القسم الاول وهو ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم

فاعتباره في الجملة مما لا إشكال فيه ولا خلاف، لان المفروض كون تلك الامور معتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم المقصود بها التفهيم، ومن المعلوم بديهة أن طريق محاورات الشارع في تفهيم مقاصده للمخاطبين لم يكن طريقا مخترعا مغايرا لطريق محاورات أهل اللسان في تفهيم مقاصدهم.
وإنما الخلاف والاشكال وقع في موضعين:
أحدهما: جواز العمل بظواهر الكتاب.
والثاني: أن العمل بالظواهر مطلقا في حق غير المخالطب بها قام الدليل عليه بالخصوص بحيث لا يحتاج إلى إثبات إنسداد باب العلم في الاحكام الشرعية أم لا.
والخلاف الاول ناظر إلى عدم كون المقصود بالخطاب إستفادة المطلب منه مستقلا.
والخلاف الثاني ناظر إلى منع كون المتعارف بين أهل اللسان إعتماد غير من قصد إفهامه بالخطاب على ما يستفيده من الخطاب بواسطة أصالة عدم القرينة عند التخاطب.
فمرجع كلا الخلافين إلى منع الصغرى.
وأما الكبرى أعني كون الحكم عند الشارع في إستنباط مراداته من خطاباته المقصودة بها التفهيم ما هو المتعارف عند أهل اللسان في الاستفادة فمما لا خلاف فيه ولا إشكال.
* * *

[56]

أما الكلام في الخلاف الاول فتفصيله أنه ذهب جماعة من الاخباريين إلى المنع عن العمل بظواهر الكتاب من دون ما يرد التفسير وكشف المراد عن الحجج المعصومين صلوات الله عليهم.
وأقوى ما يتمسك لهم على ذلك وجهان أحدهما: الاخبار المتواترة المدعى ظهورها في المنع عن ذلك مثل النبوي صلى الله عليه وآله: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار) وفي رواية أخرى: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار).
وفي نبوي ثالث: (من فسر القرآن برأيه فقد إفترى على الله الكذب).
وعن أبي عبدالله عليه السلام: (من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجرو إن أخطأ سقط أبعد من السماء).
وفي النبوي العامي: (من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ).
وعن مولانا الرضا، عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الله عزوجل قال في الحديث القدسي: ما آمن بي من فسر كلامي برأيه، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من إستعمل القياس في ديني).
وعن تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام: (قال: من حكم برأيه بين إثنين فقد كفر، و من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر).

[57]

وعن مجمع البيان: (إنه قد صرح عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة القائمين مقامه: أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح والنص الصريح).
وقوله عليه السلام: (ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن.
إن الاية يكون أولها في شئ وآخرها في شئ، وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه).
وفي مرسلة شبيب بن أنس عن أبي عبدالله عليه السلام: (إنه قال لابي حنيفة: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم.
قال: فبأي شئ تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله قال: يا أبا حنيفة ! تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم.
قال عليه السلام: يا أبا حنيفة ! لقد إدعيت علما، ويلك، ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك، وما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا صلى الله عليه وآله، وما ورثك الله من كتابه حرفا).
وفي رواية زيد الشحام: (قال: دخل قتادة على أبي جعفر عليه السلام، فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال: بلغني أنك تفسر القرآن، قال: نعم إلى أن قال -: يا قتادة ! إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت.
ويحك ! يا قتادة ! إنما يعرف القرآن من خوطب به).
إلى غير ذلك مما ادعى في الوسائل، في كتاب القضاء، تجاوزها عن حد التواتر.
وحاصل هذا الوجه يرجع إلى أن منع الشارع عن ذلك يكشف عن أن مقصود المتكلم ليس تفهيم مطالبه بنفس هذا الكلام، فليس من قبيل المحاورات العرفية.
والجواب عن الاستدلال بها أنها لا تدل على المنع عن العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن نسخها وتخصيصها وإرادة خلاف ظاهرها في الاخبار.
إذ من المعلوم أن هذا لا يسمى تفسيرا، فإن أحدا من العقلاء إذا رأى في كتاب مولاه أنه أمره بشئ بلسانه المتعارف في مخاطبته له، عربيا أو فارسيا أو غيرهما، فعمل به وامتثله، لم يعد هذا تفسيرا، إذ التفسير كشف القناع.
ثم لو سلم كون مطلق حمل اللفظ على معناه تفسيرا، لكن الظاهر أن المراد بالرأي هو الاعتبار

[58]

العقلي الظني الراجح إلى الاستحسان، فلا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغوية والعرفية.
وحينئذ فالمراد بالتفسير بالرأي: إما حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد إحتماليه، لرجحان ذلك في نظره القاصر وعقله الفاتر.
ويرشدإليه المروي عن مولانا الصادق، عليه السلام، قال في حديث طويل: (وإنما هلك الناس في المتشابه، لانهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته.
فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الاوصياء عليهم السلام، فيعرفونهم).
وإما الحمل على ما يظهر له في بادي الرأي من المعاني العرفية واللغوية، من دون تأمل في الادلة العقلية ومن دون تتبع في القرائن النقلية، مثل الآيات الاخر الدالة على خلاف هذا المعنى و الاخبار الواردة في بيان المراد منها وتعيين ناسخها من منسوخها.
ومما يقرب هذا المعنى الثاني، وإن كان الاول أقرب عرفا، أن المنهي، في تلك الاخبار، المخالفون الذين يستغنون بكتاب الله عن أهل البيت، عليهم السلام، بل يخطئونهم به.
ومن المعلوم ضرورة من مذهبنا تقديم نص الامام، عليه السلام، على ظاهر القرآن، كما أن المعلوم ضرورة من مذهبهم العكس.
ويرشدك إلى هذا ما تقدم في رد الامام، (ع)، على أبي حنيفة حيث أنه يعمل بكتاب الله.
ومن المعلوم أنه إنما كان يعمل بظواهره، لا أنه كان يؤوله بالرأي، إذ لا عبرة بالرأي عندهم مع الكتاب والسنة.
ويرشد إلى هذا قول أبي عبدالله، عليه السلام، في ذم المخالفين: (إنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهو يظنون انه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهو يظنون أنه العام، واحتجوا بالاية وتركوا السنة في تأوليها ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا).
وبالجملة، فالانصاف: يقتضي عدم الحكم بظهور الاخبار المذكورة في النهي عن العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص والتتبع في سائر الادلة، خصوصا الاثار الواردة عن المعصومين عليهم السلام، كيف، ولو دلت على المنع من العمل على هذا الوجه دلت على عدم جواز العمل بأحاديث أهل

[59]

البيت عليه السلام.
ففي رواية سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (إن أمر النبي صلى الله عليه وآله مثل القرآن، منه ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله " ص " الكلام، يكون له وجهان، كلام عام وكلام خاص، مثل القرآن).
وفي رواية أسلم بن مسلم: (إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن).
هذا كله مع معارضة الاخبار المذكورة بأكثر منها، مما يدل على جواز التمسك بظاهر القرآن: مثل خبر الثقلين المشهور بين الفريقين، وغيرها، مما دل على الامر بالتمسك بالقرآن والعمل بما فيه، وعرض الاخبار المتعارضة بل ومطلق الاخبار عليه، ورد الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود والاخبار الدالة قولا وفعلا وتقريرا على جواز التمسك بالكتاب.
مثل قوله، عليه السلام، لما قال زرارة: (من أين علمت أن المسح ببعض الرأس؟ فقال عليه السلام: لمكان الباء).
فعرفه مورد إستفادة الحكم من ظاهر الكتاب.
وقول الصادق، عليه السلام، في مقام نهي الدوانقي عن قبول خبر النمام: (إنه فاسق، وقال الله: إن جاء‌كم فاسق بنبا فتبينوا، الاية).
وقوله عليه السلام: لابنه إسماعيل: (إن الله عزوجل يقول: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم).
وقوله، عليه السلام، لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء، إعتذارا بأنه لم يكن شيئا أتاه برجله: (أما سمعت قول الله عزوجل: إن السمع والبصر والفواد كل أولئك كان عنه مسئولا).
وقوله، عليه السلام، في تحليل العبد للمطلقة ثلاثا: (إنه زوج، قال الله عزوجل: حتى ينكح زوجا غيره) وفي عدم تحليلها بالعقد المنقطع: إنه تعالى قال: فإن طلقها فلا جناح عليهما).
وتقريره، عليه السلام، التمسك بقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، وأنه نسخ بقوله تعالى (ولا تنكحوا المشركات).

[60]

وقوله، عليه السلام: في رواية عبدالاعلى، في حكم من عثر، فوقع ظفره، فجعل على إصبعه مرارة: (إن هذا وشبهه يعرف من كتاب الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج.
ثم قال: إمسح عليه)، فأحال، عليه السلام، معرفة حكم المسح على إصبعه المغطى بالمرارة إلى الكتاب، موميا إلى أن هذا لا يحتاج إلى السؤال، لوجوده في ظاهر القرآن.
ولا يخفى أن إستفادة الحكم المذكور من ظاهر الاية الشريفة مما لا يظهر إلا للمتأمل المدقق، نظرا إلى أن الاية الشريفة إنما تدل على نفي وجوب الحرج، أعني المسح على نفس الاصبع، فيدور الامر في بادي النظر بين سقوط المسح رأسا وبين بقائه مع سقوط قيد مباشرة الماسح للممسوح، فهو بظاهره لا يدل على ما حكم به الامام، عليه السلام، لكن يعلم عند التأمل أن الموجب للحرج هو إعتبار المباشرة في المسح، فهو الساقط دون أصل المسح، فيصير نفي الحرج دليلا على سقوط إعتبار المباشرة في المسح، فيمسح على الاصبع المغطى.
فإذا أحال الامام، عليه السلام، إستفادة مثل هذا الحكم إلى الكتاب، فكيف يحتاج نفي وجوب الغسل أو الوضوء، عند الحرج الشديد المستفاد من ظاهر الاية المذكورة، أو غير ذلك من الاحكام التي يعرفها كل عارف باللسان من ظاهر القرآن، إلى ورود التفسير بذلك من أهل البيت عليهم السلام.
ومن ذلك ما ورد من: (أن المصلي أربعا في السفر إن قرئت عليه آية القصر وجب عليه الاعادة، وإلا فلا).
وفي بعض الروايات (إن قرئت عليه وفسرت له).
والظاهر ولو بحكم أصالة الاطلاق في باقي الروايات أن المراد من تفسيرها له بيان أن المراد من قوله تعالى: (لا جناح عليكم أن تقصروا)، بيان الترخيص في أصل تشريع القصر وكونه مبنيا على التخفيف، فلا ينافي تعين القصر على المسافر وعدم صحة الاتمام منه، ومثل هذه المخالفة للظاهر يحتاج إلى التفسير بلا شبهة.
وقد ذكر زرارة ومحمد بن مسلم للامان، عليه السلام،: (إن الله تعالى قال: (فليس عليكم جناح)، ولم يقل: إفعلوا، فأجاب، عليه السلام، بأنه من قبيل قوله تعالى: (فمن حج البيت أو إعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).
وهذا أيضا يدل على تقرير الامام عليه السلام لهما في التعرض لاستفادة الاحكام من الكتاب

[61]

والدخل والتصرف في ظواهره.
ومن ذلك إستشهاد الامام عليه السلام بآيات كثيرة، مثل الاستشهاد لحلية بعض النسوان بقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم)، وفي عدم جواز طلاق العبد بقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ).
ومن ذلك الاستشهاد لحلية بعض الحيوانات بقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما، الاية).
إلى غير ذلك مما لا يحصى.
الثاني: من وجهي المنع إنا نعلم بطرو التقييد والتخصيص والتجوز في أكثر ظواهرالكتاب.
وذلك مما يسقطها عن الظهور.
وفيه أولا، النقض بظواهر السنة، فإنا نقطع بظرو مخالفة الظاهر في أكثرها.
وثانيأ، أن هذا لا يوجب السقوط، وإنما يوجب الفحص عما يوجب مخالفة الظاهر.
فإن قلت: العلم الاجمالي بوجود مخالفات الظواهر لا يرتفع أثره، وهو وجوب التوقف بالفحص، ولذا لو تردد اللفظ بين معنيين أو علم إجمالا بمخالفة أحد الظاهرين لظاهر الاخر كما في العامين من وجه وشبههما - وجب التوقف فيه ولو بعد الفحص.
قلت: هذه شبهة ربما تورد على من إستدل على وجوب الفحص عن المخصص في العمومات بثبوت العلم الاجمالي بوجود المخصصات.
فإن العلم الاجمالي إما أن يبقى أثره ولو بعد العلم التفصيلي بوجود عدة مخصصات، وإما أن لا يبقى.
فإن بقي فلا يرتفع بالفحص، وإلا فلا مقتضي للفحص.
وتندفع هذا الشبهة: بأن المعلوم إجمالا هو وجود مخالفات كثيرة في الواقع فيما بأيدينا بحيث تظهر تفصيلا بعد الفحص.
وأما وجود مخالفات في الواقع زائدا على ذلك فغير معلوم.
فحينئذ لا يجوز العمل قبل الفحص، لاحتمال وجود مخصص يظهر بعد الفحص، ولا يمكن نفيه بالاصل لاجل العلم الاجمالي.
وأما بعد الفحص فإحتمال وجود المخصص في الواقع ينفى بالاصل السالم عن

[62]

العلم الاجمالي.
والحاصل: أن المنصف لا يجد فرقا بين ظاهر الكتاب والسنة، لا قبل الفحص ولا بعده.
* * *
ثم إنك قد عرفت أن العمدة في منع الاخباريين من العمل بظواهر الكتاب هي الاخبار المانعة عن تفسير القرآن.
إلا أنه يظهر من كلام السيد الصدر شارح الوافية، في آخر كلامه، أن المنع عن العمل بظواهر الكتاب هو مقتضى الاصل.
والعمل بظواهر الاخبار خرج بالدليل، حيث قال بعد إثبات أن في القرآن محكمات وظواهر وأنه مما لا يصح إنكاره، وينبغي النزاع في جواز العمل بالظواهر وأن الحق مع الاخباريين - ما خلاصته: (إن التوضيح يظهر بعد مقدمتين.
الاولى: أن بقاء التكليف مما لا شك فيه، ولزوم العمل بمقتضاه موقوف على الافهام، وهو يكون في الاكثر بالقول، ودلالته في الاكثر تكون ظنية، إذ مدار الافهام على إلقاء الحقائق مجردة عن القرينة وعلى ما يفهمون وإن كان إحتمال التجوز وخفاء القرينة باقيا.
الثانية: أن المتشابه كما يكون في أصل اللغة كذلك يكون بحسب الاصطلاح، مثل أن يقول أحد: (أنا أستعمل العمومات، وكثيرا ما أريد الخصوص من غير قرينة، وربما أخاطب أحدا وأريد غيره، ونحو ذلك).
فحينئذ لا يجوز لنا القطع بمراده ولا يحصل لنا الظن به.
والقرآن من هذا القبيل، لانه نزل على إصطلاح خاص.
لا أقول على وضع جديد، بل أعم من أن يكون ذلك أو يكون فيه مجازات لا يعرفها العرب، ومع ذلك قد وجدت فيه كلمات لا يعلم المراد منها، كالمقطعات.
ثم قال: - قال سبحانه: (فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، الاية، ذم على إتباع المتشابه، ولم يبين لهم المتشابهات: ماهي، وكم هي، بل لم يبين لهم المراد من هذا اللفظ، وجعل البيان موكولا إلى خلفائه، والنبي، صلى الله عليه وآله، نهى الناس عن التفسير بالاراء.
وجعلوا الاصل عدم العمل بالظن إلا ما أخرجه الدليل.

[63]

إذا تمهدت المقدمتان، فنقول: مقتضى الاولى العمل بالظواهر ومقتضى الثانية عدم العمل، لان ما صار متشابها لا يحصل الظن بالمراد منه وما بقي ظهوره مندرج في الاصل المذكور.
فنطالب بدليل جواز العمل، لان الاصل الثابت عند الخاصة هو عدم جواز العمل بالظن إلا ما أخرجه الدليل.
لا يقال: إن الظاهر من المحكم ووجوب العمل بالمحكم إجماعي.
لانا نمنع الصغرى، إذ المعلوم عندنا مساواة المحكم للنص.
وأما شموله للظاهر فلا إلى أن قال: - لا يقال: إن ما ذكرتم لو تم لدل على عدم جواز العمل بظواهر الاخبار أيضا، لما فيها من الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والمخصص، والمطلق والمقيد.
لانا نقول: إنا لو خلينا وأنفسنا، لعملنا بظواهر الكتاب والسنة مع عدم نصب القرينة على خلافها.
ولكن منعنا من ذلك في القرآن للمنع من إتباع المتشابه و عدم بيان حقيقته، ومنعنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن تفسير القرآن.
ولا ريب في أن غير النص محتاج إلى التفسير.
وأيضا ذم الله تعالى من إتباع الظن، وكذا الرسول، صلى الله عليه وآله، وأوصيائه عليهم السلام، ولم يستثنوا ظواهر القرآن إلى أن قال: - وأما الاخبار، فقد سبق أن أصحاب الائمة، عليهم السلام، كانوا عاملين باخبار الاحاد من غير فحص عن مخصص أو معارض ناسخ أو مقيد، ولولا هذا لكنا في العمل بظواهر الاخبار أيضا من المتوقفين)، إنتهى.
أقول: وفيه مواقع للنظر، سيما في جعل العمل بظواهر الاخبار من جهة قيام الاجماع العملي، ولولاه لتوقف في العمل بها أيضا، إذ لا يخفى أن عمل أصحاب الائمة، عليهم السلام، بظواهر الاخبار لم يكن لدليل خاص شرعي وصل إليهم من أئمتهم، وإنما كان أمرا مركوزا في أذهانهم بالنسبة إلى مطلق الكلام الصادر من المتكلم لاجل الافادة والاستفادة، سواء كان من الشارع أم غيره.
وهذا المعنى جار في القرآن أيضا على تقدير كونه ملقى للافادة والاستفادة على ما هو الاصل في خطاب كل متكلم.
نعم، الاصل الاولي هي حرمة العمل بالظن، على ما عرفت مفصلا.
لكن

[64]

الخارج منه ليس خصوص ظواهر الاخبار حتى يبقى الباقي، بل الخارج منه هو مطلق الظهور الناشي عن كلام كل متكلم ألقي إلى غيره للافهام.
ثم إن ما ذكره من عدم العلم بكون الظواهر من المحكمات وإحتمال كونها من المتشابهات ممنوع: أولا، بأن المتشابه لا يصدق على الظواهر، لا لغة ولا عرفا، بل يصح سلبه عنه.
فالنهي الوارد عن إتباع المتشابه لا يمنع، كما إعترف به في المقدمة الاولى، من أن مقتضى القاعدة وجوب العمل بالظواهر.
وثانيا، بأن إحتمال كونها من المتشابه لا ينفع في الخروج عن الاصل الذي اعترف به.
ودعوى إعتبار العلم بكونها من المحكم هدم لما إعترف به من أصالة حجية الظواهر، لان مقتضى ذلك الاصل جواز العمل إلا أن يعلم كونه مما نهى الشارع عنه.
وبالجملة، فالحق ما اعترف به، قدس سره، من أنا لو خلينا وأنفسنا، لعملنا بظواهر الكتاب.
ولا بد للمانع من إثبات المنع.
ثم إنك قد عرفت مما ذكرنا أن خلاف الاخباريين في ظواهر الكتاب ليس في الوجه الذي ذكرنا، من إعتبار الظواهر اللفظية في الكلمات الصادرة لافادة المطلب وإستفادته.
وإنما يكون خلافهم في أن خطابات الكتاب لم يقصد بها إستفادة المراد من أنفسها، بل بضميمة تفسير أهل الذكر أو أنها ليست بظواهر بعد إحتمال كون محكمها من المتشابه، كما عرفت من كلام السيد المتقدم.

[65]

وينبغي التنبيه على أمور الاول إنه ربما يتوهم بعض: (أن الخلاف في إعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى، إذ ليست آية متعلقة بالفروع أو الاصول إلا ورد في بيانها أو في الحكم الموافق لها خبر أو أخبار كثيرة، بل إنعقد الاجماع على أكثرها.
مع أن جل آيات الاصول والفروع، بل كلها، مما تعلق بالحكم فيها بأمور مجملة لا يمكن العمل بها إلا بعد أخد تفصيلها من الاخبار)، إنتهى.
" النراقي، مناهج الاحكام، ص 158 ".
أقول: ولعله قصر نظره على الايات الواردة في العبادات، فإن أغلبها من قبيل ما ذكره، وإلا فالاطلاقات الواردة في المعاملات مما يتمسك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنصوص المتكافئة كثيرة جدا.
مثل: (أوفوا بالعقود)، و (أحل الله البيع)، و (تجارة عن تراض)، و (فرهان مقبوضة)، و (لا تؤتوا السفاء أموالكم)، و (لا تقربوا مال اليتيم)، و (أحل لكم ما وراء ذلكم)، و (إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا)، و (لولا نفر من كل فرقة)، و (فاسألوا أهل الذكر)، و (عبدا مملوكا لا يقدر على شي)، و (ما على المحسنين من سبيل)، وغير ذلك مما لا يحصى.
بل وفي العبادات أيضا كثيرة، مثل قوله: (إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام).
وآيات التيمم، والوضوء، والغسل.
وهذا العمومات، وإن ورد فيها أخبار في الجملة، إلا أنه ليس كل فرع مما يتمسك فيه بالاية ورد فيه خبر سليم عن المكافئ، فلاحظ وتتبع.
الثاني: إنه إذا إختلف القراء‌ة في الكتاب على وجهين مختلفين في المؤدى، كما في قوله تعالى: (حتى

[66]

يطهرن)، حيث قرء بالتشديد من المتطهر الظاهر في الاغتسال، وبالتخفيف من الطهارة الظاهرة في النقاء عن الحيض.
فلا يخلو: إما أن نقول بتواتر القراء‌ات كلها، كما هو المشهور، خصوصا في ما كان الاختلاف في المادة، وإما أن لا نقول، كما هو مذهب جماعة.
فعلى الاول، فهما بمنزلة آيتين تعارضتا، لا بد من الجمع بينهما بحمل الظاهر على النص أو على الاظهر، ومع التكافؤ لا بد من الحكم بالتوقف والرجوع إلى غيرهما.
وعلى الثاني، فإن ثبت جواز الاستدلال بكل قراء‌ة، كما ثبت بالاجماع جواز القراء‌ة بكل قراء‌ة، كان الحكم كما تقدم.
وإلا فلا بد من التوقف في محل التعارض والرجوع إلى القواعد، مع عدم المرجح أو مطلقا بناء على عدم ثبوت الترجيح هنا، كما هو الظاهر.
فيحكم بإستصحاب الحرمة قبل الاغتسال، إذ لم يثبت تواتر التخفيف، أو بالجواز بناء على عموم قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، من حيث الزمان، خرج منه أيام الحيض على الوجهين في كون المقام من إستصحاب حكم المخصص أو العمل بالعموم الزماني.
الثالث: إن وقوع التحريف في القرآن، على القول به، لايمنع من التمسك بالظواهر، لعدم العلم الاجمالي بإختلال الظواهر بذلك، مع أنه لو علم لكان من قبيل الشبهة الغير المحصورة.
مع أنه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة، أمكن القول بعدم قدحه، لاحتمال كون الظاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلقة بالاحكام الشرعية العملية التي أمرنا بالرجوع فيها إلى ظاهر الكتاب، فافهم.
الرابع: قد يتوهم: (أن وجوب العمل بظواهر الكتاب بالاجماع مستلزم لعدم جواز العمل بظاهره، لان من تلك الظواهر ظاهر الايات الناهية عن العمل بالظن مطلقا حتى ظواهر الكتاب).
وفيه: أن فرض وجود الدليل على حجية الظواهر موجب لعدم ظهور الايات الناهية في حرمة العمل بالظواهر، مع أن ظواهر الايات الناهية لو نهضت للمنع عن ظواهر الكتاب لمنعت عن حجية أنفسها، إلا أن يقال إنها لا تشمل أنفسها.
فتأمل.
وبإزاء هذا التوهم توهم: (أن خروج ظواهر الكتاب عن الايات الناهية ليس من باب التخصيص، بل من باب التخصص، لان وجود القاطع على حجيتها يخرجها عن غير العلم إلى العلم).
وفيه: ما لا يخفى.

[67]

وأما التفصيل الاخر فهو الذي يظهر من صاحب القوانين، قدس سره، في آخر مسألة حجية الكتاب وفي أول مسألة الاجتهاد والتقليد.
وهو الفرق بين من قصد إفهامه بالكلام، فالظواهر حجة بالنسبة إليه من باب الظن الخاص، سواء كان مخاطبا، كما في الخطابات الشفاهية، أم لا، كما في الناظر في الكتب المصنفة، لرجوع كل من ينظر إليها، وبين من لم يقصد إفهامه بالخطاب، كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الائمة الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين وبالنسبة إلى الكتاب العزيز، بناء على عدم كون خطاباته موجهة إلينا وعدم كونه من باب تأليف المصنفين.
فالظهور اللفظي ليس حجة حينئذ لنا، إلا من باب الظن المطلق الثابت حجيته عند إنسداد باب العلم.
ويمكن توجيه هذا التفصيل: بأن الظهور اللفظي ليس حجة إلا من باب الظن النوعي.
وهو كون اللفظ بنفسه لو خلي وطبعه مفيدا للظن بالمراد.
فإذا كان مقصود المتكلم من الكلام إفهام من يقصد إفهامه، فيجب عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع المخاطب معه في خلاف المراد، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود، كان إما لغفلة منه في الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام الملقى إليه، وإنما لغفلة من المتكلم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد.
ومعلوم أن إحتمال الغفلة من المتكلم أو السامع إحتمال مرجوح في نفسه مع إنعقاد الاجماع من العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء بإحتمال الغفلة في جميع أمور العقلاء، أقوالهم وأفعالهم.
وأما إذا لم يكن الشخص مقصودا بالافهام، فوقوعه في خلاف المقصود لا ينحصر سببه في الغفلة.
فإنا إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفا عن ظاهرها واحتملنا ان يكون المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد خفيت علينا، فلا يكون هذا الاحتمال لاجل غفلة من المتكلم أو منا، إذ لا يجب على المتكلم إلا نصب القرينة لمن قصد إفهامه، مع أن عدم تحقق الغفلة من المتكلم في محل

[68]

الكلام مفروض لكونه معصوما.
وليس إختفاء القرينة علينا مسببا عن غفلتنا عنها، بل لدواعي الاختفاء الخارجة عن مدخلية المتكلم ومن ألقي إليه الكلام.
فليس هنا شئ يوجب بنفسه الظن بالمراد، حتى لو فرضنا الفحص.
فإحتمال وجود القرينة حين الخطاب وإختفائه علينا ليس هنا ما يوجب مرجوحيته حتى لو تفحصنا عنها ولم نجدها.
إذ لا يحكم العادة، ولو ظنا، بأنها لو كانت لظفرنا بها، إذ كثير من الامور قد إختفت علينا.
بل لا يبعد دعوى العلم بأن ما إختفى علينا من الاخبار والقرائن أكثر مما ظفرنا بها، مع أنا لو سلمنا حصول الظن بإنتفاء القرائن المتصلة، لكن القرائن الحاليه وما اعتمد عليه المتلكم من الامور العقلية أو النقلية الكلية أو الجزئية المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام ليست مما يحصل الظن بانتفائها بعد البحث والفحص.
ولو فرض حصول الظن من الخارج بإرادة الظاهر من الكلام لم يكن ذلك ظنا مستندا إلى الكلام، كما نبهنا عليه في أول المبحث.
وبالجملة، فظواهر الالفاظ حجة، بمعنى عدم الاعتناء بإحتمال إرادة خلافها، إذا كان منشأ ذلك الاحتمال غفلة المتكلم في كيفية الافادة أو المخاطب في كيفية الاستفادة، لان إحتمال الغفلة مما هو مرجوح في نفسه ومتفق على عدم الاعتناء به في جميع الامور دون ما إذا كان الاحتمال مسببا عن إختفاء أمور لم تجر العادة القطعية أو الظنية بأنها لو كانت لوصلت إلينا.
ومن هنا يظهر: أن ما ذكرنا سابقا، من إتفاق العقلاء والعلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوى والاقارير والشهادات والوصايا والمكاتبات، لا ينفع في رد هذا الفصيل، إلا أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجة من باب التعبد.ودون إثباتها خرط القتاد.
ودعوى: (أن الغالب إتصال القرائن، فإحتمال إعتماد المتكلم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته)، مردودة: بأن من المشاهد المحسوس تطرق التقييد والتخصيص إلى أكثر العمومات والاطلاقات مع عدم وجوده في الكلام.
وليس إلا لكون الاعتماد في ذلك كله على القرائن المفصلة، سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقلية والنقلية الخارجية أم كانت مقالية متصلة، لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك، لعروض التقطيع للاخبار أو حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى أو غير ذلك.
فجميع ذلك مما لا يحصل الظن بأنها لو كانت لوصلت إلينا.
مع إمكان أن يقال: إنه لو حصل الظن لم يكن على إعتباره دليل خاص.
نعم، الظن الحاصل في مقابل إحتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلم مما أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم وأفعالهم.هذا غاية ما يمكن

[69]

من التوجيه لهذا التفصيل.
* * *
ولكن الانصاف: أنه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد، فإن جميع ما دل من إجماع العلماء وأهل اللسان على حجية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار فيما يقصد، لان أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلم إلى مخاطب يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظان وجودها، ولا يفرقون في إستخراج مرادات المتكلمين بين كونهم مقصودين بالخطاب وعدمه.
فإذا وقع المكتوب الموجه من شخص إلى شخص بيد ثالث، فلا يتأمل في إستخراج مرادات المتكلم من الخطاب المتوجه إلى المكتوب إليه.
فإذا قرضنا إشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منهم، فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطلاع على مراد المولى.
وهذا واضح لمن راجع الامثلة العرفية، هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم.
وأما العلماء، فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الالفاظ المجردة عن القرائن الموجة من متكلم إلى مخاطب، سواء كان ذلك في الاحكام الجزئية، كالوصايا الصادرة عن الموصي المعين إلى شخص معين، ثم مست الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه، فإن العلماء لا يتأملون في الافتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجه إلى الموصى إليه المقصود وكذا في الاقارير، أم كان في الاحكام الكلية، كالاخبار الصادرة عن الائمة، عليهم السلام، مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبهم لا غير، فإنه لم يتأمل أحد من العلماء في إستفادة الاحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب ومن قصد إفهامه.
ودعوى: (كون ذلك منهم للبناء على كون الاخبار الصادرة عنهم، عليهم السلام، من قبيل تأليف المصنفين)، واضحة الفساد.
مع أنها لو صحت لجرت في الكتاب العزيز، فإنه أولى بأن يكون من هذا القبيل، فترتفع ثمرة التفصيل المذكور، لان المفصل معترف بأن ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلفين حجة بالخصوص، لا لدخوله في مطلق الظن.
وإنما كلامه في إعتبار ظهور الكلام الموجه إلى مخاطب خاص بالنسبة إلى غيره.
والحاصل: أن القطع حاصل لكل متتبع في طريقة فقهاء المسلمين بأنهم يعملون بظواهر الاخبار من دون إبتناء ذلك على حجية الظن المطلق الثابتة بدليل الانسداد، بل يعمل بها من يدعي الانفتاح وينكر العمل بأخبار الآحاد، مدعيا كون معظم الفقه معلوما بالاجماع والاخبار المتواترة.

[70]

ويدل على ذلك أيضا سيرة أصحاب الائمة، عليهم السلام، فإنهم كانوا يعملون بظواهر الاخبار الواردة إليهم من الائمة الماضين، عليهم السلام، كما كانوا يعملون بظواهر الاقوال التي سمعوها من إئمتهم، عليهم السلام، لا يفرقون بينهما إلا بالفحص وعدمه، كما سيأتي.
والحاصل: أن الفرق في حجية أصالة الحقيقة وعدم القرينة بين المخاطب وغيره مخالف للسيرة القطعية من العلماء وأصحاب الائمة عليهم السلام.
هذا كله، مع أن التوجيه المذكور لذلك التفصيل، لابتنائه على الفرق بين أصالة عدم الغفلة والخطأ في فهم المراد وبين مطلق أصالة عدم القرينة، يوجب عدم كون ظواهر الكتاب من الظنون المخصوصة، وإن قلنا بشمول الخطاب للغائبين، لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقهم مطلقا.
فما ذكره من إبتناء كون ظواهر الكتاب ظنونا مخصوصة على شمول الخطاب للغائبين غير سديد، لان الظن المخصوص إن كان هو الحاصل من المشافهة الناشي عن ظن عدم الغفلة والخطأ، فلا يجري في حق الغائبين، وإن قلنا بشمول الخطاب لهم، وإن كان هو الحاصل من أصالة عدم القرينة فهو جار في الغائبين وإن لم يشملهم الخطاب.
ومما يمكن أن يستدل به أيضا زيادة على ما مر من إشتراك أدلة حجية الظواهر من إجماعي العلماء وأهل اللسان ما ورد في الاخبار المتواترة معنى، من الامر بالرجوع إلى الكتاب وعرض الاخبار عليه، فإن هذه الظواهر المتواترة حجة للمشافهين بها، فيشترك غير المشافهين، فيتم المطلوب، كما لا يخفى.
ومما ذكرنا تعرف النظر فيما ذكره المحقق القمي، رحمه الله، بعدما ذكر من عدم حجية ظواهر الكتاب بالنسبة إلينا بالخصوص، بقوله: (فإن قلت: إن أخبار الثقلين تدل على كون ظاهر الكتاب حجة لغير المشافهين بالخصوص.
فأجاب عنه: بأن رواية الثقلين ظاهرة في ذلك، لاحتمال كون المراد التمسك بالكتاب بعد ورود تفسيره عن الائمة، عليهم السلام، كما يقوله الاخباريون.
وحجية ظاهر رواية الثقلين بالنسبة إلينا مصادرة، إذ لا فرق بين ظواهر الكتاب والسنة في حق غير المشافهين بها).
وتوضيح النظر: أن العمدة في حجية ظواهر الكتاب غير خبر الثقلين من الاخبار المتواترة الآمرة

[71]

بإستنباط الاحكام من ظواهر الكتاب.
وهذه الاخبار تفيد القطع بعدم إرادة الاستدلال بظواهر الكتاب بعد ورود تفسيرها عن الائمة، عليهم السلام، وليست ظاهرة في ذلك حتى يكون التمسك بظاهرها لغير المشافهين بها مصادرة.
وأما خبر الثقلين، فيمكن منع ظهوره إلا في وجوب إطاعتهما وحرمة مخالفتهما، وليس في مقام إعتبار الظن الحاصل بهما في تشخيص الاطاعة والمعصية، فافهم.
ثم إن لصاحب المعالم، رحمه الله، في هذا المقام كلاما يحتمل التفصيل المتقدم، لا بأس بالاشارة إليه.
قال: - في الدليل الرابع من أدلة حجية خبر الواحد، بعد ذكر إنسداد باب العلم في غير الضروري من الاحكام، لفقد الاجماع والسنة المتواترة ووضوح كون أصل البراء‌ة لا يفيد غير الظن وكون الكتاب ظني الدلالة - ما لفظه: لا يقال: إن الحكم المستفاد من ظواهر مقطوع لا مظنون، وذلك بضميمة مقدمة خارجية، وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرف عن ذلك الظاهر.
سلمنا، ولكن ذلك ظن مخصوص، فهو من قبيل الشهادة لا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل.
لانا نقول: أحكام الكتاب كلها من قبيل خطاب المشافهة.
وقد مر أنه مخصوص بالموجودين في زمن الخطاب وأن ثبوت حكمه في حق من تأخر إنما هو بالاجماع وقضاء الضرورة بإشتراك التكليف بين الكل.
وحينئذ فمن الجائز أن يكون قد إقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلهم على إرادة خلافها.
وقد وقع ذلك في مواضع علمناها بالاجماع ونحوه، فيحتمل الاعتماد في تعريفنا لسائرها على الامارات المفيدة للظن القوي، وخبر الواحد من جملتها.
ومع قيام هذا الاحتمال ينفى القطع بالحكم.
ويستوي حينئذ الظن المستفاد من ظاهر الكتاب والحاصل من غيره بالنظر إلى إناطة التكليف به، لابتناء الفرق بينهما على كون الخطاب متوجها إلينا، وقد تبين خلافه، ولظهور إختصاص الاجماع والضرورة الدالين على المشاركة في التكليف المستفاد من ظاهر الكتاب بغير صورة وجود الخبر الجامع للشرائط الاتية المفيدة للظن)، إنتهى كلامه.

[72]

ولا يخفى: أن في كلامه، قدس سره، على إجماله وإشتباه المراد منه كما يظهر من المحشين مواقع النظر والتأمل.
ثم إنك قد عرفت: أن مناط الحجية والاعتبار في دلالة الالفاظ هو الظهور العرفي، وهو كون الكلام بحيث يحمل عرفا على ذلك المعنى ولو بواسطة القرائن المقامية المكتنفة بالكلام.
فلا فرق بين إفادته الظن بالمراد وعدمها، ولا بين وجود الظن الغير المعتبر على خلافه وعدمه، لان ما ذكرنا من الحجه على العمل بها جار في جميع الصور المذكورة.
وما ربما يظهر من العلماء من التوقف في العمل بالخبر الصحيح المخالف لفتوى المشهور أو طرحه مع إعترافهم بعدم حجية الشهرة - فليس من جهة مزاحمة الشهرة لدلالة الخبر الصحيح من عموم أو إطلاق، بل من جهة مزاحمتها للخبر من حيث الصدور، بناء على أن ما دل من الدليل على حجية الخبر الواحد من حيث السند لا يشمل المخالف للمشهور، ولذا لايتأملون في العمل بظواهر الكتاب والسنة المتواترة الصدور إذا عارضها الشهرة.
فالتأمل في الخبر المخالف للمشهور إنما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر، لا عمومه أو إطلاقه.
فلا يتأملون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص.
نعم، ربما يجري على لسان بعض متأخري المتأخرين من المعاصرين عدم الدليل على حجية الظواهر إذا لم تفد الظن او إذا حصل الظن الغير المعتبر على خلافها.
لكن الانصاف: أنه مخالف لطريقة أرباب اللسان والعلماء في كل زمان، ولذا عد بعض الاخباريين، كالاصوليين، إستصحاب حكم العام والمطلق حتى يثبت المخصص والمقيد من الاستصحابات المجمع عليها.
وهذا وإن لم يرجع إلى الاستصحاب المصطلح إلا بالتوجيه، إلا أن الغرض من الاستشهاد به بيان كون هذه القاعدة إجماعية.
وربما فصل بعض من المعاصرين تفصيلا يرجع حاصله إلى: (أن الكلام إن كان مقرونا بحال أو مقال يصلح أن يكون صارفا عن المعنى الحقيقي فلا يتمسك فيه بأصالة الحقيقة، وإن كان الشك في أصل وجود الصارف أو كان هنا أمر منفصل يصلح لكونه صارفا، فيعمل على أصالة الحقيقة).
وهذا تفصيل حسن متين، لكنه تفصيل في العمل بأصالة الحقيقة عند الشك في الصارف، لا

[73]

في حجية الظهور اللفظي، ومرجعة إلى تعيين الظهور العرفي وتمييزه عن موارد الاجمال، فإن اللفظ في القسم الاول يخرج عن الظهور إلى الاجمال بشهادة العرف.
ولذا توقف جماعة في المجاز المشهور والعام المتعقب بضمير يرجع إلى بعض أفراده والجمل المتعددة المتعقبة للاستثناء والامر والنهي الواردين في مظان الحظر أو الايجاب، إلى غير ذلك مما احتف اللفظ بحال او مقال يصلح لكونه صارفا.
ولم يتوقف أحد في عام بمجرد إحتمال دليل منفصل يحتمل كونه مخصصا له، بل ربما يعكسون الامر فيحكمون بنفي ذلك الاحتمال وإرتفاع الاجمال لاجل ظهور العام.
ولذا لو قال المولى: أكرم العلماء، ثم ورد قول آخر من المولى إنه لا تكرم زيدا، واشترك زيد بين عالم وجاهل، فلا يرفع اليد عن العموم بمجرد الاحتمال، بل يرفعون الاجمال بواسطة العموم، فيحكمون بإرادة زيد الجاهل من النهي.
وبإزاء التفصيل المذكور تفصيل آخر ضعيف، وهو: (أن إحتمال إرادة خلاف مقتضى اللفظ إن حصل من أمارة غير معتبرة فلا يصح رفع اليد عن الحقيقة، وإن حصل من دليل معتبر فلا يعمل بأصالة الحقيقة.
ومثل له بما إذا ورد في السنة المتواترة عام وورد فيها أيضا خطاب مجمل يوجب الاجمال في ذلك العام ولا يوجب الظن بالواقع.
قال -: فلا دليل على لزوم العمل بالاصل تعبدا.
ثم قال -: ولا يمكن دعوى الاجماع على لزوم العمل بأصالة الحقيقة تعبدا، فإن أكثر المحققين توقفوا في ما إذا تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح) إنتهى.
ووجه ضعفه يظهر مما ذكر، فإن التوقف في ظاهر خطاب لاجل إجمال خطاب آخر محتمل لكونه معارضا، مما لم يعهد من أحد من العلماء، بل لا يبعد ما تقدم من حمل المجمل في أحد الخطابين على المبين في الخطاب الاخر.
وأما قياس ذلك على مسألة تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح، فعلم فساده مما ذكرنا في التفصيل المتقدم، من أن الكلام المكتنف بما يصلح أن يكون صارفا قد إعتمد عليه المتكلم في إرادة خلاف الحقيقة لا يعد من الظواهر، بل من المجملات.
وكذلك المتعقب بلفظ يصلح للصارفية كالعام المتعقب بالضمير وشبهه مما تقدم.