« ما أمر به على بن أبيطالب من عمل الجسر على الفرات »

فلمّا انتهى علىّ عليه السّلام إلى الرقة قال لأهل الرّقة اجسروا لى جسرا حتّى اعبر من هذا المكان إلى الشام فابوا و قد كانوا ضموا اليهم السفن فنهض من عندهم ليعبر من جسر منبج و خلف عليهم الأشتر و ذهب ليمضى بالنّاس كيما يعبر بهم على جسر منبج فنادا هم الأشتر فقال يا أهل هذا الحصن ألا انّى اقسم لكم باللّه عزّ و جل لئن مضى أمير المؤمنين و لم تجسروا له عند مدينتكم جسرا حتّى يعبر لأجرّدن فيكم السيف ثمّ لأقتلن الرجال و لأخربن الأرض و لآخذن الأموال فلقى بعضهم بعضا فقالوا البس الاشتر يفى بما حلف عليه او يأتى بشرّ منه قالوا نعم فبعثوا اليه انا ناصبون لكم جسرا فاقبلوا و جاء علىّ فنصبوا له الجسر فعبر عليه بالاثقال و الرجال ثمّ أمر علىّ الأشتر فوقف فى ثلاثة آلاف فارس حتّى لم يبق من النّاس احد إلا عبر ثمّ انه عبر آخر النّاس رجلا قال أبو جعفر الطبرى : قال أبو مخنف فحدّثني خالد بن قطن الحارثى : ان

[ 221 ]

عليّا لما قطع الفرات دعا زياد بن النضر و شريح بن هانى فسرحهما امامه نحو معاوية على حالهما الّتي كانا خرجا عليه من الكوفة قال و قد كانا حيث سرحهما من الكوفة أخذا على شاطى‏ء الفرات من قبل البر مما يلى الكوفة حتّى بلغا عانات فبلغهما اخذ علىّ على طريق الجزيرة و بلغهما ان معاوية قد اقبل من دمشق في جنود أهل الشام لاستقبال علىّ عليه السّلام فقالا لا و اللّه ما هذا لنا برأى ان نسير و بيننا و بين المسلمين و أمير المؤمنين هذا البحر و ما لنا خير في ان نلقى جنود أهل الشام بقلة من معنا منقطعين من العدد و المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات و حبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتّى عبروا من هيت ثمّ لحقوا عليّا بقرية دون قرقيسياء و قد ارادوا أهل عانات فتحصنوا و فروا و لما لحقت المقدمة عليّا قال مقدمتى تأتينى من ورائى .

فتقدم اليه زياد بن النضر الحارثى و شريح بن هانى فأخبراه بالّذى رأيا حين بلغهما من الأمر ما بلغهما فقال سددتما .

ثمّ مضى عليّ عليه السّلام فلما عبر الفرات قدمهما امامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى سور الروم لقيهما أبو الاعور السلمي عمرو بن سفيان في جند من أهل الشام فأرسلا إلى عليّ عليه السّلام أنا قد لقينا أبا الاعور السلمي في جند من أهل الشام و قد دعوناهم فلم يجبنا منهم أحد فمرنا بامرك .

فارسل عليّ عليه السّلام إلى الاشتر فقال يا مالك ان زيادا و شريحا ارسلا إلىّ يعلماني انهما لقيا أبا الاعور السلمي في جمع من أهل الشام و انبأني الرسول انه تركهم متواقفين فالنجاء إلى أصحابك النجاء فاذا قدمت عليهم فأنت عليهم و إياك ان تبدء القوم بقتال إلاّ أن يبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم و تسمع و لا يجرمنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إليهم مرة بعد مرة ، و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا وقف من أصحابك وسطا و لا تدنو منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب و لا تباعد منهم بعد من يهاب الناس حتّى اقدم عليك فاني حثيث السير فى اثرك إن شاء اللّه .

قال و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي فكتب عليّ عليه السّلام إلى زياد و شريح

[ 222 ]

أما بعد فاني قد أمّرت عليكما مالكا فاسمعاله و اطيعا فانه مما لا يخاف رهقه و لا سقاطه و لا بطؤه عما الاسراع إليه احزم و لا الاسراع إلى ما البطاء عنه امثل و قد امرته بمثل الّذي كنت امرتكما به ألاّ يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوهم و يعذر إليهم .

أقول : قال نصر في كتاب صفين باسناده عن عبد اللّه بن جندب عن أبيه ،

و كذا الطبري في تاريخه باسناده عن عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه : أن عليّا عليه السّلام كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا معه عدوّه يقول :

لا تقاتلوا القوم حتّى يبدؤكم فانكم بحمد اللّه على حجّة و ترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة اخرى لكم عليهم فاذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل فاذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا إلا باذن و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم و لا تهيجوا امرأة بأذى و إن شتمن أعراضكم و تناولن امراءكم و صلحاءكم فانهن ضعاف القوى و الانفس و لقد كنا و انا لنؤمر بالكف عنهنّ و انهن لمشركات و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده .

أقول : يأتي شرح كلامه عليه السّلام هذا في باب المختار من كتبه و رسائله بعون الملك الوهاب . و قال الرضي رضي اللّه عنه قال عليه السّلام لعسكره قبل العدو بصفين .

قال نصر باسناده عن الحضرمي قال سمعت عليا عليه السّلام عرض في النّاس في ثلاثة مواطن : في يوم الجمل و يوم صفين و يوم النهروان فقال : عباد اللّه اتقوا اللّه عزّ و جلّ و غضّوا الأبصار و اخفضوا الاصوات و اقلّوا الكلام و وطّنوا أنفسكم على المنازلة و المجاولة و المبارزة و المعانقة و المكارمة و اثبتوا و اذكروا اللّه كثيرا لعلّكم تفلحون و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إنّ اللّه مع الصابرين اللّهمّ ألهمهم الصبر و أنزل عليهم النصر و أعظم لهم الأجر . و لنعد إلى قول الطبري :

و خرج الاشتر حتّى قدم على القوم فاتبع ما أمره عليّ عليه السّلام و كف عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الاعور السلمى

[ 223 ]

فثبتوا له و اضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا ثم خرج إليهم من الغد هاشم ابن عتبة الزّهري في خيل و رجال حسن عددها و عدتها و خرج إليه أبو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال و صبر القوم بعضهم لبعض ثمّ انصرفوا و حمل عليهم الاشتر فقتل عبد اللّه بن المنذر التنوخي قتله يومئذ ظبيان بن عمّار التميمي و ما هو إلا فتى حدث و إن كان التنوخي لفارس أهل الشام .

و أخذ الاشتر يقول و يحكم أرونى أبا الاعور . ثمّ انّ أبا الاعور دعا لناس فرجوا نحوه .

فوقف من وراء المكان الّذي كان فيه أول مرّة و جاء الاشتر حتّى صف أصحابه في المكان الّذي كان فيه أبو الاعور فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعي انطلق إلى أبي الاعور فادعه إلى المبارزة فقال إلى مبارزتي أو مبارزتك فقال له الاشتر لو امرتك بمبارزته فعلت قال نعم و اللّه لو امرتني ان اعترض صفهم بسيفي ما رجعت أبدا حتى اضرب بسيفي في صفهم قال له الاشتر يا ابن اخي اطال اللّه بقاءك قد و اللّه ازددت رغبة فيك لا أمرتك بمبارزته انما امرتك ان تدعوه إلى مبارزتي انه لا يبرز ان كان ذلك من شأنه إلاّ لذوي الاسنان و الكفاءة و الشرف و أنت لربك الحمد من أهل الكفاءة و الشرف غير أنك فتى حدث السن فليس بمبارز الاحداث و لكن ادعه إلى مبارزتي ، فأتاه فنادى آمنونى فاني رسول فاومن فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور قال أبو مخنف فحدثني النضر بن صالح أبو زهير العبسى قال حدثني سنان قال فدنوت منه فقلت ان الاشتر يدعوك إلى مبارزته قال فسكت عنى طويلا ثمّ قال إن خفة الاشتر و سوء رأيه هو حمله على اجلاء عمال ابن عفان من العراق و انتزائه عليه بقبح محاسنه ، و من خفة الاشتر و سوء رأيه أن سار إلى ابن عفان في داره و قراره حتى قتله فيمن قتله فاصبح متبعا بدمه ألا لا حاجة لي في مبارزته .

قال قلت انك قد تكلمت فاسمع حتّى اجيبك فقال لا حاجة لي في الاستماع منك و لا في جوابك اذهب عنى فصاح بي أصحابه فانصرفت عنه و لو سمع إلىّ لأخبرته بعذر صاحبي و لحجته .

[ 224 ]

فرجعت إلى الاشتر فأخبرته انه قد أبي المبارزة فقال لنفسه نظر . فوافقناهم حتّى حجز الليل بيننا و بينهم و بتنا متحارسين فلما اصبحنا نظرنا فاذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم و يصبحنا عليّ بن أبيطالب غدوة فقدم الاشتر فيمن كان معه في تلك المقدمة حتى انتهى إلى معاوية فوافقه و جاء علىّ في اثره فلحق بالأشتر سريعا فوقف و تواقفوا طويلا .

ثمّ ان عليّا عليه السّلام طلب موضعا لعسكره فلما وجده امر الناس فوضعوا الأثقال فلما فعلوا ذهب شباب الناس و غلمتهم يستقون فمنعهم أهل الشام فاقتتل النّاس على الماء و قد كان الاشتر قال له قبل ذلك إن القوم قد سبقوا إلى الشريعة و إلى سهولة الارض و سعة المنزل فان رأيت سرنا نجوزهم إلى القرية التي خرجوا منها فانهم يشخصون في اثرنا فاذاهم لحقونا نزلنا فكنا نحن و هم على السواء فكره ذلك عليّ عليه السّلام و قال ليس كل الناس يقوى على المسير فنزل بهم .