القسم الاول: وسائل الاثبات الوجداني
تمهيد:
المقصود بالاثبات الوجداني اليقين، ولما كانت وسائل الاثبات الوجداني للدليل الشرعي بالنسبة الينا كلها وسائل تقوم على اساس حساب الاحتمال، كالتواتر والاجماع ونحوهما على ما تقدم في الحلقة السابقة، فمن المناسب ان نتحدث بايجاز عن كيفية تكون اليقين على أساس حساب الاحتمال، فنقول: إن اليقين، كما عرفنا في مباحث القطع موضوعي وذاتي، ونحن حينما نتكلم عن حجية القطع بعد افتراض تحققه لا نفرق بين القسمين، اذ نقول بحجيتهما معا كما تقدم، ولكن حينما نتكلم عن
[120]
الوسائل الموجبة للاثبات والاحراز، فمن المعقول ان نهتم بالتمييز بين ادوات اليقين الموضوعي وغيرها ابتعادا بقدر الامكان عن التورط في غير اليقين الموضوعي. واليقين الموضوعي قد يكون أوليا، وقد يكون مستنتجا، واليقين الموضوعي المستنتج بقضية ما له سببان: احدهما: اليقين الموضوعي بقضية اخرى تتضمن او تستلزم تلك القضية ويكون الاستنتاج حينئذ قائما على أساس قياس من الاقيسة المنطقية.
والآخر: اليقين الموضوعي بمجموعة من القضايا لا تتضمن ولا تستلزم عقلا القضية المستنتجة، ولكن كل واحدة منها تشكل قيمة احتمالية بدرجة ما لاثبات تلك القضية وبتراكم تلك القيم الاحتمالية تزداد درجة احتمال تلك القضية حتى يصبح احتمال نقيضها قريبا من الصفر. وبسبب ذلك يزول لضآلته، وكون الذهن البشري مخلوقا على نحو لا يحتفظ باحتمالات ضئيلة قريبة من الصفر.
ومثال ذلك ان نشاهد اقتران حادثة معينة بأخرى مرات كثيرة جدا، فان هذه الاقترانات المتكررة لا تتضمن ولا تستلزم ان تكون احدى الحادثتين علة للاخرى، اذ قد يكون اقترانهما صدفة، ويكون للحادثة الاخرى علة غير منظورة، ولكن حيث ان من المحتمل في كل اقتران ان لا يكون صدفة وان لا تكون هناك علة غير منظورة، فيعتبر كل اقتران قرينة احتمالية على علية احدى الحادثتين للاخرى، وبتعدد هذه القرائن الاحتمالية يقوى احتمال العلية حتى يتحول إلى اليقين.
ونسمى كل يقين موضوعي بقضية مستنتجة على اساس قياس منطقي باليقين الموضوعي الاستنباطي، وكل يقين موضوعي بقضية مستنتجة على أساس تراكم القرائن الاحتمالية باليقين الموضوعي الاستقرائي، والنتيجة في القياس مستبطنة دائما في المقدمات، لانها اما اصغر منها او مساوية لها،
[121]
والنتيجة في الاستقراء غير مستبطنة في المقدمات التي تكون منها الاستقراء لانها اكبر وأوسع من مقدماتها.
والطرق التي تذكر عادة لاثبات الدليل الشرعي واحرازه وجدانا من التواتر والاجماع والسيرة كلها من وسائل اليقين الموضوعي الاستقرائي، كما سنرى ان شاء الله تعالى.
 |