من الخطبة ( 89 ) منها في صفة الملائكة :
ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ اَلصَّفِيحِ اَلْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ اَلْفُرُوجِ زَجَلُ اَلْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ اَلْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ اَلْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ اَلْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ اَلرَّجِيجِ اَلَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ اَلْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ اَلْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا .
-----------
( 1 ) الملل و النحل 1 : 96 .
[ 546 ]
أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ 10 11 35 : 1 تُسَبِّحُ جَلاَلَ عِزَّتِهِ لاَ يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي اَلْخَلْقِ مِنْ صَنْعَتِهِ وَ لاَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 7 16 21 : 26 27 1 جَعَلَهُمُ اَللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ اَلْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى اَلْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ اَلشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ اَلْمَعُونَةِ وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ اَلسَّكِينَةِ وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلاَمِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ اَلْآثَامِ وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامِ وَ لَمْ تَرْمِ اَلشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَ لَمْ تَعْتَرِكِ اَلظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَ لاَ قَدَحَتْ قَادِحَةُ اَلْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ لاَ سَلَبَتْهُمُ اَلْحَيْرَةُ مَا لاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ اَلْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْبِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ اَلْغَمَامِ اَلدُّلَّحِ وَ فِي عِظَمِ اَلْجِبَالِ اَلشُّمَّخِ وَ فِي قَتْرَةِ اَلظَّلاَمِ اَلْأَيْهَمِ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ اَلْأَرْضِ اَلسُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ اَلْهَوَاءِ وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ اِنْتَهَتْ مِنَ اَلْحُدُودِ اَلْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اِسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَ وَصَّلَتْ حَقَائِقُ اَلْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَ قَطَعَهُمُ اَلْإِيقَانُ بِهِ إِلَى اَلْوَلَهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلاَوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ اَلرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ
-----------
( 1 ) الأنبياء : 26 27 .
[ 547 ]
خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ اَلطَّاعَةِ اِعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ اَلرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَ لاَ أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ اَلزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ اَلْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ وَ لاَ تَرَكَتْ لَهُمُ اِسْتِكَانَةُ اَلْإِجْلاَلِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَ لَمْ تَجْرِ اَلْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ اَلْمُنَاجَاةِ أَسَلاَتُ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لاَ مَلَكَتْهُمُ اَلْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ اَلْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ اَلطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ اَلتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ . وَ لاَ تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلاَدَةُ اَلْغَفَلاَتِ وَ لاَ تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ اَلشَّهَوَاتِ قَدِ اِتَّخَذُوا ذَا اَلْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ اِنْقِطَاعِ اَلْخَلْقِ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لاَ يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ وَ لاَ يَرْجِعُ بِهِمُ اَلاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلاَّ إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ اَلشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ اَلْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ اَلسَّعْيِ عَلَى اِجْتِهَادِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَ لَوِ اِسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ اَلرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ اَلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ اَلتَّقَاطُعِ وَ لاَ تَوَلاَّهُمْ غِلُّ اَلتَّحَاسُدِ وَ لاَ شَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ اَلرِّيَبِ وَ لاَ اِقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ اَلْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لاَ عُدُولٌ وَ لاَ وَنًى وَ لاَ فُتُورٌ وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ اَلسَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلاَّ وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ اَلطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً أقول : رواه أئمّة غريب اللّغة كما يظهر من نقل بعض فقراته
[ 548 ]
في ( النهاية ) 1 .
« ثمّ خلق » اللّه .
« سبحانه لإسكان سماواته » كإسكان أرضه .
« و عمارة » مصدر عمرت الخراب .
« الصفيح » أي : الجانب .
« الأعلى » أي : السماء ، و قال الجزريّ : الصفيح من أسماء السماء ، و منه حديث عليّ عليه السّلام « و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته » 2 .
« من ملكوته » في ( الصحاح ) : الملكوت من الملك كالرهبوت من الرّهبة ،
يقال له : ملكوت العراق ، و ملكوة العراق أيضا مثال الترقوة ، و هو الملك و العزّ 3 .
« خلقا بديعا من ملائكته ملأ بهم فروج » أي : شقوق .
« فجاجها » أي : طرقها الواسعة .
« و حشا بهم » أي : جعلهم في حشو .
« فتوق » أي : شقوق .
« أجوائها » أي : متّسعها ، في خبر ابن أبي العوجاء مع الصادق عليه السّلام أنّه عليه السّلام قال له في مقام إقناعه : لو كان الأمر كما تقولون لم يضرّ بالمتديّنين ،
و إن كان كما يقولون فأنتم هالكون . فقال له ابن أبي العوجاء : ما قولي و قولهم إلاّ واحدا . فقال عليه السّلام له : كيف يكون كذلك و هم يقولون : إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا ، و يدينون بأنّ في السماء إلها و أنّها عمران ، و أنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد 4 ؟
-----------
( 1 ) النهاية لابن الأثير 3 : 35 مادة ( صفح ) .
-----------
( 2 ) النهاية لابن الأثير 3 : 35 مادة ( صفح ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 4 : 1610 مادة ( ملك ) .
-----------
( 4 ) الكافي للكليني 1 : 74 ح 2 ، و التوحيد للصدوق : 125 ح 4 ضمن حديث طويل و النقل بالمعنى .
[ 549 ]
« و بين فجوات » أي : ساحات .
« تلك الفروج » أي : الشقوق المتقدّمة في قوله عليه السّلام : « فروج فجاجها » .
« زجل » بفتحتين ، أي : صوت .
« المسبّحين منهم في حظائر القدس » و الأصل في الحظر المنع ، و سمّيت السماوات التي هي محالّ الملائكة حظائر القدس ، لأنّ الشياطين و هم أهل الرجس ممنوعون منها .
« و سترات الحجب و سرادقات المجد » يمكن أن يكون ( السترات ) و ( السرادقات ) استعارة كما في قول رؤبة :
يا حكم بن المنذر بن الجارود
سرادق المجد عليك ممدود
1 و يمكن أن تكونا حقيقة ، ففي خبر زيد بن وهب عنه عليه السّلام : الحجب سبعة ،
غلظ كلّ حجاب مسيرة خمسمائة عام . . . ثمّ سرادقات الجلال ، و هي سبعون سرادقا ، في كلّ سرادق سبعون ألف ملك ، بين كلّ سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام 2 .
« و وراء ذلك الرّجيج » الأصل في الرّجيج الحركة الشديدة ، كقوله تعالى :
إذا رجّت الأرض رجّا 3 . و لازم الحركة الشديدة تولد صوت ، كقوله عليه السّلام في ذي الثدية : « و أمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه و رجّة صدره » 4 . ثمّ الإشارة إلى الرّجيج في قوله : « ذلك الرّجيج » مع عدم لفظه إنّما هو لتقدّمه بمعناه في قوله : « زجل المسبّحين منهم » .
« الذي تستكّ منه الأسماع » أي : تذهب منه السامعة ، قال عبيد بن الأبرص :
-----------
( 1 ) لسان العرب 10 : 158 مادة ( سردق ) .
-----------
( 2 ) التوحيد 277 ح 3 ، و الخصال للصدوق : 400 ح 109 ، باب السبعة .
-----------
( 3 ) الواقعة : 4 .
-----------
( 4 ) رواه الشريف الرضي ضمن الخطبة القاصعة في نهج البلاغة 2 : 156 ، الخطبة 190 .
[ 550 ]
دعا معاشر فاستكّت مسامعهم 1 و الأصل في السكّ اصطلام الأذن و قطعها ، و في الخبر مرّ صلّى اللّه عليه و آله بجدي أسكّ 2 .
« سبحات نور » أي : تجلّياته و لمعاته .
« تردع » أي : تكفّ .
« الأبصار عن بلوغها » و المراد استكاك أسماع البشر ، و ردع أبصارهم لو فرض بلوغهم إلى ذلك المحلّ ، و يمكن أن يقرأ ( الرّجيج ) بالرّفع مبتدأ لقوله :
( وراء ) ، و يكون ( سبحات ) مصحّف ( و سبحات ) عطفا على ( الرّجيج ) ، و حينئذ فالمراد : استكاك أسماع الملائكة وردع أبصارهم ، و يشهد له ما في ( النهاية ) أنّ في الخبر : قال جبرئيل : للّه دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربّنا 3 .
« فتقف » أي : الأبصار .
« خاسئة » أي : كليلة .
« على حدودها » و لا تتجاوز .
« أنشأهم على صور مختلفات ، و أقدار متفاوتات » مرّ في سابقه 4 قوله عليه السّلام :
« و منهم الثابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم ، و المارقة من السماء العليا أعناقهم ، و الخارجة من الأقطار أركانهم ، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم .
و مرّت ثمّة أخبار في ذلك .
-----------
( 1 ) لسان العرب 10 : 440 مادة ( سكك ) . و ذيله : يالهف نفسيّ لو يدعو بني أسد .
-----------
( 2 ) صحيح مسلم 4 : 2272 ح 2 ، و مسند أحمد 3 : 365 ، و الكافي للكليني 2 : 129 ح 9 ، و الزهد الأهوازي : 49 عن جابر .
-----------
( 3 ) رواه الكيذري في شرحه 2 : 526 ، و أبو الشيخ و ابن مردويه عنهما الدرّ المنثور 1 : 93 .
-----------
( 4 ) مرّ في هذا الفصل العنوان 1 .
[ 551 ]
« أولي أجنحة » قال تعالى : . . . جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ اللّه على كلّ شيء قدير 1 .
« تسبّح جلال عزّته » قال تعالى : فإن استكبروا فالّذين عند ربّك يسبّحون له باللّيل و النّهار و هم لا يسأمون 2 . و إسناد التسبيح إلى جلال عزّته للمبالغة ، كقوله تعالى : . . . أكرمي مثواه . . . 3 . و أمّا ( تسبّح ) بلفظ الإفراد فالظاهر كونه صفة ( أجنحة ) فإن لم يكن ( تسبّح ) مصحّف ( يسبّحون ) يدلّ الكلام على تسبيح أجنحة الملائكة له تعالى أيضا ، و ورد تسبيح أجنحتهم ، و باقي أعضائهم له تعالى .
ففي خبر عن جميل عن الصادق عليه السّلام : إنّ في السّماوات السّبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام ، فيها ملائكة قيام منذ خلقهم اللّه تعالى ،
و الماء إلى ركبهم ، ليس فيهم ملك إلاّ و له ألف و أربعمائة جناح ، في كلّ جناح أربعة وجوه ، في كلّ وجه أربعة ألسن ، ليس فيها جناح و لا وجه و لا لسان و لا فم إلاّ و هو يسبّح اللّه تعالى بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه 4 .
و في خبر عن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إن للّه تعالى ملائكة ليس شيء من أطباق أجسادهم إلاّ و هو يسبّح اللّه تعالى و يحمده من ناحية بأصوات مختلفة 5 .
« لا ينتحلون » أي : لا يدّعون لأنفسهم .
« ما ظهر في الخلق من صنعته » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( من
-----------
( 1 ) فاطر : 1 .
-----------
( 2 ) فصّلت : 38 .
-----------
( 3 ) يوسف : 21 .
-----------
( 4 ) التوحيد للصدوق : 281 ح 9 .
-----------
( 5 ) التوحيد للصدوق : 280 ح 6 .
[ 552 ]
صنعه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 1 ، و يوم يحشرهم جميعا ثمّ يقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون . قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون 2 .
« و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا ممّا انفرد به » هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : ( شيئا معه ممّا انفرد به ) كما في الثلاثة 3 ، قال تعالى حكاية عنهم :
و ما نتنزّل إلاّ بأمر ربّك له ما بين أيدينا و ما خلفنا و ما بين ذلك و ما كان ربّك نسيّا 4 .
« بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون » اقتباس من الآية في سورة الأنبياء و قبلها و قالوا اتّخذ الرحمن ولدا سبحانه . . . 5 ،
و بعدها يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى و هم من خشيته مشفقون 6 .
« جعلهم في ما هنالك أهل الأمانة على وحيه » فلا يمكن خيانتهم فيه نزل به الرّوح الأمين 7 .
« و حمّلهم » بلفظ المصدر عطفا على ( وحيه ) .
« إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه » لا كما يقول الغلاة من أنّ اللّه تعالى أرسل جبرئيل إلى عليّ عليه السّلام فذهب إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله .
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 148 ، و لكن في شرح ابن ميثم 2 : 351 « صنعته » أيضا .
-----------
( 2 ) سبأ : 40 41 .
-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 148 ، و لكن في شرح ابن ميثم 2 : 351 « شيئا ممّا » أيضا .
-----------
( 4 ) مريم : 64 .
-----------
( 5 ) الأنبياء : 26 .
-----------
( 6 ) الأنبياء : 28 .
-----------
( 7 ) الشعراء : 193 .
[ 553 ]
« و عصمهم » أي : حفظهم .
« من ريب » أي : شك .
« الشّبهات » أي : ريب يعرض من الشّبهات ، قال شيخنا المفيد : إنّ الملائكة معصومون ممّا يوجب لهم العقاب بالنّار ، و على هذا القول جمهور الإمامية ،
و سائر المعتزلة ، و أكثر المرجئة ، و جماعة من أصحاب الحديث ، و قد أنكر قوم من الإمامية أن يكون الملائكة مكلّفين ، و زعموا أنّهم إلى الأعمال مضطرّون ،
و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث 1 .
قلت : فيكون حال الملائكة عند أولئك حال الشمس و القمر و النجوم في طلوعها و غروبها حيث سخّرت على ذلك ، و يردّهم قوله تعالى : . . . لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون 2 ، و قوله تعالى : يخافون ربّهم من فوقهم و يفعلون ما يؤمرون 3 ، و قوله تعالى : . . . بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون 4 الآية المذكورة في كلامه عليه السّلام ،
و يردّهم قوله عليه السّلام في العنوان : « لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه . . .
فتقترع برينها على فكرهم » ، و قوله عليه السّلام : « قد استفرغتهم . . . في قلوبهم عظما » .
و أيّ شيء يقولون في قوله تعالى : و إذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها . . . فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقلّ لكم إنّي أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون 5 ، و أيّ شيء يقولون في قوله تعالى : و إذ قلنا للملائكة اسجدوا
-----------
( 1 ) أوائل المقالات للمفيد : 82 .
-----------
( 2 ) التحريم : 6 .
-----------
( 3 ) النحل : 50 .
-----------
( 4 ) الأنبياء : 26 27 .
-----------
( 5 ) البقرة : 30 33 .
[ 554 ]
لآدم فسجدوا إلاّ إبليس . . . 1 .
« فما منهم زائغ » أي : مائل .
« عن سبيل مرضاته » تعالى .
« و أمدّهم بفوائد المعونة » هكذا في النسخ 2 ، و الصواب : ( بعوائد المعونة ) ، أي : أمدّهم بالإعانة بدءا و عودا ، و أمّا ( فوائد ) بالفاء فلا معنى له هنا .
قال الخوئي : قال الفيّوميّ : معونة مفعلة ، و جعله بعضهم فعولة من الماعون 3 .
قلت : إنّ ما قاله خلط ، فلا خلاف في أنّ ( المعونة ) من ( العون ) ، و إنّما الخلاف في ( الماعون ) ، هل هو من المعن أو العون .
« و أشعر قلوبهم » أي : جعل كالشّعار لها .
« تواضع إخبات » مصدر أخبت ، أي : خشع .
« السّكينة » أي : السكون و الطمأنينة و الوقار ، قال تعالى : و يسبّح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته . . . 4 .
و في حديث المعراج : إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ ، و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها ، و لا خفضوها إلى ما تحتها خوفا من اللّه و خشوعا 5 .
« و فتح لهم أبوابا ذللا » أي : بلا صعوبة .
« إلى تماجيده » أي : تسابيحه جمع التّمجيد ، قال تعالى : يسبّحون اللّيل
-----------
( 1 ) البقرة : 34 .
-----------
( 2 ) كذا في نهج البلاغة 1 : 169 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 148 ، و شرح ابن ميثم 2 : 351 .
-----------
( 3 ) قاله الخوئي في شرحه 3 : 104 ، و الفيومي في المصباح المنير 2 : 104 مادة ( عون ) . و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) الرعد : 13 .
-----------
( 5 ) تفسير القمي 2 : 7 .
[ 555 ]
و النّهار لا يفترون 1 .
« و نصب لهم منارا واضحة » مرّ في خطبة الكتاب 2 كون ( منار ) جمعا ،
و لذا وصف بالواضحة .
« على أعلام » متعلّق بقوله : و نصب ، و الأعلام الجبال ، و هو أحسن استعارة ، كما في قول الخنساء في أخيها صخر :
و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به
كأنّه علم في رأسه نار
3 « توحيده » فلا يمكن أن يتطرّق إليهم شكّ .
« لم تثقّلهم » بالتشديد : أي : لم تجعلهم ثقلاء الحمل .
« موصرات » أي : مضيّقات .
« الآثام » ككثير من الناس ، قال تعالى : و ليحملنّ أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم و ليسألن يوم القيامة عمّا كانوا يفترون 4 .
« و لم ترتحلهم » هكذا في النسخ 5 ، و الظاهر كونه تصحيف ( و لم ترحّلهم ) .
« عقب » أي : تعاقب .
« الليالي و الأيّام » الحاصلتين من طلوع الشمس و غروبها ، أي : لم يحملهم تعاقب الليالي و الأيّام على الرّحلة كالنّاس ، قال الشاعر :
أفناه قيل اللّه للشّمس ارجعي
حتّى إذا و اراك أفق فارجعي
و ليس المعنى أن تعاقبهما لم يجعلهم راحلة له ، كما في خبر : إنّ ابني
-----------
( 1 ) الأنبياء : 20 .
-----------
( 2 ) مرّ في شرح خطبة الرضي رحمه اللّه .
-----------
( 3 ) المطول : 293 ، باب الايجاز .
-----------
( 4 ) العنكبوت : 13 .
-----------
( 5 ) كذا في نهج البلاغة 1 : 169 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 148 ، و شرح ابن ميثم 2 : 352 .
[ 556 ]
ارتحلني 1 . . . فلا معنى له هنا .
« و لم ترم » من الرّمي .
« الشّكوك بنوازعها » من : نزع في القوس ، أي : مدّها ، و نسخة ( بنوازغها ) من ( نزغ الشيطان ) ، كما حكاها الخوئي 2 بلا مناسبة مع ( لم ترم ) من الرّمي .
نعم ، إن قرئ ( و لم ترم ) بكسر الرّاء من ( رام ) أي : قصد يكون له ربط ، لكنّه خلاف الظاهر حيث إنّ بعده ( و لم تعترك ) .
« عزيمة أيمانهم » أي : أيمانهم الثابت الّذي لا يتزايل ، بمعنى : أنّ الشكوك و إن كانت ذات روام نوازع لم تستطع أن تجعل ايمانهم هدفا لها .
« و لم تعترك » أي : و لم تقاتل ، و الأصل في العرك الدّلك ، و في القتال يدلك كلّ من القرنين الآخر .
« الظنون على معاقد يقينهم » فتسلّط على حلّه من قلوبهم ، و المراد أنّ الملائكة لم يحصل لهم ظنون مخالفة ليقيناتهم في المعارف الالهية كما قد يتفق للبشر ، و ذكر الظّنون بعد الشكوك كالاعتراك بعد الرّمي في غاية الحسن .
« و لا قدحت قادحة » و القادحة : الدودة التي تقع في الأشجار و الأسنان ،
قال جميل :
-----------
( 1 ) الأصل انّه صلّى اللّه عليه و آله سجد فركبه الحسن عليه السّلام فأبطأ في سجوده ، فلما فرغ سئل عنه فقال : « إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله » أخرجه النسائي في سننه 2 : 229 ، و أحمد في مسنده 3 : 493 ، و 6 : 467 ، و ابن عساكر بثلاث طرق في ترجمة الحسن عليه السّلام : 91 ح 154 156 ، و بطريقين في ترجمة الحسين عليه السّلام : 105 ح 142 و 143 ، و أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4 : 72 ح 3998 ، و الطبري في منتخب الذيل : 63 ، و البغوي و الطبراني و سعيد بن منصور عنهم منتخب كنز العمال 5 : 102 .
-----------
( 2 ) شرح الخوئي 3 : 104 .
[ 557 ]
رمى اللّه في عيني بثينة بالقذى
و في الغرّ من أنيابها بالقوادح
1 « الإحن » جمع الإحنة ، أي : الحقد و الضغن . قال الشاعر :
إذا كان في صدر ابن عمّك إحنة
فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
2 « في ما بينهم » ككثير من الناس .
« و لا سلبتهم الحيرة » أي : التحيّر و عدم الاهتداء .
« ما لاق » أي : لصق ، يقال : ما لاقت المرأة بقلب زوجها ، أي : ما لصقت .
« من معرفته » أي : المعرفة له تعالى .
« بضمائرهم » متعلّق بقوله : لاق .
« و ما سكن » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( و سكن ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 3 عطفا على لاق .
« من عظمته و هيبة جلالته في أثناء » جمع ثني .
« صدورهم » لا كبعض النّاس الّذين يسلب عنهم أيمانهم ، كما حكى تعالى عن بعضهم : و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين 4 .
« و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع » قال ابن أبي الحديد : تقترع من الاقتراع بالسّهام بأن يتناوب كلّ من الوساوس عليها ، و يروى ( فتفترع ) بالفاء أي :
تعلو 5 .
قلت : معنى الافتعال من ( قرع ) بالقاف الاختيار ، و ايقاد النّار و ضرب
-----------
( 1 ) لسان العرب 2 : 555 مادة ( قدح ) .
-----------
( 2 ) لسان العرب 13 : 9 مادة ( إحن ) ، و الشاعر : الاقيبل القيني .
-----------
( 3 ) في شرح ابن أبي الحديد 2 : 149 ، و شرح ابن ميثم 2 : 352 « و ما سكن » أيضا .
-----------
( 4 ) الأعراف : 175 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 151 .
[ 558 ]
القرعة ، و من ( فرع ) بالفاء الافتضاض من ( افترع البكر ) و لم يتعدّ أحدهما بعلى ،
و الظاهر كون الكلمة تحريف ( فتفرغ ) من قوله تعالى : . . . ربّنا أفرغ علينا صبرا . . . 1 .
« بريبها » من ( الريبة ) ، و قرئ ( برينها ) 2 من . . . ران على قلوبهم . . . 3 ،
و الأوّل أقرب إلى الوساوس .
« على فكرهم » فيكون المعنى : لو كانت الوساوس تطمع فيهم ، يمكن أن تفرغ ارتياباتها على فكرهم كالبشر ، لكنّهم ليسوا كذلك .
« منهم » الظاهر وقوع تقديم و تأخير ، و أنّ قوله هذا إلى « من الحدود المتناهية » كان بعد قوله المتقدّم : « و أقدار متفاوتات » ، و قوله : « قد استفرغتهم » بعد « المتناهية » إلى آخر العنوان كان بعد قوله : « على فكرهم » ليكون كلامه عليه السّلام في وصف خلقتهم في موضع ، و في وصف عبادتهم و طاعتهم في موضع ، و لا يكون الكلام مختلاّ مختلطا .
« من هو في خلق الغمام » أي : السّحاب ، أي : خلقه كخلق الغمام .
« الدّلح » جمع الدّالح أي : الماشي بحمل ثقيل ، يقال : دلح الرّجل و دلح البعير إذا مشيا بحملهما غير منبسطي الخطو لثقله عليهما . ثمّ وصف ( الغمام ) و هو مفرد ( بالدّلح ) و هو جمع من باب قولهم : بلد أخصاب و بلد سباسب و رمح اقصاد و برمة أعشار و ثوب أسمال و ثوب أخلاق من وصف المفرد بالجمع لإرادة الأجزاء منه .
هذا ، و قلنا إنّ قوله عليه السّلام : « في خلق الغمام الدّلح » معناه أنّ خلقته كخلقته ،
-----------
( 1 ) الأعراف : 126 .
-----------
( 2 ) هذه رواية ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 149 ، و ابن ميثم في شرحه 2 : 352 ، و نهج البلاغة 1 : 170 ، و الشارح نفسه في متن الخطبة .
-----------
( 3 ) المطففين : 14 .
[ 559 ]
لقوله بعد : « و منهم من خرقت أقدامهم » ، و لأنّ ( النهاية ) نقله « و منهم كالسحائب الدّلح » 1 . و يمكن أن يراد به أنّ منهم من عمله صنع السّحاب الدّلح ، و كذلك القول في قوله عليه السّلام بعد : « و في عظم الجبال الشمّخ ، و في قترة الظّلام الأيهم » على ما يأتي 2 .
و يشهد للحمل هنا ما في دعاء الصحيفة في الصلاة على حملة العرش و كلّ ملك مقرّب : « و خزّان المطر و زواجر السّحاب ، و الّذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود ، و إذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق ،
و مشيّعي الثّلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل » 3 . و عليه ، فالكلام في موضعه بدون تقديم و تأخير « و منهم من خرقت أقدامهم . . . من الحدود المتناهية » و إن أمكن أيضا ربطه بتكلّف أكثر .
« و في عظم الجبال الشمّخ » أي : الرّفيعة ، ظاهره أن يكون خلقه في عظم الجبال ، و يمكن أن يراد به أنّهم مقيمون في تلك الجبال موكّلون بها ، و في دعاء الصحيفة المتقدّم « و القوّام على خزائن الرياح و الموكّلين بالجبال فلا تزول » 4 .
« و في قترة » أي : غبرة .
« الظلام الأيهم » و الأصل في ( يهم ) ما لا علاج له ، و لذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها : يهماء ، و للبرّ الذي لا يهتدى فيه : أيهم ، و المراد ظلام لا يهتدى فيه من شدّته . و ( الأبهم ) في ( المصرية ) غلط ، ففي ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم
-----------
( 1 ) النهاية لابن الأثير 2 : 129 مادة ( دلح ) .
-----------
( 2 ) يأتي في تكملة هذا العنوان .
-----------
( 3 ) الصحيفة السجادية : 36 الدعاء 3 .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه .
[ 560 ]
و الخطية ) 1 بالمثناة ، و الكلام فيه كسابقه .
و في الخبر : أنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السدّ جاوزه فدخل في الظّلمات فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع . . . فقال له ذو القرنين : من أنت ؟ قال : أنا ملك من ملائكة الرحمن موكّل بهذا الجبل ، و ليس من جبل خلقه اللّه تعالى إلاّ و له عرق متصل بهذا الجبل . . . 2 « و منهم من خرقت أقدامهم » قال في سابقه : « منهم من هو » حملا على لفظ ( من ) و هنا قال : « أقدامهم » حملا على معناها .
« تخوم » أي : منتهى .
« الأرض السّفلى » من الأرضين السّبع .
« فهي » أي : فأقدامهم .
« كرايات بيض قد نفذت » أي : جاوزت .
« في مخارق الهواء » التي لا تمنع الأشياء من النفوذ فيها .
« و تحتها » أي : تحت تلك الأقدام .
« ريح هفّافة » أي : سريعة المرور في هبوبها ، كما ذكره الجزريّ في معنى السّكينة 3 .
« تحبسها » أي : تحبس الرّيح أقدامهم .
« على حيث انتهت » تلك الأقدام .
« من الحدود المتناهية » في الأرض و الهواء ، و يمكن ربطه من قوله :
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 149 ، و لكن في شرح ابن ميثم 2 : 352 « الأبهم » أيضا .
-----------
( 2 ) الفقيه للصدوق 1 : 342 ح 6 ، و علل الشرائع : 554 ح 2 ، و أماليه : 375 ح 2 ، المجلس 71 ، و تفسير العياشي 2 : 350 ح 82 و التهذيب للطوسي 3 : 290 ح 1 .
-----------
( 3 ) النهاية لابن الأثير 2 : 386 مادة ( سكن ) : « و منه حديث علي عليه السّلام و بناء الكعبة فأرسل اللّه إليه السكينة و هي ريح خجوج أي سريعة الممر » .
[ 561 ]
« و منهم » إلى هنا ، بأنّ عملهم حفظ الأرض من التّلاشي ، لكن لا يناسب قوله بعد .
« قد استفرغتهم أشغال » بالفتح ، جمع ( شغل ) .
« عبادته » و لو كان ( إشغال ) بالكسر لكان تأنيث الفعل لكسب التأنيث من ( عبادته ) .
« و وصلت » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) 1 ، و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) 2 : « و وسلت » .
« حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته » قال شيخنا المفيد في ( مقالاته ) : إنّ الملائكة مكلّفون و موعودون 3 . قال تعالى : و من يقل منهم إنّي إله من دونه فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظالمين 4 .
« و قطعهم الإيقان به » عن كلّ شيء .
« إلى الوله إليه » تعالى ، و في مناجاة شعبان عنهم عليهم السّلام : « إلهي و ألهمني ولها بذكرك إلى ذكرك و همّني إلى روح نجاح أسمائك و محلّ قدسك » 5 .
« و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره » و في ذاك الدّعاء : « إلهي و ألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفا ، و عن سواك منحرفا ، و منك خائفا مراقبا » 6 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 149 .
-----------
( 2 ) في شرح ابن ميثم 2 : 352 « وصلت » أيضا .
-----------
( 3 ) أوائل المقالات : 82 .
-----------
( 4 ) الأنبياء : 29 .
-----------
( 5 ) بحار الأنوار للمجلسي 94 : 99 عن الكتاب العتيق الغروي ، لكن لفظه « و أتحفني بنور عزّك » ، و أما لفظ « و ألحقني » فللقمي في مفاتيح الجنان : 374 .
-----------
( 6 ) المصدر نفسه .
[ 562 ]
« قد ذاقوا حلاوة معرفته و شربوا بالكأس » قال ابن الاعرابي : لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ و فيها الشّراب 1 .
« الروية » أي : الرافعة للعطش و تأنيث ( الروية ) لكون ( الكأس ) مؤنّثا .
« من محبّته » و في المناجاة الخامسة عشرة : « ما أطيب طعم حبّك ، و ما أعذب شرب قربك » 2 .
« و تمكّنت من سويداء » أي : حبّة .
« قلوبهم وشيجة » أي : اشتباك عروق .
« خيفته ، فحنوا » أي : عوّجوا .
« بطول » و الباء فيه للسببيّة .
« الطاعة » أي : العبادة .
« اعتدال ظهورهم » و المراد ركوعهم .
« و لم ينفد » أي : لم يفن .
« طول الرغبة إليه مادّة تضرّعهم » فهم متضرّعون إليه دائما .
« و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة » أي : التقرّب لديه تعالى .
« ربق » بالكسر فالفتح : جمع ربقة حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهائم .
« خشوعهم » فهم أبدا في حبالته .
« و لم يتولّهم الإعجاب » بأعمالهم .
« فيستكثروا ما سلف منهم » و أمّا ما روي في ( عقاب الأعمال ) عن ابن خالد الصيقل عن الباقر عليه السّلام : « إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة ،
فخلق سبع سماوات و سبع أرضين و أشياء ، فلمّا رأى الأشياء قد انقادت له
-----------
( 1 ) نقله عن لسان العرب 6 : 189 مادة ( كأس ) .
-----------
( 2 ) بحار الأنوار للمجلسي 94 : 151 ، و ملحقات الصحيفة السجادية : 363 عن السجاد عليه السّلام .
[ 563 ]
قال : من مثلي ؟ فأرسل اللّه عزّ و جلّ نويرة من نار ؟ قلت : و ما نويرة من نار ؟
قال : نار بمثل أنملة . قال : فاستقبلها بجميع ما خلق فتحلّلت لذلك حتّى وصلت إليه لما أن دخله العجب » 1 فهو خبر واحد .
« و لا تركت لهم استكانة » أي : مسكنة و فعلها استكان ، ففي ( القاموس ) في سكن و استكان : خضع و ذلّ ، افتعل من المسكنة أشبعت حركة عينه 2 . لكنّه قال في ( كان ) أيضا : و الاستكانة و الخضوع 3 .
قلت : الظاهر كون قوله الثاني وهما ، فإذا كانت ( الاستكانة ) من ( الكون ) يكون بمعنى طلب الكون ، أي : الوجود و الرفعة ، و هو ضدّ المراد ، و إنّما الصواب قوله الأوّل ، و لمّا أشبع ( استكن ) و صار استكان ، صار المصدر و هو استكان كاجتماع استكانة ، و الأصل في قوله الثاني ( الصحاح ) ، فإنّه اقتصر على ذكره في الكون 4 ، و جعله أبو عليّ الفارسي ، كما في ( اللّسان ) استفعالا من الكين ، الّذي هو لحم باطن الفرج ، قال : لأنّ الخاضع الذليل خفي ، فشبّهه بذلك لأنّه أخفى ما يكون من الإنسان 5 .
قلت : لا يبعد أن يكون استفعالا من الكين ، لكن ما قاله الفارسي في تشبيهه بلحم باطن الفرج في الخفاء خفي ، و الأظهر أن يقال : إنّه من قولهم :
« بات فلان بكينة سوء » بالكسر ، أي : بحالة سوء . قال أبو سعيد : يقال : أكانه اللّه يكينه إكانة . أي : أخضعه حتّى استكان و أدخل عليه من الذلّ ما أكانه ، و أنشد :
لعمرك ما يشفى جراح تكينه
و لكن شفائي أن تئيم حلائله
6
-----------
( 1 ) عقاب الأعمال للصدوق : 299 ح 1 ، و المحاسن للبرقي : 123 ح 139 .
-----------
( 2 ) القاموس المحيط 4 : 235 مادة ( سكن ) .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط 4 : 264 مادة ( كون ) .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 6 : 2190 مادة ( كون ) .
-----------
( 5 ) لسان العرب 13 : 218 مادة ( سكن ) .
-----------
( 6 ) لسان العرب 13 : 371 مادة ( كين ) .
[ 564 ]
و بالجملة كونه استفعالا من الكون ، كما قاله ( الصحاح ) و تبعه ( القاموس ) في ( الكون ) غير صحيح ، و من الكين و المسكنة صحيح ، و الأوّل أظهر لفظا ، و الثاني معنى .
« الإجلال » للّه تعالى .
« نصيبا » لهم .
« في تعظيم حسناتهم » فيعدّونها حقيرة .
« و لم تجر الفترات » الفترة : الانكسار و الضعف .
« فيهم على طول دؤوبهم » أي : سعيهم و جدّهم في عبادته .
« و لم تغض » من « غاض الماء » أي : قلّ و نضب .
« رغباتهم » إليه تعالى .
« فيخالفوا عن رجاء ربّهم » إلى رجاء غيره .
« و لم تجفّ » أي : لم تيبس .
« لطول المناجاة » مع خالقهم .
« أسلات ألسنتهم » أي : مستدقّاتها .
« و لا ملكتهم الأشغال » الشخصيّة .
« فتنقطع بهمس » أي : الصوت الخفيّ .
« الجؤار » بالهمزة ، أي : التضرّع .
« إليه » تعالى .
« أصواتهم » فاعل تنقطع .
« و لم تختلف في مقاوم » جمع مقام .
« الطاعة » أي : العبادة .
« مناكبهم » بأن يبدّلوا منكبا بمنكب للاستراحة ، و يحتمل أن يكون
[ 565 ]
( تختلف ) مصحّف ( تتخلّف ) فيكون الكلام استعارة عن عدم إعراضهم عن طاعته .
« و لم يثنوا » أي : لم يرفعوا ، من قوله تعالى : ثاني عطفه . . . 1 ، أي : رافع جنبه .
« إلى راحة التقصير في أمره رقابهم » مفعول لم يثنوا .
« و لا تعدو » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) 2 ، و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) 3 : « لا تعدو » بدون عاطف : أي لا تتجاوز و لا تتعدى .
« على عزيمة جدّهم » في عبادته .
« بلادة الغفلات » فيقصّرون في طاعته .
« و لا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات » قال ابن أبي الحديد : استعارة من النضال ، و هو المراماة بالسّهام 4 .
قلت : تناضل من النضال لا ( تنتضل ) ، و إنّما ( تنتضل ) ك ( ينضل ) بمعنى الرّمي ، مع أنّه لا تصحّ المراماة هاهنا ، كما لا يخفى .
« في هممهم خدائع الشهوات » ككثير من البشر .
هذا ، و في الخبر عن الصادق عليه السّلام : إنّ طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللّذّات و الشهوات أعني لكم : الحلال ليس الحرام قال فأنف اللّه للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم ، قال : فألقى اللّه في همم أولئك الملائكة اللّذّات و الشهوات كيلا يعيبوا المؤمنين . قال : فلمّا أحسّوا ذلك من هممهم عجّوا إلى اللّه من ذلك ، فقالوا : ربّنا عفوك عفوك ردّنا إلى ما خلقتنا له و أجبرتنا
-----------
( 1 ) الحج : 9 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 149 .
-----------
( 3 ) في شرح ابن ميثم 2 : 353 توجد ( الواو ) أيضا .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 151 .
[ 566 ]
عليه ، فإنّا نخاف أن نصير في أمر مريج . قال : فنزع اللّه ذلك من هممهم 1 .
و ليس هذا الخبر مخالفا لعصمتهم ، فمضمونه نظير كلامهم في خلقة آدم عليه السّلام .
« قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم » قال الخوئي : يعني بيوم فاقتهم :
يوم قبض أرواحهم 2 .
قلت : بل يعني به : جميع أيّامهم ، فإنّهم كغيرهم في جميعها محتاجون إليه تعالى .
« و يمّموه » أي : قصدوه تعالى .
« عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم » متعلّق بقوله : « و يمّموه » .
« لا يقطعون أمد » أي : مسافة .
« غاية » أي : نهاية .
« عبادته » لأنّه تعالى أهل لأن يعبد فوق تلك المرتبة .
« و لا يرجع بهم الاستهتار » أي : الحرص و الولع .
« بلزوم طاعته » أي : اللّصوق بها .
« إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته » ( غير ) صفة لمواد و من لبيانها .
« لم تنقطع أسباب الشّفقة » أي : الخوف .
« منهم فينوا » أي : يضعفوا من : و ني يني ، قالوا : و الإناة أيضا منه بقلب الواو همزة .
« في جدّهم » في العبادة .
-----------
( 1 ) تفسير العياشي 2 : 211 ح 42 .
-----------
( 2 ) شرح الخوئي 3 : 111 .
[ 567 ]
« و لم تأسرهم الأطماع » في المادّيات .
« فيؤثروا » أي : يختاروا .
« وشيك السعي » أي : سرعته إلى ما طمعوا فيه .
« على اجتهادهم » في طاعته تعالى .
« و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم » في الأزمنة المتطاولة .
« و لو استعظموا ذلك » أي : ما مضى من أعمالهم .
« لنسخ » أي : أزال .
« الرّجاء منهم » في عظم أعمالهم .
« شفقات » جمع شفقة ، و في ( الأساس ) : لي عليه شفقة و شفق ( يعني به ) رحمة ورقة و خوف من حلول المكروه به مع نصح 1 .
« وجلهم » : أي خوفهم .
قال الشاعر :
لعمرك ما أدري و إنّي لأوجل
على أيّنا تغدو المنيّة أوّل
2 « و لم يختلفوا في ربّهم » كالبشر ، فلم يصفه أحد منهم بما لا يليق بجنابه .
« باستحواذ » أي : غلبة .
« الشيطان عليهم » ككثير من البشر .
« و لم يفرّقهم سوء التقاطع » كتقاطع عن عداوة ، و إنّما تقاطعهم تقاطع حسن بأن يذهب كلّ إلى ما وظّف له .
« و لا تولاّهم » أي : لا صار وليّهم .
« غلّ » بالكسر : الغش و الحقد .
-----------
( 1 ) أساس البلاغة : 238 مادة ( شفق ) .
-----------
( 2 ) لسان العرب 11 : 722 مادة ( وجل ) و الشاعر : معن بن أوس المزني .
[ 568 ]
« التّحاسد » حسد هذا ذاك ، و ذاك هذا .
« و لا شعبتهم » أي : فرّقتهم .
« مصارف » أي : مغيّرات .
« الرّيب » أي : الحوادث .
« و لا أقتسمتهم » أي : لم تجعلهم قسما قسما .
« أخياف » جمع خيف ، و الأصل فيه الاختلاف ، قالوا : سمّي مسجد الخيف خيفا ، لاختلافه بانحداره عن غلظ الجبل ، و ارتفاعه عن مسيل الماء 1 .
« الهمم » كالبشر همّ بعضهم في الطعام و الشراب ، و همّ بعضهم في الألبسة ، و همّ بعضهم في الأبنية ، و همّ بعضهم في النساء .
« فهم أسراء إيمان » به تعالى .
« لم يفكّهم من ربقته » أي : ربقة الأسر المفهوم من ( أسراء ) .
« زيغ » أي : ميل عن الحقّ .
« و لا عدول » عنه .
« و لا وني » أي : ضعف .
« و لا فتور » أي : انكسار .
« و ليس في أطباق » أي : طبقات .
« السماء » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( السماوات ) ، كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 2 .
« موضع إهاب » أي : جلد غير مدبوغ .
« إلاّ و عليه ملك ساجد أو ساع » أي : عامل .
-----------
( 1 ) معجم البلدان للحموي 2 : 412 .
-----------
( 2 ) في شرح ابن أبي الحديد 2 : 150 ، و شرح ابن ميثم 2 : 353 « السماء » أيضا .
[ 569 ]
« حافد » أي : سريع ، روى القمّي أنّ الصادق عليه السّلام سئل عن الملائكة ، أهم أكثر أم بنو آدم ؟ فقال : و الّذي نفسي بيده لعدد ملائكة اللّه في السماوات أكثر من عدد التّراب في الأرض ، و ما في السماء موضع قدم إلاّ و فيها ملك يسبّحه و يقدّسه 1 .
« يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما » بإلههم .
« و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما » حيث تزداد معرفتهم .