المقدمة الثالثة: في بيان بطلان وجوب تحصيل الامتثال
بالطرق المقررة للجاهل من الاحتياط

أو الرجوع في كل مسألة إلى ما يقتضيه الاصل في تلك المسألة أو الرجوع إلى فتوى العالم بالمسأله وتقليده فيها فنقول: إن كلا من هذه الامور الثلاثة وإن كان طريقا شرعيا في الجملة لامتثال الحكم المجهول، إلا أن منها ما لا يجب في المقام ومنها ما لا يجري.
أما الاحتياط، فهو وإن كان مقتضى الاصل والقاعدة العقلية والنقلية عند ثبوت العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات، إلا أنه في المقام - أعني صورة إنسداد باب العلم في معظم المسائل الفقهية - غير واجب لوجهين: أحدهما: الاجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام، لا بمعنى أن أحدا من العلماء لم يلتزم بالاحتياط في كل الفقه أو جله، حتى يرد عليه: أن عدم إلتزامهم به إنما هو لوجود المدارك المعتبرة عندهم للاحكام، فلا يقاس عليهم من لا يجد مدركا في المسألة، بل بالمعنى الذي تقدم نظيره في الاجماع على عدم الرجوع إلى البراء‌ة.
وحاصله: دعوى الاجماع القطعي على المرجع في الشريعة - على تقدير إنسداد باب العلم في معظم الاحكام وعدم ثبوت حجية أخبار الآحاد رأسا أو بإستثناء قليل هو في جنب الباقي كالمعدوم - ليس هو الاحتياط في الدين والالتزام بفعل كل ما يحتمل الوجوب ولو موهوما، وترك كل ما يحتمل الحرمة كذلك.
وصدق هذا الدعوى مما يجده المنصف من نفسه بعد ملاحظة قلة الملومات، مضافا إلى ما يستفاد من أكثر كلمات العلماء المتقدمة في بطلان الرجوع إلى البراء‌ة وعدم التكليف في المحهولات، فإنها واضحة الدلالة في أن بطلان الاحتياط كالبراء‌ة مفروغ عنه، فراجع.

[195]

الثاني: لزوم العسر الشديد والحرج الاكيد في إلتزامه، لكثرة ما يحتمل موهوما وجوبه، خصوصا في أبواب الطهارة والصلاة.فمراعاته مما يوجب الحرج، والمثال لا يحتاج إليه.
فلو بنى العالم الخبير بموارد الاحتياط - فيما لم ينعقد عليه إجماع قطعي أو خبر متواتر - على الالتزام بالاحتياط في جميع أموره يوما وليلة، لوجد صدق ما ادعيناه.
هذا كله بالنسبة إلى نفس العمل بالاحتياط.
وأما تعليم المجتهد موارد الاحتياط لمقلده، وتعلم المقلد موارد الاحتياط الشخصية وعلاج تعارض الاحتياطات وترجيح الاحتياط الناشي عن الاحتمال القوي على الاحتياط الناشي عن الاحتمال الضعيف، فهو أمر مستغرق لاوقات المجتهد والمقلد، فيقع الناس من جهة تعليم هذه الموارد وتعلمها في حرج يحل بنظام معاشهم ومعادهم.
توضيح ذلك: أن الاحتياط في مسألة التطهير بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر ترك التطهير به، لكن قد يعارضه في الموارد الشخصية إحتياطات أخر، بعضها اقوى منه وبعضها أضعف وبعضها مساو، فإنه قد يوجد ماء آخر للطهارة، وقد لا يوجد معه إلا التراب، وقد لا يوجد من مطلق الطهور غيره.
فإن الاحتياط في الاول هو الطهارة من ماء آخر لو لم يزاحمه الاحتياط من جهة أخرى كما إذا كان قد أصابه ما لم ينعقد الاجماع على طهارته، وفي الثاني هو الجميع بين الطهارة المائية والترابية إن لم يزاحمه ضيق الوقت المجمع عليه، وفي الثالث الطهارة من ذلك المستعمل والصلاة إن لم يزاحمه أمر آخر واجب أو محتمل الوجوب.
فكيف يسوغ للمجتهد أن يلقي إلى مقلده أن الاحتياط في ترك الطهارة بالماء المستعمل مع كون الاحتياط في كثير من الموارد إستعماله فقط أو الجمع بينه وبين غيره.وبالجملة.فتعليم موارد الاحتياط الشخصية وتعلمها، فضلا عن العمل بها، أمر يكاد يلحق بالمتعذر، ويظهر ذلك بالتأمل في الوقائع الاتفاقية.
فإن قلت: لا يجب على المقلد متابعة هذا الشخص الذي أدى نظره إلى إنسداد باب العلم في معظم المسائل ووجوب الاحتياط، بل يقلد غيره.
قلت، مع أن لنا أن نفرض انحصار المجتهد في هذا الشخص: إن كلامنا في حكم الله سبحانه بحسب إعتقاد هذا المجتهد الذي اعتقد إنسداد باب العلم، وعدم الدليل على ظن خاص يكتفى به في تحصيل غالب الاحكام، وإن من يدعي وجود الدليل على ذلك فإنما نشأ إعتقاده مما ينبغي الركون إليه، ويكون الركون إليه جازما في غير محله.

[196]

فالكلام في أن حكم الله تعالى على تقدير إنسداد باب العلم وعدم نصب الطريق الخاص لا يمكن أن يكون هو الاحتياط بالنسبة إلى العباد، للزوم الحرج البالغ حد إختلال النظام.
ولا يخفى أنه لا وجه لدفع هذا الكلام بأن العوام يقلدون مجتهدا غير هذا، قائلا بعدم إنسداد باب العلم أو بنصب الطرق الظنية الوافية بأغلب الاحكام، فلا يلزم عليهم حرج وضيق.
ثم إن هذا كله، مع كون المسألة في نفسها مما يمكن فيه الاحتياط ولو بتكرار العمل في العبادات.
أما مع عدم إمكان الاحتياط - كما لو دار المال بين صغيرين يحتاج كل واحد منهما إلى صرفه عليه في الحال، وكما في المرافعات - في مناص عن العمل بالظن.
* * *
وقد يورد على إبطال الاحتياط بلزوم الحرج بوجوه لا بأس بالاشارة إلى بعضها: منها: النقض بما لو أدى إجتهاد المجتهد وعمله بالظن إلى فتوى يوجب الحرج، كوجوب الترتيب بين الحاضره والفائتة لمن عليه فوائت كثيرة، أو وجوب الغسل على مريض أجنب متعمدا وإن أصابه من المرض ما أصابه، كما هو قول بعض أصحابنا.
وكذا لو فرضنا أداء ظن المجتهد إلى وجوب امور كثيرة يحصل العسر لمراعاتها.وبالجملة فلزوم الحرج من العمل بالقواعد لا يوجب الاعراض عنها.وفيما نحن فيه إذا إقتضى القاعدة رعاية الاحتياط لم يرفع اليد عنها، للزوم العسر.
والجواب: أن ما ذكر في غاية الفساد.
لان مرجعه إن كان منع نهوض أدلة نفي الحرج للحكومة على مقتضيات القواعد والعمومات وتخصيصها بغير صورة لزوم الحرج، فينبغي أن ينقل الكلام في منع ثبوت قاعدة الحرج.ولا يخفى أن منعه في غاية السقوط، لدلالة الاخبار المتواترة معنى عليه، مضافا إلى دلالة ظاهر الكتاب.
والحاصل: أن قاعدة نفي الحرج مما ثبتت بالادلة الثلاثة بل الاربعة في مثل مقام، لاستقلال العقل بقبح التكليف بما يوجب إختلال نظام أمر الملكف، نعم هي في غير ما يوجب الاختلال قاعدة ظنية تقبل الخروج عنها بالادلة الخاصة المحكمة وإن لم تكن قطعية.
وأما القواعد والعمومات المثبتة للتكليف فلا إشكال بل لا خلاف في حكومة أدلة نفي الحرج عليها.
فليس الوجه في التقديم كون النسبة بينهما عموما من وجه، فيرجع إلى أصالة البراء‌ة، كما قيل، أو إلى المرجحات الخارجية المعاضدة لقاعدة نفي الحرج، كما زعم، بل لان أدلة نفي العسر بمدلوها اللفظي حاكمة على العمومات المثبتة للتكليف، فهي بالذات مقدمة عليها.وهذا هو السر

[197]

في عدم ملاحظة الفقهاء المرجح الخارجي، بل يقدمونها من غير مرجح خارجي نعم جعل بعض متأخري المتأخرين عمل الفقهاء بها في الموارد من المرجحات لتلك القاعدة، زعما منه أن عملهم لمرجح توقيفي إطلعوا عليه واختفى علينا.ولم يشعر أن وجه التقديم كونها حاكمة على العمومات.
ومما يوضح ما ذكرنا - ويدعو إلى التأمل في وجه التقديم المذكور في محله، ويوجب الاعراض عما زعمه غير واحد من وقوع التعارض بينها وبين سائل العمومات فيجب الرجوع إلى الاصول أو المرجحات - هو ما رواه عبدالاعلى، مولى آل سام، في: من عثر، فانقطع ظفره، فجعل عليه مرارة، فكيف يصنع بالوضوء؟ فقال عليه السلام: (يعرف هذا وأشبهاهه من كتاب الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج.
إمسح عليه).
فإن في إحالة الامام، عليه السلام، لحكم هذه الواقعة إلى عموم نفي الحرج - وبيان أنه ينبغي أن يعلم منه أن الحكم في هذه الواقعة المسح فوق المرارة، مع معارضة العموم المذكور بالعمومات الموجبة للمسح على البشرة - دلالة واضحة على حكومة عمومات نفي الحرج بأنفسها على العمومات المثبتة للتكاليف من غير حاجة إلى ملاحظة تعارض وترجيح في البين، فافهم.وإن كان مرجع ما ذكره إلى أن إلتزام العسر إذا دل عليه الدليل لا بأس به.
كما في ما ذكر من المثال والفرض.
ففيه: ما عرفت، من أنه لا يخصص تلك العمومات إلا ما يكون أخص منها معاضدا بما يوجب قوتها على تلك العمومات الكثيرة الواردة في الكتاب والسنة.
والمفروض أنه ليس في المقام إلا قاعدة الاحتياط التي قد رفع اليد لاجل العسر في موارد كثيرة: مثل الشبهة الغير المحصورة، وما لو علم أن عليه فوائت لا يحصى عددها، وغير ذلك.
بل أدلة نفي العسر بالنسبة إلى قاعدة الاحتياط من قبيل الدليل بالنسبة إلى الاصل.
فتقديمها عليها أوضح من تقديمها على العمومات الاجتهادية.
وأما ما ذكره - من فرض أداء ظن المجتهد إلى وجوب بعض ما يوجب العسر كالترتيب في الفوائت أو الغسل في المثالين - فظهر مما ذكرنا، من أن قاعدة نفي العسر في غير مورد الاختلال قابلة للتخصيص.

[198]

وأما ما ذكره من فرض أداء ظن المجتهد إلى وجوب امور يلزم من فعلها الحرج.
فيرد عليه:
أولا، منع إمكانه، لانا علمنا بأدلة نفي الحرج أن الواجبات الشرعية في الواقع ليست بحيث يوجب العسر على المكلف.ومع هذا العلم الاجمالي يمتنع الظن التفصيلي بوجوب أمور في الشريعة يوجب إرتكابها العسر، على مر نظيره في الايراد على دفع الرجوع إلى البراء‌ة.
وثانيا، سلمنا إمكان ذلك، إما لكون الظنون الحاصلة في السائل الفرعية كلها او بعضها ظنونا نوعية لا تنافي العلم الاجمالي بمخالفة البعض للواقع، أو بناء على أن المستفاد من أدلة نفي العسر ليس هو القطع ولا الظن الشخصي بانتفاء العسر، بل غايته الظن النوعي الحاصل من العمومات بذلك، فلا ينافي الظن الشخصي الفصيلي في المسائل الفرعية على الخلاف، وإما بناء على ما ربما يدعى من عدم التنافي بين الظنون التفصيلية الشخصية والعمل الاجمالي بخلافها.
كما في الظن الحاصل من الغلبة مع العلم الاجمالي بوجود الفرد النادر على الخلاف.
لكن نمنع وقوع ذلك، لان الظنون الحاصلة للمجتهد، بناء على مذهب الامامية من عدم إعتبار الظن القياسي وأشبهاهه، ظنون حاصلة من أمارات مضبوطة محصورة، كأقسام الخبر والشهرة والاستقراء والاجماع المنقول والاولوية الاعتبارية ونظائرها.
ومن المعلوم للمتتبع فيها أن مؤدياتها لا تفضي إلى الحرج، لكثرة ما يخالف الاحتياط فيها، كما لا يخفى على من لاحظها وسبرها سبرا إجماليا.
وثالثا، سلمنا إمكانه ووقوعه، لكن العمل بتلك الظنون لا يؤدي إلى إختلال النظام، حتى لا يمكن إخراجها من عمومات نفي العسر، فنعمل بها في مقابلة عمومات نفي العسر ونخصصها بها، لما عرفت من قبولها التخصيص في غير مورد الاختلال.وليس هذا كرا على ما فر منه، حيث أنا عملنا بالظن فرارا عن لزوم العسر.
فإذا أدى إليه فلا وجه للعمل به، لان العسر اللازم على تقدير طرح العمل بالظن كان بالغا حد إختلال النظام من جهة لزوم مراعاة الاحتمالات الموهومة والمشكوكة.
وأما الظنون المطابقة لمقتضى الاحتياط، فلا بد من العمل بها، سواء عملنا بالظن أم عملنا بالاحتياط.
وحينئذ ليس العسر اللازم من العمل بالظنون الاجتهادية في فرض المعترض من جهة العمل بالظن، بل من جهة مطابقته لمقتضى الاحتياط.
فلو عمل بالاحتياط وجب عليه أن يضيف إلى تلك الظنون الاحتمالات الموهومة والمشكوكة المطابقة للاحتياط.
ومنها: أنه يقع التعارض بين الادلة الدالة على حرمة العمل بالظن والعمومات النافية للحرج.
والاول أكثر، فيبقى أصالة الاحتياط مع العلم الاجمالي بالتكاليف الكثيرة سليمة عن المزاحم.

[199]

وفيه: ما لا يخفى، لما عرفت في تأسيس الاصل، من أن العمل بالظن ليس فيه إذا لم يكن بقصد التشريع والالتزام شرعا بمؤداه حرمة ذاتية.وإنما يحرم إذا أدى إلى مخالفة الواقع من وجوب أو تحريم.
فالنافي للعمل بالظن فيما نحن فيه ليس إلا قاعدة الاحتياط الآمرة بإحراز الاحتمالات الموهومة وترك العمل بالظنون المقابلة لتلك الاحتمالات، وقد فرضنا أن قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلة نفي العسر.
ثم لو فرضنا ثبوت الحرمة الذاتية للعمل بالظن ولو لم يكن على جهة التشريع، لكن عرفت سابقا عدم معارضة عمومات نفي العسر بشئ من العمومات المثبتة للتكليف المتعسر.
ومنها: أن الادلة النافية للعسر إنما تنفي وجوده في الشريعة بحسب أصل الشرع اولا وبالذات، في تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع، ولذا لو نذر المكلف أمورا عسرة، كالاخذ بالاحتياط في جميع الاحكام الغير المعلومة، وكصوم الدهر أو إحياء بعض الليالي أو المشي إلى الحج أو الزيارات، لم يمنع تعسرها عن إنعقاد نذرها، لان الالتزام بها إنما جاء من قبل المكلف، وكذا لو آجر نفسه لعمل شاق لم يمنع مشقته من صحة الاجارة ووجوب الوفاء بها.
وحينئذ فنقول: لا ريب أن وجوب الاحتياط بإتيان كل ما يحتمل الوجوب وترك كل ما يحتمل الحرمة، إنما هو من جهة إختفاء الاحكام الشرعية المسبب عن الكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن الشارع المبينة للاحكام والمميزة للحلال عن الحرام.
وهذا السبب وإن لم يكن عن فعل كل مكلف لعدم مدخلية أكثر المكلفين في ذلك، إلا أن التكليف بالعسر ليس قبيحا عقليا حتى يقبح أن يكلف به من لم يكن سببا له ويختص عدم قبحه بمن صار التعسر من سوء إختياره، بل هو أمر منفي بالادلة الشرعية السمعية.
وظاهرها أن المنفي هو جعل الاحكام الشرعية أولا وبالذات على وجه يوجب العسر على المكلف، فلا ينافي عروض التعسر لامتثالها من جهة تقصير المقصرين في ضبطها وحفظها عن الاختفاء مع كون ثواب الامتثال حينئذ أكثر بمراتب.
ألا ترى أن الاجتهاد الواجب على المكلفين، ولو كفاية، من الامور الشاقة جدا، خصوصا في هذه الازمنة.
فهل السبب فيه إلا تقصير المقصرين الموجبين لاختفاء آثار الشريعة، وهل يفرق في نفي العسر بين الوجوب الكفائي والعيني.
والجواب: عن هذا الوجه أن أدلة نفي العسر، سيما البالغ منه حد إختلال النظام والاضرار بأمور المعاش والمعاد، لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع.
وهو الذي أريد بقولهم عليهم السلام: (ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر)، وبين ما يكون مسندا إلى غيره.
ووجوب

[200]

صوم الدهر على ناذره إذا كان فيه مشقة لا يتحمل عادة ممنوع.وكذا أمثالها من المشي إلى بيت الله جل ذكره، وإحياء الليالي، وغيرهما.
مع إمكان أن يقال بأن ما ألزمه المكلف على نفسه من المشاق خارج عن العمومات، لا ما كان السبب فيه نفس المكلف.
فيفرق بين الجنابة متعمدا فلا يجب الغسل مع المشقة، وبين إجارة النفس للمشاق، لان الحم في الاول تأسيس من الشارع وفي الثاني إمضاء لما ألزمه المكلف على نفسه.
فتأمل.
وأما الاجتهاد الواجب كفاية عند إنسداد باب العلم، فمع أنه شئ يقضي بوجوبه الادلة القطعية، فلا ينظر إلى تعسره وتيسره.فهو ليس أمرا حرجا، خصوصا بالنسبة إلى أهله، فإن مزاولة العلوم لاهلها ليس بأشق من أكثر المشاغل الصعبة التي يتحملها الناس لمعاشهم.وكيف كان فلا يقاس عليه.
وأما عمل العباد بالاحتياط ومراقبة ما هو أحوط الامرين أو الامور في الوقائع الشخصية إذا دار الامر فيها بين الاحتياطات التمعارضة، فإن هذا دونه خرط القتاد، إذ أوقات المجتهد لا تفي بتميز موارد الاحتياطات، ثم إرشاد المقلدين إلى ترجيح بعض الاحتياطات على بعض، عند تعارضها في الموارد الشخصية التي تتفق للمقلدين.
كما مثلنا لك سابقا في الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر.

[201]

وقد يرد الاحتياط بوجوه أخر غير ما ذكرنا من الاجماع والحرج منها: أنه لا دليل على وجوب الاحتياط وأن الاحتياط أمر مستحب إذا لم يوجب إلغاء الحقوق الواجبة.
وفيه: أنه إن أريد أنه لا دليل على وجوبه في كل واقعة إذا لوحظت مع قطع النظر عن العلم الاجمالي بوجود التكليف بينها وبين الوقائع الاخر فهم مسلم، بمعنى أن كل واقعة ليست مما يقتضي الجهل فيها بنفسها الاحتياط بل الشك فيها، إن رجع إلى التكليف، - كما في شرب التتن و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال - لم يجب فيها الاحتياط، وإن رجع إلى تعيين المكلف به، كالشك في القصر والاتمام والظهر والجمعة، وكالشك في مدخلية شئ في العبادات، بناء على وجوب الاحتياط فيما شك في مدخليته وجب فيها الاحتياط، لكن وجوب الاحتياط في ما نحن فيه في الوقائع المجهولة من جهة العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات فيها، وإن كان الشك في نفس الواقعة شكا في التكليف.
ولذا ذكرنا سابقا أن الاحتياط هو مقتضى القاعدة الاولية عند إنسداد باب العلم.
نعم من لا يوجب الاحتياط حتى مع العلم الاجمالي بالتكليف فهو يستريح عن كلفة الجواب عن الاحتياط.
ومنها: أن العمل بالاحتياط مخالف للاحتياط، لان مذهب جماعة من العلماء بل المشهور بينهم إعتبار معرفة الوجه بمعنى تمييز الواجب عن المستحب إجتهادا أو تقليدا.
قال في الارشاد، في أوائل الصلاة: (يجب معرفة واجب أفعال الصلاة من مندوبها وإيقاع كل منهما على وجهه).
وحينئذ ففي الاحتياط إخلال بمعرفة الوجه التي أفتى جماعة بوجوبها وباطلاق بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد.
وفيه: أولا، أن معرفة الوجه مما يمكن، للمتأمل في الادلة وفي إطلاقات العبارات وفي سيرة

[202]

المسلمين وفي سيرة النبي، صلى الله عليه وآله، والائمة، عليهم السلام، مع الناس، الجزم بعدم إعتبارها، حتى مع التمكن من المعرفة العلمية.
ولذا ذكر المحقق، قدس سره، كما في محكي المدارك في باب الوضوء: (أن ما حققه المتكلمون من وجوب إيقاع الفعل لوجهه أو وجه وجوبه كلام شعري)، وتمام الكلام في غير هذا المقام.
وثانيا، لو سلمنا وجوب المعرفة أو إحتمال وجوبها الموجب للاحتياط، فإنما هو مع التمكن من المعرفة العلمية.
أما مع عدم التمكن فلا دليل عليه قطعا.
لان إعتبار معرفة الوجه إن كان لتوقف نية الوجه عليها، فلا يخفى أنه لا يجدي المعرفة الظنية في نية الوجه، فإن مجرد الظن بوجوب شئ لا يتأتى معه القصد إليه لوجوبه، إذ لا بد من الجزم بالنية.
ولو إكتفى بمجرد الظن بالوجوب ولو لم يكن نية حقيقة فهو مما لا يفي بوجوبه ما ذكروه في إشتراط نية الوجه.
نعم لو كان الظن المذكور مما ثبت وجوب العمل به، تحقق معه نية الوجه الظاهرى على سبيل الجزم.
لكن الكلام بعد في وجوب العمل بالظن.
فالتحقيق: أن الظن بالوجه إذا لم يثبت حجيته فهو كالشك فيه لا وجه لمراعاة نية الوجه معه أصلا.
وإن كان إعتبارها لاجل توقف الامتثال التفصيلي المطلوب عقلا أو شرعا عليه - ولذا أجمعوا ظاهرا على عدم كفاية الامتثال الاجمالي مع التمكن من التفصيلي بأن يتمكن من الصلاة إلى القبلة في مكان ويصلي في مكان آخر غير معلوم القبلة إلى أربع جهات أو يصلي في ثوبين مشتبهين أو أكثر، مرتين أو أكثر، مع إمكان صلاة واحدة في ثوب معلوم الطهارة، إلى غير ذلك - ففيه: إن ذلك إنما هو مع التمكن من العلم التفصيلي.
وأما مع عدم التمكن منه، كما في ما نحن فيه، فلا دليل على ترجيح الامتثال التفصيلي الظني على الامتثال الاجمالي العلمي، إذ لا دليل على ترجيح صلاة واحدة في مكان إلى جهة مظنونة على الصلاة المكررة في مكان مشتبه الجهة، بل بناء العقلاء في إطاعتهم العرفية على ترجيح العلم الاجمالي على الظن التفصيلي.
وبالجملة، فعدم جواز الاحتياط مع التمكن من تحصيل الظن مما لم يقم له وجه.
فإن كان ولا بد من إثبات العمل بالظن فهو بعد تجويز الاحتياط والاعتراف برجحانه وكونه مستحبا، بل لا يبعد ترجيح الاحتياط على تحصيل الظن الخاص الذي قام الدليل عليه بالخصوص، فتأمل.
نعم الاحتياط مع التمكن من العلم التفصيلي في العبادات مما انعقد الاجماع ظاهرا على عدم جوازه، كما أشرنا إليه في أول الرسالة، في مسألة إعتبار العلم الاجمالي وأنه كالتفصيلي من جميع الجهات أم لا، فراجع.

[203]

ومما ذكرنا ظهر أن القائل بإنسداد باب العلم وإنحصار المناص في مطلق الظن ليس له أن يتأمل في صحة عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد إذا أخذ بالاحتياط، لانه لم يبطل عند انسداد باب العلم إلا وجوب الاحتياط، لا جوازه أو رجحان.
فالاخذ بالظن عنده وترك الاحتياط عنده من باب الترخيص ودفع العسر والحرج، لا من باب العزيمة.
ثالثا، سلمنا تقديم الامتثال التفصيلي ولو كان ظنيا، على الاجمالي ولو كان علميا، لكن الجمع ممكن بين تحصيل الظن في المسألة ومعرفة الوجه ظنا والقصد إليه على وجه الاعتقاد الظني والعمل على الاحتياط.
مثلا، إذا حصل الظن بوجوب القصر في ذهاب أربعة فراسخ، فيأتي بالقصر بالنية الظنية الوجوبية ويأتي بالاتمام بقصد القربة إحتياطا أو بقصد الندب.
وكذلك إذا حصل الظن بعدم وجوب السورة في الصلاة، فينوي الصلاة الخالية عن السورة على وجه الوجوب، ثم يأتي بالسورة قربة إلى الله تعالى للاحتياط.
ورابعا، لو أغمضنا عن جميع ما ذكرنا فنقول: إن الظن إذا لم يثبت حجيته فقد كان اللازم يمقتضى العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات في الوقائع المشتبهة هو الاحتياط، كما عرفت سابقا.
فإذا وجب الاحتياط حصل معرفة وجه العبادة وهو الوجوب، وتأتى نية الوجه الظاهري كما تأتى في جميع الموارد التي يفتي فيها الفقهاء بالوجوب من باب الاحتياط وإستصحاب الاشتغال فتأمل.
فتحصل مما ذكرنا أن العمدة في رد الاحتياط هي ما تقدم من الاجماع ولزوم العسر دون غيرهما.
اللهم إلا أن يقال: إن هناك شيئا ينبغي أن ينبه عليه: وهو أن نفي الاحتياط بالاجما والعسر لا يثبت إلا أنه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها ومشكوكها وموهومها.
ويندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلا أو بعضا، بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة، لانها الاولى بالاهمال.
وإذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر، يبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار.
لما تقرر في مسألة الاحتياط، من أنه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الاتيان بمحتملات وقام الدليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر، تعين مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات ولم يسقط وجوب الاحتياط رأسا.
توضيح ما ذكرنا: أنا نفرض المشتبهات التي علم إجمالا بوجود الواجبات الكثيرة فيها بين مظنونات الوجوب ومشكوكات الوجوب وموهومات الوجوب، وكان الاتيان بالكل عسرا أو قام

[204]

الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الجميع تعين ترك الاحتياط وإهماله في موهومات الوجوب.
بمعنى أنه إذا تعلق ظن بعدم الوجوب لم يجب الاتيان.
وليس هذا معنى حجية الظن، لان الفرق - بين المعنى المذكور، وهو أن مظنون عدم الوجوب لا يجب الاتيان به، وبين حجية الظن بمعنى كونه في الشريعة معيارا لامتثال التكاليف الواقعية نفيا وإثباتا.
وبعبارة أخرى: الفرق بين تبعيض الاحتياط في الموارد المشتبهة وبين جعل الظن فيها حجة - هو أن الظن إذا كان حجة في الشرع، كان الحكم في الواقعة الخالية عنه الرجوع إلى ما يقتضيه الاصل في تلك الواقعة من دون إلتفات إلى العلم الاجمالي بوجود التكاليف الكثيرة بين المشتبهات، إذ حال الظن حينئذ كحال العلم التفصيلي والظن الخاص بالوقائع، فيكون الوقائع بين معلومة الوجوب تفصيلا أو ما هو بمنزلة المعلوم وبين مشكوكة الوجوب رأسا.
وأما إذا لم يكن الظن حجة - بل كان غاية الامر، بعد قيام الاجماع ونفي الحرج على عدم لزوم الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة التي علم إجمالا بوجود التكاليف بينها، عدم وجوب الاحتياط بالاتيان بما ظن عدم وجوبه، لان ملاحظة الاحتياط في موهومات الوجوب خلاف الاجماع و موجب للعسر - كان اللازم في الواقعة الخالية عن الظن الرجوع إلى ما يقتضيه العلم الاجمالي المذكور من الاحتياط، لان سقوط الاحتياط في سلسلة الموهومات لا يقتضي سقوطه في المشكوكات، لاندفاع الحرج بذلك.
وحاصل ذلك: أن مقتضى القاعدة العقلية والنقلية لزوم الامتثال العلمي التفصيلي للاحكام والتكاليف المعلومة إجمالا.
ومع تعذره يتعين الامتثال العلمي الاجمالي، وهو الاحتياط المطلق.
ومع تعذره لو دار الامر بين الامتثال الظني في الكل وبين الامتثال العلمي الاجمالي في البعض والظني في الباقي كان الثاني هو المتعين عقلا ونقلا.
ففيما نحن فيه إذا تعذر الاحتياط الكلي ودار الامر بين إلغائه بالمرة والاكتفاء بالاطاعة الظنية وبين إعماله في المشكوكات والمظنونات وإلغائه في الموهومات كان الثاني هو المتعين.
ودعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط في المشكوكات، خلاف الانصاف لقلة المشكوكات، لان الغالب حصول الظن إما بالوجوب وإما بالعدم.
اللهم إلا أن يدعى قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا.
وحاصله: دعوى أن الشارع لا يريد الامتثال العلمي الاجمالي في التكاليف الواقعية المشتبهة بين الوقائع.
فيكون حاصل دعوى الاجماع دعوى إنعقاده على أنه لا يجب شرعا الاطاعة العلمية الاجمالية في

[205]

الوقائع المشتبهة مطلقا، لا في الكل ولا في البعض.
وحينئذ تعين الانتقال إلى الاطاعة الظنية.
لكن الانصاف: أن دعواه مشكلة جدا وان كان تحققه مظنونا بالظن القوي، لكنه لا ينفع ما لم ينته إلى حد العلم.
فإن قلت: إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، فقد ظن بأن المرجع في كل مورد منها إلى ما يقتضيه الاصل الجاري في ذلك المورد، فيصير الاصول مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة.
فالمظنون في تلك المسائل عدم وجوب الواقع فيها على المكلف وكفاية الرجوع إلى الاصول.
وسيجئ أنه لا فرق في الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد بين الظن المتعلق بالواقع وبين الظن المتعلق بكون شئ طريقا إلى الواقع وكون العمل به مجزيا عن الواقع وبدلا عنه ولو تخلف عن الواقع.
قلت: مرجع الاجماع، قطعيا كان أو ظنيا، على الرجوع في المشكوكات إلى الاصول هو الاجماع على وجود الحجة الكافية في المسائل التي إنسد فيها باب العلم حتى تكون المسائل الخالية عنها موارد للاصول.
ومرجع هذا إلى دعوى الاجماع على حجية الظن بعد الانسداد.
[ قلت: مسالة إعتبار الظن بالطريق موقوف على هذه المسألة.
بيان ذلك أنه لو قلنا ببطلان لزوم الاحتياط في الشريعة رأسا من جهة إشتباه التكاليف الواقعية فيها وعدم لزوم الامتثال العلمي الاجمالي حتى في المشكوكات وكفاية الامتثال الظني في جميع تلك الواقعات المشتبهة، لم يكن فرق بين حصول الظن بنفس الواقع وبين حصول الظن بقيام شئ من الامور التعبدية مقام الواقع في حصول البراء‌ة الظنية عن الواقع والظن بسقوط الواقع في الواقع أو في حكم الشارع وبحسب جعله.
أما لو لم يثبت ذلك، بل كان غاية ما ثبت هو عدم لزوم الاحتياط بإحراز الاحتمالات الموهومة للزم العسر، كان اللازم جواز العمل على خلاف الاحتياط في الوقائع المظنون عدم وجوبها أو عدم تحريمها.
وأما الوقائع المشكوك وجوبها أو تحريمها فهي باقية على طبق مقتضى الاصل من الاحتياط اللازم المراعاة، بل الوقائع المظنون وجوبها أو تحريمها يحكم فيها بلزوم الفعل أو الترك من جهة كونها من محتملات الواجبات والمحرمات الواقعية.
وحينئذ فإذا قام ما يظن كونه طريقا على عدم وجوب أحد الموارد المشكوك وجوبها، فلا يقاس

[206]

بالظن القائم على عدم وجوب مورد من الموارد المشتبهة في ترك الاحتياط، بل اللازم هو العمل بالاحتياط، لانه من الموارد المشكوكة، والظن بطريقية ما قام عليه لم يخرجه عن كونه مشكوكا.
وأنت خبير بأن جميع موارد الطرق المظنونة التي يراد إثبات إعتبار الظن بالطريق فيها إنما هي من المشكوكات، إذ لو كان نفس المورد مظنونا مع ظن الطريق القائم عليه لم يحتج إلى إعمال الظن بالطريق ولو كان مظنونا، بخلاف الطريق التعبدي المظنون كونه طريقا، لتعارض الظن الحاصل من الطريق والظن الحاصل في المورد على خلاف الطريق.
وسيجئ الكلام في حكمه على تقدير إعتبار الظن بالطريق.
والحاصل: أن إعتبار الظن بالطريق وكونه بالظن في الواقع مبني على القطع ببطلان الاحتياط رأسا، بمعنى أن الشارع لم يرد منا في مقام إمتثال الاحكام المشتبهة الامتثال العلمي الاجمالي حتى يستنتج من ذلك حكم العقل بكفاية الامتثال الظني لانه المتعين بعد الامتثال العلمي بقسميه من التفصيلي والاجمالي.
فيلزم من ذلك ما سنختاره من عدم الفرق بعد كفاية الامتثال الظني بين الظن بأداء الواقع والظن بمتابعة طريق جعله الشارع مجزيا عن الواقع.وسيجئ تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.ز ].
فإن قلت: إذا لم يقم في موارد الشك ما ظن طريقيته، لم يجب الاحتياط في ذلك المورد من جهة كونه أحد محتملات الواجبات أو المحرمات الواقعية وإن حكم بوجوب الاحتياط من جهة إقتضاء القاعدة في نفس المسألة.
كما لو كان الشك فيه في المكلف به.
وهذا إجماع من العلماء، حيث لم يحتط احد منهم في مورد الشك من جهة إحتمال كونه من الواجبات والمحرمات الواقعية، وإن إحتاط الاخباريون في الشبهة التحريمية من جهة مجرد إحتمال التحريم.
فإذا كان عدم وجوب الاحتياط إجماعيا مع عدم قيام ما يظن طريقيته على عدم الوجوب، فمع قيامه لا يجب الاحتياط بالاولوية القطعية.
قلت: العلماء إنما لم يذهبوا إلى الاحتياط في موارد الشك، لعدم العلم الاجمالي لهم بالتكاليف، بل الوقائع لهم بين معلوم التكليف تفصيلا أو مظنون لهم بالظن الخاص وبين مشكوك التكليف رأسا.
ولا يجب الاحتياط في ذلك عند المجتهدين بل عند غيرهم في الشبهة الوجوبية.
والحاصل: أن موضوع عمل العلماء بإنفتاح باب العلم أو الظن الخاص مغاير لموضوع عمل القائلين بالانسداد.
وقد نبهنا على ذلك غير مرة في بطلان التمسك لى بطلان البراء‌ة والاحتياط بمخالفتهما لعمل العلماء، فراجع.

[207]

ويحصل مما ذكر إشكال آخر أيضا من جهة أن نفي الاحتياط بلزوم العسر لا يوجب كون الظن حجة ناهضة لتخصيص العمومات الثابتة بالظنون الخاصة ومخالفة سائر الظواهر الموجودة فيها.
ودعوى: (أن باب العلم والظن الخاص إذا فرض إنسداده سقط عمومات الكتاب والسنة المتواترة وخبر الواحد الثابت حجيته بالخصوص عن الاعتبار للعلم الاجمالي بمخالفة ظواهر أكثرها لمراد المتلكم، فلا يبقى ظاهر ههنا على حاله حتى يكون الظن الموجود على خلافه من باب المخصص والمقيد)، مجازفة، إذ لا علم ولا ظن بطرو مخالفة الظاره في غير الخطابات التي علم إجمالها بالخصوص.
مثل: أقيموا الصلاة، ولله على الناس حج البيت، وشبههما.
وأما كثير من العمومات التي لا نعلم بإجمال كل منها، فلا يعلم ولا يظن بثبوت المجمل بينها، لاجل طرو التخصيص في بعضها.وسيجئ بيان ذلك عند التعرض لحال نتيجة المقدمات إن شاء الله.هذا كله حال الاحتياط في جميع الوقائع.
وأما الرجوع في كل واقعة إلى ما يقتضيه الاصل في تلك الواقعة، من غير إلتفات إلى العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات بين الوقائع، بأن يلاحظ نفس الواقعة: فإن كان فيها حكم سابق يحتمل بقاؤه إستصحب، كالماء المتغير بعد زوال التغيير.
وإلا فإن كان الشك في أصل التكليف، كشرب التتن، أجري البراء‌ة، وإن كان الشك في تعيين المكلف به، مثل القصر والاتمام: فإن أمكن الاحتياط وجب، وإلا تخير، كما إذا كان الشك في تعيين التكليف الالزامي، كما إذا دار الامر بين الوجوب والتحريم.
فيرد هذا الوجه أن العلم الاجمالي بوجود الواجبات والمحرمات يمنع عن إجراء البراء‌ة والاستصحاب المطابق لها المخالف للاحتياط، بل وكذا العلم الاجمالي بوجود غير الواجبات والمحرمات في الاستصحابات المطابقة للاحتياط يمنع من العمل بالاستصحابات من حيث أنها إستصحابات، وإن كان لا يمنع من العمل بها من حيث الاحتياط، فتأمل، لكن الاحتياط في جميع ذلك يوجب العسر.
وبالجملة، فالعمل بالاصول النافية للتكليف في مواردها مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة، وبالاصول المثبتة للتكليف من الاحتياط والاستصحاب مستلزم للحرج.وهذا لكثرة المشتبهات في المقامين، كما لا يخفى على المتأمل.
وأما رجوع هذا الجاهل الذي إنسد عليه باب العلم في المسائل المشتبهة إلى فتوى العالم بها و تقليده فيها، فهو باطل لوجهين:
أحدهما الاجماع القطعي.
والثاني أن الجاهل الذي وظيفته الرجوع

[208]

إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص.
وأما الجاهل الذي يبذل الجهد وشاهد مستند العالم وغلطه في إستناده إليه واعتقاده عنه، فلا دليل على حجية فتواه بالنسبة إليه.وليست فتواه من الطرق المقررة لهذا الجاهل.
فإن من يخطئ القائل بحجية خبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها، كيف يجوز له متابعته؟ وأي مزية له عليه؟ حتى يجب رجوع هذا إليه ولا يجب العكس.
وهذا هو الوجه فيما أجمع عليه العلماء، من أن المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة على التكليف كان حكمه الرجوع إلى البراء‌ة، لا إلى من يعتقد وجود دليل على التكليف.
والحاصل: أن إعتقاد مجتهد ليس حجة على مجتهد آخر خال عن ذلك الاعتقاد، وأدلة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم يراد بها العالم الذي يختفي منشأ علمه على ذلك الجاهل، لا مجرد المعتقد بالحكم.
ولا فرق بين المجتهدين المعتقدين المختلفين في الاعتقاد وبين المجتهدين اللذين أحدهما اعتقد الحكم عن دلالة والاخر إعتقد بفساد تلك الدلالة، فلم يحصل له إعتقاد.
وهذا شئ مطرد في باب مطلق رجوع الجاهل إلى العالم، شاهدا كان أو مفتيا أو غيرهما.