3 - استصحاب الكلي
استصحاب الكلي هو التعبد ببقاء الجامع بين فردين من الحكم او الجامع بين شيئين خارجيين إذا كان له اثر شرعي. والكلام فيه يقع في جهتين:
الجهة الاولى: - في اصل اجراء استصحاب الكلي، إذ قد يعترض على ذلك في باب الاحكام تارة وفي باب الموضوعات اخرى. اما في باب الاحكام فالاعتراض ينشأ من المبنى القائل بان المجعول في دليل الاستصحاب هو الحكم المماثل للمستصحب، فيقال حينئذ: ان المستصحب إذا كان هو الجامع بين الوجوب والاستحباب او بين وجوبين اقتضى ذلك جعل المماثل له بدليل الاستصحاب، وهو باطل لان الجامع بحده لا يعقل جعله إذ يستحيل وجود الجامع الا في ضمن فرده، والجامع في ضمن احد فرديه بالخصوص ليس محطا للاستصحاب ليكون مصبا للتعبد الاستصحابي.
وهذا الاعتراض يتوقف على قبول المبني المشار اليه، اما اذا انكرناه وفرضنا ان مفاد دليل الاستصحاب إبقاء اليقين بمعنى من المعاني.. فيمكن افتراض ابقائه بقدر الجامع، فيكون بمثابة العلم الاجمالي المتعلق بالجامع.
واما في باب الموضوعات فالاعتراض ينشأ من ان الاثر الشرعي مترتب على افراد الجامع لا على الجامع بعنوانه فلا يترتب على استصحابه اثر.
[194]
والجواب: انه ان اريد ان الحكم الشرعي في لسان دليله مترتب على العنوانين التفصيليين للفردين، فيرد عليه: انا نفرض الحكم فيما إذا رتب في لسان الدليل على عنوان الجامع بين الفردين كحرمة المس المرتبة على جامع الحدث. وان سلم ترتب الحكم في دليله على الجامع وادعي ان الجامع إنما يؤخذ موضوعا بما هو معبر عن الخارج لا بما هو مفهوم ذهني، فلابد من اجراء الاستصحاب فيما اخذ الجامع معبرا عنه ومرآة له وهو الخارج وليس في الخارج إلا الفرد..
فيرد عليه: ان موضوع الحكم وان كان هو الجامع والمفهوم بما هو مرآة للخارج لا باعتباره امرا ذهنيا.. الا ان الاستصحاب يجري في الجامع بما هو مرآة للخارج ايضا، ولا معنى لجريانه في الخارج ابتداء بلا توسط عنوان من العناوين، لان الاستصحاب حكم شرعي ولا بد ان ينصب التعبد فيه على عنوان، وكما ان العنوان التفصيلي يجري فيه الاستصحاب بما هو مرآة للخارج، كذلك العنوان الاجمالي الكلي.
وبما ذكرناه ظهر الفارق الحقيقي بين استصحاب الفرد واستصحاب الكلي، مع ان التوجه في كل منهما إلى اثبات واقع خارجي واحد حيث ان الكلي موجود بعين وجود الفرد، وهذا الفارق هو ان الاستصحاب باعتباره حكما منجزا وموصلا للواقع فهو انما يتعلق به بتوسط عنوان من عناوينه وصورة من صوره، فإن كان مصب التعبد هو الواقع المرئي بعنوان تفصيلي مشير اليه فهذا استصحاب الفرد، وان كان مصبه الواقع المرئي بعنوان جامع مشير اليه فهذا هو استصحاب الكلي، على الرغم من وحدة الواقع المشار اليه بكلا العنوانين. والذي يحدد اجراء الاستصحاب بهذا النحو او بذاك كيفية اخذ الاثر الشرعي في لسان دليله.
وعلى هذا الضوء يتضح ان التفرقة بين استصحاب الفرد واستصحاب الكلي لا تتوقف على دعوى التعدد في الواقع الخارجي وان للكلي واقعا وسيعا منحازا عن واقعيات الافراد - على طريقة الرجل الهمداني
[195]
في تصور الكلي الطبيعي - وهي دعوى باطلة لما ثبت في محله من ان الكلي موجود بعين وجود الافراد. كما انه لا موجب لارجاع الكلي في مقام التفرقة المذكورة إلى الحصة، ودعوى ان كل فرد يشتمل على حصة من الكلي ومشخصات عرضية، واستصحاب الكلي عبارة عن استصحاب ذات الحصة، واستصحاب الفرد عبارة عن استصحاب الحصة مع المشخصات.. بل الصحيح في التفرقة ما ذكرناه.
الجهة الثانية: - في اقسام استصحاب الكلي. يمكن تقسيم الشك في بقاء الكلي إلى قسمين: احدهما: الشك في بقاء الكلي غير الناشئ من الشك في حدوث الفرد، والآخر: الشك في بقائه الناشئ من الشك في حدوث الفرد.
ومثال الاول: ان يعلم بدخول الانسان ضمن زيد في المسجد ويشك في خروجه، ومثال الثاني: ان يعلم بحدث مردد بين الاصغر والاكبر ويشك في ارتفاعه بعد الوضوء، فان الشك مسبب عن الشك في حدوث الاكبر.
اما القسم الاول فله حالتان:
الاولى: - ان يكون الكلي معلوما تفصيلا ويشك في بقائه كما في المثال المذكور، حيث يعلم بوجود زيد تفصيلا. وهنا اذا كان الاثر الشرعي مترتبا على الجامع جرى استصحاب الكلي. واستصحاب الكلي في هذه الحالة جار على كل حال، سواء فسرنا استصحاب الكلي وفرقنا بينه وبين استصحاب الفرد على اساس كون المستصحب الوجود السعي للكلي على طريقة الرجل الهمداني، او الحصة، او الخارج بمقدار مرآتية العنوان الكلي، على ما تقدم في الجهة السابقة، إذ على كل هذه الوجوه تعتبر اركان الاستصحاب تامة.
[196]
الثانية: - ان يكون الكلي معلوما اجمالا ويشك في بقائه على كلا تقديريه، كما اذا علم بوجود زيد او خالد في المسجد ويشك في بقائه سواء كان زيدا او خالدا، فيجري استصحاب الجامع اذا كان الاثر الشرعي مترتبا عليه.
ولا اشكال في ذلك بناء على إرجاع استصحاب الكلي إلى استصحاب الوجود السعي له على طريقة الرجل الهمداني. وبناء على المختار من ارجاعه إلى استصحاب الواقع بمقدار مرآتية العنوان الاجمالي، واما بناء على ارجاعه إلى استصحاب الحصة فقد يستشكل بانه لا يقين بحدوث اي واحدة من الحصتين فكيف يجري استصحابها، اللهم الا ان تلغى ركنية اليقين وتستبدل بركنية الحدوث. ويسمى هذا القسم في كلماتهم بكلتا حالتيه بالقسم الاول من استصحاب الكلي.
واما القسم الثاني فله حالتان ايضا: الاولى: - ان يكون الشك في حدوث الفرد المسبب للشك في بقاء الكلي مقرونا بالعلم الاجمالي كما في المثال المتقدم لهذا القسم، فان الشك في الحدث الاكبر مقرون بالعلم الاجمالي باحد الحدثين. والصحيح جريان الاستصحاب في هذه الحالة إذا كان للجامع اثر شرعي، ويسمى في كلماتهم بالقسم الثاني من استصحاب الكلي. وقد يعترض على جريان هذا الاستصحاب بوجوه: منها: انه لا يقين بالحدوث، وهو اعتراض مبني على ارجاع استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة، وحيث لا علم بالحصة حدوثا فلا يجري الاستصحاب لعدم اليقين بالحدوث، بل لعدم الشك في البقاء إذ لا شك في الحصة بقاء، بل احدى الحصتين معلومة الانتفاء والاخرى معلومة البقاء. وقد تقدم ان استصحاب الكلي ليس بمعنى استصحاب الحصة، بل هو استصحاب للواقع بمقدار ما يرى بالعنوان الاجمالي للجامع، وهذا معلوم بالعلم الاجمالي حدوثا.
[197]
ومنها: - انه لا شك في البقاء، لان الشك ينبغي ان يتعلق بنفس ما تعلق به اليقين، ولما كان اليقين هنا علما اجماليا والعلم الاجمالي يتعلق بالمردد. فلا بد ان يتعلق الشك بالواقع على ترديده ايضا، وهذا انما يتواجد فيما اذا كان الواقع مشكوك البقاء على كل تقدير، مع انه ليس كذلك لان الفرد القصير من الجامع لا شك في بقائه.
والجواب: ان العلم الاجمالي لا يتعلق بالواقع المردد بل بالجامع وهو مشكوك، إذ يكفي في الشك في بقاء الجامع التردد في كيفية حدوثه.
ومنها: - ان الوجود القصير للكلي لا يحتمل بقاؤه، والوجود الطويل له، لا يحتمل ارتفاعه، وليس هناك في مقابلهما الا المفهوم الذهني الذي لا معنى لاستصحابه.
والجواب: ان الشك واليقين انما يعرضان الواقع الخارجي بتوسط العناوين الحاكية عنه، فلا محذور في ان يكون الواقع بتوسط العنوان التفصيلي مقطوع البقاء او الانتفاء، وبتوسط العنوان الاجمالي مشكوك البقاء، ومصب التعبد الاستصحابي دائما العنوان بما هو حاك عن الواقع تبعا لاخذه موضوعا للاثر الشرعي بما هو كذلك. نعم اذا ارجعنا استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة امكن المنع عن جريانه في المقام، لانه يكون من استصحاب الفرد المردد نظرا إلى ان احدى الحصتين مقطوعة الانتفاء فعلا.
ومنها: - ان استصحاب الكلي يحكم عليه استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل الامد، لان الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث هذا الفرد.
والجواب: ان التلازم بين حدوث الفرد الطويل الامد وبقاء الكلي عقلي وليس شرعيا، فلا يثبت باستصحاب عدم الاول نفي بقاء الثاني.
[198]
ومنها: ان استصحاب الكلي معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل إلى ظرف الشك في بقاء الكلي، لان عدم الكلي عبارة عن عدم كلا فرديه، والفرد القصير الامد معلوم الانتفاء فعلا بالوجدان، والفرد الطويل الامد محرز الانتفاء فعلا باستصحاب عدمه، فهذا الاستصحاب بضمه إلى الوجدان المذكور حجة على عدم الكلي فعلا، فيعارض الحجة على بقائه المتمثلة في استصحاب الكلي.
والتحقيق: انه تارة يكون وجود الكلي بما هو وجود له كافيا في ترتب الاثر على نحو لو فرض - ولو محالا - وجود الكلي لا في ضمن حصة خاصة لترتب عليه الاثر. واخرى لا يكون الاثر مترتبا على وجود الكلي الا بما هو وجود لهذه الحصة ولتلك الحصة على نحو تكون كل حصة موضوعا للاثر الشرعي بعنوانها.
فعلى الاول يجري استصحاب الكلي لاثبات موضوع الاثر، ولا يمكن نفي صرف الوجود للكلي باستصحاب عدم الفرد الطويل مع ضمه إلى الوجدان، لان انتفاء صرف الوجود للكلي بانتفاء هذه الحصة وتلك عقلي وليس شرعيا. وعلى الثاني: لا يجري استصحاب الكلي في نفسه لانه لا ينقح موضوع الاثر، بل بالامكان نفي هذا الموضوع باستصحاب عدم الفرد الطويل الامد مع ضمه إلى الوجدان القاضي بعدم الفرد الاخر، لان الاثر اثر للحصص فينفي باحراز عدمها ولو بالتلفيق من التعبد والوجدان.
واما الحالة الثانية: من القسم الثاني فهي ان يكون الشك في حدوث الفرد المسب للشك في بقاء الكلي شكا بدويا، ومثاله: ان يعلم بوجود الكلي ضمن فرد ويعلم بارتفاعه تفصيلا، ويشك في انحفاظ وجود الكلي في ضمن فرد آخر يحتمل حدوثه حين ارتفاع الفرد الاول او قبل ذلك. ويسمى هذا في كلماتهم بالقسم الثالث من استصحاب الكلي، وقد يتخيل جريانه على اساس تواجد اركانه في العنوان الكلي وان لم تكن متواجدة في كل من الفردين بالخصوص، ولكن يندفع هذا التخيل بان
[199]
العنوان الكلي وان كان هو مصب الاستصحاب ولكن بما هو مرآة للواقع، فلا بد ان يكون متيقن الحدوث مشكوك البقاء بما هو فإن في واقعه ومرآة للوجود الخارجي، ومن الواضح انه بما هو كذلك ليس جامعا للاركان، إذ ليس هناك واقع خارجي يمكن ان نشير اليه بهذا العنوان الكلي ونقول بانه متيقنالحدوث مشكوك البقاء لنستصحبه بتوسط العنوان الحاكي عنه وبمقدار حكايته، خلافا للحالة السابقة التي كانت تشتمل على واقع من هذا القبيل.
 |