القسم الثاني وهو الظن الذي يعمل لتشخيص الظواهر
كتشخيص أن اللفظ المفرد الفلاني، كلفظ الصعيد أو صيغة إفعل، أو أن المركب الفلاني، كالجملة الشرطية، ظاهر بحكم الوضع في المعنى الفلاني، وأن الامر الواقع عقيب الحظر ظاهر بقرينة وقوعه في مقام رفع الحظر - في مجرد رفع الحظر دون الالزام، والظن الحاصل هنا يرجع إلى الظن بالوضع اللغوي أو الانفهام العرفي، والاوفق بالقواعد عدم حجية الظن هنا، لان الثابت المتيقن هي حجية الظواهر.
وأما حجية الظن في أن هذا ظاهر، فلا دليل عليه، عدا وجوه ذكروها في إثبات جزئي من هذه المسألة.
وهي حجية قول اللغويين في الاوضاع.
فإن المشهور كونه من الظنون الخاصة التي ثبت حجيتها مع قطع النظر عن إنسداد باب العلم في الاحكام الشرعية وإن كانت الحكمة في إعتبارها إنسداد باب العلم في غالب مواردها، فإن الظاهر أن حكمة إعتبار أكثر الظنون الخاصة، كأصالة الحقيقة التقدم ذكرها وغيرها، إنسداد باب العلم في غالب مواردها من العرفيات والشرعيات.
والمراد بالظن المطلق ما ثبت إعتباره من أجل إنسداد باب العلم بخصوص الاحكام الشرعية، وبالظن الخاص ما ثبت إعتباره، لا لاجل الاضطرار إلى إعتبار مطلق الظن بعد تعذر العلم.
* * *
وكيف كان، فاستدلوا على إعتبار قول اللغويين بإتفاق العلماء بل جميع العقلاء على الرجوع إليهم في إستعلام اللغات والاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاج، ولم ينكر ذلك أحد على أحد.
وقد حكي عن السيد في بعض كلماته دعوى الاجماع على ذلك، بل ظاهر كلامه المحكي إتفاق المسلمين.
[75]
قال الفاضل السبزواري، فيما حكي عنه، في هذا المقام، ما هذا لفظه: (صحة المراجعة إلى أصحاب الصناعات البارزين في صنعتهم البارعين في فنهم فيما إختص بصناعتهم، مما إتفق عليه العقلاء في كل عصر وزمان)، إنتهى.
وفيه: أن المتيقن من هذا الاتفاق هو الرجوع إليهم مع إجتماع شرائط الشهادة من العدد و العدالة ونحو ذلك، لا مطلقا.
ألا ترى أن أكثر علمائنا على إعتبار العدالة فيمن يرجع إليه من أهل الرجال، بل وبعضهم على إعتبار العدد، والظاهر إتفاقهم على إشتراط التعدد والعدالة في أهل الخبرة في مسألة التقويم وغيرها.
هذا مع أنه لا يعرف الحقيقة عن المجاز بمجرد قول اللغوي، كما إعترف به المستدل في بعض كلماته، فلا ينفع في تشخيص الظواهر.
فالانصاف: أن الرجوع إلى أهل اللغة مع عدم إجتماع شروط الشهادة: إما في مقامات يحصل العلم فيها بالمستعمل فيه من مجرد ذكر لغوي واحد أو أزيد له على وجه يعلم كونه من المسلمات عند أهل اللغة، كما قد يحصل العلم بالمسألة الفقهية من إرسال جماعة لها إرسال المسلمات، وإما في مقامات يتسامح فيها، لعدم التكليف الشرعي بتحصيل العلم بالمعنى اللغوي، كما إذا أريد تفسير خطبة أو رواية لا تتعلق بتكليف شرعي، وإما في مقام إنسد فيه طريق العلم ولا بد من العمل، فيعمل بالظن بالحكم الشرعي المستند بقول أهل اللغة.
ولا يتوهم: (أن طرح قول اللغوي الغير المفيد للعلم في ألفاظ الكتاب والسنة مستلزم لانسداد طريق الاستنباط في غالب الاحكام.
لاندفاع ذلك: بأن أكثر مواد اللغات إلا ما شذ وندر - كلفظ الصعيد ونحوه - معلوم من العرف و اللغة، كما لا يخفى.
والمتبع في الهيئآت هي القواعد العربية المستفادة من الاستقراء القطعي، وإتفاق أهل العربية أو التبادر بضميمة أصالة عدم القرنية، فإنه قد يثبت به الوضع الاصلي الموجود في الحقائق، كما في صيغه (إفعل) أو الجملة الشرطية أو الوصفية.
ومن هنا يتمسكون في إثبات مفهوم الوصف بفهم أبي عبيدة في حديث: (لي الواجد)، و نحوه غيره من موارد الاستشهاد - بفهم أهل اللسان.
وقد يثبت به الوضع بالمعنى الاعم الثابت في المجازات المكتنفة بالقرائن المقامية، كما يدعى أن الامر عقيب الحظر بنفسه مجردا عن القرينة يتبادر
[76]
منه مجرد رفع الحظر دون الايجاب والالزام.
وإحتمال كونه لاجل قرينة خاصة يدفع بالاصل، فيثبت به كونه لاجل القرينة العامة، وهي الوقوع في مقام رفع الحظر، فيثبت بذلك ظهور ثانوي لصيغة (إفعل) بواسطة القرينة الكلية.
وبالجملة، فالحاجة إلى قول اللغوي الذي لا يحصل العلم بقوله، لقلة مواردها، لا تصلح سببا للحكم بإعتباره لاجل الحاجة.
نعم سيجئ أن كل من عمل بالظن في مطلق الاحكام الشرعية الفرعية يلزمه العمل بالحكم الناشي من الظن بقول اللغوي، لكنه لا يحتاج إلى دعوى إنسداد باب العلم في اللغات، بل العبرة عنده بإنسداد باب العلم في معظم الاحكام.
فإنه يوجب الرجوع إلى الظن بالحكم الحاصل من الظن باللغة وإن فرض إنفتاح باب العلم فيما عدا هذا المورد من اللغات، وسيتضح هذا زيادة على هذا إن شاء الله، هذا.
ولكن الانصاف: أن مورد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الافراد المشكوكة أو خروجها وإن كان المعنى في الجملة معلوما من دون مراجعة قول اللغوي، كما في ألفاظ الوطن، والمفازة، والتمر، والفاكهة، والكنز، والمعدن، والغوص، وغير ذلك من متعلقات الاحكام مما لا يحصى، وإن لم تكن الكثرة بحيث يوجب التوقف فيها محذورا.
ولعل هذا المقدار مع الاتفاقات المستفيضة كاف في المطلب، فتأمل.
[77]
ومن جملة الظنون الخارجة عن الاصل الاجماع المنقول بخبر الواحد عند كثير ممن يقول بإعتبار الخبر بالخصوص، نظرا إلى أنه أفراده، فيشمله أدلته، والمقصود من ذكره هنا، مقدما على بيان الحال في الاخبار، هو التعرض للملازمة بين حجية الخبر وحجيته، فنقول: إن ظاهر أكثر القائلين بإعتباره بالخصوص أن الدليل عليه هو الدليل على حجية خبر العادل.
فهو عندهم كخبر صحيح عالي السند، لان مدعي الاجماع يحكي مدلوله ويرويه عن الامام، عليه السلام، بلا واسطة.
ويدخل الاجماع ما يدخل لاخبر من الاقسام ويلحقه مايلحقه من الاحكام.
والذي يقوى في النظر هو عدم الملازمة بين حجية الخبر وحجية الاجماع المنقول، وتوضيح ذلك يحصل بتقديم أمرين: [ الامر ] الاول إن الادلة الخاصة التي أقاموها على حجية خبر العادل لا تدل إلا على حجية الاخبار عن حس، لان العمدة من تلك الادلة هو الاتفاق الحاصل من عمل القدماء وأصحاب الائمة، عليهم السلام، ومعلوم عدم شمولها إلا للرواية المصطلحة.وكذلك الاخبار الواردة في العمل بالروايات.
اللهم إلا أن يدعى أن المناط في وجوب العمل بالروايات هو كشفها عن الحكم الصادر عن المعصوم.
ولا يعتبر في ذلك حكاية ألفاظ الامام، عليه السلام، ولذا يجوز النقل بالمعنى.
فإذا كان المناط كشف الروايات عن صدور معناها عن الامام، عليه السلام، ولو بلفظ آخر
[78]
والمفروض أن حكاية الاجماع أيضا حكاية حكم صادر عن المعصوم، عليه السلام، بهذه العبارة التي هي معقد الاجماع أو بعبارة أخرى - وجب العمل به.
لكن هذا المناط لو ثبت دل على حجية الشهرة بل فتوى الفقيه إذا كشف عن صدور الحكم بعبارة الفتوى أو بعبارة غيرها.
كما عمل بفتاوى علي بن بابويه، قدس سره، لتنزيل فتواه منزلة روايته، بل على حجية مطلق الظن بالحكم الصادر عن الامام، عليه السلام، وسيجئ توضيح الحال إن شاء الله.
وأما الايات، فالعمدة فيها من حيث وضوح الدلالة هي آية النبأ.
وهي إنما تدل على وجوب قبول خبر العادل دون خبر الفاسق.
والظاهر منها - بقرينة التفصيل بين العادل حين الاخبار والفاسق، وبقرينة تعليل إختصاص التبين بخبر الفاسق بقيام إحتمال الوقوع في الندم إحتمالا مساويا، لان الفاسق لا رادع له عن الكذب هو عدم الاعتناء بإحتمال تعمد كذبه، لا وجوب البناء على إصابته وعدم خطائه في حدسه، لان الفسق والعدالة حين الاخبار لا يصلح مناطا لتصويب المخبر وتخطئته بالنسبة إلى حدسه.
وكذا إحتمال الوقوع في الندم من جهة الخطأ في الحدس أمر مشترك بين العادل والفاسق، فلا يصلح لتعليل الفرق به.
فعلمنا من ذلك أن المقصود من الاية إرادة نفي إحتمال تعمد الكذب عن العادل حين الاخبار دون الفاسق، لان هذا هو الذي يصلح لاناطته بالفسق والعدالة حين الاخبار.
ومنه تبين عدم دلالة الاية على قبول الشهادة الحدسية إذا قلنا بدلالة الاية على إعتبار شهادة العدل.
فان قلت: إن مجرد دلالة الاية على ما ذكر لا يوجب قبول الخبر لبقاء إحتمال خطأ العادل فيما أخبر وإن لم يتعمد الكذب، فيجب التبين في خبر العادل أيضا، لاحتمال خطائه وسهوه.
وهو خلاف الاية المفصلة بين العادل والفاسق.
غاية الامر وجوبه في خبر الفاسق من جهتين وفي العادل من جهة واحدة.
قلت: إذا ثبت بالاية عدم جواز الاعتناء بإحتمال تعمد كذبه ينفى إحتمال خطائه وغفلته و إشتباهه بأصالة عدم الخطأ في الحس.وهذا أصل عليه إطباق العقلاء والعلماء في جميع الموارد.
نعم لو كان المخبر ممن يكثر عليه الخطأ والاشتباه لم يعبأ بخبره، لعدم جريان أصالة عدم الخطأ والاشتباه.
ولذا يعتبرون في الشاهد والراوي الضبط، وإن كان ربما يتوهم الجاهل ثبوت ذلك من الاجماع.
إلا أن المنصف يشهد بأن إعتبار هذا في جميع موارده ليس لدليل خارجي مخصص لعموم آية
[79]
النبأ ونحوها مما دل على وجوب قبول قول العادل، بل لما ذكرنا من أن المراد بوجوب قبول قول العادل رفع التهمة عنه من جهة إحتمال تعمده الكذب، لا تصويبه وعدم تخطئته أو غفلته.
ويؤيد ما ذكرنا أنه لم يستدل أحد من العلماء على حجية فتوى الفقيه على العامي بآية النبأ، مع إستدلالهم عليها بآيتي النفر السؤال.
والظاهر أن ما ذكرنا من عدم دلالة الاية وأمثالها من أدلة قبول قول العادل على وجوب تصويبه في الاعتقاد - هو الوجه فيما ذهب إليه المعظم، بل أطبقوا عليه، كما في الرياض، من عدم إعتبار الشهادة في المحسوسات إذا لم تستند إلى الحس وإن علله في الرياض بما لا يخلو عن نظر، من أن الشهاده من الشهود وهو الحضور.
فالحس مأخوذ في مفهومها.
والحاصل: أنه لا ينبغي الاشكال في أن الاخبار عن حدس وإجتهاد ونظر ليس حجة إلا على من وجب عليه تقليد المخبر في الاحكام الشرعية وأن الاية ليست عامة لكل خبر ودعوى، خرج ما خرج.
فإن قلت: فعلى هذا إذا أخبر الفاسق بخبر يعلم بعدم تعمده للكذب فيه تقبل شهادته فيه، لان إحتمال تعمده للكذب منتف بالفرض، وإحتمال غفلته وخطائه منفي بالاصل المجمع عليه، مع أنشهادته مردودة إجماعا.
قلت: ليس المراد مما ذكرنا عدم قابلية العدالة والفسق لاناطة الحكم بهما وجودا وعدما تعبدا، كما في الشهادة والفتوى ونحوهما.
بل المراد أن الاية المذكورة لا تدل إلا على مانعية الفسق من حيث قيام إحتمال تعمد الكذب معه، فيكون مفهومها عدم المانع في العادل من هذه الجهة، فلا يدل على وجوب قبول خبر العادل إذا لم يمكن نفي خطائه بأصالة عدم الخطأ المختصة بالاخبار الحسية.
فالاية لا تدل أيضا على إشتراط العدالة ومانعية الفسق في صورة العلم بعدم تعمد الكذب، بل لا بد له من دليل آخر، فتأمل.
الامر الثاني أن الاجماع في مصطلح الخاصة بل العامة، الذين هم الاصل له وهو الاصل لهم، هو إتفاق جميع العلماء في عصر، كما ينادي بذلك تعريفات كثير من الفريقين.
قال في التهذيب: (الاجماع هو إتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله
[80]
عليه وآله).
وقال صاحب غاية البادي في شرح المبادي، الذي هو أحد علمائنا المعاصرين للعلامة، قدس سره: (الاجماع في إصطلاح فقهاء أهل البيت، عليهم السلام، هو إتفاق أمة محمد، صلى الله عليه وآله، على وجه يشتمل على قول المعصوم)، إنتهى.
وقال في المعالم: (الاجماع في الاصطلاح إتفاق خاص، وهو إتفاق من يعتبر قوله من الامة)، إنتى.
وكذا غيرها من العبارات المصرحة بذلك في تعريف الاجماع وغيرها من المقامات، كما تراهم يعتذرون كثيرا عن وجود المخالف بإنقراض عصره.
ثم إنه لما كان وجه حجية الاجماع عند الامامية إشتماله على قول الامام، عليه السلام، كانت الحجية دائرة مدار وجوده، عليه السلام، في كل جماعة هو أحدهم، ولذا قال السيد المرتضى: (إذا كان علة كون الاجماع حجة كون الامام فيهم، فكل جماعة كثرت أو قلت، كان قول الامام في أقوالها، فإجماعها حجة، وإن خلاف الواحد والاثنين إذا كان الامام أحدهما قطعا أو تجويزا يقتضي عدم الاعتداد بقول الباقين وإن كثر، وإن الاجماع بعد الخلاف كالمبتدأ في الحجيه)، إنتهى.
وقال المحقق في المعتبر، بعد إناطة حجية الاجماع بدخول قول الامام عليه السلام: (إنه لو خلا المائة من فقهائنا من قوله لم يكن قولهم حجة، ولو حصل في إثنين كان قولهما حجة)، إنتهى.
وقال العلامة، رحمه الله، بعد قوله إن الاجماع عندنا حجة لاشتماله على قول المعصوم -: (وكل جماعة قلت أو كثرت كان قول الامام عليه السلام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لاجله، لا لاجل الاجماع)، إنتهى.
هذا، ولكن لا يلزم من كونه حجة تسميته إجماعا في الاصطلاح، كما أنه ليس كل خبر جماعة يفيد العلم متواترا في الاصطلاح.
وأما ما إشتهر بينهم من أنه لا يقدح خروج معلوم النسب، واحدا أو أكثر، فالمراد أنه لا يقدح في حجية إتفاق الباقي، لا في تسميته إجماعا، كما علم من فرض المحقق،
[81]
قدس سره، الامام عليه السلام في إثنين.
نعم، ظاهر كلمات جماعة يوهم تسميته إجماعا في الاصطلاح حيث تراهم يدعون الاجماع في مسألة، ثم يعتذرون عن وجود المخالف بأنه معلوم النسب.
لكن التأمل الصادق يشهد بأن الغرض الاعتذار عن قدح المخالف في الحجية لا في التسمية.
نعم يمكن أن يقال: إنهم قد تسامحوا في إطلاق الاجماع على إتفاق الجماعة التي علم دخول الامام عليه السلام فيها، لوجود مناط الحجية فيه وكون وجود المخالف غير مؤثر شيئا، وقد شاع هذا التسامح بحث كاد أن ينقلب إصطلاح الخاصة عما وافق إصطلاح العامة إلى ما يعم إتفاق طائفة من الامامية، كما يعرف من أدنى تتبع لموارد الاستدلال.
بل إطلاق لفظ الاجماع بقول مطلق على إجماع الامامية فقط، مع أنهم بعض الامة لا كلهم، ليس إلا لاجل المسامحة، من جهة أن وجود المخالف كعدمه من حيث مناط الحجية.
وعلى أي تقدير فظاهر إطلاقهم إرادة دخول قول الامام، عليه السلام، في أقوال المجمعين بحيث يكون دلالته عليه بالتضمن.
فيكون الاخبار عن الاجماع إخبارا عن قول الامام عليه السلام.
وهذا هو الذي يدل عليه كلام المفيد والمرتضى وإبن زهرة والمحقق والعلامة والشهيدين ومن تأخر عنهم.
وأما إتفاق من عدا الامام عليه السلام - بحيث يكشف عن صدور الحكم عن الامام، عليه السلام، بقاعدة اللطف كما عن الشيخ، رحمه الله، أو التقرير كما عن بعض المتأخرين، أو بحكم العادة القاضية بإستحالة توافقهم على الخطأ مع كمال بذل الوسع في فهم الحكم الصادر عن الامام عليه السلام - فهذا ليس إجماعا إصطلاحيا إلا أن ينضم قول الامام عليه السلام المكشوف عنه بإتفاق هؤلاء إلى أقوالهم، فيسمى المجموع إجماعا، بناء على ما تقدم من المسامحة في تسمية إتفاق جماعة مشتمل على قول الامام عليه السلم إجماعا وإن خرج عنه الكثر أو الاكثر.
فالدليل في الحقيقة هو إتفاق من عدا الامام (ع)، والمدلول الحكم الصادر عنه عليه السلام نظير كلام الامام (ع) ومعناه.
فالنكتة في التعبير عن الدليل بالاجماع - مع توقفه على ملاحظة إنضمام مذهب الامام، عليه السلام، الذي هو المدلول إلى الكاشف عنه وتسمية المجموع دليلا - هو التحفظ على ما جرت سيرة أهل الفن، من إرجاع كل دليل إلى أحد الادلة المعروفة بين الفريقين، أعني الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
ففي إطلاق الاجماع على هذا مسامحة في مسامحة، وحاصل المسامحتين إطلاق الاجماع على إتفاق
[82]
طائفه يستحيل بحكم العادة خطأهم وعدم وصولهم إلى حكم الامام عليه السلام.
والاطلاع على تعريفات الفريقين وإستدلالات الخاصة وأكثر العامة على حجية الاجماع يوجب القطع بخروج هذا الاطلاق عن المصطلح وبنائه على المسامحة لتنزيل وجود من خرج عن هذا الاتفاق منزلة عدمه.
كما عرفت من السيد والفاضلين، قدست أسرارهم، من أن كل جماعة قلت أو كثرت علم دخول قول الامام، عليه السلام، فيهم، فإجماعهم حجة.
ويكفيك في هذا ما سيجئ من المحقق الثاني في تعليق الشرائع من: (دعوى الاجماع على أن خروج الواحد من علماء العصر قادح في إنعقاد الاجماع)، مضافا إلى ما عرفت من إطباق الفريقين على تعريف الاجماع بإتفاق الكل.
ثم إن المسامحة من الجهة الاولى أو الثانية في إطلاق لفظ الاجماع على هذا من دون قرينة لا ضير فيها، لان العبرة في الاستدلال بحصول العلم من الدليل للمستدل.
نعم لو كان نقل الاجماع المصطلح حجة عند الكل كان إخفاء القرينة في الكلام الذي هو المرجع للغير تدليسا.
أما لو لم يكن نقل الاجماع حجة أو كان نقل مطلق الدليل القطعي حجة لم يلزم تدليس أصلا.
ويظهر من ذلك ما في كلام صاحب المعالم، رحمه الله، حيث أنه بعد أن ذكر أن حجية الاجماع إنما هي لاشتماله على قول المعصوم واستنهض بكلام المحقق الذي تقدم واستجوده، قال: (والعجب من غفلة جمع من الاصحاب عن هذا الاصل وتساهلهم في دعوى الاجماع عند إحتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن إتفاقهم جماعة من الاصحاب، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من دون نصب قرينة جلية ولا دليل لهم على الحجية يعتد به) إنتهى.
وقد عرفت أن مساهلتهم وتسامحهم في محله، بعدما كان مناط حجية الاجماع الاصطلاحي موجودا في إتفاق جماعة من الاصحاب وعدم تعبيرهم عن هذا الاتفاق بغير لفظ الاجماع، لما عرفت من التحفظ على عناوين الادلة المعروفة بين الفريقين.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إن الحاكي للاتفاق قد ينقل الاجماع بقول مطلق أو مضافا إلى المسلمين أو الشيعة أو أهل الحق أو غير ذلك مما يمكن أن يراد به دخول الامام عليه السلام في المجمعين، وقد ينقله مضافا إلى من عدا الامام، عليه السلام.
كقوله: أجمع علماؤنا أو أصحابنا أو
[83]
فقهاؤنا أو فقهاء أهل البيت، عليهم السلام، فإن ظاهر ذلك من عدا الامام عليه السلام، وإن كان إرادة العموم محتملة بمقتضى المعنى اللغوي.
لكنه مرجوح، فإن أضاف الاجماع إلى من عدا الامام عليه السلم فلا إشكال في عدم حجية نقله، لانه لم ينقل حجة وإن فرض حصول العلم للناقل بصدور الحكم عن الامام عليه السلام من جهة هذا الاتفاق إلا أنه إنما نقل سبب العلم ولم ينقل المعلوم وهو قول الامام عليه السلام حتى يدخل في نقل الحجة وحكاية السنة بخبر الواحد.
نعم، لو فرض أن السبب المنقول مما يستلزم عادة موافقة قول الامام، عليه السلام، أو وجود دليل ظني معتبر حتى بالنسبة إلينا، أمكن إثبات ذلك السبب المحسوس بخبر العادل والانتقال منه إلى لازمه.
لكن سيجئ بيان الاشكال في تحقق ذلك.
وفي حكم الاجماع المضاف إلى من عدا الامام، عليه السلام، الاجماع المطلق المذكور في مقابل الخلاف.
كما يقال: خرء الحيوان الغير المأكول غير الطير نجس إجماعا.
وإنما إختلفوا في خرء الطير.
أو يقال: إن محل الخلاف هو كذا.
وأما كذا فحكمه كذا إجماعا، فإن معناه في مثل هذا كونه قولا واحدا.
وأضعف مما ذكر نقل عدم الخلاف وأن ظاهر الاصحاب أو قضية المذهب وشبه ذلك.
وإن أطلق الاجماع أو أضافه على وجه يظهر منه إرادة المعنى المصطلح المتقدم ولو مسامحة، لتنزيل وجود المخالف منزلة العدم، لعدم قدحه في الحجية، فظاهطر الحكاية كونها حكاية للسنة، اعني حكم الامام، عليه السلام، لما عرفت من أن الاجماإع الاصطلاحي متضمن لقول الامام عليه السلام فيدخل في الخبر والحديث.
إلا أن مستند علم الحاكي بقول الامام، عليه السلام، أحد أمور: أحدها الحس، كما إذا سمع الحكم من الامام، عليه السلام، في جملة جماعة لا يعرف أعيانهم فيحصل له العلم بقول الامام عليه السلام.
وهذا في غاية القلة، بل نعلم أنه لم يتفق لاحد من هؤلاء الحاكين للاجماع، كالشيخين والسيدين وغيرهما.
ولذا صرح الشيخ في العدة، في مقام الرد على السيد حيث أنكر الاجماع من باب وجوب اللطف، بأنه لولا قاعدة اللطف لم يمكن التوصل إلى معرفة موافقة الامام للمجمعين.
الثاني قاعدة اللطف، على ما ذكره الشيخ في العدة وحكي القول به عن غيره من المتقدمين.
[84]
ولا يخفى أن الاستناد إليه غير صحيح، على ما ذكره في محله.
فإذا علم إستناده الحاكي إليه فلا وجه للاعتماد على حكايته.
والفروض أن إجماعات الشيخ كلها مستندة إلى هذه القاعدة، لما عرفت من كلامه المتقدم عن العدة وستعرف منها ومن غيرها من كتبه.
فدعوى مشاركته للسيد، قدس سره -، في إستكشاف قول الامام، عليه السلام، من تتبع أقوال الامة وإختصاصه بطريق آخر مبني على وجوب قاعدة اللطف - غير ثابتة، وإن إدعاها بعض، فإنه، قدس سره، قال في العدة، - في حكم ما إذا إختلفت الامامية على قولين يكون أحد القولين قول الامام، عليه السلام، على وجه لا يعرف بنفسه، والباقون كلهم على خلافه -: (إنه متى إتفق ذلك، فإن كان على القول الذي إنفرد به الامام، عليه السلام، دليل من كتاب أو سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور ولا الدلالة على ذلك، لان الموجود من الدليل كاف في إزاحة التكليف، ومتى لم يكن عليه دليل وجب عليه الظهور أو إظهار من يبين الحق في تلك المسألة - إلى أن قال -: وذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوي أخيرا: (أنه يجوز أن يكون الحق عند الامام، عليه السلام، والاقوال الاخر كلها باطلة.
ولا يجب عليه الظهور، لانا إذا كنا نحن السبب في إستتاره، فكل ما يفوتنا من الانتفاع به وبما معه من الاحكام يكون قد فاتنا من قبل أنفسنا، ولو أزلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وأدى إلينا الحق الذي كان عنده).
قال: (وهذا عندي غير صحيح، لانه يؤدي إلى أن لا يصح الاحتجاج بإجماع الطائفة أصلا، لانا لا نعلم دخول الامام، عليه السلام، فيها إلا بالاعتبار الذي بيناه، ومتى جوزنا إنفراده بالقول وأنه لا يجب ظهوره منع ذلك من الاحتجاج بالاجماع)، إنتهى كلامه.
وذكر في موضع آخر من العدة: (إن هذه الطريقة - يعني طريقة السيد المتقدمة - غير مرضية عندي، لانها تؤدي إلى أن لا يستدل بإجماع الطائفة أصلا، لجواز أن يكون قول الامام، عليه السلام مخالفا لها، ومع ذلك لا يجب عليه إظهار ما عنده) إنتهى.
[85]
وأصرح من ذلك في إنحصار طريق الاجماع، عند الشيخ، فيما ذكره من قاعدة اللطف، ما حكي عن بعض أنه حكاه عن كتاب التهذيب [ التمهيد ] للشيخ: (أن سيدنا المرتضى، قدس سره، كان يذكر كثيرا أنه لا يمتنع أن يكون هنا أمور كثيرة غير واصلة إلينا علمها مودع عند الامام عليه السلام وإن كتمها الناقلون، ولا يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق - إلى أن قال -: وقد إعترضنا على هذا في كتاب العدة في أصول الفقه وقلنا: هذا الجواب صحيح لولا ما نستدل في أكثر الاحكام على صحته بإجماع الفرقة.
فمتى جوزنا أن يكون قول الامام، عليه السلام، خلافا لقولهم ولا يجب ظهوره، جاز لقائل أن يقول: ما أنكرتم أن يكون قول الامام (ع) خارجا عن قول من تظاهر بالامامة ومع هذا لا يجب عليه الظهور، لانهم أتوا من قبل أنفسهم، فلا يمكننا الاحتجاج بإجماعهم أصلا)، إنتهى.
فإن صريح هذا الكلام أن القادح في طريقة السيد منحصر في إستلزامها رفع التمسك بالاجماع، ولا قادح فيها سوى ذلك، ولذا صرح في كتاب الغيبة بأنها قوية تقتضيها الاصول.
فلو كان لمعرفة الاجماع وجواز الاستدلال به طريق آخر غير قاعدة وجوب إظهار الحق عليه لم يبق ما يقدح في طريقة السيد، لاعتراف الشيخ بصحتها لولا كونها مانعة عن الاستدلال بالاجماع.
ثم إن الاستناد إلى هذا الوجه ظاهر من كل من إشترط في تحقق الاجماع عدم مخالفة أحد من علماء العصر، كفخر الدين والشهيد والمحقق الثاني.
قال في الايضاح في مسألة ما يدخل في المبيع: (إن من عادة المجتهد: إذا تغير إجتهاده إلى التردد أو الحكم بخلاف ما اختاره أولا، لم يبطل ذكر الحكم الاول، بل يذكر ما أدى إليه إجتهاده ثانيا في موضع آخر، لبيان عدم إنعقاد إجماع أهل عصر الاجتهاد الاول على خلافه، وعدم إنعقاد إجماع أهل العصل الثاني على كل واحد منهما.
وأنه لم يحصل في الاجتهاد الثاني مبطل للاول، بل معارض لدليله مساو له)، إنتهى.
وقد أكثر في الايضاح من عدم الاعتبار بالخلاف لانقراض عصر المخالف.
[86]
وظاهره الانطباق على هذه الطريقة، كما لا يخفى.
وقال في الذكرى: (ظاهر العلماء المنع عن العمل بقول الميت محتجين بأنه لا قول للميت، ولهذا ينعقد الاجماع على خلافه ميتا).
واستدل المحقق الثاني في حاشية الشرائع: (على أنه لا قول للميت، بالاجماع على أن خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع من إنعقاد الاجماع إعتدادا بقوله وإعتبارا بخلافه.
فإذا مات وانحصر أهل العصر في المخالفين له إنعقد وصار قوله غير منظور إليه ولا يعتد به)، إنتهى.
وحكي عن بعض أنه حكى عن المحقق الداماد أنه، قدس سره قال في بعض كلام له، في تفسير النعمة الباطنة: (إن من فوائد الامام - عجل الله فرجه - أن يكون مستندا لحجية إجماع أهل الحل والعقد من العلماء على حكم من الاحكام إجماعا بسيطا في أحكامهم الاجماعية وحجية إجماعهم المركب في أحكامهم الخلافية، فإنه - عجل الله فرجه - لا ينفرد بقول، بل من الرحمة الواجبة في الحكمة الالهية أن يكون في المجتهدين المختلفين في المسألة المختلف فيها من علماء العصر من يوافق رأيه رأي إمام عصره وصاحب أمره ويطابق قوله قوله وإن لم يكن ممن نعلمه بعينه ونعرفه بشخصه)، إنتهى.
وكأنه لاجل مراعاة هذا الطريقة إلتجا الشهيد في الذكرى إلى توجيه الاجماعات التي إدعاها جماعة في المسائل الخلافية مع وجود المخالف فيها بإرادة غير المعنى الاصطلاحي من الوجوه التي حكاها عنه في المعالم.
ولو جامع الاجماع وجود الخلاف ولو من معلوم النسب لم يكن داع إلى التوجيهات المذكورة مع بعدها أو أكثرها.
الثالث من طرق إنكشاف قول الامام عليه السلام لمدعى الاجماع الحدس.
وهذا على وجهين: أحدهما: أن يحصل له ذلك من طريق لو علمنا به ما خطأناه في إستكشافه.
وهذا على وجهين، أحدهما: أن يحصل له الحدس الضروري من مباد محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحس، فيكون بحيث لو حصل لنا تلك الاخبار لحصل لنا العلم كما حصل له.
ثانيهما: أن يحصل الحدس له من إخبار جماعة إتفق له العلم بعدم إجتماعهم على الخطأ، لكن ليس إخبارهم ملزوما
[87]
عادة للمطابقة لقول الامام، عليه السلام، بحيث لو حصل لنا علمنا بالمطابقة أيضا.
الثاني: أن يحصل ذلك من مقدمات نظرية وإجتهادات كثيرة الخطأ، بل علمنا بخطأ بعضها في موارد كثيرة من نقلة الاجماع، علمنا ذلك منهم بتصريحاتهم في موارد، واستظهرنا ذلك منهم في موارد أخر، وسيجئ جملة منها.
* * *
إذا عرفت أن مستند خبر المخبر بالاجماع المتضمن للاخبار من الامام، عليه السلام، لا يخلو من الامور الثلاثة المتقدمة - وهي السماع عن الامام مع عدم معرفته بعينه، وإستكشاد قوله من قاعدة اللطف، وحصول العلم من الحدس، وظهر لك أن الاول هنا غير متحقق عادة لاحد من علمائنتا المدعين للاجماع، وأن الثاني ليس طريقا للعلم - فلا يسمع دعوى من إستند إليه، فلم يبق مما يصلح أن يكون المستند في الاجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها إلا الحدس.
وعرفت أن الحدس قد يستند إلى مباد محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الامام، عليه السلام، نظير العلم الحاصل من الحواس الظاهرة، ونظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة والشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة أو إلى مباد محسوسة موجبة لعلم المدعي بمطابقة قول الامام، عليه السلام، من دون ملازمه عادية، وقد يستند إلى إجتهادات وأنظار.
وحيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الاخير من الحدس، بل ولا المستند إلى الوجه الثاني، ولم يكن هناك ما يعلم به كون الاخبار مستندا إلى القسم الاول من الحدس، وجب التوقف في العمل بنقل الاجماع، كسائر الاخبار المعلوم إستنادها إلى الحدس المردد بين الوجوه المذكورة.
فإن قلت: ظاهر لفظ الاجماع إتفاق الكل، فإذا أخبر الشخص بالاجماع فقد أخبر بإتفاق الكل، ومن المعلوم أن حصول العلم بالحكم من إتفاق الكل كالضروري، فحدس المخبر مستند إلى مباد محسوسة ملزومة لمطابقة قول الامام، عليه السلام، عادة.
فإما أن يجعل الحجة نفس ما استفاده من الاتفاق، نظير الاخبار بالعدالة، وإما أن يجعل الحجة إخباره بنفس الاتفاق المستلزم عادة لقول الامام، عليه السلام، ويكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا، نظير إخبار الشخص بأمور تستلزم العدالة أو الشجاعة عادة.
وقد أشار إلى الوجهين بعض السادة الاجلة في شرحه على الوافية، فإنه قدس سره، لما إعترض على نفسه: ب (أن المعتبر من الاخبار ما إستند إلى إحدى
[88]
الحواس، والمخبر بالاجماع إنما رجع إلى بذل الجهد، ومجرد الشك في دخول مثل ذلك في الخبر يقتضي منعه).
أجاب عن ذلك: بأن المخبر هنا أيضا يرجع إلى السمع فيما يخبر عن العلماء وإن جاء العلم بمقالة المعصوم من مراعاة أمر آخر، كوجوب اللطف وغيره.
ثم أورد: بأن المدار في حجية الاجماع على مقالة المعصوم عليه السلام.
فالاخبار إنما هو بها ولا يرجع إلى سمع.
فأجاب عن ذلك: أولا، بأن مدار الحجية وإن كان ذلك، لكن إستلزام إتفاق كلمة العلماء لمقالة المعصوم عليه السلام معلوم لكل أحد، لا يحتاج فيه إلى النقل.
و إنما الغرض من النقل ثبوت الاتفاق.
فبعد إعتبار خبر الناقل لوثاقته ورجوعه في حكاية الاتفاق إلى الحس والسماع كان الاتفاق معلوما، ومتى ثبت ذلك كشف عن مقالة المعصوم للملازمة المعلومة لكل أحد.
وثانيا، أن الرجوع في حكاية الاجماع إلى نقل مقالة المعصوم لرجوع الناقل في ذلك إلى الحس، بإعتبار أن الاتفاق من آثاره.
ولا كلام في إعتبار مثل ذلك، كما في الاخبار بالايمان والفسق والشجاعة والكرم وغيرها من الملكات.
وإنما لا يرجع إلى الاخبار في العقليات المحضة، فإنه لا يعول عليها، وإن جاء بها ألف من الثقات حتى يدرك مثل ما أدركوا.
ثم أورد على ذلك: بأنه يلزم من ذلك الرجوع إلى المجتهد، لانه وإن لم يرجع إلى الحس في نفس الاحكام إلا أنه رجع في لوازمها وآثارها إليه، وهي أدلتها السمعية، فيكون رواية، فلم لا يقبل إذا جاء به الثقة.
وأجاب: بأنه إنما يكفي الرجوع إلى الحس في الآثار إذا كانت الآثار مستلزمة له عادة، وبالجملة إذا أفادت اليقين، كما في آثار الملكات وآثار مقالة الرئيس، وهي مقالة رعيته.
وهذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدليل على الحكم.
ثم قال: على أن التحقيق في الجواب عن السؤال الاول هو الوجه الاول، و عليه فلا أثر لهذا السوال)، إنتهى.
[89]
قلت إن الظاهر من الاجماع إتفاق أهل عصر واحد، لا جميع الاعصار، كما يظهر من تعاريفهم وسائر كلماتهم.
ومن المعلوم أن إجماع أهل عصر واحد مع قطع النظرعن موافقة أهالي الاعصار المتقدمة ومخالفتهم، لا يوجب عن طريق الحدس العلم الضروري بصدور الحكم عن الامام، عليه السلام، ولذا قد يتخلف، لاحتمال مخالفة من تقدم عليهم أن أكثرهم.
نعم يفيد العلم من باب وجوب اللطف الذي لا نقول بجريانه في المقام، كما قرر في محله.
مع أن علماء العصر إذا كثروا، كما في الاعصار السابقة، يتعذر أو يتعسر الاطلاع عليهم حسا بحيث يقطع مع سواهم في العصر، إلا إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الاحاطة بآرائهم في المسألة فيدعى الاجماع، إلا أن مثل هذا الامر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم عليه السلام.
فالمحسوس المستلزم عادة لقول الامام عليه السلام مستحيل التحقق للناقل، والممكن التحقق له غير مسلتزم عادة.
وكيف كان، فإذا إدعى الناقل الاجماع، خصوصا إذا كان ظاهره إتفاق جميع علماء الاعصار أو أكثرهم إلا من شذ - كما هو الغالب في إجماعات مثل الفاضلين والشهيدين - إنحصر محمله في وجوه: أحدهما: أن يراد به إتفاق المعروفين بالفتوى دون كل قابل للفتوى من أهل عصره أو مطلقا.
الثاني: أن يراد إجماع الكل.
ويستفيد ذلك من إتفاق المعروفين من أهل عصره.
وهذه الاستفادة ليست ضرورية وإن كانت قد تحصل، لان إتفاق أهل عصره، فضلا عن المعروفين منهم، لا يستلزم عادة إتفاق غيرهم ومن قبلهم، خصوصا بعد ملاحظة التخلف في كثير من الموارد، لا يسع هذا الرسالة لذكر معشارها.
ولو فرض حصوله للمخبر كان من باب الحدس الحاصل عما لا يوجب العلم عادة.
نعم هي إمارة ظنية على ذلك، لان الغالب في الاتفاقيات عند أهل عصر كونه من الاتفاقيات عند من تقدمهم.
وقد يحصل العلم بضميمة أمارات أخر، لكن الكلام في كونه الاتفاق مستندا إلى الحس أو إلى حدس لازم عادة للحس.
وألحق بذلك ما إذا علم إتفاق الكل من إتفاق جماعة، لحسن ظنه بهم، كما ذكره في أوائل المعتبر حيث قال: (ومن المقلدة من لو طالبته بدليل المسألة إدعى الاجماع، لوجوده في كتب الثلاثة قدست أسرارهم.
وهو جهل إن لم يكن تجاهلا).
[90]
فإن في توصيف المدعي بكونه مقلدا، مع أنا نعلم أنه لا يدعي الاجماع إلا عن علم، إشارة إلى إستناده في دعواه إلى حسن الظن بهم وأن جزمه في غير محله، فافهم.
الثالث: أن يستفيد إتفاق الكل على الفتوى من إتفاقهم على العمل بالاصل عند عدم الدليل، أو بعموم دليل عند عدم وجدان المخصص، أو بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض، أو إتفاقهم على مسألة أصولية نقلية أو عقليه يستلزم القول بها الحكم في المسألة المفروضة، وغير ذلك من الامور المتفق عليها التي يلزم بإعتقاد المدعي من القول بها، مع فرض عدم المعارض، القول بالحكم المعين في المسالة.
ومن المعلوم: أن نسبة هذا الحكم إلى العلماء في مثل ذلك لم تنشأ إلا من مقدمتين أثبتهما المدعي بإجتهاده: إحداهما كون ذلك الامر المتفق عليه مقتضيا ودليلا للحكم لولا المانع.
و الثانية إنتفاء المانع والمعارض.
ومن المعلوم أن الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك غير جائز عند أحد من العاملين بخبر الواحد.
* * *
ثم إن الظاهر أن الاجماعات المتعارضة من شخص واحد أو من معاصرين أو متقاربي العصرين ورجوع المدعي عن الفتوى التي إدعى الاجماع فيها ودعوى الاجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدم على المدعي وفي مسائل قد إشتهر خلافها بعد المدعي، بل في زمانه، بل في ماقبله، كل ذلك مبني على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه.
ولا بأس بذكر بعض موارد صرح المدعي بنفسه أو غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك.
فمن ذلك: ما وجه به المحقق دعوى المرتضى والمفيد: أن من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات.
قال: (وأما قول السائل: كيف أضاف المفيد والسيد ذلك إلى مذهبنا ولا نص فيه، فالجواب: أما علم الهدى، فإنه ذكر في الخلاف: أنه إنما أضاف ذلك إلى مذهبنا، لان من أصلنا العمل بالاصل ما لم يثبت الناقل، وليس في الشرع ما يمنع الازالة بغير الماء من المائعات - ثم قال -: وأما المفيد، فإنه إدعى في مسائل الخلاف: أن ذلك مروي عن الائمة)، إنتهى.
[91]
فظهر من ذلك أن نسبة السيد، قدس سره، الحكم المذكور إلى مذهبنا من جهة الاصل.
ومن ذلك ما عن الشيخ في الخلاف، حيث أنه ذكر، فيما إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل به القتل، بأنه يسقط القود وتكون الدية من بيت المال، قال: (دليلنا إجماع الفرقة، فإنهم رووا أن ما أخطأت القضاة، ففي بيت مال المسلمين)، إنتهى.
فعلل إنعقاد الاجماع بوجود الرواية عند الاصحاب.
وقال بعد ذلك، فيما إذا تعددت الشهود فيمن أعتقه المريض وعين كل غير ما عينه الاخر، ولم يف الثلث بالجميع: (إنه يخرج السابق بالقرعة، - قال -: دليلنا إجماع الفرقة وإخبارهم، فإنهم أجمعوا على أن كل أمر مجهول فيه القرعة)، إنتهى.
ومن هذا القبيل ما عن المفيد في فصوله، حيث أن سئل عن الدليل على أن المطلقة ثلاثا في مجلس واحد يقع منها واحدة.
فقال: (الدلالة على ذلك من كتاب الله عزوجل وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله، وإجماع المسلمين)، ثم إستدل من الكتاب بظاهر قوله تعالى: (الطلاق مرتان).
ثم بين وجه الدلالة، ومن السنة قوله صلى الله عليه وآله: (كل ما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد)، وقال: (ما وافق الكتاب فخذوه، وما لم يوافقه فاطرحوه).
و قد بينا أن المرة لا تكون المرتين أبدا وأن الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجب السنة إبطال طلاق الثلاث.
وأما إجماع الامة، فهو مطبقون على أن ما خالف الكتاب و السنة فهو باطل.
وقد تقدم وصف خلاف الطلاق بالكتاب والسنة، فحصل الاجماع على إبطاله)، إنتهى.
وحكي عن الحلي في السرائر الاستدلال بمثل هذا.
ومن ذلك الاجماع الذي إدعاه الحلي على المضايقة في قضاء الفوائت في رسالته المسماة بخلاصة الاستدلال، حيث قال: (أطبقت عليه الامامية خلفا عن سلف وعصرا بعد عصر وأجمعت على العمل به، ولا يعتد بخلاف نفر يسير من الخراسانيين، فإن إبني بابويه، والاشعريين،
[92]
كسعد بن عبدالله صاحب كتاب الرحمة، وسعد بن سعد، ومحمد بن علي بن محبوب صاحب كتاب نوادر الحكمة، والقميين أجمع، كعلي بن إبراهيم بن هاشم، ومحمد بن الحسن بن الوليد، عاملون بأخبار المضايقة، لانهم ذكروا أنه لا يحل رد الخبر الموثوق برواته، وحفظتهم الصدوق ذكر ذلك في كتاب من لا يحضره الفقيه، وخريت هذه الصناعة ورئيس الاعاجم الشيخ أبوجعفر الطوسي مودع أخبار المضايقة في كتبه مفت بها.
والمخالف إذا علم بإسمه ونسبه لم يضر خلافه) إنتهى.
ولا يخفى أن إخباره بإجماع العلماء على الفتوى بالمضايفه مبني على الحدس والاجتهاد من وجوه: أحدها: دلالة ذكر الخبر على عمل الذاكر به.
وهذا وإن كان غالبيا إلا أنه لا يوجب القطع، لمشاهدة التخلف كثيرا.
الثاني: تمامية دلالة تلك الاخبار عند أولئك على الوجوب، إذ لعلهم فهموا منها بالقرائن الخارجية تأكد الاستحباب.
الثالث: كون رواة تلك الروايات موثوقا بهم عند أولئك، لان وثوق الحلي بالرواة لا يدل على وثوق أولئك، مع أن الحلي لا يرى جواز العمل بأخبار الآحاد وإن كانوا ثقات، والمفتي إذا إستند فتواه إلى خبر واحد لا يوجب إجتماع أمثاله القطع بالواقع، خصوصا لمن يخطئ العمل بأخبار الآحاد.
وبالجملة فكيف يمكن أن يقال: إن مثل هذا الاجماع إخبار عن قول الامام، فيدخل في الخبر الواحد، مع أنه في الحقيقة إعتماد على إجتهادات الحلي مع وضوح فساد بعضها، فإن كثيرا ممن ذكر أخبار المضايقة قد ذكر أخبار المواسعة أيضا، وأن المفتي إذا علم إستناده إلى مدرك لا يصلح للركون إليه من جهة الدلالة أو المعارضة لا يؤثر فتواه في الكشف عن قول الامام.
وأوضح حالا في عدم جواز الاعتماد ما ادعاه الحلي من الاجماع على وجوب فطرة الزوجة ولو كانت ناشزه على الزوج.
ورده المحقق بأن أحدا من علماء الاسلام لم يذهب إلى ذلك.
فإن الظاهر أن الحلي إنما اعتمد في إستكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالة بإطلاقها على وجوب فطرة الزوجة على الزوج، متخيلا أن الحكم معلق على الزوجة من حيث هي زوجة، ولم يتفطن
[93]
لكون الحكم من حيث العيلولة أو وجوب الانفاق.
فكيف يجوز الاعتماد في مثله على الاخبار بالاتفاق الكاشف عن قول الامام عليه السلم ويقال إنها سنة محكية.
وما أبعد ما بين ما إستند إليه الحلي في هذا المقام وبين ما ذكره المحقق في بعض كلماته المحكية، حيث قال: (إن الاتفاق على لفظ مطلق شامل لبعض أفراده الذي وقع فيه الكلام لا يقتضي الاجماع على ذلك الفرد، لان المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن معلوما من القصد، لان الاجماع مأخوذ من قولهم: أجمع على كذا، إذا عزم عليه.
فلا يدخل في الاجماع على الحكم إلا من علم منه القصد إليه.
كما أنا لا نعلم مذهب عشرة من الفقهاء الذين لم ينقل مذهبهم لدلالة عموم القرآن وإن كانوا قائلين به)، إنتهى كلامه.
وهو في غاية المتانة.
لكنك عرفت ما وقع من جماعة من المسامحة في إطلاق لفظ الاجماع.
وقد حكي في المعالم عن الشهيد: (إنه أول كثيرا من الاجماعات، لاجل مشاهدة المخالف في مواردها، بإرادة الشهرة، أو بعدم الظفر بالمخالف حين دعوى الاجماع، أو بتأويل الخلاف على وجه لا ينافي الاجماع، أو بإرادة الاجماع على الرواية وتدوينها في كتب الحديث) إنتهى.
وعن المحدث المجلسي، قدس سره، في كتاب الصلاة من البحار.
، بعد ذكر معنى الاجماع ووجه حجيته عند الاصحاب: (إنهم لما رجعوا إلى الفقه كأنهم نسوا ما ذكروه في الاصول.
ثم أخذ في الطعن على إجماعاتهم إلى أن قال: - فيغلب على الظن أن مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه فلا الاصول) إنتهى.
والتحقيق أنه لا حاجة إلى إرتكاب التأويل في لفظ الاجماع لما ذكره الشهيد، ولا إلى ما ذكره المحدث المذكور، قدس سرهما، من تغاير مصطلحهم في الفروع والاصول، بل الحق أن دعواهم للاجماع في الفروع مبني على إستكشاف الآراء ورأي الامام، عليه السلام، إما من حسن الظن
[94]
بجماعة من السلف أو من أمور تسلتزم بإجتهادهم إفتاء العلماء بذلك وصدور الحكم عن الامام عليه السلام أيضا.
وليس في هذا مخالفة لظاهر لفظ الاجماع حتى يحتاج إلى القرينة، ولاتدليس، لان دعوى الاجماع ليس لاجل إعتماد الغير عليه وچعله دليلا يستريح إليه في المسألة.
نعم قد يوجب التدليس من جهة نسبة الفتوى إلى العلماء، الظاهرة في وجدانها في كلماتهم، لكنه يندفع بأدنى تتبع في (الفقه)، ليظهر أن مبنى ذلك على إستنباط المذهب، لا على وجدانه مأثورا.
والحاصل: أن المتتبع في الاجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم أمارات كثيرة بإستناد دعوى الناقلين للاجماع خصوصا إذا أرادوا به إتفاق علماء جميع الاعصار، كما هو الغالب في إجماعات المتأخرين - إلى الحدس الحاصل من حسن الظن بجماعة ممن تقدم على الناقل، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه مع ثبوت الملازمة بإجتهاد الناقل وإعتقاده.
وعلى هذا ينزل الاجماعات المتخالفة من العلماء مع إتحاد العصر أو تقارب العصرين وعدم المبالاة كثيرا بإجماع الغير والخروج عنه للدليل.
وكذا دعوى الاجماع مع وجود المخالف.
فإن ما ذكرنا في مبنى الاجماع من أصح المحامل لهذه الامور المنافية لبناء دعوى الاجماع على تتبع الفتاوى في خصوص المسألة.
وذكر المحقق السبزواري في الذخيرة، بعد بيان تعسر العلم بالاجماع: (أن مرادهم بالاجماعات المنقولة، في كثير من المسائل بل في أكثرها، لا يكون محمولا على معناه الظاهر، بل إما يرجع إلى إجتهاد من الناقل مؤد بحسب القرائن و الامارات التي إعتبرها إلى أن المعصوم، عليه السلام، موافق في هذا الحكم، أو مرادهم الشهرة أو إتفاق أصحاب الكتب المشهورة، أو غير ذلك من المعاني المحتملة).
ثم قال بعد كلام له: (والذي ظهر لي من تتبع كلام المتأخرين أنهم كانوا ينظرون إلى كتب الفتاوي الموجودة عندهم في حال التأليف، فإذا رأوا إتفاقهم على حكم قالو إنه إجماعي.
ثم إذا إطلعوا على تصنيف آخر خالف مؤلفه الحكم المذكور، رجعوا عن الدعوى المذكورة.
ويرشد إلى هذا كثير من القرائن التي لا يناسب هذا المقام تفصيلها)، إنتهى.
[95]
وحاصل الكلام، من أول ما ذكرنا إلى هنا، أن الناقل للاجماع إن أحتمل في حقه تتبع فتاوى من إدعى إتفاقهم حتى الامام الذي هو داخل في المجمعين، فلا إشكال في حجيته وفي إلحاقه بالخبر الواحد، إذ لا يشترط في حجيته معرفة الامام تفصيلا حين السماع منه.
لكن هذا الفرض مما يعلم بعدم وقوعه وأن المدعى للاجماع لا يدعيه على هذا الوجه.
وبعد هذا فإن احتمل في حقه تتبع فتاوي جميع المجمعين، والمفروض أن الظاهر من كلامه هو إتفاق الكل المستلزم عادة لموافقه قول الامام عليه السلام، فالظاهر حجية خبره للمنقول إليه، سواء جعلنا المناط في حجيته تعلق خبره بنفس الكاشف الذي هو من الامور المحسوسة المستلزمة ضرورة لامر حدسي وهو قول الامام، أو جعلنا المناط تعلق خبره بالمنكشف وهو قول الامام، لما عرفت من أن الخبر الحدسي المستند إلى إحساس ما هو ملزوم للمخبر به عادة، كالخبر الحسي في وجوب القبول.
وقد تقدم الوجهان في كلام السيد الكاظمي في شرح الوافية.
لكنك قد عرفت سابقا القطع بإنتفاء هذا الاحتمال، خصوصا إذا أراد الناقل إتفاق علماء جميع الاعصار.
نعم لو فرضنا قلة العلماء في عصر بحيث يحاط بهم، أمكن دعوى إتفاقهم عن حس، لكن هذا غير مستلزم عادة لموافقته قول الامام، عليه السلام.
نعم يكشف عن موافقته، بناء على طريقة الشيخ المتقدمه التي لم تثبت عندنا وعند الاكثر.
ثم إذا علم عدم إستناد دعوى إستناد دعوى إتفاق العلماء المتشتتين في الاقطار الذي يكشف عادة عن موافقة الامام عليه السلام إلا إلى الحدس الناشي عن أحد الامور المتقدمة التي مرجعها إلى حسن الظن أو الملازمات الاجتهادية، فلا عبرة بنقله، لان الاخبار بقول الامام عليه السلام حدسي غير مستند إلى حس ملزوم له عادة، ليكون نظير الاخبار بالعدالة المستندة إلى الآثار الحسية، والاخبار بالاتفاق أيضا حدسي.
نعم يبقى هنا شئ، وهو أن هذا المقدار من النسبة المحتمل إستناد الناقل فيها إلى الحس يكون خبره حجة فيها، لان ظاهر الحكاية محمول على الوجدان إلا إذا قام هناك صارف، والمعلوم من الصارف هو عدم إستناد الناقل إلى الوجدان والحس في نسبة الفتوى إلى جميع من إدعى إجماعهم.
وأما إستناد نسبة الفتوى إلى جميع أرباب الكتب المصنفة في الفتاوى إلى الوجدان في كتبهم بعد التتبع، فأمر محتمل لا يمنعه عادة ولا عقل.
وما تقدم من المحقق السبزواري، من إبتناء دعوى الاجماع على ملاحظة الكتب الموجودة عنده
