ادوات العموم
تعريف العموم واقسامه:

العموم هو الاستيعاب المدلول عليه باللفظ، وباشتراط ان يكون مدلولا عليه باللفظ يخرج المطلق الشمولي، فان الشمولية فيه ليست مدلولة للكلام لانها من شؤون عالم المجعول، والكلام انما ينظر إلى عالم الجعل خلافا للعام فان تكثر الافراد فيه ملحوظ في نفس مدلول الكلام وفي عالم الجعل.
ودلالة الكلام على الاستيعاب تفترض عادة دالين: احدهما: يدل على نفس الاستيعاب ويسمى بأداة العموم.
والآخر: يدل على المفهوم المستوعب لافراده ويسمى بمدخول الاداة.
ففي قولنا: اكرم كل فقير الدال على الاستيعاب كلمة (كل) والدال على المفهوم المستوعب لافراده كلمة (فقير).
واداة العموم الدالة على الاستيعاب، تارة تكون اسما وتدل على الاستيعاب بما هو مفهوم اسمي، كما في كل وجميع. واخرى تكون حرفا وتدل عليه بما هو نسبة استيعابية، كما في لام الجمع في قولنا: العلماء بناء على ان الجمع المعرف باللام يدل على العموم، فان اداة العموم فيه هي اللام، واللام حرف فاذا دلت على الاستيعاب، فهي انما تدل عليه بما هو نسبة، وسيأتي تصوير ذلك ان شاء الله تعالى.

[94]

ثم ان العموم ينقسم إلى الاستغراقي والبدلي والمجموعي لان الاستيعاب لكل افراد المفهوم يعني مجموعة تطبيقاته على افراده، وهذه التطبيقات تارة تلحظ عرضية، واخرى تبادلية، فالثاني هو البدلي، والاول ان لوحظت فيه عناية وحدة تلك التطبيقات، فهو المجموعي والا فهو عموم استغراقي.
وقد يقال ان انقسام العموم إلى هذه الاقسام انما هو في مرحلة تعلق الحكم به، لان الحكم ان كان متكثرا بتكثر الافراد فهو استغراقي، وان كان واحدا ويكتفي في امتثاله باي فرد من الافراد فهو بدلي، وان كان يقتضى الجمع بين الافراد فهو مجموعي. ولكن الصحيح ان هذا الانقسام يمكن افتراضه بقطع النظر عن ورود الحكم لوضوح الفرق بين التصورات التي تعطيها كلمات من قبيل جميع العلماء، واحد العلماء، ومجموع العلماء، حتى لو لوحظت بما هي كلمات مفردة وبدون افتراض حكم، فالاستغراقية والبدلية والمجموعية تعبر عن ثلاث صور ذهنية للعمون ينسجها ذهن المتكلم وفقا لغرضه، توطئة لجعل الحكم المناسب عليها.

نحو دلالة ادوات العموم:

لا شك في وجود ادوات تدل على العموم بالوضع، ككلمة كل وجميع ونحوهما من الالفاظ الخاصة بافادة الاستيعاب، غير ان النقطة الجديرة بالبحث فيها وفي كل ما يثبت انه من ادوات العموم هي ان اسراء الحكم إلى تمام افراد مدخول الاداة - اي (عالم) مثلا في قولنا (اكرم كل عالم) - هل يتوقف على اجراء الاطلاق وقرينة الحكمة في المدخول او ان دخول اداة العموم على الكلمة ينفيها عن قرينة الحكمة وتتولى الاداة نفسها دور تلك القرينة.

[95]

وظاهر كلام صاحب الكفاية رحمه الله ان كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية، لان اداة العموم اذا كانت موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول، تعين الوجه الاول، لان المراد بالمدخول لا يعرف حينئذ من ناحية الاداة بل من قرينة الحكمة. واذا كانت موضوعة لاستيعاب تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه تعين الوجه الثاني، لان مفاد المدخول صالح ذاتا للانطباق على تمام الافراد فيتم تطبيقه عليها فعلا بتوسط الاداة مباشرة وقد استظهر - بحق - الوجه الثاني.
وقد يبرهن على ابطال الوجه الاول ببرهانين: البرهان الاول: لزوم اللغوية منه، كما تقدم توضيحه في الحلقة السابقة. ولكن التحقيق عدم تمامية هذا البرهان لعدم لزوم لغوية وضع الاداة للعموم من قبل الواضع، ولا لغوية استعمالها في مقام التفهيم من قبل المتكلم، وذلك لان العموم والاطلاق ليس مفادهما مفهوما وتصورا شئ واحد، فان اداة العموم مفادها الاستيعاب وإراء‌ة الافراد في مرحلة مدلول الخطاب، واما قرينة الحكمة فلا تفيد الاستيعاب، ولا ترى الافراد في مرحلة مدلول الخطاب، بل تفيد نفي الخصوصيات ولحاظ الطبيعة مجردة عنها، فالتكثر ملحوظ في العموم بينما الملحوظ في الاطلاق ذات الطبيعة، وهذا يكفي لتصحيح الوضع حتى لو لم ينته إلى نتيجة عملية بالنسبة إلى الحكم الشرعي، لان الفائدة المترقبة من الوضع انما هي افادة المعاني المختلفة، وكذلك يكفي لتصحيح الاستعمال، اذ قد يتعلق غرض المستعمل بإفادة التكثر بنفس مدلول الخطاب.
البرهان الثاني: ان قرينة الحكمة ناظرة كما تقدم في بحث الاطلاق إلى المدلول التصديقي الجدي، فهي تعين المراد التصديقي، ولا تساهم في تكوين المدلول التصوري، واداة العموم تدخل في تكوين المدلول التصوري للكلام، فلو قيل بانها موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول الذي تعينه

[96]

قرينة الحكمة وهو المدلول التصديقي، كان معنى ذلك ربط المدلول التصوري للاداة بالمدلول التصديقي لقرينة الحكمة، وهذا واضح البطلان لان المدلول التصوري لكل جزء من الكلام انما يرتبط بما يساويه من مدلول الاجزاء الاخرى، اي بمدلولاتها التصورية، ولا شك في ان للاداة مدلولا تصوريا محفوظا حتى لو خلا الكلام الذي وردت فيه من المدلول التصديقي نهائيا، كما في حالات الهزل، فكيف يناط مدلولها الوضعي بالمدلول التصديقي.

العموم بلحاظ الاجزاء والافراد:

يلاحظ ان كلمة " كل " مثلا ترد على النكرة فتدل على العموم والاستيعاب لافراد هذه النكرة، وترد على المعرفة فتدل على العموم والاستيعاب ايضا، لكنه استيعاب لاجزاء مدلول تلك المعرفة لا لافرادها.
ومن هنا اختلف قولنا " اقرأ كل كتاب " عن قولنا " اقرأ كل الكتاب "، وعلى هذا الاساس يطرح السؤال التالى: هل ان لاداة العموم وضعين لنحوين من الاستيعاب والا كيف فهم منها في الحالة الاولى استيعاب الافراد، وفي الحالة الثانية استيعاب الاجزاء؟ وقد اجاب المحقق العراقي (رحمه الله) على هذا السؤال: بان (كل) تدل على استيعاب مدخولها للافراد، ولكن اتجاه الاستيعاب نحو الاجزاء في حالة كون المدخول معرفا باللام، من اجل ان الاصل في اللام ان يكون للعهد، والعهد يعني تشخيص الكتاب في المثال المتقدم، ومع التشخيص لا يمكن الاستيعاب للافراد فيكون هذا قرينة عامة على اتجاه الاستيعاب نحو الاجزاء كلما كان المدخول معرفا باللام.

[97]

دلالة الجمع المعرف باللام على العموم:

قد عد الجمع المعرف باللام من ادوات العموم ولابد من تحقيق كيفية دلالة ذلك على العموم ثبوتا اولا، ثم تفصيل الكلام في ذلك اثباتا.
اما الامر الاول: فهناك تصويرات لهذه الدلالة: منها ان ان يقال: إن الجمع المعرف باللام يشتمل على ثلث دوال: واخرى: مادة الجمع التي تدل في كلمة (العلماء) على طبيعي العالم. والآخر: هيئة الجمع التي تدل على مرتبة من العدد لا تقل عن ثلاثة من افراد تلك المادة. والثالث: اللام وتفترض دلالتها على استيعاب هذه المرتبة لتمام افراد المادة، ويكون الاستيعاب مدلولا للام بما هو معنى حرفي، ونسبة استيعابية قائمة بين المستوعب (بالكسر) وهو مدلول هيئة الجمع، والمتوعب (بالفتح) وهو مدلول مادة الجمع.
واما الامر الثاني: فإثبات اقتضاء اللام الداخلة على الجمع للعموم يتوقف على احدى دعويين: اما ان يدعى وضعها لعموم ابتداء، وحيث ان اللام الداخلة على المفرد لا تدل على العموم، فلابد ان يكون المدعى وضع اللام الداخلة على الجمع بالخصوص لذلك. واما ان يدعى انها تدل على معنى واحد في موارد دخولها على المفرد وعلى الجمع، وهو التعين في المدخول على ما تقدم في معنى اللام الداخلة على اسم الجنس في الحلقة السابقة.
فاذا كان مدخولها اسم الجنس، كفى في التعين المدلول عليه باللام تعين الجنس الذي هو نحو تعين ذهني للطبيعة كما تقدم في محله.

[98]

واذا كان مدخولها الجمع، ولا يكفي التعين الذهني للطبيعة المدلولة لمادة الجمع، وتعين الجمع بما هو جمع انما يكون بتحدد الافراد الداخلة فيه، وهذا التحدد لا يحصل الا مع ارادة المرتبة الاخيرة من الجمع المساوقة للعموم لان اي مرتبة اخرى لا يتميز فيها - من ناحية اللفظ - الفرد الداخل عن الخارج.

النكرة في سياق النهي او النفي:

ذكر بعض ان وقوع النكرة في سياق النهي او النفي من ادوات العموم، واكبر الظن ان الباعث على ههذ الدعوى ان النكرة كما تقدم في حالات اسم الجنس من الحلقة السابقة يمتنع اثبات الاطلاق الشمولي لها بقرينة الحكمة، لان مفهومها يأتي عن ذلك، بينما نجد اننا نستفيد الشمولية في حالات وقوع النكرة في سياق النهي او النفي، فلابد ان يكون الدال على هذه الشمولية شيئا غير اطلاق النكرة نفسها، فمن هنا يدعى ان السياق - اي وقوع النكرة متعلقا للنهي او النفي - من ادوات العموم ليكون هو الدال على هذه الشمولية. ولكن التحقيق ان هذه الشمولية - سواء كانت على نحو شمولية العام او على نحو شمولية المطلق - بحاجة إلى افتراض مفهوم اسمي قابل للاستيعاب والشمول لافراده بصورة عرضية لكي يدل السياق حينئذ على استيعابه لافراده، والنكرة لا تقبل الاستيعاب العرضى كما تقدم.
فمن اين يأتي المفهوم الصالح لهذا الاستيعاب لكي يدل السياق على 7عمومه وشموله؟ ومن هنا نحتاج اذن إلى تفسير للشمولية التي نفهمها من النكرة الواقعة في سياق النهي والنفي، ويمكن ان يكون ذلك باحد الوجهين

[99]

التاليين: الاول: ان يدعى كون السياق قرينة على اخراج الكلمة عن كونها نكرة، فيكون دور السياق اثبات ما يصلح للاطلاق الشمولى. واما الشمولية فتثبت باجراء قرينة الحكمة في تلك الكلمة بدون حاجة إلى افتراض دلالة السياق نفسه على الشمولية والعموم.
الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه الله) من ان الشمولية ليست مدلولا لفظيا، وانما هي بدلالة عقلية، لان النهي يستدعي اعدام متعلقه، والنكرة لا تنعدم ما دام هناك فرد واحد. غير ان هذه الدلالة العقلية انما تعين طريقة امتثال النهي، وان امتثاله لا يتحقق الا بترك جميع افراد الطبيعة، ولا تثبت الشمولية بمعنى تعدد الحكم والتحريم بعدد تلك الافراد كما هو واضح.