كتاب الأُصول
الجزء الأول
أما المقدمة ففي بيان أمور[1].
_________________________________________________________
[1] قد جرت سيرة المصنفين على ذكر مقدمة قبل الشروع في مباحث العلم ومسائله يتعرضون فيها لأمور ترتبط بالعلم ولا تكون من مسائله، كبيان موضوع العلم وتعريفه وبيان الغرض والغاية منه، وتبعهم على ذلك الماتن (قدس سره) وجعل لكتابه هذا مقدمة وبين فيها أموراً كلها خارجة عن مسائل علم الأصول ولكنها ترتبط بها نحو ارتباط كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
الأول أن موضوع كل علم[1].
_________________________________________________________
[1] المعروف عند القوم أنـه لابد لكل علم من موضوع يبحث في مسائل العلم عن العوارض الذاتية لذلك الموضوع بأن تكون المحمولات المذكورة في مسائل العلم عوارض ذاتية له. وذكروا في تعريف العرض الذاتي: إنه ما يعرض الشيء بلا واسطة أو مع الواسطة المساوية داخلية كانت أو خارجية.
توضيح ذلك: أن العارض (يعني المحمول على الشيء بمفاد كان الناقصة) إما أن يكون بلا واسطة أصلاً أو يكون معها، وعلى الثاني إما أن تكون الواسطة داخلية أو خارجية.
فالواسطة الداخلية بالإضافة إلى ذيها تكون أعم أو مساوية ولا يمكن أن تكون أخص لأنـها جزء الشيء وجزئه لا يكون أخص منه، حيث إنه جنسه أو فصله، فالعارض للشيء بواسطة فصله مثل إدراك الكليات العارض للإنسان بواسطة الناطق، والعارض له بواسطة جنسه كالحركة القصدية العارضة بواسطة الحيوان (ولا يخفى أن الحركة القصدية غير الحركة الإرادية حيث إن الحركة الإرادية لا تكون في غير الإنسان من سائر الحيوانات)(1).
والواسطة الخارجية تكون بالإضافة إلى المعروض مساوية أو أعم أو أخص أو مباينة والأول كعروض الضحك للإنسان بواسطة التعجب المساوي له حيث لا يوجد في غيره من سائر الحيوان، والثاني كعروض الحركة القصدية للمتكلم بواسطة الحيوان، والثالث كعروض إدراك الكليات للحيوان بواسطة الناطق، والواسطة المباينة كالنار في عروض الحرارة للماء وكالسفينة في عروض الحركة لجالسها. فهذه أقسام سبعة.
والعرض الذاتي منها ما يعرض الشيء بلا واسطة أو مع الواسطة المساوية داخلية كانت أو خارجية.
والغريب منها ما يعرض له بواسطة خارجية أعم أو أخص أو مباينة واختلفوا فيما كان بالواسطة الداخلية الأعم(2).
ولذلك وقعوا في إشكال لزوم خروج كثير من مباحث العلوم عن كونها مسائل لها فإن المحمولات في مسائلها لا تكون غالباً عارضة لموضوعاتها بلا واسطة أو مع واسطة مساوية داخلية أو خارجية، مثلاً المبحوث عنه في علم النحو في مسألة الفاعل رفعه، وفي مسألة المفعول نصبه، ونحو ذلك مع أن شيئاً من الرفع والنصب لا يعرضان الكلمة بنفسها بل يعرضانها بوساطة الفاعل والمفعول وكل منها أخص من الكلمة التي هي موضوع هذا العلم (على ما هو المعروف)، وكذا المبحوث عنه في علم الأصول ظهور صيغة الأمر في الوجوب مثلاً مع أن النسبة بينها وبين صيغة الأمر في الكتاب المجيد ليست هي التساوي(3) وهكذا.
ذكر الماتن في المقام أمرين وكأنه يندفع الاشكال بهما من أساسه:
أحدهما: أن موضوع العلم عين موضوعات مسائله خارجاً ولا تغاير بينهما إلا تغاير الكلي مع أفراده.
وثانيهما: أن كل عرض لا يكون عروضه للشيء مع الواسطة في العروض هو عرض ذاتي له سواء لم يكن في عروضه له واسطة أصلاً أو كانت بنحو الواسطة في الثبوت، ولا يخفى أن الواسطة في العروض نظير ما في نسبة الحركة إلى جالس السفينة حيث إن المتحرك خارجاً حقيقة هي السفينة ونسبتها إلى الجالس فيها بنحو من العناية وعلى ما ذكره (قدس سره) تكون تمام المحمولات في مسائل العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها فإنه بعد كون الموضوع في علم النحو مثلاً هي الكلمة (يعني اللفظ الموضوع لمعنى) وهي عين الفاعل في الكلام، يكون الرفع المحمول على الفاعل محمولاً على الكلمة بلا واسطة في العروض.
ثم إن المراد بالعارض هو المحمول لا العرض في مقابل الجوهر حيث إنه ربما لا يكون المحمول في المسألة عرضاً كما في بعض مسائل علم الكلام كقولهم «واجب الوجود عالم، قادر، بسيط» وكقولهم في الفقه «الماء طاهر» و«الخمر نجس» إلى غير ذلك.
وعلى ما ذكر يكون قوله (رحمه الله)(4) «هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» جملة معترضة لبيان تعريف موضوعات العلوم، وقوله (رحمه الله)(5): «بلا واسطة في العروض» تفسير للعرض الذاتي وإشارة إلى الخلل فيما ذكروه في تعريفه من تقسيمهم العارض إلى سبعة أقسام وقولهم بأن أربعة منها عرض غريب.
وقوله (رحمه الله)(6): «نفس موضوعات مسائله» خبر «إن» يعني موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله.
وقوله (رحمه الله)(7): «ما يتحد معها خارجاً» معطوف على «موضوعات مسائله» يعني موضوع كل علم ما يتحد مع نفس موضوعات مسائله خارجاً.
وقوله (رحمه الله)(8): «الطبيعي وأفراده» معطوف على «الكلي ومصاديقه» والمراد من المعطوف والمعطوف عليه واحد.
وقد اتضح بما تقدم أن ما يذكر موضوعاً لبعض العلوم مما لا تكون نسبته إلى موضوعات مسائله من قبيل الكلي والفرد خطأ في تشخيص الموضوع إذ لا تغاير بين موضوع العلم وموضوعات مسائله إلا تغاير الكلي مع فرده كما مر (ويقتضيه البرهان المدعى لإثبات لزوم الموضوع لكل علم). وعليه فما يقال من أن موضوع علم الطب مثلاً هو بدن الإنسان وموضوعات مسائله الأعضاء المخصوصة ليس بصحيح لأن نسبة البدن إلى العضو نسبة الكل إلى الجزء لا الكلي إلى الفرد فيكون الموضوع في علم الطب ما يعرضه المرض لا خصوص البدن.
ثم إن المعروف أن وجه التزام الماتن (رحمه الله) ومن تبعه بلزوم الموضوع للعلوم، هو عدم إمكان صدور الواحد عن الكثير بدعوى أن الغرض من العلم واحد فاللازم صدوره عن واحد وهو الجامع بين موضوعات المسائل حيث إن الجامع بين محمولاتها ينتهي إليه كما هو مقتضى قولهم كل ما بالعرض لابد من أن ينتهي إلى ما بالذات.
أقول: ليس في كلامه (قدس سره) في المقام ما يشير إلى الموجب لالتزامه بذلك، بل في كلامه ما ينافي الموجب المفروض حيث صرح في تداخل العلوم بإمكان غرضين متلازمين فيدون لأجلهما علم واحد، ومقتضى القاعدة المفروضة عدم إمكان غرضين في علم واحد بل ولا إمكان ترتب غرضين على بعض مسائل العلم حيث إنه من صدور الكثير عن واحد.
ثم إنه (قدس سره) أضاف إلى تعريف علم الأصول «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل»(9) وذكر فيوجهه أنه لا موجب لخروج مباحث الأصول العلمية وحجية الظن الانسدادي على الحكومة من مسائل علم الأصول، ولو كان المهم من علم الأصول هو التمكن من الاستنباط فقط لكان مقتضاه الالتزام بالاستطراد في تلك المباحث والحاصل أن لعلم الأصول غرضين ومع ذلك لا يخرج عن كونه علماً واحداً وإرجاعهما إلى غرض واحد غير سديد، لإمكان إرجاع الأغراض في جملة من العلوم إلى غرض واحد ككمال النفس مثلا.
والذي يخطر بالبال أن تعيين الموضوع للعلوم، كذكر التعريف لمسائلها وبيان الغرض منها، إنما هو لتبصرة طالب تلك العلوم على ما يظهر بعد ذلك لا لأجل لزومه في كل علم.
وكيف ما كان فإن أريد بالكلي، الجامع العنواني لموضوعات مسائله نظير سائر العناوين الانتزاعية حتى من المتباينات في تمام ذواتها ببعض الاعتبارات فهذا الجامع كالحجر في جنب الإنسان في عدم دخله في كون تلك المسائل من العلم، نعم لو بين بنحو حصل فيه الاطراد والانعكاس فهو يوجب معرفة موضوعات المسائل لطالب تلك المسائل.
وإن أريد به الجامع الذاتي، بأن يكون الموضوع للعلم كالجنس أو النوع لموضوعات المسائل، فلم يعلم وجه لزوم هذا الجامع، والاستناد في لزومه إلى قاعدة عدم صدور الواحد عن كثير، غير صحيح، لما ظهر مما تقدم أن الغرض من العلم يمكن أن يكون واحداً عنوانياً أو واحداً مقولياً له حصص متعددة يصدر عن بعض المسائل حصة منه وعن بعض آخر حصة أخرى من غير أن يكون فيما يصدر عنهما جامع ذاتي، مثلاً التمكن المترتب على العلم بمسألة من مسائل علم النحو، غير التمكن المترتب على العلم بمسألة أخرى من مسائله فيكون العلم بمسألة رفع الفاعل موجباً للتمكن من حفظ اللسان عن الخطاء في التكلم بالفاعل، وبمسألة نصب المفعول التمكن من حفظه عن الخطاء في التكلم بالمفعول وهكذا، فيكون الغرض من علم النحو مستندا إلى مسائله بخصوصياتها.
ولا يخفى أن القاعدة المشار إليها بأصلها وعكسها(10) أسسها أهل المعقول لإثبات وحدة الصادر الأول من المبدأ الأعلى.
وقد ذكر في محله أنها على تقدير تماميتها لا تجري في الفعل بالإرادة، بل موردها الفعل بالإيجاب، لإمكان صدور فعلين عن فاعل بالإرادة مع كونهما من مقولتين، وبما أن الصادر من المبدأ الأعلى يعدُّمن الفعل بالإرادة فلا شهادة لها بوحدة الصادر الأول.
فتحصل من جميع ما ذكرنا أنه لا وجه للالتزام بلزوم الموضوع للعلم كما ذكر، كما لا وجه للالتزام بأنه لابد في مسائل العلم من البحث عن العوارض الذاتية لموضوعه فإنه يصح جعل مسألة من مسائل العلم مع ترتب الغرض منه عليها حتى لو كان المحمول فيها من العوارض الغريبة لموضوع المسألة فضلاً عن موضوع العلم، أو لم يكن المحمول فيها من العوارض أصلاً، مثلاً البحث عن الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته من مسائل علم الأصول بلا كلام مع أن المبحوث فيه الذي هو ثبوت الملازمة بين الايجابين ليس بحثا عن العوارض، فإنها ما يحمل على الشيء بمفاد «كان» الناقصة، والبحث عن ثبوت الملازمة بحث عنه بمفاد «كان» التامة، وكذا البحث عن اعتبار الاجماع مسألة أصولية، مع أن حمل الاعتبار عليه على مسلك الأصحاب ـ بلحاظ كشفه عن قول المعصوم (عليه السلام) ـ حمله مع الواسطة في العروض وهو من العرض الغريب حيث يكون الاعتبار حقيقة لقول الامام (عليه السلام)، وإسناده إلى فتوى العلماء يكون بالعناية.
المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دون هذا العلم[1].
_________________________________________________________
[1] في توصيف الغرض بقوله (قدس سره): «الذي لأجله دوِّن هذا العلم» إشارة إلى أنه ليس المراد خصوص الثمرة المترتبة على كل مسألة من مسائل العلم كما يترتب على مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي التمكن من استنباط حكم الصلاة في الدار المغصوبة ولا يشاركها في هذه الثمرة غيرها من مسائل علم الأصول، بل المراد الغرض الملحوظ للمدون ـ بالكسر ـ ابتداءاً أو ما يكون داعياً له إلى تدوين جملة من المسائل وتسميتها باسم واحد، وقد تقدم أن هذا الغرض ليس واحداً شخصياً بل واحد عنواني أو نوعي ذو حصص مختلفة.
وقد انقدح بما ذكرنا أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين[1].
_________________________________________________________
[1] وتقريره: لا ريب في أن كل مسألة من مسائل العلم لها موضوع ومحمول يغاير موضوع الأخرى ومحمولها، مثلاً مسألة ظهور صيغة إفعل في الوجوب وعدمه، وجواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه، وحجية خبر العدل وعدمها، كلها من مسائل علم الأصول والموضوع والمحمول في كل منها يغاير الموضوع والمحمول فى الأخرى، وهذا الاختلاف بعينه موجود بين كل مسألتين من مسائل علمين، مثلاً مسألة رفع الفاعل غير مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب بحسب الموضوع والمحمول فيقع السؤال عن وجه كون مسألة رفع الفاعل، من مسائل النحو وعدم كونه مسألة ظهور صيغة إفعل في الوجوب، منها.
ولا يصح الجواب، بأن ذلك لاختلاف المسألتين بحسب الموضوع أو المحمول، فإن لازمه كون كل مسألة من مسائل علم النحو علماً على حدة لأنـها مختلفة كذلك.
بل الصحيح هو القول بان جامع مسائل علم النحو هو الغرض الملحوظ لمدون العلم إبتداء، وحيث لم يكن ذلك الغرض مترتباً على مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فلم تجعل من مسائل علم النحو، وقد ظهر أن المراد بالتمايز هو التمايز عند تدوين العلم وأما تمايز العلوم عند المتعلم وفي مقام التعلم، فله طرق متعددة.
وبالجملة كل مسألة من مسائل العلم، وإن كانت لها خصوصية واقعية، تكون موجبة لترتب ثمرة مخصوصة عليها إلا أن تلك الخصوصية لا تكون موجبة لتمايزها عن مسائل العلم الآخر في نظر المدون بل المايز لها عنده هو الغرض الداعي إلى التدوين.
هذا كله فيما كان المهم من مسائل العلم أمراً مترتباً عليها بأن يكون العلم بتلك المسائل موجباً لحصوله وفي مثل ذلك يكون المهم المفروض المعبر عنه بغرض التدوين جامعاً لمسائل العلم ومميزاً لها عن مسائل علم آخر. وأما إذا لم يكن المهم كذلك بل كان المهم نفس معرفة تلك القضايا، كما في علم التاريخ حيث إن المهم فيه معرفة أحوال الملل والبلاد وحوادثها في الماضي والحاضر، يكون امتياز قضاياه عن قضايا غيره بالموضوع ولو كان ذلك الموضوع أمراً واحداً عنواناً وجامعاً مشيراً إلى موضوعات قضاياه.
وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله[1].
_________________________________________________________
[1] ما ذكره (قدس سره) لا يدفع الاشكال في المقام. فإن البحث في مسألة مقدمة الواجب مثلاً
بحث عن ثبوت الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته، وهذا بحث عن مفاد «كان» التامة، وحيث إن موضوع علم الأصول متحد مع موضوعات مسائله خارجاً يكون البحث المفروض بحثا عن ثبوت الموضوع وعدمه، وليس هذا بحثا عن العوارض فضلاً عن كونها ذاتية.
ثم إنهم جعلوا موضوع علم الأصول الادلة الاربعة يعني (الكتاب، والسنة، والاجماع، والعقل).
وأورد الماتن عليهم بأن ذلك يوجب خروج مبحث حجية الخبر والتعارض بين الخبرين من المباحث الأصولية، حيث إن خبر الواحد غير داخل في السنة، يعني قول المعصوم وفعله وتقريره، فلا يكون البحث عن عارض الخبر بحثا عن عوارض السنة.
وقد أجيب عنه بأن المباحث المفروضة تدخل في مسائل علم الأصول بناءاً على أن المراد بالادلة ذواتها لا بما هي أدلة، لأن مرجع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد، أو ثبوتها بأي من الخبرين عند تعارضهما.
وقد رد الماتن (قدس سره) الجواب المفروض بأنه غير مفيد، فإن البحث عن ثبوت السنة بالخبر أو بأحد المتعارضين بحث عن مفاد «كان » التامة أي بحث عن وجود السنة به أو بأحدهما والبحث في المسائل لابد أن يكون عن العارض لموضوع المسألة وما هو بمفاد «كان» الناقصة. هذا في الثبوت الواقعي يعني الحقيقي. وأما الثبوت التعبدي بمعنى جعل الحجة، فهو وإن كان بحثا عن العارض إلا أن الحجية لا تترتب على السنة بل على الخبر الحاكي لها. وبالجملة الثبوت الحقيقي ليس من العوارض، والتعبدي بمعنى وجوب العمل به وإن كان من العوارض إلا أنه عارض للخبر لا السنة.
ولا يخفى أنه لم يظهر معنى معقول لثبوت السنة بالخبر، بأن يكون الخبر علة لقول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره، فإن الخبر على تقدير صدقه، يكون كاشفاً وحاكياً عنها.
ولو أغمض عن ذلك فيمكن الجواب عن إشكال مفاد «كان» التامة بأن البحث عن معلولية السنة للخبر بحث عن العارض وما هو مفاد كان الناقصة.
نعم لا ينبغي التأمل في أن البحث عن البراءة العقلية أو الاحتياط العقلي في الشبهة الحكمية بحث عن ثبوت الموضوع وهو حكم العقل.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أمر الثبوت التعبدي، فهو عارض للسنة أيضاً فإن الثبوت التعبدي عند الماتن (قدس سره) ليس إيجاب العمل بالخبر على ما ذكره في بحث اعتبار الخبر وغيره، بل معناه تنزيل قول المخبر منزلة الواقع يعني قول المعصوم وفعله وتقريره(11)، وهذا التنزيل سنخ من الحكم يضاف إلى المنزل (أي خبر العد)، وإلى المنزل عليه (أي السنة)، وكما يمكن البحث في مسألة اعتبار الخبر أن يقع في أن قول المخبر العدل هل نزل منزلة السنة؟ فيكون البحث من عوارض الخبر الحاكي لها، كذلك يمكن أن يقع البحث في أن السنة هل نزل عليها خبر العدل ؟ فيكون البحث من عوارض السنة.
نعم المعيار في كون المسألة من مسائل العلم، هو عنوانها المذكور في البحث لا ما هو لازم ذلك العنوان، وإلا كانت المسألة الأصولية فقهية، والمسألة الفقهية كلامية، فإن مرجع البحث عن ثبوت الملازمة بين الايجابين إلى وجوب الوضوء ونحوه عند وجوب الصلاة، ومرجع البحث عن تعلق التكليف الالزامي بفعل إلى البحث عن إيجاب المخالفة لاستحقاق العقاب، وإلى غير ذلك.
إلا أن البحث عن غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ... [1].
_________________________________________________________
[1] لا يخفى أن البحث عن ظهور صيغة إفعل في الوجوب، مثلاً يكون بحثاً عن العارض الغريب للكتاب والسنة بناءاً على ما ذكروه من أن ما يكون عروضه بواسطة أعم فهو عرض غريب، وأما بناءاً على ما ذكره (رحمه الله) في العارض الغريب فالبحث المفروض بحث عن العوارض الذاتية للكتاب والسنة، فالإشكال به عليهم مبني على مسلكهم حيث يكون نظير بحث الملازمة بين الايجابين في عدم اختصاصه بالواجبات الشرعية، وإن كان المهم معرفة حالها.
ويؤيد ذلك تعريف الأصول... [1].
_________________________________________________________
[1] ووجه التأييد أن مقتضى تعريفهم كون كل قاعدة ممهدة لاستنباط الحكم الشرعي مسألة
أصولية ولو لم يكن المحمول فيها من العارض الذاتي للادلة الاربعة.
وإن كان الأولى تعريفه... [1].
_________________________________________________________
[1] ووجه العدول خروج أمرين عن التعريف المفروض:
أحدهما: مسألة حجية الظن الانسدادي على الحكومة، فإن حجيته على المسلك المفروض لا تكون موجبة لاستنباط حكم شرعي منها، وذلك لكون الحجية بناءاً عليها عبارة عن استقلال العقل بكفاية الاطاعة الظنية للتكاليف الواقعية، وأنه يقبح من الشارع مطالبة العباد بأزيد منها، كما أنه لا يجوز للمكلف الاقتصار على ما دونها من الطاعة الاحتمالية الوهمية. وهذا الحكم من العقل، كحكمه بلزوم الاطاعة العلمية حال الانفتاح لا يكون مستتبعاً لحكم شرعي مولوي، كما يأتي بيانه في باب الانسداد.
ثانيهما: خروج مباحث الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية من النقلية والعقلية، فهي مع كونها من المسائل الأصولية لا تكون إلا وظائف عملية بلا استنباط حكم شرعي واقعي منها بل تطبق في الفقه، بتعيين مواردها، على صغرياتها.
وقوله (قدس سره)(12): «بناءاً على أن مسألة حجية الظن...إلخ» مفاده: أن أولوية العدول مبنية على كون الأمرين من المباحث الأصولية كما هو كذلك، حيث لا وجه للالتزام بالاستطراد في مثلهما من المهمات. وبما أن التعاريف المذكورة للعلوم من قبيل شرح اللفظ، لأن وحدتها اعتبارية على ما تقدم من كون كل علم جملة من القضايا المتشتة التي اعتبرت الوحدة لها باعتبار دخلها في الغرض، فذكر (قدس سره) أولوية العدول لا تعينه، وجعل التعريف السابق مؤيداً لا دليلاً، حيث لا يعتبر في هذه التعاريف الاطراد والانعكاس.
ولا يخفى أن المراد بالقواعد في تعريف علم الأصول نتائج المباحث الأصولية، وأما الصناعة فهي نفس مباحثها، فيكون حاصل تعريفه: أن علم الأصول مباحث، تعرف بها القواعد التي يمكن وقوعها في طريق استنباط الاحكام الشرعية الكلية أو التي ينتهي إليها الأمر في مقام العمل، أي بعد اليأس عن الظفر بالدليل على الحكم الواقعي.
ولكن يرد عليه أن إضافة «أو التي ينتهي... إلخ» غير مفيد، فإن استنباط الحكم الشرعي الفرعي، بناءاً على ما اختاره (قدس سره) من أن المجعول في الامارات هو الحجية لها، أي المنجزية والمعذرية، يعم انكشاف حال الحكم الواقعي من حيث التنجز وعدمه، ولا ينحصر بالعلم بنفس الحكم الواقعي، وعليه فلا فرق بين الامارات المعتبرة والأصول العملية في أنـه يعين بهما حال الحكم الواقعي من حيث تنجزه على تقدير الاصابة وعدمه على تقدير الخطاء. نعم يكون تعيينه بالأصول العملية في طول التعيين بالامارة وهذا لا يكون فارقاً فإن بعض الامارات أيضاً يكون اعتبارها في طول بعضها الآخر، كخبر العدل، فإنه وإن كان معتبراً إلا أنه لا اعتبار به في مقابل الكتاب الدال على خلافه.
فالصحيح أن يقال في تعريفه: إنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط حال الحكم الشرعي الكلي الفرعي أو حاله من حيث التنجيز والتعذير ومن البديهي أنـه يعتبر في الاستنباط تغاير الحكم المستنبط والمستنبط منه، إما بأن لا يكون المستنبط منه حكماً شرعياً ولكن يستخرج منه حكم شرعي فرعي،كقاعدة الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته التي يستخرج منها وجوب الوضوء والغسل وتطهير الثوب أو البدن عند وجوب الصلاة في قياس استثنائي فيقال مثلاً:
كلما كانت الصلاة واجبة، كان الوضوء الذي هو مقدمة للصلاة واجبا أيضاً.
لكن الصلاة واجبة.
فالوضوء واجب.
وإما بأن يكون المستنبط منه حكماً شرعياً طريقياً لا عملياً لكن يحرز به تارة نفس الحكم الشرعي العملي وأخرى حال الحكم الشرعي الفرعي لا نفسه.
فالأول كحجية خبر الثقه بناءاً على كون مفاد أدلة الاعتبار جعل الخبر علماً تعبدياً فيقال مثلاً العصير العنبي بعد الغليان مما قام خبر الثقة على حرمته.
وكلما قام خبر الثقة على حرمته فهو معلوم الحرمة.
فينتج: أن العصير العنبي بعد الغليان مما علم حرمته، وبعد إحراز الحرمة يفتي الفقيه بحرمة العصير العنبي بالغليان .
والثاني كحجية خبر الثقة بناءاً على كون مفاد أدلة الاعتبار جعل المنجزية والمعذرية، أو جعل المؤدى (أي جعل الحكم الطريقي على طبق مؤدياتها) وكمباحث الأصول العملية، فالحكم الشرعيالعملي لا يستنتج منها بل يستنتج من هذه المباحث حاله من المنجزية والمعذرية.
و كيف ما كان فقد ظهر مما ذكرنا افتراق القواعد الفقهية التي لا يستنبط منها نفس الحكم الشرعيالكلي ولا حاله من حيث تنجزه وعدمه عن مسائل علم الأصول، فإن تلك القواعد بأنفسها أحكام شرعية عملية تكليفية كانت أم وضعية، وضمها إلى صغرياتها من قبيل تطبيق الكبرى الشرعية العملية على صغراها، لا من الاستنباط .
وتوضيح ذلك: أن القواعد الفقهية على قسمين :
الأول: ما يكون مدلولها حكماً فرعياً ثابتاً لعنوان تندرج تحته الجزئيات الخارجية فقط، كما فينجاسة الخمر وحرمة شربه، ولا مورد لتوهم النقض في هذا القسم، حيث لا يثبت بضمها إلى صغراها إلا الحكم الجزئي الفرعي لا الكلي.
الثاني: ما يكون مدلولها حكماً شرعياً ثابتاً لعنوان تندرج تحته العناوين الكلية، كقاعدة «ما يضمن وما لا يضمن» فإن موضوعها العقد، ويندرج تحته البيع والاجارة والقرض والمصالحة وغير ذلك من أنواع العقود، فتكون النتيجة في هذا القسم بعد تطبيقها على صغرياتها ثبوت الحكم الكلي، ولكن هذا من باب التطبيق لا الاستنباط فإن الملازمة على تقدير ثبوتها، شرعية بمعنى أن الشارع قد أخذ في موضوع حكمه بالضمان في العقد الفاسد، ثبوت الضمان في صحيحه، نظير الملازمة بين وجوب القصر على المسافر ووجوب الافطار، فإن مرجعها إلى أن الشارع قد جعل السفر الموضوع لوجوب القصر موضوعاً لوجوب الافطار أيضاً، إلا ما استثني، وهذا بخلاف الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته، فإنها أمر واقعي قد كشف عنه العقل أو هي بنفسها حكم العقل، ولذا يكون القول بها مصححا لاستنباط حكم شرعي كلي بقياس استثنائي على ما تقدم، أو قياس حملي تكون نتيجته الملازمة بين الأمر بالصلاة في أوقاتها والأمر بقدماتها.
والحاصل، تمتاز القاعدة الفقهية عن القاعدة الأصولية بأن مفاد القاعدة الأصولية إما أن لا يكون حكماً شرعياً ولكن ينتقل منه إلى حكم شرعي كلي، أو يكون مفادها حكماً شرعياً طريقياً، ولكن تارة يحرز به حكم شرعي كلي واقعي بأن تكون نتيجة قياس الاستنباط العلم بذلك الحكم لا نفس الحكم فيتم بذلك موضوع جواز الإفتاء كما في موارد الامارات المعتبرة، وأخرى يحرز به حال الحكم الكلي الواقعي من حيث التنجز وعدمه كما في موارد الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية.
بخلاف القاعدة الفقهيه فإن مفادها بنفسه حكم شرعي عملي كلي لعنوان يكون تحته جزئيات حقيقية أو إضافية وتكون قياساتها من قبيل تطبيق الكبرى على صغرياتها ونتيجتها ثبوت نفس ذلك الحكم فيها، وإذا كان مفاد القاعدة حكماً طريقياً فيحرز به حال الحكم الجزئي من حيث التنجز وعدمه، كالأصول العملية الجارية في الشبهات الموضوعية وغيرها من القواعد المجعولة عند الشك في الموضوع.
ومما ذكر يظهر أن قاعدة «لا حرج» أو «لا ضرر» قاعدة فقهية تطبق على صغرياتها ويكون مفادها ثبوت نفس الحكم الشرعي أو عدمه، ولا يكون مفادها مما يستنبط منه الحكم الشرعي نفسه أو حاله من حيث التنجز وعدمه.
نعم قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية قاعدة أصولية، إذ يحرز بها حال الحكم الشرعي الواقعي الكلي من حيث التنجز وعدمه، وإنما لم يبحث عنها في الأصول لعدم الخلاف فيها ولاختصاصها بباب الطهارة، فتذكر في الفقه استطراداً بمناسبة الكلام في قاعده الطهارة الجارية في الشبهات الموضوعية.
ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن المحقق النائيني (قدس سره) في الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية من أن الأولى لا تنفع العامي، لعدم تمكنه من تشخيص صغراها، بخلاف الثانية فإنها تنفعه فيما إذا ألقيت إليه لتمكنه من معرفة صغرياتها(13).
ووجه الضعف، أن الفرق غير جار في القسم الثاني من القواعد الفقهية، فإن العامي لا يتمكن من تشخيص صغرياتها كما في قاعدة «الشرط جائز ما لم يكن محللاً للحرام أو محرماً للحلال» و«الصلح جائز بين المسلمين ما لم يخالف الكتاب والسنة» إلى غير ذلك.
ثم إنه يقع الكلام في المراد بالاستنباط من القاعدة الأصولية، هل هو الاستنباط بلا ضمها إلى قاعدة أخرى من قواعد الأصول أو المراد به الاستنباط ولو بضمها إليها، فإن كان المراد هو الأول فمن الظاهر ان المسائل الأصولية ليست كذلك، وإن كان المراد هو الثاني دخل في المسائل الأصولية، مسائل علم الرجال أيضاً.
ذهب سيدنا الاستاذ (قدس سره) إلى الأول ولكن لا بنحو كلي، فذهب إلى أن القاعدة الأصولية هي التي يكون ضم صغراها إليها كافياً في استنباط الحكم الفرعي الكلي ولو في مورد واحد، بخلاف القواعد في سائر العلوم فإنها لا تكون كذلك، بل دائما تحتاج إلى قاعدة أصولية لاستنباط الحكم الشرعي منها، فمثلاً مسألة «ظهور صيغة الأمر في الوجوب» مسألة أصولية وإذا أحرز الأمر بفعل بصيغته في الكتاب المجيد أو السنة القطعية يستنبط منه وجوب ذلك الفعل.
لا يقال: لابد في الحكم بوجوب ذلك الفعل من ضم كبرى حجية الظواهر.
فإنه يقال: إن المسألة الأصولية هي التي لا تحتاج لاستنباط الحكم الشرعي منها إلى ضم قاعدة أخرى من قواعد الأصول إليها، لا أنها لا تحتاج إلى ضم مقدمة أخري أصلاً، وحجية الظواهر من المسلمات التي لم يقع الخلاف فيها، وباعتبار ذلك لم تجعل من مسائل علم الأصول، وإن وقع الخلاف فيها في موارد، كحجية ظواهر الكتاب المجيد، أو حجية الظاهر مع الظن بالخلاف، وحجية الظهور لغير من قصد إفهامه.
والحاصل أن استنباط الحكم من قاعدة ظهور صيغة الأمر في الوجوب وإن كان يحتاج إلى مقدمة أخرى إلا أن تلك المقدمة ليست من مسائل علم الأصول ولا من مسائل سائر العلوم، وهذا بخلاف مسائل سائر العلوم، فإنه يحتاج لاستنباط الحكم منها إلى ضم قاعدة أصولية لا محالة.
ثم أردف هذا القائل الجليل (قدس سره) أنـه لا يلزم أن تكون نتيجة المسألة الأصولية على كل تقدير كذلك، بل يكفي في كون المسألة أصولية كون نتيجتها كذلك، ولو على بعض التقادير. مثلاً مسألة «اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده الخاص» وإن كانت لا تكفي بمجردها للاستنباط على تقدير القول بالاقتضاء، بل نحتاج لاستنباط الحكم منها إلى ضم مسألة أصولية أخرى هي «اقتضاء النهي عن عبادة، ولو كان غيرياً فسادها» إلا أنه على القول بعدم الاقتضاء يستنبط منها بضم صغراها صحة العبادة المضادة للواجب، كالصلاة في أول الوقت مع وجوب إزالة النجاسة عن المسجد.
لا يقال: نفس ثبوت الحرمة الغيرية للضد الواجب وعدم ثبوتها له حكم شرعي يستنبط من نفس مسألة «اقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضده» فكيف لا تكون المسألة كافية في الاستنباط؟
فإنه يقال: نفس الحرمة الغيرية لشيء لا يعد أثراً عملياً ولا تكون المسألة ـ بهذا الاعتبار ـ مسألة أصولية، كما يأتي توضيحه في بحث مقدمة الواجب(14).
أقول: الصحيح أنه لا يستنبط من مسألة «اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده» بمجردها الحكم الفرعي العملي، سواء التزم فيها بالاقتضاء أو عدمه. فإنه حتى على القول بعدم الاقتضاء نحتاج ـ لتصحيح العبادة المضادة ـ إلى ضم قاعدة أصولية أخرى هي قاعدة جواز الترتب (أي جواز الأمر بالمتضادين ترتبا)، أو قاعدة عدم التزاحم بين الواجب الموسع والمضيق، أو قاعدة كشف الملاك الالزامي في الفرد العبادي المضاد من إطلاق المتعلق في خطاب التكليف، كما ذكروا تفصيل ذلك في بحث الضد.
ثم إنه تكون مسألة من سائر العلوم بنفسها كافية في الاستنباط بضم صغراها إليها، ولو في بعض الموارد، كبعض مسائل علم اللغة التي يستفاد منها معنى الوجوب والحرمة والكراهة أو معنى النجس والطاهر، مما يدل على الحكم تكليفاً أو وضعاً، فإنه إذا وقعت هذه الالفاظ في الكتاب أو في الخبر المحفوف بقرينة موجبة للقطع بصدوره وجهته، استنبط منه الحكم بلا ضم مقدمة أصولية أخرى.
والحاصل: يتعين أن يراد بالاستنباط من القواعد الأصولية ما هو الأعم من الاستنباط بضم قاعدة أخرى من مسائله (حتى في جميع الموارد).
وإنما لم تجعل مسائل علم الرجال وبعض مسائل علم اللغة من علم الأصول، باعتبار وضوحها أو باعتبار البحث عنها في علم آخر.
نعم المباحث التي تذكر في كتب الأصول ولكن لا تكون واسطة في استنباط نفس الحكم بل يحرز بها الموضوع أو المتعلق للحكم، كمباحث المشتق والحقيقة الشرعية والصحيح والأعم ونحوها، لا تدخل في مسائل علم الأصول، بل تعتبر من المبادئ التصورية لعلم الفقه، بخلاف المسائل الأصولية فإنها من المبادئ التصديقية لعلم الفقه. ولذا ينبغي تقسيم المسائل الأصولية إلى أربعة أقسام:
الأول: مباحث الدلالات اللفظية وتعيين الظهورات فيها.
الثاني: مباحث الاستلزامات العقلية، ولو كانت غير مستقلة، كبحث الملازمة بين إيجاب شيء إيجاب مقدمته.
الثالث: مباحث الحجج الاعتبارية والامارات.
الرابع: مباحث الأصول العملية والوظائف المقررة للشاك عقلا أو شرعا.
الوضع نحو اختصاص اللفظ بالمعنى
[1]._________________________________________________________
[1]
مراده (قدس سره)، ان اللفظ يتصف بكونه موضوعاً فيما إذا عين بازاء معنى لتفهيمه بذلك اللفظ في مقام التخاطب، ويتصف أيضاً بكونه موضوعاً فيما إذا تكرر استعماله في معنى بنصب القرينة ورعاية العلاقة إلى حد لا يحتاج تفهيم ذلك المعنى به إلى نصب القرينة بل يكون المعنى الأول مهجوراً عن الاذهان وينسبق إليها المعنى الثاني عند الاطلاق. واتصاف اللفظ بكونه موضوعاً في الصورتين يكشف عن كون الوضع في الالفاظ أمراً يحصل بالتعيين تارة، وبكثرة الاستعمال أخرى، وذلك الأمر نحو علقة وارتباط بين اللفظ والمعنى يحصل بأحد الأمرين، وعلى ذلك فما ذكر من أن الوضع عبارة عن «تعيين اللفظ بازاء المعنى» غير سديد، فإنه بهذا التعريف غير قابل للتقسيم إلى التعييني والتعيني.أقول: الوضع هو تعيين اللفظ بإزاء معنى، سواء كان إبتدائياً أو مسبوقاً بالاستعمال المجازي، إذ في الوضع التعيني تلغى العناية ولحاظ العلاقة في الاستعمال ولو بعد شيوع ذلك الاستعمال لا محالة، وفي أي زمان فرض إلغائها يحصل التعيين. وبتعبير آخر: كما يحصل التعيين بإنشائه، كذلك يحصل بالاستعمال، كما صرح بذلك (قدس سره) في أوائل البحث في الحقيقة الشرعية، فيكون إلغاء العناية في الاستعمال بعد تكرره من التعيين .
وأما ما ذكره (قدس سره) في حقيقة الوضع من كونه نحو اختصاص وارتباط مخصوص بين اللفظ والمعنى، فإن أراد (قدس سره) من الارتباط والاختصاص أنس الاذهان من لفظ خاص، بمعنى مخصوص، بحيث ينتقل الذهن عند سماعه إلى ذلك المعنى فهذا الارتباط صحيح، إلا أنـه معلول للعلم بالوضع فيكون الوضع غير الارتباط المفروض. وإن أراد من الاختصاص أمراً آخر فلا نعرفه.
وقد يقال في المقام كما عن المحقق الاصفهاني (قدس سره): إن الارتباط بين اللفظ والمعنى مما يلازم الوضع وليس عينه، بل الوضع أمر اعتباري يشبه وضع العلم على الارض أو الحجر على الحجر لغرض ما، غاية الأمر الوضع في المثالين حقيقي، يندرج تحت مقولة الوضع وفي اللفظ اعتباري لا يندرج تحت أي مقولة، فلا يكون مما بازاءه شيء في الخارج، ولا مما له منشأ انتزاع خارجي، ويشهد لذلك أن الارتباط حاصل بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى، ولو مع الاغماض عن وجود اللفظ خارجاً أو ذهناً،بحيث لو لم يتلفظ أحد بلفظ الماء مثلاً ولم يوجد معناه في ذهن أحد، لكان الارتباط بين لفظه ومعناه موجودا، ومن ذلك يظهر أن الوضع ليس من الأمور الاعتبارية الذهنية نظير الكلية والجزئية والنوعية والجنسية، لأنـه لو كان كذلك لاحتاج إلى لحاظ اللفظ ولكان المعروض ذهنيا مع أن الاختصاص الوضعي حاصل لطبيعي اللفظ لا بما هو موجود ذهنا ولا بما هو موجود خارجا.
ودعوى أن قول الواضع: (وضعت هذا اللفظ) منشأ لانتزاع الوضع فيكون من الأمور الانتزاعية ـ نظير ما يقال من أن قول البائع: (بعت المال) منشأ لانتزاع الملكية، فتوجد الملكية بمنشأ الانتزاع ـ لا يمكن المساعدة عليها، فإن الأمر الانتزاعي من منشأ يحمل العنوان منه، على منشائه مع أن العنوان من الملكية والوضع لا يحمل على صيغة بعت ولا على صيغة وضعت.
ويشهد أيضاً لعدم كون اختصاص اللفظ بالمعنى، معنى مقولياً، اختلاف أنظار الاقوام والطوائف في ارتباط لفظ بمعنى، فيرى قوم ارتباط لفظ بمعنى، ويرى آخرون ارتباطه بمعنى آخر(15).
أقول: ما ذكره (قدس سره) ـ من كون الوضع بنفسه أمراً اعتبارياً لا يندرج تحت مقولة ـ صحيح، والشاهد على ذلك إمكان إلغائه، ولو كان أمراً حقيقياً لما كان يقبل الالغاء، إلا أن ما ذكره (قدس سره) من كونه أمراً اعتبارياً مسانخاً للوضع الخارجي ـ كما ذكره ـ مما لا يمكن المساعدة عليه، إذ اللفظ وإن كان يتصف بأنـه موضوع، إلا أن المعنى لا يصح اتصافه بالموضوع عليه، وإنما يتصف بالموضوع له، ولو كان وضع اللفظ أمراً اعتبارياً من سنخ الوضع الخارجي لصح اتصاف المعنى بالموضوع عليه.
كما أن ما ذكره (قدس سره) من أن الارتباط والاختصاص لازم الوضع لا يمكن المساعدة عليه أيضاً وذلك لأن هذا الارتباط والاختصاص إن ما هو أنس الذهن بالمعنى من اللفظ، بحيث ينسبق المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ، وهذا الانس يحصل من العلم بالوضع أو تكرار الاستعمال، لا من مجرد الوضع .وإن أريد من الارتباط والاختصاص معنى آخر، فلا نعرفه.
وعن المحقق الايرواني (قدس سره) أن حقيقة الوضع في الالفاظ عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى وجعله عينه ادعاء، وهذه العينية الادعائية يصححها ترتب غرض التفهيم والتفهم عليها، وهذا الغرض المهم كاف في تصحيح الادعاء فإنه باب واسع. وذكر قبل ذلك أن دلالة الالفاظ على المعاني ذاتية، ولا يحتاج في أصل دلالتها إلى الوضع، وإنما يحتاج إلى الوضع في تعيين المعنى وتمييز المراد من المعاني من غير المراد منها، ويشهد لذلك صحة استعمال اللفظ وحصول دلالته على نوعه أو مثله حتى لو كان اللفظ مهملاً غير موضوع لمعنى(16).
أقول: لم يظهر وجه الاستشهاد، فأنه عند إرادة النوع أو المثل لابد من وجود قرينة يكون اللفظ بها دالا على إرادة نوعه أو مثله، وإن كانت تلك القرينة المحمول المذكور في الكلام، كما في قوله: (ضرب فعل ماض). هذا مع الاغماض عما يأتي من عدم كون إرادة مثل اللفظ
أو نوعه أو شخصه من استعمال اللفظ في المعنى.وأما ما ذكره (قدس سره) من كون حقيقة الوضع هو الادعاء، بأن هذا اللفظ عين ذلك المعنى، فيكذبه الوجدان عند ملاحظة الوضع في الاعلام الشخصية، فإن حقيقته لا يختلف عن الوضع في سائر الالفاظ، مع أنه لا تنزيل ولا ادعاء في وضعها قطعاً، فإن قول الوالد: (سميت ولدي محمداً) ليس مفاده جعلته عين لفظ «محمد» أو أن صورته عين ذلك اللفظ، ويوضح ذلك كمال الوضوح، ملاحظة أسماء ذات الحق «جل وعلا».
وأما دعوى(17) كون أصل الدلالة في الالفاظ ذاتية، بتقريب أنـه لو سمع شخص كلاماً وكان جاهلاً بوضع ألفاظه، علم أن المتكلم أراد معنى ما.
فيردها أن علم السامع بذلك ليس ناشئاً من دلالة الالفاظ ذاتاً، بل من ظهور حال المتكلم العاقل بأنـه لا يفعل شيئاً بلا غرض، والغرض من الكلام عادة إرادة المعاني.
وأما الالتزام بأن دلالة الالفاظ ليست بذاتية محضة بل بها وبالوضع معاً ـ كما عن المحقق النائيني(قدس سره) ـ، بدعوى أن كل لفظ يناسب معنى واقعاً وتلك المناسبة مجهولة عندنا، والله (تبارك وتعالى)عين كل لفظ لمعناه المناسب له وألهمنا بالتكلم بذلك اللفظ عند إرادة ذلك المعنى، فيكون الوضع في الالفاظ أمراً متوسطا بين الاحكام الشرعية التي يحتاج إبلاغها إلى الانام إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب، وبين الأمور الجبلية التي جبل الإنسان على إدراكها من الأمور التكوينية كالعطش والجوع عند احتياج البدن إلى الماء والغذاء، ولو كانت دلالة الالفاظ ذاتية محضة بلا توسيط وضع لما جهل أحد معنى لفظ، ولو عند قوم آخرين، واحتمال أن الواضع هو الإنسان غير صحيح، لأنا نقطع بحسب التواريخ التي بأيدينا أنـه لم يكن شخص أو أشخاص وضعوا الالفاظ في لغة، فضلاً عن سائر اللغات، ومما يؤكد ذلك أن جماعة لو أرادوا وضع ألفاظ جديدة في لغة بقدر الالفاظ التي في تلك اللغة لما قدروا عليه، لكثرة المعاني وتعذر تصورها من قبل أشخاص، فضلا عن شخص واحد. فقد ظهر أن حقيقة الوضع هو تعيين اللفظ لمعنى بمقتضى مناسبة له وأن هذا التعيين من الله (عز وجل)(18)، فغير صحيح، وذلك لأن دعوى المناسبة الواقعية بين كل لفظ ومعناه، مما لم يشهد بها شاهد، وما يقال من أن الوضع يستلزم الترجيح بلا مرجح لولا مناسبة واقعية، غير صحيح، لأن الغرض من الوضع ـ وهو التسبيب إلى تفهيم المعاني والمرادات ـ بنفسه كاف في تعيين أي لفظ لأي معنى، وعدم وجود اسم شخص أو أشخاص في التواريخ التي بأيدينا لا تدل على أن واضع الالفاظ هو الله سبحانه، إذ يحتمل أن يكون أصل الوضع في أي لغة قد حدث قبل التاريخ، ثم كملت تلك اللغة على مر العصور نتيجة تطور الافكار وكثرة الحاجات، كما نرى بالوجدان أن المصنوعات والمخترعات الجديدة توضع لها الاسماء من غير أن يذكر في التاريخ من سماها بها، ومما ذكر يظهر الجواب عن تعذر وضع أشخاص لغة جديدة، فضلاً عن شخص واحد.
وقد ذهب سيدنا الاستاذ (قدس سره) إلى أن وضع الالفاظ في حقيقته تعهد وقرار من مستعمل اللفظ بأنه كلما أتى به أراد تفهيم المعنى الفلاني، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون التعهد والقرار إبتدائياً، أو كان مسبوقاً بالتعهد والاستعمال من الآخرين فيكون مستعمل الالفاظ مع ذلك التعهد واضعاً، ولو كانت استعمالاته مسبوقة بالاستعمال من الآخرين، فإن عدم إعراضه عن استعمال السابقين وإقرار اللفظ على ما هو عليه إمضاء للتعهد والقرار، فكل مستعمل واضع، غاية الأمر السابق ـ لسبقه في التعهد والاستعمال ـ يطلق عليه الواضع، وعلى ذلك فما يرى من خطور المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ ولو من غير شاعر فهو ليس من الدلالة الوضعية، بل منشأه أنس الاذهان لكثرة الاستعمال(19).
ولكن لا يخفى أنه لو كان الأمر كذلك لكان الانس حاصلاً بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى لا نفسه.
والصحيح أن الوضع في الالفاظ عبارة عن جعلها علامات للمعاني، والغرض من جعل العلامة تفهيمها بها، فالمعنى هو الموضوع له ومسمى اللفظ، لا أن إرادة المعنى نفسها مسمى اللفظ، ثم إن هذا التعيين وجعل اللفظ علامة للمعنى قد يكون إبتدائياً، وقد يكون مسبوقاً بالاستعمالات المتكررة بالعناية وملاحظة العلاقة فيكون الوضع تعينيا.
ثم إن الملحوظ حال الوضع إما أن يكون عاماً
[1]._________________________________________________________
[1]
حاصل ما ذكره (قدس سره) في المقام: أن وضع اللفظ لمعنى يتوقف على لحاظ ذلك المعنى فإن كان المعنى الملحوظ عاماً يعني كلياً يكون في ذلك العام جهتان، إحداهما: أنـه معنى من المعاني، وبهذا الاعتبار يكون وضع اللفظ له من الوضع العام والموضوع له العام. وثانيتهما: جهة كونه عنوانا لأفراده ووجوداته وصورة لها، وبهذا الاعتبار يكون وضع اللفظ من الوضع العام والموضوع له الخاص فإن الموضوع له في الحقيقة وجوداته وأفراده غاية الأمر لم تلاحظ تلك الافراد تفصيلاً بل إجمالاً، يعني بعنوانها وبالصورة المشتركة بينها.وأما إذا كان المعنى الملحوظ جزئياً فبما أن لحاظه ليس إلا لحاظ نفسه لا غيره من سائر الافراد ولا للصورة المشتركة بينها حيث إن الجزئي لا يكون صورة لغيره فيكون وضع اللفظ له من الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
نعم إذا لوحظ الجزئي فربما ينتقل الذهن إلى أن له كلياً ويوضع اللفظ لذلك الكلي، فهذا أمر ممكن إلا أن الوضع في هذا الفرض كالموضوع له عام، فإنه لوحظ المعنى العام ثانياً، بعد تصور الجزئي أولاً، وفرق بين تصور الشيء بعنوانه وصورته المرآتية كما في الوضع العام والموضوع له الخاص، وبين تصور الشيء بنفسه ولو بعد الانتقال إليه من تصور شيء آخر كما في حالة الانتقال إلى أن للجزئي كلياً.
لا يقال: كون اللفظ موضوعاً للجزئي أو استعماله فيه يلازم إدخال الخصوصيات الموجبة للجزئية في ذلك المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه، وتصور العام في مقام الوضع أو الاستعمال لا يكون إلا تصوراً لنفسه وهي الجهة المشتركة بين افراده مع حذف خصوصيات الافراد في الملحوظ لا يكون الموضوع له خاصاً فلابد من جعل الموضوع له المعنونات بذلك العنوان بأن يلاحظ ما يكون إنساناً أو غيره بالحمل الشايع ويجعل الموضوع له هو المعنون، لا العنوان، وهذا في الحقيقة انتقال إلى الجزئي، ولحاظه إجمالاً بعد تصور العام ويجري ذلك في الوضع الخاص والموضوع له العام الذي ذكر قسما رابعاً للوضع بان يلاحظ الجزئي أولاً ويوضع اللفظ لما هو عنوان له، وبالجملة يكون في كلتا الصورتين تصور المعنى بنفسه ولو إجمالاً، بعد تصور شيء آخر عام أو خاص.
فإنه يقال: إن إمكان الوضع العام والموضوع له الخاص إنما هو باعتبار أن لحاظ معنى بخارجيته كاف في جزئيته، فإن المعنى الكلي يمكن تصوره بحيث يكون لحاظاً لتلك الوجودات العينية، حيث إن الكلي عينها خارجاً، كما يمكن ملاحظته بحيث يقبل الاتصاف بالوجود والعدم. فإن كان اللفظ قد وضع له مع الاغماض عن العينيات الخارجية، بحيث يكون قابلاً للاتصاف بكل من الوجود والعدم، كان الموضوع له كالوضع عاماً، وإن كان اللفظ قد ضع له بلحاظ العينيات الخارجية بحيث لا يقبل الاتصاف بالوجود والعدم بل يكون الأمر فيه نظير ما في الاعلام الشخصية في عدم اتصافها بالوجود والعدم كان الموضوع له خاصاً، مثلاً، في العنقاء يصح أن يقال: إنه معدوم، ولا يصح أن يقال: زيد معدوم، بل يقال: إنه غير باق. والحاصل أن الطبيعي عين وجوداته خارجاً، فلحاظه بجهة خارجيته كاف في كون الموضوع له خاصاً، والمراد بجهة العينية واقعها لا مفهوم العينية فإن مفهومها هو عين مفهوم الوجود، كما هو ظاهر.