مصدر القيم الأخلاقية

قيم الحداثة

إنّ فلسفة الأخلاق عند الصدر تلتقي مع الفلسفات والايديولوجيات، التي ظهرت إلى الوجود منذ ظهور الحداثة في الغرب، وهي تيارات فلسفية أكدت على مجموعة من القيم كالحرية والمساواة والعدالة والتقدم، غير أن هذه القيم ليست واضحة بذاتها، فقد تؤدي أحياناً إلى تناقضات. فهذه القيم ليست لها نفس الدلالة في فلسفة الصدر. ومن هنا ضرورة توضيح هذه القيم في جانبها المفهومي. إنّ العامل الرئيسي في غموض هذه القيم وفي تناقضها عندما تتم مقارنتها مع فلسفة الأخلاق في الاسلام يكمن في أساسها الوجودي، أي في نوع المصدر الذي تنطلق منه هذه القيم. فالفلسفة الغربية تجعل من التأريخ ومن المجتمع والانسان مصدراً لهذه القيم، في حين أن فلسفة الصدر ترى عكس ذلك تماماً، فالإنسان ليس مصدراً لهذه القيم والمجتمع والتأريخ كذلك،  لأن هذا المصدر يؤدي إلى تناقض، فكيف يصبح ماهو كائن مصدراً لما يجب أن يكون؟ ! فالإنسان والمجتمع والتأريخ كل هذه الجوانب تعبر عمّا هو كائن، والقيم تعبر عن القدرة على تجاوز الواقع لإصلاحه وتغييره، فلولا القدرة على التجاوز لما كان أي تغيير ممكناً، ولخضع الإنسان لحتمية مطلقة وقاهرة.

وقد صارت هذه القيم (الحرية والمساواة والعدالة والتقدم التي نادت بها الحداثة في الغرب) وسيلة لأبشع الأعمال. لقد استعمرت الشعوب، واستغلت وأبيدت الأقليات باسم الحرية وباسم التقدم والحداثة. فالغرب قد " استرقّ وجوّع وسد منافذ العلم والحضارة عمّن تسلط عليهم من الناس، وخلَّف عالماً يئن من الجور والطغيان والعذاب، عالماً تمزقه البغضاء والحروب."(2)، و كلّ هذا وقع،  لأنّ هذه القيم في حاجة إلى مصدر يعطيها قدسيتها وتعاليمها على الواقع وعلى التأريخ. فالقيم التي تستمد مصدرها من الواقع ومن التأريخ ـ كمصدر يكفي نفسه بنفسه ـ هي مجرّد قيم تبرر الواقع بدلا من تغييره. ففلسفة الصدر الأخلاقية لا تلتقي مع الفلسفة الغربية فيما يخص قيم الحرية والمساواة والعدالة والتقدم إلا لتتجاوزها، فهذه القيم لها صورتها الخاصة وتأثيرها الخاص في الرؤية الاسلامية. إنّها تمثل بفضل مصدرها المتعالي أهدافاً يجب التطلع إليها باستمرار، ويجب النظر إليها كواجبات شرعية،  لذلك لا يمكن لهذه القيم  ـ من هذا المنظور ـ أن تنحرف على غرار ما وقع لقيم الحداثة في الغرب.

إضافة لما سبق فإنّ هذه القيم مرتبطة بالقانون في النظام الرأسمالي، فالناس متساوون أمام القانون حتى ولو كانت أوضاعهم الاجتماعية مختلفة. أما في النظام الاشتراكي فهذه القيم تمثل هدفاً يقود السياسة ويوجهها. مع العلم بأن البنية الاقتصادية هي مصدر هذه القيم، وكل القيم الأخلاقية بالنسبة لماركس. في

_______________________________

2- رسالتنا: 65 ـ 66.

[136]

حين أن هذه القيم في الرؤية الاسلامية هي واجبات شرعية ذات أبعاد أخلاقية وحضارية.(1)

الموقف من قيم الحداثة

ومن هنا يكفي للفرد في النظام الرأسمالي في موقفه من القيم أن يحترم القانون. ويكفي للفرد في النظام الاشتراكي في موقفه من هذه القيم (قيم الحداثة) أن يلتزم في المجال السياسي، أي يلتزم مع متطلبات الطبقة الحاكمة (البروليتاريا). أما في الرؤية الاسلامية فالفرد لا يكتفي بهذه المواقف، فهو تجاه قيم تخص ذاته في علاقتها مع الله وفي علاقتها بالمصير الدنيوي والأُخروي معاً،  لذلك فموقفه من هذه القيم هو موقف تعبدي، وليس مجرد موقف احترام وانتماء. إضافة إلى ما تقدم فإنّ التقدم في الرؤية الاشتراكية هو تعبير عن سير حتمي ـ باسم قوانين التأريخ ـ نحو المجتمع الشيوعي كهدف نهائي لحركة التأريخ. أما في فلسفة الصدر فإنّ التقدم هو نتيجة لاستبطان الانسان لصفات الله وأسمائه كقيم مطلقة، يجب التخلق بها من موقع تعبدي يعبر عن علاقة الانسان بالمطلق. فالتقدم ـ من هذا المنظور ـ ليس تعبيراً عن حركة حتمية تفرض على الإنسان، وليس تعبيراً عن حركة التأريخ كقوة تكفي نفسها بنفسها ـ بل هو تعبير عن العبادة ـ فحركة التأريخ كلها تعبير عن عبادة الإنسان لله.(2)، والعبادة هنا ليست مجرّد حالة روحية مريحة، بل هي جهد وجهاد. فحركة التأريخ التي تصل الى مستوى العبادة تعني أنّ الإنسان هو العامل الرئيسي في كلّ التحولات الاجتماعية والتأريخية، وهذه الرؤية إلى الانسان تقتضي بدورها ـ وسائل تحقيقها ـ أي تقتضي رؤية اقتصادية معينة، ورؤية سياسية وحضارية معينة وهذا ما حاول الصدر أن يقدمه من خلال كتاباته في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفي مجال العقيدة (إقتصادنا، خلافة الانسان وشهادة الانبياء، التفسير الموضوعي... الخ).

الحداثة الملحدة

تتضمن الحداثة في المنظور الغربي نفي وجود الله. الإطار العام للحداثة ولمنطلقاتها كما تتجلى في فلسفة الأنوار هو أن الفكر البشري أصبح غير محتاج لوجود الله لتفسير العالم ولتأسيس القيم الأخلاقية. لقد اتسع مجال تحرر الانسان حسب هذه الفلسفة، نتيجة لنفي وجود الله أو فصل السياسة عن الدين. وقد حلل الصدر هذه المشكلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الصعيد المنهجي والميتافيزيقي والأخلاقي: " الانسان الاوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلا أعلى وهو الحرية... لأنه رأى أن الانسان الغربي كان محطماً ومقيداً... كان مقيداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنت الكنيسة... أراد الانسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أن يحرر هذا الانسان من هذه القيود... وهذا شيء صحيح إلا أن الشيء الخاطئ في ذلك هو التعميم الأفقي. فإنّ هذه الحرية بمعنى كسر القيود... هذا قيمة من القيم، هذا إطار القيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان. ليس هذا هو المثل الأعلى... هذا الإطار بحاجة إلى محتوى و إلى مضمون. وإذا جرد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم..."(3).

_______________________________

1- الاسلام يقود الحياة: 66 ـ 69.

2- التفسير الموضوعي: 181.

3- نفس المصدر: 167 ـ 168.

[137]

مصدر الإلزام

فالقيم لا معنى لها إذا لم تكن كونية وملزمة. ولا تكون كذلك إلا إذا استمدت وجودها وإلزاميتها من مصدر متعالي.

لا أخلاقية بدون إلزام. فالإنسان مدفوع بالضرورة للبحث عن أساس ومصدر للإلزام الخلقي. إنّ البحث عن مصدر الأخلاقية ليس ضرورة فلسفية وعقلية فحسب، بل هو ضرورة وجودية يرتبط بها قيام الأخلاق ارتباطاً جوهرياً.

والمشكل الذي طرحه الصدر في سياق معالجته لمصدر القيم الأخلاقية هو مدى قدرة الفلسفة الغربية على إرضاء هذه الحاجة: حاجة الانسان إلى تأسيس الأخلاق، وحاجة الفكر إلى الوصول إلى مصدر الأخلاق. الفلسفة الغربية ـ منذ عصر الأنوار ـ جعلت الطبيعة البشرية مصدراً للأخلاق بدلا من الله. ثم اختلف الفلاسفة عن جانب من جوانب الطبيعة البشرية الذي يشكل مصدر الأخلاق: هل هو العقل أم العاطفة أم الميول والرغبات؟ ثم تطور الفكر الفلسفي وظهرت النزعة الاجتماعية والنزعة التأريخية كمذهبين،  جعل الأول المجتمع مصدراً للأخلاق، وجعل الثاني التأريخ هو المصدر.

مصدر القيم عند الصدر

إن مشكلة مصدر القيم الأخلاقية أمر مفروغ منه بالنسبة للصدر. فالإطار العام للأخلاقية يستمد صورته من الشريعة ومن الفقه. إن العبادة تحدد الطرح الفلسفي لمصدر الأخلاقية. فمصدر القيم هو الله. أما الفقه ـ خاصة في جانبه المنهجي أي أصول الفقه ـ بما يتضمنه من اجتهاد انطلاقاً من الشريعة كحقيقة إلهية مطلقة، فيحدد علاقة القيم بحركة التأريخ عن طريق منهجية منطقة الفراغ(1)

لذلك فالاخلاق في فلسفة الصدر ليست أخلاق الضغط على غرار ما تراه المذاهب الفلسفية، التي جعلت مصدر الأخلاق خارجاً عن تطلعات الانسان كالنزعة الاجتماعية، كما تتجلى عند دور خايم والنزعة التأريخية عند هيجل. وليست أخلاق الواجب من أجل الواجب على طريقة المذهب الكانطي، الذي جعل إطلاقية الأمر الأخلاقي تكفي نفسها بنفسها. فعلاقة الإنسان بالقيم الأخلاقية هي علاقة تعبدية مبنية على تقوى الله. فهناك تداخل بين التعبد والأخلاق. لا شك أن الأخلاق لا تخلو ـ في نظر الصدر ـ من جانبي الأمر والنهي، لكن جانب التطلع هو الذي يعطي للأخلاق حقيقتها. الأمر له طابع خاص في الأخلاق الإسلامية، إنّه " رقابة غير منظورة " على حد تعبير الصدر. أي تستبطنه الذات عن اقتناع داخلي مبني على التقوى وعلى التطلع الجهادي التعبدي، الذي ينشأ عن علاقة الانسان بالمطلق.(2)

تقوقع الفلسفة الغربية وانطلاقة فلسفة الصدر

لقد حجزت الفلسفة الغربية نفسها داخل إشكالية العلاقة بين الماهية والوجود، ونقطة الضعف في

_______________________________

1- كلّ هذه الأفكار محللة تحليلا فلسفياً في: التجديد والتغيير في النبوة، نظام العبادات في الاسلام التفسير الموضوعي، اقتصادنا، رسالتنا... الخ.

2- نسف الصدر أخلاق الضغط من الأساس عن طريقة تحليله الفلسفي لعلاقة الانسان بالمثل الأعلى ـ انظر التفسير الموضوعي ابتداءً من: 123.

[138]

الفلسفة الغربية لا تكمن في هذه الإشكالية في حد ذاتها، بل يكمن ضعفها في الطرح الجزئي والناقص لهذا المشكل، بحيث إنّ أكثر المذاهب الفلسفية أكدت على جانب، وأهملت الجانب أو الجوانب الاُخرى، فأصبحت الفلسفة الغربية، نتيجة لذلك، تتأرجح بين التأكيد على الماهية وبين التأكيد على الوجود. وفي هذا السياق يقدم الصدر أطروحته التي تجاوزت هذا الطرح الناقص لمشكلة العلاقة بين الماهية والوجود في حياة الانسان، إن وجود الانسان يتخذ موقعه ـ في نظر الصدر ـ خارج نفسه، بمعنى أن الانسان يتجاوز وجوده، فهو يتطلع باستمرار نحو تحقيق هدف أو هدف أسمى، فوجوده ليس وجوداً معطى، أي ليس وجوداً متحققاً منذ البداية وخارج حركة التأريخ، كما أنّ ماهيته ليست هي ما هو كائن، ليست حالة تامة فماهية الانسان و وجوده في تحقق مستمر. هذا ما يتجلى من تحليل الصدر لمفهوم خلافة الانسان.(1)فهذا المفهوم يجمع بين الماهية والوجود في أفق علاقتهما بالمثل الأعلى، فعلاقة الانسان ـ من حيث هو خليفة ـ بالمثل الأعلى هي التي تجعل كلا من ماهيته ووجوده في حركة مستمرة، فحقيقة الانسان تكمن ـ في نظر الصدر ـ في تطلعه المستمر نحو المثل الأعلى، فوجود الانسان يستمد أساسه و معناه من علاقته بالمثل الأعلى (والمثل الأعلى يكون مزيفاً أو حقيقياً).

بين الصدر وأفلاطون

وهنا يتجلى الفرق بين فلسفة الصدر وفلسفة أفلاطون، لا شك أنّ أفلاطون قد ربط الوجود الانساني بوجود عالم مثالي، ونظر إلى العلاقة بينهما على أنها علاقة تطلع، غير أنّ أفلاطون يرى بأنّ الوجود (الوجود الانساني) ظل لعالم المثل، وأنّه وجود ناقص. فالتطلع إلى عالم المثل هنا هو تطلع يتم عن طريق الابتعاد عن العالم المادي،  لأنّه عالم ناقص، فهو مجرد نسخة ظلية لعالم المثل. وليس الأمر كذلك في فلسفة الصدر حيث إنّ كل جوانب هذا الوجود (المادية والمعنوية) في آيات تعبر عن قدرة الخالق ورحمته، ومن هنا الاختلاف بين الروحانية الأفلاطونية والروحانية الاسلامية. وتجدر الإشارة إلى أنّ أكثر الفلاسفة المسلمين لم يستوعبوا هذه الفكرة وراحوا يوفقون بين الشريعة وفلسفة أفلاطون أو الفلسفة اليونانية على العموم. في حين أن الصدر استوعب بعمق الاختلاف الجذري بين الروحانيتين الافلاطونية (اليونانية) والإسلامية، فالروحانية الافلاطونية ترى بأن كمال الإنسان يكمن في ابتعاده عن العالم المادي للتقرب أكثر فأكثر من عالم المثل (هذا هو الجدل الصاعد حسب تعبير أفلاطون) أما الروحانية الإسلامية كما صاغها الصدر فهي روحانية الإنسان الخليفة، الذي يعبر عن خلافته ضمن علاقته بظواهر الكون من حيث هي آيات تتجلى عن طريقها علاقة الوجود بالله. وهكذا فهناك تطلع وحركة في فلسفة كل من افلاطون والصدر. لكن هناك اختلاف في حقيقة هذه الحركة وأبعادها، الحركة عند افلاطون تأملية، أما عند الصدر فالحركة جهادية ثورية تسعى إلى تغيير المجتمع والطبيعة، وهناك اختلاف كذلك في الهدف أو الغاية القصوى، التي تسعى نحوها حركة الانسان. المثل الافلاطونية مثل غامضة ليس لها كيان واضح والله مفهوم مجرد أكثر مما هو إله حي يرتبط به الانسان ضمن علاقة ذاتية شخصية، وليس الأمر كذلك بالنسبة لهدف حركة الانسان في فلسفة الصدر (فالمثل الأعلى حي قيوم له الصفات والأسماء الحسنى، فهو ليس مجرد هدف صاغه عقل الإنسان، بل المثل الأعلى (الله سبحانه وتعالى) قد اتصل بالإنسان عن طريق

_______________________________

1- الاسلام يقود الحياة (فصل خلافة الانسان وشهادة الانبياء: 129).

[139]

الرسالات السماوية إضافة إلى اتصاله بالإنسان عن طريق الطبيعة البشرية، أي عن طريق الفطرة وما تتضمنه من تطلع نحو الخالق. يقول الصدر في هذا السياق مقارناً بين آثار العقيدة وحب الله في حياة الامام علي عليه السلام وبين القول بوجود الله عند الفلاسفة: "... هذه الشجاعة خلقها في قلب علي عليه السلام حبُّه لله، لا اعتقاده بوجود الله. هذا الاعتقاد الذي يشاركه فيه فلاسفة الاغريق أيضاً، أرسطو أيضاً يعتقد بوجود الله، افلاطون أيضاً يعتقد بوجود الله، الفارابي أيضاً يعتقد بوجود الله، ماذا صنع هؤلاء للبشرية، وماذا صنعوا للدين أو الدنيا؟ ليس الاعتقاد وإنما حب الله إضافة إلى الاعتقاد، هذا هو الذي صنع هذه المواقف..."(1)

مع سارتر وبرجسون

على العموم الوجود مرتبط بالتعالي في كل من فلسفة أفلاطون وفلسفة الصدر وتعتبر هذه العلاقة أساساً للقيم. فالوجود في حد ذاته لا يحتوي على مبدإللتقييم. وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه كل من الفلسفة الوجودية والفلسفة البرجسونية، فالفلسفة الوجودية كما تتجلى عند سارتر تخلت عن طرح مشكلة مصدر الوجود، وانتهت إلى التأكيد على مقولتي العبث والرعب الميتافيزيقي، كما أنّها ـ بنفيها للمصدر المتعالي للوجود ـ لم تستطع أن تُبرّر إلزامية القيم الأخلاقية.(2) أما فلسفة برجسون (Bergson) فلم تُبرّر هي الاُخرى إطلاقية القيم الأخلاقية وإلزاميتها، وذلك راجع إلى أن هذه الفلسفة جعلت من الوجود تطوراً خلاقاً وقوة تكفي نفسها بنفسها. فبرجسون يرى بأنّ للأخلاق مصدرين: مصدر يتمثل في المجتمع وما يتميز به من ضغط على الأفراد. ومصدر آخر يتمثل في انجذاب الانسان وتطلعه إلى ما يجب أن يكون. فهناك أخلاق الضغط التي تميز في نظر برجسون، الأخلاق المغلقة، وهناك أخلاق التطلع الملازمة للأخلاق المفتوحة. وهي أخلاق التطلع إلى مثل أعلى. ويرى برجسون بأنّ هذه الأخلاق خاصة بكائنات استثنائية تجسد القيم الأخلاقية في الواقع، وتصبح مثلا عليا تجذب الأفراد. فالكائن الاستثنائي هو الذي يقود المجتمع وليس العكس.

عندما ننظر إلى فلسفة الأخلاق البرجسونية من خلال طرح الصدر للمشكلة الأخلاقية نلاحظ تباعد وجهة النظر بين الفيلسوفين. فكرة الالزام تبقى غائمة في فلسفة برجسون. فأخلاق الضغط تتناقض مع الالزام كفعل إرادي.(3) كما أن أخلاق التطلع التي طرحها برجسون هي مجرّد حالة عاطفية انفعالية تدفع الفرد دفعاً. فالضمير الخلقي كقوة تستبطن الفعل الخلقي وتستوعبه يكاد يكون غير موجود في فلسفة برجسون. فالأخلاق البرجسونية هي مجرّد خضوع لضغط خارجي (الأخلاق المغلقة التي تعبر عن المجتمعات المغلقة). أو هي مجرّد دفع وانجذاب نحو مثل أعلى غير محدّد.

لقد ركز الصدر الأخلاق على التطلع إلى المثل الأعلى. لكن هناك اختلاف جذري بين فلسفة الصدر

_______________________________

1- التفسير الموضوعي: 251.

2- رسالتنا: 91 ـ فلسفتنا: 25.

3- يمكن أن نشير هنا إلى مفهوم المثل العليا التكرارية، هذا المفهوم يعبر عن أخلاق الضغط، أي عن الأخلاق المحدودة بمحدودية مثلها ـ انظر التفسير الموضوعي: 164 ـ 168.

[140]

وفلسفة برجسون، فالتطلع في فلسفة الصدر هو تطلع عن وعي وعن إلزام يُستوعب من طرف الذات من موقع تقوائي، فالتطلع عند الصدر ليس مجرّد اندفاع عاطفي انفعالي، كما أن المثل الأعلى الحقيقي في فلسفة الصدر هو الله ذو الصفات والأسماء، لا مجرّد دفعة حيوية تتجسد بعض جوانبها لدى الكائنات الاستثنائية.(1)

مع كانط

فالاخلاق في الاسلام ترفض ـ في نظر الصدر ـ العفوية، كما ترفض الخضوع للضغط الجماعي، فالعاطفة تخضع للعقل ولا يمكن أن تكون وحدها أداة للتقييم. فحقيقة الأخلاقية تكمن في الانسان من حيث هو ذات واعية. يلتقي الصدر في هذا السياق، مع كانط الذي جعل الإلزام معياراً للاخلاقية.(2) لكن هنا تقف نقطة الاتفاق. فالالزام يستمد مصدره من العقل عند كانط. في حين يستمد مصدره عند الصدر من الله. كما أنّ كانط ينفي تدخل العاطفة في الأخلاق. في حين أن الصدر لا ينفي العاطفة، لكنّ دورها مرتبط بالعقل وبالدين في المجال الأخلاقي.(3)

العلاقة بين التقييم والواقع

إنّ عملية التقييم ـ في نظر الصدر ـ عملية منفصلة عن المجتمع وعن التأريخ. لا شك أن هناك علاقة بين الضمير الخلقي وبين البنيات الاجتماعية ومتطلبات العصر وظروفه. لكنّ علاقة عملية التقييم بالواقع لا تعني أن المجتمع والتأريخ يشكلان مصدراً للقيم. إنّ هذه العلاقة شرط ضروري لعملية التقييم، ولكنها ليست شرطاً كافياً في نظر الصدر.

فلو كانت القيم مجرّد انعكاس سلبي للواقع،  لبقي الناس يعيشون حياتهم في دائرة الأمر الواقع. فتطلع الانسان إلى الأهداف السامية هو تطلع ينطلق من الواقع ليتجاوزه. فمصدر التطلع يكمن في البعد المتعالي في الانسان، أي يكمن في فطرة الانسان كما يرى الصدر. فالواقع لا يمكن أن يكون مصدراً للقيم الأخلاقية ولعملية التقييم،  لأنّه يحتاج ـ هو الآخر ـ إلى تقييم وإلى تقويم أو إصلاح باسم قيم تتجاوزه من حيث المصدر.(4)

تلازم القيم والميتافيزيقا

_______________________________

1-  نفس المصدر: 179 ـ 185، على العموم تحليل الصدر لعلاقة الانسان بالمثل الأعلى، طرح مفهوم أخلاق التطلع طرحاً جديداً يختلف عن الطرح البرجسوني ـ انظر التفسير الموضوعي من 146 ـ 154.

2- تناول محمد عبد الله دراز مشكلة الأخلاق عند كانط بالدراسة والتحليل النقدي، وحاول أن يوفق بين فلسفة كانط الأخلاقية ـ خاصة الالزام الخلقي ـ والرؤية القرآنية في اُطروحته دستور الأخلاق في القرآن /  Ea Dactrine MoraleDu Coran:

3- عبد الحليم الزهيري: العاطفة في تراث الشهيد الصدر ـ مجلة الفكر الجديد ـ دار الاسلام لندن العددان: 11 ـ 12 ـ يناير 1996م ـ 51.

4- التفسير الموضوعي: 158 ـ 159.

[141]

وقد اصطدمت الفلسفة الغربية المعاصرة بمشكلة مصدر القيم الأخلاقية بسبب نفيها أو تغافلها عن المشكلة الميتافيزيقية. حيث إنّ القيم الأخلاقية والميتافيزيقا جانبان متلازمان، فلا يمكن تبرير تطلع الانسان إلى ما يجب أن يكون دون القول بوجود جانب متعالي في الانسان. فالماركسية تنفي هذا الجانب والوضعية كذلك. أما الفلسفة الوجودية كما تتجلى عند سارتر فإنّها تنظر إلى الانسان كمجرد نقطة التقاء بين وضعية (Situation) ومشروع (Pnojet). فهو لا يتمتع بماهية، هو مجرد وجود. فالفلسفة الغربية التي طرحت نفسها كفلسفة ذات نزعة إنسانية انتهت إلى نفي إنسانية الانسان، سواء بإرجاع الانسان إلى مجموع العلاقات الاجتماعية على غرار ما ترى الفلسفة الماركسية، أو إلى مجرّد حالة وجودية لا تتمتع بأية هوية كما هو الأمر في الفلسفة الوجودية خاصة في تيارها الملحد.

فهناك طريقان أمام الانسان في نظر الصدر، فهو إما أن ينفي وجود العالم الآخر ويعبد ذاته،  أي يسعى إلى إشباع رغباته وتحقيق مصالحه فينتهي إلى الضياع، أو يربط حياته بالله فينفتح على معنى الوجود، وينفتح ـ نتيجة لذلك ـ على الآخرين ويصبح سلوكه ذا معنى،  أي يصبح سلوكاً تعبدياً تقوائياً بفضل ارتباطه بالله المثل الأعلى الحقيقي (أَفَمَن أَسَّسَ بُنيَانَهُ عَلَى تَقوَى مِنَ اللهِ ورِضوَان خَيرٌ أَم مَّن أَسَّسَ بُنيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانهَارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهدِي القَومَ الظالمِينَ)(1).

الايمان بالله هو الحل الوحيد

فالأخلاق غير المرتبطة بالله تفقد المعنى الوجودي الذي يعطيها المصدر والفاعلية والالزام. فالاخلاق المؤسسة على الرؤية المادية إلى الكون والانسان هي أخلاق مؤسسة على المصالح الذاتية، وليست لها مبررات للالتزام بالقضايا الاجتماعية والانسانية،  لذلك يرى الصدر بأن هناك تناقضاً في الفلسفة الماركسية، فهي فلسفة تؤسس رؤيتها الاجتماعية على المساواة أي زوال المصلحة الخاصة باسم المصلحة العامة، ولكنها ـ من جهة اُخرى ـ تنظر إلى الانسان والكون نظرة مادية. فالإيمان بالله وبالعالم الآخر (البعث) هو الذي يحل ـ في نظر الصدر ـ مشكلة مصدر القيم الأخلاقية، ويحل في نفس الوقت مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، أي يحل التناقض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة،  لأن الايمان بالله هو الذي يُخرج الفرد من دائرة الذاتية الضيقة، ويجعله ينفتح على المجتمع وعلى الانسانية.(2)

وهكذا وعلى العموم تتأرجح المذاهب الأخلاقية بين اتجاهين: تجاه يرى في المجتمع أو في الطبيعة البشرية مصدراً للأخلاق (مع العلم بأن هناك اختلافاً بين المذاهب حول مكونات الطبيعة البشرية: جانب عقلي أو جانب مادي أو جانب عاطفي وروحي) وهناك اتجاه آخر يرى بأنه لا يمكن تبرير الأخلاق نظرياً وعملياً إلا على أساس مبدإ متعالي تعالياً مطلقاً يتجاوز الانسان، من هنا علاقة الأخلاق بالميتافيزيقا وبالدين.(3)

يتجلى من كتابات الصدر أن الطبيعة البشرية ـ في جانبها المادي البيلوجي ـ ليست في ذاتها خيرةً أو

_______________________________

1- التوبة: 109.

2- اقتصادنا: 286.

3- اقتصادنا (المقدمة ـ خاصة صفحة ـ ك) التفسير الموضوعي: 186 ـ 187.

[142]

شريرةً. فالصدر يتجاوز هنا الطرح الضيق لمشكلة الطبيعة البشرية، والذي يتأرجح بين تفاؤل روسو (Rousseau) وتشاؤم شوبنهاور (Schopenhauer) فالأول يرى بأن الأخلاق تعبر عن طبيعة بشرية خيّرة في الأساس، في حين يرى الثاني أن الأخلاقية تكمن في مقاومة إرادة الحياة.

أما الصدر فيرى بأن الطبيعة البشرية ليست جانباً مادياً فحسب. كما أنها ليست عبارة عن جانب روحي وحده، فالانسان وحدة مادية وعقلية وروحية، فلا يمكن تحويل الطبيعة البشرية إلى مجرّد عناصر بيلوجية وغريزية حتى تصبح الأخلاقية معاكسة تماماً لميول الانسان ورغباته.

فالطبيعة البشرية هي ما هو معطى، وهي كذلك تتجاوز ما هو معطى، وذلك بفضل البعد الروحي والمتعالي في الإنسان،  لذلك فالأخلاقية لا تستمد مصدرها من الطبيعة البشرية ـ ولكنها ـ وفي نفس الوقت لا تتناقض مع الطبيعة البشرية. فالصدر يرى بأن الجانب المتعالي في الانسان لا يكفي نفسه بنفسه، بل يستمد وجوده وكل قوته من ارتباط الانسان بالله. " فللفطرة الانسانية إذن جانبان: فهي من ناحية تملي على الانسان دوافعه الذاتية، التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الانسان (مشكلة التناقض بين تلك الدوافع والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الانساني) وهي من ناحية اُخرى تزود الانسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التدين، وتحكيم الدين في الحياة بالشكل الذي يوفق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية، وبهذا أتمت الفطرة وظيفتها في هداية الانسان إلى كماله، فلو بقيت تثير المشكلة ولا تمون الطبيعة الانسانية بحلها،  لكان معنى هذا أنّ الكائن الانساني يبقى قيد المشكلة عاجزاً عن حلها مسوقاً بحكم فطرته إلى شرورها ومضاعفاتها، وهذا ما قرره الاسلام بكل وضوح في قوله تعالى: (فَأقِم وَجهَكَ لِلدِينِ حَنِيفاً فِطرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاس عَلَيها لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللهِ ذَلكَ الدِينُ القَيِمُ ولكِنَّ أَكثَر النَّاسِ لا يَعلَمُونَ)(1)(2).

مازالت الفلسفة الغربية إلى يومنا هذا لم تحل المشاكل الأخلاقية والاجتماعية الناجمة عن نفي الفلاسفة الغربيين لوجود طبيعة بشرية. فالمشكل المطروح على الفكر الغربي هو بناء الانسان لذاته بعد أن تحرر من القيم الأخلاقية والعادات. إنّ التحرر من القيم الأخلاقية بمعناها التقليدي جعل الانسان الغربي يتعامل مع ذاته ومع غيره خارج مرجعية كونية، في حين أنّ الانسان كان ـ قبل أزمة القيم ـ يرجع في كل مواقفه إلى مرجعية كونية أي إلى قيم أخلاقية قبلية. إن نفي المرجعية الكونية للأخلاق جعل الفلسفة الغربية تنظر إلى الانسان على أنه نتيجة لحركة. فالانسان لا يوجد كطبيعة بشرية أو كذات، بل يتحول عبر التأريخ إلى ذات. فالذات منتوج تأريخي.

ومعنى هذا أن الذات ليست معطاة، ليست معطى من المعطيات، فهي لا توجد مستقلة عن التأريخ أي عن عوامل تكونها. فالفلسفة الغربية تنفي الذات كجوهر محدد منذ البداية أي قبل تأثره بالعوامل الاجتماعية والتأريخية. فالذات ليست كونية على غرار الكوجيتو (Cogito) الديكارتي (أنا أفكر إذن أنا موجود). فالذات محددة تأريخياً ومدفوعة إلى التغيير باستمرار، فالانسان من هذا المنظور لا يسبق تاريخه.

_______________________________

1- الروم: 30.

2- اقتصادنا: 287

[143]

وقد سبق لنا القول: بأن الصدر قد طرح مشكلة الطبيعة البشرية في أفق غير الأفق الذي طرحته فيه الفلسفة الغربية. فالقول بوجود طبيعة بشرية لا ينفي ـ في فلسفة الصدر ـ حركة الانسان عبر التأريخ حركة التأريخ، أو بتعبير أدق تطور الانسان عبر التأريخ لا ينفي وجود طبيعة بشرية، أي التأريخ لا ينفي الكونية على صعيد الذات وعلى صعيد القيم الأخلاقية.

إن الطبيعة البشرية بالنسبة للصدر هي الامكانيات التي يتمتع بها الإنسان، هذه الامكانيات هي التي تمكنه من تحمل مسؤولية تغيير نفسه وتغيير المجتمع والطبيعة، فالطبيعة البشرية هي استخلاف الله للإنسان في الأرض. فالثابت (الفطرة) لا ينفي الحركة،  لأنّ الطبيعة البشرية ليست ما هو معطى، بل هي ما هو ممكن، وهي ما ينبغي أن يكون خاصة وأن الطبيعة البشرية من حيث هي خلافة لله فهي مرتبطة ارتباط النسبي بالمطلق.(1)

ربط الأخلاق بالدين والميتافيزيقا

إنّ اعتبار الانسان كوحدة جسمية وعقلية وروحية ذات بعد متعالي، جعل الصدر يربط الأخلاق بالميتافيزيقا وبالدين معاً. فربطُ الأخلاق بالدين يعني في الأساس ربطها بالمتعالي الذي يتجاوز الانسان، ويتجاوز كل الوجود. القيم الأخلاقية ليست مطلقة في حد ذاتها، فالقيمة المطلقة تتمثل في صفات الله وأسمائه، والقيم الأخلاقية تستمد حقيقتها كقيم من تطلع الانسان إلى المثل الأعلى، فالفرق الأساسي بين علاقة الأخلاق بالميتافيزيقا وعلاقة الأخلاق بالدين هو أن علاقة الأخلاق بالدين لا يمكن تصورها بدون هدى الله، فالدين نفسه هدى من الله، والانسان لا يمكن أن يتجه نحو المتعالي بإمكانياته الخاصة، بل بهدى من الله والهدى هنا هو الوحي.(2)

في حين أن الميتافيزيقا تعتمد على العقل وحده ولا تقول بهدى الله، إلا إذا تمت صياغتها من موقع معرفي يتشكل في إطار علاقة العقل بالدين، كما هو الأمر في فلسفة الصدر، فالفكر الفلسفي الغربي ابتداءً من نيتشه خاصة اعتبر أن القيم الأخلاقية من صنع الانسان في كون يتجاهل هذه القيم، أي الانسان يصنع القيم في كون لا معنى له، أو يصنعها بقطع النظر عن معنى الكون، فالكون لا يبالي بتطلعات الانسان، والانسان من هذا المنظور هو الذي يعطي معنى للكون وللوجود عن طريق القيم الأخلاقية. وقد ذهبت الفلسفة الوجودية إلى القول: بأن الانسان موجود في كون لا معنى له، وهو حر في خلق القيم وليس من الضروري أن يبررها عن طريق مبررات عقلية.

وهكذا فالفلسفة الغربية قد انتهت إلى عزل الانسان عن الله وعن الوجود، وانتهت بالتالي إلى اليأس وإلى أزمة الانسان وأزمة الحضارة. يرى الصدر أنه ليس من المعقول أصلا القول بوجود مثل أعلى لحياة الانسان لا علاقة له إطلاقاً بالكون وبمعنى الوجود، فالانسان كائن استثنائي ولكنه ليس منعزلا عن الكون، بل هو جزء منه، فالنظام الانساني مرتبط بالنظام الكوني. لا شك أن نظام القيم متميز عن نظام الحوادث الأمبريقية، فالقيم تتجاوز الواقع، ولكن علاقة القيم بالواقع والوجود ليست علاقة قطيعة في نظر الصدر، بل علاقة تجاوز، فالقيم مرتبطة بالوجود ارتباط تجاوز،  لأنّها تستمد حقيقتها من تطلع الانسان

_______________________________

1- الاسلام يقود الحياة (فصل خلافة الانسان وشهادة الأنبياء): 141 ـ 142.

2- التفسير الموضوعي: 159 ـ 160.

[144]

إلى المطلق.

وهكذا فالصدر يرى بأن القيم الأخلاقية لا تستمد معناها من الوجود أو من نظام الكون بل من الله. وقد انتهى فصل القيم عن معنى الوجود، أو ربطها بالنظام الكوني المنفصل عن الله. لقد أدى كل ذلك إلى رؤية أخلاقية غير ملتزمة انتهت إلى اللامبالاة وإلى روحانية مريحة، وهذا نتيجة لغياب أو لميوعة التطلع حيث أصبحت الأخلاق مجرد خضوع للنظام الكوني.

ومن هنا يمكن القول: بأن الصدر قد تجاوز كل اتجاهات الفلسفة الغربية، فهو لم يؤسس الأخلاق على الواقع والوجود، ولم يؤسسها على إنسان منعزل عن الواقع، كما أنه اختلف مع المذاهب الفلسفية التي أسست الأخلاق على الميتافيزيقا، وانتهت إلى مواقف مجردة تجاه الواقع. فربطُ القيم الأخلاقية عند الصدر لا معنى لها خارج تغيير الانسان وتغيير المجتمع والطبيعة.(1)

_________________________

1- نفس المصدر: 159 ـ 161.

 

الفهرس