الاعتراضات العامة
ويعترض على ادلة البراءة المتقدمة باعتراضين اساسيين: احدهما: انها معارضة بادلة تدل على وجوب الاحتياط بل هذه الادلة حاكمة عليها لانها بيان للوجوب وتلك تتكفل جعل البراءة في حالة عدم البيان.
والاعتراض الآخر: ان ادلة البراءة تختص بموارد الشك البدوي والشبهات الحكمية ليست مشكوكات بدوية بل هي مقرونة بالعلم الاجمالي بثبوت تكاليف غير معينة في مجموع تلك الشبهات.
اما الاعتراض الاول فنلاحظ عليه عدة نقاط: الاولى: ان ما استدل به على وجوب الاحتياط ليس تاما كما يظهر باستعراض الروايات التي ادعيت دلالتها على ذلك وقد تقدم في الحلقة السابقة استعراض عدد مهم منها مع مناقشة دلالتها، نعم جملة منها تدل على الترغيب في الاحتياط والحث عليه ولا كلام في ذلك.
الثانية: - ان ادلة وجوب الاحتياط المدعاة ليست حاكمة على ادلة البراءة المتقدمة لما اتضح سابقا من ان جملة منها تثبت البراءة المنوطة بعدم وصول الواقع فلا يكون وصول وجوب الاحتياط رافعا لموضوعها بل يحصل التعارض حينئذ بين الطائفتين من الادلة.
[41]
الثالثة: - إذا حصل التعارض بين الطائفتين فقد يقال بتقديم ادلة وجوب الاحتياط لان ما يعارضها من ادلة البراءة القرآنية الآية الاولى على اساس الاطلاق في اسم الموصول فيها للتكليف وهذا الاطلاق يقيد بادلة وجوب الاحتياط، وما يعارضها من ادلة البراءة في الروايات حديث الرفع وهي اخص منه ايضا لورودها في الشبهات الحكمية وشموله للشبهات الحكمية والموضوعية فيقيد بها.
ولكن التحقيق ان النسبة بين ادلة وجوب الاحتياط والآية الكريمة هي العموم من وجه، لشمول تلك الادلة موارد عدم الفحص واختصاص الآية بموارد الفحص كما تقدم عند الكلام عن دلالتها، فهي كما تعتبر اعم بلحاظ شمولها للفعل والمال كذلك تعتبر اخص بلحاظ ما ذكرناه ومع التعارض بالعموم من وجه يقدم الدليل القرآني لكونه قطعيا. كما ان النسبة بين ادلة وجوب الاحتياط وحديث الرفع العموم من وجه ايضا، لعدم شموله موارد العلم الاجمالي وشمول تلك الادلة لها، ويقدم حديث الرفع في مادة الاجتماع والتعارض لكونه موافقا لاطلاق الكتاب ومخالفة معارض له. ولو تنزلنا عما ذكرناه مما يوجب ترجيح دليل البراءة و (افترضا)؟ التعارض والتساقط امكن الرجوع إلى البراءة العقلية على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان وامكن الرجوع إلى دليل الاستصحاب كما اوضحنا ذلك في الحلقة السابقة.
واما الاعتراض الثاني: بوجود العلم الاجمالي فقد اجيب عليه بجوابين: الجواب الاول: - ان العلم الاجمالي المذكور منحل بالعلم الاجمالي بوجود التكاليف في دائرة اخبار الثقات وفقا لقاعدة انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الاجمالي الصغير لتوفر كلا شرطي القاعدة فيها فان اطراف العلم الصغير بعض اطراف الكبير ولا يزيد عدد المعلوم بالعلم الكبير على
[42]
عدد المعلوم بالعلم الصغير، ومع الانحلال تكون الشبهة خارج نطاق العلم الصغير بدوية فتجري البراءة في كل شبهة لم يقم على ثبوت التكليف فيها امارة معتبرة من اخبار الثقات ونحوها وهذا هو المطلوب.
وهذا الجواب ليس تاما إذ كما يوجد علم اجمالي صغير بوجود التكاليف في نطاق الامارات المعتبرة من اخبار الثقات ونحوها. كذلك يوجد علم اجمالي صغير بوجود التكاليف في نطاق الامارات غير المعتبرة اذ لا يحتمل عادة وبحساب الاحتمالات كذبها جميعا فهناك إذن علمان اجماليان صغيران، والنطاقان وان كانا متداخلين جزئيا لان الامارات المعتبرة وغير المعتبرة قد تجتمع ولكن مع هذا يتعذر الانحلال لان المعلومين بالعلمين الاجماليين الصغيرين ان لم يكن من المحتمل تطابقهما المطلق فهذا يعني ان عدد المعلوم من التكاليف في مجموع الشبهات اكبر من عدد المعلوم بالعلم الاجمالي الصغير المفترض في دائرة اخبار الثقات وبذلك يختل الشرط الثاني من الشرطين المتقدمين لقاعدة انحلال العلم الاجمالي الكبير بالصغير، وان كان من المحتمل تطابقهما المطلق فشرطا القاعدة متوفران بالنسبة إلى كل من العلمين الاجماليين الصغيرين في نفسه فافتراض ان احدهما يوجب الانحلال دون الآخر بلا موجب.
الجواب الثاني: - ان العلم الاجمالى الذي تضم اطرافه كل الشبهات يسقط عن المنجزية باختلال الركن الثالث من الاركان الاربعة التي يتوقف عليها تنجيزه وقد تقدم شرحها في الحلقة السابقة، وذلك لان جملة من اطرافه قد تنجزت فيها التكاليف بالامارات والحجج الشرعية المعتبرة من ظهور آية وخبر ثقة واستصحاب مثبت للتكليف وفي كل حالة من هذا القبيل تجري البراءة في بقية الاطراف ويسمى ذلك بالانحلال الحكمي كما تقدم.
وقد قيل في تقريب فكرة الانحلال الحكمي في المقام - كما عن السيد الاستاذ - بان العلم الاجمالى متقوم بالعلم بالجامع والشك في كل طرف،
[43]
ودليل حجية الامارة المثبتة للتكليف في بعض الاطراف لما كان مفاده جعل الطريقية فهو يلغي الشك في ذلك الطرف ويتعبد بعدمه، وهذا بنفسه الغاء تعبدي للعلم الاجمالي.
ويرد على هذا التقريب: ان الملاك في وجوب الموافقة القطعية للعلم الاجمالي هو التعارض بين الاصول في اطرافه كما تقدم وليس هو العلم الاجمالي بعنوانه فلا اثر للتعبد بالغاء هذا العنوان وانما يكون تأثيره عن طريق رفع التعارض وذلك باخراج موارد الامارات المثبتة للتكليف عن كونها موردا لاصالة البراءة لان الامارة حاكمة على الاصل فتبقى الموارد الاخرى مجرى لاصل البراءة بدون معارض، وبذلك يختل الركن الثالث ويتحقق الانحلال الحكمي من دون فرق بين ان نقول بمسلك جعل الطريقية والغاء الشك بدليل الحجية او لا.
تحديد مفاد البراءة
وبعد ان اتضح ان البراءة تجري عند الشك لوجود الدليل عليها وعدم المانع. يجب ان نعرف ان الضابط في جريانها ان يكون الشك في التكليف لان هذا هو موضوع دليل البراءة، واما اذا كان التكليف معلوما والشك في الامتثال فلا تجري البراءة وانما تجري اصالة الاشتغال لان الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني وهذا واضح على مسلكنا المتقدم القائل بان الامتثال والعصيان ليسا من مسقطات التكليف بل من اسباب انتهاء فاعليته، إذ على هذا المسلك لا يكون الشك في الامتثال شكا في فعلية التكليف فلا موضوع لدليل البراءة بوجه، واما إذا قيل بان الامتثال من مسقطات التكليف فالشك فيه شك في التكليف لا محالة.
ومن هنا قد يتوهم تحقق موضوع البراءة واطلاق ادلتها لمثل ذلك، ولابد للتخلص من ذلك اما من دعوى انصراف ادلة البراءة إلى الشك الناشئ من غير ناحية الامتثال او التمسك باصل موضوعي حاكم وهو استصحاب عدم الامتثال. ثم بعد الفراغ عن الفرق بين الشك في التكليف والشك في الامتثال - اي المكلف به - باتخاذ الاول ضابطا للبراءة والثاني ضابطا لاصالة الاشتغال.
[44]
يقع الكلام في ميزان التمييز الذي به يعرف كون الشك في التكليف لكي تجري البراءة، وهذا الميزان انما يراد في الشبهات الموضوعية التي قد يحتاج التمييز فيها إلى دقة دون الشبهات الحكمية التي يكون الشك فيها عادة شكا في التكليف كما هو واضح.
وتوضيح الحال في المقام: ان الشبهة الموضوعية تستبطن دائما الشك في احد اطراف الحكم الشرعي، إذ لو كانت كلها معلومة فلا يتصور شك الا من اصل حكم الشارع وتكون الشبهة حينئذ حكمية، وهذه الاطراف هي عبارة عن قيد التكليف ومتعلقه ومتعلق المتعلق له المسمى بالموضوع الخارجي، فحرمة شرب الخمر المشروطة بالبلوغ قيدها (البلوغ) ومتعلقها (الشرب) ومتعلق متعلقها (الخمر)، وخطاب (اكرم عالما اذا جاء العيد) قيد الوجوب فيه (مجئ العيد) ومتعلقه (الاكرام) ومتعلق متعلقه (العالم).
فان كان الشك في صدور المتعلق مع احراز القيود والموضوع الخارجي فهذا شك في الامتثال بلا اشكال وتجري اصالة الاشتغال، لان التكليف معلوم ولا شك فيه لبداهة أن فعلية التكليف غير منوطة بوجود متعلقه خارجا وانما الشك في الخروج عن عهدته فلا مجال للبراءة. واما اذا كان الشك في الموضوع الخارجي، كمااذا لم يحرز كون فرد ما مصداقا للموضوع الخارجي، فان كان اطلاق التكليف بالنسبة اليه شموليا جرت البراءة لان الشك حينئذ يستبطن الشك في التكليف الزائد، كما اذا قيل (لا تشرب الخمر) و (اكرم الفقراء) وشك في ان هذا خمر وفي أن ذاك فقير. وان كان اطلاق التكليف بالنسبة اليه بدليا لم تجر البراءة، كما اذا ورد (اكرم فقيرا) وشك في ان زيدا فقير فلا يجوز الاكتفاء باكرامه لان الشك المذكور لا يستبطن الشك في تكليف زائد بل في سعة دائرة البدائل الممكن امتثال التكليف المعلوم ضمنها.
[45]
وعلى هذا الضوء يعرف أن لجريان البراءة اذن ميزانان: احدهما: ان يكون المشكوك من قيود التكليف الدخيلة في فعليته. والآخر: ان يكون اطلاق التكليف بالنسبة اليه شموليا لا بدليا.
فان قيل: ان مرد الشك في الموضوع الخارجي إلى الشك في قيد التكليف لان الموضوع قيد فيه فحرمة شرب الخمر مقيدة بوجود الخمر خارجا فمع الشك في خمرية المائع يشك في فعلية التكليف المقيد وتجري البراءة وبهذا يمكن الاقتصار على الميزان الاول فقط كما يظهر من كلمات المحقق النائيني (قدس الله روحه).
كان الجواب: انه ليس من الضروري دائما ان يكون متعلق المتعلق مأخوذا قيدا في التكليف سواء كان ايجابا او تحريما وانما قد تتفق ضرورة ذلك فيما اذا كان امرا غير اختياري كالقبلة مثلا، وعليه فاذا افترضنا ان حرمة شرب الخمر لم يؤخذ وجود الخمر خارجا قيدا فيها على نحو كانت الحرمة فعلية حتى قبل وجود الخمر خارجا. صح مع ذلك اجراء البراءة عند الشك في الموضوع الخارجي لان اطلاق التكليف بالنسبة إلى المشكوك شمولي. ولكن بتدقيق أعمق نستطيع ان نرد الشك في خمرية المائع إلى الشك في قيد التكليف لا عن طريق افتراض تقيد الحرمة بوجود الخمر خارجا، بل بتقريب: ان خطاب (لا تشرب الخمر) مرجعه إلى قضية شرطية مفادها: كلما كان مائع ما خمرا فلا تشربه، فحرمة الشرب مقيدة بان يكون المائع خمرا سواء وجد خارجا او لا، فاذا شك في ان الفقاع خمر اولا مثلا جرت البراءة عن الحرمة فيه، وبهذا صح القول بان البراءة تجري كلما كان الشك في قيود التكليف وان قيود التكليف تارة تكون على وزان مفاد كان التامة بمعنى اناطته بوجود شئ خارجا فيكون الوجود الخارجي قيدا،
[46]
واخرى يكون على وزان مفاد كان الناقصة بمعنى اناطته باتصاف شئ بعنوان فيكون الاتصاف قيدا، فاذا شك في الوجود الخارجي على الاول او في الاتصاف على الثاني جرت البراءة والا فلا.
وعلى هذا الضوء نستطيع ان نعمم فكرة قيود التكليف التي هي على وزان مفاد كان الناقصة على عنوان الموضوع وعنوان المتعلق معا، فكما ان حرمة الشرب مقيدة بأن يكون المائع خمرا كذلك الحال في حرمة الكذب فان ثبوتها لكلام مقيد بان يكون الكلام كذبا فاذا شك في كون كلام كذبا كان ذلك شكا في قيد التكليف.
وهكذا نستخلص: ان الميزان الاساسي لجريان البراءة هو الشك في قيود التكليف، وهي تارة على وزان مفاد كان التامة كالشك في وقوع الزلزلة التي هي قيد لوجوب صلاة الايات. واخرى على وزان مفاد كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان الموضوع كالشك في خمرية المائع، وثالثة على وزان كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان المتعلق كالشك في كون الكلام الفلاني كذبا.
استحباب الاحتياط
عرفنا سابقا عدم وجوب الاحتياط، ولكن ذلك لا يحول دون القول بمطلوبيته شرعا واستحبابه، لما ورد في الروايات من الترغيب فيه، والكلام في ذلك يقع في نقطتين: النقطة الاولى: في امكان جعل الاستحباب المولوي على الاحتياط ثبوتا، إذ قد يقال بعدم امكانه فيتعين حمل الامر بالاحتياط على الارشاد إلى حسنه عقلا، وذلك لوجهين: الاول: - انه لغو لانه ان اريد باستحباب الاحتياط الالزام به فهو غير معقول وان اريد ايجاد محرك غير الزامي نحوه فهذا حاصل بدون جعل الاستحباب، اذ يكفي فيه نفس التكليف الواقعي المشكوك بضم استقلال
[47]
العقل بحسن الاحتياط واستحقاق الثواب عليه فانه محرك بمرتبة غير الزامية. الثاني: - ان حسن الاحتياط كحسن الطاعة وقبح المعصية واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي وقد تقدم المسلك القائل بان الحسن والقبح الواقعين في هذه المرحلة لا يستتبعان حكما شرعيا. وكلا الوجهين غير صحيح.
اما الاول: - فلان الاستحباب المولوي للاحتياط اما ان يكون نفسيا لملاك وراء ملاكات الاحكام المحتاط بلحاظها واما ان يكون طريقيا بملاك التحفظ على تلك الاحكام. وعلى كلا التقديرين لا لغوية اما على النفسية فلان محركيته مغايرة سنخا لمحركية الواقع المشكوك فتتأكد احداهما بالاخرى، واما على الطريقية فلان مرجعه حينئذ إلى ابراز مرتبة من اهتمام المولى بالتحفظ على الملاكات الواقعية في مقابل ابراز نفي هذه المرتبة من الاهتمام ايضا، ومن الواضح ان درجة محركية الواقع المشكوك تابعة لما يحتمل او يحرز من مراتب اهتمام المولى به.
واما الوجه الثاني: - فلو سلم المسلك المشار اليه فيه لا ينفع في المقام، إذ ليس المقصود استكشاف الاستحباب الشرعي بقانون الملازمة واستتباع الحسن العقلي للطلب الشرعي ليرد ما قيل، بل هو ثابت بدليله وانما الكلام عن المحذور المانع عن ثبوته ولهذا فان متعلق الاستحباب عبارة عن تجنب مخالفة الواقع المشكوك ولو لم يكن بقصد قربي والعقل انما يستقل بحسن التجنب الانقيادي والقربى خاصة.
النقطة الثانية: ان الاحتياط متى ما أمكن فهو مستحب كما عرفت ولكن قد يقع البحث في امكانه في بعض الموارد.
[48]
وتوضيح ذلك: انه اذا احتمل كون فعل ما واجبا عباديا فان كانت اصل مطلوبيته معلومة امكن الاحتياط بالاتيان به بقصد الامر المعلوم تعلقه به وان لم يعلم كونه وجوبا او استحبابا فان هذا يكفي في وقوع الفعل عباديا وقربيا، واما إذا كانت اصل مطلوبيته غير معلومة فقد يستشكل في امكان الاحتياط حينئذ، لانه ان اتى به بلا قصد قربي فهو لغو جزما وان اتى به بقصد امتثال الامر فهذا يسستبطن افتراض الامر والبناء على وجوده مع ان المكلف شاك فيه وهو تشريع محرم فلا يقع الفعل عبادة لتحصل به موافقة التكليف الواقعي المشكوك.
وقد يجاب على ذلك بوجود أمر معلوم وهو نفس الامر الشرعي الاستحبابي بالاحتياط فيقصد المكلف امتثال هذا الامر، وكون الامر بالاحتياط توصليا لا تتوقف موافقته على قصد امتثاله لا ينافي ذلك لان ضرورة قصد امتثاله في باب العبادات لم تنشأ من ناحية عبادية نفس الامر بالاحتياط بل من عبادية ما يحتاط فيه.
ولكن التحقيق عدم الحاجة إلى هذا الجواب، لان التحرك عن احتمال الامر بنفسه قربي كالتحرك عن الامر المعلوم فلا يتوقف وقوع الفعل عبادة على افتراض امر معلوم بل يكفي الاتيان به رجاء.
 |