حجية القطع

تقدم في الحلقة السابقة ان للمولى الحقيقي سبحانه وتعالى حق الطاعة بحكم مولويته. والمتيقن من ذكل هو حق الطاعة في التكاليف المقطوعة، وهذا هو معنى منجزية القطع، كما ان حق الطاعة هذا لا يمتد إلى ما يقطع المكلف بعدمه من التكاليف جزما، وهذا معنى معذرية القطع. والمجموع من المنجزية والمعذرية هو ما نقصده بالحجية.
كما عرفنا سابقا ان الصحيح في حق الطاعة شموله للتكاليف المظنونة والمحتملة ايضا، فيكون الظن والاحتمال منجزا ايضا، ومن ذلك يستنتج ان المنجزية موضوعها مطلق انكشاف التكليف ولو كان انكشافا احتماليا لسعة دائرة حق الطاعة، غير ان هذا الحق وهذا التنجيز يتوقف على عدم حصول مؤمن من قبل المولى نفسه في مخالفة ذلك التكليف، وذلك بصدور ترخيص جاد منه في مخالفة التكليف المنكشف. إذ من الواضح انه ليس لشخص حق الطاعة لتكليفه، والادانة بمخالفته اذا كان هو نفسه قد رخص بصورة جادة في مخالفته.
اما متى يتأتى للمولى ان يرخص في مخالفة التكليف المنكشف بصورة جادة؟ فالجواب على ذلك أن هذا يتأتى للمولى بالنسبة إلى التكاليف المنكشفة بالاحتمال او الظن، وذلك بجعل حكم ظاهري ترخيصي في

[34]

موردها، كأصالة الاباحة والبراء‌ة ولا تنافي بين هذا الترخيص الظاهري والتكليف المحتمل او المظنون، لما سبق من التوفيق بين الاحكام الظاهرية والواقعية، وليس الترخيص الظاهري هنا هزليا، بل المولى جاد فيه ضمانا لما هو الاهم من الاغراض والمبادئ الواقعية، واما التكليف المنكشف بالقطع فلا يمكن ورود المؤمن من المولى بالترخيص الجاد في مخالفته، لان هذا الترخيص اما حكم واقعي حقيقي، واما حكم ظاهري طريقي، وكلاهما مستحيل.
والوجه في استحالة الاول انه يلزم اجتماع حكمين واقعيين حقيقيين متنافيين في حالة كون التكليف المقطوع ثابتا في الواقع، ويلزم اجتماعهما على اي حال في نظر القاطع، لانه يرى مقطوعه ثابتا دائما فكيف يصدق بذلك، والوجه في استحالة الثاني ان الحكم الظاهري ما يؤخذ في موضوعه الشك ولا شك مع القطع فلا مجال لجعل الحكم الظاهري، وقد يناقش في هذه الاستحالة بان الحكم الظاهري كمصطلح متقوم بالشك لا يمكن ان يوجد في حالة القطع بالتكليف، ولكن لماذا لا يمكن ان نفترض ترخيصا يحمل روح الحكم الظاهري ولو لم يسم بهذا الاسم اصطلاحا، لاننا عرفنا سابقا ان روح الحكم الظاهري هي انه خطاب يجعل في موارد اختلاط المبادئ الواقعية، وعدم تمييز المكلف لها لضمان الحفاظ على ما هو أهم منها، فاذا افترضنا ان المولى لاحظ كثرة وقوع القاطعين بالتكاليف في الخطأ وعدم التمييز بين موارد التكليف وموارد الترخيص، وكانت ملاكات الاباحة الاقتضائية تستدعي الترخيص في مخالفة ما يقطع به من تكاليف ضمانا للحفاظ على تلك الملاكات، فلماذا لا يمكن صدور الترخيص حينئذ؟ والجواب على هذه المناقشة، ان هذا الترخيص لما كان من اجل رعاية الاباحة الواقعية في موارد خطأ القاطعين فكل قاطع يعتبر نفسه غير مقصود جدا بهذا الترخيص، لانه يرى قطعه بالتكليف مصيبا، فهو بالنسبة اليه ترخيص غير جاد، وقد قلنا فيما سبق ان حق الطاعة والتنجيز متوقف على عدم الترخيص الجاد في المخالفة.

[35]

ويتلخص من ذلك.
اولا: ان كل انكشاف للتكليف منجز ولا تختص المنجزية بالقطع لسعة دائرة حق الطاعة.
وثانيا: ان هذه المنجزية مشروطة بعدم صدور ترخيص جاد من قبل المولى في المخالفة.
ثالثا: ان صدور مثل هذا الترخيص معقول في موارد الانكشاف غير القطعي.
ومستحيل في موارد الانكشاف القطعي، ومن هنا يقال: إن القطع لا يعقل سلب المنجزية عنه بخلاف غيره من المنجزات. هذا هو التصور الصحيح لحجية القطع ومنجزيته، ولعدم امكان سلب هذه المنجزية عنه. غير ان المشهور لهم تصور مختلف، فبالنسبة إلى اصل المنجزية، ادعوا انها من لوازم القطع بما هو قطع، ومن هنا آمنوا بانتفائها عند انتفائه، وبما اسموه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وبالنسبة إلى عدم امكان سلب المنجزية وردع المولى عن العمل بالقطع، برهنوا على استحالة ذلك بان المكلف اذا قطع بالتكليف حكم العقل بقبح معصيته، فلو رخص المولى فيه لكان ترخيصا في المعصية القبيحة عقلا، والترخيص في القبيح محال ومناف لحكم العقل.
اما تصورهم بالنسبة إلى المنجزية فجوابه ان هذه المنجزية انما تثبت في موارد القطع بتكليف المولى لا القطع بالتكليف من أي أحد، وهذا يفترض مولى في الرتبة السابقة، والمولوية معناها حق الطاعة وتنجزها على المكلف فلابد من تحديد دائرة حق الطاعة المقوم لمولوية المولى في الرتبة السابقة، وهل يختص بالتكاليف المعلومة او يعم غيرها؟ واما تصورهم بالنسبة إلى عدم امكان الردع، فجوابه ان مناقضة الترخيص لحكم العقل وكونه ترخيصا في القبيح، فرع ان يكون حق الطاعة غير متوقف على عدم ورود الترخيص من قبل المولى، وهو متوقف

[36]

حتما لوضوح ان من يرخص بصورة جادة في مخالفة تكليف لا يمكن ان يطالب بحق الطاعة فيه، فجوهر البحث يجب ان ينصب على انه هل يمكن صدور هذا الترخيص بنحو يكون جادا ومنسجما مع التكاليف الواقعية أولا؟ وقد عرفت انه غير ممكن.
وكما ان منجزية القطع لا يمكن سلبها عنه كذلك معذريته، لان سلب المعذرية عن القطع بالاباحة، اما ان يكون بجعل تكليف حقيقي، او بجعل تكليف طريقي، والاول مستحيل للتنافي بينه وبين الاباحة المقطوعة، والثاني مستحيل لان التكليف الطريقي ليس الا وسيلة لتنجيز التكليف الواقعي كما تقدم، والمكلف القاطع بالاباحة لا يحتمل تكليفا واقعيا في مورد قطعه لكي يتنجز فلا يري للتكليف الطريقي أثرا.

العلم الاجمالي:

كما يكون القطع التفصيلي حجة، كذلك القطع الاجمالي وهو ما يسمى عادة بالعلم الاجمالي، كما اذا علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، ومنجزية هذا العلم الاجمالي لها مرحلتان: الاولى مرحلة المنع عن المخالفة القطعية بترك كلتا الصلاتين في المثال المذكور، والثانية مرحلة المنع حتى عن المخالفة الاحتمالية المساوق لايجاب الموافقة القطعية، وذلك بالجمع بين الصلاتين.
اما المرحلة الاولى فالكلام فيها يقع في امرين: احدهما: في حجية العلم الاجمالى بمقدار المنع عن المخالفة القطعية. والآخر: في امكان ردع الشارع عن ذلك وعدمه.
اما الامر الاول فلا شك في ان العلم الاجمالى حجة بذلك المقدار، لانه مهما تصورناه فهو مشتمل حتما على علم تفصيلي بالجامع بين التكليفين، فيكون مدخلا لهذا الجامع في دائرة حق الطاعة، اما على رأينا

[37]

في سعة هذه الدائرة فواضح، واما على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلان العلم الاجمالي يستبطن انكشافا تفصيليا تاما للجامع بين التكليفين فيخرج هذا الجامع عن دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
واما الامر الثاني فقد ذكر المشهور ان الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي غير معقول، لانها معصية قبيحة بحكم العقل، فالترخيص فيها يناقض حكم العقل، ويكون ترخيصا في القبيح وهو محال.
وهذا البيان غير متجه، لاننا عرفنا سابقا ان مرد حكم العقل بقبح المعصية ووجوب الامتثال إلى حكمه بحق الطاعة للمولى، وهذا حكم معلق على عدم ورود الترخيص الجاد من المولى في المخالفة، فاذا جاء الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي فلا تكون المخالفة القطعية قبيحة عقلا.
وعلى هذا فالبحث ينبغي ان ينصب على انه: هل يعقل ورود الترخيص الجاد من قبل المولى على نحو يلائم مع ثبوت الاحكام الواقعية؟ والجواب انه معقول، لان الجامع وان كان معلوما، ولكن اذا افترضنا ان الملاكات الاقتضائية للاباحة كانت بدرجة من الاهمية تستدعي لضمان الحفاظ عليها الترخيص حتى في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال، فمن المعقول ان يصدر من المولى هذا الترخيص، ويكون ترخيصا ظاهريا بروحه وجوهره، لانه ليس حكما حقيقيا ناشئا من مبادئ في متعلقه، بل خطابا طريقيا من أجل ضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للاباحة الواقعية، وعلى هذا الاساس لا يحصل تناف بينه وبين التكليف المعلوم بالاجمال.
إذ ليس له مبادئ خاصة به في مقابل مبادئ الاحكام الواقعية ليكون منافيا للتكليف المعلوم بالاجمال. فان قيل ما الفرق بين العلم الاجمالي والعلم التفصيلي إذ تقدم ان الترخيص الطريقي في مخالفة التكليف المعلوم تفصيلا مستحيل، وليس العلم الاجمالي الا علما تفصيليا بالجامع؟

[38]

كان الجواب على ذلك أن العالم بالتكليف بالعلم التفصيلي لا يرى التزامه بعلمه مفوتا للملاكات الاقتضائية للاباحة لانه قاطع بعدمها في مورد علمه، والترخيص الطريقي انما ينشأ من أجل الحفاظ على تلك الملاكات، وهذا يعني أنه يرى عدم توجه ذلك الترخيص اليه جدا، وهذا خلافا للقاطع في موارد العلم الاجمالي، فانه يرى ان الزامه بترك المخالفة القطعية قد يعني إلزامه بفعل المباح لكي لا تتحقق المخالفة القطعية. وعلى هذا الاساس يتقبل توجه ترخيص جاد اليه من قبل المولى في كلا الطرفين لضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للاباحة.
ويبقى بعد ذلك سؤال إثباتي وهو: هل ورد الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي؟ وهل يمكن إثبات ذلك باطلاق ادلة الاصول؟ والجواب هو النفي لان ذلك يعني افتراض أهمية الغرض الترخيصي من الغرض الالزامي حتى في حالة العلم بالالزام ووصوله إجمالا او مساواته له على الاقل، وهو وإن كان افتراضا معقولا ثبوتا، ولكنه على خلاف الارتكاز العقلائي لان الغالب في الاغراض العقلائية عدم بلوغ الاغراض الترخيصية إلى تلك المرتبة، وهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة لبية متصلة على تقييد إطلاق أدلة الاصول، وبذلك نثبت حرمة المخالفة القطعية للعلم الاجمالي عقلا. ويسمى الاعتقاد بمنجزية العلم الاجمالي لهذه المرحلة على نحو لا يمكن الردع عنها عقلا او عقلائيا بالقول بعلية العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية، بينما يسمى الاعتقاد بمنجزيته لهذه المرحلة مع افتراض امكان الردع عنها عقلا وعقلائيا بالقول باقتضاء العلم الاجمالي للحرمة المذكورة.
واما المرحلة الثانية فيقع الكلام عنها في مباحث الاصول العملية ان شاء الله تعالى.

[39]

حجية القطع غير المصيب وحكم التجري:

هناك معنيان للاصابة: أحدهما: إصابة القطع للواقع بمعنى كون المقطوع به ثابتا. والآخر: إصابة القاطع في قطعه، بمعنى انه كان يواجه مبررات موضوعيه لهذا القطع، ولم يكن متأثرا بحالة نفسية ونحو ذلك من العوامل.
وقد يتحقق المعنى الاول من الاصابة دون الثاني، فلو ان مكلفا قطع بوفاة إنسان لاخبار شخص بوفاته وكان ميتا حقا غير ان هذا الشخص كانت نسبة الصدق في إخباراته عموما بدرجة سبعين في المائة، فقطع المكلف مصيب بالمعنى الاول، ولكنه غير مصيب بالمعنى الثاني، لان درجة التصديق بوفاة ذلك الانسان يجب ان تتناسب مع نسبة الصدق في مجموع إخباره.
ونفس المعنيين من الاصابة يمكن افتراضهما في درجات التصديق الاخرى ايضا، فمن ظن بوفاة إنسان لاخبار شخص بذلك وكان ذلك الانسان حيا، فهو غير مصيب في ظنه بالمعنى الاول، ولكنه مصيب بالمعنى الثاني اذا كانت نسبة الصدق في إخبارات ذلك الشخص اكثر من خمسين في المائة، ونطلق على التصديق المصيب بالمعنى الثاني اسم التصديق الموضوعي واليقين الموضوعي، وعلى التصديق غير المصيب بالمعنى الثاني اسم التصديق الذاتي والقطع الذاتي. وانحراف التصديق الذاتي عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية، له مراتب، وبعض مراتب الانحراف الجزئية مما ينغمس فيه كثير من الناس، وبعض مراتبه يعتبر شذوذا، ومنه قطع القطاع، فالقطاع انسان يحصل له قطع ذاتي وينحرف غالبا في قطعه هذا انحرافا كبيرا عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية. وحجية القطع من وجه نظر اصولية، وبما هي معبرة عن المنجزية والمعذرية، ليست مشروطة بالاصابة باي واحد من المعنيين.

[40]

اما المعنى الاول فواضح اذ يعتبر القطع بالتكليف تمام الموضوع لحق الطاعة، كما ان القطع بعدمه تمام الموضوع لخروج المورد عن هذا الحق، ومن هنا كان المتجري مستحقا للعقاب كاستحقاق العاصي، لان انتهاكهما لحق الطاعة على نحو واحد (ونقصد بالمتجري من ارتكب ما يقطع بكونه حراما ولكنه ليس بحرام في الواقع) ويستحيل سلب الحجية او الردع عن العمل بالقطع غير المصيب للواقع، لان مثل هذا الردع يستحيل تاثيره في نفس أي قاطع لانه يرى نفسه مصيبا والا لم يكن قاطعا. وكما يستحق المتجري العقاب كالعاصي، كذلك يستحق المنقاد، الثواب بالنحو الذي يفترض للممتثل لان قيامهما بحق المولى على نحو واحد (ونقصد بالمنقاد من اتى بما يقطع بكونه مطلوبا للمولى فعلا او تركا رعاية لطلب المولى، ولكنه لم يكن مطلوبا في الواقع).
واما المعنى الثاني فكذلك ايضا، لان عدم التحرك عن القطع الذاتي بالتكليف يساوي عدم التحرك عن اليقين الموضوعي في تعبيره عن الاستهانة بالمولى وهدر كرامته، فيكون للمولى حق الطاعة فيهما على السواء.
والتحرك عن كل منهما وفاء بحق المولى وتعظيم له. وقد يقال إن القطع الذاتي وان كان منجزا لما ذكرناه ولكنه ليس بمعذر، فالقطاع اذا قطع بعدم التكليف وعمل بقطعه وكان التكليف ثابتا في الواقع، فلا يعذر في ذلك لاحد وجهين: الاول: ان الشارع ردع عن العمل بالقطع الذاتي او ببعض مراتبه المتطرفة على الاقل، وهذا الردع ليس بالنهي عن العمل بالقطع بعد حصوله، بل بالنهي عن المقدمات التي تؤدي إلى نشوء القطع الذاتي للقطاع او الامر بترويض الذهن على الاتزان، وهذا حكم طريقي يراد به تنجيز التكاليف الواقعية التي يخطئها قطع القطاع وتصحيح العقاب على مخالفتها، وهذا أمر معقول غير انه لا دليل عليه إثباتا.

[41]

الثاني: إن القطاع في بداية أمره اذا كان ملتفتا إلى كونه إنسانا غير متعارف في قطعه، كثيرا ما يحصل له العلم الاجمالي، بان بعض ما سيحدث لديه من قطوع نافية غير مطابقة للواقع لاجل كونه قطاعا، وهذا العلم الاجمالي منجز.
فان قيل إن القطاع حين تتكون لديه قطوع نافية يزول من نفسه ذلك العلم الاجمالي، لانه لا يمكنه ان يشك في قطعه وهو قاطع بالفعل. كان الجواب ان هذا مبني على ان يكون الوصول كالقدرة، فكما انه يكفي في دخول التكليف في دائرة حق الطاعة كونه مقدورا حدوثا وان زالت القدرة بسوء اختيار المكلف، كذلك يكفي كونه واصلا حدوثا، وان زال الوصول بسوء اختياره.