الاطلاق
الاطلاق يقابل التقييد، فان تصورت معنى ولاحظت فيه وصفا خاصا او حالة معينة، كان ذلك تقييدا، وان تصورته بدون ان تلحظ معه أي وصف او حالة اخرى كان ذلك إطلاقا، فالتقييد إذن هو لحاظ خصوصية زائدة في الطبيعة، والاطلاق عدم لحاظ الخصوصية الزائدة.
والطبيعة محفوظة في كلتا الحالتين: غير انها تتميز في الحالة الاولى بأمر وجودي وهو لحاظ الخصوصية، وتتميز في الحالة الثانية بأمر عدمي وهو عدم لحاظ الخصوصية. ومن هنا يقع البحث في ان كلمة انسان مثلا أو أي كلمة مشابهة هل هي موضوعة للطبيعة المحفوظة في كلتا الحالتين فلا التقييد دخيل في المعنى الموضوع له ولا الاطلاق، بل الكلمة بمدلولها تلائم كلا الامرين، او ان الكلمة موضوعة للطبيعة المطلقة فتدل الكلمة بالوضع على الاطلاق وعدم لحاظ القيد.
وقد وقع الخلاف في ذلك، ويترتب على هذا الخلاف أمران: أحدهما: إن استعمال اللفظ وارادة المقيد على طريقة تعدد الدال والمدلول يكون استعمالا حقيقا على الوجه الاول، لان المعنى الحقيقي للكلمة محفوظ في ضمن المقيد والمطلق على السواء، ويكون مجازا على الوجه الثاني لان الكلمة لم تستعمل في المطلق مع انها موضوعة للمطلق، اي للطبيعة التي لم يلحظ معها قيد بحسب الفرض.
والامر الآخر: إن الكلمة إذا وقعت في دليل حكم، كما إذا أخذت
[207]
موضوعا للحكم مثلا ولم نعلم ان الحكم هل هو ثابت لمدلول الكلمة على الاطلاق، او لحصة مقيدة منه أمكن على الوجه الثاني ان نستدل بالدلالة الوضعية للفظ على الاطلاق، لانه مأخوذ في المعنى الموضوع له وقيد له فيكون من القيود التي ذكرها المتكلم فنطبق عليه قاعدة احترازية القيود فثبت ان المراد الجدي مطلقا ايضا.
وأما على الوجه الاول فلا دلالة وضعية للفظ على ذلك، لان اللفظ موضوع بموجبه للطبيعة المحفوظة في ضمن المطلق والمقيد، وكل من الاطلاق والتقييد خارج عن المدلول الوضعي للفظ. فالمتكلم لم يذكر في كلامه التقييد ولا الاطلاق فلا يمكن بالطريقة السابقة ان نثبت الاطلاق بل لا بد من طريقة اخرى.
والصحيح هو الوجه الاول: لان الوجدان العرفي شاهد بان استعمال الكلمة في المقيد على طريقة تعدد الدال والمدلول ليس فيه تجوز. وعلى هذا الاساس نحتاج في إثبات الاطلاق إلى طريقة أخرى، إذا ما دام الاطلاق غير مأخوذ في مدلول اللفظ وضعا فهو غير مذكور في الكلام فلا يتاح تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه.
والطريقة الاخرى هي ما يسميها المحققون المتأخرون بقرينة الحكمة وجوهرها التمسك بدلالة تصديقية لظهور عرفي سياقي آخر غير ذلك الظهور الحالي السياقي الذي تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود، فقد عرفنا سابقا ان هذه القاعدة تعتمد على ظهور عرفي سيأتي مفاده، ان ما يقوله يريده حقيقة، ويوجد ظهور عرفي سياقي آخر مفاده: ان لا يكون شئ دخيلا وقيدا في مراده الجدي وحكمه ولا يبينه باللفظ، لان ظاهر حال المتكلم انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بخطابه، وحيث ان القيد ليس مبينا في حالة عدم نصب قرينة على التقييد فهو إذن ليس داخلا في المراد الجدي والحكم الثابت، وهذا هو الاطلاق المطلوب.
[208]
وهكذا نلاحظ ان كلا من قرينة الحكمة التي تثبت الاطلاق وقاعدة احترازية القيود تبتنى على ظهور عرفي سياقي حالي غير الظهور العرفي السياقي الحالي الذي تعتمد عليه الاخرى، فالقاعدة تبتنى على ظهور حال المتكلم في ان ما يقوله يريده، وقرينة الحكمة تبتنى على ظهور حال المتكلم في ان كل ما يكون قيدا في مراده الجدي يقوله في الكلام الذي صدر منه لابراز ذلك المراد الجدي اي انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بخطابه.
وقد يعترض على قرينة الحكمة هذه بان اللفظ إذا لم يكن يدل بالوضع إلا على الطبيعة المحفوظة في ضمن المقيد والمطلق معا فلا دال على الاطلاق، كما لا دال على التقييد، مع ان احدهما ثابت في المراد الجدي جزما، لان موضوع الحكم في المراد الجدي اما مطلق واما مقيد، وهذا يعني أنه على اي حال لم يبين تمام مراده بخطابه ولا معين حينئذ لافتراض الاطلاق في مقابل التقييد.
ويمكن الجواب على هذا الاعتراض بان ذلك الظهور الحالي السياقي لا يعني سوى ان يكون كلامه وافيا بالدلالة على تمام ما وقع تحت لحاظه من المعاني بحيث لا يكون هناك معنى لحظه المتكلم ولم يأت بما يدل عليه، لا ان كل ما لم يلحظه لا بد ان يأتي بما يدل على عدم لحاظه، فان ذلك مما لا يقتضيه الظهور الحالي السياقي، وعليه فإذا كان المتكلم قد اراد المقيد مع انه لم ينصب قرينة على القيد، فهذا يعني وقوع أمر تحت اللحاظ، زائد على الطبيعة وهو تقيدها بالقيد، لان المقيد يتميز بلحاظ زائد ولا يوجد في الكلام ما يبين هذا التقييد الذي وقع تحت اللحاظ، واذا كان المتكلم قد أراد المطلق فهذا لا يعني وقوع شئ تحت اللحاظ زائدا على الطبيعة، لان الاطلاق، كما تقدم عبارة عن عدم لحاظ القيد، فصح ان يقال: إن المتكلم لو كان قد اراد المقيد لما كان مبينا لتمام مرامه. لان القيد واقع تحت اللحاظ، وليس مدلولا للفظ، واذا كان مراده المطلق، فقد بين تمام ما وقع تحت لحاظه، لان نفس الاطلاق ليس واقعا تحت اللحاظ بل هو عدم لحاظ القيد الزائد.
[209]
ونستلخص من ذلك اننا بتوسط قرينة الحكمة نثبت الاطلاق، ونستغني بذلك عن اثباته بالدلالة الوضعية عن طريق اخذه قيدا في المعنى الموضوع له اللفظ، ثم تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه، لكن يبقى هناك فارق عملي بين اثبات الاطلاق بقرينة الحكمة، واثبات بالدلالة الوضعية، وتطبيق قاعدة احترازية القيود، وهذا الفارق العملي يظهر في حالة اكتناف الكلام بملابسات معينة تفقده الظهور السياقي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة، فلا يعود لحال المتكلم ظهور في انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بكلامه وأمكن ان يكون في مقام بيان بعضه، ففي هذه الحالة لا تتم قرينة الحكمة لبطلان الظهور الذي تعتمد عليه، فلا يمكن اثبات الاطلاق لمن يستعمل قرينة الحكمة لاثباته، وخلافا لذلك من يثبت الاطلاق بالدلالة الوضعية وتطبيق قاعدة احترازية القيود، فإن بإمكانه ان يثبت الاطلاق في هذه الحالة أيضا، لان الظهور الذي تعتمد عليه هذه عالقاعدة غير الظهور الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة كما عرفنا سابقا، وهو ثابت على أي حال.
ثم إن الاطلاق الثابت بقرينة الحكمة، تارة يكون شموليا، أي مقتضيا لاستيعاب الحكم لتمام افراد الطبيعة. واخرى يكون بدليا يكتفى في امتثال الحكم المجهول فيه إيجاد أحد الافراد.
ومثال الاول: اطلاق الكذب في (لا تكذب)، ومثال الثاني: اطلاق الصلاة في (صل).
والاطلاق تارة يكون أفراديا واخرى يكون أحواليا، والمقصود بالاطلاق الافرادي ان يكون للمعنى أفراد فيثبت بقرينة الحكمة انه لم يرد به بعض الافراد دون بعض، والمقصود بالاطلاق الاحوالي ان يكون للمعنى أحوال، كما في اسماء الاعلام، فإن مدلول كلمة زيد وإن لم يكن له افراد ولكن له أحوال متعددة، فيثبت بقرينة الحكمة، انه لم يرد به حال دون حال.
[210]
الاطلاق في المعاني الحرفية
مر بنا سابقا ان المعاني في المصطلح الاصولي تارة تكون معاني إسمية كمدلول عالم، (اكرم العالم)، واخرى معاني حرفية، كمدلول صيغة الامر في نفس المثال، ولا شك في ان قرينة الحكمة تجري على المعاني الاسمية، ويثبت بها إطلاقها، واما المعاني الحرفية فقد وقع النزاع في امكان ذلك بشأنها، مثلا: إذا شككنا في ان الحكم بالوجوب هل هو مطلق وثابت في كل الاحوال، او في بعض الاحوال دون بعض، فهل يمكن ان نطبق قرينة الحكمة على مفاد (اكرم) في المثال وهو الوجوب المفاد على نهج النسبة الطلبية والارسالية لاثبات انه مطلق أو لا؟ وسيأتي توضيح الحال في هذا النزاع في الحلقة الثالثة ان شاء الله تعالى. والصحيح فيه إمكان تطبيق مقدمات الحكمة في مثل ذلك.
التقابل بين الاطلاق والتقييد
إتضح مما ذكرناه ان هناك إطلاقا وتقييدا في عالم اللحاظ وفي مقام الثبوت، والتقييد هنا بمعنى لحاظ القيد، والاطلاق بمعنى عدم لحاظ القيد. وهناك ايضا إطلاق وتقييد في عالم الدلالة، وفي مقام الاثبات، والتقييد هنا بمعنى الاتيان في الدليل بما يدل على القيد، والاطلاق بمعنى عدم الاتيان بما يدل على القيد مع ظهور حال المتكلم في انه في مقام بيان تمام مراده بخطابه والاطلاق الاثباتي يدل على الاطلاق الثبوتي، والتقييد الاثباتي يدل على التقييد الثبوتي.
ولا شك في ان الاطلاق والتقييد متقابلان ثبوتا وإثباتا، غير ان التقابل على أقسام، فتارة يكون بين أمرين وجوديين كالتضاد بين الاستقامة والانحناء، وأخرى يكون بين وجود عدم، كالتناقض بين وجود البصر وعدمه، وثالثة يكون بين وجود صفة في موضع معين وعدمها في ذلك الموضع مع كون الموضع قابلا لوجودها فيه من قبيل البصر والعمى، فان العمى ليس عدم البصر، ولو في جدار، بل عدم البصر في كائن حي يمكن في شأنه ان يبصر.
[211]
وعلى هذا الاساس اختلف الاعلام في ان التقابل بين الاطلاق والتقييد الثبوتيين من أي واحد من هذه الانحاء، ومن الواضح على ضوء ما ذكرناه انه ليس تضادا، لان الاطلاق الثبوتي ليس امرا وجوديا، بل هو عدم لحاظ القيد، ومن هنا قيل تارة: بانه من قبيل تقابل البصر وعدمه، فالتقييد بمثابة البصر والاطلاق بمثابة عدمه، وقيل اخرى: إنه من قبيل التقابل بين البصر والعمى، فالتقييد بمثابة البصر والاطلاق بمثابة العمى.
واما التقابل بين الاطلاق والتقييد الاثباتيين فهو من قبيل تقابل البصر والعمى بدون شك بمعنى ان الاطلاق الاثباتي الكاشف عن الاطلاق الثبوتي هو عدم ذكر القيد في حالة يتيسر للمتكلم فيها ذكر القيد، والا لم يكن سكوته عن التقييد كاشفا عن الاطلاق الثبوتي.
الحالات المختلفة لاسم الجنس
مما ذكرناه يتضح ان أسماء الاجناس لا تدل على الاطلاق بالوضع، بل بالظهور الحالي وقرينة الحكمة.
ولاسم الجنس ثلاث حالات:
الاولى: ان يكون معرفا باللام من قبيل كلمة (البيع) في (احل الله البيع).
الثانية: ان يكون منكرا، اي منونا بتنوين التنكبير من قبيل كلمة (رجل) في (جاء رجل) او (جئني برجل).
الثالثة: ان يكون خاليا من التعريف والتنكير، كما في حالة كونه منونا بتنوين التمكين او كونه مضافا.
[2]
ويلاحظ ان اسم الجنس يبدو بوضعه الطبيعي وبدون تطعيم لمعناه، في الحالة الثالثة، بينما يطعم في الحالة الثانية بشئ من التنكير، وفي الحالة الاولى بشئ من التعريف اما الحيثية التي طعم بها مدلول اسم الجنس في الحالة الثانية، فاصبح نكرة، فالمعروف انها حيثية الوحدة، فالنكرة موضوعة للطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة، ولهذا لا يمكن ان يكون الاطلاق شموليا حين ينصب الامر على نكرة مثل (اكرم عالما)، وذلك لان طبيعة عالم مثلا حين تتقيد بقيد الوحدة لا يمكن ان تنطبق على اكثر من واحد - أي واحد - وهو معنى الاطلاق البدلي.
واما الحيثية التي طعم بها مدلول اسم الجنس في الحالة الاولى فاصبح معرفة فهي التعيين، فاللام تعين مدلول مدخولها وتطبقه على صورة مألوفة، إما بحضورها فعلا كما في العهد الحضوري، وإما بذكرها سابقا، كما في العهد الذكري، وإما باستئناس ذهني خاص بها، كما في العهد الذهني، وإما باستئناس ذهني عام بها، كما في لام الجنس، فان في الذهن لكل جنس انطباعات معينة تشكل لونا من الاستيناس العام الذهني بمفهوم ذلك الجنس، فان قيل: (نار) دلت الكلمة على ذات المفهوم وان قيل: (النار) واريد باللام لام الجنس افاد ذلك تطبيق هذا المفهوم على حصيلة تلك الانطباعات، وبذلك يصبح معرفة.
واسم الجنس في حالة كونه معرفة، وكذلك في الحالة الثالثة التي يخلو فيها من التعريف والتنكير معا يصلح للاطلاق الشمولي، ولهذا إذا قلت (اكرم العالم) جرت قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق الشمولي في كلمة (العالم).
الانصراف
قد يتكون - نتيجة لملابسات - أنس ذهني خاص بحصة معينة من حصص المعنى الموضوع له اللفظ، وهذا الانس على نحوين، احدهما: ان يكون نتيجة
[213]
لتواجد تلك الحصة في حياة الناس وغلبة وجودها على سائر الحصص.
والآخر: ان يكون نتيجة لكثرة استعمال اللفظ وارادة تلك الحصة على طريقة تعدد الدال والمدلول.
اما النحو الاول فلا يؤثر على إطلاق اللفظ شيئا لانه انس ذهني بالحصة مباشرة دون ان يؤثر في مناسبة اللفظ لها او يزيد في علاقته بما هو لفظ بتلك الحصة خاصة.
واما النحو الثاني فكثرة الاستعمال المذكورة قد تبلغ إلى درجة توجب نقل اللفظ من وضعه الاول إلى الوضع للحصة، او تحقق وضعا تعينيا للفظ لتلك الحصة بدون نقل، وقد لا توجب ذلك ايضا، ولكنها تشكل درجة من العلاقة والقرن بين اللفظ والحصة بمثابة تصلح ان تكون قرينة على ارادتها، خاصة من اللفظ، فلا يمكن حنيئذ اثبات الاطلاق بقرينة الحكمة، لانها تتوقف على ان لا يكون في كلام المتكلم ما يدل على القيد، وتلك العلاقة والانس الخاص يصلح للدلالة عليه.
الاطلاق المقامي
الاطلاق الذي استعرضناه وعرفنا انه يثبت بقرينة الحكمة والظهور الحالي السياقي نسميه الاطلاق اللفظي تمييزا له عن نحو آخر من الاطلاق لا بد من معرفته، نطلق عليه اسم الاطلاق المقامي. ونقصد بالاطلاق اللفظي حالة وجود صورة ذهنية للمتكلم وصدور الكلام منه في مقام التعبير عن تلك الصورة، ففي مثل هذا الحالة اذا ترددنا في هذه الصورة هل انها تشتمل على قيد غير مذكور في الكلام الذي سبق للتحدث عنها، كان مقتضى الظهور الحالي السياقي في ان المتكلم يبين تمام المراد بالخطاب مع عدم ذكره للقيد هو الاطلاق، وهذا هو الاطلاق اللفظي لانه يرتبط بمدلول اللفظ.
[214]
واما الاطلاق المقامي فلا يراد به نفي شئ لو كان ثابتا لكان قيدا في الصورة الذهنية التي يتحدث عنها اللفظ، وانما يراد به نفي شئ لو كانا ثابتا لكان صورة ذهنية مستقلة وعنصرا آخر، فاذا قال المتكلم: (الفاتحة جزء في الصلاة والركوع جزء فيها، والسجود جزء فيها...) وسكت، واردنا ان نثبت بعدم ذكره لجزئية السورة انها ليست جزءا كان هذا اطلاقا مقاميا.
ويتوقف هذا الاطلاق المقامي على احراز ان المتكلم في مقام بيان تمام اجزاء الصلاة، إذ ما لم يحرز ذلك لا يكون عدم ذكره لجزئية السورة كاشفا عن عدم جزئيتها، ومجرد استعراضه لعدد من اجزاء الصلاة لا يكفي لاحراز ذلك، بل يحتاج احرازه إلى قيام قرينة خاصة على انه في هذا المقام. وبذلك يختلف الاطلاق المقامي عن الاطلاق اللفظي، اذ في الاطلاق اللفظي يوجد ظهور سياقي عام يتكفل إثبات ان كل متكلم يسوق لفظا للتعبير عن صورة ذهنية، فلا تزيد الصورة الذهنية التي يعبر عنها باللفظ عن مدلول اللفظ، ولا يوجد في الاطلاق المقامي ظهور مماثل في ان كل من يستعرض عددا من اجزاء الصلاة فهو يريد الاستيعاب.
بعض التطبيقات لقرينة الحكمة
يدل الامر - كما تقدم - على الطلب وانه على نحو الوجوب كما تقدم، وقد يقال بهذا الصدد: إن دلالته على الوجوب ليست بالوضع، وإنما هي بالاطلاق وقرينة الحكمة، لان الطلب غير الوجوبي طلب ناقص محدود وهذا التحديد تقييد في هوية الطلب، ومع عدم نصب قرينة على التقييد يثبت بالاطلاق ارادة الطلب المطلق، اي الطلب الذي لا حد له بما هو طلب وهو الوجوب.
[215]
وللطلب انقسامات عديدة: كانقسامه إلى الطلب النفسي والغيري: فالاول هو طلب الشئ لنفسه، والثاني هو طلب الشئ لاجل غيره.
وانقسامه إلى الطلب التعييني والتخييري، فالاول هو طلب شئ معين، والثاني طلب أحد الاشياء على سبيل التخيير.
وانقسامه إلى العيني والكفائي، فالاول هو طلب الشئ من المكلف بعينه، والثاني طلبه من احد المكلفين على سبيل البدل.
وبالاطلاق وقرينة الحكمة يمكن ان نثبت كون الطلب نفسيا تعيينيا عينيا، ويقال في توضيح ذلك: ان الغيرية تقتضي تقييد وجوب الشئ بما اذا وجب ذلك الغير، والتخييرية تقتضي تقييده بما إذا لم يؤت بالآخر، والكفائية تقتضي تقييده بما اذا لم يأت الآخر بالفعل، وكل هذه التقييدات تنفى مع عدم القرينة عليها بقرينة الحكمة فيثبت المعنى المقابل لها.
 |