الدليل الشرعي(1 - الدليل الشرعي اللفظي)
تمهيد
لما كان الدليل الشرعي اللفظي يتمثل في الفاظ يحكمها نظام اللغة.. ناسب ذلك أن نبحث في مستهل الكلام عن العلاقات اللغوية بين الالفاظ والمعاني، ونصنف اللغة بالصورة التي تساعد على ممارسة الدليل اللفظي والتمييز بين درجات من الظهور اللفظي.
الظهور التصوري والظهور التصديقي
إذا سمعنا كلمة مفردة كالماء من آلة إنتقل ذهننا إلى تصور المعنى، وكذلك إذا سمعناها من إنسان متلفت، ولكننا في هذه الحالة لا نتصور المعنى فحسب بل نستكشف من اللفظ إن الانسان قصد بتلفظه أن يخطر ذلك المعنى في ذهننا، بينما لا معنى لهذا الاستكشاف حينما تصدر الكلمة من آلة، فهناك إذن دلالتان لكلمة الماء أحدهما: الدلالة الثابتة حتى في حالة الصدور من آلة وتسمى بالدلالة التصورية. والاخرى: الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت وتسمى بالدلالة التصديقية.
وإذا ضم المتلفظ الملتفت كلمة أخرى فقال (الماء بارد) إستكسفنا أنه يريد أن يخطر في ذهننا معنى الماء ومعنى بارد، ومعنى جملة الماء بارد ككل. ولكن
[184]
لماذا يريد أن نتصور ذلك كله؟ والجواب أن تلفظه بهذه الجملة يدل عادة على أن المتكلم يريد بذلك أن يخبرنا ببرودة الماء ويقصد الحكاية عن ذلك، بينما في بعض الحالات لا يكون قاصدا ذلك كما في حالات الهزل، فإن الهازل لا يقصد إلا إخطار صورة المعنى في ذهن السامع فقط على خلاف المتكلم الجاد.
فالمتكلم الجاد حينما يقول الماء بارد يكتسب كلامه ثلاث دلالات وهي: الدلالة التصورية المتقدمة، والدلالة التصديقية المتقدمة، ولنسميها بالدلالة التصديقية الاولى، ودلالة ثالثة هي الدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن برودة الماء، وتسمى بالدلالة على المراد الجدي، كما تسمى بالدلالة التصديقية الثانية. وأما الهازل حين يقول الماء بارد، فلكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى دون الدلالة التصديقية الثانية، لانه ليس جادا ولا يريد الاخبار حقيقية، وأما الآلة حين تردد الجملة ذاتها فليس لها إلا دلالة تصورية فقط. وهكذا امكن التمييز بين ثلاثة اقسام من الدلالة.
الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدمة
والدلالة التصويرية هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، ولما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر، إتجه البحث إلى تبريرها، ومن هنا نشأت عدة إحتمالات.
الاول: إحتمال السببية الذاتية بأن يكون اللفظ بذاته دالا على المعنى وسببا لاحضار صورته. ولا شك في سقوط هذا الاحتمال لما هو معروف بالخبرة والملاحظة من عدم وجود أية للفظ لدى الانسان قبل الاكتساب والتعلم.
الثاني: إفتراض أن السببية المذكورة نشأت من وضع الواضع اللفظ للمعنى، والوضع نوع إعتبار يجعله الواضع وإن إختلف المحققون في نوعية
[185]
المعتبر، فهناك من قال إنه إعتبار سببية اللفظ لتصور المعنى، ومن قال إنه إعتبار كون اللفظ اداة لتفهيم المعنى، ومن قال إنه إعتبار ون اللفظ على المعنى، كما توضع الاعمدة على رؤوس الفراسخ.
ويرد على هذا المسلك بكل محتملاته أن سببية اللفظ لتصور المعنى سببية واقعية بعد الوضع، ومجرد إعتبار كون شئ سببا لشئ أو إعتبار ما يقارب هذا المعنى لا يحقق السببية واقعا، فلا بد لاصحاب مسلك الاعتبار في الوضع أن يفسروا كيفية نشوء السببية الواقعية من الاعتبار المذكور، وقد يكون عجز هذا المسلك عن تفسير ذلك أدى بآخرين إلى إختيار الاحتمال الثالث الآتي: الثالث: أن دلالة اللفظ تنشأ من الوضع، والوضع ليس إعتبارا، بل هو تعهد من الواضع بأن لا يأتي باللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى، وبذلك تنشأ ملازمة بين الاتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى، ولازم ذلك أن يكون الوضع هو السبب في الدلالة التصديقية المستبطنة ضمنا للدلالة التصورية، بينما على مسلك الاعتبار لا يكون الوضع سببا الا للدلالة التصورية. وهذا فرق مهم بين المسلكين، وهناك فرق آخر وهو أنه بناء على التعهد يجب إفتراض كل متكلم متعهدا وواضعا لكي تتم الملازمة في كلامه، وأما بناء على مسلك الاعتبار فيفترض ان الوضع اذا صدر في البداية من المؤسس أوجب دلالة تصورية عامة لكل من علم به بدون حاجة إلى تكرار عملية الوضع من الجميع. ويرد على مسلك التعهد.
أولا: ان المتكلم لا يتعهد عادة، بأن لا يأتي باللفظ إلا إذا قصد تفهيم المعنى الذي يريد وضع اللفظ له، لان هذا يعني إلتزامه ضمنا بأن لا يستعمله مجازا، مع أن كل متكلم كثيرا ما يأتي باللفظ به تفهيم المعنى المجازي، فلا يحتمل صدور الالتزام الضمني المذكور من كل متكلم.
[186]
وثانيا: أن الدلالة اللفظية والعلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن إستدلالا منطقيا وإدراكا للملازمة وإنتقالا من أحد طرفيها إلى الآخر، مع أن وجودها في حياة الانسان يبدأ منذ الادوار الاولى لطفولته وقبل أن ينضح أي فكر إستدلالي له، وهذا يبرهن على إنها أبسط من ذلك.
والتحقيق أن الوضع يقوم على أساس قانون تكويني للذهن البشري، وهو: أنه كلما إرتبط شيئان في تصور الانسان ارتباطا مؤكدا اصبح بعد ذلك تصور أحدهما مستدعيا لتصور الآخر.
وهذا الربط بين تصورين تارة يحصل بصورة عفوية، كالربط بين سماع الزئير وتصور الاسد الذي حصل نتيجة التقارن الطبيعي المتكرر بين سماع الزئير ورؤية الاسد، وأخرى يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع، إذ يربط بين اللفظ وتصور معنى مخصوص في ذهن الناس فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى، والاعتبار الذي تحدثنا عنه في الاحتمال الثاني، ليس إلا طريقة يستعملها الواضع في ايجاد ذلك الربط والقرن المخصوص بين اللفظ وصورة المعنى. فمسلك الاعتبار هو الصحيح، ولكن بهذا المعنى وبذلك صح أن يقال إن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ وتصور المعنى بنحو أكيد لكي يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن. ومن هنا نعرف أن الوضع ليس سببا إلا للدلالة التصورية، وأما الدلالتان التصديقيتان الاولى والثانية، فمنشأهما الظهور الحالي والسياقي للكلام لا الوضع.
الوضع التعييني والتعيني:
وقد قسم الوضع من ناحية سببه إلى تعييني وتعيني، فقيل إن العلاقة بين اللفظ والمعنى أن نشأت من جعل خاص فالوضع تعييني، وإن نشأت من كثرة
[187]
الاستعمال بدرجة توجب الالفة الكاملة بين اللفظ والمعنى فالوضع تعيني.
ويلاحظ على هذا التقسيم بأن الوضع إذا كان هو الاعتبار أو التعهد، فلا يمكن أن تنشأ عن كثرة الاستعمال مباشرة، لوضوح أن الاستعمال المتكرر لا يولد بمجرده إعتبارا ولا تعهدا، فلا بد من إفتراض أن كثرة الاستعمال تكشف عن تكون هذا الاعتبار أو التعهد، فالفرق بين الوضعين في نوعية الكاشف عن الوضع.
وهذه الملاحظة لا ترد على ما ذكرناه في حقيقة الوضع من أنه القرن الاكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى، فإن حالة القرن الاكيد تحصل بكثرة الاستعمال أيضا لانها تؤدي إلى تكرر الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى فيكون القرن بينهما أكيدا بهذا التكرر إلى أن يبلغ إلى درجة تجعل أحد التصورين صالحا لتوليد التصور الآخر فيتم بذلك الوضع التعيني.
توقف الوضع على تصور المعنى
ويشترط في كل وضع يباشره الواضع أن يتصور الواضع المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له لان الوضع بمثابة الحكم على المعنى واللفظ، وكل حاكم لا بد له من إستحضار موضوع حكمه عند جعل ذلك الحكم. وتصور المعنى تارة يكون بإستحضاره مباشرة وأخرى بإستحضار عنوان منطبق عليه وملاحظته بما هو حاك عن ذلك المعنى. وهذا الشرط يتحقق في ثلاث حالات:
الاولى: أن يتصور الواضع معنى كليا كالانسان ويضع اللفظ بإزائه ويسمى بالوضع العام والموضوع له العام.
الثانية: إن يتصور الواضع معنى جزئيا كزيد ويضع اللفظ بإزائه ويسمى بالوضع الخاص والموضوع له الخاص.
[188]
الثالثة: أن يتصور الواضع عنوانا مشيرا إلى فرده ويضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال ذلك العنوان المشير ويسمى بالوضع العام والموضوع له الخاص.
وهناك حالة رابعة لا يتوفر فيها الشرط المذكور ويطلق عليها إسم الوضع الخاص والموضوع له العام وهي أن يتصور الفرد ويضع اللفظ لمعنى جامع، وهذا مستحيل لان الفرد والخاص ليس عنوانا منطبقا على ذلك المعنى الجامع ليكون مشيرا إليه، فالمعنى الجامع في هذه الحالة لا يكون مستحضرا بنفسه ولا بعنوان مشيرا إليه ومنطبق عليه. ومثال الحالة الاولى أسماء الاجناس، ومثال الحالة الثانية الاعلام الشخصية، وأما الحالة الثالثة فقد وقع الخلاف في جعل الحروف مثالا لها وسيأتي الكلام عن ذلك في بحث مقبل إن شاء الله تعالى.
توقف الوضع على تصور اللفظ
كما يتوقف الوضع على تصور المعنى كذلك يتوقف على تصور اللفظ، أما بنفسه فيسمى الوضع شخصيا، وأما بعنوان مشير اليه فيسمى الوضع نوعيا.
ومثال الاول: وضع اسماء الاجناس.
ومثال الثاني: وضع الهيئة المحفوظة في ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة إسم الفاعل، فإن الهيئة لما كانت لا تنفصل في مقام التصور عن المادة وكان من الصعب إحضار تمام المواد عند وضع إسم الفاعل إعتاد الواضع أن يحضر الهيئة في ضمن مادة معينة كفاعل، ويضع كل ما كان على هذه الوتيرة للمعنى الفلاني فيكون الوضع نوعيا.
[189]
المجاز
يكتسب اللفظ بسبب وضعه للمعنى الحقيقي صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقي من أجل الاقتران الخاص بينهما، كما يكتسب صلاحية الدلالة على كل معنى مقترن بالمعنى الحقيقي إقترانا خاصا كالمعاني المجازية المشابهة، غير أنها صلاحية بدرجة أضعف، لانها تقوم على أساس مجموع إقترانين، ومع إقتران اللفظ بالقرينة على المعنى المجازي تصبح هذه الصلاحية فعلية ويكون اللفظ دالا فعلا على المعنى المجازي. وأما في حالة عدم وجود القرينة فالذي ينسبق إلى الذهن من اللفظ تصور المعنى الموضوع له، ومن هنا يقال إن ظهور الكلام في مرحلة المدلول التصوري يتعلق بالمعنى الموضوع له دائما بمعنى أنه هو الذي تأتي صورته إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ دون المعنى المجازي. وما ذكرناه من إكتساب اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي لا يحتاج إلى وضع خاص وراء وضع اللفظ لمعناه الحقيقي، وإنما يحصل بسبب وضعه للمعنى الحقيقي:
وإنما الكلام في أنه هل يصح إستعمال اللفظ في المعنى المجازي ما دام أصبح صالحا للدلالة عليه أو تتوقف صحته على وضع معين، وعلى تقدير القول بالتوقف لا بد من تصوير الوضع المصحح للاستعمال المجازي بنحو يختلف عن الوضع للمعنى الحقيقي - وإلا لانقلب المعنى المجازي إلى حقيقي وهو خلف - ويحفظ الطولية بين الوضعين على نحو يفسر أسبقية المعنى الحقيقي إلى الذهن عند سماع اللفظ المجرد عن القرينة، وذلك بأن يدعى مثلا وضع اللفظ المنضم إلى القرينة للمعنى المجازي فحيث لا قرينة تنحصر علاقة اللفظ بالمعنى الحقيقي ولا يزاحمه المعنى المجازي.
[190]
والصحيح عدم الاحتياج إلى وضع المجاز لتصحيح الاستعمال، لانه إن أريد بصحة الاستعمال حسنة فواضح أن كل لفظ له صلاحية الدلالة على معنى يحسن إستعماله فيه وقصد تفهيمه به، واللفظ له هذه الصلاحية بالنسبة إلى المعنى المجازي كما عرفت فيصح إستعماله فيه، وان أريد بصحة الاستعمال إنتسابه إلى اللغة التي يريد المتكلم التكلم بها فيكفي في ذلك أن يكون الاستعمال مبنيا على صلاحية في اللفظ للدلالة على المعنى ناشئة من أوضاع تلك اللغة.
علامات الحقيقة والمجاز
ذكر المشهور عدة علامات لتمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.
منها: التبادر من اللفظ أي إنسباق المعنى إلى الذهن منه لان المعنى المجازي لا يتبادر من اللفظ إلا بضم القرينة، فإذا حصل التبادر بدون قرينة كشف عن كون المتبادر معنى حقيقيا. وقد يعترض على ذلك بأن تبادر المعنى الحقيقي من اللفظ يتوقف على علم الشخص بالوضع فإذا توقف علمه بالوضع على هذه العلامة لزم الدور.
وأجيب على ذلك بأن التبادر يتوقف على العلم الارتكازي بالمعنى وهو العلم المترسخ في النفس الذي يلتئم مع الغفلة عنه فعلا والمطلوب من التبادر العلم الفعلي المتقوم بالالتفات فلا دور، كما أن افتراض كون التبادر عند العالم علامة عند الجاهل لا دور فيه أيضا. والتحقيق أن الاعتراض بالدور لا محل له اساسا لانه مبني على افتراض ان انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ فرع العلم بالوضع مع إنه فرع نفس الوضع أي وجود عملية القرن الاكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهن الشخص، فالطفل الرضيع الذي إقترنت عنده كلمة "ماما" برؤية أمه يكفي نفس هذا الاقتران الاكيد ليتصور أمه عندما يسمع كلمة " ماما " مع إنه ليس عالما بالوضع إذ لا يرعف معنى الوضع.
[191]
فالتبادر إذن يتوقف على وجود عملية القرن الاكيد بين التصورين في ذهن الشخص، والمطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أي العلم بذلك القرن الاكيد فلا دور.
ومنها: صحة الحمل فإن صح الحمل الاولي الذاتي للفظ المراد إستعلام حاله على معنى ثبت كونه هو المعنى الموضوع له، وإن صح الحمل الشايع ثبت كون المحمول عليه مصداقا لعنوان هو المعنى له اللفظ، وإذا لم يصح كلا الحملين ثبت عدم كون المحمول عليه نفسه المعنى الموضوع له ولا مصداقه.
والصحيح أن صحة الحمل إنما تكون علامة على كون المحمول عليه هو نفس المعنى المراد في المحمول أو مصداق المعنى المراد، أما أن هذا المعنى المراد في جانب المحمول هل هو معنى حقيقى للفظ او مجازى، فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحة الحمل، بل لا بد أن يرجع الانسان إلى مرتكزاته لكي يعين ذلك.
ومنها: الاطراد وهو أن يصح إستعمال اللفظ في المعنى المشكوك كونه حقيقيا في جميع الحالات، وبلحاظ أي فرد من أفراد ذلك المعنى فيدل الاطراد في صحة الاستعمال على كونه هو المعنى الحقيقي للفظ، إذ لا إطراد في صحة الاستعمال في المعنى المجازي.
وقد أجيب على ذلك بأن الاستعمال في معنى إذا صح مجازا ولو في حال وبلحاظ فرد صح دائما، وبلحاظ سائر الافراد مع الحفاظ على كل الخصوصيات والشؤون التي بها صح الاستعمال في تلك الحالة أو في ذلك الفرد، فالاطراد ثابت إذن في المعاني المجازية أيضا مع الحفاظ على الخصوصيات التي بها صح الاستعمال.
تحويل المجاز إلى حقيقة
إذا استعمل الانسان كلمة الاسد مثلا الموضوعة للحيوان المفترس في الرجل الشجاع فهذا إستعمال مجازي.
[192]
وقد يحتال لتحويله إلى إستعمال حقيقي بأن يستعمله في الحيوان المفترس ويطبقه على الرجل الشجاع، بإفتراض أنه مصداق للحيوان المفترس، إذ بالامكان أن يفترض غير المصداق مصداقا بالاعتبار والعناية، ففي هذه الحالة لا يوجد تجوز في الكلمة لانها استعملت فيما وضعت له، وإنما العناية في تطبيق مدلولها على غير مصداقه فهو مجاز عقلي لا لفظي.
إستعمال اللفظ وإرادة الخاص
إذا إستعمل اللفظ وأريد به معنى مباين لما وضع له فهو مجاز بلا شك. وإما إذا كان المعنى الموضوع له اللفظ ذا حصص وحالات كثيرة وأريد به بعض تلك الحصص، كما إذا أتيت بلفظ الماء واردت ماء الفرات فهذا له حالتان: الاولى: أن تستعمل لفظة الماء بمفردها في تلك الحصة بالذات أي في ماء الفرات بما هو ماء خاص، وهذا يكون مجازا لان اللفظ لم يوضع للخاص بما هو خاص.
الثانية: ان تستعمل لفظة الماء معناها المشترك بين ماء الفرات وغيره وتأتي بلفظ آخر يدل على خصوصية الفرات بان تقول ائتني بماء الفرات، فالحصة الخاصة قد أفيدت بمجموع كلمتي ماء والفرات لا بكلمة ماء فقط، وكل من الكلمتين قد إستعملت في معناها الموضوعة له فلا تجوز، ونطلق على إرادة الخاص بهذا النحو طريقة تعدد الدال والمدلول، فطريقة تعدد الدال والمدلول نعني بها افادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال وبازاء كل دال واحد من تلك المعاني.
الاشتراك والترادف
لاشك في إمكان الاشتراك وهو وجود معنيين للفظ واحد والترادف وهو وجود لفظين لمعنى واحد بناء على غير مسلك التعهد في تفسير الوضع،
[193]
ومجرد كون الاشتراك مؤديا إلى الاجمال وتردد السامع في المعنى المقصود لا يوجب فقدان الوضع المتعدد لحكمته، لان حكمته إنما هي إيجاد ما يصلح للتفهيم في مقام الاستعمال ولو بضم القرينة.
وأما على مسلك التعهد إذا فلا يخلو تصوير الاشتراك والترادف من إشكال، لان التعهد إذا كان بمعنى الالتزام بعدم الايتان باللفظ، إلا إذا قصد تفهيم المعنى الذي يضع له اللفظ امتنع الاشتراك المضتمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى لفظ واحد، اذ يلزم ان يكون عند الاتيان باللفظ قاصدا لكلا المعنيين وفاء بكلا التعهدين، وهو غير مقصود من المتعهد جزما، وإذا كان التعهد بمعنى الالتزام بالاتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى امتنع الترادف المتضمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى معنى واحد، إذ يلزم أن يأتي بكلا اللفظين عند قصد تفهيم المعنى، وهو غير مقصود من المتعهد جزما.
وحل الاشكال اما بإفتراض تعدد المتعهد او وحدة المتعهد بان يكون متعهدا بعدم الاتيان باللفظ إلا اذا قصد تفيهم أحد المعنيين بخصوصه، أو متعهدا عند قصد تفيهم المعنى بالاتيان بأحد اللفظين، أو فرض تعهدين مشروطين على نحو يكون المتعهد به في كل منهما مقيدا بعدم الآخر.
تصنيف اللغة
تنقسم اللغة إلى كلمة بسيطة وكلمة مركبة، وهيئة تركيبية، تقوم بأكثر من كلمة، فالكلمة البسيطة هي الكلمة الموضوعة بمادة حروفها وتركيبا الخاص، بوضع واحد للمعنى، من قبيل أسماء الاجناس وأسماء الاعلام والحروف. والكلمة المركبة هي الكلمة التي يكون لهيئتها وضع، ولمادتها وضع آخر من قبيل الفعل، والهيئة التركيبية وهي الهيئة التي تحصل بانضمام كلمة إلى أخرى وتكون موضوعة لمعنى خاص.
والهيئات والحروف عموما لا تستقل معانيها بنفسها لانها من سنخ النسب والارتباطات، ففي قولنا: السير إلى مكة
[194]
المكرمة واجب، تدل (إلى) على نسبة خاصة بين السير ومكة، حيث إن السير ينتهي بمكة، وتدل هيئة مكة المكرمة على نسبة وصفية وهي كون (المكرمة) وصاف لمكة وتدل هيئة جملة السير.. واجب على نسبة خاصة بين السير وواجب، وهي أن الوجوب ثابت فعلا للسير.
والنسبة التي يدل عليها الحرف غير كافية بمفردها لتكوين جملة تامة، ولهذا تسمى بالنسبة الناقصة. وأما الهيئات فبعضها يدل على النسبة الناقصة كهيئة الجملة الوصفية وبعضها يدل على النسبة التي تتكون بها جملة تامة وتسمى نسبة تامة، وذلك كهيئة الجملة الخبرية او هيئة الجملة الانشائية من قبيل زيد عالم وصم. ويصطلح أصوليا على التعبير بالمعنى الحرفي عن كل نسبة، سواء كانت مدلولة للحرف أو الهيئة الجملة الناقصة أو لهيئة الجملة التامة، وبالمعنى الاسمي عما سوى ذلك من المدلولات. ويختلف المعنى الحرفي عن المعني الاسمي في أمور منها: أن المعنى الحرفي بإعتباره نسبة وكل نسبة متقومة بطرفيها فلا يمكن أن يلحظ دائما ضمن طرفي النسبة، وأما المعنى الاسمي فيمكن أن يلحظ بصورة مستقلة.
وقد ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) إلى التفرقة بين المعاني الاسمية والمعاني الحرفية بأن الاولى إخطارية والثانية إيجادية. والمستفاد من ظاهر كلمات مقرري بحثه أن مراده بكون المعني الاسمي إخطاريا، أن الاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام، وليس دور الاسم إلا التعبير عن ذلك المعنى، ومراده بكون المعنى الحرفي إيجاديا أن الحرف أداة للربط بين مفردات الكلام فمدلوله هو نفس الربط الواقع في مرحلة الكلام بين مفرداته، ولا يعبر عن معنى أسبق رتبة من هذه المرحلة، ومن هنا يكون الحرف موجدا لمعناه لان معناه ليس إلا الربط الكلامي الذي يحصل به.
[195]
وهذا المعنى من الايجابية للحرف واضح البطلان لان الحرف وإن كان يوجد الربط في مرحلة الكلام ولكنه إنما يوجد ذلك بسبب دلالته على معنى، أي على الجانب النسبي والربطي في الصورة الذهنية ونسبته إلى الربط القائم في الصورة الذهنية على حد ربط الاسم بالمعاني الاسمية الداخلة في تلك الصورة، فلا تصح التفرقة بين المعاني الاسمية والحرفية بالاخطارية والايجادية. نعم هناك معنى آخر دقيق ولطيف لايجادية المعاني الحرفية تتميز بها عن المعاني الاسمية تأتي الاشارة إليه في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.
المقارنة بين الحروف والاسماء الموازية لها
كل حرف نجد تعبيرا إسميا موازيا له ف (إلى) يوازيها في الاسماء (إنتهاء) و (من) يوازيها (ابتداء) و (في) توازيها (ظرفية) وهكذا، وعلى الرغم من الموازة، فإن الحرف والاسم الموازي له ليسا مترادفين بدليل أنه لا يمكن إستبدالأحدهما في موضع الآخر كما هو الشآن في المترادفين عادة. والسبب في ذلك يعود إلى أن الحرف يدل على النسبة، والاسم يدل على مفهوم إسمي يوازي تلك النسبة ويلازمها، ومن هنا لم يكن بالامكان أن يفصل مدلول (إلى) عن طرفيه ويلحظ مستقلا، لان النسبة لا تنفصل عن طرفيها بينما بالامكان أن نلحظ كلمة الانتهاء بمفردها ونتصور معناها.
ونفس الشئ نجده في هيئات الجمل مع أسماء موازية لها، فقولك: زيد عالم إخبار بعلم زيد، فالاخبار بعلم زيد تعبير إسمي عن مدلول هيئة زيد عالم، إلا أنه لا يرادفه لوضوح أنك لو نطقت بهذا التعبير الاسمي لكنت قد قلت جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها، بينما (زيد عالم) جملة تامة يصح السكوت عليها.
[196]
تنوع المدلول التصديقي
عرفنا فيما سبق أن الالفاظ لها دلالة تصورية تنشأ من الوضع، ولها دلالة تصديقية تنشأ من السياق.
والدلالة التصديقية الاولى تشترك فيها الكلمات والجمل الناقصة والجمل التامة. والدلالة التصديقية الثانية على المراد الجدي تختص بها الجمل التامة. وسنخ المدلول التصديقي الاول واحد في جميع الالفاظ وهو قصد المتكلم إخطار صورة المعنى في ذهن السامع. وأما سنخ المدلول التصديقي الثاني أن المراد الجدي فيختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى. فالجملة الخبرية مثل (زيد عالم) مدلولها الجدي قصد الاخبار والحكاية عن النسبة التامة التي تدل عليها هيئتها، والجملة الاستفهامية (هل زيد عالم) مدلولها الجدي طلب الفهم والاطلاع على وقوع تلك النسبة التامة، والجملة الطلبية (صل) مدلولها الجدي طلب إيقاع النسبة التامة التي تدل عليها هيئة صل أي طلب وقوع الصلاة من المخاطب.
ويختلف في ذلك السيد الاستاذ فإنه بنى - كما عرفنا سابقا - على أن الوضع عبارة عن التعهد وفرع عليه أن الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع دلالة تصديقية لا تصورية بحتة، وعلى هذا الاساس إختار أن كل جملة تامة موضوعة بالتعهد لنفس مدلولها التصديقي الجدي مباشرة وقد عرفت الحال في مبناه سابقا.
المقارنة بين الجمل التامة والناقصة
لا شك في أن المعنى الموضوع له للجملة التامة يختلف عن المعنى الموضوع له للجملة الناقصة، لان الاولى يصح السكوت عليها دون الثانية. وهذا الاختلاف يوجد تفسيران له: أحدهما مبني على أن المعنى الموضوع له هو المدلول التصديقي مباشرة كما إختاره السيد الاستاذ تفريعا على تفسيره للوضع بالتعهد.
[197]
وحاصله أن الجملة التامة في قولنا: (المفيد عالم) موضوعة لقصد الحكاية والاخبار عن ثبوت المحمول للموضوع، والجملة الناقصة الوصفية في قولنا: (المفيد عالم) موضوعة لقصد إخطار صورة هذه الحصة الخاصة. والجواب على ذلك ما تقدم من أن المعنى الموضوع له غير المدلول التصديقي بل هو المدلول التصوري، والمدلول التصوري للحروف والهيئات هو النسبة، فلا بد من إفتراض فرق بين نحوين من النسبة احدهما يكون مدلولا للجملة التامة، والآخر مدلول للجملة الناقصة.
والتفسير الآخر أن هيئة كلتا الجملتين موضوعة للنسبة ولكنها في أحدهما اندماجية وفي الاخرى غير إندماجية، وكل جملة موضوعة للنسبة الاندماجية فهي ناقصة، لانها تحول المفهومين إلى مفهوم واحد وتصير الجملة في قوة كلمة واحدة، وكل جملة موضوعة للنسبة غير الاندماجية فهي جملة تامة. وقد تقدم في الحلقة السابقة بعض الحديث عن ذلك.
الدلالات الخاصة والمشتركة
هذه نبذة تمهيدية عن الدلالة اللفظية وعلاقات الالفاظ بالمعاني نكتفي بها للدخول في الحديث عن تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي، ومن الواضح ان هذه الدلالات على قسمين: فبعضها دلالات خاصة ترتبط ببعض المسائل الفقهية كدلالة كلمة الصعيد أو الكعب، وبعضها دلالات عامة تصلح أن تكون عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط في مختلف أبواب الفقه كدلالة الامر على الوجوب. وقد عرفت سابقا أن ما يدخل في البحث الاصولي إنما هو القسم الثاني، ولهذا فسوف يكون البحث عن الدلالات العامة للدليل الشرعي اللفظي.
 |