الخطبة ( 29 ) و من خطبة له عليه السّلام :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ اَلْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ كَلاَمُكُمْ يُوهِي اَلصُّمَّ اَلصِّلاَبَ وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ اَلْأَعْدَاءَ تَقُولُونَ فِي اَلْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ فَإِذَا جَاءَ اَلْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ وَ لاَ اِسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ دِفَاعَ ذِي اَلدَّيْنِ اَلْمَطُولِ لاَ يَمْنَعُ اَلضَّيْمَ اَلذَّلِيلُ وَ لاَ يُدْرَكُ اَلْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدِّ أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ وَ مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ اَلْمَغْرُورُ وَ اَللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اَللَّهِ بِالسَّهْمِ اَلْأَخْيَبِ وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ أَصْبَحْتُ وَ اَللَّهِ لاَ أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ وَ لاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ وَ لاَ أُوعِدُ اَلْعَدُوَّ بِكُمْ مَا بَالُكُمْ مَا دَوَاؤُكُمْ مَا طِبُّكُمْ اَلْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ أَ قَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ غَفْلةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ قال ابن أبي الحديد 1 : روى محمد بن يعقوب الكليني : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام استصرخ الناس عقيب غارة الضحّاك على أطراف أعماله ،
فتقاعدوا عنه فخطبهم فقال : « ما عزت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم . . . » .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 117 .
[ 536 ]
قلت : و في ( بيان الجاحظ ) 1 بعد ذكر خطبته عليه السّلام في غارة سفيان الغامدي على الأنبار : و له عليه السّلام خطبة اخرى بهذا الاسناد شبية بهذا المعنى ،
قام فيهم خطيبا فقال : « أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ،
كلامكم يوهي الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم ، تقولون في المجالس : كيت و كيت فاذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد . ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل بأضاليل ، و سألتموني التأخير ،
دفاع ذي الدين المطول ، هيهات لا يمنع الضيم الذليل ، و لا يدرك الحق إلاّ بالجد .
أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ أم مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور من غررتموه ، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت و اللّه لا اصدق قولكم ،
و لا أطمع في نصرتكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم و أعقبني بكم من هو خير لي منكم ، و لوددت أنّ لي بكلّ عشرة منكم رجلا من بني فراس من غنم ، صرف الدينار بالدرهم » .
و رواه ابن عبد ربه في ( عقده ) مثل ( بيان الجاظ ) إلاّ أنّ فيه : « أعاليل بأباطيل » و فيه : « دفاع ذي الدين الممطول لا يدفع الضيم » .
و في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي ) : و من ذمّه عليه السّلام في أهل الكوفة : « أيّها الفئة المجتمعة أبدانهم ، المتفرّقة أديانهم ، إنّه و اللّه ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، كلامكم يوهن الصمّ الصلاب ،
و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب ، إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم و الذبّ عن حريمكم اعتراكم الفشل و جئتم بالعلل ، ثم قلتم : كيت و كيت ، و ذيت و ذيت .
أعاليل و أضاليل في أقوال الأباطيل ، ثم سألتموني دفاع ذي الدين المطول ،
هيهات هيهات ، إنّه لا يدفع الضيم الذلّ ، و لا يدرك الحقّ إلاّ الجدّ ، فخبروني يا
-----------
( 1 ) بيان الجاحظ 2 : 54 .
[ 537 ]
أهل العراق مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ أم أيّة دار تمنعون ؟ الذليل و اللّه من نصرتموه ، و المغرور من غررتموه . أصبحت لا أطمع في نصركم و لا أصدق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أبدلكم بي غيري ، و أبدلني بكم من هو خير لي منكم ، أما ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، و سيوفا قاطعة ، و اثرة قبيحة يتّخذها الظالمون عليكم سنّة ، فتبكي عيونكم و يدخل الفقر بيوتكم و قلوبكم ، و تمنون في بعض حالاتهم أنّكم رأيتموني فنصرتموني و أرقتم دماءكم دوني ، و لا يبعد اللّه إلاّ من ظلم ، يا أهل الكوفة أعظكم فلا تتعظون ، و اوقظكم فلا تستيقظون إنّ من فاز بكم فقد فاز بالخيبة ، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناضل » .
و رواه ابن قتيبة في ( خلفائه ) 1 جزء الخطبة السابقة في النّخيلة بعد الفراغ من الخوارج و أمرهم بالخروج إلى معاوية ، فقال : قال عليه السّلام : « استعدوا للمسير إلى عدوّ جهاده القربة إلى أن قال أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم ،
المختلفة أهواؤهم ، ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ،
كلامكم يوهي الصمّ ، و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم ، إذا أمرتكم بالمسير قلتم :
كيت و كيت ، أعاليل بأضاليل ، هيهات لا يدرك الحق إلاّ بالجد و الصبر ، أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، و لا اصدّق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أعقبني بكم من خير لي ، و أعقبكم بعدي من شرّ لكم مني ، أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، و سيفا قاتلا واثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنّة ، تفرّق جماعتكم و تبكي عيونكم و تدخل الفقر بيوتكم . . . » .
-----------
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة : 150 .
[ 538 ]
و نقله ( أنساب البلاذري ) و رواه باسناده عن أبي مخنف عن الحرث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب الأزدي : أنّ عليّا عليه السّلام خطبهم حين استنفرهم إلى الشّام بعد النهروان فلم ينفروا ، فقال : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم . . . » .
و رواه ( الاحتجاج ) 1 جزء خطبته عليه السّلام في لومهم في تثاقلهم عن قتال معاوية ففيه : « أما و اللّه أيّها الشاهدة أبدانهم ، و الغائبة عنهم عقولهم ،
و المختلفة أهواؤهم ، ما أعزّ اللّه نصر من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ،
و لا قرّت عين من آواكم ، كلامكم يوهن الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب ، و يحكم أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه ، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ،
أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، و لا اصدق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم . . . » .
و رواه المفيد في ( إرشاده ) 2 فقال : و من كلامه عليه السّلام في استبطاء من قعد عن نصرته : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب ، تقولون في المجالس : كيت و كيت ، فاذا جاء القتال ، قلتم : حيدي حياد . ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل أضاليل ، سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول ، لا يمنع الضيم الذليل ، و لا يدرك الحق إلاّ بالجدّ . أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ أم مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه ،
و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت و اللّه لا اصدّق قولكم ، و لا أطمع في نصرتكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أبدلني بكم من هو خير لي منكم ، و اللّه
-----------
( 1 ) الاحتجاج : 174 .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 146 .
[ 539 ]
لوددت أن لي بكلّ عشرة منكم رجلا من بني فراس ابن غنم ، صرف الدينار بالدرهم » .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد 1 : خطب عليه السّلام بهذه الخطبة في غارة الضحاك بن قيس . روى غارات الثقفي 2 : أنّ غارة الضحاك كانت بعد الحكمين و قبل النهر ، و ذلك أنّ معاوية لمّا بلغه أنّ عليّا عليه السّلام بعد واقعة الحكمين تحمّل إليه مقبلا هاله ذلك ، فخرج من دمشق معسكرا و بعث إلى كور الشام فصاح فيها :
إنّ عليّا قد سار إليكم ، و كتب إليهم نسخة واحدة فقرئت على الناس : أمّا بعد ،
فإنّا كتبنا كتابا بيننا و بين عليّ و شرطنا فيه شروطا ، و حكّمنا رجلين يحكمان عليّ و عليه بحكم الكتاب لا يعدوانه ، و جعلنا عهد اللّه و ميثاقه على من نكث العهد و لم يمض الحكم ، و إنّ حكمي الذي كنت حكّمته أثبتني ، و إنّ حكمه خلعه و قد أقبل إليكم ظالما ، تجهّزوا للحرب و أقبلوا خفافا و ثقالا . و اجتمع إليه الناس من كلّ كور و أرادوا المسير إلى صفّين ، فاستشارهم و قال : إنّ عليّا قد خرج من الكوفة و عهد العاهد به أنّه فارق النخيلة . فقال حبيب بن مسلمة : فإنّي أرى أن تخرج حتى تنزل منزلنا الذي كنّا فيه فانّه منزل مبارك . و قال عمرو بن العاص : إنّي أرى لك أن تسير بالجنود حتى توغلها في سلطانهم من أرض الجزيرة ، فإنّ ذلك أقوى لجندك و أذلّ لأهل حربك . فقال معاوية : ان جهد الناس أن يبلغوا منزلهم الذي كانوا به يعني صفّين فمكثوا يومين أو ثلاثة يجيلون الرأي حتى قدمت عليهم عيونهم و أخبروهم : أنّ عليّا عليه السّلام اختلف عليه أصحابه ، ففارقته فرقة أنكرت أمر الحكومة ، و أنّه قد رجع عنكم إليهم . فكبّر الناس سرورا لانصرافه عنهم و ما ألقى من الخلاف بينهم ، فلم يزل معاوية
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 113 .
-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 2 : 416 .
[ 540 ]
معسكرا في مكانه منتظرا لمّا يكون من عليّ عليه السّلام و هل يقبل بالناس أم لا ؟ فما برح حتى جاء الخبر : أنّ عليّا قد قتل اولئك الخوارج و أنّه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالناس ، و أنّهم استنظروه و دافعوه فسرّ بذلك ، فدعا الضخّاك بن قيس الفهري و قال له : سر حتى تمرّ بناحية الكوفة و ترفع عنها ما استطعت ، فمن وجدت من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه ، و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها ، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في اخرى ، و لا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها . فسرّحه في ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة ،
فأقبل الضحّاك فنهب الأموال و قتل من لقي من الأعراب ، حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم ، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس الذهلي ابن أخي ابن مسعود ، فقتله عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه ، فروى إبراهيم بن المبارك البجلي عن أبيه عن بكر بن عيسى عن ابن روق عن أبيه :
سمع عليّا عليه السّلام و قد خرج إلى النّاس على المنبر : يا أهل الكوفة أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف ،
أخرجوا فامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين . فردّوا عليه ردّا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا ، فقال : و اللّه لوددت أنّ لي بكلّ ثمانية منكم رجلا منهم ، ويحكم أخرجوا معي ثمّ فروّا عنّي ما بدا لكم ، فو اللّه ما أكره لقاء ربي على نيّتي و بصيرتي ، و في ذلك روح لي عظيم و فرج من مناجاتكم و مقاساتكم . . . ثمّ نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين ، ثمّ دعا حجر بن عدي فعقد له على أربعة آلاف ،
فخرج حجر حتى مرّ بالسماوة و هي أرض كلب فلقي بها امرأ القيس الكلبي و هم أصهار الحسين عليه السّلام فكانوا أدلاّءه في الطريق و على المياه ، فلم يزل مغذّا في أثر الضحاك حتى لقيه بناحية تدمر فوافقه ، فاقتتلوا ساعة فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا و من أصحاب حجر رجلان ، و حجز الليل
[ 541 ]
بينهم فمضى الضحّاك ، فلمّا أصبحوا لم يجدوا له و لأصحابه أثرا .
قلت : إنّ ابن أبي الحديد كما ترى خلط و خبط ، فقال : إنّ ( غارات الثقفي ) روى : أنّ غارة الضحّاك كانت قبل النهر . ثم نقل عن ( الغارات ) أنّ الخبر لمّا جاء معاوية : أنّ عليّا قتل اولئك الخوارج و بعد قتلهم أراد الشخوص إليه فامتنع عليه أصحابه ، دعا حينئذ الضحّاك و بعثه و وصاه بما مرّ ، و كون غارة الضحّاك بعد ممّا لا ريب فيه ، فواقعة النهروان كانت في سنة ( 37 ) و جعل الطبري غارة الضحّاك في سنة ( 39 ) و قال : لكنّ أكثر أهل السير ذكروها في سنة ( 38 ) . . . فجعل الاختلاف في سنة غارة الضحّاك دون كونها بعد النهر .
و كيف كان ، فكون الخطبة في غارة الضحّاك كما قال غير معلوم ، إنّما كانت خطبته عليه السّلام في غارة الضحاك : « أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس ، و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف » إلى آخره كما مرّ عن ( غارات الثقفي ) و كما صرّح به ( إرشاد المفيد ) و إنّما نسب كون العنوان في غارة الضحاك الكليني و لم نتحققه فليس في ( الكافي ) ، و قد عرفت أنّ الجاحظ و ابن قتيبة و ابن عبد ربّه و ابن طلحة منهم ، و المفيد و الطبرسي منّا رووه و لم يشر أحد منهم إلى كون الخطبة في غارة الضحاك ، بل صرّح بعضهم بكونها في غيرها على ما مرّ .
و بالجملة لا ريب في كون غارة الضحّاك أوّل غارات معاوية ، فروى الثقفي 1 : أنّه خطب على منبر الكوفة و قال : أمّا إنّي صاحبكم الذي أغرت على بلادكم ، فكنت أوّل من غزاها من الإسلام ، و شرب من ماء الثعلبية و من شاطىء الفرات إلى أن قال أنا الضحاك بن قيس ، أنا أبو أنيس ، أنا قاتل عمرو بن عميس . إلاّ أنّ كون هذه الخطبة في غاراته غير معلوم ، و لم يكن غارته بتلك
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 437 .
[ 542 ]
الأهميّة ، فروى الثقفي أيضا : أنّه لمّا خطب بما مرّ قام إليه رجل و قال له : ما أعرفنا بما ذكرت و لقد لقيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعا مجريا . فخزي الضحّاك ، و روى أيضا : أنّه عليه السّلام كتب إلى أخيه عقيل في جوابه في قصّة الضحّاك : « فأمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يلم بها أو يدنو منها ، و لكنّه قد أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة ،
حتى مرّ بواقصة و شراف و القطقطانة ممّا و إلى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق و قد أمعن ، و كان ذلك حين رجعت الشمس للاياب فتناوشوا القتال ، كلاّ و لا فلم يصبر لوقع المشرفية و ولّى هاربا ، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا و نجا جريضا بعد ما اخذ عنه بالمخنق » لكن يأتي في العنوان ( 12 ) أنّ للضحاك غارتين ، إحدهما قبل الجمل و فيه كتاب عقيل و الاخرى بعد النهروان ، و أنّ الثقفي خلط في جعل كتاب عقيل في الأخيرة .
« أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم » كتب عبد اللّه بن الحسن إلى زيد بن علي لمّا أراد الخروج : يابن عمّ ، إنّ أهل الكوفة نفخ العلانية ، خور السريرة ، هرج في الرجاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم و لا تشايعهم قلوبهم ، لا يبيتون بعدة في الأحداث ، و لا ينيؤن بدولة مرجوة .
و لمحمود الوراق :
يا ناظرا يرنو بعيني راقد
و مشاهدا للأمر غير مشاهد
و قد أخذ معنى كلامه عليه السّلام أبو تمام فدخل على ابن داود في مجلس حكمه و أنشد أبياتا ، فقال له : سيأتيك ثوابها . ثم اشتغل بتوقيعات في يده فأحفظ ذلك أبا تمام فقال له ، احضر أيّدك اللّه فانّك غائب ، و اجتمع فانّك متفرّق .
ثم أنشده :
[ 543 ]
إنّ حراما قبول مدحتنا
و ترك ما يرتجى من الصفد
كما الدنانير و الدراهم في
الصرف حرام إلاّ يدا بيد
فأمر بتوفير حبائه و تعجيل عطائه .
« كلامكم يوهي » أي : يوهن .
« الصمّ الصلاب » أي : الصخر الغلاظ الصلاب ، أو الجبال الغلاط الصلاب .
« و فعلكم يطمع فيكم الأعداء » في ( عيون القتيبي ) 1 : كان لأبي حيّة النميري سيف ليس بينه و بين الخشبة فرق ، و كان يسمّيه لعاب المنيّة ، قال جار له : أشرفت عليه ليلة و قد انتضاه و شمّر و هو يقول : أيّها المغترّ بنا و المجتري علينا ، بئس و اللّه ما اخترت لنفسك ، خير قليل و سيف صقيل ، لعاب المنيّة الذي سمعت به مشهور ضربته ، و لا تخاف نبوته ، أخرج بالعفو عنك و إلاّ دخلت بالعقوبة عليك ، إنّي و اللّه إن أدع قيسا تملأ الأرض خيلا و رجلا ، يا سبحان اللّه ما أكثرها و أطيبها ثم فتح الباب فاذا كلب قد خرج ، فقال : الحمد للّه الذي مسخك كلبا و كفاني حربا .
و كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له : عروة بن مرثد ، و يكنّى أبا الأغر ، ينزل ببني اخت له في سكّة بني مازن ، و بنو اخته من قريش ، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان ، و خرج النساء يصلين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلاّ الاماء ، فدخل كلب يعتس فرأى بيتا فدخله و انصفق الباب ،
فسمع الحركة بعض الاماء فظنّوا أنّ لصا دخل الدار ، فذهبت احداهن إلى أبي الأغر فأخبرته ، فقال أبو الأغر : ما يبتغي اللص ؟ ثم أخذ عصاه فجاء فوقف على باب البيت و قال : إيه يا ملامان أما و اللّه إنّك بي لعارف ، فهل أنت إلاّ من لصوص بني مازن ، شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت القدوح في رأسك
-----------
( 1 ) العيون للقتيبي 1 : 168 .
[ 544 ]
منتك نفسك الأماني و قلت : أطرق ديار بني عمرو و الرجال خلوف و النساء يصلين في مسجدهن فأسرقهم . سوأة لك ، و اللّه ما يفعل هذا ولد الأحرار ، و ايم اللّه لتخرجنّ أو لأهتفن هتفة مشؤمة يلتقي فيها الحيان : عمرو و حنظلة ،
و تجيء سعد بعدد الحصى و تسيل عليك الرجال من هاهنا و هاهنا ، و لئن فعلت لتكونن أشأم مولود . فلمّا رأى أنّه لا يجيبه أحد أخذ باللين فقال : أخرج بأبي و امي ، أنت مستور ، إنّي و اللّه ما أراك تعرفني و لو عرفتني لقنعت بقولي و اطمأننت إليّ أنا فديتك أبو الأغر النهشلي ، و أنا خال القوم و جلدة بين أعينهم لا يعصونني ، و لن تضار الليلة فأخرج فأنت في ذمّتي ، و عندي قوصرتان أهداهما إليّ ابن اختي البار الوصول ، فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من اللّه و رسوله . و كان الكلب إذا سمع الكلام أطرق ، و إذا سكت وثب يزيغ المخرج ، فتهاتف أبو الأغر ثم تضاحك و قال : يا ألأم الناس و أوضعهم ، لا أرى إلاّ أني لك الليلة في واد و أنت في واد ، أقلب السوداء و البيضاء فتصيح و تطرق و إذا سكتّ عنك و ثبت تزيغ المخرج ، و اللّه لتخرج أو لأولجن عليك البيت . فلمّا طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت : أعرابي مجنون و اللّه ما أرى في البيت شيئا . فدفعت الباب فخرج الكلب شدا ، و حاد عنه أبو الأغر ساقطا على قفاه .
« تقولون في المجالس : كيت و كيت » قال الجوهري : قال أبو عبيدة : كان من الأمر كيت و كيت ، بالفتح و الكسر ، و التاء فيهما هاء في الأصل ، فصارت تاء في الوصل . و في ( القاموس ) معناهما كذا و كذا .
« فاذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد » أي : مل عني مل عني ، و قال الجوهري :
حيدي حياد : كقولهم : فيحي فياح .
و لا بدّ أنّه أراد في الوزن و إلاّ فحيدي حياد يقوله المدبر عن الشيء ، فقال نفسه : فياح مثل قطام : اسم للغارة ، و كان أهل الجاهلية يقولون : فيحي فياح ،
[ 545 ]
أي : اتسعي . قال :
دفعنا الخيل سائلة عليهم
و قلنا بالضحى فيحي فياح
و توهّم ابن ميثم 1 أنّ مراده أنّه بمعناه ، فقال : معنى حيدي حياد : اعدلي عن الغارة أيّتها الحرب .
في ( الأغاني ) 2 هجا دعبل المطلب بن عبد اللّه و كان واليا على المصر ،
فقال :
تعلّق مصر بك المخزيات
و تبصق في وجهك الموصل
و عاديت قوما فما ضرّهم
و شرّفت قوما فلم ينبلوا
شعارك عند الحروب النجا
و صاحبك الأخور الأفشل
فأنت إذا ما التقوا آخر
و أنت إذا ما انهربوا أوّل
و لبعضهم : ما فيهم إلاّ مشغول بنفسه ، منكب على مجلس انسه ، يرى السلامة غنيمة ، و إذا عنّ له وصف الحرب لم يسأل إلاّ عن طرق الهزيمة ، أموال تنهب و ممالك تذهب ، لا يبالون بما سلبوا ، و هو كما قيل : إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا .
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه
و ليس إلى داعي الندى بسريع
و لقد أجاد من قال في وصف مثلهم بالفارسية :
ما همه شيريم ولى شير علم
حملهمان از باد باشد ني قدم
و بالعربية :
و لو أنّ حرقوصا على ظهر قملة
يكرّ على صفّي تميم لولّت
قالوا : الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث أو عضّها أشدّ من عضّه ،
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 50 .
-----------
( 2 ) الأغاني 20 : 160 .
[ 546 ]
و أكثر ما يعض أحراح النساء و خصي الرجال .
في السير : لمّا توجه الخوارج إلى الكوفة و خالطوا سوادها في أيام القباع و كان جبانا تثاقل عن الخروج ، فذمره إبراهيم بن الأشتر و لامه الناس ، فخرج متحاملا حتى أتى النخيلة . ففي ذلك يقول الشاعر :
إنّ القباع سار سيرا نكرا
يسير يوما و يقيم شهرا
أيضا :
إنّ القباع سار سيرا ملسا
بين دباها و دبيري خمسا
و جعل يعد الناس بالخروج و لا يخرج ، و الخوارج يعيثون حتى أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها ثم أرادوا قتلها و كانت جميلة فقالت : أتقتلون . . . من ينشأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين 1 . فقال أحدهم : دعوها .
فقالوا له : قد فتنتك . ثم قدّموها فقتلوها ثمّ قدّموا اخرى فقتلوها ، و هم بحذاء القباع و الجسر معقود بينهم ، و هو في ستة آلاف و المرأة تستغيث ، و الناس ينفلتون إلى الخوارج و القباع يمنعهم ، فلمّا خاف أن يعصوه أمر بقطع الجسر ،
و أقام بين دباها و دبيري خمسة أيام و الخوارج بقربه ، و هو يقول للناس في كلّ يوم : إذا لقيتم العدو غدا فأثبتوا أقدامكم و اصبروا فإنّ الحرب أوّلها الترامي ، ثم اشراع الرماح ثم سلّة السيوف ، فثكلت رجلا امّه فرّ من الزحف .
فقال بعضهم لمّا أكثر عليهم : أمّا الصفة فقد سمعناها ، و أمّا الفعل فمتى يقع ؟ فأخذت الخوارج حاجتهم و كان شأن البقاع التحصّن منهم 2 .
و فيها : بعث المهلّب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أن يخندق و على أصحابه من الخوارج ، فأجابه : أنّهم أهون عليه من ضرطة الجمل ، فبيّته
-----------
( 1 ) الزخرف : 18 .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 4 : 163 164 .
[ 547 ]
قطري فقتل من أصحابه خمسمائة و فرّ لا يلوي على أحد ، فقالوا فيه :
تركت ولداننا تدمى نحورهم
و جئت منهزما يا ضرطة الجمل 1
و فيها : فرّ اميّة بن عبد اللّه بن خالد بن اسيد من أبي فديك الخارجي ،
فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام ، فقال يوما : سرت على فرسي من البحرين إلى البصرة في المهرجان في ثلاثة أيّام . فقال له : بعضهم فلو ركبت في النيروز لسرت إليها في يوم واحد .
و أتى الحجاج بدواب من دواب اميّة هذا ، و قد وسم على أفخاذها : « عده » فأمر أن يكتب تحت « عده » « للفرار » . و قال الشاعر فيه :
إذا صوّت العصفور طار فؤاده
و ليث حديد النّاب عن الثرائد 2
و في ( الأغاني ) 3 في خروج عبد اللّه بن يحيى طالب الحق زمن مروان الحمار ، و توجيهه جيشا من مكة إلى المدينة ، قال رجل من قريش : لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء لكنّهم داهنوا ، و اللّه ان ظفرنا لنسيرنّ إلى أهل الطائف فلنسبينّهم . ثم قال : من يشتري مني سبي أهل الطائف ؟ فلمّا انهزم الناس رجع ذاك القرشي في أول المنهزمين ، فدخل منزله و أراد أن يقول لجاريته : اغلقي الباب ، فقال لها : « غاق باق » . دهشا ، و لم تفهم الجارية قوله حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب ، فلقّبه أهل المدينة بذلك : ( غاق باق ) .
و فيه : أنّ زيد بن علي لمّا خرج كتب إلى الكميت : أخرج معنا يا اعيمش ،
أ لست القائل :
ما ابالي إذا حفظت أبا القا
سم فيكم ملامة اللوام
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 4 : 187 .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 6 : 107 .
-----------
( 3 ) الأغاني 23 : 231 .
[ 548 ]
فكتب إليه الكميت :
تجود لكم نفسي بما دون وثبة
تظلّ لها الغربان حولي تحجل
و لقد قالت الشعراء في هذا المعنى فأكثروا ، منها :
تمنيتم مائتي فارس
فردكم فارس واحد
يشمّر للج عن ساقه
و يغمره الموج في الساحل
و أنت أخو السلام و كيف أنتم
و لست أخا الملمات الشداد
أي : أنت أخو السلام اللفظي ، و سؤال كيف أنتم ؟ في المقال دون الفعال .
إذا كان صلح تبخترت فيه
و إن كان هيج دخلت الثقب
أ في السلم أعيارا جفاء و غلظة
و في الحرب أشباه النساء العوارك
أي : الحائضات .
أ في الولائم أولاد الواحدة
و في العبادة أولاد العلات
هذا ، و في ( القاموس ) في ( عروس ) : مات زوج أسماء العذرية و اسمه عروس عنها ، فتزوّجها رجل أعسر أبخر بخيل دميم ، فلمّا أراد أن يظعن بها قالت : لو أذنت لي رثيت ابن عمي . فقال : افعلي . فقالت :
أبكيك يا عروس الأعراس
يا ثعلبا في أهله و أسدا عند الباس
مع أشياء ليس يعلمها الناس
قال : و ما تلك الأشياء ؟ قالت :
كان عن الهمة غير نعاس
و يعمل السيف صبيحات الباس
ثم قالت :
يا عروس الأغر الأزهر
الطيب الخيم الكريم المخصر
مع أشياء له لا تذكر .
[ 549 ]
قال : و ما تلك الأشياء ؟ قالت :
كان عيوفا للخنا و المنكر
طيب النكهة غير أبخر
أيسر غير أعسر
فعرف أنّها تعرض له ، فلمّا رحل بها قال : ضمّي إليك عطرك . و قد نظر قشوة عطرها مطروحة فقالت : « لا عطر بعد عروس » .
و في ( محاسن الجاحظ ) في الشجاعة الضدّ قيل : هو أجبن من المنزوف ضرطا ، و كان من حديثه أنّ نسوة من العرب لم يكن لهنّ رجل ، فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى ، فإذا انتبه ضربنه و قلن له : قم فاصطبح . فيقول : « لو لعادية نبهتنني » . أي : خيل عادية عليكن مغيرة ،
فأدحضها عنكن . ففرحن و قلن : إنّ صاحبنا لشجاع . ثم قلن : تعالين نجرّبه .
فأتينه كما كنّ يأتينه فأيقظنه فقال : لو لعادية نبهتنني . فقلن له : نواصي الخيل معك . فجعل يقول : الخيل الخيل . و يضرط حتى مات .
و فيه : قال الحجاج لحميد الأرقط و قد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب : يا حميد هل قاتلت قط ؟ قال : لا أيّها الأمير إلاّ في النوم . قال : و كيف كانت وقعتك ؟ قال : انتبهت و أنا منهزم .
« ما عزّت » أي : لا صارت عزيزة .
« دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم » يمكن أن يكون هو ، و ( ما عزت ) دعاء و ان يكونا اخبارا .
« أعاليل بأضاليل » أي : تعتلّون بعلل هي ضلال و باطل ، يقال للباطل : ضلّ بتضلال . كان عليه السّلام لمّا فرغ من أهل النهروان قال لهم : إنّ اللّه قد أحسن بكم و أعزّ نصركم ، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم . فقالوا : نفدت نبالنا وكلّت سيوفنا و نصلت أسنة رماحنا .
[ 550 ]
« دفاع » مفعول مطلق لعامل مدلول عليه بالمقام .
« ذي الدين » أي : المديون .
« المطول » أي : المماطل . ( المطول ) فعول من : مطل الدين . و الأصل في ( مطل الدين ) : مطل الحديدة ، إذا ضربها لتطول ، و مواعيد عرقوب معروفة . كان عرقوب من العماليق فأتاه أخوه يسأله ، فقال : إذا طلعت هذه النخلة فلك طلعها .
فأتاه للعدة ، فقال له : دعها حتى تصير بلحا . فلمّا أبلحت قال له : حتى تصير رطبا . فلمّا أرطبت قال له : حتى تصير تمرا . فلمّا أتمرت عمد إليها فجزّها و لم يعطه شيئا .
« لا يمنع الضيم » مفعول مقدم ، أي : الذلّة .
« الذليل و لا يدرك الحق إلاّ بالجدّ » في الأمر ، قال الشاعر :
متى تجمع القلب الذّكي و صارما
و أنفا حميّا تجتنبك المظالم
و باه بقيس في الرّخاء و لا تكن
أخاها إذا ما المشرفيّة سلّت
« أي دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون » كتب عدي بن ارطاة عمر بن عبد العزيز يخبره بسوء طاعة أهل الكوفة ، فوقع في كتابه : لا تطلب طاعة من خذل عليّا عليه السّلام و كان اماما مرضيّا .
و شكا عامل الكوفة إلى الحجاج من أهلها ، فوقع : ما ظنّك بقوم قتلوا من كانوا يعبدونه ؟
« المغرور » الحقيقي .
« و اللّه من غررتموه » في ( فتوح البلاذري ) : لمّا مات المنذر بن ساوي بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقليل ، ارتدّ من بالبحرين من قيس بن ثعلبة ، و ارتدّ ربيعة و أمّروا عليهم ابنا للنعمان بن المنذر ، و كان يسمّى الغرور ، فلمّا ظهر المسلمون عليهم قال : لست بالغرور و لكنّي المغرور .
[ 551 ]
« و من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب » الفوز بالسّهم الأخيب أحسن استعارة ، كقوله تعالى : . . . فبشّرهم بعذاب اليم 1 . و السّهم الأخيب من سهام الميسر الذي فيه الغرم ، و هو شرّ السّهام ، ففي بعضها الغنم و في بعضها لا غنم و لا غرم .
« و من رمى بكم فقد رمى بافوق ناصل » أي : بسهم منكسر لا نصل فيه .
« أصبحت و اللّه لا أصدق قولكم » بعد أن رأيت منكم عدم الفعل كرارا .
« و لا أطمع في نصركم » بعد أن شاهدت منكم الخذلان مرارا .
« و لا أوعد بكم العدو » بعد أن ما وفّيتم بوعدكم لوليّكم ، قال الشاعر :
و لقد طويتكم على بللاتكم
و عرفت ما فيكم من الأذراب
« ما بالكم » أي : نفسكم و حالكم .
« ما دواؤكم » من مرضكم المزمن .
« ما طبّكم » أي : علاجكم ، و الأصل في الطب الكسر ، و يجوز فيه الفتح و الضم .
« القوم رجال أمثالكم » لمّا كان المغلوب يتوهم من ضعف نفسه أنّ الغالب جنس آخر رد عليه السّلام عليهم هذا الوهم ، و كانت الفرس في قتال العرب يظنّون أنّهم ما يموتون ، كما أنّ العرب في قتال التتر كانوا كذلك ، حتى رأى بعضهم موت بعضهم فتعجّب .
« أ قولا بغير علم و غفلة من غير ورع و طمعا في غير حقّ » و في ( الإرشاد ) 2 :
قال عليه السّلام لهم : حتى إذا تفرّقتم تسألون عن الأشعار جهلة من غير علم ، و غفلة من غير ورع ، و تثبطا من غير خوف ، نسيتم الحرب و الاستعداد لها . . . .
-----------
( 1 ) آل عمران : 21 ، و التوبة : 34 ، و الانشقاق : 24 .
-----------
( 2 ) الإرشاد 1 : 278 .
[ 552 ]