1 - وسائل الاثبات الوجداني

وسائل الاثبات الوجداني للدليل الشرعي - بالنسبة إلى غير المعاصرين للشارع - هي الطرق التي توجب العلم بصدور الدليل من الشارع، ولا يمكن حصر هذه الطرق ولكن يمكن إبراز ثلاث طرق رئيسية وهي:
أولا: الاخبار الحسي المتعدد بدرجة توجب اليقين، وهو المسمى بالخبر المتواتر.
ثانيا: الاخبار الحدسي المتعدد بالدرجة نفسها، وهو المسمى بالاجماع.
ثالثا: آثار محسوسة تكشف على سبيل الان عن الدليل الشرعي، ونتكلم الآن عن كل واحد من هذه الطرق تباعا.

الخبر المتواتر

كل خبر حسي يحتمل في شأنه - بما هو خبر - الموافقة للواقع والمخالفة له، وإحتمال المخالفة يقوم على اساس إحتمال الخطأ في المخبر، أو إحتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة، فإذا تعدد الاخبار عن محور واحد، تضاء‌ل إحتمال المخالفة للواقع، لان إحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مستقلة إذا كان موجودا بدرجة ما، فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معا أقل درجة، لان درجة إحتمال ذلك ناتج ضرب قيمة إحتمال الكذب في أحد المخبرين بقيمة

[242]

إحتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة إحتمال بقيمة إحتمال آخر، تضاء‌ل الاحتمال، لان قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين. فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد، فقيمة الاحتمال هي؟ أو؟ أو أي كسر آخر من هذا القبيل، وكلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة كما هو واضح.
وفي حالة وجود مخبرين كثيرين لا بد من تكرار الضرب بعدد اخبارات المخبرين لكي نصل إلى قيمة إحتمال كذبهم جميعا، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلا جدا، ويزداد ضآلة كلما إزداد المخبرون حتى يزول عمليا، بل واقعيا لضآلته، وعدم إمكان إحتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدا.
ويسمى حينئذ ذلك العدد من الاخبارت التي يزول معها هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا بالتواتر، ويسمى الخبر بالخبر المتواتر. ولا توجد هناك درجة معينة للعدد الذي يحصل به ذلك. لان هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى وثاقتهم وبناهتهم وسائر العوامل الدخلية في تكوين الاحتمال.
وبهذا يظهر أن الاحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات، والتواتر تارة يكون لفظيا، وأخرى معنويا، وثالثة إجماليا، وذلك أن المحور المشترك لكل الاخبارات أن كان لفظا محددا، فهذا من الاول، وإن كان قضية معنوية محددة، فهذا من الثاني، وإن كان لازما منتزعا، فهذا من الثالث.
وكلما كان المحور أكثر تحديدا كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع إذ يكون إفتراض تطابق مصالح المخبرين جميعا بتلك الدرجة من الدقة رغم إختلاف أحوالهم وأوضاعهم أبعد في منطق حساب الاحتمالات.

[243]

وكما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر عنه - أي مفاد الخبر - وهي على نحوين: خصائص عامة وخصائص نسبية والمراد بالخصائص العامة، كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على كذب الخبر أو صدقه، بقطع النظر عن نوعية المخبر.
ومثال ذلك غرابة القضية المخبر عنها فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه فيكون موجبا لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون القضية إعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الاخرى المعلومة، فإن ذلك عامل مساعد على الصدق ويكون حصول اليقين حينئذ أسرع. والمراد بالخصائص النسبية كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على صدق الخبر أو كذبه فيما إذا لوحظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر، ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فان مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية المخبر عاملا مساعدا لاثبات صدقه بحساب الاحتمال، لان إفتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد.
وقد تجتمع خصوصية عامة وخصوصية نسبية معا لصالح صدق الخبر كما في المثال المذكور، إذا فرضنا صدور الخبر في ظل حكم بني أمية، وأمثالهم ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الاخبار، ترهيبا وترغيبا.
فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على الصدق وخصوصية المضمون مع اخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك.

الاجماع

الاجماع إتفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى في الحكم بدرجة توجب

[244]

إحراز الحكم الشرعي، وذلك أن فتوى الفقيه في مسألة شرعية بحتة تعتبر إخبارا حدسيا عن الدليل الشرعي، والاخبار الحدسي هو الخبر المبني على النظر والاجتهاد في مقابل الخبر الحسي القائم على اساس المدارك الحسية، وكما يكون الخبر الحسي ذا قيمة إحتمالية في إثبات مدلوله، كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبرا حدسيا يحتمل فيه الاصابة والخطأ معا، وكما أن تعدد الاخبارات الحسية يؤدي بحسبا الاحتمالات إلى نمو إحتمال المطابقة وضآلة إحتمال المخالفة، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية حتى تصل إلى درجة توجب ضآلة إحتمال الخطأ في الجميع جدا، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا. وهذا ما يسمى بالاجماع.
فالاجماع والخبر المتواتر مشتركان في طريقة الاثبات بحساب الاحتمالات، ويعتمد الكشف في كل منهما على هذا الحساب، ولكنهما يتفاوتان في درجة الكشف. فإن نمو الاحتمال الموافق وتضاؤل إحتمال المخالفة أسرع حركة في التواتر منه في الاجماع وذلك لعدة امور يمكن ابراز اهمها في النقاط التالية:
الاولى: ان القيمة الاحتمالية للمفردات في الاجماع أصغر من القيمة الاحتمالية في التواتر، لان نسبة وقوع الخطأ في الحدسيات أكبر من نسبة وقوعه في الحسيات.
الثانية: أن الخطأ في مفردات الاجماع لا يتعين أن يكون ذا مركز واحد، بينما يكون الخطأ في الاخبار الحسية منصبا على مركز واحد عادة.
فحينما يفتي فقهاء عديدون بوجوب غسل الشعر في غسل الجنابة، ويكونون على خطأ مثلا، قد يكون خطأ أحدهم ناشئا من إعتماده على رواية غير تامة السند، وخطأ الآخر ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة الدلالة، وخطأ الثالث ناشئا من إعتماده على أصالة الاحتياط وهكذا.

[245]

وكلما كان المركز المحتمل للاخطاء المتعددة واحدا أو متقاربا، كان إحتمال تراكم الاخطاء عليه أضعف والعكس صحيح.
الثالثة: ان إحتمال تأثير الخبر الاول في الخبر الثاني موجود في مجال الاخبار الحدسية، وغير موجود عادة في مجال الاخبار الحسية، وهذا يعني أن إحتمال الخطأ في الخبر الاول يتضمن في مجال الحدسيات إحتمالا للخطإ في الخبر الثاني، بينما هو في مجال الحسيات حيادي تجاه كون الثاني مخطئا أو مصيبا.
الرابعة: ان إحتمال الخطأ في قضية حسية يقترن عادة بإحراز وجود المقتضى للاصابة، وهو سلامة الحواس والفطرة، وينشأ من إحتمال وجود المانع عن تأثير المقتضى، وأما إحتمال الخطأ في قضية نظرية حدسية، فهو يتضمن أحيانا احتمال عدم وجود المقتضى للاصابة، أي احتمال كون عدم الاصابة ناشئا من القصور لا لعارض من قبيل الذهول أو إرتباك البال.
الخامسة: أن الاخطاء المحتملة في مجموع الاخبار الحدسية يحتمل نشوؤها من نكتة مشتركة، وأما الاخطاء المحتملة في مجموعة الاخبار الحسية فلا يحتمل فيها ذلك عادة، بل هي ترتبط في كل مخبر بظروفه الخاصة، وكلما كان هناك إحتمال النكتة المشتركة موجودا، كان إحتمال المجموع أقرب من إحتماله في حالة عدم وجودها. ويتأثر حساب الاحتمال في الاجماع بعوامل عديدة منها: نوعية العلماء المتفقين من الناحية العلمية، ومن ناحية قربهم من عصر النصوص.
ومنها: طبيعة المسألة المتفق على حكمها، وكونها من المسائل المترقب ورود النص بشأنها، أو من التفصيلات والتفريعات.
ومنها: درجة إبتلاء الناس بتلك المسألة وظروفها الاجتماعية فقد يتفق أنها بنحو يقتضي توافر الدواعي والظروف إشاعة الحكم المقابل لو لم يكن الحكم المجمع عليه ثابتا في الشريعة حقا.

[246]

ومنها: لحن كلام أولئك المجمعين في مقام الاستدلال على الحكم، ومدى إحتمال إرتباط موقفهم بمدارك نظرية موهونة إلى غير ذلك من النكات والخصوصيات.
ولما كان إستكشاف الدليل الشرعي من الاجماع مرتبطا بحساب الاحتمال، لم يكن للاجماع بعنوانه موضوعية في حصوله، فقد يتم الاستكشاف حتى مع وجود المخالف إذا كان الخلاف بنحو لا يؤثر على حساب الاحتمال المقابل، وهذا يرتبط إلى درجة كبيرة بتشخيص نوعية المخالف وعصره، ومدى تغلغله في الخط العلمي وموقعه فيه. كما أنه قد لا يكفي الاجماع بحساب الاحتمال للاستكشاف، فتضم إليه قرائن إحتمالية أخرى على نحو يتشكل من المجموع ما يقتضي الكشف بحساب الاحتمال.

سيرة المشترعة

ويناظر الاجماع السيرة المعاصرة والقريبة من عصر المعصومين عليهم السلام للمتشرعة بما هوم متشرعة.
وتوضيح ذلك أن العقلاء المعاصرين للمعصومين إذا إتجهوا إلى سلوك معين، فتارة يسلكونه بما هم عقلاء كسلوكهم القائم على التملك بالحيازة مثلا، وأخرى يسلكونه بما هم متشرعة كمسحهم القدم في الوضوء ببعض الكف مثلا.
والاول هو السيرة العقلائية، والثاني سيرة المتشرعة، والفرق بين السيرتين أن الاولى لا تكون بنفسها كاشفة عن موقف الشارع، وإنما تكشف عن ذلك بضم السكوت الدال على الامضاء، كما تقدم، وأما سيرة المتشرعة، فبالامكان إعتبارها بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي على أساس أن المتشرعة حينما يسلكون بوصفهم متشرعة، يجب أن يكونوا متلقين ذلك من الشارع، وهناك في مقابل ذلك إحتمال أن يكون السلوك المذكور مبنيا على الغفلة عن الاستعلام.

[247]

أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام، غير أن هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلما لوحظ شمول السيرة، وتطابق عدد كبير من المتشرعة عليها، ومن هنا قلنا أن سيرة المتشرعة تناظر الاجماع لانها معا يقومان في كشفهما على أساس حساب الاحتمال.
غير أن الاجماع يمثل موقفا فتوائيا نظريا للفقهاء، والآخر يمثل سلوكا عمليا دينيا للمتشرعة. وكثيرا ما تشكل سيرة المتشرعة بالمعنى المذكور الحلقة الوسيطة بين الاجماع والدليل الشرعي، بمعنى أن تطابق أهل الفتوى على حكم مع عدم كونه منصوبا فيما بايدينا من نصوص يكشف بظن غالب إطمئناني عن تطابق سلوكي، وإرتكازي من المتشرعة المعاصرين لعصر النصوص، وهذا بدوره يكشف عن الدليل الشرعي.
وبكلمة أخرى إن الاجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة، ولكنها معاشة سلوكا وإرتكازا بين عموم المتشرعة.

الاحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي

مر بنا أن دليل السيرة العقلائية يعتمد على ركنين: أحدهما: قيام السيرة المعاصرة للمعصومين من العقلاء على شئ والآخر: سكوت المعصوم الذي يدل - كما تقدم - على الامضاء.
والسؤال الآن كيف يمكن أن نحرز كل واحد من هذين الركنين؟ فإننا بحكم عدم معاصرتنا لهما زمانا يجب أن نستدل عليهما بقضايا معاصرة ثابتة وجدانا لكي نحرز بذلك هذا النوع من الدليل الشرعي.
أما السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام، فهناك طرق يمكن أن يدعى الاستدلال بها عليها، وقد تستعمل نفس الطرق لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين من المتشرعة بوصفهم الشرعي: الطريق الاول: أن نستدل على ماضي السيرة العقلائية بواقعها المعاصر لنا.
وهذا الاستدلال يقوم على إفتراض الصعوبة في تحول السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل، وكون السيرة العقلائية معبرة - بوصفها عقلائية - عن نكات فطرية وسليقة نوعه وهي مشتركة بين العقلاء في كل زمان.

[248]

ولكن الصحيح عدم صحة هذا الاستدلال، إذ لا صعوبة في تصور تحول السيرة بصورة تدريجية وبطيئة إلى أن تتمثل في السلوك المقابل بعد فترة طويلة من الزمن، وما هو صعب الافتراض التحول الفجائي العفوي، كما أن السلوك العقلائي ليس منبثقا دائما عن نكات فطرية مشتركة، بل يتأثر بالظروف والبيئة والمرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيرة، فلا يمكن ان يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلا على ماضيها البعيد.
الطريق الثاني: النقل التاريخي أما في نطاق التاريخ العام، أو في نطاق الروايات والاحاديث الفقهيه.
ويتوقف إعتبار هذا النقل أما على كونه موجبا للوثوق والعلم، أو على تجمع شرائط الحجية التعبدية فيه، وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من الروايات نفسها، لانها تعكس ضمنا جوانب من حياة الرواة والناس وقتئذ، كما يمكن الاستفادة أيضا من فتاوى الجمهور في نطاق المعاملات مثلا بإعتبارها منتزعة أحيانا عن الوضع العام المرتكز عقلائيا إلى جانب دلالات التاريخ العام.
الطريق الثالث: أن يكون لعدم قيام السيرة المعاصرة للمعصومين على الحكم المطلوب لازم يعتبر إنتفاؤه وجدانيا فيثبت بذلك قيام السيرة على ذلك النحو.
ولنوضح ذلك في مثال كما يأتي: لنفرض أننا نريد أن نثبت أن السيرة المعاصرة للائمة عليهم السلام، كانت قائمة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف في الوضوء، فنقول: إن السيرة إذا كانت منعقدة على ذلك حقا، فهذا سوف يكون دليلا على عدم الوجوب لدى من يحاول الاستعلام عن حكم المسألة فيغنيه عن السؤال، وأما إذا لم تكن السيرة منعقدة على ذلك وكان إفتراض المسح بتمام الكف واردا في السلوك العملي لكثير من المتشرعة وقتئذ، فهذا يعني أن إستعلام حكم المسألة

[249]

ينحصر بالسؤال من المعصومين، أو الرجوع إلى رواياتهم - لان مسح المتشرعة بتمام الكف لا يكفي لاثبات الوجوب - وحيث إن المسألة محل الابتلاء لعموم أفراد المكلفين، ووجوب المسح بتمام الكف، يستنبطن عناية فائقة تحفز على السؤال، فمن الطبيعي أن تكثر الاسئلة في هذا المجال وتكثر الاجوبة تبعا لذلك، وفي هذه الحالة يفترض عادة أن يصل الينا مقدار من ذلك على أقل تقدير لاستبعاد إختفاء جلها، مع توفر الدواعي على نقلها، وعدم وجود ما يبرر الاختفاء، فإذا لم يصل إلينا ذلك نعرف أنه لم تكن هناك أسئلة وأجوبة كثيرة، وبالتالي لم تكن هناك حاجة إلى إستعلام حكم المسألة عن طريق السؤال والجواب.
وهذا يعين إفتراض قيام السيرة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف. وهذا الاستدلال يتوقف، كما لاحظنا على أن المسألة محل الابتلاء للعموم، وكون الحكم المقابل - كوجوب المسح بتمام الكف في المثال - يتطلب سلوكا لا يقتضيه الطبع بنفسه، وتوفر الدواعي على نقل ما يراد في حكم المسألة، وعدم وجود مبررات للاخفاء، وعدم وصول شى معتد به في هذا المجال، لاثبات الحكم المقابل من الروايات وفتاوى المتقدمين.
الطريق الرابع: أن يكون للسلوك الذي يراد إثبات كونه سلوكا عاما للمعاصرين للائمة سلوك بديل على نحو لو لم نفترض ذاك يتعين إفتراض هذا البديل، ويكون هذا السلوك البديل معبرا عن ظاهرة إجتماعية غريبة لو كانت واقعة حقا لسجلت وإنعكست علينا بإعتبارها على خلاف المألوف، وحيث لم تسجل يعرف أن الواقع خارجا كان هو المبدل لا البدل.
ومثال ذلك: أن نقول إن السلوك العام المعاصر للمعصومين كان منعقدا على إعتبار الظواهر والعمل بها. إذ لولا ذلك لكان لا بد من سلوك بديل يمثل طريقة أخرى في التفهيم، ولما كانت الطريقة البديلة تشكل ظاهرة غريبة عن المألوف كان من الطبيعي أن تنعكس ويشار اليها والتالي غير واقع فكذلك المقدم،

[250]

وبذلك يثبت إستقرار السيرة على العمل بالظواهر.
الطريق الخامس: الملاحظة التحليلية الوجدانية بمعنى: ان الانسان إذا عرض مسألة على وجدانه ومرتكزاته العقلائية، فرأى انه منساق إلى اتخاذ موقف معين، ولاحظ ان هذا الموقف واضح في وجدانه بدرجة كبيرة، واستطاع ان يتأكد من عدم ارتباطه بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال، ومن عاقل إلى عاقل بملاحظة تحليلية وجدانية، امكنه ان ينتهي إلى الوثوق بان ما ينساق اليه من موقف حالة عامة في كل العقلاء. وقد يدعم ذلك باستقراء حالة العقلاء في مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامة.
وهذا طريق قد يحصل للانسان الوثوق بسببه، ولكنه ليس طريقا استدلاليا موضوعيا الا بقدر ما يتاح للملاحظ من استقراء للمجتمعات العقلائية المختلفة. واما سكوت المعصوم الدال على الامضاء فقد يقال: إن من الصعوبة بمكان الجزم به، إذ كيف نعرف انه لم يصدر من المعصوم ما يدل على الردع عن السيرة المعاصرة له، وغاية ما نستطيع ان نتأكد منه هو عدم وجود هذا الردع فيما بايدينا من نصوص غير ان ذلك لا يعني عدم صدوره، إذا لعله قد صدر ولم يصل.
غير ان الطريقة التي نتغلب بها على هذه الصعوبة تتم كما يأتي: نطرح القضية الشرطية القائلة: لو كان قد ردع المعصوم عن السيرة لوصل الينا، والتالي باطل لان المفروض عدم وصول الردع، فالمقدم مثله.
ووجه الشرطية ان الردع عن سيرة عقلائية مستحكمة لا يتحقق بصورة جادة بمجرد نهي واحد او نهيين، بل يجب ان يتناسب حجم الردع مع قوة السيرة وترسخها، فالردع إذن يجب ان يتمثل في نواه كثيرة، وهذه النواهي بنفسها تخلق ظروفا مناسبة لامثالها لانها تلفت انظار الرواة إلى السؤال وتكثر الاسئلة والاجوبة، والدواعي متوفرة لضبط هذه النواهي من قبل الرواة، فيكون من

[251]

الطبيعي ان يصل الينا شئ منها. وفي حالة عدم وصول شئ بالقدر الذي تفترضه الظروف المشار اليها، نستكشف عدم صدور الردع، وبذلك يتم كلا الركنين لدليل السيرة:

درجة الوثوق في وسائل الاحراز الوجداني

وسائل الاحراز الوجداني التي يقوم كشفها على حساب الاحتمال، تؤدي تارة إلى القطع بالدليل الشرعي، واخرى إلى قيمة احتمالية كبيرة، ولكن تناظرها في الطرف المقابل قيمة احتمالية معتد بها، وثالثة إلى قيمة احتمالية كبيرة تقابلها في الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جدا، وتسمى القيمة الاحتمالية الكبيرة في هذه الحالة بالاطمئنان، وفي الحالة السابقة بالظن. ولا شك في حجية الاحراز الواصل إلى درجة القطع تطبيقا لمبدأ حجية القطع، كما لا شك في ان الاحراز الظني غير كاف للمقصود ما لم يقم دليل شرعي على التعبد به فيدخل في نطاق الاحراز التعبدي.
واما الاطمئنان فقد يقال بحجيته الذاتية عقلا تنجيزا وتعذيرا كالقطع، بمعنى ان حق الطاعة الثابت عقلا، كما يشمل حالة القطع بالتكليف، كذلك يشمل حالة الاطمئنان به، وكما لا يشمل حالة القطع بعدم التكليف، كذلك لا يشمل حالة الاطمئنان بعدمه، فان صحت هذه الدعوى لم نكن بحاجة إلى تعبد شرعي للعمل بالاطمئنان مع فارق، وهو امكان الردع عن العمل بالاطمئنان، مع عدم امكانه في القطع كما تقدم، وان لم تصح هذه الدعوى، تعين طلب الدليل على التعبد الشرعي بالاطمئنان. والدليل هو السيرة العقلائية الممضاة بدلالة السكوت.
وفي مقام الاستدلال على حجية الاطمئنان شرعا بالسيرة العقلائية مع سكوت الشارع عنها، لا بد من افتراض القطع بهذين الركنين، ولا يكفي الاطمئنان، والا كان من الاستدلال على حجية الاطمئنان بالاطمئنان.