الثانى أنّه لا بدّ أن يعلم أنّ القرآن الذي نزل به الرّوح الأمين على سيّد المرسلين صلوات اللّه عليه و آله أجمعين هل هو ما بين الدّفتين و ما وصل إلينا و تناولته أيدينا أم لا

بل الواصل إلينا بعض القرآن و أنّ القرآن الأصيل الذي نزل به جبرئيل

[ 198 ]

قد حرّف و بدّل و زيد عليه و نقص عنه ، اختلف فيه الأصحاب .

فالذي ذهب إليه أكثر الأخباريّين على ما حكى عنهم السّيد الجزايري في رسالة منبع الحياة و كتاب الأنوار هو وقوع التحريف و الزّيادة و النّقصان .

و إليه ذهب عليّ بن إبراهيم القميّ ، و تلميذه محمّد بن يعقوب الكليني ، و الشّيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي ، و المحدّث العلامة المجلسي قدّس اللّه روحهم .

و ذهب المرتضى على ما حكي عنه ، و الصدوق في اعتقاداته ، و الشّيخ في التّبيان و الطبرسي في مجمع البيان إلى عدمه ، و عزى ذلك إلى جمهور المجتهدين بل الظاهر من الصّدوق قيام الاجماع عليه حيث قال في اعتقاداته : إنّ اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزل اللّه على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله هو ما بين الدّفتين ، و هو ما في أيدي النّاس ليس بأكثر من ذلك إلى أن قال و من نسب إلينا انّا نقول : إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب انتهى .

و مثله الشّيخ ، حيث ادّعى قيامه على عدم الزّيادة ، قال في محكي كلامه :

و أمّا الكلام في زيادته و نقصانه فممّا لا يليق به ، لأنّ الزّيادة فيه مجمع على بطلانه ، و أمّا النّقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، و هو الأليق بالصّحيح من مذهبنا ، و هو الذي نصره المرتضى ( ره ) ، و هو الظاهر من الرّوايات ،

غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة و العامّة بنقصان كثير من آى القرآن طريقها الآحاد لا توجب علما ، فالأولى الاعراض و ترك التشاغل بها ، لأنّها يمكن تأويلها انتهى .

و مثله الطبرسي في مجمع البيان حيث قال : فأمّا الزّيادة فيه فمجمع على بطلانه و أمّا النّقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا و جماعة من حشويّة العامة ، أنّ في القرآن تغييرا و نقصانا ، و الصّحيح من مذهب أصحابنا خلافه .

قال : و هو الذي نصره المرتضى و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيّات ، و ذكر في مواضع أنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقايع العظام و الكتب المشهورة و أشعار العرب

[ 199 ]

المسطورة ، فانّ العناية اشتدت و الدّواعي توفّرت على نقله و حراسته ، و بلغت إلى حدّ لم تبلغه فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النّبوة و مأخذ العلوم الشّرعية ،

و الأحكام الدّينيّة ، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية ، حتّى عرّفوا كلّ شي‏ء اختلفوا فيه من إعرابه و قرائة حروفه و آياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّرا أو منقوصا مع العناية الصادقة و الضّبط الشّديد .

و قال 1 أيضا قدّس سرّه : و إنّ العلم بتفصيل القرآن و أبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ، ككتاب سيبويه و المزنى فان أهل العناية بهذا الشّان يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتّى لو أنّ مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في النّحو ليس من الكتاب لعرف و ميّز و علم أنّه ملحق ، و ليس من أصل الكتاب ، و كذلك القول في كتاب المزنى ، و معلوم أنّ العناية بنقل القرآن و ضبطه أضبط من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشّعراء .

ثم قال الطبرسيّ : و ذكر أى المرتضى أنّ من خالف في ذلك من الاماميّة و الحشويّة لا يعتدّ بخلافهم ، فانّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى ما ذكره في مجمع البيان .

و هذه العبارات منه و ممّن سبق ذكره كما ترى مطبقة في صحّة نقل ما بين الدّفتين و عدم وقوع تغير فيه بوجه من الوجوه ، و إنّما اختلفت في دعوى الاجماع .

فالظاهر من الصّدوق كما عرفت قيامه على عدم التغير بوجه ، حيث نسب ذلك إلى اعتقاد الاماميّة .

و عبارة الشّيخ و الطبرسي حسبما حكيناها صريحة في قيامه على عدم الزّيادة و تبعهما على ذلك من متأخري المتأخّرين السيّد المحقق الكاظمي في شرح الوافية

-----------
( 1 ) الظاهر ان كلامه هذا اشارة الى نفى الزيادة فى القرآن كما ان ما ذكره قبل ذلك اشارة الى نفى مطلق التغيير ، منه

[ 200 ]

حيث ، قال : اتّفق الكلّ لا تمانع بينهم على عدم الزّيادة ، و نطقت به الأخبار ،

و المرتضى رضي اللّه عنه و إن لم يدّع الاجماع عليه إلاّ أنّه ( ره ) حسبما عرفت أشد نكيرا منهم لدعواه العلم الضّروريّ به .

إذا عرفت ذلك فأقول : المختار عندي هو وقوع النّقصان فيه دون الزّيادة ، و لا بأس بذكر أدلّة الطرفين و ما يمكن الاستدلال به عنهم حتّى يتّضح الحقّ من البين ،

و لنقدّم أدلة النّافين لكون قولهم مطابقا للأصل ، ثمّ نتبعها بأدلة المثبتين فنقول :