الاطلاق واسم الجنس
الاطلاق يقابل التقييد، فان تصورت معنى واخذت فيه وصفا زائدا او حالة خاصة كالانسان العالم كان ذلك تقييدا، واذا تصورت مفهوم الانسان العالم كان ذلك تقييدا، واذا تصورت مفهوم الانسان ولم تضف اليه شيئا من ذلك، فهذا هو الاطلاق، وقد وقع الكلام في ان اسم الجنس هل هو موضوع للمعنى الملحوظ بنحو الاطلاق فيكون الاطلاق قيدا في المعنى الموضوع له او لذات المعنى الذي يطرأ عليه الاطلاق تارة والتقييد اخرى.
ولتوضيح الحال تقدم عادة مقدمة لتوضيح انحاء لحاظ المعنى، واعتبار الماهية في الذهن لكي تحدد نحو المعنى الموضوع له اللفظ على اساس ذلك، وحاصلها مع اخذ ماهية الانسان وصفة العلم، كمثال ان ماهية الانسان اذا تتبعنا انحاء وجودها في الخارج، نجد ان هناك حصتين ممكنتين لها من ناحية صفة العلم، وهما: الانسان الواجد للصفة خارجا، والانسان الفاقد لها خارجا، ولا يتصور لها حصة ثالثة ينتفي فيها الوجدان والفقدان معا لاستحالة ارتفاع النقيضين، ومن هنا نعرف ان مفهوم الانسان الجامع بين الواجد والفاقد ليس حصة ثابتة في الخارج في عرض الحصتين السابقتين، ولكن اذا تجاوزنا الخارج إلى الذهن وتتبعنا عالم الذهن في معقولاته الاولية التي ينتزعها من الخارج مباشرة نجد ثلاث حصص او
[79]
ثلاثة انحاء من لحاظ الماهية كل واحد يشكل صورة للماهية في الذهن تختلف عن الصورتين الاخريين، لان لحاظ ماهية الانسان في الذهن تارة يقترن مع لحاظ صفة العلم، وهذا ما يسمى بالمقيد، او لحاظ الماهية بشرط شئ، واخرى يقترن مع لحاظ عدم صفة العلم، وهذا نحو آخر من المقيد، ويسمى لحاظ الماهية بشرط لا، وثالثة لا يقترن باي واحد من هذين اللحاظين، وهذا ما يسمى بالمطلق او لحاظ الماهية لا بشرط، وهذه حصص ثلاث عرضية في اللحاظ في وعاء الذهن.
واذا دققنا النظر وجدنا ان هذه الحصص الثلاث من لحاظ الماهية تتميز بخصوصيات ذهنية وجودا وعدما، وهي لحاظ الوصف ولحاظ عدمه وعدم اللحاظين، واما الحصتان الممكنتان للماهية في الخارج فتتميز كل واحدة منهما بخصوصية خارجية وجودا وعدما، وهي وجود الوصف خارجا وعدمه كذلك، وتسمى الخصوصيات التي تتميز بها الحصص الثلاث للحاظ الماهية في الذهن بعضها عن بعض بالقيود الثانوية، وتسمى الخصوصيات التي تتميز بها الحصتان في الخارج احداهما عن الاخرى بالقيود الاولية. ونلاحظ ان القيد الثانوي المميز للحاظ الماهية بشرط شئ، وهو لحاظ صفة العلم مرآة لقيد أولي، وهو نفس صفة العلم المميز لاحدى الحصتين الخارجيتين، ومن هنا كان لحاظ الماهية بشرط شئ مطابقا للحصة الخارجية، الاولى كما نلاحظ ان القيد الثانوي المميز للحاظ الماهية بشرط لا، وهو لحاظ عدم صفة العلم مرآة لقيد اولي وهو عدم صفة العلم المميز للحصة الخارجية الاخرى. ومن هنا كان لحاظ الماهية بشرط لا مطابقا للحصة الخارجية الثانية.
واما القيد الثانوي المميز للحاظ الماهية لا بشرط، وهو عدم كلا اللحاظين - فليس مرآة لقيد اولي لانه عدم اللحاظ، وعدم اللحاظ ليس مرآة لشئ.
[80]
ومن هنا كان المرئي بلحاظ الماهية لا بشرط ذات الماهية المحفوظة في ضمن المطلق والمقيد، وعلى هذا الاساس صح القول بان المرئي والملحوظ باللحاظ الثالث اللا بشرطي جامع بين المرئيين والملحوظين باللحاظين السابقين لانحفاظه فيهما، وان كانت نفس الرؤية واللحاظ متباينة في اللحاظات الثلثة، فاللحاظ اللا بشرطي بما هو لحاظ يقابل اللحاظين الآخرين، وقسم ثالث لهما، ولهذا يسمى باللا بشرط القسمي، ولكن اذا التفت إلى ملحوظه مع الملحوظ في اللحاظين الآخرين كان جامعا بينهما لا قسما في مقابلهما بدليل انحفاظه فيهما معا، والقسم لا يحفظ في القسم المقابل له. ثم اذا تجاوزنا وعاء المعقولات الاولية للذهن إلى وعاء المعقولات الثانية التي ينتزعها الذهن من لحاظاته وتعقلاته الاولية، وجدنا ان الذهن ينتزع جامعا بين اللحاظات الثلاثة للماهية المتقدمة، وهو عنوان لحاظ الماهية من دون ان يقيد هذا اللحاظ بلحاظ الوصف ولا بلحاظ عدمه ولا بعدم اللحاظين، وهذا جامع بين لحاظات الماهية الثلاثة في الذهن ويسمى بالماهية اللا بشرط المقسمي تمييزا له عن لحاظ الماهية اللا بشرط المقسمي، لان ذاك احد الاقسام الثلاثة للماهية في الذهن، وهذا هو الجامع بين تلك الاقسام الثلاثة.
اذا توضحت هذه المقدمة فنقول لا شك في ان اسم الجنس ليس موضوعا للماهية اللا بشرط المقسمي، لان هذا جامع - كما عرفت - بين الحص واللحاظات الذهنية لا بين الحصص الخارجية، كما انه ليس موضوعا لماهية المأخوذة بشرط شئ او بشرط لا لوضوح عدم دلالة اللفظ على القيد غير الداخل في حاق المفهوم فيتعين كونه موضوعا للماهية المعتبرة على نحو اللا بشرط القسمي، وهذا المقدار مما لا ينبغي الاشكال فيه، وانما الكلام في انه هل هو موضوع للصورة الذهنية الثالثة - التي تمثل الماهية اللا بشرط القسمي - بحدها الذي تتميز به عن الصورتين الاخريين او
[81]
لذات المفهوم المرئي بتلك الصورة، وليست الصورة بحدها الا مرآة لما هو الموضوع له، فعلى الاول يكون الاطلاق مدلولا وضعيا للفظ، وعلى الثاني لا يكون كذلك، لان ذات المرئي والملحوظ بهذه الصورة لا يشتمل الا على ذات الماهية المحفوظة في ضمن المقيد ايضا، ولهذا اشرنا سابقا إلى ان المرئي باللحاظ الثالث جامع بين المرئيين والملحوظين باللحاظين السابقين لانحفاظه فيهما.
ولا شك في ان الثاني هو المتعين، وقد استدل على ذلك: اولا: بالوجدان العرفي واللغوي. وثانيا: بان الاطلاق حد للصورة الذهنية الثالثة فأخذه قيدا معناه وضع اللفظ للصورة الذهنية المحددة به، وهذا يعني ان مدلول اللفظ امر ذهني ولا ينطبق على الخارج. وعلى هذا فاسم الجنس لا يدل بنفسه على الاطلاق، كما لا يدل على التقييد ويحتاج افادة كل منهما إلى دال والدال على التقييد خاص عادة، واما الدال على الاطلاق فهو قرينة عامة تسمى بقرينة الحكمة على ما يأتي ان شاء الله تعالى.
التقابل بين الاطلاق والتقييد:
عرفنا ان الماهية عند ملاحظتها من قبل الحاكم او غيره تارة تكون مطلقة، واخرى مقيدة، وهذان الوصفان متقابلان، غير ان الاعلام اختلفوا في تشخيص هوية هذا التقابل، فهناك القول بانه من تقابل التضاد وهو مختار السيد الاستاذ، وقول آخر: بانه من تقابل العدم والملكة، وقول ثالث بانه من تقابل التناقض، وذلك لان الاطلاق ان كان هو مجرد عدم لحاظ وصف العلم وجودا وعدما تم القول الثالث، وان كان عدم لحاظه حيث يمكن لحاظه تم القول الثاني، وان كان الاطلاق لحاظ رفض القيد تم القول الاول.
[82]
والفوارق بين هذه الاقوال تظهر فيما يلي:
1 - لا يمكن تصور حالة ثالثة غير الاطلاق والتقييد على القول الثالث لاستحالة ارتفاع النقيضين، ويمكن افتراضها على القولين الاولين، وتسمى بحالة الاهمال.
2 - يرتبط امكان الاطلاق بامكان التقيد على القول الثاني، فلا يمكن الاطلاق في كل حالة لا يمكن فيها التقييد.
ومثال ذلك: ان تقييد الحكم بالعلم به مستحيل، فيستحيل الاطلاق ايضا على القول المذكور، لان الاطلاق بناء عليه هو عدم التقييد في الموضع القابل، فحيث لا قابلية للتقييد لا اطلاق. وهذا خلافا لما اذا قيل بان مرد التقابل بين الاطلاق والتقييد إلى التناقض، فان استحالة احدهما حينئذ تستوجب كون الآخر ضروريا لاستحالة ارتفاع النقيضين.
واما اذا قيل بان مرده إلى التضاد فتقابل التضاد بطبيعته لا يفترض امتناع احد المتقابلين بامتناع الآخر ولا ضرورته. والصحيح هو القول الثالث دون الاولين، وذلك لان الاطلاق نريد به الخصوصية التي تقتضي صلاحية المفهوم للانطباق على جميع الافراد، وهذه الخصوصية يكفي فيها مجرد عدم لحاظ اخذ القيد الذي هو نقيض للتقييد، لان كل مفهوم له قابلية ذاتية للانطباق على كل فرد يحفظ فيه ذلك المفهوم، وهذه القابلية تجعله صالحا لاسراء الحكم الثابت له إلى افراده شموليا او بدليا، وهذه القابلية بحكم كونها ذاتية لازمة له ولا تتوقف على لحاظ عدم اخذ القيد، ولا يمكن ان تنفك عنه، والتقييد لا يفكك بين هذا اللازم وملزومه، وانما يحدث مفهوما جديدا مباينا للمفهوم الاول - لان المفاهيم كلها متباينة في عالم الذهن حتى ما كان بينهما عموم
[83]
مطلق في الصدق - وهذا المفهوم الجديد له قابلية ذاتية اضيق دائرة من قابلية المفهوم الاول، وهكذا يتضح ان الاطلاق يكفي فيه مجرد عدم التقييد. وبهذا الصدد يجب ان نميز التقابل بين الاطلاق الثبوتي والتقييد المقابل له وهذا ما كنا نتحدث عنه فعلا - عن التقابل بين الاطلاق الاثباتي، اي عدم ذكر القيد الكاشف عن الاطلاق بقرينة الحكمة والتقييد المقابل له فان مرد التقابل بين الاطلاق الاثباتي والتقييد المقابل له إلى تقابل العدم والملكة فعدم ذكر القيد انما يكشف عن الاطلاق في حالة يمكن فيها للمتكلم ذكر القيد كما مر في الحلقة السابقة.
 |