1 - روايات العرض على الكتاب

ويمكن تصنيف هذه الروايات إلى ثلاث مجاميع:

[254]

المجموعة الاولى: - ما ورد بلسان الاستنكار والتحاشي عن صدور ما يخالف الكتاب من المعصومين، من قبيل رواية ايوب بن راشد عن ابي عبدالله (ع) قال: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)(1) فان التعبير بزخرف يدل على نفي الصدور مع الاستنكار والتحاشي وهذه الروايات تدل على سقوط كل خبر مخالف للكتاب عن الحجية وبهذا تقيد دليل حجية السند على تقدير ثبوت الاطلاق فيه.
وقد يستشكل في ذلك تارة بان الروايات المذكورة لا تنفي الحجية وليست ناظرة اليها وانما تنفي صدور الكلام المخالف فلا تعارض دليل حجية السند لتقيده وانما تعارض نفس الروايات الدالة على صدور الكلام المخالف. واخرى بان موضوع هذه الرواية غير الموافق لا المخالف ولازم ذلك عدم العمل بالروايات التي لا تعرض في القرآن الكريم لمضمونها. وثالثة: بان صدور الكلام المخالف من الائمة معلوم وجدانا كما في موارد التخصيص والتقييد وهذا يكشف عن لزوم تأويل تلك الروايات ولو بحملها على المخالفة في اصول الدين.
والجواب اما على الاول: فبان نفي الصدور بروح الاستنكار يدل بالالتزام العرفي على نفي الحجية. واما على الثاني فبان ظاهر عدم الموافقة عدمها بنحو السالبة بانتفاء المحمول لا السالبة بانتفاء الموضوع التي تحصل بعدم تطرق القرآن للمضمون رأسا. واما على الثالث فبان نفس الاستنكار والتحاشي قرينة عرفية على تقييد المخالف بما كان يقتضي طرح الدليل القرآني والغائه رأسا فلا يشمل المخالف بالتخصيص والتقييد ونحوهما مما لا استنكار فيه بعد وضوح بناء البيانات الشرعية على ذلك.


______________
(1) وسائل الشيعة: ج 18 / ابواب صفات القاضي / الباب 9 / حديث 12. (*)

[255]

المجموعة الثانية: - ما دل على إناطة العمل بالرواية بان يكون موافقا مع الكتاب وعليه شاهد منه من قبيل رواية ابن ابي يعفور قال (سألت ابا عبدالله (ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله او من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فالذي جاء به اولى به)(1).
وهذه الرواية ونظائرها تساوق في الحقيقة الغاء حجية خبر الواحد لانها تنهى عن العمل به في حالة عدم تطابقه مع القرآن الكريم ولا محصل عرفا لجعل الحجية له في خصوص حالة التطابق لكفاية الدلالة القرآنية حينئذ وعليه فيرد على الاستدلال بها إنها بنفسها اخبار آحاد ولا يمكن الاستدلال باخبار الآحاد على نفي حجية خبر الواحد. هذا إضافة إلى اننا لو سلمنا انها لا تلغي حجية خبر الواحد على الاطلاق فلا شك في انها تسلب الحجية عن الخبر الذي ليس له موافق من الكتاب الكريم ومضمونها نفسه الا يوافق الكتاب الكريم بل يخالفه بناء على دلالة الكتاب وغيره من الادلة القطعية على حجية خبر الثقة فيلزم من حجيتها عدم حجيتها.
المجموعة الثالثة: - ما دل على نفي الحجية عما يخالف الكتاب الكريم من قبيل رواية جميل بن دراج عن ابي عبدالله (ع) انه قال (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه)(2).
وتعتبر هذه المجموعة مخصصة لدليل حجية الخبر لا ملغية للحجية رأسا ونتيجة ذلك عدم شمول الحجية لخبر المعارض للكتاب الكريم وبعد اخذ الكتاب بوصفه مصداقا لمطلق الدليل القطعي على ضوء مناسبات الحكم والموضوع يثبت ان كل دليل ظني يخالف دليلا قطعي السند يسقط


______________
(1) وسائل الشيعة: ج 18 / ابواب صفات القاضي / الباب 9 / حديث 11.
(2) وسائل الشيعة / ج 18 / ابواب صفات القاضي / الباب 9 / حديث 35. (*)

[256]

عن الحجية والمخالفة هنا حيث لم ترد في سياق الاستنكار بل في سياق الوقوف عند الشبهة فلا تختص بالمخالفة التي تقتضي طرح الدليل القرآني رأسا كما في المجموعة الاولى بل تشمل كل حالات التعارض المستقر بما في ذلك التباين والعموم من وجه.
وقد يعترض على ذلك باعتراضين: الاول: ان هذه المجموعة لا تختص باخبار الآحاد بل تشمل كل إمارة تؤدي إلى مخالفة الكتاب فلا تكون اخص مطلقا من دليل حجية الخبر بل قد تكون النسبة هي العموم من وجه.
والجواب: - ان الصحيح تقديم اطلاق هذه المجموعة - عند التعارض - على دليل حجية الخبر باعتبار حكومتها عليه إذ هي كادلة المانعية والشرطية فرض فيها الفراغ عن اصل حجية بعض الامارات ليصح استثناء بعض الحالات من ذلك وهذا معنى النظر المستوجب للحكومة اضف إلى ذلك ان خبر الثقة هو القدر المتيقن منها باعتباره الفرد البارز من الامارات والمتعارف والداخل في محل الابتلاء وقتئذ الذي كان يترقب مخالفته للكتاب تارة وموافقته اخرى.
الثاني: - ان هذه المجموعة تدل على اسقاط ما يخالف الكتاب عن الحجية والمخالفة كما تشمل التنافي بنحو التباين او العموم من وجه كذلك تشمل التنافي بنحو التخصيص او التقييد او الحكومة لان ذلك كله يصدق عليه المخالفة فيكون مقتضى اطلاقها طرح ما يعارض الكتاب الكريم مطلقا سواء كان تعارضا مستقرا او غير مستقر.
وقد اجيب على هذا الاعتراض بوجهين: احدهما: - ان المعارضة بنحو التخصيص او التقييد ونحوهما ليست بمخالفة لان الخاص والمقيد والحاكم قرينة على المراد من العام والمطلق والمحكوم.

[257]

والآخر: - اننا نعلم اجمالا بصدور كثير من المخصصات والمقيدات للكتاب عن الائمة وهذا إن لم يشكل قرينة متصلة تصرف عنوان المخالفة في هذه الروايات إلى انحاء الاخرى من المخالفة اي التعارض المستقر فلا اقل من سقوط الاطلاقات القرآنية عن الحجية بالتعارض فيما بينها على اساس العلم الاجمالي فتبقى الاخبار المخصصة على حجيتها.
ونلاحظ على هذين الوجهين ان المخالفة للقرآن المسقطة للخبر عن الحجية ان اريد بها المخالفة لدلالة قرآنية ولو لم تكن حجة فكلا الجوابين غير صحيح لان القرينة المنفصلة والتعارض على اساس العلم الاجمالي لا يرفع اصل الدلالة القرآنية ولا يخرج الخبر عن كونه مخالفا لها. وان اريد بها المخالفة لدلالة قرآنية حجة في نفسها وبقطع النظر عن الخبر المخالف لها فالجواب الثاني صحيح لان الدلالة القرآنية ساقطة عن الحجية بسبب العلم الاجمالي ما لم يدع انحلاله واما الجواب الاول فهو غير صحيح لان الخاص مخالف لدلالة العام التي هي حجة في نفسها وبقطع النظر عن ورود الخاص. وان اريد بها المخالفة لدلالة قرآنية واجدة لمقتضى الحجية حتى بعد ورود الخبر المخالف صح كلا الجوابين لان مقتضى الحجية في العام غير محفوظ بعد ورود القرينة المنفصلة واختصت المخالفة المسقطة للخبر عن الحجية بالمخالفة على وجه لا يصلح للقرينية واوجه هذه الاحتمالات اوسطها. ويمكن ان يجاب ايضا بعد الاعتراف بتمامية الاطلاق في روايات هذه المجموعة للمعارضة غير المستقرة ان هناك مخصصا لهذا الاطلاق وهو ما ورد في بعض الاخبار العلاجية مما يستفاد منه الفراغ عن حجية الخبر المخالف مع الكتاب في نفسه ففي رواية عبدالرحمن بن ابي عبدالله قال (قال الصادق (ع): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله

[258]

فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على اخبار العامة..)(1) فان الظاهر من قوله إذا ورد عليكم حديثان مختلفان ان الامام (ع) بصدد علاج مشكلة التعارض بين حديثين معتبرين في نفسيهما لولا التعارض فيكون دليلا على عدم قدح المخالفة مع الكتاب في الحجية الاقتضائية نعم لا يوجد فيه اطلاق يشمل جميع اقسام الخبر المخالف مع الكتاب لانه ليس في مقام بيان هذه الحيثية ليتم فيه الاطلاق فلا بد من الاقتصار على المتيقن من مفاده وهو مورد القرينية.


______________
(1) وسائل الشيعة: ج 18 / ابواب صفات القاضي / الباب 9 / حديث 29. (*)