هذا القسم أو المقطع بكامله يتلخص في أن اللّه سبحانه بكل شيء عليم سواء أكان جزئيا أم كليا ، محسوسا أم غير محسوس ، و ما ذكره من الضمائر و الخواطر ،
و الذر و البعوض . . الى نقاعة الدم ، و ناشئة الخلق كل ذلك مجرد أمثلة ، و لا شيء وراءها إلا البيان و الايضاح ان اللّه يعلم ما في السموات و الأرض ، و من أجل هذا نقتصر على تفسير المفردات المشكلة كعادتنا في فقرة ( اللغة ) .
( عالم السر من ضمائر المضمرين ) . كل سر عنده تعالى علانية ( و نجوى المتخافتين ) تخافت بكلامه خفضه و أخفاه ( و خواطر رجم الظنون ) أي ما لا واقع له منها و لا دليل ( و عقد عزيمات اليقين ) ما عقدت عليه ضميرك من غير تردد ( و مسارق ايماض الجفون ) نظرات تسترقها العيون في السر و الخفاء ، قال سبحانه : « يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور 19 غافر » . ( و ما ضمنته أكنان القلوب ) ما سترته و أخفته ( و غيابات الغيوب ) أي أعماقها و جذورها .
( و ما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع ) أي مخارق الأسماع ، و هي الآذان ( و مصائف الذر ) محل اصطياف صغار النمل ( و مشاتي الهوام ) أي الحشرات ،
[ 44 ]
و مشاتيها محلها في الشتاء ( و رجع الحنين من المولهات ) . و يعلم سبحانه ما تردده كل حزينة من قول و حسرة و أنين ( و همس الأقدام ) ما خفي من صوتها حين تمشي على الأرض ( و منفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام ) يعلم بالثمرة ، و هي في غلافها ، و قبل أن تظهر للعيان ( و منقمع الوحوش من غيران الجبال و أوديتها ) .
المنقمع : موضع الاختفاء ، و الغيران : جمع غار ، و هو الكهف .
( و مختبأ البعوض بين سوق الأشجار و ألحيتها ) . و سوق : جمع ساق ،
و ألحية : جمع لحاء أي القشر ( و مغرز الأوراق في الأفنان ) أي الأغصان ،
و مغرز الأوراق محلها الذي نبتت و بقيت فيه الى حين سقوطها ( و محط الأمشاج ) النطف ( من مسارب الأصلاب ) و هي ما يتسرب المني فيها عند نزوله ( و ناشئة الغيوم و متلاحمها ) و يعلم من أين تنشأ الغيوم ؟ و كيف تجتمع و تلتمّ ؟ ( و درور قطر السحاب في متراكمها ) حتى قطرات المطر يعلمها على كثرها و سرعتها و تراكمها .
( و ما تسفي الأعاصير بذيولها ) و هو يعلم كل ما تذروه الرياح ( و تعفو الأمطار بسيولها ) تأتي عليه و تمحوه ( و عوم نبات الأرض ) أي حركة الحشرات ( في كثبان الرمال ) تلالها ( و مستقر ذوات الأجنحة ) الطيور ( بذرى شناخيب الجبال ) أعالي رؤوسها ( و تغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار ) أي ظلماتها ،
و غرد الطائر رفع صوته بالغناء ( و ما أوعبته الأصداف ) أي جمعته ، و الأصداف :
جمع صدفة بفتح الصاد و الدال و هي غلاف اللؤلؤ و نحوه ( و حضنت عليه أمواج البحار ) كالعنبر و نحوه مما يتولد في البحار .
( و ما غشيته سدفة ليل ) أي غطته ظلمة الليل ( أو ذر عليه شارق نهار ) أي طلع عليه النهار ( و ما اعتقبت عليه أطباق الدياجير ) . اعتقبت : تعاقبت ،
و الأطباق : الأغطية ، الدياجير : الظلمات ( و سبحات النور ) موجات الضوء ( و أثر كل خطوة ) ما رسم من المشي على الأرض ( و حس كل حركة ) صوتها ( و رجع كل كلمة ) الرجيع من الكلام المردود الى صاحبه ( و مثقال كل ذرة ) و زنها ( و هماهم كل نفس هامة ) ترديد الصوت في الصدر من الهم .
( و ما عليها أي على الأرض من ثمر شجرة ، أو ساقط ورقة ) كما قال سبحانه : « و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها 59 الأنعام » . ( أو قرار نطفة ) في الأرحام ( أو نقاعة دم ) ما تستقر به قطرات الدم ( و مضغة ) الشيء
[ 45 ]
الذي يمضغ أو ما يشبهه ( أو ناشئة خلق و سلالة ) ناشئة الخلق ابتداؤه أو صورته و السلالة النسل أو الأصل .