- 1 - ادلة البراءة الشرعية
وقد استدل عليها بالكتاب الكريم والسنة.
ادلة البراءة من الكتاب
اما من الكتاب الكريم فقد استدل بعدة آيات: منها: قوله سبحانه وتعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا ما اتاها)(1)
______________
(1) سورة الطلاق / 7. (*)
[30]
بدعوى ان اسم الموصول يشمل التكليف بالاطلاق كما يشمل المال والفعل فيدل على انه لا يكلف بتكليف الا اذا اتاه وايتاء التكليف معناه عرفا وصوله إلى المكلف فتدل الآية على نفي الكلفة من ناحية التكاليف غير الواصلة.
وقد اعترض الشيخ الانصاري (رحمه الله) على دعوى اطلاق اسم الموصول باستلزامه استعمال الهيئة القائمة بالفعل والمفعول في معنيين لان التكليف بمثابة المفعول المطلق والمال والفعل بمثابة المفعول به ونسبة الفعل إلى مفعوله المطلق مغايرة لنسبته إلى المفعول به فكيف يمكن الجمع بين النسبتين في استعمال واحد؟ وهناك جوابان على هذا الاعتراض:
الاول: - ما ذكره المحقق العراقي (رحمه الله) من أخذ الجامع بين النسبتين.
ويرد عليه انه ان اريد الجامع الحقيقي بينهما فهو مستحيل لما تقدم في مبحث المعاني الحرفية من امتناع انتزاع الجامع الحقيقي بين النسب، وان اريد بذلك افتراض نسبة ثالثة مباينة للنسبتين الا انها تلائم المفعول المطلق والمفعول به معا فلا معين لارادتها من الكلام على تقدير تصور نسبة من هذا القبيل.
الثاني: - وهو الجواب الصحيح.
وحاصله: ان مادة الفعل في الآية هي الكلفة بمعنى الادانة ولا يراد باطلاق اسم الموصول شموله لذلك بل لذات الحكم الشرعي الذي هو موضوع للادانة فهو إذن مفعول به فلا اشكال. ثم ان البراءة التى تستفاد من هذه الآية الكريمة ان كانت بمعنى نفي الكلفة بسبب التكليف غير المأتي فلا ينافيها ثبوت الكلفة بسبب وجوب الاحتياط إذا تم الدليل عليه فلا تنفع في معارضة ادلة وجوب الاحتياط، وان كانت البراءة بمعنى نفي الكلفة في مورد التكليف غير المأتي فهي تنفي وجوب الاحتياط وتعارض مع ما يدعى من ادلته، والظاهر هو الحمل على الموردية لا السببية لان هذا هو المناسب بلحاظ الفعل والمال ايضا فالاستدلال بالآية جيد.
[31]
وبالنسبة إلى مدى الشمول فيها لا شك في شمولها للشبهات الوجوبية والتحريمية معا بل للشبهات الحكمية والموضوعية معا لان الايتاء ليس بمعنى ايتاء الشارع بما هو شارع ليختص بالشبهات الحكمية بل بمعنى الايتاء التكويني لانه المناسب للمال وللفعل. كما ان الظاهر عدم الاطلاق في الآية لحالة عدم الفحص لان ايتاء التكليف تكفي فيه عرفا مرتبة من الوصول وهي الوصول إلى مظان العثور بالفحص.
ومنها: قوله سبحانه وتعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)(1) وتقريب الاستدلال واضح بعد حمل كلمة رسول على المثال للبيان. وقد يعترض على ذلك تارة بأن الآية الكريمة إنما تنفي العقاب لا استحقاقه وهذا لا ينافي تنجز التكليف المشكوك إذ لعله من باب العفو. واخرى بانها ناظرة إلى العقاب الرباني في الدنيا للامم السالفة وهذا غير محل البحث.
والجواب على الاول: ان ظاهر النفي في الآية انه هو الطريقة العامة للشارع التي لا يناسبه غيرها كما يظهر من مراجعة امثال هذا التركيب عرفا وهذا معناه عدم الاستحقاق، ومنه يظهر الجواب على الاعتراض الثاني لان النكتة مشتركة مضافا إلى منع نظر الآية إلى العقوبات الدنيوية بل سياقها سياق استعراض عدة قوانين للجزاء الاخروي إذ وردت في سياق (لا تزر وازرة وزر أخرى) فان هذا شأن عقوبات الله في الآخرة لا في الدنيا، ولا منشأ لدعوى النظر المذكور الا ورود التعبير بصيغة الماضى في قوله (وما كنا) وهذا بنكتة افادة الشأنية والمناسبة ولا يتعين ان يكون بلحاظ النظر إلى الزمان الماضي خاصة.
______________
(1) الاسراء / 15. (*)
[32]
ولكن يرد على الاستدلال بالآية الكريمة ما تقدم في الحلقة السابقة من ان الرسول انما يمكن اخذه كمثال لصدور البيان من الشارع لا للوصول الفعلي فلا تنطبق الآية في موارد صدوره وعدم وصوله. ثم ان البراءة إذا استفيدت من هذه الآية فهي براءة منوطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط لان هذا الدليل بمثابة الرسول ايضا. ومنها: قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس او فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)(1) إذ دل على ان عدم الوجدان كاف في اطلاق العنان. ويرد عليه:
أولا: ان عدم وجدان النبي فيما اوحي اليه يساوق عدم الحرمة واقعا.
وثانيا: - انه ان لم يساوق عدم الحرمة واقعا فعلى الاقل يساوق عدم صدور بيان من الشارع إذ لا يحتمل صدوره واختفاؤه على النبي، واين هذا من عدم الوصول الناشئ من احتمال اختفاء البيان.
وثالثا: - ان اطلاق العنان كما قد يكون بلحاظ اصل عملي قد يكون بلحاظ عمومات الحل التي لا يرفع اليد عنها الا بمخصص واصل.
ومنها: قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم)(2).
وتقريب الاستدلال كما تقدم في الحلقة السابقة، وما يتقي ان اريد به ما يتقى بعنوانه انحصر بالمخالفة الواقعية للمولى فتكون البراءة المستفادة من
______________
(1) الانعام 145.
(2) التوبة 114. (*)
[33]
الآية الكريمة منوطة بعدم بيان الواقع، وان اريد به ما يتقى ولو بعنوان ثانوي ظاهري كعنوان المخالفة الاحتمالية كان دليل وجوب الاحتياط واردا على هذه البراءة لانه بيان لما يتقي بهذا المعنى.
ادلة البراءة من السنة
واستدل من السنة بروايات: منها: ما روي عن الصادق عليه السلام من قوله: " كل شئ مطلق حق يرد فيه نهي "(1). وفي الرواية نقطتان لا بد من بحثهما: الاولى: ان الورود هل هو بمعنى الوصول ليكون مفاد الرواية البراءة بالمعنى المقصود او الصدور لئلا يفيد في حالة احتمال صدور البيان من الشارع مع عدم وصوله؟. الثانية: ان النهي الذي جعل غاية هل يشمل النهي الظاهري المستفاد من ادلة وجوب الاحتياط او لا؟.
فعل الاول تكون البراءة المستفادة ثابتة بدرجة يصلح دليل وجوب الاحتياط للورود عليها، وعلى الثاني تكون بنفسها نافية لوجوب الاحتياط.
اما النقطة الاولى: فقد يقال بتردد الورود بين الصدور والوصول وهو موجب للاجمال الكافي لاسقاط الاستدلال وقد تعين ارادة الوصول باحد وجهين: الاول: - ما ذكره السيد الاستاذ من ان المغيى حكم ظاهري فيتعين ان تكون الغاية هي الوصول لا الصدور لان كون الصدور غاية يعني ان الاباحة لا تثبت الا مع عدم الصدور واقعا ولا يمكن احرازها الا باحراز عدم الصدور ومع احرازه لا شك فلا مجال للحكم الظاهري.
______________
(1) جامع احاديث الشيعة: ابواب المقدمات / الباب الثامن / ح 15. (*)
[34]
فان قيل: لماذا لا يفترض كون المغيى اباحة واقعية.
كان الجواب منه ان الاباحة الواقعية والنهي الواقعي الذي جعل غاية متضادان فان اريد تعليق الاولى على عدم الثاني حقيقة فهو محال لاستحالة مقدمية عدم احد الضدين للضد الآخر، وان اريد مجرد بيان ان هذا الضد ثابت حيث لا يكون ضده ثابتا فهذا لغو من البيان لوضوحه.
ويرد على هذا الوجه: ان النهي عبارة عن الخطاب الشرعي الكاشف عن التحريم وليس هو التحريم نفسه، والقضاء نفسه لا يقتضي تعليق احد الضدين على عدم الضد الآخر ولا على عدم الكاشف عن الضد الآخر، ولكن لا محذور في ان توجد نكتة. احيانا تقتضي إناطة حكم بعدم الكاشف عن الحكم المضاد له ومرجع ذلك في المقام إلى ان تكون فعلية الحرمة بمبادئها منوطة بصدور الخطاب الشرعي الدال عليها نظير ما قيل من ان العلم بالحكم من طريق مخصوص يؤخذ في موضوعه.
الثاني: - ان الورود يستبطن دائما حيثية الوصول ولهذا لا يتصور بدون مورود عليه، ولكن هذا المقدار لا يكفي ايضا إذ يكفي لاشباع هذه الحيثية ملاحظة نفس المتعلق مورودا عليه، فالاستدلال بالرواية إذن غير تام، وعليه فلا اثر للحديث عن النقطة الثانية.
ومنها: حديث الرفع المروي عن النبي صلى الله عليه وآله. ونصه " رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا اليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطق بشفة "(1).
والبحث حول هذا الحديث يقع على ثلاث مراحل: المرحلة الاولى: في فقه الحديث على وجه الاجمال، والنقطة المهمة في هذه المرحلة تصوير الرفع الوارد فيه فانه لا يخلو عن اشكال لوضوح ان
______________
(1) جامع احاديث الشيعة: ابواب المقدمات / الباب الثامن / ح 3. (*)
[35]
كثيرا مما فرض رفعه في الحديث امور تكوينية ثابتة وجدانا، ومن هنا كان لا بد من بذل عناية في تصحيح هذا الرفع، وذلك اما بالتقدير بحيث يكون المرفوع امرا مقدرا قابلا للرفع حقيقة كالمؤاخذة مثلا، واما بجعل الرفع منصبا على نفس الاشياء المذكورة ولكن بلحاظ وجودها في علم التشريع بالنحو المناسب من الوجود لموضوع الحكم ومتعلقه في هذا العالم، فشرب الخمر المضطر اليه يرفع وجوده التشريعي بما هو متعلق للحرمة وروح ذلك رفع الحكم، واما بصب الرفع على نفس الاشياء المذكورة بوجوداتها التكوينية ولكن يفترض ان الرفع تنزيلي وليس حقيقيا فالشرب المذكور نزل منزلة العدم خارجا فلا حرمة ولا حد.
ولا شك في ان دليل الرفع على الاحتمالات الثلاثة جميعا يعتبر حاكما على ادلة الاحكام الاولية باعتبار نظره اليها، وهذا النظر اما ان يكون إلى جانب الموضوع من تلك الادلة كما هو الحال على الاحتمال الثالث فيكون على وزان (لا ربا بين الوالد وولده)، او يكون إلى جانب المحمول اي الحكم مباشرة كما هو الحال على الاحتمال الاول اذا قدرنا الحكم فيكون على وزان (لا ضرر)، او يكون إلى جانب المحمول ولكن منظورا اليه بنظر عنائي كما هو الحال على الاحتمال الثاني لان النظر فيه إلى الثبوت التشريعي للموضوع وهو عين الثبوت التشريعي للحكم فيكون على وزان (لا رهبانية في الاسلام).
والظاهر ان ابعد الاحتمالات الثلاثة الاحتمال الاول لانه منفي باصالة عدم التقدير.
فان قيل: كماان التقدير عناية كذلك توجيه الرفع إلى الوجود التشريعي مثلا.
كان الجواب: ان هذه عناية يقتضيها نفس ظهور حال الشارع في ان الرفع صادر منه بما هو شارع وبما هو انشاء لا اخبار بخلاف عناية التقدير فانها خلاف الاصل حتى في كلام الشارع بما هو مستعمل، كما ان الظاهر ان الاحتمال الثاني اقرب من الثالث لان بعض المرفوعات مما ليس له وجود خارجي ليتعقل في شأنه رفعه بمعنى تنزيل وجوده الخارجي منزلة العدم كما في (ما لا يطيقون). فالمتعين اذن هو الاحتمال الثاني.
[36]
وتترتب بعض الثمرات على هذه الاحتمالات الثلاثة، فعلى الاول يكون المقدر غير معلوم ولا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن من الآثار، خلافا للآخرين إذ يتمسك بناء عليهما باطلاق الرفع لنفي تمام الآثار، كما انه على الثالث قد يستشكل في شمول حديث الرفع لما اذا اضطر إلى الترك مثلا لان نفي الترك خارجا عبارة عن وضع الفعل وحديث الرفع يتكفل الرفع لا الوضع، وخلافا لذلك ما إذا أخذنا بالاحتمال الثاني إذ لا محذور حينئذ في تطبيق الحديث على الترك المضطر اليه لان المرفوع ثبوته التشريعي فيما اذا كان موضوعا او متعلقا لحكم، ورفع هذا النحو من ثبوته ليس عبارة عن وضع الفعل إذ ليس معناه الا عدم كونه موضوعا او متعلقا للحكم وهذا لا يعني جعل الفعل موضوعا كما هو واضح.
وعلى اي حال فحديث الرفع يدل على ان الانسان إذا شرب المسكر اضطرارا او اكره على ذلك فلا حرمة ولا وجوب للحد، كما انه إذا اكره على معاملة فلا يترتب عليها مضمونها نعم يختص الرفع بما إذا كان في الرفع امتنان على العباد لان الحديث مسوق مساق الامتنان، ومن اجل ذلك لا يمكن تطبيق الحديث على البيع المضطر اليه لابطاله لان ابطاله يعين ايقاع المضطر في المحذور وهو خلاف الامتنان، بخلاف تطبيقه على البيع المكره عليه فان ابطاله يعني تعجيز المكره عن التوصل إلى غرضه بالاكراه.
المرحلة الثانية: في فقرة الاستدلال وهي رفع ما لا يعلمون، وكيفية الاستدلال بها.
وتوضيح الحال في ذلك: ان الرفع هنا اما واقعي واما ظاهري، وقد يقال: ان الاستدلال على المطلوب تام على التقديرين لان المطلوب اثبات اطلاق العنان وايجاد معارض لدليل وجوب الاحتياط لو تم وكلا الامرين يحصل باثبات الرفع الواقعي ايضا كما يحصل بالظاهري. ولكن الصحيح عدم اطراد المطلوب على تقدير حمل الرفع على الواقعي اذ كثيرا ما يتفق العلم او قيام دليل على عدم اختصاص التكليف المشكوك على تقدير ثبوته بالعالم ففي مثل ذلك يجب الالتزام بتخصيص حديث الرفع مع الحمل على الواقعية خلافا لما إذا حمل على الرفع الظاهري.
[37]
نعم يكفي للمطلوب عدم ظهور الحديث في الرفع الواقعي إذ حتى مع الاجمال يصح الرجوع إلى حديث الرفع في الفرض المذكور لعدم احراز وجود المعارض او المخصص لحديث الرفع حينئذ.
وعلى اي حال فقد يقال: ان ظاهر الرفع كونه واقعيا لان الحمل على الظاهري يحتاج إلى عناية اما بجعل المرفوع وجوب الاحتياط تجاه ما لا يعلم لا نفسه - وهو خلاف الظاهر جدا واما بتطعيم الظاهرية في نفس الرفع بان يفترض ان التكليف له وضعان ورفعان واقعي وظاهري فوجوب الاحتياط وضع ظاهري للتكليف الواقعي ونفي هذا الوجوب رفع ظاهري له. وكل ذلك عناية فيتعين الحمل على الرفع الواقعي.
والجواب على ذلك بوجهين:
الوجه الاول: ما عن المحقق العراقي (قدس الله روحه) من ان الحديث لما كان امتنانيا والامتنان يرتبط برفع التكليف الواقعي المشكوك ببعض مراتبه اي برفع وجوب الاحتياط من ناحيته سواء رفعت المراتب الاخرى او لا فلا يكون الرفع في الحديث شاملا لتلك المراتب فالامتنان قرينة محددة للمقدار المرفوع. ويمكن الاعتراض على هذا الوجه بان الامتنان وان كان يحصل بنفي ايجاب الاحتياط ولا يتوقف على نفي الواقع ولكن لما كان نفي ايجاب الاحتياط بنفسه قد يكون بنفي الواقع راسا امكن ان تكون التوسعة الممتن بها مترتبة على نفي الواقع ولو بالواسطة، ولا يقتضي ظهور الحديث في الامتنان سوى كون مفاده منشأ للتوسعة والامتنان ولو بالواسطة.
الوجه الثاني: ان الرفع اذا كان واقعيا فهذا يعني اخذ العلم بالتكليف فيه، فان كان بمعنى اخذ العلم بالتكليف المجعول قيدا فيه فهو مستحيل ثبوتا كما تقدم، وان كان بمعنى اخذ العلم بالجعل قيدا في المجعول فهو ممكن ثبوتا ولكنه خلاف ظاهر الدليل جدا لان لازم ذلك ان يكون المرفوع غير المعلوم لان الاول هو المجعول والثاني هو الجعل مع ظهور الحديث في ان العلم والرفع يتبادلان على مصب واحد، وهذا بنفسه كاف لجعل الحديث ظاهرا في الرفع الظاهري وبذلك يثبت المطلوب.
[38]
المرحلة الثالثة: في شمول فقرة الاستدلال للشبهات الموضوعية والحكمية، إذ قد يتراءى انه لا يتأتى ذلك لان المشكوك في الشبهة الحكمية هو التكليف والمشكوك في الشبهة الموضوعية الموضوع فليس المشكوك فيهما من سنخ واحد ليشملهما دليل واحد.
والتحقيق ان الشمول يتوقف على امرين: احدهما: تصوير جامع مناسب بين المشكوكين في الشبهتين ليكون مصبا للرفع، والآخر: عدم وجود قرينة في الحديث على الاختصاص.
اما الامر الاول: فقد قدم المحققون تصويرين للجامع: التصوير الاول: - ان الجامع هو الشئ باعتباره عنوانا ينطبق على التكليف المشكوك في الشبهة الحكمية والموضوع المشكوك في الشبهة الموضوعية.
وقد اعترض صاحب الكفاية على ذلك بأن اسناد الرفع إلى التكليف حقيقي واسناده إلى الموضوع مجازي ولا يمكن الجمع بين الاسنادين الحقيقي والمجازي. وحاول المحقق الاصفهاني ان يدفع هذا الاعتراض بان من الممكن ان يجتمع وصفا الحقيقة والمجازية في اسناد واحد باعتبارين فبما هو اسناد للرفع إلى هذه الحصة من الجامع حقيقي وبما هو اسناد له إلى الاخرى مجازي. وهذه المحاولة ليست صحيحة، إذ ليس المحذور في مجرد اجتماع هذين الوصفين في اسناد واحد، بل يدعى ان نسبة الشئ إلى ما هو له مغايرة ذاتا لنسبة الشئ إلى غير ما هو له، فان كان الاسناد في الكلام مستعملا لافادة احدى النسبتين اختص بما يناسبها، وان كان مستعملا لافادتهما معا فهو استعمال لهيئة الاسناد في معنيين ولا جامع حقيقي بين النسب لتكون الهيئة مستعملة فيه.
[39]
والصحيح ان يقال: ان اسناد الرفع مجازي حتى إلى التكليف لان رفعه ظاهري عنائي وليس واقعيا.
التصوير الثاني: - ان الجامع هو التكليف وهو يشمل الجعل بوصفه تكليفا للموضوع الكلي المقدر الوجود ويشمل المجعول بوصفه تكليفا للفرد المحقق الوجود، وفي الشبهة الحكمية يشك في التكليف بمعنى الجعل وفي الشبهة الموضوعية يشك في التكليف بمعنى المجعول وهذا تصوير معقول ايضا بعد الايمان بثبوت جعل ومجعول كما عرفت سابقا.
واما الامر الثاني: فقد يقال: بوجود قرينة على الاختصاص بالشبهة الموضوعية من ناحية وحدة السياق كما قد يدعى العكس وقد تقدم الكلام عن ذلك في الحلقة السابقة واتضح انه لا قرينة على الاختصاص فالاطلاق تام.
وهناك روايات اخرى استدل بها للبراءة تقدم الكلام عن جملة منها في الحلقة السابقة وعن قصور دلالتها او عدم شمولها للشبهات الحكمية فلاحظ. كما يمكن التعويض عن البراءة بالاستصحاب وذلك باجراء استصحاب عدم جعل التكليف او استصحاب عدم فعلية التكليف المجعول، وزمان الحالة السابقة بلحاظ الاستصحاب الاول بداية الشريعة وبلحاظ الاستصحاب الثاني زمان ما قبل البلوغ مثلا، بل قد يكون زمان ما بعد البلوغ ايضا كما إذا كان المشكوك تكليفا مشروطا وتحقق الشرط بعد البلوغ فبالامكان استصحاب عدمه الثابت قبل ذلك.
 |