امور ينبغي التنبيه عليها .. الامر الاول: لا فرق في الامتثال الظني بين ...
الحكم الواقعي والحكم الظاهري
إنك قد عرفت أن قضية المقدمات المذكورة وجوب الامتثال الظني للاحكام المجهولة، فاعلم أنه لا فرق في الامتثال الظني بين تحصيل الظن بالحكم الفرعي الواقعي، كأن يحصل من شهرة القدماء الظن بنجاسة العصير العنبي، وبين تحصيل الظن بالحكم الفرعي الظاهري، كأن يحصل من أمارة الظن بحجية أمر لا يفيد الظن، كالقرعة مثلا.
فإذا ظن حجية القرعة حصل الامتثال الظني في مورد القرعة، وإن لم يحصل ظن بالحكم الواقعي، إلا أنه حصل ظن ببراءة ذمة المكلف في الواقعة الخاصة، وليس الواقع بما هو واقع مقصودا للمكلف إلا من حيث كون تحققه مبرءا للذمة.
فكما أنه لا فرق في مقام التمكن من العلم بين تحصيل العلم بنفس الواقع وبين تحصيل العلم بموافقة طريق علم كون سلوكه مبرءا للذمة في نظر الشارع، فكذا لا فرق عند تعذر العلم بين الظن بتحقق الواقع وبين الظن ببراءة الذمة في نظر الشارع.وقد خالف في هذا التعميم فريقان.
أحدهما: من يرى أن مقدمات دليل الانسداد لا تثبت إلا إعتبار الظن وحجيته في كون الشئ طريقا شرعيا مبرءا للذمة في نظر الشارع ولا تثبت إعتباره في نفس الحكم الفرعي، زعما منهم عدم نهوض المقدمات المذكورة لاثبات حجية الظن في نفس الاحكام الفرعية، إما مطلقا أو بعد العلم الاجمالي بنصب الشارع طرقا للاحكام الفرعية.
الثاني: مقابل هذا، وهو من يرى أن المقدمات المذكورة لا تثبت إلا إعتبار الظن في نفس الاحكام الفرعية.
أما الظن بكون الشئ طريقا مبرءا للذمة فهو ظن في المسألة الاصولية لم يثبت إعتباره فيها من دليل الانسداد، لجريانها في المسائل الفرعية دون الاصولية.
وأما الطائفة الاولى فقد ذكروا لذلك وجهين.
[213]
أحدهما - وهو الذي إقتصر عليه بعضهم - ما لفظه: (إنا كما نقطع بأنا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليا بأحكام فرعية كثيرة، ولا سبيل لنا بحكم العيان و شهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع ولا بطريق معين نقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه أو قيام طريقه مقام القطع ولو عند تعذره، كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك الاحكام طرقا مخصوصة وكلفنا تكليفا فعليا بالرجوع إليها في معرفتها.
ومرجع هذين القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد، وهو القطع بأنا مكلفون تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة.
وحيث أنه لا سبيل غالبا إلى تعيينها بالقطع ولا بطريق نقطع عن السمع بقيامه بالخصوص أو قيام طريقه، كذلك مقام القطع ولو بعد تعذره.
فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين تلك الطرق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيته، لانه أقرب إلى العلم وإلى إصابة الواقع مما عداه).
وفيه: أولا، إمكان منع نصب الشارع طرقا خاصة للاحكام الواقعية وافية بها.
كيف؟ وإلا لكان وضوح تلك الطرق كالشمس في رائعة النهار، لتوفر الدواعي بين المسلمين على ضبطها، لاحتياج كل مكلف إلى معرفتها أكثر من حاجته إلى معرفة صلواته الخمس.
وإحتمال إختفائها مع ذلك - لعروض دواعي الاختفاء، إذ ليس الحاجة إلى معرفة الطريق أكثر من الحاجة إلى معرفة المرجع بعد النبي، صلى الله عليه وآله - مدفوع بالفرق بينهما، كما لا يخفى.
وكيف كان، فيكفي في رد الاستدلال إحتمال عدم نصب الطريق الخاص للاحكام وإرجاع إمتثالها إلى ما يحكم به العقلاء وجرى عليه ديدنهم في إمتثال أحكام الملوك والموالي مع العلم بعدم نصب الطريق الخاص للاحكام، من الرجوع إلى العلم الحاصل من تواتر النقل عن صاحب الحكم أو بإجتماع جماعة من أصحابه على عمل خاص أو الرجوع إلى الظن الاطميناني
[214]
الذي يسكن إليه النفس ويطلق عليه العلم عرفا، ولو تسامحا، في إلقاء إحتمال الخلاف.
وهو الذي يحتمل حمل كلام السيد عليه، حيث إدعى إنفتاح باب العلم، هذا حال المجتهد.
وأما المقلد، فلا كلام في نصب الطريق الخاص له، وهو فتوى مجتهده، مع إحتمال عدم النصب في حقه أيضا، فيكون رجوعه إلى المجتهد من باب الرجوع إلى أهل الخبرة المركوز في أذهان جميع العقلاء، ويكون بعض ما ورد من الشارع في هذا الباب تقريرا لهم، لا تأسيسا.
وبالجملة، فمن المحتمل قريبا إحالة الشارع للعباد في طريق إمتثال الاحكام إلى ما هو المتعارف بينهم في إمتثال أحكامهم العرفية من الرجوع إلى العلم او الظن الاطميناني.
فإذا فقدا تعين الرجوع ايضا بحكم العقلاء إلى الظن الغير الاطميناني، كما أنه لو فقد - والعياذ بالله - الامارات المفيدة لمطلق الظن، لتعين الامتثال باخذ أحد طرفي الاحتمال فرارا عن المخالفة القطعية والاعراض عن التكاليف الالهية الواقعية.
فظهر مما ذكرنا إندفاع ما يقال من أن منع نصب الطريق لا يجامع القول ببقاء الاحكام الواقعية، إذ بقاء التكليف من دون نصب طريق إليها ظاهر البطلان.
توضيح الاندفاع: أن التكليف إنما يقبح مع عدم ثبوت الطريق رأسا، ولو بحكم العقل الحاكم بالعمل بالظن، مع عدم الطريق الخاص أو مع ثبوته وعدم رضاء الشارع بسلوكه، وإلا فلا يقبح التكليف مع عدم الطريق الخاص وحكم العقل بمطلق الظن ورضاء الشارع به.
ولهذا إعترف هذا المستدل على أن الشارع لم ينصب طريقا خاصا يرجع إليه عند إنسداد باب العلم في تعيين الطرق الخاصة الشرعية مع بقاء التكليف بها.
وربما يستشهد للعلم الاجمالي بنصب الطريق بان المعلوم من سيرة العلماء في إستنباطهم هو إتفاقهم على طريق خاص وإن إختلفوا في تعيينه.
وهو ممنوع، اؤلا، بأن جماعة من أصحابنا، كالسيد رحمه الله، وبعض من تقدم عليه وتأخر عنه، منعوا نصب الطريق الخاص رأسا بل أحاله بعضهم.
وثانيا، لو أغمضنا عن مخالفة السيد وأتباعه، لكن مجرد قول كل من العلماء بحجية طريق خاص حسب ما أدى إليه نظره لا يوجب العلم الاجمالي بأن بعض هذه الطرق منصوبة، لجواز خطأ كل واحد فيما أدى إليه نظره.
وإختلاف الفتاوى في الخصوصيات لا يكشف عن تحقق القدر المشترك، إلا إذا كان إختلافهم راجعا إلى التعيين على وجه ينبئ عن إتفاقهم على قدر مشترك.
نظير الاخبار المختلفة في الوقائع المختلفة، فإنها لا توجب تواتر القدر المشترك، إلا إذا علم من
[215]
أخبارهم كون الاختلاف راجعا إلى التعيين.
وقد حقق ذلك في باب التواتر الاجمالي والاجماع المركب، وربما يجعل تحقق الاجماع على المنع عن العمل بالقياس وشبهه ولو مع إنسداد باب العلم كاشفا عن أن المرجع إنما هو طريق خاص.
وينتقض:
أولا، بأنه مستلزم لكون المرجع في تعيين الطريق أيضا طريقا خاصا للاجماع على المنع عن العمل فيه بالقياس.
ويحل:
ثانيا، بأن مرجع هذا إلاشكال الاتي في خروج القياس عن مقتضى دليل الانسداد، فيدفع بأخذ الوجوه الاتية.
فإن قلت: ثبوت الطريق إجمالا مما لا مجال لانكاره، حتى على مذهب من يقول بالظن المطلق، فإن غاية الامر أنه يجعل مطلق الظن طريقا عقليا رضي به الشارع.
فنصب الشارع للطريق بالمعنى الاعم من الجعل والتقرير معلوم.
قلت: هذه مغالطة، فإن مطلق الظن ليس طريقا في عرض الطرق المجعولة حتى يتردد الامر بين كون الطريق هو مطلق الظن أو طريقا آخر مجعولا، بل الطريق العقلي بالنسبة إلى الطريق الجعلي كالاصل بالنسبة إلى الدليل.
إن وجد الطريق الجعلي لم يحكم العقل بكون الظن طريقا، لان الظن بالواقع لا يعمل به في مقابلة القطع ببراءة الذمة، وإن لم يوجد كان طريقا، لان إحتمال البراءة لسلوك الطريق المحتمل لا يلتفت إليه مع الظن بالواقع.
فمجرد عدم ثبوت الطريق الجعلي، كا في ما نحن فيه، كاف في حكم العقل بكون مطلق الظن طريقا.
وعلى كل حال فتردد الامر بين مطلق الظن وطريق خاص آخر مما لا معنى له.
وثانيا، سلمنا نصب الطريق، لكن بقاء ذلك الطريق لنا غير معلوم.
بيان ذلك: أن ما حكم بطريقيته لعله قسم من الاخبار ليس منه بأيدينا اليوم إلا قليل، كأن يكون الطريق المنصوب هو الخبر المفيد للاطمينان الفعلي بالصدور الذي كان كثيرا في الزمان السابق لكثرة القرائن، ولا ريب في ندرة هذا القسم في هذا الزمان أو خبر العادل أو الثقة الثابت عدالته أو وثاقته بالقطع أو البينة الشرعية أو الشياع مع إفادته الظن الفعلي بالحكم.
ويمكن دعوى ندرة هذا القسم في هذا الزمان، إذ غاية الامر أن نجد الراوي في الكتب الرجالية محكي التعديل بوسائط عديدة، من مثل الكشي والنجاشي وغيرهما.ومن المعلوم أن مثل هذا لا تعد بينة شرعية، ولذا لا يقبل مثله في الحقوق.
ودعوى حجية مثل ذلك بالاجماع ممنوعة، بل المسلم أن الخبر المعدل بمثل هذا حجة بالاتفاق.
لكن قد عرفت سابقا عند تقرير الاجماع على
[216]
حجية خبر الواحد أن مثل هذا الاتفاق العملي لا يجدي في الكشف عن قول الحجة، مع أن مثل هذا الخبر في غاية القلة، خصوصا إذا إنضم إليه إفادة الظن الفعلي.
وثالثا: سلمنا نصب الطريق ووجوده في جملة ما بأيدينا من الطرق الظنية، من أقسام الخبر والاجماع المنقول والشهره، وظهور الاجماع والاستقراء والاولوية الظنية، إلا أن اللازم من ذلك هو الاخذ بما هو المتيقن من هذه.
فإن وفى بغالب الاحكام اقتصر عليه، وإلا فالمتيقن من الباقي.
مثلا، الخبر الصحيح والاجماع المنقول متيقن بالنسبة إلى الشهرة وما بعدها من الامارات، إذ لم يقل أحد بحجية الشهرة وما بعدها دون الخبر الصحيح والاجماع المنقول.
فلا معنى لتعيين الطريق بالظن بعد وجود القدر المتيقن ووجوب الرجوع في المشكوك إلى أصالة حرمة العمل.
نعم لو احتيج إلى العمل بإحدى أمارتين واحتمل نصب كل منهما، صح تعيينه بالظن بعد الاغماض عما سيجئ من الجواب.
ورابعا لو سلمنا عدم وجود القدر المتيقن، لكن اللازم من ذلك وجوب الاحتياط، لانه مقدم على العمل بالظن، لما عرفت من تقديم الامتثال العلمي على الظني، اللهم إلا أن يدل دليل على عدم وجوبه، وهو في المقام مفقود.
ودعوى: (أن الامر دائر بين الواجب والحرام، لان العمل بما ليس طريقا حرام)، مدفوعة: بأن العمل بما ليس طريقا إذا لم يكن على وجه التشريع غير محرم، والعمل بكل ما يحتمل الطريقية رجاء أن يكون هذا هو الطريق لا حرمة فيه من جهة التشريع.
نعم، قد عرفت أن حرمته مع عدم قصد التشريع إنما هي من جهة أن فيه طرحا للاصول المعتبرة من دون حجة شرعية.
وهذا أيضا غير لازم في المقام، لان مورد العمل بالطريق المحتمل إن كان الاصول على طبقه فلا مخالفة، وإن كان مخالفا للاصول: فإن كان مخالفا للاستصحاب النافي للتكليف فلا إشكال، لعدم حجية الاستصحابات بعد العلم الاجمالي بأن بعض الامارات الموجودة على خلافها معتبرة عند الشارع وإن كان مخالفا للاحتياط، فحينئذ يعمل بالاحتياط في المسألة الفرعية، وكذا لو كان مخالفا للاستصحاب المثبت للتلكيف.
فحاصل الامر يرجع إلى العمل بالاحتياط في المسألة اصولية، أعني نصب الطريق إذا لم يعارضه الاحتياط في المسألة الفرعية.فالعمل مطلقا على الاحتياط.
اللهم إلا أن يقال إنه يلزم الحرج من الاحتياط في موارد جريان الاحتياط في نفس المسألة، كالشك في الجزئية وفي موارد الاستصحابات المثبتة للتكليف والنافية له بعد العلم الاجمالي بوجوب العمل في بعضها على
[217]
خلاف الحالة السابقه، إذ يصير حينئذ كالشبهة المحصوره، فتأمل.
وخامسا، سلمنا العلم الاجمالي بوجود الطريق المجعول وعدم المتيقن وعدم وجوب الاحتياط.
لكن نقول: إن ذلك لا يوجب تعيين العمل بالظن في مسألة تعيين الطريق فقط، بل هو مجوز له، كما يجوز العمل بالظن في المسألة الفرعية.
و ذلك، لان الطريق المعلوم نصبه إجمالا، إن كان منصوبا حتى إنفتاح باب العلم، فيكون هو في عرض الواقع مبرءا للذمة، بشرط العلم به، كالواقع المعلوم.
مثلا، إذا فرضنا حجية الخبر مع الانفتاح، تخير المكلف بين إمتثال ما علم كونه حكما واقعيا بتحصيل العلم به وبين إمتثال مؤدى الطريق المجعول الذي علم جعله بمنزلة الواقع.فكل من الواقع ومؤدى الطريق مبرء مع العلم به.
فإذا إنسد باب العلم التفصيلي بأحدهما تعين الاخر، وإذا باب العلم التفصيلي بهما تعين العمل فيهما بالظن.
فلا فرق بين الظن بالواقع والظن بمؤدى الطريق، في كون كل واحد منهما إمتثالا ظنيا.
وإن كان ذلك الطريق منصوبا عند إنسداد باب العلم بالواقع، فنقول: إن تقديمه حينئذ على العمل بالظن إنما هو مع العلم به وتمييزه عن غيره، إذ حينئذ يحكم العقل بعدم جواز العمل بمطلق الظن مع وجودذ هذا الطريق المعلوم، إذ فيه عدول عن الامتثال القطعي إلى الظني، فكذا مع العلم الاجمالي، بناء على أن الامتثال التفصيلي مقدم على الاجمالي أو لان الاحتياط يوجب الحرج المؤدي إلى الاختلال.
أما مع إنسداد باب العلم بهذا الطريق وعدم تميزه عن غيره إلا بإعمال مطلق الظن، فالعقل لا يحكم بتقديم إحراز الطريق بمطلق الظن على إحراز الواقع بمطلق الظن.
وكأن المستدل توهم أن مجرد نصب الطريق ولو مع عروض الاشتباه فيه موجب لصرف التكليف عن الواقع إلى العمل بمؤدى الطريق كما ينبئ عنه قوله.
وحاصل القطعين إلى أمر واحد، وهو التكليف الفعلي بالعمل بمؤديات الطرق.
وسيأتي مزيد توضيح لاندفاع هذا التوهم إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: نحن نرى أنه إذ عين الشارع طريقا للواقع عند إنسداد باب العلم به، ثم إنسد باب العلم بذلك الطريق، كان البناء على العمل بالظن في الطريق دون نفس الواقع.
ألا ترى أن المقلد يعمل بالظن في تعيين المجتهد لا في نفس الحكم الواقعي، والقاضي يعمل بالظن في تحصيل الطرق المنصوبة لقطع المرافعات، لا في تحصيل الحق الواقعي بين المتخاصمين
[218]
قلت: فرق بين ما نحن فيه وبين المثالين، فإن الظنون الحاصلة للمقلد والقاضي في المثالين بالنسبة إلى نفس الواقع أمور غير مضبوطة كثيرة المخالفة للواقع مع قيام الاجماع على عدم جواز العمل بها، كالقياس، بخلاف ظنونهما المعمولة في تعيين الطريق، فإنها حاصلة من أمارات منضبطة غالبة المطابقة لم يدل دليل بالخصوص على عدم جواز العمل بها.
فالمثال المطابق لما نحن فيه أن يكون الظنون المعمولة في تعيين الطريق بعينها هي المعمولة في تحصيل الواقع، لا يوجد بينهما فرق من جهة العلم الاجمالي بكثرة مخالفة إحداهما للواقع، ولا من جهة منع الشارع عن إحداهما بالخصوص.
كما أنا لو فرضنا أن الظنون المعمولة في نصب الطريق على العكس في المثالين كان المتعين العمل بالظن في نفس الواقع دون الطريق.
فما ذكرنا، من العمل على الظن، سواء تعالق بالطريق أن بنفس الواقع، فإنما هو مع مساواتهما من جميع الجهات.
فإنا لو فرضنا أن المقلد يقدر على إعمال نظير الظنون التي يعملها لتعيين المجتهد في الاحكام الشرعية مع قدرة الفحص عما يعارضها على الوجه المعتبر في العمل بالظن، لم يجب عليه العمل بالظن في تعيين المجتهد، بل وجب عليه العمل بظنه في تعيين الحكم الواقعي.
وكذا القاضي إذا شهد عنده عادل واحد بالحق لا يعمل به، وإذا أخبره هذا العادل بعينه بطريق قطع هذه المخاصمة يأخذ به.
فإنما هو لاجل قدرته على الاجتهاد في مسأله الطريق بإعمال الظنون وبذل الجهد في المعارضات ودفعها.
بخلاف الظن بحقية أحد المتخاصمين، فإنه مما يصعب الاجتهاد وبذل الوسع في فهم الحق من المتخاصمين، لعدم إنضباط الامارات في الوقائع الشخصية وعدم قدرة المجتهد على الاحاطه بها حتى يأخذ بالاحرى.
وكما أن المقلد عاجز عن الاجتهاد في المسألة الكلية، كذلك القاضي عاجز عن الاجتهاد في الوقائع الشخصية، فتأمل.
هذا، مع إمكان أن يقال: إن مسألة عمل القاضي بالظن في الطريق مغايرة لمسألتنا، من جهة أن الشارع لم يلاحظ الواقع في نصب الطريق وأعرض عنه، وجعل مدار قطع الخصومة على الطرق التعبدية، مثل الاقرار والبينة واليمين والنكول والقرعة وشبهها، بخلاف الطرق المنصوبة للمجتهد على الاحكام الواقعية، فإن الظاهر أن مبناها على الكشف الغالبي عن الواقع، ووجه تخصيصها من بين سائر الامارات كونها أغلب مطابقة للواقع وكون غيرها غير غالب المطابقة، بل غالب المخالفة.
كما ينبئ عنه ما ورد في العمل بالعقول في دين الله: (وإنه ليس شئ أبعد عن دين الله من عقول الرجال، وإن ما يفسده أكثر مما يصلحه، وإن الدين يمحق بالقياس،
[219]
ونحو ذلك).
ولا ريب أن المقصود من نصب الطريق إذا كان غلبة الوصول إلى الواقع لخصوصية فيها من بين سائر الامارات، ثم إنسد باب العلم بذلك الطريق المنصوب والتجا إلى إعمال سائر الامارات التي لم يعتبرها الشارع في نفس الحكم لوجوب الاوفق منها بالواقع، فلا فرق بين إعمال هذه الامارات في تعيين ذلك الطريق وبين إعمالها في نفس الحكم الواقعي.
بل الظاهر أن إعمالها في نفس الواقع أولى لاحراز المصلحة الاولية التي هي أحق بالمراعاة من مصلحة نصب الطريق، فإن غاية ما في نصب الطريق من المصلحة ما به يتدارك المفسدة المترتبة على مخالفة الواقع اللازمة من العمل بذلك الطريق، لا إدراك المصلحة الواقعية.
ولهذا إتفق العقل والنقل على ترجيح الاحتياط على تحصيل الواقع بالطريق المنصوب في غير العبادات مما لا يعتبر فيه نية الوجه إتفاقا، بل الحق ذلك فيها أيضا، كما مرت الاشارة إليه في إبطال وجوب الاحتياط.
فإن قلت: العمل بالظن في الطريق عمل بالظن في الامتثال الظاهري والواقعي، لان الفرض إفادة الطريق للظن بالواقع، بخلاف غير ما ظن طريقيته، فإنه ظن بالواقع وليس ظنا بتحقق الامتثال في الظاهر، بل الامتثال الظاهري مشكوك أو موهوم بحسب إحتمال إعتبار ذلك الظن.
قلت: أولا، إن هذا خروج عن الفرض، لان مبنى الاستدلال المتقدم على وجوب العمل بالظن في الطريق وإن لم يكن الطريق مفيدا للظن به أصلا.
نعم قد إتفق في الخارج أن الامور التي يعلم بوجود الطريق فيها إجمالا مفيدة للظان شخصا أو نوعا، لا أن مناط الاستدلال إتباع الظن بالطريق المفيد للظن بالواقع.
وثانيا، إن هذا يرجع إلى ترجيح بعض الامارات الظنية على بعض بإعتبار الظن بإعتبار بعضها شرعا دون الاخر، بعد الاعتراف بأن مؤدى دليل الانسداد حجية الظن بالواقع لا بالطريق.
وسيجئ الكلام في أن نتيجة دليل الانسداد على تقدير إفادته إعتبار الظن بنفس الحكم كلية بحيث لا يرجح بعض الظنون على بعض أو مهملة بحيث يجب الترجيح بين الظنون، ثم التعميم مع فقد المرجح؟ والاستدلال المذكور مبني على إنكار ذلك كله، وأن دليل الانسداد جار في مسألة تعيين
[220]
الطريق وهي المسألة الاصولية، لا في نفس الاحكام الواقعية الفرعية، بناء منه على أن الاحكام الواقعية بعد نصب الطرق ليست مكلفا بها تكليفا فعليا إلا بشرط قيام تلك الطرق عليها.فالمكلف به في الحقيقة مؤديات تلك الطرقن لا الاحكام الواقعية من حيث هي.
وقد عرفت مما ذكرنا أن نصب هذه الطرق ليس إلا لاجل كشفها الغالبي عن الواقع ومطابقتها له.
فإذا دار الامر بين إعمال الظن في تعيينها أو في تعيين الواقع لم يكن رجحان للاول.
ثم إذا فرضنا أن نصبها ليس لمجرد الكشف، بل لاجل مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع، لكن ليس مفاد نصبها تقييد الواقع بها وإعتبار مساعدتها في إرادة الواقع، بل مؤدى وجوب العمل بها جعلها عين الواقع ولو بحكم الشارع، لا قيدا له.
والحاصل: أنه فرق بين أن يكون مرجع نصب هذه الطرق إلى قول الشارع: (لا أريد منه الواقع إلا ما ساعد عليه ذلك الطريق)، فينحصر التكليف الفعلي حينئذ في مؤديات الطرق، ولازمه إهمال ما لم يؤد إليه الطريق من الواقع، سواء إنفتح باب العلم بالطريق أم إنسد، وبين أن يكون التكليف الفعلي بالواقع باقيا على حاله، إلا أن الشارع حكم بوجوب البناء على كونت مؤدى الطريق هو ذلك الواقع فمؤدى هذه الطرق واقع جعلي.
فإذا إنسد طريق العلم إليه ودار الامر بين الظن بالواقع الحقيقي وبين الظن بما جعله الشارع واقعا، فلا ترجيح، إذ الترجيح مبني على إغماض الشارع عن الواقع.
وبذلك ظهر ما في قول بعضهم من: (أن التسوية بين الظن بالواقع والظن بالطريق إنما تحسن لو كان أداء التكليف المتعلق بكل من الفعل والطريق المقرر مستقلا، لقيام الظن بكل من التكليفين حينئذ مقام العلم به مع قطع النظر عن الاخر.
وأما لو كان أحد التكليفين منوطا بالاخر مقيدا له، فمجرد حصول الظن بأحدهما دون حصول الظن بالاخر المقيد له لا يقتضي الحكم بالبراءة.
وحصول البراءة في صورة العلم بأداء الواقع إنما هو لحصول الامرين به، نظرا إلى أداء الواقع وكونه من الوجه المقرر لكون العلم طريقا إلى الواقع في العقل والشرع.
فلو كان الظن بالواقع ظنا بالطريق جرى ذلك فيه أيضا، لكنه ليس كذلك، فلذا لا يحكم بالبراءة معه) إنتهى.
[221]
الوجه الثاني ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين مع الوجه الاول وبعض الوجوه الاخر، قال: (لا ريب في كوننا مكلفين بالاحكام الشرعية، ولم يسقط عنا التكليف بالاحكام الشرعية في الجملة، وأن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به وسقوط التكليف عنا، سواء حصل العلم منه بأداء الواقع أولا، حسب ما مر تفصيل القول فيه.
وحينئذ، فنقول: إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به، وإن إنسد علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل الظن بالبراءه في حكمه.
إذ هو الاقرب إلى العلم به، فتعين الاخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد إنسداد سبيل العلم به والقطع ببقاء التكليف، دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع، كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن.
وبينهما بون بعيد، إذ المعتبر في الوجه الاول هو الاخذ بما يظن كونه حجة بقيام دليل ظني على حجيته، سواء حصل منه الظن بالواقع أولا.
وفي الوجه الثاني لا يلزم حصول الظن بالبراءة في حكم الشارع، إذ لا يستلزم مجرد الظن بالواقع الظن بإكتفاء المكلف بذلك الظن في العمل، سيما بعد النهي عن إتباع الظن.
فإذا تعين تحصيل ذلك بمقتضى حكم العقل، حسب ما عرفت، يلزم إعتبار أمر آخر يظن معه رضى المكلف بالعمل به.
وليس ذلك إلا الدليل الظني الدال على حجيته.
فكل طريق قام دليل ظني على حجيته وإعتباره عند الشارع، يكون حجة دون ما لم يقم عليه ذلك، إنتهى بألفاظه.
وأشار بقوله: (حسب ما مر تفصيل القول فيه)، إلى ما ذكره سابقا في مقدمات هذا المطلب، حيث قال - في المقدمة الرابعة من تلك المقدمات -:
[222]
(إن المناط في وجوب الاخذ بالعلم وتحصيل اليقين من الدليل: هل هو اليقين بمصادفة الاحكام الواقعية الاولية إلا أن يقول دليل على الاكتفاء بغيره؟ أو أن الواجب أول هو تحصيل اليقين بتحصيل الاحكام وأداء الاعمال على وجه أراده الشارع منا في الظاهر، وحكم معه قطعا بتفريغ ذمتنا، بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها مما جعلها وسيلة للوصول إليها، سواء علم مطابقته للواقع أو ظن ذلك، أو لم يحصل به شئ منهما؟ وجهان.
الذي يقتضيه التحقيق هو الثاني، فإنه القدر الذي يحكم العقل بوجوبه ودلت الادلة المتقدمه على إعتباره.
ولو حصل العلم بها على الوجه المذكور، لم يحكم العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع، ولم يقض شئ من الادلة الشرعية بوجوب تحصيل شئ آخر وراء ذلك، بل الادلة الشرعية قائمة على خلاف ذلك، إذ لم يبن الشريعة من أول الامر على وجوب تحصيل كل من الاحكام الواقعية على سبيل القطع واليقين، ولم يقع التكليف به حين إنفتاح سبيل العلم بالواقع.
وفي ملاحظة طريقة السلف من زمن النبي، صلى الله عليه وآله، والائمة، عليهم السلام، كفاية في ذلك، إذ لم يوجب النبي - صلى الله عليه وآله - على جميع من في بلده من الرجال والنسوان السماع منه في تبليغ الاحكام، أو حصول التواتر لآحادهم بالنسبة إلى آحاد الاحكام، أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللفظ بالنظر إلى الجميع، بل لو سمعوه من الثقة إكتفوا به)، إنتهى.
ثم شرع في إبطال دعوى حصول العلم بقول الثقة مطلقا - إلى أن قال -: (فتحصل مما قررناه أن العلم الذي هو مناط التكليف أولا هو العلم بالاحكام من الوجه المقرر لمعرفتها والوصول إليها، والواجب بالنسبة إلى العمل هو أداؤه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمة في حكم الشرع، سواء حصل العلم بأدائه على طبق الواقع أو على طبق الطريق المقرر من الشارع، وإن لم يعلم أو لم يظن بمطابقتها للواقع.
[223]
وبعبارة أخرى، لا بد من المعرفة بالتكليف وأداء المكلف به على وجه اليقين أو على وجه منته إلى اليقين، من غير فرق بين الوجهين ولا ترتيب بينهما نعم، لو لم يظهر طريق مقرر من الشارع لمعرفتها تعين الاخذ بالعلم بالواقع على حسب إمكانه، إذ هو طريق إلى الواقع بحكم العقل من غير توقف لايصاله إلى الواقع على بيان الشرع، بخلاف غيره من الطرق المقررة)، إنتهى كلامه، رفع مقامه.
أقول: ما ذكره في مقدمات مطلبه من عدم الفرق بين علم المكلف بأداء الواقع على ما هو عليه وبين العلم بأدائه من الطريق المقرر مما لا إشكال فيه.
نعم ما جزم به - من أن المناط في تحصيل العلم أولا هو العلم بتفريغ الذمة دون أداء الواقع على ما هو عليه - فيه: أن تفريغ الذمة عما إشتغلت به إما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الاوامر الواقعية وإما بفعل ما حكم حكما جعليا بأنه نفس المراد، وهو مضمون الطرق المجعولة، فتفريغ الذمة بهذا على مذهب المخطئه من حيث أنه نفس المراد الواقعي بجعل الشارع، لا من حيث أنه شئ مستقل في مقابل المراد الواقعي، فضلا عن أن يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم واليقين.
والحاصل: أن مضمون الاوامر الواقعية المتعلقة بأفعال المكلفين مراد واقعي حقيقي.
ومضمون الاوامر الظاهرية المتعلقه بالعمل بالطرق المقررة ذلك المراد الواقعي، لكن على سبيل الجعل، لا الحقيقة.
وقد إعترف المحقق المذكور، حيث عبر عنه بأداء الواقع من الطريق المجعول.
فأداء كل من الواقع الحقيقي والواقع الجعلي لا يكون بنفسه إمتثالا وإطاعة للامر المتعلق به ما لم يحصل العلم به.
نعم لو كان كل من الامرين المتعلقين بالادائين مما لا يعتبر في سقوطه قصد الاطاعة والامتثال، كان مجرد كل منهما مسقطا للامرين من دون إمتثال.
وأما الامتثال للامر بهما فلا يحصل إلا مع العلم.
ثم إن هذين الامرين مع التمكن من إمتثالهما يكون المكلف مخيرا في إمتثال أيهما، بمعنى أن المكلف مخير بين تحصيل العلم بالواقع فيتعين عليه وينتفي موضوع الامر الاخر، إذ المفروض كونه ظاهريا قد أخذ في موضوعه عدم العلم بالواقع، وبين ترك تحصيل الواقع وإمتثال الامر الظاهري.
هذا مع التمكن من إمتثالهما.
وأما لو تعذر عليه إمتثال أحدهما تعين عليه إمتثال الاخر، كما لو عجز عن تحصيل العلم
[224]
بالواقع وتمكن من سلوك الطريق المقرر لكونه معلوما له، أو إنعكس الامر بأن تمكن من العلم و إنسد عليه باب سلوك الطريق المقرر لعدم العلم به، ولو عجز عنهما معا قام الظن بهما مقام العلم بهما بحكم العقل.
فترجيح الظن بسلوك الطريق المقرر على الظن بسلوك الواقع لم يعلم وجهه، بل الظن بالواقع أولى في مقام الامتثال، لما أشرنا إليه سابقا من حكم العقل والنقل بأولوية إحراز الواقع.
هذا في الطريق المجعول في عرض العلم بأن أذن في سلوكه مع التمكن من العلم.
وأما إذا نصبه بشرط العجز عن تحصيل العلم، فهو أيضا كذلك، ضرورة أن القائم مقام تحصيل العلم الموجب للاطاعة الواقعية عند تعذره هي الاطاعة الظاهرية المتوقفة على العلم بسلوك الطريق المجعول، لا على مجرد سلوكه.
والحاصل: أن سلوك الطريق المجعول مطلقا أو عند تعذر العلم في مقابل العمل بالواقع.
فكما أن العمل بالواقع مع قطع النظر عن العلم لا يوجب إمتثالا، وإنما يوجب فراغ الذمة من المأمور به واقعا لو لم يؤخذ فيه تحققه على وجه الامتثال، فكذلك سلوك الطريق المجعول مطلقا.
فكل منهما موجب لبراءة الذمة واقعا وإن لم يعلم بحصوله، بل ولو إعتقد عدم حصوله.
وأما العلم بالفراغ المعتبر في الاطاعه، فلا يتحقق في شئ منهما إلا بعد العلم أو الظن القائم مقامه.
فالحكم - بأن الظن بسلوك الطريق المجعول يوجب الظن بفراغ الذمة، بخلاف الظن بأداء الواقع، فإنه لا يوجب الظن بفراغ الذمة، إلا إذا ثبت حجية ذاك الظن وإلا فربما يظن بأداء الواقع من طريق يعلم بعدم حجيته - تحكم صرف.
ومنشأ ما ذكره، قدس سره، تخيل أن نفس سلوك الطريق الشرعي المجعول، في مقابل سلوك الطريق العقلي الغير المجعول.
وهو العلم بالواقع الذي هو سبب تام لبراءة الذمة، فيكون هو أيضا كذلك، فيكون الظن بالسلوك ظنا بالبراءة.
بخلاف الظن بالواقع، لان نفس أداء الواقع ليس سببا تاما للبراءة، حتى يحصل من الظن به الظن بالبراءة.
فقد قاس الطريق الشرعي بالطريق العقلي.
وأنت خبير بأن الطريق الشرعي لا يتصف بالطريقيه فعلا إلا بعد العلم به تفصيلا، وإلا فسلوكه، أعني مجرد تطبيق الاعمال عليه مع قطع النظرعن حكم الشارع، لغو صرف.
ولذلك أطلنا الكلام في أن سلوك الطريق المجعول في مقابل العمل بالواقع، لا في مقابل العلم بالعمل بالواقع.
[225]
ويلزم من ذلك كون كل من العلم والظن المتعلق بأحدهما في مقابل المتعلق بالاخر.
فدعوى: (أن الظن بسلوك الطريق يستلزم الظن بالفراغ، بخلاف الظن بإتيان الواقع)، فاسدة.
هذا كله، مع ما علمت سابقا في رد الوجه الاول مع إمكان منع جعل الشارع طريقا إلى الاحكام.
وإنما إقتصر على الطرق المنجعلة عند العقلاء وهو العلم ثم على الظن الاطميناني.
ثم إنك حيث عرفت أن مآل هذا القول إلى أخذ نتيجة دليل الانسداد بالنسبة إلى المسائل الاصولية وهي حجية الامارات المحتملة للحجية، لا بالنسبة إلى نفس الفروع، فاعلم أن في مقابله قولا آخر لغير واحد من مشايخنا المعاصرين، قدست أسرارهم، وهو عدم جريان دليل الانسداد على وجه يشمل مثل هذه المسألة الاصولية، أعني حجية الامارات المحتملة.
وهذا هو القول الذي ذكرنا في أول التنبيه: أنه ذهب إليه فريق.
وسيأتي الكلام فيه عند التكلم في حجية الظن المتعلق بالمسائل الاصولية إن شاء الله تعالى.
ثم إعلم: أن بعض من لا خبرة له، لما لم يفهم من دليل الانسداد إلا ما تلقن من لسان بعض مشايخه وظاهر عبارة كتاب القوانين، رد القول الذي ذكرناه أولا عن بعض المعاصرين، من حجية الظن في الطريق، لا في نفس الاحكام بمخالفته لاجماع العلماء حيث زعم أنهم بين من يعمم دليل الانسداد لجميع المسائل العلمية أصولية أو فقهية كصاحب القوانين، وبين من يخصصه بالمسائل الفرعية.
فالقول بعكس هذا خرق للاجماع المركب.
ويدفعه: أن المسألة ليست من التوقيفيات التي يدخلها الاجماع المركب، مع أن دعواه في مثل هذه المسائل المستحدثة بشيعة جدا، بل المسألة عقلية.
فإذا فرض إستقلال العقل بلزوم العمل بالظن في مسألة تعيين الطرق، فلا معنى لرده بالاجماع المركب.
فلا سبيل إلى رده إلا بمنع جريان حكم العقل وجريان مقدمات الانسداد في خصوصها، كما عرفته منا، أو فيها في ضمن مطلق الاحكام الشرعية، كما فعله غير واحد من مشايخنا.