و من خطبة له عليه السّلام

و هى الثامنة و العشرون من المختار في باب الخطب و رواها في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة ، و من إرشاد الدّيلمي بتغيير تطلع عليه .

أمّا بعد فإنّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع ، و إنّ الآخره قد أقبلت و أشرفت باطّلاع ، ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق ، و السّبقة الجنّة ، و الغاية النّار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ؟ ألا و إنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله و لم يضرّه أجله ، و من قصّر

[ 3 ]

في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله ، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا و إنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، و لا كالنّار نام هاربها ، ألا و أنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، و من لا يستقيم به الهدى يجرّ به الضّلال إلى الرّدى ، ألا و إنّكم قد أمرتم بالظّعن و دلّلتم على الزاد ، و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى و طول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تجهزون « تحرزون خ » به أنفسكم غدا .

قال الرضيّ « قد » أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الرّهد في الدّنيا و يضطرّ إلى عمل الآخرة ، لكان هذا الكلام ، و كفى به قاطعا لعلايق الآمال ، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار ، و من أعجبه قوله عليه السّلام : ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغاية النّار ، فانّ فيه مع فخامة اللّفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثيل و واقع التّشبيه ، سرّا عجيبا و معنى لطيفا ، و هو قوله عليه السّلام :

و السّبقة الجنّة و الغاية النّار ، فخالف بين اللّفظين لاختلاف المعنيين ، و لم يقل :

السّبقة النّار كما قال : و السّبقة الجنّة .

لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب ، و هذه صفة الجنّة ، و ليس هذا المعنى موجودا في النّار نعوذ باللّه منها فلم يجز أن يقول : و السّبقة النّار ،

بل قال : و الغاية النار ، لأنّ الغاية قد ينتهى إليها من لا يسرّه الانتهاء و من يسرّه ذلك ،

فصلح أن يعبرّ بها عن الأمرين معا .

فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل قال اللّه تعالى : « قل تمتّعوا فانّ مصيركم إلى النّار » و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم بسكون الباء إلى النّار فتأمّل ذلك ، فباطنه عجيب و غوره بعيد لطيف ، و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام .

[ 4 ]

و قد جاء في رواية اخرى و السّبقة الجنّة بضمّ السّين ، و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض ، و المعنيان متقاربان لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .