الامر الثاني: نتيجة دليل الانسداد قضية مهملة أو كلية
وهو أهم الامور في هذا الباب، أن نتيجة دليل الانسداد: هل هي قضية مهملة من حيث أسباب الظن، فلا يعم الحكم لجميع الامارات الموجبة للظن إلا بعد ثبوت معمم، من لزوم ترجيح بلا مرجح، أو إجماع مركب، أو غير ذلك، أو قضية كلية لا تحتاج في التعميم إلى شئ؟ وعلى التقدير الاول، فهل يثبت المرجح لبعض الاسباب على بعض أم لم يثبت، وعلى التقدير الثاني، أعني كون القضية كلية، فكيف توجبه خروج القياس، مع أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص.
فهنا مقامات:
المقام الاول: في كون نتيجة دليل الانسداد مهملة أو معينة
والتحقيق أنه لا إشكال في أن المقدمات السابقة التي حاصلها بقاء التكليف، وعدم التمكن من العلم، وعدم وجوب الاحتياط، وعدم جواز الرجوع إلى القاعدة التي يقتضيها المقام إذا جرت في مسألة تعين وجوب العمل بأي ظن حصل في تلك المسألة من أي سبب.
وهذا الظن كالعلم في عدم الفرق في إعتباره بين الاسباب والموارد والاشخاص، وهذا ثابت بالاجماع وبالعقل.
وقد سلك هذا المسلك صاحب القوانين، حيث أنه أبطل البراءة في كل مسألة من غير ملاحظة لزوم الخروج عن الدين، وأبطل لزوم الاحتياط كذلك مع قطع النظر عن لزوم الحرج.
ويظهر أيضا من صاحبي المعالم والزبدة، بناء على إقتضاء ما ذكراه لاثبات حجية خبر الواحد للعمل بمطلق
[227]
الظن، فلاحظ.
لكنك قد عرفت مما سبق أنه لا دليل على بطلان جريان أصالة البراءة وأصالة الاحتياط و الاستصحاب المطابق لاحدهما في كل مورد مورد من مواردها بالخصوص.
إنما الممنوع جريانها في جميع المسائل، للزوم المخالفة القطعية الكثيرة ولزوم الحرج عن الاحتياط.
وهذا المقدار لا يثبت إلا وجوب العمل بالظن في الجملة، من دون تعميم بحسب الاسباب ولا بحسب الموارد ولا بحسب مرتبة الظن.
وحينئذ فنقول: إنه إما أن يقرر دليل الانسداد على وجه يكون كاشفا عن حكم الشارع بلزوم العمل بالظن، بأن يقال: إن بقاء التكاليف - مع العلم بأن الشارع لم يعذرنا في ترك التعرض لها و إهمالها، مع عدم إيجاب الاحتياط علينا وعدم بيان طريق مجعول فيها - يكشف عن أن الظن جائز العمل وأن العمل به ماض عند الشارع وأنه لا يعاقبنا على ترك واجب إذا ظن بعدم وجوبه ولا بفعل محرم إذا ظن بعدم تحريمه.
فحجية الظن على هذا التقرير تعبد شرعي كشف عنه العقل من جهة دوران الامر بين أمور كلها باطلة سواه، فالاستدلال عليه من باب الاستدلال على تعيين أحد طرفي المنفصله أو أطرافها بنفي الباقي، فيقال: أن الشارع إما أن أعرض عن هذه التكاليف المعلومة إجمالا، أو أراد الامتثال بها على العلم، أو أراد الامتثال المعلوم إجمالا، أو أراد إمتثالها من طريق خاص تعبدي، أو أراد إمتثالها الظني.
وما عدا الاخير باطل، فتعين هو.
وإما أن يقرر على وجه يكون العقل منشأ للحكم بوجوب الامتثال الظني، بمعنى حسن المعاقبة على تركه وقبح المطالبة بأزيد منه، كما يحكم بوجوب تحصيل العلم وعدم كفاية الظن عند التمكن من تحصيل العلم.
فهذا الحكم العقلي ليس من مجعولات الشارع، إذ كما أن نفس وجوب الاطاعة وحرمة المعصية بعد تحقق الامر والنهي من الشارع ليس من الاحكام المجعولة للشارع، بل شئ يستقل به العقل لا على وجه الكشف، فكذلك كيفية الاطاعة وأنه يكفي فيها الظن بتحصيل مراد الشارع في مقام ويعتبر فيها العلم بتحصيل المراد في مقام آخر إما تفصيلا أو إجمالا.
وتوهم: (أنه يلزم على هذا إنفكاك حكم العقل عن حكم الشارع)، مدفوع: بما قررنا في محله، من أن التلازم بين الحكمين إنما هو مع قابلية المورد لهما.
أما لو كان قابلا لحكم العقل دون الشرع فلا، كما في الاطاعه والمعصية، فإنهما لا يقبلان لورود حكم الشارع عليهما بالوجوب والتحريم الشرعيين بأن يريد فعل الاولى وترك الثانية بإرادة مستقلة غير إرادة فعل المأمور به وترك المنهي
[228]
عنه الحاصلة بالامر والنهي، حتى أنه لو صرح بوجوب الاطاعة وتحريم المعصية، كان الامر والنهي للارشاد لا التكليف، إذ لا يترتب على مخالفة هذا الامر والنهي إلا ما يترتب على ذات المأمور به و المنهي عنه، أعني نفس الاطاعة والمعصية.
وهذا نفس دليل الارشاد، كما في أوامر الطبيب.
ولذا لا يحسن من الحكيم عقاب آخر أو ثواب آخر غير ما يترتب على نفس المأمور به والمنهي عنه فعلا أو تركا من الثواب والعقاب.
ثم إن هذين التقريرين مشتركان في الدلالة على التعميم من حيث الموارد يعني المسائل، إذ على الاول يدعى الاجماع القطعي على أن العمل بالظن لا يفرق فيه بين أبواب الفقه، وعلى الثاني يقال إن العقل مستقل بعدم الفرق في باب الاطاعة والمعصية بين واجبات الفروع من أول الفقه إلى آخره ولا بين محرماتها كذلك، فيبقى التعميم من جهتي الاسباب ومرتبة الظن.
فنقول: أما التقرير الثاني، فهو يقتضي التعميم والكلية من حيث الاسباب، إذ العقل لا يفرق في باب الاطاعة الظنية بين أسباب الظن، بل هو من هذه الجهة نظير العلم لا يقصد منه إلا الانكشاف.
وأما من حيث مرتبة الانكشاف قوة وضعفا فلا تعميم في النتيجة، إذ لا يلزم من بطلان كلية العمل بالاصول التي هي طرق شرعية الخروج عنها بالكلية، بل يمكن الفرق في مواردها بين الظن القوي البالغ حد سكون النفس في مقابلها فيؤخذ به وبين ما دونه فيؤخذ بها.
وأما التقرير الاول، فالاهمال فيه ثابت من جهة الاسباب ومن جهة المرتبة.
إذا عرفت ذلك، فنقول: الحق في تقرير دليل الانسداد هو التقرير الثاني، وأن التقرير على جه الكشف فاسد.
أما أولا، فلان المقدمات المذكورة لا تستلزم جعل الشارع الظن، مطلقا أو بشرط حصوله من اسباب خاصة، حجة، لجواز أن لا يجعل الشارع طريقا للامتثال بعد تعذر العلم أصلا.
بل عرفت في الوجه الاول من الايراد على القول بإعتبار الظن في الطريق أن ذلك غير بعيد.
وهو أيضا طريق العقلاء في التكاليف العرفية، حيث يعملون بالظن في تكاليفهم العرفية مع القطع بعدم جعل طريق لها من جانب الموالي، ولا يجب على الموالي نصب الطريق عند تعذر العلم.
نعم يجب عليهم الرضا بحكم العقل ويقبح عليهم المؤاخذة على مخالفة الواقع الذي يؤدي إليه الامتثال الظني، إلا أن يقال: إن مجرد إمكان ذلك ما لم يحصل العلم به لا يقدح في إهمال النتيجة وإجمالها، فتأمل.
وأما ثانيا، فلانه إذا بنى على كشف المقدمات المذكورة عن جعل الظن على وجه الاهمال والاجمال صح المنع الذي اورده بعض المتعرضين لرد هذا الدليل، وقد أشرنا إلى سابقا.
وحاصله:
[229]
أنه كما يحتمل أن يكون الشارع قد جعل لنا مطلق الظن أو الظن في الجملة المتردد بين الكل والبعض المردد بين الابعاض، كذلك يحتمل أن يكون قد جعل لنا شيئا آخر حجة من دون إعتبار إفادته الظن، لانه أمر ممكن غير مستحيل.
والمفروض عدم إستقلال العقل بحكم في هذا المقام.
فمن أين يثبت جعل الشارع الظن في الجملة دون شئ آخر، ولم يكن لهذا المنع دفع أصلا، إلا أن يدعى الاجماع على عدم نصب شئ آخر غير الظن في الجملة، فتأمل.
وأما ثالثا، فلانه لو صح كون النتيجة مهملة مجملة لم ينفع أصلا إن بقيت على إجمالها، وإن عينت فإما أن تعين في ضمن كل الاسباب وإما أن تعين في ضمن بعضها المعين، وسيجئ عدم تمامية شئ من هذين إلا بضميمة الاجماع، فيرجع الامر بالاخرة إلى دعوى الاجماع على حجية مطلق الظن بعد الانسداد.
فتسميته دليلا عقليا لا يظهر له وجه عدا كون الملازمة بين تلك المقدمات الشرعية ونتيجتها عقلية.
وهذا جار في جميع الادلة السمعية، كما لا يخفى.
[230]
المقام الثاني: في أنه على أحد التقريرين السابقين هل يحكم بتعميم الظن من حيث الاسباب أو المرتبة
أم فنقول: أما على تقدير كون العقل كاشفا عن حكم الشارع بحجية الظن في الجمله، فقد عرفت أن الاهمال بحسب الاسباب وبحسب المرتبة.
ويذكر للتعميم من جهتها وجوه.
الاول [ من طرق التعميم ] عدم المرجح لبعضها على بعض فيثبت التعميم، لبطلان الترجيح بلا مرجح، والاجماع على بطلان التخيير.والتعميم بهذا الوجه يحتاج إلى ذكر ما يصلح أن يكون مرجحا وإبطاله.
وليعلم أنه لا بد أن يكون المعين والمرجح معينا لبعض كاف بحيث لا يلزم من الرجوع بعد الالتزام به إلى الاصول محذور، وإلا فوجوده لا يجدي.
إذا تمهد هذا فنقول: ما يصلح أن يكون معينا أو مرجحا أحد أمور ثلاثة:
الاول: من هذه الامور كون بعض الظنون متيقنا بالنسبة إلى الباقي، بمعنى كونه واجب العمل قطعا على كل تقدير، فيؤخذ به ويطرح الباقي، للشك في حجيته.
وبعبارة أخرى: يقتصر في القضيه المهملة المخالفة للاصل على المتيقن، وإهمال النتيجة حينئذ من حيث الكم فقط، لتردده بين الاقل المعين والاكثر.
ولا يتوهم: (أن هذا المقدار المتيقن حينئذ من الظنون الخاصة، للقطع التفصيلي بحجيته)، لاندفاعه: بأن المراد من الظن الخاص ما علم حجيته بغير دليل الانسداد، فتأمل.
الثاني: كون بعض الظنون أقوى من بعض، فتعين العمل عليه، للزوم الاقتصار في مخالفة الاحتياط اللازم في كل واحد من محتملات التكاليف الواقعية من الواجبات والمحرمات على القدر.
المتيقن.
وهو ما كان الاحتمال الموافق للاحتياط فيه في غاية البعد، فإنه كلما ضعف الاحتمال
[231]
الموافق للاحتياط كان إرتكابه أهون.
الثالث: كون بعض الظنون مظنون الحجية.
فإنه في مقام دوران الامر بينه وبين غيره يكون أولى من غيره، إما لكونه أقرب إلى الحجية من غيره، ومعلوم أن القضية المهملة المجملة تحمل، بعد صرفها إلى البعض بحكم العقل، على ما هو أقرب محتملاتها إلى الواقع، وإما لكونه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع، لان المفروض رجحان مطابقته للواقع، لان المفروض كونه من الامارات المفيدة للظن بالواقع ورجحان كونه بدلا عن الواقع.
لان المفروض الظن بكونه طريقا قائما مقام الواقع، بحيث يتدارك مصلحة الواقع على تقدير مخالفته له، فإحتمال مخالفة هذه الامارة للواقع ولبدله موهوم في موهوم.
بخلاف إحتمال مخالفة سائر الامارات للواقع، لانها على تقدير مخالفتها للواقع لا يظن كونها بدلا عن الواقع.
ونظير ذلك: ما لو تعلق غرض المريض بدواء تعذر الاطلاع العلمي عليه، فدار الامر بين دوائين، أحدهما يظن كونه ذلك الدواء، وعلى تقدير كونه غيره يظن كونه بدلا عنه في جميع الخواص.
والاخر يظن أنه ذلك الدواء، لكن لا يظن أنه على تقدير المخالفة بدل عنه، ومعلوم بالضرورة أن العمل بالاول أولى.
ثم إن البعض المظنون الحجية قد يعلم بالتفصيل، كما إذا ظن حجية الخبر المزكى رواته بعدل واحد او حجية الاجماع المنقول، وقد يعلم إجمالا وجوده بين أمارات.
فالعمل بهذه الامارات أرجح من غيرها الخارج من محتملات ذلك المظنون الاعتبار.
وهذا كما لو ظن عدم حجية بعض الامارات، كالاولوية والشهرة والاستقراء وفتوى الجماعة الموجبة للظن.
فإنا إذا فرضنا نتيجة دليل الانسداد مجملة مرددة بين هذه الامور وغيرها، وفرضنا الظن بعدم حجية هذه، لزم من ذلك الظن بأن الحجة في غيرها وإن كان مرددا بين أبعاض ذلك الغير، فكان الاخذ بالغير أولى من الاخذ بها، لعين ما تقدم وإن لم يكن بين أبعاض ذلك الغير مرجح، فافهم.هذه غاية ما يمكن ان يقال في ترجيح بعض الظنون على بعض.
لكن نقول: إن المسلم من هذه في الترجيح لا ينفع، والذي ينفع غير مسلم كونه مرجحا.
توضيح ذلك: هو أن (المرجح الاول) - وهو تيقن البعض بالنسبة إلى الباقي - وإن كان من المرجحات، بل لا يقال له المرجح، لكونه معلوم الحجية تفصيلا وغيره مشكوك الحجية، فيبقى تحت الاصل، لكنه لا ينفع، لقلته وعدم كفايته، لان القدر المتيقن من هذه الامارات هو الخبر الذي زكي جميع رواته بعدلين، ولم يعمل في تصحيح رجاله ولا في تمييز مشتركاته بظن أضعف نوعا من
[232]
سائر الامارات الاخر ولم يوهن لمعارضته شئ منها، وكان معمولا به عند الاصحاب كلا أو جلا، ومفيدا للظن الاطميناني بالصدور، إذ لا ريب أنه كلما إنتفى أحد هذه الامور الخمسة في خبر، احتمل كون غيره حجة دونه، فلا يكون متيقن الحجية على كل تقدير.
وأما عدم كفاية هذا الخبر لندرته فهو واضح، مع أنه لو كان بنفسه كثيرا كافيا، لكن يعلم إجمالا بوجود مخصصا كثيرة ومقيدات له في الامارات الاخر، فيكون نظير ظواهر الكتاب في عدم جواز التمسك بها مع قطع النظر عن غيرها، إلا أن يؤخذ بعد الحاجة إلى التعدي منها بما هو متيقن بالاضافة إلى ما بقي، فتأمل.
وأما (المرجح الثاني)، وهو كون بعضها أقوى ظنا من الباقي، ففيه: أن ضبط مرتبة خاصة له متعسر أو متعذر، لان القوة والضعف أضافيان، وليس تعارض القوي مع الضعيف هنا في متعلق واحد حتى يذهب الظن من الاضعف ويبقى في الامارة الاخرى.
نعم يوجد مرتبة خاصة، وهو الظن الاطميناني الملحق بالعلم حكما، بل موضوعا، لكنه نادر التحقق.
مع أن كون القوة معينة للقضية المجملة محل منع، إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد ظنا يكون أضعف من غيره.كما هو المشاهد في الظنون الخاصة، فإنها ليست على الاطلاق أقوى من غيرها بالبديهة.
وما تقدم في تقريب مرجحية القوة إنما هو مع كون إيجاب العمل بالظن عند إنسداد باب العلم من منشئآت العقل وأحكامه.
وأما على تقدير كشف مقدمات الانسداد - عن أن الشارع جعل الظن حجة في الجملة وتردد أمره في أنظارنا بين الكل والابعاض - فلا يلزم من كونه بعضها أقوى كونه هو المجعول حجة، لانا قد وجدنا تعبد الشارع بالظن الاضعف وطرح الاقوى في موارد كثيرة.
وأما (المرجح الثالث) - وهو الظن بإعتبار بعض فيؤخذ به لاحد الوجهين المتقدمين - ففيه، مع أن الوجه الثاني لا يفيد لزوم التقديم، بل أولويته: أن الترجيح على هذا الوجه يشبه الترجيح بالقوة والضعف، في أن مداره على الاقرب إلى الواقع.
وحينئذ فإذا فرضنا كون الظن الذي لم يظن بحجيته أقوى ظنا بمراتب من الظن الذي ظن بحجيته، فليس بناء العقلاء على ترجيح الثاني، فيرجع الامر إلى لزوم ملاحظة الموارد الخاصة وعدم وجود ضابطة كلية بحيث يوخذ بها في ترجيح الظن المظنون الاعتبار.
نعم لو فرض تساوي أبعاض الظنون دائما من حيث القوة والضعف، كان ذلك المرجح بنفسه منضبطا.
ولكن الفرض مستبعد بل مستحيل.مع أن اللازم على هذا أن لا يعمل بكل مظنون الحجية، بل بما يظن حجيته بظن قد ظن حجيته، لانه أبعد عن مخالفة الواقع وبدله بناء على
[233]
التقرير المتقدم.وأما الوجه الاول المذكور في تقريب ترجيح مظنون الاعتبار على غيره.
ففيه: أولا، أنه لا أمارة تفيد الظن بحجية أمارة على الاطلاق، فإن أكثر ما أقيم حجية الادلة من الامارات الظنية المبحوث عنها الخبر الصحيح، ومعلوم عند المنصف أن شيئا مما ذكروه لحجيته لا يوجب الظن بها على الاطلاق.
وثانيا، أنه لا دليل على إعتبار مطلق الظن في مسألة تعيين هذا الظن المجمل.
* * *
ثم أنه قد توهم غير واحد أنه ليس المراد إعتبار مطلق الظن وحجيته في مسألة تعيين القضية المهملة، وأنما المقصود ترجيح بعضها على بعض.
فقال بعضهم في توضيح لزوم الاخذ بمظنون الاعتبار، بعد الاعتراف بأنه ليس المقصود هنا إثبات حجية الظنون المظنونة الاعتبار بالامارات الظنية القائمة عليها، ليكون الاتكال في حجيتها على مجرد الظن: (إن الدليل العقلي المثبت لحجيتها هو الدليل العقلي المذكور، والحاصل من تلك الامارات الظنية هو ترجيح بعض الظنون على البعض، فيمنع ذلك من إرجاع القضية المهملة إلى الكلية، بل يقتصر في مفاد القضية المهملة على تلك الجملة.
فالظن المفروض إنما يبعث على صرف مفاد الدليل المذكور إلى ذلك وعدم صرفه إلى سائر الظنون نظرا إلى حصول القوة بالنسبة إليها، لانضمام الظن بحجيتها إلى الظن بالواقع.
فإذا قطع العقل بحجية الظن بالقضية المهملة، ثم وجد الحجية متساوية بالنظر إلى الجميع حكم بحجية الكل.
وأما إذا وجدها مختلفة وكان جملة منها أقرب إلى الحجية من الباقي نظرا إلى الظن بحجيتها دون الباقي، فلا محالة يقدم المظنون على المشكوك والمشكوك على الموهوم في مقام الحيره والجهالة، فليس الظن مثبتا لحجية ذلك الظن، وإنما هو قاض بتقديم جانب الحجية في تلك الظنون، فينصرف إليه ما قضى به الدليل المذكور.
ثم اعترض: على نفسه، بأن صرف الدليل إليها إن كان على وجه اليقين ثم ما ذكر، وإلا كان إتكالا على الظن، والحاصل أنه لا قطع لصرف الدليل إلى تلك الظنون.
[234]
ثم أجاب: بأن الاتكال ليس على الظن بحجيتها، ولا على الظن بترجيح تلك الظنون على غيرها، بل التعويل على القطع بالترجيح.
وتوضحيه: أن قضية دليل الانسداد حجية الظن على سبيل الاهمال، فيدور الامر بين القول بحجية الجمع والبعض، ثم الامر في البعض يدور بين المظنون وغيره، وقضية العقل في الدوران بين الكل والبعض هو الاقتصار على البعض أخذا بالمتيقن.
ولذا قال علماء الميزان: إن المهملة في قوة الجزئية: ولو لم يتعين البعض في المقام ودارت الحجية بينه وبين سائر الابعاض من غير تفاوت في نظر العقل، لزم الحكم بحجية الكل، لبطلان الترجيح من غير مرجح، وأما لو كانت حجية البعض مما فيه الكفاية مظنونة بخصوصه بخلاف الباقي، كان ذلك أقرب إلى الحجية من غيره مما لم يقم على حجيته دليل.فيتعين عند العقل الاخذ به دون غيره، فإن الرجحان حينئذ قطعي وجداني.
والترجيح من جهته ليس ترجيحا بمرجح ظني، وإن كان ظنا بحجية تلك الظنون.
فإن كون المرجح ظنيا لا يقتضي كون الترجيح ظنيا، وهو ظاهر)، إنتهى كلامه، رفع مقامه.
أقول: قد عرفت سابقا أن مقدمات دليل الانسداد، إما أن تجعل كاشفة عن كون الظن في الجملة حجة علينا بحكم الشارع، كما يشعر به قوله: (كان بعض الظنون أقرب إلى الحجية من الباقي)، وإما أن تجعل منشأ لحكم العقل بتعيين إطاعة الله سبحانه حين الانسداد على وجه الظن، كما يشعر به قوله نظرا إلى حصول القوة لتلك الجملة، لانضمام الظن بحجيتها إلى الظن بالواقع.
فعلى الاول، إذا كان الظن المذكور مرددا بين الكل والبعض اقتصر على البعض، كما ذكره، لانه القدر المتيقن.
وأما إذا تردد ذلك البعض بين الابعاض، فالمعين لاحد المحتملين او المحتملات لا يكون إلا بما يقطع بحجيته، كما أنه إذا احتمل في الواقعة الوجوب والحرمة لا يمكن ترجيح أحدهما بمجرد الظن به، إلا بعد إثبات حجية ذلك الظن.
بل التحقيق: أن المرجح لاحد الدليلين عند التعارض كالمعين لاحد الاحتمالين يتوقف على القطع بإعتباره عقلا أو نقلا، وإلا فأصالة عدم إعتبار الظن لا فرق في مجراها بين جعلهإ دليلا وجعله مرجحا.
هذا مع أن الظن المفروض إنما قام على حجية بعض الظنون في الواقعه من حيث الخصوص،
[235]
لا على تعيين الثابت حجيته بدليل الانسداد، فتأمل.
وأما على الثاني، فالعقل إنما يحكم بوجوب الاطاعة على الوجه الاقرب إلى الواقع.
فإذا فرضنا أن مشكوك الاعتبار يحصل منه ظن بالواقع أقوى مما يحصل من الظن المظنون الاعتبار كان الاول أولى بالحجية في نظر العقل.
ولذا قال صاحب المعالم: (إن العقل قاض بأن الظن إذا كان له جهات متعددة متفاوتة بالقوة والضعف، فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح)، إنتهى.
نعم لو كان قيام الظن على حجية بعضها مما يوجب قوتها في نظر العقل، لانها جامعة لادراك الواقع أو بدله على سبيل الظن بخلافه، رجع الترجيح به إلى ما ذكرنا سابقا وذكرنا ما فيه.
وحاصل الكلام يرجع إلى أن الظن بالاعتبار إنما يكون صارفا للقضيه إلى ما قام عليه من الظنون إذا حصل القطع بحجيته في تعيين الاحتمالات أو صار موجبا لكون الاطاعة بمقتضاها أتم، لجمعها بين الظن بالواقع والظن بالبدل.
والاول موقوف على حجية مطلق الظن.
والثاني لا إطراد له، لانه قد يعارضها قوة المشكوك الاعتبار.
وربما إلتزم بالاول بعض من أنكر حجية مطلق الظن، وأورده إلزاما على القائلين بمطلق الظن، فقال كما يقولون: (يجب علينا في كل واقعة البناء على حكم، ولعدم كونه معلوما لنا يجب في تعيينه العمل بالظن، فكذا نقول، بعد ما وجب علينا العمل بالظن ولن نعلم تعيينه: يجب علينا في تعيين هذا الظن العمل بالظن).
ثم إعترض على نفسه، بما حاصله: (إن وجوب العمل بمظنون الحجية لا ينفي غيره.
- فقال: - قلنا: نعم، ولكن لا يكون حينئذ دليل على حجية ظن آخر، إذ بعد ثبوت حجية الظن المظنون الحجية ينفتح باب الاحكام ولا يجري دليلك فيه ويبقى تحت أصالة عدم الحجية).
وفيه: أنه إذا التزم، بإقتضاء مقدمات الانسداد مع فرض عدم المرجح، العمل بمطلق الظن في الفروغ دخل الظن المشكوك الاعتبار وموهومه، فلا مورد للترجيح والتعيين حتى يعين بمطلق
[236]
الظن لان الحاجة إلى التعيين بمطلق الظن فرع عدم العمل بمطلق الظن.
وبعبارة أخرى: إما أن يكون مطلق الظن حجة وإما لا.
فعلى الاول لا مورد للتعيين والترجيح، وعلى الثاني لا يجوز الترجيح بمطلق الظن.
فالترجيح بمطلق الظن ساقط على كل تقدير.
وليس للمعترض القلب بأنه إن ثبت حجية مطلق الظن تعين ترجيح مظنون الاعتبار به، إذ على تقدير ثبوت حجية مطلق الظن لا تعقل ترجيح حتى يتعين الترجيح بمطلق الظن.
ثم إن لهذا المعترض كلاما في ترجيح مظنون الاعتبار بمطلق الظن - لا من حيث حجية مطلق الظن حتى يقال: إن بعد ثبوتها لا مورد للترجيح - لا بأس بالاشارة إليه وإلى ما وقع من الخلط والغفلة منه في المراد بالترجيح هنا.
فقال، معترضا على القائل بما قدمنا، من أن ترجيح أحد المحتملين عين تعيينه بالاستدلال، بقوله: (إن هذا القائل خلط بين ترجيح الشئ وتعيينه ولم يعرف الفرق بينهما.
ولبيان هذا المطلب نقدم مقدمة، ثم نجيب عن كلامه، وهي أنه لا ريب في بطلان الترجيح بلا مرجح، فإنه مما يحكم بقبحه العقل والعرف والعادة، بل يقولون بإمتناعه الذاتي كالترجح بلا مرجح.
والمراد بالترجيح بلا مرجح هو سكون النفس إلى أحد الطرفين والميل إليه من غير مرجح وإن لم يحكم بتعيينه وجوبا.وأما الحكم بذلك فهو أمر آخر وراء ذلك.
ثم أوضح ذلك بأمثلة: منها أنه لو دار أمر العبد في أحكام السلطان المرسلة إليه بين أمور وكان بعضها مظنونا بظن لم يعلم حجيته من طرف السلطان، صح له ترجيح المظنون ولا يجوز له الحكم بلزوم ذلك.
ومنها أنه لو أقدم على أحد طعامان أحدهما ألذ من الاخر فاختاره عليه لم يرتكب ترجيحا بلا مرجح، وإن لم يلزم أكل الالذ، ولكن لو حكم بلزوم الاكل لا بد من تحقق دليل عليه، ولا يكفي مجرد الالذيه.
نعم لو كان أحدهما مضرا صح الحكم باللزوم.
ثم قال: وبالجملة، فالحكم بلا دليل غير الترجيح بلا مرجح، فالمرجح غير الدليل، والاول يكون في مقام الميل والعمل، والثاني يكون في مقام التصديق والحكم.
ثم قال: أن ليس المراد أنه يجب العمل بالظن المظنون حجيته وانه الذي يجب العمل به بعد إنسداد باب العلم.
بل مراده أنه - بعد ما وجب على المكلف،
[237]
لانسداد باب العلم وبقاء التكليف، العمل بالظن، ولا يعلم أي ظن لو عمل بالظن المظنون حجيته - أي نقض يلزم عليه.
فإن قلت: ترجيح بلا مرجح فقد غلطت غلطا ظاهرا، وإن كان غيره، فبينه حتى ننظر)، إنتهى كلامه.
أقول: لا يخفى أنه ليس المراد من أصل دليل الانسداد إلا وجوب العمل بالظن، فإذا فرض أن هذا الواجب تردد بين ظنون، فلا غرض إلا في تعيينه، بحيث يحكم بأن هذا هو الذي يجب العمل به شرعا، حتى يبني المجتهد عليه في مقام العمل ويلتزم بمؤداه على أنه حكم شرعي عزمي من الشارع.
وأما دواعي إرتكاب بعض الظنون دون بعض فهي مختلفة غير منضبطة: فقد يكون الداعي إلى الاختيار موجودا في موهوم الاعتبار لغرض من الاغراض، وقد يكون في مظنون الاعتبار.
فليس الكلام إلا في أن الظن بحجية بعض الظنون هل يوجب الاخذ بتلك الظنون شرعا، بحيث يكون الآخذ بغيره لداع من الدواعي معاقبا عند الله في ترك ما هو وظيفته من سلوك الطريق.
وبعبارة أخرى: هل يجوز شرعا أن يعمل المجتهد بغير مظنون الاعتبار أم لا يجوز؟ إن قلت: لا يجوز شرعا.
قلنا: فما الدليل الشرعي بعد جواز العمل بالظن في الجملة على أن تلك المهملة غير هذه الجزئية.
وإن قلت: يجوز، لكن بدل عن مظنون الاعتبار، لا جمعا بينهما، فهذا هو التخيير الذي التزم المعمم ببطلانه.
وإن قلت: يجوز جمعا بينهما فهذا هو مطلب المعمم.
فليس المراد بالمرجح ما يكون داعيا إلى إرادة أحد الطرفين، بل المراد ما يكون دليلا على حكم الشارع.
ومن المعلوم أن هذا الحكم الوجوبي لا يكون إلا عن حجة شرعية، فلو كان هي مجرد الظن بوجوب العمل بذلك البعض، فقد لزم العمل بمطلق الظن عند إشتباه الحكم الشرعي.
فإذا جاز ذلك في هذا المقام لم لا يجوز في سائر المقامات؟ فلم قلتم إن نتيجة دليل الانسداد حجية الظن في الجملة؟ وبعبارة أخرى: لو إقتضى إنسداد باب العلم في الاحكام تعيين الاحكام المجهولة بمطلق الظن، فلم منعتم إفادة ذلك الدليل إلا لاثبات حجية الظن في الجملة، وإن إقتضى تعيين الاحكام بالظن في الجملة لم يوجب إنسداد باب العلم في تعيين الظن في الجملة الذي وجب العمل به بمقتضى الانسداد العمل في تعيينه بمطلق الظن.
وحاصل الكلام: أن المراد من المرجح هنا هو المعين والدليل الملزم من جانب الشارع ليس إلا.
[238]
فإن كان في المقام شئ غير الظن فليذكر، وإن كان مجرد الظن فلم تثبت حجية مطلق الظن.
فثبت من جميع ذلك أن الكلام ليس في المرجح للفعل، بل المطلوب المرجح للحكم بأن الشارع أوجب بعد الانسداد العمل بهذا دون ذلك.
ومما ذكرنا: يظهر ما في آخر كلام البعض المتقدم ذكره في توضيح مطلبه، من أن كون المرجح ظنيا لا يقتضي كون الترجيح ظنيا.
فإنا نقول: إن كون المرجح قطعيا لا يقتضي ذلك، بل إن قام دليل على إعتبار ذلك المرجح شرعا كان الترجيح به قطعيا، وإلا فليس ظنيا أيضا.
ثم إن ما ذكره الاخير في مقدمته، من أن الترجيح بلا مرجح قبيح، بل محال، يظهر منه خلط بين الترجيح بلا مرجح في الايجاد والتكوين وبينه في مقام الالزام والتكليف.فإن الاول محال، لا قبيح، والثاني قبيح، لا محال.
فالاضراب في كلامه عن القبيح إلى الاستحالة لا مورد له، فافهم.
فثبت مما ذكرنا أن تعيين الظن في الجملة من بين الظنون بالظن غير مستقيم.
وفي حكمه ما لو عين بعض الظنون لاجل الظن بعدم حجية ما سواه، كالاولوية والاستقراء بل الشهره، حيث أن المشهور على عدم إعتبارها، بل لا يبعد دخول الاولين تحت القياس المنهي عنه، بل النهي عن العمل بالاولى منهما وارد في قضية (أبان) المتضمنة لحكم دية أصابع المرأة.
فإنه يظن بذلك أن الظن المعتبر بحكم الانسداد في ما عدا هذه الثلاثة.
وقد ظهر ضعف ذلك مما ذكرنا من عدم إستقامة تعيين القضية المهملة بالظن.
ونزيد هنا أن دعوى حصول الظن على عدم إعتبار هذه الامور ممنوعة، لان مستند الشهرة على عدم إعتبارها ليس إلا عدم الدليل عند المشهور على إعتبارها، فيبقى تحت الاصل، لا لكونها منهيا عنها بالخصوص، كالقياس.
ومثل هذه الشهرة المستندة إلى الاصل لا يوجب الظن بالواقع.
وأما دعوى كون الاولين قياسا، فنكذبه بعمل غير واحد من أصحابنا عليهما.
بل الاولوية قد عمل بها غير واحد من أهل الظنون الخاصة في بعض الموارد.
ومنه يظهر الوهن في دلالة قضية (أبان) على حرمة العمل عليها بالخصوص، فلا يبقى ظن من الرواية بحرمة العمل عليها بالخصوص.
ولو فرض ذلك دخل الاولوية في ما قام الدليل على عدم إعتباره، لان الظن الحاصل من رواية أبان متيقن الاعتبار بالنسبة إلى الاولوية، فحجيتها مع عدم حجية الخبر الدال على المنع عنها غير محتملة، فتأمل.
[239]
ثم بعدما عرفت من عدم إستقامة تعيين القضية المهملة بمطلق الظن، فاعلم: أنه قد يصح تعيينها بالظن في مواضع: أحدها: أن يكون الظن القائم على حجية بعض الظنون من المتيقن إعتباره بعد الانسداد، إما مطلقا، كما إذا قام فرد من الخبر الصحيح المتيقن إعتباره من بين سائر الاخبار وسائر الامارات على حجية بعض ما دونه، فإنه يصير حينئذ متيقن الاعتبار، لاجل قيام الظن المتيقن الاعتبار على إعتباره، وإما بالاضافة إلى ما قام على إعتباره إذا ثبت حجية ذلك الظن القائم.
كما لو قام الاجماع المنقول على حجية الاستقراء مثلا، فإنه يصير بعد إثبات حجية الاجماع المنقول على بعض الوجوه ظنا معتبرا.
ويلحق به ما هو متيقن بالنسبة إليه كالشهرة، إذا كانت متيقنة الاعتبار بالنسبة إلى الاستقراء بحيث لا يحتمل إعتباره دونها.
لكن هذا مبني على عدم الفرق في حجية الظن بين كونه في المسائل الفروعية وكونه في المسائل الاصولية، وإلا فلو قلنا إن الظن في الجملة، الذي قضى به مقدمات دليل الانسداد، إنما هو المتعلق بالمسائل الفرعية دون غيرها، فالقدر المتيقن إنما هو متيقن بالنسبة إلى الفروع، لا غير.
وما ذكرنا سابقا، من عدم الفرق بين تعلق الظن بنفس الحكم الفرعي وبين تعلقه بما جعل طريقا إليه، إنما هو بناء على ما هو التحقيق من تقرير مقدمات الانسداد على وجه يوجب حكومة العقل دون كشفه عن جعل الشارع، والقدر المتيقن مبني على الكشف، كما سيجئ.إلا أن يدعى أن القدر المتيقن في الفروع هو متيقن في المسائل الاصولية أيضا.
الثاني: أن يكون الظن القائم على حجية ظن متحدا لا تعدد فيه، كما إذا كان مظنون الاعتبار منحصرا فيما قام أمارة واحدة على حجيته، فإنه يعمل به في تعيين المتبع وإن كان أضعف الظنون، لانه إذا إنسد باب العلم في مسألة تعيين ما هو المتبع بعد الانسداد ولم يجز الرجوع فيها إلى الاصول حتى الاحتياط، كما سيجئ، تعين الرجوع إلى الظن الموجود في المسألة، فيؤخذ به، لما عرفت من أن كل مسألة إنسد فيها باب العلم وفرض عدم صحة الرجوع فيها إلى مقتضى الاصول، تعين بحكم العقل العمل بأي ظن وجد في تلك المسألة.
الثالث: أن يتعدد الظنون في مسألة تعيين المتبع بعد الانسداد بحيث يقوم كل واحد منها على إعتبار طائفة من الامارات كافية في الفقه.
لكن يكون هذه الظنون القائمة كلها في مرتبة لا يكون إعتبار بعضها مضنونا.
فحينئذ إذا وجب بحكم مقدمات الانسداد في مسألة تعيين المتبع الرجوع فيها إلى الظن في الجملة، والمفروض تساوي الظنون الموجودة في تلك المسألة وعدم المرجح لبعضها،
[240]
وجب الاخذ بالكل بعد بطلان التخيير بالاجماع وتعسر ضبط البعض الذي لا يلزم العسر من الاحتياط فيه.
ثم على تقدير صحة تقرير الانسداد على وجه الكشف، فالذي ينبغي أن يقال: أن اللازم على هذا، أولا، هو الاقتصار على المتيقن من الظنون.
وهل يلحق به كل ما قام المتيقن على إعتباره؟ وجهان، أقواهما العدم، كما تقدم، إذ بناء على هذا التقرير لا نسلم كشف العقل بواسطة مقدمات الانسداد إلا عن إعتبار الظن في الجملة في الفروع دون الاصول، والظن بحجية الامارة الفلانية ظن بالمسألة الاصولية.
نعم مقتضى تقرير الدليل على وجه حكومة العقل أنه لا فرق بين تعلق الظن بالحكم الفرعي أو بحجية طريق.
ثم إن كان القدر المتيقن كافيا في الفقه، بمعنى أنه لا يلزم من العمل بالاصول في مجاريها المحذور اللازم على تقدير الاقتصار على المعلومات، فهو، وإلا فالواجب الاخذ بما هو المتيقن من الامارات الباقية الثابتة بالنسبة إلى غيرها.
فإن كفى في الفقه بالمعنى الذي ذكرنا فهو، وإلا فيؤخذ بما هو المتيقن بالنسبة، وهكذا.
ثم لو فرضنا عدم القدر المتيقن بين الامارات أو عدم كفاية ما هو القدر المتيقن مطلقا أو بالنسبة: فإن لم يكن على شئ منها أمارة، فاللازم الاخذ بالكل، لبطلان التخيير بالاجماع وبطلان طرح الكل بالفرض وفقد المرجح، فتعين الجمع.
وإن قام على بعضها أمارة: فإن كانت أمارة واحدة، كما إذا قامت الشهرة على حجية جملة من الامارات، كان اللازم الاخذ بها، لتعيين الرجوع إلى الشهرة في تعيين المتبع من بين الظنون، وإن كانت امارات متعددة قامت كل واحدة منها على حجية ظن مع الحاجة إلى جميع تلك الظنون في الفقه وعدم كفاية بعضها عمل بها.
ولا فرق حينئذ بين تساوي تلك الامارات القائمة من حيث الظن بالاعتبار والعدم وبين تفارتها في ذلك.
وأما لو قامت كل واحدة منها على مقدار من الامارات كاف في الفقه: فإن لم تتفاوت الامارات القائمة في الظن بالاعتبار وجب الاخذ بالكل، كالامارة الواحدة لفقد المرجح، وإن تفاوتت: فما قام متيقن أو مظنون الاعتبار على إعتباره يصير معينا لغيره، كما إذا قام الاجماع المنقول بناء على كونه مظنون الاعتبار على حجية أمارة غير مظنون الاعتبار وقامت تلك الامارة، فإنها تتعين بذلك.
[241]
هذا كله على تقدير كون دليل الانسداد كاشفا.
وأما، على ما هو المختار من كونه حاكما، فسيجئ الكلام فيه بعد الفراغ عن المعممات التى ذكروها لتعميم النتيجة، إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك، فاللازم على المجتهد أن يتأمل في الامارات، حتى يعرف المتيقن منها حقيقة أو بالاضافة إلى غيرها، ويحصل ما يمكن تحصيله من الامارات القائمة على حجية تلك الامارات، ويميز بين تلك الامارات القائمة من حيث التساوي والتفاوت من حيث الظن بحجية بعضها من أمارة أخرى، ويعرف كفاية ما أحرز إعتباره من تلك الامارات وعدم كفايته في الفقه.
وهذا يحتاج إلى سير مسائل الفقه إجمالا حتى يعرف أن القدر المتيقن من الاخبار، مثلا، لا يكفي في الفقه بحيث يرجع، في موارد خلت عن هذا الخبر، إلى الاصول التي يقتضيها الجهل بالحكم في ذلك المورد.
فأنه إذا إنضم إليه قسم آخر من الخبر، لكونه متيقنا إضافيا، أو لكونه مظنون الاعتبار بظن متبع، هل يكفي أم لا؟ فليس له الفتوى على وجه يوجب طرح سائر الظنون حتى يعرف كفاية ما أحرزه من جهة اليقين أو الظن المتبع.
وفقنا الله للاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد، بحق محمد وآله الامجاد.
الثاني من طرق التعميم ما سلكه غير واحد من المعاصرين من عدم الكفاية حيث إعترفوا - بعد تقسيم الظنون إلى مظنون الاعتبار ومشكوكه - وموهومه بأن مقتضى القاعدة بعد إهمال النتيجة الاقتصار على مظنون الاعتبار، ثم على المشكوك، ثم يتسرى إلى الموهوم.
لكن الظنون المظنونة الاعتبار غير كافية، إما بأنفسها، بناء على إنحصارها في الاخبار الصحيحة بتزكية عدلين، وإما لاجل العلم الاجمالي بمخالفة كثير من ظواهرها للمعانى الظاهرة منها ووجود ما يظن منه ذلك في الظنون المشكوكة الاعتبار.
فلا يجوز التمسك بتلك الظواهر، للعلم الاجمالي المذكور، فيكون حالها حال ظاهر الكتاب والسنة المتواترة في عدم الوفاء بمعظم الاحكام.
فلا بد من التسري، بمقتضى قاعدة الانسداد ولزوم المحذور من الرجوع إلى الاصول، إلى الظنون المشكوكة الاعتبار التي دلت على إرادة خلاف الظاهر في ظواهر مظنون الاعتبار، فيعمل بما هو من مشكوك الاعتبار مخصص لعمومات مظنون الاعتبار ومقيد لاطلاقاته وقرائن لمجازاته.
فإذا وجب العلم بهذه الطائفة من مشكوك الاعتبار، ثبت وجوب العمل لغيرها مما ليس فيها معارضة لظواهر الامارات المظنونة الاعتبار، بالاجماع على عدم الفرق بين أفراد مشكوك
[242]
الاعتبار.
فإن أحدا لم يفرق بين الخبر الحسن المعارض لاطلاق الصحيح وبين خبر حسن آخر غير معارض لخبر صحيح، بل بالاولوية القطعية.
لانه إذا وجب العمل بمشكوك الاعتبار الذي له معارضة لظاهر مظنون الاعتبار، فالعمل بما ليس له معارض أولى.
ثم نقول: إن في ظواهر مشكوك الاعتبار موارد كثيرة تعلم إجمالا بعدم إرادة المعاني الظاهرة، والكاشف عن ذلك ظنا هي الامارات الموهومة الاعتبار، فنعملا بتلك الامارات، ثم نعمل بباقي أفراد الموهوم الاعتبار بالاجماع المركب.
حيث أن أحدا لم يفرق بين الشهره المعارضة للخبر الحسن بالعموم والخصوص وبين غير المعارض له، بل بالاولوية، كما عرفت.
أقول: الانصاف: أن التعميم بهذا الطريق أضعف من التخصيص بمظنون الاعتبار، لان هذا المعمم قد جمع ضعف القولين، حيث إعترف بأن مقتضى القاعدة، لولا عدم الكفاية، الاقتصار على مظنون الاعتبار.
وقد عرفت أنه لا دليل على إعتبار مطلق الظن بالاعتبار إلا إذا ثبت جواز العمل بمطلق الظن عند إنسداد باب العلم.
وأما ما ذكره من التعميم لعدم الكفاية.
ففيه: أولا، أنه مبني على زعم كون مظنون الاعتبار منحصرا في الخبر الصحيح بتزكية عدلين.
وليس كذلك، بل الامارات الظنية من الشهرة ومنا دل على إعتبار قول الثقة، مضافا إلى ما استفيد من سيرة القدماء في العمل بما يوجب سكون النفس من الروايات وفي تشخيص أحوال الرواة، توجب الظن القوي بحجية الخبر الصحيح بتزكية عدل واحد، والخبر الموثق، والضعيف المنجبر بالشهرة من حيث الرواية.
ومن المعلوم كفاية ذلك وعدم لزوم محذور من الرجوع في موارد فقد تلك الامارات إلى الاصول.
وثانيا، أن العلم الاجمالي الذي إدعاه يرجع حاصله إلى العلم بمطابقة بعض مشكوكات الاعتبار للواقع من جهة كشفها عن المرادات في مظنونات الاعتبار.
ومن المعلوم أن العمل بها لاجل ذلك لا يوجب التعدي إلى ما ليس فيه هذه العلة، أعني مشكوكات الاعتبار الغير الكاشفة عن مرادات مظنونات الاعتبار، فإن العلم الاجمالي بوجود شهرات متعددة مقيدة لاطلاقات الاخبار أو مخصصة لعموماتها لا يوجب التعدي إلى الشهرات الغير المزاحمة للاخبار بتقييد أو تخصيص، فضلا عن التسري إلى الاستقراء والاولوية.
ودعوى الاجماع لا يخفى ما فيها، لان الحكم بالحجية في القسم الاول لعلة غير مطردة في القسم الثاني حكم عقلي.
فعلم بعدم تعرض الامام - عليه السلام - له قولا ولا فعلا، إلا من باب تقرير
[243]
حكم العقل.
والمفروض عدم جريان حكم العقل في غير مورد العلة، وهي وجود العلم الاجمالي.
ومن ذلك: يعرف الكلام في دعوى الاولوية، فإن المناط في العمل بالقسم الاول إذا كان هو العمل الاجمالي، فكيف يتعدى إلى ما لا يوجد فيه المناط فضلا عن كونه أولى.
وكأن متوهم الاجماع رأى أن أحدا من العلماء لم يفرق بين أفراد الخبر الحسن أو أفراد الشهرة، ولم يعلم أن الوجه عندهم ثبوت الدليل عليهما مطلقا أو نفيه كذلك، لانهم أهل الظنون الخاصة، بل لو ادعى الاجماع - على أن كل من عمل بجملة من الاخبار الحسان أو الشهرات لاجل العلم الاجمالي بمطابقة بعضها للواقع، لم يعمل بالباقي الخالي عن هذا العلم الاجمالي - كان في محله.
الثالث من طرق التعميم ما ذكره بعض مشايخنا، طاب ثراه، من قاعدة الاشتغال بناء على أن الثابت من دليل الانسداد العمل بالظن في الجملة.
فإذا لم يكن قدر متيقن كاف في الفقه وجب العمل بكل ظن.
ومنع جريان قاعدة الاشتغال هنا - لكون ما عدا واجب العمل من الظنون محرم العمل - فقد عرفت الجواب عنه في بعض أجوبة الدليل الاول من أدلة إعتبار الظن بالطريق.
ولكن فيه: أن قاعدة الاشتغال في مسألة العمل بالظن معارضة في بعض الموارد بقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية.
كما إذا اقتضي الاحتياط في الفروع وجوب السورة، وكان ظن مشكوك الاعتبار على عدم وجوبها، فإنه يجب مراعاة قاعدة الاحتياط في الفروع وقراءة السورة لاحتمال وجوبها.
ولا ينافيه الاحتياط في المسألة الاصولية، لان الحكم الاصولي المعلوم بالاجمال - وهو وجوب العمل بالظن القائم على عدم الوجوب - معناه وجوب العمل على وجه ينطبق مع عدم الوجوب.ويكفي فيه أنه يقع الفعل لا على وجه الوجوب.ولاتنافي بين الاحتياط بفعل السورة لاحتمال الوجوب وكونه لا على وجه الوجوب الواقعي.
وتوضيح ذلك: أن معنى وجوب العمل بالظن وجوب تطبيق عمله عليه.
فإذا فرضنا أنه يدل على عدم وجوب شئ، فليس معنى وجوب العمل به إلا أنه لا يتعين عليه ذلك الفعل.
فإذا إختار فعل ذلك فيجب أن يقع الفعل لا على وجه الوجوب، كما لو لم يكن هذا الظن وكان غير واجب بمقتضى الاصل.
لا أنه يجب أن يقع على وجه عدم الوجوب، إذ لا يعتبر في الافعال الغير الواجبة قصد عدم الوجوب.
نعم يجب التشرع والتدين بعدم الوجوب، سواء فعله أو
[244]
تركه من باب وجوب التدين بجميع ما علم من الشرع.
وحينئذ فإذا تردد الظن الواجب العمل المذكور بين ظنون تعلقت بعدم وجوب أمور، فمعنى وجوب ملاحظة ذلك الظن المجمل المعلوم إجمالا وجوبه أن لا يكون فعله لهذه الامور على وجه الوجوب.
كما لو لم يكن هذه الظنون وكان هذه الامور مباحة بحكم الاصل ولذا يستحب الاحتياط وإتيان الفعل، لاحتمال أنه واجب.
ثم إذا فرض العلم الاجمالي من الخارج بوجوب أحد هذه الاشياء على وجه يجب الاحتياط والجمع بين تلك الامور.
فيجب على المكلف الالتزام بفعل كل واحد منها لاحتمال أن يكون هو الواجب.
وما اقتضاه الظن القائم على عدم وجوبه من وجوب أن يكون فعله لا على وجه الوجوب باق بحاله.
لان الاحتياط في الجميع لا يقتضي إتيان كل منها بعنوان الوجوب الواقعي، بل بعنوان أنه محتمل الوجوب.
والظن القائم على عدم وجوبه لا يمنع من لزوم إتيانه على الوجه.
كما أنه لو فرضنا ظنا معتبرا معلوما بالتفصيل، كظاهر الكتاب، دل على عدم وجوب شئ لم يناف مؤداه لاستحباب الاتيان بهذا الشئ لاحتمال الوجوب، هذا.
وأما ما قرع سمعك - من تقديم قاعدة الاحتياط في المسألة الاصولية على الاحتياط في المسألة الفرعية أو تعارضهما - فليس في مثل المقام.
بل مثال الاول منهما ما إذا كان العمل بالاحتياط في المسألة الاصولية مزيل للشك الموجب للاحتياط في المسألة الفرعية.
كما إذا تردد الواجب بين القصر والاتمام ودل على أحدهما أمارة من الامارات التي يعلم إجمالا بوجوب العمل ببعضها، فإنه إذا قلنا بوجوب العمل بهذه الامارات يصير حجة معينة لاحدى الصلاتين.
إلا أن الاحتياط في المسألة الاصولية إنما يقتضي إتيانها لا نفي غيرها.
فالصلاة الاخرى حكمها حكم السورة في عدم جواز إتيانها على وجه الوجوب.
فلا تنافي وجوب إتيانها، لاحتمال الوجوب، فيصير نظير ما نحن فيه.
وأما الثاني، وهو مورد المعارضة - فهو كما إذا علمنا إجمالا بحرمة شئ من بين أشياء، ودلت على وجوب كل منها أمارات نعلم إجمالا بحجية إحداهما، فإن مقتضى هذا وجوب الاتيان بالجميع، ومقتضى ذلك ترك الجميع، فافهم.
وأما دعوى (أنه إذا ثبت وجوب العمل بكل ظن في مقابل غير الاحتياط من الاصول وجب العمل به في مقابل الاحتياط للاجماع المركب)، فقد عرفت شناعته.
فإن قلت: إذا عملنا في مقابل الاحتياط بكل ظن يقتضي التكليف وعملنا في مورد الاحتياط
[245]
بالاحتياط لزم العسر والحرج، إذ يجمع حينئذ بين كل مظنون الوجوب وكل مشكوك الوجوب أو موهوم الوجوب مع كونه مطابقا للاحتياط اللازم.
فإذا فرض لزوم العسر من مراعاة الاحتياطين معا في الفقه تعين دفعه بعدم وجوب الاحتياط في مقابل الظن.
فإذا فرض هذا الظن مجملا لزم العمل بكل ظن مما يقتضي الظن بالتكليف إحتياطا.
وأما الظنون المخالفة للاحتياط اللازم فيعمل بها فرارا عن لزوم العسر.
قلت: دفع العسر يمكن بالعمل ببعضها، فما المعمم؟ فيرجع الامر إلى أن قاعدة الاشتغال لا ينفع ولا يثمر في الظنون المخالفة للاحتياط، لانك عرفت أنه لا يثبت وجوب التسري إليها فضلا عن التعميم فيها، لان التسري إليها كان للزوم العسر، فافهم.
هذا كله على تقدير تقرير مقدمات دليل الانسداد على وجه يكشف عن حكم الشارع بوجوب العمل بالظن في الجملة.
وقد عرفت أن التحقيق خلاف هذا التقرير، وعرفت أيضا ما ينبغي سلوكه على تقدير تماميته من وجوب إعتبار المتيقن حقيقة أو بالاضافة، ثم ملاحظة مظنون الاعتبار بالتفصيل الذي تقدم في آخر المعمم من المعممات الثلاثة.
وأما على تقدير تقريرها على وجه يوجب حكومة العقل - بوجوب الاطاعة الظنية والفرار عن المخالفة الظنية وأنه يقبح من الشارع تعالى إرادة أزيد من ذلك - كما يقبح من المكلف الاكتفاء بما دون ذلك - فالتعميم وعدمه لا يتصور بالنسبة إلى الاسباب، لاستقلال العقل بعدم الفرق فيما إذا كان المقصود الانكشاف الظني بين الاسباب المحصلة له.
كما لا فرق فيما إذا كان المقصود الانكشاف الجزمي بين أسبابه.
وإنما يتصور من حيث مرتبة الظن ووجوب الاقتصار على الظن القوي الذي يرتفع معه التحير عرفا.
بيان ذلك: أن الثابت من مقدمتي بقاء التكليف وعدم التمكن من العلم التفصيلي هو وجوب الامتثال الاجمالي بالاحتياط في إتيان كل ما يحتمل الوجوب وترك كل ما يحتمل الحرمة.
لكن المقدمة الثالثة النافية للاحتياط إنما أبطلت وجوبه على وجه الموجبة الكلية بأن يحتاط في كل واقعة قابلة للاحتياط او يرجع إلى الاصل كذلك.ومن المعلوم أن إبطال الموجبة الكلية لا يستلزم صدق السالبة الكلية.
وحينئذ فلا يثبت من ذلك إلا وجوب العمل بالظن على خلاف الاحتياط والاصول في الجملة.
ثم إن العقل حاكم بأن الظن القوي الاطميناني أقرب إلى العلم عند تعذره، وأنه إذا لم يمكن القطع بإطاعة مراد الشارع وترك ما يكرهه وجب تحصيل ذلك بالظن الاقرب إلى العلم.
[246]
وحينئذ فكل واقعة تقتضي الاحتياط الخاص بنفس المسألة أو الاحتياط العام من جهة كونها إحدى المسائل التي يقطع بتحقق التكليف فيها إن قام على خلاف مقتضى الاحتياط أمارة ظنية توجب الاطمينان بمطابقة الواقع، تركنا الاحتياط وأخذنا بها.
وكل واقعة ليست فيها أمارة كذلك نعمل فيها بالاحتياط، سواء لم يوجد أمارة أصلا كالوقائع المشكوكة أو كانت ولم تبلغ مرتبة الاطمينان.
وكل واقعة لم يمكن فيها الاحتياط تعين التخيير في الاول والعمل بالظن في الثاني وإن كان في غاية الضعف، لان الموافقه الظنية أولى من غيرها.والمفروض عدم جريان البراءة والاستصحاب، لانتقاضهما بالعلم الاجمالي.
فلم يبق من الاصول إلا التخيير، ومحله عدم رجحان أحد الاحتمالين، وإلا فيؤخذ بالراجح.
ونتيجة هذا هو الاحتياط في المشكوكات والمظنونات بالظن الغير الاطميناني إن أمكن وإلا فبالاصول والعمل بالظن في الوقائع المظنونة بالظن الاطميناني.
فإذا علم المكلف قطع بأنه لم يترك القطع بالموافقة الغير الواجب على المكلف من جهة العسر إلا إلى الموافقه الاطمينانية، فيكون مدار العمل على العلم بالبراءة والظن الاطميناني بها.
وأما مورد التخيير، فالعمل فيه على الظن الموجود في المسألة وإن كان ضعيفا فهو خارج عن الكلام، لان العقل لا يحكم فيه بالاحتياط حتى يكون التنزل منه إلى شئ آخر، بل التخيير أو العمل بالظن الموجود تنزل من العلم التفصيلي إليهما بلا واسطة.
وإن شئت قلت: إن العمل في الفقه في مورد الانسداد على الظن الاطميناني ومطلق الظن والتخيير، كل في مورد خاص.وهذا هو الذي يحكم به العقل المستقل.
وقد سبق لذلك مثال في الخارج: وهو ما إذا علمنا بوجود شياه محرمة في قطيع، وكان أقسام القطيع بحسب إحتمال كونها مصداقا للمحرمات خمسة، قسم منها يظن كونها محرمة بالظن القوي الاطميناني، لا أن المحرم منحصر فيه، وقسم منها يظن ذلك فيها بظن قريب من الشك والتحير، وثالث يشك في كونها محمرمة، وقسم منها في مقابل الظن الاول، وقسم منها موهوما في مقابل الظن الثاني.ثم فرضنا في المشكوكات.
وهذا القسم من الموهومات ما يحتمل أن يكون واجب الارتكاب.
وحينئذ فمقتضى الاحتياط وجوب إجتناب الجميع مما لا يحتمل الوجب.
فإذا إنتفى وجوب الاحتياط لاجل العسر واحتيج إلى إرتكاب موهوم الحرمة كان إرتكاب الموهوم في مقابل الظن الاطميناني أولى من الكل، فيبنى على العمل به، ويتخير في المشكوك الذي يحتمل الوجوب، ويعمل بمطلق الظن في المظنون منه.
[247]
لكنك خبير بأن هذا ليس من حجية مطلق الظن ولا الظن الاطميناني في شئ، لان معنى حجيته أن يكون دليلا في الفقه، بحيث يرجع في موارد وجوده إليه لا إلى غيره، وفي موارد عدمه إلى مقتضى الاصل الذي يقتضيه.
والظن هنا ليس كذلك، إذ العمل، إما في موارد وجوده، ففيما طابق منه الاحتياط فالعمل على الاحتياط، لا عليه، إذ لم يدل على ذلك مقدمات الانسداد، وفيما خالف الاحتياط لا يعول عليه إلا بمقدار مخالفة الاحتياط لدفع العسر، وإلا فلو فرض فيه جهة أخرى لم يكن معتبرا من تلك الجهة.
كما لو دار الامر بين شرطية شئ وإباحته وإستحبابه فظن بإستحبابه، فإن لا يدل مقدمات دليل الانسداد إلا على عدم وجوب الاحتياط في ذلك الشئ والاخذ بالظن في عدم وجوبه، لا في إثبات إستحبابه.
وإما في موارد عدمه، وهو الشك، فلا يجوز العمل إلا بالاحتياط الكلي الحاصل من إحتمال كون الواقعة من موارد التكليف المعلومة إجمالا وإن كان لا يقتضيه نفس المسألة.
كما إذا شك في حرمة عصير التمر او وجوب الاستقبال بالمحتضر، بل العمل على هذا الوجه تبعيض في الاحتياط وطرحه في بعض الموارد دفعا للحرج، ثم يعين العقل للطرح البعض الذي يكون وجود التكليف فيها إحتمالا ضعيفا في الغاية.
فإن قلت: إن العمل بالاحتياط في المشكوكات منضمة إلى المظنونات يوجب العسر فضلا عن إنضمام العمل به في الموهومات المقابلة للظن الغير القوي، فيثبت وجوب العمل بمطلق الظن و وجوب الرجوع في المشكوكات إلى مقتضى الاصل.
وهذا مساو في المعنى لحجية الظن المطلق، وإن كان حقيقة تبعيضا في الاحتياط الكلي، لكنه لا يقدح بعد عدم الفرق في العمل.
قلت: لا نسلم لزوم الحرج من مراعاة الاحتياط في المظنونات بالظن الغير القوي في نفي التكليف فضلا عن لزومه من الاحتياط في المشكوكات فقط بعد الموهومات.وذلك، لان حصول الظن الاطميناني في الاخبار وغيرها غير عزيز.
أما في غيرها، فلانه كثيرا ما يحصل الاطمينان من الشهرة والاجماع والاستقراء والاولوية.
وأما الاخبار فلان الظن المبحوث عنه في هذا المقام هو الظن بصدور المتن، هو يحصل غالبا من خبر من يوثق بصدقه ولو في خصوص الرواية وإن لم يكن إماميا او ثقة على الاطلاق، إذ ربما يتسامح في غير الروايات بما لا يتسامح فيها.
وأما إحتمال الارسال، فمخالف لظاهر كلام الراوي، وهو داخل في ظواهر الالفاظ، فلا يعتبر
[248]
فيها إفادة الظن فضلا عن الاطميناني منه.
فلو فرض عدم حصول الظن بالصدور لاجل عدم الظن بالاسناد، لم يقدح في إعتبار ذلك الخبر، لان الجهة التي يعتبر فيها إفادة الظن الاطيماني هو جهة صدق الراوي في إخباره عمن يروي عنه.
وأما أن إخباره بلا واسطة فهو ظهور لفظي لا بأس بعدم إفادته للظن.
فيكون صدور المتن غير مظنون أصلا، لان النتيجة تابعة لاخس المقدمتين.
وبالجملة، فدعوى (كثرة الظنون الاطمينانية في الاخبار وغيرها من الامارات بحيث لا يحتاج إلى ما دونها ولا يلزم من الرجوع في الموارد الخالية عنها إلى الاحتياط محذور وإن كان هناك ظنون لا تبلغ مرتبة الاطمينان)، قريبة جدا.
إلا أنه يحتاج إلى مزيد تتبع في الروايات وأحوال الرواة وفتاوى العلماء.
وكيف كان، فلا أرى الظن الاطميناني الحاصل من الاخبار وغيرها من الامارات اقل عددا من الاخبار المصححة بعدلين، بل لعل هذا أكثر.
ثم إن الظن الاطميناني من أمارة أو أمارات إذا تعلقت بحجية أمارة ظنية كانت في حكم الاطمينان وإن لم تفده، بناء على ما تقدم من عدم الفرق بين الظن بالحكم والظن بالطريق، إلا أن يدعي مدع قلتها بالنسبة إلى نفسه، لعدم الاطمينان له غالبا من الامارات القوية وعدم ثبوت حجية أمارة بها أيضا.
وحينئذ فيتعين في حقه التعدي منه إلى مطلق الظن.
وأما العمل في المشكوكات بما يقتضيه الاصل في المورد، فلم يثبت، بل اللازم بقاؤه على الاحتياط نظرا إلى كون المشكوكات من المحتملات التي يعلم إجمالا بتحقق التكليف فيها وجوبا و تحريما.
ولا عسر في الاحتياط فيها نظرا إلى قلة ألمشكوكات، لان أغلب المسائل يحصل فيها الظن باحد الطرفين، كما لا يخفى.
مع أن الفرق بين الاحتياط في جميعها والعمل بالاصول الجارية في خصوص مواردها إنما يظهر في الاصول المخالفة للاحتياط.
ولا ريب أن العسر لا يحدث بالاحتياط فيها، خصوصا مع كون مقتضى الاحتياط في شبهه التحريم الترك، وهو غير موجب للعسر.
وحينئذ فلا يثبت المدعى من حجية الظن وكونه دليلا بحيث يرجع في موارد عدمه إلى الاصل، بل يثبت عدم وجوب الاحتياط في المظنونات.
والحاصل: أن العمل بالظن من باب الاحتياط لا يخرج المشكوكات عن حكم الاحتياط الكلي الثابت بمقتضى العلم الاجمالي في الوقائع.
نعم لو ثبت بحكم العقل أن الظن عند إنسداد باب العلم مرجعه في الاحكام الشرعية نفيا
[249]
وإثباتا، كالعلم، إنقلب التكليف إلى الظن، وحكمنا بأن الشارع لا يريد إلا الامتثال الظني.
وحيث لا ظن كما في المشكوكات، فالمرجع إلى الاصول الموجودة في خصوصيات المقام.
فيكون كما لو إنفتح باب العلم أو الظن الخاص، فيصير لزوم العسر حكمة في عدم ملاحظة الشارع العلم الاجمالي في الامتثال بعد تعذر التفصيلي، لا علة حتى يدور الحكم مدارها.
ولكن الانصاف: أن المقدمات المذكورة لا تنتج هذه النتيجة، كما يظهر لمن راجعها وتأملها.
نعم لو ثبت أن الاحتياط في المشكوكات يوجب العسر ثبتت النتيجة المذكورة، لكن عرفت فساد دعواه في الغاية.
كدعوى أن العلم الاجمالي المقتضي للاحتياط الكلي إنما هو في موارد الامارات دون المشكوكات، فلا مقتضي فيها للعدول عما يقتضيه الاصول الخاصة في مواردها، فإن هذه الدعوة يكذبها ثبوت العلم الاجمالي بالتكليف الالزامي قبل إستقصاء الامارات، بل قبل الاطلاع عليها، وقد مر تضعيفه سابقا، فتأمل فيه، فإن إدعاء ذلك ليس كل البعيد.
ثم إن نظير هذا الاشكال الوارد في المشكوكات من حيث الرجوع فيها بعد العمل بالظن إلى الاصول العملية وارد فيها، من حيث الرجوع فيها بعد العمل بالظن إلى الاصول اللفظية الجارية في ظواهر الكتاب والسنة المتواترة والاخبار المتيقن كونها ظنونا خاصة.
توضيحه: أن مقدمات دليل الانسداد تقتضي إثبات عدم جواز العمل بأكثر تلك الظواهر، للعلم الاجمالى بمخالفة ظواهرها في كثير من الموارد، فتصير مجملة لا تصلح للاستدلال.
فإذا فرضنا رجوع الامر إلى ترك الاحتياط في المظنونات أو في المشكوكات أيضا، وجواز العمل بالظن المخالف للاحتياط وبالاصل المخالف للاحتياط، فما الذي أخرج تلك الظواهر عن الاجمال حتى يصح بها الاستدلال في المشكوكات، إذ لم يثبت كون الظن مرجعا، كالعلم، بحيث يكفي في الرجوع إلى الظواهر عدم الظن بالمخالفة.
مثلا إذا أردنا التمسك ب (أوفوا بالعقود)، لاثبات صحة عقد إنعقدت أمارة، كالشهرة أو الاجماع المنقول، على فساده.
قيل: لا يجوز التمسك بعمومه، للعلم الاجمالى بخروج كثير من العقود من هذا العموم لا نعلم تفصيلها.
ثم إذا ثبت وجوب العمل بالظن من جهة عدم إمكان الاحتياط في بعض الموارد وكون الاحتياط في جميع موارد إمكانه مستلزما للحرج، فإذا شك في صحة عقد لم يقم على حكمه أمارة
[250]
ظنية، قيل: إن الواجب الرجوع إلى عموم الاية.
ولا يخفى أن إجمالها لا يرتفع بمجرد حكم العقل بعدم وجوب الاحتياط فيما ظن فيه بعدم التكليف.
ودفع هذا - كالاشكال السابق - منحصر في أن يكون نتيجة دليل الانسداد حجية الظن كالعلم، ليرتفع الاجمال في الظواهر، لقيامه في كثير من مواردها من جهة ارتفاع العلم الاجمالي، كما لو علم تفصيلا بعض تلك الموارد، بحيث لا يبقى علم إجمالا في الباقي، أو يدعى أن العلم الاجمالي الحاصل في تلك الظواهر إنما هو بملاحظة موارد الامارات، فلا يقدح في المشكوكات، سواء ثبت حجية الظن أم لا.
وأنت خبير بأن دعوى النتيجة على الوجه المذكور يكذبها مقدمات دليل الانسداد.
ودعوى: (إختصاص المعلوم إجمالا من مخالفة الظواهر بموارد الامارات)، مضعفة بأن هذا العلم حاصل من دون ملاحظة الامارات ومواردها.
وقد تقدم أن المعيار في دخول طائفة من المحتملات في أطراف العلم الاجمالي لنراعي فيها حكمه وعدم دخولها هو تبديل طائفه من محتملات المعلوم لها دخل في العلم الاجمالي بهذه الطائفة المشكوك دخولها.
فإن حصل العلم الاجمالي كانت من أطراف العلم، وإلا فلا.
وقد يدفع الاشكالان بدعوى قيام الاجماع بل الضرورة على أن المرجع في المشكوكات إلى العمل بالاصول اللفظية إن كانت، وإلا فإلى الاصول العملية.
وفيه: أن هذا الاجماع مع ملاحظة الاصول في أنفسها، وأما مع طرو العلم الاجمالي بمخالفتها في كثير من الموارد غاية الكثرة، فالاجماع، على سقوط العمل بالاصول مطلقا، لا على ثبوته.
ثم إن هذا العلم الاجمالي وإن كان حاصلا لكل أحد قبل تمييز الادلة عن غيرها، إلا أن من تعينت له الادلة وقام الدليل القطعي عنده على بعض الظنون عمل بمؤداها وصار المعلوم بالاجمال عنده معلوما بالتفصيل.
كما إذا نصب أمارة طريقا لتعيين المحرمات في القطيع الذي علم بحرمة كثير من شياهها، فإنه يعمل بمقتضى الامارة، ثم يرجع في مورد فقدها إلى أصالة الحل، لان المعلوم إجمالا صار معلوما بالتفصيل.
والحرام الزائد عليه غير معلوم التحقق في أول الامر.
وأما من لم يقم عنده الدليل على أمارة، إلا أنه ثبت له عدم وجوب الاحتياط والعمل بالامارات، لا من حيث أنها أدلة، بل من حيث أنها مخالفة للاحتياط وترك الاحتياط فيها موجب لاندفاع العسر، فلا دافع لذلك العلم الاجمالي لهذا الشخص بالنسبة إلى المشكوكات.
فعلم مما ذكرنا أن مقدمات دليل الانسداد على تقرير الحكومة وإن كانت تامة في الانتاج إلا
[251]
أن نتيجتها لا تفي بالمقصود من حجية الظن وجعله كالعلم أو كالظن الخاص.
وأما على تقرير الكشف فالمستنتج منها وإن كان عين المقصود إلا أن الاشكال والنظر بل المنع في إستنتاج تلك النتيجة.
فإن كنت تقدر على إثبات حجية قسم من الخبر لا يلزم من الاقتصار عليه محذور، كان احسن، وإلا فلا تتعد على تقرير الكشف عما ذكرناه من المسلك في آخره، وعلى تقدير الحكومة ما بينا هنا أيضا من الاقتصار في مقابل الاحتياط على الظن الاطميناني بالحكم أو بطريقية أمارة دلت على الحكم وإن لم تفد إطمينانا، بل ولا ظنا، بناء على ما عرفت مسلكنا المتقدم من عدم الفرق بين الظن بالحكم والظن بالطريق.
وأما في ما لا يمكن الاحتياط فالمتبع فيه - بناء على ما تقدم في المقدمات من سقوط الاصول عن الاعتبار، للعلم الاجمالي بمخالفة الواقع فيها - هو مطلق الظن إن وجد وإلا فالتخيير.
وحاصل الامر عدم رفع اليد عن الاحتياط في الدين مهما أمكن إلا مع الاطمينان بخلافه.
وعليك بمراجعة ما قدمنا من الامارات على حجية الاخبار، عساك تظفر فيها بأمارات توجب الاطمينان بوجوب العمل بخبر الثقة عرفا إذا أفاد الظن وإن لم يفد الاطمينان.
بل لعلك تظفر فيها بخبر مصحح بعدلين مطابق لعمل المشهور مفيد للاطمينان، يدل على حجية المصحح بواحد عدل، نظرا إلى حجية قول الثقة المعدل في تعديله، فيصير بمنزلة المعدل بعدلين حتى يكون المصحح بعدل واحد متبعا، بناء على دليل الانسداد بكلا تقريريه، لان المفروض حصول الاطمينان من الخبر القائم على حجية قول الثقة المعدل المستلزم لحجية المصحح بعدل واحد، بناء على شمول دليل إعتبار خبر الثقة للتعديلات، فيقضي به تقرير الحكومة، وكون مثله متيقن الاعتبار من بين الامارات فيقضي به تقرير الكشف.