الحكم الشرعي وتقسيماته
الاحكام التكليفية والوضعية:

قد تقدم في الحلقة السابقة ان الاحكام الشرعية على قسمين: احدهما الاحكام التكليفية، والآخر الاحكام الوضعية، وقد عرفنا سابقا نبذة عن الاحكام التكليفية.
واما الاحكام الوضعية فهي على نحوين: الاول: ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي، كالزوجية الواقعة موضوعا لوجوب الانفاق، والملكية الواقعة موضوعا لحرمة تصرف الغير في المال بدون إذن المالك.
الثاني: ما كان منتزعا عن الحكم التكليفي، كجزئية السورة للواجب، المنتزعة عن الامر بالمركب منها، وشرطية الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر، المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.
ولا ينبغي الشك في ان القسم الثاني ليس مجعولا للمولى بالاستقلال، وانما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي، لانه مع جعل الامر بالمركب من السورة وغيرها، يكفي هذا الامر التكليفي في انتزاع عنوان الجزئية للواجب من السورة، وبدونه لا يمكن ان تتحقق الجزئية للواجب بمجرد إنشائها وجعلها مستقلا.

[15]

من الامور الانتزاعية الواقعية، وان كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها وبين جزئية الجزء للمركبات الخارجية من حيث كونها امرا انتزاعيا واقعيا، وان اختلفت الجزئيتان في وعاء الواقع ومنشأ الانتزاع، وما دامت الجزئية امرا واقعيا، فلا يمكن ايجادها بالجعل التشريعي والاعتبار.
واما القسم الاول فمقتضى وقوعه موضوعا للاحكام التكليفية عقلائيا وشرعا، هو كونه مجعولا بالاستقلال لا منتزعا عن الحكم التكليفي، لان موضوعيته للحكم التكليفي تقتضي سبقه عليه رتبة مع ان انتزاعه يقتضي تأخره عنه. وقد تثار شبهة لنفي الجعل الاستقلالي لهذا القسم ايضا بدعوى أنه لغو، لانه بدون جعل الحكم التكليفي المقصود لا أثر له، ومعه لا حاجة إلى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداء على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه.
والجواب على هذه الشبهة ان الاحكام الوضعية التي تعود إلى القسم الاول اعتبارات ذات جذور عقلائية، الغرض من جعلها تنظيم الاحكام التكليفية، وتسهيل صياغتها التشريعية فلا تكون لغوا.

شمول الحكم للعالم والجاهل:

وأحكام الشريعة تكليفية ووضعية تشمل في الغالب العالم بالحكم، والجاهل على السواء، ولا تختص بالعالم، وقد ادعي ان الاخبار الدالة على ذلك مستفيضة، ويكفي دليلا على ذلك اطلاقات أدلة تلك الاحكام، ولهذا أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم والجاهل موردا للقبول على وجه العموم بين أصحابنا، الا اذا دل دليل خاص على خلاف ذلك في مورد.

[16]

وقد يبرهن على هذه القاعدة عن طريق اثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالم، لانه يعني ان العلم بالحكم قد أخذ في موضوعه، وينتج عن ذلك تأخر الحكم رتبة عن العلم به، وتوقفه عليه وفقا لطبيعة العلاقة بين الحكم وموضوعه.
ولكن قد مر بنا في الحلقة السابقة ان المستحيل هو اخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه لا اخذ العلم بالجعل، في موضوع الحكم المجعول فيه. ويترتب على ما ذكرناه من الشمول ان الامارات والاصول التي يرجع اليها المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية او الموضوعية قد تصيب الواقع، وقد تخطئ. فللشارع إذن احكام واقعية محفوظة في حق الجميع، والادلة والاصول في معرض الاصابة والخطأ، غير ان خطأها مغتفر لان الشارع جعلها حجة، وهذا معنى القول بالتخطئة. وفي مقابلة ما يسمى بالقول بالتصويب، وهو ان احكام الله تعالى ما يؤدي اليه الدليل والاصل، ومعنى ذلك انه ليس له من حيث الاساس احكام، وانما يحكم تبعا للدليل او الاصل، فلا يمكن ان يتخلف الحكم الواقعي عنها. وهناك صورة مخففة للتصويب مؤداها ان الله تعالى له احكام واقعية ثابتة من حيث الاساس، ولكنها مقيدة بعدم قيام الحجة من امارة او اصل على خلافها فان قامت الحجة على خلافها تبدلت واستقر ما قامت عليه الحجة.
وكلا هذين النحوين من التصويب باطل: اما الاول فلشناعته ووضوح بطلانه، حيث ان الادلة والحجج، انما جاء‌ت لتخبرنا عن حكم الله وتحدد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض انه لا حكم لله من حيث الاساس.
واما الثاني فلانه مخالف لظواهر الادلة ولما دل على اشتراك الجاهل والعالم في الاحكام الواقعية.

[17]

الحكم الواقعي والظاهري:

ينقسم الحكم الشرعي، كما عرفنا سابقا إلى واقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك، وظاهري اخذ في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق. وقد كنا نقصد حتى الآن في حديثنا عن الحكم الاحكام الواقعية.
وقد مر بنا في الحلقة السابقة ان مرحلة الثبوت للحكم - الحكم الواقعي - تشتمل على ثلاثة عناصر: وهي الملاك والارادة والاعتبار، وقلنا إن الاعتبار ليس عنصرا ضروريا، بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمي وصياغي.
ونريد ان نشير الآن إلى حقيقة العنصر الثالث الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه غالبا، وتوضيحه ان المولى كما ان له حق الطاعة على المكلف فيما يريده منه، كذلك له حق تحديد مركز حق الطاعة في حالات ارادته شيئا من المكلف، فليس ضروريا اذا تم الملاك في شئ واراده المولى ان يجعل نفس ذلك الشئ في عهدة المكلف مصبا لحق الطاعة، بل يمكنه ان يجعل مقدمة ذلك الشئ التي يعلم المولى بانها مؤدية اليه، في عهدة المكلف دون نفس الشئ، فيكون حق الطاعة منصبا على المقدمة ابتداء، وان كان الشوق المولوي غير متعلق بها الا تبعا، وهذا يعنى ان حق الطاعة ينصب على ما يحدده المولى عند ارادته لشئ مصبا له ويدخله في عهدة المكلف، والاعتبار هو الذي يستخدم عادة للكشف عن المصب الذي عينه المولى لحق الطاعة، فقد يتحد مع مصب ارادته وقد يتغاير.
واما الاحكام الظاهرية فهي مثار لبحث واسع، وجهت فيه عدة اعتراضات للحكم الظاهري، تبرهن على استحالة جعله عقلا، ويمكن تلخيص هذه البراهين فيما يلي:
1 - ان جعل الحكم الظاهري يؤدي إلى اجتماع الضدين او المثلين، لان الحكم الواقعي ثابت في فرض الشك بحكم قاعدة الاشتراك المتقدمة، وحينئذ فان كان الحكم الظاهري المجعول على الشاك مغايرا للحكم الواقعي نوعا، كالحلية والحرمة، لزم اجتماع الضدين والا لزم اجتماع المثلين.

[18]

وما قيل سابقا من انه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري لانهما سنخان، مجرد كلام صوري اذا لم يعط مضمونا محددا، لان مجرد تسمية هذا بالواقعي وهذا بالظاهري، لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الاحكام التكليفية وهي متضادة.
2 - ان الحكم الظاهري اذا خالف الحكم الواقعي، فحيث ان الحكم الواقعي بمبادئه محفوظ في هذا الفرض بحكم قاعدة الاشتراك يلزم من جعل الحكم الظاهري في هذه الحالة نقض المولى لغرضه الواقعي بالسماح للمكلف بتفويته، اعتمادا علي الحكم الظاهري في حالات عدم تطابقه مع الواقع، وهو يعني القاء المكلف في المفسدة، وتفويت المصالح الواقعية المهمة عليه.
3 - ان الحكم الظاهري من المستحيل ان يكون منجزا للتكليف الواقعي المشكوك، ومصححا للعقاب على مخالفة الواقع، لان الواقع لا يخرج عن كونه مشكوكا بقيام الاصل او الامارة المثبتين للتكليف، ومعه يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والاحكام العقلية غير قابلة للتخصيص.

شبهة التضاد ونقض الغرض:

أما الاعتراض الاول فقد اجيب عليه بوجوه: منها: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره، من ان اشكال التضاد نشأ من افتراض ان الحكم الظاهري حكم تكليفي، وان حجية خبر الثقة مثلا، معناها جعل حكم تكليفي يطابق ما أخبر عنه الثقة من احكام، وهو ما يسمى بجعل الحكم المماثل، فان أخبر الثقة بوجوب شئ وكان

[19]

حراما في الواقع، تمثلت حجيته في جعل وجوب ظاهري لذلك الشئ وفقا لما اخبر به الثقة، فيلزم على هذا الاساس اجتماع الضدين، وهما الوجوب الظاهري والحرمة الواقعية.
ولكن الافتراض المذكور خطأ، لان الصحيح ان معنى حجية خبر الثقة مثلا جعله علما وكاشفا تاما عن مؤداه بالاعتبار، فلا يوجد حكم تكليفي ظاهري زائدا على الحكم التكليفي الواقعي ليلزم اجتماع حكمين تكليفيين متضادين، وذلك لان المقصود من جعل الحجية للخبر مثلا، جعله منجزا للاحكام الشرعية التي يحكى عنها وهكذا يحصل بجعله علما وبيانا تاما، لان العلم منجز سواء كان علما حقيقة كالقطع، او علما بحكم الشارع كالامارة، وهذا ما يسمى بمسلك جعل الطريقية. والجواب على ذلك ان التضاد بين الحكمين التكليفيين ليس بلحاظ اعتباريهما حتى يندفع بمجرد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من اعتبار الحكم التكليفي، إلى اعتبار العلمية والطريقية، بل بلحاظ مبادئ الحكم، كما تقدم في الحلقة السابقة.
وحينئذ فان قيل بان الحكم الظاهري ناشئ من مصلحة ملزمة وشوق في فعل المكلف الذي تعلق به ذلك الحكم، حصل التنافي بينه وبين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري، وان قيل بعدم نشوئه من ذلك ولو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهري زال التنافي بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، سواء جعل هذا حكما تكليفيا او بلسان جعل الطريقية.
ومنها: ما ذكره السيد الاستاذ من ان التنافي بين الحرمة والوجوب مثلا، ليس بين اعتباريهما، بل بين مبادئهما من ناحية، لان الشئ الواحد لا يمكن ان يكون مبغوضا ومحبوبا، وبين متطلباتهما في مقام الامتثال من ناحية اخرى، لان كلا منهما يستدعى تصرفا مخالفا لما يستدعيه الآخر،

[20]

فاذا كانت الحرمة واقعية والوجوب ظاهريا، فلا تنافي بينهما في المبادئ، لاننا نفترض مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله، لا في المتعلق المشترك بينه وبين الحكم الواقعي. ولا تنافي بينهما في متطلبات مقام الامتثال، لان الحرمة الواقعية غير واصلة، كما يقتضيه جعل الحكم الظاهري في موردها فلا امتثال لها، ولا متطلبات عملية، لان استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول والتنجز.
ولكن نتسأل هل يمكن ان يجعل المولى وجوبا او حرمة لملاك في نفس الوجوب او الحرمة؟ ولو اتفق حقا ان المولى أحس بان من مصلحته ان يجعل الوجوب على فعل بدون ان يكون مهتما بوجوده اطلاقا، وانما دفعه إلى ذلك وجود المصلحة في نفس الجعل، كما اذا كان ينتظر مكافأة على نفس ذلك من شخص ولا يهمه بعد ذلك ان يقع الفعل او لا يقع، أقول لو اتفق ذلك حقا فلا أثر لمثل هذاالجعل، ولا يحكم العقل بوجوب امتثاله، فافتراض ان الاحكام الظاهرية ناشئة من مبادئ في نفس الجعل، يعني تفريغها من حقيقة الحكم ومن اثره عقلا.
فالجواب المذكور في افتراضه المصلحة في نفس الجعل غير تام، ولكنه في افتراضه ان الحكم الظاهري لا ينشأ من مبادئ في متعلقه بالخصوص تام، فنحن بحاجة إذن في تصوير الحكم الظاهري إلى افتراض ان مبادئه ليس من المحتوم تواجدها في متعلقه بالخصوص لئلا يلزم التضاد، ولكنها في نفس الوقت ليست قائمة بالجعل فقط لئلا يلزم تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم، وذلك بان نقول إن مبادئ الاحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الاحكام الواقعية. وتوضيح ذلك ان كل حرمة واقعية لها ملاك اقتضائي، وهو المفسدة والمبغوضية القائمتان بالفعل، وكذلك الامر في الوجوب.
واما الاباحة فقد تقدم في الحلقة السابقة، ان ملاكها قد يكون اقتضائيا، وقد يكون غير اقتضائى، لانها قد تنشأ عن وجود ملاك في ان يكون المكلف مطلق العنان، وقد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك.

[21]

وعليه فاذا اختلطت المباحات بالمحرمات، ولم يتميز بعضها عن البعض، لم يؤد ذلك إلى تغير في الاغراض والملاكات والمبادئ للاحكام الواقعية، فلا المباح بعدم تمييز المكلف له عن الحرام يصبح مبغوضا، ولا الحرام بعدم تمييزه عن المباح تسقط مبغوضيته، فالحرام على حرمته واقعا ولا يوجد فيه سوى مبادئ الحرمة، والمباح على اباحته ولا توجد فيه سوى مبادئ الاباحة، غير ان المولى في مقام التوجيه للمكلف الذي اختلطت عليه المباحات بالمحرمات بين أمرين: اما ان يرخصه في ارتكاب ما يحتمل اباحته.
واما ان يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل حرمته، وواضح ان اهتمامه بالاجتناب عن المحرمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كل ما يحتمل حرمته، لا لان كل ما يحتمل حرمته فهو مبغوض وذو مفسدة، بل لضمان الاجتناب عن المحرمات الواقعية الموجودة ضمنها، فهو منع ظاهري ناشئ من مبغوضية المحرمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها، وفي مقابل ذلك ان كانت الاباحة في المباحات الواقعية ذات ملاك لا اقتضائي، فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور، وهذا المنع سيشمل الحرام الواقعي والمباح الواقعي ايضا، اذا كان محتمل الحرمة للمكلف، وفي حالة شموله للمباح الواقعي لا يكون منافيا لاباحته، لانه كما قلنا لم ينشأ عن مبغوضية نفس متعلقه، بل عن مبغوضية المرحمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها.
واما اذا كانت الاباحة الواقعية ذات ملاك اقتضائى، فهي تدعو - خلافا للحرمة - إلى الترخيص في كل ما يحتمل اباحته، لا لان كل ما يحتمل اباحته ففيه ملاك الاباحة، بل لضمان اطلاق العنان في المباحات الواقعية الموجودة ضمن محتملات الاباحة، فهو ترخيص ظاهري ناشئ عن الملاك الاقتضائى للمباحثات الواقعية والحرص على تحقيقه.

[22]

وفي هذه الحالة يزن المولى درجة اهتمامه بمحرماته ومباحاته، فان كان الملاك الاقتضائي في الاباحة اقوى واهم رخص في المحتملات، وهذا الترخيص سيشمل المباح الواقعي والحرام الواقعي اذا كان محتمل الاباحة، وفي حالة شموله للحرام الواقعي لا يكون منافيا لحرمته، لانه لم ينشأ عن ملاك للاباحة في نفس متعلقه، بل عن ملاك الاباحة في المباحات الواقعية والحرص على ضمان ذلك الملاك. واذا كان ملاك المحرمات الواقعية اهم، منع من الاقدام في المحتملات ضمانا للمحافظة على الاهم.
وهكذا يتضح ان الاحكام الظاهرية خطابات تعين الاهم من الملاكات، والمبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر. وبهذا اتضح الجواب على الاعتراض الثانى، وهو ان الحكم الظاهري يؤدي إلى تفويت المصلحة والالقاء في المفسدة، فان الحكم الظاهري وان كان قد يسبب ذلك، ولكنه انما يسببه من اجل الحفاظ على غرض أهم.

شبهة تنجز الواقع المشكوك:

واما الاعتراض الثالث فقد أجيب بان تصحيح العقاب على التكليف الواقعي الذي أخبر عنه الثقة بلحاظ حجية خبره، لا ينافي قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لان المولى حينما يجعل خبر الثقة حجة يعطيه صفة العلم والكاشفية اعتبارا على مسلك الطريقية المتقدم، وبذلك يخرج التكليف الواقعي عن دائرة قبح العقاب بلا بيان، لانه يصبح معلوما بالتعبد الشرعي، وان كان مشكوكا وجدانا. ونلاحظ على ذلك ان هذه المحاولة إذا تمت فلا تجدي في الاحكام الظاهرية المجعولة في الاصول العملية غير المحرزة كأصالة الاحتياط، على ان المحاولة غير تامة، كما يأتي ان شاء الله تعالى. والصحيح انه لا موضوع لهذا الاعتراض على مسلك حق الطاعة لما

[23]

تقدم من ان هذا المسلك المختار يقتضى انكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان راسا. وقد تلخص مما تقدم ان جعل الاحكام الظاهرية ممكن.

الامارات والاصول:

تنقسم الاحكام الظاهرية إلى قسمين: احدهما: الاحكام الظاهرية التي تجعل لاحراز الواقع، وهذه الاحكام تتطلب وجود طريق ظني له درجة كشف عن الحكم الشرعي، ويتولى الشارع الحكم على طبقه بنحو يلزم على المكلف التصرف بموجبه، ويسمى لطريق بالامارة، ويسمى الحكم الظاهري بالحجية من قبيل حجية خبر الثقة.
والقسم الآخر: الاحكام الظاهرية التى تجعل لتقرير الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك، ولا يراد بها احرازه، وتسمى بالاصول العملية.
ويبدو من مدرسة المحقق النائينى قدس سره، التمييز بين هذين القسمين على أساس ما هو المجعول الاعتباري في الحكم الظاهري، فان كان المجعول هو الطريقية والكاشفية دخل المورد في الامارات، واذا لم يكن المجعول ذلك وكان الجعل في الحكم الظاهري متجها إلى انشاء الوظيفة العملية دخل في نطاق الاصول، وفي هذه الحالة اذا كان انشاء الوظيفة العملية بلسان تنزيل مؤدى الاصل منزلة الواقع في الجانب العملي، او تنزيل نفس الاصل او الاحتمال المقوم له منزلة اليقين في جانبه العملي لا الاحرازي.
فالاصل تنزيلى او اصل محرز، واذا كان بلسان تسجيل وظيفة عملية محددة بدون ذلك، فالاصل اصل عملي صرف. وهذا يعنى ان الفرق بين الامارات والاصول ينشأ من كيفية صياغة الحكم الظاهري في عالم الجعل والاعتبار.

[24]

ولكن التحقيق ان الفرق بينهما اعمق من ذلك، فان روح الحكم الظاهري في موارد الامارة تختلف عن روحه في موارد الاصل بقطع النظر عن نوع الصياغة، وليس الاختلاف الصياغي المذكور الا تعبيرا عن ذلك الاختلاف الاعمق في الروح بين الحكمين.
وتوضيح ذلك انا عرفنا سابقا ان الاحكام الظاهرية، مردها إلى خطابات تعين الاهم من الملاكات، والمبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها ضمان الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر، وكل ذلك يحصل نتيجة الاختلاط بين الانواع عند المكلف وعدم تمييزه المباحات عن المحرمات مثلا، والاهمية التي تستدعي جعل الحكم الظاهري وفقا لها، تارة تكون بلحاظ الاحتمال، واخرى بلحاظ المحتمل، وثالثة بلحاظ الاحتمال والمحتمل معا، فان شك المكلف في الحكم يعني وجود احتمالين او اكثر في تشخيص الواقع المشكوك، وحينئذ فان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر، وجعل الحكم الظاهري وفقا لها لقوة احتمالها وغلبة مصادفته للواقع بدون اخذ نوع المحتمل بعين الاعتبار، فهذا هو معنى الاهمية بلحاظ الاحتمال، وبذلك يصبح الاحتمال المقدم امارة، سواء كان لسان الانشاء والجعل للحكم الظاهري لسان جعل الطريقية، او وجوب الجري على وفق الامارة.
وان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر لاهمية المحتمل بدون دخل لكاشفية الاحتمال في ذلك كان الحكم من الاصول العملية البحتة، كاصالة الاباحة واصالة الاحتياط الملحوظ في احدهما أهمية الحكم الترخيصى المحتمل. وفي الآخر اهمية الحكم الالزامي المحتمل بقطع النظر عن درجة الاحتمال، سواء كان لسان الانشاء والجعل للحكم الظاهري لسان تسجيل وظيفة عملية، او لسان جعل الطريقية، وان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر بلحاظ كلا الامرين من الاحتمال والمحتمل، كان الحكم من الاصول العملية التنزيلية او المحرزة كقاعدة الفراغ.

[25]

نعم الانسب في موارد التقديم بلحاظ قوة الاحتمال ان يصاغ الحكم الظاهري بلسان جعل الطريقية، والانسب في موارد التقديم بلحاظ قوة المحتمل ان يصاغ بلسان تسجيل الوظيفة، لا ان هذا الاختلاف الصياغي هو جوهر الفرق بين الامارات والاصول.

التنافي بين الاحكام الظاهرية:

عرفنا سابقا ان الاحكام الواقعية المتغايرة نوعا كالوجوب والحرمة والاباحة متضادة، وهذا يعني ان من المستحيل ان يثبت حكمان واقعيان متغايران على شئ واحد، سواء علم المكلف بذلك او لا؟ لاستحالة اجتماع الضدين في الواقع، والسؤال هنا هو أن اجتماع حكمين ظاهريين متغايرين نوعا، هل هو معقول او لا، فهل يمكن ان يكون مشكوك الحرمة حراما ظاهرا ومباحا ظاهرا في نفس الوقت؟ والجواب على هذا السؤال يختلف باختلاف المبني في تصوير الحكم والظاهري، والتوفيق بينه وبين الاحكام الواقعية.
فان اخذنا بوجهة النظر القائلة بان مبادئ الحكم الظاهري ثابتة في نفس جعله لا في متعلقه، امكن جعل حكمين ظاهريين بالاباحة والحرمة معا، على شرط ان لا يكونا واصلين معا، فانه في حالة عدم وصول كليهما معا لا تنافي بينهما لا بلحاظ نفس الجعل لانه مجرد اعتبار، ولا بلحاظ المبادئ لان مركزها ليس واحدا، بل مبادئ كل حكم في نفس جعله لا في متعلقه، ولا بلحاظ عالم الامتثال والتنجيز والتعذير، لان احدهما على الاقل غير واصل فلا اثر عملي له، واما في حالة وصولهما معا فهما متنافيان متضادان لان احدهما ينجز والآخر يؤمن.
واما على مسلكنا في تفسير الاحكام الظاهرية وانها خطابات تحدد ما هو الاهم من الملاكات الواقعية المختلطة فالخطابان الظاهريان المختلفان،

[26]

كالاباحة والمنع متضادان بنفسيهما، سواء وصلا إلى المكلف او لا، لان الاول يثبت اهمية ملاك المباحات الواقعية، والثاني يثبت اهمية ملاك المحرمات الواقعية، ولا يمكن ان يكون كل من هذين الملاكين اهم من الآخر، كما هو واضح.

وظيفة الاحكام الظاهرية:

وبعد ان اتضح ان الاحكام الظاهرية خطابات لضمان ما هو الاهم من الاحكام الواقعية ومبادئها.
وليس لها مبادئ في مقابلها، نخرج من ذلك بنتيجة، وهي ان الخطاب الظاهري وظيفته التنجيز والتعذير بلحاظ الاحكام الواقعية المشكوكة فهو ينجز تارة ويعذر اخرى، وليس موضوعا مستقلا لحكم العقل بوجوب الطاعة في مقابل الاحكام الواقعية، لانه ليس له مبادئ خاصة به وراء مبادئ الاحكام الواقعية، فحين يحكم الشارع بوجوب الاحتياط ظاهرا يستقل العقل بلزوم التحفظ على الوجوب الواقعي المحتمل، واستحقاق العقاب على عدم التحفظ عليه لا على مخالفة نفس الحكم بوجوب الاحتياط بما هو، وهذا معنى ما يقال من أن الاحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية فهي مجرد وسائل وطرق لتسجيل الواقع المشكوك وادخاله في عهدة المكلف، ولا تكون هي بنفسها موضوعا مستقلا للدخول في العهدة لعدم استقلالها بمبادئ في نفسها، ولهذا فان من يخالف وجوب الاحتياط في مورد ويتورط نتيجة لذلك في ترك الواجب الواقعي لا يكون مستحقا لعقابين بلحاظ مخالفة الوجوب الواقعي ووجوب الاحتياط الظاهري، بل لعقاب واحد والا لكان حاله اشد ممن ترك الواجب الواقعي. وهو عالم بوجوبه، واما الاحكام الواقعية فهي احكام حقيقية لا طريقية، بمعنى ان لها مبادئ خاصة بها، ومن اجل ذلك تشكل موضوعا مستقلا للدخول في العهدة، ولحكم العقل بوجوب امتثالها واستحقاق العقاب على مخالفتها.

[27]

التصويب بالنسبة إلى بعض الاحكام الظاهرية:

تقدم ان الاحكام الواقعية محفوظة ومشتركة بين العالم والجاهل، واتضح ان الاحكام الظاهرية تجتمع مع الاحكام الواقعية على الجاهل دون منافاة بينهما، وهذا يعني ان الحكم الظاهري لا يتصرف في الحكم الواقعي، ولكن هناك من ذهب إلى ان الاصول الجارية في الشبهات الموضوعية كاصالة الطهارة تتصرف في الاحكام الواقعية، بمعنى ان الحكم الواقعي بشرطية الثوب الطاهر في الصلاة مثلا، يتسع ببركة اصالة الطهارة، فيشمل الثوب المشكوكة طهارته الذي جرت فيه اصالة الطهارة حتى لو كان نجسا في الواقع، وهذا نحو من التصويب الذي ينتج ان الصلاة في مثل هذا الثوب تكون صحيحة واقعا.
ولا تجب اعادتها على القاعدة، لان الشرطية قد اتسع موضوعها، وتقريب ذلك ان دليل أصالة الطهارة بقوله: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " يعتبر حاكما على دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة لان لسانه لسان توسعة موضوع ذلك الدليل وايجاد فرد له، فالشرط موجود اذن، وليس الامر كذلك لو ثبتت طهارة الثوب بالامارة فقط، لان مفاد دليل حجية الامارة ليس جعل الحكم المماثل، بل جعل الطريقية والمنجزية فهو بلسانه لا يوسع موضوع دليل الشرطية لان موضوع دليلها الثوب الطاهر، وهو لا يقول هذا طاهر، بل يقول هذا محرز الطهارة بالامارة فلا يكون حاكما. وعلى هذا الاساس فصل صاحب الكفاية بين الامارات والاصول المنقحة للموضوع، فبني على ان الاصول الموضوعية توسع دائرة الحكم الواقعي المترتب على ذلك الموضوع دون الامارات، وهذا غير صحيح وسيأتى بعض الحديث عنه ان شاء الله تعالى.

القضية الحقيقية والخارجية للاحكام:

مر بنا في الحلقة السابقة ان الحكم تارة يجعل على نهج القضية الحقيقية، واخرى يجعل على نهج القضية الخارجية.

[28]

والقضية الخارجية هى القضية التي يجعل فيها الحاكم حكمه على افراد موجودة فعلا في الخارج في زمان اصدار الحكم، او في أي زمان آخر، فلو أتيح لحاكم ان يعرف بالضبط من وجد ومن هو موجود، ومن سوف يوجد في المستقبل من العلماء، فأشار اليهم جميعا وأمر باكرامهم، فهذه قضية خارجية.
والقضية الحقيقية هي القضية التي يلتفت فيها الحاكم إلى تقديره وذهنه بدلا عن الواقع الخارجى فيشكل قضية شرطية شرطها هو الموضوع المقدر الوجود وجزاؤها هو الحكم فيقول: اذا كان الانسان عالما فاكرمه، واذا قال اكرم العالم قاصدا هذا المعنى فالقضية - روحا - شرطية وان كانت - صياغة - حملية.
وهناك فوارق بين القضيتين: منها ما هو نظري، ومنها ما يكون له مغزى عملي. فمن الفوارق اننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع ان نشير إلى أي جاهل، ونقول لو كان هذا عالما لوجب اكرامه، لان الحكم بالوجوب ثبت على الطبيعة المقدرة، وهذا مصداقها، وكلما صدق الشرط صدق الجزاء خلافا للقضية الخارجية التي تعتمد على الاحصاء الشخصي للحاكم، فان هذا الفرد الجاهل ليس داخلا فيها، لا بالفعل ولا على تقدير ان يكون عالما، اما الاول فواضح، واما الثاني فلان القضية الخارجية ليس فيها تقدير وافتراض، بل هي تنصب على موضوع ناجز. ومن الفوارق ان الموضوع في القضية الحقيقية وصف كلي دائما يفترض وجوده فيرتب عليه الحكم سواء كان وصفا عرضا كالعالم او ذاتيا كالانسان، واما الموضوع في القضية الخارجية فهو الذوات الخارجية، أي ما يقبل ان يشار اليه في الخارج بلحاظ احد الازمنة، ومن هنا استحال التقدير والافتراض فيها لان الذات الخارجية وما يقال عنه (هذا) خارجا لا معنى لتقدير وجوده، بل هو محقق الوجود، فان كان وصف ما دخيلا

[29]

في ملاك الحكم في القضية الخارجية تصدى المولى نفسه لاحراز وجوده، كما اذا اراد ان يحكم على ولده بوجوب اكرام ابناء عمه وكان لتدينهم دخل في الحكم فانه يتصدى بنفسه لاحراز تدينهم، ثم يقول: اكرم ابناء عمك كلهم او إلا زيدا تبعا لما احرزه من تدينهم كلا او جلا. واما اذا قال: اكرم ابناء عمك ان كانوا متدينين، فالقضية شرطية وحقيقية من ناحية هذا الشرط لانه قد افترض وقدر.
ومن الفوارق المترتبة على ذكل، ان الوصف الدخيل في الحكم في باب القضايا الحقيقية اذا انتفى ينتفى الحكم لانه مأخوذ في موضوعه. وان شئت قلت لانه شرط، والجزاء ينتفي بانتفاء الشرط، خلافا لباب القضايا الخارجية، فان الاوصاف ليست شروطا، وانما هي امور يتصدى المولى لاحرازها فتدعوه اى جعل الحكم، فإذا احرز المولى تدين ابناء العم فحكم بوجوب اكرامهم على نهج القضية الخارجية ثبت الحكم ولو لم يكونوا متدينين في الواقع، وهذا معنى ان الذي يتحمل مسؤولية تطبيق الوصف على افراده هو المكلف في باب القضايا الحقيقية للاحكام، وهو المولى في باب القضايا الخارجية لها.
وينبغي ان يعلم ان الحاكم - سواء كان حكمه على نهج القضية الحقيقية او على نهج القضية الخارجية وسواء كان حكمه تشريعيا كالحكم بوجوب الحج على المستطيع، او تكوينيا واخباريا كالحكم بان النار محرقة او انها في الموقد - انما يصب حكمه في الحقيقة على الصورة الذهنية لا على الموضوع الحقيقى للحكم، لان الحكم لما كان امرا ذهينا فلا يمكن ان يتعلق الا بما هو حاضر في الذهن، وليس ذلك الا الصورة الذهينة، وهى وان كانت مباينة للموضوع الخارجي بنظر، ولكنها عينه بنظر آخر، فانت اذا تصورت النار ترى بتصورك نارا، ولكنك اذا لاحظت بنظرة ثانية إلى ذهنك وجدت فيه صورة ذهنية للنار لا النار نفسها، ولما كان ما في الذهن عين الموضوع الخارجي بالنظر التصوري وبالحمل الاولي صح ان يحكم

[30]

عليه بنفس ما هو ثابت للموضوع الخارجي من خصوصيات كالاحراق بالنسبة إلى النار، وهذا يعني انه يكفي في اصدار الحكم على الخارج إحضار صورة ذهنية تكون بالنظر التصوري عين الخارج وربط الحكم بها وان كانت بنظرة ثانوية فاحصة وتصديقية - اي بالحمل الشايع - مغايرة للخارج.

تنسيق البحوث المقبلة:

وسوف نتحدث فيما يلي - وفقا لما تقدم في الحلقتين السابقتين - عن حجية القطع اولا باعتباره عنصرا مشتركا عاما، ثم عن العناصر المشتركة التي تتمثل في أدلة محرزة، وبعد ذلك عن العناصر المشتركة التي تتمثل في اصول عملية، وفي الخاتمة نعالج حالات التعارض ان شاء الله تعالى.