المقدمة الثانية: وعي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة على كثرتها

وترك التعرض لامتثالها بنحو من نحاء
فيدل عليه وجوه:
الاول: الاجماع القطعي على أن المرجع على تقدير إنسداد باب العلم وعدم ثبوت الدليل على حجية أخبار الآحاد بالخصوص ليس هي البراء‌ة وإجراء أصالة العدم في كل حكم، بل لا بد من التعرض لامتثال الاحكام المجهولة بوجه ما.
وهذا الحم وإن لم يصرح به أحد من قدمائنا بل المتأخرين في هذا المقام، إلا أنه معلوم للمتتبع في طريقة الاصحاب بل علماء الاسلام طرا.
فرب مسألة غير معنونة يعلم إتفاقهم فيها من ملاحظة كلماتهم في نظائرها.
أترى أن علماء‌نا العاملين بالاخبار التي بأيدينا لو لم يقم عندهم دليل خاص على إعتبارها كانوا يطرحونها ويستريحون في مواردها إلى أصالة العدم، حاشا ثم حاشا.
مع أنهم كثيرا ما يذكرون أن الظن يقوم مقام العلم في الشرعيات عند تعذر العلم.
وقد حكي عن السيد في بعض كلماته الاعتراف بالعمل بالظن عند تعذر العلم، بل قد ادعي في المختلف في باب قضاء الفوائت الاجماع على ذلك.
الثاني: أن الرجوع في جميع تلك الوقائع إلى نفي الحكم مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة، المعبر عنها في لسان جمع من مشايخنا بالخروج عن الدين، بمعنى أن المقتصر على التدين بالمعلومات التارك للاحكام المجهولة جاعلا لها كالمعدومة يكاد يعد خارجا عن الدين، لقلة المعلومات التي أخذ بها و كثرة المجهولات التي أعرض عنها.
وهذا أمر يقطع ببطلانه كل أحد بعد الالتفات إلى كثرة المجهولات، كما يقطع ببطلان الرجوع

[186]

إلى نفي الحكم وعدم الالتزام بحكم أصلا لو فرض - والعياذ بالله - إنسداد باب العلم والظن الخاص في جميع الاحكان وإنطماس هذا المقدار القليل من الاحكام المعلومة.
فيكشف بطلان الرجوع إلى البراء‌ة عن وجوب التعرض لامتثال تلك المجهولات ولو على غير وجه العلم والظن الخاص، لا أن يكون تعذر العلم والظن الخاص منشأ للحكم بإرتفاع التكليف بالمجهولات، كما توهمه بعض من تصدى للايراد على كل واحدة واحدة من مقدمات الانسداد.
نعم هذا إنما يستقيم في حكم واحد أو أحكام قليلة لم يوجد عليه دليل علمي أو ظني معتبر، كما هو دأب المجتهدين بعد تحصيل الادلة والامارات في أغلب الاحكام.
أما إذا صار معظم الفقه أو كله مجهولا، فلا يجوز أن يسلك فيه هذا المنهج.
والحاصل: أن طرح أكثر الاحكام الفرعية بنفسه محذور مفروغ عن بطلانه، كطرح جميع الاحكام لو فرضت مجهولة.وقد وقع ذلك تصريحا أو تلويحا في كلام جماعة من القدماء والمتأخرين.
منهم الصدوق في الفقيه، في باب الخلل الواقع في الصلاة، في ذيل أخبار سهو النبي: (فلو جاز رد هذه الاخبار الواقعة في هذا الباب لجاز رد جميع الاخبار، وفيه إبطال للدين والشريعة)، إنتهى.
ومنه السيد، قدس سره، حيث أورد على نفسه في المنع عن العمل بخبر الواحد وقال: (فإن قلت: إذا سددتم طريق العمل بأخبار الآحاد، فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله؟ فأجاب، بما حاصله: دعوى إنفتاح باب العلم في الاحكام).
ولا يخفى: أنه لو جاز طرح الاحكام المجهولة ولم يكن شيئا منكرا، لم يكن وجه للايراد المذكور، إذ الفقه حينئذ ليس إلا عبارة عن الاحكام التي قام عليها الدليل والمرجح وكان فيه معول، ولم يكن وقع أيضا للجواب بدعوى الانفتاح الراجعة إلى دعوى عدم الحاجه إلى أخبار الآحاد.
بل المناسب حينئذ الجواب: بأن عدم المعول في أكثر المسائل لا يوجب فتح باب العمل بخبر الواحد.
والحاصل: أن ظاهر السؤال والجواب المذكورين التسالم والتصالح على أنه لو فرض الحاجة إلى اخبار الآحاد، لعدم المعول في أكثر الفقه، لزم العمل عليها وإن لم يقم عليه دليل بالخصوص، فإن

[187]

نفس الحاجة إليها هي أعظم دليل، بناء على عدم جواز طرح الاحكام.
ومن هنا ذكر السيد صدر الدين في شرح الوافية أن السيد قد إصطلح بهذا الكلام مع المتأخرين.
ومنهم الشيخ، قدس سره، في العدة حيث أنه، بعد دعوى الاجماع على حجية أخبار الآحاد، قال، ما حاصله: إنه لو إدعى أحد أن عمل الامامية بهذه الاخبار كان لاجل قرائن إنضمت إليها، كان معولا على ما يعلم من الضرورة خلافه.
ثم قال: ومن قال إني متى عدمت شيئا من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل، يلزمه أن يترك أكثر الاخبار وأكثر الاحكام ولا يحكم فيها بشئ ورد الشرع به، وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته، لانه يكون معولا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه)، إنتهى.
ولعمري، إنك يكفي مثل هذا الكلام من الشيخ في قطع توهم جواز الرجوع إلى البراء‌ة عند فرض فقد العلم والظن الخاص في أكثر الاحكام.
ومنهم المحقق في المعتبر حيث قال - في مسألة خمس الغوص في رد من نفاه، مستدلا بأنه لو كان لنقل بالسنة: - قلنا: أما تواترا فممنوع، وإلا لبطل كثير من الاحكام)، إنتهى.
ومنهم العلامة في نهج المسترشدين، في مسألة إثبات عصمة الامام، حيث ذكر أنه، عليه السلام، لا بد أن يكون حافظا للاحكام.
واستدل بأن الكتاب والسنة لا يدلن على التفاصيل - إلى أن قال: - والبراء‌ة الاصليه ترفع جميع الاحكام.
ومنهم بعض أصحابنا في رسالته المعمولة في علم الكلام المسماة بعصر المنجود، حيث استدل على عصمة الامام، عليه السلام، بأنه حافظ للشريعة، لعدم إحاطة الكتاب والسنة به - إلى أن قال: - (والقياس باطل، والبراء‌ة الاصلية ترفع جميع الاحكام)، إنتهى.
ومنهم الفاضل المقداد في شرح الباب الحادي عشر، إلا أنه قال: (إن الرجوع إلى البراء‌ة الاصلية يرفع أكثر الاحكام).
والظاهر أن مراد العلامة وصاحب الرسالة، قدس سرهما، من جميع الاحكام ما عدا المستنبط

[188]

من الادلة العلمية، لان كثيرا من الاحكام ضرورية لا ترفع بالاصل ولا يشك فيها حتى يحتاج إلى الامام عليه السلام.
ومنهم المحقق الخوانساري، فيما حكى عنه السيد الصدر في شرح الوافية، من أن رجح الاكتفاء في تعديل الراوي بعدل، مستدلا، بعد مفهوم آية النبأ، بأن إعتبار التعدد يوجب خلو أكثر الاحكام عن الدليل.
ومنهم صاحب الوافية، حيث تقدم عنه الاستدلال على حجية أخبار الآحاد، بأنا نقطع مع طرح أخبار الآحاد - في مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والمتاجر والانكحة وغيرها - بخروج حقائق هذه الامور عن كونها هذه الامور.
وهذه عبارة أخرى عن الخروج عن الدين الذي عبر به جماعة من مشايخنا.
ومنهم بعض شراح الوسائل حيث استدل على حجية أخبار الآحاد بأنه لو لم يعمل بها بطل التكليف وبطلانه ظاهر.
ومنهم المحدث البحراني صاحب الحدائق - حيث ذكر في مسأله ثبوت الربا في الحنطة بالشعير خلاف الحلي في ذلك وقوله بكونهما جنسين وأن الاخبار الواردة في إتحادهما آحاد لا توجب علما ولا عملا - قال في رده: (إن الواجب عليه مع رد هذه الاخبار ونحوها من أخبار الشريعة هو الخروج عن هذا الدين إلى دين آخر)، إنتهى.
ومنهم العضدي، تبعا للحاجبي، حيث حكي عن بعضهم الاستدلال على حجية خبر الواحد بأنه لولاها لخلت أكثر الوقائع عن المدرك.ثم إنه وإن ذكر في الجواب عنه أنا نمنع الخلو عن المدرك، لان الاصل من المدارك.لكن هذا الجواب من العامة القائلين بعدم إتيان النبي، صلى الله عليه وآله، بأحكام جميع الوقائع.ولو كان المجيب من الامامية القائلين بإكمال الشريعة وبيان جميع الاحكام لم يجب بذلك.
وبالجملة، فالظاهر أن خلو أكثر الاحكام عن المدرك المستلزم للرجوع فيها إلى نفي الحكم وعدم الالتزام في معظم الفقه بحكم تكليفي كأنه أمر مفروغ البطلان.والغرض من جيمع ذلك الرد على بعض من تصدى لرد هذه المقدمه، ولم يأت بشئ عدا ما قرع سمع كل أحد من أدلة البراء‌ة وعدم ثبوت التكليف إلا بعد البيان، ولم يتفطن بأن مجراها في

[189]

غير ما نحن فيه، فهل يرى من نفسه إجراء‌ها ولو فرضنا، والعياذ بالله، إرتفاع العلم بجميع الاحكام.
بل نقول: لو فرضنا أن مقلدا دخل عليه وقت الصلاة ولم يعلم من الصلاة عدا ما تعلم من أبويه بظن الصحة إحتمال الفساد عنده إحتمالا ضعيفا ولم يتمكن من أزيد من ذلك، فهل يلتزم بسقوط التكليف عنه بالصلاة في هذه الحالة، أو أنه ياتي بها على حسب ظنه الحاصل من قول أبويه، والمفروض أن قول أبويه مما لم يدل عليه دليل شرعي.
فإذا لم تجد من نفسك الرخصة في تجويز ترك الصلاة لهذا الشخص، فكيف ترخص الجاهل بمعظم الاحكام في نفي الالتزام بشئ منها، عدا القليل المعلوم أو المظنون بالظن الخاص وترك ما عداه ولو كان مظنونا بظن لم يقم على إعتباره دليل خاص.
بل الانصاف: أنه لو فرض، والعياذ بالله، فقد الظن المطلق في معظم الاحكام، كان الواجب الرجوع إلى الامتثال الاحتمالي بالتزام ما لا يقطع معه بطرح الاحكام الواقعية.
الثالث: أنه لو سلمنا أن الرجوع إلى البراء‌ة لا يوجب شيئا مما ذكر من المحذور البديهي، وهو الخروج عن الدين، فنقول: إنه لا دليل على الرجوع إلى البراء‌ة من جهة العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات، فإن أدلتها مختصة بغير هذه الصورة، ونحن نعلم إجمالا أن في المظنونات واجبات كثيرة ومحرمات كثيرة.
والفرق بين هذا الوجه وسابقه: أن الوجه السابق كان مبنيا على لزوم المخالفة القطعية الكثيرة المعبر عنها بالخروج عن الدين وهو محذور مستقل، وإن قلنا بجواز العمل بالاصل في صورة لزوم مطلق المخالفة القطعية.
وهذا الوجه مبني على أن مطلق المخالفة القطعية غير جائز، وأصل البراء‌ة في مقابلها غير جار ما لم يصل المعلوم الاجمالي إلى حد الشبهة الغير المحصورة، وقد ثبت في مسألة البراء‌ة أن مجراها الشك في اصل التكليف، لا الشك في تعيينه مع القطع بثبوت أصله، كما في ما نحن فيه.
فإن قلت: إذا فرضنا أن ظن المجتهد أدى في جميع الوقائع إلى ما يوافق البراء‌ة، فما تصنع؟ قلت: أولا، إنه مستحيل، لان العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات الكثيرة في جملة الوقائع المشتبهة يمنع عن حصول الظن بعدم وجوب شي ء من الوقائع المحتملة للوجوب وعدم حرمة شئ من الوقائع المحتملة للتحريم، لان الظن بالسالبة الكلية يناقض العلم بالموجبة الجزئية، فالظن بأنه لا شخص من العلماء بفاسق، يناقض العلم إجمالا بأن بعض العلماء فاسق.

[190]

وثانيا، إنه على تقدير الامكان غير واقع، لان الاماراتالتي يحصل للمجتهد منها الظن في الوقائع لا تخلو عن الاخبار المتضمن كثير منها لاثبات التكليف وجوبا وتحريما.
فحصول الظن بعدم التكليف في جميع الوقائع أمر يعلم عادة بعدم وقوعه.
وثالثا، لو سلمنا وقوعه، لكن لا يجوز حنيئذ العمل بعدم التكليف في جميع الوقائع لاجل العلم الاجمالي المفروض، فلا بد حينئذ من التبعيض بين مراتب الظن بالقوة والضعف، فيعمل في موارد الظن الضعيف بنفي التكليف بمقتضى الاحتياط وفي موارد الظن القوى بنفي التكليف بمتقضى البراء‌ة.
ولو فرض التسوية في القوة والضعف كان الحكم كما لو لم يكن ظن في شئ من تلك الوقائع من التخيير إن لم يتيسر لهذا الشخص الاحتياط، وإن تيسر الاحتياط تعين الاحتياط في حق نفسه وإن لم يجز لغيره تقليده، ولكن الظاهر أن ذلك مجرد فرض غير واقع، لان الامارات كثير منها مثبتة للتكليف، فراجع كتب الاخبار.
ثم إنه قد يرد الرجوع إلى أصالة البراء‌ة تبعا لصاحب المعالم وشيخنا البهائي في الزبدة بأن إعتبارها من باب الظن، والظن منتف في مقابل الخبر ونحوه من أمارات الظن.
وفيه: منع كون البراء‌ة من باب الظن.كيف؟ ولو كانت كذلك لم يكن دليل على إعتبارها، بل هو من باب حكم العقل القطعي بقبح التكليف من دون بيان.
وذكر المحقق القمي، رحمه الله، في منع حكم العقل المذكور: (أن حكم العقل إما أن يريد به الحكم القطعي أو الظني.
فإن كان الاول، فدعوى كون مقتضى أصل البراء‌ة قطعيا أول الكلام، كما لا يخفى على من لاحظ أدلة المثبتين والنافين من العقل والنقل.سلمنا كونه قطعيا في الجمله، لكن المسلم إنما هو قبل ورود الشرع.
وأما بعد ورود الشرع، فالعلم بأن فيه أحكاما إجمالية على سبيل اليقين يثبطنا عن الحكم بالعدم قطعا، كما لا يخفى.
سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم حصول القطع بعد ورود مثل الخبر الواحد الصحيح على خلافه.
وإن اراد الحكم الظني، سواء كان بسبب كونه بذاته مفيدا للظن أو من جهة إستصحاب الحالة السابقة، فهو أيضا ظن مستفاد من ظاهر الكتاب والاخبار التي لم يثبت حجيتها بالخصوص، مع أنه ممنوع بعد ورود الشرع، ثم بعد ورود الخبر

[191]

الصحيح، إذا حصل من خبر الواحد ظن أقوى منه)، إنتهى كلامه، رفع مقامه.
وفيه: أن حكم العقل بقبح المواخذة من دون البيان حكم قطعي، لا إختصاص له بحال دون حال.
فلا وجه لتخصيصه بما قبل ورود الشرع، ولم يقع فيه خلاف بين العقلاء، وإنما ذهب من ذهب إلى وجوب الاحتياط لزعم نصب الشارع البيان على وجوب الاحتياط من الآيات والاخبار التي ذكروها.
وأما الخبر الصحيح فهو كغيره من الظنون إن قام دليل قطعي على إعتباره كان داخلا في البيان، ولا كلام في عدم جريان البراء‌ة معه، وإلا فوجوده كعدمه غير مؤثر في الحكم العقلي.
والحاصل: أنه لا ريب لاحد، فضلا عن أنه لا خلاف، في أنه على تقدير عدم بيان التكليف بالدليل العام أو الخاص، فالاصل البراء‌ة.وحينئذ فاللازم إقامة الدليل على كون الظن المقابل بيانا.
وبما ذكرنا ظهر صحة دعوى الاجماع على أصالة البراء‌ة في المقام، لانه إذا فرض عدم الدليل على إعتبار الظن المقابل صدق قطعا عدم البيان، فتجري البراء‌ة.
وظهر فساد دفع أصل البراء‌ة بأن المستند فيها إن كان هو الاجماع فهو مفقود في محل البحث، وإن كان هو العقل فمورده صورة عدم الدليل ولا نسلم عدم الدليل مع وجود الخبر.
وهذا الكلام، خصوصا الفقرة الاخيرة منه، مما يضحك الثكلى، فإن عدم ثبوت كون الخبر دليلا يكفي في تحقق مصداق القطع بعدم الدليل الذي هو مجرى البراء‌ة.
واعلم: أن الاعتراض على مقدمات دليل الانسداد بعدم إستلزامها للعمل بالظن لجواز الرجوع إلى البراء‌ه، وإن كان قد أشار إليه صاحب المعالم وصاحب الزبدة وأجابا عنه بما تقدم مع رده، من أن أصالة البراء‌ة لا يقاوم الظن الحاصل من خبر الواحد، إلا أن أول من شيد الاعتراض به وحرره، لا من باب الظن، هو المحقق المدقق جمال الدين، قدس سره، في حاشيته، حيث قال: (يرد على الدليل المذكور أن إنسداد باب العلم بالاحكام الشرعية غالبا لا يوجب جواز العمل بالظن حتى يتجه ما ذكروه، لجواز أن لا يجوز العمل بالظن.
فكل حكم حصل العلم به من ضرورة أو إجماع نحكم به، وما لم يحصل العلم به نحكم فيه بأصالة البراء‌ة، لا لكونها مفيدة للظن، ولا للاجماع على وجوب التمسك بها، بل لان العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف علينا إلا بالعلم به، أو بظن يقوم

[192]

على إعتباره دليل يفيد العلم.
ففيما إنتفى الامران فيه يحكم العقل ببراء‌ة الذمة عنه وعدم جواز العقاب على تركه، لا لان الاصل المذكور يفيد ظنا بمقتضاها حتى يعارض بالظن الحاصل من أخبار الاحاد بخلافها، بل لما ذكرنا من حكم العقل بعدم لزوم شئ علينا ما لم يحصل العلم لنا ولا يكفي الظن به.
ويؤكده ما ورد من النهي عن إتباع الظن.
وعلى هذا ففي ما لم يحصل العلم به على أحد الوجهين وكان لنا مندوحة عنه كغسل الجمعة فالخطب سهل، إذ نحكم بجواز تركه بمقتضى الاصل المذكور.
وأما فيما لم يكن مندوحة عنه، كالجهر بالتسمية والاخفات بها في الصلاة الاخفاتية التى قال بوجوب كل منهما قوم ولا يمكن لنا ترك التسمية، فلا محيص لنا عن الاتيان بأحدهما، فنحكم بالتخيير فيها، لثبوت وجوب أصل التسمية وعدم ثبوت وجوب الجهر والاخفات، فلا حرج لنا في شئ منهما، وعلى هذا فلا يتم الدليل المذكور، لانا لا نعمل بالظن أصلا)، إنتهى كلامه، رفع مقامه.
وقد عرفت أن المحقق القمي، قدس سره، أجاب عنه بما لا يسلم عن الفساد، فالحق رده بالوجوه الثلاثة المتقدمة.
ثم إن ما ذكره من التخلص عن العمل بالظن بالرجوع إلى البراء‌ة لا يجرى في جميع الفقه، إذ قد يتردد الامر بين كون المال لاحد شخصين.
كما إذا شك في صحة بيع المعاطاة فتبايع بها إثنان، فإنه لا مجرى هنا للبراء‌ة، لحرمة تصرف كل منهما على تقدير كون المبيع ملك صاحبه، وكذا في الثمن، ولا معنى للتخيير أيضا، لان كلا منهما يختار مصلحته، وتخيير الحاكم هنا لا دليل عليه، مع أن الكلام في حكم الواقعة، لا في علاج الخصومة، اللهم إلا أن يتمسك في أمثاله بأصالة عدم ترتب الاثر، بناء على أن أصالة العدم من الادلة الشرعية.
فلو أبدل في الايراد أصالة البراء‌ة بأصالة العدم كان أشمل.
ويمكن أن يكون هذا الاصل - يعني أصل الفساد وعدم التملك وأمثاله - داخلا في المستثنى، في قوله: (لا يثبت تكليف علينا إلا بالعلم أو بظن يقوم على إعتباره دليل يفيد العلم)، بناء على أن

[193]

أصل العدم من الظنون الخاصة التي قام على إعتبارها الاجماع والسيرة، إلا أن يمنع قيامهما على إعتباره عند إشتباه الحكم الشرعي مع وجود الظن على خلافه.
وإعتباره من باب الاستصحاب مع إبتنائه على حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي رجوع إلى الظن العقلي أو الظن الحاصل من أخبار الآحاد الدالة على الاستصحاب.
الله إلا أن يدعى تواترها ولو إجمالا، بمعنى حصول العلم بصدور بعضها إجمالا، فيخرج عن خبر الآحاد، ولا يخلو عن تأمل.
وكيف كان ففي الاجوبة المتقدمة ولا أقل من الوجه الاخير غنى وكفاية إن شاء الله تعالى.