الامر الرابع: الثابت بالمقدمات هو الاكتفاء بالظن في الخروج عن عهدة الاحكام
ان الثابت بمقدمات دليل الانسداد هو الاكتفاء بالظن في الخروج عن عهدة الاحكام المنسد فيها باب العلم، بمعنى أن المظنون إذا خالف حكم الله الواقعي لم يعاقب بل يثاب عليه، فالظن بالامتثال إنما يكفي في مقام تعيين الحكم الشرعي الممتثل.
وأما في مقام تطبيق العمل الخارجي على ذلك المعين، فلا دليل على الاكتفاء فيه بالظن.
مثلا، إذا شككنا في وجوب الجمعة أو الظهر جاز لنا تعيين الواجب الواقعي بالظن.
فلو ظننا وجوب الجمعة فلا نعاقب على تقدير وجوب الظهر واقعا، لكن لا يلزم من ذلك حجية الظن في مقام العمل على ذبق ذلك الظن، فإذا ظننا بعد مضي مقدار من الوقت بأنا قد أتينا بالجمعة في هذا اليوم، لكن احتمل نسيانها فلا يكفي الظن بالامتثال من هذه الجهة، بمعنى أنه إذا لم نأت بها في الواقع ونسيانها قام الظن بالاتيان مقام العمل به، بل يجب بحكم الاصل وجوب الاتيان بها.
وكذلك لو ظننا بدخول الوقت وأتينا بالجمعة فلا يقتصر على هذا الظن بمعنى عدم العقاب على تقدير مخالفة الظن للواقع بإتيان الجمعة قبل الزوال.
وبالجملة إذا ظن المكلف بالامتثال وبراءة ذمته وسقوط الواقع، فهذا الظن إن كان مستندا إلى الظن في تعيين الحكم الشرعي كان المكلف فيه معذورا مأجورا على تقدير المخالفة للواقع، وإن كان مستندا إلى الظن بكون الواقع في الخارج منه منطبقا على الحكم الشرعي فليس معذورا، بل يعاقب على ترك الواقع أو ترك الرجوع إلى القواعد الظاهرية التي هى المعول لغير العالم.
ومما ذكرنا تبين: أن الظن بالامور الخارجية عند فقد العلم بإنطباقها على المفاهيم الكلية التي تعلق بها الاحكام الشرعية لا دليل على إعتباره، وأن دليل الانسداد إنما يعذر الجاهل فيما إنسد فيه باب العلم، لفقد الادلة المنصوبة من الشارع أو إجمال ما وجد منها.ولا يعذر الجاهل بالامتثال من
[271]
غير هذه الجهة، فإن المعذور فيه هو الظن بأن قبلة العراق ما بين المشرق والمغرب.
أما الظن بوقوع الصلاة إليه فلا يعذر فيه.
فظهر إندفاع توهم أنه إذا بني على الامتثال الظني للاحكام الواقعية فلا يجدي إحراز العلم بإنطباق الخارج على المفهوم، لان الامتثال يرجع بالاخرة إلى الامتثال الظني، حيث أن الظان بكون القبلة ما بين المشرق والمغرب إمتثاله للتكاليف الواقعية ظني، علم بما بين المشرق والمغرب أو ظن.
والحاصل: أن حجية الظن في تعيين الحكم بمعنى معذورية الشخص مع المخالفة لا تستلزم حجيته في الانطباق بمعنى معذوريته لو لم يكن الخارج منطبقا على ذلك الذي عين وإلا لكان الاذن في العمل بالظن في بعض شروط الصلاة أو أجزائها يوجب جوازه في سائرها وهو بديهي البطلان.
فعلم أن قياس الظن بالامور الخارجية على المسائل الاصولية واللغوية وإستلزامه الظن بالامتثال قياس مع الفارق، لان جميع هذه يرجع إلى شئ واحد هو الظن بتعيين الحكم.
ثم من المعلوم عدم جريان دليل الانسداد في نفس الامور الخارجية، لانها غير منوطة بأدلة وأمارات مضبوطة حتى يدعى طرو الانسداد فيها في هذا الزمان، فيجرى دليل الانسداد في أنفسها، لان مرجعها ليس إلى الشرع ولا إلى مرجع آخر منضبط.
نعم قد يوجد في الامور الخارجية ما لا يبعد إجراء نظير دليل الانسداد فيه، كما في موضوع الضرر الذي أنيط به أحكام كثيرة، من جواز التيمم والافطار وغيرهما، فيقال: إن باب العلم بالضرر منسد غالبا، إذ لا يعلم غالبا إلا بعد تحققه.
فإجراء أصالة عدمه في تلك يوجب المحذور، وهو الوقوع في الضرر غالبا، فتعين إناطة الحكم فيه بالظن.
هذا إذا أنيط الحكم بنفس الضرر.وأما إذ أنيط بموضوع الخوف فلا حاجة إلى ذلك.بل يشمل حينئذ الشك أيضا.
ويمكن أن يجري مثل ذلك في مثل العدالة والنسب وشبههما من الموضوعات التي يلزم من إجراء الاصول فيها مع عدم العلم الوقوع في مخالفه الواقع كثيرا، فافهم.