الوظيفة عند الشك في الوجوب والحرمة معا

[103]

الوظيفة العملية في حالة الشك - 3 -
1 - الشك البدوي في الوجوب والحرمة.

[105]

حتى الآن كنا نتكلم عن الشك في التكليف وما هي الوظيفة العملية المقرر فيه عقلا او شرعا سواء كان شكا بدويا او مقرونا بالعلم الاجمالي، الا اننا كنا نقصد بالشك في التكليف الشك الذي يستبطن احتمالين فقط وهما: احتمال الوجوب، واحتمال الترخيص. او احتمال الحرمة، واحتمال الترخيص. والآن نريد ان نعالج الشك الذي يستبطن احتمال الوجوب واحتمال الحرمة معا، وهذا الشك تارة يكون بدويا اي مشتملا على احتمال ثالث للترخيص ايضا، واخرى يكون مقرونا بالعلم الاجمالي بالجامع بين الوجوب والحرمة وهذا ما يسمى بدوران الامر بين المحذورين. فهنا مبحثان كما يأتي ان شاء الله تعالى:
1 - الشك البدوي في الوجوب والحرمة: الشك البدوي في الوجوب والحرمة هو الشك المشتمل على احتمال الوجوب واحتمال الحرمة واحتمال الترخيص، وسندرس حكمه بلحاظ الاصل العملي العقلي وبلحاظ الاص العملي الشرعي.

[106]

اما باللحاظ الاول فعلى مسلك قبح العقاب بلا بيان لا شك في جريان البراء‌ة عن كل من الوجوب والحرمة، وعلى مسلك حق الطاعة يكون كل من الاحتمالين منجزا في نفسه ولكنهما يتزاحمان في التنجيز لاستحالة تنجيزهما معا، وتنجيز احدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح فتبطل منجزيتهما معا وتجري البراء‌ة ايضا.
واما باللحاظ الثاني فأدلة البراء‌ة الشرعية شاملة للمورد باطلاقها، وعليه فالفارق بين هذا الشك وما سبق من شك ان هذا مورد للبراء‌ة عقلا وشرعا معا حتى على مسلك حق الطاعة بخلاف الشك المتقدم.
2 - دوران الامر بين المحذورين: وهو الشك المقرون بالعلم الاجمالي بجنس الالزام، وتوضيح الحال فيه: ان هذا العلم الاجمالي يستحيل ان يكون منجزا لان تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية غير ممكن لانها غير مقدورة، وتنجيزه لحرمة المخالفة القطعية ممتنع ايضا لانها غير ممكنة، وتنجيزه لاحد التكليفين المحتملين بالخصوص دون الآخر غير معقول، لان نسبة العلم الاجمالي اليهما نسبة واحدة. وبهذا يتبرهن عدم كون العلم الاجمالي منجزا، ولكن هل تجري البراء‌ة العقلية والشرعية عن الوجوب المشكوك والحرمة المشكوكة او لا؟..
سؤال اختلف الاصوليون في الاجابة عليه، فهناك من قال بجريانها اذ ما دام العلم الاجمالي غير منجز فلا يمكن ان يكون مانعا عن جريان البراء‌ة عقلا وشرعا، وهناك من قال بعدم جريان البراء‌ة على الرغم من عدم منجزية العلم الاجمالي. واثيرت عدة اعتراضات على اجراء البراء‌ة في المقام ويختص بعض هذه الاعتراضات بالبراء‌ة العقلية وبعضها بالبراء‌ة الشرعية وبعضها ببعض ألسنة البراء‌ة الشرعية. ونذكر فيما يلي اهم تلك الاعتراضات:
الاول: - الاعتراض على البراء‌ة العقلية والمنع عن جريانها في المقام حتى على مسلك قبح العقاب بلا بيان.
وتوضيحه على ما افاده المحقق العراقي (قدس الله روحه): ان العلم الاجمالي هنا وان لم يكن منجزا وهذا يعني ترخيص العقل في الاقدام على الفعل او الترك.. ولكن ليس كل ترخيص براء‌ة فان الترخيص تارة يكون بملاك

[107]

الاضطرار وعدم امكان ادانة العاجز واخرى يكون بملاك عدم البيان، والبراء‌ة العقلية هي ما كان بالملاك الثاني.وعليه فان اريد في المقام ابطال منجزية العلم الاجمالي بنفس البراء‌ة العقلية فهو مستحيل، لانها فرع عدم البيان فهي لا تحكم بان هذا بيان وذاك ليس ببيان لانها لا تنقح موضوعها، فلا بد من اثبات عدم البيان في الرتبة السابقة على اجراء البراء‌ة، وهذا ما يتحقق في موارد الشك وجدانا وتكوينا لان الشك ليس بيانا، واما في مورد العلم الاجمالي بجنس الالزام في المقام فالعلم بيان وجدانا وتكوينا، فلكي نجرده من صفة البيانية لابد من تطبيق قاعدة عقلية تقتضي ذلك، وهذه القاعدة ليست نفس البراء‌ة العقلية لما عرفت من انها لا تنقح موضوعها، وانما هي قاعدة عدم امكان ادانة العاجز التي تبرهن على عدم صلاحية العلم الاجمالي المذكور للمنجزية والحجية وبالتالي سقوطه عن البيانية. وان اريد اجراء البراء‌ة العقلية بعد ابطال منجزية العلم الاجمالي وبيانيته بالقاعدة المشار اليها فلا معنى لذلك، لان تلك القاعدة بنفسها تتكفل الترخيص العقلي ولا محصل للترخيص في طول الترخيص.
ونلاحظ على ذلك ان المدعي اجراء البراء‌ة بعد الفراغ عن عدم منجزية العلم الاجمالي، وليس الغرض منها ابطال منجزية هذا العلم والترخيص في مخالفته حتى يقال: انه لا محصل لذلك، بل ابطال منجزية كل من احتمال الوجوب واحتمال الحرمة في نفسه، ومن الواضح ان كلا من الاحتمالين في نفسه ليس بيانا تكوينا ووجدانا فنطبق عليه البراء‌ة العقلية لاثبات التأمين من ناحيته.
الثاني: - الاعتراض على البراء‌ة الشرعية، وتوضيحه على ما افاده المحقق النائيني (قدس الله روحه): ان ما كان منها بلسان اصالة الحل لا يشمل المقام لان الحلية غير محتملة هنا بل الامر مردد بين الوجوب

[108]

والحرمة، وما كان منها بلسان رفع ما لا يعلمون لا يشمل ايضا، لان الرفع يعقل حيث يعقل الوضع، والرفع هنا ظاهري يقابله الوضع الظاهري وهو ايجاب الاحتياط، ومن الواضح ان ايجاب الاحتياط تجاه الوجوب المشكوك والحرمة المشكوكة مستحيل فلا معنى للرفع إذن.
وقد يلاحظ على كلامه. اولا: - ان امكان جعل حكم ظاهري بالحلية لا يتوقف على ان تكون الحلية الواقعية محتملة، ودعوى ان الحكم الظاهري متقوم بالشك صحيحة ولكن لا يراد بها تقومه باحتمال مماثلة الحكم الواقعي له بل تقومه بعدم العلم بالحكم الواقعي الذي يراد التأمين عنه او تنجيزه، إذ مع العلم به لا معنى لجعل شئ مؤمنا عنه او منجزا له. وثانيا: ان الرفع الظاهري في كل من الوجوب والحرمة يقابله الوضع في مورده وهو ممكن فيكون الرفع ممكنا ايضا، ومجموع الوضعين وان كان مستحيلا ولكن كلا من الرفعين لا يقابل الا وضعا واحدا لا مجموع الوضعين.
الثالث: الاعتراض على شمول ادلة البراء‌ة الشرعية عموما بدعوى انصرافها عن المورد، لان المنساق منها علاج المولى لحالة التزاحم بين الاغراض الالزامية والترخيصية في مقام الحفظ بتقديم الغرض الترخيصي على الالزامي، لا علاج حالة التزاحم بين غرضين الزاميين.
وعليه فالبراء‌ة الشرعية لا تجري ولكن العلم الاجمالي المذكور غير منجز لما عرفت. وينبغي ان يعلم: ان دوران الامر بين المحذورين قد يكون في واقعة واحدة وقد يكون في اكثر من واقعة بان يعلم اجمالا بان عملا معينا إما محرم في كل ايام الشهر او واجب فيها جميعا، وما ذكرناه كان يختص بافتراض الدوران في واقعة واحدة، واما مع افتراض كونه في اكثر من واقعة فنلاحظ ان المخالفة القطعية تكون ممكنة حينئذ، وذلك بان

[109]

يفعل في يوم ويترك في يوم. فلا بد من ملاحظة مدي تأثير ذلك على الموقف وهذا ما نتركه لدراسة اعلى.