5

الحكمة ( 357 ) وَ عَزَّى قَوْماً عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ لَهُمْ فَقَالَ :

إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَيْسَ لَكُمْ بَدَأَ وَ لاَ إِلَيْكُمُ اِنْتَهَى وَ قَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَ إِلاَّ قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ « إنّ هذا الأمر » أي : الموت الذي نزل بصاحبهم .

« ليس لكم بدأ » هكذا في النسخ ، و لكن الظاهر ان الأصل « ليس بكم بدأ » .

« و لا إليكم انتهى » أخذ المعنى الفرزدق فقال لمّا مات ابناه مخاطبا لامرأته :

و قد رزى‏ء الأقوام قبلي بابنهم
و اخوانهم فاقني حياء الكرائم

و مات أبي و المنذران كلاهما
و عمرو بن كلثوم شهاب الأراقم

و قد كان مات الأقرعان و حاجب
و عمرو أبو عمرو و قيس بن عاصم

و قد مات بسطام بن قيس بن خالد
و مات أبو غسان شيخ اللهازم

و قد مات خيراهم فلم يهلكاهم
عشية بانا رهط كعب و حاتم

فما ابناك إلاّ من بني الناس فاصبري
فلن يرجع الموتى حنين المآتم

3

-----------
( 1 ) ص 33 .

-----------
( 2 ) الحلية 10 : 374 .

-----------
( 3 ) ديوان الفرزدق 2 : 206 .

[ 467 ]

و عزّى رجل آخر فقال : و العجب كيف يعزّي ميت ميتا عن ميت .

و في ( عيون الصدوق ) : نعي إلى الصادق عليه السلام اسماعيل بن جعفر و هو أكبر أولاده و هو يريد أن يأكل و قد اجتمع ندماؤه فتبسّم ثم دعا بطعامه و قعد معهم و جعل يأكل أحسن من أكله سائر الأيام و يحثّهم على الأكل و يضع بين أيديهم و يعجبون منه ألا يرون للحزن أثرا ، فلما فرغوا قالوا : يابن رسول اللّه لقد رأينا عجبا ، أصبت بمثل هذا الابن و أنت كما ترى . قال : و مالي لا أكون كما ترون و قد جاءني خبر أصدق الصادقين أنّي ميّت و إيّاكم ، ان قوما عرفوا الموت فجعلوه نصب أعينهم لم ينكروا من يخطفه الموت منهم و سلموا لأمر خالقهم عزّ و جل 1 .

« و قد كان صاحبكم هذا يسافر فعدوه في بعض أسفاره » هكذا في ( المصرية ) 2 و الصواب : « سفراته » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 3 .

« فإن قدم عليكم و إلاّ فأنتم قدمتم عليه » أخذ كلامه عليه السلام هذا الحجاج ، فكتب إلى الوليد في جواب تعزيته له بأخيه محمّد : ما التقيت أنا و محمد منذ كذا و كذا سنة إلاّ عاما واحدا ، و ما غاب عنّي غيبة ، أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يفترق فيها .

و قال البحتري للذفافي في أخيه :

نودي كما أودي و نشرب كأسه
الملأى و نسلك نهجه المسلوكا

4 و قال أخو لبيد :

-----------
( 1 ) العيون للصدوق 2 : 2 ، و نقله المجلسي في بحار الأنوار 47 : 18 ح 7 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية المصححة : 740 الحكمة ( 357 ) .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 274 .

-----------
( 4 ) ديوان البحتري 2 : 90 .

[ 468 ]

و انا و اخوان لنا قد تتابعوا
لكالمغتدي و الرائح و المتهجر

و في ( أمالي القالي ) : قال رجل من محارب يعزّي ابن عم له على ولده :

و ان أخاك الكاره الورد وارد
و انّك مرأى من أخيك و مسمع

و انّك لا تدري بأيّة بلدة
صداك و لا عن أي جنبيك تصرع

أتجزع ان نفس أتاها حمامها
فهلا التي عن بين جنبيك تدفع

1 و قالوا : مات ابن لسليمان بن علي فجزع عليه جزعا شديدا حتى امتنع من الطعام و الشراب و جعل الناس يعزّونه فلا يحفل بذلك ، فدخل عليه يحيى بن منصور فقال : عليكم نزل كتاب اللّه فأنتم أعلم بفرائضه ، و منكم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأنتم أعلم بسنّته ، و لست ممّن يعلم من جهل و لا يقوّم من عوج ، و لكن اعزّيك ببيت شعر . قال : هاته . قال :

و هون ما ألقى من الوجد أنّني
اساكنه في داره اليوم أو غد

2 قال : أعد فأعاد . فقال : يا غلام الغداء .

و قال ابن أبي الحديد قال ابراهيم بن المهدي في ولد له :

يؤوب إلى أو طانه كلّ غائب
و أحمد في الغياب ليس يؤوب

تبدل دارا غير داري و جيرة
سواي و أحداث الزمان تنوب

أقام بها مستوطنا غير انّه
على طول أيام المقام غريب

و اني و ان قدّمت قبلي عالم
بأني و إن أبطأت عنك قريب

و ان صباحا نلتقي في مسائه
صباح إلى قلبي الغداة حبيب

3 و قال وضّاح اليمن في رثاء أبيه و أخيه لما أتاه نعيهما :

-----------
( 1 ) الأمالي للقالي : 105 ، ذيل الأمالي .

-----------
( 2 ) البيان و التبيين للجاحظ 3 : 97 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 274 .

[ 469 ]

سأصبر للقضاء فكلّ حي
سيلقى سكرة الموت المذوق

فما الدّنيا بقائمة و فيها
من الأحياء ذو عين رموق

و للأحياء أيام تقضى
يلف ختامها سوقا بسوق

كذلك يبعثون و هم فرادى
ليوم فيه توفية الحقوق

1 هذا و في ( كامل المبرّد ) : قال رجل من أصحابنا : شهدت رجلا في طريق مكّة معتكفا على قبر و هو يردّد شيئا و دموعه تكفّ من لحيته ، فدنوت لأسمع ما يقول ، فجعلت العبرة تحول بينه و بين الإبانة ، فقلت له : يا هذا . فرفع رأسه إليّ و كأنّما هب من رقدة فقال : ما تشاء . فقلت : أعلى أبيك تبكي ؟ قال : لا . قلت .

فعلى ابنك ؟ قال : لا ، و لا على نسيب و لا صديق و لكن على من هو أخصّ منهم .

قلت : أو يكون أحد أخص ممّن ذكرت ؟ قال : نعم من أخبرك عنه ، ان هذا المدفون كان عدوّا لي من كلّ باب ، يسعى عليّ في نفسي و في مالي و في ولدي ، فخرج إلى الصيد أيأس ما كنت من عطبه و أكمل ما كان من صحته ،

فرمى ظبيا فأفصده فذهب ليأخذه فإذا هو قد أنفذه حتى نجم سهمه من صفحة الظبي ، فعثر فتلقى بفؤاده ظبة السهم فلحقه أولياؤه فانتزعوا السهم و هو و الظبي ميتان ، فنمى إليّ خبره فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده ، فانّي لضاحك السن إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا فهلم فاقرأه و أو مأ إلى الصخرة فاذا عليها :

و ما نحن إلاّ مثلهم غير اننا
أقمنا قليلا بعدهم و تقدّموا

قلت : اشهد انّك تبكي على من بكاؤك عليه أحقّ من النسيب 2 .

قلت : لأنّه بكاء على نفسه و لا أعزّ من نفسه .

-----------
( 1 ) الأغاني 6 : 229 .

-----------
( 2 ) الكامل للمبرّد 3 : 1255 .

[ 470 ]

هذا ، و قالوا : مات ابن لصالح بن عبد القدوس المرمي بالزندقة ، فجزع عليه فقال له أبو الهذيل : لا أعرف لحزنك وجها اذا كان الناس عندك كالزرع .

قال : انّما أتوجع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب الشكوك . قال : ما هو ؟ قال : كتاب وضعته من قرأه يشكّ فيما كان حتى يتوهّم انّه لم يكن ، و فيما لم يكن حتى يتوهم انّه قد كان . فقال له أبو الهذيل : فشك أنت في موت ابنك و اعمل على انّه لم يمت و ان كان قد مات ، و شك أيضا في انّه قد قرأ كتاب الشكوك و ان كان لم يقرأه .

هذا ، و له عليه السلام كلام آخر لم ينقله المصنّف ذكره المبرّد في ( كامله ) فقال في باب اختصار الخطب : كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول عند التعزية :

« عليكم بالصبر فانّ به يأخذ الحازم و إليه يعود الجازع » 1 .