الامر الثالث: لا فرق بين الظن من أمارة على حكم وأمارة متعلقة بألفاظ الدليل
أنه لا فرق في نتيجة مقدمات دليل الانسداد بين الظن الحاصل أولا من الامارة بالحكم الفرعي الكلي كالشهرة أو نقل الاجماع على حكم، وبين الحاصل به من أمارة متعلقة بألفاظ الدليل.
كأن يحصل الظن، من قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا)، بجواز التيمم بالحجر مع وجود التراب الخالص، بسبب قول جماعة من أهل اللغة: (إن الصعيد هو مطلق وجه الارض).
ثم إن الظن المتعلق بالالفاظ على قسمين ذكرناهما في بحث حجية الظواهر.
أحدهما: ما يتعلق بتشخيص الظواهر، مثل الظن من الشهرة بثبوت الحقائق الشرعية، وبأن الامر ظاهر في الوجوب لاجل الوضع، وأن الامر عقيب الحظر ظاهر في الاباحة الخاصة أو في مجرد رفع الحظر، وهكذا.
والثاني: ما يتعلق بتشخيص إرادة الظواهر وعدمها، كأن يحصل ظن بإرادة المعنى المجازى أو أحد معاني المشترك لاجل تفسير الراوي مثلا أو من جهة كون مذهبه مخالفا لظاهر الرواية.
وحاصل القسمين الظنون غير الخاصة المتعلقة بتشخيص الظواهر أو المرادات، والظاهر حجيتها عند كل من قال بحجية مطلق الظن لاجل الانسداد.
ولا يحتاج إثبات ذلك إلى إعمال دليل الانسداد في نفس المظنون المتعلقة بالافاظ، بأن يقال: إن العلم فيها قليل.
فلو بني الامر على إجراء الاصل لزم كذا وكذا، بل لو إنفتح باب العلم في جميع الالفاظ إلا في مورد واحد وجب العمل بالظن الحاصل بالحكم الفرعي عن تلك الامارة المتعلقة بمعاني الالفاظ عند إنسداد باب العلم في الاحكام.
وهل يعمل بذلك الظن في سائر الثمرات المترتبة على تعيين معنى اللفظ في غير مقام تعيين الحكم الشرعي الكلي، كالوصايا والاقارير والنذرو؟ فيه إشكال.
والاقوى العدم، لان مرجع
[265]
العمل بالظن فيها إلى العمل بالظن في الموضوعات الخارجية المترتبة عليها الاحكام الجزئية الغير المحتاجة إلى بيان الشارع حتى يدخل فيما إنسد فيه باب العلم.
وسيجئ عدم إعتبار الظن فيها.
نعم من جعل الظنون المتعلقة بالالفاظ من الظنون الخاصة مطلقا لزمه الاعتبار في الاحكام والموضوعات، وقد مر تضعيف هذا القول عند الكلام في الظنون الخاصة.
وكذا لا فرق بين الظن الحاصل بالحكم الفرعي الكلي من نفس الامارة أو عن أمارة متعلقة بالالفاظ، وبين الحصل بالحكم الفرعي الكلي من الامارة المتعلقة بالموضوع الخارجي، ككون الراوي عادلا او مؤمنا حال الرواية وكون زرارة هو إبن أعين، لا إبن لطيفة، وكون علي بن الحكم هو الكوفي، بقرينة رواية أحمد بن محمد عنه.
فإن جميع ذلك وإن كان ظنا بالموضوع الخارجي، إلا أنه لما كان منشاء للظن بالحكم الفرعي الكلي الذي إنسد فيه باب العلم عمل به من هذه الجهة، وإن لم نعمل به من سائر الجهات المتعلقة بعدالة ذلك الرجل أو بتشخيصه عند إطلاق إسمه المشترك.
ومن هنا تبين أن الظنون الرجالية معتبرة بقول مطلق عند من قال بمطلق الظن في الاحكام، ولا يحتاج إلى تعيين أن إعتبار أقوال أهل الرجال من جهة دخولها في الشهادة أو في الرواية، ولا يقتصر على أقوال أهل الخبرة، بل يقتصر على تصحيح الغير للسند وإن كان من آحاد العلماء إذا أفاد قوله الظن بصدق الخبر المستلزم للظن بالحكم الفرعي الكلي.
وملخص هذا الامر الثالث أن كل ظن تولد منه الظن بالحكم الفرعي الكلي فهو حجة من هذه الجهة، سواء كان الحكم الفرعي واقعيا أو كان ظاهريا، كالظن بحجية الاستصحاب تعبدا وبحجية الامارة الغير المفيدة للظن الفعلي بالحكم، وسواء تعلق الظن أولا بالمطالب العملية أو غيرها أو بالامور الخارجية من غير إستثناء في سبب هذا الظن.
ووجهه واضح، فإن مقتضى النتيجة هو لزوم الامتثال الظني وترجيح الراجح على المرجوح في العمل.
حتى أنه لو قلنا بخصوصية في بعض الامارات بناء على عدم التعميم في نتيجة دليل الانسداد، لم يكن فرق بين ما تعلق تلك الامارة بنفس الحكم أو بما يتولد منه الظن بالحكم.
ولا إشكال في ذلك أصلا إلا أن يغفل غافل عن مقتضى دليل الانسداد فيدعي الاختصاص بالبعض دون البعض من حيث لا يشعر.
وربما تخيل بعض أن العمل بالظنون المطلقة في الرجال غير مختص بمن يعمل بمطلق الظن في الاحكام، بل المقتصر على الظنون الخاصة في الاحكام أيضا عامل بالظن المطلق في الرجال.
[266]
وفيه نظر يظهر للمتتبع لعمل العلماء في الرجال، فإنه يحصل القطع بعدم بنائهم فيها على العمل بكل أمارة.
نعم لو كان الخبر المظنون الصدور مطلقا أو بالظن الاطميناني من الظنون الخاصة لقيام الاخبار أو الاجماع عليه، لزم القائل به العمل بمطلق الظن أو الاطميناني منه في الرجال، كالعامل بالظن المطلق في الاحكام.
ثم إنه قد ظهر بما ذكرنا أن الظن في المسائل الاصولية العملية حجة بالنسبة إلى ما يتولد منه من الظن بالحكم الفرعي الواقعي أو الظاهرى.
* * *
وربما منع منه غير واحد من مشايخنا رضوان الله عليهم.
وما استند إليه أو يصح الاستناد إليه للمنع أمران: أحدهما أصالة الحرمة وعدم شمول دليل الانسداد لان دليل الانسداد، إما أن يجري في خصوص المسائل الاصولية كما يجري في خصوص الفروع، وإما أن يقرر دليل الانسداد بالنسبة إلى جميع الاحكام الشرعية، فيثبت حجية الظن في الجميع ويندرج فيها المسائل الاصولية، وإما أن يجري في خصوص المسائل الفرعية، فيثبت به إعتبار الظن في خصوص الفروع، لكن الظن بالمسألة الاصولية يستلزم الظن بالمسألة الفرعية التي تبتنى عيها.وهذه الوجوه بين ما لا يصح وبين منا لا يجدي.
أما الاول، فهو غير صحيح، لان المسائل الاصولية التي ينسد فيها باب العلم ليست في أنفسها من الكثرة بحيث يستلزم من إجراء الاصول فيها محذور كان يلزم من إجراء الاصول في المسائل الفرعية التي إنسد فيها باب العلم، لان ما كان من المسائل الاصولية يبحث فيها عن كون شئ حجة، كمسألة حجية الشهرة ونقل الاجماع وأخبار الاحاد، أو عن كونه مرجحا، فق إنفتح فيها باب العلم وعلم الحجة منها من غير الحجة والمرجح منها من غيره بإثبات حجية الظن في المسائل الفرعية إذ بإثبات ذلك المطلب حصل الدلالة العقلية على أن ما كان من الامارات داخلة في نتيجة دليل الانسداد فهو حجة.
وقس على ذلك معرفة المرجح، فإنا قد علمنا بدليل الانسداد أن كلا من المتعارضين إذا اعتضد بما يوجب قوته على غيره من جهة من الجهات فهو راجح على صاحبه مقدم عليه في العمل.
[267]
وما كان منها يبحث فيها عن الموضوعات الاستنباطية، وهي ألفاظ الكتاب والسنة، من حيث إستنباط الاحكام عنهما، كمسائل الامر والنهي وأخواتهما، من الطلق والمقيد والعام والخاص والمجمل والمبين، إلى غير ذلك، فقد علم حجية الظن فيها من حيث إستلزام الظن بها الظن بالحكم الفرعي الكلي الواقعي.
لما عرفت من أن مقتضى دليل الانسداد في الفروع حجية الظن الحاصل بها من الامارة إبتداء، والظن المتولد من أمارة موجودة في مسألة لفظية.
ويلحق بهما بعض المسائل العقلية، مثل وجوب المقدمة وحرمة الضد وإمتناع إجتماع الامر والنهي، والامر مع العلم بإنتفاء شرطه ونحو ذلك مما يستلزم الظن به الظن بالحكم الفرعي، فإنه يكفي في حجية الظن بها بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع ولا يحتاج إلى إجرائه في الاصول.
وبالجملة، فبعض المسائل الاصولية صارت معلومة بدليل الانسداد وبعضها صارت حجية الظن فيها معلومة بدليل الانسداد في الفروع.
فالباقي منها الذي يحتاج في إثبات حجية الظن فيها إلى إجراء دليل الانسداد في خصوص الاصول ليس في الكثرة بحيث يلزم من العمل بالاصول وطرح الظن الموجود فيها محذور وإن كانت في أنفسها كثيرة، ثمل المسائل الباحثة عن حجية بعض الامارات، كخبر الواحد ونقل الاجماع لا بشرط الظن الشخصي، وكالمسائل الباحثة عن شروط أخبار الآحاد على مذهب من يراها ظنونا خاصة، والباحثة عن بعض المرجحات التعبدية ونحو ذلك، فإن هذه المسائل لا تصير معلومة بإجراء دليل الانسداد في خصوص الفروع.
لكن هذه المسائل بل وأضعافها ليست في الكثرة بحيث لو رجع مع حصول الظن بأحد طرفي المسألة إلى الاصول وطرح ذلك الظن لزم محذور كان يلزم في الفروع.
وأما الثاني - وهو إجراء دليل الانسداد في مطلق الاحكام الشرعية، فرعية كانت أو أصلية - فهو غير مجد، لان النتيجة وهو العمل بالظن لا يثبت عمومه من حيث موارد الظن إلا بالاجماع المركب أو الترجيح بلا مرجح، بأن يقال: إن العمل بالظن في الطهارات دون الديات، مثلا، ترجيح بلا مرجح ومخالف للاجماع.
وهذان الوجهان مفقودان في التعميم والتسوية بين المسائل الفرعية والمسائل الاصولية.
أما فقد الاجماع فواضح، لان المشهور، كما قيل، على عدم إعتبار الظن في الاصول.
وأما وجود المرجح، فلان الاهتمام بالمطالب الاصولية أكثر، لابتناء الفروع عليها.
وكلما كانت المسألة مهمة كان الاهتمام فيها أكثر، والتحفظ عن الخطأ فيها آكد، ولذا يعبرون في مقام المنع عن ذلك بقولهم: إن إثبات مثل
[268]
هذا الاصل بهذا مشكل، أو إنه إثبات أصل بخبر، ونحو ذلك.
وأما الثالث، وهو إختصاص مقدمات الانسداد ونتيجتها بالمسائل الفرعية، إلا أن الظن بالمسألة الفرعية قد يتولد من الظن في المسألة الاصولية.
فالمسألة الاصولية بمنزلة المسائل اللغوية يعتبر الظن فيها من حيث كونه منشاء للظن بالحكم الفرعي.
ففيه: أن الظن بالمسألة الاصولية إن كان منشاء للظن بالحكم الفرعي الواقعي، كالباحثة عن الموضوعات المستنبطة والمسائل العقلية، مثل وجوب المقدمة وإمتناع إجتماع الامر والنهي، فقد إعترفنا بحجية الظن فيها.
وأما ما لا يتعلق بذلك وتكون باحثة عن أحوال الدليل من حيث الاعتبار في نفسه أو عند المعارضة، وهي التي منعنا عن حجية الظن فيها، فليس يتولد عن الظن فيها الظن بالحكم الفرعي الواقعي، وإنما ينشأ منه الظن بالحكم الفرعي الظاهري.
وهو مما لم يقتض إنسداد باب العلم بالاحكام الواقعية العمل بالظن فيه، فإن إنسداد باب العلم في حكم العصير العنبي إنما يقتضي العمل بالظن في ذلك الحكم المنسد، لا في حكم العصير من حيث أخبر عادل بحرمته.
بل أمثال هذه الاحكام الثابتة للموضوعات، لا من حيث هي، بل من حيث قيام الامارة الغير المفيدة للظن الفعلي عليها إن ثبت إنسداد باب العلم فيها على وجه يلزم المحذور من الرجوع فيها إلى الاصول عمل فيها بالظن، وإلا فإنسداد باب العلم في الاحكام الواقعية وعدم إمكان العمل فيها بالاصول لا يقتضي العمل بالظن في هذه الاحكام، لانها لا تغنى عن الواقع المنسد فيه العلم.
هذا غاية توضيح ما قرره إستاذنا الشريف، قدس سره اللطيف، في منع نهوض دليل الانسداد لاثبات حجية الظن في المسائل الاصولية.
الثاني من دليلي المنع:
هو أن الشهرة المحققة والاجماع المنقول على عدم حجية الظن في مسائل أصول الفقه، وهي مسالة أصولية، فلو كان الظن فيها حجة وجب الاخذ بالشهرة ونقل الاجماع في هذه المسالة.
والجواب، أما عن الوجه الاول فبأن دليل الانسداد وارد على أصالة حرمة العمل بالظن.
والمختار في الاستدلال به للمقام هو الوجه الثالث، وهو إجراؤه في الاحكام الفرعية، والظن في المسائل الاصولية مستلزم للظن في المسألة الفرعية.
[269]
وما ذكر من كون اللازم منه هو الظن بالحكم الفرعي الظاهري صحيح.
إلا أن ما ذكر - من أن إنسداد باب العلم في الاحكام الواقعية وبقاء التكليف بها وعدم جواز الرجوع فيها إلى الاصول لا يقتضي إلا إعتبار الظن بالحكم الفرعي الواقعي - ممنوع، بل المقدمات المذكورة، كما عرفت غير مرة، إنما تقتضي إعتبار الظن بسقوط تلك الاحكام الواقعية وفراغ الذمة منها.
فإذا فرضنا مثلا أنا ظننا بحكم العصير لا واقعا، بل من حيث قام عليه ما لا يفيد الظن الفعلي بالحكم الواقعي.
فهذا الظن يكفي في الظن بسقوط الحكم الواقعي للعصير.
بل لو فرضنا أنه لم يحصل ظن بحكم واقعي أصلا، وإنما حصل الظن بحجية أمور لا تفيد الظن، فإن العمل بها يظن معه سقوط الاحكام الواقعية عنا، لما تقدم من أنه لا فرق في سقوط الواقع بين الاتيان بالواقع علما أو ظنا وبين الاتيان ببدله كذلك.فالظن بالاتيان بالبدل كالظن بإتيان الواقع، وهذا واضح.
وأما الجواب عن الثاني: أولا، فبمنع الشهرة والاجماع، نظرا إلى أن المسألة من المستحدثات، فدعوى الاجماع فيها مساوقة لدعوى الشهرة.
وثانيا، لو سلمنا الشهرة، لكنه لاجل بناء المشهور على الظنون الخاصة، كأخبار الآحاد والاجماع المنقول.
وحيث أن المتبع فيها الادلة الخاصة، وكانت أدلتها كالاجماع والسيرة على حجية أخبار الآحاد مختصة بالمسائل الفرعية بقيت المسائل الاصولية تحت أصالة حرمة العمل بالظن، ولم يعلم بل ولم يظن من مذهبهم الفرق بين الفروع والاصول، بناء على مقدمات الانسداد وإقتضاء العقل كفاية الخروج الظني عن عهدة التكاليف الواقعية.
وثالثا، سلمنا قيام الشهرة والاجماع المنقول على عدم الحجية على تقدير الانسداد، لكن المسالة أعني كون مقتضى الانسداد هو العمل بالطن مطلقا أو في خصوص الفروع عقلية، والشهرة ونقل الاجماع إنما تفيدان الظن في المسائل التوقيفيه دون العقلية.
ورابعا، إن حصول الظن بعدم الحجية منع تسليم دلالة دليل الانسداد على الحجية لا يجتمعان، فتسليم دليل الانسداد يمنع من حصول الظن.
وخامسا، سلمنا حصول الظن، لكن غاية الامر دخول المسألة فيما تقدم من قيام الظن على عدم حجية ظن، وقد عرفت أن المرجع فيه إلى متابعة الظن الاقوى، فراجع.