المرحلة الاولى: في اثبات اصل حجية الاخبار

والمشهور بين العلماء هو المصير إلى حجية خبر الواحد وقد استدل على الحجية، بالكتاب الكريم، والسنة، والعقل.
1 - أما ما استدل به من الكتاب الكريم، فآيات منها آية النبأ وهي قوله: (إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1).


______________
(1) الحجرات 6. (*)

[136]

ويمكن الاستدلال بها بوجهين: الوجه الاول: ان يستدل بمفهوم الشرط فيها على اساس انها تشتمل على جملة شرطية تربط الامر بالتبين عن النبأ بمجئ الفاسق به فينتفي بانتفائه، وهذا يعني عدم الامر بالتبين عن النبأ في حالة مجئ العادل به، وبذلك تثبت حجية نبأ العادل لان الامر بالتبين الثابت في منطوق الآية، اما ان يكون ارشادا إلى عدم الحجية، واما ان يكون ارشادا إلى كون التبين شرطا في جواز العمل بخبر الفاسق وهو ما يسمى بالوجوب الشرطي، كما تقدم في مباحث الامر.
فعلى الاول يكون نفيه بعينه معناه الحجية. وعلى الثاني يعني نفيه ان جواز العمل بخبر العادل ليس مشروطا بالتبين، وهذا بذاته يلائم جواز العمل به بدون تبين - وهو معنى الحجة - ويلائم عدم جواز العمل به حتى مع التبين لان الشرطية منتفية في كلتا الحالتين. ولكن الثاني غير محتمل لانه يجعل خبر العادل أسوأ من خبر الفاسق، ولانه يوجب المنع عن العمل بالدليل القطعي، نظرا إلى ان الخبر بعد تبين صدقه يكون قطعيا فيتعين الاول وهو المطلوب. ويوجد اعتراضان مهمان على الاستدلال بمفهوم الشرط في المقام: احدهما: ان الشرط في الجملة مسوق لتحقق الموضوع، وفي مثل ذلك لا يثبت للجملة الشرطية مفهوم.
والتحقيق ان الموضوع والشرط في الجملة الشرطية المذكورة يمكن تصويرها بانحاء: منها: ان يكون الموضوع طبيعي النبأ، والشرط مجئ الفاسق به.

[137]

ومنها: ان يكون الموضوع نبأ الفاسق، والشرط مجيئه به فكأنه قال نبأ الفاسق اذا جاء‌كم به فتبينوا.
ومنها: ان يكون الموضوع الجائي بالخبر والشرط فسقه فكأنه قال الجائي بالخبر إذا كان فاسقا فتبينوا، ولا شك في ثبوت المفهوم في النحو الاخير لعدم كون الشرط حينئذ محققا للموضوع، كما لا شك في عدم المفهوم في النحو الثاني لان الشرط حينئذ هو الاسلوب الوحيد لتحقيق الموضوع.
واما في النحو الاول، فالظاهر ثبوت المفهوم وان كان الشرط محققا للموضوع لعدم كونه هو الاسلوب الوحيد لتحقيقه، وفي مثل ذلك يثبت المفهوم، كما تقدم توضيحه في مبحث مفهوم الشرط، والظاهر من الآية الكريمة هو النحو الاول فالمفهوم اذن ثابت.
والاعتراض الآخر يتلخص في محاولة لابطال المفهوم عن طريق عموم التعليل بالجهالة الذي يقتضي اسراء الحكم المعلل إلى سائر موارد عدم العلم. ويجاب على هذا الاعتراض بوجوه:
احدها - ان المفهوم مخصص لعموم التعليل، لانه يثبت الحجية لخبر العادل غير العلمي والتعليل يقتضي عدم حجية كل ما لا يكون علميا، فالمفهوم اخص منه. ويرد عليه، ان هذا انما يتم اذا انعقد للكلام ظهور في المفهوم ثم عارض عموما من العمومات فانه يخصصه. واما في المقام فلا ينعقد للكلام ظهور في المفهوم لانه متصل بالتعليل وهو صالح للقرينية على عدم انحصار الجزاء بالشرط، ومعه لا ينعقد الظهور في المفهوم لكي يكون مخصصا.
ثانيها - ان المفهوم حاكم على عموم التعليل على ما ذكره المحقق النائيني - رحمه الله - وذلك لان مفاده حجية خبر العادل، وحجيته معناها على مسلك جعل الطريقية اعتباره علما، والتعليل موضوعه الجهل وعدم

[138]

العلم، فباعتبار خبر العادل علما يخرج عن موضوع التعليل وهو معنى كون المفهوم حاكما ويرد عليه، انه اذا كان مفاد المفهوم اعتبار خبر العادل علما فمفاد المنطوق نفي هذا الاعتبار عن خبر الفاسق، وعليه فالتعليل يكون ناظرا إلى توسعة دائرة هذا النفي، وتعميمه على كل ما لا يكون علميا، فكأن التعليل يقول ان كل ما لا يكون علما وجدانا لا اعتبره علما. وبهذا يكون مفاد التعليل، ومفاد المفهوم في رتبة واحدة احدهما يثبت اعتبار خبر العادل علما، والآخر ينفي هذا الاعتبار ولا موجب لحكومة احدهما على الآخر.
ثالثها - ما ذكره المحقق الخراساني - رحمه الله - من ان الجهالة المذكورة في التعليل ليست بمعنى عدم العلم بل بمعنى السفاهة، والتصرف غير المتزن فلا يشمل خبر العادل الثقة لانه ليس سفاهة ولا تصرفا غير متزن.
الوجه الثاني: ان يستدل بمفهوم الوصف حيث انيط وجوب التبين بفسق المخبر فينتفي بانتفائه ومفهوم الوصف تارة يستدل به في المقام بناء على ثبوت المفهوم للوصف عموم، وتارة يستدل به لامتياز في المقام، حتى لو انكرنا مفهوم الوصف في موارد اخرى، وذلك بان يقال ان مقتضى قاعدة احترازية القيود انتفاء شخص ذلك الوجوب للتبين بانتفاء الفسق وعليه فوجوب التبين عن خبر العادل ان اريد به شمول شخص ذلك الوجوب له فهو خلاف القاعدة المذكورة، وان اريد به شخص آخر من وجوب التبين مجعول على عنوان خبر العادل، فهذا غير محتمل لان معناه ان خبر العادل بما هو خبر العادل دخيل في وجوب التبين هذا، وهو غير محتمل، فان وجوب التبين اما ان يكون بملاك مطلق خبر، او بملاك كون المخبر فاسقا ولا يحتمل دخل عدالة المخبر في جعل وجوب للتبين.
اما اللحاظ الاول للاستدلال بمفهوم الوصف فجوابه انكار المفهوم للوصف خصوصا في حالة ذكر الوصف بدون ذكر الموصوف. واما اللحاظ الثاني للاستدلال فجوابه ان وجوب التبين ليس حكما مجعولا، بل هو تعبير آخر عن عدم الحجية ومرجع ربطه بعنوان إلى ان

[139]

ذلك العنوان لا يقتضى الحجية فلا محذور في ان يكون خبر العادل موضوعا لوجوب التبين بهذا المعنى، لان موضوعيته لهذا الوجوب مرجعها إلى عدم موضوعيته للحجية.
ومنها: آية النفر، وهي قوله سبحانه وتعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(1).
وتقريب الاستدلال بها يتم من خلال الامور التالية:
اولا: انها تدل على وجوب التحذر لوجوه: احدها - انه وقع مدخولا لاداة الترجي الدالة على المطلوبية في مثل المقام، ومطلوبية التحذر مساوقة لوجوبه لان الحذر ان كان له مبرر فهو واجب، والا لم يكن مطلوبا. ثانيها - ان التحذر وقع غاية للنفر الواجب، وغاية الواجب واجبة. ثالثها - انه بدون افتراض وجوب التحذر يصبح الامر بالنفر، والانذار لغوا.
ثانيا: ان وجوب التحذر واجب مطلقا سواء افاد الانذار العلم للسامع أو لا، لان الوجوه المتقدمة لافادته تقتضي ثبوته كذلك.
ثالثا: ان وجوب التحذر حتى مع عدم حصول العلم لدى السامع، مساوق للحجية شرعا. إذ لو لم يكن اخبار المنذر حجة شرعا، لما وجب العمل به الا في حال حصول العلم منه.
وقد يناقش في الامر الاول بوجوهه الثلاثة وذلك بالاعتراض على اول تلك الوجوه بان الاداة مفادها وقوع مدخولها موقع الترقب لا الترجي، ولذا قد يكون مدخولها مرغوبا عنه، كما في قوله: (لعلك عن بابك طردتنى).


______________
(1) سورة التوبة - الآية 122. (*)

[140]

والاعتراض على ثاني تلك الوجوه، بان غاية الواجب ليست دائما واجبة، وان كانت محبوبة حتما، ولكن ليس من الضروري ان يتصدى المولى لايجابها، بل قد يقتصر في مقام الطلب على تقريب المكلف نحو الغاية، وسد باب من ابواب عدمها وذلك عند وجود محذور مانع عن التكليف بها، وسد كل ابواب عدمها كمحذور المشقة وغيره، والاعتراض على ثالث تلك الوجوه بان الامر بالنفر، والانذار ليس لغوا مع عدم الحجية التعبدية لانه كثيرا ما يؤدي إلى علم السامع فيكون منجزا، ولما كان المنذر يحتمل دائما ترتب العلم على انذاره، او مساهمة انذاره في حصول العلم ولو لغير السامع المباشر فمن المعقول أمره بالانذار مطلقا. وهذه المناقشة إذا تمت جزئيا فلا تتم كليا، لان دلالة كلمة (لعل) على المطلوبية غير قابلة للانكار. وكون مفادها الترقب، وان كان صحيحا ولكن كونه ترقب المحبوب، او ترقب المخوف يتعين بالسباق ولا شك في تعيين السياق في المقام للاول.
وقد يناقش في الامر الثاني - بعد تسليم الاول - بان الآية الكريمة لا تدل على اطلاق وجوب التحذر لحالة عدم علم السامع بصدق المنذر وذلك لوجهين: احدهما: ان الآية لم تسق من حيث الاساس لافادة وجوب التحذر لنتمسك باطلاقها لاثبات وجوبه على كل حال، وانما هي مسوقة لافادة وجوب الانذار فيثبت باطلاقها ان وجوب الانذار ثابت على كل حال، وقد لا يوجب المولى التحذر الا على من حصل له العلم، ولكنه يوجب الانذار على كل حال، وذلك احتياطا منه في مقام التشريع لعدم تمكنه من اعطاء الضابطة للتمييز بين حالات استتباع الانذار للعلم او مساهمته فيه وغيرها.
والوجه الآخر ما يدعى من وجود قرينة في الآية على عدم الاطلاق لظهورها في تعلق الانذار بما تفقه فيه المنذر في هجرته، وكون الحذر المطلوب مترقبا عقيب هذا النحو من الانذار فمع شك السامع في ذلك لا

[141]

يمكن التمسك باطلاق الآية لاثبات مطلوبية الحذر.
ويمكن النقاش في الامر الثالث بان وجوب التحذر مترتب على عنوان الانذار، لا مجرد الاخبار، والانذار يستبطن وجود خطر سابق، وهذا يعني ان الانذار ليس هو المنجز، والمستتبع لاحتمال الخطر بجعل الشارع الحجية له، وانما هو مسبوق بتنجز الاحكام في المرتبة السابقة بالعلم الاجمالي، او الشك قبل الفحص هذا مضافا إلى ان تنجز الاحكام الالزامية بالاخبار غير القطعي لا يتوقف على جعل الحجية للخبر شرعا بناء على مسلك حق الطاعة كما هو واضح.
2 - وأما السنة: واما السنة فهناك طريقان لاثباتها:
احدهما: الاخبار الدالة على الحجية. ولكي يصح الاستدلال بها على حجية خبر الواحد، لا بد ان تكون قطعية الصدور وتذكر في هذا المجال طوائف عديدة من الروايات والظاهر ان كثيرا منها لا يدل على الحجية. وفيما يلي نستعرض بايجاز جل هذه الطوائف ليتضح الحال.
الطائفة الاولى: ما دل على التصديق الواقعي ببعض روايات الثقات، من قبيل ما ورد عن العسكري عليه السلام عندما عرض عليه كتاب يوم وليلة ليونس بن عبدالرحمن إذ قال: (هذا ديني ودين آبائي وهو الحق كله). وهذا مرده إلى الاخبار عن المطابقة للواقع، وهو غير الحجية التعبدية التي تجعل عند الشك في المطابقة.
الطائفة الثانية: ما تضمن الحث على تحمل الحديث، وحفظه من قبيل قول النبي صلى الله عليه وآله: " من حفظ على امتي اربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة ". وهذا لا يدل على الحجية ايضا إذ لا شك في ان

[142]

تحمل الحديث وحفظه من اهم المستحبات، بل من الواجبات الكفائية لتوقف حفظ الشريعة عليه، ولا يلزم من ذلك وجوب القبول تعبدا مع الشك. ومثل ذلك ما دل على الثناء المحدثين، او الامر بحفظ الكتب، والترغيب في الكتابة.
الطائفة الثالثة: ما دل على الامر بنقل بعض النكات، والمضامين من قبيل قول ابي عبدالله (ع) " يا ابان اذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث... " والصحيح ان الامر بالنقل يكفي في وجاهته احتمال تمامية الحجة بذلك بحصول الوثوق لدى السامعين، ولا يتوقف على افتراض الحجية التعبدية.
الطائفة الرابعة: ما دل على ان انتفاع السامع بالرواية قد يكون اكثر من انتفاع الراوي من قبيل قولهم " فرب حامل فقه إلى من هو افقه منه ". ونلاحظ ان هذه الطائفة ليست في مقام بيان ان النقل يثبت المنقول للسامع تعبدا والا لكان الناقل دائما من هذه الناحية افضل حالا من السامع لان الثبوت لديه وجداني بل هي بعد افتراض ثبوت المنقول تريد ان توضح ان المهم ليس حفظ الالفاظ، بل ادراك المعاني واستيعابها. وفي ذلك قد يتفوق السامع على الناقل.
الطائفة الخامسة: ما دل على ذم الكذب عليهم، والتحذير من الكذابين عليهم فانه لو لم يكن خبر الواحد مقبولا لما كان هناك اثر للكذب ليستحق التحذير. والصحيح ان الكذب كثيرا ما يوجب اقتناع السامع خطأ، واذا افترض في مجال العقائد واصول الدين، كفى في خطره مجرد ايجاد الاحتمال والظن. فاهتمام الائمة بالتحذير من الكاذب لا يتوقف على افتراض الحجية التعبدية.

[143]

الطائفة السادسة: ما ورد في الارجاع إلى آحاد من اصحاب الائمة بدون اعطاء ضابطة كلية للارجاع. من قبيل ارجاع الامام إلى زرارة بقوله: " اذا اردت حديثا فعليك بهذا الجالس "، او قول الامام الهادي (ع) " فأسال عنه عبدالعظيم بن عبدالله الحسني واقرأه مني السلام ". وروايات الارجاع التي هي من هذا القبيل لما كانت غير متضمنة للضابطة الكلية فلا يمكن اثبات حجية خبر الثقة بها مطلقا حتى في حالة احتمال تعمد الكذب إذ من الممكن ان يكون ارجاع الامام بنفسه معبرا عن ثقته ويقينه بعدم تعمد الكذب ما دام ارجاعا شخصيا غير معلل.
الطائفة السابعة: ما دل على ذم من يطرح ما يسمعه من حديث بمجرد عدم قبول طبعه له من قبيل قوله (ع): " وأسوأهم عندي حالا، وامقتهم الذي يسمع الحديث ينسب الينا، ويروى عنا فلم يقبله اشمئز منه وجحده. وكفر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، والينا اسند "، إذ قد يقال لولا حجية الخبر لما استحق الطارح هذا الذم. والجواب: انه استحقه على الاعتماد على الذوق، والرأي في طرح الرواية بدون تتبع، واعمال للموازين وعلى التسرع بالنفي والانكار مع ان مجرد عدم الحجية لا يسوغ الانكار والتكفير.
الطائفة الثامنة: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الترجيح بموافقة الكتاب، ومخالفة العامة، فلولا ان خبر الواحد حجة، لما كان هناك معنى لفرض التعارض بين الخبرين، واعمال المرجحات بينهما. ونلاحظ ان دليل الترجيح هذا يناسب الحديثين القطعيين صدورا إذا تعارضا فلا يتوقف تعقله على افتراض الحجية التعبدية.
الطائفة التاسعة: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الترجيح بالاوثقية، ونحوها من الصفات الدخيلة في زيادة قيمة الخبر، وقوة الظن بصدوره، وتقريب الاستدلال كما تقدم في الطائفة السابقة. ولا يمكن هنا حمل هذا الدليل على الحديثين القطعيين لان الاوثقية لا اثر لها فيهما ما دام كل منهما مقطوع الصدور.

[144]

الطائفة العاشرة: ما دل بشكل وآخر على الارجاع إلى كلي الثقة اما ابتداء، واما تعليلا للارجاع إلى اشخاص معينين على نحو يفهم منه الضابط الكلي. وهذه الطائفة هى احسن ما في الباب. وفي روايات هذه الطائفة ما لا يخلو من مناقشة ايضا من قبيل قوله: " فانه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا قد عرفوا باننا نفاوضهم بسرنا، ونحمله اياهم اليهم " فان عنوان ثقاتنا اخص من عنوان الثقات ولعله يتناول خصوص الاشخاص المعتمدين شخصيا للامام، والمؤتمنين من قبله فلا يدل على الحجية في نطاق اوسع من ذلك.
وفي روايات هذه الطائفة ما لا مناقشة في دلالتها، من قبيل ما رواه محمد بن عيسى: " قال: قلت لابي الحسن الرضا: جعلت فداك اني لا اكاد اصل اليك لاسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم ديني، فقال: نعم " ولما كان المركز في ذهن الراوي ان مناط التحويل هو الوثاقة، وأقره الامام على ذلك دل الحديث على حجية خبر الثقة. غير ان عدد الروايات التامة دلالة على هذا المنوال لا يبلغ مستوى التواتر لانه عدد محدود. نعم قد تبذل عنايات في تجميع ملاحظات توجب الاطمئنان الشخصي بصدور بعض هذه الروايات لمزايا في رجال سفدها ونحو ذلك.
والطريق الآخر لاثبات السنة هو السيرة وذلك بتقريبين.
الاول: الاستدلال بسيرة المتشرعة من اصحاب الائمة على العمل باخبار الثقات وقد تقدم في الحلقة السابقة بيان الطريق لاثبات هذه السيرة، كما تقدم كيفية استكشاف الدليل الشرعي عن طريق السيرة سواء كانت سيرة اولئك المتشرعة على ما ذكرناه بوصفهم الشرعي، او بما هم عقلاء.

[145]

الثاني: الاستدلال بسيرة العقلاء على التعويل على اخبار الثقات، وذلك ان شأن العقلاء سواء - في مجال اغراضهم الشخصية التكوينية، او في مجال الاغراض التشريعية وعلاقات الآمرين بالمأمورين - العمل بخبر الثقة، والاعتماد عليه، وهذا الشأن العام للعقلاء يوجب قريحة، وعادة لو ترك العقلاء على سجيتهم لاعملوها في علاقاتهم مع الشارع، ولعولوا على اخبار الثقات في تعيين احكامه وفي حالة من هذا القبيل لو ان اشارع كان لا يقر حجية خبر الثقة لتعين عليه الردع عنها حفاظا على غرضه، فعدم الردع حينئذ معناه التقرير ومؤداه الامضاء.
والفارق بين التقريبين ان التقريب الاول يتكفل مؤونة اثبات جري اصحاب الائمة فعلا على العمل بخبر الثقة، بينما التقريب الثاني لا يدعي ذلك، بل يكتفي باثبات الميل العقلائي العام إلى العمل بخبر الثقة الامر الذي يفرض على الشارع الردع عنه - على فرض عدم الحجية - لئلا يتسرب هذا الميل إلى مجال الشرعيات. وهناك اعتراض يواجه الاستدلال بالسيرة، وهو ان السيرة مردوع عنها بالآيات الناهية عن العمل بالظن الشاملة باطلاقها لخبر الواحد. وتوجد عدة اجوبة على هذا الاعتراض:
الجواب الاول: ما ذكره المحقق النائيني - رحمه الله - من ان السيرة حاكمة على تلك الآيات لانها تخرج خبر الثقة عن الظن، وتجعله علما بناء على مسلك جعل الطريقية في تفسير الحجية. ونلاحظ على ذلك: اولا - انه اذا كان معنى الحجية جعل الامارة علما، كان مفاد الآيات

[146]

النافية لحجية غير العلم نفي جعلها علما، وهذا يعني ان مدلولها في عرض مدلول ما يدل على الحجية.
وكلا المدلولين موضوعها ذات الظن فلا معنى لحكومته المذكورة.
ثانيا - " ان الحاكم ان كان هو نفس البناء العقلائي فهذا غير معقول لان الحاكم يوسع موضوع الحكم. او يضيقه في الدليل المحكوم، وذلك من شأن نفس جاعل الحكم المراد توسيعه، او تضيقه ولا معنى لان يوسع العقلاء، او يضيقون حكما مجعولا من قبل غيرهم. وان كان الحاكم الموسع والمضيق هو الشارع بامضائه للسيرة، فهذا يعنى انه لابد لنا من العلم بالامضاء لكي نحرز الحاكم. والكلام في انه كيف يمكن احراز الامضاء مع وجود النواهي المذكورة الدالة على عدم الحجية؟
الجواب الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية - رحمه الله - من ان الردع عن السيرة بتلك العمومات الناهية غير معقولا لانه دور، وبيانه ان الردع بالعمومات عنها يتوقف على حجية تلك العمومات في العموم وهذه الحجية تتوقف على عدم وجود مخصص لها، وعدم وجود مخصص يتوقف على كونها رادعة عن السيرة، والا لكانت مخصصة بالسيرة ولسقطت حجيتها في العموم. والجواب على ذلك ان توقف الردع بالعمومات على حجيتها في العموم صحيح غير ان حجيتها كذلك لا تتوقف على عدم وجود مخصص لها، بل على عدم احراز المخصص، وعدم احراز المخصص حاصل فعلا ما دامت السيرة ما لم يعلم بامضائها فلا دور.
الجواب الثالث: ما ذكره المحقق الاصفهاني - رحمه الله - من ان ظهور العمومات المدعى ردعها لا دليل على حجيته، لان الدليل على حجية الظهور هو السيرة العقلائية، ومع انعقادها على العمل بخبر الثقة لا يمكن انعقادها على العمل بالظهور المانع عن ذلك لان العمل بالمتناقضين غير معقول.

[147]

وهذا الجواب غريب لان انعقاد السيرة على العمل بالظهور معناه انعقادها على اكتشاف مراد المولى بالظهور، وتنجزه بذلك، وهذا لا ينافي استقرار عمل آخر لهم على خلاف ما تنجز بالظهور، فالعمل العقلائي بخبر الثقة ينافي مدلول الظهور في العمومات الناهية ولا ينافي نفس بنائهم على العمل بهذا الظهور وجعله كاشفا وحجة.
فالصحيح في الجواب ان يقال انه ان ادعي كون العمومات رادعة عن سيرة المتشرعة المعاصرين للمعصومين من صحابة ومحدثين، فهذا خلاف الواقع، لاننا اثبتنا في التقريب الاول ان هذه السيرة كانت قائمة فعلا على الرغم من تلك العمومات. وهذا يعني انها لم تكن كافية للردع، واقامة الحجة وان ادعي كونها رادعة عن السيرة العقلائية بالتقريب الثاني، فقد يكون له وجه، ولكن الصحيح مع هذا عدم صلاحيتها لذلك ايضا، لان مثل هذا الامر المهم لا يكتفي في الردع عنه عادة باطلاق دليل من هذا القبيل.
3 - واما دليل العقل فله شكلان:
أ - الشكل الاول ويتلخص في الاستدلال على حجية الروايات الواصلة الينا عن طريق الثقات من الرواة بالعلم الاجمالى وبيانه: انا نعلم اجمالا بصدور عدد كبير من هذه الروايات عن المعصومين عليهم السلام، والعلم الاجمالي منجز بحكم العقل كالعلم التفصيلي على ما تقدم في حلقة سابقة. فتجب موافقته القطعية، وذلك بالعمل بكل تلك الروايات التي يعلم اجمالا بصدور قسط وافر منها.
وقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين:

[148]

الاول - نقضي: وحاصله انه لو تم هذا، لامكن بنفس الطريقة اثبات حجية كل خبر حتى اخبار الضعاف لاننا اذا لاحظنا مجموع الاخبار بما فيها الاخبار الموثقة وغيرها نجد انا نعلم اجمالا ايضا بصدور عدد كبير منها، فهل يلتزم بوجوب العمل بكل تلك الاخبار تطبيقا لقانون منجزية العلم الاجمالى؟ والجواب على هذا النقض ما ذكره صاحب الكفاية من انحلال احد العلمين الاجماليين بالآخر وفقا لقاعدة انحلال العلم الاجمالي الكبير، بالعلم الاجمالي الصغير - المتقدمة في الحلقة السابقة - اذ يوجد لدينا علمان اجماليان: الاول: العلم الذي ابرز من خلال هذا النقض واطرافه كل الاخبار.
والثاني: العلم المستدل به واطرافه اخبار الثقات. ولانحلال علم اجمالي بعلم اجمالي ثان وفقا للقاعدة التي اشرنا اليها شرطان - كما تقدم في محله -: احدهما: ان تكون اطراف الثاني بعض اطراف الاول. والآخر: ان لا يزيد المعلوم بالاول عن المعلوم بالثاني، وكلا الشرطين منطبقان في المقام فان العلم الاجمالي الثاني في المقام - اي العلم المستدل به على الحجة - اطرافه بعض اطراف العلم الاول الذي ابرز في النقض، والمعلوم في الاول لا يزيد على المعلوم فيه فينحل الاول بالثاني وفقا للقاعدة المذكورة.
الثاني جواب حلي،: وحاصله ان تطبيق قانون تنجيز العلم الاجمالي لا يحقق الحجية بالمعنى المطلوب في المقام، وذلك: اولا - لان هذا العلم لا يوجب لزوم العمل بالاخبار المتكفلة للاحكام الترخيصية لان العلم الاجمالي انما يكون منجزا، وملزما في حالة كونه علما اجماليا بالتكليف لا بالترخيص بينما الحجية المطلوبة هي حجية خبر الثقة بمعنى كونه منجزا اذا انبأ عن التكليف، ومعذرا إذا انبأ عن الترخيص.

[149]

وثانيا - لان العمل باخبار الثقات على اساس العلم الاجمالي انما هو من اجل الاحتياط للتكاليف المعلومة بالاجمال. ومن الواضح ان الاحتياط لا يسوغ ان يجعل خبر الثقة مخصصا لعام، او مقيدا لمطلق في دليل قطعي الصدور، فان التخصيص والتقييد معناه رفع اليد عن عموم العام، او اطلاق المطلق في دليل قطعي الصدور، ومعلوم الحجية.
ومن الواضح انه لا يجوز رفع اليد عما هو معلوم الحجية الا بحجية اخرى تخصيصا، او تقييدا، فما لم تثبت حجية خبر الثقة لا يمكن التخصيص بها، او التقييد، فاذا ورد مطلق قطعي الصدور يدل على الترخيص في اللحوم مثلا: وورد خبر ثقة على حرمة لحم الارنب لم يكن بالامكان الالتزام بتقييد ذلك المطلق بهذا الخبر ما لم تثبت حجيته بدليل شرعي اللهم الا ان يقال ان مجموعة العمومات، والمطلقات الترخيصية في الادلة القطعية الصدور يعلم اجمالا بطرق التخصيص والتقييد عليها، فاذا لم تثبت حجية خبر الثقة بدليل خاص فسوف لن نستطيع ان نعين مواطن التخصيص والتقييد، وهذا يجعلنا لا نعمل بها جميعا تنفيدا لقانون تنجيز العلم الاجمالي، وبهذا ننتهي إلى طرح اطلاق ما دل على حلية اللحوم في المثال، والتقيد احتياطا بما دل على حرمة لحم الارنب مثلا. وهذه نتيجة مشابهة للنتيجة التي ينتهى اليها عن طريق التخصيص والتقييد.
ب - الشكل الثاني للدليل العقلي ما يسمى بدليل الانسداد وهو - لو تم - يثبت حجية الظن بدون اختصاص بالظن الناشئ من الخبر فيكون دليلا على حجية مطلق الامارات الظنية بما في ذلك اخبار الثقات وقد بين ضمن مقدمات:

[150]

الاولى - انا نعلم اجمالا بتكاليف شرعية كثيرة في مجموع الشبهات، ولا بد من التعرض لامتثالها بحكم تنجيز العلم الاجمالي.
الثانية - انه لا يوجد طريق معتبر - لا قطعي وجداني، ولا تعبدي قام الدليل الشرعي الخاص على حجيته - يمكن التعويل عليه في تعيين مواطن تلك التكاليف ومحالها، وهذا ما يعبر عنه بانسداد باب العلم والعلمي.
الثالثة - ان الاحتياط بالموافقة القطعية للعلم الاجمالي المذكور في المقدمة الاولى غير واجب، لانه يؤدي إلى العسر والحرج نظرا إلى كثرة اطراف العلم الاجمالي.
الرابعة - انه لا يجوز الرجوع إلى الاصول العملية في كل شبهة باجراء البراء‌ة ونحوها، لان ذلك على خلاف قانون تنجيز العلم الاجمالي.
الخامسة - انه ما دام لا يجوز اهمال العلم الاجمالي، ولا يتيسر تعيين المعلوم الاجمالي بالعلم والعلمي، ولا يراد منا الاحتياط في كل واقعة، ولا يسمح لنا بالرجوع إلى الاصول العملية فنحن إذن بين امرين: اما ان نأخذ بما نظنه من التكاليف ونترك غيرها، واما ان نأخذ بغيرها، ونترك المظنونات. والثاني ترجيح للمرجوح على الراجح فيتعين الاول، وبهذا يثبت حجية الظن بما في ذلك اخبار الثقات.
ونلاحظ على هذا الدليل: اولا - انه يتوقف على عدم قيام دليل شرعي خاص على حجية خبر الثقة، والا كان باب العلمي مفتوحا وامكن باخبار الثقات تعيين التكاليف المعلومة بالاجمال فكأن دليل الانسداد ينتهي اليه حيث لا يحصل الفقيه على اي دليل شرعي خاص يدل على حجية بعض الامارات الشائعة.

[151]

وثانيا - ان العلم الاجمالي المذكور في المقدمة الاولى منحل بالعلم الاجمالي في دائرة الروايات الواصلة الينا عن طريق الثقات، كما تقدم. والاحتياط التام في حدود هذا العلم الاجمالي ليس فيه عسر ومشقة.
وثالثا - انا اذا سلمنا عدم وجوب الاحتياط التام - لانه يؤدي إلى العسر والحرج - فهذا انما يقتضى رفع اليد عن المرتبة العليا من الاحتياط بالقدر الذي يندفع به العسر والحرج، مع الالتزام بوجوب سائر مراتبه، لان الضرورات تقدر بقدرها فيكون الاخذ بالمظنونات حينئذ باعتباره مرتبة من مراتب الاحتياط الواجبة واين هذا من حجية الظن. اللهم الا ان يدعى قيام الاجماع. على ان الشارع لا يرضى بابتناء التعامل مع الشريعة على اساس الاحتياط فاذا ضمت هذه الدعوى امكن ان نستكشف حينئذ انه جعل الحجية للظن.
وقد تلخص من استعراض ادلة الحجية ان الاستدلال بآية النبأ تام، وكذلك بالسنة الثابتة بطريق قطعي كسيرة المتشرعة، والسيرة العقلائية.