المقام الثالث: تعميم الظن على تقرير الكشف أو على تقرير الحكومة

في أنه إذا بني على تعميم الظن، فإن كان التعميم على تقرير الكشف، بأن يكون مقدمات الانسداد كاشفة عن حكم الشارع بوجوب العمل بالظن في الجملة ثم تعميمه بإحدى المعممات المتقدمة، فلا إشكال من جهة العلم بخروج القياس عن هذا العموم، لعدم جريان المعمم فيه بعد وجود الدليل على حرمة العمل به، فيكون التعميم بالنسبة إلى ما عداه، كما لا يخفى على من راجع المعممات المتقدمة.
وأما على تقرير الحكومة، بأن يكون مقدمات الدليل موجبة لحكومة العقل بقبح إرادة الشارع ما عدا الظن وقبح إكتفاء المكلف على ما دونه، فيشكل توجيه خروج القياس، وكيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للاطاعة والمعصية ويقبح عن الآمر والمأمور التعدي عنه.
ومع ذلك يحصل الظن او خصوص الاطمينان من القايس، ولا يجوز الشارع العمل به.
فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن أو خصوص الاطمينان لو فرض ممكنا جرى في غير القياس فلا يكون العقل مستقلا، إذ لعله نهى عن امارة، مثل ما نهى عن القياس بل وأزيد، واختفى علينا.
ولا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع، إذ إحتمال صدور الممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا بقبحه.
وهذا من أفراد ما إشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبح التخصيص، ومنشأة لزوم التناقض.
ولا يندفع إلا بكون الفرد الخارج عن الحكم خارجا عن الموضوع وهو التخصص.
وعدم التناقض في تخصيص العمومات اللفظية إنما هو لكون العموم صوريا، فلا يلزم إلا التناقض الصوري.

[253]

ثم إن الاشكال هنا في مقامين:
أحدهما في خروج مثل القياس وأمثاله مما نقطع بعدم إعتباره.
الثاني في حكم الظن الذي قام على عدم إعتباره ظن آخر، حيث أن الظن المانع والممنوع متساويان في الدخول تحت دليل الانسداد ولا يجوز العمل بهما، فهل يطرحان أو يرجح المانع أو الممنوع منه أو يرجع إلى الترجيح؟ وجوه بل أقوال.
أما المقام الاول [ وهو خروج القياس وأمثاله مما نقطع بعدم إعتباره ]

فقد قيل في توجيهه أمور:
الاول: ما مال إليه أو قال به بعض، من منع حرمة العمل بالقياس في أمثال زماننا.
وتوجيهه، بتوضيح منا، أن الدليل على الحرمة إن كان هي الاخبار المتواترة معنى في الحرمة، فلا ريب أن بعض تلك الاخبار في مقابلة معاصري الائمة، صلوات الله عليهم، من العامة التاركين للثقلين، حيث تركوا الثقل الاصغر الذي عنده علم الثقل الاكبر، ورجعوا إلى إجتهاداتهم وآرائهم، فقاسوا واستحسنوا وضلوا وأضلوا.
وإليهم أشار النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في بيان من يأتى من بعده من الاقوام.
فقال: (برهة يعملون بالقياس).
والامير، صلوات الله عليه، بما معناه: (إن قوما تفلتت عنهم الاحاديث أن يحفظوها وأعوزتهم النصوص أن يعوها فتمسكوا بآرائهم)، إلى آخر الرواية.
وبعض منها إنما يدل على الحرمة من حيث أنه ظن لا يغني من الحق شيئا.

[254]

وبعض منها يدل على الحرمة من حيث إستلزامه لابطال الدين ومحق السنة، لاستلزامه الوقوع غالبا في خلاف الواقع.
وبعض منها يدل على الحرمة و وجوب التوقف إذا لم يوجد ما عداه، ولازمه الاختصاص بصورة التمكن من إزالة التوقف، لاجل العمل بالرجوع إلى أئمة الهدى، عليهم السلام، أو بصورة ما إذا كانت المسألة من غير العمليات أو نحو ذلك.
ولا يخفى أن شيئا من الاخبار الواردة على أحد هذه الوجوه المتقدمة، لا يدل على حرمة العمل بالقياس الكاشف عن صدور الحكم عموما أو خصوصا عن النبي، صلى الله عليه وآله، أو أحد أمنائه، صلوات الله عليهم أجمعين، مع عدم التمكن من تحصيل العلم به ولا الطريق الشرعي، ودوران الامر بين العمل بما يظن أنه صدر منهم عليهم السلام، والعمل بما يظن أن خلافه صدر منهم عليهم السلام، كمقتضى الاصول المخالفة للقياس في موارده أو الامارات المعارضة له.وما ذكرنا واضح على من راعى الانصاف وجانب الاعتساف.
وإن كان الدليل هو الاجماع بل الضرورة عند علماء المذهب، كما ادعي، فنقول: إنه كذلك، إلا أن دعوى الاجماع على الحرمة في كل زمان ممنوعة.
ألا ترى أنه لو فرض - والعياذ بالله - إنسداد باب الظن من الطرق السمعية لعامة المكلفين أو لمكلف واحد بإعتبار ما سنح له من البعد عن بلاد الاسلام، فهل تقول: إنه يحرم عليه العمل بما يظن بواسطة القياس أنه الحكم الشرعي المتداول بين المتشرعة وأنه مخير بين العمل به والعمل بما يقابله من الاحتمال الموهوم، ثم تدعي الضرورة على ما ادعيته من الحرمة، حاشاك.
ودعوى: (الفرق بين زماننا هذا وزمان إنطماس جميع الامارات السمعية) ممنوعة، لان المفروض أن الامارات السمعية الموجودة بأيدينا لم يثبت كونها متقدمة في نظر الشارع على القياس، لان تقدمها على القياس إن كان لخصوصية فيها، فالمفروض بعد إنسداد باب الظن الخاص عدم ثبوت خصوصية فيها، واحتمالها بل ظنها لا يجدي، بل نفرض الكلام فيما إذا قطعنا بأن الشارع لم ينصب تلك الامارات بالخصوص وإن كان لخصوصية في القياس أوجبت كونه دونها في المرتبة، فليس الكلام إلا في ذلك.
وكيف كان، فدعوى الاجماع والضرورة في ذلك في الجملة مسلمة، وأما كليته فلا، وهذه الدعوى ليست بأولى من دعوى السيد ضرورة المذهب على حرمة العمل باخبار الآحاد.
لكن الانصاف: أن إطلاق بعض الاخبار وجميع معاقد الاجماعات يوجب الظن المتاخم

[255]

للعلم، بل العلم بأنه ليس مما يركن إليه في الدين مع وجود الامارات السمعية.
فهو حينئذ مما قام الدليل على عدم حجيته، بل العمل بالقياس المفيد للظن في مقابل الخبر الصحيح، كما هو لازم القول بدخول القياس في مطلق الظن المحكوم بحجيته، ضروري البطلن في المذهب.
الثاني: منع إفادة القياس للظن، خصوصا بعد ملاحظة أن الشارع جمع في الحكم بين ما يتراء‌ى متخالفة وفرق بين ما يتخيل متوالفة.
وكفاك في هذا عموم ما ورد من: (أن دين الله لا يصاب بالعقول، وأن السنة إذا قيست محق الدين، وأنه لا شئ أبعد عن عقول الرجال من دين الله)، وغيرها، مما دل على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس، وخصوص رواية أبان بن تغلب الواردة في دية أصابع الرجل والمرأة الاتية.
وفيه: أن منع حصول الظن من القياس في بعض الاحيان مكابرة مع الوجدان.
وأما كثرة تفريق الشارع بين المؤتلفات وتأليفه بين المختلفات، فلا يؤثر في منع الظن، لان هذه الموارد بالنسبة إلى موارد الجمع بين المؤتلفات أقل قليل.
نعم الانصاف أن ما ذكر من الاخبار في منع العمل بالقياس موهن قوي يوجب غالبا إرتفاع الظن الحاصل منه في بادي النظر.
وأما منعه عن ذلك دائما فلا، كيف؟ وقد يحصل من القياس القطع، وهو المسمى عندهم بتنقيح المناط القطعي.
وأيضا فالاولوية الاعتبارية من أقسام القياس، ومن المعلوم إفادتها للظن، لا ريب أن منشأ الظن فيها هو إستنباط المناط ظنا، وأما آكديته في الفرع فلا مدخل له في حصول الظن.
الثالث: أن باب العلم في مورد القياس ومثله مفتوح، للعلم بأن الشارع أرجعنا في هذه الموارد إلى الاصول اللفظية أو العملية، فلا يقضتي دليل الانسداد إعتبار ظن القياس في موارده.
وفيه: أن هذا العلم إنما حصل من جهة النهي عن القياس.
ولا كلام في وجوب الامتناع عنه بعد منع الشارع، إنما الكلام في توجيه صحة منع الشارع عن العمل به، مع أن موارده وموارد سائر الامارات متساوية.
فإن أمكن منع الشارع عن العمل بالقياس أمكن ذلك في أمارة أخرى، فلا يستقل العقل بوجوب العمل بالظن وقبح الاكتفاء بغيره من المكلف.
وقد تقدم أنه لولا ثبوت القبح في التكليف بالخلاف لم يستقل العقل بتعين العمل بالظن، إذ لا مانع عقلا عن وقوع الفعل الممكن ذاتا من الحكيم إلا قبحه.
والحاصل: ان الانفتاح المدعى إن كان مع قطع النظر عن منع الشارع فهو خلاف المفروض.

[256]

وإن كان بملاحظة منع الشارع، فالاشكال.في صحة المنع ومجامعته مع إستقلال العقل بوجوب العمل بالظن.
فالكلام هنا في توجيه المنع، لا في تحققه.
الرابع: أن مقدمات دليل الانسداد، أعنى إنسداد باب العلم مع العلم ببقاء التكليف، إنما توجب جواز العمل بما يفيد الظن في نفسه ومع قطع النظر عما يفيد ظنا أقوى.
وبالجملة هي تدل على حجية الادلة الظنية دون مطلق الظن النفس الامري.
والاول أمر قابل للاستثناء، إذ يصح أن يقال: (إنه يجوز العمل بكل ما يفيد الظن بنفسه ويدل على مراد الشارع ظنا إلا الدليل الفلاني، وبعد إخراج ما خرج عن ذلك يكون باقي الادلة المفيدة للظن حجة معتبرة.
فإذا تعارضت تلك الادلة لزم الاخذ بما هو الاقوى وترك ما هو الاضعف، فالمعتبر حينئذ هو الظن بالواقع ويكون مفاد الاقوى حنيئذ ظنا والاضعف وهما، فيؤخذ بالظن ويترك غيره)، إنتهى.
أقول: كأن غرضه، بعد فرض جعل الاصول من باب الظن وعدم وجوب العمل بالاحتياط، أن انسداد باب العلم في الوقائع مع بقاء التكليف فيها يوجب عقلاالرجوع إلى طائفة من الامارات الظنية.
وهذه القضية يمكن أن تكون مهملة، ويكون القياس خارجا عن حكمها، لا أن العقل يحكم بعمومها ويخرج الشارع القياس، لان هذا عين ما فر منه من الاشكال.
فإذا علم بخروج القياس عن هذا الحكم، فلا بد من إعمال الباقي في مواردها.
فإذا وجد في مورد أصل وأمارة - والمفروض أن الاصل لا يفيد الظن في مقابل الامارة - وجب الاخذ بها.
وإذا فرض خلو المورد عن الامارة أخذ بالاصل، لانه يوجب الظن بمقتضاه.
وبهذا التقرير يجوز منع الشارع عن القياس.
بخلاف ما لو قررنا دليل الانسداد على وجه يقتضي الرجوع في كل مسألة إلى الظن الموجود فيها.
فإن هذه القضية لا تقبل الاهمال ولا التخصيص، إذ ليس في كل مسألة إلا ظن واحد.
وهذا معنى قوله في مقام آخر: (إن القياس مستثنى من الادلة الظنية، لا أن الظن القياسي مستثنى من مطلق الظن).
والمراد بالاستثناء هنا إخراج ما لولاه لكان قابلا للدخول، لا داخلا بالفعل، وإلا لم يصح بالنسبة إلى المهملة.
هذا غاية ما يخطر بالبال في كشف مراده.
وفيه: أن نتيجة المقدمات المذكورة لا تتغير بتقريرها على وجه دون وجه، فإن مرجع ما ذكر من

[257]

الحكم بوجوب الرجوع إلى الامارات الظنية في الجملة إلى العمل بالظن في الجملة، إذ ليس لذات الامارة مدخلية في الحجية في لحاظ العقل، والمناط هو وصف الظن، سواء اعتبر مطلقا أو على وجه الاهمال.
وقد تقدم: أن النتيجة على تقدير الحكومة ليست مهملة، بل هي معينة للظن الاطميناني مع الكفاية ومع عدمها فمطلق الظن، وعلى كلا التقديرين لا وجه لاخراج القياس.وأما على تقرير الكشف فهي مهملة لا يشكل معها خروج القياس.
إذ الاشكال مبني على عدم الاهمال وعموم النتيجة، كما عرفت.
الخامس: أن دليل الانسداد إنما يثبت حجية الظن الذي لم يقم على عدم حجيته دليل.فخروج القياس على وجه التخصص دون التخصيص.
توضيح ذلك: أن العقل إنما يحكم بإعتبار الظن عدم الاعتناء بالاحتمال الموهوم في مقام الامتثال، لان البراء‌ة الظنية تقوم مقام العلمية.
أما إذا حصل بواسطة منع الشارع القطع بعدم البراء‌ة بالعمل بالقياس، فلا يبقى براء‌ة ظنية حتى يحكم العقل بوجوبها.
واستوضح ذلك من حكم العقل بحرمة العلم بالظن وطرح الاحتمال الموهوم عند إنفتاح باب العلم في المسألة، كما تقدم نظيره في تقرير اصالة حرمة العمل بالظن.
فإذا فرض قيام الدليل من الشارع على إعتبار ظن ووجوب العمل به، فإن هذا لا يكون تخصيصا في حكم العقل بحرمة العمل بالظن، لان حرمة العمل بالظن مع التمكن إنما هو لقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي مع التمكن من العلمي.
فإذا فرض الدليل على إعتبار ظن ووجوب العمل به صار الامتثال في العمل بمؤداه علميا، فلا يشمله حكم العقل بقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي، فما نحن فيه على العكس من ذلك.
وفيه: أنك قد عرفت عند التكلم في مذهب إبن قبة أن التعبد بالظن من التمكن من العلم على وجهين:
أحدهما: على وجه الطريقية بحيث لا يلاحظ الشارع في أمره عدا كون الظن إنكشافا ظنيا للواقع بحيث لا يترتب على العمل به عدا مصلحة الواقع على تقدير المطابقة.
والثاني: على وجه يكون في سلوكه مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة على تقدير مخالفة الظن الواقع.
وقد عرفت أن الامر بالعمل بالظن مع التمكن من العلم على الوجه الاول قبيح جدا، لانه مخالف لحكم العقل بعدم الاكتفاء في الوصول إلى الواقع بسلوك طريق ظني يحتمل الافضاء إلى

[258]

خلاف الواقع.نعم إنما يصح التعبد على الوجه الثاني.
فنقول: إن الامر فيما نحن فيه كذلك، فإنه بعدما حكم العقل بإنحصار الامتثال عند فقد العلم في سلوك الطريق الظني.
فنهي الشارع عن العمل ببعض الظنون إن كان على وجه الطريقية، بأن نهى عند فقد العلم عن سلوك هذا الطريق من حيث أنه ظن يحتمل فيه الخطأ، فهو قبيح، لانه معرض لفوات الواقع فينتقض به الغرض.
كما كان يلزم ذلك من المر بسلوكه على وجه الطريقية عند التمكن من العلم، لان حال الظن عند الانسداد من حيث الطريقية حال العلم مع الانفتاح لا يجوز النهي عنه من هذه الحيثية في الاول، كما لا يجوز الامر به في الثاني.
فالنهي عنه وإن كان مخرجا للعمل به عن ظن البراء‌ة إلى القطع بعدمها إلا أن الكلام في جواز هذا النهي، لما عرفت من أنه قبيح.
وإن كان على وجه يكشف النهي عن وجود مفسدة في العمل بهذا الظن يغلب على مفسدة مخالفة الواقع اللازمة عند طرحه، فهذا وإن كان جائز حسنا، نظير الامر به على هذا الوجه مع الانفتاح، فهذا يرجع إلى ما سنذكره.
السادس: وهو الذي إخترناه سابقا.
وحاصله: أن النهي يكشف عن وجود مفسدة غالبة على المصلحة الواقعية المدركة على تقدير العمل به.
فالنهي عن الظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بوجوب العمل بالظن مع الانسداد، نظير الامر بالظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح.
فإن قلت: إذا بني على ذلك، فكل ظن من الظنون يحتمل أن يكون في العمل به مفسدة كذلك قلت: نعم، ولكن إحتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل بوجوب سلوك طريق يظن معه بالبراء‌ة عند الانسداد.
كما أن إحتمال وجود المصلحة المتداركة لمصلحة الواقع في ظن لا يقدح في حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح، وقد تقدم، في آخر مقدمات الانسداد، أن العقل مستقل بوجوب العمل بالظن مع إنسداد باب العلم.
ولا إعتبار بإحتمال كون شئ آخر هو المتعبد به غير الظن، إذ لا يحصل من العمل بذلك المحتمل سوى الشك في البراء‌ة أو توهمها، ولا يجوز العدول عن البراء‌ة الظنية إليهما.
وهذا الوجه وإن كان حسنا وقد إخترناه سابقا، إلا أن ظاهر أكثر الاخبار الناهية عن القياس أنه لا مفسدة فيه إلا الوقوع في خلاف الواقع، وإن كان بعضها ساكتا عن ذلك وبعضها ظاهرا في

[259]

ثبوت المفسدة الذاتية، إلا أن دلالة الاكثر أظهر.فهي الحاكمة على غيرها، كما يظهر لمن راجع الجميع.
فالنهي راجع إلى سلوكه من باب الطريقية، وقد عرفت الاشكال في النهي على هذا الوجه.
إلا أن يقال: إن النواهي اللفظية عن العمل بالقياس من حيث الطريقية لا بد من حملها في مقابل العقل المستقل على صورة إنفتاح باب العلم بالرجوع إلى الائمة عليهم السلام.
والادلة القطعية منها كالاجماع المنعقد على حرمة العمل به حتى مع الانسداد لا وجه له غير المفسدة الذاتية.
كما أنه إذا قام دليل على حجية الظن مع التمكن من العلم، نحمله على وجود المصلحة المتداركة لمخالفة الواقع، لان حمله على العمل من حيث الطريقية مخالف لحكم العقل بقبح الاكتفاء بغير العلم مع تيسره.
الوجه السابع: هو أن خصوصية القياس من بين سائر الامارات هي غلبة مخالفتها للواقع.
كما يشهد به قوله عليه السلام: (إن السنة إذا قيست محق الدين)، وقوله: (كان ما يفسده أكثر مما يصلحه)، وقوله: (ليس شئ أبعد عن عقول الرجال من دين الله)، وغير ذلك.
وهذا المعنى لما خفي على العقل الحاكم بوجوب سلوك الطرق الظنية عند فقد العلم، فهو إنما يحكم بها لادراك أكثر الواقعيات المجهولة بها.
فإذا كشف الشارع عن حال القياس وتبين عند العقل حال القياس فيحكم حكما إجماليا بعدم جواز الركون إليه.
نعم إذا حصل الظن منه في خصوص مورد، لا يحكم بترجيح غيره عليه في مقام البراء‌ة عن الواقع، لكن يصح للشارع المنع عنه تعبدا بحيث يظهر منه: أني ما أريد الواقعيات التي تضمنها، فإن الظن ليس كالعلم في عدم جواز تكليف الشخص بتركه والاخذ بغيره، وحينئذ فالمحسن لنهي الشارع عن سلوكه على وجه الطريقية كونه في علم الشارع مؤديا في الغالب إلى مخالفة الواقع.
والحاصل: أن قبح النهي عن العمل بالقياس على وجه الطريقية إما أن يكون لغلبة الوقوع في خلاف الواقع مع طرحه فينا في الغرض، وأما أن يكون لاجل قبح ذلك في نظر الظان، حيث أن مقتضي القياس أقرب في نظره إلى الواقع، فالنهي عنه نقض لغرضه في نظر الظان.
أما الوجه الاول، فهو مفقود في المقام، لان المفروض غلبة مخالفته للواقع.
وأما الوجه الثاني، فهو غير قبيح بعد إمكان حمل الظان النهي في ذلك المورد الشخصي على عدم إرادة الواقع منه في هذه المسألة ولو لاجل إطراد الحكم.
ألا ترى أنه يصح أن يقول الشارع للوسواسي القاطع بنجاسة ثوبه: (ما أريد منك الصلاة بطهارة الثوب)، وإن كان ثوبه في الواقع نجسا، حسما لمادة وسواسه.

[260]

ونظيره: أن الوالد إذا أقام ولده الصغير في دكانه في مكانه، وعلم منه أنه يبيع أجناسه بحسب ظنونه القاصرة، صح له منعه عن العمل بظنه.
ويكون منعه في الواقع لاجل عدم الخسارة في البيع، ويكون هذا النهي في نظر الصبي بوجود النفع في المعاملة الشخصية إقداما منه ورضى بالخسارة وترك العمل بما يظنه نفعا، لئلا يقع في الخسارة في مقامات أخر، فإن حصول الظن الشخصي بالنفع تفصيلا في بعض الموارد لا ينافي علمه بأن العمل بالظن القياسي منه ومن غيره في هذا المورد وفي غيره يوجب الوقوع غالبا في مخالفة الواقع.
ولذا علمنا ذلك من الاخبار المتواترة معنى مع حصول الظن الشخصي في الموارد منه، إلا أنه كل مورد حصل الظن، نقول بحسب ظننا إنه ليس من موارد التخلف.
فنحمل عموم نهي الشارع الشامل لهذا المورد على رفع الشارع يده عن الواقع وإغماضه عن الواقع في موارد مطابقة القياس، لئلا يقع في مفسدة تخلفه عن الواقع في أكثر الموارد.
هذا جملة ما حضرني من نفسي ومن غيري في دفع الاشكال، وعليك بالتأمل في هذا المجال، والله العالم بحقيقة الحال.

[261]

المقام الثاني: فيما إذا قام ظن من أفراد مطلق الظن على حرمة العمل ببعضها بالخصوص
لا على عدم الدليل على إعتباره فيخرج مثل الشرة القائمة على عدم حجية الشهرة، لان مرجعها إلى إنعقاد الشهرة على عدم الدليل على حجية الشهرة وبقائها تحت الاصل.
وفي وجوب العمل بالظن الممنوع أو المانع أو الاقوى منهما أو التساقط وجوه بل أقوال.
ذهب بعض مشايخنا إلى الاول، بناء على ما عرفت سابقا، من بناء غير واحد منهم على أن دليل الانسداد لا يثبت إعتبار الظن في المسائل الاصولية التي منها مسالة حجية الممنوع.
ولازم بعض المعاصرين الثاني، بناء على ما عرفت منه، من أن اللازم بعد الانسداد تحصيل الظن الطريقي، فلا عبرة بالظن بالواقع ما لم يقم على إعتباره ظن.
وقد عرفت ضعف كلا البنائين وأن نتيجة مقدمات الانسداد هو الظن بسقوط التكاليف الواقعية في نظر الشارع الحاصل بموافقة نفس الواقع وبموافقة طريق رضى الشارع به عن الواقع.
نعم بعض من وافقنا، واقعا أو تنزلا، في عدم الفرق في النتيجة بين الظن بالواقع والظن بالطريق، إختار في المقام وجوب طرح الظن الممنوع نظرا إلى أن مفاد دليل الانسداد، كما عرفت في الوجه الخامس من وجوه دفع إشكال خروج القياس، هو إعتبار كل ظن لم يقم على عدم إعتباره دليل معتبر.
والظن الممنوع مما قام على عدم إعتباره دليل معتبر، وهو الظن المانع، فإنه معتبر حيث لم يقم دليل على المنع منه، لان الظن الممنوع لم يدل على حرمة الاخذ بالظن المانع.
غاية الامر أن الاخذ به مناف للاخذ بالمانع، لا أنه يدل على وجوب طرحه، بخلاف الظن المانع، فإنه يدل على وجوب طرح الظن الممنوع.
فخروج الممنوع من باب التخصص لا التخصيص، فلا يقال: إن دخول أحد المتنافيين تحت

[262]

العام لا يصلح دليلا لخروج الآخر مع تساويهما في قابلية الدخول من حيث الفردية.
ونظير ما نحن فيه: ما تقرر في الاستصحاب، من أن مثل إستصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب النجس دليل حاكم على إستصحاب نجاسة الثوب وإن كان كل من طهارة الماء ونجاسة الثوب، مع قطع النظر عن حكم الشارع بالاستصحاب متيقنة في السابق مشكوكة في اللاحق، وحكم الشارع بإبقاء كل متيقن في السابق مشكوك في اللاحق متساويا بالنسبة إليهما.
إلا أنه لما كان دخول يقين الطهارة في عموم الحكم بعدم النقض والحكم عليه بالبقاء يكون دليلا على زوال نجاسة الثوب المتيقنة سابقا، فيخرج عن المشكوك لاحقا، بخلاف دخول يقين النجاسة والحكم عليها بالبقاء، فإنه لا يصلح للدلالة على طرو النجاسة للماء المغسول به قبل الغسل وإن كان منافيا لبقائه على الطهارة.
وفيه: أولا، أنه لا يتم فيما إذا كان الظن المانع والممنوع من جنس أمارة واحدة.
كأن يقوم الشهرة مثلا على عدم حجية الشهرة، فإن العمل ببعض أفراد الامارة، وهي الشهرة في المسألة الاصولية دون البعض الاخر، وهي الشهرة في المسأله الفرعية، كما ترى.
وثانيا، أن الظن المانع إنما يكون على فرض إعتباره دليلا على عدم إعتبار الممنوع، لان الامتثال بالممنوع حيئنذ مقطوع العدم.كما تقرر في توضيح الوجه الخامس من وجوه دفع إشكال خروج القياس.وهذا المعنى موجود في الظن الممنوع.
مثلا، إذا فرض صيرورة الاولوية مقطوعة الاعتبار بمقتضى دخولها تحت دليل الانسداد لم يعقل بقاء الشهرة المانعة عنها على إفادة الظن بالمنع.
ودعوى: (أن بقاء الظن من الشهرة بعدم إعتبار الاولوية دليل على عدم حصول القطع من دليل الانسداد بحجية الاولوية، وإلا لارتفع بعدم حجيتها.
فكيشف ذلك عن دخول الظن المانع تحت دليل الانسداد)، معارضة بأنا لا نجد من أنفسنا القطع بعدم تحقق الامتثال بسلوك الطريق الممنوع، فلو كان الظن المانع داخلا لحصل القطع بذلك.
وحل ذلك: أن الظن بعدم إعتبار الممنوع إنما هو مع قطع النظر عن ملاحظة دليل الانسداد، ولا نسلم بقاء الظن بعد ملاحظته.
ثم إن الدليل العقلي يفيد القطع بثبوت الحكم بالنسبة إلى جميع أفراد موضوعه.
فإذا تنافي دخول فردين فإما أن يكشف عن فساد ذلك الدليل، وإما أن يجب طرحهما، لعدم حصول القطع من ذلك الدليل العقلي بشئ منهما، وإما أن يحصل القطع بدخول أحدهما فيقطع بخروج الاخر، فلا معنى للترديد بينهما وحكومة أحدهما على الاخر.

[263]

فما مثلنا به المقام، من إستصحاب طهارة الماء وإستصحاب نجاسة الثوب، مما لا وجه له، لان مرجع تقديم الاستصحاب الاول إلى تقديم التخصص على التخصيص، ويكون أحدهما دليلا رافعا لليقين السابق، بخلاف الاخر.
فالعمل بالاول تخصص وبالثاني تخصيص.
ومرجعه - كما تقرر في مسألة تعارض الاستصحابين - إلى وجوب العمل بالعام تعبدا إلى أن يحصل الدليل على التخصيص.
إلا أن يقال: إن القطع بحجية المانع عين القطع بعدم حجية الممنوع، لان معنى حجية كل شئ وجوب الاخذ بمؤداه.
لكن القطع بحجية الممنوع التي هي نقيض مؤدى المانع مستلزم للقطع بعدم حجية المانع.
فدخول المانع لا يستلزم خروج الممنوع، وإنما هو عين خروجه، فلا ترجيح ولا تخصيص.
بخلاف دخول الممنوع، فإن يستلزم خروج المانع، فيصير ترجيحا من غير مرجح، فافهم.
والاولى أن يقال: إن الظن بعدم حجية الامارة الممنوعة لا يجوز كما عرفت سابقا في (الوجه السادس) - ان يكون من باب الطريقية، بل لا بد أن يكون من جهة إشتمال الظن الممنوع على مفسدة غالبة على مصلحة إدراك الواقع.
وحينئذ فإذا ظن بعدم إعتبار فقد الظن بإدراك الواقع، لكن مع الظن بترتب مفسدة غالبة، فيدور الامر بين المصلحة المظنونة والمفسدة المظنونة، فلا بد من الرجوع إلى الاقوى.
فإذا ظن بالشهرة نهي الشارع عن العمل بالاولوية، فيلاحظ مرتبة هذا الظن.
فكل أولوية في المسألة كان أقوى مرتبة من ذلك الظن الحاصل من الشهرة أخذ به، وكل أولوية كان أضعف منه وجب طرحه.
وإذا لم يتحقق الترجيح بالقوة حكم بالتساقط، لعدم إستقلال العقل بشئ منهما حنيئذ.
هذا إذا لم يكن العمل بالظن المانع سليما عن محذور ترك العمل بالظن الممنوع.
كما إذا خالف الظن الممنوع الاحتياط اللازم في المسألة، وإلا تعين العمل به لعدم التعارض.