المرحلة الثانية :في تحديد دائرة حجية الاخبار
ونأتي الآن إلى المرحلة الثانية في تحديد دائرة هذه الحجية، وشروطها والتحقيق في ذلك ان مدرك حجية الخبر ان كان مختصا بآية النبأ فهو لا يثبت سوى حجية خبر العادل خاصة، ولا يشمل خبر الثقة غير العادل واما اذا لم يكن المدرك مختصا بذلك وفرض الاستدلال بالسيرة والروايات ايضا على ما تقدم فلا شك في وفاء السيرة والروايات باثبات الحجية لخبر الثقة ولو لم يكن عادلا.
[152]
ومن هنا قد توقع المعارضة بالعموم من وجه بين ما دل على حجية خبر الثقة الشامل باطلاقه للثقة الفاسق، ومنطوق آية النبأ الدال باطلاقه على عدم حجية خبر الفاسق ولو كان ثقة.
وقد يقال حينئذ بالتعارض والتساقط والرجوع إلى اصالة عدم حجية خبر الثقة الفاسق إذ لم يتم الدليل على حجيته، ولكن الصحيح انه لا اطلاق في منطوق الآية الكريمة لخبر الثقة الفاسق لان التعليل بالجهالة يوجب اختصاصه بموارد يكون العمل فيها بخبر الفاسق سفاهة وهذا يختص بخبر غير الثقة فلا تعارض اذن، وبذلك يثبت حجية خبر الثقة دون غيره.
وهل يسقط خبر الثقة عن الحجية إذا وجدت امارة ظنية نوعية على كذبه؟ وهل يرتفع خبر غير الثقة إلى مستوى الحجية إذا توفرت امارة من هذا القبيل على صدقه؟ فيه بحث وكلام، وقد تقدم وكلام موجز عن تحقيق ذلك في الحلقة السابقة. ولا شك في ان ادلة حجية خبر الثقة، والعادل، لا تشمل الخبر الحدسي المبني على النظر والاستنباط، وانما تختص بالخبر الحسي المستند إلى الاحساس بالمدلول كالاخبار عن نزول المطر، او الاحساس بآثاره ولوازمه العرفية كالاخبار عن العدالة.
وعلى هذا فقول المفتي ليس حجة على المفتي الآخر بلحاظ ادلة حجية خبر الثقة لان اخباره بالحكم الشرعي ليس حسيا، بل حدسيا واجتهاديا نعم هو حجة على مقلديه بدليل حجية قول اهل الخبرة والذكر. ومن اجل ذلك يقال بان الشخص إذا اكتشف بحدسه، واجتهاده قول المعصوم عن طريق اتفاق عدد معين من العلماء على الفتوى فاخبر بقول المعصوم استنادا إلى اتفاق ذلك العدد لم يكن اخباره حجة في اثبات قول المعصوم، لانه ليس اخبارا حسيا عنه وانما يكون حجة في اثبات اتفاق ذلك العدد من العلماء على الفتوى - اذا لم يعلم منه التسامح عادة في مثل ذلك - لان اخباره عن اتفاق هذا العدد حسي فان كان اتفاق هذا العدد يكشف في رأينا عن قول المعصوم استكشفناه والا فلا.
[153]
وعلى هذا الاساس نعرف الحال في الاجماعات المنقولة فانه كان يقال عادة ان نقل الاجماع حجة في اثبات الحكم الشرعي لانه نقل بالمعنى لقول المعصوم واخبار عنه.
وقد اعترض على ذلك المحققون المتأخرون بانه ليس نقلا حسيا لقول المعصوم، بل هو نقل حدسي مبني على ما يراه الناقل من كشف اتفاق الفتاوى التي لاحظها عن قول المعصوم فلا يكون حجة في اثبات قول المعصوم بل في اثبات تلك الفتاوى فقط.
حجية الخبر مع الواسطة:
ولا شك في ان حجية الخبر تتقوم بركنين: احدهما: بمثابة الموضوع لها وهو نفس الخبر. والآخر: بمثابة الشرط وهو وجود اثر شرعي لمدلول الخبر لوضوح انه اذا لم يكن لمدلوله اثر كذلك فلا معنى للتعبد به وجعل الحجية له. والحجية متأخرة رتبة عن الخبر تأخر الحكم عن موضوعه، وعن افتراض اثر شرعي لمدلول الخبر تأخر المشروط عن شرطه.
وعلى هذا الاساس قد يستشكل في شمول دليل الحجية للخبر مع الواسطة وتوضيح ذلك انا اذا سمعنا زرارة ينقل عن الامام ان السورة واجبة امكننا التمسك بدليل الحجية بدون شك، لان كلا الركنين ثابت، فان خبر زرارة ثابت لدينا وجدانا بحسب الفرض، ومدلوله ذو أثر شرعي لانه يتحدث عن وجوب السورة، واما اذا نقل شخص عن زرارة الكلام المذكور فقد يتبادر إلى الذهن اننا نتمسك بدليل الحجية ايضا وذلك بتطبيقه على الشخص الناقل عن زرارة اولا، فان اخباره ثابت لنا وجدانا وعن طريق حجيته يثبت لدينا خبر زرارة، كما لو كنا سمعنا منه وحينئذ نطبق دليل الحجية
[154]
على خبر زرارة لاثبات كلام الامام، ولكن قد استشكل في ذلك وقيل بان تطبيق دليل الحجية على هذا الترتيب مستحيل وبيان الاستحالة بتقريبين: الاول - انه يلزم منه اثبات الحكم لموضوعه مع ان الحكم متأخر رتبة عن موضوعه وذلك لان خبر زرارة لم يثبت الا بلحاظ دليل الحجية مع انه موضوع للحجية المستفادة من ذلك الدليل وهذا معنى اثبات الحكم لموضوعه. الثاني - انه يلزم منه اتحاد الحكم مع شروطه على الرغم من تأخر الحكم رتبة عن شرطه، وذلك لان حجية خبر الناقل عن زرارة مشروطة بوجود اثر شرعي لما ينقله هذا الناقل وهو انما ينقل خبر زرارة، ولا أثر شرعيا لخبر زرارة الا الحجية فقد صارت الحجية محققة لشرط نفسها.
وجواب كلا التقريبين: ان حجية الخبر مجعولة على نهج القضية الحقيقية على موضوعها، وشرطها المقدر الوجود، وفعلية الحجية المجعولة بفعلية الموضوع والشرط المقدر وتعدد الحجية الفعلية بتعددهما، كما هو الشأن في سائر الاحكام المجعولة على هذا النحو.
وعليه فنقول: انه توجد في المقام حجيتان: الاولى: حجية خبر الناقل عن زرارة. والثانية: حجية خبر زرارة.
وما هو الموضوع للحجية الثانية هو خبر زرارة لم يثبت بالحجية الثانية، بل بالحجية الاولى فلا يلزم المحذور المذكور في التقريب الاول، كما ان الشرط المصحح للحجية الاولى وهو الاثر الشرعي يتمثل في الحجية الثانية لا في الحجية الاولى فلا يلزم المحذور المذكور في التقريب الثاني.
[155]
قاعدة التسامح في ادلة السنن:
ذكرنا ان موضوع الحجية ليس مطلق الخبر، بل خبر الثقة على تفصيلات متقدمة، ولكن قد يقال في خصوص باب المستحبات، او الاحكام غير الالزامية عموما ان موضوع الحجية مطلق الخبر، ولو كان ضعيفا استنادا إلى روايات دلت على ان من بلغه عن النبي ثواب على عمل فعمله كان له مثل ذلك وان كان النبي لم يقله، كصحيحة هشام ابن سالم عن ابي عبدالله عليه السلام: " قال: من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له اجره وإن لم يكن على ما بلغه " بدعوى ان هذه الروايات تجعل الحجية لمطلق البلوغ في موارد المستحبات.
والتحقيق ان هذه الروايات فيها - بدوا - اربعة احتمالات:
الاول: ان تكون في مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ.
الثاني: ان تكون في مقام انشاء استحباب واقعي نفسي، على طبق البلوغ بوصفه عنوانا ثانويا.
الثالث: ان تكون ارشادا إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، واستحقاق المحتاط للثواب.
الرابع: ان تكون وعدا مولويا لمصلحة في نفس الوعد، ولو كانت هذه المصلحة هي الترغيب في الاحتياط باعتبار حسنه عقلا.
والفارق بين هذه الاحتمالات الاربعة من الناحية النظرية واضح. فالاحتمال الثالث يختلف عن الباقي في عدم تضمنه اعمال المولوية بوجه. والاحتمالان الاخيران يختلفان عن الاولين في عدم تضمنهما جعل الحكم، ويختلف الاول عن الثاني - مع اشتراكهما في جعل الحكم - في أن الحكم المجعول على الاول ظاهري، وعلى الثاني واقعي.
[156]
واما الاثر العملي لهذه الاحتمالات فهو واضح ايضا إذ لا يبرر الاحتمالان الاخيران الافتاء بالاستحباب بينما يبرر الاحتمالان الاولان ذلك.
ولكن قد يقال - كما عن السيد الاستاذ -: انه لا ثمرة عملية يختلف بموجبها الاحتمالان الاولان لانهما معا يسوغان الفتوى بالاستحباب ولا فرق بينهما في الاثار، ولكن التحقيق وجود ثمرات عملية يختلف بموجبها الاحتمال الاول عن الاحتمال الثاني خلافا لما افاده - دام ظله - ونذكر فيما يلي جملة من الثمرات: الثمرة الاولى: ان يدل خبر ضعيف على استحباب فعل، وخبر ثقة على نفي استحبابه فاذا بني على الاحتمال الاول وقع التعارض بين الخبرين لحجية كل منهما بحسب الفرض ونظرهما معا إلى حكم واقعي واحد اثباتا ونفيا. واذا بني على الاحتمال الثاني فلا تعارض لان الخبر الضعيف الحاكي عن الاستحباب لا يثبت مؤداه ليعارض الخبر النافي له بل هو بنفسه يكون موضوعا لاستحباب واقعي مترتب على عنوان البلوغ، والبلوغ محقق، وكونه معارضا لا ينافي صدق عنوان البلوغ فيثبت الاستحباب.
الثمرة الثانية: ان يدل خبر ضعيف على وجوب شئ فعلى الاحتمال الثاني لا شك في ثبوت الاستحباب لانه مصداق لبلوغ الثواب على عمل، واما على الاحتمال الاول فلا يثبت شئ لان اثبات الوجوب بالخبر الضعيف متعذر لعدم حجيته في اثبات الاحكام الالزامية، واثبات الاستحباب به متعذر ايضا لانه لا يدل عليه فكيف يكون طريقا وحجة لاثبات غير مدلوله، واثبات الجامع بين الوجوب الاستحباب به متعذر ايضا لانه مدلول تحليلي للخبر فلا يكون حجة لاثباته عند من يرى - كالسيد الاستاذ - ان حجية الخبر في المدلول التحليلي متوقفة على حجيته في المدلول المطابقي بكامله.
[157]
الثمرة الثالثة: ان يدل خبر ضعيف على استحباب الجلوس في المسجد إلى طلوع الشمس مثلا على نحو لا يفهم منه ان الجلوس بعد ذلك مستحب أولا. فعلى الاحتمال الاول يجري استصحاب بقاء الاستحباب وعلى الثانى لا يجري لانه مجعول بعنوان ما بلغه ثواب عليه وهذا مقطوع الارتفاع لاختصاص البلوغ بفترة ما قبل الطلوع. ومهما يكن فلا شك في ان الاحتمال الاول مخالف لظاهر الدليل كما تقدم في الحلقة السابقة فلا يمكن الالتزام بتوسعة دائرة حجية الخبر في باب المستحبات.
 |