8 ـ نهاية التأريخ

لذلك جاء طرح الصدر لفلسفة التأريخ  كطرح نقدي لهيجل وماركس ـ وبصورة مسبقة ـ لمقولة نهاية التأريخ  عند فرانسيس فوكوياما. لقد أثار كتاب فوكوياما جول نهاية التأريخ جملة من المسائل التي تحتاج الى نقاش واسع من قبل المفكرين المسلمين ومفكري البلدان المتخلفة على العموم لما لها من علاقة بمصير البشرية كلها.

فالمسائل التي أثارها فوكوياما تحتاج الى تحليل عميق مبني على الاستيعاب والنقد والرفض المبني على النقد لا على ردود الفعل الانفعالية(3).

فكرة فوكوياما

نشر فوكوياما مقالة بعنوان: نهاية التأريخ  (نهاية الانسان) بمجلة (National Interest) سنة

_______________________________

3- اعتمدت في هذا البحث على الترجمة الفرنسية لكتاب نهاية التأريخ والانسان الاخير الذي ألفه فرانسيس فوكوياما.

[267]

1989م. ثم كتاب نهاية التأريخ سنة 1992م. خلاصة هذا الكتاب توجد في مقدمته حيث يرى فوكوياما بأن نهاية التأريخ  لا تعني نهاية الحوادث بل تعني نهاية الصراعات الايديولوجية،  لأنّ الديمقراطية الليبرالية اصبحت تمثل منتهى تطور الايديولوجيات والأنظمة السياسية. فهي معنى التأريخ(1).

لا شك أنّ المقارنة بين الصدر وفوكوياما تبدو غريبة لكون الصدر استشهد في سنة 1980م وفوكوياما كتب حول نهاية التأريخ  ابتداءً من سنة 1989م. لكن فكر الصدر ليس فكراً ظرفياً بل هو فكر يستوعب التأريخ،  لأنه يعتمد على مرجعية خارج التأريخ  كما أشرنا في الفصل الاول من هذا البحث،  لذلك تجاوزت التصورات المستقبلية عند الصدر مجرد التوقع المبني على الفرضيات، التي تحتمل الصواب والخطأ الى الانتظار انطلاقاً من أحكام شرعية ومبادئ ومفاهيم استكشافية مصدرها القرآن الكريم والسنة الشريفة.

حقيقة الفكرة وخطؤها القاتل

إنّ مقولة نهاية التأريخ  كما يطرحها فوكوياما هي محاولة لاعادة صياغة حضارية جديدة للمشروع الاستعماري الغربي القائم على الاستقطاب الأحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي. وهذا يعني إنّ تصورات الغرب وصلت عن طريق كتاب فوكوياما إلى أعلى درجة من الطغيان، الى درجة أنّ وجود الثقافات الأخرى يصبح مجرّد وجود عرضي. ففوكوياما لا يترك أي مبرر لوجود الحضارة الإسلامية. فهو، على غرار أكثر المفكرين الغربيين، لم يتحرّر من رواسب الفكر الكنسي الوسطي الذي كان عائقاً أمام التقدم العالمي. فوكوياما بقي سجيناً لمقولة التناقض بين الدين والعلم، والدين وتقدم الحضارات. مع أنّ الموقف العلمي يقتضي، منهجياً، عدم التسرع في التعميم، وربط العلاقة بين الدين والعلم من خلال مبدإالحقل النظري كأداة ابستمولوجية يتم انطلاقاً منها كلّ تحليل جدير بالبحث بالعلمي.

علمية الصدر

هذا الموقف العلمي (والاخلاقي معاً) نجده عند الصدر. فهو في تحليله لعلاقة الفكر الاسلامي بالفكر الغربي رفع هذا التحليل الى مستوى الاشكالية الفلسفية المعتمدة على مفاهيم كأدوات للبحث. وهي مفاهيم تعتمد على الحقل النظري من حضارة الى أخرى. ولذلك قدّم الصدر اُطروحة «إنسان العالم الاسلامي» مقابل «الانسان الاوروبي» أو «تجربة الانسان الاوروبي»(2) لا من موقع الكراهية أو النوايا المسبقة كما يتجلّى في بعض جوانب كتاب فوكوياما، بل من موقع اختلاف الظروف الاجتماعية والتأريخية والقيمية من مجتمع الى آخر، وهذا بقطع النظر عن كونية الاسلام.

نقد فوكوياما بالأدوات الصدرية

يمكن، بالاعتماد على كتابات الصدر، نقد اُطروحات فوكوياما. وكتابات الصدر لا تقف عند حدود النقد فحسب بل تتجاوزه لتقدم تصوراً جديداً للعلاقة بين الشعوب والحضارات. وهي علاقة مبنية على «التعارف» بدلا من الاقصاء والتمركز على الذات، والنظر الى الشعوب الأخرى من موقع العقلانية الاستعلائية. إذا كانت مقولة نهاية التأريخ عند فوكوياما تدل على ركود حركة التأريخ  وتوقفها داخل علاقة الانتاج والاستهلاك نظراً الى عدم وجود نموذج بديل عن الديمقراطية الليبرالية (في نظر فوكوياما) القائمة على الملكية الخاصة والسوق الحرة. فإنّ الأمر على العكس تماماً عند الصدر. فنهاية التأريخ تدل

_______________________________

1- الانسان: هيجل في طريقه إلى واشنطن، مجلة الاجتهاد، نشر دار الاجتهاد، بيروت، ربيع صيف 1993م، عدد 15، 16 ص 83.

2- اقتصادنا (إنسان العالم الاسلامي ـ الانسان الاوروبي) (المقدمة).

[268]

عنده على نهاية تاريخ النموذج الحضاري المنقطع عن الله، ودخول النموذج الحضاري المرتبط بالله الى التأريخ. وهنا تزداد حركة التأريخ قوة على اعتبار أنّ النسبي ارتبط بالمطلق. أي ربط التأريخ  بالغيب (التعالي أو المثل الأعلى).

معنى نهاية التأريخ عند الصدر

فنهاية التأريخ  تعني إذاً عند الصدر، عودة سلطة الوحي التي ستشكل من جديد حضارة الوحي مقابل الحضارة الوضعية. وهذه العودة ستقلب كلّ المعادلات خاصة معادلة القوة والضعف والعلاقة بين المستضعفين والمستكبرين. حيث إنّ نصر الله للمستضعفين هو في الحقيقة طرح لإشكالية العلاقة بين التأريخ والتعالي، وبين الرؤية التأريخية المبنية على التاريخانية.

نهاية التأريخ أم نهاية الدولة الوضعية

فنهاية التأريخ  تعبر عن نهاية الدولة الوضعية وأسسها المعرفية، التي ترتكز عليها، ونهاية أبعادها السياسية والاجتماعية والحضارية.

إنّ هذه المقولة (نهاية التأريخ) تعبر عن أزمة الفكر الغربي. أزمة لم يسبق لها مثيل. ويرى الصدر أنّ هذه الأزمة لا يمكن أنّ تجد حلولها في الفكر الغربي،  لأن هذا الأخير قد استنفد طاقاته. إنّ الحلّ يكمن في الموقف الذي يسعى إلى تغيير معالم الحياة الحضارية الراهنة تغييراً جذرياً عن طريق اعادة النظر في الأطر المعرفية، التي ترتكز عليها الحضارة الغربية. وهذا سيؤدي بدوره إلى إعادة النظر في بنية النظام الدولي، وفي علاقة البلدان المتخلفة مع البلدان الغنية. ويرى الصدر أنّ هذه الانتقادات العميقة والجذرية للفكر الغربي لا توجد إلا في النموذج الحضاري الإسلامي البديل.

التعارف بدل الاقصاء والقيم الثابتة بدل المصالح الثابتة

وهكذا فإنّ مقولة نهاية التأريخ  ذات انعكاسات مباشرة على الرؤية الإسلامية. فهي مثلا تصطدم بمفهوم الأمة. الأمة الإسلامية مبنية على التعارف أي على تفاعل الثقافات لا على الإقصاء. وهذا ينعكس سياسياً واقتصادياً وحضارياً على العلاقات الدولية. هذه الأخيرة مبنية ـ في نظر الاسلام ـ على قيم ثابتة لا على المصالح الثابتة كما هو الامر بالنسبة للغرب، الذي يدعم تفوقه على الشعوب واستغلالها، يدعم هذا التفوق فلسفياً عن طريق مقولة نهاية التأريخ.

عقلانية قيمية لا عقلانية استعلائية

إنّه من الصعب ضبط عقلانية الفكر الغربي معرفياً،  لأنها عقلانية نفعية استعلائية لا تخضع لثوابت معرفية وقيمية، بل هذه الأخيرة (المعرفة والقيم) هي التي تخضع لمتطلبات المنفعة اي متطلبات ثقافة الاستهلاك المبنية على العقل الأداتي البرجماتي(1). لكن حركة التأريخ  لا تجعل الباطل حقّاً والحقّ باطلا. خاصة بالنسبة للرؤية الإسلامية الى التأريخ حيث إنّ هذا الأخير لا يكفي نفسه بنفسه ولا يمثل الحقيقة المطلقة.

(نهاية التأريخ) فكرة قديمة جديدة

إنّ الغرب قبل سقوط المعسكر الاشتراكي كان يفرض نفسه كنهاية للتاريخ،  لأنّ هناك أسساً وقيماً مشتركة للفكر الغربي رغم انقسامه إلى نظام رأسمالي ونظام اشتراكي. فمقولة نهاية التأريخ  ليست جديدة.

_______________________________

1- العقل الذي يستخدمه فوكوياما هو مجرّد عقل نفعي ليس العقل الذي يتمتع بإمكانية التعالي.

[269]

وهذا ما كان يراه الصدر من خلال نقده للنظامين معاً الاشتراكي والرأسمالي.

إنّ ما هو جديد الآن هو أنّ هذه المقولة انتقلت من تدعيم الاستقطاب المزدوج الى الاستقطاب الاحادي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي.

تحليل الصدر لواقع المسلمين

عندما نحلل الفكر السياسي لدى الصدر يتجلّى لنا بأنّ الشعوب الإسلامية تبحث عن ذاتها من خلال نفي كل القيم السياسية المرتبطة بتاريخ الأمة المزيف. أي المرتبط بالسلطان القاهر والمستبد العادل من جهة، ومن خلال رفض العلمانية باطروحاتها القائمة على فصل الدين عن السياسية.

إنّ المرحلة التأريخية التي نعيشها تدعم هذه الفكرة، وتبين بأنّ الديمقراطية الليبرالية ليست حقيقة تاريخية يجب على كلّ شعوب العالم أن تتبناها، بقدر ما هي وسيلة لتعبر الشعوب الإسلامية من خلالها عن عودتها الى ذاتها اي الى النموذج الحضاري الاسلامي.

فالشعوب الإسلامية تتطلع الى تجسيد مبدإ الإسلام دين ودولة. وهو المبدأ الذي بفضله يكتشف المسلمون الروابط بين الواقع المعاش وعالم الغيب. أي الروابط بين الواقع والمثل الأعلى.

هذا المبدأ (دين ودولة) هو وحده القادر على مجابهة مقولة نهاية التأريخ. أي مجابهة القطبية الأحادية وطرح البديل الحضاري الاسلامي. فالنموذج الحضاري الاسلامي يمثل ـ في جوهره ـ حقيقة فوق تصور البشر،  لأنها حقيقة التعالي على التأريخ وترتبط به في نفس الوقت،  لذلك تبقى الصيرورة التأريخية مستمرة بحكم علاقة الواقع بالمثل الأعلى أي علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب.

مبدأ (دين ودولة) والصيرورة التأريخية

إنّ هذا الإطار الشرعي والمعرفي لا يجعل الفكر الاسلامي يستوعب ايجابيات الديمقراطية فحسب، بل يتجاوز الديمقراطية بمفهومها الغربي ليعطيها بعداً روحياً بتأسيسها على قيم ومبادئ إلهية وتوجيهها الى أهداف إلهية. هذه المعاني كلّها يتضمنها مفهوم خلافة الانسان وخلافة الأمة وشهادتها،  لذلك يستحيل ـ انطلاقاً من هذه الرؤية ـ القول بوجود نهاية للتاريخ بالمعنى الذي يطرحه الفكر الغربي من هيجل الى فوكوياما. أي نهاية التأريخ باستنفاد النموذج الحضاري كل طاقاته. فالصدر عندما يتكلم عن ظهور الامام المهدي عليه السلام لا يضع نهاية للتاريخ بل على العكس إنّ «الظهور» هو الذي يحقق علاقة النموذج الحضاري الاسلامي بالمثل الأعلى، ويدفع بالصيرورة التأريخية نحو الأهداف اللانهائية(1).

ومعنى هذا أنّ النظام الديمقراطي الليبرالي منظوراً إليه من زاوية نهاية التأريخ ـ كما يطرحها فوكوياما ـ تبقى فعاليته محصورة في الانتاج والاستهلاك،  لذلك، وهذا ما يؤيده فوكوياما نفسه، يصبح الانسان الغربي هو الانسان الأخير. أما بالنسبة للصدر فالانسان يمارس، كخليفة لله في الأرض، مسؤولية يتكامل فيها الجانب المادي مع الجانب الروحي. وهذا ما يجعله منفتحاً على صيرورة لا نهاية لها.

إنّ فوكوياما بدلا من جعل سقوط الماركسية محطة للتقييم والمراجعة، فبدلا من ذلك استجاب استجابة ظرفية وتمجيدية. فنهاية التأريخ  من هذا المنظور تعتبر نهاية للعقلانية الوضعية.

الأساس المعرفي لمشكلة (نهاية التأريخ)

إنّ التمركز الثقافي على الذات الذي مارسه الغرب شكّل الخلفية الفكرية التي أنتجت نهايات التأريخ  (أ.

_______________________________

1- بحث حول الامام المهدي وكذلك خلافة الانسان وشهادة الأنبياء.

[270]

كونت، هيجل، ماركس، فوكوياما). إنّ الرؤية الإسلامية إلى التأريخ  لا تنزع الى نهاية التأريخ بهذا المفهوم المغلق الذي يصل بالانسانية الى أعلى درجة من درجات الاستلاب. فنظرية المعرفة التي تعتمد عليها فلسفة التأريخ  الإسلامية (وهي نظرية ترفض التاريخانية وتتشكل خارج الرؤية المادية الى الكون والانسان والتأريخ) هي نظرية للمعرفة تتجه الى تأسيس المجتمع الكوني (الأمة الإسلامية) المتناقض جذرياً مع الاستقطاب الحضاري المبني على الانغلاق على الذات ونفي الآخر. فلسفة التأريخ المؤسسة على هذه النظرية للمعرفة تلغي الثنائية الحضارية (شرق ـ غرب) وتركز على التفاعل بين الحضارات والأعراق لتأسيس مجتمع الوحدة الحضارية الكونية: الأمة.

المفاهيم الإسلامية هي الحل

هذه الرؤية تختلف عن الرؤية الغربية كما تتجلّى في فلسفة التأريخ عند كلّ من هيجل وماركس وفوكوياما. فكلّ هؤلاء الفلاسفة ألغوا الحضارات الأخرى. وحتى لولم يلغها بعضهم فانهم جعلوها كحضارات محلية أو حضارات دنيا بالقياس الى الحضارة النموذجية التي يتجه التأريخ الى تحقيقها وهي الحضارية الغربية. غير أنّ منتهى الصيرورة المتمثل في الحضارة الغربية ليس من قبيل منتهى الصيرورة المتمثل في الأمة الإسلامية. كونية الحضارة الغربية مبنية على رفض الحضارات الأخرى وعلى التمركز على الذات. في حين أنّ الأمة الإسلامية التي تمثل الرسالة الخاتمة هي مجتمع مفتوح وفي تحقق مستمر. أي مجتمع مبني على التعارف والتفاعل مع الشعوب والحضارات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كانت المراحل السابقة لظهور الحضارة الغربية (حضارة نهاية التأريخ) كمجرد مراحل قد انتهت أدوارها،  لأنّ دورها الوحيد أن تكون في الطريق المؤدي الى النموذج النهائي (نهاية التأريخ)، فإنّ الأمر ليس كذلك عندما يطرح مفهوم الأمة في علاقته بحركة التأريخ. ويربط الصدر، في هذا السياق، الأمة بالرسالات. والرسالات ليست مرحلية بهذا المعنى في نظر الصدر، فالرسالة تختلف عن الدورة الحضارية. فهذه الأخيرة هي نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية وتاريخية. وقد تتضمن بعداً إلهياً إذا ساهم دين سماوي في ظهورها. وعلى العموم الدورة الحضارية مصدرها بشري في حين ان الرسالات مصدرها إلهي. مع العلم أنّ الرسالة لما تتمفصل مع التأريخ  تخضع، بدورها وفي بعض جوانبها، للمؤثرات الاجتماعية والتأريخية(1)غير أن تعدد الرسالات وتعاقبها يسعى ـ لحكمة الهية ـ إلى غاية حضارية منفتحة على عالم الغيب،  لذلك فالرسالات هي المنهج الإلهي الذي عن طريقه يجسد الانسان خلافته لله في الأرض. في حين أنّ الحضارات قد تجسد الخلافة وقد تنحرف عن الخط الإلهي عندما لا تعتمد على رسالة سماوية، أو عندما تحرّف هذه الرسالة كما وقع للرسالات السابقة على الاسلام. وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة» الملازم لكونية الاسلام «الدين الحق». فالرسالات مراحل لتطور حركة البشرية عبر التأريخ. غير أنّ التطور يجب النظر اليه من خلال علاقة التأريخ بالتعالي (والرسالة نفسها هي الدليل الشرعي والتاريخي على هذه العلاقة).

ختم النبوة

وهنا يبرز مفهوم «ختم النبوة». هذا المفهوم لا يعني أنّ الرسالة نفدت إمكانياتها. بل على العكس فإنّ الرسالة الخاتمة تستقطب كلّ الرسالات السابقة وتتجاوزها. فالنهاية هنا لا تعني أنّ «النموذج» استنفد كلّ طاقاته وإمكانياته، بل العكس هو الصحيح. فالمفاهيم والقيم التي يستخرجها المسلمون من القرآن والسنة

_______________________________

1- مصدر سابق.

[271]

لا نهاية لها بحكم إلهية مصدرها. فهي مثل أعلى بالنسبة الى حركة التأريخ(1) اضافة الى ما سبق فإنّ الرسالة الإسلامية تتميز «بالحفظ الالهي» (إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(2) فلا يصيب القرآن ما أصاب الكتب الأخرى من تحريف. الختم والحفظ متلازمان لأنّ الرسالة لا يمكن اعتبارها آخر رسالة إذا كان مصيرها التحريف، فعندئذ تقتضي العناية الإلهية نزول رسالة أخرى.

كونية الاسلام وفاعلية السنن

لقد عالج الصدر مشكلة كونية الاسلام من منظور شرعي وفلسفي. هو يرى أنّ الرسالة لا تتعالى على العوامل الاجتماعية والتأريخية. فالرسالة تخضع ـ رغم تعاليها ومصدرها الإلهي المباشر ـ الى سنن الله في الكون،  لذلك ظهر الخط المنحرف بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ويأتي دور الامامة ليحافظ على كونية الرسالة أي يحافظ على الخط الرسالي. وهو ذلك الخط الذي يمثل علاقة الرسالة بالتاريخ من موقع متطلبات الرسالة (التأريخ  والتعالي) لا من موقع متطلبات الواقع أو حركة التأريخ،  لأنّ القيم ليس مصدرها الواقع أو التأريخ، نقصد هنا القيم الأخلاقية على العموم. أما إذا انتقلنا إلى علاقة الاسلام بالتاريخ فإنّ تعالي الدين على التأريخ  أقوى من مجرّد القيم الأخلاقية،  لذلك لا يمكن القول من المنظور الاسلامي الى التأريخ: بأنّ كلّ واقعي معقول وكلّ معقول واقعي.

وهكذا، فإذا كانت نهاية التأريخ  عند فوكوياما تؤدي بالبشرية الى الارتخاء والملل(3) فإنّها عند الصدر تعبئ الانسان وتدفعه الى الجهاد (التطلع الى المثل الأعلى) والاجتهاد (منطقة الفراغ) لتجسيد المشروع الحضاري الاسلامي.

فنهاية التأريخ  من هذا المنظور ليست نقطة موجودة في المستقبل يتحرك التأريخ  نحوها بصورة آلية. فنهاية التأريخ  تتحقق عن طريق خلافة الانسان. وهي (أي نهاية التأريخ) ليست منتجة للانسان الأخير، كما يرى فوكوياما، بل هي منتجة لانسان العالم الاسلامي الذي يربط الارض بالسماء، وعالم الشهادة بعالم الغيب. إنّ انتظار المستقبل الموعود هو تطلع وتوتر وجهاد ومعاناة تأريخية.

الرؤية الإسلامية لنهاية التأريخ

إنّ نهاية التأريخ  تؤثر في التأريخ، ولكنها ما زالت لم تصبح بعد تأريخية (أي لم تتحقق) تعتمد على مرجعية تتمثل في حادثين ذات مصدر إلهي: النبوة والامامة. أي عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هيّأ المجتمع الاسلامي الصغير ليصبح مجتمعاً كونياً، ثمّ الامامة وما انتهت اليه من غيبة صغرى وكبرى. فنهاية التأريخ  في الرؤية الإسلامية ترتكز إذن على حوادث قد وقعت في التأريخ. وهذا هو الفرق الجوهري من بين الفروق الأخرى بين نهاية التأريخ  في الرؤية الإسلامية وفي الرؤية الوضعية. فنهاية التأريخ  في الرؤية الوضعية لا تعتمد إلا على تخمينات ميتافيزيقية مثل نظرية هيجل الذي أوّل حوادث التأريخ تأويلات مزيفة، أو على دراسة تطرح نفسها على أنها دراسة علمية، ولكنها لم تصل الى هذا

_______________________________

1- مصدر سابق.

2- الحجر، 9

3- فوكوياما: نهاية التأريخ  والانسان الاخير (باللغة الفرنسية، اُنظر: التعليق رقم 115) ص 323 ـ 330. يمكن نقد هذه الافكار التي طرحها فوكوياما.

يمكن نقدها بصورة جذرية من خلال كتب الصدر الخاصة: مفهوم «المثل الأعلى للإنسان الاوروبي المنتصر» اُنظر التفسير الموضوعي، ص 162 ـ 165.

[272]

المستوى، وبقيت مجرّد منظومة فكرية مجرّدة، أو نظرية مبنية على أفكار قبلية مثل نظرية ماركس، وأخيراً نظرية فوكوياما. أما نهاية التأريخ  في المنظور الاسلامي الذي حلّله الصدر فهي، في جزء كبير منها ورغم مصدرها الإلهي، ظاهرة تاريخية قد وقعت بالفعل،  لذلك يتخذ «الانتظار» شكلا آخر لدى المسلمين فهم ـ خلافاً للشعوب الاخرى المرتبطة بنهاية التأريخ ذات المصدر الوضعي ـ لا ينتظرون حالة مجهولة كلياً وغريبة عن تجربتهم التأريخية. فنهاية التأريخ  لا توجد خارج التأريخ رغم مصدرها الالهي.

الرؤية الوضعية

يرى هيجل ثم فوكوياما من بعده بأنّ الثورة الفرنسية قد أنهت التأريخ وأكملته. لقد أراد هيجل أن يحلّل التأريخ  الحي كما هو في الواقع اليومي. فالمسألة صياغة مفاهيم مثل الذات والموضوع وروح العصر. بل المهم هو تصور ممارسة تأريخية، أي القيام بعملية تحليلية ومفاهيمية للتأريخ، وهو يتكون في الواقع الحي (كما وقع في عصر هيجل: الثورة الفرنسية، نابليون). ويرى هيجل بأنّ الثورة الفرنسية ونابليون قد وصلا الى مستوى هذه الممارسة التأريخية.

لقد نشأ نابليون في التأريخ  الذي أنشأته الثورة الفرنسية وأنهى هذا التأريخ في نفس الوقت. وفوكوياما قد صاغ، هو الآخر، رؤيته الى التأريخ ومقولة نهاية التأريخ  انطلاقاً من حوادث تاريخية، خاصة سقوط المعسكر الاشتراكي.

بين التأريخ وفيلسوف التأريخ

إذا جاز لنا أن نقوم بمقارنة، في هذا الميدان، (أي العلاقة بين فيلسوف التأريخ والتأريخ  كما يتكون يومياً) بين هيجل ـ وخاصة فوكوياما من جهة، والصدر من جهة أخرى، يمكننا القول: بأنّ الصدر لم يكن مفكراً حالماً أو مثالياً بالمعنى المجرّد والمتطرف للمثالية. فقد ربط الصدر المفاهيم بالتاريخ وبالممارسة: ممارسة التأريخ يومياً وصاغ المفاهيم من الواقع ومن التأريخ، فقد حلّل الصدر الحركات الإسلامية في نشوئها ونموها وهو يشاهد ذلك النشوء وذلك النمو. ونظّر الاقتصاد الاسلامي بربط المفاهيم بالنصّ المقدس وبالواقع والتأريخ. وحلّل مفهوم خلافة الانسان من منظور حركة التأريخ  وصيرورته، ومن منظور حركة الأمة عبر التأريخ وآفاق تطورها في المستقبل. كما أنّه صاغ الرؤية الفقهية والفلسفية لدستور الجمهورية في ايران وهي في نشوئها.

دولة مستعمرة لا دولة كونية

إضافةً الى ما سبق فإنّ تحليل الصدر لعلاقة الحضارة الغربية بالعالم الاسلامي يدحض موقف كلّ من هيجل وفوكوياما فيما يخصّ نموذجية الثورة الفرنسية وإنسانيتها. فالعلاقة بين الحضارة الغربية والعالم الاسلامي هي علاقة صراع واستغلال في نظر الصدر. ومن هنا فالثورة الفرنسية لم تنتج الدولة الكونية المحرّرة للشعوب، بل انتجت الدولة المستعمرة للشعوب باسم التحضير.

مشكلة ابستمولوجية

غير إنّ الفرق فرق جذري بين الصدر وبين كلّ من هيجل وفوكوياما،  لأنّ أكبر مشكلة تطرح في هذا السياق هي مشكلة ابستمولوجية: كيف ينهي كلّ من هيجل وفوكوياما التأريخ وهما يعيشان في التأريخ (فنظريتهما حول التأريخ  هي في جوهرها ظاهرة تأريخية)؟

فهناك إذاً تناقض،  لأنّ فلاسفة التأريخ  في الغرب يصوغون فكرة نهاية التأريخ انطلاقاً من خلفية معرفية وفلسفية: إنّهم يعتبرون أنّ فلسفتهم تلخص وتتجاوز ـ في نفس الوقت ـ كلّ الفلسفات السابقة.

[273]

وبعبارة أخرى ففلسفتهم تطرح على أنها الحقيقة النهائية والمطلقة. مع أنّ هذه الصفات لا يمكن أن تتمتع بها الفلسفة، بل هي صفات متناقضة مع الفلسفة على اعتبار أنّ هذه الأخيرة تعتمد على النقد والتساؤل اللذين يحرّران المفكر من الذاتية والاحكام النهائية. وهكذا فإنّ فلسفات نهاية التأريخ  هي فلسفات تقضي على نفسها بنفسها من الناحية الابستمولوجية.

والعجيب في الامر أن يعتبر كلّ من هيجل وماركس وفوكوياما نفسه النتاج النهائي للتأريخ، وأنّ الفلسفة قد وصلت لدى كلّ فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة الى مستوى المعرفة المطلقة والنهائية !

منطقة الفراغ

وهنا يتجلّى لنا بوضوح عطاء الصدر في هذا الميدان حيث يرى بأنّ فكرة الكمال خاصة بالدين لا بالفلسفة: وهذا الكمال ليس معطى في نظر الصدر، بل هناك منهج يسمح للمسلمين باكتشافه عبر التأريخ. هذا المنهج هو منطقة الفراغ.

وإذا كانت الفلسفة الغربية كما تتجلّى عند كلّ من هيجل وفوكوياما ترى بأنّ الواقع يصل ـ بفضل الفلسفة ـ الى مستوى المعقول، وأنّ المعقول يتجسد في الواقع فالعقلانية ـ اي الفلسفة ـ تتماشى مع الواقع (أي الدولة على اعتبار أنّ النسق الفلسفي والنسق السياسي ليس إلا حقيقة واحدة). وهكذا تصل الفلسفة الى منتهاها ويصل التأريخ  الى منتهاه(1).

أما الرؤية الإسلامية التي صاغها الصدر فإنها تختلف جذرياً عن الفلسفة الغربية في هذا المجال. حيث يرى الصدر بأنّ الشريعة المطلقة هي التي تتمفصل مع التأريخ  النسبي، فلا يمكن القول، من هذا المنظور، بنهاية للتاريخ على الطريقة الغربية (هيجل، ماركس، فوكوياما)(2).

وهكذا يتبين لنا أنّ النسق الذي تعتمد عليه فكرة نهاية التأريخ عند كلّ من هيجل وماركس وفوكوياما هو نسق قاتل للتاريخ عكس الرؤية الإسلامية، التي تربط منهجياً بين الدين المطلق وحركة التأريخ عن طريق منطقة الفراغ التي تتضمن، على الصعيد المعرفي، القدرة على الانفتاح على مستجدات واستيعاب الصيرورة التأريخية استيعاباً إسلامياً (أي حسب متطلبات الاسلام).

المنقذ من النسبية

إنّ الغريب في فلسفات نهاية التأريخ  الغربية أنّها تجعل نهاية للتأريخ بعد أن حدت وبينت تاريخية الحياة الانسانية. وفي هذا السياق يتجلّى لنا كذلك عطاء الصدر حيث إنّه يرى أنّ الانسان النسبي لا يستطيع أنّ يتصور الا مثلاوأهدافاً نسبية. فالدين وحده هو الذي يقدم للانسان الحلّ وينقذه من النسبية القاتلة لحركة التأريخ. وذلك عن طريق المثل الأعلى الحقيقي كهدف لحركة التأريخ. المثل الأعلى حقيقي هنا،  لأنّ مصدره ليس الانسان النسبي بل مصدره الوحي. هو موحى.

لذلك يمكن القول من خلال هذه الافكار السابقة: إنّ فكرة نهاية التأريخ  كما تطرحها الفلسفة الغربية هي النتيجة الحتمية للمرجعية المعرفية التي تعتمد عليها هذه الفلسفة. فإذا لم ينته التأريخ  ـ من منظور الفلسفة الغربية ـ يصبح حركة لا نهاية لها،  لأنها حركة تتجه نحو ما يجب أن يكون أي نحو مثل أعلى مطلق. وهذا ما لا يمكن حتى أن تتصوره فلسفات التأريخ الغربية،  لأنّ المطلق الذي تتصوره هذه

_______________________________

1- فوكوياما: نفس المصدر أعلاه ص 11 ـ 24.

2- بحوث إسلامية، ص 179 ـ 180 وكذلك منابع القدرة في الدولة الاسلامية.

[274]

الفلسفات هو مطلق مزيف انتجه العقل البشري بكل نسبيته واجتماعيته وتأريخيته،  لذلك فهو مثل أعلى «تكراري» في نظر الصدر(1).

وهكذا قد حلّل الصدر التأريخ  خارج مسلمات وبديهيات الفكر الغربي (كفصل الدين عن السياسة والتأريخ  عن الغيب.. الخ) لذلك أحدث الصدر قطيعة ابستمولوجية(2) مع كلّ اطروحات فلسفة التأريخ  في الفكر الغربي، خاصة اطروحات هيجل وماركس وحتى اطروحات فوكوياما، التي ظهرت بعد عشر سنوات من استشهاد الصدر قدس الله روحه.

التأريخ بين الواقعية والشرعية

لذلك نظر الصدر الى نهاية التأريخ  بمفهومها الغربي على أنها نهاية لتاريخ واقعي. لكن الصدر يرى أنّ هناك تاريخاً آخر هو التأريخ الحقيقي الذي بدأ في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيبدأ من جديد مع سيادة النموذج الحضاري الاسلامي،  لأنه ليس كلّ واقعي شرعياً. فهناك التأريخ  الواقعي ولكنه غير شرعي. وقد بدأ هذا التأريخ الأخير منذ معركة صفين (في تاريخ الأمة الإسلامية وهو تاريخ له انعكاسات كونية نتيجة لكونية الاسلام) وهو مستمر الى يومنا هذا. كما أنّ التأريخ المعاصر هو تاريخ غربي مهيمن أي هو تاريخ واقعي، ولكنه غير شرعي من المنظور الاسلامي الذي طرحه الصدر.

وهكذا يمكن أن نستنتج من كتابات الصدر أن لفكرة نهاية التأريخ معنيين:

المعنى الأول: نهاية التأريخ  بصورة نهائية بحيث لا يمكن تصور نموذج حضاري آخر غير النموذج الغربي (هيجل، ماركس، فوكوياما).

المعنى الثاني: نهاية التأريخ  مرتبطة بتتابع الأجيال أو الحقب التأريخية، وهو تتابع يتّجه نحو غاية ليست من صنع الإنسان وتصوره لأنّ مصدرها إلهي. فالنهاية هنا هي نهاية لنموذج حضاري معين (هو النموذج الحضاري الغربي هنا) وفتح المجال لظهور مرحلة تاريخية أخرى تحدث قطيعة جذرية مع المراحل السابقة من حيث الرؤية الى الانسان والمجتمع والحياة، وهي رؤية يتأسس عليها مشروع حضاري كوني، كونية حقيقية لأنها مستمدة من مصدر خارج عن التأريخ.. من الاسلام الدين الحق.

فنقد الصدر للنموذج الحضاري الغربي هو نقد جذري تمّ من خلال أدوات فكرية وقيمية من خارج هذا الفكر. وهذا يختلف تماماً مع الفكر المحدث في العالم الاسلامي (ويختلف كذلك مع بعض اتجاهات الفكر الاسلامي التي لن تتحرّر من إشكالية الفكر الغربي) وهو يتخاصم أصحابه على مذاهب اقتصادية وسياسية، وينطلقون من تأويلات ومذاهب لا علاقة لها بالاسلام ولا بواقع الأمة كما يرى الصدر(3).

أزمة المسلمين

فالأزمة الحالية التي تتخبط فيها البلاد الإسلامية ليست ـ في نظر الصدر ـ أزمة تكنولوجيا أو سوء

_______________________________

1- يمكن كذلك نقد مفهوم الانسان الأخير (نهاية التأريخ والانسان الأخير) عن طريق مفهوم «المثل الأعلى التكراري» الذي صاغه الصدر في كتابه التفسير الموضوعي، 170 ـ 177.

2- القطيعة الابستمولوجية هنا لها معنى خاص،  لذلك فالفكر الاسلامي في حاجة ماسة إلى صياغة استمولوجيا خاصة به، قد تلتقي مع الابستمولوجيا بمفهومها الغربي في بعض الجوانب وتختلف في جوانب اخرى. لكن القطيعة التي أحدثها الصدر تتميز بالطرح الجديد للموضوع بصورة جذرية الى درجة أنّ القطيعة هنا هي كتلك التي وقعت بين الفكر العلمي والفكر الخرافي من حيث شدتها وعمقها.

3- اقتصادنا (المقدمة) وكذلك: منابع القدرة في الدولة الاسلامية.

[275]

تطبيق للأفكار المستوردة (الرأسمالية والاشتراكية)،  لأنّ النموذج الغربي نفسه في أزمة قاتلة، فلا يمكن أن يكون نموذجاً كونياً أي نهاية للتأريخ. فليس هناك نهاية للتأريخ، بل نهاية لمرحلة تاريخية معينة هي المرحلة الحضارية الغربية. فالنموذج الحضاري الغربي المنقطع عن الغيب ذاب في التأريخ أي ذاب في المثل الأعلى التكراري حسب تعبير الصدر، وأصبح مجرد مبرر للواقع ولحركة التأريخ  بكلّ سلبياتها وايجابياتها.

فالأزمة اذاً في نظر الصدر هي أزمة العلاقة بين النموذح والانسان: التناقض بين نماذج التقدم وذهنية إنسان العالم الاسلامي. هذا من المنظور السوسيولوجي وبقطع النظر عن كونية الاسلام. إنّ التخطيط وتوقع صيرورة التأريخ  يجب أن يتمـّا انطلاقاً من الحقل النظري للعالم الاسلامي.

إنّ نماذج التنمية والتقدم ذات المصدر الغربي، التي اعتمد عليها المحدثون في العالم الاسلامي جعلت ادنى درجة من التوقع غائبة. ويرجع سبب ذلك، في نظر الصدر، الى التناقض بين نماذج التقدم وواقع الأمة. أي التناقض بين الأدوات الفكرية للتحليل والواقع (الأمة الإسلامية)(1). لذلك فالنموذج الحضاري الذي يتكلم عنه فوكوياما ليس نموذجاً كونياً، والدولة التي يتكلم عنها ليست دولة متجانسة وكونية(2).

وهكذا فإنّ مجرّد اللجوء الى مفهومين (خلافة الانسان والمثل الأعلى) في فلسفة الصدر، إنّ مجرّد اللجوء الى هذين المفهومين من موقع التحليل الفلسفي، ينسف الفلسفة الغربية من الأساس. فمفهوما الخلافة والمثل الأعلى يجعلان الانسان في موقع المؤثر في المادة في جانبيها الاقتصادي والطبيعي. فالاسلام يفجر الطاقات الكامنة في الانسان ويغير العالم حتى ولو لم يطبّق إلا بصورة جزئية (مثلا حرب الجزائر ضد الاستعمار وكلّ الثورات التحريرية في العالم الاسلامي)(3).

البديل الإسلامي عند فوكوياما

لا شك أنّ فوكوياما عندما يطرح الديمقراطية الليبرالية كشكل نهائي لحركة التأريخ وكشكل أكثر عقلانية للحكم، يطرح كذلك إمكانية تقديم البديل الاسلامي عن الليبرالية. ولكن فوكوياما لا يطرح هذا البديل إلا لينفيه بسرعة. ففوكوياما يصف البديل الاسلامي بالدولة الثيوقراطية. كما يرى بأنّ البديل الاسلامي لا يمكن أن ينتشر خارج محيطه الثقافي ولذلك «فخطره محدود»(4).

ويتجلّى هنا بوضوح تسرّع فوكوياما في تحليله للبديل الاسلامي، وتسرعه من جراء وصف نظام الحكم في الاسلام بأنه نظام ثيوقراطي دون أن يضبط هذا المفهوم. إضافةً الى ذلك فإنّ فوكوياما يسوّي، أو يجعل في مرتبة واحدة، الاسلام والنازية والشيوعية في النزعة التوسعية أو مشروع الفتح العالمي.

_______________________________

1- اقتصادنا (المقدمة).

2- منابع القدرة في الدولة الاسلامية.

3- لم أذكر الثورة الاسلامية في ايران على اعتبار أنّ هذه الثورة المباركة اعتمدت على فكر إسلامي عميق إلى درجة كبيرة وعلى مرجعية الفقهاء وخاصة الامام الخميني في حين أنّ الثورات الاخرى في العالم الاسلامي رغم اعتمادها على القيم الاسلامية، لم تعتمد على الرصيد الفكري المنظم والعميق الذي اعتمدت عليه الثورة الاسلامية في ايران إضافة إلى ذلك فإنّ الدولة في ايران هي استمرار للثورة الاسلامية، بينما وقعت قطيعة بين الدولة والثورة في البلدان الاسلامية الاخرى إذ بمجرّد الحصول على الاستقلال استولى العلمانيون على الدولة.

4- جوزيف سماحة: مقال على شكل حوار مع فوكرياما ـ عنوانه: نهاية التأريخ وردود الفعل ـ مجلة الاجتهاد، (ن ـ م) ص 302 ـ 303.

[276]

ويصل فوكوياما الى نتيجة: لا مساومة مع الاسلام،  لأنه مشروع يريد تدمير الحضارة الغربية.

فالليبرالية قد هزمت كلا من النازية والشيوعية ولم يبق أمامها الا الاسلام(1). وهنا كذلك تأتي فلسفة الصدر لتدحض موقف فوكوياما من الأساس، وذلك من خلال مفهومين (إضافة الى مفهومي خلافة الانسان والمثل الأعلى): مفهوم خلافة الأمة وهي خلافة تتناقض جذرياً مع الثيوقراطية. ومفهوم الأمة الشاهدة وما تتضمنه من قوة استيعابية للحضارات والقدرة على التحكم في مسار حركة التأريخ.

عقلانية فوكوياما

أما مسألة عقلانية الديمقراطية الليبرالية من حيث هي الشكل الأكثر عقلانية للحكم فهي مسألة فيها نظر. إنّ العقلانية تكون قوية كلما كانت نسبية. فالنسبية هي التي تجعل العقلانية عقلانية مفتوحة وقابلة للتطور، كما تجعلها عقلانية علمية. إذا انطلقنا من هذا المعيار وهو معيار يحظى باتفاق كلّ المفكرين لانه معيار علمي ـ فإنّ العقلانية في الرؤية الإسلامية التي يطرحها الصدر على الصعيدين المعرفي والسياسي هي أكثر نسبية بكثير من العقلانية في منظورها الغربي خاصة كما تتجلّى عند فوكوياما. فربط العقل بالغيب يجعل العقلانية تتحرك في خط لا نهاية له. ولا يمكن لعقلانية من هذا النوع أن تنتهي الى ما انتهت اليه الفلسفة الغربية من وضع نهاية لتطور الفكر في مذهب فلسفي كما فعل كلّ من هيجل وماركس وفوكوياما. بل على العكس نلاحظ لدى فوكوياما موقفاً يغلق كلّ إمكانية للبحث خارج الرؤية الغربية الى التأريخ، وهكذا ينقلنا فوكوياما من اطلاقية الفكر اللاهوتي في القرون الوسطى الى اطلاقية الفكر الوضعي في آخر القرن العشرين.

إنّ نقطة الضعف في تحليل فوكوياما للإسلام وللحضارة الإسلامية تكمن في تسرعه في الاستنتاج وفي عدم تريثه في ضبط مواقفه وضبط المفاهيم والمصطلحات. وهذا ما أدى به الى درجة عدم التميز بين الاسلام وكل من النازية والشيوعية. ففوكوياما بقي سجيناً للأفكار التشهيرية حول الاسلام. أي بقي سجيناً للمعرفة العامية في الغرب تجاه الاسلام والمسلمين.

الإسلام والحضارة الغربية

ويكفي أن نقول: بأنّ الصراع بين الاسلام والحضارة الغربية، في نظر المفكرين المسلمين ومن خلال كتابات الصدر حول هذا الموضوع، إنّ هذا الصراع ليس صراعاً تدميرياً على غرار النازية والشيوعية. مع العلم بأنّ النازية والشيوعية تعتبران من صلب وهوية الفكر الغربي والحضارة الغربية، هذا من جهة. ومن جهة اخرى فإن الأمة الإسلامية من حيث هي أمة شاهدة وكونية لا تنفي عطاء الحضارات، وصراعها مع الحضارة الغربية ليس صراعاً لنفي الآخر بل لاستيعابه في إطار مبدإ «التعارى» والتكامل في أفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقيم إلهى يوجه البشرية الى المثل الأعلى الحقيقي.

وإذا نظرنا الى موقف فوكوياما من البديل الاسلامي من خلال فكر الصدر، يمكننا القول: بأنّ انهيار الشيوعية ـ وهو انهيار توقعه الصدر وتوقعه كلّ المفكرين المسلمين لما كانت الشيوعية في أوجها ـ يمكننا القول: بأنّ انهيار الشيوعية لا يعني عند الصدر أنّ الديمقراطية الليبرالية هي منتهى تطور الايديولوجيا،  لأنّ الديمقراطية الليبرالية تنتمي، شأنها شأن الشيوعية، الى الرؤية الغربية الى الكون والانسان(2).

_______________________________

1- نفس المصدر السابق.

2- انتقد الصدر النظام الاشتراكي والرأسمالي ـ بحوث إسلامية، ص 160ـ165

[277]

ومن هنا فإنّ انهيار الشيوعية يعني ـ في أفق نظرية الصدر ـ انهيار النموذج الحضاري الغربي كلّه من حيث هو نموذج وضعي منفصل عن الله.

عصر الإسلام لا نهاية التأريخ

فالمسألة إذاً ليست مسألة نهاية التأريخ  بل نهاية تاريخ معين: التأريخ المؤسس على النموذج الحضاري الغربي، وبداية فصل جديد من فصول التأريخ المتمثل في مرحلة دخول النموذج الحضاري الاسلامي في مسرح التاريح لقيادة البشرية. أي دخول نظرية المعرفة المبنية على العلاقة بين العقل والواقع والوحي لتأطير النموذج الحضاري الاسلامي لقيادة التأريخ وتوجيهه نحو المثل الأعلى.

وهكذا فكرة نهاية التأريخ  توجد في كتابات الصدر لكن بمعنى آخر ـ كما اشرنا فيما سبق ـ غير المعنى الذي تطرحه فلسفات التأريخ  الغربية. نهاية التأريخ عند الصدر تعني نهاية الدورة الحضارية الغربية. وهي نهاية ملازمة لمحدودية النسق المعرفي الوضعي الذي استنفد طاقاته. ونتيجة لذلك فإنّ الأنظمة السياسية المؤسسة على الوضعية قد وصلت الى نقطة النهاية. ويكمن البديل في المشروع الحضاري المرتبط بالتعالي أي بالغيب.

فالتاريخ لم ينته إذاً بالنسبة للعالم الاسلامي،  لأنه لم يدخل في التأريخ بعد. فالأمة الإسلامية قد أدخلت في تاريخ غير تاريخها منذ القرن التاسع عشر عصر ما يسمى بعصر النهضة. أدخلت في تاريخ الغرب. فنهاية التأريخ  ليست صحيحة معرفياً وفلسفياً. فأطروحة نهاية التأريخ، بل وأطروحة معنى التأريخ من هيجل الى فوكوياما ليست إلا اطروحة ظرفية يجابه بها الفكر الغربي الأمة الإسلامية كمرجعية حضارية ذات تاريخ كبير يخشاه الغرب. فالحضارة الغربية تعرف ـ وخاصة في هذه السنوات الأخيرة بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران ـ بأنّ الحضارة الوحيدة التي تجابهها هي الحضارة الإسلامية.

وأخيراً فإنّ الشهيد السيد محمد باقر الصدر لم يكتف بتنظير الرؤية الإسلامية الى التأريخ، بل عاش هذه الرؤية وتحرّر من ثقل الواقع الفاسد، ومن حركة التأريخ المفروضة من طرف السلطة في العراق، ومن طرف الفكر الغربي، وقدّم البديل الإسلامي، نظرياً بكتاباته، وعملياً باستشهاده رحمه الله.

الفهرس