الكتاب ( 70 ) و من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاريّ و هو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية :
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ فَلاَ تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ وَ يَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً وَ لَكَ مِنْهُمْ شَافِياً فِرَارُهُمْ مِنَ اَلْهُدَى وَ اَلْحَقِّ وَ إِيضَاعُهُمْ إِلَى اَلْعَمَى وَ اَلْجَهْلِ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَيْهَا وَ قَدْ عَرَفُوا اَلْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ وَ عَلِمُوا أَنَّ اَلنَّاسَ عِنْدَنَا فِي اَلْحَقِّ أُسْوَةٌ فَهَرَبُوا إِلَى اَلْأَثَرَةِ فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً إِنَّهُمْ وَ اَللَّهِ لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ وَ لَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اَللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ وَ يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ وَ اَلسَّلاَمُ أقول : و رواه اليعقوبي في ( تأريخه ) مع اختلاف فقال : و كتب علي عليه السلام
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 63 .
-----------
( 2 ) رواه السروي في مناقبه 2 : 19 .
[ 457 ]
إلى سهل ، و هو على المدينة : « أما بعد فقد بلغني أنّ رجالا من أهل المدينة خرجوا إلى معاوية ، فمن أدركته فامنعه ، و من فاتك فلا تأس عليه ، فبعدا لهم ،
فسوف يلقون غيّا ، أما لو بعثرت القبور و اجتمعت الخصوم ، لقد بدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ، و قد جاءني رسولك يسألني الاذن ، فأقبل عفا اللّه عنّا و عنك و لا تذر خللا إن شاء اللّه 1 .
قول المصنف : « و من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري » روى الشيخ أنّ سهلا كان بدريا ، أحديا ، عقبيا ، نقيبا 2 .
و روى الكليني ، أنّ سهلا لمّا توفي صلّى عليه السلام عليه خمس صلوات ، كلمّا أدركه النّاس و قالوا : لم ندرك الصلاة على سهل ، يضعه فيكبر عليه خمسا 3 .
و روى أبو عمر في ( استيعابه ) : أنّ سهلا ممّن ثبت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم أحد 4 .
و روى الجزري في ( اسده ) : أنّ سهلا ممّن شهد على سماعه من النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله في علي عليه السلام « من كنت مولاه فعليّ مولاه » لما أنشد على النّاس في الرحبة ذلك رواه في عبد الرحمن عبد ربّ 5 .
« و هو عامله عليه السلام على المدينة » و روى الدينوري في ( طواله ) : أنّ عليّا عليه السلام لمّا بايعه النّاس استعمل عمّاله ، و استعمل سهلا على الشام ، فلمّا انتهى إلى تبوك و هي تخوم أرض الشام استقبله خيل لمعاوية فردّوه ،
فانصرف إلى علي فعلم عند ذلك أن معاوية قد خالف .
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 203 .
-----------
( 2 ) رواه شيخ الطوسي في التهذيب 3 : 318 ح 11 .
-----------
( 3 ) الكافي 3 : 186 ح 3 .
-----------
( 4 ) الاستيعاب 2 : 92 .
-----------
( 5 ) أسد الغابة 3 : 307 .
[ 458 ]
« في معنى » أي : مقصد « قوم من أهلها » أي : أهل المدينة « لحقوا بمعاوية » و روى في ابن قتيبة ( تأريخه ) : أنّه عليه السلام لمّا شخص من المدينة إلى البصرة كتب عقيل إليه من مكة ، أنّه رأى ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني اميّة يلحقون بمعاوية يريدون إطفاء نور اللّه 1 .
قوله عليه السلام : « أما بعد فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك » و كانوا في ناحيتك « يتسلّلون » أي : يخرجون خفية لا مطلق الخروج ، كما قال ( الصحاح ) 2 « إلى معاوية ، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ، و يذهب عنك من مددهم » قال تعالى :
فلا تأس على القوم الكافرين 3 .
« فكفى لهم غيّا و لك منهم شافيا فرارهم من الهدى و الحقّ » قال تعالى : و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنّهم لن يضرّوا اللّه شيئا 4 .
« و إيضاعهم » أي : اسراعهم « إلى العمى و الجهل ، و إنّما هم أهل دنيا » و في نسخة ( ابن ميثم ) « الدنيا » « مقبلون عليها و مهطعون » أي : مسرعون « إليها و قد عرفوا العدل و رأوه و سمعوه و وعوه » أي : استمعوه .
و جاء في ( تأريخ الخلفاء ) بعد ذكر خطبته عليه السلام في استيلاء بني اميّة عليهم بعده بتخاذلهم ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال : إنّ أمير المؤمنين أكرمه اللّه قد أسمع من كانت له أذن واعية و قلب حفيظ ، أن اللّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حقّ قبولها حيث نزّل بين أظهركم ابن عم رسوله صلّى اللّه عليه و آله و خير المسلمين و أفضلهم و سيّدهم بعده ، يفقهكم في الدين و يدعوكم إلى جهاد المحلّين ، فو اللّه لكأنّكم صمّ لا تسمعون ، و قلوبكم غلف مطبوع عليها
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 55 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 5 : 731 ، مادة ( سلّ ) .
-----------
( 3 ) المائدة : 68 .
-----------
( 4 ) آل عمران : 176 .
[ 459 ]
فلا تستجيبون ، عباد اللّه أليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس ، و قد شمل العباد و شاع في الإسلام فذو حقّ محروم ، و مشتوم عرضه ، و مضروب ظهره ، و ملطوم وجهه ، و موطوء بطنه ، و ملقى بالعراء ، فلمّا جاءكم أمير المؤمنين عليه السلام صدع بالحق ، و نشر بالعدل ، و عمل بالكتاب ، فاشكروا نعمة اللّه عليكم و لا تتولّوا مجرمين ، و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون 1 .
« و علموا أن النّاس عندنا في الحقّ اسوة » أي : متساوون « فهربوا إلى الأثرة » أي : الاستبداد « فبعدا لهم و سحقا » أي : دقّا كاملا من « سحق الدواء » .
« إنّهم و اللّه لم ينفروا » أي : لم يهربوا « من جور و لم يلحقوا بعدل » و إنّما في طبيعة النّاس الجور ، فيحبّون الجائرين ، و النفرة من الحقّ ، فيعرضون عن المحقّين .
« و إنّا لنطمع في هذا الأمر أن يذلّل اللّه لنا صعبه » ، و في نسخة ( ابن ميثم ) « أصعبه » 2 « و يسهل لنا حزنه » الحزن بالفتح فالسكون ، ما غلظ من الأرض في قبال السهل ، و في نسخة ( ابن ميثم ) « أحزنه » 3 « إن شاء اللّه ، و السلام » و زاد في ( ابن أبي الحديد ) « عليك و رحمة اللّه و بركاته » 4 .