الادلة للتقدير لهما في الفرض، بل ظاهر الادلة دخولهما في اليد كدخول الاصابع فيها، ويمكن حمل عبارة المبسوط على ذلك بارادة المقدر في اليد فيوافق المشهور حينئذ. فقد تلخص لك من ذلك كله أنه لو قطعت اليد من نصف الساعد كان فيها دية الكف والحكومة من غير اعتبار المساحة خلافا لابن إدريس، وخلافا لما سمعته

[ 249 ]

من الكاشاني من عدم شئ زائد على الدية لو قطعت من المرفق مثلا، فلا شئ فيها لا دية اليد ولا الحكومة مع ذلك ما سمعته من ابني حمزة والبراج ولا ديتين أو ديات كما هو ظاهر من سمعت الذين يمكن حمل إطلاقهم المزبور على قطع خصوص الساعد، كما إذا لم يكن له كف أو المنكب، كما إذا لم يكن له غير العضد، فلا خلاف حينئذ، والله العالم. (ولو كان له يدان على زند ففيهما الدية وحكومة) لو قطعا كما صرح به الفاضل والشهيدان وغيرهم (لان إحداهما زائدة) على المتعارف في خلقة الانسان، فلا تندرج في إطلاق الادلة المعتضد بالاصل، فتعين الحكومة حينئذ بعد عدم التقدير شرعا، بل ربما يؤيده قول أبي جعفر عليه السلام للحكم بن عيينة (1) " في الاصابع فما زادوا ونقص فلا دية له " وكذا في الاسنان " فما زاد على ثمانية وعشرين سنا فلا دية له " وحينئذ فلو قطع إحداهما فإن كان الاصلية فالدية والحكومة إن كانت الزائدة. (ويتميز الاصلية بانفرادها بالبطش أو كونها أشد بطشا) وبالخروج عن السمت ونقص أصابعها والمساواة لليد الاخرى قدرا ونحو ذلك مما يتشخص فيه الموضوع المزبور عرفا ولو مع تعارض الامارات، وعن الارشاد " أن المدار على البطش وقوته وإن كانت منحرفة ". وكيف كان (فإن تساويا) على وجه لا يتميز الاصلية من الزائدة (فإحداهما زائدة في الجملة) قطعا لما عرفت، وحينئذ فإن قطع إحداهما كان عليه الحكومة للاصل، إلا أن تزيد على الاكثر من نصف الدية فترد إليها كما في غيرها. وعن المبسوط والتحرير والارشاد أن عليه نصف دية ونصف حكومة أو


(1) الوسائل الباب - 38 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2 والباب - 39 - منها الحديث الاول.

[ 250 ]

نصف الثلث بناء على ما سمعته من المبسوط، لانه قطع نصف يد وزيادة، ولتكافؤ الاحتمالين، فيكون كجنين قتل بعد ولوج الروح فيه ولم يعلم كونه ذكرا أو انثى، ولان الكفين لو قطعتا كان على الجاني دية كف وثلثها مثلا، بناء على ما سمعته من المبسوط، فعند الاشتباه يقسط المجموع عليهما، ويؤخذ النصف وهو ثلثا دية كف، لان نصف الثلث سدس، فإذا اضيف إلى نصف الكف صار المجموع ثلثي دية كف. بل قال الشيخ أيضا فيما حكى عنه: " فإن قطع إصبعا من إحداهما ففيه نصف دية إصبع خمس من الابل وحكومة على ما فصلناه إذا قطع إحداهما، وفي أناملهما كذلك نصف دية أنملة وحكومة " (1) وفيه أن ذلك لا يرجع إلى قاعدة شرعية تنطبق على مذهب الامامية إلا أن يفرض حصول القطع من النظائر المنصوصة بكون الحكم في المقام ونحوه كذلك، هذا وفي محكى التحرير (2) " انهما كذلك لو تساويا في البطش والتمام والسمت فإن كانا غير باطشتين ففيهما ثلث دية اليد وحكومة، ولا تجب فيهما دية اليد الكاملة لانه لا نفع فيهما كاليد الشلاء " ولا يخلو من نظر مع عدم صدق الشلل، والله العالم. (ولو قطعهما) معا (ففي الاصلية) واقعا (دية، وفي الزائدة) كذلك (حكومة) كما لو كانتا متميزتين من غير إشكال مع اتحاد القاطع والقطع، أما مع تعددهما فقد يقال: إن المتجه الحكومة في كل منهما للاصل، بل وكذا مع تعدد القطع وكان الثاني بعد دفع الحكومة للاول، إذ ذلك لا يشخص كون الباقية أصلية لا بالنسبة إليه ولا بالنسبة إلى غيره فتأمل جيدا، إذ يمكن أن يقال: إن برائة الاول من قطعه الاول إنما كانت في الظاهر دون الواقع الذي تحقق شغل ذمته به بقطعه الثاني. (و) كيف كان فقد (قال في المبسوط): " عندنا في الزائدة (ثلث


(1) المبسوط ج 7 ص 145. (2) التحرير ج 2 ص 272.

[ 251 ]

دية الاصلية " (1) ولكن لم نجد ما يدل عليه صريحا (ولعله تشبيه بالسن والاصبع) لما سمعته وتسمعه من أن في الزائدة منهما ثلث دية الاصلية، إلا أن القياس باطل عندنا، والتنقيح بعد فرض شهرة الحكومة لا منقح له، (و) لذا كان (الاقرب الارش) وفاقا للمشهور، للضابط المزبور، والله العالم. (و) الذي (يظهر لي) ما ظهر لغيري من المفيد وسلار وابن إدريس وأبي الصلاح والكيدري والفاضل وولده وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، إن (في الذراعين) لو قطعا متميزتين عن قطع الكفين (الدية) كاملة (وكذا في العضدين وفي كل واحدة نصف الدية)، لعموم الضابط ودليله. لكن في محكي الخلاف " أن مع قطع ذراع رجل وكان قطع كفه آخر وكان للقاطع ذراع بلا كف كان له القصاص، وإن أراد ديته كان له نصف الدية إلا قدر حكومة ذراع لا كف له (2) " وفيه ما لا يخفى. كاحتمال الحكومة في القواعد والمسالك وغيرهما، بناء على أنه لا نص فيهما بخصوصهما مع أصل البرائة، ونقص المنفعة فيهما، وعدم استقلال شئ منهما، وكونه عضوا برأسه، إذ الجميع كما ترى خصوصا بعدما عرفته من اتفاق الاصحاب ظاهرا على ثبوت الدية ونصفها فيهما. نعم لو قطع كفا لا إصبع لها كان عليه الحكومة بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق ظاهرا عليه، بل يجوز أن يزاد بحكومتها على دية الاصبع وأكثر مع قضاء أهل الخبرة به لو كان عبدا. نعم لا يجوز أن يبلغ بها دية الاصابع أجمع وإلا لزم أن يكون في الواحدة من رؤوس الاصابع إلى المعصم دية نفس كاملة.


(1) المبسوط ج 7 ص 145. (2) الخلاف ج 2 ص 361.

[ 252 ]

ولو كان عليها إصبع واحدة فمتبت تلك الاصبع تابع لها في الضمان، لا أنه يدخل في حكومة الكف، ولكن عليه في الباقي حكومة أربعة أخماس الكف لان الخمس الآخر منبع (1) الاصبع المفروضة، والله العالم. (الحادي عشر: الاصابع) (وفي أصابع اليدين) العشر (الدية وكذا في أصابع الرجلين) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، (و) المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا، بل عليه المتأخرون كافة، أن (في كل واحدة) منهما (عشر الدية) لاصالة التساوي، أو عدم التفاوت، إن لم نقل بظهور ما دل على ثبوتها فيها في ذلك، ولقول الصادق عليها السلام في صحيح ابن سنان (2): " أصابع اليدين والرجلين سواء في الدية في كل إصبع عشر من الابل " وفي حسن الحلبي (3) " في الاصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شلت قال: وسألته عن الاصابع أسواء هن في الدية ؟ قال: نعم " وفي خبر أبي بصير (4) " في كل إصبع عشر من الابل " وقول أبي جعفر عليه السلام في خبر الحكم (5) " في


(1) منبت ظ. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 7 وفيه: " وفي الاصبح عشر من الابل ". (5) الكافي ج 7 ص 330 والتهذيب ج 10 ص 254 والوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث الاول وفى الاخير سقطت الجملة الاولى فراجع.

[ 253 ]

كل إصبع من أصايع اليدين ألف درهم وفي كل إصبع من أصابع الرجلين ألف درهم ". (وقيل) كما عن الخلاف والوسيلة (في الابهام ثلث دية) اليد الواحدة (وفي الاربع البواقي الثلثان بالسوية) في كل منهما سدس، بل عن الخلاف الاجماع عليه، كما عن المبسوط نسبته إلى رواية أكثر أصحابنا، عكس ما عن السرائر من نسبته الرواية بذلك إلى الشذوذ، لما في كتاب ظريف (1) من قوله عليه السلام " في الابهام إذا قطع ثلث دية اليد مأة دينار وستة وستون دينارا وثلثا دينار. وفي الاصابع في كل إصبع سدس دية اليد ثلاثة وثمانون دينارا وثلث دينار ودية الاصابع والقصب التي في القدم ثلث دية الرجلين ثلاثمأة وثلاثة وثلاثون دينارا - إلى أن قال -: ودية كل إصبع منها سدس دية الرجل ثلاثة وثمانون وثلث دينار ". وفي كشف اللثام: " وروى نحو منه عن الرضا عليه السلام (2) " وعن التهذيب والاستبصار (3) احتمال أخبار التساوي، تساوى الاربع غير الابهام، بل عن الاستبصار (4) " وأما ما تضمن رواية أبي بصير وعبد الله بن سنان أن كل إصبع عشرا من الابل، يجوز أن يكون من كلام الراوي، وهو أنه لما سمع أن الاصابع سواء في الدية ففسر هو لكل إصبع عشر من الابل، ولم يعلم أن الحكم يختص بالاصابع الاربعة ". ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد معلومية الرجحان في الاول، ضرورة


(1) الفقيه ج 4 ص 85 - 90. (2) كشف اللثام ج 2 ص 235، وراجع الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43 - 44. (3) التهذيب ج 10 ص 259 والاستبصار ج 4 ص 292. (4) الاستبصار ج 4 ص 292.

[ 254 ]

موهونية الاجماع المزبور بمصير معظم من تقدم وتأخر إلى خلافه، وكتاب ظريف وإن أمكن تصحيح بعض طرقه، إلا أنه قاصر عن معارضة ما عرفت من وجوه، ونحوه المرسل عن الرضا عليه السلام، مع احتمال إرادة الكتاب المنسوب إلى الرضا عليه السلام الذي لم يثبت نسبته عندنا، فالقول المزبور حينئذ واضح الضعف، كالمحكي عن الكافي من " أن في كل إصبع عشر الدية إلا الابهام فديتها ثلث دية اليد وقال في الرجلين: في كل إصبع من أصابعهما عشر دية ". ونحوه عن الغنية والاصباح إلا أنهما سويا بين أصابع اليدين والرجلين، بل عن ظاهر الاول ومحتمل الثاني الاجماع عليه، بل هو أوضح ضعفا من الاول ولذا قال في محكي المختلف: " وقول أبي الصلاح مشكل فإنه جعل في الابهام ثلث دية اليد، وفي البواقي في كل واحدة عشر دية اليد، وهو يقتضي نقصا لا موجب له، ثم إن كلامه يقتضي الفرق بين أصابع اليدين والرجلين مع أن أحدا من علمائنا لم يفصل بينهما (1) ". وفي كشف اللثام " قلت: بل هو موافق لما سمعته من الخلاف، وإنما أوجب في كل من الاربع عشر دية النفس لا عشر دية اليد الواحدة أو الرجل الواحدة، وأما في أصابع الرجلين فلعله لم يتعرض للاستثناء اكتفاء بما قدمه في اليدين (2) ". وفيه أنك قد عرفت وجوب سدس دية اليد في كل واحد من الاربع وهو أنقص من عشر دية اليد، بل بناء على ما ذكره تزيد دية اليدين حينئذ على دية النفس، فكلام أبي الصلاح لا يخلو من نقص أو زيادة كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (- دية كل إصبع مقسومة على ثلاث أنامل بالسوية عدا الابهام فإن ديتها مقسومة بالسوية على إثنين) بلا خلاف أجده فيه بل عن


(1) المختلف الجزء السابع ص 255. (2) كشف اللثام ج 2 ص 326.

[ 255 ]

محتمل الغنية وصريح الخلاف الاجماع عليه وهو الحجة بعد شهادة التتبع له وبعد قوى السكوني (1) - المعتضد بما سمعت عن الصادق عليه السلام - " كان يقضي في كل مفصل من الاصبع بثلث عقل تلك الاصبع إلا الابهام فإنه كان يقضي في مفصلها بنصف عقل تلك الابهام لان لها مفصلين ". ولا يعارض ذلك ما في كتاب ظريف (2) على ما عن الكافي " ودية المفصل الاوسط من الاصابع الاربع إذا قطع فديته خمسة وخمسون دينارا وثلث دينار، وفي المفصل الاعلى من الاصابع الاربع إذا قطع سبعة وعشرون دينار ونصف وربع ونصف عشر دينار ". وعن الفقيه والتهذيب (3) والجامع " سبعة وعشرون دينارا ونصف دينار وربع عشر دينار " وفي كشف اللثام " وكذا روى عن الرضا عليه السلام (4) " " وفي الرجل في المفصل الاوسط من الاصابع الاربع إذا قطع فديته خمسة وخمسون دينارا وثلثا دينار، وفي المفصل الاعلى من الاصابع الاربع التي منها الظفر إذا قطع فديته سبعة وعشرون دينارا أو أربعة أخماس دينار (5) " كذا في الكافي والتهذيب والفقيه والجامع، ولكن لا عامل به، فهو غير صالح للمعارضة وإن أمكن تصحيح بعض طرقه، بعد ما عرفت من الاجماع المحكي إن لم يكن المحصل على التفصيل الذي تقدم. لكن عن بعض العامة وجوب ثلث دية الابهام في كل أنملة بناء على أن


(1) الوسائل الباب - 42 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) الكافي ج 7 ص 337. (3) الفقيه ج 4 ص 86 والتهذيب ج 10 ص 303. (4) كشف اللثام ج 2 ص 326، الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43 وفيه " سبعة وعشرون دينارا ونصف ربع عشرون دينارا " وهو من غلط النسخة راجع المستدرك ج 3 ص 276. (5) الكافي ج 7 ص 341 والتهذيب ج 10 ص 307 والفقيه ج 4 ص 91.

[ 256 ]

لها أيضا ثلاث أنامل ظاهرتين وباطنة هي المتصلة بالكوع، وفيه أن ذلك من جملة الكف لا من جملة الابهام، وإلا لزم اعتبار مثله في سائر الاصابع، فكان لكل منها أربع أنامل ولم يقل به أحد. نعم قد تقدم في كتاب القصاص أنه لو كان للاصبع أربع أنامل ففي كل أنملة ربع دية الاصبع مع تساوي الاربع أو القرب منه وتساوي الاصابع في الطول مع حكم باقي الصور فلاحظ وتأمل كى تعرف الفرق بين الانامل وغيرها في الزيادة والنقيصة وإن كان الغالب في خلقة الانسان ثلاث أنامل لكن على وجه تكون واحدة من الاربع زائدة مع فرض التساوي كما سمعته في الكفين. (وفي الاصبع الزائدة ثلث الاصلية) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام، بل عن ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع، ولعله كذلك بشهادة التتبع له، لخبر غياث (1) بن إبراهيم الذي هو صحيح أو موثق وقد رواه المشايخ الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام " في الاصبع الزائدة إذا قطعت ثلث دية الصحيحة " مضافا إلى اعتضاده بما سمعت، فما عن الاردبيلي من التأمل في الحكم المزبور في غير محله. ولا يعارضه ما في خبر الحكم (2) من " أن الخلقة التي قسمت عليها الدية في عشر أصابع. في اليدين فما زاد أو نقص فلا دية له " بعد ضعف سنده، وإمكان حمله على إرادة الدية المقدرة، أو غير ذلك، وإلا كان مرجوحا بالنسبة إلى ما عرفت كما هو واضحة وكذا الكلام في الانملة المعلوم زيادتها بالخروج عن السمت ونحوه فإن فيها ثلث دية الانملة الاصلية كما صرح به في الارشاد وعن غيره ولعله لفحوى الخبر المزبور (3).


(1) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) يعنى خير عياث.

[ 257 ]

(وفي شلل كل واحدة) منها (ثلثا ديتها) بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع عليه في خصوص اليد إذا شلت والانف إذا شل والرجل وغيرها، مضافا إلى إجماعه وإجماع محكي الغنية، وظاهر المبسوط على أن كل عضو فيه مقدار إذا جنى عليه فصار أشل وجبت فيه ثلثا ديته، بل عن الاول إرسال أخبار الفرقة عليه مضافا إلى الاجماع، كما عن المبسوط والسرائر إنهما ضبطا ضابطا وهو كل ما كان في إتلافه الدية كان في الشلل منه ثلثا الدية. وفي صحيح الفضيل (1) بن يسار " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذراع إذا ضرب فانكسر من الزند فقال: إذا يبست منه (2) الكف فشلت أصابع الكف كلها فإن فيها ثلثي الدية دية اليد، وإن شلت بعض الاصابع وبقى بعض فإن في كل إصبع شلت ثلثي ديتها، وكذا الحكم في الساق والقدم إذا شلت أصابع القدم " بل يرشد إلى ما ذكرناه سابقا من أن في قطع الاشل الثلث، ولا يعارض ذلك ما في حسن (3) زرارة عن الصادق عليه السلام " في الاصبع عشر من الابل إذا قطعت من أصلها أو شلت ". وما في حسن (4) الحلبي عنه أيضا " في الاصبع عشر الدية إذا قطعت من أصلها أو شلت " وما في كتاب ظريف (5) من " إن في شلل اليدين ألف دينار وشلل الرجلين ألف دينار " بعد عدم عامل به وموافقته للشافعي وبعده عن الاعتبار ضرورة التفاوت الواضح بين القطع والشلل واحتمال إرادة شلها أولا ثم قطعها أو قرائتها


(1) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5. (2) في الاصل: " معه ". (3) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 8. (4) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (5) الفقيه ج 4 ص 78 وفيه الجملة الاولى فقط. والتهديب ج 10 ص 297. وفيه هكذا: " شلل اليدين ألف دينار والرجلين ألف دينار " وأيضا ج 10 ص 245 والكافي ج 7 ص 311، والوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول.

[ 258 ]

سلت بالسين المهملة أو غير ذلك. (وفي قطعها بعد الشلل الثلث) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطع الاصحاب، وقال الباقر عليه السلام للحكم (1) بن عيينة " في كل أصبع من أصابع اليدين ألف درهم وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح " كقول الصادق عليه السلام للحسن بن (2) صالح " فيمن قطع يد رجل ثلاث أصابع من يده شلل وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكف له ألف درهم فإنه على الثلث من دية الصحاح " بل من خبر ابن عيينة يستفاد الضابط المزبور المفروغ منه عندهم في كل عضو له مقدر جنى عليه فصار فيه شلل، وحينئذ فلا يختص الشلل باليد كما عساه يتوهم مما في الصحاح " الشلل فساد في اليد " بل في القاموس " اليبس في اليد أو ذهابها ". (وكذا) يجب الثلث (لو كان الشلل خلقة) لاطلاق النص (3) والفتوى ومعقد الاجماع وغيره. (وفي الظفر إذا لم تنبت عشرة دنانير وكذا لو نبت أسود، ولو نبت أبيض كان فيه خمسة دنانير) كما صرح بذلك كله الشيخ وابن حمزة والقاضي والفاضلان والشهيدان والمقداد والكركي وغيرهم ما حكى عن بعضهم، ولذا نسبه غير واحد إلى الشهرة لرواية مسمع (4) بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الظفر إذا قطع ولم ينبت أو خرج أسود فاسدا عشرة دنانير وإن خرج أبيض فخمسة دنانير ".


(1) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول وسقطت منه الجملة الاولى فراجع. (2) الوسائل الباب - 28 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) يعنى النصوص المذكورة آنفا. (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 259 ]

(و) لكن (في الرواية ضعف غير أنها مشهورة) عملا كما عرفت بل عن التنقيح " إن عليها عمل الاصحاب " فتنجبر حينئذ بذلك (و) تكون مقيدة لما (في رواية عبد الله بن سنان (1)) الصحيحة عن الصادق عليه السلام أيضا (في الظفر خمسة دنانير) ولقول أمير المؤمنين عليه السلام المروي في كتاب ظريف (2) " في كل ظفر من أظفار اليد خمسة دنانير ومن أظفار الرجل عشرة دنانير " خصوصا بعد عدم عامل بالاطلاق المزبور كالتفصيل الذي سمعته في المروي عن كتاب ظريف. فمن الغريب استغرابه لذلك في الروضة، بل الغريب ما استحسنه من المحكي عن ابن إدريس، وهو " إن لم تخرج فعشرة دنانير وإن خرج أسود فثلثا ديته " وإن حكى عن المختلف نفى البأس عنه، بل عن أبي العباس أنه استحسنه أيضا، بل عن الايضاح أنه الاصح، لان خروجه أسود في معنى الشلل، وللاصل واستبعاد مساواة عوده لعدمه، إلا أن ذلك كله كما ترى. بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص الذي هو مستنده في العشر، المتجه مع ذلك العمل بما فيه من الخمسة، وإلا فلا دليل له إلا أن يكون إجماعا وهو في محل المنع، خصوصا على طريقة ثاني الشهيدين في تحصيله، وخصوصا بعد أن كان المحكى عن أبي على " أن في ظفر إبهام اليد عشرة دنانير، وفي كل من الاظفار الباقية خمسة، وفى ظفر إبهام الرجل ثلاثون، وفي كل من الباقية عشرة، كل ذلك إذا لم ينبت أو نبت أسود معيبا وإلا فالنصف من ذلك " وإن كان هو واضح الضعف أيضا إذ لم نجد ما يشهد له فضلا عن مخالفته لما عرفت، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الثاني. (2) الكافي ج 7 ص 337 و 342.

[ 260 ]

(الثاني عشر: الظهر) (وفيه إذا كسر) ولم يصلح (الدية كاملة وكذا لو اصيب فاحدودب) كسر أو لم يكسر (أو صار بحيث لا يقدر على القعود) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عليه الاجماع عن الغنية في الاول، وعن الخلاف في الاخيرين، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام (1) " في الرجل يكسر ظهره فقال: فيه الدية كاملة " وقول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر السكوني (2) " في الصلب الدية " وفي كتاب يونس (3) الذي عرضه على الرضا عليه السلام " والظهر إذا أحدب ألف دينار " وفي كتاب ظريف (4) " فإن أحدب منها الظهر فحينئذ تمت ديته ألف دينار " وخبر بريد (5) العجلي عن أبي جعفر عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل كسر صلبه فلا يستطيع أن يجلس أن فيه الدية ". بل وإلى ما دل على وجوبها فيما كان منه في البدن واحد، بناء على شموله للقطع وغيره الذي منه محل الفرض. ولعله لذا وغيره قال في كشف اللثام " وكذا إن صار بحيث لا يقدر على المشي أصلا أو يقدر عليه راكعا أو بعكاز بيديه، أو بإحداهما أو ذهب بذلك جماعه أو


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) التهديب ج 10 ص 297. (4) اورده كشف اللثام ج 2 ص 326 ومفتاح الكرامة ج 10 ص 434. (5) الوسائل الباب - 14 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 261 ]

ماؤه أو إحباله أو حدث به سلس البول ونحوه (1) " لكن عن التحرير " الحكومة إذا ذهب ماؤه دون جماعه، لانه لم تذهب المنفعة " ولعله الاقوى، بل لا يخفى عليك أن المدار على كل ما انساق من قوله عليه السلام: " في الصلب " " وفيما كان منه في البدن واحد " من الجناية عليه نفسه، والله العالم. (ولو صلح) بعد الكسر أو التحديب بحيث يقدر على المشي أو القعود كما كان يقدر عليهما ولم يبق عليه من أثر الجناية شئ (كان فيه ثلث الدية) كما عن النهاية والسرائر والجامع وغيرها، بل نسبه غير واحد إلى الشهرة، ولكن لم أعرف مستنده بالخصوص، اللهم إلا أن يكون الحمل على اللحية إذا نبتت أو الساعد إذا صلح. ففي كتاب ظريف (2) " إن فيه إذا كسر وجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس " بناء على أن المراد به الساعدان معا كما أن ما عن الوسيلة من أن فيه خمس الدية حمل على المرفق والعضد والرسغ، وفي كتاب ظريف (3) في كل منها إذا كسر فجبر على غير عثم خمس دية اليد، بل فيه أيضا في قصبة الابهام إن كسرت فجبرت كذلك خمس دية الابهام، بل فيه أيضا في الساق والركبة والورك والفخذ، في كل منها إذا كسرت فجبرت كذلك ففيها خمس الدية، إلا أن ذلك كما ترى بعد حرمة القياس عندنا، ولعله لذا كان المحكي عن المبسوط أن فيه الحكومة بناء منه على عدم تقدير له شرعا. (و) لكن فيه أن الموجود (في رواية ظريف (4) التي قد عرفت صحتها في بعض الطرق (إن كسر الصلب فجبر على غير عيب فمأة دينار وإن عثم) إن لم


(1) كشف اللثام ج 2 ص 326. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول نقلا عن التهذيب والفقيه (3) راجع الوسائل الباب - 10 و 11 و 12 و 15 و 16 - من أبواب ديات الاعضاء. (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 262 ]

ينجبر على استواء (فألف دينار)، بل عن المقنعة والغنية والاصباح وموضع من السرائر الفتوى به، بل عن الغنية الاجماع عليه، فالمتجه العمل به، لكن في الارشاد الفتوى بمضمونه متصلا بالحكم بالثلث لو صلح الظهر، ولعله للفرق بين الصلب والظهر، كما عن التحرير إلا أنه خلاف ظاهر الاصحاب، بل صريح بعضهم تفسير الصلب بالظهر كما عن مجمع البحرين وغيره، وفي الصحاح " الصلب من الظهر وكل شئ من الظهر فيه فقار فذلك الصلب " وفي مختصر النهاية " الصلب الظهر " وفي القاموس " عظم متصل من لدن الكاهل إلى العجب "، والله العالم (ولو كسر فشلت الرجلان فدية له) أي كسر الظهر (وثلثا دية ل‍) شلل (الرجلين) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف إجماع الفرقة وأخبارها عليه، مضافا إلى أنهما جنايتان فتجب فيهما ما أوجبه النص لعمومه، نعم عن الشافعي دية للشلل وحكومة لكسر الصلب ولا وجه له، هذا. (وفي الخلاف لو كسر الصلب فذهب مشيه وجماعه فديتان) بإجماع الفرقة وأخبارها لانهما منفعتان يوجب الدية ذهاب كل منهما، وحينئذ فما عساه يظهر من نسبة المصنف له إلى الخلاف من نوع تردد فيه في غير محله مع أني لم أجده لغيره، والله العالم.

[ 263 ]

(الثالث عشر: النخاع) (وفي قطعه الدية كاملة) وإن عاش الانسان، بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لانه عضو واحد في البدن فيعمه الضابط، وفي بعضه الحساب بنسبة المساحة. (الرابع عشر: الثديان) (وفيهما من المرئة ديتها) كاملة، (وفي كل واحدة نصف ديتها) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض، للضابط المزبور، وخصوص قول أمير المؤمنين عليه السلام في صحيح أبي بصير (1) عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل قطع ثدى امرأته، إذا أغرمه لها نصف الدية " (ولو انقطع لبنهما) الذي هو فيهما بالجناية مع بقائهما (ففيه الحكومة) كما صرح به الشيخ في محكي المبسوط والفاضلان وغيرهما، لعدم مقدر له. (وكذا لو كان اللبن فيهما وتعذر نزوله) بسبب الجناية، بل في كشف اللثام مفسرا به عبارة القواعد " وكذا لو لم يكن فيهما لبن لكن تعذر بالجناية نزوله في وقته بأن، قال أهل الخبرة: إن التعذر من الجناية فالحكومة أيضا، ووقته إذا حملت فمضى للحمل أربعون ثم إذا وضعت فسقت اللبأ در اللبن


(1) الوسائل الباب - 46 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 264 ]

لثلاث أو بعد مدة النفاس، وكذا إذا قل لبنها بالجناية فحكومة دون ذلك " (1) ولا بأس به ضرورة اشتراك الجميع في أنها جناية لا مقدر لها فليس إلا الحكومة. (ولو قطعهما مع شئ من جلد الصدر ففيهما ديتها) لما عرفت (وفي الزائد) من الجلد (حكومة فلو أجاف مع ذلك الصدر لزمه دية الثديين والحكومة) للجلد (ودية الجائفة) كما في القواعد وغيرها. (ولو قطع الحلمتين) من الثديين (قال في المبسوط: فيهما الدية) وتبعه الفاضل وابنا حمزة وإدريس في محكي الوسيلة والسرائر للضابط المزبور (و) لكن (فيه إشكال من حيث إن الدية في الثديين والحلمتان بعضهما) وهو مغاير للكل المعلق عليه الحكم الذي يقتضي التوزيع على أجزائه، فلو وجب فيهما الدية لزم مساواة الجزء للكل، والحمل على اليد والرجل والانف والذكر قياس مع الفارق بالنص والاجماع فيها دون الفرض، بل وبإطلاق اليد والرجل على الابعاض كثيرا كما في آية السرقة والوضوء (2) وكذا الانف والذكر بخلافه، فإنه لا يطلق الثدي على الحلمة. اللهم إلا أن يدعى دخول الفرض في الضابط المزبور المخرج له عن القياس، لكن فيه شك أو منع، والاصل البرائة، والاولى الحكومة، هذا كله في حلمتي ثديي المرأة. و (أما حلمتا) ثديى (الرجل ففي المبسوط والخلاف) ومحكي السرائر (فيهما الدية)، بل في الاخيرين أنه مذهبنا، واختاره الفاضل في جملة من كتبه، للضابط المزبور الذي قيل لا يجري فيه الاشكال المذكور، لعدم ثديين له يكونان بعضا منهما (وقال ابن بابويه (3) رحمه الله: " في حلمتي ثديى الرجل ثمن الدية مأة وخمسة وعشرون دينارا) وفيهما معا ربع الدية ".


(1) كشف اللثام ج 2 ص 327. (2) المائدة 5: 38 و 6. (3) الفقيه ج 4 ص 91 في ضمن خبر ظريف لاقول الصدوق نفسه، فراجع.

[ 265 ]

ونحوه عن الوسيلة والجامع، بل (وكذا ذكره الشيخ في التهذيب (1) عن) كتاب (ظريف) الذي قد عرفت صحته في بعض الطرق، (و) حينئذ فالمتجه تخصيص العموم المزبور بل (في إيجاب الدية) كاملة (فيهما بعد) خصوصا مع القول بعدم وجوبها في حلمتي ثديى المرأة لقلة منفعتهما فيه ومدخليتهما في الجمال فيه بخلافها، بل قد يشك في شمول العموم لهما. (و) من الغريب أن (الشيخ) رحمه الله (أضرب عن رواية ظريف) التي عمل بها في غير المقام (وتمسك بالحديث الذي مر في فصل الشفتين) وهو " ما كان في الانسان منه إثنان ففيهما الدية (2) " مع أنه بعد فرض شموله لمثل الفرض مخصص برواية ظريف التي قد عرفت اعتبارها. وأغرب منه ما في الرياض من الميل إلى الحكومة قال: " وفاقا لجماعة للشك في شمول القاعدة لمفروض المسألة، مع عدم دليل معتد به على مقدر لتعارض كتاب ظريف إن قلنا باعتبار سنده مع الاجماع المستظهر من عبارة الشيخ والحلي، ولا مرجح تطمئن إليه، فيرجع إلى الضابط فيما لا مقدر له مضافا إلى أصل البرائة " (3) نعم لو لم يكن رواية ظريف معتبرة السند كما هو مبني من حكى عنهم موافقته كثاني الشهيدين وغيره كان ذلك متجها.


(1) التهذيب ج 10 ص 307. (2) راجع الخلاف ج 2 ص 391 والمبسوط ج 7 ص 148. (3) رياض المسائل ج 2 ص 613.

[ 266 ]

(الخامس عشر: الذكر) (وفي الحشفة فما زاد الدية وإن استوصل) إجماعا بقسميه ونصوصا عامة وخاصة ففي صحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " وفي الذكر إذا قطع من موضع الحشفة الدية " وفي حسن الحلبي (2) عنه أيضا " وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية " وفي الموثقين (3) والصحيح (4) " في الذكر إذا قطع الدية كاملة " وفيما عرضه يونس (5) على الرضا عليه السلام من قوله: " والذكر إذا استوصل ألف دينار " إلى غير ذلك من النصوص. وحينئذ فالقضيب كالكف والحشفة كالاصبع لا يتفاوت الحال في وجوب كمال الدية بقطع الحشفة خاصة أو مع القضيب أو بعضه من غير وجوب دية اخرى أو حكومة لما زاد عليها، وفي كشف اللثام " كما قطع بذلك الاكثر (6) " قلت: لم أجد فيه خلافا بل ولا إشكالا للنصوص السابقة. (سواء كان لشاب أو شيخ أو صبي لم يبلغ أو من سلت خصيتاه) على وجه لا يؤدى إلى شلل في ذكره، لاطلاق النصوص والفتاوى ومعقد الاجماع، بل في


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 7 و 10. (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 11. (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (6) كشف اللثام ج 2 ص 328.

[ 267 ]

الصحيح (1) عن أبي جعفر عليه السلام " في ذكر الغلام الدية كاملة " وفي القوي (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام " في ذكر الصبي الدية " بل الظاهر الاتفاق عليه بيننا كما اعترف به بعض الافاضل. نعم عن أبي حنيفة الحكومة في ذكر الخصي. وما في بعض النصوص من كون الدية بذكر الرجل، لا يراد منه إخراج الصغير بعدما عرفت، فيمكن أن لا يراد منه القيدية أو تراد لاخراج ذكر الخنثى المشكل أو المعلوم كونها انثى كما أن ما في صحيح (3) بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام " في ذكر الخصي الحر وانثييه ثلث الدية " محمول على من شلل ذكره بالاخصاء. (ولو قطع بعض الحشفة كانت دية المقطوع بنسبة الدية من مساحة الكمرة (4) حسب) لا جميع الذكر خلافا لبعض العامة ضرورة كون المقدر لها، وقد عرفت سابقا اتفاق النص والفتوى على اعتبار المساحة في كل عضو له (5) مقدر له إذا قطع بعضه، وحينئذ فإن كان المقطوع نصفها فنصف الدية أو ثلثها فثلث الدية وهكذا. هذا إذا لم ينخرم مجرى البول وإلا احتمل وجوب الجزء المقسط والحكومة معا لانهما جنايتان لا مقدر لاحدهما، ولانه لو اقتصر الجاني على خرم المجرى خاصة كانت فيه الحكومة، ولو اقتصر على قطع الجزء من الحشفة كان عليه الجزء


(1) الوسائل الباب - 35 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 35 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) التهذيب ج 10 ص 270 والفقيه ج 4 ص 131 والكافي ج 7 ص 318 والوسائل الباب - 31 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 1 وليس في الاخيرين لفظة " الحر " فراجع. (4) الكمرة بالتحريك حشفة الذكر، وربما اطلقت على جملة الذكر مجازا. مجمع البحرين. (5) كذا في الاصل والظاهر زيادة " له ".

[ 268 ]

من الدية، فمع اجتماعهما يجبان معا. ويحتمل وجوب أكثرهما كما سمعته في اللسان والكلام إذا قطع نصفه (1) مثلا فذهب ربع الحروف أو بالعكس كما عن المبسوط، لانه جناية واحدة تضمنت ذهاب العين والمنفعة، ولعل الاول أقوى. (ولو قطع الحشفة وقطع آخر) أو هو (ما بقى كان الاول الدية وعلى الثاني الارش) كما لو قطع الاصابع ثم قطع هو أو غيره الكف إذ المقدر المستفاد من النصوص السابقة إنما هو في قطع الحشفة فما فوق، والفرض تحققه بالقطع الاول، فيبقى الثاني بلا مقدر فتجب فيه الحكومة. (وفي ذكر العنين ثلث الدية) وفاقا للمشهور، بل كافة المتأخرين، بل عن الخلاف (2) الاجماع عليه وإن حكى الخلاف فيه في محكي كتاب القصاص منه (3)، إلحاقا - بعد انسياق النصوص السابقة إلى غيره - بالاشل الذي فيه ثلث الدية. كما عرفته في كل عضو أشل، بل منه يعلم أنه لو جنى عليه حتى صار أشل وجب ثلثا الدية كما تقدم سابقا، بل وكذا لو صار عنينا على ما صرح به في كشف اللثام. والمراد بالاشل هنا الذي يكون منبسطا أبدا فلا ينقبض ولو في


(1) كانت عبارة الاصل مغلوطة فصححناها بمعونة عبارة كشف اللثام ج 2 ص 328 (2) قال في ديات الخلاف: " العين القائمة.. وذكر الاشل كل هذا وما في معناه فيه ثلث دية صحيحه... دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم " ج 2 ص 393. (3) قال في قصاص الخلاف: " في ذكر العنين ثلث دية الذكر الصحيح... دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم " ج 2 ص 367. ولم أجد فيه ما يشعر بالخلاف نعم قال في رياض المسائل: " وفى ذكر العنين ثلث الدية... ومر نقل الاجماع عليه عن الخلاف مع نقل الخلاف فيه في كتاب القصاص في القسم الثاني منه في قصاص الاطراف " ج 2 ص 604 و 588 ولكن ضمير (منه) يرجع الى قصاص رياض المسائل لا قصاص الخلاف فراجع فانه منشأ الاشتباه ظاهرا.

[ 269 ]

الماء البارد، أو يكون منقبضا أبدا فلا ينبسط ولو في الماء الحار، وإن التذ صاحبه وأمنى بالمساحقة وأولد. خلافا للمحكي عن القاضي وأبي علي فأوجبا في ذكر العنين الدية كالصحيح لاطلاق بعض النصوص السابقة، وخصوص قول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر السكوني (1) " في ذكر العنين الدية " إلا أنه بعد إعراض المشهور عنه ومعارضته بالاجماع المحكي الذي يشهد له التتبع، يمكن إرادة ديته منه. (و) على كل حال (فيما قطع منه) أو من الاشل (بحسابه) بالنسبة إلى مجموع الذكر لا الحشفة كما سمعته في الصحيح، للفرق بينهما بأن الحشفة في الصحيح هي الركن الاعظم في لذة الجماع، وورد بخصوصها الدية، بخلافهما لاستواء الجميع في عدم المنفعة وعدم ورود الدية منهما لخصوص الحشفة، مع كونه عضوا ينسب بعضه إلى مجموعه بناء على الاصل السابق، لكن في كشف اللثام بعد أن جزم بذلك في ذكر العنين، قال في الاشل " وهل يعتبر بالنسبة إلى الحشفة أو الجميع وجهان (2) " ولا يخفى ما فيه بناءا على عدم تقدير للحشفة فيه، بل وعليه أيضا، فإن المتجه حينئذ كونه كالصحيح في اعتبار الحشفة، لا مجموع الذكر كما سمعته في الصحيح من دون احتماله آخر، والله العالم. ولو قطع نصف الذكر طولا ولم يحصل في النصف الاخر خلل من شلل ونحوه فنصف الدية، وإلا فإن ذهب بذلك الجماع فالدية كملا لما تعرفه في الجناية على المنافع، وإن حدث شلل في الباقي فخمسة أسداس الدية التي هي نصف الدية لما قطعه وثلثا دية النصف الآخر لانه أشله. وفي ذكر الخنثى إذا علم أنها امرأة أو استمر الاشتباه حكومة كما في غيره من الزوائد، وعن أبي علي ثلث ديتها، ولم نجد له ما يدل عليه كالمحكى عن


(1) الوسائل الباب - 35 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) كشف اللثام ج 2 ص 328

[ 270 ]

المقنع (1) " في ذكر الخنثى وانثييه الدية " (2) لو علم أنها رجل ففي مفروضه ديتان إحداهما للذكر والاخرى للانثيين، وإلا فالحكومة كما هو واضح. (وفي الخصيتين) معا (الدية) إجماعا بقسميه ونصوصا عموما وخصوصا، منها ما في الصحيح (3) " في البيضتين الدية " (و) حينئذ ف‍ (في كل واحدة نصف الدية) وفاقا للمشهور، بل في الرياض كافة المتأخرين، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، لانسياق التوزيع بالسوية التي هي مقتضي الاصل كما عرفته سابقا، ولعموم (4) ما دل على أن كل ما كان منه في الانسان إثنان ففي كل واحد نصف الدية، بل في كتاب ظريف (5) " وفي خصيتي الرجل خمسمأة دينار ". (و) لكن (في رواية) صحيحة (6) عن الصادق عليه السلام واخرى مرفوعة (7) إليه (في اليسرى ثلثا الدية لان الولد) يخلق (منها) قال في الاول: " ما كان في الجسد منه إثنان ففيه الدية (8)، قلت: رجل فقأت عينه، قال: نصف الدية، قلت: قطعت يده، قال: نصفها، قلت: فرجل ذهبت إحدا بيضتيه، قال: إن كانت اليسار ففيها ثلثا الدية، قلت: أليس قلت: ماكان في


(1) المقنع ص 180. (2) كأنه سقطت من العبارة هذه الجملة: " والوجه أنه " راجع كشف اللثام ج 2 ص 328. (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2 و 4. (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (5) الوسائل الباب - 18 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (6) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (7) الوسائل الباب - 18 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (8) كذا في ثلاث نسخ راجعناها ولكن في الوسائل والكافي والتهذيب هكذا: " فقيه نصف الدية مثل اليدين والعينين قلت... ".

[ 271 ]

الجسد منه إتنان ففيه نصف الدية ؟ ! قال: لان الولد من البيضة اليسرى " وقال في الثاني: " الولد يكون من البيضة اليسرى فإذا قطعت ففيها ثلثا الدية وفي اليمنى ثلث الدية ". وعن الصدوق في الهداية والشيخ في الخلاف والقاضي في المهذب وسلار وابني حمزة وسعيد العمل بها، بل هو خيرة الفاضل في محكى المختلف، مستدلا عليه مضافا إلى الخبرين، بما يفهم منهما من تفاوتهما في المنفعة المقتضى للتفاوت في الدية وإلا فهو بمجرده لا تقتضي التفاوت كما في تفاوت اليدين والعينين، وعلى كل حال فهو الاقوى تحكيما للخاص الجامع لشرائط الحجية على العام. (و) ما في المتن من أن (الرواية حسنة لكن تتضمن عدولا عن عموم الروايات المشهورة) يدفعه أنه لا باس بذلك خصوصا بعد تعرض الصحيح للعام المزبور والحكم بتخصيصه، وكذا ما عن السرائر " من أنه لا دليل يعضد هذه الرواية " (1)، ضرورة عدم اشتراط مثل ذلك في الحجية عندنا، على أنك قد عرفت اعتبار التفاوت في المنفعة في النص، ونحوهما ما عن المقنعة (2) قال: " وقد روى أن في اليسرى منهما ثلثي الدية وفي اليمنى ثلث الدية واعتل من قال ذلك بأن اليسرى من الانثيين يكون منها الولد وبفسادها يكون العقم ولم أتحقق ذلك برواية صحت عندي " بل ظاهره أن عدم القول بذلك لعدم عثوره على الصحيح المزبور لا إعراضا عنه، ولعل غيره كذلك. ومنه يظهر حينئذ زيادة قوة القول المذكور. وما عن بعض الاطباء من إنكار انحصار التولد في الخصية اليسرى، بل عن الجاحظ نسبته في حيوة الحيوان (3) إلى العامة لا يلتفت


(1) السرائر باب ديات الاعضاء. (2) المقنعة ص 119 وفيه: " وقد قيل " مكان " وقد روى ". (3) الظاهر زيادة كلمة " حيوة " كما في غاية المراد للشهيد الاول وهو على ما علمناه أول من نقل هذا عن بعض الاطباء والجاحظ ثم قال: ولا عبرة بذلك مع صحة النقل عن المعصومين عليهم السلام.

[ 272 ]

إليه في مقابلة قول الصادق عليه السلام. وكيف كان فما عن الراوندي من التفصيل بين الشيخ الايس من الجماع فالنصف، وبين الشاب فالثلثين جمعا بين النصوص واضح الضعف، بعد عدم الشاهد له. وأضعف منه ما عن أبي علي من أن فيهما الدية وفي اليسرى أيضا الدية، لان الولد منها وفي اليمنى نصفها، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص والفتوى، ولا فرق في الحكم المزبور بين أن يكون الذكر سليمان أو مقطوعا أو أشل لان النقص في عضو آخر، بل وكذا العنين وغيره للعموم، ودعوى أن منشأ التعنن في الانثيين ممنوعة. والله العالم. (وفي أدرة الخصيتين) أي انتفاخهما (أربعمأة دينار) بلا خلاف أجده. وفى كشف اللثام نسبه إلى قطع الاصحاب (فإن فحج) بسبب ذلك وهو معروف في العرف، وفي كشف اللثام " أي تباعد رجلاه عقبا وتدانتا صدرا أو تباعد فخذاه أو وسط ساقيه (فلم يقدر على المشى) أصلا أو ما لا ينتفع به " (1) (فثمانمأة دينار) كما عن الاكثر القطع به (ومستنده كتاب ظريف) قال فيه على ما في التهذيب (2) " وفي خصية الرجل خمسمأة دينار وقال:


(1) كذا في الاصل. وفي كشف اللثام هكذا: " أي تباعد رجلاه عقبا وتدانتا صدرا أو تباعدا فخذاه أو وسط ساقيه فلم يقدر على المشى أو مشى مشيا لا ينتفع به ". وفى مفتاح الكرامة: " والفحج بفتح الفاء فالحاء المهملة فالجيم ما إذا تباعدت رجلا أعقابا مع تقارب صدور قدميه أو تباعد فخذاه عن أواسط ساقيه ". وفى نهاية اللغة: " الفحج تباعد ما بين الفخذين ". وفى مجمع البحرين: " الفحج تباعد ما بين الرجلين في الاعقاب مع تقارب صدور القدمين ". (2) التهذيب ج 10 ص 307 - 308.

[ 273 ]

وإن اصيب رجل فأدر خصيتاه كلتاهما فديته أربعمأة دينار فإن فحج فلم يقدر على المشى إلا مشيا لا ينفعه فديته أربعة أخماس دية النفس ثمانمأة دينار " لكن فيه على ما في الكافي (1) " ودية البجرة إذا كانت فوق العانة عشر دية النفس مأة دينار فإن كانت في العانة فخرقت الصفاق فصارت ادرة في إحدى البيضتين فديتها مأتا دينار خمس الدية " ويمكن حملها على أن دية البجرة مأة فإن تسببت للادرة اضيف إليها اخرى للادرة خاصة فيتم لها مأتان، ولا يعارض ذلك ما عن معاوية (2) " قال: تزوج جار لي امرأة فلما أراد مواقعتها رفسته برجلها ففتقت بيضته فصار أدر فكان بعد ذلك ينكح ولا يولد له، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك وعن رجل أصاب صرة (3) رجل ففتقها، فقال: في كل فتق ثلث الدية " بعد قصور سنده وشذوذه وعدم عامل به فليطرح أو يحمل على إرادة أن في الفتق ثلث الدية فإن استلزم الادرة لزم خمساها. كما لا يناقش في خبر ظريف (4) بضعف سنده كما وقع من بعض، بل هو ظاهر قول المصنف: (غير أن الشهرة تؤيده) ضرورة تسليمه ضعفه إلا أن الشهرة جابرة، لكن قد عرفت أنه مروى بعدة طرق فيها الصحيح وغيره، فلا محيص حينئذ عن العمل به فما عساه يظهر من بعض من الوسوسة في الحكم المزبور والاشكال فيه في غير محله، والله العالم.


(1) الكافي ج 7 ص 342. (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) في الوسائل بالسين وفى الوافى بالضاد المعجمة وقال في مرآت العقول: في بعض النسخ بالصاد المهملة. (4) التهذيب ج 10 ص 307.

[ 274 ]

(السادس عشر: الشفران) (وهما عرفا اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم) كما صرح به غير واحد من الاصحاب، بل هو كذلك أيضا عن مجمع البحرين، بل عن المبسوط أنهما والاسكتان شئ واحد، لكن قال: " وهما عند أهل اللغة عبارة عن شيئين، قال بعضهم: الاسكتان هو اللحم المحيط بشق الفرج والشفران حاشتيا الاسكتين كما أن للعينين جفنين ينطبقان عليهما وشفرهما هي الحاشية التي ينبت فيها أهداب العينين، فالاسكتان كالاجفان والشفران كشفرى العينين " (1) بل عن السرائر وموضع آخر من المبسوط تفسيرهما بذلك، بل في كشف اللثام " الفرق بين الاسكتين والشفرين بما سمعت هو المعروف عند اللغويين " قلت: إلا أن العرف على ما ذكره الاصحاب وعليه المدار بعد أن لم يعلم حدوثه كما حقق في محله. على أن الموجود في النصوص قطع الفرج لا الشفرين، قال الصادق عليه السلام في خبر عبد الرحمن بن سيابة (2) في كتاب علي عليه السلام: " لو أن رجلا قطع فرج امرأة لاغرمنه لها ديتها فان لم تؤد إليها الدية قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك " وفي آخر (3) " رجل قطع فرج امرأة فقال: اغرمه لها نصف ديتها " وهو محمول على قطع أحدهما كما أن الاول محمول على قطعهما معا، وليس فيهما الشفر، ولكن الاصحاب عبروا به لتبادره من الفرج عرفا بالمعنى الذي ذكرناه دونه


(1) المبسوط ج 7 ص 149. (2) الكافي ج 7 ص 313 - الوسائل الباب - 36 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول ولكن أورد صدره فقط. (3) الوسائل الباب - 36 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2.

[ 275 ]

بالمعنى الآخر. وحينئذ فتجب الدية في الاسكتين لا في حرفيهما (1) الذين فيهما من الدية بالحساب إن أمكنت النسبة بالمساحة وإلا فالحكومة كما في كشف اللثام والرياض، وأولى منه الصلح وكذا في غيره. واحتمال (2) ثبوت الدية لهما أيضا باعتبار كونهما عضوين في البدن فيندرجان في العموم السابق واضح الضعف للاصل بعد ظهور العموم في غيره لعدم تميزه عضوا مستقلا بل هو كطرف الشفتين. (و) على كل حال ف‍ (- فيهما) معا (ديتها وفي كل واحدة نصف ديتها) بلا خلاف أجده فيه للقاعدة التي سمعتها غير مرة (وتستوي في الدية) ونصفها (السليمة والرتقاء) والقرناء والصغيرة والكبيرة والبكر والثيب للعموم الذي لا مدخلية في تناوله للامور الداخلة. نعم لو كان بهما استحشاف أو شلل كان فيهما ثلث الدية بناء على إلحاق الاستحشاف بالشلل الذي قد عرفت الضابط فيه. (وفي الركب حكومة) لعدم المقدر له (وهو) في المرأة (مثل موضع العانة من الرجل) الذي فيه الحكومة أيضا لعدم التقدير له سواء قطعه منفردا أو منضما إلى الفرج منه أو منها لعدم الدليل على التبعية نحو تبعية الراحة للاصابع فليس إلا الحكومة كما هو واضح. (وفي إفضاء المرأة ديتها) بلا خلاف معتد به بل ولا إشكال (و) لكن (تسقط) ذلك (في طرف الزوج إن كان بالوطى) لا بالاصبع ونحوه (بعد بلوغها و) أما (لو كان قبل البلوغ ضمن الزوج مع مهرها ديتها والانفاق عليها حتى يموت أحدهما، ولو لم يكن زوجا وكان مكرها فلها المهر والدية وإن كانت) حرة (مطاوعة فلا مهر) لانها بغي (و) لكن (لها الدية) كما تقدم تحقيق ذلك وغيره موضوعا وحكما بما لا مزيد عليه في كتاب النكاح.


(1) في مفتاح الكرامة " جوفيهما ". (2) في الاصل هكذا: " وكذا في غير احتمال.. " فصححناها.

[ 276 ]

والحمد لله فلاحظ وتأمل. (ولو كانت المكرهة بكرا هل يجب لها أرش البكارة زائدا عن المهر فيه تردد والاشبه) عند المصنف والفاضل (وجوبه)، بل عن المبسوط أنه مذهبنا، لاصالة تعدد المسببات بتعدد الاسباب فتفرض حينئذ أمة وتقوم بكرا تارة وثيبا اخرى فيأخذ التفاوت مع مهر المثل ودية الافضاء. ولكن قد يقوى دخوله في المهر الذي اعتبر البكارة فيه، للاصل بعد خلو النصوص الواردة في مقام البيان عنه، بل ظاهر اقتصارها على غيره عدمه، ولقول الصادق عليه السلام لعبدالله بن سنان المتقدم (1) في دية الشعر (إن شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كملا ". أما المطاوعة فظاهر العبارة عدمه لها كالمهر لكنه لا يخلو من نظر بناء على أن الاذن في الجناية من المجني عليه لا يسقط أرشها. هذا كله في الحرة أما الامة فقد قيل إن عليه أرش البكارة مطلقا مطاوعة أو مكرهة، وقدر في الاخبار (2) بنصف عشر قيمتها. قلت: هو مبني على أن مطاوعة الامة لا يسقط حق عوض البضع الذي هو للسيد وإن كانت هي بغيا كما تقدم تحقيق ذلك في محله. (و) كيف كان ف‍ (يلزم ذلك في ماله) أما المهر والارش إن قلنا به فظاهر وأما الدية ف‍ (- لان الجناية إما عمد أو شبيه العمد) بذلك غالبا وكل منهما يقضتى التعلق بالمال، وعن المبسوط (3) " وإنما يكون عمدا محضا إذا كانت صغيرة وبدنه كبير ويعلم أن مثلها لا يطيق ذلك فمتى فعل ذلك فقد أفضاها عمدا محضا فالدية مغلظة حالة في ماله وإن وجبت عن عمد الخطاء فالدية


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث الاول. (2) راجع الوسائل الباب - 5 - من أبواب أحكام العيوب من كتاب التجارة، وقال في مفتاح الكرامة: وقدر في بعض الاخبار بعشر قيمتها ج 10 ص 452. (3) المبسوط ج 7 ص 150 - 151.

[ 277 ]

مغلظة مؤجلة عندنا في ماله وعندهم على العاقلة قال: وعمد الخطأ أن تكون كبيرة قد يفضى مثلها وقد لا يفضى، فإن وجد الافضاء علمنا أنه عامد في فعله مخطئ في قصده فلهذا كان عمد الخطاء قال: وأحال بعضهم أن يتصور في الافضاء خطأ محض " قلت: يتصور في الصغير والمجنون والنائم بل وفيما إذا كان له زوجة قد وطأها ويعلم أن وطيها لا يفضيها فأصاب على فراشه امرأة فأفضاها ويعتقدها زوجته فإنه أيضا خطأ محض، والله العالم. (السابع عشر:) (قال في المبسوط في الاليتين الدية وفي كل واحدة منهما نصف الدية ومن المرأة ديتها وفي كل واحدة منهما نصف ديتها) ووافقه عليه غير واحد ممن تأخر عنه (وهو حسن تعويلا على الرواية (1) التي مرت في فصل الشفتين) التي هي " كلما كان في الانسان منه إثنان ففيها الدية وفي أحدهما نصفها " ضرورة كونهما عضوين متميزين، فيهما الجمال والمنفعة، إذ المراد بهما اللحم الناتي بين الظهر والفخذين، نعم الظاهر كما عن المبسوط والوسيلة والتحرير وغيرها اعتبار الوصول إلى العظم في وجوبها لانهما اسم لمجموع ذلك عرفا، وإلا فبعض الدية بالحساب إن أمكن وإلا فالحكومة كما قيل، أو الصلح الممكن إرادته من الحكومة هنا، فإن لم يمكن الصلح فليس إلا الاقل للاصل، لكن في قواعد الفاضل بعد أن فسرهما بما سمعت قال: " فإذا قطع ما أشرف منهما على البدن فالدية وإن لم يقرع العظم " (2) وظاهره الاكتفاء بقطع المشرف منهما حتى ينتهى إلى مساواة الظهر والفخذ، بل لعل فيما زاد على ذلك الحكومة


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء. (2) مفتاح الكرامة ج 10 ص 455.

[ 278 ]

مع الدية، وهو مبني على خروج الباقي عن مسماها عرفا، وفيه منع إذ الظاهر أنهما عرفا اسم لمجموع هذا اللحم إلى العظم، والله العالم. (الثامن عشر: الرجلان) (وفيهما الدية وفي كل واحدة نصف الدية) إجماعا بقسميه ونصوصا عموما وخصوصا من غير فرق بين اليمنى واليسرى كما سمعته في اليدين (وحدهما مفصل الساق) بلا خلاف أجده فيه، لانه الذي يدل عليه العرف واللغة فإن قطعتا معا من الاصابع فدية كاملة، وفى الرجل الواحدة نصفها والبحث في قطع بعض الساق معها كالبحث في قطع بعض الساعد وكذا الكلام في القطع من مفصل الركبة أو من أصل الفخذين على حسب ما سمعته في اليد. (وفي الاصابع منفردة دية كاملة) بلا خلاف أجده فيه، بل ربما ظهر من بعض نفيه بين المسلمين، بل الاجماع بقسميه عليه بل (و) على أنه (في كل إصبع عشر الدية) نحو ما سمعته في أصابع اليدين نصا (و) فتوى حتى في (الخلاف في الابهام هنا) بالسوية أو بالتفاوت (كما) سمعته مفصلا (في اليدين) إذ الحكم فيهما متحد نصا وفتوى في ذلك كله (و) في أن (دية كل إصبع مقسومة على ثلاث أنامل بالسوية وفي الابهام على إثنين)، بل وفي حكم الرجل الزائدة، إذ هي كاليد الزائدة التي قد عرفت الحال فيها مفصلا. ولكن عن المبسوط والتحرير هنا في الرجلين تفصيلا، وهو " أن إحدى الرجلين إذا كانت أطول من الاخرى ولا يمكنه المشى على القصيرة لمنع الطويلة من وصولها إلى الارض، فإذا قطع قاطع الطويلة فإن لم يقدر على المشى على القصيرة حينئذ فعليه القود أو الدية لظهور أنها أصلية، وإن قدر على المشى على القصيرة فعليه دية الزائدة وهو ثلث الاصلية أو الحكومة على ما اخترناه، لظهور

[ 279 ]

أن القصيرة هي الاصلية وإنما تعذر المشى عليها لطول الزائدة، فإن قطعت القصيرة بعد الطويلة ففيها القود أو دية الاصلية " (1) إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه ضرورة ظهور منع ذلك كله مع أنه ينبغي أن يأتي مثله في اليدين. ثم قال: " ولو جنى على الطويلة فشلت ففيها ثلث الدية لان الظاهر أصالتها ولا يمكن الصبر لينظر هل يمشى على القصيرة أولا فإن قطعها آخر بعد الشلل ففيه ثلث دية الرجل فإن لم يقدر على المشى على القصيرة استقر الحكم وإن قدر ظهر زيادة الطويلة فيسترد من الدية الباقي " (2) وفيه المنع السابق أيضا إذ إمكان المشى عليها لا يقتضي أصالتها التي يرجع فيها إلى مستوى الخلقة، فربما يتمكن من ذلك مع أنها زائدة وربما لا يتمكن مع كونها أصلية كما هو واضح، والله العالم. (وفي الساقين الدية وكذا في الفخذين وفي كل واحدة نصف الدية) نحو ما سمعته في الساعد والعضد بالنسبة إلى قطعهما مستقلين أو منضمين وحينئذ ففي قطع الساق أو الفخذ أو بعضهما مع ما تحته ما تقدم في قطع الذراع أو العضد أو بعضهما وما تحته، من الكلام وعبارة المبسوط المحكية عنه كعبارته هناك قال: " وحد ما يجب فيه نصف الدية أن يقطع مفصل الساق والقدم وهو الذي يقطع من السارق (3) عندهم وإن قطعها من نصف الساق ففيها دية وحكومة وإن قطعها من الركبة فكذلك وإن قطعها من الفخذ فكذلك لانه كل ما قطع معها أكثر كانت


(1 و 2) العبارة مطابقة لما في التحرير ج 2 ص 273 الا أن فيه " الفاضل " مكان " الباقي " ولكن في المبسوط ج 7 ص 145 هكذا: " فان جنى على الطويلة فشلت ففيها الدية في الحال كاملا عندهم وعندنا ثلثاها... " وأيضا بين عبارته وعبارة التحرير اختلافات اخر فراجع. (3) كذا في كشف اللثام ومفتاح الكرامة وبعض نسخ الجواهر ولكن في المبسوط المطبوع حديثا وبعض نسخ الجواهر " الساق " وهو تصحيف ظاهرا.

[ 280 ]

الحكومة أكثر وعندنا في جميع ذلك مقدر كلما قلناه في اليد ذكرناه في الكتاب المتقدم ذكره إلى آخره " (1) وحينئذ فيجرى فيها ما سمعته في اليد، وبالجملة الرجل كاليد وأصابعها، فلاحظ وتأمل. (مسائل) (الاولى:) (في الاضلاع مما خالط القلب لكل ضلع إذا كسرت خمسة وعشرون دينارا، وفيها مما يلي العضدين لكل ضلع إذا كسرت عشرة دنانير) كما صرح به ابنا حمزة وإدريس والفاضل والشهيدان وغيرهم بل لا أجد فيه خلافا. نعم عن ابن إدريس أنه أطلق المقدار الاول في مطلق الضلع ولم يفصل، وفيه على تقدير خلافه أنه لا مستند للحكم المزبور إلا ما في كتاب الظريف (2) الذي قد عرفت اعتباره في بعض طرقه، وهو صريح في التفصيل، قال: " وفي الاضلاع فيما خالط القلب من الاضلاع إذا كسر منها الضلع فديته خمسة وعشرون دينارا، وفي صدعه إثنا عشر دينارا ونصف، ودية نقل عظامه سبعة دنانير ونصف، وموضحته على ربع كسره، ونقبه مثل ذلك، وفي الاضلاع مما يلي العضدين دية كل ضلع عشرة دنانير إذا كسر، ودية صدعه سبعة دنانير، ودية نقل عظامه خمسة دنانير، وموضحة كل ضلع منها ربع دية كسر ديناران ونصف، فإن نقب ضلع منها فديتها ديناران ونصف ".


(1) المبسوط ج 7 ص 143. (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب ديات الصدر والاضلاع الحديث الاول.

[ 281 ]

وفي كشف اللثام (1) " ونحوه عن الرضا عليه السلام ". ثم إن ظاهره كظاهر المتن وغيره، بل هو المحكى عن صريح التحرير، أن الاضلاع قسمان، منها ما يخالط القلب ففيه خمسة وعشرون دينارا ومنها ما لا يخالطه ويلي العضدين وهي الاعالى منها ففيه عشرة، لكن في التنقيح " يريد بالمخالطة الجانب الذي عند القلب وبعدم المخالطة خلاف ذلك فالضلع الواحد إن كسر من الجهة الاولى ففيه أعلى الديتين وإن كسر من الجهة الثانية ففيه أدناهما " (2) وتبعه ثاني الشهيدين، وهو كما تري غير ظاهر الوجه. المسالة (الثانية:) (إذا كسر بعصوصه) وهو على ما في القاموس وكشف اللثام عظم الورك، وقيل: هو العصعص بضم عينيه، وهو عجب الذنب بفتح عينه، أعنى عظمه الذي يجلس عليه، ويقال: إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، وربما قيل: إنه تصحيف ولذا لم يذكره أهل اللغة، ولكن قد سمعت ما في القاموس، وفي كشف اللثام قد ذكره ابن عباد في المحيط بالمعنيين، وعن الرواندي البعصوص عظم رقيق حول الدبر. (و) على كل حال لو كسره كاسر على وجه (لا يملك غائطه كان فيه الدية) كما في القواعد والنافع ومحكى الوسيلة والسرائر والجامع وغيرها (وهي رواية سليمان بن خالد) (3) " سأل الصادق عليه السلام عن رجل كسر بعصوصه فلم يملك إسته فما فيه من الدية ؟ قال: الدية كاملة " الحديث. (و) كذا (من ضرب عجانه) بكسر العين وهو ما بين الخصيتين والفقحة


(1) كشف اللثام ج 2 ص 328، الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 44. (2) التنقيح ص 835 من مخطوط عندنا. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع، الحديث الاول.

[ 282 ]

(فلم يملك بوله ولا غائطه ففيه الدية) كما في الكتب السابقة (وهي رواية إسحاق بن عمار (1)) سمع الصادق عليه السلام يقول: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام بذلك ". وفي المسالك " أن العمل بهما أي الروايتين مشهور وكثير من الاصحاب لم يذكروا في ذلك خلافا " (2) قلت: وهو كذلك كما اعترف به في الرياض، بل صرح به الصيمري وزاد " بل فتاوى الاصحاب مطابقة " وحينئذ فيجبر الخبران المزبوران بذلك، فما عساه يشعر به ما في المتن من النسبة إلى الرواية من التردد فيه في غير محله، والله العالم. المسألة (الثالثة:) (في كسر) كل (عظم من عضو) له مقدر (خمس دية ذلك العضو فإن صلح على غير عيب فأربعة أخماس دية كسره) كما نص عليه الشيخان والديلمي والحلي وأبو المكارم والكيدري والفاضلان وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل هو المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، نعم عن الخلاف (3) " إذا كسرت يده فجبرت فإن انجبرت على الاستقامة كان عليه خمس دية اليد وإن انجبرت على عثم كان عليه دية كسره " مستدلا عليه بالاجماع والاخبار، وربما يوافقه في الجملة ما في كتاب ظريف (4) على ما عن الكافي " إن في كسر كل من المنكب والعضد


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2. (2) المسالك ج 2 ص 504. (3) الخلاف ج 2 ص 388 وفيه هكذا: " وان انجبرت على عثم كان عليه ثلاثة أرباع دية كسره ". (4) الكافي ج 7 ص 334 - 336 وليس فيه قيد " إذا جبرت على غير عثم " للمنكب نعم هو موجود في غير المنكب فراجع.

[ 283 ]

والمرفق والكف إذا جبرت على غير عثم ولا عيب خمس دية اليد، وكذا الساعد إذا كسر قصبتاه جميعا، فإن كسرت إحدى الزندين فخمسون دينارا ". وعن الفقيه والتهذيب والجامع (1) " أن فيه إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية النفس ثلاثمأة دينار وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار فإن كسر إحدى القصبتين من الساعد فديته خمس دية اليد مأة دينار وفي أحدهما أيضا في الكسر لاحد الزندين خمسون دينارا وفي كليهما مأة دينار " انتهى. وفي الكتاب أيضا " إن في كسر قصبة الابهام من اليد أو الرجل قصبتها التي تلي الكف أو القدم خمس دية الابهام إن جبرت من غير عثم ولا عيب وفي كسر المفصل الاعلى منها ستة عشر دينارا وثلثي دينار إن انجبرت كذلك وفي كسر المفصل الاسفل الذي يلي الكف من كل من الاصابع الاربع ستة عشر دينارا وثلثي دينار وهو يزيد على خمس دية الاصبع بدينار وثلث، وفي كسر مثله من أصابع الرجل الاربع ستة عشر دينارا وثلثا، وفي كسر المفصل الاوسط من الاصابع الاربع للكف أحد عشر دينارا وثلثا ومن أصابع الرجل أحد عشر دينارا وثلثي دينار، وفي كسر المفصل الاعلى في كل من أصابعهما خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار، ولم يقيد الكسر في الاصابع بالانجبار على غير عثم وعيب، وفي الكف إذا كسرت فانجبرت على غير عثم ولا عيب أربعين دينارا، وفي كل من الورك والفخذ والركبة والساق والقدم إذا كسر فانجبر على غير عثم ولا عيب خمس دية الرجل ولعل المراد في كل من الوركين والفخذين وكذا البواقي ونص فيه على أن كلا من الفخذ والساق إن عثمت ففيها ثلث دية النفس، وقد ذكر في صدع أكثر هذه الاعضاء أن فيه أربعة أخماس دية كسرها " (2) وفي الوسيلة " إن في


(1) الفقيه ج 4 ص 84 - التهذيب ج 10 ص 300 والجامع لابن سعيد مخطوط ليس عندي. (2) هذه عبارة كشف اللثام ج 2 ص 327 حكاها المصنف بطولها وهى من كتاب ظريف ملخصا، راجع الفقيه ص 84.

[ 284 ]

كل كسر كل من العضد والمنكب والمرفق وقصبة الساعد وأحد الزندين أو الكفين خمس دية اليد، وفي كسر الانملة الاولى من الابهام ثلث دية كسر الكف وفي الثانية نصف دية كسر الكف، وفى كسر المفصل الثاني من الاصابع سوى الابهام أحد عشر دينارا وثلثا، وفي كسر الاول نصفه وفي صدع العضو أربعة أخماس دية الكسر " (1) إلا أنه كما ترى لم نجد ما يدل على تمام ما ذكره. (و) كيف كان المشهور أيضا (في موضحته ربع دية كسره)، بل عن الشيخ في الخلاف الموافقة هنا مدعية عليه الاجماع، كالمحكى عن الغنية، وهما الحجة حينئذ بعد ما في الذي عرضه (2) يونس وابن فضال على أبي الحسن عليه السلام من قوله: " ودية موضحته ربع دية كسره " وبعد ما في كتاب ظريف (3) أيضا في أكثر الاعضاء، (4) بل وفي نقبه أيضا. لكن فيه " أن في كسر الكف أربعين دينارا وفي موضحتها خمسة وعشرين دينارا وفي كسر قصبة إبهام الرجل ستة وستين دينارا وثلثي دينار وفي موضحتها ونقبها خمس ذلك ثمانية دنانير وثلث دينار وان في كسر المفصل الاوسط من الاصابع الاربع للرجل أحد عشر دينارا وثلثي دينار وفي موضحته دينارين وفي المفصل الاعلى منها خمسة دنانير وأربعة أخماس دينار وفى موضحته ونقبه دينارا وثلثا ". وفي خبر إسحاق (5) بن عمار عن الصادق عليه السلام " إن في الاصابع إذا


(1) الوسيلة كتاب الديات ص 3 من فصل في بيان أحكام الشجاج. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج والجراح الحديث 3. (3) راجع كتاب ظريف في الفقيه ج 4 ص 75 - 92. (4) كذا في الاصل وفى كشف اللثام وفى بعض النسخ: " في كسره " مكان " في أكثر الاعضاء ". (5) الكافي ج 7 ص 327 والفقيه ج 4 ص 137 والوسائل الباب - 13 - من أبواب قصاص الطرف الحديث 2 وليست في أحد من هذه الثلاثة كلمة " نصف " نعم هي موجودة في كشف اللثام ج 2 ص 328 فراجع.

[ 285 ]

وضح العظم نصف عشر دية الاصبع " إلا أن ذلك كله قاصر عن معارضة ما سمعته مما يدل على المشهور. (وفي رضه ثلث دية) ذلك (العضو) إن لم يبرأ أو عثم (فان برأ على غير عيب فأربعة أخماس دية رضه) كما نص عليه من عرفت أيضا، بل عن الغنية الاجماع عليه، نعم عن المراسم إطلاق الثلث من غير تفصيل بين البرء من غير عيب وعدمه، وفي نكت المصنف " إن هاتين المسألتين أي الكسر والرض ذكرهما الشيخان وتبعهما المتأخرون ولم يشيروا إلى المستند " (1) وهو كذلك إذا العمدة في هذه المقادير كتاب ظريف والموجود فيه في رض كل من المنكب والمرفق والورك والركبة إذا انجبر على عثم ثلث دية النفس (2) ولعلهم حملوه على رض المنكبين والمرفقين وكذا الباقيان وفيه أيضا " أن في رض الرسغ إذا انجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية اليد مأة وستة وستون دينارا وثلثا دينار وفي الكعب إذا رض فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية الرجل ثلاثمأة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار (3) ". وقال ابن حمزة: " فإن رض أحد خمسة أعضاء المنكب والعضد والمرفق والرسغ والكف (4) وانجبر على عثم ففيه ثلث دية اليد فإن جبر على غير عثم ففيه مأة دينار وقيل: مأة وثلاثون دينارا وثلث " (5) انتهى. (وفي فكه من العضو بحيث يتعطل العضو ثلثا دية العضو فإن صلح على


(1) نكت النهاية كتاب الديات صفحتان قبل آخر الكتاب. (2) الفقيه ج 4 ص 83 و 84 و 88 و 89. (3) الفقيه ج 4 ص 84 و 89. (4) كذا في الوسيلة وكشف اللثام وثلاث نسخ من الجواهر عندنا ولكن في مفتاح الكرامة " الكتف ". (5) الوسيلة كتاب الديات ص 4 من فصل في بيان أحكام الشجاج.

[ 286 ]

غير عيب فأربعة أخماس دية فكه) كما صرح به من عرفت عدا ابن زهرة منهم، ولعل وجه الاول اندراجه في الشلل، ولكن في كتاب ظريف (1) " في فك كل من المنكب والمرفق والورك والركبة ثلاثون دينارا ". وفي كشف اللثام " ونحوه عن الرضا عليه السلام " (2) " وفي فك الكف ثلث دية اليد مأة وستة وستون دينارا وثلثا دينار " قال: " وكذا روى عن الرضا عليه السلام " (3) " وفي فك قصبة الابهام من اليد أو الرجل التي تلى الكف أو القدم عشر دنانير، وفي فك المفصل الاعلى من إبهام الرجل خمسة دنانير، وكذا في فك المفصل الثالث من سائر أصابع اليد أو الرجل، وفي فك المفصل الاوسط والاعلى من سائر أصابع اليد ثلاثين دينارا وثلثا دينار وفي فك الاوسط من أصابع الرجل ثلاثة دنانير، وفي فك الاعلى من سائر أصابع الرجل ديناران وأربعة أخماس دينار " كذا عن الكافي (4). وفي الفقيه والتهذيب والجامع " في فك أوسط سائر أصابع الرجل أيضا ثلاث دنانير وثلثا دينار، وفي أعلى مفاصل سائر أصابع الرجل دينار وأربعة أخماس دينار " (5) وقال ابن حمزة: " فإذا فك كفا وتعطلت ففيها ثلثا دية اليد، فإن صلحت والتأمت ففيها أربعة أخماس دية الفك، وفي فك أنملة الابهام عشرة دنانير، وفي فك المفصل الثاني منها نصف دية فك الكف، وفي فك كل مفصل من غير الابهام ثلاثة دنانير وثلث، وفي فك العضد أو المرفق أو المنكب ثلاثون دينارا، فإن تعطل العضو بالفك ففيه ثلثا دية اليد فإن انجبر والتأم ففيه أربعة


(1) الكافي ج 7 ص 334. 339. (2 و 3) كشف اللثام ج 2 ص 328 الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43 - 44. (4) الكافي ج 7 ص 334 - 339. (5) الفقيه ج 4 ص 86 والتهذيب ج 10 ص 303.

[ 287 ]

أخماس دية الفك " (1). وعلى كل حال فمن ذلك كله يظهر ما في المسالك من " أن مستند المشهور أي في الكسر والايضاح والرض والفك كتاب ظريف، وطريقه ضعيف، ولذا نسبه المصنف إلى الشيخين في النافع مشعرا بنوع تردد فيه " ضرورة أنك قد عرفت إمكان تصحيح بعض طرق الكتاب المزبور، لكنه كما عرفت غير مشتمل على جميع الاحكام المزبورة، فالعمدة الاجماع المزبور معتضدا بالشهرة وغيرها. وأما الاخير فهو مع إمكان إدراج الجزء الاول منه في الشلل يمكن تحصيل الاجماع عليه أيضا إذ لم أجد فيه خلافا ولا حكاه أحد من الناس كما اعترف به بعض الافاضل، مضافا إلى إمكان دعوى الاجماع المركب وإلى إمكان دلالة ما في كتاب ظريف عليه ولو في الجملة ويتم بعدم القول بالفصل، ومع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بمراعات الصلح ونحوه، والله العالم. المسالة (الرابعة:) (قال في المبسوط والخلاف: في الترقوتين) وهي العظمان اللذان بين ثغرة النحر والعانق (الدية وفي كل واحدة منهما مقدر عند أصحابنا ولعله إشارة إلى ما ذكره الجماعة عن ظريف (2) وهو في الترقوة إذا كسرت فجبرت على غير عيب أربعون دينارا) ونحوه عن الرضا عليه السلام على ما في كشف اللثام (3)، بل في غاية المرام للصيمري نسبه إلى الشهرة، بل عن الخلاف الاجماع على التقدير فيهما، وكفى بذلك كله حجة لمثله، فما عساه يظهر من نحو العبارة من التردد فيه في غير محله خصوصا بعد أن عرفت اعتبار بعض طرق الكتاب المزبور نعم ليس في شئ من النص


(1) الوسيلة ص 3 من فصل في بيان أحكام الشجاج. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام ص 43.

[ 288 ]

حكمهما إذا لم يجبرا أو جبرا على عيب فيتجه فيه الحكومة حينئذ للضابط مراعيا لوجوب أكثر الامرين منها ومن المقدار المزبور لكن في الوسيلة وشرح الصيمري وعن المهذب الدية فيها ونصفها في إحداهما للعموم السابق، إلا أن في شموله لمثله نظرا هذا. وفي كتاب ظريف والوسيلة في صدعها أربعة أخماس دية كسرها وفي الاول منهما " فإن اوضحت فديتها خمسة وعشرون دينار وذلك خمسة أجزاء من ثمانية من ديتها إذا انكسرت فإن نقل منها العظام فديتها نصف دية كسرها عشرون دينارا فإن نقبت فديتها ربع دية كسرها عشرة دنانير (1) " ولكن المتجه الحكومة في ذلك بعد إعراض الاصحاب، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (من داس بطن إنسان حتى أحدث) بالبول أو الغائط (ديس بطنه أو يفتدى) من (ذلك بثلث الدية) كما عن الشيخين وابن حمزة (وهى رواية) النوفلي (2) عن (السكوني) عن الصادق عليه السلام " قال: رفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام عن رجل داس بطن رجل حتى أحدث في ثيابه فقضى عليه أن يداس بطنه حتى يحدث أو يغرم ثلث الدية " (وفيها ضعف) مشهور يمنع من العمل به فيما خالف الاصول التي منها عدم القصاص مع التغرير بالنفس، على أنها قضية في واقعة، ولذا قال ابن إدريس فيما حكى عنه: " الذي يقتضيه مذهبنا خلاف هذه الرواية لان فيه تغريرا بالنفس فلا قصاص بذلك بحال " (3) وتبعه جماعة ممن تأخر


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب قصاص الطرف الحديث الاول. (3) السرائر كتاب الديات باب ديات الاعضاء والجوارح ص 6.

[ 289 ]

عنه مختارين الحكومة، بل لعله ظاهر المصنف والفاضل وغيرهما ممن صرح بضعف الرواية وإن لم يصرحوا بالحكومة. لكن فيه يقال بانجبار الرواية بفتوى الاكثر المحكي في الروضة، بل وبالاجماع المحكي عن الخلاف، مضافا إلى دعوى الشيخ الاجماع على قبول رواية السكوني (1) الذي لا ينفك عنه غالبا النوفلي، الذي يشهد له ملاحظة عمل الاصحاب بها في كثير من الابواب، واعتناء المحمدين الثلاثة في كتبهم الاربعة بها، ومن هنا عد حديثه قويا. وكون الخبر قضية في واقعة لا ينافى فهمهم التعدية منه كما في نظائره. نعم ينبغي الاقتصار على البول والغائط الظاهرين من الاحداث في الثياب دون الريح التي ألحقها بعضهم بهما، مع أن المتجه فيه الحكومة، بل قطع بها بعض الافاضل وهو كذلك لما عرفت، والله العالم. المسالة (السادسة:) (من افتض بكرا بإصبعه فخرق مثانتها فلا تملك بولها فعليه ثلث ديتها) لخبر ظريف (2) بن ناصح المعتضد بما في خبر معاوية (3) بن عمار من قوله عليه السلام: " في كل فتق ثلث الدية " (و) لكن (في رواية) هشام بن إبراهيم (4) عن أبي الحسن عليه السلام أن في ذلك (ديتها)، بل عن الفقيه (5) " إن أكثر روايات أصحابنا أن في ذلك الدية كاملة " وإن كنا لم نعثر على غير الرواية المزبورة، اللهم إلا أن يريد ما تسمعه في سلس البول (6) (و) لعله لذا قال المصنف وغيره:


(1) عدة الاصول ج 1 ص 56. (2) الفقيه ج 4 ص 92. (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (5) الفقيه ج 4 ص 92. (6) راجع الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع.

[ 290 ]

ف‍ (هي أولى) مضافا إلى أن استمساك البول منفعة واحدة فتجب في تفويتها الدية كما ستعرفه في نظائره، وإلى عدم القائل بالرواية الاولى كما اعترف به بعضهم، فلا تصلح معارضة للاخيرة المعتضدة بالشهرة الظاهرة والمحكية التي بها يجبر ضعف الرواية. (و) عليه أيضا (مثل مهر نسائها) لخبر أبي عمر الطبيب (1) أيضا عن الصادق عليه السلام، وما مر من خبر عبد الله (2) بن سنان الوارد في الشعر ولعله إليهما أشار في محكي السرائر بقوله: " وفي رواية اخرى مهر نسائها " ولخبر السكوني (3) " أن عليا عليه السلام رفع إليه جاريتان دخلت الحمام فافتضت إحداهما الاخرى بإصبعها فقضى على التي فعلت عقلها " بناء على أن المراد من ذلك مهرها كما عن جماعة، ويحتمل إرادة ديتها، بل عن مجمع البحرين تفسير الخبر المزبور به (4)، وحينئذ يكون معاضدا للرواية المزبورة، ولا يقدح خلوهما عن المهر بعد تكفل غيرهما به وبعد الاتفاق - كما في الرياض - على ثبوته، بل وإلى قاعدة عدم التداخل بعد أن كانا جنايتين، بل قد يحتمل مع ذلك أرش البكارة المقدر في الاخبار بعشر القيمة إن كانت أمة فتفرض الحرة حينئذ أمة وتقوم، بل قيل: إنه يشعر به القوية المتقدمة (5) في إفضاء المرأة، إلا أنك قد عرفت هناك ما يقتضي قوة دخوله في المهر فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 45 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (4) مجمع البحرين مادة عقل. (5) الوسائل الباب - 30 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 291 ]

(المقصد الثاني) (في الجناية على المنافع) (وهي سبعة) (الاول: العقل) (وفيه الدية) كاملة بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد منهم الشيخ وابن زهرة في محكي المبسوط والغنية، مضافا إلى النصوص التي منها خبر إبراهيم (1) عن الصادق عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل ضرب رجلا بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حي بست ديات " بل وإلى ما دل (2) على وجوب الدية في كل ما كان في الانسان منه واحد، بل ظاهر الفتوى ومعقد نفي الخلاف وغيرهما عدم الفرق في ذلك بين الضرب على الرأس وغيره أو غيره مما ليس بجرح أو ضرب كما لو أفزعه حتى ذهب عقله وهو واضح (وفي بعضه الارش في نظر الحاكم إذ لا طريق إلى تقدير النقصان) كي توزع عليه الدية فيرجع إلى الحكومة كما في غيره. (و) لكن (في المبسوط) والوسيلة وقواعد الفاضل (يقدر بالزمان فلو جن يوما وأفاق يوما كان الذاهب نصفه أو جن يوما وأفاق يومين كان الذاهب


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ديات المنافع الحديث 6. (2) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء.

[ 292 ]

ثلثه) وهكذا، بل في مجمع البرهان " لا كلام إن علم نسبة الذاهب إلى الباقي، ولكن العلم به مشكل، ولا سبيل إليه إلا نظر الحاكم ومن عاشره من الحذاق فيمكن امتحانه باليوم (1) والايام وبمعقولية كلامه وضبط أحواله، فإن علم النسبة عمل بها وإلا فالحكومة (2) " قلت (و) لكن (هو) كما ترى مجرد (تخمين) بل يمكن القول بعدم أجزاء للعقل على وجه توزع عليها الدية فليس إلا الحكومة أو الصلح، بل يمكن القطع به فيما إذا لم يزل العقل ولا نقص نقصانا مقدرا ولكن اختل فصار مدهوشا يستوحش مع الانفراد ويفزع من غير شئ يفزع في العادة، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لا قصاص في ذهابه ولا في نقصانه) بلا خلاف أجده فيه (لعدم العلم بمحله) المختلف فيه أنه القلب أو الدماغ أو غيرهما، بل ومع العلم به لما فيه من التغرير ولو بسقي المجنن كما هو واضح (ولو شجه) مثلا أو قطع يده (فذهب عقله لم تتداخل دية الجنايتين) للاصل والخبر المزبور (3). (و) لكن (في رواية) صحيحة (إن كان بضربة واحدة تداخلتا) وهي صحيحة أبي عبيدة الحذاء " سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ وذهب عقله، قال: فإن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة (4) أو لا يعقل ما قال ولا ما قيل له، فإنه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه وبين سنة أقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه


(1) في مجمع البرهان هكذا: " باليوم فان كان نصف يوم عاقلا ونصفه مجنونا فنصف الدية أو بالايام أو بمعقولية كلامه... " (2) مجمع البرهان كتاب الديات المقصد الخامس. (3) يعنى خبر ابراهيم الذى مر آنفا. (4) كذا في الاصل ولكن في الكافي والفقيه والتهذيب " و " بدل " أو ".

[ 293 ]

وبين سنة ولم يرجع إليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله، قال: فما ترى في الشجة شيئا ؟ قال: لا إنما ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلط الجنايتين وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لالزمته جناية ما جنتا كائنة ما كانت إلا أن يكون فيهما الموت فيقاد به ضاربه (1) ولو ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت (2) ". بل عن الشيخ في النهاية وابن سعيد في الجامع العمل بمضمونها، كما عن ابن إدريس إطلاق أن ليس في ذلك سوى الدية، على ما حكاه عنه في كشف اللثام (3) وفي التنقيح (4) حكي عنه الموافقة لما في النهاية، وحكى غيرهما عنه أنه قال بعد الحكم بعدم التداخل: " وقد قلنا من قبل (5) فإن كان أصابه مع ذهاب العقل موضحة أو مامومة أو غيرهما من الجراحات لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة إلا أن يكون ضربه ضربتين أو ثلاثا فجنت كل ضربة جناية كان عليه حينئذ جنايتها، وأوردنا (6)


(1) كذا في اللثام ولكن في مصادر الحديث هكذا: " فيقاد به ضاربه بواحدة وتطرح الاخرى قال: وان ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموث فيقاد به ضاربه قال: فان ضربه عشر... " (2) الكافي ج 7 ص 325 الفقيه ج 4 ص 131 التهذيب ج 10 ص 253 والوسائل الباب - 7 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول كشف اللثام ج 2 ص 330 مفتاح الكرامة ج 10 ص 457. (3) كشف اللثام ج 2 ص 330. (4) التنقيح ص 836 من مخطوط عندنا. (5) في السرائر هكذا: " وقد كنا قلنا من قبل قال شيخنا: فان كان أصابه... " (6) في السرائر: " وأوردناها على ما أورد شيخنا في نهايته ".

[ 294 ]

ما أورده شيخنا في نهايته إلا أن هذا أظهر من ذلك، وشيخنا قد رجع عما أورده في نهايته، وقال بما اخترناه الآن في مسائل خلافه وهو الصحيح، لان تداخل الديات إذا لم يمت المجني عليه يحتاج إلى دليل (1) " وصريحه موافقة المشهور هنا كما أن الشيخ رجع عما في النهاية إلى موافقته أيضا في محكي الخلاف والمبسوط، بل قيل إن الشيخ لم يعمل بالخبر المزبور في مسألة تداخل جناية الطرف في النفس في صورة الافتراق التي حكم هو فيها بعدم التداخل، فكيف يصح استناده إليها هنا ؟ وعلى كل حال فالصحيحة المزبورة قاصرة عن معارضة ما سمعت من وجوه (و) من هنا كان (الاول) مع كونه أشهر بل المشهور (أشبه) باصول المذهب وقواعده، بل عليه عامة المتأخرين، بل عن الخلاف وظاهر المبسوط الاجماع عليه. (و) كيف كان ف‍ (- في رواية لو ضرب على رأسه فذهب عقله انتظر به سنة فإن مات فيها قيد به وإن بقى ولم يرجع عقله ففيه الدية وهي حسنة) بل صحيحة إن كان المراد الرواية المزبورة (2) المتضمنة للحكم المزبور، ويمكن أن يريد رواية أبي حمزة الثمالي (3) " قال لابي جعفر عليه السلام: ما تقول في رجل ضرب رأس رجل بعمود فسطاط فأمه - يعني ذهب عقله - ؟ قال: عليه الدية، قال: فإنه عاش عشرة أيام أو أقل أو أكثر فرجع إليه عقله، أله أن يأخذ الدية ؟ قال: لا، قد مضت الدية بما فيها، قال: فإنه مات بعد شهرين أو ثلاثة، قال أصحابه: نريد أن نقتل الرجل الضارب، قال: إن أرادوا أن يقتلوه (4) ويردوا الدية ما بينهم


(1) السرائر كتاب الديات، باب ديات الشجاج والجراح ص 4. وأيضا راجع باب ديات الاعضاء منه ص 5 فانه تعرض للمسألة في موضعين. (2) يعنى رواية الحذاء. (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2. (4) كذا في الاصل وفى كشف اللثام ولكن في الوسائل والتهذيب " يردوا الدية " بدون الواو.

[ 295 ]

وبين سنة فإذا مضت السنة فليس لهم أن يقتلوه ومضت الدية بما فيها ". وعلى كل حال فقد حكي العمل بها عن الشيخ وابنى إدريس والبراج وسعيد والصهرشتي والطبرسي وغيرهم، بل في نكت الشهيد " ما علمت لها مخالفا "، وكذا في كشف اللثام، قال: " إلا أن الصدوق والمصنف والمحقق اقتصروا على ذكره رواية لان الظاهر أن لاقود إلا مع تحقق الموت بالضربة وتحقق شروط العمد وعدم التقدير بالسنة ونحوها (1) " وفيه أن في ذلك كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به. ومن هنا قال الشهيد: " هذا كلام على النص وفتاوى الاصحاب " والاصح حينئذ العمل بهذه الرواية، لكن في كشف اللثام (2) " والتهجم على الدم مشكل ويمكن تنزيل إطلاقهم وإطلاق الروايتين على تقدير تحقق شروط العمد، نعم يقوى التقدير بالسنة وأنه إن مات فيها تحقق موته بالضربة " وفيه أن التهجم على الدم بدليله، مع أن ذلك يأتي في مقابله، ضرورة أن القود بعد السنة تهجم على الدم إذ مقتضى النص والفتوى عدم القود بعد السنة وإن مات بها وكانت الضربة مما تقتل غالبا أو قصد بها القتل وثبوت القود بها قبل السنة مطلقا، لكن يمكن تقييد الاخير بما لا ينافي شرط القصاص بقرينة كون الضربة بعمود الفسطاط فهي مما تقتل غالبا أو مقصود بها ذلك حينئذ، فمخالفتها للاصول بسقوط القود بعد السنة مع اجتماع شروطه، ولا بأس به بعد النص والفتوى، والاحتياط في الدماء، فتأمل جيدا. (وإن جنى) الجاني (فأذهب العقل ودفع الدية ثم عاد العقل لم يرتجع الدية ل‍) - احتمال (أنه هبة مجددة) وللخبر المزبور (3)، واحتمال - أن المراد بقوله: " أله أن يأخذ الدية " السؤال عن المجني عليه، بمعنى أله أن يأخذ الدية ؟ فأجاب


(1 و 2) كشف اللثام ج 2 ص 331. (3) يعنى رواية أبى حمزة.

[ 296 ]

عليه السلام: لا قد مضت الدية مع ما يتعلق بها من الاحكام أو مع ما فيها الدية من الجناية أي بطلت لظهور أن العقل لم يكن زال - في غاية البعد أو الفساد، ضرورة كونه سؤالا عن ارتجاع الجاني ما أداه من الدية، فقال: لا قد مضت الدية وما يتعلق بها أو ما فيها أو ما في الجناية، أي ثبتت واستقرت فلا تسترد أو أمضت (1) الدية أي أدائها ما في الجناية أي حكم الجناية أدائها فلما أداها فقد مضى حكمها فلا تسترد، وما يرجع إليه هبة مجددة. نعم قد يقال بضعف الخبر المزبور عن ثبوت الحكم على الاطلاق الذي منه لو حكم أهل الخبرة بأنه لم يكن قد ذهب وإنما عرض له شاغل، ومن هنا قال الفاضل في القواعد: " هذا أي لزوم الدية إذا حكم أهل الخبرة بعد زوال العارض وإن حكموا بزواله إلى مدة انتظر ظهور حاله فإن استمر فالدية وإن عاد قبل استيفاء الدية فلا يطالب بالدية بل يطالب بلارش وإن عاد بعده امر بالرد ويحتمل عدم الارتجاع لانه هبة من الله تعالى مجددة ولو مات قبل اليأس من عوده ففي عدم وجوب الدية إشكال " وإن كان لا يخلو بعض كلامه من نظر، والتحقيق ثبوت الدية ما لم يعلم عدم زواله ولو بحكم أهل الخبرة لاطلاق الادلة، والله العالم. ولو أنكر الجاني فوات العقل وادعاه ولي المجني عليه اختبر في حال خلواته وفي حال غفلته، فإن ظهر اختلاف حاله والاختلاف في أقواله وأفعاله ثبت جنونه بغير يمين منه، لان الفرض جنونه ولا يمين من وليه، وإن لم يظهر الاختلاف المزبور فالقول قول الجاني مع اليمين، وكذا لو لم يمكن الاختبار لموت ونحوه، إلا أن يثبت لوث، والله العالم.


(1) في مفتاح الكرامة هكذا: " أومضت الدية أي أدائها مع ما في الجناية أي حكم الجناية إذ حكم الجناية أدائها... "

[ 297 ]

(الثاني: السمع) (وفي) إذهاب‍ (- ه) كملا من الاذنين باختلاف أصنافه حدة وثقلا (الدية إن) علم ذلك ولو بأن (شهد أهل المعرفة باليأس) من عوده بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص عموما وخصوصا منها ما مر في خبر إبراهيم (1) بن عمرو (و) منها ما في (2) الذي عرضه يونس على الرضا عليه السلام (في ذهاب السمع كله ألف دينار " نعم (إن أملوا) أي أهل الخبرة (العود بعد مدة معينة توقعنا انقضائها فإن لم يعد) فيها (فقد استقرت الدية) بل لعله كذلك أيضا لو قال أهل الخبرة يرجى عوده لا إلى مدة معلومة، ضرورة اقتضاء اعتبار ذلك سقوط الدية - كما سيأتي إن شاء الله في الابصار - ولو رجع في أثناء المدة المعلومة فالارش، بل وكذا لو رجع بعدها لظهور عدم ذهابه وإن أخطأ أهل الخبرة بالتحديد، بل وكذا بعد الاستيفاء. وفي صحيح سليمان بن خالد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في رجل ضرب رجلا في اذنه بعظم فادعى أنه لا يسمع، قال: يترصد ويستغفل وينتظر به سنة، فإن سمع أو شهد عليه رجلان أنه سمع وإلا أحلفه وأعطاه الدية، قال: فإن عثر عليه بعد ذلك أنه يسمع، قال: إن كان الله تعالى رد عليه سمعه لم أرعليه شيئا " لكنه لا يخلو من إجمال. وعلى كل حال فلو مات قبل انتهاء المدة فالاقرب وجوب الدية كما في


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول.

[ 298 ]

القواعد، ويحتمل العدم لعدم تحقق الذهاب الدائم خصوصا بعد إخبار أهل الخبرة بعوده. (ولو أكذب) أي (الجاني) المجني عليه (عند دعوى ذهابه، أو قال: لا أعلم، اعتبرت حاله عند الصوت العظيم والرعد القوي وصيح به بعد استغفاله فإن تحقق) بعد (ما ادعاه) اعطى الدية (وإلا احلف القسامة) للوث (وحكم له) ولعله على ذلك ينزل ما عن المبسوط من إطلاق تحليفه كصحيح سليمان بن خالد، بل وما عن كافي أبي الصلاح من إطلاق أنه من ارتاع للصوت الرفيع من حيث لا يعلم فهو سميع وإلا فهو أصم، والله العالم. (ولو ذهب سمع إحدى الاذنين ففيه نصف الدية) من غير فرق بين كونها أحد من الاخرى أو لا، بل وبين أن يكون له سواها أولا، سواء كانت الذاهبة بآفة من الله تعالى شأنه أو بجناية جان، لاطلاق النص والفتوى، خلافا لابن حمزة فأوجب الدية كاملة إن كانت الاخرى ذهب بسبب من الله تعالى شأنه ولم أجد له دليلا سوى القياس على العين وهو باطل عندنا. (ولو) ادعى (نقص سمع أحدهما قيس إلى الاخرى بأن تسد الناقصة) سدا جيدا (وتطلق الصحيحة ويصاح به) أو يضرب بجرس حيال وجهه ويتباعد عنه (حتى يقول لا أسمع) فيعلم ذلك المكان (ثم يعاد عليه ذلك مرة ثانية) من جهة اخرى يبعد المقايسة بينها وبين الجهة الاولى مسافة بالبصر (فإن تساوت المسافتان صدق ثم تطلق الناقصة وتسد الصحيحة ويعتبر بالصوت) تباعدا عنه (1) (حتى يقول لا أسمع ثم) و (يكرر عليه الاعتبار فإن تساوت المقادير في سماعه فقد صدق وتمسح) حينئذ (مسافة الصحيحة والناقصة ويلزم من الدية بحساب التفاوت) إن نصفا فنصنف الدية وإن ثلثا فثلث (و) هكذا. (في رواية) أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (يعتبر


(1) متباعدا عنه ظ. (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2.

[ 299 ]

بالصوت من جوانبه الاربعة) وهي " في رجل وجئ في اذنه فادعى أن إحدى اذنيه نقص من سمعها شيئا فقال تسد التي ضربت سدا شديدا ويفتح الصحيحة ويضرب بها بالجرس حيال وجهه ويقال له: اسمع فإذا خفى عليه الصوت علم مكانه ثم يضرب له من خلفه ويقال له: اسمع فإذا خفي عليه الصوت علم مكانه ثم يقاس ما بينهما فإن كانا سواء علم أنه صدق، ثم يؤخذ به عن يمينه فيضرب به حتى يخفى عليه الصوت ثم يعلم مكانه، ثم يؤخذ به عن يساره فيضرب به حتى يخفى عنه الصوت ثم يعلم مكانه ثم يقاس فإن كان سواء علم أنه صدق، قال ثم يفتح اذنه المعتلة ويسد الاخرى جيدا ثم يضرب بالجرس من قدامه ثم يعلم حيث يخفى عليه الصوت يصنع به كما صنع به أول مرة باذنه الصحيحة ثم يقاس فضل ما بين الصحيحة والمعتلة (1) بحساب ذلك ". ولا ريب في أن ذلك أشد في الاستظهار لكنه غير لازم بعد فرض علم صدقه من أول مرة، ومن هنا كان فتوى المصنف وغيره بما تسمعه أولى (و) لا ريب في ظهوره كالفتاوى في أنه (يصدق مع التساوي) في الاعتبار (ويكذب مع الاختلاف) ضرورة أنه فائدة ذلك كما هو واضح، ويؤيده أيضا في كتاب ظريف (2) قوله - بعد ذكر المناسبة بين العينين - وإن أصاب سمعه شئ فعلى نحو ذلك يضرب له شئ كي يعلم منتهى سمعه ثم يقاس ذلك " ونحوه فيما عرضه يونس (3) على الرضا عليه السلام، وغيرهما من الاخبار (4) الظاهرة جميعها كالفتاوى في استحقاق ذلك بالاختبار المزبور من غير يمين. لكن في كشف اللثام " ويضم إلى ذلك الاستظهار بالايمان كما في النهاية،


(1) فيعطى الارش بحساب ذلك، كذا في التهذيب، وفى الفقيه هكذا: فيقوم من حساب ذلك. (2) التهذيب ج 10 ص 298. (3) الكافي ج 7 ص 324. (4) راجع الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات المنافع.

[ 300 ]

إذ ربما كانت إحدى الاذنين أضعف من الاخرى قبل هذه الجناية (1) " ولا ريب أنه أحوط مع بذله إياها وإلا ففي إلزامه بها لو امتنع من ذلك نظر، والله العالم. ولو كان يدعى النقصان من الاذنين معا اعتبرناه بالتجربة بأن يوقف بالقريب منه إنسان يصيح على غفلة منه فإن ظهر فيه تغير يعلم به سماعه، أو قال قد سمعت تباعد عنه وصاح على غفلة إلى أن يصل إلى حد لا يظهر عليه تغير، فإن قال مع ذلك لم أسمع حلف القسامة على قدر ما يدعيه من النقص وعلم على الموضع علامة، ثم يزيد في البعد حتى ينتهي إلى آخر موضع من البعد يسمع فيه مثل ذلك من هو سميع لا آفة به في مثل سن المجني عليه، فينظركم بين المسافتين ويقسط الدية على المسافة الثانية فتوجب من الدية بقدر النقصان ويرشد إليه خبر القداح (2) الذي تسمعه إن شاء الله تعالى في دعوى نقصان البصر، وفي الاستظهار بالايمان ما سمعته وتسمعه إن شاء الله في البصر. وكذا الكلام في الاعتبار بالصوت من جوانبه الاربعة الذي قد عرفت أنه أحوط وأولى كما يرشد إليه خبر أبي بصير (3) السابق، فإن تساوت الجوانب الاربع في انتهاء السمع أو الجانبان صدق وإلا كذب نحو ما سمعته في نقص سمع إحدى الاذنين (وفي ذهاب السمع بقطع الاذنين ديتان) بلا خلاف ولا إشكال للاصل، ولو ذهب السمع كله بقطع إحد الاذنين فدية ونصف للاصل المزبور أيضا، ولو حكم أهل المعرفة ببقاء القوة السابقة إلا أنه قد وقع في الطريق ارتتاق حجبها عن السماع، احتمل الدية لمساواة تعطيل المنفعة زوالها في المعنى، بل لشمول الزوال له لغة، واحتمل الحكومة لاصل البرائة وبقاء القوة وإن تعطلت فهو كشلل العضو.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 331. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2.

[ 301 ]

وإذا ذهب سمع الصبي فتعطل نطقه فديتان، بناء على أن التعطيل كالزوال وإلا فالحكومة في النطق. (و) كيف كان ف‍ (- لا يقاس السمع في) يوم هبوب (الريح) ولا في المواضع المختلفة ارتفاعا وانخفاضا لعدم الانضباط حينئذ (بل يتوخى سكون الهواء) والمواضع المعتدلة. ولو اشتبه الامر بعد ذلك كله استظهر بامتحانه مرارا بل عن المفيد واستظهر عليه بالايمان أيضا، والله العالم. (الثالث في ضوء العينين) (وفيه الدية كاملة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص عموما وخصوصا من غير فرق بين أفراده المختلفة شدة وضعفا، حتى الاعشي، بل والذي على عينيه بياض لا يمنعه من الابصار، وإن استشكل به الفاضل للنقص الموجب لنقصان العوض، وفيه أن الفرض عدم النقص به وإلا فلا إشكال في مراعاته بمقداره من الدية إن علم، وإلا فالحكومة. ولو قلع الحدقة فليس عليه إلا دية واحدة كما نص عليه في كشف اللثام من غير نقل خلاف فيه وإن استلزم ذلك إزالة البصر أيضا، لان المنفعة تابعة للعين فيه كما هو ظاهر قولهم عليه السلام (1): " في العينين الدية " مثلا بخلاف قطع الاذنين وإذهاب السمع فإنه ليس من منفعتهما. وبالجملة ظاهر الادلة وجوب الدية الواحدة للعينين بقلع حدقتهما المستلزم لاذهاب البصر، أو بإ ذهاب ضوئهما دون الحدقة، ولا ينافي ذلك ثبوت مقدر لحدقة عين الاعمى كما هو واضح. لكن في مجمع البرهان بعد أن ذكر ما قلناه قال: " ويحتمل الدية والحكومة للحدقة، ويحتمل تعدد الدية لضوء العين والحدقة، وكذا


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4 و 6.

[ 302 ]

الاجفان فتأمل (1) وفيه ما لا يخفى. وكيف كان (فإن ادعى) المجني عليه (ذهابه) بالجناية وأنكره الجاني (وشهد له شاهدان) عدلان (من أهل الخبرة) ثبت القصاص مع العمد إلا أن يصطلحا (أو رجل وامرأتان إن كانت خطاء أو شبيه عمد فقد ثبت المدعى فإن قالا: لا يرجى عوده فقد استقرت الدية)، بل في محكي المبسوط والسرائر (وكذا لو قالا: يرجى عوده لكن لا تقدير له) لانه لو اعتبرناه أدى إلى سقوط الضمان (أو قالا: بعد مدة معينة فانقضت ولم يعد) بلا خلاف ولا إشكال في الاخير، وفي الصحيح (2) أن سليمان بن خالد سأل الصادق عليه السلام " عن العين يدعى صاحبها أنه لا يبصر بها قال: يؤجل سنة ثم يستحلف بعد السنة أنه لا يبصر ثم يعطي الدية قلت: فإن هو أبصر بعد قال هو شئ أعطاه الله إياه ". نعم قد يشكل الاول بعدم تحقق الذهاب الدائم الذي هو المنساق من نصوص إثبات الدية فيه فيستظهر حينئذ مدة أو سنة ثم تدفع إليه الدية تامة أو دية بصر يرجى عوده، إلا أني لم أجد من احتمل ذلك، فتأمل. (وكذا) تستقر الدية (لو مات) أو قلع آخر عينه (قبل) مضى (المدة) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، لان الاصل عدم عوده، فتثبت الدية بموجبها، ولكن قد يحتمل العدم للاصل بعد حكم أهل الخبرة بعوده فلم يتحقق الذهاب الدائم الذي هو مناط ثبوت الدية، فيعطى حينئذ دية بصر حكم أهل الخبرة بعوده. (أما لو عاد فيها ففيه الارش) عوض الجناية الذي أذهبته مدة، واحتمال العدم في مجمع البرهان لامكان كونه عطاء، لا وجه له بعد حكم أهل الخبرة بعوده، نعم لو عاد بعدها قبل الاستيفاء للدية أو بعده فقد سمعت ما في الصحيح (3) السابق.


(1) مجمع البرهان كتاب الديات المقصد الخامس. (2) الفقيه ج 4 ص 134 وفيه قلت فانه ابصر بعد ذلك ؟. (3) يعنى رواية سليمان بن خالد. التى مرت آنفا.

[ 303 ]

لكن قد تقدم الكلام في نحو ذلك، ولو عاد مرجو العود لا إلى مدة استعيد من الدية إن استوفاها الفاضل من الحكومة كما عن التحرير النص عليه. (ولو اختلفا في عوده فالقول قول المجني عليه مع يمينه) واحدة للاصل، نعم إن شهد عدلان أو رجل وامرأتان من أهل الخبرة بالعود أو بعدمه قبل، وكذا لو مات فاختلف وليه الجاني في العود قبل الموت فالقول قول الولي مع يمينه إن لم تكن بينة كما هو واضح. (وإذا ادعى ذهاب بصره وعينه قائمة) وليس من أهل الخبرة من يشهد له (حلف القسامة وقضى له) بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له، وإن نسبه بعض إلى الاشهر مشعرا بوجود خلاف فيه، ويدل عليه ما في كتاب ظريف (1) وما عرضه يونس (2) على الرضا عليه السلام المروي في الصحيح وغيره. ولكن فيهما " أن القسامة على ستة أجزاء فإن ادعى ذهاب البصر كله حلف ستا أو حلف هو وخمسة رجال معه، وإن ادعى ذهاب سدس بصره حلف هو واحدة وإن ادعى ذهاب ثلثه حلف هو يمينين أو هو وآخر معه وهكذا "، وهو خلاف ما سمعته في القسامة للوث الذي منه ما نحن فيه، ضرورة كون الدعوى عقيب الضرب الذي يحصل معه ذلك غالبا، كما قيده به الفاضل في القواعد وغيره، بل في مجمع البرهان " ينبغي أن يكون أيضا بعد عدم القدرة على الاثبات وعدمه بالامتحان والتجربة " (3) ولعله مناف لاطلاق النص (و) الفتوى. نعم (في رواية) الاصبغ (4) بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام الضعيفة سندا أنه (يقابل) بعينه (بالشمس فإن كان كما قال بقيتا مفتوحتين) وإلا اكذب " قال سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن رجل ضرب رجلا عن هامته فادعى


(1 و 2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ديات المنافع الحديث 1. (3) مجمع البرهان كتاب الديات المقصد الخامس. (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات المنافع، الحديث الاول.

[ 304 ]

المضروب أنه لا يبصر شيئا وأنه لا يشم الرائحة وأنه قد ذهب لسانه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن صدق فله ثلاث ديات، فقيل: يا أمير المؤمنين فكيف يعلم أنه صادق ؟ فقال: أما ما ادعاه أنه لا يشم رائحة فإنه يدنى له الحراق فإن كان كما يقول وإلا نحى رأسه ودمعت عينه، وأما ما ادعاه في عينيه فإنه يقابل بعينيه عين الشمس فإن كان كاذبا لم يتمالك حتى يغمض عينيه وإن كان صادقا بقيتا مفتوحتين، وأما ما ادعاه في لسانه فإنه يضرب على لسانه بالابرة فان خرج الدم أحمر فقد كذب وإن خرج أسود فقد صدق " بل عن الشيخ وسلار العمل بها هنا، بل عن الاول منهما دعوى الاجماع عليه، ولكن زاد الاستظهار بالايمان، وذكر أنه لا يمكن إقامة البينة عليه، ونسب الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأة إلى الشافعي، بل عن المختلف نفي البأس عن العمل به إن أفاد الحاكم ظنا، إلا أن ذلك كله لا يكفى جابرا للخبر الضعيف بعد إعراض الاكثر الموهن للاجماع المزبور، كما أنه لا حاصل لما سمعته من المختلف، ضرورة عدم حجية كل ظن حاصل للحاكم كما هو واضح، فلا ريب في أن المتجه ما سمعته من المشهور، نعم لا بأس باعتبار الشق الاول من الخبر المزبور امتحانا مع الايمان لزيادة الاستظهار، والله العالم. ولو زال الضوء وحكم العارفون بعوده إلى مدة معلومة فقلع آخر عينه قبل مضى المدة فإن اتفق المجني عليه والجانيان على أن الضوء لم يكن قد عاد فقد عرفت سابقا أن على الاول الدية للاصل وعلى الثاني دية العين الفاقدة للضوء، وهي ثلث الدية الصحيحة، ويحتمل أن لا يكون على الاول إلا حكومة، ويكون على الثاني دية العين الصحيحة أو الحكومة لحكم العارفين بعود الضوء كما أشرنا إليه سابقا، وإن اتفقوا على عوده فعلى الثاني الدية وعلى الاول حكومة، وإن اختلفوا فادعى الاول عود البصر لان لا يكون عليه إلا الحكومة وأنكر الثاني لان لا يكون عليه إلا ثلث دية الصحيحة فإن صدق المجني عليه الاول

[ 305 ]

حكم عليه في حق الاول فلا يطالبه بأكثر من الحكومة مؤاخذة له بإقراره، ولا يقبل قوله على الثاني لان الاصل عدم عود الضوء، ولانه إقرار في حق الغير، وإن كذبه فالقول قوله مع اليمين، لانه موافق للاصل، ويطالبه إذا حلف بالدية، ويأخذ من الثاني الحكومة، بل قيل سواء صدق الثاني الاول أو كذبه، لانه مع التصديق وإن أقر على نفسه بالدية لكن لا يدعى المجني عليه إلا الحكومة، فلا يجوز أخذ الزائد منه، نعم قد يقال بجوار دفعه للاول لانه مظلوم بزعمه فيأخذه منه مقاصة. (ولو ادعى نقصان إحداهما قيست إلى الاخرى وفعل كما فعل في اسمع، ولو ادعى النقصان فيهما قيستا إلى عيني من هو من أبناء سنة والزم الجاني التفاوت بعد الاستظهار بالايمان) (بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، كما اعترف به بعض ناسبا له إلى صريح الغنية أيضا، للمعتبرة المستفيضة كحسن ابن فضال (1) وصحيح يونس (2) قضى أمير المؤمنين عليه السلامم " إذا اصيب الرجل في إحدى عينيه بأنها تقاس ببيضة تربط على عينه المصابة، وينظر ما منتهى بصر عينه الصحيحة، ثم تغطى عينه الصحيحة وينظر ما منتهى عينه المصابة، فيعطى ديته على حساب ذلك، والقسامة مع ذلك من الستة الاجزاء على قدر ما اصيب من عينه، فإن كان سدس بصره حلف هو وحده واعطى، وإن كان ثلث بصره حلف هو ومعه رجل واحد، وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان، وإن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر، وإن كان خمسة أسداس بصره (3) حلف هو وحلف معه أربعة نفر، وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة نفر. وكذلك القسامة كلها في الجروح، فإن لم يكن للمصاب بصره من حلف معه ضوعف عليه الايمان، إن كان سدس بصره حلف مرة واحدة، وإن كان ثلث


(1 و 2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (3) في الكافي والفقيه والوسائل: " وان كان أربعة اخماس بصره " وفى التهذيب كما اثبتناه.

[ 306 ]

بصره حلف مرتين وإن كان أكثر على هذا الحساب، وإنما القسامة على مبلغ منتهى بصره " الحديث. وصحيح محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل اصيبت إحدى عينيه أن تؤخذ بيضة نعامة فيمشي بها وتوثق عينه الصحيحة حتى لا يبصرها وينتهى بصره، ثم يحسب ما بين منتهى بصر عينه التي اصيبت ومنتهى عينه الصحيحة فيؤدي بحساب ذلك ". وصحيح معاوية (2) بن عمار " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يضرب (3) في اذنه فيذهب بعض بصره، فأى شئ يعطى ؟ قال: يربط إحداهما ثم توضع له بيضة ثم يقال له: انظر، ما دام يدعى أنه يبصر موضعها حتى إذا انتهى إلى موضع إن جازه قال: لا ابصر قربها حتى يبصر ثم يعلم ذلك الموضع ثم يقاس بذلك القياس من خلفه وعن يمينه وعن شماله، فإن جاء سواء وإلا قيل له: كذبت حتى يصدق، قال: قلت: أليس يؤمن ؟ قال لا ولا كرامة ويصنع بالعين الاخرى مثل ذلك، ثم يقاس ذلك على دية العين ". وخبر كثير (4) عن علي عليه السلام " قال اصيبت عين رجل وهي قائمة فأمر علي عليه السلام فربطت عينه الصححية، وأقام رجلا بحذاه بيده بيضة، يقول هل تراها فإذا قال: نعم، تأخر قليلا حتى إذا خفيت عليه علم المكان، قال: وعصبت عينه المصابة فجعل الرجل يتباعد وهو ينظر بعينه الصحيحة إلى البيضة حتى إذا خفيت عليه ثم قيس ما بينهما واعطى الارش على ذلك ".


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (3) كذا في التهذيب ولكن في الكافي والوسائل هكذا: 2 عن الرجل يصاب في عينه فيذهب... " (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2.

[ 307 ]

إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن أن يكون المحصل منها اعتبار الامتحان في أصل دعوى حصول النقصان في العين مثلا، فإن حصل على وجه يعلم صدقه أو كذبه عمل عليه من غير حاجة إلى يمين، وإن حصل ظن من ذلك أو من كون الضربة مما تؤثر ذلك غالبا أو نحو ذلك مما يكون أمارة على صحة الدعوى كان من اللوث الذي فيه القسامة، والظاهر أنها القسامة التي تقدمت في النفس وهي الخمسون يمينا أو نصفها، لاست أيمان كما سمعته في الخبر (1)، ولا يمين واحدة كما احتمل، وأما مقدار النقصان بعد العلم بتحققه، فالظاهر اعتبار الامتحان فيه حتى يصدق وإن اقتضى ذلك تكريره مرة بعد اخرى، فإن ظهور كذبه في المقدار بالامتحان لا يقتضى سقوط دعواه بعد العلم بحصول النقص. نعم لو فرض عدم إمكان ظهوره بالامتحان فهل يثبت ذلك بالقسامة أو يمين واحدة أو يرجع إلى الصلح مع إمكانه وإن اقتصر على المتيقن ؟ لا يبعد الاخير فإن ثبوت حكم اللوث في مثله مع عدم أمارة تشهد بصدقه أو ثبوته بيمينه وإن لم يكن لوث لا دليل عليه، بل قد يشكل إجراء حكم اللوث عليه مع فرض الامارة التي تشهد بصدقه في المقدار، وإن ظهر من بعضهم ذلك حتى أنه جعل الامتحان مع ظهور صدقه فيه مقدمة لثبوت اللوث بأن المنساق من النص والفتوى غير الفرض كما تسمعه في دعوى نقص الشم. وما في بعض النصوص (2) السابقة من اعتبار الايمان الستة فيه لم أجد عاملا به. نعم قد يقال باعتبار يمين واحدة بعد ظهور حاله بالامتحان على ما يوافقه مع فرض احتمال المخالفة، وإلا كما في صورة تكرار الامتحان ومراعاته في الجهات الاربع على وجه ينفي الاحتمال المزبور وإن كان الظاهر عدم اعتبار الجهات الاربع كما عرفته في السمع جمعا بين النصوص، إلا أنه أولى في الاستظهار، كما أن الظاهر عدم اعتبار طريق مخصوص للامتحان وإن تضمنت النصوص بعض


(1) يعنى خبر ابن فضال ويونس الذى مر آنفا. (2) كخبر ابن فضال ويونس.

[ 308 ]

أفراده. ولذا قال في المختلف (1) بعد أن حكى عن المفيد طريقا وعن غيره آخر " ولا طائل تحت هذه المسألة والضابط فعل ما يحصل للحاكم معه صدق المدعى ". وليس الامتحان خاصا بنقص إحدى العينين مثلا، بل يأتي أيضا في نقصهما بمراعات عيني رجل آخر في سنه ومكانه وأحواله كما أشار إليه في خبر القداح (2) عن الصادق عن أبيه عليه السلام " قال: اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل قد ضرب رجلا حتى نقص من بصره فدعا برجل من أسنانه ثم أراهم شيئا فنظر ما انتقص من بصره فأعطاه ما انتقص من بصره " ومن ذلك كله يظهر لك النظر في بعض الكلمات فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- لا تقاس عين في يوم غيم) لعدم ظهور القياس فيه، ولخبر محمد بن (3) الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام (ولا في أرض مختلفة الجهات) حزونة وسهولة وعلوا وهبوطا، ولا في نحو ذلك مما يمنع من معرفة الحال كما هو واضح، ولو ضرب عينه فصار أعشى لا يبصر بالليل، أو أجهر لا يبصر نهارا فالحكومة لانه نقص لا يعرف قدره ولا مقدر له شرعا. (ولو قلع عينا وقال كانت قائمة) لا تبصر (وقال المجني عليه: كانت صحيحة، فالقول قول الجاني مع يمينه) إذا لم يعترف بالصحة زمانا بل أطلق أو ادعى أنها خلقة كذلك، لاصالة البرائة، بعد عدم تعذر إقامة البينة على المدعى الذى لا يخفى مثله على المعاشرين له من الجيران وغيرهم، بل ربما احتمل أن القول قوله أيضا لو اعترف بأنها خلقت صحيحة وادعى الذهاب وإن كان فيه أن الاصل مع المجني عليه، ولذا كان المحكى عن المبسوط (و) التحرير أن


(1) المختلف الجزء السابع ص 250. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات المنافع، الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2.

[ 309 ]

القول قوله بل (ربما خطر) بالبال (أن القول قول المجني عليه مع يمينه) في الاول أيضا (لان الاصل الصحة) والسلامة (و) لكن في المتن (هو ضعيف لان أصل الصحة معارض لاصل البرائة واستحقاق الدية أو القصاص منوط بتيقن السبب ولا يقين هنا، لان الاصل ظن لا قطع) وفيه أن أصل الصحة مع فرض حجيته لا يعارضه أصل البرائة بعد كونه كالوارد عليه، والظن الشرعي كاليقين بالحكم، والله العالم. (الرابع الشم) (وفي) إذهاب‍ (- ه) من المنخرين (الدية كاملة) ومن أحدهما نصفها بلا خلاف أجده فيه، كما عن المبسوط والخلاف والغنية الاعتراف به، وفي الرياض " وهو الحجة مضافا إلى ما مر في المسائل السابقة من القاعدة " (1) وفيه نظر ضرورة كونها في الاعضاء لا في المنافع، نعم يدل عليه مضافا إلى ما سمعته فيما تقدم خبر الاصبغ (2) بن نباته (وإذ ادعى) المجني عليه (ذهابه عقيب الجناية) التي يترتب عليها مثله غالبا (اعتبر بالاشياء الطيبة والمنتنة) من خلفه مثلا وهو غافل (ثم) يعمل عليه إن تحقق حاله بذلك وإلا فال‍ (يستظهر عليه بالقسامة) الخمسين لا الست ولا الواحد، وإن احتمل هنا، (ويقضى له لانه لا طريق إلى البينة) ولانه من اللوث، وربما ظهر من المصنف وغيره اعتبار القسامة مع الامتحان، ولا بأس به مع فرض عدم ظهور حاله به، وإلا فلا وجه له. (وفي رواية) الاصبغ (3) بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام المتقدمة


(1) رياض المسائل ج 2 ص 619. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول.

[ 310 ]

(يحرق له حراق) كخرقة ونحوها، (ويقرب منه فإن دمعت عيناه ونحى أنفه فهو كاذب) وإلا فهو صادق، بل عن الخلاف الاجماع على ذلك، بل أفتى به المصنف في النافع هنا، وإن طرحها في المسألة السابقة، ولا بأس بها مع فرض تحقق حاله بذلك، بل لا يحتاج حينئذ معه إلى يمين، لكن في القواعد " فيحلف الجاني في صورة كذبه " بل في كشف اللثام " ولا بد من الايمان مع ذلك "، بل قد عرفت أنه ظاهر المصنف وغيره، بل في المسالك " الاشهر القسامة " ويمكن حمل الجميع على صورة عدم التحقق، ولكن ينبغي حينئذ ملاحظة حكم اللوث مع فرض تحقق موضوعه في المدعى والمنكر كما هو واضح. (لو ادعى نقص الشم قيل) كما المبسوط: (يحلف إذ لا طريق إلى البينة) والامتحان " ويوجب له الحاكم بما يؤدى إليه اجتهاده) لعدم التقدير له شرعا، وتبعه عليه الفاضل، بل ظاهره كما هو صريح شارحه الاصبهاني أنه من اللوث، فيعتبر فيه حينئذ الايمان، ولكنه لا يخلو من نظر أشرنا إليه سابقا، ولذا نسبه المصنف إلى القيل، إذ الاصل برائة الذمة، وحلف المدعى مخالف للاصل المقتصر فيه على المتيقن، وهو غير الفرض، ولكن في كشف اللثام " حلف الجاني هنا أشكل إذ لا طريق إلى العلم بالحال فيتعين تقديم قول المجني عليه " وفيه أن ذلك لا يقتضى شغل ذمة الجاني إذ أقصاه انحصار طريق قبوله بالعلم. ثم إنه قد يناقش في دعوى الحكم بما يؤدى إليه اجتهاده بأن المتجه فيه الاقتصار على المتيقن إذ لم يحصل بينهما صلح، ولعل المراد من الحكم باجتهاده ذلك أو دفع ما يحصل به يقين البرائة كما عساه يتوهم. وقد يقال هنا بالامتحان نحو ما سمعته في البصر والسمع بأن يقرب إليه ذو رائحة ثم يبعد عنه إلى أن يقول لا ادرك رائحته في جهتين أو جهات إلى آخر ما مر، والله العالم.

[ 311 ]

(ولو أخذ دية الشم) لحكم أهل الخبرة باليأس من عوده (ثم عاد لم تعد الدية) لانه حينئذ هبة من الله تعالى شأنه، إلا أن يظهر خطاء أهل الخبرة بالحكم المزبور، وأما لو حكموا بعوده في مدة معينة فعاد فيها فالحكومة، ولو مات قبل انقضائها فالدية على حسب ما سمعته في نظائره، ولعل إطلاق المصنف كالمحكى عن المبسوط اتكالا على ما تقدم. (ولو قطع الانف فذهب الشم فديتان) بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال لان الاصل عدم التداخل بعد أن كانا جنايتين ذاتا ومحلا، والله العالم. (الخامس الذوق:) (ويمكن أن يقال فيه الدية لقولهم (1) عليه السلام: " كل ما في الانسان منه واحد ففيه الدية ") بل جزم به الحلي وابن حمزة ويحيى بن سعيد والفاضل على ما حكى عن بعضهم، لكن قد يشكل بما أسلفناه سابقا من تبادر العضو الواحد منه لا المنفعة، والاصل البرائة، فيتجه حينئذ فيه الحكومة (و) على كل حال ف‍ (يرجع فيه عقيب الجناية) التي يترتب عليها مثله غالبا (إلى دعوى المجني عليه مع الاستظهار بالايمان) كما صرح به الفاضل وغيره، لانه من اللوث فيجرى عليه حكمه، نعم لو لم يكن ثمة لوث لعدم أمارة تقتضيه، ولا أمكن امتحانه بالاشياء المرة جدا كان القول قول الجاني في إنكاره للاصل، (ومع) تحقق (النقصان يقضي الحاكم بما يحسم المنازعة تقريبا) لعدم تقدير له شرعا وعدم إمكان معرفة النسبة فيه، وفي الرجوع إليه في أصل ثبوت النقصان ما عرفته سابقا في الشم، والله العالم. وإذا اصيبت مغرس لحييه فلم يستطع المضغ فالحكومة على الاقوى،


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء.

[ 312 ]

لعدم النقص، لكن في القواعد " عليه الدية على إشكال " ولعله من ذلك ومن كونه منفعة واحدة، فيدخل في العموم كما سمعته في الذوق، وفيه ما عرفت. (السادس:) (لو اصيب) أحد بجناية (فتعذر عليه الا نزال في حال الجماع، كان فيه الدية) كما صرح به الشيخ ويحيى بن سعيد والفاضلان وغيرهم على ما حكى عن الاولين، بل في الرياض نفي الخلاف فيه، للقاعدة التي قد عرفت النظر في شمولها لغير الاعضاء، ولقول الصادق عليه السلام في خبر سماعة (1) " في الظهر إذا كسر حتى لا ينزل صاحبه الماء الدية كاملة " إلا أنه لا يقتضي وجوبها لعدم الانزال وإن لم يكسر ظهره، اللهم إلا أن يكون المراد ذلك بقرينة نفي الخلاف المزبور إن لم يتم إجماعا، وإلا كان حجة مستقلة، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه فيه. وأولى منه بذلك فيمن اصيب فتعذر عليه الاحبال وإن كان ينزل، الذي أوجب الفاضل فيه الدية أيضا للقاعدة التي مر الكلام فيها. ولخبر سليمان (2) بن خالد " سال الصادق عليه السلام عن رجل وقع بجارية فأفضاها وكانت إذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد، قال: الدية كاملة " الذي لا يخفى عليك ما في الاستدلال به، ضرورة كونه غير المفروض، مع أنه في الصحيح " سأل أبو بصير (3) أبا جعفر عليه السلام ما ترى في رجل ضرب امرأة شابة على بطنها فعقر رحمها فأفسد طمثها وذكرت أنها قد ارتفع طمثها عنها لذلك وقد كان طمثها مستقيما، قال: ينظر بها سنة فإن رجع بها طمثها إلى ما كان وإلا استحلفت


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 7. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول.

[ 313 ]

وغرم ضاربها ثلث ديتها لفساد رحمها وانقطاع طمثها " كل ذلك مع أنه في الحبل لا الاحبال، ومن هنا قلنا بأولويته في الاحتياط، خصوصا مع عدم تحقق شهرة فيه. وأما ذهاب قوة الرضاع فقد وافق الفاضل في القواعد على الحكومة فيها لعدم التقدير مع أنها منقعة واحدة كقوة الامناء، اللهم إلا أن يفرق بأن الاخيرة صفة لازمة للفحولة بخلاف الارضاع فانه يطرأ في بعض الاوقات، إلا أنه كما ترى. ولو فرض بطلان الالتذاذ بالطعام أو بالجماع ففي القواعد الدية، بناء على القاعدة المزبورة، بل في كشف اللثام " الالتذاذ بالطعام ملازم للذوق وإبطاله ملازم لابطاله " وفيه أن الفرض إذهاب الالتذاذ خاصة والمتجه الحكومة. ولو جنى على عنقه فتعذر إنزال الطعام لارتتاق منفذه وبقى معه حياة مستقرة فقطع آخر رقبته، ففى القواعد " على الاول كمال الدية " لمثل ما مر وفيه ما عرفت، وقد يستدل له بخبر مسمع (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في القلب إذا أرعد فطار الدية، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: في الصعر الدية، والصعر أن يثنى عنقه فيصير في ناحية " بل منه يستفاد وجوبها في الارعاد المزبور، إلا أنه جابر له (2) في ذلك وفي سابقه، نعم على الثاني القصاص أو الدية، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (2) كذا في الاصل، والصحيح " لا جابر له... ".

[ 314 ]

(السابع:) (قيل) والقائل المشهور على ما في المسالك: (في سلس البول الدية) كاملة للقاعدة التي مضى البحث فيها و (لخبر غياث بن إبراهيم (1)) عن الصادق عن أبيه عليه السلام " إن عليا عليه السلام قضى في رجل ضرب رجلا حتى سلس بوله بالدية كاملة " ونحوه المروي عن قرب الاسناد (2) وهما (و) إن كان (فيهما ضعف) إلا أنه منجبران بما سمعت ومؤيدان بما تقدم من النصوص المشتملة على الدية في كسر (3) البعصوص فلا يملك إسته، وضرب (4) العجان فلا يستمسك بوله وغائطه. (وقيل) والقائل الشيخ وبنو حمزة وسعيد وإدريس على ما حكى (إن دام إلى الليل ففيه الدية وإن كان إلى الزوال فثلثا الدية و) إن كان (إلى ارتفاع النهار فثلث الدية)، وعن بعضهم ثم على هذا الحساب، بل في الرياض الظاهر ثبوت الشهرة القديمة عليه، بل حكى عن الكركي حكايتها عليه، واختاره من المتأخرين المقداد، ومن متأخريهم فاضل الرياض، لخبر الاسحاق المنجبر بما عرفت " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل ضرب رجلا فلم ينقطع بوله قال إن كان البول يمر إلى الليل فعليه الدية وإن كان إلى نصف النهار فعليه ثلثا الدية وإن كان إلى ارتفاع النهار فعليه ثلث الدية " كذا عن الفقيه والمقنع (5)، وعن الكافي والتهذيب (6) " قال سأله رجل وأنا عنده عن رجل ضرب رجلا


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب ديات المنافع الحديث 2. (5) الفقيه ج 4 ص 142 والمقنع ص 188. (6) الكافي ج 7 ص 315 والتهذيب ج 10 ص 251.

[ 315 ]

فقطع بوله فقال: إن كان البول يمر إلى الليل فعليه الدية، لانه قد منعه المعيشة، وإن كان إلى آخر النهار فعليه الدية، وإن كان إلى نصف النهار فعليه ثلثا الدية وإن كان إلى ارتفاع النهار فعليه ثلث الدية ". وكأن قطع البول فيه بمعنى قطع مجراه أو شئ منه حتى لا يستمسك، أو من التقطيع بمعنى التفريق الموجب للسلس ودوام الخروج شيئا فشيئا، والشرطيتان الاولتان يحتملان الاتحاد معنى والتأكيد، والاخلاف بأن يراد بالثانية الاستمرار إلى قريب من الليل لا إليه. مؤيدا بالاصل، لان لزوم الدية على الاطلاق مما ينفيه أصالة البرائة، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن الذي هو الصورة الاولى، وأما الصور الباقية فالاصل عدم لزومها فيها أيضا، وإثبات الثلث والثلثين وإن كان خلاف الاصل حيث يزيدان عن الحكومة، إلا أنه جاء من قبل الاجماع وعدم قائل بها مطلقا فإن كل من نفى كمال الدية على الاطلاق قال بالقول الثاني المفصل على الاطلاق، وعليه فليطرح الخبران (1) المطلقان للدية مع كونهما قضية في واقعة، أو يحملان على الصورة الاولى خاصة التي هي أظهر الافراد، بل لعل الاخيرتين نادرتان. لكن قد يناقش بعدم إجماع محقق خصوصا بعد ما حكي الفاضل في القواعد وغيرها القول بالدية إلى الليل ونصفها إلى الظهر وثلثها إلى الضحوة، وإن كنا لم نعرف قائله كما اعترف به غير واحد، بل لا شهرة محققة غير الخبر المزبور في ذلك خصوصا مع ضعف سنده بصالح بن عقبة الذي قيل فيه إنه غال كذاب لا يلتفت إلى روايته (2)، مضافا إلى ما فيها من الاغتشاش في المتن على رواية التهذيب والكافي (3)


(1) يعنى خبر غياث وقرب الاسناد. (2) مجمع الرجال ج 3 ص 306 نقلا عن ابن الغضائري. ولكن قال في معجم رجال الحديث: هو من رواة كامل الزيارات وتقسير القمى ولا يعارض التضعيف المنسوب الى ابن الغضائري توثيق ابن قولويه وعلى بن ابراهيم، لان نسبة الكتاب الى ابن الغضائري لم تثبت فالرجل من الثقات ج 9 ص 82 - 83. (3) الكافي ج 7 ص 315 والتهذيب ج 10 ص 251.

[ 316 ]

فالمتجه الحكومة فيما لا يندرج في الاطلاق المزبور، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بالصلح ونحوه، والله العالم. ثم من المعلوم إن المراد بالدوام إلى الليل أو الظهر أو الضحوة في كل يوم لا في يوم أو أيام، لان المعهود أن ثبوت الدية وبعضها المقدر إنما هو في ذهاب العضو أو المنفعة رأسا، وإلا فالحكومة، لاصالة البرائة من التقدير. ولو دام إلى الليل فزائدا أو إلى الظهر فزائدا بحيث لا يدوم إلى الظهر ففي التنقيح " احتمل الحكومة، والاولى نسبة ذلك الزائد إلى ما تقدم عليه ووجوب نسبته من دية ذلك " (1) قلت قد عرفت أن المختار دوران الحكم على صدق السلس عندنا إلا ما كان من الافراد النادرة، وأما على القول الآخر فيأتي ما ذكره من احتمال عدم اعتبار الزيادة، والله العالم. وكيف كان فبما ذكرنا ظهر لك الحال في حكم المنافع التي لم يذكروا حكمها كالنوم واللمس والجوع والعطش وغيرها وإن كان المتجه بناء على القاعدة المزبورة ثبوت الدية لو ذهب بالجناية، إلا أنك قد عرفت النظر فيها أو منعها، فتجب الحكومة التي قد عرفت ثبوتها لكل ما لم يثبت له مقدر شرعي، والله العالم. (وفي الصوت الدية كاملة) بلا خلاف أجده فيه كما في كتاب ظريف وفيما عرضه يونس على الرضا عليه السلام وفيهما " أن في الغنن والبحح الدية (2) " بل الظاهر ثبوت ديتين لو أدى ذلك إلى ذهاب نطقة، لانهما منفعتان متباينتان ذاتا ومحلا، فإن الصوت ينشأ من الهواء الخارج من الجوف لا مدخل فيه للسان، ولكل منهما نص على حكمه. لكن في القواعد الاشكال فيه من ذلك، ومن أن معظم منفعة الصوت النطق وإنما يجب في ذهابه الدية لذهاب النطق، إلا أنه كما ترى بعدما عرفت من أن لكل


(1) التنقيح ص 837 من مخطوط عندنا. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول.

[ 317 ]

منهما نصا بخصوصه. وأضعف منه ما عن التحرير " من أن في الصوت الدية فإن أبطل مع حركة اللسان فدية وثلثا دية اللسان إن لحقه حكم الشلل (1) " ضرورة عدم اندراج ذلك في الشلل، بل هو مندرج في ذهاب النطق، فتكون الجناية في الفرض حينئذ كغيرها من الجنايات التي يترتب عليه أثران لكل منهما مقدر، والله العالم. (المقصد الثالث) (في الشجاج والجراح) (والشجاج) بكسر الشين جمع شجة بفتحها، وهي الجرح المختص بالرأس والوجه ويسمى في غيرها جرحا، وهي على المشهور (ثمان: الحارصة والدامية والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة). نعم من الجامع نحو المحكي عن النهاية والغنية والاصباح، أن الحارصة هي الدامية، ولكن ذكر بعدها الباضعة. وعن المقنعة والناصريات والمراسم إبدال المتلاحمة بالباضعة، كما عن الفقيه والتهذيب وأدب الكاتب إبدال الدامية بها، وعن الكافي (2) إبدال الحارصة بها. وعن فقه (3) الثعالبي أنها تسعة والتاسعة الجائفة، مفسرا لها بالتي وصلت إلى جوف الدماغ، والثامنة الدامية، ولم يتعرض للامة ووسط الباضعة بين القاشرة


(1) التحرير ج 2 ص 275. (2) للكليني كما في كشف اللثام لا الحلبي كما قد يتوهم. (3) فقه اللغة للثعالبي.

[ 318 ]

التي هي الحارصة والدامية، وعن نظام الغريب، التسعة أيضا، إلا أنه لم يتعرض للدامغة، وجعل التاسعة الآمة، والباضعة بين الدامية والمتلاحمة. وفي الصحاح أنها عشرة تاسعها الامة وعاشرها الدامغة (1)، وجعل الباضعة بين الحارصة والدامية كالثعالبي، قال: وزاد أبو عبيد الدامعة بالعين المهملة بعد الدامية، وفي القاموس أنه زادها قبلها (2). وعن السامي " أنها ثلاثة عشر، فارقا بين القاشرة والحارصة بأن الاولى هي التي تذهب بالجلد والثانية التي تقطعه، وبعدها الدامية ثم الباضعة ثم المتلاحمة والعاشرة الامة ثم الدامغة (3) وزاد المفرشة وهي الصادعة للعظم غير الهاشمة، والجائفة التي تذهب بالجلد مع اللحم (4)، وعن الكامل (5) أنها سبعة بإسقاط الموضحة وأن الحارصة هي الدامية ثم الباضعة ثم المتلاحمة ثم كما في الكتاب. وعن أبي علي " اولاها الحارصة وثانيها الدامية والثالثة الباضعة والرابعة المتلاحمة والخامسة السمحاق والسادسة الموضحة والسابعة الهاشمة والثامنة المنقلة، ثم قال: والعود من الشجاج وهي التي تعود في العظم ولا تخرقه وفيها عشرون من الابل، والآمة وهي التي تخرق عظم الرأس وتصل إلى الدماغ، وفيها ثلث الدية، وفي الجوف الجائفة، وهي التي تصل إلى جوف الرجل ولا تقتله، وفيها أيضا ثلث الدية ومنه (6) النافذة وهي الجائفة إذا نفذت إلى الجانب الآخر من البدن وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه في الديات: إن فيها أربعمأة وثلاثة وثلاثين دينار


(1) بالمعجمة كما في مختار الصحاح. (2) قال في القاموس: ووهم الجوهرى فقال بعد الدامية. (3) بالمعجمة كما في السامى. (4) راجع السامى في السامى للميداني ص 68 وفيه " الجالفة " مكان " الجائفة " وقال في مصباح المنير: الجالفة الشجة تقشر الجلد ولا تصل الى الجوف. (5) الكامل في الفقه للقاضى ابن براج، راجع مفتاح الكرامة والذريعة. (6) في المختلف " فيه " مكان " منه ".

[ 319 ]

وثلث دينار (1) " وفي المختلف " وزاد ابن الجنيد على المشهور العود التي تعود في العظم ولا تخرقه وجعل ديتها عشرين من الابل ولم يصل إلينا في ذلك حديث يعتمد عليه (2) " قلت: ومن ذلك يظهر لك أنه لا طائل لهم في الاختلاف المزبور، ضرورة أن المعتمد الدليل على اختلاف أحكامها، خصوصا في الالفاظ الاربعة التي هي الحارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة التي اتفق الفقهاء - كما في المسالك - على أنها موضوعة لثلاث معان لا غير. " وهي التي تقشر الجلد وتدخل في اللحم يسيرا وتدخل فيه كثيرا ولكن اختلفوا في أي الالفاظ المترادف فقيل: إن الدامية ترادف الحارصة، فتكون الباضعة غير المتلاحمة، فالباضعة هي التي تبضع اللحم بعد الجلد أي تقطعه، وهي الداخلة في اللحم يسيرا، وهي الدامية على القول الآخر، والمتلاحمة هي الداخلة فيه كثيرا بحيث لا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، وقيل: إن الدامية تغاير الحارصة فتكون الباضعة مرادفة للمتلاحمة، ولا خلاف في مقادير الديات الثلاث، ولا في انحصارها فيها فالنزاع حينئذ في مجرد اللفظ (3) ". ولا يقال: إن تحت كل اسم منها أفراد مختلفة في العمق وغيره، فتناسبه الزيادة في الدية إذ هو كالاجتهاد في مقابلة الدليل على ديتها بأفرادها المختلفة التي يجمعها اسم واحد، والمدار عليه، وإلا فلا فائدة في زيادة الالفاظ، وهي الناشرة (4) والعامغة بالعين المهملة والغين المعجمة والمفرشة والعود، كل ذلك مضافا إلى ذكر مثل الجائفة والنافذة التي لا تخص الرأس الذي هو محل البحث المسمى جرحه بالشجاج، وكيف كان فالكلام في تفاصيل أحكامها.


(1) المختلف الجزء السابع ص 259 ملخصا. (2) المختلف الجزء السابع ص 259. (3) الى هنا من المسالك ج 2 ص 505 ملخصا. (4) كذا في الاصل ولعل الصحيح " القاشرة " بالقاف.

[ 320 ]

فنقول: (أما الحارصة) بإهمال الحروف (فهي التي تقشر الجلد) وتخدشه كما في القواعد والنافع ومحكي المحيط وأدب الكاتب ونظام الغريب (1)، وعن الازهري " أصل الحرص القشر وبه سميت الشجة حارصة وقيل للشره حريص، لانه يقشر بحرصه وجوه الناس بمسألتهم ". وفي كشف اللثام " في أكثر الكتب أنها التي تشق الجلد من قولهم: حرص القصار الثوب إذا شقه، وفي المحكم (2) هي التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا يقال حرص رأسه بفتح الراء يحرصه بكسرها حرصا بإسكانها أي شق وقشر جلده، ويظهر منه كون الشق والقشر بمعنى واحد، وقد عرفت أن الميداني في السامي فرق بينهما وسمي التي تقشر، القاشرة، والتي تشق، الحارصة والثعالبي في فقه اللغة لم يذكر الحارصة وإنما جعل أول الشجاج القاشرة (3) ". الذي يظهر لي أن الحارصة هي التي تقشر الجلد من دون إدماء وإن كان لها أفراد مختلفة (و) لكن (فيها) أجمع (بعير) كما عن المشهور، بل عليه عامة المتأخرين بل لم أجد فيه خلافا، إلا ما يحكى عن الاسكافي، من أن فيها نصف بعير، وهو مع شذوذه لم نعرف له مستندا، فضلا عن كونه صالحا لمعارضة خبر منصور (4) بن حازم عن الصادق عليه السلام - الذي هو إن لم يكن صحيحا


(1) لعيسى بن ابراهيم الربعي اليمنى في اللغة وأفرد فيها ذكر لغات الاشعار واقتصر عليها كما في معجم المطبوعات ج 1 ص 927. (2) كذا في الاصل وفى كشف اللثام، وهو اسم كتاب ظاهرا ويحتمل تصحيفه. (3) كشف اللثام ج 2 ص 334. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 14.

[ 321 ]

فقريب منه، ومع ذلك منجبر بما عرفت - " في الحرصة شبه الخدش بعير ". نعم في كشف اللثام وغيره، مقتضى إطلاقه كالفتاوى عدم الفرق في ذلك بين الذكر والانثى، لكن عن الغنيه والاصباح والجامع، التعبير بأن فيه عشر عشر الدية، قال: وهو يقتضي الفرق بينهما، وفيه أن الظاهر اتحاد الجميع كما تسمع التصريح به في بعض النصوص (1) في المنقلة التي فيها خمسة عشر من الابل، قال: " عشر ونصف عشر " فحينئذ المراد من الدية في كلامهم دية الذكر التي هي الاصل دون الانثى التي هي نصفها، فيرتفع الخلاف حينئذ الموهون بعدم دليل عليه يحكم على الاطلاق المزبور. مضافا إلى عدم مفارقة الانثى للذكر في الجروح ما لم تبلغ الثلث فصاعدا كما عرفت الكلام فيه سابقا وتعرف إن شاء الله، ولعل إطلاق الاصحاب هنا اتكالا على ما ذكروه سابقا ويأتي من القاعدة المزبورة، بل هو صريح خبر العلا بن الفضيل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الموضحة خمس من الابل والسمحاق أربع من الابل والدامية صلح أو قصاص إذا كان عمدا كان دية أو قصاصا وإذا كان خطاء كان الدية والمنقلة خمسة عشر والجائفة ثلث الدية والمأمومة ثلث الدية وجراحة المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية فإذا جاز ذلك فالرجل يضعف على المرأة ضعفين ". بل في كشف اللثام وغيره أيضا أن مقتضاهما أيضا عدم الفرق بين الحر والمملوك خلافا لابن حمزة ففرق بينهما بجعل الارش في المملوك، وفيه أن الظاهر اتفاق الجميع على ما ذكره ابن حمزة وإن أطلقوا هنا لكنه اتكال أيضا على ما ذكروه سابقا من كون الحر أصلا للعبد في كل ماله مقدر والعبد أصلا للحر فيما ليس له مقدر وحينئذ يعتبر المقدر المزبور بالنسبة إلى الدية ويثبت في العبد مثله بالنسبة


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 18. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 16.

[ 322 ]

إلى قيمته التي هي ديته ما لم يتجاوز دية الحر، ومن هنا لم يستبعده في الرياض (1) وستسمع ما في خبر حريز (2) عن الصادق عليه السلام " فيمن شج عبدا موضحة قال: عليه نصف عشر قيمة العبد " وهو صريح في ما ذكرناه. (و) على كل حال ف‍ (- هل هي الدامية قال الشيخ) في محكي النهاية والمبسوط والخلاف وابنا زهرة وحمزة والكيدري والقاضي ويحيى بن سعيد على ما حكى عنهم: (نعم) لقول الصادق عليه السلام في خبر السكوني (3) " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في الدامية بعيرا " وقول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر مسمع (4) مثله، مع ما عرفت من أن في الحارصة بعيرا، وهو وإن لم يدل إلا على التساوي حكما لا الترادف إلا أن ذلك كاف في المطلوب، بل لعله المراد، (و) لكن (الرواية) المزبورة " ضعيفة) ولا جابر لها على وجه تصلح معارضا لما سمعته. (و) من هنا كان (الاكثرون)، بل المشهور كما حكاه جماعة، (على أن الدامية غيرها وهي رواية منصور بن (5) حازم عن الصادق عليه السلام) التي ذكر فيها " إن في الحارصة بعيرا - كما سمعت - وفي الدامية بعيرين " مضافا إلى تغاير مبدأ اشتقاقهما، وإلى ما دل من النصوص (6) المعتبرة على أن في الباضعة ثلاثا من الابل بضميمة أن كل من قال بذلك قال بتغايرهما كما ستعرف. وحينئذ (ففي الدامية إذن بعيران) كما عن المفيد والسيد والديلمي والحلي وغيرهم (وهي التي تدخل (7) في اللحم يسيرا) وفي القواعد " تسمى


(1) رياض المسائل ج 2 ص 619. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 5. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 8. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 6. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 14. (6) راجع الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج. (7) في الشرائع " تأخذ " مكان " تدخل ".

[ 323 ]

بالدامعة باهمال العين لانها تخرج منها نقطة من الدم كما يخرج الدمع " لكن في كشف اللثام " المعروف المغايرة بينهما بسيلان الدم وعدمه، ففي العين (1) " الدامعة سائلة والدامية التي تدمى ولم تدمع بعد " ونحوه في الصحاح عن أبي عبيد، وعليه الاكثر، ومنهم ابن فارس في المجمل، وقال في المقاييس " الاصح أن التي تسيل دما هي الدامية فأما الدامعة فأمرها دون ذلك لانها هي التي كأنها يخرج منها ماء أحمر رقيق "، ويوافقه في اعتبار السيلان في الدامية كلام الكليني وأبي علي والمفيد والسيد في الانتصار والناصريات، وسلار، وكذا كلام الحلبيين، مع أنهما جعلاها أول الاقسام (2) ". قلت: ولكن المنساق المناسب لترتبها على الحارصة أنها التي تخرج الدم مطلقا وإن كان الغالب حصول السيلان ولو في الجملة مع خروجه، إذ هي المرتبة التي تزيد على قشر الجلد بدون إدماء، وحينئذ ففيها بعيران بجميع أفرادها حتى تصل الشجة إلى المرتبة الثالثة التي أشار إليه المصنف بقوله: (وأما المتلاحمة) (وهي التي تدخل (3) في اللحم كثيرا و) لكن (لا تبلغ السمحاقة) وتتلاحم أي تلتئم سريعا، وعن الازهري " أن اللاحمة القاطعة إلا أنها سميت بذلك على ما يؤل إليه وعلى التفأل " وعلى كل حال " ففيها ثلاثا أبعرة) كما في محكي النهاية والخلاف والمبسوط والسرائر والكامل والوسيلة وغيرها، بل لا أجد فيه خلافا، لقول الصادق عليه السلام في خبري المسمع (4) والسكوني (5) " في المتلاحمة


(1) العين في اللغة لخليل بن أحمد الشيعي وهو أول من صنف في اللغة. (2) كشف اللثام ج 2 ص 334. (3) في الشرائع " تأخذ ". (4 و 5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 6 و 8.

[ 324 ]

ثلاثة أبعرة " وهو المراد بما عن الكافي والغنية والاصباح والجامع " إن فيها عشر عشر الدية وخمسه ". (وهل هي غير الباضعة) كما هو ظاهر من جعل الحارصة من الاصحاب الدامية، كالشيخ والقاضي وابنى زهرة وحمزة أو اقتصر على إحداهما كالمفيد والصدوق والحلبي، فإن الجميع يجعلون الباضعة مكان الدامية قبل المتلاحمة ويفرقون بينهما، بقلة النفوذ في اللحم وبكثرته، بل قيل: نحوهم في الفرق الكليني وأكثر كتب أهل اللغة مثل أدب الكاتب نظام الغريب والسامي، بل عن تهذيب الازهري أن أبا عبيد حكاه عن الاصمعي وغيره، بل والصحاح قال: " الباضعة الشجة التى تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمى إلا أنه لا يسيل الدم فإن سال فهي الدامية، والمتلاحمة التي أخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق ثم رتب الاقسام فقال: القاشرة وهي الحارصة ثم الباضعة ثم الدامية ثم المتلاحمة ثم السمحاق ثم الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم الامة ثم الدامغة ". ونحوه عن فقه الثعالبي إلا في عدد الاقسام فقال: " إذا قشرت الشجة جلد البشرة فهي القاشرة فإذا بضعت اللحم ولم تسل الدم فهي الباضعة فإذا بضعت اللحم وسالت الدم فهي الدامية فإذا عملت في اللحم الذي يلي العظم فهي المتلاحمة فإذا بقى بينها وبين العظم جلد رقيق فهي السمحاق فإذا أوضحت العظم فهي الموضحة فإذا كسرت العظم فهي الهاشمة فإذا نقلت منها العظام فهي المنقلة فإذا بلغت ام الرأس حتى يبقى بينها وبين الدماغ جلد رقيق فهي الدامغة فإذا وصلت إلى جوف الدماغ فهي الجائفة " إلى غير ذلك من كلماتهم التي أطنب في كشف اللثام (1) في نقلها. أو هي هي كما هو ظاهر من اكنفى بأحدهما من الاصحاب ومن فسرهما بالتي تبلغ اللحم كما عن المجمل أو التي تأخذ فيه كما عن النهاية الاثيرية.


(1) كشف اللثام ج 2 ص 334 - 335.

[ 325 ]

قولان منشأهما اختلاف النصوص، فإن المراد من كونها هي أو غيرها اتحادها معها في الحكم وعدمه ففي صحيح ابن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الباضعة ثلاث من الابل " وكذا في صحيح الحلبي (2)، وخبر زرارة (3). وفي خبر منصور (4) " في الباضعة وهي دون السمحاق ثلاث من الابل " وفي خبر مسمع (5) بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال -: في الباضعة بعيرين وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة " ونحوه في خبر السكوني (6)، ولعل الجمع بينهما بدعوى أن الباضعة فردين أحدهما يساوي الدامية والآخر يساوي المتلاحمة وربما كان في خبر منصور إشارة إلى ذلك فإنه فسر الباضعة التي توجب الثلاثة بما سمعته. وكيف كان ففي المتن وغيره (فمن قال: الدامية غير الحارصة فالباضعة والمتلاحمة واحدة ومن قال: الدامية والحارصة واحدة فالباضعة غير المتلاحمة) ولكن قد يناقش بإمكان القول بالاول ومغايرة الباضعة للمتلاحمة، بأن يقال: الحارصة التي لا تدمى والدامية التي تدمى من غير دخول في اللحم والباضعة التي مع ذلك تدخل في اللحم قليلا والمتلاحمة التي تدخل في اللحم كثيرا، كما أنه يمكن القول باتحاد الاولين مع اتحاد الباضعة المتلاحمة. نعم الظاهر اتحاد حكم الباضعة مع الدامية في البعيرين إذا كان الدخول في اللحم قليلا جدا، وفوق ذلك إلى أن تكون دون السمحاق تتحد مع المتلاحمة في الثلاثة، كما أشرنا إلى ذلك في الجمع بين النصوص، وهو المهم في المقام دون الاختلاف في اللفظ.


(1 و 2 و 3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 1 و 4 و 11. (4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 14 و 6 و 8.

[ 326 ]

(وأما السمحاق) (فهي التي تبلغ السمحاقة وهي جلدة مغشية للعظم) كما صرح به غير واحد، فما عن الكليني من أنها التي تبلغ العظم مسامحة، لنصه على أن السمحاق جلدة رقيقة على العظم (و) على كل حال ف‍ (- فيها أربعة أبعرة)، للاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض كالنصوص، ففي خبر مسمع بن (1) عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال -: وفي السمحاق أربع من الابل " ونحوه قوى السكوني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام، وخبر أبي بصير (3)، وخبر زرارة (4) وخبر منصور بن (5) حازم وخبر أبي حمزة (6) عنه أيضا إلى غير ذلك من النصوص التي لا يعارضها ما أرسله أبو علي عن أمير المؤمنين عليه السلام (7) من أن " فيها حقه وجذعة وابنة مخاض " كما لا ينافيه ما عن الكافي والغنية والاصباح والجامع من أن فيها خمس عشر الدية، لان المراد به خمس عشر دية الرجل وهي أربعة. نعم عن المقنع (8) " أن فيها خمسمأة درهم " ويمكن أن يكون ذلك قيمة الاربعة، لكن قال: " وإذا كانت في الوجه فالدية على قدر الشين " ونحوه ما عن الكافي (9) من أن " في السمحاقة وهي من دون الموضحة خمسمأة درهم وفيها إذا كانت


(1 و 2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 6 و 8. (3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 10 و 11 و 14 و 18. (7) أورده في المختلف، الجزء السابع ص 259 عن أبى على. وفيه " وابنة لبون " بعد " وابنة مخاض " وكذا أيضا في كشف اللثام ج 2 ص 335 فراجع. (8) المقنع للصدق ص 181. (9) الكافي ج 7 ص 328.

[ 327 ]

في الوجه ضعف الدية على قدر الشين " ولعله للمرسل عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في السمحاق التي هي دون الموضحة خمسمأة درهم وإذا كانت في الوجه ضعف الدية على قدر الشين " ولكن ستعرف إن شاء الله أن حكم الشجاج في الرأس وفي الوجه سواء. (وأما الموضحة) (وهي التي تكشف عن وجه العظم) بلا خلاف أجده في تفسيره (وفيها خمسة أبعرة) بلا خلاف أجده فيه أيضا، كما عن الخلاف والغنية وغيرهما الاعتراف به، والنصوص به مستفيضة كخبر مسمع (2) وخبر أبي بصير (3) وخبر زرارة (4) وخبر معاوية (5) بن وهب وخبر أبى مريم (6) وخبر منصور (7) ابن حازم وخبر العلا (8) بن الفضيل وخبر أبي حمزة (9)، وإليه يرجع ما في كتاب ظريف (10) " في مواضح العظم خمسون دينارا " كما أن ما في خبر حريز (11) عن الصادق عليه السلام " فيمن شج عبدا موضحة قال: عليه نصف عشر قيمة العبد " مؤيد لما ذكرناه سابقا، وأما ما عن الخلاف والغنية والاصباح والكافي والجامع، من أن فيها نصف عشر الدية فهو على ما ذكرناه سابقا.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 9. (2 و 3 و 4 و 5 و 6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 6 و 10 و 11 و 12 و 13. (7 و 8 و 9) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 14 و 16 و 18. (10) الفقيه ج 4 ص 82 وفيه " الرأس " مكان " العظم ". (11) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 5.

[ 328 ]

(فروع) لكن ينبغي أن يعلم أولا إنك قد عرفت في كتاب القصاص عدم اختلاف أرش الجروح بصغره وكبره في الطول والعرض، لصدق الاسم والتعليق عليه في النص والفتوى، بل إنما يختلف باختلافه في النزول إذا خرج به عن الاسم إلى اسم آخر، كما إذا نزلت الحارصة إلى المتلاحمة والمتلاحمة إلى الموضحة، وأما إذا لم يخرج إلى اسم آخر فاختلافه نزولا كاختلافه أيضا طولا وعرضا وحينئذ ف‍ (- لو أوضحه إثنتين ففي كل واحدة خمس من الابل) بلا خلاف ولا إشكال لاصالة تعدد المسبب بتعدد السبب. (ولو وصل الجاني بينهما) ففي المتن والارشاد (صارتا واحدة كما لو أوضحه ابتداء) لصدق الاسم، وأصالة البرائة وبناء فعل الواحد بعضه على بعض، كما لو قطع يديه ورجليه ثم قتله فإن الدية واحدة لاتحاد الجاني (وكذا لو سرتا) أو سرت إحداهما (فذهب ما بينهما) من الحاجز (لان السراية من فعله) فهي من تتمة الجنايتين الاولتين، ولا يستقر حكمهما ما لم تستقرا وإنما استقرتا بعد السراية مع أصل البرائة. ولكن قد يشكل ذلك كله بزيادة الجناية وتعددها وأصل بقاء الشغل بديتي موضحتين والجناية والسراية زيادة مضمونة على ذيها فكيف تقلل الدية، بل الظاهر ثبوت دية مستقلة لها لو كانت موضحة أو غيرها، كما جزم به في الايضاح ومجمع البرهان، وقد استشكل فيه الفاضل في القواعد في الاتحاد في الاولى ولم يستشكل في السراية (و) الحق عدم الفرق بعد أن كانت السراية مضمونة أيضا فهي حينئذ كما (لو وصل بينهما غيره) إذ لا إشكال ولا خلاف في أنه متى كان كذلك (لزم الاول ديتان) بفعله (والواصل ثالثة لان فعله لا يبنى على فعل غيره و)

[ 329 ]

هو واضح، نعم (لو وصلها المجني عليه فعلى الاول ديتان والواصلة هدر) لانه الجاني على نفسه. (و) كيف كان فعلى الاتحاد (لو تخالفا) وتخاصما (فقال الجاني أنا شققت بينهما) أو سرتا أو إحداهما بعد أن اعترف أو ثبت أنه أوضحه موضحتين (وأنكر المجني عليه) فقال أنا أو ثالث وصل بينهما (فالقول قول المجني عليه مع يمينه) كما في القواعد وغيرها ومحكي المبسوط (لان الاصل) بل الظاهر أيضا من حدوثهما (ثبوت الديتين ولم يثبت المسقط) وهو وصل الجاني الاول بالسراية أو جناية ثالثة، بل الاصل عدم السراية أو جناية ثالثة من الجاني، وقد يقال بتقديم قول الجاني لان الاصل البرائة ولا يستقر مقدار الدية إلا باستقرار الجناية، والاصل عدم تخلل جناية جان آخر وعدم استقرارها قبل الاتصال، ولعل التحقيق اختلاف الحكم باختلاف الابراز للدعوى والانكار. (وكذا لو قطع يديه ورجليه ثم مات بعد مدة يمكن فيها الاندمال واختلفا) فادعى الجاني موته بالسراية، فتدخل دية الطرف في النفس، فلا يكون عليه إلا دية واحدة، وأنكر المجني عليه (فالقول قول الولي مع يمينه) لمثل ما عرفت، بل يضعف هذا الاحتمال المزبور لان الاصل عدم السراية وعدم الدخول في النفس إلا أن يفرض إبراز الدعوى على وجه يقتضي ذلك، فإن المدار على ذلك كما أشرنا إليه سابقا. ولو أوضحه موضحات متعددة زادت على عشرين وبينها حواجز، وجب عليه في كل موضحة خمس من الابل، ولو زادت على دية النفس. ولو أوضحه ثم اندمل فجاء آخر أو الجاني الاول فأوضحه في ذلك الموضع، كان عليه دية اخرى، ولو أوضحه موضحة واسعة فاندمل جوانبه وبقي العظم ظاهرا دفع إليه دية موضحة. ولو اندمل الكل والتحم وستر العظم لكن بقى الشين والاثر فكذلك،

[ 330 ]

لعموم النص والفتوى، بل مقتضاه ذلك وإن لم يبق الاثر، وإن كان ظاهر الفاضل في القواعد خلافه، ولعله للحمل على الكسر الذي فرق بين انجباره على عيب ولا عليه، لكن هو كما ترى قياس لا نقول به، أو لعدم صدق الموضحة بعد البرء الذي هو محل استقرار الجناية وهو أيضا مخالف لاطلاق النص والفتوى. ولو أوضحه في رأسه في موضعين فانخرق ما بينهما في الباطن خاصة إما بفعله أو بسرايته وبقى ظاهر البشرة سليما، فالاقرب كما في القواعد لزوم الديتين لبقاء التعدد اسما، فإن الايضاح إنما تحقق بوضوح العظم وظهوره، ويحتمل الاتحاد للاتصال باطنا وتفسير الايضاح بوصول الجرح إلى العظم وقد وصل، بل عن التحرير التردد في ذلك كما عن ظاهر المبسوط لكن الاقوى ما عرفت. ولو وصل بينهما في الظاهر دون الباطن بأن قطع بعض اللحم الظاهر ولم يصل إلى العظم فهما موضحتان وما بينهما متلاحمة أو دامية أو سمحاق، بل لعل الاتحاد هنا غير محتمل. نعم لو ضربه ضربة واحدة فجرحه جراحة واحدة طرفاها موضحتان دون الوسط فالكل موضحة واحدة. (ولو شجه واحدة واختلفت مقاديرها) فأوضح بعضها مثلا دون بعض (اخذ) منه (دية الابلغ) عمقا (لانها لو كانت كلها كذلك لم تزد على ديتها) لصدق الاسم مع ما عرفت من عدم الاختلاف بالصغر (و) الكبر بعد اتحاد الجناية. نعم (لو شجه في عضوين) اختلفت ديتاهما أو اتفقتا كاليدين مثلا (كان لكل عضو دية على انفراده ولو كان بضربة واحدة) فإن اختص الابلغ كالموضحة بأحدهما كان فيه دية وفي الآخر دية ما دون، وإن عمهما الموضحة مثلا كان له دية موضحتين لعضوية (ولو شجه في رأسه وجبهته) شجة واحدة متصلة كذلك (فالاقرب أنها واحدة لانهما عضو واحد) عرفا إذ الرأس يشملهما، والاصل البرائة، وإن استشكل فيه في القواعد ومحكي المبسوط من ذلك ومن

[ 331 ]

تغايرهما عرفا ولانتفاء التكرار في قولهم له رأسه ووجهه، وفيه أن الاصل البرائة ولو مع الشك. (وأما الهاشمة) (فهي التي تهشم العظم) وتكسره وإن لم يكن جرح، ومنه قيل للنبات المنكسر هشيما (وديتها عشر من الابل) عشر الدية، بلا خلاف أجده فيه كما عن الغنية، بل الظاهر الاتفاق عليه كما اعترف به في كشف اللثام، لخبر السكوني (1) المنجبر بذلك " قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في الهاشمة بعشر من الابل " إلا أنه كما ترى مطلق لكن في المتن والقواعد ومحكي المبسوط (أرباعا) أي إن كان خطأ على حسبما توزع عليه الدية الكاملة فيكون في المقام (إن كان خطأ) بنتا مخاض وابنا لبون وثلاث بنات لبون وثلاث حقق (وأثلاثا إن كان شبيه العمد) ثلاث بنات لبون وثلاث حقق وأربع خلف على ما دلت عليه صحيحة ابن سنان (2) في التوزيع، بل عن ظاهر المبسوط الاتفاق عليه، ولا ريب في أنه أحوط وإن لم نقف على نص عليه هنا بالخصوص، ويمكن أن يكون حملوه على النفس. (و) على كل حال ف‍ (- لا قصاص فيها) للتغرير، وعدم إمكان استيفائه كما عرفته سابقا في القصاص، وعرفت الخلاف فيه فلاحظ. (ويتعلق الحكم بالكسر) الذي به يتحقق اسمها (وإن لم يكن جرح) خلافا للعامة فجعلوا فيها الحكومة مع عدمه في وجه، وخمسا من الابل في آخر، وهما معا كما ترى.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 15. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 332 ]

(ولو أوضحه اثنتين وهشمه فيهما واتصل الهشم باطنا قال في المبسوط: وهما هاشمتان) لان الهاشمة تابعة للموضحة وإلا لم تتأخر عنها في مراتب الشجاج فهي المشتملة على الايضاح وانكسار العظم جميعا، ولا يكفي فيها الانكسار والموضحة في الفرض متعددة (و) لكن (فيه تردد) لامكان منع التبعية المزبورة لعدم الدخول في المفهوم لغة ولذا ثبت الحكم في الكسر وإن لم يكن جرح فهي حينئذ هاشمة متحدة باعتبار إيصالها وإن تعددت الموضحة. (واما المنقلة) (فهي) بصيغة اسم الفاعل مع تشديد القاف فهي كما في النهاية والقواعد والنافع والنزهة ومحكي الجامع (التي تحوج إلى نقل العظم) من موضعه إلى غيره باعتبار حصول الهشم فيه، وحينئذ فيرجع إليه ما في المقنعة والمراسم والناصريات من أنها " التي تكسر العظم كسرا يفسده فيحتاج معه الانسان إلى نقله من مكانه " بل وما في الوسيلة " ما تكسر العظم وتحوج إلى نقل العظم من موضع إلى موضع " بل وما في الغنية ومحكي الاصباح " التي تحوج مع كسر العظم إلى نقله من موضع إلى آخر "، بل وما في المقنع من أنها " هي التي قد صارت قرحة تنقل منها العظام (1) " لكن عن التهذيب والفقيه (2) عن الاصمعي هي التي يخرج منها فراش العظام وهو قشرة تكون على العظم دون اللحم، ومنه قول النابغة: " ويتبعها منهم فراش الحواجب " ونحوه عن تهذيب الازهري عن أبي عبيد عن الاصمعي، ولم يوافقه أحد من أهل اللغة على ذلك، بل ظاهرهم كالفقهاء خلافه الذي هو المنساق


(1) المقنع ص 181. (2) التهذيب ج 10 ص 289 الفقيه ج 4 ص 166.

[ 333 ]

أيضا (1). نعم عن السرائر " أنها هي التي يخرج منها فراش العظام وفراش الرأس بفتح الفاء والراء غير المعجمة المفتوحة والشين المعجمة وهي عظام رقاق تلي القحف وتحوج إلى نقلها من موضع إلى موضع " (2) وعن العين والمحيط " أنها التي ينقل منها فراش العظام أي صغارها " ونحوه عن المغرب (3) والمعرب والنهاية الاثيرية، وعن المجمل والمقاييس وشمس العلوم " أنها التي ينقل منها فراش العظام وإن فراش الرأس طرائق تلي القحف " وفي الصحاح " هي التي تنقل العظم أي تكسره حتى يخرج منها فراش العظام " " وإن فراش الرأس عظام رقاق تلي القحف " وفي الكافي (4) " هي التي تنقل العظم من الموضع الذي خلقه الله ". والتحقيق ما عرفته من أن المتبادر منها ما عن أدب الكاتب من أنها " التي يخرج منها العظام " وعن نظام الغريب " أنها التي خرجت منها عظام صغار " ولعله المراد مما في خبر أبي بصير (5) عن أبى عبد الله عليه السلام ما رواه في الكافي - إلى أن قال -: " وفي المنقلة خمس عشرة من الابل وهي التي قد صارت قرحة تنقل منها العظام ". (و) على كل حال ف‍ (- ديتها خمسة عشر بعيرا) بلا خلاف معتد به أجده فيه نصا وفتوى، بل عن الخلاف والمبسوط والغنية الاعتراف به، نعم عن الحسن إيجاب عشرين بعيرا فيها وهو مع ندرته لا مستند له، فضلا عن أن يعارض المعتبرة المستفيضة


(1) كذا في الاصل. (2) السرائر، باب القصاص وديات الشجاج. (3) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزى وفيه: فراش العظام وهو دقاقها في الرأس. (4) الكافي ج 7 ص 329. (5) الكافي ج 7 ص 327.

[ 334 ]

المعتضدة بما سمعت، منها خبر أبي حمزة " في الموضحة خمس من الابل - إلى أن قال -: وفي المنقلة خمس عشرة من الابل عشر ونصف عشر " (1) ومنه يعلم الوجه فيما ذكرناه سابقا من عدم الخلاف في عبارات الاصحاب. (و) على كل حال (لا قصاص فيها) أيضا كالهاشمة لتعذره غالبا، وللتغرير، ولما دل على عدم القصاص في كسر العظام كما تقدم الكلام في ذلك والخلاف فيه مفصلا. بل (و) في أن (للمجني عليه أن يقتص في قدر الموضحة) منها (2) فرض الايضاح (ويأخذ دية ما زاد وهو عشر من الابل) كما في القواعد ومحكي المبسوط لوجود المقتضى وانتفاء المانع، أو ليس له ذلك لعدم صدق القصاص عرفا كما عن الشيخ في محكي الخلاف (3) مدعيا عليه الاجماع والاخبار، وقد عرفت التحقيق فيه سابقا، فلاحظ وتأمل. (وأما المأمومة) والآمة على معنى ذات ام الرأس (فهي التي تبلغ ام الرأس وهي الخريطة التي تجمع الدماغ و) فيها ثلث الدية كما في أخبار (4) أبي بصير ومعاوية بن وهب ومسمع والشحام وأبي الصباح والعلا بن الفضيل عن الصادق عليه السلام، ومحكي الخلاف والمراسم والمقنع والغنية وغيرها، أي ثلاثمأة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 18. (2) كذا في الاصل ولعل الصحيح " منها مع فرض الايضاح " راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 485. (3) الخلاف ج 2 ص 363. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج، الحديث 9 و 10 و 12 و 6 و 5 و 16.

[ 335 ]

كما في كتاب ظريف (1)، أو ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلث بعير كما عن صريح المبسوط (2)، بل في الوسيلة ديتها على الثلث من دية النفس مغلظة في العمد ومخففة في الخطاء وبين بين في عمد الخطأ. ولكن في المقنعة كما في المتن (فيها ثلث الدية ثلاثة وثلاثون بعيرا) أو ثلث الدية من العين كالورق على السواء، لان ذلك يحدد فيه الثلث ولا يحدد في الابل والبقر الغنم على السلامة في العدد، ونحوه في الناصريات، وفي النهاية أيضا فيها ثلث الدية ثلاثة وثلاثون بعيرا أو ثلث الدية من الغنم أو البقر أو الفضة أو الحلة، وهؤلاء مع تصريحهم بالثلث لم يعتبروا ثلث البعير ولعله لحملهم أخبار الثلث على التقريب في الابل كما عساه يشهد له صحيح (3) الحلبي أو حسنه عن الصادق عليه السلام " قال: في المأمومة ثلاث وثلاثون من الابل ". ونحوه خبر زرارة (4) عنه عليه السلام، بل وخبر أبي بصير (5) عنه أيضا " وفي الجائفة ثلث الدية ثلاث وثلاثون من الابل وفي المأمومة ثلث الدية " وعن ابن إدريس (6) " في الثامنة ثلث الدية دية النفس وهي ثلاث وثلاثون بعيرا فحسب بلا زيادة ونقصان إن كان من أصحاب الابل، ولم يلزم أصحابنا ثلث البعير الذى يكمل به ثلث المأة بعير التي هي دية النفس لان رواياتهم هكذا مطلقة، وكذلك مصنفاتهم وقول مشايخهم وفتاواهم، وإجماعهم منعقد على هذا الاطلاق، أو ثلث الدية من العين أو الورق على السواء لان ذلك يحدد (7) فيه الثلث ولا يحدد في الابل


(1) الفقيه ج 4 ص 82. (2) راجع المبسوط ج 7 ص 122. (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 4. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 11. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 10. (6) السرائر باب القصاص وديات الشجاج. (7) في الاصل " يتحدد " في جميع الموارد، وفي السرائر يتجدد بالجيم.

[ 336 ]

والبقر والغنم ". وقد يحتمل العكس بحمل مادل على العدد من دون ذكر الثلث عليه تحقيقا في اللفظ وتجوزا في العدد بالاقتصار على الاعداد الصحيحة والايماء إلى كمال الثلث من إيجابه، بل هو خيرة الفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما، وفيه أنه لا مرجح لهذا التجوز على الاول، والمناسبة لمراعاة النسبة إلى أصل الدية في المسائل السابقة في المسألة أيضا بالاضافة إلى النقدين والحلة لا تصلح للترجيح، خصوصا مع ملاحظة ما عرفت من إجماع الحلي وغيره، بل لو سلم تكافؤ المرجحين كان المتجه عدم اعتبار ثلث البعير للاصل، وإن كان دفعه أو العدول إلى النقدين ونحوهما أحوط، والله العالم. (والدامغة) (هي التي تفتق الخريطة) التي هي أم الدماغ فهي حينئذ بعد المأمومة كما عن الصحاح والمغرب (1) والمعرب وغيرهما بل هو معنى قول أهل اللغة أنها التي تبلغ الدماغ، بل لعل ذلك هو المنساق من مبدأ اشتقاقها عرفا، بل يرجع إليه ما عن العين والمحيط من " أن الدمغ كسر الصاقورة من الدماغ، والصاقورة باطن القحف المشرف على الدماغ " نعم ما عن الثعالبي من ذكرها مكان الامة وتفسيره بمعناها يقتضي الترادف معها. (و) على كل حال فبناء على ما ذكرنا تكون (السلامة معها بعيدة) فهي حينئذ توجب القصاص أو الدية، وعلى تقديرها فتزيد على المأمومة حكومة لعدم التقدير لها شرعا (ولا قصاص) فيها لتعذر الاستيفاء وللتغرير، بل ولا


(1) كذا في الاصل والصحيح " المغرب في ترتيب المعرب " وضمير التثنيه بعده يشهد لكونه كتابا واحدا.

[ 337 ]

(في المأمومة لان السلامة معها غير غالبة) فيتعذر القصاص للتغرير. (و) لكن (لو أراد المجني عليه) بها أو بالدامغة أو بالمنقلة أو بالهاشمة (أن يقتص في الموضحة) مع فرض حصولها معها (ويطالب بدية الزائد جاز) كما في القواعد ومحكي المبسوط، لعموم الادلة، خلافا للمحكي عن الخلاف تمسكا بالاخبار والاجماع كما عرفت الكلام فيه سابقا. (والزيادة) بعد إسقاط الخمسة للموضحة (ثمانية وعشرون بعيرا) لما عرفت من أن فيها ثلاثة وثلاثين بعيرا (و) لكن (قال في المبسوط (1)) ثمانية وعشرون (وثلث بعير وهو بناء على أن في المأمومة ثلاثة وثلاثين بعيرا وثلثا) لاطلاق النصوص أن فيها ثلث الدية، وهو ذلك (ونحن) قد قدمنا الكلام فيه وقلنا إن الاقوى أن (نقتصر على ثلاثة وثلاثين) بعيرا (تبعا للنقل) في الصحيح وغيره المصرح بأن فيها ذلك، وحمله على مجاز الحذف ليس بأولى من حمل الثلث على المجاز، بل هو أولى لما عرفت، بل مع فرض تعارض المرجحين يتجه العمل بأصل البرائة من الزائد. (ولو جنى عليه موضحة فأتمها آخر هاشمة وثالث منقلة ورابع مأمومة فعلى الاول خمسة) للايضاح بلا خلاف ولا إشكال (وعلى الثاني ما بين الموضحة والهاشمة خمسة أيضا) لا عشرة، فإنها إنما تجب بالهشم مع الايضاح إذ لو أوضح ثم هشم لم يكن عليه إلا العشرة، فخمسة بإزاء الايضاح، وفيه أنه مناف لما دل على أن في الهشم عشرة، الذي قد عرفت تعلق حكمه بالكسر وإن لم يكن جرح (و) كذا الكلام في ما ذكره أيضا من أن (على الثالث ما بين الهاشمة والمنقلة خمسة ايضا، وعلى الرابع تمام دية المأمومة ثمانية عشر بعيرا) الذي وجهه ما سمعت وفيه ما عرفت أللهم إلا أن يدعى أن المنساق من نصوص التقدير غير الفرض والاصل البرائة، والله العالم.


(1) المبسوط ج 7 ص 122.

[ 338 ]

(ومن لواحق هذا الباب مسائل) (الاولى:) قد تقدم الكلام في الانف في أن (دية النافذة) فيه أي (في الانف ثلث الدية فإن صلحت فخمس الدية مأتا دينار، ولو كانت في أحد المنخرين إلى الحاجز فعشر الدية) فلاحظ وتأمل، وكذا قد تقدم الكلام في: المسألة (الثانية): التي هي (في شق الشفتين حتى تبدو الاسنان ثلث ديتهما ولو برئتا فخمس ديتهما ولو كان في إحداهما فثلث ديتها ومع البرء خمس ديتها) في بحث الشفتين فلاحظ وتأمل. المسألة (الثالثة): (الجائفة) و (هي التي تصل إلى الجوف من أي الجهات كان) بطن أو ظهر أو صدر أو جنب أو غير ذلك (ولو من ثغرة النحر) بإبرة، ولذا كانت من الجراح لا الشجاج المختص بالرأس أو الوجه، نعم لو فرض حصولها في الرأس كانت دامغة، قال في محكي الفقيه: " ومن الشجاج والجراحات الجائفة، وهي التي تبلغ في الجسد الجوف وفي الرأس الدماغ (1) ". ولكن في المقنع " ان المأمومة التي قد نفذت في العظم ولم تصل إلى الجوف


(1) الفقيه ج 4 ص 167.

[ 339 ]

فهي ما بينهما والجائفة هي التي قد بلغت جوف الدماغ (1) " وهو لفظ خبر أبي بصير (2) عن الصادق عليه السلام " قال: وفي المأمومة ثلث الدية وهي التي قد نفذت ولم تصل إلى الجوف فهي فيما بينهما وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي قد بلغت جوف الدماغ " وقال الكليني: " والمأمومة وهي التي تبلغ ام الدماغ، ثم الجائفة وهي التي تصير في جوف الدماغ (3) " وظاهرهما اختصاصها بالرأس كالمحكي عن ظاهر الثعالبي، إلا أنه يمكن حمل الجميع على إرادة ما إذا كانت في الرأس، فلا خلاف حينئذ، وستسمع المراد بالجوف. (و) على كل حال ف‍ (- فيها ثلث الدية) بلا خلاف أجده فيه، كما عن المبسوط والخلاف والغنية الاعتراف به، مضافا إلى النصوص، منها صحيح أبي بصير (4) السابق، ومنها خبر ابن وهب (5) وخبر أبي مريم (6) وخبر العلا (7) وخبر المفضل (8) بن صالح وزيد عنه عليه السلام أيضا، لكن في حسن الحلبي (9) عن الصادق عليه السلام " فيها ثلاث وثلاثون من الابل " وفي خبر أبي بصير (10) عنه عليه السلام أيضا " وفي الجائفة ثلث الدية ثلاث وثلاثون من الابل " بل في مقطوع أبي حمزة (11) " وفي الجائفة ما وقعت في الجوف ليس فيها قصاص إلا الحكومة " إلا أنه قاصر عن معارضة غيره من وجوه. ويمكن حمله على إرادة ثلث الدية الحكومة، كما أنه يمكن حمل الاولين على مجاز الحذف، وأما احتمال التجوز في الثلث هنا نحو ما سمعته في المأمومة


(1) المقنع ص 181. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 9. (3) الكافي ج 7 ص 329. (4 و 5 و 6 و 7 و 8) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 9 و 12 و 13 و 16 و 5. (9 و 10 و 11) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 4 و 10 و 18.

[ 340 ]

فكلام الاصحاب يأباه، بل لم أجد من احتمله هنا، بل صرح بعدمه بعضهم. نعم ربما كان في تعليل بعضهم سقوطه في المأمومة لعدم التحديد وبالنص إيماء إلى احتماله هنا فيتجوز حينئذ بالثلث، إلا أنه كما ترى بعد عدم نص أحد منهم عليه مع إطلاقهم فيها الثلث، والله العالم. وكذا لم أجد من احتمل اختصاص الثلث بما إذا كانت في الرأس إلا الاردبيلي، وإن كان ربما يشهد له في الجملة ذكرها في النصوص مع الشجاج المختص بالرأس، بل قد يستبعد ثبوت ثلث الدية في ثقب الخد مثلا بالابرة، اللهم إلا أن يمنع كون ذلك من الجائفة (1) كما صرح به في التحرير والقواعد وغيرهما ومحكي الخلاف، قال في الاول: " وتتحقق الجائفة بالوصول إلى الجوف ولو بغرز إبرة، ولو خرق شدقه فوصل إلى باطن الفم فليس بجائفة، لان داخل الفم كالظاهر، وكذا لو طعنه في وجنته فكسر العظم ووصل إلى فيه، ولو جرحه في ذكره فوصل إلى مجرى البول من الذكر فليس بجائفة (2) " وهو صريح فيما ذكرناه، ولعله لان المنساق من نصوص الجائفة غير ذلك مع أن الاصل البرائة. نعم قال في القواعد: لو جرح رقبته فأنفذها إلى حلقه فعليه دية الجائفة، وكذا لو طعنه في عانته فوصل إلى المثانة " (3) ولكن لعله كما في كشف اللثام لصدق الاسم عليهما، ولعله لا يخلو من نظر في الجملة، كل ذلك مضافا إلى ما تسمعه في المسألة الرابعة في النافذة. (و) كيف كان ف‍ (- لا قصاص فيها) بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام اتفاقا، كما هو الظاهر للتغرير، وللمقطوع (4) المنجبر بما عرفت، فلا يقدح إمكانه في بعض الافراد، خصوصا في مثل الخد بناء على أنه من


(1) في بعض النسخ هكذا: " الا أن يدعى كون ذلك في الجائفة ". (2) التحرير ج 2 ص 277. (3) مفتاح الكرامة ج 10 ص 502. (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 18.

[ 341 ]

الجائفة. (ولو جرح في عضو ثم أجاف لزمه دية الجرح ثم) دية (الجائفة) وإن اتصلا (مثل أن يشق الكتف حتى يحاذي الجنب ثم يجيفه) من ذلك الشق أو من غيره، لاطلاقه الادلة، وأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب، وقد يحتمل التداخل لو كان من الشق كما سمعته سابقا في نظيره، ولكن الاقوى خلافه، بل ينبغي القطع به مع تعدد الجاني، والله العالم. (فروع) (لو أجافه واحد) مثلا (كان عليه دية الجائفة) لما عرفت (ولو أدخل آخر سكينه) مثلا في ذلك الجرح (ولم يزد) على الاول بقطع شئ (فعليه التعزير حسب) لانه أذاه، ولا ضمان لعدم جرحه إياه (وإن وسعها باطنا أو ظاهرا) بأن قطع جزءا من أحدهما (ففيه الحكومة) لعدم التقدير له بعد أن لم يكن جائفة (و) لا غيرها نعم (لو وسعها فيهما فهي جائفة اخرى كما لو انفردت) مع فرض اتصال الجزء على وجه يتحقق به اسمها. أما لو قطع جزء من الظاهر في جانب وجزء من الباطن في جانب آخر بحيث لم تتسع الجائفة بتمامها وإن اتسع ظاهرها من جانب وباطنها من آخر، فالحكومة، بل في القواعد " وكذا لو زاد في غوره " وفي كشف اللثام " أي في غور الجراح أو العضو المجروح فالحكومة لانه ليس من الجائفة فإنها الجرح من الظاهر بحيث يبلغ الجوف (1) " وفيه منع اعتبار ذلك في الجائفة كما عرفت الحكم منه ومن غيره بتعدد الجائفة لو جرح في عضو ثم أجاف وإن اتصلا، بل قال هو هناك: " وكذا إذا فعل ذلك في موضع واحد كأن ضرب على جنبه فأوضحه ثم ضربه


(1) كشف اللثام ج 2 ص 338.

[ 342 ]

فأجافه فيلزمه مع دية الجائفة أرش الموضحة كما يقتضيه إطلاق الكتاب والمبسوط، ويحتمل التداخل، أما إذا تعدد الجاني فعليهما الديتان قطعا (1) " وهو صريح فيما قلناه، فالمتجه حمل عبارة الفاضل على إرادة (2) في غوره في الجوف نفسه فإن الاجافة حاصلة قبله ولم يحصل من فعله إجافة، ويمكن إراده الاصبهاني ذلك أيضا، وإن اقتضى تأديته المعنى المزبور ما عرفت. ولو ظهر عضو من الاعضاء الباطنة كالكبد والقلب والطحال، فغرز السكين فيه، ففيه الحكومة، لعدم التقدير بعد أن لم يكن مثله جائفة، وإن لم يكن بارزا فغرز من الظاهر مثلا حتى وصل إليه تحققت الجائفة. ولو أجافه ثم عاد الجاني فوسع الجائفة أو زاد في غوره ففي القواعد " فدية الجائفة الواحدة لا غير على إشكال " وفي كشف اللثام " من تعدد الجناية ومن كونها جائفة واحدة في الاسم والاصل البرائة " وفيه إنه فرق واضح بين التوسعة والزيادة في الغور، ضرورة تحقق الجائفة بالتوسعة ظاهرا وباطنا كما عرفته في تعدد الجاني، بخلاف زيادة الغور التي قد عرفت فيها الحكومة، وإن كانت من جان آخر، نعم قد يقال بالتداخل في الاول، وفيه منع واضح كما عرفته في نظائره. (ولو أبرز حشوته فالثاني قاتل) دون الاول لعدم السلامة معه غالبا بخلاف مجرد الاجافة. وحينئذ فعلى الاول ثلث الدية وعلى الثاني القود أو الدية. (ولو خيطت ففتقها آخر فإن كانت) قبل الفتق (بحالها لم تلتئم ولم تحصل بالفتق جناية، قال الشيخ رحمه الله في المبسوط: فلا أرش) لعدم جرح فيه


(1) كشف اللثام ج 2 ص 336. (2) كذا في الاصل ويحتمل كون " ارادة " تصحيف " زيادة " أو كون " في " زائدة.

[ 343 ]

(و) لكن (يعزر) للايذاء المحرم عليه (و) لكن في المتن والقواعد والتحرير (الاقرب الارش لانه لابد من أذى ولو) تكلف (في الخياطة ثانيا) وفيه أن ذلك ما لم يوجب النقص لا يقتضي الارش، نعم عليه أرش الخيوط إن نقص منها واجرة الخياطة مرة اخرى (ولو التحم البعض) ففتقه (ففيه الحكومة) كما في القواعد لعدم صدق الجرح بجائفة، فليس إلا الحكومة بعد عدم التقدير هذا. وفي التحرير (1) بعد أن ذكر الحكم في الفتق قبل الالتئام قال: " ولو فعل ذلك بعد التئامها فعليه أرش الجائفة وثمن الخيوط، وإن التحم بعضها ففتقه فعليه أرش جنايته (2) ولو فتق غير الملتحمة فعليه أرشه لا دية الجائفة، ولو فتق بعض ما التحم في الظاهر دون الباطن أو بالعكس فالحكومة " ولا يخلو من تشويش. وفي كشف اللثام في تفسير نحو عبارة المتن " أي الظاهر أو الباطن من الكل أو البعض كما يعطيه التحرير ففتقه فالحكومة (3) " وبالجملة فالمراد أن الفتق بعد الالتحام (4) يوجب الارش لا الدية لانه ليس اندمالا فيقوم حينئذ ملتحما وغير ملتحم (و) يغرم التفاوت. نعم (لو كان) الفتق (بعد الاندمال فهي جائفة مبتكرة فعليه ثلث الدية) لتحقق اسمها حينئذ (ولو أجافه إثنتين) في موضعين (فثلثا الدية) ولو كن ثلاثة فتمام الدية لاصالة تعدد المسبب بتعدد السبب. (ولو طعن في صدره) مثلا (فخرج من ظهره قال في المبسوط (5)) جائفة (واحدة) عرفا لاتحاد الجناية وأصل البرائة، وكون الجائفة ما نفذت


(1) التحرير ج 2 ص 277. (2) في الاصل " جائفة " مكان " جنايته ". (3) كشف اللثام ج 2 ص 388. (4) كذا في الاصل وفى بعض النسخ " الالتثام ". (5) المبسوط ج 7 ص 125.

[ 344 ]

إلى الجوف من ظاهر، أعم من أن تنفذ إلى الظاهر من جانب اخرى أولا (و) قال (في الخلاف إثنتان و) في المتن (هو أشبه) لانهما عضوان متباينان تحقق في كل منهما جائفة وهي الجرح النافذ من الظاهر إلى الباطن، ولانه لو انفرد كل منهما لاوجب حكما فعند الاجتماع لا يزول ما كان ثابتا حالة الانفراد، ولانه لو طعنه من كل جانب طعنة فالتقتا كانتا جائفتين، فكذا هنا، إذ لا فارق إلا اتحاد الضربة وتعددها وهو غير صالح للفرق، إلا أن ذلك كما ترى مخالف للعرف، فالاشبه حينئذ الوحدة، وكذا الكلام لو أصابه من جنبه وخرج من الجنب الآخر أو طعنه من مقدم الرأس فأخرجه من مؤخره، بل عن الشهيد في ذلك أن الوحدة ظاهر فتوى علمائنا، والله العالم. المسالة (الرابعة) (قيل) كما عن الشيخ وأتباعه كما في المسالك، أو جماعة كما عن غيرها: (إذا نفذت نافذة في شئ من أطراف الرجل ففيها مأة دينار) كما في كتاب ظريف (1) الذي قد عرفت صحته في بعض طرقه. قال فيه: " وفي النافذة إذا نفذت من رمح أو خنجر في شئ من الرجل من أطرافه فديتها عشر دية الرجل مأة دينار ". وفيه أيضا " في الخد إذا كانت فيه نافذة ويرى منها جوف الفم فديتها مأة دينار فإن دووي فبرء والتأم وبه أثر بين وشين فاحش فديته خمسون دينارا، فإن كانت نافذة في الخدين كلتيهما فديتها مأة دينار، وذلك نصف الدية التي يرى منها الفم، وإن كانت رمية بنصل نشبت في العظم حتى تنفذ في الحنك فديتها مأة وخمسون دينارا جعل منها خمسون دينارا لموضحتها، وإن كانت ثاقبة ولم ينفذ فديتها مأة دينار ".


(1) الفقيه ج 4 ص 92 و 82 و 84 و 85.

[ 345 ]

وفيه أيضا " إن في نافذة الكف إن لم تنسد مأة دينار وإن في نافذة القدم لا تنسد خمس دية الرجل وإن في نافذة الساعد خمسين دينارا ". وقال الصادق عليه السلام في خبر مسمع (1): " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في النافذة تكون في العضو ثلث دية ذلك العضو ". إلا أنه لم أعثر على مفت بتمام ذلك، بل قد يشعر نسبة الاول في المتن وغيره إلى القيل بنوع توقف فيه، ولعله لما قيل من ضعف المستند، أو عدم الوقوف عليه، مع أنه يشكل بما لو كانت دية الطرف تقصر عن المأة كالانملة، إذ يلزم زيادة دية النافذة فيها على ديتها، بل على دية أنملتين حيث يشتمل الاصبع على ثلاث. وفيه أن المستند ما عرفت من كتاب ظريف (2)، ونحوه ما عرضه ابن فضال (3) على أبى الحسن عليه السلام المروى في الصحيح أو الموثق، نعم عموم ذلك لا يلائم بما سمعته في كتاب ظريف بل ولا خبر مسمع المزبور، بل ولا ما سمعته في نافذة الانف، اللهم إلا أن يقال إن خبر مسمع ضعيف، ولا جابر له، فلا يصلح معارضا للصحيح المعتضد بعمل من عرفت، بل لم يوجد مخالف لهم صريح. بل ربما اجيب عن الاشكال المذكور أولا بالتزامه أو الذب عنه بتخصيص العموم بالمأة دينار مما فيه كمال الدية، كما حكاه قولا في الروضة وغيرها، أو ما كان ديته زائدة على المأة كما احتمله بعض الاجلة، وعما ذكرناه بتخصيصه أيضا بغير ما تضمنه من النوافذ المزبورة إذ التنافي بينها وبينه ليس تنافي تضاد بل عموم وخصوص يجري فيه التخصيص المذكور. وفيه أن ذلك يتوقف على وجود قائل به ولم نجده، مع أن النص عام


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 2 وفيه " الناقلة " مكان " النافذة ". (2) الفقيه ج 4 ص 75 - 92. (3) التهذيب ج 10 ص 295 - 308.

[ 346 ]

كعبائر الجماعة، فالمتجه العمل به على عمومه والاقتصار في تخصيصه على ما يصلح لذلك كما سمعته في نافذة الانف، ولعل منه أيضا العضو الذي علم أن ديته أقل من ذلك، فيختص الحكم حينئذ في النافذة في العضو الذي مقدره أزيد من ذلك وأما فيه ففيه الحكومة، ولو بملاحظة نسبته إلى المقدر. كما أن ظاهر تقييد الحكم المزبور نصا وفتوى بأطراف الرجل يقتضي الحكومة أيضا في النافذة في أطراف المراة، أو يقال: إنها على النصف من الرجل كالدية كما عن بعضهم التصريح به. بل قيل وفي المملوك بنسبة القيمة إلى دية الحر، ويؤيده قول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر السكوني (1) " جراحات العبيد على نحو جراحات الاحرار في الثمن " وعن بعض فتاوى الشهيد " أن الانثى كالذكر في ذلك ففي نافذتها مأة دينار أيضا "، وهو مناسب للاصل المقرر الذي سمعته وتسمعه أيضا أن شاء الله من مساواتها للرجل في دية الاعضاء ما لم تبلغ الثلث، أو تتجاوزه، لكن التقييد بالرجل في النص والفتوى لا يناسبه، والاحتياط مهما أمكن لا ينبغي تركه، والله العالم. المسالة (الخامسة) لو اشتملت الجناية على غير جرح ولا كسر كالضرب بالرجل أو بالكف مفتوحة أو مضمومة بالسوط أو بالعصا ونحو ذلك فأحدثت انتفاخا فالحكومة، لعدم التقدير وإن أحدثت تغييرا ف‍ (- في احمرار الوجه بالجناية) بذلك (دينار ونصف وفي اخضراره ثلاثة دنانير) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه.


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 2.

[ 347 ]

بل المحكي منهما مستفيض، مضافا إلى الموثق كالصحيح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللطمة يسود أثرها في الوجه إن أرشها ستة دنانير، وإن لم تسود واخضرت فإن أرشها ثلاثة دنانير، فإن احمرت ولم تخضر فإن أرشها دينار ونصف، وفي البدن نصف ذلك " بل (وكذا في الاسوداد) ثلاثة دنانير (عند قوم) منهم السيدان مدعيين عليه الاجماع للاصل (و) لكن (عند آخرين)، بل قيل الاكثر، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى الاجماع عليه (ستة دنانير وهو أولى لرواية إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله عليه السلام) المتقدمة المعتضد بما عرفت، (ولما فيه من زيادة النكاية)، هذا كله في الوجه. (و) أما في غيره فقد (قال جماعة) منا بل لاأجد فيه خلافا بينهم إن (دية هذه الثلاث في البدن على النصف) مما في كل منها، ففي الاحمرار ثلاثة أرباع الدينار، وفي الاخضرار دينار ونصف، وكذا في الاسوداد أو ثلاثة، على الخلاف السابق، بل عن الانتصار والخلاف والغنية دعوى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد ما سمعته في الموثق المزبور على ما رواه في الفقيه (3)، وإن خلى عنه في التهذيب والكافي (4)، فما عساه يشعر به نسبة المصنف له إلى قول جماعة من التوقف فيه في غير محله. ثم إن مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في الحكم المزبور بين أجزاء البدن كلها، ماله دية مقدرة وما ليست له، فلا ينسب العضو الذي ديته أقل من دية النفس كاليد الواحدة والرجل بل والاصبع كنسبة البدن ليكون في تغيير لون كل منها نصف ما في الوجه، وربما احتمل اختصاص الحكم بما لا دية له مقدرة من أجزاء البدن، أما غيره فتنسب الاعضاء التي دياتها أقل إلى دية الرأس وهي دية


(1 و 2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات الشجاج الحديث الاول. (3) الفقيه ج 4 ص 158. (4) الكافي ج 7 ص 333 التهذيب ج 10 ص 277.

[ 348 ]

النفس، فيكون في اسوداد أنملتى الابهام مثلا ثلاثة أعشار دينار، وفي اخضرارها عشر وربعه، ولكنه كما ترى لا مستند له. بل هو خلاف ظاهر ما ذكرنا من الاطلاق نصا وفتوى، الذي مقتضاه أيضا ثبوت ذلك بوجود أثر اللطمة ونحوها في الوجه مثلا وإن لم يستوعبه، بل وإن لم تدم فيه، وربما حكى قول باشتراط الدوام وإلا فالارش، وهو مع عدم معروفية قائله ضعيف لمخالفته الاطلاق المزبور، نعم قد يقال بانسياق الحر منهما كما عن ظاهر الغنية، قيل فيرجع في العبد حينئذ إلى الحكومة، كما في كل لطمة أو وكزة لم تتضمن التغيرات المزبورة، وفيه إنك قد عرفت سابقا أن الحر أصل للعبد في كل ماله مقدر فيه، والعبد أصل للحر في كل مالا مقدر له، فالمتجه حينئذ مراعاة نسبة القيمة كما عن بعضهم هذا. ولا يخفى عليك أن مورد النص والفتوى الوجه، لكن عن الخلاف والسرائر أن الرأس كالوجه، ولعله لمساواته له في الشجاج كما ستعرف، ولكنه كما ترى قياس لا نقول به، فالمتجه حينئذ الحكومة فيه لا إلحاقه بالبدن الذي لا يشمله، والله العالم. ثم إن الموثق المزبور مختص بالرجل، ولذا قيل إن كانت الجناية على المرأة فنصف المذكورات، ولكن الفتاوى مطلقة، فلا يبعد مساواة المرأة للرجل في ذلك إلحاقا لهذه بالجراح الذي لم يبلغ الثلث فيه، والله العالم. المسالة (السادسة) (كل عضو ديته مقدرة ففي شلله ثلثا ديته كاليدين والرجلين والاصابع، وفي قطعه بعد شلله ثلث ديته) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك كما تقدم الكلام فيه، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه في الاول، بل الظاهر الاجماع - كما اعترف به بعض الافاضل - في الثاني أيضا، كل ذلك مضافا إلى النصوص

[ 349 ]

السابقة التي هي وإن كانت في أطراف مخصوصة إلا أنها متممة بعدم القول بالفصل. مع أن في الخبر (1) الوارد في الاصابع منها " وكل ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح " وأما ما في كتاب ظريف (2) وما عرضه يونس (3) على الرضا عليه السلام " من أن في شلل اليدين ألف دينار وفي شلل الرجلين ألف دينار " فهو شاذ لا قائل به كالقوي (4) الوارد في ذكر العنين، وإن حكى القول به عن الصدوق والاسكافي، ونحوهما في الشذوذ الصحيح (5) " في الاصبع عشر الدية إذا قطعت أو شلت " كما عرفت البحث في ذلك كله سابقا، فلاحظ فلو لم يكن له مقدر فالحكومة بلا خلاف ولا إشكال. المسالة (السابعة) (دية الشجاج في الرأس والوجه سواء) بلا خلاف كما اعترف به بعض الافاضل، لشمول الرأس له، ولقول الصادق عليه السلام في خبر السكوني (6) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الموضحة في الوجه والرأس سواء " المتمم بعدم القول بالفصل، وفي خبر الحسن (7) بن صالح الثوري عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه ؟ فقال: الموضحة والجشاج في الوجه والرأس سواء في


(1) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2 و 3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ديات المنافع الحديث الاول. (4) الوسائل الباب - 35 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 2. (5) الوسائل الباب - 39 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (6) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 2. (7) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الشجاج الحديث الاول.

[ 350 ]

الدية، لان الوجه من الرأس وليست الجراحات في الجسد كما هي في الرأس " وهو صريح في العموم، فما في خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في السمحاق وهي التي دون الموضحة خمسمأة درهم، وفيها إذا كانت في الوجه ضعف الدية على قدر الشين " من الشواذ المطرحة. (و) كذا لا خلاف أجده كما اعترف به بعض الافاضل في أن (مثلها) أي الشجاج المزبورة (في البدن بنسبة دية العضو الذي يتفق فيه من دية الرأس) أي النفس، ففي حارصة اليد مثلا نصف بعير، أو خمسة دنانير، وفي حارصة أنملتى الابهام نصف عشر بعير، أو نصف دينار، لان ذلك مقتضى النسبة المزبورة، لما سمعته في خبر الثوري (2) الذي يفسره ما في خبر إسحاق (3) بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام على ما في التهذيب " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الجروح في الاصابع إذا أوضح العظم نصف عشر دية الاصبع إذا لم يرد المجروح أن يقتص " بعد إتمامه بعدم القول بالفصل، نعم هو في الكافي والفقيه (4) " عشر دية الاصبع " بإسقاط لفظ النصف، وحينئذ يكون من الشواذ. كما أن ما في كتاب ظريف (5) مما لا يوافق الضابط المزبور كذلك أيضا، قال فيه: " ولكل عظم كسر معلوم فديته ونقل عظامه نصف دية كسره ودية موضحته ربع دية كسره " وفيه في الترقوة " فإن أوضحت فديتها خمسة وعشرون دينارا، وذلك خمسة أجزاء من ديتها إذا انكسرت، فإن نقل منها العظام فديتها نصف دية


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ديات الشجاج الحديث 9. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الشجاج الحديث الاول. (3) التهذيب ج 10 ص 290 الوسائل الباب - 6 - من أبواب ديات الشجاج الحديث الاول. وليست فيه كلمة " نصف " كما في الكافي والفقيه. (4) الكافي ج 7 ص 327 الفقيه ج 4 ص 137. (5) الفقيه ج 4 ص 79 و 83 و 84 و 85.

[ 351 ]

كسرها عشرون دينارا ". وفي المنكب " إذا أوضح فديته ربع دية كسره خمسة وعشرون دينارا فإن نقلت منه العظام فديته مأة دينار وخمسة وسبعون دينارا منها مأة دينار دية كسره وخمسون دينارا لنقل العظام وخمسة وعشرون دينارا للموضحة "، ونحوه في المرفق، وهو موافق - كما في كشف اللثام - لما سمعته من الضابط. وفي العضد، " دية موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون دينارا ودية نقل عظامها نصف دية كسرها خمسون دينارا ". وفي الساعد، " دية موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون دينارا ودية نقل عظامها مأة دينار وذلك خمس دية اليد " وفي الكف، " في موضحتها ربع دية كسرها خمسة وعشرون دينارا ودية نقل عظامها مأة دينار وثمانية وسبعون دينارا نصف دية كسرها ". ولعل المراد أن ذلك دية هذه الامور حال اجتماعها على التوزيع المزبور. وفيه أيضا على ما رواه في الكافي (1) " في موضحة القصبة السفلى من إبهام اليد ثمانية دنانير وثلث دينار ودية نقل عظامها ستة وعشرون دينارا وثلثا دينار وفي موضحة المفصل الاعلى منها أربعة دنانير وسدس دينار وفي نقل عظامه خمسة دنانير وفي موضحة كل قصبة عليا من قصبات ساير الاصابع أربعة دنانير وسدس دينار وفي نقل العظام كل فيها ثمانية دنانير وثلث وفي موضحة القصبة الوسطى منها دينار وثلثا دينار وفي نقل عظامها خمسة دنانير وثلث وفي موضحة الكف خمسة وعشرون دينارا وفي نقل عظامها عشرون دينارا ونصف وفي موضحة كل من الصدر والظهر والكتفين خمسة وعشرون دينارا " - إلى آخر ما ذكره فيه - مما بعضه موافق للضابط المزبور وبعضه مخالف، إلا أنه يمكن الاستدلال بالموافق منه متمما بما عرفت، ولا ينافيه


(1) الكافي ج 7 ص 340 - 341 و 336 - 338 ولا يخفى أن الشارح أوردهنا عبارة كشف اللثام بطولها راجع ج 2 ص 336 ولا يوافق ما أورده مع ما في الكافي كاملا فراجع.

[ 352 ]

البعض المخالف كما هو مقرر في محله. هذا كله مع فرض وقوعها فيما له مقدر، أما ما لا مقدر له فالظاهر الحكومة، بل في القواعد " وفي المقدر مما لا عظم له كالذكر واللسان والشفة والثدي (1) " وإلا لزم تساوي الجراحات في الرأس وفي الذكر ونحوه مما ديته دية النفس، وقد سمعت ما في الخبر (2) المزبور من " أن الجراحات في الجسد ليست كما هي في الرأس " ولان العظم مناط تمايز الجراحات، ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت من الاطلاق، والله العالم. المسالة (الثامنة) قد تقدم الكلام في كتاب القصاص إن (المرأة تساوي الرجل في ديات الاعضاء والجراح حتى تبلغ ثلث دية الرجل) أو تتجاوزه (ثم تصير على النصف) بلا خلاف في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص، نعم في القواعد (سواء كان الجاني رجلا أو امرأة) على إشكال، ولعله من عموم الفتاوى وكثير من النصوص، ومن أن الاصل في ديات أعضائها وجراحاتها أن تكون على النصف مطلقا قبل بلوغ الثلث وبعده، وإنما علم استثناء ما قبله إذا كان الجاني رجلا لاختصاص أكثر الاخبار به، بل في المسالك عن بعضهم اختياره، ولعل الاول أقوى وحينئذ (ففى) قطع (الاصبع) منها وإن كان القاطع امرأة (مأة وفي الاثنين مأتان وفي الثلاث ثلاثمأة وفي أربع مأتان) إن كان قطعهن بضربة واحدة وإلا كان لكل ضربة حكمها (وكذا يقتص من الرجل)


(1) مفتاح الكرامة ج 10 ص 493 والامثلة غير الذكر من كشف اللثام لا القواعد فراجع. (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب ديات الشجاج الحديث الاول.

[ 353 ]

للمرأة (في الاعضاء والجراح من غير رد حتى تبلغ الثلث ثم تقتص مع الرد) ولو جنت هي عليه وأراد القصاص منها اقتصر عليه من غير مطالبة بغيره كما تقدم الكلام في ذلك كله، بل وفي: المسالة (التاسعة) وهي (كل ما فيه دية الرجل من الاعضاء) كالانف واليدين والرجلين والمنافع، بل (والجراح) كما عرفته سابقا ف‍ (- فيه من المرأة ديتها وكذا من الذمي ديته) وهي ثمانمأة درهم ومن الذمية نصفه (ومن العبد قيمته وما فيه مقدر من الحر فهو بنسبته من دية المرأة والذمي وقيمة العبد) إلا أن المرأة تساوي الرجل فيما نقص عن الثلث كما عرفته ذلك كله سابقا مفصلا بأدلته وجميع ما يتفرع عليه والحمد لله، فلاحظ. المسالة (العاشرة) (كل موضع قلنا فيه الارش أو الحكومة فهما واحد) اصطلاحا (والمعنى أنه يقوم) المجروح (صحيحا لو كان مملوكا) تارة (ويقوم مع الجناية) اخرى (وينسب إلى القيمة) الاولى ويعرف التفاوت بينهما (ويؤخذ من الدية) للنفس لا العضو (بحسابه) أي التفاوت بين القيمتين خلافا لبعض العامة فيأخذ من دية العضو إن قدرت له دية، فالحكومة في إحدى الشفتين مثلا أن يقوم لو كان عبدا بالقيمتين فإن نقص عشر القيمة مثلا كان للمجني عليه عشر الدية عندنا لا عشر نصفها كما عن بعضهم. وكيف كان فهذا في الحر الذي يكون العبد أصلا له في هذا الحال، ضرورة توقف معرفة الفائت على ذلك بعد عدم التقدير من الشارع له والفرض كون الجملة

[ 354 ]

مضمونة بالدية فتضمن الاجزاء منها، فيستكشف بذلك كما يستكشف تفاوت المعيب والصحيح، ثم يرجع بعد إلى الثمن الذي ضمن به المبيع، فكذلك هنا وهو واضح (وإن كان المجني عليه مملوكا أخذ مولاه على قدر النقصان) إن لم تزد قيمته على دية الحر وإلا رد إليها، لان الحر أصل له في ذلك وفي كل ما فيه مقدر من الاعضاء. نعم لو لم تنقص قيمته بالجناية كقطع السلع احتمل السقوط للاصل، ويحتمل - بل في القواعد أنه الاقرب - أخذ أرش نقصه حين الجناية، لانها حينها في معرض السراية، فإن كان مملوكا كان لمولاه الارش وإلا فرض مملوكا، وذلك لتحقق جناية أوجبت نقصا ولو حينا، وفيه أن دية الجناية إنما يستقر عند الاندمال أو تحقق الموت بها، والمفروض عدم الموت وعدم النقص بعده. ثم إن مقتضى إطلاق المصنف وغيره ثبوت الارش لو كانت الجناية على عضو له مقدر وإن ساوى المقدر أو زاد عليه، ولكن في المسالك " ولو قيل ينقص منه شيئا لئلا يساوي الجناية على العضو مع بقائه زواله رأسا كان وجها، لان العضو مضمون بالدية المقدرة لو فات، فلا يجوز أن يكون الجناية عليه مضمونة مع بقائه (1) " وفيه أنه اجتهاد في مقابلة ما عرفت، وقد تقدم سابقا بعض الكلام في المسألة، فلاحظ وتأمل.


(1) المسالك ج 2 ص 506.

[ 355 ]

المسالة (الحادية عشر) (من لاولي له فالامام ولي دمه) بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال ف‍ (- يقتص) حينئذ (إن قتل عمدا) أو يأخذ الدية لانه الوارث، وولي من لا ولي له، وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولقول الصادق عليه السلام في حسن أبي ولاد أو صحيحه (1): " في مسلم قتل وليس له ولي مسلم، على الامام أن يعرض على قرابته من أهل الاسلام فمن أسلم فهو وليه، يدفع إليه القاتل، فإن شاء قتل وإن شاء عفى وإن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الامام ولي أمره، فإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية يجعلها في بيت مال المسلمين لان جناية المقتول كانت على الامام فكذلك تكون ديته لامام المسلمين " الحديث. (وهل له العفو) مجانا ؟ (الاصح لا) وفاقا للاكثر، بل كاد يكون إجماعا كما اعترف به غير واحد، إذ لا أجد فيه مخالفا إلا الحلي، للاصل المقطوع بما في الصحيح المزبور. قال فيه: " فإن عفى عنه الامام قال: إنما هو حق لجميع المسلمين، وإنما على الامام أن يقتل أو يأخذ الدية، وليس له العفو " كانقطاع عموم تسلط الانسان على ماله، بناء على أنه الوارث حقيقة كغيره من الورثة، ولكن لا يخفى عليك قلة الفائدة في البحث عن ذلك، اللهم إلا أن يكون جواز ذلك لنائب الغيبة وعدمه، ولا ريب في أن الاحوط العدم (وكذا لو قتل خطأ) أو شبيه عمد (فله استيفاء الدية وليس له العفو عنها) لما عرفت وقد تقدم سابقا بعض الكلام في هذه المسألة.


(1) الوسائل الباب - 60 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1 و 2.

[ 356 ]

(النظر الرابع في اللواحق) (وهى أربع) (الاولى) (في الجنين و) المشهور أن (دية الجنين) إذا كان بحكم (المسلم الحر مأة دينار إذا تم) خلقه (ولم تلجه الروح)، بل في الانتصار والغنية ومحكى الخلاف والسرائر وظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل لعله كذلك لما تسمعه من ندرة المخالف، للمعتبرة المستفيضة كالصحيح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام وأبي الحسن الرضا عليه السلام " ان أمير المؤمنين عليه السلام جعل دية الجنين مأة دينار، وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنينا خمسة أجزاء، فإذا كان جنينا قبل أن تلجه الروح مأة دينار، وذلك إن الله تعالى خلق الانسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهو جزءان، ثم مضغة فهو ثلاثة أجزاء، ثم عظما فهو أربعة أجزاء، ثم يكسى لحما فحينئذ تم جنينا فكملت له خمسة أجزاء مأة دينار، والمأة دينار خمسة أجزاء: للنطفة خمس المأة عشرين دينارا، وللعلقة خمسي المأة أربعين دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس المأة ستين دينارا، وللعظم أربعة أخماس الدية ثمانين دينارا، فإذا كسى اللحم كانت له مأة دينار كاملة، فإذا أنشأ فيه خلقا آخر وهو الروح فهو حينئذ نفس فيه ألف دينار دية كاملة إن كان ذكرا، وإن كان انثى فخمسمأة دينار ". ومرسل ابن مسكان (2) عنه أيضا " دية الجنين خمسة أجزاء، خمس للنطفة


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 357 ]

عشرون دينارا، وللعلقة خمسان أربعون دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس ستون دينارا، فإذا تم الجنين كان له مأة دينار، فإذا انشئ فيه الروح فديته ألف دينار أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكرا، وإن كان انثى فخمسمأة دينار، وإن قتلت المرأة وهي حبلي فلم يدر أذكرا كان ولدها أو انثى فدية الولد نصفان، نصف دية الذكر ونصف دية الانثى، وديتها كاملة ". وخبر سليمان بن صالح (1) عنه أيضا " في النطفة عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا، وفي العظم ثمانون دينارا، فإذا كسي اللحم فمأة دينار، ثم هي مأة حتى يستهل، فإذا استهل فالدية كاملة ". وخبر أبي جرير القمي (2) " قال: سألت العبد الصالح عليه السلام عن النطفة ما فيها من الدية ؟ وما في العلقة ؟ وما في المضغة ؟ وما في المخلقة ؟ وما يقر في الارحام ؟ قال: إنه يخلق في بطن امه خلقا من بعد خلق يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما، ففي النطفة أربعون دينارا، وفي العلقة ستون دينارا، وفي المضغة ثمانون دينارا (3) فإذا كسى العظام لحما ففيه مأة دينار، قال الله عزوجل: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (4)، فإن كان ذكرا ففيه الدية وإن كان انثى ففيها ديتها ". إذ المراد من قرائة الآية بيان ولوج الروح فيه. خلافا للعماني فأوجب فيه الدية كاملة لصحيح أبي عبيدة (5) عن الصادق


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 9. والتهذيب ج 10 ص 282 وبينهما اختلاف يسير فراجع. (3) زدنا هذه الجملة من الوسائل. (4) المؤمنون: 13. (5) الوسائل الباب - 8 - من أبواب موانع الارث الحديث الاول الكافي ج 7 ص 141 التهذيب ج 9 ص 379 الفقيه ج 4 ص 319 و 145.

[ 358 ]

عليه السلام أو عن أبيه عليه السلام " في امرأة شربت دواء عمدا (1) وهي حامل لتطرح ولدها (2) ولم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها، فقال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإن عليها دية تسلمها إلى أبيه وإن كان جنينا علقة أو مضغة فإن عليها أربعين دينارا أو غرة تسلمها إلى أبيه، قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته ؟ قال: لا لانها قتلته ". وقول أبي جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (3) " إذا كان عظما شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه فإذا كان كذلك فإن فيه الدية كاملة ". وهما مع قصورهما عن معارضة ما عرفت من وجوه يمكن حملهما على إرادة الدية الكاملة للجنين التي هي المأة دينار أو تقييدهما بما إذا ولجته الروح لانهما مطلقان. وللاسكافي فقال على ما حكى عنه: " إذا ألقى الجنين ميتا من غير أن تتبين حياته بعد الجناية على الام كان فيه غرة عبدا أو أمة إذا كانت الام حرة مسلمة وقدر قيمة الغرة قدر نصف عشر الدية " (4). لقول الصادق عليه السلام في الصحيح (5): " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في جنين الهلالية حيث رميت بالحجر فألقت ما في بطنها غرة عبد أو أمة ". وفي خبر أبي بصير (6) " إن ضرب رجل بطن امرأة حبلي فألقت ما في بطنها ميتا فان عليه غرة عبد أو أمة يدفعها إليها ":


(1) ليست في المصادر المذكورة كلمة " عمدا ". (2) ليست جملة: " لتطرح ولدها " الا في الفقيه ج 4 ص 145. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4. (4) كشف اللثام ج 2 ص 388. (5) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (6) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5.

[ 359 ]

وفي خبر داود بن فرقد (1) " جائت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنينا، فقال الاعرابي: لم يهل ولم يصح ومثله يطل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اسكت سجاعة، عليك غرة عبد ووصيف عبد أو أمة ". وفي خبر سليمان بن خالد (2) " إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد ضرب امرأة حبلي فأسقطت سقطا ميتا فأتى زوج المرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فاستعدى عليه، فقال الضارب: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما أكل ولاشرب ولا استهل ولا صاح ولا استبشر (3) فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنك رجل سجاعة فقضى فيه برقبة ". وسئل عليه السلام أيضا في صحيح أبي عبيدة والحلبي (4) " عن رجل قتل امرأة خطأ وهي على رأس الولد تمخض قال: عليه خمسة آلاف درهم وعليه دية الذي في بطنها، غرة وصيف أو وصيفة أو أربعون دينارا ". وفي خبر أبي مريم (5) عن أبي جعفر عليه السلام " اتى رسول الله صلى الله عليه وآله برجل قد ضرب امرأة حاملا بعمود الفساط فقتلها فخير رسول الله صلى الله عليه وآله أوليائها أن يأخذوا الدية خمسة آلاف وغرة وصيف أو وصيفة للذي في بطنها أو يدفعوا إلى أولياء الرجل خمسة آلاف ويقتلوه " إلى غير ذلك من النصوص. وأما التقدير المزبور للغرة فيدل عليه خبر عبيد بن زرارة (6) " قلت


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4. (3) ولا استبش ن ل. (4) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 6 التهذيب ج 10 ص 286 الكافي ج 7 ص 299 الاستبصار ج 4 ص 301 وسقطت في الوسائل كلمة " غرة " فراجع. (5) الوسائل الباب - 33 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 5 التهذيب ج 10 ص 181 الكافي ج 7 ص 300. (6) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 7.

[ 360 ]

لابي عبد الله عليه السلام: إن الغرة قد تكون بمأة دينار وتكون بعشرة دنانير فقال: بخمسين " وخبر السكوني (1) عنه عليه السلام أيضا " الغرة تزيد وتنقص ولكن قيمتها خمسمأة درهم ". إلا أن ظاهر الصحيح (2) السابق كون قيمتها أربعين، بل هو صريح موثق إسحاق (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الغرة تزيد وتنقص ولكن قيمتها أربعون دينارا " وهو مما يوهن القول المزبور في الجملة، ولو لما في المختلف من تضمنها الحوالة على أمر غير منضبط لا تناط به الاحكام، مضافا إلى شذوذه وقصور أخباره عن المعارضة من وجوه، خصوصا بعد ضعف سند بعضها ولا جابر، وكون آخر قضية في واقعة لا عموم فيها، مع موافقتها أجمع لمذهب الجمهور وما رووه في جنين الهلالية، ولذا حملها الشيخ على التقية تارة، وعلى ما إذا كان علقة أو مضغة اخرى، وان كان لا يقبل الثاني جملة منها. وعلى كل حال فالاصح الاول (ذكرا كان أو انثى) أو خنثى لاطلاق النصوص التي كاد يكون صريحها اختصاص التفصيل بين الذكر والانثى بما بعد ولوج الروح، مضافا إلى إطلاق الاجماعات، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه، ولعله كذلك، فإنه لم يحد إلا عن الشيخ في المبسوط فأوجب في الانثى (الخنثى ن ل) الخمسين نصف ما في الذكر، بل عن ظاهره الاتفاق عليه إلا أنا لم نجد (4) دليلا صالحا لمعارضة لما عرفت (5) وخبر ابن مسكان (6)


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 9. (2) يعنى صحيح أبى عبيده والحلبي المذكور آنفا. (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 8. (4) في الاصل: انه لم نجد له. (5) كذا في النسخ الثلاثة التى راجعناها. (6) الوسائل الباب - 21 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 361 ]

السابق ظاهر في ما بعد ولوج الروح فلاحظ وتأمل. هذا كله في الجنين المسلم (و) أما (لو كان ذميا) حكما (ف‍) - ديته (عشر دية أبيه) كجنين المسلم بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل الظاهر أنه كذلك كما اعترف به غير واحد، مؤيدا بما عساه يستفاد من النصوص والفتوى من مساواة دية الذمي لدية المسلم في تعلق مثل هذه الاحكام بها على حسب النسبة، (و) لكن (في روايت‍) - ي مسمع و (السكوني (1) عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام) " أنه قضى في جنين اليهودية والنصرانية والمجوسية (عشر دية امه) " مؤيدين بمناسبته لجنين المملوكة باعتبار ما ورد (2) من كونهم مماليك الامام، وإن كان هو كما ترى، ضرورة عدم إرادة الملك الذي يجوز (3) عليه مثل الحكم المزبور، فلا مؤيد للخبرين المزبورين كما لاجابر لهما، كى يصلح معارضا لما عرفت من الاجماع المحكى الذي يشهد له التتبع والمؤيد بما عرفت، بل في القواعد: والاقرب حمله على ما لو كانت مسلمة أي كانت ذمية فأسلمت قبل الجناية والاسقاط، وإن كان فيه أن المتجه حينئذ كون ديته تامة لكونه بحكم المسلم إلا على القول بأن دية الانثى خمسون وربما احتمل القول بالتفصيل هنا، والفرق في جنين الذمي بين ذكره وانثاه وحمل الخبر على الانثى، وربما احتمل الحمل على حربية الاب، والاولى إطراحها والانثى خمسون (4) (والعمل على الاول) لما عرفته من ضعفهما وإعراض الاصحاب عنهما أو حملهما على ما لا ينافي إطلاق الحكم المزبور،


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب ديات النفس الحديث 1 و 3. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد من كتاب النكاح الحديث 2 وأيضا الباب - 8 - من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه من كتاب النكاح الحديث الاول. وأيضا الباب - 45 - من أبواب العدد من كتاب الطلاق الحديث الاول. (3) يجرى ن ل. (4) كذا في النسخ الثلاثة التى راجعناها والظاهر زيادتها.

[ 362 ]

والله العالم. (أما) الجنين (المملوك فعشر قيمة امه المملوكة) ذكرا كان أو انثى وفاقا للمشهور، بل عليه عامة المتأخرين، بل عن الخلاف والسرائر الاجماع عليه، لقوي (1) السكوني عن الصادق عليه السلام " في جنين الامة عشر ثمنها ". خلافا للمحكي عن المبسوط فعشر قيمة الاب إن كان ذكرا وعشر قيمة الام إن كان انثى، وهو مع شذوذه لم نعرف مستنده، بل المحكي عن موضع منه " وأما إن كان الجنين عبدا فعشر قيمته إن كان ذكرا وكذلك عشر قيمته إن كان انثى وعندهم نصف عشر قيمة امه (2) " وعن موضع آخر " إذا ضرب بطن أمة فألقت جنينا ميتا مملوكا ففيه عشر قيمة امه ذكرا كان أو انثى وعند قوم غرة تامة مثل جنين الحرة وهو الذي رواه أصحابنا " (3) وعن ابن إدريس أنه حكاه عنه كذلك، وقال: " هيهنا يحسن قول " اقلب تصب " بل ورواية أصحابنا ما قدمه (4) ". وفي المختلف حكاية عبارة المبسوط " وعند قوم اعتباره بأبيه مثل جنين الحرة وهو الذي رواه أصحابنا "، ثم إنه حكي عن ابن إدريس ما سمعته وقال: هذا تجاهل من ابن إدريس، وشيخنا أعرف بالروايات منه، وقد أورد طرفا منها صالحا وتأولها على جاري عادته (5) ".


(1) الوسائل الباب - 21 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2 و 3) حكاه في كشف اللثام ج 2 ص 339 عن المبسوط. وراجع المبسوط ج 7 ص 197 و 205 وفيه هكذا: ففيه عشر قيمة امه ذكرا كان أو انثى عند قوم أو غرة تامة الخ. (4) السرائر باب دية الجنين وفيه هكذا: وعند قوم غرة أمة مثل جنين الحرة. الخ. (5) المختلف ج 7 ص 261 وفيه هكذا: وعند قوم غرة تامة الخ وراجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 507 فان السيد ره احتمل التصحيف في العبارة وهو غير بعيد.

[ 363 ]

ولا يخفى عليك عدم إنصافه لابن إدريس في ذلك إذ لم نعرف شيئا من النصوص فيما ذكره، نعم قد روى هو روايات الغرة في مطلق الجنين كما سمعته سابقا وتأولها بما عرفت. وعلى كل حال فلو كانت امه حرة بأن اعتقت بعد الحمل أو اشترط الرقية وأجزناه، ففي القواعد " إن الاقرب عشر قيمة أبيه (1) " " لان الاصل في الولد أن يتبع الاب وحكم الجنين الحر ذلك خرج ما إذا كانت امه أمة بالنص والاجماع (2) " وفيه ما لا يخفى من عدم موقع للاصل المزبور فيما نحن فيه. ثم قال: " ويحتمل عشر قيمة الام على تقدير الرقية (3) " " ولعله لعموم النص والفتوى باعتبار قيمتها (4) " ولكن فيه أنهما فيما إذا كانت الام أمة لا مطلقا. وفي التحرير " الاقرب عشر دية أمه ما لم تزد على عشر قيمة امه ولم أقف في ذلك على نص (5) ". وفي كشف اللثام " جمعا بين عموم النص والفتوى باعتبار قيمتها ورق الجنين الموجب لعدم زيادة ديته على قيمة أبيه الرقيق " وهو كما ترى. ولعل المتجه فيما خرج عن مورد النص ملاحظة قيمة جنين المملوك غير الساقط بمعنى أنه يقوم جنينا قبل عروض الجناية ويغرم قيمته، والله العالم. (ولو كان الحمل زائدا عن واحد فلكل واحد دية) على حسب ما عرفته


(1) مفتاح الكرامة ج 10 ص 507. (2) قوله: لان الاصل الخ من عبارة كشف اللثام لا القواعد. (3) مفتاح الكرامة ج 10 ص 507. (4) قوله: ولعله الخ من عبارة كشف اللثام أيضا ج 2 ص 339. (5) التحرير ج 2 ص 277.

[ 364 ]

في المسلم الحر والذمي والمملوك كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (- لا كفارة على الجاني) عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، لعدم صدق القتل بعد فرض عدم ولوج الروح، خلافا للمحكي عن الشافعي فأوجبها فيما وجب فيه غرة ومنه الجنين التام خلقة قبل ولوج فيه عنده، وهو واضح الضعف، وما عن أبي علي - من أنه إن حكم عليه بديات أجنة قتلهم كان عليهم من الكفارة لكل جنين رقبة مؤمنة - غير مخالف، لعدم صدق القتل في الفرض فالاصل حينئذ بحاله. هذا كله في الجنين قبل ولوج الروح فيه (و) أما (لو ولجت فيه الروح فدية كاملة للذكر ونصف للانثى) في الحر المسلم والذمي بلا خلاف ولا إشكال، لما سمعته من النصوص (1) المعتضدة بالعمومات. ولو كانت مملوكا فقيمته حين سقوطه، خلافا للعماني والاسكافي فقالا إن مات الجنين في بطنها ففيه نصف عشر قيمة امه وإن ألقته حيا ثم مات ففيه عشر قيمة امه لخبر أبي سيار (2) كما في الكافي، وعبد الله بن سنان كما في الفقيه، وفي التهذيب ابن سنان عن الصادق عليه السلام " في رجل قتل جنين أمة لقوم في بطنها فقال: إن كان مات في بطنها بعدما ضربها فعليه نصف عشر قيمة امه، وإن كان ضربها فألقته حيا فمات فإن عليه عشر قيمة أمه " ولكن ضعفه مع عدم الجابر يمنع من العمل به، مع احتماله التقويم بذلك. فالاصح ما عرفته من غير فرق بين الموت في البطن وغيرها وبين المملوك وغيره،


(1) راجع الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء. (2) الكافي ج 7 ص 344 الفقيه ج 4 ص 146 وفيه " الامة " مكان " امه " في الموضعين التهذيب ج 10 ص 288 عن مسمع، وأما رواية التهذيب عن ابن سنان فلم أجده في كتاب الديات منه، ولكن أشار إليها في الوسائل الباب - 21 - من أبواب ديات الاعضاء ذيل الحديث الاول.

[ 365 ]

بل هو صريح بعض النصوص السابقة أو كصريحها. نعم ظاهر خبر سليمان (1) ابن صالح اعتبار استهلاله في وجوب الدية، وهو محمول على المثال، فما عن ابن زهرة والتقي من الفرق بينهما في غير المملوك بنصف الدية في الاول وتمامها في الثاني واضح الضعف، وإن حكى هو عليه الاجماع، إلا أنه موهون بعدم موافقة أحد لهما فيما أجد عليه إلا ما سمعته من القديمين في المملوك الخارج عن كلامه. وربما احتمل ارجاع كلامهما إلى كلام المشهور، لكنه في غاية البعد. (و) كيف كان ف‍ (- لا تجب) الدية الكاملة (إلا مع تيقن الحياة) بالاستهلال ونحوه مما يعلم به ذلك للاصل (ولا اعتبار بالسكون بعد الحركة لاحتمال كونها عن ريح) ونحوه مما يكون به الاختلاج كما يتفق للحم إذا عصر شديدا، والمذبوح بعد زوال روحه، نعم لو فرض تحركه على وجه يمتاز عن ذلك بحيث يعلم منها حياته اعتبر وكان كغيره مما يدل على حياته. فما عن الزهري من الاكتفاء بمطلق الحركة لا وجه له، بل عن ظاهر الاصحاب عدم اعتبار مضي الاربعة أشهر في الحكم بحياته على وجه يترتب عليه الدية، وإن قال الصادق عليه السلام في خبر زرارة (2) " السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل " وأفتى بمضمونه الاصحاب إلا أن ذلك لا يقتضي تحقق العنوان في المقام. نعم ظاهر خبر أبي شبل (3) الاكتفاء بالخمسة " قال: حضرت يونس الشيباني وأبو عبد الله عليه السلام يخبره بالديات قال: قلت: فإن النطفة خرجت متخضخضة (4) بالدم، قال فقال لي: فقد علقت إن كان دما صافيا ففيها أربعون دينارا وإن كان


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب غسل الميت الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 6، وراجع الكافي ج 7 ص 246 والفقيه ج 4 ص 144 والتهذيب ج 10 ص 284 وتفسير القمى ص 445. (4) في هذه الكلمة احتمالات راجع المصادر المذكورة.

[ 366 ]

دما أسود فلا شئ عليه إلا التعزير، لانه ما كان من دم صاف فذلك الولد، وما كان من دم أسود فإن ذلك من الجوف. قال أبو شبل: فإن العلقة صار فيها شبه العروق من اللحم، قال: فيها إثنان وأربعون دينارا العشر، قال: قلت: فإن عشر أربعين أربعة قال: لا إنما هو عشر المضغة، لانه إنما ذهب عشرها فكلما زادت زيد حتى تبلغ الستين، قال: فإني رأيت في المضغة شبه العقدة عظما يابسا، قال: فذاك عظم كذلك أول ما يبتدأ العظم فيبتدأ بخمسة أشهر ففيه أربعة دنانير فإن زاد فزد أربعة أربعة حتى يتم الثمانين، قال: قلت وكذلك إذا كسى العظم لحما، قال: كذلك. قلت: فإذا وكزها فسقط الصبي ولا يدري أحي كان أم لا ؟ قال: هيهات يا أبا شبل إذا مضت الخمسة أشهر فقد صارت فيه الحياة وقد استوجب الدية ". إلا أني لم أجد عاملا به إلا ما يحكي عن الصدوق، ويمكن حمله على العلم بحاله إذا مضت الخمسة، بالحركة الممتازة عن حركة الاختلاج. (و) على كل حال ف‍ (- تجب الكفارة هنا مع مباشرة الجناية) بلا خلاف ولا إشكال، لتحقق موجبها (و) هو واضح. هذا كله في الجنين لو تم أما (لو لم يتم خلقته ففي ديته قولان أحدهما غرة) عبد أو أمه (ذكره الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف وفي كتابي الاخبار) جمعا بين نصوص (1) الغرة وبين غيرها المتقدمة جميعا سابقا، مستشهدا له بصحيح أبي عبيدة (2) السابق أيضا. ولكن هو - مع أنه في خصوص العلقة والمضغة - مشتمل على التخيير بين الغرة وبين الاربعين دينارا، على أنك قد عرفت عدم مكافئة نصوص الغرة لغيرها بالموافقة للعامة وكون بعضها قضية في واقعة وغيره مما عرفته سابقا حتى يجمع بينهما


(1) راجع الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 367 ]

بالجمع المزبور المقتضى لطرح الاخبار المزبورة المصرحة بالتفصيل المنافي لاطلاق الاخبار الغرة. واحتمال إرادة غرة تساوي عشرين دينارا في النطفة وأربعين في العلقة وهكذا - مع أنه خلاف إطلاق القائل -، لا يوافق تصريح الصحيح بالتخيير بين الاربعين دينارا وبين الغرة في المضغة التي تجب فيها ستون دينارا في النصوص المزبورة. كل ذلك مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1) في تعيين قيمة الغرة على وجه لا يوافق الاحتمال المزبور، بل الشيخ نفسه جعل قيمتها خمسين. وبذلك كله ظهر لك ضعف القول المزبور الذي اختلف أهل اللغة في تفسير الغرة فيه، فبين قائل بأنها العبد والامة، وعن عمر (2) بن عبدالعلا أن المراد بها هنا الغلام الابيض والجارية البيضاء إذ لو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله غير ذلك لقال عبد أو أمة، وبين مفسر لها بالنفيس المختار، وعن الشيخ اختياره. ولذا اشترط أن لا يكون معيبا حتى سل الانثيين وقطع الذكر وأن لا يكون شيخا كبيرا ولا له أقل من سبع سنين أو ثمان فانه حينئذ ليس من الخيار. وأما على السن فإن كان جارية فما بين سبع إلى عشرين وإن كان غلاما فما بين سبع إلى خمس عشرة، وقيمتها نصف عشر دية الحر خمسون دينارا، وقد سمعت النصوص السابقة الدالة على ذلك وغيره. (و) على كل حال فالقول (الآخر وهو الاشهر)، بل المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه (توزيع الدية على مراتب النقل (التنقل ن ل) ففيه عظما) قد اكتسى اللحم كما عن الانتصار أو مطلقا كما في غيره (ثمانون ومضغة ستون وعلقة أربعون) كما سمعته مفصلا في النصوص السابقة وغيرها. كصحيح محمد بن مسلم (3) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يضرب المرأة


(1) راجع الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء. (2) في كشف اللثام ومفتاح الكرامة: أبى عمرو بن العلا. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4.

[ 368 ]

فتطرح النطفة فقال: عليه عشرون دينارا، قلت: فيضربها فتطرح العلقة قال: عليه أربعون دينارا، قال: فيضربها فتطرح المضغة، قال: عليه ستون دينارا، قلت: يضربها فتطرح وقد صار له عظم فقال: عليه الدية كاملة وبهذا قضى أمير المؤمنين عليه السلام، قلت: وما صفة النطفة التي تعرف بها ؟ قال: النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما، ثم تصير إلى العلقة، قلت: فما صفة خلقة العلقة التي تعرف بها ؟ قال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة تمكث في الرحم بعد تحويلها عن النطفة أربعين يوما، ثم تصير مضغة قلت: فما صفة خلقة المضغة التي تعرف بها ؟ قال: هي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشبكة، ثم تصير إلى عظم، قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما ؟ قال: إذا كان عظما شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه فإذا كان كذلك فإن فيه الدية كاملة ". وغيره من النصوص المعتضدة بما عرفت التي لا ريب في رجحانها على نصوص الغرة من وجوه قد عرفت جملة منها، فلا ريب في أنه الاصح. بقى الكلام في اعتبار هذه المراتب في جنين الامة كما عساه يقتضيه تعقيبهم الحكم المزبور لمطلق الجنين، لكن يبعده ثبوت المقدار المزبور في النطفة والعلقة كالجنين الحر إذا فرض زيادة ذلك على قدر عشر الام الذي هو ديته تاما، كما أنه من المستبعد ثبوت عشر قيمة الام فيه مطلقا في جميع المراتب. نعم قد يحتمل التوزيع خمسة أجزاء حتى يكون في النطفة خمس عشر قيمة الام وفي العلقة خمساه وهكذا. ونحو ذلك القول في جنين الذمي. (و) كيف كان ف‍ (- تتعلق بكل واحدة من هذه) المراتب عدا النطفة (أمور ثلاثة: وجوب الدية وانقضاء العدة) للمطلقة، ضرورة صدق وضع الحمل بسقوطه (وصيرورة الامة ام ولد) بناء على أن المراد من الولد فيها ما يشمل ذلك كما حققناه في محله (ولو قيل: ما الفائدة) في اتصافها بذلك (وهي)

[ 369 ]

بموت الولد (تخرج عن حكم المستولدة ؟ قلنا: الفائدة هي التسلط على إبطال التصرفات السابقة التي يمنع منها الاستيلاد) المراد منه ما يشمل الحمل كما حررناه في مقامه. (أما النطفة فلا يتعلق بها إلا الدية وهي عشرون دينارا بعد إلقائها في الرحم) فجنى عليها الجاني وأسقطها دون العدة لعدم صدق وضع الحمل معها ودون الاستيلاد أيضا (و) لكن (قال) الشيخ (في النهاية: تصير بذلك في حكم المستولدة وهي بعيد) إن أراد مجرد وضعها في الرحم كما حققنا ذلك في كتاب الاستيلاد وغيره فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فقد (قال بعض الاصحاب) وهو الشيخ في النهاية: (و) تجب الدية (فيما بين كل مرتبة بحساب ذلك) ولفظ عبارته: " الجنين أول ما يكون نطفة وفيه عشرون دينارا ثم يصير علقة وفيه أربعون دينارا وفيما بينهما بحساب ذلك، ثم يصير مضغة وفيها ستون دينارا وفيما بين ذلك بحسابه، ثم يصير عظما وفيه ثمانون دينارا وفيما بين ذلك بحسابه، ثم يصير مكسوا عليه خلقا سويا شق له العين والاذن والانف قبل أن تلجه الروح وفيه مأة دينار، وفيما بين ذلك بحسابه، ثم تلجه الروح وفيه الدية كاملة (1) ". (وفسره واحد) هو ابن إدريس (ب‍) - ما حاصله (أن النطفة تمكث عشرين يوما ثم تصير علقة) في عشرين يوما اخرى فابتداء تحولها إلى العلقة من اليوم الحادي والعشرين (وكذا ما بين العلقة والمضغة) وكذا بين العظم والكمال فإذا مكثت النطفة أحد (ا ظ) وعشرين يوما كان فيها أحد وعشرون دينارا، وإذا مكثت إثنين وعشرين كان فيها إثنان وعشرون وإذا مكثت عشرة أيام بعد عشرين كان فيها ثلاثون وعلى هذا القياس، (فيكون لكل يوم دينار). قال في محكي السرائر: " الجنين ما دام في البطن فأول ما يكون نطفة وفيها بعد وضعها في الرحم إلى عشرين يوما عشرون دينارا ثم بعد العشرين يوم لكل


(1) النهاية ج 2 ص 803.

[ 370 ]

يوم دينار إلى أربعين يوما أربعون دينارا وهي دية العلقة، فهذا معنى قولهم: وفيما بينهما بحساب ذلك (1) ". وأورد عليه المصنف فقال: (ونحن نطالبه بصحة ما ادعاه الاول) أي الشيخ فإنه لا دليل على ما ذكره (ثم بالدلالة على أن تفسيره مراد) الشيخ، إذ هو كما يحتمل ذلك يحتمل غيره مما ستعرف (على أن المروي في المكث بين النطفة والعلقة أربعون يوما وكذا بين العلقة والمضغة. وروى ذلك سعيد بن (2) المسيب عن علي بن الحسين عليه السلام ومحمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر عليه السلام، وأبو جرير (4) القمي عن موسى عليه السلام وأما العشرون فلم نقف لها على رواية). قال الاول: " سألت علي بن الحسين عليه السلام عن رجل ضرب امرأة حاملا برجله فطرحت ما في بطنها ميتا، فقال: إن كان نطفة فان عليه عشرين دينارا، قلت: فما حد النطفة ؟ قال: هي التي وقعت في الرحم فاستقرت فيه أربعين يوما، قال: وإن طرحته علقة فان عليه أربعين دينارا، قلت: فما حد العلقة ؟ قال: هي التي إذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه ثمانين يوما، قال: فإن طرحت وهي مضغة فان عليه ستين دينارا، قلت: فما حد المضغة ؟ قال: هي التي إذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه مأة وعشرين يوما، قال: فإن طرحته وهي نسمة مخلقة له عظم ولحم مرتب الجوارح قد نفخ فيه روح العقل فان عليه دية كاملة، قلت له: أرأيت تحوله في بطنها من حال إلى حال أبروح كان ذلك أم بغير روح ؟ قال: بروح غذاء الحياة القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ولولا أنه كان فيه روح غذاء الحياة ما تحول من حال بعد حال في الرحم، وما كان إذن على قتله دية


(1) السرائر باب دية الجنين. (2) الكافي ج 7 ص 347 التهذيب ج 10 ص 281 الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 8 ولكن في الاخير لم يورد تماما. (3 و 4) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 4 و 9.

[ 371 ]

وهو في تلك الحال ". وقد سمعت صحيح محمد بن مسلم. وأما خبر أبي جرير فقال: " سألت العبد الصالح عليه السلام عن النطفة ما فيها من الدية وما في العلقة وما في المضغة وما يقر في الارحام ؟ قال: إنه يخلق في بطن امه خلقا بعد خلق يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين يوما، ففي النطفة أربعون دينارا، وفي العلقة ستون دينارا، وفي المضغة ثمانون دينارا، فإذا اكتسى العظام لحما ففيه مأة دينار، قال الله تعالى: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين " (1). وفيه أنه يمكن موافقة كلام ابن إدريس بناء على ما سمعته في ذكر حاصله للروايات المزبورة، في أن بين كل مرتبتين أربعين يوما. بل جزم به في كشف اللثام حتى قال: فما في الشرائع ونكت النهاية والتحرير والمختلف من مخالفة الروايات لا وجه له، وإن كان في جزمه بذلك ما لا يخفى. نعم هو احتمال كما أشار إليه المصنف بقوله: (ولو سلمنا المكث الذي ذكره فمن أين) استظهر أن الاخذ في المرتبة المتأخرة في اليوم الحادي والعشرين ؟ بل ومن أين استظهر أيضا (أن التفاوت في الدية مقسوم على الايام ؟ غايته الاحتمال وليس كل محتمل واقعا) وهو كذلك (مع أنه يحتمل أن يكون الاشارة بذلك إلى ما رواه يونس الشيباني (2) عن الصادق عليه السلام " أن لكل قطرة تظهر في النطفة دينارين وكذا كل ما صار في العلقة شبه العروق من اللحم يزاد دينارين ")، بل في نكت النهاية للمصنف: " الذي يغلب أنه لم يرد الايام، بل يريد ما رواه يونس الشيباني، قال:


(1) المؤمنون: 13. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5.

[ 372 ]

قلت: لابي عبد الله عليه السلام فإن خرجت في النطفة قطرة دم، قال: القطرة عشر الدية (1) فيها إثنان وعشرون دينارا، وفي القطرتين أربعة وعشرون دينارا، وفي الثلاث ست وعشرون دينارا، وفي الاربع ثمانية وعشرون دينارا، وفي الخمس ثلاثون دينارا، وما زاد على النصف فبحساب ذلك، حتى يصير علقة فإذا صار علقة ففيها أربعون دينارا، فقال له أبو شبل: فإن العلقة صار فيها شبه العروق من لحم فقال: إثنين وأربعين دينارا العشر، قلت: إن عشر أربعين أربعة، قال: إنما هو عشر المضغة، وكلما زادت زيد حتى يبلغ الستين، قلت: فإن رأيت في المضغة شبه العقدة عظما يابسا قال: فذاك عظم أول ما يبتدئ فيه العظم فيبتدأ بخمسة أشهر ففيه أربعة دنانير، فإن زاد فزد أربعة أربعة حتى تتم الثمانين، قال: قلت: وكذلك إذا كسى العظم لحما ؟ قال: كذلك. وهذا القدر هو المنقول، وبعض المتأخرين قسم في كتابه ما لا يعلم أصله بأن قسم التفاوت على الايام وزعم أن بين النطفة والعلقة عشرين يوما، وبين العلقة والمضغة عشرين يوما فتكلف ما لم تنطق به دلالة ولا أشار في دعواه إلى مستند، وقد نقل عن علماء أهل البيت عليه السلام أن بين كل حالة من هذه الحال التي بعدها أربعين يوما انتهى " (2). وعن الصدوق في المقنع الفتوى بما ذكره، وتبعه الفاضل في ذلك كله، واستحسنه في الرياض (و) لكن لا يخفى عليك أن الانصاف يقتضى كون ما ذكره ابن إدريس أوفق بعبارة الشيخ من ذلك. نعم (هذه الاخبار) وأن تعددت إلا أنه (قد يتوقف فيها لاضطراب‍) - ها في (النقل) المزبور (أو لضعف الناقل) في بعضها، فالمتجه إيكال علمها


(1) في الوسائل: عشر النطقة. (2) راجع نكت النهاية، آخر كتاب الديات. مفتاح الكرامة ج 10 ص 511 - 512، الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5 و 6.

[ 373 ]

إليهم عليهم السلام. (وكذا) ينبغي أن (يتوقف عن التفسير الذي مر بخيال ذلك القائل) بعد أن عدم الدليل عليه وإن كان محتملا، فتثبت الدية المزبورة حينئذ في مسمى كل واحدة من غير ملاحظة للمراتب المزبورة كما هو مقتضى ما سمعته من النص والفتوى، والله العالم. (ولو قتلت المرأة فمات معها) أو قبلها أو بعدها ولدها الذي ولجه الروح (فدية للمرئة) بلا خلاف ولا إشكال (ونصف الديتين) أي دية الذكر والانثى (للجنين إن جهل حاله وإن علم ذكرا فديته أو انثى فديتها) على المشهور بين الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الحلي الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل: مع الجهالة يستخرج بالقرعة لانه مشكل و) فيه أنه (لا إشكال مع وجود ما يصار إليه من النقل المشهور) من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام بذلك الذى عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن (1) عليه السلام، فهو من الصحيح معتضدا بالاجماع السابق. وبخبر عبد الله بن مسكان (2) عن الصادق عليه السلام المنجبر بالشهرة والاجماع المزبورين. " قال: فإن قتلت المرأة وهي حبلى فلم يدر أذكرا كان ولدها أم انثى فديته للولد نصفين، نصف دية الذكر ونصف دية الانثى، وديتها كاملة " ومؤيدا بالنصوص (3) الحاكمة بمثل ذلك في ميراث الخنثي المشكل، فلا إشكال حينئذ بناء على العمل بمثل ذلك. نعم قد يتجه الاشكال بناء على طريقته من عدم العمل بأخبار الآحاد وإن صحت، مع أنه قد يشكل أولا بإمكان إخراج المكان المقام (4) منها باعتبار


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 21 - من أبواب ديات النفس، الحديث الاول. (3) راجع الوسائل الباب - 2 - من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه. (4) كذا في النسخ الثلاثة التى راجعناها والظاهر زيادة كلمة " مكان ".

[ 374 ]

الاجماع المزبور المعتضد بالتتبع وتعدد النصوص وغير ذلك، فيكون الخبر حينئذ من المحفوف بالقرائن التي تعمل بمثلها، وثانيا بأن المتجه العمل بأصل البرائة، فيقتصر على الاقل، وبذلك يظهر لك الحال فيما في المسالك (1) من انتصاره لابن إدريس في مقابلة ما ذكره الفاضل من شدة النكير عليه، والله العالم. (ولو ألقت المرأة حملها مباشرة أو تسبيبا فعليها دية ما ألقته ولا نصيب لها من هذه الدية) بلا خلاف ولا إشكال في ثبوت الدية عليها، بل وفي عدم إرثها أيضا مع العمد، وقد سمعت التصريح به في صحيح أبي عبيدة (2) عن الصادق عليه السلام فيمن شربت ما أسقطت به ونحوه غيره، مضافا إلى العمومات. وأما الخطأ فقد عرفت الكلام فيه في كتاب المواريث. (ولو أفزعها مفزع فألقته) أي الجنين (فالدية على المفزع) بلا خلاف ولا إشكال أيضا للعمومات وللنصوص المتقدمة المشتملة على غرامة الغرة، ومنها خبر ابن فرقد (3) عن الصادق عليه السلام " جائت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنينا، فقال الاعرابي: لم يهل ولم يصح ومثله يطل، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اسكت سجاعة، عليك غرة عبد أو أمة ". وإن أخطأ فعلى العاقلة كما مر من الخبر (4) المشتمل على قضية امرأة أفزعها عمر فأسقطت وغيره. (ويرث دية الجنين من يرث المال) منه لو كان حيا مالكا ثم مات (الاقرب فالاقرب) على حسب ما عرفت في كتاب المواريث من طبقات الارث


(1) المسالك ج 2 ص 508. (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2، وفيه: عليك غرة وصيف عبد أو أمة. (4) الوسائل الباب - 30 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الثاني.

[ 375 ]

بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر المبسوط وصريح الخلاف الاجماع عليه، مضافا إلى النصوص التي مر بعضها، خلافا لليث بن سعيد فلا ترثه إلا الام لانه بمنزلة عضو منها. (ودية أعضائه وجراحاته بنسبة ديته) ففي يده خمسون، وفي يديه كمال الدية، وفي حارصته مثلا دينار عشر العشر، وهكذا بلا خلاف أجده فيه، وفيما عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن عليه السلام من كتاب ظريف المشتمل على قضاء أمير المؤمنين عليه السلام " وقضى في دية جراح الجنين من حساب المأة على ما يكون من جراح الذكر والانثى الرجل والمرأة كاملة وجعل له في قصاص جراحته ومعقلته على قدر ديته وهي مأة دينار " (1) لكن هذا إذا كان تام الخلقة وله أعضاء متمايزة. أما إذا كان قبل تمامها فجنى عليه الجاني فنقص منه شئ حتى إذا تمت خلقته كان ناقصا عضوا مع فرض العلم بتسبب الجناية لذلك فقد يقال: باعتبار النسبة إلى ديته أيضا، ففى يده إذا كان له عظم أربعون دينارا، وإن كان فرض العلم بذلك متعذرا أو متعسرا، مع أن الاصل البرائة، خصوصا بعد أن لم نجد فيه نصا ولا فتوى، فيمكن أن يكون نحو ما يشبه الجرح فيه من أنه لا حكم فيه، أو أن فيه الحكومة (2). (ومن أفزع مجامعا فعزل فعلى المفزع عشرة دنانير) دية ضياع النطفة بلا خلاف أجده، بل عن الانتصار والخلاف والغنية الاجماع عليه، وفي كتاب ظريف الذي عرضه يونس وابن فضال على أبي الحسن عليه السلام " أفتى - أي أمير المؤمنين عليه السلام - في منى الرجل يفرغ عن عرسه فعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المأة عشر دنانير وإن أفرغ فيها عشرين دينارا إلى آخره (3) ".


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. الكافي ج 7 ص 343. (2) راجع كشف اللثام ج 2 ص 340. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول.

[ 376 ]

(ولو عزل المجامع اختيارا) عن الزوجة الحرة (ولم تأذن قيل) والقائل الشيخ والقاضي وأبو الصلاح وابنا حمزة وزهرة والكيدري على ما حكي عنهم، بل والمصنف في كتاب النكاح والفاضل وغيره: (يلزمه عشرة دنانير)، لكونه مفوتا كغيره، بل عن الغنية وظاهر الخلاف الاجماع عليه، بل عن الجامع والسرائر نسبته إلى رواية وإن حكم الاخير بشذوذها وعدم الالتفات إليها للاصل وكراهة العزل لا حرمته، (و) من هنا قال المصنف: (فيه تردد أشبهه أنه لا يجب) وقد سمعت في كتاب النكاح البحث عن حرمة العزل وكراهته، وعن بناء ثبوت الدية على ذلك وعدمه، فلاحظ وتأمل. (وأما العزل عن الامة فجائز ولا دية وإن كرهت) كالحرة الآذنة، بلا خلاف، بل الظاهر الاجماع عليه كما اعترف به بعض الافاضل، وقد تقدم تحقيقه في كتاب النكاح أيضا. (و) كيف كان ف‍ (- يعتبر قيمة الامة المجهضة) إذا كانت أسقطت بالجناية حتى يلاحظ غيرها (عند الجناية) كما صرح به الفاضل وغيره، بل والشيخ في محكي الخلاف والمبسوط، لانها حال إثبات دية الجنين في الذمة (لا وقت الالقاء) لانه وقت الاستقرار، وإن احتمل لكنه بعيد جدا، والله العالم. (فروع) لو خفى على القوابل وأهل المعرفة كون الساقط مبدأ نشوء إنسان، ففي القواعد الاقرب أن للام حكومة باعتبار الالم بالضرب، وهو جيد مع فرض حصول نقص فيها بذلك يوجب نقصا في القيمة لو كانت أمة، وإلا فلا، للاصل الذي مقتضاه أيضا عدم وجوب شئ في الملقي الذي لم يعلم كونه مبدأ إنسان ولو بحكم أهل الخبرة

[ 377 ]

وحينئذ فلا يجب بضرب المراة شئ غير القصاص على قول، ودية الجنين، إلا أن تموت هي بالضرب، أو يخرج شيئا من جسدها، أو يؤثر أثرا يوجب أرشا، كإحالة اللون، إذ قد عرفت أنه لا شئ في الايلام المجرد سوى التعزير، وخصوصا الالم الحاصل عند الاسقاط إن حصل، فإنه لا يمكن اقتصاصه كما هو واضح. و (لو ضرب النصرانية حاملا) مثلا (فأسلمت وألقته) بعد إسلامها (لزم الجاني دية جنين مسلم، لان الجناية وقعت مضمونة والاعتبار بها حال الاستقرار) لا وقت الضرب كما عرفت الكلام فيه في القصاص فيما إذا جرح النصراني فأسلم ثم مات. (ولو ضرب الحربية) مثلا (فأسلمت وألقته لم يضمن لان الجناية لم تقع مضمونة فلم تضمن سرايتها). (ولو كانت أمة فاعتقت وألقته) قبل أن تلجه الروح وقلنا بتبعية الحمل للعتق (قال الشيخ) في محكي المبسوط: (للمولى أقل الامرين من عشر قيمتها وقت الجناية أو الدية، لان عشر القيمة إن كانت أقل فالزيادة بالحرية فلا يستحقها المولى، فتكون لوارث الجنين، وإذا كانت دية الجنين أقل) من عشر قيمة الام (كان له الدية لان حقه نقص بالعتق) الذي هو من فعله، نحو ما سمعته فيمن جرح عبدا فاعتق فسرى فمات. ولكن أورد عليه المصنف (و) تبعه الفاضل بأن (ما ذكره بناء على القول ب‍) - أن الواجب (الغرة) مطلقا ليمكن كون قيمة الغرة أكثر من الدية (أو على جواز أن تكون دية جنين الامة أكثر من دية جنين الحرة وكلا التقديرين ممنوع، فإذن له عشر قيمة امه يوم الجناية على التقديرين) مطلقا والزائد بالحرية إن كان لورثة الجنين. قلت: قد عرفت سابقا البحث فيما إذا جرح عبدا ثم اعتق فسرت فمات، وأن على القاتل دية الحر ويستحق منها السيد ما يساوي قيمة عبده حال الجناية،

[ 378 ]

فإن استوعبت أخذها وإن زادت ردت إلى دية الحر وإن كانت الدية زائدة فالزائد لوارث العبد الحر الذي لا مدخلية للملك فيه، لانه شئ جعل بسبب الحرية، وما نحن فيه قريب من تلك المسألة، ومراد الشيخ بالاقل، ذلك خصوصا بعد أن كان ظاهر المحكي عن الشيخ عدم القول بأحد الامرين. قال في المبسوط: " إذا ضرب بطن نصرانية ثم أسلمت ثم ألقت جنينا ميتا فكان الضرب هي نصرانية وهو نصراني، والاسقاط وهي وجنينها مسلمان، أو ضرب بطن أمة ثم اعتقت ثم ألقت الجنين فكان الضرب وهما مملوكان، والاسقاط وهما حران فالواجب فيه غرة عبد أو أمة قيمتها خمسون دينارا، وعندنا مأة دينار، لان الجناية إذا وقعت مضمونة ثم سرت إلى النفس كان اعتبار الدية بحال الاستقرار، ثم قال: فإذا تقرر أن الواجب فيه غرة عبد أو أمة أو مأة دينار على مذهبنا كما يجب في المسلم الاصلي والحر الاصلي فان للسيد من ذلك أقل الامرين من عشر قيمة امه أو الغرة فإن كان عشر قيمة امه أقل من الدية فليس له إلا عشر قيمة امه، لان الزيادة عليها بالعتق والحرية ولا حق له فيما زاد بالحرية لانها زيادة في غير ملكه، وإن كانت دية الجنين أقل من عشر القيمة كان له الدية كلها لانه نقص حقه بالعتق فكأنه قد جنى بالعتق على حقه فنقص فلهذا كان له الدية (1) ". وهو كالصريح في اتحاد كلامه هنا ومسألة العبد المجروح، وإنما ذكر الاقل من العشر والغرة تفريعا على قول المخالف. وكيف كان فالتحقيق ما عرفت من أن للمولي عشر قيمة امه يوم الجناية ما لم تزد على دية الحر وإلا ردت إليها والزائد بالحرية لوارث الجنين إن زادت ديته بالحرية وإلا فلا شئ للوارث نحو ما سمعته في القصاص في نظير المسألة،


(1) المبسوط ج 7 ص 197 - 198. وصححنا العبارة طبقا للمصدر.

[ 379 ]

فلاحظ وتأمل. ومنه يعلم أن الخلاف مع الشيخ هنا لفظي، ضرورة كون المراد من أقل الامرين المعنى المزبور، فلا ينافي كون دية الجنين مأة لا تزيد ولا تنقص فلا يناسب التعبير عنها بأقل الامرين، إذ المراد من أقليتها زيادة عشر قيمة الام عليها إلا أنها هي تنقص، وإلا فالظاهر اتفاق الجميع على أن دية جنين المملوك عشر قيمة امه ما لم تزد على دية الجنين الحر وإلا ردت إليها، لان الحر أصل للمملوك بالنسبة إلى ذلك. وقول المصنف عشر قيمة الام على التقديرين لا يراد به تقدير الزيادة على دية الحر وعدمه كما في بعض القيود، بل المراد أن له عشر قيمة الام التي لا تزيد على دية الحر مطلقا، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فالتحقيق ما عرفت، وعن بعض الشافعية عدم استحقاق المولى من جهة الملك شيئا لان الاجهاض وقع في حال الحرية، وما يجب إنما تجب بالاجهاض، فأشبه ما إذا حفر بئرا فتردى فيه حر كان رقيقا حال الحفر فانه لا يستحق السيد من الضمان شيئا. وفيه إن من الواضح الفرق بين الامرين بأن الحفر لا تأثير له في البدن قبل الوقوع بخلاف الضرب. ولو لم تتم خلقة الجنين ففي كشف اللثام، " فإن كان فيه العشر أيضا كان على الجاني ما في جنين الحر، وهو قد يزيد على العشر وقد ينقص وربما يتساويان، فعلى الاولين للمولى أقل الامرين من العشر أو عشرين دينارا مثلا، وإن وزعناه على المراتب الخمس فللمولى في النطفة مثلا خمس عشر قيمة امه الامة، وما زاد من تتمة العشرين دينارا إن زادت عليه لورثة الجنين، ولا يصح القول بأقل الامرين حينئذ إلا على القول بالغرة أو عدم رد القيمة إلى دية الحرة (1) ". قلت: قد عرفت إمكان القول بأقل الامرين بدون ذلك، لكن على المعنى


(1) كشف اللثام ج 2 ص 341.

[ 380 ]

الذي ذكرناه والامر سهل بعد وضوح الحال. ولو كان أحد الابوين ذميا والآخر وثنيا فإن كان الذمي هو الاب ففي القواعد وشرحها للاصبهاني: " هو مضمون لما (1) مر قطعا، وإلا فإشكال من أصل البرائة وانتساب الاولاد للآباء وكون الكفر ملة واحدة، ومن احتمال تبعية الولد لاشرف الابوين " (2) بل إن لم يكن الضمان في الاول قطعيا أمكن الاشكال فيه من الاصل وغيره. ولو ضرب بطن مرتدة فألقت جنينا فإن كان الاب مسلما وجب الضمان كما يضمن الجنين المسلم حكما، لانه كذلك، وكذا لو كان أحدهما مسلما حال خلقة نطفته أو بعدها وإن تجدد الحمل بعد ارتدادهما فلا ضمان إن كان الجاني مسلما، وإن كان حربيا أو ذميا ضمن لانه محقون الدم بالنسبة إليه كما عرفت البحث فيه في القصاص. (ولو ضرب حاملا خطأ فألقت) الجنين (وقال الولي) للدم (كان حيا فاعترف الجاني) بذلك (ضمن العاقلة دية الجنين غير الحي، وضمن المعترف ما زاد لان العاقلة لا تضمن إقرارا) لانه إقرار في حق الغير، ولان الاصل عدم ولوج الروح فيه. (و) كذا (لو أنكر) الجاني ذلك كان القول قوله بيمينه. (و) لو (أقام كل واحد) منهما (بينة) ففي القواعد وغيرها ومحكى المبسوط (قدمنا بينة الولي) الوارث (لانها تتضمن زيادة) الحياة التي قد تخفى على بينة الضارب مع كونها بمنزلة بينة الخارج. ولو اعترف الجاني بأنه انفصل حيا وادعى موته بسبب آخر، فان كان الزمان قصيرا قدم قول الوارث للظاهر وأصل عدم جناية جان آخر، وإلا فعليه البينة بأنه بقى ضمنا حتى مات. ولو اتفقا على انفصاله لدون ستة أشهر ولم يدع الجاني جناية جان آخر


(1) في كشف اللثام: هو مضمون بما مر قطعا. (2) كشف اللثام ج 2 ص 341.

[ 381 ]

فعليه الضمان قصر الزمان أو طال، من غير حاجة إلى بينة أو يمين، لانه لا يعيش مثله فيها. (ولو ضربها فألقته فمات عند سقوطه فالضارب قاتل) على الظاهر نحو من ضرب شخصا بشئ يقتل مثله فمات عقيب ذلك، فحينئذ (يقتل إن كان عمدا) لتحقق موضوع القصاص فيه وهو إزهاق الروح المحترمة، سواء كانت مستقرة أولا، خلافا لبعض العامة حيث حكم بأنه إذا لم يتوقع أن يعيش لا تكمل فيه الدية عن آخر (1) فأوجب فيه الغرة، وهو كما ترى مناف لاطلاق الادلة التي مقتضاها القصاص مع تيقن حياته وإزهاقها بالجناية (ويضمن الدية في ماله إن كان شبيها) بالعمد (ويضمنها العاقلة إن كان خطأ وكذا لو بقي ضامنا ومات أو وقع صحيحا وكان ممن لا يعيش مثله) لدون الستة أشهر (وتلزمه الكفارة في كل واحدة من هذه الحالات) التي يتحقق بها موضوعها، وهو قتل الانسان الكامل. (ولو ألقته حيا فقتله آخر فإن كانت حياته مستقرة فالثاني قاتل) عمدا أو خطأ أو شبه عمد (ولا ضمان على الاول) لعدم إتلافه شيئا (و) لكن (يعزر) لانه آثم بالجناية التي ترتب عليها الالقاء (وإن لم تكن) حياته (مستقرة) بسبب جناية الاول عليه (فالاول قاتل) عرفا (والثاني آثم يعزر لخطائه)، بل لو قطع رأسه في الحال المزبور كان عليه دية قطع الرأس الميت. (ولو جهل حاله حال ولادته) فلم يعلم كونه مستقر الحياة أولا (قال الشيخ: يسقط القود) عن كل منهما (للاحتمال) الموجب شبهة يسقط القود بمثلها (و) لكن (عليه) أي الثاني (الدية) تامة لاصالة بقاء الحياة، لا دية جنين ميت كما في المسالك، لانه المتيقن، إذ ذلك لا يقتضي


(1) كذا في النسخ التى راجعناها ويحتمل زيادة " عن آخر " راجع كشف اللثام ج 2 ص 342 الفرع الثالث عشر.

[ 382 ]

سقوط دية الجنين الحى الثابت بالاصل، وربما كان في نسبة المصنف ذلك إلى الشيخ إشعار بالتردد فيه، ولعله في وجوب كمال الدية على الثاني لاصل البرائة بعد أصالة عدم الحياة الدافعة للقود، مع فرض التعمد، فكذلك الدية، اللهم إلا أن يقال بأن الشبهة تسقط القود الذي هو الحد، بخلاف الدية التي يكفى في ثبوتها الاصل الذي لا يكفى في نحو الفرض بالنسبة إلى تحقق القصاص، ولعله لذا جزم به الفاضل في القواعد من غير نسبة إلى الشيخ. (ولو وطأها ذمي ومسلم لشبهة في طهر واحد) بحيث يمكن التولد منهما (فسقط بالجناية، اقرع بين الواطئين) لانها لكل أمر مشكل (والزم الجاني بنسبة دية من الحق به) الولد من الذمي والمسلم، بل أو القود إن تحققت شروطه، بناء على ما عرفته سابقا من أن الاقوى إثبات القود بها، وتجب عليه الكفارة أيضا مع الالحاق بالمسلم وكان حيا، والله العالم. (ولو ضربها فألقت عضوا كاليد) ونحوها مما يعلم به تمام الخلقة الجنين (فإن ماتت) بذلك ولم ينفصل الجنين بكماله (لزمه ديتها) أو القود (ودية الحمل) التام خلقة، لان موتها سبب لتلفه وإن لم ينفصل، (ولو ألقت أربع أيد فدية جنين واحد، لاحتمال أن يكون ذلك لواحد) وإن بعد، إلا أن الاصل البرائة، وكذا لو ألقت رأسين بل وبدنين، مع احتمال كونهما على حقو واحد، نعم لو ألقت بعد العضو جنينا كامل الاطراف بحيث لا يحتمل أن يكون الساقط منه بحيث لا يكون فيه أثر لانقطاع العضو منه ثم مات وجب ديتان لجنينين مع ديتها إن ماتت بالجناية، لانه ظهر بكمالية أطراف الساقط من غير ظهور سقوط عضو منه أن في البطن جنينا آخر فتجب ديته مع احتمال العدم، للاصل، بعد إمكان كون العضو من هذا الجنين وإن لم يظهر لنا الحال. (ولو ألقت العضو ثم ألقت الجنين ميتا) من غير علم بسبق حياته، ناقص اليد، قبل زوال الالم الحاصل لها بالضرب، حكم بأن اليد يده، وإن احتمل غيره، لاصل البرائة، ولان إلقاء الجنين بالجناية بشهادة الحال، فعليه حينئذ

[ 383 ]

دية جنين كامل الخلقة قبل ولوج الروح فيه، و (دخلت دية العضو في ديته) كالانسان الكامل (وكذا لو ألقته حيا فمات) إلا أن عليه دية نفس كاملة (ولو سقط وحياته مستقرة ضمن دية اليد) التي سقطت بجنايته (حسب) كالانسان، مع فرض العلم بانتقال العضو منه حيا لتعقب سقوطه لسقوطها أو لغير ذلك. (و) أما (لو تأخر سقوطه) عن سقوطها على وجه لم يعلم سقوطها منه حال حياته أو طالب الولى بدية اليد قبل وقوعه، ففى القواعد وغيرها (فإن شهد أهل المعرفة أنها يدحى، فنصف ديته وإلا فنصف المأة) دينار، التي هي دية الجنين قبل ولوج الروح فيه، الذي قد عرفت أن دية أعضائه على حسب نسبة ديته، وربما احتمل عدم اعتبار هذه الشهادة والعمل بأصل البرائة وعدم الحياة، ولكنه كما ترى، والله العالم. (مسألتان) (الاولى) (دية الجنين إن كان عمدا أو شبه العمد ففي مال الجاني، وإن كان خطأ فعلى العاقلة، وتستأدى في ثلاث سنين) بلا خلاف أجده بيننا، بل في كشف اللثام التصريح بعدم الفرق في ذلك بين دية الجنين قبل ولوج الروح بجميع مراتبه، وبين ولوج الروح فيه، وكأنهم جعلوا الجناية على الجنين مطلقا بحكم القتل بالنسبة إلى الاحكام المزبورة، وظاهرهم الاتفاق عليه، مضافا إلى النصوص في بعض الاحكام المزبورة، ولولاه لامكن الاشكال في ضمان العاقلة في صورة عدم تحقق القتل كما في الجناية عليه قبل ولوج الروح فيه، خصوصا بعد إطلاق النصوص الضمان على الجاني. وعلى كل حال فما عن العامة من وجوب دية الجنين مطلقا على العاقلة بناء

[ 384 ]

منهم على عدم تحقق العمد منه واضح الفساد، كالمحكى عن الشافعي منهم من استيدائها في السنة الاولى إن لم يكن ولجت الروح، بناء على قوله بأداء ثلث الدية الكامل في السنة الاولى والباقي في الثانية. المسالة (الثانية): (في قطع رأس الميت المسلم الحر مأة دينار) على المشهور بين الاصحاب، بل عن الخلاف والانتصار والغنية الاجماع عليه، مضافا إلى حسن حسين (1) ابن خالد " سألت أبا الحسن عليه السلام فقال: إنا روينا عن أبي عبد الله عليه السلام حديثا احب أن أسمعه منك قال: وما هو ؟ قلت: بلغني أنه قال: في رجل قطع رأس ميت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله حرم من المسلم ميتا ما حرم منه حيا، فمن فعل بميت ما يكون في ذلك احتياج نفس الحي فعليه الدية، فقال: صدق أبو عبد الله عليه السلام، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله قلت: من قطع رأس رجل ميت أو شق بطنه أو فعل به ما يكون في ذلك الفعل احتياج النفس الحى، فعليه دية النفس كاملة ؟ فقال: لا، ثم أشار إلى باصبعه الخنصر، فقال: أليس لهذه دية ؟ قلت: بلى قال: فتراه دية نفس ؟ قلت: لا، قال: صدقت قلت: وما دية هذه إذا قطع رأسه وهو ميت ؟ قال: ديته دية الجنين في بطن امه قبل أن ينشأ فيه الروح وذلك مأة دينار، قال: فسكت وسرني ما أجابنى به، فقال: لم لا تستوف مسألتك ؟ فقلت: ما عندي فيها أكثر مما أجبتني به إلا أن يكون شئ لا أعرفه، فقال: دية الجنين إذا ضربت امه فسقط من بطنها قبل أن تنشأ فيه الروح مأة دينار وهي لورثته وأن دية هذا


(1) التهذيب 10 ص 273 - 274 وغيرنا بعض كلماتها طبقا للمصدر وأغمضنا عن تغيير بعضها الاخر فراجع، ورواى الحديث حسين بن خالد لا سليمان بن الخالد كما في بعض النسخ.

[ 385 ]

إذا قطع رأسه أو شق بطنه فليس هي لورثته، إنما هي له دون الورثة، قلت: وما الفرق بينهما ؟ فقال: إن الجنين مستقبل مرجو نفعه وإن هذا قد مضى فذهبت منفعته فلما مثل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره، يحج بها عنه أو يفعل بها من أبواب الخير والبر من صدقة أو غيرها، قلت: فإن أراد الرجل أن يحفر له بئرا ليغسله في الحفيرة فسدر الرجل فما يحفر بين يديه فمالت مسحاته في يده، فأصابت بطنه فشقته فما عليه ؟ فقال: إن كان هكذا فهو خطأ فانما عليك الكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو صدقة ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وآله ". وإلى مرسل محمد بن الصباح (1) عن الصادق عليه السلام قال: " أتى الربيع أبا جعفر المنصور - وهو خليفة - في الطواف فقال: يا أمير المؤمنين مات فلان مولاك البارحة، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته فاستشاط وغضب قال فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى وعدة من القضاة والفقهاء: ما تقولون في هذا ؟ فكل قال: ما عندنا في هذا شئ، فجعل يردد المسألة ويقول: أقتله أم لا ؟ فقالوا: ما عندنا في هذا شئ قال: فقال له بعضهم: قد قدم رجل الساعة فإن كان عند أحد شئ فعنده الجواب في هذا وهو جعفر بن محمد عليه السلام وقد دخل المسعى، فقال للربيع: إذهب إليه وقل له: لولا معرفتنا بشغل ما أنت فيه لسألناك أن تأتينا ولكن أجبنا في كذا وكذا، قال: فأتاه الربيع وهو على المروة فأبلغه الرسالة. فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد ترى شغل ما أنا فيه وقبلك الفقهاء والعلماء فاسألهم قال له: قد سألهم فلم يكن عندهم فيه شئ، قال: فرده إليه فقال: أسألك إلا أجبتنا، فليس عند القوم في هذا شئ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: حتى أفرغ مما أنا فيه، فلما فرغ فجلس في جانب المسجد الحرام فقال للربيع: إذهب إليه فقل له: عليه مأة دينار قال: فأبلغه ذلك فقالوا له: فاسأله كيف صار عليه مأة دينار ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: في النطفة عشرون دينارا وفي العلقة عشرون دينارا وفي المضغة عشرون


(1) الكافي ج 7 ص 347 - 348، التهذيب ج 10 ص 270 - 271.

[ 386 ]

دينارا وفي العظم عشرون دينارا وفي اللحم عشرون دينارا ثم أنشأناه خلقا آخر وهذا هو ميت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الروح في بطن امه جنينا، قال: فرجع إليه فأخبره بالجواب فأعجبهم ذلك، فقالوا: إرجع إليه وسله الدنانير لمن هي ؟ لورثته أو لا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس لورثته فيها شئ، إنما هذا شئ صار إليه في بدنه بعد موته، يحج بها عنه أو يتصدق بها عنه أو يصير في سبيل من سبل الخير، الحديث ". ولكن مع ذلك كله قال في محكي المقنعة (1): " إن الجاني إن قطع رأس ميت كان يريد قتله في حياته فعليه ديته حيا وإلا فمأة دينار " (2) ولعله للجمع بين ما سمعت وبين قول الصادق عليه السلام كما حكاه عن نوادر ابن أبي عمير (3) " قطع رأس الميت أشد من قطع رأس الحي "، وفي خبر ابن مسكان (4) " وعليه ديته (5) لان حرمته ميتا كحرمته وهو حي " وفي التهذيب (6) " عليه الدية " ونحوه أخبار اخر إلا أن المتجه حملها كما عن الشيخ على إرادة مأة دينار من الدية كما سمعت التصريح به في الخبر المزبور، والاشدية لا توجب التساوي في الدية. (و) حينئذ ف‍ (- في قطع جوارحه بحساب ديته) التي هي كدية الحي، لتنزيله منزلة الجنين الذي قد عرفت الحكم فيه، بل لعل المراد من الارش في خبر إسحاق ابن عمار (7) عن الصادق عليه السلام " وإن قطعت يمينه أو شئ من جوارحه فعليه الارش


(1) كذا في النسخ الثلاثة التى راجعناها ولكن الصحيح: الفقيه كما في كشف اللثام. (2) الفقيه ج 4 ص 158. (3) الفقيه ج 4 ص 157. (4) الفقيه ج 4 ص 157. (5) في الفقيه هكذا: قال: عليه الدية. (6) التهذيب ج 10 ص 273. (7) الوسائل الباب - 24 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3.

[ 387 ]

للامام ". بل (وكذا) الكلام (في) نسبة (شجاجه وجراحه) إلى ديته المزبورة على حسب ما سمعته في الحي، وما في خبر مسمع (1) المشتمل على سؤاله للصادق عليه السلام عن رجل كسر عظم ميت فقال: " حرمته أعظم من حرمته وهو حي " لا ينافي ذلك كما سمعته سابقا ولو لم يكن في الجناية مقدر اخذ الارش لو كان حيا ونسب إلى الدية فيؤخذ من ديته المأة دينار بتلك النسبة، بل لعل في خبر إسحاق المزبور إشعارا بذلك. بقى الكلام فيما سمعته في الحسن (2) الاول من عدم وجوب غير الكفارة في قطع رأسه خطأ، ولم أجد عاملا به خصوصا بعد ما سمعته من كونه كالجنين قبل أن تلجه الروح، الذي عرفت عدم الكفارة في إسقاطه، بل قد عرفت ثبوت الدية في إسقاطه خطأ، ولعله لذا قال في الروضة: " وهل يفرق هنا بين العمد والخطأ كغيره حتى الجنين ؟ يحتمله لاطلاق التفصيل في الجناية على الآدمي وإن لم يكن حيا كالجنين، وعدمه بل يجب على الجاني مطلقا وقوفا فيما خالف الاصل على موضع اليقين، مؤيدا بإطلاق الاخبار والفتوى بأن الدية على الجاني مع ترك الاستفصال في واقعة الحال السابقة الدالة على العموم " وظاهره المفروغية من ثبوت الدية في الجملة فيه، وكأنه لم يلحظ الخبر المزبور فإن لم يكن إجماعا أمكن القول بعدم ثبوت شئ فيه، والفرق بينه وبين الجنين النص على ثبوتها في الثاني ولو خطأ وعدم ثبوتها في الاول الموافق لمقتضى الاصل. (و) كيف كان ف‍ (- لا يرث وارثه منها شيئا بل تصرف في وجوه القرب عنه عملا بالرواية) المزبورة المعتضدة بما في مرسل محمد بن الصباح (3) عن


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 5. (2) يعنى حسن حسين بن خالد. (3) الوسائل الباب - 24 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول التهذيب ج 10 ص 270.

[ 388 ]

الصادق عليه السلام " ليس لورثته فيها شئ إنما هذا شئ صار إليه في بدنه بعد موته، يحج بها عنه أو يتصدق بها عنه أو يصير في سبيل من سبل الخير " وبالاجماع عن الخلاف والغنية، بل لو كان الميت عبدا لم يكن لسيده شئ من الدية المزبور، لما سمعته من النص والفتوى وزال (1) ملكه عنه. نعم لو كان عليه دين قضى منها وجوبا إذا اقترحه الوارث، أو إذا لم يخلف سواها، أو على التوزيع بينه وبين غيرها من تركته مع فرض امتناع الوارث، وجوه لا يخلو أخيرها من قوة، لانها بحكم ماله ولا أهم من قضاء الدين، مع أنه استشكل فيه في القواعد من ذلك ومن أنه إنما يجب أداء الدين من التركة وهى ليست منها ولذا لا تورث، وإن كان الاول أظهر كما في كشف اللثام، ومال إليه المصنف في النكت بعض الميل بعد أن اختار عدم قضاء دينه منها وعدم أداء وصيته منها، وقال: " إن ذلك مقتضى الاصل " وإن كان فيه مالا يخفى. وكيف كان فصرفها (2) ما عرفت (و) لكن (قال علم الهدى) والحلي فيما حكى عنهما: (تكون لبيت المال) لانها عقوبة جناية، ولا قاطع بوجوب الصرف في وجوه الخير عنه، ولان إسحاق (3) بن عمار قال للصادق عليه السلام: " فمن يأخذ ديته ؟ قال: الامام، هذا لله ". وفيه ما لا يخفى فإن ما عرفت من النص وغيره كاف في القاطع، وخبر إسحاق يمكن إن يكون المراد منه إن الامام ومن نصبه يقبضها ويتصدق بها عنه فإنه الولي لمثل ذلك، كما أشار إليه المفيد، قال: " يقبضها إمام المسلمين أو من نصبه للحكم في الرعية ويتصدق بها عن الميت بها (4) " كما هو واضح.


(1) وزوال ظ. (2) فمصرفها ظ. (3) الوسائل الباب - 24 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (4) المقنعة ص 120.

[ 389 ]

ثم إنه على القول المزبور قال المصنف في النكت: " ينبغي أن يقضي الدين منها لان الامام يأخذها بالولاء، والدين مقدم على الولاء " وفيه أنه يمكن عدم قضائه أيضا منها بناء على اختصاص القضاء بالتركة التي هي ليست منها، واحتمال عدم جعل القائل ذلك من باب الارث، بل لعله الظاهر، ولذا لم يرثه من تقدم على الامام من الطبقات. نعم التحقيق قضاء الدين منها على كل حال ضرورة بقاء خطاب الوضع في ديته وإن سقط عنه خطاب التكليف كما أشرنا إليه سابقا. ولو كان الميت عبدا أو ذميا ففي القواعد: " فيه عشر الدية الحر الذمي وعشر قيمة العبد الحي " (1) وهو كذلك مع فرض وجوبها فيهما أيضا، فإن الاخبار والفتاوى وإن كانت مطلقة لكن لو كان حكمها حكم الحر المسلم لزم زيادة الميت فيها على الحي في الدية. نعم قد يقال بعدم وجوبها فيهما اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن، وخصوصا في الذمي، لاختصاص النص والفتوى في المسلم، بل والحر ولو بقرينة ذكر المأة دينار دية، إلا أن يتساوى المرأة والرجل والصغير والكبير في ذلك، للعموم المؤيد بالتعليل بأنه كالجنين التام الذي لم تلجه الروح، فيقتضي إلحاقهما به لكن على الوجه الذي عرفته. ولو لم يبن الرأس بل قطع ما لو كان حيا لم يعش مثله فمأة دينار أيضا، لما سمعته من النص (2) على المأة في كل ما فعل به ما لو كان حيا لقتله.


(1) ايضاح الفوائد في شرح القواعد ج 4 ص 729 وفيه: " الذمي الحى " مكان " الحر الذمي ". (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2.

[ 390 ]

(الثانية) من اللواحق (في الجناية على الحيوان) (وهي باعتبار المجني عليه تنقسم أقساما ثلاثة) (الاول) (ما يؤكل) في العادة (كالغنم والابل والبقر، فمن أتلف شيئا منها بالذكاة لزمه التفاوت بين كونه حيا وذكيا) إن كان، بلا خلاف أجده فيه مع اختيار المالك، لقاعدة الاتلاف مع أصالة برائة الذمة مما زاد على ذلك (وهل للمالك دفعه والمطالبة بقيمته ؟ قيل: نعم وهو اختيار الشيخين رحمهما الله) في المقنعة والنهاية وسلار والقاضي وابنى حمزة وسعيد، على ما حكي عن بعضهم: (نظرا إلى إتلاف أهم منافعه) فهو حينئذ بحكم التالف. (وقيل) والقائل المتأخرون والشيخ في محكي المبسوط: (لا لانه إتلاف بعض منافعه فيضمن التلف وهو أشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها عدم خروج المال عن المالية وملك مالكه بذلك. نعم لا إشكال في الجواز مع التراضي بذلك مع مراعاة القواعد الشرعية، كما لا إشكال أيضا في لزوم القيمة لو فرض عدم القيمة له أصلا مع الذبح ضرورة كونه كالتالف. (ولو أتلفه لا بالذكاة لزمه قيمته يوم إتلافه) كغيره من الاموال بلا خلاف (و) لا إشكال. نعم (لو بقى فيه ما ينتفع به كالصوف والشعر والوبر والريش) وغير ذلك مما ينتفع به من الميتة ولو قيمة (فهو) باق (للمالك) للاصل وغيره،

[ 391 ]

فينبغي أن (يوضع من قيمته) التي يغرمها المتلف. (ولو قطع بعض أعضائه أو كسر شيئا من عظامه فللمالك الارش)، وهو تفاوت ما بين قيمتيه، لكن في صحيح ابن (1) اذينة " كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن رواية الحسن البصري يرويها عن علي عليه السلام في عين ذات القوائم الاربع إذا فقئت ربع ثمنها، فقال: صدق الحسن قد قال علي عليه السلام ذلك " وفي خبر أبي العباس (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا " من فقأ عين دابة فعليه ربع ثمنها " وفي صحيح محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في عين فرس فقئت بربع ثمنها يوم فقئت عينها " وفي آخر (4) عنه عليه السلام أيضا " إن عليا عليه السلام قضى في عين دابة بربع الثمن ". إلى غير ذلك من النصوص، بل عن الشيخ وجماعة الفتوى بها في عين الدابة، بل عن المبسوط والخلاف أنه حكى عن الاصحاب إن في عين الدابة نصف قيمتها، وكذا كل ما كان في البدن منه إثنان، وإن كنا لم نعرف مستنده سوى القياس على الانسان الباطل عندنا، كما أنا لم نعرف أحدا من المتأخرين عاملا بروايات الربع عدا المصنف في النافع. والمشهور إطلاق الارش فيها وفي غيرها من الاعضاء والجراح والكسر ونحوه مما فيه الارش المزبور، بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال، لما سمعته من القاعدة. نعم في قوى السكوني (5) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في


(1) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء الحديث 3. (4) الوسائل الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء، الحديث 4. (5) الوسائل الباب - 18 - من أبواب ديات النفس الحديث 2 وفيه: عشر قيمتها. الكافي ج 7 ص 368.

[ 392 ]

جنين البهيمة إذا ضربت فازلقت عشر ثمنها " ورواه في التهذيب (1) تارة اخرى هكذا " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في جنين البهيمة فألقت عشر ثمنها " بل في النافع الفتوى بمضمونه، بل عن السرائر ذلك أيضا مدعيا عليه إجماع أصحابنا وتواتر أخبارنا، وإن كنت لم أتحقق شيئا منهما، بل في التحرير أيضا أرش ما نقص من الام وتتقوم حاملا وحائلا ويلزم الجاني بالتفاوت، وهو حسن إن لم يثبت الاجماع المزبور، ويمكن حمل النص في العشر والربع على ما ساوى الارش بذلك. (الثاني) (ما لا يؤكل ويصح ذكاته كالنمر والاسد، بل والفهد) وإن جعله في النهاية مثالا لما لا يقع عليه الذكاة، لكن يمكن أن يريد الذكاة التامة المحللة للاكل والمطهرة، بناء على أنه لا يرى طهارة جلد غير مأكول اللحم ما لم يدبغ، لما عرفت من قبوله كغيره للتذكية في كتاب الذباحة. وحينئذ (فإن أتلفه بالذكاة ضمن الارش لان له) فيه (قيمة بعد التذكية وكذا) يجب الارش (في قطع جوارحه وكسر عظامه مع استقرار حياته) كما سمعته في المأكول بلا خلاف أجده فيه، نعم فيه القول المزبور، بل لعله لا يجري فيه ما تقدم في العين، بناء على عدم تناول الروايات المزبورة له، لانسياق غيره فيها وإن كان فيه ما لا يخفى. (وإن أتلفه لا بالذكاة ضمن قيمته حيا) بلا خلاف ولا إشكال بعد وضع ما ينتفع به منه كعظم الفيل ونحوه. ولعل من هذا القسم ما لا يؤكل عادة وإن حل أكله كالخيل والبغال والحمير الاهلية، لكن عن المفيد أنه عد مما لا تقع عليه الذكاة ولا يحل أكله اختيارا البغال والحمير الاهلية والهجين من الدواب والسباع والطير وغيره، وفيه ما لا يخفى.


(1) التهذيب ج 10 ص 288.

[ 393 ]

نعم الظاهر عدم اعتبار ما يحل منها بالتذكية وبدونها، وفي خبر أبي الجارود (1) " قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كانت بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردونها عن شئ وقعت فيه قال: فأتاها رجل من بني مدلج وقد وقعت في قصب له ففوق لها سهما فقتلها، فقال له عليه السلام: والله لا تفارقني حتى تديها قال: فوديها ستمأة درهم " وهو وإن كان في غير التذكية، لكن من المعلوم عدم الفرق بينهما مع فرض عدم قيمة للمذكى من ذلك، اللهم إلا أن يفرض فيوضع من القيمة كما سمعته سابقا. (الثالث:) (ما لا يقع عليه الذكاة ففي كلب الصيد أربعون درهما) كما في النافع وغيره، ومحكي المقنع والسرائر والمراسم والجامع، بل هو الاشهر، بل لعله عليه عامة من تأخر، نعم عن السرائر والمراسم اشتراط كونه معلما، ولعله الظاهر من نحو عبارة المتن، وعلى كل حال فهو الاقوى. لمرسل ابن فضال (2) عن بعض أصحابه المنجبر بما عرفت، عن أبي عبد الله عليه السلام " دية كلب الصيد أربعون درهما، ودية الكلب الماشية عشرون درهما، ودية الكلب الذي ليس للصيد (3) زنبيل من تراب على القاتل أن يعطي وعلى صاحبه أن يقبل ". وخبر عبد الاعلى (4) بن أعين المروي في الخصال بطريق حسن عنه عليه السلام


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (3) في المصدر: ليس للصيد ولا للماشية (4) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 5 الخصال ص 539

[ 394 ]

أيضا " قال: في كتاب علي عليه السلام دية كلب الصيد أربعون درهما ". بل وخبر الوليد (1) بن صبيح عنه عليه السلام أيضا " دية الكلب السلوقي أربعون درهما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك أن يؤديه لبني خزيمة ". وخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " دية الكلب السلوقي أربعون درهما، جعل ذلك له رسول الله صلى الله عليه وآله، ودية كلب الغنم كبش، ودية كلب الزرع جريب من بر، ودية كلب الاهل قفيز من تراب لاهله " بناء على غلبة كون السلوقي معلما للصيد كما اعترف به ابن إدريس، بل هو نسبة إلى سلوق قرية باليمن أكثر كلابها معلمة على ما قيل. (و) على كل حال ف‍ (- من الناس) وهو المفيد والقاضي وابن حمزة فيما حكي عنهم (من خصه بالسلوقي) مقيدا له الاول بالمعلم الذي هو مراد غيره، بناءا على الغلبة المزبورة (وقوفا على صورة الرواية) التي سمعتها في السلوقي. ولكن فيه مع احتمال إرادة مطلق كلب الصيد منه أنه لا يصلح مقيدا لغيره، ضرورة كونه - بعد إرادة الصيود منه كما هو الغالب - أحد أفراد كلب الصيد، فهو موافق حينئذ في الحكم، لا مناف كي يكون مقيدا. نعم في خبر الوليد (3) بن صبيح أو موثقه عن أبي عبد الله عليه السلام المروي عن الخصال " دية كلب الصيد السلوقي أربعون درهما " ولعله الحجة للقول المزبور، بناءا على حجية مثل هذا المفهوم، اللهم إلا أن يقال بقصوره عن المقاومة ولو للشهرة المزبورة، لا يراد منه المفهوم المزبور، إلا أن ظاهر المصنف وغيره عدم الوقوف على ما ذكرناه من النصوص، خصوصا الاخير كما لا يخفى على من لاحظ


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول وفيه: " يديه " مكان " يؤديه ". (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 6 الخصال ص 539.

[ 395 ]

كلماتهم، ومنه يضعف توهين الخبر المزبور الذي لم يتحقق فيه الاعراض، فالمتجه حينئذ اختصاص السلوقي من كلاب الصيد بالاربعين وأما غيره فيرجع فيه إلى التقويم. نعم قد يقال بأنه لا يتجاوز بقيمته الاربعين نظرا إلى أن السلوقي أعلى قيمة وأهم في نظر الشرع كما تسمعه من ابن الجنيد. (و) كيف كان ف‍ (- في رواية السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في كلب الصيد) " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: فيمن قتل كلب الصيد قال (يقومه) وكذلك البازي (وكذلك كلب الغنم و) كذلك (كلب الحائط " و) لكن (الاول أشهر) رواية وأشهر عملا. بل لم أجد من أفتى به سوى ما يحكى عن أبي علي، مع أنه قال: لا يتجاوز بقيمته أربعين درهما، وكأنه جمع به بين الاخبار، واستحسنه في محكي المختلف، ولكن فيه ما لا يخفى، ضرورة قصوره عن المعارضة من وجوه. فالمتجه حمله على إرادة التقويم بالاربعين وإن بعد أو طرحه كالمرسل (2) وخبر ابن حصين (3) عن الرضا عليه السلام المرويين عن تفسير العياشي في تفسير قوله تعالى: وشروه بثمن بخس (4) " البخس النقص وهي قيمة كلب الصيد إذا قتل كانت ديته عشرين درهما " وإن قال في الوسائل: " حمل على غير المعلم " وفيه أنه لا تقدير فيه أيضا. نعم يمكن حمله على تفاوت الدراهم أو غير ذلك، والله العالم (وفي كلب الغنم كبش) عند الفاضلين والشهيدين، بل نسبه ثانيهما إلى الاكثر لخبر أبي بصير (5) السابق (وقيل) والقائل المشهور على ما في كشف اللثام وغيره: (عشرون درهما وهي رواية ابن (6) فضال عن بعض أصحابه عن


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 3. (2 و 3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 7 و 8. (4) يوسف: 20. (5) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 2. (6) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 4.

[ 396 ]

أبي عبد الله عليه السلام) المتقدمة أيضا، وفي المتن وهذه (مع شهرتها) و (لكن الاولى أصح طريقا) لما في الثانية من الضعف والارسال، وإن كان قد يناقش باشتراكهما في الضعف، وغايته أن تكون الثانية أضعف لا أصح (1)، خصوصا بعد أن كان في سندها علي بن أبي حمزة البطائني المعلوم حاله، بل قد يقال بانجبار السند الثانية بالشهرة المحققة بخلاف الاولى. كما أنه يمكن الجمع بين الخبرين بإرادة ذكر القيمة له في ذلك الوقت، بل ربما جمع بينهما بالتخيير بعد العلم بعدم إرادة الجمع، بل هو خيرة الفاضل في الارشاد، ولا بأس به مع اجتماع شرائط الحجية في الخبرين وعدم الترجيح، ولا يحتاج إلى شاهد، بل هو مقتضى حجية كل منهما، ولعله أولى من القول بطرح الخبرين المعمول بهما بين الاصحاب، والرجوع إلى القيمة لخبر السكوني (2) السابق كما هو خيرة الفاضل في المختلف، والله العالم. (و) كذا (قيل في كلب الحائط) أي البستان (عشرون درهما ولكن لا أعرف المستند) وإن كان القول به مشهورا شهرة عظيمة، بل ربما احتمل بلوغها الاجماع، كما أن ذكره في النهاية ونحوها يقتضي وجود النص فيه، بل قيل كلام المفيد وسلار يعطي ذلك، إلا أن ذلك كله لا يصلح مدركا لحكم شرعي، فالمتجه حينئذ ما في خبر السكوني (3) من التقويم الموافق للاصل، كما عن ابن سعيد النص عليه، بل مال إليه جماعة من المتأخرين. هذا وعن الصدوق في المقنع (4) بعد أن ذكر كلب الصيد والماشية قال: " ودية الكلب الذي ليس للصيد ولا للماشية زنبيل من تراب، على القاتل ان يعطي


(1) لان أن الاولى أصح ظ. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 3. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 3. (4) المقنع ص 192.

[ 397 ]

وعلى صاحب الكلب أن يقبله " وهو عبارة المرسل (1) المزبور، وقريب منه ما عن الاسكافي " من أن دية الكلب الاهلي زنبيل من تراب " بناءا على أن كلب الحائط منه، خصوصا إذا قلنا بإرادة ما يشمل الدار من الحائط، إلا أنهما معا شاذان والمعروف ما سمعت، والله العالم. (وفي كلب الزرع قفيز من بر) عند المشهور على ما اعترف به غير واحد، بل في التنقيح " لم أعرف قائلا بغيره " وإن كان فيه أنه خلاف ما سمعت من الصدوق، بل وظاهر المفيد أيضا، بل في المسالك نسبة عدم وجوب شئ به إلى جماعة، وعلى كل حال فلم نعرف مستنده، وإن قيل إنه خبر أبي بصير (2) السابق لكن قد سمعت ما فيه من الجريب لا القفيز، وعن الازهري " أن الجريب أربعة أقفزة، " اللهم إلا أن يقال بدلالته على الاقل في ضمن الاكثر الذي لم نجد به عاملا، والقفيز كما عن الصحاح ثمانية مكاكيك والمكوك ثلاث كيلجات والكيلجة من وسبعة أثمان من، والمن رطلان، والله العالم. (ولا قيمة لما عدا ذلك من الكلاب وغيرها) مما لا يملكه المسلم (و) حينئذ ف‍ (- لا يضمن قاتلها شيئا) لعدم الضرر على من هي في يده، بعد أن لم تكن مملوكة، مضافا إلى أصل عدم الضمان وغيره، والزنبيل من تراب في الخبر المزبور (3) كناية عن عدم شئ فيه وإن كان ظاهر الصدوق والاسكافي الغرامة. والمراد بغيرها في المتن ونحوه ما لا يقع عليه الذكاة ولا يصح للمسلم تملكه وهو الحشرات والخنزير، إلا أن يكون لذمي كما سيأتي. وفي المسالك: " ويدخل في ذلك كلب الدار والجرو القابل للتعليم قال: ووجه عدم شئ للجميع عدم


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 4. (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 2. (3) يعنى خبر ابن فضال

[ 398 ]

المقتضى له وعدم قيمة للكلب حيث لا يرد فيها مقدر (1) " وهو مشكل على القول بأنها مملوكة، فإن لها قيمة في الجملة. وفي كشف اللثام في شرح نحو عبارة المتن قال: " ولما انحصر عنده ما لا يقع عليه الذكاة في الآدمي والكلب والخنزير والحشرات أطلق نفي القيمة عنه، ولما انقسم عند الشيخين ومن تبعهما إلى ما لا يملك وما يملك فصلوا فضمنوا بتلف ما يملك من مثل الفهد والبازي والصقر كما في النهاية والبغال والحمير الاهلية والهجن من الدواب والسباع من الطير وغيره كما في المقنعة " (2). قلت لا مدخلية لقبول التذكية وعدمها في التملك وعدمه والقيمة وعدمها، وحينئذ فالمتجه تملك كل ما لم يثبت من الشرع عدم قابليته للتملك للمسلم أو مطلقا، ولا أنه يعد مما لا يتمول في العرف، من غير فرق بين الحشرات والطيور والجرو المتخذ للتعليم وغيرها، كما أن المتجه الرجوع إلى القيمة في إتلافه كغيره من الاموال، بل يمكن القول بعدم اعتبار الملك في القيمة التي هي عوض الشئ وبدله وإن لم يكن مملوكا خصوصا إذا كان فيه حق الاختصاص. نعم لا يلحق الجرو المتخذ للتعليم بكلب الصيد وإن كان سلوقيا ضرورة ظهوره في الصائد بالقوة القريبة من الفعل ولو بالتعليم، بل ربما ظهر من بعض اعتبار الثاني وإن كان هو كما ترى وخبر السلوقي (3) وإن أطلقا إلا أنهما كما اعترف محمولان على غلبة كونه صيودا كما عرفت. وحينئذ فما احتمل بعضهم - من عدم الاشتراط والاكتفاء بكونه من ذلك الصنف وإن كان جروا لا يصيد لصدق كلب الصيد عليه عرفا - واضح الضعف. وكيف كان فالظاهر أن التقديرات المزبورة ديات شرعية، لا أنها القيم في زمان الاخبار، وإن احتمل، لكنه ضعيف، نعم هي في حق الجاني الذي هو مورد


(1) المسالك ج 2 ص 510. (2) كشف اللثام ج 2 ص 344. (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب ديات النفس الحديث 1 و 2.

[ 399 ]

النصوص والفتاوى. أما الغاصب إن تلف مغصوبه عنده (1) ففي القواعد " يضمن أكثر الامرين من المقدر والقيمة السوقية لاخذه بالاشق، ولذا يضمن الغاصب قيمة العبد وإن زادت على دية الحر (2) " بخلاف المتلف غيره، ولكن ستسمع إطلاق المصنف أن عليه القيمة كالمحكي عن ابن إدريس، وربما احتمل إرادته أكثر الامرين أيضا، وعن التحرير " الوجه الضمان بالمقدر " ولعله لاطلاق التقدير المزبور، ولعل الاقوى وجوب أكثر الامرين لو قتله الغاصب، لاجماع جهتي الضمان: الغصب والاتلاف، والاولى تقتضي الضمان بالقيمة والاخرى بالمقدر فللمالك المطالبة بأكثرهما اقتضاء. أما لو مات من قبل نفسه عند الغاصب فليس للضمان إلا جهة واحدة وهي الغصب المقتضى لكونه بالقيمة زادت عن المقدر أو نقصت بعد تنزيل نصوص التقدير على المتلف. ولو أتلفه أجنبي في يد الغاصب كان المالك مخيرا في الرجوع على كل منهما، ولكن إذا رجع على المتلف بالمقدر كان له الرجوع على الغاصب بزيادة القيمة إن كانت، كما أن له الرجوع على المتلف بزيادة المقدر لو فرض زيادته على القيمة التي أخذها من الغاصب، بل قد يقال: إن له مطالبة الغاصب بها وإن لم يكن متلفا، إلا أنها مضمونة عليه بما ضمنها المتلف وإن كان للغاصب الرجوع بها عليه، ويحتمل عدم ضمان الغاصب غير القيمة، لانها التي هي مقتضى جهة ضمانه أي الغصب، فتأمل جيدا. وكيف كان فلو نقص الكلب المغصوب فالارش بالنسبة إلى أكثر الامرين بناءا عليه أو إلى القيمة على القول الآخر أو على المقدر بناءا على اعتباره فتأمل جيدا.


(1) ليست في بعض النسخ كلمة " عنده ". (2) كشف اللثام ج 2 ص 344.

[ 400 ]

هذا كله فيما يملكه المسلم و (أما ما يملكه الذمي كالخنزير فهو يضمن بقيمته عند مستحليه) بلا خلاف أجده فيه إذا استجمع سائر شروط الذمة التي يحقن بها ماله ودمه. (وفي الجناية على أطرافه) وجراحاته (الارش) عندهم أيضا، وفي القواعد اعتبار التستر بذلك، قال: " وإن لم يكن متسترا به فلا شئ (1) "، بل وفي كشف اللثام " وإن كان الجاني ذميا أو حربيا لاخلاله بشروط الذمة " (2) وهو كذلك مع فرض اشتراط ذلك عليه في الذمة، إلا أن النصوص مطلقة. ففي أحدها (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن عليا أمير المؤمنين عليه السلام رفع إليه رجل قتل خنزيرا فضمنه قيمته، ورفع إليه رجل كسر بربطا فأبطله " وفي خبر غياث (4) عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام " أن عليا عليه السلام ضمن رجلا مسلما أصاب خنزير نصراني " ولعل الوجه في إطلاق ضمان خنزير النصراني أن بنائه على عدم التستر به فلم يكن ذلك من شرائط الذمة عليه بخلاف غيره من الخمر ونحوه. كما أنه يمكن التزام بعضهم لبعض في الضمان وإن أخل بالاستتار الذي أقصاه صيرورته بحكم الحربي الذي يمكن القول بالضمان فيه على مذهبهم، إلا أني لم أجد ذلك محررا في كلامهم.


(1 و 2) كشف اللثام ج 2 ص 344. (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول، الكافي ج 7 ص 368. (4) الوسائل الباب - 26 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2.

[ 401 ]

(مسائل) (الاولى:) قد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لو أتلف على الذمي خمرا أو آلة لهو) أو نحو ذلك مما يملكه في مذهبه (ضمنها المتلف ولو كان مسلما، ولكن يشترط في الضمان) قيامه بشرائط الذمة التي منها (الاستتار) بذلك، (و) حينئذ ف‍ (- لو أظهرها الذمي لم يضمن المتلف) المسلم لانه حينئذ بحكم الحربي الذي لا يضمن ماله. وفي ضمان غيره الكلام السابق. ولعل إطلاق المصنف الضمان في الخنزير واشتراطه التستر في الخمر ونحوه مشعر بما ذكرناه من بناء استثناء (1) الخنزير على عدم التستر به. (و) كيف كان ف‍ (- لو كان) شئ من (ذلك لمسلم لم يضمن الجاني على التقديرات) لعدم ملكه إياها سواء كان متسترا أو متظاهرا، وسواء كان المتلف مسلما أو ذميا، لانها ليست مالا بالنسبة إليه. بل في كشف اللثام " وإن اقتنى الخمر للتخليل (2) " وإن كان فيه بحث خصوصا بناءا على غلبة سبق الخمرية للخلية في أكثر أفراد العصير، وهي المسماة بالخمر المحترمة، كما أن فيه أيضا " يملك المسلم جوهر آلة اللهو، فإن أحرق الجاني عود آلة مثلا ضمن قيمة الخشب وساير الاجزاء " (3) وفيه بحث أيضا، مع توقف إتلاف الهيئة عليه، وقد سمعت إبطال علي عليه السلام كسر البربط


(1) كذا في الاصل ولكن في بعض النسخ " اقتناء " وهو الصحيح ظاهرا. (2 و 3) كشف اللثام ج 2 ص 344.

[ 402 ]

الذي هو من آلات اللهو على الظاهر، وإن كان يمكن إرادة الهيئة فيه بعد تنزيله على كونه لمسلم أو ذمي تجاهر به أو خرق شرائط الذمة، والله العالم. المسالة (الثانية:) المشهور بين قدماء الاصحاب، بل لعل عليه إجماعهم كما اعترف به بعضهم، بل عن ابن زهرة منهم دعواه عليه أنه (إذا جنت الماشية على الزرع ليلا ضمن صاحبها ولو كان نهارا لم يضمن ومستند ذلك) مضمون (رواية) عبد الله بن المغيرة الذي هو من أصحاب الاجماع عن السكوني (1)) عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام " قال: كان لا يضمن ما أفسدت البهائم نهارا، ويقول: على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمن ما أفسدت البهائم ليلا " (و) لكن المصنف وغيره من المتأخرين قالوا: (فيه) أي الخبر المزبور (ضعف والاقرب اعتبار (2) التفريط في موضع الضمان ليلا كان أو نهارا) وعدمه مع عدمه كذلك أيضا. وفيه أن ضعفه منجبر بما عرفت، وفي كشف الرموز " قد عمل به الشيخ وأتباعه والمتأخرون ولا أعرف له رادا " على أن خبر السكوني من القوي في نفسه، وفي خصوص المقام رواه عنه عبد الله بن المغيرة الذي هو من أصحاب الاجماع، وقد قال بعض الاصحاب: إنه لا يقدح في صحة الخبر ضعف من بعده، وإن كان لنا فيه نظر قد ذكرناه غير مرة. على أنه معتضد بخبر معاوية (3) بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " أن داود عليه السلام ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم فأوحى الله


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول. (2) في الشرائع: اشتراط. (3) الوسائل الباب - 40 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2.

[ 403 ]

تعالى إلى داود عليه السلام أن اجمع ولدك فمن قضى منهم بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك، فجمع ولده فلما أن قص الخصمان، قال سليمان عليه السلام: يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل على كرمك ؟ قال: دخلت ليلا، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا، قال: كيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني إسرائيل ؟ وكان ثمن الكرم قيمة الغنم فقال سليمان، إن الكرم لم يجتث من أصله، وإنما اكل حمله وهو عائد في قابل، فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أن القضاء في هذه القضية ما قضى به سليمان عليه السلام ". وبخبر هارون (1) بن حمزة، " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البقر والغنم والابل تكون في المرعى فتفسد شيئا هل عليها ضمان ؟ فقال: إن افسدت نهارا فليس عليها ضمان من أجل أن أصحابه يحفظونه، وإن أفسدت ليلا فإن عليها ضمان ". وبخبر أبي بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث (3) إلى آخرها قال: النفش لا يكون إلا بالليل، وعلى صاحب الحرث أن يحفظ الحرث بالنهار، وليس على صاحب الماشية حفظها بالنهار، إنما رعيها بالنهار وأرزاقها، فما أفسدت فليس عليها، وعلى أصحاب الماشية حفظ الماشية في الليل عن حرث الناس، فما أفسدت بالليل فقد ضمنوا وهو النفش، وأن داود عليه السلام حكم للذي أصاب زرعه رقاب الغنم فحكم سليمان الحديث ". وخبره الآخر عنه (4) أيضا " قلت له: إن قول الله عزوجل: وداود وسليمان


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 3. (2) الوسائل الباب - 40 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4. (3) الانبياء 78. (4) الوسائل الباب - 40 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 5.

[ 404 ]

إلى آخرها قلت: حين حكما في الحرث كانت قضية واحدة، فقال: كان أوحى الله عزوجل إلى النبيين قبل داود عليه السلام إلى أن بعث الله داود عليه السلام أي غنم نفشت في الحرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم ولا يكون النفش إلا بالليل، فإن على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار، وعلى أهل الغنم حفظ الغنم بالليل، فحكم داود بما حكمت به الانبياء من قبله، وأوحى الله إلى سليمان أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها، وكذا جرت السنة بعد سليمان عليه السلام وهو قول الله عزوجل: " وكلا آتينا حكما وعلما " (1) فحكم كل واحد منهما بحكم الله عزوجل ". وبالنبوي الذي (2) رواه جماعة ومنهم ابن زهرة " إن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته فقضى صلى الله عليه وآله أن على أهل الاموال حفظها نهارا وعلى أهل المواشي حفظها ليلا وأن على أهلها الضمان في الليل ". بل وبالآخر (3) وهو " أن العجماء (4) جبار " بناءا على أن غالب جنايتها وقوعها في النهار. ولكن مع ذلك كله قال الشهيد في غاية المراد: " لما كان الغالب حفظ الدابة ليلا وحفظ الزرع نهارا خرج الحكم عليه وليس في حمل المتأخرين رد لقول القدماء، لان القدماء اتبعوا عبارة النص والمراد هو التفريط، ولا ينبغي أن يكون خلاف هنا إلا في مجرد العبارة عن الضابط، وأما المعنى فلا خلاف فيه " وتبعه على ذلك في كشف اللثام، بل قال: أكثر عباراتهم تشعر بذلك. وقد اعترضه غير واحد بأنه خلاف ظاهر عباراتهم التي لا يجب الجمع فيها


(1) الانبياء: 79. (2) الغنية، فصل في الجنايات، أواخر الفصل. (3) راجع الوسائل الباب - 32 - من أبواب موجبات الضمان. (4) في بعض النسخ: القحماء.

[ 405 ]

كالروايات والآيات والادلة، خصوصا بعد أن علم أن عادة بعضهم اتباع النصوص التي لا ريب في ظهورها بعدم الضمان في النهار ولو مع التفريط به، وجزم في الرياض (1). ولكن الانصاف عدم صلاحية النصوص المزبورة التي منها قضية في واقعة المعبر عنها عن مضمونها بعبارات القدماء المعلوم عدم التحرير فيها، للخروج عن القواعد المحكمة المعتضدة بالعقل والنقل، فالتحقيق حملها على ما عرفت من كون ذلك مثالا للتفريط وعدمه. نعم ربما يقال: إن الاصل في إفسادها ليلا الضمان حتى يعلم عدم التفريط وبالنهار بالعكس حتى يعلم التفريط، وإن كان هو أيضا كما ترى. المسألة (الثالثة:) (روى) محمد بن قيس (2) في الصحيح عن أبي جعفر (عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قضى في بعير بين الاربعة عقله أحدهم فوقع في بئر فانكسر، ان على الشركاء حصته لانه حفظ وضيع الباقون) ولفظه " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة أنفس شركاء في بعير فعقله أحدهم فانطلق البعير فعبث بعقاله فتردى فانكسر فقال أصحابه للذي عقله: اغرم لنا بعيرنا، قال: فقضى أمير المؤمنين عليه السلام بينهم أن يغرموا له حظه من أجل أنه أوثق حظه فذهب حظهم بحظه " إلا أن الاصحاب حكوه بلفظ الرواية مشعرين بعدم العمل به بل في نكت المصنف " إن


(1) قال في الرياض: اللازم المصير الى رواية السكوني راجع ج 2 ص 627 - 628. (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب موجبات الضمان، الحديث الاول، التهذيب ج 10 ص 231، الفقيه ج 4 ص 173، المقنعة ص 123 وفى الاخير نقل بمعناء لا بلفظه فراجع.

[ 406 ]

صحت هذه الرواية فهي حكاية في واقعة ولا عموم للوقايع فلعله عليه السلام عرف فيها ما يقتضي الحكم بذلك مثل أن يعقله ويسلمه إليهم فيفرطوا في الاحتفاظ به أو غير ذلك من الوجوه المقتضية للضمان، أما أن يطرد الحكم على ظاهر الواقعة فلا (1) " وهو كذلك. بل ربما ظهر من بعض، أن الاصل يقتضي ضمانه من حيث إن عقله كان سببا لترديه وتصرف في مال الغير بغير إذنه، بل ربما كان ذلك باعتبار استيلائه عليه عدوانا مقتضيا لضمانه على كل حال، وإن كان قد يشكل بقاعدة الاحسان التي قد سلف منا عدم اقتضائها ارتفاع الضمان. لكن قد يظهر من بعض النصوص هنا ذلك مثل خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عليه السلام " أن رجلا شرد له بعيران فأخذهما رجل فقرنهما في حبل فاختنق أحدهما ومات فرفع ذلك إلى علي عليه السلام فلم يضمنه، وقال: إنما أراد الاصلاح ". المسالة (الرابعة:) قد عرفت أن (دية الكلاب الثلاثة مقدرة على القاتل) غير الغاصب (أما لو غصب أحدها وتلف في يد الغاصب ضمن قيمته السوقية ولو زادت عن المقدر) أو أكثر الامرين على حسب ما سمعت الكلام فيه آنفا.


(1) نكت النهاية، وبهذه العبارة تم كتاب النكت وصححنا العبارة طبقا للمصدر. (2) الوسائل الباب - 35 - من أبواب موجبات الضمان الحديث الاول.

[ 407 ]

(الثالثة) من اللواحق (في كفارة القتل) (تجب كفارة الجمع بقتل العمد) بلا خلاف أجده في ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص التي منها صحيح (1) ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " سئل عن المؤمن يقتل المؤمن عمدا له توبة ؟ فقال: إن كان قتله لايمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو سبب من أسباب الدنيا فإن توبته أن يقاد منه، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه ولم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا توبة إلى الله عزوجل " وغيره من النصوص. (والمرتبة بقتل الخطاء) وشبه العمد الذي صرح به غير واحد، لاندراجه في الخطاء الذي لا أجد فيه خلافا إلا من سلار وابن زهرة فخيرا، ويوهمه كلام المفيد قال: " عليه عتق رقبة وإن أضاف إليه صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا فهو أفضل وأحوط في كفارة ذنبه إن شاء الله " (2) وفيه أن الكتاب والسنة متطابقان على الترتيب وإن كان لم يذكر خصوص الاطعام في الكتاب إلا أن النص والفتوى على ثبوته مرتبا على انتفاء الامرين. نعم صرح الفاضل والشهيدان وغيرهم بأن وجوبها فيهما (مع) كون القتل


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب القصاص في النفس الحديث الاول مع اختلاف في بعض الكلمات. (2) كشف اللثام ج 2 ص 350.

[ 408 ]

ب‍ (- المباشرة لا مع التسبيب) وحينئذ (فلو طرح حجرا أو حفر بئرا أو نصب سكينا في غير ملكه فعثر عاثر فهلك بها ضمن الدية دون الكفارة) ولعله لما عرفته في محله من عدم صدق نسبة القتل في قتل التسبيب المزبور الذي هو من الشرائط، وإنما يثبت الضمان فيه للنصوص والاجماع كما حققنا الكلام فيه في محله، فما في الرياض من المناقشة في ذلك في غير محله، خصوصا بعد أن كان ظاهر غير واحد عدم الخلاف فيه بيننا، نعم حكاه في كشف اللثام عن الشافعي ولا ريب في فساده. (و) كيف كان ف‍ (- تجب) كفارة الجمع عندنا (بقتل المسلم ذكرا كان) المقتول (أو انثى حرا أو عبدا) للعموم، خلافا للمحكي عن مالك فلم يوجبها في العبد، (وكذا تجب في قتل الصبي والمجنون) المحكوم بإسلامهما، بل في التحرير هنا " والجنين الذي لم تلجه الروح "، وإن كان فيه عدم صدق القتل في حقه كما عرفته سابقا، نعم لو ولجته الروح وجبت لصدق عنوانها. (و) كذا تجب أيضا (على المولي بقتل عبده) كما في القواعد ومحكي النهاية والسرائر للعموم، وخصوص قول الصادق عليه السلام (1) " من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة ويطعم ستين مسكينا ويصوم شهرين متتابعين " ونحوه الموثقان (2) والحسنان " عن رجل قتل مملوكه متعمدا قال: يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين " إلى غير ذلك من النصوص، خلافا للمحكي عن كفارات النهاية والمهذب، من استحباب الجمع لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (3) " يعجبني أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا ثم تكون التوبة بعد ذلك ".


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 3. (2) راجع الوسائل الباب - 29 - من أبواب الكفارات والباب - 37 - من أبواب القصاص في النفس. (3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب الكفارات الحديث الاول.

[ 409 ]

وقوله في خبر المعلى (1) وأبي بصير " من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا " ولكن يمكن رجوع الفضل في الاول إلى الترتيب بين الكفارة والتوبة بتقديم الاولى على الثانية لا إلى أصل الكفارة، كما أنه يمكن حمل " أو " في الثاني على معنى الواو وإرادة التفصيل منهما لا التخيير، كل ذلك لقصورهما عن معارضة النصوص المزبورة المعتضدة بإطلاق غيرهما من السنة (و) معاقد الاجماعات. نعم (لا تجب) الكفارة أصلا عندنا (بقتل الكافر ذميا كان أو معاهدا) وغيرهما عمدا أو خطاءا بلا خلاف أجده فيه (استنادا إلى البرائة الاصلية) خلافا للعامة. (ولو قتل مسلما في دار الحرب عمدا مع العلم بإسلامه ولا ضرورة فعليه القود والكفارة) عندنا إلا إذا اقيد منه على قول تسمعه إن شاء الله والدية والكفارة إن كان خطاءا لاطلاق الادلة، سواء أسلم فيها ولم يهاجر، أو هاجر وعاد لحاجة، أو لغيرها، خلافا لمالك ففيه الكفارة والدية على كل حال، ولابي حنيفة إن كان أسلم فيها ولم يهاجر فالكفارة ولا قود ولا دية، ثم إن ظاهر اعتبار المصنف عدم الضرورة، يقتضي عدم القود والدية مع الضرورة إلى قتله كما إذا تترس به الكفار، وبه صرح بعضهم هنا وفي باب الجهاد، وهو إن تم إجماعا فلا إشكال وإلا فللنظر فيه مجال كما سنشير إليه. هذا كله مع العلم باسلامه. (و) أما (لو ظنه كافرا ف‍) - لا قود اتفاقا وإن قتله عمدا بل و (لا دية) عند الاكثر (و) لكن (عليه الكفارة) بلا خلاف أجده في وجوبها، بل ولا إشكال لعموم الادلة وخصوص قوله تعالى: " فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " (2) بناء على أن المراد إذا كان


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب الكفارات الحديث 2. (2) النساء: 92.

[ 410 ]

المقتول مؤمنا وهو في قوم بينكم وبينهم عداوة فعليكم الكفارة، بل ظاهر اقتصارها على ذلك خصوصا بعد قوله سابقا: " ومن قتل مؤمنا خطأ فدية مسلمة إلى أهله " (1) ولاحقا " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " (2) عدم الدية أيضا وإلا لم يظهر وجه للتفصيل بين المؤمن في قوم عدو، وفي قوم بينكم وبينهم ميثاق، وبين مطلق المؤمن، وحينئذ فتكون الآية دالة على عدم وجوبها ولو بحسب السياق كما عن الاكثر بل في ظاهر المبسوط وغيره الاتفاق عليه، وبه حينئذ يخص ويقيد إطلاق ما دل على وجوب الدية للنفس المؤمنة بناءا على شموله لمثل الفرض. خلافا لابن إدريس فأوجب الدية لان لا يبطل دم المسلم، لاطلاق الادلة الذي يكفى في الثبوت وإن لم تذكر في الآية، ولاجماع أصحابنا على ذلك، إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة عدم صلاحية الاولين لمعارضة ما ذكرناه من دلالة الاية، وليس تعرض فيها للدية بل دالة على العدم، فلا يصلح الاطلاق ونحوه معارضا حتى الاجماع المزبور بعد أن لم نعرف من وافقه عليه، بل الاصحاب صريحا وظاهرا على خلافه، ولعل وجهه أنه أوفق بحكمة استيصال المحاربين بعد أن ظنه كافرا ولم تكن ضرورة تلجأه لمكثه في دار الحرب كما هو الفرض. هذا. ولكن الانصاف مع ذلك كله عدم خلو الحكم عن إشكال إن لم يكن إجماع، ضرورة معلومية أحكام قاعدة عدم بطلان دم المسلم. (و) كيف كان ف‍ (- لو كان أسيرا قال الشيخ) في محكي الخلاف والمبسوط والفاضل والصيمري وغيرهم: (ضمن الدية والكفارة) لانه لا قدرة للاسير على التخلص) فلم يكن مفرطا في هدر دمه كالسابق، مضافا إلى إطلاق الادلة وقاعدة عدم بطلان دم المسلم وغير ذلك، (و) لكن (فيه تردد) من


(1) النساء: 92. (2) النساء: 92.

[ 411 ]

ذلك، ومن ظاهر الآية السابق المعتضد بإطلاق الفتوى وأصل البرائة، بل مال إليه في الرياض إلا أن ذلك كله ترى لا يصلح للخروج عما عرفت، والله العالم. (ولو اشترك جماعة في قتل واحد) عمدا أو خطأ (فعلى كل واحد كفارة بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى عموم النص، بناءا على صدق القتل بالنسبة إلى كل واحد منهم، خلافا للمحكي عن الشافعي وغيره من عدم وجوب التعدد، ولا تسقط الكفارة بأمر المقتول بقتل نفسه للاصل. (وإذا قبل من العامد الدية) أو أقل أو أكثر صلحا أو عفى عنها (وجبت الكفارة قطعا) وإجماعا بقسميه، ضرورة عدم كون ذلك مسقطا لها بعد تحققها، خلافا للحنيفة (1) والثوري (ولو قتل القاتل قودا هل تجب في ماله قال في المبسوط) ومحكي السرائر وظاهر المقنعة والمهذب والوسيلة (لا تجب) الكفارة في ماله للاصل، ولانها شرعت لتكفير الذنب، فمع فرض تسليم نفسه والاقتصاص منه فقد أعطى الحق فيكفى كفارة، وفي النبوي " القتل كفارة "، بل قال الصادق عليه السلام في خبر عبد الله (2) بن سنان: " كفارة الدم إذا قتل الرجل مؤمنا متعمدا فعليه أن يمكن نفسه من أوليائه فإن قتلوه فقد أدى ما عليه إذا كان نادما على ما كان منه عازما على ترك العود، وإن عفى عنه فعليه أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا وأن يندم على ما كان منه ويعزم على ترك العود ويستغفر الله تعالى أبدا ما بقى ". (و) لكن (فيه إشكال ينشأ من كون الجناية سببا) فيستصحب، ولان الاصل عدم السقط، ولان حقوق الله المتعلقة بالمال لا تسقط بالموت، بل عن الفاضل


(1) للحنيفة. (2) الوسائل الباب - 28 - من أبواب الكفارات الحديث 2.

[ 412 ]

في المختلف والتحرير أنه قوي الوجوب، بل عن الشيخ في الخلاف الفتوى به مدعيا عليه إجماع الفرقة وأخبارهم، ولعله الاقوى في النظر للاصل وإطلاق الادلة، والله العالم. ولو قتل صبي أو مجنون مسلما ففي المسالك، أن إطلاق النص يقتضي عدم الفرق في الثبوت فيخرج العتق والاطعام من مالهما كما يخرج غيرهما من الحقوق، ولا يصام عنهما ولا يجزي صومهما قبل التكليف، فإذا كملا خوطبا به، ولو ماتا قبله اخرجت الاجرة من مالهما، بل عن المبسوط التصريح بذلك أيضا لعموم النصوص وعدم اشتراطها بالاثم، لوجوبها على المخطئ، ولكن لا يخفى عليك النظر في ذلك كله كما اعترف به الفاضل، بل اختار العدم كالمحكي عن ابن إدريس ولعله الاقوى للاصل. ثم على تقدير الثبوت فالمتجه كونها كفارة خطاء لان عمدهما خطاء، بل ليس في مالهما إلا العتق والاطعام ولا يكلفان بالصوم حين الجناية، والاصل البرائة بعد الكمال. نعم تجب على الذمي والحربي لعموم النصوص مع تكليف الكافر عندنا بالفروع، ولكن يسقط بإسلامه فانه يجب ما قبله، بل في القواعد الاقرب وجوبها على قاتل نفسه للعموم، ولكن فيه نظر، من عدم انسياق مثله من النصوص، ولانها لا تجب ما لم يتحقق الموت، وإذا تحقق لم يكن من أهل التكليف، ولعله لذا كان خيرة التحرير العدم. ولو قتل من أباح الشرع قتله كالزاني بعد الاحصان وقاطع الطريق، ففي القواعد وشرحها لا كفارة بقتله وإن حكم بإيمانه ولم يكن القاتل ممن له قتله، لانتفاء حرمته شرعا وخروجه عن النصوص قطعا، والاثم بتصديه لما ليس له - لعدم إذن الامام - لا يوجب الكفارة، ولكن للنظر فيه مجال لاطلاق الادلة. ولو تصادمت الحاملان فماتتا مع جنينهما، ضمنت كل واحدة أربع

[ 413 ]

كفارات إن ولجت الروح الجنين وقلنا بوجوبها على القاتل نفسه، لاشتراك كل منهما مع الاخرى في قتل أربع أنفس وإن لا تلجه الروح فلا كفارة فيه وإنما عليهما كفارة قتل أنفسهما فعلى كل منهما كفارتان، وعلى ما سمعته من التحرير، لا فرق بين الولوج وعدمه، والله العالم. (الرابعة) من اللواحق (في العاقلة) سميت بذلك لعقلها الابل التي هي الدية بفناء ولي الدم، أو لعقلها أي منعها القاتل من القتل، أو لعقلهم عنه أي تحملهم العقل وهو الدية عنه (و) كيف كان ف‍ (- النظر يقع فيها في تعيين المحل وكيفية التقسيط وبيان اللواحق). (أما المحل) (فهو العصبة) على المشهور كما ستعرف (والمعتق وضامن الجريرة والامام) مترتبين على حسب الترتيب في الارث كما ستعرف إن شاء الله. لكن ينبغي أن يعلم أولا أنك قد عرفت سابقا ثبوت دية القتل أو الجرح مع تراضي الجاني والاولياء عليها وإذا لم يحصل بعض شروط القصاص في ذمة الجاني

[ 414 ]

إجماعا بقسميه ونصوصا، فإن مات اخذت من التركة إن كانت، كما في خبري (1) البزنطي وأبي بصير، بل عن الغنية الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن المبسوط فأسقطها فهو واضح الضعف كما تقدم الكلام فيه، بل وفيما إذا هرب، الذي حكى عن النهاية والغنية والوسيلة والاصباح والجامع أنه تؤخذ الدية حينئذ من عاقلته، فإن لم يكن له عاقلة فمن بيت المال، إلا أنهم ذكروا ذلك في شبه العمد الذي لا فرق بينه وبين العمد في ذلك، ولذا حكوا عنهم بالخلاف فيه. وعن الفاضل في المختلف اختياره لان لا يبطل دم المسلم، وللاجماع في الغنية، إلا أنه كما ترى موهون بمصير غير من عرفت إلى خلافه، بل أجاد ابن إدريس فيما حكي عنه في رده " بأنه خلاف الاجماع وضد ما تقتضيه اصول مذهبنا لان الاصل برائة الذمة (2) مضافا إلى الاجماع على أنه لا عقل للاولياء وبيت المال إلا دية الخطاء المحض فأما الخطاء شبه العمد فلا تعقله العاقلة بغير خلاف فيه بيننا، وإنما تجب على الجاني نفسه، ولا يرجع عن ذلك بأخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا " (3). بل في كشف اللثام " لم نظفر بخبر يفيد الانتقال إلى العاقلة أو بيت المال بمجرد الهرب (4) " وإن كان فيه أنه مضمون خبر أبي بصير (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه قال: إن كان له مال اخذت الدية من ماله وإلا فمن الاقرب فالاقرب، وإن لم يكن له قرابة أداه الامام


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث 3 و 1. (2) في المصدر: فمن شغلها يحتاج الى دليل. (3) السرائر، كتاب الحدود، باب في اقسام القتل ولم ينقل لفظ عبارته بل معناه فراجع. (4) كشف اللثام ج 2 ص 346. (5) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 415 ]

فإنه لا يبطل دم امرء مسلم ". وقد سمعت سابقا البحث فيما إذا هرب حتى مات في هربه وتعذر استيفائها من التركة، وربما احتمل تأويل كلامهم بذلك، بل عن المصنف في النكت التوقف في أخذها من العاقلة في الحال المزبور وجواز أخذها من بيت المال المجعول للمصالح التي حسم المنازعة في الدماء من أهمها. وأما شبه العمد فالدية من ماله عندنا، وعن العامة قول بأنها على العاقلة وحكي عن الحلبي منا، ولكن النص والفتوى على خلافه، نعم هي على العاقلة في الخطأ المحض نصا وإجماعا بقسميه، بل لعله من المسلمين إلا من الاصم والخوارج، وقد سبقهم الاجماع ولحقهم. إنما الكلام في تعيينها والمشهور بين الاصحاب كما اعترف به غير واحد أنها العصبة خاصة لصحيح محمد بن قيس (1) عن جعفر عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في امرأة أعتقت رجلا واشترطت ولائه ولها ابن فألحق ولائه بعصبتها الذين يعقلون عنها دون ولدها " وصحيحه (2) الآخر عنه أيضا " أنه عليه السلام قضى في رجل حرر رجلا فاشترط ولائه فتوفي الذي أعتق وليس له ولد إلا البنات ثم توفي المولى وترك مالا قال فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه إذا أحدث حدثا يكون فيه عقل " والمرسل (3) " إن امرأة رمت اخرى حاملا فأسقطت ثم ماتت الرامية فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله عليها بالغرة وقضى بأن ميراثها لبنيها وزوجها والعقل على عصبتها ". (وضابط العصبة) على ما صرح به غير واحد من الاصحاب كالشيخين والقاضي والفاضلين والشهيدين وغيرهم على ما حكى عن بعضهم، بل هو المشهور


(1) الوسائل الباب - 39 - من كتاب العتق الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 40 - من كتاب العتق الحديث الاول وفيه " الا النساء " مكان " الا البنات ". (3) كشف اللثام ج 2 ص 346.

[ 416 ]

أيضا، بل في المختلف الاستدلال بها عليه وربما استفيد من ذلك بلوغها حد الاجماع بقرينة معلومية عدم حجيتها عنده، اللهم إلا أن يكون ذلك بالنسبة إلى تفسير العصبة الذي يمكن أن تكون فيه حجة وإن لم تكن هي كذلك بالنسبة إلى الحكم الشرعي، وعلى كل حال فهي عندهم (من يتقرب بالاب كالاخوة وأولادهم) وإن نزلوا (والعمومة وأولادهم) كذلك (ولا يشترط كونه من أهل الارث في الحال). بل في كشف اللثام أنه المعروف من معناها، وفي محكى السرائر " فهم العصبات من الرجال سواء كان وارثا أو غير وارث الاقرب فالاقرب ويدخل فيها الولد والوالد - إلى أن قال -: وإجماعنا منعقد على أن العاقلة جماعة الوارث من الرجال دون من يتقرب بالام " (1) وفي الرياض " وظاهره كما ترى دعوى الاجماع عليه، وإن زعم مخالفة قوله لقولهم فعد قولا آخر، ولم أفهم الوجه فيه إلا من حيث إطلاق الرجال في صدر العبارة بحيث يتوهم الشمول فيه لمثل الاخوة من الام والاخوال، لكن تصريحه أخيرا باستثناء من يتقرب بالام يدفع ذلك ويوجب اتحاد قوله مع قولهم، ولذا لم يجعله كثير مخالفا لهم، وعبارته صريحة في دعوى الاجماع وهو الحجة " (2). قلت: الانصاف أن عبارته غير نقية، خصوصا بعد إدراجه الولد والوالد وفيهما ما تسمعه من الكلام، وقوله أخيرا الوارث مع تصريحه أولا بعدم الفرق بين الوارث وغيره، إلا أن التدبر فيها يقتضى موافقة الجماعة، والله العالم. وفي مختصر النهاية الاثيرية " العصبة الاقارب من جهة الاب " وفي الصحاح " عصبة الرجل بنوه وقرابته لابيه وإنما سمعوا عصبة لانهم عصبوا به أي أحاطوا فالاب طرف والابن طرف والعم جانب والاخ جانب " وعن مجمع البحرين


(1) السرائر كتاب الحدود، باب في اقسام القتل. (2) الرياض ج 2 ص 629.

[ 417 ]

" أن عصبة الرجل بنوه وقرابته لابيه " (و) لكن مع ذلك كله (قيل) كما عن النهاية والغنية والاصباح (هم الذين يرثون دية القاتل لو قتل) والذي عثرنا عليه في النهاية " وأما دية قتل الخطاء فإنها تلزم العاقلة الذين يرثون دية القاتل لو قتل ولا تلزم من لا يرث من ديته شيئا " (1) وهي مع أنها غير صريحة لاحتمال كون الوصف للتعليل المصرح به في المقنعة دون التفسير، لا ذكر فيها للعصبة وتفسيرها. نعم في الغنية ومحكي الاصباح " وعاقلة الحر المسلم عصبته الذين يرثون ديته " مع احتمال أو ظهور التعليل فيهما، والاتكال في معنى العصبة على وضوحه، وأن المفهوم منهم المتقربون بالاب من الرجال، أو التوضيح والتنصيص على الاختصاص بالمتقربين بالاب. (و) على كل حال فالمصنف والفاضل وغيرهما قالوا: (في هذا الاطلاق وهم، فإن الدية يرثها الذكور والاناث والزوج الزوجة ومن يتقرب بالام على أحد القولين) بل أصحهما (ويختص بها الاقرب فالاقرب كما تورث الاموال، وليس كذلك العقل فإنه يختص به الذكور من العصبة دون من يتقرب بالام) أو بالاب من الاناث (ودون الزوج والزوجة) كما عن الشيخ الاعتراف به (و) لذا نسبه المصنف إلى وهم الاطلاق. نعم (من الاصحاب من خص ب‍) - ه أي العقل (الاقرب) فالاقرب (ممن يرث بالتسمية ومع عدمه يشترك في العقل بين من يتقرب بالام مع من يتقرب بالاب أثلاثا) وفي كشف اللثام " وبالجملة هم الورثة على ترتيب الارث " ثم استدل له بخبرى أبي بصير (2) والبزنطي السابقين الذينهما في القاتل عمدا ثم هرب وبما في مرسل يونس (3) " عن أحدهما عليهما السلام أنه قال في الرجل إذا قتل رجلا خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية أن الدية


(1) النهاية ج 2 ص 758. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث 1 و 3. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 418 ]

على ورثته فان لم يكن له عاقلة فعلي الوالي من بيت المال " وفيه أن مقتضي الاطلاق المزبور الشركة أثلاثا وإن كان المتقرب بالام واحدا كالأخ الذي له السدس، بل مقتضاه اختصاص العقل بالبنت والاخت، على أن الخبرين الاولين في العامد ولا ذكر فيهما للعاقلة، والثالث محتمل لشبه العمد. وعلى كل حال فلم نعرف هذا القول لاحد وإن نسب إلى أبي علي، لكن عبارته المحكية عنه " العاقلة هم المستحقون لميراث القاتل من الرجال العقلاء سواء كانوا من قبل أبيه أو امه فإن تساوت القرابتان كالاخوة للاب والاخوة للام كان على الاخوة للاب الثلثان وعلى الاخوة للام الثلث سواء كان المستحق للميراث واحدا أو جماعة ولا يلزم ولد الاب شئ إلا بعد عدم الولد والاب، ولا يلزم ولد الجد شئ إلا بعد عدم الولد للابوين " (1) وهو كما ترى لا توافق القول المزبور بل هو قول مستقل برأسه، كما أن ما ذكروه سندا له ومنهم المصنف حيث قال: (وهو استناد إلى رواية سلمة (2) بن كهيل عن أمير المؤمنين عليه السلام) لا ينطبق على ذلك أيضا " قال: اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل قد قتل رجلا خطأ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: من عشيرتك وقرابتك ؟ فقال: مالي بهذه البلدة عشيرة ولا قرابة قال: فمن أي أهل البلدان أنت ؟ فقال: أنا رجل من أهل الموصل ولدت بها ولى بها قرابة وأهل بيت، قال: فسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام فلم يجد له بالكوفة قرابة ولا عشيرة، قال: فكتب إلى عامله على الموصل: أما بعد فان فلان بن فلان وحليته كذا وكذا، قتل رجلا من المسلمين خطأ فذكر أنه رجل من أهل الموصل وأن له بها قرابة وأهل بيت وقد بعثت به إليك مع رسولي فلان بن فلان


(1) كشف اللثام ج 2 ص 347. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. ولا يخفى أن في الوسائل هنا سقط سطرين فراجع الكافي ج 7 ص 364 والتهذيب ج 10 ص 171 والفقيه ج 4 ص 139.

[ 419 ]

وحليته كذا وكذا فإذا ورد عليك إن شاء الله وقرأت كتابي فافحص عن أمره واسأل عن قرابته من المسلمين، فإن كان من أهل الموصل ممن ولد بها وأصبت له قرابة من المسلمين فاجمعهم إليك ثم انظر وإن كان منهم رجل يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه من ميراثه أحد من قرابته فالزمه الدية وخذه بها نجوما في ثلاث سنين وإن لم يكن من قرابته أحد له سهم في الكتاب وكان قرابته سواء في النسب وكان له قرابة من قبل أبيه وامه في النسب سواء ففض الدية على قرابته من قبل أبيه وقرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين، ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلثي الدية واجعل على قرابته من قبل امه ثلث الدية وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ففض الدية على قرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين فإن لم يكن له قرابة من قبل امه ولا قرابه من قبل أبيه ففض الدية على أهل الموصل ممن ولد بها ونشأ ولا تدخلن غيرهم فيهم من أهل البلد ثم استأد ذلك منهم في ثلاث سنين في كل سنة نجما حتى تستوفيه إن شاء الله، وإن لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل ولا يكون من أهلها وكان مبطلا فرده إلى مع رسولي فلان بن فلان إن شاء الله فأنا وليه والمؤدى عنه ولا يبطل دم امرء مسلم " (و) أيضا ف‍ (- في سلمة ضعف) لانه بترى مذموم (1)، ومشتمل على غرامة أهل البلد، على أن الاخوة من الابوين ممن يعقلون ولا سهم لهم مسمى في كتاب الله تعالى، ومن هنا احتمل بعضهم إرادة كل من سمى الله في الكتاب وإن لم يفرض له سهم، فيشمل الابناء والاخوة للاب أو للابوين، فيكون عليه السلام أمر بأخذ الدية ممن يرثه بنص الكتاب إن كان، وإلا من يرثه بالقرابة ولم يسم في الكتاب كأبناء الاخوة والاعمام وأبنائهم. ثم لما كان أخذ الدية من العاقلة منوطا برأي الامام عليه السلام رأى أن لا يؤخذ من أقرباء الاب من هؤلاء الثلثان ويؤخذ الثلث من بيت المال الذي


(1) راجع معجم رجال الحديث ج 8 ص 210.

[ 420 ]

على أقرباء الام، وإن لم يكن له قرابة أحال الدية على بيت المال الذي على أهل الموصل، وإن كان هو كما ترى. وعلى كل حال فالتحقيق ما عليه المشهور لما عرف (و) لكن (هل يدخل الآباء) وإن علوا (والابناء (1) وإن نزلوا (في العقل قال في المبسوط والخلاف) والوسيلة ومحكي المهذب: (لا) يدخلون، بل نسبه ثاني الشهيدين إلى المشهور، بل في الخلاف دعوى إجماعنا عليه للاصل المقطوع بما تعرفه إن شاء الله، مضافا إلى اقتضاء التمسك به هنا شغل ذمة اخرى، مقتضى الاصل عدمها، وللاجماع المزبور المعتضد بالشهرة المذكورة الموهونين بما ستعرفه إن شاء الله، ولخروجهم عن مفهوم العصبة الذي فيه منع ظاهر بعد الاحاطة بما سمعته من كلام أهل اللغة وغيرهم، ولصحيح محمد بن قيس (2) المتقدم في أول البحث المحتمل لارادة إخراج الولد من العصبة على نحو جهة الاستثناء المقتضى لكونهم منها فيكون دالا على المطلوب، والنبوى (3) العامي السابق الذي هو من غير طرقنا، كالآخر عنه (4) أيضا " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة ابنه " المحتمل لارادة العمد، والثالث (5) عنه أيضا " في امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الاخرى وكان لكل منهما زوج وولد فبرأ النبي صلى الله عليه وآله الزوج والولد، وجعل الدية على العاقلة " المحتملة لارادة الانثى من الولد فيه (و) من هنا كان (الاقرب دخولهما) وفاقا للاسكافي والمفيد والشيخ في النهاية والحائريات والحلى ويحيى بن سعيد وأبي العباس والفاضلين والصيمري والشهيد في اللمعة وغيرهم، وظاهر التنقيح على ما حكى عن بعضهم، ولذا نسبه


(1) في الشرائع: والاولاد. (2) الوسائل الباب - 39 - من كتاب العتق الحديث الاول. (3) وهو الذى حكاه في كشف اللثام ج 2 ص 346. (4 و 5) حكاهما في كشف اللثام ج 2 ص 347 وفى المسالك ج 2 ص 512.

[ 421 ]

في الايضاح إلى الشهرة، بل عن الحلى الاجماع عليه، ونسبه إلى روايتنا وأن الشيخ تفرد بالعدم (لانهما أدنى قومه) المفسر به العصبة، بل هو صريح من عرفت من أهل اللغة وغيرهم، كما أنه صريح خبر سلمة بن كهيل المنجبر هنا بما عرفت، وبذلك كله يظهر لك ضعف الشهرة (و) الاجماع المزبورين نعم (لا يشتركهم القاتل في الضمان) بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى معلومية كون الدية في الخطأ على العاقلة ضمانا أو أداء من المذهب أو الدين وإن خالف أبو حنيفة. (ولا تعقل المرأة ولا الصبي ولا المجنون وإن ورثوا من الدية) بلا خلاف أجده فيه كما عن المبسوط الاعتراف به، لا لما قيل من خروجهم عن مفهوم العصبة فإنه قد يمنع في الاخيرين وإن كان هو كذلك في الامرئة، ولا لاصل البرائة الذي قد عرفت الاشكال في الاستدلال به هنا، بل للشك في إرادة الاخيرين من إطلاقها هنا وإن كانا منها في الحقيقة، ولو لعدم الخلاف المزبور. أما الشباب والضعفاء والزمنى والشيوخ الذين لا قوة لهم ولا نهضة فعن الشيخ التصريح بأنهم من أهل العقل، لانهم إن لم يكن لهم بصيرة (1) بالسيف فلهم بصيرة (2) بالرأي والمشورة ولا باس به، وإن كان العمدة دخولهم تحت العصبة لغة (و) عرفا. نعم (لا يتحمل الفقير شيئا) منها (و) لكن (يعتبر فقره عند المطالبة وهو حول الحول) فمن استغنى عنده عقل وإن كان فقيرا قبله وبالعكس، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل في القواعد وشرحها للاصبهاني " ولا يعقل فقير لا يملك ما يؤدى بالفعل وإن كان مكتسبا يمكنه الاداء بعد الكسب خلافا للعامة في وجه فاكتفوا بالاكتساب (3) " بل يظهر من غير واحد المفروغية من أصل الحكم، وهو إن تم إجماعا أو كان لهم نص عليه فذلك وإلا أمكن


(1 و 2) في كشف اللثام: " النصرة " مكان " البصيرة ". (3) كشف اللثام ج 2 ص 347.

[ 422 ]

إشكاله بإطلاق الادلة. وحينئذ فيصبر عليه حتى يجد كسائر ديونه، بل قد يقال بناء على اعتبار الوجدان، باعتباره حين الجناية كالتكليف لا حين حول الحول فتأمل جيدا فإنك ستسمع إن شاء الله ما يدفع ذلك، من احتمال عدم ضمان العاقلة قبل الحول على وجه الدين، بل هو خطاب تكليف، بل يمكن الجزم بذلك بعد التدبر في كلامهم هنا وفي كتاب الرهن، والله العالم. (ولا يدخل في العقل عندنا أهل الديوان) الذين رتبهم الامام عليه السلام للجهاد وأدر لهم أرزاقا ودونت أسمائهم، بعضهم عن بعض، خلافا لابي حنيفة فقدم أهل الديوان على الاقارب لفعل عمر (1) المعلوم أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، بل هو مخالف لما هو المعهود منه من جعلها على العصبة، مع احتمال عقله خصوصي العصبة من أهل الديوان. (و) كذا (لا) يدخل في العقل عندنا أيضا (أهل البلد إذا لم يكونوا عصبة و) لكن (في رواية سلمة) السابقة (ما يدل على إلزام أهل بلد القاتل مع فقد القرابة ولو قتل في غيره وهي) مع ضعفها (مطرحة) لم نجد عاملا بها كما عرفت الكلام فيها. (ويقدم من يتقرب بالا بوين على من انفرد بالاب) كما في القواعد وغيرها ومحكي المبسوط، بل لا أجد فيها خلافا بينهم معللين له بأنه أقرب فالاقرب أحق بالارث، ولما مر من خبرى (2) البزنطي وأبي بصير في قاتل هرب فمات، ولكن إن لم يكن إجماع لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم مدخلية الاحق في الميراث هنا، كعدم مدخلية الخبرين بعد أن كان موردهما العمد الذي لم تعمل بهما فيه، فإطلاق العصبة حينئذ بحاله، ولعله لذا قال في التحرير: " ولو قيل بعدم التقديم كان وجها لان قرابة الام لا مدخل لها في العقل " ثم


(1) راجع المسالك ج 2 ص 522. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث 1 و 3.

[ 423 ]

إنك ستعرف الكلام فيما لو زاد التوزيع على المتقربين بالابوين. (ويعقل المولى) الذي هو أحد أفراد العاقلة مع عدم العصبة أو زيادة التوزيع عليهم (من أعلى) إجماعا بقسميه عليه نصا (ولا يعقل من أسفل) بمعنى المعتق بالفتح، خلافا للشافعي في أحد قوليه. وكيفية عقله على حسب ترتب الولاء الذي عرفته في الميراث، فيعقل مولا الجاني، فإن لم يكن فعصبات المعتق، ثم معتق المعتق، ثم عصباته، ثم معتق أبي المعتق، ثم عصباته، وهكذا كترتب الميراث، ويدخل ابن المعتق وإن نزل وأبوه وإن علا في العقل، كما يدخل في الولاء، وكما يدخل أبو القاتل وابنه في عصبة القاتل على ما اخترناه. نعم بناء على عدم الدخول يحتمل الخروج هنا لخروجهما عن مفهوم عصبة المولى حينئذ كما سمعته في ظاهر صحيح محمد بن قيس (1) الذي تقدم الكلام فيه، ويحتمل الدخول لانتفاء العصبة بينهما وبين القاتل وتحقق الولاء والارث ولو كان المعتق امرأة كان لها الولاء ولكن لا عقل عليها لما عرفت من عدم العقل على النساء، ويعقل حينئذ عصباتها ومنهم أبوها وبنوها بناء على إرثهم الولاء. والشركاء في عتق عبد واحد كشخص واحد في العقل، لان الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم، فهم حينئذ كمولى واحد فلا يلزمهم بأجمعهم أكثر من نصف دينار إن كانوا أغنياء أو ربعه إن كانوا فقراء ولو كان فيهم الفقير والغني فبالنسبة، بمعنى أن على الغني حصة من النصف لو كانوا أغنياء، وعلى الفقير حصة من الربع لو كانوا فقراء، بخلاف ما لو مات المعتق الواحد المنفرد بعتق العبد كله عن عصبات، فإنه يضرب على كل واحد منهم نصيب المعتق. فإما (2) من النصف أو الربع، ولا يوزع نصيبه عليهم بأجمعهم لانه يرث العتيق بالولاء، لا أنه يرث الولاء من المعتق حتى يتوزع عليهم نصيبه خاصة، فعصبة


(1) الوسائل الباب - 39 - من كتاب العتق الحديث الاول. (2) في الاصل: " تاما " وفى كشف اللثام: " فاما " وهو الصحيح ظاهرا.

[ 424 ]

المولى بعده موالى للعتيق بأنفسهم كالمتقربين بالنسب إلى المبيت المتأخرين في الارث عن طبقة إذا فقدت الطبقة المتقدمة فإنهم يرثون بالقرابة، فهؤلاء العصبة إنما يرثون العتق ويعقلون عنه بولائهم لا بإرثهم الولاء عن المولى، فالولاء في حقهم كالنسب، وإذا اجتمع المنتسبون فعلي كل واحد منهم نصف دينار أو ربعه، نعم لو كانوا يرثون الولاء من المولى كانوا بمنزلة مولى واحد، نحو الجماعة إذا اشتركوا في عتق عبد واحد، كما تقدم تحقيق ذلك في المواريث. ولو مات أحد هؤلاء الشركاء في عتق العبد الواحد فكل واحد من عصباته لا يحمل أكثر من حصة المعتق لو كان حيا، وهي جزء من نصف دينار أو ربعه، ولا يحمل النصف أو الربع كاملا فإنه لا ينزل منزلة المنفرد بالعتق، بل غايته أنه يمنزلة الشريك فيه، وعن بعض كتب العامة إنه ما دام المعتق حيا لا يرتقى بالعقل إلى عصباته وإن فضل عنه شئ من الدية لعدم الولاء لهم في حياته، والتحقيق ما عرفت (1). ومعتق الاب أولى من معتق الام لاختصاص الولاء به. نعم إن كان أبوه رقيقا وامه معتقة عقل عنه معتق الام، فإن جنى الولد في حال رقية أبيه عقل عنه معتق امه، فإذا عتق الاب بعد ذلك انجر الولاء إلى معتقه، ولو حصلت سراية للجناية بعد ذلك لم يضمنها معتق الاب لانها حصلت بجناية قبل الجر فلا يضمنها مولي الاب، بل ولا مولي الام، وإن ضمن أصل الارش، لان الزيادة حصلت بعد الجر وخروج الولاء عن مولي الام، والضمان مشروط بتحقق العقل في الحالين، وإنما يتحقق هنا بتحقق الولاء فهو كالذمي إذا رمى ثم أسلم الذي ستعرف الكلام فيه إن شاء الله. فالمتجه حينئذ كون الزيادة في مال الجاني دون بيت المال الذي يشترط الضمان فيه بالخلو عن الموالي، للاصل وإن احتمل ذلك أيضا، تنزيلا لبرائة الموالي منزلة


(1) راجع كشف اللثام ج 2 ص 348.

[ 425 ]

عدمهم، ولو قطع يدين قبل الجر أو يدين ورجلين فسرى بعد الجر فعلى مولي الام دية كاملة لوجوبها عليه بالجناية ولا زيادة بالسراية، والسراية إنما ظهر بها عدم الزيادة على الدية كما هو واضح. (وتحمل العاقلة دية الموضحة فما زاد قطعا)، بل إجماعا بقسميه لعموم الادلة (وهل تحمل ما نقص ؟ قال في الخلاف) ومحكي المبسوط والسرائر (نعم) تحمله لعموم الاخبار بل عن الاخير الاجماع عليه (ومنع في غيره) كالنهاية، وتبعه في محكي الكافي والغنية والاصباح والوسيلة والكامل (وهو المروي) عن الباقر عليه السلام " قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا تحمل العاقلة إلا الموضحة فصاعدا وما دون السمحاق أجر الطبيب سوى الدية (1) " (غير أن في الرواية ضعفا) بابن فضال الذي هو فطحى، ونحوه في القواعد، وظاهرهما الميل إلى الاول، ولكن فيه أن ذلك مع تقدير تسليمه يقتضي كونه موثقا، وهو حجة عندنا أيضا، خصوصا في المقام المعتضد فيه بالاصل وبالشهرة وبغيرهما، ولعله لذا اختاره الفاضل في جملة من كتبه وولده والمقداد والصيمري وثاني الشهيدين وغيرهم، بل الظاهر أنه المشهور، كما اعترف به غير واحد منهم. كل ذلك مضافا إلى ما روى (2) من رجوعه عن الفطحية عند موته، فيكون حينئذ صحيحا، فما في الايضاح " من أني قد سألت والدي عن الخبر المزبور ونحن في الحجاز حين قرائتي عليه التهذيب المرة الثانية، فقلت: ضعفته في القواعد ووثقته في المختلف فقال: هو ضعيف " (3) محمول على إرادة الضعف الذي يشمل الموثق وإلا كان واضح المنع، فلا محيص حينئذ عن العمل به بعد أن لم يكن له معارض إلا عمومات مخصصة به، والاجماع المزبور إنما المسلم منه ما يوافق العمومات دون محل البحث الذي مقتضى الاصل أيضا كونه على الجاني، ضرورة اقتضاء قوله


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. (2) راجع معجم رجال الحديث ج 5 ص 46. (3) ايضاح الفوائد ج 4 ص 747.

[ 426 ]

تعالى: " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (1) وغيره كون جناية الجاني على نفسه دون غيره، خرج ما خرج وبقى الباقي. على أن الغالب حصول الجنايات الكثيرة خطاء من الناس، فلو وجب كل جرح قل أو كثر على العاقلة لزم حصول المشقة لهم، بل ربما أدى ذلك إلى تساهل الناس في الجنايات، لانتفاء الضمان عنهم، بل لعل سيرة المسلمين في كل عصر ومصر على خلافه، بل ربما شك في تناول الاطلاقات للجراحات جميعها، وأنها في دية النفس خاصة، وضمان الموضحة فصاعدا للاجماع والموثق المزبور، فيبقى غيره على أصالة عدم الضمان. وفي كشف اللثام عن التبصرة " أنها لا تعقل موضحة فما دون وهو غريب (2) " والموجود فيما حضرنا من نسختها " أنها لا تعقل ما دون الموضحة (3) " نعم في التحرير " أنها لا تعقل عن جراح المراة إلا ما بلغ أرشه أرش الموضحة يعني الموضحة في الرجال (4) " وفيه منع واضح. ثم بناءا على المختار ففي اشتراط اتحاد الجرح الناقص عنها حتى لو تعدد وكان أرش المجموع بقدر أرش موضحة أو أكثر حمل العاقلة، إشكال كما في القواعد، من الاصل وعدم ضمانه شيئا منها، فكذا الكل، ومن التساوي في الارش وندرة الوقوع بالنسبة إلى واحد منها فلا مشقة ولا تساهل، والدخول في قوله في الخبر (5) " فصاعدا " وإن كان ذلك كله كما ترى، ولذا قال في كشف اللثام: " والاول أظهر ".


(1) فاطر: 18. (2) كشف اللثام ج 2 ص 349. (3) التبصرة ص 808 طبع الاسلامية وص 218 طبع قم. (4) التحرير ج 2 ص 280 ولم ينقل لفظه بعينه فراجع. (5) يعنى خبر ابن فضال المذكورة آنفا.

[ 427 ]

وأما ما تضمنه الخبر المزبور (1) من أن " على الجاني أجر الطبيب فيما دون السمحاق سوى الدية " فلا أجد عاملا به، ولا ريب في أن الاحوط للجاني بذله. (وتضمن العاقلة دية الخطاء) إلا أنها تستأدي (في ثلاث سنين) كما في خبر أبي ولاد (2)، بل عليه إجماع الامة إلا من ربيعة كما عن الخلاف فأجلها خمسين، وعن بعض الناس أنها حالة غير مؤجلة، والكل شاذ. ومبدأها من حين الموت فيأخذ حينئذ ولي الدم (كل سنة عند انسلاخها ثلثا تامة كانت الدية) كدية الرجل الحر المسلم (أو ناقصة كدية المرأة ودية الذمي) وعن الشافعي في أحد وجهيه اعتبار الناقصة بالكاملة فما كان منها ثلثها كدية اليهودي والنصراني عنده أو نقصت عنه كدية المجوسي تحل في السنة الاولى، وما زاد كدية المرأة تحل في سنتين، وفي الاولى بقدر الثلث والباقي في الثانية. هذا كله في دية القتل. و (أما الارش فقد قال في المبسوط) وتبعه الفاضل في القواعد (يستأدي في سنة واحدة عند انسلاخها إذا كان ثلث الدية فما دون، لان العاقلة لا تعقل حالا) للاصل، وفحوى ما ورد في القتل (و) لكن (فيه إشكال ينشأ من احتمال تخصيص التأجيل بالدية) للنفس (لا بالارش) الباقي على مقتضى أصالة الحلول في المستحق، اللهم إلا أن يقال إن خبر أبي ولاد (3) دال على تأجيل دية الخطاء مطلقا " قال: إن دية الخطاء تستأدي في ثلاث سنين فما دون " بل، قال أيضا (ولو كان دون الثلاثين حل الثلث الاول عند انسلاخ الحول، والباقي عند


(1) يعنى خبر ابن فضال. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول وكلمة " فما دون " ليست فيه.

[ 428 ]

انسلاخ الثاني، ولو كان أكثر من الدية كقطع اليدين وقلع عينين وكان لاثنين حل لكل واحد عند انسلاخ الحول ثلث الدية وإن كان لواحد حل له ثلث لكل جناية سدس الدية). (وفي هذا كله) ما عرفت من (الاشكال الاول) ودعوى وفاء خبر أبي ولاد في ذلك كله كما في ظاهر كشف اللثام كما ترى لا يتجشم (1)، خصوصا بعد انسياق دية القتل منه، ولو سلم العدم كان مقتضاه ما سمعته من التحرير والارشاد وهو التأجيل ثلاث سنين في الارش مطلقا. ودعوى تأييد الاول، بأن القتل مع أنه أعظم من نقص الاطراف إذا كانت ديته تؤجل فديات الاطراف واروش الجنايات أولى به مع أصل البرائة، من الاجتهاد الذي لا يجوز العمل به في الاحكام الشرعية، وكذا دعوى أن العاقلة لا تعقل حالا بل لابد من التأجيل وأنه على الوجه المزبور ولو من فحوى ما ورد في القتل، في عدم الرجوع إلى حاصل معتد به، وخصوصا دعوى تأجيل مادن الثلث إلى سنة كالثلث، ودعوى تأجيل ما زاد عليه ولو يسيرا إلى ما دون الثلثين إلى سنتين، ودعوى ما زاد عليهما ولو يسيرا إلى الثلث. فالانصاف اختصاص خبر أبى ولاد (2) بدية القتل، وبقاء دية الارش على أصالة الحلول قل أو كثر، ثم على التقدير المزبور فالغاية ما عرفت، والله العالم. وعلى كل حال لا رجوع للعاقلة بما تؤديه على الجاني على المشهور، كما تقدم سابقا، خلافا للمفيد وسلار، ولم نعرف له وجها بل ولا موافقا لهما، والله العالم. (ولا تعقل العاقلة إقرارا ولا صلحا) عن عمد أو شبهه أو خطأ لم تثبت


(1) لا ينجسم ظ. (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ديات النفس الحديث الاول.

[ 429 ]

(ولا جناية عمد مع وجود القاتل) أما مع موته أو هربه فقد مر الكلام فيه (ولو كانت موجبة للدية كقتل الاب ولده أو المسلم الذمي أو الحر المملوك) والهاشمة والمأمومة بلا خلاف معتد به أجده في شئ من ذلك، كما اعترف به بعضهم، بل في كشف اللثام الاجماع عليه. بل ولا إشكال بعد معلومية أصالة عدم ضمان أحد جناية غيره لقوله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (1) وغيره، خرج منه دية الخطأ المحض وبقى غيره، وفي النبوي (2) " لا تحمل العاقلة عمدا ولا اعترافا "، وعن أمير المؤمنين عليه السلام (3) " لاتعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ". وفي خبر السكوني (4) عنه أيضا " لا تضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا "، وفي خبر زيد (5) بن علي عن آبائه عليهم السلام " لا تعقل العاقلة إلا ما قامت عليه البينة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة ولم يجعل على العاقلة شيئا "، ورواه في الفقيه (6) عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفي خبر أبي بصير (7) عن أبي جعفر عليه السلام " لا تضمن العاقلة عمدا ولا إقرارا ولا صلحا "، إلى غير ذلك. وحينئذ فلو ثبت أصل القتل بالبينة فادعي القاتل الخطاء وأنكرت العاقلة فالقول قولهم مع اليمين ولو على عدم العلم بالخطاء، والاقرار المزبور إنما هو


(1) فاطر: 18. (2) حكاه في المسالك ج 2 ص 512. (3) حكاه في كشف اللثام ج 2 ص 349 ورواه في المستدرك ج 3 ص 288 عن دعائم الاسلام وراجع دعائم الاسلام ج 2 ص 414. (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب العاقلة الحديث الثاني. (5) الوسائل الباب - 9 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. (6) الففيه ج 4 ص 142. (7) الوسائل الباب - 3 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 430 ]

حجة على نفس المقر لا في حق غيره، وثبوت الدية في ماله حيث يقر لان لا يبطل دم المسلم، ولان الاصل في الجناية أن تكون على الجاني، وقوله خطأ مجرد دعوى للرفع عن نفسه، فما عن العامة من عدم شئ عليه ولا العاقلة بالاقرار واضح الفساد. (ولو جنى على نفسه خطأ قتلا أو جرحا طل ولم تضمنه العاقلة) بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به بعض، بل ظاهر آخر الاجماع عليه، ولعله كذلك، للاصل المزبور، نعم عن الاوزاعي وأحمد وإسحاق ضمانها في النفس لورثته وفي الطرف له، ولا ريب في فساده بعد الاصل المزبور والاتفاق، بل والاعتبار، ضرورة كون الدية عوض الجناية على المجني عليه لا جنايته على نفسه، والله العالم. (وجناية الذمي في ماله وإن كانت خطأ دون عاقلته) عندنا (ومع عجزه عن الدية فعاقلته الامام لانه يؤدي إليه ضريبته) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل ظاهر بعض الاجماع عليه لصحيح (1) أبي ولاد عن أبي عبد الله عليه السلام " ليس بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة إنما يؤخذ ذلك من أموالهم فإن لم يكن له مال رجعت الجناية على إمام المسلمين لانهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده، قال: وهم مماليك للامام فمن أسلم منهم فهو حر " وكان ما وقع من المصنف وغيره من التعليل متابعة للصحيح، وإلا فالمولى لا يعقل عن العبد فتأدية الجزية كما يؤدي العبد الضريبة، لا يقتضي العقل عنه، ولعل الظاهر عدم إرادة الاشارة في الصحيح إلى شبهه بالعبد من هذه الجهة، بل المراد بيان الواقع والتقريب بأن من كان له الجزية فعليه العقل. وعلى كل حال فما عن العامة من تضمين العاقلة وهم عصبة الذميون واضح


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 431 ]

الفساد بعدما عرفت. وجناية الصبي والمجنون على العاقلة عندنا وإن تعمدا، لان عمدهما خطاء خلافا للشافعي في قول ففي مالهما. (ولا يعقل مولى المملوك جنايته قنا كان أو مدبرا أو مكاتبا أو مستولدة على الاشبه) باصول المذهب وقواعده التي مرت الاشارة إلى بعضها، مضافا إلى بعض النصوص المزبورة، بل لعله لا خلاف فيه فيما عدا الاخيرة، وإن قال في الغنية (1): " وعاقلة الرقيق مالكه " وفي النهاية (2) " وإذا قتل عبدا حرا خطاءا فأعتقه مولاه جاز عتقه وكان على مولاه دية المقتول، لانه عاقلته " بل ربما يشهد له مفهوم التعليل في صحيح أبي ولاد المتقدم، وإن قصر عن معارضة النصوص الصريحة المستفاد منها أن جناية العبد عمدا أو خطاءا في رقبته المعتضدة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك لشذوذ قوليهما. بل يمكن إرادة أن جنايته في ماله إما رقبة الرقيق أو غيره من العقل، أو أن المولى عاقلته له لو جنى بعد العتق، أو مطلق الضمان الصادق على الاداء من رقبة العبد أو غيره، لا العقل بالمعنى المتعارف الذي هو ضمان تمام الدية وإن زادت على قيمة العبد، ونحو ذلك مما يرتفع به الخلاف، كما عساه يشهد له دعوى المقداد الاجماع على أن المولى لا يعقل عبده، وفي الاستدلال على أنه لا يعقل ام الولد باعتبار بقائها على الرقية. ومنه يعلم الحال في ام الولد أيضا، وإن حكى عن الشيخ في المبسوط والقاضي أن المولى يعقلها، لخبر مسمع (3) الدال على ذلك، الموافق للمحكي عن العامة من عقل مولاها لها إلا أبا ثور منهم، فجعل جنايته عليها تتبع بها بعد العتق كما


(1) الغنية فصل في الديات. (2) لم أجده في النهاية في كتاب الديات فراجع ولكن حكاه عنه في الرياض ج 2 ص 632. (3) الوسائل الباب - 43 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 1.

[ 432 ]

مر الكلام فيه في المباحث السابقة. بل وفي أن الحر إذا قتل عبدا عمدا ضمنه في ماله، وإن كان خطاءا فعلى عاقلته، الموافق لاطلاق النص والفتوى، بل عن المبسوط والخلاف الاجماع عليه خلافا لابي علي فجعله في ماله، لانه مال، وهو اجتهاد، وإن استحسنه في محكي المختلف، والله العالم. (وضامن الجريرة يعقل) إجماعا بقسميه ونصوصا (1) مستفيضة وفيها الصحيح وغيره التي تقدمت في كتاب المواريث، منها (2) قوله: " إذا ولى الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته " بل ربما ظهر منها تلازم الارث والعقل وقد عرفت في كتاب المواريث إرث المعتق والضامن والامام مترتبين فيعقلون حينئذ كذلك، وفي الصحيح (3) " من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه (4) أو قد ضمن جريرته فماله من الانفال " وفي آخر (5) " السائبة التي لا ولاء لاحد عليها إلا الله تعالى، فما كان ولاؤه لله سبحانه وتعالى فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما كان لرسو الله صلى الله عليه وآله فإن ولاءه للامام عليه السلام، وجنايته على الامام وميراثه للامام عليه السلام ". وفي المرسل (6) " الرجل إذا قتل رجلا خطأ قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية إن الدية على ورثته فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت


(1) راجع الوسائل - 1 - من أبواب ضمان الجريرة والامامة. (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب ضمان الجريرة الحديث 4. (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ضمان الجريرة الحديث الاول. (4) في الفقيه ج 4 ص 333 والتهذيب ج 9 ص 387 " عتاقة " وفى الكافي ج 7 ص 169 والوسائل " عتاقه ". (5) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ضمان الجريرة الحديث 6. (6) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 433 ]

المال " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على عقل الضامن بل مطلق الوارث، بل لعل منها قول الصادق عليه السلام في صحيح (1) ابن مسلم " من التجأ إلى قوم فأقروا بولايته كان لهم ميراثه وعليهم معقلته ". (ولا يعقل عنه المضمون) للاصل وغيره، إلا إذا دار الضمان فيعقل عنه حينئذ من حيث إنه ضامن لا من حيث إنه مضمون. (و) على كل حال ف‍ (- لا يجتمع) ضمان ضامن الجريرة (مع) وجود (عصبة ولا معتق) بلا خلاف أجده فيه وإن اتسعت الدية (لان عقده) كما عرفته في كتاب المواريث (مشروط بجهالة النسب وعدم المولى) فلا يصح عقد الضمان مع وجود أحدهم. (نعم لا يضمن الامام عليه السلام مع وجوده ويسره على الاشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها اقتضاء صحة عقده - لاطلاق ما دل عليه - اختصاص الضمان به، فإن لم يكن هناك ضامن أو كان فقيرا ضمن الامام مطلقا أو إن لم يكن للجاني مال على الخلاف الآتي، كما سمعته في خبر سلمة (2)، بل ومرسل يونس (3) عن أحدهما عليهما السلام " فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال " والظاهر إرادة بيت مال المسلمين. كما عن الشيخين وجماعة التصريح به، بل يدل عليه أيضا قول الصادق عليه السلام في خبر أبي ولاد (4) في من قتل ولا ولي له سوى الامام عليه السلام " أنه ليس له العفو بل إنما له القتل أو أخذ الدية وجعلها في بيت مال المسلمين لان جنايته عليه فكذا ديته " ونحوه خبر الآخر (5) وزاد " قلت: فإن عفى عنه الامام قال: إنما


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب العاقلة الحديث الاول، وفيه " لجأ " مكان " التجأ ". (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث 2. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. (4 و 5) الوسائل الباب - 60 - من أبواب القصاص في النفس الحديث الاول والثانى.

[ 434 ]

هو حق لجميع المسلمين وإنما على الامام عليه السلام أن يقتل أو يأخذ الدية وليس له أن يعفو " بل وأخبار (1) قتيل الزحام الذي لا يرى قاتله، مضافا إلى وضع بيت المال للمصالح الذي هذه من أهلها، وإلى أصالة برائة ذمة الامام عليه السلام، خلافا لابن إدريس فأوجبها في ذمته في ماله مدعيا عليه الاجماع، وقال: إنه ضامن جريرته ووارثه. وعن المختلف أنه مال إليه، ولعله ظاهر خبر سلمة (2) السابق، وهو لا يخلو من وجه مناسب لارث الامام له، كما سمعته في النصوص السابقة، وفي كتاب المواريث، وفي كتاب الخمس في بحث تعداد الانفال من أن الامام عليه السلام هو الوارث له، ومن تبعية العقل للارث في مثله، بل يمكن إرادة بيت مال الامام من بيت المال في مرسل يونس (3)، كما أنه يمكن القول باتحاد بيت مال الامامة مع بيت مال المسلمين، كما أشرنا إليه في المباحث السابقة. هذا كله في المحل. و (أما كيفية التقسيط) فقد عرفت سابقا (أن الدية تجب ابتداءا على العاقلة) لظاهر النص والفتوى (و) حينئذ ف‍ (- لا يرجع بها على الجاني على الاصح) الموافق للاصل وظاهر النصوص والفتاوى، ودعوى - أن الاصل في الضمان كونه على المتلف فيكون العدول عنه محتملا ويتفرع عليه إذا لم تف العاقلة بالدية فإنه يرجع بها أو بباقيها على القاتل حينئذ - اجتهاد في مقابلة النص والفتوى. وكذا كان الاصح عدم دخول القاتل في الضمان مطلقا على وجه يستحق


(1) راجع الوسائل الباب - 6 - من أبواب دعوى القتل وما يثبت به. (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 435 ]

عليه المطالبة وعدم الرجوع عليه كذلك كما تقدم الكلام فيه سابقا. (و) على كل حال ف‍ (- في كمية (1) التقسيط قولان أحدهما) للشيخ في موضع من محكي المبسوط والخلاف والقاضي، بل هو خيرة الفاضل في القواعد والارشاد وهو (على الغني عشرة قراريط) أي نصف دينار، (وعلى الفقير) بالنسبة إليه المعبر عنه في محكي الخلاف والوسيلة بالمتوسط، الذي لا يعقل (خمسة قراريط) أي ربع دينار. إلا أن في عباراتهم نوع اختلاف في المراد من التقدير المزبور، فعن المهذب المراد أن أكثر ما على الموسر نصف دينار وأكثر ما على المتوسط ربعه. وعن موضع من الخلاف والمبسوط أن المراد لزومهما عليهما لا أقل، للاجماع، ولا أكثر، للاصل مع عدم الدليل، والفاضل أطلق ولم يذكر شيئا من ذلك، كما أن المصنف وغيره قالوا (اقتصارا على المتفق) في توجيه القول المزبور، وكأنه لا حاصل له بعد إطلاق الادلة الضمان على العاقلة المقتضي للتساوي، وليس دليله منحصرا بالاجماع ونحوه حتى يقال إن ذلك هو المتيقن. على أنه موقوف على اتفاق القائلين على القدر المزبور وأن الخلاف في القدر الزائد عليه، (و) ليس كذلك، فإن القول (الآخر) كما في موضع آخر من الخلاف والمبسوط والسرائر والنافع والجامع والمختلف والتحرير والتلخيص والتبصرة على ما حكي عن البعض، بل لعله المشهور كما في الرياض (يقسطها الامام) أو نائبه الخاص أو العام (على ما يراه بحسب أحوال العاقلة)، بحيث لا يجحف بأحد منهم، معللين بأنه لا دليل على التقدير المزبور، حتى القياس الباطل عندنا، والاجماع المزبور ممنوع، خصوصا بعد مخالفة مدعيه له في موضع آخر كما عرفت، وإن احتمل في كلامه الرجوع إلى نظر الامام في الزائد على القدر المزبور الذي ادعى الاجماع عليه، إلا أنه تهجس ومناف لما حكي من ظاهر كلامه.


(1) في الشرائع: كيفية.

[ 436 ]

ولعله لذا وغيره قال المصنف (وهو) أي القول الثاني (أشبه) باصول المذهب وقواعده، بل في محكي المبسوط: " فمن قال يجب على الغني نصف دينار وعلى المتوسط ربعه فهل يجب عليه ذلك في كل سنة حتى يتكامل في ثلاث سنين دينار ونصف، أو يكون النصف عليه في ثلاث سنين في كل سنة دانق، وعلى المتوسط نصف دانق ؟ قال قوم: هذا النصف على كل واحد في ثلاث سنين، ومنهم من قال في كل سنة وسواء قيل يلزمه النصف في كل سنة أو كل ثلاث سنين نظرت فإن كانت الابل موجودة فعليهم جميع ذلك ولا يقبل منهم سهم من حيوان، لانه يشق على الدافع ويضيع على المدفوع إليه، فإن أعوزت الابل انتقل مضى القول فيه من البدل على الخلاف فيه " (1). قلت وكفى بالاجمال المزبور مع عدم دليل كاشف له مبطلا، ويشبه أن يكون هذه التهجسات للعامة، ضرورة عدم موافقتها لمذهبنا كما هو واضح. ولكن لا يخفى عليك أن فساد القول بالتقدير لا يقتضي صحة القول الثاني، ضرورة أنه لا دليل أيضا على اعتبار توزيع الامام أو نائبه أو عدول المؤمنين بعد إطلاق الادلة أن الضمان على العاقلة المقتضي كونه عليهم دينا شرعيا، والاصل عدم التفاوت بينهم. بل جميع ما ذكر في رد القول المزبور يأتي مثله في هذا القول حتى المناقشة بالاصل بالمعارضة بالمثل، باعتبار اقتضائه شغل ذمة اخرى، والمناقشة أيضا بأن إطلاق الادلة ضمان العاقلة نصا وفتوى يقتضي وجوبها عليه أجمع، حتى لو كان من العصبة واحدا تعين عليه الدية بتمامها مع قدرته عليها، ومع العدم يدفع ما قدر عليه منها ويجب الزائد على من بعده من مراتب العاقلة ودرجاتها، لان عجزه يصيره كالعدم إجماعا فيكون الجاني بالنسبة إلى هذه الزيادة كمن لا عاقلة له من القرابة، وهكذا الكلام بالنسبة إلى المرتبة الثانية ثم الثالثة.


(1) المبسوط ج 7 ص 178.

[ 437 ]

ومن الغريب ما في الرياض فإنه بعد أن اعترف بأن مقتضى الاطلاق ذلك ردا على القول الاول قال: " فعلى هذا فالوجه وقوف التقسيط على رأى الامام عليه السلام أو من نصبه للحكومة " مع أنه يجري فيه الكلام المزبور بعينه، لا أنه يكون دليلا على صحة القول الثاني، ودعوى الاجماع المركب بعد تسليمها، لا تشخص صحة الثاني أيضا كما هو واضح. فالتحقيق إن لم يكن إجماعا العمل على مقتضى الاطلاق المذكور على حسب ما سمعت، وإن كان قد يرجع إلى الامام أو نائبه في قطع الخصومة والتنازع مع فرضهما من باب السياسات ورفع الخصومات والمناظرات، لا من حيث إنه حكم شرعي بخصوصه، لعدم الدليل عليه كذلك (و) كيف كان ف‍ (- هل يجمع بين القريب والبعيد) في العقل (فيه قولان) أحدهما نعم، كما عن المبسوط والجامع، لتناول اسم العاقلة التي تعلق الضمان بها نصا وفتوى للجميع و (أشبههما)، بل وأشهرهما، بل هو المشهور (الترتيب في التوزيع) فيؤخذ من الاقرب فإن لم يكن أو عجز فمن الا بعد من غيره وهكذا على حسب ترتب الارث، فالطبقة الاولى الآباء والاولاد بناءا على دخولهم في العصبة، ثم الاجداد والاخوة وأولادهم وإن نزلوا، ثم الاعمام وأولادهم وإن نزلوا، وهكذا بالنسبة إلى أعمام الاب وغيرهم على نحو طبقات الارث، حتى أنه ينتقل إلى المولي إن كان مع عدمهم أجمع، ثم إلى عصبته ثم إلى مولي المولى ثم إلى ما فوق. ولعله لآية " واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " (1) في بعض المدعي متمما بعدم القول بالفصل، وللمرسل (2) السابق الدال على أن دية الخطاء على الوارث، المراد به العاقلة ولو بقرينة قوله بعده: " فإن لم يكن له عاقلة فعلى


(1) الانفال: 75. (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 438 ]

الوالي من بيت المال "، بل ولغيره من النصوص السابقة الدالة على تبعية العقل للارث وإن كان هو بالنسبة إلى وارث مخصوص، مع ملاحظة الانجبار بالشهرة المزبورة. بل في محكي المبسوط " لا يخلو إما أن يكون على الاقرب وحده، أو على من قرب وبعد كما قالوا، أو على الاقرب فالاقرب كما قلنا، وبطل أن يكون كلها على الاقرب لانه لا خلاف في ذلك، وبطل أن يقال على الكل لما قلناه في الآية (1)، فكان على الاقرب فالاقرب كالميراث والولاية في النكاح " (2) وإن كان فيه ما لا يخفى. وربما يؤيد بخبري (3) البزنطي وأبي بصير المتقدمين فيمن هرب فمات وإن لم يكن موردهما الخطاء. (وهل يؤخذ من الموالى مع وجود العصبة، الاشبه نعم مع زيادة الدية عن العصبة) على وجه لا يمكن استيفائها منها على أحد الوجهين من النصف أو الربع أو عدمه (و) حينئذ ف‍ (- لو اتسعت) على الموالي أيضا على الوجه المزبور (اخذت من عصبة المولي، فلو زادت فعلى مولى المولي ثم عصبة مولى المولي)، لما عرفت من أنه بناءا على ما ذكرناه من إعتبار الاقرب فالاقرب أنه مع عدمه أو عجزه يكون العاقلة غيره. وأما على القول بكون الجميع في درجة واحدة فالاخذ من الجميع من دون اعتبار للقيد المزبور واضح، ضرورة كون الجميع عاقلة في الجملة. (و) من هنا (لو زادت الدية على العاقلة أجمع) مع اعتبار التقدير وعدمه (قال الشيخ) بل وجماعة على ما في المسالك (يؤخذ الزائد من الامام)


(1) في الاصل: في الدية ولكن في كشف اللثام كما اثبتناه. (2) حكاه في كشف اللثام ج 2 ص 349 عن الشيخ ولم أجده في باب العاقلة من كتاب المبسوط طبع المرتضوى فراجع. (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث 1 و 3.

[ 439 ]

الذي هو العاقلة في هذا الحال (حتى لو كانت الدية دينارا وله أخ) وقلنا يضمن بضمان العاقلة دية الاقل من الموضحة (اخذت منه عشرة قراريط) بناءا على اعتبار التقدير، بمعنى عدم إلزامه بأزيد من ذلك (والباقى من بيت المال) لامام المسلمين على البحث السابق. ولكن في المتن تبعا للمحكي عن الخلاف (والاشبه إلزام الاخ بالجميع إن لم يكن له عاقلة سواه، لان ضمان الامام مشروط بعدم العاقلة أو عجزهم عن الدية) كما في خبري (1) سلمة ويونس، مضافا إلى عموم أن الدية على العاقلة في غيرهما من النصوص، فمن نقلها إلى بيت المال يحتاج إلى الدليل. ولكن فيه أولا أن الشيخ بنى ذلك على اعتبار التقدير على الوجه المزبور ولا ريب في كونه متجها عليه، ضرورة عدم عاقلة حينئذ غير الامام، وثانيا يرد عليه نحوه فيما صرح بجوازه من الاخذ من الموالي (2) مع وجود العصبة الذين شرط في عقلهم أيضا عدم العصبة، وليس هو إلا لما ذكرناه، مع أنه مع عجزهم يكون كعدم العاقلة، ونحوه يجري في الامام عليه السلام، فما أدري ما الذي دعاه إلى الاعتراض على الشيخ في خصوص ذلك الذي بناه على اعتبار التقدير بالنحو الذي ذكرناه ؟. وإن كان هو خلاف المختار الذي يتجه فيه كون الامام عليه السلام كغيره من أفراد العاقلة في أنه مع عدم الطبقة السابقة أو عجزها يكون العقل عليه. (ولو زادت العاقلة عن الدية لم يخص بها البعض) كما في القواعد ومحكي الخلاف (وقال الشيخ) في محكي المبسوط: (يخص اللامام بالعقل من شاء) منهم (لان التوزيع بالحصص يشق و) لا ريب أن (الاول) أي التقسيط (أنسب بالعدل) وأوفق بإطلاق تعلقها بالجميع بعد عدم الدليل إلى التخصيص،


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث الاول، والباب - 6 - منها الحديث الاول. (2) في الاصل: المولى.

[ 440 ]

والمشقة غير صالحة لذلك. (و) هنا (لو غاب بعض العاقلة لم يخص بها الحاضر)، خلافا لبعض العامة فخص بها الحاضر لاختصاصهم بقرب الدار كما يقدم المختصون بقرب القرابة، ولان التحمل نوع نصرة (1) وهي إنما تتأتى الحاضرين، وهو كما ترى لا يستأهل أن يسطر، ضرورة الفرق بين قرب الدار وقرب القرابة وإلا لافترق الحاضرون، ووجه التحمل النص والاجماع لا النصرة. ومن هنا تحمل من لم يصلح لها منهم كما هو واضح. وخبر (2) الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر عليه السلام " إذا كان الخطاء من القاتل أو الخطاء من الجارح وكان بدويا فدية ما جنى البدوي من الخطاء على أوليائه من البدويين وإذا كان القاتل أو الجارح قرويا فإن دية ما جنى من الخطاء على أوليائه القرويين " مع ضعفه وعدم تعرضه للحاضر والغائب لم أجد عاملا به. (وابتداء زمان التأجيل) في دية الخطاء (من حين الموت وفي الطرف من حين الجناية، لا من وقت الاندمال، وفي السراية من وقت الاندمال، لان موجبها لا يستقر بدونها، ولا يقف ضرب الاجل على حكم الحاكم) كما ذكر ذلك كله في الارشاد والقواعد وغيرهما. بل لا خلاف ولا إشكال في الاول للانسياق سواء مات دفعة أو بالسراية، ولان الابتداء من حين وجوب الدية ولا وجوب قبل الموت، وإذا سرى الجرح دخل في النفس ولم يعتبر إلا حال الدخول فيها. وكذا الاخير عندنا لاطلاق الدليل المقتضي كونه دينا من الديون المؤجلة شرعا من غير حاجة إلى حاكم، خلافا لبعض العامة فجعل ابتداء الاجل من حين


(1) في الاصل: مضرة. (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب العاقلة الحديث الاول الفقيه ج 4 ص 109 التهذيب ج 10 ص 174

[ 441 ]

المرافعة إلى الحاكم، وآخر فجعله من وقت حكم الحاكم بالدية حتى لو قضت ثلاث سنين ثم تحاكموا فسخ (1) الحاكم ضرب المدة محتجا بأن هذه مدة تناط بالاجتهاد فلا تتقدر بدون الحكم، وهو كما ترى اجتهاد في مقابل ظاهر النصوص والفتاوى. بل ولا في الثاني مع العلم بعدم السراية لان الوجوب تعلق حينها وبالاندمال يتبين استقرارها، فلا يعتبر الاندمال وإن أوقفنا المطالبة بالدية عليه، لان التوقف بالمطالبة على تقديره ليتبين منتهى الجراحة، وابتداء المدة ليس وقت الطلب فلا تلازمه المطالبة. فإذا انقضت السنة والجراحة باقية فالحكم في مطالبة العاقلة كالجاني إذا كان عامدا ونحوه. على أن التحقيق عدم توقف المطالبة عليه بعد العلم بعدم السراية لا طلاق الادلة المقتضي للوجوب حين الجناية. وأما مع السراية فقد يشكل اعتبار الاندمال - وإن قيل إنه المشهور - بعدم دليل على اعتباره، ولذا قيل لو قطع إصبعا منه مثلا وسرى إلى الكف فالابتداء من حين وقوع الكف، إذ لا فرق بين وقوعه بها أو ابتداء، وقد عرفت أنه في الثاني من حين الوقوع فكذا الاول، بل يمكن أن يقال: إن علم انتهاء السراية أو عدمها أصلا يكون هو ابتداء المدة حينئذ، وإلا حتى يعلم أنه يسري أو لا، أو يقال يكون موقوفا ومراعي فإن لم يسر واندمل علم أن الابتداء من حين الوقوع، وإن سرى كان من حين انتهاء السراية لا الاندمال. بل لعل هذا هو الاوفق بظاهر الادلة. ومنه يظهر لك ما في تعليل ذلك في كشف اللثام باختلاف وقتي الوجوب والاستقرار حينئذ ولا يعلم الاستقرار إلا بالاندمال بخلاف ما إذا لم يسر فإن وقت الوجوب فيه هو وقت الاستقرار، ولكن مع ذلك كله الاحتياط مع إمكانه لا ينبغي تركه، والله العالم. (وإذا حال الحول على موسر توجهت مطالبته) بما دل عليه (ولو مات لم يسقط ما لزمه ويثبت في تركته) بلا خلاف أجده فيه بيننا، للاصل وظهور النص


(1) كذا في النسخ التى راجعناها وفى المسالك.

[ 442 ]

والفتوى في استقرار الوجوب عليه بحول الحول على وجه يكون ذلك كالدين، فلا يسقط بالموت حينئذ، خلافا لبعض العامة حيث حكم بسقوطه عنه لو مات قبل الاداء مطلقا، ولا ريب في ضعفه. نعم لو مات في أثناء الحول ففي القواعد وغيرها سقط ما قسط عليه واخذ من غيره لعدم استقراره عليه قبل انقضائه، بل ظاهرهم المفروغية من ذلك، فإن كان إجماعا أو منصوصا فذاك، وإلا كان للنظر مجال، اللهم إلا أن يكون بناء على ما ستعرف من عدم ضمان العاقلة على النحو المعهود، بل هو كالتكليف بالاداء الذي يسقط بالموت كغيره من التكاليف. وربما يؤيده ما تقدم في الرهن من عدم الخلاف بينهم في عدم جواز الرهن على القسط في دية الخطاء قبل حلول الحول، وليس إلا لذلك أو نحوه، وإلا فعدم اللزوم لا ينافي الرهانة كما في ثمن ذي الخيار، وحينئذ فالتعبير بما يظهر منه أنه دين أو كالدين محمول على ضرب من التوسع، والله العالم. (ولو كانت العاقلة في بلد آخر) غير بلد الحاكم أو غير بلد القاتل (كوتب حاكمه بصورة الواقعة ليوزعها كما لو كان القاتل هناك) نحو ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام في كتابته إلى عامله في الموصل، لما عرفت من تعلق الخطاب بهم وإن لم يكونوا حاضرين على ما تقتضيه إطلاق النص والفتوى، والله العالم. (ولو لم يكن) له (عاقلة أو عجزت من الدية اخذت من الجاني ولو لم يكن له مال اخذت من الامام) كما في النهاية والقواعد ومحكي المقنعة والاصباح والغنية، بل عن الاخير الاجماع عليه وهو الحجة، مضافا إلى أصالة لزوم الجناية الجاني، المقتصر في الخروج عنها على غير الفرض وما يشعر به المرسل (1) " إذا قتل رجل رجلا خطاء افمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية، أن الدية على ورثته فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 443 ]

من بيت المال ". وصحيح (1) الحلبي " فيمن ضرب غيره فسالت عيناه وقام المضروب فقتل ضاربه أنه لا قود على الضارب والدية على عاقلته، فإن لم تكن له عاقلة ففي ماله إلى ثلاث سنين ". وفي الموثق (2) " إن عمد الاعمى مثل الخطاء هذا فيه الدية في ماله فإن لم يكن له مال فإن دية ذلك على الامام ". وفي خبر البقباق (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " سألته عن الخطاء الذي فيه الدية والكفارة أهو أن يتعمد ضرب رجل ولا يتعمد قتله ؟ قال: نعم قلت: رمى شاة فأصاب إنسانا قال: ذلك الخطاء الذي لاشك فيه عليه الدية والكفارة ". ونحوه خبره (4) الآخر. (وقيل) كما عن المبسوط والسرائر والمهذب (مع فقر العاقلة أو عدمها يؤخذ من الامام دون القاتل والاول مروي) كما عرفت، ولكن في محكي السرائر الاجماع على القول الثاني، وهو الحجة لهذا القول مضافا إلى ما في ذيل خبر سلمة بن كهيل (5) المشتمل على إرسال أمير المؤمنين عليه السلام القاتل خطأ إلى عامله في الموصل لاستعلام عاقلته - إلى أن قال -: " فإن لم يكن له قرابة من أهل الموصل ولم يكن من أهلها وكان مبطلا فرده مع رسولي إلي فأنا وليه


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب العاقلة الحديث الاول ولم ينقل لفظه بعينه (2) الوسائل الباب - 35 - من أبواب القصاص في النفس الحديث الاول. (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القصاص في النفس الحديث 9. (4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القصاص في النفس ذيل الحديث التاسع الفقيه ج 4 ص 105 وراجع الفقيه ج 4 ص 435 لتوضيح سنده. (5) الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث الاول.

[ 444 ]

والمؤدي عنه ولا يبطل دم امرء مسلم " وإلى أن دية الخطاء تتعلق ابتداءا بالعاقلة فالاصل برائة ذمة غيره حتى الجاني، ولان الامام عليه السلام من العاقلة إتفاقا نصا وفتوى، مع الاتفاق على أن الجاني لا يدخل فيهم. لكن في الرياض " يمكن تقييد ذلك بمامر إلا أن يجاب عنه بضعف المرسل عن ذلك سندا ومتنا لاشتماله على تقدم ضمانه على ضمان مطلق العاقلة حتى غير الامام، وظاهر الاصحاب والروايتين (1) في الاعمى اللتين هما أحد تلك الادلة خلافه، والاجماع المنقول معارض بالمثل، وروايتا الاعمى بعد الاغماض عن احتياج إطلاقهما إلى تقييد ما تضمنتا كون جنايته خطاءا مطلقا ولم يرتضه المتأخرون كما مضى في محله، والاصل يخرج عنه بالاطلاقات " ثم قال: " وظاهر العبارة كغيرها وصريح جماعة كون الدية على الامام في ماله، خلافا لآخرين ففي بيت مال المسلمين، ومنشأ الاختلاف اختلاف النصوص، ففي جملة منها على الامام وفي اخرى على بيت المال، والمسألة كسابقتها محل نظر، وللتوقف فيهما مجال " (2). قلت: قد سمعت ما عن ابن إدريس من الاجماع على أنها في ذمته من ماله، وقال: إنه ضامن جريرته ووارثه، وعن المختلف الميل إليه، بل قد سمعت ما يؤيده واحتمال حمل المنافي على ما لا ينافيه، والامر سهل بعد كون بيت ماله من حيث الامامة (3) بيت مال المسلمين كما حر رناه في محله. إنما الكلام في أصل المسألة، فنقول: إنه وإن كان المغروس في الذهن أن دية الخطاء على العاقلة ابتداء إلا أن التدبر في النصوص وقاعدة اختصاص الجناية بالجاني دون غيره، أنها عليه وإن أدت العاقلة عنه، إذ قد سمعت ما في خبري (4)


(1) يعنى روايتي أبى العباس البقباق المذكورتان آنفا. (2) رياض المسائل ج 2 ص 631. (3) في الاصل: الامانة. (4) المذكوران آنفا.

[ 445 ]

البقباق وغيره، بل لعله المنساق من الآية (1) ولو بسبب جمع الكفارة التي لا إشكال في كونها عليه مع الدية، فالجمع حينئذ بينها وبين ما دل على أنها على العاقلة، أنها تؤدي عنه كما سمعت التصريح به من أمير المؤمنين (2) عليه السلام يقول: " أنا وليه والمؤدي عنه " ولا فرق بينه وبين باقي أفراد العاقلة، وهو حينئذ يكون شاهد جميع إن لم نقل إنه المنساق على وجه لا يحتاج إلى شاهد، ولعله لذا مع فقر العاقلة أو عجزها يرجع إليه وإلا فلم نجد له في النصوص أثرا. وبذلك يظهر لك النظر فيما في كشف اللثام من الاستدلال للقول الاول بأن " دية الخطاء تتعلق ابتداء بالعاقلة والاصل برائة ذمة غيره وهو الجاني، ولان الامام من العاقلة اتفاقا مع الاتفاق على أن الجاني لا يدخل فيهم (3) " إذ لا يخفى عليك أن ذلك كله مصادرة محضة في محل البحث بعد ما عرفت. نعم يمكن أن يقال: إنه لا ثمرة لهذا الاختلاف بالنسبة إلى هذا الزمان الذي لا يد فيه للامام عليه السلام ولا بيت مال للمسلمين إذ الظاهر كون الخلاف المزبور مع فرض بسط يد الامام، وأن للمسلمين بيت مال معد لمصالحهم كما هو المنساق من النصوص، بل يمكن دعوى كونه المقطوع به منها، أما مع عدمه فلا ريب في أنه على الجاني، إذ القائل بكونه على الامام عليه السلام لا يبطل دم المسلم بعدم التمكن من الوصول إليه وبقصور يده، وتكليف نائب الغيبة بأداء ذلك مما يرجع إلى الامام أو المسلمين غير معلوم، والاصول ينفيه، بل معلوم عدمه. ولعله لذا كان البحث في تقدم ضمان الجاني على ضمان الامام عليه السلام أو بالعكس كما هو صريح عبارة القواعد قال: " ولو فقدت العاقلة أو كانوا فقراء أو عجزوا عن الدية اخذت من مال الجاني، فإن لم يكن له مال فعلى الامام،


(1) النساء: 92. (2) يعنى في خبر سلمة بن كهيل. (3) كشف اللثام ج 2 ص 350.

[ 446 ]

وقيل: ضمان الامام مقدم على ضمان الجاني " وأصرح منها عبارة الرياض في تحرير الخلاف. وفي التحرير: " الدية تجب ابتداء على العاقلة فلا يرجع العاقلة بها على الجاني على الاصح، بل ولا يشاركهم نعم لو لم يكن له عاقلة ولا شئ في بيت المال اخذت الدية من ماله ". إلى غير ذلك من كلماتهم التي يمكن للفقيه بعد التأمل والتدبر القطع بأن مرادهم ذلك حصوصا بعدما عرفت من كون العاقلة مؤدية عن الجاني لا مديونة في ذمتها فيكون حينئذ شبه التكليف الذي يسقط بالعجز عنه، ولذا رتبوا الحكم في المسألة على عدم العاقلة وعجزها وفقرها مع أنه لم نجد للاخيرين أثرا في النصوص، فليس هو إلا لما ذكرناه. وأما احتمال كونه على الامام مطلقا حتى في مثل هذا الزمان على وجه يبطل دم المسلم لعجز الامام، أو أنه يقوم مقامه نائب الغيبة فيؤديه مما يتفق قبضه منه من مال الخمس أو من غيره من الانفال، أو يؤديه من غير ذلك مما يرجع إلى المسلمين بناءا على أن الاداء من بيت مالهم لا ماله، فهو شبه الخرافة في الفقه خصوصا على القول بكونها دينا في ذمة العاقلة المقتضي لكونها كذلك أيضا في ذمة الامام عليه السلام الذي له بيت ولله في عنقه حق. ولم يذكر أحد من المتعلمين في الفقه فضلا عن أكابرهم أن من مصرف حق الصاحب روحي له الفداء وغيره من الانفال في زمن الغيبة ما يشتغل به ذمة الامام من ديات الخطاء نفسا وجرحا وإن نائب الغيبة يقوم مقامه في ذلك، بل إن ذكره ذاكر كان من المضحكات فلا محيص حينئذ عن القول بكونه على الجاني وأن البحث في تقدم ضمانه على ضمان الامام أو بالعكس إنما هو مع بسط اليد وجريان العدل لا مطلقا، مع أن القول بضمان الجاني على هذا التقدير أيضا لا يخلو من قوة، إلا إذا لم يكن له مال فيؤديه عنه الامام من بيت مال المسلمين أو من ماله على القولين، خصوصا مع فقر العاقلة لا مع عدمها، والله العالم بحقيقة الحال.

[ 447 ]

(ودية) العمد و (الخطاء شبه العمد في مال الجاني) بلا خلاف ولا إشكال (ف‍) - ان الاصل والنصوص والفتاوى متفقة عليه كما عرفت الكلام فيه غير مرة. نعم (إن مات أو هرب) مطلقا أو حتى مات أو قتل (قيل) كما عن النهاية وغيرها بل في المسالك هنا نسبته إلى الاكثر (يؤخذ) الدية (من الاقرب إليه ممن يرث ديته) إن لم يكن له مال (فإن لم يكن فمن بيت المال) للامام أو للمسلمين على القولين السابقين. (ومن الاصحاب) وهو ابن إدريس (من قصرها على الجاني ويتوقع مع فقره يسره) كما في غيره من الديون وقدومه مع غيبته، للاصل الذي لا تقطعه أخبار الآحاد وإن صحت، على أصله. (و) لكن (الاول أظهر) عندنا لصحيح (1) البزنطي المعتضد بغيره، كما عرفت الكلام فيه مفصلا سابقا في كتاب القصاص فلاحظ وتأمل. نعم لا بد من تقييده بما إذا لم يكن عند الجاني تركة كما ذكرناه وإلا اخذت منها، وقد يتوهم مما سمعت من ابن إدريس في القول الاول أنه إن كان فقيرا اخذت الدية من الاقرب إليه وإلا فمن بيت المال، ولم نظفر بهذا القول، فإن المحكي عن الشيخ وغيره التصريح بأنه إن لم يكن للجاني مال استسعى فيها أو تكون في ذمته إلى أن يوسع الله عليه، وهو الموافق لاصول المذهب وقواعده، والله العالم.


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب العاقلة الحديث 3.

[ 448 ]

وأما اللواحق فمسائل) (الاولى:) (لا يعقل إلا من عرف كيفية انتسابه إلى القاتل) على وجه يتحقق أنه من العصبة التى هي عنوان العقل كما عرفت (و) حينئذ ف‍ (- لا يكفي كونه من القبيلة) التي منها القاتل (لان العلم بانتسابه) مع القاتل (إلى الاب لا يستلزم العلم بكيفية الانتساب) الذي يتحقق فيه العنوان (و) ذلك لان (العقل مبني على التعصيب) كما عرفت وليس كل انتساب (1) مع أحد إلى أب من عصبته، وإلا فالناس كلهم منتسبون إلى آدم عليه السلام فلا عقل حينئذ مع عدم معرفة كيفية الانتساب (خصوصا على القول بتقديم الاول) ممن يرث بالتسمية فإنه لا يكفي في تحققه العلم المزبور كما هو واضح. المسالة (الثانية): (لو أقر بنسب) ولد صغير مثلا (مجهول) فقال هو ابني (ألحقناه به) لما عرفت في محله من النصوص والفتوى عليه (فلو ادعاه آخر) وقال هو ابني (وأقام البينة قضينا له بالنسب وأبطلنا الاول) تقديما للبينة على الاقرار المزبور الذي هو في الحقيقة مثبت للنسب مع عدم البينة المعارضة له، وإلا قدمت عليه (فلو ادعاه ثالث) وقال هو ابني (وأقام البينة أنه ولده على فراشه قضي


(1) منتسب ظ

[ 449 ]

له بالنسب لاختصاص) بينت‍ (- ه بالسبب) فتقدم على البينة المطلقة كما حررنا ذلك في محله وحينئذ فإذا قتله الثالث عمدا لم يقتل به للحكم بأبوته له وغرم الدية لغيره من الوارث ولو الامام، وإن كان خطاء الزمت العاقلة الدية، وإن أنكروا نسبه فإن إنكارهم لا يجدي، ولكن لا يرث الاب منها شيئا بناءا على عدم إرث القاتل ولو خطأ للمقتول، بل لو قلنا بإرثه أمكن عدم إرثه هنا لانه الجاني ولا يعقل ضمان الغير له جناية جناها، فإن العاقلة إنما تضمن جنايته للغير، بل عن النهاية وجملة من كتب الفاضل حرمانه. ويحتمل الارث لاطلاق الادلة الشامل لمثل الفرض مع منع عدم تعقل ضمان الغير له جنايته بعد حصول السبب شرعا وانتفاء المانع، ولعله الاقوى. ولو لم يكن وارث إلا العاقلة، ففي القواعد ومحكي السرائر والجامع لا دية إذ لا ضمان على الانسان لنفسه، ولكن قد يقال مع تعددها واختلافهم بالغنى والفقر بضمان الغني حصة الفقير، وكذا إذا اختلفوا بالغني والتوسط، فيضمن الغني حصة المتوسط لاختلاف ما عليهما قدرا بما يراه الحاكم أو بالنصف والربع، ولعل ذلك كله يجري أيضا في ثبوت النسب بالاقرار أيضا كما عرفته في محله. وكيف كان فمما ذكرنا يظهر لك الحال. المسالة (الثالثة:) التي هي (لو قتل الاب ولده عمدا) أو شبه عمد (دفعت الدية منه إلى الوارث) لما عرفت سابقا من أن عمده موجب للدية نصا وفتوى دون القصاص (ولا نصيب للاب) منها ولا من غيرها من تركته قطعا في العمد، بل ولا في شبهه لما تقدم في كتاب المواريث من عدم إرث القاتل للمقتول (ولو لم يكن له وارث)

[ 450 ]

في جميع الطبقات (فهي للامام) لاطلاق الادلة (ولو قتله خطأ فالدية على العاقلة ويرثها الوارث وفي توريث الاب هنا قولان) ينشآن مما عرفت، بل لو قلنا بكون القاتل خطاءا يرث أمكن المنع هنا لما عرفت أيضا، وإن كان الاصح خلافه. وقد يظهر من المسالك هنا وجود قائل باستحقاقه الارث من خصوص الدية وإن قلنا بمنعه من غيره، ولكن لم أعرف قائله، بل ولا وجها له معتدا به (ولو لم يكن له وارث سوى العاقلة ف‍) - قد عرفت البحث فيه أيضا، ومنه يعلم الوجه فيما في المتن من أنه (إن قلنا الاب لا يرث فلا دية له وإن قلنا يرث ففي أخذه من العاقلة تردد) ينشأ مما ذكرناه (وكذا البحث لو قتل الولد أباه خطاءا) فإن المدرك في الجميع واحد كما هو واضح. وقد عرفت أن الاصح الارث، والله العالم. المسالة (الرابعة) قد عرفت فيما تقدم أنه (يضمن العاقلة عبدا) نصا وفتوى على معنى أنه لو جني العبد جناية توجب الدية على العاقلة لو كانت من الحر تعلقت برقبته دون العاقلة لما عرفته من النصوص والفتاوى (و) كذا (لا) يضمن (بهيمة) لو جنت بتفريط من المالك أو بدونه، بل يتعلق الضمان بمالكها في الاول، ولا ضمان في الثاني كما عرفته سابقا مفصلا. (و) كذا (لا) تضمن (إتلاف مال) بل ضمانه متعلق بالمتلف نصا وفتوى، كل ذلك مضافا إلى مخالفة ضمانها العمومات فيقتصر فيه على المتيقن (و) من هنا (يختص بضمان الجناية على الآدمي) من الآدمي (حسب) ولو حر على عبد خطاء كما عرفته سابقا، خلافا لبعضهم فجعله على الجاني لان

[ 451 ]

العبد من الاموال، بل قال هو المراد مما في النص والفتوى من أن العاقلة لا تضمن عبدا وإن كان هو كما ترى كما عرفته سابقا، والله العالم. المسالة (الخامسة:) (لو رمى) شخص (طائرا) مثلا (وهو ذمي ثم أسلم) بعد رميه (فقتل السهم) رجلا مثلا حال كون الرامي (مسلما لم يعقل عنه عصبته من أهل الذمة لما بيناه) ومن أنه لا عقل بينهم (ولانه أصاب‍) - ه (وهو مسلم) لا ذمي فلا جهة لعقلهم عنه (و) كذا (لا) يعقل عنه (عصبته المسلمون لانه رمى وهو ذمي) فلم يكونوا عاقلة له حال الرمي، ولا يجدي كونه عاقلة له وقت القتل، لان تحمل العاقلة على خلاف الاصل الذي ذكرناه، والمتيقن من النص والفتوى اعتبار كونهم عاقلة له في الحالين. (و) حينئذ ف‍ (- يضمن الدية في ماله) ولعله لذا كان المحكي عن العامة الموافقة على الحكم المزبور مع قولهم بأن الكافر يعقل مثله وفرعوا على ذلك مالو رمي وهو يهودي صيدا ثم تنصر ثم أصاب السهم إنسانا فإن قلنا إنه يقر على من انتقل إليه فالدية على عاقلته على أي دين كانوا لان الكفر ملة واحدة، وإن قلنا لا يقر عليه فهو مرتد لا عاقلة له فتكون الدية في ماله، وإن كان التفريع المزبور لا يخلو من بحث في الجملة إلا أن الامر فيه سهل بعد الاتفاق على الحكم المذكور. (وكذا) الكلام (لو رمي مسلم طائرا ثم ارتد فأصاب مسلما قال الشيخ: لم يعقل عنه المسلمون من عصبته) لانه قتل وهو كافر (ولا الكفار) كما في القواعد ومحكي المبسوط وغيرهما، لعدم العقل بينهم، ولانه رمى وهو مسلم، ولعدم إرثهم إياه وأولويته من الذمي لعدم عقلهم له (و) لكن في المتن:

[ 452 ]

(لو قيل يعقل عنه عصبته المسلمون كان حسنا لان ميراثه لهم على الاصح) وقد عرفت ظهور بعض النصوص في تبعية العقل للارث، وفيه ما عرفت من أن تحمل العاقلة على خلاف الاصل الذي يجب فيه الاقتصار على المتيقن، وهو مراعاة الابتداء والانتهاء في العقل. نعم لو قلنا بعقل المسلم للمرتد اتجه حينئذ هنا العقل ضرورة أولوية المفروض بذلك نظرا إلى ابتداء الجناية حال الاسلام إلا أن التحقيق عدم عقل المسلم للكافر وبالعكس لانقطاع الموادة بينهم والانتصار، ولما تقدم (1) من أن إمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى عامله بالموصل أن يجمع قرابته المسلمين ويفض الدية عليهم، ولقوله عليه السلام في خبر السكوني (2) " في رجل أسلم ثم قتل رجلا خطأ اقسم الدية على نحوه من الناس ممن أسلم وليس له مال (3) " وإذا لم يعقل الكافر المسلم فالعكس أولى، وإن أمكن المناقشة بمنع الاولوية لان المسلم يرث الكافر من غير عكس كما أنه لم نجد عاملا بمضمون الخبر المزبور من عقل من كان مثله ممن أسلم مع عدم كونها من عصبته، والله العالم. (وحيث) قد من الله تعالى شأنه علينا بقبول توسلنا بمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته خصوصا أسد الله الغالب، باب مدينة العلم منهم، الذي كان استمدادنا وإمدادنا من أنواره بأن وفقنا لان (أتينا بما قصدناه ووفينا بما وعدناه فلنحمد الله) تعالى شأنه ونشكره على نعمه الوافرة وأياديه المتظافرة وآلائه المتكاثرة إذ هو (الذي) وفقنا وهدانا و (جعلنا عند تبدد الاهواء وتعدد الاراء من المتمسكين ب‍) عروته الوثقى وحبله المتين وركنه القويم وصراطه المستقيم والتابعين ل‍ (- مذهب أعظم العلماء


(1) في رواية سلمة بن كهيل الوسائل الباب - 2 - من أبواب العاقلة الحديث الاول. (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب العاقلة الحديث الثاني التهذيب ج 10 ص 174. (3) في المصدر: وليس له موال وهو الصحيح.

[ 453 ]

استحقاقا للعلاء، وأكرم النجباء اغراقا (1) في شرف الامهات والاباء، المنتزعين من مشكاة الضياء، المتفرعين عن خاتم الانبياء وسيد الاصفياء وأظهر عظماء الانام فهما وبيانا وأكثر علماء الاسلام علما وعرفانا المخصوصين بالنبوة من منصب النبوة المختارين للامامة من فروع صاحب الاخوة الذين أمر الله سبحانه بمودتهم وحث رسول الله صلى الله عليه وآله على التمسك بهم والعمل بسنتهم حتى قرنهم بالكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونسأله أن يقبضنا سالكين لمحجتهم متمسكين بحجتهم وأن يجعلنا من خلصاء شيعتهم الداخلين في شفاعتهم إنه ولي ذلك والقادر عليه) والامر كله إليه تعالى شأنه. تم كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام في مسائل الحلال والحرام في ليلة الثلثاء ثلاثة وعشرين في شهر رمضان المبارك، ليلة القدر التي كان من تقدير الله تعالى فيها أن يتفضل علينا بإتمام الكتاب المزبور ورجائنا منه قبوله والعفو عما وقع منا من تقصير فيه، وأن انتفعنا به في الدينا والاخرة، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يكتبه في حسناتنا، وأن يرفع به درجاتنا، من سنة الالف والمأتين والاربع والخمسين (2) من الهجرة النبوية على مهاجرها ألف ألف صلاة


(1) كذا في الاصل وفى الشرائع (وفى بعض النسخ اعراقا). (2) قال العلامة الطهراني رحمه الله في الذريعة ج 5 ص 276: (كتب رحمه الله مقدارا منه في حياة الشيخ الاكبر كاشف الغطاء الذى توفى في سنة 1227 (أو 1228) لانه في المجلد الثاني من كتاب الطهارة في باب أحكام الاستنجاء عند شرح قول المحقق: " ولا يستعمل الحجر المستعمل " ذكر الشيخ الاكبر ودعا له بقوله: سلمه الله (راجع ج 2 ص 48 من الجواهر من هذه الطبعة)... وبذل وسعه في تأليفه فيما يزيد على ثلاثين سنة لان آخر ما خرج من قلمه الشريف من مجلداته هو كتاب الجهاد الى آخر التهى عن المنكر، وقد فرغ منه في سنة 1257 على ما في نسخة الاصل (وفرغ من كتاب الديات سنة 1254)...

[ 454 ]

وتحية، والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا. وكتب بيده مؤلفه العاثر المقصر القاصر محمد حسن بن الشيخ باقر تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه مع أوليائه بجنته، إنه ذو الفضل العظيم والمن الجسيم وصلى الله على محمد وآله (والحمد لله رب العالمين).


ونسخة الاصل التى كتبت على نسخة خط المؤلف ونظر فيها المؤلف وصححها وكتب عليها التصحيحات بخطه خرجت في أربعة وأربعين مجلدا صغيرا وهى اليوم موجودة (في النجف) عند حفيده العالم الشيخ عبد الرسول... ". والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله اجمعين العبد رضا استادى الطهراني 26 شوال 1398 الى هنا انتهى كتاب الديات وهو الجزء الاخير من مجلدات (جواهر الكلام) وبتمامه تم الكتاب بعون الله الملك الوهاب، وتم تصحيحه وتهذيبه وترتيبه بيد العبد: السيد ابراهيم الميانجى عفى عنه وعن والديه 10 / شهر صفر / 1399 / والحمد لله كما هو أهله رب العالمين).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية