الاصول العملية - 1 -
[11]
خصائص الاصول العملية
عرفنا فيما تقدم ان الاصول العملية نوع من الاحكام الظاهرية الطريقية المجعولة بداعي تنجيز الاحكام الشرعية او التعذير عنها وهو نوع متميز عن الاحكام الظاهرية في باب الامارات وقد ميز بينهما بعدة وجوه:
الاول: - ان الفرق بينهما ينشأ من اختلافهما في سنخ المجعول في دليل حجية الامارة ودليل الاصل، فالمجعول في الاول الطريقية مثلا وفي الثاني الوظيفة العملية او التنزيل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي بدون تضمن لجعل الطريقية، وقد تقدم الكلام عن ذلك ومر بنا ان هذا ليس هو الفرق الحقيقي.
وحاصل فذلكة الموقف انه لم يرد عنوانا (الامارة) و (الاصل) في دليل ليتكلم عن تمييز احدهما عن الآخر بأي نحو اتفق، وانما نعبر بالامارة عن تلك الحجة التي لها آثارها المعهودة بما فيها اثباتها للاحكام الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمؤداها، ونعبر بالاصل عن ذلك الحكم الظاهري الذي ليس له تلك الآثار، وقد عرفنا سابقا ان مجرد كون المجعول في دليل الحجية الطريقية لا يفي باثبات تلك الآثار للامارة.
الثاني: - ان الفرق بينهما ينشأ من أخذ الشك موضوعا للاصل العملي وعدم اخذه كذلك في موضوع الحجية المجعولة للامارة وهذا الفرق مضافا إلى انه لا يفي بالمقصود غير معقول في نفسه لان الحجية حكم ظاهري فان لم يكن الشك مأخوذا في موضوعها عند جعلها لزم اطلاقها لحالة العلم وجعل الامارة حجة على العالم غير معقول.
[12]
ومن هنا قيل بان الشك مأخوذ في حجية الامارة موردا، لا موضوعا غير اننا لا نتعقل بحسب عالم الجعل ومقام الثبوت نحوين من الاخذ.
الثالث: - ان الفرق بينهما ينشأ من ناحية اخذ الشك في لسان دليل الاصل وعدم اخذه في لسان دليل حجية الامارة بعد الفراغ عن كونه مأخوذا في موضوعهما ثبوتا معا.
وهذا الفرق لا يفي ايضا بالمقصود، نعم قد يثمر في تقديم دليل الامارة على دليل الاصل بالحكومة. هذا مضافا إلى كونه اتفاقيا فقد يتفق اخذ عدم العلم في موضوع دليل الحجية كما لو بني على ثبوت حجية الخبر بقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فهل يقال بان الخبر يكون اصلا حينئذ؟ الرابع: - ما حققناه في الجزء السابق من ان الاصل العملي حكم ظاهري لوحظت فيه اهمية المحتمل عند التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ التشريعي عند الاختلاط والاشتباه. بينما لوحظت في ادلة الحجية الاهمية الناشئة من قوة الاحتمال محضا، وقد عرفنا سابقا ان هذه النكتة تفي بتفسير ما تتميز به الامارة على الاصل من حجية مثبتاتها.
الاصول العملية الشرعية والعقلية
وتنقسم الاصول العملية إلى شرعية وعقلية.
فالشرعية: هي ما كنا نقصده آنفا ومردها إلى احكام ظاهرية شرعية نشأت من ملاحظة اهمية المحتمل.
والعقلية: وظائف عملية عقلية ومردها في الحقيقة إلى حق الطاعة اثباتا ونفيا، فحكم العقل مثلا بان الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، مرجعه إلى ان حق الطاعة للمولى الذي يستقل به العقل انما هو حق الطاعة القطعية فلا تفي الطاعة الاحتمالية بحق المولى، وحكم العقل
[13]
بقاعدة قبح العقاب بلا بيان - على مسلك المشهور - مرجعه إلى تحديد دائرة حق الطاعة في التكاليف المعلومة خاصة، بينما يرجع حكم العقل بمنجزية التكاليف المحتملة عندنا إلى توسعة دائرة حق الطاعة وهكذا.
وللقسمين مميزات يمكن ذكر جملة منها فيما يلي:
اولا: - ان الاصول العملية الشرعية احكام شرعية، والاصول العملية العقلية ترجع إلى مدركات العقل العملي فيما يرتبط بحق الطاعة.
ثانيا: - انه ليس من الضروري ان يوجد اصل عملي شرعي في كل مورد وانما هو تابع لدليله فقد يوكل الشارع امر تحديد الوظيفة العملية للشاك إلى عقله العملي، وهذا خلافا للاصل العملي العقلي فانه لابد من افتراضه بوجه في كل واقعة من وقائع الشك في حد نفسها.
ثالثا: - ان الاصول العملية العقلية قد ترد إلى اصلين لان العقل ان ادرك شمول حق الطاعة للواقعة المشكوكة، حكم باصالة الاشتغال، وان ادرك عدم الشمول، حكم بالبراءة. ولكن قد يفرض اصل عملي عقلي ثالث وهو اصالة التخيير في موارد دوران الامر بين المحذورين. وقد يعترض على افتراض هذا الاصل بان التخيير ان اريد به دخول التكليف في العهدة واشتغال الذمة ولكن على وجه التخيير فهو غير معقول لان الجامع بين الفعل والترك في موارد الدوران بين المحذورين ضروري الوقوع، وان اريد به انه لا يلزم المكلف عقلا بفعل ولا ترك ولا يدخل شئ في عهدته فهذا عين البراءة وسيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في بحث دوران الامر بين المحذورين ان شاء الله تعالى. واما الاصول العملية الشرعية فلا حصر عقلي لها في البراءة او الاشتغال بل هي تابعة لطريقة جعلها فقد تكون استصحابا مثلا.
رابعا: - ان الاصول العملية العقلية لا يعقل التعارض بينها لا ثبوتا كما هو واضح ولا اثباتا لان مقام اثباتها هو عين ادراك العقل لها ولا
[14]
تناقض بين ادراكين عقليين. واما الاصول العملية الشرعية فيعقل التعارض بينها اثباتا بحسب لسان ادلتها ولابد من علاج ذلك وفقا لقواعد باب التعارض بين الادلة.
خامسا: - انه لا يعقل التصادم بين الاصول العملية الشرعية والاصول العملية العقلية، فاذا كانا مختلفين في التنجيز والتعذير، فان كان الاصل العملي العقلي معلقا على عدم ورود اصل عملي شرعي على الخلاف، كان هذا واردا، والا امتنع ثبوت الاصل العملي الشرعي في مورده.
الاصول التنزيلية والمحرزة
الاصول العملية الشرعية تارة تكون مجرد وظائف عملية بلسان انشاء حكم تكليفي ترخيصي او الزامي بدون نظر بوجه إلى الاحكام الواقعية، وهذه اصول عملية بحتة. واخرى تبذل فيها عناية اضافية اذ تطعم بالنظر إلى الاحكام الواقعية، وهذه العناية يمكن تصويرها بوجهين:
احدهما: - ان يجعل الحكم الظاهري بلسان تنزيله منزلة الحكم الواقعي كما قد يقال في اصالة الحل واصالة الطهارة، إذ يستظهر ان قوله (كل شئ لك حلال) او (كل شئ لك طاهر حتى تعلم)..
يتكفل تنزيل مشكوك الحلية ومشكوك الطهارة منزلة الحلال الواقعي ومنزلة الطاهر الواقعي، خلافا لمن يقول: ان دليل هذين الاصلين ليس ناظرا إلى الواقع بل ينشئ بنفسه حلية او طهارة بصورة مستقلة. ويسمى الاصل في حالة بذل هذه العناية التنزيلية بالاصل التنزيلي، وقد تترتب على هذه التنزيلية فوائد، فمثلا إذا قيل بان اصل الاباحة تنزيلي ترتب عليه حين تطبيقه على الحيوان مثلا طهارة مدفوعة ظاهرا لانها مترتبة على الحلية الواقعية وهي ثابتة تنزيلا فكذلك حكمها، واما اذا قيل بان اصل الاباحة ليس تنزيليا بل انشاء لحلية مستقلة فلا يمكن ان ننقح بها طهارة المدفوع وهكذا.
[15]
والآخر: ان ينزل الاصل او الاحتمال المقوم له منزلة اليقين بان تجعل الطريقية في مورد الاصل، كما ادعي ذلك في الاستصحاب من قبل المحقق النائيني والسيد الاستاذ على فرق بينهما، حيث ان الاول اختار: ان المجعول هو العلم بلحاظ مرحلة الجري العملي فقط، والثاني اختار: ان المجعول هو العلم بلحاظ الكاشفية، فلم يبق على مسلك جعل الطريقية فرق بين الاستصحاب والامارات في المجعول على رأي السيد الاستاذ.
ويسمى الاصل في حالة بذل هذه العناية بالاصل المحرز وهذه المحرزية قد يترتب عليها بعض الفوائد في تقديم الاصل المحرز على غيره باعتباره علما وحاكما على دليل الاصل العملي البحت على ما يأتي في محله ان شاء الله تعالى.
وهناك معنى آخر للاصول العملية المحرزة ينسجم مع طريقتنا في التمييز بين الامارات والاصول، وهو انه كلما لوحظ في جعل الحكم الظاهري ثبوتا اهمية المحتمل فهو اصل عملي فان لوحظ منضما اليه قوة الاحتمال ايضا فهو اصل عملي محرز كما في قاعدة الفراغ والا فلا. والمحرزية بهذا المعنى في قاعدة الفراغ لا تجعلها حجة في مثبتاتها الا ان استظهارها من دليل القاعدة يترتب عليه بعض الآثار ايضا من قبيل عدم شمول دليل القاعدة لموارد انعدام الامارية والكشف نهائيا. ومن هنا يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم التذكر حين العمل.
مورد جريان الاصول العملية
لا شك في جريان الاصول العملية الشرعية عند الشك في الحكم التكليفي الواقعي لتنجيزه كما في اصالة الاحتياط او للتعذير عنه كما في
[16]
اصالة البراءة، ولكن قد يشك في التكليف الواقعي ويشك في قيام الحجة الشرعية عليه بنحو الشبهة الموضوعية - كالشك في صدور الحديث - او بنحو الشبهة الحكمية - كالشك في حجية الامارة المعلوم وجودها - فهل يوجد في هذه الحالة موردان للاصل العملي فنجري البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك ونجري براءة اخرى عن الحجية اي الحكم الظاهري المشكوك. او تكفي البراءة الاولى؟.
وبكلمة اخرى ان الاصول العملية هل يختص موردها بالشك في الاحكام الواقعية او يشمل مورد الشك في الاحكام الظاهرية نفسها؟. قد يقال باننا في المثال المذكور نحتاج إلى براءتين اذ يوجد احتمالان صالحان للتنجيز فنحتاج إلى مؤمن عن كل منهما، احدهما: احتمال التكليف الواقعي ولنسمه بالاحتمال البسيط، والآخر: احتمال قيام الحجة عليه، وحيث ان الحجية معناها ابراز شدة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك كما عرفنا سابقا عند البحث في حقيقة الاحكام الظاهرية. فاحتمال الحجة على الواقع المشكوك يعني احتمال التكليف واقعي متعلق واقعي متعلق لاهتمام المولى الشديد وعدم رضائه بتفويته، ولنسم هذا بالاحتمال المركب. وعليه فالبراءة عن الاحتمال البسيط لا تكفي بل لابد من التأمين من ناحية الاحتمال المركب ايضا ببراءة ثانية.
وقد يعترض على ذلك بان الاحكام الظاهرية كما تقدم في الجزء السابق متنافية بوجوداتها الواقعية، فاذا جرت البراءة عن الحجية المشكوكة وفرض انها كانت ثابتة يلزم اجتماع حكمين ظاهريين متنافيين.
وجواب الاعتراض: ان البراءة هنا نسبتها إلى الحجية المشكوكة نسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي لانها مترتبة على الشك فيها، فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري والواقعي كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريين طوليين من هذا القبيل، وما تقدم سابقا من التنافي بين الاحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية ينبغي ان يفهم في حدود الاحكام الظاهرية العرضية اي التي يكون الموضوع فيها نحو واحد من الشك.
[17]
وقد يعترض على اجراء براءة ثانية بانها لغو إذ بدون اجراء البراءة عن نفس الحكم الواقعي المشكوك لا تنفع البراءة المؤمنة عن الحجية المشكوكة ومع اجرائها لا حاجة إلى البراءة الثانية إذ لا يحتمل العقاب الا من ناحية التكليف الواقعي وقد أمن عنه.
والجواب على ذلك: ان احتمال ذات التكليف الواقعي شئ واحتمال تكليف واقعي واصل إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبر عنها الحجية المشكوكة شئ آخر، والتأمين عن الاول لا يلازم التأمين عن الثاني، ألا ترى ان بامكان المولى ان يقول للمكلف: كلما احتملت تكليفا وانت تعلم بعدم قيام الحجة عليه فانت في سعة منه، وكلما احتملت تكليفا واحتملت قيام الحجة عليه فاحتط بشأنه.
ولكن التحقيق مع ذلك: ان إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يغني عن اجراء البراءة عن الحجية المشكوكة وذلك بتوضيح ما يلي:
اولا: ان البراءة عن التكليف الواقعي والحجية المشكوكة حكمان ظاهريان عرضيان لان موضوعهما معا الشك في الواقع، خلافا للبراءة عن الحجية المشكوكة فانها ليست في درجتها كما عرفت.
ثانيا: - ان الحكمين الظاهريين المختلفين متنافيان بوجوديهما الواقعيين سواء وصلا او لا كما تقدم في محله.
ثالثا: - ان البراءة عن التكليف الواقعي منافية ثبوتا للحجية المشكوكة على ضوء ما تقدم.
رابعا: - ان مقتضى المنافاة انها تستلزم عدم الحجية واقعا ونفيها.
خامسا: ان الدليل الدال على البراءة عن التكليف الواقعي يدل بالالتزام على نفي الحجية المشكوكة.
[18]
وهذا يعني: اننا باجراء البراءة عن التكليف الواقعي سنثبت بالدليل نفي الحجية المشكوكة فلا حاجة إلى اصل البراءة عنها وان كان لا محذور فيه ايضا. ويمكن تصوير وقوع الاحكام الظاهرية موردا للاصول العملية في الاستصحاب، إذ قد يجرى استصحاب الحكم الظاهري لتمامية اركان الاستصحاب فيه وعدم تماميتها في الحكم الواقعي كما إذا علم بالحجية وشك في نسخها فان المستصحب هنا نفس الحجية لا الحكم الواقعي.
 |